علي محمد اليوسفلماذا كان هناك وجود الموجودات بدلا من العدم؟.. مارتن هيدجر

يعتبر هيدجر تساؤله المار بنا هو فتح الفتوح غير المسبوق في مباحث الفلسفة التي أغفلت مثل هذا التساؤل الهام الخطير الذي لا معنى للتفلسف من غيره لاتصافه بالمواصفات التي يحددها هيدجر كالتالي، اولا لأنه سؤال عميق جدا يتجاوز بعمقه معظم الاسئلة الفلسفية الاخرى.. وثانيا أنه السؤال المركزي الاول في مكانته الفلسفية.. وثالثا وأخيرا أن هذا السؤال يمثل أساس الشروع في عملية التفلسف.(1)

لقد أعطى هيدجر تساؤله المتناقض في النص أعلاه أهمية أستثنائية جدا لا يمتلكها وليست فيه، ولا يمكن لأي باحث في الفلسفة تمريره على أنه مسّلمة فلسفية لم يسبق أحد هيدجر بها كون التساؤل خال من المعنى الفلسفي الذي يحمل أبعادا تحتاج الى تحليل وأضافة .. فالعدم لا يسبقه وجود ولا يليه وجود، وقيمة العدم أنه لا وجود ولا هو خلاء.. فلماذا يحاول هيدجر أن يجعل العدم معيار فهمنا لماذا وجدت الموجودات ولم يوجد العدم.. العدم كما هو عند سارتر هو حالة من التزامن الطاريء على كل موجود محكوم بحتمية الفناء.. والعدم لا يكون وجودا أفتراضيا من غير تزامنه مع موجود يلازمه يعدمه ويفنيه، بمعنى لا قيمة وجودية في أفتراض أن يكون العدم تعويضا أو شكلا آخر من الوجود المدرك..فالعدم أفتراض حقيقي غير وهمي لوجود غير موجود في وسائل أدراكنا له ولا بمعزل عنها..أذ لا يمكننا تصورعدما بلا موجودات هو جزء أفنائي منها..

فالموجودات في حقيقتها الجوهرية ومآلها الاخير هي عدم محكوم بالزوال والفناء،، والعدم بالمنظور الفلسفي غير الفيزيائي ليس هو موضوعا أدراكيا يتصوره العقل ويمكنه التعبير عنه بالكلمات ولا محاولة شرحه فلسفيا بالمعاني والدلالات، وكل ما نتوفر عليه أننا نستطيع تلمس نتائج العدم في الموجودات الحيّة التي يحكمها الفناء والموت.. ولا يوجد فرضية تكافؤية في المفاضلة لماذا كان الوجود ولم يكن العدم؟ فالعدم آفة افتراضية في التعبير عنها فلسفيا في ملازمتها الموجودات المحكومة بحتمية الزوال...وليس العدم شكلا من أشكال الوجود كي تصح مقارنتنا له كوجود أفتراضي بالضد من موجودات حقيقية واقعية..العدم ليس موضوعا أدراكيا كما هو الحال مع الموجودات المدركة حسّيا أو المدركة خياليا.

من غير المعقول ولا من المنطقي فلسفيا تساؤلنا لماذا لم يكن العدم حاضرا كعدم وكان هنالك موجودات عوضا عنه.. في مفاضلة العدم على الوجود كما يحاول أفتعاله هيدجر الذي به ينكر بداهة أن الموجودات معطى طبيعي أنطولوجي مثل الطبيعة والانسان في تساؤل هيدجر لماذا لم يكن العدم وكانت الموجودات؟

من المتعذر مقارنة حضور الموجودات كمعطى وجودي في غياب العدم كحضور(غائب) غير قابل للتحقق الانطولوجي ولا حتى غير قابل كموضوع تفلسف على المستوى التجريد المنطقي.. ولا حاجة الى تكرار أن تساؤل هيدجر لماذا كان هناك موجودات ولم يكن عدما أنه تساؤل بلا معنى وأفتراض خال من الدلالة الفلسفية التي يطالب هيدجرغيره التعمق بها والوصول الى تخومها الفلسفية..... العدم لا يعوّض عن الوجود كونه ليس بموجود ممكن أن ينوجد ويكون لا على صعيد الحضور الفلسفي ولا على صعيد الانطولوجيا..ولا يصح الاستدلال على الوجود بمعيارية ثنائية العدم وتلازمه للوجود.

العدم والفلسفة

يعرّف هيدجر (العدم بأنه النفي القاطع لكل وجود أو شيء يحكمه الفناء الحتمي القطعي بالموت.. والقول بأن العدم موجود قول متناقض لأن العدم سلب وهذا ما يقرّه العقل) سنجد هيدجر لاحقا في غفلة من هفواته الفلسفية لا يعترف بهذا التعريف المناقض لمحتوى سؤاله الاشكالي المار ذكره...

.. وتعقيبنا أن العدم ليس وجودا (قبليا) متعيّنا يسبق وجود الموجودات في عالم الاشياء التي يستهدفها الفناء، كما هو ليس وجودا (بعديا) يخلف نهاية الاشياء المحكومة بالعدم.... أي حقيقة وجوهر العدم أنه أستدلال أفتراضي غير مدرك كموضوع يسكن جوهر الاشياء كما تسكن الدودة قلب الشيء المحكوم بالنفي العدمي على حد تعبير سارتر،، العدم هو أستدلال أفتراضي لموجود غير بائن للادراك لا كمظهر ولا كجوهر على السواء..والعدم هو حالة من ملازمة الوجود لا يمكننا التعبير عنها بالكلمات كموضوع قائم بذاته، فالعدم ليس جوهرا ولا ماهية ولا موجودا منفصلا متعيّنا واقعيا يمكننا أدراكه بحواس وأحساسات الادراك العقلي بل هو ملازمة دائمية للموجودات لأفنائها.. أنه حقيقة مطلقة نعرف نتائجها بالحدس ولا نعرف ماهيّاتها بالادراك.. نستشعرالعدم تقويضه الموجودات الحيّة وأفنائها،، لكننا عاجزين عن معرفة ماهية العدم والاحاطة به لا بالادراك ولا بالتعبير عنه بالكلمات.. وحدس العدم يتيح لنا معرفة الموجودات على حقيقتها قبل أستهداف العدم الحتمي لها كما الموت في أفنائه الكائنات الحية من الوجود.. وأبلغ تعبير عن ذلك أنما جاء على لسان سارتر في تعريفه معنى العدم بقوله أن العدم يركب ظهر الوجود المحكوم بالفناء والزوال لا يتقدمه ولا يسبقه بل يلازمه ملازمة الظل وهو القرين المتداخل به.. كالسوسة في باطن الموجودات والاشياء التي تنخرها..

العدم هو غير اللاوجود أو الفراغ (الخلاء) الذي يتوسط موجودين محكومين بالفناء بل هو يلازمهما كجزء من تكويناتهما كلا لوحده وصولا الى حتمية فنائهما لا قبليا ولا بعديا عنهما بل في ملازمة حتمية لا أنفكاك لهما(الوجود والعدم).. فالعدم لا يسبق الوجود ولا يأتي بعده، بل يداخله وهو دلالة أفتراضية يستهدف غيره من الموجودات والاشياء بالفناء،، وهو لا يفنى بالفناء ولا يعدم نفسه كما في تعبير هيدجر، بل هو نتيجة حتمية شاخصة متبقية بعد فناء الموجودات المحكومة بحتمية العدم والزوال.. أنه الموت الذي يعدم الحياة ولا يعدم نفسه في أستمرارية بقائه كحقيقة أزلية في معايشته الحياة والانسان والطبيعة والموجودات.. ..

كيف يعالج هيدجر العدم من منظور فلسفي

لماذا كانت الموجودات بدلا من العدم؟ في متابعتنا أجابة هيدجر عن تساؤله المتناقض هذا في محاولة أسباغ عمق فلسفي عليه لا يمتلكه بغير أفتعال هيدجر له.

يرى هيدجر أن مهمة تطوير تساؤله هذا يكون في :

- صيغة السؤال التي تتضمن أشارة محدودة الى موضع التساؤل، بمعنى أشارة محددة الى موضع التساؤل.(2)

- أن هذه الاشارة تبيّن لنا عن ماذا يبحث هذا التساؤل بدقة، وما هو الامر الذي يتم طرح السؤال حوله، وأن ما يبحث عنه السؤال بتعبير هيدجر هو (وجود الموجود) ولماذا توجد الموجودات بدلا عن العدم؟(3)

ليس في المنطق الفلسفي أكثر تعبيرا بلا معنى من هذه التعمية المقصودة في أضفاء نوع من التفلسف الخاوي حول تساؤل يحمل تناقضه بأحشائه التي لا تستقيم معها أضافات تفسيرية عليه من خارجه.. تفسيرات هيدجر غامضة لا رابط ولا علاقة ولا معنى لها يصدرها في توضيح وتحميل تساؤله المقفل على تناقضه أصلا بما ليس فيه..

حيث يقر هيدجر بلا وعي منه تخبطه هذا بقوله (ليس هناك من جدوى من الاستمرار في طرح السؤال عن موضوع العدم، فالعدم ببساطة هو العدم وفوق كل ذلك عند الحديث عن العدم أو اللاشيء، فأننا لانقوم بأية خطوة نحو الامام من أجل معرفة حقيقة الوجود)(4)

أذن عن ماذا يبحث هيدجر في تساؤله؟ ولماذا يستغرب وجود الموجودات بدلا من العدم؟ صحيح أن الفلسفة تجريد ذهني غير مألوف لكن لا معنى له بغياب البحث في موضوع محدد فلسفيا يحمل مدلولات بحاجة الى توضيح وأضافة تنويرية حقيقية جادة، تبيّن على ماذا يراد البرهنة عليه وعلى ماذا يراد الوصول له.. أن طرح مثل هذه المسائل الافتعالية على أنها مواضيع جوهرية في الفلسفة يتوجب على الاخرين أغنائها، أنما هو من غير دراية يضع التفلسف داخل علامة أستفهام وادانة أن مواضيع الفلسفة الاشكالية ليست سوى تجريدات لغوية مفتعلة لا طائل من ورائها..

وأكثر من هذا نجد التناقض الواضح عند هيدجر قوله (مشكلة الخطاب الذي يناقض نفسه هو أنه ينتهك ويسير بالضد من القواعد الاساسية للخطاب السليم اللوغوس (Logos) الذي يسير بالضد من المنطق، فالحديث عن العدم هو أمر غير منطقي تماما، والمرء الذي يتحدث ويفكر بطريقة غير منطقية أو لا عقلانية هو شخص لا يتمتع بذهنية علمية..)(5) فهل بعد هذا الرأي المناقض لفحوى تساؤله يبقى معنى فلسفي يقصده هيدجرلماذا كانت الموجودات ولم يكن العدم؟؟

بالعودة الى أصل صيغة تساؤل هيدجر لماذا توجد الموجودات بدلا من العدم؟ نجد التهويم الفلسفي الذي يطرحه هيدجر في أكثر من خمسين صفحة من كتابه مدخل الى الميتافيزيقا في محاولة تسويقه تساؤل متناقض منطقيا وبعيد جدا عن أسباغ مضامين فلسفية عليه..ونجده يناقض نفسه بنفسه في أكثر من مجال في محاولته البائسة خلع نوع من العبقرية الفلسفية غير المسبوقة في تاريخ الفلسفة ممثلة بتساؤله المار ذكره..**

توضيح هيدجر أكثر لسؤاله الفلسفي:

يقول هيدجر في كتابه المعرّب الصادر عن دار الفارابي مدخل الى الميتافيزيقا في معرض توضيح سؤاله قائلا (لماذا كان وجود الموجودات بدلا من العدم؟) فأن (اللماذا) هنا في السؤال ستتبنى أستراتيجية قوية وأختراقا ومقاربة مختلفة جدا، عندها يصبح السؤال :لماذا تشتت الموجود بعيدا وأنسحب الى أمكانية العدم؟ لماذا يتراجع الى حيّز العدم؟)(6)

تعبير خال من الدلالة الفلسفية وسفسطائية لا معنى لها فقط قيمتها كونها صادرة عن فيلسوف وجودي بوزن هيدجر الذي يحاول تخليد تساؤله فلسفيا مثل خلود عبارة ديكارت (انا افكر اذن انا موجود) مع فارق أن عبارة ديكارت التي تحمل مضامين فلسفية عميقة قابلة للنقاش سواء بالقبول أو بالرفض كما جرى معها على أمتداد ما يزيد على ثلاثمائة عام مضت..وليست تساؤلا خاويا من المعنى كما هو الحال مع عبارة هيدجر الذي يستميت في أعطاء ما ليس له قيمة فضاءا فلسفيا في عبارة تحمل تناقضها القاتل قبل أن تولد على لسان هيدجر..

لنتابع مع هيدجر قوله (أن عبارة مثل بدلا من العدم في السؤال هي ليست كما يعتقد البعض ملحقا زائدا غير ضروري للسؤال الحقيقي ولكنها تمثل عنصرا أساسيا مقوّما لكل الجملة الاستفهامية.)(7)

ويمضي هيدجر في تفلسفه لماذا كان وجود الموجودات، في هذا التساؤل المجتزأ عن السؤال المحوري يقول هيدجر (أننا نضع أنفسنا فعلا داخل الموجود بطريقة تجعله يفقد صفة الوضوح- بذاته- كموجود. فالموجود هنا بدأ يتمايل بين الطرفين الاكثر اتساعا وقساوة :أما الموجود وأما العدم، وبهذه الطريقة فأن التساؤل ذاته يفقد كل مواقعه وأسسه الصلدة..) (8)

أمام هذه الفذلكة التعبيرية لهيدجر العصّية على الفهم والاستقبال الذي يفتقد مضمونا فلسفيا في محاولته تمريرأضافات توضيحية عن تساؤله لا معنى فلسفي لها، تعبيرات لغة مقّعرة تدين ولا تعمل لصالح فيلسوفنا الوجودي اللامع هيدجر..

هيدجر وقطعة الطباشير

في أستطراد لهيدجر حول توضيح وفك طلاسم تساؤله يستعين بضرب مثال عن قطعة الطباشير قوله (لو اخذنا قطعة الطباشير فان لها صفة وخاصية الامتداد وهي بالاحرى صلدة نسبيا ضاربة الى البياض الرمادي في لونها مع حيازتها شكلا محددا، أن قطعة الطباشير تمتلك صفة أن تكون مستلقية أو ملقى بها هنا، لكنها بالتاكيد تمتلك بالوقت ذاته بالقوة امكانية أن لا تكون مستلقية أو ملقى بها هنا أمامنا، وأن لا تكون كبيرة بهذا الحجم. وأن حقيقة أمكانية أن يهتدي اليها والى وجودها الذي يسير جنبا الى جنب مع السبورة كونها اداة معدة للاستخدام في عملية الكتابة هو بالاحرى ليس شيئا ما نضيفه من لدنا على الشيء بواسطة تفكيرنا)(9)

لو أكتفى معلم مدرسة ابتدائية قائلا لتلاميذه هذه قطعة طباشير في وجودها بجانب السبورة أنما تحمل أكثر من صفاتها التي نلاحظها قبل أستعمالنا لها بالكتابة، من حيث أن لها القدرة كأداة في الكتابة على السبورة بما نريد ونرغب، وأن قطعة الطباشير لا يعطينا التفكير بها صفات يمنحها تفكيرنا لها بل هي تمتلكها تلقائيا بالاستعمال لها..الا تصبح أمكانية مقارنة المعلم بالفيلسوف هيدجر قائمة ولها مسوغات طرحها وحضورها؟؟

...يتبع

 

علي محمد اليوسف/الموصل

......................

هامش ** : في أغلب البحوث العربية الفلسفية التي هي كتابة شروحات وهوامش تتناول بعض الفلاسفة الغربيين يجري عندنا توثين الافكار الفلسفية لهم وتصنيمها بالانبهار والعصمة كمقدس بدلا من معاملتها النقدية الهادفة لها، وأول بدايات تكوين حس نقدي فلسفي لدى طلاب الفلسفة في الجامعات عندنا هووجوب أعتماد لغة النقد والشك وليس عادة التسليم المطلق بما يقرأ وبذلك نكون وضعنا أقدامنا على الطريق الصحيح..

1- مدخل الى الميتافيزيقا، مارتن هيدجر، دار الفارابي، ت: د. عماد نبيل ص38

2- المصدر اعلاه ص 41

3- المصدر اعلاه نفس الصفحة

4- المصدر نفسه ص 42

5- المصدر نفسه نفس الصفحة

6- المصدر نفسه ص 47

7- المصدر اعلاه نفس الصفحة

8- المصدر اعلاه نفس الصفحة

9- المصدر اعلاه ص48

 

علي رسول الربيعيكيف يجب أن نفهم نظرية القانون الطبيعي؟ يصف ميرفي هذه النظرية على أنها وصف أساسي لـ "العقلانية العملية"، والتي لها هدفان رئيسيان. الأول هوكشف كيف يمكن أن تكون الافعال "مفهومة من الناحية العملية، مما يعني كشف  إظهار أن للأفعال غاية أو هدف، بحيث تستحق التنفيذ1.  الهدف الثاني هو مساعدة البشر على اتخاذ القرارات بشأن أي من الأفعال أوالأعمال الجديرة بالاهتمام التي يمكن القيام بها؛ إنه في الأساس تفسير لعقلانية الخيارات فيما يتعلق بالأفعال2.  يتم تحقيق كل من هذين الهدفين عن طريق إعطاء وصف لما هو خير. لنأخذ راي توما  الأكويني، على سبيل المثال، حيث  يُزعم، في نظرية القانون الطبيعي، أن المبدأ الأساسي للقانون الطبيعي هو: يجب القيام بالخير وتجنب الشر. هذا المبدأ بالنسبة إلى الأكويني، هو "المبدأ الأول"،  وهو مثل مبدأ عدم التناقض بالنسبة للعقل النظري، وعلى هذا النحو، يعتبر بديهيًا وليس بحاجة إلى جدال. تتميز نظريات القانون الطبيعي بشكل بإعطاء الأولوية للخير. ولفهم  غاية الأفعال ومعرفة الأفعال المعقولة  يجب أن نعرف ما هو خير.

ومع ذلك، من الواضح أن هذا المبدأ الأول التجريدي في حد ذاته لا يعطينا التوجيه فيما يتعلق بأفعال محددة. نحن بحاجة إلى معرفة ما هو جيد بشكل خاص وبظروف محددة. يقدم منظرو القانون الطبيعي بشكل مميز  تفسيراً للخيرات  بشكل شامل وطبيعي، وقد قام  معظمهم بذلك من خلال تقديم تفسير مستوحى من الأرسطية عن الصالح للبشر من حيث ما يكمل الطبيعة البشرية، أو التي تمكن الإنسان من الازدهار. لا شك أن أتباع نظرية القانون الطبيعي لم يتبعوا أرسطو بهذه الطريقة. فقد قدم توماس هوبز وصفًا للقانون الطبيعي الذي يرتكز على تفسير ذاتي للخير، مبني على الحقيقة النفسية المتمثلة في رغبة جميع البشر في البقاء وتجنب الموت العنيف3 . دافع بعض منظري القانون الطبيعي عن التفسير الأفلاطوني  للخير، والذي يرى بعض الأشياء، مثل المعرفة والجمال خير في حد ذاتها بصرف النظر عن أي إشارة إلى الطبيعة البشرية. غير أن الغالبية العظمى من منظري القانون الطبيعي فسرت الخير بالنسبة للبشر بأنه يأتي من  الطبيعة البشرية ذاتها ، وسأعتبر ذلك خاصية مميزة لنظرية القانون الطبيعي.

بالطبع ، تم تقديم العديد من  التفسيرات لماهية الخيرات للبشر من قبل منظري القانون الطبيعي، بالإضافة إلى تفسيرات متنوعة  لكيفية معرفتها من قبل  هؤلاء البشر. تتعلق أحد الخلافات التي كانت مستمرة بين منظري القانون الطبيعي بالمسألة الأخيرة. اذ ترى العديد من نظريات القانون الطبيعي التقليدية أن فهم ما هو خير للبشر يفترض أن يُستمد من فهم الطبيعة البشرية، فلا يمكن للمرء فهم ما الذي يكمل الطبيعة البشرية دون فهم تلك الطبيعة. يطلق مورفي على مثل هذه النظرة "الاشتقاقات"، حيث تؤكد أن معرفتنا باالخيرات الأساسية مستمدة من نوع من المعرفة النظرية.4  معرفة الخير الأساسي هو ما يسميه مورفي "الميول"، وهو نوع من الخيرات  الأساسية التي يقدمها المفكر المعاصر جون فينيس. بالنسبة لفنيس ، يعد فهم الخيرات الأساسية أمرًا بديهيًا وواضحًا وهو شئ في حياة العقل  العملي. فعلى سبيل المثال ، لدى البشر رغبة طبيعية في معرفة الأشياء، وأنه بالنسبة لكائن لديه مثل هذا الميل ، فإنه من الواضح على الفور يصل الى أن المعرفة خير5.

بغض النظر عما إذا كان فهمنا للخيرات البشرية الأساسية مباشراً أم مشتقًا، فسوف أفترض أن نظرية القانون الطبيعي هي تلك التي تنص على أن تلك الخيرات تحددها طبيعتنا بطريقة أو أخرى، بحيث لو كانت الطبيعة البشرية مختلفة اختلافًا جوهريًا ، فإن ما سيكون خيراً للبشر مختلفاً تماماً.

ما هي الخيرات الأساسية للبشر، وفقًا لنظريات القانون الطبيعي؟ هناك ، كما قد يتوقع المرء ، بعض الاختلافات في البيانات أو القوائم التي يقدمها مختلف المفكرين. غير أن هناك أيضًا قدر كبير من التداخل والاتفاق، وربما يرجع  بعض ذلك على الأقل الى  ما يبدو وكأنه خلاف إلى الطريقة التي يتم بها وصف الخيرات وتمييزها6 .  تشمل الخيرات بصورتها النموذجية عادة الحياة والصحة والمعرفة والجمال (أو التجربة الجمالية)، والصداقة وغيرها من الخيرات الاجتماعية (مثل ان يكون المرء  جزءًا من أسرة ومجتمع)، والوفاء بالعمل والنشاط (بما في ذلك اللعب)، والخيرات النفسية مثل "السلام الداخلي"، المعقولية العملية، وفي بعض الحالات الدين.

على الرغم من أن تفسير القانون الطبيعي للعقل العملي يعطي الأولوية للخير على الحق، كما النفعية وغيرها من أشكال النظريات التي تعتمد المردودية والنتائج العملية، الاً أن نظرية القانون الطبيعي تختلف عن معظم أشكال النفعية لأنها لا تفترض أن العقلانية تتطلب أنه يجب تعظيم الخير. طبعاً في الحديث عن أولوية "الخير على الحق" أنا أتحدث عن "الخير" بالمعنى غير الأخلاقي. من الواضح أن هناك إحساسًا بـ "الخير والشر" ذو طبيعة أخلاقية، وبهذا المعنى فإن حقيقة أن فعلًا مثل القتل محظور أخلاقًا يرتبط منطقياً بكونه سيئًا أخلاقياً. يعتقد مُنظِر القانون الطبيعي أن العقل  العملي يدعو إلى استجابة معقولة لما هو خير، ولكن هناك مجموعة متنوعة من الطرق التي قد تكون بها الأفعال معقولة أو غير معقولة كاستجابة للخير. ما يطلبه العقل العملي ليس مجرد تعظيم بعض الخصائص مثل اللذة ، أو حتى تعظيم بعض الخيرات، لكن أن يستجيب الأشخاص بشكل مناسب للخيرات الفعلية التي يواجهونها أو يمكنهم تحقيقها. هذا يعني أنه يمكن لمنظِّر القانون الطبيعي ، مثل الكانطيين، أن يجادلوا بأنه قد يكون هناك بعض أنماط أو أنواع من الأفعال  غير مناسبة أو غير معقولة دائمًا، وبالتالي قد تكون هناك قواعد أو مبادئ عامة تستبعد بعض أنواع الأفعال تمامًا. وأخيرا إذا كانت الحياة البشرية  أهم خير أساسي، فإن القتل، الذي يُفهم على أنه التدمير المتعمد للحياة البشرية البريئة، يُنظر إليه على أنه خطأ جوهري.

 

 الدكتور علي رسول الربيعي

................................

Murphy, Mark, Natural Law and Practical Rationality (Cambridge: Cambridge University Press, 2001), p. 2.

المصدر  نفسه، ص 2-3.

توماس هوبز، اللفيثيان، الأصول السياسية لسلطة الدولة، ترجمة، ديانا حرب وبشرى صعب،دار الفارابي، بيروت، 2011. ص 139-165

Murphy, Natural Law and Practical Rationality, 6, 17.

Finnis, John, Natural Law and Natural Rights (Oxford: Oxford University Press, 1980). pp. 60-9.

للحصول على ملخص للقوائم أو البيانات التي قدمها مختلف المفكرين ، أنظر:

Murphy, Mark (201I) "The Natural Law tradition in ethics," Stanford Encyclopaedia of Philosophy (Winter 20n), ed: Edward N. Zalta, http://plato.stanford .eduf archives/win2011/entries/natural-law-ethics. p. 11

 

علي رسول الربيعيالمقدمة: كانت قد وجهت لي دعوة للمشاركة في حلقة نقاشية تتناول الإرهاب منذ مدة ليس بالقصيرة، تناولت فيها  كمقدمة لمداخلتي وبشكل موجز عن نظريات تفسير الإرهاب، لم تكن مداخلتي مكتوبة  بصيغة نهائية بقدر ما كانت عبارة عن مسـًودات متناثرة. طلب مني زميلي  منذ فترة أن أزوده بتلك المسودات، بحثت عنها فوجدتها، وخطرت لي فكرة أن انشر  شيئا منها. فكانت هذه الدراسة-  المقدمة عن نظريات الإرهاب.

يشير الإرهاب الى أعمال العنف التي يقوم بها أفراد أو جماعات فرعية ما تحت الدولة ضد المدنيين سعيًا منهم لأهداف ايديولوجية. وطبقا لهذا الفهم تطورت سلسلة من المطالب والمعارف حول طبيعة واساب العنف وضرورة الرد عليه والأستجابة له. وقد لاقت تلك الأستجابة قبولا أكاديميا وثقافيا واسعاً، بوصفه تهديدا جديا وخطيرا للمجتمعات الحديثة يقوم به متطرفون. يؤدي الفهم السائد عن الإرهاب – اي قبول تفسير النظرية الأرثوذكسة- " كنظام للحقيقة" في المجتمع وظيفة المحافظة على وجهة النظر العامة المشتركة  السائدة عن هذه الظاهرة.

إن هناك مفهوم وتفسير ونظريات للأرهاب ومن بينها التفسير الفهم الأرثوذكسي للأرهاب وهو ما يعرف تحت عنوان أو النظرية الأرثوذكسية للإرهاب. أن هذه النظرية، هي النموذج الرئيسي والمقاربة الوضعية العقلانية التي تستعملها حكومات الدول في المقام الأول لتفسير العنف السياسي. إنها توظف اساسا تفسير نظري وفهم للأرهاب لكي يتلائم مع برامج الهيمنة أو غيرها، ولكن مع الإبقاء في الوقت نفسه على تمييز صارم بينهما لعدم السماح بإضفاء الشرعية على برامج تكتيكات الإرهاب. يعتبر الخطاب القائم على ثنائية الشرعية/عدم الشرعية، العنف الصادر من غير الدولة أرهاب، بينما يعتبر العنف الذي تمارسه الدولة عنفًا مشروعًا. الطابع الشخصي لهذه المقاربة تجاه الإرهاب يفسر أعمال العنف من وجهات نظر كل من المحرض والمتلقي للعنف على حدٍ سواء، سواء كانت من قبل جماعة أرهابية ضد الدولة أو العكس.

بعيدًا عن وصف الفهم الكلي الشامل والآحادي للعنف السياسي، فإن النظرية الأرثوذكسة في تفسير الإرهاب هي، في الواقع، خطاب نظري تتكون من نصوص رئيسة في دراسات الإرهاب يمثلها منظرين بارزين، تصنيفها وحقلها، كما عند لاكور،[1]، هوفمان[2] ويلكنسون،[3] داخل قواعد حقل العلاقات الدولية، وبقت مهيمنًة في هذا المجال بإحتكارها المطلق لممارسات وسياسات الحكومات لمكافحة الإرهاب.

على الرغم من أن النظرية الأرثوذكسية للأرهاب بوصفها المقاربة النظرية المهيمنة لتفسير الإرهاب، إلا أنها ليس النظرية الوحيدة. وبالفعل، فاذا استعرضنا بشكل موسع الدراسات المتعلقة بالإرهاب، فقد نتوصل إلى تحديد عدد من وجهات النظر المختلفة بشأنه. وعلى الرغم من أن هذه النظريات تستند إلى مستويات تحليل مختلفة فرانكس[4]، إلا أنه من الممكن أن نحدد تمايزًا عامًا بينها لا سيما فيما يتعلق بتفسير أسباب الإرهاب، وهذه هي النظريات كما يلي:

1 – النظرية الأرثوذكسية  في تفسير الإرهاب:

وهي تقدم التفسير السائد لفهم الإرهاب. لا تنخرط هذه النظرية في مناقشة الأسباب الجذرية لأنها تفضل المقاربة من خلال الثنائي القانوني أو الشرعي أو غير القانوني/ أوغير الشرعي لتفسير الإرهاب. إنها تعكس  واقع الفهم الذي يعطي الدور المحوري للدولة. تشكل هذه النظرية أساس السياسات الحكومية لمكافحة الإرهاب. توجد عدة نصوص رئيسية تدعم تفسير هذا النوع من الإرهاب، ومنها نصوص شميد و جونغمان[5]، وويلكينسون.[6] لقد زادحضور وتاثير هذه الجماعة الأكاديمية التي تعبر عن هذه النظرية بشكل ملحوظ منذ 11 أيلول.

2-  النظرية الراديكالية في تفسير الإرهاب:

تتضح هذه النظرية بعض الأحيان في الدراسات التي تفسر الإرهاب من منظور الإرهابي نفسه إلى حدٍ كبير. تُشكل هذه النظرية مبررًا للعنف والدفاع عن الأسباب التي يعتبروها جذرية جذرية وبنيوية. لقد تم التعبير عن هذه النظرية عند كتّاب، مثل كامو، [7] وفانون[8]، و ماركس و إنجلز،[9]و قطب.[10]

3 - النظرية المعتدلة في تفسير الإرهاب:

إنه حقل فرعي تطور سريعًا ولا سيما  في العقود الأخيرة، ولكنه لا يزال يعبر عن مقاربة محدودًة في دراسات الإرهاب، ومنشغلة في الأسباب الجذرية. إذًا، هو اتجاه يحاول تفسير وفهم جذور الإرهاب المرتبط بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية والبنيوية فضلًا عن الاسباب السياسية، ويشتمل أيضًا تطور مجال الدراسات النقدية للأرهاب. ومن أمثلة الدراسات في هذا الحقل بيرمان،[11] بيورغو[12] كرينشاو،[13]؛ ديلا بورتا.[14] 

4- النظرية النقدية في تفسير الإرهاب

يُستعمل مصطلح النقد هنا بمعنين. الأول، المعنى العريض للمصطلح الذي يعني الوقوف بشكل محايد وأخذ مسافة من الوضع أو الحدث القائم، والأستفهام عن ماهو متداول بالمعنى العام المشترك، والمعرفة المقبولة، وطرح أسئلة عميقة حول كيف يكون الوضع الحالي وكيف يُحافظ عليه. الثاني، يشير الى المقاربة القائمة على أدوات ورؤية النظرية النقدية وتوجه النظرية الإجتماعية نحو النقد والتغيير الإجتماعي ككل، والذي يرتبط بما يعرف بمدرسة فرانكفورت. تشترك المقاربة النقدية - العريضة والضيقة- في عدد من الوعود والالتزامات الرئيسة، وتشمل على التساؤل المستمر واستنطاق الأفتراضات المسلم بها بما في ذلك مطالب أو مزاعم المعرفة المقبولة بشكل واسع، جمع وتحليل المعطيات الأولية، والحساسية تجاه مسائل المعرفة والسلطة، ولاسيما فهم أن المعرفة تعمل دائما لصالح شئ ما ولي  محايدة ايديولوجيا. بالأضافة الى قبول أن الباحثين يأتون معهم بمجموعة من المواقف وافكار مسبقة متجذرة في سياقاتها الخاصة، والتزامات اخلاقية تجاه حقوق الأنسان والتقدمية السياسة التي تهدف الى تحسين شروط الحياة للأفراد والمجتمعات.......

 

 الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...........................

[1] Laquerur, W., Oxford University Press, 2000

[2] Hoffman, B., Inside Terrorism, London,Indigo, 1999.

[3] Wilkinson,P., Terrorism and the Liberal State , London, Macmillan.1977.

[4] Franks,J., Rethinking the Root of Terrorism, Basingstoke, Palgrave Macmillan,2006.

[5] Shmid,A. and Jongman, A., Political Terrorism: A GUIDE TO Actor, Authers, Concept,Data Bases, Theories  and Literature, Oxford, North Holland, 1988.

[6] Paul Wilkinson,Terrorism Versus Democracy,Routledge; 3 edition , 2011.

[7] Camus,A, The Rebel,3rd edn , London , Penguin, 2000.

[8] عن العنف البنيوي عند فانون أنظر دراستنا المنشورة في صحيفة المثقف.

Frantz Fanon, The Wretched of the Earth, Penguin Classics; New Ed edition  2001.

[9] Marx and Engels The Communist Manifesto,  Penguin Classics; Reprint edition, 2014.

[10] سيد قطب/ معالم في الطريق، مكتبة وهبة، 1964.

[11] Berman, p, Terror and liberakism, London, Norton&co Lid, 2003.

[12] Bjorgo, T, The Root Causes of Terrorism, London, Routledge, 2005.

[13] Crenshaw,M, Terrorism in Context, Pennsylvania,Pennsylvania State  University, 1995.

[14] Della Porta,D, International Social Movement Research,Greenwich, Connecticut, 1992.

 

 

علي رسول الربيعيمقدمة: كانت الفترة المبكرة من العصر الحديث التي ظهر فيها علم الجمال نقطة تحول تاريخية عظيمة بالنسبة للحضارة وليومنا هذا كذلك. يُظهر النظر لعلم الجمال على هذا النحو وجهًا مختلفًا له عن الوجه الذي اعتدنا عليه. يعتبر علم الجمال عمومًا فلسفة للفن، ونظرًا لأن الفن يُعتبر مجالًا ثقافيًا مستقلًا، فإن علم الجمال يعطي عادة انطباع بأنه حقل منفصل عن الفلسفة. تستكشف هذه المقالة موضوع عن علم الجمال مختلفة تماما عن هذا الذي مرً ذكره. عندما ظهر حقل علم الجمال إلى الوجود، اتهم بأنه كان مشحوناً بالمشكلة الفلسفية السائدة والملحة في عصرها وهي: كيفية بناء عالم جديد.

مفهوم الفن وولادة علم الجمال

نشر بومغارتن ( Baumgarten) المجلد الأول من كتابه علم الجمال في عام 1750. وقد كان اقتراحه تأسيس علم أدراك الأحساس، الذي يأخذ الفن والجمال كموضوع رئيس له، وكحقل جديد في الفلسفة. اذن علم الجمال، بهذا المعنى، هو تخصص حديث. ويمكن القول إن ما أصبح يُدعى بعلم جمال العصور القديمة أو القرون الوسطى جاء بعد بومغارتن: فقد أصبح التفكير السابق في الجمال والفن جديراً بالاهتمام فقط مع تأسيس علم الجمال كحقل فلسفي في العصر الحديث. أشدد على الأصل الحديث لعلم الجمال لأن ولادته حدثت على خلفية تاريخية محددة. يتمثل العنصر الأول لهذه الخلفية في تكوين مفهوم الفن؛ ففكرة الفن التي اعتدنا عليها تشكلت مع بومغارتن. دعونا نلقي نظرة سريعة على تاريخ الفن.

كان الفن موجودًا بعد عصر النهضة، في ثلاثة أشكال. كان أحدها فنًا رسميًا أو عاماً يتوجه إلى جمهور كبير. وكانت الحضارة في حالة تغيـًر أنذاك، وكانت القوى والسلطات السياسية تحتاج إلى علامات ورموز ملموسة الى وجودها؛ ومن الأمثلة على ذلك كنيسة سان بيترو في مدينة الفاتيكان، أو السياسة الثقافية للويس الرابع عشر. كانت فرنسا بلدًا سياسيًا وثقافيًا متخلفًا في منتصف القرن السابع عشر. عالج الملك الشاب الطموح هذا الضعف على كل من الجبهتين العسكرية والثقافية: فقد كان يتمنى أن يكون مُهاباً ومحترماً. شيدت فرساي، وتلقى راسين وموليير الرعاية الملكية. وتم تقديم معاشات سخية للشعراء الأوروبيين الذين يكتبون قصائد في مدح الملك. لقد كان الفن والفنانين في مكانة داعمة للسلطة السياسية. وقد ساهم هذا الفن العام بشكل كبير في تشكيل المفهوم الحديث للفن. لكن علينا أن ندرك أن هذا الفن العام والواسع النطاق يختلف إلى حد ما عما نتصوره فنًا الآن.

كان الشكل الثاني لفن ما بعد عصر النهضة هو الفن الاجتماعي المخصص لأستمتاع عدد صغير، مثل فن الروكوكو Rococo. لقد خضع شكل الفضاء لتغيير جذري: ففي مقابل قصر فرساي، الذي شكل الفضاء العام كانت هناك الـ الروكوكو والتي هي ثقافة الغرف الخاصة، لا سيما لتلك السيدات الأرستقراطيات. أصبحت المحادثة فنًا وديكورًا داخليًا يتم البحث فيه عن المكانه. لكن الشكل الأكثر أهمية للفن هو الشكل الثالث، أي الفن التأملي. والمثال الأبرز لذلك التطور من الثاني إلى الثالث يقدمه موزارت في باريس. قام موزارت بتأليف الكونسرتو Concerto for Flute and Harp، وعزف القيثارة عام (1778)، التي أعتبرت تحفة موسيقى الروكوكو، للمجتمع الباريسي المخملي. كذلك تم تأليف سوناتا للبيانوA minor في العام نفسه، بشكل موسيقي مختلف وقد كان يُصف بأنه ذاك الذي: لا يمكن للمرء أن يستمع إليه ويتحدث بشكل مبهج أوبلطف في الوقت نفسه؛ يلزم المرء التركيز على مستوى أعمق من العقل. إن الشكل الرئيسي للفن وفقا لمفهومنا الحديث هو هذا الشكل الثالث. هذا هو الفن الذي يتطلب علم جمال مثل فلسفة الفن، وهذه هي الفلسفة التي تتأملة.

الحساسية والجمال

كانت علم الجمال عن بومغارتن ليس موضوعًا للفن فقط ولكن للأحساس أو للحساسية والجمال أيضًا، والتي يمكن اعتبارها أكثر في غاية الأهمية من الناحية الفلسفية. لنبدأ بالحساسية. كانت فكرة بومغارتن حول علم الجمال كفلسفة للحساسية مستوحاة من نظرية المعرفة عند لايبنتز. فمن بين أساليب الإدراك المختلفة المصنفة من قبل لايبنتز، إنها مقولة الإدراك الواضح والمشوش وذلك لأن يمكن تحديدها من الناحية التجريبية ولكن لا يمكن تحديدها من الناحية اللغوية - والتي يمكن أن تتوافق مع علم الجمال عند بومغارتن. يدرج لايبنيز في هذه المقولة كلا من مفهوم الصفات الحسية مثل الأحمر والحلو والأحكام المتعلقة بالشعر والرسم، حيث يطبق عليهم ما لايمكن وصفه وتسميته بسهولة . "هذا هو موضوع ومجال علم الجمال.

أكد باسكال على أهمية الإدراك المعقول قبل قرن من عصر بومغارتن؛ "نحن نعرف الحقيقة، ليس بواسطة العقل فقط، ولكن من خلال القلب أيضاً، وبهذه الطريقة الأخيرة نعرف المبادئ الأولى؛ ليس العقل جزء منها وليس له أيً دور في ذلك، أنه يحاول عبثًا فهمها". أعتبر باسكال المبدأ الأول هو الله. ولا يمكن استعادة وجود الله، بعد أن وقع تحت طائلة شكوك المرتابين، من خلال تفكيرهم العقلي- المنطقي، وقد حاول ديكارت ذلك ولم يفلح ، ولكن يمكن إدراكه بالشعور: واذا كان العقل المنطقي عديم الجدوى فما هو مطلوب هو الموافقة الوجودية، وهذا عمل الحساسية. بأعتبار الحساسية هي مسألة قيم كخيار ومشاركة وجودية، وليست صفات معقولة.

كانت نقطة التحول الكبيرة في العصور الحديثة المبكرة تعبيراً عن أزمة. فكان الجمال رداً على القلق الجذري الناجم عن تلك الأزمة. وقد أدرك توماس هوبز ذلك القلق فكان الأساس لفلسفته السياسية عن المساواة بين البشر في حالة الطبيعية، والتي أستخلص منها الأطروحة الشهيرة: "حرب الجميع ضد الجميع" وهي الفكرة التي ضربت على الوتر الحساس لمعاصريه.

أصر شافتسبري على دور الجمال في هذا السياق. فقد هاجم هوبز، وأعتبر جمال العالم دليلاً على عقلانيته، ومن ثم قياساً على هذا الجمال، جادل بأن الإنسان فاضل بطبيعته، وقد تضمنت حجته نقطتين. برر في الأولى من وجهة نظر التدبير الكلي للعالم، رغبة الحفاظ على النفس، والتي اعتبرها هوبز الفكرة الأساسية للصراع. والثانية مؤكداً على عقلانية العالم متبنياً حجة ليبنتز المعروفة بـ " Leibniz’s theodicy، أيً : تبرير الخير الإلهي والعناية في ظل وجود الشر.

ثم يشير شافتسبري إلى أن تدبير العالم بوصفه تعبير عن الجمال، هو أدراك مهم للجمال لأن لايتأثر حكمه بأي تحامل شخصي أو موقف تعسفي، أي أنه أدراك نزيه. وينطبق هذا في رأيه يرى على السلوك البشري ويرتبط مع "الحس الأخلاقي"، الذي يشهد على وجود غريزة الفضيلة فينا. لا يتصارع الناس بالضرورة مع بعضهم البعض لتعزيز رغباتهم الأنانية. وحتى لو انهار النظام القديم القائم فأن المجتمع البشري سوف يستمر.

أود أن أتأمل نظرية الخلق عند مالبرانش قبل أنهاء هذا المسح لتاريخ علم الجمال. واجهت فلسفته المسيحية مشكلة أكثر إثارة للحيرة من وجود الشر وهي: لماذا يخلق الكائن الكامل الذي لايفتقر الى أيً الشئ العالم على الإطلاق. أشار مالبرانش في مواجهة هذه الصعوبة، لاكتشاف الدافع إلى عمل المهندس المعماري. يجد المهندس سعادة باحساسه الجديد في وجود ما قام به وهو حافزا لأعتزازه بجماله. إنه عمل غير مبرر. والخلق الإلهي هو مثال المهندس هذا نفسه. فمن الضروري أن يحب الله نفسه. وبسبب هذا الجوهر، يخلق الله العالم جميلاً، ويعبر هذا الجمال عن مجده. ويثبت جمال أو قيمة العالم من خلال جماله، والعمل الفني هو نموذجه.

مركزية الإنسان الحديث واستقلال علم الجمال

لقد رسمنا مخطط عام لأسس علم الجمال حتى الآن. يختلف علم الجمال في بواكير العصر الحديث اختلافًا كبيرًا عن علم الجمال الحديث الذي نشأ لاحقاً في أوائل القرن التاسع عشر. علم الجمال الحديث هو فلسفة الفن المأخوذ في نموجه المنفرد والتأملي. لقد تغير وضع الجمال بشكل أساسي مع علم الجمال هذا. فلم يعد الجمال في علم الجمال هذا بوصفه فلسفة الفن هو الموضوع وذلك تماشيا مع تحيزات مركزية الانسان الحديث، أيً المركزية التي تفسير الواقع من ناحية القيم والتجربة البشرية حصرياً. لقد تحول الأهتمام والأنتباه في علم الجمال من العمل إلى المؤلف أو من يقوم بالعمل الفني.

أنتقلت علامة القيمة من جمال العمل الفني إلى مدى عمقه وأصالته. وأصبح الفن كثقافة عالية نشاطًا مستقلًا، فنجد تاريخه الحديث مدفوعًا بالسعي وراء التجديد كتعبير عن فردانية الفنان. يبلغ هذا الفن الذي يصر على الأصالة ذروته في نافورة دوشامب، التي تكشف عن مفارقة الفن كمؤسسة مستقلة. تعتبر النافورة الآن من أهم الأعمال الفنية في القرن العشرين. رغم الأنتقادات الموجهة الى المؤسسة المستقلة للفن، الأ أنه تم الاعتراف بها كفن بسبب تلك المؤسسة. إنه يوضح حتى الآن المسار الضيق الذي تم فيه قيادة الفن وفلسفة الفن.

