محمود محمد علي(نماذج من علوم الفيزياء)

نعود ونكمل حديثنا عن تجليات تجارب الفكر في تاريخ العلم، حيث يمكن القول: لقد لعبت تجارب الفكر،ولأكثر من مرة دوراً نقدياً هاماً في تطور العلم الفيزيائي . ويجدر بالمؤرخ، علي أقل تقدير، أن يتعرف عليها بوصفها أداة فعالة في بعض الأحيان لزيادة فهم الإنسان للطبيعة . ومع ذلك، فليس من الواضح تماماً كيف صار لها مثل هذه التأثيرات الهامة . فهي تتعامل غالباً مع مواقف لم تفحص في المعمل.

وهناك العديد من التجارب الفكرية التي قام بها العلماء والفلاسفة علي مر الزمن،منها تجربة سقوط الأجسام عند جاليلو وكذلك تجربته في السفينة Galileo`s ship،وتجربة تفاحة نيوتن Newton Bucket، وتجربة قطار أينشتين Einstein Elevator المنطلق بسرعة الضوء والتي تنعت بتجربة "البرق والقطار"، وتجربة عفريت ماكسويل Maxwell`s Demon ، وتجربة قطة شرودنجر Schrodiner`s cat، والتجربة المتخيلة التي افترضها أينشتين وبودولسكي وروسن والتي تسمي EPR paradox، علاوة علي بعض التجارب الفكرية التي أقامها بعض أصحاب ميكانيكا الكم، مثل تجربة GHZ experiment ، وتجربة Quantum Suicide، وتجربة Wigner`s Friend ، علاوة علي أن هناك تجارب فكرية حدثت في الفلسفة اليونانية مثل تجربة Plato`s Theory of refraction، وتجربة Zeno`s paradoxes، ثم هناك تجارب فكرية أدخلها بعض المتخصصين في فلسفة العقل مثل تجربة Swamp man التي نادي بها دافيدسون، وتجربة كواين عن  " دعوي اللاتحديد في الترجمة "، وتجربة الحجرة الصينية Chinese room التي قال بها جون سيرل، وتجربة Mary`s room"  حجرة ماري"، وتجربة" الأرض التوأئمية Twin Earth thought experiment التي نادي بها هيلاري بوتنام، كذلك تجربة الأخري وهي تجربة العقل في قارورة  Brain-in-a-vat . علاوة علي تجارب أخري لم نذكرها هنا وتوجد في الكتابات الواردة عن تجارب الفكر، ويطول بنا السرد إذا ما تكلمنا عن تلك التجارب، ونقتصر علي ذكر أمثله منها، ونذكر من تلك التجارب الفكرية سبعة تجارب ؛ أربعة في العلوم الفيزيائية مثل تجربة سقوط الأجسام لجاليليو، وتجربة البرق والقطار لأينشتين وتجربة قطة شرودنجر وتجربة عفريت ماكسوي، وفي فلسفة العقل نذكر نسرد أربعة تجارب أيضاً وهي،  تجربة كواين " دعوي اللاتحديد في الترجمة "، وتجربة الحجرة الصينية لسيرل، وتجربة الأرض التوأئمية لبوتنام:-

أ-: أهم تجارب الفكر في العلوم الفيزيائية:

1- تجربة سقوط الأجسام لجاليليو:

ونبدأ بتجربة جاليليو في سقوط الأجسام، فقد حاول جاليليو Galileo Galilei  (1564-1642)، أن يثبت بطلان رأي أرسطو في أن الأجسام تسقط نحو الأرض بسرعة تنتاسب ووزانها . وقد أثبت جاليليو في تجربة فكرية علي أنها جميعاً تسقط في وقت واحد إذا منعت عنها مقاومة الهواء . ولما لم يصدقه معاصروه جمع رجال جامعة "بيزا" وصعد إلي قمة برجها المائل، وأجري أمامهم تجربة دلت علي صدق زعمه.

وهنا قد يتساءل القارئ وما قصة التجربة الشهيرة التي ألقي فيها جاليليو كرتين مختلفتين في القدر والوزن من قمة برج "بيزا "المائل ؟ لعله ألقي فعلاً في مكان ما وفي وقت ما وزنين مختلفين ووجد أن تنبؤات أرسطو القائلة بوجود اختلاف كبير في لحظة وصول كل منهما إلي الأرض، غير حقيقية .

وتصور لنا الفقرات الآتية من كتاب جاليليو " حوارات حول النظامين الرئيسيين للكون النظام البطلميوسي والنظام الكوبرنيقي "، الذي نشر عام 1632، في فلورنسا، الموقف تصويراً واضحاً . وقد اقتفي جاليليو كتاب قدماء الأغريق في إخراج كتابه علي صورة حديث بين ثلاثة أشخاص من فينيسيا مدينة العجائب: سالفياتس الذي يأخذ دور المؤلف نفسه، وساجريدس وهو من العامة الأذكياء، وسمبليسيوس الذي لا يتوافر له الفهم الكافي لمدرسة أرسطو التي يمثلها ؛ وهاك الحديث الذي دار بينهم في الحركة حول دراسة علاقة السرعة التي يكتسبها الجسم إذا تحرك إلي أسفل مستوي مائل، بالسرعة التي يكتسبها إذا هوي رأسياً إلي أسفل  .

وفي بداية اليوم الأول في محاورة جاليليو المتعلقة بنظامين رئيسيين للعالم، إذ يسأل سالفياني الذي يتحدث نيابة عن جاليليو، محاوريه أن يتخيلوا سطحين مستويين، السطح الأول ج ب عمودياً، والسطح ج أ مائلاً، ومقام علي نفس المسافة العمودية سطحاً أفقياً أ ب . وحتي يساعد سالفياني محاوريه علي التخيل رسم رسماً تخطيطياً يفيد ذلك . وعلي إمتداد هذين السطحين تخيل جسمين ينزلقان أو يتدحرجان دون احتكاك من نقطة بداية مشتركة في ج . وأخيراً يسأل سالفياني محاوريه أن يسلما بأنه عندما يصل الجسمان المنزلقان إلي أ أو ب علي التوالي سيكونان قد اكتسبا نفس كمية التحرك، أي السرعة الضرورية لايصالهما مرة أخري إلي الارتفاع العمودي الذي بدأ منه . وبتلبية ذلك الطلب أيضاً، يتقدم سالفياني فيسأل المشاركان في الحوار أياً من الجسمين يتحرك أسرع . ودافعه إلي ذلك هو أن يجعلهما يدركان أنه باستخدام مفهوم السرعة الجارية حينئذ، فبالإمكان ارغامهما علي الاعتراف بأن الحركة علي طول العمود يمكن أن تكون أسرع لحظياً من، ومساوية في السرعة لـ  وأبطأ من الحركة علي الطول المائل . أما دافعه الأبعد فهو أن يجعل محاوريه وقراءه يتحققون من تأثير هذه المحالية، في أن السرعة لا ينبغي أن تعزي إلي الحركة كلها " .

لقد وصل جاليليو إلي آرائه المتعلقة بعلم الفيزياء عن طريق التفكير، عن طريق التدليل السليم والرياضيات لا عن طريق الاستنباط من التجارب . لقد كتب الكلمات التالية في أثناء وجوده في بيزا قبل ذهابه إلي بادوا: " غير أننا كالعهد بنا دائماً، نستخدم أكثر مما نستخدم الأمثلة (ذلك أننا نبحث وراء أسباب الآثار التي نراها، والتجارب لا تكشف هذه الأسباب ) . كان جاليليو يركن إلي استخدام ما يمكن أن نسميه " التجارب الفكرية "، وذلك بأن يتصور النتائج أكثر مما يشاهدها مباشرة .

وهو عندما يصف حركة الكرة الساقطة من قمة قلع المركب المتحرك في " حوار حول النظامين ..." يجعل سمبليسو الأرسطي يسأله هل قام بتجربة ما ليتحقق من ذلك، ويبادر جاليليو بالإجابة التالية: " كلا، لست في حاجة إلي تجربة فإنني أستطيع بدونها أن أؤكد أن الأمر كذلك لأنه لا يمكن أن يكون غير ذلك" .

ويمكن أن نوضح ذلك بتفصيل أكثر من خلال الحوار الذي جري بين سالفياتي وسيمبليسيكو، حيث يقول جاليليو:-

سالفياتي: والآن فلتقولوا لي: لو أن الحجر الساقط من قمة الشراع عندما تكون السفينة مسرعة في الحركة قد وصل إلي نفس الموضع الذي يصل إليه في حالة سكونها،فإي قيمة تأخذها هذه التجربة بالنسبة للسؤال حول سكون أو حركة السفينة ؟

سيمبليسو: لا قيمة إطلاقاً، تماماً مثلما أن دقات النبض لا تقرر ما إذا كان الإنسان نائماً أم مستيقظاً، وذلك لأن النبض يدق بنفس الطريقة في الحالتين .

سالفياتي: تماماً جداً . هل قمتم بإجراء التجربة في حالة السفينة .

سيمبليسيو: إنني لم أقم بها، ولكنني أعتقد أن المؤلفين الذين ذكروهما قد قاموا بها بعناية تامة . وفوق ذلك فإن سبب الاختلاف في الموضع يوجد بوضوح بين أيدينا بحيث لا يكون هناك مجال للشك .

سالفياتي: إنكم أنفسكم تمثلون في الواقع شاهد عيان علي أن هؤلاء المؤلفين قد ذكروا التجربة دون القيام بإجرائها فعلاً . وذلك لأنكم تذكرون أقوالهم بكل ثقة دون أن تقوموا شخصياً بعمل التجربة، وقد اعتمدتم بقلب صاف علي أقوالهم . كذلك فمن المحتمل، بل ومن الضروري أن يكون هؤلاء المؤلفون قد تعرفوا مثلكم، أي أنهم قد اعتمدوا علي أقوالهم علي مؤلفين سابقين دون أن يخطر ببال أحدهم القيام بإجراء التجربة فعلاً، لأن كل من يفعل هذا سيصل إلي نتيجة عكسية تماماً لما كتب . إن المرء سيجد أن الحجر يصل دائما إلي نفس الموضع، سواء أكانت السفينة ساكنة أم متحركة باي سرعة وبما أنه ينبغي علي الرض والسفينة إظهار نفس التصرف، فإن السقوط الراسي للحجر عند قدم البرج لا يمكن أن يؤدي إلي نتيجة محددة بصدد حركة أو سكون الأرض .

سيمبليسيو: لو لم توجهوا نظري إلي طريقة التجربة، فإن حديثنا المتبادل سوف لا ينتهي قريباً، ذلك أن هذه القضية – تبدو لي بعيدة عن التأملات الإنسانية بحيث لا يستطيع أحد هنا التجرؤ علي اعتقاد شئ معين أو تخمينة .

سالفياتي: ومع ذلك فإني أتجرأ علي القيام بهذا .

سيمبلسيو: إنكم لم تقوموا بإجراء التجربة مائة مرة، بل حتي لم تقوموا بإجرائها مرة واحدة . ومع ذلك فأنتم متأكدون من نجاح ما تقولونه، إنني أعود الآن إلي عدم اعتقادي وإلي اقتناعي الابتدائي بأن المؤلفين الرئيسين الذين ذكروا التجربة قد قاموا بها فعلاً، وذلك بالنجاح الذي ذكروه .

سالفياتي: إنني متأكد دون تجربة ان النتيجة ستكون هكذا كما قلت لكم وذلك لأنها لا بد وأن تكون هكذا . بل إنني أزعم أكثر من هذا إنكم أيضاً تعرفون بأنفسكم أن النتيجة لا يمكن أن تكون سوي ذلك حتي لو كنتم تتصرفون – شعورياً أو لا شعورياً – كما لو كنتم لا تعرفون هذا.

وقد تعمدت ذكر هذا النص بالتفصيل لإثبات مدي اهتمام جاليليو بتجربة الفكر حين يتعذر القيام بالتجربة المعملية، وأنه لكي نؤدي تجربة فكر يكون ذلك من خلال عقل، هذا العقل يقوم بسيناريو متخيل يهدف إلي إثبات أو تأكيد فرض ما أو نظرية .

2- تجربة البرق والقطار لأينشتين:

حين أقام أينشتين نظريته في النسبية، أكد أن الحركة النسبية بين جسمين تقتضي في بعض صورها أن يكون أحد الجسمين متحركاً بفعل التحريك، والاخر ليس معرضاً لنفس مقدار فعل التحريك، في حين أن النسبية تجعل المتغيرات جراء الحركة واقعة بمقدار واحد في الجسمين جميعاً في كافة صور الحركة النسبية بينهما .

ولهذا أقام أينشتين نظرية النسبية علي فرضين: -

1- الفرض الأول: وينص علي أنه لا يمكن تحديد حالة الجسم، إن كان ساكناً أو يتحرك حركة مستقيمة منتظمة، من خلال تجارب ميكانيكية أو كهربائية أو ضوئية تجري فيه، لأن قوانين الطبيعة تبقي هي هي في كل المراجع التي يتحرك أحدها بالنسبة لآخر حركة مستقيمة منتظمة .

2- الفرض الثاني: وينص علي أن الأثير فرض لا مبرر لوجوده، وسرعة الضوء ثابتة في الخلاء، سواء أكان المنبع الضوئي ساكناً أم متحركاً، وسواء أكان الراصد ساكناً أم متحركاً .

ونجد أن اجتماع هذين الفرضين لا يمكن أن يتحقق ما لم يحدث تغييرات جذرية لبعض المبادئ الأساسية في المفاهيم العلمية السائدة والمعمول بها، وهذا ما دفع بأينشتين إلي ابتكار تجارب فكرية لتقرير وتثبيت المفاهيم الجديدة التي ينطوي عليها هذان الفرضان مجتمعين . وما كان العلماء آنئذ ليلتقوا إلي شئ من ذلك، لو لم يكن أينشتين منطلقاً في وضع واستنتاج كافة ما جاء به في نظريته من خلال نتائج تجربة ميكلسون مورلي علناً أو ضمناً .

وعندما نظر أينشتين إلي ذلك كله بدا له أنه، لما كانت تجربة ميكلسون مورلي التي أقيمت لإثبات حركة الأرض بدلالة الأثير الساكن، دلت علي أن حركة الضوء لا تصلح لإثبات حركة الأ{ض المنتظمة، فهذا يعني إثبات الفرض الأول للنسبية .كما بدا له،أن حركة الأرض لا تؤثر في حركة الضوء، أي لا يتغير مقدار حركة الضوء بالنسبة للأرض في حركتها بدلالة الشمس، فلو افترضنا عدم وجود الأثير، وهذا يعني عدم وجود التيار الذي يؤثر في حركة الضوء، لحصلنا علي النتيجة نفسها، مع افتراض التقلص بإتجاه الحركة . فلما كانت التجربة التي أقيمت علي الأرض المتحركة، أظهرت عدم تأثر حركة الضوء بحركة الأرض، فإن الأثير فرض لا مبرر له كما أبان الفرض الثاني للنسبي.

وللموائمة بين هذين الفرضين ودمجهما في بوتقة واحدة، وتقرير ما ينتج عنهما من مفاهيم جديدة، وضع أينشتين التجربة الفكرية الشهيرة (ضربتي البرق والقطار ) التي أوجزها في  التالي:

لنتخيل مراقباً يجلس في محطة القطارات في منتصف قطعة مستقيمة (أب) يحمل معه مرآتين تعكسان له ما يحدث في (أ) و (ب) دون أن يحرك رأسه . ولنفرض قطاراً يتحرك يتحرك حركة مستقيمة منتظمة بموازاة القطعة (أب) سرعتها (سر) ويجلس مراقب في منتصفه يحمل مرآتين تعكسان له أيضاً ما يجري في (أ) و(ب) في وقت واحد بالنسبة للمراقب في المحطة، وذلك لحظة وصول المراقب في القطار إلي محاذاة المراقب في المحطة، فهل سيسجل المراقب في المحطة؟ الجواب لا، لن يسجل ذلك، لأنه إذا افترضنا أن القطار كان يتحرك مقترباً من (ب) ومبتعداً عن (أ)، فإن الإشارة القادمة من (ب) تصل إليه قبل القادمة من (أ) فتكون الحادثتان المتواقتتان ( تحدثان في وقت واحد) بالنسبة للمراقب في المحطة، غير متواقتتين (تسبق إحداهما الأخري) بالنسبة للمراقب في القطار .

وكذلك لو افترضنا أن ضربتي البرق وقعتا داخل القطار، احداهما في مقدمته والأخري في مؤخرته، في وقت واحد بالنسبة للمراقب في القطار لحظة محاذاته للمراقب في المحطة، فإن المراقب في القطار سيسجل وقوعهما في وقت واحد، في حين أن المراقب في المحطة لن يسجل وقوع الحادثتين في وقت واحد . فتكون الحادثتان المتواقتتان بالنسبة للمراقب في القطار، غير متواقتتين بالنسبة للمراقب في المحطة .وفي هذا دليل واضح علي أن التواقت نسبي وليس مطلقاً ( أي: أن لكل جملة حركية زمناً خاصاً بها .

ومن هنا يخلص أينشتين من تلك التجربة الفكرية ، إلي  أن الزمن نسبي ويعتمد على محاور إسناد المراقب بالنسبة للحدث كما وان المراقب المتحرك بسرعة قريبة من سرعة الضوء بالنسبة للحدث يجد أن الزمن المقاس يتباطأ عنه بالنسبة للمراقب الثابت بالنسبة للحدث. وهذا يعود إلى الفرضية الثانية للنظرية النسبية في ثبات سرعة الضوء في كافة الاتجاهات.

3- تجربة قطة شرودنجر:

هي تجربة فكرية قدمها الفيزيائي النظري النمساوي " إرفين شرودنجر"، ليبين فيها المشاكل التي رآها بتفسير كوبنهاجن وتأثير الوعي الإنساني في عملية الرصد والقياس الفيزيائي خصوصا في الحالات الكمومية. تخيل شرودنجر تجربة فكرية تم فيها حبس قطة داخل صندوق مزود بغطاء, وكان مع القطة عداد " جيجر"، وكمية ضئيلة من مادة مشعة بحيث يكون احتمال تحلل ذرة واحدة خلال ساعة ممكنا. إذا تحللت ذرة فان عداد جيجر سوف يطرق مطرقة تكسر بدورها زجاجة تحتوي حامض الهدروسيانيك الذي يسيل ويقتل القطة فوراً. والآن يقف المشاهد أمام الصندوق المغلق ويريد معرفة هل القطة حية أم ميتة ؟ (من وجهة نظر ميكانيكا الكم، توجد القطة بعد مرور الساعة في حالة مركبة من الحياة والموت). وعندما يفتح المشاهد الصندوق يري القطة إما ميتة أو حية وهذا ما نتوقعه في حياتنا اليومية، ولا نعرف حالة تراكب بين الحياة والموت. تنطبق ميكانيكا الكم فقط على الجسيمات الأولية والذرات، وهي تصف هذا العالم الصغير بدقة لم تستطيعها الميكانيكا الكلاسيكية التي كانت معروفة قبل ابتكار ميكانيكا الكم عام 1923 - 1929. وتعتمد ميكانيكا الكم على وصف الجسيمات وحركتها بدوال موجية. ولدراسة نظام يحتوي على جسمين أو ثلاث، تفترض ميكانيكا الكم دوالا مختلفة لحالات يمكن للنظام أن يتخذها. وتفترض أن تلك الدوال الموجية عبارة عن تراكب مجموع الدوال الموجية لجسيمات النظام. وتعبر عن الحالات التي يمكن للنظام اتخاذها باحتمال تواجد كل منها. وتعرض هذا المنطلق لميكانيكا الكم لنقد كبير وقت ابتكار النظرية، ولا نعرف تماما عما إذا كان شرودنجر يريد بيان انطباق ميكانيكا الكم أيضا على الأجسام الكبيرة (القطة) بفكرته هذه، أم أراد القول بعكس ذلك. فبتطبيق ميكانيكا الكم على نطام يجمع الذرة(جسيم صغير) والقطة (جسم كبير) تفترض ميكانيكا الكم تراكب موجتين: الأولى (الذرة لا تتحلل /القطة حية) والدالة الموجية للحالة الأخرى (الذرة تتحلل /القطة ميتة). وتقول أنه في لحطة فتح الصندوق والمشاهدة تنخزل تلك الحالة المتراكبة فورا، فنري القطة إما حية وإما ميتة. من العلماء الذين رفضوا ميكانيكا الكم وحلولها التي تنتج احتمالات كان أينشتاين الذي أعطى مثالا آخرا في هذا الصدد. وتساءل عن الدالة الموجية التي من المفروض أن تصف منظومة حفنة من البارود بأنها في حالتي تراكب متساويتين، أحداهما البارود السليم والأخرى الإنفجار، وكيف يمكن لهذان أن يجتمعان في تراكب واحد ؟ وظل أينشتاين حتى وفاته يرفض ميكانيكا الكم. ولكن كما قلنا أعلاه لم تستطع الميكانيكا الكلاسيكية حل معضلة تركيب الذرة واستطاعت ميكانيكا الكم ذلك، وفسرت ميكانيكا الكم الطيف الصادر عن الهيدروجين تفسيرا كاملا لم تستطيعه أي نظرية أخرى. ولا يقتصر نجاح ميكانيكا الكم فقط على تفسير الذرة بل أيضا تفسير تركيب الجزيئات والنشاظ الإشعاعي وتحلل ألفا وتحلل بيتا وظاهرة الموصلات الفائقة. ويروى عن ستيفن هوكنج أنه قال:" إذا جاء إليّّ أحد وأراد ذكر قطة شرودنجر فسأرفع عليه بندقيتي !!". موضوع التراكب معروف بالنسبة للذرات، أما بالنسبة للقطة، فإذا نظر ملاحظ خارجي إلى الصندوق بعد انقضاء الساعة فإنه سيجد إحدى النتيجتين: القطة ميتة، أو حية.

لا توجد ملاحظة فيزيائية لجسم كبير معروفة تناظر حالة التراكب، أي أن حالة التراكب ليست حالة مميزة أو ذاتية لأي كمية واقعية يمكن تخيلها ورصدها. ذلك أن الملاحظ لا يستطيع سوى التفريق بين حياة أو موت القطة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد عليتجربة الفكر Thought Experiment بصفة عامة هي طريقة يمارسها العلماء والفلاسفة وغيرهم لاختبار فرض معين عن طريق تخيل موقف ما وما يقال فيه، ويرجع مفهوم تلك التجربة إلي العالم الفيزيائي الدنماركي هانز كرستيان أورستيد Hans Christian Ørsted،  الذي استخدم لأول مرة كلمة " تجربة فكرية " سنة 1812، تحت المسمي الألماني mit Gedanken experimentieren ، والذي يقابل المسمي الإنجليزي experiment with thoughts ؛ أي التجربة من خلال الفكر .

بيد أن تجربة الفكر ارتبطت بشكل رائج بالفيزيائي والفيلسوف النمسوي "إرنست ماخ" في نهاية القرن التاسع عشر، وذلك في مقالته الشهيرة التي نشرها بالألمانية سنة 1897، تحت عنوان  Gedankenexperiment، أي تجربة فكر ؛ حيث أن الـ Gedanken بالألمانية تعني الفكر أو الذهن أو المتخيل، والـ experiment أي تجربة ؛ وهنا دمج ماخ الكلمتين في كلمة واحدة لتفيد تجربة الفكر .

ولذلك فإن الـ " Gedankenexperiment " هو مصطلح مركب من اللغة اللاتينية واللغة الألمانية، والذي تعني في اللغة الانجليزية Thought Experiment ، فقد نظر إليها علي أنها تمثل جزء مهم من مراجعته وتنقيحه للميكانيكا، وهو المجال الأكثر تَأسيساً للمعرفةِ الفيزيائية في ذلك الوقت. إن تجربة الفكر قد أعانت ماخ علي تَزويد الميكانيكا بأساس تجريب (بدلاً من الأساس الغيبي) .

إذن مصطلح " تجربة الفكر" يمثل تكنيك مميز للبحث العلمي، وهذا التكنيك يمثل نظير عقـلي   a mental analogue للتجربة الفيزيائية التي أطلق عليها لقب  Gedankenexperiment . وهذا التكنيك قد لعب دور رئيسي في تاريخ العلم - وبالأخص علم الفيزياء؛ فقد مارسه بشكل عظيم كل من أرسطو وجاليليو وأينشتين وغيره من العلماء.

وبعد ظهور مقالة " ماخ " عن " تجارب الفكر " سنة 1897م، أخذ مصطلح " تجربة الفكر" Thought Experiment  ينتشر في أدبيات الدوائر العلمية ؛ حيث وجدنا عدد كبير من العلماء والفلاسفة والمفكرين، يقبلون بشغف للكشف عن معناها وأهميتها في مضمار البحث العلمي؛ فنجد مثلاً الباحث " اجيل جاليلي "  Igal Galiliيقول أن :" تجربة الفكر هي أداة علمية مميزة تتوسط بين النظرية والتجربة من خلال المحاكاة العقلية mental simulation . إن توضيح معني لتجربة الفكر يتطلب تعلم العلم .وسنتابع الأحداث التي لها العلائقية خلال تاريخ العلم الذي يولي عناية للقيمة الابستمولوجية للنشاط المنجز .وتعريف تجربة الفكر هي مقترحة واستعمال تحليلي يبرز الاختلاف التصوري الثنائي الأبعاد ؛ ولكن الباحث " إرفين " Irvine  في وصفه لقيمةِ تجاربِ الفكرِ في علومِ الفيزياء قال :"إن تجارب الفكر تفهم علي أنها حجج تتعلق بأحداث افتراضية معيّنة أَو حالات  لشئون .

بينما ذهب الباحث " أثانيسيس فيلينزاس " Athanasios Velentzas وآخرون إلي أن " تجارب الفكر تعد عنصر مكمل للتفكير العلمي، فهي تشكل واحدة من الأدوات التصورية من خلال دراسة العلماء للعالم الفيزيائي . وكذلك في تعلم العلم فهي تعد مهمة لطلاب العلم الذين يحلمون بأن يكون لهم دور في بناء العلم . وبهذه الطريقة فإن الطلاب سيصبحونَ علي ألفة بأحد الأدواتِ الرئيسية للفكرِ العلميِ كما أنهم قَد يفهمونَ جيدا المفاهيمِ المجردة لنظريات الفيزياء" .

أما الباحث " ميرامريبر" و" ليورم بورك" Miriamreeiber and Liorm.Burk فقد رأوا أن تجارب الفكر لعبت دوراً مهما في الفيزياء الحديثة، هذا الدورِ ينطلق في الغالب من الفيزياءِ المعاصرةِ في الأنظمةِ بعيدة المنالِ، والتي يصعب تحقيقها في التجاربِ الحاليةِ، مثل فيزياءِ مِقياسِ بلانك .. على الرغم مِن أنها تمثل الأداة التي لا يمكن أن يستغني عنها الفيزيائيين، ولكن تجارب الفكر تمثل الثمار ليس فقط للظاهرة الفيزيائية، ولكن أيضاً خيالِنا وإجحافنا يعد أكثر خطورة. وهذا الخطر سائد لدرجة أكبر بالنسبة للطلابِ.بينما الفيزيائين يشيدون تجاربهم المتخيلة طبقا للفيزياءِ التقليديةِ المتماسكة، والمتعلمون السذج، فقط بدأ مؤخراً في الفيزياء الاهتمام بإكار الفكر.

بيد أن الباحث "ك.ف فيلكز " Wilkes K.V." يؤكد أن " تجارب الفكر تمثل غزواتَ الخيالِ. . . لبيان أن الإطروحة الفلسفية معقولةُ أَو غير قابلة للتّصديقُ.. الذي يَطِيعُ العديد مِن القيودِ على التجريبِ "

كما ذهب الباحث "ج. براون" Brown G.، بأن تجارب الفكر تنجز في معمل الذهن، حيث يصبح تجريب الفكر هو عملية تستخدم لمواقف متخيلة imaginary situations تعيينا علي فهم طريقة الأشياء فهما حقيقياً، والفهم يأتي من خلال انعكاس علي هذا الموقف المتخيل . تجريب الفكر قبلي ؛ وبالأحري عملية تجريبية تعول علي أن التجارب تجري ضمن الخيال ( وكما يقول براون ) علي أنه يمثل معمل الذهن، وهذا المعمل لا يجري مطلقا في الواقع لأنها تعتمد علي الخيال .

وبالتالي تجري التجربة الفكرية " بالخيال القائم علي استنتاجات بعينها بغض النظر عن الصعوبات العلمية التي تحول دون إجرائها الفعلي" ؛ وذلك لكونها تهدف إلي إعطاءنا معرفة قبلية للعالم الطبيعي ؛ علاوة علي أن "الإنسان والطبيعة طرفان لجسر واحد، وما الأجهزة العلمية إلا وسائط نقل لعبور هذا الجسر، تارة تبدأ من الطبيعة نحو الإنسان، وتارة تبدأ من الفكر نحو الطبيعة مكونة الجزء المهم في التجربة العلمية الحديثة، ولكن هناك تجارب فكرية ليست لها أجهزة كما في التجارب الفكرية التي استخدمها أينشتين" .

وهنا نتساءل ما هي المشكلات الرئيسية التي تثيرها تجارب الفكر داخل منظومة البحث العلمي ؟

ويجيبنا فيلسوف العلم الأمريكي " توماس كون " Thomas Khun، علي ذلك ؛ حيث يحدد لنا صياغة المشكلات الرئيسية التي تثيرها دراسة تجارب الفكر عن طريق سلسلة من الأسئلة، ويبدأها " كون "،  أولاً، بالنظر إلي الموقف المتخيل في تجربة الفكر ؛ حيث أنه في نظره لا يمكن أن يكون الموقف تحكمياً بشكل واضح، فما هي شروط رجحان صدقه ؟ وبأي معني ولأي مدي ينبغي للموقف أن يكون واحداً، بحيث يمكن للطبيعة أن تستحضره أو سبق أن استحضرته في الواقع ؟ إن ذلك التعقيد، إنما يشير بدوره إلي تعقيد ثان . فإن سلمنا جدلاً بأن كل تجربة فكر ناجحة تتضمن في تصميمها معلومة قبلية ما عن العالم، فإن تلك المعلومة ليست في حد ذاتها ثمرة التجربة . بل علي العكس من ذلك، إذا تعاملنا مع تجربة فكر حقيقية،فإن المعطيات التجريبية التي تعتمد عليها لا بد أنها كانت معروفة تماماً، ومقبولة بصفة عامة حتي قبل تصور التجربة . كيف يمكن إذن بالاعتماد الكلي علي معطيات مألوفة أن تؤدي تجربة فكر إلي معرفة جديدة أو إلي فهم جديد للطبيعة ؟

ثم يتساءل كون قائلا:" ما نوع المعرفة الجديدة أو الفهم الجدي الذي يمكن اكتسابه هكذا؟ وما الذي يمكن أن يأمله العلماء إذا كان ثمة ما يأملونه علي الإطلاق، في أن يتعلموا من تجارب الفكر؟

ويجيب كون قائلاً"  بيد أنها، فيما اعتقد، ليست صحيحة تماماً، وإنما توحي بأن الفهم الجديد الناتج عن تجارب الفكر ليس فهما للطبيعة، وإنما بالأحرى أداة تصورية للعالم . وبهذا التحليل فإن وظيفة تجربة الفكر هي المساعدة في استبعاد الاضطراب السابق، وذلك بإجبار العالم علي أن يتعرف علي التناقضات التي كانت ملازمة لطريقة تفكيره منذ البداية . وعلي خلاف الكشف عن معرفة جديدة، فلا يبدو أن استبعاد الاضطراب الموجود يتطلب معطيات امبريقية إضافية . كما أننا لسنا في حاجة إلي موقف متخيل كأحد المواقف التي توجد في الطبيعة بالفعل . بل علي العكس من هذا،  فإن الهدف الوحيد لتجربة الفكر هو استبعاد الاضطراب الخاضع لشرط واحد فقط محتمل أن يكون صحيحاً . إذ ينبغي أن يكون الموقف المتخيل واحداً بحيث يمكن للعالم أن يطبق تصوراته عليه بالطريقة التي سبق أن استخدمها في العادة .

وينتهي كون إلي القول:" إن تجارب الفكر تساعد العلماء علي التوصل إلي قوانين ونظريات تختلف عن تلك التي كانوا يتمسكون بها من قبل، وفي تلك الحالة يمكن أن تكون المعرفة السابقة " مضطربة " و" متناقضة" فقط بمعني خصوصي ولا تاريخي تماماً، سيعزي الاضطراب والتناقض إلي كل القوانين والنظريات التي أجبر التقدم العلمي المهنة علي نبذها . ومع ذلك، فمن المحتم أن يوحي الوصف بأن تأثيرات تجربة الفكر حتي علي الرغم من أنها لا تقدم معطيات جديدة إلا أنها تكون أقرب كثيراً إلي تلك التأثيرات الخاصة بالتجربة الفعلية مما كان مفترضاً  عادة " .

مما سبق فإن تجربة الفكر تعد أداة علمية خاصة تتوسط بين النظرية والتجربة من خلال استيعاب عقلي .ولتوضيح معني تجربة الفكر لكونها مطلوبة في تعليم العلم، فعلينا أن نتابع الحوادث العلائقية خلال تاريخ العلم الذي يدفعنا لمعرفة القيمة الابستمولوجية للنشاط المنجز .وتعريف تجربة الفكر تعريف مقترح ومعناه استخدام يحلل الاختلاف التصوري الثنائي . هذا المنهج يسمح للمرء في أن يضع تجربة الفكر في مقارنة مع التركيبات التصورية المعرفة أيضاً . والنظرة المعروفة المستخدمة لتصنيف استخدامات تجارب الفكر وبشكل رئيسي لأغراض منهج العلم.

وبعد أن عرضنا لمفهوم تجارب الفكر، نود أن نشير أن هناك نوعين من تجارب الفكر : تجارب الفكر العلمية، وتجارب الفكر الفلسفية، ومن تجارب الفكر العلمية  ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر :- تجربة سقوط الأجسام عند جاليليو وكذلك تجربته في السفينة Galileo`s ship، وتجربة تفاحة نيوتن Newton Bucket، وتجربة قطار أينشتين Einstein Elevator المنطلق بسرعة الضوء والتي تنعت بتجربة "البرق والقطار"، وتجربة عفريت ماكسويل Maxwell`s Demon ، وتجربة قطة شرودنجر Schrodiner`s cat، والتجربة المتخيلة التي افترضها أينشتين وبودولسكي وروسن والتي تسمي EPR paradox، علاوة علي بعض التجارب الفكرية التي أقامها بعض أصحاب ميكانيكا الكم، مثل تجربة GHZ experiment ، وتجربة Quantum Suicide، وتجربة Wigner`s Friend  .

أما تجارب الفكر الفلسفية فنذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر :- تجربة Plato`s Theory of refraction عند أفلاطون، وتجربة Zeno`s paradoxes، ثم هناك تجارب فكرية أدخلها بعض المتخصصين في فلسفة العقل مثل تجربة Swamp man التي نادي بها دافيدسون، وتجربة كواين عن  " دعوي اللاتحديد في الترجمة "، وتجربة الحجرة الصينية Chinese room التي قال بها جون سيرل، وتجربة حجرة ماري Mary`s room"  "، وتجربة" الأرض التوأئمية Twin Earth thought experiment التي نادي بها هيلاري بوتنام، كذلك تجربة الأخري وهي تجربة العقل في قارورة  Brain-in-a-vat .

وهنا نتساءل ما الفرق بين تجربة الفكر العلمية وتجربة الفكر الفلسفية؟

تجارب الفكر العلمية هي ببساطة تلك التي تتعلق بمادة موضوع علمي في حين تجارب أن الفكر الفلسفية فهي عكس ذلك تتعلق بمادة موضوع غير علمي . وقد حاول George Bealer، أن يميز في تجارب الفكر الفلسفية وتجارب الفكر العلمية بين مادة الموضوع العلمي والغير العلمي ، فقد ميز بين الحالات المتخيلة التي تكون مستعملة لاستدعاء الحدوس الفيزيائية من تلك التي تكون مستعملة لاستدعاء حدوس بشأن تطبيق المفاهيم الغير فيزيائية . الأول يتضمن سؤال القارئ في أن يحدد ما يحدس في السيناريو المتخيل المعطي، والذي يفترض أن القوانين الطبيعية تكون ثابتة، والثاني يتضمن سؤال القارئ في أن يقرر فيما إذا كان السيناريو المحدد هو ممكن منطقياً أو ميتافيزيقياً أو فيما إذا المفهوم المعطي ينطبق علي هذا السيناريو. وقد أثبت Bealer مصطلح تجارب الفكر يجب أن يكون محجوزاً لحالات النوع الأول، وتقريبا الفئة التي تشير إلي تجارب الفكر العلمية.

وقد اقترح Tamar Szabo Gendler (2000، ص 25-27) تصنيف مختلف بين تجارب الفكر العلمية، وتجارب الفكر الفلسفية، فقد ميز بين تجارب الفكر المتصنعة factive والتصورية، والتخمينية valuational ؛ حيث يكون السؤال المثار طبيعياً وموصوف من خلال ما الذي يحدث؟ وتجارب الفكر المتصنعة تتضمن مادة موضوع علمي، في حين تكون تجارب الفكر التصورية والتخمينية تتضمن مادة موضوع فلسفي.

وقد قدم جيمس روبرت براون James Robert Brown (1991) تصنيفا لتجارب الفكر العلمية . فقد ميز بين تجارب الفكر التدميرية destructive وتجارب الفكر البنائية constructive وينقسم الصنفِ الأخيرِ إلى توسطيِ وتخميني ومباشر. وتجارب الفكر التدميرية تتضمن أمثلة متخيلة مصممة للكشف عن الصعوبات عن طريق نظرية معينة،وأما تجارب الفكر البنائية فتهدف إلي إقامة نتائج إيجابية. وداخل صنف تجارب الفكر البنائية فإن تجارب الفكر التوسطية هي التي تسهل رسم خاتمة مِن نظرية معينة موضوع بشكل جيد، وتجارب الفكر التخمينية هي التي تهدف إلي التفكير بشأن سيناريو متخيل للأمور التي تجعلنا ونحن ندرس الظاهرة بأن نتجنب نوعا ما التفسير النظري، وأما تجارب الفكر المباشرة فهي لنظرية مؤسسة جيدا . وتجارب الفكر التدميرية والبنائية أطلق عليها براون بأنها أفلاطونية حيث علق عليها قائلا أنها تمدنا بمعرفة قبلية عن الطبيعة .

حين ظهر العلم الحديث، في حوالي عام 1600م بدأ المذهب التجريبي يتخذ شكل نظرية فلسفية إيجابية قائمة علي أسس متينة، يمكن ان تدخل في منافسة ناجحة مع المذهب العقلي . وكان العصر الحديث هو الذي ظهرت فيه أعظم المذاهب التجريبية، أعني مذاهب "فرنسيس بيكون F.Bacon (1561-1626) وجون لوك J.Locke (1632-1704)، ويفيد هيوم D.Hume (1711-1776)، وجون ستيوارت مل J.S.Mill (1806-1873) ؛ حيث كان الاهتمام الرئيسي لدي هؤلاء جميعاً، ينصب حول الطريق المؤدي إلي الكشف عن القوانين، واعتقدوا أنه من الممكن رسم منهج لتحقيق ذلك، قد حاولوا  تشييد منطق للكشف موازياً لمنطق البرهان، وقاما بصياغة المناهج التي من وجهة نظرهما، تمكن من اكتشاف قوانين الظواهر كنتيجة لتحليل وقائع الملاحظة والتجربة ؛ فالعالم لابد أن يقوم بملاحظة أمثلة عدة للظاهرة موضوع الدراسة، ملاحظة دقيقة، مقصودة، منتقاة، وهادفة، مرتبة ومتواترة، تتصف بالنزاهة والموضوعية والدقة التي توجب استخدام الأجهزة المعملية إلي أقصي حد ممكن للتكميم الدقيق . وما التجربة المعملية إلا اصطناع الظروف المطلوب ملاحظتها، عن طريق مجموعة من العمليات التي يتم بمقتضاها إحداث ظاهرة ما في المختبر، بهدف دراستها والوصول إلى بناء معرفة حولها . فالفيلسوف التجريبي " لا يزعم أنه كشف نوعاً جديداً من المعرفة يعجز العالم عن الوصول إليه، وإنما هو يقتصر علي دراسة المعرفة المستمدة بالملاحظة وتحليلها، سواء أكانت معرفة علمية أم معرفة عادية، ويحاول فهم معناها ومضموناتها ".

بيد أن هذا التصور للتجربة والتجريب، قد تغير تماماً مع التطور الذي عرفه العلم على جميع مستوياته النظرية والعملية في القرن العشرين، بحيث أصبح موضوع العلم، لا يتمثل في التجربة الحسية المباشرة، بل يبنى عقلياً؛ فالكون الماكرو- فيزيائي Macro physique باعتباره واقعاً، هو بدرجة هائلة من الكبر والاتساع، يعجز معه العلم - بأدواته وتقنياته المتطورة، الإحاطة به في شموليته، كما أن عالم الذرة اللامتناهي في الصغرMicro physique، قد برهن هو أيضاً على صعوبة التقيد بالتجربة بمعناها التقليدي . فأي " تجربة تلك التي يمكن أن تجري علي المجرات أو الكواركات وعلي العكس من ذلك نشأ ما يعرف بالتجريب الذهني أو التخيلي Imaginative Experiment والأهم من ذلك، إعادة النظر في كثير من المصطلحات المنهجية والفلسفية التي ولدت واستقرت وتشربت بروح فيزياء نيوتن".

ولذلك وجدنا معظم علماء الفيزياء وفلاسفة العلم في القرن العشرين، قد أدارو ظهورهم لمنطق اليقين التجريبي، واستحدثوا معايير أخري غير المعايير التي اعتادوا عليها في ظل فيزياء نيوتن التي سيطرت علي العقل العلمي، بسبب اكتشاف زيف فرض الاثير، وأنه فرض ميتافيزيقي، ولا يمكن أن يبني منطق التحقق المعاصر علي ردود الأفعال، بل علي الفهم الصحيح لمنطق العلم . إذ كيف أتحقق مما لا أراه. إذن في ظل التطورات العلمية المعاصرة ليس هناك تجارب حسية - ذات واقع تجريبي في تاريخ العلم، فهل عندما نادي ديراك بنظريته عن الوجود السالب ( البوزيترون   Positron) كان يتكلم عن الواقع التجريبي، أو بالأحري عن عالم ما وراء الخبرة .

فلنقارن مثلاً بين كل التجارب المعملية التي كان العلماء يجريها في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وبين تجربة المصعد عند " أينشتين Einstein " ( 1879 م– 1955م) علي سبيل المثال لا الحصر، نجد أن الفرق شاسع، لأنه فرق بين عصرين، عصر كان يعاني من أزمة قديمة، فألقي بكل ثقله علي التجربة الحسية المباشرة، ورأي فيها القول الفصل في صدق أية قضية علمية، وعصراً آخر لا يري بأساً من الاعتماد علي التجربة الفكرية Thought Experiment  بعد أن أفلت الواقع من مصداقية الخبرة .

فكما نعلم أن التجربة كانت فيما سبق تتم عن طريق توفير الشروط اللازمة لحدوث الظاهرة المدروسة، حيث يعاد إحداثها ثانية في المختبر، ولما كانت هناك تجارب يصعب إجرائها في المعمل لجأ العالم إلي التجربة الفكرية الذي أضحي الخيال من خلالها يمنح الواقع غنى لا يمكن الوصول إليه بالتجربة بمعناها الكلاسيكي، وهو الذي لا يشكل المقوم الرئيس لهذا المنهج العلمي المعاصر. خاصة إذا علمنا أن حيثيات التجربة العملية وشروطها ليست دائما ممكنة، فاللجوء إلى التجربة الفكرية- المتخيلة أمراً ممكناً وضرورياً خصوصاً عندما يشتغل العالم علي موضوعات خارج الماكروسكوبية، وهذا ما يمنح للتجربة الفكرية قوة اقتراحيه في بعض الأحيان وإجرائية في بعض المجالات، مما يطرح العديد من الإشكالات على نظرية المعرفة التقليدية التي ترى التجربة بمعناها الضيق مصدراً لجميع المعارف.

لذلك فالتجربة الفكرية تعد عنصر مكمل للتفكير العلمي، فهي تشكل واحدة من الأدوات التصورية من خلال دراسة العلماء للعالم الفيزيائي . وكذلك في تعلم العلم فهي تعد مهمة لطلاب العلم الذين يحلمون بأن يكون لهم دور في بناء العلم . وبهذه الطريقة فإن الطلاب سيصبحون علي ألفة بأحد الأدواتِ الرئيسية للفكرِ العلميِ كما أنهم قَد يفهمونَ جيدا المفاهيمِ المجردة لنظريات الفيزياء في العشرين.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود نكمل حديثنا عن مبدأ اللايقين عند مدرسة كوبنهاجن فنقول: في الوقت الذي يدافع فيه هيزنبرج عن فكر وتوجه مدرسة كوبنهاجن، نجده يقدم عرضا لمفهوم السببية في ضوء ميكانيكا الكوانتم، حيث نراه يقول عن مبدأ السببية: " لقد درج الناس علي القول ن خلال السنين الأخيرة، أن العلم الذري قد أبطل مبدأ السببية أو علي الأقل، أفقده قسطا من سلطته، وذلك إلي درجة أنه لم يعد من الممكن الحديث عن ضبط عمليات الطبيعة، بالمعني الدقيق لكلمة ضبط، بواسطة قوانين . وأحيانا يقال فقط إن مبدأ السببية لا يسري مفعوله إلي علم الذرة الحديث "؛ ويستطرد هيزنبرج فيقول: "لقد عمل العلم الذري منذ بداية نشأته علي صياغة وتطور مفاهيم لا تتفق، والحق يقال، مع هذه الصورة التي رسمناها عن مبدأ السببية . ولكن هذا لا يعني أن هذه المفاهيم الجديدة تناقض الأسس التي قامت عليها تلك الصورة . فكل ما في الأمر هو أن طريقة التفكير الخاصة بالعلم الذي كان شائعا، لا بد أن تتميز منذ البداية، عن أسلوب التفكير الذي تقوم عليه الحتمية . لقد سبق لعلم الذرة القديم أن بني تفسيره للكون علي أساس فكرة الترابط الإحصائي بين العديد من العمليات الصغيرة المزولة، فعمم هذه الفكرة وقدم لنا صورة عن العالم، قوامها أن جميع الكيفيات الحسية التي للمادة، يرجع السبب فيها بكيفية غير مباشرة، إلي وضعية الذرات وحركتها، يقول ديموقريطس " لا يكون الشئ حلواً أو مراً إلا في الظاهر. أما في الواقع فلا وجود لشئ آخر غير الذرات والخلاء "، فإذا فسرنا هكذا الظواهر الحسية بواسطة تضافر العديد من العمليات الصغيرة المعزولة نتج من ذلك ضرورة، أننا نعتبر قوانين الطبيعة إحصائية لا غير . والحق أن هناك قوانين إحصائية .

ويشرح هيزنبرح الطابع الإحصائي لنظرية الكوانتا قائلا: " علي الرغم من لأن المعرفة الناقصة بمنظومة ما كانت، منذ الاكتشافات التي توصل إليها كل من " جيبس " و " بولتزمان "، مندرجة في الصياغة الرياضية للقوانين الفيزيائية، فإنه لم يقع التخلي عن مبدأ الحتمية إلا بعد ظهور نظرية الكوانتا علي يد بلانك . لم يجد بلانك في البداية سوي عنصر واحد يدل علي الطابع المنفصل لظواهر الإشعاع التي كان يدرسها . لقد أثبت أن الذرة المشعة لا تصدر الطاقة بكيفية منفصلة علي شكل صدمات . إن هذا الانفصال في إصدار الطاقة الذي يشبه تتابع الصدمات، قد أدي، مثله في ذلك مثل جميع المفاهيم المتعلقة بنظرية الذرات، إلي القول بالطابع الإحصائي لظاهرة الإشعاع . ومع ذلك كان لا بد من مرور خمس وعشرين سنة علي اكتشاف الكوانتا حتي يصبح في الإمكان إثبات أن نظرية كوانتا، تحتم، في الواقع إعطاء الصبغة الإحصائية للقوانين الفيزيائية، والتخلي عن مبدأ الحتمية . فمنذ أن ظهرت أبحاث أينشتين وبور وسومر فيلد بدا واضحا أن نظرية الكوانتا هي المفتاح الذي يفتح باب الفيزياء الذرية علي مصراعيه . وكان النموذج الذري الذي قال به روتر فورد وبور خير مساعد علي تفسير العمليات والتفاعلات الكيماوية مما سمح منذ ذلك الوقت بدمج الفيزياء والكيمياء والفيزياء الفلكية في واحد منصهر، وحتم التخلي عن مبدأ الحتمية المحض عن صياغة القوانين الرياضية للظواهر الطبيعية حسب نظرية الكوانتا .

ومن هذا المنطلق شرع هيزنبرج في عقد مقارنة مذاهب كانط بالفيزياء الحديثة، حيث يقول: "... من اللحظة الأولي سيبدو مفهومه المحوري عن الأحكام التركيبية القبلية، وقد محقته اكتشافات هذا القرن ( يقصد القرن العشرين). غيرت نظرية النسبية رؤيتنا للمكان والزمان، بل لقد كشفت في الحقيقة ملامح جديدة للزمان والمكان، ليس بينها ما نراه في صور كانط القبلية للحدس الخالص . لم يعد قانون العلية يطبق في نظرية الكم ولم قانون حفظ المادة صحيحا بالنسبة للجسيمات الأولية . الواضح أن كانط لم يكن له ليتنبأ بالاكتشافات الحديثة . لكن لما كنت مقتنعا بأن مفهوماته ستكون الأساس لأي ميتافيزيقيا مستقبلية يمكن أن تسمي علما، فمن المشوق أن تري أين كانت حججه خاطئة .

ويستطرد هيزنبرج: " دعنا نأخذ قانون العلية كمثال يقول كانط إنه حينما نلاحظ واقعة فإننا نفترض أن ثمة واقعة سبقتها لا بد للأخرى أن تنتج عنها حسب قاعدة ما . وهذا كما يقرر كانط أساس كل العمل العلمي . أما إمكانية أن نجد دائما هذه الواقعة السابقة من عدمه فهو أمر لا يهم بالنسبة لهذه المناقشة . والواقع أننا نستطيع أن نجدها في الكثير من الحالات . لكن حتي لو لم نستطع، فليس ثمة ما يمنعنا من نسأل عما قد تكونه، وأن نبحث عنها . وعلي هذا فقد تم تطويع قانون العلية إلي منهج البحث العلمي . إنه الشرط الذي يجعل العلم ممكنا، ولما كنا نطبق هذا المنهج بالفعل فإن قانون العلية قبلي ولا يشتق من الخبرة . فهل هذا صحيح في الفيزياء الذرية ؟ فلنأخذ ذرة راديوم يمكنها أن تطلق جسيم ألفا لا يمكن أن يتنبأ بالوقت الذي سيطلق في المتوسط في نحو ألفي عام . وعلي هذا فعندما نلاحظ الانطلاق فلن نبحث عن مثل هذه الواقعة، ولا يلزم أن تثبطنا حقيقة أن أحداً لم يلحظ حتي الآن مثل هذه الواقعة . لكن لماذا تغير المنهج العلمي بالفعل في هذه القضية الجوهرية بالذات منذ كانط .

ثم يتساءل هيزنبرج: " ثمة إجابتان محتملتان لهذا السؤال . الأولي منهما هي: لقد أقنعتنا الخبرة أن قوانين نظرية الكم صحيحة، فإذا كانت كذلك، فإننا نعرف أننا لن نجد واقعة سابقة تعلل انبعاث الجسيم في وقت معين . أما الإجابة الثانية فهي: إننا نعرف الواقعة السابقة، لكن ليس بشكل دقيق تماما . إننا نعرف القوي في النواة الذرية المسئولة عن إطلاق جسيمات ألفا . لكن هذه المعرفة تحمل اللامحققية الناجمة عن التفاعل بين النواة وبين بقية العالم . فإذا أردنا أن نعرف السبب في إطلاق جسيم ألفا في ذلك الوقت المعين فمن الضروري أن نعرف التركيب الميكروسكوبي للعالم بأكمله بما فيه أنفسنا، وهذ أمر مستحيل . ولهذا فلم تعد حجج كانط للصفة القبلية لقانون العلية قابلة للتطبيق هنا .

