علي رسول الربيعيأريد أن أتناول مباشرة وبدون تقديم تعريف عن مجمل اراء والتر بنيامين او سيرة حياته أو فلسفته، تمييزه بين العنف الأسطوري (القانوني) والعنف الأآلهي أو المقدس. إن آراءه ملغزة  لذا كانت عرضة لأكثر التأويلات أختلافا وتطرفا والتي أثرت بدورها في تحديد كيف يمكن أن تُقرأ مقالة بنيامين ومغزى نقده للعنف. أريد أن استشهد بالفقرة ذات الصلة بنقاشنا هنا كاملة لأن سأعود لها لاحقا ايضا.

"يعرض المظهر الأسطوري للعنف الفوري نفسه، بعيدًا عن إنشائه لأنقى مجال، أنه متطابق بشكل أساسي مع كل عنف قانوني، ويحول الشك بشأن هذا الأخير إلى يقين بخبث وظيفته التاريخية، وبالتالي يصبح التدمير إجباريًا. في نهاية المطاف، تطرح مهمة التدمير بالذات مرة أخرى مسألة العنف الفوري النقي الذي قد يكون قادرًا على الدعوة لوقف العنف الأسطوري. وكما هو الحال في جميع المجالات التي يتعارض فيها الله مع الأسطورة، فإن العنف الأسطوري يواجه من قبل الإلهي حيث يُشكل هذا الأخير نقيضًا له من جميع النواحي. فإذا كان يُعتبر العنف الأسطوري هو القانون التشريعى فإن العنف الإلهي هو القانون المدمر. إذا كان الأول قد شكل حدود المجموعات، فإن هذا الأخير يدمرهم بلا حدود. إذا كان العنف الأسطوري يحمل في آن واحد الذنب والعقاب، فإن القدرة الإلهية هي التي تملك قدرة التكفير فقط. فإذا هدد الأول، فإن هذا الأخيرة تضرب. إذا كان الأول أو السابق دمويًا، فإن هذه الأخيرة تقتل من دون إراقة أية دماء. قد يمكن مقارنة أسطورة نيوب مع حكم الله لرفقاء قورا كمثال على هذا النوع من العنف. لقد كان حكم الله بضرب وجهاء اللاويين، وقد ضربهم دون سابق إنذار، دون تهديد، ولم يتوقف بل إستمر الى حد الابادة. إلا أنه يوجد كفر في الإبادة أيضًا، وتظهر جليًا العلاقة العميقة بين قلة سفك الدماء والطابع التكفيري لهذا العنف، فالدم هو رمز الحياة الخالصة. من ناحية أخرى، ينبع إنحلال العنف القانوني (لا يمكن عرضه هنا بالتفصيل) من ذنب الحياة الأكثر طبيعية، التي تسلم او ترسل المعيشة البريئة والتعيسة إلى القصاص الذي "يُكفر" لمجرد ذنب الحياة الخالصة- ومما لا شك فيه أنه ينقي المذنب أيضًا ليس من الشعور بالذنب فقط، ولكن من القانون. إنه ليس من شان الحياة الخالصة وسيادة القانون على المعيشة ان تتوقف. يُعتبر العنف الأسطوري سلطة دموية على الحياة الخالصة بحد ذاته، بينما يُعتبر العنف الإلهي قوة نقية على جميع أشكال الحياة من أجل لقمة العيش. إن الأول يطلب التضحية، بينما يتقبل الثاني ذلك".

 Benjamin, Walter Benjamin selection Writing, pp. 249-250.  وسنعود اليه كـ: بنيامين من ص 237-250.))

 يتطلب منا فهم هذه الفقرة العودة الى التمييز الذي وضعه بنيامين منذ بداية مقالته. فقد أخبرنا، تتلخص مهمة نقد العنف في تفسير علاقته بالقانون والعدالة، وأن السبب الذي يصبح به القانون عنيفا بالمعنى الدقيق للكلمة هو عندما يدخل في علاقات أخلاقية/( بنيامين). وهكذا يوضح بنيامين منذ البداية أن نقده يتعلق بالعنف بقدر ما يُحمل هذا العنف على قضايا أخلاقية، وأكثر تحديدا بقدر مايتعلق بالقانون والعدالة. إبتداءً، يفترض التقليدان الرئيسيان في القانون مقدما – القانون الطبيعي والقانون الوضعي-  مايدعوه بنيامين  بالدوغما (العقيدة) المشتركة. تفصل هذه الدوغما بشكل حاد بين الغايات العادلة والوسائل المبررة. يحاول القانون الطبيعي، من خلال عدالة الغايات، تبرير الوسائل، ويحاول القانون الوضعي لضمان عدالة الغايات تبرير الوسائل. "./ (بنيامين) لايمكن الخروج من قيود هذه الصيغة الاً بأمتلاك معايير مستقلة. / (بنيامين) لذا وضع بنيامين مسألة الغايات العادلة جانبا وركز أهتمامه على الوسائل التي تنتج العنف فقط. على الفصل بين ما يسمى بـ " العنف الشرعي أو غير الشرعي". / (بنيامين) ولكن سنبقى ندور في حلقة مفرغة ما لم نوضح ماذا يعني العنف هنا. قال بينيامين أنه وضع الأساس للفصل الضروري بين تشريع قانون العنف وحماية قانون العنف وهكذا فأن كل عنف بوصفه وسيلة يكون أما لتشريع القانون أو لحمايته. واذا لم يكن مطلباً لأيً من تلك الصفات (التشريع والحماية) فأنه سيفقد كل صلاحية. ويترتب على ذلك، كل عنف بوصفه وسيلة يكون منخرطاً في الطبيعة الأشكالية للقانون نفسه. يبدو، أبتداءً، التمييز بين عنف تشريع القانون وعنف حمايته واضحا. فعنف تشريع القانون هو ذلك النوع من العنف المطلوب لتثبيت القانون، بينما عنف حماية القانون هو ذلك النوع المطلوب لفرض وحماية القانون. وندرك من الأمثلة التي يضربها بنيامين أن هذين النوعين من العنف مترابطان مع بعضهما. وربما أوضح مثال على هذا الترابط هو المواقف الثورية التي تبلغ أوجها في كتابة دستور جديد من قبل سلطة دستورية تشرع قوانين تكون ملزمة لأولئك الخاضعين للقانون. ولكن هذا القانون سوف لايكون قانوناً مالم يفرض ويحمى. فلايكون هناك معنى للحديث عن عنف تشريع القانون مالم يكن هناك أيضاً عنف حماية القانون. وغالبا ما يكون التمييز بين هذين النوعين من العنف واضحاً.

  أريد أن أشير ،هنا، الى الأعتراض الذي يواجه تأكيد بنيامين على الصلة الوثيقة التي تربط القانون بالعنف، أعتراض يرى أن تصور بنيامين للقانون يحملُ تشويهاً كبيراُ لمعنى القانون، لأنه لم ينصف الوظيفة الإيجابية لحكم القانون وسيادته. إنه أعتراض صحيح فلم تقدم مقالة بنيامين فهما شاملا للقانون، لكن أبرزت له وجهاً كان مهملاً ومستخفاً به ألا وهو عنف القانون. وأوضح مايكون ذلك في أوقات الأزمات، ولاسيما عندما ترى الدولة نفسها تواجه تهديداً جديا.

  لم يقدم بنيامين تصنيفا متماسكا للعنف في مقالته هذه الأ أنه لفت الأنتباه الى أحد أهم التمايزات أو الأختلافات بين أنواع العنف، التميز بين العنف الأسطوري (القانوني) والعنف الألهي أوالمقدس. فيرى أن العنف الأسطوري "يعرض نفسه بشكل مباشر ًومتطابقا مع كل عنف قانوني".1  وعليه أصبح القضاء على العنف القانوني ُملزماً، ولا يتم القضاء عليه ألاً بالعنف الألهي أو المقدس. فهذا العنف نقيض العنف الأسطوري من النواحي كافة. ولكن ماهو هذا العنف الألهي؟  يجيب قراء مقالة بنيامين عن هذا السؤال باشكال مختلفة وبطرق متعددة.

   رغم أن لدي ًالكثير من الشكوك ما اذا كان نص بنيامين يسوغ تأويلات جوديث بتلر

)  Butler, J “Critique, Coercion, and Sacred Life in Benjamin’s ‘critique of Violence’ ‘’ in Political Theologies: Public Religious in a Post- Secular World, pp.202-19. New York: Fordham University Press, 2006.) وسايمون كراتشلي (Critchley,S, The Faith of the Faithless: Experiments in Political Theology. New York: Verso, 2012.

فعلاً، لكن أريد أفحص بعض مطاليبهم الرئيسة التي سلطت الضوء على الأسئلة الأكثر أهميًة عن العلاقة بين اللاعنف والعنف. فقد أكدا على أنه ينبغي النظر الى نقد بنيامين الى العنف في سياق ملاحظاته حول اللاعنف. فقد طرح بنيامين السؤال هل من الممكن أو يحق أن تخول السلطة الألهية للإنسان حتى لو أستعملها الناس ضد بعضهم. وجوابه أنها غير قابلة للتنازل. فيرى أن للسؤال: هل لي أن اقتل؟  جواباً واحداً يتعذر تفاديه متمثلاً في الوصية الألهية " لا تقتل"./( بنيامين) ويؤكد على أنه لايمكننا أن نستنتج من هذه الوصية " إدانة وشجب لكل أنواع العنف والقتل من قبل إنسان لآخر" فليس الوصية معياراً للحكم ولكنها بالأحرى دليلا أو مرشدا لأفعال الأفراد والجماعات التي عليها أن تهتدي بها في تعاملها مع كل حالة بذاتها وبمعزل عن الحالات الأخرى فلكل حالة ظروفها الأستثنائية أو الخاصة، وتقع عليهم مسؤلية تجاهلها إذا ما قرروا ذلك. لذلك تم فهمها على أنها رفض صريح لأدانة القتل إذا ما كان دفاعا عن النفس./ (بنيامين)  ولا تفهم الوصية " يجب أن لا تقتل" كقانون، أيً بالمعنى نفسه الذي يفهم به القانون كتشريع للعنف أو حماية له. فترى بتلر، في تأويلها للوصية، " أنها، بدون أدنى شك، لاتشبه عنف القانون أو أكراهه، بل بالأحرى هي تؤسس لوجهة نظر تقود الى تدمير القانون كألزام أكراهي، فلايمكن أن تكون الوصية " يجب أن لا تقتل" شبيهة بالقوانين التي تم تدميرها من قبل القانون الألهي. إنها يجب أن تكون نوع من العنف الذي يقاوم العنف"../ (بنيامين)  ولكن إذا كانت ليس قانوناً بالمعنى نفسه لتشريع قانون العنف أو حمايته، فكيف نفهمها أذن؟ لا تُـفهم الوصية من قبل بتلر وكراتشلي بوصفها أمراً أو وصيةً حتمية لاتسمح بأيً استثناءً، أنها دليل أرشادي للفعل تتطلب أتباعها ويمكن أن يكون لها استثناء.( كراتشلي ص 212-218) فعلى الرغم من أن هناك أمراً قوياً: لاتقتل، قد تكون هناك ظروفاً استثنائيةً تجيز القتل. لايمكن أن يكون هناك قانوناً عاماً أو مبدأ شاملاً يمكننا من التقرير مقدماً ما يعتبر في الواقع حالةً استثنائيةً. فالتعامل يكون مع كل حالة بمفردها من قبل الأفراد والمجتمعات. فاذا ما تجاهلوا الوصية، واذا ما قرروا أنهم يواجهون حالةً استثنائيةً قد يكون فيها القتل ضروريا تقع عليهم مسؤلية هذا التجاهل. يتحول العنف المقدس/ الالهي، طبقا لتأويل بتلر وكراتشلي، الى نوع من اللاعنف لأن الأمر الالهي لاتقتل أمراً واضحاً، على الرغم من أنه لايقصي العنف المادي في ظروف استثنائية.

   بصرف النظر ما اذا كان تأويل بتلر وكراتشلي صحيحاً أو مطابقاً للمعنى الذي كان يقصد بنيامين بالعنف الالهي فقد سلم كلاهما باللاعنف كمطلب أخلاقي، وقد دعاه كراتشلي بالمطلب الأخلاقي المطلق. ينسجم هذا المطلب مع الرأي أن هناكَ استثناءً لايكون فيه العنف مسموحا به فقط ولكن مبرر أيضا. لايمنع الألتزام الأخلاقي المبدئي باللاعنف من الأعتراف بأن هناك حالات أستثناء. فقد كانت هناك ظروفاً تاريخية تم بها تبرير عنف المقاومة والقتال المسلح. ويمكننا هنا االأستشهاد بوجهة نظر فرانز فانون في " معذبو الأرض" الذي يمكن أن يقرأ كتبرير للمقاومة المسلحة ضد قسوة وعدوانية النظام الكولونيالي( الأستعماري). ولكن تطرح وجهة النظر هذه صعوبات عديدة حول العلاقة أو التفاعل بين العنف واللاعنف. وبالعودة الى نص بنيامين " نقد العنف" ومواجهته باسئلة جدية وعميقة مثلاً: كيف يمكن لشخص أن يعتبر لوصية " يجب أن لا تقتل" وزنا أو سلطة أخلاقية اذا كان لايسلم أبتداءً بأن الله كلم بها موسى. وحتى اذا سلم بهذا لاتوجد هناك قاعدة أو قانون عام يقرر على ضوءه مايعتبر ظرفا استثنائياً، ثم ماهي أنواع الأعتبارات التي عليه أن يضعها في حسابه بهذا الخصوص ليقرر أنه يواجه حالة استثنائية تبرر له العنف أو القتل؟ وحتى اذا تم التسليم بأن على الشخص أن يبذل الجهد ويتجاوز كل تلك الصعوبات حتى يصل الى هذا القرار الذي يخص حالة بعينها، كيف يمكنه القيام بذلك؟ هل هناك أيً معيار أو دليل لتقدير أو تقييم وجهة النظر المؤيدة والأخرى المضادة حتى يكون العنف مبررا؟ نجد أن نص بنيامين هذا يترك مسائل عديدة بدون حل وتبقى كذلك غير محلولة حتى مع تأويل بتلر وكراتشلي للعنف الالهي أو المقدس بوصفه شكلاً من اللاعنف.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

……………………………..

  1- Benjamin, Walter Benjamin selection Writing, p.249.

 

جميل حمداويالمقدمة: هناك أنواع عدة من الحجاج التي تتمثل في حجاج الباتوس، وحجاج الإقناع، وحجاج المغالطة، وحجاج الجدل، وحجاج الاقتناع، وحجاج اللغة، وحجاج التداول، وحجاج السؤال،وحجاج الخطاب، وحجاج التداول، وحجاج المنطق، وحجاج الحوار...

وما يهمنا في هذا الصدد هو حجاج الخطاب ؛ لما له من أهمية في تحليل الخطابات الإنسانية المختلفة، وتفكيكها في ضوء المقاربة الحجاجية من أجل معرفة مقاصد المتلفظ المتنوعة، وتشريح الرسالة الخطابية بغية فهم مختلف الرسائل المباشرة وغيرالمباشرة الموجهة إلى المخاطب أو المتلقي.

إذاً، ما الخطاب؟ وما أهم النظريات الحجاجية التي تتعلق بالخطاب؟ وكيف نستطيع التعامل مع الخطاب في ضوء المقاربة الحجاجية؟ هذا ما سوف نتوقف عنده في هذه المباحث التالية:

المبحث الأول: مفهوم الخطاب

هناك مشكل عويص يتعلق بالفرق بين النص (Texte) والخطاب(Discours). فهل هما بمعنى واحد أم ثمة اختلاف بينهما؟

هناك من الباحثين من يرادف بين النص والخطاب. بيد أن هناك من يميز بينهما بشكل دقيق . فالخطاب مرتبط بالتلفظ والسياق التواصلي. في حين، يتميز النص بكونه مجردا عن هذا السياق بشكل كلي. وقد ميز ميشيل آدم (M.Adam) بينهما بهذا الشكل الرياضي:

" الخطاب = النص+ ظروف الإنتاج

النص= الخطاب- ظروف الإنتاج

وبتعبير آخر، الخطاب، بكل تأكيد، ملفوظ يتميز بخصايات نصية، لكنه يتميز أساسا بوصفه فعلا خطابيا أنجز في وضعية معينة (مشاركون، مؤسسات، موضع، زمان)... أما النص، فهو، بالمقابل، موضوع مجرد ناتج عن نزع السياق عن الموضوع المحسوس"

لنقل، بعبارة أخرى، إن الموضوع الذي هو الخطاب يدمج السياق: أي الظروف الخارج لسانية المنتجة له. في حين، إن النص يبعدها بوصفه ترتيبا لقطع تعود إلى البعد اللساني: أي السياق"[1].

وإذا كان النص موضوعا مجردا، ونظرية عامة لتأليف الوحدات والمتواليات والمقاطع، ويعني مجموعة من الجمل المتلاحمة والمترابطة والمتسقة عضويا ومعنويا، فإن الخطاب عبارة عن ملفوظات شفوية أو مكتوبة مرتبطة بسياقها التواصلي الوظيفي. لذا، ينطلق أصحاب تحليل الخطاب " من مبدأ أن الملفوظات لاتقدم نفسها بوصفها جملا أو متواليات جمل، بل بكونها نصوصا. والنص، في واقع الأمر، طريقة تنظيم خاصة، ويجب أن يدرس، بناء على هذه الصفة، بإرجاعه إلى الظروف التي أنتج فيها. إن دراسة بنينة النص بإرجاعه إلى ظروف إنتاجه يعني تصوره بوصفه خطابا.[2]"

وإذا كان النص ينبني على النصية، والعلاقات التراتبية للوحدات والمتواليات، وتميزه باستقلاله الشكلي، وتنظيمه الداخلي، فإن الخطاب يركز على الخطابية أو التلفظية. بمعنى أن الخطاب يرادف الملفوظ.

ويبدو أن النص أعم وأشمل من الخطاب، ولاسيما في مجال السرد؛ حيث يتضمن النص من جهة الدلالة القصة (الأحداث، والشخصيات، والفضاء). ومن جهة الشكل، يتضمن الخطاب (المنظور السردي، والزمن السردي، والأصوات اللغوية والأسلوبية). بيد أن هناك من يرادف بين النص والخطاب، فيجمع بينهما في صيغة ترادفية واحدة، فيقول: " لسانيات النص أو لسانيات الخطاب". ونجد هذا جليا عند فان ديك الذي يرادف بينهما:"توجد فوارق متسقة الاطراد بين الجملة المركبة وانتظام توالي الجمل وتسلسلها، وخاصة من نوع المستوى التداولي.ثم إن الجمل يمكن أن تتعلق بدلالة أو بمعنى جمل أخرى من العبارة نفسها حتى ولو كان ذلك ليس دائما مشابها في شيء لمعاني القضايا في تركيبها أو الجمل المؤلفة.وهناك أسباب أدت بنا إلى أن نسلم بأن العبارات المنطوقة يجب أن تعاد صياغتها تبعا لوحدة أوسع ما تكون وأعني بذلك المتن أو النص. وهذا الاصطلاح الأخير إنما استعمل هنا ليفيد الصياغة النظرية المجردة المتضمنة لما يسمى عادة بالخطاب."[3]

ومن جهة أخرى، يعرف الخطاب(Discours) بأنه الإطار الشكلي للمتن أو المحتوى، أو التعبير والصياغة الفنية والجمالية للمضامين والمحتويات المعروضة ضمن القصة أو الحكاية، إذا كان الحديث - مثلا- عن النص السردي. وغالبا، ما يشمل الخطاب، في هذا الإطار، ما يسمى بالوصف، والرؤية، والصوت، والزمن. في حين، تحوي الحكاية الأحداث، والشخصيات، والفضاء السردي. ويتسم الخطاب كذلك بالكلية، والإيحاء، والتلميح، والتضمين، والانتظام، والاتساق، والانسجام، والشكلية، والاهتمام بجمالية اللغة، والانقطاع عن الإحالة المرجعية، والتنصيص على الأدبية القولية الداخلية، والارتكان إلى الوظيفة الإنشائية والقولية البنائية التي تخضع بدورها للتحديث والانزياح والتجريب. ومن ثم، فما "يميز الخطاب الأدبي- حسب عبد السلام المسدي- هو انقطاع وظيفته المرجعية، لأنه لايرجعنا إلى شيء، ولا يبلغنا أمرا خارجيا، وإنما هو يبلغ ذاته، وذاته هي المرجع المنقول في الوقت نفسه. ولما كف الخطاب الأدبي، عن أن يقول شيئا عن شيء إثباتا أو نفيا، فإنه غدا هو نفسه قائلا ومقولا، وأصبح الخطاب الأدبي من منقولات الحداثة التي تدك تبويب أرسطو للمقولات مطلقا."[4]

ويرى الباحث الجزائري نور الدين السد أن الخطاب الأدبي يأخذ"استقراره بعد إنجازه لغة، ويأخذ انسجامه وفق النظام الذي يضبط كيانه، ويحقق أدبيته بتحقيق انزياحه، ولا يؤتى له عدوله عن مألوف القول دون صنعة فنية، وهذا ما يحقق للخطاب الأدبي تأثيره، ويمكنه من إبلاغ رسالته الدلالية، غير أن دلالة الخطاب الأدبي ليست دلالة عارية، يمكن القبض عليها دون عناء، بل الذي يميز الخطاب هو التلميح، وعدم التصريح."[5]

ويرى أوليفيي ريبول (Olivier Reboul) أن الخطاب" مجموع متسق من الجمل متماسك، يملك وحدة معنى، ويتحدث عن موضوع ما."[6]

وخلاصة القول: إذا كان النص بناء لغويا مجردا عن أطرافه التواصلية، فإن الخطاب له علاقة وثيقة بالإنجاز والكلام التلفظي.

المبحث الثاني: مفهوم الحجاج

الحجاج عبارة عن خطاب حواري تواصلي يقوم على المحاجة الاستدلالية، وتوظيف الحجج والأدلة والبراهين من أجل التأثير في المخاطب وإقناعه، وجعله يقتنع بما يقدم إليه من حجج سليمة أو شبه منطقية أو افتراضية.

 وقد يعرف الحجاج أيضا بأنه استعراض البراهين والأدلة والحجج بطريقة منطقية منسجمة ومتسقة وسليمة. ومن هنا، يرتبط الحجاج بالتأثير، والإقناع، والاقتناع، والبرهان، والجدل، والتواصل...

وقد يكون الحجاج باللغة الإنسانية الطبيعية من جهة، وقد يكون أيضا بالعلامات السيميائية البصرية من جهة أخرى.

وعليه، فالحجاج هو بمثابة " الوسائل اللفظية التي يشكلها الكلام للتأثير في المخاطبين، سعيا إلى حملهم على الإذعان لدعوى ما، وتغيير أو دعم التمثلات والآراء التي ينسبها لهم، أو بكل بساطة، يوجه الطرق التي ينظرون بها، أو يثير سؤالا حول مشكل معطى."[7]

إذاً، فالحجاج عبارة عن آليات وأساليب وعمليات وروابط لغوية ومنطقية وجدلية وفكرية وتداولية وخطابية، توظف في أثناء إنتاج الملفوظ النصي أو الخطابي، شفويا كان أم كتابيا، بغية التأثير والإقناع والاقتناع والحوار والسجال. ويعني هذا أن الحجاج مرتبط بالمتكلم، والمخاطب، والمقصدية، والاستلزام الحواري.ويرى أبو بكر العزاوي أن " الحجاج فعالية تداولية خطابية جدلية، وهو تقديم مجموعة من الحجج التي تخدم نتيجة معينة. وهو أيضا منطق اللغة والاستدلال المرتبط باللغات الطبيعية."[8]

ويرى علي الشبعان أن الحجاج " بنية لغوية مركبة تنفعل بالمقامات وتتأثر بالأسيقة، كما تصورنا الحجة كيانا مجردا وهيكلا فارغا، يشغله المحاج/ المؤول بالتصورات والمواقف التي تتوافق ومبادئ اعتقاده وتتوازى مع مراجع المذهب الذي ينتمي إليه فكره، يوجه نسق استدلالاته، ويبنين تصوراته للعالم والأشياء."[9]

ولا يقتصر الحجاج على المنطق والبرهان والاستدلال والمذهب الكلامي فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى مجالات لغوية وخطابية واسعة أساسها اللغة والتلفظ والصورة البصرية. كما يتجاوز الحجاج مفهومي التأثير والإقناع إلى مفاهيم أكثر اتساعا تتعلق بالحوار، والجدل، والتواصل، والمناقشة، والمشاركة، والمناظرة، والاقتناع، والجدال، والاختلاف، والتعايش، والتسامح، والتثاقف، والحرية،... وفي هذا الإطار، يقول محمد صولة:" إن كلمة الحجاج بحكم صيغتها الصرفية الدالة على معنى المشاركة في تقديم الحجج، وعلى مقابلة الحجة بالحجة مؤهلة أكثر من كلمة الاستدلال لتؤدي مفهوما مهما جدا تقوم عليه النظرية الحديثة (Argumentation) وهو مفهوم المناقشة والحوار.فظهر من ذلك أن الحجاج أشمل وأوسع من الاستدلال البرهاني الذي ظل، على الرغم من انتقاله بين علوم مختلفة، يحافظ على حده المنطقي الأول، فهو على العموم مجرد استنتاج قضية من أخرى استنتاج لزوم وتوقف وضرورة.لهذا عد في نظرية الحجاج الحديثة نقيضا للحجاج الذي ينطلق من مبدإ الحرية ويقوم على الحوار."[10]

ويذهب كريستيان بلانتان (C.Plantin) إلى أن" كل كلام هو حجاجي بالضرورة. هذه نتيجة ملموسة للملفوظ المرتبط بالسياق.كل ملفوظ يروم التأثير في مخاطبه وفي الآخر، كما يروم تغيير نسق تفكيره.وكل ملفوظ يرغم أو يحث الآخر على الاعتقاد والرؤية والعمل بشكل مختلف.[11]"

ويعرفه جان بليز كرايس (Jean Blaise Grize)بقوله:" الحجاج في مفهومه الشائع، هو تقديم الحجج والأدلة لدعم دعوى ما أو نقضها ...ولكن من الممكن أيضا إدراك الحجاج من منظور أوسع، وفهمه باعتباره نهجا يروم التأثير في رأي وموقف وسلوك شخص ما.وينبغي الإلحاح على أن وسائل ذلك مستمدة من الخطاب."[12]

إذا، فالحجاج، في منظورنا، عبارة عن عملية حجاجية محكمة، باستخدام مجموعة من الحجج والأدلة والمقاييس والبراهين من أجل استمالة الغير هوويا، أو إقناعه عقليا، أو جعله يقتنع اختيارا، أو يستسلم لما يقدم إليه من براهين منطقية سليمة ووجيهة، أو جعل الآخر يندمج في حوارية صريحة أو ضمنية من أجل التواصل وتبادل الآراء والأطاريح والاقتناعات.

المبحث الثالث: مفهوم الخطاب الحجاجي

الخطاب الحجاجي عبارة عن مجموعة من الجمل والفقرات والمتواليات والمقاطع التي تترابط فيما بينها، اتساقا وانسجاما وحوارية، بواسطة مجموعة من الروابط والعمليات والعلاقات المنطقية والبرهانية والاستدلالية والحجاجية بغية التأثير والإقناع والاقتناع.

و تهدف المقاربة الحجاجية إلى تحليل تلك الخطابات التي تحمل في طياتها أطروحة حجاجية ما، وتستعمل الوسائل والآليات والتقنيات والإستراتيجيات الحجاجية من أجل جذب الآخر واستمالته وإقناعه، وجعله يقتنع طواعية واختيارا. ويعني هذا أن الخطاب الحجاجي هو ذلك الخطاب التوصيفي النقدي الذي يهدف إلى استكشاف حجاجية الخطاب، واستجلاء حواريته النصية، سواء أكانت تلك الحجاجية صريحة وجلية وواضحة، أم كانت مضمرة وخفية وغامضة.

إذاً، فالخطاب الحجاجي - حسب أبو بكر العزاوي-" هو مجموعة من الأقوال والجمل ومجموعة من العلائق الدلالية المنطقية القائمة بينها، أو بتعبير حجاجي هو مجموعة من الحجج والنتائج التي تقوم بينها أنماط مختلفة من العلائق، فالحجة تستدعي الحجة المؤيدة أو المضادة لها، والدليل يفضي إلى نتيجة والنتيجة تفضي إلى دليل آخر، وكل قول يرتبط بالقول الذي يسبقه ويوجه القول الذي يتلوه، وبعبارة أخرى، فإن الأقوال والجمل تقوم بينها علاقات منطقية ودلالية مثل الشرط والسببية، والاستلزام والاستنتاج والتعارض وكلها علائق حجاجية استدلالية، ومجموع هذه العلائق هو ما يكون البنية المنطقية للنص أو الخطاب المقصود، وهو ما نسميه عادة بمنطق الخطاب أو المنطق الطبيعي."[13]

وعليه، تعنى الحجاجية الخطابية باكتشاف الروابط والعمليات الحجاجية في النصوص والخطابات، كما عند رواد الخطاب الحجاجي بأوروبا، أمثال: ميكائيل ليف (Michael Leff)[14]، وروث أموسي(Ruth Amossy)[15]، وميشيل مايير(Meyer)[16]، ودومينيك مانغونو(Mangueneau)[17]، وكريستيان بلانتان(Ch.Plantin) [18]، وأوليفيي ريبول (O.Reboul) [19]، وجان بليز كرايس (Jean Blaise Grize)[20]، و شاييم بيرلمان (Chaïm Perelman)[21]، وألان بواسينو (Alain Boissinot)[22]، ومارك أنجونو (-Marc Angenot)[23]، وماريان دوري (Marianne Doury)[24]، ونورمان فايركلوث (Fairclough)[25]، وجاك موشلر(Moeschler)[26]، وباتريك شارودو(P. Charaudeau)[27]، وفليب بروطون(Breton, Philippe)[28]، وآخرين...

ويمكن التمييز بين الحجاج الجدلي ذي الطبيعة المنطقية والاستدلالية والفلسفية، والحجاج الخطابي الذي يقوم على التأثير العاطفي، وجذب الآخر ذهنيا ووجدانيا، و" إلى إرضاء الجمهور واستمالته ولو كان ذلك بمغالطته وخداعه وإيهامه بصحة الواقع على نحو تبدو معه الخطابة- من هذه الناحية على الأقل- من قبيل التخييل.على هذا قد يفسر لنا تنزيل الخطابة في سلم الصناعات الخمس في المنطق، منزلة وسطى بين صناعة الجدل وصناعة الشعر أو التخييل."[29]

وللتوضيح أكثر، إذا كان الحجاج المنطقي أو الجدلي يستخدم من أجل إثبات الحق، وتبيان صدق القضية من كذبها، أو صناعة البرهان والاستدلال، فإن الحجاج الخطابي يوظف لاستمالة الغير المخاطب، والتأثير فيه ذهنيا، ووجدانيا، وعاطفيا، وحركيا.

ويمكن الحديث عن أنماط عدة من الخطابات ذات الطبيعة الحجاجية كالخطاب القضائي الاستشاري، والخطاب الفلسفي، والخطاب الإشهاري، والخطاب السردي، والخطاب البلاغي، والخطاب الخطابي (بفتح الخاء)، والخطاب الشعري، والخطاب القرآني، والخطاب البصري، والخطاب السياسي، والخطاب الفني، وخطاب الأمثال، إلخ...

ولكن لايعني هذا أن جميع الخطابات حجاجية بصفة مطلقة، فثمة أقوال وتلفظات وخطابات ونصوص ليست حجاجية. وفي هذا الشأن، يقول محمد صولة:"إننا نروم الوقوف وسطا بين هذين الطرفين (المذهب المنطقي والشكلي والرياضي الضيق لبيرلمان وتيتيكا، والمذهب اللغوي الواسع لديكرو وأنسكومبر)، فالرأي عندنا أنه ما كل حجاج بفصل أو وصل.كما أنه ما كل قول بحجاج، وليست اللغة بكل وحداتها المعجمية ذات طاقة حجاجية في ذاتها.وفوق هذا وذاك فإن لطبيعة النص دورا أساسيا في إكساب لغته بعدا حجاجيا أو عدم إكسابها إياه، فعند ريبول[30] وهو محق إلى حد لامحالة، أن من أنماط الإبداع ما ليس حجاجا ولاهو مراد به الإقناع أصلا مثل " القصيدة الغنائية والتراجيديا والميلودراما والملهاة والرواية [غير التعليمية] والقصص الشعبي والحكايات العجيبة""[31].

بيد أن الباحثة روث أموسي(R.Amossy) تقر أن الحجاج" يخترق كل الخطابات بدرجات وكيفيات مختلفة؛ ومن ثم فلا وجود لخطابات خالية من الحجاج، إلا إذا افترضنا وجود خطابات تمثل إجابات على ماهو بدهي، لايثر أي اختلافات؛ ففي هذه الحال ينتفي الحجاج. وبناء عليه، فإنها تدعو إلى أن نستبدل بالتقابل الإشكالي بين الحجاجي واللاحجاجي، تصورا يقترح مفهوما للحجاج متنوع المظاهر، يتشكل من قطبين متطرفين؛ تمثل أحدهما الخطابات التي تقوم على اصطدام الدعاوى المتعارضة في حالاتها القصوى، وتمثل القطب المعاكس الخطابات الإخبارية والسردية التي تبدو مجردة في الظاهر من أي قصد إقناعي، وإنما يحصل تأثيرها في الآخر نحو خفي.وبين هذين القطبين تقوم خطابات حجاجية مختلفة؛ من قبيل الخطابات التي يروم فيها الخطيب حمل المتلقي على الإذعان لدعوى ما، والخطابات التي تقوم على الحوار والتفاوض."[32]

ويطرح دومينيك مانغونو (Dominique Maingueneau) الطرح نفسه بقوله:" هل يجوز وضع حدود ما للملفوظات الحجاجية بالمعنى الدقيق؟ ألا تمتلك جميع الملفوظات، بشكل ظاهر أو خفي، بعدا حجاجيا؟[33]"

وهنا، يمكن الحديث، على حد تعبير روث أموسي- عن الغرض الحجاجي والبعد الحجاجي. فالأول يدل على النصوص والخطابات التي تحمل أطروحة حجاجية واضحة وجلية. في حين، يدل الثاني على النصوص والخطابات التي تتضمن حجاجية ضمنية وخفية وغير صريحة. ومن النصوص الحجاجية الصريحة الخطب، والمحاورات، والسجالات، والمناظرات، والإعلام، والخطب السياسية، والمرافعات، والمشاجرات، والمواعظ الدينية، واللوحات الإشهارية....أما يتعلق بالبعد الحجاجي، فيتمثل في الشعر، والرواية، والقصة، والرحلة، والنادرة، إلخ...

ويرى محمد مشبال أن" هذا الفصل بيم مفهومي الغرض الحجاجي والبعد الحجاجي الذي أسعف الباحثة في دعم تصورها الداعي إلى عدم التقيد بالمفهوم الكلاسيكي للحجاج المرتبط بالخطابات الإقناعية الصريحة، سمح للباحثة بتوسيع وسائل الحجاج خارج دائرة الإستراتيجيات الخطابية المعهودة في الحجاج البلاغي بالمعنى المقيد للفظ.

إن تحليل الخطابات ذات البعد الحجاجي من قبيل الشعر والرواية والرحلة وغيرها من الخطابات البعيدة عن دائرة الخطابات الإقناعية المعروفة، سمح باكتشاف وسائل خاصة بهذه الأنواع تبعا لخصوصيتها الجنسية والنصية؛ على هذا النحو، أصبح كل عنصر خطابي مزود بوظيفة إقناعية قابلا لأن يؤخذ في اعتبار التحليل البلاغي الحجاجي من قبيل: الإيقاع والتعدد الصوتي والأصوات السردية ووجهات النظر، وغيرها من الوسائل التي درستها الشعرية، والأشكال الخطابية التي تدرسها علوم اللغة."[34]

ومن جهة أخرى، يمكن الحديث عن أنواع عدة من الحجاج، كالحجاج الجدلي، والحجاج المنطقي الاستدلالي، والحجاج الحواري، والحجاج اللغوي واللساني، والحجاج البلاغي، والحجاج التداولي، والحجاج الأسلوبي، والحجاج الخطابي، والحجاج التواصلي، والحجاج الخطابي، والحجاج السيميوطيقي...

أضف إلى ذلك يمكن الحديث عن أنواع عدة من الحجاج حسب وظائفه، كحجاج الخطابة (أرسطو)، وحجاج التأثير(البلاغة العربية)، وحجاج الإقناع (أرسطو)، وحجاج الاقتناع (بيرلمان)، وحجاج الجدل (أرسطو وعلم الكلام)، وحجاج الحوار(بيرلمان وتيتيكا وتولمين[35])، وحجاج البرهان والاستدلال (المنطق)، وحجاج الضمان(تولمين)، وحجاج التواصل (دوكرو)، والحجاج الصريح مقابل الحجاج الضمني(روث أموسي)، والحجاج الإنجازي أو الاستلزامي(التداوليات)، وحجاج الاقتضاء (دوكرو وأنسكومبر)، وحجاج المساءلة الفلسفية (ميشيل مايير)[36] على أساس أن الخطاب أجوبة لأسئلة المتلقي...

المبحث الرابع: الخطاب الحجاجي في الثقافة العربية

إذا كان الاهتمام بالخطاب الحجاجي قد تشكل في الغرب منذ خمسينيات القرن الماضي مع شاييم بيرلمان وأولبريخت تيتيكا(1958م)[37]، وستيفان تولمين(1958)[38]، بيد أنه في الثقافة العربية قد تحقق ذلك في بداية الثمانين من القرن الماضي مع التونسي حمادي صمود في كتابه (التفكير البلاغي عند العرب)[39] (1981م) الذي استلهم فيه المقاربة الحجاجية بشكل جلي. وبعده، نشر المغربي محمد مفتاح كتابه (تحليل الخطاب الشعري، إستراتيجية التناص) سنة 1985م[40]؛ حيث تناول فيه بعض المظاهر الحجاجية والتداولية في تحليل النصوص والخطابات، وتبعه أيضا محمد العمري في كتابه (بلاغة الخطاب الإقناعي) سنة 1986م[41].

ومن هنا، يبدو لنا أن البدايات الأولى للخطاب الحجاجي العربي قد انطلقت في الثمانينيات من القرن العشرين. وبعد ذلك، توطدت عراها في التسعينيات من القرن الماضي، ليعرف هذا الخطاب تراكما كميا وكيفيا في سنوات الألفية الثالثة.

بيد أن الباحث المغربي محمد مشبال يثبت أن " الانطلاقة الحقيقية للدراسات البلاغية الحجاجية في الثقافة العربية، بدأت فعليا مع مطلع الألفية الجديدة. نشير في هذا السياق، يقول الباحث، إلى الكتاب الجماعي الذي أشرف عليه حمادي صمود: (أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم" (1998م)[42].[43]"

ومن جهة أخرى، يمكن الحديث عن مجموعة من الحجاجيين العرب المعاصرين الذين تطرقوا إلى الحجاج بصفة عامة، والخطاب الحجاجي بصفة خاصة، منذ الثمانينيات من القرن الماضي، إن نظرية، وإن تطبيقا، وإن نقدا.ويمكن الإشارة إلى حمادي صمود في دراسته (مقدمة في الخلفية النظرية للمصطلح)[44]، وعبد الله صولة في كتابه (الحجاج في القرآن)[45]، وشكري المبخوت في (نظرية الحجاج في اللغة)[46]، ومحمد علي القارصي في (البلاغة والحجاج من خلال نظرية المساءلة)[47]، ومحمد النويري في (الأساليب المغالطية مدخلا لنقد الحجاج)[48]، وهشام الريفي في (الحجاج عند أرسطو)[49]، وعلي الشبعان في (الحجاج والحقيقة وآفاق التأويل)[50]، وأبو بكر العزاوي في كتابه (الخطاب والحجاج)[51]، ومحمد العمري في (بلاغة الخطاب الإقناعي، مدخل نظري وتطبيقي لدراسة الخطابة العربية، الخطابة في القرن الأول نموذجا)[52]، ومحمد مشبال في كتابه (في بلاغة الحجاج، نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطابات)[53]، وأمينة الدهري في كتابها (الحجاج وبناء الخطاب في ضوء البلاغة الجديدة)[54]، والحسين بنوهاشم في (نظرية الحجاج عند شاييم بيرلمان)[55]، وسامية الدريدي في (الحجاج في الشعر العربي القديم/ من الجاهلية إلى القرن الثاني للهجرة، بنيته وأساليبه)[56]، وجميل حمداوي في (من الحجاج إلى البلاغة الجديدة)[57]، ورشيد لولو في (حجاجية المثل في القرآن الكريم)[58]، و محمد مفتاح في (تحليل الخطاب الشعري)[59]، وعبد الهادي بن ظافر الشهري في كتابه (الخطاب الحجاجي عند ابن تيمية: مقاربة تداولية)[60]، ومحمد عبد الباسط عيد في كتابه (في حجاج النص الشعري)[61]، ومحمد طروس في كتابه (النظرية الحجاجية من خلال الدراسات البلاغية والمنطقية واللسانية)[62]، ومحمد الولي في (الاستعارة الحجاجية بين أرسطو وشايم بيرلمان)[63]، وعبد العالي قادا في كتابه (الحجاج في الخطاب السياسي)[64]، ورشيد الراضي في كتابه (الحجاج والمغالطة) [65]، وعبد اللطيف عادل في (الحجاج في الخطاب)[66]، والسرتي زكرياء في (الحجاج في الخطاب السياسي المعاصر)[67]، وعبد الله البهلول في (الحجاج الجدلي، خصائصه وتشكلاته الأجناسية في نماذج من التراث اليوناني والعربي)[68]، وطه عبد الرحمن في كتابه (اللسان والميزان)[69]، إلخ ...

المبحث السادس: أهداف الخطاب الحجاجي

يهدف الخطاب الحجاجي إلى استعراض الآليات التي يشتغل بها الحجاج في خطاب ما، سواء أكان هذا الخطاب سياسيا أم فلسفيا أم إشهاريا أم أدبيا أم قضائيا... ويعني هذا أن الهدف من هذا الخطاب هو استجلاء مختلف الأدوات والروابط والإستراتيجيات التي ينبني عليها الخطاب الحجاجي في إيصال رسائل المتكلم إلى السامع للتأثير فيه، أو إقناعه سلبا أو إيجابا، أو جعله يقتنع بالرسالة أو الخطاب.

ومن المعروف أن ثمة مجموعة من الأقوال والنصوص الأدبية والخطابية المختلفة التي تحمل في طياتها مقصدية حجاجية هدفها إقناع الغير والتأثير فيه. وفي الوقت نفسه، هناك نصوص وخطابات لا تهدف إلى الحجاج إطلاقا. وعلى الرغم من ذلك، يمكن استجلاء البعد الحجاجي في هذه النصوص، إما بطريقة مباشرة، وإما بطريقة غير مباشرة. وفي هذا الصدد، يقول إميل بنيفنست (Benveniste) معرفا الخطاب : " يستلزم كل تلفظ وجود متكلم وسامع، فيحاول المتلفظ أن يؤثر في الآخر بشكل من الأشكال".[70]

ويعني هذا أن الخطاب دائما عبارة عن عملية تفاعلية وتواصلية وتداولية تحضر فيها أطراف ثلاثة: المرسل، والمرسل إليه، والرسالة. ومن ثم، يعبر المرسل عن مجموعة من النوايا والرغبات والمقصديات المباشرة وغير المباشرة لإيصالها إلى السامع المفترض. ومن ثم، يعني الكلام تبادل الإرساليات، وكل قول هو بمثابة فعل إنجازي تداولي، ولاسيما إذا كانت الإرساليات عبارة عن جمل إنشائية وحوارات استلزامية أو أفعال كلامية، كما نجد ذلك في الحوارات العادية أو غير العادية (النصوص المسرحية، والحوارات السينمائية، والمناظرات). ومن ثم، ترى كيربرات أوريكشيوني ((Kerbrat-Orecchioni) أن الكلام يعني التبادل، والتبادل يعني تغير الحوارات[71].

ومن زاوية أخرى، يرى باتريك شارودو (Charaudeau) أن الخطاب الحجاجي يقوم على ثلاثة مبادئ رئيسة:

أولا، مبدأ الغيرية القائم على وجود المتكلم المتلفظ والمخاطب السامع؛

ثانيا، مبدأ التأثير حينما يقترن الملفوظ بوظيفة التأثير في الغير؛ وثالثا، مبدأ السيطرة الذي يقوم به المتكلم حينما يمتلك سلطة اللغة والحقيقة؛ لأن اللغة - حسب رولان بارت- سلطة، ومصدرها السلطة. فالذي يمتلك زمام اللغة يمتلك سلطة التصرف والأمر والنهي والتوجيه عن طريق التأثير والإقناع[72].

وهل يعني هذا أن جميع النصوص والخطابات حجاجية بالضرورة؟ لقد أثبت أرسطو في كتابه (الخطابة) أن الحجاج لا يتحقق بشكل جلي إلا في بعض الأجناس، مثل: الخطاب القضائي، والخطاب الاستشاري، والخطاب البرهاني. بيد أن شاييم بيرلمان(Perelman) قد وسع إمبراطورية الحجاج لتشمل مجموعة من الخطابات، مثل: الخطاب الفلسفي، والخطاب الأدبي، والخطاب السياسي، والخطاب الاجتماعي، والخطاب الأخلاقي، والخطاب الاقتصادي، والخطاب القانوني والقضائي، وغيرها من الخطابات التي تتضمن حجاج الأطاريح، وتحوي وجهات النظر المختلفة.

ويرى بيير أوليرون (Oléron) أن مسعى الخطاب الحجاجي هو أن يقنع المرسل السامع المخاطب، سواء أكان فردا أم جماعة، أو يجعل مجموعة من السامعين يتقبلون وضعية ما، بواسطة مجموعة من الحجج والأدلة التي يكون الهدف منها هو تثبيت رأي، أو إظهار الحقيقة، أو تبيانها، أو تفنيدها.[73]

ويرى فيليب بريتون (Breton) أن الحجاج ينتمي إلى عائلة الأفعال الإنسانية التي هدفها الإقناع، ومن خصوصياتها التسلح ببرهنة عقلية حجاجية، ضمن سياق تواصلي ما.[74]

ويذهب الهولندي فان إميرين(Van Eemeren)، ومعه جماعة أمستردام التي بلورت التداولية الجدلية، إلى أن الحجاج يتحدد باعتباره فعالية لفظية واجتماعية للعقل، هدفه هو تثبيت وضعية حجاجية لدى الغير، في وضعية جدالية ما بالزيادة فيها، أو النقص منها، باستخدام مسار حجاجي يقوم على التوضيح والتصديق والتفنيد والتعارض في ضوء حكم عقلاني[75].

وبالنسبة لغرايس (Grize) يرى أن المحاجج يجعل الغير موضوعا للتحريض والحث والتطويع والتحفيز، بتبادل الآراء إقناعا وتأثيرا، وتعديل آرائه ومواقفه ووجهات نظره، أو تثبيت بعض آرائه، أو تعتيم الأخرى، أو اقتراح أشياء أخرى.[76]

وقد وسعت روث أموسي (Ruth Amossy) مفهوم الحجاج ليكون أكثر اتساعا، فهي ترى أنه بمثابة محاولة حجاجية جادة لتغيير رؤى العالم عند الغير، أو التأثير فيه، أو تقوية هذه الرؤى عن طريق وسائل اللغة[77].

وقد توسع تعريف الحجاج أيضا مع شاييم بيرلمان الذي يرى أن الحجاج بمثابة محاولة لتقييد السامع بأطروحة معينة، والتركيز على طريقة التفكير والرؤية والإحساس؛ مما يجعل هذا التعريف الموسع أقرب إلى فن البلاغة المرتبط بفن التأثير والإقناع. فيشمل هذا الحجاج جميع الخطابات التي يحضر فيها الغير الخاص أو العام واقعا أو افتراضا، وبالضبط في خطابات كل من: علم اللغة، وعلم النفس، وعلم النفس الاجتماعي كما يقول شارودو.

ولا يمكن الحديث عن الحجاج إلا إذا وجد الجدال والاختلاف ووجهات النظر المختلفة، وتبين أن هناك - فعلا- تناقضا في الأطاريح الجدلية، وتعارضا في الأفكار بين مؤيد ومفند. ويرى أرسطو أننا لا نتحاجج حول الأفكار العقلية والمنطقية البديهية والقطعية والصادقة والواضحة، بل نتحاجج حول قضايا ظنية واحتمالية وخلافية .

ويرى ميشيل مايير(Michel Meyer) أن الحجاج يعمل على إيجاد وحدة للجواب، وإرضاء المتلقي بحال من الأحوال، وإقناع السامع بجواب منطقي شاف، خاصة حين تتعدد الأسئلة، وتختلف وجهات النظر. فهنا، لابد من اختيار جواب مقنع يرتضي به السامع[78].

و يرى كريستيان بلانتان(Christian Plantin) أن الأجوبة البديلة المقترحة لمجموعة من الآراء المتناقضة والمختلفة لابد أن تكون واضحة ومقنعة، ضمن سياق حجاجي جدلي معقول ومنطقي. ويعني هذا أن السياق الحجاجي المثالي هو الذي يحدد الجواب الصائب من الخاطئ[79] .

علاوة على ذلك، يطرح الحجاج الجدلي مجموعة من الأسئلة التي تستوجب حلولا يقتنع بها المستمع العادي أو المفترض، وهذا ما يقوم به الحجاج عبر الوسائل اللغوية والفكرية والشعورية. ومن ثم، تهدف الأجوبة، داخل السياق الحجاجي، إما إلى التثبيت، وإما إلى التفنيد، وإما إلى التعديل والتغيير.

ويتحدث باختين وفولوشينوف (Bakhtine-Volochinov) عن بوليفونية جدلية وحجاجية، أو المبدأ الحواري القائم على تعدد الأصوات واختلافها وتعدد الأجوبة. كما أن كل تلفظ، هو في الحقيقة، جواب عن سؤال ما، سواء أكان قولا أو كتابة[80].

و يقصد بالبوليفونية (Poliphonie/poliphony) تعدد الأصوات. وقد أخذ هذا المصطلح من عالم الموسيقا ليتم نقله إلى حقل الأدب والنقد. ومن ثم، فالمقصود بالرواية البوليفونية - مثلا- تلك الرواية التي تتعدد فيها الشخصيات المتحاورة، وتتعدد فيها وجهات النظر، وتختلف فيها الرؤى الإيديولوجية. بمعنى أنها رواية حوارية تعددية بامتياز، تنحى المنحى الديمقراطي؛ حيث تتحرر، بشكل من الأشكال، من سلطة الراوي المطلق، وتتخلص أيضا من أحادية المنظور واللغة والأسلوب. وبتعبير آخر، يتم الحديث في هذه الرواية المتعددة الأصوات والمنظورات عن حرية البطل النسبية، واستقلالية الشخصية في التعبير عن مواقفها بكل حرية وصراحة، ولو كانت هذه المواقف مخالفة لرأي الكاتب.

أما روث أموسي (Amossy)، فتميز، كما قلنا سلفا، بين الغرض الحجاجي والبعد الحجاجي، فالأول عبارة عن مؤسسة إقناعية مبرمجة حجاجيا منذ البداية، وهدفها التأثير في الغير وإقناعه كما في الخطاب الإشهاري والخطاب الانتخابي. وبالتالي، تسعى جادة إلى جذب السامع واستمالته.أما البعد الحجاجي، فيتمثل في توجيه طريقة النظر إلى الغير بطريقة حجاجية ضمنية وغير صريحة .[81]

المبحث السابع: آليات الخطاب الحجاجي وإستراتيجياته

 

يعتمد الخطاب الحجاجي على مجموعة من الوسائط والوسائل الحجاجية، مثل: الاستعراض البرهاني، وتقديم الأطروحة، وإيجاد الأجوبة، وتمثل الجدل في الحوار والاختلاف، والاعتماد على مسارات حجاجية منطقية ومعقولة لإقناع الغير والتأثير فيه ذهنيا ووجدانيا ولغويا. ويعني هذا تقديم مقاييس حجاجية، مثل: مقياس الجدل، ومقياس التعارض، ومقياس الاختلاف، ومقياس البرهنة والاستدلال...فضلا عن استخدام سجلات حجاجية كالسجل السجالي، والسجل البرهاني، والسجل المغالطي، والسجل الساخر، والسجل الإقناعي، والسجل الهووي، والسجل التناظري، والسجل الاقتناعي، والسجل التساؤلي الإشكالي، والسجل الحواري، والسجل التداولي، والسجل البلاغي، والسجل البصري، والسجل الدعائي، والسجل الإيديولوجي، والسجل الجدالي، والسجل البوليفوني...

ويمكن التوقف عند وسائل الحجاج التحليلية كالمثل، والتمثيل، والشواهد النصية، والاستعارات المجازية، والصور البلاغية، وحجج السلطة، والقدوة، والمقارنة، والمماثلة، والسخرية، والمغالطات، والحجج الواصلة والفاصلة، والعلامات السيميائية، والحجج المنطقية والجدلية، والحقول الدلالية والمعجمية الدالة على الحجاج، واستخراج الأفعال الإنجازية والتداولية، والتمييز بين ما يدل على التأثير، والتغليط، والإقناع، والاقتناع، والبرهان، والجدل، والحوار،...

ويستند البعد الحجاجي إلى تغيير أفكار الغير، وإعداده لتقبل ما سيقال له عن طريق مجموعة من الخطابات التي لا يظهر فيها الحجاج مباشرة، ويبدو ذلك جليا وواضحا ما في النصوص التي تعتمد التخييل كالأدب والفن، مثلا.

المبحث الثامن: كيف نقارب الخطاب حجاجيا؟

تهدف المقاربة الحجاجية إلى تحليل النصوص و الخطابات التي تتضمن أبعادا حجاجية مباشرة أو غير مباشرة. لذا، على الباحث أن يحلل النص بنية، ودلالة، ووظيفة. ثم، يستخرج المقاييس الحجاجية وخطاطاتها المبنية ذهنيا من قبل المتكلم والمخاطب على حد سواء، وتجريد التمثلات المشتركة بين الأطراف المتحاورة، وتصنيف المقاييس والمقولات الحجاجية، ووصفها وتفسيرها لغويا، وبلاغيا، وتداوليا، وجدليا، وخطابيا. بمعنى أنه لابد من الاستعانة بمجموعة من النظريات المتكاملة في مقاربة الخطابات ذات البعد الحجاجي.

وقد يعتمد التحليل الحجاجي على مفاهيم أرسطو مثل: القياس، والمماثلة، والاستدلال المنطقي. وهناك من يقترح نماذج الخطة الحجاجية لتولمين (Toulmin)[82]. وهناك من يتبنى نظرية أنسكومبر ودوكرو في رصد الظواهر اللغوية التي تحمل في طياتها ملامح حجاجية قائمة على التعارض، أو السبب، أو الاستنتاج، أو الهدف، أو التقابل، أو الافتراض...

وهناك من يوسع البحث الحجاجي ليبحث في تصنيفات أخرى، كالاعتماد على المنطق الصوري لرصد أخطاء الفكر وأوهامه وتناقضاته، أو الاعتماد على المنطق الطبيعي لرصد مختلف التمثلات المعرفية والاجتماعية التي تجمع بين طرفي التواصل، في سياق زماني ومكاني وثقافي معين، بالتركيز على بنية الخطاطات الحجاجية.

ويضاف إلى هذا أن الحجاج عبارة عن ملفوظات واقتراحات متسلسلة بشكل منطقي وواضح لابد من تجريدها، والبحث عن مظاهرها الحجاجية، واستجلاء طريقة بنائها وانتظامها داخل مسار حجاجي معين، وداخل سياق استدلالي محدد. و الغرض من هذا كله هو معرفة كيفية اشتغال مؤسسة الحجاج، ضمن سياق تواصلي معين من المجرد إلى المحسوس.

 ولابد للمحلل من التركيز على اللغة الطبيعية أو اللوغوس؛ لأن الحجاج النصي أو اللغوي يبنى عبر مجموعة من الروابط والمؤشرات التلفظية و الوسائل المنطقية، فلابد من استخلاص هذه القرائن اللغوية وتصنيفها، ومعرفة دلالاتها ووظائفها وبنياتها.

ولابد من استحضار شبكة التواصل التي تجمع بين الأطراف المتحاورة.أي: ضرورة تحديد الوسائل اللسانية والإستراتيجيات الخطابية التي تهدف إلى تثبيت مؤسسة الحجاج وتقويتها. وهنا، لابد من الاستعانة بنظرية سياق التلفظ كما عند بنيفنست (Benveniste)، بتحديد المتلفظ وطبيعته وسياق تواجده، وكذلك تبيان خصائص المتلفظ إليه، والإشارة إلى الإرسالية وسياقها الزماني والمكاني والدلالي. والهدف من هذا كله هو استجلاء البعد المؤسساتي والاجتماعي عبر عملية التواصل الواقعية أو الافتراضية. ويعني هذا ترابط الحجاج بالواقع . وهذا ما قام به- فعلا - دومينيك مانجونو (Maingueneau) حينما ربط اللغوي بالمؤسساتي، أو ربط المؤسسة الحجاجية بواقعها السياقي. وهنا، ينبغي التركيز على اللوغوس، والسياق التواصلي، والبعد المؤسساتي..

وعليه، تنبني منهجية الحجاح الخطابي على تحديد السياق التواصلي والإطار الاجتماعي التاريخي، وتبيان مقاييس الحجاج، وتحديد الهدف الحجاجي المركزي، والتوقف عند الغرض الحجاجي والبعد الحجاجي، واستكشاف الأدوات اللغوية الحجاجية كالصور البلاغية والأساليب(الحوار، والسرد، والمنولوج، والأسلوب المباشر، والأسلوب غير المباشر، والأسلوب غير المباشر الحر)، وتبيان البوليفونية وتعدد الأصوات على المستوى الدلالي واللغوي، وتحديد وجهات النظر والإديولوجيا، ودراسة المضمر والمحذوف، وتبيان طريقة بناء النص خطابيا، واستكشاف روابط الحجاج وقرائن الاستدلال، والإشارة إلى حضور الغير السامع الواقعي أو الافتراضي، سواء أكان النص مكتوبا أم شفويا.

ويعني هذا كله التركيز على ثلاثة مرتكزات حجاجية متكاملة: اللوغوس(تقنيات اللغة الحجاجية)، والإيتوس (الصورة الأخلاقية الفضلى للمتكلم وكفاءته معرفيا وقيميا)، والباتوس (الترغيب والترهيب) .

وبناء على ماسبق، يمكن حصر الخطوات المنهجية التي تستند إليها المقاربة الحجاجية الخطابية في التعامل مع النصوص والخطابات كيفما كان نوعها فيما يلي:

u وضع النص الحجاجي في سياقه المرجعي والتواصلي، بالتركيز على المؤلف، والعصر، والجنس، والسامع الواقعي؛

v تحديد الدافع الحجاجي المركزي؛

w استجلاء ترتيب الحجاج وبنيته الاستدلالية؛

xدراسة الحجاج في لغته الطبيعية، وفي ماديته الخطابية، ضمن خطاب وظيفي كلي؛

y ربط الحجاج بسياقه التواصلي، باستحضار أطراف التواصل، والموضوع، والزمان، والمكان، والثقافة، والتمثلات المشتركة؛

z رصد آليات الحجاج ومقدماته وخطاطاته، وتبيان طبيعتها وطريقة اشتغالها داخل الخطاب قبل الكلام وبعده، حين طرح الدعوى والدعوى المضادة، ومحاورتها حجاجيا في لحظات: التشكيك، والتفنيد، والتعديل، والتصحيح، والتأييد، والتثبيت...؛

{ استجلاء اللوغوس، والإيتوس، والباتوس؛

| استكشاف حجاجية الأسلوب والبلاغة، بالتوقف عند المستويات الصوتية، والإيقاعية، والصرفية، والتركيبية، والدلالية، والتداولية، والسجلات الكلامية، والحقول الدلالية والمعجمية ذات الطابع الحجاجي...؛

} التمييز بين الغرض الحجاجي والبعد الحجاجي في الخطاب أو النص؛

~ تحديد تجليات الحوارية النصية، وتبيان أنواعها، ورصد مختلف مظاهر الحجاجية الخطابية في خلاصة التحليل والنقد والتقويم.

وفي يومنا هذا، توظف المقاربة الحجاجية في تحليل مجموعة من الخطابات، مثل: الخطابات اللسانية واللغوية، والخطابات الأدبية، والخطابات الفنية، والخطابات الفلسفية، والخطابات العلمية، والخطابات الإعلامية، والخطابات التاريخية، والخطابات السياسية، والخطابات القانونية، والخطابات القضائية....

ولقد أصبحت المقاربة الحجاجية الخطابية أداة ناجعة لمقاربة جميع النصوص والخطابات في حقول معرفية مختلفة. وليس من الضروري أن تجيب عن أسئلة لغوية ولسانية محضة، بل يمكن أن تجيب عن أسئلة إعلامية، أو أدبية، أو تاريخية، أو أنتروبولوجية...ويعني هذا أن الأسئلة والأجوبة تختلف باختلاف النصوص والخطابات. 

الخاتمة:

وهكذا، يتبين لنا أن الحجاج حاضر في جميع الخطابات، إما بطريقة مباشرة (الإشهار- الانتخابات- السياسة...)، وإما بطريقة غير مباشرة كالفلسفة، والأدب، والفن. وقد يظهر هذا الحجاج ماديا عبر الوسائل اللغوية، وقد يكون معنويا عبر الأفكار والمشاعر، ووجود سياق حجاجي معين.

ويحضر الحجاج كذلك في عملية تجنيس الخطابات؛ حيث يرتبط الحجاج بوظيفة جنس ما كمعرفة وظائف الخطاب الإشهاري أو الخطاب السياسي، أو معرفة خصائص الرسائل الدبلوماسية، أو تبيان مميزات الخطاب الشفوي... والهدف من هذا كله هو معرفة علاقة المتكلم بالغير، و رصد طبيعة العلاقة الحجاجية التواصلية، وتحديد الأهداف المرجوة. ولكل خطاب أو جنس ما خصائصه الحجاجية إن نظرية، وإن تطبيقا.

وعليه، تتميز نظرية الخطاب الحجاجي عن نظرية الحجاج اللغوي عند أنسكومبر ودوكرو، فالأولى تعنى باستخراج الحجاج داخل النص أو الخطاب. في حين، تهتم الثانية بدراسة البنية الحجاجية في الجمل والملفوظات اللغوية واللسانية إن وصفا، وإن تفسيرا.

  

ا. د. جميل حمداوي

...................

الهوامش:

[1] - ماري آن بافو وجورج إليا سرفاتي: النظريات اللسانية الكبرى، ترجمة: محمد الراضي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2012م، ص:315.

[2] - ماري آن بافو وجورج إليا سرفاتي: النظريات اللسانية الكبرى، ص:328

[3] - فان ديك: النص والسياق، ترجمة: عبد القادر قنيني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2000م، ص:19.

[4] - عبد السلام المسدي: الأسلوبية والأسلوب، الدار العربية للكتاب، طبعة 1982م، ص:116.

[5] - نقلا عن عبد القادر شرشار: تحليل الخطاب الأدبي وقضايا النص، منشورات مختبر الخطاب الأدبي في الجزائر، الطبعة الأولى 2006م، ص:46-47.

[6] -أوليفييه ريبول:مدخل إلى الخطابة، ترجمة: رضوان العصبة، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2017م، ص: 227.

[7] - Ruth Amossy:L’argumentation dans le discours,Armand Colin,Paris,2010,p:36.

[8] -أبو بكر العزاوي: حوار حول الحجاج، الأحمدية للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:9.

[9] - علي الشبعان: نفسه، ص:26.

[10] - محمد صولة: الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية، دار الفارابي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية سنة 2007م، ص:9.

[11] - A.regarder : Christian Plantin : Argumenter. De la langue de l'argumentation au discours argumenté, Paris, Centre national de documentation pédagogique, 1989 ; Essais sur l'argumentation. Introduction à l'étude linguistique de la parole argumentative, Paris, Éditions Kimé, Argumentation et sciences du langage, 1990 ; L'argumentation, Paris, Seuil, 1996 ; L'argumentation. Histoire, théories et perspectives, Paris, Presses universitaires de France, « Que sais-je ? », 2005 ; Les émotions dans les interactions, Lyon, Presses Universitaires de Lyon, 2000.

[12] - A regarder : Jean-Blaise Grize: De la logique à l'argumentation. Genève, Librairie Droz, 1982 ; Jean-Blaise Grize, « Qu’est-ce que la logique naturelle ? », Les représentations sociales, Presses Universitaires de France, 2003, p. 170-186.

[13] - أبو بكر العزاوي: حوار حول الحجاج، الأحمدية للنشر، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 2010م، ص:37-38.

[14] -Michael leff:(L’argument ad Hominem dans les débats présidentiels Buch/Kerry), Argumentation et analyses du discours, 61,2011 mis en ligne le 15Avril2011, consulté le 13Mai 2015.URL :http://aad.revues.Org/1068.

[15] -Ruth Amossy : Argumentation et analyse du discours.Nathan université, 2000 ; L'Argumentation dans le discours, Nathan, 2000.

[16] -Michel Meyer, Principia rhetorica. Une théorie générale de l'argumentation, Fayard, coll. « Ouverture », 2008.

[17] -Dominique Maingueneau : Les termes clés de l’analyse du discours, Collection Points, Éditions du Seuil, 2009.

[18] -Christian Plantin: Essais sur l'argumentation. Introduction à l'étude linguistique de la parole argumentative, Paris, Éditions Kimé, Argumentation et sciences du langage, 1990.

[19] -Olivier Reboul : Introduction à la rhétorique, Paris, Presses universitaires de France, coll. « Premier cycle », 2009 (4e édition) ouvrage fondamental.

[20] - Christian Plantin : Argumenter. De la langue de l'argumentation au discours argumenté, Paris, Centre national de documentation pédagogique, 1989.

[21] -Chaïm Perelman et Lucie Olbrechts-Tyteca : Traité de l'argumentation : La nouvelle rhétorique, Presses Universitaires de France, Paris, 1958.

[22] - Alain Boissinot:Les textes argumentatifs, éditions Bertrand-Lacouste, 1992.

[23] -Marc Angenot: La Parole pamphlétaire. Contribution à la typologie des discours modernes. Paris, Payot, 1982.

[24] - Marianne Doury, Argumentation. Analyser textes et discours, Paris, Armand Colin, coll. « Portail », 2016.

[25] -Fairclough, Norman (1996). Rhetoric and Critical Discourse Analysis: A Reply to Titus Ensink and Christoph Sauer. Current Issues in Language & Society 3(3): 286–289.

 [26]- Jacques Moeschler et Anne Reboul, Pragmatique du discours : De l'interprétation de l'énoncé à l'interprétation du discours, Paris, Armand Colin, 1998, 220 p.

[27] -Charaudeau, Patrick. : Le discours politique. Les masques du pouvoir .Paris : Vuibert2005.

[28] -Breton, Philippe : L’argumentation dans la communication, Paris : La Découverte,.1996

[29] - محمد صولة: الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية،ص:18.

[30] -O.Reboul : Introduction à la rhétorique, P.U.F.Paris :4.

[31] - محمد صولة: نفسه، ص:40.

[32] - محمد مشبال: في بلاغة الحجاج، نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطابات، كنوز المعرفة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2017م، 59-60.

[33]-Dominique Maingueneau : L'Analyse du discours, Introduction aux lectures de l'archive, Paris, Hachette, 1991,p :33.

[34] - محمد مشبال: في بلاغة الحجاج، نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطابات،ص:60-61.

[35] - S.E.Toulmine: The uses of argument, Cambridge University Press, 1958.

[36] - M. Meyer : Logique, Langage et argumentation, Editions Hachette, 1982.

[37] -Chaïm Perelman et Lucie Olbrechts-Tyteca : Traité de l'argumentation : La nouvelle rhétorique, Presses Universitaires de France, Paris, 1958.

[38] -S.TOULMIN : The Uses of Argument (Cambridge, Cambridge University Press, 1958), Trad., Les Usages de l’argumentation (Paris, PUF, 1992). Voir aussi la dernière version« Updated » en anglais de 2003.

[39] - حمادي صمود: التفكير البلاغي عند العرب، أسسه وتطوره إلى القرن السادس، منشورات الجامعة التونسية، المطبعة الرسمية، الطبعة الأولى سنة 1981م.

[40] - محمد مفتاح: تحليل الخطاب الشعري، إستراتيجية التناص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1985م.