يرتبط صعود هذا الفن المستقل مع تراجع الطبيعة في علم الجمال. لقد استند فن الماضي الجميل إلى مبدأ تقليد الطبيعة وأشاراته إلى الطبيعة والتاريخ الإنساني. لكن أصبح الفن أكثر اهتمامًا بالإشارة إلى نفسه: انتقل تركيزه من المادة إلى الصورة. وقد استعيد النقاش حول فكرة التخيل التي غابت طوال القرن التاسع عشر. وانبثق مفهوم الطليعة (وهي استعارة عسكرية) من دائرة القديس سيمون، الذي آمن بقيادة الفنانين لخلق عالم جديد.

لقد تجسد تركيز علم الجمال في القرن التاسع عشر على الصورة والخيال ومركزية الذات. ويمكننا التحقق من ذلك في علم جمال السامي والجليل و والرائع. يتجلى هذا السامي الجليل في عبارة كانط الشهيرة: شيئان مذهلان يملأن العقل عجباً ورهبة: السماء المرصعة بالنجوم في السماء والقانون الأخلاقي داخلنا. يؤكد كانط في نظريته في " نقد ملكة الحكم"، أنْ ليس الطبيعة بل قوة العقل التي تدرك عظمة اللانهائية والقوة تلك هي حقًا سامية. يعبر هذا عن رؤية للعالم مختلفة تمامًا عن رؤية شافتسبري. لقد ختم كانط فكرة مركزية الأنسان بختم أنطبع حتى على علم جمال السامي والجليل.

لقد فاجأنا إحياء فكرة السامي ( الجليل، المتعالي) في نهاية القرن العشرين بعد أن تصورنا أن الحضارة الغربية الحديثة قد فقدت أي شعور بأللامتناهي، وبالتالي ، فقد فقدت السامي كمقولة في علم الجمال. فمن الواضح أن أدورنو – في أحيائها- يتبع كانط في مفهومه للسامي، ويعتقد أنه مع انهيار الجمال االشكلي، المقولة الجمالية التقليدية الوحيدة المتبقية هي السامي، رغم أن السامي المعقول أمر مثير للسخرية. الاً أنً مقولة "السامي" الحديثة تعبر عن حركة النفي الذاتي التي تطبع الفن بعمق، وتميزه عن الحرفة أو الصنعة؛ يمكننا أن نسميها سامية لأن السامي يشكل على نحو محدد من قبل كانط، مقاومة العقل للقوة الساحقة. إنها ظاهرة تمثل التنوير الذي نادى به أدرنو. لكنني أتساءل عما إذا كان يمكننا أن نسمي الـ "سامي" سامياً وهو لا يُرى ولا يُشعر به. في الواقع، قد يشعر "أدورنو" وأتباعه بالسامية في الطليعة (أيً، في الأفكار الجديدة وغير العادية أوغير التجريبية، خاصة في الفنون، أوعند الأشخاص الذين يقدمونها)، ولكن فقط على أساس ثقافة عالية محددة بـأفكارخاصة؛ أيً، على أساس مجموعة من الأفكار الثقافية الخاصة للغاية. وتتشكل استقلالية الفن و "الجمال" الفني عن طريق مجموعة أو شبكة الأفكار هذه.

لدي تحفظ على رأي أدرنو، فاذا كان أدرنو يرى أن السامي (الجليل) قد أصبح أمرأ مثيراً للسخرية الآن.هذا يعني لأننا نتصور فيه لفتة خيال إنسان أو نفهمه هكذا. لكن كيف، إذن، وفقاً لأدرنو، من الممكن للسامي أن يتخلص من السخرية ؟ تستحق روح النقد الذاتي الاحترام، ولكن أليس بمجرد أن يسميها "سامية" يكون قد خان روحها؟ يبقى أدورنو فيلسوف استثنائي في تاريخ علم الجمال لإصراره على الجمال الطبيعي. والمفارقة هنا - التي ذكرنا أعلاه -عميقة الجذور؛ إنها مفارقة الحضارة الحديثة.

الفن كما هو اكتشاف

لقد مُثل السامي بنافورة دوشامب، بينما كان يعتبر منذ وقت طويل، أن ماهو صناعة حرفية أثرية الشرط المسبق لأن يعتبرالعمل عملاً فنياً، بينما تفتقر نافورة دوشامب الى هذا الشرط، لذلك ركز دوشامب، الدادائي، انتقاداته على أفتراض دمج الفن في نظام الثقافة العالية. يمكن تحويل هذا النقد الاستفزازي - في جانبيه الاتهام والاحتجاج - إلى سؤال فلسفي: ما هو الفن؟ إنه في الواقع سؤال صعب، حيث لا يمكننا العثور على نقطة مشتركة بين Medici Venus و Fountain. قد نلجأ الى "التشابه العائلي"، لكن ماهو التشابه بين الأعمال الفنية وهذه النافورة؟ لا شيئ. إن الحل الذي اقترحه البروفيسور دانتو( Prof. Danto) لهذا الموضوع هو أن الفن ما يعترف به عالم الفن على أساس تاريخه المحدد كفن. لكن يبدو لي أن هذا التعريف فارغ فمن الواضح أنه توتيولوجي: إنه يعكس بنية عالم توتيولوجي.

 إن العالم المستقل تيتولوجي ( tautological) أساساً. ليس هذا في بنية الفن فقط ، ولكن في المجتمعات المعاصرة أيضاً التي هي شديدة التوجّه نحو المعلوماتية.وهذا ماعبر عنه الفيلسوف الفرنسي بودريلارد ( Baudrillard) بمفهوم "المحاكاة"؛ حيث يتشكل المجتمع الحديث في هذا العصر من خلال نظام العلامات، دون الإشارة إلى الجوهر أو المادي، أو بناءً عليه. لم يعد للنقود الورقية غطاء وتستند قيمتها على الائتمان والتوقع فقط. لا تمثل أسعار السلع الأساسية قيمتها في الاستعمال، ولم تعد الرواتب تعكس قيمة إنتاجية العمل. يذكر بودريلارد فن البوب فيما يتعلق بالمحاكاة، وإن وارهول Brillo Boxes وكارتون Lichtenstein هي أشارات على وجود العلامات. يعبر جوهر هذا الفن عن وضع واسلوب المجتمع المعاصر. إنه يحرض على تكهنات فلسفية، لكن يصبح هذا الفن، بوصفه جزءًا من آليًة المجتمع، نوعًا من الموضة، وبالتالي من الطبيعي أن يفقد أي قوة نقدية.

يأتي من هنا النقاش المعروف حول نهاية الفن. فمن المهم أن ندرك أن الوضع الحالي للفن هو نتيجة لتطوره التاريخي. علاوة على ذلك، أصبح الفن متورطًا بعمق في ظواهر السياسة والاقتصاد والأخلاق وما إلى ذلك، بحيث لا يمكن مناقشة مشاكله إلا في الأفق الكلي للحضارة.

فيلسوف الجمال كعالم جمال معاصر

يحتاج الإنسان إلى الفلسفة الآن. لا شك أن العولمة أحدثت وضعا اقتصاديا قائما على قانون الغاب. وهو ما كان قد دعاه فلاسفة التنوير بالبربرية. فبينما تحقق هذه العولمة موجة من التغيير ومن نتائج ممتازة مثل التحرر السياسي، وتبادل المعلومات، انتشر أيضًا مرضًا عالميًا ،هو: التبني غير النقدي لمركزية الاقتصاد. يتم ترويضنا لقبول فكرة أن القيمة المالية هي القيمة الوحيدة؛ أون حرية المغامرة الاقتصادية، التي تتطلب استنساخ النظام (system) المستقل هي الحرية الوحيدة. فلا يمكننا نتيجة لذلك، - مثلاً- أن نتصدى بشكل فعال لمشكلة الاحتباس الحراري العالمي الذي يهدد وجودنا أو مشكلة الانحلال الأخلاقي. إن هذا النظام الحديث هو Leviathan (الوحش) اليوم. على الرغم من أن عصرنا يشبه بداية العصر الحديث في كونه يعبر عن أزمة نشوء حضارة، إلا أن طبيعة الأزمة مختلفة تمامًا. كانت المشكلة، في وقت هوبز، تتمثل في المعرفة الفلسفية العقلانية الى العالم والى أسس الأخلاق، وقد لعب الجمال دورا هاما في هذا المعرفة. إنً الوحش هو نظامنا الاجتماعي المعاصر، ومع ذلك هو محصن بحسن نية الأفراد مع الاسف. نحتاج إلى فلسفة لتحليل الوحش، واكتشاف شكل الحضارة المرغوب فيه حقًا.

هل يمكن لعلم الجمال أن يساهم بأي شيء في هذه المهمة الفلسفية؟ أعتقد أن الجمال وفلسفة الجمال لها مكان حقيقي للمساهمة. ما نتعلمه من علم جمال العصر الحديث المبكر هو أنه عندما تصبح القيًم الأساسية مشكوك فيها أو حتى غير صالحة، فإن الحكم الجمالي هو السبيل الوحيد لإنشاء قيم جديدة. بحث مالبرانش عن كمال العالم في جماله، ونجد في القرآن: أفَلَم ينظُروا إلى السَّماء فَوقَهم كَيفَ بَنينَاهَا وزَيّناهَا وما لها من فروج* والأرضَ مددناها وألقينا فيها رَواسِى وأنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوجٍ بَهِيج* (ق:6ـ11. و في سفر التكوين فكرة شبيه ايضاً. بعد أن خلق العالم، يقدر الله خلقه: "ورأى الله كل ما فعله، وهوذا كان جيدًا جدًا" (1-31). الخير الذي يُنظر إليه ليس سوى الجمال.

تعني هذه الأية وعبارة سفر التكون، من وجهة نظر علم الجمال، شيئين؛ وههما: أن تحقق الله من جودة الخلق يعبر عن الطبيعة الجمالية للجمال في المقام الأول. فلا يمكن تحديد الجمال بداهة بالمفاهيم فقط؛ اذ نحتاج دائما إلى التحقق منه بعدياً . بمعنى آخر، أن الجمال لا يصنع بل يعطى. يمكن للتفكير في ذلك بعمق أن يعالجنا من الغطرسة، أيً العلاج من من خلال الجمال. نظرًا لأن الجمال هو نعمة أو هبة، وهو القيمة الوحيدة التي تتجاوز القوة البشرية، لذلك يمكننا أن نتوقع أن تلعب دوراً في التغلب على مركزية الذات في وضعها الحديث.

يمكن أيضًا أن يكون قياس مدى روعة عالم جديد من خلال جماله الذي يكون دليلاً مهماً على نقطة تحول في الحضارة في المقام الثاني. لكن فكر في أن: هناك جمال في مسارات الصواريخ التي تطير في سماء مظلمة، وجمال في انهيار نهر جليدي. بينما أن الجمال هو العلامة الوحيدة المباشرة للقيمة، الاً إنه يشارك في غموض لا يمكن إنكاره في حضارتنا المعاصرة أيضًا. إنني مقتنع بأن المهمة الأكثر واقعية وأهمية لعلم الجمال هي التكهن بهذا الغموض في أفق حضارتنا العالمية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

علي محمد اليوسف(ان قالبي الزمان والمكان مسّلم بهما بالاستدلال العقلي، لأن كل التجربة المنظمة تشملهما وتفترض وجودهما، وبغيرهما لا يمكن للاحساسات أن تنمو الى مدركات حسية) عما نويل كانط

نبدأ بالتساؤل الفلسفي هل الزمن ثابت أم متغير وكيف؟

طبعا ستكون الاجابة من منطلق فلسفي وليس من منطلق كوزمولوجي علمي. وبعبارة موجزة تمهيدية فلسفية وليست فيزيائية علمية نقول الزمن ثابتا بالقياس الى ماهيته غير المدركة عقليا... ويكون في ذات الوقت متغيرا في ملازمته الادراكية للاشياء والموجودات الثابتة منها والمتحركة على السواء... بهذا المعنى الزمن يتغير في رصد ادراكه الاشياء في حالتي الحركة والثبات، وحالتي الثبات والحركة في منطوق الزمن الادراكي هما ثبات بالنسبة للزمن وليسا ثبات بالنسبة لادراكنا العقلي الذي يعتمد الزمن في ادراكه الاشياء والعالم الخارجي من غير معرفة الادراك العقلي ماهية الزمن ولا كيف يكون أحدى وسائل منظومة العقل في ادراكه موجودات العالم الخارجي..

أن ما يبدو لنا أن الزمن يتغير من حولنا نجده في ملاحظاتنا تمظهرات العالم من حولنا وملاحقة مدركاتنا للاشياء في ثباتها وفي حركتها، أنما الحقيقة فيه أن المتغير هو أدراكاتنا العقلية في مواكبة تحولات الاشياء من حولنا فالمكاني ثابت بالنسبة للزمان المتغير الذي هو أدراك العقل للموجودات مكانا كيفما وجدت في حالتي الحركة والسكون وحتى في حالة السيرورة والتكوّن والعلاقات.

بضوء الفهم الكانطي يكون الثبات المكاني للاشياء هو في حقيقته وسيلة لأمكانية فهم العقل لها زمانيا... أما ثبات الاشياء في ذاتها ماهويا التي لا تدركها الحواس ولا العقل، حينها يكون أدراك الزمن متوقفا معطلا أمام رغبة العقل معرفة تلك الاشياء ماهويا ومحدودية قدراته الادراكية لها ..فالاشياء بذاتها(نومين) سواء عند كانط أو غيره من الفلاسفة هي ماهيات وجواهر ليس سهلا أمام العقل أدراكها كمواضيع مدركة كما في أدراك العقل صفاتها الفيزيائية أو المادية المتعينة البائنة خارجيا..والسبب في ذلك عجز كشف الزمان للماهية أدراكا عقليا..فالعقل الادراكي يكون معّطلا تماما في غياب وتلازم أدراكات الزمان له كوسيلة معرفية....فالعقل يفكر ويعي وجود الموجودات مكانيا بواسطة أدراكها زمانيا..بمعنى لا يتاح أدراك الموجود مكانا قبل أدراك الزمان العقلي له...وما يتاح أمكانية معرفته للعقل من موجودات أو كينونات بصفات خارجية بائنة لا يكون متاحا ولا ينطبق على وجود الاشياء بذاتها أي في ماهيّاتها وجواهرها..فالجوهر حسب موسوعة لالاند الفلسفية هو كل ما هو دائم في اشياء تتغير...

من المعلوم أن منظومة الادراك العقلية للاشياء في وجودها المادي تبدأ بالحواس لتنتهي بمنظومة الجهاز العصبي والدماغ لكنما يبقى الوعي الزماني الادراكي للاشياء وسيلة وليس موضوعا... فنحن لا نستطيع أعتبار الوعي موضوعا للادراك العقلي الحسي، وأنما هو حلقة ضرورية ضمن منظومة الادراك العقلي، وكذا نفس الحال مع وسيلة الزمان في منظومة الادراك العقلي للعالم من حولنا وموجودات الاشياء..فالوعي والزمان لا يمثلان موضوعين للادراك لكنهما وسيلتا استدلال ادراكي عقلي.وبغير الادراك الزماني – المكاني للاشياء لا يتحول الادراك من أحساسات تستشعرها الحواس الى مدركات حسية يستقبلها الذهن والدماغ..

وتماشيا مع فلسفة كانط أعتباره المكان والزمان قالبان فطريان قبليان مركوزان في العقل المدرك للاشياء، نجده يفترض كي يكون أدراكنا الاشياء مكانيا – زمانيا، هو أن تكون تلك المدركات ثابتة في تجانسها مع ثبات الزمان الراصد المدرك لها..

أن الحقيقة التي تجاهلها كانط أن الزمان ليس ثابتا في أدراكه الاشياء المتجانسة معه في ثباتها المكاني وبغير تعالق الثبات المكاني للاشياء مع الثبات الزماني في ادراكها هو شرط تحقق الادراك والوعي وبغير تعالق صفة الثبات في الشيء مع الزمن الادراكي له يتعذر علينا حصول ادراك عقلي له حسب كانط...

أن الزمان متغير في سيرورة دائمية وليس ثابتا في أدراكه الاشياء في حركاتها وانتقالاتها المكانية، بالحقيقة أن العقل يدرك الاشياء والاجسام زمانيا في كل أشكالها الانطولوجية مكانا في حالتي ثباتها وحركتها معا، عليه ليس صحيحا أفتراض أن الزمان لا يدرك من الاشياء سوى الثابتة غيرالمتحركة ولا المتغيرة..أي تلك التي تجعل من الثبات عند كانط عامل حسم في المجانسة التي تفترض ثبات الشيء مع ثبات أدراكه زمانيا..كما نجد أنفسنا ملزمين في التساؤل كيف يكون الزمان ثابتا وكيف نتأكد من ذلك؟ الضرورة البدهية التعالقية بين الادراك الزماني العقلي وبين الاشياء في وجودها المكاني تقول منطقيا أن الزمان متغير بدليل امكانية ادراك العقل للاشياء في الحركة والتبدلات المكانية لها وانتقالاتها وفي مختلف تجلياتها الانطولوجية والعقل لا يدرك الاشياء ثابتة ويعجز عن أدراكه الاشياء المتحركة.

وبعد تسليمنا أن الزمان لا يتبع ثبات الشيء مكانا كي يستطيع أدراكه عقليا، فالموجود مكانا لا يمكننا أدراكه من غير ملازمة الزمان المتغير له..فالموجود مكانا يتبع الزماني في عملية الادراك وليس العكس....كما ليس مهما ثبات الشيء مكانا كي يكون متاحا أدراكه زمانيا..فجميع الاشياء والاجسام والموجودات في حركاتها وتغييراتها هي ثبات أدراكي زمني للعقل، وما يبدو لنا تفريقه ثابتا أو متحركا أنما يكون في أدراكه الزماني العقلي ثابتا، رغم كونه في حالة الحركة والتغيير..أننا ندرك حركة الزمن في حركة الاشياء ولا ندرك الاشياء الا في حركة الزمن الراصدة لها، فالزمن وسيلة حدس غير مرئي لا كماهية ولا كموضوع.

كانط يعتبر ثبات الزمان مرتهن بعدم أمكانية وقابلية العقل أدراك الزمن بذاته أي ماهيته، على أعتبار أننا ندرك الزمان على أنه سلسلة من التعاقبات الحدسية الدائمية المطلقة التي نلحظها في أدراكنا الاشياء في ثباتها المكاني وفي انتقالاتها وحركتها. أي أدراكنا للزمن كماهية أنما يكون أستدلاليا في نتائجه الادراكية للاشياء، فالزمان ليس موضوعا أدراكيا للعقل وأنما هو وسيلة أستدلال معرفة الاشياء..

لذا نجد كانط كي يخلص من التناقض البادي الواضح في التفريق بين ثبات وجود الاشياء مكانا من جهة، وأستحالة أدراكنا الزمن عقليا كمدرك وجودي موضوعي من جهة أخرى، قال نظريته الفلسفية أن قالبي المكان والزمان حدسان فطريان مركوزان في تركيبة عقولنا، ومن غير تلازمهما لا يمكن للعقل والحواس أدراك وجود الاشياء في العالم الخارجي، وهذا التلازم بين الزمان والمكان يشبه تعالق الفكر باللغة، فنحن لا يمكننا التفريق بين تلازم الفكر واللغة الا أفتراضا، وفي حقيقتهما هما أفصاح واحد في التعبير عن الشيء في لحظة أدراكه والوعي به....كذا الحال في أدراكنا الشيء مكانيا- زمانيا أنما هو في حقيقته أدراك واحد لشيء محدد في لحظة واحدة ، وما يدرك مكانا أنما هو في حقيقته مدرك زمانا.

كانط في فرضيته عن الادراك العقلي للاشياء في كتابه نقد العقل المحض، تجّنب الخوض في مبارزة مع المنطق الفيزيائي العلمي في كيفية حصول الادراك الفيسيولوجي العقلي، بدليل أنه تناول تفسير أدراك العقل المحض فلسفيا وليس علميا،أي أنه طرح قضية الادراك العقلي تجريدا فلسفيا ولذا أختار تعبير (العقل المحض) أي العقل المتجرد عن التجربة العلمية وقوانين الفيزياء، والدليل الآخر أنه أعتمد قالبي الزمان والمكان كمعطيين فطريين مركوزين في العقل، وهو ما يتحفظ عليه العلم التسليم به..فمن يستطيع أثبات أن المكان والزمان هما معطيان فطريان في العقل غير مكتسبين بالتجربة والخبرة؟ فالوعي بالشيء لا تأتي معرفته بالفطرة المعرفية بل بتراكم الخبرة المكتسبة.

كانط يذهب الى أن مجانسة ثبات الموجودات مكانا مع ثبات الزمان الادراكي لها هو الذي يتيح للعقل أدراكه الاشياء،وبغير هذه الآلية في مجانسة الثبات بين الزمان والموجودات الواقعية لا يتوفر أدراك عقلي لها..كما نستنتج عن كانط ايضا أن الموجود المتحرك مكانا لا يدركه الزمان الثابت، فلكي يتم أدراك الشيء في وجوده المكاني يجب أن يكون تعالق تجانس ثباته مع تجانس ثبات الزمان. فهل معنى هذا أن الزمان لا يستطيع أدراك الاجسام والاشياء المتحركة التي لا تتسم بالثبات؟ قطعا يكون الجواب كلا..

أن حركة الزمان المتغير أنما هي ادراك مطلق للمكان في جميع تجلياته وظواهرة المتبدلة المتغيرة...عليه يمكننا القول بخلاف كانط أن الموجودات والاجسام هي في وجودها الانطولوجي أنما هي حالات من الحركة المستمرة والتكوينات والعلاقات المتغيرة فيزيائيا على الدوام، وحالة الثبات التي أعتبرها كانط ضرورية لادراك الزمن العقلي لا وجود حقيقي لها في ملاحقة وتزامن الادراك الزماني لحركة الاشياء كما هي في ثباتها ولا فرق بين الادراكين(الثابت والمتحرك) ادراكا زمانيا سوى بالتعبير اللغوي فقط فهما فعالية مركبة واحدة متكاملة ذاتيا ..ما يدرك مكانا هو مدرك زمانا ويجوز أستعارة التقديم والتأخير لنتيجة واحدة..

ليس سهلا التسليم مع كانط أن (ثبات) الزمان وهو أفتراض خاطيء فالزمن متغير، يستتبعه بالضرورة الادراكية العقلية ثبات الموجودات مكانا،كما لسنا ملزمين الاخذ بفرضية كانط بأن الوجود الحسي المادي للاشياء يتعذر ادراكه مالم تكن تلك الموجودات مشتركة في مجانسة الثبات مع الزمن الادراكي الثابت لها..الزمان متغير مطلق يحكم العالم في جميع اشكال وتكونات وسيرورة مكوناته.

كانط يوقعنا بلبس وأرتياب حين يعتبر أن الزمان لا يطال أدراكه سوى ظواهر أو صفات الاشياء الخارجية الثابتة البائنة وليس ماهياتها وجواهرها الدفينة (نومين). وهوتعبير صحيح لكنه لا يصلح للاستدلال به في تصويب نقيضه عندما نجد أن أبسط ذرة في الطبيعة الى أعقد ظاهرة في الكون هي ليست ثابتة بأي معنى أو شكل فيزيائي كما يشترط كانط كي يتم أدراكها زمانيا عقليا..فالعالم بمجمله حركة وليس سكونا حتى على مستوى موجوداته وتكويناته في الذرة..

 

علي محمد اليوسف/الموصل

 

زهير الخويلدي"نحن نفهم بعضنا البعض فقط من خلال الانعطافة الكبيرة لعلامات الإنسانية المودعة في ثقافتنا".

لن نحصل على جواب عن سؤال ما الفلسفة؟ اذا حاولنا التفتيش عن ذلك في جميع أعمال بول ريكور إذ نكاد نعثر على بعض الضوء من أسلوبه وغالبا ما يترك وراء المصادر التي تخص ممارسته الفلسفية.

هذا الغموض يبرز بصورة ملموسة عند اشتغاله على الظواهر الدينية والرموز الثقافية سواء من خلال المنهج الفنومينولوجي أو عبر قراءته للتحليل النفسي1 واشتغاله على تأويل المعتقدات والنصوص الدينية.

لا تخلو فنومينولوجيا الدين من بعض الفرضيات القبلية الأساسية حول هرمينوطيقا الإيمان أو إعادة بناء التمثلات الجمعية للاعتقاد والتأويل الموضوعي للظواهر الدينية وأنطولوجيا الرموز واستذكار المقدس.

لقد كشف بول ريكور عن التناقض الكبير بين فرضيات العمل الذي ينطلق منها علم التحليل النفسي باستخدامه بشكل وظيفي تقنية التأويل الارتيابي التي تنتهي إلى تفكيك الظاهرة الدينية وفرضيات العمل الذي تقوم به فنومينولوجيا الدين عندما تعتمد التأويل الموضوعي وتقصد المعنى وتعمل على بناء الحقيقة.

إذا كان التأويل التحليلي النفسي يختزل وظيفة الدين في كونه مجردة ظاهرة ثقافية مثل بقية الظواهر الأخرى ويحاول تفسير رموزه بالانطلاق من وجهة نظر اقتصاد الميول والتوازن بين إنكار الغرائز وإشباعها ويختزل وظائف الثقافة في الحظر والحماية ضد تفوق الطبيعة فإن الوصف الفنومينولوجي للظاهرة الدينية يجعلها تقلل من حجم التضحيات الغريزية التي يقوم بها الأفراد ويصالحهم مع غرائزهم ويمنح لهم التعويض المناسب لهذه التضحيات ويجد ميزانا بين الحظر والإنكار وبين التعويض والإشباع.

التعارض الثاني بين التحليل النفسي والفنومينولوجيا تكمن في التعارض بين الأوهام التي يحاول التحليل النفسي الكشف عنها والتخلص منها والحقيقة التي تحاول الفنومينولوجيا تشييدها حول الظاهرة الدينية 2، وبالتالي اذا كان الدين من وجهة نظر اقتصادية أو وظيفية يمثل وهما نافعا ويصلح في إشباع الفرد من الحرمان والتعويض له عن إنكار الحضارة للغرائز وقمعها للرغبات ويساعده على تحمل خشونة وقسوة الحياة نتيجة الضعف البشري وتفوق الطبيعة على الثقافة من خلال المرض والموت وما يسببانه من خوف وألم وعذاب فإن الدين من وجهة نظر الفينومينولوجيا يمنح الإنسان معنى الحياة وينير الغائية من وجوده.

النقطة الثالثة التي تختلف فيها الفنومينولوجيا الهرمينوطيقية عن التحليل النفسي هي مسألة استعادة المنسي المكبوت الذي يعود إلى الماضي الطفولي وما تشكل حوله من مكبوتات وعقد دفينة يجدر تفكيكها حسب التفسير الموضعي الاقتصادي ولا يتم عقلنتها الا من خلال معرفة زمن تكونها والعودة إلى أصلها في  حين يشتغل التأويل الغائي على عملية استذكار المقدس ويؤشر على المنزلة الأنطولوجية للتمثلات الدينية.

من المعلوم أن تشكل العزاء والسلوى والمواساة التي تقدمها الظاهرة الدينية من حيث هي ظاهرة ثقافية حسب المقاربة الوظيفية مرتبط بفقدان شكل الأب الأول الذي انحدر عنه شكل الآلهة في تمثلات الناس.

عودة الدين حسب فرويد، مثل الذي نراه اليوم، هو انبعاث في شكل خيال لصور منسية عن ماضي الفرد والبشرية وهذه العودة للمنسي، في شكل خيال ديني، يمكن مقارنتها بعودة المكبوت في الهوس العصبي.

الم يقل في هذا الصدد حول علاقتنا بالماضي: "عندما نتحدث عن الماضي إما ننساه أو نسترجعه"3.

يحاول بول ريكور أن يعثر على الوساطة الرمزية التي يمكن تشكيلها بين التفسير الأركيولوجي الذي يمثله علم النفس التحليلي والتأويل الغائي الذي تمثله الفلسفة الفنومينولوجية ويثمن العمق الغرائبي للدين.

ان التفكير في الوجود الديني في مراحله المأساوية عبر وساطة اللغة السردية هو القطب الإشكالي الذي تدور حول فلسفة بول ريكور الدينية ضمن مقاربتها الفنومينولوجية الهرمينوطيقية والتي تسعى إلى دراسة العلاقة بين الوجود الديني والحياة الإنسانية بغية إثبات الوجود الحي وإنتاج المغنى حول الذات المنتدبة4. لكن ألا تكمن طرافة بول ريكور في تواصله مع المشروع الفلسفي التأسيسي على نحو غير كلاسيكي؟

 

د. زهير الخويلدي

..............................

المراجع والمصادر:

Paul Ricœur, De l’interprétation, Essai sur Freud , Paris, Éditions du Seuil, 1965, réédition, en collection Points, 1995.

 Paul Ricœur, Le Conflit des interprétations , Paris, Éditions du Seuil, 1969.

Paul Ricœur, Réflexion faite, Autobiographie intellectuelle (RF), Paris, Éditions Esprit, 1995.

Paul Ricœur, Écrits et conférences 1, Autour de la psychanalyse, Seuil, 2008.

 

علي رسول الربيعيالتسويغ الإبستيمولوجي للديمقراطية التداولية.. نظرة تاريخية قصيرة

إن مفهوم الديمقراطية التداولية هو تطور جديد نسبيًا في الفلسفة السياسية ومتشابك بطبيعته مع الموقف القائل لكي تكون الديمقراطية شرعية تمامًا، يجب أن تكون نظامًا مسوغاً ابستيمولوجياً أومبررًا معرفيًا. وهذه الفكرة تعني وجود مداولة أو تشاور، أيً ديمقراطية قائمة على النقاش للقضايا  التشريعية وغيرها وأن تكون مستندة إلى نقاش مدني عام. يتضمن دخول المناقشات العامة أحترام كل من الحالة المثالية المعرفية للتشريعات العقلانية، والمثال السياسي لما يعرف بالسياسات التشاركية أو المشاركة السياسة وكذلك المثال الأخلاقي للإدارة الذاتية المدنية. من المتوقع أن تسفر هذه المناقشات العامة بين المواطنين عن حلول عقلانية للمشاكل السياسية عن طريق تقارب المواقف أو التوصل إلى نتيجة عقلانية ومقبولة على نطاق واسع.

نشأت فكرة الديمقراطية التداولية في النظريات الليبرالية الحديثة  من فلسفة توماس هوبز وجون لوك الذين أكدوا على أن تعدد المصالح هو مصدر للنزاع المدني، وعلى ضرورة العقل العمومي.[1] وأكد كلا من  جيمس هارينجتون وجان جاك روسو على صواب إرساء أنسجام مدني حول المصالح والقيم والتقاليد المشتركة، بافتراض نوع من الإجماع والتفكير العمومي (الجمهورية المدنية).[2] أكدت، كذلك، نظريات الديمقراطية التشاركية أو ديمقراطية المشاركة طوال القرن العشرين عمومًا على أهمية بإدخال المداولات المدنية العامة كشرط أساسي لتحقيق قرارات عالية الجودة. لقد وصف مفكرون مثل حنة أرندت وجون ديوي، في الستينيات من القرن العشرين، النقاش العام على أنه مهم عنصر الديمقراطية التشاركية التي تحترم حرية المواطنين واستقلاليتهم في إطار عملية تزامن المعتقدات.[3] اتخذت فكرة الديمقراطية التشاركية شكلها النهائي في الثمانينيات. فيوضح جوزيف بيسيت أن الديمقراطية الحقيقية تتطلب من مواطنيها قبول وضعهم المدني وفكرة الصالح العام أو الخير العام، واختيار الديمقراطية التداولية كإطار مثالي لتحقيق الصالح العام من خلال النقاش والعقل العمومي والحجج العقلاني و عقلانية صنع القرار.[4] وربما قدم جون إلستر التعريف الأكثر إيجازًا للديمقراطية التداولية كممارسة لأتفاق عقلاني حول الصالح العام والنقاش العام كأداة لتحسين عملية صنع القرار السياسي. علاوة على ذلك، يصور النتائج التعليمية للمناقشة كقيمة معرفية إضافية لهذا النوع من الديمقراطية.[5]

تميزت الخمسينات، على النقيض من هذه النظريات، بنُهُج نخبوي أتخذ موقف الريبة من فكرة النقاش العام. فقد جادل جوزيف شومبيتر، على سبيل المثال، بأن المواطنين غير مطلعين سياسيا، غير مبالين ويمكن التلاعب بهم بسهولة، مما يجعل أي زيادة في مشاركتهم تهديدا للاستقرار. وبالمثل ، ظن الواقعيون المتشائمون مثل ماكس فيبر أنه ليس هناك من مصلحة عامة يتفق عليها الجميع من خلال المناقشة، وأن الحكم الأمثل هو نخبة حاكمة.[6] لم تأتي المقاربة المختلفة  في انتقاد الديمقراطية التداولية من النظريات النخبوية أو التشاؤمية المناهضة للشعبوية، ولكن من النظرية الاقتصادية للديمقراطية، والمعروفة باسم نظرية الاختيار العقلاني. طبق مؤيدوها مثل أنتوني داونز المقولات الاقتصادية على السياسة وقالوا إن الأحزاب تعمل كمقاولين أو متعهدين يتنافسون على المستهلكين السياسيين. وفقًا لهذه النظرية، يتم تصوير المواطنين على أنهم مستهلكون سلبيون يمارسون الديمقراطية السياسية من خلال التصويت فقط، بينما يُنظر إلى العملية السياسية على أنها صراع على السلطة بين الأحزاب بدلاً من بحثها عن الصالح العام.[7] ونظرًا لأن التصويت الدوري في الانتخابات لم يكن يُنظر إليه كآلية لتجميع المصالح الفردية أو التفضيلات، فإن أي ادعاءات بأنه يمكن تحسينه من خلال المناقشة بهدف تحقيق الصالح العام بعيدة عن الواقع. أقصد، بالنظر إلى أنه لا توجد أي مصلحة مشتركة تكون مقبولة لجميع المواطنين / المستهلكين ، فإن تشجيع المناقشات بأعتبار أنها تؤدي إلى قرارات عقلانية أفضل حول هذه النتيجة المقبولة عمومًا لن يكون له أي معنى.

لقد وضعت هذه الحجج المتعارضة حول دور النقاش العام في العمليات الديمقراطية واحدة من المعضلات المعرفية الرئيسية التي سوف تستمر في الظهور في المناقشات المتعلقة بالديمقراطية التداولية: هل يضمن النقاش العام اتخاذ قرارات أفضل من القرارات التي  تتخذها النخبة المثقفة  المنتخبة ؟ وهنا ياتي الأختلاف في المواقف  بطريقة يمكن صوغها بما يقرب من الصدام بين الموقف المؤيد للإجماع والتوافق والآخر المؤيد للنخبة من أهل الخبرة.[8] أقصد أنه، في حين شدد مؤيدو الديمقراطية التداولية عمومًا على أهمية تحقيق إجماع عقلاني (حول الصالح العام) عن طريق المشاركة المدنية والنقاش العام، أكد منتقدوها على التأثيرالسلبي للنقاش (بين المواطنين غير المتعلمين والسلبيين  والذين يتلاعب بهم بسهولة) وأن هناك مبالغة في تقديرهم واعطاء أهمية أكثر من اللازم لهم حيث  أن القرارات العقلانية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال تعزيز مواقف النخبة.

لن أستمر في الانغماس في مناقشة ما إذا كان ينبغي لنا اختيار نموذج تعددي قائم على المشاركة أو نموذج اقتصاد السوق للاختيار العقلاني، ولن أناقش ما إذا كان إدخال الديمقراطية التداولية، كتوجه مدني إيجابي، أفضل من تقليص الديمقراطية أو الحد منها للسيطرة المدنية السلبية (من خلال الأنتخابات). سيتم التركيز على التبرير المعرفي للديمقراطية التداولية كنموذج للديمقراطية القائمة على النقاش العام. هذه النظرة التاريخية القصيرة مفيدة لأنها تنقل بوضوح الشكوك المستمرة التي جاءت مع مفهوم الديمقراطية التداولية منذ ظهوره؛ يمكن للمشاركة والمناقشة العامة، على هذا النحو، أن تنتج قرارات معرفية عالية الجودة، من خلال التفكير في ما هي الشروط والأهداف التي يجب أن تفي بها المناقشة العامة لتكون مولدًا للاستخدام الرشيد للتفكير أو العقل العمومي  ووسيلة لصنع القرارات المعرفية المثلى. باختصار، إذا افترضنا أن الديمقراطية التداولية هي بحكم تعريفها نظام صنع قرار واعد معرفيًا، وأن النقاش العام العقلاني والقائم على العقل هو بلا شك قيمة معرفية بالمقارنة مع اتخاذ القرارات دون مناقشة مسبقة، يمكننا طرح السؤال التالي: هل يمكن تبرير الديمقراطية التداولية كنظام اجتماعي من منظور مختلط يوحد التبرير المعرفي والأخلاقي / السياسي؟

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...................

[1] Thomas Hobbes. Leviathan (Harmondsworth, UK: Penguin Books, 1651/1968); John Locke. Second Treatise on Civil Government (Indianapolis, IN: Hackett, 1690/1980).

[2] James Harrington. The Commonwealth of Oceana and A System of Politics(Cambridge: Cambridge University Press, 1656/1992).

Jean-Jacques Rousseau. The Social Contract (New York: Pocket Books, 1762/1967).

[3] Hannah Arendt. 1958. The Human Condition (Chicago: University of Chicago Press).

John Dewey, The Later Works, 1925- 1953. (Carbondale and Edwardsville: Southern Illinois University Press), pp. 224-230.

[4] Joseph M Bessette. 1980. 'Deliberative Democracy: The Majority Principle in Republican Government', in Goldwin, R. A., and W. A. Schambra (eds.), How Democratic is the Constitution? (Washington: American Eterprise Institute), pp. 102-116.

[5] Jon Elster. 2002. 'The Market and the Forum: Three Varieties of Political Theory', in Christiano Thomas (ed.), Philosophy and Democracy(Oxford: Oxford University Press).

[6] Weber, Max. 1964. The Theory of Social and Economic Organization(Basingstoke: Macmillan).

[7] Anthony Downs. 1957. An &anomic Theory of Democracy (New York: Harper).

[8]:  يقدم جولدمان هذا التمييز في أحد أعماله الأولى في نظرية المعرفة الاجتماعية. انظر

Goldman introduces this distinction in one of his first works on social epistemology. See Goldman, 1987.

 

علي محمد اليوسفالعقل والطبيعة: الفلسفة المثالية النقدية هي أحدى تيارات الفلسفة الامريكية المعاصرة،أمتازت طروحاتها الفلسفية بمحاولة مزج النزعة النقدية التجريبية مع المثالية في مفهومها الذي يفسر بعض قضايا الفلسفة بمنطلقات ميتافيزيقية، ويعتبر الفيلسوف الامريكي جيمس كراستون (1861- 1924) أبرز منّظريها الذي طرح علاقة العقل بالطبيعة على الوجه التالي:

- العقل لا ينفصل عن الطبيعة.

-  الطبيعة هي شيء قابل للتعرف عليه من قبل العقل.

- مقولة العقل المطلق كي تكون دلالة يجب أن تتولد من سيرورة التجربة النقدية وأن تكون مبررة من خلالها.

- العقل الفردي لا يمكن أن يكون معزولا عن عقول الاخرين، وهو ما يعطي التجربة تفسيرا أو كشفا للحقيقة.

- بما أنه يستحيل رد الاشياء الى حالات وعي العقل الفردي، فأن هذه الصعوبة تجد حلا لها أذا أفترضنا وجود عقل مطلق تتواجد فيه الاشياء بشكل أفكار.

- الواقع يتكون من عدة عقول.(1)

مداخلة وتعقيب

في بدء تعقيبنا يمكن ملاحظة أن التعابير الفلسفية الستة أعلاه هي منطلق فلسفي يلتقي مع واقعية علاقة الادراك العقلي المنفرد في تعالقه مع الطبيعة من جهة، ومع علاقة العقول الفردية مجتمعة بالطبيعة من جهة أخرى...

طبعا لا يمكننا القول بوجود عقل كلي جامع للافكار مطلق من دون الانزلاق الى تعليل هذا الفهم بأعتماد فكر الميتافيزيقا الذي لا تستهجنه الفلسفة النقدية المثالية في محاولتها دراسة العديد من القضايا الفلسفية بمنهج براجماتي مثالي.

وهذا العقل المطلق لا يمكن أن يكون غير (الله) العقل المطلق المتعالي على الطبيعة وقوانينها الفيزيائية العامة وعلى العقول الانسانية منفردة ومجتمعة. الله هو العقل الجامع الذي تلتقي تحت وصايته الادراكية المعرفية العقول الفردية المحدودة للانسان. كما أن تعبير الواقع هو مجموع العقول المنفردة لا تحتاج الى تأكيد هذه المسلمة الحقيقية في الادراك...الواقع مدرك عقلي فردي وجمعي ولا نقول مع المثالية الابتذالية المتطرفة عدم وجود واقع بغياب العقل عن أدراكه...وعندما نقول الواقع هو مجموع تمّثلات العقل التصورية فأننا لا نلغي وجود أحدهما في أبقاء الاخر..

لكن كيف يمكن أن يكون متاحا لهذه العقول الفردية الوصول الى نسق معرفي موّحد يستوعب عقول الجميع ولا يفقد ميزاته الحقيقية في الالمام التام بالواقع.؟

لا يوجد عقل مطلق بالفهم الفيزيائي بأي شكل من الاشكال حتى لو افترضنا أمكان حصول ذلك بوحدة العقول فكريا على صعيد الادراك الحسي،وهذا القول لا يعني مطلقا أن وحدة العقول في أدراكها الواقع هي من نوع نمطية تعليب الادراك الواحد، فكل عقل أنفرادي يفهم الواقع بفهم مغاير عن الاخر، والواقع يجمع العقول المنفردة على صعيد الادراك وليس على صعيد معرفة ذلك الواقع على حقيقته.

ربما يكون الادراك العقلي واحدا في آلية المعرفة الواقعية لكن الواقع يبقى متغيرا على الدوام في معرفة تفسيره وأدراك مكوناته أمام العقول المتعددة. فلا يوجد شخصان يدركان الواقع بتطابق من الفهم المعرفي الواحد، وألا كنا أحتجنا أن تكون معرفة الواقع تكفي من قبل شخص واحد لا اكثر. أذن كيف يمكن أن تنفرد العقول في فهمها الواقع في تباينات لا حصر لها، وبين أن تكون تلك الانفرادات المعرفية يجمعها عقل كلي واحد؟؟ الواقع المادي لا تجتمع عليه معرفيا العقول المنفردة تحت مظلة عقل كلّي مطلق الاستيعاب والدلالة فهذه أستحالة أدراكية معرفية.

أذن لا يتبقى أمامنا غير الفهم الميتافيزيقي للعقل المطلق وهذا يقودنا حتما الى (الله) الذي هو العقل المطلق الذي لا يتشّكل من فرديات العقول الانسانية، وأنما تهتدي به تلك الفرديات العقلية في فهم علاقتها بالطبيعة والحياة..أن من المهم التفريق بين ما يبنيه النسق الميتافيزيقي من معرفة لا يقينية وغير تجريبية غيبية تختلف كثيرا عما تحاوله الفلسفة في أقامة نسقها المعرفي على أساس من منطق وتجريد عقلي صارم بالعلاقة مع واقع مادي وطبيعي معيش.

أن العقل الفردي لا يمكنه الانابة في تمثيله الكل العقلي المطلق الذي هو أساسا لا يقوم الا بمنطق اللاهوت الميتافيزيقي حصرا..أن التأرجح الواضح بين الفهم الميتافيزيقي المثالي للعقل، وبين الفهم العقلي النقدي الواقعي لا يستقيم من خلال محددات جيمس كرايتون للعقل وعلاقته بالطبيعة والميتافيزيقا.. فهو يتحدث لاهوتيا عن نسق فلسفي في تناقضه مع  التعبير عن المنهج الطبيعي العقلي النقدي الذي هو في جوهره ماديا ولا يمكن الاحاطة المعرفية به فكريا فقط.

بالتاكيد أن العقل لا ينفصل عن الطبيعة، وأن الطبيعة شيء قابل للمعرفة العقلية، والواقع هو حصيلة مجموع مدركات العقول المنفردة،العقل لا يخلق الطبيعة لكنه جزء حيوي منها متعال عليها في محاولة فهمها وتفسيرها والاستفادة منها..

