حيدر جواد السهلانييقول عبد الرحمن بدوي: "إن فلسفة جبرييل مارسيل (1889- 1973) يستمدها من تجاربه الذاتية والباطنية، ولهذا أتخذت تأملاته صورة اليوميات، ولا نجد له أثراً فلسفياً على هيئة كتاب، إنما كل انتاجه يوميات أو مقالات، ولهذا يصعب، بل يستحيل عليه أن يستخلص من مؤلفاته مذهباً محكم، اذ مارسيل صاحب خواطر وشذرات، ولذلك جاءت فلسفته غير تامة."(1) ويرى بوشنسكي أن موقف مارسيل مغرق في رفض إقامة نظام فلسفي، مما ينتج عنه أن مذهبه يبدو أصعب فهماً في جملته من مذهب أي فيلسوف وجودي آخر، والواقع أنه لم يوجد أحد من الباحثين نجح حتى اليوم في عرض فلسفته على نحو منظم، لهذا السبب سنذكر الأمور الجوهرية في العرض الذي يلي.(2) وقد أتجه البحث الفلسفي عند مارسيل منذ البداية إلى توضيح مانسميه (بوجود الله) و(خلود الروح) ويعتقد مارسيل أنه قبل أن نعرف ما إذا كان من الواجب علينا أن نسلم أو لانسلم بوجود الله، لابد من أن نوضح أولاً معنى كلمة (وجود) ذلك أن حل هذا المشكلات الأساسية التي هي بحكم تعريفها تتعلق بوجود ما وتضع وجودي موضع السؤال، لا يمكن أن نتصوره إلاداخل إطار فلسفة عينية، وعلى هذا فقد كان مارسيل يطمع في إقامة (فلسفة للوجود الفردي) أكثر مما يطمع في إقامة فلسفة للوجود بوجه عام، لأنه يجوز ألا تكون هذه الفلسفة الأخيرة شأنها في ذلك شأن كثير من المذاهب الأخرى، مذهباً مجرداً أو نظرية في الوجود، لأن الذي يتحكم من البداية إلى النهاية هو التجربة الوجودية، وهذا التجربة غير محدودة عملياً، سواء من ناحية الامتداد أو من ناحية العمق وينبغي على الوجودية أن ترحب بكل ماتحمله الحياة الأجتماعية والملاحظة وتأمل التجربة التي تعيشها في أشد ما فيها من عنصر شخصي، وعليها أن ترحب بكل ما يمكن أن يحمله ذلك من طابع أصيل، بل بكل ما كان علامة على بحث أو قلق، حتى في الخطأ والأنحرافات الشائعة، ويجب أن نسلم بأن الخطوة الأولى للبحث تكون من الناحية الصورية موجهة إلى تكوين فلسفة عينية، أذ لابد من التحرر من سلطان النزعة العقلية المثالية، ويرى مارسيل لابد من إدماج التجربة الذاتية من حيث هي تجربتي أنا، في نسق معقول على نحو فعال، وذلك مع احتفاظها بسماتها الفردية بل بنقائضها أيضاً، اذ الوجود هو المجال الرئيسي في الميتافيزيقا والعالم يضرب بجذوره في الوجود، ويرى مارسيل نحن في التجارب الوجودية ندرك الوجود في حقيقته العينية المباشر ونشعر بتأكيدنا إياه في آن واحد، وهنا يكون العقل والفكر شيئاً واحداً، ويكون الكوجيتو (أنا أفكر) و(أنا موجود) شيئاً واحداً.(3) ينطلق مارسيل من مقولة (أنا موجود) تلك هي المقولة التي يبدأ منها مارسيل، والوجود في جسد، ويجعل الإنسان يخوض الحياة في علاقة مع الواقع، وفي عملية بحث عن الذات في اعماق الذات نفسها وفي العالم، أي أن البحث عن الوجود في العالم محور من محاور فلسفته الأساسية، ويفضل مارسيل مصطلح فلسفة الوجود أو السقراطية الجديدة لتحديد فكره، ويفضل تسميته سقراط الجديد، وكان يوصف مارسيل بأنه وجودي مسيحي، وهو بهذا يقف في الطرف المقابل لسارتر، وغلبت عليه نزعة تفاؤلية قريبة من التوجه الذي أرساه كيركجارد، وسيطر على فكره هاجس الطابع العارض والزائل لكل حرية، ويرى أن التعايش المشترك بين البشر أمر حتمي، ويعتبر أن الإيمان بالرب قادر على تبديد أسرار المصير الإنساني المأساوي وحل مشكلاته.

ينطلق مارسيل في فهمه للفلسفة من التجربة المنقولة في الفكر، وهي أدراك بقدر المستطاع من الوضوح، فالتقدم الفلسفي يكمن في مجموعة الخطوات المتتالية التي بها تتجسد الحرية، التي كانت تدرك على أنها مجرد قدرة على قول نعم أو لا. وعمل الفلسفة يكمن قبل كل شيء في التعمق ببعض المواقف الروحية، والفلسفة تنكر إمكانية بلوغ شيء آخر غير مانسميه (حالاتي النفسية) فالمظاهر ليس سوى شكل من أشكال الكبرياء والتعلق بالذات.(4)  والفلسفة لا تدرس المشكلات، بل نحن نحياها، والفلسفة هي التي تعطي معنى لتاريخ الفلسفة، بل أنه لن تكون ثمة فلسفة عينية، دون توتر يتجدد دائماً وينزع إلى الخلق بين الأنا وأعماق الوجود التي توجد فيها وبواسطتها، والفلسفة لاتكون فلسفة بالمعنى الحقيقي إلا بقدر ما تفضي إلى سر الوجود، ويرى أن الخطأ الرئيسي في الفلسفة ينحصر في أنها تنزل السر إلى مرتبة المشكلة أو إلى موضوعية بحثه على زعم أنها تحصل بذلك على وضوح أكمل.(5) وبذلك أن الفلسفة عند مارسيل لم تصدر عن تفكيره إلا عن تجربة خاصة، ولم يهتم إلا بما أتصل بطبيعة عمله ووافق نفسه، وبذلك جعل تأملاته الفلسفية وليده تجارب ذاتية معينة وخلاصة مواقف نفسية صافية، ونقطة البداية عند مارسيل هو الجسد البشري، ويرى أن ثمة علاقة غامضة تربط الذات بالجسد فتجعل منه وسيطاً ضرورياً للشعور بأي شيء، ولكن هذا الجسد لا يعبر عن كل الوجود ولا يستوعب صميم الذات، وإنما يسمح بإيجاد مسار خاص تختلط فيه إشعاعات الذات بأصداء العالم الخارجي، فكأن الوجود في نظره ليس حقيقة أو واقعة بقدر ماهو عمل واكتساب، وفي هذا التقدير هو تلك الدرجة السامية من الذاتية، حين يكون بوسع الإنسان أن يخلق نفسه بنفسه، وأن يتقبل المسؤولية االمترتبة على كل أفعاله، بحيث يظل دائماً في محاولة للعلو على نفسه.(6)

الإيمان عند مارسيل هو إيمان بأنت، أي الإيمان بوجودك المفصول عن وجودي، ويبرز الإيمان على أنه إيمان بالله(جل جلاله)، والإيمان ليس مجرد الإيمان بأخلاقك وفضائل وعقائد، بل هو الإيمان بالأنت الحاضر حضوراً مستقل عن دائرة الأنا التي تعيقه وتحدده، وأن وجود الإنسان هو وجوده بفقد معناه دون الآخر، ولفهم الذات لابد من فهم الآخر كإنطلاق عبر الإيمان. ومن واجب المؤمن أن يعي كل ما فيه من لا إيمان، فالإيمان والكفر متحدة في نفس واحدة، والإيمان هو رأي، والرأي قد يكون لأعتبار مصلحتنا الشخصية أو ينحاز للشعور العاطفي. ويربط مارسيل الإيمان بالوجود، فأذا دخلت إلى الإيمان فذلك من حيث كونه موجود، وليس من حيث كونه فكراً عاماً، ومع ذلك على الإيمان أن يشارك في طبيعة الإحساس، بأعتبار أن المسألة الماورائية هي العثور بالفكر أو بما وراء الفكر على عصمة جديدة، أن الإيمان هو بمعنى الكلمة وليس الأعتقاد، والإيمان هو إيمان الأنت، أي بواقع شخصي. والإيمان هو موضوع نحن محمولون على عقلنته أي على تزويره، لأننا نرى في الإيمان شكلاً ناقصاً وحتى غير صافي، والإيمان هو معطى فكري، وتأتي الأنا لتمارس عليه التفكير، والإيمان لايتناول فقط الكائن، إنما هو من الكائن، هو كائني، وهو حقاً عمق الأنا، ويدخل الإيمان للفحص الضميري، لذلك الإيمان هو العمق الذاتي، ويرى مارسيل أن التناقض هو من يوضح الإيمان إذ يرى أن التأكيد بأنني أؤمن من غير أن يرغمني تأمل دقيق حول عوزي على أن أتبين للحال أنني لا أؤمن، لكن هذا اللا أؤمن لاتتوضح إلا بالإيمان التي تأتي لتحدها لا تلغيها. والإيمان هو أفعال تحدد وتعد، بل بما أحرره أو أشعه للغير، بعبارة أخرى من ماهية الإيمان الواقعي إلا يكون متمثلاً في شيء بملكيته يمكن الأعتزاز به.(7) والإيمان يكتشف في السلوك، والإيمان يصاحب كل مجهود إنساني حقيقي يدل دلالة واضحة على أنه بالنسبة إلى الإنسان الذي يشقى ويناضل يوجد معنى للكون، ويرى مارسيل بالضد من أولئك الذين يرونه إلا شكل من أشكال السذاجة والضعف، أذ الإيمان فضيلة وقوة وليس ضعف وعجز، ويرى أن الواقع موضوع الإيمان ليس من تلك الموضوعات التي يمكن أن تتحقق من صدقها وأن تحكم فيها، وذلك لأن هذا الموضوع ليس شيئاً خارجياً يفرض وجوده، على مستوى الحقيقة الموضوعية، وإنما هو حقيقة أبعد عمقاً مما أنا عليه بالنسبة إلى نفسي (الله أقرب إلى نفسي من نفسي). ويرد مارسيل ويبين موضوع الإيمان من الشك، ويرى أن موضوع الإيمان يعرض على وجه الدقة بوصفه متعالياً بالنسبة إلى الشروط التي تقتضيها كل تجربة، وعلى هذا يجب أن نعترف بأنه كلما أستخلص الإيمان نفسه بكل نقائه انتصر على النزعة الشكية التي لايمكن أن تضع قيمته موضع التساؤل إلا لأنها تبدأ بتكوين فكره عنه تشوه طبيعته، ويضيف مارسيل إلى أنه كلما أقتربت النفس من الإيمان أزدادت اقتناعاً بأنها عاجزة تمام العجز عن إيجاده، أذا ينبغي أن نتفق على أن الإيمان لايمكن إلا أن يكون تسليماً، أو هو بتعبير أدق لايمكن إلا أن يكون كشفاً، وهو تسليم وأجابة على دعوة صامته تنادي النفس دون أن ترغمها أي أرغام، وعند من يملك الإيمان يبدو عدم التصديق كأنه رفض،وكثير مايكون هذا الرفض صوره لعدم الانتباه والحياة الحديثة، التي تشتت الإنسان وتجرده من إنسانيته، وبذلك الإيمان ليس بنفسه حركة للنفس ولا انتقالاً إلى حالة أخرى ولا هو الخطاف، وذلك أنه لايمكن إلا أن يكون شهادة مستمرة.(8) والإيمان يتحدد بالمشاركة، وفكرة المشاركة من الأفكار الأساسية في مذهب مارسيل، ويقصد بها أولاً مفهومها في الأفلاطونية المحدثة بخاصة، بمعنى أننا نشارك في الكون، وأن بضعة منا تضم بضعة من الكون، وفي هذا يقول الإيمان هو شعور المرء، أنه بمعنى مافي داخل الألوهية، وميزة الإيمان في نظر مارسيل هو أنه يجعل المرء يدرك، أنه ليس مجرداً، وليس العالم مجرد، بل يجتمع الموضوع والذات في فعل الإيمان، ويفهم مارسيل المشاركة يمعنى الشعور بالاعتماد التام بإزاء العلو الألهي منظوراً إليه على أنه قوة مستقلة تماماً وحرة، ويقول عن المشاركة إنها تلك العلاقة بين الحرية الأنسانية والحرية الإلهية التي هو سر الكون المركزي، فلم يعد يفهمها بالمعنى الأفلاطوني، أي أعطاء طبيعة واحدة لجملة أفراد، بل على أنها العلاقة الروحية بين حريتين توافق كل منهما الأخرى وتتحدان معاً مع أحترام كل منهما.(9)  وبذلك الإيمان عند مارسيل هو أخلاص لشخص أكثر من تأييد لصيغة أعتقادية، والإيمان يمنح الحياة معناها وينير طريق صاحبه، والإيمان ليس مجرد ملجأ ضد كآبة الحياة، بل هو على الضد من ذلك.(10)

 الإيمان يتجلى في الكنيسة بتعابير إنسانية وبوزارة إنسانية، فهو عقيدة وسلطة عقائدية، وبما أن حياة المسيح تتجلى في الكنيسة بأسرار حسية وبوزارة إنسانية فهي سر وكهنوت، ويميز مارسيل بين الكنيسة الجسد السري، الذي هو يبقى أبدياً، حيث المسيح وحده الرأس، وحيث لايمكن تمثل إلا سلم قداسة وفضيلة، بحيث في هذا الترتيب قد يكون البابا أبعد عن المسيح من أمرأة جاهلة متواضعة، والكنيسة أو التنظيم، حيث يوجد سلطة ومرؤوسين، والتي هي جسم بالمعنى السوسيولوجي والقانوني للكلمة، ويرى مارسيل على الكنيسة تحسين الإنسان أن تكون مايريدها الله أن تكون في الإيمان. ويرى في التسامح أنه مرتبط بالإيمان، ويقع التسامح في منطقة حدودية وتقريبا على الحدود المتبادلة للشعور وللموقف أو السلوك، والتسامح هي نوعاً من علاقة بالغير، أو بالآخر من حيث هو آخر، وأن فعل التسامح يعني فعل التحمل، وأن التسامح هو نفي النفي، إنه ضد اللاتسامح، ويبدو أنه يظهر التسامح قبل اللاتسامح ليس أولياً، إنه في العمل ماهو التأمل على صعيد الفكر، فهو أذا في كل الأحوال، لايعقل من دون قوة معينة تسنده ويرتبط نوعاً ما بها، بقدر ما يرتبط بحالة ضعف، وبقدر ما لايكون ذاته بقدر ما لا يكون تسامحاً، ويتعلق التسامح بالأمانة والصدق، والتسامح يشترك مع التعصب بأنهما كلاهما يزولان بأسم المصلحة العليا.(11)

يذهب مارسيل إلى أننا محتاجون الله(جل جلاله) في كثير من المواقف ونقوم بدعاء مرسل من أعماق فاقتي، ويفترض هذا الدعاء تواضعاً جذرياً عند الذات، تواضعاً تستقطبه المفارقة نفسها للذي يتضرع إليه. والحياة الخاصة هي وحدها التي تقدم المرآة حيث يأتي لينعكس اللامتناهي، وأن البحث في الماورائيات هو تأمل في فعل الإيمان المنظور إليه في صفاته وفي الشروط التي تسمح له بالبقاء، وفعل الإيمان هو يعقل ذاته، ومع ذلك يرى مارسيل المحاولة للوصول إلى الله(جل جلاله) هي محاولة يائسة. وأن البرهان ليس فقط لايمكنه أن يحل محل الإيمان، بل بمعنى عميق يفترضه، وأن واقع الإيمان هو أتصال بين الذات وبين الغير، لايمكن أن يتم إلا على أساس وضع ملموس معين.(12) ونحصل عن طريق الإيمان على نوع من الكشف المتعلق بالله (جل جلاله) الذي يصبح بالنسبة لي شخصاً، أذ الإنسان لايستطيع أن يفسر نفسه لنفسه، أو أن يفهم نفسه إلا إذا انفتح على علو.(13) ويرى مارسيل أننا نتوجه تلقائياً نحو إدراك الكيان المطلق الذي يشكل سر بالنسبة للعقل، ولا سبيل إلى اكتشاف هذا السر إلا عن طريق الأختبار المعاش، وأنه لكي نجيب على التساؤلات الخاصة بوجود الإله، علينا قبل ذلك أن نحدد على نحو دقيق مفهوم الوجود ذاته، ومع ذلك لايمكن البرهنة على وجود الإله عن طريق الوسائل العقلانية، إنما يلتقي الإنسان بالإله على نفس المستوى الذي يلتقي فيه بالآخر، أي مستوى(الأنت) في إطار المحبة والعبادة، ويكون هذا اللقاء نوعاً من المشاركة في الوجود الحق، وهي مشاركة ربما تبدأ مع محض وضع الفيلسوف لتساؤلاته الفلسفية.(14) ويعترف مارسيل بتأثير الذات الألهية، الموجود الأعلى التي يشاركها في الوجود على نفسه في توجهة نحو وجوده.(15)

 

حيدر جواد السهلاني

........................

الهوامش

1- ينظر عبدالرحمن بدوي: دراسات في الفلسفة الوجودية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ص242.

2- ينظر بوشنسكي: الفلسفة المعاصرة في أوربا، ترجمة عزت قرني، عالم المعرفة، ص239.

3- ينظر ريجيس جوليفيه: المذاهب الوجودية، ترجمة فؤاد كامل، دار الآداب، ص238- 247.

4- ينظر جبرييل مارسيل: الخطوط الأولى لفلسفة ملموسة، ترجمة قزحيا خوري، منشورات عويدات، ص44.

5- ينظر ريجيس جوليفيه: المذاهب الوجودية، ص240- 248.

6- ينظر سعيد العشماوي: تاريخ الوجودية في الفكر البشري، دار الوطن العربي، ص124.

7- ينظر جبرييل مارسيل: من الرأي إلى الإيمان، ترجمة قزحيا خوري، منشورات عويدات ،ص48- 84- 88- 102.

8- ينظر ريجيس جوليفيه: المذاهب الوجودية، ص246- 254.

9- ينظر عبدالرحمن بدوي: دراسات في الفلسفة الوجودية، 245- 246.

10- ينظر معنى الوجودية(دراسة توضيحية مستقاة من اعلام الفلسفة الوجودية)، مكتب دار الحياة، ص105- 106.

11- ينظر جبرييل مارسيل: من الرأي إلى الإيمان، ص126- 147.

12- ينظر المصدر نفسه، ص48- 81.

13- ينظر ريجيس جوليفيه: المذاهب الوجودية، ص251.

14- ينظربوشنسكي: الفلسفة المعاصرة في أوربا، ص240.

15- ينظر معنى الوجودية، 105.

 

أولا: ضبط المشكلة: إن من أهم المسائل التي تثار حول طبيعة المنطق هي مسألة طبيعته من حيث الصورية والمادية. هل المنطق يختص بصورة الفكر وبالتالي فهو صوري، أم يختص بالأشياء في ذاتها ومضمونها المادي وبالتالي فهو مادي؟

يقول المنطقي الانجليزي جونسون:" إن المنطق يحاول تحليل ونقد الفكر، وهذا التحليل قد يتعلق بالفكر نفسه أو بمبادئه وصوره، وقد يتعلق بمضمون الفكر أو بمحتواه"(74). لقد كانت هذه هي المشكلة التي واجهت الباحثين في المنطق. والتي على أساسها قسم المناطقة المنطق إلى قسمين منطق صوري، ومنطق مادي. الأول يبحث في صورية الفكر فقط، بغض النظر عن الموضوعات التي يبحث فيها، والثاني يهتم بالناحية الموضوعية للفكر أي الأشياء. ولهذا كان موضوع المنطق الصوري هو البحث في القواعد التي تجعل الفكر متفقا مع ذاته؛ عدم تناقض الفكر مع القواعد التي وضعها بذاته. يبحث فقط في القواعد والشروط التي تضمن لنا الانتقال من المقدمات إلى النتائج دون تناقض. هذه القواعد والشروط صورية خالصة ولا علاقة لها بمضمون الفكر أو الواقع المادي الموضوعي. فقط ينبغي أن نميز هنا بين صورة الفكر والفكر كفعل وهو موضع لعلم النفس، ولا علاقة للمنطق بـذلك. ومن هنا فعمل المنطق الصوري هو أن يقدم لنا القواعد التي تجعل استدلالنا صحيحا من الناحية المنطقية(75).

أمــا موضوع المنطـــق المـادي فهو وضع القواعـد الـــتي تجعـل الفكـر متطابقـا مع الواقـع (الأشياء) أي أن تعبـر في الذهـن علـى مـا هـي عليـه في الخـارج.

فإذا قلنا مثلا "إذا سقط المطر ابتلت الأرض".، ونظرنا إلى القضية من الناحية الصورية لا نبحثها إلا من حيث لزوم التالي عن المقدم وصحة الارتباط، أما إذا كان المقصود هو صحة هذه القضية من حيث الواقع فهذا شيء آخر، يستلزم منا البحث في مادة القضية ومضمونها. هل تنطبق على الواقع أم لا؟ هل هي تنطبق على شيء خارجي أم هي مجرد افتراض ذهني؟ نلاحظ أن هناك اختلاف واضح أن نبحث القضية من حيث صورتها فقط وأن نبحثها من حيث مضمونها.

اختلف المناطقة حول هذه المسألة فمنهم من ذهب إلى أن المنطق صوري، لا يبحث إلا في صورة الفكر، أي في قوانين عامة تنطبق على التفكير المجرد بصفة مطلقة، وأن البحث في الجانب المادي أو مضمون الفكر ليس منطقا وإنما هو بحث يرتبط بفلسفة العلوم أو علم المناهج. فعمل المنطق هو البحث في المبادئ العامة للفكر أيا كان موضوعه، ولهذا فالمنطق يستبعد كل اعتبار لمادة الفكر. فهو صوري خالص(76). لم يوافق التجريبيون على هذا بل ذهبوا إلى أنه لا يمكن الفصل بين الفكر والمادة فهما شيء واحد يكوّن المنطق، فالفكر عيني، مادي وليس هناك فكر مجرد. وعلى أساس هذا التقسيم أصبح المنطق الصوري محصورا في نظرية القياس وبعض لواحقها، ويكون المنطق المادي يشمل  الاستدلال الاستقرائي وغيره من صور الاستدلال الحديثة. قبل اتخاذ مقاربة من هذه المشكلة ينبغي الرجوع بها إلى واضع المنطق نفسه أرسطو، ثم من جاء بعده حتى العصر المعاصر.

ثانيا: موقف أرسطو من صورية المنطق وماديته

لقد نظر أرسطو إلى التصورات على أنها متسلسلة في الذهن بطريقة معينة تخضع لقواعد عامة يسير عليها العقل، وهو يربط بين هذه التصورات بغض النظر عما تشير إليه هذه التصورات من واقع خارجي خاضع للتجربة؛ فهذه التصورات تترابط لتكون القضايا، وهذه الأخيرة تكون حملية أو شرطية، ولكل منهما صورته وقواعده العقلية العامة.

وإذا ما انتقلنا إلى ربط هذه القضايا فإننا نجد أنفسنا أمام القياس الأرسطي، وهو بدوره له شروطه، وقواعده، وصوره التي تشكل منها وقالبه بصفة عامة هو المقدمتين والنتيجة.

وهذا ما يجعلنا نقرر على حد تعبير علي عبد المعطي أن المنطق الأرسطي كان منطقا صوريا إلى حد كبير، لا يهتم بتطابق الفكر مع الواقع بقدر ما يهتم ببيان القواعد العامة التي يسير بمقتضاها الفكر وهو يربط التصورات في قضايا ثم يربط القضايا في أقيسة. ويواصل عبد المعطي بقوله ومع هذا فنحن لا نستطيع أن نجزم بأن المنطق عند أرسطو كان صوريا خالصا، وإن كانت هذه غاية أرسطو في تحليلاته الأولى. إلا أنه في تحليلاته الثانية يتحدث عما يسمى الآن بمناهج البحث في العلوم، أو بمعنى آخر، يتحدث عن الاستدلال من حيث انطباقه على موضوع العلم. وهذا ما يرجع بنا إلى المنطق المادي الذي يهتم بانطباق الفكر مع الواقع(77).

ويذهب النشار إلى أنه من المؤكد أن المنطق عند أرسطو لم يكن شكليا بحتا، فنحن نستطيع أن نجد عنده نوعين من أنواع المنطق: المنطق الصغير وهو دراسة قوانين الفكر خالصة ومجردة من كل مضمون، وهذا ما هو متعارف عليه الآن بالمنطق الضيق (نظرية القياس) وهو ما بحثه أرسطو في ما سماه بالتحليلات الأولى. والمنطق الكبير، وهو ينطبق على مناهج البحث، وهو دراسة عمليات العقل منطبقة على هذا العلم أو ذاك وهو ما بحثه أرسطو في ما سماه بالتحليلات الثانية(78). أو ما يسمى بالبرهان. وينتهي النشار من هذا التحليل إلى أن المنطق عند أرسطو لم يكن صوريا بحتا وإن كان الجزء الأكبر منه تغلب فيه الناحية الشكلية. بل أن التحليلات الأولى والتي تعتبر بأنها صورية وشكلية، فيها جانب مادي بدليل أن هناك من يذهب إلى أن أرسطو وصل إلى الكثير من قواعد القياس وإلى المقولات نفسها بواسطة تحليل مادي(79).

وكان أرسطو يوصف بأنه ذو نزعة واقعية يقول أبو يعرب المرزوقي:" فرغم أن الواقعية الصورية المفارقة للرياضي تبدو، مغايرة تمام المغايرة للواقعية الصورية المحايثة، إلا أن مجال تحديد الرياضي بالإضافة إلى الطبيعي يبقى واحدا عند أفلاطون وأرسطو. فكلاهما يحدده بما ينسبه إليه من حضور في الطبيعي؛ ومن ثم فهما يعترفان له بالواقعية، أعني بالوجود والقيام الذاتي.." (80).

وقد سبق وأن بيّنا في الفصل الأول كيف أن المناطقة المسلمين قد فهموا هذا التوجه عند أرسطو، ومنهم الشيخ الرئيس ابن سينا: الذي كان يرى أنه إذا كان المنطق يمدنا بقواعد تعصمنا من الخطأ، فهو صوري ومادي في الوقت نفسه. فإذا كان هذا الفكر يتجه نحو صورة الفكر، فإنه يتجه كذلك نحو مادته، وأنه إذا كان أرسطو شكليا في التحليلات الأولى، فإنه مادي في بحثه عن البرهان، بل يحاول أن يطبق هذه القوانين الصورية في كثير من كتبه الأخرى، التي اعتبرها مفكرو الإسلام جزء من المنطق (كالجدل والأغاليط والخطابة والشعر)، فهو لا يبحث في هذه المؤلفات في صورة الفكر فقط بل يبحث أيضا في مادته(81). غير أن المناطقة المسلمين المتأخرين اعتبروا المنطق صوريا فحسب وحصروه في مبحثين مبحث التصورات ومبحث التصديقات. يقول ابن خلدون:" ثم جاء المتأخرون فغيروا اصطلاح المنطق" وإن من هذا التغيير تكلمهم في القياس من حيث إنتاجه للمطالب على العموم لا بحسب مادته وحذفوا النظر فيه بحسب المادة"(82).

أما السبب الذي جعل أرسطو ينظر إلى المنطق على أنه صوري ومادي في الآن نفسه إنما يتضح بالعودة إلى مصادر هذا المنطق والبيئة التي نشأ فيها والتي فصلناها في الفصل الأول. ويذهب النشار أيضا إلى أن هناك أبحاث كثيرة في عصرنا بحثت الجانب المادي في المنطق الأرسطي وأنه مجرد تجريد لأسس فيزيقية بحثها أرسطو، وانتهى منها إلى وضع منطقه الصوري(83).

لكن تحت تأثير الشراح وخاصة شراح العصور الوسطى (المتأخرين منهم) فهم المنطق الأرسطي على أنه منطق صوري بحت.

يقول تريكو في هذا الصدد:" إن العصور الوسطى كانت العهد الذهبي للمنطق الأرسطي الشكلي بكل معانيه الشكلية وقد عمقت من هذه المنطق وذهبت به إلى النهاية في الصورية وأقاموه على النظرة الماصدقية وتركوا النظرة المفهومية التي يقوم عليها القياس" وأبرز المنطقيين حسب تريكو في هذا العصر بالذات وأبعدهم عن الواقع هو ريمون لول Raymond LULL(84).

يقول النشار:" عرف المدرسيون المنطق الأرسطي معرفة كاملة، ولكن فكرة أرسطو عن المنطق لم تؤخذ عندهم أخذا كاملا فقد اعتبروا المنطق صوريا بحتا، وعلما متمايزا منبثقا عن ذاته منفصلا... عن الواقع... وغارقا في ميكانيكية بحتة ومنتهيا إلى استدلال وبرهنة جوفاء"(85). وبدأت الثورة على هذا المنطق الشكلي العقيم الذي لا يرتبط بالواقع كما وصفوه في عصر النهضة."

فقد هاجم (راموس Ramus) الأورغانون فأفسد نظرية القياس من أصولها، ووضع (بيكون Bacon) أورغانونه الجديد الذي يقوم على التجربة وتصور منطقا استقرائيا بعيدا عن                                                                                                                   روح أرسطو". وأتم ديكارت هزيمة أرسطو. وأسس العلم الحديث فحولت الكيفية إلى الكمية على حد تعبير تريكو(86). وصارت الرياضيات هي المنطق الحقيقي لما تتميز به من دقة  لغة ومنهجا.  وفي العصر الحديث دأب جل المناطقة على اعتبار المنطق صوري ومادي معا. يذهب كينز بعد التساؤل حول صورية المنطق وماديته هل المنطق صوري أم مادي؟ ذاتي أم موضوعي؟ يتعلق بالفكر وتناسقه الذاتي أم يتعلق بالأشياء؟ فيجيب قائلا:" إنه من المعتاد أن نقول أن المنطق صوري يهتم فقط بصورة الفكر أي بطريقتنا في التفكير المبتعدة عن الموضوعات المشخصة التي نفكر فيها، كما أنه من المعتاد أيضا أن نقول أن المنطق مادي من حيث أنــه يشير إلى الموضوعات المختلفة التي نفكـــر فيها.

ويقرر بعد ذلك أن المنطق صوري من جهة، ذلك أنه لا يتناول وقائع مادية، كما أن الاستدلال فيه يكون له نمط معين أو صورة محددة، كما أن الموضوعات الرئيسية في المنطق ليست إلا محاولة للكشف عن أكثر الأنماط أو الصور دقة والتي يمكن رد كل استدلالاتنا إليها- وينتهي إلى أن المنطق مادي من حيث أنه يشبع فضولنا بواسطة ملأ هذه الصور المنطقية بمادة موضوعية مستمدة من العالم الخارجي. ومن هنا فالمنطق عند كينز صوري ومادي في الآن عينه(87).

ويرى لاتا وماكبث، أن الفكر يرتبط دائما بموضوع، وأنه يكون متصلا باستمرار بموضوعاته، وأنه لا يوجد فكر مجرد تماما، فالفكر ليس منفصلا عن الموضوعات أو إطارا مستقلا عنها، رغم أننا نستطيع أن نميز بين الفكر وبين موضوعاته، ففي الطبيعيات نحن نفكر في المادة والطاقة، وفي البيولوجيا نفكر في الحيات، وفي علم النفس نفكر في العمليات العقلية والنفسية الداخلية، وفكرنا يختلف من علم إلى آخر منهجا وإطارا بحسب اختلاف موضوعات هذه العلوم. الأمر نفسه ينطبق على المنطق، فهو يبحث في الصور الفكرية الملائمة لموضوعاته(88). وهذا ما عبر عنه كينز في قوله:" إن العلوم كلها صورية من حيث أنها تجرد الصور من الموضوعات... وأن المنطق هو أكثر هذه العلوم تجريدا وتعميما وصورية"(89). ونفهم من هذا أن العلوم لا تختلف عن بعضها البعض إلا في درجة الصورية أي أن بعضها أكثر صورية من الآخر.

ولعل هذا ما عبر عنه بوزنكيت حين ذهب إلى أن المادة لا توجد بدون صورة، وأن العلوم تتجه بأكملها إلى البحث عن تلك الصورة التي قلنا أنها ترتبط بالمادة، ويخلص بوزنكيت إلى أن كل العلوم صورية، وأن المنطق علم صوري وأن الهندسة علم صوري وحتى الفيزيقا علوم صورية، فكل العلوم صورية لأنها تتعقب الخصائص والصور الكلية للأشياء(90).

إلا أن العلوم عند بوزنكيت تختلف في درجة الصورية، فكل علم يعالج نوعا من الكيفيات التي تكون بمثابة صوره، ولكن صور هذه العلوم تكون مادة بالنسبة إلى المنطق، ومن ثم يجوز لنا أن نقرر " بأن المنطق أعلى العلوم صورية".

و ما نلاحظه على هذه المواقف المختلفة وإن كانت لا تختلف عن الموقف الأرسطي كما حددناه سابقا، فإنها تثير مشكلة هي المشكلة نفسها التي يطرحها الموقف الأرسطي. هل يمكن اعتبار المنطق ومناهج البحث شيئا واحدا؟ فإذا كان الموقف الأرسطي واضحا في التحليلات الأولى وهو أن المنطق علم صوري بحت، فإنه يعود في التحليلات الثانية إلى الواقع المادي لبرهنة تلك الصور. وهذا يجعلنا نفترض أنه كان يميز بين المنطق ومناهج البحث. فالصورية كانت بغية أرسطو وأن البرهان يأتي كمرحلة ثانية، وإن كان لا يصرح بذلك، نحن نستند في هذا الاستنتاج إلى طبيعة العلوم في تلك البيئة -و حتى في البيئة الإسلامية فيما بعد- لم يكن هناك انفصال بين العلوم والفلسفة. بل كانت الفلسفة تضم كل العلوم. لكن ما نلاحظه على هذه المواقف الحديثة- التي تعرف المنطق بأنه صوري ومادي معا- هي أنها لا تفصل بين المنطق ومناهج البحث وهذا على حد تعبير عبد الرحمن بدوي هو تقليد في كتب المنطق في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين كما تشهد على ذلك كتب: جون ستوارت مل نظام المنطق،  سيغوارث المنطق، و.ف. برادلي المنطق، ج.ن. كينز دراسات وتدريب في المنطق الصوري. هـ .و.ب جوزيف مقدمة للمنطق. و.أ.س ستبينغ مقدمة حديثة للمنطق. وجونسون المنطق. وعشرات الكتب الأخرى، لكن لا يجد ما يمنع من اعتبار مناهج البحث في العلوم فرعا مستقلا عن المنطق رغم الصلة الوثيقة بينهما(91).

نخلص من خلال هذا التحليل الموجز إلى أن المنطق علم صوري، لأن طبيعة المنطق تقتضي بأنه لا يكون إلا صوريا. لكن ما هو مفهوم الصورية في المنطق؟ وهل الصورية تعني –كما هو شائع – الانفصال عن الواقع، وأن كون المنطق صوريا فهو عقيم؟

ثالثا: مفهوم الصورية في المنطق

يذهب موساوي إلى أن المنطق سواء في صورته القديمة أو في صورته المعاصرة لا يمكن أن يكون إلا صوريا بمعنى أنه يتعلق بصورة الفكر، أي بالطريقة التي نفكر بها دون أن ننظر إلى محتوى الموضوعات المعينة التي نفكر فيها(92).

ويذكر لوكاشيفيتش عبارتين يقول عن الأولى أنها مأخوذة من كتاب المنطق لكينز يقول فيها:" يقال عادة إن المنطق صوري، من حيث أنه لا يتعلق إلا بصورة الفكر، أي بالنحو الذي نفكر عليه دون نظر إلى الموضوعات المعينة التي نفكر فيها". والثانية يقول أنها مأخوذة من كتاب تاريخ الفلسفة للأب ويكلستون: "كثيرا ما يوصف المنطق الأرسطي بأنه منطق صوري. وهذا الوصف ينطبق على منطق أرسطو من حث هو تحليل لصورة الفكر". ثم يقول :" في هذين الاقتباسين عبارة لا أفهمها هي صورة الفكر"(93).

فينفي أن يكون المنطق علم قوانين الفكر كما يفهمه المتأثرون بالنزعة السيكولوجية. هذه النزعة التي تعد علامة على تدهور المنطق في الفلسفة الحديثة على حد تعبيره، وحسبه لا نجد لهذا المفهوم أثرا في كتاب (التحليلات الأولى). وهو الكتاب الذي عرض فيه أرسطو نظرية القياس. ويقرر كذلك أن المنطق لا يبحث في كيف يجب أن نفكر فهذه مهمة يختص بها فن يشبه فن تقوية الذاكرة. فعلاقة المنطق بالفكر لا تختلف عن علاقة الرياضيات به(94). ونفهم من هذا أن المنطق ليس علما معياريا.

فإذا كانت قواعد وقوانين المنطق تصاغ، عادة بصيغة الفعل "يجب"، فقد نفهم معان كثيرة من هذا الفعل:

معنى الإلزام: مثال يجب أن يحترم السائق إشارات المرور ومخالفتها تعرضه للعقوبة.

المعنى الشرطي: مثال: "يجب أن يكون الطالب مجتهدا إذا أراد النجاح". فالوجوب هنا مشروط بإرادة النجاح وليس أمرا مطلقا.

المعنى الصوري: مثال:"يجب أن يكون التالي صادقا في حالة صدق المقدم في علاقة اللزوم المادي" فالوجوب هنا يتعلق بصورة العلاقة لا بمضمونها لأنه يخص قاعدة اللزوم فقط.

إن هذا المعنى الأخير لفعل "يجب" هو المقصود في المنطق وكما هو واضح لا يفهم منه المعنى المعياري. كذلك المنطق لا يتناول الصدق من وجهة نظر مبحث القيم الذي يهتم بطبيعة القيم وأصلها وتطورها وعلاقاتها بالظروف الاجتماعية والتاريخية. فالمنطق يهتم بالصدق كقيمة بالمعنى الإخباري فقط؛ من حيث مطابقة الأقوال الخبرية (القضايا البسيطة) للوقائع التي تعبر عنها. أما بالنسبة للقضايا المركبة فصدقها صوري بحت يتحدد بدلالة القضايا البسيطة من خلال الرابط المنطقي الذي يربط بينها(95).  إذن فصورة الفكر هي البحث عن العلاقات القائمة بين أجزاء الفكر بغض النظر عن محتوى الأجزاء.

تتكون صورة الشيء من العلاقات الكائنة بين أجزائه، بغض النظر عن مادة تلك الأجزاء، فنقول عن الشكل المعين إنه على صورة الهرم،إذا كانت العلاقات بين أجزائه مما يجعله على تلك الصورة الهرمية،مهما تكن مادته، إذ قد يصنع الهرم من حجر أو خشب أو ورق أو غير ذلك من المواد. ولو فككنا أجزاء الساعة وكوّمناها على المنضدة دون زيادة أو نقص، لما بقيت ساعة كما هي، لأنها فقدت صورتها حين تغيرت العلاقات التي كانت تربط بين أجزائها.

و المادة التي تعنينا في بحثنا هي الكلمات وما إليها من رموز، وهنا كذلك تكون صورة الكلام هي العلاقات الكائنة بين الأجزاء، بغض النظر عن تلك الأجزاء نفسها، ولذا فقد تكون الصورة واحدة في عبارتين مع اختلاف العبارتين في اللفظ والمعنى، مثال ذلك:

(مسألة صعبة) و(مدينة كبيرة).

فالعلاقات التي تربط جزئي كل من العبارتين، هي علاقة صفة بموصوف، ولو رمزنا في كلتا العبارتين بالرمز (س) للشيء الموصوف كائنا ما كان بالرمز (ص) للصفة كائنة ما كانت استطعنا أن نرمز لكل من العبارتين السابقتين بالصورة الرمزية ص (س) [ومعناها ص تصف س] ومن ثم يتبين كيف يتّحدان في الصورة رغم اختلافهما في اللفظ والمعنى. وبلغة المنطق هناك موضوع نحمل عليه محمولا معينا دون تحديد لمادة كل من هذا الموضوع والمحمول. فهناك صورة واحدة يمكن أن نسميها في هذه الحالات- مهما كان عددها ومهما كانت مادتها- (الصورة الحملية).

خذ مثالا آخر هاتين العبارتين:

1- الجزائر بين تونس والمغرب.

2-  الكتاب بين الدواة والقلم.

فهما مختلفان في اللفظ والمعنى، ولكنهما متحدان في الصورة لاتحادهما في العلاقات الكائنة بين أجزائها، ولو استبدلنا بأسماء الأشياء رموزا في العبارة الأولى، مع احتفاظنا بالعلاقة، وجدنا الصورة متمثلة في الصورة الرمزية:(س بين ص وط) وهي صيغة رمزية تصلح صورة للعبارة الثانية كذلك(96).

وخذ مثالا ثالثا عبارتين أخريين مختلفتين مادة ومتحدتين في الصورة:

1- الحكم إما صادق أو كاذب.

2- الحكومة إما دستورية أو مستبدة.

3- فالصورة في كلتي العبارتين هي: (س إما ص أو ط).

ومن الملاحظ في هذه الأمثلة التي أسلفناها. أننا كلما أردنا استخراج الصورة من عبارة معينة،

استبعدنا ألفاظا واستبقينا أخرى، ومن هذه التي نستبقيها تتألّف الصورة، ففي عبارة (الجزائر بين تونس والمغرب)- مثلا – استبعدنا كلمات (الجزائر) و(تونس) و(المغرب) واستبقينا كلمتي (بين) و(و) فلما وضعنا رموزا بدل الكلمات المبعدة نتجت لنا الصورة الآتية:

(س) بين(ص) و(ط).

والفرق بين هذين النوعين من الألفاظ هو هذا: فأما الكلمات المستبعدة فأسماء لأشياء في عالم الواقع، ولذلك فهي تسمى بالكلمات الشيئية، وأما الكلمات الأخرى التي منها تتكون صورة العبارة فهي لا تسمى شيئا في عام الواقع، إذ ليس في عالم الأشياء شيء اسمه (و)؛ وإنما نضيف أمثال هذه الكلمات لنربط بها السماء الشيئية في بناء واحد، ولذلك جاز لنا أن نسميها بالكلمات البنائية، أو بالكلمات المنطقية، إذ على الرغم من أنها لا تدل على شيء في عالم الواقع، إلا أنه يستحيل علينا بناء فكرة بغيرها؛  ولئن كانت الألفاظ الشيئية من شأن العلوم الأخرى، فالكلمـات البنائية على وجه التحديد موضوع المنطق، فهو وحده الذي يحلل أمثال هذه الكلمات (إذا) و(إما... أو...) و(كل) و(بعض) و(ليس) ...إلخ. وهي كلها كلمات لا يمكن الاستغناء عنها في صياغـة كلامنـا –تكوين أفكارنا- مع أنها بذاتها لا تدل على مسميات بعينها في عالم الأشياء(97).

إن الصورة المنطقية تتعدد بتعدد الطرق التي ترتبط بها الألفاظ والجمل أو القضايا، وتكون دراسة المنطق منصبة على الشروط التي ترتبط بها هذه الصور دون المكونات الفعلية، ومن هنا جاء وصفه بالصورية(98).

يعـرض بلانشي بعض الأمثلة، يحاول أن يوضح من خلالها المقصود بصورة الفكر والصدق الصوري:

1- كل مثلث ذو ثلاثة أضلاع، إذن كل ذي ثلاثة أضلاع مثلث.

2- كل مثلث ذي أربعة أضلاع، إذن فبعض ذي أربعة أضلاع مثلث.

نلاحظ هنا أن الاستنباط الأول غير صحيح رغم صدق مقدمتيه، وأن الاستنباط الثاني صحيح رغم كذب مقدمتيه. إن هذا التمييز بين الاستنباطين ناتج عن مقابلتنا  للصدق المادي بالصدق الصوري، فنقول عن استدلال صحيح إنه صادق بصورته، بصرف النظر عن صدق مادته، أي مضمونه(99).  ويسمى المنطق صوريا لأنه لا يهتم إلا بهذه الصورة.

ويواصل بلانشي قائلا: ولننظر مرة أخرى في  هذا القياس الذي ينسب لأرسطو، رغم أن هناك من يعتبره من وضع المشّائين.

كل إنسان فان

وسقراط إنسان

إذن فسقراط فان

إن صحة هذا الاستدلال ليست مرتبطة بالشخص الذي وقع عليه: فإذا صح هذا الاستدلال على سقراط فهو يصح على كل إنسان آخر في كل زمان وفي أي مكان، ومن هنا يمكننا أن نستبدل اسم سقراط بحرف (س) وهو متغير شخصي، يقوم بدور المتغير غير المعين ويمكن أن نضع مكانه أي إنسان أيا كان. ويمكننا أن نكتب الاستدلال مرة أخرى في هذه الصورة.

كل إنسـان فان

(س) إنســان

إذن (س) إنسان

ولنقم بخطو ثانية. لأن صحة الاستدلال لا تتوقف على التصورين الموجودين فيه: وهما إنسان وفان. فيمكن استبدالهما بالحرفين الرمزيين -دون أن يفقد الاستدلال شيئا من قوته- (هـ) و(و). ونكتب الاستدلال على هذا الشكل:

كل  هـ - و

س – هـ

إذن  س – و

وبهذا نكون قد استخلصنا الهيكل المنطقي للاستدلال وذلك بتعريته تدريجيا من محتواه الأول، ويبقى هذا الاستدلال صحيحا أيا كانت مادته، لأن صحته لا تتوقف إلا على صورة القالب الذي يظل ثابتا(100).

فإذا قلنا أن المنطق يبحث في صورة الفكر، نفهم من ذلك أنه يستخلص العلاقات التي تربط أجزاء الكلام، ثم يصنف تلك العلاقات ليميز بين المتشابه والمتباين، ومن ثم قيل عن المنطق أنه علم صوري، أي أنه يعنى بصورة الكلام دون مادته ومعناه(101).

والصورة لا تقتصر على المنطق وحده، وإنما تشمل كل العلوم، ولكن بدرجات؛ فكل قانون علمي هو تجريد لعلاقة لوحظت بين وقائع الطبيعة، بعد طرح الوقائع الجزئية ذاتها التي تمت ملاحظتها واستخلاص القانون منها، بواسطة الاستقراء والتعميم(102).

ووصف المنطق بالصورية يرجع إلى أنه لا يتعلق بمادة دون غيرها، بل شأنه دائما أن يضع المبادئ العامة للفكر أيا كان موضوعه، لهذا لابد للمنطق أن يكون عاما عمومية مطلقة، ولا يمكن الوصول على هذه الدرجة من التعميم بالاعتماد على مادة التفكير المحـــــــــددة.

فكلما ابتعد أي علم من العلوم عن المادة ازدادت درجة عموميته ولهذا استبعد المنطق كل اعتبار لمادة الفكر، فكانت مبادئه على قدر كبير من التعميم، وأصبح موقعه في أعلى سلم التعميم بين العلوم كلها، فهو علم صوري خالص(103).

خاتمة

المنطق الأرسطي رغم ما لحقه من تشويه لطبيعته من طرف الشراح والمتشيعين لهم من المدرسيين يبقى علما صوريا. فبالرغم من أن المنطق المعاصر هو أكثر صورية وتجريدا، فإن هذا ليس حجة على أنه يختلف عن المنطق الأرسطي. فالمنطق القديم أو المعاصر لا يمكن أن يكون إلا صوريا، بل كل العلوم تنطوي على جانب صوري، إلا أن هذه الصورية التي تكون مرادفة للتعميم أو التجريد، تكون نسبتها أعلى في المنطق، ثم تأتي الرياضيات بعد المنطق في درجة صوريتها أو عموميتها، ثم العلوم الطبيعية، ثم العلوم الإنسانية.

إن وصف المنطق كونه صوريا بالعقيم يلزم عنه وصف كل العلوم بالعقم، وهي نظرة لا يقبلها أي عقل سليم. فكون المنطق يتناول قضايا أكثر تعميما أو تجريدا، لا يعني أنه منفصل عن الواقع بقدر ما يعني أن درجة الصورية فيه أعلى من العلوم الأخرى.

إن الموضوعية في العلوم تقترن بدرجة التجريد أو الصورية. إن التجريد أصبح أمرا ضروريا في كل العلوم المعاصرة، فكلما أزداد العلم تعميما في قوانينه ازداد صورية، وكلما أزداد صورية أزداد موضوعية. وهو ما تثبته العلوم الفيزيائية من خلال النظريات الفيزيائية، فقد مرت النظرية العلمية بمراحل: نذكر منها مرحلة الارتباط بالحس والمعطيات الحسية، حيث كانت تكاد تخلو من اللمحات العقلية التفسيرية إلا في أضيق نطاق. وبالرغم من أن هذه المرحلة قد طالت لفترة بعيدة في حياة الإنسان، إلا أن الإنسان استطاع أن ينتقل إلى مرحلة ثانية، عندما أكتشف أن المعرفة الوصفية لا تكفي لفهم الطبيعة. أما في المرحلتين الثالثة والرابعة فقد خَفَتَ صوت المعرفة الوصفية وقل المضمون التجريبي، فاسحا المجال أمام اتساع أفق النظر العقلي، وبذلك صارت تفسيرات النظرية شديدة العمومية وأكثر دقة وقدرة على التنبؤ. ومن هذا تتضح لنا أهمية التجريد والتفكير الصوري في تطور العلوم ودقتها وهو ما يسعى إليه علم المنطق، باعتباره أعلى العلوم صورية.

 

مسعود بن سلمي

دراسات ما بعد التدرج سنة ثالثة دكتوراه جامعة الحاج لخضر. باتنة الجزائر.

........................

الهوامش

(74) علي عبد المعطي، السيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، مرجع سابق،  مقدمة.

(75) علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق،  ص17-18.

(76) عصام زكريا جميل، المنطق والتفكير الناقد، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2012، ص28-29.

(77) علي عبد المعطي، السيد نفادي، أصول المنطق الرياضي، مرجع سابق، ص6-7.

(78) علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق،  ص19.

(79) المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

(80) أبو يعرب المرزوقي، إصلاح العقل في الفلسفة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1994، ص 144-145.

(81) علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق،  ص19-20.

(82) ابن خلدون عبد الرحمن، المقدمة، تح، عبد الله محمد الدرويش، مرجع سابق،  ص264.

(83) علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق،  ص21.

(84) جول تريكو، المنطق الصوري، مرجع سابق، ص42.

(85) علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص22.

(86) جول تريكو، المنطق الصوري، مرجع سابق،  ص44.

(87) علي عبد المعطي، السيد نفادي، أصول المنطق الرياضي، مرجع سابق، ص3.

(88) المرجع نفسه، ص4.

(89) المرجع نفسه، ص5.

(90) المرجع نفسه، ص5.

(91) عبد الرحمن بدوي، تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي، مرجع سابق،  ص54.

(92) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، مرجع سابق، ص26.

(93) يان لوكاشيفيتش، نظرية القياس الأرسطية من وجهة نظر المنطق الصوري الحديث، تر، عبد الحميد صبره، دار المعرف الأسكندرية، مصر، 1961، ص25.

(94) المرجع نفسه، ص26.

(95) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، مرجع سابق، ص27-28.

(96)عصام زكريا جميل، المنطق والتفكير الناقد، مرجع سابق،  ص20-21.

(97) المرجع السابق، ص 22-23.

(98) محمد مهران، علم المنطق، مرجع سابق، ص26-27.

(99) روبير بلانشي، المدخل إلى المنطق المعاصر، تر، محمود اليعقوبي، ط2، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2009، ص14.

(100)روبير بلانشي، المدخل إلى المنطق المعاصر، مرجع سابق، ص16.

(101) عصام زكريا جميل، المنطق والتفكير الناقد، مرجع سابق،  ص21-23.

(102) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، مرجع سابق، ص32.

(103)محمد مهران، علم المنطق، مرجع سابق، ص25.

 

قائمة المصادر والمراجع

1- أميرة حلمي مطر، الفلسفة اليونانية (تاريخها ومشكلاتها)، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1998.

2- أحمد الأهواني، أفلاطون، ط1، دار المعارف، القاهرة، مصر، 1965.

3- ابن سينا، منطق المشرقيين والقصيدة المزدوجة في المنطق، المكتبة السلفية الهاهرة، 1910.

4- ابن سينا، الشفاء،-قسم المنطق- مراجعة، إبراهيم  مدكور، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1952.

5- أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة، معهد المناهج، 2007.

6- أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، معهد المناهج، 2007.

7- ابن خلدون عبد الرحمن، المقدمة، تح، عبد الله محمد الدرويش، ط1، دمشق، 2004.

8- أبو حامد الغزالي، مقاصد الفلاسفة، مطبعة السعادة محافظة مصر،ط1، 1512.

9- أبو يعرب المرزوقي، إصلاح العقل في الفلسفة العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 1994.

10- أندري لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، مج1، تعريب خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، ط2، بيروت، 2001.

11- إدموند هوسرل، مباحث منطقية، ج1، تر، موسى وهبه، المركز الثقافي العربي، بيروت، 2010.

12- الخوارزمي، مفاتيح العلوم، تح، إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1989.

13- بدوي عبد الفتاح محمد، فلسفة العلوم الطبيعية، دار المسيرة للنشر والتوزيع، ط1، عمان، 2011.

14- برتراند رسل، أصول الرياضيات، ترجمة محمد مرسي أحمد وأحمد فؤاد الأهواني، ج1، دار المعارف، القاهرة، 1962.

15- بيتر كونزمان، فرانز- بيتر بوركارد، فرانز فيدمان، أطلس الفلسفة تر، جورج كتورة، المكتبة الشرقية، ط2، بيروت، 2007.

16- بول موي، المنطق وفلسفة العلوم، تر، فؤاد زكريا، دار الوفاء، الإسكندرية، مصر،(ب ت).

17- جول تريكو، المنطق الصوري، تر، محمود يعقوبي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992.

18- ويلارد كواين، بسيط المنطق الحديث، نقل أبو يعرب المرزوقي، دار الطليعة، ط1، بيروت، 1996.

19- روبير بلانشي، المنطق وتاريخه من أرسطو حتى راسل، تر، خليل أحمد خليل، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر.

20- روبير بلانشي، المدخل إلى المنطق المعاصر، تر، محمود اليعقوبي، ط2، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2009.

21- محمود فهمي زيدان، المنطق الرمزي نشأته وتطوره دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، 1979.

22- محمد مهران، علم المنطق، دار المعارف القاهرة، 1978.

23- محمد ثابت الفندي، أصول المنطق الرياضي،دار النهضة العربية، ط1، بيروت،1972.

24- محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم- ج1- تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة، دار الطليعة، بيروت، 1982.

25- ماهر عبد القادر محمد علي، التطور المعاصر لنظرية المنطق،دار النهضة العربية، بيروت، 1988.

26- محمد محمد قاسم، نظريات المنطق الرمزي، دار المعرفة الجامعية، مصر، 2002.

27-  محمد عزيز نظمي، المنطق الصوري والرياضي، المكتب العربي الحديث، السكندرية، مصر، 2003.

28- نجيب حصادي، أسس المنطق الرمزي المعاصر، دار النهضة العربية، بيروت.

29- عبد الرحمن بدوي، ربيع الفكر اليوناني، وكالة المطبوعات الكويت، دار الفكر، بيروت، لبنان.

30- عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، ج2، سليمان زاده، ط2، 1429 هـ.

31- عبد الرحمن بدوي، تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي، اجتماع الخبراء مراكش، المملكة المغربية، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1990.

32- علي عبد المعطي محمد، والسيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، دار المعرفة الجامعيةن الأسكندرية، القاهرة، 1988.

33- علي سامي النشار، المنطق الصوري(منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، دار المعرفة الجامعية، 2000.

34- عصام زكريا جميل، المنطق والتفكير الناقد، دار المسيرة للنشر والتوزيع، عمان، ط1، 2012.

35- ياسين خليل، مقدمة في الفلسفة المعاصرة، دار الشروق للنشر والتوزيع، ط2، عمان، 2012.

36- يان لوكاشيفيتش، نظرية القياس الأرسطية من وجهة نظر المنطق الصوري الحديث، تر، عبد الحميد صبره، دار المعرف الأسكندرية، مصر، 1961.

37- يوسف محمود، المنطق الصوري( التصورات والتصديقات)، ط1، دار الحكمة، الدوحة، 1994.

38- فؤاد كامل، جلال العشري، الموسوعة الفلسفية المختصرة، دار القلم، بيروت،لبنان، بدون تأريخ.

 

 

علي محمد اليوسفسؤال فلسفة اللغة: يطرح بول ريكور تساؤله اللغوي الفلسفي المزدوج (كيف يكون الخطأ ممكنا اذا كان الكلام دائما يعني أن نقول شيئا؟ فكيف يمكننا أن نقول ما ليس بشيء.؟

ويعبر افلاطون عن هذا المعنى الوارد في تساؤل ريكور (الكلمة بذاتها ليست صادقة ولا كاذبة برغم أن تشكيلة الكلمات قد تعني شيئا ولا تدل على شيء)1، ويضيف بول ريكور تعقيبا على أفلاطون أن حامل هذه المفارقة هو الجملة وليست الكلمة.. لكن هذا لا يلغي تساؤل ريكور أستغرابه كيف يمكننا أن نقول ما ليس بشيء؟

مقاربة أولية الخطأ في تعبير الكلام واللغة عموما لا عصمة من الوقوع فيه ولا عصمة من الوقوع في منطقة قطبي التجاذب الرمادية بين الصدق واللاصدق في تعبيراتنا الكلامية والخطابية، ولا يكون التعبير عن الشيء لغويا قاصرا ولا صادقا كافيا بمعزل عن أدراكه الحسي والعقلي الناقص بالضرورة..

