1- حقيقة الإنسان بين التعقل والتخلق: يعتبر طه عبد الرحمن أن الأخلاقية أخص بالإنسان من العقلانية، والأخلاق أخص أوصافه بدل العقل، فلقد سلك طريقا حاول من خلالها، "أن يُعيد الاعتبار لسؤال الأخلاق باعتباره البداية الرئيسية لإعادة إحياء الإنسان بعدما تقاذفته قوى المادية الناتجة عن عمليات العقلنة غير المسددة بالأخلاق وكذا كصناعة موقف أصيل مستقل يمكن الانطلاق منه لنقد الحداثة الغربية من خلال أرضية مغايرة بحيث تكون الأخلاق كمدخل للنقد وأيضا كمشاركة أصيلة إسلامية في تلك الحداثة الكونية"[1]، ذلك أنه ثبت عنده أن المقوم الأخلاقي هو الذي المقياس الذي تقاس به إنسانية الإنسان، ف"الأخلاقية هي ما يكون به الإنسان إنسانا وليست العقلانية كما انغرس في النفوس منذ قرون بعيدة، لذا ينبغي أن تتجلى الأخلاقية في كل فعل من الأفعال التي يأتيها الإنسان مهما كان متغلغلا في التجريد بل تكون هذه الأفعال متساوية في نسبتها إلى هذه الأخلاقية حتى أنه لا فرق في ذلك بين فعل تأملي مجرد وفعل سلوك مجسد"[2]. ولما ثبت عنده " أن الاعوجاج الخلقي للحداثة بلغ تأثيره في النفوس حدا لا ينفع في تقويمه أخلاقيات السطح"[3]، واقتناعا منه أن العالم بلغ ما بلغ من الاعوجاج الخلقي جراء ابتعاده عن أخلاق الدين، فإنه يرى ضرورة العودة إلى هاته الأخلاق باعتبارها الكفيلة بإصلاح أعماق الإنسان المعاصر الميت، وهو ما يؤكده بقوله" وبناءاً على اقتناعنا بهذه الحقيقة العجيبة جئنا بقد أخلاقي غير معهود لمظاهر أساسية من الحداثة تعد عند سوانا سببا يحمله على تعظيم أمر الحداثة الغربية في حين يعد عندنا سببا يدعونا إلى تعظيم الحاجة إلى أخلاق الدين لحصول الانتفاع بهذه الحداثة"[4].

2- نحو نظرية أخلاقية تصل الأخلاق بالدين

ينطلق طه عبد الرحمن في تصوره لعلاقة الأخلاق بالدين من مسلمة مفادها" أن الدين والأخلاق شيء واحد فلا دين بغير أخلاق ولا أخلاق بغير دين"[5]، لهذا اجتهد في وضع نظرية أخلاقية من صميم الفكر الديني الإسلامي، تُقيم هذا الوصل وتقوم عليه وتحفظه. ويعد نصُّه الموسوم ب"سؤال الأخلاق" مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المرجع الأساس الذي عمل من خلاله طه عبد الرحمن على وصل الأخلاق بالدين، ونقد كل أشكال النظر الأخرى بخصوص العلاقة بينهما، يقول طه عبد الرحمن " وقد جعلنا من الجمع بين الأخلاق والدين أصل الأصول الذي بنينا عليه في الكتاب الذي بين يديك مساهمة نقدية للحداثة الغربية"[6]. وذلك في سبيل وضع أنموذج ائتماني يحفظ هذا الوصل، وهو ما ظهر في كتابه الموسوم ب"بؤس الدهرانية النقد الائتماني لفصل الأخلاق عن الدين".

ولما كان فصل الأخلاق عن الدين أخطر فصل دخل فيه عقل الحداثة، لكونه يؤثر في صلة الأخلاق بالإيمان كأصل من أصول الدين، ويقود إلى الشرود أي الخروج من الأخلاق بالكلية، بعد المروق أي الخروج من الدين"[7]، وبالتالي الفصل النهائي بين الإنسان والإله، -على اعتبار أن الدهرانية ترى" أن الإنسان ليس له من مجال للتحقق سوى هذا العالم الدنيوي كحدوث طبيعي يشمل الحياة والموت، فيترتب على شروط الوضع البشري كشروط موضوعية وضرورية هي قَدر الإنسان ككائن بلا إله لا يهلكه إلا الدهر الذي يفلت من قدرته ما دامت محدودة"[8]- فإن طه عبد الرحمن يعيد الاعتبار لعلاقة الأخلاق بالدين مؤكدا خصوصية هاته العلاقة القائمة على التلازم بينهما، بحيث يكون كل منهما لازما للآخر لا ينفك عنه باعتبارهما شيئا واحدا" فلا دين بغير أخلاق، ولا أخلاق بغير دين"[9] وذلك " باستحضار الفطرة التي تُحقق الوصل في وجود الإنسان وفعله بين الخَلق والأمر الإلهيين على النحو الذي يجعل الخَلق في انفتاحه موصولا بالخُلق في تجدده" [10]، وذلك بخلاف ما كان شائعا من اعتقادات عن الدين والأخلاق، جعلت الأصل في الدين حفظ الشعائر الظاهرة، والأصل في الأخلاق حفظ الأفعال الكمالية المورثة للفضائل، والمعتبرة فقط أفعال معدودة، في حين أن طه عبد الرحمن، يرى أن الأصل في الشعائر "أن تكون معقولة في العمق بما تخلفه من آثار ونتائج هي عبارة عن علامات مميزة لتصرفات المتدين وسلوكاته في تكاملها بحيث تتحدد قيمة  الشعائر بتحصيل الأخلاق" [11] و" أن الأخلاق ليست كمالات بمعنى زيادات لا ضرر على الهوية الإنسانية في تركها، وإنما هي ضرورات لا تقوم هذه الهوية إلا بها"[12]، ما يؤكد عدم تَقدم وجود الإنسان على وجود الأخلاق وإنما ملازما له، لأن ضرورة الخُلق للإنسان كضرورة خَلقه سواء بسواء فلا إنسانية بغير أخلاقية"[13] كما أن المعتبَر في أفعال الإنسان ليس معدودا وإنما " جِماع أفعال الإنسان في تعددها وتفاوت مراتبها ولا تناهي قيمها وتكامل معانيها"[14].

إن هذا التصور يجعل مدار حقيقة الإنسانية على الأخلاقية، فالدين والأخلاق وفقه " يصيران مُتعالقين بما يوجب الوصل بين الوجود والفعل البشريين، على النحو الذي يتجلى فيهما(وبهما) مقتضى الفطرة في كون الإنسان مخلوقا / مأمورا، وعاملا /عابدا، بما يفيد في نهاية التحليل أن "التأنس" إنما يكون بقدر ما يحصل من التحقق تعبدا أو تخلقا"[15] وبالتالي تتبينُ الصلة الوثيقة بين الأخلاق والدين في الفلسفة الائتمانية التي" لا تنظر في الإنسان إلا في صلته بربه خالقا رحيما وآمرا شاهدا"[16]، وتَرُد كل أنواع الفصل التي أقامها عقل الحداثة بما فيها فصل الأخلاق عن الدين الذي يفضي إلى الشرود ثم المروق وبالتالي فصل الدين عن الحياة كلها.

فلا سبيل إذن حسب طه عبد الرحمن إلى تأسيس حداثة إسلامية إلا بالرجوع إلى الأخلاق؛ التي بها تتحدّد بها ماهية الإنسان، وما هذه الأخلاق إلا الأخلاق الدينية.

 

 د. ياسين كارديدي: باحث في الفكر الإسلامي والحضارة. جامعة عبد الملك السعدي/ تطوان المغرب.

............................

[1]  ـ  كريم محمد، النقد الأخلاقي للحداثة عند طه عبد الرحمن، موقع tahaphilo الأحد 29 أكتوبر 2014م.

[2]  طه عبد الرحمن سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية" المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء المغرب، الطبعة : 5 / 2013م ص: 14 – 15.

[3]  ـ المرجع السابق ص: 26.

[4] ـ نفسه ص: 26 – 27.

[5]  طه عبد الرحمن، سؤال الأخلاق مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة : 5 / 2013م، ص: 52.

[6]  المرجع نفسه ص: 25 – 26.

[7]  ـ يُنظر طه عبد الرحمن "شرود ما بعد الدهرانية " النقد الائتماني للخروج من الأخلاق ص: 15 – 28.

[8]  ـ  الكور عبد الجليل، مفهوم الفطرة  عند طه عبد الرحمن، ابداع، بيروت، 2017، ط: الأولى، ص: 163

[9]  ـ  "سؤال الأخلاق " مرجع سابق، ص: 25.

[10]  ـ "مفهوم الفطرة عند طه عبد الرحمن"، مرجع سابق ص: 129.

[11]  ـ " مفهوم الفطرة " مرجع سابق، ص: 129.

[12]  ـ نفسه ص: 130.

[13]  ـ  "سؤال الأخلاق مرجع سابق، ص: 54 – 55.

[14]  ـ "مفهوم الفطرة" مرجع سابق، ص: 130.

[15]  ـ "مفهوم الفطرة عند طه عبد الرحمن، مرجع سابق، ص: 131.

[16]  ـ  المرجع نفسه ص: 169.

 

عامر عبدزيد الوائليلقد مرت الأسطورة بوصفها موضوعا للبحث والدراسة بمراحل متعددة تأثرت بها وبالمعنى الذي تم إضفاؤه عليها إذ علينا أن نميز بين المعنى الحرفي الملاصق لخطاب ما، وبين أثار المعنى المتولد عن قراءته لدى القراء . فقد يفهم القراء إيحاءات وأشياء في النص لم يكن يقصدها المؤلف ولم يفكر بها . فالقراءة تخلق النص أيضا). بمعنى أن هناك معنى خاصا بالنص (الأسطورة) مرتبطاً بالظرف التاريخي الذي كان يحيط بالنص (فكل الحوادث التي حصلت في تاريخ البشرية تعتمد على التمفصل المبتغى مباشرة من قبل المبشرين والقديسين والإبطال التاريخيين ومن المعلوم إن مقدرة هؤلاء جميعا على توليد أثار معنى جديد أو معاني جديدة تعتمد على شيئين أساسيين:

أولا: جاذبيتهم الشخصية .

ثانيا: مساعدة الظرف التاريخي أو المنعطف التاريخي لهم واجتماع هذين العاملين معاً هو الذي يؤدي إلى نجاح الشخصية التاريخية في مهمتها .

أ‌- القراءات الحديثة التي تناولت الأسطورة:

قد ساعدت تلك الوظيفة المهمة للأسطورة على القراءات المعاصرة لها والتي تنطلق من ظروف فكرية مختلفة تحاول إن تبحث في الأساطير عن معنى يهدف الى تحقيق دراسة مقارنة بين تلك الأساطير والنصوص المقدسة التي تدعي المقارنة أو محاولة البحث عن المركزية الأوربية وتطورها العرقي أو محاولة تهدف إلى دراسة التطور المعرفي الذي مر به المجتمع البشري بهدف وضع اطر علمية، لهذا تنوعت تلك الدراسات وتنوعت مناهجها واطروحتها وتأويلاتها للنصوص الأسطورية .

أمثلة من القراءات المعاصرة للأسطورة:

ذهب (ماركس مل) إلى أن دراسة اللغة هي الوسيلة العلمية الوحيدة للكشف عن جوهر الأسطورة . فتعدد المعاني والمرادفات في الكلمات ليس من المظاهر العرضية للغة أنما هو ناتج عن طبيعتها ذاتها . والذي يترتب على هذا انه أستشراك أشياء مختلفة في الاسم الواحد، وبالعكس .

وهذه هي نقطة ضعف اللغة . ولكن نقطة الضعف هذه ستمثل بالوقت نفسه الأصل التاريخي الذي انبعثت منه الأسطورة . إن تسمية الشيء الواحد باسمين مختلفين مثلا قد أدى إلى انبعاث شخصين مختلفين من الاسمين، وهذا أمر طبيعي لا مندوحة من حدوثه، ولما كان من المستطاع رواية القصة نفسها عن كليهما لذا ليس من المستبعد تصوير هاتين الشخصيتين كأخ وأخت وأب وابنة، وهكذا فان الأسطورة ليست أكثر من وهم كبير، فهي ليست خدعة واهية ولكنها خدعة ترتبت على طبيعة العقل الإنساني، فجاءت أولا - وبوجه خاص- لطبيعة الكلام الإنساني

أما سيجموند فرويد . فقد بدت الأسطورة عنده بعيدة الغور في الطبيعة الإنسانية، تعتمد على غريزة أساسية لايمكن دفعها إلا وهي الغريزة الجنسية . لقد انتهى (فرويد) عبر دراسة نظام الحرمان والنظام الطوطمي إلى وجود التوافق في المضمون بين ما ينتهي نفسه إليه هذا ن النظامان من عدم قتل الحيوان الطوطم، وعدم استعمال امرأة تابعة الطوطم نفسه ؛ لأية إغراض جنسية، من جهة وجريمة (اوديب) بذبح أبيه ثم جريمته الثانية عندما اتخذ أمه زوجة له، من جهة أخرى . والتوافق من جانب أخر بينهما وبين الرغبتين الأوليتين للطفل المتمثلين بالتجاذب الجنسي بين الطفل أمه الأم، وكراهية الطفل و لأبيه  .

أما مرسيا الياد . فقد خطى خطوة ابعد في الكشف عن جوهر الأسطورة عندما رأى فيها واقعا ثقافيا . وانطلاقا من هذا المنظور حددت الأسطورة باعتبارها قصة مقدسة تشير إلى حدث، ذلك أن الأسطورة تروي كيف إن واقعا كان قد تحقق بفضل مأثرة كائنات ما فوق الطبيعة ولا يهم إن يكون هذا الواقع هو الواقع الكلي (الكون مثلا) أو جزء منه فقط (نوعا بنائيا مثالا إن الأسطورة بهذا المعنى تمثل قصة (الخلق) فهي تروي كيف إن شيئا ما كان قد اتخذ طريق الكينونة والوجود ولكن الأسطورة لا تتحدث عن ذلك كما كان قد تم فعلا فأشخاص الأسطورة يتمثلون بكائنات ما فوق طبيعية فالذي كان قد تم كان قد تم على يد هذه الكائنات، وقد تم في الزمن المهيب (للبدايات) الأولى . إن الأسطورة تكشف، إذن عن النشاطات الخلاقة كمظهر للقدسية التي تتميز بها إعمال هذه الكائنات . فالأسطورة بهذا ترتبط بمعرفة سر اصل الأشياء من خلال منظر متميز، ويمكن إجمال أهم مميزات الأسطورة فيما يأتي:

1- أنها تمثل تاريخ الأعمال التي تقوم بها الكائنات ما فوق الطبيعية .

2- إن هذا التاريخ ينظر إليه من قبل الإنسان الذي يخضع لها بعدّه حقيقيا بشكل مطلق، بحكم كونه من عمل الكائنات ما فوق الطبيعية .

3- إن الأسطورة ترتبط (بالخلق) فهي تروي كيف إن الأشياء قد جاءت إلى الوجود وكيف ظهر إلى الوجود سلوك أو مؤسسة أو أسلوب ما في العمل كان .

4- من خلال معرفة الأسطورة، إذ يمكننا عبره أن نتعرف على (اصل الأشياء)، ومن ثم بلوغ القدرة في الهيمنة عليها والتصرف بها طبقا للإرادة .

كاسيرو: يذهب إلى أننا لا نستطيع إن ننكر بأن الأسطورة هي شكل من إشكال الوهم . فإذا ما سلمنا بان الأسطورة هي مجموعة من الأفكار أو بالأحرى مجموعة من المعتقدات فأن هذه المعتقدات ستتميز بأنها تتناقض تناقضا صريحا مع تجاربنا الحسية، فضلاً عن هذا، فأنه لا توجد أية موضوعات طبيعية تناظر التخيلات الأسطورية، وربما لهذا السبب نستطيع إن نقول بان الأسطورة هي شكل من إشكال الوهم .

ثم إن كاسيرو نظر إلى الأسطورة بأنها تقوم في الجوهر على أساس من رغبة حماسية تدفع الأفراد إلى الشعور بوجود هوية بينهم وبين المجتمع والطبيعة، ويتحقق إشباع هذه الرغبة بوساطة الطقوس الدينية فهناك تذوب الفوارق بين الأفراد ويتحولون إلى كل لا يعرف التمايز.

ويشير جورج تومسن: إلى أن الأسطورة لا تمثل (كما ذهب إلى ذلك بعض المختصين)، تفسيرا للطقوس، وإنما هي بالأحرى عبارة عن شكل المنطوق للأداء الطقسي في المرحلة الأولى في الأقل أنها التعبير الجماعي عن التجارب التي لا يمكن نسيانها،التي يشارك فيها المشاركون في الطقوس ذاتها بصورة دورية .

ب – الأسطورة والأدب:

إذ تحدثنا عن الرابطة التي تجمع بين الأسطورة والأدب فإننا لاشك سنجد أنها علاقة بين مستوى من الفكر وأداة تعبير، ولاشك ان العلاقة قوية بين الاثنين؛ لأن الأسطورة هي أدب (فالحقيقة إن الصلة بين الأسطورة والتاريخ صلة قوية تحتم ضرورة الاستفادة من المادة الأسطورية كمصدر للمادة التاريخية فالأسطورة تعبير أدبي عن أنشطة الإنسان القديم الذي لم يكن قد طور بعد أسلوبا للكتابة التاريخية يعينه على تسجيل إحداث يومه فكانت الأسطورة هي الوعاء الذي وضع فيه خلاصة فكره، والوسيلة التي عبر بها عن هذا الفكر وعن الأنشطة الإنسانية المختلفة التي مارسها بما فيها النشاط السياسي والديني والاقتصادي)

إن الحديث عن هذه العلاقة يعني الحديث عن ثلاث مستويات، الأول يتعلق بالأسطورة، والثاني يتعلق بالأدب الأسطوري، والثالث يتعلق بالمضمون الفكري للأسطورة .

أولا- الأسطورة: تشكل الأسطورة ظاهرة تتسم بالشمول؛ لأنها تحوي حقب الحضارية ففي أعماق تاريخ كل شعب ظهرت الأسطورة، بل هناك من يراها حتى في الحضارة المعاصرة التي بدورها تشكل أساطير جديدة (كما قال بارت) الذي يرى أن الأسطورة(ظاهرة لازمة المجتمعات قديمها وحديثها بحيث لا يخلو تراث أي أمة من الأمم منها.

والأسطورة من ناحية اللغة ما سطر القدماء والأساطير: الأباطيل والخرافات بوجه عام، وليس مهماً الكشف عن مصادر هذه الخرافات والشكل الذي صبغت به  .

والسطر اللغة هو الصف من الكتاب والشجر والنخل، والجمع من كل ذلك اسطر واسطار وأساطير وأسطورة كما قالوا أحدوثة وأحاديث، قال تعالى: "، والقلم وما يسطرون "، أي وما تكتب الملائكة .

وفي اللغة الإنكليزية يتشكل الحقل التداولي الذي تعتمده في تقديم تعريف للأسطورة: (tale) حكاية، أو كذبة، وشائعة (Fiction) قصة أو خيال أو تخيل و (Fictilious) خيالي أو زائف و(Romance) قصة حب ومغامرة و (Legend) أسطورة (Myth) أسطورة أو خرافة وتفريقا عن المصطلح الأخير (Mythical) أسطورة أو خرافي أو خيالي ولكن (Mythology) تعني مجموعة أساطير وبخاصة الأساطير المتصلة بالإله وأصناف الالهه في (عصور الوثنية) والإبطال الخرافيين عند شعب ما كما تعني: علم الأساطير  .

وان كلمة (Myth) مشتقة من الكلمة اليونانية (Mythos) التي تعني كلمة أو كلام ولم تستعمل هذه الكلمة بمعنى القصة إلا متأخرا() .و (Fabe) خرافة ذات مغزى .

من الملاحظ إن الحقل الدلالي يظهر ان المشترك كونها قصة أو حكاية أو أسطورة تتسم بكونها خالية زائفة خرافية متصلة بحياة الإله، وهي كلام، وقد جعلت هذه المعاني من الأسطورة لتجعل منها مرتبطة بالماضي، وكأن الأسطورة لا ترتبط إلا به . وهو تفكير غير دقيق، ذلك لان الأسطورة تواكب مسيرة الإنسان في ماضيه وفي حاضره، وفي مستقبله، إن هذا الفهم التقليدي للأسطورة - أي ربطها بالماضي – يرتبط بلا شك، بمفهومنا للمعقول واللامعقول بموضوع ما، إذ لا يمكن إن ينسجم مع الترتيب القائم للأشياء، وهي نظرة (ارسطية) تقوم على مفهوم (ماهو مؤكد سلفا) وماهو مثبت وقائم من وجهة نظر الاتفاق العام .

لكن تبقى الأسطورة ذات أهمية كبيرة لكونها تبقى هي حلقة الوصل بين (الحدث) الطبيعي وبين الفعل المقدس والفلسفي وهنا تظهر أهمية أخرى للأسطورة بعدها عتبة مهمة في فهم القدسي والفلسفي العقلي وعلى هذا تظهر ضرورة الأتي:

تشكل الأسطورة دور الوسيط بين " الحدث الطبيعي " والنص القدسي والفلسفي، لهذا يجب إضفاء الأساطير المتوسطة بين الحدث والتجريد الميتافيزيقي واللاهوتي ويجب أيضا كشف الظرف التاريخي للحدث، وعلى هذا يمكن متابعة آليات تشكل المعنى، فالتغير الذي يطرأ على الحدث الطبيعي أو التاريخي يكمن في بعدين:

البعد الأول:

إما إن يرتفع (الحدث) ليندمج في الأساطير ومن ثم تقديم تاريخ مؤسطر أو إنزال الأساطير واسطرة (الحدث) كالذي سوف يشكل معنى مضاد لتلك الأساطير، لان الأساطير في البدء جاءت استجابة لحالة وتفسيراً لظاهرة، مرتبطة بوعي معلن فإذا ما تم إنزال تلك الأساطير وإسباغها على حدث تاريخي فان هذا سيولد الضد (كما قلنا) بمعنى انه سيخلق قطيعة مع ذلك الوعي الذي نشأ فيه أي الوعي الطبيعي . لان التوظيف سوف يسبغ معنى جديداً وسوف يحرف في المعنى الأول لهذا آثرنا هنا أن نصف ذلك المعنى الأول ب"المحيط التداولي الطبيعي" . الذي شكل تعاليا بالحدث من بعده التاريخي إلى الأسطورة من خلال الآليات آلاتية:

1- حذف الزمان، مما يجعل الحدث الممتد عرضة للتغيير عبر مسيرته من الشفاهية إلى التدوين .

2- إنزال الأساطير وإضفائها على حدث أخر، عبر أسطرته وتقديم تفسير ووصف له، ذي بعد أسطوري متعال على التاريخية .

3- إخضاع الحدث إلى الطقس، مما يجعله عرضة للتكرار في سبيل إدراك الحدث الأول، المعنى الأصلي ولا تذكر الحدث ابدأ وتحسينه يساعد الإنسان البدائي على تحقيق الحقيقي والاحتفاظ به .

4- ربطه بمكان رمزي فيصل بالأعلى من ناحية وبالعالم السفلي من ناحية أخرى وهذا المكان يتغير بتغير المتحدثين الذين يريدون إضفاء ذلك التراث على أحداثهم(وإعادة امتلاك تلك الحقائق وإسباغها على تراثها من خلال إحلال ألهيتها محل الإلهية القديمة في فعالية تعكس صراع التواجد وفرض السلطة وامتلاك الأرض و" الرأسمال الرمزي" وتأميمه)

وقد تنوعت الأساطير بأشكال وهيئات فنذكر منها الأتي:

1- الأسطورة من حيث الشكل – وهي، قصة قد تكون شديدة التركيز وكأنها موعظة أو ممتدة كأنها حكاية أو تاريخ لكنها في كل الأحوال تصدر عن اعتقاد ديني يصور قصة تخضع لقواعد السرد القصصي من حبكة وشخصيات وحركة في الزمن وطابعها صوري والرمزية فيها واضحة .

2- الأسطورة ذات الصيغة الحضارية في القدم يمكن إن تتعرض للتطور(صيغتان أو صيغة منها) كما يمكن إن تتعدد طرائق روايتها ولكن هذه المستويات تجري جميعا بقوة عصرها وليس العصور التالية، إن من شروط الأسطورة أنها أبداع مارسته الجماعة، وليس من وضع شخص معين فهي ثمرة ممارسة وتأملات وخيالات مسيطرة على جماعة محددة .

3- تدور موضوعات الأساطير حول الوجود الكوني والخلق الإلهي للبشر، ولهذا تكون الآلهة، وإنصاف الإله مصدر القرار ومحور العمل في الأسطورة فإذا أظهرت في سياق الأسطورة (بعض البشر) فانه سيكون مجرد أداة ويسهم في تحمل شيء محدد .

4- الأسطورة تصور مقالا خارقا جوهريا بالنسبة للكون أو الإنسان، وهذا العدد من الجدية هو الذي جعل عصر الأساطير مقدمة ضرورية لعصر الفلسفة فلم تكن الفلسفة – في بدايتها – أكثر من قراءة رمزية للأساطير تحاول ان تستخلص من مجموعها معنى للعالم وللخلق وللوجود البشري وحماية كيانه الاجتماعي .

5- الأسطورة حكاية مقدسة، انبثقت عن الشعائر الأولى وقد منحها هذا سلطة عظيمة على عقول الناس ونفوسهم في زمانها ومن خلال المنظور الديني الذي تنتمي إليه وتثبت معتقدات تلك المنظومة وسطوتها على الاعتقاد والسلوك العام ..

 

د- عامر عبد زيد الوائلي

 

 

 

محمد كريم الساعديكينونة الاشياء بثباتها وصيرورتها في حركتها نحو الاكتمال وبين الثابت والمتحرك تعيد الاشياء جماليتها بعد ان تصل الى مرحلة الانغلاق، والتي هي عند البعض أكتمال المعنى في ذات الشيء، وعند البعض الأخر الوصول الى مرحلة الكم الذي لابد أن ينتج بعده كيف معين حتى يتغير الى ما هو أفضل حسب وجهة النظر الماركسية وما بعدها . فالأشياء عادة ما تجعلنا ننبهر بها اذا لم تكن مستقرة ويفلت المعنى في ذهننا في كل حين نعتقده أكتمل ووصل الى مبتغاه الاسمى. فالإنسان عند فوكوياما مثلاً وصل الى قمته في نهاية التاريخ في ضوء تحديد الاشياء ومسمياتها على وفق ثنائية السيد والعبد والسيد هو من يصنع الاشياء ويطورها والعبد هو من يثبت على مفاهيمه الماضية منتظر ما يصدر من العبد في هذا المجال، وهنتغتون في بحثه عن الصراع وسؤاله عن من نحن؟، يرى أن الصراع بين مركزية الاشياء وهامشها ما يزال مستمر ما دام هنالك حركة صراع دائرة في صورة تطور حضاري للسيطرة، وفي تفكيكية دريدا وخطاب فوكو وسردية ريكور وغيرهما في الأختلاف ما يزال البحث في تحطيم كل قيود الماضي المتمركزة في ذات متضخمة تدّعي تسيد الأشياء على وفق تراتبية مختلقة في اذهان خطابها الكوني، ففي البحث عن تفكيك وتفتيت هذه النظرة في نهاية التاريخ والأنسان الأخير يظهر الحاجة للبحث عن متغيرات جديدة في رؤية الأنسان الى ما سيأتي بين ثنايا الثبات والحركة، فالصراع إذن هو صراع بين التمركز والتحرر من الصنمية في داخل الانسان ذاته وانعكاسها في نتاجاته التي لابد أن يصيبها التغير مهما تسمرت مفاهيمها وانغلقت في فترة زمنية محددة .

هذا الصراع بين التوقع الثابت واللاتوقع المتغير في دروب الفكر العالمي الذي انعكس على ثقافة الفرد بصورة عامة مما انتج مفاهيم قد اسست الى تأطير الانسان في قوالب معينة لابد ان تتكسر على جدران البحث عن حقيقة الانسان . انها اذن نظرة كونية في تبدل الاشياء وتطورها نحو مصيرها القادم غير المتوقع بما يخفي وما يظهر .

أن ثنائية التوقع واللاتوقع هي مشكلة العصر كمشكلة الثبات والحركة ومشكلة البناء والهدم ومشكلة الحركة الجوهرية في داخل الاشياء ذاتها التي هي في تقدم مستمر نحو الهدم في داخلها ومتغير مستمر البناء و بطيء الاكتمال في ظاهرها .

لكن ماذا اذا تبدلت المعادلة وجعلنا ما هو سريع التغير والهدم في الظاهر وبطيء التقدم والاكتمال في الداخل؟ هنا ستصبح العملية قائمة على اللاتوقع الحركي الذي يهدم ما هو متوقع لصالح بناء ما هو لا متوقع في حركة مستمرة في ثباتها، انها فلسفة قائمة على قلب المعادلة وجعل اللامتوقع هو سمة الحياة وهو الثابت في التتبع لدى الفرد  الذي فقد الكثير من المتوقع في حياته لصالح اللامتوقع وأصبحت الصيرورة لديه هي الاساس بدلاً من كينونة الحياة الماضية التي تكسرت على جدران ما هو لا متوقع قادم .

نحن اليوم أمام تغيرات كونية لكنها في الوقت نفسه لها مساس في جزئيات حياتنا، فما عاد النظر الى أحلامنا القديمة بحياة تنقضي على مهل، ولا عاد الحاضر يدعونا الى ثبات تجارب التاريخ واستلهام عبرة في الحاضر لبناء تجارب مستقبلية . الأنسان اليوم يمر بمرحلة من الجنون الذي لا يتوقع أن سيصل به الى شيء معين ومعقول، فهي فلسفة العصر وهي معادلة تقلب كل المفاهيم تحتاج الى عقل يمتلك مفاهيم أخرى عن اللاتوقع الذي نعيشه اليوم . نحن بحاجة الى علوم أخرى تفسر لنا ما نحن به اليوم، وكذلك فنون أخرى تكون مجنونه ومشاكسة حتى نفهم هذا الانقلاب العظيم في المعادلة من داخلنا وخارج مسمياتنا التقليدية، انها فلسفة اللاتوقع الحركي، المضادة للمتوقع الثابت الذي يحتاج الى كيف جديد.  

 

الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي  

 

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: هل الفكر ام اللغة هو وسيلة التعبير عن النظرة المادية او النظرة المثالية للوجود؟ أم ليس هنالك فرق بين الفكر واللغة في التعبيرعن الموجودات الواقعية والمثالية او الخيالية على السواء؟ كما تذهب له علوم اللغة واللسانيات المعاصرة في الفلسفة.

يبدو هذا التساؤل غير منطقي فلسفيا.... ولكن لنرى لماذا؟ لأن الفكر واللغة شيئان متلازمان في التعبير عن وجود الاشياء المادية او في التعبير عن وجودها الفكري التجريدي المثالي بواسطة التعبير اللغوي او غير اللغوي.. كيف؟ فوجود الشيء او الموضوع المستقل ماديا او خياليا يعالج من قبل الذهن فكريا في العقل قبل الأفصاح عنه وجودا ماديا او مثاليا بواسطة اللغة في العالم الخارجي.

الفكرالمادي او المثالي المعبّر عنهما باللغة في علاقتهما بالوجود لا يتم تفريقه في تعبير الفكرعنهما باللغة المجردة، فالفكر كوجود مستقل في الواقع لا تحدده اللغة كونه ماديا او مثاليا او اي شيء آخر بمقايسته باللغة كنظام دلالي يعطي معاني الاشياء في ملازمته التعبيرعنها.

وهنا يكون الفكر يمثل جوهر الوجود، بينما يكون تعبير اللغة عنه اصواتا شفاهية او مكتوبة لا تمنح الوجود ماديته او مثاليته بل صفته الظاهراتية، والذي يمنح الوجود المادي صفته والوجود المثالي صفته المتمايزة هو الفكر الناتج عن مصنع الحيوية والتخليق في العقل في ادراك الوجود واضفاء ماهيته وصفاته عليه..

ولايتم تفريق الفكرماديا او مثاليا بمقايسته بالوجود الطبيعي للاشياء وتفسيرها وفهمها لأن الوجود غير المدرك عقليا في استقلاليته في عالم الاشياء،هو غير الوجود الذي تم تخليقه وتصنيفه في تناول العقل له واعادته ثانية بتخليق فكري جديد. وليس باللغة المعبرّة عن الوجود فقط ينفرز عنها تباين الفكر المادي عن الفكر المثالي الا بعد الادراك العقلي له اولا، وفي تعبير اللغة عنه ثانيا.

فالفكر يكتسب هويته وماهيته بعلاقته بالوجود المتبادل معه، وليس باللغة التي تعبر عن الوجود في ملازمة الفكر لها. فالفكر يكسب الوجود ماهيته، ويكتسب هو بالوجود هويته وصفاته.

والفكر واللغة في تلازمهما معا لا يستطيعان خلق وجود شيء واعطائه صفاته وعلّة وجوده في علاقة تعبيرهما عنه، وانما الوجود يكتسب صفاته وماهيته في تعالقه مع الادراك العقلي له، قبل الفكر المعبّر عنه في تعالقه مع اللغة.

وجود الاشياء في نوع علاقتها مع التفكير العقلي لها، تسبق الفكر واللغة المعبّرة عنها لاحقا. فالعقل يستبق الفكر واللغة في تلازمهما ادراكهما للوجود.فهل يسبق الفكر او اللغة احدهما تراتيبيا في الوظيفة الادراكية التناوبية للموضوع، وفي تعبيرهما عن وجوده المادي في اختلافه عن التفسير المثالي على مستوى افصاح اللغة في علاقتها بالاثنين كوجودين مختلفين المادي والمثالي؟

اننا في هذه الحالة نفهم ان الفكر المادي في تمايزه عن المثالي هو في أسبقية الفكر على اللغة على صعيد الادراك الوجودي للاشياء في الواقع عقليا.

وان بدت انهما (اللغة والفكر) متلازمتان لا يمكن التفريق بين الفكرة واللغة المعبّرة عن الوجود، كما من المتعذّر اعطاء أسبقية لاحداهما على الاخرى في التعبير المختلف عن الوجود ماديا ام مثاليا.فاللغة قرينة الفكرفي عدم امكانية التفريق بينهما في تعبيرهما على الاشياء في العالم الخارجي.والفكر يتعالق مع اللغة في فهم الاشياء وادراكها.واللغة لا وجود حقيقي لها في مفارقتها التعبير عن الفكر.

عليه يكون التمييز بين الفكر المادي عن الفكر المثالي لا يتم بمنطق اللغة المجردة او المفصحة عنهما كموضوعين مختلفين في التعبير اللغوي فقط، كما فعل هيجل في اعتباره الجدل او الديالكتيك المثالي يتم بالفكرالمجرد وحده وليس في تعالقه المتخارج مع الواقع او الوجود الحقيقي للاشياء.

ان العقل وحده له الاسبقية في تحديد الوجود والفكرالمتعالق معه ان يكون ماديا ام مثاليا. واللغة تكون في هذه الحالة وعاء الفكر في تحديد نوع الوجود المادي او المثالي المفصح عنه بتعبير اللغة. وبهذا يكون التمييز بين مادية الفكر او مثاليته هو في علاقة الفكركوعي نوعي عقلي يتم في الذهن اولا مع ادراكه وفهمه الوجود او الموضوع، يليه تعبيرفكري لغوي نوعي مختلف يحدد علاقته بالوجود الواقعي للاشياء والظواهرالمختلفة في الطبيعة ثانيا ان تكون مادية أم مثالية.

فالفهم المادي يذهب الى ان الفكر انعكاس لوجود الاشياء في ديناميكية متخارجة بين وجودها والفكرالمدرك لها عقليا، بينما يرى الفكر المثالي ان لا وجود مستقل للاشياء سابق على الوعي بها صوريا في الذهن فقط وان ادراك وجود الاشياء يتم في صورها التي يستلمها العقل، ولا دور للغة اكثر من تحقيقها دلالة المعنى الفكري الصادر عن العقل المراد توصيله من غير ما نتصور ونعتقد خطأ ان اللغة هي التي تحدد الوجود المادي باختلافه عن المثالي او بالعكس. اللغة توصيف لفينوميلوجيا الفكر كشكل ومحتوى في ايعاز من العقل.

فوجود الاشياء الطبيعي المستقل هو الذي يسبق نوعية الافكار المفسّرة له بوسيلة التعبير اللغوي. وان اللغة والفكر متلازمان اثناء ممارسة العقل او الدماغ فعاليته الحيوية التخليقية في معالجة ايّا من المواضيع التي تنقلها الحواس له ماديا او صوريا، وكذلك يقوم بنفس الفعالية العقلية في تأمله تخييليا موضوعا ما لا وجود له في عالم الوقائع المادية والاشياء وانما في عالم الخيال الذي ابتدعه العقل.

وعن كليهما(التفكير المادي والتفكير المثالي) يعطي العقل نوعا من التفسير المتعّلق بتمايز فهم شخص عن غيره في حال تنفيذ الفكر واللغة نوعية الفكرة العقلية المختلفة عن الشيء في تنوّع واختلاف تفسير العقل له من شخص لآخر ان كان تفسيره وفهمه ماديا ام مثاليا.

من المهم التأكيد الى ان اللغة والفكر هما وسيلة العقل في الافصاح عن تخليقه وجود الاشياء في العالم الخارجي من جديد. وليس للفكر او اللغة اي افصاح متداخل عما يقوم به العقل في ادراكه الوجود والاشياء في تفكيره الصامت.

ان اللغة والفكر فعاليتهما الحقيقية في التعبير عن الموجودات والاشياء في الواقع المادي خارج العقل بعد تخليقها بالذهن واعطاء تفسيره في وجودها المستقل في العالم الخارجي.

ان تفكير العقل بموضوع مادي موجود في العالم الخارجي، او بموضوع خيالي يبتدعه الخيال مادة لتفكير العقل، هما فعالية واحدة يقوم بها العقل وتحديدا الدماغ بمعزل عن تدخل اللغة والفكرالافصاحي لما يقوم به العقل من تخليق للفكر في دراسة موضوعه،.

ويبدو هنا ايضا اننا وقعنا في اشكال وتعقيد أعمق علينا توضيحه عندما نجد ان وسيلتي العقل في الادراك ومعاملته للاشياء لا تتم من غير اعتماد العقل للحواس وللفكر واللغة في ادراكه الشيء والتفكير به سواء كان التفكير (صمتا) على شكل حوارفكري داخل العقل،او افصاحا عنه في التعبير اللغوي في وجوده المادي في الواقع او المتخيّل كناتج عقلي قبل كل شيء.

والوجود المادي والوجود التخيّلي لايختلفان في الماهية او الجوهر وحسب، وانما هما يختلفان بلغة التعبيرعن كليهما، فالوجود المادي تعّبر عنه اللغة المنطوقة او المكتوبة، في حين ان الوجود الخيالي لا تعبّر عنه اللغة التداولية نطقا او كتابة كما في الوجود المادي فقط، بل في غيرها من وسائل التواصل ربما كانت لغة رسم لوحة او نحت تشكيلي او غيرها من وسائل أكساب الموضوع المتخيّل حضوره الوجودي دونما الحاجة الى اللغة الصوتية الشفاهية او المكتوبة.

والا أصبح تساؤلنا كيف يفكّر العقل وما وسيلة التفكير التي يعتمدها، تقودنا الى طريق مسدود عند عدم الاقرار ان وسيلة العقل في التفكير وادراك الاشياء لا يمكن ان تتم خارج فعالية العقل توظيفه الفكر – اللغة في ادراكه الوجود للاشياء خارج التفكير العقلي وليس بداخله.لا يمكننا تمييز الفكر عن اللغة داخل فعالية العقل في تخليق الافكار بالصمت التفكيري، وانما يتاح لنا ذلك في الوجود المستقل خارج العقل التي يصدر العقل والجهاز العصبي عن طريق اللغة تخليقه الجديد له كناتج اجابته عما وصله عن طريق الحواس.

فعالية العقل تنعدم نهائيا عند افتراضنا ان العقل يقوم بفعاليته الادراكية ومعالجتة الموضوع المدرك عقليا بغير وسيلة تداخل الفكر مع اللغة (داخل) و(خارج) العقل.

وهذا يستلزم منا تبيان مالفرق بين تفكير العقل داخليا، وتفكيره خارجيا وما المقصود به وما دور الفكر واللغة في تحديد معنى المفكّر به كموجود.؟

كيف يفكّر العقل داخليا، وكيف يفكّر خارجيا؟ بالحقيقة ان العقل في كلا التفكيرين يتمّان في توافقهما والتقائهما في مصدر التفكيرالواحد الذي هو الوجود المادي او الموضوع الخيالي، فلا يوجد عمل فكري في العقل لا يرتبط بموضوع مدرك حسيا او خياليا والا كان تفكيرا وهميا لا علاقة للعقل به ولا للموضوع علاقة بالعقل المدرك له.

تفكير العقل داخليا تتم بوجود شيء مدرك محدد (موضوع) يكون مادة للتفكيرتنقله الحواس ادراكيا للعقل، وقد تتعّطل مهمة الحواس هذه عندما نجد العقل يفكّر تخييلا وتخليقا عقليا بموضوع ذهني لا علاقة له بالمادة والمحيط الخارجي للاشياء كأن يفكر الانسان في اشياء من الطبيعة او يتخيّل اي شيء او اية فكرة مجردة غير متعينّة ادراكا ماديا وجوديا امامه في الطبيعة او في الانسان كغيرها بما لا يحصى من الاشياء بالعالم الخارجي من اشياء.

ولم تقم الحواس المادية ولا من مهامها نقل موضوع التأمل الخيالي الى الدماغ وانما مخيلة الانسان وذاكرته تستذكره في الذهن خيالا مجردا وتجعل منه موضوعا للتفكير. يلي ذلك ان العقل قد يعبّر لغويا عنه بعد تخليقه الجديد له، او بغير تعبير اللغة عن موضوع التفكير الخيالي وكذلك عن التفكيرالواقعي.