لكن يبقى التساؤل هو كيف يكون التوفيق بين العقل المطلق ميتافيزيقيا- لا هوتيا، وبين أن يكون أدراكنا الطبيعة ملزم أن يتم على وفق سيرورة معرفية تجريبية نقدية كما تطالب البراجماتية؟؟

أن الفهم الميتافيزيقي للواقع أو الطبيعة يصادر أي نوع من الادراك والتفكير بالواقع أو الطبيعة في منهج أعمال التجربة النقدية للتثبت من الوقائع كما ترغبه المثالية في التنظير الفلسفي..الواقع الذي لا ندركه عقليا لا يمكننا أدراكه ميتافيزيقيا..

مركزية الانسان

من الملاحظ في التيارات الفلسفية الامريكية المعاصرة تمحورها حول مركزية الانسان في مجمل علاقاته الارتباطية بالوعي والعقل وتأكيد الذات والطبيعة والمعرفة، بمعنى أن هذه التيارات تبتعد كثيرا عن الخوض في مباحث فلسفية تقوم على تجريد القضايا الانسانية من محورية الانسان كمرتكز في فهم الحياة والوجود الانساني وعلاقته بالطبيعة، وهذا التوجه ليس جديدا على تاريخ الفلسفة فهو موجود منذ عصر بروتوجوراس ما قبل الميلاد في تاريخ الفلسفة اليونانية مقولته الانسان مقياس كل شيء..

يقول بيرس في معرض التقائه مع سورين كيركارد في محدودية الانسان وقدراته وقابلية الخطأ في ثباته العقلي (لا يستطيع الانسان حتى الدخول في سر قلبه الخاص ليعرف ماذا يعتقد وبماذا يشك).(2) وهذه المقولة أستنفدت نفسها ليس على مستوى التفلسف الميتافيزيقي وانما على الصعيد المادي أيضا في الاجماع عليها.

لكن الشيء والامر الذي علينا الانتباه له جيدا أن التيارات الفلسفية الامريكية في بدايات القرن العشرين، لم تكن تعرف الكثير بعد عن فلسفات الحداثة وما بعد الحداثة التي كان مرتع انبثاقها اوربيا في فرنسا والمانيا تحديدا حيث لجوئهم ألغاء كل تمجيد للانسان كمحور فهم قضايا الحياة المعاصرة، والعقل والعلم اللذان وصلا أوج ذروتهما في مدارس الحداثة وتياراتها الفلسفية، لتأتي تيارات ما بعد الحداثة الغاءا تاما لمرتكزات الحداثة مشككة بالعقل والانسان والعلم والسرديات الكبرى مثل الاديان والماركسية والرأسمالية وغيرها من الايديولوجيات التي أستنفدت نفسها فظهرت الفلسفات البنيوية والتفكيكية والعدمية كتنظيرات لا تعير أهتماما لمركزية الانسان ولا لمركزية هيمنة العقل ولا العلم وهكذا.. لذا عند عرضنا بعض آراء تلك الفلسفات الامريكية علينا الانتباه أن تلك الفلسفات بطروحاتها أنما كما ذكرنا لم تكن غائبة الاهتمام عن محورية الانسان كغاية ووسيلة معا التي تمثلها الذرائعية الفلسفة الامريكية الأم خير تمثيل.

العقل والدماغ

يذهب سيلارز وهو من فلاسفة الواقعية النقدية وليس المثالية النقدية التي تكلمنا عنها سريعا في سطور سابقة بمدخل هذه المقالة، (أن الدماغ في تنظيمه التكويني من عضلات وغدد هو العقل)(3) هذا صحيح أذا ما أخذنا مفهوم العقل بيولوجيا فسلجيا وليس توليديا فلسفيا فالامرعند ذاك يختلف بين المنظورين.

من المعلوم جيدا أن العقل هو غير الدماغ في الوظيفة المعرفية على صعيد توليد الافكار الفلسفية تجريديا ، ولا يمكن أن نساوي بين الدماغ والعقل فلسفيا على أنهما شيء لعضو بيولوجي واحد في الجسم الانساني . فالدماغ هو مصدر التفكير المادي في فهم وتفسير الواقع، بينما العقل هو تعبير الدماغ بالفكر المجرد واللغة المجازية التصّورية عن الاشياء.. وتداخل الدماغ مع العقل من حيث الوظيفة البيولوجية المعرفية يجعل منهما شيئا واحدا بمعيار البيولوجيا وليس بمعيار المعرفة الفلسفية المجردة..ودلالة الدماغ في تباينها البيولوجي الواضح يعتمده علم وظائف الاعضاء والدماغ ولا تعتمده الفلسفة.

ونمضي مع سيلارز قوله :( في كل الاحوال لا شيء من الخارج لا يبرهن على أن الدماغ ليس عضو الوعي، ولا أن الوعي ليس ماديا، في حين أنه ومن الداخل، حيث نحن في قلب الوعي، يبدو لنا الوعي بمثابة شبكة كيفية(نوعية) من أحداث ترتبط أرتباطا حميميا مع عمليات الدماغ- العقل)(4) ..

أن من المفروغ منه أعتبارنا كلا من الوعي والدماغ هما عضوان من منظومة العقل الوظيفية المعرفية، وقد يكون التفريق بينهما غير متاح الا من خلال وضع تراتيبية الادراك في المفاضلة بينهما وهو أمر غير متاح فلسفيا وعلى جانب كبير من التعقيد التخصصي علميا ، فالوعي في سبقه الدماغ كعضو بيولوجي لا يتقدمه بالوظيفة الادراكية المعرفية بل في التكامل معه من حيث أستحالة الوعي بشيء من غير تلازم الوعي - الدماغ - في أدراكه، والوعي يتوسط الاحساسات الصادرة عن الحواس مع الدماغ الذي يفسر للوعي ماهية مدركات الحواس الواصلة اليه.الوعي بالمنظور العلمي لا يمّثل موضوعا أدراكيا منفصلا عن منظومة العقل، لكن في الفلسفة يمكن أن يكون الوعي موضوعا للتفلسف.

من المتاح أمامنا القول بأن الوعي حلقة فكرية لا مادية في منظومة الادراك العقلي لكنها لا تشبه الدماغ ولا باستطاعتها مجاراته بالوظيفة المعرفية التي يكون فيها الدماغ أقرب صلة الى العقل ماديا منه في علاقة الوعي بالدماغ التي تكون على مستوى التوصيل للاحساسات عبر تجريد الواقع من ماديته.

الطبيعة والعقل

أننا وبالحقيقة لا نعرف كيف ذهب جون ديوي أعتباره الوعي والعقل ليسا ظواهر أضافية للطبيعة بخلاف ما ذهب له سانتيانا معتبرا أياهما من وظائف الطبيعة..

الفهم الذي نجده منسجما وأكثر وضوحا في تأكيد وجهة نظر سانتيانا أن كل ما يتناول الطبيعة بالفهم العقلي أو غيره ميتافيزيقيا يشكل بالنتيجة أضافة نوعية للطبيعة، والطبيعة لا تحدد وسائل أدراكها ذاتيا كوجود جوهري ثابت، أن القوانين الفيزيائية العامة التي تحكم الطبيعة لم يكن الوعي والعقل بها يمّثلان وظائف الطبيعة في علاقتها بالانسان وحياته...فوظيفة العقل والوعي بالطبيعة لا تلزم الطبيعة أعتبارهما وظائف لها، وأنما من حيث لاتعي الطبيعة أن الوعي والعقل يشكلان جوهرا معرفيا أضافيا في فهم الانسان للطبيعة... بمعنى العقل والوعي هما أضافة نوعية للطبيعة من دونهما تفقد الطبيعة أهم مقوّم تقوم عليه  في تعالقها الجدلي مع الانسان.. ويصبح من عدم المشكوك به ترجيح تساؤلنا بماذا يمكننا أن نعزو توظيف الطبيعة للعقل والوعي بمعرفة ماذا غير معرفتها هي؟ الطبيعة هي مبتدأ الحياة ومنتهاها وجوهرها الوجود الانساني... والعقل لا يصنع الطبيعة بل أهميته السعي لفهمها والافادة منها..

الاخلاق والذرائعية

من المهم تأكيد أن كل تفكير فردي يجده الانسان يحقق ذاتيته بالشكل الفاعل السليم أنما يكون مصدره الحقيقي هو المجتمع، فالمجتمع يخلق الذاتية ويمنحها قيمتها ومن غير حضور المجتمع لا يمكن للانسان الفرد تكوين وعيه الذاتي بصورة صحيحة، ذاتية تمنحه التاثير التكيّفي مع المجتمع بما يحقق لكليهما التاثير المتبادل بالآخر..ففي الوقت الذي يجد فيه الانسان الفرد أنه يبني قيمه الاخلاقية الخاصة به يكون بنفس الوقت يقيم الاسس الاخلاقية الصحيحة لمجتمعه والجدل بينهما قائم على الدوام بما يطوّر الفرد والمجتمع معا.

وتفكير الانسان في مجمل نواحي الحياة من ضمنها القيم الاخلاقية أنما تتطور نحو الافضل بقدر الاسهام المتبادل بين الفرد والمجتمع في تكيّفهما المتبادل وسعيهما أقامة النظم الاخلاقية الجيدة.. والفكر فردي من ناحية تخليقه لكن قيمته هي في مدى تشكيل مجتمعيته،، وأخلاق الضميرالانسانية المجتمعية لا تستمد حضورها من أملاءات خارجية كقوانين وضعية جاهزة تفرض فرضا قسريا، وأنما الطبيعي فيها أن تكون من صنع الافراد والمجتمع معا الحصول عليها كنظام تنظيمي مجتمعي في أستحضارها تحت الحاح ضرورة بناء الحياة الافضل..

والفلسفة الذرائعية أنما تقيم مفهومها الاخلاقي فلسفيا على أساس من الوضع الطبيعي للانسان مجتمعيا على أنه (الانسان ليس حيوانا اجتماعيا وحسب، لكن من دون المجتمع لم يكن له أبدا أن يكون، ويجب على الكائن الحي للبقاء على قيد الحياة أن يكون في تواصل مع بيئته، والفرد لا يكتسب خاصيته الانفرادية الا من خلال التنظيم الاجتماعي)(5)..

ويرى الفيلسوف الامريكي الذرائعي هربرت ميد (1863 – 1931) أنه في ظل أعادة البناء المتواصل للمجتمع تسكن الاخلاق، لأن الانسان يجب أن يقيم وزنا لمنفعة المجتمع بعيدا عن الميل الاناني الانفرادي الغريزي... والمجتمع بحسب ميد لا يصبح أخلاقيا بسبب أن الانسان هو نتاج أجتماعي وحسب..بل لأن الانسان له تاثير دائمي مباشر في مجتمعه.(6)، ونجد تمسّك الذرائعية كبيرا في تأكيدها على أن الضمير الاخلاقي الفردي عامل مهم في بناء أخلاقيات المجتمع التي تمنح الانسان أمتلاءه الذاتي في حقيقة الاسهام ببناء المجتمع...كما نجد تأكيد أهمية حضور منفعة المجتمع قبل تفكير وهدف تحقق مصالح الفرد، لكنها لا تلغي فردية الفرد التي تعتبر أشباع حاجاتها الضرورية حق مكتسب للفرد من خلال تكيّف مجتمعي متماسك يعطي موازنة منصفة بين أشباع حاجات الفرد وأشباع حاجات المجتمع في تكامل لا يلغي المفاضلة بين الاثنين من حيث أن الاشباع الاستهلاكي عند الانسان الفرد يتسم بالانانية الانفرادية على الدوام وهذه الانانية الفردية في الاشباع لا يقلل جموحها الاندفاعي الا المجتمع الذي يصهر كل تلك النزعات الانفرادية في نزعة مجتمعية تحقيق المنفعة.

المنطق الذرائعي

ك.أ. لويس(1883 – 1964) فيلسوف أمريكي يمّثل الجيل المتأخر للفلاسفة الذرائعيين وهو أمتداد لافكار بيرس وديوي، ومتخصص ذرائعيا في نقد المنطق الرياضي عند بيرتراند رسل ، ويرى أنه في المنطق يتوجب التسليم أن (الماقبلي) مستقل عن التجربة في أثباته كمعطى لا يحتاج التثبت منه لمعرفة (المابعدي) في تعالقهما .

وفي الوقوف على أبرز مقولات لويس في هذا المجال :

- الوعي المباشر ليس معرفة مباشرة ولا وجود لمعرفة مباشرة.

-  معرفة الموضوعات ممكنة فقط بفضل معرفة قضايا المعرفة القطعية الماقبلية.

- الاعداد الماقبلي لتصورات مجردة كليّا لا تثير صعوبة لأنها لا تقيم أية علاقة مع المعطى الذي يوضح لنا طبيعة المعرفة الماقبلية التي هي تسلسل ضروري لقضايا شاملة.(7) ..

أن الوعي المباشر لا يمنحنا معرفة مباشرة ، هي مسألة يمكننا حسمها بالاحالة الى علاقة الوعي بالعقل من حيث تراتيبيتهما التفاضلية في المعرفة والادراك، فالوعي لا ينوب عن العقل في معرفة الاشياء، والوعي بالشيء هو مرحلة بدئية في المعرفة..لكن من غير تعالق الوعي بوظيفة العقل الادراكية فان الوعي والعقل كلاهما يكونان بلا معنى خارج المدركات للاشياء والعالم والحياة. أي لا يمكننا تصور وعيا سليما مقبولا من غير تعالقه بالعقل، والعكس صحيح أيضا... لا يمكننا التطرق الى وعي من غير تعالقه بالعقل كما لا يمكننا التحدث عن أدراك عقلي لا يتواشج تداخليا مع الوعي..

ولتوضيح النقطتين الثانية والثالثة عند لويس فهي تقوم على منطق حدسي بوجوب التسليم المسبق بأن الماقبلي يكون هو مصدر بناءاتنا المعرفية في اللامابعدي على أن الماقبلي هو حقيقة لا تخضع لتجربة أستدلال معرفي في بناء المابعدي معرفيا عليها..ويصف لويس الماقبلي بأنه مستقل عن التجربة وعلينا التسليم أن الماقبلي هو صحيح على الدوام.

والماقبلي بحسب لويس ليس مشكلة فهو يمنحنا تصورات ما بعدية معرفية ضمن تسلسل منطقي فقط، والمابعدي لا تربطه أية علاقة تاثير غير الاستدلال مع الماقبلي... بمعنى توضيحي أننا لا نستطيع بناء منظومات معرفية ما بعدية من غير أعتمادنا الماقبلي الذي ترتبط به أستدلاليا فقط وليس تأثيريا متبادلا، الماقبلي المنطقي هنا لا يمتلك أية صفة أقتدارية تمّكنه من صياغة كيف يجب أن تكون المعارف المابعدية عليه.. لكن جميع معارف المابعدية تقوم على الاقرار المسّبق بالماقبلي كضرورة منطقية في تسلسل معرفي.....يتبع

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهوامش

1- جيرار ديلودال/الفلسفة الامريكية/ ت:د. جورج كتورة، د. الهام الشعراني ص 198- 199

2- المصدر اعلاه ص 172

3- المصدر اعلاه ص 174

4- المصدر اعلاه ص 178

5- المصدر اعلاه ص 302

6- المصدر اعلاه ص 305

7- المصدر اعلاه ص 318

 

 

محمود محمد علينعود ونختتم حديثنا عن تجليات تجارب الفكر في فلسفة العلم، حيث نتحدث في هذا المقال عن موقف فلاسفة العلم من تجارب الفكر كان إرنست ماخ يري أن الـ " Gedankenexperimente" تشير بشكل حصرى إلي المنتج المتخيل imaginary conduct  لتجربة واقعية يمكن أن تشكل من خلال تلامذته (حيث يظهر التعارض بين التجريب الفيزيائي والتجريب الذهني) ؛ حيث سأل ماخ تلامذته أن يزودوه بتفسير عما إذا كانت نتائج التجربة العملية اختلفت عما كانوا قد تخيلوه في عقولهم أو متخيلاً عنها من خلال تجربة في الذهن، ولذلك فإن تجارب الفكر تشكل تكنيك مميز للبحث العلمي، كما أنها تمثل منهج رئيسي في تاريخ العلم وتوظيفه الحذر، يقول ماخ " يؤدي إلي تغييرات هائلة في تفكيرنا ويعبد طرق جديدة هامة للبحث

كما أكد ماخ :" أنه لا توجد هناك أفكار تبرهن عما هو فطري لدي الإنسان بقدر ما توجد هناك نزعة نحو التجربة . بينما كل التجارب تكون موجهة بالنظرية وليست كل التجارب تتطلب المعمل . فبعض التجارب تقوم بشكل خاص علي الخيال حتي وإن كان دورها يتحقق بشكل زائد عن الحاجةُ . ماخ أكد علي أن قيمة تجارب الفكر تمثل تقنيات للكشف techniques of discovery (دائرة كورنو Carnot`s Cycle) كأدوات نقدية للبحث (نقد جاليليو لديناميكا أرسطو) من خلال استخدام أفكار الـ Gedankexperiment المختبرة في الفكر قبل اختبارها في المعمل " .

إلا أن التجارب من خلال الخيال كما يقول ماخ :" قد أجيزت في قرون عديدة قبل ماخ، ولذلك قال ماخ أنه رغم كونه تجريبي، إلا أنه أدرك المغزي الخاص للعلم . وتجارب الفكر مع تمثيلاتها وترتيباتها التجريبية الفرضية غالبا ما تتطلب برحيل جذري عن التمسك بالوقائع . فالعقل أو الفكر يتطلب قفزة، ليس فقط بمساعدة النتائج التجريبية ولكن ربما يكون من خلال الخيال فقط ".

وفي كتاب العلم والرياضيات أفرد "ماخ" بعض الصفحات لتحديد معنيGedankenexperimente، حيث كتب يقول :" نحن نلاحظ أن كل شئ يطبع نفسه بشكل غير مفهوم وغير محلل في تصوراتنا وأفكارنا  والتي تقوم بعد ذلك بتقليد عملية الطبيعة وفي أكثر وأعظم ملامحها المميزة . وفي تلك الخبرات المتراكمة فإننا نمتلك منجم الذي يقترب من جهة والذي منه فقط يكون الجزء الأصغر متجسد بوضوح في الفكر الواضح المفصل . الظرف يكون من السهل عليه اللجوء إلي تلك الخبرات من الطبيعة نفسها، وأنه بالرغم من هذا فله الحرية أن ينزع إلي كل ذاتية تَستثمرُهم بالقيمةِ العاليةِ

ومن ناحية اخري أكد ماخ أن :" تجربةَ الفكر تسبق التجربة الطبيعية وتمهد الطريق أمامها. وفي الواقع فإن أبحاث أرسطو الفيزيائية انبثقت معظمها من التجارب الفكرية التي فيها تتجسد مخازن الخبرة الباقية في الذاكرةِ، وخصوصاً في اللغة المستعملة. ومع ذلك فإن تجارب الفكر أيضا ضرورية كشرط سابق للتجربة الفيزيائية . كل مخترع وكل مجرب لا بد وأن يكون في عقله الأمر المفصل قبل أن يتحقق منه .

ثم يؤكد ماخ بأن "تجربة الفكر ليس لها نتيجة محددة، بمعني أنها ليست مرتبطة بتصور ظروف معينة واضحة وتوقع محدد للنتيجة . ثم في اللحظة التي تكون بين التجربة العقلية Intellectual Experiment، والتجربة الفيزيائية فإننا في العادة نعيش لحظة التخمين . ولهذا يقال بأننا نفترض عن طريق التخمين التحديد الأقرب والحاسم للنتائج. وهذا التخمين غير علمي ميثودولوجيا methodologically .ويمكن أن نوضح هذه العملية الطبيعية بأفضل الأمثلة الكلاسيكية. وعن الفحص الأقرب فإنه يصبح من الواضح بالنسبة لنا أن التخمين هو غالبا ما يمثل طريقة متفردة لتجنب الشكل الذي يأتي من خلال التجربة الفيزيائية . (الاستمرار الطبيعي لتجربة الفكر) . لقد إتجه جاليليو للتنظير (يعني هنا تجربة الفكر) قبل أن يبرهن تجريبيا علي حركة سقوط الأجسام . لقد فهم جاليليو ذلك فقط من خلال الاستبصار أو الانعكاس وذلك من خلال زيادات السرعة.وتجربة جاليليو فقط أصبحت ممكنة من خلال اختبار الفرض . وفي مثل حالة قانون Richmann الأخلاط Mixtures كان من خلال التخمين الذي ثبت من بواسطة إختبارِ تجريبيِ، وهناك جداً العديد مِنْ أمثلةِ هذا النوعِ.

ويري ماخ أن:" إن حصيلة هذا المنهج القائم علي التخمين هو ترتيب تجريبي معطى له إذا يمثل أيضاً قيمة تعليمية عالية. كما أن القواعد الذي يتعلمها تلميذ مدرسة كانت بالنسبة لي متمثلة منذ فترة قصيرة المعلم الذي يضع هذا المنهج ويعرف كيف يقيس مستوي الطالب pisko الذي جاء بمناسبة زيارته لمدرسته كان أحد المعلمين الممتازين الآخرين، وقد حذوت نفس هذا المنهج . ليس فقط الطالب ولكن حتي المعلم يكسب صفقة عظيمة من هذا المنهج . ومن خلال هذا المنهج يكون المعلم علي ما يعرفه تلميذه . بينما بعض التلاميذ يخمن الخطوة التالية من نتائج تخمين الآخرين الذي أصبح مألوفا بشكل عام . ومن الواضح بشكل حدسي أن ما يعتمد علي التخمين هو الذي سوف يكون هو المتاح . كما في قصة العبد في محاورة مينون لأفلاطون والذي أعتقد أن تضاعف لجوانب المربع الذي يضاعف أيضا منطقة المربع . وعن الاستماع بسهولة من طالب المرحلة الابتدائية بأن مضاعفة طولِ البندولِ تضاعف فترة التذبذب. الطالب المتقدم سيصل إلي حد ما إلي الابداع ولكن بأخطاء مماثلة. حتى هذه الأخطاء ستققل تدريجيا من حدة التعاطف مع الامتيازات بين ذلك المحدد خلال الارتباط  أَو التخمين . الطالب سيتعلم أن يميز بين القابل للحل من غير قابل للحل عموماً .

كما رأي ماخ بأن تجربة الفكر تمثل التحولات العظمي لتفكيرنا وتكشف الطرق الأهم للبحث ؛ ولذلك لكونها تعد أداة علمية خاصة تتوسط بين النظرية والتجربة من خلال استيعاب عقلي . علاوة علي أنها مطلوبة في تعليم العلم .

وفي الوقت الذي يعلي فيه ماخ من شأن التجارب الفكرية، كان هناك بعض الفلاسفة ينتقدون بشدة التجارب الفكرية، ومن هؤلاء الفلاسفة،:  العالم والفيلسوف الفرنسي "بيير دوهيم" Pierre Duhem  (1861-1916)، حيث نظر إليها بأنها "مزيفة ومضللة bogus and misleading  ؛ وأكد أنه لكي نشهد هذه التجربة لا بد أن تعمل التجربة عملها من خلال الوقائع التي يمكن التنبؤ بها بالفعل وفي هذا يتساءل دوهيم بتهكم :" ما الذي تكونه التجربة الفيزيائية علي وجه الضبط ؟ لاريب أن هذا السؤال سوف يثير دهشة أكثر من قارئ . هل ثمة حاجة لإثارته ؟ أليست الإجابة عنه بينة بذاتها ؟ ما الذي يمكن للتعبير  " القيام بتجربة في علم الفيزياء " أن يعنيه بحيث يتسني ملاحظتها بدقة باستخدام أجهزة مناسبة ؟ اذهب إلي المعمل واقترب من هذه المنضدة المكتظة بالأجهزة : نضيدة كهربائية، سلك نحاسي ملفوف بالحرير، أنابيب مليئة بالزئبق، ملفات، قضيب حديدي يحمل مرآة . يدخل الملاحظ ساق قضيب معدني مغطي بالمطاط في ثقوب صغيرة، فيتذبذب القضيب الحديدي ويرسل عبر المرآة شعاعاً يسلط علي مسطرة سيلولوز، فيتابع الملاحظ حركة الضوء الساقط . لا شك أن لدينا هنا تجربة، فيتذبذب بقعة الضوء يلحظ العالم الفيزيائي تذبذب القضيب الحديدي . اسأله عما يقوم به، فلن يخبرك بأنه يدرس تذبذب قضيب الحديد الذي يحمل المرآة، بل سوف يقول إنه يقيس درجة مقاومة الكهربائية . إذا سألته عن معني ما يقول وعن علاقته بالظاهرة التي ادركتماها معا في نفس الوقت، سوف يخبرك بأن سؤالك يستدعي تفسيرات مطولة وقد ينصحك بدراسة إحدى مواد علم الكهرباء . صحيح أن التجربة التي شاهدتها لتوك، كأي تجربة فيزيائية أخري، تتكون من جزأين . إنها تتكون من ملاحظة حقائق بعينها، وللقيام بهذه الملاحظة يكفي أن تكون يقظً ومنتبهاً إلي حد كاف بإحساسك . لا حاجة لك بالدراية بالفيزياء، وقد يكون مدير المعمل أقل مهارة في هذا الخصوص من مساعده من جهة أخري، فإنها تتكون من تأويل الحقائق الملاحظة . فللاقتدار علي إنجاز هذه المهمة لا يكفي أن تكون منتبها وأن تكون لديك عين مدربة، بل يتوجب أن تكون علي دراية بالنظريات التي تم التسليم بها وبكيفية تطبيقها . " .

ويستطرد دوهيم :" هناك أشياء أسوأ تمثلت في أغلب الأحيان التجربة الخيالية ليس فقط ليست مدرَكة، لكن عاجزة عن أَن تدرَك، يَفترض وجود الأجسامِ ليس مصَادَف في الطبيعةِ ومِنْ الخصائص الفيزيائية الذي ما سَبَق أَن لوحظ"

وعلي هذا الأساس صنف دوهيم تجارب الفكر علي أساس أن التجربة الفعلية المطابقة هي تجارب مستحيلة وغير فعالة وغير مؤدية للغرض والتجربة الفكرية بالتالي هي  التي لا يمكن أن تكون مؤدية بدقة وغير دقيقة فيزئائيا وهي تتميز بالسخف .

وننتقل إلي الحديث عن موقف كارل بوبر من تجارب الفكر ؛ حيث ذكر من قبل أنه قد خصص جزء للحديث عنها في رائعته الفلسفية " منطق الكشف العلمي "بعنوان" حول استعمال وسوء استعمال التجارب المتخيلة ولا سيما في نظرية الكوانتم On the Use and Misuse of Imaginary Experiments " ؛  فبوبر قد أثبت ثلاث استخدامات للتجارب الخيالية imaginary experiments ''  في الفيزياء : - المساعد علي الكشف النقدي critical  heuristic،  ويعطينا بوبر مثال لذلك تجربة سقوط الأجسام لجاليليو، حيث يعتبرها بوبر بأنها " واحدة من أعظم التجارب المتخيلة الهامة في تاريخ الفلسفة الطبيعية وواحدة من أبسط وأعظم الحجج  المتخيلة في تاريخ الفكر العقلاني بشأن عالمنا الكوني الذي تشكل من خلال نقد جاليليو لنظرية الحركة عند أرسطو .

ويشرح بوبر محاوره تلك التجربة فيقول:" إن تفنيد الافتراض الارسطوطاليسي يقوم علي أن السرعة الطبيعية للجسم الأثقل أكبر من السرعة الطبيعية للجسم الأخف . ولو أخذنا حركة جسمين كما برهن علي ذلك جاليليو من خلال فكرة الشخص الناطق فإن ذلك يعني أن السرعات الطبيعية لهذين الجسمين تكون غير متكافئة ولتوضيح ذلك إذا ربطناهم معاً فإن الجسم الأبطأ والأسرع سوف سوف يجعل الأخير وهو الأسرع جزئياً سوف يتجه ناحية الأبطأ، والأبطأ جزئيا سيزداد سرعته بواسطة الأسرع . ولذلك مثلا لو تحرك حجر كبير بسرعة ثماني خطوات وحجر آخر أصغر يتحرك بسرعة أربع خطوات فإن بعد التحاقهما مع بعض فإن النظام المركب سيتحرك بسرعة أقل من ثماني خطوات. ولكن الحجرين الملتحقين مع بعض يصنعان حجر أكبر من الأول والذي يتحرك بسرعة ثماني خطوات. ولذلك الجسم المركب (رغم أن الجسم المركب أكبر من الأول لوحده) ومع ذلك سوف يتحرك بشكل أبطأ من الأول لوحده، والذي علي عكس ما افترضت . ومنذ ذلك أضحي هذا الافتراض الارسطوطاليسي من الحجج التي بدأ تفنيدها وبيان تهافتها " .

ويعلق بوبر علي كل ذلك فيقول :" وأري أن في التجربة المتخيلة عند جاليليو نموذج متقن للاستخدام الأحسن للتجارب المتخيلة . إنها تمثل استخدام نقدي . ومع ذلك فإنني لا أرغب في أن أقترح أنه لا توجد طريقة أخري لاستخدام تلك التجارب .ولاسيما وأنه يوجد هناك استخدام كشفي heuristic use يكون متاحا . ولكن يوجد هناك استخدامات أقل قيمة أيضاً.

ثم يتنقل بوبر للحديث عن التجارب المتخيلة بشكل تبريري ومتعذر، فيؤكد أن تلك التجارب قام بها اصحاب تفسير كوبنهاجن the Copenhagen Interpretation، حيث أساؤا إستعمال التجارب المتخيلة :"   إن الغرض الأساسي من هذه الملحوظة، هو أَن يصدر تحذير ضدّ ما يمكن أن يسمي بالاستخدام التبريري للتجارب المتخيلة . وهذا الاستخدام يرجع فيما اعتقد إلي المناقشة لسلوكِ قياس القضبانِ والساعاتِ  measuring rods and clocksُ من وجهة نظر النسبية الخاصة . وفي البداية فإن تلك التجارب قد استخدمت  بطريقة إيضاحيِة وتفسيريِة – استخدام شرعي بشكل متقن . إلا أنه بعد ذلك وبالذات في مناقشة نظرية الكوانتم والتي كانت قد استخدمت في ذلك الوقت كحجج متمثلة في مزاج نقدي وفي مزاج دفاعي أو تبريري .(في هذا التطور فإن الجزء الهام قد برز من خلال الميكروسكوب التخيلي imaginary microscope عند هيزنبرج خلال الميكروسكوب الذي يمكن أن يلاحظَ الألكترونات .

وننتقل إلي الحديث عن مفهوم التجارب الفكرية عند توماس كون، حيث كتب سنة 1977، بحث بعنوان "وظيفة لتجارب الفكر"، وفي هذا البحث حاول تحليل الدور الذي تقوم به تجارب التفكير أو التجارب المتخيلة في توضيح مظاهر اللبس في معني المفاهيم والنظريات القائمة، وبالتالي تمهيد الطريق أمام ظهور مفاهيم جديدة غيرها .

وتجارب الفكر في نظر هي تلك التجارب التي تبدأ في الظهور عندما يتعرض النموذج الارشادي لأزمة أثناء فترة العلم القياسي، فتنشأ أسئلة عن التقنيات التجريبية الأساسية "منهجية النموذج الارشادي"، وعن الفروض الأساسية للبنية النظرية للنموذج الارشادي،وغالبا ما تنشأ الأسئلة الميتافيزيقية التي لم ترد أبدا صراحة في فترات العلم القياسي، فتكثر تجارب الفكر، التي تلعب دوراً نقدياً هاماً في تطور العلم الفيزيائي – كما يقول كون – لذلك يبدأ كون مقالته" وظيفة لتجارب الفكر " بعرض المواقف العلمية التي لم تفحص في المعمل، كما هو الحال مع قطار أينشتين المنطلق بسرعة الضوء، وميكروسكوب بور – هيزنبرج . فتؤدي هذه الحالة إلي إحداث سلسلة من الارتباطات، يفحص منها كون ثلاثة في (بحثه) ويبدأ في صياغة المشكلات الرئيسية التي تثيرها دراسة تجارب الفكر عن طريق سلسلة من الأسئلة، السؤال الأول هو : بالنظر إلي الموقف المتخيل في تجربة فكر لا يمكن أن يكون تحكمياً بشكل واضح فما هي شروط رجحان صدقه؟ وبأي معني ولأي مدي ينبغي للموقف أن يكون واحدا، بحيث يمكن للطبيعة أن تستحضره، أو سبق أن استحضرته في الواقع؟ ويؤدي هذا إلي سؤال ثان هو: " كيف يمكن، بالاعتماد الكلي علي معطيات مألوفة، أن تؤدي تجربة فكر إلي معرفة جديدة أو إلي فهم جديد للطبيعة؟ " ويؤدي هذا بدوره إلي إثارة السؤال الثالث وهو: "ما نوع المعرفة الجديدة أو الفهم الجديد الذي يمكن اكتسابه هذا؟ وما الذي أن يأمله العلماء، إذا كان ثمة ما يأملونه علي الإطلاق، في أن يتعلموا من تجارب الفكر؟ "ويجيب كون عن هذه الأسئلة من خلال توضيحات استقاها من التاريخ وعلم النفس معاً .

وهنا يناقش كون إحدى تجارب جاليليو المتخيلة التي انبثقت عن مظاهر اللبس التي تحيط بمفهوم السرعة في فيزياء أرسطو، ويستعين في التمهيد لتلك المناقشة بأحد أبحاث جان بياجيه عن تطور مفهوم السرعة عند الطفل .

ويشير كون إلي بياجيه أجري تجربة في معمله عرض فيها للأطفال عربتين من لونين مختلفين إحداهما حمراء والأخري زرقاء . ومن خلال كل فترة عرض تحركت كلتا العربتين بسرعة مطردة ف خط مستقيم، لكن في بعض المناسبات ستقطع كلتاهما نفس المسافة في فترات زمنية مختلفة . وفي بعض العروض الأخري كان الزمن المطلوب واحدا لهما، لكن إحدي العربتين ستقطع مسافة أكبر . وأخيرا كانت هناك تجارب قليلة كان فيها الزمن والمسافة مختلفين بالنسبة لهما . وبعد كل دورة سأل بياجيه الأطفال ما هي العربة التي تحركت أسرع وكيف عرفوا ذلك؟

لقد وصف الأطفال العربة التي تصل إلي الهدف أولاً أو التي تستبق الأخري في معظم فترة الحركة بأنها " الأسرع" . وهم يستمرون في هذا الوصف رغم أنهم يدركون أن العربة " الأبطا" قطعت مسافة أكبر من " الأسرع" . ولذا يطلق كون علي هذا المعيار اسم الوصول للهدف goal- reaching . لكن هناك تجارب أخري تثبت وجود معيار آخر . فعندما بدأت العربة الحمراء متأخرة جداً عن العربة الخري وتحركت بسرعة كبيرة كي تلحق بها عند الهدف فقد اعتبرها الأطفال هي الأسرع . وعندما سألهم بياجية كيف عرفوا هذا أجابوا بأنهم شاهدوها . وتبين هذه الإجابة أنه عندما تكون الحركة سريعة جداً . فإن من الممكن إدراكها مباشرة . ولذا يطلق كون علي هذا المعيار اسم " اللاتحديد الإدراكي perceptual blurriness . ويتعلم الأطفال شيئاً جديداً عن السرعة إذا اضطروا إلي تطبيق هذين المعيارين، كما أنهم سيضطرون إلي ذلك إذا عرضت الطبيعة موقفاً يصل فيه جسم ما إلي الهدف أولاً رغم أن سرعته المدركة علي نحو مباشر أقل . وفي تلك الحالات سيحدث صراع بين المعيارين، وبالتالي سيقول الأطفا أن كلا الجسمين أسرع وأبطأ في نفس الوقت . لكنهم في النهاية سيصلون إلي مفهوم الأشخاص البالغين عن في نفس الوقت . لكنهم في النهاية سيصلون إلي مفهوم الأشخاص البالغين عن الأسرع .

إن كون يطبق هذه التجربة علي فيزياء أرسطو، فيري أنه يعالج السرعة كفعل مكتمل ويصفه في إطار نقاط البداية والنهاية . ولهذا يشبه المفهوم الذي يقدمه عن السرعة ما نطلق عليه حالياً "متوسط السرعة average speed أي نسبة المسافة الكلية علي الزمن المنقضي . ويشبه هذا المفهوم معيار الوصول إلي الهدف لدي الأطفال . لكن بعض كتابات أرسطو تحتوي علي مفهوم تحتوي علي مفهوم آخر يدرك فيه أرسطو السرعة بصورة مباشرة بدون اعتبار نهاية النقطة، أي ما يمكن أن نصفه بالسرعة اللحظية instantaneous . ولذا فمن الطبيعي أن مفهومه عن السرعة كان يمكن أن يواجه مفارقات، مثله في ذلك مثل مفهوم الأطفال . وقد استعان جاليليو بالفعل بإحدى التجارب المتخيلة كي يعزل مظاهر الشذوذ هذه، فقد عرض لمحاوريه من أتباع أرسطو إحدى التجارب المتخيلة واضطرهم إلي استنتاج نتائج متناقضة حول مفهوم " السرعة" ولم يكن بالإمكان رفع هذه التناقضات إلا عن طريق التمييز بين معدل السرعة والسرعة اللحظية، فقد يكون الجسم أسرع إذا طبقنا أحد هذين المعنيين وأبطأ إذا طبقنا المعني الثاني . وبناءً علي هذا فإن هذه التجربة ساعدتهم عل تعديل مفهومهم عن السرعة . لكن هل معني هذا أن مفهوم أرسطو كان متناقضاً – ذاتياً؟

إن كون يرفض وصف مفهوم أرسطو عن السرعة بالتناقض الذاتي . فهذا المصطلح قد يصدق علي الدائرة المربعة . فالدائرة مربعة متناقضة ذاتياً بمعني أنه لا يمكن تمثلها في أي عالم ممكن، أما مفهوم أرسطو فيختلف عن ذلك . ويكمن الاختلاف في أن مفهوم أرسطو للسرعة، بما يحتويه من معيارين متزامنين، يمكن يحتويه من معيارين مترامنين، يمكن تطبيقه بدون صعوبة علي معظم الحركات التي نراها . ولا تظهر المشكلات إلا من تلك الفئة من الحركات – وهي الفئة النادرة جداً – التي يقود فيها معيار السرعة اللحظية ومعيار معدل السرعة إلي استجابات متناقضة في التطبيقات الكيفية . ولذا يرفض كون أن يصفه بأنه متناقض ذاتياً . ويبرر كون موقفه بأننا لا ينبغي أن نطالب مفاهيمنا بأن تكون قابلة للانطباق علي كل موقف يمكن أن يظهر في أي عالم ممكن . فلو كانت كل الحركات تحدث بسرعة مطردة، لكان مفهوم أرسطو صحيحاً تماماً .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

علي رسول الربيعيإن الأستعمال الأيديولوجي الفاقع وما يرايفقه في غالب سائد ثقافتنا من تسيب واضح في أستعمال المصطلحات وعدم الأنضباط المنهجي في وصف وتحليل وقائع إجتماعية - سياسية ومجريات تاريخية يضلل العقل ويزيف الحقيقة، لذا تجدنا نلتجأ لهذه الطريقة لمقاربة الحقيقة بطريقة دقيقة ومثالنا هنا وهو علة ماتقدم من قول: الديمقراطية. أيً سنتناول إبستيمولوجيا الديمقراطية .

نظرية المعرفة الاجتماعية ومبرر الديمقراطية

بدأت المناقشات الحديثة داخل الإبستيمولوجيا (نظرية المعرفة) من خلال ممارسة تقييم التسـويغ أو التبرير الإبستيمولوجي (المعرفي) للديمقراطية. لقد تم مناقشة  هذا الموضوع من قبل فلاسفة السياسة في المقام الأول، كشرط مسبق ضروري للشرعية الديمقراطية التي يجب أن تنظم إلى صفوف التبرير الأخلاقي والسياسي. لقد ظل فلاسفة السياسة يرون منذ زمن طويل أن الديمقراطية، بالإضافة إلى تبريرها كنظام عادل سياسياً وأخلاقياً، ينبغي أن تكون نظامًا اجتماعيًا مبررًا أيضًا، أي نظامًا ينتج قرارات بأعلى جودة معرفية. اكتسبت مسألة السمات الإبستيمولوجية (المعرفية) للديمقراطية، على الرغم من كونها موضوعًا معرفيًا واضحًا، مؤخرًا زخمًا باعتبارها مهمة مشروعة للإبستيمولوجيا الاجتماعية. وإن النهج التوسعي للإبستيمولوجيا الاجتماعية واضح في تقييمه السمات المعرفية لإجراءات اتخاذ القرارات الديمقراطية وتأثير النظم الاجتماعية على النتائج المعرفية.[1] على الرغم من أنه ليس من الضروري مناقشة الطبيعة متعددة التخصصات لهذا الموضوع - والتي تشمل الاعتبارات المعرفية والفلسفية والسياسية والأخلاقية - فإن الدافع الأولي لإدخال موضوع الديمقراطية في الإبستيمولوجيا الاجتماعية هو جوهري للإبستمولوجيا ايضاً. تتمثل مهمة الإبستيمولوجيا الاجتماعية في الاستكشاف النقدي للخصائص المعرفية للمؤسسات والنظم الاجتماعية من أجل تقييم وتحسين أنظمة تكوين المعتقدات ومراجعتها، وإصدار الأحكام والقرارات والسياسات. إنها تشجع، بالتالي، نتائج معرفية أكثر مسؤولية، وعقلانية ومبررة وصادقة، أو على الأقل يهدف إلى إعاقة تلك التي هي غير مسؤولة وغير عقلانية وغير مبررة.

إن ضرورة تحليل الديمقراطية من وجهة نظر إبستيمولوجية تجعل من غير الممكن أو المرغوب فيه إجراء تحقيقات معرفية مجردة ومعزولة. فأرى إمكانات أكبر بكثير في النقاش الذي يفترض منظوراً  مختلطاً متشابكاً ويتعامل مع تبرير الديمقراطية من خلال تقييم انسجامها مع القيم الأخلاقية / السياسية والإبستمية (epistemic) (المعرفية). وفي سياق مماثل، تتطابق الاتجاهات الحالية في الفلسفة السياسة والإبستيمولوجيا الاجتماعية التي طورت بدورها ممارسة لتقييم التأثير الإبستمي-المعرفي للديمقراطية يتوافق  تمامًا مع السمات الأساسية للمنظور المختلط.[2] إذا كان يجب أن تكون الديمقراطية أو نماذج من عملية صنع القرار الديمقراطي مبررة أخلاقيا / سياسيا وإبستيمولوجيا على حد سواء، فإن أي مبرر يمكن اعتباره ذا معنى وفعال يتطلب: الأنسجام بين الإبستمي (المتعلق بالمعرفة أو الى درجة التحقق من صحتها) والرغبات والفضائل الأخلاقية / السياسية.

سأبدأ بافتراضين لا يتطلبان حاليًا شرحًا مفصلاً، لكن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أنه لا يمكن مناقشتهما بشكل مثمر في سياقات أخرى. يتعلق الأول بضرورة  التسويغ الإبستيمولوجي للديمقراطية، أو الموقف القائل بأن شرعية جميع المؤسسات والأنظمة - وخاصة الديمقراطية كترتيب  اجتماعي شامل - يجب أن تستند إلى أدلة كافية على أنها تلبي، كبنية اجتماعية، إلى الحد الأقصى تشكيل معتقدات أو قرارات  عاليًة الجودة ابستميا (معرفيا). بمعنى آخر، أن تكون هذه المعتقدات أو القرارات صحيحة أو موصلة الى الحقيقة أو لها ما يبررها وفعًالة في حل المشكلات أو تصحح أو تستمد من الحجج / الأسباب، المسؤولة عن المعرفة أو ما شابه.[3] والافتراض الأولي الثاني هو أن الديمقراطية التداولية، على عكس الديمقراطية التجمعية (التي تعتمد حاصل جمع الأصوات)، لها فوائد إضافية لتشجيع النقاش العام باعتبارها تمتلك صفة مثلى أخلاقياً وسياسياً ومعرفياً للديمقراطية.[4] يستلزم هذا الافتراض طرح هو أن التركيز على المناقشة الملازمة للديمقراطيات التداولية يتضمن بالفعل على ميزة أولية معرفية تتطلب مزيدًا من الفحص و التدقيق. أيً، تعتمد الديمقراطية التداولية على فكرة، أن شرعية المواقف السياسية الأساسية يجب أن تستند إلى مناقشات عامة بين المواطنين لأن هذه الممارسة يمكن أن تحسن اتخاذ القرارات السياسية والمعرفية، مما يسهل تحقيق المثل العليا مثل التشريعات العقلانية، السياسات التشاركية، الإدارة المدنية الذاتية والاستقلالية العامة المستمدة من المداولات المدنية. باختصار، لأن هدفي ليس مناقشة شرعية الديمقراطية كنظام سياسي أو مقارنة الديمقراطيات التداولية والتجميعية، سأفترض أن الديمقراطية التداولية هي أحتمالاً- على الأقل بالمقارنة مع الأنظمة الأخرى المتاحة - لإنتاج قرارات ذات جودة معرفية عالية. هدفي الأساسي هو تحديد أي أشكال من الديمقراطية التداولية ومن النقاش العام يدعم بشكل أمثل إنتاج القرارات المرغوبة معرفيًا وتكون مبررة أخلاقًا / سياسيًا.