[41] - محمد العمري: بلاغة الخطاب الإقناعي، مدخل نظري وتطبيقي لدراسة الخطابة العربية، الخطابة في القرن الأول نموذجا، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[42] - حمادي صمود (إشراف): أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، إشراف: حمادي صمود، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، كلية الآداب منوبة، تونس،طبعة 1998م.

[43] - محمد مشبال: في بلاغة الحجاج، نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطابات، كنوز المعرفة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2017م.

[44] - حمادي صمود(مقدمة في الخلفية النظرية للمصطلح)، أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، إشراف: حمادي صمود، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، كلية الآداب منوبة، تونس، صص:11-48.

[45] - عبد الله صولة: الحجاج في القرآن من خلال أهم خصائصه الأسلوبية، دار الفارابي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية سنة 2007م.

[46] - شكري المبخوت : (نظرية الحجاج في اللغة)، أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، إشراف: حمادي صمود، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، كلية الآداب منوبة، تونس، صص:351-385.

[47] - محمد علي القارصي : (البلاغة والحجاج من خلال نظرية المساءلة)، أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، إشراف: حمادي صمود، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، كلية الآداب منوبة، تونس، صص:387-402.

[48] - محمد النويري : (الأساليب المغالطية مدخلا لنقد الحجاج)، أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، إشراف: حمادي صمود، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، كلية الآداب منوبة، تونس، صص:403-447.

 [49] - هشام الريفي : (الحجاج عند أرسطو)، أهم نظريات الحجاج في التقاليد الغربية من أرسطو إلى اليوم، إشراف: حمادي صمود، جامعة الآداب والفنون والعلوم الإنسانية، كلية الآداب منوبة، تونس، صص:49-296.

[50] - علي الشبعان: الحجاج والحقيقة وآفاق التأويل، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م.

[51] - أبو بكر العزاوي: الخطاب والحجاج، الأحمدية للنشر، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2007م.

[52] - محمد العمري: بلاغة الخطاب الإقناعي، مدخل نظري وتطبيقي لدراسة الخطابة العربية، الخطابة في القرن الأول نموذجا، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1986م.

[53] - محمد مشبال: في بلاغة الحجاج، نحو مقاربة بلاغية حجاجية لتحليل الخطابات، كنوز المعرفة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2017م.

[54] - أمينة الدهري: الحجاج وبناء الخطاب في ضوء البلاغة الجديدة، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2010م.

[55] - الحسين بنوهاشم: نظرية الحجاج عند شاييم بيرلمان، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت لبنان، الطبعة الأولى سنة 2014م.

[56] - سامية الدريدي: الحجاج في الشعر العربي القديم/ من الجاهلية إلى القرن الثاني للهجرة، بنيته وأساليبه، عالم الكتب، إربد، الأردن 2008م.

[57] - جميل حمداوي: من الحجاج إلى البلاغة الجديدة، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2014م.

[58] - رشيد لولو: حجاجية المثل في القرآن الكريم، منشورات حمداوي الثقافية، مطبعة الخليج العربي، تطوان، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2017م.

[59] - محمد مفتاح: تحليل الخطاب الشعري، إستراتيجية التناص، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1985م..

[60] - عبد الهادي بن ظافر الشهري : الخطاب الحجاجي عند ابن تيمية: مقاربة تداولية، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2013م.

[61] - محمد عبد الباسط عيد: في حجاج النص الشعري، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الاولى سنة 2012م.

[62] - محمد طروس: النظرية الحجاجية من خلال الدراسات البلاغية والمنطقية واللسانية، دار الثقافة، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 2005م.

[63] - محمد الولي: (الاستعارة الحجاجية بين أرسطو وشايم بيرلمان)، مجلة فكر ونقد، المغرب، العدد: 61 ـ 2004م.

[64] - عبد العالي قادا: الحجاج في الخطاب السياسي، كنوز المعرفة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2015م.

[65] - رشيد الراضي: الحجاج والمغالطة، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م.

[66] - عبد اللطيف عادل :الحجاج في الخطاب، مؤسسة ىفاق، مراكش، الطبعة الأولى 2017م.

[67] - سرتي زكرياء: الحجاج في الخطاب السياسي المعاصر، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2014م.

[68] - عبد الله البهلول :الحجاج الجدلي، خصائصه وتشكلاته الأجناسية في نماذج من التراث اليوناني والعربي، قرطاج للنشر والتوزيع، تونس، الطبعة الأولى سنة 2013م،

[69] - طه عبد الرحمن : اللسان والميزان، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1998م.

[70]- Benveniste, Emile : Problèmes de linguistique générale, t. 2 Paris : Gallimard, 1974, p : 241.

[71]- Kerbrat-Orecchioni, Catherin : Les interactions verbales, t. I, Paris : Colin.1990P : 54-55.

[72] -Charaudeau, Patrick. : Le discours politique. Les masques du pouvoir .Paris : Vuibert.2005, P : 12.

[73]- Oléron, Pierre : L’argumentation , Paris, PUF,1987,p :4.

[74]-Breton, Philippe : L’argumentation dans la communication, Paris : La Découverte,.1996P :3.

[75]- Van Eemeren, Frans H., Grootendorst, Rob and Snoek Hoekemans, Francesca. : Fundamentals of Argumentation Theory. NJ / London, Erlbaum, 1996, p: 53.

[76]- Grize, Jean-Blaize : Logique et langage, Paris, Ophrys, 1990, p : 41.

[77]-Amossy, Ruth : L’argumentation dans le discours, Paris, Colin ,2006

[78]- Meyer, Michel : Qu’est-ce que l’argumentation ? Paris, Vrin, 2005, p : 15.

[79]- Plantin, Christian : L’argumentation, Paris, PUF, « Que sais-je? », 2005, p : 53.

[80]-Bakhtine, Mikhail (Volochinov) : Le marxisme et la philosophie du langage, Paris, Minuit, 1977, p : 105.

[81]-Amossy, Ruth : L’argumentation dans le discours ,p:32-34.

[82] - Toulmin, S. E. : Les usages de l’argumentation, Paris, PUF, 1993.

 

علي رسول الربيعييعود أهتمامي في مناقشة العلاقة بين التعددية والدين في اطار قضية كبرى تشغل تفكيري وهي علاقة الدين بالسياسة والدولة في سياق النظرية السياسية الليبرالية أجمالا. ولأني أرى بناءً على  الأنتشار الواسع للدين في الفضاء العمومي والحضور القوي في تاثيره على  الساحة السياسية، أنه من له راهنية أن تكون هناك نظرية سياسية تفسح مجالا للدين في السياسة ولكن تفصل الدين عن الدولة. قدم هابرماز تنظيرا مهما عن الدين والفضاء العام، كما قدم عبد الله النعيم[1] مرافعة فكرية قانونية تعبر عن رؤية مهمة عن العلاقة التي اشرنا اليه تلك. وبناءً على ماتقدم أرغب أن اضع النقاش في سياق منهجية تشخيصية تلافيا لحالة أختلاط المفاهيم، فأتناول قضية التعددية والدين من مدخل نظرية العلمنة. تشكل نظرية العلمنة الموضوع الرئيسي لهذه الدراسة. لن أضع تقييماً شاملاً للحالة لنقاش الراهنة حول نظرية العلمنة؛ ليس فقط لأن هذا المشروع يتطلب مجلدات كبيرا  تناقش هذه القضية الجوهرية الكبرى، ولكن ما يتطلبه الأمر يتجاوز قدراتي أيضاً. بدلاً من ذلك، سأناقش مجموعة محدودة من المتطالبات المرتبطة بهذه النظرية. ماهي المتطلبات هذه؟ بكل وضوح هي أن نظرية العلمنة، مثلها مثل أي نظرية علمية، تتكون من عنصرين رئيسين. أولاً، عنصر تجريبي: أن يحدد المُنظر العلماني مجموعة من الحقائق تدل على تراجع الالتزام الديني؛ وأن تثبت أي صيغة لنظرية العلمنة يمكن الدفاع عنها، أو على الأقل أن يثبت، أن هناك نوعًا من الانحدار حصل للدين على المدى الطويل. ثانياً، عنصر تفسيري: نظرًا للحقائق ذات الصلة بالتراجع الديني، يقع على مُنظِر العلمنة مهمة أن يسرد تاريخ يربط هذه الحقائق في طريقة ملائمة ومقنعًة ومطابقة تجريبيًا. ببساطة، يجب عليه اشرح لماذا الحقائق عن التدهور الديني حدثت كما هي بالفعل.  وأن يثبت أن كلا من المكونات أو العناصر الواقعية والتفسيرية لنظرية العلمنة  تثبت أن معظم المجتمعات في العالم اليوم، أكثر تديناً مما كانت عليه في عقدو ماضية.

بينما هناك من يرى أن التدين السائد في كثير من المجتمعات في العالم ولا سيما المجتمعات في سياق إسلامي اليوم يتعارض مع تنبؤات المدافعين عن العلمنة، الذين يمكن اجمال وجهة نظرهم  بـ: أن العالم يسير باتجاه خطي متصاعد نحو التخلص من مرتكزاته الدينية- الغيبية المتعالية لصالح نظرة مادية دهرية تقوم على رؤية "عقلانية"، ومفهوم حديث للسوق الراسمالي، وبيروقراطية الدولة، وقد كان لأيديولوجيا التقدم التي فرضت نفسها منذ القرن التاسع عشر دور مهم في سند نظري قوي للطابع الخطي والمتلاحق لحركة العلمنة. [2] الأنتصار الحتمي والقاهر للدنيوي على حساب الديني وقيم هذا العالم على حساب العالم الآخر،  أي: نزع السحر والقداسة عن العالم وتغليب القيم الدنيوية على قيم العالم الآخر، كما يرى ماكس فيبر في كتابه البروتستانتية وروح الراسمالية.[3]

على الرغم من أن النقاش حول العنصر الواقعي لنظرية العلمنة مهم ومثير للاهتمام بحد ذاته، إلا أنني سأهتم بالعناصر التفسيرية لنظرية العلمنة فقط. وبشكل أكثر تحديداً، سأركز على عنصر مهم للغاية عند منظري تفسير العلمنة، وهو: دور التعددية الثقافية في تفسير التراجع الديني. أو كما يرى ستيف بروس، إذا أردنا استخدام الاختلافات في درجة ومدى التنوع الديني لشرح درجة ومدى الدعم الشعبي للمؤسسات الدينية، يتعين علينا "فك" العلاقة المفترضة بين هذين المتغيرين في وجهة نظر معقولة وملموسة على المستوى الفردي الذي يبقى ملتزما بتعاليم المؤسسة الدينية أو يتركها. بمعنى، يجب أن نكون قادرين على تقديم وجهة نظر معقولة حول سبب التعددية التي قد تؤدي إلى تآكل أو تقوية الالتزام الديني للفرد.[4]

إن الادعاء بأن التعددية تقوض معقولية ادعاءات الحقيقة الدينية هي أحد المكونات التفسيرية المركزية لنظرية العلمنة. نيتي هي التعبير عن ذلك المكون التفسيري وإعادة بنائه ونقده، وبذلك  يتحقيق الوضوح في العلاقات بين الدين والتعددية.

العلمنه والدين والسياسة

إن السؤال الذي أطرحه أبتداءً: ما مدى أهمية مناقشة نظرية العلمنة في ما يتعلق بموضوعي الرئيس الذي هو العلاقة بين  التعددية والدين؟ لماذا من المهم لمموضوعي أن نحقق الوضوح في العلاقات بين الدين والتعددية؟ إن مناقشتي لنظرية العلمنة ترتبط بمعالجتي للدور الملائم للمعتقدات الدينية في السياسة في الناحيتين التاليتين.

أولاً، أنا مهتم بوضع موقف حول الدور الملائم للمعتقدات الدينية في النشاط السياسي للمواطنين في  نظام ديمقراطي ليبرالي. وقد قدم جون رولز حجة هائلة تدعم الادعاء بوجود علاقة داخلية بين الليبرالية والتعددية. كما صاغ بيتر بيرجر حجة هائلة بنفس القدر تدعم الادعاء بأن هناك علاقة داخلية بين التعددية والعلمنة. إذا قبلنا  بأدعاء رولز، كما أعتقد أننا، أن الليبرالية تولد التعددية، وقبلنا كذلك ادعاء بيرغر بأن التعددية تولد العلمنة، فإنه يبدو على المدى الطويل، فرص بقاء الدين حياً في الديمقراطية الليبرالية ضعيفه أو قاتمة للغاية. لكن هذا الاستنتاج من شأنه أن يجعل الموضوع الرئيسي لهذه الدراسة: أي مناقشة للدور الملائم للدين في السياسة ذات الطابع الليبرالي ستكون ذات أهمية أكاديمية فقط.[5] إذا كانت نظرية العلمنة صحيحة، أو إذا كان الدين محكوم عليه بالذوبان في المجتمعات الحديثة، أو إذا كان الدين "الحديث" هو دين "خاص"، فإن موضوعنا يفتقر إلى الراهنية او الحاجة الملحة: لماذا نقضي الوقت والطاقة في إبراز الموقف من الدور المناسب للمعتقدات الدينية في السياسة الليبرالية ( بأعتبار اصبح النظام الليبرالي الديمقراطي- بصرف النظر عن درجات تحققه- مطلبا ومطمحا لأغلب الأطر الإجتماعية المتطلعة للحصول على الحريات العامة والمشاركة السياسية ) إذا كان المرء راضيا، ومتفقا مع ستيف بروس، في أن "الأشكال التي يعبر عنها الدين أصبحت جدًا خاصة إلى حد أن ليس هناك الاً القليل من العواقب الاجتماعية لها"[6] أو، مع براين تيرنر، ليس للأديان التقليدية ولا للحركات الدينية الجديدة صلة بالقضايا العامة المتمثلة في إضفاء الشرعية على نشاط الدولة أو توزيع الخير أو هيكل الاقتصاد".[7]

ثانياً، لنفترض أنه يمكننا أن نتوقع، في المستقبل المنظور، أن يحتفظ الدين بحيويته في  نظام ديمقراطي ليبرالي. يثير هذا سؤالًا حاسمًا: ما هي المشكلات التي نتوقع أن يطرحها الدين على  الديمقراطية الليبرالية من الناحية الواقعية؟ إن الادعاء بأن الدين النشط سياسياً يؤدي الى مشاكل كبيرة للديمقراطية الليبرالية هو عنصر أساس في تصورات المنظرين الذين يسوغون هذا النظام وهو  غالبًا ما يحفزهم لفرض القيود على المواطنين المتدينين. لذلك يكون من الواضح أن تقييمنا الى ليبرالية لها مسوغاتها يعني أن لدينا فهمًا واضحًا للمشاكل التي من المحتمل أن تشكلها الدعوة الدينية بالنسبة الى الديمقراطيات الليبرالية. تسهم مناقشتي لنظرية العلمنة في هذا الفهم عن طريق الطرح التالي: تشير المناقشة إلى أن المواطنين الذين يعتمدون على معتقداتهم الدينية لقبول القوانين الإجبارية أو الأكراهية التي تستحق دعمهم لا تشكل مشكلة  تعزى على نحو شعبي إلى هذا النشاط السياسي.

يؤكد قدر كبير من النصوص الدينية الأساسية والأخرى الثانوية أو التفسيرية التي تناقش دور المعتقدات الدينية في السياسة على أن التعددية تشكل تهديداً للدين وكذلك يشكل الدين تهديداً للتعددية، ولأن يُنظر الى التعددية بوصفها تهدد الدين، فيتم اقناع المتدينين بالوقوف ضد التعددية، إلى حد تجنيد سلطة الدولة لقمعها أو للقضاء عليها.[8] إن أيً تهديد من شأنه أن يولد مشاكل واضحة  ويبدو أنه يكون محفزا لدعوات أو  بعض محاولات "خصخصة" الدين. لكن بالمقابل الادعاء بأن التعددية تهدد الدين هذا أمر مشكوك فيه. بل الذي يحصل بالعكس، وكما جادل النقاد الحديثون لنظرية العلمنة بأن التعددية يمكن أن تنشط الدين. إذا كان هذا صحيحًا، فإن أولئك الذين يرغبون في خصخصة الدين بسبب الخطر الذي يشكله الدين على التعددية سيجدون القليل من التشجيع من قبل طروحات المناقشات الأخيرة لنظرية العلمنة. وأن الادعاء بأن الدين يجب أن يُستبعد من المجال السياسي بسبب الخطر الذي يشكله على التعددية فإنه يفرض على مؤيدين التعددية  األعتراف بحقيقة أن التعددية تفيد الدين بأن تسمح له بالحضور في المجال السياسي.

ليس من  المستغرب أو غير المألوف أن يدافع الليبراليون عن القيود المفروضة على النشاط السياسي للمواطنين المتدينين من خلال اللجوء إلى الخطر الذي تشكله الجماعات الدينية بشكل مفترض، ليس للتعددية بشكل عام فقط، ولكن للحرية الدينية أيضا.[9] يبدو أن كثيرين يخشون من أنه حتى عندما يؤكد ويطالب المواطنون المتدينون بالحرية الدينية، فإنهم يفعلون ذلك لأغراض مصلحية ظرفية، وأنهم سوف ينتهكون التزامهم بالحرية الدينية في ظل تغيًر الظروف الاجتماعية والسياسية ايجابيا لصالحهم، وهناك بعض الشواهد التاريخية التي تدعم وجهة النظر هذه؛ وهذا ما يتطلب مناقشة الأسباب العميقة والعوامل الظرفية التي تؤدي الى هذا الوضع في الحاضر، لا من خلال الرأي الشائع بين المنظرين الليبراليين الذي يشير إلى دولة أو مجتمع متخيل به معاناة كبيرة أو ظلم مجحف، تخيًل جاء من ذكريات الحروب الدينية التي حدثت بين الطوائف الدينية مثل السنة والشيعة في السياق الإسلامي والكاثوليك والبوتستانت في سياق مسيحي في العصور الوسطى أو المسلمين والهندوس أو حتى بين السيخ والهندوس في الهند، بينما الحروب التي تحصل بشعارات دينية في هذا العصر هي حروب سياسية لا دينية، ايً أن الواقع التاريخي ومجرياته السياسية هو الذي ينتجها. فإن المناقشة التالية تشير إلى أن هذه المخاوف ليست ببساطة على صلة بالظروف الثقافية والسياسية الحالية في العالم المعاص. لماذا؟

إن الجماعات الدينية ذاتها التي تشكل تهديداً مفترضاً للحرية الدينية لها مصلحة خاصة في دعم الالتزام الليبرالي بحرية الدين. إذا كان عالم الاجتماع كريستيان سميث محقًا (وهنا يكرر موضوعًا يتردد في العديد من الانتقادات لنظرية العلمنة)، فإن ماسسة الدين أي أن تعترف الحكومة رسميا بالمؤسسة الدينية وتدعمها كمؤسسة من مؤسسات الدولة يؤذي الدين وحرية التدين. باختصار، الفكرة هي مايلي: بما أن ميزة الليبرالية التي تنتج التعددية هي التزامها بحرية الدين، وحيث أن التعددية تنشط الدين، فإن للمواطنين المتدينين مصلحة عميقة ودائمة في الالتزام بحرية الدين. لذلك فإن المواطنين المتدينين الناشطين سياسياً، وحتى أولئك الذين يرغبون في دعم قوانينهم "القسرية" التي يفضلونها على أساس التزاماتهم الدينية الضيقة، لديهم مصلحة راسخة في رفض الفرض القسري لعقيدتهم الدينية المفضلة على مجموعة متنوعة من السكان.

الليبرالية والتعددية

كما قلت سابقاً، أعتزم مناقشة نظرية العلمنة من أجل الحصول على وضوح بشأن العلاقات بين التعددية والدين. لكن هذه المناقشة ذات أهمية أساسية للمشكلة التي أعالجها هنا فقط إذا كانت هناك علاقة داخلية بين الليبرالية والتعددية. إذا كانت الديمقراطيات الليبرالية تعددية بشكل راسخ أو ثابت، فإن أيً ضوء يلقى في سياق مناقشتنا لنظرية العلمانية على العلاقة بين الدين والتعددية، يأمل أن يكشف عن العلاقة بين الدين والليبرالية. لكن هل الديمقراطيات الليبرالية تعددية بشكل ثابت؟ لقد أوضح جون راولز سببًا مقنعًا للاعتقاد بأنهم كذلك.

يبدأ رولز من نقطة وصف إبستيمولوجي( نظرية المعرفة الوصفيّة) التي تقول: "يتم إصدار العديد من أحكامنا الأكثر أهمية في ظل ظروف لا يُتوقع فيها أن يصل الأشخاص الذين يحتكمون الى ضمائرهم والذين يتمتعون بقدرة تفكير كاملة، حتى بعد مناقشة حرة، إلى النتيجة نفسها".[10] يخضع كل مواطن إلى "أعباء قرارات الحكم" (Judgments المختلفة، وهي عوامل تؤدي إلى الخلاف دائماً، حتى بين الأشخاص العقلانيين الراشدين، فيما يتعلق بالادعاءات الدينية والأخلاقية والميتافيزيقية الصحيحة أو الحقيقية.[11]عن سبيل المثال، فإن الأدلة التي تهم قضية معينة غالباً ماتكون "متضاربة ومعقدة، وبالتالي يصعب تقييمها والجزم بها؛ من الصعب تحديد مقدار الوزن الذي يجب أن نعطيه لأحد الاعتبارات، حتى لو اتفقنا على أن هذا الاعتبار هو وثيق الصلة بالموضوع؛ فالعديد من المفاهيم التي نستعملها في التفكير في قضية معينة "غامضة وتخضع لحالات ومسائل صعبة"؛ كيف يتم تقييم الأدلة تتأثر وتتشكل كلها من خلال تجربتنا، وهو التأثر الذي يختلف من شخص لآخر وبالتالي من الصعب للغاية اكتشافه.[12]

هناك العديد من العوامل غير المعرفية التي تؤثر على أحكام المواطن - المصلحة الذاتية، وخيانة الأمانة، والعمى الإيديولوجي، والوزن القمعي للتقاليد المتحجرة، وخداع الذات. لكن وجهة نظر رولز هي أنه حتى لو تمكنا من السيطرة على هذا العديد من العوامل، وحتى لو تخلى كل مواطن عن قدراته المعرفية بطريقة خالية من العيوب، فإن أعباء قرار الحكم تضمن وصول  أن أعدادًا كبيرة من المواطنين إلى أستنتاجات متباينة على نطاق واسع فيما يتعلق بالأمور الدينية والأخلاقية والميتافزيقية.[13] لا يقودنا العقل، حتى لو تم تنفيذه بدون أخطاء إلى أجماع أو توافق في الآراء بشأن المسائل النهائية والأمور الهامة، بل يقودنا الى إلى خلاف كبير.[14] يقول تشارلز لارمور: " أن تكون عقلانياً، أي تفكر وتتحدث بحسن نية وتطبيق، قدر الإمكان، القدرات العامة للعقل التي تنتمي إلى كل مجال من مجالات التحقيق – لا تبدو ضمان للإجماع حول هذه المسائل ذات الأهمية القصوى. كلما تحدثنا مع بعضنا البعض، كلما اختلفنا ".[15]

لا تشكل "أعباء الحكم"،وفقًا لرولز، رابطًا حاسمًا بين الديمقراطية الليبرالية والتعددية. الديمقراطية الليبرالية هي ذلك النوع من النظام في الدولة الذي يوفر للمواطنين، من حيث المبدأ، مساحة كبيرة ليقرروا بأنفسهم فيما يتعلق بالأمور الدينية والأخلاقية والميتافيزيقية. والالتزام بالحرية الدينية هو الميثاق الأساسي للدولة الليبرالية. لا يوجد حق أكثر مركزية في نظام ليبرالي من الحق في العبادة كما يحلو للفرد؛ أوأمتداه الطبيعي في الحق في الاعتقاد بما يمليه الضمير. وطالما أن الدولة تسمح لكل مواطن أن يقرر، على أساس قناعاته ما هي الالتزامات الدينية والأخلاقية والميتافيزيقية التي التي يقبلها، وما دامت الدولة لا تجبر المواطنين القبول  بعقيدة دينية أو أخلاقية أو ميتافزيقية  معينة أو أخرى،  عندها تضمن أعباء الحكم أن أعدادًا كبيرة من المواطنين ستتبنى عقائد متباينة على نطاق واسع. كما يزعم ستارك وفينك، "كلما تعثر القمع  تعمقت التعددية الخصبة."[16] تضمن أعباء الحكم، إلى جانب الالتزام الليبرالي بحرية الدين والضمير، أن تتسم الديمقراطيات الليبرالية بالتعددية. بتعبير أدق، ستتميز الديمقراطيات الليبرالية بتعددية معقولة: بالنظر إلى أعباء الحكم، فإن المواطنين الذين يمارسون قدراتهم المعرفية بطريقة مسؤولة ومعقولة سيصلون مع ذلك إلى استنتاجات متباينة بشأن المسائل النهائية.[17]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................................

[1] عبد الله، النعيم، الإسلام وعلمانية الدولة، دار مريت، القاهرة، 2010

[2] أنظر: عبد السلام،  رفيق، في العلمانية والدين والديمقراطية، المفاهيم والسياقات، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت،، 2008، ص 23-24.

[3] فيبر، ماكس، البروتستانتية وروح الراسمالية، ترجمه، محمد علي مقلد، مركز الأنتماء القومي، بيروت، بلا تاريخ

[4] Steve Bruce, Choice and Religion (Oxford: Oxford University Press, 2000), pp. 3-29.

[5] يفترض مايكل بيري في كتابه: " الدين في السياسة: المنظورات الدستورية والأخلاقية (أكسفورد: مطبعة جامعة أوكسفورد، 1997)، ص. 3. أنه "إذا كان عدد قليل في دولة ما  مؤمنين بالدين، فربما تكون قضية الدور الصحيح للدين في السياسة هامشية بالنسبة للسياسة ذلك البلد، لأن الدين سيكون هامشيًا في السياسة." ويمكن أن نضيف اليه ما يلي: إذا أخذ  مجتمع ذلك البلد بتخصيص التدين، أو إذا كان لدينا سبب وجيه للاعتقاد بأن الدين ليس له مستقبل في ديمقراطية ليبرالية، فمن المحتمل أن تكون  مسألة الدور المناسب للمعتقدات الدينية في السياسة هامشيًة في السياسة ذلك البلد.

[6] Steve Bruce,Religion in the Modern World: From Cathedral to Cults (Oxford: Oxford University Press, 1996), p. 234.

[7] Bryan Turner, Religion and Social Theo rye, 2nd ed. (London: Sage Publications, 1991), p. 196.

[8] أنظر على سبيل المثال:

William Marshall, "The Other Side of Religion," Hastings LawJournal44 (April, 1993): 843-63; Lawrence Solum, "Faith and Justice," DePaul Law Review 39 (1990): 1096-97.

[9] Stanley Fish's "Why We Can't All Just Get Along," First Things 60 (February, 1996): 18-26

[10] John Rawls, political Liberalism (New York: Columbia University Press, 1993), p. 58

[11] Larmore. Charles, The Morals of Modernity, Cambridge: Cambridge University Press, 1993, pp.  152-74,

[12] John Rawls, political Liberalism, , pp. 56-57.

John Rawls, political Liberalism, , 5 5.

[14] Political Liberalism, xvili; 37.

[15] Charles Larmore, The Moral Basis Of Liberalism,"' Journal of Philosophy 96/12 (December, 1999): 600.

[16] John Rawls, political liberalism, p. 37.

[17] Rodney Stark and Laurence R. Iannaccone,A Supply-Side Reinterpretation of the 'Secularization' of Europe, Journal for the Scientific Study of Religion 33 (1994): 233; Rodney Stark and Roger Finke, Acts of Faith, pp. 193-217.

 

علي محمد اليوسفما عدا فلاسفة المثالية، جميع فلاسفة الماركسية والوجودية والبنيوية والتفكيكية والعدمية خرجوا على كوجيتو ديكارت، في اقرارهم صاغرين بان التفكير عقليا في صمت اللغة كوسيلة ادراكية لا يمكنها تحديد او تحقيق فهم الوعي الخالص، بمعزل عن اقتران ذلك الوعي بهدف يجعل منه جزءا من منظومة اجتماعية وجودية تعيش الحياة بأي شكل من الاشكال.لكنهم ابتدعوا مثالية ابتذالية بما لايقاس مع الفلسفات المثالية، تلك هي فلسفة (اللغة) باعتبارها مرجعية ومرتكزا في حل جميع اشكاليات الفلسفة التي كانت اللغة سببها في سوء استخدامها متناسين،اهمها التفكيكية التي رفعت شعار (لا شيء خارج النص)، ان قصور الفلسفة كتفكير منطقي تجريدي هو المبتدأ والمنتهى، واللغة في كل الاحوال هي وعاء الفكر الذي يخدم الفكر ويعبر عنه يحيادية شبه تامة.

في هذا المنحى نجد هيدجر اراد ان يخرج وعي الذات من المجرد الفكري داخل منظومة العقل، الى اثبات الوعي وجودا وكينونه في وعيه الاشياء كمتعّين انطولوجي، لا يمكن ادراكه لذاتيته من غير وعيه العالم الخارجي وادراكه له. فوجود الاشياء في العالم الخارجي لا يرتبط بعلاقة مع الفكر، من دون ان يجعل الوعي منها و بها والتفكير الادراكي لوجودها، موضوعا وكينونة متعينة مدركة عقليا وذهنيا في اسبقية الفكر على اللغة، في وقت تكون الفكرة ولغتها شيئا واحدا في الواقع الخارجي والعالم المحسوس.

سارتر وميرلوبونتي ولغة الصمت

ان الانسان العاقل يفكر ذهنيا وهوصامت، ويفكرصمتا وهو نائم في اللاشعور، ويفكرصمتا وهو حالم الهاميّا خياليا، والصمت لغة حوار العقل مع ذاته داخليا في الموضوع، فالعقل لا يفكر في فراغ – سنوضح هذا لاحقا – ويكون تفكير الصمت بلا لغة تعبير تواصلي افصاحي ايحائي لا يشترط توّسله اللغة ممكنا وجودا، عندما يكون الصمت هو تفكير في موجودات مادية واقعية تكون مادة تفكير صامت، او ان مواضيع التفكير الصامت خيالية لا وجود لها ماديا متعينا في الواقع، يتناولها العقل بالتفكيرالذهني المجرد قبل اعادتها ثانية الى الادراك التعبيري عنها ماديا صرفا او متعينا ادراكيا بواسطة اللغة، والصمت الذي يفكر بموضوعه ذهنيا لا يلغي دور العقل او لايستطيع الاستغناء عن الوظيفة العقلية في الوعي والتفكير بالاشياء.ان وظيفة العقل (الدماغ) في التفكير بالمجردات الذهنية ارقى درجة منها التفكير في الموضوعات المادية التي يعقلها العقل كواقعات مادية ويدركها ظاهراتيا او ماهويا.فالعقل في ملازمته الخيال ورقابته على اللاشعور وتداعيات التصورات الذهنية تكون مهمته اصعب من مهمة العقل في تناوله الماديات والموجودات والاشياء في الطبيعة، لكي لا ينتج عن التفكير الخيالي الذهني المجرد اصوات وهذاءات تعبيرية لا تعطي المفكّر به من موضوعات مادية  او مجردة استحقاقها الوعوي الادراكي كما لاتعطي الهذاءات غير العقلية وعي الذات مصداقيتها.

يقول سارتر:( ان مسألة اللغة تسير جنبا الى جنب مع مسألة الجسم)(5)، وهي عبارة سليمة في توكيد بديهة بايولوجية فيزيائية، ان اللغة لاتفارق جسم الانسان العاقل الناطق باعتبارها خاصية انسانية يتمايز بها الانسان ويحتازها لوحده من دون الكائنات الحية في الطبيعة. وفي نفس المقاربة التعبيرية يقول ميرلوبونتي( الكلمة ايماءة حقيقية لانها تتضمن معناها، وليست عشوائية او طبيعية ).(6)

الصمت لغة تواصلية

الانسان في جنبة اولية محورية جوهرية من كينونته الطبيعية هو انه وجود عقلي لغوي ناطق. فالانسان يفكر وهو يتكلم ويفّكر وهوصامت ويفّكر لا شعوريا وهو نائم، ويفكر وهو في حلم اليقظة، ويفكر وهو ماشيا لوحده او مع مجموع. وفي كل حالات الصمت يحتاج الانسان التعبير اللغوي او الكلامي او حتى الصوري عن بعض الاشياء والموضوعات، ويكتم او يستعصي عليه التعبير عن بعضها، او يتعذّر عليه الافصاح التواصلي في بعضها الاخر. اذن الانسان وجود مفكّر في صمته وفي الافصاح عن بعض تفكيره الصامت في الكلام او اللغة او الكتابة او في اية وسيلة توصيل اخرى.والانسان هو كينونة عقلية ادراكية تفكيرية، ولغوية ناطقة،وخيالية تجريدية، تحتويها كل خصائص الانسان المادية وجودا.

يقول ميرلوبونتي (اذا كانت اللغة كيان باطن، فان هذا الباطن ليس فكرا مغلقا على ذاته وواعيا بها).(7) انه لمن المهم ادراكنا ان اللغة في التفكير الباطن العقلي اي الصامت، هي وسيلة العقل ان يعقل نفسه ووسيلة العقل في وعي الاشياء المادية وغير المادية الروحية ذهنيا.كما ان العقل هو الوسيلة الوحيدة في ادراك وفهم الوجود الخارجي ولا بديل عنه.اما اذا بقي هذا الادراك العقلي منغلقا على العالم الخارجي، في عدم ادراك تواصله الجدلي مع الاشياء والموضوعات،فهنا يصبح الانسان كيان لغوي حواري داخلي صامت فقط مفارقا لجوهر انسانيته، وهو محال ان يكون وضعه هذا دائميا في ملازمة الصمت بالنسبة لانسان سوي عاقل وناطق ايضا سواء يعيش منعزلا او يحتويه مجتمع.ومحال ايضا ان يكون الانسان خارج طبيعته بخصائصها الانسانية اهمها انه انسان ناطق ومعبّرا عن الاشياء لغويا، وفي ان لا يوجد ويكون جزءا من الطبيعة متفاعل مع مظاهرها، لا ان يكون كيانا مفكرا بذاته فقط، منعزلا عن واقعه ومحيطه الاجتماعي. ولا في تعطيله لغة الحوار التواصلي مع الآخر.الصمت الانساني هو حوار لغوي داخلي يعمل في الذهن البشري المفكر، بينما يكون صمت الحيوان (عدما) غير متعين لا عقليا ولا ذهنيا ولا تفكيرا منطقيا ولا تعبيرا لغويا. فهو صمت يغيب عنه العقل بخلاف الانسان. في عجزالحيوان الصامت ان يكون صمته تفكيرا خياليا محكوما بوعي زماني ومكاني، كما عند الانسان حيث يقوم العقل ومن ثم اللغة على تنظيم ذلك التفكير الخيالي في وعيهما الزمن افتراضا. في هذا تكون علاقة الانسان بالطبيعة اثراءا لوجوده، وبقيت علاقة الحيوان بالطبيعة افقارا لوجوده لولا تدخل ما يسمى محميات الحفاظ على التنوع البيئي والحيواني والنباتي من الافقار التدريجي الذي يقود الى اختلال بيولوجي مفزع في الطبيعة يقود الى انقراض العديد من الكائنات الحيوانية والنباتية، ومن هنا كان الانسان كائنا وجوديا مستقبليا، اي يفكر بالمستقبل بما لايتوفر للحيوان ذلك الا مع تدّخل الانسان بالطبيعة في جعل الذئب يرعى مع الغنم عندما انتفت الحاجة الى القتل والافتراس الحيواني لاسكات (الجوع) في محميات الحفاظ على التنوع البيئي الطبيعي.كما انتفت مقولة هوبز الانسان وجود تلازمه غريزة القضاء على الانسان من نوعه وتدميره منذ بدء الخليقة والى يومنا هذا.

لغة الصمت التواصلي الفني حركيا جسديا

لغة التعبير الفني مثلا في النحت والرسم وفي جميع جماليات الفنون التشكيلية، هي ايضا لغة حوار داخلي صامت معبّرا عنه بوسائط توصيل هي غير لغة الكلام او الكتابة.وتكون لغة الحوار التواصلي في حالة كمون يستنطقها الانسان المتلقي للفن والجمال ويفهمها حسب ثقافته وتكوينه النفسي والجمالي.واللغة الصامتة بالفن منتج عقلي للفكر وتداعيات اللاشعور.اما لغة التعبير الانساني الكلام او اللغة المكتوبة فهي منتجات مصنع الحيوية العقلية الانسانية المتفردة خياليا او فكريا تواصليا، وبذلك يصبح الانسان كائنا لغويا يفكر وهوصامت وفي مخياله حضور ووعي الزمن الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا النوع من الادراك بالزمن والمستقبل لا يتوفر عليه الحيوان.فالحيوان لايعي الزمن مثل الانسان، حتى وان كان هذا الوعي الزمني(افتراضيا) كما يمارسه الانسان افتراضا وجوديا لا غنى عنه .

الانسان كينونة تمتلك فينومينولوجيتها وماهيتها وجوهرها المعبر عنها في جميع صفاتها وكيفياتها التي تجعل من الانسان كائنا متمايزا في هوية جوهرية ماهوية مستقلة، وفي هذه الخاصية يتأكد استحالة الاتحاد الانساني غير القابل للتسوية بين الوجود في ذاته، والوجود من اجل ذاته، ومثال هذه الاستحالة تتمثل في محاولة الصوفية تحقيق الاتحاد الانجذابي الاتحادي المؤقت بين الله الذي هو وجود (بذاته)، مع الانسان الذي هو وجود (لذاته) في كيان مادي ماهوي متعيّن،الله كيفية افتراضية لا يمكن اتحادها بكيفية انسانية مغايرة مادية. والله كائن نوراني كما تذهب له الصوفية، لا يدرك عقليا وغير متعيّن ماديا بالنسبة لادراك الانسان في محدودية ادراكه الوجود اللانهائي. وفي هذا الفارق الجوهري الكبيرممثلا في تغاير (كيفيتين) احداهما روحانية لا يدركها عقل الانسان والاخرى مادية تتمايزماهويا ذاتيا، كما تتمايز بعلاقتها مع قوانين الطبيعة التي يتحكم بها مطلق الزمان ولا محدودية المكان.وبهذا فالانسان كيفية لا تلتقي الا مع كيفيات اخرى تشترك معها بالصفات الجوهرية المادية والماهوية من نوعها تتجانس معها في كل او بعض الصفات والماهيات ضمن ضوابط قوانين الطبيعة.

وعي الذات في الشعر

لغة التخييل الانساني هو قسمة مشتركة بين وعي ذاتها ووعي المدركات المادية وغير المادية، كذلك مفهوم الخيال في وعي الانتاجية الفلسفية او الجمالية،وفي نظم الشعرية الادبية الفنية، وفي اية فعالية فنية جمالية ينتجها الانسان ويلعب الخيال الفاعل دورا مهما فيها، وفي مجمل الفنون التشكيلية والنحت وغيرهما، كذلك الحال في ابداعات الاجناس الادبية الشعر والرواية والقصة ومختلف السرديات التي تعبر عن جماليات الادب والفنون عامة.في كل ما ذهبنا له يكون الخيال المنتج حاضرا.

رغم اني في عدة مقالات فلسفية منشورة لي تناولت فيها علاقة التعبير اللغوي كقاسم مشترك يتوسط التعبيرين الفلسفي والشعري، الا اني اجد في هذه المقالة المرور السريع بهما. فالشعر بخلاف فلسفة افلاطون المثالية الذي طرد الشعراء من جمهوريته الفاضلة، هو اكثر انواع التعبير الانساني الذي يتعالق تواشجيا ارتباطيا بالتعبير الفلسفي كما يذهب له نيتشة وهيدجر وغيرهما.

لغة الخيال العقلي غير المرضي المنتج،هو قسمة مشتركة بين الفلسفة والشعر باختلاف ان لغة التعبير الفلسقي تلتقي بالشعر في ناحية انها ايضا تتعامل بمنطق التعبير اللغوي التجريدي الذي يتداخل فيه الخيال مع الفكر،لكن التعبير الفلسفي التجريدي لا يلغي هيمنة العقل ورقابته الصارمة، على العكس من الشعر الذي يطغى فيه الخيال وتداعيات التهويم اللاشعوري في اللغة وتمردها وخروجها عن سلطة العقل،اللاشعور الشعري لا يتوّسل العقل في التنظيم اللغوي، ولا يستدعي الشعر رقابة العقل في لجم الخيال المتداخل في جوهر منطق التعبير الشعري الذي ينتهك اللغة المنظمة ويعمل على جعلها لغة تهويم خيالي يخرج باللغة عن مألوفيتها التواصلية التداولية في ابتداع لغة خاصة خارج التنميط العادي للغة.في وقت ترى الفلسفة لغتها التعبيرية في حضور صرامة العقل في تنظيم التفكيرالمنطقي الفلسفي رياضيا، اي ان تكون صياغة الافكار فيها تقترب جدا من صرامة علم الرياضيات.

الفلسفة في خروجها المنطقي التجريدي عن التنميط اللغوي التواصلي اجتماعيا، تذهب باللغة الى مجاهل الفهم الاستعصائي على التلقي المباشر، فهي تستدعي العقل في رقابته الصارمة ان لا يخرج التعبير الفلسفي العقلي، الى منهجية اللاشعور في غلبة الخيال في انتاج تعبير اللامعنى واعدام نظام اللغة التقليدي كما يفعل الشعر.

اؤكد ماسبق لي ذكره ان عبقرية اللغة سابقة على عبقرية الفكر، كما ان جمالية اللغة اسمى من جماليات التعابيرالتواصلية الاخرى التي لا تتوسل اللغة قيمة عليا في التعبير. رغم ان تراتيبية انتاجية العقل للغة لا يسبق انتاجية العقل للفكر. وفي حال صمت الانسان يكون تفكير الدماغ في الموضوع سابق على لغة التعبير عنه.

في العقل المفكر تكون اللغة هي الفكر ولا تفريق بينهما خارج الذهن كما لا تفريق بينهما داخله ايضا.واللغة لا تنوب عن الفكر، وكذا لا يستطيع الفكر الانابة عن اللغة. فاللغة هي الفكرداخل العقل وخارجه في ترابط لا انفكاك بينهما.واللغة والفكر حوار داخلي غير مفارق ولا معلن، وكذلك هما خارج العقل حوار عقلي معلن لا انفكاك بينهما في فهم احدهما بمعزل عن الاخر. اللغة والفكرة تعبيرمتداخل واحد عن موضوع ملازم واحد في زمنية لحظوية محسوبة، ولا يفترقان(اللغة والفكر) عن الخيال العقلي المنتج لهما عنما يصبحان تعبيرا ماهويا ومظهريا لموضوعات العالم الخارجي، ولا في التمايز الدلالي بينهما، متى ما اصبحت الفكرة واقعا ماديا دلاليا معبرا عنها بلغة يدركها المتلقي في ظاهرياتها، اوبما تستبطنه الفكرة من دلالات تحمل فائض المعنى لغويا بلا نهاية قرائية استقبالية للنص.الفكرة في العالم الخارجي ترتبط بعلاقة اندماجية مع اللغة.

اللغة بين المثالية والمادية

هل هذا الترابط في العنوان صحيحا مقبولا منطقيا عقليا وفلسفيا؟ بالتاكيد هذه العنونة خاطئة في اعتبار اللغة مادية ام مثالية بمعزل عن حضور الفكربالرغم مما اكدنا له ان لاوجود للفكر في عالم المحسوسات لا تعبر عنه وتلازمه لغة.،ولتبيان ان المقارنة الصحيحة بين مثالية التفكير او ماديته لا تحدده (اللغة) بل يحدده الفكر المادي او المثالي، واللغة لا تكتسب هي ولا تكسب الموضوع الذي تعبر عنه صفة او ماهية التفكير المادي ولا المثالي.التساؤل القديم الذي طرح نفسه في الفلسفة والمعرفة هو ان (الفكر) وليس (اللغة) بضوئه يتحدد التفكيرفي تمييز المثالي عن المادي. التفكير المادي كانت بدايته منذ ديمقريطس، والمثالي كان منذ فلسفة افلاطون، وبقي الصراع الفلسفي الفكري قائما حتى بلغ ذروته عند هيجل وفويرباخ وماركس، في مقابل كل الفلسفات المثالية الالمانية والانكليزية التي عايشت الماركسية وبقيت تتناسل فلسفات مثالية بعد افول نجم الماركسية، لعل ابرزها الفلسفة الامريكية في البراجماتية الذرائعية.وصولا الى تيارات الفلسفة المعاصرة وصولا الى العولمة.

لا يمكننا نكران ان فلسفات علوم اللغة واللسانيات الحديثة والمعاصرة تعتبر عزل اللغة عن الفكراستحالة ادراكية مفهومية داخل التفكير الذهني وخارجه، وان الفكرة واللغة حين ينعدم احدهما لا يبقى دلالة او معنى للاخر. وهو مبدأ صحيح عندما تتحول الفكرة الى واقع او كيان مدرك خارجيا بوسيط اللغة الملازم للفكر. اما من حيث ان الفكر واللغة كلاهما فعالية مضمرة عقليا في الدماغ، الذي لم يعط ايعازه في جعلهما واقعا محسوسا او مدركا لموضوع او اكثر في العالم الخارجي، فيها يكون التفكير سابق على تعبير باللغة كوسيط تداولي في فهم وتلقي الموضوع. وللتوضيح اكثر ان في العقل او الدماغ تحديدا تكون اللغة والفكرة وجودا واحدا لا يمكن التفريق بين الفكرة واللغة المعبرة عنها، فالادراك يكون اوليته للمحسوس المتعين صوريا(الموضوع) الذي يكون وجوده سابقا على ادراكه ماديا فكريا ولغويا في العالم الخارجي، وليس في ادراك العقل للفكرة ولغتها كوجود باطني في عقل الانسان لذاته وفي عقلنة الاشياء في وجودها الذهني فقط. فالادراك الحسي او العقلي للاخر، لا يستطيع معرفة الاشياء والموضوعات وهي فعالية عقلية تجري في الذهن كافكار يتداولها العقل قبل الافصاح عنها خارجيا لغيره من العقول المدركة.بمعنى استحالة ان يعرف شخص ما يدور في عقل وتفكير شخص آخر قبل تعبيره عما يفكر به بالكلمات.

حين تنقل صور الاشياء والمحسوسات الخارجية الى العقل، فالعقل يجري عليها عمليات معقدة لا يمكن ادراكها الا من قبل العقل الذي يحمل المواضيع ادراكا منتجا جديدا لها فقط، قبل ان يعيدها ثانية الى العالم الخارجي ليتم ادراكها في شروط العقل الجديدة من حيث اعطاء العقل لها زمانيتها ومكانها واسباب وجودها وتعلقها مع غيرها من موجودات العالم الخارجي وامور اخرى عديدة لم يكن الموضوع متوفرا عليها قبل تداوليته التصنيعية الجديدة عقليا له.

مسألة مهمة جدا ان موضوعات واشياء العالم الخارجي لا يتم ادراكها تماما، ولا يكون استقلالها الوجودي المستقل في العالم الخارجي، هي نفسها في ظاهرياتها وماهوياتها بلا تغيير، او واضحة الادراك قبل انتقالها من واقع المحسوسات الى واقع العقل والذهن وبعد عودتها ثانية الى عالم الاشياء المدركة المحسوسة. في هذه العملية في نقل المحسوسات الى العقل واعادة العقل انتاجيتها وتصنيعها واعادتها الى العالم الخارجي بواسطة التعبير اللغوي او غيره من وسائل التواصل، لا يشترط ان يكون حضور اللغة في نقل الفكرة العقلية الى العالم الخارجي  امرا اولويا بل ثانويا في اسبقية الفكر، اللغة لا تسبق الفكرة داخل العقل أو الدماغ، لكنها تسبقها عندما تعود الفكرة من العقل الى العالم الخارجي بواسطة اللغة او غيرها من وسائل التوصيل للافكار.فالفكر في العالم الخارجي يكون ادراكه الموضوع ثانويا، مقارنة مع تعبير اللغة عنه لتوصيله للمتلقي ادراكيا.وكلا الادراكين الفكر واللغة يتراجعان امام اسبقية ادراك العقل للاشياء والمحسوسات.

مثالية اللغة ام مثالية الفكر؟

بعد تراجع الاهتمام الفلسفي بالماركسية والوجودية، سادت الفلسفات المعاصرة التي ابتعدت كليا عن التصنيف الثنائي المثالي والمادي الذي اعتبرته تفريقا استهلك نفسه وتصنيفا ابتذاليا انتهت عصوره، يتوجب مجاوزته شأنه شأن مجاوزة مباحث الفلسفة الميتافيزيقية.وانبثقت الفلسفات الوجودية والبنيوية والتفكيكية والعدمية والتاريخية، ومدارس وتيارات الحداثة وما بعد الحداثة، وجميعها تجاوزت الفهم المادي الماركسي الكلاسيكي الابتذالي حسب زعمهم، واستطاعت هذه الفلسفات المثالية في جوهرها سحب الفلسفة ومباحثها الى مركزية الدوران حول محورية (اللغة) ام كل مصائب الفلسفة على حد تبرير اتهاماتهم الفلسفية للغة، واستطاعت هذه الفلسفات استبعاد مباحث الفلسفة من الاهتمام بالانسان وقضاياه واعتبرت الوجود السابق على عدم معرفة اهمية اللغة في كتابتها تاريخا زائفا مليء بمباحث فلسفية، جعلت من صنمية ومرجعيات مثل العقل او اللوغوس والانسان والحقيقة والتاريخ والسرديات عموما، يقينيات زائفة لم تضف لعالم المعرفة الحقيقية شيئا.وهذه مبالغة في الادانة وخلط الامور من اجل تحميل اللغة كل مساوىء واخطاء الفلسفة وعالم المعرفة.

امام الادانة الفلسفية المعاصرة في البنيوية والتفكيكية والعدمية ل(اللغة) في خيانتها للفكر والفلسفة على امتداد تاريخها، لم يبق هناك اي معنى تبرئة اللغة من افتعالية الطرح الميكانيكي الساذج، ان تكون مثالية او تكون مادية،ان في عدم التفريق بين الفكر واللغة على صعيد الفرز الفكري المثالي عن  المادي، اوضحناه في سطور سابقة ولا بأس من التذكير به سريعا.

اللغة كما اتضح معنا وسيط ناقل تعبيري غير ميكانيكي للفكر، ولا يمكن للغة ان تنوب عن الفكر كونه انتاجية ذهنية تسبق التعبير اللغوي الصادر عن الذهن ايضا.من السذاجة ان نعتبر اللغة مثالية حينما تعبر عن فكرة او تفكير مثالي، او  تكون اللغة ايضا مادية في تعبيرها عن الفكرة او الفكر المادي، اللغة وعاء الفكر لكن لا تنوب عنه. كما لا يستطيع الفكر الانابة عن اللغة التعبيرية التداولية الا في مباحث علم الجمال والمنحوتات والفنون التشكيلية وبعض مواضيع القيم الدينية منها التي تكون لغة الاستقبال والتواصل بها شعورا وجدانيا خالصا لا يحتاج لغة اللسان او المخاطبة كلاما.

ومادية الفكر او مثاليته لا تحدده اللغة بل العقل المنتج لكليهما. والفكرة او الموضوع يأخذ سمته المادية او المثالية، من طبيعة ادراك العقل للموضوع او الفكر واجراء عملية انتاجية معقدة لها فيه، لا تزال لغزا محيّرا امام  كيف يعقل العقل ذاته في نفس وقت هو يعقل الفكر وموضوعاته. في هذه العملية تكون اولوية معالجة الفكر بالدماغ على ثانوية تعبير اللغة عن الفكرة او الموضوع المفكّر به. اللغة تعبير مرحلة ثانية في انتاجية العقل للموضوع ولغة التعبير عنه. واللغة تعبّر عن الفكر المادي والفكر المثالي كليهما في نوع من الحيادية غير الميكانيكية المتداخلة معهما.وليس في مكنة ومقدرة اللغة تحديد المادي عن المثالي قبل تحديدهما وفرزهما من العقل كفكر ابتداءا.

فاللغة كما مر بنا لاتكتسب ماديتها او مثاليتها من الموضوع، ولا تستطيع اكساب الموضوع ماديته او مثاليته بنفس المعنى والآلية.اللغة تتعامل مع الاشياء وموضوعات الفكر بحيادية غير ميكانيكية يفرضها الموضوع المفكر به والمنتج عقليا. ولا تحدد اللغة نوعية وجوهر موضوعها ماديا ام مثاليا قبل حسم العقل لها تفكيرا في مصنع الحيوية الانتاجية العقلية للافكار.

فهم اللغة مثاليا

يقول ميرلوبونتي( ان التعبير اللغوي خلاق دائما ولا ينفصل عن موضوعه). وبتعقيب عبد الوهاب جعفر في كتابه الفلسفة واللغة (ونحن نقبل هذا التصريح طالما كان الالتزام باللغة يجعلنا منفذين لكل ما تقترحه علينا من عمليات عقلية)(9).

كما مر بنا اللغة لا تقترح ولا تلتزم الاخذ بما يقترحه العقل من عمليات ذهنية، لان ترابط واندماج اللغة مع الفكر داخل انتاجية مصنع العقل، لا يلغي ان عبقرية اللغة الخلاقة لا تقوم على جعل الفكرة او الموضوع خلاقا يتجاوز تراتيبية العقل في اضفاء التخليق الجديد على الفكرة المعبر عنها بالكلمات. ان اللغة تختلف عن الموضوع المادي المستقل، داخل وخارج انتاجية العقل على مستوى التعبير اللغوي الجمالي الذي يمنح الموضوع تلقي تداولي تواصلي لا تستطيع الفكرة المجردة عن اللغة التعبير عنه وتوصيله.واللغة من الممكن لها ان لا تكون ملازما لصيقا لا يمكنها الانفصال عن موضوعها حسب تعبير ميرلوبونتي، وهي مسألة جرى توضيحها من قبلنا في سطور سابقة.ان تكون اللغة خلاقة ليس على حساب صياغة مضمون المنتج العقلي لكل من تلازم الفكر واللغة.بل تكون اللغة خلاقة ليس لانها لا تستطيع الانفصال عن موضوعها، بل في امكانية عبقرية اللغة جماليا جعل الموضوع او الفكرة واقعا ماديا مدركا في العالم الخارجي بعد تصنيع العقل له ادراكيا ذهنيا، وتبقى هنا الادانة محصورة على نقد الفكر كمضمون فلسفي وليس نقد اللغة على مستوى التوصيل الدلالي التداولي.لا الافكار ولا اللغة المادية منها او المثالية عاجزة عن خلق موضوعاتها، بل الموضوعات في وجودها المستقل، هي التي تفرض على الفكر تناولها وتعطيها اللغة التعبير عنها.

ان المبدا الفينومينولوجي (ان كل وعي هو وعي بشيء ما) لا يجعل من مثالية الخطاب الفينومينولوجي خطابا فلسفيا ماديا. وهو خطاب يحاول الالتفاف على التفكير المادي وقد سبقه كل من هوسرل و سارتر وهيدجر في هذا المنحى. في اعتبارهم الوعي الذاتي زائفا مالم يقترن  بقصدية او ديناميكية تجعل من الوعي وجودا متداخلا في الكلية المجتمعية. وخير تعبير على هذا الخلط بين المادي والمثالي نجده عند ميرلوبونتي قوله( ان يقين الوعي الفينومينولوجي يتمخض عن – خلق – وليس معطيات، والعالم الفينومينولوجي لا وجود له، اذ ان  الوجود لعالم تخلقه الفينومينولوجيا،هو عمل انجبته اللغة لا عن عمد او قصد)(10)

ان الظاهراتية او الفينومينولوجيا فلسفة مثالية صرف تعنى بالحسوس المدرك ظاهراتيا، حين تتصور ادراك ظواهر الاشياء يقينا،انما تنجبه وتخلقه اللغة كما مر بنا في عبارة ميرلوبونتي، عفويا لا عن تعمد ولا عن قصد. متى كان الفكر يخلق اشياءه ومواضيعه بعفوية ولا قصدية حتى تتمكن اللغة تلقي وعي الذات للاشياء وتنجبها من غير عمد ولا قصد؟

ان تراتيبية ادراك الشيء ظاهراتيا او ماديا وحتى مثاليا لا يغير من حقيقة ان الموضوع المحسوس ابتداءا ينقل الى العقل حسيا او صوريا ويعالج ذهنيا، والعقل يقوم بدوره في انتاجه ثانية، وفق شروط العقل وماهيته او صفاته قبل اعادته  الى واقع المدركات بواسطة اللغة او الكلمات كمتعين وجودي مدرك في تمظهراته او في جوهره.

 

الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف /الموصل

............................

الهوامش

5- نفس المصدر السابق ص 58 ايضا

6- نفس المصر السابق ص 127

7- نفس المصدر السابق ص 61

8- نفس المصدر ص63

9- نفس المصدر نفس الصفحة

10- نقلا عن عبد الوهاب جعفر، نفس المصدر السابق ص 64

 

جميل حمداويالمقدمة: يمكن الحديث عن أنواع مختلفة من الحجاج وفق منطق التطور التاريخي، ويمكن حصرها في حجاج التأثير (حجاج الباتوس)، وحجاج الإقناع، وحجاج المغالطة، وحجاج الجدل، وحجاج الاقتناع، وحجاج اللغة، وحجاج السؤال، وحجاج الأسلوب، وحجاج الخطاب، وحجاج التداول، وحجاج المنطق الطبيعي، وحجاج الصورة البصرية.ومن هنا، سنتوقف، في موضوعنا هذا، عند حجاج المغالطة، أو حجاج التغليط، أو الحجاج المغالطي، أو الحجاج السفسطائي.

إذاً ما الحجاج المغالطي؟ وما سياقه التاريخي والتداولي؟ وما مقوماته الحجاجية؟ وما أهم آلياته الاستدلالية؟ هذا ما سوف نتعرف إليه في المباحث التالية:

المبحث الأول: مفهوم حجاج المغالطة

من المعروف أن الغلط صفة طبيعية في الإنسان، مادامت مرتبطة بالنسيان والسهو والخطأ.لكن أن يتعمد الإنسان هذا الغلط في مواجهة الآخرين ومحاججتهم، فهذا ما يسمى بحجاج المغالطة، أو حجاج التغليط، أو الحجاج المغالطي. ويعني هذا أن المتكلم يستعمل حججا مغلوطة، أو يوظف خطابا مليئا بالمغالطات من أجل دفع المتلقي أو السامع أو المخاطب إلى الاقتناع، أو تغيير سلوكه تجاه المتكلم المتلفظ. وهذا ما نجده، اليوم، عند أغلب المحامين والسياسيين والخطباء والشكاك الذين يستعملون أدلة وسفسطات واهية غير مقنعة، واستخدام براهين وحجج مغلوطة من أجل الانتصار على الخصم أو إفحامه أو مواجهته لتحقيق مصلحة معينة. ولهذا، فلقد كان المنهج المغالطي ينطلق من مقدمات خاطئة، ويصل إلى نتائج خاطئة.

ويفهم من هذا أن الحجاج المغالطي هو أن يقصد المتكلم" إلى هذه الأغلاط قصدا، صارت مغالطات يهدف من ورائها إلى إقناع المتلقي برأي ما، أو دفعه إلى تغيير سلوك معين باحتجاج مغالط، أو بالعبارة الأرسطية بسفسطات، وحد السفسطة أنها استدلال صحيح في الظاهر معتل في الحقيقة، إما لفساد في المضمون أو في الصورة."[1]

وقد حدد أرسطو خمسة مقاصد رئيسة للحجاج المغالطي،"إما تبكيت المخاطب، وإما أن يلزمه شنعة وأمرا هو في المشهور كاذب، وإما أن يشككه، وإما أن يصيره بحيث يأتي بكلام مستحيل المفهوم، وإما أن يصيره إلى أن يأتي بهذر من القول يلزم عنه مستحيل في المفهوم بحسب الظن."[2]

ويعني هذا أن المحاج السفسطائي يدور حول أمور خمسة رئيسة هي:

1- إلزام المخاطب أمرا شنيعا معلوما كذبه؛

2- الاعتراض على المخاطب؛

3- تشكيك المخاطب فيما لديه من دعاوى وأفكار وقضايا؛

4- جعل المخاطب يدلي بكلام يصعب فهمه، ويستحيل استيعابه؛

5- دفع المخاطب إلى الإدلاء بالقول الهذر.

ويعني هذا أن المغالطة السفسطائية عبارة عن استدلال صحيح في الظاهر. بيد أنه معتل في الحقيقة.أي:" إن المغالطة نوع من العمليات الاستدلالية التي يقوم بها المتكلم، وتكون منطوية على فساد في المضمون أو الصورة إما بقصد أو دون قصد[3]."

ومن هنا، يهدف حجاج المغالطة إلى تغليط الآخر بمجموعة من الحجج والأدلة والبراهين والسفسطات التي تبدو أنها صحيحة ويقينية على مستوى الاستدلال الظاهري، لكنها واهية ومضللة وباطلة على مستوى الفحص والتأمل والاستقراء من جهة، وعلى مستوى تقويم المنطلقات الفكرية والمنطقية من جهة أخرى.

وتعد الحوارات والخطابات السياسية أكثر الخطابات التي تقوم على الحجاج المغالطي.وفي هذا، يقول الباحث المغربي عبد العلي قادا:" ولعل الخطاب السياسي من أكثر أنواع الخطابات اعتمادا على المغالطات، نظرا إلى طبيعته النفعية التي تروم تحقيق المكاسب، وتعول في الغالب على تغيير السلوكيات والمواقف بغض النظر عن تأسيس قناعات حقيقية لدى المتلقين.ونحن إذ نروم في هذا المطلب الكشف عن بعض أساليب المغالطة أو السفسطات في الخطاب السياسي الأندلسي خلال القرن الهجري الخامس من خلال الرسائل المتداولة في المجتمع الأندلسي آنذاك، فإننا لانقصد التقييم الخلقي لهذا الخطاب؛ لأن التمييز بين الغلط والمغالطة يرجع إلى النيات، ونحن لانحاكم النبات، وإنما نسعى إلى التنبيه إلى ما اعتور ذلك الخطاب السياسي عفوا أو قصدا من مغالطات[4]."

ومن هنا، يتضح لنا أن الخطب السياسية من جهة أولى، والمحاورات من جهة ثانية، ومرافعات المحامين من جهة ثالثة، تلتجىء إلى المناورة والسفسطة وتغليط السامع المتلقي من أجل الظفر بالمنافع التي يهدف إليها المحاج أو وكيل المحاج.أي: يروم الحصول على المكاسب المادية والمعنوية بتوظيف الحجج النافعة، أو الاستعانة بالحجج البراجماتية .

المبحث الثاني: السياق التاريخي

لقد ارتبط حجاج التغليط أو المغالطة أو الحجاج المغالطي بالفلاسفة السوفسطائيين بوجه خاص. ويعني السوفسطائي (Un Sophiste) المتخصص في المعرفة، أو الرجل الحكيم، أو الفيلسوف الخبير، أو الأستاذ المقتدر، أو الخطيب المفوه، أو المعلم المحنك في الجدل، أو الفصيح البليغ على غرار الفيلسوف الذي يعني محب الحكمة. بيد أن مصطلح السفسطائي مفهوم قدحي بامتياز، أطلقه أفلاطون، كما هو مثبت في محاوراته، على الفيلسوف المراوغ الذي يأخذ أجرا على حكمته، أو يطلق على ذلك الشخص الذي انحرف بالفلسفة، فجعلها وسيلة للارتزاق، أو ذلك المدعي الذي حاربه سقراط باستدلالاته العقلية. ولقد أطلق كسينوفان (Xénophon)[5] هذا المصطلح أيضا على الفيتاغوريين[6].

ونجد هذا المصطلح نفسه عند أرسطو الذي تحدث عن المقاييس المنطقية في كتابه (تفنيدات السفسطائيين/ Les Réfutations sophistiques) [7]؛ حيث أشار، في كتابه المنطقي (الأرغانون)، إلى المقاييس المنطقية السليمة والمنسجمة، والمقاييس غير السليمة كالمقياس أو الاستدلال الصوفي المغالطي.

و" قديما ارتبطت هذه التسمية بتلك الحركة الفكرية والاجتاعية التي نشأت وترعرت في اليونان القديمة حلال القرن الخامس قبل الميلاد، والتي رفعت شعار" الإنسان مقياس كل شيء"، فتنكرت لكل القيم الموضوعية والمعايير الثابتة، سواء في أمور الفكر والاعتقاد أو السلوك والأخلاق، فكان دعاة هذه الحركة يخاطبون الناس قائلين : إن الحقيقة ما يراه الفرد حقيقة، والفضيلة ما يبدو له فضيلة، وهكذا بالنسبة لكل الأمور. وقد انتهى بهم هذا المذهب إلى التأكيد على أن اللجوء إلى الحيل الخطابية والألاعيب القولية أمر مشروع، إذا كانت نتيجته في نهاية المطاف تحقيق مصلحة شخصية راجحة، وقد برعوا براعة كبيرة في توظيف الأساليب البلاغية والخطابية، ومهروا في إبداع التقنيات اللغوية المفيدة في كسب تأييد الجمهور، وحشد المناصرين في المعارك السياسية التي كانت أثينا مسرحا لها على عهد نظامها الديمقراطي الفريد. وقد تمكن السفسطائيون من إقناع صفوة المجتمع آنذاك بضرورة تلقي دروس في هذا المجال، إن كانوا يرغبون في امتلاك أسباب السلطان، مادام ذلك لايحصل بغير سطوة اللسان، فكانوا يحققون من وراء ذلك أرباحا طائلة، ولازال الباحثون إلى اليوم يعترفون للسفسطائيين بالدور الكبير في تطوير الخطابة والبلاغة ويعدونهم أساتذتها المبرزين[8]."[9]

ولم يكن السفوسطائيون يسعون فقط إلى الدفاع عن الحقيقة، والعدالة، والقيم، والمعرفة الحقة ؛ بل كان همهم الوحيد هو التوسل بالاستدلال الإقناعي المغالطي قصد تحقيق الأرباح المادية والمعنوية، وخدمة المصلحة الشخصية الضيقة؛ وهذا ما جعل سقراط يثور عليهم باسم العقل والمعرفة الفلسفية اليقينية.

والغريب أن هناك من يدافع عنهم، على أساس أنهم رجال تربية متميزون من جهة أولى، ومفكرون إنسانيون مناضلون من جهة ثانية، ويعتبرون أيضا من رواد البلاغة والخطابة من جهة ثالثة، ويعدون كذلك مصدر فلسفة التنوير ومابعد الحداثة الغربية من جهة رابعة[10].

 إذاً، لقد ظهرت السفسطائية في القرن الخامس قبل الميلاد[11]؛ عصر سقراط المعروف بالفلسفة والخطابة والبلاغة، بعدما أن انتقل المجتمع الأثيني من طابع زراعي إقطاعي مرتبط بالقبيلة، إلى مجتمع تجاري يهتم بتطوير الصناعات، وتنمية الحرف، والاعتماد على الكفاءة الفردية والمبادرة الحرة[12]. ولقد أصبح المجتمع، في ظل صعود هذه الطبقة الاجتماعية الجديدة (رجال التجارة وأرباب الصناعات)، مجتمعا ديمقراطيا يستند إلى حرية التعبير، والاحتكام إلى المجالس الانتخابية، والتصويت بالأغلبية[13]. ولم يعد هناك ما يسمى بالحكم الوراثي، أو ما يسمى كذلك بالتفويض الإلهي، بل كل مواطن حر له الحق في الوصول إلى أعلى مراتب السلطة. لذلك، سارع أبناء الأغنياء إلى تعلم فن الخطابة والجدل السياسي لإفحام خصومهم السياسيين. وفي هذا الظرف التاريخي والسياسي، ظهر السفسطائيون ليسلحوا هؤلاء بآليات الجدل والخطابة[14]، واستعمال بلاغة الكلمة في المرافعات والمناظرات الحجاجية والخطابية. وقد ترتب على ذلك أن تحولت الفلسفة إلى وسيلة لكسب الأرباح المادية، ولاسيما أن أغلب المتعلمين من طبقة الأغنياء. وأكثر من هذا لم يعد التعليم سريا أو مقتصرا على طبقة اجتماعية معينة، كطبقة الفلاسفة، وطبقة الحكام، وطبقة النبلاء، كما كان يحدث في الفترة السابقة، بل أصبح التعليم عموميا وشعبيا مقابل أجر يدفع للمدرس أو الأستاذ، وهذا ما كان يفعله السوفسطائيون.

