علي محمد اليوسفالفكر والحركة: الفكر هو حركة الجسم حسب تعبير هوبز بمعنى أن الفكر هو حركة تغيير مستمر من الصيرورة والانتقالات المتطورة ضمن مدرك قانون قالبي الزمان والمكان العقليين التي لا تستنفد فيها حركة الفكر طاقتها المتغيرة التوليدية الذكية بسهولة ما دام الفكر ملازما الانسان في كل لحظة من حياته.

والفكر هو بشكل وآخر وعي قصدي ناتج عن توليد العقل له في تعبيره اللغوي عن موجود معيّن أو كموضوع. وخاصية العقل هي اللغة ذات المعنى في أدراك الموجودات والاشياء في العالم الخارجي، وخاصية تفكير العقل الجوّاني الصامت المستمد من مخيلة الذاكرة هوايضا لغة صورية هي ذاتها اللغة الصورية في تعبير العقل الحسّي عن الموجودات في الطبيعة وعالم الاشياء والمحيط، والصمت لغة تأمل العقل لمواضيعه الداخلية المستمدة من الخيال تفكيرا صوريا. عليه تكون جميع ادراكات العقل الحسية والخيالية لا تتم عقليا بغير تمّثلات العقل لها صوريا لغويا.

واللغة بلا موضوع لا معنى لها وأستحالة عقلية تلغي ذكاء الانسان في الوعي القصدي المنظّم لادراك الاشياء، ولا يمكن للعقل التعبير تجريدا لغويا بمعزل عن موضوع يدركه. اللغة بمفهومها المتداول في التعبير عن المدركات العقلية هي لغة صورية واحدة تقوم على أبجدية الحروف والمقاطع وأصواتها ومن ثم تليها الكلمة وتليها الجملة كألفاظ عن مدلولات بغية توصيل المعنى المطلوب عن مواضيع الادراك الخارجية ومواضيع الادراك المستحدثة من خيال الذاكرة على السواء.الادراك العقلي لأي شيء في الطبيعة أوفي الخيال لا يمكن التفكير والوعي العقلي به من غيرتمّثّلات اللغة له تجريدا صوريا.

وما لا يدركه العقل لا يمتلك لغة الافصاح عنه كموجود أو كموضوع. ولا يعني هذا مجاراة الخطأ المثالي المعروف لدى بعض الفلاسفة ما لا يدرك عقليا غير موجود..فوجود الشيء في العالم الخارجي مستقل عن أدراكه الحسي والتعبير اللغوي عنه. وجود الشيء لا يتلازم مع ضرورة أدراكه كما أن ادراك الشيء لا يعني معرفته فالادراك هو الوعي بالشيء الذي يمّثل اولى درجات معرفة ذلك الشيء فقط.. ومعرفة الشيء تماما هو سلسلة مترابطة من الادراكات المتتالية.

وحين يكون الفكر ملازما لحركة الجسم حسب هوبز فهو يعنى بالانسان في حركته الدائبة المستمرة غير الثابتة ولا المستقرة بمكان وزمان معينين لذا يكون الفكر المعبّر عن هذه الحركة والانتقالات لا يستنفد طاقته بثبات زائف كخطاب ينهي تأويل ملاحقة المعنى اللغوي بالاضافة المستمرة له ومعرفة الشيء...الفكر حيويته الحركية في مواكبته التغيرات الحاصلة في حركة الانسان التي هي السلوك الطبيعي تجاه ما يصادفه بالحياة من مواقف وأمور تتطلب أعمال العقل بها ومعالجتها واتخاذ الموقف اللازم بشأنها. والفكر حركة لغوية متغيرة ملازمة للسلوك الفردي والسيسيولوجي .

فتعبير اللغة الخالي من المعنى لا يكون ناتجا عن مدرك عقلي لموجود في عالم الاشياء ولا عن موضوع مدرك في عالم الخيال، فالموضوع يلزم عنه لغة التعبير عن تعيينه الانطولوجي والافصاح التام عنه وعن معناه والا كان لا موضوعا مدركا عقليا. وتكون اللغة أيضا في غياب موضوعها لا معنى ولا قيمة لها لا بل غير موجودة أصلا في عطالة وعي العقل للاشياء.. واللغة التي هي توليد عقلي مقصود لا يمكنها التعبير عن لا شيء غير محدد فيزيائيا أو غيرمحدد خياليا كموضوع. فاللغة التمّثلية التعبيرية هي وعي ادراكي قصدي عقلي بموضوع سواء أكان موضوعه خارجيا في عالم الاشياء أم داخليا بخصوص الاحساسات التي مصدرها عمل أجهزة الجسم ويسمى هذا النوع من الادراك الوعي الاستبطاني الجوّاني.

واللغة لاتعّبر عن الفكر تجريديا من فراغ بلا موضوع يدركه الوعي القصدي للعقل... وهنا تنتفي حاجة اللغة أن تكون وسيلة عقلية في الاستدلال المعرفي في غياب موضوع العقل المدرك لتصبح اللغة الفاظا صوتية لا معنى فكري أفصاحي ينتظمها ولا تكون لها قيمة تواصلية من أي نوع من وسائط التواصل.اللغة فعالية متفردة نوعيا يمارسها الانسان بذكاء قصدي بالحياة...

أن شرط أمتلاك العقل تفكيره السليم الذكي التوليدي هو في أمتلاكه ملكة اللغة وخاصية أستعمالها في التعبير القصدي عن شيء وألا كان تفكير العقل لامعنى له أو معدوما أصلا، واللغة لا تمتلك تعبيرها كاملا في التعبير عن الشيء كون الفكر واللغة المرتبطان بالحركة والوعي القصدي يكونان محكومين بالتغيير والسيرورة المستمرة ويكون الفكر تابعا للحركة وليس خالقا لها.. وفي هذه الخاصية الديناميكية في تحولات وانتقالات الفكر واللغة تصبح أهمية التأويل المعّبر عنه لغويا مطلوبا على الدوام من أجل معرفته الموضوع المعّبر عنه جيدا والوقوف على معناه اللغوي تماما.كما تكون الحركة سابقة على الفكر المعّبر عنها ووجود الشيء سابق لكليهما معا الحركة والفكر..

بحسب امبرتو ايكو الشيء الصحيح هو ما لا يمكننا شرحه. ويقصد به الشيء الصحيح الذي لا يمكننا شرحه هو الشيء الذي يكتسب مشروع تأويله المستمر ويتقبّل القراءات المتعددة ولا يتوقف معناه في تعبير لغوي مقفل مستنفد طاقة الفضاء المفتوح الفائض عن محتوى لغة التعبير عن الشيء دوما، ولا يقصد بالصحيح الذي لا أمكانية لشرحه وتوضيحه أنه الذي قد أمتلك ناصية الصحيح المطلق الناجز في أستنفاده فائض المعنى القيمية التي يدّخرها الشيء الصحيح في لغة التعبيراللغوي عنه دوما.

نستثني من هذا التعميم في حال أن يكون الشيء الصحيح الذي لا يقبل التفسير حسب عبارة ايكو هو البديهي الثابت في معرفته الادراكية عن الاشياء والمواضيع التي لا يحتاج معها تأويلا فائضا عليها..كما هو الحال في القوانين الطبيعية العلمية التي تحكم الحياة والانسان كالجاذبية مثلا.أو فيما يعرف بالكلمات والتعابير الشيئية التي تكون اللفظة اللغوية فيها مغلقة بالاشارة لشيء اكتسب الصفة التامة في ادراكه التي لا يحتاج بعدها لتوضيح في تطابق اللفظة معه كشيء وموجود حسي ماثل. والصحيح الذي لا يقبل الشرح هي البديهيات المعرفية العقلية فقط.

فالصحيح بداهة يكون قد أكتسب صفة التسليم المطلق به في تعبير اللغة عنه أو تعبير علامات المعادلات الرياضية العلمية والمسلمات المختبرية العلمية ومطابقتها الموجودية للادراك العقلي والابستمولوجي للشيء الصحيح الذي يكون نسبيا حتى في مجال العلم وأكثر منه في مجال المعرفة عامة ..

ولا يكون الشيء مكتسبا حقيقته الصادقة في تعبير اللغة عنه لمرة اولى واحدة في خطاب أو نص لغوي لا يحتاج بعدها تفسيرا ، فاللغة تبقى دائما تأويل مؤجل لقراءات لاحقة متتالية متعاقبة...اللغة هي الادراك المتطور بأستمرار في التعبير عن الحياة بمجملها صغيرها وكبيرها معا. بمعنى اللغة هي ظاهرة جوهرية في فهمنا الوجود والحياة ولا حدود نهائية تقف عندها تحكمها.فتوليد اللغة للافكار يكون في انفتاحها على فضاءات واسعة من الانتقالات والتحولات والتاويلات التي لا حصر لها ولا يمكن الالمام التام بها فهي سيرورة متغيرة من جهة ومعقدة على التحليل من جهة أخرى.

وفي هذا المعنى تبقى اللغة مشروع تأويل تعددي مفتوح النهايات ولا يكتسب الشيء صوابه في عجز اللغة تفسيره وتوضيحه من المرة الاولى في تعبيرها القاصر عنه. اللغة قدرة وملكة تأويلية لا تسنفد طاقتها في أقفالها المعنى على موضوع أكتسب صدقيته القطعية اليقينية الثابتة التي لم تعد بحاجة لتوضيح وتفسير لاحق يتعذّر القيام به بل اللغة في سعيها القرائي تحقيق المعنى دوما أنما تكون فضاءا تأويليا لا يتوقف بحدود معينة من التعددية والاختلاف.

هذا المعنى نجده في الفكر الهرمسي (أن اللغة بقدر ما تكون غامضة متعددة بقدر ما تكون غنية بالرموز والاستعارات وهو ما يجعلها قادرة على تعيين الله الذي يحتضن بداخله كل المتناقضات ومع ذلك فما يشكل أحتفاءا بتطابق المتناقضات هو ما يؤدي الى أنهيار مبدأ الهوية حين يكون كل شيء مرتبط بغيره)1.

هنا في التعبير الهرمسي الثيولوجي الاسطوري الديني المزدوج عن مفهوم التناقض أن الله يحتضن التضادات بداخله ولا يفتقد هويته الكلية في ضمّه تلك المتناقضات وجعلها من خصائصه الهوياتية ولا يحتاج محاولة معرفة هذه التناقضات بالاحالة على لاحق يليها ولا على سابق يتقدمها فليس غير (الله) من أحالة مرجعية تليه هي وجوده اللامتناهي وهذا فهم ديني ميتافيزيقي يصطدم باستحالة تعميمه ماديا على شؤون الحياة والوجود الانساني فالحياة لا تقوم على مفردة اللاهوت الديني فقط..

عندما تكون المتناقضات التي نعيشها بالحياة هي تهديد مباشر في أنهيار هوية كل شيء بالأحالة اللغوية التأويلية المستمرة على لاحق غيرها يليها.هوية الخالق أو الله هي جملة مواصفات وقدرات ذاتية ليست مكتسبة ولا هي متغيرة غير ثابتة، أما مفهوم الهوية في الحياة والتاريخ فهي بنية تكوينية مستمرة دائمة التغيير البنائي تقبل الاضافة المتجددة لها..

اللغة والهوية

ونعود الى مركزية موضوعنا في تعالق فضاء اللغة اللامحدود بفضاء التاويل اللاحق عليه غير المحدود هوايضا. فالموضوع الذي يعجز التعبير اللغوي عنه ومعرفته هو الموضوع الذي يحمل معه فائض المعنى الذي لا تحيط به لغة التعبير تماما كاملا لا في المعنى ولا في المعرفة به. وفائض المعنى المدّخر هو تأويل لغوي أضافي قادم في تعدد القراءات له.. وصدقية وصواب الشيء المعبر عنه لا يقعده الثبات في تعطيل معطياته المختزنة داخل معانيه المتعددة التي لم يطالها التأويل التعاقبي بعد.. فالتاويل أضافة نوعية متجددة في ملاحقة المعنى غير المعلن غير المفصح عنه لغويا.. والفكر لا تحده الهوية لأن الهوية تشكيل بنائي متطور متغير على الدوام يواكبه الفكر عبر الانتقالات والحركة والتغيير والسيرورة الدائمة له.كما لا يحد الفكر منتهى المعنى الذي تدّخره اللغة.

ويبقى الصحيح العصّي على التفسير كونه سيرورة مطردة من التغيير التكويني له.. القراءات المتعددة في لغة التعبير عن النص أو الاشياء هي تأويل لقصدية ملاحقة فائض المعنى.. ونجد تعبير امبرتو ايكو يقارب هذا قوله (البحث عن عمق تاويلي يشكل وحدة كليّة تنتهي اليها كل الدلالات سيظل حلما جميلا من أجله ستستمر مغامرة التاويل حتى وأن كان الوصول الى هذه الوحدة مستحيلا)2.

التأويل في حفريات النص يؤكد ما ذهب له امبرتو ايكو من منطلق أستحالة أن يحمل النص أو الخطاب هوية دلالية ثابتة بل يحمل أنحلالات تفكيكية تاويلية أضافية متشظية لا يبقى معها للهوية معنى ولا وجود ..

الهوية بالمنظور التاويلي لها هي لغة محايدة لا تنهي تعدد القراءات، ولا يمكن أن يكون الفهم الاجتزائي تعويضا عن مدّخرات النص لفائض المعنى اللامحدود. وعدم قدرة الوصول الى الحلم الجميل في تحقيق عمق التاويل في وحدة كلية تنتهي بها ومعها كل الدلالات..

النص والتاويل

النص اللغوي أو الخطاب هو مشترك أستقبالي متعدد في لغة مفتوحة يعبّرعنها التاويل اللغوي الذي يكون فعالية تراكمية في المعنى لا محدودة النهايات فهو يمنح المعنى للنص ولا يأخذه منه بل يكتسبه منه ويعيده ثانية اليه وحسب تعبير تودوروف (المؤلف يضع الكلمات ليأتي القراء بعده بالمعنى ) وبعبارة كارل بوبر (التاويل لا يستند الى أي معيار من معايير العامة ). فالتاويل فعالية لغوية ذاتية لا تضع امامها محددات العالم المعيش بل تضع سعيها الوصول الى الحلم الجميل في صنع عالم خاص يقوم على تاويل التفكيك كنظام لغوي بلا نهاية حتى وأن كان الحلم مستحيلا تحققه حسب امبرتو ايكو وتكفي عندها لذة المغامرة.

التاويل اللغوي فعالية انفرادية وما هو ذاتي لا يصح تعميمه على حساب تغييب التعدد والاختلاف في التلقي وفهم المعنى الذي يقوم أساسا في البحث المفتوح على التجديد والاضافة اللغوية للمعنى المطلوب....وبضوء عبارتي بوبر وامبرتو نفهم تاويل النص هو عملية تشّظي متتالي للفكرواللغة في ملاحقة المعنى والتحرر من الشد المرجعي الذي يعيق التفكيك المتتالي ولا تدورتشظية التفكيك بفلك مركزية مرجعية ميتافيزيقية ثابتة مثل العقل المصنّع المنتج التوليدي للغة لذا يصبح النص متحررا من الهوية المائزة في تأكيده حضور التعددية والتناقضات والدلالات المتعالية التي يختزنها دوما فيه.

التعددية والاختلاف والتشظي وفقدان الهوية كلها دلالات لا تستجمعها كليّة التاويل المركزية التي توقف طاقة التاويل اللامحدودة في دينامية تعدد ملاحقة فائض المعنى.وخلاصة ذلك حسب تعبير امبرتو ايكو (التاويل غير محدود في محاولة الوصول الى دلالة نهائية ومنيعة مما يؤدي به فتح متاهات وانزلاقات دلالية لا حصر لها).3

بضوء هذا المعنى نستطيع القول أن التاويل اللغوي المتشّظي لا يحمل محدودية فضاءاته الشاسعة ولا يحمل بالضرورة الهوية التي هي الاخرى تشكيل بنائي متراكم متطور وليس بنية مركزية ثابتة. الهوية حتى على المستوى الحضاري التاريخي وليس على صعيد التاويل الفلسفي للنص هي صيرورة من التشكيل البنائي المفتوح على المستقبل وليست ميزة تكتسب صفاتها من قراءتها في ماضيها وحاضرها ولا يطالها المستقبل بالتغييرالبنائي المتجدد، بل أن الهوية الفاعلة هي تشكيل لا يخرج عن أهمية المستقبل له وحاجته الماسّة في أن يكون هوية في المستقبل وليس هوية متحفية في الماضي تعيش ماضيها خارج مستقبلها..

ما ينبغي التركيز في معرفته هو أن الهوية تراكم معرفي ثقافي حضاري بنائي متجدد على الدوام وعلى صعيد النص والخطاب المؤول فلسفيا ايضا، فالهوية ليست بطاقة شخصية يحملها النص كما هي البطاقة الشخصية التي يعرّف الفرد نفسه بها ويحملها على الدوام معه كوثيقة لا تتقبل التبديل ولا التغييرولا الاضافة.

هوية النص تأويل دائم متغير ومتشظي على الدوام لذا يكون تاويل كل نص او خطاب لا يقي من الانزلاقات التحذيرية والمتاهات التي لا حصر لها التي هي تحصيل حاصل النواتج العرضية التي يتمخض عنها التاويل القصدي الهادف في البحث عن المعنى من دون السعي نحو تلك النواتج العرضية غير المقبولة.

اذا ما فهمنا عملية التاويل اللغوي طاقة لا محدودة من التعدد والاختلاف والحركة والتجديد الفكري البعيد عن التوقف والثبات في مرحلة معينة.فالتاويل لا يحمل أي نوع من الدوغمائية أو اليقينية التي تعجز لغة التاويل عن الاضافة التجديدية لها.والتاويل على صعيد التفكيك لا يصنع ولا يقيم هويات خاصة ثابتة بل يعمد تفكيكها وهدمها على الدوام في محاولة بنائها..

اللغة والعقل

العقل نوس nous عند افلاطون هو الملكة الموّلدة للافكار، وعند ارسطو العقل هو الذي يمكننا من التعرف على جواهر الاشياء.(وعلى النقيض من ذلك سيكون النوس – العقل في القرن الثاني الميلادي ملكة للحدس الصوفي والاشراق اللاعقلاني، وسيصبح ملكة للرؤية المباشرة ولا يعود الكلام والنقاش والحجاج من الامور الضرورية)4 .

لم يكن افلاطون مجانبا الصواب في أعتباره العقل جوهرا منفصلا عن الجسد موّلدا ذكيّا للافكار فهذه النظرة العلمية الفلسفية الثاقبة لا تزال صحتها قائمة الى اليوم. باختلاف أن العقل اللافيزيائي هو الذي يحتوي الجسم الفيزيائي ويقيم وصايته عليه. فالعقل هو ملكة اللغة في التعبير عن مدركاته للاشياء في العالم الخارجي. كذلك لم يكن ارسطو مخطئا ايضا في تعبيره أن العقل وسيلة معرفتنا جواهر الاشياء، على اعتبار العقل عند ارسطو لا يكتفي بمعرفة الصفات دونما الجوهر في عملية استبطانية كانت مثار جدل في ذهاب بعض الفلاسفة بدءا من كانط عدم امكانية العقل المجرد معرفة الجوهر.. والفرق بين الاثنين افلاطون وارسطو معروف أن ارسطو حاول انتشال أفكار افلاطون من النزعة المثالية المتعالية في عالم المثل في السماء، وسحبه الفكر الفلسفي الى واقع حياة الانسان والوجود الارضي. وواقعية ارسطو في انزال الفلسفة من تجريد ميتافيزيقا السماء الى وجودها الارضي في مركزية الوجود والانسان المتعالق مع الطبيعة..

ونقيض هذين المنهجين الفلسفيين نجده في عبارة امبرتو ايكو السابقة في تعبيره عن الصوفية أعتمادهم العقل وسيلة أكتشاف وأستبطان كل ما هو غير مدرك ماديا لذا يكون تعبير العقل ليس وسيلة اللغة بل وسيلة تصميت اللغة وتخريسها في تعطيلها عن الكلام والحجاج الذي لا مجال أن يكون موضوعا ملحقا في تعبير اللغة عن التجربة الصوفية بدلا من صمت التعبير اللغوي في تعطيل العقل الحسّي خارج الزمان والمكان الذي يحدّهما الادراك الطبيعي ولا يعملان في مجال التجربة الصوفية...فالزمان والمكان قانون الطبيعة الذي يحكم الاشياء التي يدركها العقل حسيا أما في التجربة الصوفية فالزمان والمكان في الادراك العقلي التصوفي معّطلان وتغييبهما خرق فاضح وتقويض للقوانين التي تحكم الطبيعة علميا.

أن مستويات التفكير العقلي في عبارة امبرتو ايكو التي اشرنا لها لا يتحدد بوظيفة تعبير اللغة في بعد ومجال واحد في معرفة العالم والاشياء ودواخل النفس فوعي العقل قصدي وغير محدود مفتوح في تعدد مناهج البحث عن حقائق الاشياء ومعرفة الموجودات واللغة أحدى تلك الوسائل المنهجية التي يكون تعطيلها متعمدا مقصودا في أستبعادها كما في مثال تعطيلها العمد نقل التجربة الصوفية...

ماهية العقل

يعرّف ديكارت العقل بأنه (جوهر) منفصل عن الجسم ماهيته التفكير وهو تعريف يتماهى مع افلاطون تعريفه العقل جوهر ماهيته ملكة فطرية ذكيّة في توليده الافكار وجوهر منفصل عن الجسم كجوهر فيزيائي مادي ايضا.

والعقل لدى أغلب الفلاسفة هو جوهر لامادي وغير فيزيائي لا يمتلك معايير تحديده الانطولوجية في تبيان خصائصه المادية الفيزيائية، ويكون العقل جوهرا ماديا بالفكرالمنتج عنه وليس ماديا بالمفهوم الفلسفي المنفصل عن الجسم.

وربط بعض الفلاسفة العقل بالنفس لأسباغ صفة خلود العقل كما خلود النفس بخلاف ربطهم العقل بفناء الجسم ومماته، كون العقل جوهرا غير فيزيائي لا يطاله العدم بما يناقض فيزيائية الجسم الفانية التي يحكمها العدم.وهو تفكير ميتافيزيقي يحتاج ادلة وبراهين صحة صوابه والاخذ به..

أما فلاسفة العقل المحدثين لعل أبرزهم جلبرت رايل (1900 – 1976) الفيلسوف الانكليزي فهو يعتبر العقل لاشيء على الاطلاق يتعدى وظيفته أن يكون العقل أستعدادا أوليا للسلوك القصدي.. ويحاول بعض الفلاسفة الاخرين المعاصرين ربط الذكاء الاصطناعي بالعقل من منطلق السعي لمنح الكومبيوتر ذكاءا اصطناعيا ذاتيا توليديا يجاري خاصية العقل الانساني في الذكاء التوليدي الذاتي للافكار.. ولكن تبقى العقبة الكبيرة أمامهم أن العقل جوهر توليدي ذكي ذاتيا لا تستطيع الآلة أمتلاكه، وأبرز خاصّية يمتلكها العقل في الذكاء التوليدي هو اللغة التي يعجز عنها الذكاء الاصطناعي توليدها بالذكاء الذي لا تمتلكه ويمتلكه الانسان فقط..

ويبقى الاختلاف أن العقل الانساني جوهر لا مادي ولا فيزيائي تصعب السيطرة عليه أصطناعيا من قبل العقل نفسه في تصنيعه العقل الاصطناعي للآلة، والعقل جوهرذكي مستقل ميزته الاولى توليده أفكار اللغة على خلاف كل من الجسم والآلة اللذين يفتقدان هذه الميزة ويكونان بالنتيجة لا جوهرين ذكيين يجاريان العقل الطبيعي غير الفيزيائي، بمختصر العبارة العقل هو مجموع توزّعات الذكاء القصدي في السلوك الانساني والحياة.

أسبقية الفكر على اللغة؟

أذا أخذنا في نفس السياق ارتباط العقل بالفكر واللغة مقولة فينجشتين ودي سوسير وغالبية علماء وفلاسفة اللغة أجماعهم (اللغة هي الفكر) فيكون معنا أدراك العقل للوجود والاشياء هي أسبق على أدراك العقل للفكرمن حيث أن الفكر نتاج العقل وتوليده، العقل المجرد عن ملكة التفكير بوسيلة اللغة وحده عاجز عن تحقيق وجود الاشياء ماديا بغير وسيلة تعبير أشاري رمزي أو لغوي مفهوم تداوليا، فمثلا عقل المجنون يفتقد وعي وجود الاشياء التي أمامه لأنه عاجز عن التعبير لغويا عنها بعد عجزه عن أدراكها أدراكا عقليا منظمّا أولا. من حيث أن الفكرالسليم هو أنعكاس تجريدي وصوري لغوي منظّم في فهم الواقع والوجود.

والعقل يسبق الفكر واللغة في أدراكه للشيء بهما. العقل هو الذاكرة الفاعلة و مستودع الافكار ومكمن أنطلاقها، لذا فأن أدراك العقل للوجود والاشياء يسبق أدراك العقل للافكار أو اللغة المتعالقة بالتبعية التراتبية بالتعبير عن وجود الاشياء.

والادراك اللغوي مستمد من علائقية أدراك وفهم العقل للاشياء.وهذا الادراك يكون قاصرا وظيفيا ما لم تسعفه اللغة كنسق منظّم في تبيان خواص وتمظهرات الاشياء والموجودات المدركة عقليا وكذلك وجود الانسان في الطبيعة ومحددات كينونته وجوهره.

أنه لمن المهم التذكير أن الوجود المادي للاشياء نوعان، الاول موضوعات العالم الحسي الخارجية، والثاني موضوعات الفهم الوجداني الخيالي التي لا تدرك حسيّا مثل الاحساسات الداخلية الناتجة عن تكوينات اجهزة الجسم الحيوية التي ينتج عنها غرائز الشعور بالالم، الجوع ، العطش، الحاجة للجنس الخ من غرائز بايولوجية فطرية مصدرها اجهزة الحياة في جسم الانسان داخليا وهذه غيرها المحسوسات التي يكون مصدر ادراكها العقلي خارجيا عن الاشياء والموجودات في الطبيعة المنقولة عبر الحواس..

العقل والاشياء:

أدراك العقل للوجود والاشياء أدراك ناقص ولا فاعلية له من دون مدركات اللغة التعبيرية الافصاحية عنه كموضوع. الوجود يتم أدراكه عقليا عن طريق الحواس كموضوعات مستقلة فقط قبل أدراك اللغة لها، الموجودات من غير أدراكها لغويا وجود مكتف بذاته يفتقد الحيوية والفاعلية والتأثير والوجود لا يدرك مباشرة كونه مفهوم مجرد بخلاف محتوياته وتكويناته من الموجودات المادية.

اللغة كشف أدراكي عقلي للاشياء والموجودات، والوجود الواقعي لا ندركه أدراكا واعيا حقيقيا في تجريدنا أدراك اللغة له، ومن غير الادراك العقلي وتزامن الادراك اللغوي معه تصبح معرفتنا للوجود قاصرة غير منتجة ولا صحيحة ايضا.

وتعجز أية فكرة مدركة عقليا، أن يكون أدراكها مثمرا تواصليا منتجا من غير أدراك اللغة لها تداوليا تواصليا، والفكرة التي لا تستوعبها اللغة بأرقى درجات التعبير التواصلي تبقى ناقصة ومشوّهة كفكرة أدركها العقل ولا يستطيع البوح بها ومقيّدة لا تستطيع التعبير عن نفسها وسط وجود الاشياء.

العقل بلا لغة تفكير جوّاني أعزل، واللغة من غير وصاية تفكير العقل عليها لا يمكنها التعبير عن نفسها، فاللغة بلا موضوع لا قيمة لها..والعقل من دون تعبير اللغة يبقى تفكيرا صامتا لا نستطيع فهمه فهو غير مدرك الا من صاحبه فقط..

أن أهمية أدراك الشيء والتواصل به ومن خلاله ومعرفته لغويا، هو أكبر من أهميته كمدرك عقلاني (موضوع) مكتف بذاته خارج فاعلية وأهمية اللغة له، اللغة بعد العقل هي المتعيّن الوجودي لجميع الافكار في أن تكون تداولية تواصلية ذات حيوية وأثراء نافع للحياة، والوجود من غير وسيط اللغة كتعبير دلالي لا روح ولا حيوية فيه.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش

1- امبرتو ايكو / التاويل بين السيميائيات والتفكيكية /ت:سعيد بنكراد ص 18

2- المصدر نفسه ص 15

3- المصدر نفسه ص 18

4- المصدر نفسه ص 19

 

حاتم حميد محسنرغم التشابه الظاهر في مفهوم نظرية العقد الاجتماعي للفلاسفة الثلاثة جان جاك روسو، توماس هوبز، جون لوك لكن هناك العديد من أوجه الاختلاف بين هؤلاء المفكرين بشأن دولة الطبيعة والعوامل التي دفعت الناس ليدخلوا في العقد الاجتماعي وتصميم آلية فرض العقد. سوف نناقش باختصار تلك الاختلافات.

طبقا لهؤلاء المفكرين، فان مفهوم العقد الاجتماعي يعني ان الناس في الماضي كانوا يعيشون في دولة الطبيعة التي تفتقر الى الحكومة والقوانين التي تنظّم حياتهم . وبهذا، هم في تلك الظروف، واجهوا صعوبات ومآسي كثيرة وعدم انتظام، ولكي يتغلبوا على تلك المشاكل، كان عليهم ان يدخلوا في اتفاق. ولكن بالنسبة لروسو ولوك، لم تكن حالة الطبيعة مؤذية ولا هي غير سارة مثلما يرى هوبز. روسو يرى ان الناس في دولة الطبيعة يحصلون على العديد من المزايا والمنافع من الطبيعة، فهو يرى ان ما يخسره الناس من العقد الاجتماعي هو حريتهم الطبيعية والحقوق غير المقيدة في أي شيء يريدونه. لكن ما يحصلون عليه من العقد هو الحرية المدنية civil liberty والملكية في كل شيء يحوزونه. بالنسبة لروسو، لكي يصبح الانسان حراً، فان كل فرد يجب ان يتخلى عن جميع حقوقه لكامل الجماعة، موجدا نفس الظروف للجميع ومن ثم المساواة. حين يتخلّي الفرد عن حقوقه للجميع، فهو لا يعطي حقه لأي شخص آخر. الجميع عرضة لما يسميه روسو بـ "الرغبة العامة". الدولة يجب ان تضمن الحريات للناس في كل الظروف. لذلك، يضع روسو الفرد اولاً ثم الدولة. اما هوبز فيرى ان دولة الطبيعة هي غير سارة حيث ظروف الحياة مليئة بالخوف والانانية لأن الناس يعيشون في ظروف من الفوضى بدون سلطة مشتركة تخيف الجميع، هم في تلك الظروف، لكي ينجزوا العقد، يجب ان يتنازلوا عن جميع حقوقهم وحرياتهم الى سلطة واجبة الطاعة. وهكذا، فان السلطة تصبح هي الحاكم المطلق والناس ليس لهم الحق ضد السلطة. غير ان هوبز يرى ان الناس يحافظون على السلام والحياة والازدهار. لذلك، قد يجادل المرء ان هوبز كان مناصرا للحكم المطلق. وهنا تبرز مشكلة وهي مشكلة الحقوق، هوبز وضع الالتزامات الاخلاقية على السلطة التي يجب ان تكون ملزمة بواسطة القانون الطبيعي.

اما لوك، فهو بالضد من هوبز لا يرى حالة الطبيعة مزرية مجادلا انها كانت حالة الحرية التامة حيث يستطيع كل شخص التصرف بحياته بالطريقة التي يراها أفضل. في دولة الطبيعة، كل الناس متساوون ومستقلون ومتحررون من تدخلات الآخرين. ورغم عدم وجود سلطة مدنية لحفظ النظام، لكن الناس ملزمون بنوع من الاخلاق.

قد يسأل احد لماذا يجب على المرء التخلي عن هكذا موقف مريح وسلمي نسبيا ويذهب للدخول في عقد؟ يرى لوك ان ذلك يعود بسب غياب القانون، والقضاة الموضوعيون، والسلطة التنفيذية، مما جعل الملكية غير آمنة في دولة الطبيعة. وهكذا، قرر الناس الدخول في اتفاق يخوّل حقوقهم للسلطات، ولكن فقط الحق بحماية الملكية وفرض القانون. وبالتالي، يحتفظ الناس بحق الحياة والحرية والملكية. وهكذا، فان الحكومة والقانون خُلقا لحماية الحقوق الطبيعية للناس، وهما صالحان طالما يقومان بوظيفتهما . مما تقدّم نستنتج ان دولة الطبيعة كانت دولة حرب بالنسبة لهوبز، ولكنها دولة سلام ومساواة واستقلال بالنسبة للوك وروسو. حماية الحياة والملكية وازدهار الافراد اُعتبرت عوامل رئيسية من جانب الفلاسفة الثلاثة وهي عوامل أجبرت الناس للدخول في العقد. بينما يقول هوبز مهما تفعل الدولة فهو صحيح وعادل لمواطنيها ويؤيد السلطة المطلقة بدون منح اي قيمة للافراد، يرى لوك ان مهمة الدولة الرئيسية هي ضمان العدالة بينما روسو يزعم ان الدولة في جميع الظروف يجب ان تضمن الحرية والعدالة لمواطنيها. لذا، فان روسو ولوك يضعان المزيد من الدعم والقيمة للناس وليس للحكومة، بينما هوبز يقوم بالعكس.

مقارنة بين الفلاسفة الثلاثة

1- يزعم هوبز انه بدون الخضوع لسلطة عامة فان الناس بالضرورة سيكونون في حالة حرب. لوك وروسو يؤكدان ان الدولة توجد فقط للحفاظ على الحقوق الطبيعية للمواطنين وحماية تلك الحقوق. عندما تفشل الحكومات في تلك المهمة، للمواطنين الحق واحيانا الواجب لسحب دعمهم للحكومة وحتى التمرد ضدها.

2- رؤية هوبز هي ان الدولة مهما تعمل فهي عادلة، لأن المجتمع هو نتاج مباشر للدولة، وانعكاس لرغبة الحاكم. اما لوك يرى ان، الدور الوحيد المهم للدولة هو ضمان تطبيق العدالة. بينما رؤية روسو هي ان الدولة يجب ان تضمن في جميع الظروف الحريات العامة والتحرر السياسي للافراد.

3- نظرية هوبز في العقد الاجتماعي تؤيد السيادة المطلقة بدون إعطاء قيمة للافراد، بينما لوك وروسو يدعمان الفرد بدلا من الدولة او الحكومة.

4- بالنسبة لهوبز، السيادة والحكومة متشابهتان لكن روسو يميز بين الاثنين، هو يستبعد الشكل التمثيلي للحكومة. اما لوك فهو لم يدعم مثل هذا التمييز.

5- رؤية روسو للسيادة كانت صيغة توفيقية بين دستورية لوك والحكم المطلق لهوبز.

ملاحظات نقدية

1- اقترح روسو ان الدولة، القانون، الحكومة تحمل مضمونا واحدا، لكن هذا يختلف في الواقع الحالي. حتى لو أمكن الاطاحة بالحكومة لكن الدولة ليست كذلك. الدولة توجد حتى بدون وجود حكومة.

2- مفهوم هوبز للحكم المطلق absolutism هو غامض كليا. الديمقراطية هي الحاجة، وهناك أمثلة يمكن التقاطها من بورما ودول اخرى.

3- طبقا لهوبز، السيادة يجب ان تكون لها سلطة مطلقة. هذا يُعد ضد حكم القانون لأن الحكم المطلق في سلطة معينة يقود الى التعسف.

4- مفهوم لوك لدولة الطبيعة غامض لأن أي خلاف بشأن الملكية دائما يقود الى الفوضى في أي مجتمع. وبالتالي، لا يمكن ان يكون هناك سلام في مجتمع لو حصل فيه خلاف بشأن الملكية.

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفتعد مشكلة الخوف من الموت وطبيعته تقليدياً من دائرة اختصاص الدين، والدين ينكر عادة الطابع المتناهي للموت، إذ يؤكد استمرارية الشخصية الانسانية سواء في شمولها النفسي – البدني أو كنفس متحررة من البدن، مؤكدا على طابعها المميز المألوف. ومن ثم فأن الفلسفة لم تشرع في الاهتمام بالموت الا حينما أصبح التأكيد الذي يطرحه الدين مشكوكا فيه وموضع ريبة، أو حينما بدأ هذا التأكيد في تناقض لا مفر منه مع شهادة حواسنا المباشرة التي لا جدال فيها.

وحينما أصبح الرد الديني على الموت موضع تشكك سعت الفلسفة الى دعمه بحجة عقلانية، وعندما غدا الامر متعلقا بالتناقض راحت الفلسفة تسعى الى الوصول من خلال النظر العقلي الى رد مؤكد مماثل لذلك الذي طرحه الدين منذ وقت طويل، أو تصدت للوصول الى التصالح مع الموت منظورا اليه باعتباره نهائيا أو بحسبانه خلودا غير شخصي، خلود الانسان كنوع. وهناك أمكانية ثالثة، فالعجز عن تقبل الحل الديني يمكن أن يؤدي بالفيلسوف الى الاهمال الكلي للمشكلات التي يطرحها الموت، والى أنكار أنها تقع في دائرة أختصاص الفلسفة.

وفي غياب اقتناعات دينية محددة تماما، كما كان الامر في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد في بلاد الاغريق على سبيل المثال، وفي القرنين الثاني والاول قبل الميلاد في روما، نجد الموت لا كموضوع للفسلفة فحسب، وأنما كمحرك لها أيضا، لكنه مع مجيء المسيحية، ووعدها بالبعث والحياة الخالدة، في العالم الاخر تقلصت الضرورة الحيوية لقيام الفلسفة بتناول الموت.

حيث غدت الفلسفة ذاتها تابعة للاهوت لاسباب عديدة. لكن سيكون من الخطأ الاستنتاج بأن الانشغال بالموت قد أختفى في العصر المسيحي فالظهور التدريجي لتصور محدد للحياة الاخرى، التي طورها اللاهوت وجعلها الشعر، والنحت، والتصوير، واقعية بصورة مرئية.

وخلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر التي سادت فيهما نوبة تسلط الموت على الاذهان والقلوب، أصبح حدث الموت بالاضافة الى المخاوف المعتادة المرتبطة به، أكثر اثارة للفزع، لأن لحظة الموت أكتسبت معنى خاصا ومشؤوما، حيث أن لحظة هروب النفس من الجسد المحتضر، هي الفرصة الاخيرة لقوى الجحيم للسيطرة على هذه النفس.

ونجد مع استئناف التفكير الفلسفي المستقل في عصر النهضة أن الفلاسفة يميلون فيما يتعلق بمشكلة الموت الى أنكار الخلود الشخصي، ويمكن أن يقال أنه منذ اللحظة التي أنحاز فيها بيترو بومبونازي P.Pomponazzi الى صفوف القائلين بأنكار الوجود، أصبح أنكار خلود النفس بصورة تدريجية الموقف الفلسفي غير المنازع في كل من فرنسا والمانيا في القرنين الثامن والتاسع عشر. ولم تهمل الفلسفة مشكلة الموت، فحتى الماديون الفرنسيون في غمار انكارهم لخلود النفس ووصفهم بأنه (كذبة كهنوتية) وأنه عقبة في وجه تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لكنهم تناولوا الموت بالدراسة. وكان هناك دائما جهدا دائبا من جانب بعض الفلاسفة لاثبات خلود النفس. وفي الضرب الاول أي الفلسفات التي تتناول مشكلة الموت تظهر العلاقة بين واقعة الموت والبحث الفلسفي في ثلاثة جوانب هي:

1- يمكن أن يكون الموت مصدر الهام للفلسفة وقوة الدفع الكامنة وراء التفلسف الذي يهدف اساسا الى السيطرة على الخوف من الموت والتصالح مع حتميته. وكانت هذه فلسفة شوبنهاور.

2- يمكن أن يكون الموت اداة للفلسفة التي تزعم انها وحدها التي تناسب الوصول الى فهم الوجود والكشف عن طبيعته الحقة التي يتخللها اللاوجود على حد تعبير هيدجر.

3- اخيرا الموت كما يقول افلاطون يمكن ان يكون الوضع المثالي للتفلسف وحالة يمكن فيها وحدها ان يتحقق سعي الفيلسوف وراء المعرفة الحقة.

أن مهمة الفلسفة هي التيقن من طبيعة الموت والبرهنة على انه ليس فناءا نهائيا، او اظهار الاسباب الكامنة وراء موقفنا من الموت الذي يذهب الى انه رغم الموت هو (النهاية) فانه لاينبغي ان يكون موقفنا هو الخوف بل اللامبالاة والاذعان بل التقبل والابتهاج(1).

لقد سهل استبعاد مشكلات الموت عن الفلسفة تحت ضروب التقدم المذهلة التي أحرزتها العلوم الدقيقة، الى ترك الموت ومشكلاته على قارعة الطريق. وعلى اية حال فقد أعلن انصار النزعة العلمية حماس احتضار الموت، بينما اعترف به بأسى ممثلو الدين التقليدي فقد كتب احدهم (أن الموت المجرد كمحرك قد أحتضر... لقد فقد الموت ضروب افزاعه). وكتب آخر (ان القرن العشرين اكثر انشغالا من ان يشغل نفسه كثيرا بالمشكلات التي يطرحها الموت، وما يعقبه فالرجل المحنك يكتب وصيته، ويؤمن على حياته، ويزيح موته جانبا باقل صور التأديب...  الموت كمصير يلقي بظلاله وكموضوع كان الخلاف حوله شاملا).(2)

غير أن آرثر شننتزلر يجد انه ما من شخص جدير بالاحترام لا يفكر في الموت، وبينما انسحب الفلاسفة المحترفون الى البحث المتخصص. اعرب كتاب وشعراء من امم عديدة عن ادراكهم للموت وأساهم ازاء الظل المعتم الذي يلقيه على كل ما يحيا ويتنفس، وعلى وجودهم بصفة خاصة، وهناك تولستوي الذي كانت فكرة الموت تطارده دونما توقف والذي واصل التساؤل في يأس (أي حقيقة يمكن أن توجد اذا كان هناك موت؟). (3)

وهناك اونامونو (1864-1936) فيلسوف وجودي اسباني تأثر في مذهبه بابي الوجودية سورين كيركارد، الذي كانت شهوته للخلود، وشكهّ في الحياة بعد الموت يجعلانه ينشد عبثا الهروب من المعنى المأساوي للحياة، بأن يكرر لنفسه دونما توقف أن على المرء أن يؤمن بالايمان ذاته، وهناك ريلكة الذي أصيب بعذاب الزوال وناضل ببسالة ليحول الموت من شبح مفزع الى اعظم حدث في الحياة ، وهناك بروست الذي سعى للوصول الى مهرب من المرور الفاني للزمن من خلال محاولة استرجاع الماضي بأمل باطل هو انه اذا كان بوسعه القيام بذلك، فان كلمة الموت لن يعود لها معنى بالنسبة له(4).

ومع بداية القرن الحالي على وجه التقريب فحسب حدث رد فعل في الفلسفة ضد استبعاد الموت من التأمل الفلسفي ، فتمرد وليام جيمس، وهنري برجسون على استبعاد جميع العناصر الشخصية من الفلسفة، ولاحظ جورج زمل بأسى (بأن جانبا بالغ الضآلة من المعاناة الانسانية شق طريقه الى الفلسفة)(5).

وحدث انقسام حاد بين الفلاسفة المعاصرين فيما يتعلق بما اذا كان من الضروري اعتبار الموت موضوعا مناسبا للفلسفة من عدمه، وانفصال الفلاسفة التحليليون عن اولئك الذي يتعاطفون مع تصور اوسع نطاقا لمهمة الفلسفة باعتبارها تعنى كذلك بمسائل المصير النهائي للانسان ولكن هناك كذلك اشكالا اخرى للانقسام فقد هاجم برونشفيك بشدة،  جبرائيل مارسيل أحد اقطاب الوجودية الحديثة وهو لاهوتي التفكير.

وعند نيكولاي هارتمان (1882-1950) وهو فيلسوف الماني وضع مذهبا يدور حول الانطولوجيا النقدية، كما وضع مذهبا للاخلاق ونظرية القيم وعلم الجمال ونظرية المعرفة، فهو يتحدث عن رجال الميتافيزيقيا الذين يعذبون انفسهم، وينكر أهتمام الفلسفة بالموت، لان تعذيب الذات امر لا اخلاقي ، ويذهب قائلا: اذا لم يكن الموت الا عدما، فانه لايمكن أن يكون شرا.

غير أن شيلر يسخر من العبث الميتافيزيقي للفلاسفة الذين لا يرغبون في معالجة المسائل المطلقة، ومشكلة الموقف بشكل خاص، وفي غمرة نظر راسل الى الانسان باعتباره محكوما عليه بأن يفقد أحب الناس اليه وأنه يمر هو ذاته في الغد عبر بوابات الظلام، فانه يدرك بصورة ملحة الحاجة الى شيء (يلوح للخيال وكأنه يحيا في سماء بعيدة عن فكي الزمان المفترسين).

ويكتب بردياييف: (انني لا اميل الى الخوف من الموت على نحو ما كان يفعل تولستوي على سبيل المثال، لكني شعرت بألم حاد ازاء فكرة الموت وبرغبة جامحة في اعادة الحياة لكل من ماتوا، وبدا لي قهر الموت المشكلة الاساسية للحياة، فالموت حدث اكثر اهمية وحيوية للحياة من الميلاد)(6).

وفي عبارة كونفوشيوس المعاكسة (اننا لانعرف أي شيء عن الحياة، فكيف نستطيع أن نعرف شيئا عن الموت؟) فما لانعرفه عن الحياة أي معناها وهدفها المطلقين، يرتبط ارتباطا وثيقا بالموت، ومشكلة هذا الاخير اننا لانعرفه خير المعرفة.

الفلسفة تعنى بامور كثيرة منها الموت والامر يرجع الى الفيلسوف الفرد في متابعة المشكلات التي يعتقد انها هامة، لكن الفلسفة باهمالها لمشكلات الموت كلية انما تفصل نفسها عن أحد ينابيعها الرئيسية التي تنشّط البحث الفلسفي بقوة تضاهي الفضول العقلي والدهشة.

وأن الحجة القائلة بان الاهتمام بالموت يؤدي الى اهمال المهمة المحددة والملحّة المتمثلة في تحسين الوضع الانساني والاهتمام بالرخاء والسعادة، تتجاهل واقعة أن الموت بدوره ينتمي الى الوضع الانساني العام، وأن الابحاث التي أجريت في السنوات الاخيرة مقنعة بما يكفي لاظهار ان الشخص العادي يفكر في الموت اكثر بكثير مما يفترض عادة. واذا كان الادب ذو المعنى في عصرنا يصلح كمؤشر للمزاج الحديث، فيكفي ان نشير الى هيمنجواي، فوكنر، مالرو، كامو، ت.س، اليوت، وديلين توماس، فالموت يثقل كاهل شريحة هامة من الانسانية المعاصرة(7). كما يجد البعض امكانية الاقتناع بان الحياة عبث، وانها مجردة من المعنى ولايحملها القلائل أي معنى آخر، وضروب الموت العبثية تبدو سطحية وموضع تشكك طالما انها ليست قابلة للتطبيق على ضروب الموت الاخرى.

ويقدم مالرو صياغة بليغة لذلك حينما يقول ان الحياة رخيصة في الوقت نفسه ما من شيء غال كالحياة، ويشير براتراندرسل قائلا: (ان اولئك الذين يحاولون ان يجعلوا من النزعة الانسانية التي لاتعترف بشيء اعظم من الانسان دينا، لايرضون عواطفي، رغم اني عاجز عن الايمان بان هناك في العالم على نحو ما نعرفه ما يمكن أن اقدره خارج نطاق الموجودات البشرية).(8)

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

المصدر: جاك شورون / الموت في الفكر الفلسفي الغربي / سلسلة كتاب عالم المعرفة ترجمة كامل يوسف حسين.

 

علي رسول الربيعيمدخل منهجي: إن نقاش مسألة الأسس المعرفية والأنطولوجية لحقوق الإنسان مثير للجدل والخلاف غالباً، لكن الدعوة  إلى تجنب مثل هذا النقاش، لمجرد أنه غير مهم لتطوير أنظمة حقوق الإنسان هو تعبيرعن هزيمة فكرية. أرى من المهم تناول مشكلة العلاقة بين الإسلام والعلمانية ولكن ليس هكذا بعمومية المفهوم واللفظ ولكن بخصوصية السبب والقضية، ايً من خلال وضعية مشخصة: ماهي  التحديات التي تفرضها حقوق الإنسان العلمانية على الإسلام؟

انه طرح لسؤال جوهري يرسم محاور ومسار  مانرى من منطق للبحث بمنهجية تحليلية تركيبية. تحليلية بمعنى تحلل مفاهيم الشريعة الاسلامية بهذا الصدد اولاً، ومواقف المسلمين من الأعلان العالمي لحقوق الإنسان وكذلك موقف الأعلان من العقائد والاديان. وتركيبية تقوم اولا: بالفصل بين الموقف الأسسي والمواقف اللا أسسي تجاه الأعلان العالمي لحقوق الإنسان وقد نشرنا عن هذا مقالين سابقين. وثانيا  النظر في ما يمكن من تاسيس حقوق الإنسان على اسس أخلاقية وميتافزيقية إسلامية.

إنه من الضروري فتح  موضوع الأساس الأخلاقي لحقوق الإنسان الذي يوفر لها الحجة الأساسية للمطالبة بالتطبيق العالمي، وفحص ومقارنة هذه الشمولية العالمية العلمانية بالعالمية التي يطالب بها أصحاب العقائد الدينية الشاملة ونخص من بينهم  هنا المسلمين. تؤدي الانتقادات الإسلامية المستمرة للإعلان كرفض للهيمنة السياسية والدينية الى رفض ادعاء الأخلاق االعلمانية بالصلاحية العالمية. يأتي أفضل وجه للتعامل مع هذه الانتقادات من خلال إثارة أنواع القضايا الفلسفية والميتافيزيقية التي تقوم عليها الوثيقة الدولية التي تعرف بالإعلان العالمي لحقو الإنسان، والتي يمكن أن تجد صدىً لها في اللاهوت الفلسفي الإسلامي. مهما كان الأمر مثيرًا للجدل، أعتقد أن الاعتبارات المتعلقة بالأسس ستؤدي إلى تبادل واضح لا لبس فيه حول مصادر الأساس الأخلاقي العالمي لحقوق الإنسان، مما يوفر تصحيحات لكثير من تصورات المسلمين حول التحيز العلماني المقصود للإعلان.

هناك الكثير من الأدلة أن المبادئ اللاهوتية لا غنى عنها لدعم فكرة حقوق الإنسان كدليل عالمي في الحجة الأخلاقية والقانونية. لا أعتقد أنه يمكن رفض  الإعلان العالمي تمامًا باعتباره مجرد نتاج لفلسفة علمانية غربية ذات جذورعميقة في فكر التنوير. ولا أقبل أن تهمة تحيز الوثيقة الى المركزية الأوربية أنها تهمة  صحيحة، وساحاول أن أثبت في سياق دراساتي اللاحقة، إن وجهة النظر الليبرالية حول الفردانية الإنسانية والكرامة والحرية تتوافق مع روح الوحي الإسلامي ومنطقه الذي تم تطويره في علم اللاهوت الفلسفي الإسلامي والمنهجية القانونية ( التشريعية) لفهم نوعية وحالة الشخصية البشرية.

ركزت الدراسات الإسلامية لوثيقة حقوق الإنسان حتى الآن على ماذا كانت تتوافق مع الشريعة الإسلامية أو تفتقد هذه الموافقة. والتحقق ماذا كانت تشرك هذه الوثيقة مع الأسس اللاهوتية الأخلاقية للنظام القانوني (نظام الشريعة المقدسة). إن النظر أو التحقق  الفكري من الناحية الأكاديمية في التجربة العلمانية والمسيحية بوصفها المحددة تاريخياً للإعلان  في سياق النظر حول توافق الشريعة  الإسلامية مع الإعلان غير مُثمِر وليس له فائدة في فهم الأصول والأسس العالمية لكل من التقاليد الإسلامية والوثيقة الدولية العلمانية لحقوق الإنسان. أسعى دائما الوصول إلى  جذور الحجج التقليدية للمسلمين ضد التحيز المناهض الأديان من قبل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وإلى إجراء تحليل نقدي للمصادر اللاهوتية الإسلامية لاقتراح فهم جديد للاهوت الإسلامي لدعم  عالمية حقوق الإنسان التي تتوخى اشتقاق  حقوق الإنسان على أساس مبدأ تاصل وعدم إمكانية التصرف في الحقوق التي تعود على جميع البشر كبشر.

