محمود محمد عليما زلت أؤمن بل ربما أكثر من أي وقت مضي بأن رجل العلم لا يدرس الطبيعة لفائدتها فقط ، بل يدرسها لأنها تمده بمتعه، وهذه المتعة منبعها أن الطبيعة جميلة، فإن لم تكن كذلك فإنها لا تستحق أن تعرف وأن يعاش فيها. وبالطبع لو أن الفيزيائيين أخذوا في اعتبارهم جمال النظريات أو الأفكار سيكون من السهولة جعل الكيفية الجمالية مرشداً فعالاً لصياغة نظريات رياضية صحيحة للطبيعة.

بيد أن الجمال في تصور الكثير من العلماء والمفكرين لم يكن مرشدا للصياغات النظرية العلمية ؛ فقد شهد النصف الأول من القرن العشرين بعض الدعوات التي تنكر البعد الجمالي للنظريات العلمية، وأن المعيار الجمالي في الحكم علي النظريات هو معيار غير عقلاني، فنجد مثلا " هيلج كراج ":" يقول إن مبدأ الجمال الرياضي شأنه شأن المبادئ الجمالية يمثل إشكالية.المشكلة الأساسية هي أن الجمال هو موضوع جوهري ومن ثم لا يمكن أن يمثل أداة معرفة علي نحو عام بحيث يرشد أو يقيم العلم. إنه كما يقال علي الأقل من الصعب تبرير الحكم الجمالي بواسطة الأحكام العقلية، وعلي أية فإننا نري بألا نهرب للنتيجة القائلة بأن الحكم الجمالي في العلم يكون متأصلا في عوامل ذاتية واجتماعية.

إن معني المعايير الجمالية هو جزء من نظام اجتماعي أكتسبه العلماء، إلا أن العلماء مثل الجماعات العلمية يمكن أن تكون لديها أفكار مختلفة بشكل واسع لمعرفة الكيفية التي يتم بها الحكم علي القيمة الجمالية لنظرية معينة. ولا نتعجب بأن الفيزيائيين الذين بلغوا القمة في التخصص لم يتفقوا علي أن تلك النظريات قد تكون جميلة وقد تكون قبيحة.

ولم يكتف هؤلاء بذلك، بل وجدنا بعض الفلاسفة استنكر دور البعد الجمالي في العلم، حيث يعولون علي مبدأ أن الجمال يمثل شعور لدي الإنسان ولا يوجد في الشئ الذي نصفه، ففي فلسفة ديكارت واسبينوزا المتحدثتان بلسان فيزياء نيوتن، حيث يقول ديكارت " لا يدل الجميل ولا البهيج علي أكثر من موقفنا في الحكم علي الشئ المتكلم عنه "، ويقول اسبينوزا " الجمال ليس صفة للشئ الذي ندرسه وإنما هو الأثر الذي ينشأ في الإنسان الذي يدرس ذاك الشئ".

وهكذا أحدث هذان الفيلسوفان تيارا قويا تحول إلي ما يشبه العقيدة بالنسبة لكل الأجيال التالية بأن الجمال شعور لدي الإنسان، ولا يوجد في الشئ الذي نصفه، ثم جاء دارون فأكد هذا المعني في نظريته عن التطور فقال من الواضح أن الإحساس بالجمال يتوقف علي العقل بصرف النظر عن أي صفة حقيقية في الشئ محل الإعجاب. وصار فرويد علي نهجه معلنا اعتذاره عن اضطراره لحصر الجمال في دائرة الغريزة. فيقول " من دواعي الأسف أن التحليل النفسي ليس لديه ما يقوله عن الجمال، سوي أنه مستمد من مجال الشعور الجنسي وتترتب علي ذلك نتيجتان : الأولي أن الجمال يمثل متعة شخصية وليس موضوعا للمناقشة العلمية. والثانية : أن الجمال لا يمثل حقيقة واقعية ولا يربطه بالعلم شئ، فعالم الحشرات لا شأن له بجمال الفراشة والإنسان المتذوق لجمال الفراشة لا يهمه أن يعرف شيئا عن جهازها الهضمي.

ومن جهة أخري فقد قدمت الوضعية المنطقية في منتصف القرن العشرين أطروحة تبين أن العلماء يعملون بنجاح في النظرية العلمية بإدخال " سياقين ". الأول هو "سياق الكشف"، وفي هذا السياق ينشئ العلماء النظرية من خلال وسائل الحدوث والتخمينات. وتلك الأفعال قد لا تكون مرشدة من خلال وصايا المنطق والعقلانية، ولذلك لا يمكن تحليلها بدون إطار عقلاني : إذ لا يوجد هناك منطق للكشف العلمي ولكن توجد سيكولوجيا هذا الكشف.

وفيما بعد أدخل العلماء "سياق التبرير"، وفي هذا السياق يقوم العالم وغيره بوضع اختبارات للنظرية تبين أن حدوثها يتمثل في سياق الكشف. وهذا الاختبار يحدث في معيار منطقي – تجريبي يؤكد عقلانية تعاقب النظريات. والوضعيون المنطقيون قد اعترفوا بأن العوامل الجمالية يمكن أن تؤثر علي سلوك العلماء في سياق الكشف، حيث أنهم يعتقدون بأن العالم يمكن أن يستلهم صياغة الفرض من خلال استيعاب أي نوع. بيد أن الوضعيون المناطقة قد رفضوا الاقتراح القائل بأن العوامل الجمالية تلعب أي جزء في سياق التبرير، وذلك لأنهم أدركوا أنه من المفترض أنه لا توجد طريقة للمعيار الجمالي بحيث يكون بإمكانها استيعاب المعيار المنطقي والتجريبي.

وحول هذا الاتجاه نحو العوامل الجمالية في العلم قد عبر عنه " هيربرت فايجل قائلاً "... بضعة كلمات على بَعْض سوءِ الفهم الناجم عن القلقِ السائدِ من خلال التاريخ ولا سيما سيكولوجيا المعرفة العلمية . فمما هو جدير بالثناءِ (وإن كان من المحتمل أن يكون يوتوبي) أن ما يمكن أن يتم الوصول إليه وهو أن نقدم معا أقرب ثقافتين (أَو لتَجسير " الشقّ " في ثقافتِنا) والمفكرون تميل أكثر أذهانهم إلي التشديد علي معرفة كيف أن العلوم والفنون لها سمات مشتركة.

إنّ الجسورَ سالكة فقط فيما يتعلق بالسماتِ النفسيةِ للمعرفة العلمية، الإبداع بالتأكيد هناك ملامح جمالية في العلم لكن الشئ الأساسي في تقييمِ إ المعرفةِ العلميةِ هو القول (في أحسن الأحوال) بأنه ثانوي في تقييمِ أعمال الفن - والعكس بالعكس.

وهنا حاول الوضعيون المناطقة وضع معيار تجريبي للمفاضلة بين النظريات العلمية، وهذا المعيار قائم علي فكرة أن الهدف الاسمي للعلم، هو أنه تقديم وصف كامل وملائم للعالم. والنظريات تقترب من الوصول إلي درجة، هذه الدرجة تجعل النظرية تمتلك خاصية " الكفاية التجريبية".

والقضية هي أن النظرية لها كفاية تجريبية للوسائل الممكنة ذات درجة الأعلى، وهذا هو مطلبها وهو الصدق في كل الظواهر القابلة للملاحظة، بما فيها الظواهر المتضمنة في الماضي والظواهر التي من الصعب أن نصل إليها من جهة أخري.

القضية هي أن النظرية لها كفاية تجريبية للوسائل ذات الدرجة الأقل، وهذا هو مطلبها وهو الصدق في النسبة المعروفة للظواهر القابلة للملاحظة. وأصحاب الواقعية العلمية قد قالوا أن الهدف الأسمي للعلم هو أن تكون النسبة التي نصف بها العالم هي أن تكون صادقة، ومع هذا فإنه يمكن أن تقترب من هذا التحليل ، حيث يرون أن درجة الكفاية التجريبية للنظرية هي أن نتيجة وجودها متوقف علي أن تطابق الدرجة يكون من خلال الاقتراب من الصدق.

وبداية فإنه علي ما يبدو أن المعيار الوحيد لتقييم النظرية هو أن النموذج المنطقي – التجريبي يحتاج في أن يعول علي كفاية المعيار التجريبي ذاته: وأفضل النظرية التي لها درجة أعلي من الكفاية التجريبية عن النظرية التي لها درجة أقل من تلك الكفاية.

ومع ذلك فإن معني الكفاية التجريبية هو أنه من المستحيل استخدام هذا المعيار في الاختيارات التطبيقية بين النظريات. والطريقة الوحيدة التي يمكن أن نشيد بها النظرية، هي تلك النظرية التي لها كفاية تجريبية ذات درجة أعلي بحيث يمكن البرهنة عليها من خلال تطابقها مع كل المعطيات التجريبية التي يمكن أن تكون قد تجمعت من خلال كل المصادر في زمن غير محدد، وبالمثل فإنه يمكننا أن نقيم فقط نظرية لها درجة أقل من الكفاية التجريبية من خلال تطابقها مع النسبة المناظرة لتلك المعطيات.

وللحصول علي القراءة المباشرة لدرجة الكفاية التجريبية للنظرية، فإنه كثيراً ما يكون مفهوم العدد لديه القدرة علي أن يصف ويميز التنبؤات المؤيدة وغير المؤيدة للنظرية التي تم الوصول إليها بدقة، مثل المهمة التي لا يمكن أن تكتمل في وقت محدد عن طريق تعميمات المجال الأوسع من تحصيلات الحاصل والمتناقضات الأخري. ولذا فإن معيار الكفاية التجريبية ذاته لا يقدم أساس تجريبي للمفاضلة بين النظريات المتنافسة.

والعديد ممن تابعوا الاعتقاد بأن حيثية تقييم النظريات علي أساس أن المعيار التجريبي يتصل بالعلم ولا يظهر من خلال الاعتبارات الجمالية. وهذا الاعتقاد هو غالبا ما يعبر عنه في فكرة أن العلماء يلجأؤن إلي المعيار الجمالي علي أنه فقط معيار مدمر وعندما يفاضل العلم بين النظريات، فإن هذه المفاضلة لا تتم إلا من خلال قيمة وأهمية المعيار التجريبي.

وهذا المطلب هو ما تطلع إليه " فريتزر وهليتش" يوجد؛ الجمال الأعظم في النظرية الفيزيائية؛ حيث أن هذا الجمال قد يؤثر علي مصداقية نظريةِ واحدة على آخرِ في غيابِ المعاييرِ الأكثرِ صرامة. فمثلا نظرية النسبية العامة كانت جميلة جدا بحيث تم تفضيلها عن النظريات المنافسةِ طالما تلك النظرياتِ المنافسةِ لا تَستطيعُ وصف الوقائع التجريبية.

وهذه الرسالة تتضمن أن الاعتبارات الجمالية قد تتوقف عن حمل وزنا إذا ما اكتشفت أن نظرية النسبية تبرر وصف الوقائع التجريبية سواء كانت وقائع جيدة أو رديئة ممن تنافسها من النظريات الأخري. وهذه النظرة قد تصل إلي حد إنكار أهمية المعيار الجمالي : فهو يَسْمحُ لهم فقط في النظر في الحالات التي يثبت فيها العلماء المعيار التجريبي والتي سوف لا تكون له نتيجة.

إن النموذج المنطقي التجريبي لتقييم النظرية تكون مهمته هي وصف المبادئ العقلانية لما يقوم به العلماء للمفاضلة بين النظريات. وللانتهاء من هذه المهمة: إن الاختيارات العديدة جدا بين النظريات تتمثل في أن يقوم العلماء بما يمكن تفسيره من خلال افتراض أن النظريات تتمسك بهذا المعيار كما في القوائم الستة السابقة.

ولذلك، فإنه بالنسبة للوضعية المنطقية فإنه لا توجد مثل هذه الظاهرة التي تتعلق بتقييم العلماء لنظرياتهم تقييما جمالياً، وكذلك لا توجد مثل هذه الظاهرة لكونها تمثل مشكلة لفلاسفة العلم، من الممكن أن العلماء قد يتأثروا بالعوامل الجمالية في الكشف. لكن الرسم يمكن أن تصور أن تلك الظاهرة يجب أن تكون مهمة لكتاب السير وعلماء النفس أكثر من فلاسفة العلم.

إن الوضعية المنطقية عموما قد أعتبرت كل ذلك ملغي في داخل فلسفة العلم، ولكن لا تزال المناقشة تلقي بظلالها علي دور العوامل الجمالية في العلم. وتستمر وجهة النظر التي تعول علي أن العوامل الجمالية يمكن أن تكون مهمة في إبداع النظرية، وأن المعيار التجريبي فقط يمكن أن يلعب دور في قبوله، فمثلا " دين ك. سيمونتن كتب قائلاً : "لا يوجد عالم من العلماء بما فيهم ديراك تتوفر لدية الجرأة في أن يبرر النظرية علي أساس غير عقلاني اللهم إلا علم الجمال"... وللحديث يقية!!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل.

....................

المراجع

1- روبرت م. أغروس، جورج ن. ستانسيو : العلم في منظوره الجديدة، سلسلة عالم المعرفة، عدد 134- جمادي الآخرة 1409هـ - فبراير /شباط 1989م، ص 45.

2- بول ديفيز وجون جريبين : أسطورة المادة – صورة المادة في الفيزياء الحديثة، ترجمة علي يوسف علي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1996.

3- ادمون و. ستيورت : حياة الروح في ضوء العلم، ترجمة إسماعيل مظهر، مكتبة الأنجلو المصرية، 1960.

 

 

محمود محمد عليإن الإنسان بفطرته ميال نحو معرفة ما خلف الظواهر والأشياء، أي الأسباب التي تسببت في ظهور شئ ما، أو ظاهرة ما إذ " لما كان من طبيعة الإنسان منذ طفولته أن يسأل عن سبب لكل ما يراه، سبب وجوده، وسبب نشوء ما يحيط به من مظاهر الحياة، ويبحث عن علل لها تفسيرها، وتربط بعضها بالبعض الآخر، وتبين أحوالها، وفائدتها وتأثيرها، وجدناه يطبق ذلك على كل ما يراه ويمر به على مدى سني حياته، وتطور إدراكه وعلى اختلاف العلوم التي تعلمها، يعلل الظواهر الطبيعية في الأحياء والجوامد، يعلل الظواهر العقيدية وما يتبعها من أحكام ونتائج وعلل ما يبدو في اللغة التي يستعملها أداة في التفاهم محاولا أن يجد علة لكل صورة مميزة من صور التعبير .

ولقد نظر أرسطو إلي قانون العلية فعده من المقدمات الأولية التي لا يمكن القدح في بداهته". والعلة ركن أساسي في القياس الأرسطي بحيث لا يتم البرهان إلا بظهور العلة. وفي هذا الصدد يقول أرسطو: "وذلك أنه إن كان الذي ليس عنده القول على (لِمَ الشئ) – والبرهان موجود – ليس هو عالماً" . ولقد فضل أرسطو الشكل الأول من أشكال القياس على أساس وضوح مبدأ العلة في هذا الشكل: "وذلك أن القياس على (لم الشيء) إنما يكون بهذا الشكل.. والعلم بـ (لم الشئ) هو أكثر تحقيقاً" . ويقسم أرسطو العلة إلى أربعة أنواع فيقول "كانت العلل أربعاً: إحداها: ما معنى الوجود للشيء في نفسه؟ والأخرى عندما يكون، أيُّ الأشياء يلزم أن يكون هذا الشيء؟ والثالثة: العلة التي يقال فيها: ما الأول الذي حرَّك؟ والرابعة: هي التي يقال فيها: نحو ماذا؟ " . ولقد اصطلح العلماء على تسمية هذه العلل الأربع على النحو التالي: العلة المادية، والعلة الصورية، والعلة الفاعلة، والعلة الغائية: "فالعلة المادية هي التي يجاب بها عن: ما الشيء؟، والصورية عن: كيف؟ والفاعلة عن: من فعل الشيء؟ والغائية عن: لِمَ؟" .

ويمكن توضيح ذلك فنقول: أما العلة المادية فهي ما لا يجب بها وجود الشيء بالفعل بل بالقوة، كالخشب والحديد بالنسبة للسرير . أو بتعبير أخر ما لا بد من وجوده أو جود الشيء . وأما العلة الصورية فهي ما يجب بها وجود الشيء بالفعل، كالهيئة التي يتم عليها شكل السرير . أما العلة الفاعلية فهي ما تكون مؤثرة في المعلول موجدة له، كالنجار الذي يصنع السرير . وعرفها "أبو يعقوب الكندي" (ت:252هـ) بأنها (مبتدأ حركة الشيء التي هي علته). وعرفها الإمام الغزالي بأنها (ما منه بذاته الحركة، وهو السبب في وجود الشيء). وأما العلة الغائية فهي ما لأجلها وجود الشيء، كالجلوس على السرير؛ إذ أنه الغاية أو الغرض الذي لأجله وجد السرير . وهي الباعثة على إيجاد الشيء، فتفيد إذن فاعلية الفاعل. والعلة الغائية متأخرة عن المعلول في الوجود في الخارج، فالجلوس على السرير يكون بعد وجود السرير في الخارج إلا أنه يتقدم عليه في العقل (التصور) إذ كان باعثاً للفاعل على صنعه . ولذلك عرفها الإمام الغزالي بأنها (الغاية الباعثة أولا، المطلوب وجودها أخرا) . وهي بتأخرها عن المعلول في الوجود بالعكس من حال العلة الفاعلية من معلولها ؛ إذ أن الأخيرة تتقدم المعلول في الوجود بالزمان.

والعلة بذكرها المطلق يراد بها العلة الفاعلية لا غيرها، وتسمى (سبباً) عند المحدثين، وهو ما يترتب عليه مسبب عقلا أو واقعا وقد تسمى بالمحرك أو الفاعل ويقال للعلة الغائية غاية وغرض أو العلة التمامية . ومن خاصيتها (إن سائر العلل بها تصير علة، فانه ما لم تتمثل صورة الكرسي المستعد للجلوس، والحاجة للجلوس في نفس النجار، ولا يصير هو فاعلا، ولا يصير الخشب عنصر الكرسي، ولا تحمل فيه الصورة ؛ فالغائية حيث وجدت في جملة العلل هي علة العلل) . وهي تقع جوابا للسؤال بـ (لماذا؟) أو (لم؟) أكثر من وقوع العلة الفاعلية، ويكون الجواب بها مناسبا حين يتعلق الأمر بالإرادة الإنسانية فحسب .

وسنرى خلال هذا الفصل أن التعليل الذي نحن بصدد بحثه لا يشتمل إلا على العلتين الأخيرتين : الفاعلية (السبب عند المحدثين) والغائية (الغرض).

ومن الجدير بالذكر ان من النحاة من استعمل تسمية الفلاسفة للعلل وأشار إلى تقسيماتهم على وفق ماتطلبه بحثه، فالرضي الاسترابادي مثلاً في حديثه عن المفعول له قال : " فالمفعول له قال : " فالمفعول له هو الحامل على الفعل سواء تقدم وجوده على وجود الفعل كما في قعدت جبنا أو تأخر عنه كما في جئتك إصلاحا لحالك، وذلك لان الغرض المتأخر وجوده يكون علة غائية حاملة على الفعل وهي إحدى العلل الأربع كما هو مذكور في مظانه، فهي متقدمة من حيث التصور وان كانت متأخرة من حيث الوجود "(67)، وجاء في حاشية عليه: " المفعول له سبب حامل للفاعل على الفعل وينقسم إلى قسمين : احدهما : علة غائية للفعل كالتأديب للضرب والثاني ما ليس كذلك كالجبن للقعود " .

ومن العناصر الأساسية في نظرية العلة الأرسطية ما يعرف بشرط "الدوران في العلة"؛ ومؤداه أن هناك ارتباطاً تلازمياً بين العلة والمعلول؛ أي أنه متى وجدت العلة وجد المعلول والعكس صحيح: يقول أرسطو "فالعلة ... والشيء الذي العلة عليه يتكون عندما يتكون معاً، وموجود متى كانت موجودة" .

وحين النظر في التراث اللغوي النحوي العربي لا نكاد نجد ظاهرة نحوية واحدة، أو لغوية لم يلتمس لها النحاة علة، أو سبباً، ولعلهم احتاجوا إلى ذلك حينما تحولت اللغة من منظومة الفطرة (السليقة) إلى منظومة (التعلم)، لأن ذلك استوجب أن يبسط النحوي قاعدته مردفاً إياها بالعلة التي اقتضت الحكم حتى يتمكن من إيصالها إلى ذهن المتعلم، غير أن بعض المتعلِمين بل (المعلِمين) النحاة كانوا من الأعاجم الذين جبلت ألسنتهم على غير العربية، فلما صارت العربية لغة الدين والدولة ألتمسها أؤلئك بشغف ونهم، ولما كانت أذهانهم لا تستجيب دون إظهار علل الأمور وأسباب الظواهر والوقوف على حقيقة الأحكام النحوية التي لم يعد الحصر مجديا في تقصيها، لذلك عمد النحاة إلى استنباطها، وتقعيدها، وإلحاق عللها بها .

وبعد حدوث التأثر بعلوم الفلسفة والمنطق  صار النحوي أبرع من الفيلسوف في إظهار الأحكام والتماس عللها، ولعل التعريج على مراحل تطور العلة منذ نشوئها حتى القرن الثامن الهجري ذو فائدة في معرفة أهمية العلة ونضج الفكر النحوي عند نحاة المدة ميدان البحث، وكذلك الكشف عن بنية التعليل وأسلوب النحاة فيه، وبيان ما بناه النحاة من فكر لغوي أغناه التعليل في كثير من جوانبه لكنه ـ أي : التعليل ـ في جوانب أخرى ساقه إلى التعقيد والغموض والإسفاف، مما دعا كثيرا من النحاة إلى الدعوة إلى إلغاء الكثير من مكونات النظام التعليلي على نحو ما دعا إليه ابن مضاء القرطبي وسواه من النحاة والدارسين.

وقد قسم الدارسون مراحل تطور العلة النحوية على ثلاث مراحل نجد من المهم تقصيها وتتبعها لمعرفة دور التعليل النحوي في البحث النحوي ومدى نضجه .

1- المرحلة الأولى

وهي مرحلة نشوء التعليل النحوي التي يعد أباها الشرعي عبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي  وهي تنتهي بالخليل بن أحمد الفراهيدي إذ هو قمتها ونهايتها، وفي هذه المرحلة يمكن وصف التعليل النحوي بالبساطة إذ لم يكن تجاوز حدود معناه اللغوي، وقد كان شيئاً طبيعياً بعد أن رأى علماء المسلمين حث القرآن على معرفة أسباب الظواهر، واللغة هي أحدى تلك الظواهر الموجودة في الكون.

وقد وسم البعض التعليل النحوي في هذه المرحلة بأنه ليس إلا طرائق تمد النحاة بشيء من المتعة النفسية والذهنية معاً، وللباحث وقفة عند هذا الرأي الذي وسم التعليل بأنه فقط لإثارة المتعة النفسية والذهنية لأنه كان إجراءً عملياً لوضع معايير التقعيد وبيانها وعدم تركها مبهمة أمام متلقي العربية الذين كان جلهم من الأعاجم إذ لابد من إظهار العلة التي قام عليها حكم لغوي ما لان ملكة اللغة عندهم مغايرة، فأي اختراق، أو تحول عن ملكتهم اللغوية الأصلية بحاجة إلى صدمة ( علة ) لإحداث فجوة في وعيهم لإدخال ملكة اللغة الجديدة التي يرومون تعلمها، وقد اتسم التعليل في هذه المرحلة بما يأتي:

أ- جزئية الموضوع والنظرة

إذ لم يتناول التعليل في هذه المرحلة إلا قضايا جزئية، ومسائل فرعية  "والنحاة في تعليلاتهم لا يرتبطون بغير القضية التي يعللونها، ولا ينظرون إلـى غير الجزئية التي يسوغونها "، وللبحث وقفة عند هذه السمة التي امتاز بها التعليل النحوي في بواكيره، إذ إن الجزئية كانت استجابة لمعان لغوية لم تصل بعد إلى مفهوم الدرس النحوي وهي مرحلة أولى في تطور الصناعة النحوية ، فلذلك ذهب إلى هذه السمة، وإقرارها.

ب- التوافق مع القواعد

مما يؤشر على التعليل النحوي من سمات هو " الاتساق بين التعليل والقواعد النحوية التي توصل إليها نحاة هذه المرحلة، فليس ثمة تناقض بين التعليل وبين ما توصلوا إليه من قواعد، بل أكثر من ذلك فإن التعليل ليس إلا تبرير القواعد واساغتها، ثم شرحا لبواعثها من ناحية، ولأهدافها من ناحية أخرى ".

ت- الوقوف عند النصوص اللغوية

وتعني هذه السمة أن النحاة حينما كانوا يعللون لا يتقاطعون مع النصوص اللغوية أيا كان مصدرها، بل كانوا يجعلون التعليل في خدمتها .

ومن نافلة القول إن البحث يرى أن الوقوف عند تلك النصوص له ما يسوغه إذ إن النصوص الموقوف عندها كانت نصوصا تمثل الأنموذج الكلامي الذي لا يعتريه الضعف، أو يعتوره التناقض هذا من حيث النص القرآني الذي هو المصدر الأول، أما المدونة الشعرية العربية فقد جهد العلماء من التثبت من صحتها، وكذلك النص الحديثي الذي أحيط بكثير من التحوطات، والاحترازات لأجل التثبت من كل جزيئة من جزيئاته .

2- المرحلة الثانية

تبدأ هذه المرحلة بتشكل ملامحها بتلاميذ الخليل (175 هـ)  وتنتهي بابن السراج ، وهي من حيث الامتداد الزمني تشكل مدة قرن ونصف، وقد ذهب الأستاذ علي أبو المكارم إلى أن هذه المدة لم تشهد تعصباً ضد العربية ، غير أن هذا الرأي لا يتصف بالدقة لكثرة ما ظهر في هذه الحقبة من تيارات معادية ومضادة للعرب والعربية .

ويمكن القول : إن الدراسات اللغوية بعامة، والنحوية بخاصة جاءت ردا على تلك التيارات المضادة يتمثل بالحفاظ على سلامة اللغة العربية، إذ كانت بدايتها في واقع الأمر بدافع إقبال الأقوام الأعجمية الداخلة في دين الله أفواجا علي تعلم العربية وقراءة القرآن الكريم ، فمن الضرورة أن يفهم هذا العدد الغفير من الداخلين في الإسلام والناشئين في بيئات لا تتكلم العربية كلام الله فهما كاملا .

ومن نافلة القول أن نشير هنا إلى أن هذه المرحلة قد اتسمت بميزتين أساسيتين هما:

1- الجمع بين الجزئيات المتفرقة .

2-  ضم الجزئيات المتفرقة في إطار كلي يشملها .

فمن حيث يعلل النحوي قضية جزئية فإنه يحاول الوصول من خلال ذلك إلى قضية كلية من خلال الربط بين القضيتين ،ويمكن الإشارة إلى عاملي التأثير في مجرى الفكر التعليلي في هذه المرحلة وهما : مبدأ الخفة، أو ما سماه النحاة بـ( التخفيف )، وقد استندوا في ذلك على قاعدة تقول : (( إن المراد من اللفظ الدلالة على المعنى فإذا ظهر المعنى بقرينة حال، او غيرها لم يحتج إلى اللفظ المطابق ))  . مبدأ الفرق، ويراد به أن اللغة لحكمتها أرادت أن تفرق بين الظواهر المتفرقة فاصطنعت لذلك أساليب متعددة .

3- المرحلة الثالثة

وهي المرحلة الأكثر نضجا وتقدما في تاريخ التعليل النحوي إذ صار علما له معاييره، ومصطلحاته، وأصوله، وتبدأ هذه المرحلة بالزجاجي (311 هـ) صاحب كتاب (الجمل) الذي عد في تاريخ العربية فتحاً كبيراً، فضلاً عن أن الدرس النحوي شهد تطورا واضحا بعد أن توطدت أركانه وتفرعت وتعددت مدارسه، ومن الناحية المنهجية نجد أن التأليف في التعليل النحوي صار مستقلا، وأفردت له عنوانات خاصة، وكذلك مصنفات مستقلة، وهذا يفضي إلى الاستنتاج بأن التعليل النحوي بدءا كان ممتزجا بالنحو حتى هذه المرحلة التي استقل فيها عنه منهجا وتأليفا .

كذلك من الطبيعي جدا أن نلفي ظلال المنطق الارسطي الذي اثر في مجمل الفكر العربي الإسلامي حاضرة في التعليل النحوي الذي تأثر بذلك المنطق بشكل مباشر، أو غير مباشر على مستوى التنظير والتطبيق.

وفي هذه المرحلة انصب اهتمام النحاة في تعليلاتهم على أمرين هما :

1- الربط بين الأحكام والعلل .

2- التنسيق بين العلل النحوية .

وفي هذه المرحلة المتقدمة من تاريخ التعليل النحوي نشأت أنواع من العلل هي (العلل القياسية، والعلل الجدلية، والعلل التعليمية) وقد أحصيت الأخيرة حتى بلغت نحو (أربع وعشرين) علة .

3- المرحلة الرابعة

إن سيادة مبدأ التعليل في البحوث التي تناولتها الدراسات اللغوية والنحوية عند متأخري النحاة  يعد وجهاً بارزاً لتأثير الفلسفة والمنطق في تلك الدراسات، إذ كان لابد للظاهرة اللغوية او النحوية من علة يعتل بها .ولعل من وجوه تأثر العلة النحوية بالعلة الفلسفيـة اشتراط النحاة فيها ان تكون موجبة للحكم في المقيس عليه . وهذا هو الشرط الوحيد الذي اتفق العلماء على ضرورة اتصاف العلة به، وعليه فان للعلة في تصور النحاة تأثيرا ؛ اذ تكون سابقة للقواعد ومؤثرة فيها معاً ، وهذا إنما يذكر بعلة الفلاسفة التي هي المؤثر في غيره .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

ميثم الجنابيفلسفة الرجوع إلى التاريخ الإنساني

إن الأفكار الكبرى كالولادة تبدأ بصرخة عادة ما يجري تصويرها على أنها بداية الحياة وصيرورة الفرد الجديدة. وهي فكرة سليمة في ميدان الحياة العادية بسبب استجابتها المباشرة لبساطة الرؤية الفاقدة لمعنى الكلّ وترابطه الجوهري. لكنها تحتوي على القدر الضروري من أثر المنطق أيضا بوصفه توليفا يسعى لتأسيس وحدة الأسباب ويعاني منها أيضا بسبب ما فيها من إمكانية لرمي المنطق في سلسلة اللانهاية. ومن ثم إغراء "العقل" بالوقوف أمامها، مع ما فيه من احتمال الاعتراف ببداية لا معنى لها، أو نفيها بيقين لا يقل إشكالية عن الأولى، أو الوقوف بينهما بهيئة حيرة أبدية تجعل من مبدأ "العجز عن الإدراك إدراك" مرجعية مقبولة. وهي الحالة التي يواجهها المنطق على خلاف التاريخ الواقعي الذي يبدأ بيوم وينتهي بيوم، لأنها الدورة التي تصنع المنطق وتضعه بالقدر نفسه على محك خشن. من هنا شدة الاختلاف الظاهري في الموقف من التاريخ وإشكالاته بين ماركس وهيغل، رغم رجوعهما إلى أصول وجذور واحدة. وفيما لو وضعنا هذه الإشكالية على محك التاريخ الشخصي للأفكار فإن تبلور فكرة ماركس عن التاريخ كانت تحتوي على تمثيل نموذجي لفكرة النفي الهيغلي بما في ذلك في اشد أشكالها شكلانية. فقد أصبح ماركس هيغلا جديدا بعد مروره بفيورباخ، أي الصيغة الفردية والفكرية أيضا لثلاثية النفي الهيغلي!

فالصيرورة التلقائية لمفاهيم ومقولات ماركس عن التاريخ، بما في ذلك من حيث تراكمها المنهجي في منظومة فلسفية مستقلة، لم تكن في الواقع سوى التحوير والنقد الأولي للنزعة الانتروبولوجية لفيورباخ. بمعنى ظهور إشكالية الإنسان المجرد بوصفها إشكالية التاريخ الفعلي والتصورات والعقائد، أي كل ما كان يشكل موضوع اهتمام الفكر والتفكر الفلسفي الألماني آنذاك. من هنا أولوية وجوهرية الإنسان المجرد عند "ماركس الشاب". وهذا بدوره ليس إلا الاستمرار غير المباشر لكانط وهيغل بشكل عام وفيورباخ بشكل خاص.

فقد كانت الرؤية الأولية التاريخية الفلسفية لماركس انتروبولوجية (أي فيورباخية). بمعنى أنها تأثرت واستأثرت، على الأقل في مزاجها النقدي والتأملي، حصيلة الفلسفة الفيورباخية. ومن الممكن رؤية هذه الظاهرة بما في ذلك في ميدان اللغة والتعبير عنها حتى مراحل متقدمة في كتابات ماركس، أو على الأقل أنها جلية في عباراته حتى كتاب (الأيديولوجية الألمانية). بينما اضمحلت وتلاشت اللغة الهيغيلية التي يمكن أن نعثر على صداها الباهت في المخطوطات الفلسفية لعام 1944.

فقد كانت الفيورباخية بهذا الصدد فلسفة شاملة. وذلك لأنها استطاعت أن تستعيد وتوسع تقاليد النزعة الإنسانية والتنوير الفرنسي ولكن ضمن تقاليد الفلسفة "الكلاسيكية" الألمانية. لكنها وضعت الإنسان في جوهر وصلب تفسيرها للظواهر بشكل عام والدين بشكل خاص. بحيث يمكننا القول، بأن الفيورباخية هي الصيغة الألمانية المكثفة والجديدة لإعادة النظر المنظومية بالانقلاب التاريخي الهائل الذي لازم الثقافة الأوربية منذ عصر النهضة، وبالأخص إحلال المركزية الإنسانية عوضا عن المركزية الإلهية، أي استبدال التأملات الميتافيزيقية اللاهوتية بتأملات ومقارنات العقل النقدي الانتروبولوجي. وليس مصادفة أن يقسّم فيورباخ نفسه أعماله الفلسفية إلى ما هو فلسفي خاص (أدرج ضمنها كتابه عن سبينوزا) وما هو متعلق بفلسفة الدين مثل (جوهر النصرانية) و(محاضرات عن جوهر الدين). وسبب ذلك يقوم في إدراكه لطبيعة الدور الهائل لسبينوزا في ميدان الرؤية الأخلاقية النقدية تجاه الدين وقيمة فلسفته بالنسبة لتأسيس فكرة الحرية، التي ستبقى ملازمة لفيورباخ وماركس حتى النهاية، بوصفها إدراكا للضرورة. غير أنها ستتخذ في الرؤية الماركسية بعدا اجتماعيا طبقيا تاريخيا، جرى تأسيسه من خلال الرجوع إلى هيغل.

فالاهتمام المفرط بقضية الحرية وإشكالاتها هي الصيغة الفلسفية لإشكالية الوجود الإنساني. فقد شكلت قضية الحرية جوهر التفكير الهيغلي وغاية منطقه الذاتي، أي رؤية مقدمات وقانون تطور وانكشاف وتفتح وتوسع وتحقق الروح العندي والذاتي والمطلق، أو الفردي والاجتماعي والمطلق، والجزئي والكلي والمطلق في مختلف الميادين والمستويات.

إن حقيقة الحرية التي أرادها هيغل أو بحث عنها بوصفها عملية منطقية وطبيعية تاريخية هي الكمال. وسوف يتلقف فيورباخ هذه الفكرة ويعيد توظيفها عبر محاولاته إرجاعها إلى الإنسان وليس إلى الفكرة كما هي. وبالتالي لم تعن الحرية بالنسبة له سوى تكامل الإنسان بمعاييره الذاتية المتجردة عن أوهام الأديان أيا كان شكلها ومضمونها. وقد كانت تلك بالنسبة لماركس المفتاح السحري القائم وراء تحرره الفردي وصيرورة فردانيته الجديدة بوصفها تأسيسا جديدا للحرية ولكن بمعايير التاريخ الواقعي والفعل الاجتماعي المحكوم بمشروع المستقبل، أي مشروع صنع "التاريخ الحقيقي".

لم يكن هذا المشروع معزولا عن إشكاليات التاريخ الألماني من حيث مقدماته الفكرية وإشكالاته الكبرى، وبالأخص قضية الحرية بوصفها ميدان ومحك وممر حل القضايا الكبرى بما في ذلك قضايا المعرفة والمنطق. فقد تحولت الحرية إلى محك الرؤية المنهجية وأسلوب تأسيسها. الأمر الذي جعل منها القضية المعذبة للفكر الألماني كله آنذاك. من هنا البحث الدائم والمتعمق عن ملكوتها. فقد بحث عنها هيغل في مسار الروح المطلق، والبقية الباقية من فلاسفة ألمانيا في الروح القومي، بينما بحث عنها ماركس في مسار التاريخ الواقعي وصراع الطبقات الاجتماعية. وليس مصادفة أن يلتقي هيغل وماركس في دغدغة الرؤية الأيديولوجية لمنطق البحث حتى في اشد مظاهره تجردا، من خلال الوقوع في إغواء الإرادة الحرة لقفل ما كانت تسعى لفتحه، أي كل ما نعثر عليه في تناقض حدود المنظومة وطاقة المنهج، كما هو الحال عند هيغل في هدوء جيشان العقل المطلق في الدولة الألمانية وفلسفته، واستقرار الصراع التاريخي العنيف للطبقات عند ماركس في شيوعية الدولة، أو اللادولة، ورجوع الإنسان إلى ذاته. وهي فكرة الحرية لا غير. كما أنها النغمة القائمة في كل هباء الحيرة التي يثيرها سديم المطلق حالما يقف المرء أمام تأمل تناقضاته المغرية. وليس مصادفة أن يصل التصوف بمختلف مدارسه الثقافية المتنوعة الكبرى أمام مهمة الارتماء في هدوء الحرية المغري. وليس في ذلك أثرا لإرهاق الجسد، بقدر ما في ذلك تنشيطا من نوع آخر لإدراك العجز بوصفه حرية، أي إرجاع الإنسان إلى حقيقته. من هنا جوهرية الفناء في الحق وما شابه ذلك.

غير أن هذه "النهاية" الإشكالية بالنسبة للعقل البارد والمنطق المجرد والذهنية المتفحصة (وكذلك للتجربة التاريخية الحية)، كانت بالنسبة لماركس جزء من مسار المنظومة الفلسفية الآخذة في التراكم، والمحكومة بمنطقها الذاتي. من هنا حبكتها المغرية للعقل والضمير، وبالأخص حالما أصبحت أسلوبا لتأسيس وحدتهما بمعايير العقل النظري الحر والعقل العملي السياسي الاجتماعي وليس الأخلاقي. فعندما يعمل ماركس في أول الأمر على تأسيس مواقفه الأولية من إشكالية الحرية والضرورة، فإننا نراه ينقلها من ميدان الفكرة الأخلاقية المجردة (العقلية والعقلانية) إلى ميدان النشاط الإنساني، أي إلى ميدان التاريخ بوصفه المقدمة الضرورية لبلوغ الحرية وصنع "التاريخ الحقيقي". وبالتالي فإن المهمة لا تقوم في فهم طبيعة الاغتراب (بالطريقة الهيغيلية) بل عبر توليفها بالنزعة الانتروبولوجية لفيورباخ. ومن هاتين الفكرتين والمنهجين جرى توليف الرؤية الجديدة في الموقف من الإنسان والتاريخ. بمعنى النظر إلى إشكالية الاغتراب بوصفه نتاجا تاريخيا، كما أن التاريخ يحتوي في أعماقه على إمكانية تذليل هذه الظاهرة الملازمة لجسد الإنسان عبر ارتقاءه إلى مصاف العقل، ولكن ليس عبر عملية النفي المجردة (والتاريخية) التي أسس لها هيغل، بل عبر النشاط الإنساني. بمعنى تنشيط مكونات العقل المطلق الهيغلي ولكن من خلال البحث عن أدوات تناسبه في النشاط الإنساني نفسه. فالنشاط الإنساني يصنع الاغتراب ويقضي عليه. وهي عملية كانت تحتوي بنظر ماركس منذ البدء على أبعاد تاريخية، بمعنى أنها كانت تستند إلى رؤية وقراءة تاريخية جديدة وعميقة، كما نراها في الصيغة المجردة والشكلانية القائمة في نظرته إلى مراحل الاغتراب وتذليله.

فالاغتراب بالنسبة لماركس، على خلاف هيغل وليس بالضد منه، هو ظاهرة تاريخية اجتماعية. فالاغتراب الهيغلي قوة منطقية لم تع ذاتها بعد. أنها الصيغة الأكثر ديناميكية للمقولة الكانطية عن "الشيء بذاته". أما بالنسبة لماركس فإنها تأخذ منحى جديدا تماما يمكن رؤية ملامحها في التخطيط الشكلي الصارم، الذي ميّز مواقفه ككل حتى آخر أعماله النظرية الفلسفية، والمقصود بذلك مرور الاغتراب في مراحل ثلاث هي مراحل التاريخ العالمي، بوصفها الصيغة المنطقية والأكثر تجريدا للتاريخ ككل. أما فكرة التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية اللاحقة (الخمس) فهي مجرد تدقيق وتجسيد ملموس لثلاثية النفي الكبرى.

فالاغتراب هو الصفة الجوهرية الملازمة للخضوع الفردي (الشخصي) الثقيل والمرهق بفعل سيادة نمط معين من العلاقات. وهو اغتراب أو خضوع حياتي أو اجتماعي تاريخي، عادة ما يلازم المجتمعات التقليدية ما قبل الرأسمالية. وهي مرحلته الأولى. ثم تأتي مرحلة التبادل الاجتماعي العام (الشامل)، أي المرحلة الرأسمالية بكل ما فيها. ففي هذه المرحلة تبلغ حالة الاغتراب درجتها القصوى كما هو جلي في سيادة النقد (المال). إذ تتحول كل السلطة الاجتماعية إلى نموذج لهذا الاغتراب القائم في سيطرة وسطوة المال، بحيث يحمل الإنسان في جيبه كل علاقاته بالمجتمع. ويصبح المال الشيء أو الشكل المتشيئ للاغتراب الاجتماعي، مع ما يرافقه من أشكال متنوعة للصنمية. غير أن تراكم القوى الإنسانية يؤدي إلى المرحلة الثالثة والكبرى ألا وهي مرحلة أو حالة "التملك" بوصفها الدرجة العليا التي تجعل من الإنسان مالكا لنتاج عمله، بمعنى بلوغ حالة التحرر من اغتراب نتاج العمل عن منتجه.

إن هذه الصيغة الأولية التي بلورها ماركس لنفسه في مخطوطاته الفلسفية الاقتصادية لعام 1844 كانت تحتوي على تمثل نقدي جديد للثلاثية الهيغيلية عن الفكرة ونفي الفكرة وتوليفها. ولكن عبر نقلها من تاريخ الفكرة المجردة إلى تاريخ العلاقة الإنسانية (الاقتصادية والاجتماعية). ومن الممكن رؤية هذه الثلاثية في توازي واختلاف أشكالها ومستوياتها المعرفية والمنهجية والعملية عند هيغل وماركس.  فقد مرت فكرة الحرية، على سبيل المثال، عند هيغل في دهاليز التاريخ الواقعي بالشكل الذي جعله يدلل عليها بعبارة تقول، بأن الحر في المجتمع الشرقي واحد، وفي العالم اليوناني – الروماني اثنان، وفي العالم المعاصر الجميع. أما عند ماركس، فإن الحرية تبدأ بتاريخ شيوعي بدائي حر، يتبعه تاريخ الاستغلال الطبقي (تاريخ العبودية والاغتراب) ويختمه تاريخ الشيوعية العلمية بوصفه نفيا للاستغلال والاضطهاد ومختلف أشكال الاغتراب. وإذا كانت حلقات التاريخ الكبرى المجردة عند هيغل هي تلازم التاريخ العندي والتاريخ الذاتي والتاريخ المطلق، أو الجزئي والعام والمطلق، فإنها تتخذ عند ماركس حلقات ما قبل التاريخ، والتاريخ الحالي، وما بعد التاريخ أو التاريخ الحقيقي.

غير أن هذه الثلاثية تفترق بصورة راديكالية تجاه المستقبل بوصفه مشروعا عمليا. وذلك لأنها عند هيغل هي مسار الفكرة ومنها، أما عند ماركس فإن مسارها يبدأ وينتهي بالتاريخ الطبيعي. لكنها لم تكن حتى منتصف أربعينيات القرن التاسع عشر أكثر من احتمال منطقي كامن في الاجتهاد الفلسفي لماركس في موقفه من الإنسان والحرية والتاريخ. وذلك لأن اهتمامه الجوهري بقضايا "الاغتراب" و"التملك" المميزة للمخطوطات الفلسفية الاقتصادية لعام 1844 كان يتطابق مع اهتمامه بقضايا "جوهر الإنسان" و"جوهر التاريخ". ففي هذا العمل تظهر أولى المبادئ المنهجية في الرؤية التاريخية لماركس. إذ نراه يتكلم عن دور الممارسة والنشاط (الإنسان يبني ويهدم) ومن خلالهما يصنع التاريخ العالمي. كما أنها العملية التي تصنع بقدر واحد استقلال الإنسان واغتراب نتاج العمل أو النشاط الإنساني والتشيئ. وفي مجرى هذا السياق الجديد يأخذ ماركس بالابتعاد عن ثقل التقاليد الهيغيلية في الموقف من التاريخ، بحيث نراه يتوجه أكثر فأكثر صوب الأبعاد الإنسانية الحية فيه. وليس مصادفة أن يقول هنا بأن فكرة الروح العالمي الهيغيلية ليست أكثر من عبارة مأثورة.  وعوضا عنها أخذت تبرز بوضوح اكبر مفاهيم النشاط والعمل والتجوهر الإنساني وجوهر التاريخ والاغتراب والتموضع والتشيوء وغيرها من المفاهيم والمقولات التي ستشكل لاحقا أصالة الفلسفة الماركسية في موقفها من التاريخ. غير أن الفكرة الجوهرية الكبرى التي جرى تأسيسها الأولي هنا تقوم في إرجاع فكرة التاريخ إلى التاريخ الإنساني.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

ميثم الجنابيمن التاريخ المجرد الى التاريخ الواقعي

لقد سار ماركس من حيث الجوهر بخطى الذهنية الهيغيلية ومشروعها الكوني، ولكن من خلال نقلهما إلى ميدان التاريخ الواقعي. وسوف تحصل هذه المهمة على صيغتها الشهيرة في العبارة القائلة، بان ماركس "أوقف الديالكتيك الهيغلي على قدميه بعد أن كان يقف على رأسه". وقد كانت ملامحها الأولى تجري من خلال الرجوع إلى ما في هيغل من تلازم خاص بين المنهج والمنظومة. فقد كان هذا التلازم يحتوي على إغراء يؤسر العقل والوجدان. بل يصعب الفرار منه حالما يقف المرء ضمن دائرته الحية، تماما كما لا يمكن للمرء الإفلات من منطق ابن عربي حالما يدخل ضمن صيرورة رؤيته لإشكاليات الوجود والروح والمعرفة. والسبب يكمن في حبكة الرؤية وطابعها المنظومي الدقيق وتجانس مكوناتها القادرة على أن تجعل من اشد المساعي راديكالية جزء معقولا في منظومة العقل الكوني. 

فقد تأثر الجميع آنذاك بهيغل وتحول إلى مصدر الحركات الفلسفية المتنوعة والمختلفة والمتصارعة في تمثيلها وتمثلها للرؤية الهيغيلية. وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى ماركس بوصفه واحدا من أولئك الشباب الذين اكتووا بنار المنطق الهيغلي. من هنا تمازج وتداخل الرؤية النقدية وفكرة الروح الكوني، أي تلك التي ظهرت أولا الأمر في تمثل المنهج الهيغلي ونزوعه النقدي الحاد تجاه مختلف تيارات اليسار واليمين (الهيغلي)، كما هو جلي في نقده "للعائلة المقدسة" و"الأيديولوجية" الألمانية، أي لكل ذلك الرعيل الهيغلي الأول الذي ترعرع  ماركس نفسه بين صفوفه، ولاحقا في فكرة الأممية (البروليتارية)، بوصفها الذروة التي يبلغها "العقل التاريخي" في تتبع قوانينه المادية. وكلاهما كانا يكمنان في الروح والمنطق الهيغلي. وليس مصادفة أن يكون كل تلامذة هيغل، بما في ذلك ماركس، شديدي الولع بقضايا التاريخ بشكل عام وتاريخ الدين والمجتمع بشكل خاص. وكلاهما وجهان لعملية وعي الذات، التي حوّرها ماركس لاحقا وأنزلها من علياء الروح المطلق وملكوت الحرية، إلى واقع الحياة الخشنة وتاريخها المتلوي بين قبضات وتشنجات وآلام الصراع الطبقي من اجل بلوغ الحرية الاجتماعية الفعلية. وليس مصادفة أيضا أن ينحصر اهتمام ماركس بقضايا الدين والتاريخ في مجرى صيرورته الفكرية الأولى، كما نراه في نقده للمسألة العبرية (اليهودية). فقد كانت تلك مجرد الصيغة النقدية الأولية للمشاركة الفكرية في نقد الدين وتدقيق الرؤية التاريخية المميزة "لليسار الهيغلي" (برونو باور ومجموعته) والهيغيليون الوسط (دافيد شتراوس) في أبحاثهم الفلسفية بهذا الصدد.

غير أن المسار الخاص لماركس بهذا الصدد يقوم في توجيهه تلازم الذهنية الهيغيلية والمشروع الكوني في مجرى صيرورته الفكرية والروحية صوب ما يمكن دعوته بالتاريخ الفعلي، أي صيرورة العقل النظري والعملي ووحدتهما في نظريته الاشتراكية والشيوعية. وسوف يدفع هذا الانقلاب ماركس لاحقا صوب الفناء التام في هموم المستقبل، أي "التاريخ الحقيقي". وليس هذا بدوره سوى الصيغة اللامعة أو الفلسفية المجردة للرؤية النقدية تجاه الحاضر.

لكن الرؤية النقدية لماركس لم تقف عند حدود التأملات الفلسفية الأولى للفكر والواقع كما نعثر على صداها في (المخطوطات الفلسفية الاقتصادية لعام1844)، بل وبتعميقها اللاحق صوب تأسيس منظومة الرؤية الفلسفية للتاريخ العالمي. وقد أحكم ماركس هذا التوجه واستحكم به بقدر واحد حالما أصبح تاريخ التطور الاجتماعي والاقتصادي ميدان وموضوع فلسفة التاريخ العالمي، أي كل ما سنعثر عليه في إعادة ماركس وتجديده وتجسيده في منظومة فكرية لما أسميته بتلازم المنهج والمنظومة المميز للفلسفة الهيغيلية ولكن من خلال البحث عنه في "منطق" التاريخ الواقعي بوصفه تاريخا عالميا. ولم يكن هذا في الواقع سوى الصيغة الأخرى المكلمة وليست المقلوبة لمنطق هيغل التاريخي، أي لمنطق التاريخ العالمي.

فالتاريخ بالنسبة لماركس، كما هو الحال بالنسبة لهيغل، تاريخ كلي واحد (عالمي). إنه ليس مجموعة تواريخ متنوعة مختلفة متفرقة جزئية (تاريخ فن وفلسفة وأدب وسياسية وملوك أمراء ودول وأمم وما شابه ذلك)، بل تاريخ واحد هو تاريخ الإنسان والطبيعة. وهي البذرة التي ستتفرع لاحقا في ثمار التاريخ الواقعي بمختلف أشكاله ومستوياته. فإذا كان التاريخ الروحي لهيغل هو التاريخ المتجرد والمرفوع إلى صراط الفكرة المنطقية، فإن ماركس يضيف إليه الخط الموازي، أي التاريخ الفعلي. وليس هناك من تاريخ فعلي خارج إطار العلاقات الاجتماعية الاقتصادية[1].

لكنها موازاة لا تحاذي المنطق الهيغيلي تجاه التاريخ إلا فيما يتعلق ببنية المنهج المجردة وفعالية المقولات في كيفية كشفها لديناميكية الحركة الفعلية للتاريخ الواقعي. وهو انقلاب كبير في منظومة الرؤية والمفاهيم، وبالتالي في الاستعداد الذاتي للعمل والنشاط السياسي. بعبارة أخرى، إن هذه الموازاة الجديدة في الرؤية المنطقية للتاريخ كانت تحتوي على انقلاب تاريخي في المفاهيم والقيم والوسائل والغايات. ومنها كانت تتراكم نوعية الانفصال بين المنهج الهيغلي والماركسي في الموقف من التاريخ. وضمن هذا السياق يمكننا القول، بأن ماركس يعيد في فلسفته التاريخية إنتاج الموقف الهيغلي من التاريخ، بما في ذلك من خلال تعميق وتدقيق الرؤية المنطقية للمفاهيم والمقولات. بمعنى انه يتتبع حيوية المنهج الهيغلي في الديالكتيك، ولكن من خلال نقلها من عالم الفكر المجرد والمسار المنطقي للتاريخ الواقعي إلى ميدان التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأيديولوجي، أي إلى ميدان التاريخ الفعلي المباشر.