ومن جهة أخرى، يمكن الحديث عن ثلاث مراحل بارزة في تطور السفسطائيين:

1- المرحلة السفسطائية الأولى: هي التي ترتبط بالسفسطائيين الأوائل الذين عاشوا في القرن الخامس قبل الميلاد. ومن أهم فلاسفتهاالسوفسطائيين[15]جورجياس(Gorgias)،وكاليكليس (Calliclès)، وبروتاغوراس (Protagoras)، وبروديكوس (Prodicos)،وأنتيفون (Antiphon)،وثراسماك (Thrasymaque)، وهيبياس الإيلي (Hippias d'Élis)...[16]

2- المرحلة السفسطائية الثانية[17]: ترتبط هذه المرحلة بالقرن الثاني قبل الميلاد[18]، وتقترن بعلماء البلاغة [19] الذين يعلمون طلبتهم علم البلاغة والخطابة وتجنيس الخطابات[20].

3- المرحلة السفسطائية الثالثة: هي مرحلة القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، وقد ارتبطت بمجموعة من البيروقراطيين ورجال الدين[21]، أمثال: هيميريوس (Himérios)، وتيمستيوس (Thémistios)، وكوريسيوس (Choricios de Gaza) من مدينة غزة[22].

المبحث الثالث: محاور الفكر السفسطائي

لقد اهتم السوفسطائيون بالسياسة، والقانون، والقضاء، والنحو، واللغة، والفلسفة، والخطابة، والبلاغة، والمنطق[23]...لذا، يغلب الطابع الموسوعي على إنتاجهم المتنوع. ويمكن تحديد منطلقاتهم الفكرية وفق علم تاريخ الأفكار فيما يلي:

1- عدم الاعتراف بالحقيقة اليقينية المطلقة بدليل أنها نسبية؛

2- الميل نحو التحليل الواقعي للظروف، والأحداث، والوضعيات، والخصائص، والأمكنة؛

3- دراسة مختلف المجالات الكونية والفيزيائية والعلمية وفق مقاربة براجماتية منفعية فينومينولوجية ظاهراتية، برفض كل التصورات الميتافيزيقية والميتولوجية، متسائلين: فيماذا ينفع هذا؟ وكيف أستخدم هذا؟

4- عدم دراسة اللغة في حد ذاتها ولذاتها، بل على أساس أنها وسيلة للإقناع ليس إلا.

5- استعمال المترادفات في معناها الضيق على أساس أن لكل مفهوم معنى واحدا يدل عليه؛

6- الاهتمام بالخطابة والبلاغة والتربية؛

7- الابتعاد عن الانشغالات الميتافيزيقية، والارتباط بالواقع المجتمعي والسياسي والاقتصادي والتربوي.

إذاً، لقد آمن التيار السفسطائي بالنسبية، والشك، واللاتمذهب، والتلاعب اللفظي، وتضييع الحقيقة، وعدم الاعتراف بها؛ مما أدى بسقراط إلى القول بأن الحقيقة لايمكن الوصول إليها بالظن والشك والفكر السفسطائي المغالطي، بل نصل إليها بالعقل والحوار الجدلي التوليدي، واستخدام العقل واللوغوس والمنطق[24].

ولم يكن السوفسطائيون يهتمون بالمتافيزيقا كثيرا، فما كان يهمهم هو مشاكل أثينا السياسية والاقتصادية والمجتمعية؛ لأن العالم الطبيعي أكثر انتظاما واتساقا وانسجاما، على عكس الواقع اليوناني الذي كان يعيش الفوضى والاضطراب والصراع حول السلطة، والتأهب الدائم لمواجهة اعتداءات الفرس. لذا، أنزل السوفسطائيون الفلسفة من السماء إلى الأرض على غرار سقراط، فاهتموا بأمور السياسة، والعدالة، والدين، والأخلاق، والمجتمع ...وفي هذا الصدد، تقول أميرة حلمي مطر:" إن فلسفة السفسطايين إنما تعد حلقة اتصال في غاية الأهمية بالنسبة لتاريخ الفلسفة اليونانية، ذلك لأنهم قد نقلوا مشكلة البحث من عالم الطبيعة إلى عالم الأخلاق والسياسة، فكانوا أول من أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض على نحو ما فعل معاصرهم سقراط، كذلك جاءت فلسفتهم تعكس المضمون الجديد للاتجاهات السياسية والاجتماعية الجديدة، فكانت أقرب ما تكون إلى فلسفة التنوير التي سادت القرن الثامن عشر في فرنسا، وبخاصة مع فولتير وديدرو وروسو، وذلك عقب الثورة الصناعية التي تمت في أوربا [25]."

ولم يبق لنا من مؤلفات السوفسطائيين سوى شذرات ونتف مقطعة هنا وهناك[26]. فضلا عما تركه الفيلسوف أفلاطون من محاورات ساخرة حول السوفسطائيين في كتابه (الجمهورية)[27].

ومن هنا، يعد بروتوغوراس(480-410ق.م) من أهم الفلاسفة السوفسطائيين الذين اهتموا بالقانون، وقد كتب مؤلفا عنوانه (الحقيقة)، وقد اتهم بالشك والإلحاد، وأحرقت كتبه حينما قال شذرته المعروفة :" لا أستطيع أن أعلم إن كان الآلهة موجودين أم غير موجودين، فإن أمورا كثيرة تحول بيني وبين هذا العلم، أخصها غموض المسألة، وقصر الحياة "[28]. وقال أيضا: "إن الإنسان مقياس الأشياء جميعا." هو مقياس وجود ما يوجد منا، ومقياس لاوجود مالا يوجد."[29]

وكان بروتاغوراس يمارس التعليم، ويحصر تلمذة المتعلم في" معرفة النصيحة الصائبة فيما يخص الأمور الخاصة به. أي: كيف يدبر أموره المنزلية، وفيما يخص الأمور المدنية، أي كيف يصير أعظم ما يكون قدرة على العمل والكلام في معالجة أمور المدينة والدولة."[30]

ويعد جورجياس (480-475ق.م) أيضا من أهم الفلاسفة الذين ينتمون إلى المذهب السوفسطائي. فلقد اختص بتدريس البلاغة والخطابة البيانية. كما اشتغل بالطبيعيات، واللغة، والجدل، والحجاج. وألف كتابا عنوانه( في اللاوجود)، يرتكز على ثلاث قضايا أساسية هي: أولا، لايوجد شيء. وثانيا، وإذا كان هناك شيء، فالإنسان قاصر عن إدراكه. وثالثا، إذا فرضنا أن إنسانا أدركه، فلن يستطيع أن يوصله إلى غيره من الناس.

وكان هدف جورجياس هو تكوين السياسيين والخطباء والبلاغيين من أجل الظفر بالمناصب العليا في الدولة.وفي هذا، يقول جورجياس:" إنني أتحدث عن القدرة على إقناع القضاة في المحاكم وأعضاء المجلس في مجلس المدينة، ومجموع المواطنين في مجلس الشعب، بفضل الخطب، باختصار، القدرة على الإقناع في أي جمع للمواطنين كيفما كان[31]."

وقد كدس جورجياس أموالا طائلة بفضل تعليمه المأجور.وفي هذا، يقول سقراط:" بالفعل، فجورجياس السفسطائي الليونتيني الذائع الصيت، أتى إلى هنا منتدبا من مدينته، بصفته الأقدر، من بين اليونتينيين، على التفاوض في قضايا الدولة، وحاز مجدا أثيلا لدى الجمهور بخطابته، وعلى الصعيد الخاص، كنز واستولى على أموال طائلة من هذه المدينة، بتقديمه دروسا وبمحاورة الشباب"[32]. وينطبق الشيء نفسه على بروتاغوراس وأفروديقوس على حد سواء.

وعليه، فلقد كانت الفلسفة السوفسطائية نقدا تحليليا للفلسفة الميتافزيقية الكونية والطبيعية، ولم يتخذ فلاسفتها مذهبا أو اتجاها فلسفيا معينا. ومن ثم، فلقد كانت تؤمن بالوجود الإنساني بدل الاهتمام بالوجود الفيزيائي الطبيعي، أو الانشغال بالوجود الميتافيزيقي، فالإنسان هو مقياس كل الأشياء. ولم ينظر السوسفسطائيون إلى الخطابة باعتبارها جدلا بل اعتبروها علما معرفيا حقيقيا، تعتمد على المهارة والبراعة والإتقان والحرفية.ولقد أصبحت البلاغة عند السفسطائيين لها القدرة على تثبيت القول الواحد، وتأييد نقيضه في الوقت نفسه، ومعارضة المذاهب الفلسفية بعضها ببعض[33].

ومن هنا، فلقد " ورث الفكر اليوناني عن هذه الحركة النقدية للسفسطة عداء متأصلا لم يقف عند حدود السفسطة، بل امتدت بعض آثاره إلى كل مظاهر الخطابة والبلاغة، أي: مجمل الفكر المؤسس على التقنيات اللغوية، مقابل تمجيد الطرائق البرهانية الخالصة المبنية على قواعد العقل وأصول المنطق.وقد انعكس هذا العداء في مجمل الفكر الذي تفاعل مع التراث اليوناني كما هو الشأن في قطاعات كبيرة من الفلسفة الإسلامية والفلسفة الغربية الوسطوية والحديثة وجزء غير يسير من المعاصرة.ونجد بقايا من هذه النظرة القدحية مبثوثة في نصوص الفلاسفة والمفكرين الذين تعاقبوا على امتداد هذه الحقبة، بل إن آثار هذه النظرة لاتزال قائمة إلى اليوم لدى عامة الناس الذين يتوجسون من شخصية الخطيب[34]، وينظرون إلى الخطبة كنوع من الكلام الأجوف الذي يكاد يخلو من المصداقية الواقعية."[35]

و ثمة إشارات منطقية أخرى عند السفسطائيين، ولاسيما عند جورجياس الذي أنكر الأنطولوجيا الممكنة في كتابه (المختصر في عدم وجود الذات/Traité du non-être).ومن ثم، فلقد رفض الحقيقة المادية للمنطق مستبدلا إياها بالمنطق الذاتي للغة. ويعني هذا أن الجدل السفسطائي يقوم " على أساس التلاعب اللغوي بمدلول الألفاظ.ولم يكن هم السفسطائيين البحث عن الحقيقة لذاتها، وإنما كانوا يتوسلون النجاح والمنفعة في حياتهم العملية، فاستعملوا الخطابة كوسيلة للإقناع والتأثير في سامعيهم، على اعتبار أن الخطابة تعتمد على زخرف القول والألفاظ البراقة أكثر من اعتمادها على العقل وحججه المنطقية.وكانوا يرون أن الإنسان هو مقياس كل شيء، فمايراه حقا فهو حق، ومايراه باطلا فهو باطل."[36]

ونفهم من هذا كله أن السوفسطائيين قد أنكروا مبادىء الميتافيزيقا، فاهتموا بظواهر الأشياء، وأعطوا أهمية كبرى للبلاغة والخطابة والجدل، وتعليم الناس مقابل أجر مادي لإشباع رغباتهم المادية والمعنوية. 

المبحث الرابع: تقويم حجاج التغليط 

تتمثل إيجابيات السوفسطائيين في كونهم رجال علم وتعليم وسياسة وخطابة وبلاغة، ينتقلون من مدينة إلى أخرى، وقد أسدوا خدمات جلى إلى البلاغة من جهة، والخطابة من جهة أخرى.وفي هذا الإطار، يقول هنري مارو (Marrou):" إن المشكل الذي سعى السفسطائيون في حله ونجحوا فيه هو، على العموم، تكوين رجل السياسة، لقد كان المشكل الأكثر استعجالا في عصرهم. فبعد أزمة حكم الطغاة في القرن السادس، بدأنا نرى حياة سياسية شديدة الحدة تحرك أغلب المدن اليونانية، وخاصة أثينا الديمقراطية: لقد أضحت ممارسة السلطة وتسيير الشأن العام الشغل الشاغل والنشاط الأكثر نبلا والأكثر تقديرا عند الإنسان اليوناني، كما صار الهدف الأسمى الذي يحرك طموحه...وقد جعل السفسطائيون تعليمهم في خدمة هذا المثل الأعلى الجديد للفضيلة السياسية: إعداد الذهن لمهنة رجل الدولة، وتكوين شخصية زعيم المستقبل، ذلك كان برنامجهم."[37]

ويعني هذا أن السفسطائيين كانوا واقعيين، وليسوا مثاليين كسقراط وأفلاطون، يعرفون واقعهم بشكل جيد.لذلك، ابتعدوا عن الأمور الميتافيزيقية، فاهتموا بعلوم الظواهر، واحتكوا بمجتمعهم بشكل عضوي، وربطوا تدريس العلم بالمقابل المادي، وهذا هو عين الواقعية البراجماتية، واهتموا بأمور السياسة من أجل تدبير أمور الدولة . ويعني هذا أنهم كانوا يصدرون عن منطق عملي مستقبلي منفعي صرف. وفي هذا، تقول جاكلين دوروميلي(De Romilly J.):" فكون بعض المعارف الفكرية قابلة لأن تبلغ وأنها ذات نفع مباشر، فإن كانوا يتقاضون أجرا فلأنهم كانوا يبلغون علما بشكل احترافي."[38]

وكان تعليم السفسطائيين خاضعا لسوق العرض والطلب.وفي هذا السياق، يقول أوكتاف نافار(Navarre .O):" في غياب دواع أكثر نبلا، هناك دافع عملي، كان سيقود السفسطائيين حتما لقصر أغنياء نبلاء، طموحهم المعلن أن يضطلعوا يوما بدور سياسي، فما كان هؤلاء يأتون سعيا وراءه، في مدرسة السفسطائيين، هو الأداة الضرورية لممارسة التاثير السياسي. أي: الخطابة."[39]

واهتم السفسطائيون كذلك بمجال التربية والتعليم .وفي هذا، يقول هنري مارو:" بسبب التنوع والغموض الذي يطبع أفكارهم، فإن هذه الأفكار كانت منفلتة لكي يسوغ ربطها بمدرسة معينة بالمعنى الفلسفي للكلمة: فليس من قاسم مشترك يجمعهم سوى مهنة التعليم."[40]

ومن إيجابياتهم أيضا أنهم " كانوا باختصار معلمين للخطابة، وفي الوقت نفسه فلاسفة بالمعنى القوي لهذه الكلمة، وكانت مذاهبهم تحرر العقول وتحفزها، وتشق لها طرقا غير معبدة. إن هؤلاء الفلاسفة الجدد- وينبغي عدم خلطهم بفلاسفتنا- باشروا بذلك ثورة ثقافية وأخلاقية حقيقية"[41].

ومن جهة أخرى، كانت نظرة معظم المفكرين إلى السفسطائيين نظرة سلبية قاتمة في عمومها، على أساس أن هؤلاء قد وظفوا العلم في غير موضعه الحقيقي، وربطوه بمقابل مالي ومادي.وفي هذا، تقول باربرا كاسان (B.Cassin):" من مجموع محاورات أفلاطون تنبثق الصورة التي ستصبح منذئذ سائدة عن السفسطائية.إنها فاقدة للاعتبار على جميع الأصعدة والمستويات.فعلى صعيد مبحث الوجودية، لايهتم السفسطائي بالوجود، بل يلجأ إلى العدم والعرَض. وفي المنطق لايبحث عن الحقيقة أو الصرامة الجدلية، بل عن الرأي والترابط المنطقي الظاهري والإقناع والغلبة في المقارعات الخطابية فقط. وفي علم الأخلاق والتربية والسياسة لايضع نصب عينيه الحكمة والفضيلة، سواء بالنسبة للفرد أو للمدينة، بل يسعى للسلطة الشخصية والمال.وهو فاقد للاعتبار حتى على صعيد الأدب، مادامت الوجوه البلاغية المستعملة في أسلوبه ليست سوى تصنع فارغ معرفيا."[42]

ويقول أفلاطون عن هؤلاء السفسطائيين الذين يعلمون مقابل أجر مرتفع على لسان سقراط الساخر، ولاسيما في محاورته المسماة بـ(دفاع سقراط):" ذلك ليس لأنني لا أعتبر القدرة على تعليم الناس أمرا جميلا، كما يفعل جورجياس الليونتيني وأفروديقوس الخيوسي وهيباس الإلياني.فهؤلاء الأشخاص المرموقون كانوا يجتذبون الشباب الذين بإمكانهم، بدون أي نفقة، أن يرتبطوا بهذا أو ذاك من مواطنيهم الذين يمكنهم الاختيار فيما بينهم.إنهم يعرفون كيف يقنعونهم بترك بني وطنهم والمجيء إليهم: فيدفعون لهم أجرا عاليا، ويعترفون لهم، فوق ذلك، بالفضل العظيم."[43]

ومن هنا، كانت صورة السفسطائيين دائما سلبية عند أعدائهم، وتتمثل في كونهم خاطئين ومغلوبين على أمرهم، وبعيدين عن الحقيقة اليقينية المطلقة. ومن ثم، يظهر السفسطائيون - حسب جيلبير ديربي (G.Dherbey) - «في وضع المغلوبين دوما ومسبقا، فهم ليسوا موجودين إلا ليكونوا على خطأ.[44]"

ومن السلبيات الأخرى التي ترتبط بالسفوسطائيين أن مجمل أفكارهم قد ضاعت، ولم تبق من آثارهم سوى شذرات ونتف وفقرات ومقاطع منثورة هنا وهناك، بمعزل عن سياقها الفكري والمجتمعي والتداولي ؛ وهذا ما حدا بجاكلين دي روميلي (De Romilly .J) إلى القول:" فكل مقتطفات سفسطائيينا لاتتجاوز، إذا جمعنا بعضها إلى بعض، عشرين صفحة[45]."

وأكثر من هذا لاتشكل السفسطائية، في الحقيقة، " مذهبا أو مدرسة فكرية قائمة الذات، بل هي اسم يطلق على طائفة من الفكرين عاشوا في النصف الثاني من القرن الخامس قبل الميلاد، تعددت مشاربهم واهتماماتهم، ولم يكن يجمع بينهم، كما يقول ديربي جلبير، سوى لحظة تاريخية ووضع اجتماعي[46]."

ومن ثم، فلقد تعرض الحجاج المغالطي عند السوفسطائيين لانتقادات عنيفة ووجيهة وسديدة من ثلاثة فلاسفة كبار هم: سقراط، وأفلاطون، وأرسطو.

ويعد سقراط أول فيلسوف يواجه الحجاج السفسطائي، فلقد واجههم بالجدل المفاهيمي، واستخدام الحوار التهكمي، بالاعتماد على البيان والنقد التوليدي؛ إذ توصل إلى أن السوفسطائيين يتلاعبون بمعاني الألفاظ. ومن هنا، فللحقيقة - حسب سقراط- قيمة فكرية وعلمية ومعرفية. لذا، يرد عند أفلاطون، في (محاورة جورجياس) على لسان سقراط، أن الحقيقة اليقينية هي التي نعتمد فيها على الحوار العقلاني البناء والجدل المنطقي والمناظرة الحجاجية الهادفة، دون اللجوء إلى استخدام الأكاذيب، وبلاغة المغالطة، وسفسطة الشك والمراوغة [47]. ويعني هذا أن الحقيقة يجب أن تكون موضوعية، تقال لذاتها، وتتسم بالحرية والنـزاهة والحياد والاستقلالية عند إبداء المواقف والآراء والمعتقدات، دون إكراه، أو ضغط، أو جبر.

أما أفلاطون، فلقد حاربهم وفق منطق جدلي متميز، باستعمال الجدل الصاعد والجدل النازل، والتمييز بين عالم محسوس زائف، وعالم معقول ثابت، وقد اعتبرهم حبيسي العالم الحسي المتغير، وهم غير قادرين عن التجرد للاطلاع على ثوابت عالم المثل.

وفيما يخص أرسطو، فلقد تسلح بالمنطق المعياري بغية إفحام الخصوم من السوفسطائيين الذين كانوا يعتمدون على المنهج المغالطي الذي ينطلق من مقدمات خاطئة للوصول إلى نتائج خاطئة، وكانوا يشككون الناس في معارفهم بصفة خاصة، والمعرفة الإنسانية بصفة عامة؛ إذ كانوا ينكرون الحقيقة، ويقولون باستحالة المعرفة، وصعوبة بناء حقائقها. لذلك، أسسوا منهجا شكيا في الفلسفة مع جورجياس وبروتاغوراس...

بيد أن أرسطو هو الوحيد الذي حارب السوفسطائيين بمقاييس المنطق، وقواعد الفكر، ومبادئه السليمة، بالتوقف عند أخطائهم وتناقضاتهم وأغلاطهم المنطقية.وقد اكتشف أغلاطهم على مستوى الألفاظ والمعاني، مادام السفسطائي يلتجىء إلى اللعب على اللفظ المشترك الدال على المعنى ونقيضه، واللعب بالإحالة والتقديم والتأخير، واللعب على الإسناد تفريدا وتركيبا، واللعب على إعجام الألفاظ وشكلها، والتلاعب كذلك بقسمة الألفاظ.

بيد أن هناك دراسات حديثة ومعاصرة قد دافعت عن الحجاج السفسطائي، وحاولت أن تستفيد من إيجابياته، والعمل على تجديده وتطويره في إطار حوار تداولي معاصر. وفي هذا، يقول رشيد الراضي:" ولاتزال هذه النصوص التراثية [السفسطائية]تحتفظ بقدر كبير من أهميتها حتى في عصرنا هذا، بل إن أهميتها تنكشف يوما عن يوم مع الانتشار الهائل لمظاهر الممارسة الحجاجية في ظل عالم أصبحت سمته هي التواصل، وخصوصا في صورته الحجاجية.وهذا ما يفسر عودة الباحثين المعاصرين في قضايا الحجاج والخطابة إلى كتب القدماء في هذا الباب، محاولين استخراج ما تزخر به من درر، وإعادة صياغتها بشكل تصير معه قابلية للإسهام في تطوير الممارسة الحوارية المعاصرة، وتجنبها السقوط في مظاهر العبث والمشاغبة السفسطائية التي تضر بالعلم وتفسد العمل.وللوقوف على هذه الحقيقة يمكن على سبيل المثال الرجوع إلى الكتاب الشهير لهامبلين (Hamblin) المعنون بـ ( السفسطات/Fallacies)[48]، وكذلك الوصف الدقيق الذي قام به كل من إيمرن وروب خروتندورست الهولنديين في مقالهما الشهير ( السفسطات من منظور تداولي جدلي)[49]، وأبحاث دوغلاس والتون في نخبة من كتبه ومقالاته[50]، وآخرون قد أعادوا إحياء درس السفسطة القديم في إطار المتطلبات النظرية والعملية المعاصرة."[51]

ويعني هذا كله أن هناك من قدح في المنهج السفسطائي التغليطي بالتوقف عن السلبيات فقط. وهناك من دافع عن منهجهم بتنقيحه وتطويره وتصويبه من أجل توظيفه في مجالات المحاورة، والمناظرة، والمساجلة، والجدال، والحوار الإعلامي والتواصلي...

المبحث الخامس: حجج المقياس المغالطي

يستند الحجاج المغالطي إلى مجموعة من التقنيات والآليات الإستراتيجية كالتناقض،والمفارقة، وغياب الأدلة والشواهد والحجج المقنعة، والمغالطة بالتجهيل، وسفسطة عبء التدليل، والدعوى الخاطئة، والتشكيك، والكذب، والتنصل من قول الحقيقة، وسفسطة المصادرة على المطلوب، وسفسطات التجريح (عورات العارض)، ورفض الدعوى المعروضة، وسفسطات السلطة[52] والقوة[53] والجاه، وتحوير الدعوى وتحريفها، والسفسطات الجماهرية (الاعتقادات العامة)، وسفسطة التعميم المتسرع، وسفسطة العاطفة، وسفسطة التأويل، إلخ...

ولقد أحصى أرسطو ست مغالطات على مستوى اللفظ هي: الاشتراك في اللفظ، والاشتراك في التركيب، والتركيب، والتقسيم، والإعجام، وصيغة اللفظ.في حين، هناك سبعة مغالطات على مستوى المعنى هي: المغالطات المتعلقة بالعرض، واستعمال العبارة في معناها المطلق أو المقيد، وعدم العلم بشروط التنفيذ، وموضع اللاحق، وموضع المصادرة على المطلوب، وموضع جعل ما ليس بعلة علة، وجمع مسألتين في مسألة واحدة[54].

وسنستعرض، الآن، أهم الححج التي اعتمد عليها السوفسطائيون في إفحام خصومهم، واستمالة الغير، وتغليط الآخر على النحو التالي:

الحجة الأولى: حجة تجريح الشخص

تهدف هذه الحجة إلى تجريح الشخص المتكلم، على أساس أن له عيبا يخدش شخصيته وأفكاره. ومن ثم، ترفض الفكرة أو الأطروحة المقدمة لا على أساس مضمون هذه الفكرة، بل على أساس عيب الشخص، وعلى أساس القدح والتجريح.ويشبه هذا، بشكل من الأشكال، ما يسمى عند علماء الحديث بالتجريح والتعديل؛ حيث ينكرون حديث الراوي بسبب عيب من العيوب التي يتصف بها.

الحجة الثانية: حجة أنت أيضا

 ترتبط هذه الحجة أيضا بحجة تجريح الشخص.ولكن هذا التجريح لايمس المتكلم فقط، بل يمس أيضا المخاطب، على أساس تبادل التهم والأغاليط. كأن يفند المحاج فكرة محاوره، ثم يواجهه بدوره بأنه هو أيضا قد دافع عن هذه الفكرة سابقا.

الحجة الثالثة: حجة الخبير

تحيل هذه الحجة على حجة العلم والسلطة والخبرة، كأن يستهدي المحاج، في دفاعه عن قضية ما، أو تغليط السامع، برأي خبير بارز لمراوغة الغير.

الحجة الرابعة: حجة المآل

 تلتمس صدق الفكرة أو كذبها بالنظر إلى النتائج المترتبة عليها، فإن كانت النتائج إيجابية، كانت الفكرة مقبولة، وإن كانت النتائج سلبية، فالفكرة مرفوضة من الأصل، وعدت كاذبة وغير صادقة.

الحجة الخامسة: حجة العاطفة

 يلتجىء المحاج أيضا إلى استخدام العواطف، والاستعانة بالباتوس الهووي لاستمالة الغير وجذبه إليه.

الحجة السادسة: حجة الاسترحام:

تستدعي هذه الحجة الرحمة والشفقة لإقناع خصمه بصحة فكرته ووجاهتها، وتقبل ظروفه الخاصة والعامة.

الحجة السابعة: حجة السخرية

 يلتجىء المحاج، في تغليط المخاطب، إلى أساليب السخرية والاستهزاء بدل التوسل بالحجاج المنطقي السليم والمنسجم.

الحجة الثامنة: حجة الإغاظة

يلتجىء المحاج أيضا، قصد تغليط المخاطب، إلى إثارة غيظ الآخر وغضبه وحنقه قصد التأثير في موقفه من الدعوى.

الحجة التاسعة: حجة العصا أو التخويف

 يلتجىء المحاج إلى آليات التخويف والترهيب، واستعمال العنف المادي والرمزي من أجل التأثير في الغير وإفحامه، ويسمى هذا بالتطرف الفكري.

الحجة العاشرة: حجة رجل القش

 تهدف هذه الحجة إلى " تهوين الرأي الذي تتم محاورته، بإعادة بنائه على نحو يصير من اليسير نقضه وبيان تهافته، بحيث يكون من ينسب إليه هذا الرأي كرجل القش الذي يتهاوى بضربة واحدة توحي بأن منتقد الفكرة قد أقام الحجة على فسادها فعلا. إن الأمر يتعلق إذا بتحريف وتزييف يطال رأي الطرف الذي تتم محاورته قصد الاقتدار على كسره بأيسر سبيل.[55]"

ويعني هذا أن هذه الحجة تهدف إلى إفحام الخصم بضربة قاضية، باستعمال منهج التغليط بشكل مباشر، وتزييف الحقائق بعضها أو كلها.

الحجة الحادية عشرة: حجة عبء التدليل

يقصد بها التهرب من عبء التدليل؛ لأن تسفيه رأي المخاطب وتهوينه هو، في الحقيقة، تهرب من مواجهة الرأي الآخر بالحقيقة اليقينية، والأدلة المقنعة. ويمكن تسميتها أيضا بحجة التهرب؛ لأن المحاج ليس له أدلة وبراهين لمواجهة الخصم.

الحجة الثانية عشرة: حجة المصادرة على المطلوب

ويقصد بها إدراج النتيجة في المقدمات" التي يلزم إقامة الدليل على صدقها، وذلك حتى يتوهم المخاطب أن هذه النتيجة من المقدمات المسلمة، وقد يتم هذا الإدراج إما صراحة أو بصورة ضمنية...

وواضح وجه السفسطة في هذا الأسلوب، فوضع النتيجة ضمن المقدمات لايعني بالضرورة أنها صادقة ما لم يقم الدليل على ذلك، وإلا سنكون كم يدور في حلقة مفرغة، بحيث إذا سأل المعترض عن الأصل في صدق النتيجة، يحال على المقدمات، فيجد نفسه مرة أخرى أمام النتيجة نفسها المراد تأصيل صدقها، ومن هنا كانت تسمية هذه السفسطة بالدور، أما تسميتها بالمصادرة على المطلوب، فلأن المطلوب هنا هو النتيجة التي ينبغي إقامة الدليل على صدقها، فبدل ذلك نصار عليها ونجعلها ضمن المقدمات[56]."

ويعني هذا أن هناك من السفسطائيين من يوهم المخاطب بصحة مقدماته في البداية على أنها من المسلمات اليقينية، ولكنها زائفة وواهية لايمكن الاعتماد عليها.

الحجة الثالثة عشرة: حجة الحداثي

 يحاجج المتكلم الغير، ويحاول إقناعه سفسطائيا بصدق قضيته، على أساس أنها ترتبط بالحداثة والتجديد من جهة، أو تقترن بفلسفة ما بعد الحداثة من جهة أخرى. بيد أن هذه الدعوى التي تتأسس على الحداثة حجة واهية ليس لها دليل منطقي أو استدلال معقول.

الحجة الرابعة عشرة: حجة التراثي

تعاكس هذه الحجة ما سبق أن قلناه في حق حجة الحداثة. وتتأسس هذه الحجة على أن الفكرة أو القضية صادقة ويقينية، مادامت هي قضية أصالة، وترتبط بالتراث ارتباطا وثيقا. كما يبدو ذلك جليا في كتابات التراثيين السلفيين الذين يعدون التراث أساس الحداثة والتقدم والتنمية.

الحجة الخامسة عشرة: حجة التعميم المتسرع

تعد حجة التعميم من الحجج الواهية التي يلتجىء إليها السفسطائيون للدفاع عن قضاياهم وأفكارهم. بيد أن هذه الحجة تنقصها العينة التمثيلية لكي تكون صادقة في توصيفها للمجتمع الأصل، كقولنا : كل المغاربة فقراء، أو كل الوزراء لصوص، أو كل التلاميذ غشاشون...فهذا التعميم متسرع، تنقصه الأدلة والحجج الإحصائية الصادقة.

الحجة السادسة عشرة: حجة السببية الزائفة

يدافع المحاج على قضيته بدعوى أن ثمة سببا ونتيجة يتحكمان في الدعوى.بيد أن السببية قد تكون زائفة، ولاعلاقة لها بالنتيجة. ومن ثم، تتخذ السببية الظاهرة حجة لتعضيد الدعوى وتقويتها ومساندتها.بيد أنها حجة خادعة ومضللة وغير مقنعة .

الحجة السابعة عشرة: حجة المنحدر المنزلق

تعني هذه الحجة أن يدعي" الفرد لزوم وقوع حدث ما كنتيجة لحدث آخر دون أن يدلل على ذلك بحجج مقبولة، وهي كما يبدو قريبة من السفسطة السابقة، فهما يشتركان معا في الاستغلال السيء لما يسمى بالحجاج السببي.وتبلغ هذه السفسطة حدودها القصوى حين يوهم المسفسط بأن هناك سلسلة من النتائج المتعاقبة المترتبة على حدث ما، دون الاستناد في ذلك إلى أي دليل مقبول..."[57]

ويعني هذا كله أن هناك من السفسطائيين من يستغل الرابط السببي ليوهم المخاطب بصدق قضيته ووجاهتها وصحتها، على الرغم من أنها واهية وغير صحيحة أصلا.

الحجة الثامنة عشرة: حجة ما يراه الناس

قد يعتمد الاستدلال والحجاج على رأي أغلبية الناس باعتبار ذلك حجة، مادامت تستند إلى رأي الأغلبية أو الأكثرية، على أساس أن الأغلبية لاتخطىء، وما اجتمع عليه الناس فهو بمثابة إجماع وحجة صادقة، لايمكن أن يصلها البطلان أو الكذب أو الافتراء. بيد أن الحقيقة أن ما يراه الناس ليس دائما صحيحا أو صادقا.

الحجة التاسعة عشرة: حجة ماجرى به العمل

تعد حجة ما جرى العمل به من حجج الأكثرية، مادامت تستند إلى رأي أكثر الناس. وهي من أقدم الحجج في التراث العربي الإسلامي، فقد التجأ إليها الفقهاء المالكيون في إصدار مجموعة من الفتاوى، كما يتضح ذلك جليا في مذهب مالك بن أنس. ويعني هذا أن حجة العمل بالسلوك أو التصرف قاعدة مشروعة وصحيحة وصادقة ويقينية لايمكن الطعن فيها، مادامت قائمة على العادة والتكرار والاستمرار.

وللتمثيل: " قال سيدنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه:"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"كل ذلك يفرض على القاضي أن يبحث في التراث الفقهي على ما يستند عليه في حل يستند عليه في محل المعضلة التي بين يديه،فإذا لم يسعفه الراجح أو المشهور بحث حتى في الأقوال الضعيفة، والمهم عنده أن تبقى أحكامه داخل إطار الشريعة لا تخرج عليها، إذا تبعه القضاة على ذلك،كنا أمام ما يسمى بالعمل أو بالعمليات الفقهية، أو ما يسمى بما جرى به العمل[58]."

ويعني هذا أن ما جرى به العمل حجة رئيسة في الفقه المالكي، بيد أن السفسطائي يمكن أن يستعين بها لتغليط الخصم، أو تزييف الحقائق والقضايا.

الحجة العشرون: حجة ما يهوى الجمهور

غالبا، ما تستعمل هذه الحجة في معرفة مواقف الرأي العام، والاستعانة بأذواقهم المختلفة والمتنوعة.بيد أن هذه الحجة مجرد سفسطة واهية وغير مقنعة، فكيف يمكن الاحتكام إلى أهواء الجمهور وميولهم ورغباتهم في معرفة فنان حقيقي؟ أو معرفة مبدع أو مسرحي أو شاعر ما؟ أو اختيار فيلم سينمائي وترجيحه على باقي الأفلام السينمائية الأخرى؟ أو انتقاء لوحة تشكيلية ما؟ ولاسيما إذا كان الجمهور لايفقه لغة السينما، ولايعرف قواعد الموسيقا، ولايفهم أصول التشكيل وقواعده الفنية والجمالية؟ 

الخاتمة: 

وخلاصة القول، لقد تمثل السفوسطائيون عدة أطاريح فكرية جادة كالأطاريح الإبستمولوجية المعرفية التي تنطلق من التصورات البراجماتية والنفعية والظاهراتية ؛ والأطاريح السياسية التي ركزت على الرؤية الوضعية على أساس أن الإنسان هو مقياس كل شيء؛ والأطاريح القيمية التي ترى أن الشخص هو الذي يحدد مفهوهه الخاص للحقيقة والفضيلة، مادامت الحقيقة نسبية وغير موجودة أصلا.

ويعني مصطلح السوفسطائي(Un sophiste) المدرس، والخطيب،والحكيم، والمتخصص في المعرفة. وقد كان السوفسطائيون بارعين في الخطابة والبلاغة والجدل في أثينا، وبالضبط في القرن الخامس قبل الميلاد، وضمن سياق سياسي ديمقراطي. ولقد ظهر السوفسطائيون في عهد سقراط. وكان هدف هؤلاء إقناع الآخرين، والتأثير فيهم بواسطة البلاغة والخطابة وعلم الجدل والمناظرة. ولقد اتخذ مصطلح(السوفسطائي)، عند سقراط وأفلاطون، مفهوما قدحيا سلبيا، ينم عن لغة التهكم والسخرية والهجاء والتعريض. وقد عرف أفلاطون السوفسطائي بأنه ذلك الشخص المستغل الذي يدرس أبناء الطبقات الغنية أو المتميزة مقابل أجر. وقد خص أفلاطون السفسطائيين بمجموعة من المحاورات لمناقشتهم بطريقة حوارية ساخرة، متهكما من مفهومهم النسبي للحقيقة، ومنتقدا مقاييسهم الاستدلالية الخاطئة. وإذا كان السوفسطائيون ينكرون الحقيقة، ويشككون فيها، فإن سقراط يرى أن ثمة حقيقة واحدة هي حقيقة الخير، والجمال، والحق.

ولقد ثار سقراط وأفلاطون معا على هذا النوع من التعليم الشعبي السفسطائي، مستخدما في ذلك الجدل والتهكم والحوار التوليدي. وقد ساهم الفيلسوف كسينوفان أيضا في مواجهة السوفسطائيين على غرار سقراط وأفلاطون.كما دحض أرسطو أقيسة السوفسطائيين في كتابه (الأرغانون)؛ حيث خصص مبحثا للرد على دعاوى السوفسطائيين في كتابه ( التفنيدات السفسطائية).

ومن جهة أخرى، لقد استخدم السوفسطائيون مجموعة من الحجج لتغليط المخاطبين تتعلق بحجج الألفاظ، وحجج المعاني، وحجج المفاهيم، وحجج الصور.بيد أن هناك من استفاد من أفكارهم في مجال التربية والتعليم والمرافعة، أو في مجال الجدل والخطابة والبلاغة؛ بل هناك من طور المنهج السفطائي بشكل إيجابي مثمر بغية استخدامه في المحاورات والمناظرات والتواصل الإعلامي والحواري والجدلي.

 

د. جميل حمداوي

 ..............................

[1] - عبد العالي قادا: الحجاج في الخطاب السياسي، كنوز المعرفة، عمان، الأردن، الطبعة الأولى سنة 2015، ص:203.

[2] -ابن رشد: تلخيص منطق أرسطو، كتاب سوفسطيقا، المجلد السابع، دار الفكراللبناني، بيروت، لبنان، ص:672.

[3] - رشيد الراضي: الحجاج والمغالطة، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:13.

[4] - عبد العالي قادا: نفسه، ص:205.

[5] - كان كسينوفان فيلسوفا وقائدا عسكريا ومؤرخا وشاعرا متجولا، ينتقل من مكان إلى آخر. وكان مفكرا انتقائيا، وكتب أكثر من خمسة عشر مؤلفا في السياسة، والتاريخ، والفلسفة، والأخلاق، والتعليم. وقد واجه السوفسطائيين بحدة.وقد تأثر كثيرا بأستاذه سقراط.لذلك، اهتم بالأخلاق أكثر من اهتمامه بالميتافيزيقا. أي: لم يعن بالمشاكل الميتافيزيقية والطبيعية كما فعل الفلاسفة المالطيون والفيتاغوريون، بل اهتم بالمسائل الأخلاقية والدينية.وقد تعلم كسينوفان على سقراط وإيسقراط(Isocrate)[5].

[6]- Xénophon (trad. Pierre Chambry), Les Helléniques. L'Apologie de Socrate. Les Mémorables : Xénophon, Œuvres complètes, t. III, Flammarion, 1967 ; Eugène Talbot, Xénophon. Œuvres complètes, t. 1 : Les Helléniques. L’Apologie de Socrate. Les Mémorables, Garnier-Flammarion, 1859.

[7] -Voir Aristote, Organon et notamment les Réfutations sophistiques, où il catalogue les principaux types de sophismes : Cfr. La Rhétorique, ouvrage d’Aristote dans lequel il les définit comme des « semblants d’enthymèmes ».

[8] - Jean Jacques Rebrieux : Eléments de rhétorique et d’argumentation, Dunod, Paris, 1993, p : 9.

[9] - رشيد الراضي: الحجاج والمغالطة، ص:13.

[10] -Jean Houssaye, Premiers pédagogues : de l'Antiquité à la Renaissance, EME Éditions sociales françaises (ESF), 2002

[11]-Kerferd, G.B., Le Mouvement sophistique, trad. A. Tordesillas, Paris, Vrin, 1999 [Le spécialiste anglo-saxon de la sophistique].

[12] - Dupréel, E., Les Sophistes. Gorgias, Protagoras, Prodicus [sic], Hippias, Neuchâtel, éd. Du Griffon, 1944.

[13] -Romilly, J. DE, Les Grands Sophistes dans l’Athènes de Périclès, Paris, Livre de Poche, 1988.

[14]- Kerferd, G.B., (éd.) The Sophists and their legacy, Wiesbaden Steiner, 1981.

[15]-Dupréel, E., Les Sophistes. Gorgias, Protagoras, Prodicus [sic], Hippias, Neuchâtel, éd. Du Griffon, 1944.

[16]-Guthrie, W.K.C., Les Sophistes, trad. J.-P. Cottereau, Paris, Payot, 1971.

[17]- A. Boulanger, Aelius Aristide et la sophistique dans la province d'Asie au IIe siècle de notre ère, Paris, 1923, 1968.

[18]- (en) T. Whitmarsh, the Second Sophistic, Oxford, 2005.

[19] -B. P. Reardon, Courants littéraires grecs des IIe et IIIe siècles après J.-C., Les Belles Lettres, 1971. 

[20] - ترتبط أيضا بالموسوعيين السفسطائيين الذين يكتبون في مجالات متنوعة، وفي كل شيء، كشيشرون، وفارون، وبلينت في عصر الرومان؛ وفولتير، وديدرو في العصور الحديثة...

[21] -L. Pernot, La rhétorique de l’éloge dans le monde gréco-romain , 1993 ; B. Puech, Orateurs et sophistes grecs dans les inscriptions d'époque impériale, 2002. 

[22] -E. Amato (s. la dir. de), Approches de la Troisième Sophistique, Latomus, 2006.

[23] -Levi, A., Storia della sophistica, Naples, 1966.

[24]-Romeyer-Dherbey, G., Les Sophistes, Paris, PUF: "Que sais-je? » 1985.

[25] - أميرة حلمي مطر: الفلسفة اليونانية تاريخها ومشكلاتها، دار قباء للطبع والنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، طبعة 1998م، ص: 120.

[26] -Jean-Paul Dumont, Les Sophistes. Fragments et témoignages, PUF, Paris 1969.

[27] - Platon, La République, Livre II, 379 b, trad. Émile Chambry.

[28] - يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، مصر، الطبعة الأولى سنة 1936م، ص:46.

[29] - يوسف كرم: نفسه، ص:46.

[30] - أفلاطون: في السفسطائيين والتربية (محاورة بروتاغوراس)، ترجمة: عزت قرني، دار قباء، القاهرة، مصر، طبعة 2001م، ص:83.

[31] -Plato:Gorgias,traduction.M.Canto, Garnier, Flammarion, Paris, 1993, P: 135(452d-453b).

[32] -Platon: Hippias ou du beau, in Œuvres de platon, T 4, trad Victor Cousin, Bossage frères-Libraires, Paris, 1827, p : 100.

[33] - مراد وهبه: المذهب في فلسفة برغسون، دار وهدان لللطباعة والنشر، مكتبة الأنجلو صرية، القاهرة، مصر، الطبعة الثانية، 1978م، ص:15.

[34] - يقول إيفور أرمسترونغ ريتشاردز: " فهي اليوم (الخطابة) أكثر القفار إيحاشا وأقلها فائدة عند المبتدىء في اللغة الإنجليزية، فقد انحطت حتى صرنا نفضل أن نطوح بها إلى الجحيم، عن أن نكلف أنفسنا عناءها" من كتاب (فلسفة البلاغة) لـ إ.أ.ريتشاردز، ترجمة: سعيد الغانمي وناصر حلاوي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 2002م، ص:13.

[35] - رشيد الراضي: الحجاج والمغالطة، ص:14.

[36] - مهدي فضل الله: مدخل إلى علم المنطق، دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية 1979م، ص:10(الهامش).

[37] -Marrou H.I : Histoire de l’éducation dans l’antiquité, Tome 1, Le monde grec, 6édition, Seuil, Paris, 1964, pp : 84-85.

[38] -De Romilly J: Les grands sophistes dans L’Athènes de Périclès,Editions de Fallois,Paris,1988, p :27.

[39]- Navarre .O : Essai sur la rhétorique greque avant Aristote, Librairie Hachette, et Cie, Paris, 1900, pp : 28-29.

[40] -Marrou H.I : Histoire de l’éducation dans l’antiquité, p : 87.

[41]- De Romilly J: Les grands sophistes dans L’Athènes de Périclès,Editions de Fallois,Paris,1988, p :32.

[42] -Cassin B : L’éffet sophistique, Gallimard, 1995, p : 10.

[43] -Platon : Apologie de socrate, in Œvres de platon,T1,Trad Victor Cousin,Rey-Libraire,Paris,1846,pp :67-68.

[44] -Dherby Gilbert: les sophistes, 4 édition.Que Sais-je? P.U.F, 1995, p : 4.

[45] -De Romilly J: Les grands sophistes dans L’Athènes de Périclès,Editions de Fallois,Paris,1988, p :13.

[46] -الحسين بنو هاشم: بلاغة الحجاج- الأصول اليونانية، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى سنة 2014م، ص:82.

[47] - انظر: أفلاطون: الجمهورية، ترجمة: فؤاد زكريا، دار الكتاب العربي، مصر، طبعة 1968م.

[48]- C.L.Hamblin: Fallacies, Methuen Co Ltd, London 1970.

[49] -Frans H.Van Eemeren et Rob Grootendorst:(Fallacies), in Pragma-Dialectical perspective, Argumentation, Vol, 1, pp :283-301.

[50] -Douglas Walton, Plausible Argument in Everyday Conversation, SUNY Press, 1992;The New Dialectic: Conversational Contexts of Argument. Toronto: University of Toronto Press, 1998. 

[51] - رشيد الراضي: نفسه، ص:15.

[52] - سفسطة السلطة إشارة إلى من يملك السلطة من السياسيين والعلماء ورجال الدين والأدباء.

[53] - تعني سفسطة القوة سفسطة العصا والتخويف والتهديد.

[54] - للاستزادة انظر الحسين بنوهاشم: نفسه، ص:118-125.

[55] - رشيد الراضي: نفسه، ص:33.

[56] - رشيد الراضي: نفسه، ص:39.

[57] - رشيد الراضي: نفسه، ص:44.

[58] - ما اشتهر في كتب أهل العلم نسبة هذه المقالة: "تُحْدَثُ للناس أقضية بقدر ما أحدثوا ‏من الفجور"، إلى الخليفة: عمر بن عبد العزيز، رحمه الله، وقد بحثت عن إسنادها فلم أجد من رواها مسندةً، ورأيت ابن حزم (ت 456هـ) حكم عليها بالوضع في كتابه الإحكام (6/ 109)، وأول من رأيته نسبها إلى عمر بن عبد العزيز هو ابن أبي زيد القيرواني (ت 386هـ)، وتبعه الناس على ذلك، ورأيت بعضهم نسبها إلى الإمام مالك رحمه الله، كابن بطال (ت 449هـ) في شرح البخاري (8/ 232)، وتبعه على ذلك ابن المنير في المتواري (ص 36)، وابن حجر في الفتح (13/ 144).

 

علي محمد اليوسفتمهيد: يعتبر وعي الذات مبحثا فلسفيا مجمعا على تناوله لدى العديد من الفلاسفة، لما له من ارتباط وثيق بالانسان كوجود عاقل مفكر ناطق، وارتباط وعي الذات ايضا في التخارج مع الموضوع جدليا، وعلاقتهما الاثنين (الوعي والموضوع) باللغة والعالم الخارجي.

ان وعي الذات (الخالص) الذي اشار له سارتر هو وعي (بذاته)، وفي التعبير الفلسفي يعني (نومين/ وجود في ذاته)، وفي هذا النوع من الوعي يلازمه استحالة انسانية، ان يكون الوجود الانساني افتراضا (وعيا بذاته) بمعنى الثابت الذي يحمل ماهيته وصفاته وظاهرياته، ولا يمكن التاثير فيه او تحريكه او التفاعل معه بوعي مشترك متبادل معه انسانيا، لذا فهو وعي بذاته مكتسب كل الاستقلالية عن الانسان والعالم الخارجي في عدم وعيه ولا ادراكه للطبيعة من حوله. والوعي في ذاته هو الموجود الافتراضي الذي لا يعقل غيره او لاحاجة له بذلك، ولا يمتلك قدرة تغيير الاشياء والموجودات من حوله او تبادل الادراك معها. وهذا النوع من الوعي الوجودي يمكننا اعتباره وجودا افتراضيا لا يلازم وعي الوجود الانساني (لذاته) الذي هو صفة انسانية طبيعية نوعية في وعي الوجود. الوعي الذاتي الخالص الذي لا يحتازه الانسان الطبيعي السوي، هو وجود لا يتعيّن ادراكه بوعي وجوده ولابوعي الآخرين لوجوده. وامثلته عديدة في ظواهر طبيعية او خارقة للطبيعة. فالله وجود (بذاته افتراضا) لا حاجة له في وعي الانسان او الطبيعة به، وكذلك الطبيعة في كل موجوداتها ومظاهرها واشيائها لا حاجة بها في ان تعي الوجود الانساني لها وتعجز هي عن ذلك في امكانيتها ادراك الوجود الانساني المستقل عنها، او ان يعي بعضهما البعض الاخر تخارجيا.لذا تبقى حاجة الانسان لوعي الطبيعة والاستفادة منها قائمة، في وقت الطبيعة لا تعي ذاتها ولا تعي غيرها من الموجودات والكائنات فيها او من حولها. ان وعي الذات الانسانية الطبيعية هو في ان يعقل الانسان وجوده وفي ان يعقل وجود الموجودات والاشياء في الطبيعة وفي العالم الخارجي من حوله. والانسان وعيه لذاته والاخرين من نوعه او من غير نوعه. وهو وجود انساني متغير لذاته كونه متعالقا وجودا متغايرا مفارقا وجوده الذاتي على الدوام متفاعلا مع الاشياء والطبيعة من حوله التي هي في حالة حركة دائبة مستمرة، توجب الانسان ان يكون جزءا منها، مفارقا متخارجا معها من دون وعي الطبيعة لهذه العلاقة مع الانسان.

كيف يعي الانسان نوعه والطبيعة؟

ان الانسان ذات وموضوع في وقت واحد، فكر وتعبير، يتبادلان الادراك التناوبي التخارجي، فالانسان يدرك الموضوع ويعيه حسّيا وعقليا، ويتناوله تفكيرا ماديا او خياليا، ويعبر عن هذه العلاقة لغويا. والانسان يعي ذاته الفردية عقليا ايضا، بخلاف مع الموضوع غير (الانسان) الذي لا يشترط به ادراك ذاته ولا الطبيعة لا داخليا عقليا ولا خارجيا في علاقة تناوبية متخارجة مع الموجودات والاشياء كما يفعل الانسان. فالموضوع يكون مادة يدركها الانسان بمقدار اهميتها وحاجتها له، وهي اي المواضيع لا تدرك ولا تعي الانسان في وعيه لها، وهذه العلاقة الوعوية الادراكية بين الانسان والموضوع المادي تختلف عن علاقة ادراك الانسان للانسان من نوعه. فالطبيعة موضوع لا يبادل الانسان في الادراك، وكل شيء في الطبيعة يكون موضوعا مدركا ثنائيا بشرط ارتباطه التعالقي المتخارج بمن يدركه وهو الانسان.بمعنى ان الانسان يدرك ذاته ويدرك غيره من نوعه انسانا آخر كما يدرك الطبيعة موضوعات مستقلة عنه لا تدركه ولا تعي ادراك الانسان لها.

باختلاف جوهري هو قدرة الانسان العقلية والمحسوسة في ادراك الانسان الموضوعات والاشياء من غير نوعه في الطبيعة بكيفية مختلفة عن ادراك الانسان لانسان من نوعه في كيفية مغايرة وتخارج. ولا يدرك الانسان غيره من نوعه بنفس (الكيفية) التي يدرك بها الاشياء في الطبيعة. فادراك الانسان لنوعه اي الانسان الآخر، يكون ضمن علاقة جدلية وتخارجية نوعية، لا يمارسها الانسان في ادراكه الموضوعات في الطبيعة، فالطبيعة لا تبادل الانسان وعيها به، فادراك الانسان للانسان من نوعه هو تبادل وعي عقلي ادراكي بوعي ادراكي يماثله او يتقاطع معه في جوانب خلافية او غير خلافية، اما وعي الانسان للطبيعة يختلف حين يكون الادراك الانساني لها احاديا من جانب واحد فقط، والطبيعة لا تدرك نفسها ولا اهمية تعالقها بوعي الانسان لها. ان الانسان في هذه الحالة يدرك ذاته وموضوعه معا، في وقت لا يدرك ويعي الموضوع ذاته – باستثناء الانسان حين يكون موضوعا لغيره من نوعه كأنسان – ولا يعي الموضوع غير الانسان بوعيه به. ربما تتمتع الطبيعة بنوع من الروحانية وانواع من التمظهرات المادية والجوهرية ايضا التي يدركها الانسان ويتعامل معها، لكن كلتا الحالتين لا تمتلكان عقلا منظّما يديرهما في وعي الذات لنفسها اوفي وعيها الاخروالموضوعات، وهنا تعتبر الطبيعة في تجليّاتها المادية وغير المادية الروحانية الساحرة وجود اصم ابكم لانها غير عقلانية حتى في قوانينها التي تحكمها وتحكم الانسان معها بها في استقلالية عن الانسان.

علاقة وعي الذات الانسانية القصدية والديناميكية

اخذ الفلاسفة الماديون الماركسيون ومعهم فلاسفة الوجودية سارتر وهيدجر، ان الوجود سابق على الوعي به، بخلاف الفلاسفة المثاليين الذين يرون العكس من ذلك ان وجود الاشياء في الطبيعة هو الذي يحدد نوع الادراك والوعي بها.

الشيء الاكثر اهمية ان بعض الفلاسفة غير الماركسيين لم يكتفوا بذلك بل ذهبوا بأن وعي الوجود الذاتي يقترن ب (قصدية) كما في تعبير هوسرل، واضاف هيدجر ان وعي الذات مرتبط ارتباطا وثيقا ب(هدف) يسعى تحقيقه اطلق عليه(ديناميكية) وعي الذات، معتبرا ان ديناميكية وعي الذات هو الوعي الحقيقي الفاعل في وجود الانسان في تعالقه المتعايش مع جميع ظواهر الطبيعة من حوله وفي كونه جزءا لايتجزأ من الكلية المجتمعية التي تحتويه. وهذه الديناميكية الهيدجرية مستمدة من هوسرل استاذه في الدعوة ان وعي الذات لا يكتمل الا بارتباطه بنوع من القصدية الهادفة التي اشرنا لها يحققها له اندماجه بالكلية المجتمعية سلبا او ايجابا. واراد سارتر اقتفاء اثر هوسرل وهيدجر في ان وعي الذات لا يكتفي من اجل اثبات وجوديته الفردية السلبية كما هي في كوجيتو ديكارت في ارتباطها بالتفكير المجرد، ودعا سارتر الى ان وعي الذات الاصيل هو الالتزام بالحرية المسؤولة التي ينوء بحملها الانسان الفرد كونه كينونة اجتماعية يحمل همومها وتبعاتها بمسؤولية عن ذاته ومسؤولية عن نوعه الانساني في مجتمعه والعالم، رغم ان انسان سارتر يعيش عدمية وجوده الملازمة له الذي تقعده عن ممارسة اي نوع من الالتزام.

وعي الذات فينومينولوجيا (ظاهراتيا)

بضوء التمهيد السابق نناقش رأي ميرلو بونتي المحسوب على اقطاب البنيوية في اللغة وحفريات علوم المعرفة، في تعالق وعي الذات بالظاهراتية (الفينومينولوجيا) التي جاء بها هوسرل في الفلسفة الحديثة، التي ترجع ارهاصاتها الاولية الى فلسفة افلاطون (بالمثل) وفلاسفة آخرين قبل وبعد افلاطون، الى ان وضع ارسطو حدا لها بعد ان دامت شغّالة فاعلة ما يقارب قرون طويلة، اعلى فيها ارسطو شأن العقل في تأكيده على الانسان في وجوده الارضي وليس في عالم المثل الافلاطونية. وظلت اراء ارسطو فاعلة ومؤثرة بفكرالقرون الوسطى الاوربية، الى ان انتهى مآلها في النهضة الاوربية في القرن الثامن عشر وما بعدها وتم تجاوزها في تبني اولوية الانسان والعلم ومنجزاته بما اطلق عليه عصر الحداثة.

يقول ميرلوبونتي: (نظرية الظواهر ترتبط ارتباطا مباشرا بوعي الذات، فهو ليس حقيقة خارجية خالصة، ولا عملا عقليا صرفا).(1) عبارة دقيقة وصحيحة وهي امتداد لمقولات هوسرل وهيدجر وسارتر ليس من حيث الصياغة الفلسفية لغويا، بل من حيث المعنى الذي تستبطنه اللغة التعبيرية في احشائها كمحمول دلالي تأويلي متعدد.ان الذات تعي ذاتها ليس بتجريد عقلي خارج موضوعات العالم الخارجي، وفي تعبيره ان الوعي ليس عملا عقليا صرفا هي ادانة لكوجيتو ديكارت فقط، ولا يمكن الاخذ بالكوجيتو من حيث الدلالة الوظيفية للعقل والادراك والشيء المدرك والمعبر عنه لغويا او بغير اللغة، ويأتي التوضيح لا حقا.

ان ظواهر الاشياء التي يدركها العقل حسيّا – داخليا تتم في عملية (تخارج) متبادل جدلي بين الوعي ووجود الاشياء الخارجية، وهذه العملية التخارجية الجدلية لا تجعل من الوعي وجودا خارجيا مستقلا، كمثل وجود الموضوع غير الانسان المدرك عقليا ذاتيا في وجوده الخارجي المستقل في الطبيعة، وان التخارج المتبادل بين الذات والموضوع وتعالقهما لا يلغي استقلالية وجودهما المفارق كلا عن الاخر، لكنهما في هذا التخارج التعالقي بينهما يتحدد وعي الوجود من جهة ويتعين وجود الاشياء المدركة والموضوعات من جهة اخرى.والقول بان وعي الذات ليس عملا عقليا صرفا ادانة صائبة بحق مقولة ديكارت المثالية السلبية في الكوجيتو (انا افكر اذن انا موجود) على ما تحمله من تأويل فلسفي متعدد متضاد في تعبيرها ومعناها انه وعي مثالي سلبي لا مادي رغم الاجماع الفلسفي على ان ديكارت هو ابو الفلسفة الحديثة في تركيزه اعتماد التفكير الفلسفي العقلي الذي يسهل مهمة العلم، لكن في الكوجيتو الديكارتي حصر ديكارت اثبات الوجود في/ عن ناتج التفكير الذاتي المجرد المكتفي بذاته في اثبات وجوده، ويعتبر ديكارت امكانية وعي الذات في التفكير العقلي المحض الذي يحدد الوجود المادي المفكّر به، وبذلك يمكننا ادراك الذات تفكيرا عقليا مثاليا خياليا. كما يصبح وعي الذات تفكيرا خارج ادراك وجود العالم الخارجي المستقل بالتعبير عن ذاتيته الوجودية باللغة او غيرها من وسائل اثبات الوجود. وان وعي الذات (الديناميكي) كما عند هيدجر، والوعي (القصدي) الهادف كما عند هوسرل لا يتحقق الا في تخارج الوعي التناوبي مع موضوعه في جدلية ديالكتيكية. تعطي الذات فاعليتها الوجودية، وتمنح الموضوعات وجودها المتعالق بالوعي والادراك الحسي والعقلي لها، كما تعطي كلا من الذات والموضوع تمايزهما النوعي باستثناء وعي الانسان بمثيله النوعي الذي هو الانسان في تبادلهما الادراك بكيفية مغايرة عن علاقة وعي الانسان بالموضوعات والاشياء.

الاشياء ومواضيع العالم الخارجي ومظاهره التي لا تحصى كثرتها هي وجود مستقل سواء جرى ادراكها او بعضها ام لا، ووعي الذات كما ذكرنا لا قيمة حقيقية وجودية له في حال احتفاظه بوجوده المستقل بذاته عن ادراك الاشياء (نومين)، لذا يستلزم وجودهما (الذات والموضوع) في تخارج جدلي متبادل بينهما كي يأخذ كل منهما معناه ووجوده وماهيته. وبذا يمكننا اعتبار وعي الذات الديناميكي الهادف، انما يكون وجودا انسانيا لذاته، كنتيجة لعملية التخارج المتبادل مع الموضوع، الكفيل به وعنه وبواسطته يكون اثبات وجودهما الانطولوجي لكليهما معا الذات وموضوعه المدرك.

وفي عودتنا الى ميرلوبونتي قوله (يكون الموضوع حقيقة مباشرة تفرض نفسها امام الوعي، والموضوع يتوقف على الوعي به من حيث هو جوهرفي وجوده)(2) .

هنا كي نعتبر هذا التعبير صحيحا فلسفيا منطقيا،علينا تحديد نوع وماهية الموضوع كي يكون الوعي ملزما في تقبّله وفرض ادراكه على الوعي الانساني به، واذا كان الموضوع يمتلك جوهرا اوماهوية لها اهميتها في الزام ادراكه باعتباره جوهرا على حد تعبير ميرلوبونتي، فليس كل موضوع يحمل جوهرا يلزم الذات الانسانية ادراكه في عملية تخارجية معه، لا بد لنا من معرفة طبيعة ونوع واهمية وخصائص الموضوع الذي يطرح نفسه امام الوعي به كألزام وجودي لادراكه. ولا يكفي ان يكون للموضوع جوهرا، كي يلزم الوعي الذاتي ادراكه ودراسته، كما ان جوهر الموضوع لا يسبق ادراك(الموضوع) ذاته كوجود وكينونة مستقلة واحدة، ربما تحمل حمولات ماهوية تلزم الذات وعيها بها او احتمال كبير ان لا تمتلك كل الموضوعات مثل هذه الخاصية المسماة جوهرا تكون ملزمة للادراك، فليس كل الاشياء مهمة وصالحة وضرورية ان تكون مواضيع ادراك ذاتي وعقلي محايث يعنى بها الانسان في وعيه لها واهتمامه بها.

ويعتبر ميرلوبونتي (انه لا فكر خارج العالم او خارج الكلمات) (3). وهي عبارة صحيحة من حيث ان الفكر الذي يتأمله العقل مادة للتفكير في قطيعة وصمت تعبيري عن العالم الخارجي يكون معطّلا وجوده خارج العقل، وكذلك كي يكون الفكر متعيّنا وجودا خارج ذاتيته يتوجب عليه ان يتوّسل الكلمات الشفاهية الكلام او اللغة المنطوقة او المكتوبة او اية وسيلة تحقق تواصلها في التعبير عن وجود الفكر الكيفي خارجيا.

ان الفكر والكلمات (اللغة) في الصمت الذاتي هي حوار وتفكير جوّاني يحتويه حيّز العقل وظائفيا، ويكون الفكر بهذا هو موضوع التفكير في استثارته العقلية ايضا غير مفصح عن تحققه الوجودي خارج ملكة اللغة في التعريف به وفي التعبير عنه. والافصاح اللغوي عن الموجودات والاشياء لا يتم فقط بلغة التواصل والتداول العادية (الكلام اوالكتابة او الصورية او حتى في الاشارية والرمزية)، فهناك مثلا تعبيرات لغوية لا تحتاج ان تكون اللغة فيها منطوقة او مكتوبة او صورية او حتى اشارية وتبقى تداوليتها واستقبالها صمتا يديره العقل بافصاحات حركية يقوم بها (الجسد) نيابة عن اللغة تواصليا، كما في التعبير اللغوي الكامن في الجماليات النحتية واللوحات والفنون التشكيلية برمتها.وكذلك في طقوس العديد جدا من العبادات الدينية التي تكون ايضا فيها اللغة في حالة كمون وجداني ايماني روحاني لا تحتاج اللغة المسموعة او المنطوقة فيها تعبيرا محتاجا لها.وكذلك في رقص الباليه في اعتماد حركات الجسد لغة ايحاء تواصلي صامت بمرافقة الموسيقا، ومثلها في المسرح الصامت الذي يتوّسل الجسد حركيا ايمائيا بعيدا عن اللغة في التداول المعهود تواصليا ايضا بمصاحبة الموسيقا التصويرية. كل هذه التجليات تكون اللغة اوالفكر في حالة كمون عقلي وليس كما يدعي ميرلو بونتي لا يوجد فكر خارج الكلمات. فجميعها تعبيرات لا تتوسل الكلمات في التواصل الخارجي، بل تتوسل لغة الايحاءات داخل التفكير العقلي الذي يفصح عن نفسه خارج اللغة المنطوقة او المكتوبة.

من جهة اخرى فان العقل يعقل نفسه والعالم الخارجي في كل شيء، ولا يعمل التفكير العقلي في فراغ او في عدم وجودي ولا في فراغ او عدم لغوي، فالتفكير العقلي هو (الفكرة ولغتها) في ادراك موضوعها. والعقل في الوقت الذي يعقل ذاته صمتا تخييليا فهو يعقل الاشياء المادية والمجردة منها ايضا على السواء، ولا يوجد منطقة (عدم) لا يكون تفكيرالعقل السليم فيها حاضرا في دور محوري يدخل من ضمن وظائف العقل تراتيبيا، الا في استثناء الحالات المرضية كالجنون والموت او غياب الوعي او الانفصام او الذهان المرضي وغيرها من الحالات المرضية التي يعتبر العقل فيها ميّتا سريريا لا يمتلك وعيا ولا تعبيرا.

فالعقل يدرك الموجودات عقليا ماديا، ويدرك ويفكر في الموجودات والاشياء التي ينعدم التفكير المادي بها وجوديا لكن العقل يفكر بها خياليا تجريديا ويعقلها في غير وجودها المادي مثل وعيه بالقيم الروحية والاخلاق والجمال وغيرها. وفي كلتا الحالتين فالعقل لايعمل في فراغ عدمي يمنعه من التفكير لا في ادراكه المواضيع المادية في العالم الخارجي، ولا في تفكيره الخيالي التجريدي الذي لا يعتبر فيه تفكير العقل لاغيا لمجرد عدم افصاحه عن الموضوع المفكر به عقليا لغويا او بالكلمات.فالفكر مادة في العقل قبل ان يكون مادة في الواقع، و يستطيع الفكر التعبير عن المادي والروحي والقيمي تجريديا منطقيا معجزا ولغويا دالا متقنا.

وعي الذات بين هوسرل و سارتر

الآن ارى ان نعقد مقارنة بين عبارة ميرلوبونتي التي ناقشناها من وجهة نظرنا (انه لا فكر خارج العالم او الكلمات) وعبارة سارتر ذات العلاقة (ان الوعي الخالص هو فينامينولوجيا جامعة تذهب الى ما يقصد اليه الوعي من اشياء).(4)

ميرلوبونتي لم يكن موفقا في اشتراطه الجمع بين الفكر في العالم الخارجي ومثله في الكلمات كتعبير صامت في الذهن او معبّرا عنه. يكون فيه تداخل الفكر بالعالم الخارجي هو افصاح تعبيري لغوي او غير لغوي في اثبات وجود الاشياء، اما ان الفكر لا يكون خارج الكلمات حسب تعبير ميرلوبونتي، فهو خطأ اثبتنا عدم صحته في سطور سابقة، اذ يمكن ان يكون الفكر خارج الكلمات، في فعالية العقل التفكير بالاشياء تجريديا خياليا.مثل الفكرة الصامتة في الذهن، او التفكير الصامت المعبر عنه في ايحاءات وايمائيات وحركات الجسد الذي لا تلازمه اللغة او الكلمات ولا يحتاج ملازمة اللغة التعبيرية عنه. فقط استحالة انعدام الكلمات يكون عندما يراد التعبير عن الاشياء والموجودات وفي التواصل الاجتماعي في تبادل الافكار في الواقع الذي هو العالم الخارجي فالعقل يفكر حتى اثناء النوم في تداعيات اللاشعورالحلمي، ويفكر في ايضا في حالة اللاشعور الالهامي في حلم اليقظة.

اما عبارة سارتر ان الوعي الخالص هو ما يقصده الوعي من اشياء، فهو اراد بها اخراج الانسان من عدمية الوجود الى نوع من الوعي المطلوب وجوديا هو الوعي (لذاته) والوعي في الكلية المجتمعية، كي لا يخرج سارتر عن فهم هوسرل للذات ان يكون لها قصدية، وفهم هيدجر ان وعي الذات يمتلك ديناميكية شغالة تربطها بالاشياء والعالم الخارجي في تخارج جدلي مفروض على الوعي الذاتي الوجودي.