إن قول هيزنبرج باللاحتمية والذاتية في الفيزياء الحديثة استنادا إلي احتمالية هذه الوقائع وإحصائية قياسها، قد فتح باب الاجتهاد لوضع تفسيرات ميتافيزيقية للكون الذري، وأول هذه التفسيرات هو القول بنظرية في الحرية الإنسانية استناداً إلي فكرة اللاحتمية . والعلماء الذين يذهبون هذا المذهب يحددون المسألة علي هذا النحو: لا يمكن أن توجد سيطرة حتمية كاملة علي الظواهر غير الحتمية ما لم تكن الحتمية مسيطرة علي الذهن نفسه، وعلي العكس من ذلك لو أردنا أن نحرر الذهن فينبغي إلي حد ما أن نحرر العالم المادي كذلك .

ويبرر هؤلاء العلماء موقفهم هذا من خلال مقارنتهم بين ميكانيكا نيوتن وميكانيكا الكوانتم، فالأولي قد ضربت علي الكون ستارا حديديا من الحتمية الألية الصارمة، التي تعبر عن سيطرة الضرورة العقلية علي الطبيعة والإنسان علي السواء . فكل شئ مقدر له سلفا وبنوع من الضرورة، ماذا سيكون عليه في المستقبل . وهكذا عاش الإنسان في ظل حتمية نيوتن أو السببية الضرورية كما لو كان يختنق . فكل ما يحدث لا بد له من سبب . فإذا عرف السبب كان كالقضاء المبرم الذي لا راد له، بحيث يتحتم علي الشئ أن يحدث . وقد أحسن كل من اسبينوزا وكانط التعبير عن هذه الحتمية كل بطريقته الخاصة . وبينما كان كانط علي استعداد للتضحية بالضرورة الابستمولوجية من أجل الأخلاق، كان ديكارت قد سبقه إلي ذلك، حينما قرر أن الإرادة أوسع من الذهن . أي أن الإرادة الحرة لا تخضع لمنطق التفكير الرياضي .

وكان العكس من ذلك، جاء مبدأ اللاتحديد عند هيزنبرج ليفك الحصار الذي ضربته حتمية نيوتن علي الكون بما في ذلك الإنسان . والأساس المنطقي الذي يعتمد عليه هذا اللاتحديد هو نظرية الاحتمالات بمعني أن حتمية نيوتن قد قامت علي فكرة المسار الثابت والذي تحتم الجمع بين الموضع والسرعة بالنسبة للشئ المتحرك . ولكن بناء علي معادلة هيزنبرج علي هامش الخطأ، فمن المستحيل الجمع بين الدقة الكاملة في قياس الموضع والسرعة بالنسبة لحركة الإلكترون . فيقول ويلر: " إن تركيب الأجهزة لقياس إحداثيات الإلكترون ( أي موضعه المكاني ) يحول أليا دون وضع المعدات المطلوبة لقياس سرعته في المكان نفسه، والعكس صحيح، فعملية القياس ذاتها تحدث في وضع الإلكترون تغيرا لا سبيل إلي التنبؤ به . وهكذا حاول البعض استثمار مبدأ اللاتحديد بطريقة ميتافيزيقية ليؤكد بها حرية الإرادة الإنسانية بالرغم أن منهم علماء يعرفون حدود العلم وبالرغم من أن هيزنبرج لم يترق ببحوثه إلي الإنسان . فقد ذهب " بافينك " و "إدنجنتون "، كل منهما علي حدة، إلي تفسير عجز العلماء عن التنبؤ بأي الإلكترونات هو الذي سيقفز من مداره، وإلي أي المدارات سيتجه، نقول تأولوا ذلك بأن الإلكترون " حر " في أن يقفز متي وأني شاء . أفيكون الإنسان وإرادته أقل حرية من الإلكترون .

ولكى نفهم وقع نظرية الكم على تصورنا العام للكون فهما واضحاً، فقد يحسن بما ألا نسأل الفلاسفة والعلماء، وأن نسأل الكتاب الأدباء، الذين عبروا عن مشاعر القرن العشرين . كتب جورج برنارد شو يقول: "إن العالم الذي بناه استحق نيوتن والذي ظل القلعة المنيعة للمدينة الحديثة على مدى ثلاثمائة عام قد تهاوى أمام نقد أينشتاين كما تهاوت جدران المعبد . كان عالم نيوتن يمثل معقل المذهب العاقل للحتمية: فالكوكب فى مداراتها تخضع لقوانين ثابتة لا تتغير، وكذلك تخضع الالكترونات فى مدارها فى الذرات لنفس القوانين العامة إن كل لحظة من لحظات الزمن تحكم اللحظة التى تليها . . . إن كل شئ يمكن حسابه: وكل ما وقع كان حتما أن يقع: لقد أزيلت الأوامر من فوق مائدة القوانين وحل محلها علم الجبر الجارى: معادلات الرياضيين .

ويصف برناردشو بعد ذلك الإنسان الحديث، حيث أصبحت لديه فيزياء نيوتن بديلاً للدين التقليدي . ويستطرد شو قائلا: " هنا كان إيماني، وهنا وجدت عقيدتي فى العصمة من الخطأ . وأنا الذى ازدريت الكاثوليكى وهو يحلم هباء بالإرادة الحرة المسئولة، مثلها ازدريت البروتستانتى بتظاهره بالحكم المتميز . ويصف " شو " بعد ذلك كيف تهشم هذا الدين البديل بواسطة الفيزياء الذرية ونظرية الكم فى القرن العشرين . يستطرد " شو " قائلا " والآن، - الآن – ماذا يبقى من ذلك ؟ إن مدار الإلكترون لا يخضع لقانون، فهو يختار مسارا وينبذ مسارا أخر . فكل شيء يسير على هواه، والعالم الذى كنت تستطيع الاعتماد عليه فيها مضى لم يصبح موضعا للاعتماد عليه " .

ولكي نفهم علي نحو أكثر تحديداً الفائدة من استخدام تماثلات الفطرة السليمة في التفسيرات الميتافيزيقية لمبدأ اللايقين في الفيزياء الذرية ، يجب أن ندرس مثال ورد في كتيب لبرنارد بافنك وهذا المثال يعود إلي القوانين التي تحكم انتقال الإلكترون من أحد المدارات حول نواة الأيدروجين إلي مدار آخر . وتحدد لنا قوانين ميكانيكا الكم ما هي المدارات التي يمكن أن يتحرك فيها الإلكترون حول النواة، غير أنه إذا كان هناك إلكترون معين يدور حول نواة الذرة، فليس هناك قانون يحدد لنا تحديدا دقيقاً، وفي كل لحظة، ما الذي سيفعله هذا الإلكترون في اللحظة التالية – هل سيقفز إلي مدار آخر أم لا يفعل ؟ وتستطيع النظرية أن تحدد فقط متوسط عدد الإلكترونات التي تقفز في الثانية التالية، ولكنها لا تستطيع أن تحدد ما إذا كانت إلكترون معين سوف يقفز أم لا . ويعطي فانك تفسيرا لهذا الوضع: " يجب أن نتذكر أولا أن الفعل الأولي المفرد (القفزة) لا يمكن حسابه علي هذا النحو، ولكنه يترك حرا ؛ وأن نتذكر ثانيا أن الجوهر الحقيقي لهذه الحرية ربما كان حدثاً فيزيائيا ... وبعبارة أخري، إن الاختيار " الحر " للفعل الأولي، والذي لا تحدده الفيزياء، لا وجود له في الواقع إلا كجزء من " خطة" أو " هيئة " ؛ أو هو جزء من مجموعة متسلسلة من الهيئات والأشكال الأرقي يمتص دائما الشكل المختلف ليصنع منه تركيباً أعلي ... والجديد في الأمر هو أن الفيزياء تقترح اختبار هذه الفكرة .

وتتضح الخاصية التماثلية لهذا التفسير في هذه الحالة . فبما أن قواعد ميكانيكا الأمواج لا يمكن صياغتها بلغة الفطرة السليمة، فإن المؤلف يقارن سلوك الإلكترون بسلوك الكائن الحي " الحر " في اختيار ما يفعله في اللحظة التالية . وقد استخدمت كلمة " حر " هنا في لهجة الفطرة السليمة الغامضة التي بمقتضاها نصف ما يفعله الكائن الحي بأنه فعل " حر " لأننا لا نعرف القواعد التي نستطيع أن نحدد بها ما سوف يفعله في اللحظة التالية . وبعد أن ترسخ وجود الحرية " الحرية " في العالم الفيزيائي فإن المرء يستخدم هذه " الحقيقة " لكي يصبح من المعقول أن تكون القرارات البشرية قرارات " حرة " . فمن المؤكد أن لا يمكن أن يكون أقل تحرراً من الشيء الفيزيائي غير الحي . وقد كان تبرير مذهب الإرادة الحرة بواسطة الفيزياء لذرية واحداً من الاسباب التي أعلن من أجلها مراراً أن الفيزياء قد صارت اليوم أكثر تآلفاً مع الدين التقليدي عما كانت عليه لقرون مضت .

وبطبيعة الحال، يجب أن نذكر أن نصوصاً مثل " أدخلت التقدمات الأخيرة في الفيزياء عوامل عقلية في العلم "، أو " إن العلوم الحديثة تبرر مذهب " الإرادة الحرة " هي نصوص لا تتحدث عن الفيزياء من " الوجهة العلمية " . إنها في الواقع تتناول التفسيرات الميتافيزيائية للنظريات الفيزيائية الأخيرة . ولكي نحدد المعني الدقيق لهذه النصوص يجب ان نقول: إن الفيزياء المعاصرة قد تعرضت لتفسير ميتافيزيائي، وطبقا لهذا التفسير يعتبر الإلكترون ناتجا عن قوي روحية، كما أنه في قفزة من مدار إلي مدار، إنما يمارس عملاً من أعمال الإرادة الحرة . ومن ثم فإن علينا أن نتساءل عما إذ كانت الميكانيكا النيوتونية لا تستطيع أن يكون لها تفسير ميتافيزيائي يرخص بإدخال القوي الروحية والإرادة الحرة إلي الفيزياء . وبما أن كل هذه التفسيرات هي في الأساس عرض لتماثلات من الفطرة السليمة للنظريات الفيزيائية فيمكننا فقط أن نتساءل عما إذا كان من الأقرب إلي " الطبيعة " أو إلي " الفطرة السليمة " أن نفسر ميكانيكا الكم بواسطة القوي الروحية وألا نفعل ذلك بالميكانيكا النيوتونية .

والحقيقة، أن هؤلاء الذين دافعوا عن الحرية الإنسانية بمنطق العلم سيان من العلماء أو الفلاسفة أو حتي من رجال الدين، لم يكن هدفهم هدم الحتمية في العلم أو التهليل للاحتمية، يل فقط تأكيد أن الظواهر لها قوانينها الخاصة المختلفة عن قوانين المادة الصماء . وإنه إذا كانت هناك حتمية فمحلها العالم الفيزيائي . ولا تسري علي الباطن الإنساني . وإنه لجدير بنا عدم الخلط بين حقائق العلم المتغيرة وحقائق النفس الثابتة . فها هو فالتون شين (أحد رجال الدين الكاثوليك) يقول إن القديس توما الأكويني يؤكد أن التغير في العلم التجريبي لا يستتبع تغيرا في الميتافيزيقيا التي تحكم هذا العلم، ما دامت الفلسفة مستقلة عن العلم . ونحن لو نظرنا للنتائج التي انتهت إليها نظرية الكوانتم ومبدأ اللاتحديد، فلن نجد فيها ما يبرهن علي عدم خضوع الحوادث الفيزيائية لمبدأ السببية . أي أن المدافعين عن الحرية الإنسانية استثمروا جهل العلماء بالظروف المحيطة بالإلكترون والتي تدفعه لتغيير مداره في تأكيد اللاحتمية .

من أجل ذلك من العبث أن نبحث عن سند فيزيائي لحرية الإرادة لأنها مشكلة الفلسفة في المقام الأول، وليست مشكلة الفيزياء . وهو ما أكده أحد الفلاسفة الهنود كانتا براهما N. K . Brahama وبنفس حجة شين عن استقلال الميتافيزيقا عن الفيزيقا . فيقول معقبا علي المحاولات الخاطئة لاستخلاص الحرية الإنسانية من نتائج العلم " ثم ماذا يمكن أن يحدث فيما لو فاجأتنا تجارب المستقبل بأن اللاحتمية التي يفترض وجودها في حركة الإلكترون، لا وجود لها حقيقة، ألن تجد الفلسفة نفسها عاجزة عن تبرير موقفها، فيما لو أخذت الآن برأي أدنجنتون ! إن الحرية وسائر الحقائق الميتافيزيقية الأخرى لا يمكن البرهنة عليها في عالم الظواهر الذي تسيطر عليه مقولات المكان والزمان والسببية .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل- جامعة أسيوط

 

محمود محمد علييعد مبدأ اللايقين من أهم المبادئ في نظرية الكم بعد أن صاغه العالم الألماني هايزنبرج عام 1927 وينص هذا المبدأ على أنه لا يمكن تحديد خاصيتين مقاستين من خواص جملة كمومية إلا ضمن حدود معينة من الدقة، أي أن تحديد أحد الخاصيتين بدقة متناهية (ذات عدم تأكد ضئيل) يستتبع عدم تأكد كبير في قياس الخاصية الأخرى، ويشيع تطبيق هذا المبدأ بكثرة على خاصيتي تحديد الموضع والسرعة لجسيم أولي. فهذا المبدأ معناه أن الإنسان ليس قادرا على معرفة كل شيء بدقة 100%. ولا يمكنه قياس كل شيء بدقة 100%، إنما هناك قدر لا يعرفه ولا يستطيع قياسه.

وقد انقسم العلماء في مناقشتهم لمبدأ اللايقين في الفيزياء الحديثة بين كونه يمثل صفة موضوعية أم صفة ذاتية، فالقائلون بالصفة الموضوعية يؤكدون أن هذا المبدأ ناتج عن عمليات موضوعية خالصة . فأداة القياس أداة فيزيائية مركبة من عناصر فيزيائية تقوم بينها وبين الوقائع الفيزيائية ظواهر موضوعية دقيقة غاية الدقة هي التي يحددها تحديدا دقيقا مبدأ اللايقين أو عدم التحديد. أما القائلون بالصفة الذاتية في الفيزياء الحديثة فيعولون علي تداخل أدوات القياس مع الظاهرة العلمية، وان عملية القياس تعد تأثيرا ذاتيا أو انعكاسا إنسانيا علي الطبيعة الخارجية بشكل يثير اضطرابا في العملية الفيزيائية ويجعل قياساتنا غير يقينية .

والقائلون بالصفة الذاتية يقفون طويلا أمام مبدأ عدم اليقين في فيزياء الكم متخذينه مثالاً نمطياً لتداخل الذات الملاحظة في الموضوع " الملاحظ "، ودليلاً علي ذاتية الفيزياء الحديثة بوجه عام، وفيزياء الكم بوجه خاص . ولهذا يرون أن فيزياء الكم لا تصف حالة موضوعية في عالم مستقل، وإنما تصف مظهر هذا العالم كما عرفناه خلال وجهة نظر ذاتية معينة أو بواسطة وسائل تجريبية معينة .

وأصحاب هذه الصفة ينتمون إلي مدرسة كوبنهاجن Copenhagen School، وهذه المدرسة مكونة من جماعة من الفيزيائيين الألمان الذين تتلمذوا علي يد نيلز بور (مدير معهد الفيزياء النظرية في كوبنهاجن) في العشرينات ؛ وكان "جان لويس ديتوش" (Jean Louis Destouches) وهيزنبرج من أحد أقطابها . نزعت في أول عهدها منزعاً وضعيا منطقيا في أول عهدها ؛ علاوة علي إيمانها العميق باستحالة معالجة الظواهر الذرية بواسطة مفهوم الحتمية نظرا لعلاقات اللايقين، فهي تتخذ الطابع الاحتمالي للظواهر الكوانطية أساساً لنظرية تنكر الوجود المادي الواقعي علي الجسيمات الذرية، وتلجأ كما تلجأ الوضعية المنطقية الجديدة في الدفاع عن وجهة نظرها إلي تحليل اللغة، وكأن الوجود الواقعي يتوقف فقط علي المفاهيم اللغوية .

كما أثارت مدرسة كوبنهاجن مجموعة من القضايا الابستمولوجية منها قضية الذاتية والموضوعية في المعرفة العلمية، وبالأخص فيما يتعلق بالعالم المتناهي في الصغر . إن عدم الجسيمات الأولية للتحديد الدقيق كما كشف عنه مبدأ اللايقين يرجع فيه إلي تداخل آلات القياس تدخلاً يجعل من الصعب الفصل في نتائج القياس بين ما يعود إلي الموضوع الملاحظ وما يرجع إلي عملية القياس وأدواته . هذا معطي من معطيات البحث العلمي في مرحلة معينة من تطوره، وبالتالي فلا يمكن إهماله . غير أن فكر مدرسة كوبنهاجن قام علي فهم العلاقة بين الذات والموضوع فهما وحيد الجانب؛ حيث أكدوا دعاة تلك المدرسة علي الصفة الذاتية في الفيزياء الحديثة، كما عولوا علي تداخل أدوات القياس مع الظاهرة العلمية، وأن عملية القياس تعد تأثيراً ذاتياً أو انعكاساً إنسانياً علي الطبيعة الخارجية بشكل يثير اضطراباً في العملية الفيزيائية ويجعل قياساتنا غير يقينية .

وبالتالي أنكرت مدرسة كوبنهاجن الصفة الواقعية – الموضوعية للشئ الفيزيائي الكوانطي (الدقائق الصغري كالإلكترونات مثلا) نكراناً كلياً أو جزئياً ؛ وذلك بعد أن ركزوا علي أن الظواهر التي يدرسها العالم لا تملك أي واقع فيزيائي موضوعي قائم بذاته وباستقلال عن طريق اختبارها وملاحظتها والقياس عليها، أي أنها لا توجد إلا بالنسبة لذات تختبرها وتجرب عليها .لذا فالقضايا العملية لا تشير إلي الواقع الموضوعي، بل إلي إجراءاتنا وطرقنا التجريبية، أي أن الظواهر لن يكون لها وجود موضوعي مستقل عن من يدركها، وهي في الأخير ليست سوي مركبات ذهنية من الإحساسات . وبهذا يعيدون ماخ الذي يميز بين المعرفة الحسية، أي معرفة الواقع مثلما تمدنا به حواسنا، ومعرفة الواقع في ذاته التي هي معرفة مستحيلة .. وبالتالي يعيدون المثالية الكانطية والتي لم يعمل ماخ سوي علي تنقيتها وتطهيرها من الشوائب الميتافيزيقية العالقة بها كفكرة الشئ في ذاته حتي تمتزج بآراء هيوم وبركلي وتتفق معها ؛ وفي هذا يؤكد " هيزنبرج " أنه :" يجب أن نلاحظ أن تفسير كوبنهاجن لنظرية الكم ليس علي الإطلاق وضعيا . فبينما تركز الوضعية علي أن عناصر الواقع هي الإدراكات الحسية للمراقب، فإن تفسير كوبنهاجن يعتبر الأشياء والعمليات التي يمكن وصفها بلغة المفاهيم الكلاسيكية، نعني الواقعية أساسا لأي تفسير فيزيائي .في نفس الوقت سنلاحظ أننا لا نستطيع تجنب الطبيعة الإحصائية لقوانين الفيزياء الميكروسكوبية، لأن أية معرفة عن الواقعي هي بذات طبيعتها معرفة ناقصة بسبب قوانين الكم النظرية .

ومن ناحية أخري فقد تمكنت مدرسة كوبنهاجن بزعامة بوهر وهيزنبرج أن تروج لتفسير مفاده استحالة معالجة الظواهر الذرية بواسطة مفهوم الحتمية نظرا لعلاقات الارتياب واستحالة الاستمرار في الاعتقاد في الوجود المادي الواقعي والموضوعي للجسيمات الذرية، وبهذا المعني يغدو من الصعب، في نظرها، الحديث عن (واقع) لأن هذا الأخير في ميدان الذرة يختلف اختلافا أساسيا عن الواقع في الميدان الماكروسكوبي، أي في مستوي الظواهر التي نتعامل معها في حياتنا اليومية الاعتيادية . وانطلاقا من نفس الاعتبارات، نفوا أن تكون نتائج قياساتنا وتجاربنا في المستوي الذري نتائج موضوعية، نتيجة ما يؤدي إليه تدخل آلات القياس من تأثير علي الظاهرة الملاحظة نفسها تأثيرا بارزا، حيث لا يكون للظاهرة الفيزيائية الملاحظة واقع فيزيائي إلا بالنسبة للآلة، أو لوسيلة إدراكه وقياسه .

وكان معظم ممثلي مدرسة كوبنهاجن يرفضون الحتمية بالمعني الكلاسيكي الذي أرساه لابلاس، ويقولون بالطابع الإحصائي للقوانين العلمية مع إعطاء مفهوم اللايقين ؛ إذ أضحي جل فكر معظم العلماء والفيزيائيين المتخصصين في ميكانيكا الكوانتم منقادين وراء التفسير الفلسفي الذي اقترحته مدرسة كوبنهاجن لعلاقات اللايقين ولازدواجية الجسيم والموجة والتداخل القائم بين آلات القياس والظواهر، معتبرين أن اللاحتمية واقعة أساسية في الظواهر الكوانطية، وأن التداخل ينزع كل  صبغة موضوعية عن الظواهر التي ندرسها وعن النتائج التي نحصل عليها من دراستنا . لهذا فإن الشئ أو الموضوع في نظرهم، لم يعد بالنسبة لنا سوي مجرد تركيب من الانطباعات أو الإحساسات التي يتدخل فيها عنصر الاعتباط والاختيار والذاتية، وهم يعتقدون انطلاقا من ذلك أن الاستمرار في القول بأن هدف العلم هو الاطلاع علي حقيقة العالم الواقعي ليس سوي وهم أصبح يكذبه العلم الكوانطي.

ويؤكد تفسير كوبنهاجن علي أن الملاحظة الإنسانية تؤدي إلي عدم يقين في قياس الظواهر الفيزيائية . وهي كما يبدو دعوي بالذاتية في القياس العلمي بشرت به مدرسة كوبنهاجن (هيزنبرج- بور) التي لا تنتبه إلي أن التداخل الموضوعي بين عمليات القياس وبين الظواهر الفيزيائية يحدد بتحديد كمي لعدم التحديد أو عدم اليقين .

وهنا يذهب ديتوش وهو أحد المناصرين لفكر مدرسة كوبنهاجن يؤكد " إن التصورات الديكارتية هي التي قادت إلي تلك الحتمية التي عرفها العلم الكلاسيكي . وعندما ظهر أن تطبيقها يؤدي إلي تناقضات وأن التمسك الصارخ بالروح الوضعية يمنع من استعمال عناصر تتطلب، لكي تكون محددة بالفعل، القيام بعمليات لا يمكن انجازها، كان لا بد من فحص الإمكانات المبدئية المتعلقة بالقياسات الفعلية فحصا دقيقاً، والاقتناع بالتالي بأنه ليس في الإمكان قياس "حالة" منظومة ما بالمعني الذي يفهم به القياس في الفيزياء الكلاسيكية، الشئ الذي يعني أنه لا يمكن تحويل "علاقات اللايقين" تحويلا عكسياً، ومن ثم التسليم بوجود لا حتمية أساسية .

لهذا تنتهي مدرسة كوبنهاجن إلي  إبطال صلاحية التصور الكلاسيكي للواقع علي أنه أجسام والقول بأنه تصور محدود بحدود ظواهر العالم المرئي الذي كانت تدرسه الميكانيكا ولا يمكنه أن ينطبق علي الميدان الميكروفيزيائي. كما تقول بضرورة إبطال صلاحية المنطق الأرسطي الذي نشأ في أحضان نظرة فلسفية جوهرية باعتباره منطقا يعجز عن استيعاب المظهر التكاملي للظواهر الذرية كازدواجية الجسيم والموجة التي تظهر وكأنها تناقض . وانطلاقا من التأثير الذي تمارسه أدوات وأجهزة قياسنا علي الظاهرة المدروسة، قالت بضرورة الإقلاع عن إعطاء الآلة نفسها أو الظاهرة واقعا فيزيائيا قائما بذاته .

ولم تكتفي تلك المدرسة، بذلك بل راحت تعلن رأيها حول الأحداث في العالم الصغير، وذلك علي النحو التالي :

1- أن جسيمات العالم الصغير لا تكتسب صفة الواقع الموضوعي إلا حينما تسجل بواسطة جهاز مختبري، ويحس بها إحساسا ميكروسكوبيا (القياس أو الرصد).

2-  لا يمكن الفصل فصلا واضحا بين الراصد (الإنسان أو الجهاز) والمرصود (الدقيقة، الذرة)، أي بين الذات والموضوع، وأن المرصود ليس له واقع موضوعي مستقل عن الراصد .

3- التفاعل بين الجسيم الصغير (الدقيقة الميكروسكوبية) وجهاز القياس يخلق اضطرابا في الجسيم لا يمكن السيطرة عليه أو معرفته مقدما .

4- للراصد إمكانية الاختيار الحر بين ترنيبين مختبرين مختلفين يؤدي كل منهما إلي معلومات عن الجسم الميكروسكوبي تتنافي مع ما يؤدي إليه الترنيب الآخر، إلا أنهما تكملان بعضهما (مبدأ التكميلية) وفسر ذلك بأن الخواص التكميلية (الدقائقية أو الموجية) للدقائق الصغري تتولد بتأثير الذات علي الموضوع، ولذلك لا يستطاع معرفة الشئ (الموضوع9 في جوهره . وبهذا كانت ثنائية الدقيقة – الموجة وعلاقة اللادقة تفسر أن تفسيرا لا ادرديا .

4- الإحصاء والسببية أو الاحتمال والحتمية نقيضان يتنافي احدهما مع الأخر تناقضا مطلقا . ولا يمكن التوفيق بينهما . وأن قوانين الميكانيك الكوانطي الإحصائية تعني اللاحتمية واللاسببية في أحداث العالم الصغير (الميكروسكوبي) .

5- واجب الفيزياء ينحصر في وصف الروابط بين الإحساسات وصفا شكليا . أما الواقع الموضوعي الذي هو مصدر تلك الإحساسات، وإمكان معرفة هذا الواقع، فينبذ من تفكير البعض باعتباره تأملات " غير ذات معني " .

وما يمكننا استخلاصه من هذه الاعتبارات التي قالت بها مدرسة كوبنهاجن، هو أن تقدم العلم جرد المادة من كيفياتها المادية، كما سلخ عنها الصبغة الواقعية  التي قالت بها العقلانية الديكارتية بإمكان تحديدها بالشكل والحركة باعتبارها أجساما تتحرك في مكان معين . لقد تغير مفهوم النقطة المادية في الفيزياء الحديثة إذ لم تعد نقطة معينة في المكان تعيينا سكونيا، بل غذت مركزا لحركة دورية تنتشر حولها . وأن محاولة تحديد موقعه أو سرعته تقتضي إنشاءه ذهنيا بحيث أن صفاته يكتسبها من هذه المنظومة ذاتها . لهذا نقول بأن محاولة التغلب علي الصعوبات التي طرحتها الإشكالية الكوانطية (في المرحلة الأولي) أدت إلي انفتاح آفاق جديدة للتفسير أمام العلم تثبت كلها الطابع الإنشائي التركيبي للعلم وتؤكد علي الصبغة الطرائقية لمفهوم (الشئ) إذ الجسيم الملاحظ لا يعرف إلا في علاقته بالملاحظة وأداة الملاحظة . ومن نتائج ذلك أن بنية التفسير الماكروسكوبي استبعدت صلاحيتها، بل ظهر فشلها كأداة للتفسير في هذا المستوي الجديد من الظواهر وبالتالي انهارت النظرة الكيميائية للذرة التي اعتبرتها جسيمات صلبة يمكن تحديد موقعها وسرعتها بالشكل والحركة . وفي نفس الوقت الذي تنهار فيه المقادير الديكارتية أمام علاقات الارتياب تؤكد نزعة العلم الطرائقية نفسها وتبين عن جداراتها خصوصاً وأن مفهوم الموقع والسرعة يتحول إلي مفهوم طرائقي وكأن تحديده ينتج عن علاقة الجسيم بمنظومة الملاحظ .

ويعتبر هيزنبرج من أقطاب مدرسة كوبنهاجن، والمتحدث الرسمي عن فكر مدرسة كوبنهاجن، بل والمدافع عن فكر تلك المدرسة ؛ حيث راح يعلن أن:" الوصف الموضوعي للوقائع في الفضاء والزمان غير ممكن كما أنه :" لا يمكن أن توجد " فيزياء موضوعية "، أي أن من الممكن وضع حد فاصل واضح بين الموضوعي والذاتي، وأن الفيزياء الذرية لا تعالج بنية الذرات، بل أحداثاً نحس بها عند الرصد، وليس من الممكن جعل الرصد عملية موضوعية، ولا يمكن اعتبار نتائجه شيئا واقعيا بصورة مباشرة . وكتب :" تنحصر مهمة الفيزياء في وصف الترابط بين الإحساسات وصفاً شكلياً ققط وبإمكاننا إيجاز الواقع الحقيقي كما يلي : بما أن جمع التجارب تخضع لقوانين الميكانيك الكوانطي، أصبح خطأ قانون السببية مثبتا إثباتا قاطعا ".

ومما يجلب الانتباه أن هيزنبرج لم يكن له موقف واضح ثابت من " الواقع الموضوعي " . فهو يكتب عن الذرة مثلاً : " في الجوهر نجد أن الدقيقة الأولية ليست جسيما ماديا في الفضاء والزمان، أنما هي بشكل من الأشكال مجرد رمز تتخذ قوانين الطبيعة عند تقديمه شكلاً سهلاً واضحاً ... إن خبرات الفيزياء الحديثة تبين لنا أن لا وجود للذرات كجسيمات بسيطة . إلا أن تقديم مفهوم الذرة يمكننا من صياغة القوانين التي تحكم المعطيات الفيزيائية والكيميائية صياغة سهلة . ولكنه يكتب في نفس المقال :" إن الشرط المسبق للتدخل الفعال العلمي في العالم المادي والموجه لأغراض عملية هو المعرفة الواعية بالقوانين الطبيعية المصاغة بقالب رياضي " . وكتب في مكان آخر :" العلم يسأل بشكل من الأشكال محاولة لوصف العالم بالمدي الذي يكون فيه هذا العالم مستقلا عن فكرنا وعملنا . أما حواسنا فليست سوي وسيلة محدودة الكمال ـ تمكننا من اكتساب المعرفة عن العالم الموضوعي".

لكن هيزنبرج في كتابه الفيزياء والفلسفة يقدم لنا بعضا من أصرح ما رأيت من تأكيدات لهذا الموقف الذاتي الغير موضوعي ؛ فهو يقول :" في التجارب التي تجري علي الوقائع الذرية علينا أن نتعامل مع الأشياء والحقائق، مع ظواهر لها نفس واقعية الحياة اليومية . لكن الذرات أو الجسيمات الأولية ذاتها ليست واقعية مثلها، إنها تشكل عالما من الإمكانات أو الاحتمالات لا عالما من الأشياء والحقائق، توسم آراء أينشتين بأنها واقعية دوجماطيقية، وهي تمثل موقفا طبيعيا جداً فى رأى هايزنبرج . والحق أن الغالبية العظمى من العلماء يدينون به . هم يعتقدون أن أبحاثهم تشير فعلا إلى شئ واقعى " يوجد هناك " فى العالم المادى، وأن الكون المادى الشرعى ليس مجرد ابتكار من خيال العلماء . إن النجاح غير المتوقع للقوانين الرياضية البسيطة فى الفيزياء يدعم الاعتقاد بأن العالم إنما يطرق واقعا خارجيا موجودا بالفعل . لكن هايزنبرج ينبهنا إلى أن ميكانيكا الكم قد بنيت أيضاً على قوانين رياضية بسيطة ناجحة تماماً فى تفسير العالم المادى، غير أنها لا تتطلب أن لا يكون لهذا العالم وجود مستقل، بالمعنى الذى تقول به " الواقعية الدوجماطية " . وعلى هذا فإن العلم الطبيعى ممكن بالفعل دون أساس من الواقعية الدوجماطية .

وهنا يعلن هيزنبرج عن موقف مدرسة كوبنهاجن من الواقع فيقول :"  إن تفسير كوبنهاجن لنظرية الكم يبدأ بمقارنة . إنه يبدأ من حقيقة أننا نصف تجاربنا بلغة الفيزياء الكلاسيكية، بينما نعرف فى نفس الوقت أن هذه المفاهيم لا تلائم الطبيعة بدقة، والتوتر بين نقطتى البداية هاتين هو أصل الطبيعة الإحصائية لنظرية الكم . وعلى هذا فلقد اقترح أحيانا أن علينا أن نهجر المفاهيم الكلاسيكية تماما، وأن تغيرا جذرياً فى المفاهيم المستخدمة لوصف التجارب قد يرجع بنا إلى وصف للطبيعة غير إحصائي، وموضوعى تماما . على أن هذا الاقتراح يبنى على سوء تفهم . إن مفاهيم الفيزيقا الكلاسيكية هى مجرد تهذيب لمفاهيم الحياة اليومية، وهى جزء أساسي من اللغة التى تشكل الأساس لكل العلوم الطبيعية. إن موقفنا الواقعى فى العلوم هو أننا نستخدم بالفعل المفاهيم الكلاسيكية لوصف التجارب . ولقد كانت مشكلة نظرية الكم هى أن نجد التفسير النظرى للتجارب على هذا الأساس. لا فائدة ترجى من مناقشة ماذا يمكن عمله لو كنا كائنات أخرى غيرنا نحن . وهنا يجب أن ندرك – كما قال فون فايتسيكر – أن " الطبيعة أقدم من الإنسان، لكن الإنسان، أقدم من العلوم الطبيعية " . والفقرة الأولى من الجملة تبرر الفيزياء الكلاسيكية ومثلها الأعلى هو الموضوعى الكاملة . أما الفقرة الثانية فتخبرنا عن السبب فى أننا لا نستطيع أن نهرب من مفارقة نظرية الكم، نعنى حاجتنا إلى استخدام المفاهيم الكلاسيكية " .

ومن الملاحظ أن هيزنبرج هنا يعتبر الحديث عن عالم موضوعي واقعي تتمتع فيه أصغر الجسيمات بنفس الوجود الموضوعي الذي ننسبه للأجسام الميكروفيزيائية حديثا مستحيلا وغير مقبول .  إذ الظواهر الميكروفيزيائية  لا توجد إلا بالنسبة لذات تدركها وبالنسبة لآلة تقيس عليها . فوجودها يكمن في كونها مدركة ومختبرة من طرف عالم، ومن طرف منظومة بين الذات والموضوع الملاحظ نتيجة التداخل والتفاعل بينها، أي يعدو من غير الممكن اعتبار الظواهر تتمتع بوجود واقعي فيزيائي مستقل وموضوعي بالمعني الاعتيادي للكلمة . بل تخلقه خلقا إراديا حرا تلعب فيه مبادرة العالم دورا أساسيا . كما يشكل فيه الاختيار عنصرا رئيسيا . وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل- جامعة أسيوط

 

 

حاتم حميد محسنكيف نعرف ما ستكون عليه حالة الطقس غدا؟ او ماهو عمر الكون؟ كيف نعرف ان كنا نفكر بطريقة عقلانية؟ هذه وغيرها من اسئلة "كيف نعرف؟"هي مهمة الابستيمولوجي، ذلك الفرع من الفلسفة المتعلق بفهم طبيعة المعرفة والعقيدة. الابستيمولوجي هي حول فهم الكيفية التي نعرف بها ان شيء ما هو صحيح سواء أكان من الحقائق مثل "الارض تزداد سخونة" او مسألة تتعلق بالقيم مثل "الناس لا يجب ان يُعاملوا فقط كوسائل لغايات معينة". انها ايضا حول التحقيق في المعلومات الرئاسية المثيرة المنشورة في تويتر للتأكد من مصداقيتها. ابستيمولوجي ليست فقط اسئلة حول ما يجب ان نعمل لنتعلم، تلك مهمة جميع التخصصات الى حد ما. فمثلا، العلوم، التاريخ والانثربولوجي كلها لديها طرقها في الملاحظة والتعلّم.

الايبستيمولوجي تتولى مهمة جعل تلك الطرق ذاتها هدفا للدراسة. انها تهدف لفهم كيف يمكن النظر لطرق التحقيق كمحاولة عقلانية. لذلك، فان الابيستيمولوجي تهتم بتبرير ادّعاءات المعرفة.

الحاجة الى الابيستيمولوجي

مهما كان الميدان الذي نعمل فيه، يتصور بعض الناس ان العقائد حول العالم تتكون ميكانيكيا من تفكير مباشر، او انها تأتي كليا الى الوجود كنتيجة للتصورات الواضحة والمتميزة عن العالم. ولكن اذا كانت مهمة معرفة الاشياء بهذه البساطة، فلماذا لا نتفق على الكثير من الاشياء التي لانوافق عليها حاليا مثل كيف نعامل بعضنا البعض، او أي قيمة نضعها للبيئة وما هو أفضل دور للحكومة في المجتمع. ما لانتفق عليه يعني ان هناك شيء خاطئ في ذلك الشكل من تكوين العقائد. من المفيد ملاحظة اننا كأفراد نميل للتفكير في انفسنا كمفكرين واضحين ونرى اولئك الذين لا يتفقون معنا مضللين بمعلومات خاطئة. نحن نتصور ان الانطباعات التي لدينا حول العالم تأتي الينا سليمة وغير منتقاة. نعتقد اننا نمتلك القابلية على رؤية الاشياء تماما كما هي عليه، وان الآخرين هم الذين لديهم تصورات خاطئة. وبالنتيجة، نحن نعتقد ان مهمتنا هي ببساطة الاشارة الى المكان الذي اخطأ فيه الاخرون في تفكيرهم، بدلا من الانخراط بحوار عقلاني يسمح في امكانية ان نكون حقا على خطأ. لكن دروس الفلسفة والسايكولوجي وعلم الادراك تعلّمنا شيئا آخراً. العمليات العضوية المعقدة التي تطبع وترشد تفكيرنا ليست خالصة اكلينكيا. نحن لسنا فقط خاضعين لحجم هائل من مجموعة معقدة من التحيزات الادراكية والميول وانما نحن عموما جاهلون في دور تلك التحيزات في تفكيرنا وصناعة القرار. ترافقْ هذا الجهل مع الايمان بتفوقنا الابستمي، يجعلنا نستطيع رؤية حجم المشكلة. اللجوء الى "الفطرة السليمة" للتغلب على عدم اتفاق الرؤى سوف لن يحلّ المشكلة. نحن لهذا نحتاج لطريقة منهجية لإستنطاق تفكيرنا، ونماذجنا العقلانية، وحسّنا الخاص بنا في كل ما يمكن ان يشكل سببا جيدا. يمكن استخدام تلك الطريقة كمعيار اكثر موضوعية لتقييم قيمة ادّعاءاتنا المعلنة في المحيط العام. هذه بالضبط مهمة الابستيمولوجي.

الابستيمولوجي والتفكير النقدي

احدى أوضح الطرق لفهم التفكير النقدي هي كابستيمولوجيا تطبيقية. قضايا مثل طبيعة الاستدلال المنطقي، لماذا يجب علينا قبول خط معين من التفكير دون آخر، وكيف نفهم طبيعة الدليل ومساهماته في صنع القرار، كلها اهتمامات ابستمية. الفيلسوف الامريكي Harvey Siegel يشير الى ان هذه الاسئلة وغيرها ضرورية في التعليم لأجل التفكير النقدي.

"بأي معيار نقيّم الاسباب؟ كيف يمكن ان تُقيّم تلك المعايير ذاتها ؟ كيف يمكن تبرير الفعل او العقيدة؟ ماهي العلاقة بين التبرير والحقيقة؟ ... هذه الاعتبارات الابستمية هي جوهرية للفهم الكافي للتفكير النقدي ويجب التعامل معها بوضوح في كورس اساسي للتفكير النقدي".

بمقدار ما يتعلق التفكير النقدي بتحليل وتقييم طرق التحقيق وتقييم مصداقية الادّعاءات الناتجة، هو سيكون محاولة ابستمية .

ان الانخراط بالقضايا الأعمق حول طبيعة الإقناع العقلاني يمكن ايضا ان يساعد في عمل الأحكام حول الادّعاءات حتى بدون معرفة تخصصية. على سبيل المثال، تساعد الابستيمولوجي في توضيح المفاهيم مثل "برهان" "قوانين" و "فرضية" التي هي عموما تُفهم بطريقة سيئة من جانب عامة الناس ومن العلماء ايضا.

بهذه الطريقة تفيد الابستيمولوجي ليس للحكم حول مصداقية العلم، وانما لفهم افضل لقوته ومحدودياته ومن ثم جعل المعرفة العلمية اكثر سهولة.

الابستيمولوجي والصالح العام

احدى السمات الدائمة للتنوير -الحركة الفكرية التي بدأت في اوربا خلال القرن السابع عشر هو الالتزام بالعقل العام (public reason) او الاستخدام العام للعقل في مناقشة القضايا الحيوية ذات الاهتمام العام. هذه الفكرة تعني انك لايكفي ان تحدد موقفك فقط، بل يجب ان تعطي ايضا دفاعا عقلانيا لماذا يجب ان يقف الآخرون معك، هذا الالتزام يوفر او يجعل بالإمكان ايجاد طريقة موضوعية لتقييم الادّعاءات باستخدام معيار ابستيمولوجي لدينا دائما القول في تشكيله . ذلك اننا نختبر كل تفكير للآخرين وبالتعاون نصل الى مستوى من المصداقية الابستمية ترفع فن التبرير الى ما وراء قيود الاذهان الفردية، وتضع له ارضية في الحكمة الجمعية لجماعات التحقيق المفكرة والفعالة . استقامة عقيدة اي شخص، حجمها وتكرارية قولها، او تأكيد عبارة "صدّقني" يجب ان لا تكون مقنعة عقلانيا بذاتها. اذا كان ادّعاء معين لا يمتثل لمعيار ابستيمولوجي متفق عليه عموما، عندئذ فان ضرورة الشك تتطلب تعليق العقيدة، وسيكون من الضروري استسلام الايمان المبني على فرضيات لا يدعمها الدليل.

دفاع ضد التفكير السيء

هناك طريقة للحماية من التفكير السيء- حولنا وحول الآخرين - التي تنطلق ليس فقط من التنوير وانما ايضا من التاريخ الطويل للتحقيق الفلسفي. لذا فانك عندما تسمع ادّعاءً مثيرا للخلاف من شخص ما، انظر كيف يمكن تأييد ذلك الادّعاء اذا عُرض منك او من غيرك امام فرد غير مهتم او غير متحيز:

1- حدّد الأسباب التي يمكن ان تُعرض لدعم الادّعاء.

2- وضّح كيف يمكن ان تكون تحليلاتك وتقييماتك وتبريراتك للادّعاء هي معيار يستحق الاستثمار الفكري.

3- اكتب هذه الاشياء باكبر قدر ممكن من الوضوح و عدم الانحياز العاطفي.

بكلمة اخرى، إلتزم بالعقل العام. واطلب من الآخرين القيام بهذا ايضا، بالتجرّد من العبارات التحفيزية والاطار المنحاز.

اذا كنت انت او غيرك لا تستطيعون إعطاء سلسلة دقيقة ومتماسكة من التعليل، او اذا بقيت الأسباب تعاني من تحيّز واضح، اوعندما تتخلى انت عن الجدال بحالة من الاستياء، فان ذلك سيكون اشارة جيدة بوجود عوامل اخرى في اللعبة. انه التزام بهذه العملية الابستمية بدلا من اي محصلة معينة، انها الطريق السليم للدخول لحقل عقلاني.عندما تتسم البلاغة السياسية بعدم العقلانية، ويُنظر الى المعرفة بأقل مقدار كوسيلة لفهم العالم وبمقدار اكبر كأهلية يمكن ازاحتها جانبا حينما تقف في طريق التمنيات، وحين يسحب القادة السلطويون الجموع الغفيرة للناس، فلابد حينئذ من الاهتمام بالابستيمولوجي.

How do you know that what you know is true? The conversation, Aug4.2017

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفتمهيد: يبدو أن طرح تساؤل كيف يفهم الفلاسفة المثاليون الواقع المادي أصبح من مباحث الفلسفة الكلاسيكية التي أشبعت شروحات وأستنفدت الجديد الذي يمكن أن يقال عنها لكثرة المعالجات والتنظيرات الفلسفية التي تناولت المثالية الفلسفية من زوايا رصد ومعاينات مختلفة عديدة منذ قرون طويلة.. لكن مع هذا تبقى النزعة المثالية في الفلسفة تستحدث نفسها بصيغ وتعبيرات متنوعة على الدوام بأعتبارها رؤى متعددة لفهم وتفسير الوجود الانساني والعالم بالضد من المنهج المادي..

وما نتناوله في هذا المبحث المختصر هو النزعة المثالية في الفلسفات الامريكية المعاصرة وتحديدا الذرائعية والواقعية الجديدة والواقعية النقدية، ورغم الاختلافات غير الجوهرية بينها الا أنها تلتقي بنوع من الافصاح المباشر عن منطلقاتها الفلسفية المثالية وهو ما نحاول تسليط الضوء على بعض منه ومناقشته.. وقبل الدخول في تفاصيل نجد وجوب التنبيه العرضي الى أن مفاهيم الفلسفة المثالية في مختلف تنوعاتها حاضرة اليوم لم يتجاوزها الزمن لسبب مجمع عليه في الفلسفات الاوربية المعاصرة أن قضايا الانسان في جوهرها الانطولوجي - الانثروبولوجي هي واحدة لم تتغير وتتبدل، فالانسان منذ العصور البدائية هو الانسان اليوم رغم كل مظاهر التقدم العلمي والحضاري، وقضايا الوجود والطبيعة والادراك والزمان والمكان والتساؤلات الدائمية المتناسلة عن معنى الحياة والمصير وغيرها من تساؤلات بقيت تؤطر الوجود الانساني التاريخي على مر العصور....

ومحاولة الأجابة عن التساؤلات الفكرية الفلسفية المسكون بها الانسان قرونا بقيت متواترة تدور في حلقة مغلقة غير مكسورة هي أن قضايا الوجود الانساني والرؤى الفلسفية والمعرفية في حل أشكاليات حياته كانت في حقيقتها هي واحدة في جوهرها المحوري الراكز كتساؤلات عن قضايا معنى الحياة ومصير الانسان وما يتفرع عنها فلسفيا لم يتم حسمها على أمتداد مراحل التاريخ البشري، لكن الذي تغيّر ويتغيّر على أمتداد التاريخ ويتبّدل  بأستمرار هو تفريعات طرق وسبل السعي نحو هدف أمكانية حل تلك القضايا الانسانية الجوهرية، والذي يتبّدل هو طرق التفكير الفلسفية وسبل المعالجات لمواضيع تبدو مستجدة ومستحدثة بحكم التطور التاريخي الانثروبولوجي لكنها هي واحدة في حقائقها الجوهرية التي بقيت تساؤلات معلقة لم تحل، وهذا ما أكده أقطاب الفلسفة البنيوية شتراوس، وفوكو، والتوسيروآخرين غيرهم، مما حدا بشتراوس الذهاب الى دراسة تاريخ وعادات ولغات المجتمعات البدائية ما قبل التاريخ (الاثنولوجيا) التي يمكن بضوئها أستخلاص معارف جديدة منها يمكنها أن تكون أسقاطا مباشرا لفهم الكثير من قضايا الانسان المعاصر..لذا طالما هناك حياة أنسانية متجددة متطورة تاريخيا فأن وسائل التعبير عن مشاكلها المستحدثة بأستمرار ستبقى ملازمة لها ولا خلاص منها..

النزعة المثالية في تيارات الفلسفة الامريكية

تذهب النزعة المثالية في الفلسفة الواقعية الجديدة: (الى أن الجوهر كله يكمن في التمّثل وليس في الاشياء التي ليست سوى أشياء مادية)(1) وهذه العبارة تغنينا عن تسويد عشرات الصفحات كلها تدور حول مركزية حقيقة المثالية في الفلسفة الغربية عموما التي ترى في الفكر هو البداية والنهاية في محاولة فهمنا أسرار الحياة وحقيقة الوجود ..

من حقائق تاريخ الفلسفة التي أصبحت لا معنى ولا جدوى من التذكير بها هي أن الرؤية المثالية الفلسفية كانت ولا تزال تنكر أسبقية المادة والواقع على الوعي والفكر، وأن كل شيء هو أولا واخيرا نجده في تصنيع الذهن لتمّثلاته.. وجوهر الاشياء أنما يكون في تمّثلاتنا الفكرية الذهنية لها وليس في كينونتها الماهوية، والمادة خلو من الجوهر الممكن أدراكه أو المتعذر تمّثله بتصورات الذهن والذي ندركه من المادة هو جوهرها وليس صفاتها وعلاقاتها عليه لا يتبقى في المادة ماهو جدير بالاهتمام المعرفي..

الفلسفات المثالية بخلاف المادية لا تعترف بوجود واقع مادي مستقل في وجوده عن الانسان، مستقل عن وعي الانسان به وأدراكاته ورغباته، منكرين أن وجود الطبيعة بمكوناتها من ضمنها الانسان وما يحيط به من أشياء وموجودات وظواهر لا يتوقف تأكيد البرهنة على وجودها وعي الانسان بها ومعاملتها وعيا أدراكيا تمّثليا لها.

النزعة الفلسفية المثالية في الواقعية الجديدة وفي قبلها وبعدها من تيارات فلسفية أمريكية أنما تعتبر الجوهر هو خاصية الفكر وليس خاصية المادة، والجوهر مكمنه الفكر وليس في المادة التي لا قيمة لها من دون أحاطة الوعي الفكري بها والتعبير عنها.. ومعارفنا المستمدة من الفكر في تفسير وفهم الواقع المادي هي التي تمنحنا جواهر الاشياء التي لاقيمة حقيقية من غير أدراكاتنا وتمثلاتنا لها، وخارج هذه الآلية في التمثل الانطباعي للاشياء في الذهن لا يبقى هناك وجود لعالم خارجي يحكمه الوجود المادي..

هذا بأختصار رؤى الفلسفة المثالية التي تضع العربة أمام الحصان، ولنرى كيف؟

أن أي تفكير فلسفي وغير فلسفي علمي مادي أو مثالي على السواء ولا فرق بينها يذهب الى أن أدراك الواقع المادي لا يكون بغير آلية التصورات والتمّثلات الانطباعية لصور الاشياء بالذهن وبغير هذه الآلية لا يمكن أدراكنا الاشياء والموجودات وهو مبدأ سليم صحيح لا نقاش فيه من حيث أن الفكر وسيلة معرفية للاشياء وليست الافكار هي ذاتها الاشياء في وجودها المادي الخارجي المستقل، فعندما نقول جبل فلا يعني أدخال الجبل بالذهن بل أدخال مدلول تجريد كلمة جبل في الذاكرة لا غير... وكذلك فالادراك وعدم الادراك للاشياء والموجودات المادية لا يلغي وجودها من عدمه ولا يقرر الفكر وجود الاشياء من عدمه بل الفكر يلغي عدم أمكانية الوعي الحسّي بها وأدراكنا لها تماما كاملة..وفي الوقت التي تذهب أليه المثالية أن كل شيء يكون وجوده التصنيعي بالذهن وحتى جواهر الاشياء، فأن الوجود المادي للاشياء المستقل لا يتوقف على تمّثلات الذهن البشري له، فالوجود معطى كما هي الطبيعة والانسان والكون أيضا.. والوعي بالواقع المادي مصدره الوجود الواقعي، والفكر لا يخلق وجود الاشياء لكنه يساعد في فهمها وتفسيرها والتعبير عنها وملاحقة تطويرها..

جوهر الاشياء في المادة أم في الفكر؟

الفلسفات المثالية ترى أن الجوهر يكون في تمّثلات الفكر ولا يوجد جوهرمادي خارج مدركات الفكر، لذا فالجوهر فكرمعرفي وليس تكوينات وعلاقات ماهوية مادية موجودة في الاشياء ، الجوهرفي المثالية هو مدركات العقل وليس وجوده المادي في الاشياء.. أن ماتنكره الفلسفة الواقعية الجديدة الامريكية شأنها مثل جميع الفلسفات المثالية هو أعتبارها الواقع المادي من أشياء وموجودات وظواهر في الطبيعة وما يحيط بنا، لا تحمل صفات مدركة ولا جواهر مدّخرة فيها، أكثر مما ندركه عنها كصفات تمّثل العلاقات الخارجية التي تكون كافية لمعرفة وتمثل كليّات الاشياء..وهذه الرؤية تجعلنا منقادين التسليم بخطأ وضع العربة أمام الحصان بأن مواضيع الادراك التي هي الاشياء المادية الواقعية أنما هي موجودات (قبلية) في الذهن قبل أن تكون موجودات مستقلة (قبلية) في العالم الخارجي والواقع..بمعنى تأكيد المقولة الاقنومية المثالية الجاهزة الثابتة أن الفكر قبلي سابق على المادة وليس بعديا لها..