أننا تعودنا أن نفهم التعبير عن الشيء لغويا صحيحا في حال مطابقة اللفظ مع مدلوله المدرك واقعيا، أي مطابقة مافي الاذهان مع ما في الاعيان بتعبير لغة المناطقة، نلاحظ ذكاء التعبير مطابقة مافي (الاذهان) وليس مطابقة مافي (اللغة) مع ما في الاعيان من أشياء في عالمنا الخارجي رغم التداخل المستحيل انفكاك أشتباكه بينهما (بين اللغة والذهن).. هنا ما يقصده المناطقة هو التطابق في الادراك وليس التطابق في تعبير اللغة عن الاشياء مع حتمية التداخل العضوي بينهما الذي لايمكن فصله بسهولة.. فالادراك هو الوعي العقلي بالشيء لذا يتعذر فصله عن لغته في التعبير عنه.. واللغة لا تعبّر عن شيء لا يدركه العقل.. لذا يكون سهلا تلبية رغبة ريكور أستحالة التعبيربالكلمات عن شيء لا معنى له..

هذه المقولة تعطينا فسحة كبيرة أن الخطأ في عجز التعبير عن الشيء كما هو في حقيقته وتمامه ليس سببه عجز اللغة فقط وأنما عجز الذهن (الدماغ) أيضا في عدم أحاطة التعبير اللغوي عن الشيء أحاطة حقيقية تماما، وأذا عدنا الى مسلمة أن الذهن وسيلة تفكيره العقلي هو اللغة في تمّثلاته الصورية لمدركات الواقع والخيال أصبح معنا أشكالية من يتحّمل مسؤولية أن بعض ما نقوله لغويا ليس صادقا وليس كاذبا في ذات الوقت؟ هل هي مسؤولية اللغة أم العقل؟ في تعييننا الشيء المقصود في عالمنا الخارجي وهذا غير كاف لحسم أشكالية أن لا نكون مخطئين ولا صادقين في تعبيراتنا اللغوية عنها..

دلالة اللفظة أو الكلمة وحتى العبارة في حال سعينا مطابقتها مع الشيء كموجود مادي متعيّن لا يكون بالضرورة كافيا أننا عبّرنا عن ذلك الشيء في حقيقته. وأحتمال أن تكون تلك المطابقة زائفة خاطئة وارد جدا.. فالتعبير عن الشيء لغويا لا يعني معرفته بل يعني أدراكه فقط ومعرفة الشيء هي غير أدراكه الحسي.. ليس في مقايسة خداع الحواس لنا بل بأكثر على صعيد عجز اللغة التعبير عن مدركات العقل معرفيا وليس موجوديا في عالم الاشياء.. في أدراك صفات الاشياء وخواصها الخارجية الفيزيائية المتاحة وما هو غير متاح أدراكه ولا معرفته هو الاكثر.. والكلام حين يقول شيئا منطوقا لا يكون معصوما من خطأ أن لا يكون ذلك الكلام لا يحمل معنى كاف في تعبيره عن مقصوده تماما في كل موجودات وشؤون الحياة.أدراك الشيء والتعبير عنه لغويا لا يعني ذلك معرفته حقيقة.. أدراك الشيء هو أولى مراحل معرفته..

أما الاشكال وألمازق الحقيقي الذي طرحه ريكور في شطر تساؤله المار بنا هو كيف وهل نستطيع التعبير بالكلمات عن (اللامعنى) أي عن شيء بلا معنى؟ وهل هذا المطلوب واردا في صياغته الفلسفية المعجزة التي تدخلنا في متاهة من التحليل غير المجدي في أشتباك وجود الشيء وتعبير اللغة عنه وأدراك العقل له، منظومة ثلاثية متعالقة ومتداخلة ليس سهلا الجزم بأهمية وأولوية من هو المسؤول فيها عن تعبير الانسان اللغوي..

لغة الشعر وهذاءات الجنون

الحقيقة هذا التعالق اللغوي التلفيقي بين الشاعر والمجنون كتبت في توضيحه مرات عديدة في ثنايا مقالاتي ومباحثي الفلسفي وما يدعوني تكرار التداخل هو أستحضار بول ريكور لهذا التعالق أستشهادا منه بكل من هيدجر وفوكو أن لغة الشاعر تتماهى مع لغة المجنون في تعبيرهما عن حقيقة عالمنا الزائف ونشدانهما تحقيق عالمنا الاصيل..

ولم يكن هيدجر وفوكو تعبيرهما عن هذا المعنى مستمدا من تحليل سايكولوجي يقوم على تغليب اللاشعور في تعبيري الشاعر والمجنون من حيث هو عند الشاعر لاشعورسليم غير مرضي مسيطر عليه لغويا شعريا بينما يكون اللاشعور عند المجنون مرضا عقليا وانفصاما ذهنيا ويعتبر ما ينتجه لاشعوره من هذاءات صوتية ليست لغة ولا معنى لها كتداعيات لاشعورية أيضا وتوصيف لغة المجنون تعبير خاطيء تماما أوضحه لاحقا.. لا ينتظم الفكر فيه – في اللاشعورالذي هو تداعيات من الهلوسات الاعتباطية التي تلغي رقابة العقل عليها وتنظيمها - ولا تستطيع اللغة الافصاح عن نفسها في اللاشعور بنظام أستقبالي مفهوم من غيره ..

لكن علينا في حرارة الاطلاق الفلسفي الذي طرحه كلا من هيدجر وفوكو في أستحصال مثل هذا الاستنتاج كمسلمة فلسفية وجوب الترّيث والتفريق أولا بين لغة الشاعر وهذاءات المجنون التي هي ليست لغة في كل المعاييرالفنية والنحوية في تعريف معنى اللغة.. ولا غبار على حقيقة الاقرار أن الشاعر يخرق النظام اللغوي التداولي التواصلي (الطبيعي) بتعبيره الشعري القائم على تفكيك مألوفية نظام اللغة النسقي المعهود في الخطاب الجمعي التواصلي عن قصد يدخل في صميم الشكل الجمالي الذي نجده بلغة الشاعر..

فالشعر الحديث والمعاصر عربيا وحتى عالميا خرج على المواضعات اللغوية القارة في الموروث الشعري الكلاسيكي على أنه نمط من تعبير اللغة الموزون المقفّى الذي يمتلك خاصيتي الخطابة والانشاد الغنائي أذ كانت أرجحية الالقاء الشعري على كتابته التداولية القرائية لعصور طويلة سائدا.. فخرق النظام النسقي المألوف في اللغة عند الشاعر لا تكون فيه اللفظة والعبارة الشعرية تدل على مطابقة الشيء في وجوده المادي بالعالم الخارجي.. والمجاز البلاغي تنحسر حريته في تعبير الشاعر.. فالشاعر يستخدم لغة الاشارة والرمز والعلامة والاستعارة والمجاز والتاويل والبلاغة والكناية والتوليد والتركيب والترادف والغموض في نظام اللغة الشعرية خارج المتعارف عليه في كلامنا وخطابنا التواصلي الجمعي مجتمعيا.. وبهذا يكون الشعر قولا غيرنثري ولا سردي يشبه الكلام العادي بل لغة نوعية خاصة بتراكيبها الافصاح عن دلالاتها وعوالمها الخيالية جماليا فنيا تجعل من الشعر تعبيرا تشكيليا لغويا خاصا وليس كلام مخاطبة مجتمعية..

ولا يلزم الشاعر من ذلك أن تكون لغته الشعرية مفهومة أستقباليا من أول وهلة عند سماعها مثلما كان الشعر العربي تحديدا هو شعر خطابي غنائي تطرب له الاذن وتستمتع به الذائقة الاستقبالية الفطرية المباشرة لأنشاده والتغني به كمؤنس للنفس وترويح للقلب في مزجه ما بين الواقع والخيال.. وهذه الميزة لا تزال سارية المفعول في قراءة معظم شعرنا قديما وحديثا القائم على الالتزام ببحور الشعر من وزن وقافية ونبرة غنائية موسيقية وخطابية منبرية عالية.. فيما أندثرت هذه الميزة الالقائية تقريبا في الشعر العالمي الذي أخذ منحى التوصيل الفكري الجمالي الشعري كتابة وليس ألقاءا ألا في النادر القليل.. خير مثال نسوقه هنا حول هذه الظاهرة بما يخص الشعر العربي عندنا اليوم هو تراجع ميزة الالقاء الخطابي الغنائي في شعر الفصحى مقارنة عنه في الشعر الشعبي الذي هو في صميمه شعر تعبوي خطابي يقوم على الالقاء تأثيريا أكثر من كتابته تواصليا..

ونعود الى تفكيك اللغة وبعثرة أنتظامها النسقي في الشعر الحديث التي هي قصدية جمالية - فكرية يريد الشاعر بلوغها كشكل مجدد في تعبير اللغة ومنحها معان غير مسبوقة في تلازم الشكل الجديد مع محتواه المضموني المرافق له.

أما هذاءات المجنون فهي أصوات عشوائية لتداعيات اللاشعور يطلقها صاحبها في عجزه التعبير عما يرغب توصيله لغيره، وهي هذاءات تخرق نظام الكلام السمعي الجمعي في عدم مطابقة المنطوق مع دلالته المادية أو المدركة في عالمنا الخارجي.. ونستقبلها – أي هذاءات الجنون - كتداعيات غير مفهومة يفرزها اللاشعور عند المجنون.. الذي لاتؤطر هذاءاته الصوتية ولا تأخذ شكلا لغويا كما هو الحال مع تفكيك الشاعر لنظام اللغة.. وهي عند المجنون بالمعنى الدقيق أصوات لا تمت للغة بصلة لا شكلا ولا مضمونا.. وتفكيك نظام اللغة لدى الشاعر لا يشبهه أبدا تكسير نظام اللغة وتشتيتها كمفردات لا تجانس صوتي لغوي يجمعها بهذاءات المجنون على أنهما تعبير لغوي واحد (لغة الشاعر وهذاءات المجنون في أختلافهما الجوهري) كما يرغبه كل من هيدجر وفوكو.. .

لذا فمقولة هيدجر وفوكو الموحدة حول حقيقة لغة الشاعر تلتقي لغة المجنون في تعبيرهما عن وجودنا الاصيل والحقيقي بالحياة غير دقيقة ولا صحيحة من الناحية الفلسفية المنطقية.. الا في حالة واحدة فقط هي عندما نكون على دراية تامة أن واقعنا وعالمنا المعاش الذي نحياه هو غير حقيقي بالمدرك العلمي وليس بالتعبير الفلسفي المجرد ويحتاج لغة خارج المدرك المتداول التعبير عنه وبهذا أستحالة معرفية كوننا لا نتملك المعيارية الموثوقة بالتسليم لمثل ذلك الافتراض في وجود عالم حقيقي أفضل نطمح تحققه بلغة الشاعر وهذاءات المجنون الهلاوسية.. .. ويبقى طموح الوصول الى عالم حقيقي أصيل مثل هذا المتخيّل مرهون في تعبير الشاعر والمجنون عنه طموح قاصر غير مقبول ولا قابل التحقق منه كونه لا يدرك وجوده الحاضرالزائف كي يسعى أستبداله بالحقيقي الاصيل الغائب.

ربما يكون معنا أستدراكا مقبولا أذا ما أعتبرنا الشاعر يمكنه التعبير عن عوالم بديلة لعالمنا الذي نعيشه، وأن لغته الشعرية هي عوالم من اليوتوبيات الجميلة التي تريحنا يقيمها الشاعر على أنقاض عالمنا الحالي البائس الزائف الذي نعيشه رغما عنا.. وهذا لا ينسحب على قدرات المجنون المقّيدة بهذاءاته كون المجنون لا يهرب من واقعنا الذي هو أساسا غير مدرك من قبله كي يرفضه لا في سويته الطبيعية ولا في زيفه الواجب التغيير في محاولته أعطائنا البديل الأفضل في واقع يخترعه المجنون لنا.. كما أن لغة الشاعر في نشدانها عالم حقيقي أصيل يصبح متاحا بمجرد التعبير عنه بلغة الشعروالجنون هو طموح لا واقعي ولا يحتمل حضوره.. .تحقيق عالم أنساني أصيل هو تظافر جهود العلم والمعرفة والفلسفة والسلوك والاقتصاد والارادة وغيرها من عوامل مشتركة متداخلة..

كما قلنا ونعيدها ثانية هذاءات الجنون هي أصوات ليست لغوية وأنما هي تداعيات هستيرية لا يمكننا تصورها ولا أستقبالها ولا فهم المراد المقصود منها.. وهي خروج تام وليس جزئي على نظام اللغة المألوف وخرق قوانينها دونما توّفر الوعي القصدي ولا الهدف المنشود على أختلاف مع الشاعر الذي يخرق قوانين اللغة العادية بوعي قصدي ينشد أن تكون اللغة الشعرية شكل جمالي قبل أن تكون ملفوظات تعبيرية لغوية أو مكتوبة تعبيريا لا تخرق النظام اللغوي الاستهلاكي الذي يتعمده الشاعر..

الكلمة ومغزاها

الكلمة كمفردة لغوية منطوقة أو مكتوبة قصدية لا تكون صادقة ولا كاذبة ألا اذا وردت ضمن سياق منظومة لغوية متماسكة على الاقل في جملة تمثل جزءا من خطاب أو نص.. وأخرج فينجشتين كل ملفوظ لغوي من أهميته ومعناه لا يكون جزءا تعبيريا في مجرى الحياة مفضّلا عليه الصمت في عجز اللغة أن تكون وحدة بنائية تستمد حيويتها من طبيعة الواقع المعيش.. والا كانت المفردة اللغوية أو العبارة ضربا من الهلوسة اللغوية التي لا معنى لها ولا فائدة مرجوّة منها..

واذا ما كانت العبارة أو الجملة هي وحدة علاقات بنيوية ضمن منظومة نسقية لغوية تستوعب محمولاتها من المعنى العام بأنتظام المفردة ضمن ترصيف بنيوي متماسك، يصبح الخطاب في فلسفة اللغة في مفهوم ما أطلق عليه فلاسفة اللغة التحوّل اللغوي في الفلسفات البنيوية والتفكيكية والتاويلية والعدمية وغيرها في تجاوزهم أن يكون خطاب اللغة تعبيرا عن العالم الخارجي بضمنه الانسان كموجود محوري في الحياة والتاريخ،،

وحسب التفريق الارسطي بين الاسم كمفردة نحوية لغوية وبين الفعل أيضا كمفردة نحوية تكون (ميزة الاسم أنه مدلول لمعنى، بينما يكون الفعل فضلا عن أنطوائه على معنى فهو يشير الى زمن حدوث فعل )2 عندنا في العربية ماضي وحاضر ومستقبل..

اسم الشيء دلالة لغوية كافية في التعبير عن شيء موجود متعين مادي أم خيالي.. أما الفعل فهو أضافة محموله لمعنى ألا أنه يشير الى (تزمين) لا يتوفر عليه الاسم.. فالاسم معرفة لغوية عن الشيء لا تمتلك تزمينا كما هي الحال مع الفعل عندما نقول كرة فهي أسم للدلالة على موجود مادي محسوس.. وفعل (نلعب) فهو دلالة لمعنى اللعب مضافا لها (زمن) اللعب فألاختلاف بينهما كبير.. وترابط نوعية دلالة الفعل وتزمينه مع الاسم كموجود مدرك في تعدد ورودهما ضمن تعبير عبارات وجمل يتشكل منها خطاب لغوي.. ويشير بول ريكور الى (أن الشفرة اللغوية - المقصود بها عوالم النسق الداخلية في أنفصالها التام عن العالم الخارجي - هي التي تضفي البنية المحددة على الانظمة اللغوية التي نعرفها بوصفها لغات متعددة متكلمة تتعلمها جماعات لغوية مختلفة، عليه لا تعني اللغة هنا القدرة على التحدث ولا الكفاءة المشتركة على التكلم بل تشير الى البنية الخاصة للنسق اللغوي الخاص بها)3

نفهم من هذا أن ريكور يعتبر النسق اللغوي الداخلي هومنظومة الخطاب المعوّل عليه ولا يكتسب خطاب اللغة أهميته من القدرة على التحدث وأنما من فعالية تأثيره ضمن تشكيله بنى نسقية خاصة بعوالم داخلية لا يستمد الخطاب منها دلالاته ولا (محمولات معانيه الا بمقدار أن تكون لغة خاصة تهم مجموعة بشرية في مجتمع معين)4.. في هذا نفهم قصدية ريكور أن خطاب جماعة مجتمعية معينة لا تشكل خطابا معرفيا ثقافيا لتلك المجموعات، بل تشكل ظواهره نظاما لغويا يستهلك نفسه بالحوار والمحادثة ورتابة الحياة اليومية وحل مشاكلها وقضاء حاجاتها التي تحكمه في ظاهره ولا تحكمه في بواطنه ومدلولاته العابرة للاستهلاك الزمني كحوار.. الى منظومة لغوية داخلية في تشكيل عوالم خاصة بها لا علاقة تربطها بالواقع العياني لموجودات العالم الخارجي..

مقومات علم اللغة في البنيوية

1- المقاربة التزامنية – في البنيوية - يجب أن تسيق أية مقاربة تعاقبية لأن الانظمة والانساق يمكن فهمها وتعّقلها أكثر من المتغيرات. 5

التعاقب الزمني الذي يقوم على الصيرورة المستمرة الدائمة كحوادث ووقائع تكون بمجملها تشكيل عوالم لغوية ليس بالضرورة معبّر أمين عنها هي في واقعها ثبات مرحلي لموجودات يطالها التغيير المستمر، يختلف ولا يشبه التزامن الذي تحدده اللغة بحدود أكثر من حدث تزامني متواشج ضمن نظام لغوي وأنساق لغوية أكثر من أمكانية رصده كتعاقب تزميني في عالم الاشياء.. التعاقب في تعبير اللغة هو نسق لغوي داخلي في التعبير عن موجودات محكومة بثبات نسبي محكوم بعوامل خارج فاعلية اللغة الاهتمام به، على خلاف التزامن الذي يرصد ويتعامل مع متغيرات يحدها الزمن ولا يحدها الوجود الحسي الادراكي لها خارجيا، أي خارج اللغة وليس خارج الزمن الادراكي لها..

2- ليس لأية وحدة منخرطة في نظام معين معنى مستقل، بل هي تستمد معناها من النظام ككل، الكلمة المنفردة ليس لها معنى في ذاتها، بل تستمد معناها من الوحدات والكلمات الاخرى المجاورة لها في السياق التي ترد فيه.6،

بحسب دي سوسير وبضوء تعابير ريكور ليس للكلمات قيم أيجابية أو وجود مادي في نظام العلامات بل هناك فروقا تجعل من علم اللغة علما يهتم بالخواص الشكلية للغة في مقابل الخواص الجوهرية، أي الخواص التي تضفي وجود قيم أيجابية مستقلة على المفردات اللغوية تراهن عليها اللغة أو علم الدلالة السيمياء بشكل عام، هنا يظهر لدينا التعارض الجلي الواضح حين تكون المفردة اللغوية هي قيمة أيجابية لمعنى شيء محدد بخلاف ما تريده البنيوية في تجريدها المفردة عن المنظومة الواقعية وسحبها الى مصاف التجريد النسقي السيميائي الذي يعول عليه علم اللغة في البنيوية والتأويلية.. بمعنى أكثر وضوحا النسق اللغوي الدال لمعرفة الخارج الواقعي لا قيمة حقيقية له في سيمياء علم اللغة الذي يهتم بايجاد علاقات لا ينتظمها واقع الحياة بما هي بل منظومات علاقات داخل تشكيلات بنية اللغة.. ودلالة المعنى المراد من المفردة لا يحمل واقعية المردود السيميائي لها وأنما يكون في وضعها ضمن نطاق شكل السياق الذي ينتظمها بعيدا عن معناها غير المتحقق في العالم الخارجي.

3- في الانظمة المحدودة – منظومات الدلالة اللغوية - تكون جميعها ضمنية في داخلية أي بمعنى علاقة اللغة بالواقع الخارجي غير السيميائي منفصمة لا علاقة ترابطية بينهما.. 7 ولا غرابة بذلك عندما نعرف أن أنفصام العلاقة أن يكون الخطاب اللغوي ليس تعبيرا عن واقع وانما هو نسق ضمني يقوم ببناء علاقات داخل منظومة لغوية لا علاقة لها بالعالم الخارجي بل توازيه.. من هنا تكون الانظمة السيميائية اللغوية هي أنظمة مغلقة تكون فيها علاقة اللغة بالواقع منفصمة هي من صميم أهتمامات الفلسفة البنيوية ومن بعدها تأويلية بول ريكور..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................................

الهوامش

1- بول ريكور، نظرية التاويل.. الخطاب وفائض المعنى، ترجمة سعيد الغانمي ص 34

2- المصدر اعلاه ص 35

3- المصدر اعلاه ص 26

4- المصدر اعلاه ص 28

5- المصدر اعلاه ص 29

6- المصدر اعلاه ص30

7- المصدر اعلاه ص 31

 

 

مقدمة: يتفق الجميع على أن مؤسس المنطق كعلم استنتاجي هو أرسطو، فهو أول من هذّب المنطق ووضع له القواعد والشروط التي جعلت منه علما استنتاجيا مستقلا. لكن لا ينبغي أن نفهم من هذا أن المنطق ولد كاملا مع أرسطو وأنه لم يخط خطوة إلى الأمام، كما ذهب إلى ذلك كانط. وإن كنا نوافق كانط في شطر المعادلة الأول القائل أن المنطق بدأ مع أرسطو كعلم ولكن ليس كممارسة، فإننا نخالفه في الشطر الثاني من المعادلة القائل أنه انتهى عنده، فيمكن أن نعتبر المنطق الأرسطي هو بداية للمنطق لكنه ليس هو المنطق. فقد عرف المنطق تطورات كثيرة منذ أرسطو حتى أيامنا هذه، وما ألّفه أرسطو في هذا العلم نقله فيما بعد تلاميذه وشراحه، وحدثت تغيرات وإضافات، عن قصد أو عن غير قصد، أثرت سلبا على فهم طبيعة المنطق. فهناك من الشرّاح -وخاصة المتأخرين منهم- من حصره في مبحثي التصورات والتصديقات ففهمه البعض على أنه صوري بعيد عن الواقع ولا حاجـة ولا جـدوى من دراسته، وهناك من ربطه بالفلسفة اليونانيـة واعتبره تابعا لميتافيزيقا أرسطو ولا يمكن اعتباره علما مستقلا. وهناك من نظر إلى قواعد المنطق الأرسطي على أنها فطرية ولا يحتاج الإنسان لتعلمها إلى غير ذلك من المشكلات التي تدرج فيما يسمى بما حول المنطق*. وربما أهم هذه المشكلات، هي مشكلة صورية ومادية المنطق. إن وصف المنطق الأرسطي بالصورية دون غيره يُوضع موضع جدل، ذلك أن المنطق أيا كان زمانه أو نوعه فهو صوري أي لا يتعلق بأمور جزئية. وقد حاولنا في هذا البحث أن نتناول – بقدر ما تسمح به طبيعة موضوعنا والهدف منه- أراء المناطقة في هذه المسألة، ساعين إلى فهم حقيقة هذه المشكلة وما ينتج عنها من تشويه وتضليل في فهم طبيعة المنطق. لهذا كان سعينا من ه>ه الدراسة المتواضعة يتمثل في ضرورة إزالة ذلك الغموض حول بعض ما ألصق بالمنطق الأرسطي من أوصاف ونعوت. إن تدريس تحليلات أرسطو وما يتصل بها، رغم ما لحق بها -كما أشرنا إلى ذلك في البداية- من تغيرات وإضافات من طرف المشّائين والمتشيعين لهم من المدرسيين وغيرهم، تحت عنوان المنطق الصوري، إن هذه التسمية تُبطن تشويها لطبيعة المنطق، ويمكن تبرير ذلك بمايلي:

1- إن هذه التسمية التي تستعمل -عن قصد أو عن غير قصد- للتمييز بين المنطق القديم والمنطق المعاصر، المعروف بالمنطق الرياضي أو الرمزي قد توحي بوجود منطقين منفصلين تماما، الأول صوري والثاني غير صوري، وهذا فيه تضليل وتشويه لطبيعة المنطق، ذلك أن المنطق لا يمكن أن يكون إلا صوريا.

2- إن وصف المنطق وحده بأنه صوري، من غير تحديد لمفهوم الصورية في المنطق أدى إلى تأويلات وصلت حد التناقض في وصف المنطق الأرسطي خاصة والمنطق القديم عامة. وقد ترتب على هذه التفسيرات الخاطئة والمغرضة في كثير من الحالات تشويه خطير لمفهوم المنطق.

3- من هذه التفسيرات لمفهوم الصورية في المنطق، أنها تعني عدم مراعاة الواقع؛ لا علاقة للمنطق الصوري بالواقع. وهذا يوحي بأنه عقيم ولا فائدة من دراسته. هذه من النتائج التي تلزم عن استعمال الصورية بدون تحديد، ووصف المنطق الأرسطي بأنه صوري دون غيره من فروع المنطق.

هذا من جانب ومن جانب آخر فإن تعلم المنطق وقواعده هو السبيل إلى الإلمام بقواعد تحصيل اليقين، والقدرة على تمييز صحيح الفكر من فاسده، ولعل ذلك ليس له من مسلك سوى تعلم المنطق والإلمام بقواعده. وهي غاية ترنو إليها العقول وتأخذ بالألباب.

 إنه ومن خلال مطالعاتنا المتواضعة لما كتب حول مشكلة المنطق بين الصورية والمادية، وجدنا أن الذين تناولوا هذه المسألة، تناولوها كعناصر جزئية من أبحاثهم، ولم يولوا أهمية كبيرة لها رغم ما تنطوي عليه من خطورة، وما يلزم عنها من سلبيات. وبذلك نتوخى من هذه الدراسة هدفين أساسيين أحدهما نظري، ويتمثل في محاولة توضيح معنى الصورية في المنطق. لما يترتب عن عدم فهم المعنى المقصود لهذه الكلمة من تفسيرات أدت في الكثير من الحالات إلى تشويه مفهوم المنطق. والهدف الثاني عملي ويتمثل في محاولة تصحيح المفاهيم السائدة في تدريس المنطق وتجاوز التقسيم التقليدي الذي يقسم المنطق إلى صوري تقليدي ورياضي معاصر، بينما المنطق لا يمكن أن يكون إلا صوريا، لأن تلك طبيعته وجوهره.

و لدراسة هذا الموضوع فإن الإشكالية يمكن صياغتها كما يلي:

هل المنطق الأرسطي صوري اهتم بصورة الفكر دون مادته، أم أنه صوري ومادي في الآن نفسه؟ تفرعت الإجابة على هذه الإشكالية إلى المشكلات التالية: هل المنطق ولد كاملا مع أرسطو، وما هي الظروف التي أدت إلى نشأة المنطق؟ ما هو مفهوم الصورية في المنطق؟

 وانطلاقا من أن طبيعة الموضوع هي التي تحدد طبيعة المنهج، كان يلزم أن نتبع منهجا تاريخيا استقرائيا تتبعنا من خلاله الظروف التي أدت إلى نشأة المنطق، ثم أراء المناطقة من مختلف المراحل التاريخية حول المنطق وذلك من خلال تعريفاتهم له. بالإضافة إلى المنهج التحليلي المقارن بين هذه التعريفات والآراء بغية تحديد موقف من الإشكالية نعتبره مقاربة لها.

I- نشأة المنطق تطوره وتعريفه

أولا: نشأة المنطق وتطوره

 يعـزى إلى أرسطو الفضل في وضع وتنظيم الفكر بما يسمى بالمنطق، فقد اشتهر بين الدارسين للمنطـــق أن أول من وضع المنطـــق هو الفيلسوف اليونــــاني أرسطو في القرن الرابــــع قبل الميــــــلاد (384-324) . وقد اعتقد الكثير من المفكرين والفلاسفة أن مبدع المنطق قد أبلغه الكمال مرة واحدة (1) . "ولم يكن كانط (1724-1804) معبرا إلا عن رأي مشترك عندما كتب في صيغة شهيرة، أن المنطق لم يتمكن من التقدم خطوة واحدة منذ أرسطو. ولقد ساد هذا الاعتقاد تقريبا حتى نهاية القرن التاسع عشر وفي تلك الحقبة من الزمن لم يكن بروشار (1858-1907) يتردد في القول "إن المنطق علم جاهز ويمكننا التأكيد بدون خوف أن عصر الابتكارات قد انسد في وجه المنطق" (2) .

 غير أنه لا ينبغي أن نفهم من هذا الكلام أن المنطق لم يكن موجودا من حيث الاستعمال قبل أرسطو، وأنه لم يسبقه أحد إلى ذلك، وإنما يجب أن نفهم من هذا أن أرسطو هو أول من دوّن هذا العلم وقعّد له ومن ثم صار علما مستقلا بذاته. (3) . ومما يوضح أن المنطق كان موجودا من حيث الاستعمال، استدلالات الفلاسفة السابقين على أرسطو، كاستخدام الجدل "الذي يعني المناقشة المؤسسة على نحو ما، منظمة – عادة في حضور جمهور يتابع اللعبة- كأنها نوع من المبارزة بين متحاورين يدافعان عن أطروحتين متناقضتين" (4) . إن هذه المناقشة لاشك كانت تحكمها جملة من القواعد والشروط تقود إلى التغلب على الخصم وإثبات الأطروحة.

و هو الفن نفسه الذي استخدمه السفسطائيون كذلك في محاورة الخصوم وإظهار بطلان أطروحاتهم.

 ومنه فالجدل أتخذ معان مختلفة. يقول روبير بلانشي (1898-1975):" فمتى وبمن تم التوصل إلى هذا النقاش الذي رفعه إلى مقام الفن؟ إن الجواب عند أرسطو أيضا. إنه كان يعتبر زينون الإيلي (490-430) مبتكر الجدل" (5) . ويعلق بلانشي على ذلك بما يلي: "ولا شك أنه كان يقصد الاستعمال الذي أدخله زينون على ممارسة المناقشات الفلسفية بأسلوب الخفض حتى الامتناع الذي كان يستعين به الرياضيون من قبل لاسيما الفيثاغوريون في برهانهم الشهير على امتناع مقارنة خط الزاوية مع ضلع المربع" (6) . كذلك نجد أن الفيثاغوريين قد تكلموا بشكل كلي في الرياضة ووضعوا فيها النظريات كالحساب والهندسة، وأقاموا عليها الأدلة العقلية، ولا شك أن طريقة الاستدلال والاستنتاج الرياضية هي من الطرق المنطقية؛ عبارة عن مقدمات تلزم عنها نتائج (7) .

 وفي هذا الصدد يذكر أحمد موساوي ما ذهبت إليه الباحثة الفرنسية "فيريو ريموند أنطوانيت" مايلي:" إن المنطق الكلاسيكي هو نتيجة لقرون من التفكير حول مشكلة المنطق الذي بدأ في فجر تاريخ الفلسفة عند المفكرين السابقين على عهد سقراط، وإن كان بارمينيدس (530-440) الإيلي هو أول من صاغ مبدأ الهوية فإن زينون الإيلي (490-430 ق.م) قد لعب دورا أكثر أهمية من وجهة نظر تاريخ المنطق، إذ أن حججه مع الفيتاغوريين قد قدمت النموذج الأول للبرهان بالخلف، كما أنه، من ناحية أخرى أول من لاحظ استحالة الترجمة الدقيقة للواقع المتصل بواسطة لغة غير متصلة وترجمة الواقع المتحرك بواسطة اللغة الساكنة" (8) .

وقد أورد محمود فهمي زيدان جدل زينون على شكل صورتين الصورة الأولى ويسميها الرد إلى المحال، والصورة الثانية وهي على شكل برهان بالخلف. وعلى سبيل المثال نذكر الصيغة الثانية (البرهان بالخلف) .

مقدمة كبرى: إذا كان (أ) هو (ب) فإن (ح) هو (د) .

مقدمة صغرى: لكن (ح) ليس (د) .

إذن (أ) ليس (د) (9) .

 المورد الثاني للجدلي (المجادل) حسب بلانشي، هو ما كان يمارسه السفسطائيون في تعليم فن الخطابة وإيقاع الخصم في الأغاليط." ولقد أشتهر السفسطائيون بمهارتهم في هذا الفن وذهبوا إلى حد الاعتزاز بذلك، ويقال أن " بروتاغوراس" كان يتبجح بقدرته، " على أن يجعل الحجة الأسوأ تبدو وكأنها هي الأحسن". من هنا جاء اسم (السفسطائية) الذي أطلق على تلك المماحكات الزائفة عمدا" (10) . وإن كان قد خالفه في هذه التسمية الكثير من المفكرين إلا أن الذي يهمنا هو ممارسة السفسطائيون للجدل لأغراض أخرى غير البحث عن الحقيقة، وهذا يبّين أنهم انحرفوا عن الهدف الأسمى للعلم، وهو الوصول إلى حقائق الأشياء. لقد ادعوا أنه لا حق ولا باطل في الواقع بل رأوا أن الحق ما يراه الشخص حقا، والباطل ما يراه الشخص باطلا، انطلاقا من اعتبارهم أن الفرد هو مقياس الحقيقة وأن الإحساس هو المصدر الوحيد للمعرفة. ومن هنا ينبغي أن نميز بين الجدل عند زينون والسفسطائيين، رغم أن بلانشي لا يشير إلى ذلك صراحة، إلا أن عبد الرحمن بدوي يرى أن جدل الأول هو الدفاع عن مذهب أستاذه فيما الجدل السفسطائي الهدف منه كان الوصول إلى نتائج سلبية...تتمثل في إثبات عدم وجود حقيقة ثابتة مطلقة (11).

 يذكر الدكتور يوسف محمود ما قاله ألكسندر ماكوفلسكي في كتابه تاريخ علم المنطق:" أن ديمقريطس (460-370ق.م) أتخذ موقفا عدائيا من السفسطائيين... وتذكر الكتب التاريخية للمنطق أن ديمقربطس" هو المؤسس لأول نسق منطقي في اليونان القديمة، فقد كتب رسالة خاصة في المنطق أو القانون تقع في ثلاثة كتب. وكان ديمقريطس كما يقول أرسطو هو من بين جميع الفلاسفة الطبيعيين أول من أقام فلسفته بواسطة التصورات والتعريفات المنطقية". ويرتكز البحث عن الحقيقة عند ديمقريطس على ثلاثة معايير هي الإحساس والفكر والممارسة (12) . نلاحظ من هذا النص أن بداية التحول والبحث عن قواعد تضبط البحث عن الحقيقة بدأ من خلال الرد على السفسطائيين."الذين جعلوا هدفهم تعليم المواطنين فن الإقناع بغض النظر عن الصدق والكذب، وكان الغموض اللغوي هو سلاحهم في الإقناع والنفي والإثبات" (13) . وبما أن سلاح السفسطائيين هو عدم الدقة في استعمال الألفاظ والعبارات وتعمد الغموض للإيقاع بالخصم في التناقض فكان يلزم " لدحض حججهم لا بد من تحليل طرق البرهنة التي يعتمدون عليها من أجل اكتشاف ما تنطوي عليه من مغالطات وقد كانت نقطة التحول من الناحية التاريخية في هذا الموضوع تتمثل في موقف الفيلسوف اليوناني سقراط (470-399 ق.م) " (14) . دافع سقراط عن الحقيقة المطلقة والأخلاق المطلقة، ووقف مثلما وقف ديمقريطس ضد النزعة النسبية ونزعة الشك، وذلك من خلال تحليل لغة السفسطائيين باستخدام تحليل المفاهيم وهو موضوع له صلة بقسم التصورات المنطقية. والطريق المؤدي إلى تحديد الحقيقة هو الاستقراء والتعريف أي الذهاب من الأشياء الفردية إلى المفهوم الكلي أو التصور الثابت الذي لا يلحقه التغير، ومنه فالاستقراء السقراطي هو عملية تكوين التصورات. وبذلك يمكن التمييز بين ما يرجع إلى ماهية الشيء المطروح للمناقشة وبين ما لا يرجع إليها.

وبهذه الطريقة تتشكل التصورات ابتداء من المتماثلات (15) .

يقول جول تريكو:" لا يمكن التقليل من أهمية سقراط بالنسبة إلى تاريخ المنطق نفسه" (16) . "وتظهر الطريقة السقراطية في محاورات أفلاطون (427-348ق.م) التي تجري على لسان سقراط. في هذا المجال تشكل القسمة الثنائية عند أفلاطون خطوة إلى الأمام نحو التفكير الذي يخضع لقواعد صريحة" (17) . يعترف بلانشي بما أسهم به أفلاطون من خلال اعترافه بالمهارة الفائقة التي تدار وتكتب بها المحاورات ولكن بمبادئ ضمنية. فإذا كان يذكر بعض القائلين بوجود أخطاء منطقية في محاورات أفلاطون إلا أنه لا يذهب معهم إلى حد اتهامه بعدم الدراية بالمنطق. مثلا الخطأ الذي تضمنته محاضرة جورجياس والذي يقول فيه بأنه "إذا كانت نفس عاقلة نفسا طيبة فإن التي تكون في وضع معاكس لوضع النفس العاقلة هي نفس سيئة". ويعلق بلانشي على هذا بأنه يمكن أن يكون استنتاجا حسنا ويمكن أن يكون استنتاجا سيئا وحتى يوضح هذا الخطأ فقد عبر عنه رمزيا إذا كانت A هيB فإنه يمكن الاستنتاج من Non A إلىNon B. وبالتالي فالاستنتاج المشروع منطقيا والذي يقننه تضاد الوضع يسير باتجاه معاكس من Non Bإلى Non A وقد تفطن أفلاطون أنه من الخطأ التحول من القضية كل A هيB إلى كل B هيA بدليل أنه حاول أن يبرهن على استحالة ذلك، بل كتب صفحة بكاملها ليبين أن الشجعان إذا كانوا حذرين فلا يلزم من ذلك أن الحذرين هم شجعان (18) .

 رغم هذه الأخطاء التي تنسب لأفلاطون إلا أن بلانشي يؤكد دوره في التحضير لظهور المنطق المقنّن.

و يستشهد على هذا أن أفلاطون في آخر حياته فكّر في موضوع المنطق وذلك من خلال مقارنته بين علم الفلك وعلم المنطق، بما أن حركة الأفلاك تحكمها قوانين فإنه استنتج وجود قوانين تخضع لها الأحكام العقلية، استنتج بلانشي هذه الملاحظة بالاعتماد على نص اقتبسه من كتاب Timée حيث صاغ أفلاطون هذه الأطروحة بقوله:" إذا كان إله ما قد اقترح لأجلنا حضورية النظر، فذلك لكي نطبقها، ونحن نتأمل دورات العقل[ الإلهي] على الدورات التي تجتاز فينا عمليات الفكر؛ وهذه الدورات هي من نفس تلك الدورات، ولكن تلك ثابتة وهذه متبدلة دائما؛ وبفضل هذه الدراسة نساهم في الحسابات الطبيعية الصحيحة.و بتقليدينا الحركات الإلهية الخالصة من كل خطأ على الإطلاق، يمكننا أن نقدم وجبة لضلال أولئك الذين هم في داخلنا". ويعلق بلانشي على هذا النص بقوله:" والحال فهذه الدراسة هي موضوع المنطق بالذات" (19) . وهذا يبيّن أهمية أعمال أفلاطون في نشأة المنطق كعلم فيما بعد وبالضبط مع تلميذه أرسطو. لذا يذهب بلانشي إلى أن تأثير مفكر ما لا يقف عند حدود العمل الذي يمارسه مباشرة وإنما أيضا الردود التي يستثيرها (20) . من طرف معاصريه أو من يأتي بعده وهو ما اعتبره بلانشي دليلا ثانيا على تحضير أفلاطون للمنطق. ويتضح هذا من خلال الصعوبات التي يثيرها الجدل الأفلاطوني القائم على القسمة الثنائية. وهو ما لاحظه أرسطو من خلال انتقاده لهذا الأسلوب في الاستدلال.

 ينقسم الجدل الأفلاطوني، إلى جدل صاعد وآخر هابط أو نازل وهنا ينبغي أن نوضح حركتا هذا الجدل وما هي العيوب التي تضمنها؟ وكيف تجاوزها أرسطو مؤسسا ما يسمى بعلم المنطق ؟

 الجدل الصاعد كما يسميه أغلب الفلاسفة والمناطقة وتكون حركة العقل فيه الانتقال من الجزئيات المحسوسة إلى الكليات المجردة، يطلق عليها بلانشي اسم (الفكرة العليا) (21) .

 يعرفه تريكو:"الجدل الصاعد أو التجميع غايته المعرفة الحدسية للمثل لمسيرة منظمة حتى الجنس الأعلى الذي هو الواحد أو الموجود" (22) . وهذا يشبه إلى حد ما الاستقراء الأرسطي.

الجدل الهابط ( النازل) أو القسمة الثنائية بمعنى انقسام النوع إلى أنواع ويعني بيان أعم الأجناس التي يندرج فيها الشيء، ثم تمييز الجنس بذكر الفصل، ومن مجموع الجنس والفصل نحصل على تعريف الشيء الذي يحد المعنى ( أي يضع له حدود) لذلك سمي الحد" (23) . وكما لاحظ بلانشي أن الجدل الأفلاطوني يرتفع من الأفراد إلى الأنواع ثم إلى الأجناس، ببيان الصفات الجوهرية ليصل بها العقل في النهاية إلى صفة ثابتة أزلية تعم جميع الصفات." وهكذا تتحول فلسفة المفهوم السقراطية، لتصبح فلسفة الفكرة الأفلاطونية، وهي فلسفة تنظر، كما نعرف، إلى الأفكار وكأنها نوع من الموجودات، الموجودات بمعزل عن الأشياء المفردة التي تلعب بالنسبة إليها دور الأصول" (24) .

إن هذه القسمة التصنيفية هي التي انتقدها أرسطو بالنظر إلى الصعوبات التي تنتج عنها، منها مثلا أنه من الصعوبة تفسير المقدمة الوصفية التي من الشكل s هيp أو p هي جزء من s، هذا النقص دفع أرسطو إلى إصلاح جدل أستاذه فأوصله ذلك إلى اكتشاف المنطق. فمن القسمة أو الفصل نصل إلى التعريف الشامل انطلاقا من الفكرة، ويشرح بلانشي هذا الأسلوب بلغة رمزية لما يريد أن يقوله أفلاطون. مثلا لكي نوضح مفهوم s يتوجب الانطلاق من مفهوم أوسع هو A، ثم نقسم A إلى مفهومين B أو Non B وهما حدان متناقضان وشاملان، فإذا وضعنا المفهوم s في أحدهما لابد أن ننفيه من القسم الثاني حتى يمكن تحديد معناه بشكل أفضل، ثم نقسم القسم المعين تقسيما ثنائيا وهكذا حتى نصل إلى ما نريد توضيحه.

 ويورد بلانشي هنا مثال الصيد حيث يعتبر الصيد بالصنارة (فن) s لكن يمكن أن نقسم الفن إلى فنون الإنتاج وفنون الامتلاك ومن بين هذه الأخيرة بعضها يتم بالتبادل وبعضها الآخر بالحيازة، وفي هذه الأخيرة بعضها صراع وبعضها طراد...إلخ (25) . هذه القسمة رآها أرسطو بأنها"ليست منهجا استنتاجيا، لأنها تتطلب في كل خطوة حوارية الحصول على موافقة المحاور قبل الانتقال إلى الخطوة التي تليها فهي تفتقر إلى الحد الأوسط الذي يربط بين الحدين الأصغر والأكبر ويجعل النتيجة تصدر بالضرورة" (26) .

 ذلك أنه عندما قسم المرتبة A إلى مرتبتين ثانويتين هما B وNon B فكيف نثبت أن S التي هي جزء من B يمكن أن تنتمي إلى B وليس إلى Non B. إن هذا المطلب يقتضي أن يكون الطرف المحاور موافقا على ذلك، وهذه الموافقة تتطلبها كل مرحلة من مراحل التقسيم وهذا النقص هو الذي اقتضى وجود حد أوسط،" وعن طريق اكتشاف الحد الأوسط يعتبر أرسطو المؤسس الحقيقي للمنطق إذ أنه توصل إلى إقامة نظام استنتاجي يعتمد على قواعد معبر عنها بصورة صريحة تمكن من استخراج صور الاستدلالات المنطقية التي كانت متضمنة في المعرفة السائدة في عصره" (27) . وبتعبير بلانشي" المطلوب هو قلب العلاقة الشمولية بين A وB والحال فمن S هي A نتمكن وفقا لكون A داخلة فيB أو غير داخلة، من الاستنتاج بالضرورة أن S هي B أو أنها ليست B. ولتوضيح هذه الفكرة مثل بلانشي لها برسمين الأول للقسمة الأفلاطونية والثاني للقياس الأرسطي.

 واخترنا عرض هذين الرسمين التوضيحيين بالرموز المستعملة من طرف بلانشي؛ لم نعربها.

القسمة الأفلاطونية القياس الأرسطي:

1379 المنطق الصوري

 إذن S هي ؟ إذن S هيB إذن S هي Non B (28) . لقد كان أرسطو من خلال نظرية القياس، يهدف إلى تصنيف الموضوعات الطبيعية والبحث عن العلل، ومن هنا كان المنطق الأرسطي تحليلا للفكر العلمي الذي كان سائدا في عصره موضوعا ومنهجا، والغرض الذي قام على تحقيقه المنطق عند أرسطو هو أن غاية العلم معرفة العلل معرفة يقينية. لذلك رفض كل أنواع الاستدلالات التي لا تحقق غرضه وفضل القياس الحملي لأن نتيجته يقينية (29) . لكن التحليل الأرسطي الذي انحصر في الصورة الحملية وحدها، لم يكن ليستوعب كل صور العلاقات بين الموضوعات؛ وهي صور لا حصر لها كما سيتبّين مع المنطق المعاصر. فلم يعد مفهوم المنطق محصورا في نظرية القياس الأرسطية أو في نظرية الأقيسة الشرطية الرواقية (30) . إن تطور المنطق منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى أيامنا هذه جعله يصعد إلى قمة العلوم الدقيقة. ولم يعد الفاصل بينه وبين الرياضيات واضحا كما كان في العصور التاريخية القديمة والوسيطية والحديثة (31) .

و كانت المحاولة البارزة في موضوع تطوير المنطق في الاتجاه الصوري للوصول إلى القوانين التي تصلح للتطبيق في كل مجالات الفكر، هي المحاولة التي قام بها ابن سينا 980-1037) وتبعه في ذلك بعض الذين أتوا من بعده ثم توقفت تلك المحاولة بسبب ما آلت إليه الحضارة الإسلامية من انحطاط. وكانت المحاولة الثانية الجديرة بالذكر في هذا الموضوع هي تلك التي قام بها ليبنتز Leibniz 1646-1716) والتي حاول من خلالها تحديد منطق للفكر الإنساني في مجالاته المختلفة. حيث يرى راسل وأتباعه أن ليبنتز هو الأب المؤسس للمنطق الرياضي. ولم تسجل بعد ليبنتز أي محاولة جادة في هذا الموضوع حتى القرن التاسع عشر 19 حيث قام أ. دي مورغان Augustus De Morgan (1806-1871) بوضع الأسس الأولى لمنطق العلاقات في كتابه المنطق الشكلي أو إحصاء الاستدلال الضروري والشكلي سنة 1847. وتطورت هذه الأعمال فيما بعد عند كل من جفونزJevons، فينVenn، وشرودرSchroder. وفي نهاية القرن التاسع عشر ظهرت في ألمانيا أعمال غوتلوب فريجهGottlob Frege (1848-1925) . التي فتحت مرحلة جديدة في تطور المنطق الرياضي، صورنة الرياضيات، وتأسيس المذهب المنطقاني القائل بأن كل الرياضيات ترد إلى المنطق. وفي الفترة نفسها تقريبا ظهرت في إيطاليا أعمال جيوسيب بيانوGiuseppe Peano 1858-1932) التي أسست للغة مصورنة المعروضة في كتابه المترجم Formulaire de mathemetiques. أما المساهمة الأساسية التي أعطت دفعة قوية لظهور المنطق الرياضي في شكله المعاصر فجاءت من خلال كتاب كل من برتراند راسل Bertrand Russell (1872-1970) وألفرد نورث وايتهد Alfred North Whitehead (1823-1905) مبادئ الرياضيات Principia mathematica (1910-1913) . إن ظهور المنطق الرياضي بشكله المعاصر كان نتيجة أعمال استغرقت قرونا كما هو واضح من خلال العرض التاريخي الموجز السابق. انطلقت من النقص الذي تميز به المنطق التقليدي، وبعد محاولات عديدة من أجل إنشاء منطق يصلح لكل مجالات الفكر انتهت إلى الصورة التي استقرت عليها عند كل من راسل ووايتهد. إذن فالمنطق الرياضي ليس سوى تسمية للمنطق المصورن؛ أي أن المنطق الرياضي ليس منطقا خاصا بالرياضيات دون سواها من العلوم والمعارف، بل إن قوانينه تشمل كل مجالات الفكر لأنها صيغ فارغة من أي محتوى تخضع لقواعد معينة في بنائها واشتقاقاتها وتحويلاتها. ويمكن أن تملأ بأي محتوى علمي أو معرفي. إن المنطق الرياضي لا يتميز عن المنطق القديم بثوبه الرياضي أي استخدام لغة الرموز فالرموز كانت موجودة في الرياضيات وفي المنطق قبل ظهور المنطق الرياضي، بل لأنه أستطاع أن يقدم للرياضيات الصورية التي أدت بها، إلى تدقيق لغتها، وقيامها على أسس منطقية خالصة.

 وبهذا تحققت الغاية التي قصد إليها أرسطو وكل المناطقة من بعده، والمتمثلة في الوصول إلى القوانين الكلية التي يخضع لها الفكر، بالمفهوم المنطقي، مهما يكن موضوعه (الصورية الخالصة) (32) .

ثانيا: تعريف المنطق

إن علم المنطق اتخذ طول تاريخه أسماء متعددة نذكر منها:

1- الديالكتيك:عند أفلاطون وكان موضوعه هو تحليل التصورات وتركيبها (محاورة السفسطائي)، واستخدم الاسم نفسه شيشرون للدلالة على كل المنطق. منطق البرهان، ومنطق الاحتمال وبقي هذا الاستعمال حتى القرن السابع عشر.

2- الأورغانون: وهو العنوان الذي أعطي لمجموع مؤلفات أرسطو في المنطق، وترجع هذه التسمية إلى القرون الثلاثة الأخيرة قبل الميلاد. وكلمة أورغانون معناها (آلة) ويكون أرسطو قد أشار إلى هذه التسمية-حسب عبد الرحمن بدوي- في مؤلفه الطوبيقا لكن لم تستعمل بالتحديد للدلالة على علم المنطق إلا مع الأسكندر الأفروديسي في شرحه للتحليلات الأولى (33) . كما ينبغي الإشارة هنا إلى أن الفلاسفة المسلمين قد تأثروا بهذه التسمية عندما سموا المنطق بالآلة أو الصناعة.

3- القانون: سمي كذلك المنطق بالقانون ( قاعدة، ونموذج) وذلك عند الأبيقوريين لأنه يتضمن قواعد المعرفة والحقيقة.

4- طب العقل: وهي تسمية أطلقها شيشرون وذلك لأن هدف المنطق عنده هو علاج أنواع الضعف الطبيعية في الذهن البشري بواسطة قواعد صورية للوصول إلى المعرفة الصحيحة (34) .

5- التحليلات: وهو الاسم الذي استعمله أرسطو في كتاباته المنطقية (35)، وكان يقصد بذلك تحليل الفكر إلى عناصره ( التحليلات الأولى والتحليلات الثانية).

6- علم المنطق (لوجيكية): وهو الاسم الذي عرف به هذا العلم بوجه عام، فلا نجده بالمعنى الاصطلاحي للدلالة على هذا العلم إلا في مؤلفات من القرن الأول قبل الميلاد وذلك عند شيشرون، وذلك جنبا إلى جنب مع كلمة ديالكتيك الموجودة عند أفلاطون. إذن ابتداء من القرن الأول قبل الميلاد استعملت الكلمتان علم المنطق وديالكتيك معا للدلالة على نفس العلم، وهو علم المنطق (36) موسوعة.

إذن تسمية علم المنطق بهذا الاسم هو الذي عرف به هذا العلم بوجه عام، وهو الاسم المتداول دون اختلاف. لكن الاختلاف استمر حول تعريف علم المنطق. فماذا تعني كلمة منطق؟ وهل المنطق علم أم فن؟ وإذا كان علما فهل هو علم نظري أم معياري؟

 ينبغي أن ننبه هنا وكما ذكرنا سابقا أن أرسطو لم يطلق على هذا العلم اسم المنطق (لوجيكا) وإنما استعمل كلمة التحليلات. وفي هذا الصدد يقول عبد الرحمن بدوي:"إننا لا نعرف على وجه الدقة من هو أول من استعمل كلمة منطق (Logike) هذه للدلالة على علم المنطق.

و يفترض برانتيل (Prantl) في كتابه "تاريخ المنطق في الغرب" استنادا إلى إشارة بوثتيوس (Boëtius) أن من الممكن أن تكون من وضع شرّاح أرسطو وضعوها اصطلاحا من أجل أن يقابلوا بين الأورغانون لأرسطو وبين الديالكتيك (الجدل) عند الرواقيين ولعل ذلك كان في عهد " أندرونيقوس الرودسي" في (القرن الأول قبل الميلاد)، ويدل استعمالها عند شيشرون (القرن الأول قبل الميلاد)، وعند الأسكندر الأفروديسي (القرن الثاني بعد الميلاد)، وجالينوس (القرن الثاني بعد الميلاد)، على أنها قد أصبحت شائعة الاستعمال في (القرن الثاني بعد الميلاد) (37) .

 تشيـر كلمــة المنطــق من ناحية الاشتقاق اللغوي إلى الكلام أو النطق، كما تشير من ناحية أخرى- إذا ابتعدنا عن الأصل اللغوي واقتربنا من الكلمــة اليونانية (لوغوس) Logos إلى العقل أو الفكر أو البـرهان (38) .

لكن الفلاسفة العرب والمسلمين لكــي يقتربــوا من المعنى الثـــاني ميزوا بين نوعين من النطق: نطق ظاهري وآخر باطني، الأول يشير إلى الكـــلام أو التحــدث، الثاني يشير إلى المعقـــولات ومحاولة إدراكـها. يقـــول الجــرجاني في هذا التمييز:" النطق يطلق على الظاهري وهو التكلم، وعلى الباطني وهو إدراك المعقــولات، وهذا الفن (المنطــق) يقــوي الأول ويسـلك بالثاني مسلك الســـداد، فبهذا الفن يتقوى ويظهر كلا المعنى النطق للنفس الإنسانية المسماة بالناطقة، فاشتق له اسم المنطق" (39) .

 لكن ينبغي الابتعاد عن الاشتقاق اللغوي للتمييز بين الحدود والتصورات والقضايا والعبارات، للوصول إلى المعنى الاصطلاحي لكلمة منطق وهو أنه علم الفكر أو العلم الذي يهدف إلى تحديد القوانين العامة للتفكير (40)، مهما كانت اللغة التي يستخدمها المنطقي. هذا فيما يتعلق بالتسمية والاشتقاق اللغوي، لكن هل هناك اتفاق حول تعريف المنطق من الناحية الاصطلاحية؟

 إن كلمة Logic (منطق) في اللغة الانجليزية أو ما يناظرها في اللغات الأوروبية الحديثة فهي مشتقة من الكلمة اليونانية القديمة (لوغوس) ( Logos)، التي تعني العقل أو الكلام. وترد هذه الكلمة كجزء من أسماء كثيرة، مثل علم الجيولوجيا Geology، وعلم البيولوجيا Biology، وعلم النفس Psychology. وغير ذلك من العلوم، ليدل على البحث المنظم وعن القوانين والمبادئ العامة التي يتوصل إليها هذا العلم أو ذلك طبقا لبعض المعايير العقلية والإجراءات التجريبية (41) .

يقول علي عبد المعطي:"لقد تعددت تعريفات المنطق،و لا يمكن تحديد تعريف واحد له".

و يذكر أربع اتجاهات في تعريف المنطق هي:

- الاتجاه الأول يعتبر المنطق آلة أو صناعة ويقصد منه تلك الفائدة العملية التي تستفاد من تطبيق قواعد المنطق على الحكام والاستدلالات في العلوم الأخرى ويصنف ضمن هذا الاتجاه تعريفي ابن سينا وبورت روايال.لكنه لا يوافق على هذا التعريف لأنه حسبه اعتبار أي علم من العلوم ومنها المنطق فنا يعني ربطه بالجانب العملي التطبيقي، بينما العلم في أساسه نظري، ثم يأتي التطبيق بعد ذلك أو قد لا يأتي.

- والاتجاه الثاني يذهب في رأيه إلى اعتبار المنطق علم صناعة وعلم نظري في الوقت نفسه ويعرض هنا تعرفي كل من غوبلو (1858- 1935) فيلسوف ومنطقي فرنسي. وريتشارد هويتلي (بالإنجليزية: Richard WHATELY) (1787-1863م) هو كاتب وأسقف إنجليزي. غير أنه يعتبر أن اجتماع صناعة وعلم يعتبر تناقضا لأن العلم النظري هدفه الحقيقة بغض النظر عن نفعها وإنما يأتي التطبيق مع العلوم التطبيقية.

- أما الاتجاه الثالث حسبه فيعرف المنطق بأنه علم معياري والمقصود بذلك هو أن قوانين المنطق تصبح بمثابة المعايير الثابتة التي ينبغي أن يستند إليها كل تفكير صحيح. ويصنف ضمن هذا الاتجاه أبو حامد الغزالي، ويضيف أن الذي أثار مسألة التمييز بين العلم النظري والعلم المعياري هو "ويليام فونت (1832-1920) ألماني، يعتبر المؤسس لعلم النفس التجريبي" الذي اعتبر المنطق والجمال والأخلاق علوما معيارية. لكن على عبد المعطي يرى أيضا أن هذه الفكرة كذلك تحمل تناقضا معتمدا على موقف عالم الاجتماع الفرنسي " لوسيان ليفي-بريل (1857 – 1939)، فيلسوف وعالم اجتماع، وأثنولوجي فرنسي " ونقده للتصور المعياري للأخلاق والنقد نفسه يمكن أن يوجه للمنطق؛ أي لا يوجد علم معياري.