اذن في البدء علينا الاقرار الآلي الثابت انه لا يمكن للعقل الانساني ممارسة التفكير مالم يكن هناك موضوعا واقعيا او خياليا يصبح مادة او موضوعا لتفكيرالعقل. وقلنا ان الحواس ليس من مهامها ولا من قدراتها نقلها موضوعا خياليا هو من ابتداع المخيّلة والذاكرة الذهنية للعقل ولا دور للحواس به. وان العقل يفكرخياليا بموضوع لم تقم الحواس او احداها بنقله له.

هنا يأتي تساؤل أهم ان وسيلة التفكير العقلي للشيء المدرك داخل العقل تتم بماذا أو بأي كيفية؟ وما هي آلية التفكيرالعقلي بالموضوع؟ لحد الان تمّكن العلم من معرفة كيف تعمل حاسة البصرالعين في رؤيتها الاشياء، وكذا مع حاسة السمع او الذوق او اللمس، اما كيف يعقل الدماغ نفسه ويعقل موضوعاته ووفق أية الية يتم الادراك العقلي فهو غير معلوم علميا اكثر مما تزودنا به الفلسفة وليس تخصص علم طب الدماغ والاعصاب على حد علمي.

فالعلم يوّضح كيف ان آلية التفكيرالعقلي تنحصر في موضوع مدرك حسيّا وعقليا عن طريق الجهاز العصبي المرتبط بملايين الخلايا الدماغية التي تتناوب الادراك في عملية معقدة من اختصاص طب علم الدماغ والجملة العصبية وهو مجال لا تعلمه وتعمل به الفلسفة ولا باستطاعتها الخروج منه بنتيجة يرضاها العقل والطب العلمي.

اما في توضيح الفلسفة فهو حين يعقل الانسان ذاته تفكيرا ماديا ام خياليا فهو يحتاج حتما لمادة او موضوع يدركه واقعيا او خياليا كما ذكرنا سابقا لا يخرج عن وصاية العقل في حال انعدام واسطة التعبيرالفكري – اللغوي عنه وبه. اي بمعنى ان التفكير العقلي لا يدركه الانسان الاخر خارج العقل الا في حالة التعبير الفكري – اللغوي عنه خارج وصاية العقل عليه حين يكون تموضعا فكريا في الواقع.

فاذا اراد العقل وجوب التعبير عن موضوعه المفكّر به للعالم الخارجي المستقبل له، توّسل لذلك الفكر – اللغة. واذا لم يشأ ذلك فانه اي العقل يجعل من موضوعه تفكيرا داخليا صامتا غير متاح ادراكه من غيره الذي هو (أنا) الفرد العاقل المفكرمن نوعه (الانسان الاخر) بمعنى ان الفكرة واللغة المعبّر بها انعدمت في التاثير وفي الحضور في كيفية نقل تفكير مصنع الحيوية التخليقية التي يقوم بها العقل.

فاللغة والفكر لا يحضران سوّية الا في محاولة تنفيذ ايعازات مصنع الحيوية العقلية بالاخبار الادراكي العقلي عن موضوع جرى التفكير به عقليا واكتملت مهمة اعادته من العقل الى عالم الاشياء كفكر وليس كوجود.في تنفيذ اللغة او غير اللغة ايعاز العقل في اعادة الموضوع المفكّر به من العقل الى امكانية ادراكه في العالم الخارجي في توّسله اللغة التي هي الفكر ولا فرق بينهما في التعريف المادي او التجريدي بالموضوع.

كيف تكون اللغة هي الفكر المعبّر عنه؟

التساؤل الآن كيف تكون اللغة هي الفكرحسب ما تذهب له جميع نظريات علم اللغة واللسانيات المعاصرة، ولماذا يعجز ادراك العقل للاشياء التفريق بينهما اي بين الفكر واللغة.اذا كانا يحملان مدلولين متباينين مختلفين في تعبيرهما عن الموضوع الواحد؟.هنا اللغة والفكر الملازم لها في التعبيرليس بمقدورهما تفسير وجود الاشياء بمعزل احدهما عن الاخر اي بمعزل اللغة عن الفكر، لانه يكون استحالة ادراكية.

ان عجز الفلسفة الخروج عن نظرياتها المفترضة شبه الثابتة ان الفكر هو اللغة المعبّرة عنه، او ان اللغة هي وعاء الفكر، او ان اللغة هي بيت الوجود.

جميعها تفهم اللغة على انها فعالية ادراكية عقلية في تحديد الفكرة او الموضوع في تموضعهما خارجيا كي يتم ادراك الشيء ومعرفته من قبل الآخرين من الذوات العقلية المدركة وهو صحيح الى حد كبيرولا يتوفر مجال أدحاضه.

في هذه الحالة حين تكون اللغة هي تعبير عن فكرة متموضعة داخل او خارج العقل،يستحيل الفصل بين اللغة والفكرة او الموضوع المعّبرعنه بهما. فبهما(الفكر واللغة) اصبح الموجود الذهني متعيّنا وجودا في العالم الخارجي، وفي هذا يكون تفكير العقل خارجيا او بالاحرى من اجل فهم الوجود الخارجي للاشياء المستقلة.

حين نقول تفكير العقل الداخلي المقصود به هو التفكير الصامت، أما تفكير العقل خارجيا فهو عندما يجري تعبير اللغة عن موضوع تفكيرالعقل.وبالواقع ان هذا التفريق في تفكير العقل داخليا صمتا وخارجيا بوسيلة اللغة، انما هما في الاصل تفكير واحد للعقل في موضوع محدد مشترك يتميّز به بمعزل عن كل موجود مادي او متخيل آخر.اي ان العقل واللغة والفكر يجمعهم (وحدة الموضوع ) المدرك.

ان ادراك العقل للاشياء الواردة له عن طريق الحواس لا يعقلها العقل دفعة واحدة، ويعطي الدماغ ردود الافعال الانعكاسية الارادية وغير الارادية من دون تراتيبية يعتمدها العقل.(وهذه النقطة اوضّحها تفصيلا نهاية المقال).

ذهبنا الى استحالة فصل اللغة عن الفكر في حالة افصاح العقل عن فهمه وتعّينه لموجود او شيء ما في العالم الخارجي. فمتى يمكننا استنباط امكانية فصل الفكر عن اللغة واين وكيف؟

قبل الاجابة نذّكر ان علم اللغة واللسانيات تعتبر اللغة والفكر هما وجهين لعملة واحدة ولا تفريق بينهما كما ذكرنا سابقا، فاللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ريكور وفنجشتين ودي سوسيروجومسكي وجميع فلاسفة وعلماء اللغة.

لكننا نجازف بالمباشرقولنا انه يمكننا فصل الفكر عن اللغة عندما يكون تفكير العقل صمتا داخليا في التفكيربوجود شيء مادي او خيالي لا يحتاج لغة التعبير عنه بل يحتاج الفكر وحده لانه وسيلة تفكير العقل، ويكون صمتا داخليا متخيّلا ايضا في تفكير العقل لموضوعه كوجود غير مادي اي خيالي لا يرتبط وغير ملزم التعبير اللغوي عنه.

للتوضيح فقط فالتفكيرالمادي الصامت هو في معالجته موضوعا او شيء ما بالتفكير المجرد كمتعيّن موجود في العالم الخارجي، اما في تفكير الصمت (الخيالي) غير المعبّر عنه باللغة فهو الهام تخييلي في انتاج العقل موضوعا يدرك خارجيا لم يكن ادراكه متيسرا قبل افصاح العقل له وتخليقه، كما في خيال انتاج لوحة فنية او قطعة نحتية او اي ضرب من ضروب التشكيل ومعالجات علم الجمال الذي من المتاح الممكن التعبير عنه بغير لغة الكلام او لغة الكتابة.

نأتي الآن الى معالجة اصل امكانية فصل الفكر عن اللغة، على انها استحالة ادراكية في فهم الاشياء والمواضيع في حال وجودها في العالم الخارجي في استقلالية عن الانسان سواء كانت مواضيع تناولها العقل بالادراك واعادها باللغة والفكر ثانية الى عالم الواقع، او لم يدركها في وجودها المستقل التي ايضا تستطيع اللغة التعبير عنها.

يبقى عندنا ان التفكير العقلي الصامت ماديا او خياليا فأن آلية العقل في التفكير تستطيع فصل اللغة عن الفكر طالما هما حاضران ذهنيا لحظات واثناء التفكيربموضوع ما،اي حينما يفكر العقل صمتا فهويفكّربالفكرذاته بموضوع. وليس باللغة خارج موضوعه في التفكير الصامت.،

وطالما كانت اللغة والتفكير معطّلان كوظيفة نقل ما يقترحه العقل عليهما نقله الى العالم الخارجي، اي بقاء العقل يفكر ذاتيا صمتا بمعزل عن نقل ما يفكر به لغة، فان العقل وسيلة تفكيره الفكر ذاته فقط ولا يحتاج اللغة الا على انها جزء من الفكر وملازمة له، وتفكير العقل وتخليقه لموضوعه، فلا يدرك خارجيا من غيره الا بواسطة اللغة فقط الناقلة للفكر من داخل العقل(الدماغ) الى واقع الوجود.

وعندما يتجسد ويتعين الموضوع في عالم الاشياء الخارجي بالتعبير عنه لغويا او بأية وسيلة تعبير غير اللغة الصوتية او المكتوبة، فهنا لا يصبح فصل الفكرعن اللغة ذات اهمية كبيرة، ولكن تبقى اللغة في اثناء عملية تفكير العقل (صمتا) في مرتبة ثانوية بعد الفكر في مقارنتها باولويتها في التعبير عن الوجودات الخارجية في العالم الخارجي والطبيعة خارج هيمنة ادراك الحس والعقل لها عندما تكون اللغة جزءا لا ينفصل عن موضوعها التي عبّرت عنه.

بمعنى توضيحي ان اللغة لا تستمد فعاليتها داخل تفكيرالعقل الصامت جوّانيا بموضوعه مع ذاته المستقلين عن العالم الخارجي، وانما تستمد اقصى فاعليتها في التعبير عن الاشياء في وجودها الخارجي المستقل.

وحتى في هذه الحالة فالفكر وتعبير اللغة يبقيان قاصرين عن التعبير عن الموجودات المستقلة من دون ادراك العقل لها وتحديده نوعية الفكر ونوعية اللغة المعبّرةعنها. ويكون وعي الذات هي كينونة متشّكلة من الوجود المدرك، بالمحسوسات، ومن والعقل، وايضا من الفكر واللغة.

لذا عندما يكون تفكير العقل صمتا جوّانيا، يصبح التفكير بالشيء سابق على لغة التعبير عنه خارجيا. فالموضوع المفكّر به صمتا غيرلغوي يبقى حبيس ووصاية العقل في التفكير به قبل اهمية انشغال العقل في التعبير اللغوي عنه.

كيف يعي الانسان ذاته؟

الوعي الوجودي بالمعنى الانطولوجي للذات هو وعي مفارق للاشياء في اثبات اناه الفردية المستقلة وفي ادراكه موضوعه ايضا. فالذات في ادراكها لشيء مغاير تدرك وجودها به هي اولا، وتجعل الموضوع المدرك ذاتيا مدركا من غيره يكتسب وجوده الديناميكي بوعي الذات له ثانيا، في غير وجوده المستقل بالطبيعة وجودا بذاته (نومين).

اتخذ سارتر من كوجيتو ديكارت (نقطة انطلاق الوعي وموضوعه في علاقتهما التي لا تنفك ولا تتوقف عند (الانا افكر) اي الوعي الخالص، لكنها تذهب الى ما يقصده الوعي من اشياء) نقلا عن حبيب الشاروني.

كذلك نجد هيدجر تخّطى الاثنين ديكارت وسارتر بقوله لا وجود لما يسمى الوعي الخالص، بمعنى ان الانا الذاتية لا تحقق وجودها في حيثية وعلة التفكير المجرد الذي ذهب له ديكارت في الكوجيتو ..انا افكر.

ان في انكار هيدجرما يسمى الوعي الخالص هو التعبير عن حقيقة وجودية فلسفية لا تتقبل الدحض بسهولة، فالوعي الخالص وهم وجودي حتى في حالة كوجيتو ديكارت في تحقيقه وجود الذات من خلال تجريد اللغة في التفكير والاستدلال.

الوعي الخالص هو وجود بذاته بالنسبة لكل وجود افتراضي ايضا بذاته غير فاعل في الطبيعة وعالم الاشياء بالنسبة للانسان في ان يكون موضوعا مغايرا له ويمكن الاستدلال به. والوعي الخالص وجود بذاته يطمح بلوغ الانا العليا المثالية التي اشار لها فرويد ومن قبله افلاطون.

والوجود بذاته سلب كما في تعبير وجودية سارتر له، فهو يقوم على تعطيل مغايرته الواجبة الضرورية في تبادله المتخارج مع الاشياء في العالم الخارجي في توكيد استقلالية ذاتية لا قيمة لها.

ونقلا عن الشاروني:(ان سارتر يعرّف الوعي بانه لا يحدث، الا بتمثله شيئا مغايرا عنه، فالوعي يولد موجها الى كائن ليس هو اناه) ان سارتر هنا يحول كوجيتو ديكارت نحو قصدية نادى بها استاذه هوسرل.

هوسرل ادرك في محاججته لديكارت الذي حصر وعي الوجود الذاتي(اناه) وتحققه بالتفكير المجرد، انما هو وعي اغترابي منعزل على صعيد عدم الاندماج في الكلية المجتمعية كجزء منها فاعل ومتمايز عنها. فتحقق الذات لا يتم من غير التعالق المتخارج بنوع من القصدية او الغائية مع العالم الخارجي وهو رأي هيدجر ايضا.

ان الذات لا تدرك وجودها الحقيقي بالتفكير المجرد غير المتخارج مع الوجود الخارجي وعالم الاشياء. وهذا الفهم من وعي الذات التزمه هوسرل ومن بعده سارتر وهيدجر، واجمعوا ان الوعي الذاتي الحقيقي من غير تبيان وتحديد الشيء المفكر به.

فقد نادى سارتر اننا يتوجب علينا مغادرة (انا افكر)، وطلب هوسرل بقصدية كموضوع مفكر به، واخيرا هيدجر الذي نادى بان لا وجود لذات من غير ديناميكية فاعلة تمتاز بها. بل واضاف باكثر وضوحا انه لا وجود لذات بلا عالم، والانا لا تحقق وجودها منعزلة لانها اولا واخيرا هي وجود – في – عالم.

ملحق: اعجاز الدماغ بالتفكير

كنت ذكرت في سطور سابقة من هذا المقال ان عمل الدماغ في فهم الوجود وتخليقه ثانية له لا يتم على وفق عشوائية اعتباطية، ولتوضيح ذلك في هذه الاسطر نهاية المقال هنا اردت جعله ملحقا منفصلا لوحده.

من البديهيات العلمية في علم الفسلجة، علم دراسة الوظائف العضوية لدى الكائن الحي، الانسان على وجه التحديد في الطب البشري، هو استحالة تفكير الانسان في صورتي حدثين اثنين في وقت واحد، في لحظة واحدة، في ومضة واحدة، يمكن لأي انسان اجراء التجربة على نفسه سيجد انه يفشل حتما.

مجموع الافكار الادراكية الصورية او الحسّية او الحدسّية الواصلة الى الدماغ عن طريق الحواس الخمسة في الجهاز العصبي والراجعة منه الصادرة عنه كردود افعال انعكاسية، لا يتعامل الدماغ معها بعشوائية غير منظّمة ولا من غير تراتيبية في الاسبقية. بل يعمل الدماغ والجهاز العصبي مع الافكار الواردة له من الحواس في انتقائية وفي تراتيبية معقدة النظام، هي خاصية الانسان الذكي في تعالق وظيفتي المحسوسات او المدركات مع وظائف الشبكة العنكبوتية للاعصاب الناقلة للاحساسات بالاشياء، في الاستقبال الوارد له، والراجعة الصادرة منه الى الواقع في وجود الاشياء والفكر المعّبر عنها في ظاهرياتها وفي جواهرها.

الاستجابة الادراكية الحسية التي هي رد فعل الجهاز العصبي الارادي او غير الارادي المستقبل منه او الراجع المتصل بالدماغ بما تنقله اليه الحواس الخمسة، ويمكننا اضافة حاسة سادسة هي حاسة الحدس او التنبؤ والتخاطر .

فالذي يرد الدماغ عن طريق الحواس من مدركات ينقلها الجهاز العصبي في تيار فائق السرعة غير المنظورة ولا المتوقعة من المحسوسات في العالم الخارجي الى العقلي المدرك في سطح القشرة الدماغية التي تحتوي على ملايين الخلايا العصبية،.

لترسل بعدها بعض هذه الخلايا العصبية في الدماغ والجهاز العصبي ردود الافعال المناسبة لما يتوجب على الانسان معرفته او القيام به، وتكون ردود الافعال كاستجابة لايعازات الدماغ في ومضة زمنية لايتعدى الجزء الالف من الثانية.( اجهل تحديد زمن الومضة الانتقالية من الدماغ بواسطة الجهاز العصبي علميا بضوء معرفتي سرعة انتقال الضوء المقدّرة علميا افتراضيا هي ثلاثمائة الف كيلو متر /ثانية).

ماهو مهم عدم أستطاعة الدماغ أعطاء ردود الافعال الانعكاسية سواءا منها الإرادية او اللاإرادية لحدثين اثنين في ومضة كهرومغناطيسية او ومضة واحدة في جزء جزء جزء من الثانية الواحدة يستلمها الدماغ بواسطة الجهاز العصبي وينقلها الى احساسات الانسان ثانية، ومن الثابت علميا وطبيا ان جميع الاستجابات الانعكاسية الصادرة عن الدماغ تجاه الحواس لا تنطلق من (فص) مخّي واحد موجود في قشرة الدماغ الامامية. الذي يحتوي ملايين الخلايا العصبية المسؤولة عما يرده ويصله عن طريق الحواس. مع هذا ليس بمقدور (المخ) ان يرسل ايعازين اثنين في لحظة واحدة او ومضة واحدة، بمعنى ان الدماغ وتحديدا المخ والجهاز العصبي المرتبط به ينشغل بالاستجابة لردود افعال الحواس تباعا تراتيبيا تجاه المحسوسات ووجود الاشياء التي سبق للدماغ وان ادركها عن طريق نقل الحواس الموصلة للمدركات الحسّية الى الدماغ واعادة ردود الافعال الصادرة عنه بشأنها.

مثال ذلك حين يجرّب احدنا وضع يده في ماء مغلي حار جدا. ويستخدم في نفس اللحظة اليد الاخرى في وضع شيء ما بفمه ليتذوقه نجد ان الدماغ يعجز عن اعطاء استجابتي ردي فعلين انعكاسيين للاثنين معاً في ومضة واحدة بل يجب ان يكون لاحدهما في رد الفعل الانعكاسي الصادر عن الدماغ والجهاز العصبي أسبقية تراتيبية زمنية على رد فعل الدماغ بالنسبة لرد الفعل على الآخر الثانوي المدرك حتى لو كان الفارق بين الاستجابتين لايتجاوز جزءاً من الف من الثانية، وحتى لو كانت ردود الافعال الصادرة عن الدماغ من نوع ردود الافعال الانعكاسية اللاإرادية.

ومثال آخر حين تسمع اغنية من المسجّل بجانبك وانت تقرأ في صحيفة او كتاب عندها يستحيل على الفكر الذهني المتلقي في الدماغ فهم مفردات الاغنية واستيعاب معانيها في نفس لحظة تصفّحك الصحيفة ومحاولتك فهم ما تقرأ.

الشيء المعجز ليس فقط ان هذه العمليات العصبية التي تجري ما بين الحواس والجهاز العصبي الناقل ادراكات الاشياء استرجاعيا تناوبيا الى الدماغ مع فعل الادراك للشيء او تصوره في الذهن، انها تجري هذه العملية في اقل من جزء جزء جزء من الثانية، وربما باسرع من سرعة الضوء. وانما (الاعجاز) الاهم هو في اختيار الدماغ لأسبقية ردود الافعال الواردة اليه عن طريق الحواس في النوعية والاهمية التي تقي الانسان من المخاطر واعادتها للانسان المدرك في حدثين وضع اليد بالماء المغلي والاخرى وضع شيء بالفم لتذوقه.وهكذا في تعامل الحواس والمخ مع آلاف الادراكات الحسية الواردة له، وايعازات الدماغ الاجابة الدقيقة المطلوبة منه عليها.

ولو اننا عدنا للمثل الذي اوردناه في ايّهما افضل في اسبقية الاستجابة الدماغية في الرد الانعكاسي عليه!؟ سحب اليد من الماء المغلي ام فحص حاسة التذوق للشيء الذي وضع بالفم!؟ نجد ان ايعاز الدماغ بضرورة سحب اليد من الماء المغلي يسبق ايعاز الدماغ في اعطاء الاستجابة لنوعية تذوق الشيء باللسان .

في هذا المثال التجريبي نلاحظ تأكيد الدماغ على نوعية واهمية الاستجابة الانعكاسية اللاارادية لعدد من المدركات الحسية المنقولة له بواسطة الجهاز العصبي عن مصدر الحواس وترتيب الدماغ لنوعيتها واهميتها.

في اسبقية الاستجابة يكمن فيها لغز تفضيلي اعجازي في وقاية الانسان من المخاطر وتجنبّها، ليس سهلا على العلم الطبي تفسيره وعلم دراسة فسلجة الدماغ و الجملة العصبية تحديدا الاجابة عليه على قدر فهمي اذ ربما العلم وصل الى تعليل كل هذه الامور التي اتحدث عنها كاعجازات للعقل والجهاز العصبي المرتبط به وهي كذلك برأيي في مقدرة علم الدماغ وفسلجة وظائف الجهاز العصبي تفسيرها ام لا !!.

الاعجاز التفضيلي في الاستجابات الانعكاسية للايعازات الصادرة عن الدماغ الارادية منها او غير الارادية تتوخى وقاية الانسان وسلامته من الخطر الذي قد يسببه وضع اليد في الماء المغلي وتأخر سحبها، مع ارجاء بقية ردود الافعال الانعكاسية الثانوية التأثير على سلامة الانسان ووقايته من الخطر اذا ما تلازم حضورها مترافقا مع الافعال المحدّقة الخطر بالانسان.

 

الباحث الفلسفي: علي محمد اليوسف - الموصل

..........................

ملاحظة:

- الملحق غير ماخوذ عن مصدر مطلقا ولا بكلمة واحدة آملا التصحيح بما اخطأت به علميا، ولا يمثّل هذا التوضيح اكثر من اجتهاد لكاتب المقال فقط. (الباحث علي محمد اليوسف /الموصل)

 

 

 

 

علي رسول الربيعيسنعرض تحت هذا العنوان:

- الفرق بين الفلسفة السياسية والإيديولوجيا السياسية

- المبادئ التي تستند إليها الأيديولوجيات السياسية

- ماهي أدعاءات الأيديولوجيات السياسية الرئيسية.

بحلول النصف الثاني من القرن التاسع عشر تطورت الأفكار السياسية معبره نظرة شاملة للحياة الخيرة أو الصالحة وكيف يمكن تحقيقها، بالإضافة الى نهج التعاقد الاجتماعي جنبا إلى جنب مع صعود الديمقراطية وزيادة الوعي بقيمة وحقوق الفرد. انضمت هاتان الفكرتان السياسيتان إلى فكر سياسي آخر، ممثلا في عمل مفكرين مثل كانط وهيجيل وماركس. وأصبح الناس يعون مجريات التطور والتغيير في العالم من حولهم، وأحدى سمات ذلك هو التغيير الاجتماعي والسياسي.

يعتبر الفيلسوف الألماني هيجل (1770-1831) مفتاح هذا النهج. فقد رأى أن الواقع يتجسد دائما في العملية التاريخية، وأن أمة ما، في الواقع، هي التعبير المادي عن القانون الأخلاقي، أي أن لها حياة فوق الأفراد الذين يشكلونها. فقد اعتبر أنه من الممكن إجراء تغييرات اجتماعية وسياسية كجزء من نظام عقلاني شامل. يتكشف التاريخ عن هذا النظام بعملية تغيير جدلي: تتطور حالة ("أطروحة") من داخل نفسها معارضتها (أي "نقيض")، ثم يتم حل الاثنين (في "التوليف")، وهي عملية مستمرة التكرار، وتعبر عن روح العصر الذي يعطي معنى لحياة الناس.

مزجت الفلسفة السياسية وجهات نظر عديدة حول الحياة الخيرة والصالحة وقضايا العقد وأنظمة فكرية واسعة، فتشكلت هذه القاعدة العريضة للأفكار والمفاهيم وأنظمة الفكر التي كانت موضوع الفلسفة السياسية. ولكن عندما يتعلق الأمر بالنقاش السياسي الشعبي العام، نادراً ما يكون لدى الناس الوقت لشرح أفكارهم بالعودة إلى المبادئ الأولى، أو المشاركة في أفكار تقدم نظام تفسير شامل مثل هيجل وماركس. وبدلا من ذلك، يميلون إلى اختيار أيديولوجية سياسية جاهزة أو موضبة سلفا.

ما هي الأيديولوجية السياسية؟

انها مجموعة من الأفكار والقيم والحجج التي تترابط معا لإعطاء نظرة شاملة متسقة على ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع. كانت هناك طائفة واسعة من الأيديولوجيات السياسية المتنافسة في القرن العشرين مثل: الاشتراكية، والشيوعية، والمحافظة، والليبرالية، والقومية، والفاشية، والفوضوية، والبيئية في الآونة الأخيرة.

أحد الأخطار المرافقة للإيديولوجيات هو أنها مريحة للنفس وتقدم طريقة لجميع الأفكار في حزمة مبسطة يمكن استعمالها بسهولة كعلامة أو أشارة، يميل الناس إلى التشبث بها بشغف ولكن ليس دائمًا بطريقة عقلانية. يحتوي كل واحد منها، في الواقع، على مجموعة واسعة من وجهات النظر والأفكار.

تتعلق الخطوط العريضة لهذه الأيديولوجيات المختلفة بالسياسة، وليس الفلسفة السياسية، لكننا نحتاج إلى أن نكون مدركين لها لأنها تستخدم الفلسفة السياسية في النقاش السياسي، وتميل إلى الاعتماد على واحد أو أكثر من الأفكار الأساسية والقيم: الحرية والديمقراطية، التقاليد والقيم المعمول بها، العدالة والمساواة، تطور ونمو الشخصية والوطنية، احترام البيئة وهكذا...

قد تتعارض هذه الأفكار الأساسية مع بعضها البعض: فقد تؤدي الحرية لشخص إلى ظلم الآخر. وقد تخنق المساواة المطلقة نمو وتنميةأستقلالية الشخصية. لذا تميل الأيديولوجيات إلى أن تأخذ واحدة من هذه الأفكار بوصفها القواعد الأساس وتتنازل عن الأخريات إذا لزم الأمر. عن سبيل المثال، إذا أخذت الحرية كقيمة أساسية، فقد تتقبل حالة عدم المساواة في المجتمع، اذ يكون كل شخص حراً في العمل لتحسين أوضاع الحياتية، أو وربما تحديد ما يمكن أن تقوم به الحكومة للحد من الحرية، حتى لوتم ذلك باسم العدالة أو المساواة. أما إذا اعتبرت المساواة هي القاعدة الأساس، فقد تكون هناك حاجة الى تقييد الحريات والطموحات الشخصية إذا ما تعارضت مع احتياجات المجتمع كك . ولابد أن نشير هنا الى ان السياسية في الديمقراطية أو السياسة الديمقراطية هي دائما مسألة تسوية، لأن احتياجات الناس وقدراتهم مختلفة جداً ولا يمكن أن يكونوا راضين تماماً. الشيء المهم هو فسح مجال للتفاوض بين القيم الأساسية.

لذلك سنلقي نظرة سريعة على الإيديولوجيات السياسية الرئيسة، ولكن في البداية ملاحظة حول الطريقة المقبولة عموما لوضع العلامات على الأفكار والإيديولوجيات. تستعمل المصطلحات " يمين" و " يسار" و " وسط" " "right" و "left" و "centre" بانتظام في المناقشات السياسية. هي ليست جديدة وربما تعود إلى القرن الثامن عشر. ومعاني المصطلحات كما يلي:

- يشير "اليسار" بشكل عام إلى الإيديولوجيات التي تحبذ المساواة الاجتماعية وما تعتبره أجندة تقدمية للمجتمع. إن الإيديولوجيات الاشتراكية والماركسية المختلفة تقع تحت هذه الفئة، وايضا الفوضوية.

- مقابل ذلك، يحتضن "اليمين" تلك الأيديولوجيات الأكثر تحفظًا بطبيعتها، والتي تفضل التغيير التدريجي فقط وتضع في اعتبارها التقاليد الراسخة. كما أنه يستخدم لوصف لتلك أيديولوجيات، مثل الفاشية، التي غالبا ما تتبنى نهجا استبداديا قوميا.

- ويستخدم "الوسط" عمومًا لوصف الأيديولوجية الليبرالية، ولكنه قد يشير أيضًا إلى تلك التي من اليمين أو اليسار ذات التوجه المعتدل وتفضل إجماعًا واسعًا. ومن هنا يمكن استخدام مصطلح "يمين الوسط" للمحافظين المعتدلين، وقد يصف الديموقراطيون الاجتماعيون أنفسهم بأنهم يشغلون "يسار الوسط" في الطيف السياسي.

مع الحرية والديمقراطية

إذا تم أخذ الحرية كقيمة أساسية، فسوف يسعى مجتمع ما للسماح للأفراد بتعظيم فرص حياتهم الخاصة دون عائق من الحكومة. وسيتم الحد من التشريعات إلى الحد الأدنى الذي يكفي لحماية الأفراد من إيذاء بعضهم بعضاً، وعلى المجتمع أن يتحمل أو يتسامح ، سواء كان فرداً أو جماعةَ، مع ما لا يتعارض مع حرية الآخرين.

 يثير موقف الحرية الكاملة للفرد والوضع الذي تمارس به الدولة الحد الأدنى من السيطرة بعض الأسئلة:

- ما هي عواقب السماح للجميع بالقيام بما يريدونه ؟

- الناس بحاجة إلى العمل معًا في أطار المجتمع - هل يتوافق هذا مع الحرية الكاملة؟

- هل يمكن أن يكون الفرد حراً في تناول المخدرات، أو أرفض القيام بواجباته والتزاماته كدفع الضرائب( في معظم الدول غير الريعية)، دون أن تؤثر هذه الأشياء على الحياة؟

- ھل تعتبر وجهة اﻟﻧظر التي تطالب بعدم التدخل من قبل الحكومة ذات فائدة؟

 - هل للحكومة أي دور (كما قال أفلاطون وأرسطو) في تشكيل وتوجيه حياة الأفراد، بدلا من مجرد الاستجابة لرغباتهم؟

إن الميل العام في هذا العصر للأجابة عن مثل هذه الأسئلة التي تتعلق بالحرية إلى اقتراح الذي يقول أننا يجب أن نتخذ موقفاً أكثر اعتدالاً، وهو الموقف الذي تعبر عن الليبرالية.

تطورت الليبرالية، كما نعرفها اليوم، في القرنين السابع عشر والثامن عشر في أوربا. إنها إيديولوجية تقوم على احترام الفرد، وتسعى إلى تمكينه من تقرير مصير حياته إلى أقصى حد ممكن، بحيث يقتصر تدخل الدولة على ضمان أن تكون هذه الحرية نفسها متاحة للجميع فقط. وقد عرض جون ستيوارت ميل ذلك بوضوح في القرن التاسع عشر.

غالباً ما ترتبط الليبرالية بالفردية - وهو الادعاء الذي يقول بأن الأفراد يجب أن يكونوا أحراراً في اتخاذ خياراتهم الخاصة وعلى الدولة أن توفر بيئة يمكن أن يتحقق فيها تطبيق مثل هذه الخيارات الفردية. ومع ذلك، يتخذ هذا السعي الليبرالي للحرية عدة اتجاهات مختلفة ( ومتضاربة إلى حد ما). إذا كنت أرغب في أن أكون حراً ، فمن المعقول أن أكون راغباً في أن أكون حراً اقتصادياً وسياسياً. وقد أرغب في بدء عمل تجاري وسأرغب في القيام بذلك مع الحد الأدنى من تدخل الدولة أو تنظيمها. أدى ذلك إلى التحول الذي غالبا ما يشار إليه باسم الليبرالية الجديدة، وهي التي تقول ينبغي أن يكون هناك اقتصاد غير مخطط إلى حد كبير.

قد ينظر إلى الليبرالية الجديدة على أنها جزء من "اليمين الجديد" الذي تمتد جذوره الى التيار المحافظ في الليبرالية التقليدية. لاتقف حرية التجارة عند حرية الفرد، بل يرافقها الحرص على تطوير وزيادة قيمة الأعمال التجارية، وهذا لايحصل إلا في بيئة تنافسية. قد يؤدي رفع القيود و تحرير التجارة إلى إنتاج سلع وخدمات أفضل، حيث أن كل مزود يتطلب المنافسة ضد جميع الآخرين للحصول على حصة من السوق: إن حرية الربح تعني ضمناً حرية الخسارة، لذا قد يكون الاقتصاد المنظم بدون قيود هنا هو الآخر تهديدًا وتحديًا.

يرى الخبير الاقتصادي التحرري العظيم آدم سميث (1723-90) يجب ألا تتدخل الدولة في المصالح الخاصة للأفراد أو في عمل السوق الحرة. ويرى الاقتصادي المعاصر ميلتون فريدمان تظهر الأسواق الحرة الرأسمالية بشكل طبيعي بمجرد تحريرها من السيطرة السياسية. وبالتالي، تشجع التقاليد الليبرالية على إزالة السيطرة السياسية التي تحد من الحرية الاقتصادية للأفراد، ويشجع الاقتصاد على أن تأخذ الحياة الخاصة دورها بها في تشكيل المجتمع. لم ينكر آدم سميث أن النظام الرأسمالي أدى إلى عدم المساواة في الثروة. غير أن وجهة نظره كانت أن الثروة الشاملة للأمة ستزداد. وبعبارة أخرى، حتى إذا أصبح الأغنياء أكثر ثراءً، فإن ما يولّدونه من شأنه أن يحسّن وضع أفقر الناس.

التطور الآخر للفكر الليبرالي الذي نشأ مباشرة من أصل الاحترام لاستقلالية الفرد، هو الحقوق المدنية وحقوق الإنسان. إذا كان يجب احترام الشخص، فيجب الدفاع عن حقوقه. ومع ذلك، قد يتطلب الدفاع عن حقوق الإنسان تشريعات وفرض قيود على أولئك الذين يستغلون الآخرين. ومن ثم قد تجد نفس القيمة الليبرالية لاحترام الفرد نفسها في جوانب مختلفة جداً فيما يتعلق في النقاش حول الحرية الاقتصادية. إن منح الحرية الاقتصادية الكاملة للناس قد يترك الباب مفتوحًا أمام إمكانية عدم المساواة والاستغلال. ويمكن اعتبار تنظيمها لصالح الحقوق الأساسية للفرد بمثابة الإحباط لشكل طبيعي للتعبير عن الذات والتنمية. تتمثل المعضلة الليبرالية في كيفية حماية الأفراد وتشجيعهم في وقت واحد، وهو كيفية منعهم من إيذاء أنفسهم مع منحهم حرية القيام بذلك إذا رغبوا في ذلك.

 مع المشاركة

يرى بعض المفكرين أمثال حنة أرندت (1906-1975) أن هناك مجالاً ضئيلاً في الديمقراطية الليبرالية الحديثة لعملية المشاركة في العملية السياسية. وهي تتطلع إلى مستوى مشاركة جمهور أكثر مثل ماحصل في المدن الأغريقية القديمة والنهضة الإيطالية حيث يشارك فيها عدد كبير من الناس بشكل مباشر في صنع القرار السياسي نيابة عن الشعب ككل. ويرتبط هذا بفكرة "المجال العام" (وهو مصطلح أدخله المفكر الاجتماعي والفيلسوف الألماني يورغن هابرماس،- 1929) الذي يكون لدى كل فرد فيه مجالان في حياته، واحدة عامة والأخرى خاصة. يجب إعطاء المجال العام أهمية أكبر طبقا لأرندت و هابرماس. إن خطر المجتمع الليبرالي الحديث هو أقتصار أهتمام الفرد في "مجاله الخاص" فقط كمستهلك للسلع والخدمات ، في حين أن المشاركة السياسية هي مسألة مشاركة في الساحة السياسية العامة بالكامل على مستوى النقاش والفعل.

إن تصور هابرماس في مايتعلق بالمجال العام يتناقض بشكل صارخ غالباً مع ما يجري في الديمقراطيات اليوم، أي أن عملية اتخاذ القرار تقتصر على أقلية من المتحمسين أو المهنيين، يعملون داخل الأحزاب السياسية. قد يختار معظم المواطنين أو لا يختارون التصويت في انتخابات عامة، ولكنهم يرون أنفسهم على أنهم ليسوا أكثر من متلقين سلبيين لنظام سياسي لا دخل لهم فيه. إن المثل الأعلى للجمهورية، و "الفضاء العام" وهو التعبير الحديث عن المشاركة أن يكون كل شخص قادر على الانخراط في العملية السياسية على المستوى الذي يناسبه.

مع الفوضوية

يدفع السعي إلى الحرية في حدها المنطقي الأقصى إلى الفوضوية التي تنطلق من أن الحكومة في أفضل الأحوال غير ضرورية وفي أسوأ الأحوال ضارة. تعود الفوضوية الى تاريخ طويل وترتبط بمفكرين مختلفين للغاية. فقد أستاء ديوجينيس الكلبي من أي نوع من القواعد أو الشرط التي تُفرض على المرء ليتوافق مع توقعات المجتمع، ورأى روسو أن الحالة الطبيعية للبشرية قد أفسدها المجتمع.

لقد تطورت الفوضوية كأيديولوجية في القرن التاسع عشر وترتبط بشكل خاص بعمل وليام غودوين (1756-1836) ، وبيير جوزيف برودون (1809-65) وبيتر كروبوتكين (1842: 1921). لم يكن الفوضويين (الأناركيين) منظمين بشكل جيد في جدول أعمال سياسي واحد متفق عليه مركزيًا! هناك العديد من الأشكال المختلفة للفوضوية، يؤكد بعضها على حرية الفرد، والبعض الآخر على قيمة العمل الجماعي، ولكن يبدو لديهم جميعا وجهة نظر أساس تقول يمكن للبشرية أن تزدهر بشكل طبيعي وعفوي بمجرد إزالة القيود السياسية. لذلك فإن الأناركية تمتلك نظرة إيجابية للطبيعة البشرية ولإمكاناتها ولكنها نظرة ساخرة بشكل عام لقيمة البنى السياسية. وعليه يمكن القول "الفوضوية" هي المصطلح المستعمل عادة من قبل شخص يرفض كل القواعد حتى لو كانت النتيجة سلبية. إن الفوضويين الحقيقيين لديهم نهج أكثر إيجابية، أنهم يبحثون عن وضع يسمح بالازدهار الحر لكل فرد.

مع القيم والتقاليد المعمول بها

يرى المحافظون لا يجب وضع القيم والتقاليد جانباً بكل سهولة، خاصة إذا اعتبرت فعالة في تنظيم المجتمع. تعبر المحافظة عن موقف أقل إيديولوجية وأكثر عموميةً تجاه المجتمع والسياسة. إنها ترى هناك قيمة في تقاليد المجتمع الراسخة تعزز القانون والنظام، وتسعى إلى الاعتزاز بما تم تحقيقه في الماضي، وتشجع على احترام السلطة. وإذا كان هناك تغيير، فينبغ يأن يكون بناءً على التجربة لا على التفكير المجرد.

إن النص الكلاسيكي الذي يعتبر قلب التيار المحافظ هو تأملات إدموند بيرك عن الثورة في فرنسا، التي نُشرت في 1792 تحت عنوان نداءات بيرك (1729-1797) وهي تؤيد عملية بطيئة للتغيير في المجتمع، تعترف بالحكمة التراكمية للماضي. كان ذلك، بالطبع، في صالح الملكية الدستورية، وإلى جانب المؤسسات الديمقراطية للحكومة، كما تم تأسيسها في إنجلترا. من أجل فهم قوة حجة بيرك، على المرء أن يقرأ خصمه العنيد، توماس باين الذي كتب عن "حقوق الإنسان" بقصد الرد على حجة بيرك نقطة نقطة. يبرز الأنقسام الأساسي التفكير المحافظ والفكر الاشتراكي من خلال النظر إلى المعركة الفكرية بين مواقفهم - دفع باين بأتجاه الإطاحة بكل سلطة مُقيدة، ووضع وثقة عميقة على قدرة الناس الاتفاق معا، بينما يركز وبورك باستمرار على الحذر من التغيير الراديكالي وعلى الثقة في المؤسسات القائمة.

تم تعديل المحافظة المعاصرة لتتناسب وروح العصر وتلونت بالملامح الرئيسية لليبرالية. ينطلق جدول الأعمال المحافظة الجديدة من الناحية الاقتصادية من سياسة عدم التدخل الليبرالية إلى حد بعيد. يختلف المحافظون الجدد اختلافاً ما عن المحافظة التقليدية، ويعتمدون بشكل كبير على الأجندة الاقتصادية الليبرالية، وهي سمة من سمات التفكير السياسي التي كان لها الحضور والبروز الأكبر في الولايات المتحدة، كما أوضحها فوكوياما (في 2006، America at the Crossroads) يحتوي على أربعة ميزات مميزة:

- أهمية الطابع الداخلي والقيم المتجسدة في النظام السياسي للولايات المتحدة الأمريكية، ويجب التعبير عنها في السياسات الخارجية؛ وبالتالي ينبغي على السياسة الخارجية الأمريكية أن تعيد إطلاق قيمها الديمقراطية الليبرالية.