أنه من المهم تبديد الشكوك حول عالمية حقوق الإنسان في عصر ما بعد الاستعمار، وبشكل خاص في عصر العولمة الاقتصادية والثقافية من خلال إشراك الأسس الميتافيزيقية والمعرفية في معايير حقوق الإنسان لإثبات أن هذه المعايير يمكن أن تستند بشكل أساسي إلى مفاهيم دينية حول كرامة الإنسان وحرية إرادة إنسانية مقدسة. تنطوي العقائد الدينية على إمكانية العمل من أجل إجماع متقاطع حول الفقرات أو المبادى المهمة في الإعلان؛ إجماع على حقوق الإنسان لايمكن للمنظرين العلمانيين تجاهله. إن المطلوب هو إعادة دراسة الخطاب المعياري للإعلان بسبب افتراضاته العالمية حول السمة الإنسانية المتاصلة في البشر في ضوء الخطاب اللاهوتي الذي تواصل لغته العالمية الشاملة توجيه القيم الأخلاقية والفقهية للحياة المشتركة.

أتفق من حيث المبدأ أنني مع المنظرين العلمانيين لحقوق الإنسان الذين يدافعون بنشاط في الوثائق الدولية والتعددية، ويتجنبون الأشتباك مع مفاهيم ميتافيزيقية ودينية معينة مثل الكرامة الإنسانية والقانون الطبيعي والأغراض الإلهية للبشرية حتى لا يتضاءل الهدف الحقيقي للوثيقة الدولية، أي حماية البشر من سوء المعاملة والقمع والقسوة. من البديهي أن نعيد التأكيد على القلق العلماني بأنه عندما تكون كرامة الإنسان نفسها في خطر، فإن كل الجدل الأكاديمي حول أسس الأخلاق العالمية  قد كثف الرضا الأخلاقي  لكن غير الحاسم  بأتجاه حماية حقوق الإنسان الفردية؛ ومع ذلك، فإن تجاهل الانتقادات الإسلامية بشأن المركزية الأثنية والأهداف المهيمنة للإعلان، مهما كانت لا أساس لها، ينطوي على خطر زيادة تهميش حقوق الإنسان في العالم الإسلامي.

رغم أنني أود في هذه الدراسة أن أقصر نفسي على المشكلات اللاهوتية والقضائية المرتبطة بفقرة رئيسة واحدة من الإعلان هي تلك التي تتحدث عن حرية الدين والتحقيق في تلك الحرية في التقليد الإسلامي؛  لكن كلما حاولت أن أفهم ثقافة حقوق الإنسان التي تسود في الخطاب الحالي حول هذا الموضوع، كلما كنت مقتنعاً بتوسيع نطاق استفساري في مواضيع أوسع يبدو أنها تفصل السياق العلماني للإعلان عن التقاليد الإسلامية كما يمثلها كل من العلماء التقليديين والمثقفين العلمانيين المسلمين. إن السبب وراء متابعة هذا الخط من البحث هو أمر شخصي تمامًا ولكنه أكاديمي بدرجة كافية للسماح لي باستكشاف فكرة الحقوق وأبعادها الأخلاقية والسياسية. عندما بحثت في الأدبيات ذات الصلة في الإسلام، وجدت أن الأدب الخاص بحقوق الإنسان الذي أعده علماء المسلمين التقليديون يفتقر إلى الصرامة المطلوبة والدقة اللازمة. إن تحليل صريح لمشكلة انتهاك حقوق الإنسان على أرض الواقع يكشف عن أن المفكرين المسلمين العلمانيين على حق في تحليلهم للسجل الحالي لحقوق الإنسان في العالم الإسلامي بوصفه  يفتقر إلى الأسس الضرورية  اللازمة في التقاليد الدينية.

القانون الطبيعي والمعرفة الأخلاقية

تتمثل وظيفة التوجيه الديني في أمكانية توفيرأرضية للتشريعات الاجتماعية والقانونية في ضوء تعاليمها الأخلاقية العامة. لكن كيف يمكن الوصول إلى التوجيه والأرشاد الديني العالمي دون اللجوء إلى وحي محدد يرسله مؤسس الدين؟ هذا هو التحقيق المعرفي حول مصدر الأخلاق البشرية في الوحي الإلهي. هل يميل البشر إلى فهم الحقائق الأخلاقية أو تطوير الفضيلة الأخلاقية بغض النظر عن خاصية التربية او التعليم الإنساني أو الحساسيات الأخلاقية ومتطلبات الوحي الإلهي؟ هل العقل الطبيعي مرشد أو موجه كافٍ ومناسب للحياة الأخلاقية دون مساعدة الوحي؟ تؤدي هذه الأسئلة إلى الفهم الغائي للطبيعة البشرية وتشكل الأساس لوضع معايير عالمية تناشد جميع الشعوب عبر الثقافات والتقاليد المختلفة. علاوة على ذلك، تتيح هذه العالمية الأخلاقية لحقوق الإنسان العالمية المطالبة بالشرعية الدولية. والأمر الأكثر أهمية هو أن هذه الأخلاق هي التي تطرح قانونًا طبيعيًا مناسبًا للتعامل مع أولئك الذين لا يشترك معهم أي شخص أكثر من إنسانيته.

أن قواعد الدين والحقوق  الفطرية للإنسان مصدران متشابكان ونظم قيم موجودة جنبًا إلى جنب في جميع المجتمعات البشرية، بغض النظر عن الزمان والمكان والثقافة. إن كل تقليد ديني يتمتع بكل من المعايير الأخلاقية العالمية والخاصة التي تعزز أو تتعارض مع بعضها البعض، في بعض الأحيان. تسببت الحقوق المستوحاة من الدين طوال تاريخ تفاعلهم مع حقائق الوجود الإنساني، في تفكير جديد في مجال التطبيق في السياقات الاجتماعية والسياسية، مما يتطلب من التقاليد القانونية الناشئة أن تقف في انسجام جدلي مع الدين. وقد سعى التقليد الديني، من جانبه، للتصالح مع التقاليد القانونية عن طريق تحقيق التوازن بين المثالية والواقعية والربط بين المعتقدات والمثل المجتمعية للبنى والعمليات القانونية لتنفيذ حلول ملموسة لمشاكل العلاقات البشرية.

طورت الشريعة في التقاليد الإسلامية في قرون عديدة، هيكلًا قانونيًا راسخًا نظم المبادئ الثابتة للعقيدة الإسلامية إلى مبادئ متطورة للعمل البشري. سعى إلى تطبيق المعايير الأخلاقية الإسلامية في شكل أوامر زجرية للتأكيد على الطابع المنطقي للمقولات القانونية للإشارة إلى أهمية بعض المواقف والحقائق من زاوية معيارية معينة. ومع ذلك، واجه الفقه الإسلامي المشكلة المحتملة المرتبطة بالطبيعة الدينية المتأصلة لنظامه دائمًا، وتبعاتها في الظروف الاجتماعية والسياسية المتغيرة. لقد واجه الفقه الإسلامي عندما تعين على الإسلام إعادة صياغة التقليد الموروث في العصر الحديث لتحقق التوازن بين الموثوقية الدينية وقوى التطور الاجتماعي تحدي إعادة تعريف العلاقة بين المقاييس المعيارية ("الواجبات") التي تتطلبها نصوص الوحي والقوى الدنيوية ("الحقائق الواقعية") التي تشكل المجتمع. وهنا يُطرح سؤال عن المجريات الفعلية عن:  كيف كانت محاولة تجنب علمنة النظام الديني من خلال التبني الحتمي للقواعد والمبادئ القانونية الغربية، التي كانت غريبة عن الروح الشاملة للفكر الشرعي الإسلامي؟

بصرف النظر عن الضعف النظري فيما يتعلق بتحديث التراث القانوني للمسلمين، فإن المشكلة المستمرة بين الفقهاء التقليديين تتمثل في تجنب مناقشة القضايا الفلسفية المتعلقة بالفكر الديني من حيث الأفكار الفلسفية والتاريخية السائدة الحديثة. لا توجد على المستوى التأسيسي لغة واضحة لحقوق الإنسان في المصادر الإسلامية. كما هو مفهوم عادة، تتصور "حقوق الإنسان" مواطنين متساوين يتمتعون بحقوق غير قابلة للتصرف تؤهلهم للمساواة في الاهتمام والاحترام من الدولة. أما المفهوم الحديث للمواطنة فغائب بشكل واضح في المصادر التقليدية للإسلام. بالإضافة إلى هذا القصور المفاهيمي، فإن سجل حقوق الإنسان للحكومات الإسلامية المعاصرة على المستوى السياسي يكشف عن مدى ألنتهاكات الحاصلة.

لا شك أن لغة التقاليد كما هي في أحكام الشريعة الإسلامية هي في المقام الأول لغة المسؤوليات والواجبات وليس الحقوق أو الحريات. وليس الإنسان المرجع النهائي للأخلاق فيها. وإن الله هو غاية الحياة الأخلاقية. تبنى غالبية  الفقهاء المسلمين الأصول أو الكلام الأشعري الذي برّر سيادة إرادة الله على العقل (الأمر الذي أدى إلى تحديد الأخلاق بقانون إلهي وإنكار أن القيم الأخلاقية يمكن أن يكون لها أي أساس آخر سوى إرادة الله)، لكن قاوم العقلانيون وتحدث علماء الكلام المعتزلة عن القيمة الأخلاقية الفطرية للبشرية المستقلة. كانت الطبيعة والعقل بالنسبة للفقهاء التقليديين غير كافية للأخلاق. فليس الفعل  حسن  لأنه يفسر على هذا النحو من خلال الطبيعة الأساسية للإنسان، ولكن لأن الله يشاء. ونتيجة لذلك، فسر هؤلاء الفقهاء  نظامًا طبيعيًا للأخلاق على أنه أجنبي ورفضوه بوصفه غير إسلامي، الأمر الذي ينكر بسخرية أنه يمكن للإسلام  أن يقدم قدرًا من كرامة البشر وله قدرة المشاركة في هذا النظام الأخلاقيالعالمي لحقوق الإسنسان. فلم يكن هناك معيار للخير والشر متاحًا لجميع المخلوقات العقلانية ولو بالحد الأدنى. إن مفهوم الله كسلطة تعسفية  مطلقة يعني ضمناً اختزال جميع القوانين الأخلاقية إلى مظاهر غامضة للقدرة الإلهية الكلية.

تم التخلي عن اللاهوت المعتزلة في تأكيده على دور جوهري للعقل البشري لتمييز الحقائق الأخلاقية، وإمكانيته في تقديم تفسير للفهم الغائي للطبيعة ضمن معايير الوحي، لصالح أخلاق الأمر الإلهي. وبهذه الطريقة نفى اللاهوت السياسي الإسلامي في غالبيته قدرة الإنسان على أن يكون مسؤولاً في المقام الأول ويستجيب لأوامر الله ومقاصده.

نتيجة لذلك، رفض أيضًا الاعتراف بالفاعل الأخلاقي الراغب في الوفاء بواجبه تجاه رفاهية مجتمعه ككل، وكذلك أفراده. إن الاعتراف بكرامة الإنسان كأساس كافٍ لحرمته، بغض النظر عن الاختلافات في العقيدة أو اللون أو الجنس، يجب أن ينتظر خطاب حديث عن حقوق الإنسان.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

رحيم الساعديبقلم روبرتو مانزوكو

ترجمة: رحيم الشياع الساعدي


للحديث عما بعد الإنسانية، يجب أن نعود إلى ماض بعيد نسبياً - إلى الخلاف الفلسفي الذي فصل الفلسفة التحليلية للتقليد الأنجلو أمريكي عن التقليد القاري الذي هيمن على الثقافة الفلسفية لأوروبا-

وفي تفكيكه المستمر للافتراضات الأساسية للفلسفة الغربية السائدة (من أفلاطون إلى القرن التاسع عشر)، يأخذ التفكير القاري الحديث مصدر إلهامه الرئيسي من نيتشه وما بعده، بالتركيز على تفكيك الله، الموضوع، الموضوعية أو الحقيقة، والعقلانية، في عملية التسييل العدمي.

وعلى الرغم من أن البعض حاولوا مواجهة هذه العملية، إلا أن الكثير قرروا تبني الاستراتيجية المعاكسة - أي قبول ومحاولة "العيش" في هذه الحالة العدمية.

وكمصطلح، ولدت (ما بعد الإنسانية) ضمن النظرية الأدبية، وتحديداً من خلال مقال شهير في عام 1977 من قبل إيهاب حسن (بروميثيوس: نحو ثقافة ما بعد الإنسانية؟) وما بعد الإنسانية الفلسفية هي حركة مفصلية أو متنوعة تهدف إلى مواصلة عملية خلع الذات البشرية التي بدأت بالضبط مع (أسياد الشك الثلاثة (نتشه وماركس وفرويد)

أحد الأسس المركزية لهذا التدني للذات البشرية، هو أن البشرية هي نوع واحد فقط من بين العديد من الأنواع، ويترتب على ذلك أن المنظور الإنساني للواقع هو مجرد واحد من وجهات النظر المحتملة للعديد من الأنواع التي تعيش في كوكبنا بشكل أساسي، ويُنظر إلى البشرية على أنها نوع من بين الأنواع الأخرى، دون أسبقية معرفية معينة.

إن الاتهام الذي أثارته ما بعد الإنسانية ضد الوسط الثقافي المعاصر (اتهام، مفارقات، وجود جاذبية في الثقافة الشعبية)، هو محاولة للهروب من قيود الحالة الإنسانية، ليس من أجل التخلي عن النظرة البشرية، بل لمطالبتها بان تكون شاملة تجاه وجهات النظر غير البشرية وتتبع حدود الفكر والمعرفة البشرية، وتحاول في نفس الوقت التقاط البانوراما المعرفية خارج الأفق البشري وباختصار ان تحاول رؤية الأشياء من وجهة نظر غير بشرية وهذا مشهد غير معروف (غير معروف إلى حد كبير).

الإنسانية: الحياة والموت، الماضي والمستقبل 

ينتمي العديد من المفكرين المعاصرين إلى هذه الحركة ومنهم فلاسفة ما بعد الإنسانية دونا هاراواي ، كاثرين هايليس ، ستيفان لورينز سورغنر ، ديفيد رودن ، وبالطبع فرانشيسكا فرناندو وفي موجزه الإرشادي الأخير الفلسفي ما بعد الإنسانية (2019) ، تقدم فرناندو بمراجعة لحركة ما بعد الإنسانية ، وأسسها الفلسفية ، وعلاقاتها مع الحركات الأخرى ، بما في ذلك ما بعد الإنسانية وفي الواقع ، ويؤكد فرناندو بأن ما بعد الإنسانية هو مظهر من مظاهر فلسفة ما بعد الإنسانية.

وما بعد الإنسانية هي حركة سياسية وثقافية وفلسفية تهدف إلى التغلب على حدود الحالة الإنسانية و تتمثل أهداف ما بعد الإنسانية في العيش لفترة أطول، والتغلب على قيودنا المعرفية الحالية، وحتى تحسين أجسادنا بطرق جديدة، باستخدام التقنيات التي لا تزال في مرحلة مبكرة من التطور، أو لم يتم اختراعها بعد.

 ويمكننا تعريف ما بعد الإنسانية على أنها أيديولوجيا، لكنها تمتلك خاصية غريبة تفصلها عن الأيديولوجيات الأخرى هو مرونتها فهي تتوافق مع أي أيديولوجية أو فلسفة أخرى مستعدة لقبول فرضيتها الأساسية - بأن تعديل الكائن البشري من خلال التكنولوجيا فكرة جيد، ونجد جماعة ما بعد الإنسانية يعرّفون أنفسهم بأنهم ماركسيين وليبراليين وحتى مسيحيين.

وتتضمن ما بعد الإنسانية الفلسفية سلسلة من التأملات الأصلية التي نجحت في إثارة نقاش قوي. على وجه الخصوص، فيناقش فرناندو الدور الذي لعبته التكنولوجيا في تحديد ما يعنيه "الإنسان" و "ما بعد الإنسان"، وكيف يتشكل الموضوع البشري من خلال التكنولوجيا التي يستخدمها (خاصة في إشارة إلى مفهوم ميشيل فوكو عن "تقنيات الذات")

ولا يتوقف فرناندو عند حافة الفضاء، لكنه يبني علم الوجود لمرحلة ما بعد البشرية الذي يشمل الحقيقة بأكملها، ويمتد نطاق ما بعد الإنسانية إلى الكون بأكمله، وفي الواقع، إلى جميع الأكوان الممكنة.

وفي الجزء الأخير من نص كتابه، يحلل فرناندو الفكرة الرائعة والمثيرة للجدل للأكوان المتعددة.

وهنا تتطابق أفكار ما بعد الإنسانية مع التساؤل فيما إذا كنا في تخيلنا للأكوان الأخرى، لا نلونها بطريقة أو بأخرى من خلال تحيز الإنسان نفسه.

 

..............

 روبرتو مانزوكو: كاتب وصحفي ومؤرخ إيطالي متخصص في تاريخ وفلسفة علم الأحياء والابتكار التكنولوجي والتنبؤ التكنولوجي ، كتب عن كتاب  ما بعد الإنسانية الفلسفية للكاتب فرانشيسكا فرناندو ،ويقع ب 296 صفحة ، المصدر : مجلة الفلسفة الان

إيهاب حبيب حسن، واضع نظريات أدبية وكاتب أمريكي ولد في مصر. ولد في القاهرة بمصر، وهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1946. عمل كأستاذ متفرغ بقسم بحوث فيلاس في جامعة ويسكونسن ميلووكي (المترجم)

 

محمد سعيد محفوظ مقدمة: تروم هذه الدِّراسة ما يلى:تقوية العلاقة بين البلاغة والعلوم الأخرى عبر مبحث الذِّكر والحذف، هذا أوَّلاً،تطبيق النظريات العملية الحديثة من الابستيمولوجيا هذا ثانيًا، تبيان قوة العلاقة بين البلاغة والمنطق وأن البلاغة هى الجانب التطبيقى للمنطق، هذا ثالثًا، تبيان قوة العلاقة بين البلاغة وعلم الكلام- الفلسفة- وليس هذا بعجيب، فقد أسهم المتكلمون، من المعتزلة بسهم وافر فى ذلك، وسوف يتضح ذلك من خلال بعض النظريات والمبادئ الفلسفية التى تردد صداها فى جنبات البلاغة، سيما ظاهرة الذكر والحذف موضع البحث، هذا رابعًا، توضيح العلاقة الأكيدة بين الفن والعلم من خلال تلك الظاهرة، هذا خامسًا

تطوير طرق تناول هذه الظاهرة حتى يتسنى لها الدفع بالدرس البلاغى الحديث ليكون على مسافة متساوقة متوازية أمام الدرس الأسلوبى، هذا سادسًا، التأكيد على نظرية الترابط والتضام فى العلوم من خلال تلك الظاهرة، هذا سابعًا.

حدود الدِّراسة: علاقة الذكر والحذف بالمنطق، والفلسفة والابستيمولوجيا،.

إشكاليَّة الدِّراسة: تحاول الدِّراسة جهدها الإجابة على الطَّرح المطروح، وهو: كيف تتكامل العلوم عبْر الذِّكر والحذف؟

الدراسات السابقة:

تم تناول هذه الدراسة فى دراسات منفصلة متمايزة فجاءت إما نحويا، وإما بلاغيا، وإما فى ثنايا العلوم الأخرى ولكن لم يحدث أن تم تناولها من كافة الزوايا: نحوية، بلاغية، منطقية فلسفية، وكذا أثر النظريات الحديثة عليها من السيميولوجيا والسيميوطيقا، وغيرها من النظريات الأخرى التى ستتناولها دراستنا تلك.

مبحث الأوَّل: ظاهرة الذكر والحذف بين البلاغة والمنطق

من المقطوع به أن العلاقة بين البلاغة والمنطق محل نقاش منذ أمد بعيد ولم يكن يدرى أصحاب الفريقين أن كلا العلمين مفض للآخر وأن ثمة أمورا تربط بينهما، هاك بيانها:

أولاً: من حيث التعريف نجد أن علماء المعانى يعرفونه بقولهم " هو تتبع خواص تراكيب الكلام فى الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقوف عليها عن الخطأ فى تطبيق الكلام على ما يقتضى ذكره "(1).

وعلماء المنطق يعرفونه بقولهم " هو العلم الذى يبحث فى القوانين العامة للفكر الصحيح وتحديد الشروط التى بواسطتها يصح الانتقال من أحكام فرضت صحتها إلى أحكام أخرى تلزم عنها لتجنب الخطأ "(2) فكلا العلمين يستخدم التفكير الصحيح للوصول إلى الهدف المنشود المأمول وهو عدم الوقوع فى الخطأ وبالتالى اجتنابه، ولو تأملت ثنايا التعريف الخاص بعلم المعانى فإنك واجد أن خواص تراكيب الكلام هذه لا تخرج عن علم المعانى " كمعنى التعريف والتنكير والتقديم والتأخير والذكر والحذف "(3).

ثانياً: من خلال التعريف السابق يتضح لنا الاستدلال، وهو الانتقال من المعلوم إلى المجهول فبالنسبة لعلم المعانى يتضح الاستدلال فى التأكد من صحة وسلامة خواص الكلام وتراكيبه ومن ثم عدم الوقوع فى الخطأ فيما هو آتٍ وبالنسبة لعلم المنطق كذلك، الانتقال من أحكام صحيحة فرضت إلى أحكام أخرى صحيحة أيضا، وبالتالى فنحن لا نتفق مع د/ إبراهيم أنيس الذى لا يرى بوجود علاقة بينهما(4).

ثالثاً: من مكونات الاستدلال الذى هو أهم مباحث علم المنطق، مقدمة ونتيجة ورابطة وتتمثل المقدمة فى توافر استحسان الكلام وشروط هذا الاستحسان وتأتى النتيجة بالتبعية وكأثر تالٍ لذلك وهى تجنب الوقوع فى الخطأ وتأتى الرابطة أو العلاقة القائمة بينهما فى المطابقة، أى مطابقة الكلام لمقتضى الحال، إن هذه العلاقة الاستدلالية " لا يقوم فى تقديرنا عليها علم البيان فحسب بل يقوم عليها كذلك علم المعانى "(5).

رابعاً: يتمثل الاستدلال تمثلا واضحا بينا لا مواربة ولا مواراة فى ظاهرة الذكر والحذف، إذ نستدل من الذكر على الحذف فعندما تأتى الجملة المصدرة بـ (لولا) يتبادر للذهن دوما أن هنالك محذوفا لا محالة، بل ونقدره تقديرا فهو خبر محذوف تقديره (موجود) أى إننا نستدل على المحذوف من خلال (لو) وفى الذكر والحذف أيضا نستبين المقدمة والنتيجة والرابطة، فجملة القسم وكذا الجملة المصدرة بـ (لولا) فالمقدمة مثلا فى جملة القسم ذكر لفظ الجلالة حتى إذا ما رأينا أسلوبا كهذا " يمين الله لأجتهدن " تأكدنا أن الخبر محذوف، تقديره قسمى وأن هذه النتيجة جاءت ترتيبا منطقيا للمقدمة آنفة الذكر والرابط بينهما القسم، وهذا الأمر ينسحب على (لولا) وكذا باقى طرائق الحذف وجوبا ولو استقرينا المجاز لوجدناه ضربا من الحذف حتى يوجد هناك ما يسمى بـ (مجاز الحذف) و(مجاز الزيادة) وما علاقة (اللزومية والملزومية) إلا نوع من الاستدلال فعندما نقول (طلع الضوء صباحاً) فالضوء " لازم للشمس التى تطلع صباحا "(6)، وكذا المقدمة لازمة للنتيجة المنبثقة عنها ولا تزال العلاقة قائمة بين " الاستدلال واللزوم باعتبارهما يقومان على انتقال من دال أو ملزوم إلى مدلول أو لازم "(7) إن علاقة اللزوم قد أفضى ذلك بهم إلى غير قليل من التحليل الذرى للصور البلاغية على ماجرهم إليه اللزوم الذى يعد جوهر المعنى المنطقى ولبابه"(8) ولقد تعددت وجهة نظر المناطقة إلى المعنى من حيث هو معنى كلمة واحدة مفردة أو معنى قضية أو نتيجة منطقية تؤخذ من مقدمات فالمعنى فى نظرهم يبدو تارة فى صورة الماجرى والماصدق وتارة أخرى يجرى فى صورة المطابقة والتضمن واللزوم "(9) وهناك نظرية الأنماط المنطقية " التى مفادها أن العبارات اللغوية ليست من نمط واحد، فهى تدور بين التقديم والتأخير والتعريف والتنكير والذكر والحذف "(10) وإذا كان جواب الشرط عند النحاة بالنسبة لحذفه يحتاج إلى دليل فإنه عند البلاغيين " يحذف للدلالة على أنه شىء لا يحيط به الوصف، أو لتذهب نفس السامع كل مذهب ممكن، فلا يتصور شىء إلا والأمر أعظم منه "(11) إن هذه المقولة السابقة تظهر مدى " الاستيعاب لقضية التصور والتصديق "(12).

ويأتى القياس كأحد مكونات علم المنطق " ويفرض سلطته على البلاغيين ويحلل الشعر على حسب المقدمة والنتيجة "(13) بل إن هناك ما يسمى بالقياس الشعرى(14) والمعلوم أن القياس الأرسطى يتكون من " مقيس عليه (الأصل)، ومقيس (الفرع) وحكم وهوما يترتب على وجود العلة أو السبب المعين فالحكم فى القياس هو معلول العلة فى الأصل والفرع "(15) على أننا لو تناولنا تلك المقاييس الشعرية- من وجهة نظر المناطقة- إذا قصد " بإيرادها البلاغة، فإنها لا ترد إلا محذوفة إحدى المقدمتين أو النتيجة فى القضية الحملية، ومحذوفة الاستثناءات والنتائج فى القضية الشرطية المتصلة "(16) فالذكر هو الأصل، الحذف هو الفرع- مقيس ومقيس عليه- والعلة هى سبب الحذف، على هذا فإن ظاهرة الذكر والحذف تكاد تكون ظاهرة منطقية أيضا لتوافر أركان المنطق وقواعده فيها وانظر معى قوله تعالى فى سورة مريم (قَالَ رَبِّيِ إِنِي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّى وَاشْتَعَلَ الرّأْسُ شَيْباً وَلَمْ أَكُن بدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيَا) الآية: 4، تجد أن " أصل معنى الكلام ومرتبته الأولى (يا رب قد شخت) فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم تأتى المرتبة الثانية لتوخى مزيد التقرير إلى تفصيلها فى (ضعف بدنى وشاب رأسى) ثم تأتى المرتبة الثالثة وهى الكناية لأنها أبلغ من التصريح وذلك فى (وهنت عظام بدنى) ثم المرتبة الرابعة (إنى وهنت عظام بدنى) ثم المرتبة الأخيرة بطريقة الإجمال والتفصيل، فحصل (إنى وهنت العظام من بدنى) ثم تأتى المرتبة التالية، وهى ترك وسيط البدن فحصل (إنى وهنت العظام منى) ثم تأتى مرتبة طلب شمول وهن العظام وترك جميع العظام إلى الأفراد لصحة حصول وهن المجموع بالبعض دون كل فرد فحصل ما ترى وهو فى الآية أخيراً (إنى وهن العظم منى)(17) لقد نقلت لك هذا النص على طوله لترى خلاصته التى تدلك على ربط الذكر والحذف بالجانب المنطقى وذلك فى قوله " إن فتق لمام هذه الجهات هو أن مقدمة هاتين الجملتين، وهى (رب) اختصرت ذلك الاختصار بأن حذف كلمة النداء وهى (يا) وحذفت كلمة المضاف إليه وهى ياء المتكلم واختصر من مجموع الكلمات إلى كلمة واحدة فحسب وهى ياء المنادى والمقدمة للكلام- كما لا يخفى على من له قدم صدق فى نهج البلاغة- نازلة منزلة الأساس للبناء "(18) وكذا مبدأ التناقض، فيقولون إن الحذف للاتساع والمعروف أن الحذف هو نقص وإسقاط الكلام ومع ذلك فهو، الاتساع.

وأخيرا وليس بآخر فهناك أنواع العلاقة بين الحدود المنطقية والاستدلال المباشر ومن بين هذه الأنواع: التقابل بالتضاد أو الدخول تحت التضاد، وما علم المعانى فى بحوثه كلها إلا صورة من هذه العلاقة، فهو يجمع فى طياته: الفصل والوصل، التعريف والتنكير والتقديم والتأخير الإيجاز والإطناب وأخيرا الذكر والحذف الذى نحن بصدد الحديث فيه، فالذكر والحذف تقابل بالتضاد فإذا ذكرت (لولا) قابلها حذف خبرها، وإذا ذكر القسم قابله حذف خبره أو هكذا نجد تلك الثنائية التضادية " إن الفكر البلاغى لم يتعامل مع هذه الظاهرة على نحو مزدوج تنفيذيا، على معنى تصور وجود المسند إليه أولا، ثم حذفه ثانيا بل التصور قائم على خلفية مثالية فى الوعى اللغوى عموما، ثم مجىء التركيب مخالفا لها بإسقاط المسند إليه ابتداء "(19) بل إن النظرة المنطقية الفلسفية توقفت طويلا أمام فكرة العامل الناتج من الحذف(20).

والحذف لا يحذف إلا إذا كان معلوما لدى السامع فهو موجود بأثره مثل حذف (رب) ويبقى عملها وهذا مبدأ التراجع عند التناهى، وهو " مبدأ منطقى "(21).

المبحث الثَّانى:ظاهرة الذكر والحذف بين البلاغة والفلسفة

تتبدى تلك العلاقة بوضوح فى عدة نقاط مركزة كالتالى:

أولاً: مبدأ السببية، ذاك المبدأ الذى تتمحور وتتمركز عليه الفلسفة الجبرية وإن تعاقب الظواهر اللاحقة هى سبب الظواهر السابقة عليها(22) فإذا ما رحنا نتأمل ذلك فى ظاهرة الحذف لوجدنا بلا ريب أن وجود (لو)، (لا) النافية للجنس، القسم، كل ذلك قطعا سبب لظاهرة الحذف، لدرجة أن الحذف فى تلك الحالات السابقة حتمى وهذا يقودنا أيضا إلى الحتمية ومفادها " إنه يمكن التنبؤ بضرورة حدوث الظاهرة- أية ظاهرة- لو توفرت شروط معينة لذلك "(23).

ثانياً: مذهب الحرية، وركيزته الاختيار فالإنسان حر فى اختيار ما يحلو له وتأكد ذلك فى (الذكر والحذف) حيث إن الأديب حر فى الإكثار من هذا أو ذاك أو كليهما.

ثالثاً: فلسفة الوجود والعدم التى نادى بها سارتر فى القرن العشرين(24) تنطبق وظاهرة الذكر والحذف فالذكر وجود، والحذف عدم، بل إن الحذف ذاته عدم ووجود، فعندما أقرأ هذا المثال: لولا الله لما خلق الكون فهنا محذوف، فى حكم العدم لكنه موجود فى آن لأننا نعرفه ونقدره، وتقديره (موجود)، إذن انطبقت تلك الفلسفة على الظاهرة سالفة الذكر.

رابعاً: من أسباب الذكر، السخرية والتهكم، كما فى قوله http://fonts.qurancomplex.gov.sa/wp-content/uploads/2010/07/99.jpg" />:   

قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62 قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ (     (25) فذكر المسند هنا (فعله) سخرية وتهكما بقول الكفار وهذا التهكم هو فلسفة سقراط الذى يعتمد على التهكم والسخرية بعقول الآخرين والتعرض بجهلهم(26).

خامساً: فلسفة الأنا وحدية Solipsism التى تؤكد أن " ما يقع فى خبرتى أنا فقط هو ما يوجد، وأن ما لا يقع فى خبرتى أنا لا يوجد "(27) فهذه النظرية تتفق وظاهرة الذكر والحذف فالأديب- أى أديب- يرى أن أسلوبه وما ضمنه من ذكر وحذف، إنما هو الأسلوب الأوحد ولا شىء سواه إنها (الأنا) المتضخمة، والشعور بالوحدوية والتفرد.

سادساً: البلاغة العربية قائمة على الجدل وذاك لمساهمة المتكلمين فى نشأتها ولأنها قامت للدفاع عن القرآن الكريم، وما المتكلمون إلا سوفسطائيون، ومذهب السوفسطائيين، الجدل والمحاورة(28) ومهما يكن من أمر فإن أثر هذه الاتجاهات الفلسفية يظهر فى كثير من القضايا من ذلك مثلا " مسائل الحذف والاستتار، والتنازع والاشتغال فهذه كلها مسائل ما كانت تثار بهذه الصورة المعروفة لولا هذا الاتجاه الفلسفى "(29).

سابعاً: تقوم فلسفة ديكارت على قاعدتين(30) القاعدة الأولى: الاستنباط، والاستنباط من القواعد المستعان بها فى ظاهرة الذكر والحذف، وذلك لأننا نستنبط من سياق الكلام، المحذوف ويستقر فى أذهاننا وتستقيم الجملة لدينا من خلال هذا الاستنباط.

والقاعدة الثانية لفلسفة ديكارت هى: الحدس، والحدس ضرب من التأويل والتخمين والترجيح والظن، وهذا يتماشى مع ظاهرة الذكر والحذف إذ إننا نذهب فى تقدير المحذوف كل مذهب وتزداد التأويلات والتخمينات وربما قدر المحذوف بأكثر من وجه، كلٌ حسب ما يتراءى له وينشده وهذا الحدس وذاك التأويل " فى أغلب أحواله محاولة تفسير الكلام بما يتماشى مع قواعد المنطق العام وكذا مع المذاهب الفلسفية "(31).

بل إن هذا الاتجاه الفلسفى المنطقى والتأويلى الافتراضى ليبرزان بوضوح فى أعمال بعض اللغويين، أمثال تشومسكى(32).

ثامناً: موضوع الفلسفة واهتمامات الفلسفة هو " التوضيح المنطقى للأفكار، فالفلسفة ليست نظرية من النظريات بل هى فاعلية ولذا يتكون العمل الفلسفى أساسا من توضيحات ولا تكون نتيجة الفلسفة عددا من القضايا الفلسفية، إنما هى توضيح للقضايا فالفلسفة يجب أن تعمل على توضيح وتحديد الأفكار بكل دقة تجنبا للخطأ "(33) فإذا كان موضوع الفلسفة هو التوضيح والتحديد لئلا يتم الوقوع فى الخطأ، فإن هذا هو موضوع علم المعانى الذى يتتبع خواص الكلام احترازا من الخطأ، فكلاهما مبتغاه واحد ومنتهاه واحد ألا وهو تحاشى الخطأ والوقوع فى الزلل، فالوجودية الأدبية " موجودة قبل الوجودية الفلسفية لأنها تقدم مادتها "(34).

تاسعاً: هناك مدرستان فلسفيتان وكلاهما على طرفى نقيض، حيث يرى فلاسفة إكسفورد أن اللغة العادية الطبيعية ملائمة تمام الملاءمة للأغراض الفلسفية وأن الضرر يكمن فى الانحراف عنها على حين يرى هؤلاء ذلك نرى الفلاسفة الوضعيين يرون عكس ذلك، إذ يرون أن اللغة الفنية الاصطناعية هى التى يجب أن تقوم عليها صياغة الأسئلة الفلسفية وأن مهمة هؤلاء الفلاسفة هى بناء لغة اصطناعية يمكن من خلالها اجتناب عيوب اللغة العادية وأنها سوف تفعل للفلسفة ما فعلته اللغة الرمزية فى الرياضيات والمنطق بالنسبة للعلم(35) ونحن ندرك بالطبع أن اللغة العادية متمثلة فى (الذكر) الذى هو الأصل، واللغة الاصطناعية الفنية متمثلة فى (الحذف) الذى هو فرع عن الأصل السابق ذكره، بل إن الأستاذ أمين الخولى ليؤكد أن الاتجاهات البلاغية يتنازعها مدرستان " الأولى: المدرسة الكلامية أو المدرسة الفلسفية الكلامية أو المدرسة العملية، والثانية: المدرسة الفنية "(36) ومن سمات المدرسة الفلسفية الكلامية التحديد اللفظى والروح الجدلية والاعتماد على المقاييس الفلسفية وعلى القواعد المنطقية فى الحكم بحسن الكلام وجودته، أو بقبحه ورداءته "(37).

وعلى الرغم من هذا التقسيم لدى أمين الخولى إلا أنه يرى أن غلبت المدرسة الكلامية أخيرا، فاحتكمت فى تحديد مجال البحث البلاغى باعتبارات منطقية "(38) بل إن تعريف عبد القاهر الجرجانى لظاهرة الحذف لهو قمة الفلسفة والمنطق " فإنك ترى الذكر أفصح من الذكر وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق وأتم ما تكون بيانا إذا لم تُبن "(39) أية فلسفة وأى منطق فى ذلك تنطق ولا تنطق وتذكر ولا تذكر وهكذا.

المبحث الثَّالث: ظاهرة الذكر والحذف بين البلاغة والابستيمولوجيا

الابستيمولوجيا هى تلكم النظرية الفلسفية التى تدور حول " نظرية المعرفة، أى إنها تتناول العلاقة بين الدال والمدلول "(40) ومن المقطوع به أن هذه العلاقة يتناوبها ثلاثة أشكال: الشكل الأول، العلاقة المنطقية بين الرمز ومعناه، والشكل الثانى، العلاقة العرفية وهى تلك العلاقة المتمثلة بين الاسم والمسمى والمعروف أيضا أن هذه العلاقة المتمثلة بين الاسم والمسمى تختلف باختلاف المجتمعات والبيئات، ثم هناك الشكل الثالث، العلاقة الذهنية، وهى تلك العلاقة التى هى مقصد عناية الفلاسفة نقيض اللغويين الذين يولون عنايتهم بالعلاقة العرفية، إذن وهذا غير قابل للشك – فالعلاقة الذهنية فى مجملها تمس شغاف قلب الفلاسفة، وهى تنتظم قضايا هامة هى:

الاستقراء والاستنباط، وقد قتلا بحثا، ثم الاستدعاء وهو جانب نفسى بحت فالمتلقى عندما يقرأ عملا ما فإنه يلاحظ أن ثمة حذفا ما قد أصاب هذا العمل، وقد سقط، فتتم عملية الاستدعاء، استدعاء هذا الساقط المحذوف، ويجب الأخذ فى الاعتبار طبيعة العصر وسماته فعلى هذا، الاستدعاء هو الخيط الذى يربط العمل، هو الحلقة المفقودة، هو الناقص الذى به يفهم العمل الأدبى هو لحمة وسداة هذا الابداع كما أنه يعتمد على المخزون الثقافى لدى المتلقى، إن أعمالنا الأدبية لفى حاجة شديدة إلى مثل ذلك النوع الفلسفى النفسى ليعيد صياغة وتشكيل وقراءة نصوصها، ومن ثم إعادة فهمها وتوجيهها الوجهة الصحيحة السليمة، ولا يترك الاستدعاء هكذا غفلا ساذجا ولكن بشىء من التثقيف والتفكير والتعقل والتسلح بنظريات المعرفة (الابستيمولوجيا) سوف نصل لمراد المبدع من ثنايا عمله الأدبى. لقد أدرك البلاغيون الاستدعاء " فاستطاعوا أن ينتفعوا ببعض جوانبه كلامهم فى (لازم المعنى) فى الاستعارة المكنية (ولازم الفائدة) فى البديع، وكلامهم فيما سموه (المعنى البعيد) فى الكناية والتورية والإبهام والتوجيه والاستخدام والقول بالموجب ونحو ذلك ".(41) وتأسيسا على ما سبق يمكننا القول إن الاستدعاء هو أداة للفهم وباب المعرفة ومفاتحها فعندما نقرأ الاستعارة المكنية ونعلم مسبقا أنها معتمدة ومتكئة على الحذف، يتم الاستدعاء لذلك المحذوف، وبالتالى تكمل الرؤية وتتضح الصورة، وكذا الكناية عندما نقرأ كلاما غير مقصود معناه، هنا يأتى دور الاستدعاء للمعنى التالى التابع له السائر فى ركابه، وكذا الاستخدام وأيضا الإبهام، فلولا هذا الاستدعاء، ما كنا لنعرف معنى ما يقال، وكنه ما يكتب، فهو وحده، وحده فقط يعرفنا مقصد وهدف ومغزى المبدع وعمله الفنى. ومن قبيل العلاقات الذهنية ما قام به البلاغيون من تقسيمهم للعلاقات إلى " مشابهة وغير مشابهة، وتتمثل علاقة المشابهة فى التشبيهات والاستعارات وتتمثل علاقة غير المشابهة فى المجاز بنوعيه وعلاقاته جميعا "(42) وسواء أكانت العلاقات مشابهة أم غير مشابهة فهى فى مجملها ينتظمها الرمز وينظمها الحذف ولا يعدوها، فهو القاسم المشترك فى كل أولئك العلاقات، وهو مفتاح نظرية الابستيمولوجيا وبوابة نظرية المعرفة، أضف إلى ما سبق علاقة الاستلزام القائمة بين المقدمة والنتيجة، وهى طرف من أطراف الحذف وبعضه.

إن نظرية المعرفة (الابستيمولوجيا) تقوم على " الحواس التى يركز هرقليطس على ثلاث منها: البصر والسمع والشم، وأهمها جميعا لديه، البصر والسمع "(43)

ولاشك أن السمع والبصر " أكثر هذه الحواس اتصالا بالرموز ونفعا فى اكتساب المعرفة، ومن هنا توافرت جهود الإنسان على زيادة مدى الإدراك عن طريقهما "(44) ولو تأملنا المشهد يقينا لتأكدنا وتثبتنا أن هذه النظرية يجسدها الذكر والحذف، فالبصر والسمع هما عنوان الحذف فى أغلب الأحايين، فعندما يطرق أذنى كلاما مسجوعا فإننى ألحظ فيه حذفا ما وأن هذا الحذف جاء ليساير الموسيقى التى تطرب الأذن له كما أرى فيه ذكرا، ربما كان الأولى والأجدر به الحذف ولكأنما الأثر النغمى على السمع هو الذى ألجأ صاحب العمل الأدبى إلى هذا السبيل أو ذاك الدرب، وكذا الأمثال عندما تتسلل إلى سمعى فإنى بعد الانجذاب إليها وبعد تعقل وتؤدة أرى ثمة حذفا هنالك، إذن فالسمع من عوامل إدراك هذا المحذوف وكذا البصر، فبالقراءة المتأنية نلاحظ أن هنالك كلاما قد خفى وعمى عن النظر، فقراءة الوجه وتعبيراته لها أثر، أى أثر، فى صياغة العمل الفنى لذا قالوا (رب إشارة أبلغ من عبارة) ولاسيما فى أحاديث المحبين ولاسيما فى حركات المغنيين، وقد أشار الجاحظ إلى ذلك " والمغنى قد يوقع على القضيب على أوزان الأغانى، والمتكلم قد يشير برأسه ويده على أقسام كلامه وتقطيعه، ولو قبضت يده ومنعت حركة رأسه لذهب ثلثا كلامه، ومن ذلك قول العباس بن الأحنف:

فقلتُ لها: يا فوزٌ هل لى إليكم      سبيلٌ فقالت بالإشارة: أبشر "(45)

ومن هنا تكمن " نظرية القوة اللاكلامية "(46) واللغة أداة للمعرفة ولاسيما اللغة الشعرية، فهى ذات وظيفة مزدوجة فهى أداة معرفة، وأداة فعل فى الوقت نفسه إنها " تنقل وتتضمن، تحاكى وتشير"(47).

ونحن لا نتفق مع د/ وليد منير الذى يذهب إلى أن " أهمية الاستعارة وحدها هى التى تجعل من اللغة أداة للمعرفة "(48) حيث خص الاستعارة دون سواها بأنها التى جعلت اللغة بابا للمعرفة ونقول له أين فنون البلاغة الأخرى؟، أين التشبيه الذى هو ركيزة الاستعارة وقوامها؟ ومن ثم أين الحذف الذى هو لب الاستعارة؟ فالحذف هو الذى توسلت به الاستعارة ولولاه لما وصلت إلى ما وصلت إليه.

لقد تفرعت الابستيمولوجيا إلى ابستيمولوجيا تكوينية " وهى نظرية معرفية انطلقت من الأبحاث التى أجريت على سيكولوجية الطفل، لتحليل هياكل التفكير المنطقى عنده، وهى نظرية فى فلسفة العلوم، هدفها رصد مفاهيم الأطفال عن السببية،والعدد، والمصادفة "(49) لقد رصدت نظريةالابستيمولوجيا تلك، أنواع العلاقات بين الرموز ومعانيها، وكانت تلك النظرية هى مفتاح المعرفة وكان الذكر والحذف القاسم المشترك فى كل مناحيها المعرفية الفلسفية وجاءت الحواس التى هى أساس تلك النظرية ومفاتيح مغاليقها لتؤكد دور الذكر والحذف وأنها ركن ركين من أركان وحصون تلك النظرية.

الخاتمة

وتشمل: أولاً: نتائج الدراسة

فلقد توصل البحث إلى نتائج أفرزتها هذه الدراسة، جاءت كالتالى:

اتضح أيضا للقارئ المتصفح مدى ارتباط الذكر والحذف بعلم المنطق وقد راح يظهر ذلك من خلال مصطلحات ومفاهيم المنطق الصورى من استقراء واستنباط ومقدمات ونتائج ومبدأ السببية والحتمية.. إلى غير ذلك من مبادئ وقوانين.

ربطت هذه الظاهرة أيضا البلاغة بالفلسفة من خلال نظرياتها ومبادئها وأصولها وأحكامها وقضاياها ودعمت وأكدت تلك الظاهرة هذه العلاقة.

وتأتى نظرية الابستيمولوجيا، نظرية المعرفة وهى نظرية فلسفية أصيلة وتوسلت بالحذف ليكون مدخلها وبابها وعبرت عنها الحواس كما عبرت عن الذكر والحذف.

ثانيًّا:التَّوصيَّات:ضرورة تناول ظاهرة بلاغية أخرى يتضح عبرها تكامل العلوم .

 

تأليف د. محمد سعيد محفوظ عبد الله

...............................

الإحالات والتعليقات:

(1) مفتاح العلوم- السكاكى(يوسف بن أبي بكر)– ط-القاهرة-عيسى البابى الحلبى – ط1 1937م – ص 77.

(2)  المنطق الصورى والرياضى -د/ بدوى،عبد الرحمن- ط- الكويت،دار المعرفة-ط1- 1977م – ص 1.

(3) الاستدلال البلاغى–د/ المبخوت، شكرى-ط-تونس- دار المعرفة للنشر –ط1- 2006 – ص 27.

(4) انظر: من أسرار اللغة -د/ أنيس،إبراهيم –ط-القاهرة الأنجلو المصرية –ط1 سنة 1987م – ص 163، لقد تناسى أن (الاستنباط) أحد قواعد المنطق مأخوذ به فى ظاهرة الحذف، حيث إننا بمجرد أن نقرأ جملة مصدرة بـ (لو) أو (القسم) ندرك تمام الادراك أن ثمة محذوفا ونقدره تقديرا، كما أن (البديهيات) وهى من مكونات النسق الرياضى تنطبق على ماسبق، حيث إدراك المحذوف هنا بديهى، انظر: المنطق الصورى والرياضى – ص 97.

(5) الاستدلال البلاغى – م.س-ص 29.

(6) الإشارات والتنبيهات–الجرجانى، محمد بن على - تحقيق د/ عبد القادر حسين – ط القاهرة-نهضة مصر – ط1 1981م – ص 233.

(7) الاستدلال البلاغى – م.س-ص 31.

(8) التركيب اللغوى للأدب- د/عبد البديع، لطفى – ط-القاهرة-الشركة المصرية العالمية للنشر-ط1سنة 1997م – ص32.

(9) اللغة العربية معناها ومبناها– د/ حسان،تمام – ط-القاهرة-الهيئة المصرية العامة للكتاب – ط1 1987م – ص 27، والحذف يدخل ضوء صورة المنطق وتقاسيم.

(10) فلسفة اللغة والمنطق– – د/ إسماعيل،صلاح – ط-الإسكندرية-دار التنوير للطباعة والنشر – ط2 1995م – ص 27.

(11) علوم البلاغة- المراغى، أحمد مصطفى–ط-القاهرة- المكتبة المحمدية –ط2-–1930م- ص 95.

(12) كتاب أرسطو طاليس فى الشعر –  أرسطوطاليس: تحقيق د/ شكرى عياد –ط-بيروت- دار الكتاب العربى – ط2- 1967م – ص108.

(13) منهاج البلغاء– القرطاجنى،حازم - تحقيق محمد الحبيب بن خوجة ط-تونس-دار الانتشار الغربى– ط2- 1966م – ص62.

(14) معيار العلم– الغزالى، أبو حامد- ط-بيروت-دار الأندلس-ط2-–1981م – ص 66.

(15) مدخل إلى المنطق الصورى– د/ مهران،محمد –ط-القاهرة- دار الثقافة للطباعة والنشر –ط2-1987م – ص 94.

(16) المثل السائر– ابن الأثير، ضياء الدين- تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد –ط-القاهرة- الحلبى– ط2سنة 1939م – 2/203.

(17) مفتاح العلوم – م.س-ص 113.

(18) المصدر نفسه – ص 115؛ وانظر: من آفاق الفكر البلاغى عند العرب – د/ عبد الحكيم راضى – ص35.

(19) البلاغة العربية (قراءة أخرى)– د/ عبد المطلب-ط-القاهرة- الشركة العالمية للنشر ط2– سنة 1997م – ص216.

(20) انظر: التفكير اللغوى بين القديم والجديد – م.س ص 474.

(21) نظرية اللغة فى النقد العربى– د/ راضى،عبد الحكيم –ط-القاهرة-- الخانجى ط2-سنة 1980م – ص 259، ومثال ذلك قول ابن جنى فى حذف (رب) فى قول الشاعر: وقائم الأعماق خاوى المخترق غير أن الجر لـ (رب) وليس للواو، انظر: الخصائص 1/265.

(22) المذاهب الفلسفية المعاصرة–د/ سماح رافع محمد-ط-القاهرة- مكتبة مدبولى ط2- 1985م – ص 67.

(23) المصدر نفسه – ص 91.

(24) انظر: الصراع فى الوجود– د/ سلامة،بولس –ط-القاهرة- دار المعارف – القاهرة –ط3-–1948م – 1/84.

(25) الأنبياء: 62، 63.

(26) جمهورية أفلاطون– أفلاطون- دراسة وترجمة د/ فؤاد زكريا –ط-القاهرة- الهيئة المصرية العامة للكتاب – ط2سنة 1985م – 1/327.

(27) رسالة منطقية فلسفية – فنجنشتين،لودفيج –ترجمة د/ عزمى إسلام – ط-القاهرة-الأنجلو المصرية – ط2سنة 1968م – ص 67 الفترة 1، 2.

(28) انظر: فلسفة التنوير لدى السوفسطائيين – الباحث/ مراد،محمود السيد - رسالة ماجستير– آداب سوهاج – جامعة جنوب الوادى – سنة 1995م – ص 34.

(29) التفكير اللغوى بين القديم والجديد– د/ بشر،كمال –ط-القاهرة- دار غريب – ط2 2005م – ص 317- 318.

(30) انظر: مقال عن المنهج– ديكارت، رينيه - ترجمة محمود محمد الخضيرى –ط-القاهرة- الهيئة المصرية العامة للكتاب –ط2سنة 1985م – ص 9.

(31) التفكير اللغوى بين القديم والجديد –م.س- ص 318.

(32) انظر: اللغة ومشكلات المعرفة– تشومسكى، أفرام نعوم- ترجمة حمزة بن قبلان – ط-الدار البيضاء-دار توبقال للنشر –ط2سنة 1990م – ص 8.

(33) رسالة منطقية فلسفية –م.س- ص 91، الفقرتان 112، 114.

(34) فى الأدب الفلسفى– د/ شفيق،محمد – ط-لبنان- مؤسسة نوفل-ط2 1980م – ص 112.

(35) انظر: التحليل اللغوى عند مدرسة إكسفورد– د/إسماعيل، صلاح –ط-بيروت- دار التنوير للطباعة والنشر – ط3 – سنة 1993م – ص 512 – 513.

(36) مناهج تجديد فى النحو والبلاغة والتفسير والأدب– الخولى، أمين - وهذا الاقتباس من فصل بعنوان (البلاغة وأثر الفلسفة فيها) –ط-القاهرة- دار المعرفة –ط1 – سنة 1961م – ص 175.

(37) مناهج تجديد فى النحو والبلاغة والتفسير والأدب – مصدر سابق-ص 159 – 161.

(38) المصدر نفسه – ص 191.

(39) دلائل الإعجاز –الجرجانى،عبد القاهر - تحقيق / محمود محمد شاكر –ط-القاهرة- الهيئة المصرية العامة للكتاب –ط5- 2000م ص 146. بل إنه راح يفلسف الحذف أيضا، عندما ذكر أن " الصمت عن الإفادة- يقصد الحذف- أزيد للإفادة " المصدر نفسه، الصفحة نفسها، فالصامت أزاد وأفاض بصمته – عن الناطق وهو بذلك يتحدث عن مبدأ التناقض.

(40) فجر الفلسفة اليونانية– د/الأهوانى، أحمد فؤاد –ط-القاهرة- النهضة المصرية-ط3-–1945م– ص 110.

(41) الأصول (دراسة ابستيمولوجية للفكر اللغوى عند العرب) –د/حسان، تمام –ط1-بغداد-ط دار الرشيد -سنة 1988م – ص243.

(42) المصدر نفسه – ص 242- 243.