 إنه من المفتراض، قبل كل شيء، أهمية التبرير المعرفي للديمقراطية التداولية، ولكن نلاحظ أن العديد من فلاسفة السياسة يتجاهلون أو حتى يعارضون أهمية أي تبرير معرفي في تحديد الشرعية الديمقراطية. يعود موقفهم هذا الى حقيقة أنهم لا يقيّمون الشرعية من ناحية عملية صنع القرار، بل يركزون بدلاً من ذلك على تبرير الدول الديمقراطية والحكومات المنتخبة ديمقراطياً.[5] مع افتراض أن المفهوم السياسي للعدالة هو المبرر للمؤسسات السياسية والاجتماعية والاقتصادية في مجتمع ديمقراطي تعددي.[6] من ناحية أخرى، يعتبر بعض المُنظرين أن التبريرالإبستيمولوجي (المعرفي) ذو صلة  بما تقدم، لكنهم يركزون على توضيح السمات المعرفية للديمقراطية التجميعية. يمكن توضيح ذلك من خلال مناقشات واسعة حول نظرية كوندورسيه الشهيرة،[7] أو الرأي القائل بأنه يمكن التوصل إلى القرارات الصحيحة من خلال تجميع المواقف المختلفة بشكل ديمقراطي.[8] أنا أعتبر، بأي حال من الأحوال، أن هذه المواقف لا أساس لها أو يمكن دحضها بسهولة. ومع ذلك، على الرغم من أنني سأنظر أحيانًا في حججهم، فإن افتراضاتي الأولى هي أن (1) المبررات الإبستيمولوجية/ المعرفية للديمقراطية ضرورية لضمان شرعيتها وأن (2) الديمقراطية التداولية، بسبب احترامها للأسباب والنقاش، من الأرجح أن يكون مبررًة معرفيًا. من أجل توضيح هذه الافتراضات، أريد أن ابدأ في شرح المبادئ التاريخية الأساسية للديمقراطية التداولية وتبريرها المعرفي ثم أنتقل، بعد ذلك، الى التوترات المحتملة بين التبرير المعرفي و التبرير الأخلاقي / السياسي كتحدي رئيسي للتقييمات المختلطة للديمقراطية التداولية.  وفي ذهني  أنهي هذه الدراسة بتحديد ثلاثة مقاربات ممكنة للتبرير المختلط للديمقراطية التداولية: الإجرائية والتوافقية وديمقراطية الموثوقية ( reliability democracy ).

لذا أريد أن اتناول  في المقال القادم التسـويغ الإبستيمولوجي (التبرير المعرفي) للديمقراطية التداولية

 

 

 

 الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.........................

[1] Goldman, Alvin I2010b. 'Epistemic Relativism and Reasonable Disagreement', in Feldman, Richard and Ted A. Warfield (eds.), Disagreement (Oxford: Oxford University Press), pp. 187-215

[2] Estlund, David. 2008a. 'Epistemic Proceduralism and  Democratic  Authority',  in Geenens, Raf and Ronald Tinnevelt (eds.), Does Truth Matter? Democracy and Public Space (Springer: Dordrecht), pp. 15-27

Fricker, Miranda.2007. Epistemic Injustice (Oxford: Oxford University Press)

وأنظر ايضا، توماس كريستينو، "المداولات العقلانية بين الخبراء والمواطنين"،في:

 Mansbridge Jane and John Parkinson (eds.), The Deliberative System (Cambridge: Cambridge University Press), pp- 27-51

[3] إن تحديد القيم المعرفية التي يجب أن تحظى بالأولوية عند تقييم الجودة المعرفية للقرارات الديمقراطية أو التبرير المعرفي للديمقراطية يتجاوز نطاق اهتماماتنا الحالية. من الواضح أن المنظور الإبستمي- المعرفي يتطلب مقاربات مختلفة للدفاع عن أطروحة أن النظام الديمقراطي شرعي طالما أنه يحل مشاكل مواطنيه بكفاءة (هذه الأطروحة البرغماتية- العملية مدعومة، على سبيل المثال من قبل، فيليب كيتشر الذي سأذكر مصدره لاحقا)، مدعيا أنه لا يمكن أن تكون شرعية الا إذا اتخذت قرارات على أساس آليات موثوقة وحساسة تجاه الحقيقة (كما اقترح جولدمان وكريستيانو) أو اقترحت، كما اعتزم، أن يكون الإطار المعياري المناسب لتقييم الديمقراطية مرتبطًا على الأقل بنظرية المعرفة بالفضيلة. ومع ذلك، تعتمد هذه الدراسة على الموقف الذي مفاده أن تقييمات المؤسسات الاجتماعية يجب أن تنطوي على قيم معرفية. لا يمكننا المضي قدمًا في تحديد المعايير المعرفية والقيم والواجبات ذات الصلة إلا بعد  الأتفاق مبدئيًا على أهمية تقييم التبرير المعرفي للمؤسسات والممارسات والنظم. من الأهمية بمكان ملاحظة  أن أي مقاربة سابقة للقيم المعرفية لا يمكن أن تتعلق بمناقشتنا للتبرير المعرفي للديمقراطية إلا إذا التزمت بالادعاء الأساسي بأن القيم المعرفية تمتلك صلاحية موضوعية معيّنة. لمعرفة المزيد، راجع:

Goldman, Alvin I. 2010a. 'Why Social Epistemology is Real Epistemology?', in Haddock, Adrian, A. Millar and D. Pritchard (eds.), Social Epistemology (Oxford: Oxford University Press), pp. 1-29.

Kitcher, Philip.201la.  Science in a Democratic Society (Amherst, NY: Prometheus Books)

Christiano, Thomas. 2012. 'Rational Deliberation between Experts and Citizens', in Mansbridge

Jane and John Parkinson (eds.), The Deliberative System (Cambridge, MA: Cambridge University Press), pp- 27-51

[4] يصو أنصار الديمقراطية الجماعية عملية التصويت على أنها ميزة فريدة وأهم من سمات صنع القرار الديمقراطي، بحجة أن دمج التفضيلات الفردية يتوافق بدقة أكبر مع الخيار الجماعيأنظر على سبيل المثال: Arrow, Kenneth J. 1963. Social Choice and Individual Values, sec. ed. (New York: Wiley)،

 بينما يرى أنصار الديمقراطية التداولية أن عمليات صنع القرار أكثر تعقيدًا. يجب أن تضمن مسؤولية متابعة التصويت بمناقشات عامة، وبالتالي تشجيع المشاركة المدنية المتساوية والعادلة للمواطنين في التعبير عن مواقفهم الفردية. للمزيد، انظر :

Manin, Bernard. 1987. 'On Legitimacy and Deliberation', Political Theory,15:338-368.

 Peter, Fabienne. 2008. Democratic legitimacy (New York: Routledge).

 [5] ماكس فيبر على سبيل المثال:

Weber, Max. 1964. The Theory of Social and Economic Organization (Basingstoke: Macmillan)

[6] John Rawls. 1993. Political Liberalism (New York: Columbia University Press).على سبيل المثال:

[7] نظرية كوندرسيه عن المحلفين هي نظرية في العلوم السياسية حول الاحتمال النسبي لمجموعة معينة من الأفراد الذين يصلون إلى قرار صحيح.  عبر ماركيز دي كوندورسيه عن هذه النظرية أول مرة في مقالته عام 1785 حول تطبيق التحليل على احتمال قرارات الأغلبية. أيً، إنها نظرية حول الاحتمال النسبي لمجموعة معينة من الأفراد الذين يصلون إلى قرار صحيح. ... إذا كانت p أكبر من 1/2 (من المرجح أن يصوت كل ناخب بشكل صحيح)، فإن إضافة المزيد من الناخبين تزيد من احتمال أن يكون قرار الأغلبية صحيحًا.

https://en.wikipedia.org/wiki/Condorcets_jury_theorem

[8] على سبيل المثال:

Christian List and Robert E.Goodin. 2001. 'Epistemic Democracy: Generalizing the Condorcet Jury Theorem', The Journal of Political Philosophy 9(3): 277-306; Robert E. Goodin. 2003. Reflective Democracy (Oxford: Oxford University Press).

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن تجليات تجارب الفكر في تاريخ العلم، حيث نتحدث في هذا المقال عن تجربة عفريت ماكسويل  Maxwell's demon وهي تجربة فكرية أوجدها الفيزيائي الاسكتلندي جيمس كلارك ماكسويل عام 1871م، "لإثبات أن القانون الثاني الخاص بالديناميكا الحرارية ذو حقيقة إحصائية فقط". توضّح التجربة الافتراضية وجهة نظر ماكسويل عن طريق وصف كيفية نقض القانون الثاني. تعتمد التجربة على تقسيم وعاء متخيل إلى جزئين عن طريق جدار عازل، يحوي الجدار بابا يمكن فتحه وإغلاقه بواسطة ما أطلق عليه لاحقا "عفريت ماكسويل". يستطيع العفريت الافتراضي أن يسمح لجزيئات الغاز "الساخنة" فقط بالتدفق إلى جانب مفضل من الغرفة مما يسبب ارتفاع حرارة ذلك الجانب تلقائيا فيما يبرد الجانب الآخر.

إن تجربة ماكسويل كانت تهدف إلي طرح تساؤلات حول إمكانية خرق القانون الثاني في الترموديناميك. ينص القانون الثاني في الترموديناميك على منع إمكانية (بناء على استحالة إحصائية) أن يقوم جسمين ذوي درجة حرارة واحدة، عندما يكونان على اتصال ليشكلا جملة أو نظام معزول عن الكون المحيط بهما، فإنه من المستحيل أن يتطورا مع الزمن لحالة جديدة يكون فيها أحدهما أعلى حرارة من الآخر. بهذه المقولة يؤكد القانون الثاني في الترموديناميك أنه في نظام معزول isolated system، لا يمكن للإنتروبية أن تنقص. عنونة أغنية في ألبومه رؤى باسم: "عفريت ماكسويل.

وقد صف ماكسويل المفهوم بأنه "كينونة محدودة" عند تقديمه له في رسائله إلى زملائه وفي كتابه نظرية الحرارة. ظهرت التجربة الفكرية أول مرة في رسالة كتبها ماكسويل إلى بيتر غوثري تايت في الحادي عشر من ديسمبر عام 1867. ومن ثم ظهرت ثانية في رسالة إلى جون ويليام سترت في عام 1870 قبل أن تقدم الفكرة إلى العموم في كتاب ماكسويل نظرية الحرارة الذي نشر في عام 1871 وكان موضوعه الديناميكا الحرارية. كان ويليام ثومبسون (لورد كالفين) أول من استخدم كلمة "عفريت" لوصف مفهوم ماكسويل في مجلة "طبيعة" في العام 1874، وضمّن المقال بأنه قد قصد الجانب الروحي للكلمة وليس جانب الأذى الذي قد توحي به.

وقد كان القانون للديناميكا الحرارية (عبر الاحتمالية الإحصائية) يضمن أن يتطور جسمان بحرارة مختلفة عند وضعهما في حالة احتكاك مع بعضهما وعزلهما عن باقي الكون إلى توازن ديناميكي حراري بحيث يصبح لكلا الجسمين ذات الحرارة تقريبا كما ويعبر عن القانون الثاني عن طريق التأكيد أن الإنتروبي لا يتناقص أبدا في نظام معزول .

تصوّر ماكسويل تجربة فكرية كوسيلة تعزز فهم القانون الثاني حيث وصف التجربة كما يلي:

...إذا ما تصورنا كائنا ذا قدرات مشحوذة جدا بحيث يمكنه تتبع كل جزيء في مساره، فإن مثل هذا الكائن-ذي الصفات المحدودة أساسا كصفاتنا نحن-لا بد سيكون قادرا على فعل ما هو مستحيل بالنسبة لنا. وذلك لأننا رأينا أن الجزيئات في وعاء مملوء بالهواء وذي حرارة منتظمة تتحرك بسرعة غير منتظمة بأي حال من الأحوال، برغم أن السرعة المتوسطة لأي عدد كبير منها-عند اختيارها عشوائيا-هي منتظمة تقريبا. والآن فلنفرض أن مثل هذا الوعاء مقسّم إلى قسمين: أ وب عن طريق حاجز يحوي ثقبا صغيرا، ولنفرض أيضا أن الكائن الذي بمقدوره أن يرى الجزيئات المفردة يقوم بفتح الفتحة وإغلاقها بحيث يسمح للجزيئات الأسرع فقط بالمرور من أ إلى ب وللجزيئات الأبطأ بالعبور من ب إلى أ. لذا سيقوم هذا الكائن-دون أي جهد يذكر- برفع حرارة ب وخفض تلك في ب مما يناقض القانون الثاني للديناميكا الحرارية....

وبعبارة أخرى، يتخيل ماكسويل وعاء واحدا مقسما إلى جزئين (قسمين)، أ وب. كلا الجزئين يملؤه نفس الغاز في درجة حرارة متساوية ووضع الجزءان بجانب بعضهما. يقوم عفريت خيالي بحراسة باب مسحور بين الجزئين ومراقبا الجزيئات في كلتا الجهتين. عندما ينطلق جزيء أسرع من المتوسط نحو الباب المسحور يقوم العفريت بفتحه وهكذا يحلّق الجزيء من الجزء أ إلى الجزء ب. سيتزايد متوسط السرعة للجزيئات في الجهة أ بينما يتباطأ في الجهة ب. بما أن متوسط سرعة الجزيء تتوافق مع الحرارة فإن الحرارة ستتناقص في الجزء أ وتتزايد في الجزء ب على نحو يخالف القانون الثاني للديناميكا الحرارية .

وقد لقيت تجربة ماكسويل انتقادات عديدة منها :- أنه لا يمكن نقض القانون الثاني للديناميكا الحرارية فعليا إذا ما أجري تحليل أكثر اكتمالا لكل النظام بما في ذلك العفريت. تتأتى أهمية هذا البرهان الفيزيائي من واقع إثبات أن أي عفريت يجب أن ينتج اعتلاجا (انتروبي) أكثر يقوم بفصل الجزيئات أكثر مما يستطيع إبعادها بواسطة الطريقة الموصوفة. بمعنى أنه تلزم طاقة أكبر لقياس سرعة الجزيئات والسماح لها بالمرور انتقائيا عبر الفتحة بين أ وب من كمية الطاقة التي يوفرها اختلاف الحرارة الناتج عن هذا الانتقال.

أحد أشهر الردود على هذا السؤال تم اقتراحه من قبل ليو سزيلارد في عام 1929 وبواسطة ليون بريلون فيما بعد. أشار سزيلارد أن عفريت ماكسويل لا بد أن يمتلك بعض الطرق لقياس سرعة الجزيء في الحياة الواقعية وأن فعل اكتساب المعلومة يتطلب بذل الطاقة. ينص القانون الثاني على أن الانتروبي الكلي لنظام معزول لا بد سيزداد. بما أن العفريت سيتفاعل مع الغاز فلا بد أن نأخذ باعتبارنا الانتروبي الكلي للغاز والعفريت مجتمعين.ستكون الطاقة التي يبذلها العفريت سببا في زيادة الانتروبي الخاص بالعفريت، والذي سيكون أكبر من خفض الانتروبي بواسطة الغاز. على سبيل المثال، إذا ما كان العفريت يقوم بتفقد مواقع الجزيئات بواسطة مصباح يدوي فإن بطارية المصباح هي جهاز ذو اعتلاج ضئيل وينتظر حدوث تفاعل كيماوي. فيما تُستهلك طاقة البطارية لبعث الفوتونات (والتي سيتم الآن احتساب الاعتلاج الخاص بها هي أيضا)، فإن رد الفعل البطارية الكيماوي سيستمر وبذلك سيزداد اعتلاجها بأكثر من تعويض النقص في اعتلاج الغاز.

في العام 1960، قدم رولف لانداور استثناء لهذا الإثبات فقد أدرك أن بعض عمليات القياس لا تحتاج إلى رفع اعتلاج الديناميكا الحرارية طالما كان بالإمكان عكسها بواسطة الديناميكا الحرارية. اقترح لاندوار أنه بالإمكان استخدام هذه القياسات "المعكوسة" لفرز الجزيئات مما ينقض القانون الثاني. على أي حال وتبعا للعلاقة بين اعتلاج الديناميكا الحرارية واعتلاج المعلومات، فإن هذا يعني أيضا أنه لا يجوز محو القياسات التي تم تسجيلها. بعبارة أخرى، لتحديد جانب البوابة الذي يجب أن يتواجد عنده الجزيء فعلى العفريت أن يكتسب معلومات عن حالة الجزيء ومن ثم يقرر نبذها أو تخزينها. سيؤدي تجاهلها إلى زيادة فورية في الاعتلاج ولكن لن يستطيع العفريت تخزينه إلى أجل غير مسمى؛ في عام 1982 أثبت بينيت أن مهما كان استعداد العفريت جيدا فلا بد أن تنفذ المساحة التي يخصصها لتخزين المعلومات في النهاية ولا بد أن يبدأ بمحو المعلومات التي جمعها قبلا. محو المعلومات هي عملية لا يمكن العودة عنها بالديناميكا الحرارية والتي ستزيد من اعتلاج النظام. (يواجه الكثير من الناس هذه المشكلة المتمثلة في نفاذ مساحة التخزين على حواسيبهم ولكن لحسن الحظ يتوفر حل بسيط ألا وهو مسح بعض البيانات غير الضرورية).

يمكن لعفريت ماكسويل أن يقوم بالمثل ألا وهو شطب البيانات السابقة. ولكن عملية الحذف من الذاكرة هي عملية لا يمكن التراجع عنها تحديدا. بمجرد أن تحذف البيانات الموجودة على جزء من الذاكرة معيدا جميع البيتات إلى حالة الصفر سيصير من المستحيل إعادة تجميع البيانات الأصلية من سلسلة الأصفار هذه. تزيد هذه العملية التي لا يمكن عكسها من الاعتلاج بمقدار س لن2 لكل بت (بالإنجليزية: Bit). أدرك بينيت أن كل دورة من دورات سزيلارد تحتاج إلى وحدة تخزين واحدة. الاعتلاج الذي يتزايد عند مسح هذه الوحدات (البتات بالإنجليزية: Bits) يعوض نقص الاعتلاج الذي يتسبب به العفريت. ولذا فإن الاعتلاج لا ينقص حين ننظر إلى النظام ككل مما يعني أنه قد تمت المحافظة على القانون الثاني. على الرغم من أن بينيت قد توصل إلى الاستنتاج عينه الذي ذكره سزيلارد في ورقته العلمية وهو أنه لا يمكن لعفريت ماكسويل أن ينقض القانون الثاني وذلك لأنه سيتم إنشاء الاعتلاج فلا بد أنه قد توصل إلى هذه النظرية بأسباب مختلفة والأسباب لها نفس أهمية النتائج في العلم.

ومع ذلك، ناقش كل من جون إيرمان وجون نورتون توضيحات سزيلارد ولاندوير لعفريت ماكسويل ابتداء بفرضية أنه لا يمكن نقض القانون الثاني للديناميكا الحرارية وبهذا قدما إثباتهما على أن ليس بمقدور عفريت ماكسويل أن ينقض مسار القانون الثاني.

ب- : أهم تجارب الفكر في فلسفة العقل :-

1- تجربة كواين دعوي اللاتحديد في الترجمة

عرض كواين " دعوي اللاتحديد في الترجمة " في غير موضع من كتاباته، مثل مقال " المعني والترجمة "، عام 1959، وكتاب " الكلمة والشئ " عام 1960، وكتاب " النسبية الانطولوجية  ومقالات أخري " عام 1969، ومقال " في أسباب اللاتحديد في الترجمة " عام 1970، ومقال " اللاتحديد في الترجمة مرة أخري، عام 1987، وكتاب " ملاحقة الصدق "، عام 1990،وكتاب من المثير إلي العلم، عام 1995، وفي ردوده الكثيرة علي نقاده، وتتخذ دعوي اللاتحديد في الترجمة عدة صور جاء في طليعتها " تجربة الفكر " المتمثلة في الترجمة الجذرية radical translation . والترجمة الجذرية هي ترجمة لغة لبشر لم يتصلوا بغيرهم حتي اليوم . وإليك خلاصتها : هب أنك عالم لغة ذهبت بصحبة صديق فيلسوف إلي قبيلة من العصر الحجري تعيش في غابة معزولة تماماً . وتسعي إلي ترجمة لغة هذه القبيلة إلي اللغة العربية . وما دامت لغةهذه القبيلة خاصة بها، فلن يكون في مقدورك الاستعانة بمعاجم أو الاستعانة بالبني النحوية المشتركة بين هذه اللغة والعربية . ولن يكون في مقدورك أيضاً الإفادة من الدراسة التاريخية للأصول المشتركة بين اللغات، ما دامت لغة هذه القبيلةلا صلة لها بلغات أخري . وفي صباح اليوم التالي خرجت وصديق مع بعض الصيادين من أفراد هذه القبيلة للإستماع إليهم ومشاهدتهم وهم يمارسون جانباً من الحياة ويستعملون اللغة التي تبغي تعلمها وترجمتها إلي لغتك . وبينما تسيرون في الغابة، وثب أرنب بعيداً عن الأشجار والحشائش حتي صار في مجال الرؤية الواضحة . وهنا أشار أحد الصيادين قائلاً لزميله من أبناء القبيلة بهدوء (Gavagai)، وفتحت دفتر ملاحظتك وكتبت gavagai = أرنباً . وشاهد صديقك الفيلسوف ما شاهدته، ومع ذلك تساءل : هل أنت متأكد من gavagai تعني أرنباً ؟ وكان جوابك : بكل تأكيد . وهل يمكن أن تعني شيئاً آخر ؟ ورد صديقك : ألا يمكن أن تعني " جزءً غير منفصل من الأرنب " " أو " الذبابة التي تلازم الأرنب " ؟ ولعلك تميل في بادئ الأمر إلي رفض رد صديقك باعتباره يمثل نوعاً من الجدل الذي يفتن به الفيلسوف، ولكنك عندما تفكر علي مهل يتبين أن صديقك ربما يكون محقاً فيما قال . إن المعطيات الوحيدة المتااحة أمام عالم اللغة هي القوي التي تصطدم بحواس الصيادين (أبناء القبيلة الأصليين)، وسلوكهم القابل للملاحظة سواء كان لغوياً (متمثلاً في الكلام) أو غير لغوي (متمثلاً في الإشارة). والاعتماد علي هذه المعطيات وحدها هو ما تؤكده السلوكية عند تفسير السلوك اللغوي . والرأي عند كواين أنه لا يوجد شئ في سلوك الصيادين أو البيئئة المحيطة بهم يمكن أن يجيب إجابة محددة عن السؤال عما إذا كان الصياد يعني بكلمة Gavagai " أرنباً " أو " جزءً غير منفصل من الأرنب ".

وهذه التجربة وجدت أعتراضات من قبل بعض الفلاسفة، فنجد جون سيرل يرد علي كواين في مقال " اللاتحديد والتجريبية والمتكلم " (الذي نشر أولاً في "مجلة الفلسفة "عام 1987، وأعاد سيرل نشره في كتابه الوعي واللغة عام 2002) ليوضح أن دعوي اللاتحديد في الترجمة لا تثبت غموض الإشارة كما أراد كواين، وإنما تثبت أن السلوكية مخفقة في دراسة علم النفس واللغة . صحيح أن كواين لا ينكر وجود الحالات والعمليات العقلية الداخلية، ولكنه يعتبرها غير مفيدة وغير ملائمة لتطوير نظرية علمية تجريبية في اللغة .

2- تجربة الحجرة الصينية عند جون سيرل

وضع سيرل حجة الحجرة الصينية علي هيئة تجربة فكر (وتجربة الفكر بصفة عامة هي طريقة يمارسها الفلاسفة وغيرهم لاختبار فرض معين عن طريق تخيل موقف وما يقال عنه) وتقول تجربة الفكر : هب أنك قد حجزت في حجرة، وفي هذه الحجرة سلات عديدة ممتلئة بالرموز الصينية (قاعدة البياناتdatabase ) . ولنتخيل أنك (مثلي) لاتفهم كلمة من اللغة الصينية، ولكنك أعطيت كتاباً للقواعد باللغة العربية لتعالج هذه الرموز الصينية (البرنامج) . وتحدد القواعد عمليات معاجة manipulation الرموز بطريقة صورية خالصة، وفي حدود تركيب Syntax هذه الرموز وليس دلالتها semantics . ولنتخيل أيضاً أن بعض الرموز الصينية الأخري قد أرسلت إلي الحجرة، وأنك قد أعطيت قواعد إضافية لرد الرموز الصينية إلي خارج الحجرة . وهب أنه من غير المعروف بالنسبة لك أن الرموز التي أرسلت إلي الحجرة يسميها الناس خارج الحجرة باسم "أسئلة" (المدخل input) وأن الرموز التي التي رددتها خارج الحجرة تسمي " إجابات علي الأسئلة" (المخرج output) . ولنفترض بالإضافة إلي ذلك أن المبرمجين كانوا جيدين جداً في وضع البرنامج، وأنك كنت جيدا جدا في معالجة الرموز، وان إجاباتك التي جاءت بسرعة بالغة يتغذر تمييزها من إجابات المتكلم الأصلي للغة الصينية . وها أنت محجوز في حجرتك تعدل رموزك الصينية وترسل رموزا صينية في الرد علي الرموز الصينية الواردة . وعلي أساس الموقف الذي وصفته لا تستطيع أن تتعلم علي الإطلاق أي رموز صينية عن طريق معالجة الرموز الصورية .

ويؤكد بعض الباحثين أن الفكرة الأساسية في هذه الحجة هي : إذا كان الشخص الموجود في الحجرة لا يفهم كلمة واحدة من اللغة الصينية علي أساس تنفيذ برنامج الكمبيوتر المناسب لفهم اللغة الصينية، فمن الطبيعي ألا يفهم الصينية أي كمبيوتر رقمي آخر علي هذا الأساس، والسبب بسيط للغاية، وهو أن الكمبيوتر لا يملك شيئاً أكثر مما يملكه الإنسان داخل الحجرة الصينية . وهذه الحجة ذات بنية منطقية شأنها في ذلك شأن أية حجة أخري، وتتالف هذه البنية من ثلاث مقدمات تلزم عنها نتيجة علي النحو التالي:

1- البرامج تركيبية بكل معني الكلمة .

2- العقول تملك دلالة.

3- التركيب ليس هو نفس الدلالة ولا يكفي بذاته للدلالة .

وبالتالي، فإن البرامج ليست عقولاً، وهذا هو المطلوب إثباته .

ومن الناحية المنطقية فإن بيان بطلان أية حجة يتطلب أمرين: إثبات كذب إحدي مقدماتها أو إثبات أن نتيجتها لا تلزم عن المقدمات . وفي رأيي أن الجدل الذي يدور حول هذه الحجة لا يتعلق بصدق المقدمات ولا بصحة النتيجة، وإنما يتعلق بما يمكن فهمه من الحجة، وليس أدل علي صواب ما نذهب إليه من ان أحداً لم يستطع تفنيدها حتي الآن .

3- تجربة الأرض التوأئمية لبوتنام

تجربة الأرض التوأمية هي تجربة فكر قدمها هيلاري بوتنام في كتابه " المعني والإشارة " عام 1973،  ثم ذكرها أيضا في كتابه معني المعني  وتقوم التجربة علي فكرة أنه إذا افترضنا بأنه يوجد في مكان آخر في الكونِ كوكب بالضبط  يشبه كوكب الأرضِ في شئ ، فالكوكب يدور حول نجم كما تدور الأرض حول الشمس، وفي هذا الكوكب أشخاص نفس الأشخاص الموجودين علي الأرض، وهذا ما نطلق عليه الأرض التوأئمية. بيد أن الكوكب يتشابه مع الآرض في كل شئ ما عدا شئ واحد وهو أنه ليس هناك ماء على الأرضِ التوأميةِ ويعني هنا الكوكب المشابه للأرض ويوجد بدلا من الماء سائل liquid وهو شبيه بالماء لكن كيميائيا لا يشبه الماء، فإن كان الماء علي أرضنا يتكون من (يد2أ)، أما السائل الشبيه الماء فيتكون من صيغة معقدة (س ص ع). والأرض التوأئمية والتي أشرنا والتي استخدمت السائل (س ص ع) هذا السائل شبيهه بالماء. أخيراً، وإذا ما حددنَا التأريخَ مِنْ تجربةِ فكرِنا فلنقل أنها وقت منذ عدة قرون في الماضي، وعندما سكّان الأرضِ والأرضِ التوأميةِ لا توجد لديهما وسائل معرفة بأنّ السوائلَ التي تسمي بالماء (يد2أ) و(س ص ع) على التوالي. خبرة الناسِ على الأرضِ فيما يتعلق بالماءِ،وخبرة الناس علي فيما يتعلق بالسائل تكاد تكون مماثلة .

والسؤال الآن هو : متي نتوصل إلي فكرة أن الماء علي أرضنا والسائل علي التوأئمية يعنون نفس الشيء؟ . افترض بوتنام أن هناك شخص يدعي أوسكار علي أرضنا ويوجد له توأئم شبية علي الكوكب المقابل ويدعي أوسكار، وعندما يقول أوسكار ماء علي أرضنا يشير (يد2أ) ، أما أوسكار التوأئم فيشير إلي أن الماء هو (س ص ع). إن نتيجةَ هذه بأن محتويات a دماغ شخصِ ليست كافيةَ لتَقْرير إشارةِ شروطِ يستعملونَ، كما أن المرء يَجِبُ أيضاً أَنْ يَفْحصَ التأريخَ السببيَ الذي أدّى إلى هذا الفردِ يَكتسبُ التعبيرَ. (أوسكار، على سبيل المثال، تَعلّمَ 'ماءَ' هو (يد2أ) ، أما أوسكار التوأئم تعلم أن الماء هو (س ص ع) . إذن (يد2أ)  تساوي (س ص ع).

هذه هي الفكرة الأساسية للنزعة الخارجية السيمانطيقية. لخّصَ بوتنام هذه النتيجة بشكل مشهور ليعلن أن" المعاني فقط لَيستْ في الرأسَ." (بوتنم 1975/1985, p. 227). بوتنام في مقالتِه الأصليةِ أكد أن إشارةَ التوائمِ للماء  تَفاوتتْ بالرغم من أن حالاتهم النفسية كانت هي نفس الشئ. وتيلر بورج Burge برهن بعد ذلك في "أجسام أخرى" (1982) علي أن الحالات التوائمَ العقلية مختلفة: أوسكار عِنده المفهوم (يد2أ)، بينما التوأم أوسكار عِنده المفهوم (س ص ع). بوتنام منذ  ذلِك الحينِ قَد أعربَ عن الإتفاق مع تفسيرِ Burge لتجربةِ الفكرَ. (أنظر مقدمةَ بوتنام لـ Pessin وGoldberg 1996, xxi.).

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

زهير الخويلديترجمة: د. زهير الخويلدي

"تتعرض الفلسفة للتهديد إلى حد كبير في وجودها المؤسساتي بسبب عدم جدواها فيما يتعلق بالعلوم وحقيقة أن أشكال المعرفة الأخرى لم تعد في حاجة إليها" .. بول ريكور.

على الرغم من أن هذه المقابلة مع الفيلسوف الفرنسي بول ريكور قد أجريت منذ سنة 1976 إلا أنها مازالت راهنة وتطرح قضايا تعاني منها الفلسفة الى اليوم وتقترح مقاربات ومخارج ممكنة للانتقال من الوضع المتأزم والاستفادة من الاكتشافات الكبيرة التي تقترحها العلوم الإنسانية.

الترجمة:

"يبدو أن الفلسفة" هذه الطريقة في التفكير التي تقع بين الدين والعلم" - كما يقول برتراند راسل - قد دخلت في أزمة أساسية، وهي الأخطر في تاريخها. لقد تم مهاجمتها من جميع الجوانب من مختلف التخصصات العلمية، وهي كانت قد رفضت المجالات التقليدية التى تم منحها لها من الإغريقيين. وهي بدورها تتحول إلى حقول بحثية جديدة: الأساس المتين للقدرة الكلية العلمية، دلالة التاريخ، والتفكير في السيميولوجيا والألسنية، والاستيطيقا ... لقد استجوبنا البروفيسور بول ريكور لكي نسأله عما إذا كان انحطاط الفلسفة من حيث هي مؤسسة سوف يتطابق مع انحطاط في العمق.

 

- يبدو أن الفلسفة في الراهن معزولة، منفصلة عن الاختصاصات الأخرى ...

بول ريكور: الواقعة حديثة نسبيا. في القرن الثامن عشر أصبحت الفلسفة جامعية. في القرن السابع عشر، لم يكن ديكارت ولا ليبنيز ولا سبينوزا أكاديميين. أعطت بعض الوظيفية للفلسفة إطارًا مؤسساتيًا، نوعًا من الوجود الاجتماعي. هذا يمكن أن يخفي، في بعض الأحيان، عدم وجودها. يتم تدريس الفلسفة بغض النظر عن ما يحدث. لا يتزامن مصير الفلسفة مع تعليم الفلسفة. لذلك أود أن أفصل بالكامل مصير الفلسفة عن مصير تدريسها.

 

- ما الذي تغير منذ وفاة هيجل، أخر فيلسوف نسقي كبير؟

بول ريكور: أعتقد أنها إمكانية إنشاء نسق. جمع هيجل كل ثقافتنا. وهذا يعني ليس فقط الفلسفات المختلفة للغاية مثل الفلسفات القديمة والوسطية والحديثة، ولكن أيضًا اللاّفلسفة. يبدو أن الفلسفة تجمعت لأول مرة في نفس النسق: الحق، الاستيطيقا، السياسة، الخبرة القانونية، إلخ. قدم لنا هيجل تراثنا بأكمله، ووضعه في شكل، وفكر فيه. والواقعتان المهيمنتان هما الآتيتان: (1) اليوم، لا أحد في أي حال من الأحوال يمضي قدما في هذا التجميع؛ 2. الميراث الذي جمعه هيجل قد ابتعد عنا. هذه الظاهرة الثانية هي الأكثر إثارة للإعجاب. نحن بعيدون تمامًا عن أفلاطون أو أرسطو أو حتى ديكارت أو كانط كما لو كانت ظواهر غريبة. هذا النوع من المسافة من جذورنا هو أصل ما أطلق عليه نيتشه "العدمية". يجب ألا نفكر في هذا المفهوم بعبارات عاطفية (مملكة المدمرين ...) ولكن كعملية تاريخية شاسعة بعيدة عن جذورنا الثقافية. بالنسبة للفلسفة، إنه قدر كبير بشكل خاص: نحن موجودون كفلاسفة فقط إلى الحد الذي نواصل فيه نوعًا معينًا من الأسئلة التي افتتحها الإغريق. ما تم القيام به في الصين والهند ليس فلسفة، إنها طريقة أخرى للتفكير. السؤال الذي يطرح نفسه لذلك بقدر ما ابتعدنا عن محتويات الفكر اليوناني. دخلنا بعد نيتشه في فترة يمكن أن يطلق عليها "نقدية".

نحن نشهد، كما يقول البعض، تفكيكًا لهذه الموروثات، التي يمر بها نيتشه نفسه أو ماركس أو كيركيجارد. ليس لدينا سوى أجزاء من التراث العظيم والتمارين النقدية حول الدلالات التي تبتعد عنا.

 

- هل يمكن أن نجد من ناحية أخرى التجميع الهيغلي لتراثنا، وهو مصدر للفلسفة؟ ما هي علاقة الفلسفة بالعلوم؟

بول ريكور: جميع الفلاسفة العظماء في الماضي كانوا مؤهلين في علم واحد، وفي الكثير من الأحيان في عدة مجالات: كان أفلاطون هندسيا، وديكارت عالم رياضيات، وهكذا لم تقتصر الفلسفة بالتالي على النقاش مع نفسها. في كثير من الأحيان، يتحدث الفلاسفة، اليوم، فقط مع فلاسفة آخرين.

 

- هل هناك اليوم، وخاصة في العلوم الإنسانية، مواجهة تسمح بإحياء الفلسفة؟

بول ريكور: أود أن أقول إن الفلسفة لا يمكنها البقاء إلا إذا احتفظت، من جهة، بذاكرة ما اختفى. لا توجد فلسفة بدون تاريخ الفلسفة. يجب، من ناحية أخرى، الحفاظ على النقاش مع علم أو مع علوم. العلوم الإنسانية هي محاورها المتميز: فهي الوحيدة التي يكون فيها الموضوع هو نفسه كما في الفلسفة. في علوم الطبيعة، الموضوع هو المغاير لنا (الأشياء، الحياة ...). والسؤال، الداخلي في العلوم الإنسانية، هو ما إذا كان بإمكانها أن تتعامل مع موضوعها مثل العلوم الطبيعية تمامًا. ربما هذه هي وظيفة الفلسفة في الصعود المستمر "لجسر" المنهج. إذا ذهبنا إلى أسفل جسر المنهج وأعدنا باستمرار العلوم الإنسانية إلى العلوم الطبيعية، في تلك اللحظة يتم نسيان الموضوع، يعني الإنسان. إذاً، لتذكير العلوم الإنسانية بموضوعها، أن تصعد جسر المنهج وفقًا لطلب كائنها، الإنسان، إنه الشغل الأساسي.

يبدو هذا الشغل، في بعض النواحي، وكأنه مهمة هيجلية، والتي وصفتها في وقت سابق بالتجميع. مثل العلوم الطبيعية، العلوم الإنسانية هي مجزأة (الألسنية، علم الاجتماع، التحليل النفسي..). إنها تعاني من قانون تقسيم العمل وانهيار جميع العلوم الأخرى. ثم هناك مشكلة ليس في تجميع النتائج أو المناهج فقط، ولكن مشكلة العودة إلى الأسس التي تسبق انفجار المناهج والنتائج. في اعتقادي، هذا هو مشكلة الأنثربولوجيا الفلسفية. أعتقد أن إحدى الطرق للقيام بذلك هي تجربة تمرين التجميع على مستوى الكلام. كلامنا هو أيضا كلام متفجر. إنه لواحد من طبيعة منطقية أو رياضية أو علمية؛ لكن لدينا أيضًا كلام للحياة اليومية، وكلام الشعار والدعاية، وكلام العمل السياسي، وكلام شعري، إلخ. أليست واحدة من مهام الفلسفة أن تحاول هذه الفلسفة العظيمة للكلام التي يفهم المرء فيها أنه باختصار نفس الإنسان الذي يتحدث؟

 

هل تريد التحدث عن كلام يمكن للمرء أن يسميه علميا أكثر سيميولوجيا؟

بول ريكور:  نعم، بالطبع.

لقد صدمت، بدراسة القواميس، لأرى أنه لا توجد طريقة للقيام بذلك. هل لدينا انطباع بأن الكلام يهرب في الوقت الحالي من المنهج العلمي؟

ربما لأن القاموس لا يعبر حتى الآن عن الثورات المنهجية التي حدثت في الألسنية. إنه ببساطة التمييز بين طريقتين لمعالجة الكلمة. قد يتساءل المرء عما يعنيه بلغة ما أو يحاول معرفة ماهية الأشياء التي يتم التحدث عنها. تمزج قواميسنا بين الأمرين. تتحدث عن الأشياء المسماة وتتحدث أيضًا عن مكان الكلمات في النسق المعجمي للكلام. قواميسنا هي نوع من التسوية بين، من ناحية، سيمونيطيقا حقيقية للكلمات، وهذا يعني إنشاء كلمة فيما يتعلق بجميع الكلمات الأخرى، دون الاهتمام بالأشياء نفسها. ومن ناحية أخرى، وصف الأشياء المطابقة. ربما لم نتمكن بعد من كتابة معجم سيكون معجما سيميولوجيا بحتا لأن المستخدمين لديهم طلب آخر. يريدون أيضًا أن يكونوا على اطلاع بالأشياء ؛ إنهم يريدون أن يكون القاموس عبارة عن موسوعة صغيرة، وملخص صغير للمعرفة حول الأشياء: ما هذا الشيء؟ ... لا: ماذا تعني هذه الكلمة؟

 

- هناك نوع من المعارضة. من ناحية، يقول لك الناس: الحياة، التي تخلق المعجم، أغنى بكثير من أي نظام يمكن تطبيقه على المفردات. من ناحية أخرى، يعتمد البعض على المنطق، على افتراض أنه يمكن للمرء أن يبدأ من كيان عام سيتم تقسيمه إلى كيانات أكثر فأكثر تحديدًا.

بول ريكور: أكثر ما يهتم به الفلاسفة هو العلاقة بين عمل الكلام العادي والكلام العلمي. لأن الكلام العادي لا يعمل وفقًا لمتطلبات الكلام العلمي، فهو يعمل إما بالتنقيص أو بالزيادة. إنه يفتقر إلى الدقة، ما يسمى الوحدانية، أي أنه لكلمة هناك معنى واحد فقط. ولكن على وجه التحديد، إذا كان الكلام كله أحادي المعنى، فلن نتمكن من استخدامه. لا يمكن أن يتم إلا التعامل مع أنواع معينة من المشاكل التي تتطلب هذه الوحدانية . لكن المحادثة العادية حول أشياء الحياة تفترض كلاما من المرونة غير العادية. الكلمة نفسها لها معان مختلفة حسب السياق. هي قدرتنا على تحقيق معنى كلمة مناسبة في سياق فن الكلام. أقول فنًا وليس علمًا على الإطلاق.

 

- ماذا سيكون دور الفلسفة فيما يتعلق بهذا المعيار؟

بول ريكور: أعتقد أنه سيضفي الشرعية على كل استخدام للكلام في بعض الوظائف المناسبة. سيُظهر شرعية، على سبيل المثال، الخطاب الشعري أو الخطاب العادي أو الخطاب العلمي فيما يتعلق بمشروع معين لاستخدام الكلام. كنت أتحدث إليكم في وقت سابق عن الكلام المتفجر. لقد كشف هذا التفكك عن الثراء الهائل للكلام والطريقة التي تستجيب بها بمرونة غير عادية للاحتياجات التي ربما لا يمكن تعدادها. هذا تعلمنا بشكل خاص من فيتجنشتاين في فلسفته الثانية. قال: "ألعاب اللغة هي أشكال من الحياة وهي لا تعد ولا تحصى، وهذا يعني، لا تحصى. ترى الجولة صغيرة جدًا نحو "الحنين الهيجلي" التي تستغرقها محادثتنا. بدلاً من الأسف على التأليفات العظيمة في الماضي، قد نضطر إلى رمي أنفسنا في التنوع الآن. لن يكون بالضرورة موت الفلسفة، ولكن طريقة أخرى في الفلسفة. سوف يولي اهتمامًا أكبر للاختلاف في استخدام الكلام وأيضًا للتنوع الهائل للتقدم البشري الذي يتم التعبير عنه في العلوم وكذلك في التقنية والشعر والسياسة وما إلى ذلك. باختصار، يجب علينا استعادة التنوع والاختلاف.

 

- إذا أردت، سننتقل إلى علاقة الفلسفة بالتاريخ. بعد اللقطة الألسنية، يمكننا دراسة الديناميات الزمنية فيما يتعلق بالفلسفة.

بول ريكور: أعتقد أن هذا مجال مهم للغاية. التاريخ، أيضًا، يخضع لما أسميته سابقًا ميل الأسلوب. يجب أن تكون التاريخ علميا أكثر فأكثر. يستخدم الإحصائيات، وفحص المستندات، وما إلى ذلك. محاولته هي خلق تاريخ موضوعي. مهمة الفلسفة هي أن تقول أن هذا لا يمكن أن ينجح بالكامل، لأننا نحن المؤرخون، للتاريخ الذي نرويه. في كل حقبة جديدة، نجد أنفسنا في علاقة أخرى، علاقة جديدة، مع الأحداث التي يرويها شهودها، مؤرخيها. هذه العلاقة مع ماضينا، التي تسبق تأريخ المؤرخ الحالي للوثائق، هي ما أطلق عليه بعض الفلاسفة التاريخ. لذلك هناك شرط تاريخي للوجود الإنساني يسبق المعرفة التاريخية. المشكلة الفلسفية هنا هي العلاقة بين الحالة التاريخية للإنسان والمعرفة التاريخية التي تصور كجهد لمعالجة التاريخ علميا وموضوعيا. خذ المشكلة التي تركناها في بداية هذه المقابلة. كانت بالضبط مشكلة الحالة التاريخية: ما هي درجة بعدنا عن جذورنا؟ هذا النوع من التباعد، هذا التموضع البعيد، هو دراما تقع، ليس على مستوى التاريخ التي نرويه، ولكن التاريخ التي نعيشه ونفعله.