نجد أننا ملزمين ألتأكيد على مسألة طالما أكدّنا عليها أن الفكر مهما بلغ من قوة وقدرة ألادراك والاستيعاب التمّثلي والتمثيلي في النيابة عن الاشياء فهو يبقى في النهاية تجريدا غير مادي عاجزا عن التعبير التام والاحاطة المعرفية الكاملة بتلك المدركات كما هي في حقيقتها تماما..ليس بصفاتها وعلاقاتها الفيزيائية الخارجية وحسب وأنما في أستحالة معرفته جواهر تلك الاشياء والاستئثار بحيازتها في تعبيرالفكرعنها وألغائها وجودا من قلب تلك الموجودات والاشياء..ولا يمكن للفكر أن ينوب عن الموجودات الواقعية في تمثلها كتصورات ذهنية تحاول الألمام بكلياتها،...الموجودات والاشياء في العالم الخارجي هي مصدر الافكار وهي مادة التفكير والتصورات والتمّثلات الذهنية البعدية لها وليست قبلية في سبق الفكرعليها،،وهذه الاشياء تبقى متناقضة مع الفكر المعّبر عنها بغير ألمام كاف يظهر ما تختزنه دائما من معرفة تمتلك جوهرا ومعرفة تمتلك مدّخرا من فائض المعنى الذي تعجز الافكار التعبير عنه بصدقية تماما..ويبقى دائما تضاد غير معلن خفي بين المدركات الواقعية وفكر اللغة المعّبر عنها في أستحالة تطابقهما..

كيف تدافع الواقعية الجديدة عن مثاليتها؟

أن محاولة مطابقة تصوراتنا في التعبير مع الواقعة المادية في وجودها الانطولوجي تكون صحيحة بالنسبة لمعيارية محدودية مدركاتنا العقلية عنها.. فما ندركه منها نتصوره الالمام الكامل بها، وتبقى الموجودات والاشياء المادية من حولنا تحتفظ بالكثير مما نجهله عنها في مغاليق كينونتها العصّية على الادراك المباشر، لذا يكون كل تعبير عن تلك الاشياء في حقيقتها متعّذرا لا يمكن بلوغه لما تدّخره بذاتها من أستعصاء فك رموزها التكوينية والوصول الى جواهرها..وما نتصور بلغناه في مطابقة التعبيرمع الاشياء والاحاطة التامة به لا يمنح أفكارنا تمثيلها حقيقة الاشياء موضوعة الادراك والتعبير عنها.. أمام هذا المأزق الحقيقي نجده في تعبير الواقعية الجديدة عن تساؤلها ماهي طبيعة الاشياء والواقع؟ وكيف لنا معرفته أذا كانت وسائل تلك المعرفة لا تمنحنا حقيقته؟

عن هذا التساؤل الفلسفي العميق يجيب فلاسفة الواقعية الجديدة وفلاسفة النقدية على السواء أجماعهم (كان علينا القول ماهي هوية الموضوع المعروف، أي الشيء بوصفه شيئا، وما هي هوية العقل العارف، وكان الأجدر أن تقول الواقعية الجديدة وبوضوح كاف كيف يمكن للتمثل – الموضوع المعروف - أن يكون جوهرا لشيء غير معروف؟)(2)

نستشف من التساؤل والاجابة عليه أنه رغم الاعتراف الضمني بأن الشيء بوصفه شيء مادي فهو يبقى محتفظا بكينونته الهووية بمعزل تام عن أرادة الوعي الادراكي الذي يعجز الاحاطة بكليّة الاشياء صفات وجواهر..

وحين تريد الواقعية الامريكية الجديدة بمثالية سمجة واضحة الغاء الوجود المادي أن يكون مصدرا مباشرا بدئيا لكل تفكير ذهني، نجدها توقع نفسها بوهم أخطر أن تعتبرالجوهر هو ما نستطيع أدراكه ومعرفته والالمام به، ولا توجد جواهر عصّية تمتلكها الاشياء خارج حدود الالمام الفكري في التعبير عنها..وهذه الحقيقة بالنسبة للمثاليين تمنح الافكار(حقيقة) وجود الاشياء وحقيقة أمتلاك تمّثلات الفكر (جوهرها) أيضا...ولا تبقى لأشياء أو للموجودات المادية في العالم الخارجي أية قيمة خارج مدركات العقل في تمّثلاته لها..فما لا تدركه تلك التمثلات لا يحمل قيمة حقيقية له.

المثاليون الفلاسفة يعتبرون الفكر سبب ونتيجة معا في معرفة الواقع المادي، بينما الصحيح أن الواقع المادي هو سبب أن يكون للفكر معنى معرفي يقودنا لادراك الاشياء في وجودها المادي.. ويترتب الخروج على هذا الخطأ القول أذا ما كان سهلا علينا ألغاء أفكارنا أو تبديلها وتغييرها، لكن من العجز تماما ألغاء حقيقة الوجود المادي الذي لا يتحقق في رغبة أدراكاتنا وتمثلاتنا الذهنية له، وأنما هي موجودات مستقلة لا تكترث بمن يدركها أو لا يدركها..

وبحسب الواقعية النقدية الامريكية المثالية (ولأن المعرفة لا تقدم لنا مادية الواقع، فمن الضروري بمكان أن تقدم لنا الجوهر، ومعرفة الجوهر كموضوع يكون كل شيء متحققا، وفيما يتجاوز الموضوع المعروف لا يبقى وجودا لحقيقة عقلية مطلقا فالجوهر المعروف هو الجوهر الكلي للموضوع.)(3)

واضح من غير المجدي هروب الواقعية النقدية الى أمام في عجز معرفة حقائق مادية الواقع، أن تجعل المثالية الامريكية تعويضها عن عجزها أدراك مادية الواقع في تعويضها أمتلاك الاصعب وهو الجوهر، فمعرفة الموجودات في كلياتها لا يمكن مقارنة أمكانية تحققها وتحصيلها لمن يرغب ويريد أمام صعوبة أمتلاك معرفة جواهر الاشياء، كما أن وضع العربة أمام الحصان في تبريرات الفلسفة المثالية، تضعنا أمام بديهية أن معرفة الخصائص المادية للاشياء في وجودها الخارجي هو مرحلة بدئية أولى تمّهد لنا سبيل الوصول لمعرفة جواهر تلك الاشياء..

أما تعبير المثالية الامريكية أنه بغياب موضوع أدراك الجوهر لا يبقى هناك حقيقة عقلية، فهوتعبير دوغمائي محتضر فالكلية المعرفية للموجودات المتكونة من صفات وجواهر لا تكفي الاحاطة بها أن تكون غير ناقصة أذ من الصعب أدراك جواهر الاشياء قبل معرفتنا مدركاتها الصفاتية الوجودية كليّة، كما أن وسائل تحقيق معرفتنا الكليات المحسوسة لا تكون كافية في معرفتنا جواهر الاشياء كما وليست كافية لمعرفتها كصفات وعلاقات حقيقية ايضا..

 

 

تمثلات الذهن وتعبيرات اللغة غير كافيين

لا يزال هناك ثغرة تتجاهلها الفلسفات المثالية هي أن تمثلاتنا الفكرية أو التعبيرات اللغوية عنها حتما تكون عاجزة في محاولة التعبير المتكامل عن الاشياء في حقيقتها الواقعية،واللغة في تعبيرها الفكري عن الاشياء والموضوعات دائما ما تكون قاصرة عن الاحاطة والتطابق التكاملي مع ما يدركه الوعي والفكرمن تلك الموضوعات في وجودها ، والفكر والموجودات يبقيان مختلفان من حيث علاقة التفاوت في ترابط الفكر- اللغة بالموجود في حقيقته المادية...ويبقى الفكر الأدراكي عاجزا عن أستيعاب الوجود تماما الذي يبقى على الدوام محتفظا بما يراه مدّخرا فيه كفائض معنى غير مكتشف ولا مدرك في العديد من الجوانب المحجوبة عن الادراك الحقيقي للموجودات والظواهر..الوعي الادراكي الحسي للموجودات وتناول العقل لاحساسات تلك الموجودات الواصلة اليه ليس شرطان كافيان للتسليم بحقيقة الاحاطة والالمام الكامل بتلك الموجودات الواقعية والطبيعية..فالواقع الحقيقي للاشياء يختلف عن الوعي الادراكي لها والتعبير عنها بمنطق ولغة العقل..

القديس أنسلم 1033 – 1109 كان وصف هذا التفاوت في القرن الحادي عشر بين تعبير اللغة القاصر عن الاحاطة بالاشياء المدركة قائلا (أن وجود شيء ما في الذهن فقط هو أدنى من وجوده في الواقع) وهو تعبير دقيق في تشخيصه الحالة التي تكلمنا عنها، فالعقل لا يستطيع أدراك الوجود على حقيقته في تطابق الشيء مع دلالة الفكر - اللغة التعبيرعنه تماما..فالعالم المدرك بمكوناته الجوهرية وظواهره التي لا تحصى ولا تحد لا يقف الوعي بها وأدراكه لها عند حدود تفكير العقل وتعبير اللغة عنها أو بالاحرى بعضها. فالعالم بلا محدوديته ولا نهائيته كفضاء سديمي مفتوح في المكان والزمان يستوعب الطبيعة والانسان أكثر مما يستطيع الانسان والعقل واللغة أستيعابه والأحاطة به..

والعالم بما يحتويه من موجودات لا حصر لها هو فضاء لا متناه لا تحّده عقولنا المحدودة الادراك ولا اللغة المعبّرة عنه في كل أشكال تمّثلاته الذهنية.. ويعتبرلودفيج فينجشتين أن حدود اللغة عند الفرد التي يعبّر بها عن العالم هي ذاتها حدود أدراكه وفهمه عالمه بما يستطيع الأحاطة به من خلال تعبير الفكر - اللغة عنه....لذا فهو لا يستطيع فهم وأدراك العالم ليس على حقيقته التامة وحسب وأنما حتى على صعيد عدم معرفة مكوناته وظواهره اللامحدودة.

ونخلص أن أدراك موجودات العالم بتصوراتنا وتمثلاتنا الانطباعية الذهنية اللغوية عنها هي وحدها تكون حدود معرفتنا العالم ولا يمكننا الاحاطة التامة بحقائق موجودات العالم من خلال لغة التعبيرعنها فقط....وما يخرج عن هذا الألمام المعرفي المتقّطع المجتزأ من مدركاتنا لبعض موجودات وظواهر العالم الذي لا ندركه كاملا بمجمله تماما يكون العالم غير الذي ندركه هو الوجود الحقيقي الذي نجهله في معظم تجلياّته المحجوبة عن الأحاطة بها أدراكيا من قبلنا....ويبقى عالم الموجودات محتفظا بحقيقته الجوهرية التي لا تدركها محاولاتنا معرفتها مرارا وتكرارا..ولا يعني هذا أن ما لانستطيع أدراكه بالفكر والتعبير عنه باللغة غير موجود فهذه أبتذالية ساذجة في التعبيروالفهم قبل أبتذالية أسوأ من عدم أدراكنا الوجود على غير حقيقته.

بهذا المعنى نجد نيتشة كان مصّرا على وجوب الاقرار بحقيقة أن اللغة لا يمكن أن تكون غير مجازية في تعبيرها عن المدركات الواقعية دائما.. عليه اللغة تعطينا صفات الاشياء المدركة خارجيا ولا تعطينا الواقع في حقيقته كما نرغب معرفته... لذا تكون أدراكاتنا للاشياء خادعة ليس من الاحساسات الواردة عن طريق الحواس وحسب بل خادعة منقوصة أيضا في لغة الادراك التعبيري عنها فكريا بالوعي..

وعلاقة اللغة بالعالم حسب فرديناند سوسير هي علاقة أعتباطية لا تدل على الواقع تماما.. ونفهم من هذا أن اللغة في الوقت الذي نجهد فيه أنفسنا أن تكون معبّرة تعبيرا صادقا عن مدركاتنا، نفاجأ أن اللغة لا تستطيع التعبير بأكثر مما هو متاح أدراكه لنا وتعبيرها عنه من تلك المدركات.. ومن أدراكنا بعض هذا العالم غير المحدود بمحددات مجتزأة وقطوعات غير مترابطة منه لا علاقة بينها تجمعها في أدراكاتنا لها..

أننا لا نستطيع أدراك موجودات العالم دفعة واحدة كما نرغبه كون الوجود فضاءا أكبر من مداركنا وحدود عقولنا..فمثلا بسيطا نحن نرى شجرة واحدة أو عدة اشجار في غابة لكننا لا نستطيع رؤية الغابة وأدراك موجوداتها من الاشجار وغير الاشجار من كائنات وموجودات دفعة واحدة من خلال حاسة البصر وحدها ونحن واقفين في مكان محدد من الغابة لا نبرحه ولا نغيّره.

أننا غالبا ما نتناسى حقيقة أن الافكار لا تأخذ كامل مدياتها في التعبير عن مدركاتنا الاشياء وتمظهرات العالم من حولنا كما هي على حقيقتها في الواقع بسبب محدودية أدراكنا لتلك المدركات ومحدودية التعبير عنها لغويا من جهة..وفي عجز العقل الألمام بها كاملة من جهة أخرى..لذلك تبقى حقائق الاشياء لا يمكننا أدراكها تماما.

الفيلسوف الانكليزي والترسكوت 815 - 877 يعتبر الواقعي ليس هو كل ما نستطيع التفكيربه أو حوله.. بهذا المعنى نذهب الى أن جميع أفكارنا عن الاشياء مجازات من التعبير اللغوي كما عبر عنه نيتشة لتصورات ذهنية بعضها مستمد من تمظهرات الواقع العصّي على أستيعاب اللغة له في حقيقته الماهوية الانطولوجية..

وبعضها الآخر يكون أكثر تعقيدا في عجز التفكير الذهني التعبير عن موضوعات أدراكه غير المادية في العالم الخارجي ونقصد بها مواضيع الادراك الخيالي المستمدة من خزين الذاكرة..فالخيال الذي هو نتاج الفعالية الذهنية الخيالية أوسع فضاءا من أمكانية اللغة التعبير عنه وأمكانية الفكر الاحاطة به... فعجز اللغة الاحاطة بالمدركات المادية في الطبيعة يكون مضاعفا مئات المرات في عجز اللغة التعبيرعن مدركات المخيّلة المستمدة مواضيعها من الخيال والذاكرة..خيانة اللغة في عجزها أو في مخاتلتها التعبير عن موضوعات الخيال العقلي هي أكثر بكثير من خيانة اللغة التعبير عن الواقع المادي المحسوس..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

......................

الهوامش:

1، ،3،2 الفلسفة الامريكية/جيرار ديلودال/ ت، د.جورج كتورة، د.الهام الشعراني ص 143

 

 

علي محمد اليوسفتمهيد: بدأت الفلسفة الذرائعية الامريكية ( (Progmatisim نهايات القرن الثامن عشر و بدايات القرن التاسع عشر على يد روادها الثلاث ريتشارد بيرس، وليم جيمس، جون ديوي، ثم تلاها بعد عقد من الزمن بدايات القرن التاسع عشر تيار فلسفي جديد يحمل اسم الفلسفة الواقعية الجديدة على يد أبرز فلاسفتها رالف بارتون، ادوين هولت، ب.مونتاغ، ت. مارفين، غ.سبادلينغ وآخرين. ثم تلاها في تزامن نفس العقد تيار فلسفي أطلق فلاسفته تسمية الفلسفة (النقدية) الامريكية التي لم تخرج عن الفلسفة الذرائعية الأم في مرتكزاتها القارة البراجماتية التي تقوم على مبدأ لا أهمية للافكار والنظريات ما لم تعبر تلك النظريات حاجز الفلترة التجريبية في التطبيق النفعي ومن أبرز فلاسفة النقدية الامريكية ديزان دراك، آرثر لوفجري، جورج سانتيانا، ولوفيد سيلارز، ريتشارد رورتي، وجون سيرل وغيرهم..الذين أتخذوا منفردين فيما بعد مناحي فلسفية مختلفة في التعبير عن رؤاهم خارج وحدتهم البدئية ضمن تيار الفلسفة النقدية..

هذان التياران الفلسفيان كما يتوّضح معنا لاحقا لم يكونا يحملان جديدا يتجاوز المنطلقات الذرائعية القارة في خطوطها العامة التي أرساها الثلاثي ريتشارد بيرس، وليم جيمس، وجون ديوي، لذا فالفلسفة النقدية التي تزامنت مع الواقعية الجديدة اللتين كلتاهما خرجتا من رحم البراجماتية كفلسفة أم، ، لم تجتهد فلسفيا أكثر من كتابة حواشي هامشية نعرض بعضها والتي هي كما ذكرنا تماشي الذرائعية تماما مع فارق النقد الهامشي للذرائعية والتلاعب اللغوي الفلسفي بمصطلحات عرضية... ومن المهم التنبيه أن فلاسفة النقدية أبرزهم، سانتيانا، سلارز، رورتي، وسيرل سلكوا منفردين طرقا متباينة في تعبير كل منهم عن فلسفته الخاصة وأصبحوا في تفردهم الفلسفي خارجين عن بداياتهم الفلسفية النقدية مشّكلين تيارا فلسفيا مجددا أطلقوا عليه ما بعد التحليلية الذي يقوم على خلفية أفكار فينجشتين وعلوم اللسانيات وفلسفة اللغة..

الواقعية الجديدة

في العام 1912 نشر عدد من فلاسفة الواقعية الجديدة الامريكان الذين ذكرنا اسماؤهم سابقا كتابا مشتركا ضّمنوه أفكارهم الفلسفية التي لا تتقاطع مع الخطوط العامة والمنطلقات الجوهرية الراكزة في الفلسفة الذرائعية الأم وكان الكتاب بعنوان: الواقعية الجديدة: دراسات مشتركة في الفلسفة.

The new realisim:co-operative studies in philosphie

ومن ضمن محتويات الكتاب المذكور نقاط عديدة أخترنا بعضا منها في عرضها والتعليق عليها:

- فلسفة المعرفة ليست أساسية من الناحية المنطقية ولا يمكن أستخلاص طبيعة الواقع من طبيعة المعرفة، ولا ترتبط الميتافيزيقا بالمعرفة.(1)

هذا التبشير الفلسفي الاميركي الواقعي بأن (المعرفة) الابستمولوجيا لم تعد مبحثا أساسيا في الفلسفة الغربية عموما والفلسفة الامريكية تحديدا، كان تبّناه فيما بعد بشدة فلاسفة علم نفس وتحليليين لغوين من المتعاطفين مع طروحات التحليلية اللغوية في القرن العشرين التي سادت فرنسا والمانيا وانجلترا، بما جاءت به فلسفتا البنيوية والتفكيكية الفرنسيتين والتحليلية الانجليزية مدرسة اكسفورد جورج مور وبراتراند رسل، ووايت هيد وأخيرا أنضم لهم فينجشتين، وظل الالمان مدرسة تمتلك عراقة فلسفية تاريخية لا يجاريها سوى فلاسفة الاغريق والرومان القدماء تتزعم بعض دول اوربا الغربية مثل النمسا والدول الاسكندنافية..والتي شكلت ما يعرف بحلقة فيّنا التحليلية أبرزهم فينجشتاين وكارناب.

وكان أشهر الفلاسفة الاميركان الذين أهتموا بدراسة اللسانيات وفلسفة علم اللغة هم فلاسفة تيار النقدية سيلارز وسيرل ورورتي وصولا الى نعوم جومسكي بتفرده المعهود عنهم، وليس من بينهم فلاسفة الواقعية الجديدة الذين سبقوهم.. فلاسفة النقدية ذهبوا بعيدا جدا في أستهدافهم مبحث الابستمولوجيا في تأكيد مناويء لفلاسفة الواقعية السابقين عليهم من الذين تماشوا مع منطلقات علم النفس التجريبي والنزعة العلمية بأن المعرفة لا تربطها صلة حقيقية بالميتافيزيقا، فعمد سيرل، رورتي، وسلارز فلاسفة النقدية بالضد منهم، الى التنظير الفلسفي المضاد بأن الابستمولوجيا هي مبحث ميتافيزيقي وداء مرضي أصاب العديد من الفلاسفة منذ قرون طويلة في أعتبارهم مبحث الابستمولوجيا هو أحد ثلاثة مباحث شغلت الفلاسفة منذ ماقبل التاريخ الفلسفي حوالي ستة الاف سنة قبل الميلاد...وحان الوقت الى ركنها بالظل كونها ميتافيزيقا لا جدوى من الاهتمام بها.

والابستمولوجيا كما ذكرنا مبحثا هاما في الفلسفة كان الاعتقاد وعلى أمتداد قرون طويلة يرى أن مبحث الابستمولوجيا قد يكون أقرب الى التفكير والمنهج العلمي منه الى أفكار الميتافيزيقا، ولا تربطه بالميتافيزيقا رابطة... وهو ما هاجمه رورتي بضراوة معتبرا الابستمولوجيا مبحثا ميتافيزيقيا لا جدوى من الاستمرار به، وقد آن الاوان شفاء الفلاسفة من مرضهم المزمن به.. ..وكان رورتي معتّدا بثقة مطلقة في أسناد المؤيدين له بشدة بهذا الطرح كلا من فينجشتين وسيلارز وسيرل وكارناب.. مما مهد لهم تشكيل تيارفلسفي عرف ما بعد التحليلية الامريكية في الهجوم الشديد على الابستمولوجيا كونها مبحثا في الميتافيزيقا.

الشيء الآخر أن فلاسفة الواقعية الجديدة طرحوا عدم أمكانية أستخلاص طبيعة الواقع من طبيعة المعرفة؟ على أعتبار أن طبيعة الواقع لا يمكن معرفتها على حقيقتها بالافكار المجردة محاولين عدم الخروج عن الخطوط العامة العريضة للفلسفة الذرائعية ذات الهيمنة والنفوذ القوي في أروقة الجامعات ومراكز البحوث العلمية والفلسفية الامريكية..وهم بهذا الطرح لم يأتوا بجديد يتجاوز طروحات الفلسفة الذرائعية في العمق..كون الذرائعية الفلسفة الأم تؤكد قبلهم حقيقة أنه ليس كافيا محاكمة صحة الافكار المعرفية بقدر تعبيراتها الفكرية التنظيرية القاصرة عن الألمام بالواقع ومعرفته على حقيقته، والواقع الحقيقي لا يمكننا معرفته بالافكار المجردة والنظريات، بل نستخلص معرفتنا وفهمنا لظواهر وتجليات العالم بما يفيدنا في نتائج وضع الافكار والنظريات تحت مرشّح التجربة وفلترتها في أمكانية تزويدنا بنتائج يمكن أن تأخذ مجالها التطبيقي النافع بالحياة..

- أعتبرت الواقعية الامريكية الجديدة العلاقات الخارجية هي جواهر أو كليات موجودة، ولا تبعية الوعي لها، والتي لا يمكننا ملاحظتها تجريبيا، فالمعادلة الحسابية 5+7= 12أنما تمثل طبيعة الارقام وليس طبيعة الوعي بها.(2) صحيح أن العلاقات الخارجية التي تحكم الموجودات هي تجليات فيزيائية متغيّرة على الدوام وليست موضوعات مادية ثابتة أو كليّات موجودة بمعزل عن الوعي بها وأدراكنا لها، ألا أنه ليس كل تلك العلاقات هي من نوع الحقائق التي تمنحنا المعرفة بها دونما وعي نقدي يستقبلها من قبلنا.

ومن الواضح أن الفلسفة الواقعية الجديدة أنما تريد التسليم بيقين لا يحتاج الى تجربة أو برهان أن العلاقات بين الاشياء خارجيا أو العلاقات داخل الظاهرة القائمة بذاتها تمنحنا اليقين التسليمي بها حالها حال المعادلات الرياضية التي لا نحتاج الوعي التجريبي دوما للتدليل على صدقيتها بحكم تداوليتها غير المشكوك رياضيا علميا بها..والتي يكون الوعي النقدي أمامها محايدا أن لم يكن وكأن الأمر لا يعنيه..

لكن من المهم الاقرار أن بعض العلاقات الخارجية لحقيقة ما أو موضوع حسّي لا تحتاج منا صرف أنتباه الوعي لتأكيد صدقيتها فهي تحمل يقينيتها في القبول والتسليم بحكم رسوخ الثقة العلمية الناجزة التي لا تحتاج برهان كما في تسليمنا الثابت بمثال المعادلة الرياضية التي لا يمكن تغيير حقيقتها بعد ألف سنة أن 4+ 3 = 7.. لكن ليس كل تلك العلاقات التي تكون جوهرا متحققا كمعطى جاهز لنا حاله كما ذكرنا حال المعادلات الرياضية التي لا تحتاج الوعي البرهاني لأنها بحكم الاعتماد العلمي الرياضي التداولي لها أصبحت حقيقة يقينية قائمة تحمل صدقيتها البائنة لنا كمسلمة لا مجال الشك بها.. لذا من المحتّم علينا الأخذ بالنسبة لغير الحقائق الرياضية في العلاقات الفيزيائية التي تحكم الكثير من الظواهر والموجودات منطق الوعي النقدي منهجا، وليس منطق التسليم بها كجواهر ومعطيات لا تحتاج الوعي النقدي لها..فالحياة في جميع أفصاحاتها الانطولوجية والعلمية والمعرفية ليست جميعها صحتها وتحقق معرفتها مرهونة بمسّلمة التسليم بمنهج المعادلات الرياضية وأعتبارها المعيار العلمي الوحيد في فهمنا العالم...

فحقائق الحياة التي لا حصر لها لا تكون معرفتهاعلمية خالصة عندما تقتصرمعياريتها مقارنتها بالمنهج الرياضي كمعادلات تحكم علم الرياضيات والجبر والهندسة والفيزياء والكيمياء والفضاء وغيرها..فالحياة لا تقوم على معادلات رياضية وأرقام مجردة فقط حتى لو كانت وثوقيتها العلمية مطلقة في اعتمادها والتسليم بثباتها العلمي.

والشيء الآخر الجدير بالاهتمام هو أن ليس كل العلاقات الخارجية الفيزيائية التي تحكم الوجود والعالم من حولنا هي تجارب يقينية من نوع المعادلات الرياضية التي أكتسبت اليقينية القطعية في تسليم الأخذ بها..فعلاقات مواضيع المعرفة في مجالات لا حصر لها في الحياة والطبيعة هي ليست علاقات فيزيائية أكتسبت صحتها الثبوتية المطلقة بمنطق رياضي ولم تعد بحاجة أدراك الوعي النقدي تناولها..

- طرحت الواقعية الجديدة الامريكية :( حضورية المعرفة، فالمعرفة بوصفها علاقة لها مكانها في نظام الطبيعة، وبالتالي يكون كل موضوع هو حاضر بشكل مباشر في الوعي، بعبارة أخرى أن الفرق بين ذات الوعي وموضوع الوعي (المعرفة) ليس فرقا بالكيفية أو في الجوهر بل فرقا بالدور، أو في الموقع، أو في التشّكل).(3)

المعرفة كموجودات وعلاقات لها حضورها الدائم في نظام الطبيعة، وبالتالي (لا) يكون كل موضوع الذي هو مجمل علاقاته الفيزيائية الداخلية والخارجية معا حاضرا بشكل مباشر في الوعي، فالوعي لا يستبق موضوعه معرفيا في تمثّله الادراكي للاشياء... كما أن مواضيع الادراك التي هي علاقات فيزيائية متغيّرة هي ليست مواضيع الوعي بها (قبليا) يشبه وعيها الذهني العقلي بها (بعديا)... بمعنى أن موضوع الوعي في وجوده المستقل عن الوعي به، لا يكون هو الموضوع نفسه بعد تناول الوعي القصدي العقلي له...والفرق بين (ذات الوعي) و(موضوع الوعي) هي خلاف ما تدّعيه الواقعية الجديدة الامريكية هو فرق قائم على الدور أو الموقع أو التشكل وليس قائما على الجوهرولا الكيفية ايضا....، أن هذا يشبه أمكانية فصل العقل عن تفكيره بموضوعه وكلاهما العقل وموضوعه جوهرا واحدا وليس كيفيتي أدراك مختلفة متباينة بينهما..

وعملية الافتراض التفريقي الفلسفي بين الوعي وموضوعه غير صحيحة، كون الأصح منها أن ذات الوعي تتطابق أغلب الاحيان مع موضوع الوعي لكن تلك المطابقة لا تحمل (معرفة) كافية عن حقيقة تلك المدركات، وعندها يصبح الوعي هو موضوعه ولا فرق بينهما، وليس الوعي علاقات مفارقة تحمل ذاتيتها وخصائصها المفارقة عن موضوعها.. كما وليس في أمكانية عزل علاقة الوعي بموضوعه المستقل بالعالم الخارجي.. والدور الذي يلعبه الوعي يختلف عن موضوع الوعي، بمعنى الوعي فعالية نوعية من علاقات يتداخل بها الموضوع مع مرجعية الذهن بأمتيازلا يتساوى فيه الوعي بموضوعه بالدور بل في الكيفية وفي الجوهر أيضا... فوعي الموضوع هو تمّثلات ذهنية وأنطباعات عقلية لموضوع مفارق في وجوده المستقل عن الوعي به..بمعنى موضوع الوعي محتوى (مادي أو خيالي) بينما الوعي هو تعبيرات وتصورات العقل عنها شكلا ومضمونا.

- تقوم الواقعية الجديدة على التفريق بين ذرائعية وليم جيمس بأعتبارها براجماتية (ذاتية- فردية) بخلاف كلا من ريتشارد بيرس وجون ديوي فعندهما الذرائعية (عامة – سيسيولوجية).. والسبب أن فردية فلسفة وليم جيمس مستمدة من خلفيته الفلسفية في علم النفس حيث بدأ أبحاثه العلمية فيها ، بينما وضع ديوي ذرائعيته المجتمعية العامة من خلال أهتمامه المبكر في التركيز على مباحث التربية والسلوك المجتمعي والاخلاق وكذلك الفن، ووصف ديوي منهجه المجتمعي الفلسفي بأعتزاز قائلا: (أنه المنهج المنظور عن الذكاء الكامن في روح الجماعة الامريكية)(4)، بما جعل تلك الروح مجسدة أبداعيا في وحدة التكيف المجتمعي الامريكي المتجانس تقريبا لا تهتدي بفلسفات ونظريات سيسيولوجية في تحقيق مثل هذه الوحدة بالتكيّف المجتمعي الخلاق القائم على خاصية الذكاء الامريكي كمجتمع وليس كافراد فقط..وهنا تكون خاصية الذكاء المجتمعية المتكيّفة أمريكيا هي التي تصنع نظرياتها وليس العكس..وهو ما أفصح عنه ديوي بجلاء خيولائي..

- من الاشكاليات الافتعالية التي طرحها فلاسفة الواقعية الجدد مثل بيري (كيف يمكن لأشياء مستقلة أن تصبح مضمونا عقليا؟وأن الواقع مادي وعقلي في آن واحد (حقل علاقات) فحين يعرف شيء ما فهو يدخل في علاقة مع العقل)(5)، ويطرح فيلسوف ثان كيف واقعي جديد (يكون الخطأ ممكنا، أذا ما كانت الفكرة والشيء واحدا) ويطرح ثالت (ليس للزمان والمكان وضعية وجودية نقر بها)... وهذه الافكار بحاجة الى مناقشة مستفيضة يضيق بها المجال.. لكننا في تعقيب سريع عليها نقول لمّا كان وجود الشيء مكانا لا يتم أدراكه ألا في تعالقه بأدراكه الزماني لذا يصبح كلا من المكان والزمان غير مدركان وجوديا وليسا محددان أدراكيا كموضوعين من الممكن أدراكهما بل هما وسيلتي أدراك موحدة تعمل في تلازم مكاني وزماني مشترك ومتداخل.. لذا وجدنا كانط كي يخلص من أشكالية الزمان غير المادي الذي يدرك المادي في معرفته الاشياء يلجأ الى حقيقة مثالية أبتدعها بذكاء أن الزمان والمكان معطيان فطريان داخل العقل وهما من مزاياه الجوهرية وليس لهما وجودا ماديا بأعتبارهما (وسيلتي) أدراك للعقل وليسا موضوعين يدركهما العقل بذاتهما بل يحدسهما بنتائج مدركاتهما التي يزّودان العقل بها.. ، والموجود مكانا لا يتحدد وجوده والوعي به ألا من خلال أدراكه زمانا..

ونختم هذه الاقتباسات مع مونتاغ أحد فلاسفة الواقعية الجديدة قوله (الموضوعات التي تظهر في أخطاء الحواس وفي حالات الهلوسة ليست سوى مجموعات قائمة من جواهر لا يمكن الاعتقاد بعد التفكير بها أنها موجودة في المكان)(6)..

أخطاء الحواس المميزة عن حالات الهلوسة بما لا يمكن تفسير بداهته، هما في حال الجمع بينهما أخطاء الحواس زائدا التصورات الهلاوسية فكلاهما لا يمتلكان جوهرا أو جواهرمستقلة بهما والا كانت وجودات محددة ومحكومة بزمان ومكان أدراكي لها كمواضيع..

وأخطاء الحواس أنما تقوم بالنسبة لمدركاتها الخادعة عن موجودات مادية لا تستطيع الالمام الكامل بها، ولا يمكن أن تكون التصورات الذهنية للاشياء تعني الالمام الكافي بها، أو بديلا واقعيا لها في وجودها الخارجي المستقل، التصورات الذهنية للواقع أنطباعات وتمّثلات لا تأخذ حيزا مكانيا مثلما هو الحال مع مواضيع الوعي المادية المدركة، فالتصورات هي مجموعة العلاقات الفكرية المجردة عن الاشياء والمواضيع المادية، فالمادة هي حيّز مكاني تدركه الحواس بينما تكون الافكار والتصورات المعبّرة عنها تجريد معرفي فكري لا مكان يحده غير أدراك العقل له تجريدا زمانيا.

أن العلاقات التي تربط مكونات المعرفة ليست مادية موضوعية في وجودها المتعذرأدراكه أن يكون ماديا متعينا بحيّز مكاني، كما هو الوجود الذي ندركه الذي يحكم الاشياء المادية سواء في علاقاتها الخارجية أو علاقاتها الداخلية التكوينية لها..فالتصورات الانطباعية التمثّلية للاشياء المادية المحسوسة هي وعي في تفكير العقل ونتائج ذلك الوعي الصادر عنه، لذا فتصوراتنا هي نتاج العقل وليس نتاج المعطى الانطولوجي لمكوناته الادراكية من الاشياء..فالتصورات هي تمثلات وعي الاشياء فقط وليس خلقها وجوديا بالفكر..

الواقعية النقدية وريثة الواقعية الجديدة

انبثقت الواقعية النقدية (critical realism) بعد مرور عقد واحد من الزمن على انبثاق الواقعية الجديدة (The new realism) في تداخل زمني تحقيبي واحد لا يتجاوز العقد الاول من القرن العشرين، كلتاهما ولدتا من رحم الفلسفة الذرائعية الأم، وأعترف فلاسفة الواقعية النقدية أن من سبقوهم حاربوا النزعة المثالية التي كانت تحتويها الذرائعية في تنظيراتها الفكرية الفلسفية وفي ميادين غير الفلسفة من منظور علم النفس عند وليم جيمس ومنظور التربية والسيسيولوجيا كما هي عند جون ديوي، وفي عام 1912 صدر كتاب مقالات في الواقعية النقدية (Essays in critical realism) ضم مقالات فلسفية نقدية لشبان منهم آرثر لوفجري، جورج سانتيانا، ولوفيد سلارز وريتشارد رورتي. ومن جملة منطلقاتهم الفلسفية:

- أن المعرفة قصدية وليست حدسية، وجود أشياء فيزيائية غير معروفة بصفتها أشياء فيزيائية لكنها تتمظهر بأفعالها على الاعضاء الحسية، والعالم الحسّي يكون مؤكدا وليس مستنتجا، والعالم الفيزيائي هو أدراك حدسي داخلي من جهة، وأنطباعات حسية تحدثها أشياء العالم الفيزيائي من جهة أخرى(7)

- الحدس يحيلنا على العالم الفيزيائي وأن ما نعرفه هو التمّثل المعياري للاشياء وليس الاشياء بذاتها، فالجوهر كله يكمن في التمّثل وليس في الاشياء، التي ليست سوى أشياء مادية.(8)

وتوضيحنا تلك الافكار بأيجاز قدر الامكان فأن المعرفة حين تكون قصدية وليست حدسية هي مقولة صحيحة كما تذهب له الفلسفة النقدية فهي لا تخرج أن تكون المعرفة قائمة بذاتها كجوهرمن العلاقات التي لا يمكن للحدس الالمام بها ....وأنما يكون الوعي بها قصديا معرفيا تجريديا، ثم أن الاشياء وأن كانت في وجودها المادي تحتوي علاقاتها الفيزيائية الداخلية والخارجية المتغيرة على الدوام التي تعتمل بكينونة الاشياء في تغيراتها المستمرة الممكن التعامل معها ادراكا معرفيا..فهي أي الاشياء تبقى كينونات مستقلة موحدة تختلف أساليب أدراك علاقاتها الخارجية عن أدراك مجمل علاقاتها التكوينية داخليا..ولا تفقد حقيقة كينونتها التكوينية المؤلفة من (جوهر) و(صفات) في حالتي الحدس الادراكي لها وفي حال معرفتها حسّيا..

وأن يكون العالم الحسّي علاقته بالاشياء فيزيائيا كظواهر دائمة التغير والتبدل والصيرورة المستمرة بعوامل لا علاقة تربطها بالوعي الحسّي المباشر لها لذا يكون هذا الوعي الحسّي دوره تأكيد تلك العلاقات في استقلاليتها، وليس في تمّثلها خالقا موجدا لها ولا مستنتجا أو متداخلا كعامل أو أكثر من عوامل التأثير بها في متغيراتها التي هي مجموعة أنطباعات حدسية عنها..ولا يمكن أن ينوب الفكر عن الواقع في ماديته الا بوسيلة التصورات والتمّثلات الادراكية له فقط..

وحين تكون جواهر الاشياء هي علاقاتها الفيزيائية التي تحكمها، وتكون وسائل تعاملنا معها حدسية، فمن الطبيعي أن جواهر تلك الاشياء أنما تكون في وجودها المادي وليس في وجودها الحدسي كعلاقات خارجية، فالحدوسات ليست منهجا موثوقا منه في المعرفة يمكن الركون الى سلامته..وأذا ما أعتمدنا الحدس تمّثلا معياريا في الذهن فهذا يؤكد لنا أن جواهر الاشياء تكون في وجودها المادي وليس بمحاولة الحدوسات معرفة حقيقتها بلا جدوى...(يتبع)

 

علي محمد اليوسف /الموصل

......................

الهوامش

1- جيرار ديلودال/الفلسفة الامريكية/ت: د. جورج كتورة، د. الهام الشعراني ص 130

2- المصدر اعلاه ص 132

3- المصدر اعلاه نفس الصفحة

4- المصدر اعلاه ص 134

5- المصدر اعلاه ص 137

6- المصدر اعلاه ص 143

7- المصدر اعلاه نفس الصفحة

8- المصدر اعلاه ص 148

 

 

 

حيدر جواد السهلانيان هذا الثالوث (ماركس، نيتشه، فرويد) اجمعوا على امر واحد هو الشك في الوعي والطريقة التي يتكشف بها الواقع امامهم واتهامهم العقل والواقع الانساني بالزيف على الاقل في ظاهرهما، ومايجمعهم هو الارتياب ناحية كل مانسميه عقلاني ومنطقي وحقيقي، فقد نقدو الحداثة نقدآ جذريآ، وان كان نيتشة هو الاكثر جذريآ حيث طال تقريبآ كل الاسس التي قام عليها كل التراث الفلسفي، كما ان هذا النقد كان له الاثر في معظم فلسفات القرن العشرين.

1- ماركس(1818- 1883) يرى الان تورين ان ماركس اراد ان يقلب فكر هيجل لكي ينتمي الى مجال ثقافي مختلف عن خصمه ومعلمه، ولكن عملية القلب هذه  شكلت قطيعة مثالية مع فلسفات التاريخ، فلم يعد التقدم منظورآ اليه بأعتباره انتصارآ للعقل اوتحقيق الروح المطلق، ولكن تحرير لطاقات وحاجات طبيعية تقف في وجهها ابنية ومؤسسات ايديولوجية.(1) ولذلك يقدم ماركس نقدآ قاسيآ لكل الحلول المطروحة لمشكلة الوجود والمشاكل التي كانت مسيطر عليها في عصر التنوير.(2) ويعتبر ماركس اول مفكر كبير في مابعد الحداثة، لأنه يرى التقدم تحررآ للطبيعة، ويرى هابرماس ان ماركس نقد العقل الالماني، اما العنصر الاصيل يكمن في ان ماركس في نقده للدولة، وهذا النقد يتخذ موقعه في منظور نوع من التنظيم الذاتي للمجتمع.(3) ويعطي ماركس للحداثة مفهومآ سياسي بشكل اساسي لدرجة انه يحدد شكلآ للدولة كدولة موضوعية، وكذلك مخطط للعلاقة بين شكل الدولة وبين الحياة اليومية والممارسة الاجتماعية بوجه عام، فقد كان ماركس يفكر بالعالم الحديث سياسيآ بحيث كان يخضع المعارف الاخرى للمعرفة السياسية، وان نقد ماركس للحداثة والانوار هو نقد طبقي من وجهة نظر الاشتراكية العمالية، فماركس تجاوز الحداثة وليس هدمها واسقاطها كما فعل فلاسفة مابعد الحداثة، واخيرآ كان هدف ماركس هو تحرير الطبقة العاملة بواسطة فهم العلاقات الجدلية التي تسير العلاقة بين العمل والانتاج.

2- نيتشه(1844- 1900) يرى فوكو أن نيتشه احد الثلاث الكبار الذين دشنو النقد الجذري للحداثة في الغرب وهم ماركس ونيتشه وفرويد، وان كان نيتشه هو الاكثر جذرية طاول كل الاسس التي قام عليها التراث الفلسفي الانساني، كما ان النقد كان له أبلغ الاثر في معظم الفلسفات في عصرنا الراهن، وبذلك ان الصلة بين نيتشه ومابعد الحداثة تتجاوز ذلك الى ماهو أعمق، وهي تكمن تحديدآ في مقطع (مابعد) وبهذا الصفة يمكن اعتبار نيتشه الاب الروحي لمابعد الحداثة.(4) فقد كرس نيتشه حياته لبيان آمال التنوير التي لم تكن الا اوهامآ، فالحقيقة التي هي مطلب العلم وغير العلم لم تكن في رأيه غير مجازات قديمة تحجرت، وقد اعلن موت الحقيقة.(5) ويعتقد نيتشه أن مفاهيم النقد والحرية والعدالة والعقل، هي قيم عدمية انحطت باالانسانية الى مرتبة كتلة متجانسة من الافراد الخاضعين المستعبدين المجردين من القوة والاستقلالية، وكشفت عن وجه اللاعقلانية فيها ولاشك أن هذا التصور للحداثة، هو التصور الذي يستهدفه نيتشه بالنقد والتشريح.(6) اذ يرى نيتشه ليس هناك ماهو اكثر حداثة من الكلمات الموجهة ضد كانت من اوجست كونت كمفكر يحتقر الميتافيزيقا، فلايمكن لنا أن نعيش اسرى عالم الظواهر، ويرى مايسمح بالتحرر هو التخلي عن المثل الاعلى، وهو انتصار ارادة الحياة على الرغبة في الموت.(7) وقد ذم نيتشه الحداثة واهلها، ويسميهم البرابرة المحدثين ويسمي الحداثة البربرية الحديثة.(8) وانطلق نيتشه من تدمير النظام الذي بناه هيجل، وهو تدمير مفهوم الحقيقة الماورائية.(9) اذ كانت مقولات هيجل لها الصدارة في الحداثة، قام بتحطيمها نيتشه، لذلك يرى فوكو ان نيتشه اول من رآى عكس الحداثيون، ان الحقيقة لعبة لاغير، يكون المراد منها الابقاء على سلطة الانساق الكبرى ضد الانسان الفرد لكبت رغباته  وتحويله الى آله يحكمها.(10) ان الحقيقة عند نيتشه هي ببساطة جيش متنقل من الاستعارات والكنايات والتجسيدات التي تم تعزيزها ونقلها وتجميلها شعريآ وبلاغيآ.(11) يقترب نيتشه في رؤيته للحقيقة من ماركس الذي رآى الحقيقة سلاحآ طبقيآ، لكن نيتشه يغيب العامل الاقتصادي لصالح البحث في السيكولوجية الانسانية، التي تسعى بأستمرار نحو التفوق وتحركها ارادة القوة. ومن ذلك ادرك نيتشه أن الانسان يجب ان يفهم بأن الحياة لاتحكم بالمبادئ العقلانية، الحياة مليئة بالهمجية واللاعدالة وباللايقين والسخافة، ولاتوجد هناك معايير مطلقة للخير والشر يمكن كشفها بالمنطق الانساني. لذلك يرى نيتشه ،اننا في حاجة الى نقد القيم الاخلاقية، لذا فعلينا اولآ ان نضع قيمة القيم موضع التساؤل، ومن اجل ذلك ان نعرف شروط نشأتها والظروف التي ساعدت على ذلك.(12) واخيرآ يرى نيتشه الحداثة عبارة عن هم ميتافيزيقي جديد اتت لتسد الفراغ الذي خلفه خسوف الميتافيزيقا التقليدية وغياب معانيها الكبرى وغايتها النهائية، فليست الحداثة في المنظور النيتشوي غير هذا البعد الوهمي للحاضر الغربي، فالحداثة شأنها شأن العقلانية تقيم علاقة غير معقولة مع ماضيها، وهي علاقة اساسها الكبت والابعاد.

3- فرويد(1856- 1939) يقوم التحليل النفسي على نظرية مفادها ان كل مايبدو تافهآ وسخيفآ الى الدرجة لانعير معها اي اهتمام، قد يكون في حقيقة الامر ذا معنى، بل ربما الشطر الاعظم من المعنى احيانآ، وقد يكون له الاسهام الاكبر في علاج الامراض النفسية والحالات الهستريا، ينطبق ذلك في سياق التحليل الفرويدي على جميع اشكال زلات اللسان والايماءات والاحلام بشكل خاص. ويرى فرويد ان كل الظواهر تعبر عن آليات داخلية يسلكها الجهاز النفسي، ونظام من المعاني المكبوته داخل النفس الانسانية، ومهمة التحليل النفسي كشف تلك  المعاني الباطنة التي تتوارى وراء الوعي. وبذلك فرويد ركز على قوة وتأثير الدوافع والحوافز اللاعقلية في سلوك الانسان في فكره، والسلوك البشري ليس موجهآ بالعقل،(وهنا فرويد يركز على القوة اللاشعورية في تحريك الانسان، وهو بذلك بالضد من الحداثة التي رأت في العقل هو اعدل واقوى قوة فكرية عند الانسان) وانما هو اقوى من العقل واكثر تأثيرآ في السلوك البشري، انها الدوافع التي هي غرائز لاعقلانية تؤثر على حياتنا الاجتماعية وحضارتنا الانسانية. ويتفق فرويد مع ماركس بقوة التأثير الاقتصادي، لكنه مع ذلك لايسلم معها بغلبة الدوافع الاقتصادية في تحريك الانسان والتاريخ، ويحتج على ذلك بأنه حتى في الظروف الاقتصادية الواحدة لاتسلك الجماعات الانسانية المختلفة سلوكأ واحدآ، اذآ فالغلبة لايمكن ان تعقد الا للعوامل النفسية، تلك الظروف هي التي تحدد مسار العوامل الاقتصادية، لأن الانسان حتى وهو يتصرف بضغط من الظروف الاقتصادية، انما يتمثل لنزعات الغريزة.(13) وبذلك تعتبر كتابات فرويد أهم هجوم منهجي ضد ايديولوجيا الحداثة.(14)

 

حيدر جواد السهلاني

..................................

1- ينظر الان تورين: نقد الحداثة، ص147.

2- ينظر اريك فروم: مفهوم الانسان عند ماركس، ترجمة محمد سيد رصاص، ص9.

3- ينظرهابرماس: القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي، ص99.

4- ينظراحمد عبدالحليم عطية: نيتشه وجذور مابعدالحداثة، ص125- 126.

5- ينظر صالح ابو اصبع: الحداثة ومابعد الحداثة، ص58.

6- ينظر فيصل عباس: الفرويدية، ص114.

7- ينظر الان تورين: نقد الحداثة، ص154.

8- ينظر محمد الشيخ: نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص44- 45.

9- ينظر أمينة غصن: جاك دريدا، ص43.

10- ينظر عدي حسين مزعل: الحداثة ومابعد الحداثة، ص43.

11- ينظرمحمد سبيلا وعبدالسلام بنعبد العالي: مابعد الحداثة، ص57.

12- ينظراحمد عبدالحليم عطية: نيتشه وجذور مابعد الحداثة، ص152.

13- ينظرفرويد: الحب والحرب والحضارة والموت: ترجمة عبدالمنعم الحفني، ص6.

14- ينظر الان تورين: نقد الحداثة، ص164.

 

علي محمد اليوسفالمفارقة التي غالبا ما يمرر الكثير من الافكار غير المستوفية شروطها المنطقية بنفس المنهج البراجماتي (الذرائعي) الذي يحاول تطويع وسائله التعبيرية لمقتضيات النتائج المتوخاة المطلوبة من حيث أن المنهج البراجماتي لا يهمه كيفية تناول الافكار بالفهم والمعرفة ماديا أو مثاليا بقدر أهتمامه بنتائج تلك الافكار عملياتيا في التحقق من صحتها بالتطبيق الذي يحقق منفعة.. وليس بما تحويه من أتساق نظري فلسفي منطقي متماسك ظاهريا بما نرضى عنه.. ..فالمنطق الفلسفي هو نظريات مجردة لا يمكن الركون لها والأخذ بصحتها ألا من خلال التطبيق العملاني لها بحسب المنهج الذرائعي في المعرفة..

وغالبا ما تكون الافكار المجردة النظرية موضع ريبة وشك لا تفي التعبير الفكري اللغوي حقّه من الاستقامة المنطقية والصدق والتي تحمل تناقضاتها بأحشائها الداخلية التي نلمس بعضها تصدر على لسان فلاسفة الذرائعية الامريكية وليم جيمس وتشارلز بيرس وجون ديوي وآخرين جاؤوا من بعدهم.. فتشارلز بيرس يبيح (أن يكون العلم يقبل المصادفات) وهو تعبير يمكن القبول المحدود به أذا ما أخذنا توالي بعض الصدف في سياقها العلمي الصرف وضمن أشتغالات العلم التخصصية التجريبية، ولكن يصعب تمرير هذا الفهم بمنطق المنهج الفلسفي البراجماتي الذي يرى صدقية وسلامة أفكارنا أنما تكون من خلال مرورها من مصفاة مرشّحات وفلترة التجربة العملانية في تحقيق النتائج المطلوبة المتوخاة من نتائج الافكار..،، والا كانت تلك الرؤى والنظريات والافكار لا قيمة ولا معنى لها..

الماركسية أرادت أنقاذ التاريخ الانثروبوجي للانسان من ورطة عشوائية الصدف الذي لا ينتظمها التفسير الواقعي المادي في صنع التاريخ فعمدت الى ربط الصدفة بالضرورة التطورية الحتمية التي تحكم مسيرة التاريخ حسب ما تذهب له..لذا حسب الماركسية تكون الصدف التي تحدث في حياة الانسان بما لا يحصى أنما تحكمها الضرورة والهدف المسبق الذي يعمل على تسريع تقدم التاريخ الى أمام بدلا أن ترجعه الصدف غير المتوقعة الى الوراء  أو الوقوف.. وهو ما يحتاج لتفسير يحدد لنا تأثير الصدف المتتالية في صناعة التاريخ من دون أي أرتباط لها بالضرورة. (نحيل القاريء الى مقالتنا المنشورة على موقع المثقف ومواقع أخرى تحت عنوان وهم نهاية التاريخ).