فعندما يقول ماركس بأنه عمل من اجل وضع الديالكتيك الهيغلي على قديمه بعد أن كان يقف على رأسه، فانه لم يقصد بذلك سوى مهمة تفعيله من خلال إعادة النظر في "ثلاثية" الديالكتيك الهيغلي، أي ليس فكرة – واقع – فكرة، بل واقع – فكرة – واقع. وهو انقلاب هائل في الرؤية المنهجية للتاريخ مع ما يترتب عليه من تغير جوهري في المواقف العملية. إذ لم يعن منهج ماركس في ثلاثية الواقع – الفكرة – الواقع، سوى الاستيعاب العملي لحقيقة المنطق الهيغلي. أو على الأقل انه لا يخرج عنه فيما يتعلق بإدراك قيمة الفكرة بوصفها منطقا، والمنطق بوصفه فكرة بالمعنى الذي بلورته تقاليد الرؤية الفلسفية منذ أفلاطون.

إن محاولة ماركس قلب الديالكتيك الهيغلي كانت ترمي أولا وقبل كل شيء إلى إعادة النظر بالتاريخ الواقعي. فهي النتيجة الكامنة في مجرى الاقتراب من حيثيات هذا التحول بما في ذلك في مجال المنطق. فإذا كان المنطق عند هيغل هو الذي يحدد أنموذج التاريخ أي مساره وفعله من خلال الطبيعة، وأن الطبيعة مجرد ميدان انفتاح وتناثر وتراكم وتنظيم الفكرة من جديد، فإن الطبيعة بالنسبة لماركس كانت اكبر بما لا يقاس من أن يجري حصرها بالصيغة الهيغيلية. إن الطبيعة ليس صورة خلفية للتاريخ، وليست ميدانا له فحسب، بل ومصدره الذي أنتج نماذج الفعل (الأفعال) التاريخية.

لقد كان هيغل يشعر بالقرف من "المثالية العندية" (الذاتية) التي تتعامل مع الفكرة كما لو أنها شياطين الغواية، أو أحلام الرحمة المبسوطة في خيال المؤمنين عن ملائكة الرب. فالفكرة لا توجد فقط في رؤؤس الناس. إن للفكرة تاريخها الخاص واستقلالها النسبي والمطلق في السير داخل الرأس وخارجه، أي في المنطق والتاريخ الفعلي. أنها توجد في الطبيعة والتاريخ. غير أن هيغل أراد بناء منظومة تاريخية محكومة في تطورها بمنطق مجرد ومتسام عن "الطبيعة". وبالتالي فإن الحتمية فيه محكومة بقوة الضرورة المنطقية. بينما سيرجعها ماركس إلى حالة الطبيعة. وهي حالة لم تكن فيما يبدو معزولة عن نفسية وذهنية ماركس المهمومة بالطبيعة بمعناها الواسع، والتي نعثر عليها في أول أعماله التجريبية الفلسفية، كما هو جلي في أطروحته عن (الفلسفة الطبيعية في الفلسفة الإغريقية) حتى آخر عباراته البلاغية المتعلقة بالحالة الاجتماعية المنبسطة لمزاج الروح والجسد في ملكوت الشيوعية! فقد أراد هيغل رؤية التاريخ الحقيقي(المنطقي) بوصفه مسارا طبيعيا، بينما أراد ماركس صنعه. من هنا كانت محاولات هيغل تصب ضمن التيار القائل بضرورة تحرير الرؤية الفلسفية للتاريخ من ولع الاستنتاجات السريعة للعلوم الطبيعية، بينما سعى ماركس بالعكس تماما، بحيث تتحول كل ما تتوصل إليه العلوم (التجريبية والنظرية) إلى مكونات جوهرية في الرؤية الفلسفية للتاريخ، سواء كان الأمر يتعلق برؤية أصول الأنواع لدارون أو الاكتشافات الأولية لعلوم الفيزياء والكيمياء والانتروبولوجيا لكي تكون مفاصلا في رؤية "تحول القرد إلى إنسان" و"ديالكتيك الطبيعة" و"أصل العائلة" والطبقات والدولة والمجتمع وظهور الأفكار والعقائد والقيم والمفاهيم والفن والجمال، باختصار كل شيء. ويعكس هذا الاختلاف في الأغلب كمية الرؤية وطابعها الحسي الطبيعي، أكثر مما يمّس الأنساق العميقة للمنطق المجرد كما وضعه هيغل. "فالرأسمالية" على سبيل المثال عند ماركس و"البروتستانتية" عند رانكه (ولاحقا عند ماكس فيبر) هي "أفكار" بالمعنى الهيغلي و"مقولات" بالمعنى الكانطي. لكنها ستتخذ عند ماركس لاحقا هيئة "الشكل" و"التشكيلة"، التي يصنعها البشر وتصنعهم. وتعكس هذه الصيغة في الوقع نفس عملية النفي والتوليف المميزة للمنطق الهيغلي، بمعنى أن الانتقال من حالة إلى أخرى هي مجرد سلسلة مترابطة ومظاهر متنوعة للارتقاء والتقدم نفسه. وهذه بدورها ليست معزولة عن تلك العناصر الجوهرية في الوعي التاريخي الأوربي (فكرة التقدم والارتقاء) التي أخذت تشق لنفسها الطريق إلى خلايا الوعي النقدي والرؤية العملية كما سنعثر على أحد نماذجها الراديكالية الكبرى عند ماركس.

انطلق هيغل من أن بنية التاريخ تتراكم من خلال الأفعال بوصفها تمظهرا للفكر والتفكر. وبما أن للفكر حدوده من حيث كونه بنية منطقية، كذلك للتاريخ بنيته الداخلية من حيث كونه شروط ومقدمات. ومنهما يتبلور "القانون" وفكرة القانونية. ولا مجال لفعل هذه الفكرة - القانون غير الطبيعة. غير أن ما يحددها هو الفكرة ذاتها. من هنا يصبح المنطق مفتاح الرؤية التاريخية، أي فهم التاريخ. طبعا أن ذلك لا يعني بأن هيغل لم يكن يعرف الفرق الهائل بين المنطق المجرد للعقل المطلق ومنطق التاريخ الواقعي. لاسيما وان الأخير هو نتاج الفعل الإنساني المحكوم بفكرة (ولتكن غير منطقية) لكنها تخدم مسار المنطق. أما ماركس فقد حاول الجمع بين مادية القرن الثامن عشر الطبيعية (كل شيء له أصل طبيعي) وديالكتيك هيغل. من هنا ظهور وتبلور وتدقيق وتجسيد "المادية الديالكتيكية" في موقفها من التاريخ التي ستحصل لاحقا على مفهوم "الفهم المادي للتاريخ"، أي "الفهم المادي الديالكتيكي للتاريخ". وهي الذروة التي بلغها ماركس في "قراءته" للتاريخ، أي في تأسيسه لفلسفته التاريخية، بوصفها فلسفة عامة كونية جامعة شاملة بالمعنى الذي بلورته تقاليد المدرسة الألمانية (التاريخية والفلسفية). لكنها وحدة محكومة ليس بمعايير الجزئية المفرطة في تضخيم مكوناتها، بل بمعايير الواحدية المنهجية المهمومة بقضايا البديل الفعلي الشامل للوجود الإنساني.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] هل هي الحصيلة الحية لتطور الواقع والنظام الاجتماعي الاقتصادي السياسي الذي جعلت منه الرأسمالية قضية جلية؟ ليس بالضرورة. وذلك لأن هيمنة فكرة التاريخ الروحي كانت وما زالت وسوف تبقى إحدى أهم النماذج العميقة للرؤية التاريخية، أي للرؤية التي تسعى لإنارة العقل الإنساني بالتاريخ دون أن تجعل من الإنسان الفرد والجماعة والأمة حكما مطلقا وأداة حاسمة باردة القلب في قلبه والتحكم به بالطريقة التي يرغب بها ويشاء. وفي كل الأحوال فإننا نقف هنا أمام معضلة منطقية عصية على الحل، كما أنها اشد تعقيدا في ميدان العمل. والشيء الجميل الوحيد فيها كونها حلقة من حلقات المغامرات الكبرى للتاريخ العالمي. إضافة لذلك أن ما قال به ماركس عن ماهية التاريخ الفعلي، بما في ذلك في أرقى درجات تطوره المعرفي ليس جديدا، وذلك لأننا نعثر عليه عند ابن خلدون. والفرق بينهما يقوم في تناسق الرؤية المنهجية عند ماركس وتوسع الرؤية المنهجية عند ابن خلدون. لقد أراد ابن خلدون تفسير التاريخ باعتبارها المهمة الضرورية لتغيير الواقع، بينما أراد ماركس تغيير الواقع بوصفها الصيغة "الإنسانية" الحقيقة لفهمه.

 

 

ميثم الجنابيتقديم: إن هذه السلسلة من المقالات هي استكمال لما سبق وأن وضعته في سلسلة المقالات المنشورة على صفحات (المثقف) تحت عنوان (ما بين هيغل وماركس: إشكاليات التاريخ ويقين المستقبل). وهي ليست دراسة مقارنة، بقدر ما هي رؤية فلسفية لمسار الفكرة التاريخية عد هيغل وماركس وأثرها في بلورة الفكرة السياسية. وإذا كانت ملامحها تبدو عصية على الفهم للوهلة الأولى عند هيغل، فإنها اتخذت عند ماركس أبعادها العملية الواضحة والجلية. بحيث جرى مطابق الماركسية مع الفكرة السياسية، مع ما ترتب عليه من ابتذالها الأيديولوجي.

***

لقد كان تفكير ماركس ونمو رؤيته الذاتية عن النفس والتاريخ والمستقبل جزء من عراك الروح والجسد الأوربي بشكل عام والألماني بشكل خاص. ومن ثم، فإنه كان يحتوي، شأن أسلافه الكبار بدأ من شيلنغ وانتهاء بفيورباخ، مرروا بكانط وفيخته وهيغل، على محاولة تذليل التجزئة والصراع الحاد والدامي بين الجسد الألماني والروح الأوربي، أي كل ما سينتهي بصيغته الفكرية في بلورة ملامح ومنهج الماركسية وفلسفتها العملية. وليس مصادفة أن تكون إشكالية الدين من بين أكثرها جوهرية في البداية، وإشكالية التاريخ من بين أكثرها جوهرية في النهاية. وفيهما تنعكس الصيغة النموذجية للبحث عن حلول فكرية لوحدة الروح (الدين) والجسد (التاريخ). وكلاهما كان يتمثلان تاريخ المعاناة الذاتية لألمانيا.

فقد كانت ألمانيا مصدر ومرتع وميدان الإصلاح الديني (البروتستانتية). مع ما أدى إليه من ظهور الرؤية الفلسفية للدين كما هو جلي في كتابات غيس، وهيردر، وباولوس، وشليرماخر، وغازه، وانعكاسها النظري الكبير في فلسفة هيغل عن الدين، ثم مناقشتها ونقدها الفكري الواسع في كتابات روغه، وفيورباخ، ودافيد شتراوس، وبرونو باور، وماركس. الأمر الذي جعل من ألمانيا ميدانا بل مختبرا هائلا لتصنيع ونقد الأفكار الدينية والتاريخية.

فالتقاليد الألمانية هي الأولى والأكبر من بين نظيراتها الأوربية في مجال دراسة ونقد الدين. وفيها أيضا جرى تذليل تقاليد نقد الدين المتراكمة في الفكر الأوربي. فإذا كانت التقاليد الفرنسية على سبيل المثال تركز بشكل خاص على نقد الدين من خلال نقد الذهنية، أي عبر إبراز فاعلية الجهل في ظهور الدين والعقائد الدينية كما هو الحال عند ديدرو وفولتير وغولباخ وغيرهم، فإن التقاليد الانجليزية ركزت على الأبعاد السياسية ورؤية المصالح في نقد الدين. وقد تكون الفكرة التي بلورها المؤرخ الانجليزي الشهير ادوارد غيبون، القائل، بأن عوام العالم القديم (اليونان والرومان) جميعا كانوا يعتقدون بصحة وسلامة اعتقاداتهم وعباداتهم (طقوسهم)، بينما كان الفلاسفة جميعا يعتقدون ببطلانها، أما أهل السلطة فكانوا جميعا يعتقدون "بفائدتها"، إحدى الصيغ النموذجية في الموقف من الدين. طبعا أنها لا تستنفذ التقاليد الانجليزية بسبب تنوعها الكبير والهائل بهذا الصدد لكنها مؤشر عن احد النماذج النظرية "المرجعية" في الموقف من الدين.

أما التقاليد الألمانية فقد رفعت مختلف نماذج ومستويات الموقف من الدين إلى مصاف الرؤية الفلسفية المنهجية. من هنا لم يكن بإمكان أي فيلسوف أو متمرس في ميدان الفكر النظري المرور شأن عابري السبيل على ما في التقاليد الألمانية من لهيب حار لصقل إرادة العقل والمعرفة والوجدان في الموقف من الدين.

كان الصراع في ألمانيا حول الدين هو الوجه "المتسامي" للصراع الأرضي. وليس مصادفة أن تظهر فيها اغلب المدارس الفلسفية التاريخية الحديثة. الأمر الذي جعل من ألمانيا أيضا مصدرا ومرتعا وميدانا للتأمل الفلسفي للتاريخ بشقيه العام (العالمي) والخاص (القومي)، ومستوييه المجرد (فلسفة التاريخ) والملموس (القومي). وفيها ظهرت أكبر تقاليد المدارس التاريخية من حيث الرؤية ومستوى وتنوع التحليل والمناهج. وهذا بدوره ليس إلا الوجه النظري و"المتسامي" لما يمكن دعوته بتاريخ الأمة المعذبة بقدرتها الجبارة وشللها الجزئي بسبب التجزئة السياسية للدولة.

ومن الممكن العثور على هذه الحالة في تلك القوة العارمة المميزة للخطاب الألماني المتنوع المستويات منذ فيخته حتى نيتشه، مرورا بكانط وشيلنغ وهيغل وفيورباخ وماركس، والمتلألئ في إبداع عشرات الأدباء والشعراء الكبار من هيردر إلى غوته، وفي الموسيقى من بتهوفن إلى فاغنر. وهو تنوع يعبر عن الصيغة الوجدانية العارمة لسيول الروح المعذبة من فقدان ألمانيا لوحدتها القومية وعزتها الذاتية. من هنا سيادة وانتشار فكرة العام، إي الفكرة المنطقية في تناول التاريخ. ومن هنا أيضا فكرة العقل المطلق والتاريخ العالمي والأممية البروليتارية وغيرها. فهي صيغ متنوعة للرؤية التاريخية الألمانية، أي الصيغ المتسامية للواقع الخشن الذي أراد بيسمارك أن يصنع منه بروسيا الكبرى، وهتلر الرايخ الثالث! ولكل حالة جبروتها ومثالبها الكبرى.

بعبارة أخرى، لقد كانت النزعة التاريخية والاهتمام الشديد بها يقفان وراء "العنف الألماني" في الموقف من التاريخ والدين أيضا. فكلاهما في الفكر الألماني يتداخلان في لضم خيوط النسيج المرهف لصناعة "العقائد المتسامية". وهو المصطلح الذي يمكن العثور على تنويعاته العديدة ومذاقه بما في ذلك في خطاب ماركس أيضا، وبالأخص في تلك الحالات التي يصبح الجدل حراكا وعراكا مع النفس أولا وقبل كل شيء. ولعل شخصية ماركس التاريخية هي أحد النماذج المثالية بهذا الصدد. 

فقد كان الحراك والعراك الشخصي مع النفس عند ماركس جزء من صيرورته الفردية. وبالقدر ذاته كان النسق الفكري لكينونته العقلية والمنهجية والعملية. وكلاهما (الصيرورة والكينونة) كانا يتهذبان في مجرى الفورة الفلسفية الهائلة التي أحدثها هيغل في الوعي الألماني بشكل عام ومنطق التفسير والتأويل الفلسفي للوجود والفكر بشكل خاص. وفيما لو أهملنا صيرورته الفردية باعتبارها جزء مما يواجهه المرء في أطوار الوجود التاريخي لمسار الشخصية أيا كان وزنها وحجمها، شأن كل موجود، فإن كينونته الفكرية تتمثل تقاليد المنطق الجديد الذي أدخلته الفلسفة الألمانية للوعي من جهة، وكيفية انكساره فيما أسميته بالكينونة العقلية والمنهجية والعملية لماركس من جهة أخرى. بمعنى كيفية تبلور رؤيته الفلسفية اللاحقة في مجرى المعاناة الشاقة لمواجهة تاريخ الفكر والواقع على أنهما وحدة واحدة. وهو انكسار واضح وجلي ودرامي أيضا يمكننا العثور عليه في تلك التحولات العاصفة والراديكالية السريعة التي اجتازها في غضون ثلاث سنوات (من عام 1841 حتى 1844) كما تجتاز الأمم زمن الثورات في غضون فترة وجيزة (كما سيقول ماركس نفسه) ما تجتازه في مجرى قرون من الزمن. ولم تكن هذه الفكرة نتاجا لتأمل حالة التحولات الكبرى التي كشفت عنها سلسلة الثورات المتكررة في أوربا القرن التاسع عشر، والتي أغرته لاحقا بابتداع يقين الثورة العالمية وديمومتها الأبدية ما لم تبلغ البشرية شاطئ الأمان التام بعد مرورها بعواصف التاريخ المزيف للملكية الخاصة، بقدر ما كانت تكمن في أثر المنطق الهيغلي نفسه، الذي كان يحتمل في ذاته إمكانية تذليل زمن التأمل البطيء بتاريخ التحولات الكبرى العاصفة. الأمر الذي جعل من الفكرة الهيغيلية عند ماركس منذ البداية وحتى النهاية، سلاحا عقليا حادا، ومنهجيا عقليا ونقديا ونظريا وعمليا. وهو شيء جلي حالما يجري استعراض أسماء كتبه الأولية، أي تلك التي ميزت مرحلة الانتقاد العاصف والنزوع النقدي، مثل (نقد النقد النقدي) و(الأيديولوجية الألمانية) و(فلسفة البؤس) وغيرها واستمرت حتى أواخر مراحل نضوجه الفكري واستقلاله الفلسفي، كما هو الحال في (نقد الاقتصاد السياسي)، أي تلك العناوين والمضامين النقدية العنيفة من حيث الشكل والمحتوى. وهذه بدورها لم تكن في الواقع سوى الوجه النظري الخارجي عن طبيعة التحول العاصف في الرؤية العقلية والمنهجية لماركس نفسه.

فقد جرى عراكه الأول بهذا الصدد من خلال الانتقال السريع إلى الهيغيلية، أي الابتعاد عن الغوص في عوالم الإغريق القدماء وتأملاتهم الفلسفية إلى هيغل، ومن خلاله إلى الغلوّ فيه ثم الابتعاد أو الانفصال عنه، أي الانتقال إلى "الهيغليين اليساريين" ومنه إلى نقدهم عبر الرؤية الفيورباخية وتأملاتها الانتروبولوجية. وفي مجرى نفيهما العقلي أخذت بالبروز ملامح ماركس الأولية ونزوعه النقدي للتراث الهيغلي "اليساري" و"اليميني"، أي الانتقال صوب التأويل السياسي الدائر حول إشكاليات الدين. فهي الإشكالية التي بلغت ذروتها في النقد الفيورباخي لهيغل. لكنه سرعان ما جرى تذليلها من خلال دفع الفكرة الهيغيلية والنقد الفيورباخي صوب الأبعاد العملية القصوى. وقد جرت هذه العملية في غضون سنوات سبع (1841-1848) عكست كمية ونوعية الانتقال الحاسم من مختلف اجتهادات الفكر النظري السياسي الليبرالي واليساري إلى مواقع الشيوعية. وهو انتقال تراكمت فيه وتداخلت الصيغة الجديدة لوحدة العقل النظري والعملي باتجاه يختلف اختلافا جذريا عن تقاليد الفلسفة الألمانية السابقة.

فقد كان الفلاسفة الألمان الكبار بدأ من كانط وانتهاء بفيورباخ عادة ما يبدءون بنقد الفكر والواقع وينتهون بالانزواء في منظومة الفكر المجرد. وهو عالم مغر وثري ويحمل بقدر واحد سعادة الاندهاش وحزن الحكمة. وليس مصادفة أن يقول كانط في احد آخر وأكبر أعماله النظرية (نقد العقل العملي) من أن هناك شيئين فقط يملأن قلبه بالسعادة والحبور، ألا وهما نجوم السماء الساطعة من فوقه، والقانون الأخلاقي في أعماقه. وتحتوي هذه العبارة بقدر واحد على التأمل الحزين للحكمة والاندهاش بتأمل الكون. ومات منزويا. ومن الممكن رؤية هذه الخاتمة على مثال حياة هيغل وشيلنغ وفيورباخ، كل بطريقته الخاصة. وإذا كان من الممكن العثور في عبارة كانط ونماذجها اللاحقة عن غياب الأحبة والأصدقاء، فإن حقيقتها تقوم في فناء كل شيء وبقاء معالم الروح بوصفها القوة الوحيدة الحية الباقية في الظاهر والباطن. وذلك لأنها تعبّر عن إحدى حقائق الكون الاجتماعي التاريخي الكبرى للإنسان والقائلة، بأن الأشباح سرعان ما تزول وتندثر ويبقى روح المعاناة وقدرته على التجدد في التاريخ. وسواء أدرك ماركس منذ وقت ومبكر هذه الحقيقة أم لا فأنه سار باتجاه آخر. بمعنى الإبقاء على مكنون التجربة الألمانية الفلسفية ولكن من خلال إدراجها في مهمة الفعل الاجتماعي وفلسفة التغيير، أي كل ما كوّن عنده لاحقا مضمون فلسفة التاريخ.

لقد تراكمت الفكرة التاريخية عند ماركس من خلال نفي الرؤية النقدية العقلانية بمعايير الهيغيلية "المثالية"، ثم اليسارية ثم الفيورباخية ثم الاستقلال الذاتي. وفي ميدان الأيديولوجية والفكر السياسي من الراديكالية النقدية إلى الاشتراكية الحالمة (الطوباوية) وعبرها إلى الاشتراكية الديمقراطية ثم الشيوعية. ذلك يعني، إننا نقف أمام سبعة تحولات كبرى في حياة وشخصية ماركس الفكرية والسياسية، بوصفها حلقات تجربته النقدية الحرة واجتهاده النظري. وفيها ومن خلالها تبلورت "الماركسية" في فلسفة الفكرة الكونية العملية، وليس فلسفة الروح الكوني. بمعنى تلازم وتوازي التجربة الفكرية النظرية الشخصية والالتزام العملي بنتائجها السياسية. ومن تفاعل هذين المكونين ظهرت ملامح الكينونة العملية للماركسية، أي الانتقال من الفكرة المنطقية المجردة إلى عالم التاريخ الواقعي والملموس.

فإذا كانت فلسفة التاريخ الهيغيلية هي فلسفة الروح من خلال تتبع تاريخها المنطقي، فإن الانقلاب الذي أحدثه ماركس بهذا الصدد، على الأقل في ملامحه الأولية آنذاك، كان يقوم في الخروج المتدرج من ثقل الكينونة الهيغيلية القابعة في أعمق أعماق ذهنيته الفلسفية. وليس مصادفة أن تتفرع من الرأس الهيغلي هذه الكمية المتناثرة من الرؤؤس الطائشة والراديكالية والثورية، أي تلك الكمية التي تبدو مظاهرها نقيضا حيا لما في الهيغيلية من رزانة يصعب على هؤلاء الشباب حمل وزر أثقالها دون أنين العقل والوجدان. ومن الممكن رؤية هذه الصورة الرمزية في تلك الحماسة المفرطة للنزعة النقدية التي أوقفت ماركس بعد سنوات قليلة لتأمل ما فيها من غرور وإجحاف للعقل نفسه. فقد أدى هذا الإفراط النقدي إلى بلورة سفسطة العقل والوجدان وابتذالهما لحقيقة الهيغيلية من خلال الولع بالعيش والبذخ على ما فيها من وليمة مجانية. (يتبع....).

***

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

 

ميثم الجنابيالأبعاد السياسية في فلسفة التاريخ الهيغلية

وضع هيغل الحصيلة العامة لفلسفته عن التاريخ ومساره العام، وفكرة الدولة، والحرية، ومختلف القضايا المتعلقة بالثقافة، أي كل ما له علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالفكرة السياسية، في استنتاجه المكثف بعد استعراضه مفاصل "التاريخ العالمي" للأمم والشعوب من "البداية" حتى الدولة الألمانية الواقعية والمنشودة بالشكل التالي: "لقد قدمنا أعلاه توضيحات بشأن الهدف النهائي لهذه الحركة السائرة إلى الأمام. وإن مبادئ أرواح الشعوب في الاستخلاف الضروري لما قبلها هو بحد ذاته ليس إلا لحظات من الروح العالمي العام، الذي يرتقي من خلالها ويبلغ ذروة إدراكه الذاتي في التاريخ بحيث يصبح روحا شاملا. وبما إننا نتعامل أساسا مع فكرة الروح وننظر إلى كل شيء في تاريخ العالم على انه تعبيرا عنه، لهذا فإننا حتى حالما نستعرض الماضي أيا كانت عظمته، فإننا في الواقع لا نتعامل إلا مع الحاضر. وذلك لأن تعامل الفلسفة مع الحقيقة يعنى تعاملها مع ما هو خالد. إذ لا يضيع ماضي بالنسبة لمن يطلبه، وذلك لأن الروح خالد لا يموت، أي لم يكف عن الوجود، كما لا يعني انه ليس موجودا بعد، بينما في حقيقته هو وجود حالي. ذلك يعني، إن الشكل الحالي للروح يحتوي في ذاته على كل المراحل السابقة. ولا يغير من ذلك شيئا أن يكون لجميع هذه المراحل استقلاليتها الخاصة، بينما الروح في ذاته هو على الدوام على ما هو عليه. والفرق بينهما يقوم في تطور هذا الوجود في ذاته. إن حياة الروح الحقيقية هي دورة من المراحل التي هي موجودة إلى جانب بعضها البعض من جهة، وفي الوقت نفسه هي شيء ما ماض وعابر، من جهة أخرى. فهي اللحظات التي تركها الروح على ما يبدو خلفه لكنها ظلت فيه وفي أعماقه الحقيقية".

إن المبادئ أو الحصيلة الجوهرية التي توصل إليها هيغل يمكن اختصارها بما يلي:

- إن تاريخ الشعوب أو أراوحها (الجزئية) هي مجرد لحظات في تاريخ الروح العام.

- وإن تكامل الروح العام يجري من خلال تكامل الأرواح الجزئية، ومن ثم فإن لكل منه أهميته ودوره وأثره في تاريخ الروح العام، ومن ثم في التاريخ العالمي.

- وإن الماضي بكل ما فيه هو حاضر.

- وإن منهج الرؤية الفلسفية يستلزم النظر إلى ما هو خالد فقط، أي إلى ما هو حقيقي. ولا حقيقة في التاريخ سوى مسار الروح المطلق، وما عداه مجرد أشكال وصور ولحظات عابرة في مسيره العام.

- وإن الروح في مساره وفعله وآثاره ونتائجه حي فاعل دائم وملازم لكل وجود آني حالي.

- وإن وحدة الماضي والحاضر هي لحظات ومراحل منفية في مسارها العام. ومن ثم فإن التاريخ هو نفي دائم لما فيه، بمعنى انه تمّثل لتجارب الماضي بوصفها تجليات للعقل والروح المطلق.

نقف هنا أمام رؤية فلسفية عميقة ومنطقية تتسم بقدر متناسب من التجريد والواقعية. غير أن هذه الواقعية عادة ما تكون ذيل أو حالة محشورة في المنظومة العامة، وتستجيب لمنهجه في التفسير والتأويل والرؤية. ولعل الصيغة العامة التي قال بها عن أن من ينظر إلى العالم نظرة عقلانية، فإن العالم بدوره يتخذ بالنسبة له طابعا عقليا هي احد النماذج التي تكشف عن تعايش وتضاد ما اسميته بالأبعاد المجردة والواقعية وتناسيهما في تفسيره وتأويله للتاريخ. وفي هذا التناسب الذي يجمع بين الرؤية المنطقية العميقة وتشويه التفسير الواقعي تكمن ما ادعوه باحتواء فلسفته للتاريخ على قدر واحد من النزوع المنطقي والعندي.

فالأبعاد المنطقية في فلسفة هيغل التاريخية تتغلغل في كل مسامات ما كتبه عن جسد التاريخ وروحه. وهي الأبعاد الأكثر جوهرية في إبداعه النظري، التي جعلت من فلسفته نموذجا حيا وكبيرا للرؤية العقلية والعقلانية عن التاريخ. بمعنى إنها تحتوي على الصيغة التي يصعب إدراجها ضمن سياق الرؤية الأيديولوجية وابتذالها السياسي. لكن التفسير الذي قدمه عن التاريخ الواقعي عادة ما يقع في تناقض مع الأبعاد المنطقية في فلسفته. والسبب هو أن هيغل يقوم في لوي وكسر الصيغة المنطقية التي يمثلها منهجه الفلسفي بالشكل الذي يجعله مقبولا للوعي السياسي الألماني بسبب الفقد الفعلي لما أراد هيغل بلورته على انه تجريد متسام وواقعي للحقيقة التاريخية بوصفه تحقيقا للعقل والروح المطلق. ولعل موقفه من الدولة والحرية والثقافة والدين احد الأمثلة على ذلك.

إذ لم تكن نظريته عن فكرة الحرية في الواقع سوى الحصيلة العقلية والأخلاقية للهيغلية نفسها في تأمل مجرى التطور السياسي والحقوقي الأوربي ما بعد الثورة الفرنسية. بينما يمثل المسار المحتمل والضروري للروح بالمعنى الهيغلي الوحدة، التي تشكل الحرية إحدى أدواتها. والشيئ نفسه يمكن قوله على سبيل المثال في موقفه من الدين. فاعتقاد هيغل بأنه لابد للوعي أن يدرك بأن الدين هو بؤرة ومركز هذا الوعي، وأن الدين هو "المجال الذي تقدم فيه الأمة لنفسها تعريفا لما تعتقده انه الحقيقي" لا يستقيم مع المعنى والمضمون العقلي والعقلاني لمسار الروح وكون العقل هو الذي يحكم التاريخ. فالدين ليس عقلا منطقيا بل مزيج من الوجدان والإيمان. والمقارنات التي يقدمها هيغل عن النصرانية وغيرها من الأديان لا تصب ضمن المنطق المجرد، ولاسيما وانه يشير إلى انه في الدين تنعكس حقيقة الأمم وتجارب وعيها الذاتي. لكن النقص الأكثر جوهرية هنا يقوم في أن فلسفة هيغل تحتوي على إمكانية الاحتمال العقلاني من حيث الصيغة المنهجية القائمة في مسار العقل والروح المطلق في التاريخ، إلا أن تفسيرها لمسار التاريخ الواقعي والفعلي يجعل منه العوبة بيد العقل والروح المطلق. كما يمكننا العثور في فلسفة التاريخ عند هيغل على أحد النماذج الفلسفية العميقة والمتفائلة بالمستقبل، لكنها تتخذ في صيغتها التطبيقية هيئة الصيغة العقلانية للفكرة الدينية عن "الإرادة الالهية" الفاعلة من خلال مخلوقاته، أو ما وضعته التقاليد الإسلامية اللاهوتية في عبارة "سنّة الله في الوجود" التي وضعها في حياة الموجودات ونوعية فعلها الذاتي.

أما الأبعاد العندية في فلسفة التاريخ عند هيغل فتقوم في قاعها التأسيسي. إذ نعثر عليه أولا وقبل كل شيء في ما يمكن دعوته بحدود الرؤية التاريخية لهيغل. بمعنى تناقض مضمونها الكوني وتحيزها في الوقت نفسه وتحزبها للتاريخ الأوربي. ومن ثم تبقى أحكامها المباشرة عن "التاريخ العالمي" مبتورة، وانه في أفضل الأحوال تعبير عن حدود التجربة التاريخية الأوربية بشكل عام والألمانية بشكل خاص. إذ نعثر في أغلب أحكامه على نظرة ورؤية أوربية خالصة، ومن ثم ضعف معرفته بالتاريخ الفعلي والرؤية التاريخية وفلسفتها في الثقافات الأخرى والعربية الإسلامية منها بشكل خاص.

كما نعثر على هذه النزعة العندية في تطبيقها التاريخي على الموقف من العقل. فهي تحتوي في آن واحد على أبعاد ميتافيزيقية مجردة وتأويل أوربي متحزب. فمن الناحية الفعلية لا يمكن للعقل أن يكون مجردا أو على الأقل، إن الصيغة المثلى لتحقيقه في التاريخ الفعلي أن يجري ربطه بمستوى ما ادعوه بالطور أو المرحلة التاريخية الثقافية في تطور الأمم وعقولها الثقافية. والشيئ نفسه يمكن قوله عن فلسفته تجاه الدولة، وبالأخص ما له علاقة بفكرته عن أن الدولة هي الفكرة الإلهية كما توجد على الأرض، وبالدولة يمكن رؤية هدف التاريخ وموضوعه، وأن الشعوب لها تاريخ ما زال لها دول. فبغض النظر عن طابعها الميتافيزيقي المجرد والمتناقض مع فكرة النفي الجوهرية في منظومته الفلسفية، إلا أنها مع ذلك لا تخلو من أثر معاناة وانفعالات النخبة الألمانية آنذاك وما بعدها بصدد "الدولة الألمانية". إذ نعثر على صداها عند جميع فلاسفة ومؤرخي الألمان وشخصياتهم السياسية الكبرى، بل نرى صداها في المعاناة التي كان يتعايش معها هتلر نفسه في طبيعة ونوعية التجزئة التي مر بها الكيان الجرماني. وبالمقابل نرى نقدها الخاص في فلسفة التاريخ عند ماركس، الذي وجد في الدولة ليس ذروة الوجود الجوهري للحياة والعقل والإرادة، بل على العكس. لقد وجد فيها أداة القهر والإكراه. ومن ثم فإن الفضيلة الممكنة والضرورية بل والحتمية تقوم في اضمحلالها وتلاشيها مع مرور الزمن، بوصفها الغاية الكبرى للتاريخ الإنساني، أي الانتقال من ما قبل التاريخ (الدولة) إلى "التاريخ الحقيقي"، أي الوجود الإنساني الحر.

ولعل موقف هيغل من حالة وعلاقة الشرق بالغرب من بين أكثرها جلاء بهذا الصدد. فالمقدمة العامة والاستنتاج الجوهري الذي وضعه في موقفه من هذه القضية يقوم في الصيغة البلاغية عما أسماه بشروق الشمس في الشرق وغروبها في الغرب. بمعنى إن البداية الأولية للطفولة تجري في الشرق، بينما اكتمالها يتم في الغرب. وهو موقف تأويلي صرف لأنه يمكن قلبه بصيغة أخرى تقول بأن بداية الحياة والحضارة في الشرق وموتها في الغرب. ووجدت هذه اللحظة التأويلية المتحزبة، والمنهجية لحد ما، في موقفه من تناول بعض إشكاليات الوجود والحياة. فقد فسر هيغل إشكاليات وحالة الميتافيزيقا في الشرق على أمثلة التاريخ المصري القديم والهند والصين. وأعتقد بأن أقصى ما وصلت إليه الميتافيزيقيا الشرقية هي فكرة أن الموت يخرج من الحياة، والحياة تخرج من الموت كما نراها في نظريات تناسخ الأرواح وأسطورة العنقاء الفرعونية التي تحرق نفسها لكي ينبعث من رمادها شبابا أكثر قوة وفتوة. ذلك يعني، أن الروح وهو يستهلك غلاف وجوده لا ينتقل إلى غلاف آخر، ولا ينهض وقد تجدد شبابه من رماد صورته القديمة. لكن في داخل هذه العملية يمكن رؤية غزل ذلك الوجود وظهوره في حلة جديدة. وتصبح بالتالي كل مرحلة سابقة مادة تغزل منها مرحلتها الجديدة، أي لا جديد فيها.

تنبع نظرة هيغل هذه إلى الشرق من منهجه الخاص في دراسة التاريخ. بمعنى أنها جزء من التاريخ الكلي ووعي الذات. وبما أن وعي الذات الذي يكشف عنه العقل في مسار الروح المطلق يسعى لبلوغ الحرية، فإن الحكم القاطع الذي يقدمه عن الشرق (القديم والمعاصر له) وخلوه من الحرية، يتناقض مع المقدمة المنهجية المشار إليها أعلاه. لكن هيغل يبقى متشددا بهذا الصدد عندما يؤكد على انه لا حرية في الشرق. وإن وجدت فهي في شخص واحد (الطاغية). وبالتالي، فإن الحرية في الشرق هي مجرد "نزوة". ووضع هذه الفكرة أو الاستنتاج في مقدمة حكمه القائل، بأن "الشرقيين لم يتوصلوا إلى معرفة أن الروح أو الانسان حر من حث كونه إنسانا. إنهم لم يكونوا احرارا. وكل ما عرفوه إن شخصا معينا حر". وبالمقابل لم يظهر الوعي بالحرية كأول مرة إلا عند اليونان (في نظامها العبودي!). ومن ثم فقد كانوا أحرارا، إلا إنهم لم يعرفوا سوى أن بعض الناس فقط أحرارا، لا الإنسان بما هو إنسان. أما معرفة كون الإنسان حرا من حيث كونه إنسانا فأول من وصل إليها هم الشعوب الجرمانية عن طريق المسيحية، لكنها لم تكن قادرة على تطبيقه.

لقد كانت هذه الاستنتاجات التي تجمع بين الرؤية العقلية والخرافة "المنطقية" تستند إلى منطلق هيغل من أن الشرق كان مركز العالم. ومنه انطلقت الشعوب واللغات (الهندو- أوربية!). غير إن ما جرى في الشرق آنذاك كان يقع خارج مجال التاريخ، بمعنى انه سابق على التاريخ. وقد بنى هيغل هذا الاستنتاج الأعرج على فكرته المتعلقة بما اسماه بتحول العقلانية في التاريخ. وليست هناك قيمة قبل التاريخ لأن العقل لم يفصح عن نفسه بعد. من هنا تقييمه لتجارب الصين والهند بالشكل التالي: انه يعتقد بأن الصين والهند يفتقران إلى وعي فكرة الحرية افتقارا تاما. فالأخلاق بالنسبة لأهل الصين هي مسالة سياسية يشرف على تطبيقها موظفو الدولة والمحاكم. ثم إن قوانينهم مماثلة تماما لقوانين الطبيعة بوصفها أوامر خارجية. أما في المذاهب الهندية المتعلقة بالزهد تجاه الرغبات والدنيا فالغاية منها ليس الحرية الأخلاقية الإيجابية، بل تلاشي الوعي وانعدام الحياة الروحية والجسدية.

إن هذه الافكار ومثيلاتها العديدة المتناثرة في رؤيته الفلسفية للتاريخ وبالأخص حال الهبوط من علياء التجريد الميتافيزيقي إلى "حضيض" الواقع تكشف عن فكرة متشددة وليست تاريخية ولا ثقافية، بل هي أقرب ما تكون إلى مواقف محكومة بقواعد الرؤية الفلسفية وليست الفلسفية الحرة. بينما ينبغي للحكم الفلسفي أن يستمد مقوماته من وعي الحرية في التاريخ وليس من قواعد العقائد أيا كانت بما في ذلك الفلسفية.

إن الحصيلة النقدية بالنسبة لكمون الفكرة السياسية في هذه الرؤية الفلسفية للتاريخ تتعارض مع ما يمكن وضعه في العبارة التالية: إن الأحداث التاريخية الجسام وأثرها في مصير الأمم هي أشبه بأنين الوجدان الفعلي لصيرورة الأمم ورنين الروح العقلي لكينونتها الثقافية، أي كل ما نعثر عليه في فكرة الحرية ووعي الذات، أو كل ما اطلقت عليه المتصوفة عبارة التحرر من رق الاغبار. إذ لا يعني أن للعقل والروح وجود بذاته سوى حقيقة الحرية. وبالتالي فإن التضحيات الهائلة التي جرى ويجري تقديمها ليست كبش فداء تاريخي بقدر ما هي التمارين أو التجارب الضرورية لتحويل الزمن إلى تاريخ من خلال إيجاد النسبة المثلى والضرورية بين الوعي والوجود، أي بين وعي الفرد والجماعة، والقومية والأمة، والدولة ومؤسساتها، ومنظومة العلوم وتجسيدها الصناعي والتكنولوجي. وهذه قضية تاريخية خاصة بتجارب الأمم في كيفية حل إشكاليات وجودها الطبيعي والماوراطبيعي، ما لم تتكامل في وحدة ثقافية تاريخية خاصة لها حدودها ضمن الكلّ الإنساني.

***  **   ***

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابيهيغل وإشكالية الروح والحرية

إن الوعي بالحرية، بالنسبة لهيغل، هو مضمون وحقيقة المسار التاريخي. ويظهر في مجال المنطق بصورة منطقية، وفي الطبيعة بصورة عينية. ويمر تطور الفكرة في التاريخ بثلاث مراحل هي الصيغة التاريخية لمنطق ظهور الأشياء، ونفيها، ثم نفي نفيها. وهذا بدوره هو أسلوب الصيرورة أو التكامل في وجود الظواهر والأشياء كلها، أو ما يمكن دعوته بالتوليف المبدع للفكرة أو الروح المطلق. وليست هذه المراحل التاريخية سوى ما يدعوه هيغل باحتجاب الروح في الطبيعة بمعنى اغترابه ثم تشيؤه، ثم تليها مرحلة تقدم الروح في مساره صوب الوعي بحريته، أي نفيه احتجابه واغترابه، وبعدها إرتقاء الروح من الحرية الجزئية إلى صورته الكلية، أي بلوغ الماهية الروحية ودرجة الوعي الذاتي.

فالتاريخ بالنسبة لهيغل يكشف عن تطور الوعي بالحرية إلى جانب الروح، مع ما يترتب عليه من تحقيق عقلي لهذه الحرية. وذلك لأن المبدأ في التاريخ العيني هو خاصية الروح. وهذه بدورها ليست إلا ما دعاه هيغل بالعبقرية القومية الخاصة بأمة من الأمم. وضمن هذه الخاصية يعّبر روح الأمة عن تجليه الملموس في جميع جوانب وعيها وإرادتها في الدين والنظام السياسي، والأخلاق، والمهارة، والعلم، والفن وغيره من أصناف العلوم وميادين الإبداع. وسوف يطلق شبنغلر على هذه الحالة عبارة النفس الثقافية. وهو اختلاف عميق من حيث المضمون، لكنه في الوقت نفسه هو نفي للمعنى الهيغلي من خلال جعل النموذج الألماني رديفا لمعنى الأوربي (الثقافي الحضاري).

وكما أن من الصعب فهم كيفية عمل أو قوانين الأجرام السماوية بدون الإلمام بعض المفاهيم والتصورات بهذا الصدد، كذلك الحال بالنسبة للتاريخ. فهو بحاجة إلى معرفة عدد من المقدمات. ومن بين أهمها هو مفهوم العقل والحرية. والأكثر أهمية بالنسبة له هنا هو التوصل إلى وعي الحرية باعتبارها القضية الجوهرية في التاريخ. وضمن هذا السياق فإن المهمة تقوم حسب رؤية هيغل في  ألا يجري إعارة الاهتمام للاعتبارات الأخلاقية الخارجية التي يمكن رؤيتها في الأفعال الصادمة في تاريخ العالم وانجازاته. ومن ثم لا معنى هنا لإعلاء شأن أو تقديس كل ما من شأنه الابتهال أمام فضائل التواضع والخشوع وحب الناس والتحلي بالصبر وما شبه ذلك. ففي مجال التاريخ يمكن من حيث المبدأ تجاهل الأخلاق فيه. وهنا يمكننا رؤية الاشتراك والاختلاف مع ميكيافيلي. مع أنهما يلتقيان بأثر المرجعيات الآخذة في التراكم في المرحلة السياسية - الاقتصادية، التي تجعل من الأخلاق قوة تابعة وإضافية إلى جانب المصالح. وإذا كان ميكيافيلي ينظر إليها ضمن سياق القيم السياسية الجديدة، فإنها بالنسبة لهيغل هي جزء من مسار الروح العقلي والأخلاقي. بمعنى، إن كل العثرات والمساوئ والجرائم تصب في نهاية المطاف في مجرى توسيع وتدقيق الروح العقلي والأخلاقي نفسه. وسوف نعثر على صدى هذه الفكرة عند ماركس أيضا، عندما اعتبر القسوة والتخريب والدمار الذي جلبته الرأسمالية الأوربية للعالم الآخر، وعلى مثال الهند بشكل خاص، هي التضحية الضرورية التي تخدم في نهاية المطاف مسار التطور الحقيقي.

ونفس الشيئ يمكن قوله عما يسمى بالتفرقة بين الأخلاق والسياسة فيه. فهذه مجرد أمور عرضية بينما وعي الحرية الصاعد ضمن هذه العملية المليئة بالمتناقضات تشكل مضمون كل هذا المجرى الذي تضمحل فيه وتتلاشى القيم الأخلاقية وما شابه ذلك من أحكام لا علاقة جوهرية لها بحقيقة المسار الفعلي للتاريخ بوصفه مسارا عقليا خالصا. وإذا كان من الممكن هنا رؤية أثر الفكرة السياسية التي بلورها ميكيافيلي، فإن حقيقة الأفكار الهيغلية أبعد وأعمق وأوسع مما في الميكيافيلية. إنها تمثلت ما في الفلسفة السياسية الميكيافيلية من خلال نفيها في فلسفته عن التاريخ. وذلك لأن الجوهري بالنسب لهيغل هو فكرة الحرية ووعي الذات التي تجري من خلال تعرج التاريخي بما في ذلك عبر تعرج الفكرة الاخلاقية.

فقد كانت الحرية ضمن مسارها التاريخي حالة عرضية وعابرة بما في ذلك في اليونان، لأنها فرضت العبودية على ما هو إنساني. وهنا تجدر الاشارة إلى أن قيمة الأسطورة اليونانية هنا تنبع مما يمكن دعوته بالمرحلة اليونانية في الوعي الأوربي الحديث والمعاصر. ففي القرون الوسطى جرى الانقلاب التاريخي الفكري والعقائدي للتقاليد اليونانية العقلية والفلسفية نفسها. وقد كانت المدرسة الاسكندرانية الارهاصة الأخيرة والتحضير الأولي في الوقت نفسه لهذا الانقلاب. ومن ثم اضمحلال وتلاشي الوهج اليوناني الذي أعاد لهيبه ومن ثم الحياة إليه العرب المسلمون.

أما الشرق، فإنه لم يعرف الحرية. والحرية الوحيدة هي للملك أو الإمبراطور ومع ذلك فهي حرية مشروطة بالتقاليد. وتتعارض هذه الرؤية المتحزبة مع مضمون الفكرة الهيغلية حول المسار التاريخي. ففي الشرق بدأ المسار التاريخي ونضج في صيرورة وقوة الدولة. أليست الدولة هي الحرية ووعي الذات والكلّ الاخلاقي؟ ومع ذلك يشدد هيغل على أنه بغض النظر عن إن "الغرب عرف الحرية" الا إن الشرق والغرب كلاهما لم يعرفا الحرية بصورة كاملة. لقد كانت تلك حرية جزئية، أي أن البعض منهم فقط كانوا أحرارا. وأن "الأمم الجرمانية هي أول من وصل إلى معرفة الحرية". بمعنى إنهم أول من اعتبر الإنسان حرا من حيث كونه إنسان بحد ذاته. وهذا بنظره لا يتعارض مع الإقرار بأن الناس جميعا احرارا بصورة "مطلقة" من حيث كونهم بشرا أو ناسا. فالحرية في نهاية المطاف، كما قول هيغل "هي الغاية التي وضعها الله للعالم". وأن هدف التاريخ الكلي يقوم في بلوغ وعي الذات المطلق، أي الحرية. فالحرية هي الغاية الوحيدة التي ترى نفسها متحققة وموجودة بالفعل. بل اعتبرها هيغل "قطب السكون الوحيد وسط حالة لا تهدأ أو مضطربة من الحوادث المتغيرة" كما لو انه يتغنى بعقيد بوذا عن النرفانا أو الفناء في الحق الصوفية.

أما في الواقع فإنه لا الشرق ولا الغرب عرفوا الحرية بصورة كاملة. لقد كانت تلك حرية جزئية، أي أن البعض منهم فقط كانوا أحرارا. لاسيما وأن الحرية جزئية على الدوام لأنها جزء من مسار لا ينتهي. كما أن الحرية تعادل من حيث الجوهر معنى الآفاق الجميلة بالمعنى الفلسفي والسياسي أيضا. فالحرية الفردية هي جزء من الجبر الكوني. وفيه من خلاله يمكن للحرية أن تبرز بوصفها تجربة تاريخية ثقافية لها بقدر واحد حدودها وآفاقها . وبالتالي، فإن الضعف التاريخي والمنطقي في الفكرة الهيغيلية هنا يقوم في انه إذا كانت الحرية مسارا للعقل المطلق فلماذا بدايته عند الجرمان مع اأنهم من بين الشعوب المتأخرة في مجال التمدن والحضارة وتأمل الإنسان وموقعه في الوجود والكون؟

أما الصيغة التاريخية الملموسة لمسار الحرية، فإنه مرتبط بفكرة الضرورة عند هيغل. لهذا نراه يعتبر علاقة الحرية بالضرورة قانونا. فالضرورة هي المسار الباطني والمجرد للروح، بينما الحرية هي ما يعرض نفسه في الإرادة الواعية. من هنا استنتاجه اللاحق عن أن الحرية هي الإرادة الواعية أو أن الحرية هي إدراك الضرورة. وهي فكرة وضعها ضمن تاريخ الثقافة الفلسفية الأوربية سبينوزا. بينما استندت هذه الفكرة واستمدت مقوماتها من كيفية حل هيغل لإشكالية الصدفة والضرورة. فالصدفة بالنسبة له من عالم لا علاقة له بالعقل والمنطق بينما الضرورة هي إدراك وفكرة. من هنا استنتاجه اللاحق عن إن الحرية هي إدراك الضرورة. ولاحقا ستضيف لها الماركسية الإدراك الواعي والعمل بموجبه.

لقد انطلق هيغل في تحليله لعلاقة الحرية بالضرورة في التاريخ من الفلسفة. واعتقد، بأن مسار الفكرة يمر في حالات عديدة من التعارض والتناقض، بمعنى التعارض بين الفكرة في صورتها الكلية الحرة، أي الموجود في ذاتها، والصورة المقابلة لها، أي الوجود الصوري من اجل ذاتها. وفي مجرى الصراع بينهما عبر الإرادة الإنسانية تتحقق معادلة الحرية والضرورة باعتبارها صراعا أبديا. فالإرادة الصورية (أو الحرية المجردة) تريد ذاتها وترغب في أن تجعل شخصيتها الخاصة سارية في كل ما تريد. إذ حتى الإنسان الورع يريد الخلاص والسعادة. ولم يقصد هيغل بذلك سوى البحث عن حالة التناقض الضرورية والمميزة لوجود كل شيئ، مع ما فيها من تضاد بين التوجه الذاتي والواقع. وذلك لأن كل انسجام، كما يقول هيغل، هو حالة فردية وعابرة بينما التاريخ يسير ويتطور عبر الصراع. وبالتالي، فالسعيد هو من يجعل ظروفه ملائمة لشخصيته وإرادته وخياله بحيث يستمتع بهذه الظروف. غير أن تاريخ العالم ليس مسرحا للسعادة، كما يقول هيغل. ففترات السعادة في التاريخ هي صفحات بيضاء فارغة لأنها فترات انسجام، أي الفترات التي يتعطل فيها التضاد (الصراع) لفترة مؤقتة. ولم يقصد هيغل بذلك أفضلية التعاسة والردى، كما انه لم يفّضل أو يحّبذ ما تعرض له هو نفسه من العيش على فراش الموت بأثر اصابته بالكوليرا. لقد سعى هيغل للكشف عن المسار الفعلي للحرية في التاريخ وقيمتها بالنسبة للوجود الإنساني. من هنا قوله، بأن الحرية هي العنصر الصوري في نشاط الفكرة المطلقة، أما النشاط المؤدي إلى تحقيقها فيعادل معنى الحد الوسط في القياس. أما في الحياة الفعلية والتاريخية، فإن الحد الوسط هو النشاط الإنساني الذي يحقق هذا الحد الوسط عبر المبدأ الكلي في الواقع. فانفعالات البشر في مجرى تطورها وتشييدها للمجتمع الإنساني هي نفسها التي تدعم مركز القانون (النظام) ضد هذه الانفعالات نفسها، كما يقول هيغل.

لقد ظلت أفكار هيغل عن التاريخ عقلانية، بغض النظر عن غلاف بعض جوانبها اللاهوتي. فمسار التاريخ بالنسبة له يبقى عقلانيا، أما المظاهر السيئة والمؤلمة فهي جزء من "مكر العقل". وذلك لأنه مسار محكوم بوحدة التناقضات. من هنا حكمه القائل، بأن الانفعالات التي يعاني منها المرء في عزلته لا يمكن أن تكون نموذجية أو نموذجا معبرا عن الواقع الفعلي الكلي. وأشار بهذا الصدد إلى أشعار شيلّر التي عبّرت عن هذه الظاهرة بطريقة مؤثرة، وبوجدان شديد، وبأسلوب يكشف عن اقتناع حزين دفين، بأن مثل هذه المثل العليا لا يمكن بلوغها بالفعل. بينما سعى هيغل إلى ما يدعوه بتجاوز الحالة الفردية التجريبية أيا كانت. وذلك لأن الحالة الفردية متنوعة وتقبل كل درجات التقييم من الأدنى إلى الأعلى وبالعكس. وهنا تلعب الصدفة وخصوصية الفرد أدوارا متميزة بعد حصولهما على "تفويض" من الفكرة العامة.