 

- عندما تتحدث عن "الجذور"، هل تفكر فقط في مجرى التاريخ أو في العلاقات بين الدين والفلسفة؟

بول ريكور: عندما أفكر في "الجذور" أفكر في مورثنا اليوناني والمسيحي المزدوج أو الثلاثي. هل نحن قادرون على تحديث هذه الموروثات إلى أجل غير مسمى أم أنها قد جفت؟ هذا هو واحد من أكثر الأسئلة الأساسية في الزمن المعاصر. ويسمى "العدمية" الاعتقاد بأن الميراث قد جف، وأن قوتها الرمزية قد استنفدت. أنا من بين أولئك الذين يعتقدون أن مهمة الفلسفة هي تحديثها الموروثات، وأنه لم يتم فقدان أي شيء على الإطلاق.

الجهد سيكون مكلفا للغاية. إنها ليست مسألة تكرار، ولكن إعادة اختراع. هذا ما أسميه الهرمينوطيقا.

 

- ألا ينبغي أن يكون موضوع الفلسفة الأكاديمية "تفكيرًا في الأفكار والفئات" التي تستخدمها كل من الأنشطة العلمية والعملية (السياسية والاجتماعية والفنية وغيرها) ؛ بمعنى آخر، ألا ينبغي أن يكون ذلك تفكيرًا لأننا قد نسميها "درجة ثانية" أو "متعالٍ" في الأنشطة العلمية والعملية؟ بأي معنى يمكن أن يكون للفلسفة وظيفة اجتماعية؟

بول ريكور: هنا أيضًا، أعتقد أن الفلسفة لها مهمة أساسية. خذ السؤال السياسي. العلوم السياسية تفكر في مستوى متوسط. يفترض أن الإنسان متورط بالفعل في المؤسسات، وأن هذه المؤسسات لها تاريخ. مشكلة الفيلسوف هنا هي معرفة ماهية الدخول إلى مؤسسة. هل يمكن للإنسان أن يعيش خارج البيئة المؤسساتية؟ السؤال ليس نظريا على الإطلاق. هذه واحدة من القضايا الرئيسية التي لا تقل أهمية عن تلك التي ذكرتها سابقًا: وهنا مرة أخرى، يجب علينا أن نفحص الإرهاق المحتمل لموروثنا الثقافي. تأليف الحرية والمؤسسة قد انهارت. تبقى العديد من المؤسسات على قيد الحياة: إنها ميتة ومحرومة ومتروكة. انها تشتغل لذاتها. من ناحية أخرى، يسعى كثير من الناس إلى حريتهم خارج البيئة المؤسساتية تمامًا. هذا صحيح بالنسبة للزواج، كما ينطبق على العلاقة مع العالم الصناعي والتكنولوجي. أرى كم من الشباب، الفتيات الصغيرات، يحلمون بنوع من الحرية البرية. يمكن للحركة الإيكولوجية أن تساهم كثيرًا في إيجاد علاقة ما قبل المؤسسات بالأشياء، مع الحياة، والطبيعة. تتمثل إحدى الأفكار الأساسية، التي ستجعلنا نتفهم قليلاً من الجانب اللغوي في النقاش السابق، في تناول مشكلة الدخول إلى مؤسسة. كيف يمكن للإنسان أن يكون حراً دون أن يكون لديه ما أطلق عليه روسو على نحو مناسب "الحرية المدنية التي سيتبادلها مقابل حريته البرية"؟ كيف يمكن للمؤسسات أن تعكس حاجتنا للحرية؟ كيف يمكن تجنب ظهور أي مؤسسة الآن كإطار خارجي، كإطار يجب قبوله بالتوافق؟

 

- لكن لا أحد يبدو أنه يقترح بديلاً؟

بول ريكور: هذا يأتي أيضا من أن الأشخاص الموجودين في المكان ليس لديهم أي أغراض، ولم يعد لديهم مشروع. ما يدهشني هو أننا نعيش بدلاً من ذلك في مجتمع بلا مشروع والذي يدوم بالسرعة المكتسبة. المجتمع التكنولوجي هو مجتمع سرطاني، مثل النسيج الذي يتغذى من نفسه. نحن نوبخ الشباب على رغبتهم في التدمير وعدم اقتراحهم أي شيء. ينبغي القول، على العكس، إنه المجتمع الذي ليس لديه مشروع. مشروعه كله هو مواصلة نفس الشيء، وخاصة بالنسبة للمجتمع الصناعي. هذا واحد ليس له هدف آخر غير نموه. إن فكرة النمو بمعدل 4 أو 5٪ كل عام، بحيث تتضاعف كل 20 عامًا، ليست مشروعًا. هذا هو أيضا جزء من "العدمية". مثل هذا المجتمع لا يعيش على شيء. إن العدمي ليس هو الشخص الذي يتحدث عن العدمية، إنه هو الذي لا يتحدث عنها، الذي لا يعرف أنه في العدمية، ولا يعيش شيئًا!

 

- هل أزمة الفلسفة أزمة شاملة في الثقافة الغربية أم هي المحرك الذي سيدفع هذا النشاط الفلسفي نحو حل هذه الأزمة؟

بول ريكور: أنا لا أتفق مع العديد من الفلاسفة الشباب حول موت الفلسفة. على العكس من ذلك، أعتقد أن العدمية تتيح لنا أن نلاحظ بوضوح الفقر، والضيق الذي يعيشه هذا المجتمع الذي استنفد أغراضه، الذي استنفذ مُثُله العليا. لكن للاعتراف بذلك، إنه عمل من الأمل: إنه لحفر العديد من الأنسجة الميتة للانضمام إلى الأنسجة الحية. من لا يعرف أنه يتحرك في بيئة نخرية لا يحمل الأمل ؛ انه ببساطة يتمسك بالموجود. من ناحية أخرى، فإن القدرة على الحفر تحت الأنقاض وتحت الحطام هي فعل إيجابي. إن نيتشه، بإرادته إلى السلطة، الرجل الخارق والعودة الأبدية، ألا يقدم لنا حلاً، لا أعتقد ذلك. ما أعطانا إياه للتفكير هو ضرورة ربط العدمية بتجاوزها. إن مشكلتنا هي أن نجد في الحياة والفكر موارد التغلب على العدمية. هذا كل ما أخبرتك به أنني أفصل نفسي عن العديد من الفلاسفة الشباب المتشائمين الذين ما زالوا في العدمية. سأقول إن المورد الوحيد هو تجاوز المسافة الفاصلة لإعادة تنشيط الموروثات من الماضي. أؤمن إيمانيًا كبيرًا بإمكانية تجديد الموروثات القديمة للعصور القديمة، لأنه لا يمكن للمرء أن يكون له "مستقبلا" إذا لم يكن له "ماضيا". لا يمكننا أن نأمل إذا لم يكن لدينا ذاكرة. ولكن يجب علينا إعادة تشكيل ذاكرة، لم تعد تكرارية ولكنها إبداعية. هذا هو أحد أهداف الفلسفة.

 

هل يمكن القول أن الدين الحديث عانى من نفس الظاهرة: نوع من التبلور المؤسساتي؟

بول ريكور: نعم، لكن يجب أن يكون لديك رؤية عالمية أكثر بكثير. بقدر ما هي الفلسفة ظاهرة غربية، الكثير من الدين هو ظاهرة عالمية. سيكون من الضروري العثور على الأعماق القديمة الأسطورية والرد عليها مع إلياد لإثرائنا بالتقاليد الشرقية وإعادة التفكير في نفس الوقت في البوذية والمسيحية واليهودية والإسلام ... كما أنها واحدة من مهام الفلسفة استعادة كامل تراثنا الديني ثم الخروج من التقسيم ليس فقط المذهبي، ولكن حتى الطائفي.

 

- نعم، لأن سمات الأديان المختلفة، على سبيل المثال، ينظر إليها اليوم على أنها تتناقض مع الدين نفسه...

بول ريكور: نعم بالتأكيد. لكنني لا أعتقد أننا يجب أن نسأل الدين عن التماسك الواضح للعلم. يجب ألا نعامله كعلم، ولكن نحترم تنوعه الرمزي الكبير، الذي يوفر أقطاب تحديد هوية مختلفة تمامًا. حتى ضمن التقاليد المسيحية، فإن قطب تحديد الهوية الذي يمكن أن يمثل السيدة العذراء ليس هو نفسه قطب المسيح المنتصر في طبلات الكاتدرائيات. أعتقد أننا يجب أن نحافظ على هذا النوع من التناقض الرمزي ضد تحديد الهوية، يعني ضد الاختزال إلى المتطابق.

 

- هل ستذهب إلى أبعد من القول بأن تحويل الدين إلى نوع من الفلسفة سيكون خطأً كبيراً؟

بول ريكور: نعم. هناك، أنا قريب جدًا من فيتجنشتاين، لأننا يجب أن نحترم تنوع الألعاب اللغوية حتى يستعيد الجميع حقوقه. ربما في يوم من الأيام سيكون بمقدور هيجل الجديد أن يعيد التأليف، لكن عصرنا على العكس من تأليف الاختلاف، واحترام الاختلافات في أشكال الكلام، وأشكال الحياة. نأمل في هذا السماد. سيدفع زهرة ! كان خطؤنا هو الخلط بين الله وفلسفة مهيمنة. على هذا، أتفق بشدة مع نيتشه، عندما قال إن جعل الله مثاليًا، وحدة عليا، كان مصدر العدمية. لقد فعلنا شيئًا لا يقبل للتغيير، في حين أنه قد يكون من الضروري احترام الاختلاف الأولي للعبرية والقول اليوناني.. قد يكون هذا التأليف ميتًا ثقافيًا.

 

- هل يمكننا طرح السؤال عن مستقبل الفلسفة؟

بول ريكور: هذا هو المكان الذي أعود فيه إلى التمييز الذي قمت به سابقًا: مستقبل مؤسساتي أو مصير الفلسفة. في الواقع، تتعرض الفلسفة للتهديد إلى حد كبير في وجودها المؤسساتي بسبب عدم جدواها فيما يتعلق بالعلوم وحقيقة أن أشكال المعرفة الأخرى لم تعد في حاجة إليها. أود أن أقول إن الفلاسفة، بدلاً من اتهام الآخرين، ينبغي أن يتهموا أنفسهم بالتحدث إلى أنفسهم بدلاً من الاستماع إلى العلم. أما بالنسبة لمصير الفلسفة خارج المؤسسة، لأنها يمكن أن توجد خارج المؤسسة، فأنا أرفض أي نوع من النبوءة النيتشوية أو الهايدغرية أو نبوءة أخرى. يكفي أن يظهر فيلسوف عظيم حتى تكون جميع توقعاتنا خاطئة. هل يمكن للمرء أن يتوقع هيجل من القرن الثامن عشر؟ هناك خلق الفكر التي لا يمكن برمجته. هناك الكثير من الناس الذين يقومون بالفلسفة، ولكن القليل جدا من الفلاسفة العظماء. مهمتنا، في الفترة الفاصلة بين اثنين من الفلاسفة العظماء، هي الحفاظ على الذاكرة والعمل، وأود أن أقول، بأمانة وجدية، مع ما أطلق عليه نيتشه "الاستقامة الفكرية"."1

 

ترجمة: د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

...........................

مقابلة مع بول ريكور حول ما يسمى أزمة الفلسفة. نشرت في: فلسفة اليوم (مكتبة لفونت). لوزان - برشلونة: Editions Grammont-Salvat Editores، 1976. (II.A.314a)

الرابط:

 http://www.fondsricoeur.fr/uploads/medias/articles_pr/la-philosophie-aujourdhui.pdf

 

علي محمد اليوسفسانتيانا والفلسفة النقدية

جورج سانتيانا (1863- 1952) فيلسوف أمريكي من أصول أسبانية، أتسمت آراؤه الفلسفية النقدية بالاستغلاق العميق في تعبيره عن المعرفة والعقل والطبيعة والانسان والجوهر، ويشوب تفلسفه تعابير متطرفة وغريبة من حيث الغموض الذي يكتنفها كقوله (المعرفة هي وهم اليقين الحيواني).(1) وقوله أيضا: بأي معنى أنا موجود؟ الوجود لا ينتمي الى مجرد معطى، وأنا لست معطى لذاتي .

أنتظم سانتيانا مع فلاسفة النقدية سيلارز، رورتي، وسيرل، وآخرين عديدين في نقد آراء وليم جيمس في الذرائعية معتبرين (الاشياء ليست كما تقدمها التجارب لنا)(2) وهو الطعن المباشر العميق في النيل من فلسفة وليم جيمس تحديدا أكثر منها أستهداف بيرس وديوي، في تأكيد فلاسفة النقدية أن حقيقة الاشياء ليس نتيجة وثمرة التجربة، فالتجربة غير كافية لاستنتاج أهمية وصلاحية وصواب الافكار التطبيقية كما تذهب له ذرائعية وليم جيمس..

وفعلا فأن الاشياء في العالم الخارجي هي قطعا غير الاشياء المعبّر عنها بالتمّثلات الذهنية وتصورات العقل وأختبارها في مصانع التجريب التطبيقي..ودائما ما تكون التجارب وغيرها من وسائل التعبير عن الاشياء في وجودها المادي عاجزة عن أيفاء تلك الاشياء حقيقتها الماهوية، أن دلالة الاشياء في واقعيتها الحسّية قبل الادراك المعرفي لها هي أكثر غنى وحقيقية وأمتلاءا منها بعد تناولها في كل وسائل المعرفة الانسانية ومنها التجربة العلمية، ومثال ذلك هو الطبيعة في كل ما تحويه من مكونات في نسقها التنظيمي المعجز الذي تعجز عنه الوسائل المعرفية ليس في تقليد ذلك النظام وحسب وأنما في العجز عن مجاراته في الواقع الطبيعي للاشياء..وكما يقول سانتيانا عن هذه الحقيقة (أن يكون العقل عاجزا عن توجيه الطبيعة، فذلك نابع من تطور العقل بالذات كظاهرة مضافة على الطبيعة).

كما وصف فلاسفة النقدية (الادراك بأنه خلاص وليس قبضة) (3)، أي أنهم أرادوا أن يكون الادراك الفكري التمّثلي للاشياء، أي معرفة مضمونها كموضوع هي رفع حمولة وتحرير الادراك من أسر وقبضة موضوعه.. والادراك المعرفي لموضوعه ليس أكتشاف فكري – عقلي (قبضة) متحصّلة بل هو تحرير للفكروتحرير الموضوع من حمولته في سطوة وهيمنة الادراك العقلي ..

وشكك فلاسفة الواقعية النقدية بأن تكون التمّثلات تشي عن معرفة جوهر المدرك (الموضوع) في مقولتهم (كيف يكون الموضوع المعروف جوهرا لشيء غير معروف ؟).(4) وفي هذا التشكيك نستشّف الاقرار الواضح أن معرفة موضوع ما لا يعني أدراك جوهره الحقيقي ولا يصح الاستدلال به في معرفة جواهر مواضيع أخرى غيره... الموضوع المعروف لا يكون جوهرا لذاته ولا جوهرا لشيء غير معروف، بعبارة ثانية الافصاحات المعرفية حول جوهر الموضوع ليست كافية أن تمنح الاشياء المواضيع جواهرها الاخرى غير المعروفة .

كما طرحت الفلسفة النقدية جملة من التساؤلات التي أرادت من خلالها وضع الفلسفة الذرائعية في زاوية حرجة مثل (لا يوجد أطلاقا حقيقة عقلية لشيء بذاته، فالجوهر الموضوع هو الجوهر الكلي للموضوع ).(5)

وهذا تعبير فلسفي سليم من حيث أن حقيقة الوجود المادي لشيء أو اشياء لا تنقسم قسمة أبتذالية على ذاتها الى صفات ظاهرية كلية وعلاقات فيزيائية من جهة يمكن أدراكها بمعزل عما يمكن أن تحمله وتحويه من جواهر لا تدرك حسيا خفيّة مستترة خلف الصفات الكليّة للاشياء من جهة أخرى..

وجوهر الشيء لا يدرك حسّيا مباشرا كما لايدرك كموضوع غير مادي (خياليا) من الذاكرة في تمّثلات الذهن له..ولا يعني عدم الادراك المباشر له الجزم القاطع أن الجواهر غير موجودة في حال أدراكنا كليّات الاشياء في صفاتها الظاهرة.. فقد تكون معرفة الكليات هي معرفة أستبطانية حدسية في معرفة جوهر الشيء المدرك في كليته، وقد يكون الأمر ليس كذلك فادراك الكليات كاف لمعرفتها من دون جواهر تختزنها في ذاتها، أذ لا تكون الكليّات في غالبية الاشياء بمعنى آو آخر هي أدراك عرضي في معرفة جواهرها.. وهو ما تذهب له الفلسفات التي تنكر وجود الجواهر في ما يسمى الشيء بذاته وينكرون وجود شيء في ذاته، وأن معرفة الكليّات يغني عن لا جدوى البحث عن الجوهر ومعرفة الكليّات المادية حسّيا، ومعرفة كليات الاشياء المدركة هو كاف لمعرفة حقيقة الشيء وهذا ما تأخذ به الفلسفات المادية منها المادية الديالكتيكية الماركسية..

عبارة الفلسفة النقدية المار ذكرها تنكر وجود حقيقة عقلية لشيء في ذاته أطلاقا كما مرّ بنا، ولا يصبح من السهل معنا الجزم بصحة هذه المقولة، كونها مشروطة بتحفظ أن عدم أمكانية وقدرات العقل الوصول الى الاشياء بذاتها في جواهرها ليس كافيا أن يمنحنا القطع الجازم بعدم وجودها وعدم حاجة التفتيش عن أشياء لا يدركها العقل حسيا ظاهراتيا، فما لا يدركه العقل غير موجود هي مقولة مثالية تحتاج الى برهان وألا تكون سذاجة في التعبير لا معنى لها..

كما أن معرفة الكليات عند الفلاسفة النقديين تمثل تفويضا تعويضيا مقبولا في عجز العقل أمكانية فهم الاشياء بذاتها، لذا يكون معرفة الكليّات الصفاتية الفيزيائية التكوينية للاشياء هو معرفة الجواهر، وهي وجهة نظر لا ميتافيزيقية ولا مثالية بل تأخذ بها الفلسفات المادية كما كنا أشرنا له سابقا.. رغم أنها وجهة نظر تحمل علامة أستفهامها معها بأن معرفة كليات الاشياء وعلاقاتها التكوينية الداخلية والخارجية منها لا يعني القطع الجازم بعدم وجود شيء يحمل جوهرا ماهويا الذي هو الشيء بذاته..

حين ننتقل الى سيلارز وهو من أقطاب الفلسفة النقدية نجده يعبّر عن هذه الاشكالية الفلسفية بفجاجة تلغي معنا المناقشة الجدية لها، يقول سيلارز ( غير متاح لنا أمكانية بلوغ الجواهر الخاصة الخاضعة لأدراك الحواس)(6) غريبة أن يكون الجوهرموضوعا غير مدرك من الحواس ولا نقّر لا أمكانية أن يدرك الجوهر من العقل!! وهو لغز عصّي على العقل كما مر بنا؟؟ الجوهر ماهية ذاتية لا تدرك لا من الحواس ولا من العقل.

الجواهر ليست ماهيات يمكن أن تكون خاضعة لأدراك الحواس وألا لما كان هناك معنا سببا وجيها يقودنا التسليم بآراء فلاسفة لا يستهان بهم تأكيدهم أن الوجود بذاته هو ماهية وجوهرلا يمكن ولا بمستطاع العقل أدراكهما في وحدتهما المتداخلة، هذا على الاقل ماكان كانط دعا له وأيّده من بعده كلا من هيجل وماركس وهوسرل وهيدجر وسارتر ما ألجأهم جميعا أنكار شيء يتوجب معرفته أسمه الوجود (بذاته).. أن الوجود بذاته ليس عدما ولكنه ماهية جوهرية لا يدركها العقل والقول بعدم وجودها مسألة لم تستوف الحسم القاطع..

أن ما تدركه الحواس أحدى منظومات العقل الادراكية هو كليّات الاشياء الخارجية في تمظهراتها الحسّية فقط، ولو شئنا التوضيح أكثر في مراجعة مقولة سيلارز لوجدنا الامر معكوسا عما قال به، فأمكانية معرفة الوصول لأدركات كليّات الاشياء التي هي الصفات الفيزيائية والعلاقات الخارجية تكون أكثر جدوى متاحة لنا وميّسرة من البحث عن جواهرلا تخضع لأدراك الحواس، فجواهر الاشياء الخاصة التي هي ماهيات مدّخرة في الاشياء بذاتها التي لا يمكن أدراكها وبلوغها بالحواس،  هي ليست موضوعات يمكن أدراكها حسّيا كما في أدراك كليات الاشياء، فالجوهر ليس موضوعا ماديا تدركه الحواس ولا تدركه منظومات الادراك العقلية مثل الوعي والجهاز العصبي والذهن..الجوهر هو ليس عدما لكنه حدس العقل الماثل في أمكانية وجوده وفي أحتمال وعجز العقل عن أدراكه..

كما يطرح سيلارز مقولة فلسفية أخرى (أنه من حيث المبدأ يكون موضوع المعرفة – وفي آن واحد - وجودا عقليا، ووجودا- خارج – العقل)(7) تعبير سيلارز هذا هو الوضع الطبيعي المقبول لموضوع المعرفة الذي يجب أن يكون واقعيا مستقلا في عالم الاشياء المادية كوجود قائم بذاته سواء أكان موضوعا ماديا أو مجموعة علاقات فيزيائية تمثل صفاته الخارجية المدركة، وفي نفس الوقت يكون موضوع المعرفة هو وجود خارج العقل، فالعقل بهذا المعنى لا يدرك سوى المواضيع المنفصلة عنه، حتى أدراكات العقل لمواضيع الخيال التي مصدرها الذاكرة أنما هي مواضيع منفصلة عن العقل وليست جوهرا متداخلا عضويا معه في أدراكه لها ومعرفتها، والاختلاف في عبارة سيلارز هو أختلاف في لغة التعبير الفلسفي وليس أختلاف في (المعنى)... قوله أن موضوع المعرفة وجود عقلي في نفس وقت أنه وجود خارج العقل.. فهو وجود مادي مستقل من جهة، وموضوعا لادراك العقل من جهة اخرى وفي كلتا الحالتين يبقى موضوع المعرفة قائما في أنفصاله عن العقل.. موضوع المعرفة هو مادة تفكير العقل به لكنه لا يمّثل كل مقولات العقل..

ولا أهمية لموضوع المعرفة في وجوده الانطولوجي مالم يكن مدركا عقليا داخل تمّثلات العقل، ومواضيع المعرفة هي وجودات مادية أو علائقية خارج العقل منفصلة عنه، وألا كانت في موضع أستحالة أدراكية.. وهذا لا يتماشى مع رأي بعض الفلاسفة أعتبارهم الذات والموضوع شيء واحد لا يمكن الفصل بينهما..فوعي الذات هو في المغايرة الادراكية لموضوعه وليس في التطابق التام معه.

كما أن موضوع المعرفة في الوقت الذي يكون فيه ماديا مستقلا أو خياليا مستمدا من الذاكرة فهو خارج العقل في كل الحالات وألا أستحال أدراكه عقليا، وليس موضوع المعرفة الخيالي جزءا عضويا من تكوينات العقل بل هو موضوع معرفي للعقل ومادة تفكيره .. خلافا مع حال الاحساسات أو الوعي فهذه تكوينات لمنظومة عقلية عضوية وظيفية في تداخلها مع العقل وليست مواضيع أدراكات عقلية له.

وبهذه الضرورة الادراكية المتعالقة يكون موضوع المعرفة عقليا على الدوام. وموضوعات المعرفة لا يدركها العقل الا بأشتراط أن يكون أدراكه لها قصديا بمعنى وهدف يراد بلوغه والوصول أليه، وألا كانت موضوعات المعرفة لا أهمية حقيقية لها، فمواضيع المعرفة هي وجود عقلي قبل وجودها الذاتي الحسّي المستقل لذا فارتباطها بالعقل لا يكون مسوّغا ألا بأدراكية قصدية معرفية هادفة.

الواقعية النقدية والمنهج الطبيعي

أرتبط المذهب الطبيعي في الفلسفة الامريكية ب (سانتيانا) الذي (هو نمط الفلسفة التي لا تقبل بأية حقيقة مطلقة سوى الطبيعة فقط، وتعتبرالطبيعة مبدأ كل وجود وكل معقولية وكل قيمة)(7) كما ويرفض المنهج الطبيعي الثنائيات مثل: عقل – طبيعة/ روح – مادة، معتبرين الثنائيات عقلية وليست فعلية، ذلك أنه (يطبعن) الانسان العقلاني، ويروحن المادة، والعقل لا يناقض الطبيعة، فالعقل موجود في الطبيعة )(8)

عرض وتحليل المنهج الطبيعي

بضوء العبارات السابقة تكون كل ثنائيات الوجود هي وحدة أدراكية واحدة ولا فرق بين أحد قطبيها في نفي الاخر بل في التعايش معه والاقتران الضروري به، ولا معنى لأحدهما بغياب حضور الآخر، الثنائية بعد أدراك أحد قطبيها يكون حضورالغائب الثاني معياريا تضادا، ولا تتّعين الثنائية الا بعد أمكانية تعيّنها وجودا مدركا كموضوع أو على الاقل مقاربة حضورها كحدس قابل التحقق في الادراك...

والطبيعة لا يمكنها أن (تطبعن) الانسان العقلاني من دون أرادته وقرار مسّبق منه أنه جزء من الطبيعة متمايز عنها ويعلو عليها ولكنها لا تعلو عليه ولا تتبعه، الطبيعة ليست تابعا للانسان ألا بمقدار تبعيته هو لها.. والانسان لا يعقلن الطبيعة قبل طبعنتها له أولا.. أنسنة الطبيعة وعقلنتها لاحق على طبعنة الطبيعة للانسان.. الانسان وجد نفسه في الطبيعة مرضعته قبل تفكيره تطويع الطبيعة لحاجاته ورغائبه..

وكل مكتسب يحققه الانسان العقلي مصدره الطبيعة يكون من صنع الانسان العقلي وليس من صنع الطبيعة، الطبيعة لا تصنع الانسان في وقت هو يحاول تصنيعها، كما أن الانسان العقلي لا يناقض الطبيعة لأنه بحاجة ماسّة لمعرفة حقيقتها وحل الغازها والاستفادة منها، والعقل موجود في الطبيعة ليس بمعناه البيولوجي العضوي كجزء منها متداخل بها ومتمايز عنها.. والانسان العقلي موجود بالطبيعة في صورة تابع لفهم تنظيمها المعجز وليس دليلا من أجل أعادة تنظيمها المتقن بما لا يقوى الانسان مجاراته.

ولا يتساوى العقل الانساني والطبيعة من حيث أنهما معطيان متلازمان لا يفترقان، فالطبيعة وجود ألهامي ومعطى ميتافيزيقي لا يحتاج الى أثبات وجود من الانسان العقلي الذي تربطه بالطبيعة علاقة عضوية كسبب ونتيجة في تخارجهما المشترك.. والعقل معطى طبيعي للانسان قبل أن يكون معطى تعالقي بالطبيعة.

الطبيعة كيان مادي مقولة قارة لا تحتاج البرهنة على صدقيتها، الا أنها – أي الطبيعة – خارج الآلية المادية التي تحكم موجوداتها ومكوناتها، فالطبيعة نظام كلّي وليس نظاما تجزيئيا، على شكل قطوعات ومدركات لا ينتظمها نسق متكامل من الكلية الطبيعية في نظامها وقوانينها العامة، أنها بتعبير سانتيانا (الطبيعة هي المجموع الكلي لشروطها الخاصة )(9)، أي شروط خصائصها الذاتية في نظامها وفي قوانينها التي من غيرها لا تكون بمواصفاتها التي ندركها كحقيقة ثابتة..

مادية الطبيعة ليست حقيقة مكتسبة يمنحها الانسان العقلي لها وأنما هي مادية كمعطى يحاكم الانسان وجوده المادي بضوئها وفي أقترانه بها، مادية الطبيعة معطى متعال على الطبيعة الميتافيزيقية ذاتها وكذلك على الانسان العقلي الميتافيزيقي، ولا يمكننا فهم الطبيعة على حقيقتها علميا فقط من حيث أن نظام الطبيعة المتماسك لا يخضع دوما لتجارب العلم قبل عجز العلم أحتواء قوانين الطبيعة بكل مكوناتها الملغزة.. ومعرفة الطبيعة بمعنى أدراك حقيقتها فهما علميا لا يمكن تحديده في أكتشاف قوانينها العامة وأنما في محاولة معرفتها كوجود مادي غير عاقل يجعل من الانسان العقلي تابعا لها.. وما تدركه عقولنا من الطبيعة ليس أكثر مما تعطيه لنا مدركاتنا العقلية القاصرة عنها، ، حدود معرفتنا الطبيعة هي حدود مدركاتنا القاصرة عن فهمها..وهنا يكون عالمنا الحقيقي الذي نعيشه.

سانتيانا والطبيعة

يقول سانتيانا (كما هي الروح بالنسبة للجسد كذلك هو العقل بالنسبة للطبيعة، الذي هو كمالها الثاني.)(10)

كمال الطبيعة الاول هو بما أكتسبته الطبيعة ما ورائيا ميتافيزيقيا - روحيا من نظام وقوانين عامة، أي بتعبير ميتافيزيقي ديني (الله) هو الذي أكسبها هذا النظام العجيب الذي يقف أمامه العقل الانساني لا يقوى على التفكير في معرفة السبب ولا كيف ومتى.. والكمال الثاني هو الذي أكتسبه الانسان العقلي من الطبيعة ولم تكتسبه هي منه.. أن الطبيعة تفرض على العقل الانساني كمالها المنتظم بلا حدود لا يدركها العقل ولا قدرة الأحاطة والألمام بها...ويعبّر سانتيانا عن هذا أن يكون العقل عاجزا عن توجيه الطبيعة فذلك نابع من تطور العقل بالذات كظاهرة مضافة على الطبيعة.

الطبيعة لم تكن يوما أفرازا بيولوجيا أو ولادة قيصرية تلدها الحياة التي هي ناتج الطبيعة ولم تكن الطبيعة ناتج الحياة، فالحياة والانسان هما توأم المولود قيصريا من الطبيعة الأم.. والطبيعة أشمل من الحياة في كل المقاييس فاذا ما كانت الحياة بالنسبة للانسان فضاءا لا يحد فأن الطبيعة بالنسبة للانسان والحياة فضاء لا يمكن أدراكه.. ألا أذا أعتبرنا الطبيعة كينونة مادية مخترقة ميتافيزيقيا بالصميم من قبل الحياة أي من الانسان...الحياة نظام مصنوع أنسانيا، والطبيعة نظام مصنوع ألهيا..

وفهمنا للحياة أنها فائض معنى في تداخلها مع الطبيعة ولا يمكنها مجاراتها ولا حتى التمرد عليها، فالطبيعة سر الحياة ولا وجود لحياة أنسانية لا تلوذ بالطبيعة كملجأ آمن لها... الطبيعة هي علة الحياة وفهمنا لها والتعايش الضروري معها هو لا يشكل أضافة للطبيعة بمقدار ما يشكل وجودا ما هويا للانسان العقلي في ألأخذ منها على الدوام....وعقلنة الانسان للطبيعة هو أضافة لها قبل أن تكون مكسبا انسانيا على حسابها..

الفكر ومضمونه في الفلسفة النقدية

يطرح فلاسفة الطبيعة ومنهم سانتيانا سؤالا على جانب من الاهمية والوجاهة ( كيف يمكن للفكر أن يخلص من مضمونه؟)(11)..،

الفكر هو حمولة مضمونه والوعي القصدي به، والفكر بلا مضمون هو وعي زائف غير متحقق، والفكر في حمولة مضمونه (الموضوع) هو ألزام العقل الاستجابة له في تناوله كموضوع..أن تحوّل المضمون الفكري الى تكوينات وتمّثلات علائقية أدراكية في الذهن يزيح عن كاهل الفكر حمولته ويجرده منها، ، لذا تكون مسؤولية الفكر تجاه موضوعه هي ألزام عقلي له يحرر الفكر من حمولته..

والسؤال هل يستطيع الفكر أن يمنح الاشياء ماهياتها أو جواهرها؟

الفكر في حقيقته طاريء على الماهية والجوهر من حيث أن الفكر وسيلة معرفية من وسائل العقل الادراكية، وتبقى حمولة الفكر لمضمونه حمولة وظيفية يراد أيصالها وأيداعها العقل، والفكر في تعالقه مع العقل داخل المنظومة الادراكية العقلية التي تبدأ بالحواس...، والفكر ليس كيانا مستقلا ولا موضوعا يمكن أدراكه من غير الاستدلال على وظيفته المعرفية في تنفيذ تعبيرات العقل الفكرية اللغوية عن الاشياء من خلال الوعي والفكر..

الفكر جوهر عقلي لا وجود له من دون العقل. ومن المتعذر جدا الجزم الكامل أن حمولة الفكر هي (ماهيات ) جرى تصنيعها في مصنع الحيوية العقلية.. فالعقل يعجز عن صناعة الماهيات التي هي معطى وتكوينات تدخل جوهر الاشياء بما هي خصائص تكوينية قابلة للنمو والصيرورة الدائمة.. فالماهية تشكيل دائمي مستمر وليس وجودا ماديا يمكن التعامل معه حسّيا أدراكيا كموضوع معرفي..

الماهية جوهرغير منظور مستقل والفكر وسيلة أدراك وظيفية عقلية.. ولا يمكن للفكر صناعة ماهيات الاشياء التي لا يستطيعها العقل أيضا، فالماهية وجود بذاته وهي جوهر داخلي مكمّلا كينونة وجود الشيء.. والفكر والعقل كلاهما لا يفهم من الماهيات ومعرفتها أكثر مما يعطيهما الموجود الكلي لهما..

وأكثر من هذا مما لا يدركه العقل ويعجز معرفته يكون هو الماهيات وجواهر الاشياء التي لا يمكن للعقل تصنيعها في أمتلاكه معرفة الصفات الكليّة في موجوداتها..الماهية أو الجوهر وجود مادي يكتسب ماديته من كونه جزءا عضويا ملازما لكل موجود مادي في الطبيعة وبالخصوص الانسان وعالم الانسان والحياة..لذا تكون الماهية عجزا عقليا أدراكها لأن الماهية ليست موضوعا للادراك العقلي..

يعبّر سانتيانا عن مقاربة هذا المعنى قوله ( أن نظام الماهية محايد من حيث تعريفه، ولأنه يضم كل شيء، الى ما لا نهاية فليس له سلطة على العالم الموجود وليس بمقدوره أن يحدد طبيعة الصفات التي تظهر في الحوادث ولا نظام ظهورها .(12) – أحيل القاريء الى مبحثي المنشور على موقع المثقف بعنوان (هوسرل وماهية الانسان)، فقد وضّحت فيه معنى الماهية بما يغني من تكراره هنا بما لا يحتمله الموضوع......يتبع

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...........................

الهوامش

1- الفلسفة الامريكية، جيرار ديلودال، ت: د. جورج كتورة، د. الهام الشعراني ص 147

2- المصدر اعلاه ص 148

3- المصدر اعلاه ص 150

4- المصدر اعلاه ص 152

5- المصدر اعلاه ص 154

6- المصدر اعلاه ص 159

7- المصدر اعلاه ص 161

8- المصدر اعلاح ص 163

9- المصدر اعلاه ص 166

10- المصدر اعلاه ص 167

11- المصدر اعلاه ص 169

12- المصدر اعلاه ص 170

 

 

محمود محمد علي(نماذج من علوم الفيزياء)

نعود ونكمل حديثنا عن تجليات تجارب الفكر في تاريخ العلم، حيث يمكن القول: لقد لعبت تجارب الفكر،ولأكثر من مرة دوراً نقدياً هاماً في تطور العلم الفيزيائي . ويجدر بالمؤرخ، علي أقل تقدير، أن يتعرف عليها بوصفها أداة فعالة في بعض الأحيان لزيادة فهم الإنسان للطبيعة . ومع ذلك، فليس من الواضح تماماً كيف صار لها مثل هذه التأثيرات الهامة . فهي تتعامل غالباً مع مواقف لم تفحص في المعمل.

وهناك العديد من التجارب الفكرية التي قام بها العلماء والفلاسفة علي مر الزمن،منها تجربة سقوط الأجسام عند جاليلو وكذلك تجربته في السفينة Galileo`s ship،وتجربة تفاحة نيوتن Newton Bucket، وتجربة قطار أينشتين Einstein Elevator المنطلق بسرعة الضوء والتي تنعت بتجربة "البرق والقطار"، وتجربة عفريت ماكسويل Maxwell`s Demon ، وتجربة قطة شرودنجر Schrodiner`s cat، والتجربة المتخيلة التي افترضها أينشتين وبودولسكي وروسن والتي تسمي EPR paradox، علاوة علي بعض التجارب الفكرية التي أقامها بعض أصحاب ميكانيكا الكم، مثل تجربة GHZ experiment ، وتجربة Quantum Suicide، وتجربة Wigner`s Friend ، علاوة علي أن هناك تجارب فكرية حدثت في الفلسفة اليونانية مثل تجربة Plato`s Theory of refraction، وتجربة Zeno`s paradoxes، ثم هناك تجارب فكرية أدخلها بعض المتخصصين في فلسفة العقل مثل تجربة Swamp man التي نادي بها دافيدسون، وتجربة كواين عن  " دعوي اللاتحديد في الترجمة "، وتجربة الحجرة الصينية Chinese room التي قال بها جون سيرل، وتجربة Mary`s room"  حجرة ماري"، وتجربة" الأرض التوأئمية Twin Earth thought experiment التي نادي بها هيلاري بوتنام، كذلك تجربة الأخري وهي تجربة العقل في قارورة  Brain-in-a-vat . علاوة علي تجارب أخري لم نذكرها هنا وتوجد في الكتابات الواردة عن تجارب الفكر، ويطول بنا السرد إذا ما تكلمنا عن تلك التجارب، ونقتصر علي ذكر أمثله منها، ونذكر من تلك التجارب الفكرية سبعة تجارب ؛ أربعة في العلوم الفيزيائية مثل تجربة سقوط الأجسام لجاليليو، وتجربة البرق والقطار لأينشتين وتجربة قطة شرودنجر وتجربة عفريت ماكسوي، وفي فلسفة العقل نذكر نسرد أربعة تجارب أيضاً وهي،  تجربة كواين " دعوي اللاتحديد في الترجمة "، وتجربة الحجرة الصينية لسيرل، وتجربة الأرض التوأئمية لبوتنام:-

أ-: أهم تجارب الفكر في العلوم الفيزيائية:

1- تجربة سقوط الأجسام لجاليليو:

ونبدأ بتجربة جاليليو في سقوط الأجسام، فقد حاول جاليليو Galileo Galilei  (1564-1642)، أن يثبت بطلان رأي أرسطو في أن الأجسام تسقط نحو الأرض بسرعة تنتاسب ووزانها . وقد أثبت جاليليو في تجربة فكرية علي أنها جميعاً تسقط في وقت واحد إذا منعت عنها مقاومة الهواء . ولما لم يصدقه معاصروه جمع رجال جامعة "بيزا" وصعد إلي قمة برجها المائل، وأجري أمامهم تجربة دلت علي صدق زعمه.

وهنا قد يتساءل القارئ وما قصة التجربة الشهيرة التي ألقي فيها جاليليو كرتين مختلفتين في القدر والوزن من قمة برج "بيزا "المائل ؟ لعله ألقي فعلاً في مكان ما وفي وقت ما وزنين مختلفين ووجد أن تنبؤات أرسطو القائلة بوجود اختلاف كبير في لحظة وصول كل منهما إلي الأرض، غير حقيقية .

وتصور لنا الفقرات الآتية من كتاب جاليليو " حوارات حول النظامين الرئيسيين للكون النظام البطلميوسي والنظام الكوبرنيقي "، الذي نشر عام 1632، في فلورنسا، الموقف تصويراً واضحاً . وقد اقتفي جاليليو كتاب قدماء الأغريق في إخراج كتابه علي صورة حديث بين ثلاثة أشخاص من فينيسيا مدينة العجائب: سالفياتس الذي يأخذ دور المؤلف نفسه، وساجريدس وهو من العامة الأذكياء، وسمبليسيوس الذي لا يتوافر له الفهم الكافي لمدرسة أرسطو التي يمثلها ؛ وهاك الحديث الذي دار بينهم في الحركة حول دراسة علاقة السرعة التي يكتسبها الجسم إذا تحرك إلي أسفل مستوي مائل، بالسرعة التي يكتسبها إذا هوي رأسياً إلي أسفل  .

وفي بداية اليوم الأول في محاورة جاليليو المتعلقة بنظامين رئيسيين للعالم، إذ يسأل سالفياني الذي يتحدث نيابة عن جاليليو، محاوريه أن يتخيلوا سطحين مستويين، السطح الأول ج ب عمودياً، والسطح ج أ مائلاً، ومقام علي نفس المسافة العمودية سطحاً أفقياً أ ب . وحتي يساعد سالفياني محاوريه علي التخيل رسم رسماً تخطيطياً يفيد ذلك . وعلي إمتداد هذين السطحين تخيل جسمين ينزلقان أو يتدحرجان دون احتكاك من نقطة بداية مشتركة في ج . وأخيراً يسأل سالفياني محاوريه أن يسلما بأنه عندما يصل الجسمان المنزلقان إلي أ أو ب علي التوالي سيكونان قد اكتسبا نفس كمية التحرك، أي السرعة الضرورية لايصالهما مرة أخري إلي الارتفاع العمودي الذي بدأ منه . وبتلبية ذلك الطلب أيضاً، يتقدم سالفياني فيسأل المشاركان في الحوار أياً من الجسمين يتحرك أسرع . ودافعه إلي ذلك هو أن يجعلهما يدركان أنه باستخدام مفهوم السرعة الجارية حينئذ، فبالإمكان ارغامهما علي الاعتراف بأن الحركة علي طول العمود يمكن أن تكون أسرع لحظياً من، ومساوية في السرعة لـ  وأبطأ من الحركة علي الطول المائل . أما دافعه الأبعد فهو أن يجعل محاوريه وقراءه يتحققون من تأثير هذه المحالية، في أن السرعة لا ينبغي أن تعزي إلي الحركة كلها " .

لقد وصل جاليليو إلي آرائه المتعلقة بعلم الفيزياء عن طريق التفكير، عن طريق التدليل السليم والرياضيات لا عن طريق الاستنباط من التجارب . لقد كتب الكلمات التالية في أثناء وجوده في بيزا قبل ذهابه إلي بادوا: " غير أننا كالعهد بنا دائماً، نستخدم أكثر مما نستخدم الأمثلة (ذلك أننا نبحث وراء أسباب الآثار التي نراها، والتجارب لا تكشف هذه الأسباب ) . كان جاليليو يركن إلي استخدام ما يمكن أن نسميه " التجارب الفكرية "، وذلك بأن يتصور النتائج أكثر مما يشاهدها مباشرة .

وهو عندما يصف حركة الكرة الساقطة من قمة قلع المركب المتحرك في " حوار حول النظامين ..." يجعل سمبليسو الأرسطي يسأله هل قام بتجربة ما ليتحقق من ذلك، ويبادر جاليليو بالإجابة التالية: " كلا، لست في حاجة إلي تجربة فإنني أستطيع بدونها أن أؤكد أن الأمر كذلك لأنه لا يمكن أن يكون غير ذلك" .

ويمكن أن نوضح ذلك بتفصيل أكثر من خلال الحوار الذي جري بين سالفياتي وسيمبليسيكو، حيث يقول جاليليو:-

سالفياتي: والآن فلتقولوا لي: لو أن الحجر الساقط من قمة الشراع عندما تكون السفينة مسرعة في الحركة قد وصل إلي نفس الموضع الذي يصل إليه في حالة سكونها،فإي قيمة تأخذها هذه التجربة بالنسبة للسؤال حول سكون أو حركة السفينة ؟

سيمبليسو: لا قيمة إطلاقاً، تماماً مثلما أن دقات النبض لا تقرر ما إذا كان الإنسان نائماً أم مستيقظاً، وذلك لأن النبض يدق بنفس الطريقة في الحالتين .

سالفياتي: تماماً جداً . هل قمتم بإجراء التجربة في حالة السفينة .

سيمبليسيو: إنني لم أقم بها، ولكنني أعتقد أن المؤلفين الذين ذكروهما قد قاموا بها بعناية تامة . وفوق ذلك فإن سبب الاختلاف في الموضع يوجد بوضوح بين أيدينا بحيث لا يكون هناك مجال للشك .