- الاعتقاد بأن الولايات المتحدة الأمريكية يجب أن تظل ملتزمة في الشؤون الخارجية ويجب أن تستخدم قوتها للأغراض الأخلاقية.

- نظرة متشائمة لقيمة التخطيط الاجتماعي.

- نظرة متشائمة حول قدرة القانون الدولي أو المؤسسات الدولية على أن تكون فعالة في ضمان الأمن والعدالة.

يصف فوكوياما المحافظين الجدد بأنهم يرون الصواب هو أن تستخدم الولايات المتحدة قوتها العسكرية لتحقيق "الهيمنة الخيرية" على تلك الأجزاء من العالم التي تعتبرها ذات أهمية استراتيجية. ومن المهم ملاحظة أن مواقف المحافظة الجديدة تميل إلى التأكيد على ما يرونه مسؤولية أخلاقية للحفاظ على القيم التقليدية. وبالطبع فإن الطريقة التقليدية للحفاظ على هذه القيم، أو كيف يمكن تبريرها بعقلانية، مسألة أخرى بالطبع وتفصيل آخر.

مع المساواة

إذا كانت العدالة والمساواة هي القيمة الأساس لديك، فسوف تشعر بالأهتمام بأن يتلقى كل فرد في المجتمع ما يحتاج إليه، وأن لا تتحكم أقلية بالقاعدة الاقتصادية للأمة لكي تستفيد منها على حساب الآخرين. لقد تناول أفلاطون وأرسطو هذا الأمر، إلى حد ما (رغم أن هناك تحفظات كبيرة في تناولها، حيث تم تجاهل النساء والعبيد إلى حد كبير). وأنعكس ذلك أيضًا في "العقد الاجتماعي"، الذي يؤكد على مدى أهمية وقابلية الناس للالتزام بمصيرهم، بدلا من أن يكونوا تحت سيطرة حاكم مستبد لا يخضع للمساءلة.

ولكن مع القرن التاسع عشر - بدأت تغيرات هائلة في المجتمع نتيجة للثورة الصناعية في أوربا، وتطور الرأسمالية وتكوين طبقة عاملة حضرية وصناعية - تطور هذا التفكير إلى الإيديولوجيات الاشتراكية والشيوعية.

انبثقت الاشتراكية تعبيرا عن وعي الطبقة العاملة وتمردها على التأثير الاجتماعي للرأسمالية غير المقيدة. أذ رأت إن الرأسمالية بحاجة إلى تعديل وتخفيف أهدافها السياسية والاجتماعية. لقد وقف الفلاسفة مثل برتراند رسل (في محاضرته "قضية الاشتراكية") ضد النزعة المتأصلة في الرأسمالية التي تشجيع عدم المساواة، وتجاهل محنة أولئك العاطلين عن العمل، وكذلك طالب بالعمل على بالسماح تحسين أوضاع الطبقة الدنيا. قدمت الاشتراكية نفسها على أنها حملة أخلاقية ضد أسس الرأسمالية التي أدت إلى الاغتراب والاستغلال ومعاملة الناس كسلع وكتروس في عجلة اقتصادية. قاال روبرت أوين (1771-1858) ، وهو اشتراكي، (في رؤية جديدة للمجتمع، 1814) أن مجموعات صغيرة من الناس، مسؤولة عن عملها الخاص، يمكن أن تتوحد معاً وتحكم نفسها بطريقة تعاونية.

لم تكن هذه الاشتراكية، في بعض النواحي، بعيدة عن آراء الفوضويين الأوائل، الذين قالوا يمكن أن يعمل الناس معا بشكل جيد من دون فرض السيطرة السياسية نيابة عن الدولة – لكن قولهم هذا كان في ظروف مختلفة جدا عن ظروف الطبقة العاملة الصناعية الحديثة. كان موضوع الأستقلالية وحكم الذات لذاتها من خلال العقل، وتجاوز الانقسامات القديمة (بما في ذلك الانقسامات التي أحدثها الدين) هو المعبر عن الوعي السائد أنذاك.

تسعى الإيديولوجية الاشتراكية إلى إعادة توزيع الثروة لصالح الأقل رفاهية، وتقييد تلك الجوانب من الرأسمالية التي قد تنتج عواقب غير مقبولة اجتماعيا. أراد الاشتراكيون أن يتم إنتاج السلع لصالح المجتمع، وليس مجرد ترك الاقتصاد الرأسمالي للسوق الحرة. ومن هنا تطورت الحركة النقابية كحركة تمثل مصالح الشعب العامل بهدف تحسين الشروط والظروف التي يمنحها عملهم. لذلك ، فإن التمييز الأساسي بين المجتمع الرأسمالي والاشتراكي يدور حول ما إذا كانت احتياجات رأس المال تهيمن على احتياجات المجتمع، أو العكس. من الناحية العملية، بطبيعة الحال، تقع جميع المواقف بين هذين الضدين تقريبا. فمكان الهدف الرئيسي الوصول نقطة التوازن.

مع ماركس والشيوعية

قال كارل ماركس (1818-83) أن الفلاسفة قاموا بتفسير العالم بطرق مختلفة بينما المهمة الأساس هي تغييره، وبدون شك، كانت فلسفته السياسية مؤثرة بشكل كبير، وشكلت الكثير من تاريخ القرن العشرين. وكان عمله الرئيس هو Das Kapital " راس المال: نقد الاقتصاد السياسي"، الذي نشر في عام 1867. إن الكتابات حول ماركس كثيرة، ومن غير الواقعي تفصيل فلسفته في هذه المقالة القصيرة نسبيا ، ولكن من المهم وضعه في إطار التطور العام للفلسفة السياسية.

قال ماركس ان البنى السياسية والاجتماعية متجذرة أساسا في الاقتصاد، وعلى وجه التحديد في إنتاج السلع وتوزيعها. ولذلك فسر التاريخ من الناحية الاقتصادية حيث يشكله الصراع بين الطبقات الاجتماعية وأرباب العمل الراسماليين الذين يعاملون موظفيهم كما يعامل ملاك الأراضي فلاحيهم. وينظر إلى كل شيء من حيث النضال الطبقي، وفي سياق المجتمع ككل.

تاثر ماركس بجدليه هيغل ولكنه كان مدفوعا بالأساس المادي والاقتصادي للمجتمع. وبالتالي، تسمى نظريته المادية جدليه.

 إن إنتاج شيء يحقق من خلاله شخص آخر ربحًا، يصبح منفصلاً عن عماله، ويتم التعامل معه على أنه أشياء غير شخصية، مجموعة آلات الغرض الوحيد منها في الحياة هو الإنتاج. لقد شاهد ماركس العملية الرأسمالية التي أدت إلى تركيز المزيد من الثروة في أيدي عدد قليل من "البرجوازية" ، بينما تتحول "البروليتاريا" العاملة إلى الفقر. وأعتقد أن هذا سيؤدي في نهاية المطاف بهؤلاء العمال إلى الانتفاض ضد أصحاب الملكية البورجوازية، والحصول على ملكية مشتركة لوسائل الإنتاج، وإنشاء مجتمع لا طبقي- ديكتاتورية البروليتاريا: الشيوعية.

تتضمن الأيديولوجية الشيوعية عمومًا درجة عالية من سيطرة الدولة التي يستلزم عليها توفير أساسيات الحياة في دولة الرفاهية.

كانت هناك اختلافات كبيرة في تطبيق هذه الأيديولوجية. فبينما أمسكت السلطة بالدولة وهيمنت عليها في عهد لينين، أراد تروتسكي سلطة أقل رسمية لتكون في يد الحزب الشيوعي، ويكون هناك المزيد من المشاركة المباشرة للناس في صنع القرار السياسي. واجه ماو، في الصين، وضعا مختلفا عن الوضع الذي كان ينطلق منه ماركس، ورأى أن الناس العاديين في البيئة الزراعية على استعداد لقيادة الثورة، على عكس افتراض ماركس بأن العالم الزراعي سيحتاج إلى ان يصل الى التصنيع والأنتاج الصناعي قبل أن تحدث هذه الثورة.

العامل الرئيسي الآخر في تقييم الأيديولوجية الماركسية هو أنها تنبأت بالتدمير الذاتي للرأسمالية في نهاية المطاف، وازدهار المجتمع الشيوعي الذي لا طبقية فيه. من الناحية العملية، طبعا، ازدهرت الرأسمالية في القرن الحادي والعشرين، وفشلت الدول الماركسية في تحقيق المساواة والحرية الموعودة، وبالتالي أطيح بها.

واجهت اللشيوعية السوفياتية معضلة رهيبة في I956، عندما تم الاعتراف بالحكم المرعب في عهد ستالين الذي ندد به خروتشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي. وأخذ يشار إليه أحيانا باسم "التناقض الكبير" الذي يمكن التعبير عنه بمايلي:

- هل كان حكم ستالين هو نتاج حتمي للبنى الاقتصادية التي خلقته؟

- أم أن عبادة الشخصية هي التي سمحت لستالين بالحكم بهذه الطريقة، لتشكيل المجتمع والوقوف فوق القانون؟

إذا أخذت أول هذه الخيارات، فإن مسيرة المادية الجدلية أدت إلى كارثة، وليس الى المجتمع المثالي وحكم البروليتاريا. قال ماركس بأن المجتمع سينتج القادة الذين يحتاجونه. ومن هنا يمكن أن يلام النظام السوفياتي نفسه لإنتاج ستالين. لكن إذا أخذت الثانية من هذه الخيارات، فهذا يعني أن المادية الجدلية نفسها خاطئة جوهريًا، وأن التغيير يحدث من خلال تأثير الحكام الأفراد، وليس عملية جدلية الديكتاتيك.

في مواجهة حقيقة ما حدث في الاتحاد السوفياتي تحت حكم ستالين، بدا فجأة أن نظرة ماركس الأساسية لطبيعة التغيير السياسي كانت معيبة بشكل أساسي أو كانت نتائجها غير مقبولة على الإطلاق. كان ذلك اعترافًا صادمًا لم تتعافى منه الشيوعية أبدًا.

انتقد فريدريش فون هايك (1899-1992)، في كتابه "الطريق إلى العبودية" (1944)، كل الأيديولوجيات القائمة على الجماعية - فكرة أن النشاط الاقتصادي يجب أن يتم تنظيمه مركزيًا من قبل الدولة - على أساس أن الجماعية تقود بشكل طبيعي إلى الشمولية. وأعرب عن اعتقاده بأن التخطيط المركزي لن يحقق الإنصاف في توزيع الموارد، ومن الأفضل تركه لقوى السوق، وقدرة الناس على التجمع من تلقاء أنفسهم والتعاون من أجل المنفعة المتبادلة. من الناحية العملية، كان الاقتصاد المركزي الهائل للاتحاد السوفييتي تحت حكم ستالين ، يُنظر إليه، عن سبيل المثال، أنه غير كفؤ بشكل يائس، ومتعثر في البيروقراطية، ويصونه القسوة الشمولية.

جاء نقد آخر رئيسي للشيوعية الماركسية من قبل كارل بوبر (1902 - 94). كان ماركس قد رأى أن تقدمً المجتمع يتحدد علميًا من خلال المادية الجدلية، لكن بوبر رأى في هذا علمًا زائفًا، لأن الماركسيين لن يسمحوا بأي دحض نظريتهم مما يؤدي إلى رؤية ثابتة وشمولية للمستقبل. ويتماشى هذا مع مساهمته الرئيسية في فلسفة العلم - التكذيب - أي أنه من أجل اختبار النظرية، يحتاج المرء أن يعرف ما الذي سيظهر أنها خاطئة، حيث لا تتوافق أي نظرية حقيقية مع أدلة متناقضة. وقال إن الماركسيين لن يسمحوا بأي نقد ضد المادية الجدلية، وبالتالي، فإن النظرية لا يمكن أن تكون علمية حقيقية. وهذا يقوض أسس النظرية الاجتماعية الشيوعية.

لقد جمع ماركس أدلته - مثله مثل أي عالم - فابتكر نظرية تفسيرية. لكن أظهر التاريخ اللاحق أن تنبؤاته خاطئة، وبالتالي - مهما كانت المزايا الاجتماعية التي قد يقدمها النظام الشيوعي - لم يعد من المنطقي الاعتقاد بأن ديكتاتورية البروليتاريا أمر لا مفر منه.

تعتبر الاشتراكية الطريقة الجماعية لوسائل الإنتاج خطوه ضرورية على طريق تحقيق هدفها السياسي. وبمجرد ان تتحكم الدولة مباشره في وسائل الإنتاج، يمكن ان يدار الاقتصاد من أجل تلبيه الاحتياجات الحقيقية للشعب، في حين انه في ظل الراسماليه، يتم تحفيز الاحتياجات المتزايدة باستمرار للناس من أجل أدامة النظام الراسمالي.

ان النجاح العام للراسماليه وفشل الاقتصاد المخطط يعني ان الموقف الاشتراكي اليوم، وبصفه عامه، لم يعد يحاول القضاء على النظام الراسمالي، أو المبادئ العامة للعرض والطلب المضمنة فيه. وبدلا من ذلك، فانه يرى ينبغي تنظيم الراسماليه برفق، مع الاعتراف بان المنافسة العارية (كما قدمها أفلاطون في Thrasymachus ، حيث العدالة هي كل ما هو في مصلحه الأقوى) لا تعطي دائما نتيجة اجتماعيه مقبوله.

وفي هذا السياق لابد من الأشارة الى أندريه غورز الذي كان مساهمًا أوروبيًا كبيرًا في التفكير حول الاشتراكية والرأسمالية، فقد أنتقد في كتابه "الرأسمالية والاشتراكية والإيكولوجيا (1991)" "هيمنة العقلانية الاقتصادية المتجسدة في الرأسمالية". بعبارة أخرى، من وجهة نظر اشتراكية، لا تهتم بالأثر الاجتماعي للاقتصاد فقط، بل على ما اعتبره هيمنة الفكر السياسي على الاقتصاد.

 إن الديمقراطية الاجتماعية الحديثة هي نتاج هذا الاندماج للاشتراكية مع الديمقراطية و الاعتراف بالفوائد التي تعود على العاملين والتي يمكن تحقيقها من خلال اقتصاد يوفر مستويات معيشية متزايدة باستمرار. وقد أدى هذا الاعتراف إلى انتقال الأحزاب الاشتراكية الحديثة بمسافة كبيرة نحو الأجندة الليبرالية.

مع التنمية الشخصية أو الوطنية

إن العالم الذي يتغير ويتطور، من المهم ان يحدد الأفراد والأمم فيه الأهداف التي يطمحون إلى تحقيقها، ويمكن أن تصبح هذه سمة أساسية لإيديولوجية اجتماعية وسياسية أو شخصية.

فريدريك نيتشه (1844-1900) هو الفيلسوف الذي اشتهر بادعاءه بان الله قد مات وبالتالي يجب على البشرية ان تتحمل مسؤولية مستقبلها. في الوقت الذي كانت نظرية داروين للانتخاب الطبيعي، وفكره التطور عموما، أنتجت وجات نظر جديده لفهم الأنواع البشرية، رأى نيتشه رجلًا جرأياً على حبل مشدود يتحرك من بين الوحش نحو شكل أعلى مستقبليًا: 'سوبرمان'. معبرا عن تأكيده للحياة على أنها "إرادة للقوة" - ليس القوة الخارقة كما في محاورة أفلاطون Thrasymachus، بل إرادة لتأكيد الحياة والتطور والمضي قدما. ينتقد نيتشه المسيحية والديمقراطية على حد سواء، لأنه يعتقد أنها تمنع فعل الأقوياء لأجل تأييد الضعفاء. وتبدو له المسيحية تحتفل بالضعف وتقبل "أخلاق العبيد" بحماسة، بدلاً من "الأخلاق الأساسية" للتنمية الذاتية وزراعة الفضائل النبيلة. بالتأكيد نيتشه فيلسوف مهم يستحق القراءة. لكن لأغراضنا هنا، لا نحتاج إلا أن نتطرق إلى بعض الآثار السياسية لعمله - وبالتحديد، اعتباره تطور الشخصية، سواء بالنسبة للفرد أو للمجتمع، قيمة أساسية. بعبارة أخرى، إن إنتاج السوبرمان هو نقطة البداية – وهو الوظيفة الضرورية التي يجب على المجتمع أن يقوم بها حتى يبني نظامًا سياسيًا. وللأسف، قرأ كل من هتلر وموسوليني نيتشه واعتُبر عمله كرسم كاريكاتيري لتبرير قوميتهم المتشددة وأكثر أشكال العنصرية تطرفاً في نتائجها الوحشية.

ليست القومية أيديولوجية سياسية، ولكنها تعبير عن قوة سياسية مرتبطة بالدولة القومية. إنها متوافقة مع الإيديولوجيات الأخرى، لكنها تعطي الأولوية لتطور الدولة/ الأمة أو الدولة القومية، مما يعطي وزنا إضافيا للأمة، وتؤكد في كثير من الأحيان على أهمية الأمة بدلا من المنظمات الدولية أو الدينية.

يتجه التعاطف القومي في أقصى اليمين نحو الفاشية. وهنا يتم استخدام الهوية الوطنية كداعم لإدخال نظام استبدادي، مع معارضة للأفكار الليبرالية، ومطالبة الأفراد بالأندماج في الصورة الوطنية أو الثقافية النمطية. يعتبر موسوليني في إيطاليا وهتلر في ألمانيا وفرانكو في إسبانيا أمثلة على هذا النهج - في كل حالة يبدو أن هناك عبادة كبيرة للقائد، حيث ينظر إلى الحاكم على أنه تجسيد للمثل الوطنية العليا.

لا تخلو الفاشية من خلفية فلسفية. فقد رأى هيجل بأن الأفراد يجدون في الدولة تعبيرًا عن إرادتهم الجماعية ووعيهم. لذا فهم يبحثون عن دولة مثالية وزعيم مثالي، تجمع وتضع تركيزها على تطلعاتهم الجماعية. كان الممثل المبكر للأيديولوجية الفاشية هو الفيلسوف المتبنى للهيجلية الجديدة جيوفاني جنتيل (I875-I944) والذي كان الكاتب الخفي لـ"عقيدة الفاشية" لموسوليني. كانت نظريته عن المثالية الفعلية تهدف إلى التغلب على الفجوة بين الأفكار والعمل، حتى يعبر الناس عن فلسفتهم من خلال الالتزام السياسي. كما توجد مشاعر مماثلة عند هيدجر، الذي أيد آراء الحزب النازي في عام 1933 على أساس أن الناس يحتاجون إلى الإحساس بالمعنى والتوجه والحسم في حياتهم بالأضافة تأكيد الذات التي لا يمكن أن يقدمها إلا زعيم قوي في سياق قومى، معتقدا أن للشعب الألماني رسالة خاصة. وأريد أن اشير هنا الى أن أفكار جنتل تقف في تناقض مثير مع أفكار ماركس. فبينما تبنى ماركس جدلية هيغل واستند إليها في تفسيره المادي والاقتصادي للعالم، رجع جنتل الى جدلية الأفكار. اعتقد كلاهما أن فلسفتهما ستغير المجتمع، وكان كلاهما مثاليان في تصورهما لمجتمع المستقبل. أما ما أذا كانت قيمتهم كفلاسفة شوهة بالكامل من قبل البنى السياسية التي نشأت من أفكارهم فهذه مسألة أخرى.

عندما نظر مكيافيلي إلى ما هو مطلوب من أجل الاحتفاظ بالسلطة في دولة المدينة في عصر النهضة في إيطاليا، رأى أن القسوة أكثر فعالية أحيانًا من اللطف غير الحاسم للأمور. وأن القيمة الأساس والتي لها الأولوية بالنسبة للحاكم هي أمن وسلامة وقوة الدولة، ويعتبر كل ما يتعلق بالحرية أو المساواة ثانويا.

لذا فإن السؤال الرئيسي هنا هو: إلى أي مدى يجب أن يكون لتطور الدولة، من حيث قوتها وأمنها واستقرارها وقابليتها الاقتصادية، الأولوية على قيم الحرية والمساواة لشعبها؟

مع الطغاة

السمة الأساسية للديكتاتوريين أنهم يقفون فوق سيادة القانون والسياسية. قد تظهر الديكتاتورية في العديد من الإيديولوجيات المختلفة، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. لكنها تشترك في سمة القسوة وعدم الرحمة في تنظيم الأمم التي تقودها وتسيطر عليها. وتاريخيا سببت موت الملايين. قد يصبح رئيس الانقلاب العسكري دكتاتوراً، بسبب التسلسل القيادي والطبيعة المطلقة للانضباط العسكري، مما يحول دون تحدي السلطة القائمة، ومع ذلك، يمكن تبرير الدكتاتورية من قبل الكثيرين في بعض الأحيان لقدرتها على السيطرة على أوضاع أنقسامات طوائفية يؤدي انفلاتها الى حروب اهلية وتفكك الدولة. من المهم أن نسأل ما إذا كان أي نظام أقل من الديكتاتورية قادر على إقامة دولة مستقرة فيها فصائل داخلية متصارعة. لن يخبرنا على هذا السؤال سوى الزمن.

لقد وصل الديكتاتوريون، عموما وتاريخيا إلى السلطة في مواقف تتطلب عملاً سياسيًا حاسمًا، وكان يرحّب بهم الناس في بعض الأحيان للفوائد التي يمكن أن يقدمها الحسم من حيث كفاءة الخدمات التي تقدمها الحكومة. تكمن المشكلة في صعوبة أزالة الدكتاتورين من السلطة لسيطرتهم على الوسائل العسكرية وغيرها من وسائل التغيير.

 مع البيئة

بوجود 6.5 مليار شخص على هذا الكوكب، وموارد طبيعية محدودة، واقتصاد عالمي يشجع على زيادة استهلاك السلع والخدمات، ليس من المستغرب أن يتزايد تأثير الإنسان على البيئة، وقد أدى ادراك هذا الأمر إلى تطوير مجموعة من المبادئ التوجيهية الأخلاقية والسياسية التي تتحدى الإيديولوجيات القائمة. تشير مسألة البيئة إلى أن تشغيل الصناعة والنقل أن يُأخذ في الاعتبار أثرها البيئي. قد يكون هذا جيداً في حد ذاته، لكنه لا يعالج الافتراض الأساسي للرأسمالية بأنه سيكون هناك عدد متزايد باستمرار من السلع والخدمات التي يتم إنتاجها لتلبية الاحتياجات المحفزة دائما. يبدو هذا لبعض المفكرين ( أندريه غورزعن عن سبيل المثال) ليس أكثر من استجابة جزئية للأزمة البيئية العالمية، لأنها تترك بنية الإنتاج التي تسبب الضرر البيئي ولا تقدم لها علاجا جذريا. البديل هو نهج إيكولوجي أكثر جذرية يرجع عن الافتراضات الاقتصادية للرأسمالية ويسأل لماذا نحتاج إلى زيادة مستوى معيشتنا (الذي عادة ما يكون متطابقًا مع مستويات استهلاكنا). من شأن هذا النهج أن يوحي بأن نوعية الحياة يمكن تحسينها من خلال استهلاك حياة أقل- مقاربة الحياة وقيمها من المنظور الإيكولوجي، ومن ثم تنقيح احتياجاتنا ورغباتنا المتصورة في ضوء ذلك المنظور بدلاً من مجرد الضغط والتأكيد على افتراض زيادة الإنتاج.

الإيكولوجيا السياسية هي المصطلح المستخدم بشكل عام لإعادة تشكيل الفكر السياسي لمراعاة حقيقة أن الناس يعتمدون على بيئة تتعرض بشكل متزايد للتهديد بسبب نشاطاتهم. ولكن هناك سؤال جوهري يُطرحه: هل يجب حماية البيئة من أجل مصلحتها الذاتية، أم بسبب قيمتها للبشرية؟

إن أولئك الذين يأخذون بوجهة النظر الأخيرة يقولون بالحاجة إلى التنوع البيولوجي، عن سبيل المثال، غالباً ما تكون الأنواع النباتية النادرة مفيدة لأننا نستمد منها أدوية جديدة. وسيكون للضرر الذي يلحق بالبيئة تأثيرا مباشرا على نوعية الحياة، أو حتى بقاء الأنواع البشرية. أما ألئك الذين يأخذون بوجهة النظر الأولى (التي يطلق عليها عمومًا علم البيئة العميقة) فيقولون علينا أن نتجاوز النظرة البشرية للطبيعة - أي يجب حماية البيئة، بغض النظر عما إذا كان بإمكاننا رؤية أي منفعة مباشرة للبشرية في القيام بذلك. ويرتبط ذلك بالحجة الأخلاقية لحقوق الحيوان - وهي أن الأنواع الأخرى ليست موجودة للترفيه أو الغذاء للإنسان، بل ينبغي أن تُقيَّم في حد ذاتها وتُعامل باحترام.

من الواضح أن الإيكولوجيا السياسية تنطوي على مجموعة كبيرة من القضايا، من تغير المناخ والتلوث إلى مخاطر استغلال موارد الأرض المحدودة وانقراض أنواع أخرى. ربما أعتبرت مثل هذه القضايا في المقام الأول وفي وقت ما ذات أهمية أخلاقية للأفراد ولكن اصبح من الواضح في العقود الأخيرة أنه لا يوجد فرد، بل ولا دولة بمفردها، قادر على معالجة هذه القضايا وحدها. سيتطلب أي تغيير جوهري اتخاذ قرارات سياسية على المستوى العالمي وكذلك على المستوى الوطني، وسيحتاج نشاط الأفراد (عن سبيل المثال، إعادة التدوير أو الاستخدام الاقتصادي للموارد) إلى قدر من الدعم السياسي لكي يكون فعالا.

 تتبنى مختلف أحزاب الخضر هذه الإيديولوجية البيئية، وكذلك منظمات مثل أصدقاء الأرض والسلام الأخضر. يتم تناول هذه القضايا أيضًا مع زيادة الوعي بأهميتها، من قبل الأحزاب السياسية الأخرى. ومن ثم، لدينا أيديولوجية لا ترتبط بحزب سياسي بعينه، ولكنها قادرة على إشراك الناس من جميع الأطياف السياسية، مع الاعتراف بأن القيم الأخرى لا يمكن الحفاظ عليها إذا تم تدمير البيئة نفسها. ستشكل العلاقة بين الأفكار والقيم التي تمثلها البيئة تحديا كبيرا للنظم والقيم السياسية والاقتصادية القائمة على أي مستوى يعمل به.

مع مستقبل الأيديولوجيات

 كان الأجماع، مع اقتراب القرن العشرين من نهايته، أن الاشتراكية كنظرية ونظام سياسي قد ماتت. وإن محاولة إدارة الاقتصادات الوطنية على خطوط إيديولوجية لا يمكن أن تتطابق مع ما يمكن أن تقدمه الأسواق الحرة عن طريق الابتكار والتحسينات في أسلوب الحياة. حتى البنى الطبقية التقليدية في الاقتصادات الرأسمالية بدت ميته، حيث أن الوعي الطبقي القديم أفسح المجال لتداخل دوائر الولاء في بيئة متعددة الثقافات، ذات دوافع مالية موجهة نحو المستهلك.

قال فرانسيس فوكوياما (في "نهاية التاريخ" ، 1992) أن الطموحات العالمية للناس في المشاركة في منافع الحياة الحديثة ستقودهم في نهاية المطاف إلى اختيار شكل ديمقراطي ليبرالي للحكومة ونظام اقتصادي رأسمالي. كتب هذا، بالطبع ، في ضوء انهيار الاتحاد السوفييتي والتراجع العالمي للاشتراكية والشيوعية. وهكذا، لم يرى فوكوياما "بدائل نظرية متماسكة للديمقراطية الليبرالية"، فافترض أنها - مثل العربات التي تتحرك نحو مدينة - سينتهي كل شخص في نهاية المطاف الى المكان نفسه، فحتى لو كان البعض قد خرج عن الطريق أو اتخذ مسارًا مختلفًا، أو كانوا يحققون تقدمًا أبطأ من غيرهم. وبعبارة أخرى، نحن جميعاً نتجه في الاتجاه السياسيا نفسه.

ثمانية عشر عاما هي فترة طويلة في السياسة، ومنذ ذلك الحين تبرأ فوكوياما عن تأييده لأجندة المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية، ولا سيما سياستها الخارجية وردها على هجمات 11 سبتمبر، وليس واضحا اليوم ما إذا كان من هو حر في اختياره أن يختار للديمقراطية الليبرالية ونهج السوق الحرة تلقائيا. هناك عناصر أخرى تلعب دورا كبيرا اليوم، لا سيما مع صعود الأيديولوجيات الدينية الأصولية التي تتقاطع مع أي افتراضات اقتصادية بسيطة. لا يفجر الانتحاري نفسه لزيادة حصته من الفوائد المادية!

أصبحت الأيديولوجيات المتناقضة بشكل صارخ والتي ثبتت أنها مميتة في القرن العشرين متواضعة. لقد تغير جدول الأعمال اليوم وطرحت قضايا عالمية جديدة وأسئلة لا تقدم عنها الإيديولوجية القديمة إجابة مرضية. قد تكون الديمقراطية الليبرالية قد فازت اليوم من حيث النفوذ العالمي، لكن مع مرور الوقت، هناك عدد متزايد من الأسئلة التي يجب طرحها حول منهجها. كما أنها تواجه تحديات متزايدة من منظور ديني، ولا سيما الأصولية، وكذلك من منظور الإيكولوجيا السياسية - وينظر إليها بشكل خاص في قضية الاحتباس الحراري للكرة الأرضية.

لم تعد المجموعات القديمة من الأفكار التي شكلت أيديولوجيات القرن العشرين مرنه بما فيه الكفاية لانصاف المجموعة المعقدة من القضايا التي تواجه المجتمعات العالمية والوطنية والمحلية اليوم. ومن ثم، فبدلاً من التمسك بالشعارات الأيديولوجية، من المهم أن تتصدى الفلسفة السياسية لأفكارها الأساسية مباشرة ، وهذا هو مايجب عليها، والتي سأنتقل لنقاشها لاحقا.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

يعد مفهوم الرمز من المفاهيم ذات الاشتغالات العميقة الجذور تاريخياً وفلسفياً، وتعد من المنطلقات الأولى في تكوين البنيات الاجتماعية للشعوب الأولى ذات التكوين البدائي في التفكير البشري، والذي اخذ بالبحث فيما ورائيات الظواهر الفيزيقية التي شكلت تحدي مباشر للوجود الإنساني المبكر، مما جعل إيجاد صيغ تعامل محددة في إطار فكري وزمني معين يتطلب من الباحث في هذا المفهوم إلى فهم طبيعة الأهداف المبكرة التي وجدت من أجلها تلك الظواهر الفكرية والحياتية التي ارتكز عليها إنسان الحضارات الأولى، وفي هذا المجال يرى (عالم الانثربولوجيا البنيوية كلود ليفي شتراوس) في محاولاته في تصوراته عن الطوطمية وما أنتجه العقل المتوحش، في إن تلك الشعوب عادة ما ننظر إليها على أنها خاضعة تماماً للحاجة إلى تجنب حالة التضور جوعاً، والاستمرار في حالة قدرة على البقاء في ظل ظروف مادية شديدة القسوة. هذه الشعوب تكون قادرة تماماً على القيام بتفكير منزه عن الهوى أي أنهم يتحركون من خلال الحاجة أو الرغبة لفهم العالم المحيط بهم طبيعة ومجتمع هذه العالم.

إن مرتكزات التحرك الغريزي المؤطر بالحاجات من أجل البقاء يعطي دافعية للشعوب الأولى من أجل تحصيل الاكتفاء الحياتي للبقاء والمرور بهذه الدافعية إلى البحث عن الديمومة لجعل هذا الوجود الإنساني يسير وفق بغيات منطقية تساير ما هو محيط وظاهر عياني مع ما هو مخفي ومحرك لهذا الوجود في إطار تفكير تبريري لتلك الحوادث والظواهر وما يكمن خلفها، لذلك استعاض الإنسان في تفكيره الأول بأشياء مادية تكون محمولة عن موضوعات يعتقد هي من أوجدت تلك الصور بمختلف أشكالها المخيفة أو السعيدة المشكلة لصور الحياة الأولية وتمثلاتها في داخل الوعي البشري.

إن التفكير الإنساني الأول جعل من هذه الصور وتمثلاتها في الوعي بمختلف مردوداتها وارتداداتها النفسية في داخل الوعي الأول تشكل حافز لمعرفتها وتحليلها، ولكن بسبب قلة الإمكانيات وبدائية الحياة حولها إلى أشكال مجسمة رمز بها إلى تلك الظواهر والتي تحولت بمرور الزمن إلى أشكال مقدسة ترمز وتشير بالوعي الجمعي إلى عملية تقديسية أنتجت نظام من المعتقدات التي بني على أساسها المشروع الطقسي والعبادي الأول عند إنسان الحضارات الأولى ذلك لان التقديس ينصب على الرمز وفعل التقديس نفسه هو صانع الرموز، كما أن الدين باعتباره وعياً جمعياً هو الوعي الرمزي عن جدارة ذلك لان الوعي الرمزي عندما يتحول إلى فعل رمزي يتخذ صورة الشعائر والوعي الجمعي هو الوعي المشتغل بالرموز وعلى مستوى الرموز، وهو الذي يستخدم الرمز باعتباره مشكلاً لرؤية العالم ومحفزاً على الفعل التقديس لها.

إن فعل التقديس لما يكمن خلف الرموز البدائية الطوطمية أنتجت الشعور بالمقدس والذي كونت طبيعة المجتمع الإنساني الأول وعكست قضاياه وحاجياته نحو البقاء، حيث اشتغل الرمز المقدس في تشكيل بنية الوعي ونزياحاتها نحو فرض مساحات فكرية محددة في إطار ما يعتقد المشتغل عليه لإعطاء تبريرات لمساحة المباح في حضرة الرموز وفعل ترميزاته في الوعي المتأمل لهذا الأفعال واشتغالاتها بين "المعنى الانطولوجي والمغزى الميتافيزيقي، ابتداء من الرموز الطوطمية في المجتمعات البدائية المندثرة، وانتهاء بالرموز الدينية،إذ إن الشعور (بالمقدس) – كما استخلص العالم بتاريخ الأديان والعقائد الدينية (مرسيا الياد) (هو عنصر من عناصر بنية الوعي وليس مرحلة من مراحل تاريخ الوعي، وذلك إن عالماً ذي معنى) والإنسان لا يسعه أن يعيش في العماء أو الخواء – هو حصيلة سيرورة جدلية يمكننا أن نسميها عملية تجلي المقدس، الذي يأخذ طبيعته الحضورية في طبيعة تكوين البناء الهرمي والقيمي للطقوس المرتبطة بشكل الرمز واشتغاله الشعائري ومدلولاته التي تتحول إلى بنيات أساسية في النظام التقديسي الديني والنظام الاجتماعي وحتى السياسي لتلك المجتمعات لان هذا البناء القائم على شقيه الميتافيزيقي كمدلول والفيزيقي الانطلوجي كدال يستند إلى فعالية العمليات الرمزية وارتباطها بالفعل الوجودي المرتبط  بسلطة ظاهرة أو خفية، ولكنه في كليته عملية تحقق ضروري للإنسان، فالبدائي يرى وجوده حقيقة واقعة ليست موضوع شك أو مجال تساؤل فلسفي... كما أن عالم المجردات منفصلاً عن عالم المحسوسات... فالرموز والطقوس هي (تشيؤ) وتجسيد لهذه المجردات، كما أنها أيضاً عملية تحقيق وجودي لهذه المجردات التي تصبح بمرور الوقت والاستخدام الانطلوجي للرمز ثابتة في طبيعة الرؤية البشرية في ضوء الاستمرارية الفعلية لهذه المفاهيم الرمزية في داخل الوعي كمحمول له أثر فعلي في تدويم السلطة الرمزية وتعويضاتها عن ما يتم التخلي عنه في المساحات الفكرية في داخل الوعي البشري، أن لهذه السلطة الرمزية وظيفة قائمة على الفعالية التعويضية في حقل الوعي المعرفي وبحثه فيما يؤكد وجوده وبقائه واستمرايته، لذلك فان الوظيفة الرمزية التي تتجلى في إطارها التعويضي هي ليست الحاصل البسيط للحركات المحددة، إنما هي ما تكونه علاقة ما بين أية حركة كانت بصفتها دالاً وبين شيء وفعل وحالة بصفتها مدلولات. مع ذلك فهي ليست إضافة وإنما ازدواجية كذلك فهي ليست شراكة بين حقيقتين منفصلتين بشكل بدائي، يكمن خطأ الترابطية بإعادة تكوين الحياة النفسية إلى بداياتها، بل هي ضرورة لتمكين الوعي من الاستمرارية في عملية ديناميكية هدفها إيجاد بدائل عن كل ما هو غير ممكن التواصل معه وفيه، لذا فان كل حالة تعويضية هدفها البحث عن البديل الذي يمكن الوعي البشري من التأقلم والتكيف مع ما هو قادم، لذلك جاءت الاستخدامات المتعددة والمتغيرة للرمز مع ما يستحدث من تصورات جديدة قابلة للبحث والتطوير في الوعي البشري، الذي يعمل على إنتاج ماهية الرموز وفعاليتها الفكرية في التصورات الذهنية، ومن هنا فأن منشأ الرمز في داخل الوعي البشري يأتي من الفعل المشترك للعقل والإدراك، فالعقل (القدرة البشرية لما فوق الحسي)، والإدراك (القدرة التي تعرف وفقاً للأحاسيس) يعملان معاً تحت توجيه الخيال لإنتاج الرمز، الذي ينبغي أن يظل موسوماً بالغموض والخفاء، فهي طريقة الإنسان في التعبير بوضوح عن تجربته في العوالم التي تظل جوهرياً غامضة وعصية على الفهم لتعلقها بالأفكار التجريدية، وهي عصية التوصيل إلا بطريق الرمز الذي يحدث نمواً في الذات، فيحصل نوعاً من الاعتماد المتبادل بين الرمز والذات التي أنتجته، فيه ثراء لها، وتعميق لأثر الرمز فيها.

ان خلاصة الفكر البدائي الذي تمظهر فيه الرمز بحالته الأولى يمكن ان نجمله بما يأتي:

أولاً: إن الرمز في الفكر الإنساني قديم الوجود ويعد ظهوره مرافق لظهور حاجة الإنسان الأولى للتعبير عن أفكاره وآرائه اتجاه الظواهر الكونية والطبيعية لمعرفة طبيعة تكوين العالم وهذه الظواهر الكونية، لذا استعاض عنها بالرمز من أجل محاكاتها وتنسيقه عملية الطقس التي ترافق تكوينها.

ثانياً: تحولت الرموز بفعل التعويض عن الظاهرة الغامضة المراد تفاديها إلى دال يحاكي مدلول خفي بحيث تحول هذا الفعل إلى تقديس للرمز، بحيث انصب على الرمز وأصبح فعل التقديس هو صانع الرموز من خلال صورة الشعائر المقامة في الفعل التقديسي للرمز.

ثالثا: أنتجت عملية التقديس وظيفة رمزية تتجلى في إطار تعويضي ناتج عن علاقة بين أية حركة كانت بصفتها دالاً وبين شيء وفعل وحالة بصفتها مدلولاً، وهذه الوظيفة هي ضرورة لتمكين الوعي من الاستمرارية تهدف لإيجاد بدائل عن كل ما هو غير ممكن التواصل معه وفيه.

رابعاً: أن منشأ الرمز في داخل الوعي البشري يأتي من فعل مشترك بين العقل والإدراك والأول قدرة بشرية ما فوق حسية والإدراك القدرة التي تعرف بالإحساس، ومن خلال عملها المشترك تحت سلطة الخيال والبحث عن التأويل والتفسير للأشياء والظواهر يأتي إنتاج الرمز البديل عن الصورة التي لا يمكن تفسيرها إلا من خلال الرمز.

 

الدكتور أحمد ناصر الشندل

 

صباح الحاج مفتنيُعدّ أفلاطون أول مَن قدَّم نظرية في شرح معنى العمل الفني، وتميَّز البحث إلى جانب الواقع الخارجي عن شيء آخر أعلى من الواقع وهو "المثال"، كما طالب بوجود شيء فوق التجربة الحسية، وشيء آخر فوق الفن العادي وهي النفحات الإلهية؛ لكن أرسطو تميَّز في رفضه لهذا البناء الفوقي؛ لأنه غير واقعي وغير عقلاني؛ فرفضَ المثال المفارق والنفحات الإلهية للشعراء. وهكذا تقوَّضَت النظرة الثنائية للفن التي كانت تسود الإغريق، والتي روَّجَ لها أفلاطون حين قسَّمَ الفن إلى محاكاة والى نفحات إلهية في الشعر، ولكنَّ أرسطو استبعدَ الجانب الإلهي واكتفى بأنَّ كل الفنون هي محاكاة؛ ممّا مهَّد الطريق إلى قيام نظرية عامة موحَّدة للفن تضم فروعه كُلها.

على الرغم من موهبة أفلاطون الفنية إلاّ أنه في الوقت نفسه يعد عدواً للفن؛ فهذه النظرة الأفلاطونية لها ارتباط بالاتجاهات الفنية المعاصرة له؛ إذ يتبيَّن أنَّ الدوافع التي حرَّكَت أفلاطون للثورة على الفن هي ذلك التحرر الواضح للفنون المختلفة من القيود والقواعد القديمة التي كانت تخضع لها من حيث الثبات والغرض الأخلاقي والديني؛ إذ شهد القرنين الرابع والخامس ق. م عصراً انفتاحياً واسعاً في ظل الديمقراطية ومعلِّمي السفسطائية، ممّا حدا بأكثر الفنانين والشعراء والمفكرين إلى تبنِّي نظريات جديدة لا تهدف من الفن هدفاً خارجياً، وإنما هدفها تحقيق اللذة الجمالية عند المتذوق.