وهذه بدورها ليست إلا إشكالية الحرية والضرورة. وقد سعى هيغل من وراء تحليل وبناء علاقة الضرورة بالحرية للكشف عن قانون التاريخ عبر السلوك الفردي، والخاص، والجزئي. بمعنى إن الفكرة العامة تجد طريقها إلى الواقع والحياة عبر السلوك الفردي وانفعالاته. ومن ثم إعلاء شأن الجزئي والخاص ورفعه إلى مستوى الارتباط بالحقيقة الكلية. هذه بدورها ليست الا الصيغة المناسبة لما بلوره هيغل عن فكرة المبدأ العام للممكن والممكنات العائم في سماء الوجود! فقد انطلق هيغل هنا من أن "المبدأ هو مرحلة أساسية في تطور الفكرة الخلاقة وتطور الحقيقة العاملة من اجل بلوغ الوعي بذاتها". من هنا، فإن رجال التاريخ العظام أو أفراد التاريخ العالمي، هم أولئك الذين يكمن في أهدافهم هذا المبدأ العام، أي مبدأ الممكنات والبدائل الذي يجري من خلال الصراع لكي تبلغ الفكرة وعيها الذاتي، أي حريتها الفعلية. وهذه بدورها المقدمة التي بنى عليها هيغل إحدى الأفكار العميقة والمتناقضة عن العقل والحرية. وضمن هذا السياق تناول ما يسمى بفكرة العظيم والعظماء. فقد حصر هيغل فكرته عن العظماء في التاريخ بين رجال العلم والسياسة. وذلك لأنهم بصيرون بمتطلبات عصرهم. وبغض النظر عن فرادتهم بهذا الصدد، إلا أن حقيقتهم الأولية تراكمت أو تبلورت "في رحم الزمان" كما يقول هيغل. بمعنى إن من الصعب تحديد السبب الفعلي أو الأسباب الفعلية الكاملة وراء ظهورهم، إلا أن ظهورهم هو تحقيق للعقل في بلوغ الحرية. من هنا قوله، بأن عبقرية هؤلاء الرجال تكمن في معرفتهم وإدراكهم للخطوة الضرورية للسير الى الأمام والتقدم. الأمر الذي جعل منهم "حكماء العصر". كما إنهم من يؤجج أعماق النفس المختبئة للافراد، بحيث يجعل منهم "وسطاء روح العالم"، أو كنيسة الله الفاعلة في الوجود التاريخي للعقل!! وأيا كانت الصيغة اللاهوتية المتلهية بمفرداتها الجميلة، فإننا نعثر وراء غشاءها الميتافيزيقي هذا على محاولة وضع فكرة العظمة التاريخية والعظماء ضمن سياق الصيغة المجردة لمسار الروح المطلق في بلوغ وعي الذات والحرية. وهي الحالة المغرية للإرادة الانسانية والميئوس منها بمعايير الجسد. إذ يسير هيغل هنا ضمن سياق التقاليد الفلسفية التي جعلت من نيل السعادة غايتها الكبرى. والعظماء يسعون إلى ما يسميه هيغل بلوغ المتعة الهادئة، وذلك لأن حياتهم كلها كانت جهد وعناء. وعندما يبلغون مقاصدهم فإنهم يتساقطون كما تسقط قشرة الثمرة الفارغة. وهذه هي مهمتهم التاريخية. فالعظماء عظماء لأنهم انجزوا ما هو ضروري لمتطلبات العصر. وهذا بدوره ليس إلا احد مظاهر ومجريات العقل. فالعقل أيضا يحكم العالم عبر نشاط وقوة العظماء. ويتطابق هذا مع ما يدعوه هيغل بمكر العقل. فالفكرة العامة المجردة لا تشترك في الصراع المباشر ولا تتعرض للخطر. إنها تقف بعيدا تتأمل ما يجري. فالأحداث والتضحيات والعذابات الفردية أيا كانت كميتها ليست بذي قيمة إذا ما جرى مقارنتها بالعام. فمقابل التضحية بالأفراد ونبذهم وطردهم تدفع الفكرة ثمن عقوبة الوجود والعدم لا من ذاتها بل من انفعالات الأفراد.

إن هذا التأسيس والصيغة والحصيلة التي توصل إليها هيغل ليس إلا التعبير غير المباشر عن إشكالية الوسيلة والغاية في التاريخ. وينطلق هيغل في تأسيسه لفهم وحل هذه الإشكالية من أن بين الوسيلة والغاية عامل مشترك. فللإنسان غايات في ذاته. أما المضمون الفعلي أو الباطني والحقيقي لهذه الغاية فيقوم في الموقف من إن الإنسان لا يكون غاية في ذاته إلا بفضل ما هو إلهي فيه، والذي يعادل في فلسفة هيغل فكرة العقل.

ووضع هذا الاستنتاج بما في ذلك في موقفه من الجماهير ودورهم في التاريخ. وانطلق بهذا الصدد من أنه من غير الصحيح القول، بأن الشعب وحده هو الذي يمتلك العقل والبصيرة، وانه وحده من يعرف العدالة، وذلك لأن كل حزب أو فريق من الشعب يمكنه القول بأنه هو الشعب وممثل رؤيته وإرادته. وبمقابل ذلك ينبغي القول بأن ما يؤسس الدولة هو العلم الناضج لا القرارات الشعبية. لكن الأخيرة تكمن في "تاريخ العقل"، بوصفها إحدى قواه التاريخية الكبرى. وهنا يبلور هيغل فكرة علمية وعقلية عميقة بهذا الصدد تقول، بأن القرارات الشعبية التاريخية هي التي تصنع العقل التاريخي. ومن ثم هي وراء صيرورة الدولة أيضا. والاستنتاج المترتب عل ذلك هو الترابط الجوهري بين الدولة والحرية بوصفهما الأشكال المثلى لتحقق المسار التاريخي للعقل و"خطة" الروح المطلق. وسوف يحوّر ماركس هذه الفكرة والموقف ضمن قضية علاقة الفرد بالتاريخ. فإذا كانت عند هيغل تتخذ هيئة فكرة العقل المجرد بوصفه منطق التاريخ، فإنها تتخذ عند ماركس هيئة المسار المادي الاقتصادي الاجتماعي للتاريخ نفسه. ومن ثم فيه يكمن منطق التاريخ أو قوانينه. وعلى هذا الأساس بنى فكرته عن قيمة الفرد في التاريخ وعلاقة القادة بالجماهير، ودور الجماهير فيه. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

علي محمد اليوسففي الفلسفة التفكيكية التي أعتمدت ما سمّي بالقراءة الجديدة المستمدة من الفلسفة البنيوية، أو القراءات التأويلية الاختلافية الأرجائية المتعددة للنص، نجد أنه جرى تداول تلك الطروحات اللغوية و الفلسفية عندنا، كما هو الشأن في جميع الصرعات الفكرية التي ظهرت في فرنسا على وجه الخصوص، ومن ضمن تلك التيارات الفكرية ما جاء به تروبتسكي وجاكوبسن ودي سوسير وفنجشتين وآخرين في مجال اللغة واللسانيات.

أن أنزياح وأستبعاد النص الاصل يكون من خلال توالي القراءة التقويضية أو القراءات التفكيكية المتتالية التي تختلف عن أصل النص في متابعة الجوانب أو الهوامش دونما المركز في متوالية لا نهائية من الهوس التفكيكي، الذي يصبح فيه أصل النص ميّتا أو ملغيا مندثرا بعد موت المؤلف حسب مقولة رولان بارت، الذي لا يشاطر التفكيكية تقويض النص.

والأهم رجوعنا في لمحة سريعة الى البنيوية التي أعتمدت لغة النص مرجعية قارة تحت شعار(لا شيء خارج النص) على خلاف التفكيكية التي جاءت في مقولات دريدا العبثية في فوضوية بناء اللغة وفي أعدام النص تفكيكيا لا يداخله هدف ولا نتيجة منتظرة فأوقعت نفسها في وحل العدمية واللامعنى الفلسفي وأصبحت التفكيكية اليوم محل أدانة وتندر لدى أغلب علماء وفلاسفة اللغة يتقدمهم جومسكي وفلاسفة لغة أميركان معاصرين غيره... رغم أحتضان الامريكان لتفكيكية دريدا من منطلق أنها صرعة فلسفية أستهلاكية جديدة عابرة لا تأثير كبير لها على الفلسفة البراجماتية، وتبّني فلاسفة أميركان بما سمّي التحليلية النقدية الجديدة التي مرتكزها أيضا علوم اللسانيات وفلسفة اللغة منهم جون سيرل وريتشارد رورتي..ونعوم جومسكي في توليديته المتفردة والتحليلية الامريكية أمتداد للتحليلية الانكليزية التي تزعمها جورج مور ،وبراتراندرسل، ووايتهيد وانظم لهم في وقت لاحق فينجشتين...

أعتمد الشكلانيون الروس في مؤتمر لاهاي عام 1929 مصطلح البنيوية الذي وضعه جاكوبسون، وقد رفضت هذه المدرسة التي أسست البنيوية الفرنسية على منطلقاتها التي جاء بها ليفي شتراوس وآخرين دوسيسير ولاكان وفوكو والتوسير فيما بعد فكرة عدم توظيف النص الادبي لنصرة معتقدات فلسفية معينة، ونادى الشكلانيون ضرورة ووجوب أعتماد النظر على الشكل الجمالي للادب بما هو تجنيس ثقافي أدبي لا تجنيس فلسفي معرفي ، أي في أعتبار الادب أدبا صرفا يتميز بعدة دلالات تعبيرية لغوية جمالية تجعله جنسا تعبيريا مستقلا مفارقا لنصوص ما سمي السرديات الكبرى الفلسفة والدين والايديولوجيا وغيرها...أن من أكبر الاخطاء هي التي تساوي بين عبثية التفكيكية على صعيد تقويض نص اللغة، وبين الفلسفة البنيوية التي لم تقف مباحثها الفلسفية عند مبحث اللغة فقط بل حملت تياراتها أبداعات لا حصر لها في مجال اللغة وعلم النفس والايديولوجيا والفلسفة والانثروبولوجيا وغيرها يأتي توضيحه لا حقا..

والى هذا الحد من الممكن أعتبار البنيوية من خلال تعدد أهتماماتها ومباحثها الفلسفية خارج بدعة الرقص التفكيكي في مخاتلات متن اللغة الفكري على هوامش الاختلاف والارجاء كما فعل دريدا، أن البنيوية تعنى بالانثروبولوجيا والاثنولوجيا(تاريخ الاقوام البدائية ما قبل التاريخ ) تحديدا عند شتراوس، وفي علم النفس لدى جان لاكان، وجان بياجيه في الفلسفة النقدية للماركسية ،وعلى نقد السرديات الكبرى كما هي عند التوسير، والجنسانية والجنون لدى فوكو. فالبنيوية على عكس من فقر التفكيكية الفلسفي في محدودية مجالات مباحثها التي أوقفتها على موضعة التحول اللغوي وتأثير ذلك على الادب والنقد منه تحديدا، كانت البنيوية  تيارا تجديديا في مباحث الفلسفة غير محدود له أنصار مررنا على أسمائهم قبل أسطر، على العكس من التفكيكية التي أرادت التعكّز على البنيوية اللغوية فوقعت في حضن الابتذال المعرفي التجريدي في محاولتها تفسيرمنطوق اللغة بعبث تدميري وهدم لا منطقي ولا فلسفي للنص أو الخطاب كما يفاخر به دريدا، الذي أصبح التنّدر به على لسان  العديد من علماء اللغة والمشتغلين في مباحث الفلسفة المعاصرة.

ولنقرأ النص التالي من كتاب علي  حرب (نقد الحقيقة) ألمتأثر جدا في تفكيكية دريدا في مقاربته المتعكزة على التفكيك كمرجعية (أن كل قراءة تختلف لامحالة عن النص الذي تقرأه أو تقرأ فيه، سواء أكانت القراءة شرحا وتفسيرا ، أو أستنباطا وتأويلا. وهي تنزع من ثمّ، وبحكم أختلاف ما تقرأه، الحلول محله، ولما كانت كل قراءة تأويلاوحمل لمعنى ما على المقروء، وترجيح لمعنى آخر، أي هي تأوّل، ومآل التأويل أن يحل محل التنزيل) ص 96من الكتاب..

أن الانزياحات التأويلية لأصل النص في تعدد القراءات وأختلافها ، يعطينا بحسب أحكام المفكر علي حرب، أن فكرة أو محتوى أو مضمون النص ، يمنحنا ترجيحا الى أن جميعها أفكار أو مرموزات لغوية أشارية متعالقة بما يتعّلق بأصل شكلانية النص بما هو شكل مجردا من مضمونه، وبعد أجراء القراءات التأويلية والتفكيكية عليه يكون لا معنى لنص الاصل ولوجوده أيضا كمرجعية ليست ثابتة، ولا يعد النص يمتلك حضورا حقيقيا بعد تعدد قراءآته التداولية المختلفة في تغييب مقصود لأصل ومركزية النص في ترجيح أعتماد الهامش القرائي...وبعد أن أخرجت التفكيكية تعدد الاهتمام بالهامش على حساب المتن المركزي في النص التداولي المقروء من خانة المرجعية في أحتكام الهامش القرائي الجديد له..

وبذا بدلا أن يكون أصل النص مرجعية ثابتة تحاكم بها وعلى ضوئها ، صحة قراءات الهوامش التجديدية على النص الاصل والتأويلات المتعددة له،يقوم التفكيك بأعدام أصل النص تفكيكا تحليليا الذي هو أساس ومرجعية جميع القراءات بتعدد وأختلاف أشكالها له، الذي تريد تفكيكية دريدا أغتيال أصل النص علانية كونه يحمل معان غير متاحة لقراءة أو عدة قراءات وفي أعتبارها كل ماهو باق يتوجب تفكيكه لاحقا الى ما لا نهاية.

والسؤال الجوهري هو كيف يمكننا البرهنة أن التأويلات القرائية في الهوامش وفي محاولة أستحضار الغائب المضمر في فائض المعنى على حساب المعطى الماثل في أصل النص على أنها وسيلة واسلوب الاختلاف في أستحضار فائض المعنى الذي تدخّره (تدميريا) القراءات التفكيكية في أعدام أصل النص لغويا قبل أعدامها أصل النص فكريا.(يلاحظ أن دريدا يستعير لفظة الهدم والتدمير من نيتشة وغاديمير وفي هذا تكمن نزعة العبث اللغوي فلسفيا الذي لا يقول شيئا ولا يضيف جديدا وليس بمستطاع دريدا أن يجيد غير الهدم والتدمير تنفيذه على صعيد بنية اللغة فقط.)..

لا توجد أية قناعة أو أستدلال معرفي أو لغوي علمي أو فلسفي يقودنا التسليم الى أن الرقص اللغوي المخاتل على الهامش القرائي الاختلافي هو أكثر مقبولية وحكمة وصواب من محتوى النص الاصل الذي قامت القراءات التأويلية التفكيكية بأعدامه تقويضا والغاء قيمته لأنه لم يف بالتزامه في كشفه المسكوت عنه وفائض المعنى المدّخر.

وكيف لنا أن نعرف أن المسكوت عنه هو الصحيح وليس ما يبوح به أصل النص وليس ما يذهب له وتدّعيه الهوامش من صدقية أفتراضية.؟ في بحثها الدؤوب عن فائض المعنى الذي تخلفّه اللغة وراءها في تعدد القراءات والاجتهادات والتأويلات.

التفكيكية تنسب لنفسها الرقص على الهامش والجانب في المواربة اللغوية الاختلافية مع أصل االنص البؤرية لتجعل من طروحاتها النظرية البائسة تجديدا شبحيا في الفكر الفلسفي...ولا نستبق التعليق أن جاك دريدا في التفكيكية يلغي تماما أية مرجعية ثابتة يمكن الاحتكام لها، ويعتبر دريدا أنه حتى العقل لايمثّل مرجعية ،لأن هذه المرجعيات التي أعتمدتها مباحث الفلسفة قبل التفكيكية ، طالما أعتبرتها مباحث الفلسفة مرتكزات محورية شبه ثابتة فهي أصبحت ميتافيزيقا يتوجب مجاوزتها، كما أن دريدا يرفض (المنهج) بأعتبار أن التفكيك لايحتاج المنهج لأنه (استراتيجية) آلية تفكيكية تطال كل شيء، وحتى التفكيك يعقبه تفكيك الى ما لا نهاية له أو توقّف عنده...كما أن دريدا هاجم هيدجر وأعتبره ميتافيزيقيا كونه يؤمن بمرجعية العقل الذي هو ثبات لا يعتّد الاخذ به.

وأذا نحن سّلّمنا بهذا التحليل القرائي التفكيكي للنص الاصل، فسنكون في حالة ضياع وتيه في أستقصائنا أين يكمن المعنى الصحيح وفي أي من القراءات التأويلية التي طالت النص الاصل وغيّبته قسرا نعتمد في الوصول الى الحقيقة؟.

ويصبح التشتت القرائي الاختلافي هو سيد التيه والضياع، نتيجة منطقية لما يتوجب علينا معايشته في تعدد الانزياحات المتناوبة في أستهدافها أصل النص بالتغييب العمد كهدف مطلوب في ذاته ولذاته فقط في أشباع هوس التفكيك اللغوي في الهدم والتقويض.

نعتقد أن أصل النص هو حقيقة مرجعية ليس سهلا الاستغناء عنها أو تغييبها، وأنه أيضا خلفية أسترجاعية ثابتة لمعرفة ماذا أضافت القراءات التأويلية الشارحة عليه، وأين أصبح موقع أصل النص بعد تناوب القراءات الالغائية له وماذا بقي منه؟ وأين أوجه القصور والخطأ به.؟ والنص منتج عقلي، والعقل والنص مرجعيات نحتكم لها ليس لحقيقة وجودها وثباتها، بل لأنها من الضرورات البدهية التي بضوئها نستطيع الحكم على مدى أهمية قراءاتنا اللانهائية الافتراضية لأصل النص.

من المهم التذكير بأن رولان بارت على أختلاف مع التفكيكية التي تذهب الى أعدام أصل النص تفكيكا أختلافيا تداوليا، فهو أكتفى بألغاء هيمنة المؤلف على النص ووصايته على القاريء، وأوصى أن يكون حضور النص مرجعيا أستدلاليا في تعدد وأختلاف القراءات هو فقط دون غيره.، ولا شيء خارج النص.

أننا نفهم أن كل نص هو كيان مادي قائم بذاته، والافكار قوة مادية تأخذ أنسنتها الطبيعية من المتلقي به واليه،ويتوجّب علينا أن ننطلق من أن كل قراءة او عدّة قراءات لأصل النص مهما أوتيت من قدرة تأويلية ذكيّة فهي ليس بأمكانها ولا بمستطاعها الغاء حضور محورية ومرجعية (أصل النص) حتى لو تعاملنا مع الغائه مجازّيا وليس حقيقيا، ثم والأهم لماذا نحن نعامل القراءات الهامشية الدائرة حول مركزية النص الاصل انّها هي مايمّثل الحقيقة المطلوبة المؤقتة التي سينالها التقويض التفكيكي لاحقا، وليس العكس في عدم أعتمادنا مركزية أصل النص أنها هي الحقيقة التي على ضوئها نحكم على صحة منطلقات الهوامش القرائية التي تدور حول اصل النص وتستهدفه بالالغاء؟ من جهة أخرى أننا سنضع أنفسنا بهذه الحالة أمام سلسلة لا تنتهي من الالغاءات المتناوبة على أستهداف أصل النص في أعدامه وأخراجه من دائرة التلقي في تعدد وتنوع القراءات له .وهذا هوما تنادي به التفكيكية وتعتمده بالصميم. /

 

علي محمد اليوسف / الموصل

 

 

ميثم الجنابيالدولة: يقين التاريخ والمستقبل

فيما لو اردنا اختصار الفكرة الجوهرية لمضمون ومعنى المسار التاريخي في الفلسفة الهيغيلية فمن الممكن وضعها بعبارة تقول: "لا تاريخ خارج الدولة". فقد وضع هيغل الدولة في صلب المسار التاريخي للإنسان، وجوهر الوجود الإنساني، والتحقيق الكامل للإرادة الإنسانية والعقل و"الحكمة الإلهية". إنها تتخذ عنده صيغة بداية ونهاية كل مظاهر الروح المطلق في الوجود والإبداع الإنساني. من هنا ربطه اعادة النظر النقدية والفلسفية بالتاريخ والاهتمام بفكرة الدولة. فالشعوب لها تاريخ ما زال لها دول. وهي فكرة سبق وإن قال بها ابن خلدون وأسس لها في رؤيته لتاريخ التمدن والحضارة. غير انه خلافا لهيغل وجد ظهورها وصيرورتها وتطورها وموتها باعتبارها عملية طبيعية مرتبطة بالنشاط الإنساني، والاقتصادي بشكل خاص، كما يكمن فيه أيضا مقدمات سقوطها اللاحق. انه تعامل مع الدولة بوصفها جزء من صيرورة الحضارة، تماما بالقدر الذي تشكل الحضارة نتاجا لتطور الدولة. لكنه وقف عند هذا الحد الذي طوره ماركس لاحقا، باعتبار ان انحلال الدولة وتلاشيها هي أولا وقبل كل شيء عملية اجتماعية اقتصادية وليست حضارية.

لقد وجد هيغل في الدولة الإرادة الكلية، أي تلك التي تجمع في ذاتها الإرادة الذاتية والإرادة الكلية. وهذا بدوره ليس إلا وحدة التاريخ والمنطق أو التاريخي والمنطقي في المسار التاريخي نفسه. الأمر الذي حدد حقيقتها بوصفها التحقق الفعلي للحرية، أي للغاية النهائية المطلقة. من هنا اعتباره إياها "الفكرة الإلهية كما توجد على الأرض". إذ بالدولة يمكن رؤية هدف التاريخ وموضوعه، كما يقول هيغل. بمعنى أنها تحتوي على كل ما له علاقة بالإبداع الإنساني بوصفه ذروته العليا. ومن ثم هي الصورة الحقيقية والواقعية لما يدعوه هيغل بالحياة الجوهرية، التي تتمظهر فيها الإرادة الذاتية والعقلية. من هنا قوله، بأن من مصلحة العقل أن تكون الدولة باعتبارها كلاّ أخلاقيا، والذي بأثره يمكن فهم سلوك الأبطال الذين وضعوا أسس الدولة. أما لماذا "الكلّ الأخلاقي"؟ فلأنها تهذّب كل معالم الوجود الإنساني بمعايير الأخلاق النظرية والعملية، أي بوحدة القيم والحقوق. ومن ثم فإن كل ما تقوم به هو أخلاقي بمعايير العقل المطلق، أي القوة المتحكمة في المسار التاريخي.

ولم تكن جوهرية الدولة في فلسفة هيغل معزولة عن حالة "الدولة" الألمانية ومسارها آنذاك. فقد أسس هيغل لفكرة تبرير سلوك رجال الدولة الكبار، أي أولئك المهمومين بفكرة الدولة. أنه أسس لفكرة الدولة المفقودة. من هنا رفعها إلى مصاف القيمة المطلقة، باعتبارها ذروة المسار التاريخي والعقلي للروح. في حين نظر ماركس الى الدلة باعتبارها آلة القهر والعدوان والستغلال وما شابه ذلك، رغم انه لم يهمل قيمتها التاريخية. وهي الفكرة التي اشترك في التأسيس لها والدفاع عنها مختلف التيارات والشخصيات الراديكالية والثورية1 . 

وبما إن الدولة بالنسبة لهيغل، هي القيمة الكبرى للعقل والإرادة من هنا يصبح سلوك أولئك الأبطال أو رجال الدولة معقولا ومقبولا بغض النظر عن المظاهر الخارجية لكل ما يقومون به من أعمال بما في ذلك أكثرها شدة وقسوة وفظاظة وشرا. ونقف هنا إشكالية كبرى للفكرة الأخلاقية، والعقلية، والعقلانية، والقدر التاريخي، ومصير الأفراد فيه. فالواقع التاريخي وأحداثه تكشف عن أن الأبطال الكبار والشخصيات "العظيمة" هي الأكثر دموية في تاريخ الدول والأمم. (مؤسس الصين، ابو العباس السفاح، بطرس الأول، ستالين، بسمارك، نابليون وعشرات غيرهم). أما لماذا لا يجري ادراج هتلر ضمنهم في الأغلب الآن هو بسبب تعرضه للهزيمة، أي لأنه لم ينتصر ولأن سلوكه القاسي كان موجها أساسا ليس ضد تقييد حرية شعبه من اجل نفاذ القانون وقيمة "الكلّ الأخلاقي"(الدولة) بل ضد الآخرين من خلال جعل عبودية الآخرين وإبادتهم أسلوبا "لتحقيقها". فالألمان استعملوا شعار "العمل يجعلك حراً"!Arbeit macht frei. لكنه عمل معسكرات الاعتقال. أما الحرية فقد كانت عبر تحويل "البشر" الى "أرواح" من خلال القتل والحرق!

غير أن هيغل وجد في هذه الحالة الأسلوب الوحيد والأمثل لبلوغ الحرية. وذلك لأن الدولة بالنسبة لهيغل هي التحقق الفعلي للحرية. وبالتالي، فإن الفكرة القائلة، بأن الإنسان بطبيعته حر ليست سليمة. وهما فكرتان يحتويان كلاهما على قدر من الحقيقة المنطقية والثقافية، لكنهما لا يمثلان الحقيقة كما هي بهذا الصدد. غير إنهما يتداخلان ويتوازيان ويتآلفان في الرؤية الهيغلية. والمقصود بذلك إن الإنسان من وجهة نظر هيغل حر بطبيعته ومصيره، وليس بالولادة والطبيعة. فالحرية كمثل أعلى لا توجد بهيئة ما أولية وطبيعية، بل ينبغي السعي للوصول إليها. ولا يمكن بلوغ ذك دون جهود كبيرة لتذليل الغريزة أو طبيعة الإنسان الحيوانية، ومن ثم تطويره الأخلاقي العقلي ومن خلاله صنع "طبيعته الثانية". فتقييد الحرية من الناحية التاريخية هو أسلوب بلوغها العقلي السليم. فعندما تفرض الدولة قيودها أو تقييدها للحرية فليس ذلك إلا لكون ذلك "جزء من الوسيلة التي يمكن عن طريقها وحدها أن يتحقق الوعي بالحرية والرغبة في بلوغها في صورتها الحقيقية" كما يقول هيغل. وهذه بدورها هي صورتها الواقعية والمثالية.

إن صيرورة الدولة بالنسبة لهيغل هي الغاية والشكل الذي يتخذه التحقق الكامل للروح في الوجود. وبالتالي هي تجل للعقل المطلق. ومن ثم أساس ومركز الفن والقانون والأخلاق والدين والعلم. وهذه بدورها إحدى الأفكار العميقة التي أبدعها هيغل في فلسفته التاريخية، بحيث جعل منها الإله الفعلي للوجود الإنساني، ومن ثم صانعة الدين وآلهته. وبغض النظر عن التناقض الظاهري لهذه الفكرة في فلسفته التاريخية إلا أنها تندمج بشكل متناسق في منهجه الفلسفي التاريخي. فقد انطلق هيغل في هذا المجال من الإجابة على السؤال المتعلق بماهية المادة التي يتحقق بها ومن خلالها المثل الأعلى للعقل. انه يتحقق في الشخصية نفسها والرغبات البشرية والذاتية، أي حالما يبلغ "العقل مرحلة الوجود الإيجابي في المعرفة الإنسانية"، والذي تمّثل الإرادة عنصره الأساسي. غير أن هذه الإرادة ليست مطلقة الاستقلال، بل تابعة ومرتبطة بإرادات أخرى، لكنها تمتلك مع ذلك حياتها الخاصة. وإن وحدة الإرادة الذاتية والإرادة العقلية يكوّنان الوجود الجوهري للإرادة، أي "الكلّ الأخلاقي" (الدولة) كما يقول هيغل.

 إن فكرة هيغل حول جوهرية الدولة، باعتبارها التجسيد الحقيقي لجوهر الحياة والحياة الجوهرية تقوم في كونها هي وحدها "الحقيقة الإيجابية" التي تكتمل بها الحرية. إذ في الدولة فقط تكتمل الأخلاق والقانون والحكومة. وبالتالي، فإن الدولة هي الحياة الأخلاقية، وفيها تتحقق الحياة الأخلاقية، أو أنها "الكلّ الأخلاقي" حسب عبارة هيغل. من هنا تحديده لمهمة الدولة وهدفها الحقيقي وهو أن تجعل مما هو جوهري في النشاط العملي للناس وما هو أساسي في ميولهم، أمرا معترفا به ومقرورا على النحو الواجب، مع ما يترتب على ذلك من ترسيخ جوده هذا "الواجب" ودعم مركزيته.

فالثقافة، على سبيل االمثال، هي النتاج الملازم للدولة. وبالتالي، فإن ثقافة الأمة هي الصورة التي تندرج فيها كل ما تشتمل عليه الدولة. ففي ارتباط الناس بعضهم ببعض داخل الدولة تكمن ضرورة الثقافة وبالتالي ظهور العلوم والشعر والفن الراقي. وذلك لأن الفنون التشكيلية تتطلب، بما في ذلك في جانبها التطبيقي، وجود أو حياة الناس في مجتمع. والشيئ نفسه ينطبق على الدين. إذ يعتقد هيغل بأنه لابد للوعي أن يدرك بأن الدين هو بؤرة ومركز هذا الوعي. فالدين هو "المجال الذي تقدم فيه الأمة لنفسها تعريفا لما تعتقده انه الحقيقي. وهو تعريف يتضمن كل ما ينتمي إلى ماهية الموضوع الذي ترد طبيعته إلى تعيّن بسيط وأساسي بوصفه مرآة لكل تعّين، وبوصفه النفس المتغلغلة في كل شيء. لذلك فإن تصور الله يشكل الأساس العام لشخصية كل شعب من الشعوب".

إن هيغل يفسح المحال أمام تعدد الأديان وظهورها التاريخي بوصفها جزء من مسار الروح وحكم العقل. وقد تراكمت وتكاملت هذه الفكرة عند هيغل منذ زمن مبكر، بحيث نعثر على براعمها الأولية في كتابه (حياة يسوع) الذي حاول من خلاله تأسيس الرؤية العقلية عن المسيح، أي جعله تجليا للعقل من خلال إضفاء صفة العقل على ما فيه وبوصفه تجليا للعقلانية. لقد سعى هيغل إلى أن يجعل من الدين مستوى وشكلا من أشكال وعي الذات والحقيقة. أما جعله في مركز الوعي فهو هبوط من علياء العقل إلى حضيض اللاهوت الذي لم يستطع هيغل التخلص من أثره بسبب التربية البروتستانتية العميقة في وعيه ولاوعيه العائلي والفردي والفلسفي أيضا. لكنها فكرة كانت تؤدي ضمن سياق الرؤية السياسية لهيغل دورا مهما وحيويا آنذاك. فقد اعتقد هيغل، بأن الوجود الدنيوي زائل، وذلك لأن حدود اهتمامه محصورة بالمصالح الجزئية. بينما المشاعر الدينية أوسع وأعمق من المصالح الجزئية. وبالتالي، فهي تعمل أو ينبغي أن تعمل، كما يقول هيغل، على توحيد الأمة والدولة، ومن ثم القضاء على القلاقل والفتن. من هنا وصيته واقتراحه حول ما سماه بضرورة أن يكون "الشعور الديني متزنا، وأن يحتفظ بدرجة معينة من السكينة والهدوء، بحيث لا يثور ولا يغضب ضد ما ينبغي الدفاع عنه والمحافظة عليه".

إن إحدى المهمات الجوهرية والوظائف العملية للدين تقوم في الحفاظ على الدولة. وذلك لأنه أساس الدولة ومبادئها الأولية. فالدولة مبنية على الدين، وأن نشأتها من الدين، الأمر الذي يحدد طبيعة العلاقة الدائمة بينهما. إذ ما كان يمكن للدولة الاثينية والرومانية الوجود والاستمرار إلا بارتباطهما الخاص بالوثنية أو إحدى صورها الخاصة. وينطبق هذا على غيرها. وهي فكرة تتناقض من حيث جوهر مع مضمون الديالكتيك الهيغلي نفسه، كما أنها لا تفهم حقيقة الدين ودوره وأثره بالنسبة للدولة، باعتبارها ظاهرة تاريخية ملموسة ضمن سياق المسار المضني والمرهق "للروح المطلق"، فيما لو استعملنا مفهوم هيغل نفسه، لكي يبلغ العقل حقيقته. وقد أثرت هذه الفكرة في ماركس أيضا، ولكن من خلال ما أُطلق عليه عبارة "مهمة إيقاف الديالكتيك عل قدميه بعد إن كان يقف على رأسه". فالدولة لها قانونها الخاص في الوجود المادي للإنسان والجماعة. بينما الدين هو "أيديولوجية متسامية" لا تختلف من حيث وظيفتها عن غيرها من الأيديولوجيات، بالأخص ما يتعلق منها "بالحفاظ على الدولة" ولكن ليس بالمعنى الهيغلي، بل بدولة الطبقة السائدة فيها لهذا المرحلة التاريخية أو تلك. لكن خلافا عن غيرها هو "افيون للشعب" تبيعه السلطة عبر القهر والإكراه والاغتراب الذي يصنع قوى اجتماعية ليست وليدة الإيمان بل نفيا له. وهذه فكرة وحكم لا يخلو من نزوع أيديولوجي. وفي الواقع، فإن ماركس قد وقع في نفس الفخ الذي وقعه فيه هيغل، ألا وهو أولوية وتغلغل الفكرة الأيديولوجية (السياسية) المكنونة عند هيغل والصريحة عند ماركس. كما يشتركان في توظيف الفكرة الفلسفية. الأمر الذي أدى إلى تناقض بين مضمون الفلسفة وتوظيفها عند هيغل، وإفراط توظيفها عند ماركس.

ومع ذلك فإن حقيقة العقل بالنسبة لهيغل ليس دينا، لأنه لا إيمان فيه، بل بحث دائم عن حقائق الوجود وتأسيس دائم للاحتمال العقلاني. وهي فكرة تتلألأ احيانا ضمن ثنايا السبيكة النقية للتناقضات الحية في منظومة هيغل الفلسفية عن التاريخ. وضمن هذا السياق يمكن فهم مضمون استنتاجه القائل، بضرورة النظر إلى مبادئ الحفاظ على الدولة، وأن نشوءها من الدين ومبنية عليه، على أنها تجليات معينة للطبيعة الإلهية. لهذا طالب بالكفّ عن الصراخ والعويل الداعي لغرس الدين في عقول وقلوب الناس لكي لا ينقرض. إذ اعتبرها أفعالا لا تجدي نفعا. وبالمقابل اعتقد بأن الدين هو الذي ينتج نفسه بنفسه.(يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

1- إن لهذه الظاهرة مفارقاتها الخاصة. فقد كانت اغلب الشخصيات المتطرفة والغالية والراديكالية العنيفة في أوربا وروسيا ذوي أصول يهودية أو من اقليات قومية. في معرض دراسة التاريخ السياسي الأوربي في القرن التاسع عشر والعشرين نرى الكمية الكبيرة من الشخصيات اليهودية الفكرية والسياسية التي اشتركت بحماس مبالغ فيه في النشاط الثوري الهدام لبنية النظام الأوربي الرأسمالي والدعوة للاشتراكية والشيوعية بما في ذلك ماركس، بوصفه أحد الممثلين الكبار لهذا التيار أو بصور أدق لهذه النفسية والذهنية، التي اعتبرت الدولة قوة قهر واضطهاد، وبالتالي حاولت تأسيس الفكرة الأيديولوجية لمهمة هدمها، باعتبارها مقدمة الحرية، على خلاف هيغل الذي وجد في الدولة أسلوب ووسيلة وقوة تحقيقها. أما الآن فلا نعثر على يهودي يدعو بقوة لا ينافسها شيء آخر غير الدفاع عن "الدولة" العبرية والآن اليهودية! الأمر الذي يفسر الرؤية المتطرفة لمعاداة الدولة بوصفها فكرة ونفسية الأقلية. ونفس الشيء ينطبق على فكرة "العمال بلا وطن"، التي قال بها ماركس. وقد تناولت هذه القضية بصورة موسعة في كتابي (اليهودية الصهيونية في روسيا).

 

علي المرهجالروح الدينية ليست وهماً إنما هي شعور كامن في النفس يعتري الفرد أو الإنسان كُلما أحاق به الخطر، فلم يكن مكمنها العاطفة فقط، بقدر ما كان الخوف عاملاً مؤثراً في الخضوع لمقولاتها (يُنظر: غوستاف لوبون: حياة الحقائق، ص19).

الرغبة في الخلود واحدة من أسباب تنامي وجود الروح الدينية في نفوس الأفراد ومعتقدات الشعوب، فكل نفس ذائقة الموت، ولكن كل نفس ترنو لحياة أخرى، فالدين كما يرى فيورباخ مُرتبط بالخوف من الموت، ( فيورباخ: جوهر الدين/ 57) فالموت فناء للجسد، "كُل نفس ذائقة الموت وإنما تُوقنون أجوركم يوم القيامة" (آل عُمران/ 185) و "اعلموا إنما الحياة الدُنيا لعبٌ ولهوٌ وزينةٌ" "وما الحياة الدُنيا إلَا متاع الغرور" (آل عُمران/185) "يا قوم إنما الحياة الدُنيا متاعٌ. وإن الآخرة هي دار القرار" (غافر/39).

وكل هذه الآيات إنما تدَل على أن الإنسان يكد ويكدح كي يُلاقي ربه، بمعنى أنه يعمل في الحياة الدُنيا كي يبني له حياة في الآخرة "يا أيها الإنسان إنك كادحٌ إلى ربك كدحا فمُلاقيه" (الانشقاق/ 6)، بمعنى أن الإنسان نتيجة لخوفه من المجهول ورغبة منه في الخلود تأصلت في نفسه الرغبة في البقاء على قيد الحياة بطريقة أخرى عبر الأمل بحياة أخرى.

تؤكد أغلب الدرسات المهتمة بالأنثربولوجيا ودراسة أسباب نشوء الدين البدائي وتطوره في الديانات الوضعية والسماوية ارتباط نشأته بعاملين نفسيين أساسيين هما: الخوف، والرغبة في الخلود.

بمُجرد تحقيق الإنسان للطمأنينة والسكينة يزول عنده عامل الخوف، لتكون السعادة والحُب بديلاً له في الإيمان الديني، "فالخوف وحده لا يخلق الآلهة ـ كما يرى فيورباخ ـ فثمة مكان أيضاً للحُب والسعادة، فالشعور بالخوف يدعو للعبادة من دافع الهبة، بينما الشعور بالسعادة يدعو للإيمان من دافع الامتنان، (فيورباخ: جوهر الدين/ 60)

يعتقد فيورباخ أن الدين هو الوعي الأول والغير المباشر الذي يتخذه الإنسان في البحث عن نفسه، فيبدأ الإنسان في البحث عن وجوده ليبتدأ من نقطة خارجه عنه قبل أن يعثر على هذا الجوهر (الدين) داخل ذاته. (فيورباخ: حوهر الدين/ 32)، ليكون الله عند الإنسان بمثابة مرآة "تنعكس فيها صفات النوع البشري" (فيورباخ: جوهر الدين/ 40)، إذ يعتقد فيورباخ "أن الإنسان قد خلق الله على صورته الجوهرية" ( (المصدر نفسه/ 42) وإن ظهر لنا أن هُناك تنافراً بين الطبيعتين (الإلهية والإنسانية).

إن الدين عند فيورباخ يعني التبعية، وهو شعور "يُدرك فيه الإنسان أنه لا يستطيع الوجود من دون كائن آخر مُختلف عنه، وهذا الكائن يكون ضرورياً للإنسان كضرورة النور للعين، والهواء للرئتين، والطعام للمعدة، (المصدر نفسه/ 48و ص57، وص60).

الله عند فيورباخ هو "جوهر الشعور" ذلك أن الشعور ـ أصل الدين ـ مقره القلب (فيورباخ: جوهر الدين/ 60ـ 61).

يؤكد برتراند رسل على أن "الخوف هو أساس الدين" (برتراند رسل: لماذا لست مسيحياً، ص34)، لأن الشعور بالخوف والرغبة يدفعنا للبحث عن من يقف إلى جانبنا في كُل ما نُواجهه من مشاكل ونزاعات. "إن الخوف هو أساس الأمر كُله ـ الخوف من كل ما هو غامض، الخوف من الهزيمة والخوف من الموت، إن الخوف هو أبو القسوة وأمها، لذا لا عجب إذا ما كان الدين والقسوة يسيران يداً بيد" (المصدر نفسه، ص34) لذلك يعدَ برتراند رسل "الدين مرضاً ولد من الخوف ومصدراً لبؤس العرق الإنساني غير المحدود، وإن كان له بعض الإسهامات للحضارة. وسيظل الدين عنده "ظاهرة اجتماعية" ليس إلَا (يُنظر: المصدر نفسه، ص37).

يعترض برتراند رسل على أصل مقبولية الدين من جهتين، الأولى منطقية: وهي أنه من الصعب القبول منطقياً بافتراض وجود دين صحيح، والثانية أخلاقية: وهي أن المفاهيم الدينية تعود إلى زمن كان فيه الناس أقسى بكثير مما هُم الآن، لهذا يميلون لإبقاء الفظاعات التي كان الوجدان الأخلاقي للعصر سيتجاوزها لولا ذلك" (المصدر نفسه، ص43).

 

ا. د. علي المرهج – أستاذ فلسفة

 

محمد كريم ابراهيميعد فيلسوف أغريقي أفلاطون (428- 348 قبل الميلاد) واحد من أبرز الفلاسفة وحكماء الغرب قديماً في عصره حتى الوقت الحالي. فالأسم أكاديميا وهي تعني تعليم العالي اليوم، كانت أسماً لبيته والمكان الذي أنشأ مدرسة تعليمية فيه. ولد في مدينة أثينا الأغريقية ومات فيه، وما بين هذين الزمنين سافر أفلاطون إلى عدة مدن كبرى منها مصر وأيطاليا وصقلية وتعلم الكثير من عدة فلاسفة آخرون من مختلف الخلفيات. لم يتزوج ولم ينجب أطفالاً، وكان طوال فترة شبابه يصاحب دائماً معلمه سقراط وتعلم منه عديد من المعارف في مختلف العلوم والمجادلات، وقد كتب أغلب كتبه على لسان معلمه (أغلب كتبه يتكون من حوارات بين معلمه سقراط وبين أناس اخرين). في حين رجوعه إلى أثينا بعمر يناهز الأربعين، أسس أفلاطون مدرسته أكاديميا، وأصبح معلماً لواحد من كبار فلاسفة الغرب أرسطو الواجد علم الفيزياء والأحياء والمنطق.

وقد كان لأفلاطون تأثير كبير جداً على فلسفة الغربية وعلى تفكيرات الدينية- خصوصاً الديانة المسيحية- حيث قال عنه فيلسوف رياضياتي ألفريد وايتهيد (يمكن القول بشكل عام أن كل الفسلفة الأوربية موجودة اليوم هي عبارة عن ملاحظة هامشة لأفلاطون).

ألف أفلاطون عدة كتب مشهورة منها: الجمهورية (وهي عبارة عن حوارات مسرحية يحصل بين معلمه سقراط وبين الآخرين)، فيدو (حوارات عن خلودية الروح)، الندوة- سيمبوزسم- (حوارات مع شخصيات المشهورة في اثينا القديمة حول المائدة)، والأعتذار (يتكون من حوارات معلمه سقراط في دفاع عن نفسه عند محاكمته).

وهو معروف اليوم بوضع عدة نظريات في مختلف المجالات منها أشكال أفلاطونية خمسة الهندسية، و حب الأفلاطوني العفيف، ونظرية الهيئات المثالية (الذي نما منه الميافيزيقيا وهي دراسة ما وراء الطبيعة الفيزيائية)، وكذلك ما سنقوم بشرحه في هذا المقال هي نظرية خط المقسم.

يفيدنا نظرية خط المقسم في كثير من المواقف والأشياء في حياتنا اليومية كأفراد ويفيد أيضاً المجتمع الذي نحن جزء منه، وذلك في معرفة كيفية عمل دماغ وعقلية الأنسان في ضوء هذه العوالم (في العوالم الخيالية والحقيقية)، وكذلك يرشد الفرد إلى طريق الفاضل في العيش والتفكير وتصرف صحيح عندما يأتي الأمر للأستفادة بشكل معتدل من حياتنا ومعيشتنا. زيادة على ذلك، يدعمنا هذه نظرية في وضع خطة مناسبة للخروج وعدم التعلق بالأشياء مزيف والمصورة، وعدم أتباع المشاعر من دون المنطق، والنظرة صحيحة إلى الفنون والآداب.

يتكون خط المقسم من خط مستقيم أفقي يقطعه ثلاث خطوط عمودية بشكل غير متساوي فيصبح أربع خانات فيه من اليمين إلى اليسار. في اليسار الخط يوجد خانة عالم الحقيقة والمنطق أو ما يسمى بالعالم الوجود أو المثالية، فهي أعلى أماكن العلم والحقيقة التي يمكن ان يصل إليه الأنسان ويوجد في داخله كيانات أو كائنات مثالية غير قابلة لتغيير مثل الآلهة، أما في الخانة الثانية من اليسار يوجد أرقام وأشكال الهندسية وهي عالم الرياضيات فهي عالم منسوخ من عالم المثالي ويكون العالم الأشياء الطبيعة الموجودة في كوننا، والخانة الثالثة سماهُ أفلاطون عالم الأشياء والمعتقدات أو عالم الطبيعة الفيزيائية ويوجد فيه كل أشياء الذي نراه و نتحسس به أو نأخذ فقط فكرة عنه ونتصور هذه أشكال في عقولنا كشكل الكلب فنحن نعرف شكل كلب اينما ذهبنا ونقدر أن نفصله من باقي الاشياء لأن صورة كلب المعتقد مطبوع في عقولنا وهذا العالم هي نسخة من العالم الرياضيات كما قلنا، ونأتي أخيراً إلى خانة الرابعة في أقصى اليمين وهي خانة الخيال والأوهام، يتكون عالمه من لوحات وأشعار وأنعكاسات ونحوت فنية، عالم الخيال والاوهام هي نسخة من العالم طبيعة (عالم الاشياء والمعتقدات)، فهي عالم الظلال لا يوجد في الواقع الكون وإنما ينمو في داخل عقل الانسان و يرتبط بمشاعره بدلا من عقلانيته و منطقه، فيتهاوى الفرد و يمشي على هوى هذه كائنات الموجودة (أي اداة يستهدف المشاعر بدلاً من المنطق) في هذا العالم. اذا أستمر الشخص في رؤية هذه الوحوش مضادين للحقيقة (فهُم في الأساس انعكاس للعالم الحقيقة لأنهم يصورنه فالرسام يرسم صور من الطبيعة و الواقع، و مؤلف الروايات يستنبط القصص من الواقع او جزء من الواقع، وكذلك المنحت ينحت اشكال الانسان من حقيقة الترشيحية للفرد المصور وهكذا الفنون كلها هي تقليد للعالم الطبيعة عند أفلاطون)، إذاً فهو يؤدي إلى هلاك نفسه ولا يستطيع أن يفهم الواقع و يكون مع انسجام معه. لكن لا يوجد أمل من الهروب من هذا العالم كما أعتقد أفلاطون. كل البشر موجودين في عصره واناس الذين أتوا قبله و يولودون بعده سوف يقعون في هذا العالم لا محال. الطريقة الوحيدة للإرتقاء من هذا العالم السفلي هو فقط عن طريق التعلم و الخبرة،التعلم عن طبيعة الأشياء الموجودة في الحياة وأكتساب الخبرة في تعامل مع الظروف، والتعلم عن أسس الاشياء ورؤية مكونات الكون على شكل أنماط رياضياتية يتعرض عقل الفرد فيه للإشياء ما وراء الطبيعة (ميتافيزيقيا) والسمو للأعلى للوصول إلى عالم الحقيقة وعالم المثالية في الخانة أولى.

طرح أفلاطون فكرته بأن الناس ينتقلون بين هذه العوالم مع مضي حياتهم وتقدم في مسيرتهم سواء بشكل نشط آتي من قبل الفرد لسير نحو أفضل أو بشكل غير نشط آتي من الأحداث الجارية والتجارب التي يحدث للفرد من دون تدخله بنفسه. نلجأ الآن إلى تحليل رئيسي لطريقين أساسين التي يمكن للأنسان الأنتقال في هذه العوالم:

أولاً: أنتقال الناس من خط اليمين وهي عالم الخيالي والمظاهر إلى خط اليسار العالم المثالي والحقيقي. ظن أفلاطون هكذا تجري العملية بالفعل، فكلما أزداد معرفة وخبرة الفرد في الحياة، كلما تبين له عالم الخيال والزيف وتحول منه إلى العيش والتفكير في عالم المثالي والحقيقة. الأمر واضح، مثلاً يمكن للفرد بالأول أن يقلد بما في التلفاز والمسرحيات من حركات وكلمات وتصرفات، ويمكن للمرء الشعور بالأحاسيس وتفكير مثلهم عند مشاهدة هذه الصور ونسيان بزيفه ولكن مع مرور الزمن ومع أكتساب الخبرات والتجارب ومع نضج العقل والفهم يدرك عنده أن هذه المصورات هو من عالم الخيالي له صلة قليلة بالواقع المعيشي حتى لو كانت تنقل الأحاسيس نفسها التي يشعر بها المرء من واقع حياته. يأتي الدافع من خروج من العوالم الخيالية والمصورة بسبب عدم تطابق ما يعطيه العالم الخيالي مع ما يتحسسه الفرد من عالم الواقعي مثلاً عدم تطابق ما ينقله التلفاز من معلومات مع حقيقة الأحداث أو عدم تطابق ما يراه في أفلام والمسلسلات من حب وغرام في الزواج مع حقيقة الحياة الزوجية، وهذا لكونه يضر الفرد ويصبح غير قادرا على تصرف صحيح وأستجابة صحيحة لكون معلومات التي تلقاه خاطئة، ويجعله منفصلاً عن مشاكله ومسؤوليات حياته (الذي يجب أن يعالجه قبل أن يصدمه بمشاعر أسوء بكثير من مشاعر المتعة والشهوة الذي يعطيه عالم الخيال)،يبدأ الشخص بأخذ طريقاً أقرب وأقرب ليكون بأنسجام مع العالم الطبيعي بدلاً من الخيال بمرور الزمن. لكن الأمر لا يقتصر فقط على ان تكون بأنسجام مع الطبيعة وأن تبقى في عالم الأشياء والمعتقدات، فهي ليست نهاية المطاف في خط المقسم. يجب على الفرد أن يستمر في المشي نحو عوالم أعلى وأرقى وأنفع.

للأنتقال إلى عالم أعلى من عالم الطبيعة والأشياء نحو عالم الرياضيات، يجب على المرء (بالضبط كما خمنت يا عزيزي القارئ) أن يتعلم علم الرياضيات وما فيه من أرقام والهندسيات والعمليات حسابية ليتسنى للطالب معرفة على أقل حقيقة العالم الأشياء والطبيعة كنسخة من عالم الرياضيات. مثلاً رقم واحد هو كائن يعيش في عالم الرياضيات والأشياء التي نراه ونتحسسه في الطبيعة التي يتكون من شيء واحد هي نسخة غير كاملة من عالم الرياضيات، وكذلك الأمر لشكل الدائري فهو يعيش في عالم الرياضيات وليست له وجود مستقر في عالمنا الطبيعي الذي نراه، نعم، حتى لو أستطعت أن ترسم أمثل دائرة في تاريخ البشرية فهي ليست إلا نسخة رديئة من فكرة الدائرة، وهي تصوير لها وليست الدائرة نفسها. وقد كان أفلاطون نفسه معلماً للرياضيات وحرض جميع تلاميذه في قراءة والبدء بالعلوم الرياضيات. ويحكى أنه كان مكتوباً على باب مدرسته (لا يدخل هنا أحد يجهل علم الهندسة). ونعلم أيضاً أنه حاول تعليم الرياضيات لدايونايسيس الثاني ملك سيراكيوز في صقلية، أيطاليا، ولكنه فشل في ذلك لعدم أهتمام الملك بتعلم الرياضيات وإنما كانت غايته فقط كسب سمعة على أنه درس بيد فيلسوف شهير الأفلاطون.

العالم المثالية وعالم الهيئات هو نهاية العوالم في خط المقسم والمطاف الأخير. يصبح الشخص الوافد إليه عليماً في كل الأشياء (لإنه الأصل الذي ينسخ منه عوالم الأخرى) ويفقه المعنى الحقيقي للخير والوجود، لكن أفلاطون لم يفسر كيف ينتقل الفرد إلى ذلك العالم بل بين في كتاباته أن بعض الأشخاص يولودن وهم مدعمون برؤية هذا العالم المثالي قبل الولادة، ويتذكرون ذلك العالم المثالي والمعرفي عن طريق مشاهدة نسخ منه وتعرف عليهم في حياته. أي أن الشخص طبيعي "غير المحظوظ" برؤية ذلك العالم قبل الولادة لا يمكن أن يتأملوه أو يدركه، وكل مايقدر عليه الفرد من أكتساب المعارف والتجارب من الحياة هو الوصول الى عالم الرياضيات وتقليد عالم المثالي الى أقرب ما يمكن .