سالفياتي: إنكم أنفسكم تمثلون في الواقع شاهد عيان علي أن هؤلاء المؤلفين قد ذكروا التجربة دون القيام بإجرائها فعلاً . وذلك لأنكم تذكرون أقوالهم بكل ثقة دون أن تقوموا شخصياً بعمل التجربة، وقد اعتمدتم بقلب صاف علي أقوالهم . كذلك فمن المحتمل، بل ومن الضروري أن يكون هؤلاء المؤلفون قد تعرفوا مثلكم، أي أنهم قد اعتمدوا علي أقوالهم علي مؤلفين سابقين دون أن يخطر ببال أحدهم القيام بإجراء التجربة فعلاً، لأن كل من يفعل هذا سيصل إلي نتيجة عكسية تماماً لما كتب . إن المرء سيجد أن الحجر يصل دائما إلي نفس الموضع، سواء أكانت السفينة ساكنة أم متحركة باي سرعة وبما أنه ينبغي علي الرض والسفينة إظهار نفس التصرف، فإن السقوط الراسي للحجر عند قدم البرج لا يمكن أن يؤدي إلي نتيجة محددة بصدد حركة أو سكون الأرض .

سيمبليسيو: لو لم توجهوا نظري إلي طريقة التجربة، فإن حديثنا المتبادل سوف لا ينتهي قريباً، ذلك أن هذه القضية – تبدو لي بعيدة عن التأملات الإنسانية بحيث لا يستطيع أحد هنا التجرؤ علي اعتقاد شئ معين أو تخمينة .

سالفياتي: ومع ذلك فإني أتجرأ علي القيام بهذا .

سيمبلسيو: إنكم لم تقوموا بإجراء التجربة مائة مرة، بل حتي لم تقوموا بإجرائها مرة واحدة . ومع ذلك فأنتم متأكدون من نجاح ما تقولونه، إنني أعود الآن إلي عدم اعتقادي وإلي اقتناعي الابتدائي بأن المؤلفين الرئيسين الذين ذكروا التجربة قد قاموا بها فعلاً، وذلك بالنجاح الذي ذكروه .

سالفياتي: إنني متأكد دون تجربة ان النتيجة ستكون هكذا كما قلت لكم وذلك لأنها لا بد وأن تكون هكذا . بل إنني أزعم أكثر من هذا إنكم أيضاً تعرفون بأنفسكم أن النتيجة لا يمكن أن تكون سوي ذلك حتي لو كنتم تتصرفون – شعورياً أو لا شعورياً – كما لو كنتم لا تعرفون هذا.

وقد تعمدت ذكر هذا النص بالتفصيل لإثبات مدي اهتمام جاليليو بتجربة الفكر حين يتعذر القيام بالتجربة المعملية، وأنه لكي نؤدي تجربة فكر يكون ذلك من خلال عقل، هذا العقل يقوم بسيناريو متخيل يهدف إلي إثبات أو تأكيد فرض ما أو نظرية .

2- تجربة البرق والقطار لأينشتين:

حين أقام أينشتين نظريته في النسبية، أكد أن الحركة النسبية بين جسمين تقتضي في بعض صورها أن يكون أحد الجسمين متحركاً بفعل التحريك، والاخر ليس معرضاً لنفس مقدار فعل التحريك، في حين أن النسبية تجعل المتغيرات جراء الحركة واقعة بمقدار واحد في الجسمين جميعاً في كافة صور الحركة النسبية بينهما .

ولهذا أقام أينشتين نظرية النسبية علي فرضين: -

1- الفرض الأول: وينص علي أنه لا يمكن تحديد حالة الجسم، إن كان ساكناً أو يتحرك حركة مستقيمة منتظمة، من خلال تجارب ميكانيكية أو كهربائية أو ضوئية تجري فيه، لأن قوانين الطبيعة تبقي هي هي في كل المراجع التي يتحرك أحدها بالنسبة لآخر حركة مستقيمة منتظمة .

2- الفرض الثاني: وينص علي أن الأثير فرض لا مبرر لوجوده، وسرعة الضوء ثابتة في الخلاء، سواء أكان المنبع الضوئي ساكناً أم متحركاً، وسواء أكان الراصد ساكناً أم متحركاً .

ونجد أن اجتماع هذين الفرضين لا يمكن أن يتحقق ما لم يحدث تغييرات جذرية لبعض المبادئ الأساسية في المفاهيم العلمية السائدة والمعمول بها، وهذا ما دفع بأينشتين إلي ابتكار تجارب فكرية لتقرير وتثبيت المفاهيم الجديدة التي ينطوي عليها هذان الفرضان مجتمعين . وما كان العلماء آنئذ ليلتقوا إلي شئ من ذلك، لو لم يكن أينشتين منطلقاً في وضع واستنتاج كافة ما جاء به في نظريته من خلال نتائج تجربة ميكلسون مورلي علناً أو ضمناً .

وعندما نظر أينشتين إلي ذلك كله بدا له أنه، لما كانت تجربة ميكلسون مورلي التي أقيمت لإثبات حركة الأرض بدلالة الأثير الساكن، دلت علي أن حركة الضوء لا تصلح لإثبات حركة الأ{ض المنتظمة، فهذا يعني إثبات الفرض الأول للنسبية .كما بدا له،أن حركة الأرض لا تؤثر في حركة الضوء، أي لا يتغير مقدار حركة الضوء بالنسبة للأرض في حركتها بدلالة الشمس، فلو افترضنا عدم وجود الأثير، وهذا يعني عدم وجود التيار الذي يؤثر في حركة الضوء، لحصلنا علي النتيجة نفسها، مع افتراض التقلص بإتجاه الحركة . فلما كانت التجربة التي أقيمت علي الأرض المتحركة، أظهرت عدم تأثر حركة الضوء بحركة الأرض، فإن الأثير فرض لا مبرر له كما أبان الفرض الثاني للنسبي.

وللموائمة بين هذين الفرضين ودمجهما في بوتقة واحدة، وتقرير ما ينتج عنهما من مفاهيم جديدة، وضع أينشتين التجربة الفكرية الشهيرة (ضربتي البرق والقطار ) التي أوجزها في  التالي:

لنتخيل مراقباً يجلس في محطة القطارات في منتصف قطعة مستقيمة (أب) يحمل معه مرآتين تعكسان له ما يحدث في (أ) و (ب) دون أن يحرك رأسه . ولنفرض قطاراً يتحرك يتحرك حركة مستقيمة منتظمة بموازاة القطعة (أب) سرعتها (سر) ويجلس مراقب في منتصفه يحمل مرآتين تعكسان له أيضاً ما يجري في (أ) و(ب) في وقت واحد بالنسبة للمراقب في المحطة، وذلك لحظة وصول المراقب في القطار إلي محاذاة المراقب في المحطة، فهل سيسجل المراقب في المحطة؟ الجواب لا، لن يسجل ذلك، لأنه إذا افترضنا أن القطار كان يتحرك مقترباً من (ب) ومبتعداً عن (أ)، فإن الإشارة القادمة من (ب) تصل إليه قبل القادمة من (أ) فتكون الحادثتان المتواقتتان ( تحدثان في وقت واحد) بالنسبة للمراقب في المحطة، غير متواقتتين (تسبق إحداهما الأخري) بالنسبة للمراقب في القطار .

وكذلك لو افترضنا أن ضربتي البرق وقعتا داخل القطار، احداهما في مقدمته والأخري في مؤخرته، في وقت واحد بالنسبة للمراقب في القطار لحظة محاذاته للمراقب في المحطة، فإن المراقب في القطار سيسجل وقوعهما في وقت واحد، في حين أن المراقب في المحطة لن يسجل وقوع الحادثتين في وقت واحد . فتكون الحادثتان المتواقتتان بالنسبة للمراقب في القطار، غير متواقتتين بالنسبة للمراقب في المحطة .وفي هذا دليل واضح علي أن التواقت نسبي وليس مطلقاً ( أي: أن لكل جملة حركية زمناً خاصاً بها .

ومن هنا يخلص أينشتين من تلك التجربة الفكرية ، إلي  أن الزمن نسبي ويعتمد على محاور إسناد المراقب بالنسبة للحدث كما وان المراقب المتحرك بسرعة قريبة من سرعة الضوء بالنسبة للحدث يجد أن الزمن المقاس يتباطأ عنه بالنسبة للمراقب الثابت بالنسبة للحدث. وهذا يعود إلى الفرضية الثانية للنظرية النسبية في ثبات سرعة الضوء في كافة الاتجاهات.

3- تجربة قطة شرودنجر:

هي تجربة فكرية قدمها الفيزيائي النظري النمساوي " إرفين شرودنجر"، ليبين فيها المشاكل التي رآها بتفسير كوبنهاجن وتأثير الوعي الإنساني في عملية الرصد والقياس الفيزيائي خصوصا في الحالات الكمومية. تخيل شرودنجر تجربة فكرية تم فيها حبس قطة داخل صندوق مزود بغطاء, وكان مع القطة عداد " جيجر"، وكمية ضئيلة من مادة مشعة بحيث يكون احتمال تحلل ذرة واحدة خلال ساعة ممكنا. إذا تحللت ذرة فان عداد جيجر سوف يطرق مطرقة تكسر بدورها زجاجة تحتوي حامض الهدروسيانيك الذي يسيل ويقتل القطة فوراً. والآن يقف المشاهد أمام الصندوق المغلق ويريد معرفة هل القطة حية أم ميتة ؟ (من وجهة نظر ميكانيكا الكم، توجد القطة بعد مرور الساعة في حالة مركبة من الحياة والموت). وعندما يفتح المشاهد الصندوق يري القطة إما ميتة أو حية وهذا ما نتوقعه في حياتنا اليومية، ولا نعرف حالة تراكب بين الحياة والموت. تنطبق ميكانيكا الكم فقط على الجسيمات الأولية والذرات، وهي تصف هذا العالم الصغير بدقة لم تستطيعها الميكانيكا الكلاسيكية التي كانت معروفة قبل ابتكار ميكانيكا الكم عام 1923 - 1929. وتعتمد ميكانيكا الكم على وصف الجسيمات وحركتها بدوال موجية. ولدراسة نظام يحتوي على جسمين أو ثلاث، تفترض ميكانيكا الكم دوالا مختلفة لحالات يمكن للنظام أن يتخذها. وتفترض أن تلك الدوال الموجية عبارة عن تراكب مجموع الدوال الموجية لجسيمات النظام. وتعبر عن الحالات التي يمكن للنظام اتخاذها باحتمال تواجد كل منها. وتعرض هذا المنطلق لميكانيكا الكم لنقد كبير وقت ابتكار النظرية، ولا نعرف تماما عما إذا كان شرودنجر يريد بيان انطباق ميكانيكا الكم أيضا على الأجسام الكبيرة (القطة) بفكرته هذه، أم أراد القول بعكس ذلك. فبتطبيق ميكانيكا الكم على نطام يجمع الذرة(جسيم صغير) والقطة (جسم كبير) تفترض ميكانيكا الكم تراكب موجتين: الأولى (الذرة لا تتحلل /القطة حية) والدالة الموجية للحالة الأخرى (الذرة تتحلل /القطة ميتة). وتقول أنه في لحطة فتح الصندوق والمشاهدة تنخزل تلك الحالة المتراكبة فورا، فنري القطة إما حية وإما ميتة. من العلماء الذين رفضوا ميكانيكا الكم وحلولها التي تنتج احتمالات كان أينشتاين الذي أعطى مثالا آخرا في هذا الصدد. وتساءل عن الدالة الموجية التي من المفروض أن تصف منظومة حفنة من البارود بأنها في حالتي تراكب متساويتين، أحداهما البارود السليم والأخرى الإنفجار، وكيف يمكن لهذان أن يجتمعان في تراكب واحد ؟ وظل أينشتاين حتى وفاته يرفض ميكانيكا الكم. ولكن كما قلنا أعلاه لم تستطع الميكانيكا الكلاسيكية حل معضلة تركيب الذرة واستطاعت ميكانيكا الكم ذلك، وفسرت ميكانيكا الكم الطيف الصادر عن الهيدروجين تفسيرا كاملا لم تستطيعه أي نظرية أخرى. ولا يقتصر نجاح ميكانيكا الكم فقط على تفسير الذرة بل أيضا تفسير تركيب الجزيئات والنشاظ الإشعاعي وتحلل ألفا وتحلل بيتا وظاهرة الموصلات الفائقة. ويروى عن ستيفن هوكنج أنه قال:" إذا جاء إليّّ أحد وأراد ذكر قطة شرودنجر فسأرفع عليه بندقيتي !!". موضوع التراكب معروف بالنسبة للذرات، أما بالنسبة للقطة، فإذا نظر ملاحظ خارجي إلى الصندوق بعد انقضاء الساعة فإنه سيجد إحدى النتيجتين: القطة ميتة، أو حية.

لا توجد ملاحظة فيزيائية لجسم كبير معروفة تناظر حالة التراكب، أي أن حالة التراكب ليست حالة مميزة أو ذاتية لأي كمية واقعية يمكن تخيلها ورصدها. ذلك أن الملاحظ لا يستطيع سوى التفريق بين حياة أو موت القطة.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد عليتجربة الفكر Thought Experiment بصفة عامة هي طريقة يمارسها العلماء والفلاسفة وغيرهم لاختبار فرض معين عن طريق تخيل موقف ما وما يقال فيه، ويرجع مفهوم تلك التجربة إلي العالم الفيزيائي الدنماركي هانز كرستيان أورستيد Hans Christian Ørsted،  الذي استخدم لأول مرة كلمة " تجربة فكرية " سنة 1812، تحت المسمي الألماني mit Gedanken experimentieren ، والذي يقابل المسمي الإنجليزي experiment with thoughts ؛ أي التجربة من خلال الفكر .

بيد أن تجربة الفكر ارتبطت بشكل رائج بالفيزيائي والفيلسوف النمسوي "إرنست ماخ" في نهاية القرن التاسع عشر، وذلك في مقالته الشهيرة التي نشرها بالألمانية سنة 1897، تحت عنوان  Gedankenexperiment، أي تجربة فكر ؛ حيث أن الـ Gedanken بالألمانية تعني الفكر أو الذهن أو المتخيل، والـ experiment أي تجربة ؛ وهنا دمج ماخ الكلمتين في كلمة واحدة لتفيد تجربة الفكر .

ولذلك فإن الـ " Gedankenexperiment " هو مصطلح مركب من اللغة اللاتينية واللغة الألمانية، والذي تعني في اللغة الانجليزية Thought Experiment ، فقد نظر إليها علي أنها تمثل جزء مهم من مراجعته وتنقيحه للميكانيكا، وهو المجال الأكثر تَأسيساً للمعرفةِ الفيزيائية في ذلك الوقت. إن تجربة الفكر قد أعانت ماخ علي تَزويد الميكانيكا بأساس تجريب (بدلاً من الأساس الغيبي) .

إذن مصطلح " تجربة الفكر" يمثل تكنيك مميز للبحث العلمي، وهذا التكنيك يمثل نظير عقـلي   a mental analogue للتجربة الفيزيائية التي أطلق عليها لقب  Gedankenexperiment . وهذا التكنيك قد لعب دور رئيسي في تاريخ العلم - وبالأخص علم الفيزياء؛ فقد مارسه بشكل عظيم كل من أرسطو وجاليليو وأينشتين وغيره من العلماء.

وبعد ظهور مقالة " ماخ " عن " تجارب الفكر " سنة 1897م، أخذ مصطلح " تجربة الفكر" Thought Experiment  ينتشر في أدبيات الدوائر العلمية ؛ حيث وجدنا عدد كبير من العلماء والفلاسفة والمفكرين، يقبلون بشغف للكشف عن معناها وأهميتها في مضمار البحث العلمي؛ فنجد مثلاً الباحث " اجيل جاليلي "  Igal Galiliيقول أن :" تجربة الفكر هي أداة علمية مميزة تتوسط بين النظرية والتجربة من خلال المحاكاة العقلية mental simulation . إن توضيح معني لتجربة الفكر يتطلب تعلم العلم .وسنتابع الأحداث التي لها العلائقية خلال تاريخ العلم الذي يولي عناية للقيمة الابستمولوجية للنشاط المنجز .وتعريف تجربة الفكر هي مقترحة واستعمال تحليلي يبرز الاختلاف التصوري الثنائي الأبعاد ؛ ولكن الباحث " إرفين " Irvine  في وصفه لقيمةِ تجاربِ الفكرِ في علومِ الفيزياء قال :"إن تجارب الفكر تفهم علي أنها حجج تتعلق بأحداث افتراضية معيّنة أَو حالات  لشئون .

بينما ذهب الباحث " أثانيسيس فيلينزاس " Athanasios Velentzas وآخرون إلي أن " تجارب الفكر تعد عنصر مكمل للتفكير العلمي، فهي تشكل واحدة من الأدوات التصورية من خلال دراسة العلماء للعالم الفيزيائي . وكذلك في تعلم العلم فهي تعد مهمة لطلاب العلم الذين يحلمون بأن يكون لهم دور في بناء العلم . وبهذه الطريقة فإن الطلاب سيصبحونَ علي ألفة بأحد الأدواتِ الرئيسية للفكرِ العلميِ كما أنهم قَد يفهمونَ جيدا المفاهيمِ المجردة لنظريات الفيزياء" .

أما الباحث " ميرامريبر" و" ليورم بورك" Miriamreeiber and Liorm.Burk فقد رأوا أن تجارب الفكر لعبت دوراً مهما في الفيزياء الحديثة، هذا الدورِ ينطلق في الغالب من الفيزياءِ المعاصرةِ في الأنظمةِ بعيدة المنالِ، والتي يصعب تحقيقها في التجاربِ الحاليةِ، مثل فيزياءِ مِقياسِ بلانك .. على الرغم مِن أنها تمثل الأداة التي لا يمكن أن يستغني عنها الفيزيائيين، ولكن تجارب الفكر تمثل الثمار ليس فقط للظاهرة الفيزيائية، ولكن أيضاً خيالِنا وإجحافنا يعد أكثر خطورة. وهذا الخطر سائد لدرجة أكبر بالنسبة للطلابِ.بينما الفيزيائين يشيدون تجاربهم المتخيلة طبقا للفيزياءِ التقليديةِ المتماسكة، والمتعلمون السذج، فقط بدأ مؤخراً في الفيزياء الاهتمام بإكار الفكر.

بيد أن الباحث "ك.ف فيلكز " Wilkes K.V." يؤكد أن " تجارب الفكر تمثل غزواتَ الخيالِ. . . لبيان أن الإطروحة الفلسفية معقولةُ أَو غير قابلة للتّصديقُ.. الذي يَطِيعُ العديد مِن القيودِ على التجريبِ "

كما ذهب الباحث "ج. براون" Brown G.، بأن تجارب الفكر تنجز في معمل الذهن، حيث يصبح تجريب الفكر هو عملية تستخدم لمواقف متخيلة imaginary situations تعيينا علي فهم طريقة الأشياء فهما حقيقياً، والفهم يأتي من خلال انعكاس علي هذا الموقف المتخيل . تجريب الفكر قبلي ؛ وبالأحري عملية تجريبية تعول علي أن التجارب تجري ضمن الخيال ( وكما يقول براون ) علي أنه يمثل معمل الذهن، وهذا المعمل لا يجري مطلقا في الواقع لأنها تعتمد علي الخيال .

وبالتالي تجري التجربة الفكرية " بالخيال القائم علي استنتاجات بعينها بغض النظر عن الصعوبات العلمية التي تحول دون إجرائها الفعلي" ؛ وذلك لكونها تهدف إلي إعطاءنا معرفة قبلية للعالم الطبيعي ؛ علاوة علي أن "الإنسان والطبيعة طرفان لجسر واحد، وما الأجهزة العلمية إلا وسائط نقل لعبور هذا الجسر، تارة تبدأ من الطبيعة نحو الإنسان، وتارة تبدأ من الفكر نحو الطبيعة مكونة الجزء المهم في التجربة العلمية الحديثة، ولكن هناك تجارب فكرية ليست لها أجهزة كما في التجارب الفكرية التي استخدمها أينشتين" .

وهنا نتساءل ما هي المشكلات الرئيسية التي تثيرها تجارب الفكر داخل منظومة البحث العلمي ؟

ويجيبنا فيلسوف العلم الأمريكي " توماس كون " Thomas Khun، علي ذلك ؛ حيث يحدد لنا صياغة المشكلات الرئيسية التي تثيرها دراسة تجارب الفكر عن طريق سلسلة من الأسئلة، ويبدأها " كون "،  أولاً، بالنظر إلي الموقف المتخيل في تجربة الفكر ؛ حيث أنه في نظره لا يمكن أن يكون الموقف تحكمياً بشكل واضح، فما هي شروط رجحان صدقه ؟ وبأي معني ولأي مدي ينبغي للموقف أن يكون واحداً، بحيث يمكن للطبيعة أن تستحضره أو سبق أن استحضرته في الواقع ؟ إن ذلك التعقيد، إنما يشير بدوره إلي تعقيد ثان . فإن سلمنا جدلاً بأن كل تجربة فكر ناجحة تتضمن في تصميمها معلومة قبلية ما عن العالم، فإن تلك المعلومة ليست في حد ذاتها ثمرة التجربة . بل علي العكس من ذلك، إذا تعاملنا مع تجربة فكر حقيقية،فإن المعطيات التجريبية التي تعتمد عليها لا بد أنها كانت معروفة تماماً، ومقبولة بصفة عامة حتي قبل تصور التجربة . كيف يمكن إذن بالاعتماد الكلي علي معطيات مألوفة أن تؤدي تجربة فكر إلي معرفة جديدة أو إلي فهم جديد للطبيعة ؟

ثم يتساءل كون قائلا:" ما نوع المعرفة الجديدة أو الفهم الجدي الذي يمكن اكتسابه هكذا؟ وما الذي يمكن أن يأمله العلماء إذا كان ثمة ما يأملونه علي الإطلاق، في أن يتعلموا من تجارب الفكر؟

ويجيب كون قائلاً"  بيد أنها، فيما اعتقد، ليست صحيحة تماماً، وإنما توحي بأن الفهم الجديد الناتج عن تجارب الفكر ليس فهما للطبيعة، وإنما بالأحرى أداة تصورية للعالم . وبهذا التحليل فإن وظيفة تجربة الفكر هي المساعدة في استبعاد الاضطراب السابق، وذلك بإجبار العالم علي أن يتعرف علي التناقضات التي كانت ملازمة لطريقة تفكيره منذ البداية . وعلي خلاف الكشف عن معرفة جديدة، فلا يبدو أن استبعاد الاضطراب الموجود يتطلب معطيات امبريقية إضافية . كما أننا لسنا في حاجة إلي موقف متخيل كأحد المواقف التي توجد في الطبيعة بالفعل . بل علي العكس من هذا،  فإن الهدف الوحيد لتجربة الفكر هو استبعاد الاضطراب الخاضع لشرط واحد فقط محتمل أن يكون صحيحاً . إذ ينبغي أن يكون الموقف المتخيل واحداً بحيث يمكن للعالم أن يطبق تصوراته عليه بالطريقة التي سبق أن استخدمها في العادة .

وينتهي كون إلي القول:" إن تجارب الفكر تساعد العلماء علي التوصل إلي قوانين ونظريات تختلف عن تلك التي كانوا يتمسكون بها من قبل، وفي تلك الحالة يمكن أن تكون المعرفة السابقة " مضطربة " و" متناقضة" فقط بمعني خصوصي ولا تاريخي تماماً، سيعزي الاضطراب والتناقض إلي كل القوانين والنظريات التي أجبر التقدم العلمي المهنة علي نبذها . ومع ذلك، فمن المحتم أن يوحي الوصف بأن تأثيرات تجربة الفكر حتي علي الرغم من أنها لا تقدم معطيات جديدة إلا أنها تكون أقرب كثيراً إلي تلك التأثيرات الخاصة بالتجربة الفعلية مما كان مفترضاً  عادة " .

مما سبق فإن تجربة الفكر تعد أداة علمية خاصة تتوسط بين النظرية والتجربة من خلال استيعاب عقلي .ولتوضيح معني تجربة الفكر لكونها مطلوبة في تعليم العلم، فعلينا أن نتابع الحوادث العلائقية خلال تاريخ العلم الذي يدفعنا لمعرفة القيمة الابستمولوجية للنشاط المنجز .وتعريف تجربة الفكر تعريف مقترح ومعناه استخدام يحلل الاختلاف التصوري الثنائي . هذا المنهج يسمح للمرء في أن يضع تجربة الفكر في مقارنة مع التركيبات التصورية المعرفة أيضاً . والنظرة المعروفة المستخدمة لتصنيف استخدامات تجارب الفكر وبشكل رئيسي لأغراض منهج العلم.

وبعد أن عرضنا لمفهوم تجارب الفكر، نود أن نشير أن هناك نوعين من تجارب الفكر : تجارب الفكر العلمية، وتجارب الفكر الفلسفية، ومن تجارب الفكر العلمية  ونذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر :- تجربة سقوط الأجسام عند جاليليو وكذلك تجربته في السفينة Galileo`s ship، وتجربة تفاحة نيوتن Newton Bucket، وتجربة قطار أينشتين Einstein Elevator المنطلق بسرعة الضوء والتي تنعت بتجربة "البرق والقطار"، وتجربة عفريت ماكسويل Maxwell`s Demon ، وتجربة قطة شرودنجر Schrodiner`s cat، والتجربة المتخيلة التي افترضها أينشتين وبودولسكي وروسن والتي تسمي EPR paradox، علاوة علي بعض التجارب الفكرية التي أقامها بعض أصحاب ميكانيكا الكم، مثل تجربة GHZ experiment ، وتجربة Quantum Suicide، وتجربة Wigner`s Friend  .

أما تجارب الفكر الفلسفية فنذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر :- تجربة Plato`s Theory of refraction عند أفلاطون، وتجربة Zeno`s paradoxes، ثم هناك تجارب فكرية أدخلها بعض المتخصصين في فلسفة العقل مثل تجربة Swamp man التي نادي بها دافيدسون، وتجربة كواين عن  " دعوي اللاتحديد في الترجمة "، وتجربة الحجرة الصينية Chinese room التي قال بها جون سيرل، وتجربة حجرة ماري Mary`s room"  "، وتجربة" الأرض التوأئمية Twin Earth thought experiment التي نادي بها هيلاري بوتنام، كذلك تجربة الأخري وهي تجربة العقل في قارورة  Brain-in-a-vat .

وهنا نتساءل ما الفرق بين تجربة الفكر العلمية وتجربة الفكر الفلسفية؟

تجارب الفكر العلمية هي ببساطة تلك التي تتعلق بمادة موضوع علمي في حين تجارب أن الفكر الفلسفية فهي عكس ذلك تتعلق بمادة موضوع غير علمي . وقد حاول George Bealer، أن يميز في تجارب الفكر الفلسفية وتجارب الفكر العلمية بين مادة الموضوع العلمي والغير العلمي ، فقد ميز بين الحالات المتخيلة التي تكون مستعملة لاستدعاء الحدوس الفيزيائية من تلك التي تكون مستعملة لاستدعاء حدوس بشأن تطبيق المفاهيم الغير فيزيائية . الأول يتضمن سؤال القارئ في أن يحدد ما يحدس في السيناريو المتخيل المعطي، والذي يفترض أن القوانين الطبيعية تكون ثابتة، والثاني يتضمن سؤال القارئ في أن يقرر فيما إذا كان السيناريو المحدد هو ممكن منطقياً أو ميتافيزيقياً أو فيما إذا المفهوم المعطي ينطبق علي هذا السيناريو. وقد أثبت Bealer مصطلح تجارب الفكر يجب أن يكون محجوزاً لحالات النوع الأول، وتقريبا الفئة التي تشير إلي تجارب الفكر العلمية.

وقد اقترح Tamar Szabo Gendler (2000، ص 25-27) تصنيف مختلف بين تجارب الفكر العلمية، وتجارب الفكر الفلسفية، فقد ميز بين تجارب الفكر المتصنعة factive والتصورية، والتخمينية valuational ؛ حيث يكون السؤال المثار طبيعياً وموصوف من خلال ما الذي يحدث؟ وتجارب الفكر المتصنعة تتضمن مادة موضوع علمي، في حين تكون تجارب الفكر التصورية والتخمينية تتضمن مادة موضوع فلسفي.

وقد قدم جيمس روبرت براون James Robert Brown (1991) تصنيفا لتجارب الفكر العلمية . فقد ميز بين تجارب الفكر التدميرية destructive وتجارب الفكر البنائية constructive وينقسم الصنفِ الأخيرِ إلى توسطيِ وتخميني ومباشر. وتجارب الفكر التدميرية تتضمن أمثلة متخيلة مصممة للكشف عن الصعوبات عن طريق نظرية معينة،وأما تجارب الفكر البنائية فتهدف إلي إقامة نتائج إيجابية. وداخل صنف تجارب الفكر البنائية فإن تجارب الفكر التوسطية هي التي تسهل رسم خاتمة مِن نظرية معينة موضوع بشكل جيد، وتجارب الفكر التخمينية هي التي تهدف إلي التفكير بشأن سيناريو متخيل للأمور التي تجعلنا ونحن ندرس الظاهرة بأن نتجنب نوعا ما التفسير النظري، وأما تجارب الفكر المباشرة فهي لنظرية مؤسسة جيدا . وتجارب الفكر التدميرية والبنائية أطلق عليها براون بأنها أفلاطونية حيث علق عليها قائلا أنها تمدنا بمعرفة قبلية عن الطبيعة .

حين ظهر العلم الحديث، في حوالي عام 1600م بدأ المذهب التجريبي يتخذ شكل نظرية فلسفية إيجابية قائمة علي أسس متينة، يمكن ان تدخل في منافسة ناجحة مع المذهب العقلي . وكان العصر الحديث هو الذي ظهرت فيه أعظم المذاهب التجريبية، أعني مذاهب "فرنسيس بيكون F.Bacon (1561-1626) وجون لوك J.Locke (1632-1704)، ويفيد هيوم D.Hume (1711-1776)، وجون ستيوارت مل J.S.Mill (1806-1873) ؛ حيث كان الاهتمام الرئيسي لدي هؤلاء جميعاً، ينصب حول الطريق المؤدي إلي الكشف عن القوانين، واعتقدوا أنه من الممكن رسم منهج لتحقيق ذلك، قد حاولوا  تشييد منطق للكشف موازياً لمنطق البرهان، وقاما بصياغة المناهج التي من وجهة نظرهما، تمكن من اكتشاف قوانين الظواهر كنتيجة لتحليل وقائع الملاحظة والتجربة ؛ فالعالم لابد أن يقوم بملاحظة أمثلة عدة للظاهرة موضوع الدراسة، ملاحظة دقيقة، مقصودة، منتقاة، وهادفة، مرتبة ومتواترة، تتصف بالنزاهة والموضوعية والدقة التي توجب استخدام الأجهزة المعملية إلي أقصي حد ممكن للتكميم الدقيق . وما التجربة المعملية إلا اصطناع الظروف المطلوب ملاحظتها، عن طريق مجموعة من العمليات التي يتم بمقتضاها إحداث ظاهرة ما في المختبر، بهدف دراستها والوصول إلى بناء معرفة حولها . فالفيلسوف التجريبي " لا يزعم أنه كشف نوعاً جديداً من المعرفة يعجز العالم عن الوصول إليه، وإنما هو يقتصر علي دراسة المعرفة المستمدة بالملاحظة وتحليلها، سواء أكانت معرفة علمية أم معرفة عادية، ويحاول فهم معناها ومضموناتها ".

بيد أن هذا التصور للتجربة والتجريب، قد تغير تماماً مع التطور الذي عرفه العلم على جميع مستوياته النظرية والعملية في القرن العشرين، بحيث أصبح موضوع العلم، لا يتمثل في التجربة الحسية المباشرة، بل يبنى عقلياً؛ فالكون الماكرو- فيزيائي Macro physique باعتباره واقعاً، هو بدرجة هائلة من الكبر والاتساع، يعجز معه العلم - بأدواته وتقنياته المتطورة، الإحاطة به في شموليته، كما أن عالم الذرة اللامتناهي في الصغرMicro physique، قد برهن هو أيضاً على صعوبة التقيد بالتجربة بمعناها التقليدي . فأي " تجربة تلك التي يمكن أن تجري علي المجرات أو الكواركات وعلي العكس من ذلك نشأ ما يعرف بالتجريب الذهني أو التخيلي Imaginative Experiment والأهم من ذلك، إعادة النظر في كثير من المصطلحات المنهجية والفلسفية التي ولدت واستقرت وتشربت بروح فيزياء نيوتن".

ولذلك وجدنا معظم علماء الفيزياء وفلاسفة العلم في القرن العشرين، قد أدارو ظهورهم لمنطق اليقين التجريبي، واستحدثوا معايير أخري غير المعايير التي اعتادوا عليها في ظل فيزياء نيوتن التي سيطرت علي العقل العلمي، بسبب اكتشاف زيف فرض الاثير، وأنه فرض ميتافيزيقي، ولا يمكن أن يبني منطق التحقق المعاصر علي ردود الأفعال، بل علي الفهم الصحيح لمنطق العلم . إذ كيف أتحقق مما لا أراه. إذن في ظل التطورات العلمية المعاصرة ليس هناك تجارب حسية - ذات واقع تجريبي في تاريخ العلم، فهل عندما نادي ديراك بنظريته عن الوجود السالب ( البوزيترون   Positron) كان يتكلم عن الواقع التجريبي، أو بالأحري عن عالم ما وراء الخبرة .

فلنقارن مثلاً بين كل التجارب المعملية التي كان العلماء يجريها في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، وبين تجربة المصعد عند " أينشتين Einstein " ( 1879 م– 1955م) علي سبيل المثال لا الحصر، نجد أن الفرق شاسع، لأنه فرق بين عصرين، عصر كان يعاني من أزمة قديمة، فألقي بكل ثقله علي التجربة الحسية المباشرة، ورأي فيها القول الفصل في صدق أية قضية علمية، وعصراً آخر لا يري بأساً من الاعتماد علي التجربة الفكرية Thought Experiment  بعد أن أفلت الواقع من مصداقية الخبرة .

فكما نعلم أن التجربة كانت فيما سبق تتم عن طريق توفير الشروط اللازمة لحدوث الظاهرة المدروسة، حيث يعاد إحداثها ثانية في المختبر، ولما كانت هناك تجارب يصعب إجرائها في المعمل لجأ العالم إلي التجربة الفكرية الذي أضحي الخيال من خلالها يمنح الواقع غنى لا يمكن الوصول إليه بالتجربة بمعناها الكلاسيكي، وهو الذي لا يشكل المقوم الرئيس لهذا المنهج العلمي المعاصر. خاصة إذا علمنا أن حيثيات التجربة العملية وشروطها ليست دائما ممكنة، فاللجوء إلى التجربة الفكرية- المتخيلة أمراً ممكناً وضرورياً خصوصاً عندما يشتغل العالم علي موضوعات خارج الماكروسكوبية، وهذا ما يمنح للتجربة الفكرية قوة اقتراحيه في بعض الأحيان وإجرائية في بعض المجالات، مما يطرح العديد من الإشكالات على نظرية المعرفة التقليدية التي ترى التجربة بمعناها الضيق مصدراً لجميع المعارف.

لذلك فالتجربة الفكرية تعد عنصر مكمل للتفكير العلمي، فهي تشكل واحدة من الأدوات التصورية من خلال دراسة العلماء للعالم الفيزيائي . وكذلك في تعلم العلم فهي تعد مهمة لطلاب العلم الذين يحلمون بأن يكون لهم دور في بناء العلم . وبهذه الطريقة فإن الطلاب سيصبحون علي ألفة بأحد الأدواتِ الرئيسية للفكرِ العلميِ كما أنهم قَد يفهمونَ جيدا المفاهيمِ المجردة لنظريات الفيزياء في العشرين.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود نكمل حديثنا عن مبدأ اللايقين عند مدرسة كوبنهاجن فنقول: في الوقت الذي يدافع فيه هيزنبرج عن فكر وتوجه مدرسة كوبنهاجن، نجده يقدم عرضا لمفهوم السببية في ضوء ميكانيكا الكوانتم، حيث نراه يقول عن مبدأ السببية: " لقد درج الناس علي القول ن خلال السنين الأخيرة، أن العلم الذري قد أبطل مبدأ السببية أو علي الأقل، أفقده قسطا من سلطته، وذلك إلي درجة أنه لم يعد من الممكن الحديث عن ضبط عمليات الطبيعة، بالمعني الدقيق لكلمة ضبط، بواسطة قوانين . وأحيانا يقال فقط إن مبدأ السببية لا يسري مفعوله إلي علم الذرة الحديث "؛ ويستطرد هيزنبرج فيقول: "لقد عمل العلم الذري منذ بداية نشأته علي صياغة وتطور مفاهيم لا تتفق، والحق يقال، مع هذه الصورة التي رسمناها عن مبدأ السببية . ولكن هذا لا يعني أن هذه المفاهيم الجديدة تناقض الأسس التي قامت عليها تلك الصورة . فكل ما في الأمر هو أن طريقة التفكير الخاصة بالعلم الذي كان شائعا، لا بد أن تتميز منذ البداية، عن أسلوب التفكير الذي تقوم عليه الحتمية . لقد سبق لعلم الذرة القديم أن بني تفسيره للكون علي أساس فكرة الترابط الإحصائي بين العديد من العمليات الصغيرة المزولة، فعمم هذه الفكرة وقدم لنا صورة عن العالم، قوامها أن جميع الكيفيات الحسية التي للمادة، يرجع السبب فيها بكيفية غير مباشرة، إلي وضعية الذرات وحركتها، يقول ديموقريطس " لا يكون الشئ حلواً أو مراً إلا في الظاهر. أما في الواقع فلا وجود لشئ آخر غير الذرات والخلاء "، فإذا فسرنا هكذا الظواهر الحسية بواسطة تضافر العديد من العمليات الصغيرة المعزولة نتج من ذلك ضرورة، أننا نعتبر قوانين الطبيعة إحصائية لا غير . والحق أن هناك قوانين إحصائية .

ويشرح هيزنبرح الطابع الإحصائي لنظرية الكوانتا قائلا: " علي الرغم من لأن المعرفة الناقصة بمنظومة ما كانت، منذ الاكتشافات التي توصل إليها كل من " جيبس " و " بولتزمان "، مندرجة في الصياغة الرياضية للقوانين الفيزيائية، فإنه لم يقع التخلي عن مبدأ الحتمية إلا بعد ظهور نظرية الكوانتا علي يد بلانك . لم يجد بلانك في البداية سوي عنصر واحد يدل علي الطابع المنفصل لظواهر الإشعاع التي كان يدرسها . لقد أثبت أن الذرة المشعة لا تصدر الطاقة بكيفية منفصلة علي شكل صدمات . إن هذا الانفصال في إصدار الطاقة الذي يشبه تتابع الصدمات، قد أدي، مثله في ذلك مثل جميع المفاهيم المتعلقة بنظرية الذرات، إلي القول بالطابع الإحصائي لظاهرة الإشعاع . ومع ذلك كان لا بد من مرور خمس وعشرين سنة علي اكتشاف الكوانتا حتي يصبح في الإمكان إثبات أن نظرية كوانتا، تحتم، في الواقع إعطاء الصبغة الإحصائية للقوانين الفيزيائية، والتخلي عن مبدأ الحتمية . فمنذ أن ظهرت أبحاث أينشتين وبور وسومر فيلد بدا واضحا أن نظرية الكوانتا هي المفتاح الذي يفتح باب الفيزياء الذرية علي مصراعيه . وكان النموذج الذري الذي قال به روتر فورد وبور خير مساعد علي تفسير العمليات والتفاعلات الكيماوية مما سمح منذ ذلك الوقت بدمج الفيزياء والكيمياء والفيزياء الفلكية في واحد منصهر، وحتم التخلي عن مبدأ الحتمية المحض عن صياغة القوانين الرياضية للظواهر الطبيعية حسب نظرية الكوانتا .

ومن هذا المنطلق شرع هيزنبرج في عقد مقارنة مذاهب كانط بالفيزياء الحديثة، حيث يقول: "... من اللحظة الأولي سيبدو مفهومه المحوري عن الأحكام التركيبية القبلية، وقد محقته اكتشافات هذا القرن ( يقصد القرن العشرين). غيرت نظرية النسبية رؤيتنا للمكان والزمان، بل لقد كشفت في الحقيقة ملامح جديدة للزمان والمكان، ليس بينها ما نراه في صور كانط القبلية للحدس الخالص . لم يعد قانون العلية يطبق في نظرية الكم ولم قانون حفظ المادة صحيحا بالنسبة للجسيمات الأولية . الواضح أن كانط لم يكن له ليتنبأ بالاكتشافات الحديثة . لكن لما كنت مقتنعا بأن مفهوماته ستكون الأساس لأي ميتافيزيقيا مستقبلية يمكن أن تسمي علما، فمن المشوق أن تري أين كانت حججه خاطئة .

ويستطرد هيزنبرج: " دعنا نأخذ قانون العلية كمثال يقول كانط إنه حينما نلاحظ واقعة فإننا نفترض أن ثمة واقعة سبقتها لا بد للأخرى أن تنتج عنها حسب قاعدة ما . وهذا كما يقرر كانط أساس كل العمل العلمي . أما إمكانية أن نجد دائما هذه الواقعة السابقة من عدمه فهو أمر لا يهم بالنسبة لهذه المناقشة . والواقع أننا نستطيع أن نجدها في الكثير من الحالات . لكن حتي لو لم نستطع، فليس ثمة ما يمنعنا من نسأل عما قد تكونه، وأن نبحث عنها . وعلي هذا فقد تم تطويع قانون العلية إلي منهج البحث العلمي . إنه الشرط الذي يجعل العلم ممكنا، ولما كنا نطبق هذا المنهج بالفعل فإن قانون العلية قبلي ولا يشتق من الخبرة . فهل هذا صحيح في الفيزياء الذرية ؟ فلنأخذ ذرة راديوم يمكنها أن تطلق جسيم ألفا لا يمكن أن يتنبأ بالوقت الذي سيطلق في المتوسط في نحو ألفي عام . وعلي هذا فعندما نلاحظ الانطلاق فلن نبحث عن مثل هذه الواقعة، ولا يلزم أن تثبطنا حقيقة أن أحداً لم يلحظ حتي الآن مثل هذه الواقعة . لكن لماذا تغير المنهج العلمي بالفعل في هذه القضية الجوهرية بالذات منذ كانط .

ثم يتساءل هيزنبرج: " ثمة إجابتان محتملتان لهذا السؤال . الأولي منهما هي: لقد أقنعتنا الخبرة أن قوانين نظرية الكم صحيحة، فإذا كانت كذلك، فإننا نعرف أننا لن نجد واقعة سابقة تعلل انبعاث الجسيم في وقت معين . أما الإجابة الثانية فهي: إننا نعرف الواقعة السابقة، لكن ليس بشكل دقيق تماما . إننا نعرف القوي في النواة الذرية المسئولة عن إطلاق جسيمات ألفا . لكن هذه المعرفة تحمل اللامحققية الناجمة عن التفاعل بين النواة وبين بقية العالم . فإذا أردنا أن نعرف السبب في إطلاق جسيم ألفا في ذلك الوقت المعين فمن الضروري أن نعرف التركيب الميكروسكوبي للعالم بأكمله بما فيه أنفسنا، وهذ أمر مستحيل . ولهذا فلم تعد حجج كانط للصفة القبلية لقانون العلية قابلة للتطبيق هنا .

إن قول هيزنبرج باللاحتمية والذاتية في الفيزياء الحديثة استنادا إلي احتمالية هذه الوقائع وإحصائية قياسها، قد فتح باب الاجتهاد لوضع تفسيرات ميتافيزيقية للكون الذري، وأول هذه التفسيرات هو القول بنظرية في الحرية الإنسانية استناداً إلي فكرة اللاحتمية . والعلماء الذين يذهبون هذا المذهب يحددون المسألة علي هذا النحو: لا يمكن أن توجد سيطرة حتمية كاملة علي الظواهر غير الحتمية ما لم تكن الحتمية مسيطرة علي الذهن نفسه، وعلي العكس من ذلك لو أردنا أن نحرر الذهن فينبغي إلي حد ما أن نحرر العالم المادي كذلك .

ويبرر هؤلاء العلماء موقفهم هذا من خلال مقارنتهم بين ميكانيكا نيوتن وميكانيكا الكوانتم، فالأولي قد ضربت علي الكون ستارا حديديا من الحتمية الألية الصارمة، التي تعبر عن سيطرة الضرورة العقلية علي الطبيعة والإنسان علي السواء . فكل شئ مقدر له سلفا وبنوع من الضرورة، ماذا سيكون عليه في المستقبل . وهكذا عاش الإنسان في ظل حتمية نيوتن أو السببية الضرورية كما لو كان يختنق . فكل ما يحدث لا بد له من سبب . فإذا عرف السبب كان كالقضاء المبرم الذي لا راد له، بحيث يتحتم علي الشئ أن يحدث . وقد أحسن كل من اسبينوزا وكانط التعبير عن هذه الحتمية كل بطريقته الخاصة . وبينما كان كانط علي استعداد للتضحية بالضرورة الابستمولوجية من أجل الأخلاق، كان ديكارت قد سبقه إلي ذلك، حينما قرر أن الإرادة أوسع من الذهن . أي أن الإرادة الحرة لا تخضع لمنطق التفكير الرياضي .