ان الوعي (الخالص) الذي اراده سارتر هو في تناقض مع مفهوم ميرلوبونتي ان الوعي لا يوجد خارج الكلمات، بل وجوده مفروض عليه ان يكون جزءا من العالم الخارجي وفي الطبيعة وفي المجتمعية الانسانية امرمحال الغنى عنه. الوعي الخالص الذي قصده سارتر لا يتحدد وجوده في صمت اللغة وفي ادراكها عقليا للاشياء والموضوعات تأمليا تجريديا خياليا. الوعي الخالص ان لا يكون الانسان نومينيا، اي ان يكون وجودا (في ذاته) فقط مثل وجود صخرة او شجرة او نهر الخ.

سارتر في فلسفته العدمية السوداوية اراد انقاذ الوجودية ان تميت الانسان الف مرة وتقعده عن ديناميكية الحياة، وهو منعزل عن الاخرين الذين هم الجحيم، لذا عمد الى مهادنة الماركسية والفلسفات المثالية في البنيوية في اقراره الصاغر بان الوعي الخالص لا ينطبق على وجود انساني الا بانتسابه لمنظومة اجتماعية تحتويه شاء ام ابى ذلك.

يدرك سارتر جيدا ان الوعي الخالص في وعي الانسان ذاته خيالا عقليا مجردا عن اي انتماء او موضوع يتخارج معه هو محال فقال عبارته الشهيرة (يتوجب علينا مغادرة انا افكر اذن انا موجود)، وادرك هوسرل قبله هذه الحقيقة قائلا وعي الذات يقترن ب(قصدية) كما ادركها بعده هيدجرقائلا وعي الذات الحقيقي يقترن ب(الديناميكية).

تتمة الموضوع في ج2

 

الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف/الموصل

.......................................

الهوامش

1- ميرلوبونتي، نقلا عن عبد الوهاب جعفر، الفلسفة واللغة، ص 105

2- نفس المصدر السابق ص 106

3- نفس المصدر السابق ص 107

4- نفس المصدر السابق ص 58

 

كيف يمكن تجديد دور المثقف في عصر رقمي وعالم متغير؟

سؤال نعتقد أنه راهني بامتياز، يطرح نفسه على لحظة تاريخية جديدة، يعاد فيها تشكيل دور المثقف بفعل التحولات السريعة التي يعرفها العالم المعاصر، إن على المستوى السياسي، أو على مستوى الطفرة التكنولوجية وطفرة التشبيك وتقنيات التواصل، أو على صعيد الانخراط في مجتمع المعرفة، وما يترتب عن ذلك من انقلاب في مفاهيم المثقف وأدواره المطلوبة.

ينطلق هذا السؤال من إحدى قواعد فلسفة التاريخ التي ترى أن رحلة الحضارات وانتقالها من مستوى تواصلي إلى مستوى آخر، يستلزم التشخيص والبحث في كيفية التعبير عن حالة الوعي بتلك النقلة، عبر الوسائل التواصلية المتاحة، وأن كل تحول تاريخي انتقالي يستلزم إعادة صياغة القول في مفهوم المثقف ودوره.

يستند السؤال أيضا إلى قاعدة النقد الذاتي التي ترى أن فكر المثقف وآليات اشتغاله ينبغي أن تخضع - من مرحلة لأخرى- لعملية اختبار وفحص ومساءلة، لكسر الرتابة والقيم الجاهزة، ومواكبة تحولات المرحلة الجديدة. ونحسب أن مرحلة التحولات التاريخية الكبرى، ومن بينها الحالة الراهنة التي انتقلت فيها البشرية إلى مربّع عالم متعولم ، وعصر رقمي، وانتقل المجتمع العربي  بعد زلزال 2011 المعبّر عنه بالربيع العربي إلى عتبة زمن جديد، وإعادة تشكيل للخارطة السياسية التي بعثرت أوراق الانتقال الديموقراطي، تشكل محكّا حقيقيا لامتحان قيمة الدور الذي يقوم به المثقف اليوم، وتشريحه بمبضع النقد والمراجعة في ضوء هذه المتغيرات الجديدة، ووضع الأصبع على مواطن العطب التي تكتنفه، وتعديل ما يستوجب الصواب، ثم تقديم البدائل والتصورات المحسوبة، لضخّه بطاقة جديدة، وإعادة ترتيب آليات اشتغال المثقف بما يجعله أقدر على التكيّف مع مستجدات الواقع و"نوازل" التطور المعرفي، وترويض أدواره بما يلائم التحولات التاريخية، وتدبير المرحلة الجديدة تدبيرا فكريا ملائما، وتأسيس قواعد جديدة في الفعل الثقافي العربي، واستنبات ثقافة جديدة تصبو إلى زحزحة المواقف والقناعات الراسخة، والثوابت، واليقينيات، والمطلقات السماوية منها والأرضية، وإعادة النظر في المقدمات والخيارات الناظمة للعمل الثقافي.

ترتكز فرضياتنا أيضا إلى إحدى المقولات السوسيولوجية التي نحتها المفكر الفرنسي "بورديو" Bourdieu ، رفع فيها من قامة المثقف، وجعله محرّكا للتاريخ، ومساهما في نحت منعرجاته الكبرى، حين أكد أن (أقوال المثقفين تساهم في صنع التاريخ وفي تغيير التاريخ)؛ وإن كان العالم العربي لا يزال على مستوى خريطة البحث والدرس يشكو من شحّ الدراسات التي تختبر هذه المقولات، وتسبر أغوار دور المثقف في زمن التحولات التاريخية، والمنعطفات الكبرى (خاصة منعطف الزمن الرقمي)، بهدف استنباط وإبداع أنجع الخيارات الثقافية التي تجعله إيجابيا وفاعلا في حفر مجاري تلك التحولات، ومشاركا في بناء معمارها. 

ومن الفرضيات الأولية التي نؤسس عليها النظر كذلك لتشريح  دور المثقف في ظل التحولات التاريخية التي يشهدها العالم، أن مهمة المثقف لا تكمن في تغيير المجتمع، وهي الفكرة التي ظلت سائدة ردحا طويلا من الزمن في أوساط المثقفين، بل تتجسد مهمته في فهم كيفية تغييره، ومن ثم فإن التحولات هي التي تحدد دور المثقف، وليس الأخير هو الذي يحدّد دوره فيها بناء على مقاسه الخاص. وتأسيسا على ذلك، نقترح بسط النظر في مسألة تجديد دور المثقف انطلاقا من عمق التحولات العالمية، وخاصة مجتمع المعرفة، من خلال مثلث إشكالي على النحو التالي:

1- يتمثل الضلع الأول من المثلث الإشكالي في البحث عن تصورات لتجديد آليات اشتغال المثقف من خلال التواصل الشبكي المنفتح، بدل الاقتصار على الإنتاج الورقي، وهي الآليات التي تسمح له بالتواصل مع أكبر جمهور افتراضي، ليصبح متفاعلا معهم، وينتقل المتلقي من مربّع المستهلك لمقولات المثقف، إلى مشارك في إنتاج الفعل  الثقافي.

2- مراجعة المشاريع الفكرية للمثقف بما يناسب القضايا المعرفية المستعجلة، من قبيل التفكير في تجاوز أعطاب الأطوار الانتقالية للمجتمعات العربية، وتخصيب أرضية الانتقال الديموقراطي، وآليات الإصلاح الديني، والمشاركة في إيجاد حلول للصراعات الإثنية والطائفية،  وتطعيم كل هذه القضايا المستعجلة بأسئلة إبداعية تراعي المتغيرات الدولية والإقليمية.

3- يرتكز الضلع الثالث من سؤال تجديد دور المثقف العربي على تغيير "مكان" تواجده، من خلال توسيع مساحات حضوره، وتجاوز الحضور التقليدي داخل أسوار الجامعات ومقرّات الأحزاب ومكاتب النقابات، إلى الميادين والساحات العمومية، للمشاركة في الحركات الاحتجاجية السلمية الحضارية، والحلقات النقاشية الفكرية، وإلقاء المحاضرات في قلب الميادين، على غرار ما قام  بعض المثقفين الأمريكيين الذين انخرطوا في حركة Occupy wall street من أمثال نعومي كلاين وجيفري ساكس، والروائية الكندية مارغريت أتوود، وعالم اللسانيات الكبير نعوم تشومسكي الذي ألقى محاضرة في ساحة الاحتجاج ببوسطن. لذلك أحسب أن تجديد دور المثقف محكوم بجملة أسئلة يمكن اختزال أهمها في ثلاث أسئلة مركزية:

1- إلى أي حد تشكّل المتغيرات العالمية، خاصة هيمنة مجتمع المعرفة والعصر الرقمي، موجها ناظما جديدا لأدوار المثقف؟ وكيف ينعكس ذلك في إعادة مراجعة مفاهيمنا للمثقف ودوره؟

2- كيف أثّر الوضع الإقليمي بعد ثورات الربيع العربي في بناء ذهنية عربية جديدة تحتّم مراجعة أسلوب أداء المثقف وآليات اشتغاله، وتأسيس مرجعية جديدة لتوجهاته وهو يقف على عتبة تحولات كونية وإقليمية ما فتئ إيقاعها يتسارع منذ بداية الألفية الثالثة؟

3- ما هي حدود القول بأدوار جديدة للمثقف العربي في سياق خيار استراتيجي له ملامحه وعناوينه المتجسدة في حضوره في مواقع التواصل الشبكي، وتواجده في الساحات والميادين للدفاع عن قيّم الحرية والديموقراطية، وممارسة دوره التنويري حفاظا على مكاسب الثورات العربية؟

للأجوبة عن هذه الأسئلة بقية ... ( يتبع)

 

ا. د. إبراهيم القادري بوتشيش

 

 مقدمة: الانحياز المعرفي: (Cognitive bias) هو نمط من الانحراف في اتخاذ الأحكام يحدث في حالات معينة، ويؤدي إلى تشويه للإدراك الحسي أو حكم غير دقيق أو تفسير غير منطقي، أو ما يسمى عموماً باللاعقلانية .(1)

هو نمط من الانحراف في اتخاذ القرارات يحدث في حالات معينة، ويؤدي إلى تشويه في الموضوعية والحكم غير الدقيق أو التفسير غير المنطقي، أو ما يسمى عموماً باللاعقلانية.

الانحياز بشكل عام يؤثر على صناعة القرار وأحياناً يؤدي إلى إلغاء الفكرة الصحيحة بناء على موروثات الانحياز التي تكون بمثابة الحكم الأول والأخير على الأشياء وأحياناً الحكم الخاطئ على الأشياء .

مفهوم "نمط من الانحراف" يتضمن في ثناياه معيار المقارنة مع ما هو مُتوقع أو ماهو صحيح، وهذا قد يكون حكم الناس خارج هذه الحالات المعينة، أو قد تكون مجموعة من الحقائق التي يمكن التثبت منها بشكل مستقل. خلال الست عقود الأخيرة تم التعرف على مجموعة انحيازات معرفية ومتطورة باستمرار، وكذلك اكتشافها كان قائماً على بحوث في اتخاذ الحكم عند الناس وصناعة القرار في العلوم المعرفية وعلم النفس الاجتماعي وعلم الاقتصاد السلوكي.

 

الانحيازات المعرفية هي حالات أو شواهد من السلوك الذهني المتطور. يُحتمل أن يكون بعضها مُتكيف لأنها -على سبيل المثال- تؤدي إلى إجراءات أكثر فعالية تحت سياقات معينة أو تمكن من اتخاذ قرارات أسرع عندما تكون القرارات الأسرع هي الأعلى قيمة (حدس مهني). وأخرى تنتج عن نقص الآليات العقلية المناسبة (العقلانية المحدودة) أو ببساطة بسبب الضوضاء الذهنية والتشويه. 

تناول أي قضيّة لابد إن نحلل النسق فيها، لأنها بالأساس حصيلة تفاعل: (المفاهيم، والأفكار، والأدوات الرابطة )، ومنهنّ يتشكل المعنى للنسق؛ إي إن العلوم الإنسانيّة بوصفها نسقا ًيستمد معناه من أجزاءه وهو بدوره يمنح هذه الأجزاء معنى .

فعندما نتناول المفهوم بوصه اصطلاحاً متفق عليه إجرائياً بين مجموعة من العلماء من اجل توصيف أو شرح حالة معيىنة .يعد أمراً ضرورياً، أولاً من أجل فهم الحالة وثانيا من اجل الوصول بطريقة منهجيّة إلى نتيجة بالاستدلال، ومن ثم تحمل المسؤوليّة في الكشف عنها .

وبالآتي فان المفهوم هو أيضاً يظهر مستوىً من التراكم المعرفي وصل إليه الباحث أو المنظومة المعرفيّة أو الخطاب، تظهر المستوى الحضاري والفكري في إطار معين لمدّة من الزمن، ثمّ يتبع ذلك محاولة تقنين هذه المعرفة .

فتحليل نسق معرفي أو مفهوم، هي حالة تهدف إلى معرفة الحقيقة ثم قولها للقارئ الذي له الحق في الفهم والتقويم .

فان -مفهوم التحيز في العلوم الإنسانيّة، هذا المفهوم يصف ظاهرة معرفيّة لها وقعها في تطور المعرفة وعلاقتها بالواقع الذي يفترض أنها جاءت من أجل تحليله وكشف العوائق التي يواجهها الإنسان فيه أي الواقع .

المبحث الأول: مشكلة التحيُّز ونقدها في الفكر الغربي 

إلا إننا وجدنا أن هذه المناهج التي جاءت بها العلوم الإنسانيّة، قد أنتجت الكثير من المشاكل والكثير من التحيز الإيديولوجي .في تعاملها داخل الثقافة الغربيّة أو خارجها . أولا تناول طبيعة المشكلة، ثانياً:النقد الغربي لها من قبل مدرسة فرانكفورت أو نقد ما بعد الحداثة وثالثاً:نقد التحيز المسيري أنموذجاً:

أولاً: تناول طبيعة المشكلة:

إن تناول طبيعة المشكلة يعني أخضاعها إلى التأمل والتدبر، وهما آليتان أسهمتا إلى حد كبير في كشف المعاني والهفوات التي تسببت بالمشكلة وهذا يتطلب إخضاعها إلى النقد من خلال إخضاع تلك المسيرة العلميّة التي مثّلتها الحداثة بكل تحولاتها المهمة بالقراءة الواعيّة وهناك الكثير من الدراسات خاضت هذا البعد التحليلي التفسيري من أجل الكشف والتشخيص .هناك بشكل أولي ثمة " الفرضيّة " إذ من الممكن أن نتخذ منها مساراً في تفكيك الحجج أو النظام الذي تقوم عليه تلك العلاقة القائمة بين العلوم الطبيعيّة والعلوم الإنسانيّة التي كانت تسمى في الثقافة الألمانيّة بعلوم الروح تميزا لها عن العلوم الطبيعيّة .

يبدو أن النجاح الذي أحرزته العلوم الطبيعيّة من تحولاتها من النظريّة الآليّة في الفيزياء مع كبلر وغاليلو ومروراً بنيوتن كانت قد تراكمت المنجزات في حقولها المتنوعة . وقد تميّزت تلك العلوم الطبيعيّة بموضوعها ومنهجها عن العلوم الإنسانيّة (أو علوم الروح) وبالآتي لا يمكن الحديث عن منهج عام مشترك يمكن أن تشترك به العلوم سواء كانت طبيعيّة أم إنسانيّة ومرد هذا إلى الموضوع؛ فالعلوم الطبيعيّة تتعامل مع موضوع خارجي قابل للمراقبة بموضوعيّة؛ أمّا موضوع العلوم الإنسانيّة فهو موضوع عرضه إلى التغير المستمر .

وقد ترك هذا الأثر تأثيره في ظهور مناهج مختلفة لكل من العلوم الطبيعيّة المختلفة عن العلوم الإنسانيّة .

لكن هذا الأمر كان خافياً على المدرسة الوضعيّة التي أرادت أن تقلد العلوم الطبيعيّة بنجاحها عبر انتهاج مناهج مأخوذة من العلوم الطبيعيّة تم تطبيقها على الإنسان .

وهنا ظهرت " الإشكاليّة" فاذا كان موضوع العلوم الطبيعيّة هو الطبيعة، وهدفها الأساسي هو البحث عن الثابت، والنسقي، والمتكرر، لذلك لا يصعب عليها أن تدرس الظواهر باعتبارها أشياءاً خارجيّة لا ترتبط بالإنسان، وبوعي الجماعة.

أما موضوع العلوم الإنسانيّة، فهو السلوك الإنساني، لذلك فإنّ أي تحريف يسعى إلى الخلط بين الموضوعين، سيؤدي إلى نتائج مضللة، لأنّ ذات الفكرة ستكون حاضرة بالضرورة أثناء معالجته لموضوعه، فلكي يضبط تسلل أحكامه الجاهزة المسبقة، عليه أن يقننها ويعيها، باختصار، عليه أن ينطلق من تصور فلسفي يحدد خطوات بحثه، وأن يكون واعياً بالموقف الأيديولوجي الذي يصدر عنه، لهذا يجب أن نفصل بدقّة، بين الموضوعيّة في العلوم الطبيعيّة، والعلوم الإنسانيّة.

إذاً تظهر علاقة بين المكاسب المرجوة ومن كل منهج، مثلما يبن الحدود لكل منهج مقترنة بطبيعة الموضوع، بالآتي إذا ما بحثنا عن "الاشكلة " يظهر لنا إن كل علم هو بمثابة شبكة من المفاهيم تربط بينها علاقات وأواصر يمكن التعبير عنها بشكل صريح أو ضمني .

فاذا ما حاولنا التحليل لهذه " الاشكلة " التي ظهرت عندما حاولت العلوم الإنسانيّة تقليد العلوم الطبيعيّة بالحصول على درجة عالية من الموضوعيّة، عبر استعارة وتقليد (المناهج الوضعيّة بهدف تطبيقها على موضوعه، مُدعياً أنه بعمله هذا يبعد التشويش الأيديولوجي، فإنّه سيقع في مشكل أكبر، هو اشتغال الأيديولوجيّة في لا وعيه، وتأثيرها في بحثه بشكل ضمني، يمكن أن يغلف حقيقة الواقع) .(2)

إماإذا حاولنا إن التوضيح أو البرهنة على عقم هذا الإجراء وقصوره ساعتها نبين إن وظيفة البرهنة هنا تحاول توضيح أفكار والمفاهيم سعيا إلىفهم الواقع .وكشف التحيز الذي أصاب العلوم الإنسانيّة:

ففي الوقت الذي كانت فيه العلوم الطبيعيّة بحكم موضوعها ومنهجها، تبحث عن جوهر ثابت تبني فوقه مفاهيمها.فإن علوم الإنسان، تبحث بما هو كائن، مّا العالم الاجتماعي فهو في وضع مختلف، إذ أنّ مجال اهتمامه الكلّي يتغيّر، فلا وجود لكيانات دائمة في المجال الاجتماعي، حيث يقع كلّ شيء في نطاق التَّدفق التاريخي(وينسحب الشيء نفسه على الكيانات السيسيولوجيّة الأخرى، مثل المدينة، فيلزم أن ندرك جوهرها، كما تقول الحجة التاريخانيّة، وأن نصوغها في شكل تعريف)(3). ثم إن العلم الإنسانيّة تعاني انتفاء الموضوعيّة وذلك بتغليب طابع النزعة الذاتيّة والميولات الشخصيّة على البحوث الاجتماعيّة والإنسانيّة، وتتجلى الذاتيّة (4)؛ لكن رغم هذا التمايز فان العلوم الإنسانيّة حاولت التقليد؛ إلا أنها لم تحقق المراد فكانت الحصيلة، إن العلوم الطبيعيّة تطورت إلى مرحلة أبعد بكثير من تطور العلوم الاجتماعيّة في الحاضر وحتى على ما يبدو في المستقبل القادم. وعلى الرغم من أن العلوم الطبيعيّة تختلف عن العلوم الاجتماعيّة من حيث المنهج العلمي المستعمل في الدراسات والبحوث، فإننا نجد ذلك بينما تعتمد العلوم الطبيعيّة على الطريقة العمليّة المحسوسة القائمة على التجريب والاستقراء والقياس والتطبيق للتأكد من صحة النتائج التي يتم التوصل إليها، نرى أن العلوم الاجتماعيّة قاصرة على عن بلوغ هذا المستوى، عرضةً للتغيير والنقد من حين إلى آخر، على الرغم من استعمال العلوم الاجتماعيّة لأحدث المبتكرات التكنولوجيّة الآن. (من المسلّم به أن الظاهرة الإنسانيّة والاجتماعيّة غير ثابتة ومستقرة ما دامت تتصل بالإنسان.)(5) هذا جعل المنهج العلمي المطبق في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة، يختلف بعض الشيء عن ذلك المطبق في العلوم الطبيعيّة، خاصة من حيث الدقة؛ وذلك بسبب الاختلافات في طبيعة المشاكل والظواهر في الميدانين، وبسبب الصعوبات والعقبات.

ثانيا: النقد الغربي لها من قبل مدرسة فرانكفورت:

ظهرت نقود غربيّة ضد التحيُّز النتاج عن توظيف مناهج العلوم الطبيعيّة على العلوم الانسانيّةعلى الرغم من اختلاف الموضوع بينهما، وهذا اضفى (نتائج سلبيّة جدالاً يمكن الاعتماد عليها في تصنيف الظواهر وضبطها، لاسيما أنها تتأثر بالسلوك الإنساني المعقد).

لقد طرحت مدرسة فرانكفورت مشروعاً نقدياً هيمن عليه التشاؤم، لكل تمظهرات الوعي المصاحب للمنجز العلمي –التكنولوجي: (التسليع والتشيؤ والأداتيّة والفن المبتذل وانحطاط الوعي) .

وهذا مردّه الى طبيعة الموضوع مما خلق مشكلة التشيؤ أي التعامل مع الانسان وكأنّه شيء جامد في حين يمتاز موضوع العلوم الانسانيّة بكونه ديناميكي وهومحور العلوم والدراسات الاجتماعيّة، وهو أكثر الكائنات تعقيداً كفرد أو كعضو في الجماعة، فالسلوك الإنساني يتأثر بعدّة عوامل (مزاجيّة ونفسيّة) لدرجة تربك الباحث الاجتماعي(6). مما خلق ردوداًللأفعال عند مدرسة فرانكفورت كون تلك المناهج قد قامت بـ(استعمال الطريقة المختبريّة في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة وهذا ناتجٌ أساساً عن صعوبة وضع الظواهر الاجتماعيّة تحت ظروف قابلة للضبط والرقابة، كما في العلوم الطبيعيّة)(7) ويبدو أنّ النقد الذي عبّرت عنه المدرسة كان يتمثّل في (أن نقد النزعة العلميّة، هو نقد عميق لربط العلم بالبعد التطبيقي الذي يعتمد على رؤيّة ميكانيكيّة، غايته الموضوعة التي تجعل الإنسان بمثابة بضاعة وأداة للاستعمال).

هذا النقد نجد آثاره واضحة في ما آلت إليه العلوم الإنسانيّة من هيمنة الخطاب العلمي القادم من العلوم الطبيعيّة، ونجد أيضاً هناك من الباحثين من يجد إن ابتعاد العلوم الإنسانيّة عن المنهج العلمي قد أضعفها وجعل منهاجها يعاني من عدم الدقّة في المفاهيم في العلوم الإنسانيّة....(8)

المبحث الثاني: نقد التحيُّز في العلوم الإنساني عربيا

"المسيري أنموذجاً" 

في مقاربة نقديّة تدرس التحيُّز من الناحيّة الفكريّة والمفهوميّة ومقاربة حقول متنوعة، من حيث البحث العلمي وآلياته القسريّة، التي يفترضها الباحث على صعيد الموضوع المدروس في موضوعات متنوعة في حقول: (علم الاجتماع وعلم النفس والسياسة والتاريخ والإعلام والتعليم والمعلومات والشريعة وقضايا المرأة)، وقد تمّت مقاربتها نقدياً على الصعيدين النظري والتطبيقي وقد تم اختيار نماذج متنوِّعة من هذه الدراسات النقديّة من أجل تبيان موقفهم من التحيُّز .

هناك انتقادات تم توجيهها إلى نظريات الانحيازات المعرفيّة بناءً على حقيقة أن طرفي المناظرة يدّعون كثيراً أن أفكارهم مترسِّخة في الطبيعة البشريّة وأنها ناتجة عن الانحياز المعرفي، في حين يدّعي كل طرفٍ منهم أن أفكاره الخاصّة هي الطريقة الصحيحة للتغلب على الانحياز المعرفي. والسبب في ذلك ليس ببساطة أن المناظرة لم تقم جيداً، لكنّها مشكلة أساسيّة تنبع من أن علم النفس يقدِّم نظريات انحياز معرفي متضاربة وتستعمل في إثبات وجهات نظرها بشكل لا يقبل الإبطال.(9)

لكنّ الدكتور المسيري (رحمه الله) عندما استوقفته إشكاليّة التحيُّز عند دراسته للظواهر الإنسانيّة اختار المصطلح: "التحيُّز"؛رجوعاً إلى المعجم اللغوي العربي، وفيه: أن التحيُّز يعني الانضمام والموافقة في الرأي وتبنّي رؤيّة ما، مما يعني رفض الآراء الأخرى. وقد اختار هذا المصطلح ليطلقه على مجال جديد لدراسة ظاهرة إنسانيّة من صميم المعطى الإنساني، وهي مرتبطة بإنسانيّة الإنسان، كما كان يرى، وهي ظاهرة التحيُّز(10)

ومن الممكن أن يكون هذا التعريف هو الباب الى توصيف إشكاليّة الانحياز في العلوم الإنسانيّة الغربيّة كما يرصدها المسيري وهو يقارب الأمر بنقديّة نحاول أن نمر عليه بعجالة في هذا الملخص:

لذلك فكل مصطلح هو وليد بيئة ثقافيّة يظهر اجتهاداً لأهلها فالمصطلحات الغربيّة نتجت عن تجربة حضاريّة غربيّة، لها سياقها الخاص، وبالمقابل يفترض أن ننظر إلى أي ظاهرة في سياقها.

أن هذه الحضارة انتجت تحيُّزاً فكرياً عبر مقول التمركز حول الذات وإقصاء الآخر من هذا المنجز من العالم الثالث وتعاملت معه بوصفه هامشاً بمقابل المركزيّة الغربيّة .

أنّ العرب هم نقلة أمينون لكل المصطلحات الغربيّة من دون نقد أو تمحيص، واكتفوا بنقل ما استجدّ من مصطلحات الغرب بأمانة ملفتة؛ سواء كانت مناسبة أم مطابقة لما يرون أنه قابل للتطبيق في واقعنا ومجتمعاتنا أم لا.

هذه النقاط يحاول من خلالها المسيري ان يكثِّف التحيُّز على بعدين الأوّل في مناهج العلوم الاجتماعيّة الغربيّة وكيف تفرز رؤية تنتج تحيُّز - وهو ما سوف نتطرق له في نقود أخرى – أمّا الجانب الآخر من رؤيّة المسيري كونه يحدد إن هناك باحثين عرباً يقتبسون تلك الأفكار والمناهج وينقلونها إلى الثقافة العربيّة الإسلاميّة من دون أن يدركوا الانحياز بل يطبقونها بحرص شديد .

وهناك من الباحثين العرب من شخص الانحياز وبين أنّه يصعب دراسة الظواهر الاجتماعيّة والإنسانيّة دراسة موضوعيّة بعيداً عن الأهواء والعواطف الشخصيّة، فالظواهر الاجتماعيّة أكثر حساسيّة من الطبيعة؛ لأنها تهتم بالإنسان كعضو متفاعل في جماعة، وبما أنّ الإنسان مخلوق غرضي يعمل على الوصول إلى أهداف معينة، ويملك المقدرة على الاختيار، مما يساعده على أن يعدِّل من سلوكه، فإن مادة العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة تتأثر كثيراً بإرادة الإنسان وقراراته.

وبالآتي فإنّ إشكاليّة التحيُّز المعرفي من مسلمات وفروض ومنطلقات ومناهج البحث المستعملة في العلوم الاجتماعيّة، وهذه العلوم ترتبط ارتباطاً شديداً بالرؤيّة الكونيّة الغربيّة، وهو ما يجعلها في تناغم مع هذه الرؤيّة إذ تعبر عنها وتدعم استمرارها، ومن ثم فإن محاولة إدراك ملامح هذه الرؤيّة التي تنطلق منها هذه العلوم والكامنة في أنساقها المعرفيّة ذات أهميّة بالغة لدى محاولة التعامل مع هذه العلوم، إذ يبقى نقد الاغتراب والمناهج ونتائج الدراسة عمليّة جزئيّة قليلة الجدوى طالما ظلّ البعد المعرفي الكل وإدراك أسسه ومنطلقاته الفلسفيّة موضوع غموض أو تجاهل، وعلى هذا الأساس فإن إدراك التحيُّز يقصد به السعي لكشف ما هو ذاتي أو مخصوص أو نسبي أو إقليمي فيما تقرره علوم المجتمع والإنسان .(11)

الباحث يقف "خارج " الظاهرة، سجين الصياغة وقوالبها ولغتها المتخصصة والمعقّدة، وهو غير مستعد للمساومة أو للتراجع عن هذه الصياغات النظريّة الأساسيّة أو عن ملامح شخصيّة العلميّة " الرسميّة " التي تختفي في ملامح شخصيته الإنسانيّة الطبيعيّة، وذلك في سبيل رؤيّة أفرادها وبروز هويتهم الثقافيّة المتميزة وإرادتهم الجمعيّة المستقلّة . وهذا الجوهر الكيفي المتميز لا يمكن قياسه أو "تقنينه" كمياً، وهو غير متاح للغرباء من خارج الظاهرة؛ الا بقدر محاولتهم التفهم المتعاطف للظاهرة وملامحها الداخليّة، في إطار المحافظة على كليتها العضويّة واستقلالها الروحي .

الباحث يحاول قدر الإمكان أن يعلق Suspend انتماءاته النظريّة والفكريّة والثقافيّة والشخصيّة المسبقة حتى لا تطغى على رؤيته الغضة Fresh look للظاهرة وهو يحاول أن يخطو تدريجياً "داخل " الظاهرة متحرراً قدر الإمكان من أسر شخصيته العلميّة الرسميّة، ومعتمدا بالأساس على شخصيته الإنسانيّة .

الباحث يخفي التناقض بين علم المعاني النظريّة والقيم العلميّة والأكاديميّة واللغة المتخصصة التي ينشئ الحقيقة العلميّة الموضوعيّة عن الظاهرة المبحوثة وعالم المعاني الذاتيّة والقيم الثقافيّة.

القيم الثقافيّة واللغة الحيّة الدارجة التي تنشأ بداخلها الحقائق الاجتماعيّة المبحوثة والمتعارف عليها وهو ينظر إلى ذلك النسق من المعاني والقيم واللغة الحيّة، كمادة خام "غير علميّة " يستلزم هندستها وإعادة صياغتها وإنشائها "علمياً " وهذا دليلٌ على النسق النظري الذي يتبناه الباحث .

وباستعمال ممارستها المنهج العلمي التجريبي وهو يحمي نفسه من تأثيرات ذلك العالم الثقافي المغاير، باحتفاظه باستمرار بمسافة نفسيّة وعقليّة ثابتة من المبحوثين من موقع التعالي الاكلينيكي وفي إطار علاقة قوة وتحكم عن بعد .

الباحث لا يرى من موقع التعالي الاكلينيكي عن الكيانات الإنسانيّة موضوع البحث ومن داخل "سجن " شخصيته العلميّة المقلوبة المفرّغة ملامح الخارجيّة الطبيعيّة، بفرض تحقيق .(12)

أسباب التحيُّز:

يشير "محمود الذواوي" إلى مصادر التحيُّز وأسبابها وأشكاله ومظاهره فضلاً عن كيفيّة معالجة هذا التحيُّز خلال رؤيّة مفارقة بين الفكر الاجتماعي الإنساني الغربي وبين الأسس التي يستند عليها فكر ابن خلدون .(13)

عوامل شخصيّة: فعالم الاجتماع أو عالم النفس مثلاً لا يستطيع التجرد الكامل عن أهدافه وميوله ومصالحة الباحث الغربي في أثناء دراسته للظواهر التي تنتمي إلى عمله .

وهناك عوامل وأسباب تتعلق بانتماء الباحثين والعلماء الاجتماعيين إلى مذاهب أو مدارس ونظريات فكريّة معيّنة من دون أخرى . وهذا النوع من التحيُّز الجماعي من شأنه أن يؤدي إلى نوع من التحيُّز المؤسسي بمعنى انعكاس التحيُّز في الفكر العلمي السائد في الجامعات والمعاهد ومراكز البحث وغيرها من المؤسسات العلميّة على الباحث.

الطبيعة الإيديولوجيّة الإنسانيّة: وتعود هذه السمة الإيديولوجيّة التي تتّصف بها هذه العلوم في نظر الباحث، إلى كون القضايا التي تدرسها هي بالدرجة الأولى قضايا الحياة الاجتماعيّة ومشاكلها، ومن ثم فالمعرفة على العموم والمعرفة الاجتماعيّة وجه الخصوص يعبِّران عن مدارس واهتمامات المفكرين والعلماء والباحثين .

هناك تحيُّز يظهر من خلال ممارسة تعمم النظريات والمفاهيم في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة من مجتمع الآخرين حضارة لآخرين من دون الأخرى مع عدم الأخذ بنظر الاعتبار خصوصيّات كل حضارة .(14)

ويقدم الباحث نفسه أيضاً "المعالجة" لهذا التحيُّز برسم مجموعة من الخطوات:

الخطوة الأولى هي ما يطلق عليه بـ (التكامليّة المعرفيّة)، التي تعني محاولة إنشاء منظور متكامل يجمع بين الإسهامات المعرفيّة في مختلف تفرعات العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة .

الخطوة الثانية: لابد من ممارسة أمرين: الأول قيام المتخصصين في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة بنقد ذاتي شامل لمعرفتهم ومسلماتهم ومبادئهم، ومناهج نظرياتهم التي أنشأوها واستعملوها في دراساتهم للإنسان، أمّا الأمر الثاني فهو ضرورة إصلاح الرؤيّة العامّة للعلم، فالعلم على وفق رأي الذواوي، يجب إن يكف عن استعمال المعطيات الكميّة كمقياس وحيد وأن تعطي أهميّة رئيسيّة للعوامل للاماديّة في تفسير الظواهر الإنسانيّة .

الخطوة الثالثة إن تنوع التراث الثقافي والفكري لهذه العلوم، بإدخال التراث الفكري والمعرفي للحضارات العريقة المختلفة والتي تمتلك زاداً معرفياً غزيراً يمس الإنسان كفرد أو كائن اجتماعي .(15)

وبالمقابل هناك معالجة أخرى نقديّة للتحيُّز ترى أن تحقق التفهم المتعاطف Sympathetic understanding  للظاهرة أو الواقعة البحثيّة بشروطها الخاصة حتى وإن تعارضت مع التحيُّزات الفكريّة والشخصيّة الخاصّة بالباحث، والجهد الصادق في الحوار والتفاعل الخلّاق معها بدلاً من قهرها وإرغامها قسراً على الانصياع لفرضيات وتحيُّزات نسف الحقيقة الخاصة بالباحث (16). بمعنى أن الأمر يقوم على ضرورة الابتعاد عن فرض مناهج ورؤية مسبقة على الظاهرة الاجتماعيّة بل يفترض على الباحث أن يحاور الظاهرة موضوع الدراسة، ويجتهد في تفهمها بعيداً عن الأحكام المسبقة .

التفسير "العلمي" لهذه الواقعة البحثيّة المحور الأساس لهذا الصراع .فهدفه هو إزالة أي عناصر للتوتر بين الواقعة البحثيّة الخارجيّة وعالم المعاني الداخليّة، إذ يمكن للباحث أن يحتوي ويستوعب تلك الواقعة الخارجيّة؛ ليحولها إلى جزء داخلي من عالم المعاني ونسق الحقيقة الخاصين به ...(17)

ويستمد الباحث مشروعيّة ممارسته البحثيّة والتنمويّة في أيديولوجيا " الخبرة العمليّة " التي تزعم بأنّ العلماء يفهمون عن الظاهرة الاجتماعيّة التي يمارسها أكثر مما يفهم أصحابها أنفسهم . (18)

نجد أيضا هناك دراسة أخرى تحاول أنتتناول العلوم الاجتماعيّة وإشكاليّة التحيُّز وترصد جملة من مظاهر التحيُّز بالآتي:

مدارس غربيّة وليست علوماً عالميّة: بمعنى هذه العلوم تبقى علوم غريبة المشاكل والبيئة التي تدريها وبالآتي يغدو الادِّعاء بأنها علوم عالميّة تصلح إلى التطبيقيّة على العالم وقد ظهر في العالم العربي اتجاهان ماركسي واتجاه ليبرالي (يلاحظ أنّ أسئلة الاتجاهين وإجاباتهما تحدّدت بمفاهيم الدنيويّة والنقد الدنيوي، وحتى حين اكتشف البحث العلمي أهميّة وجود الدين لأي مجتمع تقدّمت مروِّعات أديان دنيويّة لأداء الوظيفة (صراحة أو ضمنها) (19)

المدارس الغربيّة معادية لنا: إذا كان الوجه الأول لتأثر المدارس الاجتماعيّة الغربيّة بالعقيدة السائدة يتمثّل في خضوعها للدنيويّة فإن الوجه الثاني للتأثير العقدي تمثّل في قبول "مسلمة " تفوّق الغرب ومشروعيّة سيطرته على العالم (اي علينا) والوجهان مرتبطان تماماً . (20)

مفهوم الممارسة والنظريّة المستقلة:تزايد الحس النقدي بين المشتغلين عندنا في العلوم الاجتماعيّة، وانتشر الحذر من احتمال تصدير التبعيّة الفكريّة في غلاف هذه النظريّات الغربيّة.. وقد أثبتت أن التركيبات النظريّة الغربيّة تحمل خللاً ما بدلالة النتائج العمليّة التي نشأت على تشغيل هذه النماذج والتي لا تحقق المصالح المستهدفة من منظور وطني . (21)

وبالآتي انطلاقاً من تلك الخطة نجد أن الباحث يقدم معالجة لهذا التحيُّز الذي رصده بتلك النقاط بالقول أن " التراث هو البديل المنطلق للتنميّة"؛ ثم يفصل قوله:

إنّ التأكيد على هذه القاعدة ضرورة وإنّ (أثر الإسلام وتراثه الحضاري في صياغة المستقبل، مسألة ينهض بها التنظير المستقل أو الاجتهاد والفقه المعاصر. وهذا يتطلب انتزاع الاستقلال الاقتصادي، لا يمكن تحققه؛ إلا إذا توافر جو من الثقة بالنفس، وإلّا إذا زالت الرهبة عن (إنصاف الآلهة) أبناء الدول المسيطرة، وإلّا إذا انبعث الإبداع انبعث الإبداع الذاتي للأمّة .وهذا يتطلب مفهوماً واضحاً عن الاستقلال الحضاري، ونقد مفهوم التحديث، ودراسة معدل النمو ومتوسط الدخل، ودراسة استراتيجية إشباع الحاجات الأساسيّة .(22)

وهناك مقاربة نقديّة في الدراسات الاجتماعيّة الأمريكي التي تهيمن عليها الماديّة في رسم العلاقة بين السياسة والاقتصاد إذ يرصد الباحث (23) طغيان الاتجاه المادي على العديد من الدراسات الإنمائيّة الأمريكيّة، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال تحليل المدارس الثلاث الآتية:

أوّلاً: مدرسة المؤشرات والتي تقوم على افتراض وجود علاقة اضطراريّة بين التقدم والحضاري بأبعاده المختلفة كما تعبر عنها مؤشِّرات متوسط دخل الفرد، والتصنيع والتحضر، والتعليم، وبين التقدم السياسي بمختلف أبعاده: الديمقراطي، والاستقرار السياسي .

ثانيا: مدرسة التفسير الاقتصادي للتطور الإنساني من خلال نظريّات مراحل النمو والتي تلتقي واقعيا ًمع الماركسيّة، وإن أعلنت عن رفضها لتفسير التطور المادي الماركسي .

ثالثا: مدرسة نقل المفاهيم الاقتصاديّة، مثل التوازن والتبادل والعقلانيّة إلى نطاق التحليل السياسي، وإجبار الظاهرة السياسيّة على الخضوع لهذه المفاهيم .(24)

 الخاتمة

إن تناول طبيعة المشكلة يعني أخضاعها إلى التأمل والتدبر، وهما آليتان أسهمتا إلى حد كبير في كشف المعاني والهفوات التي تسببت بالمشكلة .

" الاشكلة " ظهرت عندما حاولت العلوم الإنسانيّة تقليد العلوم الطبيعيّة بالحصول على درجة عالية من الموضوعيّة، عبر استعارة وتقليد المناهج الوضعيّة بهدف تطبيقها على موضوعه، مُدعياً أنه بعمله هذا يبعد التشويش الأيديولوجي، فإنّه سيقع في مشكل أكبر، هو اشتغال الأيديولوجيّة في لا وعيه، وتأثيرها في بحثه بشكل ضمني، يمكن أن يغلف حقيقة الواقع .

ظهرت نقود غربيّة ضد التحيُّز النتاج عن توظيف مناهج العلوم الطبيعيّة على العلوم الانسانيّة على الرغم من اختلاف الموضوع بينهما، وهذا اضفى نتائج سلبيّة جدالاً يمكن الاعتماد عليها في تصنيف الظواهر وضبطها، لاسيما أنها تتأثر بالسلوك الإنساني المعقد.

لقد طرحت مدرسة فرانكفورت مشروعاً نقدياً هيمن عليه التشاؤم، لكل تمظهرات الوعي المصاحب للمنجز العلمي –التكنولوجي: (التسليع والتشيؤ والأداتيّة والفن المبتذل وانحطاط الوعي) .

لكنّ الدكتور المسيري (رحمه الله) عندما استوقفته إشكاليّة التحيُّز عند دراسته للظواهر الإنسانيّة اختار المصطلح: "التحيُّز"؛ رجوعاً إلى المعجم اللغوي العربي، وفيه: أن التحيُّز يعني الانضمام والموافقة في الرأي وتبنّي رؤيّة ما، مما يعني رفض الآراء الأخرى. وقد اختار هذا المصطلح ليطلقه على مجال جديد لدراسة ظاهرة إنسانيّة من صميم المعطى الإنساني، وهي مرتبطة بإنسانيّة الإنسان، كما كان يرى، وهي ظاهرة التحيُّز.

الباحث يقف "خارج " الظاهرة، سجين الصياغة وقوالبها ولغتها المتخصصة والمعقّدة، وهو غير مستعد للمساومة أو للتراجع عن هذه الصياغات النظريّة الأساسيّة أو عن ملامح شخصيّة العلميّة " الرسميّة " التي تختفي في ملامح شخصيته الإنسانيّة الطبيعيّة، وذلك في سبيل رؤيّة أفرادها وبروز هويتهم الثقافيّة المتميزة وإرادتهم الجمعيّة المستقلّة:

عوامل شخصيّة: فعالم الاجتماع أو عالم النفس مثلاً لا يستطيع التجرد الكامل عن أهدافه وميوله ومصالحة الباحث الغربي في أثناء دراسته للظواهر التي تنتمي إلى عمله .

وهناك عوامل وأسباب تتعلق بانتماء الباحثين والعلماء الاجتماعيين إلى مذاهب أو مدارس ونظريات فكريّة معيّنة من دون أخرى . وهذا النوع من التحيُّز الجماعي من شأنه أن يؤدي إلى نوع من التحيُّز المؤسسي بمعنى انعكاس التحيُّز في الفكر العلمي السائد في الجامعات والمعاهد ومراكز البحث وغيرها من المؤسسات العلميّة على الباحث .

الطبيعة الإيديولوجيّة الإنسانيّة وتعود هذه السمة الإيديولوجيّة التي تتّصف بها هذه العلوم في نظر الباحث، إلى كون القضايا التي تدرسها هي بالدرجة الأولى قضايا الحياة الاجتماعيّة ومشاكلها، ومن ثم فالمعرفة على العموم والمعرفة الاجتماعيّة وجه الخصوص يعبِّران عن مدارس واهتمامات المفكرين والعلماء والباحثين .

هناك تحيُّز يظهر من خلال ممارسة تعمم النظريات والمفاهيم في العلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة من مجتمع الآخرين حضارة لآخرين من دون الأخرى مع عدم الأخذ بنظر الاعتبار خصوصيّات كل حضارة

 

 ا. د. عامر عبد زيد الوائلي

أستاذ الفلسفة الوسيطة في جامعة الكوفة

 ..........................

1 Tversky، A. (1972). "Subjective probability: A judgment of، Kahneman، D.؛ representativeness". Cognitive Psychology. 3 (3): 430–454. doi:10.1016/0010-0285(72)90016-3

2) لوسيانغولدمان، العلوم الإنسانيّة والفلسفة، ترجمة: يوسف الأنطاكي، المجلس الأعلى للثقافة والترجمة، 1996م، ص 5.

3) كارل بوبر، المجتمع المفتوح وأعداؤه، مرجع سابق، ص 42.

4) شكري حامد نزال، مناهج الدراسات الاجتماعيّة وأصول تدريسها، دار الكتاب الجامعي، العين، الطبعة الأولى، 2003 م، ص 152.

5) جان بياجيه، وضع علوم الإنسان في منظومة العلوم في اليونسكو، الاتجاهات الرئيسيّة للبحث في العلوم الاجتماعيّة، مجلة العلوم القانونيّة والاقتصاديّة، المجلد الأول، دمشق، 1976م، ص 88.

6) أحمد حسين اللقائي، ويونس أحمد رضوان، تدريس المواد الاجتماعيّة، عالم الكتب، 1974م، ص 56.

7) جابر الحديثي، أزمة العلوم الإنسانيّة، الفكر العربي، مجلة الإنماء العربي للعلوم الإنسانيّة، معهد الإنماء العربي، بيروت، ع: 38/37، س 6، 1985م، ص16.

8) شكري حامد نزال، مناهج الدراسات الاجتماعيّة وأصول تدريسها، دار الكتاب الجامعي، العين، الطبعة الأولى، 2003 م، ص 140.

9Popper، Karl، Conjectures and Refutations: The Growth of Scientific Knowledge

(10أنظر عبد الوهاب المسيري، الفلسفة الماديّة وتفكيك الإنسان، دار الفكر، دمشق، الطبعة الأولى، 2002م، ص 15-16.

11) عبد الوهاب المسيري، إشكاليّة التحيُّز في رؤيّة معرفيّة ودعوة للاجتهاد، ج2، المعهد للفكر الإسلامي، ط2، فيرجينيا، الولايات المتحدة الأمريكيّة، 1995م، ص3.

12) نبيل مقص، مسارات البحث العلمي الاجتماعي من ضمن كتاب: عبد الوهاب المسيري، إشكاليّة التحيُّز في رؤيّة معرفيّة ودعوة للاجتهاد، ص69..

13) عبد الوهاب المسيري، إشكاليّة التحيُّز في رؤيّة معرفيّة ودعوة للاجتهاد

14) عبد الوهاب المسيري، إشكاليّة التحيُّز في رؤيّة معرفيّة ودعوة للاجتهاد تحرير: ص 4.

15) نفس المصدر والصفحة .

16) نبيل مرقص، ممارسات البحث العلمي الاجتماعي بين الهندسة الاستعماليّة القسريّة والحوار الثقافي الخلاق، ضمن البحث الجماعي: إشكاليّة التحيُّز في رؤيّة معرفيّة ودعوة للاجتهاد تحرير: عبد الوهاب المسيري، ص 61.

17) نفس المصدر، ص62 .

18) نفس المصدر، ص66.

19) عادل حسين، التحيُّز في المدارس الاجتماعيّة الغربيّة تراثنا هو المنطلق للتنميّة، إشكاليّة التحيُّز في رؤيّة معرفيّة ودعوة للاجتهاد تحرير: عبد الوهاب المسيري، ص 103-104.

20) نفس المصدر، ص 105.

21) نفس المصدر، ص 101.

22) عادل حسين، التحيُّز في المدارس الاجتماعيّة الغربيّة تراثنا هو المنطلق للتنميّة، ص 115-116.

23) جلال عبد الله معوض، الماديّة الامريكيّة وعلاقات المتغير الاقتصادي بالتطور السياسي، من ضمن كتاب: إشكاليّة التحيُّز في رؤيّة معرفيّة ودعوة للاجتهاد تحرير: عبد الوهاب المسيري، ص 130.

 24) المصدر نفسه، ص131.

 

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: كنت في مقالة سابقة بعنوان (هوسرل ومثالية ادراك الوجود) ناقشت سريعا كوجيتو ديكارت (انا افكر اذن انا موجود) وتعالقه المتداخل بالوحود والعقل والفكر، بين الذات والموضوع. الذي كان سبق للفيلسوف الالماني الظاهراتي هوسرل، اعتباره كوجيتو ديكارت ينحصر في (وعي الذات) كوجود في ذاته، لذا طرح مقولته التصحيجية (انا افكر بشيء ما اذن انا موجود)، وتبعه عالم النفس والفيلسوف الفرنسي البنيوي جان لاكان قائلا (انا افكر حيث لا اوجد، واوجد حيث لا افكر)، ليتبعهم ميلان كونديرا (انا اتألم اذن انا موجود)، وكنت اقرأ في كتاب استاذ الفلسفة المصري حبيب الشاروني (فلسفة جون بول سارتر)، وجدت ان هنالك تعالقات هامة متفرعة عن الكوجيتو الديكارتي، ليس فقط في مسالة ثنائية الوجود والماهية واسبقية احداهما على الاخرى، بل وجدت هناك تداخلا فلسفيا هاما مع الجدل او الديالكتيك، وفي الاشكالية الرباعية الموزعة في الوجود والماهية والعدم والجدل، وجدت الاختلافات العميقة بين كل من كيركجارد، وهيجل، وكانط، وهيدجر، وصولا الى الماركسية في صياغتها ديالكتيك القوانين الطبيعية الثلاث، قانون وحدة وصراع الاضداد، وقانون تحول الكم الى كيف (نوع)، وقانون نفي النفي. كما وجدت ان مفهوم (العدم) الوجودي، هو الاخر الى جانب الجدل الديالكتيكي، يتعالقان مع ثنائية الوجود والماهية، ولا اجد مهما اطلت في هذا التمهيد انه يقول كل شيء عن الموضوع قبل مطالعته كاملا بهذه الورقة.

جدل الوجود والماهية

ان ديالكتيك او جدل الوجود والماهية، ليس في وارد هذه المقالة ارجاعه الى اصوله الفلسفية الاولى التي جاءت عند هيراقليطس وبروتوغوراس، وزينون مرورا بالمراحل التاريخية الفلسفية التي قطعها كمبحث هام، حتى تبلورت صيغته المتداولة المعروفة واستقرت لدى ماركس في قوانين الديالكتيك الطبيعية الثلاثة التي ذكرناها.

نبدأ بما يهمنا في هذه المقال تعالق الوجود والماهية في الفلسفة الوجودية عند ابرز فلاسفتها سورين كيركارد، وكيف انبثق الجدل (الديالكتيك) كمفهوم فلسفي متداخل مع هذه العلاقة الثنائية، بين الماهية والوجود عند هيجل في تفسير ترابطهما الوجودي الفلسفي وتداخلهما في علاقة الجدل بهما.

اعتبر اقطاب الوجودية الملحدة لدى ابرز فلاسفتها فيورباخ، هيدجر، سارتر، اندريه جيد، كامو، بيكيت، سيمون دي بوفوار، كاسبرز، ان الوجود سابق على الماهيية في الانسان والطبيعة وكل الظواهر التي يدركها العقل حسيا وذهنيا او حتى التي لا يدركها او لا يستطيع ادراكها ميتافيزيقيا.

بينما ذهبت الوجودية المؤمنة لدى اقطابها الفلاسفة سورين كيركارد، مارسيل جبريل، تيليش، والقس الفيلسوف باسكال، بيركلي، ليبينتز، الذين اعتبروا الماهية تسبق الوجود، معللين رأيهم ان ماهية الله الخالق تسبق وجوده، وهنا بدأ التشّظي بالرأي فمنهم من ذهب الى ان الخالق بلا ماهية يمكننا معرفتها او ادراكها، اوالماهية في الخالق وجود بذاته فقط لا يفصح عن صفاته الجوهرية او الظاهرية، وذهب اخرون ان الماهية هي (الوجود) في الانسان وفي الطبيعة والكون ايضا، ولا تفريق حقيقي بين الاثنين(الوجود والماهية) في تداخلهما في الوجود الواحد.وبعضهم الأخر قال ان ماهية ووجود الخالق تتداخل معلنة عن افصاحاتها بوحدة الصفات الالهية بخلاف جميع الموجودات في الطبيعة والانسان فهذه يكون وجودها وماهيتها شيء آخر وافصاحاتها في ادراك صفاتها الظاهرية او الجوهرية. فصفات الله التي نستمد ادراكها الايماني من صفات الطبيعة وصفات الاسمى التخييلي المثالي المتعالي المقدس وصفاته ايضا في ما نجده بالحياة والانسان، هي صفات تأكيد وجود الله المتداخل في ماهيته الميتافيزيقية وربما في احتمال ان يكون الوجود الالهي متمايزا في ماهية مستقلة بذاتها لا يمكن معرفتها او ادراكها كما هوالحال في عدم ادراك وجوده كينونة ماهوية مكتفية بذاتها، لكن الاهم من كل ذلك هو في عدم القدرة الانسانية على ادراكهما او معرفتهما (الماهية والوجود) الالهي. لا عقليا ولا روحيا مدركا متعينا لا في وجود الخالق ولا في معرفة ماهيته.

وبقيت هذه الاشكالية الفلسفية حول ماهية ووجود الخالق متداولة بين اصحاب الطرق والمذاهب الصوفية في اختلافاتهم العميقة، لما ترتبط به هذه الاشكالية في تفسيرهم مذهب (وحدة الوجود) الذي هو مرتكز الفهم التصوفي الايماني. علما ان (ماهية) الله هي كمثل وجوده يصعب على فلاسفة التديّن اثباتها، ولا على فلاسفة الالحاد نفيها او اثباتها ايضا ولا عند الصوفية قاطبة، هذا في حال تسليمنا الفلسفي ان للخالق وجودا مغايرا لماهيته او متداخلة معه في وحدة لا يمكننا تجزئتها.

كما تذهب الوجودية الملحدة في اختلافاتها داخل فهم فلاسفتها انفسهم لها، فمثلا نجد هيدجر لا يتعارض مع سارترفي فهمه الماهية عند الانسان، ويلتقي معه في مثلا (انه في حالة عدم وجود (اله) خالق، فلابد ان يكون هناك كائنا واحدا على الاقل، وجوده سابق على ماهيته هو الانسان، الذي لا نستطيع تعريفه باي فكرة، لكنه هو الكائن الذي يوجد قبل كل شيء وانه يلتقي ذاته ويبرز للعالم ثم تتم معرفته (1).

سارتر وهيدجر والثنائية الوجودية:

رفض سارتر النزعة الايمانية الوجودية في تحديد علاقة الماهية بالوجود التي يعتمدها الفلاسفة غير الالحاديين، وهو نفس المفهوم في لاهوت معظم الديانات التي منها الاديان التوحيدية السماوية الثلاث الموزعة في عالمنا اليوم. في اعتبار الاديان الابراهيمية الثلاث وفلاسفتها ان الله هو ماهية تسبق وجوده، وطرح سارتر البديل الالحادي في نقل الخلاف من الالهي السماوي الى صعيد الوجود الانساني الارضي، بدلا عن هذا الطرح الايماني الميتافيزيقي اللاهوتي، مؤكدا انه لا وجود لكائن ارضي يسبق وجوده ماهيته سوى الانسان. وان وجود الانسان هو ماهيته، وفي نفس المنحى ذهب هيدجر مؤكدا مركزية الوجود الانساني، وان الانسان هو ماهيته، وبذلك تملّص من الزام سارتر قوله الوجود يسبق الماهية الانسانية .مؤكدا – هيدجر – بانه لا وجود يسبق ماهية الانسان، وانما لدينا وجود واحد فقط هو الانسان الذي تتداخل فيه الماهوية والوجود في تناوب افصاحي متداخل، ولا اسبقية ولا افضلية احداهما(الوجود او الماهية) على الاخرى .ومن الجدير بالذكر كما المحنا له سابقا، ان انكار ماهية الخالق او الاقرار بها كما هي في وجوده او عدمه لا اهمية فلسفية كبرى يترتب على نتائجها شيئا حتى على صعيد الفلسفة، فكلا الرأيين ميتافيزيقيين عاجزين عن اثباتهما (الوجود والماهية) ومعرفتهما لا عند الوجوديين الملحدين ولا عند الوجوديين المؤمنون. وان المفهوم هو محض جدل فلسفي ميتافيزيقي لا يرتّب عليه شيئا لا معرفيا فلسفيا، ولا ايمانيا دينيا عقليا. واعتبره الفلاسفة من مباحث الميتافيزيقا التي لاطائل منها ولا تقود الى نتائج يمكن الركون لها او التسليم بها.

حين يؤكد هيدجر ان الانسان ماهية متداخلة بوجوده ولا افضلية او اسبقية بينهما، فانه بذلك وعوضا عن هذه الاشكالية يقول ان الانسان يختلف عن باقي الموجودات في انه يمتلك (ماهية ديناميكية)، وفي هذا الرد الفلسفي الذكي يدحض المستمسكين بان لله ماهية ثابتة مستقلة بذاتها، كونها ماهية لا يمكن ادراكها او التحقق منها من جهة، وهي ثابتة ساكنة مكتفية كوجود بذاته لنفسه ان وجدت عند غير الانسان من جهة اخرى، ماهية بذاتها ولذاتها فقط، ولا علاقة للانسان بها لا في الادراك الواقعي ولا الخيالي او الايماني بها، ولا بوجودها بالطبيعة ايضا في غير صفات موضوعة سلفا من قبل الانسان بما يرغبه ويتمناه متحققا على الارض او مرجوا مؤملا في السماء. في حين ان امتلاك الانسان ماهية ديناميكية كما ذهب هيدجر تعني انه يمتلك وجودا مفارقا يتسّم بامكانية التعرف على خصائصه المنفتحة امام معرفة العالم لها. انها ماهية تفصح عن نفسها وتغني وجودها.وليس مهما لدى هيدجر اولويتها او اسبقيتها في وجود الانسان وانما المهم ان الانسان كينونة واحدة تحمل صفاتها الوجودية وماهيتها الجوهرية معا.

ماهية الانسان الديناميكية والوجود:

ان في طرح هيدجر الانسان يمتلك ماهية من نوع ديناميكي تبطل الجدل الوجودي حول اشكالية اسبقية الماهية على الوجود او العكس، في حضور ابجدية فلسفية بديلة ان ماهية الانسان هي وجوده، كما ان هيدجر يذهب ابعد من ذلك في مقولته ان الانسان يمتلك خاصية ماهوية متفردة (ديناميكية) تمنحه وجودا خارج ذاته (ان ماهية الانسان هي وجوده خارج ذاته في العالم، وهذا الوجود ليس مجرد الواقع التجريبي)(2). وان هيدجر يعتبر الانسان ليس وجودا بحاجة الى اثبات ماهوي، فالانسان هو الانسان كوجود طبيعي نوعي في خواصه الماهوية، كما ان الطبيعة هي الطبيعة في وجودها وكيفياتها الصفاتية غير المحدودة . وكلاهما الانسان والطبيعة معطى وجودي لا يحتاج التحقق من وجودهما او احدهما ماهويا خارج مدركات الحس والعقل في وعي الذات ووعي الطبيعة والعالم لهما.

ان اروع عبارة في هذا المعنى وردت عن كانط قوله (ان الوجود لا يستخرج من الفكر) وبهذه العبارة نسف كانط مثالية هيجل الجدلية التي سنأتي عليها لاحقا، كما نسف بعبارته تلك الميتافيزيقا، واخيرا أبطل مفهوم المثالية ان تكون الافكار المجردة بمستطاعها توليد وخلق الموجودات كما في الكثير من مدارس الفلسفة المثالية وفلاسفتها الذين يعتبرون الوجود واقع تصوري في الذهن من غيره لانعرف الاشياء ولا ماهيتها او صفاتها، وليس وجودا مستقلا عنه. وان عبارة كانط التي مررنا بها مهدت الطريق امام الماركسية في تطبيق جدلها المادي على الانسان والطبيعة والتاريخ، وليس الجدل المثالي الفلسفي الفكري المجرد كما فعل هيجل .

انه لمن المهم التذكير به ان اللغة قرينة الخيال، اكثر مما هي قرينة الواقع غير الملازم لها ادراكيا خياليا. فالواقع لا يدركه الخيال ذهنيا بل هو يعبر عنه لغويا في حال الحاجة والضرورة التعريف به. عليه تكون اللغة هي خيال يدرك المواضيع والاشياء عقليا و بطريقتين في التلقي له، الاولى ان يكون التفكير بموضوع ما بلغة حوارية داخلية تحتويها الذات المفكرة خياليا اكثر مما تعني الموجودات والاشياء كوقائع وجودية مستقلة، بما هي موضوعات واقعية يدركها العقل كوجود محايث لوجودها المادي. وبحسب تعبير هيراقليطس (ان الفكر والفلسفة كلاهما يستلزمان وجود اشياء خارجة عنهما) بمعنى ان الفكرلا يداخل موضوعه في وحدة اندماجية واحدة كما في تعبير هوسرل ان الفكر والموضوع شيء واحد ولا مجال الفصل بينهما.بنفس المعنى يذهب سارتر قوله (الوعي هو وعي الاخر الموجود المغاير للوعي) والمغاير للوعي هنا هو الموضوع، فالذات لا تعي ذاتها ولا موضوعها الا بالتمايز عن الشيء المفكر به وهو الموضوع.فالذات لا تعي وجودها بلا موضوع، والموضوع لا يكون وجودا متعينا بغير ذات تدركه.

الثانية ان واقع الاشياء لا يمكن التعبير عنها انطولوجيا من غير واسطة تعبيرية قد تكون اللغة او طرق غير اللغة باساليب مختلفة تستغني فيها عن لغة الاشياء التداولية، كمثل التعبير عن الجمال والفنون والقيم التي لاتحتاج اللغة وسيطا ملزما في معرفة الاشياء المتعالقة معها،  وايضا لا ضرورة اللغة الملزمة في جميع الطقوس الدينية التي لا تحتاج اللغة المنطوقة، بمقدار حاجتها الى لغة حوار داخلي فكري لا يستلزم بالضرورة الطقسية اللغة المنطوقة المسموعة تواصليا كدلالة.

علاقة الفكر بوعي الذات والموضوع:

عندما يقول ديكارت في التأملات السادسة (ان ماهيتي انحصرت في اني شيء مفكر او جوهر كل ماهيته وطبيعته ليست الا التفكير فقط) . ونجد قبل تعقيبنا على هذا نجد ان سارتر يقول (ان الكيفية لا تصبح موضوعية اذا كانت اصلا ذاتية) .في مقارنة بسيطة بين الاقتباسين عن ديكارت وسارتر السابقين نجد بديهة منطقية ذكرناها قبل سطرين هو استحالة ان يكون الموضوع ذاتا في نفس ان يكون الذات موضوعا، فالعقل يعقل نفسه كذات واعية مدركة لمواضيعها المستقلة، ومتى ما اصبح الموضوع متداخلا في الذات في وحدة اندماجية عندها يتعذر على العقل تمييز(كيفيتهما) المتمايزة بضوء تفسيرنا لعبارة سارتر اعلاه.،

كما يتضح لنا ان جوهر الوجود الانساني عند ديكارت انه كائن مفكر قد يكون تفكيره ذهنيا غير معبر عنه في فهم الواقع لا كمتعين مادي ولا تعريف به لغويا مرموزيا اشاريا او صوريا، اي يكون التفكيرالديكارتي هو فقط من اجل اثبات الوجود السلبي غير الديناميكي الذي يطالب به هيدجر.تفكير لذاته مكتفيا به (نومين يعني الشيء في ذاته)، مما جعل هوسرل يتساءل بدهشة لكن تفكير ديكارت بماذا؟ اي ما اراده هوسرل انه يتوجب الافصاح بماذا يفكر الانسان في اثبات وجوده غير السلبي، وتساؤل هوسرل يحمل قيمة حقيقية له في ادانته كوجيتو ديكارت، استعارها هيدجر في قوله ان الوجود الحقيقي ليس في ادراك وعي الذات السلبية بالتفكير المجرد في حوار داخلي، بل في ديناميكية هذا الوجود. لان التفكير غير المعلن عنه تواصليا بالواقع او بموضوع معين، انما هو اساس تفكير عقلي في وعي الانسان لذاته قبل وعيه الموضوع المستقل عنه، ولما كان التفكير خاصية انسانية دينامية عقلية، لذا يكون العقل يعقل ذاته قبل ان يعقل بالتفكير موضوعا مستقلا عنه، والاهم يصبح حقيقة العقل انه لا يعقل العالم الخارجي من غير موضوع يكون مادة العقل بالتفكير.

نرى من المهم الاشارة الى تعالق فهم سارتر في تاييده هوسرل والانفصال عنه كما في هذه العبارة :(يجب ان نتجاوز انا افكر الى انا افكر في شيء ما، والوعي لا يكتفي ان يكون منفردا)، والوعي يوجد حيث يتوجب تفكيره بشيء مغاير، (والوعي عند سارتر لا يحدث الا بتمثله شيئا غريبا عنه، والوعي وموضوعه وحدة واحدة مترابطة، لا يقف الفكر عند انا افكر، وانما بالذهاب الى ما يقصده الوعي من اشياء) نقلا عن حبيب الشاروني، فلسفة سارتر/ ص107 -108 .

وربما يكون هذا التفكيرالديكارتي في وعي الذات وحتى الموضوع هو دايلوك او حوار داخلي لا صلة له بالخارج الذي يمكن ادراكه من قبل الاخرين، ويقلل سارترايضا من ادعاء ديكارت المكابر في اثبات الوجود في اعتماده فاعلية التفكيرفقط في وعي الذات واثبات الوجود، بان (الكيفية) هي احدى صفات الذات الفطرية التي لا تحتاج الى اثبات فهي الوسيلة الوحيدة في اثبات ماهية الوجود الانساني، بمعنى ادانة ديكارت في اثبات وجوده بوعي ذاته فكريا تجريديا فقط، بنفس الوقت اجاب على تساؤل هوسرل عندما اعتبر التفكير في اثبات الوجود عند ديكارت هو (وعيه لذاته) فقط في تجريد غير فاعل بالحياة، وهذا غير ممكن خارج الغاء ديكارت العالم الخارجي ان يكون التفكير مدركا عقليا به لتغييره في اعتبار الوجود الانساني حسب هيدجر لايمتلك ماهية ديناميكية منتجة وحسب، وانما في وجوده كصانع لذاته وصانع لموضوعاته معا حسب سارتر، بل ان وجود ديكارت الذي تعيّن بارتباطه في اثبات الوجود المفكر لذاته فقط، هو وجود سلب لا يحمل اية دلالة ديناميكية لافي ذاته ولا في امكانيته تبادل التأثر والتأثير في العالم الخارجي.ومأخذ سارتر على ديكارت هي لا تشبه حجة هوسرل التي ناقشناها قبل اسطر، اذ استعار سارتر عن الماركسية، بان الفكر المجرد الذي لاصلة تربطه بالواقع جدليا غير ذات قيمة تذكرله، قائلا (الجدل يصنع الانسان بنفس وقت صناعة الانسان ذاته). وفي عبارة كانط التي مررنا بها باننا يجب ان لانعوّل ان الافكار بمستطاعها خلق الاشياء والموجودات، وهي عبارة تدخل في صلب الفهم المادي. واضاف سارتر بضوء هذا الفهم الديكارتي في علاقة الذات بالتفكير، الرد عليه مامعناه، ان تكون الكيفية غير موضوعية اذا كانت صفة للذات تتعالق مع الماهية الانسانية غير المدركة عقليا واقعيا، لكن متى ما تم التعريف بها بصفاتها الطبيعية (لغويا) خارج وجودها الذهني فقط او حتى بوسائل غير اللغة، عندها تكون الذات موضوعا لا يدرك ذاته منفصلا عن مصدره، ويتعين وجودا(موضوعا) بالنسبة للمصدر الذي صدر عنه اي في وعي الذات موضوعه كما مر بنا، او كناتج فكري لغوي متعين موضوعا يمكن ادراكه بالنسبة للاخرين الذين يجدونه موضوعا متعينا عبّرت عنه اللغة، او اية واسطة تداول تواصلي تجعله مدركا موضوعيا لغيره، وليس وعيا بذاته فقط.لا قيمة للموضوع ولا للشيء بدون ادراكه بالفكر عقليا والتعبير عنه باللغة عقليا ايضا.