(43) فجر الفلسفة اليونانية –م.س- ص 108، وانظر: فى عالم الفلسفة لذات المؤلف –ط1-القاهرة- النهضة المصرية – سنة 1948م – ص 55.

(44) اللغة بين المعيارية والوصفية– د/حسان، تمام –ط-القاهرة-مكتبة الأنجلو المصرية –ط2 سنة 1958م.– ص 106.

(45) التفكير اللغوى بين القديم والجديد – م.س-ص 376 – 377.

(46) جدلية اللغة والحدث فى الدراما الشعرية العربية الحديثة - د/منير، وليد –ط-القاهرة- الهيئة المصرية العامة للكتاب – ط3سنة 1997م – ص 134.

(47) م.س – ص 87.

(48) م.س – الصفحة نفسها.

(49) عالم الفكر – المجلد الخامس والعشرون – العدد الثالث – سنة 1997م – من مقال للدكتور/ بنكيران محمد الطيب – بعنوان (الخلفية الفلسفية فى النظرية التوليدية) – ص 50.

 

 

عبد الصمد البلغيثي"والعلم بالنفس يتقدم سائر العلوم الطبيعية، والتعاليمية، بأنواع الشرف كلها" ابن باجه[1]

تقديم:

يشكل المبحث السيكولوجي في فلسفة ابن باجه  (ت533ه/1139م) فيلسوف سرقسطة وفاس[2]، من أهم المباحث الفلسفية التي عني بها هذا الفيلسوف- الذي إشتهر في القرن الخامس وبداية القرن السادس من الهجرة- بشروحه ومؤلفاته ذات الإتجاه الأرسطي الواضح مع تأثر كبير بالأفلاطونية في رسائل ونصوص أخرى[3]، ويأتي هذا الإهتمام في سياق التقليد الأرسطي الذي يجعل علم النفس مدخلا لدراسة العلوم الطبيعية بل أساسا لأي بحث في أقسام العلم جميعها، وهو ماجعل ابن باجه يوليه إهتماما خاصا ترجمه كتابه في النفس[4]، الذي يحتوي على نظريته في النفس وقواها، ليدشن بذلك تقليدا لأول مرة بالأندلس يضع أسس المبحث السيكولوجي للفلاسفة من بعده، كإبن طفيل  (ت581ه/1185م) وابن رشد  (ت595ه/1198م) والفلاسفة اللاتين في أوربا القرون الوسطى. فما هي أسس هذا المبحث؟ وماهي منزلة علم النفس عند ابن باجه؟ وهل كان ابن باجه مجرد شارح وناقل لأرسطو أم محاور وناقد ومبدع؟

1- النفس محرك للجسم الطبيعي:

ينطلق ابن باجه في تحليله للنفس من أن لكل متحرك محرك. فإما أن يكون هذا المحرك خارجا عن الجسم المتحرك.  (كالأجسام الصناعية) وإما أن يكون المحرك من ذات المتحرك وقد يكون طبيعيا وبذاته ويسمى الحركة الإرادية عند الحيوان والنبات والإنسان. وقد يكون أيضا صناعيا كالديناميك.ص25[5]

المحرك: - خارجيا عن المتحرك  (الأجسام الصناعية)

- داخليا من ذات المتحرك: - طبيعي ويسمى الحركة الإرادية (الحيوان.النبات. الإنسان)

- صناعيا: الديناميك.

وأما الأجسام الطبيعية فمحركها في ذاتها وهي مؤلفة من محرك ومتحرك. وأما الصناعية فمحركها خارج عنها وهو موجود بالعرض.

والجسم الطبيعي حركته طبيعية إلى مكانه الطبيعي (وبذلك توجد فيه قوة على ما في الطبع) واستعداده لما في الطبع.

أما وجودها في أماكن غير طبيعية فيكون لورود عائق يعوقها وهذه هي الحركة القسرية. أي عندما يكون الجسم الطبيعي في غير مكانه الطبيعي أو في الأجسام الصناعية لأن مبدأ الحركة ليس من ذاته فإذا زال العائق صارت إلى مكانها الطبيعي سواء بحركة طبيعية أو بحركة إرادية (النفس).ص26[6]

ماهي الموجودات التي تتحرك بالذات؟ والموجودات التي تفعل أفعالها وهي تنفعل.ص24.

المحرك إما أن يحرك حركة مضادة كحركة اليد إلى فوق أو يحركها حركة طبيعية. المحرك: حركة طبيعية أو مضادة.ص27.

والصور نوعين إما صورة لإستكمال جسم طبيعي لا يجتمع فيه المحرك بالمتحرك بالذات. أي ما يتحرك دون ألة بل جملة. وإما صورة لإستكمال جسم طبيعي متحرك بآلات. فالقسم الأول طبيعة والقسم الثاني نفس.ص28.

الصور:لجسم طبيعي متحرك بغيره. (نفس)

لجسم طبيعي متحرك بذاته. (طبيعة)

2- تعريف النفس:

والنفس هي إستكمال لجسم طبيعي ألي.أي يتحرك بمحرك ليس من ذاته. وهي الإستكمال الأول ووجود النفس في الجسم يعني أنه جسم حي. فكل جسم متنفس حي. ص28.

غير أن إبن باجه لاحظ بأن مفهوم النفس غير واضح الدلالة فقولنا النفس إستكمال أو جسم أو ألة. كل هذه على نحو من التشكيك لا القطع والإطلاق. لذلك وجب الفصل فيها: ولذلك أعطى للنفس أربعة انواع:

- النفس الغاذية (هي إستكمال الجسم الألي المغتدي)

- الحساسة (الجسم الألي الحاس)

- المتخيلة (الجسم الالي المتخيل)

- الناطقة (تقال بنوع من الإشتراك) ص29.

3- منزلة علم النفس:

يستحضر ابن باجه في سياق حديثه عن منزلة علم النفس أرسطو الذي يرى أن العلم كله حسن جميل وبعضه أشرف من بعض. وعلم النفس متقدم على جميع العلوم الطبيعية والتعاليمية وهو أشرفها على الإطلاق.

والنفس ضرورية لمعرفة كل علم فهي أساس الوقوف على مبادئ العلوم وماهي بالحد. فلابد للناظر في العلم الطبيعي من مقدمات لا تحصل إلا باكتساب علم النفس. إذن لا معرفة قبل المعرفة بأمر النفس.ص29/ش93.

وبما أن العلم لا يشرف إلا "بالوثاقة" أي بيقينية أقاويله. أو بموضوعه. فالأجدر أن يكون علم النفس أشرف العلوم لأنه يجمع بين الشرطين اليقينية وشرف الموضوع.

4- النفس والعلم بالمبدأ الأول:

يؤكد ابن باجه أنه لا علم بالمبدإ الأول على وجه الكمال مالم يتقدم البحث في علم النفس والعقل.

وقد جعل للعلم بالشيء أنواع من النسب أي الحالات فإما علم ما هو أي البحث في ماهيته وكنه الشيء. وعلم يكون في لواحق الشيء الذاتية والخاصة به. والحالة الثالثة علم باللواحق العامة. ص30/ش94.

5- علم النفس وإشكالية الحد:

ثم يوضح ابن باجه المقصود بعلم ما هو الشيء أي في ماهيته فهو على صنفين إما علم غير تام. كأن يعلم فقط بجزء من أحد أجزائه وهذا أصناف. وإما علم تام وذلك في الإلمام بحده جملة.

والحد يقال في المعاني المشتركة المتساوية في حمل الشيء والتي لا وجود للشيء بدونها. وابن رشد عرف الحد بقوله:"هو قول يعرف ماهية الشيء بالأمور الذاتية التي بها قوامه".

العلم بالشيء:- ماهو- لواحقه الذاتية- لواحقه العامة.والعلم بما هو إما غير تام أو تام. ص31.

والأشياء المقومة للشيء هي أسبابه. والحدود بتأخير هي ما لم يتألف من أسباب. بل من أعراض إما ذاتية أو غير ذاتي بعيدة أو قريبة.

والحدود بتقديم وهذا أخلق أن يكون حدا. وهو ما ألف من أسباب قريبة أو بعيدة. /ش95.

ثم ينتقل ابن باجه بعد الحديث عن العلم وعن الحد إلى الحديث عن الاسباب من جهة أنها أربعة:المادة، والفاعل، والصورة، والغاية.

الحد بتأخير  (الأدلة. ويفيد الحد بالأعراض) والحد بتقديم (وهو الأخلق بالحد يكون معطى أو الإستنباط أو البرهان) هو ما ألف من أسباب إما بعيدة وإما قريبة، والقريبة هي المادة والصورة والفاعل والغاية.

ويجدر في الحد بالتقديم أيضا، أن يكون مؤلفا من الأسباب الخاصة وليس العامة.

ثم يتابع ابن باجه في تعداد طرق التوصل وبناء الحدود، وقصده من ذلك واضح، فهو يمهد القول للنفس ويحاول تلمس الطريق لوضع حد لها لا يشوبه تشكيك أو نقصان. فيذكر طرق بناء الحدود وهو يقصد خاصة الحدود بتقديم، فما أن يأتي هذا الحد كمعطى أو مستنبطا، فإذا جاء الإستنباط فإما بالقسمة أو بالتركيب، أو الدليل أو الحس او بالقول.ص32/ش95.

وهذه تجري مجرى المعطى.

أما إذا بنية على أساس من البرهان المطلق، فإما أن تأتي الحدود نتيجة برهان أو مبدأ برهان أو تكون برهانا متغيرا بالوضع، وأما الحدود بالأدلة فإنها تفيد الحد بالعرض لا بالذات.

ثم يعود ابن باجه بعد هذا الوضع والتبيين إلى أن يؤكد على أن حدود النفس ليست حدودا معطاة بل هي من الحدود المستنبطة.

وابن باجه قبل ذلك يعتبر النفس من أصعب العلوم إذا كانت تطلب من جهة الحد بتقديم. غير أن هذه الصعوبات ممكن تجاوزها. ص33.

6- حد النفس وأراء المتقدمين:

ثم ان ابن باجه يفسر القول في العلوم التي تطلب ماهية الشيء وغاية طلبها معرفة هل ذلك الشيء واحد أو ليس بواحد؟ وهل ذوا أجزاء أم ليس بذي أجزاء وهل هو ذوا قوى أو ذوا قوة واحدة؟ وهذا ما يجب إتباعه في طلب حد علم النفس./ش97.

على أن ابن باجه لم يشأ الدخول في حديثه عن النفس قبل عرض لبعض أراء المتقدمين من الفلاسفة الطبيعيين في النفس، وقال: "أن منهم من قال النفس تدل على كثير أي أن اسمها يدخل في الأسماء المشككة...، وفريق قال: أنها تدل على أجزاء عديدة وكثيرة وهي منفصلة فيما بينها  (ديمقريطس)، ومن رأى أنها واحدة ذات أجزاء كثيرة متصلة بالموضوعات  (جالينوس) وهذا الرأي الأخير قد اتخذه أفلاطون. ش/97.

وابن باجه يحدد الإشكال المركزي في علم النفس وغاية التشوق له وعظيم طلبه في السؤال التالي: هل النفس مفارقة للجسم أم غير مفارقة؟ وهو يشير إلى أن أرسطو في المقالة الأولى قال: أنه إن كان كان للنفس فعل من دون الجسد فيمكن أن تفارق. ص34.

ولكن إذا كانت النفس على هذا الحال فكيف ننظر فيها هل من جهة الأجسام التي تحملها أم من جهة لواحق تلك الأجسام التي هي فيها (كالصحة والمرض أو الأفعال كالغضب والرضى). والحد لكي يبنى لابدله من الجنس الذي يوصف به. ص35/ش98.

ثم إن ابن باجه يتسائل بعد هذا العرض لطرق إستخراج الحد ويعدها ثلاثا:

- طريق التقسيم.

- طريق التركيب.

- والطريق المستعمل فيها البرهان.

ويتسائل عن أي الطرق نسلك في طلب حد النفس؟ ويعرض بعد ذلك أن طريق التقسيم غير متأتي في النفس، لأن جنسها غير معروف هل هو جسم أم لا.ص36.

ثم يقصي أيضا طريق البرهان لأنه لا يجعلنى نقف على المعاني التي يقال لها نفس. ثم يستقر ابن باجه على حد التركيب في النفس ولأن طريق التركيب يستعمل في الشيء المعلوم وجوده والنفس من الأمور الظاهرة وجودها مثلها مثل وجود الطبيعة  (المعلوم بنفسه والمعلوم بغيره) والنظر في النفس يكون في أنفس كل حيوان وأما النبات فهو في موضع فحص. ص37.

لذلك يقول ابن باجه أن هذه الطريق من النظر سيتبعها في الفحص عن النفس لم تكن متبعة قبل أرسطو، فالأقدمون كانو لا ينظرون للنفس في كل ما يقال عليه نفس ولكن كان النظر فقط من جهة النفس الإنسانية ولذلك فالفحص سيكون في الأمور المدنية  (الأحوال الإنسانية)، ويضيف ابن باجه أن العلم بالنفس لا يطلب لهذا الغرض فقط  (الامور المدنية) بل لأنه جزء من العلم الطبيعي.

نوع الحيوان، ينطلق ابن باجه في عرض القول عن أجسام الحيوان والتي يطلب فيها حد للنفس فيفصل فيها القول، فالحيوان جسم مركب غير متشابه الأجزاء لا متصلة الأجزاء بل منفصلة وهذه الاجزاء تتصل بالإلتحام أو بالفصل، وهي أجزاء متحركة بعضها في بعض، وذلك يوجد في كل حيوان وهو متحرك حساس.

ثم إن الحيوان مؤلف من جسم وصورة وهل النفس هي الصورة أو الجسم فقد تبين أنها صورة. ص38.

ولما كانت النفس هي إستكمال لجسم طبيعي ألي فهذا يشمل كل نفس وكل قواها ولكن ليس كمال لكل جسم طبيعي كالارض أو النار فهي إذن لجسم له ألات يستعين بها كالتغذية والنمو. لذلك يشير ابن باجه أن النفس تقال بتشكيك وأنها من المترادفة أقوالها. ص39.

ثم يمضي في تفصيل القول في طبيعة النفس، يقول أن النفس ليست ذات طبيعة واحدة ولو كانت كذلك لتجانست أفعالها والمعلوم من أفعال الحيوان أنها غير متجانسة  (إغتداء، حس، حركة، تخيل، نطق...) بل حتى هذه القوى ليس تتطابق من جهة التجانس وإنما تتقدم بعضها أو تتناسب فيما بينها، وكذلك النفس وقواها تأتي بتقديم وتأخير وتناسب، ولأجل هذا الذي تقدم لا يمكن أن يطابق الحد جميع ما يقال عليه النفس.

ولأجل ذلك لا يمكن سلك الطريقة البرهانية، ثم ينبه ابن باجه إلى أهمية هذا المنهج في النظر، هذا الطريق إن تم إغفاله من جهة الناظر سيكون سببا في ضياع النفس عنه، كما حصل مع الأقدمين فهذا من الأسباب التي جعلت أمر النفس تذهب عنهم.

ثم جعل ابن باجه يعرض لقولهم في النفس فقد كان الأدمون متفقون حول جوهرانية النفس، لذلك كانوا يجعلونها تحت انواع الجوهر، فقال بعضهم أنها نار، والبعض أنها دم أو هواء، وبعضهم حين لم يستطع أن يجعلها جسما جعلها من المقولات فرتبوها في المقولات العشر.

ثم يفرد القول لأفلاطون الذي جعل النفس من الجواهر فلما أراد تعريفها من جهة أنها هيولة والهيولة جوهر، وهي إما جسم وصورة، ولما كان جعلها جسما من المستحيل جعلها من جهة كونها صورة، فوجد أن صور الأفلاك بإعتبارها أنفسا مشتركة في أشياء، فالحس يختص بالحيوان والحركة تشمل الحيوان والأفلاك. ص40.

وقد قصد حدها من جهة ما تشترك فيه وهي الحركة ولهذا فهو يحدها بأنها "شيء محرك ذاته"، والشيء هنا يراد عنده الموجود، وسبب حده للنفس بهذا هو أن أفلاطون يعتقد بأن كل محرك فهو بالضرورة متحرك لأنه لا يمكن أن يحرك دون ان يتحرك. (أنظر المقالة 7 من السماع[7]). ص41.

خاتمة:

وينتهي إبن باجه إلى الإشارة لطريق الفحص في كتاب النفس لأرسطو فالفحص سيكون على الشكل الذي تقدم ولأن الأنفس بعضها متقدم بالطبع وبعضها متأخرة، فسيشرع بالفحص عن المتقدمة ثم التي تليها والتالية حتى الأخيرة، لذلك سيبدأ أرسطو بالنفس الغاذية لأنها أقدم قوى النفس ولها قوتان وهي قوة النمو وقوة التوليد، ثم القوة أو النفس الحاسة، والتي جعل فيها قوة البصر والسمع والشم والطعم واللمس والحس المشترك le sens commun والتخيل imagination ، وهي أشدها تأخرا.

هذا الفحص الذي دشنه ابن باجه في المبحث السيكولوجي سوف ينعكس على مشروعه الفلسفي عموما، وبشكل خاص في نظرية الاتصال التي تعتبر غاية ابن باجه في فلسفته، وكذلك نظريته في العقل والصور الروحانيةles formes spirituelles، وهو ما يوضح بشكل جلي تميزه وإداعه الذي انتبه له من جاء بعده وخاصة ابن رشد.

 

عبد الصمد البلغيتي

........................

مصادر ومراجع:

- ابن باجه، أبوبكر، كتاب النفس، تحقيق: محمد صغير حسن المعصومي، دار الصادق، بيروت، ط.2، 1992

- ابن باجه، أبوبكر، كتاب النفس، تحقيق: جمال راشق، مركز الدراسات الرشدية، فاس، 1999

- راشق، جمال، ابن باجه سيرة وبيبليوغرافية، الرابطة المحمدية للعلماء، دار الأمان، الرباط، ط1، 2017

- العلوي، جمال الدين، رسائل فلسفية لأبي بكر ابن باجه، تحقيق وتقديم، دار الثقافة بيروت،دار النشر الدارالبيضاء، 1983

- ابن باجه، أبوبكر، كتاب النفس، تحقيق وتقديم: جمال راشق، مركز الدراسات الرشدية، فاس، 1999، ص93[1]

- راشق جمال، ابن باجه سيرة وبيبليوغرافية، الرابطة المحمدية للعلماء، دارالأمان، الرباط، 2017، ص 17[2]

- العلوي جمال الدين، رسائل فلسفية لأبي بكر ابن باجه، تحقيقوتقديم، دار الثقافة بيروت، دار النشر الدارالبيضاء، 1983، ص18[3]

- صدر هذا الكتاب في نشرتين وتحقيقين: الأول تحقيق محمد صغير المعصومي، دارصادر، بيروت،ط.1، 1960. والثاني لجمال راشق، م.م[4]

ابن باجه أبوبكر، كتاب النفس، حققه: محمد صغير حسن معصومي، دار صادر، بيروت، ط.2، 1992- [5]

- جميع الإحالات ستكون من كتاب النفس تحقيق محمد صغير حسن المعصومي، م.م[6]

- ابن باجه أبوبكر، شروحات السماع الطبيعي، تحقيق: معن زيادة، دار الكندي، بيروت، 1978، ص41[7]

 

 

حسن عبود النخيلة بلورت البدايات الفلسفية السابقة ل (أفلاطون) و(أرسطو) معطيات لها من الأهمية في منح مؤشرات أولية للفكر الفلسفي المنصب في بعض جوانبه على ما يمكنه إماطة اللثام عن أسس تدخل ضمن طبيعة الممارسة الميتامسرحية، إذ أنها في جانب منها – وبخاصة ما يتعلق بالجانب التأملي- تقوم على المعطى الفلسفي الذي يقوم في أساسه على التقابلات، والتماثلات، والتفاوت بين الجوهر والمظهر، والمنسوخ والحقيقي، والثابت والمتحرك، والمرئي واللامرئي، والحقيقة والوهم، إذ يتأسس على هذه المعطيات خاصية تأملية* تمثل محصلة مهمة لهذا التفاعل الذي في أغلبه تستنهضه ثنائيات جدلية متعالقة تفيد منها الممارسة الميتامسرحية .

من هذا الباب يجسد الميتامسرح في جانب منه تطبيقاً للفكرة الفلسفية النسبية . وأن جذور هذه الفلسفة تعود في زمنها إلى الفلسفة اليونانية القديمة، وذلك عندما صرح (هيراقليطس): (إن كل شيء في حالة دائمة من التغير أو التدفق المستمر)(1) .

وقد يرى المتأمل في قول (هيراقليطس) انه مشتمل على مساحة لا تحد من النسبية التي من شأنها أن تجعل حتى قوله نفسه محل نقاش، إذ كيف يفسح هذا الاندفاع المستمر نحو التغيير مجالاً يُمكّنُ (هيراقليطس) أن يوصلّ لنا مفاهيمه؟. علماً أن عبارته نفسها عرضة لهذا التغيير وبنفس القوة؟!. لكن التفسير العقلاني لقول (هيراقليطس) يبين انه لا يعني بهذا التغيير عملية عشوائية تتحقق دون محركات ومسببات وتجرد عن المنطق، ف (هيراقليطس) – كما يرى (غنار سيكربك*) (لا ينفي فكرة أن الأشياء يمكن أن تدوم لوقت طويل جداً . غير أن المبدأ الأساسي الذي يقع وراء جميع الأشياء الزائلة ويدعمها هو التفاعل بين القوى)(2).

وعلى الرغم من أن (سيكربك) يقدم تبريراً مستساغاً لتفسير آلية التغيير والحركة لدى (هيراقليطس) غير انه يجانب الصواب بمثال آخر عندما يحاول من خلاله التدليل على الموضوع ذاته فيقول:

(نذكر أن البيت هو شيء، وهو شيء في حالة تدفق مستمر . غير أن القوى البناءة

ستسود، وقتياَ، سنين عديدة، على القوى الهدامة . وسيبقى البيت طالما بقي ذلك الوضع . غير أن ميزان القوة بين القوى متغير، وعلى الدوام . وسوف تسود القوى الهدامة في يوم من الأيام، فيتداعى البيت: فقوة الجاذبية والتآكل ستتغلب على القوى المضادة)(3).

لكن هذا أمر طبيعي يتعلق بعوامل فيزيائية، فتقدم الأشياء المادية صوب القِدم بفعل فاعلية التغيير المستمر التي تطرأ عليها تجعل من القدم عامل إضعاف لها، بيد أن هذا الأمر لا ينطبق على الأفكار، فمهما قدُمتْ الأفكار فإنها لا تدخل ضمن طائلة هذا القانون، فهي لا تضعف ما لم يزيحها البديل المقنع ليحل محلها . وفي الوقت نفسه فأنه مثال (البيت) لا يمكن أن يكون فيه رجحان في النتيجة لثنائية البناءة والهدم، إذ يبقى جانب الحسم لمصلحة القوى الهدامة في حين أن بنية الأفكار ومنطقها تتكيف مع الرأي البناء لكونه من التماسك والقدرة أن يحل محل الرأي الهدام، فمثال البيت في ضوء ذلك لا يتواشج إلا مع الفكرة السلبية للحركة والتغيير، لأنها حركة تراجعية (تبدل في الصفات) دون تعويض عنها . أما الحركة على المستوى الفكري التفاعلي فإنها حركة بناءة ايجابية لأنها تعمل على التخلي عن مواصفات ومؤشرات ما لتأتي بما هو بديل عنها، فيكون الديالكتيك ايجابياً انتاجياً .

هكذا يكون رأي (هيراقلطيس) – (كل شيء في تغير دائم) متصل بمسألة تبدل صفات الأشياء وعدم امتلاكها لصورة نهائية، مما يجعل البت في حقيقتها أمراً مستحيلاً. فحقيقة الأشياء بعيدة المنال، والمظاهر المحسوسة متلونة لا تستقر على حال، كل ذلك يشكل عقبة أمام أدوات الحس الإنسانية في محاولاتها لتبيان حقيقة ألأشياء، لذلك يعلن (هيراقليطس): (الأعين والآذان شهود مضللون للناس إن كانت لهم نفوس لا تفهم لغتها)(4).

وقد كان لهذا الجدال حول مفهومي الحقيقة والوهم بمستواهما الفلسفي انعكاس شديد الوطء على مجمل المنتج المسرحي (الاغريقي) - فالوهم الأوديبي على سبيل المثال - يتخذ حياة من نوع خاص تتدفق وتتحرك وتصل إلى متحققات ولكن الحقيقة الضاغطة التي تختبئ خلف مظاهر هذه الحياة ما أن تبزغ حتى تتهشم بنية الوهم ويتقطع نسيجه إرباً . وهنا يكون التكشف للحقيقة تدريجياً وما يبقى في الذهن هو صورة الوهم المتسيد على الموقف والذي ينعم بالبقاء الطويل، وتبقى صورة الحقيقة محجوبة تتقدم صوب إظهار نفسها ببطء شديد عبر الشواهد والدلائل والتي تمثل عناصر الحقيقة، المتجاورة مع الوهم – (الرجل المجهول الذي يفضح سر

تبني أوديب)، (مبلغ الوحي في دلف الكاشف عن المستقبل)، (الوباء)، (العراف تريزياس)، (خادم لايوس). وعبر هذا التجاور تبرز الخاصية التأملية الميتامسرحية . التي تصل إلى تقرير نتيجة مفادها إعلان (أوديب) الختامي الذي يجيب عن دواعي تلك الجدلية المتواصلة، وخلاصة الثيمة التي أنتجتها الخاصية التأملية، كي تنتقل توجهات النص المسرحي إلى خاصية أخرى من خواص الميتامسرح متمثلة ب (الخاصية النقدية) التي تعمل على الفضح والتشهير عبر الخطاب المباشر، والاستغناء عن المراوغة التي كانت تقوم عليها الخاصية التأملية، والتي كان عملها بمثابة تقديم الأسانيد، أو اتخاذ طبيعة المحاكمة عبر الاستماع إلى كل الأطراف، ومجاورة الشواهد، ومن ثم يكون قرار المحكمة الحاسم منطوق به على اللسان ألاوديبي الذي يأتي كجواب لسؤال (قائد الكورس) (قائد الكورس: ماذا فعلت ؟ كيف خربت إذن حدقتيك ؟ أي أله دفع ذراعك ففعلت هذا؟

أوديب: ابولون، يا صاحبي ! إنه أبولون هو الذي صبّ عليّ في هذه الساعة هذه الفظائع، هذه البلايا التي هي نصيبي، نصيبي من الآن فصاعداً ) (5).

وهكذا تمتاز خاتمة مسرحية (اوديب ملكاً) ببروز الخاصية النقدية الميتامسرحية التي تعري حقيقة القانون الإلهي، وتلفت الانتباه إليه، وتدينه بشدة، وتفضح ما يمارسه من لعب بالمصائر البشرية وهذه الخاتمة ذات التوجه النقدي، التي اقترنت بالتحول في مصير الشخصية الاوديبية من المستوى السامي المرتبط بالعرش الملكي وقوته وجبروته، إلى المستوى المتدني والإجرامي - تتطابق معها

مقولة (هيراقلطيس) التي ترى – (إن الزمن طفل يلعب النرد، والقوة الملكية إنما يتحكم فيها طفل) (6) .

من زاوية أخرى يتكشف عبر الأفكار الفلسفية التي يطرحها (هيراقليطس) مسار آخر يلتقي مع الخاصية التأملية التي هي واحدة من الخواص المتعددة للممارسة الميتامسرحية، وذلك عبر رصده للعملية التفاعلية المسفرة عن الانسجام، على الرغم من أنها نتاج للمتضادات، كما يتكشف ذلك عبر (ملاحظة التوتر في القوس والقيثارة)(7) - التي جذبت انتباهه - فعبر هذه العلاقة المتضادة بين الاثنين يتولد النغم بعذوبته، وبذلك ينتج عن التضاد انسجام وتوافق هو ما يؤدي ب (هيراقليطس) إلى استنتاجه المهم القائل ان من (وراء صراع الأضداد، وفقاً لمقادير محسوبة، يكمن انسجام خفي او تناغم هو جوهر العالم )(8) .

ومن ثم ليس بالإمكان بلوغ التناغم دون استكمال أطرافه، كما أن قيمة كل طرف في خلق التناغم تنبع من قيمة الطرف المضاد إليه، إذ أن وجود الضد هو ما يلفت الانتباه إلى المضاد، فطاقة وإمكانات المضاد محكومة بإثارة الضد إليه، وفي ذلك ما يفسح مجالاً للنظر إلى العلاقات القائمة بين المتضادات في العمل الفني، وبخاصة في تلك الأعمال التي تنتمي إلى الممارسة الميتامسرحية، إذ أن صور المتضادات فيها غالباً ما تكون بارزة، لأنها تحقق الشروط التأملية والنقدية التي تقوم عليها هذه الممارسة .

فيتحقق التأمل - على سبيل المثال لا الحصر- بفعل التجاور بين (المقدس والمدنس ) و(الجبري والتحرري). فعلى مستوى التضاد بين (المقدس والمدنس) تكون مسرحية (انتيجونا) مثالاً بارزاً في هذا الجانب اذ يتجلى (المقدس) في فكر (انتيجونا) وما تحمله من عاطفة ونبل – فعلى حد قول باتان Patin وهو يصف مسرحية (انتيجونا): (لا يوجد في أي مسرحية يونانية أخرى مثل هذا السمو في الأفكار، ومثل هذه العظمة في العواطف، ومثل هذا التصوير النبيل للإنسانية)(9) .

ويتجلى (المدنس) في شخصية (كريون) وجبروته واستباحته لحرمة الجسد الإنساني . وعبر التضاد بين هذين القطبين المتعارضين يتبدى الانسجام فيصبح جبروت المدنس إظهاراً لإنسانية وكمال المقدس، وبذلك يتحقق التناغم بين الاثنين . وما يستدعي الخاصية التأملية من خلال التضاد القائم بين (المقدس) و(المدنس) أنهما يمثلان المحرك الأهم والفاعل الذي يحتل موقعه ضمن فضاء النص المسرحي، لذلك يُكرسُ استحضارهما والتأكيد عليهما حتى في حوار الشخصيات: (إسمينا: ماذا هناك إذن ؟ إن أمراً يعذبك، هذا واضح.

أنتيجونا: حقاً . تصوري أن كريون يميز بين كلا أخوينا فيما يتعلق بمراسم الدفن: فهو يسمح لأحدهما بشرف الدفن في قبر، بينما يرفض ذلك للأخ الآخر ويصب عليه هذه الاهانة )(10).

في ضوء ذلك يكون التقديس والتدنيس من حيث ارتباطهما بالفعل action علامة دالة على الفاعل، ومن ثم تكون كل افعال (انتيجونا) هي بمثابة السعي لتكامل صورة المقدس الذي انطلقت منه المسرحية، ويعقب الخاصية التأملية التي تلفت الانتباه إلى مجريات الأحداث، وطبيعة الأفعال، بروز للخاصية النقدية التي تكون بمثابة الخلاصة المهمة للمدار التأملي المتواصل، الذي تم تفعيله عبر جدلية المقدس والمدنس، فيرشح عن الاثنين فكرة ختامية عليا تتواشج مع فكرة المقدس وتنتصر له، من خلال تركيزها على فشل المدنس والتنديد بصفاته:

(قائد الكورس: الحكمة هي أول شروط السعادة .لا يجوز أبداً ارتكاب الكُفرْ في حق الآلهة والمستكبرون سيجدون أن كلمتهم الكبيرة سيجازيها المصير بضربات شديدة، وهم لا يتعلمون أن يكونوا عقلاء إلا مع مرور السنين )(11).

هكذا تؤكد الخاصية النقدية الميتامسرحية حضورها في هذا النص فتكون بمثابة التعقيب على ما جرى من أحداث ومواقف، فهذه الخاصية هي علامة انتقال واضحة من الخطاب الخاص الذي كان يحوطه النص (عالم الشخصيات المنفصل عن عالم المتلقي )، إلى الخطاب العام الذي يخترق حدود النص ليبلغ رسالته المباشرة إلى المتلقي ويشمله بما وقع من أحداث، بعدّه المقصدية التي يسعى الخطاب النصي إلى بلوغها . فإذا كان المؤلف يتوارى باعتماده على الخاصية التأملية فهو يبرز ويظهر أكثر قرباً باعتماد على الخاصية النقدية .

 

د. حسن عبود النخيلة

......................

الهوامش

* الخاصية التأملية: من خواص الميتامسرح البارزة التي تنتج عن تقاطع المفاهيم او تناظرها، او نتيجة لتبادل الصفات فيما بينها، وهي تفيد بشكل كبير من الثنائيات المتناقضة التي تلح على الحضور في مجرى النص مخلفة أثراً تأملياً يحقق الانعزال والخصوصية والهيمنة.

(1) غنار سيكربك ونِلز غيلجي، تاريخ الفكر الغربي من اليونان القديمة الى القرن العشرين ، ترجمة: د. حيدر حاج اسماعيل، ط1، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2012)، ص 51.

* غنار سيكربك: هو استاذ الفلسفة في جامعة بيرغن – النرويج .

(2) المصدر نفسه، ص 52.

(3) المصدر نفسه، ص 52.

4) برتراند رسل، حكمة الغرب: عرض تاريخي للفلسفة الغربية في اطارها الاجتماعي والسياسي، ترجمة: د. فؤاد زكريا، ج1، ط2، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب، 2009)، ص 48.

(5) سوفوكليس، تراجيديات سوفقليس: مسرحية أوديب ملكاً، ترجمة وتقديم وتعليق: د. عبد الرحمن بدوي، ط1 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996)، ص 141.

(6) برتراند رسل، المصدر السابق نفسه، ص 48.

(7) بنيامين فارنتن، العلم الاغريقي، ترجمة: احمد شكري سالم، مراجعة: حسين كامل أبو الليف، تقديم: مصطفى لبيب، ج1، ط1، (القاهرة: المركز القومي للترجمة ، 2011)، ص 46.

8) برتراند رسل،المصدر السابق، ص 49 .

9) د. عبد الرحمن بدوي، مقدمة: مسرحية انتيجونا، في كتاب: تراجيديات سوفوقليس، مصدر سابق، ص 151.

(10) سوفوكليس، تراجيديات سوفوقليس: مسرحية انتيجونا، ص 162.

11) المصدر نفسه، ص 202.

 

محمد سعيد محفوظ المحور الثالث: المنهج الهيرمنيوطيقى:

وأبسط ماهية وتحوصل لها أنها "مرحلة فهم الفهم وهى آليات منع سوء الفهم"(48) وهى فى هذه تتماهى مع مقولة عبد القاهر الجرجانى (معنى المعنى) ومع ماهية المجاز القائلة بأنه الكلمة المستعملة فى معنى معناها وهذا منحى السكاكى وتقف مع مجاز المجاز على مسافة واحدة أنطولوجيا وإيديولوجيا وذاك فى قوله تعالى: " أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا "(49)

فاللباس ههنا مجاز المجاز مجاز عن الماء الذى هو علة النبات وصناعة النسج لإيجاد اللباس.

فالإيمان هنا مجاز المجاز فهو مجاز عن (لا إله إلا الله) و(لا إله إلا الله) مجاز عن تصديق القلب والمنهج الهيرمينوطيقى وهى التى تعصم المؤول من مهاوى سحيقة فى متناهيات التفسيرات والتخمينات اللامعقولة اللامسئولة فتتوالى قراءات ناجمة هى أخطاء متراكمة وسط زخم هائل من سدم التخمينات والترهينات لذا نرى أن عملها يأتى بعد السيميولوجيا لتقنينها ولا مناص من اقترانها بذاتية واختلاجات المرسل للوصول إلى أصدق المعانى النسبية "فالمعنى الذاتى وهو المهم فى عملية التفسير ليس الوصول إليه سهلا لأنه يرتبط بفكر المؤلف ومشاعره وكيفية استخدامه الألفاظ وإيداع قصده فيها ولابد من التعرف عليها لأجل فهم النص أو إعادة بناء قصد المؤلف وإحياء تجربته من قبل المفسر"(50) كما أنها "استغرقتها مراحل عدة منها تمحور قصد المؤلف"(51) ومن المؤكد أن هذا الطرح مرفوض كلا وجزءا تأويلا ومجازا فالمجاز لا يعير للمعنى الظاهر أية اعتبارات بل هو انطلاقته للنفاذ واستكناه الأعمق الأغمض الأقصى وحيث الأمر كذلك فلابد من أن نيمم وجهنا شطرغادامير الناص على "انصهار أفقى القارئ والنص"(52) ولها ملمح نقدى هو أن يكون القارئ" أكثر وعيا بالأعراف حتى يكون أكثر صيانة من تأثير التراكمات الإيديولوجية والثقافية والاجتماعية للتقاليد التى يعيشها المفسر ولكن لا التحرر الكامل منها"(53) ومن المعلوم أن القارئ لا يمكن تهميش جانب العرف والتقاليد والأطر الاجتماعية لتأويلاته المجازية ولا سيما فى تناوله كل ما يخص الذات الإلهية من يد وسمع وبصر واستواء لأن ذلك نجم عنه تطاحن واحتراب أدى إلى أن ينقسم المجتمع الإسلامى والعربى شلواً وراء شلو وثلة خلف ثلة وشيعا شيعا وغابت الموضوعية التأويلية فى ذلك لذا كانت هيرمينوطيقية شلاير ماخر الذى دعا تجنبا لذلك أن يتباعد "المفسر عن ذاته وأفقه التاريخى أن يساوى نفسه بالمؤلف وأن يحل مكانه فى طريق إعادة البناء الذاتى والموضوعى لتجربة المؤلف من خلال النص"(54) وهو ذات التسليح الذى أقربه إمبرتو إيكو(55) ولكنا لا نرتاح لذاك إذ لو صح هذا فإن القارئ سوف تنضج لديه ذات المعنى الذى سكن ذهن وخلج المؤلف وما من سبيل للقراءة والتأويل حيث إنهما دون جدوى عهد ذاك ولكن على القارئ أن يضبط ويقنن تأويلاته وأن ينزهها عن الهوى وينأى بها بعيدا عن الرغبات النزوية وأن تتسق مع فرضيات العقل ويستطرد شلاير ماخر فى إبراز عوامل عدم سوء الفهم ومنها الاشتراك فى النوع الإنسانى فإن وجود المشتركات الإنسانية تساعد كثيرا على فهم الآخر لأن كل فرد يحمل جزءا من غيره فى داخله(56) وهذا ما يسميه علماء النفس (التقمص) فهو الآخر والآخر هو ويسترسل فى نظريتة المهلهلة فى غالبيتها داعيا إلى وجود معنى نهائى للنص ولابد من قراءة حياة المؤلف(57) وهو محق في تأكيده على وجوب الإلمام بحياة المؤلف إذ النص هو ذاتية المؤلف لاريب فى ذلك بيد أنه خاصمه الصواب فى كبح جماح التأويل الهيرمينوطيقى، والهيرمينوطيقا تبحث فى مناسبات النصوص للمواقف الحياتية وهذا يتوافر فى بعض آى الذكر الحكيم التى جاءت لمناسبات معينة وهذا مسلم به ومن ذلك المجاز المرسل ذى العلاقة المحلية فى قوله تعالى: " وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا "(58)

فليس المقصود أهل أية قرية غير أن المعنى هنا هو سكان أهل القرية التى أتى منها إخوة يوسف وتتبلور هنا معضلة (الحلقة الهيرمينوطيقية) وهى السمة المميزة المركزية لكثير من النظريات وصفوة القول فيها إنها الانتقال من "التخمين عند المعنى الكلى للعمل وتحليل أجزائه عبر علاقتها بالكل ثم يعقب ذلك العودة إلى تعديل فهم العمل كله وتجسد الحلقة الاعتقاد بأن الأجزاء والكل يعتمد أحدهما الآخر وإنهما يرتبطان بعلاقة عضوية ضرورية"(59) ويتجلى ذلك فى المجاز ذى العلاقات المتفرعة التى تثمر كل علاقة إلى نتاجات لانهائية من ذلك قوله تعالى: " فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ "(60) فالمعنى الكلى فى هذا المجاز ذى العلاقة السببية أن السبب هو الله ولكنه سبب السبب إذ سبب السبب ذلك أكل الشجرة وعلة الأكل وسوسة الشيطان ومما هو متصل بذات السياق مجاز العمومية والخصوصية بإطلاق المعنى العام والمراد الخاص أو العكس وكذا المجاز ذى العلاقة الكلية أو الجزئية وهكذا يدور المجاز بعلاقاته فى شبة حلقه أو دائرة لا متناهية:

حاليـة – كلية –    عموميـة –    اعتبار ما كـان – سببيـة

محلية – حزئية – خصوصية – اعتبار ما يكون – مسببية

وهى "شكل من أشكال الوجود لدى هيدجر"(61) وهو يؤمن بالتفسير القبلى المسبق وقد تجلت تلك الرؤيوية فيما بعد لدى تلميذه غادامير فلكل إنسان موقع وجودى معين يصنع فيه أحكاماً مسبقة ويتكون فهمه للأشياء من خلالها واختلاف البشر باختلاف هذه المواقع الوجودية(62) لقد صار الوجود قرينا للفهم ومتموقعاً به وهذا حق فلكى يفسر المؤول نصا ما لا يلجه وهو خلاء فراغ بل يعضده زخم ثقافى تراثى هائل مذخور تمكنه أدواته من معقولية التأويل وصيانته يؤسس من خلاله ويقعد كما هائلا من الأطروحات والامتدادات ذات العوالم الممكنة واللاممكنة هذا يعيذه من سوء التأويل وكذا سوء الفهم وعسر الطروحات، والمجاز بهذا التمكين الوحدوى ليدخل حيز الهيرمينوطيقا لأنه موجود بالفعل حالما تدير وجوه القول وفقا لمقولة أكثرية اللغة مجاز وهى عنوان الإنسان لذا هو عنوان وجوده لأنه تراثي موجود عقائديا كائنا ذهنيا مؤسسا فمن ذا الذى يستقرى نصا ما دون وجوده ؟!!! لذا يمكن القول إن "هيرمينوطيقية هيدجر ذات بعد أنطولوجى فينومينولوجى"(63) والنص المجازى عدا النص الدينى مؤلفه "مات حيث انقطعت صلته بالنص مقصد المؤلف(64) إن الطبيعة الجدالية للهيرمينوطيقية ليس إنصاتا سلبيا بل هى حوار تفاعلى متنام جدلى قائم بين المؤول والنص وليس الفهم إلا نتيجة هذا الحوار وكل طرف منهما لابد أن يقبل بأن الحقيقة ليست كلها عنده والآخر كله باطل ونتيجة هذا الحوار "ليست معلومة مسبقا"(65) هذا الكلام قابل للنقاش الرافض لبعض مافيه فهو رافض لمقولة إن الحوار نتيجة ليست هندسية قبلية يتموقع فيها الإطار الافتراضى المسبق وهو عنصر فعال فى الفهم التأويلى(66) أما ما يراه من وجوب تفاعل المؤول مع النص أنطولوجيا وايديولوجيا فمعه الصواب كل الصواب فى هذا النهج وكذا حين قوله إن الحقيقة ليست كلها لدى الدينية لأنها فى جانب النص رهن تحيينه لبعض المجازات التى لا تأويل أمامها بل معناها الظاهرى الوحدوى لا سبيل وراءه مثل المجاز ذى العلاقة المؤولية لما سيكون فى قوله تعالى: " إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ "(67)

فهو الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك مثل المجاز ذى العلاقة العمومية فى قوله تعالى:

" أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ "(68)

وقد أكد غادامير على نسبية الفهم فى النظرية الهيرمينوطيقية وهذا بلا شك قائم إذ يتباين ويتمايز الفهم من قارئ لآخر وفقا للمعطيات الثقافية والفكرية والتجربة الحياتية والإيديولوجية المعرفية وينطبق هذا على المجاز وتأويلاته فالمجاز يؤول بأكثر من اتجاه ولولا ذا ما ظهرت المعتزلة وغلوهم فى التأويل المجازى وما ظهر الاتجاه الظاهرى وما اندفع الشاطبى وأهل السنة للحد من النفى والتشدد والغلو وإن كان الفيلسوف الألمانى (هابرماس) قد "اعترض على ذلك لأنها تؤدى إلى النسبية فى العلوم الاجتماعية"(69) وهذه النسبية كانت مدعاة ومطية لظاهراتية إيزز النسبية ونرى هذا الاعتراض لغوا وعبثا ولا سيما إذا طبقنا ذلك وعممناه على الصفات الجسمية لله تعالى فإن الله تعالى يكون له يد وسمع وبصر كباقى البشر ولكن المعلومات اليقينية أو المسلمة العقلية أو الدينية لا تقر بذلك ولا تأخذ بمصطلح (التفسير بالرأى) وإن كان يتمركز فى النظرية الهيرمينوطيقية على أن الأحكام المسبقة والقرائن الثقافية والعلائق المعرفية لا يمكن أن تستحيل تبلورات جبرية لأنها بدورها ستفرض معنى محددا لدى مدركات القارئ المؤول وتمنحه سلطوية ديكتاتورية وهذا ما لا تستجيب له الهيرمينوطيقا وبالتالى فهو بعيد كل البعد عن أطروحاتها إذ هى تسعى فى سبيل ذلك التأويل للتخلص من سلطوية المؤلف الأحادى المعنى وكذا تحاول الانفلات من ربقة وقيد النص فلا يعقل أن تستعيض سلطة بسلطة ومعنى لا تعدوه إلى ذات المرام ولا يجب أن يسلم المؤول بكل أحكامه المسبقة ويحاول نمذجة التأويل بل عليه تنقيحها وتهذيبها واختبار مدى ملاءمتها للواقع والحال أم لا ؟ والهيرمينوطيقا بلا شك عبر هذه الإشكالية (فن التأويل) حيث إنها تقوم بتفسير النصوص" ذات الطابع الرمزى وتأويلها كما إنها قائمة على إعادة البناء لتحقيق الدائرة التأويلية"(70) ويقصد بإعادة البناء أى إعادة الجملة المجازية إلى حقيقتها تارة أخرى أى إعادة المبنى للمجهول إلى المبنى للمعلوم وإن كان ثمة حذف فلابد من ايجاده مرة أخرى والحفاظ على شكلنة الجملة وبساطتها ومن الاختصار إلى التطويل ومن الإيجاز إلى الإطناب أى العودة لما يسمى بالدائرة الهيرمينوطيقية فمثلا قولنا (بنى الأمير المدينة) مجاز عقلى علاقته السببية بنى للفاعل وأسند للسبب فتحرير الكلام وتحرير المعنى "بنى العمال المدينة بأمر من الأمير" وهى لذلك تطلق من فرضية هى أبجدية أولية لتأويل النص فرضية تتوافق مع النص إيديولوجيا وسيكولوجيا وفكريا وموروثيا إنها تطرح نفسها فى مواجهة الموضوعات التى تفترض أنها تمتلك معنى عميقا لا يمكننا إدراكه"(71) إلا أنها – أى الهيرمينوطيقا - تمتلك الأدوات والآليات وتعمل على تفعيل كل علَّها تدلف إلى دهاليز وأنفاق وسراديب هذه النصوص وسمها صبر دءوب لئلا ينسرب هذه الأفق التراكمى التأويلى

المحور الرابع: المنهج الاستطيقى:

إن الاستطيقا امتداد للبلاغة واستمرار لها وهذا ماحدا بـ (بومجارتن) للإشارة إلى أرسطو وشيشرون فى وصل الاستطيقا بالبلاغة مقتبسا الحقيقة التى قررها (زينو) أن هناك أصلين للتفكير: التفكير الدائم الواسع هو البلاغية والتفكير الموجز هو الجدل(72) .وبالتالى فليس من شك فى اقتران المنهج الاستطيقى (الجمالى) بالمجاز اقترانا بينا لا هوادة ولا مصالحة ولا مواربة حيث غدا الإثنان واحدا ولا غرابة فى ذلك فقد رسخ فى الذهن أن المجاز شطر الحسن إن لم يكن الحسن كله وآية ذلك أنك مقر بأن المجاز التأويلى منشؤه الذات المبدعة وهى ذات أثيرة الجمال أسيرة الحسن نهمة به وكلفة به وحين منزعها هذا إنما تستحث الفن ذا الصرح المشيد من الروعة والجمال ويتجلى ذلك فى:

أولا: مبدآ الجمال هما مبدأ المجاز التأويلى وهما: ركيزتان يشدان بعضهما بعضا" الفردية والإبداع ومبدأ الغموض والإيحاء"(73) والتأويل قائم على هذا وذاك وكذا البلاغة" إنْ هى إلا الجمال"(74).

ثانيا: اتجاهات الجمال هما اتجاها المجاز التأويلى:حيث يتقاسم الجمال ويتنازعه اتجاهان ذاتى وموضوعى ومنهم من يرى تغليب الجانب الموضوعى على الذاتى كما يؤمن بذلك (جوتة) وآخر يرتئى ويقر بالنزعة الذاتية على الموضوعية "كما فى فلسفة هيجل الجمالية" وأيا ما كان الأمر فإن إيزر قد قضى على هذه الثنائية ولذا فإن عبد القاهر يلح إلحاحا غريبا فى بيان جمال علم البيان، الذى المجاز فرعه "إنك لا ترى علما هو أرسخ أصلا وأبسق فرعا وأحلى جنى وأعذب وردا وأكرم نتاجا وأنور سراجا من علم البيان"(75) ثم يخص المجاز ويجعله جل عنايته وغاية مقصده وأكبر شغله فهو أحد أقطاب علم الجمال، علم البيان إنه يقتضى "إسقاط الكناية والاستعارة والتمثيل والمجاز والإيجاز جملة واطراح جميعها رأسا مع أنها الأقطاب التى تدور البلاغة عليها والأعضاد التى تستند الفصاحة إليها والطلبة التى يتنازعها المحسنون"(76) ثم اننا نرى طائفة من العلماء يثنون على المجاز وقسماته الجمالية "فالمجاز أبلغ من الحقيقة وأحسن موقعا فى القلوب والأسماع"(77) والحق الذى لا مراء فيه أن مبعث الجمال المجازى هوتمرده على المألوف المعروف والمعجم اللغوى الذى لطالما سئمناه وعافته الأنفس ومجته القرائح وما يصطنعه لنفسه من كلم تأتلف وتنتظم أسلوبا غير مؤثل غير منمذج لقد حطم ذينك الصنم المقدس والإله المعبود من المفردات اليومية التى لا تنى تقدم مكرور القول فيما لاغناء فيه من جدلية استهلاكية لا تروى غلة الصادى اللاهث خلف كينونة المعنى الظاهرى تتجاوب مع الروح الطامحة إلى أكوان مترامية شاسعة الفجوات نافرة من واقع حسير كسيف قد ترتدله وتدثر معطياته الخافته النزوع للأعمق المخبوء فيوضاته لمَ لا يستمرئ على هذا الناموس ويثور ويعنف عليه ؟! لم لا ينسل من السمت المهيكل له فيحدث خللا فى قاعدة الاستبدال ويتجاوز الدائرة الذرائعية إلى الدائرة الجمالية دونما إحداث ما يسمى بـ (الفوضى الجمالية) كما يدعى د / محمد عبد المطلب(78) إذ الجمال لا يرتكن إلى فوضى فالفوضى:لا تنشئ جمالا فالجمال لحظة تأويلية وتجربة أنطولوجية"(79) فالفوضى أبدا لا تثر جمالا فى النفس أبدا لا تثر حسنا فالجمال ذو هندسة نسقية متآلفة الأجزاء متعاضدة البنيات مجتمعة الأركان قوامها الاتساق عمادها الاصطفاف بشكل تتناسب فيه أعضاؤها .كلا إن للتأويل أو التطهير "وظيفة جمالية وأخلاقية واجتماعية لدى ياوس" كلا لم يكن دولوز موفقا كل التوفيق حين أكد أن الصور الجمالية ليس لها علاقة ألبتة بالبلاغة لأنها "إحساسات مؤثرات إدراكية وانفعالية مشاهد ووجوه ورؤى وصيرورات بينما خاصية الفن هى المرور عبر المتناهى لاستعادة اللامتناهى".(80)

الأسس الاستطبيقية الجمالية:على هدى ورشد من فلسفة الجمال لدى حازم وهيجل وكروتشه ولوكاتش نستعير تلك الأسس: أولا: الخيال: مر بنا أن النص هو حلقة الاتصال بين المبدع والمتلقى ولكن ليس هو هذا إنما الخيال الذى يثير لدى القارئ زخما وكما مهيلا من الانفعالات والتوترات إزاء ذاك الإبداع ماضية فى توطين ثلة من التأويلات تتأتى لسياقات تخيلية تعتمل نفسانية المؤول المستقبل فتقوم ببعث الروح فى هذا النص الميت أو يكاد ويلتقى الفلاسفة والأدباء معا وفى مقابل ذلك يولون للخيال دورا لا بأس به ليس "الخيال مجرد إعادة صور ما هو كائن فحسب بل ما يمكن أن يكون"(81) وهذا دليل آكد على نهوض التأويل بواسطة التخيل والخيال لب الجمال وقرينة ولازمة لدى القرطاجنى فهو القدرة على "إدراك العلاقات مما يساعد على إبراز الأفكار الجديدة كما أن له القدرة على إيجاد تناغم بين جميع عناصر العمل الفنى من ناحية المضمون والشكل وهو عنصر شغل دارسى الجمال كثيرا رغم أنه هو القدرة نفسها على التشكيل"(82) ومادام الخيال يؤسس لعلاقة التناغم والتناسق وأن لا تنافر فهو ذو قدرة جمالية وتبدو أصالة حازم بشكل خاص فى تناوله للخيال بنظرة جمالية ... "والخيال بطبيعته أحد أسس الجمال فى الفن"(83) والخيال باد فى المجاز التأويل إذ كلاهما لا يعتد بالسطحى من المعنى لكنما يسعيان لاستظهار الكوامن من المعانى واستيداعها على مرأى ومسمع من الخلق عمادها فى هذا الخيال وشطحاته الجامحة المتفلتة من آدمية وبشرية أجساد المتلقين، ومن أسس الخيال لدى القرطاجنى: التعجب أو الدهشة: وزبدة الحقب فى هذا الأساس أن "إلاغراب أو التعجيب أو الحرص على إثارة الدهشة هو أحد الأساليب الجمالية إلى إثارة النفس وإحداث الانفعال ذلك لأن تخيل الصورة المألوفة المكررة أمر لا يحقق من إثارة النفس ما تحققه الصور المخترعة المبتكرة"(84) وهذا إسقاط على كنه المجاز والتأويل، فالخروج على الحقيقة وعلى المعهود المركوز هو ماهية المجاز ويسعى ماضيا فى ذلك ويتمثل ذلك فى علائق المجاز العقلى فى إسناد الفعل إلى غير فاعله من فاعلية ومفعولية وزمانية ومكانية ومصدرية وسببية حيث تتوقع الذات أن المعنى المنبسط هو المقصد حتى إذا ما ابتلاه لم يجده ذا بال وهنا يفجؤنا القارئ النموذجى المثالى بأن هذا المعنى لا معنى واللا معنى هو المعنى المراد المبغى المؤمل المرجو فتثار وتدهش النفس.