والمصادفات في التاريخ والسيوسيولوجيا هي وقائع ربما ندركها على نطاقهما الانثروبولوجي والمعرفي بأكثرأهمية ووضوح وجلاء عنه في مجال العلم التجريبي التخصصي من حيث صرامة التجارب العلمية في المعرفة بالقياس لانفتاح المجال السيسيولوجي المتاح لتمرير المصادفات على أنها من طبائع الامور بالحياة الاجتماعية التي تحكم الحياة وتحكم التاريخ الانساني معا،،...فالمصادفات هي وقائع ندركها في واقع الحياة اليومية على صعيد السيسيولوجيا ولا نتقبّلها أن تلعب دورا كبيرا في مجال العلم التجريبي بل ولا قيمة علمية لها – اي للمصادفات - بأعتبارها أستثناءا تشذ وتخرج عن القاعدة العلمية المستنبطة من سلسلة التجارب العلمية والنظرية في نسقها العلمي المتماسك،، والمصادفات لا تصلح أن تكون مواضيع غير حدسية قبل توّقع حدوث وقوعها..كما أن حياة الانسان يغلب عليها توالي الصدف التي لا يستطيع درءها أو معرفة زمن وقوعها ولا يمتلك أرادة دفعها عنه،، فالصدف تكون خارج التوقعات وخارج أرادة الانسان التحّكم بها... أن دور المصادفات العفوية اللاضرورية تلعب دورا كبيرا في تصنيعها لحياة الانسان والمجتمع من غير أرادتهما، وليس تصنيع الانسان لحياته بأرادته القاصرة التي تتلقى عشوائية الصدف بلا حول ولا قوة لمنعها أو أيقافها..فالصدف غالبا ما تقوم بصنع حياة الانسان ولا يتمكن من أيقافها بأرادته فهي تعمل بغير وبمعزل عن أرادة الانسان وتوقعاته لها..وكذا الحال مع المصافات غير المتوقعة التي تصيب المجتمعات وترسم الكثير من تاريخها دونما أرادة مجتمعية لها..

الميتافيزيقا والذرائعية

ونعود لنمضي مع بيرس الذي أعتبره وليم جيمس الاب الروحي للفلسفة البراجماتية التي أعتمدت كثيرا على أفكار دارون التطورية وأفكار لامارك في بيولوجيا تطور وظائف الاعضاء عند الحيوان والكائنات الحيّة في الطبيعة، أيضا على أعتبارقانون الانتخاب الطبيعي وبقاء الاصلح نزعة علمية في تفسير الحياة على أسس من أستقراء بيولوجي - أنثربولوجي متماسك الحلقات تقريبا بالنسبة لعصره..

كما أعتمدت الذرائعية منجزات العلم التجريبي غير النظري والدفاع عنها رغم ما شابها الكثير من أفكار الميتافيزيقا عند بيرس - وليم جيمس..يوضّح بيرس قائلا: (الذرائعية أو البراجماتية ليست عقيدة ميتافيزيقية ولا هي تحاول أن تحدد حقيقية الاشياء، أنها ليست سوى منهجا لتقرير دلالة الكلمات والمفاهيم المجردة)(1)

هذه الافكار لبيرس على مقدار ما تحمله من فتح جديد في تأسيس الفلسفة الذرائعية الى أنها لا ترقى الى مستوى طروحات وليم جيمس الناضجة فهو لا ينكر أن تكون الذرائعية منهجا عملياتيا يلاحق الافكار كي يتحقق من جدواها بالتجربة والتطبيق وهي وأن التقت بتعبير بيرس وديوي عن الذرائعية منهجا لتقرير دلالة الكلمات والمفاهيم المجردة بالتجربة ونتائجها، ألا أن جيمس نجده يسقط بورطة ميتافيزيقية أكثر أستهجانا من بيرس قوله: (أن أرادة الايمان تشكل حاجزا على مبدأ الذرائعية التي يكون فيها الله وليس المنهج هو المبدأ الاول والاخير لمعرفتنا دلالة الافكار في تعالقها مع معرفة الاشياء)(2)... وهو تعبير ميتافيزيقي غيبي يحاول جيمس التشبث به لتحقيق ما يعجز أثباته بقواه وقدراته الفلسفية، كان بيرس حذّر منه قوله الذرائعية ليست ميتافيزيقا كما ذهب جيمس نفس المنحى لكنهما بالمحصلة لم يكونا كليهما حذرين بما فيه الكفاية من الانزلاق في التعابير الميتافيزيقية التي وقعا بها،وهوما يتعارض مع المنهج البراجماتي العملاني والنسق الواقعي للذرائعية بالصميم..

الحقيقة التي لا تقوى الذرائعية نكرانها أو التخلص منها هي رغم ما يبدو في صلب فلسفتها من منهج صارم يقوم على تجريبية واقعية تطبيقية ألا أن أفكار فلاسفتها الثلاث بيرس وجيمس وديوي لم يتخلصوا من نزعاتهم المثالية، فهم في الوقت الذي لا ينكرون وجود العالم الخارجي المستقل الا أنهم يلتقون مع المثالية الابتذالية في معالجتهم العالم المادي من منطلقات ميتافيزيقية مثالية هم أيضا..أن الشيء المهم الذي يحسب للذرائعية الامريكية هو تغطيتها نزعتها المثالية في تسويق مقولتها التي تقوم على أن صدق وصوابية الافكار والنظريات لا يتم ألا من خلال المرور بفلترة تلك الافكاربالتجربة والوقوف على نتائجها التطبيقية..

الحقيقة البراجماتية التي يجمع عليها جيمس وديوي ليست هي الفكرة المجردة التي لم تمر بمختبر مصفاة ترشّح وفلترة التجربة لها التي هي وحدها تجعل من الافكار وقائع ميدانية عملانية تعطي مردوداتها ونتائجها في تحقيق المنفعة وتخدم قيم تقدم الحياة العامة..فكيف يربط وليم جيمس بين وجود الله ومعرفتنا الاشياء كونه العّلة الاولى في معرفتنا حقائق الاشياء؟

كما أن الذرائعية تدين الاتجاه الذي يرى في الافكار المجردة أنها تعطي دلالاتها التامة من خلال أحالتها على أفكار أخرى مجردة هي الاخرى لم تكن أخذت فرصتها الاختبارية التجريبية للتأكد من صحتها كي تصلح أن تكون معيارا مرجعيا مقبولا لتجعل الافكار المجردة المضافة لها التي أكتسبت منها الخروج من خانة التجريد الفكري الى واقع التجربة العملية والتحقق من النتائج المتوخاة المطلوبة منها..

أن دلالة الكلمات والمفاهيم المجردة من منظور ذرائعي لا تعطي دلالاتها الحقيقية بأحالتها الى أفكار مجردة غيرها، بل يتم ذلك باحألتها الى أفكار تطبيقية هي نتيجة تجارب أختبارية تؤكد حقيقتها وسلامتها في تحقيق المنفعة حسب ما تدعو له الذرائعية’ عندها تصبح الافكار المجردة متراجعة كمعيار في الحكم وهي قيد التجربة والامتحان..

الذرائعية واللاهوت المسيحي

يحشر بيرس اللاهوت المسيحي في بعض من مفرداته الاكثر ميتافيزيقية في هذا المثال الذي نورده على لسانه (أن الكاثوليك والبروتستانت يعرفون جيدا أن ليس للخبز ولا للخمر الصفات الطبيعية للحم ولا للدم، والمسألة تتعلق بتأثيرها على نفوس المؤمنين لذا – والكلام لبيرس – لا نفهم شيئا سوى ما يحدث بالحواس من آثار مباشرة وغير مباشرة، والتحدث عن غرض له كل الخصائص المادية التي للخمر كما لو كانت بالفعل دما، ماهي الا رطانة خالية من المعنى)(3)

على ماذا يحاول بيرس البرهنة عليه من مثاله اللاهوتي الميتافيزيقي الذي مررنا عليه وهو لا يحتاج الى جهد كبير في معرفة تأويله على المستوى العام قبل المؤمنين الذين قصدهم من الكاثوليك والبروتستانت المسيحيين..؟

من المفروغ منه أن مفاهيم الاديان جميعها وبلا أستثناء أنما تقوم على أفكارالميتافيزيقا التي لا تضيف مناقشتها رصيدا فلسفيا يمكن أعتماده.. لذا تكون أفكار اللاهوت الديني بعيدة عن محاكمتها بمنطق الفلسفة خاصة الذرائعية التي ترى أن كل المفاهيم والرؤى والتصورات لا قيمة حقيقية لها أن لم يجر(ي) تمريرها من مصفاة التجربة العملية، لذا نجد بيرس أقحم قضية دينية ميتافيزيقية في معالجات تنظيرية خاصة بالبراجماتية كفلسفة بعيدة جدا عن مناقشة قضايا دينية لا يجب معاملتها بمنطق الواقع.. هذه الافكار الدينية اللاهوتية جعلت وليم جيمس يقتفي آثار بيرس في مؤلفاته من منطلقات أيمانية دينية غيبية تتقاطع بالصميم مع التنظيرات الفلسفية البراجماتية في جوهرها العملاني الواقعي والا فما معنى ان يقوم جيمس في مناقشة كيفية الاستدلال على وجود الله من منطلق أخلاقي براجماتي قوله (أن الافكار الدينية تتيح لنا أن نحيا بشكل جيد، وأن الله وليس المنهج هو المبدأ الاخير لدلالة الاشياء) (4)..، لا تختلف هذه التعابير عما سبق لبيركلي القول به في أبتذاليته المثالية الذاتية الساذجة التي عزا فيها عجزنا أدراك أي شيء ليس مهما أذا ما علمنا أن الله يدركه بما لا ندركه نحن أنه موجود.وهل تكفي مدركات الله لمعرفة مدركاتنا التي تحتاج الى منظومة فكرية عقلية؟؟

والشيء الأهم أن وليم جيمس لم يكن الفيلسوف الوحيد الذي يكشف عن أيمانه الديني بوجود الله لكن أقحام الافكارالدينية الميتافيزيقية في تفسير قضايا فلسفية تقوم على مرتكزات منطقية لا يمكن تمريرها بسهولة في وقت نبحث فيه عن الاتساق النسقي الفلسفي في الذرائعية بمنهج التطبيق العملاني الواقعي...وفي وقت نجد البراجماتية في صلب توجهاتها أن لا هناك للكلمات والمفاهيم المجردة أية قيمة سوى ما تتركه من أثر ملموس في مفاعيل تلك المفاهيم على المتلقين لها من نتائج عملية بالحياة، وألا فهي لا تستحق الوقوف عندها..أين هذه التوجهات الذرائعية بضوء تناقضات بيرس حين يقول: ( الذرائعية منهج لا يستبق شيئا سوى نتائج تطبيقه) ومن بعده جون ديوي تأكيده (حين نريد أكتشاف دلالة الفكرة علينا التفتيش عن نتائجها في التجربة).. وكلها منطلقات واقعية صرف بعيدة جدا عن أي تفسير ميتافيزيقي أو لاهوتي ديني حاولت الذرائعية مزجه بما لا يمتزج مع أفكارها التي تقوم على التجربة التطبيقية النافعة في توظيفها بحياة الناس.

علي محمد اليوسف/الموصل

..............................

الهوامش

1- جيرار ديلودال/الفلسفة الاميريكية، ت .دكتور جورج كتورة ود. الهام الشعراني ص 132

2- المصدر اعلاه ص 135

3- المصدر اعلاه ص 136

4- المصدر اعلاه ص137

 

 

حيدر جواد السهلانيكلمة الحداثة في اللغة العربية تعود في اصلها الاشتقاقي الى الجذر(حدث) وحدث الشيء يحدث، والحديث في اللغة العربية هو نقيض القديم ويرادف الجديد، اما في اللغات الغربية كلمة(modernity) مشتقة من جذر(mode) وهي الصيغة او الشكل الذي يبدو عليه الشيء.

الحداثة هي حالة ثقافية حضارية ومجتمعية، جاءت كتعبير عن حالة المجتمعات الصناعية الغربية، التي بدأت منذ القرن التاسع عشر، وهي في نفس الوقت امتداد لجهود حثيثة بدأت منذ القرن السادس عشر في اوربا، وتعد الحداثة نقلة نوعية بالفكر الغربي على كل المستويات (الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية) وهي ثورة معرفية ساهم بها كثير من الفلاسفة و العلماء ورجال الدين، وهي ضد الفكر السائد القديم، والحداثة ليست مذهبآ سياسيآ اوتربويا او نظامآ ثقافيآ واجتماعيآ فحسب، بل هي حركة نهوض وتطوير وابداع، هدفها تغير انماط التفكير والعمل والسلوك، وهي حركة تنويرية عقلانية مستمرة هدفها تبديل النظرة الجامدة الى الاشياء والكون والحياة الى نظرة اكثر تفاؤلآ وحيوية.(1)

الحداثة ظاهرة متعددة الاشكال وسياقآ فكريآ متعدد المعاني، تلهث وراء الجديد وتتطلع الى اكتشاف فضاءات جديدة وعوالم مغايرة تتخذ من القديم نقيضها لأنها تعبر عن فضول غير متوقف وعن حساسية تختلف عن المقايس السائدة، انها تتشكل انطلاقآ ممايتم انجازه بالفعل ومايؤثر في الايقاع العميق للاجساد والعلاقات والمجتمعات والثقافات، لذلك فظاهرة الحداثة لاتتوقف عن خلق الأزمات، لأنها تتضمن كثيرآ من عناصرها، بل وتؤدي في كثير من الاحيان الى توترات وانفجارات قد تساهم في حلها واخمادها، اذ ماتم تبني منطقها وقد تبقى مصدر دائم اليقظه. والحداثة هي حالة ولادة جديدة لعالم يحكمه العقل وتسوده العقلانية، وبعبارة اخرى الحداثة وضعية اجتماعية تجعل من العقل والعقلانية المبدأ الاساس الذي يعتمد في مجال الحياة الشخصية والاجتماعية، وهذا يقتضي وجود حالة رفض لجميع العقائد والتصورات واشكال التنظيم الاجتماعي التي لاتستند الى اسس عقلية وعلمية. ويعتقد بعض الباحثين بتطابق مفهوم الحداثة والنهضة، فتحقيق الحداثة يعادل تحقيق النهضة، ويعتمد هذا التجانس على تكافؤ مرتكزات المفهومين، فكلاهما الحداثة والنهضة يعرفان بهيمنة العقل والعلمانية والفردية والمدنية وحقوق الانسان، ومن يميز بينهما يرى في النهضة تؤكد على اولوية التغير والتحول، اي التغلب على الانحطاط، ويفترض التغير الثورة على الوعي القائم على منظومة القيم التقليدية السائدة، اما الحداثة تأخذ طابع الابداع والتجديد وعلى خلاف هذا يكون التقليد حالة من التكرار وهي انتاج واعادة انتاج ماهو قائم، فالحداثة تعاني ظهور الفردية والوعي الفردي المستقل. ففكرة الحداثة في شكلها الاكثر طموحآ هي التأكيد على مركزية الانسان، واعطت عدة مفاهيم منها الحرية والتقدم وذات الانسان ومركزية المعرفة. وبذلك ان فكرة الحداثة ترتبط ارتباطآ وثيقآ بالعقلنة، فالعقل في الحداثة يمثل ثورة لايعترف بأي مكتسب من الماضي بل على العكس يتخلص من المعتقدات واشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي التي لاتؤسس على ادلة من النوع العلمي.(2)

 وقد اختلف الباحثون حول بداية ظهور الحداثة، فهناك من يرى ان الحداثة تشير الى فلسفة المجتمعات الغربية وثقافتها من حوالي 1850الى 1950 اي الفترة التي حققت انجازات صناعية وعلمية، ويقابله تصور آخروذلك بربطها بشارل بودلير(1821- 1867) الذي يعتبره بعض الباحثين اب للحداثة، لأنه اول من حاول صياغة نظرية للحداثة، ويرافق هذا التصور تصور آخر هو ان الحداثة بدئت مع مطلع القرن الخامس عشر ومارافقه من احداث مثل اكتشاف كولمبس سنة (1492) وسقوط بيزنطة (1493) وثورة كوبرنيكوس واكتشاف الدورة الدموية واطروحات لوثر وفي الفن والادب ظهور دانتي وشكسبير وظهور المقال في المنهج لديكارت (1637).(3) ومع اختلاف الباحثون حول بداية الحداثة ومتى بدأت، لكن الاكيد هو ان الحداثة هي ضد التفكير القديم الذي كان سائدآ في العصور الوسطى (اي على سلطة الكنيسة التي كانت مسيطرة على كل مفاصل الدولة والحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والفكرية، فالحداثة هي ثورة فكرية ومعرفية وعلمية وادبية ضد الكنيسة).

الحداثة هي محاولة للتجديد والابداع وتجاوز التقليد والتخلف، كما انها تعكس بأكملها التحول الهائل الذي غزا مجال الفكر والتقنية والمعرفة بصفة عامة، وقد عرفها جان بودريار(1929- 2007) " انها ليست مفهومآ سوسيولوجيا ولا مفهومآ سياسيآ، بل هي نمط حضاري خاص يتعارض مع النمط التقليدي، اي مع كل الثقافات السابقه عليه او التقليدية". ويرى علي حرب، ان الحداثة ليست مجرد دعوة او رسالة تبشر بها ولاهي مجرد استعراض لما انجزه الفكر الحديث، انها بحسب ماتفكر فيه، وان كل تعريف لها يقع خلفها او ماقبلها او يشكل انقلاب ضدها فهي تجربة لاتكتمل ومشروع دومآ قيد التأسيس. اما الان تورين(1925- ؟) "الحداثة هي اكثر من كونها مجرد تغيير او تتابع احداث، انها انتشار لمنتجات النشاط العقلي، العلمي والتكنولوجي والاداري، فهي تتضمن عملية التمييز المتنامي لعديد من بين قطاعات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدين والفن". ويتمسك هابرماس(1929- ؟) الى حد كبير بمشروع الحداثة الذي يراه غير مكتمل ويدعو الى عدم التخلي عنه ووجوب تقيمه تقييمآ موضوعيآ، ويرى انه بدل التخلي عنه، يجب علينا استخلاص الدروس من الضياع الذي مر به هذا المشروع. ويعرفه رولان بارت(1915- 1980)" انها انفجار معرفي لم يتوصل الانسان المعاصر الى السيطرة عليه".

مميزات الحداثة: كانت للحداثة دعوة شمولية لأكتشاف المجهول، بناءآ على لحظة وعي نهضوية، اذ كان خطابها يختصر في الاعلان عن ضرورة احداث القطيعة مع كل مايمنع العقل من بناء المعرفة الجديدة سواء كان المنع سلطة كنيسة او علاقات طبيعية او كان جهاز المعرفة نفسه الذي يتبناه العقل.(4) وبذلك تتميز الحداثة بتحولها الجذري في المجتمع، و ذلك على مستويات المعرفة وفهم الانسان وفي تصوره للطبيعة وفي معنى التاريخ، اذ انها بنية فكرية كلية، كما انها نمط من التحضر والتمدن يتجلى في الدولة الحديثة والتقنيات والفنون والاخلاق والعادات والافكار الحديثة والقطيعة مع الماضي. وقد طرحت الحداثة عدة مفاهيم من اهمها(العقل والحقيقة، بعدما كانت الحقيقة مسلم بها من قبل الكنيسة، اصبحت الحقيقة متغيرة وخاضعة للتجربة والفحص العقلي، وايضا الحرية والتقدم والليبرالية وحقوق الانسان والخ.....) وايضا الحداثة تحل فكرة العلم محل الاعتقادات الدينية المسلم بها، وتقصر الاعتقادات الدينية على الحياة الخاص بكل فرد. وترتبط الحداثة ارتباطآ وثيقآ بالعقلنة والذات.(5) وقد عد مفهوم الذاتية اول المفاهيم التي شكلت قاعدة للحداثة في مجال الفلسفة، فالحداثة هي اولوية الذات وانتصار الذات ورؤية ذاتية العالم، فقد اصبح الانسان في العصور الحديثة يدرك نفسه كذات مستقلة، والايمان بأن العقل هو جوهر الانسان، والايمان بالتقدم المستمر للأنسانية، لذا تميز فكر الحداثة وثقافته بأيلاء الانسان قيمة مركزية.(6)

رواد الحداثة:

1- ديكارت (1596- 1650) يكاد يتفق معظم الباحثين على الدور الكبير الذي لعبه ديكارت في الفلسفة الحديثة، لما قدمه من رؤية اصلاحية وتأسيسة لمناهج الفلسفة واثر هذا التأسيس والتجديد المنهجي على التحولات التي طرأت على مواضيع البحث الفلسفي، لاسيما ما تعلق منها بالمعرفة واليقين، وهي المواضيع التي ترتب عليها نتائج اخرى امتدت الى جوانب ذات علاقة اكيده بالحداثة. فهو ابو الحداثة، لأنه فتح باب جديدآ على الحياة، في حقبة التبست فيه يقظة العالم ببقايا اللاهوت. وقد اسس ديكارت الحداثة الفلسفية بوضع مبدأ الذاتية كأساس للحقيقة واليقين.(7) فهو قد قدم الاساس الصلب لفكر الحداثة عبر الكوجيتو(انا افكر اذن انا موجود).(8) وبذلك مع ديكارت تغيرت وجهة التصويب والمعرفة البشرية، فلم يكن سهلا بالنسبة لديكارت ان ينقل المعرفة من الكونيات الى الفيزياء، وعليه استطاعت استراتيجية ديكارت ان تؤسس جدلية حوار منتجة بين العقل والعالم، وهذا يعني ان الحداثة تسيطر على الطبيعة وتستغلها لصالح الانسان وتضع كل شيء في خدمته ورغباته، وهذا فجر جديد برز لرائد من رواد الحداثة.(9) فهو قد اكد على التحرر من عالم الاحساسات، لأنه عالم خداع لايتيح الارتقاء من الوقائع والافكار الى اكتشاف نظام العالم، وهذا مادفع ديكارت الى اكتشاف مبدأ الكوجيتو.(10)

2- كانت (1724- 1804) ان مفهوم كانت للحداثة نجده من خلال تساؤله ماالتنوير؟ يجيب كانت بأن التنوير يمثل العصر الذي يخرج فيه الانسان من حالة الوصايا وحجر الماضي الى حالة الثقة والاعتماد على العقل.(11) ومن ذلك يؤمن كانت ايمانآ مطلقآ بالتقدم المستمر للانسانية، وهو يؤكد بأن الناس سيصبحون بملئ حريتهم اكثر تعقلآ، اذ يرى كانت ان العقل هو اسمى قوة من قوانا الفكرية، ويذهب فوكو الى ان كانت يمثل عتبة الحداثة، والتقاء العديد من مسارات الحداثة وروافدها، ويرى هايدجر ان كانت هو مؤسس ورائد الحداثة الفلسفية، اما هابرماس يعتبر فلسفة كانت مرآة الحداثة.(12)

3- هيجل (1770- 1831) الحداثة عند هيجل هي فترة تحاول ان تستمد مشروعيتها من ذاتها عبر تأكيدها على القضية التي تفصلها جذريآ عن الماضي. واستعمل مفهوم الحداثة في سياقات تاريخية للدلالة على حقبة زمنية معينة، حيث ذكر بأن الحداثة بدأت مع عصر التنوير واستعمله ضمن اطار الازمنة الحديثة، وقد ذكر ثلاثة تحولات مهمة وهي اكتشاف العالم الجديد وعصر النهضة وعصر التنوير. وتبرز الحداثة من خلال تأكيده على ان الانسان عاقلآ يملك الارادة التي من خلالها يمكن له ان يحقق حريته على الواقع، لأن الارادة عند هيجل تعني الحرية والتحرر من كل الوقائع التي تسيطر عليه وتجعله خاضعآ للطبيعة. ويعتقد هيجل بأن الحداثة تمثل عصرآ جديدآ، فهي تحاول ان تستمد مشروعيتها من ذاتها عبرتأكيدها على القطيعة التي تفصلها جذريآ عن الماضي، واول مايظهر في نظريته هو الشكل المفهومي الذي يعيد تجميع الحداثة ووعي العصر وعقلانيته، ويتجلى وعي الحداثة بذاتها مع هيجل من خلال سعيه الى ان يمنح العقل الغربي شكلآ نسقيآ تنبثق دلالته الاولى مع الاغريق ومع الفلسفة القديمة وصولآ الى الدولة الحديثة، وقد اعتبر هيجل ان الدولة العقلانية هي التجسيد الكامل لعالم الروح.(13)

مابعد الحداثة

جاءت مابعد الحداثة لتحطم مقولات الحداثة كاللغة والهوية والاصل والصوت والعقل، وقد استعملت آليات التشتيت والتشكيك والاختلاف والتغريب، وتقترن فلسفة ما بعد الحداثة بفلسفة الفوضى والعدمية والتفكيك واللامعنى واللانظام. ويشير مصطلح مابعد الحداثة الى مرحلة تاريخية مخصوصة، ويشير بصورة عامة الى شكل من اشكال الثقافة المعاصرة والتصورات الكلاسيكية كفكرة الحقيقة والموضوعية والتقدم، او الانعتاق الكوني والاطر اللامادية والسرديات الكبرى.(14) وهناك من يعيد مفردة مابعد الحداثة الى ارنولد توينبي (1889- 1975) واخرجه عام (1954) من المجلدين الثامن والتاسع من كتابه دراسة التاريخ، ويشير به توينبي الى الحقبة التي تبدأ في تاريخ الغرب من عام(1875).(15) ويعني توينبي بمصطلح مابعد الحداثة، الفوضى والاضطراب الاجتماعي وانهيار العقلانية التي قامت عليها الحداثة، فضلآ عن تهاوي قيم الحقبة التنويرية، ورافق المصطلح التحولات التي طرأت على المجتمع الغربي، وهي لاتقصر على ارض الواقع وانما تشمل ظهور تيارات فكرية اعادت قراءة اسس ومبادئ الحداثة، وايضآ ان المصطلح له مصطلحات اخرى مماثلة له مثل المجتمع مابعد الصناعي والمجتمع مابعد التكنولوجي. اما ليوتار(1924- 1998) وهو اول من ذهب الى موت الحداثة وميلاد عصر مابعد الحداثة وذلك في كتابه(الوضع مابعد الحداثي) ويرى ان عصر الحداثة هوعصر الحواديث الكبرى، فعصر مابعد الحداثة لن يصدق هذه الحواديث الكبرى.(16) ويرى ليوتار ان الحداثة تحمل في تكوينها وفي احشائها وبدون توقف مابعد حداثتها، ويعرف مابعد الحداثة" الحالة التي تعرفها الثقافة بعد التحولات التي شهدتها قواعد العاب اللغة الخاصة بالعلم والأدب والفنون منذ نهاية القرن التاسع عشر".(17)

سعت حركة مابعد الحداثة الى تقويض سلطة الانساق الفكرية المطلقة، والتي عاده ما تأخذ شكل المذاهب والايديولوجيات، ومن اهم الافكار التي يروج لها انصار مابعد الحداثة وهي ان الحقيقة وهم لاطائل من ورائه، وترتكز مابعد الحداثة على مجموعة من المرتكزات وهي:

1- التقويض، تهدف مابعدالحداثة الى تقويض الفكر الغربي وتحطيم اقانيمه المركزيه، وذلك عن طريق التشتيت والتأجيل والتفكيك.

2- التشكيك، اهم ماتتميز به مابعد الحداثة التشكيك في المعارف اليقينية، وانتقاد المؤسسات الثقافية المالكة للخطاب والقوة والمعرفة والسلطة.

3- الفلسفة العدمية، من يتأمل فلسفات مابعد الحداثة، سيجدها عدمية وفوضوية تقوم على تغيب المعنى، وتقويض العقل والمنطق والنظام والانسجام.

4- التفكيك والانسجام، فلسفات مابعد الحداثة، هي ضد النظام والانسجام، بل هي تعارض فكرة الكلية، وفي المقابل تدعو الى التعددية والاختلاف واللانظام وتفكيك ماهو منظم ومتعارف عليه.

5- هيمنة الصوره، رافقت مابعد الحداثة تطور وسائل الاعلام، اذ لم تعد اللغة هي المنظم الوحيد للحياة الانسانية، بل اصبحت الصوره هي المحرك الاساس لتحصيل المعرفي.

6- الغرابة والغموض، تتميز مابعد الحداثة بالغرابة والشذوذ وغموض الاراء والافكار والمواقف.

7- التناص، يعني التناص استلهام نصوص اخرى بطريقة واعية او غير واعية، بمعنى ان اي نص يتفاعل ويتداخل نصيآ مع النصوص الاخرى.

8-  تفكيك المقولات المركزية، استهدفت مابعد الحداثة تقويض المقولات المركزية الغربية الكبرى، كالدال والمدلول واللسان والكلام والحضور والغياب الى جانب انتقاد مفاهيم اخرى كالجوهر والحقيقة والعقل والموجود والهوية.

9- الانفتاح، اتخذت فلسفة مابعد الحداثة الانفتاح وسيلة للتفاعل والتفاهم والتعايش والتسامح.

10- قوة التحرر، تعمل فلسفات مابعد الحداثة على تحرير الانسان من اوهام الايديولوجيا والميثولوجيا وفلسفة المركز.

11- اعادة الاعتبار للسياق والنص الموازي، فلسفات مابعد الحداثة، اعادت الاعتبار للمؤلف والقارئ.

12- تحطيم الحدود بين الاجناس الادبية، فلسفات مابعد الحداثة لاتعترف بالحدود الاجناسية، فقد حطمت كل قواعد التجنيس الادبي وسخرت من نظرية الادب.

13- الدلالات العائمة، تتميز خطابات مابعدالحداثة عن سابقتها الحداثة بخاصية الغموض والابهام والالتباس.

14- الحقيقة، تنكر فلسفات مابعد الحداثة وجود حقيقة يقينية.

15- التخلص من المعايير والقواعد، مايعرف عن نظريات مابعد الحداثة في مجال النقد والادب تخلصها من القواعد المنهجية.(18)

 

حيدر جواد السهلاني

...........................

الهوامش

1- ينظر محمد نورالدين افاية: الحداثة والتواصل(انموذجآ هابرماس)، ص120.

2- ينظرالآن تورين: نقد الحداثة، ترجمة انور مغيث، ص31.

3- عدي حسين مزعل:الحداثة ومابعد الحداثة من النقد الى نقد النقد، مقال منشور في مجلة الفلسفة، العدد السادس، 2010، ص34.

4- ينظرفيصل عباس: الفرويدية(ونقد الحضارة المعاصرة)، ص107.

5- ينظرالآن تورين: نقد الحداثة، ص30.

6- ينظرعدي حسين مزعل: الحداثة ومابعد الحداثة، ص35.

7- ينظرمحمد الشيخ وياسر الطائي: مقاربات في الحداثة ومابعد الحداثة، ص13.

8- ينظرعدي حسين مزعل: الحداثة ومابعد الحداثة، ص35.

9- ينظرفيصل عباس: الفرويدية، ص108.

10- ينظر رواء محمود حسين: الحداثة المقلوبة، ص47.

11- ينظرفيصل عباس: الفرويدية، ص109.

12- ينظراحمد عبدالحليم عطية: مابعد الحداثة والتفكيك(مقالات فلسفية)، ص11- ص37.

13- ينظرفيصل عباس: الفرويدية، ص110- 112.

14- ينظر تيري ايغلتون: أوهام مابعد الحداثة، ترجمة ثائر ديب، ص70.

15- ينظر صالح ابو اصبع: الحداثة ومابعد الحداثة، ص54.

16- ينظر عدي حسين مزعل: الحداثة ومابعد الحداثة، ص40.

17- ينظر جان فرانسوا ليوتار: في معنى مابعد الحداثة، ترجمة السعيد لبيب، ص7- ص71.

18- ينظر جميل حمداوي: مدخل الى مفهوم مابعد الحداثة، بحث منشور على شبكة الانترنيت.

 

محمود محمد عليسارت فلسفة العلم بشكل عام في إطار منطق تبرير المعرفة العلمية على تحديد مبررات تميزها ووثوقها ومصداقيتها ونجاحها في أداء المهام المنوطة بالعلم، سواء استند هذا التبرير إلى معطيات التحقق التجريبي الاستقرائية أو إلى معايير البساطة والمواءمة الأداتية، وإن مالت كفة الطرح الأول الوضعي، في كلتا الحالين ثمة تبرير للنسق العلمي كمنجز راهن وراسخ يمكن أن يستوعب تطورات أبعد ن من هنا تمثل فلسفة الفيلسوف النمساوي كارل بوبر (28 يوليو 1902 في فينا - 17 سبتمبر 1994 في لندن)، نقطة تحول حاسمة، مادامت فلسفة العلم قد انتقلت معها من منطق التبرير إلى منطق الكشف العلمي والمعالجة المنهجية له، على أساس من قابليته المستمرة للاختبار التجريبي والتكذيب، لتعيين الخطأ كي يحل محله يوما ما كشف أفضل وأكفأ وأقرب إلى الصدق.

ولذلك وضع كارل بوبر نظرية لتأسيس القضايا العلمية كرد فعل على تيار الوضعية المنطقية برفض التعويل على الدليل الاستقرائي في بناء هذه القضايا. إذ وضع بوبر منهجاً عدّه ليس من الدليل الاستقرائي بشيء، وأطلق عليه المذهب الاستنباطي، وذلك ليتخلص من الشبهة الهيومية في الدور والارتداد اللانهائي كما تقتضيه العملية الاستقرائية بوصفها عادة نفسية تقوم على التشابه المستند بدوره إلى الاستقراء، وهكذا، معتبراً ان ما سلكته الوضعية المنطقية من جعل الارتباط قائماً بين الاستقراء والاحتمال لا يغير من النتيجة شيئاً حيث الوقوع في الارتداد اللانهائي، الأمر الذي جعله يغير هذا المنحى بمنهج جديد لا يمت إلى العملية الاستقرائية (وذلك حسب قول يحيي محمد في مقاله نظرية كارل بوبر والقضايا العلمية) .

فهو يبتدئ بوضع فرض معين ذهنياً، وهو فرض مؤقت لا تقتضيه تلك العملية، لكنه يقبل الاختبار، وهو في حالة الاختبار لا يلجأ إلى مبدأ التأييد بالشواهد كما تفتضيها العملية الاستقرائية، إذ أي عدد يمكن استقراءه فإنه لا يكفي للبرهنة على صحة القضية الكلية. فمثلاً مهما رأينا من الحالات التي يظهر فيها البجع أبيض فإن ذلك لا يخولنا ان نعتبر كل بجع أبيض، ولقد ظل الاوروبيون قروناً عديدة لا يرون غير البجع الأبيض، مما جعلهم يتصورون ان كل بجع أبيض، حتى اكتشفوا - في يوم ما - البجع الأسود في استراليا، وبالتالي فقد أدى الاستدلال الاستقرائي إلى نتيجة زائفة ( وذلك حسب قول يحيي محمد- المرجع السابق).

وعلى هذا فقد لجأ بوبر إلى مبدأ التكذيب والبحث عن الحالة التي تظهر الجانب السلبي من الافتراض المطروح، فحيث ان الفرض لا يجد ما يدفع إلى تكذيبه فإنه يصمد بقاءً، والعكس بالعكس؛ ولذلك  يري كارل بوبر أن درجة القابلية للتكذيب (المرتبطة بالمحتوي المعرفي للنظرية) ترتبط أساساً ببساطة النظرية . فكلما كانت النظرية أبسط كلما كانت أكثر قابلية للتكذيب والعكس صحيح . وهذا يعني أن العبارة الأكثر عمومية تحل حل العديد من العبارات الأقل عمومية، لذلك تكون أكثر بساطة ... فالعبارات الأكثر عمومية هي الأكثر قابلية للتكذيب .

ويوضح بوبر ذلك مبينا أن هناك ارتباطا وثيقا بين البساطة والقابلية للاختبار والمحتوي التجريبي، فالنظرية تكون أكثر بساطة إذا كان لها محتوي تجريبي أكبر وإذا كان يمكن تكذيبها، أي يجب تفضيل النظريات الأكثر بساطة من الأقل بساطة، لأنها تمدنا بمعلومات أكثر، ولأن محتواها التجريبي أكبر، ولأنها أكثر خضوعاً للاختبار، ومثل بوبر لذلك بنظرية أينشتين العامة في النسبية التي رآها أكثر بساطة من نظرية الميكانيكا عند نيوتن، فالأولي تتضمن تصورات أقل وفروضا أقل وتستوعب مضمونا أكبر من الوقائع معرض مفاضلتهم بين نظريتين منطويتين علي القدر نفسه من الحقيقة يختارون النظرية الأبسط .

ويجعل بوبر فكرته من درجة البساطة كدرجة من درجات القابلية للتكذيب أكثر صراحة بمعيارين مختلفين وفقا لأحدهما الفرض القائل بأن مدار الفلك دائرة أبسط من الفرض القائل بأن اهليج (قطع ناقص) لأن الفرض السابق يمكن أن يكذب بتحديد المواضع الأربعة التي وجد أنها لا تقع علي الدائرة . (يمكن دائما لثلاثة مواضع وصلها بدائرة) . بينما يتطلب تكذيب الفرض الثاني  تحديد ستة مواضع للفلك علي الأقل . وبهذا المعني يكون الفرض الأبسط هنا هو الأكثر قابلية للتكذيب وهو الأقوى أيضا لأنه منطقيا يتضمن الفرض الأقل بساطة . يهم هذا المعيار بالتأكيد في تحديد نوع البساطة التي يهتم بها العلم .

ولكن بوبر يدعو أحد الفرضين أكثر قابلية للتكذيب . ومن ثم أبسط من الأجزاء إذا كان الفرض الأول يتضمن الفرض الثاني، وله محتوي أمبريقي أكبر بالمعني الاستنباطي الدقيق، إلا أن المحتوي الأكبر ليس بالضرورة مرتبطا بالبساطة الأكثر . فأحياناً ما تعتبر نظرية من النظريات التي لا علاقة لها بالنطاق المحدود الذي تتضمنه النظرية . علي أن النوع المرغوب فيه من التبسيط الذي تبلغه نظرية من النظريات ليس علي هذا النحو مجرد محتوي زائد لأنه إذا كان ثمة فرضين لا علاقة   بينهما (علي سبيل المثال قوانين هوك وسنل) ارتبطا فإن الارتباط  الناتج عنهما يخبرنا بما هو أكثر وإن لم يكن أبسط  من مكونات أيهما . لا يخبرنا أي م الفروض الثلاثة ف1، ف2، ف3 المختبرة قبلا بأكثر من أي من الفروض الأخري . ومع ذلك لا تعد بسيطة علي حد سواء . وهذا الفروض لا تختلف في درجة القابلية للتكذيب . فإذا كذبت أمكن بيان كذب الواحد منها بسهولة أعني بشاهد واحد مخالف وعلي سبيل زوج المعطيات 4، 10 يكذبها جميعها . وبينما ألقت الأفكار المختلفة التي قمنا بمسح وجيز لها ضوء علي معقولية مبدأ البساطة فما زالت مشكلات إيجاد صيغة دقيقة وتبرير موجز لها بغير حل حتي الآن .

ولم يكتف بوبر بذلك ؛ بل وجدناه يتساءل :"  ماذا نفعل إذا وجدنا أنفسنا بمواجهة أكثر من نظرية تتوافر فيها شروط القابلية للتكذيب، القابلية للاختبار والمحتوى المعرفي ؟ كيف نفاضل بين النظريات ونختار؟

يري بوبر بأنه إذا ما تم لنا اختيار النظريات، فإننا نقبل النظرية الأكثر قابلية للتكذيب، والأكثر قابلية للاختبار، والأكثر في المحتوي (سواء المحتوي التجريبي أو المحتوي المنطقي) . وعندما نتعرض للعلاقة بين القابلية للتكذيب وبين المحتوي للقوانين والنظريات، نجدها علاقة وطيدة، إذ أن المستهدف من وراء ذلك هو محاولة تكذيب أو تفنيد المحتوي المعرفي لأي قانون أو نظرية .

والواقع أن سبب هذه العلاقة القوية بينهما هو أن التحليل الدقيق لنظرية القابلية للتكذيب يظهر لنا أنه من الضروري أن نبحث عن النظريات الأكثر في محتواها المعرفي، النظريات الجسورة أو الجريئة متذكرين دائماً أن النظرية الأفضل هي التي تخبرنا أكثر، أو ذات محتوي معرفي أكثر، وهي بالتالي الأكثر قابلية للتكذيب . في ضوء هذه العلاقة، يمكننا تفضيل نظرية أينشتين – مثلاً عن نظرية نيوتن، والسبب هو أن دلالة النظرية الأولي – النسبية – فيما يري بوبر دائماً ما تظهر في اعتمادها علي السياقات الأكثر شمولاً.

والمحتوي المعرفي يتضمن الحديث عن المحتوي التجريبي Empirical Content والمحتوى المنطقى Logical Content  . والمحتوى التجريبى يعول على أن النظرية التى تخبرنا بالكثير عن الوقائع المشاهدة هى التى تمنع الكثير أيضاً من الوقائع وتحرم حدوثها، بحيث إذا صدقت من هذه الوقائع المحرمة والمناهضة للنظرية تم تكذيب النظرية على الفور، ولا يعنى ذلك أن " بوبر " يطالبنا بأن نتفرغ لتكذيب كل النظريات العلمية القائمة وإنما يطالبنا بالبحث الدءوب عن الأمثلة السالبة للنظرية القائمة . ونجد عند " كارناب " قضايا من النوع نفسه، وإن اختلفت مشاربه عن "بوبر "، حيث يذكر، " كارناب " أن القوة الحقيقية للقضية تتمثل فى استبعادها بعض الحالات الممكنة . وهذا يؤكد " بوبر " قائلاَ : إن ما يشير اليه " كارناب "، بالحالات الممكنة يعنى طبقاً لتصوره عن العلم نظريات أو فروض ذات درجة عالية أو ذات درجة منخفضة من العمومية .

وإذا كان المحتوى التجريبي هو فئة المكذبات المحتملة التي تجعل النظرية قابلة للتكذيب، فإن محتواها المنطقي هو فئة النتائج التي يمكن أن تستنتج من القضية العلمية سواء كانت قانوناً أو نظرية . فى ضوء ذلك، فإن ما يميز هذه النظرية عن تلك أو هذا القانون عن ذاك إنما هو القابلية للاشتقاق، بحيث نتأكد أنه كلما أمكن اشتقاق أكبر عدد من القضايا منها كانت أكثر قابلية للتكذيب، وكانت بالتالي النظرية علمية أكثر من  غيرها .

ولذلك نجد بوبر في كتابه " منطق الكشف العلمي " يعقد مقارنة بين توجهه الفلسفي وتوجه بوانكاريه وغيره من الاصطلاحيين إزاء مبدأ البساطة ودوره في المفاضلة بين النظريات العلمية، فنجده يقول :" إن التفضيل لا يرجع بالتأكيد إلي شئ من قبيل التبرير التجريبي للقضايا المكونة للنظرية، ولا يرجع للرد المنطقي للنظرية إلي التجربة . إننا نختار النظرية التي تضع نفسها في منافسة مع النظريات الأخري، أي النظرية التي تبرهن علي أنها الأصلح للبقاء بالاختيار الطبيعي، وتكون هذه النظرية هي التي لا تتصدي فحسب لأعتي الاختبارات، ولكي تكون قابلة للاختبار أيضا بأشق الطرق . فالنظرية أداة نختبرها بتطبيقها وأداة نحكم ملاءمتها بنتائج تطبيقاتها . ومن وجهة النظر المنطقية فإن اختبار النظرية يعتمد علي قضايا أساسية يتوقف قبولها أو رفضها علي قراراتنا . ومن ثم فإن القرارات هي التي تقرر مصير النظريات . إلي هذا الحد تكون إجابتي علي السؤال " كيف نختار نظرية ؟" تشابه الإجابة التي يقدمها صاحب المذهب الاصطلاحي . ومثله أقول أن الاختيار في جانب منه يكون محددا باعتبارات المنفعة . ولكن علي الرغم من ذلك هناك فرقاً شاسعاً بين أرائي وآرائه، لأنني أقرر أن ما يميز المذهب الامبريقي هو ما يلي : أن القرار أو الاتفاق لا يحدد في الحال قبولنا للقضايا العامة ولكن علي العكس يدخل في قبولنا للقضايا أي القضايا الأساسية . وبالنسبة للاصطلاحي فإن قبول القضايا العامة يحكمه مبدأ البساطة وهو ينتقي النسق الأبسط . وعلي النقيض من ذلك، أقترح من جانبي أن الشئ الأول الذي يؤخذ في الحسبان هو صعوبة الاختبارات (وهناك ارتباط وثيق بين ما أطلق عليه البساطة وصعوبة الاختبارات، وعندئذ فإن فكرتي عن البساطة تختلف بشكل كبير عن فكرة الاصطلاحي) . وأنا اعتبر أن ما يقرر بشكل نهائي مصير النظرية هو نتيجة الاختبار، أي الاتفاق حول قضايا أساسية . وأقرر مع الاصطلاحي أن اختيار أية نظرية خاصة هو فعل، وأمر عملي . ولكن بالنسبة لي فإن الاختيار متأثر بشكل قاطع بتطبيق النظرية وقبول القضايا الأساسية في علاقتها مع هذا التطبيق، بينما بالنسبة للاصطلاحي تكون الدوافع الجمالية هي العامل الحاسم . ومن هنا أختلف عن الاصطلاحي في تقرير أن القضايا التي يقرها الاتفاق ليست قضايا عامة، ولكنها قضايا شخصية، وأختلف عن الوضعي تقرير أن القضايا الأساسية غير قابلة للتبرير بخبراتنا المباشرة، ولكنها من وجهة النظر المنطقية مقبولة بفعل ما أو بقرار حر (ومن وجهة النظر السيكولوجية فربما يكون ذلك له هدف ورد فعل جيد التطبيق) .

باختصار ترتبط البساطة عند بوبر بمحتوي النظرية . ولما كان المحتوي الأكبر للنظرية هو المطلوب دائما لأنه يعرضها للاختبار أكثر، فإن النظرية البسيطة هي التي تتسم بالدرجة العالية من القابلية للأختبار إذا قورنت بنظرية أخري كانت أكثر تعقيدا. لكن سواء أكانت البساطة بالنسبة للنظرية أو القانون منصبة علي المنفعة، ألأكثر جمالا كما رأي بوانكاريه وغيره من الاصطلاحيين أو الأداتيين أو منصبة علي المحتوي التجريبي المعرفي الأكبر، ومن ثم القابلية للتكذيب الأعلى كما رأي بوبر سواء كان هذا الأمر أو ذاك، إن البساطة ما زالت غامضة  فبالإضافة إلي ما سبق من آراء حول البساطة، فربما نجدها أيضا مبنية علي الاعتقاد بأن الطبيعة بسيطة ولكن يبدو أن الدليل علي صدق هذا الاعتقاد لم يتضح بعد، ثم أن تاريخ العلم نفسه يشهد بأن أنساقا نظرية بسيطة قد تلاشت وقبلت المعقدة . إن هذا الاعتقاد يدل علي مجرد فهم اعتباطي أو علي أحسن الفروض حدسي للطبيعة وللبساطة . لذلك فهو ميتافيزيقي . لذا كان من الممكن أن يخدم كحافز للبحث لكن لا يقبل أي رفض أو تأييد بواسطة الدليل التجريبي وهذا ما يمكن غموض البساطة .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل- جامعة أسيوط

 

 

علي محمد اليوسفأصدروليم جبمس هذه المقالة بعنوان هل الوعي موجود؟ عام 1904 وكانت تمهيدا مباشرا لأنبثاق الواقعية الجديدة وريثة الفلسفة الذرائعية الامريكية التي قامت على مرتكزين:

الفكرة الاولى: لا وجود لمادة أو لكيفية أولى خاصة بالكائن تتميز عما به تكوّن الموضوعات المادية، بل ثمة وظيفة بالتجربة تؤديها الافكار، والوظيفة تكمن بالمعرفة (1).. ما نفهمه من العبارة أن الوعي بالمدركات الحسية تجربة معرفية محايدة، ووظيفة بمعنى الوسيلة أو الوسيط وليس كيانا جوهريا أستدلاليا معرفيا قائما بذاته يمكننا الاحتكام له كحقيقة منطقية متعالقة بالعقل من جهة وفي التعبير اللغوي والفكري عن مدركات الموجودات الحسية من جهة أخرى...فالوعي هو تصورات الافكار العقلية لمعرفة العالم والاشياء وليست موضوعا قائما بذاته مدركا من غير صاحبه وقد ناقشنا هذا الطرح في عدة مقالات سابقة لنا نوضّح جانبا منها لاحقا بضوء الفهم الذرائعي للوعي عند وليم جيمس.

الفكرة الثانية: التجربة الخالصة لا لزوم قسمتها الى وعي والى مضمون وعي، فتجاربنا ليست موجودة وحسب بل هي معروفة، والكيفية الواعية يمكننا تفسيرها من خلال علاقاتها المتبادلة.(2)،.

من الحقائق الفلسفية التي بدأها كانط وأعتمدها هوسرل بمنهجه الفينامينالوجي أن الوعي يحمل ويدّخر موضوعه أي (مضمونه) في المسكوت عنه الخفي في عجز اللغة الاحاطة به.. وليس هناك وعي سليم طبيعي لا يكون قصديا يحمل هدفه.. والوعي بلا مضمون ثرثرة وهراء لا معنى له، وقد أعتمد هذه المّسلمة الفلسفية كلا من هوسرل ومن بعده كلا من هيدجر وسارتر، والأهم أعتمدها جون سيرل وهو من فلاسفة الذرائعية الامريكان المعاصرين ألمتأخرين....

نحن مع أستحالة أن يكون هناك معنى حقيقي لقول فلاسفة الواقعية الجديدة (لا لزوم الى قسمة التجربة الى وعي والى مضمون وعي) فليس من الممكن حدوث مثل هذه القسمة التي تحذر الذرائعية منها؟؟ الوعي هو ادراك عقلي فكري واحد من التجربة المعرفية ذي وجهين، أي هو وعي بمضمون وألا وقعنا في أستحالة أدراكية من حيث أن الوعي بلا مضمون هو وعي غير ممكن عبثي عشوائي لا يحمل معنى الوعي الحقيقي ولا يمكننا التأكد من أمكانية حدوثه عند الشخص السوي في وعيه لذاته ولموجودات العالم...الوعي مضمون عقلي فكري مادي وليس تجريدا لفظيا لغويا فقط في التعبير عن المدركات...

لا يوجد وعي خالص كما أدانه سارتر بمعنى التجربة القائمة بذاتها التي ليس لها مضمون واقعي في عالم الموجودات بسبب أستحالة الفكر واللغة التعبير عن وعي خال من المعنى والمضمون....الوعي وظيفة العقل في نقل الفكر وهو جزء لا ينفصل متعالق مع العقل كجوهر... ومن غير المجدي أن نضع محددات الوعي على أنه تجربة محايدة فقط وليس جوهرا فاعلا مستمدا من تخارجه مع جوهر العقل..والوعي الخالص ربما يكون نوعا من التجربة الصوفية أبعد منه أن يكون وعيا وجوديا لا يمكن بلوغه ولا يمكن تحققه..

وعندما حاول ديكارت في كوجيتو أنا أفكر..أن يجعل الوعي تجربة ذاتية خالصة في أدراك الوجود أنهالت عليه الانتقادات الشديدة من كل حدب وصوب التي بدأها كانط ومن بعده هوسرل وهيدجر وسارتر ولم تقف عند حدود فلاسفة البنيوية أبرزهم شتراوس وفوكو ولاكان والتوسير وصولا الى كونديرا على وجه التحديد في أدانة مقولة ديكارت، معتبرين الوعي الفردي أو الخالص ذاتيا ليس كافيا لأثبات الوجود...فالوعي لا يتمكن التعبير عن نفسه الا بمغايرة وعيه لغيره من الذوات أو الموجودات من جهة وأرتباطه الجوهري بالعقل من جهة أخرى..وبغير هاتين الصفتين الملازمتين للوعي يتحدد أن يكون حقيقيا له معنى أو لا يكون.

ولم يخلص ديكارت حتى من أولئك الذين دافعوا عنه على أعتبار ديكارت قرن وربط الوعي الذاتي الانطولوجي بالفكر وهو ما لم يسبقه به أحد من الفلاسفة..

ما هو الوعي؟

الوعي الذاتي يكون فرديا شخصانيا ولا يمكن تحققه الا بتوفره على جملة أشتراطات ندرج بعضها بأقل الكلمات:

-  أن الوعي هو الوعي الذاتي بالآخر المفارق المختلف عنه، ويبقى الوعي منقوصا أذا ما كان وعيا ذاتيا مثاليا خارج الوجود- في – عالم. (مستفيد من تعبير هيدجر).