الجدل المادي والجدل الفكري المثالي:

وبالعودة لمقولة كانط التي ثبتناها في اسطر سابقة ولاهميتها الكبيرة في التمييز بين التفكير المثالي والتفكير المادي، حول علاقة الفكر بالوجود نجد هيجل قائلا (ان طبيعة الواقع يمكن ان تستنبط من الاعتبار الوحيد القائل ان الواقع يجب ان لا يتناقض مع ذاته) (3). هذه العبارة تؤكد الجدل المثالي الذي اقامه هيجل على صعيد الفكر، وقلبه ماركس ماديا في اعتماده التناقض الجدلي، فحسب قوانين الجدل المادي الماركسي الطبيعية الثلاث، فلا يوجد شي في الوجود والمادة والطبيعة والكون (ثابتا) لا يتحرك بفعل عوامل تناقضاته الذاتية الداخلية، والعوامل الموضوعية المحيطة به، والضرورات الحتمية التي تحكم تطوره، والذات الانسانية تتناقض ذاتيا وكذلك الحال في تناقضها مع الواقع والاشياء، وتتناقض مع كل ظاهرة حادثة في الواقع المتغير والحياة في حيويتها .

ان من اهم المآخذ التي رفضتها الماركسية بشدة ان تكون الموجودات والاشياء في حالة (الثبات) وعدم التغييرالمتطور المتحرك باستمرار، وان الجدل الديالكتيكي لا يعمل في الافكار المجردة بمعزل عن الواقع والاشياء في الحياة، ولا قيمة للجدل او ما يناتج عنه من تجريد منطقي كما يرغبه هيجل ومارسه فلسفيا مثاليا. بل ان الديالكتيك مجال اشتغاله الواقع والمادة والطبيعة والانثروبولوجيا والتاريخ وفي كل ظاهرة او وجود يتموضع في الادراك العقلي او الذهن المجرد، اي جميع الوقائع والموجودات والظواهر التي تستلزم استحضار الجدل في وجود التناقض الذي يحكم كل الاشياء ويسبب فيه وله الحركة والتغيير بعوامل ذاتية وموضوعية، باختلاف جوهري ان الجدل الفكري الذهني المجرد، يختلف جوهريا ومتناقضا مع الجدل بمفهومه المادي الذي اوضحناه.

انه من المحذور ماديا التفكير ان جدل الافكارنسق عقلي ذهني يمتلك قدرة ذاتية مادية خاصة به على تحريك الواقع وتغييره. قد ندرك الاشياء ذهنيا واردا جدا انما ان تخلق الافكار وجودات واقعية مدركة فهو مستحيل، لان وجود الطبيعة والانسان وكل الاشياء وجود مستقل بذاته ولا علاقة للفكر في تخليقه او ايجاده بل في ادراكه واقعيا ومحاولة التفاعل معه . وهذا ينطبق على جميع الفلسفات المثالية التي حاولت دحض المادية الماركسية، بمقولات الفكر المثالية التي تزعم امكانية خلق الموجودات والاشياء من الفكر تجريدا صوريا .

ان الواقع لا يتحدد وجوده كمتعين مادي او فينومولوجيا ظاهراتيا كماهيات، او جوهر وصفات دونما تناقض جدلي على تغيير الواقع وتبديله المستمر، وقول هيجل او طلبه ان لا يناقض الواقع ذاته سواء اراد به هيجل الوجود الطبيعي او وجود الانسان فهو باطل ولا يحمل مصداقية التسليم به.ولا وجود لواقع لا يناقض ذاته وتعتمل بداخله التناقضات اللامحدودة، والا يكون فاقدا سبب وعلّة وجوده، انه وجود واقعي لا يحمل ادنى صفات الاهتمام به.

ولقد أخذ ماركس على هيجل ان الجدل لا يعمل بالفكر بمعزل عن الوجود والواقع والتاريخ والحياة، فلا وجود حقيقي لشيء او واقع ينتجه جدل الفكر المجرد، وان الجدل ايضا لوحده كما هو شأن الفكر لايخلق موضوعاته الوجودية واقعيا بل ذهنيا كتفكير فقط، بل هذه الموضوعات في الوجود والمادة وتفسير التاريخ تفرض اهمية التغيير فيها عوامل التناقض التي تقوم على الجدل ذاتيا وموضوعيا . وهذه المباحث التي ذكرناها هي التي تخلق ديالكتيك تطورها وليس بمكنة او استطاعة الجدل خلق مواضيعه واعمال الجدل في تطورها خارج وجود الطبيعة والانسان. ولا وجود ايضا لانسان متصالح مع ذاته ومتطابق معه في الماهية والوجود، ولا تعتمل في دواخله محركات التناقض التي توجب عليها الخضوع لها في مسيرة التطور والحياة وفي كل مشكلة تواجهه.

الوجود والماهية والعدم:

ان سارتر يفهم الوجود الانساني على انه خواء مطلق لا قيمة حقيقية له، والانسان انما هو وجود لأجل الموت (عدم)، لذا الانسان كوجود يعتبر اصل العدم واساسه. وفي لا اهمية ان يكون للوجود ماهية تداخله، فعند سارتر الوجود بذاته، والوجود من اجل ذاته، والوجود في الجميع، هو سلب بمعنى اللاوجود خال من اي قيمة حقيقية انسانية في المتداول الطبيعي، وليس الوجود موجودا كي يعقبه عدم بل الوجود والعدم شيئان ليسا متلازمين بالضرورة وحسب، بل (الوجود والعدم) هما الانسان كينونة واحدة تمتلك حقيقتها الوجودية الوحيدة التي جاء بها معه الى الحياة ليموت ويفنى. وهكذا يكون اكثر مقبولية منطقية ان نقول بثلاثية تلازم (الوجود والماهية والعدم) انهم ثلاثتهم تعبيرات لوجود واحد لاغيره.بل يذهب سارتر الى ان اهمية العدم تأتي ليس كمرحلة لاحقة تعقب نفي الوجود السالب، انما هو اي العدم الذي يعمل في تلازم متداخل مع الوجود يعمل بداخله ومن اجل تقويضه، فالعدم الوجودي هو حتمية الوجود الانساني القلق المقذوف به في اتون الطبيعة والحياة والذي يولد كي يموت .

وفي نفس المنحى يذهب هيدجر قوله: (نحن لا نشعر بهذا اللاشيء الذي هو العدم، لا باعتباره مقولة منطقية، بل باعتباره مقوّما داخليا في تكوين الوجود)(4).اي باعتبارالعدم حتمية يعيشها الانسان تلازمه وينتظر فناءه بها.

(واول ماينبغي ملاحظته ان فكرة العدم في فلسفة هيجل لاحقة على الوجود وهذا بخلاف الفهم السارتري والهيدجري ان الوجود والعدم هما شيئ واحد، بمعنى اننا حسب هيجل لانضع الوجود اولا، لنتداوله بالعدم ثانيا).(5)

وفي هذه التراتيبية الهيجلية ان الوجود يسبق العدم، نؤكد ماذهب له سارتر في سطور سابقة بانه لايوجد لدينا وجود انساني مستقل يعقبه عدم مغاير متمايز عنه، بل هما وجود واحد هو الانسان، الذي يرقب الموت في صورة العدم الذي يلازمه من الولادة والى مماته .

ولو عدنا الى افكار كيركجارد الوجودية نجده (يرفض الجدل التصوري المجرد)(6) لان هذا النوع من الجدل هو فكري مثالي في محاورته الذات الداخلية التي المحنا لها سابقا، والذي اراد هيجل احياءه فكريا مثاليا وفشل . وان كان هذا الجدل المجرد (مطرد متجانس منفصل عن العالم)(7) فهو لا يتماشى مع نظرة كيركجارد (في اقامته بدلا عنه جدلا متقطّعا غير متجانس، هو الجدل الوجداني العاطفي المليئ بالتقطعات والوثبات . كما يرى كيركجارد ان الوجود الحقيقي بما يحمله من عناصر الذاتية والتناقض ينفر منه النسق الفلسفي)(8) ..بهذا المعنى بقي كيركجارد مؤمنا حقيقيا في وجوديته المؤمنة، وابتعد عن التجريد الذهني الجدلي المثالي كما عند هيجل ومن بعده جميع فلاسفة المثالية، والاهم من هذا فسح المجال واسعا امام ظهور وبروز الجدل المادي الماركسي.

في ادانة اعتبار ان النسق الفلسفي المثالي يحتوي ويقرر ماهيات الوجود من خلال الفهم المنطقي الفكري المجرد كما يريد فهمه هيجليا وكل الفلاسفة المثاليين من بعده، وليس كما يفهمه كيركجارد ان النسق الفلسفي وجود مفعم بالوجدانات الايمانية التي ترفض ان يكون الوجود الانساني تابعا للنسق الفلسفي منقادا له او في احتوائه له، وليس خالقا له في وجود الانسان الديناميكي الذي اشار له هيدجر من بعد كيركجارد واشرنا له في السطور السابقة .

انه لمن المهم جدا ليس للفلسفة الوجودية وحدها وانما للفلسفة الماركسية ان وضع كانط هذا التصور الفلسفي النسقي المدهش حقا وباعجاب يلخص ماأخذه عنه الاخرين (فقد اقام هيجل نسقه الفلسفي على اساس المنطق الجدلي الذهني العقلي، وجعل الحقيقة الوحيدة هي المطلق الذي هو الوجود الواقعي بما فيه من روح لا متناه او مثال او عقل كلي توجد عنه جميع الاشياء، بحيث يبدو الفكر وجوديا واقعيا، والوجود الواقي منطقيا عقليا اي انه طابق بين الوجود الواقعي والمعقول)(9) .

والجملة التي حملها كيركجارد على هيجل تنصّب على دحض هذه القضية بحيث يفصل كيركجارد بين العقلي والواقعي، فيبدو الوجود لديه منافيا للعقل معارضا له كما يذهب له حبيب الشاروني . لقد اراد هيجل القول ان ما يدركه العقل واقعيا يتحتم وجوده بالضرورة الادراكيه له.وهي نفس عبارة بيركلي الغارق في المثالية قوله ان مايدرك هو وجود حقيقي واقعي، وكل ما لايدرك بالحواس لا وجود حقيقي له.اي ان حقيقة الشيء هو الذي تدركه الحواس وتنقله الى العقل صوريا.

كذلك يلتقي كيركجارد بهيجل في فكرة الجدل المثالي ذاتها (فهو يرى الوجود في تغير دائم باعتباره ينقسم الى ثلاثة مراحل متداخلة مع بعضها، المرحلة الجمالية، المرحلة الاخلاقية، المرحلة الدينية)(10) وهذا لايتماشى مع الفهم الجدلي الهيجلي الذي يحكم الوجود والمادة والتاريخ في قوانيين الديالكتيك، والاهم ويعارض المادية الماركسية في فهمها المادي الجدلي..وحقيقة ان لا الوجودية ولا الماركسية تؤمنان بطرح كيركجارد الايماني في المراحل الثلاث التي وضعها الجمالية والاخلاقية والدينية في تداخلهما الجدلي غير المادي.

هذا ليس بمعنى ان كيركجارد كان وجوديا يفهم قوانين الديالكتيك حتى في تطبيقها على تداخل مراحله الثلاث في الحياة، ولا المادية والجدل الذي جاء به بعده، التي وضعها هيجل وفويرباخ وصاغها ماركس ماديا . فهيجل وكيركجارد يفهمان الديالكتيك نوعا من تثبيت الوجود الانساني على صعيد الفكر والنسق الفلسفي كل حسب طريقته في التفكير والمواضيع التي يختارها في تطبيق الجدل عليها، بعكس ماركس الذي اعتبر الديالكتيك ضرورة مهمة وحتمية لتغيير الحياة والتاريخ وليس تجريدا منهجيا على صعيد الفلسفة والفكر وانما واقعيا على صعيد معرفة التطور الواقعي في الحياة .

 

الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف/الموصل

.......................

الهوامش:

1- د. حبيب الشاروني/ وجودية سارتر/ ص14

2- المصدر السابق ص 26

3 - المصدر السابق ص 31

4 - المصدر السابق ص37

5- المصدر السابق ص 41

6 - المصدر السابق ص 44

7 - المصدر السابق ص 50

8- المصدر السالق ص 52

9 - المصدر السابق ص 54

10- المصدر السابق ص 56

 

 

مجدي ابراهيميلزم لنا في بداية هذا التمهيد من كلمة تشمل الحديث عن فلسفة الدين والفرق بينها وبين سائر العلوم التي تسبقها لفظة فلسفة، قد يجئ هذا التمهيد ليحمل وجهة نظر كاتبه فيما يقرأ للمجدّدين الذين يطلقون على أنفسهم مفكرين وأشباه مفكرين، لكنهم في الواقع يُغرقون في التقليد بمقدار إغراقهم في الترقيع، ويحسبون هذا وذاك من علامات التفرُّد والامتياز لأنهما من علامات التفكير الصحيح !

وليس أقسى على المرء ولا أدعى إلى العجب منه والدهشة، من أن تأخذه الحماسة بعيداً عن التفرقة بين التجديد القائم على أصول معرفية فيما هو قادم عليه وبين التقليد المؤدي إلى الترقيع، فتتفرّق النظرات إلى عمله فلا يدرى القارئ : أهو ممّن يجدّدون أم ممّن يرقعون، فإذا غلبت عليه دعوى التجديد وفحصت مجمل ما انتهى إليه فما هى إلا سويعات قليلة وحكمت عليه من فورك بما يتعارض مع أحكام العقل ويتقارب نحو الإغراق في التقليد. إنه ولا شك ترقيع هو أقرب إلى التقليد منه إلى التجديد المؤسس على أصول معرفية يتكئ عليها.

ولا يعدُّ كاتب هذه الدراسة بتمهيدها الطويل إلاّ واحداً ممّن اشتغلوا بالبحث والتدريس في تخصصات الفلسفة المختلفة وفروعها الدقيقة المنوّعة، فلا هو بمفكر ولا هو بفيلسوف، وليس من دعواه، وإنما هو مجرّد باحث يحاول الوصول من طريق قناعاته إلى ما يُرضي فيه الضمير، وإن كان تخصصه الذي ينطلق منه وهو الفلسفة الإسلامية يستوحيه ويفرّعه بالرأي على بقية فروع الفلسفة كلما استطاع؛ ليفرض نفسه عليه بحكم الخبرة وحكم الغيرة العلمية سواء.

الأصلُ في فلسفة الدين، أو فلسفة أي علم من العلوم مثلاً كاللغة والفن والتاريخ والقانون هو أن المادة تكون دائماً من الدّين أو من العلم الذي تتقدّمه كلمة (فلسفة) ثم يجئ النسق عمل العقل المُجرّد؛ لا ليكون من الدين أو من أية مادة علمية كانت، ولكن من الفلسفة. ولذلك، كانت كلمة الفلسفة دلالة تشير إلى أن نسقاً فلسفياً يكمن وراء المادة المُراد دراستها، وأنّ هذا النسق الفلسفي صناعةٌ فلسفيةٌ هو من الأهمية بمكان بالنسبة للمادة المدروسة يتمُّ من خلاله معالجة نقدية لقضاياها.

والمعالجة النقدية إذا هى تمّت بوضوح واتساق واستندت على قواعد منطقية، تتسلسل فيها الأفكار وتنضبط القناعات تشكل آخر الأمر نسقاً فلسفياً منظماً لا مندوحة عنه بحال، تقف وراءه منهجية نقدية (Methodology of Criticism) تدعمه وتصقله ويستند عليها هى أخص خصائص العمل الفلسفي. المهم أن تكون هنالك أفكار منظمة تحيل المادة المدروسة من شتات متفرّق الأجزاء إلى نظام تتكامل أنساقه فتكتمل فيه الرؤية الفلسفية وتتوحّد أجزاءها في إطار الوحدة والتعميم.

والفرقُ بين القراءة الفلسفية وقراءة أخرى غيرها هو في الغالب تواجد النسق العقلي المضبوط في قراءة الفلسفة، والمحكوم بالنظر والتوجّه، والمرهون بالصعود من الجزء إلى الكل، ومن الأدنى إلى الأعلى، ومن المحسوس إلى المعقول، ومن المرئي المشهود إلى الغيبي المحجوب.

وبمجموعة الأفكار المُوجّهة تتأتى هذه الفلسفة انساقاً متعدّدة التوجُّهات مختلفة الزوايا والسياقات تفعل في موادّها المختارة أفاعيل النظم المعرفية المنوعة، فما يُصلح لتوجُّه معيّن قد لا يصلح لتوجُّه آخر، وما يُقاس بزاوية مُحدّدة ويساق بطريقة معينة قد لا يصلح أن يقاس بنفس الزاوية ويساق المساق نفسه وبذات الطريقة، فالتعدُّد له في الشمول سعة التنوع، والتعدُّد أصالة والتوجُّه ثراء؛ ومن هنا جاءت المتعة التي يضفيها الهمُّ الفلسفي والمشاغل العقلية، وبما أن النسق نظام عقلي يلمُّ شتات المادة المتفرّقة ويجمعها تحت وحدة عقلية ذات روابط مشتركة لا خلل في اتساقها ولا اعوجاج، صار قبولها - من ثمّ - في العقل أولاً من حيث اتساقها النظري هو مُهمّة الفلسفة كونها نسقاً يُحدّد متفرقات المادة وأجزائها، ولا يفرّق الذهن شتاتاً بين شعابها وآمادها؛ فإذا الوجهة المقصودة محدّدة الغاية معروفة القياس.

تحديداً، معنى فلسفة الدّين أن تكون المادة من الدين والنسق من الفلسفة كما هو الحال في فلسفة التاريخ : المادة من التاريخ والنسق من الفلسفة، وقل نفس الشئ في فلسفة اللغة، المادة من اللغة، والنسق من الفلسفة، أو كما هو الأمر في فلسفة الفن، المادة من الفن والنسق من الفلسفة، أو كما هو الشأن في فلسفة القانون، المادة من القانون والنسق من الفلسفة، وهكذا دواليك تكون الفلسفة بالنسبة للعلم الذي تختاره لتجري عليه عملية البحث فيه.

وإذا كان النسق يعني النظام العقلي، فإن الفلسفة تشمل هذا النظام بمقدار ما تشمل البحث فيما ورائه أي البحث في المعنى الكامن وراء هذا العلم أو ذاك، فهى إذن "نسق" ثم "معنى"، أو أن شئت قلت : هى معنى تُجلى صورته في نسق مضبوط. النسق للفلسفة كالكائن الحي، أو هو : كالوحدة العضوية للعمل الفني أو الأدبي، إذ يجمع الأفكار المشتتة رغم تعددها وتكثرها في موادّها يُعمل فيها من جهة المنهجية النقدية ما شاء له أن يعمله لتصبح - من بعدٌ - كائناً حياً هادفاً إلى الوحدة كما تكون الوحدة في كل ذي حياة. ولنتذكر هاتين المسألتين جيداً ونحن ندرس فلسفة الدين ليتم تطبيقها على أي ما شئت كان، فلا تقوم لها قائمة بغير ذنبك المسألتين: مسألة النسق ومسألة المعنى.

وليس لقائل أن يقول إن الفلسفة فعل التفلسف فيما هو أمامك منظوراً كان أو محجوباً، وليس لها أن تتصل بصلة فيما تخرجه قريحة الإنسان المعرفيّة، فلا شأن لها بعلوم الدين والتاريخ واللغة والفن والقانون وما شابه ذلك من علوم الأوائل والمتأخرين، لأن هذه العلوم ليست هى الفلسفة مادامت الفلسفة نسقاً ولا يزيد! وإنه ما دامت الفلسفة نظاماً معرفياً يتوخّى المعنى ويخلفه النسق الفلسفي، فبوسع كل علم من تلك العلوم أن يسوق نظامه المعرفي خالياً من التناقض والاضطراب، ومن ثمّ فليس هو بحاجة إلى الفلسفة ولا إلى التفلسف.

وأعجب ما في هذا القول هو نكران التفلسف باعتباره خاصّة عقلية يلزم عنها حيوية النشاط العقلي فيما لو تذكرنا مقولة أرسطو الشهيرة :" إذا لزم التفلسف، فلنتفلسف، وإذا لم يلزم وجب هنالك التفلسف لنثبت عدم جدواه "، ولهذا وجد من الفلاسفة من يرفض أساساً الإقرار بأن للحياة أو للتاريخ أو للعالم ككل معنى من المعاني، بل ويرفض الإقرار بوجود شئ اسمه العالم ككل أو الحركة العامة للتاريخ، فرفض الإقرار من هذه الجهة إنما هو ضربٌ من ضروب التفلسف، في حين غلب على بعضهم من جانب آخر أن الفلسفة إن هى إلا المعرفة بالمعاني أو بالقيم المعرفية، وبما إن المعاني متباينة فإن الفلسفة التي تصدر عنها تتفرع إلى فلسفة التاريخ وهى التي تبحث في معنى التاريخ، وفلسفة الدين وتبحث في معنى الدين، وفلسفة القانون وتبحث في معنى القانون، وهكذا قل الشئ نفسه في فلسفة اللغة والفن والحضارة، ولكن الفلاسفة وإن اختلفت مذاهبهم وتباينت توجُّهاتهم إلا أنهم جميعاً يصدرون عن رأي واحد هو أن نشاط الفلسفة العقلي شكل من أشكال الوعي الأمين وأن التفلسف فعل التبصير في كل حين.

كنتُ أناقش صديقاً مفتوناً بالفلسفة في مسألة النسق هذه، فإذا هو يرى إن الفلسفة لم تكن نسقاً وإنما هى ثورة ضد ما هو متعارف عليه، خروج عن المألوف، ليست بذات إطار، إلى فضاء أوسع مفتوح، وبالتالي تكون بعيدة عن النسق من حيث إنها تقود العلوم والمعارف، وعلل ذلك في رأيه أيضاً إن الفلسفة تبدأ بفكرة مجنونة لا تتفق مع المنطق، وقال لولا التفكير الفلسفي لظللنا نركب الدواب في ترحالنا ونعيش عيشة البداوة الأولى، فلا نتقدّم قيد أنملة، فكأنما الصديق أراد - ومعه الحق فيما أراد - أن يربط الفلسفة بالتقدّم، ولكن لا أدري كيف يتأتّى أن تقود الفلسفة العلوم والمعارف وهي في نفس الوقت تتخلى عن نسقها، وعن طبيعتها المعرفية، وعن نظامها العقلي؟

هنالك رحت أرمقه بنظرات حانية مقدّراً حبّه الشديد للفلسفة وفتنته بها، ولافتاً نظره إلى أن هنالك حركات فلسفيّة خارجة بحكم تموضعها التاريخي عن النسق، الوجودية مثلاً ليست نسقاً عقلياً، السريالية حركة أدبية فلسفية لا تعبّر عن نسق، ولا تسيغ أن يكون في فلسفتها نسق، فلسفة برجسون ضد النسق العقلي.  وليس يخفي أن الإنسان الغربي قد طور العلم والفلسفة بسبب رغبته الملحة الحارقة والساعية دوماً إلى المغزى الوسيع فيما وراء الواقع وفيما وراء العقل المحدود فتوجّب عليه أن يفهم أن العقل الصحيح لا مناص له أن يستخلص من العالم زاداً من المعنى إذا أراد أن يستمر في الحصول على نتيجة من المجهود الحيوي.

وليس يخفي كذلك أن دراما "فاوست" لجوته باعتبارها أعظم دراما رمزية أبدعها العقل الغربي لهي دراما الإنسان العقلي الذي يختنق في غرفة وعيه الشخصي؛ ليعيش واقعاً متخبطاً في دائرة الضجر والعقم المفزعة التي لا تؤدي بدورها إلا إلى مزيد من العقم والضجر.

واشتياق "فاوست " إلى التطلع لمعرفة الغيب هو الرغبة الغريزية في التعلق بحقائق الإيمان به، وتلقي تجليات المعنى الذي يحيط بالعالم الإنساني المحدود. فلن يكبر الإنسان وهو مُعلق بالمحدود مصوّب النظر إليه على الدوام. ولكن مع ذلك كله؛ ليس ينفي ظهور هذه الحركات وما ينحو نحوها وجود النسق الفلسفي كما لا ينفي وجود النسق العقلي ظهور مثل هذه الحركات وما يشابهها، هذه نزعة ماثلة في الإنسان وتلك نزعة أخرى، هذه ملكة وتلك ملكة أخرى، هذا وجود وذاك وجود آخر ولا شك. ثم قلت : حتى الأفكار المجنونة التي ذكرتها - يا صديقي - باعتبار إنها خارجة عن النمطية التقليدية وإن بدت لك فوق النسق هى عمل من أعمال العقل : إجهاد العقل في التفكير الي درجة الإعياء، ألم تكن تفاحة نيوتن عملاً عقلياً؟ ألم تكن نسبية أينشتاين عملاً عقلياً؟ ليس من صدفة بل جهد عقلي منظم ربما يصل إلى حدٍّ المرض ووعكة الإعياء.

وشاركنا النقاش زميل متخصص رأي هو الآخر أن الفكرة باختصار شديد تتلخص فيما رآه من وجهة نظره أن فلسفة أي علم من العلوم ما هى إلا حديث عن العلم من الخارج، وليست حديثاً عنه من الداخل، ولعله يعني أن مادة العلم هى ما يقرّره في نفسه، أمّا فلسفته فهي التي تتناول معناه في شموله وعمومه، فالفلسفة في نظره لا تهتم إلا بنقاط ثلاث أوجزها صاحبنا في:

- الدراسة النقدية لأسس ومبادئ العلم .

- توضيح مصادرات هذا العلم ومبادئه .

- علاقة العلم بالعلوم الأخرى من حيث أصولها ومبادئها.

وعلى ما تقدّم؛ فلا يصحُ أن توصف الفلسفة في نظره بوصفها علماً من العلوم الأخرى وإنما هى أمُّ لجميع العلوم، وشأنها في ذلك شأن أي أم تهتم بأبنائها، لا يتأتى اهتمامها مع العلم بل هى تأتي فوقه أو تحته وتحيطه معها كأم حنون. وعليه؛ يمكننا فهم دور الفلسفة بالتحليل حين تتناول علم الدين.

ولئن كنت أوافق الصديق فيما ذهب إليه من وجهة نظر منطقية فإنني هنا ألفت النظر إلى حقيقية منهجية وهى الفرق الفارق بين علم الدين وفلسفة الدين، فعلم الدين من حيث المنهج شئ وفلسفة الدين شئ آخر، فالأول هو مجموعة المبادئ والأحكام التي تقام على النص الديني تتولد عنه، فالدين هنا مادة يقام عليها العلم ولا يقوم العلم على لا شئ بغير مادة، تماماً فكما يقام علم الفيزياء على الواقع الطبيعي فكذلك يقام علم التاريخ على الواقع التاريخي وعلم القانون على الواقع القانوني، وقل نفس الشئ في العلوم التي تقام على موادها وطبيعتها. فمعنى العلم هو ما يوصف بقابليته للحكم عليه بالصواب أو الخطأ، ولذلك كانت المعرفة العلمية لا تتخطى هذه الحدود. فكلام الصديق السابق هو ممّا يؤخذ من تلك الزاوية.

ويشبهُ أن يكون علم الدين من حيث المنهج هو سير الباحث في مجال العلوم الرياضية يحذو حذوها وينهج منهجها. خطوتان لابد منهما الأولى، المقدمات المُسلم بصوابها وهي هنا النص الديني، والخطوة الثانية استخراج ما يمكن استخراجه منها من طريق توليد الأفكار عن الأفكار، أو توليد النتائج عن المقدمات، ومقياس الصدق في هذا هو سلامة استدلال النتائج من المسلمات. فالعلم هنا منهج وليس هو بالموضوع.

أما فلسفة الدين فمنهج وموضوع في وحدة واحدة لا ينفصلان، معنى ونسقاً، فليست كلها معرفة علمية بل المنهج العلمي فيها وان كان من الأهمية بمكان فهو جزء يسير منها غير أنها في ذاتها كلية عامة شاملة تنزع إلى الوحدة بعد أعمال المنهج العلمي وإلى الشمول بعد معرفة التفاصيل والأجزاء في اتساق كليّ متكامل. هذا جانب لا مناصّ من التنويه إليه، ولا مناص من وضعه في الاعتبار إذا دلت الإشارة عليه.

ولكن في فلسفة الدين على التخصيص - فيما لو نحن نظرنا إليها من هذا الاعتبار - لا يمكن، في تقديري، الوقوف على حقيقة الدين ونشأته، أو على تعاليمه ومقرراته، أو على آثاره في الضمائر والقلوب أو على تعميمه من جهة فلسفة الدين؛ ليتمّ ترقيعه من خارجه، بخلاف ما عليه من مضمون وخصوصيّة، فلا معنى عندي لتلك المشروعات الفلسفية الزائفة برمتها ما لم تضع شرط المضمون الديني الذي تقوم عليه خصوصيّة العقيدة ينتسب إليها المدينون لها بالولاء فوق كل اعتبار، فيكون كل تجديد لخطاب تلك العقيدة أو لفروعها مثلاً قائماً من داخلها : تثويرها الباطن وحماستها الداخلية، أي من داخل مجموعة قيمها المعرفية الثابتة التي تستند عليها، لا محاولة ترقيعها بخارجها مهما كانت نظريات الخارج جذابة تستهوي وتلفت النظر، وتهول.

أكثر مشكلات كتابنا المعاصرين هو التقليد المتعمّد لكتّاب الغرب، والنسخ منهم والسلخ، تقليدهم في منهج العمل إزاء الموضوعات المطروحة من قضاياهم الدينيّة ومعارفهم الاعتقادية وأنظارهم الفلسفية، ثم تقليدهم الواضح الملموس كذلك في رؤاهم النقديّة ومناهجهم المعاصرة، وربما تخريجاتهم التي تناسب واقعاتهم الحياتية وظروفهم الحضارية؛ وهى في مجملها لا تناسب واقعاتنا ولا ظروفنا ولا عقائدنا، فليس شرطاً لجودة المنتج الفكري هو أن يجئ ما يتمُّ نتاجه هناك يتمُّ بنفس الكيفية هنا، وأن ما يتناولونه فيما بينهم من محاولات تتصل بفلسفة الدين أو عطايا النظر والتفكير بمناهج مختلفة وأطروحات متباينة، نتناوله نحن هنا ونطبّقه على عقائدنا تقليداً ليس أكثر! غير موضوع في الاعتبار اختلاف الظروف والعقائد والمنطلقات المعرفية والتوجهات ثم اختلاف القيم فيما وراء هذا كله، لا لشيء إلا ليكون منتجنا الفكري يضاهي منتجهم وهو في الحق لا يضاهيه ولا يسمو إليه بل يقلّده وينزع إليه نزوع الرطانة الأعجمية.

هذا ترقيع بغيض لا يقرّه العارفون، ويجيده المتحذلقون الأفاكون المضللون، ولا ينجم عن استقلال فكري بل يكشف عن غرور التبعيّة المعرفية التي لا ترعى الفواصل ولا الظروف، وتخلط بين مجال ومجال، ولا تسلم تحت دعوى الثقافة من كُلفة الادعاء والحذلقة، كما يحدث دائماً عند الشعور بالنقص والرغبة في مداراة الجهل والسذاجة، وهى تبعية معرفية لا تراعي كذلك تلك الخصائص الثقافية والدينية لما عساه أن يُقام بين دين ودين أو بين علم وعلم أو بين ثقافة وثقافة أو بين حضارة وحضارة : فنٌ من المتع الفكرية الرخيصة اللاهية يلهو به الأدعياء في زماننا هذا كما لهى به المتحذلقون في كل زمان.

بالطبع، أنا لا أعني مطلقاً أن تجئ هناك قطيعة معرفية (Epistemological  cut)  بتعبير المفكر الفرنسي المعاصر "باشلار" تكون بيننا وبينهم، فهذا ما لا يقول به أحد له مسكة من عقل واعي أو حظ من وعي معقول، فضلاً عن الخلط العاري من الصحة بين المناهج والتوجّهات. غير أن عناية (باشلار) بتلك القطيعة هى عناية خاصة بنقطة التحول التاريخية في حياة النظريات العلمية وفقدان فاعليتها إزاء تفسير الواقع، إذ تصبح النظرية العلمية باطلة لا تستطيع تفسير كل ما يعترضها من ظاهرات الواقع، وإذ ذاك تتجه البحوث العلمية المعاصرة مع عجز تلك النظريات القديمة عن أداء دورها، لمثل هذه القطيعة المعرفية، ماضية نحو بناء نظرية أخرى أكثر تكاملاً وأقوى تفسيراً للواقع من التي سبقتها، لأن ماضي هذ النظرية أو تلك كان عجز عن تفسير الواقع والإحاطة به، فأبطل العجز الدور الفاعل لها، وبالتالي تصبح القطيعة المعرفية معها مشروعة، ولكن هذا كله مجال يقال في فلسفة العلم ولا يقال مثلاً في مجال فلسفة الدين.

ومع ذلك، تظل الفروق واسعة بين فلسفة العلم وتاريخ العلم، فكل ما يتعلق بتاريخ العلم لا تجوز معه القطيعة المعرفية لأنه إذ ذاك يُصبح العلم مع القطيعة في هذه الحالة بلا تاريخ، ويصبح استخلاص النظريات العلمية من ركامها التاريخي لا يعوّل عليه ولا تقام له فائدة ترجى، فليس هناك من قيمة لنظريات أرسطو ولا الحسن ابن الهيثم ولا جابر بن حيان ولا أحد من هؤلاء وأولئك أو غير هؤلاء أولئك ممّن اسهموا في الماضي بمنجزات علمية لها في التاريخ دور وقيمة وريادة.

المهم في الموضوع هو أن بعضهم أخذ مصطلح باشلار هذا منقولاً عن حقله المعرفي، وحاول تعريته عن العلم الذي نشأ فيه، واستخدم المصطلح لأجله ثم تطبيقه على مجال العلوم النظرية، ومنها بالطبع علوم الدين أو فلسفة الدين التي نحن بصدد الحديث عنها فأوجد قطيعة معرفية مع التراث؛ لتكون مجرد هجين لا يتجاوز الترقيع والإغراق في التقليد، مع تجاهل الفارق الهائل بين علم وعلم أو بين معرفة ومعرفة.

"كله عند العرب صابون" كما يقول المثل الشعبي المصري! على معنى الخلط العجيب بين التصورات والأفكار، وإزالة الفوارق بينها في معرض المقارنة، وإذابة المنطلقات التي تنهض بخصوصيتها، وإباحة الطرق الدائم على تطبيقها ولو بالقدح الظالم لخصوصية العقائد وخصوصية المسائل التي تتعلق بها.

هل للدين فلسفة؟ والجواب، نعم له فلسفته إذا كانت له منطلقاته وقواعده وأحكامه وكان معناه فيما يمس بؤرة الشعور الإنساني ويستغرق بالكلية منطق الوجدان، وكيف تقام فلسفة على منطق تدّعيه هو منطق الوجدان؟

هذا سؤال من الأسئلة اللافتة للنظر من الوهلة الأولى غير إنه لافت للنظر مع غيبة البديهة ولكن مع حضورها لا تجد له معنى.

نعم ! تقام الفلسفة على منطق الوجدان كما تقام على منطق القانون أو على منطق اللغة أو على منطق الدين، او على أي منطق أرادت الفلسفة أن تقيمه. ليس هناك ما يمنع من قيامها على منطق الوجدان مع المعرفة التامة التي لا شك فيها بالفروق الفارقة بين منطق العقل ومنطق الشعور والوجدان؛ لأن هذه المعرفة مع دعوى تمامها ناقصة عجزاء إذا أغفلت بديهة حاضرة وهي حقيقة الإنسان، فليس الإنسان يعي أو يعيش بالعقل والفلسفة وحدهما، وليس هو بالشعور والوجدان إنساناً وحده ولكنه يجمع بينهما في أتساق لا تناقض فيه، إذ من المؤكد استناد الفكر على الوجدان والعقل على الشعور وهو المقرر هنا فيما لا شك فيه، كما تقرر سلفاً لدى الإمام محمد عبده ومحمد إقبال لا بل كما تقرّر لدى افلاطون عندما قال إنّ التفكير كلام نفسي، وصاغته ملكة الطبع العربي شعراً :

إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنمّا       جُعل اللسانُ على الفؤاد دليلاً

وبعدُ، فلئن كنتُ أنا لا أعني مطلقاً أن تكون هناك قطيعة معرفية تجئ بينا وبينهم، فكل ما أقول به هو التفكير الدائب في التقليل من مثل هذا النزوع الغريب إزاء تقليد المدارس الغربية المعاصرة، ومحاولة محاكاة روادها ومؤسسيها في مناهجهم ومذاهبهم، وليس محاولة نقدها وفحصها، بل لتطبيقها عنوة على عقائدنا وتراثنا وخصوصيتنا الحضاريّة وهُويّتنا الثقافية، وهى من بعدُ أفشل المحاولات.

مثل هذا الترقيع البغيض غير مقبول ببداهة المنطق من الوهلة الأولى، ومع ذلك يقع فيه الباحثون رغم عرفانهم ببديهة رفضه، وفشل الاعتماد عليه مع تطبيقه أو التنويه إليه، كما فشلت محاولات قبل ذلك ومحاولات، فمن يعتمد على الترقيع لا يسلم آخر الأمر من المهانة العقلية، فهو موضع الخطر يقع فيه كثيرون ممّن مارسوا في السابق عملية نقد التراث أو تجديد التراث أو التماس لغة مغايرة للخطاب الديني أو دعوى التفكير العقلاني المُوغل في الدعوى المؤسسة على الاستقلال وهى في نفس الحال دعوى غارقة في التقليد للغرب والمحاكاة لهم في غير استقلال.

لا ينجم التقليد عن أصالة ولا يسفر عن استقلال أو عن شعور بالتبعة من الوجهة الأخلاقية، يستوي في ذلك من يقلّد الأفكار الغربية أو يقلد الأفكار التي تنتمي إلى بني جلدته، وهو ضد المعرفة وضد التفكير، وهو مذموم في العقل مذموم في الدين، وفوق هذا هو مذموم في البحثّ عن الحقيقة، وموضع الذم فيه أنه يعتمد على المتابعة التي لا يظلها تفكير ولا تجمعها وحدة معرفية أو عقلية بمقدار ما يعتمد على المغالطات لتزوير الحقيقة لأنه لا يتوخى عرضها بالتجرّد والانصاف، ولكن يعرضها بمطلق الهوى ومطلق الغرض ثم لا يقتصر الأمر على هذا الحدّ بل يتفاخر بمعرض السوء وصناعة الأمجاد الكاذبة.

 

بقلم: د مجدي إبراهيم

 

علي محمد اليوسفان في الاعتماد على الواسطة اللغوية التواصلية التداولية في نقل الافكار والمعارف معناه ان شكل اللغة كحامل لا يسبق الفكرة العلمية والمضمونية في تراتيبية الانتاجية العقلية لهما (الفكرة واللغة)؛ شكل اللغة حامل؛ ومضمون الفكرة او (الموضوع) كمحمول دلالي.  يستوعبه تعبير اللغة كحامل دال تواصلي له اي المدلول للموضوع؛ و تتم هذه العملية المركبّة البسيطة داخل مصنع انتاجية العقل؛ عبر اللغة- المضمون كاداة استقبال وتلّقي في مرموزاتها واشاراتها المكتوبة المقروءة. وتجريد اللغة المكتوبة والمقروءة عن هذه المواضيع والمعارف كمضامين ومباحث متنوعة لا محدودة؛ يصبح من المحال نقلها كمادة تلقّي استقبالي وتواصل معرفي وثقافي مع الاخرين. فاللغة تجريد صوري سابق على مضمونه؛ ولا شكل لغوي يمكننا ادراكه من غير محمول دلالي يتضمنه شكل وتعبير اللغة. اي لاوجود للغة بلا مضمون؛ والا اصبحت اللغة هذاءات لامعنى لها غير منظمة ولا مترابطة؛ وبهذا المعنى المقارب يقول دي سوسير : (اللغة سابقة على الفكر بل هي تستوعبه وتحتويه كما يحتوي الكوب الماء.وهذا يعني ايضا عدم وجود شيء خارج اللغة. وحقيقة الفكر ليست مادية. وانه ليس ثمة افكار مسبقة ولا شيء واضح المعالم قبل ظهور اللغة.) (1).

ان قول دي سوسير كما نسب اليه في الاقتباس اعلاه؛ ان حقيقة الفكر ليست مادية خطأ منهجي باعتباره يعتمد المثالية في التفكيرالمجرد ذهنيا فقط. وهذا لايلزم غيره الاخذ به كمسلمات. كما نجده يحذّر من اعتبار اللغة بعدية غير قبلية في انتاج المعارف الانسانية وهوما يدعم وجهة نظرنا التي نؤكد عليها ان اللغة بعدية.***

ولا  تتقاطع تماما مع ماجاء على لسان دي سوسير في الاقتباس اعلاه في قوله": ليس ثمة افكار مسبقة ولا شيء واضح المعالم قبل ظهور اللغة. في هذا يؤكد دو سوسير ان اللغة ليست متعين مادي او حتى خيالي خارج فعالية التفكير العقلي داخل /الدماغ العاقل في شيء او موضوع؛ بمعنى استحالة وجود لغة خارج مادية العقل في ادراكه للاشياء؛ مجردا من واسطة اللغة التعبيرية الناقلة؛ كما ان من المحال ان يصدر تفكير او فكرة من غير واسطة توصيل انتقال التفكير من العقل الى المستقبل المتلقي.اي ان لا مادية تواصلية وجودية للغة بلا مضمون يداخلها ومعها؛ والعكس صحيح فلا وجود لفكرة او موضوع يمكن ادراكه ذهنيا؛ لا يجد تعبيره اللغوي او الاشاري او الايحائي او الرمزي كي يصبح وجودا مدركا من قبل مستقبل متلقي اي ان تكون اللغة في ابسط معانيها المعجمية غير الفلسفية (دال ومدلول) في التواصل.

لنذهب اكثر من ذلك فنقول ان كينونة الانسان العاقل تتألف من التالي: الوعي بالذات؛؛ العقل؛ الحس؛ الادراك؛ خاصية التفكير؛ اللغة؛ الذكاء؛ الخيال؛ التجريد؛ الضمير؛ الوجدانات؛ والعواطف.هذه الملكات الفطرية والمكتسبة متعددة  الابعاد هي ماتعطي الانسان طبيعته كوجود وماهيته؛ واي نقص او خلل في واحدة منها او اكثر كفيلة بأعادة بالانسان الى (الحيوانية) في التعامل مع الطبيعة كما تفعل الحيوانات.

في المقابل نجد العلوم الطبيعية العلمية الصرف التي تهتم بالانسان كجسد وروح وعقل ونفس؛ هي الاخرى لايمكنها الاستغناء عن مرموزية التواصل ب (اللغة) مع الاخرين اجتماعيا؛ كمعادلات علمية تخصصية ايضا تواصلية. حتى في علوم الرياضيات والهندسة والطب والكيمياء والفيزياء تكون فيها مرموزات اللغة تواصلية – سيميائية في شكل المعادلات الرياضية وكتابة صياغة النظريات التي في الغالب عادة ما تكتب بغير اللغة الابجدية الدارجة المتداولة اجتماعيا. فهذه العلوم تكتب وتنقل مفاهيمها بلغة رمزية صورية خاصة تسمى المعادلات الرياضية والفيزيائية والكيماوية كما هو معلوم.

وفي العودة الى علاقة البنيوية باللغة والميتافيزيقا؛لا نعتقد هنا يبقى معنى مطلوبا القول ان البنيوية علميا وبحثيا انتشرت خارج نطاق بنية اللغة الصوتية او المكتوبة او التصويرية؛ كما في علوم اللغة و اللسانيات كما بدأها واعتمدها دي سوسير. فهذه مسألة لا تحتاج كثيرا من النقاش اذ يتعذر دراسة كل موضوعات المعرفة بنيويا نظريا ومنهجيا بلغة الصوت والكلام الشفاهي المنقول فقط بلا تدوين لغوي؛ ولا معرفة تواصلية من دون تدوين لغوي توثيقي.

وعندما نأخذ شتراوس في الانثروبولوجيا البنيوية او التوسير في نقده السرديات الكبرى والانساق الايديولوجية الماركسية القارة؛ نجد من العسير المتعذر في هذه الموضوعات التاريخية والفلسفية نقل وتوصيل رؤى وافكار جديدة من غير اعتماد فك شفرات ورموز لغوية وصورية مكتوبة توارثتها اجيال. وهي رسومات وكتابات لغوية جيولوجية يتم دراستها وفق نظرية ومنهج البنيوية في حفريات المعرفة والاثنولوجيا التاريخية؛ التي نجدها في مخلفات الانسان البدائي وقبائل ما قبل التاريخ؛ وفي الاساطير والاديان وما تركوه لنا من اثار حضارية وثقافية قديمة جرى اكتشافها في احقاب تاريخية متلاحقة تقوم البنيوية بنقدها واعادة قراءتها نسقيا.

على سبيل الاستشهاد كان من الصعب جدا دراسة الحقبة التاريخية الفرعونية من دون اعتماد الكتابة والنقوش والرسومات في اللغة الهيروغليفية القديمة لغة المدونات الحجرية والاثارية والحفريات لتلك الحضارة؛ومثلها في اللغة المسمارية السومرية؛ كما ليس بامكان دراسة شعوب وامم وحضارات تملأ الارض من دون مراجعة تدوينات الاف اللغات واللهجات المنتشرة اليوم عالميا بما فيها المندثرة تاريخيا. وفي دراسة مخلفات واثار ولغات اية حضارة عالمية سادت على الارض في حقبة زمنية تاريخية معينة.

وللتوضيح في مثال على ذلك فقد لعبت الصورة والعلامات والرسومات البسيطة في المرحلة البدائية للبشرية دورا مهما  في توصّل الانسان اختراع الكتابة.

وتعبر عن ذلك الباحثة د.فاطمة بدر قائلة: (ان الصورة هي اول شيء لجأ اليه الانسان البدائي للتعبير عن نفسه وعن افكاره. فقد كانت الحروف الهجائية تشكّل صور الاشياء والطيور والحيوانات المحيطة بالانسان الاول. فالصورة مخزونة في عقل الانسان الباطني ومحفورة في خياله ومصبوبة في تجاربه الذاتية لتعبر عن مكنوناته لانها تمثل وعيه الاول. فقد كانت الجماعات البشرية قبل اختراع الكتابة تقوم بمطابقة دوال العلامات وما تشير اليه وتوحد بين الشيء وصورته. لذا كان الانسان في العصر الحجري القديم عند رسمه للحيوان على الصخر يعتقد انه انتج حيوانا حقيقيا. ويذكر ليفي بريل في كتابه العقلية البدائية عن اعتقاد شخص هندي احمر رأى باحثا يقوم بأعداد صور تخطيطية لمجموعة من الثيران البرية؛ بأن الباحث في عمله ذاك عندما وضع الثيران البرية في كتابه لذا لم تعد عندهم ثيران (انفقدت) منذ ذلك الحين)(2).

ما اردناه في هذا المثال ان اللغة قرينة الفكر اولا وقرينة الوجود البشري ثانيا ولا لغة ولا معطيات لغوية خارج ثنائية الوجود-اللغة. الشيء الآخر ان اللغة في جميع مراحلها هي وجود عقلاني حتى في اشكالها البدائية في مثال الرجل الهندي الذي فهم اللغة فهما ميثولوجيا سحريا خرافيا فحدود فهمه الاسطوري هو تفكير ايماني روحي و عقلاني ابن مرحلته التاريخية البدائية.

وعندما نقول ان البنيوية في منهجها حفريات المعرفة تسعى لفك مرموزات الاساطير او بعض الرسومات النقشية الاثارية الحجرية وكذلك في المدونات التوثيقية التاريخية للاستدلال على معطيات معرفية غير مكتشفة فانها لاتعتمد في تنقيباتها غير اللغة النقشية التصويرية المكتوبة والمقروءة او الشفاهية المتداولة وليست اللغة الصوتية اذا ما كان ذاك متيسرا ومتاحا.او في اللغة المكتوبة او التنقيبية او اللغة الصوتية في حال توفرها؛ هي الوسيط والوسيلة المعرفية الوحيدة في نشر وتثبيت الجديد في مكتشفات وحفريات جيولوجيا المعرفة. ونقلها وتداولها على وفق منهجية واستدلالات جديدة غير مكتشفة من خلال التوظيف الانثروبولوجي او البنيوي البحثي.

ومن تناقضات الباحث العنزي في البنيوية الخلط بين البنيوية نظرية ومنهج نقدي نسقي لكافة الموضوعات التي تعنى بالانسان والطبيعة والتاريخ وعلم النفس وبعض العلوم الاخرى وبين اللغة المكتوبة المقروءة كاداة توصيل وتلقي وحيدة لتلك الموضوعات. يقول الباحث من بحثه المشار له سابقا ص40: (المحاولة البنيوية من وجهة نظر جاك دريدا تقوم على مركزية الصوت واسبقية الكلام على الكتابة. وكذلك تكريس مركزية العقل والاصل الميتافيزيقي من خلال اللغة).طبعا دريدا بخلافه مع البنيوية يعتمد اولوية اللغة على الكلام؛ ولا يقر ماتذهب له البنيوية في اسبقية الكلام على اللغة عندها.

كما اشرنا سابقا لاتعتمد البنيوية في دراستها المعارف والموضوعات الانثروبولوجية والسرديات التاريخية العامة وعلم النفس والطبيعة والاجتماع او الاقتصاد؛ بالاعتماد على مركزية الصوت في اللغة واسبقية الكلام الشفاهي المنقول اجتماعيا على ثانوية اللغة المكتوبة التدوينية المقروءة. او فك مرموزات وشفرات اللغات البدائية والغابرة في التاريخ بلغة الكلام والصوت كدال وحيد؛ بل هي تعتمد اللغة التدوينية المكتوبة ايضا.

نعم بعض فلاسفة وباحثي وعلماء البنيوية اشتغلوا في مجال النقد الادبي والثقافي على مركزية الصوت واللسانيات وتفكيك مفردات اللهجات الشفاهية لدى الاقوام البدائية في تدوين مرموزاتها الصورية والاشارية لغويا؛ في التعبير عن آرائهم الفلسفية.؛ لغة الكتابة في التواصل المعتاد. في مقدمتهم يأتي شتراوس؛ فوكو فينجغتشين ونعوم جاموسكي ودي سوسير. اي انهم درسوا النص الماثل لغويا ونقده بما يحمله من خصائص تجنيسية تجعل منه ادبا اولا واخيرا.

الموضوعات الهامة الكبرى في الفكر والفلسفة لم يتم الاهتمام في دراستها ونقدها ومراجعتها منهجيا بنيويا في اعتماد مركزية العقل فقط دونما وظيفة اللغة؛ هذه التراتبية انعكست في الفلسفات المعاصرة في اعتمادها (اللغة) مرتكز اساس يسبق اية مرجعية مثل العقل او اللوغوس. فمدارس الحداثة وخصوصا ما بعد الحداثة والبنيوية والتفكيكية جميعا شككت بكل اليقينيات العلمية والتاريخية والسردية والفلسفية القارة طويلا ومن ضمنها التشكيك بهيمنة العقل والعلم والانسان والتاريخ. واعتبروا الكثير من الانجازات البشرية في تلك الموضوعات غير مقنعة وناقصة؛ بل ذهب بعضهم على انها اكاذيب اخترعوها وتم لهم تصديقها. كما اعتبروا كل نص في تلك الموضوعات غير بريء. بمعنى وجود غايات ودوافع سياسية مصلحية وراءها؛ونقص دائم تحمله اللغة في مردود المعنى فيها؛ في مجاوزتها المسكوت عنه. واعتبروا ايضا تلقي وقراءة وتأويل اي نص مكتوب يحتاج قراءة نقدية مغايرة للسائد.بمعنى في مثل التفكيكية التي لا يمثل لديها الحضور المتجاوز بالتفكيك دوما في نشدانها الغياب الذي تحمله اللغة في متعين النص وفائض المعنى؛ الذي لا يلبث الاخر ان يصبح واقعا يطاله التفكيك الى ما لا نهاية.

نؤكد للمرة الثانية استحالة التطبيق التجريبي للافكار في اعتماد مركزية الصوت اللغوي واسبقية الكلام على الكتابة اللغوية المجتمعية؛ نعم هذا صحيح ومقبول في دراسة اهمية الكلام واسبقيته على الكتابة فيما يخص مجتمعات واقوام ما قبل التاريخ البدائية؛ اي قبل اختراع الكتابة التدوينية في القرن الثالث او الرابع قبل الميلاد.

وفي غير الدراسات التخصصية المعرفية باستثناء ما يتعلق بالادب والموسيقا والفنون؛ فالبنيوية كمنهج يشتغل على حفريات جيولوجيا البحث والمعرفة تكون لغة الكتابة التوصيلية التداولية مركزية في هذا النوع من الموضوعات والدراسات تتراجع فيها مركزية اللغة الصوتية(الكلام) التي هي تخصص معرفي دقيق يخص اللغة من حيث هي تجنيس ادبي. امام الطموح السيسيولوجي في المعرفة التي لا تبتغيه البنيوية بخلاف الشكلانية التكوينية او التوليدية عند نعوم جومسكي .

اذن ما المقصود قول الباحث تكريس الاصل الميتافيزيقي من خلال اللغة... واي لغة يقصدها الباحث... واي اصل ميتافيزيقي... !؟

اللغة وعاء للوجود البشري في جميع ظواهره وتمظهراته. ووسيط تواصل اجتماعي بشري ولم تكن اللغة ميتافيزيقا يوما ما. وحتى الموضوع الفلسفي او المعرفي او الانثروبولوجي؛ من غير تعيّنه في شكل لغوي معّبر عنه لا يمكن ان يكون ميتافيزيقيا او اي شيء آخر من غير تعينه في شكل لغوي. واللغة التواصلية اداة توصيل ونقل الموضوع ووعاء للافكار؛ كما هي شكل تعبيري للمضمون الذي يستحيل في حالة تجرده عن شكل اللغة في توصيله وتداوله ان يكون شيئا او وجودا ماديا.. واللغة حيادية بالنسبة لمضمون الاشياء والموضوعات؛ ولا تتحمل اللغة سوء وضحالة مضمون التفكير. وهي الحيّز الذي تصب فيه المعارف الانسانية.

اللغة بالمعنى المجتمعي كاداة توصيل وتلقي؛ تسبق الفكرة المعرفية او الموضوع** او البحث النظري او التطبيقي وهي التأطير الشكلي الظاهري والموضوعي في المعرفة والسرد على السواء. واهمية اولوية اللغة على الفكر تكون في العقل الداخلي غير المفصح عن تفكيره لغويا؛ عندما يكون التفكير واللغة في الذهن صمتا مطبقا لا يعبر عن اي شيء موجود واقعيا. والخطيئة المتهمة بها اللغة ليس في عجزها عن نقل الافكار نقلا امينا واضحا مفهوما؛بل في عجز الفكرة المعرفية والفلسفية الاتساق مع المضمون التوصيلي للغة. وما يدعى خيانة اللغة ومخاتلتها في الافصاح عن المعنى؛ يجب ان توجه هذه التهمة الى تقصير العقل التوليدي للافكار في الذهن؛وفي وسوء استعمال اللغة التعبير عن الفكر القاصر في اكتمال المعنى لديه قبل دفعه الى شكل اللغة التعبير عنه كمضمون. لذا اعتبر عبقرية اللغة سابقة على عبقرية الفكر.

الدراسات الألسنية للادب فقط تؤكد – ظهور البنيوية التكوينية او التوليدية كحركة وكاتجاه او مدرسة نقدية في البحث اللغوي والنقد الادبي والثقافي وكذلك في علم الاجتماع والسرديات..الخ-.وتعتبر البنيوية التكوينية هي الابرز في مجال النقد الادبي معتمدة المبدا التوفيقي الذي يمزج مابين الجدل المادي والتفسير التاريخي الماركسي من جهة؛ وبين الشكلانية البنيوية من جهة اخرى. في عملية توفيقية توليدية للافكار الجديدة او نقد القديم منها وتخليصها من المخطوء .  وهذه تختلف عن البنيوية كفلسفة تقوم على توظيف علوم اللغات الالسنية ولغة الصوت فقط كما هي عند دو سيسير في اعتماده اللغة قاموسا نحويا في تفكيك مفردات اللغة في لعبة  اعدام وظيفة اللغة ان تكون قاموسا حافظا لكل تاريخ و معاني الحياة. .

البنيوية نظرية ومنهج مثالي عند دي سوسير لا تقيم وزنا للتفسير المادي للاشياء والتاريخ. البنيوية الصوتية واللغوية تروم لوي عنق الوقائع والموضوعات والفكر تحت وصاية مراجعتها المثالية النقدية المقطوعة الصلة في التجريبية التطبيقية والفهم العقلي التجريدي بما يتوجب ان تكون عليه تلك الموضوعات.

البنيوية اللغوية الشكلانية استبدلت الفيض الميتافيزيقي في الفلسفة منذ فلاسفة الاغريق القدامى وصولا الى افلاطون وارسطو. وكذلك التخمة الميتافيزيقية في التفسير اللاهوتي للعصر الوسيط الى نوع من الفيض اللغوي الشكلاني الذي يعتمد اللغة منهج ومرتكز معالجة الموضوعات وقراءتها قراءة نقدية شكلانية جديدة. ولا تقر البنيوية (الكلام الشفاهي) ان اللغة وجود مادي مثل باقي الموجودات؛ لكنها لا تسبق  الوجود الواقعي للاشياء والطبيعة والانسان فهذه الموجودات والاشياء جميعها مع اللغة وجود مادي سابق على اي نظرية او منهج او تفسير فلسفي. اللغة معطى عقلي اجتماعي تسبق اي تفسير او نظرية او منهج يتوخى نقد او اعادة صياغة او تفكيك للوقائع الموجودة باستقلالية موضوعية لغوية في الواقع.نعيد مرة اخرى ان اللغة في تعالقها بالتفكير داخل العقل؛تكون ثانوية تراتيبية بالمقارنة مع الفكر التوليدي ذهنيا؛ قبل انطلاقته في تعبير لغوي عن الشيء الذي تم التفكير به؛ وما ان تخرج اللغة من مكمنها في صياغتها الفكرة كمتعين واقعي مضموني تصبح هي سيدة الموقف وتمتلك اوليتها على الفكر.(يرجى ملاحظة توضيح هذا التعالق في الهامش).

لا اعرف لماذا يتحفظ الكثير عن حسم مصطلح البنيوية على صفحات بحوث كاملة.. في ان تكون البنيوية فلسفة او حركة او اتجاه او مدرسة او نظرية او تياراً او منهجاً. ويعتبر الباحث التمييز في ان تكون البنيوية نظرية ام منهجا.. سؤال تقليدي ليس من واجب الباحث الاجابة عنه.!!

ثم اذا كانت البنيوية باعتراف باحثين متخصصين ربما تكون في احدى اهتماماتها مدرسة نقدية في البحث اللغوي والنقد الادبي والثقافي... وفي موقع سابق اشرنا له ان البنيوية عندهم حركة علمية في مجالات معرفية اخرى غير الادب. فاين يكون موضع اللغة في هذا المتحف البنيوي؟ هل هي لغة الصوت والكلام...ام هي لغة الكتابة المقروءة ام هي كما يعبرعنها اشكالية ميتافيزيقا اللغة...؟ وان كنا نتحفظ كثيرا على تسمية ميتافيزيقا اللغة لعدم وضوح المعني والمقصود بذلك. فاللغة برأينا رموز واشارات متفق على عقلانيتها سواء في الاساطير والميثالوجيا والعقائد الدينية الخرافية. او جاءت هذه الرموز عبر الموروث المنجز للبشرية في المجالات البحثية المعرفية كافة.وهي بعيدة تماما عن المجال الميتافيزيقي الا فقط كونها وسيلة التعبير عن الافكار بضمنها الافكار الميتافيزيقية.

بالتاكيد ان تغليب لغة تفكيك الصوت والكلام الشفاهي في النقد الادبي وفي دراسات علم اللغة بعيدا عن اللغة التواصلية في المنهج البنيوي النقدي لا يكفي.فقد يصبح النقد الادبي البنيوي المعتمد لغة الصوت والكلام يشبه كتابة – نوتة – موسيقية بعيدة عن معالجة اشكاليات الادب والنقد الثقافي في مرجعية النص المكتوب.

وحتى النوتة تحتاج تدوين سيميائي رمزي اشاري خاص؛ من هنا يمكننا طرح اهمية ما جاء به غولدمان في البنيوية التكوينية لحل هذا الاشكال الصعب.وذلك في تظافر المفاهيم الماركسية مع البحث التوليدي التوفيقي . والادب يحتاج لغة كتابة ايضا في كل الاحوال ولا غنى عن ذلك. لذا نجد خروج البنيوية على الرموز الصوتية واللسانية التي لم تكن صالحة في التطبيق الانثروبولوجي لدى شتراوس ولا لدى لاكان في علم النفس البنيوي ولا لدى جاك دريدا او فوكو او التوسير في مباحث البنيوية في السرديات والانساق الايدولوجية الكبرى. ولا في المعارف والدراسات الفلسفية التي كانت قيد المراجعة والقراءات الجديدة للمنهج البنيوي.

*** عندما نقول اللغة تسبق الفكر؛ فهي تبدو لنا غير صحيحة في تراتيبية الوظيفة الفسلجية للدماغ في توليده الفكر واللغة؛ من حيث ان اللغة وعاء الفكرة المعبّر عنها؛ والفكرة او الادراك الموضوعي لشيء ما هي نتاج العقل؛ وبهذا المعنى تكون الفكرة او التفكير بالموضوع اسبق على لغة التعبير عنها؛ لكن عندما نعبّر عن الفكرة لغويا تواصليا فهي من حيث التراتيبية المحصورة بين لغة تعبير ومستقبل لها في تموضعهما واقعيا؛ تنعدم هنا اسبقية الفكرة عن لغة التعبير عنها؛ كونها فكرة اخترعها العقل في كمون غير مدرك قبل اللغة؛ ولو لم يأت دور اللغة في التعبير عنها؛ لكانت الفكرة نتاج التفكير العقلي المجرد تسبق الافصاح اللغوي عنها.(كاتب المقال).

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..........................

(1) المصدر السابق ص 51.

(2) د.فاطمة بدر/ الصورة في السرد الروائي والسرد السينمائي/ مجلة الاقلام العراقية العدد2 حزيران، 2010

 

علي محمد اليوسفاذا ما اخذنا على محمل الجد كما يراد لنا التسليم به اعتبار نيتشة هو اول من استبعد الميتافيزيقا الفلسفية والمعرفية التي سادت قرونا طويلة قبله عن مباحث الفلسفة.ومتنكرين لريادة كانط في شنه حربا شعواء على الميتافيزيقا قبل مايزيد على اكثر من قرن قبل مجيء نيتشة 1844 - 1900، وانه – نيتشة– حسب زعمهم يمّثل التمفصّل الفلسفي المعرفي الوحيد الذي الغى كل ما سبقه من ارث الميتافيزيقا باعتبارها لغوا فارغا بلا معنى ولا نتيجة، وفكرا غاطسا في مستنقع الغيبية غير العقلانية ليس في مباحث الميتافيزيقا وحسب، وانما ممثلة ب (اشكالية اللغة). هذا الرأي من وجهة نظرنا تضخيم فلسفي لشخصنة فلسفة نيتشة واستنباط مفهوم لا تاريخي ولا معرفي دقيق او صحيح. اذ يوجد هناك من وضع وفهم نيتشة فهما قاصرا منحازا لافكاره على حساب الحقيقة المعرفية وتاريخ الفلسفة. صنّف هذا البعض هيدجر كفيلسوف ميتافيزيقي وهو الوجودي المعروف بآرائه المعاصرة التي هاجم فيها الميتافيزيقا مطالبا انهاء هيمنتها لقرون طويلة. واعتبر هيدجر أن نيتشة نفسه هو آخر ركّاب عربة المتافيزقيين التي وصلتنا بداية القرن التاسع عشر. كما هاجم هيدجر البنيوية معتبرا اياها من مخلفات الميتافيزيقيا التي وصلتنا وتم بعث الحياة فيها على ايدي شتراوس والتوسير ولاكان ودو سوسير وفوكو وعشرات غيرهم. ومثل هيدجر وسارتر فعل جاك دريدا في اعتباره البنيوية برمتّها ضربا جديدا من الميتافيزيقيا،واعتباره هيدجر ميتافيزيقيا لايمانه بمرجعية العقل والوجود الانساني كثابت استرشادي في فهم تقويضات النص المتتالية تفكيكيا عليه، وكل مرجعية ثابتة او متغيرة في فلسفة دريدا هي ميتافيزيقا يتوجب نبذها والتخلص منها، ونعتقد ان كل قاريء منصف يستبعد ان يكون هيدجر فيلسوفا ميتافيزيقيا وهو الوجودي الملحد الى نخاع العظم.

الى ذلك ذهب ايضا البعض ممن اعتبر الحداثة وما بعد الحداثة التي تداخلت معهما البنيوية في تحقيب تاريخي زمني. واعتبروا الحداثة وما بعد الحداثة مرحلتين متداخلتين من مراحل التجديد  الفكري الفلسفي والمعرفي عموما. وهذه ايضا مغالاة في الحكم والاستنتاج غير العقلاني والتاريخي الصحيح. فمن المتعذرعلينا قبول امكانية الغاء معطيات ومنجزات قيم الحداثة وما بعد الحداثة انهما كانتا عبئا معرفيا واشكالية (لغوية) بالاساس لاغير. او كما ارادت البنيوية ذلك ولم يتحقق لها، الغاءاً وتجاوزا مشروعا لما سبقها من فلسفات لم تكتشف قبل البنيوية محورية واشكالية (اللغة) في تعقيد قضايا الفلسفة والمعرفة التي بقيت ولعصور طويلة تدور في مماحكات المنطق الفلسفي اللغوي التجريدي الذي لم ينجز شيئا معتّدا به في مجال الفلسفة كما فعل العلم وحققه في تقدم الحياة، وحسب اقطاب البنيوية والتفكيكية كانت (اللغة) وحدها هي السبب في عجز الفلسفة ومراوحتها مكانها في الدائرة المفرغة من حيوية وفاعلية الحياة الواقعية المعيشية التي كان من المفروغ منه اسهام الفلسفة في تغييره كما فعل العلم في تخليه عن كل ما ليس عقليا ولا عمليا في التاثير بالواقع والحياة.

من المعروف رغم معطيات نيتشة الفلسفية اللامعة الا ان العديد من مؤرخي الفلسفة وبعض الفلاسفة المعاصرين يذهبون الى ان فلسفة نيتشة لم تقد الموروث الفلسفي السابق عليه سوى نحو العبث والعدمية والجنون والاغتراب وعدم الاعتراف بحقيقة في مجمل تاريخ وحياة الانسان التي عاشها و لا اكثر من ذلك.

واهمية فلسفة نيتشة انها جاءت على شكل شذرات فلسفية مستفيدة من الامكانية الشعرية في تغييبها الشعور العقلي، في صياغتها لافكارها في لغة فلسفية حمّالة اوجه عديدة في التفسير والقراءة والتاويل، خاصة في مؤلفه هكذا تكلم زرادشت، ولم يعتمد في تصدير افكاره الفلسفية على اسلوب فلسفي منطقي تجريدي متماسك في توصيله افكاره الفلسفية كما فعل غالبية الفلاسفة من قبله ومن بعده. كما لم يفتح نيتشة طريقا سالكا امام ظهور فلسفات من بعده ربما كانت البنيوية او غيرها من مدارس المعرفة النقدية الحديثة او الفلسفية كما ينسب البعض له.

وخير دليل على ذلك ان سارتر في بنائه الوجودية الحديثة بمرتكزاتها الثلاث الوجود لذاته، او الوجود من اجل ذاته/ والوجود في ذاته الله – والعدم – والحرية/ والوجود من اجل الاخرين لا تعترف به الوجودية، فهو اخذ اي سارتر اكثر من فكرة فلسفية سابقه عليه فقد اخذ عن سورين كيركارد وشوبنهاور وغيرهما بنفس الوقت الذي اخذ عن هيجل وفيورباخ و هيدجر ونيتشة. كما هو الحال بالعود الابدي لنيتشة المستقاة عن هيراقليطس وقبله فلاسفة الاغريق القدماء منذ القرن السادس ق. م. والعود الابدي لنيتشة لم تكن فتحا تجديديا غير مسبوق في الفلسفة. وان كان تمسّك نيتشة به شديدا في معاداته ميتافيزيقا اللاهوت بضراوة. الا اننا نجد ارهاصات العود الابدي في كتابات هايني وهولدرين وبلانكي وجويو وهناك اشارات غامضة للعود الابدي لدى كلا من بايرون وسبنسر بحسب الفيلسوف ريتشارد شاخت.