- وينتهي إلى اتجاه أخير يعرّف المنطق بأنه علم نظري، حيث يعتبر هذا التعريف من أنسب التعريفات للمنطق الصوري والمنطق الرمزي على حد سواء. ويورد هنا تعريفات الكثير من المناطقة نذكر منهم جيفونز، كينز،، هاملتون، هيجل، سوزان استبنغ، جورج بول، ...إلخ (42) . بالرغم من أن علي عبد المعطي يتبنى تعـريف هذا الاتجاه القائل بأن المنطق علم، إلا أننا نلاحظ على هذه التصنيفات لتعريفات المناطقة والفلاسفة للمنطق أنها غير دقيقة فمثلا ابن سينا يعرف المنطق بأنه علم نظري وصناعة. كذلك فهو لا يورد تعريف واضع المنطق أرسطو، يضاف إلى هذا أيضا تصنيفه لتعريف كينز ضمن الاتجاه الأخير يتعارض مع مضمون هذا التعريف للمنطق، بأنـه علم معيـاري وهو ما يؤكـده علي سامي النشار في شرحـــه لتعريف كينز (43) .

 من هذه الملاحظات ينبغي أن نتجه اتجاها آخر في تعريف المنطق وذلك بالرجوع إلى السياق التاريخي لنشأة هذا العلم، ونتخّير نماذج من التعريفات تخص تطور المنطق عبر التاريخ.

1- تعريف أرسطو: يعرف أرسطو المنطق بأنه: "آلة العلم، وموضوعه الحقيقي هو العلم نفسه، أو هو صورة العلم" (44) . ينبغي أن نشير هنا أن أرسطو عندما وضع تصنيفه للعلوم ميز بين ما كان منها علما نظريا غايته المعرفة كالفيزيقا والرياضيات والفلسفة الأولى، وما كان منها عمليا غايته السلوك مثل الأخلاق والسياسة، وما كان منها إنتاجيا غايته أنتاج شيء جميل أو مفيد مثل فن الشعر.أما المنطق فلم يذكره ضمن هذه العلوم (45) . ولعل السبب في عدم اعتباره المنطق علما من العلوم أي جزء من الفلسفة فيعود – في نظره- إلى أن المنطق علم قوانين الفكر بصرف النظر عن موضوع ذلك الفكر. ولذلك فهو يعده علما ومدخلا لجميع العلوم وآلة لها على اختلاف أنواعها. إذ أن المنطق نوع من المعرفة لابد من اكتسابه وإتقانه قبل الدخول في تعلم أي علم آخر (46) .لذلك أطلق عليه شراح أرسطو اسم الآلة أو الأورغانـــون*.

باعتبار أنه مقدمة لكل العلوم تساعد على التفكير السليم، ولم يطلق أرسطو اسم المنطق على أبحاثه وإنما استخدم كلمة التحليلات؛ أي تحليل التفكير إلى استدلالات، والاستدلالات إلى أقيسة، والأقيسة إلى عبارات وحدود (47) .

2- تعريف ابن سينا: يجعل ابن سينا من المنطق مدخلا لكل العلوم الفلسفية عند أرسطو يقول:" ولما افتتحت هذا الكتاب ابتدأت بالمنطق وتحريت أن أحاذى به ترتيب كتب صاحب المنطق.." (48) . ويذكر علي سامي النشار تعريف ابن سينا للمنطق:" المنطق

هو الصناعة التي تعرفنا من أي الصور والمواد يكون الحد الصحيح الذي يسمى بالحقيقة حدا، والقياس الصحيح الذي يسمى برهانا" ويرى أن تعريف ابن سينا يقرر أن المنطق آلة نظرية صورية نتوصل بها إلى الحد الصحيح والقياس البرهاني، وبهذا لم يضف جديدا للتعريف الأرسطي (49) . ويورد ابن سينا تعريفا آخر للمنطق فيقول:" والعلم الذي يطلب ليكون آلة، فقد جرت العادة في هذه البلدان أن يسمى علم (المنطق)، ولعل له عند قوم آخرين اسم آخر، لكننا نؤثر أن نسميه الآن بهذا الاسم المشهور" (50) .

 وهذا التعريف كما هو واضح يعتبر المنطق فنا لتمييز صحيح الأحكام والاستدلالات من فاسدها. كما يقرر ابن سينا أن لهذا الفن أسماء أخرى.

3- تعريف أبو حامد الغزالي:" فعلم المنطق هو القانون الذي به يميز صحيح الحد والقياس عن فاسدهما، فيتميز العلم اليقيني عما ليس يقينيا وكـأنه الميزان والمعيار للعــلوم كلها" (51) .

وهو تعريف لا يختلف في جملته عن تعريف أرسطو على حد تعبير النشّار، فهو يصف المنطق بالقانون أي أنه الآلة الصناعية النظرية.

4- تعريف القديس توما الأكويني:" هو الصناعة التي توجه عمل العقل ذاته والتي بفضلها يسير الإنسان في عمله العقلي بشكل منظم وسهل وبلا خطأ" (52) . يرى النشّار أن أوضح تعريف لتعريفات المسحيين في العصور الوسطى للمنطق، إنما نجده عند القديس توما الأكويني.

5- تعريف بورت روايال: أرنولدArnauld (1612-1694) ونيكولNicole (1615-1659) "المنطق هو الصناعة التي يحسن بها الإنسان قيادة عقله في معرفة الأشياء عند التعلم أو التعليم" (53) . ويصفه تريكو بالتعريف الرشيق. ويلاحظ النشار أن أول تعريف عند المحدثين هو تعريف بورت رويال، باعتباره فن اكتشاف ووفن برهنة في الوقت نفسه، حيث نجد خطوة في فهم المنطق وتعريفه، قد نجدها مصرحا بها في المنطق الأرسطي. وإن كانت متضمنة فيه (54) .

6- تعريف رابييه:" المنطق هو علم العمليات والطرق التي يتأسس بواسطتها العلم". ويقدم رابييه أيضا تعريفا آخر يبرز فيه تميز المنطق الصوري عن علم المناهج فيقول:" المنطق هو علم شروط مطابقة الفكر لذاته وشروط مطابقة الفكر لموضوعاته، التي متى اجتمعت كانت الشروط الضرورية والكافية للصدق" (55) . ومن هذا التعريف يتضح لنا أن المنطق ليس علما خالصا ومستقلا عن الواقع بصورة مطلقة كما يصوره الكثير من المناطقة والفلاسفة. إن الصوّر الفكرية ليست صورا عقلية خالصة مستقلة عن الواقع بمختلف مفاهيمه بل يجب أن تنطبق على الأشياء والوقائع في العالم الخارجي.يقول تريكو:" إن المنطق الصوري وخلافا لرأي المدرسيين الانحطاطيين وهاملتن HAMILTON، فإنه لا يكفي نفسه بنفسه.و الحاصل أنه يجب أن ينطبق على شيء، وأن يكون معمولا من أجل العلم. ولقد أدرك ذلك أرسطو: فنظريته في القياس كما بسطها في (التحليلات الأولى) ليست سوى عمل تحضيري لنظرية البرهان والعلم الموجودة في التحليلات الأخيرة" (56) .

 وهذا ما جعل النشار يعلق على كل هذه التعريفات بأنها لم تخرج عن نطاق التعريف الأرسطي (57)، وحتى التغيير الذي حدث باكتشاف المنطق الرياضي ما هو إلا امتداد للمنطق الأرسطي والفرق في درجة الصورية. ولكن كيف يمكن الجمع بين كون المنطق علما وفنا في الوقت نفسه؟

ثالثا: المنطق أعلم هو أم فن؟

 إن هذه المسألة تتعلق بطبيعة المنطق وغايته، هل هو دراسة نظرية بحتة لا علاقة لها بطرق العمل وإجراءاته الفعلية؟ اختلف الناظرون في هذه المسألة فمنهم من قرر بأنه علم لا يهتم إلا بالكشف عن المبادئ أو القوانين التي تنطوي عليها مفردات موضوعه ومن هذه الناحية فهو يشترك مع بقية العلوم الأخرى على اختلاف موضوعاتها في محاولة الكشف عن المبادئ التي ينطوي عليها موضوعه الخاص وهو الفكر أو صورة الفكر.

 ومن الباحثين من يذهب على أن المنطق فن أكثر منه علم، لأنه يرشدنا ويوجهنا للتفكير الصحيح. ويرى فريق آخر أن المنطق علم وفن في آن واحد (58) . إن تحديد موقف من هذه المسألة يقتضي تحديد معنى علم ثم معنى فن ثم تحديد العلاقة بينهما.

 "إن العلم هو مجموعة القواعد العامة النظرية التي في الذهن، عن قسم من أقسام المعرفة الإنسانية، والفن هو تطبيق تلك القواعد في العالم الخارجي: أي إحداث أثر لما هو في الذهن في الخارج" (59) . ويحدد محمد مهران معنيين مختلفين لكلمة فن فقد نعني بها المهارة في إنجاز عمل كما قد تعني المعرفة النظرية بالطريقة التي يتم بها إنجاز هذا العمل على أفضل وجه ممكن. وفي هذا المعنى الأخير تكون كلمة فن مرادفة لكلمة علم، أو على الأقل أن الفن يفترض العلم فإذا كان شخصا مثلا ماهرا في قيادة السفن فهذا يفترض أن يكون على علم بقواعد الملاحة. ثم يواصل في شرح هذه العلاقة قائلا:" والآن فإننا إذا أخذنا كلمة فن بهذا المعنى الأخير كان في وسعنا أن نطلق على المنطق اسم فن، وبالتالي يكون من الواضح أن المنطق لو كان فنّا لوجب أولا أن يكون علما، لأن دراسة طبيعة التفكير الصحيح لابد لها أن تسبق إعطاء تعليمات لكي يفكر الإنسان بطرقة صحيحة" (60) . وينتهي بعد هذا التحليل إلى أن المنطق بمعناه الدقيق لا يطلق إلا على معنى واحد منهما هو المعرفة الدقيقة بطبيعة التفكير وصوره، فالمنطق لا يقدم "وصفة" يحصل بها الإنسان على معرفة عن جميع الموضوعات بل مهمته أن يصبح على وعي بطبيعة التفكير الذي تم إتباعه في تلك العلوم. وبهذا يقرر أن المنطق علم وليس فنا ولعل السبب الذي جعل البعض ينظر إليه على أنه فن يرجع إلى اعتباره في نظرهم بطبيعته "معياري" أي يبحث فيما ينبغي أن يكون عليه التفكير الصحيح (61) .

ويرى النشّار:"أن المناطقة اختلفوا حول مسألة طبيعة المنطق اختلافا كبيرا. فالبعض منهم يرى أنه إذا كان المنطق صوريا، فهو علم قائم في ذاته وبذاته، وإذا اعتبرناه ماديا، فهو فن، على أننا يجب أن نلتمس حل المشكلة أولا عند واضع المنطق" (62) . فيذهب إلى أن أرسطو لم يعط فكرة واضحة عن طبيعة المنطق هل هو علم أم فن؟ رغم أنه يطلق على هذا العلم تارة اسم الآلة وتارة أخرى يدعوه بالعلم التحليلي*. وينتهي إلى أن المنطق عند أرسطو ليس جزء من الفلسفة أي أنه ليس علما من علومها. وكنا قد أشرنا إلى هذا في تحديدنا لتسميات المنطق عبر التاريخ وكذلك عند شرحنا لتعريف أرسطو للمنطق.

أما الشراح الأسكندريون فتبنوا نزعة توفيقية حيث اعتبروا المنطق مقدمة للفلسفة وجزء منها في الوقت نفسه (63) .

 وانتقلت المشكلة إلى العالم الإسلامي، فترى الإسلاميين يصورون النزاع حول طبيعة المنطق تصويرا بارعا. فيذهب الخوارزمي -أحد مؤرخي العلم في العالم الإسلامي- إلى أن معنى الفلسفة هو علم حقائق الأشياء والعمل بما هو أصلح، ويذكر أنها تنقسم قسمين، أحدهما نظريا والآخر عمليا، أما المنطق فيرى" أن بعض الفلاسفة جعله حرفا ثالثا غير هذين، ومنهم من جعله جزء من أجزاء العلم النظري، ومنهم من جعله آلة للفلسفة، ومنهم من جعله جزء منها وآلة لها" (64) .ويرد النشار مصدر هذه الآراء إلى كتابات الشراح المتأخرين ومنهم سمبليقيوس وأمونيوس والأسكندر الأفروديسي ويعتمد في هذا القول على قراءة هاملان لتقسيمات هؤلاء الشرّاح للكتب الأرسطية.

 ويستطرد قائلا أن هذه التقسيمات انتقلت إلى العالم الإسلامي وشغلت فلاسفة الإسلام المشّائيين بحيث كانت كتاباتهم تستهل بهذه المسألة هل المنطق جزء من الفلسفة أو هو جزء سابق عليها؟ ويذكر من بين هؤلاء أبو نصر الفارابي كشارح مشّائي لأرسطو والذي حسبه لا يعطي رأيا ثابتا في المسألة، فهو يعتبره مرة جزء من الفلسفة، ومرة أخرى يعتبره آلة لها. ثم يعلق على هذا الموقف هل كان الفارابي يشعر بهذا التعارض في موقفه من هذه المسألة أم أنه كان مجرد ناقل لما وصل إليه من أراء؟ (65) . لكن يبدو أن الشطر الأول من المسألة هو الصائب أي أن الفارابي كان يشعر بهذه الطبيعة المزدوجة للمنطق، والدليل على ذلك هو ما ذهب إليه ابن سينا في المدخل ولخصه إبراهيم مدكور كما يلي: "لقد بذل جهدا عنيفا (ابن سينا) في إثبات أن الدراسات الفلسفية لا يمكن أن تكون إلا نظرية وعملية، لأنها إما أن تنصب على الوجود الذهني أو الوجود الخارجي؛ وأن النظرية لا يمكن إلا أن تكون طبيعية، رياضة محضة، وعلما إلهيا؛ وأن العملية لا يمكن إلا أن تكون سياسية وتدبير منزل، وأخلاقا. ومع هذا ينتهي إلى القول بأنه يمكن أيضا أن يعتبر كل بحث نظري فلسفة، سواء اتصل بأحد الوجودين السابقين أو بهما معا، آو أعان على فهمهما" (66) .

 وعليــه فالمنطـــق صالح أن يكون آلة للفلسفة أو جــزء منها يقول ابن سينا:"فمــن تكــون الفلسفة عنده متناولة للبحث عن الأشياء، من حيث هي موجــودة، منقسمة إلى الوجودين المذكورين، فلا يكون هذا العلم (المنطــق) عنده جزء من الفلسفة. ومن حيث هو نافع في ذلك فيكون عنده آلة في الفلسفة. ومـن تكون الفلسفة عنـده بحث نظـري، ومن كل وجه، يكون أيضا هذا عنده جزء من الفلسفة، وآلة لسائر أجزاء الفلسفة" (67) .

 ومن هنا فابن سينا يذهب إلى أن المنطق له طابع نظري وعملي في آن واحد، فهو علم لما يشتمل عليه من قوانين وقواعد ودراسات نظرية، وآلة تؤدي إلى استخلاص المجهول من المعلوم (راجع تعريفنا للمنطق عند ابن سينا. وهذه نظرة أرسطية) .

 لكن المتأخرين من المناطقة المسلمين نظروا إلى المنطق نظرة رواقية بحتة واعتبروه جزء من الفلسفة. وفي العصور الوسطى المسيحية نجد الاختلاف نفسه فهناك من تبنى النظرة الأرسطية كما عبر عنها ابن سينا والتي تعتبر المنطق علما وفنا وهناك من تبنى النظرة الرواقية التي تعتبره علما (68) . أما في العصور الحديثة فقد اعتبر ديكارت ) 1595 René DESCARTES (1650 المنطق فنا ويظهر ذلك من خلال كتابيه "مقال في المنهج" و"قواعد لهداية العقل". كما كتب مناطقة بورت روايال "فن التفكير" (69) .

و في العصور الحديثة والمعاصرة نجد عودة إلى التعريف الرواقي للمنطق بأنه علم لكن مع إدراج مناهج البحث في إطار المنطق وهذا تقليد في كتب المنطق في القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين (70) . فيعرفه جيفونز بأنه" علم قوانين الفكر" كما يرى كينز أن المنطق " هو العلم الذي يستقصي المبادئ العامـة للفكــر الصحيـح، وأن موضوعـــه هـو تفسير الأحكام لا باعتبارها ظواهر سيكولوجية وإنما باعتبارها معبرة عن معارفنا ومعتقداتنا. ويتجه المنطـق على وجـه خـاص نحـو تحديــد الشــروط التي ننتقل بفضلها من أحكام معروفة لنا إلى أحكام أخرى نستنبطها من الأولى" (71) . وهذا التعـــريف يعطي للمنطق طبيعة معيارية وهو أمر لم يعد مقبــولا أي لا يمكن الجمـــع بين كـون المنطـق علمـا ومعياريـا.

و جاء في مؤلف سوزان استبنغ " مقدمة حديثة في المنطق" حاولت أن توفق فيه بين المنطق الصوري والمنطق الرمزي، حيث ردت المنطق الأخير إلى المنطق الصوري القديم، وذهبت إلى أن المنطق الحديث (أي ما يسمى بالمنطق الرمزي أو الرياضي) ما هو إلا تعديل أو إصلاح للمنطق القديم وعرفت المنطق بأنه " علم قوانين الفكر الضرورية" (72) .

 وهناك تعريفات أخرى وأن اختلفت، لكنها تكاد تتفق على أن المنطق علم ويظهر لنا من خلال هذا العرض لمختلف المواقف حول طبيعة المنطق أنه "ليس علما معياريا يحدد الكيفية التي يجب أن نفكر بها، فالمنطق لا يتناول الصدق من وجهة نظر مبحث القيم الذي يركز بالدرجة الأولى على طبيعة القيم وأصلها وتطورها وعلاقاتها بالظروف التاريخية والاجتماعية. فالمنطق يتناول الصدق كقيمة بالمعنى الإخباري فقط" (73) . فالمنطق علم لكن هل هو علم صوري أم مادي أو صوري ومادي معا؟ هذا ما سنحاول تحليله ومناقشته في الفصل التالي.

 

مسعود بن سلمي

دراسات ما بعد التدرج سنة ثالثة دكتوراه جامعة الحاج لخضر. باتنة الجزائر.

...................................

الهوامش

 (1) يوسف محمود، المنطق الصوري ( التصورات والتصديقات)، ط1، دار الحكمة، الدوحة، 1994، ص23.

 (2) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه من أرسطو حتى راسل، تر، خليل أحمد خليل، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، ص9.

 (3) ابن خلدون عبد الرحمن، المقدمة، تح، عبد الله محمد الدرويش، ط1، دمشق، 2004، ص264.

 (4) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه، مرجع سابق، ص25.

 (5) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه، مرجع سابق، ص25.

 (6) المرجع نفسه، ص 26.

 (7) يوسف محمود، المنطق الصوري ( التصورات والتصديقات)، مرجع سابق، ص24.

 (8) أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة، معهد المناهج، 2007، ص 71-72.

 (9) محمود فهمي زيدان، المنطق الرمزي نشأته وتطوره دار النهضة العربية، بيروت لبنان، 1979.

 (10) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه، مرجع سابق، ص26.

 (11) عبد الرحمن بدوي، ربيع الفكر اليوناني، وكالة المطبوعات الكويت، دار الفكر، بيروت، لبنان، ص126-127.

 (12) يوسف محمود، المنطق الصوري ( التصورات والتصديقات)، مرجع سابق، ص25.

 (13) أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة، مرجع سابق، ص72.

 (14) المرجع نفسه، ص 73.

 (15) يوسف محمود، المنطق الصوري ( التصورات والتصديقات)، مرجع سابق، ص26-27.

 (16) جول تريكو، المنطق الصوري، تر، محمود يعقوبي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992، ص31.

 (17) أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة، مرجع سابق، ص73.

 (18) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه، مرجع سابق، ص28-29.

 (19) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه، مرجع سابق، ص29-30.

 (20) المرجع نفسه، ص 30.

 (21) المرجع نفسه والصفحة نفسها.

 (22) جول تريكو، المنطق الصوري، مرجع سابق، ص5.

 (23) أحمد الأهواني، أفلاطون، ط1، دار المعارف، القاهرة، مصر، 1965، ص110.

 (24) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه، مرجع سابق، ص31.

 (25) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه، مرجع سابق، ص32.

 (26) أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة، مرجع سابق، ص73.

 (27) المرجع نفسه، ص 73-74.

 (28) روبير بلانشي، المنطق وتاريخه، مرجع سابق، ص33.

 (29) أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة، ص230-231.

 (30) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، معهد المناهج، 2007، ص23.

 (31) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، ص 21.

 (32) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، ج1، ص37-40.

 (33) عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، ج2، سليمانزاده، ط2، 1429 هـ، 474.

 (34) عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، مرجع سابق، ص473.

 (35) أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة، ص74.

 (36) عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، مرجع سابق، ص474.

 (37) عبد الرحمن بدوي، موسوعة الفلسفة، مرجع سابق، ص474.

 (38) علي عبد المعطي محمد، والسيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، دارالمعرفةالجامعية، الأسكندرية، القاهرة، 1988، ص 19.

 (39) المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

 (40) المرجع السابق، ص20.

 (41) محمد مهران، علم المنطق، دار المعارف القاهرة، 1978، ص16-17.

 (42) أسس المنطق الرياضي، علي عبد المعطي محمد، والسيد نفادي، مرجع سابق، ص21-25.

 (43) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، دار المعرفة الجامعية، 2000، ص15.

 (44) المرجع نفسه، ص6.

 (45) أميرة حلمي مطر، الفلسفة اليونانية (تاريخها ومشكلاتها)، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، 1998، ص251-252.

 (46) محمد مهران، علم المنطق، مرجع سابق، ص18.

 (47) أميرة حلمي مطر، الفلسفة اليونانية، مرجع سابق، ص252.

 (*) وهو العنوان الذي جمعت تحته كتابات أرسطو المنطقية وتشمل ( كتاب المقولات، كتاب العبارات، التحليلات الأولى، التحليلات الثانية، كتاب الجدل، كتاب المغالطات، وأضاف المناطقة في الحضارة الإسلامية –في الغالب- كتاب إساغوجي لفورفوريوس، ومعناه المدخل وأضاف البعض كتاب الخطابة وكتاب الشعر. ( أحمد موساوي، مكانة المنطق في الفلسفة التحليلية المعاصرة ص74-79) .

 (48) ابن سينا، الشفاء، مر، إبراهيم مدكور، المطبعة الأميرية، القاهرة، 1952، ص11.

 (49) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص7.

 (50) ابن سينا، منطق المشرقيين والقصيدة المزدوجة في المنطق، المكتبة السلفية القاهرة، 1910، ص5.

 (51) أبو حامد الغزالي، مقاصد الفلاسفة، مطبعة السعادة محافظة مصر،ط1، 1512، ص 6-7.

 (52) جول تريكو، المنطق الصوري، مرجع سابق، مرجع سابق، ص22.

 (53) المرجع نفسه، والصفحة نفسها.

 (54) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص10.

 (55) جول تريكو، المنطق الصوري، مرجع سابق، ص22.

 (56) المرجع نفسه، ص25.

 (57) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص16.

 (58) محمد مهران، علم المنطق، مرجع سابق، ص26.

 (59) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص41.

 (60) محمد مهران، علم المنطق، مرجع سابق، ص26-27.

 (61) المرجع نفسه والصفحة نفسها.

 (62) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص41.

 (63) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص41.

 (64) الخوارزمي، مفاتيح العلوم، تحقيق، إبراهيم الأبياري دار الكتاب العربي، بيروت، ط2، 1989، ص153.

 (65) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص45-46.

 (*) التحليلات الأولى والتحليلات الثانية.

 (66) ابن سينا، الشفاء، مرجع سابق، ص53.

 (67) ابن سينا، الشفاء –المدخل- مرجع سابق، ص15-16.

 (68) علي سامي النشار، المنطق الصوري (منذ أرسطو حتى عصورنا الحاضرة)، مرجع سابق، ص47.

 (69) علي عبد المعطي، السيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، مرجع سابق، ص30.

 (70) عبد الرحمن بدوي، تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي، اجتماع الخبراء مراكش، المملكة المغربية، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1990، ص54.

 (71) علي عبد المعطي، السيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، مرجع سابق، ص31-32.

 (72) المرجع السابق، ص33-34.

 (73) أحمد موساوي، مدخل جديد إلى المنطق المعاصر، مرجع سابق، ص27-28.

 

علي محمد اليوسفجدل الفكروالواقع: نجد في التضاد الجدلي الهيجلي (أن حركة الافكار هي نفسها حركة الاشياء، وصراع التضاد هو قانون النمو التطوري)(1)

فموجودات الطبيعة ومكوناتها، والوجود والحياة والتاريخ بمجملها، تتداخل معها علاقة الفكر الانساني وأرادة التغيير القائمة على رصد الفكر لحركة الاشياء في تضادهما المستمر، ويرتبط الفكر والواقع بعلاقة جدلية متخارجة في التأثير لكليهما.. فالواقع لا يتطور بمعزل عن الفكر ولا الفكر يتطور بمعزل عن الواقع.. ومعرفة حقيقة الاشياء تكون بمرجعية مقارنة خصائصها المدركة بما تختزنه الذاكرة في معرفة غيرها من الاشياء بالتجربة والتكرار.. فمعرفة الشيء لا تكون من غير مخزون تجريبي في الذهن يساعد على فهمه وتفسيره بالمقارنة المغايرة بغيره.. .بمعنى معرفة الشيء لا تدرك من غير ذخيرة ذهنية مكتسبة ومختزنة بالذاكرة تخص غيره من الاشياء ليجد حضوره المعرفي الخاص به في تلك المقارنة المعرفية.. ولا يكون الدماغ خلوّا من المعارف القبلية الفطرية والمكتسبة في معرفته مواضيع الوعي والادراك.. .

التضاد الجدلي ليس قانونا يحكم الوجود والطبيعة في وجودهما المستقل وحسب.. وأنما هو ناتج تضاد الفكر الانساني وتقاطعه مع تلك القوانين كعامل موضوعي خارجي يعمل على أنضاج الجدل الذاتي داخل الاشياء في تحقيق طفرات تغيراتها الكمية وتحوّلاتها الكيفية على السواء.. والواقع في كل تمظهراته هو مواضيع الفكروالوعي، لكن لا يكون الفكر موضوعا مدركا من الواقع.. الواقع بجميع مكوناته واشتمالاته لا يدرك الفكر كما يدرك الفكر الواقع..

الفكر يستمد فاعليته وحيويته الجدلية في التغيير من أسبقية أنطولوجيا الموجودات في العالم الخارجي عليه، التي يدخل معها الفكر في تضاد جدلي متخارج كعامل موضوعي مساعد لتطورها الذاتي، والموجودات التي يرصدها الفكر خارجيا أنما هي تحمل جدلها الخاص بها في التناقض الذاتي الداخلي الذي يحدد صفاتها الخارجية مع ماهياتها الذاتية أو جواهرها المحتجبة خلف صفاتها الخارجية البائنة.. مواضيع الادراك الفكري تحمل تناقضين من الجدل، الاول هو الجدل الذي يعتمل داخل الاشياء ذاتيا ولا يقوى على تغييرها منفردا، الثاني هو التناقض الجدلي مع الفكر الخارجي الموضوعي الذي به ومن خلاله وناتجه يحصل التطور والانتقالات التغييرية في الاشياء..

الاشياء والموجودات الواقعية المادية تدخل في علاقة تضاد خارجي مع الفكر الانساني وأرادة التغيير المستمر وبذلك تمتلك قدراتها التطورية التي تكون معطلة ذاتيا في الاشياء قبل تداخل الجدل الفكري معها.. .. ويكون ناتج هذه العلاقة الجدلية المتخارجة تطور كل من موجودات الواقع والفكر الانساني المتعالق معها كليهما، ، أي أن الفكر في الوقت الذي يستهدف الاشياء في التغيير هو الآخر يتغير أيضا في موازاة تغييره الاشياء.. كما أن الموجودات والاشياء في العالم الخارجي والطبيعة لا تتغير ذاتيا بفعل التناقض الذي يعتمل داخلها من غير ما دخولها مع تناقض جدلي مع الفكر الانساني الذي هو العامل الموضوعي الخارجي في أحداث التطور المطلوب في واقع الاشياء والموجودات كما اشرنا له سابقا.. الفكريقود الموجودات الى حالات ومراحل متغيرة تطورية مستمرة.. والفكر يقود الواقع ولا يقود الواقع الفكر، ومهمة الفكر تحفيز الجدل الذاتي داخل الاشياء في تحقيقه قفزات من حالة تطورية الى حالة جديدة تطورية أخرى أكثر تقدما وهكذا..

أن من المهم الاشارة له الى أن الواقع لا يتغير ذاتيا ولا يغير الافكار بقدر أمكانية وقدرات الافكار تغييرها واقع الاشياء في سيرورتها التطورية.. لكن يبقى الفكر ملزما أن يتغير هو أيضا في مواكبته التطور الحاصل في متغيرات الواقع ويكون تطوره سابقا على تطور واقع الاشياء بأستمرار دائما.. وحركة التغيير في الواقع لا تستبق حركة التغيير بالفكر والا أنعدم حضور تأثير وأهمية الفكر في قيادة تغييره الواقع .. وفي الوقت الذي يكون الفكر عاملا موضوعيا في تسريعه الجدل الذاتي التطوري المعتمل داخل الاشياء فهو يستمد من حركة الواقع المتغيرة تطوره هو الآخر في استباقه وتقدمه على حركة التغيير بالاشياء.. الفكر يكون على الدوام سابقا حركة الاشياء ويكون في وضع قيادي في سحبه الموجودات وراءه في تطورها الحركي المتغير على الدوام، والفكر ليس أنعكاس الواقع على وفق آلية ميكانيكية تفتقد الجدل التنموي بين الاشياء من جهة وتعالق الفكر تنمويا بها من جهة أخرى.. والفكر يدرك الواقع ليس لمعرفته فقط وانما لتغييره بانتظام..

عليه يمكننا القول أن الواقع بكل مكوناته وموجوداته المادية المستقلة أنما هي تحمل عوامل التضاد والتناقض داخليا لكنها تعجز عن أحداث التغيير المطلوب بقواها الذاتية المجردة عن قيادة الفكر لهذا التناقض بل في وجوب دخول تناقض الاشياء الذاتية مع الفكر الذي يمثل العامل الموضوعي المحرك لجدل التناقض الداخلي واكسابه التطور المتلاحق على الدوام معه في تخارج يحقق أرادة التغيير والتطورعلى مراحل من التجديد المستمر.. الفكر الجدلي التطوري في جوهره أرادة ملزمة في نشدانها تغيير الواقع، والفكر الذي لا تقوده قصدية أرادة تحقيق الهدف يكون فكرا أعزلا من أمكانية قيادة تناقضات الواقع وفي تحقيق التطورات المستمرة فيه..

تعالق الواقع والفكروبينهما العقل

( العقل هو جوهر الكون، وتصميم الكون عقلي خالص ومطلق)(2)، الفكر نتاج عقلي لا يعمل في غياب الواقع المادي للاشياء أو في غياب الموضوع المتخيل من الذاكرة، بمعنى الفكر لا فاعلية له تذكر في غياب مواضيع تفكيره المادية والخيالية، والفكر قوة مادية يكتسب ماديته من علاقته الجدلية بالواقع في تخارجه مع مواضيعه المدركة.. والفكر من غير مدركات مواضيعه لا قيمة له وغير موجود اذ بالموضوع المدرك وحده في تعالقه الجدلي به هو وحده الذي يحدد قيمة الفكر وأهميته.. الواقع والفكر وجهين لعملة واحدة لا يكتسب احدهما قيمته بمعزل عن الاخر أوفي غياب حضور أحدهما المتعالق مع الآخر.. وحضور فاعلية العقل تكون الى جانب الفكر بعّلة الفكر أنه نتاج عقلي بخلاف الواقع الذي هو وجود مستقل لا علاقة للعقل في أيجاده بل علاقة العقل به في وجوب تغييره.. العقل يكسب الفكر ماديته في تعالقه الجدلي مع الواقع، ويبقى الفكر والواقع وسيلتي أدراك العقل يؤثر بهما ويصوغهما حسب مقولاته العقلية لكنه يحتفظ بمسافة رصد وتخليق تجعل من أستقلالية العقل حقيقة مطلقة على العكس من نسبيتي الواقع والفكر، فهما موضوعي ادراك عقلي وليسا حقائق مطلقة خارج وصاية العقل عليهما.. وأخيرا يبقى الفكر الوسيلة الوحيدة لفهم الواقع وتغييره عقليا بتجريد اللغة..

التاريخ والفكر

يبقى التاريخ في النهاية مسارا عشوائيا لمختلف الوقائع والاحداث لا تحكمه الضرورة الحتمية في الزامها تطوره ذاتيا، التاريخ لا يتطور تصاعديا بقوى خفية تلهمه التقدم الى أمام من غير أرادة انسانية تقود حوادثه نحو الافضل أو الاسوأ على السواء تبعا لنوعية الارادة في تغيير ورسم مساراته الفوضوية التي تدخل عليه الصدف العفوية والصدف المصّنعة.. ولو كان مسار التاريخ حتمية تطورية تحكمها الضرورة لما كانت ولادة العولمة بعد انهيار منظومة الاتحاد السوفييتي، فالعولمة لم تكن حتمية تحكمها الضرورة بل هي انبجاس تاريخي طاريء رأسماليا ولد من العشوائية والصدفة المصنّعة التي تحكم التاريخ أكثرمنها حصيلة وثمرة روحية التاريخ التي كما تذهب له التنظيرات الفلسفية يسير بقوى خفيّة تقود مساره الى مراحل متقدمة متصاعدة، ..

التاريخ تحقيب زمني بعدي لا قبلي لا سيطرة للانسان عليه قبل وقوعه وحدوثه ويبقى الاستدلال عليه في التحقيب الزمني له فقط وليس في تحقيبه الانثروبولوجي الذي هو متحفية التاريخ وليس حيوية التاريخ.. التاريخ ملهم.. نعم ملهم.. التاريخ يقود نفسه نحو غايات مرسوم بلوغها له سلفا.. لا.. معرفتنا التاريخ هي معرفة الفكر لزمن الوجود.. أدراك لأحداث أنثروبولوجية ماضية من العبث أن تحكم الاحياء في قانون كان الاجدر أن يحدث هذا ولم يحدث ذاك.. وهذا دليل قاطع أن التاريخ أخطاء قاتلة نتيجة فوضوية مساراته المتعثرة بالصدف العشوائية على الدوام.. والمسكوت عنه في التاريخ هو نبش في الوقوف على فوضوية وعشوائية المسار التاريخي.. ألتاريخ بمجمله هو ناتج تصحصح أخطائه في مساره الفوضوي..

ويبقى فهمنا التاريخ أنه قراءة فكرية في النهاية، التاريخ يبقى حضوره كنتاج الفكر الذي يقود وقائع وأحداث التاريخ المتحفية الانثروبولوجية، وتورخة التاريخ في جوهرها عملية فكرية في تنظيم مسارالتاريخ، والفكر هو أرادة التغيير الانساني الهادف بعيدا وبمعزل عن أمكانية التاريخ أن يصنع تطوراته الخطيّة ذاتيا، ومن غير تنظيم الفكر الانساني لعشوائية مسار التاريخ لا يخرج هذا الاخير من مطبّات الأعاقة والصدف الطارئة على تشكيل أحداثه ووقائعه، ، وقائع وأحداث التاريخ هي نظام الافكار المحكومة بأرادة التغيير المستمر الدائم نحو الافضل..

المادة والفكر

علاقة المادة بالفكر تعتبر أهم مبحث فلسفي أستحدث لاحقا بعد مبحثي الانطولوجيا والميتافيزيقا ، منذ نشأة الفلسفة في القرن السادس قبل الميلاد، وعلى أمتداد قرون طويلة من تاريخ الفلسفات المثالية وصل مبحث علاقة الفكر بالمادة الى تمفصّل جوهري متمايز كبير بمجيء كلا من هيجل وفيورباخ وماركس في القرن التاسع عشر.. وقبل هذا التاريخ كانت الفلسفة بمجمل مباحثها نزعات مثالية صرفة أشتملت على أرهاصات مادية متناثرة لا يعّول عليها كثيرا تمّثلت في نزعات مادية بدئية لدى كل من ديمقريطس في الذرات الذي أخذها عنه لايبتنز في الموناداة وهيرقليطس في الحركة والتغيير المستمرين اللذين يحكمان المادة وظواهر الحياة التي أخذها عنه هيجل في الحركة والديالكتيك..

نستطيع الجزم أن الفلسفات جميعها الى ماقبل القرن التاسع عشر وقبل مجيء ماركس، كانت فلسفات مثالية محورها الارتكازي هو الفكر التجريدي المحض الذي يعالج الواقع المادي بتصورات عقلية ذهنية تكتفي بتفسير بعض مظاهر الحياة ولا تمت بصلة لمحاولة تغييرها وتبديلها.. وقد ورثت النزعات الفلسفية المثالية الحديثة التي رافقت نشوء الماركسية المادية، أهمية أسبقية وأولوية الفكر على المادة معتبرة الفكر المجرد جوهر مستقل قائم بذاته يستطيع تفسير العالم ولا وجود لشيء أسمه مادة أو واقع خارجي يحتوي مكونات لا حصر لها، ولا وجود حتى لعقل خارج تصورات الذهن الواصلة عبر الحواس.. فقد أنكر بيركلي المادة في وجودها المتموضع واقعيا في عالم الاشياء معتبرا اياها صورا في الذهن، وذهب ديفيد هيوم في نفس المنحى في أنكاره العقل ومبدأ العليّة السببية، معتبرا العلاقات التي تربط العلة بالمعلول هي تجربة تتكرس في الذاكرة بحكم التكرار والتجربة حتى تصبح العادة في حكمنا على الاشياء.. وفي نفس المنحى المثالي ذهبت التجريبية الانكليزية الحديثة والتحليلية عند جورج مور وبيراتراندرسل مستفيدة من أرث كانط المثالي وبيكون وجون لوك التجريبي الى أفشاء التفكير المثالي الفلسفي المناويء للماركسية، كما عمدت الفلسفة البراجماتية الامريكية في نفس المنحى لدى أقطابها ريتشارد بيرس، وليم جيمس، وجون ديوي.. الذين رفعوا شعارهم المعروف بالمنفعة العملانية للافكار، والافكار صحيحة ليس باتساقها المنطقي بل بما تحمله من أمكانية تحقيق المنفعة الواقعية التطبيقية في الحياة..

وبمجيء أقطاب المادية الماركسية الثلاثة هيجل ، فيورباخ، وماركس، ظهرت الفلسفة المادية منتصف القرن التاسع عشر وبداية العشرين بأجلى صور التمايز عن المثالية، فقد بعث هيجل مبدأ الديالكتيك أو الجدل في تأكيده أهمية الحركة والتناقض، وذهب معاصره المنشق عنه فيورباخ الى تبني نزعة مادية أراد تطبيقها تحديدا على نشأة الاديان في ثلاث من أهم مؤلفاته الفلسفية، ليأتي من بعدهما كلا من ماركس وأنجلز ليكملا المسيرة في وضع قوانين المادية الديالكتيكية على صعيد المادة ، والمادية التاريخية على صعيد التطور الانثروبولوجي والسيوسيولوجي الطبقي.. ومن الجدير الاشارة له في دراسة علاقة الفكر بالمادة التي أشبعت تناولا فكريا وفلسفيا لدى أقطاب فلاسفة المادية الماركسية بدءا من لينين وستالين وتروتسكي وروزا لوكسمبورغ ولوكاتش وغرامشي وعشرات وأكثر غيرهم.. أن علاقة الفكر بالمادة تفرض فرز وتشخيص نوعية الفكر الذي هو حركة دائبة متغيّرة على الدوام في علاقته بالمادة التي تكون في حال من الحركة غير المدركة التي توهم بالسكون والثبات.. من جنبة أخرى المادة ليست هي الفكر ولا الفكر هو المادة، فالمادة باعث للفكر وحافز له على تناول مواضيع أدراكاته بالتفسير والتحليل والتأويل والعّلة، والفكر الذي هو في سمته الاساس المميزة له أنه عقلاني مصدره العقل تقابله المادة في لا عقلانيتها أنها لا تعي ذاتها ولا تدرك ما حولها ولا تفهم علاقاتها بغيرها، فهي وجود انطولوجي لا عقلاني مجرد من الفاعلية الادراكية.. والمادة وجود لا يمتلك الادراك لكنها تمثل موضوع الادراك للفكر، المادة وجود سلبي لاقيمة حقيقية له من غير معالجة الفكر لها، ..

أخيرا ما الذي يجعل أي من المذهبين الفلسفيين المادي أم المثالي قادرا على خدمة الانسان ومواكبة تطور الحياة ؟ طبعا هنا يبرز دور العلم في كلمة الفصل، فالعلم بمنجزاته الهائلة لم يعتمد الفلسفات المثالية التي لا تجد في الحياة غير تصورات الذهن المجردة المعزولة، وانما يعتمد العلم التجربة التي تقوم على أسبقية المادة التي هي الركن الاساس في التفكير المادي والمثالي والعلمي على السواء.وتبقى المحصلة في صحة تطبيق الافكار على تغيير الواقع.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش

 1.2، ويل ديورانت، قصة الفلسفة ص 379

 

 

 

علي محمد اليوسفاللغة والفكر لا يحضران سوّية ألا في محاولة تنفيذ أيعازات مصنع الحيوية البشرية في الاخبار الادراكي العقلي عن موضوع جرى التفكير به عقليا وأكتملت مهمة أعادته من العقل الى عالم الاشياء كفكرجديد بلغة جديدة وليس كوجود سابق مستقل في عالم الاشياء.بمعنى أن ادراك العقل للاشياء ليس لمجرد معرفتها ولكن لتخليقها من جديد حسب مقولات العقل التجديدية له كما يذهب له كانط..

التساؤل الآن كيف تكون اللغة هي الفكرحسب ما تذهب له جميع نظريات علم اللغة واللسانيات المعاصرة، ولماذا يعجز أدراك العقل للاشياء التفريق بينهما أي بين الفكر واللغة أذا كانا يحملان مدلولين متباينين مختلفين في تعبيرهما عن الموضوع الواحد بأكثر من أدراك وتأويل واحد؟ وهل التفريق بين الفكر واللغة هو لغرض مصطلحي مجازي غير حقيقي ولا واقعي في التطبيق؟؟.

هنا اللغة والفكر الملازم لها في التعبيرليس بمقدورهما تفسير وجود الاشياء بمعزل أحدهما عن الاخر أي بمعزل اللغة عن الفكر، أو الفكر عن اللغة لأن في ذلك أستحالة أدراكية تعجيزية للعقل في أمتناع الفكر واللغة التعبير عما يرغب العقل التعبير عنه وجودا مدركا بوسيلة اللغة التي هي وسيلة نقل تفكير العقل بالاشياء والمواضيع التي يدركها..

أن في عجز الفلسفة الخروج عن نظرياتها المفترضة شبه الثابتة أن الفكر هو اللغة المعبّرة عنه، أو أن اللغة هي وعاء الفكرحسب دي سوسير، أو أن اللغة هي بيت الوجود كما عند هيدجر...وأن اللغة مبتدأ ومنتهى أدراك وجود الاشياء في العالم الخارجي...جميع هذه التعبيرات الفلسفية تفهم اللغة على أنها فعالية أدراكية عقلية في تحديد الفكرة أو الموضوع في تموضعهما خارجيا كي يتم أدراك الشيء ومعرفته من قبل الآخرين من الذوات العقلية المدركة وهو صحيح الى حد كبيرولا يتوفر مجال أدحاضه في الاحتكام للعقل وأدراكه الوجود.

في هذه الحالة حين تكون اللغة هي تعبير عن فكرة متموضعة داخل العقل في تمثلاته مواضيع الادراك المستمدة من الذاكرة والخيال وتكون اللغة متموضعة خارج العقل حين يكون الموضوع المعبر عنه ماديا في وجوده المستقل في عالم الموجودات والاشياء خارج العقل، عندها في كلتا الحالتين يستحيل الفصل بين اللغة والفكرة أو الموضوع المعّبرعنه بهما. فبهما (الفكر واللغة) أصبح التفكير الذهني العقلي موضوعا و متعيّنا وجودا في العالم الخارجي بعد تخليقه بمقولات العقل الاثنتي عشرة مقولة حسب كانط ببعضها وليس بمجملها حسب نوعية الموضوع المدرك عقليا ونوعية تخليقه ثانية بالفكر اللغوي بعد تمثله ادراكيا، وفي هذا يكون تفكير العقل خارجيا أو بالاحرى من أجل فهم الوجود الخارجي في مكوناته المستقلة ليس من اجل معرفتها فقط كما ذكرنا سابقا.

حين نقول تفكير العقل الداخلي المقصود به هو التفكير الصامت بالذهن خياليا، أما تفكير العقل خارجيا فهو عندما يجري تعبير اللغة عن موضوع تفكيرالعقل واقعيا ماديا وموجودا...وفي الواقع أن هذا التفريق في تفكير العقل داخليا صمتا بصور لغوية وخارجيا بوسيلة اللغة ايضا، أنما هما في الاصل تفكير واحد للعقل في موضوع محدد مشترك يتميّز به بمعزل عن كل موجود مادي أو متخيّل مصدره الذاكرة ...أي أن العقل واللغة والفكر يجمعهم (وحدة الموضوع ) المدرك لشيء في زمن واحد...وهكذا هي الحال في تناول أي موضوع أو شيء من العالم الخارجي المادي أو خيالي مصدره الذاكرة.

نذّكر أن علم اللغة واللسانيات تعتبر اللغة والفكر هما وجهين لعملة واحدة ولا تفريق بينهما كما ذكرنا سابقا، فاللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ريكور وفنجشتين ودي سوسيروجومسكي وجميع فلاسفة وعلماء اللغة...بأعتبار اللغة هي فعالية العقل في تعيين أدركاته للموجودات والاشياء الخارجية.

نأتي الآن الى معالجة أصل أمكانية فصل الفكر عن اللغة، على أنها أستحالة أدراكية في فهم الاشياء والمواضيع في حال وجودها في العالم الخارجي في أستقلالية عن الانسان سواء كانت مواضيع تناولها العقل بالادراك وأعادها باللغة والفكر ثانية الى عالم الواقع من جديد بعد تخليقها عقليا، أو لم يدركها في وجودها المستقل التي أيضا تستطيع الحواس و اللغة التعبير عنها وهذا لا يتم من غير الوعي العقلي الادراكي لموضوعه وبغير ذلك لا تمتلك اللغة فاعلية التعبير عن الموضوع وكذا الحال مع الحواس في أدراكها الموجودات فلا قيمة لها من غير مرجعية أسنادهما بمدركات العقل فالحواس تدرك المحسوسات على وفق منظومة الجهاز العصبي التي ترتبط بالدماغ الذي هو جزء العقل الفاعل بالادراك.كما ان الحواس لا تستطيع التعبير عن واقع الاشياء دونما وصاية العقل عليها وتوجيهها..

وطالما كانت اللغة والتفكير معطّلان كوظيفة نقل ما يقترحه العقل عليهما نقله الى العالم الخارجي، أي بقاء العقل يفكر ذاتيا صمتا بمعزل عن نقل ما يفكر به لغويا، فأن العقل وسيلة تفكيره هو الفكر ذاته فقط ولا يحتاج اللغة تعبيرا خارجيا عن موضوع تفكيره الا على أنها جزء من الفكر كتصور لغوي فالوعي الادراكي يتمثل الموجودات بصور وعلامات ومرموزات اللغة التي هي جميعها تجريد ذهني يعبّر عن موجودات العالم الخارجي..

وملازمة الفكر الذي هو وسيلة العقل في الادراك غير المنفصل عن تعبير اللغة فاللغة والفكر وجهان لعملة واحدة في ادراك العقل للاشياء والموجودات في العالم الخارجي.. خارج الدماغ أو العقل في وجود الاشياء مستقلة كموجودات، وتفكير العقل وتخليقه لموضوعه ثانية، فلا يدرك الموضوع او الشيء خارجيا من غيره الا بواسطة اللغة فقط الناقلة للفكر من داخل العقل (الدماغ) الى واقع الوجود في عالم الاشياء.وبنفس الآلية يكون تفكير العقل بمواضيع الخيال في تمثُلها صوريا لغويا..

وعندما يتجسد ويتّعين الموضوع في عالم الاشياء الخارجي بالتعبير عنه لغويا أو بأية وسيلة تعبير غير اللغة الصوتية أو المكتوبة بخلاف مواضيع (الخيال والذاكرة) في الذهن، فهنا لا يصبح فصل الفكرعن اللغة ذات أهمية كبيرة، ولكن تبقى اللغة في أثناء عملية تفكير العقل (صمتا) في مرتبة ثانوية بعد الفكر في مقارنتها باولويتها في التعبير عن الموجودات الخارجية في العالم الخارجي والطبيعة خارج هيمنة أدراك الحس والعقل لها بعد تخليقها، عندما تكون اللغة جزءا لا ينفصل عن موضوعها الذي عبّرت عنه في عالم الاشياء والموجودات في العالم الخارجي.

وحتى في هذه الحالة فالفكر وتعبير اللغة يبقيان قاصرين عن التعبير عن الموجودات المستقلة من دون أدراك العقل لها وتحديده نوعية الفكر ونوعية اللغة المعبّرة عنها. ويكون وعي الذات هي كينونة متشّكلة من الوجود المدرك، بالمحسوسات، ومن العقل، وأيضا من الفكر واللغة. وجميعها تشكل منظومة العقل الادراكية للاشياء المادية والمواضيع المتخيّلة عل السواء.

لذا عندما يكون تفكير العقل صمتا جوّانيا، يصبح التفكير بالشيء سابق على لغة التعبير عنه خارجيا... فالموضوع المفكّر به صمتا من غير تعبير لغوي يبقى حبيس ووصاية العقل في التفكير به قبل أهمية أنشغال العقل في التعبير اللغوي عنه.

أن اللغة أثناء زمانية تفكير العقل بموضوعه صمتا داخليا، تكون ملازمة لعملية تفكير العقل ذاتيا، لكنها لا تتقدم تفكير العقل... فليس كل تفكير داخل العقل صمتا يلزم حضور اللغة معه لكنه يلزم حضور الفكر وحده، ولكن التفكير داخل العقل الصامت لا يستطيع التفكير من غير صور لغوية وهذه أشكالية تؤكد أستحالة فصل الفكر عن اللغة بالمطلق والاستحالة القطعية لا في تعبير العقل عن موضوعات أدراكه الخارجية ولا في تعبيره عنها بالفكر داخله...

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

علي محمد اليوسفنيتشة والبداية: لم يكن نيتشة على حذر كاف مسؤول حين أطلق عبارته الاستفزازية موت الاله، ولم يكن على تقدير تنبؤي صادق مع نفسه لما ستجّر اليه تلك المقولة من عواقب تدميرية خارج حساباته الفلسفية على صعيد وجود ملتبس انساني لم تحسم فيه العديد من علامات الاستفهام.. لم يستهدف ثيولوجيا الدين تحديدا كما أراد نيتشة في موت الاله، ولم يدرك مدى تبعات مقولته السائبة تلك على تداعيات فكرية معرفية ستطال الانسان والعقل والسرديات الكبرى في الفلسفة والعقل والتاريخ ومختلف علوم الانسانيات من بعده التي أستنفدت حقيقتها الجوهرية بالاجترار وعمقت التصّحر الثقافي الساذج المتطرف في تبني الجدب الخوائي للوجود الانساني في تقويض وجوده كائنا محوريا واستبعاده – المعرفي خارج منظومة الحياة الفكرية اللغوية وأعتباره موجودا متشيئا لا قيمة أستثنائية له يعلو بها على مكونات وأشياء الطبيعة غيره.

لم يكن نيتشة في مقولته تلك سوى نزوة أستفزايزية لتقويض ثيولوجيا الدين ممثلة بسلطة الكنيسة المطلقة فقط تحديدا وزعزعة الايمان القطعي الدوغمائي في التسليم لما يجب هدمه وتقويضه من كهنوت وضعي زائف طاريء جرى تجييره لزيادة عذابات الانسان في جحيم الحياة.. موت الاله نيتشويا كان الفخ الذي نصبه نيتشة في غابة مليئة بخرافات وقهر وأستلاب القيم الانسانية في العصور الوسطى الاوربية على صعيد تغوّل أنحرافات لاهوت الدين عن مساره الطبيعي كمنقذ للانسان في الحياة، ولم يكن نيتشة يدرك أن موت الاله سيتبعه موت الانسان كقيمة عليا في رأسمال الحياة والا ما كان وضع الانسان الذي أراد أنقاذه من ورطته الكهنوتية الوضعية في وهدة سقوطه بورطة أكبر أن يكون فيما تلا عصر نيتشة أنسانا متشيئا لا قيمة أنسانية حقيقية يحملها ولا قيمة روحية سامية يدافع عنها جديرة بالاهتمام المعرفي الفلسفي...

الفخ المربك الذي نصبه نيتشة ولم يحاول غيره تقليده بل التمسك الخاطيء به لم يكن في وارد فلسفة نيتشة أن يكون الانسان بعد موت الاله أسعد حالا منه العيش في ظل الاله الذي الحي الذي لم يمته نيتشة ولن يموت..وهنا خطأ نيتشة بحق الانسان كمخلوق ميتافيزيقي ديني بالفطرة وليس مخلوقا تصنيعيا ملحدا بالفكرالعبثي في تقويض كل متبنياته التي أكتسبها عبر العصور في الفلسفات التي أعقبت موت نيتشة بداية القرن العشرين ..الحقيقة التي يجري التغافل عنها أن نيتشة في مقولته التي أصبحت الكتاب المقدس الزائف للملحدين أنه لم يقتل الله بقدر أغتياله الانسان كموجود ديني ميتافيزيقي كان ولا يزال جحيمه في الحياة أكبر من جحيمه الموعود به في السماء..ولم يكن موت الاله ولا بقائه الحي سببا بذلك..الخلل كان ولا زال ليس في الايمان بالله من عدمه بل الخلل في الكهنوت الوضعي ولاهوت الاديان والخرافات المليئة بها الكتب التي توصف بالمقدسة وتدعي محتوياتها الزائفة أنها من وحي الاله الخالق..وليس أبتداعات خرافية تهويلية لأناس أشتروا ثراءهم الدنيوي بأسم التضليل الديني التعبوي في نشر وتعميم الجهال والتخلف والخرافة..

البنيوية ونهاية الانسان

التيه العدمي الذي وضع نيتشة الانسان فيه منذ نهايات القرن التاسع عشرفي مقولته الاستفزازية الملغمّة موت الاله أستقبلته البنيوية في أعتمادها مرتكزين الاول أن الانسان كوجود مأزوم قلق ليس من المتاح أنقاذه في المدى المنظور بل ولا أهمية تسترعي الاهتمام به كبؤرة مركزية تدور في فلكها الفلسفة والعلم والمعرفة والحياة، والمرتكز الثاني هو علم اللغة كمفهوم مستحدث خارج منظومة الحياة مستقل لا علاقة تربطه بما أصطلح تسميته السرديات اليقينية الكبرى من ضمنها الدين... كلاهما الانسان كوجود ومنظومة اللغة في انفصالها عن الانسان والواقع جرى أقصائهما العمد على لسان دي سوسير مخترع لعبة اللغة القائمة على أزدواجية المفهوم وليس أزدواجية المعنى التي كانت مفتتح تجربة جديدة في أستقبال الايديولوجيا الفلسفية المستمدة من نيتشة في توظيف اللغة كأداة هدم وتقويض زادت عليه البنيوية تطرف أسلوب (القوة الناعمة) بالفلسفة اللغوية والتاويل وهو مصطلح نحته لاول مرة بضوء هذا الترسيم الفلسفي التي أرادته البنيوية عسى أن يحظى بمطابقة الاحالة الصحيحة في التقويض البنيوي- التفكيكي لعالم الانسان من دون الانسان..

وبهذا الترسيم العدمي البعيد جدا عن أعتماد ايديولوجيا السياسة التي أستهلكت نفسها على هامش نقد الفلسفة الفضفاض أذ لم تعد أيديولوجيا السرديات الكبرى وسيلة هدم وبناء كما هو المرجو فأستأثرت الفلسفتان البنيوية - التفكيكية تحديدا ملء فراغ الهدم والتقويض دونما البناء في أعتمادهما أسلوب قوة اللغة الناعمة في تنفيذها المطلوب، وسرعان ما تبنّى أقطاب البنيوية كلا من بارت وفوكو ولاكان والى حد ما على صعيد ما نقصده منطلقات فلسفة اللغة الناعمة في المراجعة والتقويض أنضمام كلا من شتراوس في الانثروبوجيا (اثنولوجيا الاقوام البدائية) والتوسير في أستهدافه السردية الماركسية الكبرى الشاخصة في كتاب رأس المال.. وبارت على صعيد الادب في موت المؤلف، ولاكان في علم النفس، وفوكو في أستدافه كل شيء يطاله بدءا من الانسان والعقل وليس انتهاءا بالجنسانية والجنون وسلطة القمع والمنع والسجون..

اذا ما سمحنا لانفسنا تجاوز المسار الفلسفي المعقد المتشعب لاقطاب البنيوية سنجد أنفسنا نتوقف أمام تداخلاتهم مع أبرز أمتداد فلسفي لتطوير مفهوم علم اللغة واللسانيات في مشروع بول ريكور في فلسفة التاويل الذي يقوم بالاساس الاشتغال على تطويره منحى التاويل البنيوي الذي جاء تتويجه (حيث وجد ريكور مشروعه التاويلي اللغوي يستثمر أتجاهات الفلسفات الغربية الحديثة جميعا، البنيوية، الوجودية، التاويلية، الماركسية، ونظرية الثقافة والتفكيك، والتحليل اللغوي ونظريات اللغة، وأخيرا انثروبولوجيا الدين)1 وقد أفاد ريكور في منهجه البنيوي التاويلي من ميراث فلاسفة التاويل غادمير، وشلاير ماخر، وأخيرا دلتاي..