عُرفت هذه النزعة الجديدة بالنزعة الواقعية أو الطبيعية في الفن اليوناني، والتي كان من سماتها استخدام أساليب الخداع البصري في الرسم بواسطة الظلال المختلفة، أمّا في البحث فقد زاد الاهتمام بالتفاصيل المميزة لجسم الإنسان والتعبير عن العواطف والانفعالات النفسية التي تظهر على وجه الإنسان؛ ومالت "التراجيديا" إلى وصف الشخصيات والتعبير عن الانفعالات الإنسانية التي تثير العاطفة؛ فنجح "جورجياس" السفسطائي في تقديم نظرية فنية تتفق مع هذه النزعة الواقعية، وطبَّقَها على الخطابة، وأعلنَ أنَّ غايتها الإقناع الذي يسحر به الخطيب نفوس السامعين بصرف النظر عن مراعاة الحقيقة.

من هنا جاء إعلان أفلاطون ثورته على هذا الاتجاه الجديد الذي يهدف إلى اللذة وحدها ولم يراعي قيم الأخلاق والدين التي نادى بها الفن القديم، كما عارض أفلاطون الأساليب التي تلجأ إلى إثارة الانفعالات الشديدة فتقضي على ثبات النفس واتّزانها؛ ونادى بنوع مثالي للفن يتوافق مع فلسفته العامة في الوجود والسياسة والأخلاق.

تعد نظرية الفن الأرسطية أول نظرية طبيعية ترى في الفن قدرة على إعادة صياغة الواقع؛ وتعد هذه النظرية واسعة الأفق وليبرالية، وكان علم الجمال لدى أرسطو كفلسفته الأخرى بعيداً عن النظرية أحادية الجانب؛ إذ وضعَ اعتباراً للعوامل الصورية في الفن والى عنصر العاطفة في نظريته عن التراجيديا. ويمكن عدها أساس علم الجمال الطبيعي الذي ساد لفترة طويلة قبل أنْ يعود مرة أخرى إلى نظرة أحادية الجانب.

لم يخصِّص أرسطو فرعاً مستقلاً لفلسفة الفن، وقد حاول بعض المحدثين الدارسين لأرسطو إضافة الخلق الفني إلى النظري والعملي، ليكون لدينا تقسيماً ثلاثياً لفلسفة أرسطو على الرغم من أنَّ أصحاب نظريات النقد المسرحي في القرن السابع عشر عدّوا أنَّ هذا القسم الثالث- الإبداعي والإنتاجي الفني- لم يكن مقصده لدى أرسطو سوى وضع مجموعة من القواعد التطبيقية التي ينبغي مراعاتها عند تأليف رسالة أو مسرحية، وليس فحصاً نقدياً لقوانين الذوق الأدبي. وحتّى إذا قلنا أنَّ أرسطو له فلسفة في الفنون الجميلة فما هي سوى جزء من نظريته في التربية العامة عند تطرّقه لموضوعة السياسة.

بيد أنَّ أرسطو اهتمَّ بالشعر من خلال مؤلفه "فن الشعر"؛ ويمكن أنْ نلخِّص هذا الاهتمام بنقطتين:

أولاً- الوسط الذي نشأ فيه أرسطو في الاكاديمية: على الرغم من أنَّ أفلاطون دعا إلى طرد الشعراء من مدينته الفاضلة، إلاّ أنه كان غنياً بالشاعرية؛ ويبدو أنَّ "محاورة القوانين" تدل على تكفير أفلاطون عن قراره. فظهر هذا التأثير مع أرسطو في بدايات محاوراته التي امتازت بأسلوب الحوار الأفلاطوني التي تغلب عليها صناعة الشعر وسعة الخيال.

ثانياً- الوسط التاريخي الذي عاش فيه أرسطو: كان المسرح والشعر شغل المواطن اليوناني الشاغل؛ فكيف يمكن لأرسطو إغفال هذا الجانب من النشاط الروحي للإنسان؟ ممّا ازدهر الشعر في "أثينا" بشكل بارع، وفي "مقدونيا" التي ارتحل إليها. فكانت طريقته في الشعر التي وضع فيها نماذج حية وواقعية تدل على أنه كان كثير التردد على المسرح. فظهر أثَر هذا العامل في كتابات أرسطو الخاصة بالشعر والمسرح؛ فكتب عن الفائزين في المباريات الاولمبية والديونوسية؛ وكتب الإرشادات المسرحية ومقالات في الشعراء عرض فيها لمسائل تاريخ الأدب والنقد؛ وكتب في شعراء العصر والمآسي والشعر والموسيقى.

كان لهذه العناية الأرسطية بالشعر والمسرح صداها على الجمهور؛ إذ عنيت الدولة اليونانية بالشعر كعنايتها في الحرب والسياسة، وكان للجمهور مشاركة في المشاهدة والنقد، كما كانت التربية الضرورية للمواطن الحر تقتضي الإحاطة بالشعر والمسرح.

 

د. صباح الحاج مفتن

 

علي رسول الربيعيلقد تغيرت الفلسفة السياسية بشكل كبير خلال الأربعين سنة الماضية. معظم الفلسفة السياسية النظر في الدساتير آبان السبعينيات، وكيف كانت الدساتير مبررة ومدى الفائدة التي تقدمها لصالح المواطنين. بعد ذلك الوقت ، كان التركيز ينحو نحو المفاهيم الأساسية مثل:

- الحرية

- العدالة

- تكافؤ الفرص

- الحقوق

- الإنصاف في تقاسم الموارد المادية

- السلطة السياسية والأمن.

وبعبارة أخرى، فقد تغير التركيز من البنى السياسية التي يعيش فيها الناس، إلى تلك الأشياء التي قد يتوقع أن توفرها الدولة العادلة أو تسهلها. لكن المشكلة هي أن هذه المفاهيم قد تتنافس مع بعضها البعض. فإذا تم منح الجميع الحرية الكاملة، فقد لا يكون هناك عدالة أو تقاسم عادل للموارد المادية والثروة. إذا أُجبر الجميع على أن يكونوا متساوين ، وأن يحصلوا على حصة ثابتة من السلع المادية ، فإن الحرية الفردية لتحسين وضع المرء في الحياة سوف يتم تقليصها. ما قد يراه شخص ما كعدالة ونزاهة ، وقد يرى شخص آخر انتهاكًا لحقوقه الفردية.

السمة الرئيسية للفلسفة السياسية هي المفاوضة بين هذه المبادئ، ووضعها في حال من  التتشابك لتحقيق أقصى فائدة ممكنة. لكن هناك العديد من المجالات الأخرى التي تتعارض فيها المبادئ.. تشير "الفائدة القصوى" إلى شكل من أشكال العدالة التوزيعية ... وبعبارة أخرى، أن يكون المجتمع منظمًا بحيث يحصل كل فرد على حصة عادلة ومناسبة من الموارد.  يبقى هذا البرنامج الاقتصادي ،بالنسبة للبعض، محوريًا لمهمة الفلسفة السياسية.

شهد العقدين الأخيرين من القرن العشرين الفشل التدريجي للأنظمة الاشتراكية والشيوعية، مع القرن الحادي والعشرينصبحت الولايات أ المتحدة الأمريكية كقوة عظمى وحيدة. وبدا أن الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية هما الخيار السياسي والاقتصادي الوحيد القابل للتطبيق.

قال فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ" (1992) بشكل مقنع أن هناك رغبة عالمية في حريات ومزايا المجتمع الغربي الحديث، وهذا يعني ضمنا أن النظرة الليبرالية الديمقراطية، في شكل الحرية الفردية واقتصاديات السوق الحر، سيكون الخيار المفضل للجميع.

بالنسبة للبعض ، ليس هناك ما يمكن مناقشته - فالاقتصادات المخططة على النمط السوفياتي القديم قد فشلت، وقد اختارت الأحزاب العمالية والاشتراكية الوسط، وانتصرت الديمقراطية الليبرالية واقتصاد السوق الحر. إن المعيار الوحيد للنجاح السياسي هو مستوى معيشي متصاعد باستمرار وتوفير المزيد من السلع الاستهلاكية ضمن حدود وطنية آمنة. كل ما تحتاجه الحكومة هو اعتماد السياسات التي تحقق وعودها الاقتصادية.

لكن هناك قضايا كبيرة أخرى في العالم الحديث مطلوب معالجتها. فبالأضافة الى قضية الاتصالات العالمية والبنى الاقتصادية ،هناك قضية العلاقة بين الدول القومية الفردية والهيئات الدولية، و قضايا ما بعد الاستعمار بالنسبة للعالم النامي، والقضايا متعددة الثقافات في العالم المتقدم ، تتقاطع الحدود الوطنية والثقافية التقليدية مع بعضها. تشمل هذه الاهتمامات ما يلي:

- الحقوق المدنية

- التفكير النسوي

- العولمة

- المسؤولية الدولية - سواء من حيث الحرب أو البيئة

- العناصر الدينية في الانقسامات السياسية

- تغير المناخ والبيئة السياسية

- الإرهاب.

لا يمكن التعامل مع هذه القضايا الجديدة ببساطة على طريقة المناقشات القديمة بين الأولويات الاشتراكية والرأسمالية. تتأي التهديدات المتصاعدة للمجتمع من وجهة نظر الليبرالية الديمقراطية السائدة من قبل  تلك المجموعات التي ترفض الفلسفات التي تمنح الأولية  للفردية في نظريات العقد الاجتماعي والفلسفة النفعية، التي تم تسلمها من فترة القرنين السابع عشر إلى التاسع عشر، لصالح تقديم شعور أكبر بالهدف والمعنى الديني أو الثقافي.

إن المال والسلطة والتلاعب الساخر بالأهداف السياسية محفّزات عظيمة - للأفراد والدول – و وهي دائما ذات مغزى بالنسبة للحكام  أو لقسم معين من السكان. ألقى مكيافيلي نظرة ساخرة وعجوية على استراتيجيات الحفاظ على السلطة في عصر النهضة إيطاليا، وربما ما زالت تعليقاته صالحة اليوم. يمكن أن تكون السياسة لعبة رهانات من قبل أولئك الذين تغذيهم القوة التي تقدمها السياسة.

ولكن قد يكون للسؤال الأعمق "ما هي الحياة؟" إجابات مختلفة للغاية لدى الانتحاري وعامل الإغاثة والرأسمالي المغامر. تعتمد الفلسفة السياسية نفسها على إرساء بعض الإجابات الأساسية على هذا السؤال، لأنه بدون ذلك لا يوجد شيء لمواجهة الاتهامات بأن المال والسلطة يحكمان العقل والمبدأ في المجال السياسي، ولا معنى لمناقشة الصحيح والخاطئ للتنظيمات السياسية والإجراءات والأفعال.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

علي رسول الربيعييرى بعض الفلاسفة (على سبيل المثال مايكل وايت في" الفلسفة السياسية: مقدمة تاريخية") أن يجب أن تكون الفلسفة السياسية متأصلة معيارياً في الأنثروبولوجيا. بعبارة أخرى، يجب أن يكون هناك اتفاق في الرأي (أو على الأقل تبرير عقلاني) حول قيمة الحياة البشرية والغرض منها. فبدون ذلك، لن يكون هناك أساس متين للأفكار السياسية. ولا يرى فلاسفة آخرون ذلك ضرورياً. قد ترغب أن تتبنى  وجهة نظرك الشخصية بعدما تنظر في الحجج المختلفة.

التبرير ، وليس مجرد التوضيح

ويرى البعض أن المهمة الرئيسية للفلسفة هي توضيح المفاهيم. هذا يعني أن مهمة الفلسفة هي أن ننظر إلى الأفكار الرئيسية في النقاش السياسي- الحرية والحقوق والعدالة والديمقراطية، وذلك لدراسة مالمقصود بها حقا، وكيفية ارتباط بعضها بالبعض الآخر. هذا النوع من الفلسفة التي تصفّي الذهن ولكنها ليست بالضرورة أن تستطيع تغيير العالم.

ولكن هناك تقليد آخر للفلسفة السياسية. فقد أعلن ماركس الشهير أنه يريد تغيير العالم وليس  مجرد تفسيره، وقد أثّر على العديد من فلاسفة السياسة الآخرين على مدار التاريخ. كانت كتابات روسو ذات تأثير عظيم على الثورة الفرنسية وكذلك تاثير جون لوك على بيان الاستقلال الأمريكي. وقد قرأ عمل نيتشه  كل من موسوليني وهتلر (ومن المحزن أنهما أساءا استخدامه)، وكانت الأفكار الاشتراكية وراء إنشاء دولة الرفاهية والخدمات الصحية في بريطانيا مثلاً. وحتى وقت قريب، أثّرت آراء المحافظين الجدد في الولايات المتحدة في جملة أمور مثل السياسة الخارجية الأمريكية وخصوصاً فيما يتعلق بالشرق الأوسط والحرب في العراق. فالمناقشات حول الإرهاب وكيفية مقاومته لا تتعلق بالكلمات فحسب، بل تكتسب أهمية بالغة من حيث الأمن وحقوق الإنسان. وبالتالي، لاتحتاج المفاهيم السياسية التوضيح فقط ولكنها أيضاً بحاجة إلى اختبارها والمطالبة بها أو التصدي لها والأعتراض عليها وأن يتم تحدّيها.

إذن فإنها أفكار سياسية قوية؛ ولكن هل هي صحيحة؟ اما الطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك الذي تحتاجه المفاهيم السياسية التي ذكرناها أعلاه  يأتي من خلال إلقاء نظرة على مرحلتين ولكن قبل كل شئ لابد من ايضاح: ما الذى نعنيه بالعدل والانصاف والمساواة أو الديمقراطية، ثانياً، يجب أن يكون لها ما يبررها: فعلى أيً أساس يمكن  الحكم على نزاهة هذا النظام السياسي أو ذاك؟ وعلى أى أساس يمكن أن يتم تبرير اتخاذ إجراء عسكري؟

ولذلك، فإن الفلسفة السياسية شأنها شأن الأخلاق تعنى بالطابع العملي. وهي تعالج المسائل التي تهم الجميع مباشرة وتمتحن الأفكار - من ناحية الخير أو الشر- التي أثرت على حياة أجيال بأكملها. عندما تحصل بعض الأحداث المصيرية – مثل الحروب ،الأزمة الاقتصادية، تهديد عالمي، موجة من الهجمات الإرهابية – فمن الطبيعي أن يتم طرح أسئلة جوهرية حول كيف ينبغي أن نتعامل مع مثل هذه الأمور. فالسياسيون مطالبون بإيجاد إجابات وتنفيذها، ولكنهم بحاجة ايضاً إلى أن يسترشدوا بالمبادئ المتعلقة بكيفية عيشنا وكيف ينبغي أن يُحكم المجتمع. لذا فالظروف تطرح دائما أسئلة جديدة حول الفلسفة السياسية.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

علي محمد اليوسففي الفلسفة التفكيكية التي اعتمدت ما سمّي بالقراءة الجديدة المستمدة من الفلسفة البنيوية، او القراءات التأويلية الاختلافية المتعددة للنص، نجد انه جرى تداول تلك الطروحات اللغوية والفلسفية عندنا، كما هو الشأن في جميع الصرعات الفكرية التي ظهرت في فرنسا على وجه الخصوص، ومن ضمن تلك التيارات الفكرية ما جاء به تروبتسكي وجاكوبسن ودي سوسير وفنجشتين وآخرين في مجال اللغة واللسانيات.،ان انزياح واستبعاد النص الاصل يكون من خلال القراءة او القراءات التفكيكية التي تختلف عن أصل النص في متابعة الهامش في متوالية لا نهائية من الهوس التفكيكي، الذي يصبح فيه اصل النص ميّتا او ملغيا بعد موت المؤلف حسب مقولة رولان بارت،.

والاهم رجوعنا في لمحة سريعة الى البنيوية التي اعتمدت اللغة مرجعية قارة تحت شعار (لا شيء خارج النص) على خلاف التفكيكية التي جاءت في مقولات دريدا العبثية في اللغة وفي اعدام النص فاوقعت نفسها في وحل العدمية واللامعنى الفلسفي واصبحت التفكيكية اليوم محل ادانة وتندر لدى اغلب علماء وفلاسفة اللغة يتقدمهم جومسكي وفلاسفة لغة اميركان معاصرين غيره.

فقد اعتمد الشكلانيون الروس في مؤتمر لاهاي عام 1929 مصطلح البنيوية الذي وضعه جاكبسون، وقد رفضت هذه المدرسة التي أسست البنيوية الفرنسية على منطلقاتها التي جاء بها شتراوس واخرين دوسيسير ولاكان وفوكو والتوسير فيما بعد فكرة عدم توظيف النص الادبي لنصرة معتقدات فلسفية معينة، ونادى الشكلانيون ضرورة ووجوب اعتماد النظر على الشكل الجمالي للادب ، أي في اعتبار الادب ادبا صرفا يتميز بعدة دلالات تعبيرية لغوية جمالية تجعله جنسا تعبيريا مستقلا مفارقا لنصوص الفلسفة والدين والايديولوجيا وغيرها.ان من اكبر الاخطاء التي تساوي بين عبثية التفكيكية على صعيد اللغة، وبين الفلسفة البنيوية التي لم تقف مباحثها الفلسفية عند مبحث اللغة وسنوضح هذا لاحقا.

والى هذا الحد من الممكن اعتبار البنيوية من خلال تعدد اهتماماتها ومباحثها الفلسفية خارج بدعة الرقص في مخاتلات اللغة على هوامش الاختلاف كما تفعل تفكيكية دريدا، ان البنيوية تعنى بالانثروبولوجيا والاثنولوجيا تحديدا عند شتراوس، وفي علم النفس لدى جان لاكان، وجان بياجيه ،وعلى نقد السرديات الكبرى كما هي عند التوسير، والجنسانية لدى فوكو. فالبنيوية على عكس من فقر التفكيكية الفلسفي،  تيار تجديدي في مباحث الفلسفة له انصار مررنا على اسمائهم قبل اسطر، على العكس من التفكيكية التي ارادت التعكّز على البنيوية اللغوية فوقعت في حضن الابتذال المعرفي التجريدي في محاولتها تفسير اللغة بعبث تدميري وهدم لا منطقي ولا فلسفي كما يفاخر به دريدا، الذي اصبح التنّدر به على لسان غالبية علماء اللغة والمشتغلين في مباحث الفلسفة المعاصرة.

 ولنقرأ النص التالي من كتاب علي  حرب نقد الحقيقة في مقاربته التفكيكية (ان كل قراءة تختلف لامحالة عن النص الذي تقرأه او تقرأ فيه، سواء أكانت القراءة شرحا وتفسيرا ، او استنباطا وتأويلا. وهي تنزع من ثمّ، وبحكم اختلاف ما تقرأه، الحلول محله)، ولما كانت كل قراءة تأويلا(وحمل لمعنى ما على المقروء، وترجيح لمعنى آخر، أي هي تأوّل، ومآل التأويل أن يحل محل التنزيل) ص 96

أن الانزياحات التأويلية لأصل النص في تعدد القراءات واختلافها ، يعطينا بحسب أحكام الاستاذ حرب، أن فكرة او محتوى او مضمون النص ، يعطينا ترجيحا الى أن جميعها افكار اومرموزات لغوية اشارية متعالقة بما يتعّلق بأصل شكلانية النص، وبعد أجراء القراءات التأويلية والتفكيكية عليه يكون لا معنى لنص الاصل ولوجوده أيضا كمرجعية ليست ثابتة، ولا يعد النص يمتلك حضورا حقيقيا بعد تعدد قراءآته المختلفة في تغييب مقصود لاصل النص في ترجيح اعتماد الهامش.

وبذا بدلا ان يكون أصل النص مرجعية ثابتة تحاكم بها وعلى ضوئها ، صحة قراءات الهوامش على النص الاصل الجديدة والتأويلات المتعددة له،نقوم بأعدام اصل النص تفكيكيا الذي هو أساس ومرجعية جميع القراءات بتعدد واختلاف اشكالها له، الذي تريد تفكيكية دريدا اغتيال اصل النص علانية كونه يحمل معان غير متاحة لقراءة او عدة قراءات. وكيف يمكننا البرهنة ان التأويلات القرائية في الهوامش وفي محاولة استحضار الغائب المضمر على حساب المعطى الماثل في اصل النص على انها وسيلة واسلوب الاختلاف في استحضار فائض المعنى الذي تدخّره (تدميريا) القراءات التفكيكية في اعدام اصل اللغة قبل اعدامها اصل النص.(يلاحظ ان دريدا يستعير لفظة الهدم والتدمير من نيتشة وغاديمير وفي هذا تكمن نزعة العبث اللغوي الذي لا يقول شيئا وليس بمستطاع دريدا ان يجيد غير الهدم والتدمير تنفيذه).

لا توجد اية قناعة او استدلال معرفي او لغوي علمي او فلسفي يقودنا التسليم الى ان الرقص اللغوي المخاتل على الهامش القرائي الاختلافي هي اكثر مقبولية وحكمة وصواب من محتوى النص الاصل الذي قامت القراءات التأويلية التفكيكية بأعدامه والغاء قيمته لأنه لم يف بالتزامه في كشفه المسكوت عنه وفائض المعنى.

وكيف لنا ان نعرف ان المسكوت عنه هو الصحيح وليس ما يبوح به اصل النص وليس ما يذهب له وتدّعيه الهوامش من صدقية افتراضية.؟ في بحثها الدؤوب عن فائض المعنى الذي تخلفّه اللغة وراءها في تعدد القراءات والاجتهادات.

التفكيكية تنسب لنفسها الرقص على الهامش في المواربة اللغوية الاختلافية مع اصل االنص لتجعل من طروحاتها النظرية البائسة تجديدا شبحيا في الفكر الفلسفي.لا نستبق التعليق أن جاك دريدا في التفكيكية يلغي تماما اية مرجعية ثابتة يمكن الاحتكام لها، ويعتبر دريدا انه حتى العقل لايمثّل مرجعية ،لأن هذه المرجعيات التي اعتمدتها مباحث الفلسفة قبل التفكيكية ، طالما أعتبرتها مباحث الفلسفة مرتكزات محورية شبه ثابتة فهي ميتافيزيقا يتوجب مجاوزتها، كما ان دريدا يرفض (المنهج) باعتبار ان التفكيك لايحتاج المنهج لأنه (استراتيجية) آلية تفكيكية تطال كل شيء، وحتى التفكيك يعقبه تفكيك الى ما  لا نهاية له او توقّف عنده.كما ان دريدا هاجم هيدجر واعتبره ميتافيزيقيا كونه يؤمن بمرجعية العقل الذي هو ثبات لا يعتّد الاخذ به.

واذا نحن سّلّمنا بهذا التحليل القرائي التفكيكي للنص الاصل، فسنكون في حالة ضياع وتيه في استقصائنا أين يكمن المعنى الصحيح وفي أي من القراءات التأويلية التي طالت النص الاصل وغيّبته قسرا نعتمد في الوصول الى الحقيقة؟.ويصبح التشتت القرائي الاختلافي هو سيد التيه والضياع، نتيجة منطقية لما يتوجب علينا معايشته في تعدد الانزياحات المتناوبة في استهدافها أصل النص بالتغييب العمد كهدف مطلوب في ذاته ولذاته فقط في اشباع هوس التفكيك.

نعتقد أن أصل النص هو حقيقة مرجعية ليس سهلا الاستغناء عنها او تغييبها، وانه ايضا خلفية استرجاعية ثابتة لمعرفة ماذا اضافت القراءات التأويلية الشارحة عليه، وأين اصبح موقع اصل النص بعد تناوب القراءات الالغائية له وماذا بقي منه؟ واين أوجه القصور والخطأ به.؟ والنص منتج عقلي، والعقل والنص مرجعيات نحتكم لها ليس لحقيقة وجودها وثباتها، بل لانها من الضرورات البدهية التي بضوئها نستطيع الحكم على مدى اهمية قراءاتنا اللانهائية الافتراضية لأصل النص.

من المهم التذكير بان رولان بارت على اختلاف مع التفكيكية التي تذهب الى اعدام اصل النص تفكيكا اختلافيا تداوليا، فهو اكتفى بالغاء هيمنة المؤلف على النص ووصايته على القاريء، واوصى ان يكون حضور النص مرجعيا استدلالية في تعدد واختلاف القراءات هو فقط دون غيره.، ولا شيء خارج النص.

اننا نفهم أن كل نص هو كيان مادي قائم بذاته، والافكار قوة مادية تأخذ أنسنتها الطبيعية من المتلقي به واليه،ويتوجّب علينا ان ننطلق من أن كل قراءة او عدّة قراءات لأصل النص مهما أوتيت من قدرة تأويلية ذكيّة فهي ليس بامكانها ولا بمستطاعها الغاء حضور (أصل النص) حتى لو تعاملنا مع الغائه مجازّيا وليس حقيقيا، ثم والأهم لماذا نحن نعامل القراءات الهامشية الدائرة حول مركزية النص الاصل انّها هي مايمّثل الحقيقة المطلوبة وليس العكس في عدم اعتمادنا مركزية أصل النص انها هي الحقيقة التي على ضوئها نحكم على صحة منطلقات الهوامش القرائية التي تدور حول اصل النص وتستهدفه بالالغاء؟ من جهة اخرى اننا سنضع انفسنا بهذه الحالة امام سلسلة لا تنتهي من الالغاءات المتناوبة على استهداف اصل النص في اعدامه واخراجه من دائرة التلقي في تعدد وتنوع القراءات له .وهذا هوما تنادي به التفكيكية وتعتمده بالصميم

 

الباحث الفلسفي: علي محمد الوسف / الموصل

 

علي رسول الربيعيعالم اليونان القديمة والعصور الوسطى

تناولت الفلسفة السياسية في اليونان القديمة كما تجسدت في فلسفة أفلاطون وأرسطو، مسألة الحياة الجيدة وكيف يمكن أن تُعاش في المجتمع. فقد سعى هؤلاء الفلاسفة إلى ربط وتجذير السياسة في الميتافيزيقيا في مواجهة مجموعة من البنى السياسية في أيامهم، وبعبارة أخرى، من أجل فهم  الجوهر الأساس للطبيعة البشرية والهدف أو الغرض من الحياة. وقد تم تناول هذا الأمر في وقت لاحق في سياق ديني، وفي أطار فكرة أن شكل الحكم الصحيح هو الذي عكس النظام الطبيعي نفسه وكما خلقه الله، مؤسساً لهرمية العصور الوسطى من الأرض الى السماء. لكن تحولاً حدث خلال عصر النهضة جراء النزاعات بين دول المدن الأيطالية متمثلا في مؤامرات الحياة السياسية. وقد كشف هذا التحول عن أن هناك مناسبات قد تسود فيها الحيلة الماكرة، وليس الطاعة الإلهية. ويشمل المفكرون هنا: أفلاطون وأرسطو وأوغسطين ومكيافيللي.

صعود الفردية

شهد القرنين السابع عشر والثامن عشر في أعقاب الإصلاحية المسيحية والحرب الأهلية الإنجليزية، تطوير نهج مختلف تماماً للسياسة. أصبحت رغبات الفرد في هذه الفترة ذات أهمية قصوى، وتم تبرير البنى السياسية على أساس عقد اجتماعي أو اتفاق بين الأفراد. وحصلت مناقشات كثيرة حول مسألة الحقوق والحريات، وحدث في تلك الفترة الثورة الفرنسية وانفصال المستعمرات الأمريكية عن السيطرة البريطانية. كما شهدت نهاية تلك الفترة صعود النفعية كفلسفة أخلاقية، مما أدى إلى الحكم على الأنظمة السياسية وفقاً لقدرتها على تحقيق أكبر فائدة لأكبر عدد من المواطنين. وأدى هذا إلى تطور الديمقراطية. فلم يعد السؤال يتعلق بالجوهر الأساسي للبشرية، بل حول أفضل طريقة لتنظيم مجتمعنا. وأبرز المفكرين في هذه الفترة هم: هوبز، لوك، روسو، هيوم، بورك وباين.

تطور النظم

تميل أنظمة التفكير العامة إلى خلق فلسفات سياسية كجزء من فهمها العام للواقع. على سبيل المثال، أنتج كانط مبادئ عقلانية للحكم على الصواب والخطأ، بغض النظر عن النتائج المتوقعة أو الميول أو الرغبات الفردية. وصاغ  مفهوم "الأمر المطلق" الشهير، والذي يعني التزام أخلاقي غير مشروط وهو ملزم في جميع الظروف ولا يعتمد على ميل الشخص أو غرضه. أي أن هناك شيئاً صحيحاً فقط إذا كان بإمكان المرء أن يتمنى أن يتبنى الجميع مبدأ العمل نفسه، وأن يعامل الناس كأهداف وليس فقط كوسائل، وأننا يجب أن نتصرف كما لو كان التشريع للمملكة التي يكون فيها كل فرد إنساناً حراً ومستقلاً – وكان لهذا تداعيات سياسية ضخمة. واستكشف هيجل فكرة أن المجتمع يتغير باستمرار في عملية جدلية، وقد أخذ ماركس هذه الفكرة وصاغ مفهومه "المادية الجدلية" الذي يأتي فيه التغيير السياسي عن طريق الصراع الطبقي. كما كان هناك تأثير لداروين وفكرة التطور من خلال الانتقاء الطبيعي، والهجوم على الديمقراطية من قبل نيتشه، الذي رأى أنها تدعم الضعيف على حساب القوي. وعلى الطرف الآخر، طوّر "ميل" تداعيات النفعية، ودافع عن القيم الليبرالية والحرية. وبحلول نهاية القرن التاسع عشر كان هناك مجموعة كبيرة من أنظمة التفكير السياسية. وإذا كان هناك أي شك في العلاقة بين الجانب العملي والفلسفة السياسية، فكّر في تأثير فلسفة ماركس على حياة ملايين الناس في القرن العشرين، أو تطوير الأفكار الديمقراطية قبل مائتي سنة. وأهم الفلاسفة في هذه الفترة هم: كانط ، هيجل ، ماركس ، ميل ونيتشه.

صراع الأيديولوجيات في القرن العشرين

إن الصدمات التي أصابت القرن العشرين تتعلق بصراع الأيديولوجيات السياسية التي لها جذور عميقة في الفلسفة السياسية. فقد كان هناك الاتساع الهائل للشيوعية وسقوط وتحدي الفاشية في إيطاليا وألمانيا، والنمو العالمي المطرد للديمقراطية، وركوبها على ظهر الاقتصاد الراسمالي. لقد مات الملايين في ذلك القرن المضطرب من أجل الأيديولوجيات السياسية. وخلال الكثير من ذلك الوقت كانت الفلسفة السياسية في حالة جمود (doldrums). وكذلك الأخلاق التي تعرضت لانتقادات بان الأحكام المعيارية (التي تقول أن هناك شيء صحيح أو خاطئ) لا معنىً لها، لأنه لا يمكن تبريرها على أساس الوقائع. وبالتالي، اسكشفت الفلسفة السياسية أصول البنى السياسية ومعنى المصطلحات الرئيسية، دون العمل والانطلاق من المبادئ الأولية المعيارية. وبالطبع، فإن هناك استثناءات، بما في ذلك تلك المذكورة أدناه والتي تتحدي الأيديولوجيات. ومن بين الفلاسفة البارزين في هذه الفترة هم: برلين، هايك وبوبر.

أواخر القرن العشرين وسيطرة الديمقراطية الليبرالية

كان هناك تراجع تدريجي في الاشتراكية والشيوعية في العقود الثلاث الأخيرة من القرن العشرين مقابل صعود التقليد الديمقراطي الليبرالي الذي أصبح في وضع الهيمنة. وانتعشت الفلسفة السياسية إلى حد كبير نتيجة عمل جون رولز الذي وضع نظرية في العدالة تطعن في  فرضيات الفلسفة النفعية وإعادة الحيوية والأهمية الى الفلسفة السياسية المعيارية. وشكّل صعود الحركة النسائية الى فلسفة وسياسات الماضي التي هيمن عليها الذكور، ومعها افتراضات معيارية بشأن الغرض من الحياة وما يشكل الإنصاف في المجتمع. كما دار نقاش حول نطاق أو مجال  "السياسية" للعلاقة بين الأفكار والسلطة، وكذلك طبيعة الحقوق الوجودية. كما جرت مناقشة بشأن الآثار الوجودية المترتبة على السياسة والحاجة إلى استكشاف أنماط جديدة للعمل والعيش. ويعتبر راولز، نوزك، دوركين، هابرماس، أرنديت، فوكو، أوكشتو Oakeshott، سارتر، وغورز Gorz من أهم فلاسفة هذه الفترة.

إن الفلسفة السياسية هي ليست نفس تاريخ الأفكار السياسية. فالتحقيق التاريخي يتطلب منك أن تجمع كل الأدلة وأن ترى كيف ترتبط الأشياء ببعضها البعض، ومن أثّر على الآخر. وتدور الفلسفة حول الأفكار. لذلك فمن المهم اختيار المفكرين وتبنّي أفكارهم بدلاً من محاولة تغطية كل ما قيل. لذلك فإن هذا المقال انتقائي من حيث المفكرين والحجج التي يتضمنها وإنه محاولة لتغطية الموضوعات الرئيسية. وينطبق هذا بشكل خاص على فلاسفة الفترة الحديثة لكن بالنسبة لأولئك الذين يريدون المتابعة بمزيد من التفصيل فإنه بإمكانهم أن يقوموا بذلك من خلال البدء بأعمال الفلاسفة المذكورين أعلاه.

كيف تقرر ما هو الصواب؟

يجب تبرير أي حكم معياري (أي حكم حول ما هو صواب أو خطأ) بالإشارة إلى شيء يتم الاتفاق بشأنه بين الشخص الذي يقدم الدعوى والذين يسمعونه. فإن قلت "هذا هاتف جوال جيد"، فإنك على الأرجح تكون على دراية بما تعنيه، لأن الجميع في اتفاق كبير حول ما يتعين على الهاتف أن يقوم به. هل يعمل بشكل جيد؟ هل تحصل على اشارة جيدة؟ هل هو أنيق؟ هل يحتوي على كاميرا مدمجة، ومشغّل MP3 وما إلى ذلك؟ ولكن بالطبع من الممكن أن تكون هناك اختلافات - مثلا شخص يريد تبديل مشغل MP3 لإطالة عمر البطارية ولكن الأساسيات ليست محل خلاف لأنه من الواضح  للجميع ما هو الهاتف وماذا يفعل.

الأمور ليست بهذه السهولة في الفلسفة السياسية. فنرى مثلا أنه كانت لدى الإغريق القدماء وجهات نظر حول طبيعة الحياة البشرية وغرضها، ولذلك فقد تمكنوا من تقييم الأفكار السياسية من حيث ما إذا كانوا يستطيعون مساعدة الناس على تحقيق كامل إمكاناتهم كبشر. ولكن ماذا لو لم يكن هناك اتفاق عام حول ماهية الحياة البشرية؟

تدور مقاربة "العقد الاجتماعي" حول هذه المشكلة من خلال إرساء السلطة السياسية على اتفاق - إما على أساس حرفي أو ضمني - بين الشعب، أو بين الشعب وبين حكامه. بعبارة أخرى، يربط الناس بعضهم ببعض من أجل مصالحهم المتبادلة ويقررون الشروط التي سيعيشون بموجبها. وهكذا، حتى من دون اتفاق شامل حول ما يريده الناس من الديمقراطية وكيف تمكّن على الأقل الأغلبية منهم من الحصول على الحكومة التي يعتقدون أنها أفضل فرصة للتعبير عن تفضيلاتهم.

في المناقشات الحديثة هناك مستويات أخرى من التعقيد. تتحدى ما بعد الحداثة فكرة أنه يمكن أن تكون هناك طريقة "صحيحة" واحدة لرؤية الأشياء، أو أن هناك ثمة غرض ثابت في حياة الإنسان. وإذا أردنا معنى لذلك الهدف أو الغرض فعلينا أن نقدمه بأنفسنا. ولكن إذا تم وضع أو ايجاد معنى للهدف من قبل آخرين، فكيف يمكن استخدامه لإعطاء أي مبرر موضوعي لنظام سياسي محدد بدلاً من آخر. وبدون أي مقياس موضوعي، كيف يمكن لأي شيء أن يكون "أفضل" من أي شيء آخر؟ يضاف إلى ذلك بُعد آخر وهو  في مجتمع متعدد الثقافات من المحتمل أن يكون هناك مجموعة متنوعة من وجهات النظر والقيم قد يتعارض بعضها مع الآخرين. ولذلك فمن الصعوبة البالغة العثور على أساس مشترك يرتكز عليه بناء اللبنات الضرورية من اليقين في المناقشات السياسية.

ولكن حتى قبل ظهور ما بعد الحداثة، كان هناك وقت - من الحرب العالمية الثانية حتى أوائل السبعينيات تقريبا في القرن التاسع عشر -  أزدادت فيه الشكوك عامةً بين الفلاسفة حول مسألة إصدار الأحكام المعيارية. وبعبارة أخرى، تساءلوا عما إذا كان من الممكن أن تكون  القضايا الأخلاقية صحيحة أم خاطئة - وكان من المعتقد على نطاق واسع أنها كانت إما تعبيراً عن عواطف المرء أو الموافقة على شيء عاطفياً. وفي كلتا الحالتين، كانوا يفتقرون إلى نوع من اليقين وإثبات أن العلم يتطور في تقديمه وصفا  للعالم المادي.

من المهم دائماً التمييز في الفلسفة الأخلاقية بين الوقائع والقيم. الفلسفة السياسية مهتمة بشكل خاص بالقيم. وخلال تلك الفترة، كانت النظرية الأخلاقية للنفعية (الحكم على الأعمال وفقاً لما تقدمه وفيما لو كانت قد قدمت أكبر فائدة للعدد الأكبر) تميل إلى السيطرة على التفكير السياسي.

وبالتالي، يمكن الحكم على النظام السياسي وفقاً لما يقدمه وفيما لو كان يقدم منافع للناس أم لا - وهو أمر يمكن أن تتوفر بخصوصه أدلة قوي ويمكن إثباته من خلال الإحصائيات. لكن النفعية لها حدودها كما أشار إليها جون راولز في عام 1971. واقترحت "تجربته الفكرية" أن يتمكن الناس من وضع قواعد عقلانية ومنطقية لتوزيع الموارد. أثار هذا مجموعة من المناقشات وكشف عن المشكلة التي تستند إلى النفعية، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن حماية الأقليات من قوة الأغلبيات.

لكن تبقى هناك ثمة أسئلة أساسية:

- كيف تعرف ما هو الصواب؟

- على أي أساس يمكنك أن تقرر أفضل طريقة لتسيير الحياة السياسية؟

- كيف يمكنك تبرير أو انتقاد نظام سياسي بشكل فعال؟

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

 

ظهرت التفكيكية على يد جاك دريدا في ثلاثة كتب، وقد بدا دريدا نظريته بنقد الفكر البنيوي الذي كان سائدا انذاك بإنكاره قدرتنا على الوصول بالطرق التقليدية على حل مشكلة الإحالة، أي قدرة اللفظ على إحالتنا إلى شئ ما خارجه، فهو ينكر أن اللغة منزل الوجود ويعني بذلك القدرة على سد الفجوة ما بين الثقافة التي صنعها الإنسان والطبيعة التي صنعها الله تعالى. وما جهود فلاسفة الغرب جميعا الذين حاولوا إرساء مذاهب على بعض الحقائق البدهية الموجودة خارج اللغة إلا محاولات بائسة. وقد وصف دريدا مواصلة هذا الطريق بأنها عبث لا طائل من ورائه .

فالتفكيكية هي الة نقدية ووسيلة منهجية تنكر قدرة اللغة على أن تحيلنا إلى شيء أو إلى ظاهرة إحالة موثوقا بها .

واهم مميزات المنهج التفكيكي هي تمكين الباحث من الاندماج والتعمق في النص. كما يساعد في النظر على البحث عن اجابات لأسئلة القارئ واظهار المضامين والمعاني والمقاصد الغائبة .

وتعد مقولة الاختلاف إحدى المرتكزات الأساسية للمنهجية التفكيكية، واستنادا لكشف الدلالة المعجمية، التي تتألف من فعل أو مصدر يدل على عدم تشابه والمغايرة والاختلاف في الشكل وتعني التشتت والغياب، فدريدا يرى أن الخطاب الأدبي يكون تيارا غير متناه من الدلالات وتوالد المعاني، لا تعرف الاستقرار والثبات فإنها تبقى مؤجلة ضمن نظام "الاختلاف" .

إن القراءة التفكيكية ليست هي التي تقول ما أراد القول قوله، بل تقل ما لم يقله القول، فالقراءة بهذا المعنى تتيح تجدد القول، أي قراءة ما لم يقرا، وهذا معنى قول التفكيكيين ان النص ينطوي على فراغات، لأن النص في حقيقته كون من المتاهات وهكذا يبني النص على الغياب والنسيان ... هو غياب الجسد والدال والحجب هناك يلجا إليه المؤلف عمدا، لسبب من الاسباب ولكنه ايضا حجب يتم دون قصد المؤلف، بسبب مضامين ايديولوجية تتسرب إلى النص، ويقتصر تأثيرها على تغليف الحقيقة بقشرة خارجية .

وبهذا فالتفكيكية تاخذ على عاتقها قراءة مزدوجة، فهي تصف الطرق التي تضع بواسطتها المقولات التي تقوم عليها افكار النص المحلل، تضعها موضع تساؤل، وتستخدم نظام الأفكار التي يسعى النص في نطاقها بالاختلافات وبقية المركبات لتضع اتساق ذلك النظام موضع التساؤل.

وبهذا نصل الى ان التفكيكية منهاج نقدي وأدبي ومذهب فلسفي معاصر، ينحو إلى القول باستحالة الوصول إلى فهم متكامل، أو على الأقل متماسك للنص أيا كان، فعملية القراءة والتفسير هي عملية اصطناعية محضة يؤديها ويقوم بها القارئ الذي يقوم بالتفسير، وبناء على ذلك يستحيل وجود رسالة واحدة.