- والثاني لا وجود لوعي بلا مضمون قصدي يحركه كهدف يسعى له يريد بلوغه والوصول له.. (مستفيد من تعبيرات هوسرل وهيدجر وسارتر)

- والوعي لا يكون موضوعا لذاته، أي أن الوعي لا يعي ذاته كجوهر قائم منفصل عن مدركاته من جهة وتجريده من أرتباطه بالعقل من جهة أخرى..فمثلما لا يكون العقل موضوعا للعقل ذاته كذلك لا يمكن أن يكون الوعي موضوعا لوعيه.. ان العقل والوعي كلاهما وجهان لعملة واحدة يتبادلان الادراك ليس لمعرفة الموجودات والاشياء وحسب وأنما لمعرفة ذاتيتهما المتداخلة معا.... لذا يكون من الصعب الاستدلال على الوعي من دون تداخله بالعقل ومن خلال تعبير الفكر واللغة عنهما..

الوعي هو تفكير العقل بوسيلة اللغة

-  الوعي يعي ذاته في مدركاته المغايرة له...الوعي يتحقق حين يكون الوعي بشيء يدركه مغايرله... كما لايمكننا تصور وعيا بلا مضمون ..مضمون الوعي هو الوعي الحقيقي في مرجعية الاحتكام فيه للعقل.. والوعي بلا مضمون لا يمكن حصوله وحدوثه كونه مجردا عن مداخلة العقل في مدركاتهما الاشياء وفي التعبير عنها.

- والوعي تجربة شخصانية تسعى لأشباع هدفها فرديا ولا يمكن تعميمها، فلكل وعي أنفرادي هدفه المسبق المراد تحقيقه ولا وجود لوعي من دون قصدية...(مستفيد من تعبير هوسرل وجون سيرل)

- والوعي تتعّطل وظيفته حينما لا يكون تعبيرا عن معنى...أي بلا مضمون.

الوعي والفكر

الافكار هي معارف أدراكية يطلقها الوعي الذي هو وظيفة أنطولوجية - أبستمولوجية، ولا يمتلك الوعي قدرة الحكم على الاشياء منفردا كتجربة محايدة في أكتساب المعرفة التي هي من أختصاص العقل تحديدا قبل الوعي الذي غالبا ما يتجسّد بتعبيرالفكر واللغة عنه...

والوعي القصدي الهادف هو الذي نراه متشّكلا كموضوع في تعبير اللغة ويحمل أفكارا مصدرها تخليق العقل للاشياء ومدركاته بما يضفيه عليها من مقولات...من الخطأ أن نعامل الوعي على أنه تجربة محايدة في نقل أحساسات مدركاته عن الحواس بمعزل عن تداخله الصميم بمقولات العقل المعبّر عنها باللغة فالوعي هو العقل في تعبير اللغة.

الوعي الذاتي هو وعي الأنا الذي يسترشد بالعقل على الدوام في بيان حقيقة الاشياء والحكم عليها بمقولاته النقدية والتكوينية للمدركات. والوعي وظيفة عقلية ابستمولوجية لا يكون موضوعا لذاته ولا موضوعا لمدركاته من غيره..فهو وظيفة أدراك الاشياء والموضوعات المغايرة له..والوعي يعي ذاته كماهية جوهرية تخصّ الانسان الفرد ولا يكون الوعي الفردي موضوعا لغيره بمعنى لا يمكن تعميم ما يدركه الوعي منفردا على المجموع..فالوعي الذاتي هو ماهية الانسان التي لا يدركها غيره، والوعي خاصية أنسانية لا يمتلكها الحيوان ولا الطبيعة..

والعقل يعي ذاتيته وماهيته كموضوع تأملي صامت، ويدرك ذاتيته في وعيه وأدراكه لغيره من الاشياء والموجودات المغايرة له.

لا يمكننا تقسيم الوعي الى تجربة والى وعي بمضمون حسب تحذيرالفلسفة الذرائعية، فالوعي جوهر لا ينقسم على نفسه حاله كمثل حال العقل، وعي الذات هو مضمون الوعي الذي يدرك ذاته ويدرك موضوعاته على السواء ولا يكون الوعي موضوعا مدركا من غيره مالم يصدره العقل على شكل تعبير لغوي حسي عن الاشياء.. ومضمون الوعي هو الوعي الحقيقي ولا يمكننا تصور وعي لا يتعالق بموضوعه والا كان وعيا زائفا بلا معنى...بعبارة ثانية ليس هناك وعي لوحده كتجربة محايدة ولا هناك وعي بمضمون يختلف عنه بعد التجربة...

أن الوعي هو تصورات الذهن لمدركاته داخليا، والوعي فكر ولغة تعبيرواحد يصدره العقل خارجيا في معالجة مدركاته.. الوعي الذاتي بين أنسان وآخر- أي داخل النوع الواحد – هو وعي نوعي مفارق ومغاير لكل منهما تجاه الاخر المدرك كموضوع..وحين يجد كل منهما في الانسان الآخر موضوعا لوعيه وأدراكه، يكونان بهذه المغايرة التعالقية من الوعي المتبادل بينهما يعرف كلا منهما حقيقة وعيه الذاتي...وعي الذات لا يتم الا بوعي المغايرة عن موضوعه.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.................................

الهوامش

* الاقتباسات المحصورة بين قوسين غير المشار لها بالهوامش مأخوذة من مصدر هذه المقالة كتاب /الفلسفة الاميريكية/ جيرار ديلودال/ ترجمة د. جورج كتورة ود.الهام الشعراني.

1- المصدر اعلاه ص 123

2- المصدر نفسه ص 121

 

 

 

علي محمد اليوسفالماهية الجوهر والصفات

نجد مهما تحضيرالانتباه قبل البدء بعرض فلسفة ادموند هوسرل(1859 – 1938) عن الماهية بمنهجه الظاهراتي (الفينامينالوجيا) هو أن هوسرل يعالج ماهية الانسان وليس (ماهيات) الموجودات والكائنات والاشياء في الطبيعة غير العاقلة.

ويرى هوسرل أن ماهية شيء فردي هي ما تتكشف به حقيقته ومعناه، والماهية تتصف بصفة العموم خصوصا أن ما تنسبه الماهية لفرد يمكن أن يشترك به أفراد اخرون (1)

قبل دخولنا في مناقشة هذا الفهم الماهوي لهوسرل نبدأ بمسألة جوهرية هامة نعتمدها مرتكزا في هذه المقالة هي أن الماهية عند الانسان لا تتصف بالتعميم العام كصفات مشتركة بين الناس بل هي (جوهر) فردي متمّيز خاص، بل أهم خاصية للماهية عند الانسان هي أنها فردية غير مدركة دفينة وتجربة خاصة شخصية ذاتية تعني الفرد وحده ولا يصح تعميمها على المجموع من الافراد...

والصفات قد تكون مشتركات يمكن تعميمها بينما الماهية هي تفرّد متمايز يختلف من شخص لآخرلا يمكن تعميمه..وهو ما لانجده لدى هوسرل وأشياعه بأستثناء سارترالذي يخالفهم الرأي..ومن المهم التنبيه أن كانط يفرق بين الماهية والصفات على العكس من هوسرل الذي أراد الرد على كانط معتبرا الصفات هي تجليّات الماهية ولا فرق بين الاثنين من حيث المحتوى والمعنى...ونحن نرجّح فهم كلا من كانط ومن بعده سارترمع الفرق الكبير بينهما، أن الماهية تكوين ذاتي مدّخر عند الانسان وليست صفاته الخارجية المدركة...وبهذا الفهم تعتبر الماهية وجود بذاته (نومين)..وأوضح تعبير بهذا المعنى قول كانط: أن كل ما نستطيع معرفته هو عالم الظاهر الذي لا يشبه عالم الشيء في ذاته، فالله وحده يستطيع أن يرى ذلك – يقصد العالم بذاته -  لأنه غير مقيد بالزمان والمكان وقصور العقل البشري..

وهذا الفهم لماهية الانسان عند هوسرل كصفات مشتركة تجمع بين النوع الواحد أفقيا وبين الصفات والماهية عموديا في النوع الواحد أيضا الذي هو الانسان.. يختلف كليّا عن فهم تلميذه سارتر بأعتبار هذا الاخير يفهم الماهية أنها ليست كينونة ناجزة أو جوهرا مكتملا متداخلا مع وجود الفرد يحمله معه على الدوام كموضوع قابل للادراك في معاملته عقليا، بل يفهم سارتر الماهية عملية تكوينية تطورية ذاتية ينشؤها ويبنيها الانسان بنفسه طيلة سني حياته،وليست ماهيته معطى وجوديا يمتلكه الانسان بالفطرة كجوهرذاتي يلازمه متكاملا بمعزل عن صفاته الخارجية وحتى بالتكامل معها..

ونفهم بضوء سارتر أن (الوجود) هو الواقعة الانسانية البدئية الاساسية التي تسبق كل شيء آخرفي حياة الانسان والتي يمكننا فهمه في أسبقية الوجود الانساني كجوهر ماهوي أو كوعي قصدي أو كينونة فردية فهذه جميعها تأتي لاحقا للوجود الانساني السابق عليها جميعها أولا المتفرعة عنه..فالوعي والماهية والكينونة جميعها نواتج مصنّعة للوجود وتنفرع عنه ولا تكون مكتسبة صفة الموضوع المدرك منفردة أو مجتمعة قبل تحقق وجود الانسان أنطولوجيا بالحياة..فالانسان يوجد أولا وبعدها تتفرع عنه تبعات هذا الوجود في الوعي واللغة والماهية والكينونة والحرية والارادة وهكذا..

فالماهية الانسانية هي سيرورة حياتية متطورة نامية يكتسبها الانسان من الحياة بما يستطيع في سعيه أضافة مكونات جوهرية ذاتية خاصة به من تجاربه بالحياة هي ليست الصفات العامة التي يشترك بها مع غيره من الاشخاص من نوعه،..ومن المتعذّر أن نعثر على ماهية أنسانية ناجزة مكتملة ليست في مراحل من تكوّنها وتصلح أن تكون موضوعا متعّينا في أدراك العقل والتعامل معه..

كما والماهية عند الانسان الفرد هي وعي ذاتي بها وديناميكية متطورة من التكوين التراكمي الكمّي والنوعي المستمرين كوعي قصدي مصنّع في أمتلاك صاحبه عقلا تفكيريا نوعيا مفارقا لغيره من الاشخاص يستطيع به ومن خلاله بناء شخصيته وماهيته المتفردتين عن غيره كماهية ذاتية وليست صفات مشتركة موجودة عند عشرات من الناس.

والماهية عند الانسان الفرد خاصية لا يشاركه بها أحد أو مجموعة من الاشخاص، لذا تكون الماهية ذاتية فردية تحمل خصائص لا يمكن تعميمها على المجموع، فالماهية ليست مجموعة صفات خارجية يشترك الفرد بها مع مجموع من نوعه هم الافراد الاخرين..بمقدار ما هي تصنيع ذاتي لوعي قصدي متمّيزيمتلكه الانسان منفردا بأستقلالية تامة عن علاقات أرتباطه بالصفات التي تجمعه مع الاخرين من الاشخاص...

كما يعتبر هوسرل (الماهية نسق هرمي متسلسل يعلوها الأعم ويندرج تحتها الأخص ومن ثم فالماهية زمانية )(2)..

بالعودة الى الخطوط العريضة في المنهج الظاهراتي عند هوسرل الذي أعتمدته ورسّخته وجودية سارتر وهيدجر ومن قبلهما كانط أن الانسان وجود قبلي سابق على ثلاث نزوعات أقنومية قارّة تحكمه: هي وجود (لذاته) وهو الوجود الطبيعي السوّي للانسان، والوجود (بذاته) أو من أجل ذاته ويشمل هذا بعض صفات (ماهية) الفرد، وأخيرا وجود من أجل الآخرين، ولا يشترط أن تكون هذه الافصاحات  الانطولوجية الثلاث متحققة عند فرد أو مجموعة أفراد بل جميعها حالات من السيرورة الوجودية التي تحكم الانسان منذ الولادة وحتى الممات..

لذا وحسب المنهج الفينامينالوجي عند هوسرل والوجودية يكون الهرم الذي يحمل الصفات العامة التي يتشارك بها الفرد مع غيره من الاشخاص والتي لا تشكل (ماهيات) أنسانوية وأنما صفات وجودية عامة مشتركة قابلة للادراك العقلي المباشركمواضيع كما هو الحال مع كل موجودات وأشياء الطبيعة غير العاقلة..فالماهية عند الانسان وغير الانسان هو صفات مدخّرة في عمق الذات والوجود غير مفصح عنها ولا هي موضوعا في محل أدراك حسّي عقلي لها الا من قبل حاملها الانسان الفرد فقط الذي يستشعرها في كيانه كخصوصية يتفرد بها.بينما لا تعي الموجودات غير العاقلة بالطبيعة ماهياتها أو جواهرها الخفية عن صفاتها البائنة الخارجية..

وصفات الانسان الخارجية البائنة والمدركة التي يتقاسمها الفرد مع غيره من البشر لا تمثل ماهية الانسان كجوهرولا كينونته كوجود، بل هي صفات عامة تشير ألى أنسان معيّن بما هو موجود وبما هو كائن في تلك الصفات التي تكون موضوعات قابلة للادراك المباشر والتعامل معها حسّيا وعقليا لكنها في كل الاحوال تبقى هذه الصفات المدركة لا تشكل ماهية من المتعذر أدراكها حسّيا مباشرة أو أدراكها بتجريد ذهني أو حدسي، وصفات الفرد الخارجية ممكن أن تكون مواضيع أدراكية لكن بخلاف الماهيات عند الافراد التي لا يمكن أن تكون مواضيع أدراكية..فالماهية جوهرمكتسب ثابت نسبيا والصفات عرض متغّير يطاله الزوال والاضمحلال أغلب الاحيان...

والصفات مواضيع مدركة ولا تكون جوهرا ماهويا غير مدرك كما هو الحال مع الماهيات التي هي جواهر لا تدرك مباشرة حسّيا بل ممكن معرفتها علميا كمواضع أبستمولوجية، فمثلا طول الانسان ولون بشرته وتقاسيم وجهه ولون عينيه كلها صفات قد نجدها عند الفرد كما هي موجودة عند عشرات الاشخاص، وهذه الصفات لن تكون ماهيات أنسانوية.. وأذا نزلنا قليلا مع هوسرل من صفات رأس هرم الماهية المزعومة عنده لمعرفة ما يندرج أسفلها من صفات خاصة أكثر بفرد أو مجموعة أفراد فأننا سنتعرف بهذه الحال على صفات مشتركة لكنها لا تمثل ماهيات أيضا مثل ما يمتلكه شخص من نزعة دينية وقيم أخلاقية وضمير وطبيعة وسلوك،وعواطف وغيرها التي يمتاز بها الانسان الفرد وأمكان مشاركته الجماعية بها.. فالماهية شأن خاص جدا وليس شأنا عاما يسهل معرفته وأدراكه الا من صاحبه فقط...والماهية ليست موضوعا لأدراك حسّي أو عقلي وهذا ما يؤكده كانط... أن الموجود بذاته هو وجود ماهوي يتعذر علينا أدراكه والتعامل معه كموضوع مثلما نتعامل مع الاشياء وموجودات الطبيعة..

لنضرب مثلا حول الصفات والماهية في النبات ونقارنها مع الانسان، فمثلا نقول الشجرة تلتقي مع غيرها من الاشجار باللون الاخضر وكل الاشجار تتكون من جذور غائصة في التربة ومن ساق يتوسطها وأوراق وأغصان تعلوها لكن كل هذه الصفات المنفردة لشجرة أو المشتركة مع غيرها من الاشجار أنما تبقى صفات عامة وليست ماهيات خاصة متباينة للاشجار، وعند مغادرتنا الصفات العامة نحو الخصوصيات الصفاتية الاكثر أختلافا بين الاشجار فأننا سنجد هناك أشجارا دائمة الخضرة وأخرى نفضية تنفض أوراقها موسميا وأخرى غير مثمرة للزينة وبخلافها المثمرة وهناك أشجار معمرة وأخرى غير معمرة وهكذا مع صفات عديدة يمكن أدراكها ومعرفتها وربما كانت بعض تلك الصفات تدخل في تشكيل الماهيات للشجرة الواحدة لكنها تبقى في جوهرها صفات بائنة الادراك خارجية كمواضيع وليست ماهيات خالصة دفينة يمكن التعامل معها أدراكيا وأبستمولوجيا..فالماهية هنا ليست صفات بل جوهرا محتجبا خفيّا وراء الصفات الخارجية..

وأختصارا ربما يغنينا عن الاستطراد نقول ماهية كل شيء أو موجود في الطبيعة تتميز بخاصيتين:

الاولى أن الماهية لا تمثل موضوعا للادراك لأنها خاصية محتجبة خلف الصفات الخارجية البائنة للمواضيع المدركة أو المواضيع الخيالية التي يبتدعها العقل من الذاكرة..

والخاصية الثانية أن الماهية فردية شخصية لا يمكننا تعميمها حتى داخل النوع الواحد من جنسه الذي هو الانسان..فماهية كل فرد لا تشابه ماهيات آخرين غيره..

بقيت لدينا مسألة تعبير هوسرل أن الماهية (زمنية) فهي حقيقة لا غبار عليها لكن ليس بالفهم الذي أشار له هوسرل بأعتباره الماهية منجزا كموضوع يمكن التعامل معه أدراكيا كشيء مادي أو موضوع متعيّن.. ويمكن لتأثير الزمان عليه تغييره كمدرك خارجي كموضوع في حين يكون الفهم الصحيح أن الزمن عامل تكوين وأنشاء للماهية عبر المراحل العمرية للانسان وليس عامل تقويض لها كما يحذر هوسرل منه....فالزمان الذي هو عامل تغيير للاشياء والمواضيع في وجودها الادراكي الحسي أو الخيالي أنما يطال الصفات ولا يطال الماهيات كونها ليست مواضيع مدركة لا عقليا ولا زمانيا..

الماهية بهذا المعنى المختلف عن منهج هوسرل الظاهراتي هي أنها سيرورة دائمية في الزمن وليست صفات مكتملة كموضوع أدراكي في تداخلها العقلي مع الزمن والمكان حسب هوسرل..هنا تكون الماهية عند هوسرل هي مجموع صفات الشيء المدرك كموضوع وهذا ما لا ينطبق على الماهية لأنها ليست موضوعا للادراك  ألا في حالات أستثنائية جدا تشمل غير الانسان من موجودات تكون معرفتها من أختصاصات التجارب العلمية وليس من مباحث منطق الفلسفة الظاهراتية على وجه الخصوص..

الماهية والادراك

وفي متابعتنا آراء هوسرل حول الماهية عند الانسان بمنهجه الظاهراتي (الفينامينالوجي) نجده يقول (الماهية ليست مدركة ولا متخيلة لأن كل معطيات التجربة الحسية أو المتخيلة تتحدد بزمان ومكان)(3)

وأخيرا أقرّ هوسرل بما أردناه وشرحناه في السطور السابقة من أن الماهية عند الانسان ليست موضوعا لأدراك عقلي يتحدد زمانيا ومكانيا ولنا توضيح أكثر بعد تكملتنا تثبيت عبارته الاستدراكية قوله (ومع ذلك لا ينبغي أن  يتطرق الذهن الى أن الماهية تجريد، والا اصبحت نتاجا للفكر واصبح هذا النتاج زمانيا اي متغيرا عرضيا، وهكذا يتبين انه اذا كان التجريد يوقظ الوعي بالماهية فانه مع ذلك لا يوّلد الماهية)(4)

ثمة ملاحظات توضيحية مفهومية نرى أهمية تثبيتها بضوء عبارتي هوسرل السابقتين :

- قول هوسرل الماهية ليست مدركة ولا متخيلة كموضوع لأن كل معطيات التجربة الحسّية أو المتخيلة تتحدد بزمان ومكان أدراكي عقلي لها.. هو أعتراف صحيح جاء متأخرا خيرا من أن لا يأتي بما كنا سعينا توضيحه بسطور سابقة..وهذا يجنبنا الخلط بين أدراك العقل للاشياء كموجودات مادية من ضمنها الانسان..وبين الماهية التي هي صفات دفينة غير مدركة ولا واضحة تخص كل موجود لوحده في الطبيعة بذاته..لذا فالماهية ليست موضوعا لأدراك يحدّه الزمان والمكان..وهذا ما يؤكده كانط بالضبط.

- الماهية ليست موضوعا مدركا لا في الانسان ولا في باقي الاشياء المادية الطبيعية غير العاقلة كموجودات خارجية..كما أن الماهية هي أيضا ليست موضوعا متخيّلا يكون مصدره الذاكرة..وأنما الماهية تكوين أنشائي متطورعلى الدوام بالأضافات النوعية غير المنظورة ولا متاح أدراكها بسهولة من قبل الاخرين ما عدا الشخص ذاته منفردا لذا من المتعذر أن تكون ماهية أنسان موضوعا لأدراك غيره من أفراد ..ولا تكون بالضرورة موضوعا مدركا ألا من قبل كل شخص منفردا بذاته تلازمه ماهيته كصيرورة حياتية يصنعها هو بنفسه بمرور الزمن..فالماهية هي وعي الوجود الشخصي المتمّيز لكل انسان منفردا لوحده ..

- كل ماهو غير موضوع للادراك يكون متحررا من سطوة الزمان والمكان في تحديده وتعيينه كموجود..لذا تكون الماهية التي هي ليست موضوعا للادراك بعيدة عن سطوة الزمان عليها في أنحلالها وتقويضها، بل العكس الزمان غير المنظور تأثيره المباشر على ماهية الانسان يكون عاملا ضروريا في تشكيل ونمو وسيرورة ماهية الشخص المتكوّنة بأطراد مستمرداخليا بمرور الزمن..فالماهية جوهر حصيلة عمر الانسان بالحياة.

- تحصيل حاصل لا حاجة التأكيد عليه قول هوسرل الماهية ليست تجريدا ذهنيا وألا أصبحت نتاجا يخلقها الفكر، لا نتصور غاب عن تفكير هوسرل حقيقة  أن كل ماهو غير موضوع مدرك حسيا أو خياليا لا يمكن أن يكون نتاجا تجريديا بالذهن.. والماهية عند الانسان لا تكون موضوعا مدركا من غير صاحبها حاملها التي يستشعرها مثلما يستشعر سريان الحياة في جسمه،،والماهية جوهر تبنيه الحياة ولا تخلقه الافكارالمجردة..لأنها جوهر وجودي مادي يلازم وجود الانسان وليست أفكارا متخيلة مجردة بالذهن مستمدة من الذاكرة..

- متى يكون الشيء أو الظاهرة موضوعا للادراك؟؟

وسيلة العقل في أدراك الاشياء في وجودها المادي المتعيّن في عالم الاشياء يكون بمنظومة العقل الحواس والجهاز العصبي والدماغ.. أما مواضيع الادراك العقلي المستمدة من الذاكرة ومعاملتها الادراكية بالذهن تجريديا فهي كل المواضيع والاشياء التي تكون خيالية من صنع خيال الانسان والذاكرة ولا وجود مادي حقيقي لها في عالم الاشياء، وفي كلتا الحالتين لا تنطبق حالة الادراك على الماهية أن تكون موضوعا لأدراك من غير الشخص حاملها فقط..لا كمدرك مادي خارجي ولا كمدرك تخييلي داخلي بالذهن مستمد من الذاكرة..

- لا أعرف أي تجريد يقصده هوسرل قوله (التجريد الذي يوقظ الوعي بالماهية ومع ذلك فهو لا يوّلد ولا يكون مصدرا للماهية..) وهنا نعيد ونكرر أن هوسرل لا يقر بحقيقة أن الماهية عند الانسان ليست موضوعا للادراك لأنها جوهر خفي وليست صفات خارجية،، لذا في أستعمالنا مفردات تعبير هوسرل في التجريد الذي يوقظ الوعي بالماهية.. تعبير يتعامل مع الماهية كموضوع أدراكي في الذهن المجرد..في حين الماهية هي واقعة مادية دفينة يمتلكها الانسان من تجاربه بالحياة لكنها ليست موضوعا لادراك عقلي مادي ولا خيالي.. كما ليس بأمكان الوعي التجريدي خلق موجودات ماهوية.. الماهية تكون موضوعا أدراكيا تجريديا في ذهن الانسان الفرد حاملها ولا تكون الماهية موضوعا أدراكيا تجريديا من قبل غيره من الاشخاص الذين يشاركونه النوع بالصفات وليس النوع بالماهيات..وماهية الانسان هي تكوين الشخصية الذاتية التي لا تكون موضوعا أدراكيا  لغيره..

- الماهية عند الانسان هي صيرورة مادية تتم داخل الذات الانسانية المنفردة كجوهر ولا يتسنى لأحد أدراكها من غير صاحبها في بنائه وأنشائه المستمر لها.. والماهية لغير حاملها المعني بها ليست وجودا ماديا متحققا في أدراكها ولا موضوعا تخييليا يمكن معاملته تجريديا لا في أدراكه ولا في خلقه من غيره...

- الماهية موضوع ومدرك مادي ومدرك تخييلي للفرد فقط وليس من غيره ويستطيع الانسان التعبير عن ماهيته بالتجريد الذهني المفكر في حين يعجز عن ذلك غيره من الناس أيضا.فالماهية موضوعا للذات وليس موضوعا مدركا لغيرها..

- يؤكد هوسرل على أن الماهية ليست نتاجا للفكر نتوصل اليه بالتجريد بل هي أكتشاف وليست أختراعا.. وتعقيبنا صحيح أن الافكار لا تنتج ماهيات التي هي مواضيع تتسم بالمادية لذات الشخص، وهي تراكمات من الخبرة العملانية بالحياة وليست أكتشافا يدركها العقل تجريديا ولا هي أختراعا لا يدركها العقل، فالماهية جوهر موجود متعيّن يستطيع صاحبها التعبير عنها بلغة التجريد لأنها ليست موضوعا لغيره..

-  كل وعي وأدراك لشيء أو لموضوع هو فعل تجريدي في الذهن لا يمتلك العقل وسيلة أخرى غيرها في معرفته لأن أدراك العالم من أبسط ذرة الى أعقد شيء مدرك هو تجريد وتمّثلات صورية عقلية ، والا تعذر علينا أدراك الاشياء من حولنا أو المواضيع في مخيّلتنا من غير تجريدها فكريا ولغويا..حتى الادراك الحدسي للموضوعات لا يتم بغير تجريد صوري ذهني..

- ينكر هيجل عالم الوجود بذاته ويؤيده في هذا المنحى العديد من الفلاسفة من بعده، والسبب أن الشيء بذاته عند الانسان هو مجموع صفاته وعلاقات النتظمة الداخلية،غير المدركة أو المنظورة من غيره، فألانسان يدرك جيدا نقاط الضعف والقوة في شخصيته التي هي في أغلبها من صنعه هو ولا يعرفها أو يدركها غيره، بينما تكون الماهية أو الوجود بذاته عند موجودات الطبيعة غير العاقلة هي أفتراض حدسي من الاخرين في محاولة الوصول له ومعرفته.وماهيات الموجودات غير العاقلة لا تدرك ذاتيا من قبل حامليها بخلاف الانسان الذي يعي ماهيته منفردا..ومثلما لا يستطيع انسان حدس وادراك ما يفكر به غيره قبل تعبيره تواصليا بما يفكر به، كذلك هي الماهية الانسانوية لا تدركها غيرذات صاحبها..

- ماهية الانسان تبلور طبيعي نامي مستمر في البناء والتشّكل يزامن الانسان في جميع مراحل حياته، بينما تكون ماهيات الموجودات غير العاقلة ثبات من الصفات الداخلية لا تتطور ولا هي من صنع حاملها لأنها جزء من معطى وجودي لا علاقة لأحد غير الطبيعة في أيجاده..

الفهم الميتافيزيقي للماهية

يرى ميرلو بونتي أن الحدس هو الذي يوّلد الوعي بالماهية، وهذا الوعي بالماهية  لا يمكن أن يكون تمّثلا  حتى وأن كان موضوعه ملموسا، فالتمثل أنموذج أتوجه من خلاله الى الماهية، والماهية تبقى دائما وراء التمثلات..(5)،..

أننا نفهم الحدس منهجا أدراكيا ناقصا في الاحاطة والتعبيرعن موضوعه  وتبقى العلاقة التي تربط الحدس بموضوعه ضبابية غير واضحة ولا تشّكل معرفة يقينية حقيقية عن الموضوع المحدوس.. لذا حين يكون الموضوع هو الماهية التي يفهمها ميرلوبونتي فهما ميتافيزيقا عندما تكون الماهية حصيلة حدس وتمّثلات غير منهجية هي أقرب الى التفكير الميتافيزيقي منه للمنهج المنطقي الفلسفي المتمّكن من التعبير عن موضوعه بعلاقة أدراكية حسية أو خيالية عقلية سليمة..فكيف يستطيع الحدس أن يوّلد الوعي بالماهية كما ينّظر له ميرلوبونتي؟؟

الماهية كما سبق لنا فهمها هي تكوينات من السيرورة الدائمية التي لا تكون موضوعا للادراك الاستدلالي عنها ومعرفتها بمنظومة الاحساسات العقلية..فكيف يكون الوعي بالماهية دائما وراء التمّثلات الحدسية المتأرجحة بين التخمين وعجز التطابق الادراكي الواقعي مع الاشياء كمواضيع..كما أن الماهية سيرورة تكوينية وليست جوهرا ناجزا في أمكانية معرفته ولا تكون الماهية موضوعا لتمّثلات حدسية لموضوع أفتراضي غير موجود في التعامل معه.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...........................

الهوامش

1- الفلسفة واللغة، عبد الوهاب جعفر، ص54 نقلا عن المصدر الاجنبي.

2- المصدر اعلاه ص 55 نقلا عن المصدر الاجنبي

3- المصدر اعلاه نفس الصفحة نقلا عن المصدر الاجنبي

4- المصدر اعلاه نفس الصفحة نقلا عن المصدر الاجنبي

5- المصدر اعلاه ص 62 نقلا عن المصدر الاجنبي

 

 

علي محمد اليوسفتعريف: العدم هو الوجه الآخر للوجود حسب ما تذهب له الموسوعة الحرة، وبذلك يكون العدم في علاقة متداخلة تشبه علاقة الفكر باللغة أوعلاقة الروح بالجسد فلا معنى لوجود أحدهما في غياب تعالقه المتداخل بالآخر.. والعدمية Nihilism المشتقة من العدم تذهب الى أن العالم كله بما في ذلك وجود الانسان بلا قيمة وخال من أي مغزى أو معنى حقيقي..وهو ما يرتّب على الانسان أن يستغل حياته من منطلق التسليم بهذه الحقيقة الحتمية التي لا يمتلك درءا لها ولا الأفلات منها..بما يتوجب عليه تنضيج تفكيره بأستمرار من أجل أن يسمو بحياته عن حياة الحيوان الذي لا يعرف ولا يدرك معنى العدم... كما أن على الانسان أن يدرك ويتصرف من خلال التسليم بحتمية العدم بأن الحياة الانسانية قيمتها الحقيقية أنها فانية ولها نهاية...

ويعرّف عالم الفيزياء النظرية لورانس كراوس أن العدم يتألف من لا زمان ولا مكان ولا مساحات ولا جزئيات ولا تنطبق عليه قوانين الطبيعة على الاطلاق.. وبناءا عليه نستطيع القول بأن العدم هو وجود حدسي غير موجود ولا مدرك، ولا يحده الزمان ولا المكان قانونا الطبيعة اللذان يحكمان الوجود في أدراكنا الاشياء بالطبيعة..وتجاهلنا القلق الوجودي للعدم لا يقدم ولا يؤخر من حقيقة أنه يحزم حياتنا بحتمية لاخلاص ولا فكاك منها هي الموت والفناء.

وبالعودة الى فهم كراوس للعدم من وجهة نظر فيزيائية نجده يقول اذا كان من الصعب علينا تخيّلنا العدم بأنه (لاشيء) وغير حقيقي ،فهناك العديد من الاشياء بالعلوم لا يمكنك حدسها لكن ذلك لا يعني عدم وجودها..ويختم تايسون وهو عالم فيزياء أيضا القول معضلة العدم لا تحل أبدا..

العدم والفلسفة

يعرّف هيدجر العدم بأنه النفي القاطع لكل وجود أو شيء يحكمه الفناء الحتمي القطعي بالموت.. والقول بأن العدم موجود قول متناقض لأن العدم سلب وهذا ما يقرّه العقل...

.. وتعقيبنا أن العدم ليس وجودا (قبليا) متعيّنا يسبق وجود الموجودات في عالم الاشياء التي يستهدفها الفناء ،كما هو ليس وجودا (بعديا) يخلف نهاية الاشياء المحكومة بالعدم.. أي حقيقة وجوهر العدم أنه أستدلال أفتراضي غير مدرك يسكن جوهر الاشياء كما تسكن الدودة قلب الشيء المحكوم بالنفي العدمي على حد تعبير سارتر، العدم هو أستدلال أفتراضي لموجود غير بائن للادراك لا كمظهر ولا كجوهر على السواء..والعدم هو حالة من ملازمة الوجود لا يمكننا التعبير عنها بالكلمات، فالعدم ليس جوهرا ولا ماهية ولا موجودا منفصلا متعيّنا يمكننا أدراكه بحواس وأحساسات الادراك العقلي بل هو ملازمة دائمية للموجودات لأفنائها.. أنه حقيقة مطلقة نعرف نتائجها بالحدس ولا نعرف ماهيّاتها بالادراك.. نستشعر تقويضه الموجودات الحية وأفنائها،، لكننا عاجزين معرفة ماهية العدم والاحاطة به لا بالادراك ولا بالتعبير عنه بالكلمات.. وحدس العدم يتيح لنا معرفة الموجودات على حقيقتها قبل أستهداف العدم الحتمي لها كما الموت في أفنائه الكائنات الحية من الوجود.. وأبلغ تعبير عن ذلك أنما جاء على لسان سارتر في تعريفه معنى العدم بقوله أن العدم يركب ظهر الوجود المحكوم بالفناء والزوال لا يتقدمه ولا يسبقه بل يلازمه ملازمة الظل والقرين المتداخل به.. وهو كالسوسة في باطن الموجودات والاشياء التي تنخرها..

العدم هو غير اللاوجود أو الفراغ (الخلاء) الذي يتوسط موجودين محكومين بالفناء بل هو يلازمهما كجزء من تكويناتهما كلا لوحده وصولا الى حتمية فنائهما لا قبليا ولا بعديا عنهما بل في ملازمة حتمية لا أنفكاك لها.. فالعدم لا يسبق الوجود ولا يأتي بعده، بل يداخله وهو دلالة أفتراضية يستهدف غيره من الموجودات والاشياء بالفناء،، وهو لا يفنى بالفناء ولا يعدم نفسه كما في تعبير هيدجر، بل هو نتيجة حتمية شاخصة متبقية بعد فناء الموجودات المحكومة بحتمية العدم والزوال.. أنه الموت الذي يعدم الحياة ولا يعدم نفسه في أستمرارية بقائه كحقيقة أزلية في معايشته الحياة والانسان والطبيعة والموجودات.. ..

العدم والقلق

يتحدث هوسرل عن العدم من منظور فلسفي فيعتبره لصيق القلق النفسي المتداخل في الوجود الانساني، ويأخذ القلق عنده دور العدم في حين نرى العدم ليس حالة من حالات القلق النفسي التي يمكن الشفاء منها بأنفصالها عن الوجود المادي للانسان فقط والقلق لا يشمل كافة أشكال الكائنات الحية الاخرى مثل الحيوان المحكومة هي الاخرى بالعدم فهي لا تشعر بالقلق من الموت الذي سيدركها..

فالعدم يطال الوجود كاملا برمته ويبقى القلق مرهونا بالموت الذي هو شكل العدم والفناء عند الانسان..وأنفلات السيطرة على العدم وأنعدام أمكانية الاحاطة به والتعبير عنه بالكلمات لا يجعل منه قلقا نفسيا يلازم الوجود بأنفصالية مستقلة والخوف منه.. بل بأعتباره وجودا متداخلا ملاصقا الوجود الانساني ويتهدده بالموت والفناء.وعندما نقول العدم هو الوجه الآخر للوجود فليس معنى هذا أننا نستطيع أدراك العدم كما هو الحال مع أدراكنا الوجود، فالعدم جزء متداخل بالوجود لكنه لا يمتلك وجودا متعينا بل هو أفتراض حدسي فقط نلمس نتائجه دونما أدراكه..

وعندما يعبر هيدجر (أن العدم مصاحب للوجود وليس نفيا للوجود) يكون وضع العدم في مفهومه وسياقه الوجودي الحقيقي الصحيح، فالعدم  ينفي الوجود لأنه جزء لصيق بهذا الوجود، ويتعذر على العدم بأعتباره وسيلة أعدام الوجود أن يعدم نفسه ولا نستطيع الجزم أن العدم يفنى بفناء الوجود..فالعدم ليس وجودا قبليا ولا وجودا بعديا يمكن حدسه كمدرك بعد فنائه موجوده المتداخل معه.. ولا نجد نفس الدقة السابقة في عبارة هيدجر التي مررنا بها قوله (فنحن يخرسنا القلق ويطوينا العدم فلا نقوى على نفي الوجود عنه ولا أثباته، ولا يعني هذا أن يكون في القلق فناء للموجود في مجموعه بل أن الموجود يترنح ويتأرجح ويغيب بسببه) 1، هنا هيدجر يجعل من القلق بداية العدم معتبرا القلق هو حالة نفسية لا تعدم الوجود بمجموعه بل تتركه مترنّحا؟؟ القلق ليس عدما ولا ينوب عن العدم في أستهدافه الوجود بالفناء.. القلق حالة من التهيؤ النفسي غير المجدي من العدم..لكن القلق ليس هو العدم بذاته بل مظهرا من مظاهر النفس والتحسّب له..

وفي تعبير برجسون (ان ما يسلب عنه الوجود بكلمات مثل العدم أو الخلاء لا يدخل في نطاق الفكر بل الوجدان، والعدم صيغة وجدانية للفكر، والعدم المطلق فكرة زائفة ) 2، ونكمل مع هيدجر نفس المنحى قوله (اذا كان المنطق لا يوصلنا الى العدم فمن الممكن ان نلجأ الى لغة العامة، لأن العدم ينبغي أن يوجد بطريقة وأخرى والا ما كان موضوعا نبحثه هنا) 3 .

من الملاحظ في تعبيري برجسون وهيدجر على السواء في اختلاف بسيط فقط أن العدم في الوقت الذي لا تستوعبه اللغة ولا المنطق في تحديد ما هو.. يكون متوجّبا أستحضاره كموضوع فلسفي ميتافيزيقي يكون أرتباطه بالوجدان وليس أرتباطه بالوجود المادي للاشياء في فنائها الحتمي، لكن المنطق الفلسفي يقر بأن العدم قرين أفنائي للموجودات المادية والاشياء في الطبيعة من بينها الانسان كوجود يدركه الموت والفناء، وتعبير برجسون يدور في نفس الدوامة الميتافيزيقية بأعتباره العدم صيغة وجدانية للفكر، والعدم المطلق فكرة زائفة حسب تعبيره..والدلائل الحقيقية تشير الى أن العدم في الوقت الذي لا يكون وجودا منفردا لوحده بل مصاحبا دائميا للموجودات المادية فهو بالضرورة الادراكية أن ما يقوم بنفي المادة لا يكون فكرا بل هو موجود يستمد ماديته من مواضيع أعداماته المادية.. والعدم بمعنى الفناء هو أكثر صيغة تجريدية مقبولة تمكنّه من أن يكون العدم المطلق ليس فكرة زائفة بل فكرة حقيقية يمكننا أن نجد حقيقتها في أقترانها بالوجود من حيث هو مطلق فاني ومعدوم على الدوام ولا يمكننا تصور موجودات لا يطالها العدم..فليس بمقدورنا القول أن الموت الذي هو عدم مطلق ليس مطلقا..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.............................

هوامش

1- الفلسفة واللغة /عبد الوهاب جعفر ص 86

2- المصدر اعلاه ص84

3- المصدر اعلاه نفس الصفحة

 

زهير الخويلديمقدمة1[1]:

"ذاكرة الرهيب ضرورية للغاية

La mémoire du terrible nous est absolument indispensable "2[2[

لم يكن بول ريكور أول من حذر من إخفاق مشروع الأنوار في الحضارة الغربية ومجيء العدمية وبلوغ الإنسان زمن الخواتيم فقد تحسس ذلك بصورة جنيالوجية فيلسوف المطرقة فريدريك نيتشه وسانده مارتن هيدجر ضمن رؤيته الأنطولوجية الأساسية وتفطن إلى المنحدر الخطر عالم الاجتماع ماكس فيبر وأدرك اقتراب النهاية كل من المؤرخين أرنولد توينبي وأوسفالد شبلنغر واتضحت الأزمة في العلوم الأوروبية مع أدموند هوسرل وانتبه يورغن هابرماس إلى مأزق الحداثة التقنية وسقوط العقلانية في مستنقع الآداتية.

بيد أن الطرافة التي ميزت بول ريكور هو كشفه عن حالة الإنهاك التي بلغها مشروع الأنوار وعن الأزمة التي يعاني منها الوعي التاريخي وتأخره عن الزمن التاريخي والتعارض بين فضاء التجربة وأفق التوقع واستشكاله الأزمة التي أصابت الحضارة الكونية من جهة القيم والمبادئ التوجيهية التي تحكم المؤسسات وطرقه أبواب الديمقراطية عبر الإنسية التعاونية وتطعيمها بالسياسة التي تراهن على الحريات الفردية.

من هذا المنطلق تبدو مسؤولية الفيلسوف كبيرة في المدينة حول مهام الانتقال من الانحلال إلى إعادة البناء ومن الفوات والتأخر إلى اللحاق والتدارك وحول الأدوار التي يجب أن يقوم بها في الوساطة بين الأقطاب المتعارضة وفي رأب الصدع بين الذات والعالم وتخطي وضع الهشاشة وفشل العدالة ومفارقات السياسي.

مصادر الهشاشة حسب بول ريكور تنبع من النقائض التي تشق الواقعة الإنسانية بين الإرادي واللاّإرادي والمنزلة الوسطى التي يحتلها الكائن البشري وتجعله يتأرجح بين الكينونة والعدم وبين اللانهائي والنهائي وتظهر ذلك في التباعد بين المنطقي والمؤثري وبين المتعالي والعملي وحالة اللاّتنساب بين الذات وذاتها بسبب التناقضات بين الحرية والطبيعة وبين القرار والمشروع وبين الباعث والقصد وبين الطبع والأفق.

يتراوح الوجود البشري من وجهة نظر ريكور بين الهزل والجد وبين الكوميدي والتراجيدي ويستنجد بالطابع الملحمي لكي يتغلب في لعبته مع حركة التاريخ ويتحدى سلطة القدر المحتوم ويعلن انتصاره في معركة الحرية على العراقيل والضرورة والإرادة على التناهي واللاّعصمة ويجعل الإقرار شهادة للكائن البشري باللاّتناسب من جهة وقابلية الاقتدار من جهة أخرى ببناء الجسور وإبرام مصالحة بين الأضداد.

مفارقات السياسي التي أثارها ريكور تتوزع إلى ثلاث دوائر: تتعلق الأولى بالشكل العقلاني للدولة المدنية والقوة الفيزيائية المرافقة للقوانين والقرارات، الدائرة الثانية تقسم السلطة بشكل مغاير ضد نفسها وتعطب العلاقة بين البعد العمودي والتراتبي للهيمنة أولا والبعد الأفقي والتوافقي للرغبة في الحياة المشتركة ثانيا، أما الدائرة الثالثة فتتعلق بالنقد المعاصر لفكرة العدالة الواحدة واللاّمنقسمة والقول بوجود دوائر للعدالة تحتاج إلى تبرير من جهة وتوزيع منصف من جهة مقابلة بالنظر لأن الدولة الممسكة بالسلطة تظهر في ذات الوقت كدائرة مثل بقية الدوائر والهيئة العامة التي تحول دون اختراق الدائرة الأولى للدوائر الأخرى.

فشل العدالة الذي كشف عنه بول ريكور ناتج عن تعارض بين فكرة العادل من حيث هو مبدأ عال للحقل الإيتيقي والمعاناة التي تسللت من الخارج في الحكم الصادر من حقل العدالة الجزائية إلى الجاني المدان ويظهر إخفاق مؤسسة العدالة في مستوى التبرير العقلاني للعذاب الذي يعاني منه المتهم لحظة الإدانة.

أما عن المسؤولية فهي تشهد الكثير من المراوغات ومحاطة بالغموض والشبهات ويتم النصل منها في السر والعلن وتكثر التبريرات وتتزايد التسويغات ويقدم الفاعلون العديد من الأعذار وجملة من التعلات والخاسر الأكبر هو العزوف عن الفعل والإخلال بالوعود والتقاعس عن الواجب والتقصير في الالتزام.

هنا ، فيما تتمثل مسؤولية الفيلسوف تجاه هذا الخطر؟ هل هي مسؤولية فردية أم مشتركة؟ وماهي أنواع المدائن الحضرية؟ ولماذا حدث النزاع بينها؟ ما طبيعة الأزمة التي يعيشها الإنسان المعاصر ؟ هل هي أزمة تاريخية ناتجة عن الصراع بين الموروثات؟ وما المقصود بالمدائن المتصارعة؟ وكيف يتم الانتقال من المدينة إلى العالم؟ ومتى يتم بناء العوالم المشتركة بصورة تأسيسية؟ وماذا يتطلب الأمر من ناحية شغل الفيلسوف؟ وهل يمكن لإيتيقا المسؤولية التي تنبع من المصالحة مع الذات أن تكون بديلا عن إيتيقا الاقتناع التي تتشكل من خلال الفعل التواصلي في الفضاء العمومي؟ هل مسؤولية الفيلسوف تتعين من حيث هو مواطن حر أم تتنزل ضمن المؤسسات الرسمية التي يتحرك ضمنها ؟ ألا يُطالب بالمسؤولية الأخلاقية والوجودية إلى جانب المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية؟ والى أي مقام جديد يتطلع؟ هل يقتصر دور الفيلسوف على ممارسة الحكم وتحمل المسؤولية؟ هل هو الحكم المعرفي ام الحكم السياسي؟

حري بالفكر الحاذق أن يقسم بحثه عند معالجة هذه الإشكاليات إلى جملة اللحظات المنطقية التالية وأن يقوم باستدعاء الأنثربولوجيا الفلسفية التي تجمع بين المجتمع والاقتصاد ضمن جدلية الإيتيقا والسياسة:

اللحظة الأولى: مظاهر أزمة الوعي التاريخي بين التخصيص والتعميم

اللحظة الثانية: المدائن المتصارعة وإخفاق العدالة والشر السياسي

اللحظة الثالثة: العوالم المشتركة : السياسي من حيث هو استكمال المقصد الإيتيقي

اللحظة الرابعة: مسؤولية المجتمع الدولي والمقام الجديد للفيلسوف

ما يراهن عليه في الشخصية المفهومية هو تجنيب الحشود الالتجاء إلى العنف والنزاع واللاّتسامح والانزواء والاقتصار على التنظير والانتظار وانحيازه إلى قضايا المجتمع والتدخل في الفضاء العمومي والانتصار إلى المعية الوجودية بين المواطنين الأحرار على أرضية إيتيقية تشيدها إرادة الحياة المشتركة.

ما معنى قول يسبرس وأرندت "الفلسفة ليست بريئة"؟ هل هي مورطة بالضرورة وغير قادرة على إنتاج خطاب موضوعي؟ ما المقصود بفلسفة المدينة ومدينة الفلسفة؟ ولماذا نحتاج إلى التفلسف من اجل التمدن ونعتمد على التفلسف من اجل التمدن؟ ومتى كان التفلسف يساعد على فض النزاعات في المدائن وبناء المشترك؟ وأين يسكن الفيلسوف مدينته بالمعنى الأصيل للكلمة؟ وماذا عليه ينجز في المدينة لكي يصير فيلسوفا من جهة ومتمدنا من جهة أخرى؟ هل ينتصر للفلسفة إذا تصدت لها المدينة ام يحتمي بالمدينة بحثا عن ملاذ لا توفره الفلسفة؟ لماذا ينزوي الفيلسوف بصناعته بعيدا عن الأنظار ويخدم للسلطة؟ وهل يتحمل الفيلسوف مسؤولية كل ما يحدث في العالم ومطالب بتشييد المدينة؟ أليس من المطلوب أن يفكر الفيلسوف دون سلسلة مقيدة وخارج الصندوق ويسير في دروب جديدة ويساهم في صناعة العالم الإنساني؟ كيف يا ترى دور الفيلسوف في صناعة الأمل والتوقي بالثقافة والأدب والتاريخ من التطرف العنيف؟

ماهي خصائص الأزمة التي يعاني منها الإنسان في حياته العادية؟ وكيف تأثرت الحداثة بهذه الأزمة؟

1- مظاهر أزمة الوعي التاريخي بين التخصيص والتعميم:

"الأزمة ليست حادثًا طارئًا، ناهيك عن مرض حديث: إنها مكون من الوعي"3[3]

لقد عرفت البشرية منذ التشكل الأول العديد من الأزمات وأوجدت الوسائل اللازمة لحلها تصديقا لقول ماركس بأن الإنسانية لا تطرح مشاكل لا تكون قادرة على حلها وبالنظر إلى العقل يجد لكل سؤال جوابا ولكل مرض دواء ولكل آفة علاجا ولكن الأزمة الحديثة التي طوقت الوضع البشري طالت واستحكمت ولم يجد الإنسان المعاصر لها مخرجا وتسببت في ظهور العدمية واللاأدرية والانحطاط والحيرة القيمية والفراغ الأكسيولوجي ودفعت بالناس إلى التحرك في الممكن وقبول بالواقعية والبحث عن بدائل مؤقتة.

بعبارة أخرى نحن لا نعيش أزمة لأول مرة في التاريخ، فالوجود البشري شهد ظهور الكثير من الأزمات ولكن ما نعيشه في الزمن الحاضر هي أزمة شاملة لا نظير لها في السابق لأنها تظهر أزمة دائمة ونهائية.

كما أنها طرحت في الميزان قيمة التقدم التاريخي الذي سار إليه البشر وأعادت التساؤل عن معنى الحداثة وتماسك الذات في مواجهة التحديات والعناصر التي تكونها وصلابة المؤسسات في ظل عنف التحولات. لقد تفطن بول ريكور إلى تعدد أسباب الأزمة في العالم وتوزعها بين وراثة العنف التأسيسي وهشاشة ثبت الهوية ومخاطر اللقاء بالآخر ونشر اللاّتسامح بين المجمتعات وإفساد المال للأخلاق والسياسة والاقتصاد.

اللافت للنظر أن الأزمة عامة ومعولمة من جهة وتشمل جميع القطاعات بشكل خصوصي من جهة مقابلة ويضع لها بول ريكور ثلاث أسباب:

1- إن مصطلح الأزمة مزروع في الجسد البشري بطرق متنوعة ومبهمة بما أنه يشمل القيم والوعي والحضارة ويمس المؤسسات والجمعيات والوزارات والأحزاب والمرافق العمومية والخاصة.

2- مرت الأزمة بسرعة من الطابع الجهوي والقطاعي والخصوصي إلى الطابع العام والشمولي والكلي واخترقت بصورة تامة الظاهرة الاجتماعية وبرز ذلك في مستوى تمثل المجتمع لنفسه.

3- أزمة الحداثة لم تعد تشير إلى ظاهرة من بين ظواهر أخرى وإنما صارت ترمز إلى حقبة كاملة ومساءلة جذرية للحاضر واستشكال للراهن بسبب الصراعات التي تخترقه والتي يتعذر حلها[4].

 لقد ترتب عن اشتداد الأزمة تزايد المشاحنات الإيديولوجية وبروز تمثلات عقيمة للمجتمع وغياب التقدير للأفكار القيمية وتزايد الاهتمام بالقيم المعولمة التي تدور في فلك المنفعة والإجراء والربح ومتعة الاستهلاك وتكاثر المشاكل في المجالات التي كانت مستقرة وتفاقم النزاع في الحقول التي كانت هادئة.

يتوقف بول ريكور عند الدلالة الطبية للأزمة ويرى أنها تشير إلى لحظة المرض الذي يختص بتغير في السير العادي للمريض ويرتبط بالمعاناة أو العذاب في وجود شيء كعلامة رئيسية على سياق باثولوجي وتستوجب إحداث قطيعة في الإيقاع الزمني للمرض من خلال التشخيص المبكر والتدخل العلاجي ومحاولة إيقاف المضاعفات وتنمية القدرات الدفاعية التي يختزنها الجسم وتقوية المناعة عبر العقاقير5[5].

القطاع النموذجي الثاني الذي يحلل فيه ريكور مصطلح الأزمة هو حقل التطور النفسي الفزيولوجي الذي يشير الى حالة من البؤس العميق التي يعيشها الكائن وتكون في ذات الوقت في المستوى الجسدي والنفسي وتؤشر على مرور من حقبة عمرية معينة إلى مستوى زمني آخر وتظهر بوضوح في اللاتوازن الذاتي.