الانفصامية المرضية فلسفيا التي وضعت الانسان كوجود مركزي طارد في مأزق الاحتضار السريري التي كانت البنيوية أضطلعت بالمهمة الكبرى تنفيذه في حقنها ذلك المريض المحتضر (الانسان) الذي خرج من محنة الحداثة وما بعدها في تقويضهما كل مكتسباته التي حققها له عصر النهضة والانوار والحداثة، نقول عمدت البنيوية الى تشييئه الالغائي كوجود محوري تدور في فلكه كل ماسمي بالمعارف والعلوم والسرديات الكبرى على ما شابها من قصور لم يكن الانسان مرتكز ذلك القصور كسبب ولكن كان المساهم الاكبر الوحيد الذي ناء بحمله عواقب ذلك القصور لزمن طويل الى اليوم...

هذا الانفصام المرضي الفلسفي الذي تبنته البنيوية بضراوة كان في أعتمادها مفهوم الاكتفاء الذاتي في منظومة اللغة الانفصال التام عن الواقع الانساني بغية الوصول الى معرفة حقيقية للعالم على وفق قراءة لغوية بنيوية نسقية جديدة تنقذ اللغة من أحتكار علاقتها بالواقع وأستئثارها التعبير عنه وحدها.. ولم تعد اللغة مرتهنة وظيفيا وسيليا في تجسير فهم الواقع بتعبير اللغة السطحي المعتاد على حد سوق ذرائع البنيوية كفلسفة حضور لمفاهيم ما بعد الحداثة.. وهذا (الانفصام جعل من الانظمة اللغوية في البنيوية وتأويلية بول ريكور أنظمة مغلقة مكتفية ذاتيا تنطوي ضمنا على جميع العلاقات الممكنة بداخلها، وبالتالي لا يبقى من علاقة ضرورية تجمع اللغة بالعالم الخارجي في تمثّلات اللغة له)2

واضح المقصود بالخارج اللغوي هو العالم الواقعي الخارجي للانسان بما هو الحياة في تمثّلات اللغة التعبيرية عنه تداوليا كلام تحاوري مجتمعي.. وليس بالمعنى الفلسفي الذي عبر عنه دي سوسير أن اللغة تمتلك نظامها الداخلي الخاص بها ولا حاجة للواقع الخارجي التعريف بها،وكذا الحال معكوسا أن الواقع بكل منظوماته التكوينية له يحقق الكفاية الذاتية به بمعزل عن أهمية اللغة الاسهام بهذا التوضيح..

وعندما تبطل وسيلية توظيف اللغة ويجري انسحابها من ميدانها ألمألوف في مهمة التمثلات الواقعية للعالم الخارجي فهي تكون أنساقا لغوية خاصة بما هي منظومة علائقية تجريدية قائمة داخليا بعالمها الخاص بها خارج مهمتها التعبير عن الواقع ما يرتّب على ذلك أن الواقع الانساني الحيوي يكون التعبير عنه بالكلام الشفاهي وليس باللغة التي تكون لوحدها خطابا يبحث في العلاقات النسقية للاشياء بما هي صيرورات متداخلة متنوعة داخل بنى الاشياء وليس في عالمها الخارجي المرتبط بالانسان لا يمتلك سوى اللغة في توكيد وجوده الانساني..

هذه الواقعة المعتمدة بنيويا بموجبها تعتبر نفسها فلسفة نمطية نسقية كليّة من التفكير الجوّاني الذي يعتمل ويتكوّن داخل الصيرورة اللغوية بما هي نسق معرفي يهتم بعوالمه المخترعة لغويا ولا قيمة للواقع والانسان في علاقة الربط بينهما وبين اللغة... هذا النمط النسقي اللغوي (يكون تفكيرا يتخطى جميع الاشتراطات المنهجية، حينها لم تعد اللغة وسيطا بين العقول والاشياء) 3 فقد تم أغتيال الواقع الحياتي ملاذ الانسان الاخيربأستعداء اللغة له وركنه جانبا خارج أهتمامات الفلسفة..بعيدا عن كل أشتراط منهجي عقلي مخالف لهذا التوجه المنحرف..

البنيوية وفنجشتين

هناك حقيقة متداولة عمرها عشرات القرون هي أن اللغة تفكير العقل المدرك في معرفة الاشياء والتعريف بها، واللغة هي الوسيط بين العقل والاشياء في تعالقهما معرفيا.. هذا الفهم أعتبرته البنيوية ومن بعدها التفكيكية في أعتمادهما منظومة علوم اللغة واللسانيات والتاويل والتحليل والاحالة والارجاء مرتكزا فلسفيا في فهم العالم والانسان في عالمه الخارجي لم يعد له تلك القيمة المطلقة التسليم بصحتها وحقيقة الانسان خارج المنظومة اللغوية لاشيء كما هي اللغة من دون الانسان لا معنى لها حتى فلسفيا.. هذا التوجه قاد مأزق الانسان الوجودي بالحياة الى أكبر منه، فاللغة هي تجريد علاماتي خطابي في فهم الانسان وعالمه الخارجي، فكيف باللغة عندما تكون في الفلسفة البنيوية والتفكيكية تجريدا مضافا لتفسير تجريد سابق عليه في الانفصال التام التعبير عن الواقع الانساني بالحياة؟

فنجشتين فيلسوف اللغة المعروف أراد أخراج اللغة من عنق الزجاجة كما يقال الذي هو النفق الذي أدخلته البنيوية ومن بعدها التفكيكية فيه حين أعتبرتا النظام اللغوي المكتفي بصنع عوالمه الذاتية يسير في توازيه مع الواقع هو منظومة اللغة أو الخطاب الواجب الاهتمام به... وليس من مهمة هذا الخطاب اللغوي المنعزل تفسير العالم الخارجي... ولا أهمية يمتلكها القيام بذلك..

أمام هذا الفهم الفلسفي البنيوي طرح فينجشتين أن تمثّلات اللغة للواقع هو تلك الحيوية الخلاقة التي تبعثها اللغة في جسد ذلك الواقع المعيش في الوقت نفسه التي تكتسب هي- اللغة - حيويتها الحضورية في تطوير نظامها اللغوي بتاثير من الواقع الذي تحكمه الصيرورة أيضا كما تحكم الواقع بذات الحين..وفي حال العجز من تحقيق هذه المهمة فسوف لن يكون للغة معنى يمكن حضوره وعليه يكون صمت اللغة في العجز أجدى وأكثر حيوية من التعبير عن اللامعنى ..

هذا التحذير الذي نادى فينجشتين به أن اللغة لا تستمد فعاليتها القصوى الا في صيرورة الحياة وجريانها المتدفق والانسان جزء هام في هذه المنظومة التي هي مصنع الحيوية البشرية للحياة والوجود..والذي تبنته الفلسفة التحليلية الانجليزية عّبر رفضها والتقاطع مع رائد فلسفة التاويل اللغوي بول ريكور قوله (لم تعد اللغة بوصفها صورة الحياة كما أراد لها فينجشتين، بل صارت نظاما مكتفيا بذاته يمتلك علاقاته الخاصة به)4 . وكان سبق لاقطاب البنيوية أن أخرجو اللغة بوصفها خطابا لا تتحدد مقاصده في تعابير المفردات اللغوية المنفصلة التي لا ينتظمها سياق الجملة وموقعها في بنية النسق الخطابي داخليا..وعبر عن هذا المعنى دي سوسير(أرجحية الكلام على اللغة بأعتبار الكلام فردي تعاقبي وعارض، واللغة أو اللسان هو الاجتماعي والتزامني والنسقي لذا يكون الخطاب بدلا من الكلام)5

منطق دي سوسير هو تنحية الكلام عن مهمته واسطة التعامل مع الواقع الحياتي، في أزاحته التنافسية عن طريق فهم اللغة أنها منظومة خطاب متكامل مكتف ذاتيا، ويرى سوسيرالكلام فرديا تعاقبيا عارضا، أي أنه محاورة مجتمعية من الكلام الشفاهي، تسمه فردية المتكلم، والتعاقب الحواري في تنوع المصدر الفرد المتكلم وما يحمله من محمولات الحديث العابر، وهو أي الكلام أخيرا عارض لانتهاء دوره الاستعمالي التوظيفي في التواصل الحواري التخاطبي التداولي مع انتهاء وتفرق المتحادثين المشاركين في أنتاجية وأستهلاك الكلام الجماعي في التحاور.

بينما تكون اللغة حسب فهمنا عن دي سوسير خطابا تدوينيا ثابتا مكتوبا في الغالب حين يكون نصّا.. يحكم ذلك الخطاب نسق من العلاقات الداخلية التي تجعل منه بؤرة مركزية ثابتة الفهم والقيمة على المدى البعيد على خلاف الكلام الذي يستهلك نفسه في الشفاهية التحاورية في وقتية زمنية زائلة يطالها التزامن العرضي..

في مبتدءات فهمنا معنى الكلمة أو المفردة هو انها لفظ صوتي مسموع دال وصوري مكتوب خال من المعنى ما لم يكن متضمنا دلالته المحمولة بمعناه القصدي،وفي هذا تجد البنيوية تبسيطا مخّلا عندما لا يكون معنى المفردة مستمدا من سياقها المنتظم في جملة نسقية تشي عن عبارة تحمل معنى متكاملا ونجد تعبير ريكور بهذا المعنى (الجملة وحدة الخطاب الاساسية التي تشمل وحدات أكثر تعقيدا، وتعاقب الكلمات بالجملة لا معنى ينتظمها ما لم تكن ضمن وحدة نسقية تحمل الدلالة بلا قطوعات معاني المفردات المنفردة التي هي الجملة )6،

هيدجر والتماهي مع البنيوية

هذه المفارقة التي حاولت البنيوية تكريسها أنما وجدت ضالتها في التماهي الهيدجري معها الذي أيّد منطلق أن تكون اللغة أصبحت حقيقتها مكفولة في أنفصالها عن الواقع وتمّثلاته ويؤثر هيدجر (الشاعر – ويقصد به شاعره الاثير هولدرين الذي يمتلك نفس الحفاوة لدى فوكو – يقول الوجود بلغة الوجود الاصيلة.) هنا الوجود الاصيل الذي يقصده هيدجر هو الذي ينفرد التعبير عنه بمكنة لغة الشاعر عن (اللاوجود)، أي بمعنى الوجود القائم على تصورات التهويم الخيالي في تفكيك نسق اللغة التداولي الذي يقصي سلطة العقل تماما في رقابة اللغة الشاعرية، فيكون بهذا تعبيرالشاعر الشعري عن الوجود الاصيل أنما هو تداعيات الخيال الذي تتفكك اللغة فيه وتخرج عن نظامها الدلالي المألوف الى حد طغيان اللاشعورفي محاولة الوصول تخوم العبث اللغوي في التعبير..أحياء نسخة سريالية مستهلكة كان أندريه بريتون رائدها الاول في قول الشعر معتبرا القصيدة الشعرية هي حطام العقل الذي مصدره غياب الشعور المطلق وأستلهم بيان بريتون سلفادور دالي في التشكيل الفني الجمالي ورسم اللوحة التي كانت بحق تحطيما للعقل.

هذه الميزة المتفردة التي خلعها هيدجر على الشاعر أنه الوحيد القادر ومعه المجنون لدى فوكو التعبير عن الوجود الاصيل الذي هو اللاوجود في حقيقته جعلت حمى وطيس التجاوب لدى فوكو الاستجابة المتماهية مع هيدجر في أعلى مستوياتها، وذهب أبعد منه في أهمية أنفصال اللغة تمثلاتها الواقع العياني فوجد هو الآخر في لغة الشاعر التهويمية المفككة المتقافزة في وصاية تداعيات اللاشعور عليها.. وأضافة فوكو المتطرفة الجديدة لدى فوكو أنما جاءت على صعيد وشم الثقافة الغربية المعاصرة في لقاء (الشعر والجنون) والجنون هنا لا يأتي (بمعنى المرض العقلي وانما هو تجربة جديدة في اللغة والاشياء )7.ويؤكد فوكو تطرفه في أعتباره (الانسان ليس أكثر من تمزّق في نظام الاشياء وتشكيلا مستحدثا رسمه الوضع الجديد في الثقافة الغربية)8.

لا جدوى التعليق أن اللغة كنظام تعبير دلالي معرفي في تفسير وفهم الواقع يمكنه الخروج على هذه المواضعات التي تكون اللغة فيه نظام توليدي متطور في مواكبته الحياة الانسانية في جريانها..ولا غرابة اذا ما وجدنا أن لغة الشعر التي تلتقي هذاءات الجنون حسب رغبة فوكوفي التعبير عن حقيقتنا تخرج عن تلك المواضعات تماما.. بأعتبار لغة الشاعر وهذاءات المجنون رغم التباين والاختلاف الشاسع لغتان من نوع خاص يتحكم بهما اللاشعور في تغييب رقابة العقل الذي تتصف اللغة عندهما بميزات التداعي والتفكك وعدم الانتظام وأبهام المعنى وغيرها.. والجملة بالمنظور البنيوي هي خروج على المألوف وسمة التجديد فيها أنها تلغي دلالة المفردة من المعنى من جهة وخروج الجملة أو العبارة المألوفة قدرتها التعبير عن الواقع بل في وجوب الانفصال عنه..

أما أن يكون التفكيك والتحليل والتقويض هو أستجابة محاكية للتماثل مع تمزّقات الانسان كونه شيئا طارئا في وجوده بين نظام الاشياء في الوجود الاصيل الذي ينشده ويبتغيه هيدجر خارج وجود الانسان الزائف الذي يعيشه، وأن لغة التعبير الحقيقية عن الوجود الاصيل معقودة على الشاعر وهذاءات المجنون فهي تفلسف يحمل أكثر من علامة أستفهام عديدة متروكة النهايات بلا أجابات مقنعة الا بمنطق العبث والعدمية في التفلسف البنيوي – التفكيكي المزدوج..

أختم بملاحظة أن كلامي في أدانتي لغة الشاعرالسريالية في تفكيك النسق اللغوي التي لا تعبر عن حقيقة الواقع في تفكيك النسق اللغوي المألوف، ناقشته أدانته بالمقالة من منطلق بنيوي فلسفي تفكيكي تحليلي، وهذا يختلف عن تناول خروج لغة الشاعر عن المألوف لغويا في قول الشعر والنقد الادبي الذي يدرس تفكيك خطاب اللغة الشعرية جماليا وليس تعبيرا فلسفيا..مما يبيح للشاعر الخروج عن النظام النسقي المالوف للغة في كتابة الشعر كتعبير أدبي وليس كتعبير فلسفي..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................

الهوامش

1- بول ريكور، نظرية التاويل.. الخطاب وفائض المعنى ..ترجمة سعيد الغانمي ص8

2- المصدر اعلاه ص 11

3- المصدر اعلاه نفس الصفحة

4- المصدر اعلاه نفس الصفحة

5- المصدر اعلاه ص 12

6- المصدر اعلاه ص 14

7- د. محمد المزوغي، فوكو والاشياء، موقع كوة الالكتروني، شباط 2020

8- المصدر اعلاه

 

علي محمد اليوسفأن التاريخ البشري الماضي والحاضر هو ليس ما كان فقط بل وما سيكون، وأي مسعى لأعطاء معنى قيمي هدفي تنبؤي للتاريخ في غير مساره العشوائي الذي تحكم تصحيحه الارادة الانسانية، هو نوع من دوغمائية الافكار والنظريات المتورّخة للمسار التاريخي المتصاعد خطيّا، وهذا لا ينفي أبدا قدرة ورغبة وأمكانيات الانسان من الوصول بالمسار المستقبلي للتاريخ الى (بعض) الاهداف المرسومة والمعدّة سلفا في عقلنته المسار التاريخي بأرادته على وفق منهج مادي سيسيولوجي.. وهذا يختلف عن دوغمائية الافكار التي تأتي لاحقا في دراسة التاريخ وتضع له أهدافا نظرية ومنهجيات عقب حدوث وقائعه حسب قناعة المؤرخ، .

دوغمائية الافكار في دراسة التاريخ هي محاولة الامساك بحركة التطور التاريخي وتجييره لحساب التنظيرات التي تسندها وترعاها أجندة سياسية، مسألة لا جدوى من الاعتداد والاخذ بها. وهذه الدوغمائية النظرية في تفسير التاريخ محكومة بالتضاد مع وقائع الاحداث الحّية والسيرورة الانسانية المتطورة للتاريخ ومع مساره العشوائي العفوي أيضا الذي تحكمه المصادفات التي تدخل على مسار أنتظامه المتّعثر باستمرار والتي تقوم بتعديلها وتوجيهها الارادة الانسانية المثابرة.

أن في الاستقراء السببي لوقائع التاريخ المدوّنة ومراحل سيرورتها التطورية، ومحاولة تطويع العشوائية والصدف المتتالية الى منهجية ايديولوجية تخدم السياسي، هي محاولات تؤرخ لوضع نظريات واستنتاجات توفيقية – نفعية قد تفيد توجهات سياسية - سلطوية أو تفيد البشرية في مباحث الانثروبولوجيا أو غيرها من المجالات البحثية...في دراسات أنتقائية لعيّنات وأهتمامات معينة تربط التاريخ بالفلسفة، أو التاريخ بالاجتماع أو التاريخ بعلم النفس ، أو التاريخ بحرب أو حروب، أو التاريخ ببطولة فردية، أو التاريخ بقائد ونخبة ثورية منظمة أو فوضوية وهكذا، وتوظيف ذلك مع ما تحمله العشوائيات والمصادفات في الوصول الى أيجاد تبريرات أقناعية لعوامل ومسببات حدوث تلك الوقائع. وأهم أنجاز لها أنها تخلص الى نتيجة لماذا حصل هذا ولم يحصل ذاك؟

ميزة العشوائية والمصادفات في المسار التاريخي التطوري عبر العصور، هو تقاطعها مع النظريات والفلسفات والمناهج التي تريد دراسة تلك العشوائيات والمصادفات بيقين الغائيات الخطيّة و منهجيات الحتميات التي يقحمونها في دراسة السيرورة التاريخية في قطع المراحل...أن حرية المسار التاريخي المتطور على الدوام هي حرية غير مشروطة أبدا وغير ملزمة ولا ملتزمة أصلا.وبهذا المعنى يقول سارتر(أن جميع الامور تحدث بالمصادفة التي هي ميزة لكل وجود). ونعتقد مقولته صحيحة في فهم متناقضات الحياة بواقعية قبل أن تصدر صحتها عن فيلسوف مميز.

لم يعد العالم ينشد حضارة

أن التنوع الهوياّتي في عصر العولمة مثلا يرفع شعار السعي في الاسهام بصنع تاريخ انساني جامع (مدنية معاصرة) موحدة لحاضر ومستقبل البشرية، على وفق مبدأ ورغبة توظيف هذا التنوع الهوياتي العالمي أيجابيا، والاستجابة الى تحقيق أرادة الشعوب الخالصة في نشدان أستحضار مشتركات وتكامل يساهم به الجميع لخلق مدنية ثقافية مشتركة جامعة... لعل أبرز المستجدات التي جاءت بعد العولمة هي أن التاريخ المتصاعد حضاريا ومنجزات العلم الهائلة وضعت مفهوم الحضارات الانسانية في متاحف الاثار ومدونات المؤرخين ليدخل الانسان عصر صناعة مدنية انسانية جامعة تساهم بها كافة الشعوب المؤهلة الدخول في هذا المعترك المستقبلي..ولم يعد هناك في مستقبل البشرية جزر حضارية منفصلة غير متكاملة مع غيرها بتاثير تطور المعلوماتية التبادلية ومنجزات العلم وكذلك تطور الاتصالات وغيرها من وسائل التمدين البشري المعاصر.. فمفهوم الحضارة اليوم أن يكون لك حضورا محسوبا معترفا به في عالم اليوم الذي هو عالم موحد تمدينيا فقط ولا مجال ان يكون العالم حضاريا موحدا، أمثلة ذلك اليابان، الصين، كوريا الجنوبية، ماليزيا، اندنوسيا وهكذا..

أنه أصبح من الطريف في عالمنا اليوم أن نعكس مقولتي صومائيل هينتكتون في صراع الحضارت ومقولة فرانسيس فوكوياما في نهاية التاريخ كالتالي، التاريخ العولمي اليوم بدأ ولم يتوقف وهو بداية تاريخ الشعوب المتنافسة كل حسب مؤهلاته وطاقاته الابداعية الاسهام بصنع المدنية العالمية المتحضرة الجامعة لمختلف الشعوب في تنوعاتها الاثنية والدينية والسياسية ونهاية نشدان دول العالم أقامة حضارات على شكل جزر متباعدة تعايش أستحالة بقائها في تفرد خاطيء مزعوم يقود العالم فيه اليوم علم المعلوماتية والاتصالات والاقتصادات المتنافسة..ولا مجال لصراع حضارات مستقبلية في ظل سباق أقامة مدنية عالمية معاصرة بخصوصيات وبصمات شعوب العالم المتنوعة..ومن المستبعد تكرار حماقات سياسية في حروب أفتعالية لا ينجو أحد من مصائبها وكوارثها ولا يتحملها عالم اليوم..

صيرورة تاريخ الماضي

يبقى المحرك الذاتي للتاريخ يعمل بالارادة الانسانية في تقويم وتجاوز الاخطاء الى جانب اشتمالات العشوائية وتوالي المصادفات الصادمة غير المحسوبة ولا المتوقعة تاريخيا، التي تعمل بالتوازي مع هذا المسار وتتقاطع معه أحيانا. وكذلك تتقاطع مع جبروت الطغاة ونوازع السياسة المتطرفة والايديولوجيات السياسية المتعالية في شن الحروب لاشباع رغبة التسلط والهيمنة وقهر الضعيف وحرف المسار التاريخي عن كل قيمة أخلاقية وتغليب نوازع الشرعلى الخير، وهذه الوقائع التاريخية بمجملها تحركها الظروف الاجتماعية والدينية المتطرفة والثقافية ومنهجيات السياسة والايديولوجيات وغيرها التي تنعدم معها حركة التاريخ الانسانية الواعية والمدركة المراد حضورها كغايات مرسومة سلفا لتخدم مصالح البشر قاطبة. وعموما يأتي الاصلاح لهذه الانحرافات الشاذة تاريخيا بتقديم الكثير من التضحيات بغية الاصلاح وأرساء قيم الخير والحرية والانسانية والمساواة من قبل الشعوب لا من قبل الايديولوجيات السياسية ولا من قبل المنهجيات النظرية أو السلطات السياسية الحاكمة.

أن التاريخ من غير الجهد الانساني العملاني الذي لا يمتلك أرادة ذاتية حيّة تقوده الى أمام، مالم يتوفرفيه الوجود الانساني الفاعل الذي يحاول سحب التاريخ الى مواقع متقدمة بوعي أجتماعي ومنهج قصدي محدد الاهداف، وما يصنع التاريخ المستقبلي هو ما يقوم الانسان بأنجازه بوعي قصدي هادف وما يستطيع تحقيقه أو الفشل به حاضرا، فالتاريخ المتحقق وغير المتحقق هو أولا وأخيرا يبقى كيانا معنويا يحضر أو لايحضر، على وفق قدرات الانسان وطموحاته في صنع سيرورته المتقدمة الى أمام.

أنه لمن الصعوبة أيجاد تعميمات وأحكام عامة مطلقة تصلح أن تكون قوانين يعمل بمقتضاها التطور التاريخي ملزمة له.ومن هنا تعددت الرؤى والافكار في ربط التاريخ بالفلسفة أوبالدين أو بالسياسة والايديولوجيا أوبالانثروبولوجيا أو بالاقتصاد أو بالبيئة والجغرافيا أو بعلم النفس او بالاجتماع أو بالبطل والحاكم وهكذا.

هذا التنوع التناولي- التداولي في دراسة التاريخ يجعلنا أمام حقيقة أن حوادث التاريخ البشري لا ينتظمها مسار ذاتي منتظم متطور واحد، كما لا توجد حتمية تاريخية يسعى التاريخ بلوغها بأمكانات وأستلهامات ذاتية محرّكة له بمعزل عن أرادة الانسان الواقعية في تغيير حوادث التاريخ نحو الافضل.

لا بد لنا من تثبيت ما ذهبت له فلسفة الحداثة في أدانتها الحتمية التاريخية الى التشكيك في مراحل التاريخ الرسمي (الكلاسيكي)، تاريخ الايديولوجيات الثلاث، الايديولوجيا الماركسية، وايديولوجيا الرأسمالية الليبرالية والمعولمة، وأخيرا أيديولوجيات العالم الثالث الهجينة بضمنها ديكتاتوريات القومنة وديكتاتوريات التدين السياسي المذهبي...

كما أن توظيف تعالق التاريخ بالدين أو تعالقه بالسياسة والايديولوجيات القائدة و الخادمة له بمحاولات دوغمائية تضع الماضي في صورة المستقبل الجديد والزاهر المستمد من روحية الماضي محكومة بالفشل وسوء تقدير حركة التاريخ ومحاولة حصرها قسرا تحت هيمنة السياسي ورغائبه، في كتابة التاريخ بأجندة الحاكم السياسية وايديولوجيا السياسة المتنفذة.

بدأ التاريخ كما هو الدين بالاساطيروالميثولوجيا وأنتقل ألى مرحلة الدين يقود الحياة والتاريخ ومرّ بسّير الملوك والحكام والابطال ليصل مرحلة الايديولوجيات السياسية ويصطدم أخيرا بالعلم التجريبي- العقلاني الذي وضع خطوطا حمراء أمام كل توجهات السرديات الماضوية الكبرى والانساق الفكرية والمنظومات الثقافية، أن يكون لها دور حقيقي تستطيع أن تلعبه في ترسيم الحاضر أو المستقبل تريخيا...وأن النظرة الاحيائية للتاريخ كماض لم تعد تعني المستقبل بشيء الذي يحكمه العلم والتكنولوجيا المتطورة باستمرار وتوقف تصنيع ما يعرف قديما بحضارات الشعوب المتعددة والمتنوعة. التي جعلت من العلم والتاريخ مساران متوازيان لا يلتقيان. (ليس المقصود بهذا هنا العلوم الانسانية والتاريخ جزء منها وأنما المقصود العلوم الطبيعية التجريبية).

أن تاريخ الدول والملوك والحكام وابطال الحروب الكارثية والتطرف والفتوحات والهيمنة الغاشمة التي سادت ثم بادت كانت عوامل أشتغالها وديناميكية محركاتها هي النزوات الفردية المنحرفة والانانية والوحشية والحماقات والرعونة في أختلاق المنازعات وسفك الدماء لا غير... وبهذا النوع من التاريخ ورثت البشرية الاوراق الساقطة التافهة منه، لما تم حجبه من تاريخ عن معاناة وكوارث ملايين البشر في الحياة التي لا تواسيها ولا تعطيها حقها كل هالات التعظيم والخلود للسلطة والحاكم.

أن تحقيق المؤرخ للمدونات وأعادة تفسيرها ودراستها وأختراع النظريات التحليلية ووضع المناهج لها ، وما يكتشفه من الخفي غير المعلن والمستور في حوادث التاريخ، لا يمنح التاريخ أية مصداقية على أن مساره ذاتي أستلهامي تطوري في تغليب نوازع الخير والقيم والانسانية فيه على الدوام ، وأنما كانت جدوى التصحيحات تأتي من فاعلية تضحيات أناس صححوا المسار المنحرف لمرحلة أو مراحل من التاريخ، وقدموا تضحيات كبيرة لتحقيق هذا الهدف، ولم يكن للتاريخ أي قدرة ذاتية روحية أو أمكانية أن يصحح مساره الخاطيء بقواه غير المنظورة وحده.

غالبية الموروث من التاريخ هو أنحرافات الحاكم وحب الهيمنة والسيطرة والتوسع الامبراطوري، أو بروز حركات وحشية همجية تتلذذ بسفك الدماء بأسم أمتلاكها الحقيقة الدينية أو الحقيقة التاريخية، كل هذا وعلى شاكلته ورثت البشرية عامة تاريخا بائسا، تداخلت حوادثه مع المسار الاعتباطي والمصادفاتي للتاريخ.

ويؤكد هذا أن التاريخ في جميع مراحله الماضية لم تكن تحكم مساره الغائيات والحتميات المرسومة الاهداف سلفا، للارتقاء بالانسانية في معارج التقدم والازدهار. والعلامات المضيئة المشرقة التي جاءت على طفرات نوعية مرحلية محدودة في منطقة دون اخرى من العالم، كانت ردود أفعال الانسان المضطهد والطبقات الفقيرة التصحيحية ورفع ظلم وجور وقائع تاريخية مرعبة تمت ازالتها بارادة وتضحيات قوى أنسانية مغيبّة عن صناعة التاريخ الحقيقي على حساب تلميع صورة الحاكم المتنفذ في أذكاء نشوة تحقيق الامبراطوريات.

وما حصل في هذا التطور ليس من حكمة الحاكم ولا من حكمة التاريخ في أن غائية أنسانية مثلى تعيش بأحشاء التاريخ و تأخذ بمساره الانساني المتقدم.فالتاريخ بداية ومنتهى هو من صنع أرادة الانسان له فقط في علاقاته وتطور وسائل عيشه (الانسان) أجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، وحبه لقيم الحرية والعدل والمساواة.

أقصى أفادة لنا من التاريخ وحوادثه ووقائعه هو أستذكار ومراجعة تفيدنا بالعظة والتحسّب في أجتناب تكرار الخطأ والاخطاء مرات عديدة.وما نظريات وفلسفات ومنهجيات التاريخ سوى فذلكات عابرة لاكاذيب سابقة لها في التجّني على التاريخ دينيا ولاهوتيا وايديولوجيا، سادت قرونا من عمر البشرية والتي أبهضت التاريخ بما لا يحتمل النهوض في تعويض البديل.

أن فلسفة الوجود الانساني هي فلسفة تاريخه (تاريخ الانسان) لا غير، وهي أسبق في توليدها علامات أستفهام وتساؤلات بلا نهاية تحفيزية تغييرية تكون أجاباتها في التطبيق الواقعي في الحياة هو خلق تاريخية متطورة على الدوام.ولا يحق ولا بمقدور تجربة أمة من الامم أو شعب من الشعوب أن تسحب تجربتها على أمم وشعوب أخرى تمتلك تمايزات جمّة وأختلافات عديدة عنها، ومنهج دراسة تاريخ شعب له خصوصية ومرحلة تاريخية مميزة ، تؤكد أستحالة تعميم تلك التجربة على الآخر المختلف عنها بخصوصيات يتفرد بها.

والتاريخ من غير المفيد أخضاعه لقوانين طبيعية تعمل بمعزل عن ارادة الانسان وفاعليته في مصنع الحيوية البشرية، قوانين التاريخ الحقيقية هي القوانين الوضعية المستمدة من التحقيب الزماني والجغرافي الديموغرافي التي تنطلق من الوجود الانساني الفاعل وتنتهي به. وأن التاريخ خلال مساره الطويل لم يكن يتقدم بحوافز غائية تخلع عليه من قبل المؤرخ أو الدارس، كما أن التاريخ لا يهتدي بنظريات منظورة أو غير منظورة تسحبه خلفها.ولا يوجد حتميات يصلها التاريخ من دون وعي وادراك وأرادة ومسار يصنعه ويقوده الانسان، فالحتميات والاهداف نتيجة عاملي الارادة الذاتية وملائمة الظروف الموضوعية وهذا ما لا يتوفر عليه التاريخ ذاتيا في مساره العفوي قبل دخول الارادة الانسانية عليه. فحركة التاريخ حركة عشوائية ومصادفات غير محسوبة ، تتداخل بها ومعها ردود الافعال الانسانية ونفسيات الحاكم أو القائد المتنفذ والدين والايديولوجيات والنزوات المريضة ونوازع الخير ويقظة الضمير وحب الانسانية وغير ذلك كثير.

نقد المادية التاريخية

نجد في الفلسفة تداخلا مفهوميا مربكا في تناول المادية التاريخية بين تيّارات ومذاهب الفلسفة الغربية عموما، فعبارة سارتر على سبيل المثال (أن المادة حقيقة بشرية تكتسب معناها وخصائصها بفعل الانسان فقط.) أنما تمثل مداخلة خلفيتها الماركسية واضحة... وهذه عبارة لا تغني عن كتب ومؤلفات عديدة تفصح تداخل الوجودية مع الماركسية ليس على صعيد الجدل فقط وأنما على مستوى جميع القضايا التي تهم الفلسفة والتاريخ والمعرفة والعلوم.ويقول سارتر في مقدمة كتابه (نقد العقل الجدلي) أن (الماركسية هي فلسفة العصر، وأن الوجودية ليست سوى أيديولوجيا تعيش على هامش الفلسفة الماركسية).... هذا بمعزل عن القول أن سارتر كان ماركسيا منتميا للحزب الشيوعي الفرنسي قبل أنسحابه وقطع علاقته بالماركسية متبنيّا الوجودية، وبقيت الافكار الشيوعية حاضرة في خلفيته الفلسفية حينما حاول من دون جدوى خلق فلسفة توفيقية تلفيقية تأخذ عن الماركسية أشياء، وتأخذ من الوجودية أشياء اخرى، في محاولته خلق نوع من توليفة فلسفية فيها من التكامل أو التجديد غير المسبوق في الماركسية وفشلت محاولته تلك.وكان نقده للماركسية لا يخلو من تهمة توجيهه الدوغمائية الفكرية لها حين يعتبر الماركسية تنطلق من مسلمات يقينية قاطعة جاهزة تلبسها وقائع الحياة والتاريخ الانساني قسرا.

وفي المنحى ذاته نجد جيرالد كوهين، في كتابه (المادية والصراع الطبقي ص17) ينسب لسارتر تهمته الدوغمائية في أدانته الماركسية: (أنه بدون الحاجة الى أعادة بناء الماركسية من الفكرة النقدية، أن الماركسية أصبحت نوعا قبليا وعقائديا من المعرفة التي تضع الاحداث داخل أطار مفاهيمي قبل دراستها، فهي قررت مقدما ماذا يجب أن يكون عليه كل شيء.) وفي هذا التعبيرأضحت الماركسية بنظر سارتر والفلسفات البنيوية والتفكيكية والعدمية وما بعد الحداثة عموما من السرديات الكبرى التي يتوجب مراجعتها بنقد معرفي وفلسفي قوي، وبذلك أعطى سارتر الراية بيد أقطاب البنيوية لتنفيذ ما دعا له وخاصة لالتوسير صاحب كتاب نقد راس المال.

وقول هيجل (أن الفكرة بدون واقع هي فكرة صورية فارغة لا معنى لها، وتصبح الفكرة حيّة ولها أمتداد من خلال الواقع فقط) هي مقولة لا تخرج عن الفهم المادي الجدلي الماركسي المنبثق أساسا من التفكير المثالي الذي أدين به هيجل.

لكن هذا لا يعني أن سارتر الوجودي المنشّق عن الماركسية أو التوسير البنيوي المنشّق هو الآخر عن الماركسية لا يعاديان الماركسية بضراوة، فالوجودية والبنيوية كلتاهما تناهضان الجدل الماركسي وتعتبرانه من مخلفّات الايديولوجيا والسرديات الكبرى التي لم تعد صحيحة ولا صالحة في دراسة التاريخ تحديدا وأن عبارة أنجلز (ان انهيار جميع الانظمة الفلسفية التأملية أمر حتمّي) هي عبارة أكثر من أستفزازية لدى متبنّي الطروحات المثالية ومن بعدهم الوجودية والبنيوية في التزامهم المنهج النقدي المثالي في مواجهة الماركسية بماديتها العلمية الجدلية.

كما يشن أرتيجا نقدا لاذعا على تبني الماركسية حتمية التطور الخطي للتاريخ قائلا: (الآنية الزائفة، - في اشارة الى الذوات الماركسية المفكّرة - ، التي تحدثت عن حتمية تاريخية تخضع الاشياء والبشر لقوانينها ، بأعتبارهم ضمن اشياء العالم).يلاحظ الربط الفكري والتعبيري المشترك في تلاقي سارتر مع أرتيجا في نقدهما الماركسية من نفس منطلق أنها فلسفة دوغمائية تحاول ألباس الواقع مفردات النظرية الجاهزة المعدة سلفا، وتطويعها مراحل التاريخ لمنطلقاتها الجدلية.

الحتمية التاريخية ومابعد الحداثة:

مسألة الحتمية التاريخية التي تعتمدها الماركسية في المادية التاريخية وتعتمدها العولة ايضا في نهاية التاريخ، هي مسألة تحتمل النقاش المستفيض ليس مجالها هنا، الا أنه من المؤكد لا البنيوية ولا الوجودية ولا غيرهما من فلسفات حديثة، أعطت دحضا بديلا منهجيا علميا مقنعا يمكن الأخذ به في أعتبار الحتمية التاريخية التي جاءت بها الماركسية عفا عليها الزمن وأصبحت من مخلفّات الايديولوجيا.فلا تزال ساحة الفلسفة والفكر والمعرفة خالية من نظرية تاريخية تلغي وتبطل النظرية المادية التاريخية علميا وفلسفيا.وبهذا الصدد أشارت الباحثة الامريكية (كميل باليا) بأن البنيوية في حجاجها للماركسية أثبتت انها فاقدة الصلابة الفكرية الفلسفية أمامها.

وأن من المهم جدا الاشارة له أن الحتمية في التقدم التاريخي لم تكن حكرا على الماركسية فقط ، بل أن فلسفات الحداثة وما بعد الحداثة، التي تعارض الوجودية وتتماشى وتماليء البنيوية لها في منطلقاتها الفكرية، فهي تلتقي مع الماركسية حول الحتمية التقدمية مثاليا للتاريخ، طبعا من منطلقات لا تعترف بأهمية الجدل في المادية التاريخية حسب التنظير الماركسي التقليدي لها، في تحريك التاريخ نحو الامام.

وتذهب هذه المنطلقات الفلسفية ما بعد الحداثية من واقعة أن الانسان بطبيعته مسكون بتغيير حياته ونشدان تحقيقه الأفضل على الدوام، وبحسب (جيدنجز)، وهو من فلاسفة الحداثة صاحب النظرية الخطيّة العلمية في التطور التاريخي يذهب (أن التاريخ الانساني يصعد من مرحلة الى أخرى صعودا غائيا ارتقائيا دائميا)9 وهي نظرية الحداثة في تطور التاريخ.

واضح أن ما بعد الحداثة لا تنكر التطور الغائي للتاريخ بفعل ما يشبه (الروح المطلق) الذي دعا له هيجل مثاليا، ومأخذ الحداثة على التطور الماركسي للتاريخ هو من مصدر الأدانة الايديولوجية الماركسية في تفسير التطور الغائي من منطلقات ثورية طبقية في التغيير التاريخي.

أن نقد تيارات الحداثة وما بعد الحداثة التي تدين التطور الغائي المتصاعد للتاريخ، كما دعت له الماركسية من منطلق الادانة الايديولوجية للتفسير الغائي، وليس الفلسفي حصرا كما تفهمه وتدعو له فلسفات ما بعد الحداثة، وأبلغ تعبير عن ذلك يأتينا من (يورغين هابرماس) أبرز فلاسفة الحداثة المعاصرين قوله وبنبرة قاطعة (ان أنساق التفكير الكبرى – السرديات الكبرى – قد سقطت ولم يعد لها وجود)1، الحداثة وما بعد الحداثة لا تخفي رفضها وتشكيكها بالتاريخ (الرسمي) المعاصرالقائم على أختلاف (الايديولوجيا) الذي كانت تتوزعه ثلاثة اقطاب ايديولوجية، ايديولوجياالفكرالشيوعي، وايديولوجياالفكرالرأسمالي، وفكرأوايديولوجيات العالم الثالث بمختلف تنوعاتها الهجينة التلفيقية.هذا هو مجمل الايديولوجيات المؤثرة سابقا والى اليوم في ترسيم التاريخ البشري والحضاري للانسانية.

واضح أن هابرماس يقصد الانساق الكبرى هي سرديات الايديولوجيا التي تتصدرها ايديولوجيا الماركسية. (التي لها حجج تنبؤية بالمستقبل وسقطت سقوط الانساق الفكرية المغلقة، والدعوة موجهة اليوم الى انساق فكرية مفتوحة تتلاقى فيها الافكار المتباينة المختلفة).2 وهذا تأكيد أدانة صريحة هدفها الاساس النيل أكثر من (الايديولوجيا) الماركسية في منطلقاتها الاساسية.الا أن ما يحسب لهابرماس في دعوته فتح قنوات التواصل أمام الجميع تحمل الكثيرالمطلوب مما يحتاجه العصر والحضارة العالمية.

لكن أدانة التطور الغائي حداثيا لم يسلم هو الآخر من نقودات لاذعة خارج مدارات التفلسف والايديولوجيا، في (أعتبار أن حكاية التاريخ الصاعد في المجتمعات المختلفة كلام باطل، والا لماذا ظهرت الفاشية والنازية لو أن المسألة تتعلق بالارتقاء الصاعد كما يزعم انصار الحداثة، فالحقيقة أن التاريخ ليس صاعدا على الدوام بل قد يرتد ويتراجع ومن ثم يتقدم، ونظرية التقدم التاريخي المطلق قول لا اساس له من الصحة)3.

وهذه الانتقادات اللاذعة هنا تدين الارتقاء الايديولوجي للتاريخ وحصرا ايديولوجيا الماركسية، بنفس وقت ادانتها للارتقاء التاريخي (الفوضوي) الذي تنادي به الحداثة وما بعد الحداثة.علما أن البنيوية لا تؤمن أصلا بوجود تاريخ كانت لارادة الانسان دورا في تشكيله وانبثاقه.وبذا تبقى الغائية أو الحتمية التاريخية تدور في دائرة مغلقة لا يعرف أمدها ولا مبتغاها يوصل الى اين؟

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهوامش

** الاقتباسات بين مزدوجتين بلا ترقيم ماخوذة عن الكتاب المصدر لهذه الدراسة

عبد الوهاب جعفر/البنيوية في الانثروبولوجيا وموقف سارتر/ كما بعضها الاخر مقتبس عن سيد ياسين في ندوة فكرية بعنوان الحداثة وما بعد الحداثة.

 

1- المصدر اعلاه ص 108

2- المصر السابق نفسه ص 199

3- المصر السابق ص 211

 

 

علي محمد اليوسفهناك مقولات عديدة فلسفية صدرت عن سارتر واقطاب الفلسفة البنيوية حول أدانتهم جدل المادية التاريخية الماركسية كانت مثار نقاش فلسفي حاد وعنيف بين الماركسيين والوجوديين والبنيويين على السواء...فقد أصدر سارتر كتابه (نقد العقل الجدلي) وأصدرشتراوس كتابه (التفكيرالمتوحش) وأقتفى أثره لاكان في كتابه (كتابات) في علم النفس وأستقر المقام مع أكثرهم ضراوة عدائية للماركسية التوسير في كتابه (نقد رأس المال) كما أصدر فوكو كتابه (الكلمات والاشياء).

من المباحث المهمة في هذه المؤلفات البنيوية وغيرها العديد كانت جميعها تدين المنهج الجدلي الماركسي في المادية التاريخية ليس من خلال التفنيد النقدي الفلسفي المباشر، في التحليل المادي الفلسفي للتاريخ بل محاولتهم تحويل مفهوم البنية المادية للوجود والاشياء الى مفهوم ميتافيزيقي مثالي وتسويق الجدل برؤى مثالية بعيدة عن علاقة التأثير المتبادل مع الواقع العيني للمجتمعات البشرية... أي أبعاد الجدل عن محيطه الشغّال في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والطبيعة والتاريخ كما سبق لهيجل ذلك قبل تصحيح ماركس جدله المثالي...وأعتبارهم الجدل الماركسي أصبح من كلاسيكيات الفلسفة المعاصرة والسرديات الكبرى التي تجاوزتها ما بعد الحداثة.

وحين يوجّه النقد من البنيوية والوجودية الى الماركسية في صلب مرتكزها العامل الاقتصادي المتداخل بالحراك الاجتماعي الطبقي أنه مبعث التطور الذي يقود الى التغيير والتطور التاريخي، فأن البنيوية تعمّدت من جانبها أيضا أعتماد علم اللغة والتاريخ البدائي الاثنولوجي لاقوام ماقبل التاريخ الذي يقوم في مختلف توجهاته أعتماد مثالية فجّة في النقد السطحي للمادية التاريخية، في فلسفتها كبنية محورية جدلية لها الدور الحاسم في أحداث التطورات التاريخية الانثروبولوجية... وفي أسقاط البنيوية ايضا القطوعات التأريخية للاقوام البدائية على التفكير الفلسفي المعاصر القرن العشرين وما تلاه..

وأهتم كلود ليفي شتراوس باللغة الى جانب اركيولوجيا الاقوام البدائية ما قبل التاريخ على أن اللغة ظاهرة ثقافية تميّز الانسان عن الحيوان – وهي مقولة مقتبسة عن ديكارت وقبله افلاطون وبعده عشرات من الفلاسفة – وأن علاقة أرتباط اللغة الوثيق بالانثروبولوجيا تعتبر المرتكز الاساس الذي بموجبها يمكننا فهم التطور التاريخي، وليس الجدل الديالكتيكي الذي تعتمده الماركسية الذي أصبح من مخلفات السرديات الايديولوجية التي تمت مغادرتها حسب الادانة البنيوية وما بعد الحداثة... علما أن الجدل في المادية التاريخية محور ومرتكز أشتغاله هو تاريخ الانسان أنثروبولوجيا في جميع مراحله التطورية على مفهوم التناقض الحاد بين التفاوت الطبقي.. والجدل ليس له فعالية مجردة عن التاريخ واقتصارها على الفكر فقط..

وقد كانت لأفكار دي سوسير عالم وفيلسوف اللغة، وجاك دريدا، ورولان بارت ونعوم جومسكي وآخرين، الاثر الكبير في محاولة أعتماد مركزية ما سمّي التحول اللغوي في مراجعة وتصحيح تاريخ الفلسفة عموما، وكان أكبر الفلاسفة المعارضين لهذا التوجه هو فيلسوف المنهج التحليلي التجريبي العلمي الانجليزي براتراند رسل وريث التجريبية التحليلية العقلانية عن جون لوك وديفيد هيوم وجورج مور، في أدانتهم أن تكون مركزية الفلسفة أصبحت هي علوم اللغة واللسانيات كما تفهمها البنيوية والتفكيكية على السواء معتبرين فلاسفة التحليلية الانجليز أن الاشتغال على منهج اللغة تفكيكيا بلاغيا في أدانة مفاهيم الفلسفة غير مجدية ويمكن أن تكون هذه الفلسفات اللغوية قواميس في نحو اللغة لا علاقة لها بقضايا الفلسفة ويمكنها دراسة الادب منهجيا بما هو تجنيس ادبي وليس نحو اللغة في المعرفة الفلسفية...ومن نافل القول بهذا المجال أن علاقة براتراند رسل بفنجشتين بقيت مأزومة الى حد العداء بينهما..

كما يجد شتراوس رائد الفلسفة البنيوية أن التاريخ هو منهج لا ينتسب اليه موضوع بعينه، لكنه يبقى رغم ذلك ضروريا لفحص تكامل العناصر في أي بناء أنساني أو غير أنساني، ونعت التوسيرصاحب كتاب نقد الرأسمال لماركس بدوره الايديولوجيا الماركسية بأنها ليست أفكارا وأنما هي أكاذيب جميلة في محاولة عجز فلسفي وهروب منه بعدم أمكانية دحض الافكار الماركسية علميا فلسفيا.

ولتكريس هذا النمط من التفكير المثالي وأحيانا التجريدي غير المادي يذهب شتراوس الى أن (التاريخ كعلم ينبغي فهمه من أن طبيعته لا تختلف عن طبيعة الاسطورة)... ويفهم من هذا أن التاريخ هو مجموعة أحلام جماعية أسطورية للشعوب والجماعات البدائية لا ينتظمها قوانين تحكمها تطوريّا، لكنما لا تخلو من عقلانية سحرية حسب شتراوس وفلاسفة البنيوية، وأنها مراحل لا تاريخية تتقبّل الشروحات المتباينة الكثيرة عنها وفي دراستها...لكنها تحمل محمولات لا تستبعد التأويل الخرافي وتضخيم ميثالوجيا الاساطير الكاذبة على حساب الواقعة التاريخية التي تثبتها التنقيبات الاركيولوجية..

بمعنى أكثر تكثيفا أن شتراوس أراد أن يخرج التاريخ من تاريخيته التحقيبية التطورية الانثروبولوجية المادية تحديدا وينقله الى مصاف الاساطير والميثولوجيا والملاحم والسحر والكهانة، في دراسة التاريخ الانساني في نموذجه البدائي على شكل قطوعات ساكنة لا يحكمها التغييرالخطي المتسارع، لذا تكون هذه القطوعات التاريخية بلا تاريخ، أو بتعبير أدق خارج التحقيب التاريخي الذي بدأ مع أختراع الانسان الكتابة المسمارية بحدود 3200 ق.م أي ما يطلق عليه العصرالحجري النحاسي الاول الذي كان تتويجا لازدهار عصر الزراعة 7 الاف ق. م التي هي بداية صنع الانسان للحضارة الانسانية تلتها بعد أقل من قرن الكتابة الهيروغليفية في الحضارة الفرعونية المصرية..

أن الاسطورة لعبت دورا أساسيا محوريا في أنبثاق الاديان في أشكالها الوثنية، وكان للاسطورة والدين البدائي دورا مهما في صنع تاريخ أنسان ماقبل التدوين أي ماقبل أختراع الكتابة... وتأثير الاسطورة طال حتى الاديان التوحيدية التي بات التشكيك بتلك الديانات كاليهودية بالذات أنما تقوم على مرتكز اسطوري وصل حد أن النبي موسى لا وجود حقيقي له متجاوزين حتى ما ذهب له فرويد أن موسى لم يكن سوى شخص مصري وليس نبيا..!! وقصة رميه رضيعا في سلة طافية في النيل مأخوذة عن اسطورة وضع سرجون الاكدي الرضيع في قفة من القصب في نهر الفرات في عراق الحضارة الاكدية بعد السومرية، ومثلها المآخذ والثغرات الكبيرة جدا في حدوث الطوفان في عصر نوح التي أصلها اسطورة سومرية حدثت في عصر الملك السومري اتنوبشتم ولا علاقة تربطها بما جاء في الكتب الدينية المقدسة في مقدمتها التوراة ونسبتها الى النبي نوح الذي يستحيل ان تحدث تلك الاسطورة في ذلك الزمن السحيق بما تم أخراجه ...وهكذا.

الجدل والوجود غير الموجود:

يميّز سارتر بين نوعين من الجدل التاريخي، الاول ويطلق عليه (الجدل الحقيقي) وهو الذي يعتبره خاصّية المجتمعات التي لها تاريخ انثروبولوجي مدوّن، والثاني يطلق عليه (الجدل التكراري) القصير الأجل وهوما تختّص به المجتمعات البدائية التي لا تاريخ لها كما أوضحناه في عبارات سابقة.(1) أي الاقوام البدائية التي لم تعرف الكتابة ولا تدوين تاريخها وكل ما وصلنا منها هي الاثار واللقى الباقية غير المندثرة، فقد كانت تلك الاقوام لا تعرف غير الكلام الشفاهي غير المكتوب أو المدّون لذا أصبح نعتها بالاقوام البدائية التي لا تمتلك تاريخا بسبب جهلها الكتابة في عدم تدوين تاريخها..

كما أن سارتر يقارن بين الاثنولوجي، والمؤرخ في فهمهما جدل التاريخ: (أذ يرى الاثنولوجي في التاريخ حركة تعرقل الخطوط – يقصد المسارات الحركية التطورية الخطيّة للتاريخ – في حين يجدها المؤرخ في دوام وأستمرار البناءات) (2) اللاشعورية والشعورية المستنبطة من دراسة التاريخ بمنهج تأملي وأحيانا في تجميع أحصائي ميداني يفيد في تعميم خلاصة نتائج الجزء على الكل والخاص على العام وبالعكس.

ويطرح سارتر من خلال الجدل التاريخي أشكالية فلسفية معقّدة، هي الذات الانسانية والوجود الفردي للانسان منطلقا من (أن حقيقة الانسان تكمن في أنه الموجود الوحيد الذي يسأل عن وجوده بأستمرار، أوهو الموجود المتحقق براكسيا.)(3) أي المتحقق وجودا بالفعل العملي المنتج... وكان بهذا على خلاف مع الفلسفة البنيوية التي تتجاهل الذات تماما...وقد عمل بول ريكور في تطويره مفهوم الذات في منهجه التاويلي أنه عمل على تحرير البنيوية من بعدها الاطلاقي في تذويبها الذات الانسانية فكانت (تعال بلا ذات) تماشيا مع طروحات ما بعد الحداثة التي جعلت فوكو ينكر أن يكون للانسان تلك الاهمية التي أستمدها من الفلسفة قرونا طويلة، كما عمد ريكور تحرير ظاهرية هوسرل أيضا من بعدها السايكولوجي حيث هي (ذاتية بلا تعال). للمزيد مراجعة كتاب ريكور نظرية التاويل وفائض المعنى.

أن الانسان حسب سارتر يتساءل عن وجوده المقلق مرّة باعتباره موجودا كمعطى طبيعي انثروبولوجي - بيولوجي، وكينونة أنسانية تاريخية متفردّة نوعيا، والتي تكون تساؤلاته الدائمية قرين وجوده المادي البيولوجي المفارق، ومرّة أخرى يكون الانسان هو الموجود المتحقق براكسيا (بالارادة والفعل والعمل) كناتج وجوده في الطبيعة وفي تناقضاته الوجودية الدائمة المستمرة مع وعيه لذاته ومع الاشياء والمحيط.

أن هذا السبق الجدلي لسارتر ومن قبله لهيجل يعود لصاحبه هيراقليطس الأب الروحي للجدل والصيرورة والتغييرفي مقولته: أنك لا تعبر النهر مرّتين في تاكيده الصيرورة تحكم الموجودات والاشياء جميعها، وعبارته الجدلية الثانية (أن الوجود واللاوجود شيء واحد موجود وغير موجود) وكما هو مثبّت في تاريخ الفلسفة أعتمد هيجل كثيرا على آراء ومقولات هيراقليطس التغييرية المتحركة، هراقليطس له الفضل والاسبقية الاولى في أن كل شيء بالوجود في حال من الحركة الدائمية المستمرة (صيرورة) غير ثابتة، وهو المحرك الاول في أختراع هيجل الجدل أو الديالكتيك المادي، ومنها هذه العبارة التي مرّت بنا سنوضحها وقد وضّحها هيجل بقوله (أن حركة الشيء تفصح عن أن الشيء موجود وغير موجود أيضا) أي أن هيجل يقصد وقبله هيراقليطس طالما أن (الحركة) تحكم كل شيء موجود، فيصبح حينها وجود الشيء متحركا لا يختلف عن وجوده ثابتا، فهو ثابت ومتحرك في نفس الوقت، لذا هو موجود وغير موجود في محكومية الحركة المستمرة له ، والحركة تجعل من الموجود (الثابت) غير موجود في وقت واحد أو بتعبير أوضح في(آنية) زمنية واحدة...

نلاحظ بالعودة الى سارتر أنه يعبّر عن رؤى فلسفية ماركسية لم يستطع الخلاص منها لازمته في مرجعية تداعيات فكرية لم يستطع الخلاص من تاثيرها عليه بعد أنفصاله عن الحزب الشيوعي الفرنسي، بأن الوجود الانساني يتحقق بالفعل الانساني كأرادة تقوم على الفعل والحرية وصنع الحياة الانفرادية الذي يفارق به حياة الحيوان، كما نجد نفس هذه المداهنة مع الماركسية لدى ليفي شتراوس الاب الروحي للبنيوية قوله (أن للتاريخ والانثروبولوجيا موضوعا واحدا مشتركا، هو الحياة الاجتماعية وأن هدفهما الواحد فهم الانسان بشكل أفضل وأحسن).(4) — معظم فلاسفة الوجودية والبنيوية وغيرها من تيارات فلسفية كانوا جميعهم ماركسيين وشيوعيين لذا نجد صعوبة خلاصهم من خلفياتهم الفكرية التي لازمتهم لاشعوريا بعد انشقاقهم عن الاحزاب الشيوعية ----.

أن المنهج الجدلي الصارم (أنما يفترض أحلال المقولات التاريخية، محل المقولات المنطقية وبدلا عنها) (5) بمعنى أن دراسة الانسان تاريخيا في صيرورته المتغيّرة على الدوام، أي في واقعه، العملي والاجتماعي العيني هو ما تؤكد عليه الماركسية، بدلا من دراسة الانسان تاريخيا (صوريا تجريديا وظاهراتيا) في مقولات فلسفية منطقية مثالية يجري تداولها على مستوى الفلسفة وعلوم المعرفة. أي أن تلك المفاهيم المثالية هي التي تقوم عليها أدبيات الفلسفات الوجودية والبنيوية والتفكيكية والعدمية، في التسليم أن الفكر التأملي التجريدي هو الذي يخلق للانسان تواريخه (مراحل التاريخ) على مدى العصور، التي تنعدم معها الصلة بالانسان كواقع عيني وجودي حيوي متغيّر ومتطّور غير ساكن... أي أن الانسان لا يصنع تاريخه بنفسه نتيجة حراكه الدائم طبقيا أجتماعيا .، وهي منطلقات فكرية مغرقة في مثاليتها الى أبعد الحدود... فليس هناك تاريخ انساني لم ولا تصنعه أرادة الانسان على الارض.

من هنا نرى أهمية عبارة دي لاكروا (أن عصرنا يشهد نهاية المنهج المنطقي في تفسير التاريخ).ليس بتأثير العلم وأنجازاته العظيمة فحسب، وأنما بأتجاه تأكيد أهمية تغيير الوجود الانساني نحو الافضل على صعيدي المعرفة والفلسفة على السواء.أي (نهاية الجهد الانساني الذي يحاول الامساك بالعلاقات الثابتة بين أفكار محضة تخرج عن الصيرورة التاريخية للفرد والانسانية) (6).