ورغم هذه الخصائص التي تتصف بها النظرية فإن دريدا يصر على عدم ارتباط مشروعه بالعدمية بل يرى أن قراءته التفكيكية قراءة مزدوجة تسعى إلى دراسة النص دراسة تقليدية لإثبات معانيه الصريحة ثم تسعى إلى تقويض ما تصل إليه من معان في قراءة معاكسة تعتمد على ما ينطوي عليه النص من معان تتناقض مع ما يصرح به، أي أنها تهدف إلى إيجاد شرخ بين ما يصرح به النص وما يخفيه. وبهذا تقلب القراءة التفكيكية كل ما كان سائدا في الفلسفة الماورائية .

 

ا. م. د. سامي محمود ابراهيم

رئيس قسم الفلسفة / كلية الاداب/ جامعة الموصل/ العراق

 

علي رسول الربيعيسنتطرق في هذه المقدمة الى:

الأسئلة التي تتناولها الفلسفة السياسية

- لماذا الفلسفة السياسية تدور حول  القيم وليس الأوصاف

- كيف تطورت الأفكار السياسية تاريخياً

- ما هي القضايا التي تغطيها الفلسفة السياسية

ما هي الفلسفة السياسية؟

- كيف تسهم السياسة في رفاهية البشرية ؟

- ما هي الحياة الصالحة، وكيف يتم تحقيقها؟

- ما هي المبادئ والقيم التي ينبغي استخدامها لتشكيل المؤسسات السياسية والحكم عليها؟

- أي نوع من المجتمع سيسمح لمواطنيه بالازدهار على أفضل وجه؟

- ماذا نعني حقاً بالمساواة والعدالة والحرية وما إلى ذلك؟

- هل من الصواب أن نذهب إلى الحرب، أم أن نتمرد ضد الحكومة؟

- ما هي المسئولية التي يجب أن تتحملها الحكومات للتعامل مع القضايا العالمية للإرهاب أو البيئة؟

تهتم الفلسفة السياسية بكل هذه الأسئلة وغيرها. إنها تتعلق بالحكومة ذات الكفاءة والفاعلية، وماذا تنطوي عليه رؤية هذه الحكومة وما تتضمنه، وكيف يتم تنظيمها وتسييرها وكيفية إحرازها لأي تقدم في مساراتها. إنها تتعلق بالمبادئ التي تساعدنا على تقرير ما إذا كانت هناك حكومة بعينها يمكن الحكم عليها بأنها جيدة أو سيئة؟ وبالطبع يتطلب ذلك فحص المبادئ الأساسية للحكومة - لماذا نحتاجها ، وما هي أهدافها، وكيف يتم تنظيمها، وكيف يمكن إصلاحها أو استبدالها، إذا حدث خطأ ما.

يمكن النظر إلى الفلسفة السياسية على أنها فرع من الأخلاقيات، أو من الفلسفة الأخلاقية. تنظر الأخلاق إلى جميع قضايا الصواب والخطأ من خلال الطريقة التي يتعامل بها الناس مع بعضهم البعض، بينما تقتصر الفلسفة السياسية نفسها على القضايا المتعلقة بحياتنا الجماعية أو السياسية. إنها أخلاقيات التنظيم الاجتماعي، تطبق عبر المجتمع  وليس بين الأفراد. لذلك، عن سبيل المثال، تُستخدم النفعية كنظرية أخلاقية (تسعى للحصول على ما يبدو في تقدم أكبر فائدة للعدد الأكبر) عند تطبيقها على المجتمع ككل، لتبرير الديمقراطية، التي تهدف إلى أخذ تفضيلات جميع المواطنين بعين الاعتبار من خلال العملية الديمقراطية.

جزء من مهمة الفلسفة السياسية هو تحديد ما إذا كانت هناك معايير موضوعية تفصل ما بين الصحيح والخطأ. هل يعتمد كل شيء على رغبات الناس، أم أن هناك مبادئ منطقية قابلة للتطبيق عالمياً لتنظيم الحكم الرشيد؟

من المهم إيجاد توازن بين المسؤولية الأخلاقية للأفراد والمجتمع. هل يخلق الناس الطيبون مجتمعاً جيداَ، أم أن مجتمعاً جيداً يجعل كل من فيه فرداً صالحاً؟ الوقوف على هذا السؤال سيحدد كيف نرى دور السياسة.

 فكما تتطلب منا الأخلاق تقديم تبرير عقلاني لأفعالنا، فإن فلسفة السياسة تتفحص التبرير للمؤسسات السياسية والإيديولوجيات. هل الديمقراطية عادلة للجميع؟ هل هناك حالة تكون فيها الديكتاتورية جيدة؟ كما أنها تفحص الأفكار والمفاهيم الرئيسية مثل، الإنصاف، العدالة، حقوق الأفراد أو المجتمعات، لمعرفة كيف ترتبط هذه المفاهيم ببعضها البعض، وكيف يمكن تحقيق ما توصف به هذه المفاهيم.

هل سيكون من العدل أن يحصل كل فرد في المجتمع على حصة متساوية من السلع والخدمات، بغض النظر عما يساهم به عن طريق العمل؟ أم هل سيكون الأمر أكثر إنصافاً إذا سمح للجميع بالربح والاحتفاظ به بقدر الإمكان؟ وهل ينبغي اتخاذ قرارات مهمة من قبل الجميع، أم فقط من جانب أولئك الذين تؤهلهم خبرتهم ومعرفتهم إلى اتخاذ القرار؟ هذه أسئلة أساسية ليس حول كيفية عمل المجتمع فعلياً، ولكن حول الكيفية التي يجب أن يُنظم بها المجتمع ويعمل. بعبارات أخرى مختصرة للتعبير عن هذا يمكن القول بأن الفلسفة السياسية معيارية بطبيعتها. مثلما قد تكون الأخلاقيات وصفية (هذا ما يفعله الناس) أو معيارية (هذا ما يجب عليهم فعله)، كذلك فإن السياسة وعلم الاجتماع والاقتصاد وصفية (هذا هو الأسلوب الذي يعمل به النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي) في حين أن الفلسفة السياسية هي معيارية (هذا ما يقرر أو يشكّل العدالة والانصاف لمجتمع عادل أو جعل المجتمع حر).

من المهم اعتبار تقدير الفلسفة السياسية بأنه أمر لا يتعلق بوصف المجتمعات أو المؤسسات السياسية الفعلية، فذلك يقع في حيز الدراسات السياسة. كما أنها لا تبحث في الطريقة التي تطورت بها الدول والإمبراطوريات وانتشرت على مستوى العالم، أي دراسة الجغرافيا السياسية (على الرغم من أن المعرفة بالسياسة والجغرافيا السياسية مفيدة لأي شخص مهتم بالفلسفة السياسية)، وأيضاً أنها ليست دراسة تأثير التمويل والتجارة والأسواق في تشكيل المجتمع، فهذا هو الاقتصاد. وبدلاً عن كل ذلك، تهتم الفلسفة السياسية بالتبرير العقلاني والمعياري للكيانات السياسية.

يمكن أن تكون السياسة بحد ذاتها ممارسةً عمليةً ميكانيكيةً - حيث تقوم بفرز أفضل الطرق لتقديم الفوائد المتفق عليها. ومع ذلك، إذا كان الأمر كذلك، فستكون هناك بعض القضايا السياسية التي سيتم مناقشتها - وسيتم الحكم على كل شكل من أشكال الحكم ببساطة على أساس الأداء الفعال. لكن الحياة ليست بهذه السهولة. يختلف الناس حول المبادئ التي يجب أن تدير أو تسيّر المجتمع - وهذه الخلافات حول المبادئ هي التي تشكل أساس الفلسفة السياسية. "وحتى عندما يتم الاتفاق على الغايات، تبقى الأسئلة المتعلقة بالوسائل، وهذه لاتُعد سياسة بل مسألة تقنية ... النظرية السياسية هي فرع من الفلسفة الأخلاقية، والتي تبدأ من اكتشاف، أو تطبيق المفاهيم الأخلاقية في مجال العلاقات السياسية".

Isaiah Berlin ‘Two concept of Liberty 'a lecture given in Oxford 1958

بعبارة أخرى، تتعلق الفلسفة السياسية بالغايات التي تسعى الى انجازها من خلال السياسة. فبمجرد الاتفاق على الغايات، تكون السياسة والاقتصاد هي التخصصات التي بأدائها تُنجز الغايات. بطبيعة الحال، تميل النظم السياسية والاقتصادية إلى تحقيق أهدافها أو غاياتها الخاصة، ولكن يتم فحص هذه الأنظمة في إطار الفلسفة السياسية.

إن السؤال الأساسي هنا هو: هل هناك مبادئ مطلقة يجب تطبيقها على كل المجتمعات، أم يجب الحكم على كل نظام سياسي في ضوء الظروف الخاصة به، وتاريخ وثقافة تلك الأمة أو/ و تلك الحقبة المعينة؟

لا تُـكتب الفلسفة من فراغ أبداً. إنها تتلون دائماً بالافتراضات والأفكار العامة في عصرها على الرغم من طرح أفضل الفلاسفة أسئلة جذرية يتحدّون فيها تلك الافتراضات. فعلى سبيل المثال، عندما ننظر إلى عمل أفلاطون أو أرسطو، نعلم أنهم يكتبون على خلفية سياسات أيامهم. فعندما يتحدثون عن الديمقراطية - على سبيل المثال - لا يشيرون إلى الديمقراطية التمثيلية المعاصرة، بل إلى النظام الحكومي المباشر حيث اتخذ عدد صغير نسبياً من الأشخاص من ذوي الامتيازات قرارات حول كيفية حكم الدولة (أو Polis). لذلك تستفيد الفلسفة السياسية من رؤيتها في السياق ربما أكثر من أي فرع آخر للفلسفة. لذا سنبدأ بمراجعة تاريخية موجزة. 

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

علي رسول الربيعييبدو لي أنه لا يوجد شيء مباشر وملائم أكثر من السؤال ما هي الحياة الجيدة المزدهرة الخيرة، وكيف يمكن تحقيقها؟ وسواء كنا نولي اهتماما مباشرا بالسياسات التي تمارسها الدولة التي نقيم فيها أم لا، فأنه لا يمكننا أن نتجنب الرضوخ الى قوانينها والى وتقاليد وقيم المجتمع الذي نعيش فيه، ولا يمكن للحياة الجيدة الخيرة الصالحة المزدهرة (مهما كن نعني بذلك) عمليا أن تتتحقق بمعزل عن الآخرين. وبالتالي، سيكون من المفيد دائمًا التوقف والتأمل في القيم التي نعتقد بها ونوع المجتمع وتنظيمه الذي نرغب في العيش فيه، وهذا حتى بالنسبة لأولئك المتشككين في العملية السياسية أو أستقامة السياسيين،. آمل أن تشجع القارى هذه المقدمات التي تحاول تغطية مجموعة واسعة من الموضوعات في هذا المالكان القصير والمحدود على استكشاف هذه الأمور بشكل أكبر والتفكير في جميع القضايا المهمة حول الحرية الفردية والعدالة والمساواة واستعمال السلطة والحرب وحقوق الإنسان وهلم جرا - التي تشكل أساس النقاش السياسي.

تهتم الفلسفة السياسية بالمبادئ والقيم الأساسية التي ترتكز عليها الحياة السياسية. وتسأل "ما هي أفضل طريقة لتنظيم المجتمع من أجل السماح لجميع مواطنيها التمتع بالحياة الصالحة أو الجيدة؟" إنها تهدف إلى محاولة الموازنة بين الرغبة في الحرية مقابل الحاجة إلى العدالة، أو حق الفرد في تحسين موقعه وحياته اقتصاديًا مقابل الرغبة في الإنصاف والاهتمام بالجماعات الفقيرة في المجتمع. لو فتحنا أي صحيفة يوميه فأننا ستواجه قضايا عديدة تتطلب الحكم عليها بالصواب أوالخطأ، وكذلك حول ما إذا كان القانون عادلًا، أو ما يجب فعله تجاه أولئك الذين ينتهكونه. وهناك، ايضا، حسابات تتعلق بالحرب والمعاناة التي تسببها، مما يؤدي إلى تساؤلات حول ما إذا كان من الصواب على الإطلاق الذهاب إلى الحرب، أو ماذا ينبغي القيام به لتقليل معاناة عامة الناس. ثم أننا جميعا نفترض أنه يجب أن نكون قادرين على القيام بحياتنا العادية دون خوف من هجوم إرهابي، أو اعتقال تعسفي، أو استغلال من قبل نخبة حاكمة. ونحن نفعل ذلك لأن لدينا شعورًا أساسيًا بالعدالة والعدالة والحرية.

 واجه الفلاسفة منذ أفلاطون فلاحقا، أسئلة حول العدالة والمساواة، حول القيم التي تجعل من المجتمع مستقراً مزدهرا، وعن كيفية مشاركة الناس في حكم المجتمع الذي يقيمون بين ظهرانيه. كيف يمكن أن يتم هذا بأفضل وجه؟ أي نوع من الحكومة يرجح أن توفر ما نحتاجه ونريده؟ تشكل هذه الأسئلة أساس الفلسفة السياسية.

ليست الفلسفة السياسية هي السياسة نفسها. تدور السياسة حول المشكلات اليومية الظرفية التي تتعلق في إدارة الدولة، فياتي وجود السياسة من حاجة الناس إلى تنظيم أنفسهم ومن أجل تحقيق أهداف أساسية معينة، بينما مصطلحات عامة جدا ومجردة مثل الحرية والعدالة هي المفاهيم الأساسية للفلسفة السياسية.

هذا لا يعني أن الفلسفة السياسية تقيم في برج عاجي، فيمكنك، فيمكنك من خالا الأستماع إلى أي نقاش بين السياسيين سوف تلاحظ يقولون إن سياستهم بالذات هي الأفضل في تحقيق الحرية أو العدالة. بعبارة أخرى، لا يمكن تبرير وجهات النظر والإجراءات السياسية إلا بالإشارة إلى المبادئ الأساسية للفلسفة السياسية.

الفلسفة السياسية في الأساس هي فرع من الأخلاق، أيً دراسة كيفية تصرف الناس أخلاقيا. نحن نعرف عموما ما نعنيه عندما نقول أن شخصًا صالحًا أخلاقًا. نفترض أن الناس الأخلاقيين سيكونون مبدئين في حياتهم الشخصية وفي تعاملهم مع الآخرين. لكن ما الذي يعادل الشخص الصالح الأخلاقي عندما يتعلق الأمر بالطريقة التي تتصرف بها الأمم؟

هناك أيضا نقاش حول مقدار ما يجب أن تفعله الحكومة. يزعم البعض أن على الحكومة أن تترك الفرد حرًا لتنظيم حياته الخاصة. ويعتقد آخرون من أجل العدالة على الدولة أن تقوم باكثر من هذا. إذن، المناقشة الأساسية هي حول ما يجب أن تقدمه الحكومة. ولكن هناك قضية أخرى مهمة ايضا يجب حلها وهي: كم او الى أيً حد نريد أن نشترك في القرارات التي يتخذها أولئك الذين يحكموننا؟

يوافق الجميع تقريباً أن الديمقراطية هي المثل الأعلى. ففي ظل نظام ديمقراطي لدىً كل شخص فرصة للتصويت، وبالتالي التأثير على قرارات الحكومة. لكن أن تصوت في الانتخابات مرة واحدة كل أربع سنوات أو نحو ذلك وضع غير كافي فالمطلوب أن يكون لديك القدرة على التأثير في القرارات السياسية بشكل أكثر مباشرة. وعليه هل ينبغي أن يكون هناك المزيد من المساءلة المباشرة والمنتظمة من جانب الأشخاص لأعضاء الحكومة الذين انتخبوهم في السلطة؟

تزودنا هذه الأسئلة الآن بجدول أعمال عام للفلسفة السياسية:

نحن بحاجة إلى تحديد ما نعنيه بالحياة الخيرة الصالحة والأنظمة السياسية التي يمكن أن تساعدنا في تحقيقها. هل الحكم الاستبدادي أكثر فعالية؟ هل الديمقراطية هي الطريقة الوحيدة لتحقيق السيطرة على إساءة استخدام السلطة من قبل الحكومات؟ هل يتم تحقيق المساواة بشكل أفضل من خلال شكل من أشكال الاشتراكية؟

علينا أن نفكر في كيفية تحقيق التوازن بين الحرية والإنصاف. وبعبارة أخرى، قد يكون من الممكن إنشاء مجتمع عادل، ولكن ذلك يأتي فقط من خلال ضمان أن يحافظ الجميع على قواعد صارمة في حدود ضيقة. من ناحية أخرى، إذا كانت الحرية ذات أهمية قصوى، فعلينا أن تقبل أن يكون هناك فائزين وكذلك خاسرين.

قامت الشيوعية بطرق عديدة للتضييق على الحرية الشخصية في معظم القرن العشرين. وكانت الزراعة الجماعية، ومنع المشاريع الخاصة، وما إلى ذلك، كلها سمات أساسية للفلسفة السياسية الشيوعية. من ناحية أخرى، جلبت الديمقراطية والاقتصاد الليبراليان، اللذان انتصرتا على الدول الاجتماعية بحلول نهاية القرن العشرين، تفاوتًا هائلاً في الثروة بين المواطنين، وجعلت الجميع عرضة للأزمات المالية والاقتصادية العالمية. لذا فإن تحقيق التوازن الصحيح بين الحرية والعدل أمر أساسي. وكذلك من المهم جداً معرفة كيفية الحكم على شرعية وفعالية الحكومات.

الواقع والقيمة

يبدأ النقاش في السياسة عمومًا بالوقائع أوالحقائق ولكن ينتقل بسرعة إلى النظر في القيم. قد تكون الوقائع المعنية مدرجة في كتب العلوم السياسية أو علم الاجتماع أو الاقتصاد. كل هذه الموضوعات تدور حول كيف يكون العالم السياسي. لكن في مناقشة حول السياسة، من المرجح أن يتم سؤالك عما إذا كنت تعتقد أنه من الصواب أن يكون الأمر كذلك. هل من الصواب، مثلا، أن تحدد تريزا ماي (رئيسة الوزراء البريطانية) موعدا لإجراء انتخابات عامة تناسب حزبها أو مصلحتها الشخصية؟ هل من الصواب أن نقبل خطتها للخروج من الأتحاد الأوربي؟ لا يمكن الإجابة عن أسئلة كهذه من خلال الأستماع أو سرد الوقائع فقط. نحن نعرف ما هي القضية، ولكننا نحتاج لمناقشة ما يجب أن يكون عليه الحال!

بمجرد أن تبدأ في هذا الطريق تواجهك الأسئلة عن القواعد والقيم التي يمكن الحكم على السياسة من خلالها. يتطلب منك هذا النهج التعامل مع الأسئلة الأساسية حول القيمة والهدف. وهنا عليك أن تسأل ما هي الحكومة أو ما الغرض منها، وما إذا كنا بحاجة إلى المزيد من حكومات بدور أكثري أو اقلي. إن طرحك لمثل هذه الأسئلة فأنك تكون قد دخلت في حقل الفلسفة السياسية. وهكذا فأن القيم الأخلاقية والأفكار الأساسية حول كيفية إدارة المجتمع تشكل أساس النقاش السياسي والحكومة. أما الفلسفة السياسية فهي الأداة الرئيسية لتشكيل تلك الأفكار والقيم السياسية. 

التعلم من الماضي

في هذه المقدمات، سننظر إلى المفكرين والأنظمة السياسية الماضية. ماذا قال أفلاطون أو أرسطو عن الأشكال المختلفة للحياة السياسية في اليونان القديمة، حول ما نعنيه بالعدالة، وحول من هو الأنسب للحكم؟ كيف اعتقد هوبز أنه يمكن تأسيس حكومة مستقرة وقوية؟ كان أهتمام الفلسفة السياسية في اوربا في اللقرنين السابع عشر والثامن عشر يدور حول كيف يجب أن يكون الناس ممثلين إلى حد ما في الحكومة، وهو تطور قدم أسس الديمقراطية الحديثة. ثم حول تأثير الاقتصاد والسوق الحرة كما في اراء آدم سميث، أو في وقت لاحق النظريات حول الأساس الاقتصادي للتغيير الاجتماعي التي طورها كارل ماركس. يمكننا، بالطبع، تقدير أعمال هؤلاء المفكرين من خلال النظر إلى السياق الذي فكروا فيه، لكنها بالتأكيد ذات صلة بالأسئلة المتعلقة بالسياسة اليوم.

اعتقد ميكيافيلي، على سبيل المثال، أن أولى واجبات واهتمامات أي حكومة يجب أن يكون الأمن والاستقرار. وعليه كان مستعد لمنح المزيد من الصلاحيات للحاكم، ومستعد للتنازل عن الحرية والحقوق إذا لزم الأمر من أجل الحفاظ على الأمن القومي. واليوم ما زلنا نناقش حقوق وأخطاء هذا النهج. استكشف جون لوك فصل القانون عن الحكومة، ولا يزال عمله صالحًا حتى اليوم عندما توجد شكاوى من أن الحكومة تمارس ضغوطًا على السلطة القضائية. لذا عندما نمارس الفلسفة السياسية نحتاج أن ننتقل ذهابا وإيابا بين أعمال المفكرين العظام وعالمنا الحالي ومعضلاته السياسية.

الأمم، الدول، أم ماذا؟

عند التفكير في شكل مثالي من أشكال الحكومة نميل إلى التركيز على الدولة/ الأمة أو الدولة القومية، ولكن من الجدير التوقف للتفكير في مدى سلاسة هذا المفهوم. لقد تم إنشاء الدول بشكل مصطنع مثل ألمانيا التي تكونت من تحالف دول أصغر، وقد تنفصل الدول التي تشكلت مرة أخرى كما في السودان ويوغسلافيا. إن الدول، كما نفكر بها الآن، هي إبداعات بشرية، وليست مجرد قطع من الأرض. إنها تنشأ وتتغير. تميل الدول إلى فرض السيادة داخل حدودها، ويعتبر التدخل فيها أمر خطير. لكننا نحتاج أيضًا إلى التفكير فيما إذا كانت الدولة لا تزال هي أنسب وسيلة للحكم. أننا نعيش في عالم تتنافس فيه دوائر تأثير عديدة مثل الأمم المتحدة والأتحاد الأوربي وتجمعات اخرى وهلم جرا. وتزدادت المناقشات بين الأمم حول المشكلات العالمية أو التي نتجت عن العولمة، ولكن اين يكون موقع السلطة في هذا الحال؟

 

الاقتصاد والايديولوجية

يرتبط الاقتصاد والسياسة ارتباطا وثيقا. لنأخذ مثلا أسباب أزمة الائتمان العالمية والركود الذي بدأ في عام 2008 حيث تم الافتراض أن الناس يريدون امتلاك منازلهم، وبالتالي فإنه من الجيد أن نقدم لهم قروضاً عقارية، فتم تشجيع الناس على الاقتراض أكثر مما يستطيعون تحمله، وتم تقاسم المخاطر التي ينطوي عليها إقراض هذه الأموال بين المؤسسات المالية. فقد تعرض بنك الاستثمار الأمريكي ليمان براذرز الى الانهيار وسقوط في الإفلاس في 2008 مما هدد بوقوع انفجار كارثة أزمة اقتصادية عالمية هزت اركان النظام المالي الغربي وزاد القلق من قدرة البنوك في توفير السيولة اللازمة لدفع التزاماتها مما ادى الى تدمير الثقة في النظام المالي برمته. وادى الى ازمة في السياسة الأقتصادية حيث كان الضغط السياسي قويا لأنقاذ البنوك من قبل الحكومات. ونتذكر كيف حصل انهيار الأسواق المالية بعد انهيار البنك ليمان براذرز، لأنها لم تثق بعد في قدرة الدولة على إنقاذها. وفي تلك الأوضاع لم يكن أصحاب السندات وحدهم ضحية الإفلاس فالمستأجرون والمدخرون ما زالوا يدفعوا التكلفة ويشكون من ارتفاع قيمة الإيجار، وقلة حصول الإدخارات المالية على فوائد وبالتالي وجب على المدخرين توفير المزيد من المال حتى يتمكنوا من تأمين تقاعدهم من الناحية المالية. وعندها اندلعت المشاكل، ومع عدم القدرة على سداد قروض المنازل، ومن ثم عدم الرغبة في إقراض المال من قبل البنوك، بالأضافة الى ماتبع ذلك من فشل الأعمال التجارية، كل ذلك جعل الحال أسوأ حيث أصبح المستهلكين مترددين في الإنفاق على السلع في وقت ساد فيه الخوف والأنكماش في الأسواق. فماحصل فعلا هو أن شعر الجميع بحالة من الفشل، وكان لهذا أتعكاسات قوية برزت جليًة في النجاحات الأنتخابية للأحزاب الشعبوية اليمينية.

وما حدث بعد ذلك هو أن وجد العالم نفسه أنه يحتاج إلى تدابير سياسية وكذلك اقتصادية للمساعدة في تحسين الأوضاع الأقتصادية العامة. وبدأ القيام ببعض التدابير في أنفاق الأموال العامة على دعم المنظمات الأقتصادية أو الشركات التي يُنظر إلى فشلها على أنه يحمل عواقب اجتماعية وسياسية غير مقبولة. في هذه الظروف، بدأ الناس بالسؤال: هل يمكننا أن نفعل الأشياء بشكل مختلف؟ هل أولوياتنا هي الصحيحة؟ هل هذه السياسة مستدامة أم هل لها عواقب طويلة الأجل على البلد أو العالم؟ لذلك تم طرح الأسئلة الأساسية لما بدأ انه نتيجة لسياسة اقتصادية تم ممارستها.

عدالة وأنصاف

كانت هناك محاولات عديدة لتحديد ما نعنيه بالعدالة وكيف يمكن تطبيقها على المجتمع. طرح جون راولز فكرة العدالة على أنها أنصاف في كتابيه "نظرية العدل" و " العدالة كأنصاف"، وقدم "تجربة فكرية" يتقابل فيها مجموعة من الناس سوية لتقرير كيفية تقسيم الموارد بينهم في وضع لا أحد منهم يعرف ما إذا كانوا فقراء أو أغنياء. فيسعى الناس في مثل هذه الظروف، كما يرى راولز، دائمًا لمساعدة أفقر الناس، لأنهم قد يكونون هم فقراء. أثارت هذه الحجة نقاشا كبيرا ، لأسباب ليس أقلها أنه في الممارسة لا يستطيع الناس أبدا أن ينسوا من هم. وهذا ما طرح تساؤلات جوهرية، اذ بدا من الواضح أن هناك وجهات نظر عميقة حول ما هو عادل. قد لا يبحث الناس عن المساواة المطلقة ولكن لديهم إحساس قوي بالعدالة. إذا كنت تتفق مع راولز، فإن أي اختلاف في الطريقة التي يعامل بها الناس يجب أن يكون لصالح الأقل حظا أو الفقراء. لكن يبدو في الممارسة العملية أن العكس هو الحال في كثير من الأحيان. إن تحقيق الإنصاف ينطوي عموما على تمرير القوانين ولكن بأي سلطة يحق للدولة تمرير القوانين وفرضها عليك؟ هناك إجابة واحدة هي أنك لاتملك الاختيار سواء كنت مولودًا في بلد ما أو تختار الانتقال إلى بلد أخر، ففي كل الأحوال تقبل تلقائيًا النظام السياسي والاجتماعي الموجود. يمكنك أن تسعى لإصلاحه بالطبع، لكن هذه مسألة أخرى. هل تثق بالحكام، وإذا لا تثق فهل لك الحق في استبدالهم؟ في نظام ديمقراطي يمكن للناس تغيير الحكومة المنتخبة واستبدالها بأخرى عبر صندوق الاقتراع. ورغم أن هذا لا يمنع الحكومات من التلاعب في العملية الانتخابية من أجل تحسين فرصها في إعادة الانتخاب ، ولا يضمن تصويت الجميع بالتساوي، لكن على الأقل هناك بعض مظاهر المساءلة.

المفكرون العمليون

لقد لعب العديد من الفلاسفة دورًا نشطًا في السياسة، حيث قاموا بحملة أحتجاج واتخذوا مواقف من قضايا اجتماعية وسياسية عديدة. فمثلا خرج جان بول سارتر إلى شوارع باريس مع الطلاب المحتجين في عام 1968، ومن بين المثقفين الفرنسيين المعاصرين واصل آلان باديو القيام بحملة نيابة عن أولئك الذين يعملون في فرنسا بلا أوراق أقامة رسمية، أيً بدون تصاريح قانونية. كذلك شارك برتراند راسل بشكل خاص في الأحتجاجات التي تطالب في نزع السلاح النووي، ودعم جون ستيوارت ميل الحملة السياسية من أجل حقوق المرأة ، وفي وقت سابق أثر روسو في الثورة الفرنسية وجون لوك في صوغ الدستور الأمريكي. وبالعودة إلى سقراط، نجد أن الفلاسفة طالما قاموا بدور نشط في تحدي المؤسسات القائمة.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

علي رسول الربيعييرى هابرماس أنه في ضوء الانتقادات المعاصرة للفسلفة أو للابستيمولوجيا الأسسية يقع على الفلسفة مهمة أن تجد الفلسفة دوراً ووظيفة جديدةً لها. ولتوضيح المعنى المقصود بالفلسفة وألابستيمولوجيا الأسسية فيمكن القول إنها عموماً تيار العقلانية الفلسفية الذي يمتد ما بين القرنين السابع عشر والتاسع عشر. وما هو مشترك بين هذا التيار هو تأكيد قدرة الانسان على كشف الحقيقة وبلوغ لعمق الدلالة انطلاقاً من قدراته العقلية الذاتية ويكفي استحضار اليقظة الذهنية حتى يتم الكشف عن كل الدلالات النصية والوجودية والمعرفية. وهناك العديد من التيارات الفلسفية مثل التأويلية ومابعد البنيوية، بالإضافة إلى المقاربات الحديثة لتاريخ العلوم، التي تشارك في نقد الفلسفة الأسسية. ويعد الفيلسوف الأمريكي ريتشارد رورتي في كتابه "الفلسفة ومرآة الطبيعة" واحد من أكثر الذين وجّهوا انتقادات قوية الى فكرة أن يكون هناك ثمة أساس نهائي لتبرير فلسفي للعقل مستقلٌ عن أحداث التاريخ والثقافة. فترفض اللاأسسية العقلانية المستقلة التي تميز فلسفة الوعي كماهي ممثلة في ديكارت وكانط. فالذوات لاتشكل العالم ولكن بالأحرى أنها تتجسد داخل سياق عالم لغوي خاص.

 يرفض هابرماس الأسسية أيضاً ومعها أي أمكانية لمفهوم العقل المجرد. ويقول في الخطاب الفلسفي للحداثة "ليس هناك عقل مجرد يمكن أن يرتدي اللغة لاحقاً". وعلى كل حال فإن دفاع هابرماس عن مكانة العقل لايجعله يصل في نقده للأسسية الى حد تأييد اعتراض رورتي على المشروع الفلسفي برمته.

يرى هابرماس أنه يجب على الفلسفة أن تتقبل أنها لم تعد قادرة على لعب الدور الذي كان يأمل كانط أن تقوم به، وهو توضيح "أسس العلوم لمرة واحدة وإلى الأبد، وتحديد حدود ما يمكن وما لا يمكن تجربته". ويؤكد أيضاً على أن هذه المحاولة للفلسفة لإرشاد العلوم إلى مكانها الصحيح لم تعد مقبولة. والشئ نفسه يمكن أن يقال عن دور الفلسفة بوصفها أحكاما على جميع المسائل الثقافية مثل التفريق بين مجالات قيم العلوم والأخلاق والفن، وكذلك مطالبتها الضمنية بإضفاء الشرعية على هذه المجالات داخل الحدود الخاصة بكل منها. فمثل هذه المهمة لايمكن للفلسفة أن تقوم بها أو تحققها. والسبب في ذلك هو أن هذه البنى العقلانية لا تحتاج إلى أساس أو تبرير في السياقات الحديثة، ولأنها هي مايميز الحداثة نفسها. فمهمة إعطاء تسويغ فلسفي لمجالات القيم المتمايزة والمختلفة هي بكل بساطة زائدة ولا حاجة لها.

 وعلى الرغم من أن الفلسفة لم يعد بإمكانها المطالبة بدور الفاتح لأبواب العلوم والحاكم عليها ولكن يمكنها أن تبقى تطالب بوظيفة الحارس للعقلانية. وإذا كان لها أن تفعل ذلك، فعليها أن تقود مساراً بين التقليد المشكوك فيه والذي لم يعد موثوقاً فيه للفلسفة الأسسية من جهة، وبين الهروب إلى ذلك النقد الشامل ضد العقلانية من جهة أخرى. فيرى هابرماس أنه من أجل إعادة بناء العلوم يمكن للفلسفة أن تدخل في علاقة تعاونية مع مشاريع بحثية معينة في العلوم الإنسانية من خلال لعب دور الممثل لنظريات العلوم التجريبية في المطالبات القوية بالصلاحية الشاملة. وبعبارة أخرى، يمكن للفلسفة أن تقدم فرضيات إعادة بناءِ للعلوم الإنسانية يمكن استخدامها في البيئات التجريبية. وفي المقابل، قد يقدم البحث التجريبي تأكيداً غير مباشر لفرضية إعادة البناءهذه. أي يمكن للفلسفة أن تقدم فرضيات إعادة البناء التي تستخدم في الأطار التجريبي. وبالمقابل، قد يقدم البحث التجريبي تأكيدات غير مباشرة لإعادة بناء هذه الفرضيات. وسيتم استخدام الفرضيات في البحث التجريبي التي قد تسعى، على سبيل المثال، إلى شرح المعرفة البديهية للمواضيع المختص "القواعد العالمية الشاملة المفترضة للتجربة العقلانية وللحكم، بالإضافة إلى التواصل اللغوي". فيقع عمل هابرماس الفلسفي في سياق هذا التعاون من أجل اعادة بناء العلوم الإنسانية. 

يمكن للفلسفة أن تأخذ على عاتقها مهمة مساعدتنا في إيجاد توازن بين اللحظات المنفصلة من العقل في تواصل الحياة اليومية بعد أن لم تعد قادرة على وضع نفسها كحاكم على مجالات وفضاءات قيم الثقافة. فيمكنها أن تكون الوسيط المفسّر بين مجالات العلم والأخلاق والفن، في حين يتم احترام العقلانية الخاصة لكل مجال بحيث إنها لم تعد معزولة عن بعضها البعض. فرغم أن هذه المجالات متميزة عن بعضها من الناحية المفاهيمية لكنها تتداخل باستمرار. ولهذا السبب يرى هابرماس أن هناك ضرورة ملحة لنظرية عامة حول الفعل التواصلي يمكن أن تتعهد بمطالب الصحة والمشروعية  في كل من هذه المجالات، وتقوم في الوقت نفسه بدور المفسّر والمترجم نيابة عن عالم الحياة.

 يفهم هابرماس هذه الأدوار الجديدة للفلسفة باعتبارها سمة لنموذج تحول من فلسفة الوعي إلى فلسفة  الفهم البيذاتي المشترك. وسعت فلسفة الوعي لتأمين أسسها في موضوع وحيد، معزول، مستقل بذاته، منفصل بعقلانيته، وغير مجزأ، ومستقل عن كل طوارئ تاريخية واجتماعية. وعلى الرغم من أن هذه الأسس قد انهارت تحت أقدامنا، إلا أننا لا يجب أن نصل الى مرحلة الشلل الفلسفي والقبول  بمواقعنا العرضية والطارئة في سياقات تاريخية وثقافية حقيقية. يمكننا أن نتفادى مثل هذا الشلل برفضنا النظر الى العقل بوصفه عقل محض أو مجرد غير متجسد، والنظر اليه كما هو متعين تاريخياً في الممارسة التواصلية في الحياة اليومية.

إن مهمة مشروع هابرماس الفلسفي هي التوضيح والتفسير، مع الوعي بقابلية الخطأ، والافتراضات البراغماتية للعقلانية في السير اليومي للوصول إلى التفاهم، والافتراضات المسبقة التي تسلم بأنها عالمية وشاملة طالما أنها لا يمكن تجنبها. وإنه يسعى لتأكيد فرضياته بالتعاون مع النظريات التجريبية في كفاءتها الشاملة. وفي اطار هذا المشروع لايكون ذلك الشلل الفلسفي ولا الابتهاج بنقد الفلسفة اللا أسسية هي الاستجابة المناسبة لأنهيار الأسس النهائية لفلسفة الوعي. لا تقف وظيفة الفلسفة بوصفها حارس للعقلانية ولكنها تحولت أيضاً الى لعب دور التأقلم مع الجوانب العقلانية ومع المصير التأريخي للعقل الذي تم كبحه مرات ومرات وأسئ استخدامه وتشويهه آيديولوجياً، وواصلت رفع صوتها بعناد  ضد كل ما يحول دون فعل التواصل الناجح.

أن ما يمكن ماتدعيه النظرية الفلسفية، من منظور هابرماس، هو أنه يمكنها أن تقدم  نظرية اجتماعية نقدية وإعادة بناء الافتراضات العملية البرغماتية للمحاولات اليومية لاستخدام اللغة كوسيلة من وسائل تحقيق التفاهم المتبادل.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعي

 

الحديث عن الأدب الفلسفي يعني الحديث عن حقل من حقول الثقافة تجمع بين حقلين يكاد تواصلهما حاضرا ومؤثرا منذ زمن طويل، إلا إن المفهوم من المفاهيم المعاصرة، التي حاولت البحث عن حقل يجمع بين الأدب والفلسفة بنسب متفاوتة، إذ ارتبطت الفلسفة ومازالت ترتبط بمجالات فكريّة متعددة من ضمنها مجال الأدب.

على الرغم من الاختلاف الكبير بين المجالين من حيث اللغة والهدف ومجال الرؤى هناك سمات مشتركة تجمع بين هذين العالمين أهمها : أولا البحث عن الوجود وماهيته، والذات وسبر أغوارها، وثانيا في مدى ارتباطها بالكون وبأحداث عصرها المتغير.

على مستوى التعريف

1- كلمة الأدب عبارة عن كتابة ''إبداعيّة'' أو ''تخيليّة'' ومنها الكلام البليغ الذي يؤثر في نفوس القرّاء سواء كان شعراً أم نثراً، ولقد تطوّر هذا المفهوم على مر العصور واتّخذ العديد من المعاني حتى تكوّن بهذه الصياغة وهذا المعنى.

2- فيما مفهوم الفلسفة مصطلح الفلسفة هو مصطلح يونانيّ، إذ تعني الفلسفة حب الحكمة، وهي النظرة العقلانيّة والفكرة التجريديّة، والمنهجيّة في الواقع بشكلٍ عام، فضلاً عن الأبعاد الأساسيّة للوجود البشري والخبرة، وهي عنصر أساسيّ في التاريخ الفكري للكثير من الحضاراتكما أنها دراسة لفهم كيفيّة الوجود، ومعرفة ما هو حقيقي وصادق، وجميل، ويشار إلى اهتمامها بكيفيّة تواجد البشر لمعرفة الحقيقة والأمور الصحيحة. إذ يعد القلق الوجودي، جسراً رابطاً بين الأدب والفلسفة، وقد جعل من رابطتهما، أكثر ثراء وحيويّة، في سياق البحث والسؤال، على صعيد التخيل الجامح أو التأمل العميق الراسخ سواء في أعماق الذات الإنسانيّة أم الموجودات .وفي كل هذا يستعين بجماليّة الصور وبراعة الاستعارة بعيداً عن المباشرة في التناول .

3- فالأدب الفلسفي هو المنطقة الوسطى الجامعة بين مضامين فلسفيّة وأشكال تعبيرية تخيليّة شعراً أو نثراً . إن التكامل بين الأدب والفلسفة، يعد ظاهرة ملموسة في سياق ما هو منجز من الواقع الفلسفي، بوصفه علامة دالة على إنهما وجهان لعملة واحدة، مهما تباين الأفق بينهما ؛ إلا إنهما في تواصل وتكامل: توصيفاً، وتشخيصاً، ونقداً ؛ لما هو إنساني ثقافي على صعيد متخيل يأخذ بجماليّة المكان و المشاعر والعواطف الشفافة ؛ عميقةً برموزها واستعاراتها وتناصاتها التي تفتح أفقا كبيراً، للقراءة والتأويل لتكشف ما هو مسكوت عنه و إنه ليس منالممكن البوح فيه .

ويمكن دراسة العلاقة بين الأدب والفلسفة من خلال نظريّةالأجناسالأدبيّة إذ يعزى الاهتمام في استعمال مصطلح الجنس الأدبي في الدراسات الغربيّة الحديثة إلى ظهور أجناس جديدة من التأليف الأدبي في اللغات الأوربيّة، وذلك في بواكير النهضة الأوربيّة في القرن الثالث عشر الميلادي في ايطاليا،ليتوسع فيما بعد إلى نظريّة الأجناس الأدبيّة التي تترجم بالفرنسيّة genres liter Aires يقابلها في الانكليزيّة literary speiesثم عدلوا عنها إلى literary genres

ويعد نورثروب فراي التقسيم الثلاثي الذي وضعه القدامى (الملحمي والدرامي والغنائي) هو المنطلق لنظريّة الأجناس الأدبيّة، وهكذا أصبحت نظريّة الأجناس المكان الذي يتحدد فيه مجال الأدب وتعريفه.

وهذا يقودنا إلى مفهوم الجنس الأدبي بوصفه مجموعة من الخصائص التي تحكم الممارسة الإبداعيّة .