النموذج القطاع النموذجي الثالث هو الإطار الكوسموبوليتي الذي كان عمونيل كانط قد اشتغل عليها في كتاباته عن فلسفة التاريخ والتي أقر فيها بإمكانية ملاحظة التطور التام على الصعيد النوعي وحجبها عن الصعيد الفردي بسبب لاإجتماعية الاجتماعي في الحالة الأولى ووجود استعدادات طبيعية لاستعمال العقل تظهر بشكل متأخر في الأجيال المتعاقبة التي تطور قابليتها للتحول إلى المجتمع المدني ودولة القانون6[6].

أما النموذج القطاعي الرابع الذي يشهد بشكل منتظم ميلاد أزمات هو تاريخ العلوم وكشف فيه توماس كوهن في "بنية الثورات العلمية" عن النموذج الإبستيمولوجي للأزمة والطابع المنكسر للإبداع العلمي وبيّن فيه أن التقدم يتم عن طريق سلسلة من الثورات والقطائع التي تحدث من خلال تغيير في النماذج وذلك بعد وقوع تشويهات في النظرية وتعقيدات في المعرفة واختلال في التوازن وبروز أزمات عابرة7[7].

في نهاية المطاف يصل ريكور إلى تحليل المفهوم الاقتصادي للأزمة ويعتبره مفهوما مشتركا ومهيمنا ويعد النموذج الوحيد الذي يمكن أن يؤثر على النماذج الأخرى وينتشر في جل مجالات الحياة الإنسانية وذلك بالنظر إلى تأثير البنية التحتية المادية على البنية الفوقية الثقافية ومسه بقوة الحضارة الكونية وسلم القيم والمبادئ وشبكة المعايير الرمزية وتسببه المباشر في ظهور أزمات في مختلف الميادين الأخرى8[8].

يترتب عن اندلاع الأزمة في المجال الاقتصادي تشكل أزمة بالمعنى المنظومي النسقي واتخاذها الطابع المتنوع التتابعي وانتشارها السريع في المجتمعات المتقدمة والمتأخرة عن نمو أنماط الإنتاج الرأسمالية واكتساحها لكتل بشرية عريضة عوضت حالة الرخاء والرفاه والاستقرار بحالة الكساد والشقاء والعوز.

لقد تولد عن الأزمات القطاعية في المجال الطبي والنفسي الفزيولوجي والكوسموبوليتي والابستيمولوجي والاقتصادي تناقضات اجتماعية وعدة فوارق وعذابات واختلال في القيم وشرر سياسي وحروب متناسلة.

من هذا المنطلق تميزت الأزمة في العالم المعاصر بثلاثة خصائص أساسية حسب بول ريكور: التمكين9[9] والدورية 10[10] والعولمة11[11] ويؤدي ذلك إلى حصول تحولات كبيرة وتغييرات جذرية في مستويات الحياة للنوع. لكن ماهي المعايير التي يعتمد عليها ريكور أثناء تحليله لظاهرة الأزمة المعممة généralisée؟

اعتمد ريكور على عدد من المعايير أثناء دراسته للأزمة التي يعاني منها المجتمع الحديث ويراها تدور كلها حول المعيار الطبي والمعيار البيداغوجي والمعيار السياسي والمعيار الابستيمولوجي والاقتصادي. وكأن الحل في هذه الميادين يكون بالتخلص من المرض بالعلاج الكافي والدواء الشافي والخروج من الفشل المدرسي بالتربية المتكاملة والتعليم الجيد ومقاومة الشر والظلم بالحوكمة الرشيدة والسياسة العادلة والتغلب على الجهل الواعي والغباء المبرمج والخلط المتعسف بالنقد وتحصيل التنمية ضد الفقر12[12].

فكيف أدى التفاوت في امتلاك الثورة وفي درجة إنتاجها إلى ظهور فوراق اجتماعية ونزاع بين المدن؟

اللحظة الثانية: المدائن المتصارعة بين إخفاق العدالة والشر السياسي

" الآخر هو أقصر طريق بين الذات والذات عينها"13[13]

لقد تفطن ريكور إلى أن أزمة المدينة villeتعكس إلى حد كبير الأزمة الطارئة على السياسي والتي تعود هي بدورها إلى أزمة في المشاركة14[14] السياسية وقلة التدخل في الفضاء العمومي وعدم المحاسبة.

تعني المدينة Cité عند ريكور الجماعة السياسية بمختلف المؤسسات التي شيدتها وأعطتها شكل الدولة وتختلف عن المدينةville التي تشير إلى منطقة حضرية تكون في ذات الوقت وسطا فيزيائيا وبشريا يتركز داخله السكان وينتظمون وفق مساحة لها موقعها وبيئتها وفقا لاحتياجاتهم وأنشطتهم الاقتصادية.

المدينة في خطر هذا مؤكد والمهدد فيها هو الجانب الحضري والمدني والعمراني بسبب هبوب رياح العدمية والتوحش واشتداد عود الهمجية واتساع رقعة كثبان الرمال المتحركة القادمة من الصحراء والتي تهدد ما تبقى من مناطق خضراء وواحات ديمقراطية آمنة التي تنتشر فيها المحبة والتصافي والتعاون. ترصد أرندت تنامي ظاهرة فقدان العالم للتمدن وترى أن الواحات التي تستطيع توفير الحياة تم إبادتها عندما كنا نبحث عن ملاذ، يمكن أن يبدو في بعض الأحيان أن كل شيء يتآمر لتصبح الصحراء في كل مكان. لكن ليس هذا سوى خيال، في النهاية العالم دائما نتاج الإنسان، نتيجة حب الإنسان للعالم15[15].

بيد أن اللافت هو عدم الاكتفاء بالتحارب بين قوى الهدم وقوى البناء داخل المدينة بل نشوب نزاع بين المدائن في حد ذاتها وذلك ليس بسبب المشاريع التحديثية فيها والبرامج التنموية والمخططات السياسية ولكن بمفعول إخفاق العدالة16[16] ونتيجة اتساع الهوة بين المركز والأطراف والتناقض بين سكان المدن وسكان الأرياف وبعد استفحال التعصب والازدراء وتفشي التمركز على الذات والنزعة الفرادنية التملكية. من المفروض أن تحوز كل مدينة على مشتغلين بالفلسفة وتتوفر على منتجين للمعرفة وطلاب للحقيقة ومحبين للحكمة وعاشقين للمفاهيم ومناضلين من أجل المواطنة ومشاركين في الفضاء العمومي وبالتالي تبدو مسؤولياتهم مضاعفة في التصدي للانحراف ومقاومة التشويه وفي الانتصار للقيم الكونية والتربية السياسية للجماهير ويطلب منهم أن ينحازوا إلى قضايا الناس الجدية ويتحولوا إلى ناطقين بلسان الضمير.

والحق أنه توجد أنماط مختلفة من المدائن بحسب اختلاف النشاط البشري داخلها والمشروع الإنساني الذي يتم الانخراط فيه من طرف الكائنات البشرية المنتمية إليها وبحسب تأرجح العلاقات بين التنابذ والتعاون.

في هذا الإطار يستأنس بول ريكور بالتحليلات العميقة للوك بلتانسكي ولورنت تيفينو في كتابهما التسويغ : اقتصاديات العظمة17[17] ويحاول تحديد مكانة الفيلسوف ضمن النسق الوظيفي للمدائن المتصارعة ويرى أنه توجد مدينة للتسوق cité marchande حيث ندرة الخيارات تجعل الأشخاص يتنافسون على الحصول عليها ويخضعون ويتوحدون وهناك أيضا المدينة الصناعية cité industrielle التي تهيمن فيها القواعد الوظيفية الخاضعة للمبادئ العليا للمنفعة ومدينة الرأي cité de l'opinion التي تتحدد فيها الشهرة برأي الآخرين بدل الارتباط بالعظمة الحقيقية ويعيش فيها المشهورون من الرياضيين ونجوم الفن والمحترفون والمدينة الملهمة cité inspiré التي تتحدد فيها عظمة الأشخاص بالفضل وليس بالمال والمنفعة والمجد ، والمدينة المحلية cité domestique التي تشير إلى الموطن الأصلي ومسقط الرأس حيث تسود قيم الولاء والوفاء والإجلال والإكبار والرضوخ والانحناء للتقاليد تحت اسم قبول الإقامة المنزلية maisonnée والمدينة المتحضرة cité civique التي يتنازل فيها المواطنون عن مصلحتهم الشخصية لإرادة الجميع التي يعبر عنها القانون الوضعي ضمن الانتماء للمجموعة الوطنية، ومدينة المهمشين cité des marginaux والتي تضم الفنانين الهواة والتأمليين contemplatifs والمفكرين والفلاسفة ومعظم الحالمين من الشعراء والأدباء والنقاد واللاسلطويين والمحبطين والمنبوذين18[18].

هذا التعداد الفلسفي للمدائن يذكرنا بما قام به أفلاطون عند الإغريق وأبي نصر الفارابي عندنا في التفريق بين المدينة الفاضلة ومضاداتها من المدائن الضالة والجاهلة التي يفقد أهلها كل الأشياء المشتركة19[19].

 فكيف يتخطى الفيلسوف المنتمي إلى مدينة المهمشين وضع الهشاشة لكي يقتدر على تحمل المسؤولية؟

يبدو أن وجود المدائن في حد ذاته معرض للهشاشة ومداهم من طرف الشر السياسي وأشكال التراجيديا التي تظهر على مسرح التاريخ ويتطلب اتخاذ تدابير تتعلق باتخاذ القرار وممارسة الحكم والاقتدار على تبني جملة من الإجراءات والسماح للمواطنين بالمشاركة في تنظيم أنفسهم والمساهمة في إدارة الشأن العام وافتكاكهم لحقوقهم والتعبير عن أفكارهم الفلسفية الصامتة والوعي بالتصورات الإبداعية العفوية. كما تتعلق الهشاشة بالممارسة العمومية للفعل السياسي أكثر من تراجيدية الفعل الناتجة عن بروز صراع بين الكائنات البشرية المتناهية وعظمة التحديات التي تواجها على مسرح التاريخ والتحولات الهائلة.

علاوة على ذلك تشهد بعض المدائن تفكك الروابط الاجتماعية وعدم استقرار في شبكة التواصل بينها وغياب الاعتراف[20] بين الأفراد والمجموعات وتجاهل البعض للبعض بالنظر إلى الاختلاف في الانتماء اللغوي والديني والاجتماعي وصراع الأجيال والاحتدام بين الطبقات واندلاع حرب الجميع ضد الجميع.

 في الواقع يساهم تصاعد العنف داخل المدائن ونشوب الحروب الأهلية في الداخل وتعرضها للعدوان العسكري من الخارج والمشاركة في الحرب الشاملة في ظهور أزمات دورية في الحياة العامة ضمنها.

زد على ذلك انتشار التصور البراغماتي للحكم الذي يؤثر التبرير على العدالة والهشاشة على المسؤولية ويصعب عليه إرجاع المجتمع السياسي للمجتمع المدني وما يحمله معه من مصادر القسوة وتحميله للسلطة من مسؤوليات بخصوص منابع النزاع وجذور السياسي ويرى بول ريكور أنها متقدمة على التقاء خطان من القوة هما عنف السادة ومالكي الأراضي ومستولين على الموروث والمهيمنين على الأقليات الاثنية والثقافية والدينية وشرعنتهم للعنف ومأسسته تحت ضغط العقلانية القانونية ضمن التوازن الذي تقيمه دولة الحق عندما تقوم السلطة السياسية بتعريفه من حيث هو قوة تحتكر العنف المشروع وبوصفها شكل قانوني تخضع هي نفسها لقواعده المؤسساتية. لذلك تظل الدولة القانونية في حالة من التأرجح بين القطبين المتكونين من العنف البدئي المؤسس والعنف المشروع الردعي بقوة البوليس والجيش والأمن21[21]. هنا ترى حنة أرندت أن" إدارة الحرب مكنت مرة أخرى كما في القدم من إهلاك القسم الأعظم ليس فقط من الشعوب التي أصابتها بل حولت العالم الذي تسكنه هذه الشعوب إلى صحراء"22[22].

 في هذا الإطار إذا كانت السياسة هي مواصلة الحرب بوسائل غير عنيفة وإذا كانت الحرب هي مواصلة السياسة بوسائل عنيفة فإن الحرية رهينة أسوار المدينة وتتحقق في الأغورا بالمطالبة بوقف الحرب23[23].

المصدر الثاني من الهشاشة يتمثل في التقاطع في مستوى السلطة بين العلاقة العمودية للهيمنة والخضوع التي تتحكم في الحاكم والمحكومين والعلاقة الأفقية التي ترسمها إرادة الحياة المشتركة للجماعة والتي يجعل الرابط السياسي الجامع للمواطنين هشا بالمقارنة مع الرابط الاجتماعي الممتنع عن الخرق24[24].

المصدر الثالث للهشاشة يعود إلى طبيعة الدولة الديمقراطية المعاصرة التي تستمد سيادتها من ابرام اتفاق افتراضي يترجم صيغة تمثيلية تشاركية، ولكن تبقى هذه السيادة منقوصة وتحت رحمة رضا المتعاقدين وتزعم أنها تؤسس ذاتها بذاتها وتخضع العالم السياسي إلى قانون جاذبية خاصة بالمجتمع الذي تحكمه25[25]. يمكن إضافة حالة المعاناة والعذاب التي يعاني منها المذنب والذي يظل يبحث عن إعادة الاعتبار ويهدد بالانتقام كرد فعل عن تأخر الصفح وفي المقابل تنتاب الضحية الذي تعرض للتعدي والإجرام مشاعر بالاهانة ويظل في حاجة إلى إنصاف ورد الاعتبار حتى يظل يحترم العدالة26[26].

يترتب عن هشاشة السياسي ضعف في مستوى الكلام السياسي وفقدانه إلى البرهنة المنطقية واشتغاله عن طريق المغالطة والحجاج والسفسطة والمجادلة ورغبته في الإرغام واستمالة الناس باللعب على العاطفة واصطدام الفعل السياسي بالتراجيدي الذي يظهر على مسرح التاريخ كقدر محتوم لا يمكن تغييره27[27]. أمام هذه الهشاشة المتعددة التي يعاني منها الفضاء السياسي يبدو تحمل المسؤولية الفردية والجماعية من أجل مواجهتها من الأمور الصعبة والتحديات الجسيمة التي تتجاوز اقتدار المواطنين والحكام على السواء.

لذلك تبدو مسؤولية المثقفين جسيمة في معالجة الهشاشة اللغوية للخطاب السياسي وتوضيح المصطلحات الغامضة وتقويم الخطابات المرتجلة وحملها إلى مستوى المفاهيم الدقيقة واستخلاص رهاناتها الأساسية وبيان الروابط الحاسمة بين الاختيارات السياسية للدولة والاختيارات التابعة للمجتمع المدني والصراع الناشب ضمن دوائر العدالة والتنافس بين المدائن والعوالم التي نسكنها على الأدوار والوظائف28[28]. لكن كيف يتم الانتقال من المستوى العنيف للمدائن المتصارعة إلى الأرضية التواصلية للعوالم المشتركة؟

اللحظة الثالثة: العوالم المشتركة بين حذر السياسي واستكمال المقصد الإيتيقي

" أن تكون موجودا في العالم يعني في العمق أن تكون منفتحا على الوجود ولكي تجد نفسك في ضياء الوجود" – مارتن هيدجر ، الوجود والزمان،

السؤال الذي يطرح هنا هو: ماهي الأشياء التي يعول عليها في المدائن المتنازعة لبناء عوالم مشتركة؟

المدينة هي تعدد محدود من النماذج القادرة على تأسيس اتفاق في حالات التقاضي وأنظمة فعل مبررة يسمح الانتماء إليها بانضواء الفاعلين إلى حقول من الأنشطة المتساوقة والتبادلات الضرورية29[29].

هناك مدائن مكتظة ومزدحمة ومليئة بالأنشطة والمشاكل والمخاطر ويصعب فيها العيش وهناك مدائن مهجورة ومتروكة وفارغة من كل حركة وتحولت إلى مقابر للحياة وهناك مدائن منظمة ومشيدة بطريقة عصرية ومتحضرة ومليئة بالحركة والإنتاج والوفرة والرخاء والناس فيها مقبلون على التمتع بالحياة. كما لا يجوز التكلم عن ضرورة الانتقال من المدائن المتصارعة إلى العوالم المشتركة إلا بعد استبدل التحليل الذي تؤمنه طيبولوجيا المواقع30[30] إلى الفهم الذي توفره فلسفة هرمينوطيقية سردية في مقصدها الإيتيقي. الأولى تقتصر على الكشف عن مواضع الصراع وأشكال الخلاف بين المدائن وصعوبة تجسير الهوة وتذليل الصعوبات التي تولد اللاّتفاهم بينما الثانية تبحث عن أسس الاتفاق وشروط إمكان التفاهم وتبني جسور التواصل وتصوغ نظرية التفاوض والتوافق وتتغلب على مواطن الهشاشة والضعف في المدائن.

الخروج من المدائن المغلقة المتزاحمة إلى العوالم المشتركة المفتوحة يقتضي استبدال نظرية في الصراع والتنازع غير المبرر بنظرية في التفاهم والاتفاق المفيد والتوقف عن الهدم والتحطيم وقبول لعبة الوجود معا والرضا بقواعد حسن الجوار وحسن الضيافة وإرادة الحياة المشتركة والانطلاق في البناء والتعمير.

إن القوانين هي المكون الأساسي للمدائن التي يتم احترامها من طرف المواطنين ولا معنى للقوانين خارج البوليس والخاصية المكونة للعالم هي العلائقية والارتباط والمعية التي تجمع بين الأفراد والجماعات31[31].

إذا كان النزاع على الحدود والبحث عن مشروعية داخلية من خلال التشبث بمؤسسات العظمة وفق مبادئ مثالية عليا هو الذي يتسبب في اندلاع الصراع بين المدائن فإن تحمل تراجيديا التاريخ يبدأ بعمل المكاشفة النقدية والاعتراف بالخطأ في حق الغير وطلب الصفح والاهتمام بالتبرير داخل العالم وفق قيمه ومبادئه.

إن التلاقي بين المدائن داخل العالم المشترك أمر ممكن وفق استراتيجية تواصلية مبنية على تقاسم المصير ضمن نظرة ايكولوجية تحترس من ما يتهدد مستقبل الحياة على الكوكب من مخاطر وتنذر بحلول الكارثة.

في هذا الإطار يتسلح الفاعل السياسي بالحذر والحيطة والتعقل والمداولة وجودة الروية في مستوى اختيار الوسائل الأنسب والأقل ضررا على الطبيعة والبيئة والمحيط والتي ترفق بالأغيار وتصون الحياة من كل تهديدات ومخاطر وتتبع منهجية متدرجة وسياسة مرحلية قصد بلوغ الأهداف المرتقبة والغايات المحتسبة.

يمكن للحاكم العادل أن يقوم بالتخطيط التعقلي للسوق الاجتماعي على المستوى الاقتصادي وان يتصرف في الحياة السياسية بشكل ديمقراطي بحيث يشجع على التعددية الحزبية ويصون التنوع والاختلاف ويقوي متانة الروابط الاجتماعية ويشيد إنسية تشاركية واعية بين الفاعلين المدنيين في الصعيد الثقافي والروحي.

من هنا يقترح ريكور التفكير في العلاقة بين الاقتصاد والسياسة ضمن ثلاثة حدود هي الأخلاق والإيتيقا والسياسة بدل الاكتفاء بالثنائيات القديمة: سواء أخلاق وسياسة أو إيتيقا وسياسة ويبرر ذلك بأن التمييز بين الأخلاق والإيتيقا لا يستمد مسوغاته من المستوى الشخصي وإنما من المستوى المؤسساتي السياسي32[32].

ينادي ريكور بأن يكون السياسي الوسط الذي يجد فيه المقصد الإيتيقي إكماله لأغراضه وانجازه لمهامه ويحدد السياسة بأنها تدفع الفرد لكي يحصل على السلطات التي يقدر عليها ويقتدر بها ضمن إطار الرغبة في الحياة الجيدة التي تحدد البعد الإيتيقي للفعل بينما يعتبر العدالة الفضيلة الأولى للمؤسسات التي تمارس فيها هذه القدرات وتتحقق ضمنها هذه الرغبات وذلك عندما يؤشر على المرور من الإيتيقي إلى الإلزام الأخلاقي وذلك من خلال التقيد بالجهاز المعياري والضوابط السلوكية للنسق الصوري للقيم التوجيهية ويبحث زيادة إلى ذلك وفق تمشي نقدي عن ضرورة ممارسة السلطة ضمن القواعد الإجرائية للعدالة.

إذا كان الأخلاقي يتحرك ضمن مدار الإلزام وإذا كان الإيتيقي يبحث عن الجيد وإذا كان الاقتصادي يوفر النافع فإن السياسي يفتش عن تسويغ قانوني لممارسة سيادية للسلطة بغية تطبيق القوانين والتدابير33[33].

على هذا الأساس ينبغي أن يكون الفاعل السياسي مسؤولا بالمعنى القانوني والأخلاقي على ما يحدث من جرائم وتعديات ويتحمل تبعات قراراته واختياراته والإجراءات التي اتخذها عند محاولته عقلنة المجتمع.

ينتبه ريكور إلى أن مفهوم المسؤولية تم استيعابه ضمن مفهوم العزو وتحمل تبعية الأفعال وضرورة جبر الإضرار والتعويض للضحايا وأنه آن الأوان لكي يقع التفكير فيه ضمن شروط إمكان جديدة ومختلفة34[34]

هكذا ترتبط مسؤولية السياسي باقتداره وعزويته ونسبة أفعاله اليه وحيازته على القدرة على اتخاذ القرار والحكمة العملية والحذر السياسي والاختيار التفضيلي والمداولة الحصيفة والتصميم على الانجاز والإتمام.

لكن المدينة الشمولية لا تمنح الفيلسوف فرصة للكلام ولا توفر له فرصا للفعل والمبادرة والتأثير واللقاء بالناس وتسطر له مجالات تحركه وترسم له حدود نفوذه وتحاصره وتصده إن قاوم وتمرد وثار عليها ولا مطمح له إلا السفر والاختلاء والهجرة من أجل بلوغ مدينة الحرية المفقودة والتشبث بالحلم اليوطوبي في الثورة والبحث عن سبل الخلاص واتخاذ مسافة نقدية من الواقع السائد والمرابطة في الأقاصي وملازمة الصمت الحكيم والاشتغال على إعداد البديل الحضاري وطي صفحات الجهل والخرافة والهمجية والظلم.

لكن هل تكفي إحالة السياسة على المقصد الإيتيقي لكي تصلح ما أفسده الاقتصاد الرأسمالي من هشاشة؟

اللحظة الرابعة: مسؤولية المجتمع الدولي والمقام الجديد للفيلسوف:

" أي مسؤولية اليوم في العالم الذي نعيش فيه؟"35[35]

تحميل الفيلسوف مسؤولية مآل الأحداث في عصره هو أقرب إلى الهزل منه إلى الجد ويقتضي التلاعب بالمسؤولية أكثر من التطرق إلى البحث في تاريخها عن تسويغ نظرا لحالة الإلقاء به في مدينة المهمشين واستحالة نسبة أفعاله وأقواله وأفكاره إليه من حيث وجوده في وضعية هشة ومحاصرته بالسلطة المقيدة.

بيد أن مهمة الفيلسوف لا تكمن في ممارسة الوعظ الأخلاقي والإرشاد التربوي ولا تقتصر على تقديم النصيحة بالمعنى الاجتماعي والاستشارة بالمعنى السياسي وتوفير المشروعية بالمعنى القانوني للحاكمين وإنما تتعدى كل ذلك إلى تعليم المواطن القيم المدنية والأنسنة الثقافية والتسامح الديني ويمكنه أن يصبح مهندسا معماريا للمدينة من حيث المساهمة في العقلنة والتنظيم والتحفيز والبناء المدني والتنضيد التقني.

من ناحية ثانية يظل الفيلسوف مطالب بالتفكير في أفق ثالث يوجد في خضم المواجهة بين المجتمع المدني والمجتمع الثالث ويلتصق بالفضاء العمومي ويسهل إبداع مؤسسات سياسية ضمن إطار مابعد وطني وفق رؤية اندماجية وحدوية مع الأقطار المجاورة على أساس الانتماء إلى المحيط الجيوسياسي وتقاسم فكرة الإنسانية التقدمية ويسهر على تغذية الخيال السياسي للمواطنين بجملة من التصرفات الإيتيقية والجمالية.

هذا المطلب لن يتحقق إلا من خلال إجراء تحويل في مفهوم السيادة وفق ديناميكية جديدة عابرة للحدود ومربكة للهوية الوطنية وللذهنية التقليدية التي تنتمي إلى سلوك سياسي حزبي ظل رهين مقولات تقليدية .

ان الخروج من منطقة الهشاشة ومجال النزاع والتراجيدي يشترط التزام الفيلسوف بنظام معياري وقيمي يضم مجموعة من النماذج الإدماجية التي تدفعه إلى تحمل المسؤوليات حول الانفتاح على المجتمع الدولي وتبادل الذاكرات بغية تصحيح السرديات وبلورة الضيافة بين الثقافات عبر توسط الصفح والرجاء والأمل.

يتم بناء العالم حسب أرندت بواسطة الفانين من أجل خلودهم المحتمل ولكنه يظل دائما مهددا من قبل الظروف المميتة التي تحيل الذين شيدوه والذين يولدون لكي يحيوا فيه إلى التقاعد والفناء36[36]. لذلك يبقى"العالم هو دائما صحراء في حاجة إلى أولئك الذين يبدؤون ليكون قادرا من جديد على الابتداء"37[37]

لا يتكون العالم المشترك من الذوات والمواضيع ولا يتوقف على الأبعاد الرمزية والأشياء المادية بل ثمرة فعل الجماعة ونتيجة تضافر الإرادات وتعاون الملكات وتقاطع الدوائر ويوجد في العتبات وعند بين بين.

العالم ليس مجال للتأويل والسرد فحسب وإنما هو كذلك مجال للتغيير وإعادة التشكيل وبالتالي لا يقتصر على تدبير الذوات ولا على التأثير في المواضيع بل يضم الحقول المشتركة لتخصيب المعنى والقيمة والأرضية العامة التي تتحرك ضمنها الإرادات لكي تقتدر على الفعل والتذكر والكلام والقص والوعد.

لا مفر أمام الفيلسوف من توقي مخاطر اللقاء بالغير والتخلص من ميراث العنف التأسيسي الذي تلوث به الضمير الإنساني وتسبب في أزمة في الوعي التاريخي سوى إعادة بناء مشروع الأنوار من خلال تبادل تجارب الذاكرة بين المدائن واعتماد نماذج الصفح واللاّعنف والتسامح والعدالة من منظور المحبة والهبة. " فالمسؤولية ليست فقط مسؤولية عدد من المثقفين : الأكثر أهمية هي المسؤولية عند كل مواطن"38[38].

الأمر يتعلق بتحمل الفيلسوف مسؤولية التغيير الجذري في مقامethos الأفراد والمجموعات والدول والذهاب إلى ابعد من ثنائية الأنا والغير ضمن أفق مابعد مقولي يحوز على كثافة روحية وطاقة عالية.

بعد البناء السردي للهوية الخاصة يجدر انتزاع الاعتراف المتبادل من خلال تثمين البعد السردي للعوالم المشتركة عن طريق حركات الترجمة من حيث هي أفعال مثاقفة وتبادل الذكريات وممارسة الغفران. بهذا المعنى يولد المقام الجديد من الفهم المطبق على التعقيد في بعضه البعض للقصص الجديدة التي تهيكل وتشكل هذا التقاطع بين الذكريات. لا يتخلى المقام الجديد عن الإحداثيات التاريخية الهامة وما رافقها من عنف تأسيسي وإنما يبذل جهدا تأويليا من أجل الانخراط في قراءات متعددة للتاريخ والذاكرة39[39].

بعد ذلك يجدر المعالجة من مرض التقاليد وجراحات الذاكرة الجمعية والاهانات التي خدشت الكرامة البشرية والشفاء من الإفراط في الإيديولوجيا والتفريط في اليوتوبيا ونفي عنف الحدث التأسيسي وإطلاق العنان للفاعلية النقدية للحاضر وتحطيم الأوهام المتعلقة بالوضع وتفكيك الاغتراب واستشراف المستقبل.

غني عن البيان أن استكمال المشروع الأنواري بالنسبة للحضارة الكونية لن يتحقق إلا بتغلب الذاكرة على النسيان ونبذ التمركز العرقي للثقافة الغربية التي تزعم الانطلاق البدئي من الإغريق والرومان واللاّتينين وإحراز التحديث من خلال الانتصار في المعركة مع الكهونت وتكريس النموذج العلموي التقنوي كمعاير للتمدن وإقصاء البعد الرمزي والروحاني والاعتراف بمساهمة كل الثقافات الشرقية والإفريقية والآسيوية وخاصة العلوم والفنون والآداب العربية والإسلامية في قيام حداثات متعددة للعالم المشترك40[40]. اللافت أن مسؤولية الفيلسوف في العالم المشترك ضمن الجماعة التاريخية الناطقة بلغة الضاد تتمحور حول استئناف المشروع الأنواري ضمن مقاربة تأصيلية حداثية تسعى إلى إعادة تملك التراث ضمن رؤية تأويلية ايتيقية تراوح بين النقد والتواصل وتعتمد المضيافية والمسلكية العبرمنهاجية والعقلانية المركبة.

من المفروض أن يتم التذكر السردي للتجارب الحضارية المشتركة الحاصل فيها تثاقف وترجمة واستفادة بين الشعوب وحوار بين المذاهب وتلاقي بين الأديان في الأندلس وصقلية والشام وبيت المقدس حيث يجب أن نمارس النسيان العلاجي للاضطهاد الديني والتمييز الهووي ونتحمل مسؤولية الغفران41[41].

كما يمثل باراديغم الاعتراف المتبادل بين الذوات والمجموعات والدول أكثر أرضية إيتيقية ضرورية لارساء عدالة اجتماعية خالية من الظلم والازدراء وتستطيع التنازل وتكف عن التعديات وتجبر الأضرار.

في هذا الصدد تصرح أرندت عن الحكم والمسؤولية "أنت طبيعي، شخص عادي ، لا مجرم ولا مؤدلج، ولا وحش مريض، في يوم ما تنهار كل المعايير التي اعتدت عليها. منذ ذلك الحين فصاعدا تواجه خطر التواطؤ مع الأشياء السيئة. كيف تتجنب ذلك كيف تميز الخير عن الشر؟ كيف تقول لا؟ - في محاولة تقييم الوضع- لذلك عليك التفكير والتفكير بنفسك، هذا الفعل ليس مقصورا على النخبة: إصدار حكم وتحمل المسؤولية ، يمكن للجميع أي كان يمكن أن يفعل ذلك ، لا تزال في حاجة إلى الإرادة..."42[42]

لكن كيف يستدعي اقتصاد العطاء شعرية الحياة الأخلاقية لكي تمنح الفعل السياسي ديناميكية وإبداعية؟

خاتمة:

"هل يمكننا أن نحيا دون أن يكون للتاريخ معنى؟"43[43]

الثورة في الخطاب الفلسفي تعني تشييد خطاب فلسفي في الثورة وبدل البحث عن موقع للفلسفة في مدينة الثقافة والنضال الثقافي في سبيل مكان للمدينة الفلسفية والاكتفاء باللاّمكان واللاتحدد والانحياز إلى المدنية وتثوير الذهنية النخبوية وتطهيرها من التعالي والنرجسية والتمركز على الذات وزرع التواضع والإيثار.

لقد ظلت المدينة عندنا أسيرة مفهوم أم القرى وغير بعيدة عن المخزون الرمزي للبادية بالرغم من التخلص من لفظ المدائن الكسروي واستنبات مفهوم الحاضرة والتصالح مع مفاهيم البيت والمنزل والساحة والأسوار والأبواب والأسواق والمخازن ولم يقبل الفارابي الاقامة بمدينة الحرية واعتبرها جالبة للفوضى والتخاصم وفضل عليها مدينة السعادة ولقد بقيت الثورة مجرد خروج مسلح على الحاكم ولم تتحول في لسان العرب إلى مشروع تحرري ومقام انعتاقي وطريق نحو الحرية وتدريب على الكرامة.

كما ارتبطت الثورة بالانقلابات العسكرية وقيام الأنظمة الشمولية ورفضتها الأحكام الفقهية في مختلف المذاهب وتم اعتبارها فتنة وردة وإضعاف للملة باسم المصلحة ولم يقع اعتبارها هي المصلحة العامة.

صرحت أرندت ما يلي:" أصبحت الثورات أمرًا مألوفًا ، بعد تصفية الإمبريالية ، ونهض الكثير من الناس ليأخذوا من بين قوى الأرض حقهم في المكان المنفصل والمتكافئ الذي تسنه قوانين الطبيعة والإله"44[44]، ولعل العلامة البارزة التي تسم الوضعية الراهنة بالنسبة إلينا هي سلسلة الثورات التي توالت في عالمنا.

لم يعد ممكنا السيطرة على المجال الحيوي من خلال اختلاق حروب أهلية داخلية بين الأشقاء المتجاورين ولا عن طريق شن حروب شاملة مدمرة تحت مسمى التدخل العسكري من أجل حقوق الإنسان ونشر ثقافة الديمقراطية وإنما مرت المبادرة الشعبية من الحرب إلى الثورة ومن المطالبة بالخبز والأمن والحماية إلى المطالبة بالاعتراف والعدالة وانخرطت الجماهير في النضال من أجل الحرية والانتصار للكرامة البشرية.

لقد شهدنا عدد من الثورات الناجحة ليس فقط بمجرد تمكن مكونات إراداتها الشعبية من مغادرة المدائن المتصارعة والتخلص من النظم الشمولية وإنما بفضل ما اقتدرت عليه من تشييد واحات العوالم المشتركة.

لقد تحولت الثورات من حيث هي الأحداث الأكثر دلالة في تشكيل العالم الراهن الى القوة الأكثر فاعلية في تغيير وجهة التاريخ وصناعة مستقبل الشعوب لما تمتلكه من قدرات تأسيسية للجمهوريات45[45].

بطبيعة الحال تتطلب كتابة سردية الثورة وفق المنوال الفلسفي الملائم استنطاق اللاوعي الجمعي للجمهور وإدراك المخيال السياسي للفاعلين الاجتماعيين وترجمة الشعارات المرفوعة وتطلعات الشبيبة وأمنياتها وتحويل انتظاراتها وتوقعاتها لبرنامج سياسي للقوي الثورية ومخطط استراتيجي قابل للتبلور والانجاز.

تكمن مهمة الفيلسوف في التحول إلى مهندس معماري يتقن فنون التخطيط والتصميم والتعمير والإسكان وينفتح على الوظائف العلاجية للأزمات والأدوار الجراحية للزوائد ويقوم بتنظيم علاقتها بالعالم46[46].

لا يجب تنظيف المدينة من الشخصيات المعارضة ومن الأفكار الثورية من أجل تدعيم السيستام وتركيز النظام ولا ينبغي الخجل من حركات التفكيك والخلخلة التي تحطم كل ما قائم وتجهز على القديم طالما أنها تمثل شرط إمكان بناء قويم ومناسبة ضرورية للتأسيس المختلف للمدينة الثورية والسيستام غير الشمولي.

لقد أخرجت الثورة الفيلسوف من دائرة الاتهام وجعلت من براءة الفلسفة والغفران والصفح مقاما جديدا بالنسبة إلينا وأوجد الربيع عالما مشتركا يضم الجميع من أبناء الوطن ويلوح بالتصافي والسلم في العقول.

لا مقام للفيلسوف دون مدينة ولا تعمر مدينة تجبر فيلسوفها على مغادرتها ولا يكون التفلسف الحق سوى تمدينا حقيقيا ولا يصل الناس إلى رتبة المدنية إلا بالعقل الفلسفي وإذا غاب تعطل منحى الإقامة في العالم.

 لقد ذكرت أرندت أن كلمة الثورة مهما كان القاموس السياسي الذي يستعملها تحوز على معنى عام بغض النظر عن مكانها وزمنها والقائمين بها والظاهرة السياسية التي عبرت عنها والذاكرة التي تريد احتكارها. غير أن العلاقة الملتبسة بين الثورات والحروب هي التي تستحق الدراسة والتحليل وإبراز مواطن التباين بينها والانتباه إلى المعنى السياسي النبيل الذي يرتبط بالثورات والإقرار باستهدافها للتشييد والتعمير47[47].

إذا كان الأيتوس القديم أصبح غير جدير بالسكنى ولا يصلح للعناية بالذات وتدبير المصالح العامة ويثير الاشمئزاز ويبعث على الغثيان والتمرد والعصيان فإن المطلوب من الفيلسوف هدمه وإقامة أيتوس مغاير. إن الانتقال من لحظة المدينة الشمولية إلى لحظة العالم الديمقراطي يقتضي مد جسور التواصل بين الفرقاء والإجماع على المشترك الثوري وترك الخلاف والتباغض والتكاتف على تأمين مصالح الناس والارتقاء بهم نحو مرتبة المشاركة الفعالة في الشأن العام والانخراط في العمل البناء والإنتاج المولد للتنمية والثروة.

من الطبيعي أن يتبوأ الفيلسوف مكانة هامة في المدينة وأن يكون ضمن القيادة الثورية ولا يقتصر دوره على التغريد خارج السرب والبقاء في حالة استنفار دائم ولا يتورط في مواقف مرتجلة ويقول الحقيقة في وجه السلطة ويشهد على العصر ويتمسك بالحلم وينقد الواقع ويعد الفلسفة سلاحا ثوريا وأن" الثورات تطرح مسألة الحرية السياسية على النمط الأكثر واقعية والأكثر جذرية، حرية المشاركة في الشؤون العامة، حرية الفعل- لما تخفق الثورات تصير كل الحريات السياسية والمدنية الأخرى مهددة"48[48].

مقتضى القول أن إيتيقا المسؤولية التي يلتزم بها الفيلسوف في تعامله مع الظاهرة المدينة تجمع بين تقدير الذات وتقدير الغير وتحرص على زرع الأمل والعلاج بالغفران وجدلية الحب والعدالة وتسعى إلى إنقاذ العالم من الانحلال إلى إعادة البناء ومن الذوبان إلى إعادة الأعمار وتعيد كتابة التاريخ وفق رؤية تعددية تضرب الاحتكار والتمركز وتنفتح على المسكوت عنه والضمني والمبعد والمهمش والمقصي والمختلف. ولا يحوز التاريخ على معنى وتعود للفلسفة قيمتها في الحياة اليومية إلا إذا تخلص من الحلول النهائية وإذا تمكن العقل العملي من التعافي من أمراض الوعي التاريخي وتدارك آفات ونقائص النسيان المتعمد واقتدر على التغلب على الذاكرة الجريحة وأمراضها وجعل فضاء التجربة يتحرك ضمن أفق الانتظار وتحمل واجب قضاء الدين والوفاء بالوعد وجدارة الرد على السؤال الكانطي: ما الذي يجوز لي آمل؟49[49]. في هذا المنحى"إن جوهر الاحترام هو ما أحترمه في الآخر، وما أنتظره منه هو تكريس احترامي من قبله، هذا ما يسمكن أن نسميه وجودنا-قيمتنا، قيمتنا الموجودة، بهذا المعنى يقول كانط: الكائنات العاقلة تسمى أشخاصا لأن طبيعتهم تعني أنهم غايات بذاته" وأيضا الطبيعة العاقلة توجد كغاية بذاتها."50[50]، فمتى يكف الناس عن التزاحم باسم التمدن على الكوكب ويعتصموا بالتراحم ليجعلوه عالما فسيحا؟ وأليس الأمل الذي ينشده الفيلسوف من المدينة هو الحرية في أن أصبح مواطنا حرا دون الحاجة إلى دفع ثمن الاستيعاب؟ وما المطلوب من الفيلسوف على المستوى الثوري والإيتيقي أن ينجزه لكي تتشكل المصالحة بين فضيلة العدالة ونعمة الحرية ويتم التحوط بالآفات المهددة للعمران ويقع التغلب على المخاطر المحدقة بالحياة المشتركة داخل المدينة الجامعة؟ وألا تكون المدينة الجامعة هي الأكثر دلالة عن المدينة المدنية؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

.....................................

الهوامش والإحالات:

[1] مداخلة في ملتقى الفلاسفة ومدائنهم ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس أيام 24-25-26 أكتوبر 2019.

 [2] Ricœur Paul, Ethique et responsabilité , textes réunis par J.-Ch. Aeschlimann Neuchatel, la Baconniere, coll : langages, 1994, p20.

[3] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, éditions seuil, Paris, 2019, p300.

[4] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p166.

[5] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p167.

[6] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p169.

[7] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p173.

[8] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p174.

[9] autonomisation

[10] périodicité

[11] mondialisation

[12] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p184.

[13] Ricœur Paul, Soi-même comme un Autre, édition du seuil, Paris, 1990.

[14] Jérôme Porée, Paul Ricœur, le philosophe, l’architecte et la cité, in Revue juridique de l’ouest, Université de Rennes 1, Année 2008, n°3, pp301-320.

[15] Voir Arendt Hannah , qu’est-ce que la politique ?, les déserts et les oasis, texte établi par Jerome Kohn, édition française et préface de Carole Widmaier, édition du seuil, Paris , 2014.pp291-294.

[16] Ricœur Paul, le juste, la justice et son échec, Cahier n°81, éditions de l’Herne, Paris, 2005.p07.

[17] Luc Boltanski et Laurent Thévenot, De la justification : les économies de la grandeur, édition Gallimard, 1991,

[18] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p122.

[19] أبو نصر الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، تقديم وتعليق ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت، طبعة2، 1986، ص131.

[20] Ricœur Paul, Anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, édition du seuil, Paris, 2013.pp445-451

[21] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p124.

[22] Arendt Hannah, qu’est-ce que la politique ?,op cit p237

[23] Arendt Hannah, qu’est-ce que la politique ?,op cit p256.

[24] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p125.

[25] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p126.

[26] Ricœur Paul, le juste, la justice et son échec, op, cit, pp30-31

[27] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p127.

[28] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p127.

[29] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p122.

[30] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p123.typologie des situations.

[31] Arendt Hannah , qu’est-ce que la politique ?, op.cit.p267.

[32] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p95.

[33] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p96.

[34] Ricœur Paul, le concept de responsabilité : essai d’analyse sémantique, revue Esprit, n 206 , 11, 1994, pp28-48.

[35] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p115.

[36] Arendt Hannah , qu’est-ce que la politique ?, op- cit, p293.

[37] Arendt Hannah , qu’est-ce que la politique ?, op-cit, p294

 [38] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p127.

[39] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p277.

[40] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p305.

[41] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p307.

[42] Voir Hannah Arendt, Responsabilité et jugement, traduit par Jean-luc Fidel, éditions Payot&Rivages, Paris, 2009.p205

[43] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p308.

[44] Hannah Arendt, la liberté d’être libre ,traduction de Françoise Bouillot, Payot, Paris, 2019.p17.

[45] Hannah Arendt, la liberté d’être libre , op.cit, pp22-23.

 [46] د زهير الخويلدي، تنظيم المدينة من خلال السياسة الاجتماعية عند أرسطو، مجلة النور، نشر بتاريخ 15، 06، 2019.

[47] Hannah Arendt, la liberté d’être libre , op.cit, p30.

[48] Hannah Arendt, la liberté d’être libre , op.cit,pp83-84 .

[49] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p309.

[50] بول ريكور، فلسفة الإرادة ، الإنسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، طبعة أولى، 2003، ص185.

 

حاتم حميد محسنكان ابيقور اول من وضع الصياغة الاولى لمشكلة الشر او المشكلة المنطقية للتعامل مع الايمان بالله حيث كتب:"الله اما يرغب في ازالة الشر وهو غير قادر على ذلك، او هو قادر ولايرغب، او هو لايرغب ولا هو قادر، او هو يرغب وقادر. اذا كان الله يرغب وغير قادر على ازالة الشر فهو ضعيف وهذا ما لا يتفق مع شخصية الاله، واذا كان قادرا ولايرغب فهو حسود وهذا ايضا لاينسجم مع الله، اما اذا كان لايرغب وغير قادر فهو سيكون ضعيفا وحسودا في آن واحد، ولذلك فهو ليس اله. وفي حالة كونه يرغب وقادر فهذا وحده ملائما لله. فمن اي مصدر اذاً يأتي الشر؟ او لماذا لايزيله الله.

في القرون الاخيرة صاغ ليبنز (1646-1716) مصطلح العدالة الالهية (theodicy) (1) ليشير الى المحاولات المنهجية في الدفاع عن الايمان بالله في وجه الشر والمعاناة، كالحجج التي عرضها القس اوغستين. وفي السنوات العشرين الاخيرة، قام الملاحدة الجدد امثال ريتشارد دكنز بإعادة الحديث عن العدالة الالهية لتكون في موقع الصدارة، منتقدين اله الانجيل والآلهة الاخرى.

التعتيم على الشر

كانت هناك ردة فعل ضد ذلك النوع من النقاش الفلسفي الذي يجادل متأرجحاً، منتقدا ومدافعا عن مفاهيم معينة لـ لله في العلاقة مع مشكلة الشر. ردة الفعل هذه تأتي من فلاسفة هم انفسهم متدينون. تيرانس تلي (Terrance Tilley) مثلا، في كتابه (شرور الثيودسي) يكتب: "ان الممارسة العادية للعدالة الالهية الاكاديمية همشت واستبدلت وبالنهاية أسكتت اولئك المعبّرين عن الأسف، والداعين الى الله، المواسين للاحزان، والساعين عمليا الى فهم ومواجهة الأحداث والافعال والممارسات الشريرة. يمكن القول ان الثيودسي كممارسة خطابية انما تخفي الشرور الحقيقية بينما تستمر تلك الشرور في الإضرار بالناس" (تيلي، شرور الثيودسي).

لننظر في مسألتين مترابطتين بقوة في ادّعاء الكاتب أعلاه 1- ان الثيودسي تخفي طبيعة الشر الحاصل حقا في العالم. نضيف هنا ان الافكار المضادة للثيودسي هي ايضا مذنبة في هذا الشأن. 2- وفقا لما تتضمنه النقطة الاولى، فان النقاشات الفلسفية حول مشكلة الشر وعلاقتها بالاله هي شائكة لأنها تتجاهل الطرق الاخرى في التعامل مع الشر، وفهمها و مواجهتها. وبما ان هذه الطرق الاخرى ذات قيمة اخلاقية فهذه ستكون مشكلة اخلاقية.

النقطة الاولى هنا تتعامل مع الشر باعتباره متحولا من شيء ما يمارسه المرء الى ظاهرة الشخص الثالث(ادراك الناس الآخرين له). الحقائق الفيزيقية او السايكولوجية السيئة للناس الواقعيين تبتعد عنا عندما تصبح اشياءً او ملاحظات وتحليلات عقلانية."البُعد الفينوميلوجي" بين غرف التعذيب او معسكر Auschwitz النازي من جهة، وجماعات الفلسفة من جهة اخرى، تحتاج الى اعتراف اكبر اذا اردنا ان نكون صادقين في القضية. الاعتراف بهذا يستلزم القبول بان النقاش الاكاديمي يسهل عليه دائما تشجيع بعض عيوب الفهم الخطيرة. اذا كانت طبيعة النقاش حول مشكلة الشر تخفي طبيعة الشر ذاته، عندئذ فان الموقف يصبح اكثر سوءاً.هذا يعيدنا الى النقطة الثانية لدى تيلي بان النقاش بين الثيدوسيين ومعارضيهم يمكن ان يتجاهل انواع اخرى للخطاب، مثل القبول بالشر و مواجهته . كل من المناصرين والمعارضين للعدالة الالهية يمكن ان يكونوا مذنبين في هذا مع ان تيلي يركز على عيوب الفريق الأول. مثال حول هذا ذكره ريتشارد دكنز Richard Dawkins في "خداع الرب". فيما يتعلق بالمواجهة مع الفيلسوف المسيحي ريتشارد سونبرن Richard Swinburne، يذكر دكنز: "حينما كان في حوار تلفزيوني مع سونبرن وآخر من كلية اكسفورد البروفسور بيتر اتكنس. حاول سونبرن تبرير قضية الهيليكوست على اساس انها منحت اليهود فرصة رائعة ليكونوا شجعانا ومتسامين. أجاب بيتر اتكنس بصوت غاضب "ربما ينتظرك عقابا طويلا".(خداع الرب ص 64).

في ردة الفعل على ملاحظات سونبرن كانت المشكلة ليست في ان الفكرة غير منطقية (وهي كذلك)، بل في المعارضة الاخلاقية لسوء الفهم العميق والصمت والانفصال عن الموقف الانساني، الاندفاع للدفاع عن مفهوم معين لـ الله مع ترك الانسانية تغرق في حالة من الاحباط واليأس. سونبرن ربما يُتّهم من خلال ايمانه الوثني بتحويل المفاهيم الى شيء مقدس، وإقامة اماكن عالية للقرابين مع كل ما يقاسيه الانسان لأجل ذلك الهدف.

ان ما اظهره سونبرن حول هذه المسألة التي تحدّث عنها تيلي هو مدعاة للتساؤل. تفضيل الدفاع عن مفهوم الله على المشاركة العاطفية مع ضحايا الشر هو خيار مشكوك به اخلاقيا عند محاولة الدفاع عن الخير.

هذا الاتجاه من تفكير تيلي يمكن تطبيقه ايضا على معارضي الثيدوسية . معارضو الثيدوسية يرون انه من غير العقلاني الايمان بآله متسامح قدير في ضوء وجود الشر. هم احيانا يعرضون هذا كسبب لعدم احترام القوة التي تقدمها الصلاة والصيام والطقوس الدينية. بالنسبة للعديد من معارضي الثيدوسية، هذه المجموعة من الاوهام، مع انها تعطي الأمل، لكنها سوف لن تغير الجدال . هم يقولون ان اتّباع الحجج بشكل محكم سوف يتطلب منّا الرؤية في ضوء فجر باهت، وعالم بدون اله، عالم بلا قلب، بلا روح يجب علينا ان نكون فيه واثقين ذاتيا وفيه جميعنا نكون افضل. هذه الرؤية تفترض ان غير المؤمن هو صائب في جداله. لكنها ايضا تفترض انه بسبب انه على صواب، فان الحجج المنطقية لها وزن اكبر في المواجهة الشخصية مع الشر قياسا بالتجارب الايجابية التي يمتلكها المتدين من خلال انشغالاته الدينية. هو يجب ان يترك انشغالاته الدينية والتزاماته الحياتية بعيدا لأجل الحجة. بالنسبة للعديد من المؤمنين الدينيين مهمة تخفيف عبء المقاومة ضد اليأس والاحباط هي مكملة لإيمانهم، انها ليست شيء يمكن اشتقاقه من مجموعة من العقائد وانما هو نظام حياة كامل تكمن قوته التحفيزية في استقامته. ان منطق اي حجة معينة حول مشاكل الشر يجب ان يُنظر اليها طبقا لمشاعر ومحتوى الفرد ذاته (وجهة نظر الشخص الاول) كجزء من نطاق كامل من الاعتبارات حول كيفية عيش الحياة. هذه الاعتبارات تتضمن مختلف الطرق من التعامل مع الشر والتي نجدها اكثر فاعلية.

جعل المنطق اخلاقيا

سنشير هنا الى نواقص فلسفة النقاشات الدينية. في أحسن الاحوال، النقاش بين انصار ومعارضي الثيدوسية هو مشروع منطقي واخلاقي في آن واحد. ان الايمان او عدم الايمان في آله خيّر ومتسامح وبالانسجام مع وجود الشر هو سؤال عظيم الأهمية لحياة معظم الناس، وان النقاش هو محاولة لمتابعة ذلك السؤال الحيوي. للقيام بهذا بصدق، فان السعي نحو ايمان عقلاني مهما كانت خلفية المرء او ميوله ومهما اصطدمت استنتاجاته مع العقائد القائمة، هو سعي اخلاقي. لذا لابد من استمرار هذا النقاش . انه يجب ان يبقى جزءا من الاستطلاع المستمر داخل وخارج الاكاديميا. من الواضح ان النقاش يمكن ان يقود بعض الناس للايمان بالله وآخرين ليفقدوا ايمانهم. هذه الحجج هي جزء من نسيج مشاورات ورؤى العديد من الناس، ولكن الكيفية التي تنسجم بها الحجج مجتمعة مع الرؤى الشخصية هو سؤال معقد. انه عادة من المعقول ان يُشتق ليس كثيرا من اوامر مفروضة من فلاسفة والتي قد تكون منطقية ولكن من ضرورات الحياة. في بحثنا عن المعنى او البقاء السايكولوجي او الانجاز الشخصي، نحن عادة نهتم بما نعتقد انه من المعقول الايمان او العمل به .من الصعب تبرير الادّعاء في اي دور يجب ان يلعبه الجدال في حياة اشخاص آخرين، بدون الدخول في حوار معهم، وبدون محاولة حقيقية لتقدير موقفهم في الحياة. المفكرون من اي جانب من النقاش الذين يفشلون للقيام بهذا انما تنقصهم المهارة والموهبة، بهذا المعنى تكون الثيودسي سيئة. النقاشات حول مشاكل الشر تكون في احسن حال عندما يضع المشاركون جانبا الرغبة في تحويل شخص ما لوجهة نظرهم في الجدال، وبدلا من ذلك يكونون منفتحين للتبادل الذي يهدف للتعامل عمليا مع الشر بينما في نفس الوقت يفكرون في طبيعته.