علم أفلاطون أنه حتى بعد أكتساب المرء معرفة الحقيقة وأدراكه ورؤيته للعالم الأعلى من الذي فيه، لا يجعله بالضرورة ينتقل إلى ذلك العالم. من ممكن أن يكون هناك عوائق ما بين الطرق ومتاهات الذي يعيد أو على أقل يمنع الفرد من الذهاب إلى عالم التالي. مثالها هي الفنون كما أتهمه أفلاطون. الفنون بأنواعه المصنعة قادر على أن يعيق المرء من الوصول إلى عوالم الآخرى ورؤية حقيقة الكون كما هي من خلال سحبه نحو مشاعره الداخلية بدل من منطقه ويغريه نحو عالم الظلال وأنعكاس (بالرجوع نحو يمين الخط) كما تحدثنا سابقاً.

أما الحكيم الذي فعلاً وصل إلى نهاية العالم المثالي عن طريق المعارف والتجارب والرياضيات يبقى له خط واحد ليفهمه وهي الخط المشترك التي تربط كل هذه العوالم مع بعضها. فيجب على الحكيم الذي علم حقيقة الكون أن يعلم أيضاً ما هي الربط مثلاً بين عالم الأنعكاس وعالم الطبيعة (يمكنه أن يفرق بين الجبل وبين صورة أنعكاس الجبل من الماء) أو ما بين عالم الطبيعة الفيزيائية وعالم الرياضيات (يستطيع أن يدرك الرابط المشترك بين أشكال الهندسية لمختلف الأشياء مثلاً شكل مثلث متساوي الأضلاع مكون من حجارة أو من الحديد فهي نفسها وينطبق عليها نفس قواعد مثلث متساوي الأضلاع بغض النظر عن مادة المكونة).

ولو كان أفلاطون محقاً حول أنتقال الناس وأكتسابهم للمعارف وتبصرهم للحقيقة مع مرور الزمن عليهم إلا أنه نسي نقطة جوهرية في نظريته وهي أن الأنتقالات بين هذه العوالم هي متناظرة تماماً ويمكن أن يحدث العكس بالضبط مثل ما يحدث السابق كما سنقوم بشرحه.

ثانياً سوف نقوم بتحليل وتدليل أنتقال الناس من خط اليسار وهو عالم المثالي والحقيقي إلى خط اليمين العالم الخيالي وعالم الظلال.  وهذا لم يدعمه أفلاطون ولكن يحسن ذكره لتنبيهنا بأن الأمر المعاكس يمكن أن يقع أيضاً ويظهر بالفعل في عصرنا الحاضر. نأخذ على سبيل المثال من التاريخ البشرية القديم النظر إلى اللوحات والمسرحيات وتنقيب مشاعر وتجارب وأفكار منه بدلاً من الواقع التي يجسده، مثلاً النظر إلى اللوحات التي تصور الطبيعة وما فيها من أشجار وأنهار وحيوانات بدلاً من الذهاب إلى الغابة أو الخروج إلى المناطق التي تتوفر به تلك المتطلبات. وكذلك يمكن أن نستمد مثال شرب الكحول وأخذ المخدرات وهي أيضاً تعتبر من عالم الخيال والظلال لأنها تعطي للمتعاطي الشعور المزيف بالسعادة والمتعة بدلاً من الشعور الحقيقي الآتي من تجربة معينة أو عمل معين. مثال التالي من قرننا الحالي هو زيادة مشاهدة الأفلام والمسلسلات والتواصل الاجتماعي الالكتروني وقراءة كتب الخيال العلمي وأستمداد معلومات منهم لتطبيقه على الواقع، فهي كلها مستمدة ليعكس لنا الصورة الحقيقة لطبيعة أو الموقف التي تجسده ولكنها بالطبع لا تزال مزيفة وليست حقيقية مثل الذي يراه ويتحسسه الشخص أمام عينيه مباشرتاً من الواقع. كل هذه الأمثلة  تمثل أنتقال الناس من عالم الأشياء (عالم الحقيقة والتجارب مستمدة من الطبيعة) إلى عالم الصور والخيال. نحن عندما نأتي إلى هذه الحياة نكون موسومين بالتجارب الحقيقية وسكان من أهالي عالم الواقع، فالطفل الذي يولد ويكبر (فلنقل لسنة أو أكثر)  يحب أن يتحسس الأشياء الحقيقية من حواسه فلا يفهم من الصور ولا من الأفلام والمسلسلات ولا من الكتب الخيال العلمي ولا من اللوحات الفنية ولا من التماثيل المجسدة، هي كلها أشياء تصورية لا قيمة له عندما يأتي الأمر إلى عالم الطفل. لكن مع مرور السنين ونمو الطفل سوف يقوم بأستيعاب ورغبة لذلك التصورات الفنية –بالطبع لا تعتبر ذلك تطوراً كمثل فهم الطفل لدين والعلوم الطبيعة مع كبر العمر وإنما فقط فهم لطريقة ترابط هذه التصاوير مع المشاعر واللذات- مثل الألعاب الاطفال وألعاب الفيديو التي تجسد العالم الواقعي ويحفز من خيال ومشاعر الايجابية للطفل. والحاصل هو أنتقالنا من عالم الحقيقة وتجارب الطبيعة إلى عالم الخيال والظلال. لكن لماذا يحدث هذه العملية ولماذا يجعلنا عالم الخيال نشعر باللذات وبالمشاعر الايجابية أكثر من عالم الحقيقة والتي يجعلنا نبقى في بقاع الخيال ونفضله على الحقيقة؟ تفسير واحد متاح في الوقت حاضر عندي هو تقليل من الجهد البشري الذي يهدف إليه عالم الخيال. نرى مثلا أن الشخص الذي يحب الطبيعة وينتفع من النظر إليه سوف يكون أمامه خياران، أما أن يذهب إلى طبيعة بنفسه ورصد تلك الأحداث والوقائع التي تتخلله، أو أن يقعد في بيته، في كرسيه المفضل ليشاهد مسلسلات بي بي سي عن الطبيعة. نعلم بالطبع أي خيار هو منطقي بالنسبة للفرد العادي. وكذلك الأمر بالنسبة لمتعاطي المخدرات، فالسعادة يمكن أن تكون على بُعد حبة أو أبرة بدلاً من السعادة الحقيقية صعبة المنال، بعض الأحيان حتى للأشخاص ذو سلطة والمال.

يحفر عالم المصور لنا طريقاً مختصراً لملئ مشاعرنا الأيجابية (مثل الشعور بالمتعة والسعادة والراحة والتسلية والحب) بدلاً من درب عالم الحقيقة ومثالية الذي يكون طريقه شاقاً بعض أحيان (أو على أقل شاق نسبياً، بالنسبة إلى عالم الخيال). لا يوجد عقبة في الوصول إلى تلك الرغبات المشاعرية بغض النظر عن الطريق الذي أخذته (الشعور بالسعادة هي نفسها وحقيقية في دماغنا سواء كانت مصدره من الواقع أو من مشاهدة المصورات مثل التلفاز)، ولكن مشكلة تظهر في عقلانية ومنطقية التفكير بالذهون، في أكتساب تجارب منسجمة مع الطبيعة، وفي معرفة العلم الحقيقي عن البشرية والطبيعة (من الجدير بالذكر أن عالم الحقيقة لا تنكر رغبات المشاعرية للأنسان فهي تعطي حقه من هذه المشاعر بالانسجام مع طبيعة الأمور وآنية الوضع). تفشل عالم الخيال والمصور في أعطاء هذه المتطلبات، لذلك عند أختيار المرء عالم الخيال على عالم الحقيقة، فأنه يختار رغبات المشاعرية الأيجابية على متطلبات ورغبات المنطقية والمعرفية.

هذا أمر خطير بحد ذاته، لأن هؤلاء الأشخاص البدائيون قد رفضوا العلم وبدأو بالجريان مع أتجاه مشاعرهم بدلاً من منطقية عقولهم، فهم يبحثون عما يؤثر أكثر على مشاعرهم سواء كانت هذه الأشياء والمواقف حقيقية أم مزيفة. إذا كان الخيال أو الكذب هو ما يحفز فيهم المشاعر الأيجابية أكثر من الحقيقة الموضع والصدق، فهم يتلمسون بذلك الكذبة بدل الحقيقة. لا يفضلون أي كذب على الحقيقة وإنما يفضلون الكذب التي تنقل مشاعر ممتعة أكبر من الحقيقة. تجدهم أحياناً يرفضون الواقع الأمر الذي هم فيه ويتلمسون بالمؤمرات الخالية ونظريات الباطلة وعلوم الخيالية.

ينقل لنا خط المقسم لأفلاطون عبرة قديمة وحكمة أقدم نرى عاقبة عدم أتباعه في يومنا الحاضر; كثرة تكوين الفنون مثل الموسيقى والأفلام والمسلسلات، وتَعود الملايين عليه لأشباع مشاعرهم، وفشلهم في أتصال مع ما هم عليه ومع واقع بيئتهم، وكذلك تجسيد وتقليد تلك التفاهات في تصرفاتهم وسلوكياتهم بشكل غير طبيعي. وأستخدام الكحول والمخدرات بشكل واسع على نطاق كرة الأرضية للهروب من عالم الحقيقة إلى عالم الظلال، في السعي نحو العلوم البشرية والعلوم الطبيعية بنية كسب المال أو الشهرة الأجتماعية، وهو كله صادر من المشاعر الأيجابية للفرد وليس من رؤية النافعة من هذه العلوم والمنطق من الحصول على حكم منه وما ينقله من حقائق (وهذا بالتأكيد له تأثير عظيم في نتيجة تلك العلوم، فقط تخيل كمية ملفات المزيفة والعلوم الفاسدة التي ظهرت في عصرنا اليوم، والتي تشوه سمعة الحقيقية للعلم، وكذلك أن التطور العلوم في هذه الحقبة قائمة على جوائز نقدية كجائزة نوبل وأعترافات أجتماعية للعلماء المكتشفين بدلاً من قيامه على سعي حقيقي نقي صادر عن فضول والرغبة في معرفة أسرار الكون أو الوصول إلى عوالم أخرى).

نرى في جزء الثاني أن أفلاطون قد أخطئ قليلاً حول أنتقال الناس في خط المقسم، فيمكن للناس أن ينتقلوا الى عكس أتجاه أيضاً، الأمر يعتمد على طبيعة المجتمع ومؤثرات الأجتماعية. إذا كان الفرد يعيش وحيداً تاركاً المجتمع، بالطبع يمكن القول بأنه سوف ينتقل من عالم الخيال والزيف -لا يبقى فيه طويلاً- إلى عالم الحقيقة، وسوف يكون بأنسجام مع واقعه وآنية زمنه. لكن أغلبنا يعيش داخل مجتمعات مؤثرة عليه وهذه المجتمعات تخلق أساطير وقصص وأداب وفنون تؤثر مشاعرياً على الفرد ويغيره نحو عالم الخيال ملتهياً عن الواقع وزمان عصره.

خلاصة النص:

عرض أفلاطون نظريته حول أنتقال الناس من يمين خط المقسم وهو عالم الخيال، إلى يسار وهو عالم الحقيقة. وعلمنا من خلال بعض أمثلة كيف فكر أفلاطون بأنتقال الناس نحو عوالم أفضل مع مرور الزمن. بتحليل هذه الأعتقاد، رأينا كيف أن التجارب والحوافز الفردية يحفز الفرد للأنتقال إلى عالم أفضل. رأينا أيضاً كيفية الأنتقال وترابط بين هذه العوالم. ثم بدأت بالتحليل عكس ما أعتقده أفلاطون وهي أنتقال الناس من اليسار خط المقسم إلى اليمين نحو الأسوء، وأتضح فيه كيف أن الخط المقسم متناظر من جهتين وكيف يمكن للفرد والمجتمع أن ينتقلوا من الأفضل إلى الأسوء، ولعل ذلك أعطانا معنى وفهم أكثر لتطابقه مع ما نراه في عصرنا اليوم ومع ما أصبحنا عليه بمرور التاريخ.

ساعدنا تحليل نظرية أفلاطون في شرح لماذا وكيف ننتقل من العالم الواقع إلى العالم الخيال وبالعكس، ولماذا نفضل الكذبة على الحقيقة، وما هي أفضل طريقة لعمل توازن بين أكتساب المشاعر وأقتناء المعارف.

يحسن الإشارة بالأخير أن الأنتقالات في هذه العوالم تكون بشكل تسلسلي ولا يمكن القفز بين هذه العوالم أبداً، فالشخص موجود في عالم خيالي لا يمكنه أدراك عالم الرياضيات أبداً، وحتى لو حاول ذلك، فأنه سيفشل منطقياً لأنه لا يمكنه أستمداد المعلومات الذي يريد تحليله من عالم الصحيح (يكون مصدر معلوماته من عالم الخيال بدلا من عالم الطبيعة).

 

محمد كريم إبراهيم

 

ميثم الجنابيالتاريخ ومغامرة العقل والحرية!

لقد وضع هيغل التاريخ الإنساني بالضد من الطبيعة. الأول متغير ومتبدل والثاني تكرار. إذ لا جديد تحت الشمس بالنسبة للطبيعة على عكس مسار الروح! وهي صيغة بيانية مقبولة بمعايير المقارنة البلاغية لا بقواعد المنطق العقلي الدقيق والعلم الطبيعي. لكنها تبقى سليمة من حيث انحصارها ضمن سياق الرؤية الهيغيلة عن التاريخ باعتباره مسارا عقليا إنسانيا. وذلك لأن المصير الإنساني، كما يقول هيل، هو الوحيد الذي يمتلك قابلية التغير. وإن هذا التغير يكمن في التاريخ نفسه. وبالتالي لا ضرورة لوضع أعمال وأفعال الأفراد ومعاناتهم وانفعالاتهم في أساس تفسير التاريخ ومساره. وذلك لأن التاريخ يحتوي في أعماقه على وحدة الإمكان والواقع، والقوة والفعل. فالروح هو الوحيد القادر على جعل نفسه بالفعل ما كان عليه بالقوة. وخلافا للطبيعة فإن علاقة الإمكان بالواقع، والقوة بالفعل بالنسبة للروح يحكمها كل من الوعي والإرادة. فالتطور في التاريخ هو مسار معقد ومرهق لأنه صراع مع النفس. وإن حقيقة التطور التاريخي هو قهر للنفس. من هنا افتخار الروح ورضاه باغترابه عن فعله، كما يقول هيغل. وليست هذه الصيغة سوى الصورة المكثفة عن فكرته المتعلقة بقضية الحرية، باعتبارها مضمون التاريخ وحقيقته. غير أن هيغل لا يتكلم عن تاريخ حقيقي وآخر ليس حقيقي. وسوف تظهر هذه الفكرة لاحقا عندما تتحول الفكرة السياسية إلى قائدة ومرشدة للرؤية الفلسفية للتاريخ كما هو الحال عند ماركس.

فالحرية بالنسبة لهيغل تتطابق من حيث المعنى والواقع مع بداية التاريخ ومساره بوصفه مسار الروح وحاكمية العقل فيه. وشأن كل عملية عميقة تبدو متعرجة في مظهرها الوجودي لكنها مستقيمة بمعايير المنطق. الأمر الذي حدد بالنسبة لهيغل تحليل القضية الأولية في التاريخ ووعيه، ألا وهي "اين يبدأ التاريخ؟". وقد أجاب هيغل على هذا السؤال بوضوح لا لبس فيه: التاريخ يبدأ من حيث يبدأ العقل بالتغلغل في السلوك الفعلي تجاه العالم ومجرياته وأحداثه، أي حين تظهر وتتبلور الحالة التي تحقق فيها العقلانية نفسها في الوعي والإرادة والفعل. ولاحقا سوف يأخذ او يبدأ ياسبرس من هذه الفكرة ويضعها في فكرته عن الزمن المحوري في التاريخ، بوصفه بداية الوجود الإنساني والمعنى. غير انها، مقارنة بالفكرة الهيغلية، تبقى مجرد رؤية تأويلية مفصلة حسب معطيات المعارف التاريخية والعلمية وليس حقيقة التاريخ الفعلي ومساره "ما قبل التاريخ". بينما يبدأ التاريخ بالنسبة لهيغل حالما يحقق العقل نفسه في الوعي والإرادة والعمل. بمعنى خروجه من حيز الطبيعة إلى ما وراءها، أو من الغريزة إلى العقل. والعقل هنا ليس قواعد المنطق والمنطق نفسه بل مضمون المجرى التاريخي المحكوم بفكرة التغير والتبدل. فعندما ينظر المرء إلى أطلال قرطاجة وتدمر وبيرسيبولس وروما، فإن ما يتبادر إلى ذهنه هو زوال الممالك والبشر، كما يقول هيغل. لكن وراء هذا التغير، الذي يبدو في مظهره كما لو انه انحلال وانقراض، تكمن على الدوام حياة جديدة. وليس التغير هنا سوى الاستقامة المنطقية أو المجردة في المسار التاريخي باعتبارها تمثلا وتمثيلا لوحدة المتناقضات التي يبدع الروح (المطلق) من خلالها وعبرها. ومن ثم تكامله الذاتي عبر متناقضات الوجود. ففي تطور الروح نلمح التناقض ودوره في التطور كما يقول هيغل. وبالتالي،ليس تطور الروح واكتماله، أي بعد أن يجّسد نفسه بصورة كلية وبلوغ غايته النهائية، سوى الاغتراب التاريخي (العقلي والعملي) "في روح الأمة"1 . وترتب على هذه الفكرة خمس أفكار عامة يمكن استخلاصها من الفلسفة الهيغيلية وهي:

إن نشاط الأمة يبدأ وينتهي شأن كل كائن حي ثم يكرر هذه الحالة كما لو نه في دورة أبدية. وبالتال، فإن الأمة في نشاطها مثلها مثل نشاط الإنسان الفرد، أي يمر في نشاطه مراحل حتى يبلغ الشيخوخة. حينذاك تصبح الحياة بكل ما فيها مألوفة ومعتادة. إنها شأن الساعة الرملية أو ساعة المكوك التي تملئ ثم تترك لتعمل من نفسها أو لحالها؛ وإن الروح القومي الجديد للشعب الذي حالما يبلغ كماله ويحقق نفسه بنفسه لا يموت موتا طبيعيا مثل الإنسان. وسبب ذلك يقوم في أن روح الأمة يوجد بوصفه جنسا، وهو بالتالي "يحمل في جوفه سبله الخاصة"؛

وإن إشكالية الزمن والتاريخ تعيد إنتاج نفسها في صيرورة الدولة، شأن علاقة الروح بروح الأمة. فإذا كان الدهر (كرونوس) حسب الأسطورة الإغريقية هو أول حاكم، فإن إله السياسة هو أول من صنع الدولة، أي العمل الأخلاقي الأولي الأكبر. وهي الفكرة التي أسس لها وبلورها افلاطون. غير أن هيغل أعطى لها بعدا يتجاوز الحكمة العملية التي قال بها افلاطون صوب علاقة التغير والنفي الدائم في الوجود بوصفه أسلوب عمل الروح المطلق وتحقيقه العقلي في الوجود التاريخي للإنسان. من هنا قول هيغل بأن الزمان يلتهم نفسه بنفسه عبر التهام ذريته، بينما الروح باق بنفسه بإبداعه الشامل؛

وفي عملية النفي هذه تبرز خاصية الفكر القائمة في كونه اساس المنجزات التاريخية. لكن الفكر يختلف عن منجزاته العقلية. إذ نجد في هذه العملية وجود واقعي وآخر مثالي. فلو أردنا مثلا أن نكون صورة عامة عن اليونان، كما يقول هيغل، لوجدنا ذلك عند سوفوكلس وارستوفان، وثيوكيديدس، وافلاطون. ففي هؤلاء الأفراد نعثر ونرى صور الروح اليوناني ذاته وفكرته في ذاتها، أي روح الأمة اليونانية. وهي الذروة التي يشعر بها روح الأمة بالرضى والارتياح. لكنه يظل يحمل في نفسه أيضا حالة التمايز بين ما هو مثالي وواقعي؛

وأخيرا، إن الزمن هو عنصر النفي الدائم في العالم المحسوس كما أن الفكر هو قوة النفي أيضا، غير انه أعمق صور النفي غير المتناهية. فالفكر هو الإحاطة الشاملة بالوجود، وبالتالي هو مصدر وموطن كل ما هو جديد. فإذا كان الإنسان الفرد يتطور ويتكامل لكنه ويبقى في القت نفسه هو هو، فإن الشعب هو ميدان ومجال إحداث التغيرات والانتقالات الكبرى. وذلك لأنه يصنع الضرورة الأساسية والفكرية والعقلية لهذا التغيير والتحولات. وتشكل هذه الأفكار في كلّها مضمون الفهم الفلسفي للتاريخ.

إن الفكرة الجوهرية عند هيغل بصدد حقيقة التاريخ ومساره الفعلي تقوم في أن العقل هو الذي حكم وما يزال يحكم التاريخ. وهي فكرة استمدها من انكساغورس الذي أول من قال بها عندما اعلن توصله إلى أن النوس (الناموس أو الإدراك أو العقل) هو الذي يحكم العالم. فقد اعتبر هيغل هذه الفكرة "نقطة تحول في تاريخ العقل البشري". بحيث جعل ذلك من انكساغورس في زمانه "رجلا صاح بين قوم من السكارى"، كما يقول هيغل. وأّثرت الفكرة التي وضعها انكساغورس على عدد غير قليل من الفلاسفة القدماء مثل سقراط، ولاحقا على الفلسفة، باستثناء مدرسة ابيقور، الذي كان يقول بأن جميع الأحداث هي وليدة الصدفة.

ويتطابق حكم العقل للتاريخ بالنسبة لهيغل مع رؤيته الفلسفية أو منظومته الفلسفية للتاريخ. وحتى حالما يتكلم هيغل عما اسماه بالعناية الإلهية التي لا تترك العالم نهبا للمصادفات والعلل العرضية (كما قال بها اوغسطين)، فإن مضمونها الفعلي ليس إلا الصيغة اللاهوتية للفكرة العقلية الفلسفية. وحتى حالما يحيط هيغل بهالة وجدانية فكرة العناية الإلهية بصدد التاريخ، فإنه يقف من حيث الجوهر بالضد منها، أو على الأقل انه يسعى لعقلنتها بالشكل الذي يجعل منها تعبيرا "إيمانيا" عن حقيقة العقل بوصفه القوة الوحيدة الفاعلة في الوجود، أو انه يسعى للتوفيق بينهما بالشكل الذي يذكرنا بما كان الفلاسفة المسلمون يسعون إليه. حيث نعثر عند هيغل على الصيغة القائلة، بأن "العناية الإلهية" توّجه أحداث العالم بما يتفق مع المبدأ القائل بأن العقل هو الذي يحكم العالم. وذلك لأن "العناية الإلهية هي الحكمة" القادرة على بلوغ غرضها وغايتها في ما اسماه هيغل "بالتدبير العقلي المطلق للعالم". غير أن تأويل هيغل لفكرة العناية الإلهية يختلف عن الفهم والتأويل اللاهوتي الديني. وذلك لأن الإيمان بالنسبة لهيغل، غير معين ولا محدد لكنه يعادل فكرة "الإيمان بالعناية الإلهية"، دون أن يتبع ذلك "تطبيقا محددا لها على مجرى التاريخ ككل" كما يقول هيغل. ذلك يعني إن "الإيمان بالعناية الإلهية" بالنسبة له يعادل معنى الإيمان بالتدبير العقلي للعالم.

وبما أن تفسير التاريخ بالنسبة لهيغل يعني "تصوير انفعالات البشر أو الكشف عن عواطف الإنسان وعبقريته وقواه الفعالة، التي تؤدي دورها على حلبة المسرح الكبير"، من هنا مساعيه صوب ما اسماه بمهمة الكشف عن "خطة العناية الإلهية" أو "المسار الذي تحدده العناية الإلهية".

ففي مواقفه الفعلية من فكرة "العناية الإلهية" يسير صوب الفكرة العقلية المجردة، بمعنى التحرر من ثقل المزاج الخفي للفكرة الدينية نفسها، تماما كما تعامل سقراط مع فكرة العقل التي دفعها ووضعها انكساغورس. فهيغل يسعى للكشف عن "خطة" أو قانون مسار الأحداث بالشكل الذي يبرز فيه الطابع الضروري لأحداث التاريخ والتاريخ نفسه.

إن مضمون الفلسفة الهيغلية عن التاريخ تتعالى، بل وتقف بالضد من التصورات والأحكام المبتذلة الملازمة في الإغلب للفهم الديني اللاهوتي عن "العناية الإلهية" و"دورها" في التاريخ2 . وذلك لأنه لا يجعل من مفهوم "العناية الإلهية" وأمثاله مبادئ في إدراك المسار التاريخي وحقيقته. والسبب يقوم في عجز هذه المفاهيم من حيث الوظيفة والجوهر عن إدراك المعنى العام أو الفكرة العامة، وكون التاريخ الإنساني هو تاريخ البشر والشعوب والدول، أي أولوية دراسة تاريخ الشعوب والدولة. لهذا يعتبر هيغل إن دراسة الأفراد ودورهم في التاريخ هو الآخر تاريخ الشعب والدولة3 . بعبارة أخرى، إن هيغل لا ينفي ولا يرفض دراسة الأفراد في التاريخ، غير أن المقصود بالنسبة له من معنى الأفراد هو الشعوب والتحولات الكلية، أي الدولة. من هنا رفضه لفكرة "العناية الإلهية" حالما يجري حصر بمضمون الإيمان فيها، وفي الوقت نفسه لا يقرّ بالإيمان المجرد أو غير المتعين "بالعناية الإلهية". وذلك لأن هذا النوع من الإيمان لا يقدم تفصيلا دقيقا بما جرى ويجري في مسار "العناية الإلهية". من هنا مطالبته بتوجيه الجهود صوب "معرفة طرق وأساليب العناية الإلهية في التاريخ، والوسائل التي تستخدمها، والظواهر التاريخية التي تتجلى فيها" على أن يكون ذلك بدوره مرتبطا بالمبدأ العام (الهيغلي) في نظرته للتاريخ. من هنا يتضح، بأن مضمون الفكرة الهيغلية بهذا الصدد تقوم في انه إذا كان من سبقه يرى حكم الله وعقله في النبات والحيوان، فما هو المانع من رؤيته في التاريخ؟ من هنا مطابقته إياهما ضمن معرفة طرق وأساليب عمل "العناية الإلهية" أو العقل المطلق في مسار التاريخ وأحداثه وغاياته. من هنا قول هيغل "إن الحكمة الإلهية، أي العقل، هي نفسها شيئ واحد في الجليل والعادي من الأمور والأحوال". وبغض النظر عن الاختلاف النسبي بين "العناية الإلهية" و"الحكمة الإلهية"، إلا أنهما كل واحد من حيث الوظيفة والمعنى. لاسيما وأن هيغل نفسه يقول، بأن ما يسعى إليه هو بلوغ القناعة القائلة، بأن "تحقق الحكمة الإلهية بالفعل يجري في مجال الروح الفعال والطبيعة على السواء". ومع ذلك لم تدفعه هذه الأفكار ونتائجها صوب تبرير كل ما هو موجود، وذلك لأن هيغل يسعى إلى ما أسماه بإدراك "الوجود الإيجابي" وما عدا ذلك من "عناصر سلبية" هي مجرد أشياء زائلة.

إن هذه النتيجة التي توصل إليها هيغل تبقى من رغبات وإدراك المنطق المجرد لما سبق وإن وضعه في (فينومينولوجيا الروح)، أي تتبع ورؤية الأفعال الجوهرية للروح المطلق في كل مظاهر الوجود والمسار التاريخي العام والخاص، ومن ثم التعالي عن وحدة الاضداد بوصفها الحالة الواقعية لوجود الأشياء حسب المنطق الهيغلي نفسه. فمن وجهة المسار التاريخي الفعلي للأشياء والأحداث لا تتساوى الظواهر، كما إن لكل منها نصيبه وقدره في الأفراح والأتراح، كما انه لا ثابت فيها ولا عابر غير التاريخ الفعلي للإنسان ومغامراته الدائمة بوجوده. أما من الناحية المنطقية المجردة، فإن كل ما جرى ويجري هو "عين الاستقامة" التي ترتقي الى مصاف "الحكمة" القائمة وراء تنوع الأفعال والأحداث وتناقضاتها الخاصة والجزئية. الأمر الذي يجعل من فكرة "العناية الإلهية" و"الحكمة الإلهية" أقرب ما تكون إلى لاهوت التاريخ وليس فلسفته. لكنها تحتوي بالقدر ذاته على إمكانية أن تكون الفكرة الإيمانية واللاهوتية هي فكرته الفلسفية العقلية. وتشابه هذه النتيحة وتلازم آراءه القائلة، بأن "الفكرة هي التي تقود العالم وتوجهه وترشده". وهي فكرة ليست دقيقة ولكنها عميقة. وفيها نعثر على شبه لما قالت به الفكرة الإسلامية عن أن العقل هو بداية ونهاية الأشياء كلها، أي حالة العقل في رهان الإرادة الإلهية، الذي وجد تعبيره في "الحديث النبوي" القائل "لما خلق الله العقل قال له: قم! فقام. ثم قال له: أدبر! فأدبر. ثم قال له: أقبل! فأقبل. ثم قال له: اقعد! فقعد. فقال (الله): ما خلقت خلقاً هو خير منك، ولا أفضل منك، ولا أحسن منك، ولا أكرم منك. بك آخذ، وبك أعطي، وبك أعرف. لك الثواب، وعليك العقاب". بعبارة أخرى، إن العقل هو الكينونة العملية الفاعلة لله أو انه الله نفسه في كل هيئات الوجود والأفعال عبر عنايته وحكمته فيهما.

وضمن هذا السياق فقط يمكن القول، بأن الفلسفة العقلية لهيغل، لم تستطع الإرتقاء إلى مصاف الرؤية العقلانية المتجانسة في ما يتعلق بالموقف العقلي نفسه من التاريخ. فهي تحتوي وتحتمل التفسير والتأويل المتضاد والمتناقض من التاريخ. وذلك لأن الفكرة الفلسفية العقلية تفترض في مجرى تفتتحها وتأسيسها للمفاهيم والمواقف الإرتقاء إلى مصاف العقلانية التاريخية المجردة، لكي لا تكون الفكرة العقلية دينية، ولا الدينية عقلانية مفتعلة، كما هو جلي في الصيغة المكثفة للفكرة الهيغيلية عن تساوي أو تعادل مفاهيم العناية الإلهية والعقل والحكمة.

إلا أن هذا التشويه اللاهوتي لا يشوه بؤرة الحقيقة المحددة لمضمون الفكرة الفلسفية عن التاريخ عند هيغل. من هنا تتبعه أساسا في مجرى دراسة "تحكم العقل" في التاريخ وأحداثه على ما هو واقعي ملموس وما هو منطقي مجرد. ومن هنا تفريقه بين ما ينبغي وما هو موجود بالفعل في إدراك "الغاية النهائية" للعالم، والتي تتحقق عبر مسار العقل والروح، على خلاف الشر العاجز عن منافسه العقل في هذا المجال! وهي فكرة متناقضة ولا تتسم بالتجانس المنطقي بما في ذلك ضمن سياق المنطق الهيغيلي. فالشر ينبغي أن يكون ضمن مسار العقل بالمعنى الهيغلي هو عقل شرير أو عقل ناقص. ومهما يكن من أمر هذه القضية، فإن مضمون الفلسفة الهيغلية عن التاريخ يبقى في نهاية المطاف هو "الروح ومجرى تطوره. والتاريخ الواقعي هو الميدان الذي يتكشف فيه الروح، أي في التاريخ الكلي. إذ فيه تتكشف حقيقة الروح بصورة عينية ملموسة" كما يقول هيغل. إنه يبحث ويؤسس هنا لمنطق التطور العقلي المجرد والكليّ، وليس جزئيات الأمور والظواهر والأحداث. وقد حدد ذلك ما اسماه هيغل بضرورة دراسة كل من الخصائص المجردة لطبيعة الروح، والوسائل التي يحتاجها لكي يحقق فكرته، وأخيرا الدولة، باعتبارها الشكل الذي يتخذ صيغة التجسيد الكامل للروح في الوجود العيني. ووراء كل هذه النتيجة العامة أو الرؤية النظرية العامة تكمن فكرة الحرية بوصفها الغاية النهائية للمسار التاريخي.

إن إحدى الخصائص الأكثر جوهرية بالنسبة للروح عند هيغل هو كينونته المتسامية والمجردة والصائرة في الوجود الطبيعي والتاريخي عبر اغترابه فيها أو ذوبانه أو تشيؤه في كل مظاهرهما بوصفه القوة المحركة والساعية لبلوغ وعيها الذاتي. وليس هذا الوعي في نهاية المطاف سوى الحرية نفسها. وهي الصيغة التي تعادل ما اطلقت عليه المتصوفة قديما بالتحرر من رقّ الاغيار، أي بلوغ الحرية بوصفها حقيقة عبر شحذ إرادة المريد بقانون البحث عن الحقيقة، ومن ثم بلوغ وعي الذات بوصفه انتصاب القلب في طلب الحق. بينما تتخذ عند هيغل وتتطور بوصفها حركة الروح المجرد أو العقل الكامن في السلوك والإرادة عبر تعرجات الحياة والتاريخ بكل مظاهره من اجل بلوغ وعي الذات بوصفه حرية.

إن هذه الخاصية الجوهرية للروح تجعل منه ضدا للمادة. وبالتالي، فإن هيغل يضع الروح بالضد من المادة، بوصفهما كيانات مختلفة ومتناقضة، ويسعى كل منهما إلى غاية تختلف عن الآخر، كما أن لكل منهما نسق خاص به في المسار الذاتي. فإذا كانت ماهية المادة الثقل، فإن ماهية الروح هي الحرية. والفلسفة تعلمنا، كما يقول هيغل، إن كل صفات الروح لا توجد إلا بواسطة الحرية، وأنها جميعها ليس إلا وسيلة لبلوغ الحرية. إذ تسعى كلها للحرية. وإذا كانت المادة توجد بالوحدة مع شيء ما من الأشياء، فإن الروح يوجد بذاته لذاته، وبالتالي فإن مركزه فيه. واعتبر هيغل وجود الروح بذاته هو  عين الحرية، بمعنى إن الحرية هي المتحررة عما غيرها.

إن وجود الروح في ذاته يعادل عند هيغل معنى الوعي الذاتي، أي وعي الروح بوجوده الخاص، ومن ثم يحتوي على فاعلية التحقق الذاتي. وهذه بدورها ليست إلا فكرة التصّير من الإمكانية بالفعل. الأمر الذي كان يدفع بالفكرة الهيغلية عن التاريخ صوب الرؤية الغائية. فقد اعتبر هيغل أن مصير العالم وحركته الغائية هو وعي الروح بحريته الخاصة. وأن وجود الروح في ذاته ليس إلا الوعي الذاتي، بمعنى وعي الروح بوجوده الخاص. وهذا بدوره لا يعني سوى "احتواء الروح على الفاعلية التي يمكنها تحقيق ذاتها بحيث يجعل من نفسه بالفعل ما كان بالإمكان أو بالقوة. من هنا فإن "التاريخ هو استعراض الروح في مجرى اكتسابه للمعرفة بما هو كامن في القوة"، أي أن التاريخ هو عرض للروح في مجرى عمله واكتساب المعرفة عما سيكونه بالقوة. ومن اجل بلوغ ذلك، فإن الروح بحاجة إلى وسائل لتحقيق فكرته. ووجد هيغل هذه الوسائل في حاجات البشر ونوازعهم ومصالحهم. بمعنى، إن الحاجة والمصالح هي التي تقف وراء سلوك البشر. فعندما ننظر إلى التاريخ الماضي، فإننا نرى فيه كمية هائلة من التضحيات والمرارة الأخلاقية. الأمر الذي يحدد السؤال المتعلق بماهية المبدأ الأول والغاية النهائية وراء هذه التضحيات الجسام. أما الإجابة فتقوم في فكرة الحرية. فهي التي تقف وراء كل الأخطاء والخطايا والعذاب الفعلي في التاريخ. ووضع هيغل هذه الفكرة في أساس تحليله لكل من ماهية المبدأ والغاية والمصير أو طبيعة الروح وفكرته الخاصة من جهة، والإرادة من جهة أخرى.

فالمبدأ هو شيء خفي شأن "خطة الوجود". انه ماهية هلامية ليست واقعية تامة، لكنها صادقة في ذاتها شأن المبادئ والغايات التي لا وجود لها إلا في رؤوس البشر. بمعنى إنها شيء ممكن ومن ثم واقعي. أما الإرادة فهي القوة الدافعة للمبدأ المشار إليه سابقا من أجل الظهور إلى الوجود. بمعنى إنها تتمظهر من خلال الحاجة والغريزة. فالأعمال كلها مرتبطة بحاجة ما معينة. ولم ينجز شيء ما عظيم في التاريخ بدون عاطفة ووجدان وانفعال، كما يقول هيغل. ووضع هذه المقدمة في أساس تحليله للفكرة والانفعالات البشرية وأثرها في التاريخ.

فالانفعال هو الجانب الذاتي والشكلي للإرادة. وعبر هذا الفكرة حاول هيغل تفسير أو ابراز هذه الإرادة وراء ظهور وصيرورة الدولة. فالدولة القوية هي التي تتحد وتتوحد فيها المصالح الشخصية للأفراد والمصلحة العامة للدولة. أما العقل فيبذل جهودا هائلة عبر الصراع الذي يجري على كافة المستويات من أجل إيجاد الأشكال السياسية والتنظيمية المناسبة لكي يتحقق في النهاية ببلوغ الانسجام المنشود. وهذا بدوره بالنسبة لهيغل ليس إلا التحقق الفعلي لفكرة الروح. إذ لا توجد هذه الفكرة إلا بصورة ضمنية في ذاتها، بوصفها طبيعة أو غريزة لا واعية.

الأمر الذي يجعل من مسار التاريخ بالنسبة لهيغل حركة تتجه صوب جعل الطبيعة والإرادة الطبيعية من خلال الصراع وتنوع الإرادات والمصالح وغيرها "أدوات ووسائل يستخدمها روح العالم لبلوغ هدفه". وبالتالي، فإن كل ما يجري في العالم هو وسيلة العقل. فالعقل هو الذي يحكم العالم. وذلك لأن الناس لا ترى ما تحققه هي في التاريخ. وهي الحالة التي يحقق العقل فيها من خلالهم أهدافه.

اما الصيغة العليا والمثلى والتامة لكل هذه العملية أو لمسار الروح المطلق في الكينونة التاريخية للبشر فتقوم في صنع الدولة. (يتبع.....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

3- إن تكامل الروح في "روح الأمة" يعني تصنيعهما المتبادل. لكن هل يعني "روح الأمة" "عقل الأمة"، الذي ادعوه انا بالعقل الثقافي التاريخي للأمم؟ وما هي النتائج المترتبة على هذه الفكرة بالنسبة للفكرة القومية؟ إن هيغل يتكلم عن الروح المطلق، والروح العالمي، ويطبقه بصور جزئية على نماذج التاريخ العالمي لكنه ينظر إلى ذلك بمعايير وشعور التفوق الغربي الأوربي النصراني على غيره. وهي فكرة سوف يذللها ماركس في رؤيته للتاريخ، بينما سيقوم شبنغلر في تذليلها بمعايير النقد التاريخي الثقافي. غير إن التذليل الماركسي للهيغلية بهذا الصدد جرى من خلالها نفيها بمعايير طبقية ثقافية (أوربية). لهذا اعتبر شبنغلر الماركسية فلسفة انكليزية وليست ألمانية.

2- إن حقيقة "العناية الإلهية" ودورها يعادل في الواقع دور "العناية" اللاهوتية وممثليها من أفراد ومؤسسات وأحزاب تجتهد وتجاهد وتفكر وتفسر وتؤول وتعي وتعمل وتحلم وتتنفس وتحيا وتموت بمعايير التحزب الضيق وإنعدام رؤية الوجود الإنساني الفعلي وحدوده الواقعية بمعايير الأزل والأبد، وإدراك حقيقة الكون المدهش في صيرورة الوجود والعدم أو الكون والفساد.

3- وقد جعلت الماركسية من هذه الفكرة مضمون وأدوات الصراع الاجتماعي الفعلي، أي فكرة دور الفرد في التاريخ، والاستعاضة عنه بفكرة الطبقة الاجتماعية. وعوما يمكن القول، بأن  المسار التاريخي في تطور الدول والشعب والأمم والفكرة يؤدي بالضرورة إلى انتشال هذه العقدة المركبة من أوهام حشرها الأيديولوجي في صلب الرؤية الفلسفية عن التاريخ.

 

ميثم الجنابيالفكرة الهيغلية عن التاريخ

تقديم عام: إن هذه السلسلة من المقالات التي احاول من خلالها تتبع وتحليل ونقد الفكرة الهيغلية والماركسية عن التاريخ من جهة، والكشف والتدليل على ما فيهما من قوة منطقية وأبعاد عقلانية وإنسانية تغلغلت في صلب اغلب فلسفات التاريخ والثقافة والحضارة الأوربية المعاصرة، من جهة اخرى. ومن خلال ذلك البرهنة على ما في فلسفة التاريخ السياسية، أي تلك التي تشكل الفكرة السياسية طاقتها وقوتها الكامنة، من قيمة نظرية وعملية بالنسبة لمراحل الانتقال التاريخي بشكل عام والعالم العربي بشكل خاص. فالتأمل النقدي الفلسفي العميق يكشف عن إن جميع التحولات التاريخية الكبرى في حياة الأمم الحية وعلى النطاق العالمي (المجرد) كانت على الدوم منوّرة بفلسفة للتاريخ، بوصفها فلسفة المستقبل. وقد اتخذت هذه الفلسفة صيغ ومستويات وأشكال متنوعة (شعرية وجدانية ودينية لاهوتية وسياسية مباشرة وفلسفية تأملية وعملية). وكل منها كان يعكس تجارب الأمم النظرية والعملية. فحقيقة فلسفة التاريخ لا علاقة لها بالماضي، بل هي فلسفية مستقبلية. وهي الفكرة التي اسعى لتأسيسها وغرسها في الوعي الفلسفي والسياسي العربي المعاصر. وبدونها يصعب تأسيس رؤية سياسية عملية علمية ومستقبلية. وهو امر جلي من خلال ملاحظة الانحطاط والدوران الفارغ للفكرة السياسية العربية وواقعها الفعلي. بمعنى بقاء السياسة بأيادي الجهلة وأنصاف المتعلمين والمغامرين وسقطة الممجتمع. ومن ثم بقاء المجتمع والدولة والنظام السياسي يدور في حلقة مفرغة لا آفاق لها سوى التأزم والانحطاط.  وذلك لأن النخب الاجتماعية والسياسية فارغة ومفرغة تماما من أية رؤية للتاريخ (أي للواقع والمستقبل) ومهماته الواقعية والمستقبلية. من هنا هيمنة الأيديولوجية المسطحة وذهنية الشعارات والجهل المطبق بوقائع وحقائق التاريخ. وقد دفعت للطباعة احد كتبي بهذا الصدد تحت عنوان (بوابة التاريخ الأبدي). وهو بدوره صيغة موسعة لأحد مفاصل كتابي التأسيسي (فلسفة البدائل المستقبلية).

***

ملاحظة إضافية: لا اشير هنا لصفحات كتاب هيغل (فلسفة التاريخ)، وذلك لأنني استعمل نسختي الشخصية التي ترجمتها عن الألمانية قبل عقود من الزمن، ومقارنتها بالترجمة الروسية والانجليزية والعربية. وينطبق هذا على الكثير من المؤلفات الفلسفية التي كنت وما ازال استعملها في محاضراتي وكتبي.

***

إن عظمة وقوة الفلسفة الهيغلية تقوم في كونها فكرة لدراسة الفكرة. من هنا جوهرية التاريخ والفكرة التاريخية والمسار التاريخي للفكرة نفسها في مجرى تحولها من عالم الطبيعة إلى ما وراء الطبيعة، شأن كل الأفكار والفلسفات الكبرى. وهذا بدوره ليس إلا بحث وتحليل ونقد الوجود ورؤية آفاقه. لهذا نظر هيغل إلى دراسة التاريخ على انه عمل يعادل معنى دراسة تاريخ العالم نفسه. واعتبر ذلك مضمون ما اسماه بالتاريخ الفلسفي للعالم. من هنا وضعه مهمة فحص المناهج الرئيسية في البحث التاريخي والموقف من التاريخ. واعتبر إن أهم تلك المناهج هي كل مما أسماه بمنهج التاريخ الأولي (المبسط)، ومنهج التاريخ النظري (الانعكاسي). أما منهج التاريخ الفلسفي فهو نفي لكل ما سبقه لأنه يؤسس أولا وقبل كل شيء لدراسة التاريخ من خلال الفكر أو الفكرة. 

والمقصود بمنهج التاريخ الأولي (المبسط) بالنسبة لهيغل هو المنهج الذي كان جل اهتمامه موجها صوب وصف الأحوال والأعمال والأحداث، وكذلك أحوال المجتمع الماثلة أمام أعين المؤرخ كما هو الحال عند هيرودوتس(484-424 ق. م.) وثوكيديدس (465-400 ق. م.). وأعتبر الصفة الجوهرية المميزة لهذا النوع من المنهج هو التعامل مع الواقع والأحداث كما يتعامل الشاعر مع مادته. فالمؤرخون يسجلون ما يرونه ويسمعون به. بمعنى إنهم يحتكمون إلى الرؤية الشخصية والرواية والحكاية تماما كما يستخدم الشاعر تراث اللغة ومخزونها اللغوي والتعبيري. الأمر الذي جعل من هذا النمط في التدوين التاريخي قابلا أيضا للحشو بمختلف الأساطير والخرافات. من هنا حكمه على أن هذا النوع من التاريخ هو نتاج "للأمم التي لم يستيقظ وعيها تماما". إضافة لذلك، إن "روح المؤرخ هي نفسها روح الأحداث". انه يجمع ويقدم مادة الأحداث بدون وعي نظري. وينطبق هذا على منهج "التاريخ الأولي" (الأوربي) اللاحق ما قبل العصر الحديث. ففي مرحلة العصور الوسطى الأوربية، كان التأريخ خاضعا للرهبان، الذين تمتلئ كتاباتهم التاريخية بالسذاجة والانفصال عن الحياة الواقعية، كما يقول هيغل. أما في العصر الحديث فإن الصورة قد تغيرت بشكل كبير بسبب توسع وتنوع المصادر والآراء والمواقف والمناهج. وفيه يظهر ما يدعوه هيغل بالتاريخ النظري (الانعكاسي). وهو التاريخ الذي يتجاوز حدود عصره. ويحتوي على نماذج أربعة وهي كل مما يدعوه هيغل بالتاريخ الكلي، والتاريخ النفعي (العملي)، والتاريخ النقدي، والتاريخ الجزئي.

فهدف الباحث أو المؤرخ حسب منهج التاريخ الكلي يقوم في التوصل إلى رؤية الكلّ في التاريخ الخاص أو الجزئي لشعب ما أو بلد ما أو العالم ككل. والعمل الرئيسي للمؤرخ يقوم في معالجة المادة التاريخية، حيث يقبل المؤرخ صوب مادته التاريخية بروحه الخاص أو الشخصي. وهو روح يتميز عن روح المضمون الذي يعالجه. والاعتبار المهم في مثل هذا النوع من التاريخ يرتبط بالميادين التي يُرْجع إليها المؤلف بواعث ونتائج الأعمال والأحداث التي يصفها. ويقترب هذا النوع من البحث التاريخي من "التاريخ الأولي" (أو الأصلي)، حينما يقتصر غرض المؤرخ على عرض الأخبار التاريخية لبلد من البلدان كاملة كما هو الحال بالنسبة لمؤلفات تيتوس ليفوس (59 ق.م-17 م) وأمثاله.

أما التاريخ النفعي (العملي) فهو الذي يدرس الماضي، أي عالم بعيد عنا بمعايير الزمن، لكنه يظهر أمام الذهنية الفاحصة كما لو أنه مكافأة على اجتهادها. وهو الصنف الذي يجعل من الفكرة تتغلغل في الأحداث مهما تنوعت واختلفت عبر ارجاعها إلى مضمونها الذاتي العميق، بمعنى إخراج الحادثة من مقولة الماضي عبر جعلها حاضرة بالقوة. وبغض النظر عن الطابع المجرد للتأملات النظرية العملية إلا أنها من حيث الفعل والواقع تخص الحاضر من خلال اشعاع الحياة الحية الحاضرة في حوليات الماضي الميت. وبالتالي، فإن قدرة هذه التأملات النظرية على أن تكون مثيرة وحيوية وإحيائية، تتوقف على ما يدعوه هيغل بروح المؤلف. من هنا مطالبته الحكام وأهل السياسية للاعتبار من التاريخ وتجاربه، بمعنى أخذ العبرة من تجارب الأسلاف. لكن المشكلة تقوم في أن التاريخ نفسه يكشف عن أن الشعوب والحكومات لم تتعلم من التاريخ وعليه، ولم تتعظ من تجاربه، وبالتالي لم تستفد منه المبادئ الكبرى للعمل. ومع ذلك فإن المشكلة الأعمق هنا تقوم في أن المبادئ العامة لا تقدم عونا في مجرى الضغط الهائل للأحداث الكبرى. وبالتالي لا معنى ولا فائدة من الرجوع إلى الماضي والبحث فيه عن أحداث مماثلة لما يجري الآن. من هنا سطحية المحاولات العديدة إبان الثورة الفرنسية بالرجوع إلى أمثلة من اليونان والرومان. فالاختلاف بينهما هائل انطلاقا من أن لكل مرحلة تاريخية عبقريتها الخاصة، كما يقول هيغل. 

في حين يتطابق التاريخ النقدي بالنسبة لهيغل مع الأسلوب الذي لا يستعرض التاريخ كما هو، بل يهتم بنقد الروايات التاريخية ودراستها بمعايير الحقيقة والمعقول. من هنا يمكن أن نطلق على هذا النمط اسم تاريخ التأريخ. والخلل أو النقص الكبير فيه يقوم في احتمال وضع أو إحلال التصورات الشخصية محل المعطيات التاريخية الفعلية.

بينما يمكن دعوة التاريخ الجزئي بالتاريخ المتخصص، بوصفه الأسلوب الذي يحتل مرتبة ما قبل التاريخ الفلسفي للعالم، كما نراه في نماذج تاريخ الفن وتاريخ القانون وتاريخ الدين وما شابه ذلك. وقد أثنى هيغل على هذا النوع من التاريخ. ومع إن هيغل يثمن هذا النوع من الرؤية التاريخية أو المنهج التاريخي، إلا أن الجوهري بالنسبة له هي المسألة المتعلقة عما إذا كان يجري الكشف عن حقيقة وواقعية ترابط الكلّ، أم انه يجري ربطه أو إرجاعه إلى علاقات خارجية فقط. وفي الحالة الأخيرة تبدو جميع هذه المظاهر المهمة كالفن والقانون والدين مجرد عوارض قومية طارئة بالنسبة للشعوب. ويتوصل هيغل بهذا الصدد إلى استنتاج يقول، بأنه في حال وصول "التاريخ النظري" إلى اعتناق وجهات نظر عامة تؤدي في حال طابعها السليم إلى الكف عن أن تكون مجرد خيط خارجي لخياطة وحدتها أو مجرد سلسلة سطحية، بل يتحول إلى الروح الباطن الذي يوجه الحوادث والأفعال التي تثير هموم التقويم التاريخي لأية أمة من الأمم. وهذا بدوره ليس إلا الانطلاق من ان الفكرة في حقيقتها هي التي تقود الشعوب والعالم مثلها مثل عطارد مرشد الروح. وهي فكرة تعبّر في آراء هيغل عن تساوي الروح مع الإرادة العقلية، ومن ثم فإن التاريخ بشكل عام وعلى حقيقته الباطنة هو تيار عقلاني. فالروح أو الإرادة العقلية لهذا الإرشاد بالنسبة لهيغل، كانت وما تزال موجهِّة الأحداث في العالم. وقد حدد هذا بدوره ما اسماه هيغل بالتعرف على هذا الروح في وظيفته الإرشادية بوصفه غاية التأمل الفلسفي للتاريخ.

إن مهمة الفهم الفلسفي للتاريخ تعادل معنى البحث فيه عن قيمة إرشاده السليم للرؤية والفعل تجاه الماضي والحاضر والمستقبل. ولا تعني قيمة الإرشاد بالنسبة لهيغل في ميدان التاريخ سوى ما يتطابق مع معنى العقل الذاتي أو التلقائي الكامن والفاعل في التاريخ. بمعنى إن الرؤية الفلسفية الباحثة عن أثر وفاعلية العقل في الماضي والحاضر لا تعقلن كل ما جرى فيه بل تعقلن الرؤية المستقبلية، باعتبار إن كل ما جرى هو نموذج ومستوى من مستويات تفتح العقل أو الفكرة في التاريخ. ومع إن هيغل يتكلم أحيانا عما يدعوه "بالعناية الإلهية" أو إرشادها الذائب في الوجود التاريخي للبشر، إلا أن مضمونها يتطابق من حث الجوهر مع ما دعاه هيغل نفسه "بالتدبير العقلي المطلق للعالم". تماما كما إن قوله "ليس الإنسان غاية بحد ذاته إلا بفضل ما هو إلهي فيه" لا تعني سوى فكرة العقل فيه، أي ليس الإلهي سوى العقلي. وبالتالي لا معنى للإلهي هنا سوى ما يمكنه إثارة الالتباس والتفلسف النعسان!