أما نشأة الجنس الأدبي فهي قضيّة قديمة حديثة، تبدأ بالحديث عنه بوصفه رغبة فرديّة، ناتجة بصفة أساسيّة عن رغبة اجتماعيّة. وقد ظل الجدل دائرا حول إمكانيّة تحديد ضوابط معينه يمكن أن تسجلها من خلالها إن مهمة تمييز خصوصيّة جنس أدبي معين من غيره عسيرة ولكن يمكن الوقوف على مرحلتين أساسيتين :

المرحلة القديمة : التي بلغت ذروتها بالكلاسيكيّة الجديدة التي دعت إلى فصل الأنواع الأدبيّة بعضها عن بعض، إذ ينكفئ كل نوع من ضمن أسوار مغلقه لا يتراسل فنياً مع غيره وهذا هو المذهب الشهير ب" نقاء النوع" .

المرحلة الوصفيّة: التي ظهرت حديثاً والتي تفترض بإمكانيّة المزج بين الأنواع لتوليد أنواع جديدة . وهي المرحلة التي تميّزت بها الكتابات الحديثة التي تعطي انفتاحاً للنوع الأدبي كي لا يبقى منغلقاً على نفسه، بل تنظر إليه بوصفه نظاماً منفتحاً قابلا للتجدد والتكيف مع المستجدات. ؛لذلك يمكن القول إن الجنس الأدبي الذي يزاوج بين أجناس متغايرة هو من أابرز منجزات الحداثة، التي تعلن إمكانيّة التلاقح بين أجناس مختلفة مما يدعو إلى إعادة النظر في توسيع حدود الجنس الأدبي وتكييف محدداته مع ظهور كل نتاج جديد بل والأكثر من ذلك الكشف عن الطرق التي تنتج وفقها النصوص وتستقبل وتتداول في المجتمع، ولاسيما أن الضغوط المستمرة التي تمارسها الأفكار المتصلة بالخلق والابتكار والذوق،ومتطلبات التلقي، تؤدي إلى تعديل تطوير هذا الدور باستمرار.

لعل في ظل هذه الظروف ظهر أيضاً الأدب الفلسفي الذي يدرس العلاقة بين الأدب بأشكاله الثلاثة والفلسفة من خلال التمييز بين الشكل / والمضمون إذ يعرف الأدب بشكله الجمالي فيما يتناول المضمون البعد الثقافي الفلسفي .

فدراسة الأدب في الأشكال الثلاثة: (الملحمي والدرامي والغنائي)، وتداخله مع الفلسفة ولد الأدب الفلسفي

أما المرحلة القديمة:

فالبحث عن التمايز بين الطرفين نجده من الناحية التاريخيّة يظهر في الثقافة اليونانيّة لدى كل من أفلاطون وأرسطو، إذ كان أفلاطون قد أكّد على التمايز والاختلاف بينهما على الرغم من انه كان كاتباً عظيماً في مجال الأدب كما يظهر في المحاورات، إلا انه على الرغم من هذا الأمر ؛ إلا إننا نجده يعبر عن حالة من التضاد بين الأدب والفلسفة كونه رفض وجود الفن والشعر والشعراء في مدينته ؛بحجة أن الفن عموماً والشعر خصوصاً يقومان على مفهوم المحاكاة واتخذ مفهوم المحاكاة مفهوماً دونياً؛ لأنه يحاكي العالم الحسّي والشعر عنده إيهام بالحقيقة، بينما الفلسفة ترتبط بالعلم أي بالحقيقة فأخذ مفهوم الأدب مفهوما دونياً قياسا على هذا المفهوم الذي بقي تأثيره في الفكر الإنساني لمدّة زمنيّة طويلة. (محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي،، 1997- ص30)يقول أفلاطون عن الشعر : (أن الشعر الجميل ليس من صنع الانسان و لا من نظم البشر، لكنه سماوي من صنع الآلهة . وما الشعراء ؛ إلا مترجمون عن الآلهة .)() افلاطون، محاورات (ايون)شوقي داود تمراز،،المحاورات الكاملة، المجلد 3، 1973م، 37-38)

فيجب أن تكون الملهاة "الكوميديا" متجهة إلى السخريّة من الأخلاق الذميمة، ولا يجب أن تظهر فيها إلا الطبقة الدنيا، أما الطبقة الارستقراطيّة، فيجب أن إلا تتمثل معلقاً في الملهاة، أما المأساة "التراجيديّة" فيجب أن تمثل العواطف النبيلة، وأن يكون كل أشخاصها ممن ينتسبون إلى الطبقة الارستقراطيّة لكل تمثلهما فيها من عواطف نبيلة .(عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفيّة العربيّة،ج1، 1984- 189.)

إما أرسطو فقد نظر إلىالأمر من زاويّة أخرى في كتابه " فن الشعر"، عندما قدّم تصنيفاً إلى أشكال التفكير جعل البرهان في المقدمة ثم الجدل وتأتيالسفسطة والتخيل في المرتبة الأخيرة فهذا التوصيف الأرسطي قد اثر كثيراً في الفكر الوسيط بعد أرسطو وقد تمت محاكاته .(المقدمة،ارسطو طاليس، كتاب الخطابة، 14)

واستناداً على هذا التصنيف تكون التراجيديا، أولا لأنها تحاكي بوساطة اللغة،وثانيها عملاً جليلاً لأنها تحاكي أناساً فضلاء وتظهرهم بأخير مما هم عليه،وثالثاً : دراما لأنها تقوم بتصوير الشخصيّات، وهي تفعل وتنشط دونما تدخل من قبل الأدب .(جميل نصيف، قراءة وتأملات في المسرح الإغريقي-101.) ونجد أن التأثير اليوناني ترك اثرا في الفلسفة الإسلاميّة ؛ فان مفهوم المحاكاة فقد فهم نقاد العرب المحاكاة أنها مرادفة للمجاز إي : (التشبيه والاستعارة والكنايّة)يقول ابن رشد " والمحاكاة في الأقاويل الشعريّة تكون من قبل ثلاثة أشياء من قبل النظم المتفقة ومن قبل الوزن ومن قبل التشبه نفسه وهذا قد يوجد كل واحد منها مفرداً عن صاحبه مثل وجود النغم في المزامير والوزن في الرقص , والمحاكاة في اللفظ . وقد تجتمع هذه الثلاثة بأسرها , مثلما يوجد عندنا في النوع الذي يسمى الموشحات والأزجال .

أما البحث عن المشتركات بين الأدب والفلسفة نجد إن العلاقة بين هذين المجالين المعرفيين قديمة قدم بدايات التفكير الإنساني وإدراك الفكر قضايا الوعي بالذات والعالم . مثلما نجد إن الإنسان قد مارس التفلسف منذ القدم، وذلك سعياً منه لفهم أبعاد وجوده بكافة مستوياته الأخلاقيّة والمعرفيّة والاجتماعيّة، بالمقابل نجد أيضا، أن الأدب احتفظ لنفسه بإيقاع ومنطق خاص به، فالكتابة الأدبيّة باعتبارها شكلا خاصا من أشكال التعبير، سواءً كانت شعراً أو مسرحاً أو روايّة، لها تراثها ورموزها وأشخاصها الذين صاغوا معالم الفكر الإنساني بجانب الفلاسفة . وبالآتي يصح القول أن هناك تداخلاً بين المجالين على الرغم من اختلافهما في مجال التعبير فالأدب يعتمد التخييل في التعبير عن موضوعاته معتمداً على " الكلام الإشاري" كلام دال على المجاز أو مضمر لفظه أو مشتبه معناه" نجد بالمقابل أن الكتابة الفلسفيّة تعتمد على كتابة العبارة، فالعبارة هي "لفظ محكم تركيبه ودلالته"، فالعبارة -هي أساساً- كلام يلتزم بضوابط العقل المجرد، وهذه اللغة العباريّة ذات الدلالة المحدّدة والواضحة هي مدار اشتغال الفلسفة، في حين أن الإشارة التي هي بالأساس "كلام ينفتح على رحاب الخيال المجسد"، هي مدار اشتغال الأدب والشعر.

وعلى الرغم من هذا الاختلاف بين الأدب التخيلي الاشاري المجازي و الفلسفة بكلامها المعتمد على العبارة ذات الدلالة المحددة والواضحة ؛ إلاإننا نجد التواصل حاضراً وعميقاً بين الفلسفة والأدب، إذ الفلسفة باعتبارها بحثاً عن الحقيقة تتوسل باللغة والأدب يبني عالمه على اللغة أيضا. (طه عبد الرحمن، الفلسفة و الترجمة، 1995م)

فاللغة هي القاسم المشترك بين المجالين ولكن ليست اللغة فقط وإنما هناك علاقة أخرى تجمع بينهما وهي علاقة معرفيّة فما تتوصل إليه الفلسفة يجسّده الأدب بأجناسه المختلفة من : (شعر وقصة وروايّة ومسرح)فقد تأثّر الأدب بالرؤى الفلسفيّة على مرّ العصور كما استعمل الفلاسفة بعض الأجناس الأدبيّة للتعبير عن نظرياتهم الفلسفيّة كما تمثّل في محاورات سقراط مع تلاميذه وفي غيره من الأعمال الفلسفيّة التي اتّخذت من الأجناس الأدبيّة حقلها المعرفي .في الدراسات المعاصرة والظرف الذي انبثق فيه مصطلح الفلسفي في ظل الحداثة وسعيها إلى البحث عن العقلانيّة في الخطاب، ويحاول البحث الكشف عن نقاط مشتركة بين الطرفين وأشكال العلاقة والتداخل بين عالم الفلسفة وعالم الأدب فهناك أشكال متنوعة بين الطرفين فهناك تداخل كلي وآخر جزئي مثال على هذا في الشعر مثلا نجد هناك تداخلاً جزئياً في الشعر الذي يعتمد على مقولات ومفاهيم مستقاة من الفلسفة ما نجدها في شعر المتنبي مثلاً، يقول المتنبي :

"خليلك أنت "لا من قلت خَلّي وَإنْكًثُرَ التَمدّحُ والْكَلامُ(عبد الرحمن البرقوقي، شرح ديوان المتنبي، تحقيق، ج4، 193.)

وهناك تداخل أعمق مثلما نجده في شعر المعري (973-1057)م،الذي اتّخذ بعداً أعمق حتى وصف بالموقف الوجودي، من مؤلفاته "سقط الزند: وهو مجموعة قصائد و"اللزوميات"في الفلسفة العلائيّة و"رسالة الغفران "في قصة إلهيّة طريفة، كان يقول :

فإني وجدتُ النفسَ تبدى ندامةً /على ما جنته حيناً يحضرها النقلُ

وإن صدئت أرواحنا في جسومنا /فيوشك يوماً أن يعاودها الصقلُ(المعري، اللزوميات، 1986م، 181.)

ونجد التداخل يزداد فيضعف جماليّات الشكل ويزداد المضمون هيمنةً في الشعر الصوفي فهو يعتمد الشعر في التعبير عن تجربة باطنيّة روحيّة تحاول التعبير عما لا يمكن التعبير عنه من رؤيّة روحيّة حدسيّة، لننظر إلى هذا القول للبسطامي :في (الأحوال)

-آخر نهايات الصديقين أول أحوال الأنبياء،وليس لنهايّة الأنبياء غايّة تدرك .

-للخلق أحوال، ولا حال للعارف ؛ لأنه مُحيت رسومه، وفنيت هويته بهويّة غيره، وغُيبت آثاره بآثار غيره .

-نهايّة الصديقين أول أحوال الأنبياء (ابو يزيد البسطامي، المجموعة الصوفيّة الكاملة، 2004،78.).

ثم يزداد الأمر إذ يهيمن المضمون على الشكل في قصيدة ابن سينا في " العينيّة " ؛ إلا أننا هنا نلمس أن الشكل الأدبي غدا (وعاءً لشرح فكرة فلسفيّة ويكون العمل فلسفيا قبل كل شيء)(إحسان عباس،اتجاهات الأدب العربي المعاصر،1994، 5)

هبطتُ إليك كم المحا الأرفعُ  ورقاءُ ذاتُ تعززٍ وتمنّعُ

محجوبةٌ عن كل مقلةِ عارفٍ  وهي التي سفرتْ ولم تتبرقعُ

اما المرحلة الثانية:

إذ يعزى الاهتمام في استعمال مصطلح الجنس الأدبي في الدراسات الغربيّة الحديثة إلى ظهور أجناس جديدة من التأليف الأدبي في اللغات الأوربيّة، وذلك في بواكير النهضة الأوربيّة في القرن الثالث عشر الميلادي في ايطاليا،ليتوسع فيما بعد إلى نظريه الأجناس الأدبيّة التي تترجم بالفرنسيّة genres liter Aires يقابلها في الإنكليزية literary speiesثم عدلوا عنها إلى literary genres

ويعد نورثروب فراي التقسيم الثلاثي الذي وضعه القدامى :ا(لملحمي والدرامي والغنائي) هو المنطلق لنظريّة الأجناس الأدبيّة، وهكذا أصبحت نظريّة الأجناس المكان الذي يتحدد فيه مجال الأدب وتعريفه.

وهذا يقودنا إلى مفهوم الجنس الأدبي بوصفه مجموعةً من الخصائص التي تحكم الممارسة الإبداعيّة. (ورقاء يحيى قاسم، النص الأدبي وإشكاليّة التجنيس)

أما المرحلة الثانية أي الوصفيّة:

التي ظهرت حديثا والتي تفترض بإمكانيّة المزج بين الأنواع لتوليد أنواع جديدة . وهي المرحلة التي تميزت بها الكتابات الحديثة التي تعطي انفتاحا للنوع الأدبي كي لايبقى منغلقا على نفسه، بل تنظر إليه بوصفه نظاماً منفتحاً قابلا للتجدد والتكيف مع المستجدات.لذلك يمكن القول إن الجنس الأدبي الذي يزاوج بين أجناس متغايرة هو من أبرز منجزات الحداثة، التي تعلن إمكانيّة التلاقح بين أجناس مختلفة مما يدعو إلى إعادة النظر في توسيع حدود الجنس الأدبي وتكييف محدداته مع ظهور كل نتاج جديد بل والأكثر من ذلك الكشف عن الطرق التي تنتج وفقها النصوص وتستقبل وتتداول في المجتمع، ولاسيما إن الضغوط المستمرة التي تمارسها الأفكار المتصلة بالخلق والابتكار والذوق،ومتطلبات التلقي، تؤدي إلى تعديل تطوير هذا الدور باستمرار.

لعل في ظل هذه الظروف ظهر أيضاً الأدب الفلسفي الذي يدرس العلاقة بين الأدب بأشكاله الثلاثة والفلسفة من خلال تميز بين الشكل / والمضمون إذ يعرف الأدب بشكله الجمالي فيما يتناول المضمون البعد الثقافي الفلسفي .

فدراسة الأدب في الإشكال الثلاثة: (الملحمي والدرامي والغنائي)، وتداخله مع الفلسفة ولّد الأدب الفلسفي وهذا يظهر أيضا في دراسة القصة والشعر والمسرح إذ نلمس مضامين فلسفيّة على مستوى الموضوع رافقت ظهور تلك الأجناس ونموها وخصوصاً الروايّة .

وقد ظهرت اتجاهات حديثة فى العلاقة بين الشكل والمضمون منها ما جاء به " كانط "(1724-1804)م وتعدآخر المحاولات الفلسفيّة الكبرى لإرساء قاعدة نظريّة (منطقيّة) للفن الخاص أو " الفن للفن " .أساسا كل خبرة جماليّة في رأي كانط هو الانسجام القائم بين الفهم والمخيلة .(محمد شفيق شيا، في الأدب الفلسفي، 2009م، 65.) لكن لو نظرنا للعمل الفني في ضوء ثنائيّة الفردي والجماعي (سوف نجد العمل الفني فردياً وجماعياً فالوقت معاً فهو تنظيم لتجارب لم تقع الا لهذا الفنان لكنه تنظيم في سياق الإطار ذي الأصول اجتماعيّة الذي يحملها الفنان ويتخذ منها عاملا من أهم عوامل التنظيم) (مصطفى سويف، الأسس النفسيّة للإبداع الفني، 1969، 249.)

لكن الحديث عن الأجناس يجعلنا نتوقف عند مشكلة التجنيس بوصفها ظاهرة في التاريخ الأدبي المعاصر،وعاملا نصياً بصورة خاصة تبقى قائمة مع انتشار ظاهرة ما بعد الحداثة التي شكلت خرقاً واضحاً لكل معطيات الحداثة ولا سيما التداخل بين الأدبي والثقافي واللغوي ؛ لأن “ما بعد الحداثة صورت اختلاط الأجناس،واختلاط النصوص،واختلاط القراء والنصوص” ولاسيما أن تشكل الأجناس النظريّة في مخيلة الناقد هي جزء مما يمكن تسميته بالمنطق البراغماتي للتجنيسHmogeneisa،هذا المنطق يشكل ظاهرة إبداعٍ و تلقٍ نصيّة تختلف من ناقد إلى أخر، إلاأنّ أي معالجة لإشكاليّة الهويّةالأجناسيّة في خضم الأعمال الأدبيّة ينبغي ان تأخذ بنظر الاعتبار عاملين أساسيين :

احدهما : إمكانيّة الاختلاف بين سياقات عملين أدبيين،حتى وإن كانا يحملان التسمية الأجناسيّة الواحدة .

ثانيهما : يتجلى في إمكانيّة تجدد النص عبر سياقات مختلفــة ومتباينة . ولذلك يمكن القول ان” الهويّة الأجناسيّة لنص ما تعد أحياناً والى درجة معينة قابلة للتغيير سياقياً بالمعنى الذي ترتهن في المجال غير النصي، وبشكل أوسع بالمحيط التاريخي الذي يحكم ولادة النص،والذي يحكم إعادة نسيجه كفعل تواصلي ” (ورقاء يحيى قاسم، النص الأدبي وإشكاليّة التجنيس)

من الممكن أن نجد جذوراًلهذا الموقف عند الفيلسوف الألماني الشهير فيردريكنيتشه، الذي أشار في كتابه الذي حمل عنوان "ولادة التراجيديا" إلى أنه من الضروري على الفلسفة أن تحدّ من التفكير المنطقي الصارم، وتعود إلى الجانب الوجداني الذي يمثله أسلوب السرد الروائي، داعياً إلى (العودة إلى ما يعتمل في أنفسنا من عناصر بدائيّة للارتساف من نبع العاطفة.. حتى ولو أدى ذلك إلى تحطيم الفكر التحليلي)(فريدريك نيتشه، مولد التراجيديا (

فلسفة ما بعد الحداثة :

جاء التحول في الفكر الغربي مع بعد الحداثة بتحول مهم في جدليّة العلاقة بين الفلسفة، فقد تحوّلت الفاصلة بين المجالين المعرفيين الفلسفي والأدبي قد شهدت ذوباناً وتلاشياً مع فلاسفة ما بعد الحداثة، الذين عُرفوا بنقدهم الشديد للثنائيات التي هيمنت على تاريخ الفكر الفلسفي من قبيل: ثنائيّة الروح والجسد، والفرد والمجتمع، والحريّة والحتميّة.وجاء هذا بعد نقد ليوتارللعقل والذات العارفة .(ليندا هتشيون، سياسة مابعد الحداثة، 2009،20 .) تجاوز فلسفة مابعد الحداثة، التمركز حول دوائر العقل لتهتم بالأطراف و الهوامش، فتصبح هذه المطالبات شاغلاً فلسفياً يرتبط بتجاوز التقليدي و خلخلة يقينياته .(محمد بكاري، أرخبيلات ما بعد الحداثة، 2017، 8.) فقد احتلت اللغة مكان مهم إذ أصبحت (المفتاح السحري لأغلب الفلسفات المعاصرة، ومنها البنيويّة)، (عمر مهيبل، من النسق إلى الذات " قراءات في الفكر الغربي المعاصر، الدار العربيّة للعلوم،2007، 33.)

فقد مثلت اللغة النبع الصافي للفلسفة والأدب، وهما يحققان الكثير من الأحلام البشريّة، و يؤكدان على، أدبيّة السرد الفني في مراميه عبر التخيل والعاطفة عبر تماسكهما وانسجامهما ؛ وصولا إلى مقاصد عميقة تعبر عن رهانات عقليّة ورمزيّة.

على الرغم من تمردهما على أشكال التعبير الفلسفي،فإن طاقة استعمالهما للغة تبقى ذات أفق إبداعي فلسفي .وهذا اخذ أبعاداً جديدة في ظل تحولات ما بعد الحداثة التي قامت على الانتفاض على كثير من المعايير العقلانيّة الصارمة، وكان من بين تلك التحولات خصوصا في مجال الأدب إذ تم كسر الحواجز بين الأجناس وقد تم المزج بين أسلوب السرد الروائي واللغة الشاعريّة من جهة، وبين اعتبارات السؤال والمقاييس الفلسفيّة من جهة أخرى .فأصبح النص (سلسلة من العلاقات مع نصوص أخرى)(عبد الله الغذامي، الخطيئة والتكفير من البنيويّة إلى التشريحيّة،1985،321.)، قائمة أساساً على أساس مفهوم الاختلاف وهو(مفهوم متجذر في صلب ديناميّة رحك الكائن الواحد) (فليب مانغ، جيب دولوز أو نسق المتعدد، ترجمة عبد العزيز بن عرفة، 1994، 21.)

ولعل هذا جعل تلك الرؤية الجديدة تنفتح على النصوص المعرفيّة كالتصوف الذي عرف (المتصوفة قد نزعوا نزعة ذاتيّة عميقة، وأنهم يتّصلون بعالم ماوراء الحسً ويحاولون أن يصلوا بقلوبهم ومشاعرهم الى ما لايتسنى للعقل والحواس الوصول إليه، او قد اطمئنوا إلى ما وافقهم به أذواقهم من معاني وما صورت به عالم مافوق الواقع من صورة أن يدللوا عليهإن عالمهم هذا العالم الحق وان ماعداه هو الباطل) (درويش الجندي , الرمزيّة في الادب الصوفي , 1958, 341) فهذا الانفتاح نلمسه في نيتشه الذي مهد الطريق لما بعد الحداثة عندما كان قد قدم فلسفته بصورة سرد روائي في عمله الشهير "هكذا تحدث زرادشت" (فريدريك نيتشه، هكذا تكلم زرادشت، 2014)، وهكذا جاءت التحولات تلك إلى دفع الفلسفة إلى انتهاج مسار مختلف هذه المرة عندما عمدت إلى تجاوز حالة السكون والثبات صوب ماهو معاش من حياة الراهن بكل تحولاته وصيرورته مما دفع الفلسفة إلىإن تدخل فى النقد الذاتي وتتورط بالمراجعة لذاتها من أجل تجاوز غربتها عما هو معاش، وقد أسهم هذا الى حد كبير في بلورة فهم معقول للواقع وتحولاته .ونقد الدوغمائيّة العنيفة المتطرفة .وكان لابد لهذا التحول الذي أصاب الفلسفة أن يصيب الأدب ومن الشعر الذي كان يمثل لغة خاصة به . إلا إننا نلمس ذلك على الرغم من إن التعارض بين الشعر إذ الاستعارة الشعريّة هي (ليس مجرد تغيير في المعنى، أنها تغيير في طبيعة أو نمط المعنى انتقال من المعنى المفهومي إلى المعنى الانفعالي) (جان كوهين،بينيّة اللغة الشعريّة،1986، 205.) لكن على الرغم من هذه التحولات العميقة ؛ إلا أن هناك من يرى أن الأدب يبقى متأثراً بأنماط التفكير (وهذا ما يفتح أمامنا ملف تطور أساليب النثر الحديث التي مازالت الآن تتنوع لا بحسب الحاجات الفعليّة، وانما بحسب نمط التفكير السائد خلفها) (حسن الخاقاني، تذويب الإنسان، 2018، 212.)

 

د. عامر عبد زيد الوائلي

 

علي محمد اليوسففي سؤال موجّه لهيدجر عن معنى الحقيقة وماهيتها قال: (اننا ندرج الحقيقة في نظرية المعرفة، واعني بها الحقيقة بشكل عام وليست حقيقة الامر الواقع) (1) .

بضوء هذا التعريف الفلسفي كثيرا ما نخلط بين الحقيقة المدركة وجودا واقعيا على انها تعني تطابق الفكر مع وجود الشيئ، بمعنى ان حقيقة الامر الواقع كضرورة او لا ضرورة ملزمة لها، فهي تعني وجود الاشياء المستقلة واقعيا التي يدركها العقل ويعبّر عن مطابقتها مع الفكر. وبمعنى مشابه تبسيطي ميكانيكي هي تطابق ما في الاذهان مع ما في الاعيان. وهذا لا يعني شمول الحقيقة الفلسفية باعتبارها مصطلحا تداوليا فلسفيا او مبحثا افتراضيا في المعرفة، تقوم معرفتها على المنطق التجريدي في الاستدلال من خلاله وبه على حقائق اخرى واقعية او حقائق افتراضية، وبالسعي نحو الحقيقة الفلسفية المفترضة وجودا تتم معرفة حقائق بعض الاشياء والظواهر في وجودها اوفي غيابها المستنبط فلسفيا في سلسلة متوالية من التزامن في السعي من منطلق المنهج الفلسفي باتجاه تحقيق الحقائق الفلسفية الاخرى وهكذا.

فتطابق الفكر مع واقع محدد او مقصود مدرك قد يجعل منه حقيقة واقعية يدركها بعض او كل الناس في حال توفرهم على سلامة العقل والتفكير والادراك. وهذه غير الحقيقة الفلسفية التي تتداولها مباحث الفلسفة وعلماء وباحثي المعارف والدراسات العلمية والانسانية معا. فلا يشترط ان تكون الحقيقة الفلسفية واقعا ماديا متعيّنا بالفكر الفلسفي او المعرفي ولم تكن يوما كذلك، ولكنها كانت سابقا و تكون اليوم وسيلة استدلال عن الاشياء الاخرى وحقائقها وليس الاهتمام في تحقيق اثبات وجود ادراكي واقعي للحقيقة الفلسفية التي هي وسيلة استدلال افتراضي في الوصول لحقائق اخرى غيرها.

اي ان الحقيقة الفلسفية هي في الغالب والاعم واسطة فكرية عقلية معيارية في الاستدلال ومعرفة الاشياء الاخرى غيرها بها في العالم الخارجي ولم يدّع (يدعي) أحدا من الفلاسفة انه انتهى في بحثه تحقيق حقيقة فلسفية لها العصمة العقلية الوجودية والفكرية من استحالة بطلانها، واستهدافها بالتفنيد، فجميع الآراء التي تأتي بها الفلسفة وتعتبرها حقائق في ظروف وزمن معينين هي مفاهيم غير قطعية في صحتها وتحمل عوامل تفنيدها في ثناياها واحشائها.وكذا الحال مع اكتشاف او اختراع الحقيقة العلمية.

ويمكننا القول هنا ان هذا التعبير الاستدلالي المعياري للحقيقة الفلسفية، تعبير مثالي افتراضي عن شيء او عدة اشياء بأسلوب منطقي تجريدي يخلو من اثبات وجوده الواقعي او كينونتة أوماهيته، ولا يتعدّى التفكير الذهني والعقلي المعبّر عنها فلسفيا باللغة او بغيرها، بمعزل عن معالجة الوجود المادي المستقل للاشياء في العالم الخارجي بالتفكير الفلسفي المحض. كون الحقيقة الفلسفية وجودا افتراضيا متداولا نخبويا على صعيد التعبير اللغوي، ولا يدخل مباشرة ضمن الحقائق الواقعية والمتعيّنة ماديا في تعالقها بالوجود او بالفكر المجرد،كما في التعبير الادبي او الفني او الايديولوجيا .

ومن اكثر الاخطاء والالتباسات هي ان لا نفرق بين حقائق الاشياء في وجودها الواقعي المستقل عن الانسان سواء ادركها ام لم يدركها، وبين واقع التسليم انه ليس كل ما يعجز التفكير العقلي عنه وادراكه في محاولة اثبات وجوده هو غير موجود،فالله ومباحث الميتافيزيقا (وجودات) يطلق عليها حقائق دينية يعجز العلم او الفلسفة اثباتها أو نفيها لا بالفكر ولا بالتجربة ولا بغيرهما، فوجود اشياء العالم الخارجي لا يتعيّن اثبات وجودها في ادراك الانسان لها وكل ما لايدركه الانسان منها غير موجود. فهذه فكرة مثالية ابتذالية في فهم الواقع والوجود وعلاقته بالادراك الفكري والتعبيرعنه لغويا كموضوع. فوجود بعض الاشياء الذي ينكرادراكها شخص او اكثر يدركها مئات بل الاف وملايين من الناس في زمن وظروف معينة . وخير مثال لهذا الفهم الطوباوي المثالي الابتذالي خاصة بالفلسفة نجده عند من يدّعون امكانية الافكار الحسّية الادراكية المجردة خلق موجوداتها المفكّر بها ذهنيا وجعلها حقائق واقعية متعينة باللغة والتعبير عنها، منهم الفيلسوف بيركلي، صاحب مقولة : ان كل ما يدرك موجود وما لا يدرك غير موجود. وقال مرة لمجالسيه انني لو اغمضت عيناي وعطّلت حواسي الاخرى عن ادراكها لكم، عندها تكونون انتم غير موجودين، فسألوه كيف اذن لنا ان ندرك وجودنا في انكارك انت لوجودنا معك، اجابهم يكفي ان الله يدرككم، ولم يعترف بادراكهم كوجود من قبل غيره من الناس امثالهم من دون حاجتهم استحصال اثبات وجودهم من الله و بيركلي.

انواع الحقيقة الفلسفية وتعاريفها

انواع الحقيقة او بعضها:

- الحقيقة الصورية - الحقيقة المادية - الحقيقة المطلقة - الحقيقة الواقعية -الحقيقة الابدية او السرمدية- الحقيقة النسبية - الحقيقة الموضوعية – الحقيقة الدينية.(المصدر موقع انترنيت)/ وهناك تعاريف متداخلة وبعضها يصل حد التناقض حول تحديد معنى الحقائق الواقعية وبين الحقيقة الفلسفية وادراكنا لهما نعرضه بالتعريفات والتلخيص التالي:

- الحقيقة هي تطابق الافكار المعبّرعنها مع الواقع.

- الحقيقة هي تطابق الافكار مع موضوعاتها.

- الحقيقة هي قول الكلام الذي ينطوي على الصدق العلمي والاخلاقي والخير النافع واعلاء شأن القيم الحميدة بالحياة.

- الحقيقة هي القدرة على تمييز الصح من الخطأ.

-  لا توجد حقيقة مطلقة او ثابتة.(هذه التعريفات عن الحقيقة مقتبسة عن مصدرموقع انترنيت).

وساتناول مفهوم الحقيقة الفلسفية بفهم خاص لا يدخل في مشابهات التناول المفهرس بانوراميا حسب التوصيف الفلسفي التدريسي او المعلوماتي.

واضح في هذه الانواع من الحقائق وتعريفاتها، انها جميعها ماعدا الحقيقة المطلقة بعيدة عن الفهم والتداول الفلسفي الصرف، فهي حقائق اما علمية او حقائق قيمية مجالها المجتمعات الانسانية في الحياة العامة ربما يكون للفلسفة نصيب بدراستها وتناولها في الاخذ منها اوفي تداخلها معها بالرفد النظري البحثي الفلسفي لها .كما في تداخل مباحث الفلسفة مع العلوم الطبيعية كافة، والعلوم الانسانية كما في الادب والفنون و الاقتصاد والاخلاق والسياسة والتاريخ . الخ

يمكننا الجزم ان الحقائق غير الفلسفية التي هي من اختصاصات العلوم الطبيعية والانسانيات ودراسة الانثروبولوجيا او التاريخ وعلم الاجتماع والاخلاق والاقتصاد وفي الرياضيات وغيرها، لا تدخل ضمن اهتمامات الفلسفة كمباحث فلسفية مستقلة بذاتها او كوقائع معيارية قيمية علمية او غير علمية تبني عليها الفلسفة نظرياتها ومباحث اشتغالاتها، الا في الاقل القليل في تداخل الفلسفة مع ماذكرناه من مباحث في مختلف العلوم والمعارف بخاصة في الرياضيات والاخلاق والسياسة والاقتصاد، بينما توظف وتستحضر الفلسفة كل ممكناتها في البلوغ الافتراضي لوصول او تحقيق الحقيقة المطلقة كمفهوم فلسفي فكري تجريدي ومنطقي او نسقي غير متعّين واقعيا لا يأخذ التطبيق في مداخلته مع وجود الاشياء الواقعية ومباحثها كما في مباحث العلوم وغيرها.

الحقيقة الفلسفية المطلقة لا وجود حقيقي مفهومي فلسفي يعبّر عنها تتعامل معه الفلسفة كحقيقة مفروغ من البرهان المنطقي او التجريبي على وجودها، وفهم الحقيقة الفلسفية المطلقة هي مفهوم فلسفي تداولي تجريدي اولغوي فكري في اعتماده وسيلة (استدلال) معياري في الوصول الى معرفة او اثبات حقائق اخرى ليست مطلقة من المتاح حصرها وجوديا بالفكر الفلسفي الذي يشبه علم الرياضيات في اثبات حقائق علمية او غير علمية بواسطتها، كوسيلة يعتبرها البعض حقائق لا تحتاج الى براهين بعد اكتسابها اليقين القطعي، ويتعامل معها كبديهيات ومسلمات علمية، فمثلا اضلاع المثلث ثلاثة وزواياه 180 درجة احداهما قائمة 90 درجة، وضعت كحقيقة هندسية رياضية، و بديهية لا تحتاج البرهنة عليها كما في العديد غيرها منذ عصر كوبرنيكوس او كبلر او لافوازيه او نيوتن، وربما منذ عهد افلاطون او قبله، وستبقى هذه الحقائق الرياضية والهندسية قائمة غير مشكوك بها ولا تحتاج العلوم المعتمدة لها البرهنة على صحتها، مثلها حقيقة بديهية المعادلة الرياضية، واحد + اثنين = ثلاثة.

نعود الى اصل الموضوع ان الحقائق الفلسفية المطلقة افتراضية لا تمتلك الاثبات البرهاني المنطقي او العلمي، بل ولا يمكن وغير متاح ذلك،فالمطلق بالفلسفة والزمان والوجود والكوني لانهائي وتحصيله او التحقق العيني الواقعي له استحالة عقلية فكرية علمية في محدودية قدرات الانسان. ولأن من العبث الذي لا طائل من وراءه محاولة اثبات وجود اشياء لا هي حقيقة مادية ولا تمتلك كينونة بصفات دلالية معينة او ماهوية او روحانية في الفكرتشير لوجودها،فمعرفة مثل هذه الوجودات لا يتم الا في خرق قوانين الطبيعة وهو ما لا يتوفر عليه الانسان حاضرا.

لكنما مباحث وقضايا الفلسفة تتعامل مع تعبير ومصطلح الفلسفة المطلقة، بيقينية افتراضية كمرجعية استدلالية تحتكم لها كمعيارمعرفي لغوي فكري مثالي غير متعيّن وجودا، لكن وجوده استدلالي لأثبات غيره من حقائق الوجود بالفكرالفلسفي المنطقي المجرد، وجميع هذه الاستدلالات المتحققة التي تتم بواسطة الاحتكام المثالي الافتراضي للحقيقة المطلقة كمرجعية، في الوصول الى قناعات وحقائق شبه ثابتة ونسبية اخرى، هي غير ما ينسب للحقيقة المطلقة، لكنها في كل الاحوال لايعتبر ما تم التوصل له من امور جديدة هي حقائق ثابتة او حقائق مطلقة لكن اهميتها تكمن في عدم فقدانها انها من الممكن ان تكون مثابات ارتكاز في الوصول الى حقائق اخرى بديلة عنها او مكمّلة لها متداخلة معها، وتاريخ تطور المفاهيم الفلسفية يؤكد ذلك.

لأن الحقيقة المطلقة في كل الادبيات الفلسفية ومباحثها تعجزالارادة الفردية لفيلسوف واحد او عدة فلاسفة، معاملتها بمعيار الحقيقة الواقعية المتعينة وجودا كباقي حقائق الاشياء في غير مجال التفلسف، التي تمتلك وجودا ماديا او فكريا منطقيا مجردا على وفق معيارية ان الحقيقة هي تطابق الفكر مع الوجود الواقعي للاشياء، وان وجودها مرتهن في تطابق الافكار عنها مع وجودها الواقعي المادي المدرك لها، وهذه الحال تنسحب على مختلف الحقائق التي يتم اثبات وجودها القيمي واقعيا ايضا بالفكرالفلسفي المنطقي المجرد او غيره من انواع الفكر.، وهي اي الحقيقة المطلقة بالفلسفة او العلم تفتقد حضورها المتعين وجودا على وفق منطق تطابق الافكار مع واقع الشيء الكفيل ان يمنح الحقيقة الوجودية الثابتة او الواقعية متعينها المدرك، فالحقيقة المطلقة وجود افتراضي استدلالي فقط،وليس وجودا قائما بذاته، ولا يمكن للحقيقة الفلسفية ان تكون يوما ما بالنسبة  للفكر الفلسفي ومباحثه ان تحمل عوامل التسليم بها في ان تكون حقيقة مطلقة، لكن من الممكن ان يتوفر العلم والدراسات الانسانية الحديثة الوصول تحقيق مثل هذا الضرب من الحقائق في مجال تخصصها الذي تداخله الفلسفة ام لا .

هيجل ومثالية الحقيقة

هيجل صاحب الحقيقة المطلقة او الروح المطلق في التاريخ، يستعيض بها عن الفهم المتعذّراثباته للحقيقة المطلقة التي هي فعلا مفهوم افتراضي مثالي يفتقد الادلة المنطقية الفكرية والفلسفية على تحديده ولوبظاهرياته فقط، لان مطلق الحقيقة، لا يمكن اثباته بوسائل الاستدلال على غيره من الحقائق النسبية والوقائع وبعض الظواهر، كما هو الحال في اثبات الحقائق النسبية غير المطلقة في العلوم،  اذ ان وجودها يكون عن طريق تطابق وادراك الافكار مع واقع وجودها المتحقق النسبي الذي هو اقصر الطرق واسهلها في اقرار حقيقة وجودية واقعية. اما الحقيقة النسبية في العلوم فلا تأخذ صفة التطابق في التعبير عنها بالفكر اللغوي الدارج وانما عن طريق المعادلات الرياضية او الفيزيائية او الكيميائية التي هي ليست لغة تعبير تداولي خارج مختبرات التجريب العلمي في اثباتها حقائق علمية غير فلسفية.

ان الفهم الذي يمنحنا اياه هيجل حول الحقيقة لا يبدو مثاليا لاول وهلة، بل يبدو ماديا صرفا، لكن عند الوقوف وامعان النظر النقدي المفهومي به، يبدو تعبيرا(ساذجا) في مثاليته وليس ساذجا في جميع مباحث هيجل الفلسفية التي شكلت في وقتها اكبر انعطافة في تاريخ الفكر الفلسفي فافكار هيجل الفلسفية انجبت الماركسية التي خرج من تحت عباءتها غالبية الفلاسفة المحدثين في الوجودية والبنيوية والتفكيكية والفلسفات المثالية المناوئة لها  ايضا الخ الخ..

(هيجل) يعّرّف الحقيقة لا بل يختزل الوجود كاملا في هذه المقولة المشهورة عنه التي تقوم على الفهم الميكانيكي بين الفكر والواقع في وجود الحقيقة قوله: (كل ما هو واقعي عقلي، وكل ماهو عقلي واقعي) ويرى (ان العقل عبر تطوره الخاص ما هو الا تعبير عن تطور الواقع).(2) وفي نفس المنحى يذهب تعريف توماس كوين : (الحقيقة هي الملاءمة بين الاشياء المادية وعلاقات ونظريات الافكار والكلام تجاهها). (3)

بالمقارنة مع تعريف توماس كوين للحقيقة يبدو هيجل ماديا في مقولته اكثر من فيورباخ في ماديته الى ما قبل الماركسية، حين ربط فهم الحقيقة هو بملائمة العقل والفكر التعبير عنها، وان اسبقية تطور الواقع على العقل يعتبر مرتكزالفلسفة الماركسية، اي في جعل هيجل وجود الحقيقة سابق على وجود اثباتها المادي الواقعي، في اسبقية وجودها الافتراضي كواقع على الفكر التعبيري عنها وفي هذا يكون جوهر الفكر المادي الماركسي.،

وبخلافه اذا اراد هيجل ان يقول وجود الحقيقة والتسليم بصحتها ووجودها هو ناتج تعبير الفكر عنها كوجود لاحق على الفكرلا سابق عليه، فيكون عندها وصفه بالمثالية الفلسفية الساذجة لا تفي هيجل حقه، في تعبيره المثالي لمقولته التي سبق لنا تثبيتها قبل اسطر، كل ماهو عقلي واقعي، وكل ما هو واقعي عقلي، ربما ايضا يبدو للبعض في هذه المقولة المثالية الهيجلية المقنّعة بقناع المادية انه من الممكن تمريرها على علاّتها، رغم انعدام الجدل المادي الديالكتيكي فيها وتغليب علاقة الفكر بالمادة والواقع بعلاقة ميكانيكية ثابتة تتعارض مع الجدل الذي يقوم على التغيير الدائم والحركة المستمرة.