لا يجب تجاهل ارتباط التجربة الانسانية ضمن ووراء السؤال عن الايمان بالله . جدالات العدالة الالهية تجد مكانها ضمن سياق الحياة المعاشة وضمن حياة الاخرين.هذا يعني الاحتجاج على عقلانية ديكارت المنفصلة والسماح بان هناك قضايا حقيقية تهم خيارات واقعية حول كيف نعيش الحياة مع وجود خلافات حول السمة المنطقية للحجج الفلسفية. المؤمنون وغير المؤمنين سيقومون بالافضل لو سلكوا هذا الاتجاه.

الملاحدة الجدد كان موقفهم على الشكل التالي: اذا كان الايمان بالله يشكل مأزقا اخلاقيا (حماية من المخاطرة) عندئذ فان اقناع الناس لعدم القيام بهذا سيبدو خيرا اخلاقيا، والايمان بالله يكون حماية من المخاطرة، لذلك فان الجدال ضد العدالة الالهية هو واجب اخلاقي. نحن يجب ان نكون واضحين ان الثيودوسيين يؤمنون انهم لديهم تبرير مشابه في الدفاع عن الله والجدال لإثبات وجوده. اذا كانوا يستطيعون اقناع الناس في الايمان بالله عندئذ بالنسبة لهم هذا خير اخلاقي وحياة اولئك الذين تحوّلوا ستكون أحسن بكثير. لكن هذا موضوع شائك لأن ما هو "خير" الذي تُقيّم به الحياة اخلاقيا هو موضوع عرضة للخلاف. عناصر التقييم الاخلاقي مثل اهمية الجماعة، تكافؤ الفرص، التسامح، الحرية الفردية، هي ذاتها في قلب الخلاف. في كل الاوقات، المقدس و "المقدس العلماني"يتصادمان ولا حل واضح.

الرعاية المشتركة

ان الرغبة في الفهم والعمل المشترك لاتحتاج لتتحطم بسبب الخلاف، كما لاحظ الفيلسوف بول هيج Paul Hedges في كتابه (الدين والالحاد في حوار، 2016): الناس اكثر قدرة للوصول الى فهم مشترك حول التجارب التي يشتركون بها. الناس من جميع القناعات الدينية ومن غيرهم يتقاسمون تجارب الأسى والمأساة واحتمال الموت. هم ايضا يتقاسمون السؤال العملي والايديولوجي الذي يبرز في العلاقة مع الشر والمعاناة: كيف يمكن ان نعيش حياتنا ونستمر نعيشها في اسوأ الظروف؟ التبادل المشترك بين العقائد حول هذا السؤال يحدث في كل الاوقات. عندما ضرب تسونامي عام 2004 حياة البوذيين والمسلمين والهندوس والمسيحيين في اجزاء من جنوب شرق اسيا، العديد من الناس وجدوا الكثير من الصداقات الحميمة ضمن مختلف التعدديات الثقافية بما خلق اكبر نسبة من المجتمعات الانسانية. هم يقدمون للبشرية فرص ثرية للتغلب على سوء الحياة لأنهم بعملهم هذا يقدمون فرصا متميزة ونادرة لتبادل الرؤى والقيم واساليب الحياة . سواء أكانت في المدن او في التواصل الاجتماعي او في القرية العالمية، ستكون الرؤى الالحادية والدينية اكثر غنى في رؤية ذاتها كاجزاء متكاملة في الوطن المتعدد ثقافيا.

 

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش

(1) في عام 1710 استخدم الفيلسوف والرياضي الالماني ليبنز مصطلح ثيودوسي في محاولة لتبرير وجود الله في ضوء عدم الكمال الظاهر في العالم.ثيدوسي تعني الدفاع عن الله، هي جواب لسؤال لماذا آله خيّر يسمح بظهور الشر، وبهذا تُحل قضية الشر. وفقا للثيدوسيين يكون وجود آله قدير وعارف ومتسامح منسجما مع وجود الشر والمعاناة في العالم.هناك العديد من الاتجاهات والنظريات الثيودوسية المتعلقة بتفسير الشر، منها مثلا تفسير اوغستين وعمانوئيل كانط وتوما الاكويني والثيولوجي اليوناني ايريناوس Irenaeus.وبالنسبة للاخير الذي ولد في القرن الثاني الميلادي عرض افكارا توضح ان وجود الشر ضروري لتطور الانسان. هو يرى ان خلق الانسان مركب من جزئين: الناس خُلقوا اولا في صورة الله (ايميج) ومن ثم في الشبه مع الله. صورة الله تنطوي على امكانية تحقيق الكمال الاخلاقي، بينما الشبه مع الله هو تحقيق ذلك الكمال. لكي نحقق الكمال الاخلاقي يرى ارينوس يجب على الانسان ان يمتلك الرغبة الحرة. ولكي ينجز الرغبة الحرة، لابد ان يمارس المعاناة وان الله يجب ان يكون على مسافة معرفية من الانسانية epistemic distance. ولهذا، فان الشر يوجد لكي يسمح للانسان ليتطور كفرد اخلاقي.

 

علي محمد اليوسفيقترن مصطلح النحو التوليدي في فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات بأسم العالم الفيلسوف نعوم جومسكي 1928.. وهو يشير به الى بنية لغوية (فطرية) تتضمن تكوين وأنشاء بنيات مركبة جديدة للغة المستحدثة على الدوام في توليد جمل وعبارات لم يكن أستعمالها موجودا سابقا في المعنى التداولي العام مجتمعيا، وليست هذه التوليدية الفطرية مكتسبة من المحيط والبيئة وأنما هي ترجع بالأساس الى ملكة يحتازها الانسان منفردا عن نوعه في أمتلاكها كما يمتلكها غيره من الاشخاص لكن بأختلاف جوهري أن كل انسان لوحده كائن أجتماعي يعبّر عن الحياة باللغة الخاصة به ويفهم العالم من خلالها بما تمّكنه وتسعفه مخيلته الفطرية توليد لغته الخاصة منذ الطفولة نظرا لما يمتلكه من أستعداد فطري لغوي توليدي تطوري..وبهذه العبارات نكون أمينين في نقل ما هو جوهري في فلسفة جومسكي في التوليدية اللغوية ولنا مداخلة معها خاصة في مفهوم هل اللغة حصيلة معرفية ينشؤها الفرد لتكون سلوكا مجتمعيا كما تذهب له المدرسة السلوكية الامريكية يجمع الكل أم تبقى اللغة منتجا فرديا يسعى كل شخص لوحده أيجاد لغته الخاصة في تعامله مع الحياة بمعزل عن لغة الجماعة كما يذهب له جومسكي في خلافه مع المدرسة السلوكية؟؟..

وفي كتابه (البنيات المركبة للغة) يذهب جومسكي الى أن البنية الفطرية التي يمتلكها الانسان تمكنه من تكوين جمل وعبارات وبناء تراكيب لغوية تجديدية لم يسبق للفرد أن تعلمها من المحيط الاجتماعي من قبل، وهذه البنية الفطرية التوليدية المركبة للغة هي بمثابة الآلة التي توّلد جمل وعبارات اللغة باستمرار.(1)

في مقالة سابقة كنت أشرت الى أن تفكير الانسان العقلي باللغة المجردة يمتلك دائما خاصية توليدية في أغناء اللغة بأستمرار بما أطلقت عليه (فائض المعنى) الذي يدّخره التفكير العقلي ويعود الى ضخّه ثانية بواسطة تعبير اللغة عنه كأداة التواصل الاجتماعي وأكتساب المعرفة. وفائض المعنى هو أمكانية التفكير العقلي المتجدد على الدوام في تزويد اللغة بشكل ونوع الافكار التعبيرية الجديدة التي لم يكن سبق للغة التعبير عنها...وفائض المعنى كمصطلح ورد عرضا في الادبيات الفلسفية التي تناولت تحليل اللغة في التفكيكية..

وفي توليدية جومسكي كل تعبير لغوي جديد تضّخه ملكة التفكير العقلي في عبارات وجمل وتراكيب هي ليست من أختراع ملكة التوليد اللغوي بما هي لغة تقوم على الصوت والكلام والكتابة.. وأنما مصدرها يكون من أختراع مخيّلة الانسان في القدرة على التوليد اللغوي المتجدد بما يحمله على الدوام من فائض المعنى المدّخر بالعقل التفكيري كمفاهيم أدراكية متجددة في تفسير ظواهر الحياة والسلوك والمحيط الاجتماعي يأخذ الافصاح عنها شكل تعبيرات اللغة..

أننا يجب علينا التمييز بضوء ما أوردناه عن التوليدية هو وجوب التفريق بأن توليدات مفردات اللغة الجديدة الصادرة عن ملكة التفكير العقلي التوليدي المجرد ليست هي خاصية من أبتداع العقل الفطري التجريدي بعيدا عن مؤثرات البيئة والمحيط التي لها الأثر البليغ في تطور اللغة على مستوى الفرد والجماعة..

ونجد أيضا من المهم التأكيد أن اللغة والفكر كلاهما متلازمان يتطوران سوية مع التطور الذي يحكم الحياة التي يعيشها الانسان ضمن مجتمع معيّن.. ويؤكد جومسكي (أن الدماغ البشري مبرمج بيولوجيا لتعلم اللغة، ولذلك فان القدرة العقلية لتعلم اللغة تعد فطرية وليست سلوكية مصدرها البيئة، والانسان يمتلك لغة فطرية وهي عبارة عن آليات وقدرات لغوية غريزية تنمو من خلال التفاعل مع البيئة اللغوية المحيطة به من الطفولة). نقلا عن موقع الباحثون السوريون.

جومسكي في أدانته المدرسة السلوكية الامريكية في التحليل اللغوي وصف: اللغة أنها أبعد ما تكون عن مجرد تسلسل عادات، كما أنها تختلف عن وسائل الاتصال لدى فصائل الحيوان.. من جهة أخرى يرى جومسكي أن الآلات لن تقدر مطلقا أن تستعمل الكلمات أو أي أشارات أخرى تؤلفها، كما نفعل نحن في تصريحنا للآخرين عن أفكارنا.(2) بضوء ما مر بنا نستنتج:

- لغة الآلات نمط من لغة صوتية مبرمجة لا تقوم على ملكة الابداع التوليدي في الجمل والعبارات كما هي عند الانسان في تجريده الذهني.. وأنما هي تلقين صوتي ببغائي لا يتمّكن من الربط الخلاق في علاقات الجمل ضمن السياق الابداعي الممّيز بقدرات أنسانية لغوية في التعبير ...

- اللغة التي تكرّس السلوك المتداخل فرديا - اجتماعيا وتخدمه تصبح بمرور الوقت عادة من علاقات لغوية - مجتمعية تستحكم السلوك بعيدا عن التوليد الابداعي في تجديد اللغة وهذا ما لايقّربه جومسكي...حيث يرى أن تطورات اللغة هي مجموع قدرات الافراد ضمن مجتمع معيّن..ولا تكتسب اللغة صفة السلوك الجمعي المتواضع عليه أجتماعيا برغبة مجتمعية هي أساسا تقوم على مجهودات لغوية تعبيرية فردية، تكوينها من نتاج تكامل ملكة التعبير اللغوي الفطرية مع مؤثرات البيئة والمحيط التي تختلف بتأثيرها من شخص لآخر..

- اللغة عند الانسان تختلف عنها عند الحيوان كرابط تواصلي في النوع لكليهما، فهي عند الحيوان غريزة متحكّمة، وليس كما هي عند الانسان ملكة أبداعية تفهم الحياة وتحاول تطوير الوسائل والتعابير اللغوية بما يشبع التطور الحاصل بالحياة ويغني اللغة ككائن عقلي حي متجدد..بينما تكون لغة الحيوان مقيّدة بحاجة التكاثرالموسمي وبعض الحاجات المتعلقة بالغذاء والتي لا يحتاج الحيوان في أشباعها لعقل توليدي منتج للغة تتطور دائما كما يفعل الانسان لذا لا تحتاج اللغة عند الحيوان الى التطورلأنها أصبحت غريزة صرف وليست فعالية متجددة على الدوام كما هي عند الانسان..

كما نجد أيضا عند جومسكي أهم ميزة في لغة الانسان التي يتوّحد بها الفكر السياسي والفلسفي واللغوي أن الانسان يمتلك جانبا فطريا يتميز به على أنه خالق للفكر واللغة...ونفهم من هذا أن اللغة ليست معطى أجتماعيا مكتسبا من البيئة التواصلية، بل هي أستعداد فطري يمتلكه الانسان منفردا في تطويرأدواته اللغوية التي يرافقها على الدوام دخول الفكر مع البيئة في علاقة جدلية تحكم الاثنين معا (الفكر واللغة) تكون نتيجتها لغة أبتكارية متطورة بأستمرارتنمو مع نمو مدارك الانسان في فهم الحياة من حوله وتلبية حاجاته المجتمعية عبر التواصل اللغوي ..

أن اللغة تخرج من فضاء الابداع الفكري الشخصي الى الفضاء المجتمعي العام وتصبح فهما مشتركا وسلوكا عاما مجمعا عليه مجتمعيا حين يكون تفاعل الانسان مع محيطه البيئي يستلزم منه تطوير قدراته اللغوية التي تشكل بالضرورة الاجتماعية التواصلية لغة مجتمعية مبتكرة في التقائها مع لغة المجموع....

أي بمعنى تصبح اللغة الشخصية قاموسا لغويا يفهمه ويتعامل به المجتمع وليس خاصا بفرد أو مجموعة أفراد.. قيمة اللغة أجتماعيا وتطورها التداولي لا يتم من غير صهر وأندماج أبداعات الافكار اللغوية الشخصية في مصهر التداول الاجتماعي للغة كسلوك معرفي وتواصلي..وتطور اللغة في تداخلها مع البيئة والحياة لا تتم عن طريق جهود فردية معزولة كتوليدات أبتكارية فردية للغة بل في أندماجها ضمن لغة جامعة لجميع أفراد مجتمع معيّن...أغلب علماء اللغة يدركون هذه الحقيقة ويتعاملون معها على أن اللغة تتطور بتطور حياة الانسان..

اللغة في الوقت الذي تكون فيه قابلية أدراكية فطرية تواصلية فردية فهي عاجزة عن التطور ما لم تتحول الى سلوك مجتمعي عام تنتظمه اللغة الموحدة.. (وقد نجحت البنيوية في جذب الانظار الى وجود بنية معقولة لنسق فونولوجي (صوتي) قد يظن أنه نتاج فكري رغم أنه ليس ثمرة تفكير أي فرد لوحده)(3)...

أننا نكون مخطئين حقا حين ننطلق من أن اللغة وتطورها يسبق ويوجه أفكارنا ومدركاتنا العقلية في فهم العالم من حولنا في حين يكون المطلوب هو العكس أن الفكر هو داينمو ومحرك تطوير اللغة التي ندخل بها ومن خلالها معترك فهمنا الحياة في سيرورتها الواقعية.. ولا نعتقد نكون مخطئين أذا ما أخذنا سلامة تفكير المدرسة السلوكية الامريكية في فلسفة اللغة أعتبارها اللغة القانون العام الذي يحكم السلوك المجتمعي،، فاللغة لا تنمو وتتطور قبل تطور الفكر الذي تعبر عنه هي..فالجانب الفطري الخلاق في توليدية اللغة أنما يتم عن طريق توليدية الفكرمعرفة الحياة ولا يكون سابقا عليه تعبير اللغة..الفكر هو ملكة توليدية خلاقة مثابرة ولا يمكن أن تكون اللغة تمتلك مقومات بناءاتها الانشائية بمعزل عن هذه الخاصية العقلية التي تحكم الانسان فكرا ولغة متكافلين معا..

وأذا كان الكشف على النحو التوليدي في فلسفة جومسكي هو الذي أكد على أهمية الجانب الفطري في الانسان، فان التحليل العميق للتواصل عن طريق اللغة قد بيّن أن اللغة الى جانب القيم الاجتماعية والاخلاقية والثقافية تكون تعبيرا عن واقع روحي يشمل جميع الافراد ويعني لديهم مصدرا وسببا لوحدتهم دون المساس بتفردهم .(4). رغم أن تعبير مصدر وسبب لوحدتهم الروحية تمثل نظرة ميتافيزيقية تكون لفظة توّحدهم الاجتماعي أخف وطأة من الاولى... (فليس مستبعدا أن نتصور اللغة عضوا في الجسم البشري..)(5) وهي كذلك قطعا..

اللغة والاشياء

للشاعر الفرنسي بوالو مقولة تذهب (أن ما تتمثله جيدا تأتي صياغته واضحة، والكلمات التي تقوله تظهر فينا طائعة)(6) وهي مقولة تعطي مؤشرا واضحا في أسبقية وأولوية الفكر في توليد تعبيرات اللغة التي نعبّر فيها عن أفكارنا..اللغة أداة طيّعة يقودها الفكر ولا تقود هي الفكر..

وبالرغم من مزاعم علماء اللغة من أن الكلمات والاصوات الدالة تتصف بالعشوائية، الا أن المرجّح التاكيد أن اللغة تقوم في جوهرها على تنظيم العلاقة الواقعية التي يفهمها جميع الاشخاص بين الكلمات والاشياء.. ويتمثل هذا في تعبير هيجل المادي قوله (اللغة تعبير عن الواقع وعن الفكر، واللغة مكنّت النفس من التشيؤ)(7) وهو تعبير مادي جدلي يتعارض مع جميع نعرات ومدارس تجريدات اللغة ميتافيزيقيا المعتمدة تحت مباحث فلسفة اللغة التحليلية..

قد نجد فروقات بين الاصوات الانفرادية المعبرة عن معنى أو لا معنى في مقطع صوتي أو كلمة منفردة معزولة عن سياقها التعبيري اللغوي، لكنما هذا لا نجده في تعابير يكون التعبير اللغوي في سياق عبارة أو جملة تكون تعبيرا دقيقا أمينا عن الاشياء في واقعيتها وتصوراتنا الذهنية المتعالقة مع ذلك الفهم عنها....فالصوت العشوائي غير المعبّر عن معنى واضح كونه غير منتظم في نسق لغوي دال هو الذي لا يعطينا تطابقا حسيا بين الشيء والتعبيراللغوي الصوتي عنه.. بينما تكون العبارات أو الجمل ضمن سياقاتها المنطقية المتماسكة في التعبير لا يمكن أن تكون عشوائية في عدم توصيل المعنى المطلوب..وتكون تعبيراتنا عشوائية في حال عدم أنتظام العلاقة التي تحكم تداخل اللغة والفكر..

اللغة وقصدية الفكر

أن طبيعة تراكيب الجمل أو العبارات اللغوية الكاملة أنما تكون طبيعة قصدية في توصيل المعنى الواقعي المطلوب عن الاشياء في وجودها الخارجي.. وهو ما لا يتوفر عليه نظام الاصوات الذي لا يكون معبّرا حقيقيا واضحا من غير أعتماده خلفية الفكر التوليدية للغة..بمعنى الصوت بلا لغة تؤطره مفهوميا تواصليا يكون عملا عشوائيا لا معنى له... ففي التأملات السادسة لديكارت يقول (أنما أنحصرت ماهيتي في أني شيء مفكر أو جوهر كل ماهيته أو طبيعته ليست سوى التفكير).

فألانسان تفكير عقلي قبل أن يكون لغة تعبيرية عن الاشياء.. واللغة لا تستمد فاعليتها من الوجود الانطولوجي للاشياء فقط وأنما من قابلية العقل أمتلاكه ملكة التعبيرالفطرية عن تلك الاشياء باللغة بما يراه العقل لا بما تدركه الاحساسات فقط..

أن وضوح الافكار بأعتبارها معيار اليقين الديكارتي- الذي نجده عند فينجشتين ودي سوسير- هو مرفوض عند لا يبنتيز، الذي يعتبر الوضوح منزلقا نحو أرتكاب الاخطاء، أذ كثيرا ما نجد الشواهد الواضحة خادعة، لذا يقترح ليبنتيز أن يحل محله ما يطلق عليه تحليل المفاهيم.(8)، وفي أرجائنا الخوض في القاموس اللغوي التحليلي الذي أبتدعه لايبنتيز في (تحليل المفاهيم) وكان فيه سيّد مباحث فلسفة اللغة بحق، والذي أرسى وأصبح هذا المصطلح مرتكز جميع فلاسفة اللغة التحليلية من بعده...

ونكمل مع لايبنتيز وعلينا الانتباه كم يتطابق ما قاله لا يبنتيز حول الوضوح في المعنى الذي كان أستعاره كما أشرنا سابقا عن ديكارت لكن بفارق جوهري أن ديكارت كان واقعيا في تبسيط اللغة التعبير عن الاشياء والواقع المادي الذي تأثر به ونقله حرفيا هيجل.. في حين وضع لايبنتيز هذا المصطلح تحت وصاية تجريدية أعتمدتها مدارس وتيارات فلسفة تحليل اللغة الحديثة من دون أستثناء وتسمية أسماء فلاسفة بعينهم..الذين تناولوا الفلسفة كمبحث فلسفي تجريدي وليس كعلم اللغة القائم بذاته بعيدا عن الفلسفة...

يرى لايبنتيز(أن ما لا يمكن التعبير عنه بلغة العامة هويكون ضربا من الخيال والوهم خصوصا وأن الفيلسوف لا يختلف عن الانسان العادي بما لديه من معرفة بقدر ما يمتلكه من منهج المعرفة نفسه)(9) ص 39

لا نعتقد لا يبنتيز كان واضحا بما فيه الكفاية بما يقول، فوضوح الافكار التي تساير السلوك المعرفي المجتمعي لا يمكن أن تكون لغة فلسفية واضحة عند الجميع يفهمها المعني المختص وغير المعني من عامة المجتمع ..وأنها تختلف معرفيا ليس بنوعية المعرفة بين العامة والفيلسوف ألا فقط بامتلاك (المنهج) المعرفي حسب تعبيره..هذا المنطق الفلسفي لا يمتلك القبول والتمرير بسهولة...

الا أن الشيء ألهام الجدير بالاشادة والوقوف عنده في تعبير لايبنتيز هو أبتكاره مصطلح (تحليل المفاهيم) الذي أصبح من بعده أنجيل فلاسفة التحليلية اللغوية واللسانيات رغم أرسائه نزعة التفلسف اللغوي التحليلي المجرد في مراجعة وتفسير المفاهيم الفلسفية..عندما جعلت تلك المدارس من متاهات العقل الانساني الفلسفية تقوم على مرتكز متاهات التحليل اللغوي التي لا نعتقد وضوح التعبير في حال تحققه فيها يعطيها مقبولية..الغموض الفلسفي في تحليل لغة الفلسفة طريق مسدود أمام كل رغبة جادة أو غير جادة في أن يكون للوضوح الفلسفي معنى التداول العام..

التجريد اللغوي

يقول تيسو،Tissot 1767 كلما كان العلم مجردا أو معقدا كلما كثرت مخاطر التردي في الجنون.. وكان لا يبنتيز يرى أن ما لا يمكن التعبير عنه بلغة العامة يدخل في نطاق الخرافة.. واللغة هي المرآة الحقيقية للعقل، فالواقع عقلاني واللغة هي المعبر عنه...(10).كما يرى برجسون:ليس طريق اللغة هو ما يجب أن نسلك أذا أردنا أن نسبر أغوار الحياة..فالواقع الحقيقي لا يمكن التعبير عنه باللغة، وبريقه يلمع من وراء الكلمات.(11) ص 42.

امام هذه المتناقضات الفلسفية يتأكد معنا مايلي على الاقل:

- أن الواقع المادي ليس تجريدا لغويا، بل هو تجريد فكري معرفي مفهومي قبل أن يكون موضوعا لتعبير اللغة عنه تجريديا أيضا..وفي كل الاحوال هناك حقيقة علينا التسليم بها أن اللغة لا تنوب عن تمّثل الواقع في الذهن كما هو الواقع على حقيقته خارجه.فالتفكير العقلي تجريد لغوي فقط..

- أن العلاقة المتداخلة التي تربط ثلاثية الواقع والفكر واللغة ليس من المتاح الميسور الاجتهاد الفلسفي في التعبير عنها من منطلقات ميتافيزيقية، وعبارة برجسون تشير بوضوح لما ذكرناه..فهو يرى الواقع الحقيقي لا يمكن التعبير عنه باللغة وبريقه يلمع من وراء الكلمات..

- هل أصبحت وسيلة فهم الواقع الحقيقي هي فهم ماهية الواقع بعد أن تحوّل في الذهن الى ميتافيزيقا لا يصح الاستدلال عنها بوسيلة اللغة وأنما بالحدس غير القاطع في التفكير به قبل التعبيرتجريديا عنه؟

وهو ما يتطلب من برجسون الأجابة عن مسالتين متداخلتين ترك توضيحهما: ماهو الواقع الحقيقي المختلف عن الواقع غير الحقيقي في مدركاتنا التصورية العقلية؟ الواقع الحقيقي الذي لا تستطيع اللغة التعبير عنه كيف يمكننا أدراكه وما هي وسيلة التعبير عنه في عجز اللغة القيام بالمهمة حسب برجسون؟ وكيف نوّفق هذا مع عبارة لا يبنتيز الذي يرى الواقع هو كل ما هو عقلاني تستطيع اللغة التعبير عنه كمرآة حقيقية للعقل، ولم يشر لا يبنتيز الى وجود واقع حقيقي هو غير الواقع الذي لا تستطيع اللغة أدراكه في التعبير عنه؟؟

القضية الثانية المتعالقة مع ما ذكرناه هو التساؤل أذا ما كانت اللغة عاجزة عن فهم الواقع الحقيقي والتعبير عنه،، فبأي وسيلة يمكننا معرفته والتعبير بغير اللغة عنه؟؟

عجز اللغة في التعبير عن الواقع هو تحول الواقع المادي الى تجريد ميتافيزيقي يدركه العقل بالحدس وليس باللغة التي هي وسيلة العقل الطبيعية في التعبير عن الواقع في تجلياته المدركة حسيا وليس الواقع عندما يتحول الى ميتافيزيقا لا يستوعبها تعبير اللغة.. ويتحوّل الواقع الى ميتافيزيقا عندما يكون موضوعا أو قضية تشغل العقل الادراكي في محاولة فهمها وتفسيرها قبل أمكانية التعبير عنها كمدركات تجريدية باللغة مثلما يجري التعبير عن الواقع المادي بما هو مدرك عقلي يمكن التعبير عنه باللغة..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش

1- الفلسفة واللغة، د. عبد الوهاب جعفر/ ص 17/نقلا عن المصدر الاجنبي.

2- المصدر اعلاه ص 18

3- المصدر اعلاه ص 21 نقلا عن المصدر الاجنبي

4- المصدر اعلاه ص 19 نقلا عن المصدر الاجنبي.

5- المصدر اعلاه ص21

6- المصدر اعلاه ص 31

7- المصدر اعلاه ص 41 نقلا عن المصدر الاجنبي

8- المصدر اعلاه ص38 نقلا عن المصدر الاجنبي

9- المصدر اعلاه ص 39 نقلا عن المصدر الاجنبي

10- المصدر اعلاه ص 42

 

حيدر جواد السهلانينظرية المعرفة (المعنى والتاريخ)

نظرية المعرفة هي البحث في طبيعة المعرفة واصلها وقيمتها ووسائلها وحدودها، ومعنى ذلك ان نظرية المعرفة هي البحث في المشكلات الفلسفية الناشئة بين الذات المدركة والموضوع المدرك، او بين العارف والمعروف، واقدم صور هذه النظرية بحث الفلاسفة عن درجة التشابه بين التصور الذهني والشيء الخارجي.(1) وقد كانت اول محاولة في تاريخ الفكر الفلسفي لوضع مشكلة المعرفة الانسانية موضع بحث مستقل كانت في القرن السابع عشر للميلاد مع الفيلسوف الانجليزي جون لوك(1632- 1704) في كتابه (مقالة في العقل البشري- 1690) الذي يعد بحق اول بحث علمي منظم يتناول بالفحص والدرس اصل المعرفة وماهيتها وحدودها ودرجة اليقين فيها.(2) ويتفق مع هذا الرأي محمد فتحي الشنيطي الذي يرى أن نظرية المعرفة قديمة قدم التفلسف، وان لم تقرر لها ابحاث مستقلة الامنذ عهد جون لوك، فلا نجد قبل جون لوك محاولة جدية وواضحة لدراسة مسائل المعرفة دراسة مستقلة، فعند افلاطون تنظيم جدليات للمعرفة، اما ارسطو تدخل بحوث المعرفة في دراسات مابعد الطبيعة، ولم يعني كل من افلاطون وارسطو بوضع حد فاصل بين موضوعات المعرفة ومسائل مابعد الطبيعة، ولا بين هذا الموضوعات من جهة والدراسات المنطقية من جهة اخرى، وجاء بعد لوك الفيلسوف كانت فهو اعظم من كتب في نظرية المعرفة وارسى قواعدها على اسس علمية سليمة.(3) ويعارض هذا الرأي مصطفى النشار الذي يرى ان نظرية المعرفة مبحث قديم فقد كان واضح المعالم عند افلاطون وارسطو، اذ كانت لهم بحوث مستقلة في المعرفة، فقد خصص افلاطون عدة محاورات اهمها ثياتيتوس والسفسطائي، وارسطو تناول المعرفة في مباحث النفس والذاكرة والكتاب الاول من الميتافيزيقا.(4) ويتفق مع هذا الرأي الدكتور صالح الشماع ويرى ان افلاطون اول فيلسوف نجد عنده اهتمامآ عظيمآ بكيفية الادراك والعلاقات بين المحسوس والمعقول مما يدخل في مجال نظرية المعرفة.(5) ويرى ايضآ يوسف كرم، افلاطون هو اول فيلسوف بحث مسألة المعرفة لذاتها وافاض فيها من جميع جهاتها.(6) ومع ذلك يخبرنا تاريخ الفكر البشري، ان المفكرين قد عبروا منذ اقدم العصور الفلسفية عن الجدل حول طبيعة المعرفة ومصدرها، كما يخبرنا أن بعضآ منهم قد اشترط ان البشر غير قادرين بطبيعتهم للوصول الى المعرفة، ومن راى بأن العقل سبيلآ او حد للحصول على اي نمط من المعارف، في حين هناك من ذهب الى ان المعرفة لاتكون معرفة مالم ترتد بشكل او بأخر الى اصول حسية.(7)

أن المعرفة عند فلاسفة الطبيعة الاوائل لم تكن قد اتضحت معالمها بعد، اذ كان المذهب منصبآ على الطبيعة مستغرقآ في ظواهرها، فالطبيعيون الاوائل والفيثاغورين والايليون تركزت عنايتهم في وصف الطبيعة، محاولة تفسير ظواهرها دون ان يثيروا الشك في الوسائل التي نستخدمها، اما المعرفة عند السفسطائيون، وقد كانت فكرتهما الاساسية أن من المستحيل أن يصل الانسان الى معرفة موضوعية، وقد نشأ موقفهما من النظر في اختلاف اراء الفلاسفة الطبيعيون.(8) والسفسطائيون كانوا اول من وجه النظر الى مباحث المعرفة وحدودها فأثاروا مشاكل هامة منها، عملوا على هدم ابسط مسلمات العقل واستحالة قيام العلم، الامر الذي دفع بشخص سقراط الى الظهور للدفاع عن العلم وموضوعيته بطريقة جدلية، التي كانت تستهدف في وضع تعريفات لكي يقوم العلم.(9) وقد كان سقراط اول من ميز تميزآ فاصلآ بين موضوع العقل وموضوع الحس، وكان له اسلوب في الجدل ليس كغيره وحاصل الطريقة التي تبناها سقراط في الوصول الى الحقائق، القاء الاسئلة السؤال تلو الاخر، وقد كان مؤمنآ بالحقائق الواقعية كما كان مؤمنأ بأمكان الوصول اليها، وكان من طلائع اصحاب اليقين.(10) وقد كان بالضد من السفسطائيون، فأن غاية العلم عنده هو كشف الماهيات وهي قائمة في العقل.(11)

اما افلاطون تتركز المعرفة عنده على اربعة مراحل هي الحس، الظن، الاستدلال، اليقين، المرحلة الاولى يختص بأدراك ظواهر الاشياء والامور النفسانية ولايصلح ان يكون سبيلآ الى المعرفة لأنه ينقل لنا الصيرورة الدائمة والتغير المستمر. المرحلة الثانية وهي مرحلة الحكم على المحسوسات المتغيرة استنادآ الى ماتم استنباطه من العلاقات القائمة بينها، وهي مرحلة ارقى من الحس، الا انه يضل معرفة ناقصة.المرحلة الثالثة، وهي ارقى من المرحلة الثانية لأن موضوعها غير حسي وموضوعها عبارة عن معان كلية، كالمعاني الرياضية والهندسية. المرحلة الرابعة، وهي عبارة عن ادراك عالم المثل وموضوعه هو حقائق الاشياء وهي كليات مجردة عن المادة ولاتدركها الحواس.(12) والمثل في رأي افلاطون هي المعايير الدائمة الثابته التي يتم بمقتضاها العلم، وذلك بانطباع صورها في العقل، اما الاشياء المحسوسة التي نراها ونشاهدها فليست حقائق وانما هي اشباح تحاكي المثل، وبذلك المعرفة عند افلاطون هي ليست معاني عامة مستخلصة من المظاهر المتعددة في العالم المحسوس، وانما نستكشفها بالحدس المباشر وهذا الحدس لايأتينا من التجربة، بل هو المرحلة الاخيرة في منهج جدلي.(13) اما ارسطو يرى الحقيقة ليست في العالم المفارق، بل علينا ان نبحث عنها في نطاق الاشياء المحسوسة، والحق ان الوجة الحسية من نظرية المعرفة الارسطية يتظافر مع جانبها العقلي منذ البداية، اذ يحدثنا في مؤلفاته المبكرة عن أنواع المعرفة بادئآ من الوجة التجريبية الحسية.(14) اما الرواقية والابيقورية فهم كانوا ماديون يسلمون بيقين المعرفة الحسية، ويرون انها تتوافر فيها عناصر القوة والثقة والوضوح، والافكار الحقيقية آتية من المعرفة الحسية، اما بيرون مؤسس الشك، كان يرى ان كل قضية تحتمل قولين، اما الافلاطونية المحدثة ترى اليقين بالمعرفة مستنده الى الله تعالى.(15)

اما في الفلسفة الاسلامية، فقد ميز فلاسفة المسلمين بين ضربين من المعرفة، معرفة تدرك بالعقل وهي الحكمة، ومعرفة تدرك عن طريق النصوص الدينية من القران الكريم والاحاديث النبوية.(16) ويرى الكندي الحس هو احد المصادر الاساسية للمعرفة، اما الفارابي يذهب بأن المعرفة انما تحصل عن طريق الحس، فالمعاني او المقولات مصدرها ليس الالفاظ بل الاشياء الحسية، اما ابن سينا المعرفة عن طريق الحواس، والحواس نوعان ظاهرة وباطنة، اما الغزالي فقد وقف موققف الشك المنهجي الذي يؤدي الى اليقين.(17) اما المتصوفة لهم منهج فريد في المعرفة يختلفون فيه عن كل المتكلمين والفلاسفة، فبينما يعتمد هؤلاء على العقل يتوسل المتصوفة بالذوق والقلب، فالمعرفة الصوفية نفحه الهية يصل اليها الانسان وهي نور رباني يملأ جوانب نفسه.(18) اما فلاسفة المسيحية يدخلون عنصر الايمان في نظرية المعرفة، فالايمان هو منبع اليقين، وقد وضح القديس اوغسطين دور الايمان في المعرفة واخذ يسعى للربط بين الايمان الديني واليقين العقلي برباط وثيق.(19) اما في الفلسفة الحديثة فقد تحددت معالمها، ويرى ديكارت في الشك هو السبيل للوصول الى اليقين، والمعرفة عند ديكارت هي المعرفة العقلية وهي المعرفة التي تنظم الافكار الواضحة، فديكارت كان داعيآ الى قدرة العقل على اقامة المعرفة الموضوعية اليقينية، وراى ان سبيل اليقين هو الاستنباط وليس الاستقراء الذي يؤدي الى معرفة احتمالية، ويعرف ديكارت الحدس هو رؤية عقلية مباشرة ونور فطري او غريزة عقلية يدرك بها الذهن الحقائق، اما الاستنباط هو فعل ذهني نستخلص بواسطته من شيء لنا به معرفة يقينية نتائج تلزم عنها. اما سبينوزا يرى في الفكرة الواضحة، تبدد كل شك، ذلك لأن الشك ينجم عن فكرتين مختلفتين متعارضتين والفكرة الواضحة تحمل معها اليقين، وتقوم حجته على اساس ان الفكرة الواضحة متضمنة اليقين. اما لايبنتز يفرق بين ثلاث ضروب من المعرفة، معرفة حدسية ومعرفة برهانية ومعرفة حسية، واليقين كذلك على انواع يقين حدسي ويقين برهاني ويقين حسي. اما جون لوك هو اول من وضع النظرية التجريبة في المعرفة بصورة البحث المستكمل، وقد انكر الافكار والمبادئ الفطرية في المعرفة، ويرى ان العقل عاجز عن تزويدنا بمعرفة اولية فطرية.(20) اما كانت يرى مصدر المعرفة هو عن طريقين طريق التجربة والافكار القبلية في العقل، ويرى في المقولات والتصورات القبلية في العقل الانساني معيار موضوعية الادراك الحسي، ويرى في التجربة هي من تستيقظ الافكار القبلية.(21) وقد ظهرت عدة اسئلة في نظرية المعرفة، حول طبيعة المعرفة، ومصدر المعرفة وامكان المعرفة، اما طبيعة المعرفة فيرى الواقعيون ان المعرفة هي صورة للعالم الواقعي، ويذهب البراجماتيون الى انها طريقة في سلوك دنيا الواقع، اما المثاليون، المعرفة هي مدركات العقل وتكون هي الفكر وهي الاشياء في آن واحد. اما مصدر المعرفة، فظهرت عدة مذاهب منها المذهب التجريبي، الذي يرى مصدر المعرفة هو عن طريق الخبرة الحسية، والمذهب العقلي، يرى ان مصدر المعرفة هو العقل، لأن الحواس كثيرآ ماتخدع، المذهب النقدي، ويرى المعرفة لاتتم الابالخبرة الحسية والمبادئ العقلية معآ. اما امكان المعرفة، فظهر مذهب الشكاك ويرون لايمكن الوصول الى المعرفة، ومذهب الاعتقاديون الذين يذهب الى انه من الممكن الوصول الى المعرفة.

مصدرالمعرفة عند المادية الجدلية

المادية الجدلية، وهي مذهب (ماركس وانجلس) تدخل على المادة حركة جديدة تجمع بين التغيرات الكمية والتغيرات الكيفية، وفي نظر المادية الجدلية العالم مؤلف من مادة متحركة ذات تطور صاعد على مستويات متتالية متزايدة في التعقيد في الكم حتى اذا بلغت هذا المستويات اعلى درجات التعقيد، نشأ عنها بالضرورة تحول مفاجئ وتغيرات كيفية جديدة.(22)

النظرية الماركسية ترفض المثالية كلها وتجعل الحقيقة النهائية للمادة، ثم تجعل اعتماد العقل الانساني على تلك المادة، فالمادة هي خارج الذهن وليس بحاجة الى أي ذهن لكي يوجدها.(23) وفي المعرفة يجب التفكير ديالكتيكيآ، اذن المعرفة عند المادية الجدلية لاتستطيع أن ترتقي الى ماوراء الاحساس، وتعتبر أن الاحساس هونتيجه ديالكتيكية، فتكون مهمة النظرية المادية للمعرفة على وجه التحديد أن لاتقطع أبدآ الفكر الفلسفي عن الفكر العملي ولاعن النشاط العملي التاريخي، والفكر يستطيع أن يعرف الطبيعة لأنه جزءآ منها، وأن الاحساس هو الصلة بين الوعي والعالم الخارجي، والانتقال من المادة الى الوعي هو انتقال ديالكتيكي والحركة من الاحساس الى الفكر هي ايضآ ديالكتيك، فالمعرفة هي:

1- المعرفة هي انعكاس ذاتي للواقع الموضوعي .

2- المعرفة هي تسلسل تأريخي.

3- المعرفة مكيفة بالممارسة العملية.

4- المعرفة هي ثمرة فاعلية الانتاج العملية.(24)

وبذلك تكون المعرفة عند المادية الجدلية تصل الى الحقيقة عن طريق المعطيات الحسية وتأخذ بنتائج العلم، اذا تعد المادية الجدلية من الفلسفات التي قامت على العلم وتعترف بنتائج العلم، ولاغريب في ذلك اذ كثير من الفلاسفة اعتمدوا على نتائج العلم وبنوا نظريات على نتائج العلم مثل (النظرية الالية التي تقول بأن الكون عبارة عن الة ويوجد هناك محرك قام بتحريكها، كمثل الساعة)

المادية الجدلية تنظر الى الاشياء والمعاني في ترابطها بعضها ببعض ومايقوم بينهما من علاقة متبادلة وتأثير كل منهما في الاخر، وماينتج عن ذلك من تغير، كما تنظر اليها عند ولادتها ونموها وانحطاطها وبذلك تتعارض الجدلية في كل ناحية مع الميتافيزيقا وليس ذلك لأن الجدلية لاتقبل أي سكون أوفصل بين مختلف جوانب الواقع بل هي ترى في السكون جانبآ نسبيآ في الواقع . وتنظر المادية الجدلية الى العلم الطبيعي على أنه مصدر المعرفة الموضوعية، وهدف المعرفة هوالمساعدة في تغير الواقع وينطبق هذا بنفس القدر على العلم الطبيعي والاجتماعي. لذلك اكد ماركس على أن الوعي الانساني هو الذي يحدده الوعي الاجتماعي، وليس الوعي هو الذي يحدده الوجود الاجتماعي، وأنما الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي.(25)

المعرفة هي ممارسة، أي أن كل النظريات التي تدعي العلمية، تجد أختبارها الحاسم في الممارسة، وبذلك المادية الجدلية هي مبدؤها أن المادة هي كل الموجود وأن مظاهر الوجود على اختلافها نتيجة تطور متصل للقوى المادية، غير أن ماركس قليل العناية بدراسة المراتب العليا، وهو يوجه همه الى دراسة التاريخ ومن هنا جاء وصف مذهبه بالمادية التاريخية.(26)

إذاً القضية الاساسية التي تقدمها المادية الجدلية هي أن كل مايفكر فيه الانسان، ماهو في النهاية الانتيجة حاجاته الاقتصادية التي تحددها طرق الانتاج والعلاقات الاجتماعية التي يخلقها هذا الانتاج، وهذا الطرق تتنوع وتتطور بطريقة جدلية تعبر عن نفسها في قانون الصراع الاجتماعي بين الطبقات والفكرة الجوهرية عند ماركس هي أن كل مضمون الوعي الانساني يحدده المجتمع، وهذا الوعي يتعدل ويتغير ويتنوع بحسب التطور الاقتصادي.(27) أخيرآ المادية الجدلية ترى في المعرفة هي عملية جدلية بين المادة والعقل الانساني وترى في الحاجة الانسانية ونتائج العلم والتأريخ هو من يقوم المعرفة، فالمعرفة الانسانية تشكل تطور الفكر الغربي الذي يرتقي صاعدآ في سلم المعرفة البشرية، وينطلق من مستوى المعارف القائمة ويستند الى نتائجها، اذآ المنهج الماركسي في المعرفة مثل منهج العلم يتعارض مع الحقيقة المطلقة، وتتوالى فيه لحظات الجدل، اي ظهور المشكل ثم النقيض ثم الحل، الذي يشكل تجاوزآ للوضعية، وكذلك هو حال النظريات العلمية، التي تتجاوز بعضها البعض، بل قد تلغي بعضها البعض بناء على معيار الابطال، كما يعتمد المنهج الماركسي في تصوره لبناء المعرفة على الجدل الدائم بين النظرية والممارسة، فالنظرية توجه للمارسة والممارسة تحقق النظرية لتطورها وتغنيها.(28)

 

حيدر جواد السهلاني

...........................

الهوامش

1- ينظر جميل صليبا: المعجم الفلسفي، ج1، ص478.

2- ينظر عادل السكري: نظرية المعرفة، ص32.

3- ينظر محمد فتحي الشنيطي: المعرفة، ص53.

4- ينظر مصطفى النشار: نظرية المعرفة عند ارسطو، ص28.

5- ينظر صالح الشماع: مشكلات الفلسفة، ص32.

6- ينظر يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، ص84.

7- ينظر رودك وتشيز هولمز: نظرية المعرفة، ص6.

8- ينظر محمود زيدان: نظرية المعرفة، ص32.

9- ينظرصباح حمودي المعيني: نظرية المعرفة في الفكر العربي المعاصر، ص6.

10- ينظرجعفر السبحاني: المدخل الى العلم والفلسفة والالهيات، ص78.

11- ينظرمحمد فتحي الشنيطي: المعرفة، ص69.

12- ينظريوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، ص85.

13- ينظرمحمد فتحي الشنيطي: المعرفة، ص70.

14- ينظر مصطفى النشار: نظرية المعرفة عند ارسطو، ص33- 34.

15- ينظر محمد فتحي الشنيطي: المعرفة، ص76.

16- ينظرالمصدر نفسه، ص88.

17- ينظر محمود زيدان: نظرية المعرفة، ص171.

18- ينظر محمد فتحي الشنيطي: المعرفة، ص89.

19- ينظر المصدر نفسه، ص90.

20- ينظر المصدر نفسه، ص99- 109.

21- ينظر كانت: نقد العقل الخالص، ص45.

22- ينظر جميل صليبا: المعجم الفلسفي، ج2، ص309- 310.

23- ينظر الموسوعة الفلسفية المختصرة، ص405.

24- ينظر روجية غارودي: النظرية المادية في المعرفة، ص62.

25- ينظر جورج بوليتزر وجي بيس و موريس كافين: اصول الفلسفة الماركسية، ص26.

26- ينظر كريس هارمن: كيف تعمل الماركسية، ص32.

27- ينظر عادل السكري: نظرية المعرفة، ص89- 90.

28- ينظر يوسف تبيس: الماركسية من الثورة المعرفية الى الثورة الاجتماعية، ضمن الماركسية الغربية ومابعدها، اشراف علي عبود المحمداوي، ص34- 35.

 

 

علي رسول الربيعيالمقدمة: قبل نقاش مشكلات الأنتقال الديمقراطي وتعزيزها والكيف ولماذا يحصل الأنكسـار البنيوي أو التاريخي الظرفي في عمليًة التحول الديمقراطي، والعلاقة الجوهرية بين ترسيخ الديمقراطية وحكم القانون، نعرض في هذه الدراسة مدخل اساس بوصفه تعريف عملي عن أشتغال الديمقراطية في نظام سياسي يتمتع بأنتخابات تنافسية بالإضافة إلى حماية الحريات السياسية. ولفهم هذا المنظور بشكل أفضل، نحتاج إلى فهم مجموعة وجهات النظر حول ما يشكل الديمقراطية. سوف نناقش عدة توجهات متعارضة مختلفة: الديمقراطية كعملية، ديمقراطية المشاركة، وديمقراطية حكم الأغلبية polyarchy وهي قد تكون السلطة في هذه الحالة ليست ديمقراطية تماما وليست دكتاتورية ايضاً كما وصفها روبرت دال والذي سنشير الى نظريته لاحقاً. بعد ذلك، نلخص بإيجاز ثلاث قواعد بيانات مقبولة على نطاق واسع عن الديمقراطية ويستند إليها المختصون في استكشاف أسس ومقومات الديمقراطية، لأن كل واحدة منها تحدد خصائص معينة للديمقراطية. إن الغرض من مسح المفاهيم المختلفة وعمليتها وأشتغالها هو لفرز خصائص الديمقراطية من خلال مراجعة مصادرها الكبرى.

وجهات نظر متباينة للديمقراطية

نلخص هنا الخصائص المميزة للديمقراطية من ثلاث وجهات نظر فلسفية مختلفة.

الديمقراطية كعملية: شومبيتر وأتباعه

يعتبر جوزيف شومبيتر مثال مشهور لهذا الرأي. نقطة انطلاقه هي ما يسميه "المذهب الكلاسيكي للديمقراطية" القادم من القرن الثامن عشر. ويصف هذا المبدأ بأنه مجموعة من الترتيبات المؤسسية لأتخاذ القرارات السياسية التي تؤدي إلى تحقيق الصالح العام، حيث يقرر الأشخاص مثل هذه القضايا من خلال انتخاب المسؤولين المفوضين لتنفيذ إرادة الشعب. و يصف احد المشاكل من خلال استعمال وضع أفتراضي.[1]

لنفترض أن هناك بلد يمارس بطريقة ديمقراطية اضطهاد المسيحيين، وحرق السحرة، وذبح المسلمين. من المؤكد أننا يجب ألا نوافق على هذه الممارسات حتى لو أنها أتخذت قراراتها وفقًا لقواعد الإجراءات الديمقراطية. لكن السؤال الحاسم هو: هل سنوافق على الدستور الديمقراطي نفسه الذي أسفر عن مثل هذه النتائج مفضلينه على الدستور غير الديمقراطي الذي من شأنه تجنبها؟

باختصار، يمكن للناس اختيار الأهداف الشريرة أو غير الأخلاقية بشكل أساسي.

يفضل شومبيتر التوجه نحو فهم الديمقراطية. إنه يشك في قدرة الناس ككل على اتخاذ قرارات جيدة. لديه المزيد من الثقة في قدرة الممثلين المنتخبين. من هنا، يجادل بالقول: "الطريقة الديمقراطية هي ذلك الترتيب المؤسسي للتوصل إلى قرارات سياسية يكتسب فيها الأفراد القدرة على اتخاذ القرار من خلال الصراع التنافسي على تصويت الشعب."[2] "فتهني الديمقراطية أن الناس لديهم الفرصة لقبول أو رفض الذين يحكمونهم".[3] ومن ثم، يتم تصور الديمقراطية كعملية، ونظام سياسي يتحول فيه الناس إلى سلطة فعالة لاتخاذ قرار بشأن أولئك الذين ينتخبونهم.

وقد اتبع آخرون راي شومبيتر. فيلاحظ كارل بوبر أن الديمقراطية هي النظام الوحيد الذي يستطيع الناس من خلاله تخليص أنفسهم من قادتهم دون عنف وإراقة دماء.[4] ويؤكد برزيورسكي أيضًا على أن احتمال تشكيل الحكومة من خلال الاقتراع من قبل الناخبين يجعل حل النزاع أكثر سلمية.[5]

نجد هنا، السمة المميزة الرئيسية للديمقراطية هي الانتخابات التنافسية، هناك العديد من النقاد لمنظور الحد الأدنى للديمقراطية.[6]

ديمقراطية المشاركة  participatory democracy

يجادل بيتر باشراخ بأن وجهة نظر شومبيتر للديمقراطية هي في الحقيقة شكل خفي من النخبوية، مما يسمح للسلطة الحقيقية بالبقاء في أيدي دائرة سياسية محدودة، مع وجود دور ضئيل للمواطنين في التصويت للمرشحين للمناصب. ويدعي أنه لا يمكن للديمقراطية أن تكون شكلاً حيوياً من أشكال الحكم إلا إذا كانت هناك مشاركة واسعة من قبل المواطنين.[7] يختصر باشراخ نظريته بالقول: " أعتقد أنه يجب أن تستند نظرية الديمقراطية إلى الافتراضات والمبادئ التالية: يكتسب غالبية الأفراد ثقتهم بأنفسهم وتطورهم نحو تأكيد أكمل لشخصياتهم من خلال المشاركة بنشاط أكبر في القرارات المجتمعية الهادفة؛ لذلك لدى الناس عموماً مصلحة مزدوجة في الأهتمام بالسياسة، في نتائجىها النهائية وفي عملية المشاركة،"[8] أو الأشتراك في مجرياتها، بالإضافة إلى ذلك، فأنه يزعم حتى المؤسسات الخاصة - إذا كان لها تأثيرات عامة - مطلوب أن تكون ديمقراطية، ومع صوت الناس في القرارات التي لها تأثيرات عامة.