وكان العكس من ذلك، جاء مبدأ اللاتحديد عند هيزنبرج ليفك الحصار الذي ضربته حتمية نيوتن علي الكون بما في ذلك الإنسان . والأساس المنطقي الذي يعتمد عليه هذا اللاتحديد هو نظرية الاحتمالات بمعني أن حتمية نيوتن قد قامت علي فكرة المسار الثابت والذي تحتم الجمع بين الموضع والسرعة بالنسبة للشئ المتحرك . ولكن بناء علي معادلة هيزنبرج علي هامش الخطأ، فمن المستحيل الجمع بين الدقة الكاملة في قياس الموضع والسرعة بالنسبة لحركة الإلكترون . فيقول ويلر: " إن تركيب الأجهزة لقياس إحداثيات الإلكترون ( أي موضعه المكاني ) يحول أليا دون وضع المعدات المطلوبة لقياس سرعته في المكان نفسه، والعكس صحيح، فعملية القياس ذاتها تحدث في وضع الإلكترون تغيرا لا سبيل إلي التنبؤ به . وهكذا حاول البعض استثمار مبدأ اللاتحديد بطريقة ميتافيزيقية ليؤكد بها حرية الإرادة الإنسانية بالرغم أن منهم علماء يعرفون حدود العلم وبالرغم من أن هيزنبرج لم يترق ببحوثه إلي الإنسان . فقد ذهب " بافينك " و "إدنجنتون "، كل منهما علي حدة، إلي تفسير عجز العلماء عن التنبؤ بأي الإلكترونات هو الذي سيقفز من مداره، وإلي أي المدارات سيتجه، نقول تأولوا ذلك بأن الإلكترون " حر " في أن يقفز متي وأني شاء . أفيكون الإنسان وإرادته أقل حرية من الإلكترون .

ولكى نفهم وقع نظرية الكم على تصورنا العام للكون فهما واضحاً، فقد يحسن بما ألا نسأل الفلاسفة والعلماء، وأن نسأل الكتاب الأدباء، الذين عبروا عن مشاعر القرن العشرين . كتب جورج برنارد شو يقول: "إن العالم الذي بناه استحق نيوتن والذي ظل القلعة المنيعة للمدينة الحديثة على مدى ثلاثمائة عام قد تهاوى أمام نقد أينشتاين كما تهاوت جدران المعبد . كان عالم نيوتن يمثل معقل المذهب العاقل للحتمية: فالكوكب فى مداراتها تخضع لقوانين ثابتة لا تتغير، وكذلك تخضع الالكترونات فى مدارها فى الذرات لنفس القوانين العامة إن كل لحظة من لحظات الزمن تحكم اللحظة التى تليها . . . إن كل شئ يمكن حسابه: وكل ما وقع كان حتما أن يقع: لقد أزيلت الأوامر من فوق مائدة القوانين وحل محلها علم الجبر الجارى: معادلات الرياضيين .

ويصف برناردشو بعد ذلك الإنسان الحديث، حيث أصبحت لديه فيزياء نيوتن بديلاً للدين التقليدي . ويستطرد شو قائلا: " هنا كان إيماني، وهنا وجدت عقيدتي فى العصمة من الخطأ . وأنا الذى ازدريت الكاثوليكى وهو يحلم هباء بالإرادة الحرة المسئولة، مثلها ازدريت البروتستانتى بتظاهره بالحكم المتميز . ويصف " شو " بعد ذلك كيف تهشم هذا الدين البديل بواسطة الفيزياء الذرية ونظرية الكم فى القرن العشرين . يستطرد " شو " قائلا " والآن، - الآن – ماذا يبقى من ذلك ؟ إن مدار الإلكترون لا يخضع لقانون، فهو يختار مسارا وينبذ مسارا أخر . فكل شيء يسير على هواه، والعالم الذى كنت تستطيع الاعتماد عليه فيها مضى لم يصبح موضعا للاعتماد عليه " .

ولكي نفهم علي نحو أكثر تحديداً الفائدة من استخدام تماثلات الفطرة السليمة في التفسيرات الميتافيزيقية لمبدأ اللايقين في الفيزياء الذرية ، يجب أن ندرس مثال ورد في كتيب لبرنارد بافنك وهذا المثال يعود إلي القوانين التي تحكم انتقال الإلكترون من أحد المدارات حول نواة الأيدروجين إلي مدار آخر . وتحدد لنا قوانين ميكانيكا الكم ما هي المدارات التي يمكن أن يتحرك فيها الإلكترون حول النواة، غير أنه إذا كان هناك إلكترون معين يدور حول نواة الذرة، فليس هناك قانون يحدد لنا تحديدا دقيقاً، وفي كل لحظة، ما الذي سيفعله هذا الإلكترون في اللحظة التالية – هل سيقفز إلي مدار آخر أم لا يفعل ؟ وتستطيع النظرية أن تحدد فقط متوسط عدد الإلكترونات التي تقفز في الثانية التالية، ولكنها لا تستطيع أن تحدد ما إذا كانت إلكترون معين سوف يقفز أم لا . ويعطي فانك تفسيرا لهذا الوضع: " يجب أن نتذكر أولا أن الفعل الأولي المفرد (القفزة) لا يمكن حسابه علي هذا النحو، ولكنه يترك حرا ؛ وأن نتذكر ثانيا أن الجوهر الحقيقي لهذه الحرية ربما كان حدثاً فيزيائيا ... وبعبارة أخري، إن الاختيار " الحر " للفعل الأولي، والذي لا تحدده الفيزياء، لا وجود له في الواقع إلا كجزء من " خطة" أو " هيئة " ؛ أو هو جزء من مجموعة متسلسلة من الهيئات والأشكال الأرقي يمتص دائما الشكل المختلف ليصنع منه تركيباً أعلي ... والجديد في الأمر هو أن الفيزياء تقترح اختبار هذه الفكرة .

وتتضح الخاصية التماثلية لهذا التفسير في هذه الحالة . فبما أن قواعد ميكانيكا الأمواج لا يمكن صياغتها بلغة الفطرة السليمة، فإن المؤلف يقارن سلوك الإلكترون بسلوك الكائن الحي " الحر " في اختيار ما يفعله في اللحظة التالية . وقد استخدمت كلمة " حر " هنا في لهجة الفطرة السليمة الغامضة التي بمقتضاها نصف ما يفعله الكائن الحي بأنه فعل " حر " لأننا لا نعرف القواعد التي نستطيع أن نحدد بها ما سوف يفعله في اللحظة التالية . وبعد أن ترسخ وجود الحرية " الحرية " في العالم الفيزيائي فإن المرء يستخدم هذه " الحقيقة " لكي يصبح من المعقول أن تكون القرارات البشرية قرارات " حرة " . فمن المؤكد أن لا يمكن أن يكون أقل تحرراً من الشيء الفيزيائي غير الحي . وقد كان تبرير مذهب الإرادة الحرة بواسطة الفيزياء لذرية واحداً من الاسباب التي أعلن من أجلها مراراً أن الفيزياء قد صارت اليوم أكثر تآلفاً مع الدين التقليدي عما كانت عليه لقرون مضت .

وبطبيعة الحال، يجب أن نذكر أن نصوصاً مثل " أدخلت التقدمات الأخيرة في الفيزياء عوامل عقلية في العلم "، أو " إن العلوم الحديثة تبرر مذهب " الإرادة الحرة " هي نصوص لا تتحدث عن الفيزياء من " الوجهة العلمية " . إنها في الواقع تتناول التفسيرات الميتافيزيائية للنظريات الفيزيائية الأخيرة . ولكي نحدد المعني الدقيق لهذه النصوص يجب ان نقول: إن الفيزياء المعاصرة قد تعرضت لتفسير ميتافيزيائي، وطبقا لهذا التفسير يعتبر الإلكترون ناتجا عن قوي روحية، كما أنه في قفزة من مدار إلي مدار، إنما يمارس عملاً من أعمال الإرادة الحرة . ومن ثم فإن علينا أن نتساءل عما إذ كانت الميكانيكا النيوتونية لا تستطيع أن يكون لها تفسير ميتافيزيائي يرخص بإدخال القوي الروحية والإرادة الحرة إلي الفيزياء . وبما أن كل هذه التفسيرات هي في الأساس عرض لتماثلات من الفطرة السليمة للنظريات الفيزيائية فيمكننا فقط أن نتساءل عما إذا كان من الأقرب إلي " الطبيعة " أو إلي " الفطرة السليمة " أن نفسر ميكانيكا الكم بواسطة القوي الروحية وألا نفعل ذلك بالميكانيكا النيوتونية .

والحقيقة، أن هؤلاء الذين دافعوا عن الحرية الإنسانية بمنطق العلم سيان من العلماء أو الفلاسفة أو حتي من رجال الدين، لم يكن هدفهم هدم الحتمية في العلم أو التهليل للاحتمية، يل فقط تأكيد أن الظواهر لها قوانينها الخاصة المختلفة عن قوانين المادة الصماء . وإنه إذا كانت هناك حتمية فمحلها العالم الفيزيائي . ولا تسري علي الباطن الإنساني . وإنه لجدير بنا عدم الخلط بين حقائق العلم المتغيرة وحقائق النفس الثابتة . فها هو فالتون شين (أحد رجال الدين الكاثوليك) يقول إن القديس توما الأكويني يؤكد أن التغير في العلم التجريبي لا يستتبع تغيرا في الميتافيزيقيا التي تحكم هذا العلم، ما دامت الفلسفة مستقلة عن العلم . ونحن لو نظرنا للنتائج التي انتهت إليها نظرية الكوانتم ومبدأ اللاتحديد، فلن نجد فيها ما يبرهن علي عدم خضوع الحوادث الفيزيائية لمبدأ السببية . أي أن المدافعين عن الحرية الإنسانية استثمروا جهل العلماء بالظروف المحيطة بالإلكترون والتي تدفعه لتغيير مداره في تأكيد اللاحتمية .

من أجل ذلك من العبث أن نبحث عن سند فيزيائي لحرية الإرادة لأنها مشكلة الفلسفة في المقام الأول، وليست مشكلة الفيزياء . وهو ما أكده أحد الفلاسفة الهنود كانتا براهما N. K . Brahama وبنفس حجة شين عن استقلال الميتافيزيقا عن الفيزيقا . فيقول معقبا علي المحاولات الخاطئة لاستخلاص الحرية الإنسانية من نتائج العلم " ثم ماذا يمكن أن يحدث فيما لو فاجأتنا تجارب المستقبل بأن اللاحتمية التي يفترض وجودها في حركة الإلكترون، لا وجود لها حقيقة، ألن تجد الفلسفة نفسها عاجزة عن تبرير موقفها، فيما لو أخذت الآن برأي أدنجنتون ! إن الحرية وسائر الحقائق الميتافيزيقية الأخرى لا يمكن البرهنة عليها في عالم الظواهر الذي تسيطر عليه مقولات المكان والزمان والسببية .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل- جامعة أسيوط

 

محمود محمد علييعد مبدأ اللايقين من أهم المبادئ في نظرية الكم بعد أن صاغه العالم الألماني هايزنبرج عام 1927 وينص هذا المبدأ على أنه لا يمكن تحديد خاصيتين مقاستين من خواص جملة كمومية إلا ضمن حدود معينة من الدقة، أي أن تحديد أحد الخاصيتين بدقة متناهية (ذات عدم تأكد ضئيل) يستتبع عدم تأكد كبير في قياس الخاصية الأخرى، ويشيع تطبيق هذا المبدأ بكثرة على خاصيتي تحديد الموضع والسرعة لجسيم أولي. فهذا المبدأ معناه أن الإنسان ليس قادرا على معرفة كل شيء بدقة 100%. ولا يمكنه قياس كل شيء بدقة 100%، إنما هناك قدر لا يعرفه ولا يستطيع قياسه.

وقد انقسم العلماء في مناقشتهم لمبدأ اللايقين في الفيزياء الحديثة بين كونه يمثل صفة موضوعية أم صفة ذاتية، فالقائلون بالصفة الموضوعية يؤكدون أن هذا المبدأ ناتج عن عمليات موضوعية خالصة . فأداة القياس أداة فيزيائية مركبة من عناصر فيزيائية تقوم بينها وبين الوقائع الفيزيائية ظواهر موضوعية دقيقة غاية الدقة هي التي يحددها تحديدا دقيقا مبدأ اللايقين أو عدم التحديد. أما القائلون بالصفة الذاتية في الفيزياء الحديثة فيعولون علي تداخل أدوات القياس مع الظاهرة العلمية، وان عملية القياس تعد تأثيرا ذاتيا أو انعكاسا إنسانيا علي الطبيعة الخارجية بشكل يثير اضطرابا في العملية الفيزيائية ويجعل قياساتنا غير يقينية .

والقائلون بالصفة الذاتية يقفون طويلا أمام مبدأ عدم اليقين في فيزياء الكم متخذينه مثالاً نمطياً لتداخل الذات الملاحظة في الموضوع " الملاحظ "، ودليلاً علي ذاتية الفيزياء الحديثة بوجه عام، وفيزياء الكم بوجه خاص . ولهذا يرون أن فيزياء الكم لا تصف حالة موضوعية في عالم مستقل، وإنما تصف مظهر هذا العالم كما عرفناه خلال وجهة نظر ذاتية معينة أو بواسطة وسائل تجريبية معينة .

وأصحاب هذه الصفة ينتمون إلي مدرسة كوبنهاجن Copenhagen School، وهذه المدرسة مكونة من جماعة من الفيزيائيين الألمان الذين تتلمذوا علي يد نيلز بور (مدير معهد الفيزياء النظرية في كوبنهاجن) في العشرينات ؛ وكان "جان لويس ديتوش" (Jean Louis Destouches) وهيزنبرج من أحد أقطابها . نزعت في أول عهدها منزعاً وضعيا منطقيا في أول عهدها ؛ علاوة علي إيمانها العميق باستحالة معالجة الظواهر الذرية بواسطة مفهوم الحتمية نظرا لعلاقات اللايقين، فهي تتخذ الطابع الاحتمالي للظواهر الكوانطية أساساً لنظرية تنكر الوجود المادي الواقعي علي الجسيمات الذرية، وتلجأ كما تلجأ الوضعية المنطقية الجديدة في الدفاع عن وجهة نظرها إلي تحليل اللغة، وكأن الوجود الواقعي يتوقف فقط علي المفاهيم اللغوية .

كما أثارت مدرسة كوبنهاجن مجموعة من القضايا الابستمولوجية منها قضية الذاتية والموضوعية في المعرفة العلمية، وبالأخص فيما يتعلق بالعالم المتناهي في الصغر . إن عدم الجسيمات الأولية للتحديد الدقيق كما كشف عنه مبدأ اللايقين يرجع فيه إلي تداخل آلات القياس تدخلاً يجعل من الصعب الفصل في نتائج القياس بين ما يعود إلي الموضوع الملاحظ وما يرجع إلي عملية القياس وأدواته . هذا معطي من معطيات البحث العلمي في مرحلة معينة من تطوره، وبالتالي فلا يمكن إهماله . غير أن فكر مدرسة كوبنهاجن قام علي فهم العلاقة بين الذات والموضوع فهما وحيد الجانب؛ حيث أكدوا دعاة تلك المدرسة علي الصفة الذاتية في الفيزياء الحديثة، كما عولوا علي تداخل أدوات القياس مع الظاهرة العلمية، وأن عملية القياس تعد تأثيراً ذاتياً أو انعكاساً إنسانياً علي الطبيعة الخارجية بشكل يثير اضطراباً في العملية الفيزيائية ويجعل قياساتنا غير يقينية .

وبالتالي أنكرت مدرسة كوبنهاجن الصفة الواقعية – الموضوعية للشئ الفيزيائي الكوانطي (الدقائق الصغري كالإلكترونات مثلا) نكراناً كلياً أو جزئياً ؛ وذلك بعد أن ركزوا علي أن الظواهر التي يدرسها العالم لا تملك أي واقع فيزيائي موضوعي قائم بذاته وباستقلال عن طريق اختبارها وملاحظتها والقياس عليها، أي أنها لا توجد إلا بالنسبة لذات تختبرها وتجرب عليها .لذا فالقضايا العملية لا تشير إلي الواقع الموضوعي، بل إلي إجراءاتنا وطرقنا التجريبية، أي أن الظواهر لن يكون لها وجود موضوعي مستقل عن من يدركها، وهي في الأخير ليست سوي مركبات ذهنية من الإحساسات . وبهذا يعيدون ماخ الذي يميز بين المعرفة الحسية، أي معرفة الواقع مثلما تمدنا به حواسنا، ومعرفة الواقع في ذاته التي هي معرفة مستحيلة .. وبالتالي يعيدون المثالية الكانطية والتي لم يعمل ماخ سوي علي تنقيتها وتطهيرها من الشوائب الميتافيزيقية العالقة بها كفكرة الشئ في ذاته حتي تمتزج بآراء هيوم وبركلي وتتفق معها ؛ وفي هذا يؤكد " هيزنبرج " أنه :" يجب أن نلاحظ أن تفسير كوبنهاجن لنظرية الكم ليس علي الإطلاق وضعيا . فبينما تركز الوضعية علي أن عناصر الواقع هي الإدراكات الحسية للمراقب، فإن تفسير كوبنهاجن يعتبر الأشياء والعمليات التي يمكن وصفها بلغة المفاهيم الكلاسيكية، نعني الواقعية أساسا لأي تفسير فيزيائي .في نفس الوقت سنلاحظ أننا لا نستطيع تجنب الطبيعة الإحصائية لقوانين الفيزياء الميكروسكوبية، لأن أية معرفة عن الواقعي هي بذات طبيعتها معرفة ناقصة بسبب قوانين الكم النظرية .

ومن ناحية أخري فقد تمكنت مدرسة كوبنهاجن بزعامة بوهر وهيزنبرج أن تروج لتفسير مفاده استحالة معالجة الظواهر الذرية بواسطة مفهوم الحتمية نظرا لعلاقات الارتياب واستحالة الاستمرار في الاعتقاد في الوجود المادي الواقعي والموضوعي للجسيمات الذرية، وبهذا المعني يغدو من الصعب، في نظرها، الحديث عن (واقع) لأن هذا الأخير في ميدان الذرة يختلف اختلافا أساسيا عن الواقع في الميدان الماكروسكوبي، أي في مستوي الظواهر التي نتعامل معها في حياتنا اليومية الاعتيادية . وانطلاقا من نفس الاعتبارات، نفوا أن تكون نتائج قياساتنا وتجاربنا في المستوي الذري نتائج موضوعية، نتيجة ما يؤدي إليه تدخل آلات القياس من تأثير علي الظاهرة الملاحظة نفسها تأثيرا بارزا، حيث لا يكون للظاهرة الفيزيائية الملاحظة واقع فيزيائي إلا بالنسبة للآلة، أو لوسيلة إدراكه وقياسه .

وكان معظم ممثلي مدرسة كوبنهاجن يرفضون الحتمية بالمعني الكلاسيكي الذي أرساه لابلاس، ويقولون بالطابع الإحصائي للقوانين العلمية مع إعطاء مفهوم اللايقين ؛ إذ أضحي جل فكر معظم العلماء والفيزيائيين المتخصصين في ميكانيكا الكوانتم منقادين وراء التفسير الفلسفي الذي اقترحته مدرسة كوبنهاجن لعلاقات اللايقين ولازدواجية الجسيم والموجة والتداخل القائم بين آلات القياس والظواهر، معتبرين أن اللاحتمية واقعة أساسية في الظواهر الكوانطية، وأن التداخل ينزع كل  صبغة موضوعية عن الظواهر التي ندرسها وعن النتائج التي نحصل عليها من دراستنا . لهذا فإن الشئ أو الموضوع في نظرهم، لم يعد بالنسبة لنا سوي مجرد تركيب من الانطباعات أو الإحساسات التي يتدخل فيها عنصر الاعتباط والاختيار والذاتية، وهم يعتقدون انطلاقا من ذلك أن الاستمرار في القول بأن هدف العلم هو الاطلاع علي حقيقة العالم الواقعي ليس سوي وهم أصبح يكذبه العلم الكوانطي.

ويؤكد تفسير كوبنهاجن علي أن الملاحظة الإنسانية تؤدي إلي عدم يقين في قياس الظواهر الفيزيائية . وهي كما يبدو دعوي بالذاتية في القياس العلمي بشرت به مدرسة كوبنهاجن (هيزنبرج- بور) التي لا تنتبه إلي أن التداخل الموضوعي بين عمليات القياس وبين الظواهر الفيزيائية يحدد بتحديد كمي لعدم التحديد أو عدم اليقين .

وهنا يذهب ديتوش وهو أحد المناصرين لفكر مدرسة كوبنهاجن يؤكد " إن التصورات الديكارتية هي التي قادت إلي تلك الحتمية التي عرفها العلم الكلاسيكي . وعندما ظهر أن تطبيقها يؤدي إلي تناقضات وأن التمسك الصارخ بالروح الوضعية يمنع من استعمال عناصر تتطلب، لكي تكون محددة بالفعل، القيام بعمليات لا يمكن انجازها، كان لا بد من فحص الإمكانات المبدئية المتعلقة بالقياسات الفعلية فحصا دقيقاً، والاقتناع بالتالي بأنه ليس في الإمكان قياس "حالة" منظومة ما بالمعني الذي يفهم به القياس في الفيزياء الكلاسيكية، الشئ الذي يعني أنه لا يمكن تحويل "علاقات اللايقين" تحويلا عكسياً، ومن ثم التسليم بوجود لا حتمية أساسية .

لهذا تنتهي مدرسة كوبنهاجن إلي  إبطال صلاحية التصور الكلاسيكي للواقع علي أنه أجسام والقول بأنه تصور محدود بحدود ظواهر العالم المرئي الذي كانت تدرسه الميكانيكا ولا يمكنه أن ينطبق علي الميدان الميكروفيزيائي. كما تقول بضرورة إبطال صلاحية المنطق الأرسطي الذي نشأ في أحضان نظرة فلسفية جوهرية باعتباره منطقا يعجز عن استيعاب المظهر التكاملي للظواهر الذرية كازدواجية الجسيم والموجة التي تظهر وكأنها تناقض . وانطلاقا من التأثير الذي تمارسه أدوات وأجهزة قياسنا علي الظاهرة المدروسة، قالت بضرورة الإقلاع عن إعطاء الآلة نفسها أو الظاهرة واقعا فيزيائيا قائما بذاته .

ولم تكتفي تلك المدرسة، بذلك بل راحت تعلن رأيها حول الأحداث في العالم الصغير، وذلك علي النحو التالي :

1- أن جسيمات العالم الصغير لا تكتسب صفة الواقع الموضوعي إلا حينما تسجل بواسطة جهاز مختبري، ويحس بها إحساسا ميكروسكوبيا (القياس أو الرصد).

2-  لا يمكن الفصل فصلا واضحا بين الراصد (الإنسان أو الجهاز) والمرصود (الدقيقة، الذرة)، أي بين الذات والموضوع، وأن المرصود ليس له واقع موضوعي مستقل عن الراصد .

3- التفاعل بين الجسيم الصغير (الدقيقة الميكروسكوبية) وجهاز القياس يخلق اضطرابا في الجسيم لا يمكن السيطرة عليه أو معرفته مقدما .

4- للراصد إمكانية الاختيار الحر بين ترنيبين مختبرين مختلفين يؤدي كل منهما إلي معلومات عن الجسم الميكروسكوبي تتنافي مع ما يؤدي إليه الترنيب الآخر، إلا أنهما تكملان بعضهما (مبدأ التكميلية) وفسر ذلك بأن الخواص التكميلية (الدقائقية أو الموجية) للدقائق الصغري تتولد بتأثير الذات علي الموضوع، ولذلك لا يستطاع معرفة الشئ (الموضوع9 في جوهره . وبهذا كانت ثنائية الدقيقة – الموجة وعلاقة اللادقة تفسر أن تفسيرا لا ادرديا .

4- الإحصاء والسببية أو الاحتمال والحتمية نقيضان يتنافي احدهما مع الأخر تناقضا مطلقا . ولا يمكن التوفيق بينهما . وأن قوانين الميكانيك الكوانطي الإحصائية تعني اللاحتمية واللاسببية في أحداث العالم الصغير (الميكروسكوبي) .

5- واجب الفيزياء ينحصر في وصف الروابط بين الإحساسات وصفا شكليا . أما الواقع الموضوعي الذي هو مصدر تلك الإحساسات، وإمكان معرفة هذا الواقع، فينبذ من تفكير البعض باعتباره تأملات " غير ذات معني " .

وما يمكننا استخلاصه من هذه الاعتبارات التي قالت بها مدرسة كوبنهاجن، هو أن تقدم العلم جرد المادة من كيفياتها المادية، كما سلخ عنها الصبغة الواقعية  التي قالت بها العقلانية الديكارتية بإمكان تحديدها بالشكل والحركة باعتبارها أجساما تتحرك في مكان معين . لقد تغير مفهوم النقطة المادية في الفيزياء الحديثة إذ لم تعد نقطة معينة في المكان تعيينا سكونيا، بل غذت مركزا لحركة دورية تنتشر حولها . وأن محاولة تحديد موقعه أو سرعته تقتضي إنشاءه ذهنيا بحيث أن صفاته يكتسبها من هذه المنظومة ذاتها . لهذا نقول بأن محاولة التغلب علي الصعوبات التي طرحتها الإشكالية الكوانطية (في المرحلة الأولي) أدت إلي انفتاح آفاق جديدة للتفسير أمام العلم تثبت كلها الطابع الإنشائي التركيبي للعلم وتؤكد علي الصبغة الطرائقية لمفهوم (الشئ) إذ الجسيم الملاحظ لا يعرف إلا في علاقته بالملاحظة وأداة الملاحظة . ومن نتائج ذلك أن بنية التفسير الماكروسكوبي استبعدت صلاحيتها، بل ظهر فشلها كأداة للتفسير في هذا المستوي الجديد من الظواهر وبالتالي انهارت النظرة الكيميائية للذرة التي اعتبرتها جسيمات صلبة يمكن تحديد موقعها وسرعتها بالشكل والحركة . وفي نفس الوقت الذي تنهار فيه المقادير الديكارتية أمام علاقات الارتياب تؤكد نزعة العلم الطرائقية نفسها وتبين عن جداراتها خصوصاً وأن مفهوم الموقع والسرعة يتحول إلي مفهوم طرائقي وكأن تحديده ينتج عن علاقة الجسيم بمنظومة الملاحظ .

ويعتبر هيزنبرج من أقطاب مدرسة كوبنهاجن، والمتحدث الرسمي عن فكر مدرسة كوبنهاجن، بل والمدافع عن فكر تلك المدرسة ؛ حيث راح يعلن أن:" الوصف الموضوعي للوقائع في الفضاء والزمان غير ممكن كما أنه :" لا يمكن أن توجد " فيزياء موضوعية "، أي أن من الممكن وضع حد فاصل واضح بين الموضوعي والذاتي، وأن الفيزياء الذرية لا تعالج بنية الذرات، بل أحداثاً نحس بها عند الرصد، وليس من الممكن جعل الرصد عملية موضوعية، ولا يمكن اعتبار نتائجه شيئا واقعيا بصورة مباشرة . وكتب :" تنحصر مهمة الفيزياء في وصف الترابط بين الإحساسات وصفاً شكلياً ققط وبإمكاننا إيجاز الواقع الحقيقي كما يلي : بما أن جمع التجارب تخضع لقوانين الميكانيك الكوانطي، أصبح خطأ قانون السببية مثبتا إثباتا قاطعا ".

ومما يجلب الانتباه أن هيزنبرج لم يكن له موقف واضح ثابت من " الواقع الموضوعي " . فهو يكتب عن الذرة مثلاً : " في الجوهر نجد أن الدقيقة الأولية ليست جسيما ماديا في الفضاء والزمان، أنما هي بشكل من الأشكال مجرد رمز تتخذ قوانين الطبيعة عند تقديمه شكلاً سهلاً واضحاً ... إن خبرات الفيزياء الحديثة تبين لنا أن لا وجود للذرات كجسيمات بسيطة . إلا أن تقديم مفهوم الذرة يمكننا من صياغة القوانين التي تحكم المعطيات الفيزيائية والكيميائية صياغة سهلة . ولكنه يكتب في نفس المقال :" إن الشرط المسبق للتدخل الفعال العلمي في العالم المادي والموجه لأغراض عملية هو المعرفة الواعية بالقوانين الطبيعية المصاغة بقالب رياضي " . وكتب في مكان آخر :" العلم يسأل بشكل من الأشكال محاولة لوصف العالم بالمدي الذي يكون فيه هذا العالم مستقلا عن فكرنا وعملنا . أما حواسنا فليست سوي وسيلة محدودة الكمال ـ تمكننا من اكتساب المعرفة عن العالم الموضوعي".

لكن هيزنبرج في كتابه الفيزياء والفلسفة يقدم لنا بعضا من أصرح ما رأيت من تأكيدات لهذا الموقف الذاتي الغير موضوعي ؛ فهو يقول :" في التجارب التي تجري علي الوقائع الذرية علينا أن نتعامل مع الأشياء والحقائق، مع ظواهر لها نفس واقعية الحياة اليومية . لكن الذرات أو الجسيمات الأولية ذاتها ليست واقعية مثلها، إنها تشكل عالما من الإمكانات أو الاحتمالات لا عالما من الأشياء والحقائق، توسم آراء أينشتين بأنها واقعية دوجماطيقية، وهي تمثل موقفا طبيعيا جداً فى رأى هايزنبرج . والحق أن الغالبية العظمى من العلماء يدينون به . هم يعتقدون أن أبحاثهم تشير فعلا إلى شئ واقعى " يوجد هناك " فى العالم المادى، وأن الكون المادى الشرعى ليس مجرد ابتكار من خيال العلماء . إن النجاح غير المتوقع للقوانين الرياضية البسيطة فى الفيزياء يدعم الاعتقاد بأن العالم إنما يطرق واقعا خارجيا موجودا بالفعل . لكن هايزنبرج ينبهنا إلى أن ميكانيكا الكم قد بنيت أيضاً على قوانين رياضية بسيطة ناجحة تماماً فى تفسير العالم المادى، غير أنها لا تتطلب أن لا يكون لهذا العالم وجود مستقل، بالمعنى الذى تقول به " الواقعية الدوجماطية " . وعلى هذا فإن العلم الطبيعى ممكن بالفعل دون أساس من الواقعية الدوجماطية .

وهنا يعلن هيزنبرج عن موقف مدرسة كوبنهاجن من الواقع فيقول :"  إن تفسير كوبنهاجن لنظرية الكم يبدأ بمقارنة . إنه يبدأ من حقيقة أننا نصف تجاربنا بلغة الفيزياء الكلاسيكية، بينما نعرف فى نفس الوقت أن هذه المفاهيم لا تلائم الطبيعة بدقة، والتوتر بين نقطتى البداية هاتين هو أصل الطبيعة الإحصائية لنظرية الكم . وعلى هذا فلقد اقترح أحيانا أن علينا أن نهجر المفاهيم الكلاسيكية تماما، وأن تغيرا جذرياً فى المفاهيم المستخدمة لوصف التجارب قد يرجع بنا إلى وصف للطبيعة غير إحصائي، وموضوعى تماما . على أن هذا الاقتراح يبنى على سوء تفهم . إن مفاهيم الفيزيقا الكلاسيكية هى مجرد تهذيب لمفاهيم الحياة اليومية، وهى جزء أساسي من اللغة التى تشكل الأساس لكل العلوم الطبيعية. إن موقفنا الواقعى فى العلوم هو أننا نستخدم بالفعل المفاهيم الكلاسيكية لوصف التجارب . ولقد كانت مشكلة نظرية الكم هى أن نجد التفسير النظرى للتجارب على هذا الأساس. لا فائدة ترجى من مناقشة ماذا يمكن عمله لو كنا كائنات أخرى غيرنا نحن . وهنا يجب أن ندرك – كما قال فون فايتسيكر – أن " الطبيعة أقدم من الإنسان، لكن الإنسان، أقدم من العلوم الطبيعية " . والفقرة الأولى من الجملة تبرر الفيزياء الكلاسيكية ومثلها الأعلى هو الموضوعى الكاملة . أما الفقرة الثانية فتخبرنا عن السبب فى أننا لا نستطيع أن نهرب من مفارقة نظرية الكم، نعنى حاجتنا إلى استخدام المفاهيم الكلاسيكية " .

ومن الملاحظ أن هيزنبرج هنا يعتبر الحديث عن عالم موضوعي واقعي تتمتع فيه أصغر الجسيمات بنفس الوجود الموضوعي الذي ننسبه للأجسام الميكروفيزيائية حديثا مستحيلا وغير مقبول .  إذ الظواهر الميكروفيزيائية  لا توجد إلا بالنسبة لذات تدركها وبالنسبة لآلة تقيس عليها . فوجودها يكمن في كونها مدركة ومختبرة من طرف عالم، ومن طرف منظومة بين الذات والموضوع الملاحظ نتيجة التداخل والتفاعل بينها، أي يعدو من غير الممكن اعتبار الظواهر تتمتع بوجود واقعي فيزيائي مستقل وموضوعي بالمعني الاعتيادي للكلمة . بل تخلقه خلقا إراديا حرا تلعب فيه مبادرة العالم دورا أساسيا . كما يشكل فيه الاختيار عنصرا رئيسيا . وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل- جامعة أسيوط

 

 

حاتم حميد محسنكيف نعرف ما ستكون عليه حالة الطقس غدا؟ او ماهو عمر الكون؟ كيف نعرف ان كنا نفكر بطريقة عقلانية؟ هذه وغيرها من اسئلة "كيف نعرف؟"هي مهمة الابستيمولوجي، ذلك الفرع من الفلسفة المتعلق بفهم طبيعة المعرفة والعقيدة. الابستيمولوجي هي حول فهم الكيفية التي نعرف بها ان شيء ما هو صحيح سواء أكان من الحقائق مثل "الارض تزداد سخونة" او مسألة تتعلق بالقيم مثل "الناس لا يجب ان يُعاملوا فقط كوسائل لغايات معينة". انها ايضا حول التحقيق في المعلومات الرئاسية المثيرة المنشورة في تويتر للتأكد من مصداقيتها. ابستيمولوجي ليست فقط اسئلة حول ما يجب ان نعمل لنتعلم، تلك مهمة جميع التخصصات الى حد ما. فمثلا، العلوم، التاريخ والانثربولوجي كلها لديها طرقها في الملاحظة والتعلّم.

الايبستيمولوجي تتولى مهمة جعل تلك الطرق ذاتها هدفا للدراسة. انها تهدف لفهم كيف يمكن النظر لطرق التحقيق كمحاولة عقلانية. لذلك، فان الابيستيمولوجي تهتم بتبرير ادّعاءات المعرفة.

الحاجة الى الابيستيمولوجي

مهما كان الميدان الذي نعمل فيه، يتصور بعض الناس ان العقائد حول العالم تتكون ميكانيكيا من تفكير مباشر، او انها تأتي كليا الى الوجود كنتيجة للتصورات الواضحة والمتميزة عن العالم. ولكن اذا كانت مهمة معرفة الاشياء بهذه البساطة، فلماذا لا نتفق على الكثير من الاشياء التي لانوافق عليها حاليا مثل كيف نعامل بعضنا البعض، او أي قيمة نضعها للبيئة وما هو أفضل دور للحكومة في المجتمع. ما لانتفق عليه يعني ان هناك شيء خاطئ في ذلك الشكل من تكوين العقائد. من المفيد ملاحظة اننا كأفراد نميل للتفكير في انفسنا كمفكرين واضحين ونرى اولئك الذين لا يتفقون معنا مضللين بمعلومات خاطئة. نحن نتصور ان الانطباعات التي لدينا حول العالم تأتي الينا سليمة وغير منتقاة. نعتقد اننا نمتلك القابلية على رؤية الاشياء تماما كما هي عليه، وان الآخرين هم الذين لديهم تصورات خاطئة. وبالنتيجة، نحن نعتقد ان مهمتنا هي ببساطة الاشارة الى المكان الذي اخطأ فيه الاخرون في تفكيرهم، بدلا من الانخراط بحوار عقلاني يسمح في امكانية ان نكون حقا على خطأ. لكن دروس الفلسفة والسايكولوجي وعلم الادراك تعلّمنا شيئا آخراً. العمليات العضوية المعقدة التي تطبع وترشد تفكيرنا ليست خالصة اكلينكيا. نحن لسنا فقط خاضعين لحجم هائل من مجموعة معقدة من التحيزات الادراكية والميول وانما نحن عموما جاهلون في دور تلك التحيزات في تفكيرنا وصناعة القرار. ترافقْ هذا الجهل مع الايمان بتفوقنا الابستمي، يجعلنا نستطيع رؤية حجم المشكلة. اللجوء الى "الفطرة السليمة" للتغلب على عدم اتفاق الرؤى سوف لن يحلّ المشكلة. نحن لهذا نحتاج لطريقة منهجية لإستنطاق تفكيرنا، ونماذجنا العقلانية، وحسّنا الخاص بنا في كل ما يمكن ان يشكل سببا جيدا. يمكن استخدام تلك الطريقة كمعيار اكثر موضوعية لتقييم قيمة ادّعاءاتنا المعلنة في المحيط العام. هذه بالضبط مهمة الابستيمولوجي.

الابستيمولوجي والتفكير النقدي

احدى أوضح الطرق لفهم التفكير النقدي هي كابستيمولوجيا تطبيقية. قضايا مثل طبيعة الاستدلال المنطقي، لماذا يجب علينا قبول خط معين من التفكير دون آخر، وكيف نفهم طبيعة الدليل ومساهماته في صنع القرار، كلها اهتمامات ابستمية. الفيلسوف الامريكي Harvey Siegel يشير الى ان هذه الاسئلة وغيرها ضرورية في التعليم لأجل التفكير النقدي.

"بأي معيار نقيّم الاسباب؟ كيف يمكن ان تُقيّم تلك المعايير ذاتها ؟ كيف يمكن تبرير الفعل او العقيدة؟ ماهي العلاقة بين التبرير والحقيقة؟ ... هذه الاعتبارات الابستمية هي جوهرية للفهم الكافي للتفكير النقدي ويجب التعامل معها بوضوح في كورس اساسي للتفكير النقدي".

بمقدار ما يتعلق التفكير النقدي بتحليل وتقييم طرق التحقيق وتقييم مصداقية الادّعاءات الناتجة، هو سيكون محاولة ابستمية .

ان الانخراط بالقضايا الأعمق حول طبيعة الإقناع العقلاني يمكن ايضا ان يساعد في عمل الأحكام حول الادّعاءات حتى بدون معرفة تخصصية. على سبيل المثال، تساعد الابستيمولوجي في توضيح المفاهيم مثل "برهان" "قوانين" و "فرضية" التي هي عموما تُفهم بطريقة سيئة من جانب عامة الناس ومن العلماء ايضا.

بهذه الطريقة تفيد الابستيمولوجي ليس للحكم حول مصداقية العلم، وانما لفهم افضل لقوته ومحدودياته ومن ثم جعل المعرفة العلمية اكثر سهولة.

الابستيمولوجي والصالح العام

احدى السمات الدائمة للتنوير -الحركة الفكرية التي بدأت في اوربا خلال القرن السابع عشر هو الالتزام بالعقل العام (public reason) او الاستخدام العام للعقل في مناقشة القضايا الحيوية ذات الاهتمام العام. هذه الفكرة تعني انك لايكفي ان تحدد موقفك فقط، بل يجب ان تعطي ايضا دفاعا عقلانيا لماذا يجب ان يقف الآخرون معك، هذا الالتزام يوفر او يجعل بالإمكان ايجاد طريقة موضوعية لتقييم الادّعاءات باستخدام معيار ابستيمولوجي لدينا دائما القول في تشكيله . ذلك اننا نختبر كل تفكير للآخرين وبالتعاون نصل الى مستوى من المصداقية الابستمية ترفع فن التبرير الى ما وراء قيود الاذهان الفردية، وتضع له ارضية في الحكمة الجمعية لجماعات التحقيق المفكرة والفعالة . استقامة عقيدة اي شخص، حجمها وتكرارية قولها، او تأكيد عبارة "صدّقني" يجب ان لا تكون مقنعة عقلانيا بذاتها. اذا كان ادّعاء معين لا يمتثل لمعيار ابستيمولوجي متفق عليه عموما، عندئذ فان ضرورة الشك تتطلب تعليق العقيدة، وسيكون من الضروري استسلام الايمان المبني على فرضيات لا يدعمها الدليل.

دفاع ضد التفكير السيء

هناك طريقة للحماية من التفكير السيء- حولنا وحول الآخرين - التي تنطلق ليس فقط من التنوير وانما ايضا من التاريخ الطويل للتحقيق الفلسفي. لذا فانك عندما تسمع ادّعاءً مثيرا للخلاف من شخص ما، انظر كيف يمكن تأييد ذلك الادّعاء اذا عُرض منك او من غيرك امام فرد غير مهتم او غير متحيز:

1- حدّد الأسباب التي يمكن ان تُعرض لدعم الادّعاء.

2- وضّح كيف يمكن ان تكون تحليلاتك وتقييماتك وتبريراتك للادّعاء هي معيار يستحق الاستثمار الفكري.

3- اكتب هذه الاشياء باكبر قدر ممكن من الوضوح و عدم الانحياز العاطفي.

بكلمة اخرى، إلتزم بالعقل العام. واطلب من الآخرين القيام بهذا ايضا، بالتجرّد من العبارات التحفيزية والاطار المنحاز.

اذا كنت انت او غيرك لا تستطيعون إعطاء سلسلة دقيقة ومتماسكة من التعليل، او اذا بقيت الأسباب تعاني من تحيّز واضح، اوعندما تتخلى انت عن الجدال بحالة من الاستياء، فان ذلك سيكون اشارة جيدة بوجود عوامل اخرى في اللعبة. انه التزام بهذه العملية الابستمية بدلا من اي محصلة معينة، انها الطريق السليم للدخول لحقل عقلاني.عندما تتسم البلاغة السياسية بعدم العقلانية، ويُنظر الى المعرفة بأقل مقدار كوسيلة لفهم العالم وبمقدار اكبر كأهلية يمكن ازاحتها جانبا حينما تقف في طريق التمنيات، وحين يسحب القادة السلطويون الجموع الغفيرة للناس، فلابد حينئذ من الاهتمام بالابستيمولوجي.

How do you know that what you know is true? The conversation, Aug4.2017

 

حاتم حميد محسن

 

علي محمد اليوسفتمهيد: يبدو أن طرح تساؤل كيف يفهم الفلاسفة المثاليون الواقع المادي أصبح من مباحث الفلسفة الكلاسيكية التي أشبعت شروحات وأستنفدت الجديد الذي يمكن أن يقال عنها لكثرة المعالجات والتنظيرات الفلسفية التي تناولت المثالية الفلسفية من زوايا رصد ومعاينات مختلفة عديدة منذ قرون طويلة.. لكن مع هذا تبقى النزعة المثالية في الفلسفة تستحدث نفسها بصيغ وتعبيرات متنوعة على الدوام بأعتبارها رؤى متعددة لفهم وتفسير الوجود الانساني والعالم بالضد من المنهج المادي..

وما نتناوله في هذا المبحث المختصر هو النزعة المثالية في الفلسفات الامريكية المعاصرة وتحديدا الذرائعية والواقعية الجديدة والواقعية النقدية، ورغم الاختلافات غير الجوهرية بينها الا أنها تلتقي بنوع من الافصاح المباشر عن منطلقاتها الفلسفية المثالية وهو ما نحاول تسليط الضوء على بعض منه ومناقشته.. وقبل الدخول في تفاصيل نجد وجوب التنبيه العرضي الى أن مفاهيم الفلسفة المثالية في مختلف تنوعاتها حاضرة اليوم لم يتجاوزها الزمن لسبب مجمع عليه في الفلسفات الاوربية المعاصرة أن قضايا الانسان في جوهرها الانطولوجي - الانثروبولوجي هي واحدة لم تتغير وتتبدل، فالانسان منذ العصور البدائية هو الانسان اليوم رغم كل مظاهر التقدم العلمي والحضاري، وقضايا الوجود والطبيعة والادراك والزمان والمكان والتساؤلات الدائمية المتناسلة عن معنى الحياة والمصير وغيرها من تساؤلات بقيت تؤطر الوجود الانساني التاريخي على مر العصور....