وقد حدد هذا المدخل العام أسلوب فلسفة التاريخ عند هيغل ومضمونها في الوقت نفسه. إذ لا يعني مضمون فلسفة التاريخ عنده سوى دراسة تاريخ الفكرة (المطلقة) في التاريخ نفسه، أي دراسة التاريخ من خلال الفكر. فإذا كان من صفات علم التاريخ هو تبعيته للأحداث والوقائع مع ما يترتب عليه من أن تكون هذه الأحداث والوقائع أساسه ومرشده في الرؤية والتفسير، فإن الفلسفة تنتمي بطبيعتها إلى عالم الفكر الذي ينتج نفسه بنفسه دون الإشارة إلى الواقع الفعلي وأحداثه. الأمر الذي حدد بدوره ظهور المشكلة المتعلقة بإمكانية أن يعالج الفكر النظري، حالما يقترب من التاريخ، الأمور بطريقة متحيزة عوضا أن يترك الأحداث والوقائع كما جرت. بمعنى انه قد يجعلها مطابقة لفكرة أولية، أي تفسير الأحداث والوقائع انطلاقا من فكرة مسبّقة (قَبْلِية). وحدد هذا بدوره الفرق بين علم التاريخ والفلسفة في الموقف من التاريخ، وهو أن الأول يسعى لجمع الوثائق وتدوين الأحداث الفعلية، بينما الفلسفة تبحث عن جوهر التاريخ. وبالتالي، فإن الفكرة الوحيدة التي تدخلها الفلسفة في تأملها للتاريخ تقوم في أن العقل هو الذي يتحكم بالعالم ويسيطر عليه. مما يجعل من تاريخ العالم يبدو أمامنا ويتخذ صيغة المسار العقلي. وإذا كانت هذه الفكرة مجرد فرضية في مجال التاريخ، فإنها ليست كذلك في عالم الفلسفة. فالتاريخ الكلي بنظر هيغل هو "العالم الروحي" الذي يتجلى فيه العقل بوصفه جوهرا وقوة غير متناهية. إذ فيها ومن خلالها يتم البرهنة النظرية على أن العقل هو جوهر وقوة غير متناهية بقدر واحد. والمقصود بطابعه غير المتناهي هو كمونه وراء كل مظاهر وظاهر الحياة الطبيعية والروحية. فالعقل بالنسبة لهيغل هو جوهر الكون وطاقته غير المتناهية في الوقت نفسه، وأنه أوسع من كونه مجردا، بمعنى أنه قادر على صنع القيم المثلى. والمقصود بكون العقل جوهر الكون، هو أن الواقع الحقيقي واستمراره يستمدان وجودهما منه وفيه وبه. فهو الطاقة غير المتناهية للكون ما دام مستمرا في صنع كل شيء. فهو ليس مجرد مثل أعلى ونية مجردة. كما أنه ليس وراء العالم وخارجه ومنفصلا عنه لا يعلم به احد بقدر ما أنه المرِّكب غير المتناهي للأشياء، كما انه ماهيتها وحقيقتها التامة. وهو في الوقت نفسه مادته الخاصة التي يتعامل معها في نشاطه الايجابي. بعبارة أخرى، إن العقل قائم بحد ذاته، وانه صانع ذاته بذاته، كما انه يستند إلى قواه الخاصة، بوصفها قوة وطاقة وجوهر غير متناه.

إن العقل بهذا المعنى "يفّجر" نفسه، لأنه في آن واحد أساس نفسه ومحدد غايته الذاتية، كما انه قوة تحقيقها. انه ينفي ذاته عبر ذوبانه في التاريخ. من هنا يصبح التاريخ عقلانيا، لأن العقل هو محركه. من هنا قول هيغل عن إن العقل يزوّد نفسه بغذائه الخاص. وهو وحده أساس وجوده وغايته النهائية. انه القوة المنشطة التي تحقق هذه الغاية وتطورها في الوقت نفسه في ظواهر العالم الطبيعي والروحي على السواء، أي في التاريخ الكلي.

ان هذه الفكرة بالنسبة لهيغل ليست فرضية، بل مقدمة منطقية، سعى للبرهنة عليها من خلال رؤيتها في التاريخ الكلي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه لابد لنا من اليقين القائل، بأن العقل موجود فعلا في التاريخ، وإن عالم العقل والإرادة الواعية ليس نهبا للصدفة، بل يتجلى على حقيقته في ضوء الفكرة الواعية بذاتها. ذلك يعني، أن التاريخ بالنسبة لهيغل هو مسار عقلي خالص. ووضع ذلك في عبارة تقول، بأننا حالما نقول "أن التاريخ الذي ندرسه يشكل المجرى العقلي الضروري لهذا العالم، فإن استنتاجنا هذا يجري استخلاصه من تاريخ العالم نفسه بوصفه مسارا عقليا".

إننا نعثر في آراء هيغل هذه على فكرة "القانون العام" أو المجرد أو سنّة الوجود العقلي في العالم، ومن ثم وحدة التاريخ الكلي. انه ينظر إليه على انه ضروري بحيث يقترب من الفكرة الغائية رغم انه لا يمثلها ولا يتمثلها على الأقل من الناحية الذاتية، لكنه يجد في مسار التاريخ، بوصفه مسارا عقليا، "طبيعة واحدة" جلية في ظواهر العالم. ومع ذلك لا تحتوي آراءه بصدد التاريخ على ما يمكنه ان يكون رؤية قَبْلِية (مسبَّقة). بل على العكس من ذلك نعثر فيها على ما يمكن دعوته بالرؤية التجريبية تجاه التاريخ. من هنا دعوته إلى التجريب أو "السير بطريقة تاريخية". وهو موقف موجه اساسا ضد الاتهام التقليدي للمؤرخين تجاه الفكرة الفلسفية عن التاريخ. من هنا دعوته أيضا لما اسماه بتبني الأمانة لكل ما هو تاريخي، رغم اشارته إلى الغموض المحتمل في هذه الكلمة. وأعتبر ذلك أمر لابد منه، فهي الحالة التي لا يمكن حتى للمؤرخ المحايد التخلي عن المقولات في التعامل مع مواد التاريخ، وذلك لأنه ينظر إلى مادته التاريخية بواسطة هذه المقولات. (يتبع...).

***

ا. د. ميثم الجنابي – مفكر وباحث

 

ينسب الكثير من مؤرخي الفلسفة إلى هانز رايشنباخ صفة الوضعي المنطقي، وأنه واحد من أعضاء حلقة فيينا. لا أحد ينكر مساهمة رايشنباخ – بما قدمه من أعمال- في تطور الوضعية المنطقية وبلوغها مرحلة العالمية، وخير دليل على ذلك مساهمته مع كارناب في تحرير مجلة المعرفة. لكن هل هذا دليل كاف على أن ريشنباخ كان وضعيا منطقيا بأتم ما تحمله هذه العبارة من معنى؟ وما هي مساهمته  في مجال فلسفة العلوم؟

هانز رايشنباخ** ومساهمته في فلسفة العلوم

رايشنباخ التجريبي المنطقي

يقول ويسلي سالمون  WESLEY C. SALMON(1925-2001)  لعلنا لا نجانب الصواب إن قلنا أن من بين أعظم فلاسفة العلم في كل العصور، نذكر بالتأكيد أرسطو، وديكارت، وليبنتز، وهيوم، وكانط. (وأضيف أنا ابن رشد) وبمعنى أكثر أهمية، يمثل كانط قمة هذا التقليد بسبب جهوده الدؤوبة لتقديم تحليل معرفي وميتافيزيقي مناسب للعلم النيوتوني في قمة نضجه. كانت هناك بالطبع تطورات مهمة في الفيزياء الكلاسيكية بعد وفاة كانط- على سبيل المثال. نظرية ماكسويل الكهرومغناطيسية - ولكنها كانت أشبه ما تكون مكملة للنظام النيوتوني، أكثر منها إنجازات ثورية التي تتطلب تغييرات مفاهيمية وفلسفية عميقة. لم تظهر العلامات الأولى للانهيار الأساسي للفيزياء الكلاسيكية إلا عام 1905؛ على الرغم من أن نظرية "بلانك" الكوانتية وتجربة "ميكلسون-مورلي" تمت في وقت سابق، فإن أهميتها الحاسمة لم يتم التعرف عليها إلا لاحقًا. ومن الملائم بشكل خاص أن هانز رايشنباخ Hans Reichenbach(1891 -1953)، أحد أهم الفلاسفة في القرن العشرين، قد تأثر بالتقاليد الفلسفية الكانطية وبالتطور الذي حصل في مجالي الفيزياء والرياضيات في القرن العشرين. كان هذا الإعداد شرطا لا غنى عنه لأي شخص، مثل رايشنباخ، لتقديم مساهمة كبيرة في فلسفة العلم في القرن العشرين(1). وكثيرا ما كان يطلق على رايشنباخ لقب "الوضعي المنطقي"، يقول فؤاد زكريا في مقدمة ترجمته لكتاب نشأة الفلسفة العلمية:"يعد رايشنباخ من المؤسسين الأوائل لحلقة أو جماعة فيينا"(2). ولكن كحقيقة تاريخية، لم يكن رايشنباخ أبدا عضوا في حلقة فيينا.  لقد كان، بدلاً من ذلك، رئيس جمعية برلين التي فضلت تسميات أخرى مثل الواقعية الجديدة، والفلسفة الطبيعية للعلم(3)، والتجريبية المنطقية- وأصبح المصطلح المفضل لديها هو "التجريبية المنطقية"((4)Logical empiricism.

هانز رايشنباخ وحلقة فيينا

كانت جماعة من الفلاسفة والعلماء تعرف باسم جماعة برلين Berlin Circle قد أسست جمعية للفلسفة التجريبية سنة 1928 بزعامة ريشنباخ. تضم رايشنباخ، هيرتز برغ ودوبسلاف غايتها تطوير فلسفة علمية عن طريق إيجاد طريقة فلسفية لتحليل ونقد نتائج العلوم وبحث المفاهيم الأساسية والنظريات والطرق الخاصة بكل علم. حيث ترى أن الفلسفة العلمية هي طريقة فلسفية تقوم بتطوير نتائج العلوم المختلفة بالتحليل والنقد وحل المشكلات الفلسفية المتعلقة بها، وكانت جماعة برلين على اتصال بجماعة حلقة فيينا.

لكن ينبغي أن نشير هنا إلى أن التعاون بين جماعة برلين وجماعة حلقة فيينا والذي يظهر جليا في اشتراك كل من رودولف كارناب ورايشنباخ في تحرير مجلة المعرفة. إن هذا التعاون لا ينفي وجود اختلافات كثيرة بين المؤسستين. وكان من حصيلة الاتصالات بين حلقة فيينا وجماعة برلين العمل المشترك بين الجماعتين في مؤتمر فلسفي خصص للبحث في نظرية المعرفة في مجال العلوم الدقيقة وذلك في سنة 1929*"(5). وذُكر في التصور العلمي للعالم  يومي 15و 16 سبتمبر 1929(6).

 لقد لعب رايشنباخ دورا مؤثرا في حياة كارناب ومستقبله كفيلسوف للعلم وعالم رائد في المنطق الرمزي . فقد كان لـ ريشنباخ الفضل في تعريف كارناب على مؤسس حلقة فيّينا، والأب الروحي للوضعية المنطقية موريس شيلك Moritz Schlick (1936 – 1882).

يبدو أن هناك إدراكًا واضحًا من جانب كلتا المجموعتين(جماعة حلقة فيينا وجماعة برلين) بأن اختلافاتهم الفلسفية -رغم أنها ذات أهمية كبيرة- كانت ضئيلة بالمقارنة مع الخلافات الأساسية التي تفصلهما عن  الحركات الفلسفية الأخرى التي عارضوها. كان إعجاب الجماعتين عميقا بالعمل المثال من طرف كل من وايتهد وبرتراند راسل في مبادئ الرياضيات Mathematica Principia. ومثّل نظر كل منها للتطور السريع الذي حدث في مجال العلم التجريبي وخاصة الفيزياء، إلهاما فلسفيا معتبرا. ونذكر على سبيل المثال نسبية انشتاين وفيزياء الكوانتم مع ماكس بلانك. (فضلا عن المادة الخام للتحليل المنطقي). لكن إذا كان رايشنباخ لا يعتبر وضعيا منطقيا، فذلك، لأن ريشنباخ نفسه أكد أن هناك مسائل فلسفية أساسية يختلف فيها مع الوضعية المنطقية. وهذا ما نلاحظه في مقدمة كتابه التجربة والتنبؤ حيث يقول:  يبدو أن نمو هذه الحركة متقدمًا بشكل كافٍ للدخول على مستوى أعلى من التقريب؛ وما أقترحه هو أن شكل هذه المرحلة الجديدة يجب أن يكون تجريبيا احتماليا. إذا كان الاستمرار المقترح يقابل تناقض بعض الأفكار التي اعتبرت حتى الآن راسخة، ولا سيما من قبل الكتاب الوضعيين، فإن القارئ سيأخذ في الاعتبار أن هذا النقد لا يعرض بنية تقويض المزايا التاريخية لهؤلاء الفلاسفة(يقصد الوضعيين المنطقيين). على العكس من ذلك، يسرني أن أحظى بفرصة للتعبير عن أنني أدين للعديد من المؤلفين الذين لا أستطيع أن أشاطر آراءهم بالكامل. ومع ذلك، أعتقد أن توضيح أسس مفاهيمنا المشتركة هو المهمة الأكثر إلحاحًا داخل حركتنا الفلسفية. وأنه يجب علينا ألا نتقاعس عن الاعتراف صراحة بأوجه القصور في النتائج السابقة حتى ولو أنها لا تزال تجد مدافعين عنها في صفوفنا(7).

وجاء في التصور العلمي للعالم: "وحلقة فيينا تسعى إلى إقامة علاقات مع الجماعات ذات التوجه المماثل، والتأثير في المجموعات المنغلقة على نفسها والتي تقف بعيدا عن المشهد. كما يعد التعاون في جمعية ارنست ماخ تعبيرا عن هذا المسعى. كان شليك يرأس هذه الجمعية.. وتم ذكر جمعية الفلسفة التجريبية برلين"(8).

وجاء أيضا،اسم هانز رايشنباخ في آخر البيان -عند ذكر أعضاء حلقة فيينا والمتضامنون مع الحلقة- في قائمة الأعضاء المتضامنين مع الحلقة وليس في قائمة أعضاء الحلقة(9). وجاء كذلك في بيان التصور العلمي للعالم: لم يتميز التصور العلمي عن العالم كثيرا بالأطروحات التي صدرت عنه، بقدر ما تميز بموقفه الأساسي، وآرائه واتجاهات أبحاثه؛ فالهدف الأول هو تأسيس العلم الموحد. إلى جانب أنه يسعى إلى ربط إنجازات الباحثين وتنسيقيها بمختلف مجالاتهم العلمية.."(10) هذه العبارات توحي بأن جماعة حلقة فيينا لم يكن لديهم مذهبا واحدا بل كان لديهم تصور عام أو مشروع عام لا يمكن إنجازه انطلاقا من اتجاه واحد أو مذهب واحد بل كان مشروعا مطروحا للإثراء والمناقشة وهذا ما يفسر الاختلافات الكثيرة التي كانت بين أعضاء الحلقة رغم ما يظهر من اتفاق بينهم. فلاتفاق كان حول المنطلق أو المبدأ لكن الاختلاف حصل في كيفية تجسيد هذا المنطلق أو المبدأ. ومن هنا نتساءل هل اشتراك هانز رايشنباخ مع أعضاء حلقة فيينا في إنجاز الكثير من الأعمال التي تخدم مشروع الوضعية المنطقية بصفة عامة وتصور حلقة فيينا للعالم بصفة خاصة، هل يعني أن رايشنباخ كان بالضرورة يتبنى كل آراء الوضعية المنطقية أو حلقة فيينا على الخصوص؟  أراء رايشنباخ في كثير من المشكلات التي تناولها تبيّن أنه كان يختلف مع حلقة فيينا على الخصوص ومع الوضعية المنطقية على العموم. فلم يكن وضعيا منطقيا بالمعنى الذي قصدته حلقة فيينا.

كان رايشنباخ، جنبا إلى جنب مع الوضعيين المنطقيين، مؤيدًا قويًا لـ "نظرية التحقق من المعنى".كانت هذه القضية حجر الزاوية في تجريبيته. انظر "نظرية التحقق من المعنى" 1951. تبدأ هذه المقالة ببعض الملاحظات التاريخية الواضحة على علاقات رايتشنباخ مع أعضاء حلقة فيينا من الوضعيين المنطقيين. وهو يشكل معالجته النهائية المفصلة لهذا الموضوع (مبدأ التحقق).

 لقد أدرك رايشنباخ في وقت مبكر جداً -وهو درس سيتعلمه معظم الوضعيين المنطقيين إن عاجلاً أم آجلاً - أن معيار المعنى المعرفي لا يمكن تحديده من حيث قابلية التحقق الاستنباطية الصارمة، ولكن يجب استحضار بدلاً من ذلك نوعاً من إمكانية التحقق الاحتمالي (أو التثبت) إلى حد ما. بالنسبة لرايشنباخ تأخذ القضية معناها المعرفي فقط إذا كان ممكنا مبدئيا أن تحصل على أدلة من شأنها أن تعطي لها درجة من الاحتمال أو الوزن. من الواضح أن مثل هذا التحقق الاحتمالي قد يكون مؤيدا أو مقوّضًا، لأن الوزن الناتج قد يكون مرتفعًا أو متوسطًا أو منخفضًا. may be high, middling, or low. وبالتالي، تصبح قابلية التحقق الاحتمالي أو قابلية الرفض من حيث المبدأ معيار المعنى المعرفي أو الواقعي.

بالإضافة إلى ذلك، فقد صرح رايشنباخ أيضًا، بمعيار التماثل في المعنى المعرفي: يكون لعبارتين المعنى المعرفي نفسه، إذا كان وفقط إذا كان كل عنصر تجريبي سيعطي بالضبط الاحتمال أو الوزن نفسه  للأولى كما للأخرى. ويشكل هذا المعيار من تماثل المعنى المعرفي أساس "نظرية الأوصاف المتكافئة" التي وضعها رايشنباخ والتي لعبت دورًا مركزيًا في فلسفته للمكان والزمان، وتحليله لميكانيكا الكم، وفي الحقيقة، في نظريته في المعرفة بصفة عامة. يجب أن نشير أن رايشنباخ لم يؤكد أبداً أنه لا يوجد أي معنى آخر غير المعنى المعرفي. كان يعي تمامًا أن هناك  أنواعًا أخرى مثل، المعنى العاطفي والاستعاري. إنه لخطأ محض أن نفترض أنه كان على الإطلاق يرى أن كل ما لا يمكن التحقق منه تجريبياً فهو من القضايا التي لا معنى لها كما هو الأمر عند الوضعيين المنطقيين في حلقة فيينا(11). وهذه الفكرة بالذات هي التي أثارها كارل بوبر Karl Popper (1902- 1994)عندما رفض التمييز بين القضايا التحليلية والقضايا التركيبية التي قال بها كارناب وإن كان ذلك بطريقة مختلفة(12). وهنا يمكن أن نستنتج تأثر كارل بوبر بـ رايشنباخ في هذه المسألة وإن كان لم يصرح بذلك.

أهم إنجازات رايشنباخ

إن تحديد مكانة مفكر أو عالم في مجال ما يقتضي الإشارة إلى الأعمال والإبداعات التي قدمها في ذلك المجال، فماذا قدم راشينباخ في مجال فلسفة العلوم؟

ولعل من أهم انجازات جمعية برلين بزعامة رايشنباخ هو"استخلاص نظرية المعرفة المرتبطة بالتحولات العلمية الجديدة والاستفادة منها في فهم المشكلات الفلسفية وحلها. ومن الأمثلة على ذلك ما أثارته النظرية النسبية والكوانتية وما فتحت من آفاق في المعرفة. ... "(13). 

لقد كان ريشنباخ رائدا في فتح  طرق جديدة لحل المشاكل القديمة في العديد من المجالات: الفضاء، والوقت، والسببية، والاحتمال(الترجيح) -التحليل الفلسفي وتفسير الفيزياء الكلاسيكية، والنسبية، والفيزياء الكمية- المنطق، واللغة، والأخلاق، والتفسير العلمي، والمنهجية، والتقييم النقدي، وإعادة مراجعة المفكرين الميتافيزيقيين السابقين، والعلماء من أفلاطون إلى ليبنتز وكانط(14).

رفض رايشنباخ للقبلي التركيبي

لا يمكننا تناول كل انجازات رايشنباخ وهي كثيرة لا يتسع بحث كهذا لذكرها جميعا وبالتفصيل. فنبدأ بنقد رايشنباخ لكانط والقطيعة معه وهو ما يؤسس فيما بعد لفلسفة جديد في العلوم ترفض المعرفة التركبية القبلية. في البداية لابد من التذكير بأن استحضار كانط للتركيبية القبلية كان هدفه هو برهنة إمكانية العلم من الناحية المنطقية وتجاوز تجريبية هيوم المتطرفة. إن افتراض التركيبي القبلي يتلاءم تماما مع التحليل الفلسفي لمبادئ فيزياء نيوتن. في الواقع، بدأت رحلة هانز رايشنباخ الفلسفية الخاصة به من خلال انتقاله من الإيمان بفكر كانط إلى القطيعة معه. القضية، وباختصار، هي هل هناك قضايا تركيبية قبلية؟. إن الدافع الأساسي في مسيرة رايشينباخ الفلسفية، هو، من البداية إلى النهاية، ينصب حول محاولة حل هذا المشكلة بالذات. لقد كرس راشنباخ معظم أعماله في إعادة بناء المعرفة بصفة عامة والمعرفة العلمية بصفة خاصة دون اللجوء إلى القبلي التركيبي بأي شكل من الأشكال. إن هذا البرنامج يبدو سهلا من حيث القول، ولكن يصعب انجازه فعليا.

نظرية احتمال المعنى عند رايشنباخ

كان رايشنباخ، جنبا إلى جنب مع الوضعيين المنطقيين، مؤيدًا قويًا لـ "نظرية التحقق من المعنى".كانت هذه القضية حجر الزاوية في تجريبيته. انظر "نظرية التحقق من المعنى" 1951. تبدأ هذه المقالة ببعض الملاحظات التاريخية الواضحة على علاقات رايتشنباخ مع أعضاء حلقة فيينا من الوضعيين المنطقيين. وهو يشكل معالجته النهائية المفصلة لهذا الموضوع.

 لقد أدرك رايشنباخ في وقت مبكر جداً -وهو درس سيتعلمه معظم الوضعيين المنطقيين إن عاجلاً أم آجلاً - أن معيار المعنى المعرفي لا يمكن تحديده من حيث قابلية التحقق الاستنباطية الصارمة، ولكن يجب استحضار بدلاً من ذلك نوعاً من إمكانية التحقق الاحتمالي (أو التثبت) إلى حد ما. بالنسبة لرايشنباخ تأخذ القضية معناها المعرفي فقط إذا كان ممكنا مبدئيا أن تحصل على أدلة من شأنها أن تعطي لها درجة من الاحتمال أو الوزن. من الواضح أن مثل هذا التحقق الاحتمالي قد يكون مؤيدا أو مقوّضًا، لأن الوزن الناتج قد يكون مرتفعًا أو متوسطًا أو منخفضًا. may be high, middling, or low. وبالتالي، تصبح قابلية التحقق الاحتمالي أو قابلية الرفض من حيث المبدأ معيار المعنى المعرفي أو الواقعي.

بالإضافة إلى ذلك، فقد صرح رايشنباخ أيضًا، إلى معيار التماثل في المعنى المعرفي: يكون لعبارتين المعنى المعرفي نفسه، إذا كان وفقط إذا كان كل عنصر تجريبي سيعطي بالضبط الاحتمال أو الوزن نفسه  للأولى كما للأخرى. ويشكل هذا المعيار من تماثل المعنى المعرفي أساس "نظرية الأوصاف المتكافئة" التي وضعها رايشنباخ والتي لعبت دورًا مركزيًا في فلسفته للمكان والزمان، وتحليله لميكانيكا الكم، وفي الحقيقة، لنظريته في المعرفة بصفة عامة.

 يجب أن نشير أن رايشنباخ لم يؤكد أبداً أنه لا يوجد أي معنى آخر غير المعنى المعرفي. كان يعي تمامًا أن هناك  أنواعًا أخرى مثل، المعنى العاطفي والاستعاري. وهنا يختلف رايشنباخ مع جماعة حلقة فيينا. إنه لخطأ محض أن نفترض أنه كان على الإطلاق يرى أن كل ما لا يمكن التحقق منه تجريبياً من القضايا التي لا معنى لها كما هو الأمر عند التجريبيين المنطقيين في حلقة فيينا(15). وهذه الفكرة بالذات هي التي أثارها كارل بوبر Karl Popper عندما رفض التمييز بين القضايا التحليلية والقضايا التركيبية التي قال بها كارناب وإن كان ذلك بطريقة مختلفة، لكن بوبر لم يشر إلى رايشنباخ على الإطلاق

الاحتمال

إن المشكلة التي أثارها دفيد هيوم فيما يخص المعرفة الاستقرائية كانت موضوع بحث بالنسبة لريشنباخ ووصل فيها إلى نتيجة مهمة تتمثل كما يقول علي عبد المعطي محمد: في اعتماد المنطق الاحتمالي كمفتاح لحل مشكلة الاستقراء والتنبؤ، فالحكم المتعلق بالمستقبل لا يمكن الجزم بصحته، لأننا نتصور دائما أن العكس هو الذي سيحدث، وليس هناك ما يضمن لنا أن التجربة لن تحقق ما هو اليوم مجرد خيال. فالتنبؤ بالتجارب المقبلة لا يمكن التعبير عنه إلا بمعنى احتمالي أي ينبغي أن نعمل حسابا لاحتمال كذبه، فإذا اتضح خطأ التنبؤ كان علينا الاستعداد لمحاولة أخرى. فالحكم التنبؤي احتمالين فبدلا من أن نعرف حقيقته، نعرف نسبة احتماله فقط وبهذا نفهم المعرفة التجريبية وحل مشكلة الاستقراء(16). رغم ما واجهه هذا الحل من اعتراضات وانتقادات إلا أن قيمته تحكم في محاولة رايشنباخ الرائدة والتي لم يسبقه لها أحد في محاولة تقديم حل جديد لقضية قديمة كادت أن تقوض أسس المعرفة العلمية.

تأثير رايشنباخ في حلقة فيينا

إن التجريبية المنطقية -التي لا ينبغي الخلط بينها وبين الوضعية المنطقية- هي حركة تركت أثرا لا يمحى على فلسفة القرن العشرين. كان هانز رايشنباخ (1891-1953) أحد مؤسسيها وأحد أكثر مناصريها من حيث ما أنتجه. لقد أوقف موته المفاجئ والمبكر في عام 1953 عمله عندما كان في أوج عطائه الفكري. ومع ذلك، ترك لنا إنتاجا فكريا هائلا.

لا توجد جائزة نوبل في الفلسفة - أقرب نظير لها هو مجلد في مكتبة الفلاسفة الأحياء، وهو شرف، مثل جائزة نوبل، لا يمكن منحه بعد الوفاة. ومن بين "الفلاسفة العلميين"، الذين تم تكريمهم نجد رودولف كارناب وألبرت أينشتاين وكارل بوبر وبرتراند رسل. لو عاش رايشنباخ فترة أطول، لكان قد شارك هذا الشرف مع كارناب، لأنه كان هناك مجلد حول التجريبية المنطقية، يعالج أعمال كارناب ورايشنباخ، لا يزال في بدايته، عند وفاة رايشنباخ.

وظهر هذا المجلد بعد موت راشينباخ، كتب فيه كارناب قائلا: "في عام 1953، عندما انقطع النشاط الإبداعي لـ ـرايشنباخ بسبب وفاته المفاجئة، خسرت حركتنا أحد أكثر قادتها نشاطًا، لكن عمله المنشور وثمرة تأثيره  مستمر معنا(17)". وهذا ما يبين بوضوح تأثر أعضاء حلقة فيينا بفكر رايشنباخ وخاصة رفضه للمعرفة التركيبية القبلية والتصحيح الذي ادخله على مبدأ التحقق عند الوضعية المنطقية حيث قيم هذا المبدأ إلى ثلاث مستويات التحقق القوي والمتوسط  والضعيف. وهو ما يذكره في كتابه التجربة والتنبؤ سنة 1938. ومن الحقائق التاريخية المدهشة-كما يذكر صاحب كتاب هانز رايشنباخ التجريبي المنطقي  LOGICAL EMPIRICIST ويسلي سلمون WESLEY C. SALMON أن هذا العمل، الذي كان بكل وضوح أطروحة ابستمولوجية أساسية لرايشنباخ، لم يترجم إلى أية لغة أخرى غير الإنجليزية الأصلية التي كُتبت بها.(18)

ومن خلال هذه الأمثلة المختصرة يظهر تجديد رايشنباخ في مجال الفكر الفلسفي عامة وفي فلسفة العلوم خاصة ولعلنا لا نغالي إذا قلنا أن تأثير رايشنباخ في تطور فلسفة العلوم يبرز خاصة في حل مشكلة المعرفة التركيبية القبلية التي قال بها كانط، وتجاوزها وما نتج عن ذلك من تصورات علمية جديدة منها منطق ثلاثي القيمة ونظرية الاحتمال في المعنى، ومبدأ التحقق الاحتمالي، ومفهومي المكان والزمان وقضايا عديدة أخرى أثيرت مع رايشنباخ وتواصل البحث فيها بعده وكان لها الأثر القوي في إشعال الفلسفة في القرن العشرين وهو ما يبرز مكانة رايشنباخ  في فلسفة العلوم في هذا القرن.

 

مسعود بن سلمي

دراسات ما بعد التدرج سنة ثالثة دكتوراه جامعة الحاج لخضر. باتنة الجزائر.

..........................

الهوامش

(1)- WESLEY C. SALMON, Hans Reichenbach, logical empiricist, 1st edition, springer netherlands.. 1979, p,1.

(2) - هانز رايشنباخ، نشأة الفلسفة العلمية، تر، فؤاد زكريا، دار الوفاء، الإسكندرية، مصر، 2004. ص، 12.

(3) - باسم راجح الألوسي، مشكلات في فلسفة العلم من وجهة نظر هانز رايشنباخ، ط1،  الجزائر،2015، ص 89.

(4) - WESLEY C. SALMON.  ibid, p, 40.

5- ياسين خليل، مقدمة في الفلسفة المعاصرة، ط2، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، 2012 ، ص، 220.

يذكر ياسين خليل في المرجع نفسه والصفحة أن انعقاد المؤتمر كان سنة 1930. وهو يخالف التاريخ المذكور في التصور العلمي للعالم.

(6)- ماهر عبد القادر محمد علي،  حلقة فيينا تصورها العلمي للعالم فجر فلسفة العلوم المعاصر، ، دار المعرفة الجامعية، ط1 2017.ص، 203.

(7) - Hans Reichenbach, EXPERIENCE and PREDICTION, Phoenix Books The University of Chicago Press, 1961. P, preface.

(8) - ماهر عبد القادر محمد علي، المرجع السابق، ص، 103.

(9) - المرجع نفسه، ص 126.

(10) - المرجع نفسه، ص 111.

(11)- WESLEY C. SALMON, ibid, p, 41.

(12) -ويلارد كواين، من وجهة نظر منطقية، تر، حيدر حاج اسماعيل، ط1 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006، ص 79.

(13) - ياسين خليل، مقدمة في الفلسفة المعاصرة، مرجع سابق، ص 22.

(14) - MARIA REICHENBACH and ROBERT S. COHEN : Hans Reichenbach, Selected Writings1909-1953, V1,  Principal Translations by Elizabeth Hughes Schneewind.D. Eridel PUBLISHING COMPANY  DORDRECHT : HOLLAND I BOSTON: U.S.A. LONDON: ENGLAND, 1978. p

(15)- WESLEY C. SALMON, ibid, p, 41

(16) - علي عبد المعطي محمد، السيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، دار المعرفة الجامعية الإسكندرية، مصر،1988، ص، 528.

(17) - WESLEY C. SALMON,  Ibid,. Preface.

(18) - ibid, p, 75.

** ولد هانز رايشنباخ في 26 سبتمبر 1891 في هامبورغ  وزاول تعليمه هناك حتى بلغ السابعة عشرة من عمره. أُعجب بنظرية النسبية بشكل كبير وقادته إلى صراع مع فلسفة كانط. مكث في شتوتغارت من 1920 حتى 1926. في عام 1926، التحق بجامعة برلين حيث تم تعيينه، بفضل جهود بلانك، في منصب تعليمي في الفلسفة الطبيعية. وبقي متمسكا بهذا المنصب حيث، رفض دعوة إلى كرسي الفلسفة الطبيعية في الجامعة الألمانية في براغ في عام 1930. انتقل إلى جامعة اسطنبول بـ تركيا عام 1933. عام 1938 رحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث شغل منصب الفلسفة بجامعة كاليفورينيا بـ لوس أنجلس. توفي في 9 أفريل 1953 بـ لوس أنجلس. أهم مؤلفاته نسق البديهيات في النظرية النسبية الزمكان، نظرية الاحتمالاات، التجربة والتنبؤ، من كوبرنيكوس إلى انشتاين، الأسس الفلسفية لميكانيكيا الكونتم، نشأة الفلسفة العلمية، وأخيرا كتاب نشر بعد وفاته من أوراقه المخلفة الفلسفة العلمية الحديثة. أنظر-MARIA REICHENBACH and ROBERT S. COHEN : HANS REICHENBACH, SELECTED WRITINGS 1909-1953, V, ONE, من ص 1-8 -وفؤاد زكريا مقدمة نشأة الفلسفة العلمية ص 13.

المصادر باللغة الانجليزية

Hans Reichenbach, EXPERIENCE and PREDICTION, Phoenix Books The University of Chicago Press, 1961.

Hans Reichenbach – The Verifiability Theory of Meaning, In:Modern Philosophy of Science, pp.135-50 First Published:The Philosophical Review, vol. LVII, No.4, July 1948.

المراجع باللغة الانجليزية

MARIA REICHENBACH and ROBERT S. COHEN : Hans Reichenbach, Selected Writings1909-1953, V1,Principal Translations by Elizabeth Hughes Schneewind.D. Eridel PUBLISHING COMPANY  DORDRECHT : HOLLAND I BOSTON: U.S.A. LONDON: ENGLAND, 1978.

WESLEY C. SALMON, Hans Reichenbach, logical empiricist, 1st edition, springer netherlands. 1979.

المصادر باللغة العربية

- هانز رايشنباخ، نشأة الفلسفة العلمية، تر، فؤاد زكريا، دار الوفاء، الإسكندرية، مصر، 2004.

المراجع بالعربية

- باسم راجح الألوسي، مشكلات في فلسفة العلم من وجهة نظر هانز رايشنباخ، ط1، الجزائر،2015.

- علي عبد المعطي محمد، السيد نفادي، أسس المنطق الرياضي، دار المعرفة الجامعية الإسكندرية، مصر،1988.

- ماهر عبد القادر محمد علي، حلقة فيينا تصورها العلمي للعالم فجر فلسفة العلوم المعاصر،  دار المعرفة الجامعية، ط1 2017.

- ياسين خليل، مقدمة في الفلسفة المعاصرة، ط2، دار الشروق للنشر والتوزيع، عمان، 2012.

- ويلارد كواين، من وجهة نظر منطقية، تر، حيدر حاج إسماعيل، ط1 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2006

 

علي محمد اليوسفهذه المقالة الثالثة التي أكتبها عن تساؤل هيدجر: لماذا كانت الموجودات ولم يكن العدم؟ التي أبتدأ به كتابه مدخل الى الميتافيزيقا، وفي كل الاحوال أن ماكتبته بمقالاتي الثلاث ليست آراءا شخصانية متحاملة بحق الفيلسوف هيدجر وأنما هي منهجية ممارستي النقد لافكاره الفلسفية فقط وله ما شاء أن يكون، وللقاريء الحكم على صواب أفكار هيدجر أم صواب الافكار النقدية له؟ طبعا أنا أدعو القاريء الى مراجعة المقالتين السابقتين كي يكون على دراية كافية بالحكم على مضمون هذه المقالة التي هي أمتداد لما سبقها كي تتكامل الرؤية الفكرية لديه ...

كيف يفهم هيدجر علاقة الوجود بالعدم؟

كمفتتح لهذه المقالة أقول أن هيدجر وفي سرده (84) صفحة من كتابه (مدخل الى الميتافيزيقا) يخلط في تناقضاته الفلسفية بين (الوجود) كمفهوم فلسفي تجريدي يحتمل العديد من وجهات النظر الفلسفية كونه مفهوم كلي ميتافيزيقي شمولي لا يمتلك دلالة مصطلحية ثابتة ولا يمكن التعبير عنه الا مجازيا بالفكر واللغة وليس بالادراك العقلي كموضوع متفق عليه فلسفيا، وبين (الموجودات) التي هي متعينات أدراكية مادية محسوسة متوزعة في العالم المحيط بنا يكون التعبير عنها محددا ودقيقا...

وأوضحت مافيه الكفاية في مقالتيّ السابقتين بما يجعلني متحررا من التكرار في وجوب الاعادة لما كتبته لمن يرغب الوقوف على خلط هيدجر بين المفهومين..فالموجودات هي المكونات الاساسية لكل وجود كلي غير محدود بالادراك بينما لا يلزم بالضرورة من ذلك أن يكون تعبير الوجود هو مكافيء انطولوجي للموجودات في وجودها المادي المدرك..

يعرف هيدجر(الموجودات) الانسان والاشياء من حولنا وليس (الوجود):( الموجود هو ذلك الجمع المحتشد من الناس في الشوارع المشغولة الناشطة والضاجّة دائما بالحركة، أن الموجود نحن أنفسنا، الموجود هم اليابانيون والناس الاخرون من شتى الاجناس، الموجود هو المقطوعات الموسيقية المختلفة للموسيقار باخ، الموجود هو كاتدرائية ستراسبورغ، الموجود هو ترانيم هولدرين الشعرية، الموجود هو المجانين الذين يقطنون في مأوى المجانين، الموجود هم المجرمون.)(1)

ويتساءل هيدجر (اذا كان الموجود من المفترض أن يكون في مكان ما وزمان ما، هو موجود أو غير موجود في الواقع، أذا لم نفرّق ونمّيز سلفا بين مفهومي الوجود والعدم، وينبغي علينا أن ندع الموجود يكون ويوجد تماما كما هو الحال)(2)

من الملاحظ أن رؤية هيدجر للموجودات هي محض رغبة شخصية بعيدة جدا عن منهج التفلسف في البحث عن الحقيقة الذي يلاحق حقائق الاشياء كموجودات ومفاهيم باستقلالية عن رغباتنا في تطويعها قسرا، كما أن في العبارات الماضية أقتباسات مأخوذة عن فوكو، وعن مانويل كانط.. لكن ليس مهما الوقوف عندها على كل حال كتوارد أفكار تحصل...

من المعلوم جيدا أن الموجودات والاشياء في العالم من حولنا ليست وليدة رغبة ونزعة ذاتية تريد هذا ولا تريد ذاك، فالموجودات التي عددها هيدجر هي موجودات مستقلة في وجودها عن رغائبنا وأسلوب تعاملنا معها وادراكنا ومعرفتنا لها، أدراكا تفاعليا مشتركا بين كل الناس فكاتدرائية ستراسبورغ ليست موجودة بأشارة من هيدجر لها ولا هو المعجب الوحيد بموسيقا باخ وهكذا مع الشاعر هولدرين والمجانين والمجرمين الخ، الموجودات هو وقائع أنطولوجية لا توجد ولا تخلق برغبة شخص ولا بأرادة مجموعة أشخاص وهي أي الموجودات سابقة في وجودها على كل تفكيروأدراك بعدي لها في وجودها المادي القبلي..فالطبيعة بمكوناتها والموجودات من حولنا هي قسمة أنطولوجية في العقول المدركة لها وليست حكرا على أحد منفردا يجدها ويدركها وحده كما يحلو له ويشاء..

أما تعبير هيدجر دعونا ندع الموجود يوجد، فلا معنى له كون الموجود يوجد بمعزل عن رغباتنا ولا مجال لنا نفيه كموجود برغبتنا أيضا كما لا أمكانية لنا أن نوجده بمجرد تفكيرنا به وأدراكنا له...ودعوة هيدجر أن ندع الموجود يوجد ويتنفس، هو في توفير الحرية كاملة للافصاح عن حقيقته الجوهرية وهو ما لاخلاف عليه..فالموجود الحي (الانسان) هو وجود حرية وارادة وقرار ولا رقيب يمنعه ويستلب منه هذه المعطيات الفطرية والتكوينية المكتسبة التي بموجبها يكون الانسان انسانا لا حيوانا..

لكن الخطأ الاكبر من هذه السقطات الفكرية هو أن هيدجر يضع العدم مكافئا وجوديا على ضوئه وبمقارنته به يتحدد الموجود والوجود معا ... فالعدم ليس وجودا مكافئا للموجود بل هو جزء طفيلي عارض يلازم الموجود في وجوده الانطولوجي المتعين أدراكيا ولا ينفصل عنه حتى أفنائه تماما..وليس من المنطقي أن يتوقف أدراكنا الموجودات في تعالقها مع العدم...فالموجودات لا تحتاج تعينّها الانطولوجي بمقارنتها الضدية بالعدم الافنائي لها..

أن الموجود المدرك زمانيا - مكانيا يوجد ويغيب عن أدراكاتنا له متى ما كان عاملي الزمان والمكان متوفران كوسيلة أدراك له في الحضور وفي الغياب، الموجود يغيب عن أدراكاتنا ولا يغيب بالعدم الافنائي وحده (الموت)، كون العدم نفيا تاما له لكن غياب الموجود هو غياب مؤقت لا يفنيه ويعدم الحياة فيه حينما لا ندركه ماثلا أمامنا وفي تفكيرنا... وعدم أدراكنا الموجودات لا يقع عنه ويترتب عليه أنعدامها وجوديا.... مدركاتنا العقلية فقط هي التي تحدد غياب أو حضور الموجود بخلاف العدم الذي هو أفناء تام وليس تغييب مؤقت للموجود ولا قدرة للموجودات على أدراكه أو أجتنابه والافلات من حتميته..

وقولنا هذا ينطبق تماما على قول هيدجر في تناقضه ( أننا ندرك الموجودات بلا شك كونها تصطدم بنا ونلتقي بها على طول الخط، ونحن نعمل بذلك على التمييز والتفريق بين وجودها من عدمه على هذه الشاكلة)(3)

واضح جدا أن هيدجر يفهم حضور الموجودات من (عدم) حضورها كون العدم يطالها وليس غياب الموجودات الحسّي المؤقت بسبب غياب أدراكنا لها وليس في أستهداف العدم لها ونفيها نهائيا كما يعرب هيدجر أن غياب الموجودات هو بسبب أستهداف العدم لها فقط..غياب الموجود عن مدركاتنا له لا يكون بالضرورة غيابا نتيجة استهداف العدم له..وغياب وحضور الموجود غير الافنائي له عدميا أنما يقوم على أدراكنا له من عدمه..

كيف لنا أن لا نمّيز بين غياب الموجودات المؤقت عن أنعدام الموجودات بالفناء التام، العدم بالافناء والموت التام لها؟ فالعدم يطال الموجودات الحيّة بالموت والفناء مثل الانسان والحيوان والنبات ولا يطال الموجودات غير الحية (الجمادات) في الطبيعة..ولا المفاهيم الكلية مثل الاخلاق والموسيقى والطبيعة غير الحيّة وغيرها..فهذه مفاهيم وجودية تلازم الموجودات والانسان تحديدا..

غياب الموجودات عن أدراكاتنا لا يعني السبب هو أفناء العدم لها فقط، الموجود المدرك في حضوره وغيابه ليس مشروطا بأستهداف العدم له وأفنائه، فغياب شخص مثلا كموجود عنا لا يكون بالضرورة بسبب الموت الذي يستهدفه بالفناء بل بسبب ربما ظروف معينة حجبت تواجده مؤقتا عنا..غياب الموجود لا يجب علينا تعليله تعليلا وحيد الجانب هو أن العدم طاله ولم يعد موجودا.. فعدم الموجود نهائيا لا يكون الا في حالة الفناء والموت وهذا ينطبق على كثير من الموجودات التي لا يطالها العدم بل الغياب الطبيعي المؤقت.. أما أغلب أنحجابات مداركنا عن العديد من الموجودات هي ليست بسبب أستهداف العدم لها فقط بل لأنها موجودات في غياب مؤقت عن مداركنا لها..

ويدين هيدجر فلاسفة عديدين تناولوا مبحث الوجود لعل أبرزهم نيتشة قائلا (أن من الخطأ القول أن كلمة وجود هي كلمة لا معنى محدد لها فارغة وغامضة)(4) وتعبير كلمة لا معنى لها فارغة وغامضة هي لنيتشة..

من السهل أن يكون التفريق بين الوجود كمفهوم كلي تجريدي لا يدرك الا بموجوداته التكوينية له فقط، وبين الموجودات التي هي متعينات أدراكية حسّية للعقل التي هي تكوينات الوجود..والقول بأن الوجود كلمة غامضة غير محددة هو قول صحيح لنيتشة رغم أستهجان هيدجر له، فالوجود مفهوم ميتافيزيقي مجرد، وليس أدراك أنطولوجي محدد كموجودات أدراكية تكوينية له..

ويعود هيدجر الى نفس تناقضه بقوله (ما زلنا نعثر على حقيقة أن الوجود هو عبارة عن معنى غامض وغير محدد ولكن من جانب آخر فأن البحث والذي شرعنا في أنجازه هو فقط أننا قمنا فعلا وبوضوح وبشكل مؤكد بمحاولة التمييز بين الوجود والعدم..)(5) في أكثر من 84 صفحة من كتابه مدخل الى الميتافيزيقا ومن أستطرادات فلسفية لا حاجة لها وتهويم ميتافيزيقي متناقض يقر هيدجر بأنجازه المتحقق في نجاحه  بيان الفرق ما بين الوجود والعدم.!!

لنتعقب نجاحات هيدجر في تمييزه بين الوجود والعدم (ينبغي أن نضع بالحسبان الامر التالي: ربما يكون أمر مشكوك فيه ما أذا كان الموجود الفردي في مكان ما وفي زمان ما موجودا أو غير موجود، ربما يمكن لنا أن نرتكب خطأ بهذا الخصوص على سبيل المثال:ما اذا كانت هذه النافذة هناك، والتي بالرغم من كل شيء موجودة كانت مغلقة... ولكن حتى وأن كان هذا الشك يطرح نفسه فان التمييز المحدد الواضح بين الوجود والعدم يجب أن يكون حافزا حاضرا بأذهاننا)(6)

طبعا لو عدنا الى قراءة عبارات هيدجر فهو لايزال لا يفرق بين الوجود والموجود في علاقتهما بالعدم، ويخلط بينهما في أستعماله أحدهما بدلا من الاخروكأنهما دلالة تعبيرية واحدة لمعنى واحد بعلاقتهما بالعدم..ولا يفرق بين الوجود كمفهوم فلسفي ميتافيزيقي مجرد وبين الموجود الذي هو متعين أدراكي حسّي عقلي.. وهل أصبح تمييزنا كما في عبارة هيدجر السابقة  بين الوجود والعدم هو أن كانت النافذة مفتوحة أم مغلقة؟

هيدجر: اللغة والوجود

يذهب هيدجر لتعريف الوجود بضوء الفهم في تعبير اللغة على أنها هي مصدر أشتقاق كلمة الوجود في تطورها تاريخيا قائلا (اللغة ومن خلال تطورها تشّكل حتميا صيغة المصدر لكلمة وجود، على سبيل المثال :أن يوجد، أن يقدم نفسه، ومع مرور الزمن أصبحت اللغة نتيجة ذلك تنتج معنى ضعيفا متبلدا غامضا لتلك الكلمة) (7).

الوجود كمفهوم ميتافيزيقي قبلي سابق على اللغة ولم تخلقه اللغة وليست هي مصدر تخليقه كوجود..اللغة لم تأت بالوجود كمفهوم وناتج عرضي لتطورها كلغة عوضا عن أنها وسيلة أستدلال الفكرالانساني على معرفة معنى الوجود..فالوجود مفهوم أنطولوجي ميتافيزيقي غامض شغل التفكير الانساني والفلسفي منذ عصور سحيقة قبل أختراع اللغة التعبير عنه تجريدا كمفهوم ميتافيزيقي، ولم تكن اللغة سوى وسيلة الدلالة في التعبير عنه كمفهوم غامض غير محدد ولا يحمل مضمونا يمكن تحديده وتعيينه كموضوع أبستمولوجي خارج نطاق دلالته الغائمة الغامضة ميتافيزيقيا..

أن الوجود من حيث هو مفهوم ميتافيزيقي يكتسب غموضه، وليس أمتلاك (وجوده) من حقيقته على أنه مفهوم غير مجمع عليه كمصطلح متفق عليه ويشّكل هذا الفهم محورا بحثيا مركزيا في الفلسفة... وهذا الفهم لا يربط الوجود بالعدم كواقعة أنطولوجية واقعية، فالوجود على خلاف مكوناته من (الموجودات) لا يلتقي العدم ولا يفنيه الا عندما نبيح لانفسنا أستخدام تعبير (الوجود) ونعني به (الموجود) المتعيّن انطولوجيا المحكوم بالعدم ،والعدم لا يستهدف الوجود كمفهوم تجريدي غير متعيّن.. وأنما هو يستهدف الموجودات الحية الانطولوجية الفيزيائية القابلة للفناء والموت.. العدم لا يعمل في فراغ لغوي تجريدي بل يعمل في مجال أنطولوجيا الموجودات الواقعية الحيّة..والخطأ الشائع في الفلسفة التعبير اللغوي عن الوجود ويراد القصد منه الموجود....

ويعبّر هيدجر عن هذا التناقض في التناوب الدلالي الواحد بين الوجود والموجود رغم حذره الشديد أن لا يقع في التناقض بقوله: (أن الشيء الذي يناقض نفسه لا يمكن أن يوجد ويكون،فالدائرة لا يمكن أن تكون مربعا ولا مثلثا، لكن الوجود محدد وغير محدد كليا في وقت واحد) (8)

ولتوضيح محاولة هيدجر هذه البرهنة على هذا الاشكال المستعصي منطقيا يذهب على خلاف من نيتشة الذي يرى في الوجود كلمة فارغة لا معنى لها كونه مبحثا ميتافيزيقيا في الفلسفة...والقول لهيدجر: (فاذا فكرنا بعمق وعن كثب في حقيقة وطبيعة هذه الكلمة – الوجود – فأنها في نهاية المطاف تتحول الى حقيقة على الرغم من ضبابية وعمومية معناها، أننا بلا شك نقصد بها شيئا محددا)(9).. نلاحظ أن تعبير هيدجر في تحديده الوجود كشيء محدد أنما يكون في أعادة البرهنة على أمكانية تمرير سقطته أنه يتعامل مع كلمتي وجود وموجود أنهما لفظة واحدة في التعبير عن معنى دلالي محدد واحد عن شيء واحد..لتوكيد هيدجر وجهة نظره انه يمكننا استحضار الوجود من المفهوم الميتافيزيقي له، الى مرتبة الموجودات التي يمكننا معاملتها ادراكا عقليا ابستمولوجيا..

هيدجر أمام محاولته العقيمة جعل مفهوم الوجود الميتافيزيقي واقعة مادية محكومة بالعدم يلجأ الى ممارسته لعبة تبادل أدوار معنى الوجود كمتعين انطولوجي بدلالة محمولاته من الموجودات الواقعية المتحررة عن الوجود في وجودها المستقل أنطولوجيا ..الاشتباك بين الوجود والموجود الذي يحاول هيدجر تسويغ أمكانية عبور الاختلاف الواسع بينهما هو في مساواة الوجود كمفهوم ميتافيزيقي غير محدود مع الموجود كموضوع مادي واقعي يطاله الافناء العدمي..

فالموجود يبقى مفهوما معلقا في تعبيرنا اللغوي وفهمنا المتداول الخاطيء أن الوجود ممكن الوجود كمتعيّن انطولوجيا كقولنا (وجود الشيء) ونعني به تعيين الشيء كموجود بأسناد وجوده الى لفظة (وجود)، بهذا المعنى التعبيري اللغوي لم يكتسب الشيء وجوده الواقعي الحقيقي وأنما أكتسب الوجود باضافة لفظة (الشيء) له وجوده المتعين المدرك أنطولوجيا بينما الوجود في حقيقته مفهوم زئبقي غائم وغامض غير متفق عليه..غير متجلي سوى بمحمولاته من الموجودات..

أذن في قولنا (وجود الشيء) يصبح الوجود موجودا بالشيء ولا يكون الشيء موجودا بالوجود..واذا ما قمنا بتجريد الشيء عن لفظة وجود فهو لا يفقد شيئا من حقيقته الانطولوجية كموجود مدرك واقعي بينما يفقد الوجود كل قيمته أن يكون موجودا متعيّنا انطولوجيا.. بتعبير مختصر أننا في حال جرّدنا لفظة (وجود) عن (الشيء) فسوف نحصل على شيء موجود ولا نحصل على (وجود موجود) مجرد غير  انطولوجي في حقيقته..

وفي لفظة (وجود الشيء) لا يكتسب الوجود متعينه المادي منفردا عن الشيء بل يكتسب الوجود ماديته الزائفة غير الواقعية عندما نقرنه بالشيء الذي هو معطى موجود واقعيا.. والشيء كمتعيّن واقعي موجود لا يحتاج أقترانه بلفظة الوجود كي يحوز الاستدلال الانطولوجي كموجود يدرك.. عليه فألاشياء موجودات كمعطى طبيعي لا يتوقف معنى دلالة وجودها بأضافة كلمة (وجود) لها، فالموجود شيء متعّين أنطولوجيا قبل وبعد أضافة أو عدم أضافة لفظة (وجود ) له..