التناسب: وهو إخفاء المنافرة والتناسب بين أضلاع العمل الفنى وهو "عنصر جمالى ويكون بين الغرض والمعانى المتخيلة فيه ومناسبة الحال التى فيها القول وشدة التباسه بها يعاون التخييل على ما يراد من تأثر النفس لمقتضاه"(85) هذا العنصر يرتد بقوة فى المجاز وينعكس على تأويلاته بل إن ماهية المجاز لتدل على التناسب وكذا المجاز سمى: مجازاً لجهة التناسب لأن المجاز "مفعل من جاز المكان يجوزه إذا تعداه والكلمة إذا استعملت فى غير ماهى موضوع له وهو ما تدل عليه بنفسها فقد تعددت موضعها الأصلى واعتبار التناسب فى التسمية مزلة أقدام"(86) فلقد ناسب التحوصل والفحوى الاشتقاق التجذيرى للمجاز فهو من المجاوزة والتعدى والتخطى وكذا غرضه فى الحال ألا يدل على المعنى الأولى بل يعبر عن معان عدة متخطية ذياك المعنى التمهيدى .

النفس: والخيال يقدر قيمته فى صناعة التأويلات بقدر تأثيره وانعكاسه على تحقيق الانفعال النفسى، لتترجم الخيال أى النفس واقعا ملموسا أداتها الاستبطان ودافعها الفضول فى اكتشاف المجهول الملغز المبهم الغامض ذاك الذى يحرك كوامنها ويستنهض بواعثها فالخيال هو "الكلام الذى تذعن له النفس فتنبسط عن أمور وتنقبض عن أمور من غير روية وفكر واختياره"(87) وقديما أدرك ووعى أرسطو دور الخيال فى النهوض باللذة النفسية لدى المتلقى "والأمر العجيب يلذ ويكفى لإثبات ذلك أن كل من يروى قصة يضيف إليها بعض العجائب ليسر السامعين"(88) بل إن بـ "تأثير التخيل الفنى يستطيع الشاعر أن يصيغ تجربته صياغة لغوية تنفعل لها نفسية المتلقى وتندفع لاتخاذ موقف سلوكى معين"(89) وبناء عليه فإن " للنفس قوة على معرفة ما تماثل وما تناسب وما تخالف وما تضاد فى الصورة الشعرية"(90) والسائل المتلقى تستشرف نفسه إلى معرفة ما يجهله ويسأل عنه"(91) ولسنا ننحو نحو روز غريب فى أن الجمال"لذة رفيعة تبدأ بالتأثر والانفعال وترتفع إلى الخيال"(92) فهو إذ يقر بلذة الجمال يقر أيضا خطأ بأن الجمال مبعثه النفس أولا ثم الخيال ثانية وهذا مجانب للصواب ومجانب لجمهور العلماء إذ يرون بأسبقية الخيال على النفس إذ ترى النفس البياض والفراغات المتروكة فى باحة النص وتطلق لعنانها الخيال اللامتراءى ثم تنفعل النفس وتتوتر مسترشدة بهذا الخيال مستهدية مقتدية مؤتمة به وتدخل البياضات دائرة النفس التأويلية فراغات النص الأدبى تحتم وجود تكافؤ فى الربط يساعد القارئ على اكتشاف بناء النصوص إذ إن لها "أهميتها أيضا فى علم النفس ويمكن مساواتها بمفهوم حسن المتابعة المستخدم فى علم نفس التذوق ونطاق التداعيات الخاص بالمتكلم"(93) إن أهم ما فى تعريف بومجارتن للاستطيقا هو "حضور الذات بوصفها مستقبلا لمادة الجمال وعنصرا تقويميا لا غنى عنه".(94)إذن "فالذات المستقبلة للموضوع لها دو أساسى فى التقويم الجمالى" .(95)

من هنا أيضا فإن" علاقة الاستطيقا بالذاتية متينة وأن مفهوم الجمال الذى حدده علماء الجمال والفلسفة نابع من الذات فهى شرط وجوده"(96) إن النفس عبر مرورها بمراحل متعاقبة متمايزة من دوافع (الفضول) و(الاتجاهات) و(الميول) و(الرغبات) و(الاستبطان) و(التقمص) وكذا (التمرد) وأيضا (التوحد) آناء عكوفها على العمل الأدبى المفتوح تسترفد كل تلك المصطلحات وتدركها وتختزنها فهى آلياتها التأويلية ومما يلقح الجانب النفسى ويخصبه هو هذا الإبهام الذى تزدحم به الفراغات والنفس هى التى ما تنفك يعتملها هذا الإبهام بضبابات من القلق لا يتوارى إلا حالما تسبره ولسنا نتفق مع أصحاب النظرية الموضوعية الجاعلين من هذا الإبهام (المعيار المثالى) وأنه من" فك رموز وشفرات العمل الأدبى بتلقائية ومن ثم فقد تجاهلوا دور القارئ وأسكنوه دائرة التهميش"(97) وهم بهذا أيضا دون أنفسهم إذ إن هذا المعيار المثالى مأتيه القارئ الذى استشعر به ومهما يكن من شئ فإن" الجمال تأويل وهو التفهم الواعى العميق الناتج عن إعادة النظر فى الأثر الفنى"(98) وعلى هذا فالخيال منتوج جمالى " يحتوى على لذة الإبداع لأنه يقوم بتكميل فكرة الفنان أو يخلق فكرة جديدة مستوحاة منها "(99) ولو طبقنا هذا الكلام فعليا على المجاز لوجدنا النفس المتلقية قاسما مشتركا فى المجاز بل ربما بذت المؤلف المبدع ذاته وتعدت آفاقه وها نحن أولاء أمام الرمز اللغوى لكلمة جاسوس فالباث يطرح لفظ (الربيئة) أرضا ولا يتعاورها فى استخداماته ويحل محله (العين) وما فعله عن أمره إن هو استجابة لمتلقيه إذ هذه اللفظة أخف من الحقيقة على اللسان والسمع أو لخفة وزنها أو لسلامتها فاقتضى ذاك منه العدول عن الحقيقة إلى المجاز ينضاف إلى ذلك أنها أعرف لدى السامع والقارئ لقد استبطن المؤلف داخلنية القارئ وأدار وجوه الرأى وقلب ردة الفعل واستنزل نفسيته منزل هذا القارئ وأنها ليست الحقيقة بذات المجاز فكان المجاز استجابة وتوافقا للقارئ وانسجاما لمبدأ الجمال هذا بل الجمال لدى كانط "ما له أثر فى النفس"(100) بل إن اعتماد الجمال لدى (فلف) "ما كان نابعا من الذات"(101) إن أساس هذا المنظور "متجذر فى فلسفة الذات لدى كانط"(102).

ثانيا: الوحدة مع التنويع: الوحدة ضرورية للفهم وهي من أسس الجمال ذاك الذى ينشد ويتطلب تضافر الحواس والانتباه والقوى العقلية التخيلية وتضام مفرداتها وأجزائها لمنتوج يتمركز ويتمحور فى أعماق المتلقى شريطة ألا تكرر نفسها وألا تبعث على الفتور والملال بل التركيز والتكثيف عنوانها وأسسها وتستوعب تلك الوحدة القراء أجمع بقضهم وقضيضهم وتتهادى وشائج عدة يتحقق خلالها تلك الوحدة وهى: توافق الأجزاء:وهذا أمر ملاحظ فى ائتلاف المعنى مع اللفظ، والمعانى المتآلفة تلك المعانى التى يستحضر بعضها بعضا، فالربيع يستحضر الخضرة، القمر يستحضر النور، وقد توفر ذلك فى المجاز العقلى ذى العلاقة الزمانية كما فى قوله تعالى:" وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2)"(103) فالليل لا يسجى ولكن يسجى ويسكن فيه وهو ما يقع فيه السكون وكذلك المجاز العقلى ذى العلاقة المكانية فى قول الشاعر:

يُغنِّى كما صدحتْ أيكهُ وقدنبَّة الصبحُ أطياَرها

فالأريكة لا تصدح ولكنها مكان الصدح الصادر من الطيور وهذا هو التآلف والتماذج والتوافق بين المكان والحدث وكذا فى علاقة المجاز المرسل ذى العلاقة الملزومية فى قول الرسول (ص) للعباس بن مرداس "اقطعو عنى لسانه " فقطع اللسان ملزوم للسكوت وكذا فى العلاقة المحلية فى قوله تعالى: " إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ "(104) فالمقصود الجنة، والجنة مكان النعيم وهكذا كان التوافق بين أجزاء المجاز وقد تكون مسألة التوافق بين المعانى المتضادة لأنها "تتداعى فى الذهن فالسواد يستحضر البياض والسماء تستحضر الأرض والنور يستحضر الظلام" (105)

وقد حدث هذا فى المجاز المرسل ذى العلاقات المتمايزة كالجزئية تستحضر الكلية والكلية تستحضر الجزئية والحالية تستحضر المحلية، والنقيض، والمجاز العقلى فى العلاقات المتباينة، الفاعلية تستدعى المقعولية والعكس وكذا فى المجاز ذى العلاقة الضدية مثل كتسمية الأعمى بصيرا، البصير أعمى، الحى ميتا، هكذا.

التوازن: هو التوازى والتعادل والتساوى والتكافؤ والتناظر وكلها مترادفات للشكل الهندسى للجمال المتخيل فلا نتوءات ولا تضاريس ولا سهول ولا هضاب ولا أملس ولا مجعد وهوما تجتهد إليه النفس فالجمال الطبيعى هو الأنموذج للجمال الروحى التى تخلقه النفس جاهدة فى ذلك وقد عج به المجاز إذ يجلب ويستثمر ويتموقع تمحورا أساسيا حال عجز الحقيقة عن قدرتها على تلبية ذلك لذا يسعف الشاعر وينقذه فى إدراك قافيته وأيضا ينقذ الناثر إذا افتقر لإقامة سجعه وكان فى عوز وقد التجأ إليه عمرو بن كلثوم فى قوله:

ألَا لا يجْهلنَّ أحدٌ علينَا فنجهلُ فوقَ جهلِ الجاهليِناَ

فلم يستخدم فى مجازة ذى العلاقة السببية (لا يسفهن) مراعاة لمعضلة التوازن وابتغاء الوزن والقافية والتوازى والتناظر وكذا قول الشاعر:

وكمْ علمتَهُ نظمَ القوافِى فلمَّا قالَ قافيةً هجانىِ

ويقصد نظم الشعر، وهذا المجاز المرسل ذو العلاقة الجزئية انتزع انتزاعا استقامة للوزن والقافية وجلبا للاستماع والاستمتاع ويتم التعادل (قوافى، هجانى) ولو أتى بلفظة (الشعر) لما استقام وتهيأ الشكل الهندسى ألبتة وكذا السجع القرآنى: "إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ"(106)

فههنا مجاز مرسل علاقته الحالية مدعاة ذلك (نعيم، جحيم) وهذان المجازان علاقتهما الحالية والمقصود والمبغى الجنة والنار ولكن كان المجاز أدفع وأنجع وأسجع وكل أولئك مرتبط بالتوازن وليد "الاسقاطات السيكوفيزيولوجية المتولدة عن الجاذبية التى تختزنها ذواتنا" (107)

ح- التدرج والتطور: وهذا المبدأ يتآلف مع سابقيه فى ابتناء نظرية جمالية وافية الشعب والأطر فالقارئ قد يتصفح من الكلام النهر والنهرين ليجد نفسه إزاء مجازات إزاء تأويلات يستوقفه الأول ليكون عقبة للثانى ليصل إلى المراد المستكن ومن ذلك مجاز المجاز كما قوله تعالى: " وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا "(108)الملازمة ومسوغ المجاز الثانى السببية(109) وهذا بحق هو ما أطلق عليه الحلقة الهيرمينوطيقية أو الدائرة التأويلية .

د- التكرار: ويأتى دلالة على العناية بالشئ ويكثر فى "مواطن الفخر والمدح والإرشاد والتلذذ" والتكرار هو بمثابة المركز والقوة التى تتجمع حول أنحائه وأحنائه أطراف النص وهو بذلك تاركا فراغا وبياضا يسترعى التأويل ويستدعى التخمين والحدس. إن التمركز لمبعث من بواعث الالتفاف حول النص حيث يكون بمثابة الانطلاقة الجمالية وهو" وسيلة جمالية شرط اتفاقه وتلاؤمه مع المجموع"(110) إن ذلك يحيل على دائرة مفهومية مركزية "واحدة وجود الشئ ونظيره ضمن دائرة تشبه الانعكاس المرآوى"(11) بالمجاز المرسل بعلاقته المؤولية .

وقد تم استجلاء ذلك المجاز المرسل بعلاقته المؤولية فى قوله تعالى:" إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ"(112) حيث تمفصل حول الموت الذى لا مفر له ولا ملاذ منه وكذا فى قول أبى نواس فى وصف قاتلته: الخمر:

لا تبكِ ليلى ولا تطربْ إلى هندٍ واشربْ على الوردِ من حمراءِ كالوردِ

حيث تبلور وتسيد مجازه ذى العلاقة الوصفية الورد فهو وإن ذكر (حمراء كالورد) فالمراد الموصوف (الخمر) وترداد (الورد) يشعرك بجمال أثيرته وعشيقته التى لا بد منها مما ليس بد ومناط هذا الجمال هو التكرار ليعلمك أن لا مبغى وراءها فهى ديدنه فلم يمل تردادها وتكرارها ؟! والشئ المكرر يستهوى النفس المؤولة حيث يأخذ عليها لبها وذوقها ويحيل على الحالة النفسية والمزاجية والاستطيقية ومن مواطن التقوية وهذا ما يسميه جاكوبسون السيميترية الناجمة عن تكرار بنية معينة قد يشعر المتلقى ذاته بملاءمة هذا النوع من التكرار التوزيعى فى خلق إيقاع متجانس فى التعبير(113) .أيضا التضاد إذ الأشياء بضدها تتمايز والضد يظهر حسنه الضد وغنى عن البيان الخوض فى مثل ذلك فأكثرية المجاز بنوعيه يتمتع بعلاقات ضدية .

هـ- عدم التنافر بين الشكل والمضمون: حيث يدحض كروتشه القول "بالفصل بين الصورة والمضمون"(114) وهذا الأمر واضح فى المجاز التأويلى إذ يؤتى به لينمحى ويتبدد هذا التنافر وإلا لما عدل به عن الحقيقة ومادام الأمر كذلك فتأويلاته حتما ستكون بمنأى عن هذا اللاتوافق بل إن الصورة تبدو مطابقة "للاستعارة والمجاز بشكل أوسع كما ذهب إلى ذلك (بوالو)" (115) وهناك من يترسم . هذا المنهج بل يتعداه بمراحل حين أكد أن الصورة إحدى وظائف المجاز أى إن الصورة جزء من منظومة المجاز فالصورة عند "إيفون وظيفة مجازية بالتحديد"(116) بل إن بعضهم ليضع المجاز على خط التماس مع الصورة والرمز إن "دراسة الصورة الشعرية عند إحسان عباس تقضى بدراسة كل الأشكال المجازية مع دراسة الصورة والرمز"(117) .

و- التناسق بين المعانى والألفاظ: ولما كانت الألفاظ أدلة المعانى ولما كان المرسل يستعيض عن ألفاظ الحقيقة النافرة اللاتناسقية كان المجاز أنجز دلالة على حدوث التناسق من ثم أمسى اللفظ كينونة المعنى وسيرورة التأويل فحين تبصر المجاز يغدو التأويل هنا من ذات اللفظ لتضح صورة المجاز. إنه اتفاق بين الشكل والمضمون كما فى علاقة المجاز المرسل الكلية فى قوله تعالى: "يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ "(118)

فهم لا يضعون الأصابع كلية وإنما الجزء منها فكأن المعنى جزءا من اللفظ وكذا فى علاقة المجاز المرسل الجزئية فى قوله تعالى: " فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ "(119)

أى عبد بل إن المعنى لا يمكن أن يصبح مرئيا إلا فى علاقته "بالنسق المولدله إنه يضعنا مباشرة فى قلب إشكالية الإمساك بالمعنى وتداوله وتحديد سبل انتشارة الاستقبالى ضمن مسيرات تتحقق عبرها ألوان دلالية متنوعة العدد والأشكال"(120).

وهذا النسق يؤدى بدوره إلى نسق آخر وذاك يسلمنا بالتبعية إلى أنساق أخرى هذه السلسة التداولية سيتم إدراجها ضمن" مسير تأويلى أو مسيرات تأويلية وبالتالى فهذا النسق وإن كان لا يستطيع تحديد مجمل القراءات الممكنة للواقعة فإنه يقوم على الأقل برسم جملة مسيرات للتأويل لا يمكن للذات المؤولة تجاهلها وهى لا تتصالح فيما بينها وهذا راجع إلى "طبيعة التأويل نفسه"(121) إن النسق الأولى ههنا يمكن اعتباره بمثابة المعنى الأولى أو التأويل الأولى أو المعنى الظاهرى الذى يبتنى عليه ويكون قاعدة الانطلاق لآفاق أرحب وأوسع لتأويلات لا مدركة.

نسق الدال  نسق المدلول

دال  مدلول  دال مدلول

جسامة أخطاء كروتشه وتفنيدها: ألمحنا من ذى قبل أن كروتشه ينقض ما قاله الأقدمون عن تلاحم الصورة بالمضمون ولكنه يتخذ ذلك تكئة لمذهبه الجمالى الذى يشوبه بعض العوار "لم نعنى أنفسنا بهذا الجهد ولدينا اللفظ الحقيقى ؟! لماذا نختار أطول الطريقين وأعسرهما والطريق الأقصر والأصلح معروف؟ وإذا كان اللفظ الحقيقى فى بعض الأحوال غير معبر كما يقال فهذا يعنى أن المجاز هو نفسه اللفظ الحقيقى الذى ميزوه منه"(122) فهذا القول مردود عليه من عدة أوجه:المجاز أقصر الطرق وليس اللفظ الحقيقى فريثما أقول: بنى الأمير القلعة فذاك اختصار وإيجاز للمعنى الحقيقى (بنى عمال الأمير القلعة) بأمر منه وكذا الحال فى مجاز المجاز الذى هو أخصر طريق لذلك.المجاز بهذا المنطلق ليس الأطول .اعترافه بعجز وعيي اللفظ الحقيقى عن الوفاء بالمعنى لذا تحتم وجود المجاز إنه سوى بين اللفظ الحقيقى واللفظ المجازى وإنه هو هو فحالما استخدمت المجاز ليسد عوار الحقيقى فهو حقيقى إذن فلا يميز هنا، كيف يستقيم هذا الكلام، كيف يتنكر للمجاز وفى اللحظة عينها يقر بوجوده ؟ ولكنه إقرار فوضوى عبثى فمادام يتأدى به المعنى فقد بات حقيقيا!!

لا يستقيم إنكاره هذا وتنصله للمجاز وهو يجحد الفلسفة قسيمة العقلية الذهنية المجردة ويستبد لها بالفلسفة الروحية، إذ المجاز قرين الخيال الذى هو الروح وصنوها .

دحض اتجاه ستولنيتز الجمالى: حيث يرى أن "الانتباه الجمالى والبعد الاستطيقى يكون مركزا على الموضوع فحسب"(123) والشكل فى اعتقاده لا يمثل شيئا يذكر ألبتة إذ المتلقى يحول انتباهه مباشرة إلى الموضوع غير عابئ بالألوان وهو فى هذا جد خاطئ الخطأ الأكبر إذ الجمال يتمحور حول الموضوع إنما فى شكل أساليب وجمل وقوالب وأطر بلاغية إنه بهذا يلغى علوم البلاغة بأكملها إذ هى الإطار، يطرح الجمال الطبيعى أرضا القائم على التناسق الشكلى والموضوعى ويطرح أيضا أعمال الفنان المستوحاة من الطبيعة ومناظرها والذى أساسه الألوان والأصباغ لكم صاغت لنا موضوعات أثرت العالم بأسره بل إن رسومات دافنشى كانت مرتكزا لاختراعات عديدة، إن الموضوع ليتكئ على الشكل بل إن الفراغات والبياضات ظاهرهما شكل وباطنهما موضوع ينتقل عبر سلسلة من التأويلات إنه يلغى بذلك النص الأدبى بأجمعه لاسيما الشعر القائم على الخيال والخيال شكل مؤسس للموضوع بل إن المبدع فى عمله ليسعى محاكيا الطبيعة وجمالها آملا اللحاق بها ويستودع عمله هذا بعضا من أقانيمها وأيقوناتها لذا ناقضه نفر غير قليل "إذا كان الفن ينقلنا من حال إلى حال ويحرر العقل والقلب فإن له عندى إعزازا غير أن الطبيعة والتفكير يفعلان ذلك مرات أكثر وبسلطة أعظم ولو كان ثمة شئ خلب لبى فإنما هو الأماكن الجميلة"(124) وهذا آخر يهدم ما يزعمه ستولينتز لو "أجبرنا على الاختيار القاسى بين الجمال الطبيعى والجمال الفنى ففى اعتقادى أن اختيارنا ينبغى أن يكون للطبيعة"(125) ثم ها هو ذا يعتريه التخطبط والعشوائية آناء استرساله فى تفضيل الجمال الفنى الطبيعى معللا إياه بأن الجمال الطبيعى "لا إطار له بينما الجمال الفنى له إطار ذاك الإطار الذى ينظم الموضوع الفنى ويوجده وهذا أمر له قيمته لأنه يربط بين أطراف تجربتنا التى لن تكون بغير هذا الإطار إلا مهوشة لا شكل لها"(126) وجمال الطبيعة لدى أرسطو والجمال "الأسمى والجمال الفنى تقليد ومحاكاة له " (127) فالميزة الناجعة الناجزة لديه كانت غياب وتلاشى الإطار أو الشكل ثم يعود على ما قاله بالنفى والسلب وقد أبان (سانتيانا) خطأه فى هذا أيضا إذ أقر بإطارية الطبيعة عندما تدرك جماليا فلابد لكى يرى" المنظر الطبيعى من أن ينشأ ويشكل"(128)

يغدو الشكل مضمونا ريثما يؤوله المتلقى ليقف على التأويل الأولى ثم يضحى شكلا للتأويل الثانى وهكذا سلسلة متعاقبة ومتوالية هندسية لا نهائية من الشكل والمضمون ينضاف إلى ذلك أن الموضوع ذاته شكل استغل ذاتية المبدع كما أنه بطبيعته منفصلا عن ذات المتلقى وحسب هذا القول الطاعن فى مجافاة الواقع ومجانبة الصواب كل الصواب أن لا قيمة لفنون القول الناهضة على الشكل لا المضمون .

نتائج الدراسة

وبعد..، فلقد قضى الأمر، وأكدت الدراسة على تعالق المجاز بمناهج ما بعد البنيويَّة، مثل السيميولوجية والهيرمينوطيقية والاستطيقا والابستيمولوجيا والسيميائيات؛ حيث سعت فى مجموعها إلى تبيان المعانى الثاوية خلف المعنى الظاهرى.

توصيَّات الدِّراسة: ضرورة دراسة مباحث علوم البلاغة فى ضوء النظريات والمناهج الحديثة، وربط القديم بالحديث وتفعيل هذا التواشج والتعالق.

 

الدكتورمحمد سعيد محفوظ عبدالله

.......................

مكتبة الدِّراسة

د/ إبراهيم أحمد – هيدجر وإشكالية الفهم اللغوى للوجود –منشورات الاختلاف – الجزائر سنة 2010م.

د/ أحمد بدوى -أسس النقد الأدبى –– دار النهضة سنة 1951م

أحمد حسن الزيات– دفاع عن البلاغة عالم الكتب– القاهرة - 1967م.

د/ أحمد يوسف -القراءات النسقية فى ضوء المقاربات البنيوية الحديثة للشعر العربى الحديث –دكتوراه-جامعة وهران – الجزائر سنة 1999م

د/ أحمد فائق ومحمود عبد القادر – مدخل إلى على النفس العام –الأنجلو المصرية سنة 1980م.

د/ أحمد الشايب - أصول النقد الأدبى –النهضة المصرية ط 5 سنة 1966م

أرسطو طاليس – فن الشعر –تحقيق د/ شكرى عياد - الهيئة المصرية للكتاب - القاهرة سنة 1967م .

إمبرتو إيكو – التَّأويل بين السيميائيات والتفكيكية –ترجمة د/سعيد بنكراد – منشورات المركز الثقافى العربى – بيروت الدار البيضاء -سنة 2000م،

د/ آمنة بلعلى -الثابت والمتغير فى النقد العربى المعاصر –م.س-

د/ أنور مرتجى- سيميائية النص الأدبى–إفريقيا الشرق- الدار البيضاء 1987م

بول ريكور:–

صراع التأويلات –ترجمة د/ منذر عياشى – مراجعة جورج زيناتى – دار الكتاب العربى – بيروت – لبنان سنة 2005م .

من النص إلى الفعل – أبحاث التأويل –ترجمة محمد برادة – حسان بورقية – الرباط سنة 2004م

إ. م . بونسكى – الفلسفة المعاصرة فى أوروبا –ترجمة عزت قرنى – سلسلة عالم المعرفة – الكويت سنة 1992م .

برول -التحليل الجمالى: ترجمة الهادى الجطلاوى – الدار البيضاء سنة 1995م

التهانوى –كشاف اصطلاحات الفنون –تحقيق د/ لطفى عبد البديع النهضة المصرية سنة 1963 م 2/231 .

جاكسون –القيمة المهيمنة – نظرية المنهج الشكلى –ترجمة إبراهيم الخطيب – بيروت سنة 1982م ص 49 .

جان كوهن – بنيه اللغة الشعرية –ترجمة محمد الولى ومحمد العمرى – دار توبقال للنشر سنة 1986م

جيرار دولودال- السيميائيات أو نظرية العلامات –ترجمة د/ عبدالرحمن بو على – دار الحوار سنة 2004م

د/ خالدة سعيد – حركية الإبداع –در العودة – بيروت سنة 1979 م .

دولوز –فلسفة كانط النقدية –بيروت – المؤسسة الجامعية سنة 1997م

دى سوسير – أصول اللسانيات الحديثة –جونا تان كالر - ترجمة د/ عز الدين إسماعيل – الأكاديمية سنة 2000م

رامان سلد ن-النظرية الأدبية المعاصرة– ترجمة د/ جابر عصفور – دار قباء للطباعة والنشر سنة 1998م

روبرت شولز:سيمياء النص الشعرى –ترجمة د/ سعيد الغانمى – الدار البيضاء سنة 1993م

سانتيانا – الإحساس بالجمال -ترجمة د/ مندرعياشى – مركز الإنماء القومى – بيروت سنة 1998

ستولنيتز –النقد الفنى – دراسة جمالية فلسفية –ترجمة د/ فؤاد ذكريا – الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1981م

د/ سعيد توفيق- الخبرة الجمالية – دراسة فى فلسفة الجمال الظاهرتية – بيروت -سنة 1992م

د/سعيد بنكراد–السيميائيات– مفاهيمها وتطبيقاتها–الدار البيضاء- 2003م

السكاكى -مفتاح العلوم– تحقيق/نعيم زرزور- دار الكتب العلمية - بيروت -سنة 1987م

) د/سماح رافع محمد-المذاهب الفلسفية المعاصرة– مكتبة مدبولى القاهرة 1985م

د/ سيزا قاسم وآخرون - مدخل إلى السيميوطيقا –عيون المقالات – الدار البيضاء سنة 1986م

ابن سينا – الشفاء –تحقيق / فؤاد الأهوانى – محمد الخضيرى – الأب الدكتور / جورج قنواتى - مراجعة د/ إبراهيم مدكور – تصدير د/ طه حسين - المطبعة الأميرية - القاهرة سنة 1953م

شارل لالو – مبادئ علم الجمال –ترجمة مصطفى ماهر – يوسف مراد – المركز القومى للترجمة سنة 1982م

شبلنر–علم اللغة والدراسات الأدبية –ترجمة د/ محمود جاد الرب القاهرة 983م

الشكلانيون الروس–نظرية المنهج الشكلى– ترجمة إبراهيم الخطيب- الشركة المغربية سنة 1982م

د/ عبد العزيز بومسهولى – الشعر والتأويل – قراءة فى شعر أدونيس -أفريقيا الشرق – الدار البيضاء سنة 1998 م

د/ عزالدين إسماعيل– الأسس الجمالية فى النقد الأدبى-دارالفكر العربى 1974م

د/ على الجندى – البلاغة الفنية –نهضة مصر سنة 1956م

د/ عمارة كحلى - المنهج الفينومينولوجى وأفق تاويله للظاهرة الجمالية –الندوة الفلسفية الثالثة عشر للجمعية الفلسفية المصرية سنة 2001م

د/ عواد على -معرفة الآخر(مخل إلى المناهج النقدية الحديثة– المركز الثقافى العربى سنة1990م

فولفانج إيزر – فعل القراءة – نظرية فى الاستجابة الجمالية –ترجمة عبد الوهاب علوب - المجلس الأعلى للثقافة سنة 2000م

أ.ف كاريت- نظرية الجمال–ترجمة/عبد الحميد صبرة- دارالساقى–القاهرة 1992م

ثانيًّا:الدوريات العلمية:

د/ جميل حمداوى- السيميوطيقا والعنونة -مقال بمجلة عالم الفكر مج 25/ع3

الحبيب بوعبدالله – مفهوم الهيرمينوطيقا - الأصول الغربية والثقافة العربية –مجلة فصول -سنة 2004م /ع 65

الهوامش

(48) إ. م . بونسكى – الفلسفة المعاصرة فى أوروبا –ترجمة عزت قرنى – سلسلة عالم المعرفة – الكويت سنة 1992م ع 165 / 231 .

(49) الأعراف: 26 وقد أنكر الدكتور / لطفى عبد البديع هذا اللون من المجاز إذ يقول والقول بالواسطة بين الحقيقية والمجاز لا يعد له فى الغرابة إلا القول بمجاز المجاز " انظر: فلسفة المجاز ص 19 .

(50) د/ نصر حامد أبو زيد – إشكاليات القراءة وآليات التأويل –المركز الثقافى العربى سنة 1996م ص44 .

(51) مبادئ فلسفة الفهم وأسس العلوم الإنسانية عند دلتاى ص 97 .

(52) دلتاى- فلسفة التأويل ص 86 .

(53) د/ نصر حامد أبو زيد- إشكاليات القراءة وآليات التأويل ص 57 .

(54) د / محمد شوقى الزين -تأويلات وتفكيكات – فصول فى الفكر الغربى المعاصر– المركز الثقافى العربى – بيروت سنة 2002م ص 34 .

(55) انظر:إمبرتو إيكو- التأويل بين السيميائيات والتفكيكية ص 11 .

(56) انظر:د/ نصر حامد أبو زيد- إشكاليات القراءة وآليات التأويل ص 60 .

(57) انظر: المصدر نفسه ص 61.

(58) يوسف: 82 .

(59) نصر حامد أبو زيد-إشكاليات القراءة وآليات التأويل ص 70 .

(60) الأعراف: 27 .

(61) د/ إبراهيم أحمد – هيدجر وإشكالية الفهم اللغوى للوجود –منشورات الاختلاف – الجزائر سنة 2010م ص 224 .

(62) المصدر نفسه ص 142 .

(63) د/ عمارة كحلى - المنهج الفينومينولوجى وأفق تاويله للظاهرة الجمالية –الندوة الفلسفية الثالثة عشر للجمعية الفلسفية المصرية سنة 2001م ص27 .

(64) ديفيد كوزنزهوى – الحلقة النقدية - الأدب والتاريخ والهيرمينوطيقا الفلسفية –ترجمة وتقديم خالدة محمد – المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة سنة 2005 ص 13 . وانظر: مبادئ فى علم الأدلة – رولان بارت – ترجمة محمد البكرى – عيون المقالات سنة 1986م ص 41 .

(65) فلسفة التأويل - غادامير ص 98 وانظر د/ سعيد توفيق: الخبرة الجمالية – دراسة فى فلسفة الجمال الظاهرتية– بيروت سنة 1992م ص 7 حيث يتناول كتاب (مهرجانات التفسير) لغادامير ص 74 .

(66) المصدر نفسه ص 85 .

(67) الزمر: 30.

(68) النساء: 54 .

(69) هابرماس – حلقة انتقادى –ترجمة مطاع صفدى – مركز الإنماء القومى – بيروت سنة 1995م ص258.

(70)الحبيب بوعبدالله – مفهوم الهيرمينوطيقا - الأصول الغربية والثقافة العربية –مجلة فصول سنة 2004م ع 65 / 193 .

(71) د/ نصر حامد أبو زيد – فلسفة التأويل –المركز الثقافى العربى سنة 2002م ص 187 .

(72) انظر: د/ عز الدين إسماعيل – الأسس الجمالية فى النقد الأدبى –دار الفكر العربى سنة 1974م .

(73) – روز غريب – النقد الجمالى وأثره فى النقد العربى -دار الفكر اللبانى – بيروت سنة 1983، ص 16 .

(74) د/ ميشال عاصى – الفن والأدب – بحث جمالى فى الأنواع والمدارس الأدبية والفنية –مؤسسة نوفل – بيروت سنة 1980م ص 17 .

(75)عبد القاهر الجرجانى- دلائل الإعجاز ص 50.

(76) المصدر نفسه ص 52.

(77) انظر: لأبو هلال العسكرى- الصناعتين –ص 268، العمدة 1/266، سر الفصاحة ص 134 .

(78) انظر: د/ محمد عبد المطلب -البلاغة والأسلوبية -ص 73 .

(79) د/ سعيد توفيق-الخبرة الجمالية – دراسة فى فلسفة الجمال الظاهراتية -ص 58 .

(80) – دولوز – نيتشه والفلسفة -ترجمة أسامة الحاج – بيروت سنة 1980 ص 131 .

(81) د/ صفوت عبد الله الخطيب - الخيال مصطلحا نقديا بين حازم القرطاجنى والفلاسفة –فصول سنة 1987م مج 7 / ع 3 / 62 .

(82) محمد الحبيب بن خوجة – منهاج البلغاء – حازم القرطاجنى – تحقيق / تونس سنة 1966 ص 45 وانظر: د/ مجاهد عبد المنعم -دراسات فى علم الجمال –- المؤسسة الجامعية – بيروت سنة 1998 ص73.

(83) د/ صفوت عبد الله الخطيب - الخيال مصطلحا نقديا بين حازم القرطاجنى والفلاسفة –مصدر سابق-ص 64 .

(84) حازم القرطاجنى-منهاج البلغاء ص 90

(85) كروتشه –الاستطيقا –ترجمة جورج طرابيشى – دار الطليعة بيروت سنة 1980م، ص160 .

(86) السكاكى-مفتاح العلوم –مصدر سابق-ص310 .

(87) ابن سينا – الشفاء –تحقيق / فؤاد الأهوانى – محمد الخضيرى – الأب الدكتور / جورج قنواتى - مراجعة د/ إبراهيم مدكور – تصدير د/ طه حسين - المطبعة الأميرية - القاهرة سنة 1953م، ص 24 .

(88) أرسطو طاليس – فن الشعر –تحقيق د/ شكرى عياد - الهيئة المصرية للكتاب - القاهرة سنة 1967م ص 138 -140 .

(89) د صفوت الخطيب-الخيال مصطلحا نقديا بين حازم القرطاجنى والفلاسفة ص 64 .

(90) حازم القرطاجنى -منهاج البلغاء: ص 89 .

(91) د/ تمام حسان – الأصول -بغداد سنة 1988م ص 360 .

(92) روز غريب-النقد الجمالى وأثره فى النقد العربى ص 41 .

(93) فولفانج إيزر – فعل القراءة – نظرية فى الاستجابة الجمالية –ترجمة عبد الوهاب علوب - المجلس الأعلى للثقافة سنة 2000م ص 188 -189 .

(94) – دولوز -فلسفة كانط ص 24 .

(95) عدنان بن ذريل – جماليات كانط وهيجل - مجلة المعرفة السورية سنة 1990 ع 193 – 194/ 84 .

(96) د/ عز الدين إسماعيل- الأسس الجمالية فى النقد الأدبى –ص 17 .

(97) د/ سماح رافع محمد -المذاهب الفلسفية المعاصرة– مكتبة مدبولى القاهرة سنة 1985م ص 112 .

(98) روز غريب-النقد الجمالى وأثره فى النقد العربى ص 41 .

(99) المصدر نفسه ص 138 .

(100) د/ أحمد فائق ومحمود عبد القادر – مدخل إلى على النفس العام –الأنجلو المصرية سنة 1980م ص 97.

(101) – د/ عبد العزيز بومسهولى – الشعر والتأويل – قراءة فى شعر أدونيس -أفريقيا الشرق – الدار البيضاء سنة 1998 م ص 12

(102) – د/ مجاهد عبد المنعم – جماليات هيدجر -مجلة المعرفة السورية سنة 1990م ع 193 – 194 / 156 .

(103) الضحى:1، 2 .

(104) الانفطار:13، المطففين:21.

(105) روز غريب-النقد الجمالى وأثره فى النقد العربى ص23.

(106) الانفطار: 13 المطففين: 22 .

(107) د/ سعيد بنكراد – السيميائيات / مفاهيمها وتطبيقاتها - دار الحوار – سوريا سنة 2005م ص 144 .

(108) البقرة: 35 .

(109) انظر:السيوطى- معترك الأقران 1/268 .

(110) د/ سعيد توفيق-الخبرة الجمالية – دراسة فى فلسفة الجمال الظاهراتية ص 254 .

(111) بول ريكور – من النص إلى الفعل –ترجمة محمد برادة – حسان بورقية –الرباط سنة 2004م ص 53.

(112) الزمر: 30 .

(113) انظر: د/ سعيد بنكراد-السيميائيات - مفاهيمها وتطبيقاتها - ص 176 .

(114) د/ لطفى عبد البيع – التركيب اللغوى للأدب – بحث فى فلسفة اللغة والاستطيقا –الشركة المصرية العالمية للنشر سنة 1997 م ص 89 .

(115) د/ عز الدين إسماعيل – الشعر العربى المعاصر – دار المعارف – القاهرة سنة 1981م ص 143 .

(116) رامان سلدن -النظرية الأدبية المعاصرة –ص 127 .

(117) د/ على الجندى – البلاغة الفنية –نهضة مصر سنة 1956م ص 226 .

(118) البقرة: 19 .

(119) النساء: 92 .

(120) ا دكتور/ أحمد يوسف لقراءات النسقية فى ضوء المقاربات البنيوية الحديثة للشعر العربى الحديث –دكتوراه-جامعة وهران – الجزائر سنة 1999م ص 450، وانظر: د/ يوسف نور عوض – نظرية النقد الأدبى الحديث –دار الأمين – العراق سنة 1980م ص 101.

(121) د/ سعيد بنكراد-السيميائيات - مفاهيميها وتطبيقاتها - ص 237 .

(1221) كروتشه- الاستطيقا –- ص 161 .

(123) ستولنيتز –النقد الفنى – دراسة جمالية فلسفية –ترجمة د/ فؤاد ذكريا – الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1981م، ص 72 .

(124) جورج سانتيانا – دفاع عن نفسى – من كتاب فلسفة جورج سانتيانا –ترجمة حمزة المزينى – دار الشايع – القاهرة سنة 1970م ص 50 .

(125) أ. ف . كاريت – نظرية الجمال –ترجمة / عبد الحميد صبرة – دار الساقى – القاهرة سنة 1992م ص 41 .

(126) المصدر نفسه ص 42.

(127) لا لو – المدخل الاستطيقى –ترجمة د/ فؤاد زكريا – الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1990م ص 155.

(128) – سانتيانا – الإحساس بالجمال -ترجمة د/ مندرعياشى – مركز الإنماء القومى – بيروت سنة 1998 ص 101 .

 

زهير الخويلدياستهلال: "العقل هو ملكة خاصة بالإنسان، والتي من خلالها يمكن أن يعرف، ويحكم ويتصرف وفقا للمبادئ: يعتبر العقل معاكسا للغريزة"[1] .

ما أحوجنا إلى العلماء والأطباء زمن انتشار الأوبئة واشتداد الأزمة الصحية وما أعظم انتصار العلم على الأمراض والمشاكل البيئية عن طريق الاختراع الصيدلي والابتكار التقني والإبداع العلاجي في المخابر.

على هذا الأساس يتجه الدرس الفلسفي إلى الإحاطة بالنظريات العلمية وتراوحها بين الذاتية والموضوعية ويدور الفلك حول العقلانية العلمية في رحلته نحو التغلب على الكوارث والتحديات التي تواجهها البشرية.

يختلف استعمال العقل من طرف الفلاسفة عن استخدام اليومي من قبل الإنسان العامي وعن العقل في الاستعمالات السفسطائية والكلامية ويثير هذا الاختلاف مشكلة فلسفية بخصوص طبيعة العقل ووظيفيته ومنهجه تجعله في علاقة تنازع مستمرة مع الأخطاء التي يقع فيها عند الحكم المعرفي على حقيقة الأشياء والأوهام التي ينتجها من ذاته ولا يقدر على تفاديها ويستمر في تصديقها وتقبلها بصورة لاواعية وبديهية .

فما المقصود بالعقل؟ وهل يعتمد على منهج واحد أثناء التكيف مع الطبيعة ومعرفة العالم؟ وماهي أهدافه؟ وهل العقل أداة للمعرفة أم موضوع لها؟ ولماذا يتم التعويل عليه دوما في كل من المعرفة والوجود والقيم؟ وماذا عن البنية المنطقية للعقل؟ وبماذا يختلف عن الرأي الصواب والذكاء المعرفي والفكر الاستدلالي؟ وبأي معنى يعقل العقل ذاته؟ هل يتم له ذلك بادراك العالم وقوانين الوجود أم بالاتفاق مع قوانينه الكلية؟ ماهي الشروط المستوفاة لكي يتطابق العقل مع مبادئه الذاتية؟ وكيف يتكيف مع المعايير الموضوعية؟

ما نراهن عليه هو التمييز بين العقل بوصفه موضوع للمعرفة يعقل ذاته والعقل من حيث هو وظيفة عقلية يتمكن من خلاله الإنسان من معرفة العالم وتفسير الطبيعة والتشريع لنظام الحقيقة ونسق القيم الوجودية.

ما الدلالة الفلسفية لكلمة العقل؟

 العقل موضوع للمعرفة:

منذ أقدم العصور تراوح جهد الفلاسفة بين استخدام العقل كأداة للمعرفة من جهة وبين التفكير في هذه الأداة ومحاولة صقل السلاح والنظر إليه كموضوع للمعرفة وذلك بالخوض في مبادئه وقواعده وطبيعته.

إن معرفة أسباب الظواهر وشروط استقامة الأفعال وتصور مبادئ وجود الأشياء يقتضي معرفة وتصور الأسس والعناصر الأولية التي تسمح بتفسير هذه الظواهر وعقلنة الأفعال وفهم المبادئ التي تحدد الأشياء.

بهذا المعنى يشير العقل إلى تنظيم المعطيات بإدخالها ضمن نسق عقلي ومنحها درجة معينة في النظام الكلي للعالم والتعويل في هذا المجال على العلم الرياضي الذي يقوم بتقسيمها ويمنحها الترتيب والنمو.

العقل وظيفة ذهنية:

لقد غير ديكارت وظيفة العقل في المقال عن المنهج حينما اعتبره أعدل الأشياء قسمة توزيعا بين الناس وأسند له القدرة على الحكم والتمييز بين الصواب والغلط ولما عرفه في القواعد بأنه الحدس المباشر للصواب بالبداهة التي تسمح لنا من قيادة أفكارنا وفق ترتيب وذلك بالانطلاق من المواضيع البسيطة التي يمكن معرفتها وعندما طالب تلميذه مالبرانش في أطروحة عن الأخلاق بأن يحب المرء العقل اذا ما أراد أن يكتسب فضلية النظام ويبلغ مقام الاكتمال ، في حين أشار بوسويه بالعقل الى الوعي أو الضمير الذي يمنع المرء من ارتكاب الإثم ولاحظ وجود صلة تناسبية بين العقل والنظام في المجال الفني وعالم الجمال.

أما كانط فإنه حول العقل من موضوع للمعرفة إلى ذات عارفة ونقده بطريقة منهجية وفي مختلف تجلياته واعتبره ملكة مبادئ تسمح ببلورة المعرفة وتتدخل في عملية تنظيم المعطيات المحضة للحدوسات الحسية وساهم بالتالي في إعادة تعريفه بصورة أتاحت استعماله على نطاق واسع والنظر إليه على أنه "مجموع المبادئ القبلية والكونية والضرورية" ، ولقد أضاف البعض إلى هذا التعريف وظائف أخرى على غرار المعرفة الحدسية بالمطلق في حد ذاته وربطوه بالله على مستوى تدبير العالم بالنظر والإدراك التام للكون. فكيف يتراوح العقل بين الذاتي والموضوعي وبين الاستعمال الشخصي والمعيار الكوني؟

خاتمة:

"العقل هو مجموعة من المبادئ وطرق التفكير التي تسمح بالتصرف بشكل جيد والحكم بشكل جيد: قرار وفقًا للعقل."2[2]

في نهاية المطاف صار العقل مطلبا محايثا للفكر والحجة التي يتم اعتمادها عند التنازع بين الآراء وتعادل الحجج بين المتخاصمين ويعني ملكة التفكير والتعقل والاستدلال ويقوم بمهمة النشاط التنظيمي للمعرفة.

لا معنى للعالم دون العقل الإنساني ولا قيمة للعقل دون الوجود في العالم ولا يمكن للعقل أن يعقل ذاته دون أن يعقل العالم الخارجي ويتكيف مع عناصر الطبيعة ولا يجوز للعقل عقل العالم الخارجي دون عقل ذاته.

فإذا كان العقل في معناه الذاتي يشير إلى ملكة المعرفة والحكم الجيد والتمييز بين الصواب والخطأ أو بين الخير والشر فإن معناه الموضوعي يفيد العنصر المفترض أن يمثل السبب أو الباعث على أشياء معينة. في نهاية المطاف يزداد الإقبال على العقلانية العلمية زمن الأزمات ويتضاعف الاهتمام بمحاولات العلماء والأطباء للتغلب على المشاكل والأمراض وترتفع أسهم النظريات العلمية والمقاربات التقنية في وقت الكوارث طالما ظلت البشرية تلاحق العلاج والسلامة والصحة. لكن ماهي المبادئ العقلية التي يجب أن يسير وفقها الإنسان في حياتها؟ وما مصدرها وقيمتها وحدودها؟

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

........................

المصدر:

1- Dictionnaire Larousse, la raison, Lien : https://www.larousse.fr/dictionnaires/francais/raison/66270

2- Dictionnaire Larousse, la raison, Lien :https://www.larousse.fr/dictionnaires/francais/raison/66270

 

علي رسول الربيعي(حقوق الإنسـان)

نشهد بعض الأمور التي حصلت في سلك القانون، مما يجعل تطبيق بعض المبادئ القانونية إشكالي للغاية. إننا نقوم في تشريع وإصدار القانون ضد العديد من الأساليب القديمة من خلال إنشاء مبدأ معياري جديد يستند إلى نظام للحقوق. يُستمد نظام الحقوق هذا من نظرية الخطاب (الخطاب القانوني). يكشف هذا عن مبدأ معياري جديد ويقدم للقانون الحديث، توجهاً جديداً وأساساً جديداً للحقوق القائمة على أرضية ديمقراطية.

تنظر هذه الدراسة  في الترتيب المنطقي لنظام الحقوق وشرعية عمليًة التشريع.

مفارقة شرعية سن القوانين

إنً أيً مرسوم أو جزاء أو مادة من مبادئ القانون والقواعد واللوائح لا معنى له ما لم يكن مدعومًا بتفويض. يمنح التفويض للقانون قوة الإكراه باعتباره الثمن الذي يدفعه المتجاوز او المعتدي. الإذن بالقانون هو مثل شرعيته أو يطابقها. عندما نقوم بتشريع  فقرة من القانون أو القواعد أو اللوائح، فإنه يفترض أنه شيء تم اختباره وثبت أنه صحيح بالنسبة لنا. أريد أن اقوم فيما يلي بتقديم رؤية ليست تحليلية ولكن تركيبة تجمع أفكار هابرماس ومكارثي من موقع  خلال دمج حقوق الإنسان بما يخدم المصلحة العليًا لجميع المعنيين أو  تلك التي هي في مصلحة جميع المعنيين في هذا السياق.

يحل القانون الوضعي محل القانون الطبيعي، في تاريخ التطور القانوني، لأن تستند معظم عوامل شرعية هذا الأخير إلى بعض الافتراضات التي لا يمكن تفسيرها عقلانيًا أو إثباتها تجريبيًا. ومع ذلك، يكشف فحص بعض القوانين الوضعية عن نقاط ضعفها، وفي بعض الحالات الأساس غير الشرعي لأسسها وكذلك الخلفية الكاشفة لقسرية ادعاءاتها. لقد أخطأ الفلاسفة منذ أفلاطون في محاولة جعل القانون يتوافق تمامًا مع معيار الأخلاق، في المقابل قدم علماء الاجتماع مثل ماكس فيبر حالة ناجحة لنظرية الأندماج الاجتماعي من خلال القانون الذي يفسر ظهور السلطة العلمانية وأن كان الثمن الذي دُفع هو أعتبار نشوء القانون يعود  لمقولة السلطة. ليس المشكلة هي ايجاد القانون الذي يخدم  السلطة أو العدالة، بل تصوره في سياق كليهما.[1] أؤكد  أبتداءً ما يلي، ينبغي أن تًستمد كل شرعية من أعلان مبادئ حقوق الإنسان. تفترض نظرية الخطاب ( لـهابرماس) مسبقًا جميع المواقف القانونية الإشكالية، لذلك تقدم إلى القانون الحديث توجهًا جديدًا وأساسًا قائمًا على الحقوق والديمقراطية. أقصد بالحقوق هنا هو المعنى الذي يقدمه هابرماس؛ وهو  يجب أن يمنح المواطنون الحقوق لبعضهم البعض إذا أرادوا أن ينظموا معيشتهم معًا بطريقة مشروعة من خلال القانون الوضعي.[2] يمتلك كل مواطن هذه الحقوق بشكل شخصي، وإذا كانت مشتركة بين جميع المعنيين، فهذا يعني أنهم متساوون فيما يتعلق بالحقوق.

تنص المادة 4 من إعلان حقوق الإنسان والمواطن لعام 1789 على: أن الحرية هي القدرة على القيام بأيً شيء لا يضر آخر. وبالتالي، فإن ممارسة الحقوق الطبيعية للبشر ليس لها سوى تلك الحدود التي تضمن لأفراد المجتمع الآخرين، التمتع بالحقوق نفسها. لا يمكن إصلاح هذه الحدود إلا بموجب القانون.[3] يتبنى كانط هذا الإعلان لحقوق الإنسان بشكل كامل في مبدأه العالمي للحقوق والذي يعني يجب أن يتبع كل فعل قانوني المبدأ الذي يتطلب أن تكون حرية الاختيار لشخص ما قادرة أن تطابق أو توافق أو تنسجم  على  مع حرية كل فرد آخر، وفقًا للقانون العالمي.