وعلى خلاف ايضا مع الذين التقطوا الدرة الثمينة والفتح المعرفي الفلسفي التجديدي الفريد لنيتشة كما يفهمه ويبشر به الباحث الكويتي استاذ فلسفة احمد العنزي. فهو احد الذين يعتبرون نيتشة الملهم الروحي للفلاسفة المعاصرين في سعيهم القضاء على الميتافيزيقا والهراء الفلسفي المتعالق معها. وان افكار نيتشة ايضا حسب الباحث وغيره مهدت لظهور كتابات اقطاب البنيوية امثال ميشيل فوكو وليفي شتراوس ودي سوسير ورولان بارت وجاك دريدا وجيل ديلوز والتوسير في اشتغالاتهم التخصصية المنوّعة على موضوعات الفلسفة البنيوية المختلفة. ونكرر ونقول ان هذه المصادرات والاستنباطات الفلسفية والمعرفية غير صحيحة ولا تكتسب الموضوعية البحثية العلمية، في اعتبار واعتماد سذاجة تحليلية ان كل من اتيح له قراءة نيتشة من فلاسفة البنيوية اصبح تلميذا له في اختراعه فلسفة هي من بنات افكار نيتشة وارهاصاته الفلسفية.لا نعتقد تقاس الامور بهذه البساطة. فقد كان لاسهامات كانط وهيوم وبيكون وجون لوك، من اقطاب التجريبية التحليلية الانكليزية، وكذا الحال مع اقطاب الفلسفة البراجماتية النفعية العملية الذرائعية الامريكية، (تشارلز بيرس، وجون ديوي، وليم جيمس) وقبلهم جميعا كان ديكارت في القرن السابع عشر الميلادي، صاحب الفضل الاعلى في اقصائه الميتافيزيقا من اهتمامات الفلسفة ونادى بالعقل والمنطق العلمي والمنطق الرياضي فوق كل مبحث في الفسفة والمعرفة اذا ما ارادت الفلسفة احترام العلم لها وعدم استخفافه بها.

يذكر الباحث احمد العنزي ان نيتشة: (اعتبر اشكالية القيم الميتافيزيقية لم تكن سوى لغو واشكالية (لغوية) بامتياز. لذلك اعطى نيتشة (اللغة) اهمية مميزة ومكانة مركزية. وهو ما تابعه هيدجر عند نيتشة الذي اعتبر اللغة مسكن او بيت الوجود. فلم يتبق اذن من رواسب الميتافيزيقا سوى هذا المسكن الصغير اي اللغة)([1]).

لا يوجد اي سند فلسفي تاريخي معرفي يؤكد صحة ان اللغة كانت ميزة وبؤرة مركزية في فلسفة نيتشة تفوق ولعه الجنوني جدا في مهاجمة اللاهوت المسيحي والميتافيويقا. ولم يسبق لاحد ان ادعى ميتافيزيقا اللغة هي آخر المتبقي من رواسب الميتافيزيقا الفلسفية كما مر بنا عند الباحث. لا في كتابات نيتشة وافكاره الفلسفية ولا في كتابات من اشادوا بميراثه الفلسفي واستاذيته لهم من رواد فلاسفة البنيوية امثال سوسير او فنجشتين او شتراوس او فوكو او بارت او التوسير الذي هو اكثرهم مغالاة في التطرف البنيوي المثالي التجريدي التهويمي في محاولة تطويعه الوقائع التاريخية والسرديات االكبرى والايديولوجيات وموضوعات المعرفة قسرا لمنطق التشتيت الفلسفي والفكري باسم الاخلاص للبنيوية، كل هؤلاء مدينين لنيتشة كما يرى الباحث في هدايته لهم كشفهم الجديد ان اللغة هي ام كل مصائب الميتافيويقا، وهي ام كل الفلسفات التي تعتمد مركزية اللغة في التفكير الفلسفي ومراجعته نقديا بضوء ماتفصح عنه وتكشفه اللغة من جديد لم ير النور، كانت اللغة سببا في انغلاقه الفلسفي التجريدي.

الشيء الآخر الذي يغفله هؤلاء المتزمتون ان الاهتمام بمركزية اللغة في مراجعة وشروحات مواضيع الفلسفة انما جاءت في مرحلة متأخرة عن نيتشة 1844 _1900بدايتها كانت في مطلع القرن التاسع عشر لدى جاكوبسون وجماعة الشكلانيين الروس الذين عقدوا مؤتمرهم اللغوي الفلسفي في لاهاي عام 1920،وهم اول من اطلق مصطلح البنيوية، وكان ابرز من خلفهم في مجال اللغة هو دوسيسير و فنجشتين ومن ثم رواد الفلسفة البنيوية اللغويين بارت وميرلوبونتي... وبعدهم ورواد التفكيكية ابرزهم جاك دريدا. وجومسكي صاحب التوليدية البنيوية.

ولم يذهب احد من هؤلاء الى اعتبار (اللغة) هي الأرث الاخير المتبقي من رواسب الميتافيزيقا، بل اعتبروا اشكالية الفلسفة وليس اشكالية اللغة كانت ولا تزال على حد زعمهم تمثل محور دوران كل مواضيع ومباحث الفلسفة في دائرة الخواء اللغوي الخالي من معاني معالجة الوجود الواقعي للانسان وقضاياه.. اللغة التواصلية التداولية مرتكز ووسيلة اعتماد ظهور البنيوية والتفكيكية وغيرهما في جميع ونواحي اشتغالات الفلسفة في قضايا الانثروبولوجيا والتاريخ وعلم النفس والادب والاساطير والسرديات العامة. وليس هناك من ادعى اهمية الالتفات الى (اللغة) لانها كانت سببا في جعل معظم تاريخ الفلسفة يدور حول مسائل الميتافيزيقا فقط، بل كانت اللغة ضحية سوء استخدامها في كتابة وتدوين مباحث الفلسفة المكتشف عقمها التجديدي في النصف الثاني من القرن العشرين ونعود لهذا في توضيح لا حق.

باعتقادنا ان سوء استخدام اللغة واشكالاتها الفلسفية في جميع قضايا الفلسفة هي من بقايا الميتافيزيقا والارث الفلسفي الكثير الذي وردنا، وخير دليل ان الشغل الشاغل لجميع التيارات الفلسفية مثل البنيوية و التفكيكية والتاريخية وصولا العدمية، تعتبر اللغة مرتكزا محوريا في الفلسفة المعاصرة، ولا نعتقد وجود فيلسوف يعامل (اللغة) فلسفيا اليوم في نفس معاملته الميتافيزيقا الفلسفية التي اصبحت شتيمة تسم الفلسفة  في تخلّف معرفي ارتدادي يدين مباحث الفلسفة وليس اللغة كتعبير فلسفي تداولي.

مع كل هذا نجد من اعتبر اللغة الارث الاخير المتبقي من رواسب الميتافيزيقا بخلاف المنطق العلمي الفلسفي التاريخي الذي يشير باطلاق انه لولا اللغة لما كانت الفلسفة على امتداد التاريخ كان لها حضورها ومثلها جميع العلوم الانسانية والمعرفية، كون اللغ ببساطة شديدة هي التعبير عن العقل والفكر والفلسفة. ولولا اللغة رغم الادانة الاشكالية لها اليوم في دورها المعرقل للفلسفة على حد تعبيرهم، لما كانت البنيوية ولا غيرها من المعارف الانسانية والفلسفات لها حيز اهتمام فكري محترم. وفي البدء كان الكلمة كما وردت في اللاهوت وهي عبارة وردت في اللاهوت المسيحي قبل ظهور الفلسفة بعدة قرون. اذن من الخطأ الكبير تحميل الفلسفة وزر اشكالية عقم الميتافيزيقا وموضوعاتها الباقية لحد اليوم دونما حسم مقنع، فالاشكالية اليوم هي اشكالية مباحث الفلسفة التجريدية التي كان همها الوحيد الدوران حول مركزية الفهم وتعميم الفهم التجريدي المنطقي لطروحات الفلسفة المستغلقة والبعيدة عن واقع الحياة.،وكذلك اشكالية قضايا ومباحث الميتافيزيقا المتعالقة مع تزمت اللاهوت الديني العقيم تجديدا وعلميا، قبل عصري النهضة والانوار، وكانت اللغة ضحية تلك الاشكاليتين وغيرهما من اشكاليات الفكر التي تتوسل اللغة تدوينا توثيقيا وتواصليا. اللغة هي التعبير عن الوجود ومشكلاته، و تعبير عن غير الموجود واشكالاته، و تعبير عن الشعور واللاشعور وعن اشكالاتهما. اللغة وسيلة حل كل اشكالية في الوجود، لكن ولم ولن تكن مشكلة قائمة بذاتها، اللغة هي ام كل المشاكل في الوجود، لكنها ليست مشكلة مجردة عن ذاتيتها ووجودها المعبّر عن كل شيء يدركه العقل كوجود اشكالي.

لا اعتقد علينا فهم الامر بالمعكوس كما يرغب البعض من الباحثين ان البنيوية كنسق فلسفي معرفي غائم في معظم طروحاته الفكرية يتقدم اللغة بدلا من اعلائه شان اللغة – وهذا هو جوهر ما نادت وجاءت به البنيوية والتفكيكية وغيرهما من الفلسفات في جميع معالجاتها في فضاءات المعرفة –والفكر، في اعتبارهم الساذج ان حل مشكلة اللغة، يعني حل كل المتصّلات والمعضلات التي خانت اللغة التعبير عنها  من فلسفة وفكر ووجود.

ولم يكن في اهتمام البنيوية تحطيم هيكلية النسق اللغوي الشكلاني كتجديد لا يمس مضمونية المحتوى اللغوي،كما فعلت التفكيكية عن سبق قصد واصرار . بل بالعكس ان اللغة متقدمة على الفلسفة كوسيلة تواصلية عامة و البنيوية كنظرية ومنهج فلسفي نسقي وجدت  في اللغة رمزية دلالية نقدية وتاويلية تاريخية غير مسبوقة غير مكتشفة. وملاذا مسعفا لها في معالجة قضايا وامور ومشاكل عالقة في الفلسفة والانثروبولوجيا والتاريخ وفي الايديولوجيا والسرديات الكبرى والادب وغيرها. وهي من اختصاصات وميزات الرمزية اللغوية البنيوية والتداول المعرفي التواصلي في الاشتغال على وسيلية وتوظيف اللغة حصرا.

ولم تكن البنيوية ولا غيرها من نظريات المعرفة ان تظهر وتكون الا واحدة من اختراعات ومكتشفات مجالات استخدام وظائف اللغة المتعددة. تضحية اللغة ان لاتكون سببا في سوء التعبير اللغوي لمضامين مباحث الفلسفة كما في الادب والتاريخ وعلم النفس. فاللغة سابقة معرفية مادية على الفلسفة البنيوية او غيرها من الافكار،  ومن النظريات والمناهج الفلسفية كافكار تعبير قاصرة في غياب حضور توظيف اللغة الصحيح في نقل الافكار، لذا فالجميع يرفع شعار (خيانة اللغة) مهملين خيانة التفكير القاصر السابق على التعبير اللغوي في كل مجالات التاريخ والفلسفة والسرديات وغيرها. ولم تكن ولن تكون الفلسفات و النظريات والمعارف المنهجية سابقة دالة تتقدم اللغة كوجود تواصلي يمتلك التعبير الجودي لها. ان من اهم المسائل التي تغيب عن الاذهان، ان الوجود لا يكتسب حقيقته المادية قبل ومن غير مادية التعبير عنه لغويا سواء في الذهن، أوفي وجوده ماديا متعينا بفضل اللغة عليه لا فضل الفكر على اللغة.

اللغة بالمعنى الذي ذكرناه سابقا ميراث تاريخي متطور لا ميتافيزيقي (قبلي وبعدي) في مختلف التوظيفات والاشتغالات المعرفية الفكرية والتاريخية القديمة والمعاصرة. اللغة هي المرموزات اللغوية الدالة التوصيلية العابرة للازمان والتاريخ وهي المهمازالنسقي القبلي المحايث الذي اعطى الفتوحات النظرية المعرفية والفلسفية مغزى الظهور والبقاء التداولي عبر العصور. في كل هذا وغيره لم تكن اللغة اشكالية خائنة للوجود بل كانت الوسيلة الوحيدة التي عرّت الوجود في حقيقته.

لا نعتقد ان الارث المعرفي العلمي والفلسفي علّة ميتافيزيقيته هو في اشكالية اللغة وميتافيزيقتها وخيانتها بامتياز، كما ينعتها ويعبّر عن ذلك بعض الباحثين المتخصصين الذين الهمتهم محورية اللغة في الاشكالية البحثية الفلسفية في كل من البنيوية والتفكيكية ومباحث اللغة وغيرها ان اللغة هي ام كل رذائل الفلسفة الملحقة بها. بل ذلك الارث الفلسفي البحثي اشكاليته فكرية عقلية مضمونية قبل ان تكون اشكالية في قصور تعبير اللغة القيام بوظيفتهاالمعرفية والتواصلية، وان اشكالية الفكر الفلسفي تحديدا وعجز تجديده، وليس عقم ومخاتلة اللغة  بمعزل عن كل المستلزمات الضرورية التي تحكم المادة والظواهر والطبيعة والانسان والتاريخ والمعارف بالتغيير المستمر والتطور الزمني- الحضاري هو ما يتوجب  الاهتمام به كما دعت له التجريبية المنطقية التحليلية الانكليزية عند هيوم وجورج مور وبراترانرسل،والكف عن تحميل اللغة مساوىء الفلسفة واخفاقاتها عبر التاريخ.

اي ضيق افق ودوغماتية  ان نعتبر جميع القضايا التي شغلت البشرية قبل ولادة الفلسفة البنيوية هي محض هراء ميتافيزيقي لا علاقة له بالفلسفة... وماذا وصلنا من ارث هذه الحقول المعرفية التي اعتمدتها البنيوية في النقد والتطوير الجديد المحتمل.؟ وكذا الحال مع التفكيكية او العدمية والتاريخانية المعاصرة، وعلى ماذا طبّقت هذه الفلسفات والمعارف مفاهيمها الفكرية المنوعة في المراجعة ومحاولة اعطاء البدائل لما اخفقت به الحداثة وما بعد الحداثة في تجريدهما من التاريخية التحقيبية... ان جدل وحركة المادة والطبيعة والانسان والتاريخ يشير الى بداهة معرفية انه لا يمكن خلق قناعات جديدة وقراءات جديدة لميراث الانسانية بمعزل عن منهجية نقد ورفض او اعتماد بعض ما توارثته البشرية في هذه المجالات. والجديد يتخلق وينبثق دوما من رحم القديم. ان مشكلة البشرية ليس في اشكالية (ميتافيزيقا اللغة) كما يعبّر البعض. وانما الاشكالية في تعثّر المنجز البشري من معارف وافكار ونظريات يطالها التغيير الزمني التاريخي بالاضافة والتجاوز.

البنيوية فلسفة نظرية ومنهج مراجعة فكرية واسلوب نقدي قابل للقبول والاخذ به في نفس وقت انه قابل للدحض وابطال وتوقف فعالياته بحكم التطور التاريخي الزمني. وتمجيد البنيوية ليس معناه غلق الابواب امام بروز تيارات معرفية جديدة لاحقا لعل التفكيكية ومنهج حفريات اركيولوجيا المعرفة احداها وان لم تكن بافضل من البنيوية. وكذلك البنيوية التكوينية التوليدية عند ناعوم جومسكي التي تقوم على التوفيقية اللغوية هي واحدة من مناهج تطور البنيوية وتعدد اشتغالاتها.

يستبعد الباحث العنزي – دكتوراه فلسفة معاصرة – ان يكون للغة غير الصوتية والكلام الشفاهي اشتغالا مع شتراوس قائلا: (عندما نكون بصدد الحديث عن البنيوية كحركة علمية علينا ان نسجل اننا لم نعد في الحقيقة امام بنيوية واحدة كما نادى بها فردينان دي سوسير 1857–1913 سرعان ما وجدت اصداء واسعة وانتشرت في ميادين مختلفة وحقول اخرى غير اللغة)([2]).

ويضيف (اننا مع ليفي شتراوس 1908 – 2009 اصبحنا بصدد بنيوية انثروبولوجية اهتمت بدراسة حياة الانسان البدائي محاولة فك شفرة رموز الاساطير البدائية.... الخ.) ([3]).

البنيوية في تفرعاتها المختلفة في بحوثها مواضيع لاتعتمد علوم اللغة واللسانيات هي الاخرى لم تكن اشتغالاتها خارج نطاق اللغة التداولية، فهل كتابات شتراوس والتوسير وفوكو هي خارج فاعلية اللغة المكتوبة في توصيل افكارهم الفلسفية؟ ام هي خارج موضوعات دي سوسير في تناوله اللغة الصوتية والكلام الشفاهي لدى القائل البدائية في تشفيره حل تلك المرموزات داخل وظيفة اللغة التواصلية؟.

وصف الباحث (البنيوية بانها حركة علمية بعيدة عن اشتغالات واهتمامات اللغة).متناسيا شعار البنيوية (لا شيء خارج النص).- ويقصد الباحث هنا باللغة علم الاصوات واللسانيات اللغوية الصرف في تحويلها بحثيا وتوثيقها تدوينا فلسفيا مكتوبا، وهو لا اعتقد من الممكن ان لايستبعد وثاقة ارتباط اللغة، اللغة بمعناها المعجمي التداولي التواصلي الشامل كتابة وقراءة وتدوين اللهجات الشفاهية ومرموزاتها الدلالية التواصلية مجتمعيا على صعيد القرية والقبيلة واخيرا المدينة عند اقوام لا تزال تعيش حقب ما قبل الاتاريخ.

ولكن العلمية في اي منحى من ضروب التجريبية العلمية تكون خاصية اللغة كرمز تواصل تعريفي تداولي غير مستبعدة ولا تستغني عنها جميع العلوم الانسانية والطبيعية في نقل وتوثيق منجزاتها واضافاتها الجديدة كما في علوم الرياضيات مثلا، فهي تستعمل رموز علمية(المعادلات) لا يفهمها غير الشخص المعني بتلك الدراسات الرياضية والفيزيائية والكيميائية والطبية او الفلكية وهكذا.

ولو نحن القينا جانباً العلوم الانسانية الانثروبولوجيا والتاريخ وعلم الاجتماع والادب والسرديات والانساق الايديو لوجية ...فهذه جميعا علوم توثيقية تقوم على رمزية اللغة التواصلية التداولية المكتوبة والمسموعة والمرئية قبل كل شيء آخر. ونقدنا لهذا الميراث المعرفي  والعلمي والفلسفي والتاريخي. انما هنا ينصب نقدنا له ومراجعته على تصحيح المفاهيم الخاطئة في محمولات اللغة، وليس الاهتمام بتصحيح نحو اللغة والبلاغة وغيرهما. قريبا من هذا المعنى وافضل منه مايؤكده براتراند رسل قوله ما معناه :اننا اذا ما كرسنا جهودنا في قضايا وامورخصوصية اللغة قاموسيا، من نحو وبلاغة واستعارة ومجاز، لكنا اقرب الى العاملين في مجال وضع القواميس اللغوية، اكثر من ان نكون مفكرين تشغلنا قضايا الفلسفة التي تهم مصير الجنس البشري. واعتبر الفيلسوف رسل ان مشكلة اللغة في الفلسفة وغيرها من مجالات المعرفة، هي ان سوء استخدام اللغة طمس غالبية المعارف وكثير من المباحث الفلسفية وراء غموض وتجريدات اللغة المستعصية، وانه حان الوقت التعبير في كل مجالات الفلسفة والمعرفة بلغة واضحة وبسيطة تسمي الاشياء بمسمياتها الحقيقية التي تدخل في صلب اهتمامات الانسان العادي في حياته والابتعاد عن التجريد التخيلي الذي استهلك نفسه فلسفيا.

يتبع في الجزء الثاني من الدراسة

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.....................

(1)  د. احمد عقلة العنزي-البنيوية اللغوية عند دي سوسير-عالم الفكر الكويت-ع2 مج42  ص43

(2) المصدر السابق ص42.

(3) المصدر نفسه، ص44

 

عبد الجبار الرفاعيمن ينسى الفلسفةَ تنساه أعيادُ التاريخ. الفلسفةُ بصمةُ العقل في كلِّ الثقافات، الفلسفةُ لغةُ العقل بين كلِّ المجتمعات. الفلسفةُ تفكيرٌ نقديّ بلا حدود وقيود، يتحرك خارجَ الأطر والأوعية والأسوار، وأيّةُ محاولة لتعليبه في أوعيةٍ جاهزةٍ تسجنه، وتنتهك حريتَه.

الفلسلفةُ لا عقيدةَ لها، الفلسلفةُ لا هويةَ لها، الفلسفةُ كونية، لا بوذية، ولا يهودية، ولا مسيحية، ولا إسلامية، ولا مذهبية، ولا قومية، ولا محلية، ولا جغرافية. نعم، وُلِدت الفلسفةُ في سياقاتٍ معرفية وميتافزيقية مختلفة، تنوّعت بتنوّع بيئات وعصور الفلاسفة، وعلى هذا يمكن التعبيرُ عن الديانة والموطن الجغرافي والزمن والثقافة والمجتمع الذي وُلِدت الفلسفةُ في فضائه، إذ نصفها بكونها: فلسفةَ مسلمين، أو فلسفةَ يهود، أو فلسفةَ مسيحيين، أو فلسفةَ بوذيين، أو فلسفةَ غربيين، أو فلسفةَ شرقيين، أو فلسفةً قديمة، أو فلسفةً حديثة، أو فلسفةً معاصرة. ولو كانت الفلسفةُ أسيرةَ معتقدات دينية أو مقولات أيديولوجية فإنها تصبح: لاهوتًا، أو علمَ كلام، أو عقيدة، أو أيديولوجيا.

ولا نريد أن ننفي أثرَ أنماط التربية والبيئة والثقافة والديانة في "لاوعي" الفيلسوف، وما يترسّب في أعماق شخصيته في المراحل المبكرة من حياته، وأن شيئًا من أثرها ربما لا يختفي كليًا من الانعكاس في تفكيره. ولكننا ننفي الاستسلامَ الطوعي لعقل الفيلسوف وانحيازَه الواعي للبيئة والثقافة والمعتقد والديانة، وتأثيرَ ذلك في طريقة تفكيره، وما ينتهي إليه من نتائج، كما يفعل المتكلم الذي يختصر الدفاعُ الواعي عن معتقداته مهمتَهُ.

وظيفةُ علم الكلام تجفيفُ منابعِ الأسئلةِ الحائرة، وتوطينُ العقل في جزميات وثوقيةٍ، ومناهضةُ اللايقينِ والتفكيرِ خارج أسوار المعتقدات، وتحريمُ الشك والأسئلة اللامكررة، وإسكاتُ صوت العقل حالة الدهشة، كي لا يسأل الأسئلةَ التي تبني الأرضيةَ الخصبة لنمو وازدهار التفكير الفلسفي.

عندما يتسلط اللاهوتُ على العقل تضمحل الفلسفة. في المجتمعات التي تحضر فيها الفلسفةُ ينحسر حضورُ اللاهوت. هكذا كان المجتمعُ اليوناني في عصر سقراط وافلاطون وأرسطو، وهكذا كان المجتمعُ الصيني في الشرق في عصر كونفوشيوس والحكماء، قبل أن يقدّسَ المجتمعُ الصيني نصوصَ الحكماء، ويتعاطى معهم بوصفهم قديسين.

وقد ظهرت محاولاتٌ في الإسلام تعمل على "أسلمة الفلسفة"، وتحاول أن تصوغَ فلسفةً مشتقة من الكتاب والسنة، ومؤطَّرةً بإطار وحياني. تبدأ هذه المحاولاتُ عادة بمقدّمات منطقية وفلسفية لكن تنتهي إلى نتائجَ كلامية. ويتجلى ذلك بوضوح في آثار صدر المتألهين محمد بن إبراهيم القوامي الشيرازي المعروف بـملا صدرا الشيرازي "980-1050هـ"، الذي صاغ نظامًا فلسفيًا يلتقي فيه القرآنُ بالبرهان والعرفان، وكان يحرص على تجنيس فلسفته بهوية اعتقادية، تستلهم العرفانَ النظري لمحيي الدين بن عربي، ومفهومَه عن الولاية والإنسان الكامل ورتبتِه في العوالم الربوبية.

"أسلمةُ الفلسفة" تعني أن تتحول الفلسفةُ في عالم الإسلام إلى علم كلام، وعلمُ الكلام يمتلك مقولاتٍ اعتقاديةً جاهزة، ومهمتُه تحصيلُ نتائجَ قطعية نهائية، في حين تحرص الفلسفةُ على اللايقين، وتحرّض على الأسئلة، ولا تقبل الأفكارَ الجاهزة من دون غربلة وتمحيص. علمُ الكلام يقوّض الفلسفةَ مثلما تقوّض الأيديولوجيا الفلسفة، الفلسفةُ تبحث عن التمايز والاختلاف والغَيريّة والتنوع. أما الأيديولوجيا فتشدّد على طمس الاختلافات وتتنكرُ للتنوع، وتحرص على المحاكاة والتماثل والمطابقة.

وكما لم يستطع الدرسُ الفلسفي في حواضر العلم التقليدية في عالم الإسلام، كالأزهر في القاهرة والحوزة في النجف وقم ، أن يتحررَ من أدوات المنطق الأرسطي في قراءة ونقد الفلسفة الغربية الحديثة، لم يستطع هذا الدرسُ أيضاً أن يتحررَ من مناهج علم الكلام في قراءة ونقد تلك الفلسفة، بل استعار بعضُ الباحثين علمَ أصول الفقه ومناهجَ استنباطِ الأحكام الشرعية في قراءة النص الفلسفي. إن قراءةَ كلِّ نص ترسمها أدواتُ القراءة، وكيفيتُها، وأفقُ المتلقي ورؤيتُه للعالم. لذلك تفضي القراءةُ الكلامية للنص الفلسفي إلى نتائج َكلامية، يغيب معها العقلُ في مدارات الاعتقاد، وتفضي القراءةُ بمنطق أصول الفقه أو القراءةُ الفقهيةُ للنص الفلسفي إلى نتائجَ فقهية يغيب فيها العقلُ في مدارات الأحكام ومسائل الحلال والحرام.

وكان الشيخُ مصطفي عبدالرازق "1885-1947"[1]، وتبعاً له تلميذُه د. علي سامي النشار "1917-1980"[2]، قد نبّها إلى أن فلسفةَ الإسلام هي علمُ أصول الفقه وعلمُ الكلام.

علمُ أصول الفقه جزمياتٌ تلتمس منطقَ الحجج الشرعية، وعلمُ الكلام يحيل على مسلّمات لاهوتية. وهناك تضادٌّ بين المناهج والنتائج في هذه المعارف الثلاث، فالنظامُ المعرفي في أصولِ الفقه تختلف فيه وجهة التفكير والنتائج عن وجهة التفكير الفلسفي ونتائجه.كما أن النظامَ المعرفي في التصوّف والعرفان يختلف عن الفلسفة، بوصف العرفان طريقُه القلب، أما الفلسفةُ فطريقُها العقل. وإن كان العرفانُ النظري يحاول أن يلتمسَ منطقَ الدليل العقلي للبرهنة على مقولاته في اللوحات التي يرسمها لعوالم الربوبية.

الحقيقةُ في المنطق الأرسطي محصلةٌ برهانيةٌ لتطبيق أحد أشكال القياس المعروفة باعتماد مقدّمات يقينية، في حين لا يتوقف إنتاجُ الحقيقة في عصر تكنولوجيا المعلومات على منطق الحجج والبراهين، بل يتلاعب بمفاعيلها منطقُ الصورة وبراعةُ الخطابات التي تثير العواطفَ، وتؤجج المشاعرَ، وتشحن الغرائز. الاقتصادُ السياسي للمعرفة يكشف – كما يقول فوكو تبعًا لنيتشه - عن النسيج المعقّد للتأثير المتبادَل بين المعرفة والسلطة، فكلُّ سلطة تنتج معرفةً من جنسها، تعمّمها وترسّخها، وكلُّ معرفة تنتج سلطةً من جنسها. الاقتصادُ السياسي للمعرفة مرهون بإرادة القوة والسلطة، فلم تعد المعرفةُ - حسب فوكو - محصَّلةَ طُرُقِ الوصول للحقيقية، والمنطقِ العقلاني في البرهنة عليها، بل هي نتاجُ أنظمةِ خطابٍ تبرع في ابتكارها السلطاتُ السياسية والروحية والاجتماعية. إرادةُ القوة للسلطة السياسية تبتكر معرفةً تمنحها الهيمنةَ على الحياة الدنيوية. وإرادةُ الهيمنة للسلطة الروحية تبرع في ابتكار نمطِ معرفة يحتكر أنظمةَ إنتاجِ معنىً مقدّس لحياةِ الناس وموتِهم، ويتحكم بأرواحهم ومصائرهم الأُخروية.

كان معظمُ مدرسي وتلامذةِ الفلسفة في حواضر العلم التقليدية في القرن الماضي يفتقرون إلى تكوين لغوي يمكّنهم من مطالعة نصوص الفلسفة الغربية بلغاتها الناطقة بها، ما اضطرهم لمطالعة نصوصها المترجمة. ولم تتوافر للنصوص الفلسفية قبل منتصف القرن الماضي ترجماتٌ دقيقة، فقد اعتمد العلامة محمدحسين الطباطبائي بشكل أساسي في فهمِ الفلسفة الغربية ومناقشة آراءِ الفلاسفة، وقت تدوينه لكتاب "أصول الفلسفة والمنهج الواقعي"، كتابَ: "تطور الحکمة في أوروبا" لمحمدعلی فروغی "ت 1952"[3]. وكان فروغي مثقفًا سياسيًا وصحفيًا، ولم يكن متخصصًا في الفلسفة الغربية، وكتابُه هذا يمثّل معلوماتٍ عامةً وانطباعاتٍ سريعةً عن الفلسفة الغربية، ومما يؤسف أن فهمَه كان فهمًا سطحيًا مبسطًا، وملتبسًا أحيانًا، إذ كان يقرأ نصوصَ الفلاسفة ومقولاتِهم في سياق ثقافته المحلية، ولم تمكّنه أدواتُ قراءته من الغوصِ في أعماقها وإدراكِ كلياتها الكبرى، وتبصّرِ نسيج مفاهيمها وشبكاته المتشعبة، لذلك عمد الى خلع مصطلحات عليها لا تحكيها، وتقويلها ما لا تقوله.

وشكّل كتابُ فروغی هذا عقبةً أمام الفهم الصحيح للفلسفة الغربية، عندما فرضَ على التفكير الفلسفي في الحوزة فهمَهُ الملتبس لهذه الفلسفة في تلك المرحلة، وأضحى هذا الكتابُ منبعَ إلهامٍ رئيسٍ لبعض دارسي الفلسفة في الحوزة في مراحل لاحقة، ممن يهتمون بالتعرف على آراء الفلاسفة الغربيين، كما تشي بذلك الإحالاتُ المرجعية في كتاباتهم.

وتأثر بالفهم، الذي قدَّمه فروغي، العلامةُ الطباطبائي وتلميذُه الشيخ مرتضى المطهري وبعضُ تلامذته الآخرين، وظهر تأثيرُه على فهم الفلسفة الغربية في مدرسة النجف، فكان فهمُهم وبعضُ تفسيراتهم ونقدُهم للاتجاهات الفلسفية الغربية لا يخلو من التباس في الفهم أحيانا.

ونلاحظ مواردَ متعدّدةٍ من كتاب "أصول الفلسفة والمنهج الواقعي" لا تعبّر بدقة عن مضمونها، فقد كان فهمُ الفلسفة المثالية في هذا الكتاب ملتبسًا، إذ نُسب إلى المثالية نفي الواقعية وانكار كل شيء في الخارج. كما التبس الفهمُ لفلسفة كانط، وديالكتيك هيغل، وغيرِهما من فلاسفة الغرب الحديث. وهذا ما يشهد به تلميذُ الطباطبائي الشيخ مهدي الحائري اليزدي الذي كان مدرّسًا لامعًا للفلسفة في الحوزة، وخبيرًا بالفلسفة الغربية، إذ حصل الشيخ مهدي على دكتوراه في المنطق الرياضي من جامعة تورنتو في كندا. يقول الحائري اليزدي: "من يقتصر على دراسة واحدة من الفلسفتين، لن يفهم الأخرى؛ لأنهما موضوعان منفصلان، فلو درس الطالب الفلسفة الإسلامية ووفّاها حقها، من دون أن يطّلع على الفلسفة الغربية اطلاعاً منظّماً دقيقاً، لم يفهم كنه الفلسفة الغربية، والعكس صحيح أيضاً. مثال ذلك ترجمات أعمال كانط إلى الفارسية والعربية، التي أعتقد أنه حتّى حبراً  كالعلامة الطباطبائي لن يستطيع تكوين فكرة جليّة عن فلسفة كانط من هذه الترجمات، ناهيك عن الأشخاص العاديين"[4].

لقد وقعت الكتاباتُ النقدية في الحوزة للفلسفة الحديثة ضحيةَ مفارقة في فهمها ونقدها لتلك الفلسفة، فلم تستطع أن تقارب الفلسفةَ الغربية في سياق لغتها ومصطلحاتها ومقولاتها ومنطقها ورؤيتها الخاصة للعالم، بل درستها ونقدتها في سياق لغة فلاسفة الإسلام ومصطلحاتهم ومقولاتهم ومنطقهم الأرسطي ورؤيتهم الخاصة للعالم.

وهكذا تحوّل الفكرُ الغربي الى أزمة في ثقافتنا، بدلاً من أن يصبح حلاً، ومنطلقًا لتحديث التفكير الفلسفي لدينا، لأننا قرأناه وفهمناه في أفق المنطق الأرسطي، ومسلّماتنا، ورؤيتنا للعالم، ومعتقداتنا. فمثلاً قدّمنا تفسيراً لـ "ديالكتك هيغل" في قوالب المنطق الأرسطي من دون أن نتنبه إلى أن "ديالكتك هيغل" لا علاقةَ له بمفهوم التناقض والتضادّ بالمعنى الأرسطي. وهكذا تم تفسيرُ مفهوم الحقيقية والهوية في منطق هيغل الديالكتيكي في أفق تفكير الفلاسفة المسلمين. كما قرأنا "الكينونة والزمان" عند هايدغر[5] في أفق مفهوم الوجود عند ابن سينا أو ابن عربي أو ملا صدرا.

إن من يقرأ ديفيد هيوم وكانط وهيغل وهايدغر بعدساتِ أرسطو وأفقِ تفكير الفلاسفة المسلمين كمن يقرأ الفلاسفةَ الغربيين في العصر الحديث بعدسات المتكلمين المسلمين.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

.....................

[1] انظر: مصطفي عبدالرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة في الإسلام.

[2] انظر: د. علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام.

[3] صدرهذا الكتاب بالفارسية في طهران بعنوان: " سیر حکمت در اروپا"، ج1 سنة 1310= 1931، وج 2 سنة 1318=1939، وج3 سنة 1320=1941.

[4] كفت وكوهايي بادكتر مهدي حائري يزدي، طهران، 1379= 2000، ص 35.  مسعود رضوي

[5] "الكينونة والزمان" عنوان كتاب مارتن هايدغر الشهير، الذي صدر عام  1927، وترجمه للعربية أخيرًا: د. فتحي المسكيني.

 

يعد كارل بوبر أشهر فلاسفة العلم في القرن العشرين، وأكثرهم تأثيرًا في مسيرة فلسفة العلم الحديثة، وسواء اتفقنا أو اختلفنا معه، يمكن القول إنه قد أحدث ثورة في المنهجية العلمية لا تقل عما أحدثه أينشتين في الفيزياء حين غيّر لنا نظرتنا إلى الزمن.

وعندما نتحدث عن نظرية المعرفة عند بوبر فنحن نريد أن نفهم طبيعة المعرفة الإنسانية ومبادئها ومصادرها وقيمتها وحدودها كما يراها كارل بوبر.

اللافت أن جانبيّ فلسفة بوبر الميثودولوجي (المنهجي) والابستمولوجي (المعرفي) يتطابقان تطابقًا تامًا في المباحث المشتركة بينهما؛ فالمنهج العلمي عند بوبر هو نفسه نظرية المعرفة.

والهدف من هذا المقال هو تحليل أهم أفكار بوبر الفلسفية، كذلك تحليل لعلاقة التأثير والتأثر بين أفكار كارل بوبر وبعض أهم النظريات العلمية السائدة في عصره، والتي ‏تبلورت أفكاره بالاتفاق والاختلاف معها.‏

نوعا الاستدلال العقلي

ينقسم الاستدلال العقلي إلى قسمين رئيسيين، هما: الاستقراء والاستنباط؛ إذ يرتبطان ‏بإقامة الحجج العقلية، وكلاهما يوصلانا إلى استنتاجات، لكن لكل منهما منهج يختلف عن ‏الآخر. فالتفكير الاستنباطي ينقلنا من العام إلى الخاص؛ بمعنى أن الاستنتاج الذي نتوصل ‏إليه نتيجة القياس المنطقي أقل عمومية من المقدمة الكبرى التي انطلقنا منها، وعلى العكس ‏منه فإن آلية الاستدلال في التفكير الاستقرائي تنقلنا من الجزئيات إلى استنتاج عام.‏

قبل كارل بوبر كان يُنظر إلى الاستقراء على أنه الأداة الرئيسية لبناء العلم؛ فماذا عساه يضيف الاستنباط للعلم؟، فالعلم بُني بالاستقراء لا بالاستنباط، لأن الاستقراء يمثل إضافة؛ كونه ينطلق من جزئيات وصولًا إلى تعميمات أوسع تضيف إلى بنية العلم، بينما الاستنباط لا يُمكِّننا سوى من التحقق من صحة نتيجة هي أضيق من المقدمة المعلومة التي انطلقنا منها.

فالمنهج العلمي كان يقوم أساسًا على الاستقراء، لكن بوبر لم يره كذلك.

الاستدلال العقلي عند بوبر استنباط فقط!

كان تمييز بوبر بين الاستنباط والاستقراء مناظرًا للتمييز بين المذهب العقلي والمذهب التجريبي، فالأخير كان قائمًا على الاستقراء، وتحديدًا الاستقراء الناقص، فالتجريب ما هو في حقيقته سوى وسيلة لإضافة ملاحظات يتم التعميم منها استقرائيًا للخروج باستنتاج سليم.

ولأن الاستنباط باعتباره منهج استدلال عقلي أكثر موضوعية، وأكثر توافقية وانضباطًا مع قواعد المنطق، وقدرتنا على التحقق منه أكبر بكثير من المتاحة في حال الاستقراء، فكارل بوبر يرى الاستنباط منهج الاستدلال العقلي المقبول الوحيد!، وهاجم الاستقراء كطريقة كلية بل وكعمليات صغيرة أثناء الاستدلال. كما أن بوبر يرفض الخبرة كمصدر لصدق الاستقراء لكون البرهنة عليه لا بد أن تقوم على استدلالات استقرائية!

ومفهوم نمو المعرفة هو من أهم المفاهيم التي تشيع في فلسفة بوبر العلمية، بل هو أساسها؛ فبوبر لا يقتنع بالمنهج الاستقرائي الذي يوصلنا وفقًا لملاحظاتنا إلى نظرية واحدة، من المفترض أنها تحدد ماهية المعرفة بشكل كامل، وتعطي تفسيرًا كاملًا، لن يكون قابلًا للنمو.

في رأيي أن هجوم بوبر على الاستقراء كان غريبًا. صحيح أن نتائج الاستدلال الاستنباطي تكون يقينية لأنها استنتاج من مقدمات أكبر منها، وأن الاستقراء تظل نتائجه مشكوك فيها لأنه رد صحة وصدق القضية الكلية إلى قضايا مفردة، لكن لا يمكن أن يكون الاستنباط متفردًا بالقبول المنطقي، فما بالنا بالقبول العلمي. لكن بوبر، الذي هاجم الاستقراء لم يستطع أن يستغني عنه، وكثيرًا ما نُقِد لاستخدامه عمليات استقرائية رغم ادّعائه أنها ليست كذلك. سنذكر أمثلة عليها في حينها.

ولم يركز بوبر فيما يخص الاستقراء سوى على إثبات فشله كمنهج ومبدأ، ثم كمعيار للتمييز بين النظريات العلمية. وقدّم منهجه في الكشف العلمي للرد على مشكلة الاستقراء.

وكما يرفض بوبر المنهج الاستقرائي على أساس منطقي، فهو يرفضه على أساس سيكولوجي!، فعند بوبر "ما يصدق في المنطق يصدق في علم النفس"؛ فنحن نبحث عن إطرادات لنفرضها على العالم، لأجل أن يوافق توقعاتنا. والحقيقة أن تلك الأفكار الأخيرة عن الإطرادات أو الاعتقاد بتوقعات معينة إن لم تكن استقراءً، فماذا عساها تكون؟!

لكن بوبر يدّعي أن الميل والتوقع للإطراد في الطبيعة هو اعتقاد براجماتي، إلى حد ما فطري، يرتبط بالاختيار ‏بين البدائل، وليس ناشئًا عن تكرار؛ فنظرًا لرفضه الاستقراء الذي يقود إلى نظرية واحدة، فإن منهجه قائم على الاختيار بين بدائل؛ حيث يفترض نظريات متكافئة أمامه يبحث في صحة كل منها، وصولًا لاستنتاج صحة أفضلها، والتي تبقى مع ذلك قابلة للمزيد من الفحص مع توفر بدائل أخرى.

وتتوفر تلك البدائل من خلال حدس العلماء؛ فعلى العالم أن يحْدِس (يفترض) أكثر من حَدْس، وهو تخمين ذكي لحل المشكلة، ثم باستخدام المنهجية العلمية الموضوعية يختار أفضلها؛ وبذا ينمو العلم بهذه الإضافة.

والصدق عند بوبر دائمًا مشكوك فيه، ودائمًا مؤقت. ينتظر ظهور النظرية البديلة أو الحل البديل.

في المقابل، يمكن القول إن بوبر لم يحترم الأساليب الأمبريقية كأساس لتقرير صحة نظرية أو مقارنة أفضلية عدد من النظريات أو الفرضيات المتكافئة كما كان يراها لأجل الوصول إلى نظرية أصدق وأشمل وأعمّ. وإن كان يرى أنه يمكن استخدام الأساليب الأمبريقية أحيانًا.

ويمكن تلخيص فكرته الأساسية في أنه دون خطوات استقرائية يمكن أن ينمو العلم، وذلك عن طريق وضع فرضيات، ثم اختبارها بأن نستنتج استنباطيًا ما يترتب على كل فرض، ومستعينين بالملاحظة أو التجربة نقارن تلك الاستنتاجات بالواقع، ‏فيتعزز الفرض، أو يتم ‏تكذيبه. ‏فيمكن الاختيار بين النظريات المتكافئة المطروحة وصولًا للنظرية الصحيحة.

ونلاحظ هنا أن الاستنباط عند كارل بوبر ينطلق من مقدمات غير مؤكدة، على عكس ‏الاستنباط الديكارتي؛ فمقدماته الاستنباطية هي فروض حَدْسية تخمينية مؤقتة وقابلة للتغير.‏

منهج الكشف العلمي

تبدأ خطوات المنهج الاستقرائي بالملاحظة والتجربة، ومن خلالهما يُكوِّن الباحث تعميم استقرائي أولي، وللتيقن منه يتم وضع الفروض، ثم التحقق من صدقها، وصولًا لإثباتها أو نفيها، ومن ثم يخلص الباحث إلى معرفة مُتحقق منها.

بينما خطوات منهج الكشف العلمي عند بوبر تبدأ بمشكلة ترتبط بنظرية ما، ثم يتم اقتراح حل لها عبارة عن فرض ونظرية جديدة، ثم استنباط واشتقاق قضايا قابلة للاختبار من النظرية الجديدة، ثم محاولة تفنيد وتكذيب تلك القضايا عن طريق اختبارها في ضوء الملاحظات والتجارب، ونظرًا لأنه عادة توجد فروض ونظريات متكافئة تم تفنيدها فإن الخطوة الأخيرة تكون تفضيل إحدى النظريات وترجيح إحداها.

في المنهج الاستقرائي يكون الاستدلال على صحة النظريات ومعيار التمييز بينها هو التحقق منها (استدلال إيجابي)، ويرتبط بالملاحظة والتجربة، وحساب الاحتمالات. وهذا يؤدي إلى استقرار وثبات للنظريات لا يتفق مع مفهوم بوبر عن نمو العلم، المرتبط باستمرار نقد النظريات.

في المقابل فإن منهج الكشف لبوبر لا يبدأ بالملاحظة والتجريب، والاستقراء منهما، بل هما وسيلتان مساعدتان فقط في اختبار النظريات والفروض، وتكذيب وتفنيد غير الجيد منها واستبعاده؛ فلا بد من فرض يحْدِس به العالم يسبق الملاحظة والتجريب وليس العكس. وهو ما يعكس الجرأة والجسارة العلمية من وجهة نظر بوبر، ولكن غيره يراه تعطيلًا عجيبًا للحواس، ورفضًا لأن تكون مدخلاتها نقطة بداية في طريق المعرفة.

وسنُفصِّل في توضيح منهج بوبر، ونقارن ما لزم الأمر بينه وبين المنهج الاستقرائي.

معيار التمييز الأساسي عند بوبر (قابلية التكذيب)

كانت لبوبر طريقته التي افترضها -بديلًا عن الاستقراء- لنمو العلم والمرتبطة بمنهجه العلمي، وبمعيار القابلية للتكذيب (الدحض) falsifiability الذي وضعه للتمييز بين ما هو علمي وما هو غير علمي، وغيّر من خلاله طريقة الاستدلال على صحة النسق العلمي، من التحقق (استدلال إيجابي) إلى التكذيب (استدلال سلبي)؛ فالبيّنة (الملاحظة والتجربة) بدلًا من أن كانت تدعم فرضًا في المنهج الاستقرائي صار عليها في منهج بوبر أن ترفضه.

والاختبار العلمي للنظرية عند بوبر يتمثل في البحث عن الملاحظات المُكذِّبة؛ فإن لم تنجح البيّنة في رفض النظرية فقد نجحت النظرية في الاختبار. بل يصل الأمر أن بوبر يعتقد أن البيّنة المؤيدة لأي نظرية هي في حقيقتها كانت اختبارًا لتكذيب النظرية، ولم ينجح، وبالتالي فهي تدعم النظرية عن طريق إثباتها لصمود النظرية أمام اختبار التكذيب.

والأهم أن النظرية غير القابلة للتكذيب؛ أي التي لا يمكن التنبؤ بوقوع حادث ما يمكن أن يُكذِّبها، هي نظرية غير علمية، لأنها تفتقد شرط الاستدلال على صحتها. أما النظرية العلمية الجيدة  فهي التي تحدد ما الذي لا يمكن أن يحدث لو كانت فروضها صحيحة. وتلك المُكذِّبات المحتملة للنظرية Potential falsifiers يُعطيها بوبر مصطلح "المحتوى التجريبي للنظرية".

أما المحتوى المنطقي للنظرية فيتمثل في النتائج التي يمكن أن تُشتق من النظرية. واختبار النظرية يعتمد كثيرًا على التطبيق التجريبي للنتائج المشتقة منها. وتضم النتائج المشتقة إضافة للمُكذبات المحتملة، القضايا التي لا تناقض النظرية.

وكلما زاد المحتوى المنطقي لنظرية علمية كلما زاد المحتوى التجريبي لها "المُكذِّبات المحتملة". أي أنه كلما  أمكن اشتقاق عدد أكبر من القضايا الأساسية من النظرية كلما كانت النظرية أكثر قابلية للتكذيب.

والنزعة الشكية ظاهرة تمامًا عند بوبر، فهو لا يبحث عن اليقين، بقدر ما يسعى لتكذيب فرض، ثم البحث بعد ذلك عن فرض أفضل منه، لن يلبث أن يبحث له عن مكذبات هو الآخر. لكن شك بوبر ليس الشك المطلق الذي يدّعي استحالة الحصول على المعرفة، بل هو شك منتج ومتجدد يسعى لاختبار المعرفة وإنمائها. كما أنه يجعل العلماء في ادعائهم المعرفة الإنسانية أكثر تواضعًا.

لكن بوبر لم يفهمنا بشكل واضح ما هي الشروط التي يشترطها والتي تجعل نظرية ما كاذبة!

أسس المفاضلة الثانوية (التعزيز والصدق)

إذا وُجِدت أكثر من نظرية ذات قابلية للاختبار والتكذيب عالية، ومحتواها المعرفي واسع، فإن أساس المفاضلة عندها ينتقل عند بوبر إلى اختيار النظرية الأكثر قابلية للتعزيز corroboration. والتعزيز عند بوبر يختلف عن التأييد Confirmation المرتبط بالاستقراء وبحساب الاحتمالات، اللذين يرفضهما بوبر.

وإن كان الأمر لا يخلو من شبهة استقرائية، نُقد بوبر كثيرًا بسببها؛ كونه يستخدم النظريات المعززة القديمة كجزء من المعرفة الأساسية Background Knowledge، ويصيغ في ضوئها الفروض، ويبحث في ضوئها عن الأمثلة المكذبة لنظرية ما، وأيضًا يستدل بتلك المعرفة القديمة للوصول إلى استدلالات تنبؤية!

كما أن بوبر في مرحلة لاحقة من حياته العلمية قد اعترف بمفهوم الصدق للنظرية "الصدق هو مطابقة النظرية للوقائع"، وأنه قد تكون هناك نظرية كاذبة في جوانب وصادقة في أخرى، ونظرية أو نظريات غيرها تعاكسها. وكان عليه تحديد معيار لترجيح الصدق في ضوء أن كل نظرية من النظريتين كاذبة في بعض جوانبهما.

وكان من مرجحاته للنظرية الأفضل: إعطاء أحكام أكثر دقة تصمد أمام اختبارات أكثر دقة، وقدرة وصفية وتفسيرية أعلى للوقائع، واجتياز اختبارات، واقتراح اختبارات تجريبية جديدة، وربط مشكلات لم تكن مترابطة. وكلها معايير ترتبط بالمحتوى الأكثر ثراءً. ويؤكد بوبر أن تلك المُرجِّحات لا علاقة لها بدرجات الاحتمال أو أي شكل من أشكال الاستقراء! وهو ما لا يخلُ من شبهة هو الآخر.

"لكن تبقى قابلية التكذيب المعيار الأساسي لدى بوبر، وليست درجات التعزيز أو درجات رجحان الصدق، فالأخيران معياران تفاضليان".

وباختصار يمكن القول إنه:

في المنهج الاستقرائي: القضايا المفردة تتجمع للتحقق وللوصول إلى القضية الكلية.

في منهج بوبر: القضايا محل الاتفاق يجب أن تكون مفردة وليست كُلية. يقوم باستغلال الاستنباط وليس الاستقراء للوصول إلى القضايا الكلية وبناء العلم؛ ذلك بأن تتجمع القضايا المفردة باعتبارها أمثلة لتكذيب القضايا الكلية، والإبقاء على القضية الكلية الصادقة منها بعد استبعاد القضايا الكاذبة.

فالنظرية العلمية تأتي من فروض العالم حول القضية الكلية وليس من استقراء الملاحظات من القضايا المفردة. ويمكن باستخدام الاستنباط التوصل إلى قضية كلية عامة باستخدام ملاحظة وحيدة.

وبوبر يستخدم الاستدلال العقلي (الاستنباطي) كما يستخدم الملاحظة والتجريب، فمصادر المعرفة عنده هي عقلية وتجريبية معًا، فلا توجد منابع مؤكدة للمعرفة، ونقد المعرفة أهم عنده من البحث في مصدرها، بالتالي هو يرفض أن يتدخل نوع المصدر في تحديد صدق المعرفة، ويصر على أن قياس الصدق يكون فقط عن طريق الفحص النقدي للمعرفة وما يترتب عليها من نتائج. كما لا يفوته أن يؤكد أن تعلم الإنسان النقد -والذي بدأ مع فلاسفة الإغريق- كان علامة فارقة في تطور ونمو المعرفة الإنسانية، وهو الذي وصل بها إلى ما هي عليه الآن.

وينبغي اللفت إلى أن منهج البحث النقدي The method of critical discussion عند بوبر أعم وأشمل من طريقة الحذف بالمحاولة والخطأ The method of trail and error elimination لأنه يضم إضافة إليه نمو المعرفة. ويمكن صياغة المعادلة التوضيحية الآتية:

منهج البحث النقدي لبوبر= قابلية التكذيب (معيار التمييز عند بوبر) + نمو المعرفة.

ويوجد على الانترنت مقطع فيديو شهير وقديم للغاية من زمن الأبيض والأسود للعالم الكبير ريتشارد فاينمان عن الطريقة العلمية  The Scientific Method، والتي تبدأ عنده بالافتراض، ثم يحسب ما يترتب على افتراضه، ثم مقارنة ذلك بالواقع، وتحديد ما إن كانت الفرضية صحيحة أو خاطئة بتوافقها أو عدم توافقها مع التجربة. وأيًا كان من وضع الفرضية فإن عدم توافقها يقتضي رفضها مباشرة. وطبعًا هذا يقتضي المحاولة مرة أخرى وافتراض فرضية جديدة. وهذا اتفاق كبير من فاينمان مع بوبر يوضح تأصل ذلك التصور للمنهجية العلمية لدى العلماء في العصر الحديث وليس فقط لدى فلاسفة العلم.

https://www.youtube.com/watch?v=0KmimDq4cSU

بوبر ونظرية الاحتمالات

يمكن القول إن حساب الاحتمالات لا وزن له في منهج بوبر على العكس من المنهج الاستقرائي. في المنهج الاستقرائي المعتمد على التحقق وليس التكذيب، يرتبط صدق النظرية بزيادة درجة احتمالها، أما في منهج بوبر فمعيار قابلية النظرية للتكذيب يرتبط طرديًا باتساع المحتوى المعرفي لها، ولكن هذا الأخير يعني درجة أقل من الاحتمالية. ونظرًا لاهتمام بوبر بفكرة نمو العلم وزيادة محتواه المعرفي فهو لا يهتم بدرجة الاحتمالية المرتفعة.

أي أن النظرية العلمية الجيدة عند بوبر محتواها المعرفي واسع، وقدرتها التفسيرية من ثم كبيرة، وهذا يجعل قابليتها للتكذيب أكبر، ولكنه على العكس يجعل فرضياتها قليلة الاحتمال! رغم أن الاحتمال المنطقي يعني الاقتراب من الصدق الشامل!

كما أن بوبر يعتبر الفروض الجريئة أكثر علمية، وليست الفروض العينية، والأخيرة هي التي تحقق درجة احتمالية مرتفعة.

ويؤكد بوبر على أن قضايا تحصيل الحاصل -كظهور أحد وجوه زهر النرد- ليست قضايا تجريبية، وهي قضايا احتمالية غير علمية لأنها غير قابلة للتكذيب؛ كونها تحدد نتيجة محددة مسبقًا.

كان اهتمام بوبر أن يجعل قضايا الاحتمال قابلة للرفض التجريبي.

ومشكلة الاحتمالات بالنسبة لبوبر أن المنطق الاستقرائي وليس الاستنباطي هو الذي يُعبِّر عن منطقة الاحتمال (ما بين الصفر والواحد)، وهي الأكثر شيوعًا وليست العلاقات التامة الموجبة أو السالبة؛ لأنه في نظرية الاحتمالات تؤثر التقديرات القديمة على تصوراتنا لما يمكن أن يحدث. أي أن الاعتقاد أو الحكم الاحتمالي يُطبق على حوادث في الواقع ليست لنا بها أي خبرة، وهذا منطق استقرائي خالص.

والاحتمال عنده هو أقرب لرغبة نفسية أو هو اعتقاد يعبر عن مقدار الثقة في القضية من خلال البيانات، مشعرًا باليقين أو عدم اليقين. وفي نظره أنه لا قيمة علمية له. فبوبر يرى نزعة ذاتية وتأويل ذاتي في نظرية الاحتمال لا تتناسب مع الموضوعية الواجب توفرها في المعرفة.

بالرغم من ذلك كان بوبر في البداية يعتمد تعريفًا للاحتمال في ضوء النظرية التكرارية بأن احتمال حادث ما هو تكرار الحدوث النسبي له، باعتباره عضوًا في سلسلة حوادث. على سبيل المثال فإنه عندما نقول إنه توجد درجة احتمال قدرها 2/1 لإحدى خاصيتيّ رمي العملة، فهي تعبر عن تكرار الحدوث النسبي داخل نطاق فئة الرميات كلها. وهي بهذا تعبر عن صورة العالم الواقعي. ويرتبط هذا التصور للاحتمال عند بوبر ببدهية واحدة وهي العشوائية، فالعشوائية هي التي تحكم سلسلة الحوادث. ولا نستطيع أن نتنبأ بنتيجة محددة لأي حالة جزئية، ولكن التجارب والملاحظات ستوضح الثبات الإحصائي.

في حين سجل بوبر اعتراضه على بدهية التقارب التي يربطها آخرون بالاحتمال في ضوء النظرية التكرارية؛ ذلك أنه رأى للتقارب نزعة استقرائية؛ حيث يُفترض أن التكرارات الملاحظة تقارب التكرارات الفعلية، وأن هناك ما يشبه التأييد التجريبي لهذا الاستنتاج.

لكن كانت المشكلة عند تقدير احتمال الحوادث المفردة، فإنه وإن كان يمكن تناوله بشكل سليم كما لو كان متعلقًا بسلسلة واقعية من الحوادث ترتبط بها درجات الاحتمال، لكن أحيانًا يتعلق الحادث بعدة سلاسل واقعية، وتتغير درجة احتماله في كل منها باختلاف الشروط المنتجة له.

أيضًا أضاف بوبر إشارة للقوى اللا حتمية الموجودة حين تعبر الاحتمالات عن تكرارات حدوث إحصائية للسلاسل.

ونظرًا لأن تصور بوبر عن الاحتمال يرتبط بالعشوائية، فقد حاول أن يضع ضوابط لهذه العشوائية، والتي هي النزوعات الطبيعية الكامنة في الحوادث القابلة للتكرار. فقد فسر بوبر قضايا الاحتمال تفسيرًا نزوعيًا، فالاحتمالات عنده هي استعدادات موضوعية، وليست أمورًا تُفسَر إحصائيًا.

وباختصار، فإن حساب الاحتمالات عند بوبر هو نظريته في "النزوع الطبيعي" التي وضعها أساسًا لتقديم تفسير موضوعي لنظرية الكم. والنزوعات هي سمات واقعية للمواقف الفردية، لا تستند إلى أي أمر غير واقعي متوهم عند تفسيرها لقضايا الاحتمال الخاصة بالتجارب المفردة، وهي بذلك تختلف عن تكرار الحدوث الذي يتناول الموقف باعتباره أمرًا غير واقعي. فالنزوعات هي حَدْس عن بنية العالم، وهي محاولة للتفسير والتنبؤ، ولكنها قابلة للتعديل أيضًا.

ويرى بوبر أن هناك علم حتمي وعلم لا حتمي، ويظهر هذا في موقفه المتذبذب من التنبؤ العلمي، والذي يمكن القول إنه -في النهاية- قد تقبله جزئيًا؛ بمعنى أن إمكانية التنبؤ قائمة، ولكنها غير تامة وغير ممكنة لجميع الأنماط الممكنة من الحوادث، فالعلم نامي ولكن هناك صعوبة في التنبؤ به.

وكذلك نزوعات بوبر هي علل حتمية ولا حتمية في آن واحد، فهي قد تكون حتمية باعتبار الاحتمال، ‏عندما تنتج عن النظام التجريبي نزوعات محددة.

كما أن بوبر يرفض الحتمية في مواضع أخرى، ويرى أن بعض الحوادث تخضع عند مستوى محدد للنزوع أكثر مما تخضع لقوى حتمية.

ولبوبر مقال شهير عن "السحب والساعات" ‏كمثالين شهيرين لنسق فيزيائي لا حتمي، وآخر حتمي.‏

وتعقيبًا على آراء بوبر فإن ميكانيكا الكم تخبرنا أن الحوادث في الطبيعة محتملة. قوانين الطبيعة مثل السقوط الحر للأجسام، هي حوادث متكررة، لذلك قوانين الطبيعة تبقى لا حتمية. بينما قوانين الفيزياء تبقى حتمية. والملاحظ هو خلط الكثير من العلماء بين قوانين الطبيعة وقوانين الفيزياء؛ حيث أن الأخيرة هي وصف للظاهرة والذي يعبر عن فهمنا لقوانين الطبيعة. كارل بوبر من الواضح أنه لم يميز هذا وخلط مثلما خلط كثيرون.

موقف بوبر من الماهوية والذرائعية والمادية

يرى الماهويون أن الهدف من البحث العلمي هو معرفة ماهية الأشياء بشكل كامل ونهائي، بينما لم يهتم بوبر أبدًا بالبحث في الماهية، ولا يعنيه إثباتها أو نفيها، كونه يراها لا قيمة لها! ربما يبدو هذا غريبًا للغاية بالنسبة لفيلسوف.

بوبر أيضًا لا يؤمن بالكمال العلمي، ويكثر التشكك في إمكانية التنبؤ، كما أنه قد تشكك كثيرًا في أنه ربما يؤدي ‏التمسك بعقيدة ما عن ماهية ما إلى إعاقة نمو ونشر المعرفة.‏

كما لم يتفق بوبر بتاتًا مع الذرائعيين في نظرته إلى نمو المعرفة، فبينما يراها نامية باتساع قدرتها التفسيرية، يرى الذرائعيون أن العلوم الحقيقية هي فقط العلوم التطبيقية، لأنهم يركزون على الفائدة منها، ونمو العلم يرتبط بنمو التطبيقات التكنولوجية، ولا يعطون أي أهمية لما يوجه بوبر عنايته له من اختبار نسق النظرية للحكم عليها.

بوبر أيضًا رغم أن نظريته المعرفية قد تبدو للوهلة الأولى مادية، إلا أنه قد رفض المذهب المادي من المنظورين الفلسفي والنفسي، والذي لا يعطي أصحابه –على اختلافهم- أهمية للعمليات العقلية والشعورية وأحيانًا ينكرونها، ولا يقيمون للنفس (العقل) قيمة في علاقتها بالجسد. بينما كان يؤمن بوبر بالتفاعل المتبادل بين العقل والجسد.

العوالم الثلاثة

عالم المعرفة الموضوعية عند بوبر (العالم العقلي) (العالم الثالث) ينفصل عن العالم المادي (الفيزيائي) (العالم الأول) وعن العالم النفسي (عالم الخبرات الشعورية أو العالم الذهني العقلي) (العالم الثاني)، رغم أنه المنوط بحل مشاكل العالمين الآخرين.

بالرغم من ذلك فعالم المعرفة (العالم الثالث) الذي يضم النظريات والقوانين والبراهين له درجة من الواقعية عند بوبر كونه يؤثر في العالم الأول المادي الفيزيائي، عن طريق العالم الثاني كوسيط بينهما.

والمعرفة عند بوبر أيضًا موضوعية غير ذاتية، ومستقلة عن حاجتنا لها واعتقاداتنا وتأكيداتنا حولها، بل هي أيضًا أزلية وأبدية. وإن كان بوبر رغم حديثه عن أزلية وأبدية عالم المعرفة، واعتقاده بإمكانية ذلك فإنه لا يحبذ القول به، ويرى الأفضل أن نعتبر عالم المعرفة نتاجًا للعقل الإنساني. ولكن كيف تكون المعرفة مستقلة وتكون نتاجًا للعقل في آنٍ واحد؟!

هذا التعبير الأخير "المعرفة نتاج العقل" يقصد به بوبر أن المعرفة تنتج لحظة يكتشفها العقل، فنحن لا نؤثر في المعرفة، وطالما بوبر يصر على أن منهجه العلمي قائم على الاكتشاف، فالاكتشاف يكون لشيء موجود ومستقل عني، ولكنه غائب عن إدراكي حتى اللحظة التي أدركه فيها، ولو فقدت المعرفة الاستقلال لفقدت موضوعيتها، وبهذه الرؤية لا محيص عن الإذعان بأن المعرفة أزلية، سابقة على اكتشاف العقل، لأنها لن تكون مستقلة وموضوعية بغير هذا التصور، وكونها أزلية أبدية سيحيل بدوره إلى قوة عاقلة أزلية أبدية هي مصدرها. وقطعًا لم يحبذ بوبر ذلك أيضًا. وإن كان بوبر دائم التشاغل عن تحديد مصدر المعرفة، ويدّعي أنه غير معني بتحديده!

كما أن عالم المعرفة عند بوبر يعتبر نشازًا وسط فلسفة بوبر التي تسودها النزعة الشكية.

الملفت أن بوبر قد اجتهد في فلسفته أن يصور لنا عالم المعرفة عنده بصورة تخالف تمامًا عالم الأفكار عند أفلاطون؛ فعالم أفلاطون إلهي النزعة، والأفكار عنده ثابتة وصادقة وغير قابلة للتشكيك، بينما بوبر، وإضافة لعدم استقرار المعرفة عنده، فقد أراد للمعرفة أن تكون وليدة عقل الإنسان، رغم كونها سابقة عليه!، فناقض نفسه وطعن في استقلالية المعرفة وموضوعيتها، وكأن خوفه من غائية الإله قد أوقعته في غائية أخرى للمعرفة التي هي من نتاجنا!

كما أن بوبر لم يجزم بأن المعرفة تؤثر فينا أو لا تفعل، أو ربما تتفاعل معنا عند اكتشافنا لها، وهل هذا يؤثر في دعاوى استقلاليتها.

علاقة التأثير والتأثر بين فلسفة العلم عند بوبر ونظريات علمية أخرى

يقولون: كما أن من أهم خصائص العلم التراكمية، فإن من خواصه أيضًا التكاملية. وتلك التكاملية وعلاقة التأثير والتأثر قد تتخطى فروع العلم المختلفة وتتعداها إلى فلسفة العلم.

ويمكن أن نقرر بثقة أن أفكار كارل بوبر الأساسية حول نظرية المعرفة ومنهج العلم قد تبلورت بسبب تأثره بنظريات في مجالات علمية مختلفة، اتفاقًا أو اختلافًا. وربما كانت العلاقة ارتباطية وارتباطاتها غير مباشرة بين أفكاره وتلك النظريات. بل يمكن القول إن أفكاره أولًا وآخرًا قد تبلورت للاتفاق مع نظريات راقته ورآها علمية، ونظريات أخرى لم يرها كذلك.

وربما يكون تأثر بوبر واضحًا مثلًا بنقد ديفيد هيوم للاستقراء، ولكن تأثره بآخرين في مجالات أخرى غير فلسفية لا يبدو على نفس الدرجة من الوضوح؛ لذا فإن هدفي هو تحليل لموقف كارل بوبر من النظريات العلمية التي كانت ثورة في عصره.

حل المشكلات

يبدأ بوبر منهجيته العلمية بمشكلة علمية أو فكرية تواجه صعوبات وتبحث عن حل، وليس بملاحظات متفرقة متجمعة ينبغي الاستقراء منها وصولًا لاستنتاج عام، كما هو الحال في المنهج الاستقرائي.

ويتم فرض الفروض لتفسير الظاهرة المشكلة، والفرض ما هو إلا (حَدْس) أو (توقع) لما يمكن أن يحدث تحت ظروف معينة، وبعد اختصار واستبعاد الفروض التي يظهر عدم ملاءمتها ما أمكن، نضع استنتاجات (عن طريق الاستنباط وليس الاستقراء) مترتبة على الفروض الملائمة المتبقية، وعن طريق التجريب نقارن تلك الاستنتاجات بالواقع، فإما أن تتفق فيتعزز الفرض، أو تختلف الظاهرة في الواقع عن الاستنتاجات المترتبة على الفرض، فيتم تكذيب الفرض.

وفي منهج بوبر، سنجد أنه حتى الفرضيات والنظريات الجيدة التي صمدت أمام اختبار التكذيب، يمكن أن تظهر أمامها صعوبات تفسيرية تؤدي إلى ظهور مشكلات جديدة، فيتم دحض تلك الفرضية أو النظرية بعد ذلك.

ويعبر بوبر عن ذلك رمزيًا بأربعة رموز تمثل تدرجية المراحل التي ينتقل فيها:

P1: وهي المشكلة، ثم TT وتعبر عن وضع نظرية مؤقتة، ثم EE استبعاد الخطأ باختبار النظرية، ثم نصل إلى P2 وهي مشكلة ثانية جديدة بحاجة إلى حل جديد.

وظهور مشكلة جديدة بحاجة إلى حل هو تعبير أيضًا عن مفهوم نمو المعرفة وتطورها الدائب، وهو مفهوم رئيسي عند بوبر.