وأذا كان المنهج المنطقي الوضعي يفترض أمكانية معرفة الانسان والعالم من الخارج، فأن منهج الديالكتيك يكتشف النفس الانسانية وهي تعي ذاتها تدريجيا أو عندما تخلق ذاتها من خلال تناقضاتها وأيجاد حلول ومخارج منها لتطوير ذاتها.(7)

أنه مع الاقرار بالاختلاف أن الانسان لا يمتلك طبيعة واحدة (بيولوجية، فيزياوية، نفسية لا تختلف وغير متغيّرة أو شبه ثابتة، أو طبيعة مشتركة ثابتة لا تتغيّر مع غيره من نوعه على مّر العصور، نجد البنيوية وقعت في مطب يحسب عليها لا لها، عندما حاولت تأسيس انثروبولوجيا نسقية معرفية تصورية أستنباطية ، في محاولتها الغاء الجدل المادي التاريخي، وشطب الغائية الحتمية في تطورية التاريخ مراحليا حسب التفاوت الطبقي المتصارع على الدوام في رغبة تحقيق مصالح الطبقة الاقوى اقتصاديا كما تذهب له الماركسية، سواء في النظر الى دراسة المجموعات البشرية المتعددة من خلال التزامن البنيوي وليس التحقيب التاريخي الذي تعتمده الماركسية، أي أن البنيوية درست مراحل تاريخية لعيّنات قبائلية واقوام كقطوعات تاريخية ساكنة، وليس من منطلقات التحقيب التاريخي الماركسي والحضاري للصيرورة التاريخية المراحلية المتغيّرة انثروبولوجيا على الدوام في تظافر عوامل عدة تكون سببا في أحداث تلك التطورات التصاعدية في التاريخ انثروبولوجيا.

وعلى الرغم من الاختلاف في الطبيعة الانسانية بين الجماعات البدائية من جهة، وبين المجتمعات المعاصرة من جهة أخرى فأنه (من الممكن – حسب البنيويون – أن يقوم هناك اتصال حقيقي، وتفاهم أيضا متبادل بين الفريقين المتمايزين.)(8) والمقصود بالتبادل والتفاهم هنا هو أيجاد أستنباطات نسقية بحثية مستخلصة وفلسفة بناءات تجمع القضايا التي كانت تهم الجماعات البدائية مع المجتمعات المعاصرة من حيث أن البنيوية تذهب الى أن المشاكل والقضايا التي كانت تشغل الانسان قديما وحاضرا هي قضايا مشتركة تقريبا، ولا توجد فروقات جوهرية كبيرة بينها من حيث معالجة معنى الوجود الانساني... ومن هذا الفهم والتبادل المقصود بين عدم وجود طبيعة أنسانية واحدة ثابتة غير متطورة، وبين الاتصال الممكن الدائم بين شعوب وجماعات الجنس البشري، أعادت أثنولوجيا البنيوية بصورة متجددة مسألة أيديولوجيا الوجود في تفسير تاريخ الجماعات والاقوام، لكن ليس بالاقتراب من الفهم الايديولوجي الماركسي الذي جرى نبذه وتحريم الأخذ به.

ولما كانت نقطة الضعف في الفلسفة الوجودية، هي الانطلاق من مسلمة (أمتناع التواصل بين الذوات) الانسانية المنفردة، نجد سارتر يستنجد بايديولوجيا الوجود أيضا للخروج من مازقه الوجودي أن الانسان وجود لذاته بدلا من وجوده من أجل الاخرين...معتبرا الانسان يحمل عبء حريته المسؤولة عن ذاته وعن الاخرين أيضا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

............................

الهوامش:

1- د.عبد الوهاب جعفر، البنيوية في الانثروبولوجيا وموقف سارتر ص 183 نقلا عن المصدر الاجنبي.

2- نفس المصدر ص 183

3- نفس المصدر ص 211

4- نفس المصدر ص 216

5- نفس المصدر ص 222

6- نفس المصدر ص 225

7- نفس المصدر ص 231

8- نفس المصدر ص 238

 

ميثم الجنابيماركس ما بعد ماركس: عوضا عن الخاتمة (9-9)

إن احدى المفارقات المدهشة لمصير الماركسية والفكرة الشيوعية تقوم في صراعهما العلني والمستتر، مع أنها من أصل وجذر واحد. بمعنى إن الفكرة الشيوعية هي الوجه السياسي والعملي والمستقبلي لحصيلة الاجتهاد النظري (الفلسفي) لماركس. وإن سبب هذه المفارقة يكمن أولا وقبل كل شيئ في تعايش العلم (الفلسفي) والأيديولوجية (السياسية). ومن ثم ضمور الأولى لصالح الفكرة الحزبية. ومن تداخل هذه القوى المتعارضة والمختلفة والمتضادة أحيانا جرى صنع ظاهرة تحول الأيديولوجية الشيوعية إلى العدو اللدود للماركسية. وهي ظاهرة يصعب حدّها بمعايير المنطق، لكنها أكثر واقعية من المنطق نفسه! وهي الظاهرة التي يمكن رؤيتها على مثال أغلب التجارب السياسية و"الفكرية" للأحزاب الشيوعية. 

كما إننا نعثر في هذه الحالة المفارقة للماركسية، أي تحولها إلى قوة أيديولوجية عارمة على نجاحها التاريخي وسقوطها السياسي أيضا. فإذا كان النجاح قد حالف ماركس من حيث الشهرة والقدرة المعنوية للتأثير في مسار التاريخ العالمي للقرن العشرين مقارنة على سبيل المثال لا الحصر بما قام به رانكه في محاولاته تنظيم الفكرة الهيغلية تجاه مراحل التاريخ بوصفها "تموضعا" للفكرة والعقائد (كما ظهرت في البروتستانتية)، فلأن ماركس ربط استنتاجاته النظرية بالفئات الأوسع انتشارا في أوربا القرن التاسع عشر (بروليتاريا المدن الصناعية)، بوصفها طبقة المستقبل، أي القوة التي تجّسد في ذاتها ولذاتها إدراك أهمية وحتمية النفي التاريخي للملكية الخاصة والطبقات بوصفه "قانونا". ومع كل ازدياد في توسع مفهوم الجماهير (الفلاحون والفئات الرثة ثم الشرق بأكمله!) توسع مدى تطابق وتماهى ماركس مع "ماركسية" الأحزاب، والأيديولوجية الماركسية مع هتاف الجماهير. عندها أصبح ماركس الشخصية الأقرب إلى العقول البسيطة والبطون الفارغة. بمعنى تحولت الماركسية بهيئة الشيوعيىة الى دين من نوع جديد مع إن كل ما فيها معاد للدين. بل وكانت الفلسفة الأكثر تنظيما لفكرة النفي الفلسفي للأديان والأيمان الديني. من هنا واقع المفارقة النموذجية بهذا الصدد والتي نعثر عليها عند اتباعها. والمقصود بذلك هو أن اتباع الشيوعية عادة ما يتهمون رفاق الدرب القدماء بالمروق والخيانة حالما يخرجون من قيود الماركسية بوصفها اجتهادا نظريا، بينما غيّر ماركس تبعيته في ميدان الفكر الفلسفي والسياسي ما لا يقل عن سبع مرات!! وهذه في الواقع من فضائله. فالفكر الكبير ليس متقلبا بل نقديا. والماركسية مجرد فكرة لا غير شأنها شأن كل ما سبقها ولحقها. أما تحويلها الى عقيدة فقد قتلها وجعلها أداة بأيدي الحمقى والمغفلين. إن محاولة الإبقاء على ماركس أيقونة أو مسبحة بأيدي عجائز العقول الخربة والأنفس الميتة وعنفوان الغرائز الجسدية يجعل مما فيه قوة قاتلة ومدمرة شأن احاديث النبي والقرآن وأقوال السلف "الصالح" بأيدي السلفيات الإسلامية المتشددة، أي همجية لا علاقة لها بأصول الفكر والفكرة والرجال. بحيث نرى هيمنة فكرة وأسلوب المحرمات في الأحزاب الشيوعية لا تقل عما عليه الأمر في السلفيات المتشددة. بمعنى تمثلها لنموذج التحريم والتجريم. إن تحويل هذه القواعد الدينية ونقلها إلى الحزب جعل منه كيانا أقرب ما ميكون إلى محاكم تفتيش لها كهنتها وجلاديها. لكن أفضع ما فيها كونها موجهة ضد اتباعها! وهذه كنيسة غريبة! وقد ترتب على هذا الاثر التخريبي للاحزاب تدمير منظومة القيم بشكل عام والعلمية بشكل خاص. بحيث يمكننا رؤية الجرأة العارمة للتجريح والهجوم والتدمير والاستعداد للقتل وما شابه ذلك من قبل أميين وجهلة وأنصاف متعلمين ومن ذوي الشهادات الرسمية الفارغة! ومن بين نوادر هذه الحالة إن احد الأشخاص قد هاجمني مرة بشدة وعنف "ثوري" على مقال نقدي ضمن هذا السياق، لا تتعدى حصيلته "العلمية" مدرسة متوسطة وثلاث سنوات في السجن! وإن السبب القائم وراء هذه الظاهرة هو أن الأيديولوجيا زمن! لهذا سرعان ما تضمحل وتتلاشى بحيث لا تبقي من آثارها على شيئ غير غباء "مجتهد" وذهنية متشنجة ونفسية متعصبة تلازمها في الأقوال والأعمال.

إن مهمة نقد الشيوعية هنا وغيرها لا تهدف إلى نقد الشيوعية كما هي بوصفها فلسفة، مع ضرورته، ولكنه يهدف أساسا إلى تعليم العقل السياسي مرونة الانفتاح بما في ذلك على النفس، وتحريره من ثقل الأيديولوجية الطاغي. فإذا كنت تكره الطغيان، فلا بأس بالبدء به أولا من النفس. فالايمان الاجوف بالأفكار قبل تفحصها النقدي هو طغيان الجهل والعبودية. وقد التقيت بشخصيات شيوعية حزبية "قائدة" لم تقرأ في حياتها مقالا للينين. أما ماركس فإنهم لم يسمعوا إلا ببعض كتبه. الأمر الذي جعل من الشيوعية والماركسية مجرد صيغة مناسبة للذهنية السياسية الحزبية ونفسية الطوائف، ومن الذهنية السياسية والأيديولوجية نفسية الإيمان. وقد كانت تلك الوسيلة "المثلى" والملازمة لهذا النمط من التفكير والنفسية أن يجري احتكار الفكرة من جانب أزلام الاحزاب. بحيث جرى ربط الأحزاب بالفكر، وأزلام الأحزاب بالفكر. بحيث اخذت بالانتشار، بأثر ذلك، ظاهرة "مفكرون" جهلة وأنصاف متعلمين. بل و"مفكرون" و"منظرون" لم يكتبوا شيئا!! فكيف يظهر مفكرون بلا فكر؟! وعلماء بلا علم؟! وحثالة في هيئة مبدعين؟!

إنها الحالة التي يتجسد فيها انقلاب القيم والمفاهيم. بحيث يؤدي إلى استعداد الجميع للتقلب والتبدل دون تراكم ذاتي. شيوعي حتى الجلد وقت الجَلد، ثقيل كالجاموس في أهوار العراق، هادئ وثقيل وقت الراحة والعلف، ومتحمس وسريع الحركة وقت الهروب. بحيث نرى امثلة عديدة كيف يترك "قادة" الأحزاب الشيوعية وهم في السبعين والثمانين من العمر ويتبارون في الدفاع عنه أو مباركته في مناسبات "الولادة" و"الشهادة"! إن السبب وراء هذه المفارقة الغبية بسيط للغاية، ولا علاقة لها بالفكر، بقدر ما لها علاقة بالنفس. بمعنى الخوف من تمزيق القاعدة التي جرى تربيتها على هذا النمط. عندها ستبدأ سكاكين الرحمة في تشريح الجلد الرقيق عن اللحم العتيق، وإبراز كل بواطن النفس والجسد، أي كل ما لا ينبغي التعرض له.

إن احتكار الماركسية من جانب الأحزاب الشيوعية قد أدى إلى نتائج عملية بائسة بالنسبة لفكرة الحزب والتاريخ السياسي والدولة والأمة والثقافة. فهل يمكن للمرء أن يكون مفكرا ماركسيا؟ لا يمكن! لأنه مجرد تابع، أو في أفضل الأحوال تلميذ نجيب. ففي تقاليد الإسلام على سبيل المثال يقولون عن المجتهد الكبير "إمام" أي من يتقدم بين اقرانه (لأنه مسلم). لكنه يمكنه أن يكون صاحب مدرسة في علم الكلام والفلسفة والتصوف الخ. وبالمقارنة، لا يمكن للمرء أن يكون في الأحزاب الشيوعية سوى ايديولوجيا فقط، أي منّظرا في مجال الأيديولوجيا. وليس مصادفة أن يجري مصادرة فكرة "الطليعة" في التجارب الشيوعية جميعا. والأولية هنا للاستعداد والقدرة على المصادرة. من هنا بلورة فكرة ومفاهيم "الطليعة السوفيتية" في كل شيئ (الأمم، والتاريخ، والأحزاب، والفكر، والعلم، والحقيقة، والعمال، باختصار في كل شيئ). وما هو الغريب في الأمر؟ فقد قال لينين (الحزب هو عقل وضمير الطبقة العاملة). وأصبح ذلك شعارا للدولة والحزب. وللفكرة معناها الأيديولوجي ومعناها الفعلي. الأول وهي رغبة حالما تصطدم بالواقع، فإنها تتحول بالضرورة إلى مصادرة. الأمر الذي نعثر عليه في تجارب الأحزاب الشيوعية جميعا. ولا يمكنها التخلي عن ذلك إلى أن تنقرض. وذلك لأن "طليعبتها" تعادل معنى مصادرة العقل والضمير. مما يحولها مع مرور الزمن إلى انحطاط متراكم. وهي حالة يمكن رؤيتها على مثال الانحطاط البياني في شخصياتها الكبرى. فمن شخصيات ماركسية اولية كبرى مثل كاوتسكيي وبليخانوف ولينين وتروتسكي وأمثالهم يتحول ستالين إلى رجل الفكر الأول مع أن حصيلته العلمية والمعرفية مدرسة دينية اولية فقط! وهي ظاهرة يمكن العثور عليها في تجارب الأحزاب الشيوعية في كل مكان. بمعنى هبوطها المستمر. ففي المشرق العربي نعثر على بكداش (سوريا) وعزيز محمد (العراق)، باختصار اكراد وفكر مثل وصحراء وسحر! وتلك مصيبة يا أم عمرو!

وفي حالة تخصيص هذه الظاهرة في العالم العربي التي أدت في نهاية المطاف إلى خاتمة تعيسة ومثيرة للسخرية بالنسبة لتجارب الأحزاب الشيوعية، فتقوم في تحول الأيديولوجية الشيوعية "العربية" إلى أيديولوجية أقليات قومية وعرقية ودينية. وهكذا كان الحال في كل مكان. وليس مصادفة أن يرفضها جميع رجال الفكر الكبار في العالم اجمع. وفي هذا كانت وما تزال تكمن مأساة ماركس والماركسية. بل إن سقوط الشيوعية في كل مكان مرتبطا بهيمنة الأقلية. فجميع الدول التي انهارت فيها الشيوعية كانت بسبب هيمنة الأقليات في قيادة الحزب الشيوعي، كما نراه في الاتحاد السوفيتي وأوربا والعالم العربي وغيرها. والاستثناء الوحيد للصين، لأنه لا أقلية هنا. والأولوية فيها للدولة والأمة. أما الحزب والأيديولوجية فهي أداة معمرة. وعلى العكس من ذلك، حالما تهيمن الأقلية، فإن الأيديولوجية والحزب تصبح أداة مدمرة. وهي عبرة فيما يبدو متأخرة بالنسبة للأحزاب الشيوعية. ولكنها مهمة لغيرهم. (انتهى)

***

ا. د. ميثم الجنابي

 

حيدر جواد السهلانييطلق بعض الباحثين على كتاب هوسرل (الفلسفة علماً دقيقاً) أسم مقالة اللوغوس، نسبه الى مجلة اللوغوس، ويترجمه البعض تحت عنوان (الفلسفة كعلم صارم) وهو عبار عن مقالة نشر في سنة (1911) في العدد الأول من مجلة اللوغوس(logos) وهذا المقال يلخص تصور هوسرل للفلسفة، في مقابل التصور الرائج أنذاك الذي يختزل الفلسفة الى مجرد رؤية للعالم ليس من حقها أن تطمح إلى العلمية أو أن تدعي صلاحية تتعدى شرطيتها التاريخية، وبذلك يرى هوسرل أن مهمة الفلسفة هي إنشاء معرفة صارمة ومتحررة جذريا من كل الآراء والأحكام المسبقة.(1) يقول هوسرل" لقد كان المطلب الدائم للفلسفة، منذ بدايتها الأولى أن تكون علماً دقيقاً، بل أن تكون ذلك العلم الذي يفي بأعمق المقتضيات النظرية للعقل، ويمكن من وجهة نظر اخلاقية دينية من قيام حياة تحكمها معايير العقل الخالص، وقد استمر هذا المطلب ساريا عبر عصور التاريخ المختلفة، بدرجة تتفاوت قوة وضعفا، ولكن لم يصرف النظر عنه قط، حتى في العصور التي كان فيها الأهتمام بالنظر الخالص والقدرة عليه موشكا على الزوال أوخلال تلك العصور التي كانت القوى الدينية فيها تقيد حرية البحث".(2) ومع ذلك لم تستطع الفلسفة، في أي عصر من عصور تطورها، أن تحقق هذا المطلب، أي أن تكون علماً دقيقاً، لكن تحاول الفلسفة أن تبني نفسها علماً دقيقاً، عن طريق التأمل النقدي، وبفحصها لمنهجها على نحو أعمق، وقد كان لها دور في تأسيس العلوم الطبيعية والعلوم الأنسانية الدقيقة وتحقيق استقلالها، فضلا عن تأسيس المباحث الجديدة للرياضة البحته وتحقيق استقلالها، فالفلسفة وفقا لغاياتها التاريخية أسمى العلوم جميعا وادقها، تلك الفلسفة التي تمثل مطلب الأنسانية الدائم في المعرفة الخالصة والمطلقة.(3) يقول هوسرل" أنا لا اقول إن الفلسفة علم ناقص، بل اقول ببساطة أنها ليست بعد علماً، وأنها لم تخط بعد خطوتها الأولى بوصفها علما".(4) أن العلوم كلها ناقصة بما في ذلك العلوم المضبوطة التي نعجب بها أيما أعجاب، فهي من جهة ناقصة بسبب أفق اللانهائي للمشاكل القائمة بغير حل، أما الفلسفة فالنقص فيها مختلف تماما عن نقص العلوم جميعا، ففي الفلسفة لا يقتصر الأمر على كونها تملك نسقا من التعاليم يتسم بالنقص ولا يكون قاصرا الا في حالات بعينها، بل هي ببساطة لا تملك مثل هذا النسق البتة، ذلك أن كل شيء في الفلسفة موضوع للجدل، وكل موقف يتخذ هو مسألة أقناع شخصي، أو تفسير مدرسة أو جهة نظر، الفلسفة بمعنى العلم الدقيق موجهة ومحددة المهام التي يتحتم علينا القيام بها، واولى هذا المهام هي أن يركز الفكر جماع طاقته في أن يوضح، عن طريق إجزاء فحص منهجي شروط العلم الدقيق توضيحا كاملا، وهي الشروط التي كانت الفلسفات السابقة تغفلها أو تسيء فهمها بصورة ساذجة، وذلك لكي يحاول الفكر فيما بعد تأسيس بناء نظرية فلسفية، مثل هذه الرغبة الواعية في أنشاء علم دقيق كانت موجودة في الثورة السقراطية والأفلاطونية، كما كانت موجودة في مطلع العصر الحديث، على ردود الفعل العلمي على الفلسفة المدرسية، خاصة الثورة الديكارتية، كما تجددت بنشاط بالغ في نقد العقل عند كانت، بل ضلت هي المسيطرة على تفلسف فخته، وفي كل مرة كان البحث يستهدف من جديد البدايات الحقة والصياغة الحاسمة للمشاكل والمناهج السلمية، وأن أسمى مافي الثقافة الأنسانية من أهتمامات يتطلب أنشاء فلسفة علمية دقيقة، بحيث يترتب على ذلك أنه إذا تعين على ثورة فلسفية في عصرنا الحاضر أن تبرر وجودها، فلابد أن يحركها في كل حالة، ذلك المقصد الذي يستهدف أرساء أساس تقوم عليه الفلسفة بمعنى العلم الدقيق.(5) فمهما يكن الأتجاه الذي يمكن أن يتخذه التحول الجديد في الفلسفة، فلا جدال في أنه لاينبغي أن يتخلى عن رغبته في أن يكون علماً دقيقاً، بل بالأحرى يجب أن يقوم في مقابل التطلع العلمي نحو النظرة العامة إلى العالم، وعلى الفيلسوف أستخدام جميع معطيات العلوم الخاصة الدقيقة بوصفها لبنات بناء متينة، بل سوف يقوم بتطبيق المنهج العلمي، فالفسفة لم تقم بعد بالأسس التي يقوم عليها مذهب علمي دقيق، والفلسفة التي وصلت عبر التاريخ، ليست الا بناءات علمية ناقصة، أو خليطا غير متميز من النظرات العامة إلى العالم والمعرفة والنظرية.(6) الفلسفة عملها العلمي إنما يتحرك داخل مناطق الحدس المباشر وأن أكبر خطوة يجب على عصرنا الحاضر أن يقوم بها هي أن يتعرف عن طريق الحدس الفلسفي الأدراك الظاهري للماهيات.(7) اذ تأسيس الفلسفة كعلم دقيق يكون موضوعه الماهيات العقلية المجردة، ويقف هذا العلم في مستوى أعلى من العلوم الاخرى والمعارف الممكنة، وهو الذي يضفي شرعية الوجود عليها، لأنها ترتد إليه في جذورها الماهوية البعيدة وتستمد منه اليقين اللازم لبقائها كعلوم ومعارف أنسانية صحيحة.(8)

أستلهم هوسرل بعض أفكاره من الفلاسفة السابقين، لكنه في نفس الوقت رفض جوانب كثيرة من آرائهم، لقد رفض مثالية أفلاطون بينما قبل منه فكرة الماهيات العقلية العلمية الثابتة، كما عاب على ديكارت عدم فهمه العميق لقيمة الكوجيتو، ورفض فكرة ديكارت عن تأسيس الفلسفة الكلية والعلم اليقيني على قواعد منهجية ثابتة ومحددة، ولكن رغم هذا الانتقادات فإن هوسرل أخذ فكرة الكوجيتو ليقوم بأصلاحها ثم يعيد أستخدامها في تأسيس المعرفة اليقينية النابعة من الذات الأنسانية، وأكمل هوسرل لكثير من المسائل التكوينية المعلقة والتي تحتاج إلى أجراء بحث فينومينولوجي متعال من وجهة نظره، كما أن كانت جعل العقل هو الملكة الوحيدة التي يؤسس عليها ويصدر منها العلم الكلي الصحيح، بينما يسعى هوسرل إلى ماهو أوسع رحابة من العقل، دون أن يلغيه، وذلك كالحدس والخبرة الحسية المعاشة، لكنه في نفس الوقت أخذ من كانت التحليل النقدي لمبادئ المعرفة وأدراك خصوبة التجربة الشعورية التي أستطاع أن يستخدمها فيما بعد لتأسيس الفلسفة كعلم دقيق، وهكذا يمكن القول بأن هوسرل جمع ماهيات أفلاطون إلى جانب كوجيتو ديكارت مع التحليل النقدي عند كانت، ليحور فيها ويضيف إليها من عنده الجديد من المفاهيم الأخرى المستحدثة، ثم يخرج لنا منها بناء جديد وصياغة مغايرة، يعيد بواسطتها الفلسفة بأعتبارها العلم الكلي الدقيق. وقد بدأ هوسرل سعيه لتأسيس الفلسفة كعلم دقيق، من دراسة العلوم التي كانت سائدة في عصره ومنتشره في مجتمعه وذلك مثلما فعل ديكارت وكانت سابقا، محاولا اصلاحها لأعتقاده أن الفكر الأوربي والعلوم المرتبطة به تعيش كلها من وجهة نظر أزمة حادة، وأنها تحتاج إلى أصلاح جذري و شامل، فالفلسفة الأوربية وكذلك العلوم المنتشرة معها متناقضة ومختلفة بعضها عن بعض، ولم يتوصل أي منهما إلى حقيقة يقينية ثابتة، ومن ثم أصبحت تتأرجح أمام النقد والشك، ولذلك تصدى هوسرل لمحاولة أصلاح علوم عصره عامة والفلسفة خاصة، بهدف الوصول إلى مبادئ يقينية مطلقة تؤسس عليها شتى العلوم والمعارف في وحدة كلية تجمع الجذور وتسهل أنطلاق الفروع منها في تناسق وتوافق، وقد جعل الفينومينولوجيا ذلك العلم الكلي الدقيق الذي سيقوم بهذه المهمة في الأصلاح. أن هدف الفينومينولوجيا هو أصلاح الفلسفة والعلوم للقضاء على تلك الأزمة، وأن الغاية الأساسية عنده هي القيام بهذه المهمة الكبيرة وتأسيس علم كلي يقيني جديد، ويستطرد هوسرل ليقر في هذا الشأن أن علوم عصره لم تتوصل إلى أدراك الحقيقة الكلية المطلقة، وأنما توصلت فقط إلى حقائق جزئية نسبية، لذلك يجب أعادة بناء الفلسفة أولاً بأعتبارها العلم الأول الذي سيقدم على الأساس المطلق والحقيقة الكلية والمبادئ اليقينية لشتى العلوم الأخرى، من هذا الشعور بأزمة الفلسفة والعلم، بدأ هوسرل سعيه الفلسفي فقام بنقد المبادئ الأساسية التي تقوم عليها كل معارف وعلوم عصره، وأختبر مناهجها في محاولة منه لأصلاحها والوصول إلى أسس صحيحة ومنهج دقيق، يحقق اليقين ويحدد المبادئ الكلية التي تقوم عليها كل هذه العلوم وتلك المعارف في وحدة شاملة، وقام أولاً بنقد العلوم والفلسفة التي عاصرها بنفسه، لكي يبين عدم تمكنها من الوصول إلى الحقائق اليقينية، ثم حدد بعد ذلك مبادئ العلم الكلي الجديد الذي حاول أن يتحاشى فيه مساوئ العلوم الجزئية السابقة، وهنا أنطلاقة هوسرل تشبه أنطلاقة ديكارت وكانت، فكل منهم تأثر بظروف مجتمعة وقام بتحليل المعارف السائدة في عصره سعيا وراء أصلاحها وتأسيسها على مبادئ يقينية صحيحة، ولولا شعور هوسرل بهذة الأزمة وأنفعاله بها ومعايشته لها، لكانت الفينومينولوجيا عنده اخذت شكلا آخر. فسعي هوسرل للأصلاح وأن أقتصر في هذا الأصلاح على الرياضة، لكنه وسع من دائرته بعد ذلك ليمتد إلى المنطق ثم علم النفس والفلسفة ثم المعرفة العامة، وذلك بهدف تأسيس علم كلي جديد يتحاشى أخطاء علوم ومعارف عصره، أذا الأزمة هي المحركة الأساس لتفكير هوسرل، وهي الدافع له إلى نقد علوم عصره ورفضها بسبب تهافتها، ثم قيام بعد ذلك بعملية أصلاح شامل لشتى المعارف الممكنة وتأسيسها على مبادئ يقينية، اذ بعد تطور العلوم التجريبية وتحقيق الأنجازات العلمية، دفع الأمر بالعلوم الأنسانية إلى محاولة أقتباس المنهج التجريبي. لذلك وجه هوسرل النقد العنيف إلى العلوم الأنسانية التي خضعت للتجريب المادي وأخذت بالتفسيرات الوضعية المتطرفة، والتي تتمثل عنده في ثلاثة نزعات أساسية هي النزعة النفسية والنزعة الأجتماعية والنزعة التاريخية.(9) وبذلك أراد هوسرل أن يرفع الفلسفة إلى مستوى العلوم المحكمة الدقيقة، فأراد أن يقيم فلسفة على أسس علمية جديدة، وهي تبحث عن جذور المعرفة ومعناها وترتد إلى حالة ماقبل المعرفة إلى ماوراء مجال الأحكام والتصورات، إلى مجال أسبق هو نطاق المجرى الخالص للخبرة المعيشة من حيث هي كذلك، وفي سبيل جعل الفلسفة علماً دقيقاً كالرياضيات يتجه هوسرل إلى دلالة قبل كل شيء، والبحث عن معنى يتخذ مجاله في الشعور الخالص، الذي يمكن الأهتداء فيه إلى الأصول الأولية بكل الظواهر. فالبداية تكون من دراسة المباشر، بيد أن المباشر في نظر هوسرل ليس هو العالم المحسوس، كما يذهب إلى هذا التجريبيون والحسيون، لأن التجربة الحسية لايمكن أن تعطينا اليقين الذي يستبعد إمكان الشك في وجود العالم المحسوس، كما بين لنا الشكاك اليونانيون وكل موضوع يعطي لنا على انه شعور واقعي أو ممكن للأنا المفكر.(10) وعند هوسرل أن الظاهريات تقوم على حدس الماهيات، في مقابل العلوم التجريبية التي تقوم على الوقائع، فالمشروع الظاهراتي يتأسس على التفرقة بين الواقعة والظاهرة، ويرى في الفلسفة، لا من حيث هي نظرة عامة إلى العالم، أو نظرية في النظرات العامة إلى العالم، بل من حيث هي معرفة دقيقة، فالفلسفة لا يجب أن تكون شبيه في دقتها دقة العلوم فقط، بل يجب أن تكون أكثر دقة منها، فالعلوم لم تبلغ مرتبة المعرفة ولن تتضح الأسس التي تقوم عليها هذه العلوم، الا بفضل الفلسفة التي هي المعرفة الأولى.(11) أن المنهج الفينومينولوجي هو المنهج الفلسفي الذي يؤدي إلى فلسفة علمية دقيقة، فقد حرص هوسرل على أن تكون الفينومينولوجيا علماً دقيقاً متحررا جذريا من كل المسبقات، أذ حول الفينومينولوجيا من بحث في الماهيات إلى فلسفة ترانسندتالية توضح بناء موضوعات الوعي.(12) وأراد هوسرل أيضا من الفينومينولوجيا أن تحل مشكلة النزاع بين الواقعية والمثالية، وأنه يرفض الأنحياز إلى وجهة نظر أي منهما، بل أنه بدأ في تأسيس الفينومينولوجيا كعلم دقيق، بنقد الموقف الطبيعي والمثالي، تمهيدا لأن يعلو إلى مجال آخر محايد يكون أبعد من هذين الموقفين، وذلك أثناء معالجته لمشكلة المعرفة وتفسيره لعملية الأدراك وتوضيحه للعلاقة القصدية المتبادلة بين الشعور الداخلي والعالم الخارجي. وقد عرف الفينومينولوجيا في كتابه (الفلسفة علماً دقيقاً) بأنها علم البدايات الصحيحية، وفي كتابه(المباحث المنطقية) عرفها بأنها البحث المحايد الذي تنبت منه جذور شتى العلوم، وأيضا في الجزء الثاني من كتابه( المباحث المنطقية) عرفها بأنها علم النفس الوصفي أو النظرية الوصفية للمعرفة ويقصد إلى أيضاح المدركات الأساسية في المنطق والرياضة وعلاقتها بالعمليات الفكرية. لذلك وجدنا هوسرل في خاتمة التأملات، يرى أن تأسيس العلم الكلي الدقيق يحتاج إلى نقطة أنطلاق يقينية، وأن البرهان على أمكانية قيام هذا العلم وتحقيقه علمياً، ليس شيء آخر غير ايجاد نقطة بداية ضرورية وغير قابلة للشك، ومادامت الفينومينولوجيا سوف تبدأ سعيها الفلسفي من نقطة أنطلاق ثابتة وواضحة، ومن بداية ضرورية وعامة، لذلك وجدنا هوسرل يجعل الشعور هو المنطلق الأساسي لهذا البداية، بأعتبار أن الشعور هو الأرضية المحايدة التي يجب أن تبدأ منها كل معرفة ممكنة، وكان هدفه من تحديد تلك البداية أن يقوم بعملية وصف شامل ودقيق للشعور الخالص، أذ الشعور هو العلم الحقيقي وليس علم النفس، والشعور الخالص يمثل الأرضية المحايدة التي تضم كل الأطراف المتعارضة حيث تقوم الذات بوصفها دون تفسيرها. وكانت قبل هوسرل عدة محاولات لتأسيس علم يقيني كلي، فقد كانت أقدم المحاولات عند أفلاطون حيث أراد أن يؤسس العلم اليقيني الذي يجب أن ينبثق منه التفكير الأنساني، وفي سبيل ذلك سعى إلى أدراك الحقائق الكلية الثابتة أو الماهيات والصور الأزلية، التي هي أعلى وأدق من المعرفة الحسية الجزئية المتغيرة، والعلم الصحيح هو الذي يدور حول الحقائق الثابتة المتغيرة دون العرضيات المتغيرة، لذلك كان أفلاطون يؤكد دائما في محاوراته على قيمة الصورة دون المادة والماهية دون العرض والكل دون الجزء، وأصبحت تلك الصور أو الماهيات عنده هي المثل الأزلية الثابتة التي يجب أن يؤسس عليها العلم الحقيقي والمعرفة اليقينية، ومع بداية عصر النهضة الأوربية في العصر الحديث قام ديكارت بمحاولة آخرى مهمة لتأسيس العلم الكلي الشامل والقائم على حقائق يقينية، أي أنه أراد تحقيق نفس الهدف الذي سعى إليه أفلاطون لكن بطريقة أخرى ووفق منهج جديد، وقد قرر ديكارت مقدما أن الفلسفة هي معرفة العلل الأولى والعلم بالمبادئ الأساسية التي يتم بواسطتها أستنباط كافة المعارف والعلوم والفنون الممكنة.(13)

أنتقد هوسرل المذهب الطبيعي، أذ المذهب الطبيعي هو عبارة عن عن ظاهرة ترتب على أكتشاف الطبيعة، أي الطبيعة منظورا إليها على أنها وحدة الوجود والزمان والمكان، وتخضع لقوانين طبيعية مضبوطة، والعالم الذي يأخذ بالمذهب الطبيعي لايرى شيئا سوى الطبيعة، والطبيعة الفيزيائية أولاً، فكل ماهو موجود أما أن يكون هو نفسه فيزيائي، وأما أن يكون نفسيا، وفي هذا الحال سيكون مجرد متغير يتوقف في وجوده على الفيزياء، ولن يكون الا ظاهرة ثانوية تلازم الفيزياء على نحو متوازه، ويرى أن مايميز المذهب الطبيعي هو تطبيع الوعي(الشعور) من ناحية، ومن ناحية آخرى تطبيع الأفكار. والفيلسوف الذي يأخذ بالمذهب الطبيعي، فهو مثالي وموضوعي في أسلوب سلوكه، فهو مشبع برغبة عارمة في أن يجعل من كل ماهو حقيقي، معروفاً بطريقة علمية، ويعتقد الفيلسوف أنه قد بلغ عن طريق العلم الطبيعي وعن طريق فلسفة تقوم على هذا العلم.(14) ويرى هوسرل أن العلم لابد أن يكون متحققاً ذاتياً وواقعياً، أي لايمكن رؤية العلم من الخارج فقط، فهدف العلم هو أن يعرف بطريقة صحيحة موضوعية، وعلى نحو علمي دقيق، والعلم الجديد عند هوسرل هو علم الوعي(الشعور) لكنه مع ذلك ليس علماً للنفس، أذ لم يفكر هوسرل في أحلال علم النفس محل الفلسفة، ولا الفلسفة محل علم النفس، بل جعل لكل منهما مهمته، وعند هوسرل الوجود النفسي لايجرب على أنه شيء يظهر، بل أنه تجربة معيشة، وتجربة معيشة ترى في التأمل الأنعكاسي لتجربة ترى بالحدس، فيظهر على أنه هو ذاته.(15)

 

حيدر جواد السهلاني

..........................

الهوامش:

1- ينظر إدموند هوسرل: أزمة العلوم الأوربية والفينومينولوجيا الترنسندتالية، ترجمة إسماعيل المصدق، المنظمة العربية للترجمة، ص13.

2- ينظر إدموند هوسرل: الفلسفة علماً دقيقاً، ترجمة محمود رجب، المشروع القومي للترجمة، ص23.

3- ينظر المصدر نفسه، ص24.

4- ينظر المصدر نفسه، ص24.

5- ينظر المصدر نفسه، ص25- 29.     

6- ينظر المصدر نفسه، ص99.

7- ينظر المصدر نفسه، ص104.

8- ينظر سماح رافع محمد: الفينومينولوجيا عند هوسرل(دراسة نقدية في التجديد الفلسفي المعاصر)، أفاق عربية، ص7.

9- ينظر المصدر نفسه، ص112- 115.

10- ينظر فؤاد كامل: أعلام الفكر الفلسفي المعاصر، دار الجيل، ص161- 163.

11- ينظرإدموند هوسرل: الفلسفة علماً دقيقاً، ص6.

12- ينظر سماح رافع محمد: الفينومينولوجيا عند هوسرل، ص9.

13- ينظر المصدر نفسه، ص7و ص95- 103.

14- ينظر إدموند هوسرل: الفلسفة علماً دقيقاً، ص8وص32.

15- ينظر المصدر نفسه، ص14- 18.

 

 

ميثم الجنابيماركس ما بعد ماركس: إشكاليات التاريخ ويقين الروح الثوري(8)

إن المضمون الفعلي للماركسية يقوم في كونها فلسفة العمل والإرادة التاريخية. بمعنى جوهرية الوحدة الضرورية بين النظرية والتطبيق، او ما كنت تقاليد المتصوفة تدعوه بوحدة العلم والعمل. غير ان الفرق بينهما هائلا، بسبب جوهرية الابعاد الروحية والفردية في التصوف، واولوية الابعاد الاجتماعية الطبقية والجماهيرية في الماركسية. الامر الذي حوّلها، وبأثر ما هو كامن فيها، إلى فلسفة الإرادة العملية والتبرير السياسي. وفي كلتا الحالتين كانت شديدة التأثير في الفكر والعمل والتاريخ السياسي العالمي الحديث. بل يمكننا القول، بأنها قد أدت وظيفتها التاريخية العلمية والعملية عبر ذوبانها في مختلف التيارات السياسية من شيوعية واشتراكية ديمقراطية بمختلف ألوانها من لينينية وستالينية وتروتسكية وماوية وتيارات وشخصيات ثورية وراديكالية مثل كاسترو وتشي غيفارا، ومدارس فكرية مثل اليسار الجديد وماركوزه وفانون وروجيه دوبريه وروجيه غارودي وعشرات غيرهم.

ولم يكن ذلك معزولا عما في الفلسفة الماركسية نفسها من تأسيس متحزب للفكرة المستقبلية. فالمستقبل الذي تحدث عنه ماركس يشبه لحد ما الماضي. ولم يكن هذا بدوره معزولا عن طابعه العام وفقدانه للرؤية الدقيقة والمحققة عن مقدماته. فالمستقبل الذي سعى ماركس لتأسيسه وتحقيقه هو أقرب ما يكون إلى صورة خيالية ومحببة للقلب ومثالية عما ينبغي أن تكون عليه حالة الشيوعية في تصورات وخيال الرؤية الحالمة. وهي أشياء جلية حالما ننظر إلى كل ما كتبه حتى عام 1844. فكل ما طرحه بهذا الصدد والذي سيأخذ طريقه إلى مدارس الشيوعية المبتذلة، بما في ذلك العقائدية المدرسية الرسمية، والبراكسس النقدية في وقت لاحق، لم تكن في الواقع سوى الفهم المتناقض والجدل الفكري والسياسي عن حلم أكثر مما هو عن رؤية محققة. الامر الذي يمكنه تفسير الاسباب القائمة وراء تقسيم ماركس الى شخصيات مختلفة ومتضادة، أو تأويله ضمن سياق الرؤية الأيديولوجية لكليهما (الشيوعية المبتذلة والبراكسس) أكثر مما جرى النظر إليها باعتبارها مرحلة في الاجتهاد الفكري لماركس من اجل بناء فلسفته التاريخية.

فقد كانت آراء ماركس آنذاك أسيرة المنطق الهيغلي أكثر مما هي نتاج المعرفة التاريخية الدقيقة. لكنها كانت تحتوي على صيغة أولية تتصف بقدر هائل من الحدس العقلاني في ما يخص التاريخ والمستقبل. أنها وحدة النزعة الإنسانية لفيورباخ والمنطقية لهيغل، وبالأخص يتعلق منها بفلسفة التاريخ والديالكتيك. وليس مصادفة أن تبقى كل الأفكار الجوهرية فعند "ماركس الشاب" النقدي الإنساني النزعة الداعي للعمل والمعارض للأيديولوجيا خارج التاريخ الفعلي، أي لم يتحقق منها شيئا. على العكس. الأمر الذي جعل منها حلما في أعين الشيوعية الدامعة لأنصاف المتعلمين والجهلة، ويوطوبيا لا قيمة لها من وجهة نظر الشامتين بالشيوعية والمنتقدين لأسسها الفكرية ونتائجها العملية.

في تلك المرحلة الاولية كانت تتبلور عند ماركس المفاهيم المتعلقة عن العالم القديم والإقطاعية والرأسمالية، أي كل ما كان يحتمل في اعماقه على فكرة التاريخ الحالي، وما بعد التاريخ. بمعنى إننا نثر فيها على محاولة بناء منظومة شكلية متكاملة ومجردة (منطقية) عن التاريخ. وقد كان هذا على الدوام احد الهواجس الكبرى في تفكير وفلسفة ماركس. وسوف يدرك ماركس لاحقا الخلل العميق والنقص الكبير في معارفه التاريخية. والقضية هنا محكومة بكون الإنسان أيا كان، مع الأخذ بنظر الاعتبار مستوى تطور المعارف والعلوم، لا يمكنه الإحاطة بكل الكم الهائل للتنوع التاريخي الفعلي للأمم والحضارات. من هنا ضعف ويبوسة ولحد ما جفاف "النظرية" بهذا الصدد أمام تنوع الحياة. وقد واجه ماركس هذه الصعوبة في الموقف من العبودية والإقطاعية. من هنا كثرة العبارات العامة أو على الأقل محاولته إدراجها ضمن رؤية منطقية شكلية قادرة على جمع كل الاختلاف المقلق للعقل النقدي في خلخلة التقرير العام لمقولة الكلية الجامعة في مفهوم التشكيلة (الإقطاعية والعبودية وما يسمى بأسلوب الإنتاج الأسيوي. وليس في هذا ما يعيب الرؤية النظرية الفلسفية. فالفلسفة متماهية مع التعميم والبحث عن رؤية كونية أو تأسيسها. وهي صفة جوهرية للتفكير الفلسفي منذ أن تحولت فكرة الواحد إلى مبدأ منهجي في التفسير والتأويل والفهم والتأسيس.  كما انه الشرط الضروري لكل رؤية منظومية.

كما ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار تقاليد الرؤية الكونية الأوربية بشكل عام والألمانية بشكل خاص، بوصفها الصيغة الملازمة لصعود المركزية الأوربية والانتقال الفرح من ثقل الرؤية اللاهوتية إلى ميدان العقلانية الإنسانية. وهو تحول يلازمه بالضرورة انقداح العقل الوقاد للتمتع بشرارة أضواءه المتطايرة شأن اندهاش الأطفال بألعاب النيران الهندية! (أو الصينية). وليس مصادفة أن نعثر في كتابات ماركس اللاحقة وبالأخص منذ عام 1845 حتى نهاية حياته عبارات يتعثر عليها ويدرك قيمتها وبعاني من ثقل وطأتها عليه بالنسبة لبناء وتدقيق منظومة المقولات والمفاهيم الجوهرية في إرساء صرح فلسفته التاريخية. من هنا قوله وتشديده على ضرورة  ما اسماه "بإعادة قراءة وكتابة التاريخ العالمي كله". ماذا يعني ذلك؟ أولا انه مهموم بضرورة القراءة الدائمة للتاريخ وإعادة كتابته بطريقة دقيقة، وثانيا، انه يعاني من نواقص هي أجزء ضرورية من تكامل المعرفة، وثالثا إن ما ينبغي إعادة قراءته وكتابته هو جزء من رؤيته الفلسفية عن التاريخ. من هنا، كما هو الحال بالنسبة لكل المكونات القلقلة والاجتهادية في فكر ماركس، قد ظلت خارج التأمل الفكري للشيوعية اللاحقة. وذلك لأن مذاقها وقدرتها التأويلية محكومة بمعايير الأيديولوجية السياسية، أي بمذاق الجهل المعرفي والتصلب العقائدي. من هنا سيادة هذه الرؤية السهلة في كل تقاليد الفكر الراديكالي الثوري. مع ما رافقه من امتهان للمنطق لا مثيل. ويكفي المرء تأمل ما يكتبه "ثوريي" الماضي والحاضر لكي يصاب بالغثيان من جلف المعنى وامتهان العقل والوجدان!

لقد كانت الفكرة السائدة عند ماركس في مراحل تكونها المتكامل تقوم في التصور البسيط للعامل المادي الصناعي الإنتاجي، بوصفه جوهر التاريخ. وفي هذه الفكرة ومن خلالها تطرق إلى فكرة الحرية والتحرر من الاغتراب ودرجات التطور الاجتماعي الاقتصادي في شكلية التشكيلات بوصفها قواعد الصراط المستقيم إلى جنة الشيوعية الموعودة. وهي صورة تستمد صورتها وصيغتها من ماركس لكنه استقاء ظاهري جلف وخشن لا يخلو من بلادة المؤمنين البسطاء. من هنا ثنائيات المعركة الأخلاقية المحكومة بقيم الانتماء الأيديولوجي والمحصورة في فكرة إن الرأسمالية شر والاشتراكية خير! ومفارقة الظاهرة تقوم في أن اتباع الشيوعية يتسابقون من اجل الحصول على لجوء سياسي في مراكز "الغرب الإمبريالي" باستعمال مختلف الطرق والأساليب، بما في ذلك أشدها إثارة للسخرية.

وفيما لو تركنا هذه القضية جانبا، رغم اهميتها بالنسبة لاشكاليات الفكرة الماركسية المتناثرة ما بين فلسفتها وطابعها الايديولوجي. والسؤال الأهم هنا هو هل أن عظمة ماركس تقوم في انه استطاع أن يؤسس لنظرية تتسم بقدر كبير من الوضوح في الرؤية التاريخية بين الكم الهائل من مدارس التاريخ آنذاك؟ أم أن هناك أسباب أخرى؟ إن الإجابة الدقيقة على ذلك ممكنة من خلال الرجوع إلى تقاليد المرحلة وإبداع ماركس الفلسفي. فالرجوع إلى ماركس هي المقدمة الأولية والضرورية بهذا الصدد. لكنها تحتاج إلى مستوى يناسبها في الوعي الفلسفي التاريخي.  وهي قضية لن اتناولها الآن لأسباب عديدة من بين اهمها هو انها لم تعد ذات اهمية عملية.

إن صعوبة رؤية الفكرة التاريخية لماركس تقوم بسبب الطابع الأيديولوجي الذي كان يغلب على مواقفه وليس رؤيته من الظواهر. فالأولية بالنسبة لماركس هو العمل. وهي فكرة كانت تشكل لب رؤيته النظرية والعملية بعد تجاوزه التقدي لفيورباخ. لكنها كانت تحتوي أيضا على ما يمكن دعوته بالجزء الطبيعي من تاريخ المراهقة الفكرية. وبالتالي، لا معنى ولا ضرورة لاستعادة الجدل القديم العقيم لحد ما عن "ماركس الشاب" و"ماركس الشيخ" وما شابه ذلك. وذلك لأنها تجزئة مفتعلة للوحدة الواحدة والمتكاملة في شخصيته. لكننا نستطيع أن نميز بين ماركس الفيلسوف وماركس السياسي الأيديولوجي. والأخير هو استظهار حياتي عملي فردي وشخصي لحصيلة تصوراته الفلسفية. والاختلاف بينهما أمر طبيعي. وهو خلاف كان يدركه ماركس لكنه كان مضطرا للقبول به بوصفه الصيغة المعقولة للبحث عن تناسب ممكن بين استنتاجات العقل النظري وتطبيقه العملي في ميدان الحياة السياسية، المتقلبة والمتغيرة. وهو أيضا أمر جلي حالما نتتبعه في جميع استنتاجاته السياسية تجاه مختلف القضايا الكبرى مثل الموقف من الاشتراكية والشيوعية، والدولة، والثورة، والسلطة السياسية، والعنف، والحزب السياسي، وكثير غيرها. بمعنى تحولها مع مرور الزمن من اجتهاد يتصف بقدر كبير من المعاناة النظرية إلى عقائد أيديولوجية سياسية صلبة. لكنها مواقف كانت تعتمد من حيث تأسيسها النظري على ثبات فلسفي نسبي ترسخ في ذهن ماركس منذ وقت مبكر. وهي أيضا حالة طبيعية بالنسبة للإبداع الفلسفي الكبير والأصيل. فهو يظهر كالبرق في إحدى مراحل الحدس النظري الأول. ويأخذ بالبروز والتكامل في مجرى الصيرورة الحياتية للمفكر كما لو انه القدر الكامن في كينونته الروحية. وهي قضية لا يمكن حلها بالسهولة التي تميز تفكير الأحزاب الشيوعية وذهنيتها البسيطة. فالحتمية التي كان ماركس يخطط لها بوصفها جزء من مغامرة التاريخ الإنساني ليست اقل درامية مما في مساعي العقل المطلق الهيغيلي من مرور متعذب في دهاليز التاريخ الواقعي والبحث النظري. لكنها تتحول بيسر وسهولة إلى حتمية جميلة بمعايير الأيديولوجية الحزبية. وذلك لأن الأحزاب بحاجة إلى غناء وفرح بما في ذك زمن الجفاف والطوفان. فهو الأسلوب الوحيد القادر على دفع الجسد صوب تضحيات جديدة من اجل الاستمتاع بلذة الشهادة، أي بلذة القرابين البشرية البدائية.

إن كل ما وضعه ماركس في برامج الحركة الاشتراكية الديمقراطية للقرن التاسع عشر والتي توجت ببرنامج غوته، ينبغي النظر إليها باعتبارها الصيغة الظاهرية للأثر الهائل الذي تركه (البيان الشيوعي) بما في ذلك على نفسية وذهنية ماركس. وقد كانت هذه النتيجة مبنية من حيث الجوهر ليس فقط على تأمل تجارب الحياة المادية والروحية لعصره ومساهمته المباشرة فيها فقط. لاسيما وأن حياته كانت تفكرا ونشاطا والتزاما حرا ونقدا دائما، وتطويرا للمفاهيم وتشذيبا للقيم وتهذيبا لهما. وهذه كلها كانت تختفي وراء بهاء صورته ومحياه الهادئتين وقسوة معاناته الروحية. بعبارة أخرى إن حياة ماركس الشخصية أيضا كانت تمثلا لحقائق التاريخ، أو على الأقل أنها كانت تمثلا لمشروع البدائل المستقبلية. فعندما ينتقد تراث الاقتصاد السياسي، فإن حقيقة انتقاده، أي بواعثه وغايته كانت محكومة بمشروع الرؤية المستقبلية (الاشتراكية)، أي بمعايير الرؤية التاريخية. فقد كان الهمّ الأكبر والقلق الفاعل في انتقاده المنطقي العلمي (الاقتصادي) وهمومه الوجدانية (الاجتماعية والإنسانية) تقوم في أن استنتاجاتهم النظرية لم يجري دفعها صوب تمثلها العملي السياسي، أي صوب تحقيقها المحتمل بمشاريع البدائل المستقبل.

لقد أراد ماركي شيوعية المستقبل، أي التاريخ "الحقيقي"، من هنا محاصرة الأيديولوجيا إياه بقيودها التاريخية. وهنا كان يكمن سرّ الخلل. لقد اندفع ماركس بقوة "الديالكتيك الثوري" صوب ديالكتيك الروح الاجتماعي الأخلاقي، من هنا توارث أو استنساخ بل تناسخ النقد الفلسفي الأولي للاغتراب في نقد كل الأشكال المحتملة له. وحالما نقله إلى ميدان التاريخ الواقعي، فإنه وقف أمام نظام العلاقات الرأسمالية بوصفها المرحلة التاريخية الكبرى للتقدم التاريخي. لكنها مرحلة عابرة، أي جزء من تاريخ عالمي لا ينتهي ولا يتناهى إلا ضمن ملكوت الحرية. وعندما يجري تأمل هذه الفكرة على حقيقتها، أي ضمن تقاليد الفكر الفلسفي الألماني، فإنها كانت تحتوي في أعماقها على أبعاد غير متناهية قد تكون ثنائية "ما قبل التاريخ الحقيقي" و"التاريخ الحقيقي" الصيغة الأكثر غلوا لها. أما في الواقع فإنه لا غلو فيها. وذلك لأن هذه الثنائية في الفكرة التاريخية لماركس مبنية ليس على أساس ميتافيزيقية الرؤية الحادة في موقفها من تناقضات الوجود ووحدتها في التاريخ، بقدر ما أنها مبنية على أساس اليقين المتجدد والمتعمق والتام بزوال كل ما يمكنه أن يعيق ملكوت الحرية المقبلة. بعبارة أخرى، انه أراد شأن هيغل، ملكوت عالمي للحرية المتكاملة في نظام أمثل وأرقى ولكن في ميدان التحرر من اغتراب الوجود الإنساني في الأشياء والعلاقات المفروضة عليه.

إن القيمة الجديدة التي ادخلها ماركس في عرين العقل الهيغيلي تقوم في انه لم ينظر إلى اغتراب العقل في التاريخ واسترجاعه لذاته بوصفها العملية الضرورية لتذليل إشكالية الأشياء في ذاتها، بل نقلها، إن أمكن القول، من حالة الانتظار إلى حالة النظر النقدي الاجتماعي. ومن ثم جعلها جزء من "النشاط الواعي" المتمثل في طبقة وطليعة. لقد أراد أن يكون برميثيوس الفكرة الفلسفية العملية دون أن يقع في حالة العذاب المتألم بين آلهة صنعت كل شيء ولا تعلم لماذا، وبين "ملاك" يدرك خطورة انتهاكه لمجرى التاريخ "المنطقي"، بينما يعتبرها الوسيلة الوحيدة والكبرى والضرورية لبلوغ التحرر الفعلي. إذ لم تكن فكرة ماركس هنا على الدوام ثورية وتقدمية. وذلك لاحتوائها على كوامن الرجوع إلى عالم سحيق محكوم بقوة النفس الغضبية للمجتمع. وليس مصادفة أن يشعر ماركس مع كل رقي منطقي في رؤيته التاريخية عن التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الرأسمالية بازدراء لا يعادله سوى الرغبة الكامنة في انتقام الرجل الغيور من غنج أمهات الحجول! وهو الهاجس والفكرة التي سيضعها ماركس لاحقا في موقف جوهري من التاريخ يقول، بأنه لا يوجد غير علم واحد هو علم تاريخ الإنسان وتاريخ الطبيعة! وهنا أيضا تكمن فلسفته من الدين بوصفه جزء من تاريخ العقائد، أي تاريخ الإنسان في محاولاته إدراك ذاته ولكن ليس بمعايير الطبيعة بل بأذواق ما وراء الطبيعة.

إن فكرة ماركس عن أن جوهر الدين والله أيضا هو كل ما له علاقة بما وراء الطبيعة ولكن ليس بالمعنى الأرسطي بل بالمعنى اللاهوتي. إذ ليس في الدين تاريخا طبيعيا بل مجرد سلسلة للانقلاب المشوهة لإدراك الطبيعة عندما يجرى قلب الأشياء الطبيعية بعد إلباسها بلباس الأوهام "المتسامية"، أي إلباس الأشياء الطبيعية بلباس الماوراطبيعي، أو لباس الغيب والمجهول. من هنا إمكانية تحوله إلى مخدر أو أفيون للبشر، ينعش الروح والجسد بأوهام لذيذة لا طعم فيها لغير الخروج على منطق العقل وحقيقة الوجدان وقيمة الإنسان.

وإذا كان النجاح قد حالف ماركس من حيث الشهرة والقدرة المعنوية للتأثير في مسار التاريخ العالمي للقرن العشرين مقارنة على سبيل المثال لا الحصر بما قام به رانكه في محاولاته تنظيم الفكرة الهيغيلية تجاه مراحل التاريخ بوصفها "تموضعا" للفكرة والعقائد كما ظهرت في البروتستانتية، فلأن ماركس ربط استنتاجاته النظرية بالفئات الأوسع انتشارا في أوربا القرن التاسع العشرين (بروليتاريا المدن الصناعية)، بوصفها طبقة المستقبل، أي القوة التي تجسّد في ذاتها ولذاتها إدراك أهمية وحتمية النفي التاريخي للملكية الخاصة والطبقات بوصفه "قانونا".

غير أن هذا الربط الجديد للفكرة بالفعل الاجتماعي لم يكن مبنيا على قيم أخلاقية أو سياسية واجتماعية مجردة، خلافا للكثير من الحركات السياسية (الاشتراكية)، بل على أساس رؤية تاريخية، أي على أساس فلسفة ترى في التاريخ الواقعي نتاجا طبيعيا للوجود الاجتماعي الاقتصادي، كما ترى في تطوره وحدة متلازمة لتطور علاقات الإنتاج والقوى المنتجة، أي نفيا اجتماعيا واقتصاديا ذاتيا. وفي الوقت نفسه كان ماركس بحاجة إلى مسكها بالأيدي من اجل تقديمها إلى بروليتاريا المدن، ولاحقا سوف يدفعها لينين صوب الفلاحين، ولاحقا صوب الأدغال الثورية ولاحقا إلى الجبال. من هنا انتشار تلك العبارات الرنانة في اغلب كتبه السياسية. الامر الذي نقل بعلم التاريخ إلى ميدان الطبيعة (الاقتصاد والسياسة). من هنا وفي هذا الميدان كانت تكمن قوته الهائلة وانتصاراته الكبرى، وبالأخص بين الرعاع والعوام، وهزيمته الساحقة في ميدان الفكر الفلسفي. بل احتقاره اللاحق وبالأخص بين أيديولوجي الماركسية بحيث تصبح كلمة المثقف سبة وشتيمة، والفكر يصبح خادما، وفي أفضل الأحوال حزبيا. وهو أردأ أنواع الفكر وأسخفه. عموما انه ليس فكر ولا ثقافة بل سفاهة جهلة وأنصاف متعلمين. بحيث نقف في نهاية المطاف أمام استعادة جديدة في ميدان الفكرة الأفلاطونية والأرسطية وما يقابلها من علاقة الهيغلية والماركسيةأ أي تاريخ الروح الفلسفي، وتاريخ الجسد الاقتصادي.