تتكرر الفكرة المركزية نفسها عند راولزعلى النحو التالي: يجب أن يكون لكل شخص حق متساوٍ في الحرية الأساسية الشاملة والمتوافقة مع حرية مماثلة للآخرين. يتلخص كل هذا في حقيقة أنه يجب أن يكون هناك، أولاً وقبل كل شي، شعور معقول بالتضامن[4] بين الأطراف التي ترغب في تنظيم معيشتها معًا بشكل مشروع. لا يمكن تحقيق هذا التضامن إلا بالاعتراف المتبادل بحقوق الآخرين. عندما يعترف المواطنون بشكل متبادل بالحقوق المتساوية لهم، يمكن مثلاً- لكل منهم استخدام هذا الحق في انتخاب المسؤولين الحكوميين. عندما يصوت الناخب لمرشح، فهذا يعني أن هذا الناخب يستخدم حقوقه المدنية، من خلال التصويت، لإضفاء الشرعية على حق المنصب للمرشح الذي يختاره. ومن ثم في نهاية الانتخابات، فإن من حصل على أكبر عدد من الدعم الانتخابي يفوز بالمنصب الذي خاض الحملة من اجله.

إن المسؤولين الحكوميين هم ممثلو الحقوق المدنية للمواطنين على المستوى الحاكم. وعادة ما توجد ثلاثة سلطات مهمة منفصلة بين مسؤولي الحكومة الديمقراطية ؛ السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية. السلطة التشريعية مكلفة بوظيفة صياغة وسن القوانين الدستورية للدولة. يتولى القضاء واجب تفسير وتطبيق القوانين في مختلف الإجراءات القانونية العملية. وعلى السلطة التنفيذية تنفيذ الواجبات الوظيفية المختلفة للدولة. نحن معنيين هنا أكثر بالسلطة التشريعية. إن المسؤولين الذين تم إضفاء الشرعية عليهم أو الذين حصلوا على الحق المشروع في المناصب التشريعية يستخدمون الحقوق الممنوحة لهم لوضع قوانين لجميع المواطنين. بالطبع، لا تصبح القواعد التي يصوغونها قوانين تلقائيًا. أذ يجب أن تمر هذه العملية بمناقشات في مجلس النواب. ويحق للمواطنيين كمجتمع ديمقراطي معرفة أي صياغة قانونية جديدة. ويحق لهم التعبير عن آرائهم من خلال "السلطة الرابعة للحكم"، أي وسائل الإعلام. وبالتالي، خلال مناقشة أي مشروع قانون، يتم أخذ مجموعات من الآراء ووجهات نظر المواطنين المختلفة من خلال وسائل الإعلام بعين الاعتبار. وفي التحليل النهائي، تسن السلطة التشريعية ويصدر القانون. وهذا يعني أن أي مرسوم أو جزاء أو مادة من القوانين أو المبادئ والقواعد واللوائح التي تصدر عن السلطة التشريعية قد اكتسبت بالفعل الشرعية من قبل هذه السلطة. وعندما تضفي السلطة التشريعية الشرعية على عمل أو موقف، يُفهم على أنه تقنين من جانب المواطنين المعنيين.

تستمد هذه القوانين شرعيتها من الإجراءات التشريعية القائمة على مبدأ السيادة الشعبية؛ فيجب أن يفسر ظهور الشرعية من العملية التشريعية من خلال وسائل الحقوق ضمان مارسة المواطنيين ممارسة استقلاليتهم السياسية.[5]

يبدو مرة أخرى، طبقاً لهابرماس، يمكن للمرء أن يرى من خلال النموذج ليس فقط أن السلطة السياسية تولد اليقين القانوني ولكن أن يرى أن التدوين يوفر لسيادة القانون تناسقًا معينًا. إذا كان الأمر في الأصل هو أن السيادة القانونية تحصل من خلال سلطة الدولة، فأنه يجب في نهاية المطاف أن يُشرع القانون من خلال مايعرف بعملية التبريرأو التسويغ القانوني.[6] تتوافق عملية الشرعية أيضًا مع فاعلية القوانين السارية التي تمتلك القوة القسرية. هذا يعني أن ادعاءات كل تشريع يجب أن تكون مبررة بالكامل من قبل أولئك الذين يقدمونها. نمارس أعمال الشرعية في تفاعلنا اليومي مع شركاء قانونيين آخرين. أي أننا نحاول في معظم الحالات تبرير أفعالنا أو تقديم أسباب تدعم موقفنا وكلما قمنا بذلك، فأننا نمارس عمل شرعي. هذه هي  الشرعية على المستوى الذاتي. أما على المستوى الموضوعي أو السياسي  فتعني أن هناك حججًا قويـة لمطالبة النظام السياسي بالاعتراف به على أنه حق وعادالة، وبهذا يستحق النظام الشرعي الاعتراف.[7] ولكن تبقى مطالبته بالشرعية قابلة للطعن. وأفهم بالشرعية، جدارة النظام السياسي ليتم الاعتراف به، كما يقول هابرماس، بمعنى أن المطالبة بالشرعية مرتبطة بالحفاظ على التكامل الاجتماعي لهوية اجتماعية محددة بشكل معياري. نجد العديد من أعمال الشرعية في شكل مبررات مختلفة في تاريخ التطور الاجتماعي البشري. فقد بررت العائلات الحاكمة، في الحضارة المبكرة ، نفسها بمساعدة أساطير المنشأ. كان الفراعنة طبقا لهذا الفهم يعدون أنفسهم كآلهة - فغالبًا ما كان يتم أعتبار الإله حورس، ابن أوزوريس، مع هؤلاء الفراعنة. وتطورت متطلبات الشرعية خلال التطور الإمبراطوري للحضارات القديمة، من الحاكم إلى النظام السياسي لذي يمكن للحاكم تجاوزه أو أنتهاكه. كانت شخصية الحكام مدعومة دائمًا "بالأخلاق الكونية والأديان". يلاحظ هابرماس أن الأنواع الإجرائية للشرعية تم وضعها من قبل روسو أولاً. فالعقد الاجتماعي الذي  يقطع مع الحالة الطبيعية الفطرية الأولية التي قبله، يعني مبدأ جديدًا لتنظيم السلوك الاجتماعي؛ ويظهر من خلال المسار الذي يمكن للعدالة أن تحل محل الغريزة في السلوك (البشري). يلخص هذا الوضع الذي يعطي فيه كل فرد نفسه وكل حقوقه شبه الطبيعية للمجتمع الحالة التي بموجبها تعتبر تلك اللوائح شرعية وتعبر عن مصلحة مشتركة، أي الإرادة العامة.[8] أدت الحاجة مرة أخرى مع روسو وكانط، إلى التبرير أو الشرعية إلى اعتماد، المبادئ الصورية- الشكلية  للعقل كبديل للمبادئ المادية مثل الطبيعة أو الميتافيزيقيا، في الأسئلة العملية. أي  حول أو "تبرير قواعد العمل"

تعني قصة  حالة الطبيعة أو الموقف الأصلي في نظريات العقود، من هوبز ولوك إلى  راولز، أيضًا الحالة التي ستعبر بموجبها الاتفاقية عن المصلحة المشتركة لجميع المعنيين.[9]. وبعبارة أخرى، عندما يتفق جميع المعنيين على مصطلح معين، فإنهم يمنحون في الواقع شرعية له. يكون أساس السلطة السياسية في المجتمعات المنظمة حول الدولة، هو أن حق التصرف بالوسائل المركزية للعقوبات تمنح قرار أصحاب المناصب طابعًا ملزمًا. يحصل الحاكم على السلطة ليس من مجرد السلطة الواقعية الفعلية تنفيذ العقوبة، ولكن من  الأعتراف بحق  ممارسة العقوبة من قبل هذه السلطة.[10] عندما يتم تطبيق هذه الفكرة على السلطة  التشريعية، فهذا يعني أن الاعتراف من جانب المواطنين يمنح ذلك المنصب وحامله السلطة الدستورية لسن وإصدار القانون وإضفاء الشرعية على حالة الأفعال والمصالح وما إلى ذلك.

يحمي القاضي سلامة النظام القانوني، وأن القوة التي يستعملها في ممارسة هذه الوظيفة تستمد شرعيتها من نظام قانوني يحظى بالصلاحية. لم تعد السلطة القضائية قائمة على هيبة مكانة المرء، بل على شرعية نظام قانوني يصبح فيه شخص يحمي القانون ومجهز بالسلطة المطلوبة للعقوبة ضروريًا من الناحية البنيوية. لأن السلطة القضائية هي في حد ذاتها مصدر لشرعية السلطة، يمكن للسيطرة أو الهيمنة السياسية أن تتبلور حول هذا المنصب أولاً.[11] ربما يمكن أن يكون تمييز هابرماس بين القانون والأخلاق وسيلة للخروج من هذه المشكلة، حتى مع الأخذ في الاعتبار حقيقة أن مجتمعاً قانونياً معيناً لديه الكثير من الأشياء المشتركة وبالتالي  فإن أختلاف وجهات وجهات نظرهم  قد لاتكون واسعة للغاية. إن المداولات الديمقراطية موجهة نحو التنظيم الآمن لمجتمع معين في ظروف تاريخية معينة. وبالتالي، على عكس المعايير الأخلاقية، التي تدعي أنها تعبر عن ما يمكن لجميع البشر أن يفعلوه بشكل عقلاني، فإن المعايير القانونية تعبر عن الإرادة العقلانية لأعضاء مجتمع المحدد، وشكل حياتهم المشتركة وهويتهم الجماعية، ومواقفهم ومصالحهم والغايات المختارة براغماتيًا (أو بشكل عملي).[12] هذه يمكن أن تحل الهوية الجماعية هذه المشكلة، ولكن حتى بعد الفصل والتمييز، لا تزال هناك بعض المجتمعات القانونية المعقدة حيث غالبًا ما يأتي الأعضاء بمنظورات مختلفة ومتباينة تتطلب استفتاء كوسيلة لصنع القرار.

إذا أردنا جعل هابرماس يتبع راولز على طول الخط الذي هو نفسه ينتقده، مثل راولز، في دولة دستورية ديمقراطية منظمة جيدًا، سيكون هناك توافق كافٍ (ubereinstimmung) على الأقل حول المبادئ السياسية الأساسية والهوية السياسية الجماعية، لتوفير إطار للتعامل مع الاختلافات الأخلاقية التي لاتزال قائمة. ولكن يبقى هذا مثل انتقاده ( أقصد هابرماس) مجرد للغاية ويعبر عن مستوى عام من الاتفاق، ولا يرقى أن تكون هناك مجموعة مشتركة كبيرة، لأن هذا الأخير لا يتلاءم  بشكل جيد مع ظروف و شروط التعددية الثقافية والاجتماعية.[13] هناك وسيلة أخرى لضمان الشرعية لها تأثير ولكن أقل مثل الاستفتاء كحل وسط. وإذا تم قياس العدالة بالدقة الرياضية، يجد المرء أن التسوية لاتتضمن ما هو في مصلحة جميع المتضررين دائمًا، على الرغم من أنه قد يكون أقل شرًا عند مقارنتها بالاستفتاء. يكون من الممكن بل من الضروري في بعض الأحيان أن يتم تطبيق الحل الوسط من قبل طرف ثالث على المجتمع الذي يمزقه الصراع ، من أجل السلام.

شكل آخر من أشكال التسوية القسرية هي بين شخصين غير متكافئين، عندما يقبل الطرف الأضعف الموقف لمجرد عدم وجود بديل. وشكل آخر من أشكال التسوية هو بين اشخاص غير انانيين متكافئين أو غير متكافئين  يشعرون بأنه جزء من واجباتهم الاجتماعية جعل العالم مكانًا أفضل من خلال التضحية ببعض وسائل راحتهم الخاصة. ويمكن أن يقول المرء لا تمثل التسوية بشكل صحيح، في كل هذه الحالات، جماعًا نقيًا، أو ما يخدم المصلحة الفضلى للجميع. توشكل التسوية عموماً الجزء الأكبر من عمليات صنع القرار السياسي، لأن غالبًا ما تكون الأهداف مدفوعة بالمصالح وتوجهات القيم التي لا تشكل بأي حال من الأحوال هوية المجتمع بشكل أجمالي أو شامل ولا يمكن بالتالي التوفيق بينها في الخطاب السياسي الأخلاقي.[14]

يجادل مكارثي أيضًا بأنه لا توجد مجموعة تريد أن ترى قيمها الأساسية تنتهكها القرارات السياسية. لذلك، نحن نواجه نوعًا من الخلافات الأخلاقية، على الرغم من من سهولة تعريفها في مقولات هابرماس ولكن لم يتم أخذها في الاعتبار بشكل صحيح في مفهوم للشرعية. طريقة أخرى لتحقيق الشرعية من خلال ما يصب في مصلحة جميع المعنيين هي المفاوضات. تشبه بعض أشكال المفاوضات الإجماع إلى حد كبير ، في حين أن بعضها الآخر بعيد كل البعد عن ذلك. ويتعلق الأمر الأخير بمثل هذه الأنواع من المفاوضات التي تستخدم المحاكاة والإقناع الاستراتيجي والإغراءات والتشجيع  لتحقيق الغاية.

يقول مكارثي في هذه المناقشة، أن موقفه ليس أن كل جهد لتحقيق إجماع أخلاقي سياسي في المجتمعات التعددية يجب أن يفشل، ولكنه قد يفشل.

أصر على على راي مفاده  أنه عندما يتم ضمان عدالة وسائل تحديد مقاييس أو المعايير الشرعية، فإن كل جهد لتحقيق توافق سياسي أخلاقي سيكون ناجحًا. ولضمان هذه العدالة، علينا  البحث عن أرضية التقاء توفر ما هو مفقود في أنظمة الاستفتاء والتوفيق والتفاوض. وقد اقترح مكارثي  مبدا العقل العملي كما هو موضح في الصيغة الثانية لمقولة الواجب الكانطية المبنية على أساس الاحترام المتبادل لإنسانية الآخرين  ومراعاة  أنسانيتهم  حتى اذا كان المرء لا يستطيع الانضمام إليهم في نوع من الاتفاق العالمي على القضايا الموضوعية للعدالة المتصورة من الصيغة الأولى "لمقولة الواجب "، ايً التزام أخلاقي غير مشروط  وملزم  لجميع الظروف ولا يعتمد على ميول الشخص أو غرضه.[15] واقوم أنا الى جانب اقتراح مكارثي، بوضع أو أعداد حقوق الإنسان كأرضية التقاء للعدالة وتبرير عوامل الشرعية. عندما نسأل لماذا يجب أن نعامل البشر كغاية في حد ذاتهم، الجواب لأن الإنسان ذو طبيعة عقلانية "(Buethus). وهذا يثبت الإنسان من بين الكائنات الأخرى في الكون، هوالعقلاني. وأنه وحده من بين الحيوانات الأخرى الذي يتحكم في عالم ذي مغزى من الافعال الاجتماعية. ومن ثم، فإن اتباع بعض الأسباب التحليلية مستمد من حقيقة الشخصية.

حقوق الإنسان هي ما يشترك فيه جميع البشر وأي قرار يستند إليها يمسهم جميعاً. لذلك، أصر على الادعاء أنه من أجل ضمان العدالة لوسائل تحديد المعايير الشرعية، يجب علينا دمج حقوق الإنسان في سياق ما هو في مصلحة جميع المعنيين، أو ما لن يضر المعنيين. إن تطبيق هذا على الاستفتاءات والحلول الوسط والمفاوضات سيعني أن الموضوع أو المشاكل المعنية يجب أن يتم تسويغها بشكل صحيح بحيث لا يخرج حكم الأغلبية والحل الوسط والمفاوضات من حقوق الإنسان بأي شكل من الأشكال، بغض النظر عن اي حزب أو مجموعات تكسب النهاية. مثل رأي راولز النهائي، "حتى الخاسر لن يكون أسوأ حالا."

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..................................

[1] D. M. Rasmussen, Philosophy and Social Criticism vol. 20 no.4 1994, p.26.

[2]Habermas, Between Facts and Norms, Polity Press, 1997, 82.

[3]  المصدر نفسه، ص 83.

[4] Parson, Talcott, The System of Modern Societies, Englewood Cliff, 1971

[5] Habermas, Between Facts and Norms,83.

[6] D. M. Rasmussen, Philosophy and Social Criticism. Op. Cit. P. 31.

[7]Habermas, Communication & Evolution of Society Op cit. p.178.

[8] مصدر نفسه،  ص 185

[9] المصدر نفسه، ص 184.

[10] Habermas, Theory of Communicative Action, Op. Cit.77.

[11] المصدر نفسه، ص 177.

[12] McCarthy, Cardozo Law Review vol. 17, March 1996, p.1098.

[13] Cardozo Op cit. P.1106.

[14] المصدر نفسه ص 1106

[15] المصدر نفسه ، ص 318

 

 

زهير الخويلدياستهلال: "الطبيعة، وهي الفن الذي يمارسه الله لصنع العالم وإدارته، تم تقليدها بالفن الإنساني، الذي يستطيع هنا، كما في العديد من المجالات الأخرى، أن يصنع حيوانًا اصطناعيًا"1[1]

ولد هوبز عام 1588 في ويستبورت في إنجلترا. وهو طفل بكر وابن نائب برلماني، أتقن اللاتينية واليونانية من السنة 6. كما درس في جامعة أكسفورد، حيث أخذ على وجه الخصوص قراءة المؤلفين اللاتين الكبار (يوربيدس، ثوسيديدس ...). لكنه بمجرد حصوله على شهادته، أصبح مدرسًا في اللغة الإنجليزية للأعضاء الشباب من طبقة النبلاء. لقد سمحت له هذه المهنة السفر الى دول أوروببة معهم: على غرار فرنسا وإيطاليا وألمانيا . كما تفتح ذهنه بالسفر وتدرب فكريا. في عام 1630، أكرم نفسه بقراءة إقليدس، وأصبح متحمسًا للهندسة. خلال رحلاته إلى باريس، أنشأ روابط تدريجية مع المجتمع المتعلم في ذلك الوقت. من ناحية ثانية دفعته أفكاره الثورية إلى تصور الحركة كمبدأ عالمي قادر على تأسيس واقع مادي ونفسي وأخلاقي وسياسي ؛ وبرزت هذه النزعة الفيزيائية كسمة أساسية لفكره. شهد هوبز التقلبات الاجتماعية في بلده ولقد انحاز في عمله الأول المعنون  عناصر القانون الطبيعي والسياسي  إلى جانب الملك  وأقام صلة ضرورية بين السلطة والقانون من جهة، والسيادة من ناحية أخرى.  بسبب ذلك انتقل هوبز في عام 1640، إلى باريس هربًا من الاضطرابات السياسية التي هزت إنجلترا، التي ارتبطت بالصراع على السلطة بين الملك والبرلمان ؛ هذا المنفى سوف يستمر أحد عشر عاما. في عام 1641، تقابل هوبز مع ديكارت، الذي نشر في تلك الفترة تأملاته الميتافيزيقية وسعى إلى معارضته فلسفيا وعلميا، ولكنه جوبه بالمعارضين الذين سوف يستجيبون له في الاعتراضات التي قدمها كتكملة للعمل الذي صاغه. لقد جعله هوبز ينقل عبر صديقهم المشترك، الآب ميرسين، حججه المضادة الشهيرة، غير أن الاعتراضات التي قدمها هوبز أثارت غضب المفكر الفرنسي الذي كان يشعر بالعظمة الشخصية والريادة العلمية؛ وقد انتهى به الأمر إلى عدم الرغبة في أي اتصال معه. بعد ذلك في عام 1642، كتب في المواطن De Cive، حيث كان مهتمًا بمفهوم حالة الطبيعة وحالة الحرب وشروط الانتقال بالمجتمع إلى الحالة المدنية في ظل السلطة المطلقة التي تفرض سيطرتها بالقوة. لقد أصبح أستاذ الرياضيات للملك تشارلز الثاني، وهو منصب مرموق أدى به إلى إتقان جل المعارف في هذا المجال.

في عام 1650، كانت نهاية نفيه: عاد الفيلسوف أخيرًا إلى بلده الأصلي، إنجلترا أين قام بنشر عمله الرئيسي التنين Leviathan ؛ في ذلك الكتاب لم يعد يشيد بالسلطة السياسية على أساس التقاليد أو الدين، ولكن من خلال ميثاق يتم إبرامه بين أعضاء الهيئة الاجتماعية للخروج من حالة الطبيعة كحالة حرب للكل ضد الكل. هذه الأفكار تعتبر فاضحة وجريئة، وعليه أن يواجه هجمات اللاهوتيين والفيزيائيين والرياضيين والأكاديميين في أكسفورد حيث تم اتُهامه بالإلحاد، وواجه أيضًا اعتراضات من علماء الرياضيات الآخرين الذين سخروا من بعض أفكاره. بعد خمس سنوات 1655، نشر كتاب عن الجسم، الذي قدم فيه تصوراً مبتكراً للمنطق الجديد، يعتبر بمثابة نوع من الحساب، وساهم به في تأسيس فلسفة أولى وفيزياء مبتكرة تقوم على الحركة والعقل الحسابي. بعد ذلك نشر في عام 1658 كتاب عن الإنسان، حيث واصلت الرياضيات احتلالها مكانًا كبيرًا في النسق المعرفي الذي شيده، والتي جذبت انتقادات جديدة من خصومه، لاسيما اعتباراته حول تربيع الدائرة. عندما تولى تشارلز الثاني السلطة، تم استقباله بشكل بديهي، باعتباره مؤيدًا قديمًا للملكية، ومدرسًا سابقًا للملك. لكن الأعداء انتصروا في النهاية عليه وأجبروه على الانسحاب من الحياة العامة. لقد تجنب التعرض للمحاكمة ووعد الملك كشرط على ذلك بأنه لن يكتب مؤلفات سياسية أو دينية جديدة. ثم غادر لندن للعيش مع بعض أصدقائه، وألّف أعمالًا بسيطة، مثل السيرة الذاتية باللغة اللاتينية. في عام 1679، أصيب بالشلل وغادر الدنيا في هاردويك، ديربيشاير.

لعل أهم الأسئلة التي طرحها هوبز تتمحور حول ما يلي: ماهي نظرته للطبيعة؟ كيف عمل على جعل من الرياضيات أساس المعرفة الفيزيائية؟ ماهو دور التجربة في نظرية للمعرفة الفلسفية؟ لماذا ركز على الإدراك الحسي والمسألة اللغوية والخيال؟ وكيف عرف الكيفيات الحسية؟ ولما ارتبط العقل الحسابي والنزعة الميكانيكية والأخلاق النتائجية بتوماس هوبز؟ الى أي حد ظل مؤيدا للديني الذي اشتغل عليه؟

1- الكيفيات الحسية:

" الدورة الدموية، النبض، التنفس، الهضم، التغذية، الإفراز، التي تحدد خيال الحيوان والإنسان"[2]2.

نظرًا لأنه لم يكن ضروريا أن يدخل في تفاصيل تشريحية ودقيقة لملكات الجسم، اكتفي هوبز بدراسة ثلاثة منها فحسب، وهي ملكة التغذية، والملكة الدافعة أو المحركة، وملكة التكوين أو الانتشار. بالنسبة لملكات العقل، هناك نوعان: المعرفة والتخيل، أو التصور والانتقال. لقد بدأ بملكة المعرفة. لفهم ما يعنيه بملكة المعرفة، يجب أن نتذكر أنه توجد باستمرار في أذهاننا صور أو مفاهيم للأشياء التي تقع خارجنا، بحيث إذا عاش الإنسان وقام بتجاهل بقية أشياء العالم، لم يتوقف عن المحافظة على صورة الأشياء التي رآها من قبل ؛ في الواقع يعلم الجميع من تجربته الخاصة أن غياب أو تدمير الأشياء التي كانت تتخيل ذات مرة لا ينتج عنه غياب أو تدمير الخيال نفسه. إن صورة أو تمثيل صفات الكائنات الموجودة خارجنا هي ما نسميه المفهوم أو الخيال أو الفكرة أو التصور أو معرفة هذه الكائنات: الملكة أو القوة التي نقدر بها على المعرفة هي ما أسميه هنا القوة المعرفية أو المفاهيمية، أو القدرة على المعرفة أو التصور.

كما في الرؤية، فإن الصورة، المكونة من اللون والشكل، هي المعرفة التي لدينا لصفات الكائن بهذا المعنى، ليس من الصعب على الإنسان أن يرى أن اللون والشكل هي الصفات الحقيقية للكائن، وبالتالي الصوت أو الضوضاء هي صفات الجرس أو الهواء. تم تلقي هذه الفكرة لفترة طويلة بحيث يجب أن يبدو الشعور المعاكس مفارقة غريبة. ومع ذلك، للحفاظ على هذا الرأي، سيكون من الضروري افتراض وجود أنواع مرئية وواضحة ذهابًا وإيابًا من الكائن ؛ وهو أسوأ من المفارقة، لأنه استحالة.

لذلك حاول هوبز عرض المبادئ الفلسفية للادراكات الحسية بالشكل الآتي:

- أن الموضوع الذي يكون اللون والصورة متأصلين فيه ليس هو الشيء أو الشيء الذي يتم رؤيته.

- لا يوجد شيء خارجنا نسميه بالصورة أو اللون.

- أن هذه الصورة أو اللون فينا هو فقط مظهر من أشكال الحركة أو الإثارة أو التغيير الذي ينتج عن الكائن على الدماغ أو في العقل أو على المادة الموجودة في الرأس.

- كما هو الحال في الرؤية، بالطريقة نفسها في جميع المفاهيم التي تأتي إلينا من الحواس الأخرى، فإن موضوعها ليس هو الكائن، بل الكائن الذي يشعر أو يحس أو يدرك.

نظرًا لأن اللون ليس متأصلًا في الكائن، ولكن هو فعل هذا الكائن علينا فقط، بسبب حركة ما، وبالتالي فإن الصوت ليس في اعتراض ما نسمع، ولكن في أنفسنا. أحد الدلائل على هذه الحقيقة هو أنه، كما يرى الرجل ضعفًا أو ثلاثة أضعاف، يمكنه أيضًا أن يسمع مرتين أو ثلاث مرات عن طريق أصداء مضاعفة، وهي أصداء تبدو وكأنها مولدهم. ومع ذلك، لا يمكن أن تكون هذه الأصوات، في نفس المكان، متأصلة في الجسم الذي ينتجها. لا شيء يمكن أن ينتج ما ليس في حد ذاته؛ ليس للورقة صوت في حد ذاته، لكن لديها حركة وتنتجها في الأجزاء الداخلية للجرس ؛ وبالمثل فإن للجرس حركة، لكن ليس له صوت ؛ يعطي حركة في الهواء. هذا الهواء لديه حركة، ولكن ليس الصوت. ينقل هذه الحركة إلى الدماغ من خلال الأذن والأعصاب. الدماغ لديه حركة، لا صوت؛ الدافع الذي يتلقاه المخ ينعش من الأعصاب التي تنبعث منه، ثم يصبح مظهرًا نسميه الصوت. إذا قمنا بتوسيع تجاربنا لتشمل الحواس الأخرى، فسيكون من السهل إدراك أن الرائحة وطعم المادة نفسها ليست هي نفسها بالنسبة لجميع الناس، وسوف نستنتج أنهم لا يقيمونها في المادة التي يشعرون أي هي ليست في الأذواق، ولكن في الأعضاء. للسبب نفسه، من الواضح أن الحرارة التي تجعلنا نشعر بها هي فينا، وهي مختلفة تمامًا عن الحرارة الموجودة في النار ؛ لأن الحرارة التي نشهدها هي إما متعة أو ألم وفقًا لكونها ناعمة أو عنيفة، في حين لا يمكن أن تكون هناك متعة أو ألم في الفحم الذي يولد هذه الحرارة. هذا يكفي لإثبات لنا الاقتراح الرابع والأخير، أي كما في الرؤية، في جميع المفاهيم التي تنجم عن حواس أخرى ليست في الكائن، ولكن في ذلك الذي يدركها.  كما يترتب على ذلك أيضًا أن جميع الحوادث أو كل الصفات التي تظهرها حواسنا على أنها موجودة في العالم ليست موجودة بالفعل، ولكن يجب اعتبارها مجرد مظاهر ؛ هناك بالفعل في العالم، خارجنا، فقط الحركات التي تنتج بها هذه المظاهر. هذا هو مصدر الأخطاء التي تقع فيها حواسنا، والتي يجب أن تصححها هذه الحواس نفسها ؛ لأنه كما أخبرتني حواسي بأن اللون موجود في الكائن الذي أراه مباشرة، فإن حواسي تعلمني أن هذا اللون ليس في الكائن، عندما أراه بالانعكاس في المرآة .3[3]  

بالنسبة إلى هوبز، حياتنا العقلية تنبع من تجربة أصلية حيث تبدو وكأنها هدية من العالم الخارجي وتؤثر الذات بصورة انفعالية. يجب أن تستند الفلسفة إلى هذا المظهر. لكن هذا الأساس هش، لأن الظهور ليس سوى الخيال، لذا يعود به إلى مصدره. كما يستمد هوبز منه إمكانية علم الوجود والمعرفة الحقيقية من خلال التركيز على المظهر والارتباط بفهم الذاتية الداخلية. فكيف يجعل هذا الارتباط موردا للتجربة ؟4[4].

2- منطق الأحاسيس:

"ما نسميه إحساسا sensationهو مصدر كل الأفكار"5[5]

هناك نوعان مختلفان من المعرفة في  نظرية هوبز: معرفة بالوقائع التي تعود الى الإحساس والذاكرة، وتلك النتائج التي ترجع الى العلم والمعرفة الاستنباطية. التاريخ يمثل قائمة من الوقائع الحادثة في الزمن. أما الفلسفة فهي جملة البراهين المستنتجة. ترتكز أسس المعرفة على الإيمان بالحواس. في حين المعرفة في حد ذاتها، من خلال صورها وصفاتها،، يأتي تسلسلها المعرفي بشكل أساسي من الحواس.

إذا كان هوبز يمنح أهمية للجسم بالمقارنة مع النفس فإنه يبعد الفلسفة عن الفكري لكي تحس بالحياة وتهتم بواقعية الموجود وإذا كانت كائنات الواقع موجودة بالفعل فإنها تدخل في إدراكنا من خلال الحواس، التي تصبح كائناتها، في الوعي، خيالًا. من هذا المنطلق يرى هوبز أن الخيال يصبح بمرور الزمن ذكرى ويتم إنتاجه بواسطة ظواهر خارجية وتظل حركته مستمرة بينما يتم إنتاج صور الأحلام بواسطة حركة الظواهر الباطنية. لذلك الخيال مجرد "شعور متدهور" بالواقع ويشبهه بالبصمة الحساسة، بشكل عام، التي تُغمق بسرعة مثل البقعة السوداء التي يمكن للشمس طباعتها في بعض الأحيان على العين6[6].

هكذا يعد توماس هوبز المهندس المعماري الأكبر للطبيعة ولكنه يخالف سبينوزا بالتمييز الجوهري بين الله والطبيعة ويقوم باشتقاق الطبيعة من الله واشتقاق الإنسان من الطبيعة ويعتبره الكائن الأكثر عاقلية  في الطبيعة وبالتالي أقر ضمنيا بأن الكائن البشري هو الكائن الطبيعي الأكثر اكتمالا على غرار اكتمال الله.

لقد قدم لنا هوبز تعريفا عن الإنسان كان ديكارت قد نعت به الحيوان ويقوم على الجسم وحركة الأعضاء والغدد والأجهزة والأعصاب والعروق بعد أن خلصه من كل طبيعة متعالية وعمل على استبدال الإنسان الآلة بالحيوان الآلة وإلغاء ثنائية النفس والجسم وتبني نظرة مادية تشيد بالدور المحوري للجسم المادي.

لعل الفرق الذي يحدثه هوبز بين الجسم البشري والأجسام الأخرى يكمن في أن الأجسام العادية تتحرك بالدفع أو الجذب من طرف أجسام خارجية أخرى بينما يحافظ الجسم البشري على سكونه بالمقارنة مع الأشياء بالانطلاق من تنشيط باطني مستمر يستثمر جملة البواعث والحوافز والدوافع في الفعل الإرادي. لقد ربط هوبز بين الإحساس بالحرارة والشعور بالغضب والخوف من الأحلام السوداوية أثناء النوم وبين الإحساس بالبرودة والشعور بالراحة والاستمتاع بالأحلام الوردية التي تقترن بالأمل المشرق أثناء اليقظة. لكن هل يمكن جعل الجسم الأصل الأول والرئيسي للاضطرابات العصبية والتشكيل اللاارادي للصور؟

3- تمجيد الزمن الحاضر:

" الحاضر وحده موجود في الطبيعة"7[7]

إذا كان الحاضر هو فقط الموجود واذا كان الماضي ذهب وولى والمستقبل لم يأت بعد فإنه من الضروري الاعتناء بالتجربة والعودة إلى الواقع المادي والاهتمام بالتناهي البشري والابتعاد عن المطلق والمجرد.

يشير الحاضر المحض إلى أن جميع الحيوانات تحيى في المحايثة والحدوث في نفس الوقت، على الرغم من أن كل حدث مادي يسبقه دائمًا سببه - والشيء نفسه ينطبق على أفكارنا. لا ترى الحيوانات هذه السلسلة ولكن فقط الحضور المحظوظ. يبدو من الواضح عند هوبز أن الحدوث هو نتيجة لوجهة نظر قصيرة أو محدودة عن الخصائص المعرفية، فالإنسان هو الحيوان الوحيد على قدر معرفته الذي يستطيع تبني المصطلحات السابقة من السلسلة والمستقبلية، سواء في شكل أفكاره الخاصة أو الأحداث نفسها. تركز هذه الملكة الذاكرية والاستنتاجية معظم تفوقها على الحيوان. فما الذي يفعل العقل البشري، إن لم يكن متوقعًا أو متأملا بشكل مسبق في الحاضر بالأفكار أو الآثار التي من المرجح أن تفرض نفسها عليه؟

 ما يظهر من الواقع هو موجود بالفعل حسب هوبز وحاضر  في شكل خطي وميكانيكي. هذا يؤدي إلى تعريف الذكاء البشري الذي يتألف من النظر إلى ما وراء الحاضر البسيط والحادث؛ على هذا النحو  يتذكر الإنسان الأحداث الماضية ويتخيل المعطيات المستقبلية ؛ إنها تستمد أو تتحدد من خلال سلسلة المعرفة السابقة، تلك التي من المحتمل أن تنجح فيها أو من الممكن أن تتعثر. للعودة من الأثر إلى السبب أو توقع آثار الأسباب، تكمن كل عبقرية الإنسان في هذه الجدلية المحايثة الصغيرة التي تسمح له، لبعض الوقت، بانتزاع نفسه بعيدًا عن التجربة. والحق أن هوبز رفض اللانهائي الميتافيزيقي ويركز على النهائي ونراه قد صرح حول هذا الموضوع: "نحن جميعًا محصورين ليس فقط بالزوال، بل بالتناهي. اللانهائي هو بالضرورة خارج الفهم، الذي لا يستطيع ولا يعرف كيف يعانق. في الأساس، حسب قوله، فإن اللانهائي أقل إثباتًا لوجود اللانهائي على هذا النحو، من تأثير الحد لفهمنا. أي شيء يتجاوز سعة ذاكرتنا يثير فينا حدس اللانهائي"[8]. يزيل هوبز من الإنسان كل تخوف من الإلهي وكل إمكانية لظهور اللانهائي في الجوهر أو في سماته التي تبرز ضمن الفهم نفسه كما هو الشأن عند ديكارت وسبينوزا. يرفض هوبز: "لا يمكن لأي إنسان أن يشكل في ذهنه صورة بحجم لا حصر له، ولا يتصور سرعة لا نهائية، أو مدة لا نهائية، أو قوة لا حصر لها أو قوة لا نهائية. عندما نقول أن هناك شيئًا لا نهائي، فنحن نعني فقط أننا لا نملك القدرة على تصور شروطه وحدوده ؛ نحن لا نتصور الشيء، ولكن عدم قدرتنا على تصور ذلك. حتى فكرة الله لا تزال، حسب قوله، فكرة محدودة لا تشير - بقدر ما هي فكرة - إلى أي شكل من الأشكال على الإطلاق. فهم الإنسان لا يحتضن أو يتدفق من أي سمة إلهية"9[9].

هكذا يقوم هوبز بالفصل بين الله والطبيعة، وبين الانسان والله بشكل جذري ويكشف محدودية الدليل الذي طرحه ديكارت على مسألة وجود الله، والذي يضفي عليه شرعية من خلال حقيقة أن هذه الفكرة التي فينا عن الله لا يمكن استخلاصها من أي شيء، وبالتالي أنه موجود حتمًا، ويرى أنه أمر سخيف للعقلانية.

بالنسبة للحسية الإنجليزية، تأتي المعرفة الإنسانية فقط من الحواس وآثارها في الإنسان ؛ لذلك لا يمكن إدراك الله عن طريق الملكات الإدراكية البشرية. فالله يبقى غير مفهوم في حد ذاته كما في قوته. لذلك يمكن للمرء أن يجرؤ على التساؤل: كيف، في ظل هذه الظروف، تمكن من تشكيل فكرته عن الله؟

لقد خلق الله اللوغوس ومنذ ظهور الإنسان أمره بتعلم الكلام لأن اللغة هي ما يفصل الإنسان عن الدب أو الأسد أو الذئب بشكل جذري. في الواقع إن اللغة هي التي ترفع من الإنسان إلى فضيلة أعلى من البكاء أو الزئير ... ولو أصيب الانسان  بالعجز عن التعبير عن نفسه، والتحدث بشكل صحيح،فإن ذلك ما يؤدي إلى  صعوبات كبيرة في احتواء الغرائز الخاصة به. كما يؤدي غياب الكلام إلى زيادة العنف البدائي في حد ذاته، ومن هنا تأتي مصلحة اللغة بمعنى الفضيلة الحضارية، والتي تسمح للإنسان بالانتقال من المرتبة الحيوانية الى المرتبة الحضارية. على هذا النحو شكل اختراع الكلام، من خلال اللعب الخفي للخطاب من خلال الفم، واللسان، والشفتين،  الانجاز الرائع الذي بفضله تم إثراء التعبير الإنساني. كما عزز اختراع الكتابة حسب هوبز هذه الملكة التعبيرية الضرورية والتي سمحت، من خلال استخدام علامات (رقمية، أبجدية، رمزية، إلخ)، بإصلاح المعاني على المدى الطويل، وبالتالي السماح الشعوب لكي تتعلم  الكثير من الحقائق من المجتمعات الأخرى التي ظهرت عبر العصور الغابرة من التاريخ.  حول هذا الموضوع كان قد قال: " نرى أن العقل لم يولد معنا، مثل الشعور أو الذاكرة ؛ ولم يتم اكتسابه من خلال الخبرة فقط كحكمة، ولكنه يتحقق بالفن ؛ أولاً عن طريق تعيين الأسماء بشكل مناسب ومن ثم عن طريق إتباع طريقة عادلة ومنظمة للانتقال من العناصر، أي الأسماء، إلى التأكيدات، عن طريق ربطها ببعضها البعض، وبالتالي إلى الكلمات المنطقية، والتي هي علاقات التأكيدات مع بعضها البعض حتى نصل إلى معرفة جميع نتائج الأسماء التي تنتمي إلى الموضوع المعني: وهذا ما نسميه العلم"10[10]. فماهي استتباعات هذه الاختيارات المنهجية والمعرفية؟

خاتمة:

" عندما يعتقد أولئك الذين يتصورون أنهم أكثر حكمة من جميع الآخرين ويطالبون بالعقل الصحيح كقاض، فإنهم لا يسعون إلى التأكد من أن الأشياء لا يحددها عقل أخر غير عقلهم الخاص"11[11].

لقد جمع توماس هوبز في فلسفته بين التجريبية والاسمية والمادية ضمن رؤية عقلانية حسابية تخضع لعدد من القرائن والمؤيدات المعرفية و مثل معظم معاصريه، تأثر هوبز بالتفكير الميكانيكي في عصره. بالنسبة له، كل الظواهر الطبيعية تتلخص في ردود الفعل الجسدية بين الأجسام. هذا النموذج من التحليل، الذي تم اكتشافه في الفيزياء، يمتد إلى حركة الحيوان والنشاط الفكري الإنساني، ويشمل كذلك الخطب الذي ألقاها الإنسان ورغباته. كما يسمح هذا النموذج الميكانيكي بمعالجة علمية للأخلاق والسياسة. في هذا كان قد صرح:" الشخص الذي، من خلال الخبرة أو العقل، قادر على أعظم وأضمن التوقعات للعواقب، يتداول بشكل أفضل بنفسه ويكون قادرًا، عندما يريد، على تقديم أفضل نصيحة للآخرين"12[12]. أما العقل عند هوبز فهو يأتي في مرتبة لاحقة عن التجربة وتتمثل مهمته في التنظيم والاستخلاص والحساب ويرتبط بالكوجيتو الحسي الذي حاول وضعه مكان الكوجيتو الدجيكارتي أو على الأقل الكوناتوس الحسي. في هذا السياق يعلن هوبز ثقته في العقل الحسابي إلى جانب التجربة الحسية بقوله:" عندما يشتغل رب الأسرة، عند القيام بالحسابات، على جمع مبالغ جميع فواتير الإنفاق لكي يجعل منها واحدة فقط، دون القلق بشأن كيفية إضافة كل من الفواتير من قبل أولئك الذين أنشئوها أو في تلك التي تقتنيها، فإنه لا يقدم خدمة أفضل مما لو كان راضيا عن الموافقة على الحسابات على الصعيد العالمي مع الثقة في قدرة وصدق كل محاسب. وينطبق الشيء نفسه على التفكير في جميع المجالات الأخرى."13[13] لكن أين تظهر النزعة الريبية في الفلسفة النسقية التي شيدها هوبز؟ هل في نقده لللاهوت الديني أم في مراجعته للعقل؟ ألم يقل هو نفسه بأن الذكاء والحمق نابعان من الانفعالات نفسها وبأن الخوف يصدر عن الاعتقاد الزائف؟

 

د زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.............................

الإحالات والهوامش:

[1] Thomas Hobbes, Léviathan: ou matière, forme et puissance de l'Etat chrétien et civil, Ed. Gallimard, 2000/Folio essais, p63.

 [2] Voir Thomas Hobbes, Léviathan: ou matière, forme et puissance de l'Etat chrétien et civil, Ed. Gallimard, 2000/Folio essais, p70.

  [3] Thomas Hobbes, De la nature humaine (1940), UQAC © 2002, chapitre 1 et 2 , pp. 13, 15 et 17.

[4] Voir Milanese Arnauld, Principe de la philosophie chez Hobbes , l’expérience de soi et du monde, éditions Garnier, Paris, 2011, 366 pages.

[5] Thomas Hobbes, Léviathan: ou matière, forme et puissance de l'Etat chrétien et civil, op.cit. p71.

[6] Thomas Hobbes, Léviathan: ou matière, forme et puissance de l'Etat chrétien et civil, op.cit. p76.

[7] Thomas Hobbes, Léviathan: ou matière, forme et puissance de l'Etat chrétien et civil, op.cit. p90.

[8] Thomas Hobbes, Léviathan: ou matière, forme et puissance de l'Etat chrétien et civil, op.cit. p92.

[9] Thomas Hobbes, Léviathan: ou matière, forme et puissance de l'Etat chrétien et civil, op.cit. p93.

[10] Thomas Hobbes, Léviathan: ou matière, forme et puissance de l'Etat chrétien et civil, op.cit. p118.

[11] Thomas Hobbes, Léviathan: ou matière, forme et puissance de l'Etat chrétien et civil, op.cit. p112.

[12] Thomas Hobbes, Léviathan: ou matière, forme et puissance de l'Etat chrétien et civil, op.cit. p140.

[13] Thomas Hobbes, Léviathan: ou matière, forme et puissance de l'Etat chrétien et civil, op.cit. p113.

 المصادر والمراجع:

Thomas Hobbes, Éléments du droit naturel et politique, Vrin, Paris, 2010

Thomas Hobbes, Du citoyen, GF Flammarion, Paris, 2010

Thomas Hobbes, De la Nature Humaine, Kessinger Publishing, Whitefish, 2010

Thomas Hobbes, Léviathan, Folio, Paris, 2000

Thomas Hobbes, De Corpore, Vrin, Paris, 2000

Thomas Hobbes, De Homine, Traité de l’homme, éditions Albert Blanchard, Paris, 2000.

Malherbe Michel., Thomas Hobbes ou l'œuvre de la raison, Vrin, Paris, 2000.

Milanese Arnauld, Principe de la philosophie chez Hobbes , l’expérience de soi et du monde, éditions Garnier, Paris, 2011, 366 pages.

 

محمد سعيد محفوظ مقدِّمة: من البدهى أن هدف هذه الدِّراسة إيجاد مقاربات نسقيَّة بين المجاز ومناهج ما بعد البنيويَّة،كما تسعى طاقتها إلى شرعنة أبوة المجاز لتلك المناهج،وإنَّه الأصل وهى الفرع،،كما تهدف إلى إبراز تكامُليَّة العلوم عبر المجاز التَّأويلى،وشمولية المنهج،وكذا اتِّساع إهاب المجاز التأويلي لينتظم فى أعطافه:الدِّقة والموضوعيَّة العلميَّة،وجمال الخيال الأدبى؛كما تستهدف الدّراسة أيضًا،الجانب التّطبيقى للمجاز - وهو ما تفتقره غالبيَّة الدراسات الأكاديميَّة - ليتآزر ما ترمى إليه وترنو: تنظيرًا وتطبيقًا .

لذا فموضوع الدِّراسة: المجاز ومناهج ما بعد البنيويَّة

والسّؤال الذى تُثيره الدّراسة وتجتهد فى فك مغاليقه:ما حقيقة المجاز، وكيف يأتى مُتقاطعًا مع ثيمة نّظريَّات ومناهج ما بعد البنيويَّة الحديثة؟

حدود الدِّراسة: علاقة المجاز بمناهج ما بعد البنيويَّة.

منهج الدراسة: المنهج التكاملى الآخذ فى طياته: المنهج الجمالي، والوصفى، والتاريخى والنفسى، والفلسفى، والإحصائى المقارن.

تنهض الدراسة على عدة محاور تحدها وتهيكلها هى:

المحور الأول: المنهج السيميولوجى:

المحور الثانى-  المنهج السيميوطيقى:

المحور الرابع: المنهج الاستطيقى:

وأخيرا نتائج تمخضت عن هذه الدراسة ثم قائمة بثبت المصادر والمراجع.

مفتتح تنفيذى

إنَّ أدبيات التأويلية لتغير على البنيوية ومبادئها كى تستقصى المعانى الماورائتية الميتافيزيقية وهى إذ تمضى فى سبيلها هذا تتجاوز الانطباعية والذاتية تتمطى الإيثار على الأثرة بعدما تضامن وتطابق المنهج النقدى العتيق مع نوايا المؤلف التى لم تكن فى الغالب حسنة الطوية.

لا جرم أن البلاغيين الأول وعلى رأسهم القطب عبد القاهر الجرجانى قد تفطن لعبثية المعانى الأولية لذا نفذ منها إلى المعانى الثانوية ذات الطاقات الإيجابية الخلاقة الفعالة ذات الظلال

الكثيفة وهى هى أبجديات المعنى المجازى .

إن المؤلف وهو يتكفل ويتكلف الانغلاق نحو الأنا و الانكفاء عليها والانكباب حول الداخل إنما هو فى لهثه وركضه ذاك يحيلنا على التأويل الذى ما ينفك يصول ويجول ويبدئ ويعيد دءوبا فى فك طلاسم شفرات النص فهذا قدره المقدور.

المحور الأول: المنهج السيميولوجى:

السمت العام لهذا المنهج الرمز، لذا كان تموضع التأويلية أو المجاز التأويلى" ابستيميولوجيا ويذهب كاسيرير إلى أن أهم مايميز الكائن البشرى أنه كائن رامز لأنه بفضل الرمز يحصن الإنسان نفسه من الضياع والتية وسط غزارة وغنى الواقع الموضوعى"(1) ولما كانت كل مظاهر الوجود الإنسانى صلبها السيميائيات ولما كان الإبداع جزءا من تلك المظاهر القائم على الحدس فإن له ولا شك بعدا نفسانيا أو ما يسمى ب "الميكانيزمات النفسية والفيزيولوجية التى تسمح بإخراج هذه التأليفات"(2) ومن الحقائق المقررة أن علم السيميائيات ينحو هذا المعنى السيكولوجى لدى سوسير فالسميولوجيا "جزء من علم النفس الاجتماعى بالنسبة لوسير وبالتالى من علم النفس العام".(3)

ولما كان الأمر هكذا فانه يتساوق ويتماس مع المجاز حيث إن الإنسان يحاول جهده اكتناه الغامض الملغز وهذا "عامل نفسى لأن فى التجوز استثارة لمكامن الشوق وجذبا للانتباه وإدراك ما فى النص الأدبى من وجوه الحسن والجمال"(4) وهذا هو وضعية المجاز التأويلى الذى لولاه لسقط "شطر الحسن بل الحسن كله"(5) كما مربنا آنفا وهذا هو عين أدبية التأويل التى ترواح مكانها وتتبلور فى "اكتشاف العلاقات الخفية والقبض على اختلاجات الفكر الأولى مما يجعل النص يشف عن الهمهمات البدائية الساكنة فى نبض الهموم المعاصرة"(1) وهذا يتيح للمؤول سبر أغوار ذات المؤلف ومن ثم فهم هذه الذاتية([2]) ولن نمعن فى المبالغة إذا رحنا نؤكد القول بأنه فهم الكاتب أكثر مما فهم نفسه وبات الفهم لدى كانط كعلمية تشريح نفسى منزل فى سياق اجتماعى"([3]) ولما كان التأويل يطال الجانب الأغمض فهو بلا ريب يتموضع داخلنية الباث لذا فجانب الإبداع لدى شلاير ماخر له شقان لغوى، نفسى "إذلا يمكن الاقتصار على اللغة وحدها كما أن الموهبة فى النفاذ إلى الطبيعة البشرية لا تكفى لأنها مستحيلة الكمال"(2) بيد أن ثمة آخر يرى بغلبة الجانب النفسى على اللغوى التقعيدي "فالتأويل له بعدان نحوى / تقنى نفسى وإن كان التأويل التقنى النفسى يغلب على التأويل النحوى إذ يركز على فهم المتكلم"(3) وما منهج شلاير ماخر ببعيد إذ يركز على الحوافز والبواعث النفسية التى حتما وراء تجليات المؤلف إنه "يموقع النص فى سياق حياة المؤلف الفكرية والعامة والحوافز التى دفعته للتعبير والكتابة".(4) بل إن إيكو ليصل لأنكى من ذلك وأقصى من هذا كله إذ يؤمن بما يسميه علماء النفس بالتوحد إذ ذهب إلى أنه بحاجة إلى" قارئ يكون قد مر بنفس التجارب التى مررت بها فى القراءة تقريبا.(5)

والتعبير المجازى فى ذلك كله هو المنجاة من موارد الهلاك حيث يخشى المؤلف على نفسه من ردة فعل الآخر ومن غلوائه فى ذلك فيجنح إلى المجاز يستظل ظله ويحتمى بحماه ألته الرمز هو ترهين موقفى نفسى آنى وهذا متمثل فى قوله تعالى:

" يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ " (6)

فهذا المجازالمرسل أو العلاقة الكلية والترميز المرهب المرعب أفاد أنه من شدة هولهم وروعهم يضعون أصابعهم والمراد أنا ملهم حذر الصواعق المرسلة عليهم وكذا قولك لمن تروم وترنو إلى موعظته حين تناولك طاغية من الطغاه انظر إلى الجيفة كيف يطغى؟ فستذكره بمصيره ومصير من ينتهج نهجه ويقتفى أثره.

إن المفهوم البورسى للعلامة السيميوزية يتألف من عناصر ثلاثة هى(1):

الماثول: العلامة وهى شئ يعوض بالنسبة لشخص ما شيئا ما بآية صفة وبآية طريقة أنه يخلق لديه علاقة موازية أكثر تطورا ومن ذلك المجاز المرسل فى قولك (يد) فهى تثير تصورا ذهنيا متخيلا فهى الجارحة وهى الأطراف العليا للإنسان.

الموضوع: وهو الحلقة الثانية التى يمثلها الماثول وهو مؤطر بإطارين: 1-  مباشر كالتعريف الآنف سرده 2-  غير مباشر ديناميكى وهذا هو جوهره التأويل الذى لا يعير بالا إلا المعنى الميتافيزيقى وذاك فى كون (اليد) نعمة وعطاء وجودا وبطشا وقوة.

المؤول: ويتشعب إلى ثلاثة أمور:

1-  مؤول مباشر: المعنى المباشر .

2- مؤول ديناميكى وهو يدخل العلامة فى سيرورة غير متناهية من التأويلات.