تناقش كارول باتيمان[9] في كتابها "المشاركة والنظرية الديمقراطية" الوظيفة التثقيفية للمشاركة، متبعة أراء جون ستيوارت ميل، في أن الناس يصبحون أفضل كمواطنين بمجرد أنخراطهم ومشاركتهم السياسية. كما أنها تجادل - مثل بشراخ - بخصوص أهمية تمكين المواطنين من الحصول على أدوار في صنع القرار.

تستند الحياة السياسية في ديمقراطية المشاركة على عدة مبادئ أساسية:

- إجراء عملية صنع القرارات المتعلقة بالآثار الاجتماعية الأساسية بواسطة مجموعات عامة من المواطنين؛

- أن ينظر إلى السياسة بشكل إيجابي، على أنها فن خلق نمط جماعي مقبول من العلاقات الاجتماعية؛

أن السياسة لها وظيفة إخراج الناس من العزلة وأدماجهم في المجتمع، وبالتالي فهي وسيلة ضرورية، وإن لم تكن كافية، لإيجاد معنى في الحياة الشخصية ...

في التحليل النهائي، يعتقد أنصار ديمقراطية المشاركة أن إشراك المواطنين العاديين في السياسة ستمكنهم، وسيؤدي إلى اكتساب الثقة في القدرة على المشاركة بشكل هادف، وسوف يشجعهم على أن يصبحوا أكثر اطلاعاً على السياسات والقضايا السياسية، وسوف يكون في هذه العملية إثراء للديمقراطية.[10]

السمة المميزة الرئيسية لهذا المنظور هي أنه يجب أن يكون هناك انفتاح في النظام السياسي للسماح بمشاركة حقيقية من الشعب. وبالتالي، يجب أن يكون الدعم لمختلف أشكال التعبير الحر حاضراً حتى تتحقق الديمقراطية. النقطة الأساسية، هنا،هي أنه يجب احترام أشكال الحرية المدنية، للسماح لديمقراطية المشاركة بالازدهار.

الديمقراطية باعتبارها حكم الأغلبية

يأتي واحد من أكثر فروع نظرية الديمقراطية تأثيراً من عمل عالم السياسة روبرت دال في كتابه "مقدمة للنظرية الديمقراطية"[11] و" في الديمقراطية"[12] حيث دعا بشدة إلى أهمية وقيمة هذا الشكل من الديمقراطية.

يستخلص دال مصطلح polyarchy من اللغة اليونانية، في مقابل الملكية (حكم الفرد) أو الأوليغارشية (حكم الأقلية). ويعني " حكم الأغلبية".[13]

يحدد دال هذا النمط من الحكم بست خصائص:

1- المسؤولون المنتخبون؛

2- انتخابات حرة ونزيهة ومتكررة.

3- حرية التعبير؛

4- الوصول إلى مصادر بديلة للمعلومات؛

5- الاستقلال الذاتي للجمعيات والأتحادات؛

المواطنة الشاملة

يشير معيار المسؤولون المنتخبون إلى الناخبين الذين ينتخبون ممثلين لاتخاذ القرارات نيابة عنهم. وهكذا، تُعرّف الديمقراطيات المعاصرة بأنها ديمقراطية تمثيلية. وتتطلب حرية التنافس في الانتخابات وإجرائها بشكل روتيني نسبيا. وأن يكون الإكراه في الانتخابات نادرًا نسبيًا حتى يتم تعريف بلد ما على أنه ديمقراطي. وأن يتمتع المواطنون بحرية التعبير حتى يمكن انتقاد النظام القائم. كذلك يحتاج المواطنون، من أجل أتخاذ خيارات مستنيرة في الانتخابات والحكم على الأنظمة في الفترة الفاصلة بين الانتخابات، إلى الوصول إلى مجموعة متنوعة من مصادر المعلومات - وليس فقط المصادر التي تسيطر عليها الحكومة.

يحتاج المواطنون إلى أن يكونوا قادرين على المشاركة مع بعضهم البعض أثناء الانتخابات وفيما بينها. وأن يكونوا أحرارأ في الانضمام إلى المجموعات القائمة، وتشكيل مجموعات جديدة، والمشاركة في المنافسات السياسية. تعد المشاركة في المجموعات آلية رئيسية للمواطنين للتأثير على المسؤولين.[14] وأخيرا، المواطنة الشاملة. كما يقول دال "لا يمكن حرمان أي شخص بالغ يقيم في بلد بشكل دائم ويخضع لقوانينه من الحقوق المتاحة للآخرين وهو ضروري للمؤسسات السياسية ".[15]

يدرك دال أن هذا يعطي للمواطنين دورًا أقل من دوره في الديمقراطية التشاركية، الاً أنه هو يؤكد أن حكم الأغلبية هو أكثر أشكال الديمقراطية عملية في المجتمعات الكبيرة والمعقدة. فبالنسبة إليه، إذن، هناك معياران أساسيان في تحديد الديمقراطية: الانتخابات الهادفة والحريات والحقوق المدنية.[16]

البيانات الأساسية الثلاث

سنقوم بفحص ثلاثة من مجموعات البيانات الأكثر استخدامًا واحتراماً على نطاق واسع لاستكشاف الخصائص المحددة للديمقراطية: مجموعة بيانات Vanhanen ومجموعة بيانات Polyarchy وتصنيفات Freedom House.

مجموعة بيانات نظام المشاركة المتعددة Vanhanen

يلاحظ Tatu Vanhanen[17] أن مقياسه يتبع عن كثب منطق نموذج دال لحكم الأغلبية (فليس من قبيل الصدفة، يُطلق على موقع Vanhanen عنوان Polyarchy Data). والمتغيران الذي يستخدمهما لإنشاء "مؤشر الديمقراطية" هما: 1- النسبة المئوية للحصة من الأصوات المدلى بها في الانتخابات من قبل أحزاب الأقليات / المرشحين المستقلين؛ 2- النسبة المئوية للراشدين البالغين الذين يصوتون في الانتخابات. يرى الأول كدليل على التنافس الحقيقي والثاني كدليل على حرية الوصول إلى الاقتراع.

يصر Vanhanen على أنه لكي يتم تصنيف بلد ما كدولة ديمقراطية، فإنه يحتاج إلى أحزاب / ومرشحين مستقلين للحصول على ما لا يقل عن 30 في المائة من الأصوات ويتطلب نسبة إقبال تتجاوز 20 في المائة. انه يضاعف هذه معا؛ إذا تم الوصول إلى كل عتبة وإذا كانت النتيجة الإجمالية ست نقاط مؤشر (0.3 X 0.2 X 100)، فسيتم تصنيف الدولة كدولة ديمقراطية.

يقول Vanhanen طبقاً لمنطق قيم العتبة: "إذا كانت نسبة الأحزاب الصغيرة منخفضة للغاية، على سبيل المثال، أقل من 30 في المائة من الأصوات المدلى بها ...، فإن هيمنة الحزب الأكبر تكون قد تغلبت لدرجة أنه من المشكوك فيه ما إذا كان يمكن اعتبار هذه دولة ديمقراطية ".[18] "يزعم أن أي شيء أقل من نسبة المشاركة 20 في المائة يشير إلى أن الناخبين المحتملين قد لا يتمتعون بحرية كاملة في التصويت، مما يشير إلى وجود مشكلة في الحريات المدنية.

وهكذا، يعترف Vanhanen بمكونين من عناصر الديمقراطية: انتخابات معبرة عن منافسة حقيقية، وحرية الوصول إلى الاقتراع من قبل الأفراد. بالنسبة له، يمثل الأخير مثالًا على حماية الحريات المدنية وحكم القانون، رغم أنه يرتبط بالانتخابات.

تقييمات Freedom House ( بيت الحرية)

ينشر بيت الحرية ( Freedom House ) تقريراً سنوياً مشهوراً ومتاح لمن يريد الوصول اليه عن الحرية في العالم. يتناول فيه جميع دول العالم ليصف ويصنف بعد ذلك المدى الذي تكون فيه الحرية، أيً هل هناك حرية أم لا ولأي درجة. يتم التعامل مع درجة الحرية كمقياس للديمقراطية. يقوم بيت الحرية كل عام بدراسة استقصائية ومن خلال كمية هائلة من المعلومات حول كل بلد، وويقيًم أعضاء الفريق كل دولة علىاساس سلسلة من العناصر من O إلى 4، ويعتبر O الأقل حرية و 4 الأكثر حرية. هناك بعدان لنقاط بيت الحرية: (1) الحقوق السياسية و (2) الحريات المدنية. هوناك عدد من الأسئلة المحددة لكل بعد منهما لوضع التصنيف 0-4 على النحو المذكور أعلاه.

هناك سلسلة من الأسئلة للتي تتعلق بالحقوق السياسية، نأخذها على سبيل المثال لا الحصر، فهناك أويمكن اضافة قضايا أخرى حسب البلدان تحت الفئات التالية - العملية الانتخابية (على سبيل المثال، "هل رئيس السلطة التنفيذية، أو البرلمان ... منتخب من خلال انتخابات حرة ونزيهة؟"، هناك واحد من ثلاثة بنود تحت هذا العنوان ؛ التعددية السياسية والمشاركة (على سبيل المثال، "هل الخيارات السياسية للشعب خالية من هيمنة الجيش أو اي قوى مسلحة أخرى، [إلخ]؟") ؛ أداء الحكومة (على سبيل المثال، "هل الحكومة خالية من الفساد المتفشي؟")؛ أسئلة إضافية تتعلق بالحقوق السياسية التقديرية (على سبيل المثال، "هل الحكومة ... تعمد تغيير التكوين العرقي ... لتدمير ثقافة أو قلب التوازن السياسي لصالح مجموعة أخرى؟"). ثم يتم حساب النقاط. يتم ترميز درجة 36-40 كـ 1 (الأكثر حرية) ؛ 30-35 ك 2 ؛ 24-29 إلى 3، وهكذا ...، حتى نصل إلى أقل درجة من الحرية 7، ثم يأتي تصنيف الدول بين 0-5 من النقاط. حيث تعني علامة 1 دولة حرة من ناحية الحقوق السياسية؛ ويمثل 7 منافسة قليلة الحرية. وتنطبق العملية نفسها على البعد الثاني في تصنيفات بيت الحرية- أيً الحريات المدنية؛ والتي تشمل الفئات التي تتعلق بحرية التعبير والمعتقد (على سبيل المثال، "هل هناك حرية نقد الحكومة والأحزاب الحاكمة ونقد السلطة ونقد القادة والحكام نقد ايديولوجيا السلطة دينية أو وضعية، أو حرية أكاديمية، ...؟")؛ وكذلك الحقوق التنظيمية (على سبيل المثال، "هل هناك حرية التجمع وتشكيل الجمعيات واحزاب ...؟")؛ وحكم القانون (على سبيل المثال، "هل هناك قضاء مستقل؟")؛ الاستقلالية الشخصية والحقوق الفردية (على سبيل المثال، "هل هناك تكافؤ في الفرص في المناصب والوظائف العامة وغياب استغلال اقتصادي؟"). يتم منح 0-4 نقاط لكل عنصر محدد، كما اشرنا أعلاه، يتم احتساب 53-60 نقطة على أنها 1 ( حرية)، مع 0-7 نقاط تؤدي إلى درجة 7 (الأقل من الحرية).يتم إضافة التصنيفين معًا ثم تقسيمهما على اثنين. النقاط من 1-2.4 تؤدي إلى تسمية الدولة "حرة"؛ 3-5.5 "حرة جزئيًا" ؛ 5.5-7 يتم تعريفها على أنها "غير حرة". ولأغراضنا، فإن الشيء الرئيسي الذي يجب ملاحظته هو أن اثنين من البعدتن يركزان على الانتخابات والحريات السياسية الممنوحة للأفراد.

تقييم النظام

يمكن تلخيص جوهر تصنيفات النظام السياسي من حيث تصور الديمقراطية على النحو التالي.[19] هناك ثلاثة عناصر أساسية مترابطة للديمقراطية، حيث يتم إدراجها في الثقافة السياسية المعاصرة. أولاً، وجود المؤسسات والإجراءات التي يمكن للمواطنين من خلالها التعبير عن التفضيلات حول السياسات والقادة البديلين. الثاني هو وجود قيود مؤسسية على ممارسة السلطة من قبل السلطة التنفيذية. ثالثا، ضمان الحريات المدنية لجميع المواطنين في حياتهم اليومية وفي المشاركة السياسية.

تم تطوير سلسلة من التدابير المحددة، ويقوم المبرمج بتصنيف كل بلد وفقًا لهذه المقاييس الملموسة. تشمل الفئات التي يتم ترميزها في نظام المشاركة السياسية هو،هل هناك فئات معينة محرومة أو محرومة؟ القدرة التنافسية السياسية في الانتخابات؛ القيود المفروضة على رئيس السلطة التنفيذي؛ ما مدى انفتاح العملية السياسية؟ هل تتميز العملية بالاستيلاء العنيف على السلطة؟؛ وتعقيد هياكل السلطة، أيً ما مدى مركزية السلطة الحكومية؟.

بمجرد أن يتم ترميز كل عنصر محدد، يتم حساب درجة من الديمقراطية (مع الإشارة إلى مدى ديمقراطية جماعية للأبعاد المختلفة) إلى استبداد ( درجة الاستبداد في بلد معين). يتم استخلاص درجة الاستبداد من درجة الديمقراطية (أيً أن المنطق وراء هذا هو أن العديد من المجتمعات لها بعض خصائص ديمقراطية واستبدادية) وتضاف عشر نقاط إلى المجموع الكلي. تمتد النتيجة المتحصلة من O (الأقل ديمقراطية) إلى 20 (الأكثر ديمقراطية).

تعريف عملي للديمقراطية

نعتقد أن المناقشة السابقة للمناهج المختلفة لتحديد وقياس الديمقراطية تكشف عن بعدين متمايزين. بعبارة موجزة، هي (1) حكومة بالأغلبية، و (2) ما يسمى عادة "بسيادة القانون". نحن نرى أن هذين المعيارين البسيطين ينتجان من عدة مقاربات مختلفة لاستكشاف الديمقراطية. يؤكد نهج شمبيتر على الانتخابات. تعكس ديمقراطية المشاركة بالتأكيد وعيًا بأهمية الانتخابات وتطالب أيضًا بأن تتاح للناس فرصًا كبيرة وحقيقية وأن يشاركوا في السياسة بحرية وبعدة طرق أخرى غير مجرد التصويت. فقد أكدت ديمقراطية المشاركة على كل من الانتخابات والحريات المدنية. وهكذا، تتحدث كل من المنظورات التي تم فحصها بشكل أو بآخر عن كل من هذه الخصائص.

وهذا يتوافق مع تعريف واحد قياسي للديمقراطية.[20]

نظام الحكم الذي تُمنح فيه السلطة السياسية المطلقة للشعب، قد تكون الديمقراطية مباشرة، كما تمارس في اجتماعات أثينا القديمة وبلدة نيو إنغلاند، أو تتطلب الديمقراطية غير المباشرة والتمثيلية نظامًا لصنع القرار يستند إلى حكم الأغلبية، مع وجود أقلية محمية الحقوق محمية. اقدم تعليق موجز على كل من هذين الجانبين المميزين للديمقراطية.

"قاعدة الأغلبية"

 إن كل من كتب تحت هذا العنوان يقصد بها، نظامًا تمثيليًا للحكم، انتخابات حرة تنافسية وجراء انتخابات جماعية، والمساءلة النهائية للممثلين أمام الناخبين، والوزن المتساوي للتأثير في التصويت بعنى الأقتراع الواسع أن لم يكن الشامل الذي يجسد مبدأ "شخص واحد، صوت واحد".

يتم في النظام الديمقراطي اختيار الممثلين حسب نوع التصويت الشعبي حيث تختلف الطريقة من بلد إلى آخر. ولكي تكون ديمقراطية حقيقية، يجب على النظام تمكين الأغلبية - إذا كانت هناك أغلبية - من انتخاب نسبة مقابلة تقريبًا من الممثلين.، وإن يتم اتخاذ نفس الحكم بشأن طريقة منصفة لتمثيل الأقليات. ويكون في في جميع الديمقراطيات الممثلون مسؤولين أمام الناخبين من حيث أن ناخبيهم يختارونهم وأن إعادة الانتخاب مرهون بالناخبين في تلك الدائرة الانتخابية. تتطلب الانتخابات الهادفة نوعاً من المنافسة الثنائية أو متعددة الأحزاب وقدرة جميع الأحزاب على عرض مشاريعها أمام الناخبين. وعليه تدعو قاعدة الأغلبية إلى حق الاقتراع الذي يعطي التصويت لمعظم المواطنين البالغين.

"سيادة القانون"

يمكن توضيح جميع المتطلبات المذكورة أعلاه، وكذلك قائمة طويلة من الحقوق والحريات المدنية في دستور وقوانين الدولة. ومع ذلك، كما رأينا في كثير من الأحيان، فإن هذه القيم لا تأثير لها في حالة عدم وجود نظام قضائي قادر على تنفيذها بفعاليًة. إن هذه الحزمة من العواملهي المقصود بمصطلح "سيادة القانون". يدرج بيت الحرية Freedom House صراحةً "حكم القانون" باعتباره معيارًا للحريات المدنية.

يجب أن تكون الحقوق الانتخابية والحريات المدنية أكثر من مجرد كلمات رائعة على الورق. فإذا تم تجريد أولئك الذين يخسرون الانتخابات من حقوقهم المدنية أو حريتهم أو ممتلكاتهم من قبل أغلبية منتصرة، فهذا شكل حكم يضاد الديمقراطية. تتطلب قاعدة القانون وجود سلطة قضائية مستقلة، وحكومة مستعدة لفرض حتى تلك القرارات القضائية التي لا تعجبها، والحماية الفعالة للحريات السياسية والمدنية ضد التعدي والأنتهاك العام والخاص. كما قال اللورد أكتون في تعليقه الشهير (1877) "إن الاختبار الأكثر تأكيدًا الذي نحكم من خلاله على ما إذا كانت دولة حرة حقًا، هو مقدار الأمن الذي تتمتع به الأقليات".وطبعا الأقليات ليس فقط عرقية أو دينية ولكن سياسية أو فكرية أو غيرها. لا تزال المؤسسة الأمريكية لسلطة قضائية مستقلة هي النموذج الأساسي في هذا الصدد وقد تشكل المساهمة الأمريكية الأكثر أهمية في النظرية والممارسة الديمقراطية.

إن حكم الأغلبية وسيادة القانون هما المكونان الأساسيان للحكم الديمقراطي. والمفارقة العظيمة، بطبيعة الحال، هي على الرغم من أن كلاهما ضروري للغاية، إلا أنهما يتعارضان مع بعضهما البعض، ونتيجة لذلك، كانا مصدرًا للجدل السياسي المستمر. لكن هذا التناقض الأساسي لا يمكن الهروب منه: إنه ثمن العيش في ظل نظام ديمقراطي.

اقول كتعليق ختامي على حكم الأغلبية وسيادة القانون. من المسلم به أن أيا من هذين الشرطين لا يفسح المجال لتقدير مرضٍ تماماً؛ تختلف الآراء حول بلد معين بشكل مشروع من ناحية القواعد والقوانين في بعض الحالات. ومع ذلك، عندما ننظر إلى التقييمات والقوائم العديدة للحكومات الديمقراطية وغير الديمقراطية، هناك اتفاق أكبر بكثير على عدم الاتفاق.

الديمقراطية وبناء الأمة

عندما نتحدث عن "بناء الأمة الديمقراطية"، نتوقع في نهاية المطاف أن تتميز الحكومة الديمقراطية الجديدة بحكم الأغلبية بالإضافة إلى حكم القانون الذي يضمن حقوق الأقليات والحريات السياسية. أما إذا كانت "الديمقراطية" الناشئة لا تفي بهذه المعايير فلا يمكننا، بالطبع، أن نقبل تلك الدولة الجديدة كديمقراطية. سنوضح في الدراسة اللاحقة في سياق هذا الموضوع/ النقاش طبيعة بناء الدولة، والتي غالبًا ما يتم اعتبارها حاليًا بمثابة بناء دولة ديمقراطية. وعلى كل حال تستند هذه المناقشة إلى تصور لمصطلح "ديمقراطي" وكان هذا هو محور هذه الدراسة. شكراً لمن قرأ وصبر وفهم. 

 

 الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................

[1] Schurnpeter, Joseph. (1975). Capitalism, Socialism, and Democracy. New York: Harper & Row.242).

[2] Schurnpeter, Joseph. (1975). Capitalism, Socialism, and Democracy.269.

[3] Schurnpeter, Joseph. (1975). Capitalism, Socialism, and Democracy.285.

[4] بوبر، كارل، المجتمع المفتوح وأعداؤه،، ترجمة السيد نفادي و حسام النايل،، بيروت، دار التنوير،2014.

[5] Przeworski, Adam. (1999). Minimalist conception of democracy: A defense. In Ian Shapiro and Casiano Hacker-Cordon (eds.), Democracy's Value. Cambridge: Cambridge University Press.

[6] Bachrach, Peter. (1967). The Theory of Democratic Elitism: A Critique. Boston: Little, Brown.

[7] Bachrach, Peter. (1967). The Theory of Democratic Elitism: A Critique.101.

[8] Casiano Hacker-Cordon (eds.), Democracy's Value. 101.

[9] Pateman, Carole. (1970). Participation and Democratic Theory. New York: Cambridge

University Press.

[10] يرتبط أحد الأنواع الفرعية الحالية لمدرسة الفكر الديمقراطي التشاركي بعمل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، الذي يدعو إلى إقامة نظام اجتماعي سياسي يعتمد على التواصل الحواري والخطاب المفتوح. وهو يدعي أن النظام الرأسمالي الراحل يعاني من أزمة شرعية وأن هناك تحول لهذا النظام يلوح في الأفق. فهناك حاجة إلى معايير جديدة. لكن كيف سيتطور هذا الوضع؟ يجب هابرماس في :

Habermas, Jurgen. (1975). Legitimation Crisis. Boston: Beacon Press (trans.T. McCarthy).

إن أخلاقيات الاتصال فقط هي التي تضمن عمومية القواعد أو المعايير المقبولة واستقلالية الأشخاص الذين يتصرفون فقط من خلال إمكانية خطاب يستوفي مطالب الصلاحية التي تظهر بها القواعد. وهذا يعني أن ضمان العمومية يأتي من فقط من القواعد التي يوافق عليها جميع المتأثرين دون أي قيد إذا دخلوا في عملية تشكيل الإرادة الخطابية.،"لا تستند المطالبة بصحة القواعد إلى الأعمال اللاعقلانية الأختيارية للأطراف المتعاقدة، ولكن في الاعتراف بدوافع عقلانية للقواعد، والتي قد يتم التشكيك فيها في أي وقت." وما الذي يحدد الصلاحية؟ يدعي هابرماس أن الحجة الأفضل التي تنبثق عن الحوار التعاوني يجب أن تحكم - إذا كان هناك إجماع حول هذا الاحتمال الوحيد. تفترض نظرية الاتصال هذه أنه لا توجد حقيقة عالمية لتوجيه صياغة المعايير المتفق عليها بين الناس. يجب أن يكون تطوير هذه المعايير وظهورها نتيجةً للمناقشات التي تؤدي إلى توافق الآراء.

قام هابرماس بتأليف سلسلة من الأعمال التي توضح نظريته في العمل الاجتماعي بمزيد من التفصيل .

Habermas, Jurgen. (1979). Communication and the Evolution of Society. Boston: Beacon Press (trans. T. McCarthy).

 Habermas, Jurgen. (1984). The Theory of Communicative Action, VOL 1. Boston: Beacon Press (trans. T. McCarthy).

وهو يجادل بأن المواطنين سوف يختبرون صحة ادعاءات مختلف الأفكار والقواعد قيد المناقشة. وفقا لتحليله النهائي

Habermas, Jurgen. (1975). Legitimation Crisis. Boston: Beacon Press (trans. T. McCarthy)150.

يجادل جون دريزيك بأن عقلانية التواصل والديمقراطية يمكن أن يخفف الكثير من المشكلات التي تواجهها الأنظمة الديمقراطية في القرن العشرين. تتضمن الترتيبات للمساعدة في ما يسميه دريزيك "الديمقراطية الاستطرادية"، المجالات العامة المفتوحة للنقاش، والتأكيد على المواطنة النشطة والخطاب العام النابض بالحياة. إن التمردات التي ترعى الديمقراطية الاستطرادية ستحمي الناس من قوة الجماعات المهتمة بالذات ومن التكنوقراط / البيروقراطيين الذين يقدمون خبراتهم الفنية كقوة مصدر. ستؤدي النتيجة النهائية إلى مزيد من الديمقراطية الحقيقية، أنظر:

Gutmann, Amy and Dennis Thompson. (1996). Democracy and Disagreement.

Cambridge, MA: Harvard University Press.

 [11] Dahl, Robert A. (1956). A Preface to Democratic Theory. Chicago: University of Chicago Press.

[12] Dahl, Robert A. (1998). On Democracy. New Haven: Yale University Press.

[13] Dahl, Robert A. (1998). On Democracy.91.

[14]Dahl, Robert A. (1960). Who Governs? New Haven: Yale University Press.

[15] Dahl, Robert A. (1998). On Democracy.86.

[16] Dahl, Robert A (1970). After the Revolution. New Haven: Yale University Press.

[17] Vanhanen, Tatu. (2003). Democratization: A Comparative Analysis of 170 Countries.

London: Routledge.

[18] Vanhanen, Tatu. (2003). Democratization: A Comparative Analysis of 170 Countries.65.

[19] Gurr, Ted Robert, Keith Jaggers, and Will H. Moore. (1991). In Alex Inkeles (ed.).On Measuring Democracy. New Brunswick, NJ: Transaction Press.97.

[20] Plano, Jack and Milton Greenberg. (1993). The American Political Dictionary. Fort Worth: Harcourt Brace Jovanovich, 9th edition. 8-9.

 

علي محمد اليوسفتقديم: ماقام به فينجشتين (1889-1951) في فلسفة اللغة تعتبر أنعطافة تاريخية كبيرة مثيرة وغير مسبوقة في تاريخ الفلسفة، حتى لقّب بالفيلسوف الذي كان له تأثيرا قويا على أمتداد القرن العشرين، أجبر فينجشتين بآرائه التي لا ترى وجود فيلسوف منافس له حسب أدعائه أنه توصل الى حل معضلات الفلسفة من خلال منهج تحليل اللغة للمفاهيم، ما جعل فلاسفة حلقة اكسفورد وحلقة فيّنا يعيدوا النظر جذريا بمباحث الفلسفة وكيف يمكن أن تحل تلك المباحث بضوء تحليل أشكالية اللغة التي أثارها فنجشتين، وكانت أفكاره دعامة ومرتكز فلاسفة البنيوية الفرنسية دي سوسير وجان بياجيه ورولان بارت وميرلوبونتي وفوكو والتوسير أن يراجعوا منطلقاتهم الفلسفية بضوء جديد فلسفة اللغة، أما فلسفة جاك دريدا التفكيكية فكانت أتجاها راديكاليا في فلسفة اللغة مثلت خروجا على آراء فنجشتين عندما أدخلت التفكيكية مباحث الفلسفة الحديثة في عنق الزجاجة حيث كانت التفكيكية منهجا في اللغة زاد الارباك الفلسفي وليست منهجا في حل معضلات قضايا الفلسفة بمنهج تحليل اللغة، لا كما أراد فينجشتين تحقيقه في تحليل اللغة وسيلة تقويم على اساس من تحليل مفاهيم الفلسفة العالقة وليس الغوص في نحو اللغة بما هي تجنيس ادبي.

لم يكن فينجشتين كغيره من الفلاسفة المحدثين والمعاصرين بعيدا عن جمع المتناقضات في حياته الخاصة والفلسفية، فقد كان صوفيا غامضا وعصابيا نفسيا لا يعير أهتماما للدين بعد رفض قبوله راهبا في ديربسبب ميوله الجنسية المثلية، وكان يلازمه القلق الوجودي العصابي وشبح الجنون والانتحار،وعمل معلما في مدرسة ابتدائية وبستانيا ومهندسا معماريا، في وقت تنازل عن ميراث والده  الكبير لشقيقه وشقيقته، مكتفيا بحياة مليئة بالمعاناة التي كان يسعى لها بأرادته وقناعته الحصول على نوع من التطهير الذاتي والخلاص النفسي من العصاب المرضي الذي يلازمه بلا جدوى.. تطوّع في الجيش أبان الحرب العالمية الاولى على أمل أن ينقذه الموت في المعركة من فكرة الجنون والانتحار اللتين تلازمانه كما أخبر صديقه وزميله مارتن شيرلتنيز.. وبعد أنتهاء الحرب أطلق سراحه من الأسر في أيطاليا ليموت أخيرا في سرطان البروستاتا..

فلسفة اللغة والفكر

ذهب فنجشتاين ومعه فلاسفة الوضعية المنطقية التحليلية الجدد حلقة فينا الى التسليم (أن ما لا يمكن أن يقال لا يستحق أن يؤخذ بنظر الاعتبار) (1).

لقد أراد فلاسفة اللغة وعلماء اللسانيات العودة الى أهمية الوضوح في تعبير اللغة كوسيلة ابتدائية اولى لمحاولة حل قضايا الفلسفة العالقة منذ قرون بسبب اشكالية اللغة في التعبير الغامض العصي على الفهم الاستقبالي الذي غالبا ما ينشغل بشكل التعبير اللغوي في ازاحته المضمون المتعالق والمتخّفي في تغييب اللغة وسيلة حضور الفكر ذي المعاني المدّخرة من دونها،، ومخاتلة اللغة القائمة على الدوام التي تجمع بين تضاد اللغة مع الفكر الذي تعبّر عنه رغم تعالقهما كوجهين لعملة واحدة (اللغة وعاء الفكر).. ولا صحيح أن اللغة تخون الفكر في تغييب أمكانيات الفكر مخاتلة اللغة وخيانته لها في عدم أستطاعتها التعبير عما هو كامل ومقبول بالفكر قبل اللغة.. من المهم التنبيه الى أن الثابت في فلسفة اللغة، هو اللغة والفكر هما وجهان لعملة واحدة لا انفكاك بينهما الا أن معظم مباحث فلسفة اللغة تذهب الى الفصل بينهما لمقتضيات البحث الفلسفي في تحليل اللغة.

خيانة الفكر للغة تكون قبل خيانة اللغة للفكر وما يضمره الفكر من أدّخار معرفي مسكوت عنه لا يبوح به أفصاحيا باللغة وبما تعجز اللغة التعبيرعنه بوضوح مطلوب، لذا فالافكار دائما ما تكون محمّلة بفائض من المعنى التي لا تستطيع اللغة التعبير عنه والألمام به دفعة واحدة على الدوام من خلال النص المكتوب، التي يكون الفكر أضافة نوعية متجددة متكررة بسبب ما يحمله من فائض المعنى المغيّب في تتالي التعبير اللغوي القاصر في النص التداولي على أعتباره فكرا متجددا قرائيا في تعبير اللغة عنه بأستمرار.. ومهمة اللغة أنها وسيلة توصيل المعنى المدّخر في الفكر..

من المفروغ منه أن (شكل) اللغة يستتبعه تعالقيا تواشجيا (مضمون) الفكر، ولا شكل بلا مضمون كما لا مضمون بلا شكل يعّبر عنه يحتويه، ومن هنا يكون تلازم الفكر مع اللغة تلازم الضرورة التي تدّخر فيها كل معاني التضاد القائم بينهما، بين الفكر واللغة.. أذ ليس كل تفكير تستطيع اللغة التعبير عنه كاملا لا نقص يعتريه..

فكيفما يكون مضمون الافكار تطاوعه اللغة في التعبير عنه كشكل لغوي يحدد ثباته الفكر وليس اللغة ذاتها، بمعنى اللغة لا تستطيع تحديد مضامين الافكار التي تعبّر عنها بينما يكون مضمون ومحتوى الفكر هو الذي يحدد شكل اللغة في التعبيرعنه.

أن وضوح التعبير اللغوي لا يجعل من الافكار ذات قيمة منفردة مميزة يمكن تجاوز كل ما لا تستطيع اللغة التعبير عنه أن يكون بلا قيمة ولا معنى، أذ يوجد الكثير جدا من أشكاليات معرفية وقضايا فلسفية وأمور حياتية تستحق الجدارة والاهتمام في عجز اللغة التعبير عنها بشكل واضح لكنها تمتلك لها حضورا دائميا غائبا خلف نص اللغة المعاد تكوين بناءاته التعبيرية بالتكرار التجديدي في البحث عما تغفله اللغة من معنى مفقود يلازم النص المتداول المتجدد القراءة.. كما أن عبقرية اللغة سابقة ومستمدة من عبقرية الفكر.. وأغلب ما تستطيع اللغة التعبير عنه بأمانة وصدق ووضوح يكون سهلا استهلاكيا غير جدير بالاهتمام لأن لغة التعبيرعنه تكون متطابقة مع المضمون الدلالي بما يجعل فائض المعنى المغيّب خلف قصور تعبير اللغة عن الفكر غير موجود بأستمرار وتفتقده لغة التعبير في وقت يدّخره الفكرالجوّاني على الدوام.. الفكر تعبير لغوي صامت، واللغة تعبير لغوي واضح.

وضوح الافكار يحمل معه داء السطحية المباشرة التي تفتقد محمولات فائض المعنى المدّخر خلف تداولية النص كنص لغوي.. كما يجعل وضوح النص لغويا عرضة للانحراف الساذج في التعبير عن الافكار السليمة.. ومن المشكوك به أن نعتبر تعبير اللغة صادقا وكافيا عندما يعبر بوضوح عن الافكار التي غالبا ما تكون سطحية بسيطة بالقياس لما تعجز اللغة التعبير عنه من أفكار جديرة بالقيمة والاهتمام لا تستطيع اللغة مجاراتها في صدق التعبيرعنها.. فالوضوح في المعنى اللغوي لا يشترط به التعبيرعن ألمهم الجدير بالاهتمام من القضايا والمفاهيم..

اللغة هي فن التعبير عن الفكر في زمن محدد ونص متعيّن قابل للاضافة على الدوام من خلال استمرارية تداوليته كنص، لذا تكون اللغة دائما محل أتهام وعجز وتقصير عندما تكون عاجزة الا عن تعبير فكري سطحي ضحل، ويكون ما لا قدرة لغوية التعبير عنه هو الجدير بالاهتمام في محاولة كشفه بتعبير صدق اللغة معه.. ودائما ما تكون الافكار الجديرة بالاهتمام غائبة عن التداول اللغوي الذي ينجذب نحو السهل والجاهزالمباشر في أستهلاك المعنى.. من هنا نجد قيمة الادّخار الفكري الجوّاني الصامت الذي تعجز اللغة التعبير عنه في النزعة الصوفية مثلا حيث يكون الفكرالصامت يحمل قيمة كبيرة في عجز اللغة التعبير الواضح عنه هو أبرز مثال على تلك الحقيقة التي أشرنا لها. ولا يشترط فهمنا تطابق تعبير اللغة مع دلالة محتوى الفكر يلغي من حسابنا أن القضية المعبّر عنها أصبحت سليمة وحقيقية..

ومقولة فنجشتين (أي شيء لا يستطيع الانسان التعبير عنه يجب عليه أن يبقى صامتا) مقولة تحذيرية تتحاشى هفوات اللغة المفترضة مسبقا أنها مخاتلة في التعبير وعدم أيفائها أعطاء كل مدّخرات الفكرالمعنى المعبّر عنه.. لذا يكون الأسلم صرف التركيز عن التعبير لغويا لأشياء ومفهومات ليست مكتسبة اليقينية التامة بالوضوح الفكري القاطع قبل الافصاح اللغوي عنها.. أي الهروب دوما الى أمام من أستحقاقات مواجهة الافكار الثرّة العميقة في عجز اللغة التعبير عنها كأفكار..

فضاء الفكر وفضاء اللغة

من الضروري الاقرار بأن فضاء الفكر غير المكتسب صفته التعبيرية الناجزة باللغة يكون دائما أوسع بمدياته التفكيرية وما يدّخره من معاني، من تعبير فضاء اللغة المحدود بكلمات النص والالمام به كاملا في مطابقة معنى الدال والمدلول التي تكون على الدوام علاقة متفاوتة المعنى بينهما..تفاوت لغة التعبيرعن مجاراة الفكر.

وشكل اللغة الذي يتطابق مع مضمون الفكر تطابقا كاملا يكون أستهلاكيا مستنفدا كل أضافة تداولية من فائض المعنى في أهمية تداوله المتتالي كنص لم تسطع اللغة التعبير عنه بصدق على الدوام.. فليس كل دال لغوي يكون بالحتم والضرورة معبّرا تعبيرا صادقا عن مدلوله لكي تكون جميع معارفنا جاهزة في التصديق والقبول لأن اللغة أستطاعت التعبير عنه بصدق ووضوح.. هذا ليس كافيا أن نجعل ما تستطيع اللغة التعبير عنه يكون جديرا بنا التسليم بصحته وأهميته فكثير وبما لا يحصى من تداول أفكار بلا معنى بفضل قابلية اللغة السطحية مجاراتها في التعبير عنها وهي لا تحمل من القيمة غير الاستهلاك المجاني التداولي المؤقت القابل الى حتمية زواله وأندثاره كنص ميت لا يحمل معه مدّخرات من فائض المعنى بما يبقيه حيّا ..

وبالتأكيد كثيرا ما تكون اللغة عاجزة تماما عن التعبير في حال يكون الصمت لغة تعبير أسمى من لغة التعبيرالمكشوف تداوليا في الوقاية من السقوط في تعبير لامعنى محدد واضح له، فالصمت المقترن بوعي قصدي مسّبق يكون لغة صائبة فكريا خذلته لغة التعبير التواصلية، ولغة الصمت غير المفصح عنها تكون بالحتم هي (فكر) مكتنز بمحمولات فائض المعنى لأنها فكر غير معبّر عنه باللغة ..فالصمت الهادف يكون هنا لغة حضور غائب يتوخى الوضوح التداولي الكامل في معنى تعبير اللغة عنه.. والصمت القصدي لغة غير عادية في أتخاذها موقفا صائبا من الوعي ..الصمت قد يكون عجزا لغويا لكنه حتما لن يكون تفكيرا بلا معنى..فالصمت تفكير لغوي هادف بما يرغب الافصاح عنه باللغة.

ولا يشترط أن يكون الصمت الانساني عجزا تعبيريا لغويا عندما يكون الصمت لغة تحذر من الوقوع في براثن الغموض العصّي، وأن الصمت لغة تحمل من المعاني والدلالات تأويلا ما لا تستطيع اللغة التعبير عنه، فليس كل صمت هو وقاية وحذر بمقدار أن يكون لغة أحترازية لا يمكن التعبيرعنها بدقة في لغة المعنى المطلوب أحيانا.

وبالعودة الى عبارتي فنجشتين وتعالقهما الفلسفي، الاولى أن ما لا يمكن أن يقال ليس جديرا بالأهتمام.. والثانية على المرء أن يصمت في حال أعجزه التعبير اللغوي بوضوح، أنما تؤكدان حقيقة واحدة هي أنه ليس بمقدور اللغة على الدوام التعبير عن عبقرية الافكار بأمانة وصدق، وفي أعتمادنا لغة الصمت ليس عجزا في تعبير اللغة وأنما هو أرجاء مقصود لما يدّخره الفكر من فائض المعنى التي لا تدركه اللغة في تعبير النص لاول مرة.. لغة الصمت ليست خلوّا من المعنى في عجز اللغة بل هو محمولات لحقائق حياتية تبّين لنا بوضوح تضاد التفكير العميق مع سطحية تعبير اللغة أغلب الاحيان..

ولتوكيد هذه الحقيقة نستنطق عبارة المتصوف العربي الكبير محمد بن عبد الجبار النفري قوله (كلما أتسعت الرؤيا ضاقت العبارة) وهي عبارة غاية في دقة التعبير الواضح القائم على التضاد الدائمي بين الفكر ولغة التعبير عنه. هنا نفهم التضاد هو القدرة على المعايشة التي تجمع اللغة والفكر ديالكتيكيا في تشكيل الظاهرة الجديدة أو في التعبير عن المفهوم المستحدث جدليا، وليس تناقضا في وجوب زوال أحدهما لصالح ديمومة وبقاء الآخر..فلا يوجد شكل تعبيري لغوي لا يداخله فكر قصدي هادف..

العلاقة بين الرؤيا بتعبير النفري التي هي الفكر الصامت الذي يدّخر المعنى قبل التعبير اللغوي عنه، وبين عبارة التعبير شكل (اللغة) هي علاقة تناسب عكسي وليس علاقة تناسب طردي، وهذا التضاد في التناسب العكسي ضروري وقائم بذاته لا يقبل وسطية الحلول التوفيقية الثالث المرفوع ويبقى يحكم علاقة الفكر باللغة داخل وخارج التجربة الصوفية قائما ما بقيت حقيقة اللغة أنها وعاء الفكر..وأننا نفكر من خلال اللغة وبها في كل امور الحياة ..

التحول اللغوي وفائض المعنى

كانت اللغة قديما تعتبر مجرد أداة للتعبير عن الفكر، وهذه الفكرة لم تعد تلقى حضورا في وقتنا الحاضر حسب أدعاء بعض فلاسفة التحول اللغوي الذين يرون فيه تحولا في وظيفة الفلسفة نحو الاهتمام (بتحليل مفاهيم ) واقعية وليس تعبير عن أفكار مجردة لقضايا لا يمتلك الكثير منها معنى حقيقيا غير زائف..

في مفهوم فلاسفة عديدين معاصرين منهم فينجشتين لا يخرجون عن النظرية التي ترى (اللغة هي الفكر ولا يوجد فاصل بينهما بل هما شيء واحد، ووضع حد لأفكارنا أنما هو وضع حد للغة فقط، وما يخرج عن هذا الحد لا معنى له، فالفكر هو القضية ذات المعنى) موقع اضاءات انترنيت.

عليه تكون كل فكرة لا تكتسب معناها الا بوسيلة التعبير المعبّرة عنها باللغة، وهو شيء صحيح أذا ما أعتبرنا أن حقيقة الفكر لا تكون بغير تعبير اللغة، والمسألة التي نجد فيها مجال النقد الذي هو في حقيقته الفلسفية اليوم هو نقد أفكار الفلسفة وليس القيام بتفسيرها وتوضيحها التي كانت مباحث الفلسفة مشغولة قرونا طويلة في تفسير مباحث وأشياء تقوم على أفكارفارغة بحاجة الى نقد تقويمي..

ومن الواضح أننا لا نستخدم حسب رغبة فلاسفة التحول اللغوي أن المفاهيم التي يدّعون وظيفة اللغة تحليلها هي أولا واخيرا أفكارا أكتسبت اللغة التعبيرية عنها، وألا نكون ملزمين التفريق بين الفكر والمفهوم وكيف نتعامل معهما بالنقد الفلسفي؟

أن فكرة تحجيم ووضع حد لأفكارنا لا يكون الا بوضع حد للغة فقط مسألة تقبل سلامتها أذا ما أعتبرنا أمكانية فصل الفكرة عن لغة التعبيرعنها واردا مقبولا، وهذا ما يرفضه فلاسفة اللغة والعلوم الانسانية ويعتبرونه بلا معنى يفتقد السند المنطقي التوضيحي.. وتماشيا مع هذا المعنى لا يكون لدينا أمكانية تحجيم سلطة وحدود اللغة بمعزل عن لا يطال هذا التحديد الفكر الذي هو بحسب تعبير فينجشتاين المررنا به (الفكر هو القضية ذات المعنى) في تحجيمه ووضع حد له من خلال تحجيم حدود اللغة.

أذا ما أعتبرنا الفكر هو لغة غير مكشوفة ولا تعبيرية مرئية تداولية حين يكون العقل يتمّثل موضوعاته داخل بنية العقل الموزعة بين الاحساسات والاحاسيس وما تنقله الحواس والذهن والدماغ والجهاز العصبي عندها لا تكون هناك قيمة سابقة للغة على الفكر باعتبارهما شيئا واحدا غير مفصح عنه ولا يعبّر عن شيء أو معنى طالما هو تفكير جوّاني صامت داخل المنظومة العقلية المؤلفة من الاحساسات والجهاز العصبي والدماغ... أما في حالة تعبير اللغة عن الافكار في تعالقها مع وجود الاشياء خارجيا أو حتى القضايا المجردة فكريا عن توصيف الألمام بالموجودات في العالم الخارجي عندها تفقد الافكار قيمتها لأنها صبّت في وعاء اللغة وأصبحنا نتعامل مع الافكار أنها لغة تعبير فقط..

أذن أصبح لدينا الآن حقيقة ماثلة أننا لا نستطيع تحجيم أفكارنا الا من خلال تحجيم اللغة التداولية وليس من خلال تحجيم لغة تفكير العقل جوانيا بموضوعاته، فالفكر في كل الاحوال يبقى تجريدا ذهنيا غير مفصح عنه ولا يمكننا التعامل معه الا من خلال أفصاح اللغة عنه فقط التي هي علامات صور التفكير المجردة.. وبهذا الفهم الدقيق يصبح تعبير فينجشتاين (الفكر وحده هو القضية ذات المعنى) يفتقد وسائل التحقق الفعلي منه ولا يقلل أهمية التساؤل وألادعاء أنه الوحيد الذي يحمل معنى بوسيلة اللغة أم بعدمها؟ يبدو التساؤل منطقيا قائما حينما نتعامل مع الفكر لا يمثل اللغة تارة وتارة أخرى نتعامل مع حقيقة أننا لا يمكننا الفصل ما بين الفكر واللغة.. وعندما يقول فينجشتين الفكر هو القضية ذات المعنى،، يكون تساؤلنا كيف نتأكد من صحة هذا الاستنتاج الذي يجعل الفكر هوغير اللغة، وكيف لا تكون اللغة هي صاحبة القضية التي تحمل معنى بدلا من الفكر؟ وكيف نستدل على أن الفكر يحمل قضية وهو قرين متداخل باللغة في معنى التعبيركليهما عن شيء واحد..

عليه نكون ملزمين كي يتسنى لنا الفهم الصحيح في تعالق اللغة مع الفكر أننا يمكننا الفصل بينهما من حيث كوننا لا نستطيع فهم الافكار في التعبير الخارجي الا بوساطة تصورات وتجريدات اللغة فقط.. بنفس أهمية أننا لا نستطيع التعويل على أننا نفكر جوّانيا في صمت اللغة بأفكار هي ليست علامات لغوية صورية في تحديد التفكير العقلي وهو أستحالة لا يمكن نتوقع حدوثها أبدا..فتفكير العقل لغة صورية لأفكار مجردة سواء كان التفكير بالاشياء خارجيا أوكان بها تفكيرا داخليا..

فرز محددات اللغة عن محددات الفكر في عدم أهمال أفتراض التداخل العضوي القائم بينهما يكون واردا من ناحية التحليل الفلسفي وليس في أعتبار التداخل بينهما هي وظيفة بايولوجية تساعدنا بفهم الاشياء التي يكرس حقيقتها منطق العلم في دراسة وظائف الاعضاء في الجسم البشري قبل تسليم الفلسفة بصحتها القاطعة..والفكر واللغة وجهان لعملة واحدة حقيقة صحيحة لا يمكن التلاعب بها كما أشرنا ومجمع عليها فلسفيا وعلميا في حال تكون اللغة تعبير خارجي عن الموجودات والاشياء، ويكون الفكر تعبير ذهني قصدي صامت في تفكيره بموضوعات مستمدة خارجيا أو مستمدة من خزين الذاكرة المعرفية على السواء. وفي حال يكون الفكر كمضمون لغوي يهدف الى معنى لم يأخذ حيّزه اللغوي الشكلي في التعبيركنص متداول القراءة، عندها يكون عالما قائما بذاته لا يمكننا أدراكه ألا بدراسة علمية تعمل على فهم كيف يفكر العقل؟؟ وهل الفكر لغة داخل العقل كما هو لغة خارج العقل في التعبير عن فهمنا للاشياء؟؟

بألتاكيد تكون لغة التعبير في كلتا الحالتين واحدة في الدلالة اللغوية كشكل تعبيري يقوم على التجريد، لكنها مختلفة في دلالة المعنى الفكري كمحتوى مضموني..فما تعبّر عنه اللغة من أفكار ليس بالضرورة يكون نفسه تفكير العقل بتجريد اللغة داخل تفكير العقل الصامت..

كيف لنا أن نفهم؟

أن مصطلح التحول اللغوي الذي قلب الفلسفة رأسا على عقب، الذي ترجع أصوله الى كل من جوستاف برجمان وجاتلوب فريجة اللذّين يذهبان الى ذات المنطلقات عند فينجشتاين، على أن هذا المفهوم قدّم خدمة جليلة لا يمكن تثمينها للفلسفة التحليلية عندما جرى (تعيين حدود الفكر بتعيين حدود اللغة) من دون توضيح فك هذا التعالق الاشتباكي بين اللغة من جهة والفكر من جهة أخرى.. وجرى الاستنتاج أن هذا التفريق بالحدود باللغة حصرا دون الفكر وضع حدا للمعنى واللامعنى.. (فاصبحت اللغة في مركز البحث الفلسفي المعاصر..) العبارة بين مزدوجين نقلا عن موقع ضفاف انترنيت.

وهذا يضعنا مرغمين أمام تساؤل بماذا نربط المعنى واللامعنى هل نربطه بالفكر أم باللغة أم بكليهما معا؟؟ وهذا خلاف مايراه فينجشتاين أن الفكر وحده يمثل قضية المعنى بمعزل عن اللغة حيث تكون قيمتها التعبيرية متوارية خلف حجب تسيّد الفكر على اللغة خارج العقل وأنه وحده يحمل قضية المعنى.. وهذا هو النفق المسدود الذي يحرّم تحريما قاطعا مسألة التفريق بين اللغة والفكر ولمن تكون الأسبقية في فهم العالم والتعبيرعنه؟؟ يذهب فيلسوف اللغة نعوم جومنسكي (الى أن اللغة تفرض بشكل وآخر على الانسان طريقة التفكير) من حيث أستحالة التفكير بغير تصورات اللغة الدلالية في معرفة الاشياء..

أشكالية فصل الفكر وأستبعاده عن اللغة أنما جاء من أعتبار أن اللغة أصبحت هي التعبير الوحيد عن الفكر، وبغير اللغة لا يمكن فهم وقائع الحياة لذا هي أستأثرت بالمعنى بدلا من الفكر الذي لا تستوعبه اللغة وهو يحمل فائض المعنى المطلوب على الدوام...أشكالية فصل اللغة عن الفكر معقدة جدا لما تحمله من محذورات الوقوع في أخطاء قاتلة عند تناولها فلسفيا وليس وظائفيا علميا كما هو المفروض..

يعترف فينجشتين أنه أرتكب أخطاءا فضيعة في رسالته المنطقية والتي تراجع عنها بضوء تشخيص فرانك رامزي لتلك الاخطاء، وعندما سئل جون سيرل كيف أستطاع فنجشتين التخلص من أستخدام الصورة لتوضيح المعنى؟ أجاب سيرل تم ذلك من خلال تراجع فينجشتين الى أن أستعمال العلامة اللغوية قيمتها تكون في وسيلة أستخدامها في مجرى الحياة وأهمية اشتغالها في الحيّز الاجتماعي..

وفي معنى مصطلح (لعبة اللغة) وصورة الحياة الذي أبتكره فينجشتين يقول: (اللغة ليست نوعا من الخيال أو الوهم اللامكاني و اللازماني وأنما هو ظاهرة مكانية وزمانية ) نقلا عن موقع اضاءات..مؤكد هنا الاقرار بحقيقة أن اللغة تعبير عن فكرة مدركة عقليا بزمانها ومكانها وليست تجريدا خارج هذا الادراك والا كنا نقع في اللامعنى، في لا جدوى اللغة وأستحالة أن يكون هناك معنى خارج الادراك اللغوي لعالم الاشياء والتصورات الذهنية، كما لا توجد أفكار ذات معنى في تعبير اللغة الافصاح عنها خارج عالم الواقع الخارجي المحدود أدراكيا بالزمان والمكان..ولا توجد أفكار تستطيع اللغة ممارسة التعبير عنها خارج تجريد عالم الاشياء وفهم العالم..

 

علي محمد اليوسف / الموصل

............

هامش 1،جنون الفلاسفة، نايجل رودنجرز وميل ثومتون، ترجمة متيم الضائع ص 173