لقد كانت الماركسية بهذا الصدد استكمالا نقديا علميا واقعيا لتقاليد التقدم والحرية في الرؤية والتاريخ الفعلي ولكن من خلال نقلها من ميدان التنظيم الفكري المجرد، بوصفه العصب الجوهري في كل مجرى التأثير البارع للإصلاح والتنوير، إلى تنظيم الفكر العملي وتوجيهه صوب النشاط الواعي، أي الإرادة المحكومة بقيم الأيديولوجية. ولكن ما هي النرفانا التي أرادها ماركس؟ وهل وجدها في شيوعية خالية من صراع الطبقات وهدوء النفس من تناقضات الملكية الخاصة التي صنعت كل ثنائيات الوجود المقلقة للعقل والضمير الاجتماعي والإنساني والتاريخي؟ وهل بلغ في فهمه للتاريخ إدراك "سر الإسرار" في الشيوعية بوصفها فناء في التاريخ الحق؟ فإذا كان هيغل توصل إلى انه لا حرية في المجتمع الشرقي. وفي العالم اليوناني قلة قليلة، وفي المجتمع الروماني توجد فقط فكرة الحقوق، ففي اوربا وألمانيا كلهم احرار! بينما نقلها ماركس الى حالة تاريخية هي مجتمع شيوعي بدائي، ومجتمع رأسمالي، وأخيرا مجتمع شيوعي علمي. فعند هيغل هي مسار الفكرة ومنها، وعند ماركس من التاريخ الطبيعي وإليه. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابيما بين ماركس وهيغل: إشكاليات التاريخ ويقين الروح الثوري (7)

لقد كشف تاريخ ومصير الفلسفة الماركسية عن حالة نموذجية لشروق الأيديولوجية وغروبها التاريخي. فكل "نمو" لها هو الوجه الآخر لضمورها في الفكر. الأمر الذي يجعل منها ممرا ومختبرا في الأغلب لصعود أكثر واشد الناس جهلا وتعصبا لكي يكون "منّظرا" جديدا فيها ولها ومنها! وليس مصادفة أن نرى مستوى التدهور المعرفي مع ظهور كل "جيل جديد" من أولئك القادة الجدد في ميدان الأيديولوجيا. إذ نلاحظ مع كل خطوة إلى الأمام رجوع قهقري في الفكر وتأسيسه. وقد بلغت هذه العملية ذروتها في ابتداع شعوب الجبال والوديان الغارقة في الجهل والتخلف "مفكريها" "المجددين" للماركسية!

وإذا كان الانطباع العام عادة ما يربط ذلك بتجارب الدمج أو التذويب القسري لماركس في أيديولوجية الحزب والسلطة، فإن إشكالاته الحقيقية أعمق من ذلك وأكثر تعقيدا. بمعنى أنه نتاج تداخل معقد لسلطة الدولة وتقاليد الحزبية الضيقة من جهة، وعنف الأيديولوجية العملية من جهة أخرى. وحالما يلتقيان، فإن قسوة التذويب والدمج "العقلاني" واللاعقلاني تصبح شيئا واحدا. وذلك لأنها إما تبرير وإما تأسيس أكثر حنكة لبلوغ الغاية والأهداف. وبما أن الأهداف جزء من رؤية أيديولوجية، أي جزمية و"واضحة" من هنا انكماشها الدائم ضد أي اعتراض وشكوك. بحيث يصبح الشك والاعتراض رديفا "للردة" و"الجبن" وما شابه ذلك، أي لكل الأشكال والصيغ الممكنة للاتهام والتجريم والتخوين. أما النتيجة فهي إغلاق كل أبواب الاحتمال بوصفها قلقا وشكوكا لا معنى لها ولا قيمة غير ثبط الإرادة وتهوين العزيمة. وهي حالة ليست غريبة ولا فريدة من نوعها. إذ يمكننا العثور عليها في كل المؤسسات المنغلقة بمعايير وقيم الأفكار "المتسامية" كما هو الحال في الكنيسة ومواقفها من الهرطقة، أو في الإسلام ومواقفه من الزندقة وغلق "باب الاجتهاد". أما الاجتهاد الممكن فهو مجرد تكرار واجترار.

مما سبق تتضح معالم ما يمكن دعوته بالعلاقة الخفية بين زمن الفكرة الأيديولوجية عند ماركس وتاريخ الفكرة الفلسفية. وإذا كان اضمحلال الثانية لصالح الأولى هي الصفة الغالبة على الماركسية وأثرها اللاحق، فلأنها ربطت، شأن كل الأفكار العقائدية العملية الكبرى، وارتبطت بالعوام. ليس ذلك فحسب، بل جعلت من العوام "طليعة" المستقبل. وفي هذا كان يكمن التناقض الخفي والمستفحل بالضرورة بين الفكرة الأيديولوجية والفكرة الفلسفية في الماركسية. أما النتيجة فقد كانت لصالح الأيديولوجية، التي جعلت من الماركسية شيوعية عملية. والشيوعية من حيث المبدأ والغاية هي نتاج تقاليد متراكمة للنزعة الراديكالية في مواقفها النقدية الحادة من واقع البؤس وبؤس الواقع.

الأمر الذي جعل من ماركس والماركسية غلافا ظاهريا لأيديولوجية ثورية شيوعية. وليس ذلك غريبا على تاريخ العقائد الكبرى، بل يمكن القول، أنه يلازمها بالضرورة. إذ إننا نستطيع أن نعثر على مئة مسيح لا علاقة له بحقيقة المسيح الأولى والروحية. والشيء نفسه يمكن قوله عن محمد وكل الشخصيات التي ذابت عقائدها في وجدان العوام. وهذه قضية معقدة ومثيرة في الوقت نفسه، لكنها من ميدان آخر. وماركس هو الآخر كان شخصية كبرى. والشخصيات الكبرى تعاني دوما في ميدان التاريخ من إمكانية الانشطار إلى شخصيات عديدة غير متناهية، وإلى نماذج وشخصيات ومناهج ورؤى وفرق وملل ونحل وأحزاب وطوائف، بل وقوميات أيضا! وهي ظاهرة على قدر ما في الشخصية من تأثير وأقدار تلازمها. وماركس من بين تلك الشخصيات التي أقلقت وألهمت العالم على امتداد قرن من الزمن، بحيث دخل اشد الأدغال عتمة و"أنار" لها الطريق عبر شكلها المثير في اللينينية. فقد لعبت اللينينية دورها هائلا في جعل ماركس إلها، ومن الماركسية عقيدة القرن العشرين الثورية. ولولاها لما كان لماركس اثر يتعدى المحاضرات الضرورية في تاريخ الفلسفة والاقتصاد. ويحتمل أن يكون ذلك أفضل لماركس وحشمته وأثره بالنسبة للعقل والضمير الإنساني من أن يتحول مرة أخرى إلى مصدر لإغراء وإغواء "اليسار" العربي من مهاترات "المفكرين الماركسيين" الذين أصيب العالم العربي المعاصر منهم بالتخمة وأتخموه بسفاهات الأمور!

فقد كانت صعوبة رؤية الفكرة الفلسفية لماركس تقوم بسبب الطابع الأيديولوجي الذي كان يغلب على مواقفه وليس بسبب موقفه أو رؤيته للظواهر. فقد كان العمل والفعل بالنسبة لماركس يشكل على الدوام أولية كبرى. وقد كان ماركس وحدة مرنة لكنها ثابتة بين الفيلسوف السابح في عالم الفكرة المجردة والأيديولوجي العملي والمباشر. ومن ثم فإننا نستطيع التمييز بين ماركس الفيلسوف وماركس السياسي الأيديولوجي. إلا انه تمييز وتفرقة لا محل لها في حقيقة ماركس. وذلك لأن ماركس الأيديولوجي هو مجرد استظهار حياتي عملي فردي وشخصي لحصيلة تصوراته الفلسفية. والاختلاف بينهما أمر طبيعي. وهو خلاف كان يدركه ماركس لكنه كان مضطرا للقبول به بوصفه الصيغة المعقولة للبحث عن تناسب ممكن بين استنتاجات العقل النظري وتطبيقه العملي في ميدان الحياة السياسية، المتقلبة والمتغيرة. كما انه أمر جلي حالما نتتبعه في جميع استنتاجاته السياسية تجاه مختلف القضايا الكبرى مثل الموقف من الاشتراكية والشيوعية، والدولة، والثورة، والسلطة السياسية، والعنف، والحزب السياسي، وكثير غيرها. بمعنى تحولها مع مرور الزمن من اجتهاد يتصف بقدر كبير من المعاناة النظرية إلى عقائد أيديولوجية سياسية صلبة. لكنها مواقف كانت تعتمد من حيث تأسيسها النظري على ثبات فلسفي نسبي ترسخ في ذهن ماركس منذ وقت مبكر. وهي أيضا حالة طبيعية بالنسبة للإبداع الفلسفي الكبير والأصيل. فهو يظهر كالبرق في إحدى مراحل الحدس النظري الأول. ويأخذ بالبروز والتكامل في مجرى الصيرورة الحياتية للمفكر كما لو انه القدر الكامن في كينونته الروحية. ولا يمكن حل هذه القضية بالسهولة التي تميز تفكير الأحزاب (الشيوعية وذهنيتها البسيطة). فالحتمية التي كان ماركس يخطط لها بوصفها جزء من مغامرة التاريخ الإنساني ليست اقل درامية مما في مساعي العقل المطلق الهيغيلي من مرور متعذب في دهاليز التاريخ الواقعي والبحث النظري. لكنها تتحول بيسر وسهولة إلى حتمية جميلة بمعايير الأيديولوجية الحزبية. وذلك لأن الأحزاب بحاجة إلى غناء وفرح بما في ذك زمن الجفاف والطوفان. فهو الأسلوب الوحيد القادر على دفع الجسد صوب تضحيات جديدة من اجل الاستمتاع بلذة الشهادة، أي بلذة القرابين البشرية البدائية.

غير أن هذه النتيجة كانت تكمن، أو أن لها بعض أصولها وجذورها في الأبعاد الأيديولوجية للماركسية. فقد كانت برامج الحركة الاشتراكية الديمقراطية للقرن التاسع عشر التي وضعها ماركس، الصيغة الظاهرية أو العملية للأثر الهائل الذي تركه البيان الشيوعي بما في ذلك على نفسية وذهنية ماركس. كما كانت آراءه من حيث بواعثها وغايتها محكومة بمشروع الرؤية التاريخية والأيديولوجية المستقبلية (الاشتراكية). فقد كان الهم الأكبر والقلق الفاعل في انتقاده المنطقي العلمي (الاقتصادي) وهمومه الوجدانية (الاجتماعية والإنسانية) تعمل باتجاه دفع استنتاجاته النظرية صوب تمثلها العملي السياسي، وصوب تجسيدها المحتمل بمشاريع البدائل المستقبلية. لقد أراد شيوعية المستقبل والتاريخ "الحقيقي"، من هنا محاصرة الأيدولوجيا إياه بقيودها التاريخية. وهنا كان يكمن سرّ الخلل.

لقد اندفع ماركس بقوة "الديالكتيك الثوري" صوب ديالكتيك الروح الاجتماعي الأخلاقي، من هنا توارث أو استنساخ بل تناسخ النقد الفلسفي الأولي للاغتراب في نقد كل الأشكال المحتملة له. وحالما نقله إلى ميدان التاريخ الواقعي، فإنه وقف أمام نظام العلاقات الرأسمالية بوصفها المرحلة التاريخية الكبرى للتقدم التاريخي. لكنها مرحلة عابرة، بوصفها جزء من تاريخ عالمي لا ينتهي ولا يتناهى إلا ضمن ملكوت الحرية. وعندما يجري تأمل هذه الفكرة ضمن تقاليد الفكر الفلسفي الألماني، فإنها كانت تحتوي في أعماقها على أبعاد غير متناهية، قد تكون ثنائية "ما قبل التاريخ الحقيقي" و"التاريخ الحقيقي" الصيغة الأكثر غلوا لها. أما في الواقع فإنه لا غلو فيها. وذلك لأن هذه الثنائية في الفكرة التاريخية لماركس مبنية ليس على أساس ميتافيزيقية الرؤية الحادة في موقفها من تناقضات الوجود ووحدتها في التاريخ، بقدر ما أنها مبنية على أساس اليقين المتجدد والمتعمق والتام بزوال كل ما يمكنه أن يعيق ملكوت الحرية المقبلة. إنه أراد شأن هيغل، ملكوت عالمي للحرية المتكاملة في نظام أمثل وأرقى ولكن في ميدان التحرر من اغتراب الوجود الإنساني في الأشياء والعلاقات المفروضة عليه. وبالتالي، فإن القيمة الجديدة التي أدخلها ماركس في عرين العقل الهيغيلي تقوم في كونه لم ينظر إلى اغتراب العقل في التاريخ واسترجاعه لذاته بوصفها العملية الضرورية لتذليل إشكالية الأشياء في ذاتها، بل نقلها، إن أمكن القول، من حالة الانتظار إلى حالة النظر النقدي الاجتماعي. ومن ثم جعلها جزء من "النشاط الواعي" المتمثل في طبقة وطليعة. لقد أراد أن يكون برميثيوس الفكرة الفلسفية العملية دون أن يقع في حالة العذاب المتألم بين آلهة صنعت كل شيء ولا تعلم لماذا، وبين "ملاك" يدرك خطورة انتهاكه لمجرى التاريخ "المنطقي"، بينما يعتبرها الوسيلة الوحيدة والضرورية لبلوغ التحرر الفعلي.

غير أن هذه الفكرة الفلسفية التي سيجري ابتذالها لاحقا بمعايير الأيديولوجية العملية للأحزاب الشيوعية، كانت تحتوي في أعمق أعماقها على صدى الرغبة العارمة لفكرة الإرادة والحتمية على استرجاع غير واع لما كان الفلاسفة القدماء يدعوه بقوة النفس الغضبية، اي الغريزة البدائية للوجود البشري. فقد كان ماركس يرغب بتسليم الفكرة إلى أياد قوية. إنه كان بحاجة إلى مسكها بالأيدي من اجل تقديمها إلى بروليتاريا المدن. وسوف يدفعها لينين لاحقا صوب الفلاحين، بينما سيدفعها آخرون أبعد إلى أعماق الأدغال الثورية ولاحقا إلى الجبال. الأمر الذي أحكم بالضرورة انتشار الصيغة الأيديولوجية وانتصارها وهيمنتها بين الرعاع والعوام وهزيمتها الساحقة في ميدان الفكر الفلسفي. بل احتقارها اللاحق وبالأخص بين أيديولوجي الماركسية، بحيث تصبح كلمة المثقف سبة وشتيمة، بينما يصبح الفكر خادما، وفي أفضل الأحوال حزبيا. وهو أردأ أنواع الفكر وأسخفه. بل أنه ليس فكرا ولا ثقافة بل سفاهة جهلة وأنصاف متعلمين.

أدت هذه العملية إلى تعرية الماركسية وتدمير كل كينونتها الفلسفية لصالح لباسها الأيديولوجي المبرقع من قطعان العوام والفلاحين وحثالة المدن! واتخذت في العالم العربي إحدى الصيغ المشوهة للوعي الذاتي. وذلك لأنها تحولت في بداية الأمر إلى أحد مصادر "الإيمان" ولاحقا إلى أحد أشكال الطغيان الفكري الجامد. وذلك لأن بداية انتشارها كان اقرب إلى حالة الإيمان الأجوف بالأفكار قبل تفحصها النقدي. الأمر الذي يشير إلى تغلغل أنساق الجهل والعبودية فيها. ثم تحولت لاحقا بهيئتها المشار إليها أعلاه إلى عنصر جوهري في الذهنية السياسية الحزبية ونفسية الطوائف. بحيث جعل من الذهنية السياسية الأيديولوجية ونفسية الإيمان كلا واحدا. مع ما ترتب عليه من حالة غريبة ألا وهي تحول رجال الأحزاب إلى رجال فكر ونظر، والأحزاب إلى هيئات مقررة للصواب والخط، والخير والشر، والجميل والقبيح. بل تحولت الأحزاب إلى منتج "لأصحاب الفكر" و"منظري الأيديولوجية". بينما تحول القادة الجدد من أنصاف المتعلمين والجهلة إلى فيصل حاكم في رؤية الماضي والحاضر والمستقبل!. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

علي محمد اليوسفتمهيد: لا أضيف معلومة جديدة للذين قرأوا أو حاولوا قراءة كتاب بول ريكور(1913- 2005) المترجم للعربية بعنونة (فلسفة الارادة.. الانسان الخّطاء) وتركوه دون أكمالهم قراءة الصفحات الاولى من مقدمة الكتاب وهم غير ملامين أمام صعوبة فهم كتاب فلسفي غاية في غموضه العميق وتعقيد التعابير الفلسفية فيه التي تأخذ القاريء حتى المتخصص الى متاهة بلا نهاية، وأجد على الاقل بالنسبة لي وربما غيري يستطيع فك شفرات كتاب ريكور المعّقدة لكن سيجد نفسه بالمحصلة النهائية أنه كان يسبح قرب الحافات الضحلة من بحيرة ريكورالفلسفية في هذا الكتاب تحديدا، ولم يقترب من شطآنها ناهيك عن أستحالة أمكانية الغوص في أعماقها..

لذا تمّثل هذه الورقة مداخلة كتبتها من وحي الكتاب وهي تمثل رأيي الشخصي وليس مناقشة فلسفة بول ريكور المدهشة العميقة والتي عجزت عن الاحاطة الفلسفية حتى في بعضها.. ومناقشة أفكار الكتاب تتطلب أتقان مصطلحات فلسفية لا نتوفر عليها في أدبياتنا الفلسفية العربية المترجمة.. كما وتتطلب خلفية فلسفية غير عادية تقترب من الموسوعية فاللغة التي يكتب بها ريكور عصّية على المتلقي الذي يتوجب عليه الثبات في صبر المطاولة اذا ما اراد فهم ما يريد ريكور توصيله للقاريء وليس مناقشة أفكاره بلا جدوى.

لماذا كان الخطأ ويكون؟

الخطأ عند الانسان فعالية حيوية لا منجاة الهروب منها فهي تدخل في تكوين الطبيعة البشرية المحدودة القدرة والامكانات بغض النظر عما يلحقه الخطأ من نتائج سلبية مدانة بحق الفرد ومجتمعه، والخطأ حين يكون قرار أرادة ذاتية مسبقة لا تسببها الحرية المسؤولة التي يتمتع بها الفرد مجتمعيا فهي تصبح من أفعال الشر المقصودة وليست من الاخطاء العفوية التي لم يكن يقصدها مرتكبها..

كما وليس من الضروري ربط تلازم الخطأ الانساني بالحرية التي هي ليست معطى مجتمعي ناجز يمنحه المجتمع للفرد بل بمعنى أن الحرية هي الاخرى سمة مركزية من تكوين طبيعة الانسان ونزوعه الوجودي الحيوي الطموح بالحياة ولا تلازم بينها وبين نتائج أرادة الانسان في أتخاذ قراراته وصنع عالمه الذي تشوبه الاخطاء الفادحة المتتالية..فليس معنى التمتع بالحرية المجتمعية جواز مرور أرتكاب الاخطاء والشرور المتعمّدة بحق الاخرين..فالحرية مسؤولية مجتمعية في الممارسة والسلوك قبل أن تكون حقا مكتسبا للافراد التمتع بها.

يبريء أفلاطون الانسان من جريرة أخطائه التي هي بحسب رأيه ليست من صنع الانسان بوعي قصدي مسّبق في أرتكابها وأنما تكون الاخطاء حصيلة ظروف خارجية تفرض على الانسان أرتكابها بعفوية لذا لا يتحمّل نتائجها وجميع خطايا الانسان التي تحصل معه هي أخطاء غير مسؤول عنها فهي ليست من أختياره..وليس من حق المجتمع محاسبته عليها بل على الفرد التخلص منها في التطهر الاخلاقي بزيادة المعرفة والتعلم..ونرى في رأي افلاطون هذا تبسيطا مخّلا في أغفاله جوانب رصد متباينة حول المشكلة..

وعليه يكون حصولنا على ذات أنسانوية خالصة بمواصفات معيارية نموذجية من الكمال والاستقامة هو تصوّر فارغ لا قيمة واقعية حقيقية له، ولا يمكننا تصور ذاتا أنسانية طبيعية سوية بمعيارية نموذجية هي بالاصل معيارية غير واقعية تلغي الاقرار الحقيقي السليم بأن الانسان خطّاء بالغريزة الفطرية الطبيعية ولا يلزم عن ذلك التشبث بمعصومية تتقاطع مع أستحالة فهم الطبيعة البشرية في حقيقتها الجوهرية أنها طبيعة ناقصة على الدوام ومأزومة بالحياة منذ الولادة حتى المماة مما يجعل من أرتكاب الاخطاء والحماقات هو من طبائع الامورالعامة التي تسري في شرايين أفراد كل المجتمعات البشرية، ..

الاخطاء العفوية أو المقصودة لا فرق التي يرتكبها الفرد بحق نفسه ومجتمعه لا تستمد أصولها المشروعة من الاسطورة الدينية التي تتحدث عن أرتكاب آدم للخطيئة وطرده مع حواء من الجنة وأنسحاب هذا التلفيق الاسطوري على بني آدم في الارض.. وبهذا الفهم ندرك عمق عبارة هوبز بأن الانسان شرّير بطبيعته وتحكمه غريزة أرتكابه الشرورتجاه غيره من الناس المحيطين به..ونجد بهذا التعبير تهوين غير مقصود من هوبز يسقط فيه الشعور بالذنب وتأنيب الضمير الذي يلازم الانسان مرتكب الشرور الخاطئة بحق المجتمع، وليس معنى ذلك أن هوبز يعتبر أرتكاب الشرور هي من طبائع الامور (السوّية ) الصحيحة وأنما هي من طبائع الامور التي تحكمها الغريزة المتمكنة من الانسان قبل حكم العقل والارادة الخيّرة المزروعة في جوهركيانه كضميروجداني يقوم على نشدان الفضيلة بالحياة..

بضوء هذا الفهم: تصبح المساءلة حقا مشروعا، ألم يكن بالامكان أن يكون الانسان مخلوقا مليئا بالفضائل ولا يعرف معنى الشرور في حياته؟؟ لماذا وجد الانسان نفسه مليئا بغرائز مقيتة تقاطع أنسانيته المفترضة أنها خيرا تاما وهي في كل معاييرتلك الغرائز مدانة ولا تناسب ضرورة خلق الانسان بأرادة الخير وتعمير حياته على أسس من الفضيلة والعدالة والحق على الارض وأول بوادر هذه الاستحالة في وجود الانسان الممتليء بالفضيلة والضمير الاخلاقي أنما كانت في أسطورة مقتل هابيل من شقيقه قابيل التي في حال أنسحابها على اللاهوت الديني كما هو حاصل تفضح أزدواجية الدين قبل أفتضاحها كأسطورة خرافية لا علاقة لها بالدين.. تشبه تماما حجاج أبليس لرب العالمين في أمتناعه السجود لآدم لأنه مخلوق من نار أقدس من آدم المخلوق من طين.

هوبز أراد مقاربة معنى ما ذكرناه في سعيه التأكيد أن الاخطاء والشرور التي يرتكبها الناس هي غرائز تكوينية من طبيعتهم البشرية لا يمكن تجنيب المجتمع نتائجها الضارة وفي وقت لا يسمح تجنب صاحبها تأنيب الضمير والشعور بالذنب بالقناعة الزائفة في نتائجها لكنها الحقيقية في تأصيل دوافعها التي تكسب الرضا الزائف بأن (الشر) والاخطاء هو قسمة مشتركة عادلة بين بني البشر كما هي قسمتهم العادلة في أمتلاكهم العقل..عليه لا تكون الاخطاء وما يترتب عليها من نتائج هي تصنيع الانسان لها وأبتكارها في التنفيذ السلبي لافراد يحملون جينات الشر والانحراف دون غيرهم..وهذا الفهم يسقط الرادع الضميري الاخلاقي النفسي من الحضور في منع حدوث الخطايا والاخطاء بحق الاخرين..

لماذا يكون الخطأ مباحا؟

من العسير علينا تصور الانسان موجودا لا متناهي القدرات والعقل والارادة تضعه بمرتبة الالهة، وهذا لا يمنح الانسان تفويضا زائفا أنه طالما كانت الاخطاء قسمة عادلة يتوازعها بني البشر فلا داعي أن يعتبر الانسان نفسه شاذا عن المسيرة المجتمعية السوية التي تصوّر له أنه غير مسؤول عن أخطائه..هذه سذاجة في تمرير مشروعية أعمال مقيتة هي محرمة ضميريا فرديا من قبل مرتكبها قبل أدانتها التحريمية مجتمعيا..

غرائز الانسان الفاضلة الخيّرة منها والشريرة المقيتة كلاهما يمكن التحكم بهما بما يجعل من الانسان ضميرا أخلاقيا في الحياة وليس ضميرا أخلاقيا من أجل الخلاص الانفرادي الديني في الآخرة الخيالية (يوتوبيا) الجنة والخلود..ولا يجعل منه أيضا ضميرا فاسدا في الارض كونه نتاج غريزة فساد وأفساد مزروعة فيه تشّكل جزءا من طبيعته التكوينية البشرية مما يرتب التسليم بالقناعة الزائفة أن أرتكاب الشرور هو من طبائع البشر وأمور الحياة المحكومة بالاطراد المتزايد.

كثيرة هي الاسئلة المتناسلة المتفرعة: من المسؤول عن أرتكاب الاخطاء الفرد أم المجتمع؟ وهل دافع أرتكاب الاخطاء هي ذاتية تخص الانسان بمفرده وتسيء للمجتمع بمجمله؟ هل الاخطاء التي يرتكبها الانسان عفوية مجردة من الارادة المسبقة أم هي أرادة منحرفة موجهة مقصودة مع سبق الاصرار والترصد في أرتكابها؟ وهل العوامل الخارجية التي مصدرها المحيط والمجتمع تتلبس الانسان وتسقطه في أرتكاب الاخطاء؟ هل من المشروع تسويغ أرتكاب الخطأ عند الانسان في حال أقرارنا أن الاخطاء لا تتم الا بمساعدة عوامل ذاتية ومجتمعية خارجية منحرفة تضع الانسان أمام عدم قدرة الامتناع عن تسويغ أرتكابه لها وبذلك ننكر حقيقة أن جميع أفعال الانسان تحكمها الارادة العقلية المسبقة في صنع عالمه الخاص به على وفق قناعته هو وليس قناعة المجتمع في توريطه الفرد أرتكاب الاخطاء بحق نفسه ومجتمعه..

يقول بول ريكور بعبارة رشيقة متوازنة (الانسان لا يمتلك عصمة تمنعه من أرتكاب الاخطاء والشرور وهذه هي السمة العامة التي تتركز في عدم تطابق الانسان مع نفسه، وهذا اللاتناسب بين الذات والذات هو نسبة اللاعصمة) 1

بضوء هذه العبارة نفهم أن نزعتي الخير والشر المترسبتين في أعماق النفس والضمير والوجدان الانساني كضدّين متنافرين تجعل من الانسان حالة من التناقض المربك لافعاله وأرادته في أتخاذه قرار الصح من الخطأ، فنجده متقاطعا على الدوام مع ظواهر الانحراف بالحياة في نفسه ذاتيا ومع المجتمع أيضا فيعيش الانفصام بين الضمير واللاضميرعلى صعيد الوعي الذاتي مما يرتّب عليه أتخاذ القرار الذي يمنحه الاطمئنان على حد تصوره هو للامورفي محاولته التطابق الفردي مع ضميره النظيف، قرارات يتصورها أنها تمتلك كامل المشروعية في صنع عالمه الخاص به، وتكون صدمته قاسية حين يجد النتيجة أنه صحيح حقق التطابق المرضي النظيف له مع ذاته وبما يرضىيه هو عن نفسه لكنه ما يلبث أن يجد نفسه متقاطعا بما لا يرضي المجتمع عنه تماما..

وهنا ينتفي معنى وأهمية تطابق الانسان مع ذاته كضمير نظيف ليس لأنه على حق والمجتمع على باطل بل من حقيقة لا تناسبية كما عبّر عنها ريكور بما أسماه نسبة اللاعصمة التي هي قسمة مشتركة لا أنفصام بها تجمع أنتماء الفرد بالمجتمع بما يجعل اللاعصمة لا تنجي الفرد في محاولته التطابق مع ضميره النظيف ولا تجنّب المجتمع عواقب الاخطاء والشرور التي يكون فيها المجتمع مصدر تغذية الافراد أرتكاب أخطائهم وشرورهم..

تطابق الضميرالاخلاقي النظيف عند الانسان مع حقيقة ذاتيته الانسانية النموذجية الفاضلة (الانا الاعلى) المتسامية روحيا اخلاقيا يبقى تقديرها وتحقيقها بالفرد وحده وليس بمجتمعه ومن الصعوبة بمكان أن يتجنب الانسان الازدواجية في السلوك مع المجتمع..كون المجتمع هو المصدر الاساس في جنوح الفرد نحو رغبة تحقيق مصالحه الذاتية على حساب مصالح المجموع التي هي في المحصلة النهائية مصالح ذاتية لافراد وليس مصالح مجتمعية لمجتمع متجانس يكفل حق الجميع بالعدل والمساواة والحرية.. وبذلك تكون الانانية والازدواجية وحتى الكذب والنفاق في المواقف من طبائع الامور المشروعة المباحة للانسان أرتكابها من دون شعوره بالخجل وتأنيب ضمير ولا أدانة مجتمعية مباشرة له عليها فهي قسمة مشتركة بين الجميع...فالكل غائص في وحل الاخطاء والخطايا ولا مجال تبرئة الفرد نفسه منها الا اذا ما توفر على ارادة قوية تجعله يعلو مجتمعه بالفضيلة.

هل الوعي (الزائف) الذي يجري تحميله للفرد من مجتمعه والذي لا يقوى الانسان تغييره ولا حتى أمكانية تصحيحه هو الوسيلة الفكرية الوحيدة التي يمتلكها الفرد في الحكم على الاخرين؟ وعلى من تحسب نتائج الاخطاء المرتكبة على الفرد أم على المجتمع اذا ما كان هناك لدينا خلفية حقيقية قاطعة واجب التسليم بها تذهب الى أن نزوعات الشر عند الانسان هي غريزة طبيعية من تكوين جيني عند الانسان لا يقوى على أمكانية ردع جموحها حالها حال الانانية وحب التملك والتفرد الاعجابي بالشخصية والغيرة والازدواجية وهكذا.. وكل ما ذكرناه يأخذ تسويغه التمريري وتسويقه الزائف في ظاهره لكنه الحقيقي في باطنه أن الانسان بمحدوديته الطبيعية التكوينية غير معصوم من أرتكاب الاخطاء ونزوعه الذاتي نحو أرتكاب الاخطاء لا يقل بل ربما يزيد على نزوعه نحو قيم الخير والفضيلة كون هذه الاخيرة تتقاطع مع نزوعات طبيعته الذاتية في الامتلاك الفردي والتميز بكل شيء بعيدا عن مصالح المجتمع..

والحقيقة الاكثر وضوحا أن المجتمع يدين الفرد بأخطاء يعرف حقيقة لا معصومية أرتكابها من قبل أفراد آخرين في مجتمع مكوّن من مجموع أفراده معرّضين وقوعهم بفخاخها.. فطبيعة الفرد مستمدة من طبيعة مجتمعه وما يرتكبه الفرد من شرور وأخطاء بحق مجتمعه لا يعدم أرتكابها أمثاله من الناس في مجتمعه أيضا.. والقانون العقابي الوضعي المؤسسي الذي يحاسب على أرتكاب الشرور يحد من الظاهرة في محاولته تحجيمها لكنه يعجز عن أحتثاثها من جذورها..كونها تركيب نفسي ذاتي زائدا له تركيب منظومة مجتمعية تحكم الفرد بفسادها أيضا..

معنى الاطمئنان للخالق

كثيرا ما تأخذنا الآراء القاطعة التي ننكر بها أن يكون للدين موقعا أثيرا في تشكيل الضمير الانساني الاخلاقي النزيه الذي يعيش أحلام النموذجية (اليوتوبيا) بالحياة، علما أننا هنا نأخذ بنظر الاعتبار أن الانسان مفطور على أخلاق الضمير الانسانية العفوية الخيّرة قبل معرفته أخلاق الدين لاحقا..فأنسانية الانسان تجاه نوعه من جنسه سابقة على أنسنة الدين لأخلاقه وضميره الانفرادي.

وهنا نقصد بالدين ليس اللاهوت ولا أيديولوجيا الاحزاب السياسية الدينية المذهبية والمتطرفة ولا كتب الاديان الخرافية ولا أدبيات وشروحات وتفسيرات الفكر الديني الوضعية التي جاءت هوامش أضافية في تقريب الدين المشوّه في معانيه الدنيوية وضرورة طاعتها وليس خدمة الدين كعلاقة أيمانية فردية بين الخالق والمخلوق فقط ولا حاجة الى وسطاء لترسيخ هذه العلاقة.. ولا نأخذ أيضا عندما نقصد العودة الى الخالق الاخذ بأساطير الاديان في معجزات الانبياء وأنما نعتمد (الله) كمرجعية روحية وكمستودع ضميري وجداني يلوذ الانسان به عندما تختلط الامور لديه أمام محكمة الضمير، وأن العصمة الوجدانية والضمير النظيف لا يمكن للانسان بلوغها رغم وجودها بذرة نائمة في أعماق كل انسان الا من نزوع الانسان الدائم محاولته تجاوز الطبيعة الى ماورائها روحيا..

هذا النزوع الميتافيزيقي نحو النموذجي الروحي النظيف بالحياة تنقل الانسان من مرحلة تحّكم الخطأ به الى مرتبة تحكمه هو بعدم أرتكاب الخطأ بوازع مخافة الله وهذا لا يتحقق ألا في شعور الانسان أن قدرة الله عليه جعلته محدودا ككائن غير معصوم وبذلك نراه حتى في حال أرتكابه الخطأ يلازمه تأنيب ضميرطويل يكبح عنده الغريزة الفطرية المزروعة فيه أنه معرض دوما لأرتكاب الاخطاء التي عليه أجتناب الوقوع بها..

أن أعتصام الانسان بالله في عصمة ضميره روحانيا ليست نظرة سطحية غير حقيقية اذا ما علمنا أن هذا الاعتصام لا يؤكد ولا يلغي أن يكون الشخص مؤمنا أو ملحدا ولا يشترط ذلك، ومن جهة أخرى فأن الاعتصام بالله ليس مقصورا على دين واحد يمتلك الحقيقة الدينية كاملة وحده دون غيره من الاديان فهذا ليس ما نعنيه بالاستعانة بالله في أيجاد نوع من التوازن الاخلاقي الضميري الذي يعصم الوقوع بالخطأ..وخير مثال لتحقيق مثل هذا التوجه نجده في الاديان غير التوحيدية المعاصرة مثل البوذية والهندوسية والمندائية والغنوصية اليابانية وغيرها التي تكون مركزية الاخلاق النظيفة فيها سابقة على الايمان بوجود خالق يراقب يعاقب ويثيب كما هو في الاديان التوحيدية..ونجد البوذي يحقق الاكتفاء الذاتي بالموازنة الروحية الفاضلة بمعزل عن حاجته مراقبة الرب له يتوعده بالعذاب والعقاب.

ربما يبدو غريبا التعبيرأن الانسان في حقيقته الطبيعية السوّية هو مخلوق ميتافيزيقي ديني ينزع الى الاستعانة بالله روحيا في أذكاء قيم الخير والمحبة في نفسيته وسلوكه قبل كل شيء وهذا يدعم نشوء الديانات الاسطورية الوثنية في وقت متقدم جدا على بلوغ الانسان مراتب متقدمة من التقدم المتمدن في جوانب مادية وحياتية في مسيرته التاريخية الطويلة التي جاءت لاحقة على النزعة الدينية الفطرية الملحاحة التي كانت تسكن الانسان في محاولته تفسير وفهم معنى وجوده الارضي بقوى روحية لا يعقلها بالعقل لكنه يحتاجها في توفير الاطمئنان والراحة النفسية في الانقياد الروحي المقدس لها....

أن الفهم البراجماتي (النفعي) لباسكال بوجوب التسليم بوجود (الله) ولا يشترط أن تكون ملحدا أو مؤمنا أصبح في عالمنا اليوم ليس مستهجنا مرفوضا بمقدار ما أصبح حاجة ضرورية لا يستطيع الانسان المتحضر المعاصر التخلي عنها لأنها ببساطة تحل له مأزقه الروحي الذي يعيشه بألم وبؤس ومرارة وجودية..

دعوة باسكال أهميتها أنها لا تخاطب المؤمن لتزيده أيمانا بل تخاطب المتشكك اللاديني أنه سوف لا يخسر راحته النفسية بالحياة في قناعة التسليم بوجود الله حتى وأن كان لا يؤمن بلاهوت الاديان الوضعية جميعها.. وأنما بوجود الله كملاذ آمن يستعين به روحيا فقط لخلق التوازن غير القلق بأكثر من مجال في الحياة لديه.. أن تكون مؤمنا بالله كافرا بلاهوت الاديان الوضعية كما أراد سبينوزا هو التقاء متفاوت غير معلن بين باسكال وسبينوزا.. وهذه الحقيقة الروحية أصبح الغائها والاستهانة بها في الحياة المعاصرة مكابرة فارغة تزيد بؤس الانسان بالحياة وشقائه بالوجود..

الانسان البدائي كانت حياته محصورة في وجوب تأمين أحتياجاته وبقائه من الطعام والحاجات اليومية الاخرى التي تزوده الطبيعة بها أولا .. وتفتيشه عن (أله) قوي يمتلك قوى خارقة لقوانين الطبيعة يحميه من الخوف من ظواهر الطبيعة التي لا يعرف معناها ويمنحه الاطمئنان والقوة الروحية في تغلبه على عوامل أنقراضه من الارض.. بأستهداف تغيرات البيئة له في غير صالحه الذي ذهبت الديناصورات وحيوان الماموث وغيرهما من كائنات حية ضحية لقساوة وعدم ملائمة البيئة لهم مثلا، وبالمرتبة الثانية جاء خوفه من أستهداف الحيوانات المفترسة له وقطع نسله من التوالد الانجابي التكاثري..وهناك مقولة طريفة لا أعرف مدى صحة أستنتاجها الانثروبولوجي أن الطفل المولود حديثا في العصور البدائية السحيقة لم يكن مزودا بغريزة الصراخ والبكاء كما هي عند الطفل اليوم التي كانت تحميه في العصور البدائية من تعقب الحيوانات المفترسة لصراخه وصوته..

رب عقلاني معترض غير مؤمن بالله كطاقة روحية غير محدودة لها الدور الكبير جدا في خلق الضمير الاخلاقي عند الانسان يعترض بقوله السليم في ظاهره أن الاله الذي تم تخليقه خياليا ذاتيا من قبل الانسان البدائي لم يقدم شيئا للانسان مما كان يتمنىاه من الاله أن يمنحه أياه ويلبي له أحتياجاته في تمشية أمور حياته الصعبة وصراعه المرير مع الطبيعة وهذا صحيح جدا لكن الانسان كان بحاجة الى طاقة روحية هائلة يمنحه أياها الاله كموجود خيالي خارق الامكانات والقدرات من صنعه يعلو بقدراته الطبيعة والانسان حتى وأن لم يكن منظورا مدركا مباشرة والا أنتفت الحاجة له عندما يكون موجودا محدودا بقدراته كالانسان يمنح ويعطي كجزء من الطبيعة والعالم المادي المحدود.. من البديهيات الثابتة في لاهوت الاديان التوحيدية أن الاله لم يكن سوى وجود روحاني مصدر الايمان به القلب ولم يكن موجودا أنطولجيا مدركا بالحواس والعقل...

لنلاحظ هنا أهمية وجود الالهة غير المدركين حسّيا عقليا في جميع الاساطير التي أنجبت الاديان الوثنية وغير الوثنية علما أن تلك الالهة المصنوعة أسطوريا لا تتدخل حقيقة بحياة الانسان الا في نطاق ما تأتي به الاسطورة خياليا وتنسبه لعمل الالهة أو الشخصيات التي تنسب لها المعجزات وخرق القوانين الطبيعية كالانبياء ومن هم في مرتبتهم، ولنلاحظ مدى أقتراب هذا التصور البدائي في وصول الاديان التوحيدية وغيرها المعاصرة لنا اليوم الى حقيقة الايمان الديني أنه قناعة قلبية تامة بمدرك غيبي ما ورائي وليس أيمانا عقليا يتوصله الانسان بتفكيره المنطقي المادي في تقصيه السبب والنتيجة..ومنذ الانسان البدائي بقيت هذه النزعة في أبسط أشكالها متحكمة في تفكير الانسان أنه لا يطلب من الله تزويده بما يحتاج له من أمور أدامة حياته وبقائه أي لم يكن يطلب من الهه تزويده بالطعام الذي يحتاجه ولا بالجلود التي يلبسها ولا بالرماح والالات التي يصنعها للدفاع عن وجوده بالحياة..فقد كان الانسان منذ بدء الخليقة ليس بحاجة (آلهة) تطعمه وتلبي وتؤمن له اشياء مادية توفرها له الطبيعة عن طيب خاطرولا دخل للاله بتوفيرها..والى يومنا هذا نجد الانسان الحضاري لا يدعو الله تلبية ما يحتاجه له من أمور مادية تشبع حاجاته البيولوجية في البقاء على قيد الحياة بمقدار سعيه الديني الايماني المستميت في التفتيش عمن يمنحه الاطمئنان روحيا بالحياة كعامل توازن نفسي تجعله يعيش عالمه باطمئنان وراحة نفسية..

الحقيقة التي يجري عليها الالتفاف المكابر هو سهولة أن نكون ملحدين لكن في أغفالنا الصعوبة الحقيقية التي هي مأزق لا يمكن الفرار من مواجهته أين هو البديل الذي يقوم مقام الله روحيا في أيجاد الضمير الاخلاقي شريعة ينعم بها الانسان على الارض ويتعايش بها مع الاخرين مجتمعيا..؟ لم يكن فلاسفة العرب المسلمين القدماء والصوفية منهم على خطأ عندما أعتمدوا مقولة الله واجب الوجود ولا مجال مناقشتها منطقيا تماما قبل مناقشتها دينيا كما وجدها تولستوي مؤخرا أن وجود الله ضرورة مجتمعية أخلاقية كي لا يدخل الانسان في شريعة الغاب التي يصبح فيها كل شيء مباحا لمن يستطيع ويرغب الحصول عليه..

ريكور والزامية الخطأ في الوجود الانساني

(ليس الانسان ذلك الذي لا يعرف مسؤولية نفسه.. فمن الشر أن يكون الانسان حافلا بالاخطاء، ولا يريد الاعتراف بها، لأن ذلك بمثابة أضافة وهم أختياري.. فلكي يبرر اللامبالاة يلجأ الى شيء من النفور من الحقيقة)2 هذا ما أورده ريكور في كتابه الانسان خطاء.

أن الحقيقة التي نحياها بالزيف المعتاد ونطمسها عمدا دونما الاعتراف بها هي أننا فعلا لا نريد تحمل مسؤولية حقيقة معرفتنا لأنفسنا في مراجعة الاقرار بأخطائنا وهي مخاتلة ونفور من الاعتراف بحقيقة قائمة لا يلغيها عدم الاعتراف بها والافصاح عنها تلك هي أن الانسان في حقيقته وجود (بائس) تتوزعه مرارة الحياة التي يعيشها ومصيره المحتوم نحو الفناء والعدم..

ليس سهلا الاعتراف بحقيقة تنسف وجودنا الانساني من جذوره أنه كان وجودا خطأ وخاطيء معا، وأن توأم الوجود الانساني هو حقائق الاخطاء التي يرتكبها ولا يريد الاعتراف بها..أن عدم الاعتراف بالوجود الخطأ ليس خطأ بذاته بمعزل عن نتائجه وأنما الخطأ سيكون وبالا اذا ما أمتلك الانسان الشجاعة الكافية ووضع روحه وجسده أمام مرآة حقيقة تفاهة وجوده الذي هو سلسلة من الاخطاء المتخّفية المحجوبة وراء الخوف البائس من لا حقيقة وجوده القائم على التناقضات في كل المناحي ويخاف البوح به والاعتراف الضميري بمسؤوليته عنها..

هنا يصبح التساؤل مشروعا رغم أحتواء تضاعيفه بؤس الوجود الانساني هل المنقذ من المأزق الوجودي هو الاعتراف بأن العمود الفقري لوجودنا هو سلسلة الاخطاء المتراكمة كمّيا وكيفيا التي حكمت التاريخ الانساني في سلسلة من الصدف والمغالطات التي يكون أفتضاحها أكبر من كل قيمة يريد الانسان بلوغها في الحياة؟ ولن نكون بعد أفتضاح تاريخنا الخاطيء سوى هشاشة وجودية لا قيمة حقيقية لها يعتد الاخذ بها..حتى التقدم العلمي الهائل ليس بمقدوره أنقاذ الانسان من ورطة وجوده الخطأ على الارض..وكل منجزات العلم هي تخفيف لوطأة هذا الاحساس الانساني القهري المتفاقم الذي يلازمه كوجود طاريء بائس لا شفاء منه ولا جدوى السعي نحوتحقيق الوجود الانساني المتوازن لشعوب الارض..

الاعتراف بعدم العصمة من الاخطاء تبرير سهل لمشكلة كبيرة أصعب من أختزالها بعبارة، ولن تجدي نفعا أمام حقيقة أن الوجود البشري المصنوع بالاخطاء منذ مرحلة الاساطير الميثولوجية والسحرالتي كان ولا يزال يعيش الانسان تاريخه الانثربولوجي على متناقضات الصح والخطأ بغض النظر أنهما دلالة لحقيقة واحدة هي أن الوجود الانساني صدف عشوائية متتالية من الاخطاء.. وكانت تتلبس الانسان في مساره الاخطاء أكثر من معقولية الصواب الذي كان يشبه انثروبولوجيا القفز من فوق حفر بركانية تريد أبتلاعه في جوفها الارضي..

بؤس حياة الانسان هي جذر الانفصامية التي توزعت الوجود الانساني بين ضميرأخلاقي نظيف يجب أن يكون لكنه غير موجود رغم مرارته في تقاطعه مع نقيض الشر الذي يفرض ما يجب أن يكون وهو بمجمله خال من المعنى الحقيقي الصادق في فهم الحياة والقناعة الزائفة أنها وهم قائم على المغالطة السائدة المتسترّة على الاخطاء القاتلة في الحياة على صعيدي الفرد والمجتمع.. بهذا المعنى تكون فلسفة عبثية الوجود الانساني عند الشاعر الفرنسي الكبير أميل سوران هي تجسيد فلسفي وجودي معاصر يقتفي خطى سارتر.. حين يكون مفهوم الصح والخطأ لا يقلل من مسلمة وحقيقة الوجود البائس للانسان أن ميلاده هو الماساة وليس موته وفناؤه.....

المتناهي واللامتناهي في الفلسفة

يقصد باللامتناهي المطلق هو (الله) الخالق بصفاته غير المحدودة غير المتناهية وهو ماعناه اسبينوزا الصفات الالهية التي ينفرد بها الخالق وهي صفات اللامتناهي التي لا يمكننا الاحاطة بها كليا، أما المتناهي بذاته فهو الشيء الذي يمكننا تحديده بمقارنته بآخر من جنسه، فالكرسي موجود متناهي يمكننا معرفة متناهيه في مقارنة معيارية ومقايسته مع غيره من كراسي، وكذا الحال مع الانسان فهو موجود متناهي بمقايسته المقارنة مع غيره من متناهيات محددة من نوعه.. والله اللامتناهي الصفات لن يكون محدودا متعينا اذ يتطلب ذلك (حده) بشيء من نوعه وهذا محال..3

أمام هذا المعنى الواضح بين اللامتناهي والمتناهي يثير لايبنتيز أشكالية معتبرا (كل معنى محدد ايّا كان هو معنى مجرد ناقص)4، ليس بمعنى نقص اللغة في التعبير عن الشيء فهذا موضوع آخر في تحليلنا عبارة لايبنتيز بمعنى مباشر أن كل متناهي ناقص الادراك يكون بالضرورة لامتناهيا بما يحتمله من أمتداد في حمولة متعالقة به هي الاخرى تكون ناقصة تحتمل لامتناهيات متوالية وهكذا...هنا النقص الذي يعنيه لايبنتيز هو ليس قصور اللغة في الاحاطة بالمعنى كما ألمحنا له.

هذا الفهم الاشكالي الذي يطرحه لايبنتيز أنما أستمده من علم الرياضيات وخاصة في مثال لا تناهي المتواليات الرياضية والهندسية حيث يكون لها بداية ولا تنتهي بنهاية..لذا فهي تكون بحكم اللامتناهي الذي يدركه ويحتويه المتناهي المدرك الذي هو تحديدا المتوالية الرياضية..5

أنه لمن الممكن رفض تعميم منطق الرياضيات بالحكم على مدركاتنا أشياء العالم من حولنا التي هي متعينات متناهية في أمكانيتنا تحديدها..فالمحدود أنطولوجيا خارج المنطق الرياضي هي محدودات متناهية وليس من الضروري تحميلها لامتناهيات لا نستطيع حدّها بها..

هذا التداخل الاشكالي الذي أثاره لايبنتيز يدخلنا في تأويلات أبسطها يحتاج توضيحات عديدة لا محدودة، فالمعنى المحدد على حد تعبير لايبنتيز يكون بالضرورة العقلية مدركا محددا وألا ما كنا أستطعنا أطلاق صفة التحديد عليه، والمحدود هو متناهي عقلي معرفي يمكن الاحاطة به، والشيء المحدود حتى على صعيد الفكر المجرد بوسعنا تحديده كمتعين يحمل خصائصه بمقارنته المقايسة له بغيره من نوعه ... وأقصر طريق لأنهاء هذا الجدل نقول أن اللامتناهي هو الله الميتافيزيقا التي لا تحد لا بالصفات ولا بالجوهروبخلافه يكون المتناهي المدرك الذي هو وقائع أنطولوجية يمكن أدراكها والاحاطة الكلية بها..ولا يشترط تناسلها وتشعبها بلامتناهيات تشملها وهكذا نستمر على هذه الحال الى ما لانهاية مالم نضع حدا فاصلا بين مفهومي اللامتناهي والمتناهي في لا محدودية الاول ومحدودية الثاني..

وفيلون الذي يدعم وجهة النظر التي ذهبنا لها قبل أسطر يقول (أن اللامتناهي هو الله الذي هو أعلى وأسمى وأرفع من كل متناهي، فاللامتناهي هو الذي يعم ويشمل كل متناه، وهو يحوي صفات لا حصر لها بينما المتناهي يشمل صفات محدودة أو نهائية)6.

أما رأي كانط فهو يرى الناس كائنات متناهية تعيش في عالم اللامتناهي الذي يجب أن يكون محدودا بزمان وألا أصبح لاوجودا مدركا يمكن الاحاطة بأدراكه ميتافيزيقيا وأن ليس للعالم بداية ولا حدود في المكان بل هو لا متناه.7 ..

كما يرى كانط أن الزمان الذي يحد العالم يتوجب أن يسبقه زمان له نهاية وبداية الزمان (فراغ) كلي، وأذا لم يكن للعالم بداية ولا حدود فهو لا متناهي)8.. من الملاحظ أن كانط يناقش العالم الكوزمولوجي أي الفضاء الكوني بمنطق أدراك الزمان والمكان..ولم يكن يعني عالم الانسان المحدود بالطبيعة والحياة.

خاتمة

المتناهي الذي هو الانسان بمجمل تفكيره في واقعه ومجمل خيالاته بما يرغب معرفته والبحث عنه. أنما هو متناه بالامكان الوجودي ومحدودية القدرة في العجز عن فهم العالم بكليته كاشياء وليس كفهم سطحي كوزمولوجي كوجود كوني مجرد.. التفكير الخيالي في اللامتناهي تفكير عقيم يستنفد نفسه قبل أمكانية بلوغه أدراك وفهم مواضيعه في العالم اللامتناهي..وعن هذه الحقيقة يقول ديكارت في التأمل الرابع من تأملاته نقلا عن ريكور (ربما يوجد ما لا نهاية له من الاشياء في العالم، وفي المباينة مع ذلك، فليس عندي في الفاهمة أية فكرة عنها) 9.

المتناهي هو عالمنا الانساني (الطبيعة والانسان) غير المطلق كوزمولوجيا كونه متعينا موجودا مدركا في موجوداته وعلاقاتها بغيرها من موجودات بما لا حصر لها لا يطال معرفتها حتى التفكير الخيالي الذي يعجز فهم أشياء لا يمتلك تصورا مبدئيا محفوظا بالذاكرة عنها..

وهذه الرغبة أو الارادة في المعرفة بلا حدود يعّبر عنها ريكور(الارادة يبدو لها سعة (مجال) بلا نهاية ولو أخذنا بحرفية الكلمة فأن هذا التمييز يتهافت في نقد اسبينوزا)10. الحقيقة التهافت الذي قصده ريكور كنا تطرقنا توضيحه في الفهم الاسبينوزي للامتناهي والمتناهي الذي لم يوضحه ريكور سوى في الاحالة على مصدر باللغة الفرنسية وملخصه مذهب وحدة الوجود..

أما عن سعة الارادة أمام طموح الانسان بلوغ مديات من فهم العالم من حوله فهذا لا يجعل حتى من الخيال الفلسفي والخيال العلمي يبلغان معرفة اللامتناهي أكثر من المتاح المتيّسر الذي بلغاه في عالمنا اليوم..وهو لا يمثل سوى نسبة مئوية ضئيلة من فهم الانسان للعالم..لا تتجاوز حسب تقديرات العلماء 5% فقط.

عليه لم يكن أفلاطون خارج الفهم الفلسفي الذي من الممكن البحث عن صحة منطلقاته من (الشك) المشروع القائم حين أعتبر عالمنا هو غير حقيقي، والعالم الحقيقي موجود كأصل لعالمنا نجده في عالم آخر هو (المثاليات) في السماء.. وبهذا لا يمنعنا الاقرار بأن الارادة هي مفهوم فلسفي تجريدي واسع يحاول الاحاطة باشياء العالم دونما جدوى..لا تزال هذه النظرية الفلسفية لافلاطون لم تفقد بريقها رغم هالة الشك التي تحيطها وهي قابلة على أستحصال قناعة الصدق بشأنها أمام عبارة لا يبنتيز التي لا تتقاطع معها من حيث النتيجة وأنما تلتقي معها من حيث العجز القائم قوله (عالمنا هو أفضل العوالم الممكنة) أي أفضل العوالم التي رغم المآخذ الكبيرة عليه لا يمكننا تحقيق البديل الافضل فالعجز والمحدودية هي التي تتسيد بلوغ الطموحات الانسانية من عدمه..هذا العجز يجري تعويضه بمغالطة نعمل على تمريرها هي أن عالمنا أردأ العوالم التي أنجزها الانسان بالقياس الى حقيقة الواقع المرير الذي نعيشه أنه لا تتوفر وتنعدم فيه قيمة الانسان الحقيقية في عالم صادق ونظيف يحكمه الضمير الاخلاقي السليم.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

......................

* بول ريكور فيلسوف فرنسي معاصر وعالم انسانيات ولد في فالينس 27 شباط وتوفي 2005، واحد من ممثلي التيار التاويلي ومن ثم اهتمامه بالبنيوية الفرنسية ويعتبر امتدادا لفرديناند دي سوسير ويعتبر ريكور رائد سؤال السرد، اشهر كتبه نظرية التاويل- التاريخ، الحقيقة والزمن والحكي، الخطاب وفائض المعنى. وفلسفة الارادة.. الانسان الخطاء.

الهوامش:

1- بول ريكور، فلسفة الارادة.. الانسان الخطاء، ت:عدنان نجيب الدين ص38

2- المصدر أعلاه ص 44 بتصرف.

3- مازن ريا موقع الحوار المتمدن 2015، قسم الفلسفة

4- نفس المصدر اعلاه

5- نفس المصدر اعلاه

6- نفس المصدر اعلاه

7- نفس المصدر اعلاه

8- بول ريكور فلسفة الارادة.. الانسان الخطاء، ص 58

9-. المصدر اعلاه نفس الصفحة

10- المصدر اعلاه ص 60

 

 

حاتم حميد محسنالتشاؤم هو شعور ذهني سلبي تحصل فيه توقعات غير مرغوبة لموقف معين. المتشائمون يميلون عموما للتركيز على الجوانب السلبية للحياة. السؤال الشائع الذي يُطرح لإختبار التشاؤم هو "هل نصف الكأس مملوء ام فارغ؟"، في هذا الموقف يُقال ان المتشائم يرى الكأس فارغا الى النصف بينما المتفائل يرى الكأس مملوءا الى النصف. طوال التاريخ، كان للميول التشاؤمية تأثيرات على جميع مجالات التفكير الرئيسية.

التشاؤم الفلسقي هو الفكرة التي ترى العالم بشكل مضاد كليا للتفاؤل. هذا الشكل من التشاؤم هو ليس ميلا عاطفيا كما تتضمنه العبارة. وانما هو فلسفة او رؤية عامة تتحدى بشكل مباشر فكرة التقدم وما يُعتبر دعوات للتفاؤل المرتكز على الايمان. التشاؤم الفلسفي عادة ما يحتضنه وجوديون عدميون يعتقدون ان الحياة ليس لها قيمة او معنى باطني.استجابتهم لهذا الظرف تتباين كثيرا وعادة ما تكون ايجابية.

ان مصطلح تشاؤم مشتق من الكلمة اللاتينية pessimus وتعني "الأسوأ". اول من استخدم الكلمة هم النقاد اليسوعيون عام 1759في نقدهم لرواية فولتير"candid,ouI optimism" . فولتير كان يهزأ بفلسفة ليبنتز الذي أكّد على التفاؤل، هؤلاء في هجومهم على فولتير اتّهموه بالتشاؤم.