3- مؤول نهائى ينقسم بدوره إلى ثلاثة مؤولات نهائى (1) نهائى (2) نهائى (3)

وهذا لأكبر دليل على سيرورة التأويل فهو ذو تقسيمات ثلاثية وهذه بدورها ثانيانية ثم هى ثالثانية أخرى وهكذا تتوالد لديه لانهائية من التقسيمات والتفرعات ثم يفاجئنا بكبح جماح هذه التوالدات التناسلات التناتجات ويحدها ويسكتها بقوله المؤول النهائى المانع لسيرورة السيميوز اللامتناهية وما يوجد بالطبع من يعرف ويخبر طبيعة هذا التأويل النهائى إلا الله والعلماء كما أقر بذلك القرآن الكريم ومن المقدر سلفا أن التأويل يتباين بتباين القراء وأمزجتهم وثقافتهم وحقبهم ونحن لا نتفق بداهة مع بورس وغيره الذين ما انفكوا يصادرون على قراء العصور الآنية وباين الصواب فى ذلك وكان من الأحرى قولهم التأويل المنضبط المنظم لا أن يستعيضوا عنه بقولهم التأويل النهائى بل إن معنى ومبنى التأويل ذاته ليدل على المعانى اللامترائية اللامدركة حتى إذا وسمناه بالنهائية فإننا نفرغه من مضمونه تفريغا فما هو بتأويل إذن وهناك من يسميه "بالعلامة النوعية"(1) وهى تحوى الأحاسيس والألوان والأصوات والهيئات إنها تنتظم ذاك كله ويتطابق ذلك مع استراتيجية المجاز ذى العلاقة الضدية الفاعلة (جون) وهو ما يطلق على الأبيض والأسود سواء بسواء هذا مع تأكيدنا على الأيقونة، تلك التى" تحيل إلى الشئ الذى يشير إليه بفضل صفات تمتلكها خاصة بها وحدها"(2) مثل قولنا فى المجاز الموسوم بـ (تسمية الشئ باسم ما يشاركه فى خاصته كقولنا للشجاع أسد وللبليد حمار).

إن هذا المجاز التقابلى التأويلى، المجاز الضدى، هو ما عناه الباحث الدكتور / محمد بازى إذ يقول "يمكن للقارئ أن يكتشف أنظمة أخرى للتقابل ذات طابع منطقى أو تواصلى أو بنيوى تقدم سندا للقراءة التساندية والتأويلية"(3) وما يندرج وينضوى تحت هذا السياق أيضا مجازات الضدية ل (محمد بن على الجرجانى) كتسميته السود كافورا والأعمى بصيرا والجهل والضلال ظلمة وهو هو ما عناه د/ محمد بازى بقوله (التأويل من التلوين إلى الترميز) (التأويل من الترميز إلى التلوين) فالمؤول" ينتقل من الدوال اللونية إلى دلالتها الرمزية التضادية لأن الإنسان يصرح باللون ويضمر رمزيته كما المثال الأول أو يعمد إلى الإعلان عن الرمز الذى يكون خفيا فى الاشتغال الأول السابق وإضمار اللون الذى يكون صريحا فيه وبذلك فالمؤول يتصل بالرمز ليفهم منه الإشارة إلى اللون المضمر.ولما كان اللسان" أكبر مؤول كل الأنساق"(1) كانت له هذه المكانة السامقة فى المجاز التأويلى باعتبار الآلية فى قوله تعالى: " وَاجْعَلْ لِي لِسَان صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ " (2)

المحور الثانى- المنهج السيميوطيقى:

ينبغى أولا التعريف بالسيميوطيقا قبل ولوج مبادئها فقد ائتمر أربابها على أنها "لعبة التفكيك والتركيب وتحديد البنيات العميقة الثاوية وراء البنيات السطحية المتمظهرة فونولوجيا ودلاليا تبحث عن الأسس الجوهرية المنطقية التى تكون وراء سبب اختلاف النصوص والجمل".(3)

ومادام الأمر هكذا فإنها تتفق والمجاز التأويلى فكلاهما يسعى إلى اختبار المعنى الذاتى الذى هو ذاته المعنى الداخلى لذاتية النص وسائر علاقات المجاز بقضها وقضيضها لا تبغى ولا تنشد إلا ذياك الأمر ففى قولنا (رعينا الغيث) لا يعنيها ظاهر هذا القول وهو المطر بل ما وراء المطر أنه النبات الذى سببه المطر فذاك معروف فى المجاز ذى العلاقة السببية وكذا فى المسببية فى قولك (أمطرت السماء نباتا) أى مطر يتسبب عنه النبات وينسحب هذا الأمر على المجاز جملة وتفصيلا ويغدو واقعا أنطولوجيا كما إيديولوجيا .

إن ماهية السيموطيقيا لتتبلور فى كونها رموزا، ذاك ما تتبناه وتعتمده النظريات المؤطرة من لدن (بيرس) و (موريس) وانتهاء ب (ريكور) وهذا هو صميم وجوهر المجاز فعدته وعتاده الرموز فالأسد رامز للشجاعة والحمار رامز للبليد وهكذا تستجيب كل العلاقات المجازية للرمز وثمة ماهية أخرى للسيميوطبقا إنها (العنونة) والعنوان اختصار وإيجاز وتكثيفا للمضمون إنه أخصر طريق للنفاذ إلى كنه المعنى كما أنه يحمل إيماءات وتأويلات لا متراءى لها فمثلا القصيدة المعنونة ب (الموت) تثير فينا تخمينا وتأويلات عدة هل المقصود الموت حقيقة أم الموت المعنوى كالكفر كالجهل كالانعزال والبعد المجتمعى كالفشل كذا قولنا (الجون) يطلق على الأبيض والأسود وهل اللون هنا معنى به البيضاء اللونى الخالص الدال على الصفاء والنقاء أم هو البياض الدال على الفراغات والبياضات اللانهائية وهنا يشرع دور المتلقى فى ملئها أم هى فراغات دالة على بياضات رامزة إلى الفقر المدقع هل هو فقر عادى أم معنوى خواء لاملاء إلى سيميوزات وسيرورات لا كابح لها وهذه الفراغات والبياضات "أمر نسبى فالعنوان بمثابة الرأس للجسد والنص تمطيط له إما بالزيادة أو الاستبدال والنقصان"(1)

إن العنوان هو "ناتج تفاعلى علاماتى بين المرسل والعمل أما المستقبل فإنه يدخل إلى العمل من بوابة العنوان متأولاله وموظفا خلفيته المعروفة فى استنطاق دواله الفقيرة عددا وقواعد تركيب وسياقا"(2) وهذا القول السابق يتميز ببعض الحق فى قوله إن العنوان تفاعل بين المرسل والعمل ولكن أصابه العوار حين ذهب بانفراد المرسل بالعنوان ويكأنه هو خاصته بينما ذاك ليس مسلما به إذ قد ينزله المستقبل من عليائه ويستعيض بآخر وههنا "القيمة السيميوطيقية المضافة إلى كل من علامتى العمل وعنوانه وتتمثل فى مدلول يمنحه العنوان لعلامة العمل مدلول (العنوان) + دال + مدلول ولكن (الدال) يهبه العمل لعلامة العنوان: دال + مدلول + دال (العمل) أى إن العلاقة الوسيطة تنبئ عن مدلول العنوان + دال (العمل) وهذه العلاقة هى هدف التحليل"(1) والعنوان من سمات "النص الثرى بينما الشعر يمكن أن يستغنى عن العنوان وبالتالى قد يكون مطلع القصدية عنوانا (2).وهنالك "سيميوطيقا المكان"(3) وتتجسد فى المجاز المرسل بعلاقته ذى العلاقة الحالية نقيض المحلية حيث يذكر الحال والمراد المحل والحال رمز المحل و ذاك فى قوله تعالى: " وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " (4)

فالبياض والرحمة هما رمز الجنة .

العنوان - العمل

وهناك ماهية للسيميوطيقية فى المدرسة الأمريكية تتحوصل فى "كونها علما قائما على الرياضيات وعلم المنطق ذاك العلم القائم على المقدمات والمسلمات والنتائج" .(5)

ويتكثف ذاك كله فى علاقات المجاز بأجمعها، فمثلا المجاز المرسل ذى العلاقة الجزئية حين قوله عن الجاسوس (عين) أراد الجاسوس كلية ولما كانت العين أهم سلاح وأدوات الجاسوس للاختبار والتجسس لما كان هذا كذلك صارت هو هو وصار المجاز وقفا عليها، كذا فى قوله تعالى: " فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ " (6)

لما كانت الرقبة أهم جزء فى الإنسان صارت هى المنوطة بالكلام إذ هى بمثابة الإنسان ذاته لذا تتجسد تلك العلاقة حسب المنطق الأرسطى .

العين       رؤية الرقبة        كائن حى

الرؤية     أداة الجاسوس     الكائن الحى    إنسان

العين      أداة الجاسوس     الرقبة إنسان

اتجاهات السيميوطيقا بين المجاز والتأويل والتأويلية:

سيميولوجيا التواصل(1): تلك القائمة على الحذف وذاك قائم فى النص المفتوح اللامتناهى الذى عماده وقوامه الحذف واستتارة المعنى والإلباس والغموض اللذان يلفانه تاركا-  أى النص -  مسافة فراغية كخلفية فاقدة الملاءمة التيمية وذاك سبيله مجاز النقصان والحذف والاختصار الذى لا يبطل به المعنى كحذف الموضوف وإقامة الصفة مقامه كقوله تعالى: " وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا "(2):

أى شخص برئ وكذا قوله تعالى:

" فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ "(3)

أى فافطر فعدة. إن تأويل المحذوف فى المجاز هو سر خلوده، وبقاؤه هو وشيجة التواصل بين النص والمتلقى هو علة الأزلية التواصلية أنه "الفراغ الذى يأتى لإيقاف الانسجام النصى لكى يترك للقارئ الفرصة لإرجاع هذا الانسجام".(4)

السيميوطيقا المادية: هى التى هدفها "المدلولية لا الدلالة"(1) وما من شك فى أن هذا الاتجاه هو اتجاه المجاز التأويلى واتجاه التأويلية ومرامها فهو إن صرح بالكل لا يريده ولا يقره وإن صرح بالحالية لا يهدف إليها وكذا فى السببية والجزئية والفاعلية والمفعولية .

السيميوطيقا الاجتماعية: وهو ما يهدف إليه" الشكلانيون الروس"(2) وهم محقون فى ذلك حيث المجاز التأويلى صدى لطباع العرب وسننهم التى استنوها وترسموها فهم للإيجاز أقرب حتى قيل أكثر اللغة مجاز لا حقيقة.

السيميوطيقيا الشعرية (3): ولا غناء للشعر عن السيميوطيقا حفاظا على ترسيماته وقواعده ورعاية لمظاهرة المترائية فيه من سجع ووزن وقافية وجنس وتصريع وهذا هو المجاز كما فى قول الشاعر:

كمْ بعثْنا الجيشَ جرا   رًا وأرسلْنا العيونَا

فالمجاز هنا (العيونا) مجاز مرسل علاقتة الجزئية ولو قال (الجواسيس) لما استقام الوزن ولا القافية ولا ائتلفت واتسقت مع سائر الأبيات. ولأحدثت قلقا مخيفا مزعجا عزفت عنها النفوس وكذا فى الآيات القرآنية القائمة على الجمال الموسيقى الذى عدته المجاز كما فى قوله تعالى: " وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى(2) " (4)

بل هنالك دعوة مفادها" دمج السيميوطيقا والشعرية وصهرها فى بوتقة واحدة".(5)

سيميوطيقا المحاثية: وهى التى تبحث فى "شكل المضمون عبر العلاقات التشاكلية أو التضادية الموجودة بين العناصر داخل العمل الفنى"(6) وهى آخذة بالرؤية الاستاتيكية وكذا الرؤية الدينامية"(1) وقارئ المجاز ومؤوله يرى تمحوره حول هذه المحايثة إنها تتناول البنية التحتية والفوقية، الداخل والخارج، المظهر والمضمر، الشكل والمضمون من زمانية ومكانية ومن فاعلية ومفعولية ومن حالية ومحلية وهكذا .

سيميوطيقا التحليل البنيوى القائم على النسقية والبنية (2):

إن المعنى لا يصبح مرئيا إلا فى علاقته بالنسق المولد له ذلك أن كل نسق "يشتمل على مجموعة من القواعد إنه سلسلة من الإرغامات التى تقوم من خلالها بإنتاج وتداول واستهلاك الواقعة"(3) وتلك الإرغامات المفترضة المقرونة بالنسق كائنة فى المجاز الذى يؤصل تلك النسقية ويجعلها النسق النموذج الخالقة لأكوان من الأنساق التى أفرزتها تلك النمذجة ويظهر هذا فى المجاز المركب القائم على المثل، من ذلك قول الوليد بن يزيد لمروان بن محمد حين تردده فى البيعة له: أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى وتأويل المجاز السابق أنه متردد الرأى كالمتردد فى الذهاب لأمر ما وهذا أدخل إلى مصطلح (اليوتوبيا) القائم على "تدمير الواقع وتشكيل بنية قائمة على الخيال وهذا ما نادى به ريكور".(4)

ومن مرتكزات السيميوطيقا لدى ريكور:

المقصدية: وقد أسهبنا الحديث فيها من ذى قبل وهذا أمر حتمى وجوبى وإلا لما كان معنى للنشاط الإنسانى الذى إنْ هو إلا رمز ولو فتشنا أصل كلمة (عنوان) لغويا ومعجميا لتلمسناه "يتشقق إلى (عنن، عنا) تحمل المادة الأولى: معانى الظهور والاعتراض والماده الثانية تحيل إلى معنى القصد والإرادة" .(5)

الهوية والذاتية: ونحن لا نذهب فيما رسخه ريكور من التركيز على هوية وذاتية المؤلف"(1) إذ لو كان الأمر كذلك لما كان للتأويل معنى أنه لا يسمى كذلك إلا حالما نطرح ذاتية ومغزى المؤلف ظهريا وما المجاز إلا لتجاوزه المعنى الظاهرى الباثى.

الاهتمام بالخطاب فى كليته العضوية: وهذا يعنى أن تهتم بالنص باعتباره "خطابا كليا وعضويا بمعنى أنها لا تتعامل مع المقاطع أو المتواليات الصغرى كما تفعل البنيوية السردية أو السيميوطيقا الكريماصية بل هو كلية رمزية"(2) وهذا بدهى إذ ليس من المعقول أن نعطى رمزا ومجازا ووسما لكل كلمة مقتطعة ومسلوبة من السياق وإلا راكمنا تأويلات ومجازات بالإضافة إلى كثرتها وهلهلتها وسدميتها وهلاميتها فإنها تكون فوضوية عبثية كما أن الاجهاز على الموضوع ككل يضع تأويلا سيميوطيقيا مقننا محددا .

النص عالم رمزى مفتوح متعدد المعانى: وكما ألححنا من ذى قبل على أن النص التأويلى المجازى هو الذى يتموقع فى صلبه آفاق وصحراوات متراميات من انفتاحية المعانى بانفتاحية النصوص إنه ترهين بهذه الفرضية.

الجمع بين الداخل والخارج: يخطئ من يظن أن المجاز التأويلى لا يعير المعنى الخارجى أى اهتمام فهو وإن كان ذلك الغالب المسيطر إلا أنه لابد أن يستوقفه لينفذ إلى المعنى الداخلى عبره فهو القاعدة التى ينطلق من خلالها لتفسير تأويلاته فبينهما ذات صلة فثمة المجاز المؤطر بالعلاقة التأويلية كقوله تعالى:

" إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا "(3)

فالمعنى التأويلى هو عصر (العنب) ولكنه يؤول ويصير إلى الخمر إذ الخمر تصنع من العنب .

الجمع بين الذاتية والموضوعية: وهذا المرتكز يدور فى ضوء المقاربات العلمية والموضوعية وذلك للتخفيف من صرامة وحدة المنهج العلمى لأننا فى بادئ الأمر اتفقنا على عدم محدودية التأويل واللانهائية له فلا مجال هنا للصرامة والقيود العلمية لأن الأمر لو كان هكذا لما قرأنا متناميات من التأويلات لذا كان الارتكان للذات والذاتية وفى ذات اللحظة يتم التأويل فى حدود المتعارف عليه المعقول لا العبثى فلا يمكن تأويل قوله تعالى: " تَذْبَحُوا بَقَرَةً "(1) على أنها السيدة عائشة كما فسر بذلك "ملحدو الشيعة"(2).

الجمع بين القارئ والنص: وهو ما تسعى له السيميوطيقا وتؤكده فى النص بالرموز والإحالات والمدلولات وهنا يبرز دور القارئ الذى يتولاها جميعا كعلاقة المجاز اللازمية فى قولنا (طلع الضوء صباحا) والمقصود، الشمس ولما كان الضوء يستوجب الشمس نهارا كان هذا التأويل.

الانسجام: ويؤكد ريكور على الانسجام والاتساق ومن ثم ينبغى التأويل على هذا الأساس وحتى يكون قاعدة وأساسا لصرح مشيد من التأويلات اللاحقة ويتجلى هذا فى المجاز ذى علاقة المفعولية فيما أسند للفاعل وأريد المفعول، كقول الشاعر:

دعِ المكارمَ لا ترْحلْ لبغْيتهَا  واقعدْ فإنكَّ أنت الطاعِمُ الكاسِى

فسياق البيت يدل ههنا على أنه المطعوم المكسو دليل ذلك سخرية الشاعر منه وأنه ليس أهلا للمكارم وكذلك فى قوله تعالى:" إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا "(3)

وهذا فى علاقة الفاعلية فيما أسند للمفعول وأريد به الفاعل فالله هو الفاعل القادر لكل شئ لذا ناسب آتياوهكذا.

ضرورة ممارسة فعل التأويل: وحيث إن المجاز يترك مساحة تأويلية لما يتوافر فيه من رموز وإشارات وتخييلات وما وراء ذلك من عالم أرحب أوسع وأعمق فتتوالى القراءات وتتزايد التأويلات وتتناتج السيميوطيقات ولولا التأويل لما فهم المجاز الذى يتجاوز المعنى الظاهرى

الإحساس بالوجود والتاريخ: ولما كانت التأويلات نتاج لتفسيرات متراكمة بها هذا الزخم من الرؤى والاأطروحات كان من اللازم المحتم الوقوف على خصيصة كل تفسيرات ومميزات المرحلة التاريخية والمرحلة المعاشة فالتفسيرات فى معظمها وقف على الأحداث التاريخية والمرحلة المعاشة فحينما أبصر الاتجاه الظاهرى فى تفسير القرآن أستبطن خصائص الحقبة التاريخية وقتذاك وحينما أستقرى (اليد) أدرك مغزى اتجاهات المفسرين فى تفسيرهم للمجاز ذى العلاقة الجزئية (اليد) وأدرك أن الشطط جاء من لدن المعتزلة الساعين إلى التعطيل حتماً التاريخ داخل وبسهم وافر فى السيميوطيقا المجازية التأويلية وكذا التجوز بصيغة (النفى) نفى خلق القرآن نظرا للاحتراب القائم بين السنة والمعتزلة فى الفتنة المسماه (فتنتة خلق القران) التى أثارها وأججها الجاحظ وقرناؤه من المعتزلة .

 

الدكتور: محمد سعيد محفوظ عبدالله

....................

(1).إمبرتو إيكو – التَّأويل بين السيميائيات والتفكيكية –ترجمة د/سعيد بنكراد – منشورات المركز الثقافى العربى – بيروت الدار البيضاء - سنة 2000م، ص 76.

(2) د/ آمنة بلعلى - الثابت والمتغير فى النقد العربى المعاصر –م.س-  ص 25 .

(3) محاضرات فى السيميولوجيا – د/ محمد السرغينى – دار الثقافة – الدار البيضاء – المغرب سنة 1987م ص 4 .

(4) دروس فى الألسنية العامة – دى سوسير – ترجمة مؤلفين تونسيين – مجلة آفاق سنة 1988 ع 8/9 .

(5) سيميولوجية المدرسة الأوروبية فى ضوء مدرسة دى سوسير وبيرس د/ محمد عبد الصمد – مجلة الموقف الأدبى سنة 1999م ع 311/48. 

(1) حركية الإبداع – د/ خالدة سعيد – در العودة – بيروت سنة 1979 م ص 60 

(2) السيميائيات – مفاهيمها وتطبيقاتها – د/ سعيد بنكراد – الدار البيضاء – المغرب سنة 2003م ص 18 . 

(3) فلسفة كانط النقدية – دولوز – بيروت – المؤسسة الجامعية سنة 1997م ص

(4) المصدر نفسه ص 128 .

(5)إمبرتو إيكو-  التأويل بين السيميائيات والتفكيكية –مصدر سابق- ص 90 .

(6) البقرة: 19 .

 (1) جيرار دولودال-  السيميائيات أو نظرية العلامات –ترجمة د/ عبدالرحمن بو على – دار الحوار سنة 2004م، ص 140 .وانظر يرس: نظرية المنهج الشكلى– ترجمة إبراهيم الخطيب – المركز الثقافى العربى سنة 2000م ص 110 .

(1) جيرار دولودال - السيميائيات أو نظرية العلامات –مصدر سابق- ص 143 .

(2) د/ سيزا قاسم وآخرون -  مدخل إلى السيميوطيقا –عيون المقالات – الدار البيضاء سنة 1986م ص 33.

(3) – د/ محمد بازى – تقابلات النص وبلاغة الخطاب – نحو تأويل تقابلى الدار العربية للعلوم – بيروت سنة 2010م ص 254 .

(1) دى سوسير – أصول اللسانيات الحديثة –جونا تان كالر -  ترجمة د/ عز الدين إسماعيل – الأكاديمية سنة 2000م ص 31 .

(2) الشعراء: 84 .

(3) – د/ جميل حمداوى -  السيميوطيقا والعنونة - مقال بمجلة عالم الفكر مج 25/ع3 / 79 .

(1) المصدر نفسه ص 100 .

(2) – د/ محمد فكرى الجزار-  العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبى– الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 1998م ص 19 .

(1) المصدر نفسه ص 20 .

(2) جان كوهن – بنيه اللغة الشعرية –ترجمة محمد الولى ومحمد العمرى – دار توبقال للنشر سنة 1986م ص 161 .

(3) جماعة أنتروفيرون – التحليل السيميوطيقى للنصوص –ترجمة د/ محمد السرغينى – مجلة دراسات أدبية ولسانية سنة 1986م ع2 / 26

(4)آل عمران:107.

(5) السيميائيات أو نظرية العلامات ص 155 .

(6) النساء: 92 .

(1) د/ سيزا قاسم - مدخل إلى السيميوطيقا –ص 40 .

(2) النساء: 112 .

(3) البقرة: 184 .

(4) د/ عواد على - معرفة الآخر(مخل إلى المناهج النقدية الحديثة– المركز الثقافى العربى سنة1990م ص84.

(1) روبرت شولز:سيمياء النص الشعرى –ترجمة د/ سعيد الغانمى – الدار البيضاء سنة 1993م ص93 .

(2) الشكلانيون الروس – نظرية المنهج الشكلى – ترجمة إبراهيم الخطيب -  الشركة المغربية سنة 1982م ص 63 .

(3) د/ سيزا قاسم-  السيميوطيقا - ص 40 .

(4) الضحى: 1- 2 .

(5)جان كوهن-  بنية اللغة الشعرية-  ص 67.

(6) د/ جميل حمداوى-  السيميوطيقا والعنونة - ص 87 .

(1) د/ أنور مرتجى – سيميائية النص الأدبى –إفريقيا الشرق – الدار البيضاء سنة 1987م ص 57 .

(2)د/ طائع الحداوى – سيميائيات التأويل –المركز الثافى العربى – الدار البيضاء سنة 2006م ص 97 .

(3) – رامان سلد ن- النظرية الأدبية المعاصرة– ترجمة د/ جابر عصفور – دار قباء للطباعة والنشر سنة 1998م ص 27 وانظر: السيميائيات -  مفاهيمها وتطبيقاتها -  ص 123 .

(4) بول ريكور – صراع التأويلات –ترجمة د/ منذر عياشى – مراجعة جورج زيناتى – دار الكتاب العربى – بيروت – لبنان سنة 2005م ص 97 .

(5) – د/ محمد فكرى الجزار-  العنوان وسيميوطيقا الاتصال الأدبى ص 21 .

(1) بول ريكور – الوجود والزمان والسرد –ترجمة د/ سعيد الغانمى – المركز الثقافى العربى – الدار البيضاء – المغرب سنة 1999م ص 94 .

(2) بول ريكور – من النص إلى الفعل – أبحاث التأويل –ترجمة محمد برادة – حسان بورقية – الرباط سنة 2004م ص 53 .

(3) يوسف: 36 .

(1) البقرة 67 .

(2) ابن قيم الجوزية - الفوائد –ص 124 .

(3) مريم: 61.

 

 

علي اسعد وطفة(وَما غُربَة الإِنسانِ في بُعدِ دارِهِ

وَلَكِنَّها في قُرب مَن لا يُشاكلُ)

الحكم بن أبي الصلت

 يعد مفهوم الاغتراب Aliénation من أكثر المفاهيم الإنسانية استخداماً وشيوعاً في مجال العلوم الإنسانية، ومن أكثرها قدرة على وصف مظاهر البؤس الإنساني والقهر الاجتماعي عبر علاقة الإنسان بالطبيعة والمجتمع، وهو فوق ذلك يشكل مدخلا منهجيا مميزا تعتمده العلوم الإنسانية في تحليل الظواهر الاستلابية في واقع الحياة الاجتماعية (1). وإذا كان مفهوم الاغتراب يُعتمد كأداة تحليل منهجية في دراسة القهر الذي تفرضه الأوضاع الاجتماعية القائمة على الإنسان، فإنه في الوقت نفسه يشكل منطلقا منهجيا لدراسة الأوضاع السيكولوجية الاغترابية للفرد في سياق تفاعله مع معطيات وجوده الاجتماعي، وهو وفقا لهذا التصور يأخذ بأهمية التفاعل الجدلي بين الاجتماعي والنفسي في دراسة ظواهر الضياع والاستلاب عند الإنسان المعاصر.

وإذا كانت نظرية ماركس الاغترابية تشكل منطلق التحليل الكلاسيكي في ميدان الضياع والاستلاب والاغتراب فإن الأبحاث السوسيولوجية والسيكولوجية الجديدة حول المفهوم ذاته لا تقل أهمية وخطورة. لقد ألحّ كارل ماركس على وأكد أهمية الجوانب الاقتصادية في مفهوم الاغتراب، وهذا التأكيد أدى في غالب الأحيان إلى إغفال وتهميش الجوانب السيكولوجية والإنسانية لهذا المفهوم(2). ولكن الأبحاث في مجال علم النفس حول مفهوم الاغتراب عملت وبصورة مستمرة على تحقيق التوازن وإعادة الاعتبار إلى الجوانب السيكولوجية للمفهوم في دائرة التوازن والتناغم من المعطيات السوسيولوجية. وفي ظل التطورات الفكرية الجديدة فإن التيارات الفكرية الحديثة تعمل باستمرار على تحقيق المصالحة والتوازن بين مفهوم الاغتراب الماركسي ومفهوم الاغتراب في التحليل النفسي. لقد أدى تأكيد ماركس على أهمية الجوانب الاقتصادية في مفهوم الإنتاج أدى إلى إهمال الجوانب الإنسانية لهذا المفهوم حتى عند ماركس نفسه. فالإنتاج الإنساني لا يقف عند حدود الاقتصاد فحسب بل يرمز إلى الفعالية الإنسانية برمتها، ويجسد قدرة الإنسان نفسه على توليد المعطيات المادية والنفسية لوجوده.

فالإنسان كما يقول هنري ليفيبفر Henri Lefebvre: "يؤثر في الطبيعة ويتأثر بها وهو عندما يغيرها يتغير معها في الآن الواحد، وبالتالي فإن العلاقة النشطة بين الإنسان والطبيعة لا تنطوي على خفايا وأسرار لأن هذه العلاقة تتم عبر العمل بصورة مركزية، فالإنسان يستطيع عبر العمل أن يتجاوز حدود الحياة العفوية المباشرة في الطبيعة، فهو ينتج ويبدع أشياء متعددة، وهذه الأشياء تلبي حاجاته، ولكنها في الوقت نفسه تولد حاجات جديدة دون انقطاع، وهي في الوقت نفسه تعمل على تعديل الحاجات القائمة، وفي مجرى تحقيق الإنسان لذاته في عالم الأشياء، فإن هذا الحضور الذاتي لا يعني ضياعا للإنسان واستلابا له، بل يرمز إلى نمائه وازدهاره " (3).

يرى ماركس في الاغتراب العملية التي يتحول فيها الإنسان إلى حالة تشيؤ حيث يستعبد من خلال العمل، ويصبح بقوة عمله سلعة تباع في الأسواق. فالعمل برأي ماركس هو الذي طور الإنسان، وهو الذي زج به في أكفان العبودية وزنزانات القهر. فالعمل كما يرى ماركس يخلق الإنسان ويطوره ولكنه يمتص في الوقت نفسه كل قواه ويستعبده (4) .

وفي هذا السياق يقول أريك فروم إن الاغتراب " نمط من التجربة يعيش فيها الإنسان كشيء غريب، ويمكن القول إنه أصبح غريبا عن نفسه، إنه لا يعود يعيش نفسه كمركز للعالم وكمحرك لأفعاله" (5). فالإنسان وفقا لفروم يبدع أوثانا يسجد لها وأصناما يعبدها، وهنا يكمن جوهر الاغتراب. في عملية الاغتراب، كما يرى إريك فروم، يتنازل المرء عن نفسه إزاء استسلامه لقيم المجتمع السائدة خاصة في المجتمع الصناعي الحديث، يقول في كتابه الخوف من الحرية :" إن الفرد يكف عن أن يصبح نفسه إنه يعتنق نوعا من الشخصية المقدم له من جانب النماذج الحضارية ولهذا فإنه يصبح تماما شأن الآخرين وكما يتوقعون منه أن يكون (6). وهذا يتطابق إلى حدّ كبير مع رؤية جون هولت في وصفه لأكثر مفاهيم اغتراب الوعي خبثا وأكثرها خطورة بقوله " إن قلة من العبيد تفكر في الحرية، أما جمهرتهم فكل يباهي بأن سيده هو الأفضل والأقوى والأغنى " (7).

والخلاصة المستفادة هي أن الإنسان كينونة جوهرها الروح والعقل، وكل ما من شأنه أن يمس هذه الأبعاد الأساسية لجوهر الشخصية يدفع الشخصية إلى حالة اغتراب واستلاب. فالاغتراب هو الوضعية التي ينال فيها القهر والتسلط والعبودية من جوهر الإنسان، وهو الحالة التي تتعرض فيها إرادة الإنسان أو عقله أو نفسه للاغتصاب والاعتداء والتشويه. وبالتالي فإن أدوات الاغتراب هي مختلف أدوات القهر، وكل ما من شأنه أن يعيق نمو الشخصية الإنسانية وازدهارها وتفتحها. وتتبدى مظاهر الاغتراب في أشكال أحاسيس مفرطة بالدونية، واللامبالاة، والقهر، والضعف، والقصور والسلبية، والانهزامية (8).

 

علي أسعد وطفة

.....................

 (1) علي وطفة، المظاهر الاغترابية في الشخصية العربية: بحث في إشكالية القمع التربوي، عالم الفكر الكويتية، المجلد 72، العدد الثاني، أكتوبر/ديسمبر، 1998، صص 241-281.

 (2) علي وطفة، الخلفيات التربوية المبكرة للاغتراب النفسي والعاطفي، التربية القطرية، مجلة تربوية فصلية محكمة، السنة 28/ عدد 31، ديسمبر /2000، صص 108- 118.

 (3) Henri Lefebvre, peur connaitre la pensée de kart Marx, Paris, Bordas, 1948, P 119.

 (4) انظر: حسن محمد حسن حماد، الاغتراب عند إيريك فروم، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 1995.

(5) مجاهد عبد المنعم، في الفلسفة المعاصرة، سعد الدين للطباعة والنشر، ط1، بيروت، 1984، (ص14).

 (6) أريك فروم، ثورة الأمل، ترجمة ذوقان قرقوط، دار الآداب، بيروت، (ص150)

(7) محمد جواد رضا: أزمات الحقيقة والحرية والضرورة، الجمعية الكويتية لتقدم الطفولة العربية، سلسلة الدراسات العلمية والموسمية المتخصصة، العدد 22، يناير، الكويت 1991، ص27.

(8) علي وطفة، المظاهر الاجتماعية للاغتراب الإنساني، مجلة المعلومات (مركز المعلومات القومي)، العدد 43، نيسان 1996.

 

 

 

علي رسول الربيعيباريخ: من الأنطولوجيا الثقافية إلى التكييف الديني

لماذا يرتبط الاختلاف الثقافي بالفلسفة السياسية؟ ما هي طبيعة وأشكال وحدود الاعتراف بالخصوصيات الثقافية في الديمقراطية الدستورية؟ تطورت التعددية الثقافية بناءً على الإجابات عن هذه الأسئلة، إلى صيغ "قوية" وأخرى"ضعيفة".[1] يمثل وجود صيغة  قوية من التعددية الثقافية مشكلة لأنه يصور المجتمع بوصفه جماعة ثقافية متجانسة، ويقلل من تأثير ومشاكل الهيمنة داخل الجماعات،[2] فضلاً عن  التقليل من أهمية التكامل التشاركي في المجتمع الديمقراطي. لكن التعددية الثقافية بعيدة عن كونها عقيدة واحدة؛ إنها عائلة ذات آراء وسياسات مختلفة تعطي دورًا مناسبًا للاعتراف العام بالهوية الدينية الثقافية وتوافقها. لذلك المطلوب أن يأخذ تقييم التعددية الثقافية ونقدها في الاعتبار الاختلافات والمناقشات الهامة داخل المعسكر متعدد الثقافات نفسه.

نتعرض هنا بأختصار  الى المساهمة التي قدمتها التعددية الثقافية في مسألة الدين.[3] نبدأ من خلال مناقشة أحد أشكال صوغها وهي مايعرف بالتعددية الثقافية القوية لبيكو باريخ[4]  والمشاكل التي تثيرها نتيجة: افتراضاتها الثقافية-الأنطولوجية التي تبالغ في تجانس الهويات الثقافية والدينية وتؤدي إلى استيعاب  الممارسات الضارة

تأخذ الصيغة القوية من التعددية الثقافية المجتمعات الإثنية القومية والدينية بمثابة اللبنات الأساسية للمجتمع وتوجه المضامين السياسية والقانونية الجوهرية التي تتحدى النموذج الليبرالي وتتجاوزه أو تذهب الى بعده. يعتبر باريخأفضل معبر عن التعددية الثقافية القوية وأسسها الثقافية-الأنطولوجية في كتابه "إعادة التفكير في التعددية الثقافية"؛ يبني فيه باريخ فلسفته السياسية في إطار "الرؤية الكبرى" للطبيعة البشرية والحياة والمجتمع.

يبدأ باريخ ،على أساس هذا النهج الشامل للفلسفة السياسية، من تصور البشر ككائنات ثقافية تعتمد على النصوص الاجتماعية اللغوية والرمزية. يخلق الناس ثقافاتهم المتميزة  ويغذونها ويحددون أنفسهم من خلالها: تتوسط الثقافات الطبيعة البشرية وتعيد تكوينها بطرقها المختلفة".[5] إن التصرفات والنزعات المشكلة ثقافياً قوية للغاية بحيث يمكنها التغلب حتى على الغرائز الطبيعية (مثل الحفاظ على الذات)، وتشكل شخصية الأفراد، وإعطاء المضمون والهوية لشخصيتهم.[6] يفصح البشر ويفكرون في بحثهم عن الازدهار والرفاهية من خلال الثقافة؛ ليس الثقافة وسيلة لهدف وغاية نهائية؛ ولكن لها قيمة جوهرية كطريقة للتعبير عن الرفاهية وازدهار الإنسان. تختلف المثل العليا الثقافية ونماذج ازدهار الفرد / الجماعة لأن لايمكن دمج الرغبات والقدرات والفضائل البشرية دون خسارة: يتعارض بعضها مع بعض؛ ويتنافس البعض الآخر على الموارد نفسها أو يعتمد على بنية اجتماعية محددة.[7]

تعد التعددية الثقافية في المجتمعات التعددية المعاصرة، بالنسبة لباريك، النهج الوحيد القادر على تنظيم التعاون الاجتماعي والسماح للبشر بأن يعيشوا حياتهم دون انتهاك الروابط الحيوية للثقافة. لكن التنوع الداخلي للمجتمعات التعددية يولد صراعات حادة لا يمكن تسويتها من خلال التماس مجموعة من القيم المشتركة. لذلك، من الضروري إنشاء هيكل مشترك للوحدة السياسية يجمع المجتمع مع مكوناته المختلفة حتى"تعتاد على بعضها البعض وتبني المصالح المشتركة والثقة المتبادلة".[8] تكتسب السلطة السياسية الشرعية في أعين المواطنين وتمكن من إجراء حوار عام بشروط عادلة من خلال الدفاع عن سلامة الجماعات الثقافية كمفتاح للرفاهية والازدهار. انها تتشكل بمرورالوقت وبالتفاعل بين الجماعات ثقافة مشتركة على نطاق واسع حيث يقبل الجميع فيها مبادى عامة مثل تجنب الأذى، لكن تبقى تفسيرات ازدهار الإنسان ورفاهيته مختلفة. تنعكس صورة الوحدة هذه في التنوع على المستوى المؤسسي. يمكن للدولة الاعتراف بمراكز السلطة المتعددة التي تمارس الاختصاصات القضائية والتوصل إلى القرارات من خلال المفاوضات والحلول الوسط؛ ولا ينبغي أن يكون نظام القوانين متجانسًا، لأن المجتمعات المختلفة قد لا توافق عليها و"تطالب بشكل شرعي بالحق في تكييفها مع ظروفها واحتياجاتها".[9] تمثل الحقوق الجماعية أداة مهمة ومشروعة لجمع المجتمعات تحت مظلة سلطة الدولة، مع الاعتراف بضرورة حماية ثقافتهم. يدافع باريخ عن نوعين من الحقوق الجماعية: الثانوية والابتدائية. تنبع الحقوق الجماعية الثانوية عندما يقرر الأفراد تجميع حقوقهم معًا والدفاع عنها، ومثال ذلك النقابات. بينما الأولية بمقتضى أنتمائهم الى جماعة وهو حق لهم كونهم ما هم  عليه من صفات وليس ناتج عن انتماء ثانوي.[10] يقع حق الجماعة في طقوسهم المقدسة (مثل ذبح الحيوانات في الطقوس؛ واستخدام طقوس السلع؛ ومراسم الجنازة الخاصة، وما إلى ذلك) ضمن هذه الفئة. في كلتا الحالتين، ليس الحقوق الجماعية بلا حدود، لأنها تجد مبرراتها من مساهمتها في رفاهية الإنسان وازدهاره.

تعد التعددية الثقافية عند باريخ الدين عنصرا أساسيا في الثقافة والرفاهية وازدهار الإنسان. ويلعب الدين دورًا حيويًا في إضفاء الشرعية على السلطة الداخلية للجماعة أيضًا. إن الافتقار الليبرالي للأعتراف بالهويات الثقافية - الدينية يميل إلى توليد التطرف في الدين، الذي تصبح رموزه ومعتقداته حافزًا للإحساس الجماعي بالإهمال. يعترف باريخ بأن الدين غير عقلاني وقمعي وقاسي أحيانًا، لكن هذه الصفات ليست حصرية عليه: الهوية العرقية والأيديولوجية السياسية يمكن أن تأتي بسمات مماثلة أيضًا. بالنسبة له، يجب أن نجد طرقًا للاستفادة من مساهمة الدين في الخطاب العام والتعاون الاجتماعي مع تقليل مخاطره إلى الحد الأدنى. يتقدم باريخ بالتالي إلى أن "العلمانية الشاملة والحساسة دينياً توفر أفضل أساس للمشاركة الإبداعية والمتبادلة المنفعة بين الدين والحياة السياسية".[11] يتضمن هذا الموقف الشامل السياق الثقافي لمعنى القواعد القانونية وبالتالي قبول أهمية الدفاع الثقافي.

لا توجد ممارسة فوق التدقيق الأخلاقي للدولة بناءً على قيم عامة معينة للمجتمع السياسي والقيم العالمية التي تجسدها حقوق الإنسان الأساسية. يمكن أن تكون القيم العامة موضع تساؤل من قبل ثقافات الأقليات، وتحتاج الحقوق العالمية دائما الى التفسير والسياق الثقافي.[12] علاوة على ذلك، فإن الأحكام الأخلاقية ليست المعيار الوحيد في منح التكييف: فالممارسات الدينية والثقافية قد تستحق الحماية بسبب إسهامها في تماسك المجموعة الثقافية. يجادل باريخ، في هذه المقدمات، بأنه على الرغم من أننا قد نعثر على ممارسة أخلاقية أو حتى غير مرغوب فيها، فقد نقرر السماح بها بسبب طبيعتها الملزمة ودورها في دعم المجتمع. تتطلب  أن تكون الأبعاد الثقافية والمعنوية للممارسة متوازنة ، وهذا يعتمد على مدى أهمية الممارسة بالنسبة لطريقة الحياة ذات الصلة أودرجة عدم مقبوليتها الأخلاقية.[13]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...........................

[1] Kymlicka, W. (1989) Liberalism, Community and Culture. Oxford: Clarendon Press.

Parekh, B. (2000) Rethinking Multiculturalism. Cu1ltural Diversity and Political Theo ry. London Macmillan.

تم تعريف الثقافة على نطاق واسع في معاهدات القانون الدولي (معاهدات حقوق الإنسان ، اتفاقيات اليونسكو) ، لتشمل الدين واللغة والسياسة والملكية الفكرية والزواج والحرب وممارسات تربية الأطفال والرياضة والفولكلور (أو" الثقافة التقليدية ")"

 Renteln , A.D. (2011) "Cultural Defenses in International  Criminal  Tribunals", Southwestern Jo11rnal of International !Aw 18: 267-285.270.

انظر، على سبيل المثال ، المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية: لا يجوز في الدول التي توجد فيها أقليات عرقية أو دينية أو لغوية، حرمان الأشخاص الذين ينتمون إلى هذه الأقليات في المجتمع من التمتع بثقافتهم الخاصة مع الأعضاء الآخرين من جماعتهم ، ، وفي اعتناق ديانتهم وممارستها، أو لاستعمال لغتهم الخاصة.

[2] ومثال ذلك هيمنة قوى سياسية على مصائرالطائفة الشيعية في العراق لأن حصلت  تلك القوى على دعم ديني- سياسي من أعلى مرجعية فقهية للطائفة

[3] ظهر التركيز على الدين في وقت متأخر نسبيًا في مجال مخصص في البداية لمشاكل أنواع الأقليات وأبعادها الثقافة. جاءت مناقشة تايلور المؤثرة حول التعددية الثقافية في كتابه( سياسة الاعتراف ،1994) من النظر في الادعاءات المقدمة من المجتمع الناطق بالفرنسية والسكان الأصليين في كندا. وبالمثل، عالج كاميلكا في كتابة ( مواطنة التعددية الثقافية، 1995) مشكلة الأقليات اللغوية والعرقية في جميع أنحاء العالم.  كان يعود هذا "التهميش" لموضوع الدين  الى سببين: أولاً، كان الوضع السياسي في أواخر الثمانينيات والتسعينيات أكثر تميزًا بالصراعات القومية ؛ ثانياً ، اعتادت " التعددية الثقافية" على التقليل من أهمية المشكلات التي يطرحها الدين؛ وقد شارك تايلور وكاميلكا  في الاعتقاد بأنه إذا كانت الدولة يمكن أن تكون محايدة دينياً ، فلن تكون محايدة ثقافياً

Taylor, C. (1999a) "A Catholic Modernity?", in Heft, J.L. (ed.) A Catholic Modernity? Charles Taylor's Marianist Award Lecture. Oxford: Oxford University Press: 13-38. Kymlicka, W. (2001a) Politics in the Vernacular: Nationalism, Multicult11ralism, and Citizenship. Oxford: Oxford University Press.

والحجة هي أنه في حين يجب على الدولة  أن تعتمد بعض التدابير الثقافية (مثل اللغات الرسمية أو مجموعة من اللغات ، وبعض السياسات التعليمية ، وما إلى ذلك)، فإنها لا تحتاج إلى الاعتراف بكنيسة رسمية.أرآ أن هذا صحيح ، لكن من العدل القول أن التعددية الثقافية في أواخر الثمانينيات والتسعينيات قللت من أهمية صعوبات ردع ما يعنيه بالضبط "حياد الدولة" بالنسبة للدين في سياقات مختلفة.

[4] باريخ عضو حزب العمال في مجلس اللوردات في المملكة المتحدة، وشغل منصب رئيس لجنة مستقبل بريطانيا متعددة الأعراق، إلى جانب نشاطه كأكاديمي.

[5] Parekh, B. (2000) Rethinking Multiculturalism. Cultural Diversity and Political Theory. London Macmillan. 47

[6] Parekh 2000: Parekh, B. (2000) Rethinking Multiculturalism. Cultural Diversity and Political Theory. 122; 156.

[7] Parekh 2000: Parekh, B. (2000) Rethinking Multiculturalism. Cultural Diversity and Political Theory. 48.

[8] Parekh 2000: Parekh, B. (2000) Rethinking Multiculturalism. Cultural Diversity and Political Theory.  207.

[9] Parekh 2000: Parekh, B. (2000) Rethinking Multiculturalism. Cultural Diversity and Political Theory. 194-195.

[10] Parekh 2000: Parekh, B. (2000) Rethinking Multiculturalism. Cultural Diversity and Political Theory.  213.

[11]Parekh 2000: Parekh, B. (2000) Rethinking Multiculturalism. Cultural Diversity and Political Theory. 335.

[12] Parekh, B. (1996) " Minority Practices and Principles of Toleration", International Migration Review 30(1): 251- 284.

[13] Parekh, B. (2000) Rethinking Multiculturalism. Cultural Diversity and Political Theory.293.

يعتمد دفاع باريخ عن التسامح القوي على حجة ثقافية. ولكن هناك حجج مختلفة لصالح التوفيقية القوية: يدعي المحافظون وبعض الجمهوريين إلى أن هناك وجود رابطة قوية بين دين معين والدولة (يمكن لهذا الادعاء أن يعطي الدين دورًا جوهريًا أو دور فعال للحفاظ على المجتمع). وهناك مواقف مفكرين آخرين لا تؤيد المعتقدات الدينية. فمثلا، لا يركز تايلور كثيرًا على الثقافة ولكن على التقييمات القوية المرتبطة "بتوجهه نحو الصالح". في المقابل ، تجادل نوسباوم بأهمية الدين بوصفه يقدم  إجابات للأسئلة النهائية.

 

 

علي محمد اليوسفتمهيد:

(أن العقائد الدينية الاولى لا بد ان تكون مكتسبة وليست فطرية) ديفيد هيوم

ملخص معنى عبارة ديفيد هيوم (1711 – 1776) في طرحه اشكالية فلسفية حول جينالوجيا التدين الانساني، مفادها العقائد الدينية البدئية الاولى هي ميتافيزيقا مكتسبة وليست نزعة فطرية تعتبر الانسان كائنا ميتافيزيقيا متديّنا بالولادة بموازاة وتلازم أنه كائن أجتماعي مؤنسن بالغريزة الطبيعية الفطرية كمعطى وجودي وكائن نوعي يحمل ما لا حصر له من صفات بايولوجية  تميّزه عن غيره من الكائنات في الطبيعة جميعها مكتسبة من التجربة و الطبيعة.

من المعلوم عن ديفيد هيوم بأنه تجريبي علمي النزعة الفلسفية ملحد لا يؤمن بأفكار فطرية دينية ولا غير دينية مصدرها ميتافيزيقي ما وراء الطبيعة أو مصدرها الجينات الموّرثة الفطرية غير المكتسبة الصفات لدى الانسان من تراكم التجربة وتطور الحياة عبر التاريخ الطويل.

فهيوم تجريبي النزعة العلمية يلتقي بها مع جون لوك و يؤيده ولا يتعارض معه بنكران وجود أفكار فطرية مختزنة بالذاكرة الانسانية يولد الانسان مزودا بها، وأنما يولد الطفل ويكون عقله صفحة بيضاء من غير ما يحمل أفكارا فطرية مصدرها متوارثا مجهولا ولا تخضع تلك الافكار الفطرية المدعاة كنزعة غريزية لادراك العقل أو كانت مكتسبة بالخبرة التراكمية عبر الاجيال بالوراثة ..

ورغم تجريبية وعلمية تفكير ديكارت ألا أنه شرع في القرن السابع عشر التسليم بوجود أفكار فطرية يرثها الانسان بالولادة بخاصة الدينية منها، وتبعه بهذا المنحى كانط لكنهما أخفقا في البرهنة كيف تتكون النزعات الفطرية عند الانسان وما هو مصدرها الحقيقي الميتافيزيقا أم تجربة الحياة مع الطبيعة وأعتبراها هبة الهية مزروعة بعقل الانسان؟؟.بل عزا الاثنان ديكارت ومن بعده كانط الافكار الفطرية الى قدرة ألهية تمنح الانسان مثل هذه الافكار الفطرية خاصة الدينية منها.

النزعة الدينية بين الفطرة والمكتسب الابستمولوجي

لا نصادرهنا الجدل الحقيقي الاختلافي الذي تحمله العبارة بين النظرة العلمية المادية التي تنكر الفطرة الفكرية والمنطق الميتافيزيقي الغيبي الذي يؤكدها بلا دليل عقلي ولا برهان غير التسليم بالايمان الغيبي بوجودها ملكات روحانية يتمتع بها الانسان خارج وصاية العقل عليها.. في هذا الاختلاف والتباين البادي من حيث أنه لا توجد فطرة (غريزية) دينية تحكم الانسان وتلازمه بالولادة لا تكون في أصلها نزعة مكتسبة من الطبيعة ولا يوجد فطرة تمثل مجموعة الافكار والمعتقدات التي يحملها الانسان ويعاملها على أعتبارها فطرية غريزية غير مكتسبة من تجارب الحياة أنما هي افكار مطبوعة في الذهن كمعطيات من تشكيل التفكيرالعقلي وبيولوجيا الانسان مصدرها قوى ميتافيزيقية الهية أو عوامل تكوينية وراثية بيولوجية، ناكرين أن يكون في النهاية والمحصلة كل تفكير عقلي صادر عن الانسان أنما منشؤه الوجود والمحيط والانسان والبيئة والطبيعة بالمفهوم الاشمل لمعنى الطبيعة في تكويناتها،..

من البديهي الذهاب أن الافكار الفطرية بمقدار ماهي افكار ميتافيزيقية لم يكن مصدرها العقل في تخليقها ، كذلك من الاولى أنكارنا فطريتها لأنها ليست ملزمة بالحديث عن قضايا الوجود الانساني والطبيعة والحياة كونها هذه جميعا أدراكات عقلية موضوعية من الحياة تقوم على التجربة وتراكم الخبرة المستمدة منها كمواضيع مادية يدركها العقل، بخلاف ما هو فطري فهو ليس من تخليق العقل وأنما هي هبة روحانية مزروعة بالعقل لكنها ليست من أنتاجه المكتسب تخارجيا جدليا كباقي مدركاته الطبيعية من اشياء وموجودات..

وبذا يتحدث ما هو فطري ميتافيزيقي ديني عن أمور ما فوق العقل الطبيعي المحكوم بقوانين الطبيعة ولا يدركها العقل فهي ليست من تخليقه وليس مصدرها واقع حياة الانسان. وكل ما هو غير مدرك عقلي ماديا يكون بالضرورة لا مدركا عقليا ميتافيزيقيا ويفقد قيمته وأهميته في تنظيم حياة الانسان والحياة.

يوجد فرق جوهري كبير حين نقول الافكار الفطرية التي يكون مصدر تواجدها العقل وليس مصدر تصنيعها العقل. وبين قولنا الفطرة مصدرها الهي ممثلة بتجسيدها واقعيا الجينات الوراثية عند الانسان عبر الاجيال وبهذا المعنى تكون الفطرة الدينية وغير الدينية هي صفات مكتسبة من المحيط والواقع فقط وليست أفكارا ميتافيزيقية غير عاملة في حياة الانسان.

الفطرة الدينية في حال تسليمنا أنها فطرة غريزية بالانسان وليست مكتسبة بخبرة الحياة الانسانية تاريخيا فهي تكون أيمان غيبي صامت لدى الفرد لا يحتاج الانبياء ولا المعجزات لتدعيم التصديق به.كون لاهوت الاديان يتحدث عن امور تخص حياة الانسان على الارض بلغات تحاورية عديدة بين الناس يفهمونها، بينما الفطرة الروحية الحقيقية المزروعة الهيا هي صمت متعال على العقل ومنطق اللاهوت الديني. العقل يدرك الاشياء كمواضيع لذا فألافكار الفطرية طالما لم تكن مواضيع للعقل وصادرة عن مصدر ميتافيزيقي مجهول للعقل فهي بهذا المعنى لا تدرك معنى الوجود والطبيعة والانسان لانها لم تتخلق عنها أدراكيا عقليا.

نخلص من هذا الى تاكيد أن الافكار الفطرية الدينية وغير الدينية في حال تسليمنا بها فهي تكون بالضرورة البيولوجية اللغوية مكتسبة من نتاج الواقع والحياة الانسانية .. واذا قلنا انها فطرية موروثة جينيا فهي صفات تلازم الانسان ويعمل على ترسيخها اللاهوت الديني الموزع بين الاسرة والمدرسة والمجتمع ورجال الدين والكتب الدينية المقدسة فهي تكون صفة ونزوع روحاني وليست أفكارا جاهزة لا يستوعبها الانسان بغير وساطة الانبياء والمعجزات والكتب الدينية وما يفسره لهم رجال الدين.