التساؤل هنا كيف يمكننا اثبات مثالية هيجل في مقولته والتقائها بفهم توماس كوين في تعريفه الحقيقة بنفس منطق تطابق الافكار مع وجود الشيء الذي تمنحه للحقيقية الوجودية والفلسفية معا؟

في البدء ان مايميز الفهم المادي الماركسي والمثالي الهيجلي انهما (جدليان) ديالكتيكيان اولا واخيرا،  لكن اين الفرق في نوعية وآلية اشتغال الجدل والفرق بينهما؟ فما هو الفرق الذي يميز الجدل المادي عنه في الجدل المثالي؟ اي اين الفرق في جدل هيجل مقارنة بجدل ماركس؟،

جدل هيجل مثالي لانه يفهم ان جدل (الافكار) في التعبير وفهم المادة والاشياء يتم في علاقة ميكانيكية مع الواقع وبضوئها تكون الافكارالمجردة في الذهن هي المولدّة لوجود وحقائق الاشياء. في ثبات وميكانيكية ان الفكر المثالي يقرر وجود الاشياء بالذهن قبل تعيين وجودها الواقعي  في الطبيعة وعالم الاشياء.وصور الاشياء التي تنقلها المحسوسات لديناميكية العقل الفكرية هي التي تقرر وجود الاشياء ماديا. اي ان الفكر المثالي يلغي وجود الاشياء في حالة الصيرورة التغييرية الجدلية المتواصلة والمتطورة. وان علاقة الفكر بالواقع المادي علاقة ثابتة سكونية ميكانيكية، وان جدل هيجل مجال اشتغاله هو الفكر المجرد عن الواقع وليس الفكر الذي ينبعث عن الوجود، في اسبقية وجود الشيء على الفكر. اما بالنسبة لماركس فقد اعتبر جدل هيجل تصورات خيالية فكرية فلسفية تفتقد واقعية التطبيق الذي يحكمها الجدل في المادة والتاريخ وفي كل ظواهر الحياة التي هي في حالة ديناميكية خلاقة في ارتباط الفكر مع الواقع في تأثيرمتخارج متبادل يمنحه التطور الدائم .فما يدركه الفكر في ظروف وزمان معين ويبدو حقيقة، قد لا يكون صحيحا في ظروف اخرى اكثر تطورا وتصبح اهمية مجاوزته لا خلاص منها.ومن خلال ادانة ماركس هيجل بالمثالية وضع الاختلاف القار بالفلسفة القائم الى اليوم في تعارض المادية الماركسية مع جميع الفلسفات المثالية السابقة عليها اوالتي عايشتها او اللاحقة التي تلتها بعدها التي بقيت مصرّة على ان الفكر سابق على الوجود وصانع له.

برجسون والحقيقة الفلسفية

يقول برجسون في معرض تعليقه على الفلسفة البراجماتية الخسيسة النذلة كما يصفها بريتراند رسل؛ (الحقيقة ليست اكتشافا وانما هي اختراع ) (5)0

من المعلوم جيدا ان الفرق بين الاكتشاف والاختراع هو ان اكتشاف الشيء او الاشياء، انها كانت موجودة في استقلالية بالوجود والطبيعة والانسان والكون، وجاء الانسان واكتشفها بالصدفة العمياء او في سعيه وراء اكتشافها دونما علمه المسّبق في وجودها المستقل، اما اختراع الشيء او الاشياء التي أحتاجها الانسان في حياته ولم يتوفر عليها فقام باختراعها كأشياء ملازمة لحاجاته غير موجودة في الطبيعة والحياة او الكون، فاخترعها الانسان على وفق صناعة عقلية انسانوية تحمل ذكاؤه ورغبته اختراع وتوفير ما يحتاجه في حياته. ثم يخلع على تلك الاختراعات على انها مخترعات العقل والذكاء الانساني في جعلها من حقائق الحياة التي لا غنى عنها.اي حسب فهمنا لعبارة برجسون انه لم يكن يوجد حقائق موضوعية مستقلة قبل اختراع الانسان لها لان كل حقائق الحياة مخترعة من قبل الانسان ولم تكن موجودة لولا اختراعها بمعنى خلقها وايجادها بضمنها الحقائق الفلسفية.

ولو اننا حمّلنا مقولة برجسون بما تحتمله في سعينا معرفة الحقيقة الفلسفية تحديدا لقلنا انها تعني :

1- لا توجد حقيقة او حقائق في الوجود والطبيعة والكون لم يخترعها الانسان بارادته وقواه العقلية الذاتية الفكرية الذكية، وهو في طريقه لاختراع وليس اكتشاف المزيد منها في مستقبل حياته.وهذا خلاف صارخ تفسير حقيقة ان معظم حقائق الحياة هي ما اكتشفه الانسان وبالصدفة ولا فضل له في ايجادها.

2- كما مر واوضحناه سابقا ان غالبية الفلاسفة وليس برجسون استثناءا، انهم يتعاملون مع الحقيقة الفلسفية الصرف وليست الحقيقة المتداخلة بالعلم واللغة والادب والفنون وسرديات الفكر الاخرى، على انها مفهوم زئبقي سرابي يصعب الامساك به او البرهنة الفلسفية او العلمية له. وكل حقيقة يعيشها الانسان في حياته هي من اختراعه وليس من اكتشافه حتى لو كانت القوانين الطبيعية التي اكتشفها الانسان وهي قوانين مستقلة تحكم الطبيعة والانسان والكون اكتشفها الانسان ام لم يكتشفها هي في حكم الحقائق لا بل حقائق مطلقة، وهو عاجز عن اختراعها او بعضها. وعليه يكون كل حقيقة او مجموعة حقائق هي اولا واخيرا من اختراع الانسان حسب برجسون، كما لا يوجد حقيقة متعيّنة وجودا ادراكيا حسّيا عقليا او تفكيريا متعينا وجودا لا في واقع الحياة ولا في انطولوجيا الوجود لم يخترعها الانسان. كما ان الفهم البرجسوني لهوسرل يقر أنه ( لا وجود حقيقة مطلقة، وانما يوجد صيرورة دائمة )(6) هنا في هذه العبارة يمكننا اعتبار هوسرل اقرب الى الماركسية المادية من هيجل.

وبرجسون في اقراره عدم وجود حقيقة مطلقة والغالب انه يقصد الحقيقة الفلسفية المطلقة وليس الحقيقة العلمية المطلقة التي تتعامل مع بعض الحقائق العلمية والرياضية كمسلمات مطلقة بديهية محكومة في زمنية معينة وتمتلك حيثيات وجودها في افتقاد امكانية متاحة حاضرا تتجاوزها لذا فهي حقيقة مطلقة تكتسب وجودها العلمي والزمني في انعدام البديل لها في مثال الحقيقة المطلقة ان الارض تدور حول نفسها وحول الشمس وليست هي مركز الكون.او ان الماء يتكون من ذرتين هيدروجين وذرة واحدة اوكسجين.

في حال اقرارنا ان الحقيقة الفلسفية المطلقة هي مفهوم فلسفي منطقي استدلالي لمعرفة الاشياء بها وحقائق الوجود الانطولوجي، عندها تنتفي الحاجة الفعلية الى استحضار حقيقة مطلقة يتعذر وجودها كما يتعذر ادراكها ومعرفتها. لا كوجود مادي او كيفي او ماهوي، اكثر من انها مفهوم لايخضع هو الى الاستدلال عليه بمقدار ماهو ضروري للاستدلال به على غيره من حقائق الوجود والاشياء في العالم الخارجي والكوني.

3- اصبح الآن من المعاد المكرر تأكيدنا ان الحقيقة الفلسفية المطلقة او غير المطلقة ليست وجودا مدركا متعيّنا لا في الواقع ولا بالفكر التجريدي. كما في ادراكنا حقائق الاشياء في واقعيتها المادية او الفكرية،او ادراكنا حقائق العلم في نتائجه المختبرية والتطبيقية . كما ان الحقيقة الفلسفية وجود تجريدي صوري في الذهن المفكّر. لكن ليس كل الادراكات العقلية والذهنية والخيالية المجردة بمقدورها اعطاء أية فكرة وجودها المتعين واقعيا او ماديا. --- وخير مثال مررنا به هوعجزديالكتيك هيجل المثالي على مستوى الفكر فقط وليس في تعالقه الديناميكي مع الواقع كما فعل ماركس في مقولته الشهيرة وجدت ديالكتيك هيجل واقفا على رأسه فاعدته واقفا طبيعيا على قدميه ---.. ما لم يتحقق لتلك الفكرة اشتراطات العقل البوح في التعبير عنها لغويا او غيره، اضافة لعوامل انضاج تلك الفكرة بحيازتها المقومات الذاتية والموضوعية في وجودها، وفي استكمال العقل منحها الوجود المتعين القابل للادراك . وان ادراك الحقيقة الفلسفية بالحدس العقلي المجرد يحتاج الكثير من البراهين المقنعة لاثبات صحة الحدس.

من هنا تأتي استحالة ان يكون بمستطاع الذات خلق حقائقها الفلسفية، فقدرة الذات اولا واخيرا ملكة عقلية في الوعي بذاتها ووجودها، ووعي وادراك وجود الاشياء في العالم الخارجي. وهذه الميزة الادراكية النوعية الخاصة بالذات الانسانية في ادراكها اشياء العالم الخارجي حسّيا وعقليا يكون دورها فقط عامل تحقيق تواشج اندماجي مابين الموجودات والاشياء المدركة في وجودها المستقل في عالم الاشياء، وفي نقلها صور تلك الموجودات الى مصنع الحيوية العقلية المنتجة للوقائع والاشياء والافكار ليعطي العقل صياغاتها النهائية، وفي اعادتها من العقل الى وسط الادراك لها في العالم الخارجي ثانية بوجود ادراكي مغاير قبل تناول العقل لها.

من هنا نجد استحالة ان تكون الذات هي صاحبة المخترعات والحقائق، كما ليس بمقدورها في حيازتها التفكير والتعبير اللغوي تخليق واختراع وجود الحقائق حتى في حال تسليمنا ان الحقيقة الفلسفية ليست افتراضا ثابتا في المطلق وانما هو حالة من الصيرورة والتطور المستمرفي المطلق.الوجود المادي سابق على الاكتشاف وعلى الاختراع معا، والاختراع لا يعمل في فراغ او عدم، فالاختراع الذي يسبقه عدم هو وهم لا يمتلك مقومات الوقوف على قدميه حتى لو كان انسانا آليا، مبرج وفق أعلى التقنيات العلمية.

4- ان محاولة اقتران خلق الحقائق الانطولوجية او الفلسفية او حتى الميتافيزيقية منها بالقدرة الذاتية الانسانية، هو اقتران تعسفي خاطيء مثالي غير ممكن، واذا نحن استطعنا (جدلا افتراضيا) قبول صحة مقولة بريجسون ان الذات تخلق الحقائق، بمعنى امكانية الذات خلق الكثرة من الحقائق المتباينة المختلفة، وفي هذا يتلاشى لدينا معيار ايّا من هذه الحقائق نعتمده  في استدلالنا اعتماد حقيقة على اخرى ليكون صحيحا مقبولا في استحداث اختراع الحقيقة الجديدة التي تمتلك مقومات الصدق والتسليم بها كمثابات ارتكاز وانطلاق نحو الوصال تحقيق حقائق اخرى .

5- ان الحقيقة الفلسفية غيرالحقيقة المطلقة، هي فكرة متعينة ضمن اشتراطات ذاتية وموضوعية تستوفي شروط وجودها الادراكي المتعين انطولوجيا. وتبقى هذه الحقيقة في الغالب نسبية اولا وافتراضية ثانيا. الا بعد وضوح اسباب وجودها وانبثاقها واهمية قناعة النقد العقلي باهميتها كوسيلة استدلال في معرفة اشياء اخرى، وليس مهما عندها اهمية ان تكتسب تلك الحقيقة الاستدلالية محمولات كيفية او ظاهراتية تؤكد مصداقية اعتمادها كحقيقة نسبية ام لا. .واغلب الحقائق التداولية هي نتاج مصنع الحيوية العقلية، وحقيقة الشيء ليس في وجوده المادي المتحقق وجودا في مطابقة الفكر له، ولا في ادراك ظاهرياته البادية للمحسوسات،كما وليس حقيقة الشيء هو في وجوب معرفته كجوهر وجودي.اذ ربما يمتلك الشيء كيفية وجودية لكنه يعجز ان يكون حقيقة مسّلم بها، مثلما لا يمكن للظاهريات الصورية للشيء الموجود ان تكون وتمثل حقيقة وجودية ذلك الشيء.

ان اهم الاشياء التي تسم وتقوّم بها الحقائق الفلسفية حتى غير المطلقة منها هو في استحالة تحققها تجريبيا كما تتحقق حقائق العلم وحقائق الرياضيات. واهميتها انها وسيلة استدلال لمعرفة غيرها من حقائق الوجود. وفي الكثرة من الموجودات المادية والفكرية . والحقيقة الفلسفية لا تكون مادية ولا فكرية مجردة لا في الواقع ولا في الفكر وانما وجودها افتراضا استدلاليا فقط.

6- الذات في وعيها الفكري للاشياء لا تخلق حقائق وجودية في عملية ميكانيكية تجري في الادراك الحسي ابتداءا، يليها تداخلها مع التفكير العقلاني الذهني واخيرا مع التعبير اللغوي او غير اللغوي عنها .

ان معرفة اية حقيقة فلسفية لا مادية هي مفهوم معياري فكري افتراضي لا يمتلك اسباب انطولوجيته الثابتة الا بواسطة الاستدلال به في معرفة غيره من الحقائق، واستمرار استحداث وحضور حقائق معرفية جديدة ووجود الاشياء في الفكر والواقع لا يتم في غياب الحقيقة الفلسفية الاستدلالية ذاتها الا بعد ثبوت بطلان حقيقتها في توفر اسباب مجاوزتها في حضور حقائق اخرى جديدة تمسخها كليا او جزئيا.

خاتمة

اخيرا هل بامكاننا القول ان الحقيقة الفلسفية انما هي اللغة الفلسفية المعبّرة عن موضوعاتها فقط؟ بايعاز عقلي صادر عن منتج مصنع الحيوية العقلية، بعد اسيتيفاء اية فكرة او حقيقة مجمل اشتراطات العقل، والذات اقصى قدراتها هو في نقلها وجوب وجود الاشياء بايعاز من العقل الادراكي الى حيّز الادراك الواقعي. ويتم هذا في تلازم الفكر واللغة القيام بتنفيذ املاءات العقل في تحديد وجود الشيء ماديا، او في وجوده مدركا لغويا منطقيا تجريديا فقط .؟؟؟

هنا نؤكد على مسألة مهمة هي ان العقل الذي يعتمد الفكر والحواس في تخليق الوجودات والاشياء واعادتها ثانية الى واقع العالم المادي خارج وصاية العقل وادراك الفكر، انما يتم على وفق آلية ان الوجود المادي هو الباعث الاولي لتشغيل ديناميكية العقل في ادراكه الاشياء ومعاملتها عقليا في مصنع الحيوية العقلية قبل اعادتها ثانية الى عالم الاشياء بعد اجراء كافة اشتراطات العقل في تعريفها ظاهراتيا وجوهريا، واسباب وجودها وما اهميتها الخ.ان العقل شأنه شأن وظيفة وعمل الفكر لكن في تعقيد اكبر، وانتاج نوعي ذكي مغاير، وكلاهما العقل والفكر في تلازمهما لا يعملان من دون اسبقية الوجود الواقعي للاشياء على وجودهما وتشغيل وظائف العقل والفكر معا.

 

الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف /الموصل

.......................

الهوامش:

1- هيدجر الوجود والموجود /دز جمال محمد سليمان/ص56

2- نفس المصدر السابق ص58

3- نفس المصدر السابق ص74

4- نقلا عن عبد الوهاب جعفر /الفلسفة واللغة ص67

5- هيدجر الوجود والموجود /جمال محمد سليمان ص64

6- نفس المصدر السابق ص 83

 

 

ميثم الجنابيإن فلسفة الحق هي الصيغة الأكثر نموذجية لمسار المغامرة الإنسانية في ميدان الإبداع النظري والعملي المتعلق بتناسب الحرية والنظام. وهو الأمر الذي جعل ويجعل من فكرة الحق والحقوق جزء من معاناة البشرية بشكل عام، والنزعة العقلية- الأخلاقية بشكل خاص، في تذليل ما أطلق عليه الفلاسفة القدماء عبارة القوة الغضبية، أي الغريزة وبقايا القيم الضيقة. وليس المقصود بالمغامرة الإنسانية الكبرى هنا سوى البحث عن قواعد تربط في كل واحد حصيلة التجارب العقلية والأخلاقية بالشكل الذي يجعل منها منظومة فاعلة في عملية ارتقاء الإنسان، وعلاقاته العامة والخاصة، الى مصاف الرؤية المجردة.

إن حصيلة التجارب الإنسانية بهذا الصدد هي على الدوام صيغ متنوعة ومختلفة ومتباينة من اجل إيجاد النسبة الضرورية بين الحرية والنظام. وهي النسبة التي شكلت من حيث الجوهرية إحدى المرجعيات الخفية والعلنية، المدركة وغير المدركة في صراع القوى الاجتماعية على امتداد التاريخ الإنساني من اجل بناء "المدينة الفاضلة" و"النظام الأرقى". ومن ثم لم يكن اختلاف الرؤى والنظم الفلسفية والعقائدية سوى اختلاف المسالك في بلوغ الغاية المتسامية عن الأمثل والأفضل والأرقى. وهي قيم جوهرية بالنسبة للحق والحقوق بسبب جوهريتها بالنسبة للحقيقة. فالحقيقة هي التي تربط فكرة الحق والحقوق وتؤسس لديمومتهما بوصفهما قيما تاريخية وإنسانية. مما يجعل من التجارب الحقوقية أيا كان شكلها درجة في رقي الإدراك النسبي للوحدة الحية والضرورية بين العقل والأخلاق. مع ما يترتب عليه من إدراك نسبي ودائم لضرورة الوحدة الحية والمتطورة بين الحرية والنظام. وهو الأمر الذي جعل من مرجعية الحرية والنظام – مرجعية كونية وضرورية بالنسبة للرقي التاريخي للإنسان والمجتمعات والأمم والدولة.

إن الارتقاء الفعلي في مسار التأسيس النظري والعملي للوحدة الحية بين الحرية والنظام بوصفها وحدة عقلية أخلاقية هو ارتقاء نسبي وتاريخي وثقافي. بمعنى انه محدد بمستوى تذليل "طبقات" التجارب السابقة لفكرة الحق المجرد. وهي طبقات طبيعية تتراكم في مجرى صيرورة الأمم والدول والثقافة. وعلى قدر ارتقاءها من مصاف الأسطورة والدين والفكرة السياسية (الايدولوجيا والعقائد الأصولية) الى ميدان الاقتصاد والثقافة، ترتقي وتتهذب مكونات الرؤية الحقوقية في موقفها من مرجعية الحرية والنظام بوصفها مرجعية كونية.

غير أن المرجعية الكونية تبقى قبل بلوغها حالة "الإجماع العام" جزءا من تجارب الأمم. وتجارب الأمم تجارب ثقافية، بمعنى أنها لا يمكن أن ترتقي بحد ذاتها الى مصاف "التجربة الكونية". فتجارب الأمم هي نتاج لتأثير مباشر وغير مباشر لماضيها وحاضرها وأثرهما في كيفية حل إشكاليات وجودها الطبيعي والماوراطبيعي على مستوى الفرد والجماعة والدولة ضمن إشكاليات المعاصرة. وهو الأمر الذي يجعل من رؤيتها عن فكرة الحق والحقوق جزء من تجاربها التاريخية الثقافية.

بعبارة أخرى، إن الصيغة التاريخية للحق والحقوق هي التعبير النموذجي عن مستوى تطور الدولة والأمة وفكرة الحق في مجرى التأسيس النظري والعملي لمرجعية الحرية والنظام. وعلى كيفية حل هذه القضية تتوقف نوعية وقيمة مساهمتها الفعلية في الارتقاء الى مستوى الحق الثقافي (الإنساني) العام، التي تشكل فلسفة حقوق الإنسان احد نماذجها الرفيعة.

إن المهمة لا تقوم في صناعة أصنام أيا كان نوعها وحجمها ومذاقها، بل في تحطيمها من اجل تأسيس الالتزام الواقعي والعقلاني تجاه الاحتمالات المتنوعة في حل الإشكاليات الكبرى القائمة أمام المجتمع. وذلك لأن مضمون الحرية الحقيقية يقوم في توفير شروط البحث عن البدائل الواقعية والعقلانية وحق تجسيدها في مشاريع تخدم تكامل الفرد والمجتمع والدولة كل بمعاييره، الفرد بمعايير الحقوق والواجبات، والمجتمع بمعايير ضمان شرعية المؤسسات، والدولة بمعايير إدارة وتنمية هذه الشرعية. وهي شروط يستحيل تحقيقها خارج واقع وتجارب التاريخ الفعلي للأمة.

ففي ظروف العالم العربي الحالية يفترض تأسيس الحرية تفكيك البنية التقليدية والاستبدادية والأصولية في الفرد والمجتمع و"الدولة" على كافة المستويات. وهي مهمة ممكنة التحقيق من خلال إرساء المنظومة المتكاملة للحرية الفردية والاجتماعية على أسس عقلانية تدرك حدودها الواقعية ضمن التاريخ المعاصر.

وهي حدود ينبغي أن تستمد مقوماتها من إدراك طبيعة تطور الدولة العربية المعاصرة وأسباب إخفاقها على الصعيد القومي والعالمي. لذا فإن من الضروري أن يكون الإدراك شاملا للبديل الواقعي والعقلاني للإشكاليات الكبرى التي تواجهه في كافة ميادين الحياة، بدأ من التربية والتعليم والصحة وانتهاء بإرساء أسس الحرية كمرجعية ثقافية قومية عبر الإصلاح الدائم لآلية فعل المؤسسات الشرعية للدولة. فهي السلسلة الضرورية لإرساء أسس الحرية بوصفها بحثا عن البدائل العقلانية والواقعية وحق تجسيدها في مشاريع تخدم تكامل الفرد والمجتمع والدولة كل بمعاييره.

ولا يعني جعل الحرية مرجعية ثقافية سوى تحويلها إلى مبدأ متسام وقانوني أعلى من كل التأويلات السياسية والحزبية المشروطة بالمصالح العابرة وأحكام العقائد والتفسير الأيديولوجي المسطح. فهو الأسلوب الذي بجعل الحرية كيانا قادرا على تقيد سلوك الجميع، كالحقيقة بالنسبة للإبداع. وهي غاية يستحيل تحقيقها دون خوض غمار المعركة السياسية والاجتماعية والثقافية المعقدة في ظروف العالم العربي الحالية من اجل تحويل الحرية إلى مرجعية تحكم آلية تنظيم عمل المجتمع على كافة المستويات. وبالتالي غرس الحقيقة القائلة، بان الحرية هي شرط الإبداع الحقيقي وحقيقة الثقافة السياسية الحية. وبالتالي فإنها مهمة فردية واجتماعية يتحمل مسئوليتها الأفراد والحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية بقدر متكافئ. وذلك لأن الحرية هي ليس فعلا فرديا ولا حتى اجتماعيا أو سياسيا أو ثقافيا، بقدر ما هي منظومة متكاملة من القيم والمفاهيم والأفكار والقواعد التي لا يحدها شيء غير إدراك ضرورة التكامل الذاتي للفرد والمجتمع والدولة كل بمعاييره الخاصة. من هنا استحالة بناء منظومة الحرية الفردية دون تكامل وجودها الاجتماعي في مؤسسات المجتمع المدني، ومن المستحيل تحقيق ذلك دون بناء المؤسسات الشرعية للدولة. مما يستلزم في ظروف العالم العربي الحالية، التركيز على أولوية إبداع منظومة الحرية بوصفها رؤية متكاملة تتضمن وحدة الأبعاد التاريخية والسياسية والروحية لفكرة الحرية.

والمقصود بالأبعاد التاريخية لمنظومة الحرية، هي الأبعاد المتراكمة في مجرى العمل على صياغة المشروع الواقعي للحرية، أي الصيغة المعقولة لوعي الذات التاريخي المتحرر من استبداد الماضي. ولا يعني ذلك هنا سوى الوعي المتحرر من القبضة اللاهوتية والأيديولوجية والسياسية المباشرة للماضي. إذ ليست فكرة الحرية في صيغتها الواقعية سوى الرؤية التي تفترض كحد أدنى إزالة القدسية عن الماضي، وكحد أعلى الانتماء الحر إليه بمعايير الرؤية الثقافية. وهي رؤية مبنية على توفير الشرط الدائم للاجتهاد الحر، الذي لا يقيده شيئا غير التمسك بقواعد الحق ومنطق الحقيقة.

أما المقصود بالأبعاد السياسية لمنظومة الحرية، فهي الأبعاد المتراكمة في مجرى العمل على تحقيق المشروع الواقعي عبر تذليل استبداد الحاضر. بمعنى التخلص جهد الإمكان من ثقل التأثير المباشر لما يسمى بالمهمات الآنية، والسعي لتحقيق الأبعاد الفعلية للحرية، بوصفها حلقة في سلسلة بناء أبعادها الإستراتيجية. فالحرية هي ليست نتاج الحاضر والماضي، بل والمستقبل أيضا. وبالتالي فإن تحريرها من قبضة الماضي يفترض بنفس القدر تحريرها من قبضة الحاضر. ولا يمكن تحقيق ذلك دون إيجاد النسب الضرورية بين تعميق وعي الذات التاريخي الحر باعتباره اجتهادا مخلصا للحق والحقيقة، ورؤية الأبعاد المستقبلية (الإستراتيجية) في كل فعل اجتماعي وسياسي وحقوقي وثقافي واقتصادي آني.

أما المقصود بالأبعاد الروحية لمنظومة الحرية، فهي الأبعاد المتراكمة في مجرى العمل على تعميق فكرة تعدد المشاريع وتهذيب البدائل، وبالتالي النظر إلى الحرية بوصفها فعلا يتكامل فيه الماضي والحاضر والمستقبل. إذ ليست الأبعاد الروحية الحقيقية، سوى  مشاريع الإبداع المستندة إلى تراث الأمة ومرجعياتها الثقافية، أي المشاريع التي تبني آفاقها على أساس توليف الرؤية الواقعية والعقلانية والخيال المبدع.

إن توحيد هذه الأبعاد في الذهنية الاجتماعية والسياسية والفكرية للفرد والمجتمع ومؤسسات الدولة، بدأ من مناهج التربية والتعليم وانتهاء بالقانون العام، هو الأسلوب الوحيد لتكامل الحرية بالنظام. وبالتالي تحويل الحرية إلى نظام. مما يجعل من الحرية نظاما ذاتيا للحق المتراكم في الثقافة القومية. وبالتالي يعطي لها شرعية التغير والتبدل والتطور حسب الإجماع العام. وفي هذا تكمن الضمانة الفعالة لوحدة الحرية والنظام بوصفها مرجعية عليا. إذ ليست حقيقة الحرية سوى النظام الذاتي للحق المتراكم في الثقافة القومية.

تبرهن التجارب التاريخية للأمم جميعا على أن حقيقة الحرية هي نظام، كما أن حقيقة النظام هي حرية. فحرية بلا نظام تؤدي بالضرورة إلى حرب أهلية ومن ثم إلى فساد شامل، بينما نظام بلا حرية يؤدي بالضرورة إلى فساد شامل ومن ثم إلى حرب أهلية. مما يعطي لنا إمكانية القول، بان حرية بلا نظام هي كنظام بلا حرية. الوسائل مختلفة والنتيجة واحدة وهي الخراب الشامل. ذلك يعني ضرورة النظر المرن الى وحدة الحرية والنظام. فوحدتهما ليست مطلبا سياسيا أو أمرا مرهونا بمتطلبات السياسة ومهماتها الآنية، بقدر ما ينبع من إدراك ما أسميته بضرورة المرجعيات الثقافية الكبرى بالنسبة لبناء الكينونة العربية وتطويرها المتجانس في مختلف مكوناتها.

ومن دون الخوض في تاريخ فكرة النظام وتأسيسها الفلسفي في مختلف المدارس، أشير هنا فقط إلى أن الجلي فيها كونها لم تزل تشكل محور الرؤية السياسية والأخلاقية للفلسفة ولب فلسفة الحق وفكرة القانون والحقوق. وفي الواقع لا يمكن تخيل الفلسفة الاجتماعية والسياسية والرؤية الحكيمة المستنبطة من تأمل "تاريخ العبر" العالمي دون الوصول إلى إدراك قيمة النظام بالنسبة لآلية فعل الدولة والنتائج المترتبة عليها.

فقد بدأ الفكر الفلسفي والديني ومن قبله الأسطوري والعادي، بفكرة النظام ليجدها في كل تجانس متخيل ومقبول ومعقول. ورفعها بعد ذلك إلى مصاف التجانس التام في الفلسفة، والجنة في الدين. بل حتى أساطير الشعوب وحاكياتها وخرافاتها جعلت من النظام كينونة ذائبة في إعجابها الكبير بالبطولة والحق والخير والشرف والضمير، أي في الفضائل المعقولة القادرة على ترتيب الشعور والإحساس في وجدان أقرب إلى نغم الموسيقى ودقات القلوب العاشقة.

فقد كان "النظام" دائما مكونا جوهريا بالنسبة للوعي الاجتماعي الباحث عن تجانس شامل وتام لوجود الإنسان. وتحول على امتداد التاريخ إلى "فكرة" مركزية التفّ حولها الفكر الأخلاقي بمفاهيم الخير والحسن، والفكر الجمالي بمفاهيم الجميل والرائع، والفكر السياسي بمفاهيم الجمهورية المثلى والمدينة الفاضلة، والفكر الحقوقي بمفاهيم العدل، والمنطق بمفاهيم القواعد. كما شق لنفسه الطريق إلى كل نماذج ومستويات الوعي الاجتماعي بالطريقة التي كان يتلمس ويرى ويسمع ويتذوق ويرى النسب الحسنة والجميلة والمثالية والعادلة والمنطقية، أي الشعور بقيمة وأهمية وفاعلية النظام المتسامي في الوجود. من هنا، فإن حقيقة النظام تتعارض تمام التعارض مع ما هو متعارف عليه ومألوف في عرف الدكتاتوريات الفجة، التي لا يتعدى مضمونه عندها أكثر من هراوة تهشيم الحسن والجميل والمنطق والعدل في الوجود. وهو "نظام" يشكل بحد ذاته خروجا على حقيقة وجود الأشياء وتدميرا لها، مهما بدا في الظاهر "فعالا" و"مغريا" في "إنجازاته" المباشرة. وذلك لأن حقيقة النظام تقوم في توفير شروط الحرية بوصفها بحثا عن البدائل الواقعية والعقلانية وحق تجسيدها في مشاريع تخدم تكامل الفرد والمجتمع والدولة كل بمعاييره، الفرد بمعايير الحقوق والواجبات، والمجتمع بمعايير ضمان شرعية المؤسسات، والدولة بمعايير إدارة وتنمية هذه الشرعية. وهي شروط يستحيل تحقيقها خارج واقع وتجارب التاريخ الفعلي للأمة. ذلك يعني إن حقيقة النظام بوصفه مرجعية هو مرجعية المنظومة.

وفي ظروف العالم العربي الحالية يفترض تأسيس النظام تفكيك البنية التقليدية والأصولية في الفرد والمجتمع و"الدولة"، عبر إرساء المنظومة المتكاملة للنظام الاجتماعي والسياسي والحقوقي على أسس عقلانية تدرك حدودها الواقعية ضمن تاريخ العالم العربي المعاصر. وهي حدود ينبغي أن تستمد مقوماتها من إدراك مستوى الخراب الذي حل في بنية الدولة والمجتمع والثقافة في العالم العربي. وهو خراب يرتقي في غلب مكوناته الى مستوى "المنظومة" من ها ضرورة أن يكون الإدراك شاملا للبديل الواقعي والعقلاني في فكرة النظام بوصفه مرجعية ثقافية. وهو أمر ممكن التحقيق عبر الإصلاح الدائم لآلية فعل المؤسسات الشرعية للدولة، باعتباره الشرط الضروري لإرساء أسس النظام بوصفه بحثا عن البدائل العقلانية والواقعية وحق تجسيدها في مشاريع تخدم تكامل الفرد والمجتمع والدولة كل بمعاييره.

ولا يعني جعل النظام مرجعية ثقافية سوى تحويلها إلى مبدأ متسام وقانوني أعلى من كل التأويلات السياسية والحزبية المشروطة بالمصالح العابرة وأحكام العقائد والتفسير الأيديولوجي المسطح. بمعنى تحويل النظام إلى مرجعية تحكم حرية تنظيم عمل المجتمع على كافة المستويات. وبالتالي غرس الحقيقة القائلة، بان النظام هو شرط الحرية وحقيقة الثقافة السياسية الحية. وهي مهمة يتحمل وزرها الأفراد والحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية بقدر متكافئ. وذلك لان حقيقة النظام هي منظومة متكاملة من القيم والمفاهيم والأفكار والقواعد التي لا يحدها شيء غير إدراك ضرورة التكامل الذاتي للفرد والمجتمع والدولة كل بمعاييره الخاصة. من هنا استحالة بناء النظام بوصفه منظومة دون تكاملها الاجتماعي في مؤسسات المجتمع المدني، ومن المستحيل تحقيق ذلك دون بناء المؤسسات الشرعية للدولة. وهو أمر يستلزم في ظروف العالم العربي الحالية التركيز على أولوية بناء الهوية الوطنية والقومية بمعايير الرؤية الثقافية من خلال تأسيس رؤية متكاملة تتضمن في ذاتها وحدة الأبعاد التاريخية والسياسية والروحية لفكرة النظام نفسها.

والمقصود بالأبعاد التاريخية للنظام هي الأبعاد المتراكمة في مجرى العمل على صياغة المشروع الواقعي للنظام استنادا إلى تجربة كل بلد عربي لحاله والعالم العربي ككل. وهو مشروع ينبغي أن يذلل كل المكونات التاريخية للتقليدية والأصولية من اجل غرس نموذج للوعي الذاتي مبني على أسس عقلانية لفكرة النظام الاجتماعي والدولة الشرعية ومؤسساتها القانونية. وهي أسس ينبغي أن تعمل على تعميق وتجذير الحرية الفردية والاجتماعية بوصفها الضمانة الذاتية للنظام.

أما المقصود بالأبعاد السياسية للنظام فهي الأبعاد المتراكمة في مجرى العمل على تحقيق البديل الشامل لأنظمة الحكم الدكتاتورية. بمعنى ترسيخ وتوسيع القاعدة الاجتماعية للمشاركة السياسية، بما يكفل بناء منظومة الحكم الديمقراطي وشرعية المؤسسات. ومن ثم جعل الحرية والنظام مكوكا فعالا لغزل مكونات ومقومات المجتمع المدني.

أما الأبعاد الروحية للنظام فهي الأبعاد المتراكمة في مجرى العمل على تعميق فكرة النظام بوصفه مرجعية ثقافية، أي منظومة متكاملة من القيم والأفكار والقواعد ملزمة للجميع بقدر متساو يحكمها القانون المدني والدستور الدائم.

إن بناء وحدة هذه الأبعاد في الذهنية الاجتماعية والسياسية والفكرية للفرد والمجتمع ومؤسسات الدولة بدء من مناهج التربية والتعليم وانتهاء بالقانون العام الأسلوب الوحيد القادر على بناء تكامل حي لوحدة النظام والحرية. وبالتالي تحويل الحرية إلى نظام، والنظام  إلى حرية. ومن ثم تآلفهما في وحدة ذاتية ترتقي إلى مصاف المرجعية الثقافية - السياسية الكبرى. وفي هذا تكمن الضمانة الفعالة لحيوية الحرية والنظام بوصفها مرجعية. فهي الوحدة الوحيدة، التي تعطي للنظام معنى الحرية من حيث قدرته على إبداع نظام ذاتي للحق متراكم في الثقافة القومية نفسها.

إن "حقوق الإنسان" ليست لائحة بل جزء من تجارب الأمم. وهي تجارب متنوعة لكنها محكومة من حيث الجوهر بغاية واحدة، ألا وهي التأسيس المعقول للقيم بالشكل الذي يجعل منها منظومة متكاملة للارتقاء بالمصلحة العامة والخاصة الى مستوى الحقيقة والمنطق.

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

حاتم حميد محسنالانطباع المألوف لدينا ان التاريخ ليس اكثر من سجل لأحداث الماضي. غير ان هيجل (1770-1831) اعتقد ان تاريخ العالم ليس فقط عبارة عن سلسلة عشوائية من الأحداث وانما هو يتقدم عقلانيا طبقا لهدف معين. هذا قاد البعض الى الاعتقاد الخاطئ بان هيجل يرى ان التاريخ يتبع مسارا مقرر سلفا، وبهذا فان فلسفته يمكنها الكشف عن مسار الأحداث في المستقبل. سوء الفهم هذا عادة ترافق مع اتهام هيجل بانه يسعى لفرض مشروعه الميتافيزيقي على الحقائق التاريخية، لكي يطابقها مع نظريته. سنرى ان هذه آراء خاطئة جدا وان هيجل بريء ايضا من فكرة اعتقاده "بنهاية التاريخ"- فكرة ان التاريخ قد اُنجز في لحظته التاريخية المعينة.

كيف تعمل نظرية هيجل في التاريخ؟

عرض هيجل فلسفته في التاريخ بشكل واضح في (محاضرات في فلسفة التاريخ العالمي) التي ألقاها في جامعة برلين في الاعوام 1822 و 1828 و 1830. في مقدمته لتلك المحاضرات قال هيجل ان هناك عقل في التاريخ "العقل يحكم العالم" وعليه فان تاريخ العالم هو التقدم في العقل.

ماذا يعني هيجل بالعقل في التاريخ؟ هو في ذهنه تفسير تيليلوجي (غائي) – وهي الفكرة بان التاريخ يمتثل لتصميم او غرض محدد (هذه الفكرة سُميت ايضا بالتاريخانية historicism). هو يقارن هذا بالفكرة المسيحية عن عناية الرب. التحليل التاريخي من المنظور المسيحي يكشف حاكمية الله للعالم وان تاريخ العالم يُفهم كتنفيذ لخطته. هيجل لديه فكرة خاصة عن الله الذي يسميه Geist وتعني الروح او الذهن. الفهم الفلسفي للتقدم في تاريخ العالم يمكّننا من معرفة هذا الاله وادراك طبيعته وهدفه.

بالنسبة لهيجل، هدف التاريخ هو التقدم في وعي الحرية. التقدم هو عقلاني بمقدار ما يمتثل لهذا التطور. هذا التطور العقلاني هو التطور في حيازة الله على وعي لذاته، طالما ان طبيعة الروح هي الحرية. هيجل ايضا يشير الى الله بـ"روح العالم" التي تكشف عن ذاتها من خلال الوعي الانساني المتجسد بثقافة المجتمع، خاصة في الفن والدين والفلسفة (وهو الثلاثي الذي يسميه هيجل التعبير عن "الروح المطلقة"). وكما اوضح هيجل في فينومونولوجيا الروح عام 1807 ان الروح هي "الحياة الاخلاقية للامة". بالنسبة له، ان التقدم العقلاني في التاريخ يتم فقط بمقدار التقدم في الوعي الذاتي لروح العالم وذلك من خلال ثقافة الانسان عبر وعي الحرية.

من الضروري التأكيد جدا ان هيجل لا يعني بالحرية المقدرة غير المقيدة بعمل اي شيء نحب، في فلسفة الحق عام 1820 اطلق هيجل على هذا النوع من الحرية بـ "الحرية السلبية" ويقول انها طريقة غير ناضجة فكريا لفهم الحرية. ما يعنيه هيجل بالحرية هو أقرب الى فكرة عمانوئيل كانط وحيث الفرد الحر هو الذي يتخذ بوعيه الذاتي خيارات طوعية طبقا لمبادئ عالمية وقوانين اخلاقية، فهو لايتابع فقط رغباته الفردية. يدّعي هيجل ان افراد الامة اذا سعوا فقط لمتعهم الشخصية فهذا سيقود الى انهيار حتمي للامة.

الهدف من تاريخ العالم هو تطوير الوعي الذاتي للروح والذي هو الوعي الذاتي للحرية. النقطة الجوهرية والحاسمة لدى هيجل هي ان روح العالم لا تمتلك هدفا واعيا تنطلق لتحقيقه، وانما الهدف يصبح معروفا فقط بعد ان تنجز الروح هدفها. وبهذا فان هدف التاريخ يمكن فهمه فقط بأثر رجعي في ضوء أحداث الماضي. بمعنى، لكي يفهم المرء التطور التاريخي، عليه ان يعرف النتيجة لكي يتعقب بأثر رجعي العوامل التي قادت اليه. وكما يوضح هيجل، الضرورة التاريخية تنشأ من خلال الاشتراط التاريخي، اي ان النتيجة تعطي لسببها مظهر الضرورة.فمثلا، عندما أمسك قطار الساعة الثامنة للذهاب للعمل، انا افترض ان يأتي القطار في الوقت المحدد (وهو توقّع غير واقعي)، ثم الوصول الى العمل في الوقت المحدد، عندئذ من الضروري لي ان امسك القطار، لكن هذا لا يعني انا كنت دائما امسك القطار بنفس الطريقة، المسألة بالنسبة لهيجل هي ان التاريخ ليس مقرر سلفا وانما هدف التاريخ يمكن بلوغه تراجعيا في ضوء احداث الماضي. بلوغ هذا الهدف هو الهدف في عملية التاريخ.

نحن نستطيع ايضا ان نرى ان هيجل لا يسعى فقط لتوضيح الكيفية التي أثّر بها الماضي على الحاضر وانما ايضا تأثير الحاضر على تفسيرنا للماضي. يشير هيجل الى ان مهمة الفلسفة ليست التنبؤ او التكهن لأن الفلسفة تصل دائما متأخرة، كما ورد في مقولته الشهيرة"بوم منيرفا تطير فقط عند حلول الظلام". وبكلمة اخرى، الفلسفة او الحكمة تستطيع فقط تحليل التاريخ بأثر رجعي من وجهة نظر الحاضر. وبهذا لا يعتقد هيجل ان فلسفته في التاريخ يجب ان تُفرض على الحقائق. بالعكس، هو يؤكد اننا يجب ان نختبر حقائق التاريخ (او في الحقيقة الحقائق لأي مسألة اخرى) كما تعرض نفسها هي ميدانيا ولأجلها بالذات. نحن نستطيع حينئذ اشتقاق فلسفتنا او الحكمة من هذه الحقائق بدون فرض اي تصورات ميتافيزيقية مسبقة عليها. هذا يعني ايضا انه بالرغم من ان هيجل يرى عقلا في التاريخ، فان هذا العقل يمكن فهمه فلسفيا كليا فقط عندما يكتمل هدف التاريخ.