التشاؤم الفلسفي

مقال روسو في اللامساواة كان يشكّل هجوما على فكرة التنوير في التقدم الاجتماعي التي اعتبرها هبوطا اخلاقيا. التشاؤم الفلسفي هو ليس حالة ذهنية من الميل السايكولوجي وانما هو رؤية عالمية للاخلاق تسعى لمواجهة الواقع الكريه للعالم وازالة الآمال والتوقعات مثل فكرة التقدم وأشكال الايمان التي تقود الى نتائج غير مرغوبة. افكار التشاؤم الفلسفي يمكن العثور عليها في النصوص القديمة مثل حوار في التشاؤم وفي سفر الجامعة اليهودي Ecclesiastes (الذي يؤكد على ان كل شيء هو بلا معنى"و "سخيف").

في الفلسفة الغربية، لم يكن التشاؤم الفلسفي حركة منفردة متماسكة وانما مجموعة متناثرة من المفكرين ذوي افكار متشابهة . في كتابه التشاؤم: الفلسفة، الاخلاق، الروح، يعرض Joshua Foa Dienstag الافتراضات الرئيسية التي يشترك بها معظم الفلاسفة التشاؤميون مثل "ان الزمن عبء، وان مسار التاريخ ساخر، وان الحرية والسعادة غير منسجمين، والوجود الانساني سخافة".

الفلاسفة المتشائمون يرون ان الوعي الذاتي للانسان مرتبط بوعيه للزمن وان هذا يقود الى معاناة اكبر من مجرد ألم مادي. ومع ان العديد من الكائنات الحية تعيش في الحاضر، فان الانسان يستطيع تأمل الماضي والمستقبل، وهذا اختلاف هام. الكائنات البشرية لديها معرفة سابقة بمصيرها النهائي وهذا "الرعب"حاضر في كل لحظة من حياتنا كتذكير بطبيعة الحياة المؤقتة وعدم مقدرتنا على السيطرة على هذا التغيير.

التشاؤمية الفلسفية ترى ان تاثيرات التقدم التاريخي تميل لتكون سلبية اكثر مما هي ايجابية. المتشائم الفلسفي لا ينكر ان مجالات معينة مثل العلوم يمكن ان "تتقدم" لكنه ينكر ان هذا يؤدي الى تحسين كلي في الظروف الانسانية. بهذا المعنى، يمكن القول ان المتشائم يرى التاريخ كمفارقة، بينما يبدو كأنه يتجه ليصبح احسن حالا، لكنه في الحقيقة لا يتحسن ابدا، او يصبح اسوأ. هذا يتضح في نقد روسو لتنوير المجتمع المدني وتفضيله للانسان البدائي والحالة الطبيعية. يرى روسو "ارواحنا اصبحت فاسدة الى المدى الذي تقدمت فيه علومنا وفنونا نحو الكمال".

الرؤية التشاؤمية للظرف الانساني هي انه بمعنى ما "سخيف". السخافة يُنظر اليها كعدم انسجام انطولوجي بين رغبتنا في المعنى والانجاز وعدم قدرتنا على ايجاد او الابقاء على تلك الاشياء في العالم، او كما يقول كامو: "الطلاق بين الانسان وحياته، الممثل وبيئته المسرحية في الزمان والمكان". فكرة ان التفكير العقلاني يقود الى ازدهار الانسان تعود في جذورها الى سقراط وهي اصل معظم اشكال الفلسفات الغربية المتفائلة. التشاؤمية تقلب الفكرة على رأسها، انها اعتبرت العقل أصل الشقاء الانساني.

استجابة التشاؤميين لهذا الموقف الصعب من الظرف الانساني ليست موحدة. بعض الفلاسفة مثل شوبنهاور اقترح شكل من القبول بالوضع الحتمي وإنكار ذاتي (الذي رآه في الاديان الهندية والزهد المسيحي). بعض الاتباع يميلون للاعتقاد ان "توقّع الأسوأ يقود الى الأحسن". ديكارت ايضا اعتقد ان الحياة ستكون افضل لو ازيلت ردود الافعال العاطفية للاحداث السلبية . كارل روبرت هارتمان زعم انه مع التقدم التكنلوجي والثقافي، سيصل لعالم وسكانه الى حالة سوف يتبنّون فيها طوعا اللاشيئية. آخرون مثل نيتشة وكامو استجابوا برؤية اكثر ايجابية فيها يتم احتضان الحياة كما هي بكل ما فيها من تغير مستمر ومعاناة، دون اللجوء للتقدم او حسابات المنفعة. البير كامو اشار الى ان الاجابات الشائعة لسخافة الحياة هي عادة : الانتحار او قفزة الايمان. كامو رفض تقريبا هذين الخيارين باعتبارهما جواب غير مقبول وزائف.

التشاؤم الفلسفي ارتبط عادة بالفن والادب. فلسفة شوبنهاور كانت شائعة جدا في أعمال (Wagner,Brahms,Mahler). العديد من الفلاسفة التشاؤميين كتبوا ايضا روايات او شعر مثل (كامو) و (ليبرودي).

اليونان القديمة

في فلسفة المأساة في اليونان، جادل نيتشة ان فلاسفة ما قبل سقراط مثل اناكسمندر وهرقليطس و بارميندس جسّدوا الشكل الكلاسيكي للتشاؤم. نيتشة رأى فلسفة اناكسماندر كـ "ادّعاء اسطوري للمتشائم الحقيقي". وكذلك بالنسبة لفلسفة هيرقليطس في التغير والصراع هو كتب: هيرقليطس انكر ثنائية العالم – وهو الموقف الذي افترضه اناكسميندر مكرها. هو لم يعد يميز بين العالم المادي و العالم الميتافيزيقي، عالم الاشياء المحددة عن اللامحدودة. وبعد هذه الخطوة الاولى، لاشيء يمنعه من التقدم نحو الثانية، النفي الجريء: هو انكر تماما الوجود.لأن هذا العالم الواحد الذي احتفظ به بلا مكان يبيّن الاستمرارية واللاتحطيم . وبصوت أعلى من اناكسماندر، ادّعى هيرقليطس :"انا لا أرى شيئا عدا التحول، لا تكن منخدعا، ان العيب هو بسبب قصر النظر لديك، وليس جوهر الاشياء، لو اعتقدت انك ترى الارض في مكان ما في محيط التحول والموت .انت تستعمل اسماءً لأشياء تعتقد انها ثابتة، مستمرة بلا نهاية، لكن حتى التيار الذي تغطس فيه للمرة الثانية ليس ذات التيار الذي نزلت فيه من قبل".(مولد التراجيديا 5، ص 51-52).

هيجسياس

وهناك فيلسوف يوناني آخر عبّر عن شكل من التشاؤم في فلسفته وهو الفيلسوف السيرينكي هيجسياس Hegesias (290.ق.م). وكالذي سبقه، هيجسياس جادل بان السعادة المستمرة مستحيلة التحقق وكل ما نستطيع فعله هو محاولة منع الألم قدر الامكان. السعادة التامة لايمكن ان توجد لأن الجسم مملوء بالعديد من الاحاسيس، وان الذهن يتعاطف مع الجسم ويشعر بالأذى حينما يشعر الجسم بذلك، وهو ما يمنع الكثير من الاشياء التي نحبها، ولجميع تلك الاسباب فان السعادة التامة توهمنا وتضلل مقدرتنا. هيجسياس اعتقد ان كل الاشياء الخارجية والاحداث والافعال لاتعني شيئا للرجل الحكيم، وحتى الموت:"بالنسبة للشخص الغبي من المفيد له ان يعيش، ولكن بالنسبة للفرد الحكيم انها مسألة لا فرق". طبقا لشيشرون، كتب هيجسياس كتابا سماه "الموت بواسطة المجاعة"، أقنع فيه العديد من الناس ان الموت افضل بكثير من الحياة. وبسبب هذا منع بطليموس الحادي عشر هيجسياس من التدريس في الاسكندرية.

وبدءاً من القرن الثالث قبل الميلاد، اقترحت الرواقية تمرينا لـ "دراسة الشرور" مركزة على أسوأ النتائج الممكنة.

فولتير

كان فولتير أول اوربي سُمي بالمتشائم نتيجة لنقده للمتفائل الكسندر بوب في "مقال حول الانسان"، ونقده لتأكيد لايبنتز عام 1759 باننا "نعيش في أحسن ما يمكن من العوالم"وكل شيء يسير نحو الافضل لأن الله يحب الخير. رواية فولتير (الكانديد) هي نقد موسع للتفاؤلية المؤمنة وقصيدته حول كارثة زلزال لشبونة هي بالذات متشائمة بشأن حالة البشرية وطبيعة الاله. ومع انه ذاته مؤمن بالربوبية، لكنه جادل ضد وجود الاله العطوف من خلال تفسيره لمشكلة الشر.

جين جاك روسو

الافكار الرئيسية للتشاؤم الفلسفي كانت عُرضت اول مرة من جانب روسو وسمي "ابو التشاؤمية". يرى روسو ان الناس في "خيريتهم الطبيعية"ليس لديهم احساس بالوعي الذاتي بالزمن وبهذا هم اكثر سعادة من الناس الملوثين بالمجتمع. رأى روسو الحركة خارج دولة الطبيعة هي أصل اللامساواة وسبب افتقار البشرية للحرية. صحة الانسان الكلية هي في حالته الطبيعية، وان الحب غير المدمر للذات وللتعاطف جرى استبداله تدريجيا بحب الذات المشتق من الفخر والحسد لزملاء الانسان. وبسبب هذا، فان الانسان الحديث يعيش "دائما خارج ذاته"، مهتما بالآخرين، وبالمستقبل والاشياء الخارجية. روسو ايضا انتقد مقدرة الانسان على "صنع الكمال" وقدرته اللغوية في سلخنا بعيدا عن حالتنا الطبيعية وذلك عبر السماح لنا في تصور المستقبل الذي نكون فيه مختلفين عما نحن فيه الآن ولذلك يجعلنا نبدو نشعر بالنقص (وبهذا نكون قادرين على بلوغ الكمال). روسو رأى تطور المجتمع الحديث كاستبدال للمساواة الطبيعية عبر الاغتراب والتمييز الطبقي المفروض من مؤسسات السلطة. وهكذا فان العقد الاجتماعي يبدأ بعبارة شهيرة "الانسان ولد حرا، وفي كل مكان هو مقيد في الأغلال". حتى الطبقة الحاكمة ليست حرة، في الحقيقة، يرى روسو الحكام كـ "العبيد الكبار" لأنهم بحاجة الى مزيد من الاحترام من الآخرين كي يحكموا ولذلك يجب باستمرا ر ان يعيشوا "خارج ذواتهم".

آرثر شوبنهاور

 كان لشوبنهاور تاثيرا على المفكرين والفنانين اللاحقين مثل (فرويد) و (واغنر). تشاؤم شوبنهاور جاء من اعطائه الرغبة منزلة فوق العقل كسبب رئيسي للفكر والسلوك الانساني. الرغبة هي الجوهر الميتافيزيقي النهائي الحي وهي كفاح غير منطقي وبلا اتجاه. يرى شوبنهاور العقل ضعيف وغير هام مقارنا بالرغبة. هو رأى ان رغبات الانسان يستحيل اشباعها، وان كل القناعات التي تُسمى بالسعادة هي سلبية دائما ولن تكون ايجابية ابدا. انها ليست الاشباع gratification الذي يأتي لنا بالأصل وبذاته، وانما يجب دائما ان تكون قناعة الرغبة. بالنسبة للرغبة، تكون الحاجة هي الشرط المسبق لكل متعة، ولذا فان القناعة او الاشباع لن يكونا ابدا اكثر من التحرر من الألم ومن الحاجة. وجود الانسان باستمرار يتأرجح كالبندول بين الألم عندما نريد شيء ولا نحصل عليه، والضجر عندما نحصل على الشيء ولا نهتم به، وهذان الاثنان في الحقيقة هما المكونان النهائيان للوجود الانساني.هذه الحلقة الدائرية تسمح لنا بالنهاية لنرى التفاهة المتأصلة في حقيقة الوجود وان ندرك ان الهدف من وجودنا ليس لنكون سعداء. هو اعتقد انه فقط عبر الانسحاب من الكفاح الذي بلا معنى للرغبة بالحياة من خلال شكل من إنكار الذات (كالشكل الذي يمارسه الرهبان المسيح والناس الاخلاقيون) قد يتحرر الفرد من الرغبة تماما.

نيتشة

يمكن القول عن نيتشة كفيلسوف متشائم. هو يختلف عن شوبنهاور في استجابته للرؤية التراجيدية المتشائمة كونها لا تعني الانسحاب ولا إنكار الذات وانما كشكل من التشاؤم المؤكد للحياة. واذا كان سقراط أكّد ان الحكمة تقود الى السعادة، فان نيتشة اعتبر هذا "كلام اخلاقي، وخداع ونوع من الجبن ". هو ايضا انتقد تشاؤمية شوبنهاور لأنه عند الحكم على العالم سلبيا، نكون اصدرنا حكما اخلاقيا حول العالم وذلك يقود الى الضعف والعدمية. جواب نيتشة كان احتضانا تاما لطبيعة العالم، "تحرير عظيم" من خلال "تشاؤم القوة"والذي"لا يضع أحكاما لهذا الظرف". اعتقد نيتشة ان مهمة الفيلسوف هي ان يستخدم بكفاءة هذا التشاؤم كالمطرقة، اولاً يهاجم اسس العقائد والاخلاق القديمة"، ليعيد تقييم كل القيم ويخلق قيم جديدة. الخاصية الاساسية لهذا التشاؤم كان "القول نعم" لتغيير طبيعة العالم، هذا انطوى على احتضان التحطيم والمعاناة بفرح. تشاؤمية نيتشة هي فن العيش الذي هو "جيد لصحة الفرد كـ "علاج ومساعد في رعاية نمو وصراع الحياة".

البير كامو (1913-1960)

وهو فرنسي- جزائري عرض مقترحات للتعامل مع سخافة الوجود ولا معنى الحياة. العديد من الناس يرون ان الحياة بلا معنى لا تستحق ان تُعاش، كامو اعتبر الموت او الانتحار عمل لا فائدة منه لأنه سوف لا يكون هناك معنى في الموت اكثر مما هو في الحياة. وعندما يأتي كامو الى سؤال معنى الحياة هو يستنتج انه من المستحيل العثور على جواب للسؤال المتعلق بمعنى الحياة، وان اي محاولة سواء من الفلسفة او العلم او الدين لفرض معنى على الكون سوف تنتهي بكارثة. الانسان يسعى ليجد معنى للاشياء، وعندما لا يجده يحاول خلقه. حياتنا حسب قوله بلا معنى وسوف تبقى كذلك. غير انه لا يعتبر لامعنى الحياة شيئا سيئا. فهو يقول ان فهم الحياة السخيفة هو الخطوة الاولى لتكون مفعماً بالحياة، هو يثمّن ضوء الشمس والمرأة والساحل والطعام الجيد. يرى كامو ان الشخص الذي يدرك سخافة الحياة ويتعامل معها بابتسامه فهو بطل. هو رفض الحياة الثانية، حيث اعتبر محاولة تبرير هذه الحياة عبر الاشارة الى حياة اخرى انما هي فقط طريقة اخرى لإنكار سخافة الحياة. ينصح كامو بالذهاب والتمتع بضوء الشمس او المشي على الساحل او لعب كرة قدم وعدم إعطاء مجال لليأس و احتضان لا معنى الوجود بالاختيار والاستمرار بالتمتع بما تعمل رغم فقدانك المعنى في افعالك.  يرى كامو ان الوعي الانساني والعقل "يضعاه في تضاد مع كل الخلق". ان هذا التصادم بين الذهن المفكر الذي ينحت المعنى والعالم "الصامت" هو الذي يُنتج المشكلة الفلسفية الأكثر اهمية.اعتقد كامو ان الناس عادة يهربون من مواجهة السخافة من خلال "الايهام"، "الحيلة"، فهم لا يعيشون لأجل الحياة ذاتها وانما لأجل فكرة عظيمة تحوّل الحياة، تنقّيها، تعطيها معنى، وتخونها". هو اعتبر الانتحار والدين شكلان زائفان للخداع او الهروب من المشكلة. كامو يرى ان الخيار الوحيد فقط هو القبول الثوري والعيش مع السخافة لأن "كل مصير يمكن قهره بالازدراء".

نقد

طوال التاريخ، استنتج البعض ان المواقف التشاؤمية، رغم انها مبررة، لكنها يجب تجنبها لكي نستمر. المواقف التفاؤلية مفضلة وهي ذات اعتبارات عاطفية. النقاد رفضوا افتراض ان التشاؤم يقود حتما الى مزاج معتم كئيب. العديد من الفلاسفة لا يوافقون على ذلك، مدّعين ان مصطلح "التشاؤم" اسيء استغلاله. السعادة غير مرتبطة بالتفاؤل ولا التشاؤم مرتبط بعدم السعادة. يمكن بسهولة تصور انسان متفائل غير سعيد وآخر متشائم سعيد.

 

حاتم حميد محسن

 

ميثم الجنابيما بين ماركس وهيغل: إشكاليات التاريخ ويقين الروح الثوري (6)

إن ماركسية ما بعد ماركس من الناحية المجردة هي "ماركسية" إضافية، أي "مصطنعة". غير أن ذلك لا يلغي كونها جزء من رصيد الماركسية بوصفها تيارا عاما أو تيارات متنوعة واجتهادات هي جزء من تقاليد ومصير العقائد الكبرى ومدارسها النظرية. تماما كما أن التشيع والتسنن، والخوارج والمرجئة، والمعتزلة والأشاعرة، والحنبلية وإخوان الصفا، والغزالي وابن عربي وما شابه ذلك هي نماذج "إسلامية" إضافية، أي "مصطنعة" رغم كونها جزء من التيار العام للإسلام وتقاليده. وينطبق هذا على كل شروق وغروب التيارات العقائدية الكبرى. وإذا كان الخلاف جليا، على الأقل من حيث الظاهر بين بقاء و"حياة" الأديان واندثار و"موت" المدارس الفكرية الكبرى، فإن سببه لا يكمن في صواب الأولى وخطأ الثانية. بل على العكس تماما! أو على الأقل أن جذور هذا الاختلاف تكمن في أن حياة الأديان من "حياة" العوام، أي الأغلبية المحنطة والعائمة في زمن الوجود وفضاء التاريخ الروحي للعقائد، على خلاف المدارس الفكرية الكبرى التي لا يعني "موتها" سوى حياتها المتجددة في اجتهاد العقل النظري والعملي الدائم. بمعنى أنها الممثل والمتمثل الأكبر لحقائق الوجود بوصفه صيرورة أبدية للوجود والعدم.

وليس مصادفة أن يتحول ماركس الواحد بمعايير الحياة الشخصية والحياتية إلى أنواع وشخصيات عديدة. والسبب لا يقوم فقط في أن تاريخه الشخصي هو تقلب وتنوع واختلاف متراكم في مجرى البحث عن وحدة نظرية منهجية تطابقت في مجرى تكاملها الذاتي مع منظومته الفلسفية بوصفها منظومة تاريخية عن الإنسان والمجتمع والدولة والفكر، بل وكذلك بسبب انغلاق المسار التاريخي للشخصية والفكرة على ذاتها أمام التاريخ اللاحق. وذلك لأن التاريخ "اللاحق" هو "معاصرة". من هنا تأثيرها المباشر وغير المباشر حتى على اشد المحاولات صرامة في رؤيتها التاريخية للماضي. بعبارة أخرى، إن المعاصرة عادة ما تبعد اشد الأفكار واقعية وموضوعية وعلمية عن الماضي حتى حالما تجعل منه موضوع تأملاتها النظرية ومادة تصنيعها العملي.

فالمعاصرة هي بمعنى ما طفو على الماضي. وفي هذا فضيلتها أيضا. كما أنها حالة وجودية ومعرفية بقدر واحد. من هنا لم يكن "تنوع ماركس" حالة غريبة. على العكس أنها تعكس المسار الطبيعي لتاريخ الفكر والعقائد الكبرى. من هنا بروز ماركس المعقد والصعب والفيلسوف والعالم، وماركس العادي والبسيط والنبي العملي. كما تظهر مختلف الصور المعقولة بمعايير التأويل عن ماركس الاقتصادي، وماركس السياسي، وماركس الفيلسوف، وماركس الأيديولوجي، وماركس المناهض للأيديولوجية، وماركس الإنساني، وماركس الطبقي، وماركس النقدي، وماركس السلفي، وماركس الثوري، وماركس المعتدل. وأن يجري وضع الخط بين هذه المكونات بما في ذلك بمعايير الزمن وابتداع الصورة الخلابة في الوقت نفسه عن ماركس الشاب وماركس الشيخ. مع أنها وحدة واحدة لا يمكن تجزئتها بمعايير الوجود الشخصي وتكامله الذاتي وصيرورة منظومته الفكرية. لكن مفارقة هذه الثنائيات الملهمة للجدل العقائدي تقوم في التهامها لاجتهاد ماركس عبر تحويله إلى جهاد أيديولوجي لم يبق من ماركس غير تأويلات لا تحصى جعلت من الممكن تحويل ماركس إلى صبية مرمية على قارعة الطريق يمكن لكل عابر سبيل ولص مغامر من الاستيلاء عليه واغتصابها.

إن ماركس هو فيلسوف أولا وقبل كل شيء. بل حتى كتاب (الرأسمال) كتاب فلسفي من حيث الجوهر، أو أنه لا يمكن فهم حقيقته دون منهجه الفلسفي. ومن ثم فإن (الرأسمال) هو كتاب فلسفي اقتصادي سياسي، أي تاريخي من حيث المبدأ والغاية. وذلك لأنه يحتوي وينسق بقدر واحد بين مضمون تاريخي، ووسيلة تاريخية، وغاية تاريخية. وليس مصادفة أن يخلو كتاب (الرأسمال) من معطيات بيانية وإحصائية. كما أنه الشيء الذي يمكننا رؤيته أيضا على مثال مقولاته ومفاهيمه وقيمه ومواقفه. لاسيما وأنها أمور جوهرية ليس فقط بالنسبة لمعرفة مصادر وكيفية تأسيس الفكرة، بل ولمعرفة حدوها النظرية ضمن منظومة الفيلسوف نفسه. وينطبق هذا بالقدر ذاته على طبيعة ومضمون نقده لأسلافه الكبار من رجال الفكر الاقتصادي. بمعنى كشفه عن خلل "الرؤية المستقبلية" في استنتاجاتهم الاقتصادية. وليس ذلك في الواقع سوى الوجه "الاقتصادي" في رؤيته التاريخية للمستقبل. لقد أراد ماركس من العلم الاقتصادي، كما هو الحال من نتاج جميع العلوم الاجتماعية والطبيعية أن يكون مؤيدا ومساندا وداعما لفكرة البدائل التاريخية المتعلقة بتأسيس ودعم فكرة الضرورة التاريخية لعملية الانتقال إلى الشيوعية بوصفها التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية العليا في التطور الإنساني. بحيث نراه يطابق بينها وبين التاريخ الحقيقي. الأمر الذي جعله يفصل بطريقة اقرب إلى تقاليد الميتافيزيقيا المتسامية بين ما كان ويكون، أي ما كان قبل وبعد توكيدها وتأسيسها للفكرة، شأن تصورات وأحكام "الدين الحنيف" الجازمة في مواقفه من إشكاليات الوجود والخير والجمال والحق والحقيقة. وليس هذا في الواقع سوى الغلو العميق المميز للنزعة التاريخية في فلسفة ماركس.

إن تحويل ماركس إلى اقتصادي فقط، أو سياسي فقط، أو أي إلى مجموعة كيانات مستقلة ومختلفة فيما بينها يعادل ضعف أو انعدام المعرفة العلمية به، بوصفه كلا واحدا لصيرورة تاريخية فكرية ثقافية معقدة. إن تجزئة ماركس بهذه الطريقة يستعيد في حالات كثيرة جهاز التقييم القديم الذي يجد في تنوع الاختصاص فضيلة بوصفه الوجه الآخر للموسوعية. أما في الواقع، فإن هذا "التنوع" ليس إلا أحد مظاهر أو أجزاء التراكم التاريخي والمعرفي للشخصية الكبيرة، كما أنه الممر الضروري والفردي لتكامل منظومة الأفكار الكبرى والمنهج الموحد والجامع لها، ومن ثم الغاية الخفية القائمة وراء كل ذلك بوصفها "سرّ الأسرار" الكامنة في ما ينبغي للتاريخ اللاحق الكشف عنه وتبيانه. فقد أدت تجزئة ماركس إلى جعله مادة للتطفل الجاهل والتطويع الأكثر جهلا من مختلف أطراف المحبين والكارهين. وهي ظاهرة ليست معزولة عن النفسية الأيديولوجية وأحكامها الضيقة. أما بمعايير العلم فإن ماركس يبقى جزء من أجزاء الكلّ الإنساني وحلقة من حلقات المعاناة العقلية في اجتهادها النظري وجهادها العملي من اجل تأسيس البدائل الإنسانية.

فقد جعلته الرؤية الأيديولوجية المؤيدة منها والمعارضة كيانا فاقعا. وليس مصادفة أن تسود الرؤية عند الطرفين من خلال إرجاع ماركس إلى (دون كيشوت) عصري في مواجهة أشباح الطواحين المخيفة للشيوعية، أو النظر إلى ما في (الرأسمال) على انه منشور سياسي صرف مهمته كشف شبح الرأسمالية المرعب. وكلاهما في الواقع مجرد رهينة صغيرة للعبارة البيانية التي كانت تميز كتابات ماركس آنذاك، كما نعثر عليها في (بيان الحزب الشيوعي). أما في الوقع فقد كانت عبارة بيانية لا تخلو، شأن كل إبداع تاريخي كبير، من شطح يناسبها في المظهر والمظاهر.

لقد أدت هذه التجزئة المفتعلة والملازمة للوعي السياسي المتحزب وتقاليد العوام الراديكالية إلى إحراق أغلب الآراء الطرية والقابلة للنمو في منظومة ماركس الفلسفية على نار الالتهاب الثوري، وبالأخص في مجرى التحولات الدرامية الهائلة بعد موته. كما نراها على سبيل المثال لا الحصر في كتابات كاوتسكي ولوكسمبورغ في ألمانيا، وبليخانوف ولينين في روسيا، ولابريولا في ايطاليا وغيرها من المناطق الأوربية آنذاك. فقد جعلوا، وإن بمستويات ونوعيات مختلفة ومتباينة، من تصوراتهم عن الماركسية جوهر العقيدة العملية والأيديولوجية الثورية في القرن العشرين. الأمر الذي جعل من الماركسية عقيدة قاسية، تعمل بمقاييس "نحن" و"هم"، و"رفاقنا" و"أعداءنا" بوصفها الحالة "الطبيعية" لقداسة "التناقض" و"صراع الأضداد" و"الصراع الطبقي". من هنا ثنائيات الصراع الحادة في كل شيء. ومع كل نمو فيها كانت تنمو حراشف العداء والتخوين والتجريم. ومع كل تشدد فيها تصبح أشد تخريبا للعقل والضمير. بحيث يتحول تروتسكي وفكرته عن جوهر الماركسية باعتبارها "ثورة دائمة" إلى انتهازي وعميل ومجرم يجري تتبعه حتى المكسيك! (وهو يرفد هناك بحياة إمبراطورية!). ثم تتحول الستالينية إلى مجرد عبادة فرد يجّسد في ذاته الحزب والدولة والحقيقة والمستقبل. وتتحول كتاباته إلى أناجيل الماركسية السهلة! مع أن ستالين رجل أمي بمعايير الفكر. فهو أيضا لم يكمل المدرسة الابتدائية! ثم الخروشوفية بكل حرارتها الراديكالية التي جعلت من الستالينية جريمة، أي من المقدس مدنسا! ثم يجري رميها بوصفها حماقة فلاحية! وهي عملية تتكامل مع مجرى الزمن لكي تتحول في نهاية المطاف إلى حلقات أحداها أضعف من الأخرى لتنتهي بالغورباتشوفية، بوصفها خروتشوفية "مجددة" مشهورة النتائج. وهي حالة يمكن رؤيتها في كل مكان مشابه للدول الاشتراكية جميعا، الغربية منها والشرقية، المتطورة والمتخلفة، المندثرة والباقية. والاستثناء الوحيد للتجربة الصينية. لكن التحول الصيني المعاصر هو تحول قومي خالص. وهذه قضية لا علاقة لها بالفكر بقدر ما لها علاقة بالتجربة السياسية للدولة والأمة الصينية وتراثها القومي.

لكن اغرب ما في المصير التاريخي لفكرة ماركس التاريخية وفلسفته التاريخية يقوم في بقاء وفعالية "ماركس الشاب" وضمور "الشيخ ماركس". وهي مفارقة غريبة. فقد كان "ماركس الشاب" يعمل من اجل "ماركس الشيخ". بينما تحول "الشيخ ماركس" إلى الشخصية الأشد فاعلية في تاريخ العالم الحديث. وبالمقابل يقي ماركس الشاب الأعمق بالنسبة للعقل والضمير. والسبب يكمن في أن "ماركس الشاب" كان ينتج بمعايير العلم الفلسفي الخالص والحدس الثقافي، بينما كان "الشيخ ماركس" يعمل بمعايير العقل العملي. من هنا تطويع نتاج الفكر والسباحة في تياره. وهو تيار لا يمكنه السير إلى ما لا نهاية بنفس عنفوانه وقوته الأولى لأنه اقرب ما يكون إلى سيل العرم، يبدأ بالمطر وينتهي بتخريب كل ما يقع أمامه. لأنه ينقل في مياهه المخبوطة بالحجارة والقذارة أيضا!

إن هذه النهاية المأساوية للماركسية، التي جرى تتويجها بانهيار "الاشتراكية السوفيتية" يعكس المسار الدرامي والمعقد لحياة ماركس وفكره، أي المسار المعقد لماركس المصطنع. وهي إشكالية بمعايير التاريخ السياسي، لكنها حقيقية ضمن سياق العلاقة المتنافرة أحيانا بين التاريخ الواقعي والمنطق.

 إن القيمة التاريخية الكبرى لفلسفة ماركس تقوم بالذات في رؤيتها التاريخية. كما أن مأساة الماركسية والخاتمة الدرامية لماركس هي أيضا النتاج المباشر لفلسفته التاريخية. وفي هذا تكمن إشكالية الماركسية والمصير التاريخي لماركس. وليس مصادفة أن تتأثر كل فلسفات التاريخ الكبرى للقرن العشرين بفلسفته عن التاريخ. إذ لا يمكن على سبيل المثال لا الحصر، فهم كل البواعث الدفينة والعميقة لفلسفة ماكس فيبر التاريخية والاجتماعية بدون ماركس. إذ نعثر في رؤيتها التحليلية ومنطق تصنيفها للتاريخ الظاهر والباطن ومفاهيم "العملية الاجتماعية" و"المسار الحضاري" و"حركة الثقافة"، أي كل المكونات الجوهرية لفلسفته التاريخية على هاجس ماركس الكامن والعنيف فيها. وينطبق هذا في الواقع على كل التيارات والمدارس الفلسفية النقدية المؤثرة للقرن العشرين.(يتبع.....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

علي رسول الربيعيموقف البرغماتية من الشك 

المقدمة: أدعي أبتداءً أن آباء البراغماتية، جارلس بيرس ووليم جيمس قد غيّرا معنى كلمة المعرفة وأن هذا التغيير كان جوهر الاستجابة البرغماتية للشك. جادل بيرس بأن مفهوم المعرفة الخاطئة كان مناسبًا للبحث العلمي، وصاغ مصطلح القابلية للخطأ [1]fallibilism كتسمية لرأيه القائل بأن المعرفة الإنسانية ليست مؤكدة أبدًا، وقابلة للخطأ دائمًا. افترض تحليله زوجين من المفاهيم: الاعتقاد والشك، وأنه من الواجب أن يكون هناك سبب للشك. قام جيمس بتغيير معنى مصطلح الحقيقة وكشف أن الحجج التقليدية للشكية (الريبية) تستند إلى افتراض عاطفي مشكوك فيه (الخوف المبالغ فيه من الخطأ). لقد تحدى البراغماتيون في تركيزهم على النتائج العملية للأفكار أهم افتراضات الشكية المتعلقة بالمعرفة والحقيقة والأعتقاد والشك. لم تكن فكرة القابلية للخطأ شكلاً معتدلاً من الشكوك، فقد كان واضحًا أنها تعبر عن موقف غير شكي.

هناك العديد من الأعمال حول البراغماتية والشك، لكن العلاقة بينهما لم يتم تحليلها بالطريقة التي ترضيني من ناحية التسويغ أبستيمولوجي في الدراسات الفلسفية. هناك دراسات حول استجابة البراغماتيين للشكك[2] ولكن لم توضع هذه الاستجابة كإستراتيجية لمناهضة الشكية في الإبستيمولوجيا (نظرية المعرفة) المعاصرة.[3] ومع ذلك، يبدو أن بيرس وجيمس قد غيرا، في مطلع القرنين التاسع عشر والعشرين، معنى كلمة المعرفة، وقد قوض هذا التغيير المفاهيمي أطروحة الشك (فإذا كانت المعرفة قابلة للخطأ فلا يوجد سبب للادعاء بعدم وجود معرفة). كان هذا تغييراً مفاهيمياً هاماً ومؤثراً يستحق التقدير في نظرية المعرفة وتاريخ الشك.

تشارلز س. بيرس: المفهوم الجديد للمعرفة وأسباب الشك

قدم بيرس مجموعة من المفاهيم المهمة لمشكلة الشك: مفهوم القابلية للخطأ، مفهوم المعرفة كمعتقد ثابت، ومفهوم سبب الشك. يذكر بيرس عدة مرات في دراساته " مصطلح " القابلية للخطأ" وهذا يدل على انه من صميم فلسفته العملية، اذ يقول" أعتدت أن أجمع افكاري تحت عنوان ا"لقابلية للخطا."[4] فقد صاغ بيرس المصطلح الجديد" القابلية للخطأ" وجعله شائعًا. ونقد "المعرفة المعصومة" أو غير القابلة للخطأ، وقدم بعد ذلك وجهة نظره المعاكسة المسماة كما اشرنا " القابلية للخطأ". وهي الفكرة التي تعني أن أياً من معتقداتنا قد تكون خاطئة. والمذهب القائل بأن معرفتنا ليست مطلقة أبدًا، أنها تسبح دائمًا في سلسلة متواصلة من عدم اليقين وعدم التعيين".[5] التطور والاستمرارية في الطبيعة هي القاعدة الأساس لأطروحة بيرس التي مفادها أن الدقة الكاملة واليقين التام لا يمكن تحقيقهما.[6] لقد كتب في عام 1910، "لا أعترف بأي شيء مهما كان كيقين مطلق".[7] انه يقبل اليقين العملي (في المعتقدات) ولكن ليس اليقين النظري أو المطلق.[8] "لا يمكن للناس تحقيق اليقين المطلق فيما يتعلق بمسائل الواقع. أما الرياضيات التي هي مجرد نظام أسماء ابتكره البشر بغرض العد"،[9] وأن حقائقها محددة بشكل مسبق، فالقابلية للخطأ تتعلق بالأشياء الموجودة بالفعل وليس بالحقائق المسبقة.[10] ومع ذلك الأحكام الرياضية البسيطة عرضة للأخطاء وليست معصومة تمامًا، بمعنى انتماءها إلى فئة تضمن الحقيقة.[11]

وينطبق هذا على الأعتقادات التي تتعلق بمعطيات الوعي أيضا. " فليست التجربة المباشرة مؤكدة أو غير مؤكدة، أنها لاتجزم بشى".[12] لا يوجد أي تفكير مستقل عن مشاهدات الحقائق الخارجية، ولا يوجد حدس مستقل من معرفة سابقة، والتفكير دائمًا غير مباشر، ويتم بتوسط العلامات.[13] لذلك، عندما يكون لدينا يقين مطلق فليس هناك مجال للمعرفة.

تحظى فكرة القابلية للخطأ، وفقا لبيرس، بقبول الناس الذين يعملون في العلوم التجريبية. وتجد المؤيدين لها بين المتحمسين لروح العلم على وجه التحديد.[14] تفترض القابلية للخطأ وجود المعرفة وتسعى الى التحقق والتساؤل عن الحقيقة. إنها "تقترن بإيمان كبير بحقيقة المعرفة".[15] بينما تمنع فكرة المعرفة المعصومة وأدعاء الدقة المطلقة" طريق التساؤل والأستعلام" بشكل خطير.[16] إن عدم اليقين الحقيقي هو الحافز على الاستقصاء والمنتج للمعرفة.

يعارض بيرس بشكل واضح الشكاك التقليديين. فقد كتب في مقالة بعنوان"بعض عواقب أربع حالات من العجز" نشرت في عام 1868، ضد طريقة التفكير الشكي التي يمثلها ديكارت قائلاً: لا يمكننا أن نبدأ بشك كامل. يجب أن نبدأ من كل الأحكام المسبقة التي لدينا بالفعل عندما ندخل في دراسة الفلسفة. (...) دعونا لا نتظاهر في الفلسفة بما لا نشك فيه في قلوبنا ".[17] ويعرض ديكارت على أنه مفكر مخادع يتظاهر بأنه لديه شك شامل، بينما هذا أمر مستحيل في الواقع.[18]

عاش بيرس بعد تشارلز داروين ونظر إلى العالم من خلال نظرية التطور، ومن منظور عالم تجريبي والحياة اليومية. دفعته هذه التجربة إلى تغيير المفاهيم الفلسفية للمعرفة والشك. فيرى إن المعرفة مدفوعة بغرض ومقدرة لتوجيه أعمالنا. وأن الشك الشامل مستحيل لأن كل نوع من التفكير يفترض مسبقاً بعض المعلومات والمبادئ السابقة. كما أنه بوصف الشك البحث عن اليقين يقوم على فهم خاطئ للحالة المعرفية للإنسان.

يشير بيرس إلى فكرة الشك بوصفها فكرة قديمة جداً من خلال التذكير باقوال الشكاك القدامى، بيرالإليسي Pyrrho of Elis وأغريباس التريما Agrippa's trilemma[19] الذين كانوا يقولون: لا يوجد أي دليل يمكن أن يكون له قيمة، لأنه هو نفسه يتطلب إثباتًا، والذي يجب أن تستند بدروه الى دليل، وبالتالي نقع في الما لانهاية. يظهر هذا أنه لا يمكن إثبات أي شيء يتجاوز احتمال وجود الشك؛ وأنه لا يمكن استخدام أي حجة بصورة صحيحة ضد الشك المطلق؛ وأن الاستدلال هو مجرد انتقال من إدراك إلى آخر وليس إنشاء لإدراك.[20]

يقبل بيرس كل افتراضات الشكية حول احتمال الخطأ، لكنه لا يقبل النتيجة النهائية للشك ودعاة الشك المطلق. وفقًا له فإن الشكاك على حق عندما يقولون أننا لا نستطيع أن ننتج أدراكاً معصوماً، لكنهم ليسوا على صواب في قولهم، أننا لا نستطيع إنتاج إدراك معرفي على الإطلاق. إن الطريقة الصحيحة لتجنب نتائج الشك هي تغيير مفهوم المعرفة ذاته.

ظهر مفهوم المعرفة الضعيفة المحتملة في العصور الوسطى (وكانت من صوغ كلاً من نيكولاس أوتريكورت؛ وجون بوريدان)، وقد تم تطوير هذا المفهوم في العصر الحديث من قبل (فرانسيس بيكون)، لكن بيرس هو من نقله إلى مجال النقاش الفلسفي. لقد ربط المفهوم الفلسفي للمعرفة بالمفهوم المستخدم في العلوم والنشاط البشري المشترك العام. يذكر بيرس راي فرانسيس بيكون: أن تفسير التجربة يجب أن يكون مفتوحًا للتحقق وإعادة النظر".[21]

يقدم بيرس، في بحثه المنشور "أثبات الأعتقاد" (1877) و"كيف نوضح أفكارنا" (1878)، تحليله العملي لفكرة الأعتقاد والشك. الأعتقاد هو قاعدة للعمل، وتأسيس للسلوك الذي يحدد أعمالنا. إذا كان شخص ما يعتقد، فهو مستعدة للعمل. "لا يجعلنا الأعتقاد نقوم بالعمل ولكن يضعنا في الحالة التي سنتصرف فيها بطريقة معينة، عندما تأتي المناسبة".[22] الأعتقاد هو وقف الشك وتثبيت الرأي. إن "الشك هو حالة من عدم الارتياح وعدم الرضا نكافح من أجل تحرير أنفسنا منها والدخول في حالة الأعتقاد".[23] الحالة الذهنية المقلقة مزعجة ويميل الناس إلى تثبيت الأعتقاد للحصول على راحة البال. "يحفز الشك العقل على النشاط".[24] يكتب بيرس بطريقة عملية عادةً"، تتميز المعتقدات المختلفة بأنماط العمل المختلفة التي تثيرها".[25] يستبعد هذا الفهم للمعرفة كأعتقاد ثابت الأطروحة الشكية التي تدعي أن المعرفة غير موجودة، ويؤكد على أن المعرفة كمعتقد ثابت موجودة.

تتعلق الحجة الرئيسية المضادة للشك بفكرة سبب الشك. يشكك بيرس في أفتراض الشكاك بأنه يجب علينا تبرير كل معتقداتنا بينما يمكنهم( الشكاك) أن يشكوا بحرية دون سبب كاف. إن نقطة انطلاقنا – كما يرى بيبرس- هي المعتقدات الحالية، وأنها تمتلك الصحة حتى يظهر داع أو سبب للشك. ويعبر هوكوي عن رأي بيريس في الصوغ التالي: "ما لم يكن لدينا سبب للشك في أحد معتقداتنا، فلا نحتاج إلى سبب للاعتقاد به".[26] هناك حاجة إلى الأسباب عندما نريد تغيير نظام معتقداتنا. يقوم بيرس بنقل عبء الإثبات من المؤمن أو المُعتقد ويحاول توزيعه على جميع الذين يريدون بعض التغييرات في النظام.

عندما نقبل مثل هذه القواعد، فعلى الشاك أن يكون لديه سبب قاطع.[27] لكن لا يوجد سبب من هذا القبيل (بصرف النظر عن إمكانية الخطأ الخالصة) يمكن الوصول إليه عندما نتحدث عن الشك الشامل. وعليه، وفقًا لبيرس، لم يكن لدى ديكارت أي سبب كاف لشكه الشامل. كان شكه مجرد "خداع ذاتي وليس شك حقيقي".[28] إن مطلب أن يكون هناك سبب للشك هو طريقة بيرس لدحض حجج الشك بسرعة وإفساح المجال للمعتقدات المشروعة.

تم تطوير هذا الخط من النقاش حول الشك مؤخرًا من قبل مايكل وليامز [29] الذي سلط الضوء على العديد من الشكوك كأفتراضات غير واضحة توصول إلى نتيجة متشككة. ويؤكد أن احتمال الخطأ لا يشك في وجود المعرفة. النظام المفاهيمي البديل هو: التبرير الافتراضي، والمعرفة الخاطئة، وأسباب للمتحدي، وعبء الإثبات مقسم إلى مؤمن ومعارض. يؤكد ويليامز رد بيرس على كتابات الشكاك بأن الشك هو " نتاج الأفكار النظرية المسبقة التي يمكننا الاستغناء عنها بشكل معقول".[30]

كما يقدم بيرس بعض التغييرات في مفهوم الحقيقة الذي سوف يستمر مع وليم جيمس والذي سيتنهي الى نتيجة هي ، أولاً، أننا نعترف بأن المعرفة مستقلة عن الحقيقة الموضوعية" بمجرد وصولنا إلى اعتقاد راسخ، راضون عنه تمامًا، سواء كان الاعتقاد صحيحًا أو خاطئًا".[31] أذ يكفي إذا الاعتقاد صحيحًا. ثانياً، يفسر نوعًا من نظرية الحقيقة بالتراضي كآراء بين الباحثين. فـ "الرأي الذي يجب أن يوافق عليه جميع من يدقق هو ما نعنيه بالحقيقة في النهاية ".[32] الحقيقة والواقع مستقلان عن التفكير الفردي وأنهما بناء اجتماعي متطور.[33] وحتى لو كان مفهوم بيرس للحقيقة يصف فقط ما يعتبره الناس حقيقة (تاركا المفهوم المثالي دون تغيير)، فقد كان بمثابة إعلان عن نظرية جيمس العملية البراغماتية للحقيقة الذاتية.

وليام جيمس: المفهوم الجديد للحقيقة والخوف من الخطأ

يشترك جيمس مع بيرس في مفهومه الجديد للمعرفة. إنه مقتنع بأن المعرفة موجودة حتى لو لم تكن معصومة. "لا شك في أن الأدلة الموضوعية واليقين هي مُثُل جيدة للغاية، ولكن أين يمكن العثور عليها.[34] أن وجود الوعي هو أستثناء. ولايوجد سوى حقيقة واحدة غير مؤكدة، وهي الحقيقة التي تتركها الشكوك البيرونية pyrrhonistic نفسها قائمة، وهذه الحقيقة هي وجود ظاهرة الوعي الحالية".[35] لكن يلاحظ جيمس على الفور أن هذا ليس سوى تعبير عن شعور غير مفاهيمي بوجود الفرد؛ ليس له أي مضمون وينهار اليقين به حالما نحاول التعبير عنه. ويكتب جيمس، مثل بيرس، أن الحقائق الرياضية لا تخبرنا بشيء عن الواقع.

يقبل جيمس جميع المقدمات المنطقية للشكاك القدامى والمحدثين لكنه يرفض النتيجة النهائية التي يصلون اليها: "نحن نتخلى عن عقيدة اليقين الموضوعي، لكن لا نتخلى عن السعي وراء الحقيقة نفسها أو نأمل بها.[36] طريقة الجمع بين القابلية للخطأ أو للاعصمة ومكافحة الشكية هي في التمييز الواضح بين المعرفة واليقين. أن نعرف شيئ، وأن نعلم بشكل مؤكد أننا نعرفه هذا أمر آخر. يمكن للمرء الأعتقاد بالأول دون الثاني ".[37]

قام جيمس في "البراغماتية" بتطوير مفهومه البرغماتي الجديد للحقيقة. الأفكار الحقيقية هي تلك التي يمكننا استيعابها والتحقق منها وتأكيدها.أما الأفكار الخاطئة فهي تلك التي لا نستطيع معها ذلك. هذا هو الفرق العملي الذي يجعلنا نملك أفكارًا حقيقية؛ وهذا، إذن، معنى الحقيقة، لأنه كل ما تعرفه هكذا هو الحقيقة. هذه الأطروحة هي ما يجب الدفاع عنها طبقاً لرايه. فحقيقة الفكرة ليست خاصية راكدة متأصلة فيها. تحدث الحقيقة لفكرة ما. وأنها تصبح حقيقة، وتتحقق من خلال الأحداث. الحقيقة هي في الواقع حدث يصبح صحيحا، وتتحقق من خلال الأحداث. إن صدقها هو في الواقع حدث وعملية: وتعني العملية التحقق من نفسها.[38]

لقد أعلن جيمس عن الفكرة الرئيسية للمفهوم البرغماتي للحقيقة في كتابه" ارادة الأعتقاد": " كقاعدة، لانؤمن بكافة الوقائع والنظريات التي لا نستخدمها".[39] النظرية البراغماتية هي الرفض المؤكد للحقيقة الموضوعية واستبدالها بحقيقة ذاتية. شك المتشكك لامعنى له عندما تكون الحقيقة ذاتية، لأننا نعرف هذه الحقيقة.

المفهوم البرغماتي الجديد للحقيقة هو رفض للعقيدة الفكرية الخالصة. لا تتم مناقشة المشاكل الفلسفية هنا على أرض فكرية خالصة ولكن على أرضية النشاط البشري بعواطفه ورغباته. يرى جيمس أن الإيمان بالحقيقة لا دليل أو حجة عليه، أنه تأكيد عاطفي للرغبة أو"شغف عاطفي".

نحن نريد أن نحصل على الحقيقة ؛ نريد أن نصدق أن تجاربنا ودراساتنا ومناقشاتنا يجب أن تضعنا في وضع أفضل وبشكل مستمر. لكن إذا سألنا أحد المتشككين كيف نعرف كل هذا، فهل يمكن لمنطقنا أن يجد ردًا؟ لا! بالتأكيد لا يمكن. إنه مجرد إرادة واحدة ضد الآخرى.[40]

يأتي كتاب "أرادة الأعتقاد" بحجة مهمة مناهضة للشك تستند إلى التمييز بين البحث عن الحقيقة وتجنب الخطأ. "هناك طريقتان للنظر في مهمتنا في مسألة الرأي (...). يجب أن نعرف الحقيقة، ويجب أن نتجنب الخطأ".[41] الحالة المثالية هي احترام كلا الواجبين في وقت واحد. لكن جيمس يكشف أنهما قانونان منفصلان وأن الشاك يعامل أحدهما، ألا وهو تجنب الخطأ، باعتباره أكثر ضرورة. ينصحنا أحد الشكاك بما يلي: "تُبقي عقلك في حالة قلق وأنتظار إلى الأبد، بدلاً من إغلاقه على أدلة غير كافية تتسبب في مخاطرة فضيعة تتمثل في تصديقك الأكاذيب".[42] وفقًا لجيمس، فإن الأمر يشبه الجنرال الذي يخبر جنوده أنه من الأفضل الابتعاد عن المعركة إلى الأبد بدلاً من المخاطرة بإلأصابة بجرح.

عندما يفترض الشكي أن تجنب الخطأ هو أكثر أهمية من البحث عن الحقيقة، فهذا نوع من الافتراض أو التقييم المسبق غير القائم على على سبب كافٍ ولكن على بعض المواقف العاطفية (أعطاء الأولوية للخوف من الخطأ):" الشك، إذن، ليس تجنب الأختيار؛ إنه خيار نوع معين من المخاطر. إن خطر فقدان الحقيقة أفضل من أحتمال الخطأ." [43]

لا يوجد دليل على أن هذا النوع من المخاطر أفضل من الموقف المقابل. يمكن أن يقول أحدهم أنه من الأفضل أن تكون مخطئًا في البحث والتحقيق بدلاً من أرجاء فرصة تخمين الحقيقية. لذا، يخلص جيمس إلى أن الشك (تعليق الأحكام) ليس واجبنا الفكري، بل هو القرار العاطفي الذي يسترشد به الخوف من الخطأ. ومثل كل قرار يمكن أن يكون خطأ.

هذه حجة مهمة مُناهضة للشك لأن الشكاك التقليديين يعتبرون تعليق الحكم واجبهم الفكري. ييثبت جيمس أن موقفهم من من جانب واحد ويستند إلى افتراضات تقيمية مشكوك فيها. يركز الشكاك على تجنب الخطأ ويتجاهل الحصول على معلومات جوهرية. إنه موقف الحذر المبالغ فيه. نقدر طبقاً لمنظور الحياة اليومية المعلومات الجوهرية لتوجيه الأفعال وتلبية الرغبات. وفقا لجيمس ليست العفوية أسوأ شيء يمكن أن يحدث لنا. الأسوأ سيكون الإغلاق الكامل للحقيقة بقاييس متطرفة للمعرفة. إن التبشير بالشك كواجب فكري إلى أن يظهر سبب كاف، هو الادعاء بأن الخوف أفضل من الأمل. لكن هذا الادعاء لا يمكن إثباته فكريًا.

لقد كان اختراع البراغماتية هو أنه لا توجد معتقدات / مواقف فكرية خالصة، فكلها مدعومة بالعواطف والرغبات. يطبق جيمس هذه القاعدة على حالة الشك ويظهر العواطف التي أدت إلى وجود قاعدة شكية لتعليق الأحكام. إنها الخوف من الخطأ. لذلك، أن تكون شاكا أو لا تكون هي مسألة تفضيل عاطفي. الشك ليس نتيجة لوصف خالص للحالة المعرفية للإنسان ولكنه نوع من التقييم.

يرى جيمس أنه من الأفضل أحيانًا تعليق الحكم والانتظار حتى ظهور أدلة كافية. هذا هو الحال دائمًا في الأسئلة العلمية؛ وحتى في الشؤون الإنسانية عمومًا، فنادرا ما تكون الحاجة إلى التصرف ملحة لدرجة أن الاعتقاد الخاطئ بالعمل أن يكون أفضل من عدم الاعتقاد على الإطلاق. يتعين على المحاكم القانونية اتخاذ قرار بشأن أفضل الأدلة التي يمكن الوصول إليها في الوقت الراهن.[44] لكن لا يمكن أن تنتظر الأسئلة الأخلاقية والشخصية والدينية الأدلة الكافية. الخيارات الدينية حيًة وبالغة الأهمية وأجبارية؛ لأنه "من المفترض نربح مع ايماننا ونخسر الخير إذا لم نؤمن. ثانياً، الدين خيار قسري، وعلينا الأ نخسر خيره. لا يمكننا الهروب من هذه المشكلة من خلال البقاء متشككين وانتظار مزيد من الوضوح، لأنه على الرغم من أننا نتجنب الخطأ بهذه الطريقة إذا كان الدين غير حقيقي، فإننا نفقد الخير إذا كان الدين حقيقي، وتمامًا كما لو أننا اخترنا الكفر ".[45]

تعتبر المعتقدات الدينية مثالاً جيداً لإثبات أن الشكوك عاطفية، أحادية الجانب وغير مجدية في النشاط العملي. أنا لا أتفق مع أولسون بأن استجابة جيمس تتعلق فقط بالشك الديني وليس لها أي معنى في الشك الشامل.[46] أذ يكشف جيمس أن الشك العام ليس له أسباب كافية وأنه نتيجة الخوف المبالغ فيه من الخطأ.

البراغماتية كعلاج ضد التشكيك

يتم تقسيم الشكوك المعاصرة والقابلية للخطأ من خلال مفهوم المعرفة. يؤكد كلا الموقفين الشك والقابلية للخطأ على نقص اليقين. يفترض بيتر أنجر، بوصفه أحد الشكاك المعاصرين، أن المعرفة هي أن تعرف بيقين، وبالتالي فإن المعرفة غير موجودة.[47]بينما يرى كواين بأعتباره من المؤيد للقابلية للخطأ أن المعرفة لا تتطلب اليقين وبالتالي المعرفة موجودة. ويرى كواين، ايضاً، لدينا معرفة علمية ولكن أي من معتقداتنا حول العالم قد تكون خاطئة. الفرق هو مفاهيمي وعاطفي. من السهل تغيير معنى كلمة الشكوك (الى لا يوجد يقين) وستُعتبر القابلية للخطأ نوعًا من الشك المعتدل.

لقد جمع بيرس وجيمس بين القابلية للخطأ والموقف الواضح ضد الشكية؛ فكانت، منذ ذلك الوقت، تعارض وفصل بين هذين الموقفين حيث لم تكن متميز في العصور القديمة والحديثة. كان لدى ديفيد هيوم أسباب الشك نفسها لدى كواين، اعتبر هيوم نفسه شكاكاً معتدلًا، بينما يعتقد كواين بالقابلية للخطأ فيقول "على الجانب العقائدي، لا أرى أننا نمضي قدماً اليوم ابعد من ماضى هيوم.".[48] فالشك القائم على حجج هيوم في مفردات المعجم المعاصر هي التي نسميها القابلية للخطأ.

لاحظ هيلاري بوتنام بحق أن الرؤية الفريدة للبراغماتية الأمريكية هي أن شخصًا ما يمكن أن يتبنى فكرة القابلية للخطأ وأن يكون ضد الشكية.[49] تعتبر القابلية للخطأ نوع من الشك أحيانأً ، لذا تكون مثل هذه الاستجابة للشك موضع تساؤل. لكنني أعتقد أن استجابة البراغماتية في القابلية للخطأ تجاه للتشكك واضحة ومتسقة. إنها ترفض فكرة أنه ليس لدينا أي معرفة، لكن تقبل فكرة أن يمكن أن تكون معرفتنا خاطئة. تتشابه استجابة البراغماتية / القابلية للخطأ مع الأستجابة للتهمة الأكثر فاعلية ضد الشك القديم، التي صاغها الرواقيون: إن تعليق جميع الأحكام يؤدي إلى الخمول والموت.

كان لدى الشكية مشاكل مع متطلبات نشاطات الحياة اليومية دائمًا. بينما كانت البرغماتية على العكس من ذلك، فقد كانت قريبة من النشاط البشري. فبالنسبة الى البراغماتيين، أي شك جذري أو اصلي أمرًا خطيرًا لأنه يعوق طريق الأستقصاء والبحث بالإضافة الى أنواع أخرى من النشاط. لهذا السبب أعتقد أنه من غير الممكن ربط البراغماتية بالشك، حتى لو كانت البراغماتية تستوعب وتفهم الوصف الشكي للحالة المعرفية للإنسان، ايً عندما تقول: ليس لدينا اليقين ولا نضمن الحقيقة الموضوعية. فليس هذا الأً تشابه ظاهري حتى لو ساهم فلاسفة براغماتيون في الحجج ضد الحقيقة. أخذت البراغماتية النتائج العملية كأهم اختبار لصحة النظرية. بينما ضحت الشكية بالنتائج العملية لصالح الحجج النظرية وتجاهلت حقيقة أن المعرفة هي نوع من النشاط يسترشد بالرغبات والعواطف. تتطلب البراغماتية كنظرية للعمل الحق في الاعتقاد. بينما تطلب الشكية تعليق الأحكام. تستند البراغماتية كنظرية إلى متطلبات النشاط كالأمل والتفاؤل؛ في حين تؤدي الشكية الى اليأس والتشاؤم. نجد أن هناك أنقسام كبير بين هذين الموقفين. أنهما موقفان متعارضان. فبالإضافة إلى ذلك، أخذت البراغماتية في الاعتبار الميتافيزيقيا التطورية الجديدة وممارسة العلوم التجريبية. كان هذا مصدر إلهام لتحسين المفاهيم المعرفية المتأصلة في الفلسفة التقليدية.