وربما يكون فيورباخ (1798- 1851) عالج ميتافيزيقا الدين من منطلق مادي ملغيا تماما أن يكون التدين نزعة ايمانية فطرية مزروعة يحملها الانسان معه بالولادة وأنما هي نزعة روحية ميتافيزيقية مكتسبة مبعثها الوعي الذاتي الانساني لوجوده في الطبيعة وتوضيح فلسفة فيورباخ في جينالوجيا الاديان ضمنّها كتابيه الذائعين الشهيرين أصل الدين وجوهر المسيحية.

نجد من المهم التفريق الذي يتوضح معنا لاحقا أن الافكار الفطرية في حال التسليم بوجودها الفطري كمعارف غير مكتسبة في مخزن الذاكرة المعلوماتية في الذهن عند الانسان ويوّرثها الاب والام لطفلهما بالولادة فهي ليست بالضرورة أفكارا غريزية فطرية مصدرها خارج معطيات الطبيعة المكتسبة من قبل الانسان في التجربة والخبرة التراكمية وتنامي الوعي الذاتي عند الانسان في محاولته فهم وتفسير ظواهر الطبيعة... فالجينات الوراثية هي صفات مكتسبة من البيئة والمحيط والمجتمع وتجربة الانسان بالحياة.

بمعنى أن الجينات الوراثية التي تنتقل كصفات فطرية أنما هي في جذرها البيولوجي صفات مكتسبة توارثتها الاجيال بعد الاجيال لآماد تاريخية طويلة بدليل أن العديد من تلك الصفات التي كان يتوارثها الانسان جيلا بعد جيل انتفت وانتهى زمن توريثها بسبب أنتفاء حاجة الانسان البيولوجية المتطورة لها في عصور لاحقة متطورة من تاريخه الانثروبولوجي لم يعد الانسان بحاجتها، ونظرية داروين في أصل الانواع والبقاء للاصلح تؤكد أندثار ما كان يتعارف عليه أنه صفات وراثية تتناقلها الاجيال على مر العصور والتاريخ وبعضها أخذ صيغ التكيّف التطوري التاريخي لحاجات الانسان المتجددة بأستمرار.. العديد جدا مما تحتويه نظرية داروين التطورية والبقاء للاصلح نجدها تشير لما ذهبنا له وكذلك أفكار لامارك في تطور فسلجة الاعضاء لدى الكائنات الحية بفعل الحاجة والاستخدام لبقاء الحياة بدءا من تطور أستعمال اليد في الالتقاط من الاشجار والنباتات وأصبع الابهام وأهمية أن يكون للانسان خمسة أصابع بدلا من أربعة، وأنتصاب القامة وطولها وأضمحلال نهاية الفقرات العصعصية في العمود الفقري(الذيل) لدى الانسان وأنتفاء الحاجة الى الزائدة الدودية في الجهاز الهضمي عند الانسان لمغادرته أكل النباتات غير مطبوخة كالحيوان تماما وغيرها من أمثلة نجدها في بيولوجيا الانسان والحيوان وحتى في تغييرات الجينات الوراثية في النبات.

بين هيوم وفيورباخ

أن الفارق الزمني بين ماطرحه هيوم حول لا فطرية نزعة التدين يشير الى أن فيورباخ جاءت كتبه الفلسفية حول المادية التصوفية الميتافيزيقية في التدين كنزعة مكتسبة عن الطبيعة بعد هيوم بفارق زمني يقدر بما يقارب قرن كامل هي الفترة الزمنية الممتدة بين نهاية القرن الثامن عشر تاريخ وفاة هيوم وومنتصف القرن التاسع عشر تاريخ وفاة فيورباخ، ليلتقيان بنفس التفسير أن ميتافيزيقا نزعة التدين مكتسبة وليست فطرية كما وليست نزعة التديّن غريزية تولد مع الانسان كما هو الحال في غريزة الجنس والتكاثر والحب والاناسة المجتمعية والتصرفات العاطفية والنفسية التي يكون مبعثها الموّرثات الجينية المكتسبة للفرد من أبويه، فلا يوجد مسيحي مثلا أو مسلم أو يهودي أو بوذي أو في غيرها من أديان أن أكتسب الفرد هويته الدينية بالوراثة الجينية عن أبويه بالفطرة الولادية وأنما العامل الاساس البدئي قديما وفي الاديان المعاصرة اليوم هو تأثير الاسرة في فرضها اولويات نوع الدين الذين هم عليه ويختارونه قبل وبعد ولادة كل طفل لهما  يلقنانه له وتكمله المدرسة ومن ثم رجال الدين والكتب المقدسة ودور العبادة المخصصة لكل دين.

والفارق الجوهري الذي يمكننا أستنتاجه أن مادية فيورباخ في تأكيده النزعة الميتافيزيقية المكتسبة في التدين منشأها ذاتية الوعي الانساني المتعالق مع (الطبيعة ) كجوهر انثروبولوجي للدين وقدرة خيال الانسان تصنيع ألهه بالمواصفات التي يرغبها بضوء تفسيره ظواهر الطبيعة، يتمّثل هذا في مقولته الشهيرة ( اذا أراد الانسان أن يجد الرضا في الله، فيجب عليه أن يجد نفسه في الله ) وربما تكون هذه العبارة لفيورباخ الارهاصة الاولى التي التمعت في أذهان اسبينوزا وفلاسفة التصوف من بعده حول مذهب وحدة الوجود في الفلسفة والصوفية الدينية الحديثة.

في حين هذا الفهم أن المكتسب الديني ليس فطريا عند الانسان الذي أعتمده ديفيد هيوم بفارق لم يذهب مع مفهوم فيورباخ المادي الذي وجد الدين البدائي يبدأ بفكر الانسان الخيالي بالطبيعة ومنتهيا في الطبيعة ولا يوجد نزعة تدين لا فطرية ولا مكتسبة لا تعود في أصل نشأتها الى خيال الانسان وعلاقته بالطبيعة، وبحسب فيورباخ فأن الانسان والطبيعة والله شيء واحد جذرها مخيّلة انسانية أبتدعتها جميعا ولا يمكن التفريق بينها فالطبيعة هي وعي الانسان بها و معرفة ذاته، والله أو الخالق الموجد للطبيعة والانسان هو تجسّيد خيال الانسان في خلق معبوده المقدس.

الخالق أو الاله المقدس عند الانسان البدائي في فلسفة فيورباخ هو تصنيع الانسان لذاته وعلاقته المادية بالطبيعة في أبتداعه بخياله الذكي المنفرد(الهه) في تأمله الطبيعة في وجوده المتعالق بها. ما ذهب فيورباخ له من بعد هيوم ناشيء من علاقة الانسان بالطبيعة وهو أكثر مقبولية من ناحية الوضوح السببي المستمد ماديا من الطبيعة وكيف نشأ التفكير الديني الميتافيزيقي عند الانسان في مراحله البدئية الاولى. التي مصدرها الطبيعة كمرتكز اساس تنفرع عنه علاقة الانسان بمحيطه البيئي المحدود أجتماعيا في أكتسابه الخبرة والمعرفة في عصور تاريخية متتالية عبر التاريخ.

التدين حسب فيورباخ بناء تاريخي انثروبولوجي أخترعه الانسان وبقي ملازما له عصورا طويلة جدا..وكل أفكار دينية ميتافيزيقا لا يعقلها الانسان بقيت الى اليوم مصدرها خلق الانسان البدائي لتدينه الغيبي المستمد من الطبيعة وأصبحت أديان اليوم مستمدة من وراء الطبيعة ولم يتبدل الايمان الديني ولم يغادر وجوده الميتافيزيقي الغيبي الذي لا يخضع لقوانين العقل المادية متأصلا في نزعة الانسان روحيا.

أن ما يحسب لديفيد هيوم في أنكاره فطرية التدين في لاهوت الاديان المعاصرة على أنها ليست نزعة وراثية مركوزة ثابتة في تفكير الانسان بفعل قوى غيبية بل ولا هي حاجة مكتسبة من المحيط الانساني والحياة ترسّخت عند الانسان بمرور مراحل وعصور تاريخية طويلة لتصبح مع نشوء مفهوم الاديان الحديثة غريزة متأصلة في حاجة الانسان للتدين والمقدس المعبود..

هيوم كغيره من الملحدين يتطرّف بنزعة التدين على أنها أمتداد العقلية البدائية التي بدأت بالخرافة والسحر والميثالوجيا والطوطمية والاسطورة أنتاءا بما وصلته اليوم في ثلاثة أديان توحيدية وعشرات بل مئات من الاديان والمذاهب الوثنية التي تقوم جميعها على الشعوذة والاكاذيب وترسيخ الجهل والخرافات قبل دخولها مرحلة أحتضارها الحتمي نتيجة التقدم العلمي مستقبلا.

هذا الفهم يعتبر في فلسفة  فيورباخ في أصل الدين وحقيقة منشأه ركيزة اساسية مادية أعتمدها من قبله هيوم أن منشأ التدين في مراحله البدئية الاولى لم يكن فطريا وأنما هو مكتسب بالخبرة والتجربة المستمرة في محاولة فهم الحياة وموقعة النزوع الروحي الديني عند الانسان في بحثه الدائب عن ما هو مقدس يستحق العبادة من الانسان والانقياد الروحي بتسليم غيبي له.

بأختلاف بينهما أن المكتسب غير الفطري التديني عند فيورباخ منشأه التأمل الذاتي للانسان في الطبيعة ومحاولته تفسيرها ومعرفة وجوده المتعالق بها..ما يؤكد هذا المنحى الفلسفي هو أن منشأ التدين البدائي كان دافعه الاساس خوف الانسان من مظاهر طبيعية التي كان لا يجد لها تفسيرا لها فقدح تفكيره الذكي لكنه القاصر آنذاك في التفتيش عمن يحميه ويطمئن نفسيته منها، فعزا تلك الظواهر الطبيعية على أنها من عمل وصنع آلهة تمتلك قدرات لا يمتلكها هو فهي أقوى منه ومن جميع الكائنات معه في الطبيعة فأخذ يختلقها بخياله التقديسي الاذعاني لما كان يجهله من أسباب وجودها. يقدسها ويعتبرها آلهة هي من تصنيع خياله الذاتي ولم تكن نزعة التدين غريزة فطرية تولد مع الانسان بل أصبحت غريزة دينية متوارثة حين ترسخت بحكم توارث العادات والمعتقدات الخرافية والاساطير لتكون في موقع الغريزة المصنّعة عند الانسان وليست الفطرية في عصور متعاقبة أمتدت الاف لا بل ملايين السنين.فالفطرة التدينية عند الانسان ليست غريزة بالولادة ولا هي غريزة فطرية مكتسبة من المحيط بل هي نزعة دينية واستعداد ميتافيزيقي في الانسان تبدأ في عملية تربية وتعليم وتلقين لما يعرف من أديان متنوعة معاصرة في داخل الاسرة والمدرسة وفي أماكن أقامة الصلوات الاسبوعية وفي المناسبات والاعياد والزواج وغير ذلك من تثقيف الكتب المقدسة ورجال الدين...

بين ماركس وفيورباخ

أن ثورة ماركس الغاضبة تجاه مادية فيورباخ التدينية التصوفية التي أعتمدها ماركس في كتابه ( أطروحات حول فيورباخ 1888م ) ورغم  الاختلاف بينهما فأن ماركس لم ينكر على فيورباخ المادية التي تبناها بعد أنتزاعها وتخليصها من بعدها التصوفي الميتافيزيقي الذي زجّها بها فيورباخ في مستنقع الميتافيزيقا التصوفي. بنفس الوقت الذي أخذ ماركس منهج الديالكتيك عن هيجل دونما أنكاره هو وانجلز فضل هذين الفيلسوفين العبقريين (هيجل وفيورباخ ) عليهما. وأعترف ماركس بصريح العبارة على أنه تلميذ لهذا العبقري العملاق هيجل على حد تعبيره.ومعروف أن كل من ماركس وفيورباخ تتلمذا على هيجل قبل انفصالهما عنه.

ماركس لم يدن (يدين) المادية كمنهج أعتمده فيورباخ في أستكماله وضع قوانين تطور المادية التاريخية على أساس تفاوت (طبقي) مجتمعي متضاد بخلاف فيورباخ الذي كان يهدد مادية ماركس التاريخية بأنه أراد تفسير السيرورة التاريخية من منطلقات لا تتغاضى عن تطور المسألة الدينية الروحانية أكثر مما أراده ماركس في أن تكون مادية التاريخ الجدلية قائمة على تناحر طبقي وتضاد اقتصادي سياسي خالص بين من يملك وآخر لا يملك، بين قوى الانتاج ومالكي وسائل الانتاج وعلاقات الانتاج غير المتكافئة ولا موقع للدين في تصنيع السيرورة الخطيّة الحتمية في تقدم التاريخ الانساني مطلقا وألا كانت أنحدرت المادية التاريخية الى ترسيخ ديالكتيك هيجل المثالي الذي يتقاطع مع السيرورة التاريخية طبقيا واجتماعيا التي التزمها ماركس في المادة والتاريخ وليس كما اعلن عنها هيجل على صعيد التفكير الفلسفي المتجرد عن الواقع. لذا وقف ماركس بشدة في أدانته ديالكتيك هيجل المثالي ومادية فيورباخ الصوفية، معتمدا المادية والديالكتيك المادي الماركسي في صياغته قوانين الجدل التي تحكم المادة والطبيعة وتحكم التطور التاريخي معا. وهي القوانين الماركسية الكلاسيكية الثلاث المعروفة . قانون وحدة وصراع الاضداد، وقانون تحول التراكمات الكمية الى كيفية (نوعية) والقانون الثالث والاخير قانون نفي النفي في أستحداث الديالكتيك للظاهرة الجديدة التي تحمل نقيضها بداخلها.

الفطري والمكتسب

يمكننا القول أن كل ما هو فطري (غير غريزي) عند الانسان ليس هو نفسه الفطري الغريزي عنده ونوضح هذا التفريق أن الفطرة الغريزية للافكار والمعتقدات والسلوك النفسي والعاطفي وغيرها من موروثات جينية يكتسبها الانسان بالولادة هي مكتسبة عن المحيط والتجربة وتراكم الخبرة في جينالوجيته الاصولية الموروثة أجيالا بعدها أجيال كخصائص نوعية تلازم الانسان الفرد فطريا بالولادة في مسائل تخص الخصائص النوعية البيولوجية وتبعاتها النفسية والوجدانية،كغريزة الجنس والتكاثر، والغريزة الاجتماعية، والضمير وغيرها.

أما الفطرة غير الغريزية الدينية على وجه التحديد أي التي لا تلازم الانسان بالولادة فهي في أصولها الجذرية أيضا خبرة مكتسبة أصبحت في حكم التطور الخبراتي عبر عصور تاريخية طويلة من عمر الانسان التاريخي الانثروبولوجي وبحكم العادة البديهية المستحكمة لها عند الانسان في مسألة التسليم بحقائقها الذي سبق الايمان الغيبي الفطري في المعرفة القطعية بصحتها..

وحين نؤكد سلامة ماذهب له هيوم في عبارته السابقة حول التدين أنه ظاهرة مكتسبة وليست فطرية، هو الاقرار بحقيقة أن كل نزعة دينية أو غير دينية مترسبة في الوعي الجمعي أنما تعود بالاصل الى كونها مكتسبة معرفيا مستمدة من تجارب الحياة ونزوع الانسان نحو روحانية مبعثها البيئة والمحيط والطبيعة والحياة وليست نزعة فطرية تداخل وجود الانسان في الطبيعة على أنه كائن تديني بالفطرة منذ ولادته في نزوع غريزي مزروع في خلايا تفكيره وينمو بنمو الانسان وتراكم خبراته وتجاربه وعمره زمنيا.

لذا لا يكون كل ما هو فطري غريزي موروث بالولادة مكتسب عن الوالدين من خصائص ليس الدين من بينها أنما تتكون خصائصهما الجينية الوراثية جيلا بعد جيل، فهي وأن كانت موروثة عن أبوين سابقين لهما وهكذا عن أبوين سابقين قبلهما ألا أن كل تلك المورّثات التي أصبحت فطرية جينيا أنما هي في جينالوجيتها السحيقة تاريخيا مكتسبة من الطبيعة وحياة الانسان المتطورة انثروبولوجيا...

وليس كل ماهو فطري غير غريزي موروث بالولادة أيضا لا يكون في جذره السحيق تاريخيا غير مكتسب. بل كلاهما الفطرة الموروثة الجينية الغريزية والفطرة الموروثة غير الغريزية عند الانسان كلتاهما مكتسبتان بالخبرة العملية في تطور مسيرة الحياة عبر العصور الطويلة قبل ظهور الاديان المعاصرة.فلا وجود افكار فطرية غير مكتسبة مزود بها الانسان تولد بميلاده.

الافكار الفطرية ليست هي تخليق العقل لها خارج منطقه العلمي مستوحاة من مصدر ألهي أو ميتافيزيقي. والعقل لا يقوم بتخليق أفكار فطرية من دون وعي مكتسب سابق ومستمد من الواقع والحياة والطبيعة والانسان.

النزوع الفطري ليس ألهاما ميتافيزيقيا من دونما خلفية خبراتية تراكمية مكتسبة عبر الزمن ليكون في مقدورها التداخل مع معطيات مادية خارج التفكير العقلي الباطني تحتاج تجاوبا أنسجاميا في تداخل معطيات العقل الفطرية معها والدخول بعلاقات تخارجية معرفية تبادلية معها.الفطرة الغريزية هي مكتسب وجودي كجزء حيوي من تكوين الانسان بما هو انسان يتوارث صفاته الجينية بالولادة الفطرية، وبهذا المعنى لا يمكننا الجزم بوجود فطرة غريزية غير مكتسبة من خبرات خارجية أو فطرة غير غريزية مستمدة من الخبرة في تجارب الحياة لا يكون مصدرها الاكتساب المعرفي بالتعلم التراكمي والكيفي لها وليس وجودها المعطى الفطري المجاني المجهول مصدره الذي يلازم ولادة الانسان وهو يحمل مورّثات جينية فطرية في أن يكون كائنا متدّينا.فالتدين الانساني بالولادة عندما يرث تدينه عن أبويه يهوديا أو مسيحيا أو أسلاميا أو وثنيا أو ربوبيا أو أي نوع من التدين المتوارث لا يعني هذا بالمطلق أن يكون الدين هنا نزعة فطرية وجزء من تكوين الانسان البايولوجي والروحي النفسي وحاله يكون وينطبق مع كما يرث الانسان تقاطيع الوجه ولون العينين والبشرة وغيرها. فهذا ما لا ينطبق على نزعة التدين أنها فطرية وليست مكتسبة عند الانسان. فالضمير الاخلاقي مثلا عند الانسان مؤنسن بحب الخير والصلاح بالحياة وغالبية النزوعات الروحانية عند الانسان أنما يكتسبها الفرد من الاسرة والمجتمع ولا تلازم الانسان كفطرة مستكملة لشروط الاستكانة والتسليم لها في أعتبارها من مسلمات الحياة الثابتة التي تلازم الانسان منذ الولادة. بل أن كل نزوعات الانسان التي تتأصل فيه طبيعيا لاحقا هي استعداد يتم صقله وتجذيره بتلقين اللاهوت الديني لكل معتقد ديني أو مذهب بدءا من الاسرة ثم المدرسة ثم رجال الدين.

بهذا المعنى يكون ما هو فطري عند الانسان لم يتخّلق كعنصر فاعل حيوي في تكوين الانسان لما هو فطري بالذاكرة من دون مرجعية استنادها أن تقوم على ما هو مكتسب بالتجربة والخبرة ليصير بعدها نزوعات دينية يقينية قطعية على أساس أنها ليست فطرة روحانية ميتافيزيقية متأصلة بالانسان والا لما كنا وجدنا ملايين من البشراليوم لا دينيين ولا يؤمنون بالرب الخالق للكون والحياة والانسان.

مقارنة ختامية

لا توجد في الانسان أفكار ندعوها فطرية حتى الجينية المتوارثة منها ليست في حقيقتها غير مكتسبة من الحياة والطبيعة  ولا تقوم  على غير أحد المبدأين التاليين:

- الفطرة الانسانية الجينية لا تكون معطى وجودي يلازم الانسان منذ الولادة بل هي مكتسب توارثي حتى على مستوى الموّرثات الجينية، والفطرة الغريزية مثل حب الخير وتقاطيع الوجه ولون البشرة ويقظة الضمير، والانسنة الطبيعية والاجتماعية، والذكاء ، والعواطف، والقدرة على التفكير والاحساس بالزمن جميعها حتى في حال أعتبارنا لها معطيات فطرية موروثة مصدرها تخليق العقل لها بقدرات ألهية ميتافيزيقية غير مدركة عقليا ولا منظورة أنما هي تعود بالاصل وترجع الى أنها نزعة مكتسبة بالخبرة والتعلم من الحياة قبل أن تصبح بمرور الاجيال نزوعات فطرية لا دور للتعلم والخبرة في أكتسابها غير التهذيب لها وصقلها بما يلائم مستجدات كل عصر.كل نزعة في الانسان فطرية وغير فطرية هي حاجة مكتسبة سعى الانسان خلقها وايجادها.

- اما الفطرة الانسانية الغريزية المستمدة من البيئة والمحيط وتطور الحياة فهي ليست فطرية بمعنى تخليق وأستيلاد العقل الانساني لها من عدم قبلي يسبقها بل هي ايضا مستمدة من خبرات تراكمية معرفية عبر أجيال لتكون معالم مميزة من التفكير والسلوك العفوي لدى اجيال لاحقة في أعتمادها مرجعية العقل في تخليقها على أنها مسلمات معرفية فطرية مكتسبة وليست موروثة ولا تداخل ميتافيزيقي غير مستمد من الواقع والتجربة في صدورها عن العقل. ، فهي تكون فطرية متوارثة جيلا بعد جيل لكنها في جينالوجيتها ايضا مكتسبة عبر تعاقب خبرات أجيال بما يجعل منها مسلمات فطرية ليس مصدرها تصنيع الذاكرة الانسانية بوحي ألهي مجهول لها قبل أكتسابها بميلاد الانسان كصفات معرفية فطرية مركوزة في العقل يهتدي الانسان بها في مواجهته العديد من أمور الحياة. وتصبح تلك المعارف التي نطلق عليها صفة الفطرية أنما هي مسائل مكتسبة جيلا بعد جيل أستوطنت الذاكرة الانسانية وأصبحت معارف فطرية ليست بصفتها الغريزية، وأنما بصفتها المكتسبة المتوارثة عبر أجيال. غرائز الانسان التي نعتبر مصدرها الفطرة الايحائية الالهية ما فوق العقل لا وجود حقيقي لها من غير واقع مادي أستمدت اصولها منه وأعادته اليه ثانية في الاعتقاد بما أكتسبته من الحياة عبر العصور الطويلة.

نخلص أن كل أفكارنا الفطرية بالحياة التي نعتبرها معطى فطريا من تخليق العقل لها ذاتيا أنما هي في حقيقتها الجوهرية تعود بالاصل الى جينالوجيتها الوراثية المكتسبة أصلا، بأنها معارف مكتسبة وليست أبتداعات من تخليق العقل الخالص بوحي الهي يركزها بالعقل...والفطرة الدينية ليست غريزة تحكم الانسان بالحياة كمسلمات لا يطالها النقد والتخطئة فليس كل ما نعزوه للفطرة يكون صادقا في تطبيقه الواقعي بالحياة، وطالما كانت الفطرة غريزة مكتسبة من الحياة فهي تحمل معها نقائصها العديدة أن لا تكون مسلمات صالحة لكل زمان ومكان لا تخطيء بل هي عادات تواضعت عليها أجيال أنها فطرة انسانية مركوزة عند كل انسان نتيجة تراكم معرفي.

من غير المقبول أن الافكار الفطرية هي صفات ماهوية للانسان كنوع لا تقبل الخطأ. كما ليس كل الافكار التي نعزوها للفطرة لاتحتاج البرهنة على صحتها ومعقولية صوابها. وكل ما هو فطري نعتبره من تخليق العقل الخالص المتعالق مع المورثات الجينية أنما هو حصيلة تراكمات من التجارب والخبرات المكتسبة على مدى أجيال وما هو فطري بمقاييس عصر ما لا يكون فطريا مسلما به في مستقبل عصور لاحقة.وأبسط مثال أنتصاب القامة عند الانسان الذي هو اليوم صفة موروثة جينية لم تكن في حياة الانسان البدائي كذلك.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

حيدر جواد السهلاني"الدولة هي أبرد وحش من بين جميع الوحوش الباردة، نيتشه،هكذا تكلم زرادشت"

إن الديمقراطية هي التعبير الرسمي الذي أطلق على الحالة السياسية التي سادت أثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، وكلمة ديمقراطية تدل مبدئياً على حكومة الشعب، والديمقراطية لفظ مؤلف من لفظين يونانيين أحدهما(ديموس) ومعناه الشعب، والآخر(كراتوس) ومعناه السيادة، فمعنى الديمقراطية هي سيادة الشعب، وهي نظام سياسي تكون فيه السيادة لجميع المواطنين لا لفرد أو لطبقة واحدة منهم، ولهذا النظام ثلاثة أركان، الأول سيادة الشعب، والثاني المساواة والعدل، والثالث الحرية الفردية والكرامة الإنسانية. وقد اكتسبت معاني مختلفة نوعاً ما، لتتحول في نهاية المطاف إلى غاية سياسية، وهي العمل على أن يستعيد المجتمع البشري التمتع بالخيار الذاتي على المستوى الجماعي، وذلك بأن تكون السياسة مشروعاً للاستقلالية أي التحرر من أثر العامل الديني. ومع ذلك ترفع الديمقراطية من شأن الديانات وتميزها عن باقي السلطات الأخلاقية والروحية، فهي تشدد على الوظيفة المطلوبة من الديانات تأديتها وتنقذها من خطر اختزالها إلى مجرد ثقافات ويتم ذلك عبر إيضاح ماهو أبعد من التراث والعادات والتقاليد، إنها تحيي فيها الجوهر عبر الدعوة العلمية إلى الإصغاء إليها في غزارتها وعمقها الروحي، والعودة بها إلى أفاق دنيوية، مع الأستجابة التامة لأبعادها الدينية، ومن الواضح أن الديمقراطية تدار بقواعد اخلاقية متجذرة في المعتقدات الدينية، ومنظومات القيم المؤسسة على الدين أدى إلى إنصهار الدين في الديمقراطية بعد أن حصل تحول ضمني في محتوى العقيدة، ودفع بعدد كبير من المتدينين الذين يطمحون إلى أن يكونوا مواطنين صالحين مع بقائهم مؤمنين مخلصين، إلى الالتحاق بالركب الديمقراطي. والديمقراطية لم تجد سبيلاً إلى الاستقرار إلا بدءاً من اليوم الذي اكتشفت فيه أنه من الضروري القبول بالفارق من أجل تقدير الوفاق، بدلاً من البحث بلا جدوى عن التطابق، فالأرتباط الميتافيزيقي بين السلطة والمجتمع أبعد من أن يقرب بينهما بل هو عملياً يفصل بينهما، وكلما توفرت المطابقة بينهما في الجوهر كلما أزداد الفارق الوظيفي بينهما. وأن مادفع بالديمقراطية إلى أن تكتشف نفسها، وأن تؤكد نفسها ضمن إطار المجتمعات المفعمة بالإيمان، ويتسائل غوشيه كيف تصنع ديمقراطية من رجال دين؟ أن حل هذه المسألة أدى بطريقة محتومة إلى قيام صيغة خاصة، لإدراك سياسة الاستقلالية، وهكذا فإن أي فكرة عن الديمقراطية، لا يمكن أن تفهم إلا إزاء نقيضها وتبعاً للدور الذي نعطيه للدين. وهدف الديمقراطية هو أن يسترجع المجتمع البشري حقه في إدارة أسباب وجوده وغاياته. وتحت راية الديمقراطية بدأت التحولات في المجتمع المدني، تحولات على صعيد المعتقد الديني، وتحول المعتقد إلى هويات، وتحول الانتماءات والارتباطات إلى مكونات الهوية الفردية، وبعيداً عن الانتماءات الطائفية الماضية والخضوع للتقاليد، ولقد جرى إعادة تحرير اجتماعي للفرد، تبعاً لحقوقه أو مصالحه، أذ قامت الهويات على الطريقة الجديدة من خلال توصل الفرد إلى التحرر من خصائصه الفردية، وتعوده اعتناق المفاهيم السائدة لدى الجماعة التي ينتمي إليها، وهذا يعود إلى مقتضيات العلاقة مع الآخر، وضرورة الانضواء في مجال مشترك يعاد صياغته من جديد، وعلى ذلك فإن الفضاء الاجتماعي الجديد لهذه الهويات ينتظم عن طريق الاختلاف وفي الوقت نفسه يكمن جوهر هذه الهويات في الانطواء داخل مجال تعددي، وأن تحول الديانات إلى هويات نتاج التعددية الديمقراطية المدفوعة حتى النهاية إلى نقطة تفقد عندها كل نزعة شمولية معناها. وأن مشروع الديمقراطية هو مشروع الاستقلال والتحرر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، لذا يصطدم بشكل مباشر أو غير مباشر بالثقافات العتيقة والأديان والهويات المتشظية للجماعات والايديولوجيات السياسية، التي تعبر عن نفسها دائماً بالعنف والعنف الرمزي، وتشكل مأزقاً كبيراً للتجارب الديمقراطية في المجتمعات. ويرى غوشيه أن مفهوم الخروج من الدين، هو الدخول في الديمقراطية، واندماج الأديان في الحداثة وتكيف العقائد الدينية مع المعطيات الشرعية للعالم الديمقراطي، فالخروج من الدين لا يعني التخلي عن المعتقدات الدينية، وإنما الخروج من عالم اجتماعي يكون فيه الدين بحد ذاته منظما بنيوياً، يوجه الشكل السياسي للمجتمعات، فالديمقراطية تقوم أساساً على استقلال المجال السياسي عن المجال الديني، وتتضمن استخدام قوانين وضعية لإدارة شؤون الدولة والأفراد.(1) وأن ما يسمح لقياس الظاهرة الديمقراطية في أبعادها كافة هو فقط اعتماد إعادة صياغة عامة لمفاصل الحقل العام، التي من خلالها ننتهي من الخضوع وطاعة الآلهة، هذا هو الشرط للنظر بتماسكها الكلي، وبعمقها التنظيمي وديناميكتها الداخلية. ويرى غوشيه أن الديمقراطية الحالية كانت نتيجة عدة عوامل أسهمت في الوصول إلى هذا الحد، ومنها مشروع ما بعد الحداثة، الذي كان من دون أدنى شك، ومهما كانت العبارة قابلة للجدل، قلب ما كنا نعتقد أننا نعرفه عن الحداثة رأساً على عقب.و الديمقراطية في وقتنا الحاضر لم يعد لها أعداء، فالكل تنادي بالديمقراطية (نتفق مع غوشيه بهذا الصدد، فأكثر الدول تدعي أنها بلاد الديمقراطية، وأكثر الدول لاتوجد فيها ديمقراطية حقيقية كما يريدها الشعب) والديمقراطية وأن لم يكن لها أعداء من الخارج، فلقد انبثق لها اعداء لم نكن نتوقعها من الداخل، أذ تسكن في آلية هذا النظام نفسه، الذي أصبح مسلماً به، تغيرت الديمقراطية بقدر ماربحت، أذ من خلال تأسيسها كرست لنفسها تناقض غير ملموس بأكلها من الداخل، ويرى من أسباب تدهورها هو تكريس حقوق كل فرد يؤدي إلى نزع الملكية من الجميع، وأن كونية الحقوق لا تتلاءم مع خاصية الأطر السياسية حيث تنطبق، وحيث تساق لتدمير شروط تجسيدها الخاص، أي مغالاة هذه الديمقراطية التي تدفع لقطع يديها قبل أن تبتر ساقيها لكي تكتمل بشكل أفضل. والديمقراطية تعرضت لأزمة بسبب تقدمها، ولكن مع ذلك بعد الأزمة ستنمو من جديد، والديمقراطية هي من أنتجت الهويات، وأحدثت تغيرات عميقة بين الدولة والمجتمع، وأن العجز الذي يقضم الديمقراطية، هي بسبب عوائق بنيتها التحتية التي لا تفهمها، وهي دائماً تجد نفسها منهكة بمستقبل لا تريد أن تعرفه، إنها فريسة مشكل التشكيل. وأن الأزمة التي تمر بها الديمقراطية لا تنزع المصداقية عن شكلها، بل إنها تفرغها من المعنى، فالديمقراطية أضحت في مجتمعاتنا الغربية مجرد كلمة تخفي ورائها الخطاطة الفردية والسلطة الاقتصادية، مؤكداً بأن الحل يكمن في استعادة السياسة بدورها، ومؤكداً على ضرورة القيام بإصلاحات سياسية واقتصادية. ويرى غوشيه أن الديمقراطية عندما تمنح الحرية لأفرادها تنتج فوضى اجتماعية تستحيل أدارتها، وكيف يمكن تغليب الإرادة العامة في مجتمع تتصادم فيه المصالح الشخصية في كل الاتجاهات ويصبح فيه الصراع الطبقي محور الحياة العامة، فالديمقراطية هي الاستيلاء على الحكم، من خلال الإرادة العامة ويكون فيها فريقان، فريق كسب الحكم وفريق لم يكسبه وهو الفريق المعترض، ويكون هذا الفريق بعد خسارته يكون شعاره الأمة، ويتخلى عن أحلام إصلاح المقدس لاعتناق المبدأ الحديث. (نتفق مع غوشيه بهذا الرأي فعلى سبيل المثال لا الحصر في العراق كثير من الأحزاب تخلت عن فكرة الدين والمقدس التي قامت بالإساس عليها واعتنقت أو اندمجت مع الاحزاب المدنية، وذلك لحصولهم على الحكم) ولكن مع الأسف هذا الأنظمة الرديئة المنهمكة، هي التي ستنجح في تلبية حاجة السيطرة التي أوجدتها هي ستنجح في إعادة تشكيل نفسها، والارتقاء بتأن وألم إلى مستوى المهمة التي أنيطت بها.(2) وأن مهمة الديمقراطية هي أن تحول المجتمع إلى مجتمع سيد يتحرر الاقتصاد والفرد ومجمل العملية القائمة على ثقة متجددة في آلية الإصلاحات الاجتماعية، وأن تقدم الديمقراطية لا يردع، فهو يجرد الطوائف السياسية وينزع القدسية عن السلطات ويحولها بعزم إلى أعضاء من الشعب.(3) وأخيراً يرى غوشيه أن الديمقراطية مشروع لم يكتمل بعد.

 

حيدر جواد السهلاني

............................

الهوامش:

1- ينظر مارسيل غوشيه: الدين في الديمقراطية(مسار العلمنة)، ترجمة شفيق محسن، المنظمة العربية للترجمة، ص7- 13- 14- 16- 30- 41- 84- 85.

2- ينظر مارسيل غوشيه: نشأة الديمقراطية(ج1، الثورة الحديثة)، ترجمة جهيدة لاوند، دراسات عراقية، ص6- 10- 14- 15- 17- 18- 22- 24.

3- ينظر مارسيل غوشيه: نشأة الديمقراطية(ج2، أزمة الليبرالية)، ترجمة جهيدة لاوند، دراسات عراقية، ص15- 16- 28.

 

محمد كريم الساعديهل الانسانية بحاجة الى مفهوم جديد في صياغة مفهوم للعقل بعد كل هذه الازمات؟ وهل الانسان أصبح أمام أعتاب مرحلة جديدة من التغييرات بحيث لابدّ من تغيير مفاهيمه السابقة عن العقل؟ . في ظل المتغيرات الكونية الحالية على مستويات عدة منها أقتصادية ملحة وصحية حرجة وسياسية متصارعة وتقنية منطلقة بقوة نحو تغير مفاهيم عديدة ومنها الزمان والمكان والافعال التي كلها دخلت في مجال الافتراض، وفي مجال الرقميات التي أصبحت لا غنى عنها في الحياة البشرية اليومية، فهل كل هذه المتغيرات يجب أن نعقلها بعقل يمتلك نفس صفات المراحل السابقة التي كانت تدعي مرة أن كل شيء يحصل على وفق قوى غيبة ميتافيزيقية؟، أم على وفق عقل يدعي مركزية الثقافة العالمية، ولأنا المتمركزة في طرف من العالم على حساب الطرف الأخر؟، أم عقل عمل على نقد الذات وجلدها واشرك الاخر فيها؟ . الأخر الذي أصبح فيما بعد شريكاً في كل هذه المتغيرات، لكن شراكته أصبحت تأخذ صيغ أخرى في ميزان التقلبات الكونية اقتصاديا وصحياً وسياسياً وغيرها . فإذا كان للعقل وظيفة فهي استيعاب الآخر وفهمه، وهذا الآخر سواء أكان غيبياً ميتافيزيقياً، أو كان منفياً عن الذات المتمركزة، أو كان حاضراً بعد غياب قسري عن الذات وشريكاً بالتدريج وصولاً الى القوة المشاركة في صنع الكيان الكلي للنظام العالمي .

فالعقل في مفاهيمه المتعددة والمتغيرة مرحليا ًيعني عَقَلَ (ما هو المخفي فيما وراء الطبيعة)، و(عقل الذات)، و(عقل الآخر)، على أعتبار أن العقل وظيفته عقل الشيء في كل وجوداته وموجوداته ومراحله، وعقل كل أمكنته،وأزمنته، وأسباب وجوده في هذه الحياة . وهل هذا الشيء هو المعادل الموضوعي للعقل حتى يختبر وجوده في الحياة ؟، ويسيطر على كل التغيرات والتغييرات التي تحصل بإرادته ؟، كما هي في مرحلة الانتقال الى عصر الأنوار من بعد أن جعل العقل (الفيلسوف الألماني عمانوئيل كنط 1724م – 1804م) المسيطر في هذا العصر، بعدما كانت السيطرة للميتافيزيقية في صورتها الدينية على الرغم من أن العقل ومنذ (الفيلسوف اليوناني ارسطو طاليس) الذي عده في كتاب (النفس) هو مستوى من مستوياتها، وكما يقول في مفهوم العقل:" ولننظر الآن في جزء النفس الذي به تعرف وتفهم سواء أكان هذا الجزء مفارقاً أم لم يكن مفارقاً من حيث المقدار، بل حسب العقل فقط . وعلينا أن نفحص ما يميز هذا الجزء وكيف يحصل التعقل . إذا كان التعقل إذن شبيهاً بالإحساس، فيكون التفكير إمّا انفعالا عن المعقول، وإما أمراً آخر من هذا الجنس، يجب إذن أن يكون هذا الجزء من النفس لا ينفعل مع قدرته على قبول الصورة، وأن يكون بالقوة شبيهاً بهذه الصورة دون أن يكون هذه الصورة نفسها، وأن يكون العقل بالنسبة الى المعقولات كنسبة الحس الى المحسوسات. يجب إذن أن يكون العقل بالضرورة من حيث إنه يعقل جميع الأشياء"(1)، هذه الخيارات التي حددها (ارسطو طاليس) في مفهوم العقل وفهم طبيعة الاشياء جعلها في ذلك الوقت الصورة للعقل الكلاسيكي على وفق مبادئ المنطق الصوري الذي اتي به لدعم مفهوم العقل وأشتغالاته، التي سيطرة على البناءات الفكرية للفترة الميتافيزيقية التي صمد فيها هذا المفهوم الى بدايات عصر الأنوار . وبعد ذلك اتى (عمانوئيل كنط) بمفهوم مغاير جعل من العقل هو المركز في فهم العالم وليس تابع الى أي جزء آخر، أو صيغة أخرى تفسر العالم، لذا فقد نقل السيطرة اليه،خلال هذه الفترة التي امتدت مع الحقبة الصناعية وصولاً الى منتصف القرن الماضي، إذ رأى (كنط) في كتابه (نقد العقل المحض) بأن " العقل هو القدرة التي تمنحنا مبادئ المعرفة القبلية، فإن العقل المحض هو ذاك الذي يتضمن مبادئ شيء ما على نحو قبلي تماماً . وأن (أورغانوناً ) للعقل المحض سيّكُون مجموعة المبادئ التي بموجبها يمكن للمعارف القبلية المحضة أن تُكتسب أو تقوم حقاً . والتطبيق المفصل لمثل هذا (الأورغانون) سيعطي سِستاماً للعقل المحض"(2). لذلك أنتج مفهوماً جديداً للعقل في مرحلة سميت بالحداثة، أو سلطة العقل المطلقة،وعَقَلَ فيها العقل ما حوله،وانتج سلطة مارست من خلالها نظاماً خاصاً في استغلال الاشياء في الصناعة، واكتساب المعارف بعدما أبعدت سلطة العقل كل منافس لها من الساحة العالمية، وعملت على ايجاد المعارف وبناء النظم في مختلف مجالات الحياة، ودجنت الكثير من (الطبيعة والبشر) وجعلت هذه السلطة العقلية نسقها في مستويين هما: (الانسان الآخر الذي يقع خارج حدود العقل الغربي ونظامه القائم على الثنائيات، والمستوى الثاني إخضاع الطبيعة وأستغلالها لصالح التطور الذي أنشده  العقل الغرب الذي استعمر الاراضي في سبيل استغلالها وتقديم ما يعتقده الافضل للذات الغربية)، حتى وأن كان على حساب الآخر (اللاشريك) في مفهوم هذا العقل وسلطته المطلقة . لكن ما انتجه هذا العقل في هذه المرحلة جعل من هذين المستويين منافس أساسي له، حتى أنتهت مرحلة الهيمنة، وأصبح الآخر شريك في التقلبات التي فرضت على أيجاد مفهوم جديد للعقل، في مرحلة ما بعد الحداثة وتفكيك المفهوم السابق للعقل وسلطته المطلقة في أطار آليات بناء جديد ومعارف أخرى جديدة في كافة المستويات، وهذا العقل الجديد المشارك للآخر في بناء المعرفة، هو العقل المضاد للسلطة ومركزها، " فهذا العقل مطالب من حيث المبدأ، بعدم ممارسة أي رقابة، وعليه الأنفلات منها، (..) هذا الحد بين العقل الذي يمارس الرقابة والعقل الغريب منها"(3)، عمل هذا (العقل الغريب) عن الحداثة والرقابة والسلطة في ظل المتغيرات الجوهرية لتشكيل اليات البحث في الغياب ومرمزاته وبعث الحياة من جديد في الآخر وتوسيع مشاركته في القيادة المعرفية العالمية، على الرغم من آثار سيطرة (عقل الحداثة وسلطته) التي لم تنتهي، ومارست الكثير من الجهود في بقاء استمرار العقل بصيغته السابقة، مما أوجد هذا صراع وتنافس بين الأثنين خلق فوضى في العديد من المفاهيم على كافة المستويات، ومنها الصيغ الجديدة في مفهوم البناء الأسري من خلال القبول بزواج المثليين، والتي فقدت العائلة على إثره ترتيبها المتكون من (أب وأم وأولاد)، أصبحت الآن متكونة من (رجل ورجل آخر وأولاد يتبناهم المتزوجون)، أو امرأة وامرأة أخرى ويتبنين أولاد) في الدول التي أقرت هذا الزواج لتصبح الأسرة مفككة بالأصل، كونها لم تأتي عن طريق التكوين الطبيعي للأسرة، وأدخلت مفاهيم أخرى غريبة في حقل ما بعد الحداثة في كل قطاعات الحياة، أذا أصبحت مفاهيم العولمة ودمج العوالم، وفقدان الثقافات الوطنية، والعمل وقوانينه وغيرها كلها تخض الى مبدأ التصارع الذي حمل معه تدمير غير مبرر للطبيعة والبيئة، وازدادت الحروب الجانبية على أساس الطائفة والعرق والقومية، وأصبح البحث في تجزئة المتجزأ هو الشغل الشاغل للإنسان في صورته الحديثة، هذا الكائن الضعيف أمام التقنيات المسيطرة على كل تفاصيل حياته وجزئياته .وبذلك  وصل العالم الى مرحلة الانغلاق التي تصاحبها الفوضى والتغير في كل المفاهيم، أصبح الإنسان بعقله (الما بعد حداثوي) في أماكن كثيرة من العالم وبتعدديته المفرطة يبحث عن تحول كيفي في أنتاج عقل جديد، عقل يرى في الأخر شريك لكن هل هذا الأخر الشريك هو الشريك الافتراضي كما في (دمى المعاشرة الجنسية) الجديدة التي ليست من صنف البشر فقط في شكلها الخارجي؟، أم في الصورة المرئية في وسائل التواصل الاجتماعي التي أصبح فيها الفرد أكثر عزلة عائلية؟، وأصبح لا يستطيع مفارقة أجهزته الرقمية التي يراها أكثر من أن يرى عائلته حتى وهو في البيت، أو مع زملائه في العمل، أو مع أصدقائه في الشارع؟ . وعلى الرغم من توفر المعلومات حد التخمة في برامج البحث الألكتروني مثل (google) وغيرها لكن الفرد يبقى عاجز عن تثقيف نفسه، وتطوير مدركاته العقلية، ويفشل في اغلب الأحيان في أول اختبار الكتروني كما هو في أنظمة (التعلم عن بعد)، والفشل يصيب حتى مؤسساته الصحية في أول اختبار حقيقي أمام (جائحة) عالمية، اصبح ضحاياها بالملايين .

إذن، فما هو مفهوم العقل الجديد الذي يحتاجه الإنسان حتى يعقل الآخر الجديد بصيغه الأخرى مثل (الرقمية،والتقنية،والافتراض) . فهل من الممكن أن لا يخضع هذا العقل في الفترة الافتراضية لتحديدات (ارسطو، وكنط، وجاك دريدا)؟، أم أن هذا العقل لابدّ أن يكون خاضع المفهوم المناصفة بين عالمين هما الافتراض والواقع ؟ . وهنا من الممكن أن نتنبأ بصراع جديد قد يكون أكثر دمار للإنسان نفسه، يكون بين المساحتين المعرفيتين (الواقع، والافتراض) مما يجعل الإنسان ذاته ممزق بين هاتين الصورتين . هذا على مستوى الفرد . أما على المستوى العالمي، فقد بانت ملامح هذا الصراع وخاصة على العالم الافتراضي الرقمي بين القوى العالمية مثل (أمريكا، والصين)، وبين الشركات العاملة التابعة اهما في هذا القطاع الحيوي الذي بدأ يدر ارباحاً هائلة على الجهة التي تسيطر عليه، من مبدأ أن أغلب سكان العالم أصبحت تستخدم هذه التقنيات بشكل يومي ودون انقطاع .

ونعود الى التساؤلات حول ما نوع العقل الجديد المطلوب إيجاده في هذه المرحلة بعد خيار العقول الثلاثة (الكلاسيكي، والحداثوي، وما بعد الحداثوي)، هل هو مفهوم العقل المشترك بين (الواقع والافتراض)، فالرقمية أصبحت ضرورة في الحياة، فهل ينتج لنا العالم الجديد بعدما قدم مفاهيم جديدة في مجالات الشريك (اللاأدمي، أو الدميوي) كما في (المرأة الدمية)، وليس من الصعب أن ينتج لنا عقل رقمي ليسحبنا من الواقع المعاش، الى عالم افتراضي قدموه لنا صناع السينما في العديد من أفلام الخيال العلمي وغيرها من التي تناقش الإنسان الرقمي الذي يمتلك معرفة رقمية من خلال (شرائح) توظف في جسم الإنسان حتى يكون أكثر معرفة وتقنية من الأنسان العادي . كل هذه الخيارات في مفهوم العقل الجديد مطروحة، لكن نتائج ما قد تصل اليه الأمور قد تكون غير مسيطر عليها، وستكون مدمرة تماماً لمفاهيمنا الإنسانية ولطبيعة كوكب الأرض .

 

أ.د محمد كريم الساعدي

...................

الهوامش

1- ارسطو طاليس: كتاب النفس، ترجمة: أحمد فؤاد الأهواني، القاهرة: المركز القومي للترجمة، 2015، ص108 .

2- عمانوئيل كنط: نقد العقل المحض، ترجمة: موسى وهبة، بيروت: مركز الانماء القومي، ب، ت، ص54.

3- جاك دريدا: عن الحق في الفلسفة، ترجمة: د. عز الدين الخطابي، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010، ص385.

 

حاتم حميد محسنان المشروع الفلسفي لافلاطون ونيتشة هما على طرفي نقيض كما هو في أي من المشاريع الفلسفية المتضادة. هذا الانطباع له ما يبرره. افلاطون هو فيلسوف العالم الآخر جادل بأن حواسنا لا تكشف اية حقائق ثمينة او اساسية. نيتشة هو المضاد للفلسفة الافلاطوية، منكرا ورافضا كل ما هو خالد وتام ومتجاوز. غير ان هناك بعض التشابه المتجاهل بين افلاطون ونيتشة في افكارهما الجمالية يبيّن انهما لديهما بعض الارضية المشتركة غير المتوقعة.

هما كلاهما يهاجمان اصنافا واسعة من الفن، جادلا بان مثل هذا الفن مثير للإشكال اجتماعيا. المشكلة لدى كل منهما هي ان الفن يمكن ان يؤثر سلبيا على تطور الانواع العليا من الناس.

ولكن ربما هناك من يقول "اننا نتذكر موقف افلاطون المضاد للفن ولكن ألم يكن نيتشة مؤيدا للفن، حتى انه في اوقات معينة وضعه فوق العلم؟

نعم. نيتشة، طوال عمله يشجع الفن كواحد من أهم النشاطات الانسانية، وان بعض الناس الذين اُعجب بهم كثيرا هم من الفنانين. غير ان علاقات نيتشة مع الفن هي اكثر تعقيدا من مجرد القول نعم او لا. هذا يبدو حتى اثناء لحظة خاطفة لكتاباته الناقدة لحياة وموسيقى صديقه السابق ريتشارد واغنر(Richard Wagner). الهجوم الاخير لنيتشة على واغنر هو جزء من تفسير واسع لطبيعة وقيمة الفن وهو ما يعطي معيارا للتمييز بين الفن الثمين وغير الثمين. وكما في فلسفة افلاطون الجمالية، هذه المعايير تتصل وبعمق بالاهتمامات الميتافيزيقية والاخلاقية الأوسع. سوف ننظر بالكيفية التي ينظر بها كل من الفيلسوفين للفن وما هي اوجه التشابه والاختلاف بينهما في سياق فلسفتهما الواسعة.

نيتشة وافلاطون ضد الفن

معظم جدال نيتشة الذي سوف نستخدمه يتخذ شكله الواضح في القول رقم 370 من (العلم المرح). ونفس القول مع تعديل بسيط هو ايضا في نيتشة المضاد لواغنر. الجدال كان موجها ضد الفن الرومانسي والمسيحي، وفي جوانب معينة، انه يشبه بعض حجج افلاطون ضد الشعر في حوار أيون (Ion) وفي (الجمهورية).

يرى نيتشة ان جميع الفن يساعد في تخفيف المعاناة الناتجة اما عن عدم كفاية الحياة underabundance ( "عدم كفاية الفن والموسيقى").او من فائض الحياة overabundance . ان وفرة او فائض الفن هو محايد اجتماعيا او مفيد، لكن عدم كفاية الفن عادة ما تتجلى في احدى طريقتين سلبيتين. هذا الشكل من الفن اما ياخذ شكل انتقام مدمر من العالم او يجعل عدم الكفاية مثالا. كلا هذين التاثيرين يكبحان انتاج وازدهار الناس العظماء، والذي هو الهدف النهائي لنيتشة.

جدال افلاطون هو معاكس، لكنه يصل الى فكرة ان الفن ممتع لكنه مضلل وبالتالي خطير . في حوار (أيون) هو يرى ان الفلاسفة وليس الشعراء يجب ان يكونوا معلمي الاغريق طالما ان عبقرية الشاعر تأتي من الجنون الموحى دينيا بدلا من ان يأتي من المعرفة، والناس العارفين يجب ان يكونوا هم المعلمين. بكلمة اخرى، الشاعر الموحى والجاهل يجب ان يصمت ولا يحاول تعليم اي شخص اخر من خلال الانشاد. في (الجمهورية) هو يجادل ان الشعر يجب ان لا يُسمح له في المجتمع المثالي لأنه يحفز الناس على محاولة تبنّي ادوار اجتماعية لا تتناسب معهم، وهذا يؤدي الى عدم انسجام اجتماعي.

جدال نيتشة

معظم الافكار الهامة والشهيرة لنيتشة وُجدت اولاً في (العلم المرح). الاقسام الأربعة الاولى من هذا العمل كُتبت في العام 1881-1882 كنضج لعمله السابق (الفجر) وتشكل بدرجة ما الازدهار الاول في افكاره التي سوف يطورها في اعماله اللاحقة، بما في ذلك الرغبة بالقوة، موت الاله، العودة الأبدية، إعادة تقييم كل القيم، وطبيعة وقيمة عظمة الانسان. القسم الاخير كُتب لاحقا، نُشر في الطبعة الثانية عام 1887، ويحتوي على افكار حتى اكثر من افكار نيتشة الناضج.الأقسام المبكرة تحتوي على سلسلة من الأقوال او الحكم aphorisms)) خاصة في الفن(76-107)، لكن القول (370) جاء من القسم الأخير، وبهذا فهو يأتي من ذهن نيتشة فقط قبل سنوات قليلة من انهياره نحو الجنون، وبعد انفصاله عن واغنر (وربما كما يُقال، بعد وفاة واغنر عام 1883).