هيجل يتصور تاريخ العالم قد تطور طبقا لعمليات ديالكتيكية. الديالكتيك الهيجلي عادة يوصف بهذه الطريقة: الفرضية تثير فكرتها المضادة، والاثنان مجتمعان يعطيان دفعا لفكرة تضم عناصر من كلا الاثنين (المركب). لكن هيجل لم يستخدم ابدا ذلك المصطلح رغم انه بالفعل يوحي ببعض المعنى في ذهنه . هيجل ذاته اطلق على الخاصية الرئيسية للديالكتيك "Aufhebung"الكلمة التي تتضمن معاني "يتغلب"، "يلغي" ، "يحافظ على الشيء" . كل فكرة غير تامة، وبالذات اي مفهوم غير تام للحرية، يحتوي في ذاته على تناقضاته الداخلية، والمركب هو العملية التي تأتي فيها التناقضات موحدة في مبدأ أعلى. وهكذا هناك صراع في العملية الديالكتيكية الهيجلية بين المفهوم ونقيضه الخارجي الذي يتطور الى نقيض داخلي وحيث المفهوم يصارع مع ذاته، وخلال هذا الصراع يتغلب المفهوم وفي نفس الوقت يتم الابقاء عليه في اتحاد مع نقيضه في مستوى أعلى. عندئذ المفهوم الجديد المُنتج بهذه الطريقة يباشر نفس العملية مرة اخرى، وهكذا، فان التاريخ يتقدم في نوع من الحركة اللولبية المستمرة.

لكي نفهم هذا، يُستحسن ان ننظر بالكيفية التي ناقش بها هيجل التاريخ الحقيقي.

ما هي نظرية هيجل في التاريخ؟

 لكي يصف التطور في وعي الحرية، يقسّم هيجل تاريخ العالم الى ثلاث ثقافات رئيسية او مراحل. في العصر الاستبدادي، والذي حسب هيجل يتميز بعالم الشرق قبل الاغريق وفيه يعرف الناس ان هناك فقط شخص واحد حر هو الحاكم. بعد ذلك عرف اليونان والرومان ان بعض الافراد او المواطنين احرار. اخيرا، الشعب الالماني (غرب اوربا) ومن خلال تأثير المسيحية، عرف ان كل الافراد او الكائنات البشرية احرار. من المهم جدا ان ندرك ان هيجل لا يريد فقط ان يبين ان مقدار الحرية قد ازداد على مر التاريخ، وانما ان مفهوم الحرية ذاته تغير جذريا. واذا كان هناك تطور في مفهوم الحرية، سيكون هناك ايضا تطور في طبيعة الروح طالما ان الروح تتميز بالحرية.

وبتفصيل اكثر، يميز هيجل هذا التطور الى اربع مراحل معينة. في العالم الشرقي، الناس عرفوا ان الحاكم وحده حرا. بما ان روح الحرية كانت متأصلة او متجلية فقط ضمن فرد واحد والذي نال حريته بفعل الولادة، فان هذه الحرية هي ليست اكثر من عشوائية. كذلك، الناس كانوا غير واعين بالحرية الشخصية ضمن ذواتهم، وبهذا يعتبر هيجل هذه فترة "الطفولة"بتطور الروح.

وعي الحرية الذاتية ظهر اول مرة في عالم اليونان، ولكن حتى اليونان لم يدركوا ان كل الناس احرار. الحياة الاخلاقية (او الروح المطلقة) لليونان كانت تتميز بالقناعة بالأعراف. الناس عاشوا في انسجام نسبي مع تقاليد وعادات المجتمع التقليدية. مع ذلك كانت هذه طريقة حياة متناقضة ذاتيا لأن الناس لم يستجوبوا حقوق واخلاق وعادات الدولة وهكذا هم لازالوا يفتقرون الى وعي ذاتي متطور بما يكفي. ولذلك كان في مجتمع اليونان توترا فطريا بين الحرية الفردية والمبادئ العالمية للدولة . هيجل يقارن هذا التوتر بفترة البلوغ لدى الشباب. هذا التوتر قاد سقراط لتشجيع الناس للتفكير بالاخلاق السائدة، ومن ثم تشجيع الروح لإعادة ايقاض ذاتها.

وفي الفترة اللاحقة للامبراطورية الرومانية جرى الاعتراف بالحرية الذاتية كشكل من الحقوق الرسمية للمواطنين، لكن هذه الفكرة للحرية كانت شديدة التجريد وفوق الحياة المادية اليومية للمواطنين. وبهذا، كانت الروح في مرحلة الاغتراب الذاتي. الحرية الحقيقية لم تبرز الا مع ظهور المسيحية في العالم الجرماني، حينما جرى فهم الحرية كجوهر للانسان. لذا فان المسيحية هي هامة لهيجل طالما ان الكائن الانساني فقط من خلال يسوع المسيح الذي يسميه هيجل(الله-الانسان) يجد جوهر الروح ضمن ذاته ويتغلب على اغترابه من الله (من عالم الروح).

المسيحية كانت جبهة الحياة الفكرية الامامية طوال القرون الوسطى. غير ان هيجل رأى مسيحية القرون الوسطى كمثال حي على ما اسماه "الوعي غير السعيد"نظرا لما اعتبره كفشل للكنيسة في التوسط بين الافراد والله. كانت الثورة الفرنسية اللحظة التاريخية العالمية المعينة فيها اصبحت الروح واعية حقا بذاتها، حين هربت من الحرية "المطلقة"وبلغت الحرية "الملموسة"من خلال القوانين المطبقة على الناس. حتى في ايامه الاخيرة ظل هيجل سعيدا جدا بالثورة الفرنسية واصفا اياها بـ "الفجر الفكري المجيد".

وبهذا فان روح العالم تطورت ديالكتيكيا طوال التاريخ بسلسلة من الصراعات مع ذاتها. الروح لا يمكنها التغلب على مرحلة اغترابها عن ذاتها الا من خلال ادراك هذا الاغتراب. كل مرحلة كانت ضرورية تماما في تطور الوعي الذاتي للروح، لكن ضرورة كل مرحلة لا يمكن بلوغها الا تراجعيا.

نهاية التاريخ

ما الذي يقود روح العالم نحو الوعي التام بالحرية؟ وكيف يصبح الافراد واعين بهدف التاريخ او الوعي المُنجز؟

بالنسبة الى هيجل، تاريخ العالم يقوده "الافراد التاريخيون" او "الرجال العظام" مثل سقراط ويوليوس قيصر او نابليون. هم وحدهم قادرون في التأثير على موجات التاريخ ودفعه نحو الوعي الذاتي للحرية. وفي رسالة كتبها لصديقه فردريك نيذامار عام 1806 وصف هيجل نابليون وهو يمتطي حصانه باعجاب مفرط "روح العالم على ظهر حصان".غير ان الكثير من هؤلاء الافراد التاريخيين يسعون لتحقيق مصالحهم الخاصة، هم تستخدمهم الروح دون معرفة للتحرك نحو بلوغ وعيها الذاتي. هيجل يسمي هذا "مكر العقل".

ولكن كيف يكون سعي الافراد التاريخيين لمصالحهم الفردية نتيجة لعمل العقل في التاريخ ومن ثم تشجيع تطوير الحرية؟ جواب هيجل كان عبقريا. هو لاحظ ان اي فرد يعمل بنشاط لدعم سبب مهم تاريخيا هو ليس فقط طرف مهتم ذاتيا يبحث عن الاشباع، هو يجب ايضا ان يكون مهتم جدا في السبب ذاته. وهذا السبب، كونه تجلّي لمرحلة معينة من التقدم في تاريخ العقل، يجب ان يؤدي الى تقدم شمولي نحو بلوغ الحرية الانسانية.

البعض لاسيما فرنسيس فوكاياما فهم هيجل على الشكل التالي: بما ان تاريخ العالم كوعي ذاتي للحرية الانسانية قد تحقق في زمانه، فان العالم قد وصل نهاية التاريخ.

يجب التأكيد على الطريقة التي يستخدم بها هيجل كلمة "تاريخ" والتي بالطبع هي كشف العقل للتقدم بوعي الحرية. فوكاياما يرى ان بلوغ الحرية هذا حدث حقا مع انهيار جدار برلين عام 1989 مشيرا الى نهاية الشيوعية في اوربا والى انتصار الديمقراطية الليبرالية على كل الانظمة الاخرى للحكم. فكرة فوكاياما هي ان الديمقراطية الليبرالية هي الشكل الاخير لمجتمع يجسد الوعي الذاتي بالحرية. ولكن هيجل لم يقترح او يقبل اي نوع من الليبرالية السائدة في المجتمع الحديث . هيجل رأى في الليبرالية خاصة في فرنسا الليبرالية في زمانه توترا بين حقوق الفرد ووحدة المجتمع. يبدو ان هيجل ذاته رفض الليبرالية كآيديولوجية لأنه اعتقد انها تقود الناس لوضع مصالحهم الانانية فوق المبادئ الكلية المعززة للدولة، وبهذا فان الليبرالية على الاقل في زمانه لا يمكن ان تكون نظام سياسي وسوسيواقتصادي مستقر."هذا الاصطدام كما يذكر هيجل في استنتاجه في (محاضرات في فلسفة التاريخ) وهذه المشكلة هي التي شغلت التاريخ الآن وان حلها يجب انجازه في المستقبل". من المهم ايضا ملاحظة ان هيجل لايعني "نهاية التاريخ"بمعنى ان التطور التاريخي ينتهي في لحظته التاريخية في اوربا. في الحقيقة، فيما يتعلق بالمحتوى الحقيقي لتاريخ العالم، وصعود الاستقلال الامريكي آنذاك، لاحظ هيجل بوضوح ان "امريكا لهذا السبب هي بلد المستقبل، وان اهميتها التاريخية الخاصة بحاجة ليُكشف عنها في العصور القادمة".

ان ذكر هيجل لـ "المستقبل"في سياق خاص لتاريخ العالم في هذين الاقتباسين الاخيرين له اهمية خاصة هنا، ذلك انه يقترح ان هذه ليست مجرد اشارة وانما شيء ما منهجي. هيجل لايدّعي المعرفة بما في المستقبل، وحتى لو كان الوعي بالحرية هو الان يتجسد بشكل كامل في العالم، فذلك لا يعني ان المستقبل يجب ان يكون كُتب سلفا. بالعكس، هيجل يعتقد انه بسبب كون التاريخ مشروط بشيء اخر فلا وجود لاستنتاجات بشأن المستقبل. هذه النقاط تشير بوضوح ان هيجل لم يعتقد بان الليبرالية هي نهاية التاريخ، وليست هناك اي طريقة متصورة للتاريخ انتهت عند لحظته التاريخية المعينة. ما يعنيه هيجل بنهاية التاريخ ليس عدم وجود تطورات اخرى، وانما هدف التاريخ قد تحقق، والعالم الان واع بالحرية، وان روح العالم تعرف ذاتها كحقيقة نهائية – وهو ما يشير له هيجل "بالمعرفة المطلقة".

نستنتج ان هيجل يرى التاريخ غير مقرر ولا مغلق، ولا هو عند نهايته، وانما هو اشتراطي ومنفتح راديكاليا. الماضي محفوظ في الحاضر بالمقدار الذي يصوغ فيه الحاضر في تطوير الوعي الذاتي للحرية الانسانية التي نمتلكها الان. هذا الفهم هو ميراث هيجل الذي نحتاجه اليوم.

Hegel on History, Philosophy Now, Dec-Jan2019

 

حاتم حميد محسن

 

(إن التعليم يجب أن يغذي الرغبة في الوصول إلى الحقيقة .. لا الإيمان بأنّ عقيدة معينة هي الحقيقة). برتراند رسل . 

إن المنطلق الأنسي لمن ينظر بأفق كوني مفتوح متجرد من إكراهات الماضي وعنفه الرمزي، وينظر بانفتاح ديني باتجاه الانسانية من دون أن يتحجر في كهوف الماضي وحزازاته التي سوف تحول من دون معرفة الآخر والتواصل معه انسانيا، فالتحرر باب للتواصل الأنسي .أما الأمر الآخر؛ فهو الانعتاق من المعتقدات المتباينة التي تجعلنا نحب ونتواصل مع ناس ونكره آخرين على أسس الهوية المذهبية أو الدينية أو القومية؛فالدين العقلاني يحتوي الجميع لأن المتدين العقلاني من يشفق على كل الناس .

يأتي هذا المقال كبحث في أواصر الكونية ومعرفة الآخر والتواصل معه انسانيا،فالأنسية المسيحية كانت محاولة مهمة في وقتها للخروج من هيمنة الآخر على الفرد وجعله سجين أحكام مسبقة ضيقة؛ لهذا كان من الضروري البحث عن كل ما هو محذوف ومنفي في الذاكرة والثقافة الغربية المسيحية ومن هنا جاء مشروع الإصلاح الأنسي المسيحي يحاول تجاوز إكراهات المذهبية والعمل على إحياء التراث الإنساني الذي اقصته الكنيسة وعدته وثنياً، ومن اجل ممارسة النقد كان لابد من إحياء هذا الجزء من الذات ألا وهو عقلانية القدماء من اليونان والرومان على صعيد المنهج والرؤية العقلية والجمالية في الأدب والمسرح .وأحد أبرز ملامح هذه النزعة هي تلك التي كان احد رموزها "إيرازموس" .

أولا: النزعه الأنسية:

إن الحفر المعرفي لمصطلح الأنسنة humanistas يفضي بنا إلى تجلي ماهية الإنسان المتمثلة في الصفات التي يتميز بها النوع الإنساني، وهو في الوقت نفسه فرع معرفي يسعى إلى تخطي العصر الوسيط من خلال قطيعة معرفية مع المركزية اللاهوتية وسردياتها الكبرى المتمثلة في: (الأدب المقدس و الفلسفة واللاهوت والفنون المسيحية) مثل: استعمال الحكايات المجازية أو الاسطورية، أو الشعائر والطقوس وخلع التقديس على الأشياء، و الترميز، والتحوير و الأساليب المجازية (1)، ولأجل تحقيق تلك القطيعة جاءت تلك اللحظة في استعادة الخطاب العقلاني الوثني اليوناني والروماني بكل حمولته العقلية من فلسفة وفنون لتكون بمثابة البديل الدنيوي بمقابل الخطابات الدينية المسيحية التيولوجية التي كانت بمثابة مجموعة من الاعتقادات التي أصبحت تمارس سلطة النفوذ، يمكن ان نضع لها ملامح عامة منها الآتي:

من حيث الموضوع فهي تلك الفلسفة أو النزعة الإنسانية Humanistas التي تعني "تعهد الإنسان لنفسه بالعلوم الليبرالية التي بها يكون جلاء حقيقته كإنسان .(2) ومن ثم فهي تضع الإنسان والقيم الإنسانية فوق كل شيء. وهي تعد الإنسان أجمل الكائنات وأفضلها وأرقاها وتثق به وبإمكانياته كل الثقة. والواقع إن الذي يثق بالإنسان ويتفاءل به وبمقدراته. فضلاً عن كون الإنسان يشكل بالنسبة له القيمة العليا التي لا قيمة فوقها. والإنسان بالنسبة له غاية بحد ذاتها وليس وسيلة بأي شكل من الأشكال.(3)

وفيما يخص المكان الذي ظهرت فيه فقد نشأت هذه الحركة الثقافية في إيطاليا أولا وفي القرن الرابع عشر الميلادي. ثم انتشرت من هناك إلى بقية أنحاء أوروبا وبلغت ذروتها في القرن السادس عشر: عصر النهضة بامتياز. فكل معرفة لا تهدف إلى الرفع من شأن الإنسان أو ترقيته لا جدوى لها ولا لزوم. وراحوا يحلمون ببناء مجتمع يختلف عن مجتمع القرون الوسطى المستكين لأقوال الكهنة والمستسلم للمقادير والظروف. راحوا يحلمون بتثقيف الإنسان وتهذيبه؛ لكي يصبح عقلانيا ذكيا معتمدا على نفسه وإمكانياته لا متواكلا ولا كسولا. وقالوا بأنّ التوصل إلى ذلك لا يمكن أن يتم من خلال الاعتماد على الكتب الصفراء لرجال الدين المسيحيين وإنما من خلال كتب كبار شعراء وفلاسفة اليونان والرومان (عدّوا دراسة القدماء كفيلة وحدها بتكوين الإنسان بمعنى الكلمة، فسميّت هذه النزعة بالإنسانية أي المذهب الإنساني، وسميت الآداب بمعنى القديمة بالإنسانية .).(4)

اهم سماتها الجانب الإحيائي للتراث السابق للمسيحية والذي تعرض للنفي والحذف من قبل الكنيسة بوصفه وثنياً فقد عاد المفكرون الأوروبيون إلى النصوص الوثنية اليونانية ـ الرومانية التي كانوا قد نسوها أو أهملوها طيلة العصور الوسطى المظلمة. لقد عادوا لاكتشاف نصوص أفلاطون وأرسطو وهوميروس وفيرجيل وشيشرون وسواهم آخرين.

أما أبرز مفكريها فيأتي مفكرنا " ايراسموس" الذي لقبوه بأمير عصر النهضة، إلى جانب كل من: (بيترارك، وبيك الميراندولي، ومارسيل فيشان).

ما يميز هذه النزعة أنها تبحث عن إحياء الإنسان ومن أجل هذا وجهت نقداً للكنيسه ورجالها وما يمثلوه من أصولية دينية متزمتة .اذ ضاق كل هؤلاء ذرعا برجال الدين ومواعظهم وأفكارهم التقليدية المكررة منذ مئات السنين. وشعروا بالاختناق في ذلك الجو المغلق للعصور الوسطى؛ولذلك راحوا يقفزون على كل العصور الوسطى التي تتجاوز ألف سنة؛ لكي يعودوا إلى أجواء اليونان والرومان إذ كانت الحرية متوافرة. وهكذا راح كبار كتاب اليونان يترجمون إلى اللغة اللاتينية أو اللغات القومية الأوروبية التي كانت في طور الانبثاق حينها: كـ(الإيطالية، والفرنسية، والإنجليزية، والألمانية)، الخ.

حال العلوم الانسانية قبل هذه النزعة: في أثناء العصور الوسطى كانوا يتحدثون عن الآداب الإنسانية والآداب الإلهية. وكانوا يقصدون بالأولى مجمل المعارف الدنيوية التي يدرسونها للطلاب في كليات الفنون والبلاغة في جامعة باريس حيث الفنون الجميلة أو الحرة . وأما الثانية فكانوا يدرسونها في كليات اللاهوت المسيحي إذ يهتمون بالدين والإنجيل وشرحه والتعليق عليه. وكانت الدراسات اللاهوتية تهيمن على الدراسات الإنسانية بشكل واضح طيلة العصور الوسطى؛ وذلك لأن العلوم الإلهية أشرف من العلوم الإنسانية وأجل شأنا .(5)

الا إن (دراسة الفنون كانت تمهيداً و إعداداً للدراسات اللاهوتية أو الفقهية أو الطبية، فيتقدمون فيها إلى الدرجات الثلاث . وكان بوسع كل حاصل على درجة أن يفتح مدرسة، فكانت حرية تامة فاتسع نطاقة .وكان الحد الأدنى في دراسة الفنون ست سنين، وفي دراسة اللاهوت ثمانيا . وكان الحد الأدنى لسن الأستاذ العشرين للفنون، والرابعة والثلاثين للاهوت)(6)

دور الفلسفة في ما قبل النزعة الأنسية:

تعد الفلسفة خادمة لعلم اللاهوت المسيحي. وكان كلام رجال الدين شبه معصوم ولا يمكن أن يناقش وإنما يطاع فقط. ثم ابتدأت الأمور تتغير منذ القرن الرابع عشر الميلادي إذ ظهر بيترارك وتجرأ على إبداء إعجابه بالكتّاب الوثنيين السابقين على المسيحية. ثم تلاه آخرون عديدون وساروا على الخط نفسه . وبرر هؤلاء أخذهم عن فلاسفة اليونان والرومان بأنّ كتبهم تحتوي على الحكمة والعلم والعقلانية الصائبة على الرغم من وثنيتها. وبالآتي فيجوز الأخذ عنهم.

ظهور الطباعة أسهم في انتشار هذه النزعة؛ ففي السابق كان نساخة الكتاب تستغرق أسابيع عديدة أو شهورا. وأما الآن فقد أصبحت طباعته وبمئات النسخ تتم بين عشية وضحاها.. هنا نكتشف أهمية التكنولوجيا.(7)

ثانيا: الأنسية "إيرازموس":

ويمكن أن نعد المفكر الهولندي ايراسموس أكبر مثال على هذا النوع، باللاتينية: Desiderius Erasmus Roterodamus) عاش في (روتردام ح. 1469- بال 11 يوليو 1536 م) هو فيلسوف هولندي، من رواد الحركة الإنسانية في أوروبا، كان يكتب باللغة اللاتينية.

يبدو أن "إيرازموس" كان مولعاً بالجنون فقد عرف عنه طبعه الساخر (مناظرة في مدح الجنون)، وبالإنسان، ومن خلال ذلك حاول أن يضع مبادئ الحركة ويؤسس الى إنسية دينية من خلال كل هذا يظهر أنه كان يتمتع بشخصية مستقلة تظهر في تعليقاته على نصوص العهد الجديد، يبدو لدى النقاد إنه كان ينوي إحداث مقاربة لما كان يبدو حينها متباعداً بين الأنسيين والدين المسيحي ممثلا بالمذهب الكاثوليكي.

يبدو أن اسمه "ديزيدريوس أرازموس" ومعناه "الحبيب المرغوب" فيه معنى انطولوجي عميق بين الايروسية وطابعها الدنيوي والفضيلة الدينية وطابعها المقدس، هكذا كان ابوه بين كونه رجل الدين، وكاتب من الدرجة الثانية، وقد طغت على سلوكه الايروسية وأخرجته من فضيلة (رجل الدين) يوم وقع مع مرجريت ابنة طبيبة وأرملة، فكانت النتيجة ابن غير شرعي وقد وسمت حالته تلك بهذا الاسم "الحبيب المرغوب به"، كتأجج لحظة ايروسية .اذ تربى وتعلم بين الهولندية لغته الوطنية واللاتينية لغة الثقافة الدينية وعلومها، وقد اخذت تنفتح على التراث الأنسي القديم، وقد تمكن منها بصورة مذهلة.

وكانت رحلته في الدير قد بدأت يوم فارقه اباه عام 1484م، فاصبح اليتم رفيقه وحياة الدير عالمه تغلفه بأخلاقيات الزهد والعفة الأخلاقية كونه راهب أوغسطيني، اذ عاش سنيناً عديدة في دير "ديرامأوس"، في ظل تلك الحياة الزاهدة التي خلقت منه فتى مرهق من الصيام وروح متعطشة الى الحرية " على الرغم من قبوله في سنة 1492م أن يرسم قساً؛ولكنه أينما اتجه نازعته نفسه إلى أن يضع قدمه على مكان آخر. كان يحسد الذين التحقوا بالجامعة بعد إنهاء تعليمهم المحلي".(8)

إلا أن انفتاحه على الأنسية جعله يقترب من أجواء أثينا من خلال: (حكمة افلاطون، ومآسي يوروبيد، وحياة زينون وابيقور)، فغدت تلك المدينة المستعادة في مدونات الأنسيين مألوفة، مثلما كان يعيش أجواء روما عبر آداب اللاتينية وحكمتها حيث سيشرون وهوراس وسينيكا فكلا المدينتين كانتا حقيقتين بالنسبة له مثلهما في ذلك مثل شاطئ السين الأيسر. (وكان سينيكا في نظره مسيحياً صالحاً مثل سانت وهكذا، رحل باختياره في غمرات الماضي واكتشف لورنزو فالا، واستطابس طعم اللاتينية الأنيقة) (9)، لقد كانت الأنسية تلك بكل انفتاحها العقلي قد مكنته من أن يدرك أوهام الكهف الذي يعيشه:

فأدرك إن تلك الشرعية التي اختلقتها الكنيسة وأسست عليها شرعيتها المتمثلة بـ "هبة قسطنطين" (10) زائفه لا تصمد أمام النقد التاريخي .

ولقد أدرك بأنّ فحص النص على وفق قواعد العقل قد كشفت له تلك الاخطاء في النسخة اللاتينية (11) من الكتاب المقدس .

ثم من خلال مقاربته بين الحياة الكنسية والحياة التي مثّلتها الأبيقورية، هذا دفعه إلى أن يتساءل أليست الأبيقورية أحكم وسيلة للعيش. وقد تجلت هذه الرؤية النقدية لديه في سعيه الى التوفيق بين أبيقوس والمسيح، والتي هي بمثابة أصداء لأصوات دونس سكوت وأوكام، صاحب الرؤية النقدية والتي اثرت في الاتجاه الأوغسطيني الذي تأثر فيه لوثر وقد كان معاصراً لأرازموس الذي تأثر بكل هذه الأفكار النقدية؛ فقد عصفت بمعتقداته ولم يبقَ منها الا الإعجاب العميق بأخلاقيات المسيح

وكان لتلك الافكار التقدمية اثر طيب في منهجه في التعليم وهو المنهج الذي عرف به،اذ قام بإعطاء دروساً خصوصية لبعض الفتيان من الطلبة لزيادة موارده .

وقد أصابه تحول عميق بعد تجاربه الأنسية في باريس و إنجلترا، فقد أسهمت تلك الخبرات في صقل معارفه وشخصيته فتحول من محب الكلاسيات وفتنة النساء، إلى عالم جاد مدقق تواق لا إلى المال والشهرة فحسب ولكن إلى تحقيق عمل مفيد دائم. وعندما غادر إنجلترا في يناير عام 1500م فقد استقرت علومه على أن يدرس وينشر النص اليوناني للعهد الجديد؛لأنه الجوهر الخالص لتلك المسيحية .

ثالثا: كتابه مديح الحمق:

كُتب عام ١٥٠٩م وطُبع لأول مرة في عام ١٥١١م إراسموس راجع وطوّر العمل، الذي كتبه أصلاً في عطلة أسبوعية قضاها مع صديقه الأقرب "توماس مور "في مكان إقامة الأخير بوكليرزبري . مديح الحمق يعد واحداً من أشهر الأعمال الأدبية لعصر النهضة، وأفكاره مهّدت للإصلاح البروتستانتي.

بنية الكتاب:

الكتاب يعتمد منهجا تهكميا ساخرا يعتمد على التورية في التعبير عن موضوعاته فهو قائم على شخصية مستعارة نسائية منحها الكاتب سمة الحمق، و بحسب ما جاء في الموسوعة الحرة إنه كان تهكمياً ساخراً حتى في اختياره للعنوان الذي بدا وكأنه يشير الى عائلة صديقه المقرب صاحب السرد اليوتوبي إذ ثمة تشابه بين كلمة حمق اليونانية (Morias) وكلمة (More) اسم عائلة صديقه الأعز، السير توماس مور(12)، ويقول إراسموس: بما أن السير توماس مور هو أبعد الناس قاطبة عن الحمق، فلن يربط القرّاء بينه وبين الحمق المقصود في عنوان المقال. ويبدو أن هذه الاشارة ماهي سوى آلية من آليات التمويه على القصد البعيد الذي يحيل عليه كونه يعتمد هناعلى أسلوب السخرية الذي اقتبسه من الكاتب الفكاهي الاغريقي لوسيان Lucian of Samosata (180-125ق م)، يبدو أن هذا الكاتب كان سفسطائي المذهب عرف بأسلوبه التهكمي وقد عرفت بعد المعلومات عنه إذ يصعب التحقق منها بأي درجة من الدقة، على الرغم من أدلة يمكن العثور عليها في الكتابات المنسوبة إليه. في العديد من الأعمال ويدعي إنه قد ولّد في الساموساطي، في المملكة السابقة Commagene، التي تم احتلالها من قبل الإمبراطورية الرومانية وجعلها جزءاً من محافظة سورية؛ لهذا كانت مؤلفاته تتناول تراثه المحلي ولسانه البربري بمقابل اللسان اليوناني ويعالج كل هذا بأسلوب تهكمي ناقد ولاذع (13)، وهذا ما اطلع عليه إراسموس وصديقه توماس مور، إذ كانوا بهذا يمارسون إحياء التراث الأنسي القديم الذي تعرّض للنسيان المتعمد من قبل الكنيسة التي كانت تعده وثنياً، وفي أثناء الترجمة أحاط بأسلوبه وروحه النقديّة في تناول المظاهر الاجتماعية والسياسية والدينية المنحرفة .هذا من حيث الأسلوب أما موضوعة الكتاب فهي تتناول نقداً للواقع الذي اكتشفه إراسموس في أثناء تواجده زائرا الى روما وقد عاد محبطا مثلما عاد مارتن لوثر هو الآخر من روما إذ اكتشف الفساد الأخلاقي والإداري وأخلاق الترف والأبهة التي يعيشها الكهنة الذين كانوا من المفترض أن يعيشوا حياة من التبتل والزهد . من هنا ظهر إصلاح حال الكنيسة مما أحدث قطيعة في نسق سياسي ومعرفي معين استمر عهداً طويلاً، لعل هذا يظهر من خلال الحفر في دلالة المفهوم Larousse التي تعني الإصلاح بوصفه تغييراً عميقاً وجذرياً لشيء ما، سواء كان بخصوص مؤسسة ما قصد تحسين ادائها (14)، والإصلاح هو عودة نظام ديني للنظر في قواعده الأولى على سبيل التحليل، والنقد بقصد المراجعة، و التقويم .وهذا ما يظهر في أصل المفردة الفرنسية reforme ذات الأصل اللاتيني، وتدل على معنى " إعادة البناء و على التشكيل من جديد،(15) وفي هذا اشترك مع لوثر الذي أحدث حركة الإصلاح الديني في أوروبا وعلى وجه التحديد في ألمانيا في القرن السادس عشرالميلادي. وكان لهذه الحركة آثارها البعيدة في تاريخ أوروبا، ومن ثم اتخذ أصحاب هذا الرأي من عام 1517م بداية لتاريخ أوروبا، إذ قامت حركة الإصلاح الديني لمواجهة الفساد الذي كان يسود الكنيسة الكاثوليكية، وقد اعتنق كثير من الأوروبيين المبادئ التي أعلنها مارتن لوثر وغيره من المصلحين، وكانت تمثل تهديداً لشرعية التي تدعيها الكنيسة الغربية وتعتقد أنها تمنحها الحاكمية أو النيابة عن السماء وفي تمثيلها على الأرض هي القائمة على مسلّمات تدعيها الكنيسة وهي ما كثفها ول ديورانت إلى القول: "إن الله أنشأ الكنيسة بأن جعلَ الرسول "بطرس" أولَ رئيسٍ لها. وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس في تسلسلٍ مستمرٍ متصلٍ، ولذلك فإن البابا ممثلُ الله على ظهر الأرض يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين، حكاماً كانوا أو محكومين" (16) كان تلك الاحداث قد مهدت الى تحول كبير (وهذا أدى بدوره إلى الغليان والانفجار. وكان كل هذا إيذانا بزوال العصور الوسطى بمثلها وأفكارها, وظهور عصر جديد يقوم على أسس ومبادئ جديدة مغايرة).(17)

اما فيما يتعلق بأرازموس فما أزعجهه في زيارته الى روما تفشي سلوكيات تعري تلك الادعاءات بالقدسية وكان منها: (إصدار الكنيسة لصكوك الغفران.و موقفها من العلم والعلماء وتقييدها للعقل عبر ابتداعها لنظام "محاكم التفتيش"..وما أثار قريحته الادبية في النقد والتهكم، انحراف رجال الدّين ونسيانهم لدورهم الأخلاقي والدّيني.ولعل هذا ما جمعه بصديقه(مور) اذ التقى به في عام 1499م، وكان بارازموس في الحادية والعشرين من عمره، وفتن بارازموس بالمذهب الإنساني. وتعد صداقتهما من أطيب العطور شذى في ذلك العصر. فقد وهب كلاهما مرحاً بقدر ما، وجعلا لدراستهما طعماً مستساغاً بالهجاء الضاحك. وكانا يشتركان في كراهية الفلسفة الكلامية التي قال مور فيها إن ما تنطوي عليه من خبث في التفريق بين الأشياء يعود على المرء بفائدة توازي ما يكسبه من حلب تيس في غربال.

إلا إن القاسم المشترك فضلاً عن حب الأدب الكلاسيكي فهو أنهما كانا يأملان في إصلاح الكنيسة من الداخل وتجنب تفكك أواصر الوحدة الدينية والتواصل التاريخي. هذا يعني أنهما كانا مختلفين عن الاصطلاحين مثل لوثر وأتباعه في مواجهة الكنيسة الرومانية .الا إنهما تمايزا عن بعض في بعض الملامح الشخصية اذ ولم يكن مور نداً لأرازموس في العلم أو التسامح، والحق إن رقته المألوفة وكرمه كان يشوبهما في بعض الأوقات تطرف في الدين، وكان في الجدل ينحني بين آن وآخر مثل كل معاصريه، ليوجه لخصومه طعناً شديداً مريراً. ولكنه كان يفوق أرازموس في الشجاعة والإحساس بالكرامة والإخلاص لقضية. ولا شك أن الرسائل التي تبادلاها تعد شاهداً ثميناً على أفضال عصر فظ. فهناك رسالة لمور يقول في ختامها "وداعاً يا أرازموس الحبيب يا مَن هو أعز علي من عيني" .)(18)

أسهمت تلك العلاقة وقد تعمقت بوجود مشتركات في حب الأدب القديم وانتقاد الأوضاع من أجل إصلاحها وتقويمها وليس إلى خلق قطيعة معها؛ لهذا قام كلٌ من اراسموس وتوماس مور، بترجمة أعمال الكاتب الفكاهي الاغريقي" لوسيان" .

ثم يتطور العمل لدى أرازموس إذ قام بكتابة كتابه فيمتدح المجنون والذي تناول فيه بروح متهكمة ساخرة وناقدة الممارسات الفاسدة التي لوّثت العقيدة الكاثوليكية في زمن أراسموس، والخزعبلات التي سيطرت على ممارسي الطقوس الكاثوليك، والجدير بالذكر أن أراسموس كان وفياً دائماً للعقيدة الكاثوليكية ومؤمناً بها.

ويمتد الهجاء الفكاهي في الكتاب إلى الجميع: من ممثلي المسرح والكتـّاب إلى الملوك ورجال الدين. لكن الكنيسة الكاثوليكية كان لها النصيب الأكبر من الهجاء الساخر. طبعا هذه السخرية تأخذ طابعا رمزيا اذ لا تأتي على لسان المؤلف نفسه، بل على لسان شخصية نسائية ابتكرها وأعطاها اسماً مثل: (الجنون أو الحماقة). في الكتاب تُصوَر الحماقة كونها شخصية اسطورية من الميثولوجيا اليونانية وهي هنا بمثابة قناع يستعمله الى جانب اقنعة أخرى فاذا كان القناع الأول متمثل بهذه الشخصية الأسطورية وهي ابنة "لبلوتوس"، فإن بقية الأقنعة - لمجموعة من الصفات السلبية التي يحاول انتقادها في رجال الدين - و صديقاتها المقرّبات هن: (فيلوتيا) حب الذات، (كولاكيا)  المداهنة)، ليثي (النسيان) ميزوبونيا (الكسل) هيدونى (المتع الحسية)آنويا (الجنون) تريفي (الخلاعة) كوموس (الإسراف) وايغريتوس (النوم كالموتى). طبعا هو هنا يستعمل تلك الأقنعة التي تبدو استعارات غير مبينه لمن غير مهتم بالأساطير اليونانية لكنها واضحة وبينه الى الانسانيين وجمهورهم .الذي يمتلك رؤية نقدية للمؤسسة الدينية وهو ما عبر عنها وإراسموس عندما جعل "السيدة-الجنون" تقول: "سأبقى منتمية إلى الكنيسة الكاثوليكية – ثم يعقب ذلك صمت قصير قبل أن تتابع – حتى يأتي بديلٌ أفضل."

البديل، الذي يعني الرؤية الانسانية التي تحاول تجاوز سلفية الكنيسة وشموليتها مثل بقية السلطات الدينية؛ لأنه تعبير عن سمة واحدة هي ادعائها بأنها تمتلك الحقيقة وخطاب النجاة وغيرها غير قادر من الإحاطة بتلك الحقيقة، فهو ضال ومهرطق ومكانه الحتمي السعير .

وهي ظهرت هنا على لسان البطلة القناع المجنونه لما تحمله من صفات نسبية متغيرة. في موضع آخر تقول بطلة الكتاب: "لا يغرنك شخص متفلسف يطيل لحيته ليعطي انطباعاً بالحكمة، تذكّر أن الماعز أيضاً يمتلك ذقناً طويلا .

فهذه الاستعارة التهكمية على رجال المؤسسة وما يعبرون عنه من تقوى تظهر بأشكال خارجية منها اللحية، فهو يحدث مقاربة نمطية مقزمة مع الماعز وهو حيوان يحيلنا الى دلالته الرمزية مع الشيطان فهو يظهر بأشكال تشبه الماعز وهو يرمز الى إله القمر سن البابلي إله الرعي الوثني .

يبدو أنّ الخطاب التهكمي كان صاحب تأثير عميق في نقده الساخر للشخصيات التي تم تنميطها في التوافه كمقاربة رمزية لرجال الدين أصحاب الصفات التافهة التي تشبه تلك الشخصيات المذكورة في الكتاب وأصبح للكتاب جمهور نظراً لحالة النقد ضد المؤسسة الدينية نتيجة الانحرافات الأخلاقية والثورات الزراعية ودعم السلطات المدنية التي تجد في المؤسسة الدينية منافس ونتيجة للانشقاقات التي حدثت مع الاصلاح الديني وجزء من نشر رسالة الانسانيين وخطابهم الاصلاحي الذي اتخذ من الثقافة وسيلة من المواجهة وإصلاح المؤسسة من الداخل وهذا ما سوف يتحقق .

 

د-عامر عبد زيد الوائلي

جامعة الكوفة –العراق

..............................

(1) انظر: محمد اركون، نزعة الأنسنة في الفكر العربي، ترجمة هشام صالح، دار الساقي، ط1، بيروت، 1997م، ص 33.س

(2) عبد المنعم الحفني، الموسوعة الفلسفية، مكتبة مدبولي، القاهرة،ص17 .

(3) انظر: هشام صالح، مدخل إلى التنوير الأوربي، دار الطليعة، بيروت، 2005م،ص 78.

(4) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الحديثة، دار القلم،بيروت، (د.ت)،ص 6.

(5) بروميثيوس بوكس، مدخل عام إلى النزعة الإنسانية، ـ لندن 2005م: http://www.albayan.ae/books/author-book

(6) يوسف كرم، تاريخ الفلسفة الاوربية في العصر الوسيط، دار الكاتب المصري، بيروت، 1946م،ص121.

(7) بروميثيوس بوكس، مدخل عام إلى النزعة الإنسانية، ـ لندن 2005م: http://www.albayan.ae/books/author-book

(8) الموسوعة الحرة .

(9) نفس المرجع .

(10) تعني عبارة "هبة قسطنطين" (Constantin's Donation)، منذ القرون الوسطى، الوثيقة المزورة باسم الإمبراطور قسطنطين الأكبر والتي يقال أنه بموجبها قد قدم مميزات وممتلكات لا يتصورها عقل للبابا وللكنيسة . ومخطوطة الوثيقة القديمة المعروفة منذ القرن التاسع موجودة بقسم المخطوطات اللاتينية بالمكتبة القومية فى باريس، تحت رقم 2777، وفقا لما هو وارد فى " الموسوعة الكاثوليكية "، وتحمل الوثيقة عنوان: "وثيقة هبة الإمبراطور قسطنطين "، وهى موجهة من الإمبراطور قسطنطين إلى البابا سيلفستر الأول (314 ـ 335) .انظر: صيد الفوائد: https://saaid.net/daeyat/zainab/81.htm

(11) الترجمات اللاتينية) لقد وجدت ولا شك ترجمة للكتاب المقدس في اللغة اللاتينية القديمة حوالي أواخر القرن الثاني للميلاد لأنها كانت منتشرة كثيرًا في شمالي إفريقيا. ونرى أن ترتليانوس (150-220 م.) كان يُعرف أقسامًا كثيرة منها وقد استعملها أيضًا كبريانوس، اسقف قرطاجنة (200-258 م.) بكثرة. أما العهد القديم فيها فقد ترجم من الترجمة السبعينية اليونانية وليس من العبرانية.). انظر: قاموس الكتاب المقدس | دائرة المعارف الكتابية المسيحية، http://st-takla.org/Full-Free-Coptic-Books

(12) توماس مور Thomas More ويُسمى بالقديس أيضاً (و. 7 فبراير 1478 – م ت. 6 يوليو 1535) م كاتب وفيلسوف سياسي إنكليزي، تسلم عدة مناصب حكومية.

(13) وكان لوسيان أيضا واحدة من أقرب الروائيين في الحضارة الغربية. في قصة حقيقية، والعمل السرد الخيالي كتب في النثر، والمحاكاة الساخرة بعض من حكايات رائعة رواها هوميروس في الأوديسة، وكذلك حكايات من مؤرخ ثيوسيديدز. وتوقع موضوعات خيالية "الحديثة" مثل الرحلات الى القمر والزهرة، حياة خارج كوكب الأرض والحروب بين الكواكب، ما. كما كتب لوسيان هجاء متهكم على الاوضاع التي كان يزدريها وينتقد ممارسيها بلغة رمزية تقوم على استعاراة بالأسماء والأحداث .

(14) نفس المرجع .

(15) نفس المرجع .

(16) ديورانت، ول. قصة الحضارة، الكتاب 14، ص 352، ترجمة عبد الحميد يونس، طبعة الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية، الكتاب 14، ص 352.

(17) نور الدين حاطوم , تاريخ العصر الوسيط في أوربة , ص: 50

(18)http://www.marefa.org/index.php/%D8%AA%D9%88%D9%85%D8%A7%D8%B3_%D9%85%D9%88%D8%B1