بالمختصرالمفيد قولنا (وجود الشيء) لا يعني أن الشيء أكتسب وجوده (انطولوجيا) كمتعين (موضوع) يمكن أدراكه في أسناده الى لفظة وجود.. ولفظة شيء منفردة وحدها تعني أنه (شيء موجود) مادي وليس (وجودا) لفظيا لا معنى يحتويه ولا يتحدد وجوده من عدمه في أدراكنا له (كموجود) من عدم أدراكنا له، فالاشياء هي موجودات لا يخلقها الادراك من حولنا وما يدركه من هذه الاشياء شخص أو مجموعة أشخاص قد لا يتسنى لآخرين أدراكه.. وتعبيرنا (وجود الشيء) لا يكافيء ولا يفيد معناه أو يعني قولنا (الشيء موجود) الذي هو حقيقة تثبت أن الشيء المعني موجود كمتعين انطولوجي يمكننا أدراكه كموجود..

في محاولة هيدجر أضفاء صفة (الوجود) كمفهوم ميتافيزيقي على موجوداته كمواضيع مدركة للحواس والمخيلة والعقل يقول(الوجود الذي يخص أو يقود الى كل موجود أيّا كان، والذي – أي الوجود – هو بالتالي منثور متوزع ومشتت بين كل تلك الموجودات (الاشياء) التي هي مألوفة وحاضرة بالنسبة لنا، هو شيء – يقصد الوجود – أكثر فرادة وخصوصية من كل الاشياء الاخرى المنثور والمشتت فيها – يقصد موجودات الوجود – أن الوجود ينتمي بوضوح الى مجال الحضور .(10) ...

لا خلاف أبدا على عدم أمكانية نكران حقيقة أن تجّلي الوجود لا يكون ألا بتجليّات مكوناته أي موجوداته التي يحتويها ولا يسيطر عليها كأشياء متوزعة متناثرة عنه في الواقع والمحيط، أن الامر المهم نراه بوجوب التفريق بين الوجود كمفهوم ميتافيزيقي غير محدود ولا يمكننا الالمام به مجردا منزوعا عن مكوناته من الموجودات، وأفتراقه عن الموجودات كمكونات متعينة واقعيا تنسب الى الوجود مجازا ولا تنتسب له في حقيقة ماديتها..

أنه لمن العبث أن نحاول جعل أدراكنا الموجودات كاشياء موزعة متناثرة نعايشها وعلى تماس مباشر بنا هو بوجوب أنتسابها الى (الوجود).. في حين أن الموجودات كانطولوجيا لاشياء متعددة موزعة متناثرة أنما تكون حقيقة وجودها المتعين هو في أنتسابها الى الواقع والحركة والخيال والعقل، وتسميتنا (وجود الاشياء) لا يمنحها حقيقة وجودها ،فهي موجودة كمتعينات مدركة بالحس والوعي والعقل وتعبير اللغة. بمعنى تلخيصي موجز الوجود هو تمثيل مجازي في التعبير عن الاشياء التي هي وقائع حقيقية مباشرة في حياتنا ولا أهمية أن يحضر الوجود في تسميتها أم لا يحضر لأن ذلك تعبير لغوي مجرد.

 

علي محمد اليوسف

.......................

الهوامش:

1- مارتن هيدجر/مدخل الى الميتافيزيقا/ ت: د. عماد نبيل ص 82

2- نفس المصدراعلاه نفس الصفحة

3- نفس المصدر ص 83

4-  نفس المصدر نفس الصفحة

5- نفس المصدر ص 84

6- نفس المصدر نفس الصفحة

7- نفس المصدر ص 80

8- نفس المصدر ص 84

9- نفس المصدر ص 84

 

 

عصمت نصارعلى الرغم من ظهور عشرات الكتابات التي تتحدث عن تاريخ الفلسفة ومباحثها الرئيسة والفرعية، وذلك منذ أخريات القرن التاسع عشر في الثقافة الغربية، ثم في نهاية العقد الثالث من القرن العشرين في الثقافة العربية، إلا إن جميعها قد خلا تماماً من الإشارة إلى مبحث فلسفة الجنس، ويبرر المؤرخون المعاصرون ذلك بعدة أسباب: أولها أن ما كتب عن هذا المبحث في تاريخ الفلسفة لا يتعدّى أن يكون شذرات متناثرة وأقوال في سياقات متعددة لا تشكل نظرية أو نسقاً فلسفياً، وقد أدرج بعضها في مبحث الأخلاق ولا سيما عند الحديث عن فلسفة اللذة ومشكلة الحب، وأدرج البعض الآخر في الكتابات النقدية المعاصرة التي تناولت موقف الفلاسفة من المرأة ذلك فضلاً عن بعض الإشارات الخاطفة خلال كتابات المؤرخين عن الأساطير ذات الصلة بوجود الإنسان (ذكراً وأنثى) والجنس وتقديس الثقافات الشرقية واليونانية للأعضاء التناسلية.

وثانيها : أن بنية المصطلح (فلسفة الجنس) كانت تحوي بين طياتها سياقات مضطربة ومتناقضة في ذهن العقل الجمعي، فالذائع عن الفلسفة أنها رؤى عقلية وتصورات نقدية مثالية كانت أو وضعية، ومن ثمّ لا دخل لمباحثها (الوجود، المعرفة، القيم) بموضوع الجنس، فالفلاسفة المثاليون والعقليون والحدسيون يعلون من شأن العقل وملكاته وينظرون إلى الجسد نظرة دونية باعتباره مكمن الشهوات وأصل الرذائل متأثرين في ذلك بالأساطير الغنوصية والهرمسية. أما الفلاسفة الماديون فقد أدرجوا موضوع الجنس ضمن الغرائز الفطرية واللذات الحسية التي يشترك فيها الإنسان مع الحيوان بدرجات متفاوتة، وعليه لا دخل للفلسفة فيها إلا في سياق التبرير، في حين عكف علماء النفس والاجتماع والبيولوجي والطب والفسيولوجي على دراسة الجنس بوصفه سلوك وممارسة وقدرة، وما يلحق بكل ذلك من اضطرابات وشذوذ وأمراض وظواهر مؤثرة في الثقافة الإنسانية بوجه عام.

وعلى مقربة من ذلك تناول اللاهوتيون والفقهاء موضوع الجنس باعتباره علاقة جسدية بين الذكر والأنثى، ومن ثم وضعوا الضوابط التي تجعل منها سلوكاً قويماً من الناحية الأخلاقية والاجتماعية من جهة، ومطبقاً للآداب والسنن التي اشترطها الشرع لتنظيم العلاقات الجنسية بين الجنسين (شروط النكاح والحدود والعقوبات التي تخالفها) من جهة أخرى.

وثالثها: إهمال الكتاب للجانب الفلسفي من موضوع الجنس واهتم الجانب الأعظم من المصنفات الجنسية بالحديث عن الأوضاع الجنسية والعقاقير المنشطة والأعضاء وأحجامها والصحة الجنسية والعلاقات الشاذة، وعكف القليل من هذه المصنفات على توضيح آداب الجماع وتاريخ العلاقات الجنسية والسلوك الأمثل في ليلة الزفاف والثقافة الجنسية العامة، ولم يطرح موضوع الجنس إلا على استحياء في الكتب الدراسية وذلك ضمن المقررات العلمية التي تتناول الجهاز التناسلي، ثم ظهرت في منتصف القرن العشرين عشرات الدراسات الأكاديمية التي تتحدث عن الأبعاد النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفنية والأدبية للجنس، ولا يفوتنا في هذا السياق ذكر مقولة شارلي شابلن (إننا نخاف رؤية الدماء مع أنه يجري في عروقنا، كما نخجل من الحديث عن الجنس مع أنه يجري وينام ويولد ويعيش فينا).

فما زال الحديث في الثقافتين الغربية والشرقية عن الجنس من الموضوعات التي تطرح مصاحبة للخجل تارة، والضحك والسخرية تارة ثانية، والهمس في الحجرات المغلقة تارة ثالثة، الأمر الذي انعكس بالسلب على الكثير من القضايا الثقافية المعاصرة بوجه عام، والعديد من المفاهيم الأساسية حول ماهية الإنسان ومكانة المرأة وأثر الجنس في السياسة والاجتماع والتاريخ والأخلاق والنحل والمذاهب الدينية بوجه خاص، ناهيك عن أثر غيبة الثقافة الجنسية الذي يقود الذكور في المجتمعات المتخلفة والمحافظة إلى العنف والإسراف في تعاطي المخدرات واستخدام المنشطات الجنسية، وما يتبع ذلك من صور جانحة أخرى بداية من الشذوذ إلى زنى المحارم إلى الخيانات الزوجية أو الطلاق بين الشباب، والمتفاوتين في العمر، وعودة الدعارة المستترة أو المواقعة عن طريق المجتمع الافتراضي (الإنترنت) وجنون المراهقين بالعري والأفلام الجنسية ذات التقنية العالية المزيفة للوقائع.

لذلك كله سوف نحاول في السطور التالية إلقاء بعض الضوء على نشأة المصطلح وتاريخه ومفهوم فلسفة الجنس وموضوع دراستها، وأشهر أقوال الفلاسفة ونظرياتهم ذات الصلة، وكذا فلسفة الجنس التطبيقية التي تسعى إلى التوعية، ووضع البرامج التربوية للسلوك الجنسي، ذلك فضلاً عن إثبات أن الجنس هو البرهان الأول على الوحدة الإنسانية التي تجمع بين الذكر والأنثى.

الإرهاصات الأولى لظهور مصطلح فلسفة الجنس:

يعد عالم الاجتماع الألماني (جوهان باخوفن (1815-1887م) وعالم الاجتماع الإنجليزي (برونسلاف مالينوفسكي (1884-1942م) من أوائل الأنثروبولوجيين الذين حاولوا الكشف عن تاريخ العلاقات الجنسية البشرية والتعرف على بواعثها ومقاصدها (شهوة فطرية، غريزة حيوانية، لذة ومتعة، وسيلة للإنجاب، طاقة للتفكير والإبداع، سبيل لإطالة العمر والصحة البدنية والذهنية) وانتهيا إلى أنه على الرغم من غيبة الوثائق التاريخية والمعارف العلمية التي تمكنهما من التعرف على البنية الثقافية للجماعات البدائية وطبيعة العلاقات الجنسية فيها، إلا أنهما أكدا أن الجماع الجنسي والعلاقات الحميمة التي نشأت بين الذكر والأنثى كانت ترد إلى الرغبة واكتمال القدرة والإرادة، وذلك على العكس من الحيوان الذي كان يمارس الجنس مدفوعاً بالشهوة والغريزة الفطرية والمؤثرات الفسيولوجية والبيولوجية غير الإرادية.

ولم يظهر مصطلح سيطرة النساء (Matriarchy) إلا في منتصف الستينات من القرن التاسع عشر في الثقافتين الألمانية والإنجليزية حيث كتابات الألماني (باخوفن) والبريطاني (ماك ليلان) عن تلك المجتمعات البدائية التي تسيّدت فيها النساء على الرجال في الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وقد بينا عجز الوثائق التاريخية عن تبرير هذه الظاهرة من جهة، وربط الكتابات الحديثة بين المجتمعات الأممية في حقبة ما قبل التاريخ، والقرون الأولى في الحضارات المصرية والسومرية والبابلية والهندية، ومظاهر الضعف أو الانحطاط الثقافي من جهة أخرى، غير أنهما أكدا أن المرأة لم تعجز عن قيادة العقل الجمعي الذكوري، وأن الكثير من النساء أثبتن أن لديهم من القدرات الذهنية والخبرات العملية والمواهب الفطرية والملكات الإبداعية ما لا يقل عن تلك القدرات التي ادعى الرجال أنهم تميزوا بها عن النساء، كما أكد (لويس هنري مورجان (1818-1881م) و(فريدريك إنجلز (1820-1895م) أن المجتمعات البدائية كانت تسوسها النساء على نحو طبيعي، وذلك نظراً لأن الرجال كانوا مشغولين بالصيد والقنص وجمع الثمار من الغابات في حين كانت الأنثى تسوس الجماعة، بداية من تربية الصغار ونهاية بوضع القوانين والضوابط الحاكمة لسلوك الأفراد.

كما أوضحا أن هاتيك المجتمعات كانت قانعة بهذه القيادة الأنثوية استناداً على الأساطير التي جعلت من الأنثى هي الأصل وعلة وجود الذكر الذي لم يكن له وظيفة سوى إفراز وغرس (ماء اللقاح) ويضيف كل من الأمريكي (روبرت لووي) و(مالينوفسكي) أن الانقلاب الذكوري لم يظهر إلا مصاحباً للمجتمعات الزراعية التي مكنت الرجال من الاستقرار ودفعتهم إلى الهيمنة والسيطرة وفرض قوتهم العضلية على النساء في الحقول بداية من التحرش والاغتصاب، ونهاية بالاستيلاء على الغلال ومقاليد الحكم.

وفي عام 1971م قدّم الأمريكي (إدوارد جولد ديفيز) بحثاً أنثروبولوجياً أكد فيه نضج العقلية الأنثوية التي حكمت المجتمعات البدائية وكشف عن زيف الادعاءات والأسانيد التي اعتمد عليها الذكور في العصر الوسيط والقرون الأولى من عصر النهضة، تلك التي حصرت دور الأنثى في المتعة الجنسية وتجاهلت تماماً قدراتها الذهنية وملكاتها الإبداعية التي لا تقل كفاءة عن الذكور، ونزع إلى أن احتجاب المرأة وتخلفها وغيبتها عن اللعب على مسرح السياسة والفلسفة والأدب في الثقافة اليونانية والرومانية ثم الصينية والفارسية في القرون الخمسة السابقة على ميلاد المسيح، ترد إلى استبداد الرجال الذين توهموا أن فحولة بنيتهم الجسدية وجلدهم في القتال والدفاع عن أسوار المدن وعجز النساء عن ذلك، يشرع لهم الحق في الترأس عليهن والتحكم في أمورهن المعيشية، ويبرر ادعاءاتهم واتهاماتهم للنساء بما يبرأن منه مثل : الدنس والتحريض على الشر بإيعاز من الشيطان الذي تلبسهن، ذلك فضلاً عن قصورهن الذهني وحمقهن وشغفهن بالجنس والكيد للرجال بفتنتهن وتفننهن في إشباع شهوة الذكور بمختلف الأوضاع حتى لا ينصرفوا إلى مواقعة الغلمان عوضاً عنهن.

وعلى مقربة من ذلك ذهب الأمريكي (ريتشارد رينز) في كتابه "نحو أنثروبولجيا نسائية" إلى أن ثورة النساء على واقعهن ليست من الأمور المستبعدة، كما أن مطالبتهن بحقوقهن في الريادة والقيادة والولاية والرئاسة يجب علينا تقبلها تأسيساً على التاريخ الأنثوي التليد التي استبدت فيه النساء ليس بجمالهن ودلالهن وإغرائهن، بل بعقولهن وقدرتهن على تسييس الواقع.

أما الكتابات المعجمية الفلسفية فقد تناولت فلسفة الجنس في سياقات عامة مثل الثقافة الجنسية، وهى تلك المعارف التي تتحدث عن الجنس من حيث طبيعته الفسيولوجية والبيولوجية، والشهوة الجنسية، وسبل ضبطها والتحكم فيها عن طريق التربية والتوعية والنصح والوعظ الديني والتقويم الأخلاقي، وتوضيح الآثار السلبية للانحرافات الجنسية والتأكيد على أن الممارسة الطبيعية للجنس هي التي تحدث بين الذكر والأنثى، وأن المشروع منها هو المعلن بالزواج، وذلك حفاظاً على المعتقدات والعادات والتقاليد والشرائع السماوية، ذلك فضلاً عن البناء الاجتماعي النفسي للفرد والجماعة والصحة الجنسية بوجه عام. وقد نحت الموسوعات الأنثروبولوجية والاجتماعية والنفسية والتربوية عين المنحى. أمّا مصطلح الجنسية (Sexism) فقد ذاع في كتابات الاجتماعيين في منتصف القرن العشرين، وذلك في سياق الحديث عن نقد النظريات التي تميز بين الذكر والأنثى، تلك التي وصفت بالرؤى الذكورية، وذلك لنظرتها المتدنية للمرأة، تلك التي اعتبرتها مجرد أداة لإشباع المتعة الجنسية والتسري وإنجاب الأطفال والخدمة المنزلية، الأمر الذي ربط بين المرأة والشهوة الجنسية.

وقد استندت هذه النظرية إلى الموروث الثقافي الذي جمع في بنيته بين الأساطير والمعتقدات الشعبية والعقائد الدينية، وعلى الرغم من ظهور مئات الكتابات في العصر الحديث التي دعت للمساواة الكاملة بين الذكر والأنثى، واعتبار المرأة الشريك الإنساني والقرين الذي لا يمكن الاستغناء عنه للوجود البشري، إلا أن العقل الجمعي الأوروبي لم تتغير نظرته للمرأة ولا ربطه بين ماهيتها والعملية الجنسية؛ الأمر الذي أدى إلى ظهور العديد من المصطلحات ذات الصلة، أهمها : (الحركة الأنثوية، تسلط الرجال (Patriarchy)، سيطرة النساء) وذلك في كتاب الكاتبة الأمريكية (كيت موراي ميلليت (1934) سياسات الجنس الذي ظهر عام 1969م، وقد نقدت فيه الهيمنة الذكورية في شتى الميادين، بداية من الصيغ والدلالات اللغوية، ومروراً بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وانتهاء بالأعمال الفنية والأدبية والدعاية الإعلامية، مبينة أن المرأة هى إنسان وجدت مع الرجل ولا فضل له في وجودها، ومن ثم تنتفي كل الادعاءات التي تجعل منه وصي عليها، وتجعل منها تابعة له أو مجرد دمية أو وسيلة للمتعة، كما أن العملية الجنسية ما هى إلا علاقة حميمة ورغبة إرادية من الطرفين لا لتحقيق لذة أو متعة مشتركة أو إنجاب الأطفال فحسب، بل للتعبير عن وحدة الجنس البشري والوجود الإنساني الذي لا يتحقق إلا بتوافق ورضى بين المشاعر قبل الأعضاء الجنسية.

وعلى الجانب الآخر حاولت الكاتبة الفرنسية (كاثرين ميلليت (1948) بقلمها الصحفي الماجن الساخر في كتابها (حياتي الجنسية) توضيح أن الأطوار الجنسية الإنسانية لا تختلف بين الذكور والإناث، الأمر الذي يدحض اتهام المرأة بأنها شهوانية من جهة، أو وصفها بأنها ذلك الكائن الخانع المستسلم لرغبة الرجل والمسخر لإرضائه وإشباعه لاسترضائه من جهة ثانية، والعاجز عن اعتلاء عرش الفحولة التي يتوهمها الذكر، ففي مقدور أنثى واحدة مجامعة عشرة رجال في وقت واحد، الأمر الذي يعجز عنه الذكر من جهة ثالثة، وأن المثلية الجنسية ليست حكراً عليه؛ فيمكن للنساء إشباع شهوتهن عن طريق السحاق من جهة رابعة, أضف إلى ذلك كله أن قدرة المرأة على مواصلة العلاقات الحميمة تفوق الذكور بقدر كبير، كما أن صلاحية الرجل لممارسة الجنس مرهونة بلياقته البدنية التي لا تزيد عن ربع قرن، في حين أن فتنة المرأة ولياقتها الجنسية في المجتمعات الراقية يمكن أن تستمر لضعف تلك المدة، ناهيك عن النفقات التي تستنزف ثروات الرجال ولا سيما (المعاقين جنسياً، وكبار السن) على المخدرات والمنشطات للقيام بواجباتهم والتلذذ بمتعة الجماع. (وللحديث بقية في المقالة القادمة)

 

بقلم : د. عصمت نصار

 

 

عامر عبدزيد الوائلياليوم تتفتح مع ثورة المعلومات إمكانات هائلة أمام الإنسان، تتجسد في قدرات خارقة على الفعل والتأثير.انه الإنسان التواصلي الذي تتيح له الأدمغة الآلية والتقنيات الرقمية التفكير والعمل على نحو كوكبي وبصورة عابرة القارات والمجتمعات والثقافات .(1)

مهما اختلفت المواقف لكن نحن جميعا ندرك أن أمام موقف اتصالي وأخر غير اتصالي، وبالتالي فان بنية الخطاب "العلاقة بين الديمقراطية والإعلام وإشكال الاتصال"في الفكر الغربي الذي فيه خطابين إعلاميين: الأول يقوم على هيمنة التقنية، فيما يهيمن في الثانية على دور الإنسان- من خلال الفهم الذي يقدمه هابرماس للاتصال -كلما كان فهم التقنية يعتمد على مرجعية ثقافية كلما كانت تكنولوجيات الاتصال الحديثة أكثر إنسانية في أدائها.

أن الإمكانيات المتاحة للتواصل الإنساني على الشبكة العالمية للإنترنت أو عبر الأقمار الاصطناعية قد وفرت فعلا فرصة الحوار والجدل بشكل يبدو حر لكل الناس وأتاحتها أيضا وهنا تكمن الإضافة فرصة بناء إشكاليات إنسانية كبرى (الصحة، التعليم، السلم..) وفرصة وجود حلول جديدة لها، من أن أجل أن يبقى الفضاء العام الشمولي ظاهرا للعيان وحاضرا في دفع قضايا أي مجتمع من خلال تكنولوجيات الاتصال فإنه يجب الاعتراف بإمكانية هذه التقنية في نقل المعلومة وتبادلها وتخزينها داخل سياق سياسي وثقافي لماهية الاتصال الاجتماعي. لبلوغ هذا على الفضاء العام واقتصاد السوق بالاعتماد على مجتمع المعرفة بشقيه الاقتصادي والسياسي على أن يندمجا وأن لا يتنافرا ويمكن ذلك عندما يستطيع الذكاء الجماعي لا الفردي في نسخته السياسية أو الاقتصادية أن يحقق وحدة الاتصال والإعلام بوصفهما ظاهرة تطبق عليها التقنية والمعلوماتية كصيرورة من التواصل الإنساني هدفه إنارة الفعل الجماعي.

الغاية التي نشدها هنا هي أن نقدم قراءة، من خلال البحث في إشكالية الخطاب الأعلام بشكل عام والأعلام العربي بشكل خاص، في مسعى إلى تحليل الوعي الذي يتشكل بفعل تلك السياسة الإعلامية العربية وما تعاني من عوائق فكرية وتقنية، وهذا يحصل عبر الانطلاق من الواقع الإعلامي وخلفياته الاجتماعية والمعرفية والسياسية وإثرها في تكوين تلك المشكلة التي نحاول الوقوف عندها وعند التحديات التي يتركها الأخر عليها.

اما حدود هذه القراءة مرتبطة بما نحاول ان نخوض فيه وهو يكمن في دراسة التجربة الإعلامية العربية والغربية وأهداف كل منهما ونتائجهما الضارة و النافعة على الوعي العربي و الإسلامي، نظراً للارتباط الأعلام بمصالح تحركه من اجل تطويع المتلقي للرسالة التي يسعى ذلك الأعلام من اجل إيصالها.

فان عملية الاتصال تمثل حلقة الوصل بين الرأي العام public) opinion) الذي يمثل اتجاهات الناس نحو قضية ما أو ارائهم الآنية واعتقاداتهم من جهة وصانعي القرارات من جهة أخرى، استمرار هذا التفاعل يضمن الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي واستمرار عملية التغير المجتمعي والسياسي بطرق سلمية تضمن التعددية والتداول السلمي للسلطة، فإن الاتصال - بحسب ما سبق- ظاهرة اجتماعية ثقافية غاية في التعقيد، وجزء لا يتجزأ من الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية والعلمية والتربوية، لهذا يمكن إن نرى مدى ذلك الاتصال بين الأعلام بوصفة آلية فعالة في إنتاج الوعي وبين السلطة التي هي بمثابة القوة الفاعلة اجتماعيا وسياسيا وإعلاميا في توجيه تلك الآلية في تسويق سياستها إلى الرأي العام .

وبالتالي فمشكلة البحث " تقوم على دراسة الصلة بين الإعلام والديمقراطية"ومحاولة استعراض إمكانية تناول إعلام حر اتصالي يعيش اهتمامات الناس ويمارس نقل همومهم ويبلور حوارات اجتماعية تقوم على الاتصال والاعتراف .

في وقت الواقع العربي والعراقي "على وجه الخصوص" تغيب فيه ملامح التواصل والتفاعل بين إفراد المجتمع فالمعروف أن الخطاب الإعلامي اليوم يقوم في جزء كبير منه يقوم على فكرت الحوار والاتصال والاعتراف بالمهمشين والمقصين؛ لأنهم يمثلون جزء كبير من الذات بالمقابل نلمس اختلاف في فعالية الأعلام في الفضاء العربي فهو مصاغ بحسب القوة السياسية التي توجهه فإذا كان النظام السياسي " السلطة " يعتمد الاستبداد و التفرد ويتخذ من القوة طريق في التعامل مع الرأي العام عبر التحكم في تصرفات الآخرين وممارسة الضغوط عليهم. لكل إنسان الحق في التأثير وإقناع الآخرين بوجهة نظره أو فكرته أو مشروعه، بل هذا شيء سامي يمارسه كل عظيم ونبيل في البشر، لكن ليس من حق إنسان، أياً كان، ومهما كان، إجبار آخر على رأيه وفكره أو دينه.

 فان وظيفة الأعلام تنصب من خلال العمل على نقل رسالة من يمتلكون القوة إلى من يستجيبون لها وهذا حال الأعلام في الأنظمة الشمولية التي تحتكر القرار السياسي والإعلامي معاً يغدو دور الإعلام يقوم على تمثيل الواقع وليس الواقع نفسه.إما إذا كان النظام السياسي الذي يقوم على المشاركة فان ذلك يظهر في فعالية صناعة القرارات لأنها تكتسب شرعيتها من المواطن،و بين الاثنان تباين عميق يصل إلى حد البناء الذهني للمجتمع الذي يمكن وصفه ببعديه: الأول المجتمع العصبي والأخر المجتمع الديمقراطي .

 المبحث الأول: بنية الخطاب الإعلامي في العالم المعاصر

الإعلام والتواصل

1- الرؤية التواصلية الإعلام داخل الفضاء المعاش

 أولا: في هذا المجال لابد من التأكيد على أمر أساسي قوامه إننا في ظل عهد معرفي جديد وان التحول يشكل قطيعة مع الرهانات القديمة وبالتالي ثمة مجتمع جديد يتشكل مجتمع كوني عالمي فوق المجتمع التقليدي القائم على روابط القرابة أو اللغة أو العقيدة –كما في المجتمعات الزراعية – وهذا المجتمع الجديد أيضا خارج رابطة المواطنة –التي تشكلت في ظل المجتمع الصناعي – بل أن المجتمع الجديد يقوم على رابطة هي الاشتراك في الشبكات الالكترونية مجتمع تداولي .تغيرت فيه الثقافة وبدأت تأخذ اطر ومسارات من حيث الشكل والمضمون أو من حيث وسائطها ومسالكها أو من حيث آلياتها وتشكيلها أو طبيعة القوى التي تسهم في إنتاجها واستهلاكها بحث بدت هذه الوسائل تؤسس إلى إنسان عالمي بعيد عن المؤسسات الوسيطة التي تعتمد خطاب الوصاية ضمن ثقافة موحدة مهيمنة كل هذا تحطم في ظل الحريات التي تتيحها الممكنات التقنية والمعرفية التي تتيح للمرء الاطلاع على كل معارف العالم الشبكات الالكترونية التي بدأت تحل مكان المكتبات العامة والتأويلات المؤسساتية التي تحتكر الوصاية على الحقيقة والمعنى .

في ظل هذا التحول الحضاري لا يمكن طرح مفاهيم الوسيطة الاثنية والقومية ولا الطائفية ولا الوصاية التي تقيمها الدول الطائفية ولا العشائرية أو العسكرية ولا يمكن إعادة عرض أفكار الحرب الباردة وطابعها ألارتيابي.

إذ هناك حقبه حضارية تتشكل وليس الأمر مجرد منطق تقني فقط لقد تحطم سور الدولة والطائفة والقومية واللغة و ما عدنا أسرى وأحادية المعنى نحن إمام حرية لا توصف وإمام منطق جديد من الصراع على المعنى تغير فيه من حيث البنية والنظام ومن حيث(مرجعياته ونماذجه، أو من حيث منطق اشتغاله وشفرات تواصله فلا يجدي التعامل معه وكأنه شيئا لم يحصل) (2)

الأمر الثاني: في ظل هذا الواقع نحن إمام نوع جديد من الاستخدام للإعلام هناك في ظل هذا المجتمع التداولي نوعين من الإعلام يحاول توظيف الممكنات التقنية والمعرفية والأخلاقية والمعرفية في بناء رسائله الإعلامية، في هذا المجال يقدم هابرماس توصيف جديد إلى الخطاب الإعلامي من حيث الوظيفة التواصلية التفاعلية اذ يرى هابرماس (أن وسائل الإعلام الجماهيرية تحمل في داخلها قدرة متناقضة أو متضاربة، وسيكون خروجا عن الموضوع، الزعم بشكل ثقافي –كما فعلت النظرية النقدية القديمة –أن وسائل الإعلام الجماهيرية تخرب كل رأي عام نقدي، فهي على العكس من ذلك يمكن أن يعزى إليها دون شك قدرة تحريرية)(3) إن هذا التوصيف النقدي يعيد قراءة المواقف النقدية من الإعلام في وقت كانت الرؤية الراديكالية تتهم الإعلام بالاداتية فان هابرماس يعيد اكتشاف جانب مهم من الإعلام هو القدرة على التحرر و مجال التحرير يشمل اجتهاد الذات معرفة نفسها، أو التأمل في الذات. أما مدخل المنفعة إلى هذا المجال فيتمثل في صياغة التاريخ والسيرة بما يوافق الرؤى الذاتية والتوقعات الاجتماعية. التحرير مطلوب إذن من القوى المؤسسية والبيئية والجنسية التي تحد من خيارات الإنسان، ومن التحكم العقلاني في الحياة، والتي يؤخذ بها باعتبارها أمراً واقعاً لا يقوى الإنسان على الفكاك منه، لكونه خارج دائرة تحكمه. على هذا الأساس فإن البصيرة المستمدة من الوعي النقدي تعد تحريرية بما أنها تسمح بالتعرف على الأسباب الصحيحة والحقيقية لما يواجه الإنسان من مشاكل. معارف التحرير تتأتى من خلال التحرير الذاتي الناتج عن التأمل والذي يفضي إلى (تحول الوعي) أو(تحول المنظور.)ويمكن أيضا أن نجد أن النص يقدم لنا البعد الجدلي الذي يأخذ القراءة الرأسمالية لدور الإعلام ثم القراءة الراديكالية ثم القراءة التواصلية أي ممكن أن يأخذ بعدا ثلاثيا: القضية (أي الإثبات أو الأطروحة) ونقيضها (أي النفي أو الطباق) والقضية الناتجة عنهما (أي نفي النفي أو التركيب) فمثلما أن للإعلام دور معلوماتي إشهاري له أيضا دور تواصلي هذا ما تستنتجه القراءة التواصلية حيث تعيد اكتشاف الوظيفة التحررية القائمة على التواصل أو التفاعل الذي ينتج رأي عام يساهم في تغير الواقع وعلى هذا الأساس -نحن نطوع فكر هابرماس ونتأولها –ثمة نوعان من الاتصال: الاتصال السليم والاتصال غير السليم .

الأول الاتصال السليم:

 يقوم على أخلاقيات النقاش المعتمدة على لغة تواصلية مرجعية مشتركه مرجعيا ونحويا، فيما هناك غايات متفق عليها في تحقيق تواصل من اجل إرساء قيم ومعايير تحقق التفاعل الذي يحاول إيجاد قاسم مشترك من اجل حل النزاعات موضوع النقاش والتواصل يروم بلوغ غاياته النهائية في تكوين رأي عام نقدي ومقوم للشأن العام .ومجال عمل هذا التواصل داخل العالم المعاش أي العالم الواقعي وهذا العالم منقسم بدوره إلى ثلاث فئات هي الثقافة، المجتمع، الشخصية، وهي مكونات العالم المعاش .

 إما الثقافة (الرأسمال الرمزي): التي يعود إليها المشاركون في التواصل في تأويلاتهم وتفاهماتهم حول الأشياء المنتمية للعالم .

ونحن نلمسها بحسب تأويلنا في التراث أو القيم المشتركة التي تجعل التواصل ممكن، لان الجميع يتخذ من مرجعيه له وان تنوعت الإفهام.

إما الثاني فهو المجتمع: وهو يمثل تلك الضوابط المشتركة ومشروعيتها التي بواسطتها ينظم المشاركون في التواصل انتماءاتهم إلى مجموعات اجتماعية، ويدعون كذلك الى تضامنهم .

 وانأ أتناول هذا المجتمع بحسب المقدمة فأراه ثلاث مجتمعات بينها انكسارات جيولوجية وتداخل: فهو مجتمع زراعي يعتمد منظومات قيم مذهبية وعشائرية، أو مجتمع مدني يعتمد منظومات طبقية ونقابية وأحزاب، ومجتمع تداولي يقوم على أساس الفضاء الافتراضي والانترنيت وعالم المعلوماتية .

إما العنصر الثالث "الشخصية": فهي تلك القدرة التي بفضلها تكتسب ذات ما قدرة على الكلام والفعل والقدرة على الانضمام إلى صيرورة التفاهم وبالتالي تثبيت المقدرة الخاصة فالحقل السيميائي، والزمان التاريخي يشكلان الإبعاد التي من خلالها تتطور الأفعال التواصلية .

الثاني التواصل المشوه:

لا يقوم على افتراض اتفاقيات مشتركه حول اللغة وقد لا يتعامل معها كونها أداة للتواصل ؛لأنه يعتمد وسائل إستراتيجية تقوم على الهيمنة الاداتية من اجل التمويه والتلاعب بالمجال العام من اجل إخضاعه لتلك الأنساق الاقتصادية والسياسية مما يؤدي إلى خلق إجماع زائف يختلق رأي عاما داعما للنظام السياسي مسلوب الإرادة . إلا أنها مرجعية ثقافية تكتنز انساق قاره في اللاوعي الجمعي قد تكون حائل كبير دون الاعتراف بالتعدد والتنوع والاختلاف، بحاجة إلى نقد وأعادت النظر بها كما سوف نرى في المبحث .

وبالتالي نحن نجد الإعلام بين الرهانين السابقين فالأول منهما هو التواصلي ألتفاعلي الذي يقوم بوظائف رقابية من اجل حماية المجتمع والمجال العام من خلال التالي:

أن غياب هذه الوسائل بصفتها الحرة، ومنع الناس من التواصل السليم بصورته الاشهارية، يقلل ويحط من أهمية ونوعية الحياة الإنسانية .

إن للإعلام اثرا أساسيا في نشر المعرفة والنقد، فهو يمارس أسلوبا الكشف عن المعلومات من جهة، وتحليلها، والتحقق منها والتحقيق فيها من جهة أخرى .

للإعلام وظيفة حمائية للمهمشين والمهملين، من خلال إيصال أصواتهم من خلال، اتصال بين الحكام السياسيين، الذين غالبا ما يكونون منعزلين عن المجتمع .

إن تشكيل القيم عبر التواصل والانفتاح والنقاش تعتمد الإعلام لجعل العملية التفاعلية بانتاجها خاضعة لمعايير عامة كونية عبر نقاش ممكن ان تسهله وسائل الإعلام تلك .

 2- المجال العام والإعلام

في حالة اضمحلال أخلاقيات النقاش في المجال العام من خلال غياب الحوار التواصلي ومنع الجماهير من المشاركة في الشأن العام عبر نزع الصفة السياسية عنهم ومن خلال اتخاذ القرارات وتشريع القوانين بصورة تسلطية يودي هذا الطابع المهيمن إلى انبثاق أزمة الشرعية والنزاع حول قبول المجتمع بشكل النظام السياسي وممارسة الهيمنة .

ماذا يكون دور الإعلام بالتأكيد يكون إما: أعلام خاضع إلى السلطة السياسية ألقائمه على الإقصاء فاقدة الشرعية فيكون دور الإعلام التضليل وخداع الجماهير وتبرير ممارسات السلطة السياسية، أو يكون إعلام حر يسعى إلى فضح التضليل والخداع وكشف ما يحاك من إعمال لا تصب في مصلحة الجماهير وفي هذا يكون دور الإعلام السليم دور مهم - كما يرى هابرماس:

في تسهيل عملية النقاش عموما

وتبينان الصلة بين الوجوه المتعددة لوسائل الإعلام

وهكذا يمكن أن تتحقق وظائف التواصل الثلاث وهي: التبادل Echang، التبليغ Transfert، التأثير Impact.

البحث الثاني: الرؤية المهيمنة اللاتواصلية في العالم العربي

المطلب الأول: البعد الاداتي المهيمن في الفكر السياسي

من خلال العلاقة بين الإعلامي الواقع السياسي وما يفترض أن يقوم به الإعلام أين يمكن أن نضع الواقع الإعلامي في العالم العربي؟ فالملاحظ انطلاقا من تلك الفرضية التواصلية أن الذي يهيمن هو إعلام غير تواصلي وبالتالي فان فلسفة الأعلام في بلادنا لا تخرج عن نطاق التجهيل و حجب المعلومات ويرجع ذلك إلى طبيعة النظام السياسي الحاكم للأعلام فهو إما: نظام الملكية والتبعية للأجهزة الرسمية أو الخضوع لسيطرتها ورقابتها، فهذا يعتمد سياسة الحجب للمعلومات أو الكشف عن المناسب منها وهذا الأمر يعكس نزعه استبدادية فانه إعلام سلطوي السمة الرئيسية المشتركة لمعظم الانظمه العربية التي تمثل في كونها أنظمة يسيطر عليها القابض على المركز الرئيسي لصنع القرار السياسي في قمة هرم السلطة فيكون دور الأعلام تنفيذ سياسته الدعائية والترويج لمصالحها لا للصالح العام إلا أنها تقدم تلك المصالح على أنها تمثل الصالح العام . ولكي نعرض لهذا الأمر لابد من تناول نقطتين:

 أولها الشرعية السياسية للدول:

 إن الواقع العربي واقع بين تخلف أنظمته السياسية والثقافية والاجتماعية وهيمنة الأخر عليه،مما يجهل الخطاب السياسي يميل إلى الاستبداد والهيمنة التي لم تستثمر منجزات العقلانية النقدية للحداثة ومرد هذا يعود إلى إشكالية التحديث التي أشرفت عليه الدولة في وقت ظهرت فيه الحداثة الثقافة الغربية التي تقلب التقليدي وتستبدله بنظام مغاير يقوم أساسا على التعاقد الاجتماعي والشراكة وتدشين مؤسسات المجتمع المدني وحرية الرأي والاعتقاد (ان احد خياراتها في العقلانية و الديمقراطية، وفصلت الدين عن الدولة، وأطلقت مؤسسات المجتمع المدني لتؤسس الاندماج والوحدة، من داخل التنوع والاختلاف)(4). وهذا جعلنا إمام نظامين اجتماعين وحضاريين

 الأول: المتمثل بالحداثة الوافدة من الغرب فهي تقدم حداثة سياسية تقوم على التعاقد الاجتماعي القائم على أساس إن الأفراد المكونين للمجتمع متساوين في الحقوق والواجبات(5) وتظهر الديمقراطية بوصفها نظام يغدو الإطار الدستوري والقانوني للحرية التي هي انفتاح مسؤول على الإنسان بالسلوك في إطار الايثارية، وهو الشق الأول منها، أي من الديمقراطية للحرية وللتناوب الإيديولوجي الحر على السلطة والحكم من اجل تغير الواقع والإنسان سلميا استجابة لتحقيق حاجاته المادية والمعنوية وهو الشق الثاني منها . والديمقراطية، بقيمها المتحررة ألمبدعه لتميزها إياها من قيم العصبية المتزمتة ألمعيقه لكل أبداع . فالمجتمع الديمقراطي نقيض المجتمع العصبوي (6) في الوقت الذي نرى المجتمع الديمقراطي ينظر إلى الحرية مقترنة بمسؤولية الالتزام بقيم المساواة والديمقراطية والعدل والحياة الانسانيه واحترام شخص الإنسان وحريته والحفاظ على المجتمع وعلى وجوده نظيفاً صحيحاً خاليا من كل تلوث تسعى إلى تغير الواقع عقلانيا فهي لا تطلب السلطة لذاتها، بل لأجل إنماء الإنسان وتحقيق أهدافه (7)

اما الثاني: المجتمع العصبوي الذي ينطلق من مفهوم العصبية وهي شعور فئوي بوحدة ألجماعه المتميزة، بشوكتها لكونها سلطة واحده وجسما واحداً، ومصلحة واحدة، قوية التضامن والتماسك، يشد أفرادها بعضهم إلى البعض و شعور بالانتماء إليها لا إلى غيرها من الجماعات وشعور الانتماء هذا يولد في افرادها التزاما قيميا فئويا نحوها، بكل مالها وما عليها التزاما واجباً ومسئولا يجعل الأخ ينصر أخاه ظالما أو مظلوما ويجعل جماعة العصبية ترى " أشرارها أفضل من أخيار غيرها " وان وحده الشعور بعصبية الجماعة هي في أساس التعصب الديني والوطني والقومي والعرقي، والتميز بين الناس والشعوب (8) والتقارب بين الهوية والعصبية كبير " فالعصبية " إنما تكون من " الالتحام بالنسب من الولاء والتحالف . وابن خلدون يرى " إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له، ونفعه إنما في هذه ألوصله والالتحام (9) في الوقت الذي يبدو النسب أمر وهمي كذلك الهوية فهي تخضع للاختلاق والتلفيق عبر تغييب الأصول في العملية، وان تقصى كل فرص الاعتقاد بأن هذه العملية من صنع الإنسان . وتعي الجماعة خصوصيتها واختلافها عن الجماعات الأخرى . عندئذ تبدأ هذه الجماعة في تشكيل إطار ثقافي تموضعه فيه إي تبدأ في تشكيل هويتها الثقافية (10) ثم تحول تلك العصبية أو الهوية إلى بنية قيمية توجه السلوك وتخلق تصورات ألجماعه حول ذاتها وعلاقتها مع الآخرين فالعصبية: نعرة فئوية، دموية، رحمية، ملازمة، لنمو النوازع الاوليه يتربى عليها الطفل، وتبدأ مع ألام في الاسره .. وهذه الفئوية وقوتها تشكل شوكة الجماعة، ثم تستحيل، بفعل التطور إلى فئوية طائفية، دينية أو عرقية تستمد نعتها لا من الدم فحسب، بل من الشعور الديني أو المذهبي أو العرقي الفئوية، ثم تستحيل إلى فئوية إيديولوجية من الفكر الطائفي العرقي والانتماء الحزبي وعلاقات تنشأ منها فئوية متعدد في المجتمع العصبية (11) يقوم على ولاء فئوي أهلي بالمقابل فان المجتمع الديمقراطي إنتاج الحداثة السياسية القائمة على التعاقد وفكرة المواطنة بوصفها علاقة بين المواطن مجتمع ـ دوله هو تميز المجتمع عن الدولة بالمقابل المجتمع العصبي ينظم اجتماع الجماعة على أساس الشعور بالانتماء إلى جماعة معينة على أساس قرابة الدم أو الاشتراك في الدين أو في المذهب وهذه العصبية كما لاحظنا هي الدرجة الدنيا والأولية في البناء العصبوي، وقد لا تكون دائماً مبعث مشاكل اجتماعيه أو سياسية طالما بقيت في حدود التضامن الذي يؤسسها بوصفها علاقة طبيعية وليست مدنية وتبدأ بالظهور من بنية إلى سلوك عندما يبدأ ولاء الناس للكيان الوطني للدولة بالاضمحلال يغدو ولاءهم لعصبياتهم أعلى و اشد من الأول.ومن ملامح هذا النمط من المجتمع الذي تسوده الو لاءات العصبية المتصارعة إن يتصف بأنه " بلا إجماع سياسي " منقسم على ذاته بفعل هيمنة احد العصبيات على الحكم وتحويلها إلى سلطة تحكم بفعل القوه والإكراه تعمل على فرض أرادتها على غيرها بالقوة بعد إن تحول إلى السلطة، أي إلى واقع سياسي ينقل الولاء من الطائفة والعشيرة إلى السياسة فغدو توزيع الولاء على أساس القرب الدموي أو ألاثني في قيادة الاجهزه الأمنية والوزارات والأماكن القيادية "أي أهل الثقة وأهل الخبرة "؟ فان البحث عن الإتباع يقتضي بالضرورة الطاعة العمياء لان الاختلاف يقتضي بالضرورة الإقصاء والتصفية المعنوية والجسدية داخل الطائفة أو العشيرة نفسها مما يعنى إن الدم مجرد وسيلة وليس غاية بذاتها في التوظيف السياسي للعصبية (12) انظر التوظيف السياسي الاختلاف والتباين لان "الهويات تبنى من خلال الاختلاف "(13)

إما إذا عدنا إلى السلوك العصبي الاجتماعي فانا نلاحظ في سلوك تلك الأقليات-إي أقلية أو أثنية في عالمنا العربي- أنها على المستوى السياسي والفكري تعيش انفصالا على مستوى العقيدة أو المذهب أو الدم. إما على المستوى الاقتصادي حيث يزول ذلك الانفصال إذ يحدث تعاون وتبادل المصالح لهذا نرى الفئة فيما بينها تفاوت اقتصادية يحولها إلى طبقات لكن الفكر يوحدها اتجاه غيرها لذلك نلمس الدول في الوقت الذي يعيش اغتراب عن واقعها المنقسم إلى عصبيات طائفية وفئوية وقومية تحاول إن تغلب علية باعتمادها أحدى العصبيات المهنية التي تعتمد الإكراه مع غيرها فان الدول رغم عصبيتها إلا أنها تعمل الخطاب الديمقراطي وتزيف التجربة الديمقراطية سعياً إلى كسب الشرعية التي يراها الكثيرون في:

إما هيمنة القانونية التي هي ذات طابع عقلي .

والهيمنة التقليدية طبعاً للعرف (أو العصبية) والمهيمنة الكاريزمانية أي ذو القدرة الخارقة على سحر الجماهير التي هي ذات طابع انفعالي وتتطلب الثقة الكاملة برجل استثنائي (14) أو القائد الرمز ومن ثم دمجه دمجاً احتكارياً.سياسي ويسوغ إعلاميا وتربويا ودينيا، حتى يغدو كاسمنت المسلح في توجيه الجماهير وصياغة الرأسمال الرمزي لهم دون إرادتهم يقادون إليه وبالمال العام للدولة الربيعية التي يمارس عليها الفرد دور رسولي ينقذها من سباتها الطويل إلى اليقظة، والحقيقة لما يمتلكه النظام العصبي الشمولي في عالمنا العربي يريد إلغاء الاختلاف فيعيد تطويع الأمة حسب أهدافه ومراميه لما يمتلكه من قوة ومعرفة فهو يمارس سياسة المراقبة والمعاقبة يعتمد كل الآليات المتاحة طال ما كانت علاقته بالأخر الأجنبي مستقرة .

لهذا فان الثقافة الوطنية هي ثمرة التقاطع التاريخي بين الثقافة المحلية التقليدية من جهة وثقافة الغرب المستعمرة من جهة أخرى،فهي بقدر ما تشير الى هوية " ألانا " المحلية الخاصة بنا بوصفنا عرب بقدر ما تنطوي على المفهوم الجديد الذي أيقظ الوعي بالهوية الوطنية في الوقت الذي كان يطمح إلى انتهاكها وتدميرها (15) فلقد كان من الطبيعي ان تؤدي المجابهة مع الاستعمار والتفاعل معه إلى إن يكون الهدف القريب والمباشر للاستغلال هو استرجاع الدول وإعادة بنائها على قاعدة قطرية فالاحتكاك بالأخر محبوب نظراً لتقدم الأخر العلمي والحضاري مكروه لما تركه الأخر من أثار نلمسها في تخلفنا بسب الاستعمار، إلا اننا في دراستنا لظاهرة الدولة والمشروع السياسي إمام أمرين:

الأول: أنها ليست وليدة فعالية داخلية أنتجتها الظروف ألداخليه بل هي وليدة فعالية خارجية هيمنت على المنطقة عسكريا وفكريا بإنتاجها لمفهوم الحديث للدولة

 الثاني: أنها تنتمي إلى بعد اجتماعي وتاريخي واقتصادي هي وليدة هذا الأمر . 

إن الحكومات التي ولدت في هذا الفضاء الاداتي حيث هيمنت المحتل أو هيمنت الماضي عبر قراءات إحيائية اتخذت منها الدول المستقلة سواء كانت وعوائل حاكمه أو انقلابات ثورية مرجعية من اجل اكتساب الشرعية ومن هنا كانت مساعي الحكومات العربية تتمثل:

أولا- إن تحوز على الشرعية عبر انتسابها الاجتماعي ذو الطابع العصبي سلوكاً وطريقة تفكير عصبوية تقوم على التمركز حول ألذات وإقصاء الأخر.

ثانياً - تحاول إسباغ الشرعية عليها عبر ادعائها الديمقراطية التي تتصف

ـ اختزال التجربة الديمقراطية بعزلها عن العمق الشعبي وجعلها مجرد تجربة لا تجد أي تأثير لدى القاعدة الشعبية

سطحية وهشاشة التجربة الديمقراطية بوصفها نظرية سياسية في الواقع العربي مما حاولها إلى مجر ديمقراطية شعارات استهلاكية .

غياب المؤسسات الدستورية، تحت وطأة الدول السلطوية الاستبدادية، التي تكرس حكم الفرد " الكاريزما نية " في مقابل حكم الأغلبية، وقانون الرئيس أو الزعيم أو القائد على حساب حكم ألجماعه آو المؤسسة، أو الأحزاب .

تأسيس الثقافة الديمقراطية وجعلها ثقافة تبشيرية للنظام الحاكم، بدل تثقيف السياسة الديمقراطية، (16) بإسناد مهمة تطبيقها ورعايتها وتعميق مفاهيمها لدى أبناء المجتمع.

تكريس غياب الديمقراطية في الحياة السياسية العربية هو استبعاد منطق التعددية السياسية بحجة إن هذه التعددية تؤدي إلى تكريس الخصوصيات في حين المطلوب دمج هذه الخصوصيات في ورقة ألدوله لكن كل المحاولات القسرية لم تؤدي إلى انصهار الخصوصيات في بنية ألدوله وبالتالي فان العجز عن تحقيق دوله ألمواطنه(17).

إن أدق تعريف للنظام السياسي الممارس في أدبياتنا السياسية، انه نظام لا عنوان له . فهو مزيج من العشائرية، والطائفية والقبلية والجهوية، والمذهبية، والسلطوية، والديمقراطية والإسلامية والجمع بين هذه فالاستبداد آفة ممثلة في السلطوية، وغياب المراقبة على الحاكم، ومزاجية الحكام وتهمش الكفاءات وإقصاء النزهاء، مفضلا عن الاعتقال والاختطاف والتعذيب وغير ذلك من آفاق الحكم المستبد كما إن الديمقراطية عناوينها من الدستور ومؤسسات ومحاكم وانتخابات ونواب وحكومات وصحافة ولكنها عناوين أفرغت من محتوياتها وهذا الأمر انعكاس إلى تلك البنية العصبيويه التي تقوم على الإقصاء والتمويه وإبقاء الكل في حالة صراع الهدف السلطة لذتها داخل العصبية الواحدة أو مع باقي العصبيات، عبر خلق تحالفا مع بعضها ضد بعضها الأخر وسرعان ما ينتهي هذا التحالف بمجازر دموية تعمق الصراع حول المناصب وتوغل في الإقصاء (18) لقد أقامت تلك السياسة الاقصائية بإنتاج الرفض الفكري من بل الكثيرين امن المثفين الذين تم زجهم في المعتقلات لأنهم يعارضون أفكار السلطة، هذا قاد السلطة إلى إنتاج العنف المضاد الذي كان يشكل رفض لسياستها لعل التكثيف الذي قدمه المفكر "حسن حنفي" البليغ في وصفه العلاقة بين الدولة والموطن " فالدولة في ذهن المواطن هي الشرطة والمواطن في ذهن الدولة هو العاق أو الخائن أو العميل(19).)ومرد هذا أيضا إلى الخطاب الحتمي الذي هيمن على الايدولوجيا العربي كما يرى عبد الإله بلقزيز: الى ذلك، قامت هذه التيارات الفكرية جميعها على فكرة الحتمية. وجوهر هذه العقيدة كما يرى بلقزيز هو جوهر فلسفي (مضمر أو معلن) يقوم على الإيمان بالحتمية بوصفها التعبير المطلق عن فعل قانون الموضوعية. ولقد كان هذا الإيمان الأعمى بها هو المسؤول عن سقوط الخطابين الليبرالي والماركسي في نزعة علموية فاضحة. فالدولة الليبرالية على النمط الأوروبي تمثل قدراً محتوماً في رأي الليبراليين العرب. أما الدولة الاشتراكية فهي حتمية تاريخية لا غبار عليها في منطوق الاشتراكيين العرب، وهو لذلك ينتهي إلى عدد من النتائج يشترك فيها الفكر السياسي العربي إذن انتهى إلى أن يصبح فكراً دوغماتياً، محكوماً بقطيعات نهائية وبداهات غير قابلة للنظر، فيمنع نفسه من تجديد نفسه ومن إثراء موضوعاته وفرضيات التفكير لديه، ويفقد مضمونه المعرفي والنظري متحولاً إلى أدبيات سياسية من طبيعة دعوية بحيث لا يعود في مكنته غير أداء وظيفة تحشيدية وتعبوية ليست من هواجس الكتابة المعرفية والنظرية. ومرد هذه الأزمة بنظر رضوان السيد أزمة الفكر السياسي الإسلامي بأنها غياب لمفهوم الأمة لحساب حضور مفهوم الشريعة وما تبع ذلك من تأسيس لرؤية الحاكمية القائمة على اختزال محدد للشريعة ينحصر وفقها العمل في النضال من أجل اقامة "الدولة الإسلامية" وإذا كان هذا العمل انحرف إلى العنف فإن السيد لا يرى أن الإسلاميين هم وحدهم من سلك سبيل العنف من أجل التغيير بل هم حاكو في طريقتهم هذه النخب القومية المتحولة إلى اليسار. وما فعله الإسلاميون ليس سوى تقليد تحليلات وحلول تلك النخب مع إعطائها عناوين وشعارات إسلامية، فالجهاد المحول باتجاه الداخل الجاهلي هو الصراع الطبقي نفسه. وحرب الشعب الطويلة الأمد وحتمية الحل الاشتراكي هي حتمية الحل الإسلام نفسها. (20)

المطلب الثاني: المعوقات التي يعاني منها الخطاب الإعلامي العربي

 في ظل هذا الفقر الفكري في مجال إنتاج معرفة نظرية بالمسألة السياسية، مسألة الدولة والسلطة والمجال السياسي.نجد ان جميع التيارات الفكرية العربية المعاصرة تتفق في الاحتفال بالمسألة السياسية، مما يجعل الحاجة إلى الشرعية أخذت الحكومات والأحزاب المهيمنة الآليات والوسائل التي تمهد لها تحقيق حيازة الشرعية وهذا لا يتحقق إلا عبر صياغة الرأي العام (فان الرأي العام الذي تبلوره وسائل الاتصال هو ذلك الرأي الذي تؤسسه الدولة، أي المؤسسة السياسية، وفق ما يخدم المصالح الآنية والمستقبلية)(21)" و هذا يظهر في بنية العلاقات التي أقامتها ألدوله مع الأعلام، والقيم التي رسختها في سلوكياته إذ إن الأعلام احد آليات السلطة السياسية المستبدة في عالمنا العربي وهذا يعود بشكل إلى امتلاك ألدوله بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر عبر التشريعات التي تعقد حركة الأعلام الخاص.، وكان لهذه السياسة اثر بعيد المدى على الإعلام:

وقد تركت تلك السياسة اثراً بعيداً في طبيعة ذلك الأعلام الذي انقسم بالساحات العامة التالية:

إن سياسات الاتصال والأعلام لم تدمج على الملائم في سياسات التنمية للقطرية أي انه كان بعيداً عن الدور الفاعل في تطور التنمية عبر النقد والمتابعة التوعية.