وبوبر حين يتحدث في منهجه العلمي عن المشكلات وقدرة الفرضيات على حل المشكلات هو ابن عصره؛ ففي القرن العشرين أيضًا ناقش علماء كثيرون في نطاقات علمية مختلفة أسلوب حل المشكلات، وشغلهم.

التحليل النفسي (فرويد وأدلر)

في مطلع شبابه عمل بوبر بمستشفى (ألفرد أدلر). وقد حكى بوبر ذات مرة أنه حكى لأدلر عن حالة طفل لم يعرضها بعد عليه، وفوجيء بوبر بأدلر يُشخص الحالة قبل أن يراها في ضوء نظريته، مدّعيًا خبرته بأكثر من ألف حالة مماثلة، ولمّا كان بوبر يعرف الطفل صاحب الحالة، ومقتنعًا بأن تشخيص أدلر غير سليم، فقد كان هذا مبعثه الأول للسخرية من الدور الذي يعطيه الاستقرائيون للخبرات والتعميم منها.

التعلم بالمحاولة والخطأ في مقابل الاستبصار والإدراك عند الجِشطلت

جوهر فكرة قابلية التكذيب عند بوبر هو التعلم بالمحاولة والخطأ لثورنديك، وهي نظرية سلوكية شهيرة في علم النفس التربوي، ظهرت في أمريكا في العقد الثالث من القرن العشرين،  وكانت أفكارها تقابل وتعاكس تمامًا أفكار مدرسة الجِشطلت الألمانية التي ركزت على الاستبصار الفجائي باعتباره أساسًا للتعلم.

والتعلم بالمحاولة والخطأ هو شكل من أشكال التعلم التدريجي نكتسبه من خبراتنا أثناء حل المشكلة، وعند بوبر، هو فرض تفسيرنا على الظاهرة قبل الملاحظة، وإن ظهر أنه خاطيء نضع تفسيرًا آخر ونختبره هو الآخر! فتكذيب نظرية أو فرضية ما عند بوبر تجعل العالم يقترب من الصدق ويتعلم من خطئه.

ونظرية التعلم بالمحاولة والخطأ هي نظرية توحد طريقة التعلم بين ‏الحيوانات الدنيا والعليا. وعلى العكس منها نظرية الجِشطلت للتعلم بالاستبصار، وهو شكل من أشكال التعلم لا يناسب إلا مرتفعي الذكاء. وقد بدا لي هذا عجيبًا أن يتبنى بوبر تصورًا بأن العلماء يتعلمون بنفس ‏طريقة الحيوانات الدنيا والأطفال الصغار! نتيجة رفضه التام والحاسم لأي ملاحظة واستبصار للواقع تسبق فرض الفروض! وربما كان السبب أن الاستبصار ذو نزعة استقرائية واضحة فهو يقتضي أن تنظر إلى الواقع وتلاحظه قبل أن تصل إلى الحل.

العجيب أنني اكتشفت أثناء قراءتي في السيرة الذاتية لبوبر أن كارل بوهلر، وهو عالم نفس ولغوي ألماني، وأحد أساتذة مدرسة الجِشطلت، كان أستاذه في معهد التعليم بفيينا، وكان مشرفًا على رسالته للدكتوراه! وإن كان واضحًا أن بوبر قد أخذ بتقسيم بوهلر الثلاثي حول وظائف اللغة (التعبيرية- الإشارية- الوصفية)، قبل أن يضيف إليه وظيفة المُحاججة التي هي أساس النقد، إلا أنه من الواضح أيضًا أن بوبر لم يقتنع بنظرية الجشطلت نهائيًا أثناء دراسته الجامعية؛ فأهم أفكاره جاءت انطلاقًا من رفضه لمباديء الجِشطلت؛ فموقف كارل بوبر من الكشف العلمي القائم على الحَدْس، والتعلم من خبراتنا وتعثرنا في حل المشكلة هو في حقيقته مناهضة لأفكار الجِشطلت الأساسية؛ فالمحاولة والخطأ معاكسة تمامًا للاستبصار عند الجشطلت.

فهل كان بوبر شخصًا متمردًا إلى هذا الحد؟!، فقد تمرد على دائرة فيينا الفلسفية الوضعية المنطقية، وتمرد على فكر أدلر الذي عمل في مستشفاه في شبابه، وتمرد كذلك على مباديء الجِشطلت. الرجل يكاد يكون تمرد على كل ما كان أمامه في شبابه في فيينا.

وكذا فإن رفض الاستقراء هو رفض للتسليم بمبادئ الإدراك الحسي الجِشطلتي؛ فالعقل الإنساني عند بوبر يتميز بالوعي والتركيز الشديد، وليس مجرد الإدراك الحسي. كما أن الاستقراء هو رفض لنظرية الإدراك العام Common sense في المعرفة، فالفلسفة تبدأ من نقد الإدراك العام. وبوبر يرفضها لأنها ذات طابع ذاتي وليس موضوعيًا، يختلف باختلاف ذوات ومشاعر واعتقادات أصحابه؛ بينما المعرفة عند بوبر هي معرفة مستقلة دون ذات عارفة، وهي موجودة، بغض النظر عن إدراكنا لها.

والاستقراء كما نعلم يبدأ بالمُلاحظات المرتبطة بالإدراك الحسي للمُلاحظ. وكان بوبر يركز على أن إدراكنا الحسي مهما تكرر فإنه قد يقودنا إلى استنتاجات خاطئة، مثل إدراكنا لشروق الشمس يوميًا، والذي اعتقد البشر لآلاف السنين أنه يعني أن الشمس تدور حول الأرض من الشرق إلى الغرب، بينما حقيقة الأمر أن الأرض تدور حول الشمس من الغرب إلى الشرق، فتبدو الشمس تشرق.

لكن هذا لا يمنع أن بوبر كان لا يقف في عداء تام مع معطيات الحِس بقدر ما يؤكد على ضرورة نقدها والتدقيق فيها وعدم التسليم بها كما تبدو لنا، ولكنه في الوقت ذاته ينقد نظريات الإدراك لعدم أخذها الحَدْس العقلي في الاعتبار، والذي يراه لبنة التفكير العلمي. كما أنه يلفت إلى أن مدركاتنا الحسية تكون كثيرًا هي المشكلات وليست ملاحظات قابلة للاستقراء منها! كما أن تلك المدركات تكون مرتبطة بآرائنا ومعارفنا السابقة، وبالتالي يراها بوبر تفسيرات للبيئة.

الانتخاب الطبيعي (دارون)

مع تحفظي الشديد، ورفضي الشخصي على أسس علمية لنظرية دارون، فإنه من الملحوظ في حديث بوبر المتكرر عن نمو المعرفة الإنسانية وتطورها، تأثره الواضح فيه بأفكار دارون عن عملية التطور الحيوي.

ولا أصدق للبرهنة على ذلك من قول بوبر إنه لا فارق بين معرفة الإنسان ومعرفة الحيوان، لأن البداية المعرفية لهما واحدة، إلا أن الإنسان أكثر تطورًا. فالإنسان وفقًا لبوبر يُعدِّل ويُطوِّر توقعاته وفرضياته ونظرياته، فتزيد المعرفة. وكما أسلفنا فهو يتبنى نظرية التعلم بالمحاولة والخطأ، وهي نظرية توحد طريقة التعلم بين الحيوانات الدنيا والعليا.

ملمح آخر لتأثر بوبر بالداروينية، وهو فكرة الفروض الجريئة الجسورة التي يجب أن يحْدِس بها العالم دون انتظار لملاحظات الواقع من حوله، فهي عنده أقرب للطفرات التي تفترض الداروينية –في مرحلتها الثانية بعد دارون- أن الأنواع الحية تحدثها لأجل التكيف والتطور. ونلاحظ أن الأنواع الحية هي التي تُحدث التغيير ولا تنتظر أن تفرضه البيئة! وكذا الفروض عند بوبر تسبق الملاحظة وليس العكس.

والحقيقة أن هذه النقطة تحديدًا تبدو غريبة في فلسفة بوبر، فهو رغم أنه يسمي منهجه منهج الكشف العلمي، يتحدث أحيانًا كما لو كان العالِم عندما يحْدِس بالفرض كأنه سيفرضه على الطبيعة، ويصير قانونًا!

بوبر أيضًا لم يعط اهتمامًا لمصادر المعرفة، وكان حديثه منصبًا عن كيفية نموها، وهو في هذا يشبه دارون الذي لم يحاول نهائيًا تفسير بداية الحياة، واقتصر على الحديث عن تطورها!

والقابلية للتكذيب وصولًا للنظرية الأكثر صحة ليس فقط تأثرًا من بوبر بنظرية التعلم بالمحاولة والخطأ لثورنديك، بل يظهر فيها أيضًا تأثر بوبر بفكرة الانتخاب الطبيعي لدارون، فاستمرار اختبار الفرضيات سيُطيح بالفرضيات غير الصحيحة أو يُعدِّلها لتبقى أصح فرضية، والتي هي بدورها قابلة للتطور، وهذا بشكل ما مرادف عقلي لفكرة البقاء للأصلح الداروينية البيولوجية.

فكرة أخرى يظهر فيها تأثر بوبر بتطور الأنواع الحية، وهي تسلسل المشاكل وتعدّلها وتغيّرها أمامًا وخلفًا، فنحن نبدأ بـ P1، وننتهي بـ P2 جديدة، والتي تشكل بعد ذلك بداية جديدة، ننتهي منها إلى P3، وهكذا. والعكس، فإن المشكلة التي بأيدينا نفترض أن هناك مشكلة سابقة عليها وقد تعدّلت منها، وهكذا، وهو نفس ما يفترضه التطوريون بخصوص الأنواع الحية.

كذلك كان مدخل بوبر في معالجة مشكلة علاقة العقل بالجسد مدخلًا تطوريًا. فاللغة، وهي أهم منتجات العقل، ترقّت بالإنسان من الوصف إلى النقد ثم العلم. كذا افترض بوبر أن البداية لترقِّي الوعي تكون شعورًا غامضًا عندما يواجه الفرد مشكلة متطلب حلها، ثم يتقدم ويتطور تدريجيًا، فينمو وعيه شيئًا فشيئًا من خلال تفاعل الفرد في خطوات حل المشكلة.

موقف بوبر أيضًا من التنبؤ وعدم لزومه كشرط على صدق النظرية العلمية كان له ارتباطه الواضح بنظرية التطور. كما أن رفض بوبر لتقييم النظرية العلمية على أساس درجة احتماليتها المنطقية هو تأثر بالجو العلمي في وقته، والذي وُجِّهت فيه سهام النقد للداروينية لأن درجة احتماليتها وفقًا لحساب الاحتمالات صفرية.

ولكن رغم محاولاته الكثيرة للتماهي مع نظرية التطور فقد فشلت النظرية في التلاؤم مع مقتضيات منهجه، وأهمها نمو العلم والقابلية للتكذيب. على سبيل المثال:

بوبر كان قد أسرف في الحديث عن القضايا من نوع تحصيل الحاصل، المعروفة بمغالطة الدور أو الاستدلال الدائري، وقال إن أيًا منها ليس علميًا، ونظرية دارون إحدى فرضياتها الرئيسية لا تخبرنا أكثر من أن "البقاء للأصلح ومن الواضح أن الأصلح هو الباقي"!، كما أن هذه الفكرة هي توقف لنمو العلم، ولا يوجد ما يمكن أن يُبنى عليها وفقًا لمنهجه.

كذلك فإن نظريته الأثيرة لم تنجح في تجاوز معياره الأهم لتكون نظرية علمية، وهو القابلية للتكذيب! لقد كانت غير قابلة للتكذيب في وقته، وجعل دوكنز وجماعته فرضياتها غير موجهة ومتعاكسة، فزادوا الطين بلّة، بحيث يستحيل تخطئتها، وليس هنا موضع التفصيل في ذلك.

نظرية الكم [اللا حتمية (بُور) واللا يقين (هايزنبرج)]

الاستقراء في جوهره اعتراف بإطراد الحوادث في الطبيعة، وسيطرة القوانين، حيث يمكن التعميم من قضايا مفردة وصولًا لقضية كلية. رغم قبول بوبر للإطراد في الطبيعة، لكن رفضه الاستقراء هو تعبير عن اعتقاده باللاحتمية تأثرًا بــــــــنيلز بُور وثورة ميكانيكا الكم.

إيمان بوبر باللا حتمية ظهر في كثير من المباحث في فلسفته، فرفض مصادر محددة للمعرفة. ومنهج الكشف العلمي ذاته هو تعبير عن حرية العالم في الافتراض، والتي سبق وأن ألمحنا أن بوبر يتحدث أحيانًا كما لو كان العالم سيفرض قانونه الذي حدس به على الطبيعة.

ومعروف مبدأ عدم التأكد "عدم التعين" لهايزنبرج، وهو أيضًا في إطار نظرية الكم، والذي على أساسه يستحيل أن نحدد موضع وكمية حركة الاكترون في وقت واحد.

وكان من تأثر بوبر بنظرية الكم، والتي تؤكد على اللاحتمية واللا يقين أن قدم نظريته في النزوع الطبيعي ليقدم من خلالها تفسيرًا لنظرية الكم.

بل إن بوبر يرفض حتى استخدام لفظ "اعتقادات" التي ترتبط دومًا بالاستقراء، ويرى أن الأصح استخدام لفظ "توقعات"، كونها مؤقتة ومتغيرة. فهو يبحث في الأفكار والفرضيات والنظريات ولا يرى ضرورة للاعتقاد بها.

ويصل الأمر أن يعتقد بوبر أن التنبؤ ليس من أهداف العلم، لأن النظريات العلمية عنده لا نستنتجها من الملاحظة والتجريب كما هو الحال في منهج الاستقراء، بل تُكتشف بالاستنباط من فروض العلماء، كما كان يؤكد بوبر على أن المعرفة مستقلة غير قصدية، نحاول اكتشافها دون تعمد ومن غير تنبؤ منا. لكنه في كتاباته الأخيرة لم ينفِ القدرة التنبؤية للنظريات. والنزوعات هي محاولة للتفسير والتنبؤ ولكنها قابلة للتعديل أيضًا.‏ وكما قلنا فعنده هناك إمكانية للتنبؤ، ولكنها ‏غير تامة وغير ممكنة لجميع الأنماط الممكنة من الحوادث.‏ ولكن كان تأكيده الدائب على مبدأ نمو المعرفة، وإن كان يصعب التنبؤ بما يمكن أن يكون عليه المحتوى المعرفي بعد نمائه.

وبوبر فوق ذلك لا يرفض السببية كما أنه لا يقبلها، وفقط هو يستبعد مبدأ السببية بوصفه مبدأ ميتافيزيقيًا.

النسبية (أينشتين)

كان استبدال بوبر التوقعات بالاعتقادات ليس فقط رفضًا للحتمية، بل هو تعبير عن تصوره لنسبية المعرفة، وهو بهذا ابن عصره، ابن عصر أينشتين.

يعترف بوبر في سيرته الذاتية أن نظرية أينشتين هي التي ألهمته لوضع فلسفته في العلم. وافتراضه أن أي نظرية نقبلها الآن هي ولا شك عرضة للتغير بعد ذلك وأن يطرأ ما يُكذبها غالبًا قد تأثر بما أحدثته نظرية أينشتين عندما قلبت المفاهيم النيوتينية التي كانت راسخة رسوخ الجبال رأسًا على عقب. كما أعتقد أن فكرة القابلية للتكذيب تحديدًا تبدو من بنات أفكار أينشتين، وإن كان بوبر هو من صاغها. فأينشتاين كان قد حدّد تنبؤات في ضوء نظريته، إن لم تتفق مع حساباته، فمعنى هذا أن النظرية النسبية ستكون خاطئة.

كما ان أينشتين إضافة لذلك يُنسب إليه القول بأنه لا يوجد سبيل منطقي يؤدي إلى القوانين الكلية العامة، وإنما سبيلنا إلى ذلك حَدْس يعتمد على الشغف العقلي. وهي مقولة تعكس اتفاقًا مع أفكار بوبر، فالانطلاق يكون من حَدْس، والاستدلال عن طريق الاستنباط، وليس من ملاحظات متجمعة كما في الاستقراء. فطالما اعتقد أينشتين أن القوانين يخلقها عقل الإنسان ولا يستنتجها استقراءً من الخبرات الحسية. ومعروف عن أينشتين أنه كان يضع الفروض قبل جمع الملاحظات.

وقد التقى بوبر بكلا الرجلين؛ أينشتين وبور، في رحلته لأمريكا أوائل الخمسينات وعبّر عن سعادته بهذا اللقاء.

وأختم بأن أقول إنه ولا شك كانت لأفكار كارل بوبر أثرها الكبير في مسيرة فلسفة العلم، وأثرها على النظرة لطبيعة العلم؛ بحيث أصبحت لا تعطي قيمة كبيرة للإطرادات في الطبيعة، فهي تطورية غير ثابتة، تحْدِس بالنتائج دون البحث في المقدمات!، وقابلة للتكذيب.

بل وكان لأفكاره أثرها على الفكر البشري بوجه عام، وأعتقد أن نزعته التشككية وعدم قبوله استقرار أي معرفة مهما كانت، ورفضه الخروج بتعميمات كلية من قضايا مفردة وغيرها كان له أثر كبير في انتشار الإلحاد.

لكن، وحتى يومنا هذا، لا زال المنهج الاستقرائي الذي هاجمه بوبر فاعلًا، ولا زال الاستقراء مع الاستنباط يُشكلان معًا جناحي الاستدلال العقلي.

 

د. منى زيتون

........................

للاستزادة من القراءة بالعربية عن فلسفة العلم عند بوبر أنصح بكتب د/محمد قاسم ود/يمنى الخولي. يمكن تحميلها من جوجل درايف

https://drive.google.com/drive/folders/0B28-lgXs2FQmUkJzU3NNVTFSTVk

 

الحسين اخدوشكلّما تحدثنا عن الحياة والاهتمام بها، بل والبحث عن سبل تعزيزها في الفكر والنظر، كلّما اعترضتنا تجربة الفيلسوف فريدريش نيتشه (Friedrich Nietzsche) بصفة خاصّة كما سجّل ذلك تاريخ الأفكار بوضوح بارز. غير أنّ الأمر عينه قد تكرّر لدى الفيلسوف المعاصر جيل دولوز (Gille Deleuze)  الذي صرف فكره للتفكير في قضايا الراهن، أو إلى ما يسمى لدى فلاسفة الاختلاف بأسئلة الـ"هنا" والآن (Questions d’ici et maintenant)، والتي تمثّل في مجملها قضايا الحياة الأساسية بالنسبة للإنسان المعاصر. لكن، كيف طَرَقَ هذا الفيلسوف الفرنسي مسألة الحياة باعتبارها أفقا اختلافيا يخترقه التكرار والهامشي؟

قام الفيلسوف دولوز من خلال انفتاحه البارز على أفكار وتصوّرات نيتشه بنقد التقليد الفلسفي العقلاني الغربي من خلال العمل الفلسفي الأساسي الموسوم لديه ب "التكرار والاختلاف" (Répétition et Différence). وفي سبيل ذلك ارتأى نهج المنحى الاختلافي للفكر المعاصر، مثله في ذلك مثل جاك دريدا (Jacques Derrida) ومشيل فوكو (Michel Foucault) في فرنسا، ثمّ مارتن هايدغر (Martin Heidegger) في ألمانيا. وكان على وعي كبير بأهمية ترك المسالك التأملية التقليدية في التفكير والبحث النقدي، حيث تجنّب الطرق التحليلية والأساليب الاستدلالية العقيمة التي لطالما توسّلتها فلسفات المنطق والظاهراتية والتحليل اللساني والبياني.

والواقع أنّه غَلَّبَ إستراتيجية الاختلاف على طريقة التمثل في فكره وفلسفته، فكان من الضروري أن يصرف نظره عن التقليد الديكارتي الغالب على الفكر الفرنسي الحديث نحو المزيد من الاهتمام بقضايا الهامش. وتعتبر هذه القضايا مدار التفكير في الحياة الآنية، وهي في مجملها أسئلة همّشها التاريخ الرسمي للفكر الأوروبي ذي النزعة العقلانية التأملية، وبشكل خاص: مشكلة الرغبة ومسألة الجسد وقضية اللون والصورة، بالإضافة إلى مسائل الاختلاف والتكرار.

تمكّن الفيلسوف جيل دولوز من جعل مهمّة الفكر قمينة بتناول الأبعاد الجديدة للفكر المعاصر، بصفة خاصّة الجوانب المختلفة التي همّشها العقل الغربي، وذلك رغبة منه في تخطّي تقليد فلسفي عتيق يأبى التغيّر والاختلاف، تحديدا التقليد الميتافيزيقي. فحسب هذا المفكّر "ما-بعد ميتافيزيقي" (Post-métaphysique)، فإنّه لم يعد التعالي هو منطق التفكير، ولا هو غاية للفكر والفلسفة؛ وإنّما صيرورات الحياة والجسد والحركة، بما هي عوامل ونشاطات حيّة ومتحركة، هي ما أصبح مهمّا وحاسما لفهم الحياة من حولنا. بذلك، يمكننا القول أنّه لا يوجد في الصيغة الجديدة للفلسفة كما يمارسها دولوز تلك المكانة البارزة لفكرة للتعالي كما هو الشأن عليه في التقليد الكلاسيكي للعقلانية الغربية، وإنّما تغلب عليه فكرة المحايثة المحضة (Pure Immanence) التي طالما اعتد بها، وجعلها ما يستحق المتابعة والرصد والتفكير والمساءلة، باعتبارها مسألة واقعية وحياتية حقيقية تخلو من كلّ عمق مزعوم مسبقا.1  

إنّ المحايثة كما يقترحها دولوز هي فلسفة للخارج وليس للأعماق والداخل. فلسفة لا تفكّر بنفس الطريقة التقليدية، بل هي مأخوذة بهذه الحياة التي نقع في صلبها، حيث المفكرّون لا ولن يفكّروا بنفس الطريقة التقليدية، كما لن يتفقوا وليس من مهمّتهم ذلك. ليس يوجد في هذا النمط الجديد من التفكير ما هو مشترك، ولا تاريخ عام، لكن الكثير من الأحداث المتشابكة والخيوط المتقاطعة بشكل ضروري ومؤقت.  

والحدث (Événement) بالنسبة لفلسفة دولوز ليس مأخوذا على منوال الفكر العقلاني، وإنّما ينظر إليه هنا باعتباره واقعا معاشا. إنّ المَعِيش في الواقع، وكذا اللحظي، هو ما يجعل الحدث يطفو ويكتسب راهنيته في الفكر الاختلافي الدولوزي. والواقع هنا أنّ فكر دولوز يستجيب لإحدى أهم الدعوات التي طالب بها الفيلسوف نيتشه قراءه في المستقبل، والمتمثّلة في ضرورة أن يكونوا فلاسفة أطباء وفنانين. حاول جيل دولوز تجسيد هذه الفكرة حين وضع الحدث (الواقع) مركز اهتمام الفلسفة؛ فالتفكير كلّ التفكير في الحدث لا يمكن إلاّ أن يكون اختلافيا، وهذا ما يستعصي على الفكر التمثّلي (La pensée présentative) التقليدي الذي ينطلق من قوالب جاهزة ومقولات تمثلية مجرّدة (مفاهيم مسبقة).  

تعتبر الحياة بالنسبة لهذا المنظور المختلف للفكر كلّ ما يستحقّ أن نتفلسف حوله ةمن أجله؛ وبالتالي، فهي ما يُتوقّع أن يتّخذه الفكر المعاصر منطلقا لتفلسف حقيقي حول الوضع البشري المعاصر. لكن ذلك لن يتاتى من دون تخطي الميتافيزيقا التي دأبت عليها العقلانية الفلسفية الكلاسيكية القاضية بالانطلاق دوما من المثالي والقبلي والمتعالي، عوضا عن الاهتمام بقضايا الـ"هنا" و"الآن" (Ici et Maintenant). إنّ التفكير في هذه الحياة لا يعني بأي حال الركون للمبتذل والاعتيادي، أو للحس المشترك كما يدّعي الزعم العقلاني الكلاسيكي؛ وإنّما، بخلاف ذلك، هو كلّ ما يدعو إلى جعل الفكر تِرْحالِيا بين قضايا الحياة، وبصفة خاصّة في كيفية طرق قضايا الفنّ والصحّة والسينما والأدب والموسيقى..إلخ. يدعو سبيل دولوز للفلسفة إلى نهج تفكير مختلف وجاد وحازم، تلبية لمطلب فكريّ ملحّ يقضي بضرورة تخطّي أسوار الميتافيزيقا البالية، وإعادة الاهتمام بالحدث (L’évènement) والهامش. غير أنّه ليس سهلا بالمرّة أن نفكّر في الحدث والهامشي، لأنّ التفكير في هذا الحدث هو في حد ذاته تفكير بالحدث، أي جعل الفكر نفسه متعلّق باللحظي، ومن ثم الوقوع في أسر التكرار والاختلاف.

إنّ الارتباط بالحياة لهي مسألة ضرورية للفكر الناهض بالاختلاف، إذ في الحياة تتولّد حركية الفكر، حيث يحدث  الحدث الباعث على التفكير والإبداع والتفلسف. والفكر المرتبط بالحياة هو بالأساس فكر يجابه الحماقات التي تعجّ بها هذه الحياة؛ فالحماقة هي الباعثة على التفكير الجدّي في شؤون الحياة. فالفكر الجاد فكر يتوجّه إلى الحماقة ويجابهها. يأخذ دولوز بالمفهوم البرغسوني (نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون) للحياة كما يأخذ بمفهومه للديمومة ليعطيهما أبعادا فلسفية مختلفة، فيراها الأنسب لاستعمالهما، جاعلا تلك الديمومة تكرارا، وتلك الطاقة الحيوية نشاطا وحركة للفكر داخل هذه الحياة. (G. Deleuze: Répétition et différence)

من هنا يركّز جيل دولوز على الجسد من خلال معطى الرغبات باعتبارها إنتاجا اجتماعيا، ومن خلالها كان اهتمامه بحركة الفكر في الحياة حاسما في تقرير ضرورة الحسم مع التقليد العقلاني الكلاسيكي وتجاوزه في مثل هذه القضايا. هنا كان نقده للمفهوم النفسي اللاشعوري الليبيدي للرّغبة، كما جاءت به نظرية التحليل النفسي، في مؤلّفه المشترك مع فليكس غَتَاريL'Anti-Œdipe) ). وقد كان هذا المفهوم مثالا حاسما يجسّد قوّة دعاويه في استبعاد المسلك الذي تم من خلاله مقاربة قضية الرغبة في الحياة بما هي مشكلة لاشعورية. غير أنّه وفقا لطريقته الاختلافية في فهم منطق الرغبة، فإنّه ليس من الممكن فهم تدفّق الرغبة من دون العودة إلى حقل إنتاجها الواقعي الذي هو الحياة؛ فهذا الحقل الاجتماعي بما هو حياة واقعية، فإنّه يبقى محكوما بالرغبات ومخترقا بها، وهو بهذا المعنى نتاج تاريخي لها.2  

التفكير الفلسفي في الحياة كما يمارسه جيل دولوز لا يكون ممكنا من دون التفكير في الجسد، ومنه في الرغبة أيضا. إنّ الحياة هنا هي الواقع الذي يعيشه الإنسان باعتباره جسدا وليس باعتباره عقلا وعيا وفكرا كما تزعم فلسفات الوعي الحديثة. لذلك ليس الفكر سوى إفراز طبيعي لهذه العلاقة القوية القائمة بين الجسد الراغب والحياة التي يعيشها المرء كجسد. أمّا الفلسفة، باعتبارها طريقة في عيش الحياة، فإنّها في ظلّ هذه العلاقة لم يعد أمامها سوى الانصراف نحو الاهتمام بالعلاقات الشائكة بين الإنسان الراغب والحياة المؤثّرة فيه لا على جهة التأمل والوعي، ولكن على جهة الاختلاف والتكرار الذي يحكم منطق إنتاج المعنى كإبداع وليس تمثل أو تصور.

يفتح فكر الاختلاف الباب هنا مشرعا لمواجهة قضايا الواقع الحقيقية، وليست الصورية والمثالية المتعالية التي زعمت الميتافيزيقا الغربية الكلاسيكية أنّها الحقّة. لذلك، فقد كان من أخصّ سمات هذا الفكر الجديد قدرته على التِّرْحال بين مختلف جوانب المعرفة والآداب والفن والسياسة، دون أن يفقد ذلك التفلسف هويته المتمثّلة في إبداع المفاهيم الفلسفية. ومن حسنات هذا النمط من التفكير، أنّه قد فتح المجال للممكن أمام التفكير في الحياة، بعدما غلبت سطوة الضروري والمنطقي عليه. إنّ الاختلاف بهذا المعنى هو كلّ ما يتكرّر التفكير حوله دون أن يفقد بريقه أمام استمرارية الحياة والفكر معا. 

البيّن ممّا سبق ذكره هنا أنّ النقاش حول قضايا ال-"هنا" و"الآن" إنّما تسدعي التفكير في مسألة الحياة برمّتها. وهنا تكمن أهمية فلسفة جيل دولوز بما هي  تجسيد لهذا التوجّه المختلف في طرق مسائل من صميم هذه الحياة التي نعيشها. غير أنّ فكر الاختلاف، كما مارسه دولوز في مختلف مقالاته وكتبه وتأليفه، يصعب الإلمام به في بضعة سطور تعريفية إن لم نقرأ مجمل الأعمال الفلسفية لهذا الفيلسوف الاختلافي المعاصر؛ كما أنّه ليس باليسير تقريب مجمل هذا الفكر المتعدّد والمختلف في بضعة فقرات تعريفية. لذا، فلئن إذا كان ضروري أن نلخّص القول في محورية الحياة لدى هذا الفيلسوف، فإنّنا سوف نلخّصها في كونها تجسيد لإرادة تجاوز سطوة العقلاني والانفتاح قدر الإمكان على قضايا ال"-هنا" و"الآن" بما هي قضايا الاختلاف والتكرار.  

521 جيل دلوز

جيل دولوز أمام المرآة

الصورة في حدّ ذاتها تجسيد لفكرتي التكرار والاختلاف

 

إعداد الحسين أخدوش / المغرب

.......................

 

  1- Logique du sens, éthique de l’événement » John Rajchman ; in Magazine littéraire, num 257, septembre 1988.p 37

 2- Gille Deleuze et Félix Guattari : l’anti-oedipe, éd minuit, paris, 1976. P 36

 

علي محمد اليوسف

ان ديالكتيك او جدل الوجود والماهية، ليس في وارد هذه المقالة ارجاعه الى اصوله الفلسفية الاولى التي جاءت عند هيراقليطس وبروتوغوراس، وزينون الاليني مرورا بالمراحل التاريخية الفلسفية التي قطعها كمبحث هام، حتى تبلورت صيغته المتداولة المعروفة واستقرت لدى ماركس في قوانين الديالكتيك الثلاثة، وحدة وصراع الاضداد، وقانون تحول الكم الى نوع، وقانون نفي النفي. الذي ساهم في ارسائها هيجل وفويرباخ وماركس.

سنبدأ بما يهمنا في هذه المقال هو تعالق الوجود والماهية في الفلسفة الوجودية عند ابرز فلاسفتها سورين كيركارد، وكيف انبثق الجدل (الديالكتيك) كمفهوم فلسفي متداخل مع هذه العلاقة الثنائية، بين الماهية والوجود عند هيجل.اي في تفسير ترابطهما الوجودي الفلسفي وتداخلهما وفي علاقة الجدل بهما.

اعتبر اقطاب الوجودية الملحدة لدى ابرز فلاسفتها فيورباخ، هيدجر،سارتر، اندريه جيد، كامو،بيكيت، سيمون دي بوفوار،ان الوجود سابق على الماهيية في الانسان والطبيعة وكل الظواهر التي يدركها العقل ذهنيا او حتى التي لا يدركها او لا يستطيع ادراكها.

بينما ذهبت الوجودية المؤمنة لدى اقطابها الفلاسفة سورين كيركارد، مارسيل جبريل، تيليش، والقس الفيلسوف باسكال.الذين اعتبروا الماهية تسبق الوجود،معللين رأيهم ان ماهية الله الخالق تسبق وجوده، وهنا بدأ التشّظي بالرأي فمنهم من ذهب الى ان الخالق بلا ماهية يمكننا معرفتها او ادراكها، اوالماهية في الخالق وجود بذاته فقط لا يفصح عن صفاته، وذهب اخرون ان الماهية هي الوجود في الانسان وفي الطبيعة والكون ايضا،ولا تفريق حقيقي بين الاثنين(الوجود والماهية) في تداخلهما في الوجود الواحد.وبعضهم الأخر قال ان ماهية ووجود الخالق تتداخل معلنة عن افصاحاتها بوحدة الصفات الالهية بخلاف جميع الموجودات في الطبيعة والانسان فهذه يكون وجودها وماهيتها شيء آخر وافصاحاتها في ادراك صفاتها.فصفات الله التي نستمد ادراكها الايماني من صفات الطبيعة وصفات الاسمى المثالي المتعالي المقدس وفي الحياة والانسان، هي صفات تأكيد وجود الله المتداخل في ماهيته ميتافيزيقيا،وربما في احتمال ان يكون الوجود الالهي متمايزا في ماهية مستقلة بذاتها لا يمكن معرفتها او ادراكها، لكن الاهم من كل ذلك هو في عدم القدرة الانسانية على ادراكهما او معرفتهما (الماهية والوجود). لا عقليا ولا روحيا مدركا متعينا لا في وجود الخالق ولا في معرفة ماهيته.

وبقيت هذه الاشكالية الفلسفية حول ماهية ووجود الخالق متداولة بين اصحاب الطرق والمذاهب الصوفية في اختلافاتهم العميقة، لما ترتبط به هذه الاشكالية في تفسيرهم مذهب (وحدة الوجود) الذي هو مرتكز الفهم التصوفي الايماني. علما ان ماهية الله هي كمثل وجود الله يصعب على فلاسفة التديّن اثباتها، ولا على فلاسفة الالحاد نفيها او اثباتها ايضا ولا عند الصوفية قاطبة، هذا في حال تسليمنا الفلسفي ان للخالق وجودا مغايرا ماهيته.

كما تذهب الوجودية الملحدة في اختلافاتها داخل فهم فلاسفتها انفسهم لها، فمثلا نجد هيدجر لا يتعارض مع سارترفي فهمه الماهية، ويلتقي مع سارتر في مثلا (انه في حالة عدم وجود (اله) خالق، فلابد ان يكون هناك كائنا واحدا على الاقل، وجوده سابق على ماهيته هو الانسان، الذي لا نستطيع تعريفه باي فكرة، لكنه هو الكائن الذي يوجد قبل كل شيء وانه يلتقي ذاته ويبرز للعالم ثم تتم معرفته (1).

رفض سارتر النزعة الايمانية الوجودية في تحديد علاقة الماهية بالوجود التي يعتمدها الفلاسفة غير الالحاديين، وهو نفس المفهوم في لاهوت معظم الديانات التي تصل الى اربعة الاف معتقدا، عدا الاديان التوحيدية السماوية الثلاث الموزعة في عالمنا اليوم. في اعتبار الاديان الموحدة الثلاث وفلاسفتها ان الله هو ماهية تسبق وجوده، وطرح سارتر البديل عن هذا الطرح الايماني الميتافيزيقي ان وجود الانسان هو ماهيته، وفي نفس المنحى ذهب هيدجر مؤكدا مركزية الوجود الانساني،وان الانسان هو ماهيته، وبذلك تملّص من الزام سارتر قوله الوجود يسبق الماهية الانسانية .مؤكدا – هيدجر – بانه لا وجود يسبق ماهية الانسان، وانما لدينا وجود واحد فقط هو الانسان الذي تتداخل فيه الماهوية والوجود في تناوب، ولا اسبقية ولا افضلية احداهما(الوجود او الماهية) على الاخرى .ومن الجدير بالذكر كما المحنا له سابقا، ان انكار ماهية الخالق او الاقرار بها كما هي في وجوده او عدمه، فكلا الرأيين ميتافيزيقيين عاجزين عن اثباتهما ومعرفتهما لا عند الوجوديين الملحدين ولا عند الوجوديين المؤمنون. وان المفهوم هو محض جدل فلسفي ميتافيزيقي لا يرتّب عليه شيئا واعتبره الفلاسفة من مباحث الميتافيزيقا التي لاطائل منها ولا تقود الى نتائج يمكن الركون لها او التسليم بها.

حين يؤكد هيدجر ان الانسان ماهية متداخلة بوجوده ولا افضلية او اسبقية بينهما، فانه بذلك وعوضا عن هذه الاشكالية يقول ان الانسان يختلف عن باقي الموجودات في انه يمتلك (ماهية ديناميكية)، وفي هذا الرد الفلسفي الذكي يدحض المستمسكين بان لله ماهية ثابتة مستقلة، كونها ماهية لا يمكن ادراكها او التحقق منها من جهة، وهي ثابتة ساكنة مكتفية كوجود بذاته لنفسه ان وجدت عند غير الانسان،ماهية بذاتها فقط، ولا علاقة للانسان بها لا في الادراك الواقعي ولا الخيالي او الايماني، ولا بوجودها ولا بالطبيعة ايضا. في حين ان امتلاك الانسان ماهية ديناميكية تعني انه يمتلك وجودا مفارقا يتسّم بامكانية التعرف على خصائصه المنفتحة امام معرفة العالم لها. انها ماهية تفصح عن نفسها وتغني وجودها.وليس مهما لدى هيدجر اولويتها او اسبقيتها في وجود الانسان.

ان في طرح هيدجر الانسان يمتلك ماهية من نوع ديناميكي تبطل الجدل الوجودي حول اشكالية اسبقية الماهية على الوجود او العكس، في حضور ابجدية فلسفية بديلة ان ماهية الانسان هي وجوده، كما ان هيدجر يذهب ابعد من ذلك في مقولته ان الانسان يمتلك خاصية ماهوية متفردة ديناميكية تمنحه وجودا خارج ذاته (ان ماهية الانسان هي وجوده خارج ذاته في العالم،وهذا الوجود ليس مجرد الواقع التجريبي)(2). وان هيدجر يعتبر الانسان ليس وجودا بحاجة الى اثبات، فالانسان هو الانسان كوجود طبيعي نوعي، كما الطبيعة هي الطبيعة وكلاهما الانسان والطبيعة معطى وجودي لا يحتاج التحقق من وجوده الماهوي خارج مدركات الحس والعقل في وعي الذات ووعي الطبيعة والعالم له.

ان اروع عبارة في هذا المعنى وردت عن كانط قوله (ان الوجود لا يستخرج من الفكر) وبهذه العبارة نسف كانط مثالية هيجل الجدلية التي سنأتي عليها لاحقا، كما نسف كانط بعبارته تلك الميتافيزيقا، واخيرا أبطل مفهوم المثالية ان تكون الافكار المجردة بمستطاعها توليد وخلق الموجودات كما في الكثير من مدارس الفلسفة المثالية وفلاسفتها الذين يعتبرون الوجود واقع تصوري في الذهن، وليس وجودا مستقلا عنه. وان عبارة كانط التي مررنا بها مهدت الطريق امام الماركسية في تطبيق جدلها المادي على الانسان والطبيعة والتاريخ، وليس الجدل المثالي الفلسفي الفكري المجرد كما فعل هيجل .

انه لمن المهم التذكير به ان اللغة قرينة الخيال، اكثر مما هي قرينة الواقع غير الملازم لها ادراكيا خياليا . عليه تكون اللغة هي خيال يدرك المواضيع والاشياء عقليا و بطريقتين في التلقي له، الاولى ان يكون التفكير بموضوع ما بلغة حوارية داخلية تحتويها الذات المفكرة خياليا اكثر مما تعني الموجودات والاشياء كوقائع وجودية مستقلة، بما هي موضوعات واقعية يدركها العقل كوجود محايث لوجودها المادي.

الثانية ان واقع الاشياء لا يمكن التعبير عنها انطولوجيا من غير واسطة تعبيرية قد تكون اللغة او طرق غير اللغة باساليب مختلفة تستغني عن لغة الاشياء التداولية، كمثل التعبير عن الجمال والقيم التي لاتحتاج اللغة وسيط ملزم في معرفة الاشياء المتعالقة معها، وفي جميع الطقوس الدينية التي لا تحتاج اللغة المنطوقة.

فمثلا عندما يقول ديكارت في التأملات السادسة (ان ما ماهيتي انحصرت في اني شيء مفكر او جوهر كل ماهيته وطبيعته ليست الا التفكير فقط) .

ونجد قبل تعقيبنا سارتر يقول (ان الكيفية لا تصبح موضوعية اذا كانت اصلا ذاتية) .في مقارنة بسيطة بين الاقتباسين عن ديكارت وسارتر السابقين، يتضح لنا ان جوهر الوجود الانساني عند ديكارت انه كائن مفكر قد يكون تفكيرا ذهنيا غير معبر عنه في الواقع لا كمتعين مادي ولا تعريفا به لغويا مرموزيا اشاريا، مما جعل هوسرل يتساءل بدهشة تفكير ديكارت بماذا؟، وربما يكون هذا التفكير دايلوك او حوار داخلي لا صلة له بالخارج الذي يمكن ادراكه، ويقلل سارتر جدا من ادعاء ديكارت المكابر في اثبات الوجود في فاعلية التفكير فقط، بان (الكيفية) هي احدا صفات الذات الفطرية التي لا تحتاج الى اثبات فهي الوسيلة الوحيدة في اثبات الوجود الانساني، بمعنى ادانة ديكارت في اثبات وجوده فكريا تجريديا فقط، ولم يجب على تساؤل هوسرل عندما اعتبر التفكير في اثبات الوجود عند ديكارت هو (وعيه لذاته) فقط، خارج الغاء ديكارت العالم الخارجي ان يكون التفكير مدركا عقليا به لتغييره، بل ان وجود ديكارت الذي تعين بارتباطه في اثبات الوجود المفكر لذاته فقط، هو وجود سلب لا يحمل اية دلالة ديناميكية لافي ذاته ولا في امكانيته تبادل التأثر والتأثير في العالم الخارجي.

بضوء هذا الفهم الديكارتي في علاقة الذات بالتفكير،كان الرد السارتري عليه مامعناه،ان تكون الكيفية غير موضوعية اذا كانت صفة للذات تتعالق مع الماهية الانسانية غير المدركة عقليا واقعيا،لكن متى ما تم التعريف بها بصفاتها الطبيعية (لغويا) خارج وجودها الذهني فقط، عندها تكون الذات موضوعا لا يدرك ذاته منفصلا عن مصدره، ويتعين وجودا (موضوعا) بالنسبة للمصدر الذي صدر عنه، او كناتج فكري لغوي متعين موضوعا يمكن ادراكه بالنسبة للاخرين الذين يجدونه موضوعا متعينا عبّرت عنه اللغة، او اية واسطة تداول تواصلي تجعله مدركا موضوعيا لغيره.

وبالعودة لمقولة كانط التي ثبتناها في اسطر سابقة ولاهميتها الكبيرة في التمييز بين التفكير المثالي والتفكير المادي، حول علاقة الفكر بالوجود نجد هيجل قائلا (ان طبيعة الواقع يمكن ان تستنبط من الاعتبار الوحيد القائل ان الواقع يجب ان لا يتناقض مع ذاته) (3). هذه العبارة تؤكد الجدل المثالي الذي اقامه هيجل على صعيد الفكر، وقلبه ماركس ماديا، فحسب قوانين الجدل المادي الماركسي الطبيعية الثلاث، فلا يوجد شي في الوجود والمادة والطبيعة والكون (ثابتا) لا يتحرك بفعل عوامل تناقضاته الذاتية الداخلية، والعوامل الموضوعية المحيطة به، والضرورات الحتمية، والذات الانسانية تتناقض ذاتيا وكذلك الحال في تناقضها مع الواقع والاشياء، وتتناقض مع كل ظاهرة حادثة في الواقع المتغير والحياة في حيويتها .

ان من اهم المآخذ التي رفضتها الماركسية بشدة ان تكون الموجودات والاشياء في حالة (الثبات) وعدم التغييرالمتطور المتحرك باستمرار، وان الجدل الديالكتيكي لا يعمل في الافكار المجردة ولا قيمة له او ناتجة عنه كما يرغبه هيجل ومارسه فلسفيا مثاليا. بل ان الديالكتيك مجال اشتغاله الواقع والمادة والطبيعة والانثروبولوجيا والتاريخ وفي كل ظاهرة او وجود يتموضع في الادراك العقلي او الذهن المجرد، اي جميع الوقائع والموجودات والظواهر التي تستلزم استحضار الجدل في وجود التناقض الذي يحكم كل الاشياء ويسبب فيه الحركة والتغيير بعوامل ذاتية وموضوعية، باختلاف جوهري ان الجدل الفكري الذهني المجرد، يختلف جوهريا متناقضا مع الجدل بمفهومه المادي.

انه من المحذور ماديا التفكير ان جدل الافكارنسق عقلي ذهني يمتلك قدرة ذاتية على تحريك الواقع وتغييره. قد ندرك الشيء ذهنيا واردا جدا انما ان تخلق الافكار وجودات واقعية مدركة فهو مستحيل، لان وجود الطبيعة والانسان وكل الاشياء وجود مستقل بذاته ولا علاقة للفكر في تخليقه او ايجاده . وهذا ينطبق على جميع الفلسفات المثالية التي حاولت دحض المادية الماركسية، بمقولات الفكر المثالية التي تزعم امكانية خلق الموجودات والاشياء من الفكر صوريا .

ان الواقع لا يتحدد وجوده كمتعين مادي او فينومولوجيا كماهيات، او جوهر وصفات دونما تناقض جدلي على تغيير الواقع وتبديله المستمر، وقول هيجل او طلبه ان لا يناقض الواقع ذاته سواء اراد به هيجل الوجود الطبيعي او الانسان فهو باطل ولا يحمل مصداقية التسليم به.ولا وجود لواقع لا يناقض ذاته، والا يكون فاقدا سبب وعلّة وجوده، انه وجود واقعي يحمل ادنى صفات الاهتمام به.

ولقد أخذ ماركس على هيجل ان الجدل لا يعمل بالفكر بمعزل عن الوجود والواقع والتاريخ والحياة، فلا وجود حقيقي لشيء او واقع ينتجه جدل الفكر المجرد، وان الجدل ايضا لوحده كما هو شأن الفكر لايخلق موضوعاته الوجودية واقعيا بل ذهنيا كتفكير فقط، بل هذه الموضوعات في الوجود والمادة وتفسير التاريخ تفرض اهمية التغيير فيها عوامل التناقض التي تقوم على الجدل ذاتيا وموضوعيا . وهذه المباحث التي ذكرناها هي التي تخلق ديالكتيك تطورها وليس بمكنة او استطاعة الجدل خلق مواضيعه واعمال الجدل في تطورها. ولا وجود ايضا لانسان متصالح مع ذاته ومتطابق معه في الماهية والوجود،ولا تعتمل في دواخله محركات التناقض التي توجب عليها الخضوع لها في مسيرة التطور والحياة وفي كل مشكلة تواجهه.

ان سارتر يفهم الوجود الانساني على انه خواء مطلق لا قيمة حقيقية له،والانسان انما هو وجود لأجل الموت (عدم)، لذا الانسان كوجود يعتبر اصل العدم واساسه. وفي لا اهمية ان يكون للوجود ماهية تداخله،فعند سارتر الوجود بذاته، والوجود من اجل ذاته، والوجود في الجميع، هو سلب بمعنى اللاوجود خال من اي قيمة حقيقية انسانية في المتداول الطبيعي، وليس الوجود موجودا كي يعقبه عدم بل الوجود والعدم شيئان ليسا متلازمين بالضرورة وحسب، بل (الوجود والعدم) هما الانسان على حقيقته التي جاء بها الى الحياة ليموت ويفنى. وهكذا يكون اكثر مقبولية منطقية ان نقول بثلاثية تلازم (الوجود والماهية والعدم) انهم ثلاثتهم تعبيرات لوجود واحد لاغيره.بل يذهب سارتر الى ان اهمية العدم تأتي ليس كمرحلة لاحقة تعقب نفي الوجود السالب، انما هو اي العدم الذي يعمل في تلازم متداخل مع الوجود يعمل بداخله ومن اجل تقويضه، فالعدم الوجودي هو حتمية الوجود الانساني القلق المقذوف به في اتون الطبيعة والحياة والذي يولد كي يموت .

وفي نفس المنحى يذهب هيدجر قوله :(نحن لا نشعر بهذا اللاشيء الذي هو العدم،لا باعتباره مقولة منطقية، بل باعتباره مقوّما داخليا في تكوين الوجود)(4).اي باعتبارالعدم حتمية يعيشها الانسان تلازمه وينتظر فناءه بها.

(واول ماينبغي ملاحظته ان فكرة العدم في فلسفة هيجل لاحقة على الوجود وهذا بخلاف الفهم السارتري والهيدجري ان الوجود والعدم هما شيئ واحد،بمعنى اننا حسب هيجل لانضع الوجود اولا، لنتداوله بالعدم ثانيا).(5)

وفي هذه التراتيبية الهيجلية ان الوجود يسبق العدم، نؤكد ماذهب له سارتر في سطور سابقة بانه لايوجد لدينا وجود انساني مستقل يعقبه عدم مغاير متمايز عنه، بل هما وجود واحد هو الانسان، الذي يرقب الموت في صورة العدم الذي يلازمه من الولادة والى مماته .

ولو عدنا الى افكار كيركجارد الوجودية نجده (يرفض الجدل التصوري المجرد)(6) لان هذا النوع من الجدل هو فكري مثالي في محاورته الذات الداخلية التي المحنا لها سابقا، والذي اراد هيجل احياءه فكريا مثاليا وفشل . وان كان هذا الجدل المجرد (مطرد متجانس منفصل عن العالم)(7) فهو لا يتماشى مع نظرة كيركجارد (في اقامته بدلا عنه جدلا متقطّعا غير متجانس، هو الجدل الوجداني العاطفي المليئ بالتقطعات والوثبات . كما يرى كيركجارد ان الوجود الحقيقي بما يحمله من عناصر الذاتية والتناقض ينفر منه النسق الفلسفي)(8) ..بهذا المعنى بقي كيركجارد مؤمنا حقيقيا في وجوديته، وابتعد عن التجريد الذهني الجدلي المثالي كما عند هيجل ومن بعده جميع فلاسفة المثالية، والاهم من هذا فسح المجال واسعا امام ظهور وبروز الجدل المادي الماركسي.

في ادانة اعتبار ان النسق الفلسفي المثالي يحتوي ويقرر ماهيات الوجود من خلال الفهم المنطقي الفكري المجرد كما يريد فهمه هيجليا وكل الفلاسفة المثاليين من بعده، وليس كما يفهمه كيركجارد ان النسق الفلسفي وجود مفعم بالوجدانات الايمانية التي ترفض ان يكون الوجود الانساني تابعا للنسق الفلسفي منقادا له او في احتوائه له، وليس خالقا له في وجود الانسان الديناميكي الذي اشار له هيدجر من بعد كيركجارد واشرنا له في السطور السابقة .

انه لمن المهم جدا ليس للفلسفة الوجودية وحدها وانما للفلسفة الماركسية ان وضع كانط هذا التصور الفلسفي النسقي المدهش حقا وباعجاب يلخص ماأخذه عنه الاخرين (فقد اقام هيجل نسقه الفلسفي على اساس المنطق الجدلي الذهني العقلي، وجعل الحقيقة الوحيدة هي المطلق الذي هو الوجود الواقعي بما فيه من روح لا متناه او مثال او عقل كلي توجد عنه جميع الاشياء، بحيث يبدو الفكر وجوديا واقعيا، والوجود الواقي منطقيا عقليا اي انه طابق بين الوجود الواقعي والمعقول)(9) .

والجملة التي حملها كيركجارد على هيجل تنصّب على دحض هذه القضية بحيث يفصل كيركجارد بين العقلي والواقعي، فيبدو الوجود لديه منافيا للعقل معارضا له كما يذهب له حبيب الشاروني . لقد اراد هيجل القول ان ما يدركه العقل واقعيا يتحتم وجوده بالضرورة الادراكيه له.وهي نفس عبارة بيركلي الغارق في المثالية قوله ان مايدرك هو وجود حقيقي واقعي، وكل ما لايدرك بالحواس لا وجود حقيقي له.اي ان حقيقة الشيء هو الذي تدركه الحواس الى العقل صوريا.

كذلك يلتقي كيركجارد بهيجل في فكرة الجدل ذاتها (فهو يرى الوجود في تغير دائم باعتباره ينقسم الى ثلاثة مراحل متداخلة مع بعضها، المرحلة الجمالية، المرحلة الاخلاقية، المرحلة الدينية)(10) وهذا لايتماشى مع الفهم الجدلي الهيجلي الذي يحكم الوجود والمادة والتاريخ في قوانيين الديالكتيك، والاهم ويعارض المادية الماركسية في فهمها المادي الجدلي..وحقيقة ان لا الوجودية ولا الماركسية تؤمنان بطرح كيركجارد الايماني في المراحل الثلاث التي وضعها الجمالية والاخلاقية والدينية.

هذا ليس بمعنى ان كيركجارد كان وجوديا يفهم قوانين الديالكتيك حتى في تطبيقها على تداخل مراحله الثلاث في الحياة، ولا المادية والجدل الذي جاء به بعده، التي وضعها هيجل وفويرباخ وصاغها ماركس ماديا . فهيجل وكيركجارد يفهمان الديالكتيك نوعا من تثبيت الوجود الانساني على صعيد الفكر والنسق الفلسفي كل حسب طريقته في التفكير والمواضيع التي يختارها في تطبيق الجدل عليها، بعكس ماركس الذي اعتبر الديالكتيك ضرورة مهمة وحتمية لتغيير الحياة والتاريخ وليس تجريدا منهجيا على صعيد الفلسفة والفكر وانما واقعيا على صعيد معرفة التطور الواقعي في الحياة .

 

الباحث الفلسفي علي محمد اليوسف / الموصل

...............................

الهوامش:

1- د. حبيب الشاروني/ وجودية سارتر/ ص14

2- المصدر السابق ص 26

3- المصدر السابق ص 31

4-  المصدر السابق ص37

5- المصدر السابق ص 41

6- المصدر السابق ص 44

7- المصدر السابق ص 50

8- المصدر السالق ص 52

9- المصدر السابق ص 54

10 - المصدر السابق ص 56

 

 

 

 

منصور مهيديمن المعلوم أنّ الدراسات الأدبية كانت في مرحلتها الأولى منصبّة أساسا على عنصر المؤلف لما له من أهمية قصوى في تفسير النصوص والأعمال الأدبية.

وهكذا شكل المؤلف قطب نقطة تقاطع مجموعة من الدراسات والمقاربات ذات المنحى السياقي "النفسي والاجتماعي والتاريخي"، حتى ترسّخ في الأذهان ما يمكن تسميته بـ: "سلطة المؤلف".. ففي بعض الأحيان لم يكن المتلقي في النظريات القديمة أكثر من متأثر بالنص الأدبي وهو لا يحق له إلاّ الاستئناس إلى الخطاب دون أن يمارس موقفا ما.

أماّ المرحلة الثانية، فقد عرفت تحولاً في المسار النقدي في اتجاه ترسيخ سلطة أخرى على غرار سلطة المؤلف وهي"سلطة النص"، حيث كان الإعلان عن موت المؤلف من قبل أقطاب البنيوية إيذاناً بتحرر الفكر النقدي من سطوة المتكلم وبالتالي الولوج إلى مسرح الكلام، وهو الإعلان عن تحول وجهة النظر من الناطق بالنص إلى النص بذاته أو من ناسخ القول إلى نسيج القول1، ولذلك سيكون من المهام المنوطة بالنقد النصّي، مقاربة النص الأدبي: "بما هو بنية مغلقة ومكتفية بذاتها،لا تحيل على وقائع مجاورة للغة قد تتصل بالذات المنتجة أو بسياق الإنتاج، بل تحيل على اشتغالها الداخلي فقط مكرساً بذلك فيتشية* النص ولا شي سواه"2.

أماّ المحطة الثالثة، فعرفت فيها الدراسات الأدبية تحولا نوعيا في اتجاه ارساء دعائم التأويل من خلال الاهتمام بدور التلقي الذي أصبح جزءا لا يتجزأ من كل عملية تأويل، ونال القارئ فيها حقه، حين أصبح النص يتوجه إليه، باعتباره الموجود الوحيد والحكم الفصل وهو الكاتب الجديد للنص والمفترض دائما.

وينبثق مفهوم التأويل من جملة التطورات التي حصلت في التيارات الفكرية والنقدية مسايراً تطوراتها المعرفية باعتباره جهدا عقليا يحاول الوقوف على النصوص في انفتاحها اللانهائي لاستكشاف الدلالة التي تربط بمفهوم القراءة، ومن ثم تصبح العلاقة بين القراءة والتأويل جدلية تقوم على التفاعل المتبادل بين النص والمؤثر فيه القارئ الذي يحدد آليات القراءة وإجراءاتها المنهجية.

ارتبط فنّ التأويل بإشكالية قراءة تفسير النص الديني ممّا دفع ماتياس فلاسيوس "matthiase flacius" إلى الثورة على سلطة الكنيسة في مسالة مصادرة حرية قراءة النص المقدس ليقترح أولوية التراث في تأويل بعض المقاطع الغامضة من النص وطابع الاستقلالية في فهم محتوياته بمعزل عن كل إكراه.

فمصطلح الهيرمينوطيقا "التأويلية" مصطلح قديم بدأ استخدامه" في دوائر الدراسات اللاهوتية ليشير إلى مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني "الكتاب المقدس" فيما يعرف بـ: التفسير التوراتي lexégèse biblique"3، وقد كان لهذه النشأة في كنف الدراسات الدينية ما يبرره، لاسيما إذا علمنا مدى صعوبة الصراعات التي نشبت بين كل من حاول تفسير التوراة خارج إطار التفسيرات الرسمية لدى الإكليروس*، أو رجال الدين réformateurs، الذين يصرون على ضرورة أن يكون الفهم أحاديا littéralement، بعيداً عن التأويل المجازي "الرمزي".

ليبقى بذلك تأويل الكتابة المقدسة، وفق الرؤية الدينية البروتستانتية** حبيس مسلمات رجال الدينباعتبارهم يمثلون المخلص″ السيد المسيح″، لتصبح تأويلاتهم نصوصا مقدسة تحجب أو تزيح النص المقدس/الأصل.

وأمام هذه المشكلات، في المجتمع المسيحي القديم تبلور مفهوم الهرمينوطيقا ليشير إلى " مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني "الكتاب المقدس""4، ليتسع بعد ذلك مفهوم المصطلح في الممارسات الحديثة، فاستخدم في تأويل كل أنواع الأعمال الفنّية، والحكايات الأسطورية، والأحلام ومختلف أشكال الأدب واللغة بوجه عام.

فكلمة "هرمينوطيقا herméneutique تعني في الأصل فن أو علم التأويل هي أقدم الاتجاهات اهتماما بفن فهم النصوص" 5، ويعود أوّل استخدام لمصطلح الهيرمينوطيقا للدلالة على هذا المعنى عام 1654م.

أمّا في ما يخص نشأة الهرمينيوطيقا الأولى وممارستها، فهي ليست مشكلة حديثة، وإنّما موغلة في القدم، فقد اقترن ظهورها عند اليونانيين في العصر الكلاسيكي بوصفها إجراءً أو طريقةً في قراءة النصوص.

الأدبية وفهمها، ويتعلق الأمر بتأويل النص الهوميري* تجدر الإشارة إلى أنّنا نبتغي صيغة" فنّ التأويل لترجمة كلمة herméneutique تمييزًا لها عن التأويل بمعنى interprétation، إذ أنّ البعض يفضّل تعريبها بـ: علم التأويل"6، ويفضّل البعض الآخر تعريبها بالتأويلية وأيضًا الهرمينوطيقا، ومن المهمّ الملاحظة أنّ الكلمة اليونانية herméneute تعني ثلاثة أسماء: " التعبير، والشرح، والترجمة"7.

تكاد المعاجم المتخصصة تجمع على الأصل الإغريقي لمصطلح هرمينوطيقا فهو عند: "برناردو دوبي Bernard Dupuy مشتق من أصل إغريقي هرمينيا harmonia الذي يدلّ على التأويل، أمّا عند صاحبي المعجم النقد الأدبي تامين و هوبر " hubert " et "tamine" فهو فنُّ تأويل العلاقات"8. وهو تأمل فلسفي يعمل على تفكيك كل العوالم الرمزية، وبخاصة الأساطير والرموز الدينية، والأشكال الفنَية، وأمّا "جون غروندين jean grondin فيعتبرها فنَ تأويل النصوص"9، وقد اتسع مجال استخدامه إلى دلالات جديدة، فيذهب غروندين إلى القول بأنّ لفظة "الهرمينوطيقا herméneutique مشتقة من الفعل اليوناني هيرمينويو hérméneuo الذي يحمل معنى الترجمة، والتفسير والتعبير"10، وفي هذه الحالات الثلاث يحمل هذا الفعل الاتجاه إلى الفهم إدراكاً ووضوحاً ونجد أنّ مصطلح الهرمينوطيقا حصلت له تحولات دلالية عبر مختلف حقب العصر الإغريقي الكلاسيكي، من خلال تطوَر الفلسفة اليونانية "النصوص المقدسة"، أو من ترجمة المصطلح من اليونانية إلى اللاتينية، إذ أنَ ترجمته بـ: interpréta قد أثّرت على دلالة الهرمينيا l'herménia فانزاحت عن معناها الأصلي.

تميّزت الهرمينوطيقا بكونها فلسفية، لارتباطها في بدايتها بتفسير وتأويل النصوص الدينية، فهي فن للتأويل وفهم النص يعتبر موضوعاً ينوب عن العالم الذي تحمله دلالاته ورموزه، والتأويل ينجز الخطاب الذي تحمل فيه اللغة العالم إلى النص.

فالهرمينوطيقا هي:" نظرية عمليات الفهم في علاقاتها مع تفسير النصوص، هكذا ستكون الفكرة الموجَهة هي فكرة انجاز الخطاب كنص"11.

إنَ لفظ التأويل ليس جديدًا، لقد كان قديما "يعني التغلب على مسافة زمنية أو لغوية ما من المعنى، ومع المحدثين و خاصَةً ديلتاي* اكتسب هذا المصطلح حمولة جديدة تتعلق بوضع قواعد كلية لفهم النصوص، بالتحكيم بين التأويلات وكذا بإعلاء التفسير exégèse إلى مستوى العلم12حاول ديلتاي تأسيس منهج موضوعي للإنسانيات، وبعد ديلتاي بدأ التأويل يأخذُ معنى أكثر اتساعاً من وضع قواعد عامّة لفهم النصوص وذلك نتيجة للأفكار التي أرساها هايدغر*، فأصبح التأويل ضمن هذا التحوّل الهايدغري " فلسفة التأويل التي تتجاوز المنظور الميتودولوجي** لتصعد إلى شروط إمكانه، والتي تتناول الطابع اللغوي للتجربة البشرية من جهة ما هو محايث لها وللوجود في العالم من جهة أخرى"13.

فتداخل اللّفظين interprétation ولفظة herméneutique وتشعّبهما وجب التفريق بينهما "فالكلمة الأولى interprétation تعني الجهد العقلي الذي نقوم به في إرجاع معنى ظاهر ومجازي إلى معنى باطن أو حقيقي في حين أنّ الثانية ذات حمولة فلسفية بما أنّها تهدفُ إلى الإمساك بالكائن من خلال تأويل تعبيرات جهده من أجل الوجود"14، وتُطلق كلمة هرمينوطيقا في العادة على اتجاهات مختلفة التي يعتنقها بعض الفلاسفة والمفكرين الذين يعطون اهتماما خاصاًّ لمشكلات "الفهم" و"التأويل" أو "التفسير" فالكلمة كذلك تصدق على نظرية التفسير ومنهاجه.

إنّ هذا التباين بين المعنى الحرفي والمعنى الرمزي للكلمة اليونانية hérmeneuein تولّدت عليه مدرستان في علم التأويل الأدبي، ظهرتا بشكلٍ مبكر وهما: التفسير النحوي، والتفسير المجازي"الرمزي"، الذي وضعه الرواقيون*، وهذا راجع لقيمة الفرق بين المناهج التي تقضي بتفسير نص قديم عسير الفهم بلغةٍ حديثةٍ.

كما نجد أنّ السيميائيين الغربيين توقّفوا عند المفاهيم الكبرى للتأويلية أمثال: جورج غادامير*، وبول ريكور**، وامبرتو ايكو*** فتعريفهم لهذا المفهوم "التأويلية" كانت متباينة فهو" طورًا لديهم العلم الذي موضوعه تأويل النصوص الفلسفية والدينية، وهو طورًا يستعمل خصوصاً من أجل تحديد مجموعة القضايا المتمحّضة للقراءة وفهمها، كما أنّه يصطنع أيضاً من أجل تأويل كل الإبداعات الفنية، والحكايات الأسطورية،والأشكال المختلفة للأدب واللغة"14، ولكن بول ريكور ذهب إلى أبعد من ذلك حيث عدّ التأويلية تجاورًا مع السيميائية حين يقول:" إنّها تقرن النظرية العامة للمعنى بالنظرية العامة للنص"15، ذلك بأنّ النظرية العامة للمعنى لا ينبغي لها أن تختلف اختلافا كثيرا عن النظرية العامة للنص إذ هل يوجد نص ولا معنى له؟.

التأويلية استنباطاً لمعنى النص أو لمعنى اللغة كما أطلق عليه الشيخ عبد القاهر الجرجاني رحمه الله معنى المعنى "وهو أن تعقل من اللفظ معنى ثم يفضي بك ذلك المعنى إلى معنى آخر"16.

إنّ التأويلية لا ترفض السياق، أي أنّها لا ترفض ربط الأدب بالمجتمع الذي نشأ فيه فهي مسألة تشترك فيها التأويلية، في الحقيقة، في قراءتها النص مع معظم التيارات الجديدة، الخاصة بتحليل النص وقراءته: من الشكلانية الروسية" formalisme russe " إلى السريالية " surréalisme" إلى البنيوية"structuralisme" إلى السيميائية " sémiologie "، فالتأويلية توظف السياق الاجتماعي التاريخي من أجل بلورة المعاني الممكن استقبالها لدى المتلقي فكأنّها تفرض وضعًا فلسفياً للمرجعية بما هي معيار للتقويم.

هكذا الهرمينوطيقا تأتي لتتوج الجهد الظاهراتي الهوسرلي* في الاستعاضة عن المناهج العلمية في العلوم الإنسانية بمقاربة معرفية أعمق وأشمل وهي تنطلق من فهم الذات، ولذا "إذا ميّزنا بين الهرمينوطيقا وبين نظرية المعرفة** فإنّه لا يوجد أي سبب لتخيل أن الناس يجدون صعوبة كبيرة في فهم أن الأشياء توجد ببساطة، وبأنّ الهرمينوطيقا ضرورية، لأنّ الناس هم الذين يخاطبون وليست الأشياء "17، فالهرمينوطيقا تبحث عن الذات التي تستند إليها عملية المعرفة تحتاج إلى إثبات وجود موضوعاتها من حيث الماهية أي من خلال تصور الظاهرة في كليتها من خلال الفكر، والفكر كما يقول هايدغر :" يتم العلاقة بين الوجود والماهية"18، ففي حضن ثلاثية الفكر- الوجود- الماهية تنشأ أرضية ظاهراتية للوعي بالأشياء لكي لا تدع الوهم يتسرب إلى الذات.

فالظواهرية أو الظاهراتية " الفينومينولوجيا" التي عرض أفكارها برانتانو وارتقى بها "إيدموند هوسرل" إلى درجة التنظير التي تجعل الذات محطة انطلاقها.

يشير هايدغر " m.heidgger" في كتابه :"الوجود والزمن" 1927م أنّ الهرمينوطيقا هذه الكلمة تعود إلى الجذرين اليونانيين ״ phainomenon" ومنه نجد تداخل الهرمينوطيقا والظاهراتية "فينومينولوجيا". إذا كانت الفينومينولوجيا تبحث في مشكل "فهم الوجود" فإن التأويل انصب اهتمامه على إشكالية "وجود الفهم" أو بما يسمى "كينونة الفهم" وهكذا تتغذى نظرية التأويل بالظاهراتية القائلة بأن الإدراك يتم عن طريق تفاعل الذات بالموضوع " القراءة مثلا"، وتجاوز معادلة الفصل بين الذات والموضوع التي رسمتها المناهج العلموية، ويقول إ.هوسرل في أحد الدروس التي ألقاها خلال العشرينات من القرن الماضي تحت عنوان "علم النفس الفينومينولوجي": "لسنا هنا من أجل الشروع في تأملات فلسفية حول "الماهية الداخلية للروح" أو من أجل أن نتصور أسسا لأبنية ميتافيزيقية، وإنما نحن هنا من أجل تأسيس سيكولوجيا مفهومة كعلم تجريبي."19، وفي سياق البحث عن مقاربة علمية للذاتية، وهي ما يشكل الموضوع الرئيسي للفينومينولوجيا، عمد هوسرل إلى اختراع منهج غير مسبوق أطلق عليه اسم "الإرجاع" réduction كما أعطى الأولوية لمنهج غير مألوف في مجال البحث الفلسفي هو"الوصف"، ملحا بالعودة إلى التجربة الفريدة للذات، مؤكدا أن العقل الإنساني الفردي هو مركز كل معنى وأصله .