هذا هو جدال نيتشة ضد الفن الرومانسي والمسيحي، المرتكز على القول (370) وعدد آخر من الأقوال:

1- كل الفن يُنتج في خدمة الحياة، للتخفيف عن بعض انواع المعاناة او المرض.

2- الفن – كدواء – يمكنه علاج اما الوفرة المفرطة في الحياة overabundance والتي يجب تصريفها، او نقص الحياة underabundance والتي يجب ان تُستكمل.

3- الفن الذي هو علاج لنقص الحياة عادة يجسد نفسه كانتقام من الحياة: اما كتدمير انتقامي للعالم الذي هو مصدر معاناة الفنان، او في تخليد معاناة الفنان كمُثل.

4- استهلاك اي نوع من الفن الناقص الحياة له تأثيراته على المستهلك، بالذات في منع ازدهار الارواح العظيمة.

5- الارواح العظيمة هي ثمينة، لذا عندما شيء ما يمنعها من الازدهار فان ذلك الشيء يجب ان لا يُنتج.

6- لذلك فان الفن الذي يُصنع كعلاج لنقص الحياة – والذي يتضمن الاوبرا الوارغانية، والفن التشاؤمي الرومانسي والفن المسيحي – يجب ان لا يُنتج.

الأقوال الثلاثة الاولى اُخذت مباشرة من (370). هنا يقول نيتشة:

"كل فن ربما يُنظر له كعلاج ومساعد في خدمة نمو وصراع الحياة، هو دائما يفترض سلفا المعاناة والمعانين.ولكن هناك نوعان من الذين يعانون:

اولا، اولئك الذين يعانون من الوفرة المفرطة للحياة هم يريدون فنا ديونيسيا Dionysian art و رؤية تراجيدية للحياة، وثانيا اولئك الذين يعانون من فقر الحياة، ويبحثون عن الراحة، الهدوء، البحار الهادئة، خلاصهم من انفسهم من خلال الفن والمعرفة، او التسمم، التشنجات، التخدير والجنون. جميع الرومانسية في الفن تمتثل للحاجات الثنائية للنوع الأخير الذي يتضمن شوبنهاور بالاضافة الى ريتشارد واغنر .. اولئك الذين يعانون كثيرا والأفقر في الحياة سيحتاجون قبل كل شيء الى الاعتدال، الهدوء والخيرية في الفكر والفعل ايضا. باختصار، ضحالة معينة تُبقي الخوف بعيدا وتحيط الفرد بإفق متفائل.. (المقدمة الثالثة). ان الرغبة بالتحطيم، التغيير، والتحول يمكن ان تكون تعبيرا عن طاقة فائضة حاملة للمستقبل، ولكن يمكن ان تكون ايضا كراهية من هو سيء التكوين، المحروم من الحقوق، المفتقر للامتيازات، الذي يحطم ويجب ان يحطم لأن الوجود وكل ما يوجد حقا، يثير الغضب والتحريض .. الرغبة بالخلود تتطلب ايضا تفسيرا مزدوجا. انها يمكن تعزيزها اولا بالامتنان والحب .. لكنها يمكن ايضا ان تكون رغبة استبدادية لمن يعاني بعمق، المكافح، المعذّب، ويرغب تحويل الشخصي والضيق، وخصوصية معاناته، الى اكراه و قانون ملزم، شخص كما كان، ينتقم لنفسه من كل الاشياء بفرض رمزيته، رمزية المستقبل، عليها، وطبعها بها. هذه النسخة الأخيرة هي رومانسية تشاؤمية بشكلها الاكثر تعبيرا، وسواء كانت فلسفة شوبنهاور بالرغبة او موسيقى واغنر- التشاؤمية الرومانسية، هي الحدث العظيم الأخير في مصير ثقافتنا".

فائض الحياة مقابل فقرها

ماذا يعني ان تكون ممتلئاً بالحياة او مفتقرا لها؟ استعمال ما قبل نيتشة "للحياة" يفترض ان كل شيء حي هو ممتلئ بالحياة : لكي تكون مملوءاً بالحياة هو ان تكون حيا، ولكي تكون ناقص الحياة هو ان تكون ميتا او تموت. لكن هذا بالتأكيد لا يقصده نيتشة، ولا يقصد المعنى العامي لعبارة "مملوء بالحياة" الذي يشير الى الناس المتحمسين رغم ان هذا المعنى ربما أقرب الى نيتشة.

يرى نيتشة الناس يتشكّلون من مختلف الدوافع والقوى التي تعمل دون مستوى الوعي والتي تجسد ذاتها في الشخصية والميول والسلوك. ما يسمى "الرغبة الواعية" لا تعمل اي شيء سوى توفير توضيحات زائفة للفعل بعد حدوثه . الدوافع اللاواعية تتنافس مع بعضها وهي مختلفة القوة، الدوافع المنتصرة تجسد نفسها في الميول والفعل.

تطوّر قوة الدوافع يحدث من خلال الصراع الداخلي بين الدوافع ذاتها، والتي هي قوة مؤلمة. عبر النظر من خلال هذه العدسة، سنرى ان الناس المفرطين بالحياة هم مكوّنين من قوى داخلية قوية، وهذه القوى يجب ان تعبّر عن ذاتها احيانا في فن مفرط بالحياة.

الناس الناقصو الحياة هم مشكّلين من قوى داخلية ضعيفة، لذا هم يحتاجون اماكن راحة روحية ومفاهيمية ليستريحوا من الفعالية، او تحفزهم و تُسكرهم كي تمنحهم مؤقتا المزيد من الطاقة. يرى نيتشة ان نقص الحياة هو عادة ما يُعبّر عنه فنيا كانتقام من العالم، او تمجيد واضفاء المثالية على المعاناة ونقص الحياة. (من غير الواضح من كتاباته ما اذا كانت هناك اية طرق مفيدة اجتماعيا للناس ناقصي الحياة لعلاج نقصهم الحياتي).

بالاضافة الى تأثير الفن، يهتم نيتشة عموما بالظروف التي تنتج اناسا عظماء. الغذاء هو مجال متكرر للاهتمام. فمثلا، هو يسأل، "هل قام أي شخص بدراسة لمختلف الطرق في تقسيم اليوم او لنتائج جدول منتظم للعمل، او للاحتفالات، وغيرها؟ ما هي التأثيرات الاخلاقية لمختلف الأطعمة؟ هل هناك اي فلسفة للتغذية؟ (العلم المرح، قول 7). اجزاء كبيرة من مشروع نيتشة الجمالي والسايكولوجي يتألف من مخطط لفلسفة الاستهلاك هذه. هو يبحث عن وسائل لغاية ما يعتبرها الاكثر قيمة في حياة الانسان:ليس المتعة او غياب الألم، ليس الفضيلة، ليست العقلانية، وانما العظمة . هنا نتّبع تفسير Brian Leiter  لفلسفة نيتشة الاخلاقية (2008). بموجب هذا التفسير، يكون نيتشة ذرائعيا، يحكم على القيمة الاخلاقية للحدث تبعا لتأثيره. هو ايضا كمالي او منشد للكمال، يعتبر الشيء ذو قيمة فقط عندما يساهم في تطوير عظمة الانسان. حماسة نيتشة لعظمة الانسان تربط كليا مشروعه الاخلاقي والجمالي والسايكولوجي. هو دائما يحاول تحديد الظروف التي تشجع او تثبط العظمة. التعامل مع الفن والموسيقى كاشياء للاستهلاك، والتي لها تأثيرات لاواعية وسايكولوجية على المستهلك، هو منسجم مع انكار نيتشة لفكرة اننا نستطيع بوعي اختيار او تقرير شخصيتنا وسلوكنا.

ما هو الدليل لدى نيتشة بان استهلاك الفن الناقص الحياة يمنع تطوير عظمة الانسان؟ هذا هو نيتشة الذي يقول "من لم يقتلني يجعلني أقوى"، والذي عادة يبدو كأنه يزعم نوع من المحنة كشرط مسبق لإزدهار الانسان. هل هو يعتقد ان الظروف الثقافية السلبية التي تخلق السحر المغري والفخ للضعفاء، هي حقا جيدة لتطوير الناس العظماء؟

الموقف من واغنر(1888) يجعل من الواضح انه لا يعتقد بهذا. الموسيقى غير التامة تشجع وتثري الارواح النابضة سلفا بالحياة. وحول موسيقى بيزيت هو يقول، "هل لاحظ اي شخص ان الموسيقى تحرر الروح، تعطي اجنحة للفكرة، وانه كلما اصبح المرء موسيقيا كلما اصبح فيلسوفا اكثر"(CW1). يبدو ان نيتشة يعتقد بانه على الاقل بعض قيمة الموسيقى المفرطة بالحياة تنبثق من الكيفية التي تثير بها التغيرات المفضلة لدى المستمع.

وهناك الكثير ما يقوله نيتشة حول التأثير المفسد للموسيقى الناقصة الحياة، مستهدفا واغنر:"انا لا اظن اوافق على هذا السلب المنحط لصحتنا. هل ان واغنر انسان؟ الم يكن مرضا؟ هو يلوث كل ما يلمس. هو جعل الموسيقى مريضة .. ولا احد يحترس ضده. قوته بالاغراء نالت مدى وحشيا .. وهو بالتأكيد لم يحوّل فقط فقير الروح لجانبه.. فن واغنر مسبب للمرض .. واغنر اكبر مفسد للموسيقى"(CW5). من الواضح ان نيتشة لديه مشكلة معينة مع واغنر، لكن هذه الاقتباسات تشير ايضا الى قلق عام حول الفن وتأثيره. الموسيقى يمكن ان تكون مرضا تفسد المستمع، يتضرر بها ليس فقط فقير الروح وانما ايضا القوي والصحي سيُصاب بهذا السم المغري.

نيتشة يعتقد ايضا ان الفن الناقص الحياة هو ضار حتى اجتماعيا لأنه يمنع ازدهار الانسان العظيم، وهذا لا يعني بالضرورة ان مثل هذا الفن لا يجب ان يُنتج، والذي هو المقدمة الخامسة في الجدال. ربما الفن الناقص الحياة يعمل ضد تطوير الناس العظام، ولكن فيه سمات ايجابية اخرى تجعله ذو قيمة؟ نيتشة ايضا الفيلسوف الذي يقول "انا اريد اتعلم الكثير والكثير لأرى كجميل ما هو ضروري في الاشياء .. انا لا اريد الحرب على ما هو قبيح، انا لا اريد ان اتّهم، انا لا اريد اتّهم اولئك الذين يتّهمون" (GS276) . ايضا: "انا امقت كل تلك الاخلاق التي تقول :"لا تفعل هذا، تنازل، اهزم نفسك"(304). الدعوة لوضع نهاية للفن الناقص الحياة تبدو تماما مثل اخلاقية التنازل. مع ذلك، في موقف واغنر من الواضح انه يعتقد ان الفن الناقص الحياة خاصة فن واغنر يجب ان لا يُنتج: "انه ثمن باهض يدفعه التابع لواغنر. ماذا صنعت عبادة واغنر للروح؟ .. يعود له كل ذلك الغموض والمراوغة وكل الصفات الاخرى التي تقنع المقابل دون ان تجعله واع بما يقتنع به . بهذا المعنى، يكون واغنر مغر من الحجم الكبير. لا شيء هناك مستنزف، لا شيء عقيم، لاشيء خطير على الحياة، لم يجد غطاءً له في فنه .. هو يمدح كل غريزة عدمية (بوذية) ويطلقها في الموسيقى، هو يمدح كل شكل للمسيحية، كل تعبير ديني للانحطاط الاخلاقي ...هو يسرق شبابكم، نساؤكم ايضا ويجرهم الى زنزانته. CW postcript. اذا لم تكن هذه دعوة لقمع موسيقى واغنر فماذا ستكون؟

تصور افلاطون للعظمة

حتى الان فحصنا الاسس التي اعتمدها نيتشه في جداله ضد الفن الناقص الحياة دون ان نتطرق للعلاقة بين هذا الجدال وافلاطون. دعنا اولاً نتطرق لموقف الفلاطون من الفن.

في كتاب (الجمهورية) يحاول افلاطون تحديد ماهية الدولة المثالية. طبقة الحراس، التي تضم الحاكم الفيلسوف في مدينة افلاطون المتخيلة، يجب ان تتلقى تعليما جيدا لكي تطور الجزئين الروحي والمنطقي من روحها، طالما انه من الضروري لأفراد الطبقة انجاز مهامهم الاجتماعية المنوطة بهم، ويكونون مجهزين للعدالة. الشعر خصوصا الشعر الذي يصف الآلهة وهم يقومون بأشياء مثل القتال، الاغراء، الكذب او التغيير كل ذلك يؤذي تعليم الحراس من خلال تلقينهم اشكالا مثالية تنقل دروسا سيئة. الموسيقى او الرقص تشجعان الطموحات او المشاعر التي لا ينبغي للحراس امتلاكها (الحزن مثلا) وهي ايضا تُعتبر مؤذية. لكن الجزء الأكثر اهمية في القصة هو رؤية افلاطون للنوع الأعلى من الناس وكيف ترتبط هذه الرؤية بمشروعه الجمالي. هنا يتضح الكثير من الشبه او عدم الشبه مع نيتشة .

مختلف حوارات افلاطون تضع تمييزا بين الأنواع العليا والدنيا من الناس. في حوار (فيدو)، يصف افلاطون مخططا من تسعة اجزاء يجب ان تقع فيه الروح، حيث ارواح الفلاسفة في القمة وارواح المستبدين في القعر. اذا كان نيتشة يتفق مع هذا الموقف، فلابد من ملاحظة ان الفيلسوف الحقيقي بالنسبة لنيتشة هو الخالق للقيم الجديدة، وليس من يحدد المفاهيم الثابتة كما بالنسبة لافلاطون. منْ يقرر موقع الروح في مخطط افلاطون هو درجة اطلاع الروح على الأشكال قبل ان تهبط الروح في البدن، بالاضافة الى مقدرة الروح على تذكّر تلك الاشكال عند تجسيدها. اشكال افلاطون هي قصة اخرى، ولكن باختصار، كل الاشياء التي نتصورها من خلال حواسنا هي ضلال للجواهر الابدية التي يمكن معرفتها بالعقل وحده. هذه الجواهر هي الاشكال المحبوبة لافلاطون. الهيكل التراتبي للارواح هو مشابه للهيكل التنظيمي للحكومات والناس في الكتاب التاسع من الجمهورية، لكن معظم كتاب الجمهورية لا يعطي الكثير من التفاصيل حول الفروقات، مقدما فقط ثلاثة اصناف عامة ينتمي لها الانسان، تتطابق مع الاجزاء الثلاثة للروح وهي الراغبة، والروحية، والمنطقية. وهكذا، المجتمع المثالي فيه ثلاث طبقات اجتماعية. الناس الراغبون هم الناس العاديين والفلاحين والحرفيين والتجار والعمال الذي يشغلون ادنى طبقات المجتمع، يقومون بجميع العمل المألوف تحفزهم الرغبة بالمتعة والنقود. الناس الذين هم اكثر تحفزا هم العسكريون الذين يحمون المدينة. واكثر الناس منطقا هم الحراس الذين يحكمون المدينة. الحراس هم الطبقة العليا لدى افلاطون وفيهم الملك الفيلسوف . هم حكماء، شجعان، معتدلي المزاج، عادلون، من خلال امتلاكهم معرفة عميقة بالأشكال. هذه المعرفة يجب ان تُغرس. الكثير من كتاب الجمهورية يتألف من تحليل للتعليم الذي يجب ان يتلقاه الحراس. اذا كان الحراس غير سعداء بالدور الموكل اليهم، او ليس لديهم الشجاعة الكافية، عندئذ هم سيكونون غير قادرين على التفوق في فن العدالة. هم يجب ايضا ان يمتلكوا معرفة حقيقية بالاشكال الافلاطونية، طالما ان هذه المعرفة يجب ان تتحكم بالقرارات التي يجب ان يتخذونها. قدرة الحراس على التذكّر وفهم الأشكال تتطور وتُربّى من خلال التعليم. الشعر والقصة لايقدّمان معرفة، وكما يجادل افلاطون في حوار (ايو)، ان الشعراء يتأثرون بجنون ديني ولا يمتلكون المعرفة التي يستطيعون نقلها وبهذا يجب ان لا يتأثر بهم الحراس. يرى افلاطون ان الآلهة كائنات تامة، ولهذا هم يصبحون اقل كمالا خلال التغيير، وسوف لن يختارون ابدا تغيير انفسهم. سيكون من السوء للحراس استبطان الاخلاق التي تصبح شيئا اقل مما يتناسب معهم، مثلا، ان يصبح الحارس اسكافيا. الالقاء الشعري والدراما يستلزمان التقليد من جانب المنشد او المسرحي، وهو سيء لأنه يوحي ان الشخصية ليست ثابتة، وان التغيير مقبول وممكن. في جوهر هذه الجدالات تكمن الحاجة الى الاستقرار. الدولة العادلة هي مستقرة وسعيدة كنتيجة لكونها منظمة طبقا للأشكال المثالية الأبدية اللامتغيرة. الفيلسوف يتحلّى بالفضيلة نتيجة لمعرفته بتلك الاشكال. كونك فيلسوف هي حالة باطنية قيّمة للفرد، وهي وظيفيا ضرورة لعمل المجتمع المنظم جيدا، ذلك لأن الفلاسفة وحدهم يدركون الواقع الحقيقي الكامن وراء المظاهر، ولذلك يفهمون عالم الاشكال بما فيه شكل الخير الذي تُشتق منه العدالة.

مقارنة بين تصورات نيتشة وافلاطون

النوع الأسمى من الناس لدى افلاطون هم الذين يشتقون فضيلتهم من معرفة الأشكال وقادرين على ان يطبّقوا عمليا المعرفة لجعل المجتمع اكثر انسجاما واستقرارا. ولكن ما هي قيمة الرجل العظيم لدى نيتشة؟ الجواب عن هذا السؤال يكشف عن النقطة الجوهرية في الخلاف بين افلاطون ونيتشة. الانسان العظيم لدى نيتشة هو الذي يحتضن ويسهّل التغيير، ويتحرك بقوى عنيفة وغير عادية (CF GC 26,55). هو يقبل ويؤكد الحياة والعالم بعد الاعتراف التام بموت الاله وفقدان أي نظام متجاوز للعالم. هو شخص ممتلئ بالحياة، واذا كانت حوافزه القوية تقف بالضد من معتقدات المجتمع وقيمه فهو سيحطم تلك القيم القديمة ويخلق قيما اخرى جديدة، هذا الاختراع للقيم يشكّل قيمهُ الاجتماعية (Gs4,10,39,50). لذا فان طبيعة وقيمة عظمة الانسان هي في تضاد مع افلاطون . العظمة لدى افلاطون تُشتق من العلاقة مع الخالد واللامتغير، بينما العظمة لدى نيتشة تأتي من احتضان الفرد للمؤقت والتغيير من خلال الامتلاء بالحياة. كلا الفيلسوفين لديهما انواع معينة ضارة من الفن لأنها تكبح خلق وازدهار الأنواع العليا من الناس. خلافهما يكمن كليا في الطريقة التي نفهم بها عظمة الانسان. هذا التقييم المختلف للعظمة يقود الى تقييم مختلف لما هو مضر في المجتمع.فن الحياة الناقصة لدى نيتشة يتبنّى الانتقام من العالم المؤقت ويصف المعاناة كمثال خالد، بينما الشعر لدى افلاطون يحرّض على التغيير وعدم الامتثال للمواقع والهياكل الاجتماعية. لذا علينا الانتباه قبل شراء بطاقة للحفل القادم، ان نتأكد أي نوع من العظمة نسعى اليها.

 

حاتم حميد محسن

 

عامر عبدزيد الوائليتصدير: ولعل هذا يظهر في التعريف لـ"فلسفة الدين Philosophy of religion" هي الدراسة العقلية للمعاني والمحاكمات التي تطرحها الأسس الدينية وتفسيراتها للظواهر الطبيعية وما وراء-الطبيعية مثل الخلق والموت ووجود الخالق أن البحث الجنالوجي في المفهوم والغاية تظهر تباينات باختلاف المقاربات التي تناولت البحث في المفهوم من الأفكار والإشكالية التي ولد داخلها على مستوى الحقل المعرفي والوظيفة الإيديولوجية من هنا ثمة تاصيلات متداخلة ومتباينة إذ يعتبر الفيلسوف والمِؤرخ الفرنسي جان كرايش ان مرحلة التأسيس لفلسفة الدين، هي مابين سنة 178 و1821، حيث أنه كانت هنالك حوارات عنيفة صاحبت هذه الفترة. كانت عبارة عن حروب فكرية مثل ما هو الحال حول "وحدة الوجود" التي تعتبر بان الله والطبيعة هما شئ واحد. وكذلك نجد هناك محاضرات ألقاها هيجل حول فلسفة الدين؛ إلا انه أمام ما خلقه هدا المفهوم فلا ينبغي الخلط بينه وبين الثيولوجيا الطبيعية وفلسفة الدين. فهذه الأخيرة مستوحاة من الدين، اما الثيولوجيا الطبيعية فهي تهتم بمسالة اللألوهية، وكانت أولها ما قدمه أفلاطون في" اله الخالق". وبعده أرسطو في "المحرك الذي لا يتحرك". إن فلسفة الدين تحاول وضع الافتراض من اجل تقديم قراءة نقدية للنص والمقارنة بينها وبين نصوص الديانات الأخرى، كي يتم الإطلاع علي مفهوم الدين، الذي ليس هو فقط فهم الإلوهية بل فهم النصوص الدينية. ففي القرن 17م وقع تطور في قراءة النصوص المسيحية واليهودية والمقارنة بينها مما أدى إلي نتيجة وجود فلسفة الدين فكان معها طرح مسألة الفرق بين التاريخ الحقيقي والتاريخ –الدينى-. ومعه أيضا انبثقت جملة من الإشكالات من قبيل ما معني وجود الإعجاز؟..  وذلك لإنقاذ روح الأديان من النقد التاريخي وخاصة بعد ظهور مبحث الهيرمونيطيقا، والتي هي إمكانية فهم النصوص الدينية كنصوص لغوية ومعرفة مقاصدها أي فهم الدين والله كخطاب ديني يمنح لنا الفهم، بوجود آليات تساعدنا على الفهم الحقيقي لهذه النصوص وبالتالي الدخول نحو التأويل.

أول من ألف في اللغة العربية عن فلسفة الدين بمعناه الاصطلاحي الدقيق هو أ. د. محمد عثمان الخشت في أطروحته للكتوراة "المعقول واللامعقول في الأديان بين العقلانية النقدية والعقلانية المنحازة" سنة 1993، وتم طباعة هذه الأطروحة في نهضة مصر 2006. وأيضا له مدخل إلى فلسفة الدين" 1998، والدين والميتافيزيا في فلسفة هيوم سنة 1999. والعديد من المؤلفات الأخرى التي أسست لهذا الفرع المعرفي من حيث المنهج والموضوع. ويتضمن هذا الفرع علم أصول الدين والأديان المقارنة. ومن بين مؤرخي الأديان العالميين العلامة ميرسيا الياد.

 أهمية وميدان فلسفة الدين

:تعد الممارسات الاجتماعية والشخصية جزءا لا يتجزأ من فلسفة الدين التي هي ذات الصلة بتلك الشواغل العملية؛ على أساس موضوعي وليس فقط بوصفه نظرية مجردة. ومرد ذلك الى إلى النسبة العظمى من سكان العالم الذين لهم صله واهتمام بالدين أو المتأثرين به، من هنا فان فلسفة الدين لها دور في درسه وتناول للقيم التي تمثل آمن الناس الفعلية والالتزامات. وهناك نقطة مرجعية رئيسه في فلسفة الدين أنها مرتبطة -من حيث الشكل والمضمون -بالتقاليد الحية المرتبطة بالحياة اليومية ألمعاشه للناس. بهذه الصورة، قد تكون "فلسفة الدين " من الاختصاصات التي على تماس أكثر من التخصصات الأخرى التي دراسة الحياة الدينية.

 سبب آخر وراء أهمية الحقل هو اتساع نطاقها. هناك مناطق قليلة في الفلسفة التي هي محروم من الآثار الدينية. التقاليد الدينية بحيث تكون شاملة وتشمل جميع في مطالباتهم التي يمكن استخلاصها تقريبا في كل مجال الفلسفة عليها في التحقيق الفلسفي على التماسك وقيمة ومبرر.

 والسبب الثالث هو تاريخي. وقد تناولت معظم الفلاسفة عبر التاريخ من الأفكار والموضوعات الدينية شرقا وغربا،. لا يمكن للمرء القيام تاريخا للفلسفة ذات مصداقية دون أن يأخذ فلسفة الدين على محمل الجد. هنا من يرصد فلسفة الدين من خلال علاقته بالفلسفة تعنى فلسفة الدين عناية رئيسة بالمبررات العقلية للإيمان بالإله والكفر به . وتختلف عن اللاهوت Theology ان هذا العلم ينطلق من معتقد ديني معين أو من مجموعة من المعتقدات ويحاول فهم مسائل في الدين واستكشافها من نقطة الانطلاق هذه . لكن دراسة فلسفية من المواضيع والمفاهيم المركزية التي تشارك في التقاليد الدينية. فإنه يشمل جميع المجالات الرئيسية للفلسفة: ميتافيزيقيا، نظرية المعرفة والمنطق، والأخلاق، ونظرية القيمة، وفلسفة اللغة، وفلسفة العلوم والقانون وعلم الاجتماع والسياسة والتاريخ، وهلم جرا. وتشمل السمات العامة للكون (مثل قوانين الطبيعة، وظهور الحياة واعية، وشهادة على نطاق واسع من أهمية دينية، وهلم جرا). القسم الأول يقدم لمحة عامة عن هذا المجال وأهميته، مع أقسام اللاحقة التي تغطي التطورات الحاصلة في هذا المجال منذ منتصف القرن العشرين. ويرى أن وظيفته تقوم على استكشاف الفلسفية من المعتقدات والممارسات الدينية واضح في فلسفة في والشرق والغرب، في جميع أنحاء الفلسفة اليونانية والرومانية والعصور الوسطى، والتفكير الفلسفي على الله، أو آلهة، والعقل والايمان، الروح، الآخرة او يقارن بينها وبين الدين العقلي فيرى: كانت فلسفة الدين عنصر واحد من بين العديد من المشاريع الفلسفية متشابكة. أن فلسفة الدين تبحث الأديان كلها بما فيها الأديان الفلسفية التي تكون عادة من مباحث ذروة الميتافيزيقا. (لذلك فقد عدها فلاسفتنا جزءا ما يسمونه الإلهيات. ولعلنا نجد في مقالة اللام من ميتافيزيقا أرسطو أو في المقالة العاشرة من كتاب أفلاطون في الشرائع نموذجين تعامل معهما فكرنا في تجربة التفلسف الأولى من تاريخ فكرنا الفلسفي والديني. فلا يكون الدين الفلسفي إلا أصل المنظور الذي يقول به صاحب البحث في فلسفة الدين إذا كان فيلسوفا. لكنه غير فلسفة الدين التي هي أحد فروع البحث الفلسفي أحد فروعه الذي من المفروض أن يكون ما بعدًا لعلم موضوعِه أعني علم الأديان الوصفي والوضعي والتاريخي).

 في حين أن هذا الحقل الحيوي للفلسفة، فلسفة الدين قد اسهم أيضا إسهاما أساسيا للدراسات الدينية واللاهوت. الدراسات الدينية غالبا ما تنطوي على افتراضات هامة حول المنهجية التاريخ وحول طبيعة وحدود التجربة الدينية. هذه دعوة تقييم الفلسفية والمناقشة. اللاهوت قد تستفيد أيضا من فلسفة الدين في منطقتين على الاقل:

1- تاريخيا: على مستوى تناولها الكثير من الأحيان المفاهيم اللاهوتية والبعد التاريخي لها .

2- والفلسفة: سواء كانت الأفلاطونية والأرسطية، فقد كان لها تأثير كبير على صياغة العقيدة المسيحية التقليدية، واللاهوتيين في العصر الحديث قد رسمت في كثير من الأحيان على أعمال الفلاسفة (من هيغل إلى هايدغر ودريدا).

 فائدة أخرى تكمن في المهام الفلسفة توضيح وتقييم ومقارنة بين المعتقدات الدينية. التقييم قد تم في أوقات حرجة للغاية ورافض، ولكن هناك فترات وفرة في تاريخ الأفكار عند الفلسفة ساهم إيجابيا في ازدهار الحياة الدينية. لا يقتصر هذا النوع من التفاعل البناء في الغرب. لقد كان دور الفلسفة البوذية وجهات النظر بشأن مميزة من المعرفة والنفس وذات أهمية كبيرة. ، فقد ربطت فلسفة "الحقيقة: مع مفهوم أخر مركزي هو مفهوم الله .

 في بداية القرن 21، يجب أن يكوم لفلسفة الدين إطار منطقي اعم مما كانت عليه سابقا إطار يمكنها من أن تعزز الحوار بين الثقافات. فلاسفة الدين غالبا ما يسعون إلى إيجاد القواسم المشتركة بين الأديان، وكذلك يجاد التمييز بين العقيدة والممارسة الدينية. هذه الدراسة يمكن تعزيز التواصل بين التقاليد، وبين الأديان والمؤسسات العلمانية.

 التجربة العرفان وأثرها في فلسفته الدينية

 وسط ذلك الإرث القديم ألصفوي القاجاري وتحديثات بهلوي الممتزج بصيحات الثورة المعادية للغرب والمطالبة بالإصلاح والعدالة جاء صوت عبد الكريم سروش الاسم المستعار لـ "حسین حاج فرج دبّاغ" (ولد 1945)، مفکر إيراني، متأله، فیلسوف، شاعر ومترجم. یدرّس الإسلام والفکر السیاسي في جامعة جورج تاون بالولایات المتحدة حالياً. أسس قسم فلسفة العلم في إيران لأول مرة ویسمّي نظریاته الکلام الجدید ویعد نفسه معتزلي. عدته مجلة الفورين بوليسى ضمن المفکرین الکبار العشرة في سنة 2009. .

لقد انتشر اتباع سروش والمعجبين به الذي يرون فيه ذلك المفكر الإيراني صاحب أكبر ثورة في تجديد الخطاب الإسلامي، في ميال المقاربة والموائمه بين الحراك الفكري العالمي من حركات فكرية وثقافية تحاول ان تتصاهر وتتحاور منتجة حالة من الائتلاف بين النقائض في صيرورتها نحو التناسل الفكري والتحول الاجتماعي الذي يمنح الفكر المقدرة على خلق أفكار قادرة على إزالة الاغتراب والقهر الذي يتعرض له الإنسان في ظل هيمنة الشموليات والأفكار القهرية التي تريد أن تصير الحياة بالكيفية التي يشتهي أصحابها فالحركات الفكرية والثقافية في العالم تعيش حالة من التواصل والتداخل رغم اختلاف الواقع؛ إلا أنها مشاريع إنسانية هدفها معالجة حالة انصهار الأفاق بين الثقافات وانصهارها بأفق العصر الذي نعيش، عن تجديد الإسلام وملاءمته للتحولات الاجتماعية والثقافية المعاصرة، عن أفكار عبد الكريم سروش التي امتلكت بعدا ضرامي المذهلة لدى الشباب وتعالقها مع مصالح طبقات من المثقفين والتجار أي مع الخطاب المدني للإسلام الذي يعبر عن الإسلام المدني والبعد الذي منح الغرب له من خلال حصوله على جائزة أرازموس الكبيرة في الغرب مع فاطمة المرنيسي وصادق جلال العظم، أي مع أسماء تسعى إلى خلق تأويلات توسع من أفق التحرير والتغير في العقل الأبناء هذه المنطقة من العالم اذ ثمة مشتركات متداخل لدى هؤلاء المثقفون الذين لهم هموم ومشتركات تدفعهم في إيجاد معالجات للتراث وعلاقته بالمعاصرة لان الأمر يتعلق باعادت امتلاك ذلك الرسمال الرمزي الذي ترك ظله على الواقع من قراءات فكرية توصيف نفسها انها هي الاكثر دراية في ادراك مقاصد الشريعة من غيرها وبالتالي هي المؤتمنة على الشرع الالهي هذا يعني احتكارها المشروعية وبالتالي في تحول الى حالة من الاغتراب عندما تفرض نفسها على الاخر وتجبره على تلقي تاويلها الذي لم يعد معرفة قابله للنقد بل اصبح سلطة تحتكر الحقيقة وتطالب الآخرون بتلقيها واستهلاكا هنا ينشا الاغتراب الذي يجعل السلطة بيد منتجي ذلك التأويل ويغدو المخالفين مطرودين ومنبوذين تأتي كتب تلك الفئة ومنها كتب الذي كتب في تجديد وإصلاح الإسلام، وهو بهذا تتقاطع أفكاره مع أفكار داريوش شايغان الذي يريد تجديد الفكر الإسلامي عبر تطويعه مع الحداثة الغربية، عن محمد أركون وتجديده الميثادولوجي في قراءة الظاهرة الإسلامية، هكذا لم تعد فكرة الاصلاح او تاويل المتحرر امرا ثقافيا فحسب بل غدا امرا ضروريا في ازالة اغتراب الانسان وعادت امتلاكه لمصيره من خلال اعادة فهم الحقيقة التي هي محض تاويل يريد ان يحتكر ويمارس الاكراه .

هذا المنهج الذي داع إليه في الغرب هابرماس هاهو يدرك وجوده عند سروش اذ كان هابرماس معجب بسروش وعبر عن هذا الاعجاب من خلال ألقى محاضرة رائعة في جامعة طهران.

أفكار تعبر عن حالة من الاغتراب تعيشها أجيال من المثقفون الذين يرون التحولات ودور الإنسان الفاعل فيها والذي دائما ما تسعا القراءات المهيمة ان نمارس الاقصاء بفرضها تاويلها بوصف الحقيقة مما جل الكثير من المثقفين يعيشون مشاعر متناقضة تتحمس الى تناج تاويل تحرري تحقق فيه فكرة بمقتضاها الإسلام المتحرر الذي يعيد اكتشاف البوصلة التي تدرك افق التغير الذي اكتنف عالمنا وما خلقة من قطائع فكرية مع حضارة شكلتنا وكونتنا بشكل جماعي وبالتالي لا يمكن ان نرفض المنجزات الجديدة للثقافة ونعود الى نمط من القراءة فقدت قدرتها على التواصل مع الواقع وبالتالي يغدو أمر مستحيل، والعودة لأسس الشريعة القديمة أو القراءة البشرية التي كانت تقرءا ضمن افقها التجربة الإسلامية وتتحاور معها نسخا وتوظيفا مما يضفي تأويلا معينا يتفق مع الحاجة القراءة والموظفة لفهمها للشريعة .

بالتالي ثمة حاجات جديدة الأجيال وقوى جديدة تريد أن يكون لها فرصة في المشاركة في إدارة الشائن العام وبالتالي ثمة حاجة إلى قراءة جديدة تعيد تأويل الأشياء والنص ضمن أفق القارئ

إذا ثمة حاجه إلى نمط جديد من القراءة التي لا تكتفي بتهيج الجماهير به تريد التأسيس لفضاء معرفي واجتماعي جديد يريد المشاركة في امتلاك الرأسمال الجمعي أي الدين وإعادة تأويله لكن هذه المرة سوى تجديد الإسلام من داخل الإسلام. . الثورة البروتستانية في الإسلام كما سمى هابرماز أفكار عبد الكريم سروش بحق، الذي امتك موقعا تحرريا في الثقافة الإسلامية شعبي من جهة والعالمة من جهة أخرى، لقد حاول وبقوة دمج مسارات الفلسفة الإسلامية مع فلسفة وعلم الاجتماع الغربيين، وقد لقبه الفلاسفة الغربيون ب" لوثر الإسلام" وبإرازموس الإسلام أيضا، كانت صيحته الشجاعة هي مصالحة الإسلام مع الأفكار الغربية الحديثة، ولاسيما الديمقراطية وحقوق الإنسان.. فلسفة سروش هي نصوص فذة ومختلطة بحقول متعددة في نسيج خطابي فكره وكتبه تجمع التاريخ مع الفلسفة مع العلوم مع تفسير القرآن مع الشعر الفارسي.. وهو أول من جعل من الشعر واسطة وميثادولوجيا في قراءة الظاهرات.. شيء من الهرميونطيقية. . والإيمانية. . والواقعية. . والشعرية في نص واحد."

يقدم لنا د. "عبد الكريم سروش" في كتابه المثير للجدل "العقل والحرية" أن معرفة الإنسان بشؤون دنياه قابلة للتغيير، فإن معرفته بشؤون دينه تتغير أيضاً. لهذا يرى ان "لا التشيع هو الإسلام الخالص، ولا التسنن، ولا الأشعرية هي الحق المطلق، ولا الاعتزال، لا الفقه المالكي، ولا الفقه الجعفري، ولا تفسير الفخر الرازي ولا تفسير الطباطبائي، لا الزيدية، ولا الوهابية، لا كافة المسلمين في معرفة الله وعبادته عارون وخالون من الشرك، ولا قاطبة المسيحيين إدراكهم الديني خال منه، كلا، بل لقد ملأت الدنيا الهويات غير الخالصة، فلم يتربع الحق في جهة من الجهات دون جهة أخرى لتكون باطلاً محضاً، وعندما نذعن لهذا الأمر فسوف يتسنى لنا هضم الكثيرة بشكل أفضل".

يحتوي كتابه "العقل والحرية" على ستة مقولات هامة تبحث في قضايا تتصل بالعقلانية والحرية والدين والنبوة، ففي "المقالة الأولى" يسلط الضوء على مقولتين "العقل والحرية" يبحث فيها بالموانع التي توضع في طريق الانفتاح على الحرية باسم الدين والتدنين بتوهم أن الحرية تتنافى مع الالتزام الديني، أو أن العقل البشري قاصر عن إدراك ملامحات الأحكام الشرعية.

فتبحث في طبيعة العلاقة والنسبة بين العلم والدين في مجال النزاع بين قضايا الدين ومعطيات الحضارة البشرية وما استجد من متغيرات في منظومة القيم والمفاهيم الجديدة، ويجيب على أسئلة تتصل بالهوية الدينية ومقولة العلمانية ويتعرض لبحث المتصوفة في مقولاتهم الثلاث: الشريعة والطريقة والحقيقة.

ويتناول دور النبي في حركة الحياة والمجتمع البشري، وأن الإيمان بالنبي هو ضرورة لا في دائرة القيم والمعارف الدينية بل في تفسير التجربة الدينية للإنسان المؤمن؟ وهنا فالنجاة والسعادة لا تتيسران إلا من خلال الإيمان بالنبي والسير على هداه، وتكون ممارسة الشعائر من أجل تقوية وترشيد التجربة الدينية، في وجدان الأفراد.

لهذا فهو يسلط الضوء على ماهية عمل الأنبياء في تغيير واقع الإنسان وكيانه الروحي، أي أن عمل الأنبياء ليس إرشادي فقط وإنما يتمحور في إيجاد تحول وجودي لا معرفي. وهذا هو مضمون قول أرباب المعرفة الدينية "أنا أؤمن لكي أفكر".

لهذا يقدم توصيف إلى عمل الأنبياء والبشر في واقع التاريخ البشري وهل أن مسيرة البشرية تتجه نحو الكمال أو الانحطاط؟ وهل نجح الأنباء في مهمتهم الرسالة، أم أن قوى الشر كانت أقوى منهم؟ ثمن انه يتناول الدين ويفرق بين أنماط الإيمان والتدين، فيقسمه إلى: إيمان مصلحي، ومعرفين وتجريبي، مع شرح مفصل لكل نمط من تلك الأنماط.

فهو هنا يتعامل مع فكرة الدين تعاملاً نقدياً وعقلانياً، لتغدو معها المعرفة الدينية متغيرة ومتجددة وبذلك يتجاوز الكاتب المعرفة الكلاسيكية الجامدة إلى معرفة متغيرة ونسبية تحتمل الخطأ والصواب.

تلك القراءة جاءت بعد سعيه الى التجديد والحوار مع الجديد إذ يتكلم عبد الكريم سروش في كتابه التراث والعلمانية عن المفكر بحيث لا ينحو منحنا أفلاطونيا وذلك من خلال رفضه للفيلسوف السلطوي . الرئيس لان مقعد المفكر معنوي فهو رئيس بفكره وعلمه وعندما تجد مواقفه مكانا في المحيط الاجتماعي وكذا السلطوي وهجرة المفكر التي يتحدث عنها عبد الكريم سروش ليست هجرة جغرافية فهي هجرة لا زمنية ولا مكانية بوصفها هجرة فكرية ابستملوجيا منهجية فهي هجرة المفكر لأفكاره وإيديولوجيته واطلاعه على معارف وأدوات غيره وانفتاحه عليها وتفاعله معها بغية إثراء رصيده وتقوية دلائله وفعلنا أحيانا.. . عليك أن تفقد ذاتك حتى تجدها،فا الهجرة سروشيا ليست تماهي بقدر ما هي بناء للذات حضاريا وهجرة المفكر قد تكون برانية أو جوانية ولا فائدة في الأولى إذا لم ترتبط بالثانية وحديث سروش قادني إلى طرح أسئلة معرفية من حيث المبنى ابستمولوجية من حيث المعنى وكلها تتعلق بالهجرة وفق دلالتها السروشية هل كانت هجرة مفكرينا استلابية واغترابية أم أنها معقلنة وممنهجة هجراتهم هل كانت من الأنا إلى الأنا أو من الأنا إلى الأخر وهل كان هناك انفتاح جوانى وبرانى معقول ومقبول ومعتدل وما لا يدرك كله لا يترك جله.

تلك الهجرة هي ارتحال لذات عبر الارتشاف من ينبوع المعرفة التي لا تتقيد بالعقل دون النص ولا بالنص دون العرفان أنها انفتاح لدلالة عبر تعدد التجليات الإلهية التي تجعل من التجربة الدينية تقوم على التعدد والتاريخية من هذه التجربة يبزغ العلم الذي هو بنظره (مجموعة من الآراء تتحاور وتتجادل بأنغام وايقاع خاص).

ثم انه يتناول إشكاليات معاصرة، يتخطى إطار الفهم التقليدي للدين، الذي ظل مسيطراً على الخطاب الكلاسيكي قروناً طويلة، إلى آفاق أكثر رحابة وقضايا أشد ارتباطاً بهموم الإنسان المعاصر والمجتمعات الإسلامية الحديثة وجوداً ونمط تفكير وأسلوب حياة.

وما يسبغ على هذه الموضوعات نكهتها الخاصة أنها تعبر عن قراءة معاصرة وعميقة للدين ومفاهميه ودوره وقدرته على استعياب المصطلحات الحديثة ذات المنشأ الغربي التي لم يألفها المسلمون من قبل ومنها: الحداثة والحريات العامة والمرأة والانتخاب والديمقراطية وحقوق الإنسان الخ..

ولعل من يتابع آراء الباحث الأكاديمي والمفكر د. عبد الكريم سروش يدرك ما يميز محاوراته وكتاباته من عمق وتمحيص وقدرة على الغوص وراء المعاني، ومدى اهتمامه بالدين من منطلق استجابته لحاجات المجتمعات الإسلامية إلى التطور وعدم الانغلاق أو الانحباس في قمقم التقليد والطقوسية الدينية التي كانت وراء تقهقر المسلمين وتخلفهم عن ركب العصر.

 1- الاهتمام بالعرفان

الذي اقصده من هذا العنوان ان الحفر بالفلسفة الدينية جاء من اهتمامه بل والنهمامه منذ البدء "العرفان "اهتمام جعل منه يرصد بعين العارف روح الشريعة وبالتالي جاءت تلك البداية رهينة اهتماماته التي تركة ضلها ممتد على كل تجاربه الروحية التي غدت هي الأخرى فيما النبع الذي يرتشف منه .

(يقول سروش عندما كنت في ريعان شبابي اطلعت على مصدرين في علم الأخلاق الإسلامي والسلوك العملي، الأول (جامع السعادات)، للملا مهدي النراقي والثاني كتاب (المراقبات في إعمال السنة) للميرزا جواد اقا ملكي التبريزي (لم اكتفي بقراءة كتاب المراقبات بل التهمته التهاما والى ألان عندما أتذكر هذا الكتاب تأخذني حالة من الهيبة والرهبة في أعماق وجودي، إذ أودع المؤلف المبدع نوعا من الأمل والرجاء في هذا الكتاب القيم ).

بعد هذه المقدمة هل يمكن أن نقول أن سروش خرج من عباءة العرفان والسلوك والتصوف الإسلامي، فاهتزت روحه اهتزازا عظيما قبل أن يهتز عقله، كيف لا وقد وقع سروش تحت مساقط ظل كلمات العارفين وأهل القلوب. ولكن يبقى السؤال قائما بشأن العلاقة بين القلب والعقل، بين إصلاح الروح وسمو العقل؟

وهل يمكن أن نجد تماهيا واضحا بين جرأة العارفين وأطروحات سروش في الإصلاح الديني وتفوق هذه الأطروحات؟ كيف لا وهو القائل (في عام 1972 عندما كنت عازما للذهاب إلى بريطانيا لإكمال الدراسة الجامعية اصطحبت معي أربعة كتب: الإسفار الأربعة(العقلية)لصدر الدين الشيرازي، والمحجة البيضاء للملا محسن فيض الكاشاني، والمثنوي المعنوي لجلال الدين البلخي ــ الرومي،وديوان شمس الدين محمد حافظ الشيرازي، الأول كان غذاء لعقلي والأخريات كن غذاء لروحي) وعلى الرغم من وجود سروش في لجة الغرب وفكره وحضارته؛ إلا انه كان متسلحا بحكمة الشرق وعقله وروحانيته بمواجهة مادية الحضارة الغربية،وكان الغزالي حاضرا بكتابه (إحياء علوم الدين) ولكن لسروش موقف من الغزالي،اذ يقول سروش (لا يمكن المقارنة بين حرارة ولهيب (مولوي) وبرودة ولطافة الغزالي، كنت افر من حرارة مولوي الى برودة الغزالي.. شاهدت جرح روح الغزالي لشدة خوفه من سوء العاقبة. . وبسبب الجراح الكثيرة في مواقع الفكر الغزالي لا يمكن مشاهدة بسمة واحدة في أجواء هذا الفكر،كانت جروحه تبتسم بدلا عنه، الغزالي العارف الخائف وصاحب الروح الجريحة يملك هيبة لاتطاق، اله الغزالي عبوس يملك قلبا من حجر، غضبه غالب على عطفه وقهره على رحمته، كنت ابحث عن اله رحمن رحيم، له قلب واسع، لا حدود له، وجدت هذا الإله عند مولوي، وجدت مولوي العارف العاشق الذي يحلق في سماء الوجدان وأجواء العشق وآفاق الحب.

2 - البعد النقدي في فهم الدين

بالجرأة والجدة المعرفية كما يرى السيد احمد القبانجي(فالقول بان المعرفة الدينية معرفة متغيرة ونسبية وتحتمل الخطأ والتناقض، أو بشرية وتاريخية، وان الوحي والرسالة تابعان لشخصية النبي، يخالف الرأي السائد لدى أكثرية علماء الإسلام الذين يرون أن معارفهم الدينية هي معلومات صادقة وتامة،بقدر ما هي صحيحة وضرورية من حيث علاقتها بالأصل والنص، مما يجعل كل فريق يدعي أن فهمه للإسلام هو الفهم الأصولي الصحيح، وان خطه هو الخط المستقيم، مستبعدا بذلك سواه من حظيرة الإسلام او من دائرة الإيمان.

يرى سروش أن الفقهاء ما لم يجتهدوا في دائرة المباني والأصول ويطرحوا معرفة جديدة في إطار علوم الانسنة والوجود فأنهم لا يتمكنون من الاستجابة لتحديات الواقع وحاجات المجتمع البشري المعاصر. لان الفقه الكامل لا يوجد على سطح الأرض بل هو عند الله،ولكن علم الفقه علم بشري، وكل العلوم البشرية تتحرك في صراط التكامل.

ولعل هذا التصور وان كان يبدو علمي الا انه محض ميتافيزيقا أي انه انطلق في معظم أطروحته من التصور الكانتي للمعرفة بمقولاتها القبلية ومقولاتها البعدية فجعل المعرفة الدينية تنقسم إلى تنقسم كاملة وأخرى تاريخية أي انه اعتمد تقسيم "كانت" بين الشيء في ذاته الذي هو مجرد ميتافيزيقا والشيء لذاته حتى يبدو وكأنه لا ينتقد الدين في حين هو يحوله إلى محض ميتافيزيقا خارج حدود العلم تهربا من الاتهام،في حين يستفيد من هذا يمارس نقده الشديد لكل القراءات الدينية من خلال قوله: اذ كانت كل المعرفة الإنسانية عن الدين معرضة للخطأ، فلا أحد يمكنه أن يطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية باسم الله، ولا حتى رجال الدين. يوضح سروش في "بسط التجربة النبوية" أن رؤيته لعدم معصومية المعرفة الدينية تنطبق إلى حد ما أيضا على القرآن. فهو ينتمي، مع مفكرين من أمثال نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون، إلى مجموعة صغيرة من القراءات الراديكاليين تدعو إلى مقاربة تاريخية للقرآن. وان كان يعتمد على بالبعد ألعرفاني والخلفية الاعتزالية إلا انه ينتمي إلى التصورات المعاصرة بكل عدميتها وان كان يعمل على تبيئتها، وكأنها عرفا نية وحتى هذا يعود إلى هيك الذي كان يشير إلى النصوص العرفانية، إلا أن سروش في كتابه الجديد يخطو خطوة أبعد من كثير من زملائه الراديكاليين. بل انه يحدد لدين إبعاد دنيوية محدده وان كان يشير إلى البعد الروحي والتجربة الإيمانية؛ إلا انه يحدد وظيفة الدين بكونه( الغاية من الدين هي تعليم الناس على النظافة والالتزام بالقيم الاخلاقية والتحرك في خط العدل وأمثال ذلك وبذلك تكون الحياة الدنيا عامرة وسعيدة، أي يكون الدين خادما والحياة الدنيا مخدومة، وهذا هو معنى الدين العلماني) نعم الدين مهتم بالحياة لكن فقط هذه وظيفته فقط انه يحاول تحجيم وظيفة الدين فهو لا يدعي هذا فقط بل أن القرآن نتاج للظروف التاريخية التي نشأ فيها، بل هو نتاج أيضا لروح النبي محمد بكل محدوديته البشرية. هذه الفكرة ليست جديدة، حسب سروش، لأن مفكرين عديدين في القرون الوسطى لمحوا إلى ذلك من قبل. وهذه استعاره أخرى أيضا مضلله فهو ينطلق من اللادرية والنسبية الغربية ويتمركز حول مقولاتهم في تاريخية القراءة الدينية ويتخذ من التجربة بمعياريتها التي طرحتها الليبرالية عند جون هيك والقراءات العدمية التي تعامل مع الواقع الدينية من خلال كونها محض تجربة دينية وهنا تظهر المشتركات بين أركون ونصر حامد من خلال تعاملهم التاريخي ألعدمي مع النص المقدس وهو امتداد للقراءات الاستشراقية ذات الإرث العلماني ألعدمي ولعل هذا يظهر بوضوح في هذا اللقاء مع سروش يمكن أن نركز على ابرز أرائه من خلال الحوار التالي:

- كيف يمكننا في عالمنا المعاصر المحرر من السحر أن نفهم شيئا مثل الوحي؟

’الوحي" هو "الإلهام". هو نفس التجربة التي يخضع لها الشعراء والمتصوفة. الاختلاف هو أن الأنبياء يقفون فيه في مستوى أعلى. وفي عصرنا الحديث يمكننا فهم الوحي على الأرجح عن طريق مقارنتنا إياه مع الشعر. قال فيلسوف مسلم ذات مرة أن الوحي شعر من نوع أسمى. فهو مصدر للمعرفة يعمل بشكل يختلف عن الفلسفة أو العلم. يشعر الشاعر أنه يتلقى الزاد من مصدر خارجي عنه. يشعر أنه يتلقى شيئا ما. فالشعر، مثل الوحي، موهبة. قد يفتح الشاعر آفاقا جديدة ويجعل الناس ينظرون إلى العالم بطريقة مختلفة .. ’النبي يشعر، مثله في ذلك مثل الشاعر، أنه يُمسـَك به من قبل قوة خارجية عنه. ولكن في الواقع - أو بالأحرى في الوقت نفسه – يكون هو الخالق والمنتج. هنا في هذا الحوار الذي عرضنا إلى أجزاء هامه منه يكشف الموقف النقدي له من فهمه لتجربة النبوية والنص وهي مواقف تظهر في بسط التجربة النبوية .

-  تم –

 

د. عامر عبد زيد الوائلي