تفتقر سياسات الاتصال العربية إلى أساس العلمي من المعلومات والوثائق والأبحاث والميزانية ولعل هذا يتفق مع كونها وسائل دعاية للنظام لا تميل إلى الموضوعية والعلمية بل تعتمد الآنية والارتجال الذي هو طبع الحكومة والحياة الاقتصادية وبالتالي الأعلام.

إن سياسات الاتصال العربية لا تستند إلى خطط واستراتيجيات طويلة المدى . وهذا يعني الآنية والمرحلية في السياسة الإعلامية.

الأعلام العربي هو إعلام رأسي يهبط من أعلى إلى أسفل وذلك يرجع إلى مركزيته وتوجيه الدعائي والذي يخدم رأس النظام وهذا يتخذ من الفرد الاستثنائي محل كل اهتمامها الأول لعل تلك الملامح ساهمت في ترسيخ السلطة القائمة وخلق سلوكيات عامة مرتهنة لهذا الأعلام في وقت تمارس القوه والإكراه الدور المرافق لهذه العملية، مما خلف رأي عام ممزق خاضع لارتهان.فان تلك السياسة رسخت قيم سلبية إذ يمكن إن تلمس إن هذا الأعلام أشاع نمط قيمي معين نرصد فيه:

أ‌- قيم سلبية كرست ألنظره ألقيميه: القائمة على التمركز حول ألذات وعدم القبول بالأخر كفكر أو نظام اجتماعي واعتقادي في ظل شيوع نمط التعظيم الذي يصل إلى حد التقديس السياسي وهذا ما يظهر في حاله احترام السلطة في الوعي العربي سرعان ما تتحول إلى هيبة ثم خوف وتعظيم يؤدي تدرجيا إلى استبعاد أي احتمالات للمراجعة والمساءلة أو المطالبة أو المحاسبة أو المراقبة وتلاشيها ومن ثم فان الاعتمادية المفرطة في امتدادها العام على الصعيد النفسي والسلوكي، تؤدي في الذهن العربي إلى التهيؤ العام أو المنطقي لقبول حالة الاستبداد والحكم القهري المطلق ويقتصر أمل الفرد كله في هذه ألحاله على مجرد إن يكون المستبد " عادلاً " ومع التسليم بشيوع أخلاقيات " الإذعان للسلطة " مهما كانت مطلقه أو استبدادية تقوم على ألوان شتى من أساليب العنف والقهر التي وان خلقت طاعة ألا أنها طاعة شكليه وسطحيه تخفي وراءها مشاعر ومواقف مغايرة تماما تم كبتها بفعل أجهزه أمنيه ذات نفوذ استثنائي في وقت من الشروط الاتصال الصحيح توفر ثلاث عناصر:

وجود ثقافة بديله عما هو قائم .

وجود وسيلة اتصال تنتقل من خلالها الثقافة .

وجود فرد ومجموعه من الأفراد أو مجتمع يمكن إن يستقبل تلك (22) الثقافة

لكن الذي نراه غياب ثقافة بديله تحقق التنمية البشرية و تعمق السلوك الديمقراطي والتعددية، بل أنها ذاتها تلك الثقافة الاستبدادية التي تعمل أجهزة ألدوله على اشترارها مما خلقت اغتراب لدى المتلقي الذي تولد شعور بالاستلاب الذي يخلق شعور بالغربة إزاء السياسية والحكومة في أنها تدار من قبل الآخرين والمصلحة الآخرين وفقا لمجموعه من القواعد غير العادلة وفي هذا يقول حسن حنفي " طالما إن هناك عداء متبادل بين الدولة والمواطن فلا أمل في الإصلاح، هم ألدوله المحافظة على النظام وليس رعاية مصالح الناس وهم المواطن في الخلاص من نظام القهر والفساد وليس في الدفاع عن النظام لا يعبر عنه (23).

ب‌- قيمة الثنائية الحدية: قيمة أخرى تصور إن ثمة أنموذجين متناقضين لا يجتمعان معا أبدا أي التفكير بطريقة (إما ..وإما) أكثر وضوحا (من ليس معنا فهو ضدنا)، وهذه الخاصية بالذات من شانها إن تقوض الممارسة الديمقراطية لأنها تؤدي إلى غياب الحلول الوسطي في التفكير والتحول المفاجىء إلى النقيض أنها سياسية متبعة في الحكم انتقلت إلى الأعلام تقوم على الإقصاء والتهميش للخصوم ونعتهم بكل صورة النمطية . أنها أزمة ديمقراطية لن تسمح للثقافة العربية إن تندمج بوعي الناس يمنحوها قوتها المادية في ظل الأعلام غير حر تتلاعب فيه السلطة تمنح الصحيفة حق النشر سرعان ما تعود إلى تغير قانونها بحسب اتفاقات حزبية تتحكم بها الرؤية الفردية القلقة (24)

ج- تكريس قيم ثقافة ألذاكره: في الوقت الذي تمثل أهداف الأعلام المعرفية في نقل المعلومات والخبرات والأفكار بقصد إيقاظهم وتنوير عقلياتهم ولهدف رفع مستوياتهم الفكرية والعقائدية والعملية، و الهدف المرجو في النهاية تحقيق تكييف لمواقفهم إزاء الحوادث والوقائع الاجتماعية وتحقيق تجاوبهم مع الاتجاهات الجديدة وإكسابهم المهارات المطلوبة، نلمس الأعلام عندنا غالباً ما يعمل ورث تلك الأهداف عبر تكريس قيم ألذاكره القائمة على الأتباع والخضوع بما تعلنه الدعاية في سردها الرسمي عبر وسائل اتصالها المتنوعة والتي تستخدم احتكارها لحق الكلام في إيجاد أصلا يبرر ما تفكر فيه أو ما تسلكه انه يشكل ارغامات للوعي عبر اعتمادها الموروث في تسويغ سلطتها وعبر خلق نماذج فكرية وقيميه تتغلغل في وعي المواطن لتعمل على توجيه أفكاره وأعادت صياغتها، مخلفتاً تأويلات رسمية للتاريخ والواقع والمستقبل تتفق والسرد الرسمي للسلطة التي يعتمد الأعلام الرسمي المعتمد على ما يسميهم ساتر " مهنيو المعرفة " من اساتذه جامعات ورجال دين الموظفين لدى السلطة يبررون ما تريد و يسبغون عليه الشرعية، حتى يبدو علمي وشرعي في وقت هو خارج هذا كله انه إنتاج تلك ألحبكه التي تمكنت من خلقها السلطة وتعمل على توظفها في إرغامه وعي المواطن على تقبل أساطير السلطة المعاصرة ألقائمه على تمجيد ألذات الفردي التي تمثل ألصوره المرغوب بها القائمة على تفخيم ألانا الحاكمة الأمر الذي يقود إلى خفض قيمة الشعب واختياراته وهذه ألحاله جزء من ماضي فكري تم بعثه عبر التمثلات السلطانية وأعادت إنتاجها في شكل جديد إلا انه نمطي،وهذا يمثل انكفاء نحو نوع معين من الماضي استجابة كما يعيشه الحاضر من حالات تشوش وهو على عتبة تحولات كبيرة يشهدها العالم، إنماء قيم أو قيمة معينه إنما هو إنماء ليقيم مسانده لها .. تتساند القيم بأن تلتزم الواحدة بالأخرى بالتشجيع والتداعي والتسويغ، مما يجعل نظامها متماسكاً، مترابطاِ ولاسيما إن كانت القيم من النوع المستبد والمترتب عليها سلوكاً عنيفا، مستبداً (25).هذا الأعلام عبر هذه السياسة إنما تجاوز البعد التنويري للأعلام باعتباره مصدر الحقيقة والتغير حيث تحوله في اقرب ما يكون إلى الدعاية التي تستهدف التأثير في النفوس عبر أشاعه أفكار ومعلومات محدده يهدف السيطرة على الفرد الذي يعاني من هيمنة سلطتها إلا منيه ودعايتها الإعلامية والتربوية، في الوقت الذي استثمر الأعلام وظائف الاتصال الترويجية لمفاهيم سياسية معينه فانه اخفق في خلق رأي عام مقتنع بما لدية من تسويغات وهذا يمثل إخفاق للوظيفة الاقناعية التي تهدف من وراء الاتصال إلى إحداث تحولات في وجهات النظر السائدة حول الواقع السياسي المحلي والعالمي والاقتصادي والفكري وأيضا قاد هذا إلى إخفاق الأعلام من ضمان ألمشاركه الثقافية التي تهدف إلى نقل التراث الثقافي و تحقيق التواصل والتكيف الاجتماعي في الحياة التي يعيشها المواطن العربي بما فيها من تحولات وأخطار داهمه هذا بفعل غياب العقلانية في الأعلام والسياسة وهيمنة الرؤية اللاتاريخية اللانقدية مما خلف عسرا في الاندماج الذي يعانيه المجتمع أصلا . مما أدى خلق شخص خاضع أو مغترب عن الواقع أو متأثر بالأخر تأثر لما لديه يجد فيه بديل من واقع متردي وبالتالي، فإننا نلاحظ أن الإعلام العربي ما يزال في غالبيته يعاني من ضعف بنيته التحتية ومضامينه، وتعرقله قوانين وتشريعات تحد من حريته وفاعليته وتؤثر على دوره في أداء رسالته الحضارية. وباستثناء بعض الفضائيات العربية التي تمكنت من توفير كفاءات مهنية معترف بها وهامش من الحرية النسبية الضروري للنجاح والاستمرار، ما يزال الإعلام العربي يعاني العديد من المشكلات تجعله دون مستوى تحدي بناء مجتمع المعلومات. إذ لا يزيد عدد الصحف في البلدان العربية عن 53 صحيفة لكل 1000 شخص، مقارنة مع 285 صحيفة لكل 1000 شخص في الدول المتقدمة. والصحافة العربية عموماً محكومة ببيئة تتسم بتقييد حرية التعبير والرأي. وما التعطيل عن الإصدار والضبط والمصادرة والتعرض لعقوبة الحبس أو الإيقاف عن ممارسة المهنة، سوى أمثلة عن الصعوبات التي تواجهها الصحافة ووسائل الإعلام في الدول العربية(26)

إما النتائج التي نخرج بها هنا فهي:

إن الأعلام العربي سجين رغبات الدول أو الأحزاب أو الطوائف -التي تحاول تبرير هيمنتها السياسية وتعزيزها

إن الأعلام العربي سجين رؤية موروثة قائمة على العصبية وهي وريثة تراث طويل من الاستبداد السياسي والفكري

هذا الأعلام يخلق نقاط ضعف كثيرة منها

أ- انه يفتقد إلى ألدقه والموضوعية والاستقلالية

ب- انه لا يراعي المتلقي وإمكانيته الاقتناع بالرسالة بل يفرض هذا دون اخذ المتلقي بنظر الاعتبار وهذا عائد لاحتكار السلطة الإعلامية من قبل الدول والأعلام عبارة عن أحدا أجهزتها

ج- من قبل المتلقي إلى المحيطات الإذاعية ثم الفضائية وبالتالي تحولت الرسالة الرسمية بلا متلقي مقتنع بها

د-هناك سياسات أخرى غربية وإقليمية تحاول إن تعبر عن مضامين اقتصادية واجتماعية وثقافية على تقنية وأكثر قدر على اقتراف وعي المواطن وإعادة تشكيلية

 الخاتمة:  الإعلام وأفاق المستقبل في ظل الربيع العربي

 الإصلاح واليات التواصل، الإصلاح مقوله تعني العودة إلى الأصل إي اعتبار كل جديد فيه أخطاء فلابد من العودة إلى الأصل وهذا ما فعله الفقهاء والمصلحون منذ عصر النهضة كلها تطالب بالعودة إلى الأصل من اجل إصلاح جديد ؛ إلا أن الأصل في ذاته هو الإسلام المتعالي، وهو أمر لا يمكن التفكير فيه ؛إلا أن الممكن التفكير فيه هو القراءة البشرية إي كما فهمه العرب-المسلمون وعلى أساسه تم تلقي النص وإعادة قراءته من قبل خطابات متعارضة بحكم المصالح والحاجات او بحكم المرجعيات المعتمدة في قراءة النص فلاسفة متصوفة الخ

لكن لكل قراءة افقها التاريخي ومناخها الثقافي أجدادنا مارسوا دورهم بالقراءة وأيضا نحن علينا أن نمارس دورنا داخل مناخ تعددي لان القراءة لاتاتي بلا قصد مضمر او موجه مصالح و حاجات و مرجعيات فكرية كلها تتدخل في إعادة القراءة وتوجيها سواء أدعت المعرفية ام التدين كلها قراءات تحاول المشاركة في امتلاك الرأسمال الرمزي لأنه يمنح المرجعية إي السلطة والمشروعية في قيادة الحياة و توجيه البوصلة عن من يقود ومن ينقاد هنا تتدخل السلطة في دعم وإقصاء الآخرين وهنا يظهر المكون المجتمعي الذي هو الأخر مجال رحب لمن يتلقى الخطاب ويمنح المشروعية فهذا أيضا بحاجه إلى الفهم فالخطاب هنا يظهر إمكانات الجمهور الذي يستهلك خطابات متنوعة إلا أن الجمهور تحكمه بنيته الذهنية ورغبته في أن يكون لديه دور في إدارة الأزمة وممارسة ألحاكميه حاكميه ألامه إذا نحن إمام خيارات جديدة في فهم ما يدور، اي فهم نفسية الجمهور، مخاوفه، امانية .

والكل يطالب بالتعددية والديمقراطية ؛ إلا أن البعض يتخذ الديمقراطية مجرد وسيلة من اجل الوصول إلى السلطة

ممكن إن يقودنا هذا إلى العنف والتصادم بحثا عن حرية عدالة اجتماعية ؛لكن ممكن ألان إقرار التنوع عبر المشاركة والتداول الديمقراطي من دون أن يتنازل السلفي عن سلفيته ومن دون أن يتنازل العلماني عن علمانيته، الحل الذهبي هو الإيمان بالعددية ودولة المواطنة وترشيد العنف من خلال الاتفاق على جعل الانتخابات هي الوسيلة الوحيدة من اجل الوصول إلى السلطة هذا يتطلب دولة المؤسسات صاحبة مجتمع مدني يقيد السلطة ويزيل النمط المشوه من السلطة السائد الاداتية الذي لم يأخذ من الحداثة إلا المظهر لكن الجوهر الدولة السلطانية التي تعتمد على الفقه السلطاني وخطابها الرعوي وطابعها ألريعي الذي جعل الدولة مجرد هيكل فارغ لا ينتج إلا الاستبداد نحن بحاجة إلى تغير نوعي وكمي مجتمعي وليس معرفي فقط لان المثقف فقد دوره الأبوي المهيمن .

أن الحراك ولد مجال رحب يمكن أن نخوض فيه بالممكنات على مستوى الثقافة المشتركة لدى الشعوب العربية وتمثل مشترك رمزي، وعلى مستوى المجتمع الذي أصبح يمتلك زمام المبادرة على مستوى المعارضة الواعية السلمية التي تريد التغيير وهي تتفاعل من خلال المؤسسات الاتصالية التي مكنتها من بلورة رأي عام ومن ناحية الشخصية التي غدت - واعية بعد الانفتاح الجديد- من هنا ممكن القول: البعد الميتافيزيقي/الدين "المتن الرمزي " على "مستوى الثقافة" واثر في الاستثارة .

البعد التواصلي "الحوار والتفاعل" واثر في المشاركة والتداول والتفاعل "مستوى المجتمع".بعيدا عن العقل الاداتي للدولة وإعلامها المضلل .

البعد التاريخي "المرحلة ما لها وما عليها " ودوره في التعبير عن الرهان الذي أنجزه الوعي اليوم .إي الانطلاق من هم المرحلة وما يعانيه الإنسان في هذا القطر أو ذاك بعيد عن الخطاب الشمولي أي اخذ الهم الآني بالحسبان ليبدو هو الهم الأكبر من خلال المطالبة بالتنمية والإصلاح ثم هناك ممكنات كثيرة متاحة لنا في اكتشاف الحدث الجديد هناك الكثير من ملامح المشهد وبعد الحدث فيه منها .

هناك جيل جديد وصل به الحد إلى حالة من الغليان ويريد التغير وليس التدمير لهذا يحاول أن يقيم تحالفا جماهيريا يجتمع على كلمة وشعار مشترك من اجل إزالة النظام باعتماد الرهان الديمقراطي وهذا يختلف عن رهان الثورة بإطاره الستيني القائم على العنف الثوري بمعنى أن التحولات الجديدة تنتمي إلى الخيار الديمقراطي وليس الخطابات الشمولية المعتمد التغير الجذري.

إن التحول الجديد يقوم على إدراك الحاجة إلى مجتمع تواصلي حواري يريد تقديم حلول ليس هدفه السلطة وهذا أمر مختلف عن الخطابات الستينية التي غايتها السيطرة على السلطة عبر العنف

إن المحور الثالث أن الجماهير تريد التحول القائم على التنوع المنطلق من الواقع ولا يقوم على خطاب تخيلي شمولي يقوم على الحزب القائد ومنظومة شعارات تخيلية لا هم لها إلا الاستثارة والتهيج

إن الجماهير تدرك موقف الأخر وتدرك طبيعة التحول العالمي الذي أعاق تسلط الدول على شعوبها والقوانين التي تراعي حقوق الإنسان في زمن غاب به الاستقطاب

إن التحول ألمعلوماتي أدى إلى انهيار الاحتكار الإعلامي من قبل الدولة مما جعل الشعب خارج الوصاية والتوجيه المركزي وأكاذيب الإعلام الرسمي

المجتمع التواصلي التفاعلي تحقق عبر مواقع التواصل الاجتماعي جعل الجماهير قادر على التواصل

إدراك الشعوب طبيعة التوازنات والعلاقات الدولية وحاولت ونجحت في توظيفها لصالحها .

 

 ا. د.عامر عبد زيد الوائلي

مركز دراسات الفكر النقدي

.....................

(1) علي حرب، حديث النهايات فتوحات العولمة ومآزق الهوية، المركز العربي، ط2، بيروت، 2004، المقدمة .

(2) المصدر نفسه، ص106.

(3) فرانك أدولف: المجتمع المدني ..النظرية والتطبيق السياسي، ص84.بواسطة علي عبود المحمداوي، الإشكالية السياسية للحداثة، منشورات الاختلاف، ط1، بيروت، 2011، ص246.

(4) ابراهيم عبد الله غلوم، الثقافة هيمنة نسق الاستبداد، م/ ثقافات، شتاء، 2002، 31-14.هذه الأنساق نجدها في نظر العربي إلى علاقة ذاته بالأخر: إن إدراك العربي في العصر الجاهلي لهويته لم يكن مقتصرا على صفاته الخلقية والخٌلقية فحسب، وإنما كان مدركا أيضا لما يميزه عن الأخر غير العربي . انظر: فاطمة احمد المزروعي، تمثلات الآخر في أدب قبل الإسلام، هيئة أبو ظبي للثقافة والتراث، المجتمع الثقافي، أبو ظبي، 2007.

(5) علي عبود، المصدر السابق، ص7.

(6) عبد العزيز القباني، العصبية بنية المجتمع العربي، دار الأفاق الجديدة، ط1، بيروت، 1997، ص18.

(7) المصدر نفسه، ص19.

(8) المصدر نفسه، ص42.

(9) ابن خلدون، المقدمة، دار القلم، بيروت، 1989، ص130.

(10) نادر كاظم، الهوية تحبيك السردي والتشكيل الإيديولوجي، م/ نزوى، ع33، 2003، ص103.وانظر أيضا: نادر كاظم، تمثيلات الأخر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، بيروت، 2004، ص40 قوله: إن تمثل الآخر بوصفه آلية من آليات الهيمنة والإخضاع، وجزء شكل من أشكال التمثيل مند غما في مؤسسات الانضباط وأجهزة المراقبة والمعاقبة، غير أن تمثيل الآخر مهمة شاقة ومعقدة وبالغة الصعوبة .

(11) عبد العزيز القباني، العصبية بنية المجتمع العربي، ص45.

(12) انظر ما يقوله زهير الجزائري، المستبد، معهد الدراسات الإستراتيجية، بيروت، 2006، ص83 يصف تصفية الخصوم الشيوعين التكارته من قبل البعحثين التكارته في مدينة تكريت (فعندما كان الشيوعيون والبعثيون يتصارعون على النفوذ في مدينة تكريت قاد خير الله طلفاح (خال صدام حسين) حمله التحريض لتصفية الشوعيين في المدينة بالرصاص اغتيل سعدون التكريتي وهو احد أقاربه وقائد المنظمة الشيوعية في المدينة .واعتقل الخال وابن أخيه معا عام 1959.) وهو انموذح عربي الإنتاج والتوزيع في الانظمه العصبية العربية ألان التي تكو ثرت في الدولة العربية .

(13) فاطمة احمد المزروعي، تمثلات الآخر في أدب قبل الإسلام

(14) جورج بالاندييه، الانتروبولوجيا السياسية، مركز الإنماء القومي، ط1، بيروت، 1986، ص40.

(15) جورج بالاندييه، الانتروبولوجيا السياسية، المصدر نفسه، ص7.

(16) عبد الرزاق قسوم، عوائق الديمقراطية في التجربة العربية، م/التعددية، لندن، ص40.

(17) مسلم عبد الله، غياب الشرعية وتحديات الديمقراطية في الدولة العربية، م/ التعددية، لندن، ص10.

(18) انظر: سيد القمي الفاشيون والوطن، منشورات الجمل، ط1، 1999.

(19) ممكن أن نلمس ذلك في التيار الإسلامي في مصر والعراق وسورية، أمثال سيد قطب ..الخ .

(20) حسن حنفي، الحكومات المستبدة تغتال استقلال الشعوب، جريدة الزمان، ع 1899، أراء ومقالات، لندن، ص15.

(21) رضوان جودت زيادة، ازمة الفكر السياسي الاسلامي، جريدة الحياة، بتاريخ، 16/10/2001.

(22) عبد الرحمن عزي، دراسات في نظرية الاتصال، نحو فكر إعلامي متميز، ص69.

(23) هادي نعمان، الموسوعة الصغيرة، 23، بغداد، 1978، ص85.

(24) حسن حنفي، الحكومات المستبدة تغتال استقلال الشعوب، جريدة الزمان، ص15.

(25) الان توميسون، نحو فهم المستقبلية، ترجمة: ياسر الفهد، منشورات وزارة الثقافة دمشق، 1983.

(26) عبد العزيز القباني، العصبية بنية المجتمع العربي، ص107.

 

زهير الخويلدي"يجب على المترجم الاختيار بين تقريب القارئ من المؤلف أو تقريب المؤلف من القارئ"[1]1

يعد شغل الترجمة في المجال الفلسفي مناسبة سعيدة وتجربة مفرحة وعملية مهمة في دنيا المعرفة لدى المؤلف الذي وقع عليه الاختيار وناله الشرف وجودة التميز لكي يترجم ولدى القارئ الذي يتوق دوما إلى الجديد ويتطلع إلى الزيادة في معرفته وتنمية تفكيره بزيارة عالم الكتب والمؤلفات التي كتبت بلغة مغايرة.

كما يفتخر الفلاسفة برؤية أعمالهم وهي تعبر من اللغة التي كتبوا بها أول مرة إلى لغات أخرى عالمية تلقى الاهتمام والانتشار ويرون في ذلك حياة جديدة لهذه الأعمال واستدامة لها وإمكانية رحبة لشرحها وتفسيرها والتعليق عليها ومنحها مناسبة أخرى لتوضيح ماهو غامض فيها وللتطوير والنماء والتعديل.

لكن هل عمل الترجمة هو استعادة وتكرار للنص الأول في نص ثاني بلغة أجنبية أم انتعاشة وإحياء له؟ وفيم تتمثل خصوصية الترجمة الفلسفية؟ وهل ثمة منطلقات منهجية وعتبات بيداغوجية لفلسفة الترجمة؟ ومن يقوم بالحكم التقويمي على عمل المترجِم؟ هل هو الأخصائي في الترجمة أم المتلقي للعمل المترجَم؟

لقد فجرت هذه الأسئلة الكثير من الحوارات بين المختصين في الترجمة وترتبت عنه عدة مواقف متبانية وخلافات جوهرية في التعامل مع النصوص الفلسفية حول الترجمة الناقصة والترجمة الوافية وأثارت أسئلة فرعية أخرى مثل: ما الذي يعتمد عليه المترجمون عند ترجمة عمل فلسفي؟ هل تكفي معرفة لغة المصدر أم معرفة اللغة المستهدفة؟ إلى أي مدى تعد معرفة الفلسفة ضرورية لترجمة عمل فلسفي؟

توجد الترجمة في نقطة تتقاطع فيها العديد من الاختصاصات والعلوم والمعارف وتستمد معقوليتها من اختلاف اللغات وتنوعها أولا والحاجة إلى نقل المعنى وتوضيح الدلالة وفهم المقصد من القول ثانيا. لكن اذا كانت ترجمة المصنفات العلمية الدقيقة  من مشمولات علم الترجمة ومختلف الآلات المعدة للغرض ومن الأمور المتاحة فإن شغل المترجم يبدو عسيرا في مجالات العلوم الإنسانية والفلسفة والفنون والآداب. إذا كان الوجه الحالي للفلسفة قد تغير بالمقارنة مع وجهها السابق ولم تعد منحصرة في الجدل الخطابي والنص المكتوب بل عاد الخطاب الشفوي والتصويري ولم يعد الخطاب الفلسفي ينسب إلى مؤلف واحد بعينه وإنما إلى جماعة فلسفية تنشط داخل مدرسة علمية ضمن سياق ثقافي بأكمله فإن هذا التحول يمكن أن يؤدي إلى إعادة تعريف للدور الذي تقوم به الترجمة الفلسفية والى التخلي عن ترجمة أمينة وحرفية. 

الآية على ذلك أن ترجمة الفلسفة مثل تعليمها على وجه التقريب تحوز على خصوصية فريدة بالمقارنة مع المعارف الأخرى تتعلق بالأبعاد الفكرية والأساليب الحجاجية والروابط اللغوية والتسلسل المنطقي لعرض الآراء والمواقف ووجهات النظر والأدوات المفاهيمية والمسار الإشكالي في التدرج في التحليل والتعقيب.

لذا يمكن اقتراح تناول مسألة ترجمة المصنفات الفلسفية بشكل خاص من خلال وضع أسس تفكيرية تأخذ كنقطة دعم صياغة التعاليم والقواعد العملية وتكون قادرة على التوجيه نحو ما يسمى الترجمة الفلسفية.

إذا أردنا انجاز ترجمة متكاملة ومتوازنة للمؤلفات الفلسفية فيجدر بنا الاعتماد على مقاربة هرمينوطيقية ترتكز على جملة من الأسس والأساليب والقواعد التي تعود إلى النظريات التأويلية في تحولاتها المتنوعة وحري بنا أيضا أن نميز بين علم الترجمة وفلسفة الترجمة لكي يتسنى لنا تحديد الميدان الذي تتنزل ضمنه النصوص الفلسفية والذي يصون خصوصيتها من الاختلاط بغيرها واعتماد المنهجيات التي تتلاءم معها.

لا تقتصر مشاكل الترجمة على الجانب التطبيعي والوقوع في الترجمة الآلية التي تقتصر على المتابعة الحرفية وإنما تتعدى ذلك نحو الجانب النظري حول علاقة المترجم بلغته الم وباللغة المستهدف والقارئ.

في هذا الإطار يقترح شلايرماخر تغلب المترجم على غرابة اللغة الأصلية وتطويعها عند نقلها إلى اللغة المستهدفة دون الإضرار بالأولى والتعسف على الثانية والتحلي بالمرونة والرغبة في الأعمال الغريبة.

من المعلوم أن شلايرماخر يميز بين المترجم الآلي الذي يمارس مهنته بطريقة ميكانيكية في مكتبه في مجال الأعمال التجارية والمترجم الحقيقي الذي يشتغل في مجال العلوم والفن والفكر ودلالة الخطاب2[2].

والحق أن ترجمة النصوص الفلسفية يجب أن تتناسب مع البعد الخطابي بقدر البعد الشفهي أو الحواري. لذلك ينبغي للترجمة الفلسفية، القائمة على مبدأ الصدقية، أن تبدأ حوارًا مع المؤلف والتقليد الفلسفي نفسه. في المقابل، نؤمن بأن هذا النوع من الترجمة يجب أن يجذب الفضائل التعليمية (التفسيرية) للمترجم ذاته. ولا يوجد علم دقيق بالترجمة ينطلق من أسس ثابتة وينتهي إلى نتائج يقينية تحقق المطابقة التامة في اللفظ والمعنى بين النص الأصلي والنص المترجم، كما لا توجد ترجمة صحيحة تامة بالمعنى المتداول للكلمة. وما يتم الاشتغال عليه هو الترجمة كتأويل نصي أو كفن إنشائي يبذل فيه المترجم على قدر المستطاع جهد الإحاطة والفهم والاستيعاب والتملك للنص الأول عند لغة الانطلاق ويقوم بالنقل والتعبير والحبك عبر إعادة البناء وإعادة التشكيل والنحت وصقل والبلورة والصياغة الثانية في اللغة المستقبلة عند الوصول.

هكذا يجب أن تسير الترجمة الفلسفية الآن جنبًا إلى جنب مع القدرة على الدخول في حوار مع المؤلف نفسه والتقليد الفلسفي الذي ينتمي إليه وذلك لأن القدرة الجيدة على الترجمة الفلسفية تقترن بالقدرة الجيدة على التواصل بطريقة فكرية مع محتوى الفلسفة التي يوقعها المؤلف أو مضمون الفكر الذي يكتنزه النص. هناك أساليب مختلفة للترجمة ولا يوجد أسلوب واحد ينبغي إتباعه من طرف المختصين بغية الوصول إلى ترجمة أمينة للنص الأصلي والمترجم الجيد هو الأكثر قدرة بيداغوجية والمتمكن من الناحية التربوية لكي يقوم بإيصال النص المترجم في أحسن حالة تعبيرية وعلى أفضل شكل للثقافة الجديدة والجمهور المتلقي.

على هذا النحو "يجب أن يهدف المترجم إلى تزويد قارئه بصور وسرور مماثل لتلك التي تعطيها قراءة العمل باللغة الأصلية للإنسان المثقف.. الذي.. يواصل إدراك الفرق بين اللغة المكتوبة ولغته الأم"3[3].

جملة القول أن الترجمة تحاول التخلص من ثنائية الترجمة الصحيحة التي يتم التأكيد عليها في المجال النصي المكتوب والترجمة التفسيرية التقريبية التي يكتفي بها الخطاب الشفوي والمسموع والتصويري ولكنها تقع في التطبيق الهجين للطريقتين دون وعي بصعوبة تحقيق التوازن بينها والوفاء التام للمطلبين. فمتى تمدنا الهرمينوطيقا بالفن الذي يسمح للتعاون ممكنا ويحقق المواءمة بين احترام فحوى النص الأول وتحقيق الحاجة التي يشعر بها الأخصائي في الترجمة الفلسفية إلى جعل النص المترجم واضحا للقارئ؟ والى أي مدى يجوز اعتبار تقريب الكاتب من القارئ ترجمة جيدة؟ وأليس التأويل أوسع من الترجمة؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.............................

الإحالات والهوامش:

[1] Voir Schleiermacher Friedrich, Des différentes méthodes de traduire, conférence lue le 24 juin 1813 à l’Académie Royale Des Sciences de Berlin, traduit par Antoine Bermain, édition du Seuil , Points Essais ,Paris, 1999,

[2] Schleiermacher Friedrich, Des différentes méthodes de traduire, op.cit. p31.

[3] Schleiermacher Friedrich, Des différentes méthodes de traduire, op.cit. p57.

 

زهير الخويلدياستهلال: "الفلسفة تستمد نموها من موقفها النقدي الكوني، وتتوجه ضد كل معطى سابق من التراث" [1]

لقد تلقى أدموند هوسرل المولود في سنة 1859 بمدينة بروزنيت التابعة لمورافيا في ألمانيا والمتوفي في سنة 1938 والمنحدر من عائلة يهودية متحررة تكوينا في الرياضيات في جامعة برلين وناقش سنة 1883 أطروحة دكتورا حول مفهوم العدد وتابع دراساته العلمية بجامعة فيانا، وتمكن من نشر سنة 1891 كتاب فلسفة الأرطميتيقا [2] ولكنه ما لبث أن اعتنى بالمنطق ونشر بين 1900 و1901 كتاب البحوث المنطقية في ثلاثة أجزاء، يتحدث الجزء الأول عن مقدمة في المنطق المحض ويتناول الجزء الثاني بحوث في الفنومينولوجيا ونظرية المعرفة، بينما يهتم الجزء الثالث بعناصر التوضيح الفنومينولوجي للمعرفة [3].

على الرغم من هذا التكوين المنطقي الرياضي فإنه بدأ في دراسة العهد الجديد Nouveau Testament منذ سنة 1882 تحت تأثير ماساريك وشرع في الاهتمام بالفلسفة من خلال مطالعته المعمقة لفنومينولوجيا الروح لهيجل سنة 1884 وحضر عدد من الدروس في الشتاء الفاصل بين عامي 1884-1885 لعالم النفس الشهير فرانس برونتانو حول الفلسفة العملية وتجريبية دافيد هيوم واعتنق البروتستنتية سنة 1886.

بدأ رحلته الفلسفية باكتشاف مفهوم القصدية أثناء محاولته إصلاح الديكارتية تحت تأثير برونتانو وتأليفه "أفكار توجيهية في الفنومينولوجيا" وتأسيسه الفلسفة الفنومينولوجية المحضة من خلال استئناف التفلسف. تفترض الفنومينولويجا، في جزء أساسي منها، وصف الظواهر، وهو دور الذي يجب أن تضطلع به الفلسفة ذاتها. إذا كانت الفنومينولوجيا قادرة على تولي هذا الدور الوصفي، فذلك بفضل عمل هوسرل. لقد صاغ هاينريش لامبارت (1728-1777) التعبير نفسه لتعيين مبدأ الظهور من خلال الاعتماد على عمل كانط الذي قام بالتفريق بين الظواهر من جهة والأشياء في ذاتها أو الجواهر أو النومان من جهة مقابلة. لكن هيجل كان أول فيلسوف درس إمكانية وجود ظواهر من شأنها أن تكون موضوع دراسة منهجية لأشكال الوعي الهائلة التي يجب على العقل أن يسافر عبرها للوصول إلى المعرفة المطلقة [4].

من هذا المنطلق قدمت فنومينولوجيا الروح (1807) نفسها على أنها "علم بتجربة الوعي"، حيث يتم تجاوز كل تجربة للوعي من خلال تحقيق الفهم الذاتي الكامل، في الشكل التأليفي للوعي الذاتي والوعي الموضوعي. بمعنى مختلف تمامًا، يمكن تسمية فنومينولوجيا أدموند هوسرل "علم تجربة الوعي" بشرط أن تكون التجربة هنا هي تجربة الوعي المتعين بأشكاله المتعددة. من هذه التجربة الذاتية يمكن أن يكون هناك العلم الصارم ولقد وجدت فكرة هوسيرل للفنومينولوجيا من حيث هي وصف للظواهر أول تعبير رسمي لها بعد كتاب البحوث المنطقية في كتاب دروس في فنومينولوجيا الوعي الحميم بالزمن 1905.[5]

 تؤكد نظرة بسيطة على المشهد الفكري للقرن العشرين أن هوسرل لم يكن مخطئًا في تقديمها للقراء في مشروع تم كتابته في عام 1913 باعتباره "عملًا رائعًا" يمثل نهاية الفلسفة المثالية وبداية الفلسفة كعلم.[6]

لقد كان شاهدا يقظا ومحترسا على عصره وانتبه إلى غياب المنهج التفكيري عن الموقف العلموي ولكنه سعى منذ 1910 و1911 إلى بناء "الفلسفة من حيث هي علم دقيق" لكي يتخطى حالة الانقسام في العلوم. لقد بدأ مشروعه النقدي بمساءلة الأحداث التي تقع في عصره والحذر من المواقف السياسية وحمله انتباهه الفنومينولوجي للظواهر إلى تدبر الوضعية التاريخية والسياسية للحقبة المعاصرة ووجه نقده العميق العلوم في البيان الفلسفي الذي أصدره في فيانا سنة 1935 والمعنون "أزمة الإنسانية الأوروبية والفلسفة" بعد تقاعده المبكر عن التدريس في جامعة فرايبورغ سنة1928 وأدى قدوم هيدجر إلى استبعاده عن كل نشاط.

والحق أن هذا الكتاب هو سلسلة من النصوص التي كتبها في عام 1935 ولكنها ظلت طي النسيان أثناء الحرب العالمية الثانية ولم تطبع وتظهر إلا في عام 1954، أي بعد ستة عشر عامًا من وفاته. لقد سعى فيها إلى تحديد أصل الأزمة - Krisis - التي كانت تعصف بأوروبا والعالم في بداية القرن العشرين ورأى أنها تعود إلى التخلي التدريجي عن المثل العليا للفلسفة اليونانية لصالح مبادئ العلم الموضوعي.

بيد أن الكتاب الثاني حول الأزمة هو المعنون "أزمة العلوم الأوروبية والفنومينولوجبا الترسندنتالية " [7] كان قد ألفه بين سنة 1935 و1936 ويعد العهد الجديد في الدراسات الهوسرلية لما مارسه من فتنة على قارئيه ولما تضمنه من عودة إلى الذات عبر أوديسا المعرفة والمصير الذي ينتظر تاريخ الفنومينولوجيا لأن التأملات الهوسرلية مبنية بالكامل على التفكير من ناحية أولى وتعمل على إزالة الأبنية الميتافيزيقية حتى يظهر المكبوت المنسي في تاريخ المعنى ومن ناحية ثانية ليكون الإدراك الغامض محور التفكير [8].

لقد كشف هوسرل عن العديد من الأزمات في العديد من المجالات: أزمة معرفة، وأزمة عقل وأزمة إنسان وأزمة حداثة وأزمة تنوير ورأى أن حل هذه الأزمات جذريا يكمن في الابتداء الجديد ولكنه توقف كثيرا عند أزمة الفنومينولوجيا وطالب بالانتقال من الفنومينولوجيا الستاتيكية إلى الفنومينولوجيا التكوينية [9]. فماذا يقصد هوسرل بمفهوم الأزمة؟ وكيف تمكن من زرع هذا المفهوم داخل الفضاء الفلسفي من زاوية الفنومينولوجيا؟ وما المشاكل التي تعاني منها العلوم الأوروبية؟ وهل تتخبط الإنسية الأوروبية في أزمة؟ ولماذا بحث عن تأسيس الفلسفة كعلم واستلهم النجاحات التي حققتها العلوم الدقيقة لينقذ العلوم الإنسانية من مأزقها؟ وماذا يمكن أن تضيف الفنومينولوجيا من في عالم الحياة وعلى الصعيد السياسي والأخلاقي؟ وماهي المسؤولية التي يضعها هوسرل على عاتق الفلاسفة لكي يعثروا على المقام المشترك بين الثقافات ويعملوا على إنقاذ البشرية من الشر والشمولية والحروب ويجدوا التفسير المنطقي للغز الحياة في العالم ؟ وهل هناك حقا أزمة علمية أم أن الأمر يتعلق بالأزمة داخل الفضاء الميتافيزيقي؟ والي أي مدى أصبحت علمية المعرفة موضع شك؟ وكيف تم تفكيك تاريخ طويل ورائع للفلسفة الحديثة ونقد المقاربة الوضعية؟ من هذا المنطلق يمكن معالجة هذه الإشكاليات من خلال اللحظات المنطقية التالية:

- أزمة في الفلسفة

- أزمة في العلوم

- أزمة في الإنسانية

- فنومينولوجيا المعنى

- استرجاع عالم الحياة

ما يتم المراهنة عند الاهتمام بالدراسات الهوسرلية هو الاستفادة من طريقة رده المقنع على طغيان النزعة الوضعية واستثمار محاولته في تشخيص الأزمة الشاملة التي يمر بها الإنسان الكوني وبداية الاعتماد على المقاربة الفنومينولوجية في وصف عالم الحياة والعزم على انتشال المعنى ضد محاولات الإدغام [10].

1-  أزمة في الفلسفة:

"الوضعية تقطع رأس الفلسفة" [11]

أصبحت الفلسفة في نسختها المثالية الألمانية غير قابلة للتطبيق موغلة في الشكلانية والتجريد النظري وحتى الانتشال المفهومي للتاريخ فقد ورطها في تجارب سياسية شمولية أوقعت البشرية في الحروب وجعلت من القتل تافها والعنف من الأمور المبررة وغلبت المشاعر القومية على القيم المدنية الكونية.

ندرس هنا الفرضية التي بموجبها يحتل موضوع الأزمة مكانًا أساسيًا في فلسفة هوسرل بأكملها. في الواقع، لقد كان لهوسرل السبق في جعل الأزمة مفهوما فلسفيا والانطلاق من واقع دخول الفلسفة بأسرها في أزمة عميقة تجلت في تزايد حملة التشكيك والتساؤل عن قيمة فكرة المعرفة الموضوعية ووجودها.

لقد اختبر هوسرل مدى صحة هذه الموجة ضمن إطار العلاقة مع الذاتية عند ديكارت التي يمكن أن تكون بمثابة زاوية النظر لمتابعة الجوانب المختلفة لهذا التحليل الفنومينولوجي الذي شرع فيه بغية الرد عليها[12].

لقد كشف هوسرل في مقدمة كتابه تأملات ديكارتية بوضوح عن الأزمة التي تشهدها الفلسفة نفسها في بداية القرن العشرين بعد أن اتبعت ديكارت في دعوته للرجوع إلى الأنا في أفكاره الخالصة واتخاذه كأساس جذري مطلق لكل الحقائق والكائنات ويقين أول ومبدأ ثابت للفلسفة تتفرع عنه جل المعارف [13].

إذا كان الكوجيتو هو أساس كل العلوم من حيث هو النواة الأصلية لليقين فإن ديكارت قد شيد نمط جديد من التفلسف وان الفلسفة معه غيرت نقطته الأرخميدية كليا ومرت من النزعة الموضوعية المباشرة الى الذاتية المتعالية التي ارتقت بفضل العديد من البحوث والتجديدات إلى مرتبة المعرفة الضرورية والنهائية.

لكن إلى أي مدى حاز هذا التوجه الجديد على المعنى الأبدي؟ ألا يخفي الكثير من الغموض في تمشيه؟

تكمن أزمة الفلسفة حسب هوسرل في فقدانها لوحدتها وأسلوبها في طرح مواضيعها وفق منهجها الخاص وما حدث في عالم الفكر هو تزايد إنتاج الآثار الفلسفية بشكل لامتناه لا رابط منطقي بينها ولا فكرة ناظمة تفتقد للصلة الداخلية بينها بدل اعتماد فلسفة حية واحدة للعصر تتخطى كل أشكال التعارض بين النظريات والتضارب بين الآراء وتؤسس للتعاون المعرفي والتضامن الباطني للجماعة الأساسية التي تشتغل بالفكر.

على هذا المقاس ينبني المجهود الفلسفي على مجهودات متبادلة ووعي مشترك بالمسؤولية من الأطراف المتدخلة في البحث العلمي ويتم اعتماد التعاون الجدي بغية الوصول إلى نتائج صالحة بشكل موضوعي عن طريق تطهير المنجز المعرفي بواسطة النقد البناء الذي تشترك في تقييمه كل العقول المشاركة فيه.

اللافت للنظر أن معالم هذا العجز الفلسفي تبرز في تقلص الدافعية الفلسفية نحو الصرامة المنهجية والدقة المفهومية وعدم وجود رغبة في المعرفة الكلية والبحث المشترك عن الحقيقة الواحدة وفق العلوم الكاملة والإفراط في التأليف بلا صرامة علمية والإكثار من الإصدارات دون تدقيق لغوي وبلا انضباط أكاديمي.

بيد أن البحث الفلسفي الموضوعي يتطلب تعاونا حقيقيا من طرف الكل وتوفر فلسفة الفلسفات وليس مجرد بحوث قدمها عدد من الفلاسفة في مواضيع مختلفة تفتقر إلى أي برنامج موحد وخالية من كل تلاقي مثمر وذلك بسبب غياب الموضع الروحي المشترك الذي يحدث فيه الحوار المتمدن والتلاقح الفلسفي المتبادل.

تظهر أزمة الفلسفة في وجود أنساق فلسفية متصارعة وغياب الفلسفة الكلية التي تضع حدا لهذا الصراع وتقول كلمة حاسمة بشأن الحقيقة والوجود والقيمة والمعرفة والعلم والإنسان وتجابه تلاشي المعنى [14].

لقد حولت الخطابة الجديدة التي ازدهرت في عالم الصحافة الفلسفة إلى أدب انطباعي وإنشاء نثري بدل أن تتدخل الجذرية التي يتصف بها الفيلسوف لكي يحارب النزعات السفسطائية الجديدة ويستأنف فن التفلسف.

لقد اعتمد هوسرل الكثير من الوضوح والشفافية والمرونة والانسيابية إزاء عصره لكي يحصل على قدر من التحليل الحاذق لحال الفلسفة في الثقافة العالمية ويسهل تطبيق منهجه الوصفي على الحقبة المعاصرة وانتهى إلى الإقرار بأن بيان تلاشي المعنى هو العلامة الكاملة على دخول الفلسفة الزمن ما بعد الحديث.

إن أزمة الفلسفة من حيث هي اختصاص أكاديمي ثمين لم تندلع فقط في حقبة تاريخية معلومة وإنما هي علامة على فقدان المعنى في الثقافة الإنسانية وانحطاط القيم وتفجر المعرفة وانقسامها إلى أجزاء لا يقدر أحد بعد ذلك على إرجاعها إلى وحدتها ونظامها ولا يسمح التفكير في مصيرها بتدارك ما ضاع [15].

في هذا السياق يصرح الشارح سالنسكيس: "الفنومينولوجيا والفلسفة التحليلية هيمنا على الحياة الفلسفية للقرن، وهوسرل أب الأولى ويمكن للثانية أن تتعلق به وأن تكون موجودة فيه بطريقة خصبة" [16].

فهل تمكن هوسرل بالفعل من إخراج الفلسفة من أزمتها بالتصميم على جعلها علما دقيقا وجديا؟ وماذا صنع بالأزمة الطارئة في العقلانية العلمية؟ وكيف أمكن له التشكيك في رسالة العلم في زمن الوثوق بها؟

2-  أزمة في العلوم:

" لقد تم ترك العلوم الوضعية تحدد وتضيع الطريقة الحصرية التي سمحت بها الرؤية الشاملة للعالم، وهي رؤية الإنسان الحديث، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر" [17]

بأي معنى يمكن التحدث عن أزمة في العلوم؟ وهل من المجدي التطرق إلى أزمة تسببت فيها العلوم؟

أعلن هوسرل في المحاضرات التي ألقاها بين فيانا في1934 وبراغ في نوفمبر 1935 عن التعمق في البحث عن هذه الخلية الأصلية التي تسببت في الأزمة Krisis وتفطن إلى النشاط الذي يهز عرش العلوم وانقسامها إلى علوم المادة وعلوم الروح والى علوم التجربة وعلوم العقل وعلوم الطبيعة وعلوم الإنسان.

لقد حصل انقلاب في الموقف العام تجاه العلم ولا يتعلق الأمر بتقييم علمية العلوم وإنما بالطريقة العامة في تقديرها ومعرفة مقاصدها وأهدافها وما تفيده في علاقة بالطبيعة والحياة وما تعنيه بالنسبة لوجود الإنسان.

من هذا المنطلق لا يفصل هوسرل بين أزمة العلم وأزمة الفلسفة وبين أزمة العلوم الأوروبية والأزمة الإيتيقية والسياسية بل ينظر إلى أزمة العلم كتعبير عن الأزمة الجذرية التي تهاني منها الحياة الإنسانية .

تعني الأزمة في العلوم أن العلمية الأصلية التي تستلزم أن تؤدي مهامها وتبلور نتائجها وفق منهجية تامة صارت موضع تشكيك ومحل مراجعة وأخذ ورد على الرغم من ادعاء البعض بلوغ درجة نضج العلوم الوضعية ووضع البعض الآخر علوم المنطق والرياضيات والفيزياء ضمن دائرة شاملة للعلوم الصحيحة.

لقد تفجرت الأزمة في أسس الرياضيات المحضة وفي العلوم الدقيقة للطبيعة ولم يعد الكلام على معايير ونماذج للعلمية الصارمة جائزا ومقبولا بعد أن ظهرت أزمة الأسس في النظام المعرفية للعلم الكلاسيكي وبان بالكاشف عقم نتائجه وعمومية مقارباته وأجريت عدة تجارب تفند صحة مناهجه ومطابقة قوانينه.

يمكن التمييز بين نوع أول من العلمية يقوم على الصرامة المنهجية واحترام اللزوم المنطقي للنتائج من المقدمات عبر إتباع عملية استدلالية سليمة والتقيد بجملة من الضوابط والاتفاق مع عدد من القواعد ونوع آخر من العلمية يتماشى مع ركائز النزعة الوضعية ويقتضي اختزال العلم في المعرفة بالوقائع الطبيعية.

لكن الأزمة لا تتعلق بالمنهجية المعتمدة في البحوث العلمية ولا بالنتائج التي يتم التوصل إليها فقد عرفت نجاحا مستقرا وإنما تمس مجالات الصلاحية وقيمة المقاربات وقدرتها على بلوغ النجاعة المطلوبة في التفسير المطابق للظواهر وظهور أشكال من الالتباس وعلاقات الارتياب في الأبعاد المجهرية والهائلة.

إذا كانت الفلسفة تواجه نزعات الوضعية واللاعقلانية والريبية والتصوف فإن العلوم تواجه الاحتمال والنسبية واللاّحتمية التي كشفت عنها كل من الفيزياء الذرية والهندسات اللاإقليدية ونظرية المجموعات.

لقد اندلعت الأزمة في العقلانية العلمية حينما قامت الوضعية باختزال العلم في مجرد علم بالوقائع ونفت عنه أن يكون علم بالقيم ولقد أدى ذلك إلى فقدان العلوم الأهمية التي كانت تحظى بها الحياة في تصوراتها.

على هذا الأساس تكمن أزمة العلم في استخفافه بالحياة وبتعامله مع الظواهر الحية والكائنات النوعية على أنها ظواهر مادية ومجرد أشياء قابلة للقياس والعد والإحصاء والتكميم ويمكن إخضاعها للتجربة المتعينة.

لقد ترتب عن فصل المعرفة عن جذورها الميتافيزيقية تركيز الانتباه من طرف العلم على دراسة الواقعة سواء كانت الجسم المادي الذي يمكن رؤيته بالعين المجردة أو كانت الذرات في العالم المجهري الدقيق، ولكن هذا التركيز على ملاحظة الظواهر فحسب أدى إلى تشكل معرفة عمياء غافلة عن سلطان الذاتية.

جملة القول أن الفكرة المركزية التي تتحمل مسؤولية الأزمة التي تشق العلوم هي اللامبالاة وعدم الاهتمام من قبل العلماء بالدور الذي تلعبه الذاتية في التمشي الذي يخصهم وعزوفهم عن التفكير في قيمة مباحثهم.