اتبعت الفلسفة المعاصرة المسار العملي. ولا يعتبر الفلاسفة المعاصرون أنفسهم شكاك لأنهم غيروا مفهوم المعرفة. هذا هو السبب وراء كونهم يتبنون مفهوم القابلية للخطأ ولكن ليسوا شكاك. في رأيي ساهم البراغماتيون الأمريكيون في هذا التغيير المفاهيمي. فقد كان بيرس فيلسوف مهم في هذا التغيير وجيمس في تطوير ونشر هذه الفكرة. لقد نُظر الى المفهوم البرغماتي للحقيقة على أنه مبدعـ، وقام في الوقت نفسه بهجوم قوي على تلك المعتقدات التي أعتبرت عزيزة، وانه كان نوعا من الثورة الفكرية. وأسمي هذا "المنعطف العملي" في تاريخ الشك.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.......................

[1] المبدأ الذي يقول أنه يمكن قبول الأفتراضات المتعلقة بالمعرفة التجريبية على الرغم من أنه لا يمكن إثباتها على وجه اليقين.

[2] Hookway, C. (2008). Peirce and Skepticism. In:J. Greco (ed.), The Oxford Handbook of Skepticism, pp. 310-329. Oxford/New York: Oxford University Press.

Olsson, E.J. (2005). Not Giving the Skeptic a Hearing: Pragmatism and Radical Doubt.

Philosophy and Phenomenological Research 70 (1), 98-126.

[3] Pritchard, D. (2002). Recent Work on Radical Skepticism. American Philosophical Quarterly 39 (3), 215-257.

[4] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers. Edited by C. Hartshorne and P. Weis (vols.1-6) 1.13).

[5] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.171.

[6] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers. 1.172.

[7]Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.108.

[8] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.144.

[9] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.149.

[10] Cooke, E.F. (2006). Peirce Pragmatic Theory of Inquiry: Fallibilism and Indeterminacy. London: Continuum. 61.

[11] Hookway, C. (2008). Peirce and Skepticism. In:J. Greco (ed.), The Oxford Handbook of Skepticism, pp. 310-329. Oxford/New York: Oxford University Press. 314.

[12] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.145.

[13]Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers. 256.

[14] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.148.

[15] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.14.

[16] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.153.

[17] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.256.

[18] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers..318.

[19] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers. . 617.

[20] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers.327.

[21] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers..593.

[22] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, .373.

[23] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, .372.

[24] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, .394.

[25] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, .398.

[26] Hookway, C. (2008). Peirce and Skepticism, p. 311.

[27] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, .265.

[28] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, .265.

[29] Williams, M. (2001). Problems of Knowledge. A Critical Introduction to Epistemology. New York: Oxford University Press.

[30] Williams, M. (2001). Problems of Knowledge. A Critical Introduction to Epistemology.197.

[31] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, .375.

[32] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, .407.

[33] Peirce, C.S. (1931-58). Collected Papers, ..408.

[34] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Esscrys in Popular Philosophy. The Project Gutenberg EBook.p.14.

[35] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. pp. 14-15.

[36] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. p. 17.

[37] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. p. 12.

[38]James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. p. 79.

[39] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. p. 10.

[40] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. Pp9-10.

[41] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. p. 17.

[42] ames, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. p. 18.

[43] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. pp. 26.

[44] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. p. 20.

[45] James, W. (2009). The Will to Believe and Other Essays in Popular Philosophy. p. 26.

[46] Olsson, E.J. (2005). Not Giving the Skeptic a Hearing: Pragmatism and Radical Doubt.

107, 124.

[47] Unger, P. (1975). Ignorance. A Case for Scepticism. Oxford: Clarendon. p. 99.

[48] Quine, W.V. (1969), Ontological RelatMty and Other Esscrys, New York and London: Columbia University Press.p, 72.

[49]Putnam, H. (1994). Words and Life. Cambridge, MA: Harvard University Press.p.152.

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن خصوصة العلاقة بين الجمال والعلم، وفي هذا يمكن القول: معظم الوضعيين المناطقة لم يفرقوا في حديثهم عن القيم بين الأخلاق وعلم الجمال، أو قل بين الخير والجمال فهما معا يعتمدان علي الذات المدركة، لا علي صفة في الشئ المدرك والمصطلحات الجمالية تستخدم تماما كمصطلحات الأخلاق للتعبير عن مشاعر معينة، ومن ثم فلا معني لأن ننسب صحة موضوعية للأحكام الجمالية ولا إمكانية للجدال حول الأمور المتعلقة بالقيم الجمالية، وإنما يمكن النقاش فقط حول مسائل الواقع المتعلقة بالجمال، وهذه جميعاً مسائل علمية، فالبحث العلمي وحده هو ما يبحث في أسباب الشعور الجمالي، ولماذا تنتج بعض الجماعات أعمالا فنية وما أثر اعجابها بها، ولماذا يختلف الذوق من فرد لآخر داخل مجتمع واحد . فهذه كلها أمور يمكن بحثها بحثا اجتماعياً أو نفسياً .

ويعلق "جيمس ماكليستر" علي ذلك فيقول:" لاشك أن الوضعية المنطقية كانت علي حق حين رأت أن الاعتبارات الجمالية تحدث من خلال سياق الكشف: فكثيرا ما يحدث أن العلماء يَلتقطونَ النظرياتَ التي فيها هو وهي سيقومان بتوضيح الجزء الذي تتمثل فيه قوة الخصائص الجمالية . ولكن تم إنكار أن الاعتبارات الجمالية تلعب جزء في تقييم العلماء للنظريات ، وهنا الوضعية المنطقية أهملت حقيقتين:

الأولي:- أنه من الممكن النظر إلي الإبداعات العقلية لأنواع عديدة تتراوح من البراهين الرياضية إلي لعبة الشطرنج كأعمال للفن . وحين نضع في الاعتبار الإبداعات العقلية في هذه الحالة نلجأ إلي القول بأن لها خصائص جمالية وهذا الاقتراح الجمالي يؤثر علي نظرتنا العامة تجاههم. ومن المعتاد أنه إذا ما لم يتمكن العلماء في أغلب الأحيان علي أن يعتبروا النظريات العلمية بوصفها أعمال للفن وأن تسمح نظرتهم العامة بها لتكون متأثرة بالأحكام الجمالية . وبالطبع العلماء، كثيرا ما يستسلموا بتلك الإغراءات، وأرنست راذرفور، كتب يقول في سنة 1932 حيث عرض مثال في هذا الصدد قائلاً: أعتقد أن المطلب القوي يتمثل في أن عملية الكشف العلمي ربما ينظر إليها على أنها صورة من صور الفن .

وهذا أفضل رأي في الملامح التنظيرية للعلم الفيزيائي . إن المنظر الرياضيي كثيرا ما يبني صروحا رهيبة من الافتراضات المحددة وطبقا للفهم الجيد للقواعد المنطقية التي ينتقل من خلالها خطوة بعد خطوة، بينما قوته التخيلية تظهر بوضوح من خلال العلاقات الكامنة بين أجزائها. والنظرية المشيدة جيدا هي التي بلا شك يكون لها بعض ملامح النسبة الجمالية. والمثال الذي يمكن أن يجسد هذا بالتحديد هو النظرية الحركية لماكسويل {....} ونظرية النسبية لأينشتين، حيث نجد أن ما يفترق تماما عن أي شئ هو صدقهما الذي لا يمكن إلا أن يكون يمثل قطعة فنية رائعة.

ثانياً: إن الوضعيين المناطقة قد اعترفوا أنهم قد حذفوا فكرة أن العلماء في عملهم الخاص لا يميزون علي نحو قاطع بين سياق الكشف وسياق التبرير. في معظم الحالات فإن العوامل التي تقود العالم لصياغة النظرية التي لها خصائص محددة أيضا بحيث تلعب دورا في تشكيل رأي الجماعة بشان أهمية النظرية. وبالأخص فإنه يبدو أن العلماء يلجئون إلي العوامل الجمالية في كل من جهودهم لإحداث الفروض وفي تقييمهم للنظريات التي من المفترض أن تكون متمثلة في جماعتهم . ومن خلال استبعاد العلماء للتقييمات الجمالية لنظرياتهم بوصفها غير مهمة، فإن الوضعيين المناطقة فشلوا في أن ينصفوا هذا الجانب من الممارسة العلمية .

وهاتان النتيجتان انقلبتا تماما في نظرية الكوانتم بعد انقلاب المقدمة الأولي التي بنيت عليها ؛ بمعني أن المادة لم تعد هي المعبرة عن حقيقة الوجود . بل ضروب من الطاقة غير المنظورة، تؤثر فينا ولا نراها، وبالتالي أصبح الجمال صفة للشئ أو الظاهرة وجزء منها وليس مجرد شعور عند المتلقي، بل وأصبح أحد المقاييس الموضوعية للحقيقة العلمية جنبا إلي جنب مع البساطة والمقاييس المنطقية والتجريبية باقتناع العالم بصحة النظرية يتوقف علي إحساسه بجمالها . وهي ليس إحساسا فرديا، بل له صفة الموضوعية.

ولذلك نجد الجمال في النظرة الجديدة وسيلة من وسائل اكتشاف الحقيقة العلمية .

ومن ذلك مثلا أن جيمس واتسن في كتابه " اللولب المزدوج " يذكر كيف ان الجمال هدي إلي اكتشاف التركيب الجزيئي لـ DNA فيقول ": كنا نتاول طعام الغذاء ويقول كل منا للآخر إنه لا بد من وجود تركيب علي هذا الجانب من الجمال . " وأقر جميع الحاضرين تقريبا بأن تركيبا في مثل هذا الجمال لا بد من أن يكون موجودا ؛ ويقول العالم الفيزيائي "جورج طومسون George Thomson: (إن المرء يستطيع دائما أن يقدم نظرية، أو عددا كبيرا من النظريات لتفسير حقائق معروفة، بل للتنبؤ بحقائق جديدة أحيانا. والجمال هو الفيصل. فالنظريات بعضها صعب المأخذ ومحدود النطاق وتعسفي. وقلما تدوم هذه طويلا " .

بل إن الجمال يتحدى "الحقائق ". ومن الأمثلة التوضيحية على ذلك واللافتة للنظر ما نجده في بحث علمي قدمه الفيزيائيان "ريتشارد فينمان ومري جيل -مانMurry Gell-Mann عام 1958وعرضا فيه نظرية جديدة لتفسير التفاعلات الضعيفة. وكانت النظرية تناقض بشكل صارخ عددا من التجارب. أما الجانب الرئيس الجذاب فيها فكان الجمال. وقال العالمان فينمان وجيل -مان "إنها نظرية عالمية ومتناسقة وهي أبسط الإمكانات، مما يدل على أن تلك التجارب غير صحيحة ". ويعلق جيل -مان على ذلك بقوله: " غالبا ما يطرح العالم النظري مقدارا كبيرا من البيانات على أساس أنها اٍذا كانت لا تنسجم مع خطة أنيقة فهي غير صحيحة. وقد حدث هذا معي مرات عديدة، كما في نظرية التفاعلات الضعيفة:لقد كانت هناك تسع تجارب تناقض النظرية وكلها بلا استثناء غير صحيحة. فإذا كانت لديك نظرية بسيطة تتفق مع سائر قوانين الفيزياء، ويبدو أنها تفسر فعلا ما يحدث، فلا عليك إن وجدت كمية قليلة من البيانات التجريبية التي لا تؤيدها. فمن المؤكد تقريبا أن تكون هذه البيانات غير صحيحة .

ولذلك نجد جون بوكنجهورن يذهب John Polkinghorne في كتابه Beyond Science فيقول "إن الفيزياء قد علمتنا أن أنجح النظريات هي التي يعبر عنها بأجمل النظريات " . أرأيت كيف أن الجمال قد أصبح معيارا لتمحيص صحة النظريات العلمية ؟ هل كان متصورا في العلم بمفهومه الكلاسيكي أن يكون لمثل هذه المعنويات دور في البحث العلمي المجرد ؟ .. ولكنه العلم في ثوبه الجديد . وإذا كان اللجوء لمعني الجمال في تمحيص النظريات العلمية أمرا مستغربا، فما بالك أن يكون أساسا لوضع نظرية من النظريات أصلا وأيه نظرية، النسبية العامة التي قد لا يغالي في القول بأن وضعها كان من أعظم الإنجازات العلمية علي مر التاريخ الإنساني ؟ وفي هذا المعني يقول الكتاب المذكور: " لقد تعلمنا درساً بليغاً من بحث بول ديراك الدءوب عن المعادلات الجميلة، ومن قبله ألبرت أينشتين في نظريته النسبية العامة . ولو أتيح للقاري الكريم الاطلاع علي قصة حياة أينشتين كما كتبها مساعده ريتشارد هوفمان لوجد كيف ركز المؤلف أي أن وضع هذه النظرية كان مبنيا ليس علي أي شئ آخر علي إحساس أينشتين بالجمال . لقد نزع العلم عن نفسه ثوبا أقرب لقميص الأكمام ليستبدل به ثوباً فضفاضاً يتسع لمعان مستقاة من روافد أخري للمعرفة الإنسانية معان تتسع للخير والجمال .

ويعلن الفيزيائي بول ديراك Paul Dirak": (إن وجود الجمال في معادلات العلم أهم من جعل هذه المعادلات تنطبق على التجربة) ونستطيع أن نفهم ذلك إذا تصورنا العالم النظري أمام كمية ضخمة من البيانات التجريبية المذهلة . فأي النتائج هو الأهم ؟ وكيف ينبغي أن تفسر جميعها ؟ ما هو النمط الملاحظ ؟ والجمال في هذا المقام يدل علي أنه جدير بالثقة ؛ وفي انعكاساته العديدة علي دور العوامل الجمالية في عمله الخاص، وفي الممارسة العلمية عموماً، شدد ديراك علي تأثيرها وذلك بوصف كونها تمثل موجه للكشف وبوصف كونها أيضا تمثل الأساس لتقييم النظرية . أولاً، فكما اعترف ديراك باستخدام المعيار الجمالي بأن قرر أولويته في بحوثه الخاصة . فقد اعتقد ديراك أن كثير من زملائه يعملون بنفس الطريقة فمثلاً: حين كان أينشتين يعمل علي إقامة نظريته في الجاذبية فإنه لم يحاول أن يصف بعض نتائج الملاحظات . بعيدا عنها . فقد كان إجرائه العام هو أن يبحث عن جمال النظرية {....} وبطريقة ما فقد حصل علي فكرة أن الجاذبية تتعلق بانحناء الفضاء . وقد تمكن من أن يطور الخطة الرياضية التي تجسد هذه الفكرة . لقد توصل فقط من خلال اعتبار الجمال لتلك المعادلات{....} ونتيجة هذا الإجراء هي نظرية البساطة العظمي والتألق في أفكاره الأساسية .

ولذلك اعتمد " ديراك " علي أن المعيار الجمالي أيضا يتمثل في تخمين النظريات . " سياق الكشف"، " سياق التبرير " حيث يوجد بينهما ارتباط ضروري لا يمكن التخلص منه، وهذا الارتباط يتمثل في هذه القضايا علي النحو التالي:" إن ما هو أكثر أهمية، هو أن يكون الجمال متمثل في معادلات الأول أفضل من أن يكون متمثل من خلال تجربة ملائمة {....} إن ما يبدو هو أنه إذا كان الأول يعمل من وجهة نظر للحصول علي الجمال في معادلات الأول، وإذا كان الأول لديه بالفعل بصيص من الإلهام فإنه بالتأكيد يمثل خط التقدم " كما دعا ريتشارد هـ . دالتز في موسكو في سنة 1950 عندما سئل أن يكتب فلسفته في الفيزياء، وكتب علي السبورة القوانين الفيزيائية التي يجب أن يكون لها جمال رياضي " إنه كان علي الأقل متمثل في جزء من هذا المعيار الذي افترضه بتوسع ديراك لنظرية النسبية العامة: " إنني اعتقد أن أسس النظرية تكون أقوي من النظرية التي تحصل ببساطة علي افتراض البينة التجريبية . والأساس الحقيقي يأتي من الجمال الأعظم للنظرية {....} إن الجمال ضروري للنظرية التي تجعلني أشعر بالسبب الحقيقي للإيمان بها .

ثم يفسر لنا ديراك كيف أصبح الجمال في تصور فلاسفة الطاقة أشد واقعية من وجود الأشجار والأنهار والأحجار، فيقول ": إن جمال النظرية العلمية أحيانا ما يقدم علي صدقها التجريبي، وكثيرا ما يكون هذا الجمال هو المصحح لبعض البيانات التجريبية الخاطئة . فالعالم النظري يجد بين يديه كما هائلا من البيانات التجريبية تحار العقول في تفسيرها . وحينئذ يكون التفسير هو الفيصل الذي يكشف عن خطأ المعطيات التجريبية المخالفة .

ويذهب يذهب" هيزنبرج " إن نظرية أينشتين المذهلة إلي الجاذبية لا يتأتي اكتشافها إلا لعبقري رزق إحساسا عميقا بجمال الأفكار " ؛ وفي فقرة أخري يعلن هايزنبرج إن " الجمال في العلوم الدقيقة وفي الفنون علي السواء هو أهم مصدر من مصادر الاستنارة والوضوح " ؛ يتعلق بميكانيكا الكم وهو المجال الذي قام فيه هيزنبرج ببحوث رائدة أنه ثبت في الحال أن " النظرية مقنعة بفضل كمالها وجمالها التجريدي . ولذلك نجده يصف نظرية نيلز بور بأنها نظرية فاتنة للغاية فيقول:" انني أعتبر فيزياء " نيلز بور "، فاتنة للغاية بالرغم من أن كل هذه المشاكل . أن بور يعرف بالقطع أنه قد اعتبر فرضا متناقضا في حد ذاته، وبالتالي فلا يمكن أن يكون هذا الفرض صحيحا . ولكن بوهر لديه غريزة صادقة لكيفية بناء نظرية كاملة علي هذا الفرض تعتبر مطابقة للأحداث الذرية . إن استخدام بوهر للميكانيكا الكلاسيكية ونظرية الكم هنا يشبه تماما استخدام الرسام للفرشاة أو الألوان . وبالطبع فإن أي صورة لا تتحدد من الألوان والفرشاة ولكنهما لازمتان في إخراج ما يدور في مخيلة الفنان بطريقة غير مكتملة . إن بوهر يعرف تماما تصرف الذرات أثناء الظواهر الضوئية وأثناء التفاعلات الكيميائية وقد اكسبته هذه المعرفة عن طريق الحدس تصورا لتركيب الذرات المختلفة . وهو يريد أن ينقل هذه الصورة إلي الفيزيائيين الآخرين باستخدام العوامل المساعدة الغير مكتملة، أي " المسارات "و"شروط الكم " .

وفي حوار دار بين هيزنبرج وأينشتين، حيث سأل أينشتين هيزنبرج فقال " لماذا تؤمن بنظريتك بهذه الدرجة بالرغم من أن هناك أسئلة مركزية لم تصبح واضحة  بعد ؟" وأجاب هيزنبرج فقال " إنني أعتقد مثلك أن بساطة القوانين الطبيعية لها صفة موضوعية وأن الأمر لا يتطلب فقط الاقتصاد الفكري عندما تقودنا الطبيعة إلي أشكال رياضية ذات بساطة كبري وجمال فائق – وأعني بكلمة إشكال هنا: نظما مغلقة من الفروض الأساسية، والبديهيات وخلافه –أي إلي أشكال لم يفكر فيها أحد من قبل ؛ عندئذ سيتبين لنا دون قيد أوشرط أنها فعلية أو بمعني آخر أنها تمثل نفثة حقيقية من الطبيعية ولعل هذه الأشكال تتناول علاقتنا بالطبيعة وتحتوي علي عنصر من الاقتصاد الفكري . ولكن بما أننا لم نستطع حتي الآن من التفكير بأنفسنا في هذه الأشكال التي يجب أن تقدم لنا أولا من قبل الطبيعة فلا بد أنها تنتمي إلي الواقع نفسه، وليس فقط لأفكارنا عن الواقع . لعلك تتهمني هنا بأنني أستخدم مقياسا جميلاً للواقع بحديثي عن البساطة والجمال. ولكنني أعترف أن ثمة قوة إقناع كبري تنبثق بالنسبة لي من البساطة والجمال للنسق الرياضي الذي ألهمته الطبيعة لنا . وبالتأكيد أنك قد عايشت هذا أيضا وأن الإنسان لا يكاد ينتابه الفزع من بساطة وحبكة العلاقات التي تظهرها الطبيعة له مرة واحدة . إن الشعور بأننا ننبهر بمثل هذا المنظر يختلف تماماً حتي عن السعادة التي نشعر بها عندما ننجز بأنفسنا عملاً يدويا فيزيائياً أو غير فيزيائي علي وجه حسن . ومن هنا فإنني أتمني بالطبع أن تحل كل القضايا التي تحدثنا عنها اليوم بطريقة ما . إن بساطة النسق الرياضي تؤكد حتماً إلي إمكانية التفكير في تجارب متعددة يمكن التنبؤ الحسابي بنتائجها بكل دقة وفقا للنظرية وعندما تجري هذه التجارب بالفعل وتؤدي إلي النتائج المتنبئ بها فإنه لن يتطرق الشك إلينا بعد ذلك في أن النظرية تمثل الطبيعة في هذا الميدان بطريقة صحيحة .

ومن ناحية أخري يؤكد " فليب فرانك " في مؤلفه " فلسفة العلم " إن بعض العلماء يفضلون النظرية البسيطة لأن المعادلات البسيطة تتيح حساب النتائج علي نحو أسهل وأسرع، إنها اقتصادية لأنها توفر الوقت والجهد . ويقول غيرهم من المؤلفين إن النظريات البسيطة أكثر روعة وجمالاً فهم يفضلون النظريات البسيطة لأسباب جمالية " ؛ منها أن العالم لا يدرس الطبيعة لفائدتها فقط، بل يدرسها لأنها تمده بمتعه، وهذه المتعة منبعها أن الطبيعة جميلة، فإن لم تكن كذلك فإنها لا تستحق أن تعرف وأن يعاش فيها .

فالجمال شئ له عائدة في بواطننا العميقة . وحبنا له يشعرنا بأنه شئ أصيل في قلوبنا، رسيس فيها، لا شئ مكتسب ابتغاء المنفعة ... يقول " أرثر إدنجنتون":" في ذاتيتنا ناحية تحملنا علي أن نستروح الجمال وغيره من آيات الطبيعة، ونتملاه في مبتكرات الإنسان، حتي أن محيطنا قد ينقل إلينا الكثير مما لا نترخص به في أي شئ يوجد في مخترعات العلم الحديث الذي تنبث أي نواحيه . إن شعوراً شاملاً يوحي إلينا أن ذاك شئ حق وضروري لمقصدنا في الحياة ... علي أني لا أدافع عن حقيقة الجمال الذي نتملاه في منظر طبيعي ! وإنما أتقبل بكل ارتياح، حقيقة أننا مهيئون بحيث نراه جميلاً " .

ولذلك وجدنا بعض رجال العلوم والنظريات الخاصة، آثروا أن ينظروا في الظواهر الجمالية الطبيعية وجعلوها محوراً في دراستهم في علم الجمال، وأقلموا علي نتائجهم نظريات جمالية في القرنين الماضيين . وهذه النظريات تمثل موقفاً جمالياً جديراً بالدراسة لما فيها من إيحاءات، وتحليلات يستفيد بها الباحث الجمالي استفادة محققة . فهناك تشارلز داروين (1809-1882) مؤلف الكتاب الشهير عن " أصل الأنواع "، وصاحب نظرية النشوء والارتقاء والانتخاب الطبيعي الذي زعم أن الإحساس الجمالي ليس قاصراً علي عالم الإنسان . إذ توجد أصوات وألوان تبعث البهجة عند الإنسان والحيوان علي السواء . وقد تحدث هذه الألوان والأصوات لذة كبري عند الحيوانات غير الراقية . وبعض الطيور الأنثي تستعذب صوت الذكور منها والحيوانات ذات الأغطية الصدفية السميكة تتذوق وتستحسن كما أن أنثيات الطيور تحب الألوان الزاهية وجمال الذكورة وأصواتها .

وقد أوضح داروين أن الإحساس الجمالي مرتبط بالانتباه، في حين أن بعض الفلاسفة العلميين يقرنونه بالغريزة نفسها . فقال داروين بأن الحس الجمالي موضوعاً غامضاً جداً مهما تجلي بوضوح في الحيوانات التي تعشق الألوان المبهجة والأشكال المنسقة والأصوات المحببة وتظهر نفس الصعوبة عندما نبحث موضوع المتع الحسية في المذاق والشم والإيثار وعدم الإيثار . وليس الأمر هنا متعلقا بالعادة لا إلي حد معين . ولا بد من أن هذه الظاهرة الخاصة بالإيثار الجمالي ذات علاقة مباشرة بتكوين الجهاز العصبي نفسه في كل الأنواع والفصائل الحيوانية وبالتالي بالانتباه والوعي.

 

د. محمود محمد علي

...........................

المراجع

1- روبرت م. أغروس، جورج ن . ستانسيو: العلم في منظوره الجديدة، سلسلة عالم المعرفة، عدد 134- جمادي الآخرة 1409هـ - فبراير /شباط 1989م، ص 45.

2- بول ديفيز وجون جريبين: أسطورة المادة – صورة المادة في الفيزياء الحديثة، ترجمة علي يوسف علي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1996.

3- ادمون و. ستيورت: حياة الروح في ضوء العلم، ترجمة إسماعيل مظهر، مكتبة الأنجلو المصرية، 1960.

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل.

 

ميثم الجنابيفلسفة الأمل والتفاؤل المطلق

إن رؤية وأحكام ومواقف ماركس اللاحقة تجاه أحداث التاريخ ومجرياته و"فصوله الكبرى" مع ما رافقها من تدقيق للمقولات والمفاهيم وابتداع الجديد منها، كانت مجرد توظيف لحقائق التاريخ الملموس وتجريده من كل ما يبعده عن التلازم الخفي للمنطقي والتاريخي في النظر إلى كل ما يعيق تحقيق وتجسيد التاريخ الفعلي، أو تاريخ الحرية الحقيقية. وقد بلغت هذه الرؤية ذروتها في الموقف من الطبقات والمصير الزائل للرأسمالية عبر الثورة الاشتراكية وبناء الشيوعية. 

إننا نقف هنا أمام لوحة منطقية مكثفة جدا عن رؤية ماركس للتاريخ تتسم بقدر هائل من الدقة، تتجرد فيها كل تنويعات الوجود التاريخي، كما تحتمل كل فرضيات المستقبل. من هنا إشكالاتها الكبرى، التي تبدو على خلفية ابتذالها فيما سبق والآن من جانب الأحزاب وأنصاف المتعلمين، مأساة ماركس التاريخية! لكنها تبقى مع ذلك قدره التاريخي أيضا، بمعنى مأثرته وآثاره المحتملة، كما سنرى ذلك على مثال "الشيوعية العربية".

إن القيمة الكبرى لفلسفة ماركس تقوم أساسا في فكرتها التاريخية. فقد اخضع ماركس كل شيء لرؤيته التاريخية، بما في ذلك المنهج نفسه. وليس مصادفة أن يكون ظهور الكثير من التيارات الفلسفية الكبرى عن التاريخ ليس إلا نماذج متنوعة من إعادة "قراءة" التاريخ تحت أثر فلسفة التاريخ عند ماركس. وبقدر ما ينطبق ذلك على ماكس فيبر، فإنه ينطبق أيضا على تراث التيار الفلسفي الداعي بالرجوع إلى كانط (الكانطية الجديدة) وبالأخص في مدرسة بادن واهتمامها النوعي بفكرة التاريخ وبالأخص عند كل من فيلهيلم فيندلباند وهنريخ ريكرت. والشيء نفسه يمكن قوله عن مختلف التيارات النقدية لليسار الجديد الذي اكتسح العالم على امتداد عقود، وبالأخص في ستينيات وسبعينات القرن العشرين، سواء في مدرسة فرانكفورت أو الوجودية (وبالأخص ياسبرس وتأملاته الفكرية عن التاريخ ومعنى التاريخ). وأخيرا كل نماذج وشخصيات "قراءة" التاريخ والنصوص من اجل إعادة بناء وتركيب الصورة التاريخية الفعلية للماضي والحاضر كما نراه عند غادامير وفوكو ودريدا وغيرهم. إضافة إلى مدارس التأويل الحديثة بل وحتى المناهضة للماركسية كما هو الحال على سبيل المثال عند والت وتمان روستاو في كتابه (مراحل النمو الاقتصادي – البيان غير الشيوعي"، أي ترديده "المقلوب" لصدى الفكرة الماركسية عن مراحل التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية.

إن ماركس قد يكون الوحيد من بين فلاسفة التاريخ الذي جعل من فكرة المنهج ذاتها، بوصفها منطقا مجردا، جزء من تاريخ العلاقات الاجتماعية والاقتصادية أيضا. ولا تخلو هذه الفكرة من ثغرات جدية بسبب ما فيها من استعداد لنقل هواجس السببية المشروطة بحياة الناس المادية إلى ميدان الفكر المجرد واجتهاده في استخلاص قواعد التحليل والدراسة. مع أن هذه القضية تبقى إحدى اشد القضايا تعقيدا بالنسبة لتحديد ماهية وحدود المنهج، لكنها تكشف عن الهاجس التاريخي في فلسفة ماركس، أي جوهرية الرؤية التاريخية في تفسير أصول الأشياء، كل الأشياء، من الإنسان إلى "الله". الأمر الذي كان يلازمه بصورة خفية تراكم الاستعداد الخفي لفكرة الحتمية وكمونها في كل شيء، بما في ذلك في الموقف من التاريخ. بحيث يمكننا القول، بأن الاستعداد الأيديولوجي الكامن في فلسفة ماركس عن التاريخ كان يكمن أساسا في غلو نزوعها التاريخي. وذلك لأن المضمون الفعلي والتأسيس النظري لفلسفة التاريخ عند ماركس كانت تقوم في محاولتها توحيد الماضي والمستقبل في كل واحد بوصفه صراعا. من هنا جوهرية فكرة الصراع الطبقي بوصفه "القوة المحركة للتاريخ العالمي". وعليها جرى تأسيس فكرة انتهاء تاريخ الطبقات والملكية الخاصة، حالما يجري بلوغ التاريخ ذاته من جديد. وهي فكرة "فعلية" للصيغة المجردة التي بلورها هيغل عن وعي الذات التاريخي بوصفه نفيا كليا في مسار الروح. غير أنها تأخذ عند ماركس صيغتها الواضحة والعملية من خلال تحويل فلسفة النفي المنطقي إلى وعي الذات الطبقي عبر النفي التاريخي (الانتقال) من مشاعية بدائية إلى مشاعية متطورة (شيوعية)، بمعنى نفي تاريخ الملكية الخاصة في تشكيلاتها المعروفة (من عبودية وإقطاعية وبرجوازية).

إن نهاية تاريخ الملكية الخاصة يعني بداية التاريخ الفعلي، أو الانتقال إلى "ملكوت الحرية". حينذاك تتحول المفاهيم المتعلقة بالدولة والسلطة والاقتصاد والإنسان والحياة مع ما يلازمها بالضرورة من تبدل نوعي في القيم، أي كل ما كان يتراكم في مشروع "الاشتراكية العلمية" بوصفها إحدى فرضيات الأمل الواقعي. مما جعل من فلسفة ماركس بهذا الصدد فلسفة الأمل والتفاؤل المطلق. من هنا احتواءها بقدر واحد على مزيج من طوباوية الأمل ومشاريع العمل الفعلية. لكن تحويل هذا المزيج النموذجي للعقل والوجدان إلى أيديولوجية العمل الحزبي قد جعل منها سبيكة "واقعية". وذلك لأنه أدى إلى رفع الفعل وتحسس قيمته المجهولة في الأغلب من قبل صانعيه، إلى "حقيقة". وعادة ما تلازم هذه العملية آلية فعل الأيديولوجيا نفسها، مع ما يترتب عليه من ابتذال دائم للاجتهاد النظري بشكل عام والعملي بشكل خاص. وهو السبب القائم وراء شعور ماركس المليء بالنفور والقرف مما اسماه "بالشيوعية المبتذلة"، التي جعلته أيضا يقول، بأنه "ليس ماركسيا". أما محاولة توظيف هذه العبارة من اجل إخراج النفس من هذه الصيغة أو الصيغ المبتذلة، فإنه يفترض الخروج على "الشيوعية المبتذلة" و"الماركسية المبتذلة" عبر رفعهما إلى مصاف الرؤية النقدية الحقيقية القادرة على تجاوزهما أو إعادة تفعيلهما بالشكل الذي يجعلهما طاقة فكرية روحية إضافية وايجابية بالنسبة للعقل والوجدان الاجتماعي. وهي عملية ممكنة فقط حالما يجري دمجهما النقدي الكلي بمنظومة جديدة للفكرة التاريخية والسياسية. غير أن هذه المهمة تبقى كما يقال من نوع وطراز آخر لا علاقة ولا قدرة للأحزاب بها، أيا كان نوعها وتاريخها وتراثها. فالأحزاب تنتهك وتبتذل الفكر حالما تسعى للتعبير عنه أو جعل نفسها ممثلة أو حاكمة له وعليه. وعلى العكس من ذلك كلما تقترب من الحياة الواقعية والفعلية وتعمل بمعايير الاجتهاد العقلي والنزعة الإنسانية كلما تقترب أكثر فأكثر من مشاريع الفكر المتسامي. والسبب يكمن في أن الفكر والحزب يختلفان من حيث الرؤية والوسيلة والغاية والقيم والمفاهيم.

وإذا كان من الممكن الحديث عن ماركس بمعايير الرؤية النقدية الفلسفية هنا، فإن نقطة ضعفه الكبرى تقوم في استمراره بتقاليد العقل المطلق والنزعة الكونية المطلقة. لاسيما وانه اختلاف جلي أيضا بما في ذلك بمعايير ماركس نفسه. فقد كان النقد العقلاني الذي وجهه ماركس لهيغل يقوم بالذات في الكشف عن الخلل المنطقي والتاريخي في روح الديالكتيك وبلوغه النهاية المتعارضة مع مساره الذاتي في نماذج العقل المطلق. فالوحدة القائمة بين الروح العندي والروح الموضوعي والروح المطلق في الفلسفة الهيغلية يفترض حسب منطقها الذاتي أن تكون مجرد حركة لا تنتهي ولا تتناهي بوصفها جزء من فكرة المطلق. غير أن الفيلسوف عادة ما يرغب في رؤية ثمار اجتهاده بوصفه نهاية الرؤية الحقيقة أو حقيقة التاريخ الفعلي بعد أن يكشف عن نفسه فيها. وهو الخطأ أو النقص الذي كان جليا لماركس منذ انتقاله من راديكالية الهيغليين الشباب إلى تأملاته النقدية الأولية ونفيها اللاحق في محاولاته إيقاف الديالكتيك الهيغيلي على قديمه بعد أن كان يقف على رأسه! وهي مهمة أنجز ماركس صيغتها الأولية. لكنه أعاد تكرار نفس الخطأ الهيغلي ولكن من خلال إيقاف حركة الديالكتيك، وليكن على قدميه! فإذا كان الفرق بينهما يقوم في أن الديالكتيك عند هيغل يقف على رأسه وتوقف، فإن إيقافه على قدميه عند ماركس كان يتضمن أيضا توقفه عند مشروع لا يخلو من طوباوية إنسانية. الأمر الذي جعلها محببة لقلوب الحفاة ذوي القبضات المتشنجة في تحديها للأرض والسماء على السواء! وفي هذا تكمن أيضا قيمة ماركس التاريخية.

فقد كانت فلسفة ماركس من حيث الجوهر اجتهادا نظريا في تفسير الواقع الرأسمالي الأوربي آنذاك والبحث عن بدائل لتجاوزه. وبالتالي فهي إحدى النظريات النقدية الكبرى في مواقفها الاجتماعية والسياسية. من هنا جوهرية التاريخ والرؤية التاريخية فيها. وهو استنتاج لا يقلل ولا ينفي ولا يتعارض مع الحقيقة القائلة، بأن نظرية ماركس عن المجتمع، بل عن كل شيء، هي نظرية تاريخية. كما أنها بالقدر ذاته فلسفة تاريخ من ألفها إلى يائها في تأسيسها ودعمها لرؤيتها المستقبلية. لقد وحدّت فلسفة ماركس في مقولاتها ومفاهيمها واستنتاجاتها النظرية منظومة خاصة سعت لتفسير كل ما كان يواجهها، وتأسيس مهمة تغييره بمعايير التاريخ الواقعي وبمعايير المستقبل أيضا، بوصفه احتمالا واقعيا ومستقبليا.

وقد تعرضت آراء ماركس بعد أن تحولت إلى "ماركسية" إلى نفس المصير الحتمي الذي تتعرض له الأفكار الكبرى حالما توضع فكرة البدائل في مشاريع أيديولوجية عملية. بعبارة أخرى، إن تحويل ماركس إلى "نبي" ومؤلفاته واجتهاده النظري إلى "كتب مقدسة" قد أدى إلى نفي الروح النقدي لماركس. مع ما ترتب عليه بالضرورة من جعله جزء من ماركسية الدولة ومساعيها لتدعيم النظام والسلطة. وهي عملية يرافقها بالضرورة جعل مهمة التبرير والتأويل المتحزب لماركس "ماركسية رسمية"، بوصفه المصير الذي دفع ماركس ثمنه، بمعنى جعله جزء مطواعا ومتطوعا بدون إرادته في خدمة مصالح النخبة المترقية من حضيض الحثالة الاجتماعية إلى هرم الارستقراطية "الثورية". والشيء نفسه يمكن قوله عن مجرى تحوله إلى أيقونة الأحزاب الشيوعية ومختلف تيارات اليسار، الذي أدى إلى تبسيطه وابتذاله من اجل جعله مقبولا. لكنها في الوقت نفسه عملية طبيعية، ترافق بالضرورة انتقال الأفكار العملية الكبرى إلى ميدان العوام. فالأغلبية المطلقة من أتباع اليسار "الكادحين" تحتوي على فئات يصعب تحديدها بمعايير العلم، ويسهل توظيفها بمعايير الأيديولوجيا، من هنا فهمها لماركس بمعايير الشعارات الرنانة. ومن ثم تغيب وتتلاشى وتضمحل حقيقة ماركس بالنسبة للأغلبية المطلقة، وتبرز وتتوهج وتنتعش صورته الأيديولوجية السياسية والحزبية المتوافقة مع ذوق العوام. وليس مصادفة أن لا يقرأ الشيوعيون ماركس، وبالأخص "قادة" الأحزاب منهم!

لا تخلو هذه العملية المعقدة من دراما التاريخ و"مكر الله" و"العقل المطلق". بمعنى أنها تحتوي بقدر واحد على ما في نزوع الفكر العملي صوب الجماهير من أقطاب متناقضة ترتوي من رحيق الفكرة الإنسانية الساعية صوب الحرية والنظام الأمثل من جهة، وتتعطش في مجرى سقيها لجفاف العقول النظرية من مخزونها المحدود، من جهة أخرى. فالنظريات الكبرى عادة ما تعاني من نقص جوهري بمعايير التاريخ، ومنطقي بمعايير الحقيقة. وذلك بسبب مساعيها الذاتية للتعميم النظري. وهو "نقص" ضروري أيضا لأنه جزء من صيرورة الوجود والعدم الكبرى. وضمن هذه الرؤية يمكننا القول، بأن ما جرى من تصنيع للماركسية، أو لماركسيات متنوعة ومختلفة ومتباينة ومتناقضة ومتصارعة هو نتاج لا علاقة لماركس به. بمعنى أنه جزء من صيرورة الوجود الجديد لماركس معين وانعدام آخر. وهذا بدوره ليس إلا الحالة المرافقة لكل تأويل متجدد، بغض النظر عن مستواه ودقته وقدرته على الاستجابة لما يسمى بمتطلبات العصر. وعادة ما تلازم هذه الحالة مسار الفكر والتاريخ الواقعي بقدر واحد. من هنا طابعها الدرامي بمعايير النظرية والتطبيق، والتاريخ والفكر، والواقع والبدائل. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابيفلسفة الانتقال التاريخي والثورة

لكن التاريخ بالنسبة لماركس مازال محكوما قبل (البيان الشيوعي) بتقاليد العقلانية النقدية من حيث المقدمات والتأسيس. من هنا نقد الرؤية الهيغيلية عن العقل والروح المطلق في ميدان التاريخ، من خلال إرجاعها إلى ما يمكن دعوته بالصيغة أو الرؤية التاريخية الواقعية للسبينوزية الاجتماعية. وهو السبب القائم وراء قوة فكرة الحرية والضرورة ولكن من خلال رفعها إلى مصاف الصيغة الفاعلة في المجرى المعقد للتاريخ. بمعنى البحث عن رؤية عقلانية لفهم الأبعاد المتناقضة في التاريخ العالمي بوصفها عملية موضوعية وواقعية. كما تظهر هنا أيضا معضلة الحرية الإنسانية المبدعة وعقبات التاريخ الفعلي التي تبرز بأثر النشاط والممارسة الإنسانية على هيئة قوى مغتربة. بعبارة أخرى، إننا نعثر هنا على البداية الأولية أو الحدس العقلي للفكرة النقدية تجاه التاريخ التي سيجري التأسيس لها لاحقا في (مقدمة في نقد الاقتصاد السياسي) و(الرأسمال).

وقبل أن يجري تأسيسها "النهائي" في الأعمال النظرية الناضجة لماركس، فإنها مرت، شأن كل منظومة فكرية كبرى، بعملية تدقيق وتنسيق وتنظيم لمقولاتها ومفاهيمها ونتائجها العملية. وشكلت (الأيديولوجية الألمانية) تلك البداية الحاسمة لهذا الانقلاب المدقق في المفاهيم والمقولات والرؤية العامة. إذ ترتسم هنا للمرة الأولى ملامح الرؤية الأولية "للفهم المادي للتاريخ". فهنا يتكلم ماركس عن المقدمات التي ينبغي الانطلاق منها، بوصفها "مقدمات فعلية" يمكن التجرد عنها فقط في الخيال. بمعنى أنها مقدمات ليست اعتباطية ولا مفتعلة، أي ليست عقائد. من هنا عبارة ماركس عما يدعوه بالطريق التجريبي الخالص في تأسيس الفكرة. وقد حصر هذه المقدمات في ثلاث هي الناس الفاعلون، ونشاطهم الفعلي، والشروط المادية للحياة الموجودة قبل وجودهم وكذلك تلك التي ينتجوها هم بأنفسهم.

إننا نعثر في (الأيديولوجية الألمانية) على الصيغة الأولية الأكثر دقة وتحقيقا للحدس الفلسفي الذي وضعه في (المخطوطات الفلسفية الاقتصادية لعام 1844)، أو على التجسيد الأولى للتأملات الفلسفية الاقتصادية الأولى في رؤيتها النقدية لمقدمات الفكرة التاريخية الجديدة وفلسفة التاريخ. وليس مصادفة أن تتميز رؤية ماركس هنا بالتركيز على قضية الكيفية. بمعنى أن المقولات الماركسية الأولى كانت محكومة في اغلبها بتحديد كيفيتها. ولا يعني ذلك بالنسبة للمنطق الفلسفي سوى البحث عن آلية ونوعية الظواهر وآفاقها.

فقد كان الهاجس الأشد فاعلية وراء الرؤية التاريخية لماركس في (الأيديولوجية الألمانية) يقوم في الانطلاق من الواقع عبر فهم آلية الظهور والتطور بوصفها المقدمة أو الشرط الضروري لفهم الواقع. وتتبع هذه المقدمة لاحقا من خلال تحويل مقولات الفعل والفعلي (أي النشاط والواقع) إلى مقدمات التغيير. وهي الصيغة التي برزت بصورة أولية وبيانية لحد ما في ملاحظاته حول فيورباخ، وبالأخص تلك التي تقول، بأن الفلاسفة لم يقوموا إلا بتفسير العالم بينما المهمة تقوم في تغييره. لكنه تغيير مرتبط بفهم محدد، ومن ثم له حدوده. ولم تكن هذه الحدود آنذاك شيئا غير الرؤية العامة عن ضرورة البدائل عبر مقولات الفعل والنشاط والحيوية والتغيير. ذلك يعني، أنها لم تكن محددة المضمون والهوية والغاية والوسيلة. لكنها كانت تحتوي على احتمالات متنوعة، شكلت إن أمكن القول، مرحلة الانتقال الحاسم في رسم معالم الرؤية الفلسفية بوصفها فلسفة العمل أيضا. لهذا لم تخل آنذاك من آثار طور المراهقة الكبرى للعقل النقدي العملي. لكن الجوهري فيها يبقى لمقولات الواقع والإمكان والفعل والفعلي. ومنها كانت تتبلور مفاهيم تغيير الواقع بوصفه فعلا إنسانيا تاريخيا، أي الكلّ النظري العام الذي لم يكن حتى ذاك الوقت مهموما بتدقيق ماهية المقولات والمفاهيم، وكيفية تحقيقها، وأسلوب تجسيدها العملي.

غير أن (الأيديولوجية الألمانية) كانت تحتوي أيضا على كمون تدقيق المقولات والمفاهيم، وكيفية تحقيقها، وأسلوب تجسيدها العملي. إذ نعثر فيها على الصيغة المنهجية الأولية والتأسيس النظري والغاية المتعلقة باستخلاص نتائج التجربة الفلسفية الأولية بصدد التاريخ وأثر الفكرة فيه عبر نقلها إلى ميدان النشاط الواعي. وقد كانت تلك هي النقطة الحاسمة في القطيعة الفكرية والمنهجية الكبرى بين ماركس وتراثه الهيغلي التي جعلت من الممكن فهم معنى ومغزى "قلب الديالكتيك عبر وضعه على قدميه بعد إن كان يقف على رأسه"، أي قلب المنطق في رؤيته لذاته عبر تحليل التاريخ الملموس والسعي لتغيره وليس بالبقاء ضمن سياق تتبع وتأمل الفكرة المنطقية في عالمها التاريخي المجرد. وهنا لم يعد العقل الهيغيلي جزء من مسار الروح المطلق والمتجوهر في منظومة المنطق المجردة بوصفها تكثيفا للتاريخ، بقدر ما أصبح إعادة بناء جديدة من خلال تحويل تاريخ الفكرة المجردة إلى فكرة التاريخ الفعلي.

وليس مصادفة أن تصبح فكرة الفعل والفاعل والفعلي في (الأيديولوجية الألمانية) موحدة بوصفها جوهر التاريخ الواقعي والطبيعي. إننا نعثر هنا على رؤية تاريخية جديدة حاولت المطابقة بين الوجود والفعل من خلال إرجاعهما إلى ميدان الحياة الواقعية، كما نراه على سبيل المثال في فكرته الأولية عن الإنسان باعتباره القوة الفاعلة الكبرى في التاريخ، وأن نشاطه الاجتماعي وتغييره الدائم لوسائل الإنتاج وأشكال تقسيم العمل وشكل الملكية و"شكل الاجتماع" هي المقدمة الضرورية لفهم التاريخ الواقعي وآفاقه. وفيها ومن خلالها كانت تبرز ملامح الرؤية الواضحة تجاه التاريخ من خلال إنتاج الناس لشروط حياتهم الخاصة، وظهور العائلة وتقسيم العمل وظهور النشاط الروحي. بمعنى ظهور شكل جديد ورفيع لوجود الإنسان الطبيعي والاجتماعي، بوصفه بداية التاريخ الواقعي للمجتمع.

فالناس يصبحون ناسا كما يقول ماركس، حالما يبدءون بإخراج أنفسهم أو تمييز أنفسهم عن الطبيعة. وهو انقلاب نوعي مرتبط بالممارسة والنشاط الإنتاجي والاجتماعي، الأمر الذي يجعل من الممارسة والنشاط قوة جوهرية تلعب في التاريخ ما يقوم به مبدأ النفي في فلسفة هيغل. ففي مجرى هذا النشاط الاجتماعي الإنتاجي جرى إرساء أسس التاريخ الفعلي للإنسان. وهنا أيضا يجري الحديث عن إنسان المستقبل، الذي يجري توظيف كل الحصيلة المتراكمة في التاريخ الإنساني من اجل إعادة بناءه أو تملكه لها من جديد. كما نرى هنا أيضا فكرة "الفردية الحرة"، المبنية على أساس التطور الشامل للفرد، من خلال تحويل كل الإنتاجية الجماعية والاجتماعية إلى ملكية اجتماعية (أي في متناول الكلّ الاجتماعي) بوصفها الغاية الكبرى من التطور التاريخي القادر على تذليل كل الأشكال الجامدة للاغتراب.

مما سبق تتضح معالم الرؤية العامة لفلسفة التاريخ التي سيجري تدقيق مقولاتها ومفاهيمها اللاحقة مثل القوة المحركة للتاريخ، والثورة الفعلية، والتاريخ الفعلي والطبقة الثورية وغيرها مما يجري إدخاله ضمن منظومة "الفهم المادي للتاريخ"، ومن خلالها رؤية المسار الفعلي للإنسان والمجتمع والدولة والقانون والأخلاق والدين والأيديولوجية، باختصار كل شيء.

إننا نقف أمام تبلور الملامح الأولية لمنظومة وحدة الوجود التاريخي من حيث مقدماته وتطوره ومظاهره ونتائجه، وبالتالي كيفية وأسلوب تغيره. وهو الشيء الذي ميز جوهر الماركسية وجعل منها بالقدر ذاته فلسفة كونية من حيث التأسيس للمفاهيم والقيم والوسائل العملية لبلوغ الغاية. كما أنه الشوط الذي جرى تجاوز عقباته النظرية بصورة سريعة تزامنت مع ملاحظات ماركس الأولية عن فيورباخ. وليس مصادقة ألا يكون فيورباخ بارزا في النقد الماركسي لتراثه السابق، لكنه كلي الحضور في ميدان التاريخ الفعلي للإنسان، ومن خلاله للتاريخ الفعلي للإنسان والإنسانية ولاحقا للمجتمع والطبقات. مع ما ترتب عليه من استنتاجات نظرية عملية بصدد أسلوب وآلية التغير الثوري كما نعثر عليها بوضوح فلسفي وأيديولوجي تام في (بيان الحزب الشيوعي).

إذ تظهر هنا بوضوح تام وشكلي صريح فكرة وفلسفة الطبقات والصراع الطبقي بوصفه القوة المحركة للتاريخ الاجتماعي السياسي، والمتحكم والمؤثر بكل مظاهر ومجريات التاريخ الإنساني. فقد استندت هذه الفلسفة بدورها إلى رؤية أولية عن أن لكل شيء تاريخه الخاص والفعلي بوصفه جزء أو مكونا أو عنصرا من تاريخ الوجود الإنساني، الذي نعثر عليه أيضا في كل مظاهر الوجود المتراكمة للروح والجسد والدولة والفكر وغيرها من المظاهر. كما أن إدراك حقيقة وأبعاد كل ظاهرة ممكن فقط حالما يجري النظر إليها باعتبارها ظاهرة تاريخية صرف لها حدودها وشروطها ومقدماتها ونهايتها. وفي هذه الرؤية كانت تكمن محددات الرؤية النظرية للتاريخ التي جعلت منه صيرورة محكومة بأمل متفائل قد تكون الثورة أكثر ملامحه ومظاهرة بروزا. وذلك لأن الثورات، بما في ذلك أكثرها دموية، تنقي وتطهر التاريخ، وتختصر الزمن. بحيث ستجعل ماركس لاحقا يتكلم عن الثورة بوصفها قاطرة التاريخ.

إن ظهور فكرة الثورة الاجتماعية ووضعها في أساس فهمه للتاريخ والانتقال، التي لم تكن بدورها معزولة عن تقاليد الفكر الفلسفي الألماني وتأثره المباشر وغير المباشر بالثورة الفرنسية. لكنه خلافا لأسلافه الكبار قد نقلها من ميدان الوجدان الأخلاقي العارم والعقلي المجرد إلى ميدان التاريخ الواقعي، أي تاريخ التحول العاصف في ميدان الإنتاج وتطور العلاقات الإنتاجية والقوى المنتجة. ومنها جرى اشتقاق أو استنباط فكرة "الطبقة الثورية" و"القائدة" و"الطليعة" في مراحل الانتقال التاريخي من مرحلة إلى أخرى ومن تشكيلة إلى أخرى وهكذا دواليك.

وقد لازمت هذه الصيغة الأولية المليئة بمغامرة الإبداع الحر إبداع ماركس ورؤيته التاريخية في لحظات السكر الثوري والصحو العقلي (الفلسفي). لاسيما وأنه تلازم كان يستمد مقوماته وديمومته من منهج ماركس التاريخي نفسه والقائل بفكرة الطابع المؤقت لكل أشكال الوجود التاريخي للاغتراب الاجتماعي (الطبقي). فقد ظلت هذه الفكرة، بل وتوسعت وتعمقت مع مجرى تطوره الفكري إلى أن بلغت ذروتها بمعايير المنطق الحاد والصارم للتاريخ الاقتصادي والاجتماعي. وليس مصادفة أن يقول ماركس، وبالأخص في حالات الجذل الثوري، بأن ما يميز الثورة الاجتماعية القادمة (البروليتارية) عن ثورات الماضي كونها تستمد قصائدها من المستقبل. بمعنى أن المستقبل هو مصدرها الوحيد وليس الماضي. وهذه ليست في الواقع سوى الصيغة الأبعد والأعمق للرؤية التاريخية، أي لقراءة التاريخ الأولية، التي لم تخل من نزوع راديكالي، ولحد ما تجاوز فض لما في الهيغيلية من قيمة منطقية مجردة ومتسامية في الوقت نفسه عن معنى النفي التاريخي. لكنها كانت تتراكم بطريقتها الخاصة في تأمل ماركس الفلسفي لإشكاليات جوهر الإنسان، وجوهر التاريخ، وقضايا التملك والاغتراب، والنشاط الإنساني، والحرية والضرورة، والممارسة والنشاط، والإنتاج، والتطور التاريخي، وظهور الطبقات وكثير غيرها، أي كل ما سيحصل على صيغته المكثفة والكلاسيكية في مقدمته لكتاب (نقد الاقتصاد السياسي). إذ نعثر فيها على إحدى الصيغ المتميزة "لقراءة التاريخ".

فقد كتب ماركس بهذا الصدد يقول، بأن حصيلة ما توصل إليه في أبحاثه الاقتصادية والاجتماعية والفكرية المتعلقة بتاريخ الإنسان والمجتمع والدولة والفكر، أي التاريخ المادي والروحي، أو "البنية التحتية والفوقية"، يمكن إيجازها بأفكار عامة وهي أن الناس يدخلون في مجرى الإنتاج الاجتماعي في علاقات ضرورية فيما بينهم، أي مستقلة عن إرادتهم الفردية. والجوهري فيها كونها علاقات إنتاجية تتطابق مع مستوى تطور قواهم الإنتاجية. ومن مجموع هذه العلاقات الإنتاجية يتكون ويتراكم الأساس الفعلي لوجودهم، أي أساس البناء الاقتصادي للمجتمع الذي يرتكز عليه "البناء الفوقي" أي كل بنية النظام الحقوقي والسياسي. ويتطابق معه بالضرورة مستوى ونمط معين من مستويات وأشكال الوعي الاجتماعي. وبالتالي، فإن أسلوب إنتاج الحياة المادية هو الذي يحدد عملية الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية عامة وليس بالعكس. مما يفترض بدوره تحديد النسبة الجديدة بين كينونة وجودهم الاجتماعي ومستوى وعيهم التاريخي. وعندما تدخل قوى المجتمع الإنتاجية المادية في مرحلة معينة من تطوره في اختلاف وصدام وصراع وتناقض مع علاقات الإنتاج القائمة وشكل الملكية، عندها يبدأ عصر الثورة الاجتماعية وتجسيد نفي النفي الضروري القائم في طبيعة الصراع والتناقض بين شكل الملكية بوصفه التعبير الحقوقي عن علاقات الإنتاج القائمة وبين القوى الإنتاجية الجديدة. مما يستتبع بدوره تغير الأساس الاقتصادي. مع ما يرافقه بالضرورة من تغير متفاوت السرعة والدرجات للبناء الفوقي بأسره (النظام السياسي ومختلف أشكال الوعي الاجتماعي). وهي عملية شائكة وتتصف بقدر هائل من التعقيد بالنسبة للرصد العلمي الدقيق، وبالأخص ما يتعلق منه بتقييم مجرياتها، بوصفه جزء من وعي الذات التاريخي. ومن ثم إمكانية، بل حتمية احتواءه بالضرورة على مختلف بقايا الماضي وحدوده الضيقة في الرؤية الحقوقية والسياسية والفنية والفلسفية، أو في كل ما دعاه ماركس بالأشكال الأيديولوجية التي يعي الناس من خلالها هذا الصراع ويخوضونه حتى النهاية. لكنها تبقى مع ذلك جزء من المسار العام للتاريخ المحكوم بقانون صارم يقوم فحواه في أن الأشكال القديمة للعلاقات الاجتماعية والملكية المناسبة للتشكيلة الاجتماعية الاقتصادية المعنية لا تضمحل أو  تتلاشى أو تندثر من مسرح التاريخ الفعلي ما لم تؤدي دورها التاريخي، أي ما لم تستنفذ ما فيها من طاقة لتطوير علاقات إنتاجية جديدة أرقى. وهي عملية متراكمة وذائبة في مجرى التطور التاريخي وليست لها حدودها "القاطعة". أنها تجري كما يجري تحول الكمية إلى نوعية حالما تبلغ ما فيها من استعداد وطاقة خاصة بها. مثل غليان الماء أو تجمده حالما يبلغ درجة مئوية محددة. وهي الصيغة الظاهرية والمبسطة لما يجري الحديث عنه لكنها تتمثل "طبيعة" العملية، وصيرورتها وكينونتها الاجتماعية بوصفها الكينونة الطبيعية للإنسان والمجتمع والتاريخ. ولعل النماذج الكبرى "لأساليب الإنتاج الآسيوي والقديم والإقطاعي والبرجوازي" ليست إلا مراحل متطورة في تاريخ التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية. والتشكيلة الأخيرة آخر مراحل "ما قبل تاريخ الإنسانية". وبانتهائها يبدأ "التاريخ الحقيقي"، بوصفه التاريخ المتحرر من أصداء وصدأ الملكية الخاصة والاغتراب وأثارهما في مختلف أشكال استغلال الإنسان للإنسان. (يتبع.....).

 

ا. د. ميثم الجنابي