اهتمت الفينومينولوجيا في النظرية الأدبية بوجوب توجه النقد إلى الولوج إلى أعمال الأديب من خلال فهم الماهية الباطنية لكتاباته، وذلك كما تظهر لشعور الناقد وليس كما يظن المؤلف، بمعنى أن فهمها للنص هو عملية إنتاجية له، وكشف عن إمكانيات جديدة فيه، فهكذا ولدت الفينومينولوجيا لتحد من هيمنة الصراعات الفلسفية والفكرية " فكلمة فينومينولوجيا مشتقة من الكلمة اليونانية prainomenon تعني المظهر والظاهرة: وهي علم الموضوعات القصدية للوعي" 20. والفينومينولوجيا لها بنية ثلاثية: أنـا + أفكـــر + بموضوع فكــري

تقوم الظاهراتية على كشف الطبيعة الباطنية لكل من الشعور الإنساني والظواهر، وتلحّ على أنّ الذات هي وحدها المسؤولة على الفهم والإدراك، فأصبحت بدورها " لا تسعى إلى تفسير العالم من خلال البحث عن شروطه الممكنة كما صرّح بذلك "ميرلو- بونتي" وإنّما تهتم بتشكيل التجربة كأوّل لقاء أنطولوجي* بين الوعي والعالم الذي يعتبره لقاء على كل تفكير حول هذا العالم"21.

إنّ الفينومينولوجيا ترتبط بالتأويل ارتباطا عضويا ووظيفيا، وهكذا ما أكّده هايدغر بأنّ المنهج الفينومينولوجي أنّه هرمينوطيقا، " فالمعنى ليس شيئا يمنحه شخص ما لموضوع ما، بل هو ما يمنحه الموضوع للشخص من خلال إمداده بالإمكان الأنطولوجي للكلمات واللغة"22.

أثارت الهرمينوطيقا جدلاً عنيفاً مع رواد التأويلية الحديثة بداية مع المفكر الألماني شلايرماخر*1843م الذي يمثل الموقف الكلاسيكي بالنسبة للتأويلية، وهو السبّاق لتحويل المصطلح من الإستخدام اللاهوتي إلى عملية الفهم وشروطها في تحليل النصوص، بنى تأويليته على أساس أنَّ النص عبارة عن وسيط لغوي بين فكر المؤلف وفكر القارئ، ورصد العلاقة الجدلية التي تحكمها واعتبر للنص جانبين: جانبا موضوعيا يشير إلى اللغة وهو المشترك الذي يجعل عملية الفهم ممكنة،وجانبا ذاتيا يشير إلى فكر المؤلف، وهذا أن الجانبين يشيران إلى تجربة المؤلف التي يسعى القارئ إلى إعادة بنائها بغية فهم المؤلف أو فهم تجربته مما يجعل عملية الفهم ممكنة كما قال شلايرماخر: "إنّني أفهم المؤلف بقدر توظيفه للغة، فهو- من جانب- يقدم استعماله للغة أشياء جديدة، ويحتفظ- من جانب آخر- ببعض خصائص اللغة التي يكررها وينقلها"23.

أمّا مارتن هايدغر أقام الهيرمينوطيقا على أساس فلسفي، واعتبر الفهم هو أساس الفلسفة وجوهر الوجود، فرفض فكرة الوعي الذاتي وعلا عليه، فوحّد الفن بالفلسفة في مهمتها الوجودية.

بينما غادامير استند لتطبيقات هايدغر ونظّر لتأويليته في كتابة "الحقيقة والمنهج": مبادئ فلسفة التأويل1965 توصل إلى أن "الهرمينوطيقا منهجية للعلوم الإنسانية ولكنها محاولة من أجل فهم الحقيقة "..."وما يربطها بكليّة تجربتنا في العالم"24، فهو يرى ليس بالضرورة وضع منهج للفهم العلمي بل الذي يهمه هو المعرفة والحقيقة.

كما جاء بعد ذلك في المشروع الفلسفي لريكور لتصبح قراءة النص معه ليس مجرد لعبة لغوية في نطاق الزمن والعلامة، أو تكهناً عبقرياً في سبيل إدراك المقاصد الخفية للمؤلف، وإنّما القدرة التأويلية على تشكيل عالم النص في ضوء مادته وشيئيته بالموازاة مع تشكيل عالم الذات أو نسج رؤية بواسطة النص.

هكذا امتدّ زحف المذهب الهيرمينيوطيقي مع بول ريكور الذي ركّز أساساً على تفسير الرموز واعتماده على العلامات وخاصة في كتابه "نظرية التأويل"1976 الذي كان ثمرة مراجعاته النقدية واطلاعاته المتبحرة على المناهج النقدية الذي أتاحت له الاغتراف منها مثل سيميولوجيا غريماس، والتحليل النفسي عند فرويد وبنيوية لفي شتراوس ومنطقية الفلسفة الأنجلوسكسونية،ومفاهيم أرسطو وكانط وهوسرل و هايدغر وجون نابير، فكانت تأويلية ريكور تجاوز مستمر هو دينامية المعنى في تحوله وتطوره.

سعت التأويلية الحديثة إلى قراءة النص وتلقيه وكان ذلك بإيعاز من رواد جمالية التلقي ياوس* وآيزر** اللّذين أسسا مشروعا متفتحا على جمالية التلقي، وخاصة مع "آيزر" في كتابه "فعل القراءة" التي كانت محاولة لتصميم نظرية في القراءة باعتبارها شرطا مسبقا وضروريا لجميع عمليات التأويل، فأصبحت هذه النظرية الجديدة "حركة تصحيح لزوايا انحراف الفكر النقدي لتعود به إلى قيمة النص، وأهمية القارئ"25، بعد أن تهدمت الجسور الممتدة بينهما بفعل الرمزية والماركسية، ومن ثم كان التركيز في مفهوم الاستقبال على القارئ والنص،"إن جوهر منظور التلقي هو إعادة الصلة الحميمية والضرورية بين النص ومتلقيه"26، وضمان قراءة فاعلة تفسح المجال للقارئ قصد التجول في مدائن النص وسراديبه"27.

إنّ التلقي أعاد القيمة إلى القارئ، وأعاد أهمية السياق التاريخي والاجتماعي، وكأنّه نفي لتطرف الشكلانية*وصرف البنيوية**التي أصبح فيها النص يتيمًا بدون أب, مع إعلان موت المؤلف . ومن ثم استفحل هذا اليُتم مع التفكيكية التي ألغت النص من الوجود لتؤسس لمشروعية وجود ما يسميه منظّروها" القارئ النص " حيث يكون النص حسب المنظور التفكيكي لا قيمة له من دون القارئ.‏

شهد تاريخ التلقي الأدبي مجموعة من المقاربات في بعض الاتجاهات، ويتعلق الأمر بجمالية التلقي بشقيها الفينومينولوجي عند " آيز " والهرمينوطيقي عند "ياوس""h.r.jauss"، وفي بلاغة القراءة عند "م.شارل" "m.charles"، وفي سيكولوجية القراءة عند "م. بيكار""m.picard"، وفي أسلوبية القراءة عند "م.ريفاتير""m.riffaterre"، وفي سوسيولوجية القراءة عند "لينهارت" "leenhardt".

ويبقى التأويل يرتبط بالإمكانات التي يوفرها المجال الاستقبالي للسان ما، وهذا الربط هو ما يؤدي إلى التأويل والطريق التي بها يمكن القبض على المعنى وتحصيله باللفظ المعبر، وعلى هذا يكون"المجال اللساني للغة شرطا في الإمكانية التي تحمل التأويل إلى اللغة وتهيئ استقبالية المعنى الذي يتأسس وجودا عندما تتعاين ألفاظه في السياق اللساني لخطاب ما"28.

إنّ هوميروس* لم يؤسس قانون الأدب العالمي من المنظار الشعري فحسب، بل كذلك وبسبب الصعوبات المتزايدة في تفسير أعماله، كان أول من وضع من جهة نظر التأويل مسألة الفهم الذي هو محاولة الدرس إدراك المعاني والدلالات التي تتفجر في النص وهو يستلزم دائما إعادة بناء تاريخية للعالم"الماضي"، فالفهم يطرح إشكالية حين يتعلق الأمر بالنصوص القديمة التي تفصلنا عنها مدة زمنية معينة. ذلك أن النص كلما كان منتميا إلى عصر ليس عصرنا، إلا واجتهد الدارس في تفكيكه واستنطاقه بغية الاقتراب من فهمه. من هنا يكون الفهم هو المكوّن الجوهري لعملية القراءة فالتأويل هو الشكل الظاهر للفهم، ذلك أن الفهم والقراءة والتأويل وجوه متعددة لعملية واحدة يستدعي كل منها الآخر.

عملية الفهم " تقوم على نوع من الحوارية بين تجربة المتلقي الذاتية والتجربة الموضوعية المتجلية في الأدب من خلال الوسيط المشترك، ويتغير مفهوم "الفهم" نفسه من أن يكون عملية تعرف عقلية، إلى أن يكون مواجهة تُفهم فيها الحياة نفسها، الفهم- بهذا المعنى هو الخصيصة المميزة للدراسات الإنسانية "29، وهو القدرة على تفهم الغير أو الطرف الآخر من خلال إنجاز فعل لغوي يقوم به الفاهم لصالح المتلقي، ويستفيد من الطرف الآخر لمبررات أخلاقية أو دينية أو عاطفية.

إن معنى الفهم الذي أملته فلسفة الأنوار* ينتقل خلسة من الفهم إلى التفسير ويصدر حكم قيمة على كل الظواهر التي لا ترقى إلى عتبة الفهم، معتبرا أن "كل ما لا يرقى إلى عتبة الفهم يدخل في دائرة اللامعقول"30 والتركيز على الفهم لا يعني إيجاد تعارض مطلق بينه وبين التفسير، بما أننا قد نجعل فهم ظاهرة ما مقدمة لتفسيرها كما أننا قد نجعل تفسير ظاهرة ما مقدمة لفهمها، كما أن الحدود التي نضعها على التفسير هي نفس الحدود التي نضعها أحيانا على الفهم .

وإلى جانب الفهم والتفهم نجد معنى التفاهم،"وهو يبرز عملية تفاهم متبادل أو يبرز ثمرة العملية أو المعنى الذي يفيده اللفظ الفرنسي se comprendre l'un l'autre أو مفردة "séntendre ""31، لذا إذا أردنا معالجة إشكالية الفهم داخل مبحث الهرمينوطيقا لابدّ أن نأخذ بعين الاعتبار الفروق الدقيقة الموجودة بين الفهم والتفهم والتفاهم، وهناك من نقل مصطلح"الفهم" إلى دائرة النزعة السيكولوجية ليقترن الفهم بالمشاركة الوجدانية في حياة الآخر، عند محاولة عوالمه الباطنية دون اللجوء إلى منظومة تفسيرية فوقية، ويتحقق بدخول عالم الآخر والإحساس بأحاسيسه كما يصطلح عليه في الرومانسية* بجماليات العبقرية"esthétique, du génie".

وقد قام بول ريكور بنقد النزعة السيكولوجية وميّز بين سيكولوجية الفهم ومنطق التأويل معتبرا الأولى ذات طبيعة ذاتية معرفية والثاني ذو طبيعة أونطولوجية.

أمّا شلايرماخر انطلق من الخطاب الشفهي وليس من النصوص فهو يعتقد بأنّ"كل عملية فهم انعكاس لعملية الكلام"32 ويمحور عملية الفهم على المتكلم الأجنبي وعلى ذاتية المؤلف، كما أنّه ميّز بين ثلاثة أشكال للفهم في فلسفته التأويلية هما: "الفهم التاريخي الذي يرجع إلى المضمون، والفهم النحوي الذي يرجع إلى الشكل واللغة والعرض والفهم الذهني الذي يعتد بذهنية الكاتب وذهنية العصر"33. أما غادامير ميز بين نوعين من الفهم:

- الفهم الجوهري وهو فهم محتوى الحقيقة.

- الفهم القصدي وهو فهم مقاصد وأهداف المؤلف.

إذا كان التأويل هو عبارة عن إضفاء الصراحة على الفهم فان الفهم هو أساس اللغة والتأويل، لأن الفهم متقدم على التأويل فيكون التأويل مبني على أصل الفهم لا العكس، كما أن الفهم يتركز في ثلاثة أبعاد غير منفصلة عن بعضها.

- المهارة العمــــلية.

- المهارة الفهــــمية.

- المهارة التفسيـريــة.

وبهذا يصبح التأويل بدوره هو عمل الفهم الذي يشتغل على فك الرموز، وهو مرحلة أولية من مراحل التأويل الثلاثة: الفهم، والتفسير، والتطبيق: application.

والفهم عند ريكور يعني متابعة حركة النص من دلالاته إلى مرجعيته، أو من تعبيره إلى حول ما يعبر عنه وهو أشياؤه ووقائعه، ويخلص ريكور إلى أن دلالة النص ليست وراء هذا النص بمحاذاة قصدية المؤلف ولكن قبله من جهة المرجعيات أو العوالم التي يفتحها ويتيحها، ويمكن لنا أن نرسم الدوائر الثلاثية: تفسير- فهم- تأويل على الشكل التالي:35

التفسير: هو التنسيق الرمزي للدلالات وفق قواعد وآليات.

الفهـم: هو الانتقال من دلالة النص إلى المرجعية الخارجية على سبيل المطابقة أو الاختلاف بما تتيحه المصداقية.

التأويل: هو الانتقال داخل مرجعية النص من المعنى إلى الحدث أو الواقعة النصية.

هكذا سيشكل الفهم،والتأويل أهم الآليات الموظفة في فعل القراءة، ويمثلان الوجه الخفي لها، ومن هنا، كان التأويل يشتغل في إطار الهرمينيوطيقيا، وتكون القراءة وما تستند إليه من أوليات مجالا خصبا يمكننا من العودة إلى تراثنا المعرفي عامة، والنقد خاصة،عودة منهجية تشتغل على قطبين هما: فهم النص/ التراث في بعده وسياقه التاريخي، ثم قراءته من زاوية معاصرة تنطلق من هموم الخطاب الفكري وإشكالياته من حيث هو حاضر زمنيا ومعرفيا، بغية خلق حداثة فكرية حقيقية وهذا تماشيا مع مشروعنا الدلالي"الدرس الدلالي بين التراث والحداثة عند العرب".

قال أمبرتو إيكو:"لكي نؤول يجب أن نتلقى"36 حينها يصبح التلقي فنا معماريا يبنى وفق هندسة القراءة التي تصنع النظرية وتحدد المفاهيم الجمالية، فالقراءة ليست تلقيا سلبيا أبدا وإنما هي تفاعل خلاّق ومشاركة حقيقية بين النص والقارئ تستلزم أن ندرك حضور الكاتب في داخل النص الأدبي، ليرتقي التلقي ويصبح حدثا تواصليا يعكس نوعا من أنواع التفاعل بيننا وبين الباث، وينبغي أن يكون "التأويل شكلا محددا للتفاعل بيننا وبين النص، أي محاولة إقامة بنية للتلقي أو جهاز للقراءة في مقابل رسالة أو جهازها الإبداعي والفني الراجع إلى نظامها الذاتي"37 فنحن بصدد مستويين اثنين للتفاعل هما:

- تفاعل المتلقي بالباث: تواصـل.

- تفاعل المتلقي بالنص: تأويــل .

-

العقل التأويلي يرى أن النص لا يمكن احتواؤه فهو المتلقي الذي تتقاطع عند التأويلات وتتفجر الدلالات ويضحى التأويل فعل تعدد وتشتتت، فإشكالية المعنى المتعدد، وجعل الخطاب مفتوحا لأفاق التأويل والفهم غدا إشكالا كبيرا في الدراسات التأويلية وخاصة الدينية منها إذ ليس ثمة تأويل يفضي إلى دلالة وحيدة أمام لغة قوامها المجاز.

يقول الفراء*نقلا عن عبد القادر عبو: "ظل النص الديني"القرآني" إشكالاً قائماً أمام العقل العربي الإسلامي فكان ابتداع مفهوم التأويل من قبل أهل الكلام مفتاحًا لولوج مغاليق هذا النص بلغته البيانية التي تحمل تأويلات مختلفة وذلك لرفض التناقض بين النص والعقل"38.إذ أنّ لغة النص مجازية يجوز استخدام اللفظ لغير ما وضع له أصلا. فإنّ التأويل يستعيد الدلالة المفقودة وبالتالي ينتج سوى التعدد والاختلاف، فالنص البياني عامة ينفتح على أكثر من تأويل ويميل إلى إنتاج التعدد والاختلاف. وهذا ما أكده الشيخ عبد القاهر الجرجاني** في دلائل الإعجاز وما لمّح إليه بإمكانية تعدد المعاني مع توحد "النظم" وصرّح بأنّ علم البلاغة هو العاصم من زلل التأويل وما يرتبط به من جهل، ومما يجعل التعدد والاختلاف قائمًا في القراءة هو ما ذهب إليه ابن العربي* حين تناول فكرة أساسية يقترب اقتراباً شديداً من فهم معضلة" القصد/ النص/الفهم" حيث يرى "أنّ للغة قوى دلالية في ذاتها تجعلها قابلة لتعدد التفسيرات على مستوى الدلالة الوضعية الظاهرة للغة"39.

فإنّ تعدّد القراءة يحقق إمكاناً دلالياً لم يتحقق من قبل، و"كل قراءة هي اكتشاف جديد،لأنّ كل قراءة تستكشف بعداً مجهولاً من أبعاد النص، أو تكشف النقاط عن طبقة من طبقاته الدلالية"40 فلا حياد إذن في القراءة بل تصبح"كل قراءة لنص من النصوص هي قراءة فيه، أي قراءة فعّالة منتجة، تعيد تشكيل النص، وإنتاج المعنى، ولهذا نقول بأنّ القراءة الحرفية هي خدعة، اللّهمّ إلاّ إذا كانت تعني التكرار الأجوف أو الصمت، أي اللاقراءة "41.

وبهذا الاختلاف المتشعب والمتضارب، تعدد مفهوم الهرمينوطيقا بالمنظور الدقيق والرؤيا الناقدة المتمحصة وتعددت اتجاهاتها ومقارباتها من نص لآخر ومن فترة زمنية لأخرى، فكان التأويل عند الغربيين "وضع فرضيات حول معرفة الذات الناطقة وعلاقتها بالمجال الغوي، ثم هو تطوير للقصد"42، حتى الدراسات التأويلية في العلوم الإنسانية قادت تعريف الإنسان نفسه كنشاط تأويلي والوجود كلغة.

***

 

الدكتور مهيدي منصور

........................

1- ينظر عبد السلام المسدي، اللسانيات، وإبستيمية النقد، المجلة العربية للثقافة، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم،ع 32،مارس1997،ص:19.

* نسبة إلى العالم فيتش.

2- رشيد بن جدو، العلاقة بين القارئ والنص في التفكير الأدبي المعاصر، مجلة عالم الفكر، المجلد23، ع:01،1994

3- نصر حامد أبو زيد، إشكالية القراءة و آليات التأويل2006، ص:13.

* الإكليروس Clergy، هم رجال الدين وهم ثلاث فئات: الأساقفة"المطارنة "،القسوس "القمامصة"، الشمامسة.

** حركة مسيحية رمت إلى إنقاذ المسيحية من رجال الدين ومن سلطة الكنيسة و البابا.

4- عبد الغني بارة، الهرمينوطيقا والترجمة مقاربة في أصول المصطلح وتحولاته،مجلّة الآداب الأجنبية فصلية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ع:133، شتاء2008

5- فاطمة الطّبال بركة، النظرية الألسنية عند رومان جاكبسون، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ص56.

* نسبة إلى هوميروس، شاعر إغريقي شهير وكاتب الملحمتين - الإلياذة والأوديسا - قام بتخليد حرب طروادة شعرا بدقة متناهية التي يعتقد حدوثها العام 1250 ق.م.

6- محمد شوقي الزين، تأويلات وتفكيكات، ص:29.

7- هانز روبرت جونس، علم التأويل الأدبي، حدوده ومهمّاته، ص:56.

8- عبد الغني بارة، الهرمينوطيقا والترجمة، مقارنة في أصول المصطلح وتحولاته، مجلة الآداب الأجنبية، ع:133.

9- عبد الغني بارة، الهرمينوطيقا والترجمة، مقارنة في أصول المصطلح وتحولاته، مجلة الآداب الأجنبية، ع:133.

10-المقال نفسه، ص:4.

11- بول ريكور، من النص إلى الفعل، أبحاث التأويل، ترجمة محمد براءة، حسّان بورقية، الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، الهرم القاهرة،ط:1،2001، ص:58.

* الفيلسوف الألماني فيلهلم ديلتاي "1833-1911"، من تلامذة شلاير ماخر،كرّس حياته لتنظير وشرح ابستومولوجيا الوضع العلمي للعلوم الإنسانية التي يسميها "علوم الروح".

12- حسن بن حسن، النظرية التأويلية عند بول ريكور، منشورات الاختلاف، ط:02،الجزائر2003، ص:14.

* مارتن هيدغر الألماني الوجودي "1889 ــ 1976".

** الميتودولوجيا "من methodos اليونانية، ومعناها الطريق إلى... المنهاج المؤدي إلى..." هي علم المناهج، والمقصود هنا: مناهج العلوم، والمنهج العلمي هو جملة العمليات العقلية والخطوات العملية التي يقوم بها العالم، من بداية بحثه حتى نهايته، من أجل الكشف عن الحقيقة والبرهنة عليها.

13- حسن بن حسن، النظرية التأويلية عند بول ريكور، ص:14.

14-حسن بن حسن، النظرية التأويلية عند بول ريكور، ص:15.

* نسبة إلى الرواقية: مدرسة فلسفية تعتمدعلى زينون الرواقي"333ق م،264ق م"، تجعل الإنسان مفكرا سليما، متزن التفكير وموضوعي. أحد جوانب الرواقية الأساسية هي تحسين رفاهة الفرد الروحية.

*غادامير فيلسوف ألماني شهير ولد في ماربورغ 11 فبراير 1900،، وتزامن ميلاده مع نفس العام الذي مات فيه الفيلسوف الأشهر "فريدريك نيتشه" ما يعطينا تصوراً جيداً لمحيط فيلسوف التأويل "هانس" الفكري والمعرفي.

** بول ريكور، فيلسوف فرنسي وعالم لسانيات معاصر ولد سنة 1913 و توفي سنة 2005،من ممثلي التيار التأويلي، اشتغل في حقل الاهتمام التأويلي ومن ثم بالاهتمام بالبنيوية، وهو امتداد لفريديناند دي سوسير. يعتبر ريكور رائد سؤال السرد. أشهر كتبه "نظرية التأويل -التاريخ و الحقيقة-الزمن و الحكي- الخطاب وفائض المعنى".

*** امبرتو إيكو: باحث إيطالي من أبرز منظّري المنهج السيميائي المعاصر من مواليد 1932، مؤلفاته:" العمل المفتوح"، " البنية الغائبة"، "العلامة"، "القارئ في الحكاية".أشهر أعماله الروائية: "اسم الوردة" " و"بندول فوكو" و"باودولينو".

15- عبد المالك مرتاض، نظرية القراءة، دار الغرب للنشر والتوزيع، وهران ط:01، 2003، ص:183.

16- عبد المالك مرتاض، نظرية القراءة، ص: 184.

17- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز،شرح وتعليق:محمد عبد المنعم خفاجي، دار الجيل للنشر والتوزيع، بيروت ط:01، 2004م،ص:16.

* نسبة إلى إدموند هوسرل "1859 - 1938"،مؤسس الفينومينولوجيا في ألمانيا الذي اشتُهر بـ"أبي الفينومينولوجيا"

** علم المعرفة من العلوم التي تبحث في تقييم جميع المناهج الفلسفية والعلمية، الخ، ويعتبر هذا العلم مدخلا لدراسة بقية العلوم، إذ يكون له السبق في تأصيل الأدوات المعرفية التي يحتاجها الباحث في ذلك العلم، وذلك وفقا للأفق الفلسفي والعلمي الذي يعتنقه الباحث.

18- عمارة ناصر،اللغة والتأويل، مقاربات في الهرمينوطيقا الغربية والتأويل العربي الإسلامي، ص:15.

19- عمارة ناصر،اللغة والتأويل ص:15.

20- نتالي دوبراز،الفينومينولوجيا،ترجمة: الحسين بوتبغة، مجلة الآداب الأجنبية، اتحاد الكتاب العرب، ص:15.

21- عادل مصطفى، مدخل إلى الهرمينوطيقا، دار النهظة العربية، ط:01،مصر: 2003، ص:133.

*الانطولوجيا تعود إلى الأصل اليوناني من ONTO : وتعني الوجود،IOGIE: أي العلم، وontoiogy: هو علم الوجود،احد مباحث الفلسفة، وهو العلم الذي يدرس الوجود بذاته،وورد هذا المصطلح أول مرة سنة 1613.

22-محمد شوقي زين، تأويلات وتفكيكات، ص48.

23- عادل مصطفى، مدخل إلى الهرمينوطيقا، ص162.

* شلاير ماخر فريدرش ارنيست دانيال، "1768-1834" فيلسوف ألماني أسهم في نمو نظرية التأويل .

24- نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ص21.

25- نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، ص21.

* ياوس: ناقد ألماني شهير، صاحب نظرية جمالية التلقي.

** اﻟﻨﺎﻗﺪ اﻷﻟﻤﺎﻧﻲ. " ﻓﻮﻟﻔﺠﺎﻧﺞ إﻳﺰر. " Wolfgangiser. اﻟﺬي ﻋﻤﻠﺖ اﻷأكاديمية اﻷﻣﺮﻳﻜﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﺗﺮﺟﻤﺔ أﻋﻤﺎﻟﻪ.

26- محمود عبّاس عبد الواحد، قراءة النص وجماليات التلقي،دار الفكر العربي، القاهرة، ط:01، 1996، ص:17.

27- رجاء عيد، ما وراء النص، مجلّة علامات، السعودية، المجلد الثامن، ع:30، شعبان، ديسمبر 1999،.

28- المقال نفسه193.

* هي إحدى المذاهب المؤثرة في ميدان النقد الأدبي في روسيا في الفترة بين العام 1910 و 1930, أبرز شخصيات المدرسة الشكلية.

فيكتور شيكلوفسكي ورومان جاكوبسون وجريكوري فينكور, هم من أحدث ثورة في ميدان النقد الأدبي بين العام 1914

**البنيوية أو البنوية : منهج بحث برز في بداية مطلع القرن التاسع عشر، وهو الاسم الذي أطلقه جاكبسون عام 1929، وهو فكر شامل "paradig"، مخترقا جميع أنواع العلوم و التخصصات . أبرز منظروها : فريديناند دي سوسير و كلود ليفي شتراوس .

28-عمارة ناصر، اللغة والتأويل، مقاربات في الهرمينوطيقيا الغربية والتأويل العربي الإسلامي، ص:151.

* هوميروس شاعر إغريقي شهير وكاتب الملحمتين - الإلياذة والأوديسا .

29- نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل،،ص:27.

30- * فلسفة الأنوار فتحت عبقرية،في أوروبا إبان القرن الثامن عشر،عمل أصحابها على إعادة الاعتبار للعقل والذكاء البشري، مستهدفين القضاء على المعالم الفيودالية للنظام القديم وجعل حد لهيمنة الفكر الأسطوري والاستبداد التي كانت تكرسه الكنيسة.- انتقد فلاسفة الأنوار الفكر السياسي والديني ووضيعة الثقافة السائدة في المجتمع، ودعوا إلى تأسيس علاقات جديدة بين الحكام في إطار مجتمع علماني يفصل فيه الدين عن الدنيا وهي الأفكار التي تبنتها طبقة البورجوازية الصاعدة.، فانتقدوا الرقابة شعارهم: " دعه يعمل، دعه يمر".،

31- نفسه، ص:62.

* مصطلح "الرومانسية" يُطْلَقُ على مذهبٍ أدبيٍّ بعينه ذي خصائص معروفة، استخلصت على المستوى النقدي من مجموع ملامح الحركة الأدبية التي انتشرت في أوربا في أعقاب المذهب الكلاسيكي، يعود مصطلح الرومانسيّة إلى كلمة رومان "Roman" ومعناها في العصر الوسيط: حكاية المغامرات شعراً ونثراً.

32- هانز روبرت جوس، علم التأويل الأدبي، حدود ومهمّاته، ترجمة، بسّام بركة، مجلة العرب والفكر العالمي، ع: 3

33- المقال نفسه، ص: 56.

35- ينظر محمد شوقي الزين، تأويلات وتفكيكيات، ص: 78.

36- إدريس بلمليح، من التركيب البلاغي إلى المجال التصوري عند عبد الله راجع، من قضايا التلقي والتأويل، منشورات كلية الأدب والعلوم الإنسانية بالرباط، سلسلة ندوات ومحاضرات، ص:85.

37- نفسه ص:85

* الإمام الفرّاء " 144 هـ - 206هـ" هو أبو زكريا يحيى بن زياد بن عبد الله بن منظور الفراء . والفراء لقبه لا اسمه، و لقب بالفراء لأنه كان يفري الكلام ويغلب الخصوم .

38- عبد القادر عبو، مركزية التأويل في محاورة النص الشعري المعاصر.

** عبد القاهر، أبو بكر بن عبدا لرحمن بن محمد الجرجاني، فارسي الأصل، جرجاني الدار، ولد في جرجان عام 400هـ-1010م وعاش فيها دون أن ينتقل إلى غيرها حتى توفي سنة 471 هـ-1078م.

* ابن العربي العلاّمة الحافظ، القاضي أبو بكر محمّد بن عبدا لله بن محمّد الاشبيلي. ولد سنة 468 هـ بإشبيليا و المتوفّى سنة 543هـ بفاس من كبار الحفّاظ والفقهاء البارعين.

39-نصر حامد أبو زيد، إشكالية القراءة وآليات التأويل،ص:100.

40- علي حرب، نقد الحقيقة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، ط: 03،1995،ص:08.

41- علي حرب، نقد الحقيقة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء،ص:08.

42- عمارة ناصر، اللغة والتأويل،ص: 123.

 

محمد كريم الساعديترتكز عملية البناء الفكري والمعرفي في خطابات الرد الثقافي على مغيرة الافعال المستمدة من البنى الايديولوجية التي كانت عليها الكولونيالية سواء كانت في قديمها التي مارستها على الشعوب الواقعة فيما مضى تحت السيطرة بكافة اشكالها (السياسية والاقتصادية والعلمية) وحتى على مستوى البناء السيكولوجي للفرد في المستعمرات البريطانية والفرنسية،أو في جديدها التي تهيمن عليه الآلة التقنية الأميركية وأسلحتها الفتاكة في إخضاع العالم ومنها المستعمرات الغربية السابقة، وفي محورها  قلب معادلة الشرق الأوسط بمسمياته المختلفة وحسب ما يرسم له من خارطة جديدة وتقسيمات تقوم على أهداف للمائة عام القادمة، وهنا تأتي أفعال المغايرة للقديم والجديد من الكولونيالية بمختلف أشكالهم،وأهمها الثقافية التي أصبحت أكثر تغلغلاً في الأوساط كافة، وهنا تأتي أفعال المغايرة من أجل دق جرس الإنذار لما يحصل وسيحصل مستقبلاً، لأن الثمن سيكون محو الهوية الثقافية لصالح الآخر الذي يوظف كل شيء لذلك الهدف، على اعتبار أن الإمبريالية الثقافية في أشكالها الأكثر كلاسيكية هي شكل المركزية وعنصرية فاعلة سياسياً. إنها اثنومركزية تحولت الى أيديولوجية تقدم نفسها كطريق لخلاص الجماعات الدنيا والفكرة الأساسية هي أن الشعوب الأخرى أما أن تضع نفسها على الصفحة مع الحضارة الغربية، وإما أن تكون غير جديدة بالإعتبار ككيانات قابلة للاحترام  والتدوين في الصفة الثقافية الغربية، وهذا يعني الكثير من التغيرات والتشكلات الجديدة في الملامح الثقافية للشعوب الطائعة لرؤية الحضارة الغربية ومقاساتها  التي تجلب الإحترام، لكن هذا الإحترام يبقى ناقصاً لأنه سيكون من الدرجة الثانية أو على هامش الحضارة،ولأن الغربي على وفق المفهوم الكولونيالي يبقى السيد والآخر الشرقي يبقى هو التابع على وفق المتقابلات التي وضعها العقل الغربي لتصنيف سلم الحضارة وتحويل شعوبها الى أول وثاني وثالث، وسجل الإستعمار حافل بهذه الصور والتصنيفات التي أصبحت علامات فارقة في الخطابات الكولونيالية أو ما يسمى بالعالمية ومركزيتها وهنا يرى الدكتور (جابر عصفور) في (الهوية الثقافية) في ما تعني العالمية وما تلقي بظلالها على البناء السيكولوجي للشعوب التي تكافح من أجل الخروج الى النظام الجديد بكرامة دون أن تقع تحت استجداء العطف من المركزية يقول عصفور: ولذلك ترتبط مفاهيم (العالمية) الغالبة على وعينا، من حيث هي علامة وصول الى محطة التقدم بتوترات قديمة لا تخلو الى اليوم من شعور بالدونية الذي لا يفارق الشعور بالغبن في عالم يخلو من معنى التكافؤ بين الإبداعات القومية والوطنية،أو المحلية وهي تراكمت لتصنع هذه العقد النفسية التي ينطوي عليها المتخلف في علاقته بالمتقدم والتي تؤدي الى أستجابات عصابية في حالات كثيرة ولم تنحل بعد في مرحلة إيجابية تتوازن فيها الدوافع المتناقضة،أو المتعارض اعني استجابات تتقلب ما بين المواقف الحديّة وتنهي إما الى الرفض المطلق أو القبول المطلق للمعايير،أو التمثيلات، أو الصور المفروضة من الأعلى على الادنى، لأنه ما فرض على الأدنى في زمن القوة والسيطرة العسكرية لا يمكن ان يستمر في هذا الزمن، لذلك ينظر لهذه على أنها صراع حضارات،أو صِدام حضارات بحسب (صامويل هنتجتون) في تواصل للرؤى الغربية التي تفرض على المهمش حضارياً .

  إن هذا الصراع النفسي الذي تعيشه الشعوب بين العودة والحفاظ عل الهوية الثقافية المحلية والتعايش بسلام مع الثقافات الاخرى ومنها الغربية صاحبة الإمكانات التقنية الهائلة التي يسوق لها في كل أغلب المحافل العالمية،أو التصادم مع المركز العالمي من أجل التنافس معه حضارياً حتى تكون هناك فرص متساوية للحياة، وما هذه الحروب التي تحصل وتملأ الأرض إلا ردات فعل لما هو مفروض على الادنى وما هذا التطرف الحاصل اليوم في العودة الى الاسلاف، ما هو إلا صورة أريد لها ان تكون حاضرة حتى  يقال إن الصراع هو بين ثقافة وحضارة متقدمة وأخرى متخلفة،وهذا التوجه مت المركزية الغربية هو ليس موجهة فقط للأخر الذي يقع خارج أسوار الحضارة الغربية ومفاهيمها المتمركزة في اللوغوس الغربي، بل هو ايضاً موجه نحو أفراد المجتمعات الغربية لتأكيد اختلافها عن الآخر الشرقي،  وهذه الممارسات لها سياقاتها في تشكيل العقل الغربي بصورة ممنهجة ومستمرة،أي ان هذه الممارسات لا تنطبق السيطرة على الخطاب بوصفها ممارسة اجتماعية فحسب بل تنطبق أيضاً على عقول الذين يتحكم بهم،أي التحكم بمعرفتهم وآرائهم واتجاهاتهم وأيديولوجياتهم وكذلك تمثيلاتهم الشخصية أو الأجتماعية وبصورة عامة قد تكون السيطرة تعني – ايضاً – السيطرة غير المباشرة على الأفعال،وهذا ما يجعل عملية البناء المؤسساتي في الأنظمة السياسية والاقتصادية الغربية تقوم على استطلاعات الرأي العام تجاه المواقف المعينة وخصوصاً في العصر الحالي على النظرة للآخر الشرقي وبالأخص الإسلامي،واستغلال ما يحرك من صور كولونيالية قديمة قائمة على أوصاف عدائية متجددة على وفق الحرب على الإرهاب والمعنى القديم المطابق للإرهاب في العقل الغربي هو الإسلام كما هي في ذاكرة الحروب الصليبية، وهذه النظرة وغيرها هي من شّكل الذاكرة الغربية المركزية وخطاباتها الكولونيالية في الثقافة،لذا فأن صورة المركزية العالمية ثقافياً هي قائمة على مشروع بعيد المدى أنتج في مؤسسات متعددة المسميات لكنها مشتركة الأهداف والغايات في ايجاد مساحات معرفية تستطيع أن تمارس من خلالها رغباتها في السيطرة و الإخضاع، لأن المركزية الأحادية السياسية والثقافية للمشروع الكولونيالي كانت نتيجة طبيعية لتقاليد العالم الأوربي الفلسفية وأنساق التمثيل التي أضفت عليها تلك التقاليد امتيازاً  وقد اسفر ذلك في المقام الأول عن انتاج ممارسات الخضوع الثقافية التي أعتبرها أحد نقاد ما بعد الكولونيالية (انكماشاً ثقافياً) خلفته الأفعال الكولونيالية ضد الشعوب التي وقعت تحت السيطرة والخضوع لها مما جعل في بداية الأمر تتولد صور سلبية قامت بالتركيز عليها في البناء الاجتماعي الاخلاقي لهذه الشعوب وبالتركيز على الجوانب السيكولوجية من خلال توظيف بعض المفاهيم التي أصبحت ملازمة للهوية المحلية ثقافياً، ومن هذه المفاهيم المهمة هي تأكيد معنى الاستلاب والابتعاد عن الذاتية ما يولد إنفصال وإنفصام عن الشخصية وإرثها الثقافي والحضاري الذي يستند عليه الوعي الفردي والجمعي في أي مجتمع قائم على بناء العلاقة الإيجابية مع جذوره،  لكن الفكر الكولونيالي  عمل على  حصول هذا الإنفصال حتى يتمكن من بناء قاعدة فكرية وأخلاقية جديدة تجعل من الوضع الثقافي الأصيل وضع مستلب وخارج عن الأصلانية،من خلال تهديم الصور الأجتماعية والثقافية المرتبطة بأهم الموروثات ودلالاتها في تشكيل الوعي الوطني والقومي، وحتى القيم الإنسانية المشتركة مع المجتمعات الإنسانية الأخرى، لأن مبدأ الاستلاب والابتعاد عن الذاتية تجعل من الفرد يعيش حالة اغتراب ذاتي مع من حوله من المؤسسات الوطنية وقيمها التي قام عليها المجتمع، وبالتالي يتحول هذا الإستلاب الى مرحلة من التشكيك واليأس من الوضع الراهن الذي يعيشه الفرد في هذه المؤسسات ومدى تأثيرها عليه في التواصل المعرفي والاجتماعي والنفسي مع محيطه وبيئته الثقافية،وهذا ما ساعد وسهل عمل التغلغل الثقافي للعالمية ومركزيتها في الثقافات المحلية، وأصبح ما هو ثقافي عالمي مرغوب أكثر من المحلي، مما أدى الى السيطرة الثقافية ممارسة التهميش الذي أخذ صور ثلاث كان للآداب والفنون وغيرها من وسائل التعبير نصيباً مهماً في السيطرة وإخضاع الثقافات الأصلانية ومن  أولى هذه صور التهميش الذي يتقلص بالحضور، ويدني به الى حال أقرب الى الغياب،وثانيتها اختيار ما لا يخلف في الوعي الثقافي العام سوى الاوهام التي يراد تثبيتها والإبقاء على شيوعها،وثالثتها رفض دعم ترجمة الآداب المهمشة والأنصراف عن نشر المترجم منها على اوسع نطاق وذلك جنباً الى جنب وتضييق دائرة التعريف بهذه الآداب الى أبعد حد  تجعل من الثقافات المهمشة تعيش العزلة المعرفية خارجياً من خلال السيطرة على منافذ الترويج الثقافي، وداخلياً من خلال جعل المنتمين لهذه الثقافات يبتعدون عنها شيئا فشيئاً، مما يولد الأغتراب الداخلي عن الثقافة الأم /الثقافة الأصلانية صاحبة الهوية المحلية التي يهدف الفكر الكولونيالي الى التخلي عنها لصالح الثقافات الاخرى.

إن خطابات الرد الثقافي مارست افعال المغايرة ضد التهميش الثقافي وتغييب الهوية الأصلانية، لأن المهمة التي وجت من أجلها هذه الخطابات هي إعادة بعث الحياة في هكذا أنواع ثقافية وأدبية وفنية،كان لها الأولوية في تأكيد الهوية الوطنية وإعادة الثقة للمواطن الأصلاني بمثل هكذا ممارسات تعيد اليه روح الانتماء الى تراثه ولغاته التي تعيد بمثابة حلقة الوصل مع الجذور الثقافية لمثل هكذا ممارسات،حتى تجعل من التهميش الثقافي لها داخلياً وخارجياً يقل في ضغوطه وممارساته على الهويات الوطنية،وهنا يأتي دور الخطابات الرد الثقافي لنظرية ما بعد الكولونيالية، والذي يهتم بتقصي وتطور إقتراحات حول الأثر الثقافي للغزو الأوربي على المجتمعات المستعمرة وطبيعة استجابات تلك المجتمعات  وتتعلق نظرية ما بعد الكولونيالية بمدى أوسع من الإنشغالات الثقافية : اثر اللغات الإمبريالية على المجتمعات المستعمَرة، تأثير (الخطابات الكبرى) الأوربية كالتاريخ والفلسفة، طبيعة وسياقات التعليم الكولونيالي والروابط بين المعرفة الغربية والسلطة إنها تتعلق بالتحديد باستجابات المستعمرين : والصراع للسيطرة على التمثيل الذاتي  للشعوب المهمشة في ساحة الحضارة العالمية،إذ سعت ما بعد الكولونيالية من خلال خطاباتها الى البحث والتفتيش بين ثنايا الخطابات الكبرى الكولونيالية من أجل زعزعت وتحريك تمركزها وتموضعاتها حول المبادئ الأساسية التي قام عليها اللوغوس الغربي في تدوين الصور النمطية للآخر المغاير لها على صفحات هذه الخطابات ومدى أهليته في تمثيل نفسه ذاتياً ووصف عجزه عن أداء أدواره الثقافية للبحث عن هذه الأوصاف النمطية التي عملت خطابات الرد المغايرة فيما بعد الكولونيالية على متقابلات يستطيع الأصلاني أن يعيد انتاج هويته الأصلانية ومعرفة مدى حركة التهميش التي وقعت عليه وبدأت حركة أخرى هي البحث في الفضاءات المهجنة التي عملت الثقافة الأعلى على إنتاجها وتذويب ما هو ذاتي ومحلي فيها لصالح الثقافة الأعلى المسيطرة .

 

الأستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

علي محمد اليوسففي الفلسفة البنيوية التي اعتمدت ما سمّي بالقراءة الجديدة، او القراءات التأويلية المتعددة للنص، نجد انه جرى تداول تلك الطروحات المعرفية او اللغوية والفلسفية عندنا كنوع من الحداثة الادبية الفكرية المسلّم بها، كما هو شأننا مع جميع الصرعات الفلسفية المتنوعة التي ظهرت في فرنسا على وجه الخصوص، ومن ضمن تلك التيارات الفكرية ما جاء به تروبتسكي وجاكوبسن ودي سوسير وفنجشتين وآخرين في مجال فلسفة اللغة واللسانيات.

ان انزياح واستبعاد النص الاصل يكون من خلال تعدد القراءات المتجددة او القراءات التأويلية التي تختلف عن أصل النص في الاضافة او الحذف لا فرق، الذي تصبح قراءة النص محور كل دراسة تقوم على اماتة او الغاء حضور المؤلف الذي انتهى وجوده ودوره المؤثر لحظة خروج النص من تحت سيطرته ليصبح ملكا للمتلقي فقط كقيمة قرائية حسب مقولة رولان بارت، وفي تفكيك محورية النص وتشظّيها الذي ذهبت به التفكيكية ابعد من ذلك في اعدام اصل النص تفكيكيا في اعتماد القراءات الجديدة المتشظية التي تحمل معها الاختلاف الدائم مع قراءات سابقة عليها، واهمية تجاوزكل حضورنصي لغوي متجدد تخلقه تعدد واختلاف القراءات في سعيها الدائب- اي تلك القراءات – الى استحضار (فائض المعنى) الذي تمكنت اللغة اخفاءه في لعبة مخاتلة في تغييبها على الدوام لمعنى غير المعلن في ظاهرية النص القرائية على الدوام تحت رغبة حضور قرائي دائمي متجدد للنص لغويا في عملية تفكيك وتجاوز مستمرين الى ما لانهاية له.

وقد اعتمد الشكلانيون الروس في مؤتمر لاهاي عام 1929 مصطلح البنيوية الذي وضعه جاكبسون، وقد رفضت هذه المدرسة التي تأسست البنيوية الفرنسية على منطلقاتها وارهاصاتها، التي اعتمدت لغة النص (الادبي) تحديدا، التي جاء بها دوسيسير، ولاكان في علم النفس، وفوكو في حفريات المعرفة، والتوسير في هجومه على الماركسية، والاب الروحي للفلسفة البنيوية ليفي شتراوس في الانثرويولوجيا، الذي ابعدت عنها فيما بعد فكرة عدم توظيف النص الادبي لنصرة معتقدات فلسفية معينة، ونادى الشكلانيون ضرورة ووجوب اعتماد النظر على الشكل الجمالي للادب بما هو ادب، أي في اعتبار الادب ادبا صرفا يتميز بعدة دلالات تعبيرية لغوية جمالية تجعله جنسا تعبيريا مستقلا مفارقا لنصوص الفلسفة والدين والايديولوجيا وغيرها.

وفي فضاء الالتقاء والاختلاف البنيوي مع التفكيكي في وجوب التفريق بين اعتماد النص اللغوي شكلانيا في دراسته الاجناس الادبية من حيث هي كينونة كادب معرفي مستقل ويجب ان تكون دراستها كذلك، كلية باستثناء تعالقهما اللغوي (النصين الادبي والفلسفي) في التقائهما على صعيد النص اللغوي، في تداخلهما مع الفلسفة في مباحث اشتغالاتها المتنوعة خارج الاجناس الادبية.

ولنقرأ النص التالي من كتاب المفكر علي حرب نقد الحقيقة (ان كل قراءة تختلف لامحالة عن النص الذي تقرأه او تقرأ فيه، سواء أكانت القراءة شرحا وتفسيرا، او استنباطا وتأويلا. وهي تنزع من ثمّ، وبحكم اختلاف ما تقرأه، الحلول محله)، ولما كانت كل قراءة تأويلا(وحمل لمعنى ما على المقروء، وترجيح لمعنى آخر، أي هي تأوّل، ومآل التأويل أن يحل محل التنزيل) ص 96

أن الانزياحات التأويلية لأصل النص في تعدد القراءات واختلافها، يعطينا بحسب أحكام المفكر علي حرب، أن فكرة او محتوى او مضمون النص، يعطينا ترجيحا الى أن جميعها افكار اومرموزات لغوية اشارية متعالقة ببعضها، بما يتعّلق بأصل النص المتآكل تفكيكيا باستمرار تداولياته، وبعد أجراء القراءات التأويلية والتفكيكية عليه يكون لا معنى لنص الاصل ولوجوده أيضا كمرجعية، بل يصبح الاهتمام في تداولية النصوص المتفرعة عنه، ولم يعد اصل النص يمتلك حضورا حقيقيا بعد تعدد قراءآته المختلفة. وبذا بدلا ان يكون أصل النص مرجعية ثابتة تحاكم بها وعلى ضوئها، صحة قراءات الهوامش على النص الاصل الجديدة والتأويلات المتعددة له، نقوم بأعدام اصل النص تفكيكيا الذي هو أساس ومرجعية جميع القراءات بتعدد واختلاف اشكالها له المتفرعة عنه، وكيف يمكننا البرهنة ان التأويلات القرائية هي اكثر مقبولية وحكمة وصواب من محتوى النص الاصل الذي قامت القراءات التأويلية التفكيكية بأعدامه والغاء قيمته لأنه لم يف بالتزامه في كشفه المسكوت عنه واحتفاظه على الدوام بفائض المعنى لغويا.وكيف لنا ان نعرف ان المسكوت عنه هو الصحيح وليس ما يبوح به اصل النص وتعدد قراءاته، وليس ما يذهب له وتدعيه الهوامش من صدقية افتراضية.؟ في بحثها الدؤوب عن فائض المعنى الذي تخّلفه اللغة وراءها في تعدد القراءات والاجتهادات والاختلاف للنص الواحد.

لا نستبق الحكم أن جاك دريدا في التفكيكية يلغي تماما اية مرجعية ثابتة يمكن الاحتكام لها، ويعتبر دريدا انه حتى العقل او الانسان لايمثّل ايّا منهما او كليهما مرجعية، لأن هذه المرجعية طالما نعتبرها كينونة ثابتة نسبيا فهي ميتافيزيقا يتوجب مجاوزتها، كما ان دريدا يرفض المنهج باعتبار ان التفكيك لايحتاج المنهج لأنه استراتيجية آلية تفكيكية تطال كل شيء، وحتى التفكيك يعقبه تفكيك الى ما لا نهاية له او توقّف عنده.كما ان دريدا هاجم هيدجر واعتبره ميتافيزيقيا يؤمن بمرجعية العقل الذي هو ثبات لا يعتد الاخذ به.(يبدو دريدا مدلل الفلسفة ولو جاء غيره بهذا الهراء الفلسفي لرجموه حتى الموت، ونبشوا قبره بعد مماته بيومين على اثر خيبة امله في الحصول على جائزة نوبل).

واذا نحن سّلّمنا بهذا التحليل القرائي التفكيكي او البنيوي للنص الاصل، فسنكون في حالة ضياع وتيه في استقصائنا أين يكمن المعنى الصحيح وفي أي من القراءات التأويلية التي طالت نص الاصل وغيّبته قسرا نعتمد الوصول الى الحقيقة؟.ويصبح التشتت القرائي الاختلافي هو سيد التيه والضياع، نتيجة منطقية لما يتوجب علينا معايشته في تعدد الانزياحات المتناوبة في استهدافها أصل النص بالتغييب العمد كهدف مطلوب في ذاته ولذاته فقط في اشباع هوس التفكيك في ما لنهاية عنده.

ومقولة البنيوية (لا شيء خارج النص) تبدو اكثر اعتدالا ومقبولية امام فوضوية دريدا بالتفكيك الذي يطال النص وكل شيء في متوالية لا نهائية من التفكيك.

نعتقد أن أصل النص هو حقيقة مرجعية ليس سهلا الاستغناء عنها او تغييبها، وانه ايضا خلفية استرجاعية ثابتة لمعرفة ماذا اضافت القراءات التأويلية الشارحة عليه، وأين اصبح موقع اصل النص بعد تناوب القراءات الالغائية التفكيكية له وماذا بقي منه؟ واين أوجه القصور والخطأ فيه.؟ والنص منتج عقلي، والعقل والنص مرجعيتان نحتكم لهما ليس لحقيقة وجودهما المادي وثباتهما، بل لانهما من الضرورات البدهية التي بضوئها نستطيع الحكم على مدى اهمية قراءاتنا اللانهائية الافتراضية لأصل النص كما يرغبه جاك دريدا.

من المهم التذكير بان رولان بارت على اختلاف مع التفكيكية التي تذهب الى اعدام اصل النص تفكيكا اختلافيا تداوليا، فهو اكتفى بالغاء هيمنة المؤلف على النص ووصايته على القاريء، واوصى ان يكون حضور النص مرجعيا هو فقط دون غيره في مقولة البنيوية الفلسفية الشهيرة( لا شيء خارج النص).ليتدارك دريدا هذا التنازل البنيوي في تاكيده ان اللغة وليس النص الادبي هو كل شيء.

اننا نفهم أن كل نص هو كيان مادي قائم بذاته، والافكار قوة مادية تأخذ أنسنتها الطبيعية من المتلقي به واليه، ويتوجّب علينا ان ننطلق من أن كل قراءة او عدّة قراءات لأصل النص مهما أوتيت من قدرة تأويلية ذكيّة فهي ليس بامكانها ولا بمستطاعها الغاء حضور (أصل النص) حتى لو تعاملنا مع الغائه مجازّيا وليس حقيقيا، ثم والأهم لماذا نحن نعامل القراءات الهامشية الدائرة حول مركزية النص الاصل انّها هي مايمّثل الحقيقة المطلوبة وليس العكس في عدم اعتمادنا مركزية أصل النص انها هي الحقيقة التي على ضوئها نحكم على صحة منطلقات الهوامش القرائية التي تدور حول اصل النص وتستهدفه بالالغاء؟ من جهة اخرى اننا سنضع انفسنا بهذه الحالة امام سلسلة لا تنتهي من الالغاءات المتناوبة على استهداف اصل النص في اعدامه واخراجه من دائرة التلقي في تعدد وتنوع القراءات له .وهذا هوما تنادي به التفكيكية وتعتمده بالصميم.

العقل وفلسفة الشعر

ذهب علي حرب في كتابه نقد الحقيقة الى (ان الفلسفة الى ماقبل نيتشة كانت (عقلية) تبحث عن البداهة في معرفة الاشياء، وكانوا جميعا ينتمون الى الفضاء العقلي نفسه، اما ما حاوله نيتشة هو الخروج من هذا الفضاء بفتح الممارسة الفلسفية على الجسد والرغبة، على الارادة والقوة، وبكتابة نص فلسفي ينبض بحرارة الشعر ويعيد الاعتبار للجسد المقموع وللشعر المطرود) ص107

ويمضي مكمّلا (بيد ان الشعر لم يصبح اجراءا فلسفيا من اجراءات الحقيقة قبل هيدجرالذي فتح الممارسة الفلسفية على المجال الشعري قراءة انطولوجية.. وان هيدجر باهتمامه بالشعر سيقصي الاجراء المنطقي العلمي كشرط رئيس من شروط التفلسف لصالح الاجراء الشعري، معتبرا انه لا شيء يضاهي الفلسفة في قول الوجود غير الشعر) ص 107 ايضا.

ولنا الآن تسجيل ملاحظاتنا:

انه بغضّ النظر عن أن نص الفلسفة يضاهي النص الشعري ويتماهى معه أو يضّادده، ومن هو الباديء بهذا الترويج، ؟ نجد حقيقة الشعر ماثلة امامنا لا يمكننا مجاوزتها بالالفاظ واللغة فقط، ان الشعر فعالية يغلب عليها اللاشعور غير المنطقي للغة الذي يقاطع نص الفلسفة بالصميم، وفي تجاوزه لغة النمطية التداولية المجتمعية وخرقها الى ما فوق التراكيب المعتادة، كما نجد اختلاط المخيال اللاشعوري الشعري في تغييبه الادراك العقلي الذهني للواقع، وأبتداع الشعر للصور الشعرية المحّلقة بلغة حركية تخييلية غير منضبطة عفوية وانسيابية، في تغييبها وصاية العقل، وانثيالاتها في تداعيات من العاطفة التهويمية يصعب معها السيطرة عليها وتنظيمها اغلب الاحيان ولا تتدخل الذهنية العقلية بها او محاولة لجمها قبل برود العاطفة وحضور العقل، واغلب الاحيان لا يكاد تداخل العقل بالشعر يعتد ويؤخذ به اذ يصبح عندها جميع الناس شعراء وكل كلام الناس العادي شعرا. وبهذا المعنى لا يمكننا الاقرار امكانية ان يكون الشعر فلسفة، والفلسفة شعرا وهو ما حاوله فيختة وفيورباخ ونيتشة وهيدجر ووفلاسفة آخرون.ان لغة التجريد في الفلسفة والشعر وان التقيا على صعيد التعبير التداولي فهما يختلفان كليّا في الفهم الوجودي للانسان.

وليس معنى ان تجارب هؤلاء الفلاسفة تعطينا مبررا كافيا في تماهي الخطاب الفلسفي مع الخطاب الشعري فكريا او منطقيا متعذرّا، فهما كبنية إبداعية فنية وجمالية مختلفتان ولا تلتقيان مهما بذلنا من جهود في التنظيرلتسويغ مثل تلك المحاولات العقيمة.وتبقى المسألة ضمن اجتهادات لا تلزم غير متبنيها الأخذ بها كمسّلمة يقينية فلسفية او حقيقة ابستمولوجية نخلص لاهميتها وصحتها.ان دراسة انطولوجية الشعر بلغة التجريد الفلسفي المنطقي لا يتماهى مطلقا مع الكيان الراسخ في ان بنية المبحث الفلسفي الذي يقوم ايضا كما في الشعر على تجريد منطقي يعدم مخيالية الشعركلغة وتعبير تداولي يقوم عليه الشعر، كذلك يكون مخيال الشعر متمردا على منطقية البنية الفلسفية التجريدية وان جمع الشعر والفلسفة المخيال المنتج، فوصاية العقل على الخيال الفلسفي اكثر صرامة في المحافظة على المخيال الفلسفي ان لا يخرج عن وصاية العقل في تنظيمه لغة الافكار الفلسفية، وهذا ما لا يقوم عليه او يلتزم به الشعر كونه لغة غير نمطية في تنظيم لغة التواصل مع الاخر.

وخروجا تهويميا على كل ضوابط لجمه في ان لاتكون تداعيات العاطفة لغويا هي الغالبة في وصاية العقل على لغة الشعر.ان في اشتراك اللغة تجريديا في الفلسفة والشعر ليس معناه توفر كتابة مبحث الفلسفة بلغة الشعر والعكس صحيح ايضا.

2.المسألة الثانية أن هيدجر بسبب هذه الاشكالية الفلسفية كان يتبادل التهم مع العديد من الفلاسفة الذين نعتوه بالفيلسوف الميتافيزيقي ابرزهم نيتشة وردّه عليهم هو أن نيتشة كان آخر الفلاسفة الميتافيزيقيين الذين اوصلتهم عربة الميتافيزيقا الينا، ومن الغرابة ان يحذو هيدجر حذوالنعل بالنعل لنيتشة في اعلائه أهمية الشعر الى مستوى التفلسف وتداخلهما، نص الفلسفة ونص الشعر.ومحاولته تفسير الوجود فلسفيا بماهية الشعر.فقد حاول ذلك نيتشة في كتابة مؤلفه الشهير هكذا تكلم زرادشت على شكل شذرات فلسفية تداخلها لغة الشعر كثيرا، وفعل نفس الشيء هيدجر في محاولة فاشلة دراسة الشاعر الالماني هولدرين. قوله مامعناه ان اقرب تعبير لغوي للفلسفة هو لغة الشعر.

3.ان هذه الافكار الشعرية المتداخلة مع الفلسفة هي التي قادت كل من نيتشة وهيدجر الى التبشير وفتح الطريق والابواب الموصدة امام ظهور النزعتين اللتين دمرتا العالم في الحربين العالميتين . النازية والفاشية، التي راح ضحّيتها عشرات الملايين من القتلى والجرحى والمعاقين والمفقودين. فلو كان تسنّى لنيتشة قبل جنونه ووفاته لما تردد لحظة واحدة في الانضمام لحزب هتلر النازي كما فعل خلفه هيدجر، ولو حاكمنا افكار نيتشة الفلسفية – الشعرية وافكار هيدجر الشعرية بمعيار النقد العقلي البسيط، وبقليل من البراجماتية الخسيسة التي ينعتها براتراند رسل بفلسفة النذالة، فهل كان بقي لافكار أرادة القوة وارجاع الاعتبار الى لذة الجسد ومتعة الشعر النيتشوي اي معنى؟

4.ان ما يعيب محاولة نيتشة ومن بعده هيدجر في اقصائهما النص الفلسفي عن مجال اشتغاله العقلي المنطقي، لغاية تمجيد الشعر، والتخييل التهويمي غير المنطقي الذي يقاطع النص الفلسفي، منذ مقولة افلاطون في طرده الشعراء من جمهوريته الفلسفية والى يومنا هذا، هو تاثير شعراء كبار من امثال غوتة،، وهولدرين وشكسبير وغيرهم من الذين كان تأثيرهم على الفلسفة مهّما ولا يستهان به.

أن ما يعرف بتاريخ الجنون لفوكو الذي تطرق الى ما يسميه الفلاسفة تنويعة هولدرين، التي حاول فيها الشاعرالالماني الكبير تقمّص حالة الجنون الى ان أودت به الحال الى الجنون المطبق، وكذا فعل الشاعر لتريامون، وقد حاول هيدجر دراسة شاعرية هولدرين، في تفسيره الوجود انطولوجيا بماهية الشعر، ودعا الى هذا المنحى بالفلسفة. ولم يكتب لغيره النجاح في هذا المسعى على ما اعتقد، حيث في نهاية كل نفق لا بد من وجود نور عقلي يعيد المسارات الضالة الى الطريق الصحيح ..........

 

 علي محمد اليوسف / الموصل

 

ساحاول في ورقتي هذه أن ارشف من عذوبة الجمال، التي رشف منها "كانت" كي اقترب من معاني الوجود وما ألذها من معاني تروي القلب المشتاق فيتحد العقل والقلب والجسد ليكون فلسفة الجمال في لقاء الحب الخالص.

فمن نعم الله تعالى على الإنسان أن وهبه شعورا فياضا، ورهافة حس تنزع به نحو الجمال والسعي إليه، فأصبح الجمال من مكونات حياته، حتى أصبح الجمال علما وفنا وصناعة، ودخل في الإبداع الأدبي بكل أجناسه وارتبط بجميع أنواع الفنون، وصار اللمسة الإنسانية الراقية في كل مرافق الحياة.

حققت اراء "كانت" الجمالية انجازا مهما في مجال النقد الفلسفي من خلال مجموع الظواهر المعرفية التي كشف عنها في آلية التعامل مع موضوعة الجمال وازاحة الجميل من منطقة العلاقة الصميمية بالقيم الموضوعية وجعله نشاطا حسيا عقليا لاعلاقة له بالحقائق المطلقة ، فالحقيقة نسبية بحد ذاتها، والاحساس بالجمال نسبي ايضا لتباينه من فرد لآخر أو من جماعة أو جنس لآخر، وعلى مستوى الفرد الواحد ايضا.

فبعد ان كان الجمال ملحقا بمحمولات الحق وضرورات التطابق مع مظاهره المعرفية أو اليقينة، حظي الجمال بأستقلالية نسبية ترحله من منطقة الغرضية والنفعية المادية، إلى منطقة اللذة الخالصة والمتعة الجمالية.

من هذا المنفذ المهم ولج "ايمانويل كانت" إلى صلب المشكلة الجمالية. إذا رأى ان كلا المذهبين: التجريبي والعقلي قد قدما تفسيرا منقوصا ومن جانب واحد لبناء المعرفة الانسانية ومضمونها . ليفتح ابوابا جديدة في الحكم الجمالي المستند إلى حقيقة راسخة مفادها: ان للانسان غاية بذاته، وان الذات لا تنظر للاشياء على اساس معياري، انما تقديي، وبهذا قلب اليات اشتغال علم الجمال ليصبح تأمل الذات للموضوع ليس اكثر من تقديرات تخضع لعملية الذوق لما جعله يمضي قدما في وضع اسس منطقية لعملية التذوق هذه، التي تستبعد من ادائياتها القيم النظرية والعملية أي المعرفية والاخلاقية وفق الفهم الكلاسيكي لتأخذ مديات اكثر رحابة بتفعيل ملكات الذات الكامنة والمغيبة خلف استار العقل .

اذ يعتبر "امانؤيل كانت"  أهم من تحدث عن الجمال فقد أسس لعلم الجمال من خلال كتابه الشهير (نقد ملكة الحكم) الذي صدر عام1790 فأثار مسألة الحكم الجمالي وعلاقة الشكل بالمضمون في الأثر الفني ثم مسألة علاقة الفن بالطبيعة وعلاقة الجميل بالجليل .

ويحدد كانت الجمال بأنه وسيلة الاتفاق بين العقل والحس، كأنما العقل يجد في الجميل ضالته المنشودة دون أن تكون فيه صورة لماهية الجمال، والجميل كونه محسوسا يمثل للعقل صورة اكتمال . فهو لا يخضع لقاعدة وليس له وجود بالفعل.

نلاحظ هنا أن الحكم على الشيء الجميل فيه شمول ينطبق على الجميع، بحيث يتمتع بحرية الغاية النفعية أو العملية، وهذه الحرية قاعدة مسبقة يقاس عليها الجمال وهو التقارب أو الاتفاق بين ما يتخيل وما يرى، فالتوافق بين ما تخيله العقل من جمال، وبين ما شوهد أو سمع بحاستي السمع والبصر، ينتج عنه الإحساس بقيمة الجمال .

كما يفرق كنت بين الجمال والجلال قائلا: "أن الجمال الطبيعي يحمل غائيته في صورته مما يجعل الموضوع متلائما مع ملكة الحكم عندنا وهكذا يتحول إلى موضوع رضا . أما الجليل فيبدو فيما يخص صورته بأنه ينافي الغاية بالنسبة إلى أحكامنا ويكون غير ملائم، بمعنى أن الصورة الغائية الموجودة في الجمال الطبيعي تجعله واضحا لمخيلتنا لذلك فالحكم الجميل يكون متطابقا مع ما تمدنا به المخيلة من تصور" . ومن هنا فإننا نخطئ، لو أننا حاولنا أن نفهم الجمال من خلال إطاراتنا الذهنية العادية . فحكم الجمال ينبغي أن يكون شيئا عاما وصادقا بالضرورة ، فإن الأساس الخاص به لابد أن يكون متطابقا لدى جميع البشر، لكنه أشار أيضا إلى أن المعرفة هي فقط القابلة للتوصيل، ومن ثم فإن الشيء الوحيد أو الجانب الوحيد في الخبرة الذي يمكن أن نفترض أنه مشترك أو عام بين جميع البشر هو الشكل وليس الإحساسات بالادراكات العقلية. وقد اعتبر بعض الباحثين هذه الفكرة المبدا الأول للمذهب الشكلي المعاصر في الفكر النقدي الجمالي المعاصر. بالإضافة إلى ذلك، يفهم كانت الجميل على أنه رمز للخير، كما أنه تصور النشاط الجمالي باعتباره نوعا من اللعب الحر للخيال. ولكي نميز الشيء هل هو جميل أو غير جميل فإننا لا نعيد تمثل الشيء إلى الذهن من اجل المعرفة، بل إلى مخيلة الذات ومدى شعورها باللذة أو الألم . فضلا عن ذلك، فإن فلسفة "كانت" انتهت إلى أن الجميل الخالص، هو خير خالص، وهذا ليس ببعيد عن طروحات الروائي الروسي (تولستوي)، باقتران مفهوم الجميل بمفهوم الخير.

ولهذا كان الجميل في رأي كانت هو فن العبقرية، والتي هي موهبة طبيعية فطرية خاصة، خاصة انه يرى إن الجمال الطبيعي شيء جميل، في حين أن الجمال الفني تصوير جميل لشيء ما. من جانب اخر هنالك وجهة نظر ترفض هذه المواقف ، وتؤكد على أن الجمال لايمكن أن يوجد الا بالاعتماد على الشخص المفكر والطبيعة الحيوية ، وان هذا الجمال الخارجي لا وجود له الا فينا . اذا الجمال لايرجع الى الاشياء بل الى الطريقة التي تتصور بها الاشياء والوقائع والالوان ، اذا هي ليست قبيحة وليست جميلة بل هي والصفات الخارجية نحن الذين نضفي عليها مثال ذلك فكرة غروب الشمس ـ عند الريفي تشير في فكرة العشاء وعند عالم الطبيعة فكرة التحليل الطيفي وهما ليس لهما علاقة بالجمال ، اذا غروب الشمس يكون جميلا او قبيحا لمن نظر اليه بعين فنان متأمل عاشق .هذه هي نظرة الجمال الموضعي . يرى " كانت " أن جمال الشيء لا علاقة له بطبيعة الشيء وانما هو نتيجة اللعب الحر للخيال والفهم يحدث لدى المشاهد وهو امام الشيء.

 

ا. م. د. سامي محمود ابراهيم

قسم الفلسفة / كلية الاداب/ جامعة الموصل/ العراق