لعل حالة الغفلة التي تعاني منها العلوم في الحقبة المعاصرة ناتجة عن غياب الانتباه إلى لغز الذاتية التي تشتغل داخلها وزعمها التقيد بالموضوعية والخلو من كل نزعة ذاتية كما تذهب إلى ذلك النزعة الوضعية.

لقد بدأت الأزمة منذ أن قام غاليلي بهندسة الفضاء وترييض الطبيعة واختزالها في مفهوم الفيزياء وادعى أن ذلك يندرج ضمن البحث عن الاحتكام إلى الموضوعية والثورة على النزعة الذاتية بينما الرياضيات في حد ذاتها منذ أفلاطون لا تخلو من جهد عقلي اصطلاحي وتحتفظ للذات بدور أساسي في تأمل الحقائق.

علاوة على ذلك أدى قيام الفلسفة الوضعية مع أوغست كونت إلى تأسيس الفلسفة من خلال إحداث قطيعة مع الميتافيزيقا والى تشكل موقف من العلماء يعتمد بشكل جذري على التجربة ويبدي ثقته التامة في رسالة العلم ويقطع كليا مع التفكير المجرد ويمثله كلود برنارد ولويس باستير وايميل دوركايهم وأرنست رينان.

كما ظهرت نزعة علموية ترجع كل الحقائق إلى المعرفة العلمية وتعتبر العقلانية العلمية هي التي تمنح معايير المعرفة الصادقة وأن المعارف غير العلمية هي كاذبة ولا تتعلق بالوقائع وإنما بالأوهام والخيالات ويندرج ضمن ذلك ماهو رمزي ومعنوي وروحاني وماهوي وجوهري وأساسي وأصلي وأولي وبدئي.

لقد عبر كانط عن هذه الأزمة في التفاوت بين تقدم الرياضيات منذ طاليس وصعود الفيزياء مع غاليلي وانتصار علم الفلك مع كوبرنيك وكبلر ونيوتن وركود الفلسفة وبقائها على حالها دون تجديد منذ أرسطو وعثر على الأسباب في اعتماد هذه العلوم على التجربة كأساس للمعرفة بينما بقيت الفلسفة تأملا نظريا.

لقد تعطلت الفلسفة حينما تحولت إلى صراع بين الأنساق الميتافيزيقية وادعت امتلاك معارف تتخطى حدود التجربة البشرية وتتجاوز قدرة العقل البشري على الإلمام بجل المعطيات واستيعاب كل الحقائق.

لقد اقترح كانط البقاء على مستوى الظواهر وصرف النظر عن البحث في عالم الجواهر وعن الأفكار الميتافيزيقية وحاول تأسيس المعرفة على شروط إمكان التأليف بين معطيات التجربة ومقولات الذهن ولكنه أوقع العلم في ذلك الوقت في نوع من الظاهرية الريبية التي تفتقد للمبادئ الكلية والنظرة الشاملة.

" معجزة دلفى:اعرف نفسك بنفسك بلغت معنى جديدا. العلم الوضعي هو علم بالوجود الذي أضاع نفسه في العالم. ويجب أولا فقدان العالم بواسطة اللوغوس ثم يعثر عليه في وعي كوني للذات بذاتها" [18].

أما الأزمة المهيمنة على الساحة البحثية العلمية ترتبط بنمط من الفكر الوضعي يفصل بين البحث العلمي والبحث عن معنى الحياة وغائية الوجود البشري، لكن من أين أتى هذا التبديل الوضعي لفكرة العلم؟

3-  أزمة في الإنسانية:

"الخطر الأكبر بالنسبة لأوروبا هو التعب" [19]

لقد أثّرت أزمة العلوم على الإنسانية وحولت وجهة الإنسان نفسه من ذلك الكائن التاريخي المنتج والعاقل والمتكلم إلى الإنسان الوضعي الذي يعامل نفسه كشيء مادي وموضوع خاضع للتجربة ويمكن تحديد عدد القوانين التي تتحكم فيه ولا يختلف كثيرا عن أي واقعة أخرى من الوقائع التي تدرسها العلوم الوضعية. ولا يقدر الإنسان على الرجوع إلى النظرة التي يحملها عن الوقائع التي تحيط به وعن نفسه من أجل النقد والمساءلة والتفكير والتقييم والمقارنة ولا أن يقوم بالفعل الذي يكون واعيا به ويعيش التجربة الحية كماهي وذلك لأن الإنسان الوضعي لا يفكر في هذه التجارب المعيشة إلا من خلال التجريد والاستيلاء المفهومي ولا ينتبه إلى أن الوقائع لا تحوز على معان إلا من زاوية الذاتية ولا تمثل سوى مواضيع بالنسبة لنظرتها.

لقد أضحت الإنسانية تعتمد بالأساس على رؤية علمية تفصل المشكلات المعرفية عن المشكلات الحيوية ولا تطرح سوى الأسئلة التي تتعلق بالحقيقة والتطابق والسيطرة والمنفعة وترتب عن ذلك تشكل وعي شقي وانقلاب في المصير وأضاعت عن نفسها البوصلة وفقدت أي اتصال بالعالم وبالمعنى وبالأهداف. إذا كانت أزمة العلوم ناتجة عن اختزال المعارف في البعد الوضعي والقضاء على وحدتها فإن الأزمة الواقعية والحقيقية هي التي اندلعت في صلب الإنسانية وتجلت في شكل أزمة القيم ضمن الوجود الإنساني.

الوحدة بين العلوم والقيم وبين نظام الوقائع ونظام الغايات كانت منعقدة في الماضي بين المعرفة والإيمان وبين الفلسفة والدين وبين المعقول والمحسوس وبين المثال والواقع وبين الفكر والمادة وبين العقل والوحي ولكن التحولات التي بدأت مع فكر عصر النهضة والإصلاح الديني والثورة العلمية والحداثة الفلسفية غلبت طرفا على آخر وأحدث انشطارا بين الإنسان والطبيعة وبين الذات والعالم وبين الكائن والكينونة.

لقد أحدثت أزمة العلوم بدورها أزمة في الفلسفة في حد ذاتها وعكست هذه الأخيرة أزمة عميقة أصابت الإنسانية وتمثلت في الاعتماد على الفيزياء الرياضية والتجريبية في علاقة العقل بالطبيعة والانقطاع عن اعتبار مسألة معنى التاريخ والله من حيث هو المصدر الغائي الذي يتشكل بمقتضاه معنى العالم والخلود.

من المعلوم أن أزمة المعنى هي بالأساس أزمة في القيم وأزمة في المستوى الأخلاقي والسياسي وأن الأزمة الإيتيقية نفسها هي أزمة أكثر جذرية توغلت في العقل نفسه ووضعت المشروع الإنساني موضع تشكيك ودفعت الثقافة الأوربية إلى مراجعة بديهياته والتقصي في مسلماتها ونقد التربية والتنوير والتقدم.

بهذا المعنى تكمن الأزمة العميقة والشاملة في الكوجيتو الديكارتي وفي فلسفة الذاتية التي اكتملت مع المثالية الألمانية عند هيجل من جهة وفي النزعة العلموية والفلسفة الوضعية المنطقية من جهة أخرى.  لقد أنتجت هذه الأزمة نموذجين خاطئين من الإنسان : الأول هو الفرد الأناني المنغلق على ذاته في ادعاء كبير امتلاكه للمعرفة المطلقة والسيطرة على الكون، والثاني هو الإنسان الوضعي الذي هو آلة حاسبة وراغبة وفضاء متاح للاختبار التجريبي لا يختلف عن المواضيع المادية الأخرى التي توجد في الطبيعة.

حول هذا الموضوع يصرح ما يلي:"علوم وضعية محضة جعلت الناس وضعيين بصورة محضة" [20]. لذلك تتلخص أزمة الوجود حسب هوسرل في الإخفاق الظاهر للنزعة العقلانية وانتصار مفهوم العقل الحسابي المنحدر من الراسيو اللاتيني على العقل الحدسي المنحدر من اللوغوس الإغريقي وضياع الإنسانية عن النواة المركزية للماهية التي ناضلت من أجلها وفشل التاريخ الغائي في تحقيق الأهداف اللامتناهية للعقل وظهور علامات انحطاط وتقهقر على الحياة والمصير المجهول والغامض للبشر والقدرية التي لا تقهر [21]. على هذا الأساس يبدو أن الإنسانية في ظل الاغتراب والتنازع بين النزعة الطبيعية والنزعة الوضعية مهددة بالاختفاء وفقدان معنى الحياة وتصبح غريبة عن نفسها وذلك لعجز العقل عن إنتاج الثقافة العقلية. غير أن أودموند هوسرل لم يسقط مباشرة في النزعة التشاؤمية التي كانت سائدة في نهاية المنتصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وصنع التفاؤل من خلال إعلانه عن بدء جديد للفلسفة يسعي إلى إعادة تأسيس العلوم بطريقة جذرية دون السقوط في الخلط بين المعنى والقيمة ودون التوهم بأن غياب المعنى ناتج فقط من الفجوة التي عرفها النسق الإيتيقي بعد التطور السريع للعلوم والاحراجات الأخلاقية. لعل أكبر تعبيرة عن الأزمة السياسية التي شهدتها أوروبا هو صعود الشمولية كنظام للحكم تتحرك وفق نموج حق الأقوى واحتكار السلطة في الزعيم وتتبنى خيارات شعبوية ولقد دفعت الفلسفة إلى توضيح هذه الأزمة الواقعية وتحميل الفلاسفة مسؤولية التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة من جذورها وأصولها من جهة أولى ومن ناحية أهدافها وأغراضها من جهة ثانية.

فكيف سيرد هوسرل من خلال تأسيسه الفنومينولوجي على هذه السلسلة العميقة والطويلة من الأزمات؟

4- فينومينولوجيا المعنى:

" وحدها الفنومينولوجيا القصدية وبأكثر دقة، المتعالية تجمع الضوء عن طريق اختيار نقطة انطلاقها ومناهجها" [22]

لقد تجلت أزمة المعنى التي تتخبط فيها الإنسانية في اندلاع حربين عالميتين خلفت الدمار والقتل وعصفت بالمعالم الحضارية والمكاسب المدنية التي أنتجتها الحداثة وتسببت التقنية في الهمجية وتصحّير الكينونة.

لقد حاول هوسرل أن يستنهض باطنية حية وروحانية جديدة يمكن أن تساعد الإنسانية على توقي أشرار العدمية وتحميها من الوقوع في الهمجية والاختفاء عن ماهيتها الأصلية وتسلح بالمنهج الفنومينولوجي من أجل إعادة اكتشاف عالم الحياة واستخدم القصدية لفتح الوعي على الأشياء والبيذاتية لبناء عالم مشترك.

لقد كانت نية هوسرل متجهة في البداية نحو بناء الفلسفة كعلم دقيق [23] بتخليصها عن كل إيمان ديني وقناعات عامية ولكنه اكتفى بالفكرة الأصلية للفلسفة من حيث هي حكمة لوغوسية تقوم على الحدس العقلي وطعمها بالفنومينولوجيا من حيث هي علم العلم والفلسفة المفتوحة على جميع التجارب البشرية.

لقد كان الموقف الفلسفي الذي يجد ربه اتخاذه هو امتحان كل معرفة والتخلي عن كل الأحكام المسبقة والفرضيات الضمنية والتحري في الأحكام التي يصدرها بشأن الأشياء والعلاقة المباشرة مع العالم وبحث عن المعنى الأصلي لكل فلسفة حقيقية وشدد على التحرر من القبليات والاشتغال على بناء علم مستقل. وإذا كان الحدس الأصلي مبدأ المبادئ التي تعتمد عليه الفنومينولوجيا وكان وضع الموقف الطبيعي بين معقفين عن طريق تعليق الحكم هو العملية المنهجية الثانية فإن التخفيض المتعالي هو شرط التكوين ونقطة الانفتاح على العالم كما يظهر للوعي كقصدية وأساس التجربة المعيشة التي تشكل الانتماء في عالم الحياة.

لقد تفطن هوسرل إلى أن أزمة العلم تعد تعبيرا عن الأزمة الجذرية للحياة في الإنسانية الأوروبية وتحولت إلى أزمة في الفلسفة وصارت أزمة في المعنى وتفاقمت لتشمل العالم وأضحت أزمة في الإيتيقا والسياسة.

هكذا تمر الفنومينولوجيا بعدد من المراحل حسب الشارح نتالي دبراز [24] يمكن أن نذكرها كما يلي:

المرحلة الأولى: تخطي التعارض بين الذات والموضوع عبر اكتشاف القصدية من حيث هي فعل للوعي يختلف عن نظرية المعرفة ويشيد علاقة تكاملية بين القطب الذاتي والقطب الموضوعي وفق بنية علائقية.

المرحلة الثانية: ممارسة تعليق الحكم من حيث هي تخلي عن كل ملاحظة عفوية عن العالم والانطلاق في التخفيض الأولاني بالمحافظة على الواقعة من خلال العودة إلى الماهية في حد ذاتها والمرور بواسطة الوصف المتعين من المعطى الطبيعي إلى المعنى كظاهرة نفسية ومحاولة تحريكه اتجاه الأفق المتعالي.

المرحلة الثالثة: يأتي التكوين من حيث هو فعل يعيد به الوعي اكتشاف العالم كأفق للمعنى من أجل اتمام حركة الارتقاء نحو المعنى بواسطة التخفيض وبلوغ عمق العالم كوسط يحدث فيه المعنى كوحدة متعالية.

المرحلة الرابعة: تتشكل الفنومينولوجيا التكوينية لا من حيث هي فقط فنومينولوجيا وصفية كما تكونت في مرحلة القصدية وإنما أيضا تبدأ حركة التخفيض نحو عالم الحياة وتجعل من العودة الجذرية نحو المعنى الأصلي للعالم المعيش رفضا تلازميا للعالم الموضوعي الذي تعامل معه العلم الوضعي بكثير من المثالية.

اذا كان العقل الفنومينولوجي قد تخلى عن وظيفته التفسيرية التي ارتبط بها مع النزعة العلموية والنزعة الوضعية وجعلته مجرد جهاز حساب متحكم وآلة تقنية منتصرة تؤمن عملية التكيف بين الإنسان والطبيعة فإنه مطالب باستعادة وظيفته الأساسية والتي تتمثل في الحدس الأصلي للمعنى والرؤية الفكرية للعالم واذا كان قد تخلى عن البعد التكويني الحسابي للقياس الصوري التقني الذي يتصف به الراسيو اللاتيني ويعالج به الظواهر فإنه مازال معنيا بالعودة الجذرية على ذاته والانخراط في التجربة التفكيرية للذات والوجود وإحداث التمفصل الضروري مع حدس الماهيات والاقتراب من اللوغوس الإغريقي والتصدي لللاّعقل.

لقد جعلت الفنومينولوجيا من انتزاع الإنسان من الضياع في العالم هدفها الأساسي ولاحظت تخليه عن طبيعته الأصلية وانحرافه عن الغرض الإنساني من وجوده وحاولت متابعة الأنوار واستكمال المشروع الإنسانوي وبحثت عن شروط التخليص والتحرر والاجتماعية ولكنها عادت إلى الانتماء إلى العالم [25].

على هذا النحو " يعود السبب بالتحديد إلى هذه العودة إلى الأنوار - نحو ديكارت - بمعنى الإيمان بحرية إنسانية طبيعية، قبل التطبيع،...، إلى محاولة هوسرل تأويل التخفيض من الموقف الطبيعي على أنه عودة إلى الوعي الأصلي، إلى بداهة أولي، كوضع بين قوسين لما ليس حاضراً بالكامل من أجل العثور على "مجال لحضور مطلق"، باختصار الانسحاب خارج كل تسجيل، باعتباره انتزاع من كل انتماء" [26].

إذا كانت الإنسانية تعيش لأول مرة أزمة دائمة وإذا كان التفلسف هو الذي يمنعنا من الاستسلام للدوار المنبعث من الاضطراب فإن الفلسفة لم تعد ميتة ودُفنت بل عادت من هذه الآلام لتظهر في كل مجدها، فإلي أي مدى وفقت الفنومينولوجيا في الخروج من الأزمة والتحول إلى فن الطب الطبيعي للحياة؟

5-  من أجل استرجاع عالم الحياة:

" هذا العالم يهرب من الإنسان لأنه ليس العالم الحقيقي، إنه بناء مبني على عالم آخر، يتم تقديمه في تجربة فورية والذي يمكن أن يقبله الإنسان ببساطة دون أن يكون قادرًا على التخلص منه كما يشاء" [27]

لم يكن هوسرل فيلسوف الأيدوس من حيث هي الماهية الصورية أو المادية للشيء فقط ولا موقع الإنية من حيث هي ما يكون الكيان الخاص للإنسان وما يتأسس على التفكير فحسب بل هو فيلسوف التأسيس بامتياز من حيث هو عدوة الذاتية المتعالية كوجود مطلق وحيد إلى تشكيل المعنى عبر إعادة بناء الأصل.

علاوة على ذلك يعد هوسرل فيلسوف العالم المشترك حيث ينتقل من الحديث عن الخاص بوصفه هذا اللاّغريب الذي يمكن تجريده من كل روحانية غريبة وباعتباره ما يعطى للذات عينها في بداهة أولانية إلى اعتماد مفهوم التعاطف كعلاقة بين الأنا والأنا الآخر تقوم على التجاور والقرب والتلاقي ويشيد المكان الذي يتشكل فيه معنى الغير من خلال التواصل عبر الاشتراك في تقاسم التجربة المعيشة مع الأنا عينه.

لا يمكن صناعة العالم المشترك دون الاعتماد على مفهوم البيذاتية ودون التوسط بالخيال والزمن والحدس المقولي والتعامل مع العالم كأفق وتخليصه من المثالية والجوهرانية وتشريع الكثرة وزرع التنوع داخله والانتقال إلى عالم الإمكانيات المحضة وتوسيع ميدان الحدس نحو الذات المكونة للعالم المتعين والمادي.

لقد مثل عالم الحياة الذي وقعه هوسرل بعد الأزمة رفضا لكل اتهام له بالتجريد المنطقي الذي صدر عن العلوم الوضعية وعزم على العودة إلى العالم الحسي الأصلي والاعتماد عليه نمط تفكير ونقطة انطلاق نحو الأصلي وبلوغ المبدأ الموحد للتجربة في ماوراء التعارض بين القطب الذاتي والقطب الموضوعي.

لا تخلو فنومينولوجيا هوسرل من الاشتغال على القيمة والصلاحية والتقييم وذلك من خلال اتخاذ الموقف وإصدار الحكم بعد خوض تجربة التقويم والتروي والتعقل بالرغم من تفاديها منذ قيامها الأحكام المسبقة والمتسرعة وممارستها تعليق الحكم وتجنبها النزعة السجالية التي ترافع على رأي أول ضد رأي مقابل.

العالم المشترك الذي يحاول هوسرل تأسيسه ليس العالم الموضوعي فقط ولا العالم الذاتي فحسب وإنما هو بنية الذاتية المتعالية التي تؤلف بين الاثنين لكي تسمح بظهور الغيرية ضمن وحدة العالمية وواقعة الإنية.

بهذا المعنى يكون العالم الحياة هو الأرضية والأفق في ذات الوقت ويعترض على نسيان الحياة المشتركة التي تسبب فيها العلم والتقنية وفق المقاربة الغاليلية للطبيعة والترييض الصوري للعلاقات بين الظواهر وفسح المجال أمام الذوات لكي تتحمل مسؤولية الرعاية للعالم والتصدي للهمجية وفق رؤية غائية للوجود.

هكذا " أظهرت العودة إلى عالم الحياة كيف تم إعلان العالم من خلال التجربة الأصلية كفكرة لا تقوم فقط بتأسيس غائية المعرفة، ولكن أيضًا الحياة الأخلاقية للذات. تتأسس الإيتيقا المتعالية، أي تسليط الضوء على بداهة قبيليات واجب الوجود، في الفنومينولوجيا، على الاستيطيقا المتعالية: فكرة وحدة العالم التي يتم الكشف عنها مع العودة إلى العالم المُتصور هي فكرة حيث يجب على الذات أن تجد لها حلا" [28].

لقد حرص هوسرل على تجديد الثقافة الفلسفية ووضع الفنومينولوجيا كوضعية نقدية تجاه العالم العفوي لكي تدفع الناس نحو مراجعة موقفهم الطبيعي وامتلاك الوعي بتصور جديد للعالم المشترك من خلال الحرص المتبادل على تخطي الأزمة ودفع العقل الإنساني من حيث هو لوغوس إلى فهم الذات الإنسانية.

إذا كان الإنسان نفسه قد حولته التطبيقات التقنية للعلوم الرياضية للطبيعة إلى موضوع مبرمج وبضاعة مصنوعة فإنه حري به أن يتسلح بالمنهج الفنومينولوجي الإيتيقي لكي يستعيد ذاتيته المفقودة ويتدرب على كيفية السكن في العالم ولكن هذه المرة يتعلم طرق العيش مع غيره وتوفير شروط إمكان الحياة الجماعية.

لم يعد العقل الفنومينولوجي يشير إلى ملكة التمثل والإسقاط والهيمنة على الطبيعة بل أصبح ينصص على ملكة فهم النحن ضمن معية وجودية مع هذه الآخرية والتلاقي بين الذوات والاشتراك في سكنى في العالم.

يترتب عن الامتحان النقدي الذي تقوم به الفنومينولوجيا تأكيدا على ضرورة إصلاح أنماط فهم الإنسانية لذاتها والاقرار بأن العالم الحالي الذي تسكنه بطريقة عفوية ليس العالم الحقيقي ولذلك كان لزاما عليها أن تعيد الاعتبار للجدوى من الإقامة في الوجود والعبرة من الانتماء إلى العالم وأن تعيد بناء العالم المشترك.

 لكن" لو تكون الفنومينولوجيا هي توضيحا للذات عينها – علم الأنا-، كيف يتمكن الغير من تسويغ غيريته؟ ثم، كيف تستطيع الموضوعية الحقيقية من تكوين للعالم المشترك بيننا جميعا؟" [29] وهل تمكن أدموند هوسرل بالفعل من تخطي التمييز المبدئي بين وجود الوعي المحض والعالم الحقيقي الذي أوجده؟

خاتمة:

" التفكير في العالم كظاهرة، أي تحرير الذات من العالم، كما تنوي الفنومينولوجيا القيام به، هو أبعد ما يكون أمرًا يسيرا" [30]

صفوة القول أن فنومينولوجيا هوسرل تقوم على إصلاح الكوجيتو الديكارتي وفتح نوافذ وأبواب للموناد التي وقعها لايبنتز وتستخدم التحليل القصدي للوجود في العالم وتقر بالوحدة الكونية للمواضيع وبالامتلاء العياني للأنا أفكر المتعالي ولكنها وقعت هي الأخرى في نوع من الأناوحدية المتعالية [31] عندما اقتصرت على وصف تجربة الكوجيتو كما يعيش في العالم الحي وطرحت جانبا تجربته مع الأخر بالرغم من أن التوضيح القصدي للعلاقة البيذاتية قد اقترب كثيرا من إظهار الحاجة الأنطولوجية للوجود مع الغير [32]. لقد مثلت فلسفة هوسرل الحافز المتعالي للفنومينولوجيا حسب بول ريكور تثمينا فلسفيا للمجهود العلمي دون أن يقتصر عليه واستئنافا للتفكير الفلسفي دون معاودة السقوط في الميتافيزيقا وغرسا للقصدية في المباحث التفكيرية وللتجربة المتعالية في علم الأنا واستحضارا للزمن في مستوى التأليف كشكل أساسي للوعي ولكنها ظلت تعاني من مشكلة عويصة تتمثل في صعوبة استحداث عملية البدء المطلق واستحالة العثور على نقطة انطلاق تشير إلى وضعية جذرية من الصفر المعرفي والأنطولوجي وبقيت تتحرك بصورة كلية ضمن القطب الأصلي للأنا المتعالي وفكرانية الوجود وتفتقد بشكل تام للعناية بغيرية الغير [33]. لقد أعاد هوسرل وضع الكوجيطو الديكارتي في المكان المركزي الذي يليق به ألا وهو العالم المعيش وأعد بشكل جيد الأرضية لقيام الفنومينولوجيا المتعالية من خلال التخفيض الفنومينولوجي لشغل الأنا أفكر بالاعتماد على البداهة العقلية المتعالية وذلك بالقيام بالوصف المقولي لعالم الحياة الخاصة للأنا المتعالي [34]. كما يتعذر على الفلسفة بلورة التأسيس المطلق والجذري للمعرفة بواسطة الموقف المتخلص من جميع المعارف المسبقة ومن كل فرضية ضمنية وخلفية فكرية ثاوية وبداهة منطقية ويقين أولى وحقيقة فطرية. لكن انتصار الفنومينولوجيا يريجع بالأساس إلى الذهاب بعيد في استشكال الأزمة والتعامل معها كمفهوم فلسفي يستحق الكثير من التدبر والتقليب على جميع وجوهه والسعي إلى معالجته وفق المقاربة التأسيسية والتي تتخذ من البيذاتية والقصدية وعالم الحياة كمعاول أولانية لانتشال المعنى والتوجه إلى الأفق المتعالي ومحاولة الإفلات من المضيق الإشكالي للتعارض بين علوم الطبيعة وعلوم الفكر الذي أوقع الفلسفة فيه. لقد آمن هوسرل بأولوية الذات الفاعلة في مواجهة الواقعة المحايدة وحاول إعادة الدور التاريخي للفلاسفة من جهة الانتماء إلى تراث فلسفي والانغراس في معنى للتاريخ وعهد لهم مهمة التفكير في مستقبل البشر والالتزام بالإصلاح الروحي للثقافة بالاندراج ضمن جماعة فلسفية مفتوحة تمارس النقد وتؤمن بالتغيير. تبدو هذه الجماعة الفلسفية التي ينادي بها هوسرل ضرورية في ظل تنامي الأزمة عندما يغيب العمل المشترك بين الفلاسفة ويختفي رجل المعرفة في نسقه الفكري المجرد ويضحي مثقفا هائما ويعجز عن فن الاتصال بالناس والتأثير المفيد في الفضاء العام وتقل عملية التفاعل بين الأفكار الفلسفية الجديدة والحياة الثقافية. من المفروض أن يكون الفيلسوف الفنومينولوجي مقبلا على العالم ومنفتحا على قضايا الشارع ومنصتا للمشاكل التي تمتلئ بها الحياة اليومية وأن يتخذ موقفا نقديا وأن يهتم بإعادة بناء العالم وإنتاج المعنى وأن يهتم بالآخرين ويتحاور مع الإنسان العامي والشخصيات العادية التي لم تتلقى تكوينا علميا ومعرفيا هاما. بطبيعة الحال تظل الفلسفة تفكيرا كونيا في السياسة لا تتقيد بوطن ولا تتحيز لأي شعب وإنما تتميز بالانفتاح على كل الدول وتبحث عن السلام الدائم بين الشعوب والمصلحة المشتركة للمواطنين العالميين والخير العام للإنسانية. لقد رأى مطلق البدء الجديد في الفلسفة المعاصرة أدموند هوسرل في أزمة العلم تعبيرا عن الأزمة الجذرية للحياة في الإنسانية الأوروبية وأوجد توضيحا لذلك من خلال العودة إلى إبراز أصل التعارض الذي حدث بين الموضوعية الفيزيائية والذاتية المتعالية.

لقد اهتزت الإنسانية بظهور شياطين جدد وتطرف حقيقي لما فقد العلم جوهره وتم اختزاله في مجرد حقائق بسيطة وانصهر الوعي الذاتي في الحكم المعرفي وباتت التقنية هي الخطر الأكبر الذي يهدد العالم ولم يعد المشروع الأصلي يرنو إلى غاية كونية بل فقد الوفاء لإنسانية ولدت العقل والحرية وقدست النقد.

يجب التطرق إلى شروط التعرف على النفس والتأمل الذاتي والاستقلال النظري والعملي لكي يتم تحميل المسؤولية المطلقة للذاتية المتعالية في التعافي من فقدان المعنى العام واكتشاف كيف يكون العالم منطقيا بإيقاف انهيار التحليل النقدي والكف عن سياسة التدمير الذاتي للكوكب والتوقف عن التحدث عبر صوت الآخرين وتمكين الشعوب من الكلام عن نفسها واستذكار المعنى الأصلي للعالم ومواجهة حالة عدم اليقين.

تؤدي هذه الأزمة إلى ثورة عارمة تطلب التغيير الجذري في كل شيء وتقبل سلم المعنى رأسا على عقب وتعيد ترتيب الأمور وفق حكمة أكثر تبصرا وفي مناخ من الديمقراطية المانعة من الانغماس في العدمية.

إذا كان المستقبل نفسه مازال غامضا وغير محدد فلنكتفي بالأعمال الرمزية ولنحافظ على علاقة تربطنا بالمعنى ولتكن عن طريق وراثة الأسئلة والترسب داخل تراث إشكالي ومحاولة فهمه بأمانة وابتكار [35]. لكن لماذا انتقل هوسرل من الشعور بالسخافة وفقدان الثقة بالمرجعيات المطلقة والانزعاج من مرض القيم وتناثر المعنى وفوضى الانحلال غير قبل للإصلاح إلى الحديث عن استعادة الصحة واستبصار الأمل؟ وكيف للفلسفة أن تتوغل في الدوار الدائم عارية من يقين لم يكتشف حقيقته بعد ومجردة من جميع الأقنعة؟

 

د. زهير الخويلدي

.........................

الإحالات والهوامش:

[1] Husserl Edmond, la crise de l’humanité européenne et la philosophie, édition Aubier Montaigne, 1977 p58-59.

[2] Voir Husserl Edmond, philosophie de l’arithmétique, traduit par Jacques English, édition PUF, Paris, 1972.

[3] Voir Husserl Edmond, Recherches logiques, 3 Tomes, traduit par H . Elie , A .l. Kelkel, et R. Schérer, édition PUF, Paris, 1959, 1961, 1963.

[4] Voir Husserl Edmond, logique formelle et logique transcendantale, essai d’une critique de la raison logique, traduit par S. Bachelard, édition PUF, Paris, 1957.

[5] Voir Husserl Edmond, leçons pour une phénoménologie de la conscience intime du temps, traduit par Henri Dussort, édition PUF, Paris, 1964.

[6] Voir Husserl Edmond, la philosophie comme science rigoureuse, traduit par Q. Lauer, édition PUF, Paris, 1954 .

[7] Voir Husserl Edmond, la crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, traduit par G. Granel, édition Gallimard, Paris, 1976.

[8] Voir Husserl Edmond, problèmes fondamentaux de la phénoménologie, traduit par J. English, édition PUF, Paris, 1991,

[9] Voir Husserl Edmond, idées directrices pour une phénoménologie, traduit par Paul Ricœur, édition Gallimard, Paris, 1950.

[10] Husserl Edmond, la crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, op.cit.p382.

[11] Husserl Edmond, la crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, op.cit..p14.

[12] Voir Husserl Edmond, Expérience et Jugement, Recherches en vue d’une généalogie de la logique, traduit par D. Souche, édition PUF, Paris, 1970.

[13] Voir Husserl Edmond, méditations cartésiennes, introduction à la phénoménologie, traduit de l’allemand par Gabrielle Peiffer et Emmanuel Levinas, Librairie philosophique J. Vrin, Paris, 1966.

[14] Dissémination du sens

[15] Voir Husserl Edmond, la terre ne se meut pas, traduit par J, -F, Lavigne , édition de Minuit, Paris, 1989.

[16] Salanskis Jean-Michel, Husserl, édition les belles lettres, Paris, 1998,p11.

[17] Husserl Edmond, la crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, op.cit .p 10.

 [18] Husserl Edmond, méditations cartésiennes, introduction à la phénoménologie, op.cit.p134.

[19] Husserl Edmond, la crise de l’humanité européenne et la philosophie, op.cit, p105.

[20] Husserl Edmond, la crise des sciences européennes et la phénoménologie transcendantale, op.cit .p 10.

[21] Husserl Edmond, la crise de l’humanité européenne et la philosophie, op.cit, p103.

[22] Husserl Edmond, la crise de l’humanité européenne et la philosophie, op.cit, p99.

[23] Voir Hyppolite Jean, l’idée fichtéenne de la doctrine de la science et le projet Husserlien, in Actes du Deuxième Colloque International de Phénoménologie » , Krefeld, 1-3 novembre, 1956, édités par les soins de H. l. Van Breda et J. Taminiaux, pages 173 à 189.

[24] Natalie Depraz, repères biographiques et historiques, in la crise de l’humanité européenne et la philosophie, Husserl, édition Hatier, Paris, 1992,pp29-30

[25] Legros Robert, l’idée d’humanité, introduction à la phénoménologie, éditions Grasset & Fasquelle, Paris, 1990, p199.

[26] Legros Robert, l’idée d’humanité, introduction à la phénoménologie, op.cit, p202.

[27]Landgrebe Ludwig , la signification de la phénoménologie de Husserl pour la réflexion de notre époque, traduit par Jacques Taminiaux In « Husserl et la pensée moderne, Actes du Deuxième Colloque International de Phénoménologie » , Krefeld, 1-3 novembre, 1956, édités par les soins de H. l. Van Breda et J. Taminiaux, p228.

[28] Housset Emmanuel, Husserl et L’énigme du monde, éditions du seuil, Paris, 2000, p244.

[29] Ricœur Paul, « étude sur les méditations cartésiennes de Husserl », in Revue philosophique de Louvain, 33, article de pages 75 à 109, 1954, p109.

[30] Berger Gaston, le cogito dans la philosophie de Husserl, Aubier, éditions Montaigne, Paris, 1941, p55.

[31] Husserl Edmond, méditations cartésiennes, introduction à la phénoménologie, traduit de l’allemand par Gabrielle Peiffer et Emmanuel Levinas, Librairie philosophique J. Vrin, Paris, 1966.p26.

[32] Husserl Edmond, méditations cartésiennes, introduction à la phénoménologie, op.cit.p74-et p126.

[33] Ricœur Paul, « étude sur les méditations cartésiennes de Husserl », in Revue philosophique de Louvain, 33, article de pages 75 à 109, 1954, p78.

[34] Berger Gaston, le cogito dans la philosophie de Husserl, Aubier, éditions Montaigne, Paris, 1941, pages 157.

[35] Jonathan Racine, « La place de Descartes dans l’analyse husserlienne de la crise des sciences et de la philosophie. », Sciences humaines combinées [En ligne], 3 | 2009, mis en ligne le 07 décembre 2017, consulté le 13 décembre 2019. URL : http://preo.u-bourgogne.fr/shc/index.php?id=118

 

 

علي محمد اليوسفيقول مارتن هيدجر سؤالنا لماذا كانت الموجودات ولم يكن العدم؟ هو أن نفتح ونفضّ الموجود في تردده وتقلبه بين الوجود والعدم. فمن حيث أن الموجود يعمل بقوة على مقاومة الامكانية المتطرفة والصارمة للعدم، فانه – أي الموجود - يقف في وسط الوجود، لكنه لم يدرك أو يلحق مطلقا بالعدم أو يهزم أمكانية العدم.(1)

الموجود الحي يعي جيدا أنه محكوم بالفناء والزوال وليس من أمكانية الموجود المتاحة له أجتناب تعايش العدم الافنائي معه كحتمية سلبية تحزم الموجودات الحية بلا أستثناء لا يمكن الخلاص منها.. والموجود سواء أكان في بداية أو وسط أو نهاية الوجود فهذا لا يغير شيئا من أمر علاقة العدم السلبية بالموجودات، والوجود غير قادر الخلاص من هيمنة العدم عليه فهو لا يلحق العدم ولا يحاول هزيمته من حيث أنه بخلاف الموجودات فأن العدم غير متعيّن كموضوع مواز للموجود أو مكافيء له.. العدم نوع من تعبير الطاقة السلبية غيرالمحسوسة غير المحدودة ولا المتعينة ولا المدركة التي تستهدف الموجودات بالافناء الحتمي .. وأدراك الموجود للعدم ليس واردا أبدا ليس كند موجود مكافيء ولا كقرين بالمفاضلة غير الحقيقية بينهما.. من العسف غير المنطقي أن نحاكم الموجودات بمعيار العدم.. وأدراك الموجود للعدم هو أدراك حدسي لا يخضع الى تراتيبية أدراك العقل للاشياء والموجودات الحسية.. أنه ضربة خاطفة من الاثبات الحدسي بمعرفة نتائجه وليس معرفة ماهيته ولا صفاته.. وحدس الموجود للعدم لا يعني أمكانية متاحة في معرفته كمعادل رديف للوجود.. بل العدم هو وجود غير مدرك متمم لوجود الموجودات بلا رغبة منها ولا دراية تتجنبها يلازمها بالافناء.. .

يذهب هيدجر الى أن السؤال لماذا كان وجود الموجودات بدلا من العدم، يجبره على أن يطرح تساؤله التمهيدي الافتتاحي اللاحق التالي (كيف للموجود أن يقف مع الوجود؟) برأي هيدجر(الموجود في كليته لا يوجد ولا يكون بالقياس الى أن الموجود في كليته غير قابل للتحقق منه، لذا فهو في حكم مماثل للعدم كوجود غائب لا يتسنى لنا معرفته ولا التأكد من حضوره الا بعد تلمسنا نتائجه في أستهدافه الموجودات في وجودها الحقيقي)(2)، ويفرق هيدجر بين الوجود والموجود، (بأن الموجود هو متعيّن بالادراك وتعبير اللغة عنه، ومن مجموع الموجودات يتكون الوجود الذي لا يمكننا أدراكه في كليته الضائعة الموزعة على الموجودات المكوّنة له) (3)

قبل تكملة أقوال هيدجر عن الموجود والوجود نود تأكيد ما سبق لنا ذكره ومقارنته بأقوال هيدجرفي السطور السابقة وأضيف هنا على محمل العجالة ثلاث قضايا وردت في تعبير هيدجر ليست صحيحة كما مر بنا قبل قليل:

1- أن العدم ليس وجودا متعينا ملحقا بالموجود بل هو جزء غير مدرك من تكوين الموجود.. فالموجود على حد تعبير هيدجر هو مدرك متعيّن نجده في تعبير اللغة عنه وهو ما لا ينطبق على العدم لا كمتعين مدرك حسيا ولا كتعبير لغوي في الدلالة عليه كموجود.

2- عدم أدراك (الوجود) في كليته الذي هو مجموع تكويناته من (الموجودات) وعدم الاحاطة بالوجود الكلي هو ليس كالعدم في عدم القدرة الاحاطة به كما يذهب هيدجر.. .فالوجود ليس مكافيء للعدم ولا يمكننا معاملتهما على أنهما ندّين متكافئين في المعيار الفلسفي والمنطقي للموجودات.

فالوجود كمفهوم ودلالة هو يمثل مجموع موجوداته ولا يمكن أدراكه في الكليّة بل من الممكن أدراكه بموجوداته التجزيئية المكوّنة له.. فعندما نقول بناية أوغيرها من موجودات حسية مدركة فأن أدراكنا كلية البناية كوجود متعذر أدراكه بكليته في سبق أمكانية أدراك مدركات موجوداته التي هي مكوناتها من طوابق وغرف وحديقة وموقع وخدمات الخ.. وهكذا مع كل مفهوم كلي غير مدرك بكليته ولكنه مدرك بجزئياته التكوينية في موجوداته، لذا كان من الخطأ مقارنة الوجود الكلي بالعدم كما ورد على لسان هيدجر، فالعدم يختلف عن الوجود أنه لا يدرك لا بكليته غير المعروفة ولا بتجزئته الى مكونات فرضية كموجودات غير موجودة ولا متحققة أيضا.فالعدم وحدة متكاملة من حتمية افناء الموجودات لا تنقسم على نفسها وليست مدركة بغير نتائجها فقط.

وتعبير هيدجر أن عدم أدراكنا كلية الوجود يجعلنا نجعله رديفا مكافئا لعدم أدراكنا العدم والتعبيرعنه كلام غير دقيق يحتمل الخطأ كثيرا.. فلا يمكننا معاملة الوجود الانطولوجي معاملة العدم غير المدرك انطولوجيا..

3- في المنهج الفينومينولوجي الادراك للموجود الكلي يكون حدسيا عقليا بينما يكون أدراك الموجودات التي هي مكونات الوجود الكلي فيمكننا أدراكها حسّيا عقليا وليس حدسيا على أعتبارها متعينات موجودية يحدها الزمان والمكان الادراكي العقلي لها.

ولنقارن ما ذهبنا لتأكيده في الفقرة ثانيا أعلاه بهذا القول لهيدجر( أن الوجود الذي لا تكف جهودنا عن ملاحقته والبحث عنه وأستقصاء طبيعته أنه تقريبا أمر مماثل للعدم، لكننا نرفض دائما المناقشة والجدال جملة وتفصيلا في مسألة أن الموجود في كليته لا يوجد ولا يكون)(4)

لنا تعقيب بسيط جدا يلاحظ أن هيدجر أستبدل تعبير (الوجود) الذي لا يدرك بكليته وناقشناه في ثانيا الفقرة أعلاه، وأستبدله بتعبير (الموجود) الذي لا يدرك بكليته، وأحتمال أن يكون التعبير ورد خطأ نقلا عن هيدجر من قبل المترجم.. . فالموجود جزء مكوّن للوجود يدرك بكليته بخلاف الوجود الذي لا يدرك بكليته.

والمشكلة الكبرى التي يحذر هيدجر منها قوله (فيما يتعلق بمفهوم الوجود أنه يبقى أمرا لا يتم العثور عليه بيسر وتقريبا فهو يشبه العدم كثيرا، ثم في نهاية المطاف فأن كلمة الوجود هي عند الكثيرين ليس أكثر من كلمة فارغة المعنى فهي لا تعني أي شيء حقيقي) (5)

اذا ما أخذنا عبارات هيدجر السابقة على محمل النقاش فالوجود وغيره من مفاهيم ومصطلحات متداولة بالفلسفة أنما هي جميعا مجازات في التعبير اللغوي التجريدي للدلالة عنها.. والتفكير وتعبير اللغة هما تجريد مجازي عقلي في الادراك،، وتجعل من أمر الدخول في معترك البحث عن تطابقها كوجود أو غيره مع دلالة تعبير اللغة عنها لا يكفي أبدا في الوقوف على حقيقتها الكاملة.. فالوجود هو تعبير مجازي تجريدي ليس بالضرورة يكون التعبير الفلسفي عنه كافيا لمعرفة حقيقته الانطولوجية كون الوجود تجريد انطولوجي لا يمكننا حدّه أدراكيا، بأختلاف الموجودات التي تمنح التكوين المضموني للوجود في أجتزاءاته وليس في كليته العصّية على التعيّن الادراكي، فالموجودات متعينات يمكننا أدراكها.. أما الوجود فهو مصطلح فلسفي غائم ومتعدد الدلالات شأنه شأن العديد غيره من المفاهيم الفلسفية التي لا تدرك بكليتها كمفاهيم مجردة.. وقد يكون مبحث الوجود ميتافيزيقيا رغم دلالته الانطولوجية في مجمل موجوداته..

كيف للموجود ان يقف مع الوجود؟

يشن هيدجر هجوما مفتعلا على نيتشة في تعبير هذا الاخير على أن الوجود هو محض (بخار ومغالطة).. فيرد هيدجر بقوله (اذا كان الامر كذلك، فان النتيجة الوحيدة المحتملة لهذا الاستنتاج هو أن نتخلى عن طرح السؤال: لماذا كان وجود الموجودات بدلا من العدم؟ لأنه لا جدوى فعلا من طرح هذا السؤال والبحث والتحقيق عن مفهوم هو ليس أكثر من محض غبار ومغالطة.)(6)

فعلا لقد كان نيتشة أكثر أمانة مع نفسه من هيدجر على الاقل أعتباره الوجود مبحث ميتافيزيقي لا أهمية كبيرة بالوقوف عنده على خلاف هيدجر الذي حاول أيقاف الوجود على أرجل خشبية أصطنعها من أجل أختلاق مفهوم تلفيقي للوجود غير صحيح .. .

في محاولة هيدجر توضيح هذا التعالق الفلسفي التجريدي بين علاقة الموجود بالوجود فهو يقوم بأسقاطه بأفتعال لا مبرر له على التاريخ السياسي الحديث لامريكا والاتحاد السوفيتي القديم والمانيا ممثلة عن دول اوربا، وهي محاولة أسقاط فلسفي للوجود على مبحث متجرد بعيدا عن المنطق الفلسفي هو التاريخ السياسي.. وبعد أستطراد لا علاقة له بموضوع الوجود الفلسفي نجده يعود ثانية الى مهادنة أفكار نيتشة الفلسفية الميتافيزيقية قائلا (هل الوجود بالنسبة لنيتشة كان ليس أكثر من وهم وضلال ينبغي أن لا يحدث مطلقا؟ وهل الوجود أذن أمر غامض غير محدد ومعروف يشبه الغبار؟)(7)

أن الحقيقة التي يحاول هيدجر الالتفاف عليها الواردة على لسان نيتشة، أنما هي تشكل مفترق طرق بين فهم الاثنين نيتشة وهيدجر التعبير عن الوجود، فعندما يذهب نيتشة الى وصف الوجود بعبارات ميتافيزيقية بأن الوجود كلمة لا معنى لها، أنما هو ينظر للوجود بمنظار كوني كوزمولوجي على أنه معطى طبيعي محكوم بالتآكل والتلاشي والزوال بمرور الوقت، ولا يمكننا الامساك أو التعريف به في متعينات تكون خارج زمانيته المحكوم بها وخارج فعالية العدم الذي يستبطنه في داخله، وعندما يعبر نيتشة أن الوجود بخار متصاعد فهو يعني به أن الوجود طاقة مستنفدة قابلة للتلاشي والذوبان والاضمحلال لموجودات انطولوجية لا يمكننا البت بادراكها، وأن كل شيء في الوجود والطبيعة الى زوال حتمي.. والوجود بفهم نيتشة هو عملية انتقالات وسيرورة دائمية محكومة بالتلاشي العدمي، على العكس من هيدجر الذي يرى الوجود عملية تصنيع تاريخي – روحي علينا أستحضاره أذا ما كان غائبا في نسيانه كوجود.. وهذه مفارقة لا تقر أن الوجود في كليته غير المحدودة غير المدركة أنما هو معطى أنطولوجي لا يمكن أستحضاره بأسقاطه فلسفيا على التاريخ السياسي، وهذا التساؤل عن المعطى الوجودي لوجود الموجودات أنما يشبه حقيقة التساؤل لماذا كانت الطبيعة ولم يكن العدم أو لماذا كان الانسان ولم يكن العدم..

ويضيف هيدجر (أنه يتعين علينا أن نعمل أن لا تبقى كلمة الوجود مجرد صوت ومعناها ليس ألا خواء أوبخارا.. وفي حال التركيز عليها فأنها سوف تنحل وتذوب وتتلاشى كما تتلاشى الغيوم في ضياء الشمس.)(8)

بهذه العبارات نجد هيدجر يعود الى تبني تعابير نيتشة المتطايرة في التهويم الميتافيزيقي في التعبير عن الوجود على أنه لا يشير الى معنى مدرك مادي يحدّه ويعطيه معناه الادراكي كموضوع ويعتبره عدما ربما كان يشابه العدم في معناه الفيزيائي.. كما نجده في كلامه هذا يمّهد الى أطلاق مقولته أن الوجود ليس واقعة أنطولوجية عبّر هيدجر عنها أمام يأس المحاولة قائلا (أننا يتوجب علينا رؤية الاموربعيون مفتوحة غير متحيزة للاحكام المسبقة، علينا أعادة أحياء الحجّة المألوفة القديمة التي تتحدث عن الوجود بأعتباره أكثر المفاهيم عمومية وأنه يغّطي كل شيء حتى العدم)(9)، ويستنجد هيدجر بقانون المنطق (كلما يكون المفهوم أكثر شمولية وأتساعا من مفهوم الوجود كلما يكون أكثر غموضا وغير محدد وكان مضمونه فارغا أيضا)(10) وهو تعبير ميتافيزيقي يقترب من نيتشة كثيرا..

لنلاحظ جيدا كم يحاول هيدجر جعل مفهومه الفلسفي عن الوجود أكثر أهمية من مفهوم الوجود كما تناوله العديد من الفلاسفة في فهم مغاير لهيدجر. ويتساءل (هل الوجود يمتلك ماهية مختلفة تماما عن الاخريات، ومن هنا يمكننا أن يكون الوجود أي شيء ما عدا أن يكون الوجود موضوعا للانطولوجيا، على شرط أن نأخذ هذا المصطلح بمعناه التقليدي، وكيف لنا زحزحة هذه الاشكالية المزمنة والمستعصية عن مواقعها)(11)

لا نعرف أي الموجودات يقصدها هيدجر التي يمتلك أو لا يمتلك الوجود ماهيته المختلفة عنها.. كذلك كيف يمكن زحزحة النظرة الفلسفية القارة المجمعة على أن الوجود هي معطى انطولوجي أصلا حاله حال وجود الطبيعة ووجود الانسان ولا يمكن التفكير بأعتبار الوجود خارج الفهم التقليدي على أنه موضوع انطولوجي وواقعة طبيعية تاريخية حتى وأن جاء تناوله مثاليا ميتافيزيقيا، وأمام دعوة هيدجر الابتعاد عن النظرة المستحكمة بأن الوجود موضوعا أنطولوجيا، فهل نعود الى ترداد ماقاله نيتشة أن الوجود بخار متصاعد نحو السماء في زواله المتلاشي؟ أو ماهي الرؤية البديلة التي يراها هيدجر في أستهدافه الوجود أن لا يكون أنطولوجيا ميتافيزيقية؟

الروح والاسقاط التاريخي

يستعير هيدجر من دون أشارته الواضحة لذلك مفهوم هيجل للتاريخ في الروح المطلق وأسقاطها على الفهم المثالي الجدلي تاريخيا، وبالتحديد المرحلة التي تلت أنتصار الثورة الفرنسية 1789م، فنجد هيدجر يقول( أن الروح أمر أساسي وحل يتأسس على جوهر وماهية الروح، التي هي تجنيد وتحريك قوى الموجود بحد ذاته، وأينما تسود الروح فأن الموجود بحد ذاته يصبح دائما وفي كل الاوقات أكثر أصالة في وجوده.)(12) ويعتبر هيدجر (طرح سؤال الوجود هو في حد ذاته يتم فقط وبكل معنى الكلمة ضمن فضاء ماهو تاريخي، ولماذا وفقا لذلك يعتبر سؤالنا ما اذا كان الوجود يبقى مجرد محض بخار بالنسبة لنا أم يصبح يمثل قدر الغرب بأكمله.)(13)

اذا ما قرأنا مابين السطور في عبارات هيدجر هذه نجده يفسر الروح بمعناها الميتافيزيقي التاريخي الجمعي للامة الالمانية من منطلق نازي حاول حبسه خلف عبارات الفلسفة المعبر عنه تلميحا بائنا، فهو أراد أن يجعل من المانيا الدولة التي قدرها التاريخي أن تقود اوربا من الظلام الى النور. الذي هو الموجود المتميز للقيام بهذا الدور المؤهل له، وينطوي في تلافيف هذا الشعار تحقق الموجود الالماني بأعلى صوره المتألقة قياديا ليصل الى حد التلاقي مع دعوة نيتشة في الانسان السوبرمان النموذج المستقبلي الذي طرحه ضمن فضاء فلسفي كوني، بخلاف هيدجر الذي حاول تحقق الروح التاريخي للموجود في المانيا التي تقع على مسؤوليتها أنقاذ الغرب قاطبة والمقصود به اوربا تحديدا التي تتوسط المانيا جغرافيا القلب منها..

هيدجر أستعار من هيجل تحقق الروح التاريخي المطلق للموجود في أسقاطه على تاريخ المانيا لا كما بشّر بها هيجل ممثلة في دولة (بروسيا) القوية التي وضع كل آماله عليها. وكما كان هيجل منتشيا الى حد الهوس برؤيته نابليون يمتطي صهوة حصانه بشموخ وكبرياء في طلعته وكأنما يسحب التاريخ الاوربي القادم وراءه بعد انتصار الثورة الفرنسية.. كذلك نجد هيدجر أستعار عن هيجل ذات التصور في أسقاطه تحقق الموجود التاريخي لاوربا بقيادة المانيا النازية..

ختام تعليقنا هذا التي سحبتنا اليه أستطرادات هيدجر في تفسيره معنى أن يؤخذ الموجود ضمن منظور تاريخي فقط وليس من منظور كلاسيكي أنطولوجي فلسفي يدينه. وأدانة هيدجر بولائه للنازية ليس من أختصاص مقالتنا الفلسفية بل هي من صلاحية حكم التاريخ فقط،.. . وقد تركنا العبارات التي ساقها هيدجر سياسيا بوضوح في كتابه لأننا لم نجدها تعابير فلسفية وأنما هي تخريجات ايديولوجية تطويعية لسرد أنشائي مبطن خلف مزيج من مفردات فلسفية مع أسقاطاتها تاريخيا معاصرا بما يخص المانيا واوربا عموما ولمن يشاء الوقوف عليها يرجع الى مصدرنا كتاب مارتن هيدجر ومدخل الى الميتافيزيقا أصدارات دار الفارابي.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

......................................

الهوامش

1- مارتن هيدجر/مدخل الى الميتافيزيقا/ دار الفارابي/ترجمة وتقديم د.عماد نبيل ص49

2- المصدر ص48

3- المصدر ص49

4- المصدر ص54

5- المصدر ص54

6- المصدر ص55

7- المصدر ص 59

8- المصدر ص60

9- المصدر ص61

10- المصدر ص 61

11- المصدر ص61

12- المصدر ص69

13- المصدر ص 69