ومحاولة الأجابة عن التساؤلات الفكرية الفلسفية المسكون بها الانسان قرونا بقيت متواترة تدور في حلقة مغلقة غير مكسورة هي أن قضايا الوجود الانساني والرؤى الفلسفية والمعرفية في حل أشكاليات حياته كانت في حقيقتها هي واحدة في جوهرها المحوري الراكز كتساؤلات عن قضايا معنى الحياة ومصير الانسان وما يتفرع عنها فلسفيا لم يتم حسمها على أمتداد مراحل التاريخ البشري، لكن الذي تغيّر ويتغيّر على أمتداد التاريخ ويتبّدل  بأستمرار هو تفريعات طرق وسبل السعي نحو هدف أمكانية حل تلك القضايا الانسانية الجوهرية، والذي يتبّدل هو طرق التفكير الفلسفية وسبل المعالجات لمواضيع تبدو مستجدة ومستحدثة بحكم التطور التاريخي الانثروبولوجي لكنها هي واحدة في حقائقها الجوهرية التي بقيت تساؤلات معلقة لم تحل، وهذا ما أكده أقطاب الفلسفة البنيوية شتراوس، وفوكو، والتوسيروآخرين غيرهم، مما حدا بشتراوس الذهاب الى دراسة تاريخ وعادات ولغات المجتمعات البدائية ما قبل التاريخ (الاثنولوجيا) التي يمكن بضوئها أستخلاص معارف جديدة منها يمكنها أن تكون أسقاطا مباشرا لفهم الكثير من قضايا الانسان المعاصر..لذا طالما هناك حياة أنسانية متجددة متطورة تاريخيا فأن وسائل التعبير عن مشاكلها المستحدثة بأستمرار ستبقى ملازمة لها ولا خلاص منها..

النزعة المثالية في تيارات الفلسفة الامريكية

تذهب النزعة المثالية في الفلسفة الواقعية الجديدة: (الى أن الجوهر كله يكمن في التمّثل وليس في الاشياء التي ليست سوى أشياء مادية)(1) وهذه العبارة تغنينا عن تسويد عشرات الصفحات كلها تدور حول مركزية حقيقة المثالية في الفلسفة الغربية عموما التي ترى في الفكر هو البداية والنهاية في محاولة فهمنا أسرار الحياة وحقيقة الوجود ..

من حقائق تاريخ الفلسفة التي أصبحت لا معنى ولا جدوى من التذكير بها هي أن الرؤية المثالية الفلسفية كانت ولا تزال تنكر أسبقية المادة والواقع على الوعي والفكر، وأن كل شيء هو أولا واخيرا نجده في تصنيع الذهن لتمّثلاته.. وجوهر الاشياء أنما يكون في تمّثلاتنا الفكرية الذهنية لها وليس في كينونتها الماهوية، والمادة خلو من الجوهر الممكن أدراكه أو المتعذر تمّثله بتصورات الذهن والذي ندركه من المادة هو جوهرها وليس صفاتها وعلاقاتها عليه لا يتبقى في المادة ماهو جدير بالاهتمام المعرفي..

الفلسفات المثالية بخلاف المادية لا تعترف بوجود واقع مادي مستقل في وجوده عن الانسان، مستقل عن وعي الانسان به وأدراكاته ورغباته، منكرين أن وجود الطبيعة بمكوناتها من ضمنها الانسان وما يحيط به من أشياء وموجودات وظواهر لا يتوقف تأكيد البرهنة على وجودها وعي الانسان بها ومعاملتها وعيا أدراكيا تمّثليا لها.

النزعة الفلسفية المثالية في الواقعية الجديدة وفي قبلها وبعدها من تيارات فلسفية أمريكية أنما تعتبر الجوهر هو خاصية الفكر وليس خاصية المادة، والجوهر مكمنه الفكر وليس في المادة التي لا قيمة لها من دون أحاطة الوعي الفكري بها والتعبير عنها.. ومعارفنا المستمدة من الفكر في تفسير وفهم الواقع المادي هي التي تمنحنا جواهر الاشياء التي لاقيمة حقيقية من غير أدراكاتنا وتمثلاتنا لها، وخارج هذه الآلية في التمثل الانطباعي للاشياء في الذهن لا يبقى هناك وجود لعالم خارجي يحكمه الوجود المادي..

هذا بأختصار رؤى الفلسفة المثالية التي تضع العربة أمام الحصان، ولنرى كيف؟

أن أي تفكير فلسفي وغير فلسفي علمي مادي أو مثالي على السواء ولا فرق بينها يذهب الى أن أدراك الواقع المادي لا يكون بغير آلية التصورات والتمّثلات الانطباعية لصور الاشياء بالذهن وبغير هذه الآلية لا يمكن أدراكنا الاشياء والموجودات وهو مبدأ سليم صحيح لا نقاش فيه من حيث أن الفكر وسيلة معرفية للاشياء وليست الافكار هي ذاتها الاشياء في وجودها المادي الخارجي المستقل، فعندما نقول جبل فلا يعني أدخال الجبل بالذهن بل أدخال مدلول تجريد كلمة جبل في الذاكرة لا غير... وكذلك فالادراك وعدم الادراك للاشياء والموجودات المادية لا يلغي وجودها من عدمه ولا يقرر الفكر وجود الاشياء من عدمه بل الفكر يلغي عدم أمكانية الوعي الحسّي بها وأدراكنا لها تماما كاملة..وفي الوقت التي تذهب أليه المثالية أن كل شيء يكون وجوده التصنيعي بالذهن وحتى جواهر الاشياء، فأن الوجود المادي للاشياء المستقل لا يتوقف على تمّثلات الذهن البشري له، فالوجود معطى كما هي الطبيعة والانسان والكون أيضا.. والوعي بالواقع المادي مصدره الوجود الواقعي، والفكر لا يخلق وجود الاشياء لكنه يساعد في فهمها وتفسيرها والتعبير عنها وملاحقة تطويرها..

جوهر الاشياء في المادة أم في الفكر؟

الفلسفات المثالية ترى أن الجوهر يكون في تمّثلات الفكر ولا يوجد جوهرمادي خارج مدركات الفكر، لذا فالجوهر فكرمعرفي وليس تكوينات وعلاقات ماهوية مادية موجودة في الاشياء ، الجوهرفي المثالية هو مدركات العقل وليس وجوده المادي في الاشياء.. أن ماتنكره الفلسفة الواقعية الجديدة الامريكية شأنها مثل جميع الفلسفات المثالية هو أعتبارها الواقع المادي من أشياء وموجودات وظواهر في الطبيعة وما يحيط بنا، لا تحمل صفات مدركة ولا جواهر مدّخرة فيها، أكثر مما ندركه عنها كصفات تمّثل العلاقات الخارجية التي تكون كافية لمعرفة وتمثل كليّات الاشياء..وهذه الرؤية تجعلنا منقادين التسليم بخطأ وضع العربة أمام الحصان بأن مواضيع الادراك التي هي الاشياء المادية الواقعية أنما هي موجودات (قبلية) في الذهن قبل أن تكون موجودات مستقلة (قبلية) في العالم الخارجي والواقع..بمعنى تأكيد المقولة الاقنومية المثالية الجاهزة الثابتة أن الفكر قبلي سابق على المادة وليس بعديا لها..

نجد أننا ملزمين ألتأكيد على مسألة طالما أكدّنا عليها أن الفكر مهما بلغ من قوة وقدرة ألادراك والاستيعاب التمّثلي والتمثيلي في النيابة عن الاشياء فهو يبقى في النهاية تجريدا غير مادي عاجزا عن التعبير التام والاحاطة المعرفية الكاملة بتلك المدركات كما هي في حقيقتها تماما..ليس بصفاتها وعلاقاتها الفيزيائية الخارجية وحسب وأنما في أستحالة معرفته جواهر تلك الاشياء والاستئثار بحيازتها في تعبيرالفكرعنها وألغائها وجودا من قلب تلك الموجودات والاشياء..ولا يمكن للفكر أن ينوب عن الموجودات الواقعية في تمثلها كتصورات ذهنية تحاول الألمام بكلياتها،...الموجودات والاشياء في العالم الخارجي هي مصدر الافكار وهي مادة التفكير والتصورات والتمّثلات الذهنية البعدية لها وليست قبلية في سبق الفكرعليها،،وهذه الاشياء تبقى متناقضة مع الفكر المعّبر عنها بغير ألمام كاف يظهر ما تختزنه دائما من معرفة تمتلك جوهرا ومعرفة تمتلك مدّخرا من فائض المعنى الذي تعجز الافكار التعبير عنه بصدقية تماما..ويبقى دائما تضاد غير معلن خفي بين المدركات الواقعية وفكر اللغة المعّبر عنها في أستحالة تطابقهما..

كيف تدافع الواقعية الجديدة عن مثاليتها؟

أن محاولة مطابقة تصوراتنا في التعبير مع الواقعة المادية في وجودها الانطولوجي تكون صحيحة بالنسبة لمعيارية محدودية مدركاتنا العقلية عنها.. فما ندركه منها نتصوره الالمام الكامل بها، وتبقى الموجودات والاشياء المادية من حولنا تحتفظ بالكثير مما نجهله عنها في مغاليق كينونتها العصّية على الادراك المباشر، لذا يكون كل تعبير عن تلك الاشياء في حقيقتها متعّذرا لا يمكن بلوغه لما تدّخره بذاتها من أستعصاء فك رموزها التكوينية والوصول الى جواهرها..وما نتصور بلغناه في مطابقة التعبيرمع الاشياء والاحاطة التامة به لا يمنح أفكارنا تمثيلها حقيقة الاشياء موضوعة الادراك والتعبير عنها.. أمام هذا المأزق الحقيقي نجده في تعبير الواقعية الجديدة عن تساؤلها ماهي طبيعة الاشياء والواقع؟ وكيف لنا معرفته أذا كانت وسائل تلك المعرفة لا تمنحنا حقيقته؟

عن هذا التساؤل الفلسفي العميق يجيب فلاسفة الواقعية الجديدة وفلاسفة النقدية على السواء أجماعهم (كان علينا القول ماهي هوية الموضوع المعروف، أي الشيء بوصفه شيئا، وما هي هوية العقل العارف، وكان الأجدر أن تقول الواقعية الجديدة وبوضوح كاف كيف يمكن للتمثل – الموضوع المعروف - أن يكون جوهرا لشيء غير معروف؟)(2)

نستشف من التساؤل والاجابة عليه أنه رغم الاعتراف الضمني بأن الشيء بوصفه شيء مادي فهو يبقى محتفظا بكينونته الهووية بمعزل تام عن أرادة الوعي الادراكي الذي يعجز الاحاطة بكليّة الاشياء صفات وجواهر..

وحين تريد الواقعية الامريكية الجديدة بمثالية سمجة واضحة الغاء الوجود المادي أن يكون مصدرا مباشرا بدئيا لكل تفكير ذهني، نجدها توقع نفسها بوهم أخطر أن تعتبرالجوهر هو ما نستطيع أدراكه ومعرفته والالمام به، ولا توجد جواهر عصّية تمتلكها الاشياء خارج حدود الالمام الفكري في التعبير عنها..وهذه الحقيقة بالنسبة للمثاليين تمنح الافكار(حقيقة) وجود الاشياء وحقيقة أمتلاك تمّثلات الفكر (جوهرها) أيضا...ولا تبقى لأشياء أو للموجودات المادية في العالم الخارجي أية قيمة خارج مدركات العقل في تمّثلاته لها..فما لا تدركه تلك التمثلات لا يحمل قيمة حقيقية له.

المثاليون الفلاسفة يعتبرون الفكر سبب ونتيجة معا في معرفة الواقع المادي، بينما الصحيح أن الواقع المادي هو سبب أن يكون للفكر معنى معرفي يقودنا لادراك الاشياء في وجودها المادي.. ويترتب الخروج على هذا الخطأ القول أذا ما كان سهلا علينا ألغاء أفكارنا أو تبديلها وتغييرها، لكن من العجز تماما ألغاء حقيقة الوجود المادي الذي لا يتحقق في رغبة أدراكاتنا وتمثلاتنا الذهنية له، وأنما هي موجودات مستقلة لا تكترث بمن يدركها أو لا يدركها..

وبحسب الواقعية النقدية الامريكية المثالية (ولأن المعرفة لا تقدم لنا مادية الواقع، فمن الضروري بمكان أن تقدم لنا الجوهر، ومعرفة الجوهر كموضوع يكون كل شيء متحققا، وفيما يتجاوز الموضوع المعروف لا يبقى وجودا لحقيقة عقلية مطلقا فالجوهر المعروف هو الجوهر الكلي للموضوع.)(3)

واضح من غير المجدي هروب الواقعية النقدية الى أمام في عجز معرفة حقائق مادية الواقع، أن تجعل المثالية الامريكية تعويضها عن عجزها أدراك مادية الواقع في تعويضها أمتلاك الاصعب وهو الجوهر، فمعرفة الموجودات في كلياتها لا يمكن مقارنة أمكانية تحققها وتحصيلها لمن يرغب ويريد أمام صعوبة أمتلاك معرفة جواهر الاشياء، كما أن وضع العربة أمام الحصان في تبريرات الفلسفة المثالية، تضعنا أمام بديهية أن معرفة الخصائص المادية للاشياء في وجودها الخارجي هو مرحلة بدئية أولى تمّهد لنا سبيل الوصول لمعرفة جواهر تلك الاشياء..

أما تعبير المثالية الامريكية أنه بغياب موضوع أدراك الجوهر لا يبقى هناك حقيقة عقلية، فهوتعبير دوغمائي محتضر فالكلية المعرفية للموجودات المتكونة من صفات وجواهر لا تكفي الاحاطة بها أن تكون غير ناقصة أذ من الصعب أدراك جواهر الاشياء قبل معرفتنا مدركاتها الصفاتية الوجودية كليّة، كما أن وسائل تحقيق معرفتنا الكليات المحسوسة لا تكون كافية في معرفتنا جواهر الاشياء كما وليست كافية لمعرفتها كصفات وعلاقات حقيقية ايضا..

 

 

تمثلات الذهن وتعبيرات اللغة غير كافيين

لا يزال هناك ثغرة تتجاهلها الفلسفات المثالية هي أن تمثلاتنا الفكرية أو التعبيرات اللغوية عنها حتما تكون عاجزة في محاولة التعبير المتكامل عن الاشياء في حقيقتها الواقعية،واللغة في تعبيرها الفكري عن الاشياء والموضوعات دائما ما تكون قاصرة عن الاحاطة والتطابق التكاملي مع ما يدركه الوعي والفكرمن تلك الموضوعات في وجودها ، والفكر والموجودات يبقيان مختلفان من حيث علاقة التفاوت في ترابط الفكر- اللغة بالموجود في حقيقته المادية...ويبقى الفكر الأدراكي عاجزا عن أستيعاب الوجود تماما الذي يبقى على الدوام محتفظا بما يراه مدّخرا فيه كفائض معنى غير مكتشف ولا مدرك في العديد من الجوانب المحجوبة عن الادراك الحقيقي للموجودات والظواهر..الوعي الادراكي الحسي للموجودات وتناول العقل لاحساسات تلك الموجودات الواصلة اليه ليس شرطان كافيان للتسليم بحقيقة الاحاطة والالمام الكامل بتلك الموجودات الواقعية والطبيعية..فالواقع الحقيقي للاشياء يختلف عن الوعي الادراكي لها والتعبير عنها بمنطق ولغة العقل..

القديس أنسلم 1033 – 1109 كان وصف هذا التفاوت في القرن الحادي عشر بين تعبير اللغة القاصر عن الاحاطة بالاشياء المدركة قائلا (أن وجود شيء ما في الذهن فقط هو أدنى من وجوده في الواقع) وهو تعبير دقيق في تشخيصه الحالة التي تكلمنا عنها، فالعقل لا يستطيع أدراك الوجود على حقيقته في تطابق الشيء مع دلالة الفكر - اللغة التعبيرعنه تماما..فالعالم المدرك بمكوناته الجوهرية وظواهره التي لا تحصى ولا تحد لا يقف الوعي بها وأدراكه لها عند حدود تفكير العقل وتعبير اللغة عنها أو بالاحرى بعضها. فالعالم بلا محدوديته ولا نهائيته كفضاء سديمي مفتوح في المكان والزمان يستوعب الطبيعة والانسان أكثر مما يستطيع الانسان والعقل واللغة أستيعابه والأحاطة به..

والعالم بما يحتويه من موجودات لا حصر لها هو فضاء لا متناه لا تحّده عقولنا المحدودة الادراك ولا اللغة المعبّرة عنه في كل أشكال تمّثلاته الذهنية.. ويعتبرلودفيج فينجشتين أن حدود اللغة عند الفرد التي يعبّر بها عن العالم هي ذاتها حدود أدراكه وفهمه عالمه بما يستطيع الأحاطة به من خلال تعبير الفكر - اللغة عنه....لذا فهو لا يستطيع فهم وأدراك العالم ليس على حقيقته التامة وحسب وأنما حتى على صعيد عدم معرفة مكوناته وظواهره اللامحدودة.

ونخلص أن أدراك موجودات العالم بتصوراتنا وتمثلاتنا الانطباعية الذهنية اللغوية عنها هي وحدها تكون حدود معرفتنا العالم ولا يمكننا الاحاطة التامة بحقائق موجودات العالم من خلال لغة التعبيرعنها فقط....وما يخرج عن هذا الألمام المعرفي المتقّطع المجتزأ من مدركاتنا لبعض موجودات وظواهر العالم الذي لا ندركه كاملا بمجمله تماما يكون العالم غير الذي ندركه هو الوجود الحقيقي الذي نجهله في معظم تجلياّته المحجوبة عن الأحاطة بها أدراكيا من قبلنا....ويبقى عالم الموجودات محتفظا بحقيقته الجوهرية التي لا تدركها محاولاتنا معرفتها مرارا وتكرارا..ولا يعني هذا أن ما لانستطيع أدراكه بالفكر والتعبير عنه باللغة غير موجود فهذه أبتذالية ساذجة في التعبيروالفهم قبل أبتذالية أسوأ من عدم أدراكنا الوجود على غير حقيقته.

بهذا المعنى نجد نيتشة كان مصّرا على وجوب الاقرار بحقيقة أن اللغة لا يمكن أن تكون غير مجازية في تعبيرها عن المدركات الواقعية دائما.. عليه اللغة تعطينا صفات الاشياء المدركة خارجيا ولا تعطينا الواقع في حقيقته كما نرغب معرفته... لذا تكون أدراكاتنا للاشياء خادعة ليس من الاحساسات الواردة عن طريق الحواس وحسب بل خادعة منقوصة أيضا في لغة الادراك التعبيري عنها فكريا بالوعي..

وعلاقة اللغة بالعالم حسب فرديناند سوسير هي علاقة أعتباطية لا تدل على الواقع تماما.. ونفهم من هذا أن اللغة في الوقت الذي نجهد فيه أنفسنا أن تكون معبّرة تعبيرا صادقا عن مدركاتنا، نفاجأ أن اللغة لا تستطيع التعبير بأكثر مما هو متاح أدراكه لنا وتعبيرها عنه من تلك المدركات.. ومن أدراكنا بعض هذا العالم غير المحدود بمحددات مجتزأة وقطوعات غير مترابطة منه لا علاقة بينها تجمعها في أدراكاتنا لها..

أننا لا نستطيع أدراك موجودات العالم دفعة واحدة كما نرغبه كون الوجود فضاءا أكبر من مداركنا وحدود عقولنا..فمثلا بسيطا نحن نرى شجرة واحدة أو عدة اشجار في غابة لكننا لا نستطيع رؤية الغابة وأدراك موجوداتها من الاشجار وغير الاشجار من كائنات وموجودات دفعة واحدة من خلال حاسة البصر وحدها ونحن واقفين في مكان محدد من الغابة لا نبرحه ولا نغيّره.

أننا غالبا ما نتناسى حقيقة أن الافكار لا تأخذ كامل مدياتها في التعبير عن مدركاتنا الاشياء وتمظهرات العالم من حولنا كما هي على حقيقتها في الواقع بسبب محدودية أدراكنا لتلك المدركات ومحدودية التعبير عنها لغويا من جهة..وفي عجز العقل الألمام بها كاملة من جهة أخرى..لذلك تبقى حقائق الاشياء لا يمكننا أدراكها تماما.

الفيلسوف الانكليزي والترسكوت 815 - 877 يعتبر الواقعي ليس هو كل ما نستطيع التفكيربه أو حوله.. بهذا المعنى نذهب الى أن جميع أفكارنا عن الاشياء مجازات من التعبير اللغوي كما عبر عنه نيتشة لتصورات ذهنية بعضها مستمد من تمظهرات الواقع العصّي على أستيعاب اللغة له في حقيقته الماهوية الانطولوجية..

وبعضها الآخر يكون أكثر تعقيدا في عجز التفكير الذهني التعبير عن موضوعات أدراكه غير المادية في العالم الخارجي ونقصد بها مواضيع الادراك الخيالي المستمدة من خزين الذاكرة..فالخيال الذي هو نتاج الفعالية الذهنية الخيالية أوسع فضاءا من أمكانية اللغة التعبير عنه وأمكانية الفكر الاحاطة به... فعجز اللغة الاحاطة بالمدركات المادية في الطبيعة يكون مضاعفا مئات المرات في عجز اللغة التعبيرعن مدركات المخيّلة المستمدة مواضيعها من الخيال والذاكرة..خيانة اللغة في عجزها أو في مخاتلتها التعبير عن موضوعات الخيال العقلي هي أكثر بكثير من خيانة اللغة التعبير عن الواقع المادي المحسوس..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

......................

الهوامش:

1، ،3،2 الفلسفة الامريكية/جيرار ديلودال/ ت، د.جورج كتورة، د.الهام الشعراني ص 143

 

 

علي محمد اليوسفتمهيد: بدأت الفلسفة الذرائعية الامريكية ( (Progmatisim نهايات القرن الثامن عشر و بدايات القرن التاسع عشر على يد روادها الثلاث ريتشارد بيرس، وليم جيمس، جون ديوي، ثم تلاها بعد عقد من الزمن بدايات القرن التاسع عشر تيار فلسفي جديد يحمل اسم الفلسفة الواقعية الجديدة على يد أبرز فلاسفتها رالف بارتون، ادوين هولت، ب.مونتاغ، ت. مارفين، غ.سبادلينغ وآخرين. ثم تلاها في تزامن نفس العقد تيار فلسفي أطلق فلاسفته تسمية الفلسفة (النقدية) الامريكية التي لم تخرج عن الفلسفة الذرائعية الأم في مرتكزاتها القارة البراجماتية التي تقوم على مبدأ لا أهمية للافكار والنظريات ما لم تعبر تلك النظريات حاجز الفلترة التجريبية في التطبيق النفعي ومن أبرز فلاسفة النقدية الامريكية ديزان دراك، آرثر لوفجري، جورج سانتيانا، ولوفيد سيلارز، ريتشارد رورتي، وجون سيرل وغيرهم..الذين أتخذوا منفردين فيما بعد مناحي فلسفية مختلفة في التعبير عن رؤاهم خارج وحدتهم البدئية ضمن تيار الفلسفة النقدية..

هذان التياران الفلسفيان كما يتوّضح معنا لاحقا لم يكونا يحملان جديدا يتجاوز المنطلقات الذرائعية القارة في خطوطها العامة التي أرساها الثلاثي ريتشارد بيرس، وليم جيمس، وجون ديوي، لذا فالفلسفة النقدية التي تزامنت مع الواقعية الجديدة اللتين كلتاهما خرجتا من رحم البراجماتية كفلسفة أم، ، لم تجتهد فلسفيا أكثر من كتابة حواشي هامشية نعرض بعضها والتي هي كما ذكرنا تماشي الذرائعية تماما مع فارق النقد الهامشي للذرائعية والتلاعب اللغوي الفلسفي بمصطلحات عرضية... ومن المهم التنبيه أن فلاسفة النقدية أبرزهم، سانتيانا، سلارز، رورتي، وسيرل سلكوا منفردين طرقا متباينة في تعبير كل منهم عن فلسفته الخاصة وأصبحوا في تفردهم الفلسفي خارجين عن بداياتهم الفلسفية النقدية مشّكلين تيارا فلسفيا مجددا أطلقوا عليه ما بعد التحليلية الذي يقوم على خلفية أفكار فينجشتين وعلوم اللسانيات وفلسفة اللغة..

الواقعية الجديدة

في العام 1912 نشر عدد من فلاسفة الواقعية الجديدة الامريكان الذين ذكرنا اسماؤهم سابقا كتابا مشتركا ضّمنوه أفكارهم الفلسفية التي لا تتقاطع مع الخطوط العامة والمنطلقات الجوهرية الراكزة في الفلسفة الذرائعية الأم وكان الكتاب بعنوان: الواقعية الجديدة: دراسات مشتركة في الفلسفة.

The new realisim:co-operative studies in philosphie

ومن ضمن محتويات الكتاب المذكور نقاط عديدة أخترنا بعضا منها في عرضها والتعليق عليها:

- فلسفة المعرفة ليست أساسية من الناحية المنطقية ولا يمكن أستخلاص طبيعة الواقع من طبيعة المعرفة، ولا ترتبط الميتافيزيقا بالمعرفة.(1)

هذا التبشير الفلسفي الاميركي الواقعي بأن (المعرفة) الابستمولوجيا لم تعد مبحثا أساسيا في الفلسفة الغربية عموما والفلسفة الامريكية تحديدا، كان تبّناه فيما بعد بشدة فلاسفة علم نفس وتحليليين لغوين من المتعاطفين مع طروحات التحليلية اللغوية في القرن العشرين التي سادت فرنسا والمانيا وانجلترا، بما جاءت به فلسفتا البنيوية والتفكيكية الفرنسيتين والتحليلية الانجليزية مدرسة اكسفورد جورج مور وبراتراند رسل، ووايت هيد وأخيرا أنضم لهم فينجشتين، وظل الالمان مدرسة تمتلك عراقة فلسفية تاريخية لا يجاريها سوى فلاسفة الاغريق والرومان القدماء تتزعم بعض دول اوربا الغربية مثل النمسا والدول الاسكندنافية..والتي شكلت ما يعرف بحلقة فيّنا التحليلية أبرزهم فينجشتاين وكارناب.

وكان أشهر الفلاسفة الاميركان الذين أهتموا بدراسة اللسانيات وفلسفة علم اللغة هم فلاسفة تيار النقدية سيلارز وسيرل ورورتي وصولا الى نعوم جومسكي بتفرده المعهود عنهم، وليس من بينهم فلاسفة الواقعية الجديدة الذين سبقوهم.. فلاسفة النقدية ذهبوا بعيدا جدا في أستهدافهم مبحث الابستمولوجيا في تأكيد مناويء لفلاسفة الواقعية السابقين عليهم من الذين تماشوا مع منطلقات علم النفس التجريبي والنزعة العلمية بأن المعرفة لا تربطها صلة حقيقية بالميتافيزيقا، فعمد سيرل، رورتي، وسلارز فلاسفة النقدية بالضد منهم، الى التنظير الفلسفي المضاد بأن الابستمولوجيا هي مبحث ميتافيزيقي وداء مرضي أصاب العديد من الفلاسفة منذ قرون طويلة في أعتبارهم مبحث الابستمولوجيا هو أحد ثلاثة مباحث شغلت الفلاسفة منذ ماقبل التاريخ الفلسفي حوالي ستة الاف سنة قبل الميلاد...وحان الوقت الى ركنها بالظل كونها ميتافيزيقا لا جدوى من الاهتمام بها.

والابستمولوجيا كما ذكرنا مبحثا هاما في الفلسفة كان الاعتقاد وعلى أمتداد قرون طويلة يرى أن مبحث الابستمولوجيا قد يكون أقرب الى التفكير والمنهج العلمي منه الى أفكار الميتافيزيقا، ولا تربطه بالميتافيزيقا رابطة... وهو ما هاجمه رورتي بضراوة معتبرا الابستمولوجيا مبحثا ميتافيزيقيا لا جدوى من الاستمرار به، وقد آن الاوان شفاء الفلاسفة من مرضهم المزمن به.. ..وكان رورتي معتّدا بثقة مطلقة في أسناد المؤيدين له بشدة بهذا الطرح كلا من فينجشتين وسيلارز وسيرل وكارناب.. مما مهد لهم تشكيل تيارفلسفي عرف ما بعد التحليلية الامريكية في الهجوم الشديد على الابستمولوجيا كونها مبحثا في الميتافيزيقا.

الشيء الآخر أن فلاسفة الواقعية الجديدة طرحوا عدم أمكانية أستخلاص طبيعة الواقع من طبيعة المعرفة؟ على أعتبار أن طبيعة الواقع لا يمكن معرفتها على حقيقتها بالافكار المجردة محاولين عدم الخروج عن الخطوط العامة العريضة للفلسفة الذرائعية ذات الهيمنة والنفوذ القوي في أروقة الجامعات ومراكز البحوث العلمية والفلسفية الامريكية..وهم بهذا الطرح لم يأتوا بجديد يتجاوز طروحات الفلسفة الذرائعية في العمق..كون الذرائعية الفلسفة الأم تؤكد قبلهم حقيقة أنه ليس كافيا محاكمة صحة الافكار المعرفية بقدر تعبيراتها الفكرية التنظيرية القاصرة عن الألمام بالواقع ومعرفته على حقيقته، والواقع الحقيقي لا يمكننا معرفته بالافكار المجردة والنظريات، بل نستخلص معرفتنا وفهمنا لظواهر وتجليات العالم بما يفيدنا في نتائج وضع الافكار والنظريات تحت مرشّح التجربة وفلترتها في أمكانية تزويدنا بنتائج يمكن أن تأخذ مجالها التطبيقي النافع بالحياة..

- أعتبرت الواقعية الامريكية الجديدة العلاقات الخارجية هي جواهر أو كليات موجودة، ولا تبعية الوعي لها، والتي لا يمكننا ملاحظتها تجريبيا، فالمعادلة الحسابية 5+7= 12أنما تمثل طبيعة الارقام وليس طبيعة الوعي بها.(2) صحيح أن العلاقات الخارجية التي تحكم الموجودات هي تجليات فيزيائية متغيّرة على الدوام وليست موضوعات مادية ثابتة أو كليّات موجودة بمعزل عن الوعي بها وأدراكنا لها، ألا أنه ليس كل تلك العلاقات هي من نوع الحقائق التي تمنحنا المعرفة بها دونما وعي نقدي يستقبلها من قبلنا.

ومن الواضح أن الفلسفة الواقعية الجديدة أنما تريد التسليم بيقين لا يحتاج الى تجربة أو برهان أن العلاقات بين الاشياء خارجيا أو العلاقات داخل الظاهرة القائمة بذاتها تمنحنا اليقين التسليمي بها حالها حال المعادلات الرياضية التي لا نحتاج الوعي التجريبي دوما للتدليل على صدقيتها بحكم تداوليتها غير المشكوك رياضيا علميا بها..والتي يكون الوعي النقدي أمامها محايدا أن لم يكن وكأن الأمر لا يعنيه..

لكن من المهم الاقرار أن بعض العلاقات الخارجية لحقيقة ما أو موضوع حسّي لا تحتاج منا صرف أنتباه الوعي لتأكيد صدقيتها فهي تحمل يقينيتها في القبول والتسليم بحكم رسوخ الثقة العلمية الناجزة التي لا تحتاج برهان كما في تسليمنا الثابت بمثال المعادلة الرياضية التي لا يمكن تغيير حقيقتها بعد ألف سنة أن 4+ 3 = 7.. لكن ليس كل تلك العلاقات التي تكون جوهرا متحققا كمعطى جاهز لنا حاله كما ذكرنا حال المعادلات الرياضية التي لا تحتاج الوعي البرهاني لأنها بحكم الاعتماد العلمي الرياضي التداولي لها أصبحت حقيقة يقينية قائمة تحمل صدقيتها البائنة لنا كمسلمة لا مجال الشك بها.. لذا من المحتّم علينا الأخذ بالنسبة لغير الحقائق الرياضية في العلاقات الفيزيائية التي تحكم الكثير من الظواهر والموجودات منطق الوعي النقدي منهجا، وليس منطق التسليم بها كجواهر ومعطيات لا تحتاج الوعي النقدي لها..فالحياة في جميع أفصاحاتها الانطولوجية والعلمية والمعرفية ليست جميعها صحتها وتحقق معرفتها مرهونة بمسّلمة التسليم بمنهج المعادلات الرياضية وأعتبارها المعيار العلمي الوحيد في فهمنا العالم...

فحقائق الحياة التي لا حصر لها لا تكون معرفتهاعلمية خالصة عندما تقتصرمعياريتها مقارنتها بالمنهج الرياضي كمعادلات تحكم علم الرياضيات والجبر والهندسة والفيزياء والكيمياء والفضاء وغيرها..فالحياة لا تقوم على معادلات رياضية وأرقام مجردة فقط حتى لو كانت وثوقيتها العلمية مطلقة في اعتمادها والتسليم بثباتها العلمي.

والشيء الآخر الجدير بالاهتمام هو أن ليس كل العلاقات الخارجية الفيزيائية التي تحكم الوجود والعالم من حولنا هي تجارب يقينية من نوع المعادلات الرياضية التي أكتسبت اليقينية القطعية في تسليم الأخذ بها..فعلاقات مواضيع المعرفة في مجالات لا حصر لها في الحياة والطبيعة هي ليست علاقات فيزيائية أكتسبت صحتها الثبوتية المطلقة بمنطق رياضي ولم تعد بحاجة أدراك الوعي النقدي تناولها..

- طرحت الواقعية الجديدة الامريكية :( حضورية المعرفة، فالمعرفة بوصفها علاقة لها مكانها في نظام الطبيعة، وبالتالي يكون كل موضوع هو حاضر بشكل مباشر في الوعي، بعبارة أخرى أن الفرق بين ذات الوعي وموضوع الوعي (المعرفة) ليس فرقا بالكيفية أو في الجوهر بل فرقا بالدور، أو في الموقع، أو في التشّكل).(3)

المعرفة كموجودات وعلاقات لها حضورها الدائم في نظام الطبيعة، وبالتالي (لا) يكون كل موضوع الذي هو مجمل علاقاته الفيزيائية الداخلية والخارجية معا حاضرا بشكل مباشر في الوعي، فالوعي لا يستبق موضوعه معرفيا في تمثّله الادراكي للاشياء... كما أن مواضيع الادراك التي هي علاقات فيزيائية متغيّرة هي ليست مواضيع الوعي بها (قبليا) يشبه وعيها الذهني العقلي بها (بعديا)... بمعنى أن موضوع الوعي في وجوده المستقل عن الوعي به، لا يكون هو الموضوع نفسه بعد تناول الوعي القصدي العقلي له...والفرق بين (ذات الوعي) و(موضوع الوعي) هي خلاف ما تدّعيه الواقعية الجديدة الامريكية هو فرق قائم على الدور أو الموقع أو التشكل وليس قائما على الجوهرولا الكيفية ايضا....، أن هذا يشبه أمكانية فصل العقل عن تفكيره بموضوعه وكلاهما العقل وموضوعه جوهرا واحدا وليس كيفيتي أدراك مختلفة متباينة بينهما..

وعملية الافتراض التفريقي الفلسفي بين الوعي وموضوعه غير صحيحة، كون الأصح منها أن ذات الوعي تتطابق أغلب الاحيان مع موضوع الوعي لكن تلك المطابقة لا تحمل (معرفة) كافية عن حقيقة تلك المدركات، وعندها يصبح الوعي هو موضوعه ولا فرق بينهما، وليس الوعي علاقات مفارقة تحمل ذاتيتها وخصائصها المفارقة عن موضوعها.. كما وليس في أمكانية عزل علاقة الوعي بموضوعه المستقل بالعالم الخارجي.. والدور الذي يلعبه الوعي يختلف عن موضوع الوعي، بمعنى الوعي فعالية نوعية من علاقات يتداخل بها الموضوع مع مرجعية الذهن بأمتيازلا يتساوى فيه الوعي بموضوعه بالدور بل في الكيفية وفي الجوهر أيضا... فوعي الموضوع هو تمّثلات ذهنية وأنطباعات عقلية لموضوع مفارق في وجوده المستقل عن الوعي به..بمعنى موضوع الوعي محتوى (مادي أو خيالي) بينما الوعي هو تعبيرات وتصورات العقل عنها شكلا ومضمونا.

- تقوم الواقعية الجديدة على التفريق بين ذرائعية وليم جيمس بأعتبارها براجماتية (ذاتية- فردية) بخلاف كلا من ريتشارد بيرس وجون ديوي فعندهما الذرائعية (عامة – سيسيولوجية).. والسبب أن فردية فلسفة وليم جيمس مستمدة من خلفيته الفلسفية في علم النفس حيث بدأ أبحاثه العلمية فيها ، بينما وضع ديوي ذرائعيته المجتمعية العامة من خلال أهتمامه المبكر في التركيز على مباحث التربية والسلوك المجتمعي والاخلاق وكذلك الفن، ووصف ديوي منهجه المجتمعي الفلسفي بأعتزاز قائلا: (أنه المنهج المنظور عن الذكاء الكامن في روح الجماعة الامريكية)(4)، بما جعل تلك الروح مجسدة أبداعيا في وحدة التكيف المجتمعي الامريكي المتجانس تقريبا لا تهتدي بفلسفات ونظريات سيسيولوجية في تحقيق مثل هذه الوحدة بالتكيّف المجتمعي الخلاق القائم على خاصية الذكاء الامريكي كمجتمع وليس كافراد فقط..وهنا تكون خاصية الذكاء المجتمعية المتكيّفة أمريكيا هي التي تصنع نظرياتها وليس العكس..وهو ما أفصح عنه ديوي بجلاء خيولائي..

- من الاشكاليات الافتعالية التي طرحها فلاسفة الواقعية الجدد مثل بيري (كيف يمكن لأشياء مستقلة أن تصبح مضمونا عقليا؟وأن الواقع مادي وعقلي في آن واحد (حقل علاقات) فحين يعرف شيء ما فهو يدخل في علاقة مع العقل)(5)، ويطرح فيلسوف ثان كيف واقعي جديد (يكون الخطأ ممكنا، أذا ما كانت الفكرة والشيء واحدا) ويطرح ثالت (ليس للزمان والمكان وضعية وجودية نقر بها)... وهذه الافكار بحاجة الى مناقشة مستفيضة يضيق بها المجال.. لكننا في تعقيب سريع عليها نقول لمّا كان وجود الشيء مكانا لا يتم أدراكه ألا في تعالقه بأدراكه الزماني لذا يصبح كلا من المكان والزمان غير مدركان وجوديا وليسا محددان أدراكيا كموضوعين من الممكن أدراكهما بل هما وسيلتي أدراك موحدة تعمل في تلازم مكاني وزماني مشترك ومتداخل.. لذا وجدنا كانط كي يخلص من أشكالية الزمان غير المادي الذي يدرك المادي في معرفته الاشياء يلجأ الى حقيقة مثالية أبتدعها بذكاء أن الزمان والمكان معطيان فطريان داخل العقل وهما من مزاياه الجوهرية وليس لهما وجودا ماديا بأعتبارهما (وسيلتي) أدراك للعقل وليسا موضوعين يدركهما العقل بذاتهما بل يحدسهما بنتائج مدركاتهما التي يزّودان العقل بها.. ، والموجود مكانا لا يتحدد وجوده والوعي به ألا من خلال أدراكه زمانا..

ونختم هذه الاقتباسات مع مونتاغ أحد فلاسفة الواقعية الجديدة قوله (الموضوعات التي تظهر في أخطاء الحواس وفي حالات الهلوسة ليست سوى مجموعات قائمة من جواهر لا يمكن الاعتقاد بعد التفكير بها أنها موجودة في المكان)(6)..

أخطاء الحواس المميزة عن حالات الهلوسة بما لا يمكن تفسير بداهته، هما في حال الجمع بينهما أخطاء الحواس زائدا التصورات الهلاوسية فكلاهما لا يمتلكان جوهرا أو جواهرمستقلة بهما والا كانت وجودات محددة ومحكومة بزمان ومكان أدراكي لها كمواضيع..

وأخطاء الحواس أنما تقوم بالنسبة لمدركاتها الخادعة عن موجودات مادية لا تستطيع الالمام الكامل بها، ولا يمكن أن تكون التصورات الذهنية للاشياء تعني الالمام الكافي بها، أو بديلا واقعيا لها في وجودها الخارجي المستقل، التصورات الذهنية للواقع أنطباعات وتمّثلات لا تأخذ حيزا مكانيا مثلما هو الحال مع مواضيع الوعي المادية المدركة، فالتصورات هي مجموعة العلاقات الفكرية المجردة عن الاشياء والمواضيع المادية، فالمادة هي حيّز مكاني تدركه الحواس بينما تكون الافكار والتصورات المعبّرة عنها تجريد معرفي فكري لا مكان يحده غير أدراك العقل له تجريدا زمانيا.

أن العلاقات التي تربط مكونات المعرفة ليست مادية موضوعية في وجودها المتعذرأدراكه أن يكون ماديا متعينا بحيّز مكاني، كما هو الوجود الذي ندركه الذي يحكم الاشياء المادية سواء في علاقاتها الخارجية أو علاقاتها الداخلية التكوينية لها..فالتصورات الانطباعية التمثّلية للاشياء المادية المحسوسة هي وعي في تفكير العقل ونتائج ذلك الوعي الصادر عنه، لذا فتصوراتنا هي نتاج العقل وليس نتاج المعطى الانطولوجي لمكوناته الادراكية من الاشياء..فالتصورات هي تمثلات وعي الاشياء فقط وليس خلقها وجوديا بالفكر..

الواقعية النقدية وريثة الواقعية الجديدة

انبثقت الواقعية النقدية (critical realism) بعد مرور عقد واحد من الزمن على انبثاق الواقعية الجديدة (The new realism) في تداخل زمني تحقيبي واحد لا يتجاوز العقد الاول من القرن العشرين، كلتاهما ولدتا من رحم الفلسفة الذرائعية الأم، وأعترف فلاسفة الواقعية النقدية أن من سبقوهم حاربوا النزعة المثالية التي كانت تحتويها الذرائعية في تنظيراتها الفكرية الفلسفية وفي ميادين غير الفلسفة من منظور علم النفس عند وليم جيمس ومنظور التربية والسيسيولوجيا كما هي عند جون ديوي، وفي عام 1912 صدر كتاب مقالات في الواقعية النقدية (Essays in critical realism) ضم مقالات فلسفية نقدية لشبان منهم آرثر لوفجري، جورج سانتيانا، ولوفيد سلارز وريتشارد رورتي. ومن جملة منطلقاتهم الفلسفية:

- أن المعرفة قصدية وليست حدسية، وجود أشياء فيزيائية غير معروفة بصفتها أشياء فيزيائية لكنها تتمظهر بأفعالها على الاعضاء الحسية، والعالم الحسّي يكون مؤكدا وليس مستنتجا، والعالم الفيزيائي هو أدراك حدسي داخلي من جهة، وأنطباعات حسية تحدثها أشياء العالم الفيزيائي من جهة أخرى(7)

- الحدس يحيلنا على العالم الفيزيائي وأن ما نعرفه هو التمّثل المعياري للاشياء وليس الاشياء بذاتها، فالجوهر كله يكمن في التمّثل وليس في الاشياء، التي ليست سوى أشياء مادية.(8)

وتوضيحنا تلك الافكار بأيجاز قدر الامكان فأن المعرفة حين تكون قصدية وليست حدسية هي مقولة صحيحة كما تذهب له الفلسفة النقدية فهي لا تخرج أن تكون المعرفة قائمة بذاتها كجوهرمن العلاقات التي لا يمكن للحدس الالمام بها ....وأنما يكون الوعي بها قصديا معرفيا تجريديا، ثم أن الاشياء وأن كانت في وجودها المادي تحتوي علاقاتها الفيزيائية الداخلية والخارجية المتغيرة على الدوام التي تعتمل بكينونة الاشياء في تغيراتها المستمرة الممكن التعامل معها ادراكا معرفيا..فهي أي الاشياء تبقى كينونات مستقلة موحدة تختلف أساليب أدراك علاقاتها الخارجية عن أدراك مجمل علاقاتها التكوينية داخليا..ولا تفقد حقيقة كينونتها التكوينية المؤلفة من (جوهر) و(صفات) في حالتي الحدس الادراكي لها وفي حال معرفتها حسّيا..

وأن يكون العالم الحسّي علاقته بالاشياء فيزيائيا كظواهر دائمة التغير والتبدل والصيرورة المستمرة بعوامل لا علاقة تربطها بالوعي الحسّي المباشر لها لذا يكون هذا الوعي الحسّي دوره تأكيد تلك العلاقات في استقلاليتها، وليس في تمّثلها خالقا موجدا لها ولا مستنتجا أو متداخلا كعامل أو أكثر من عوامل التأثير بها في متغيراتها التي هي مجموعة أنطباعات حدسية عنها..ولا يمكن أن ينوب الفكر عن الواقع في ماديته الا بوسيلة التصورات والتمّثلات الادراكية له فقط..

وحين تكون جواهر الاشياء هي علاقاتها الفيزيائية التي تحكمها، وتكون وسائل تعاملنا معها حدسية، فمن الطبيعي أن جواهر تلك الاشياء أنما تكون في وجودها المادي وليس في وجودها الحدسي كعلاقات خارجية، فالحدوسات ليست منهجا موثوقا منه في المعرفة يمكن الركون الى سلامته..وأذا ما أعتمدنا الحدس تمّثلا معياريا في الذهن فهذا يؤكد لنا أن جواهر الاشياء تكون في وجودها المادي وليس بمحاولة الحدوسات معرفة حقيقتها بلا جدوى...(يتبع)

 

علي محمد اليوسف /الموصل

......................

الهوامش

1- جيرار ديلودال/الفلسفة الامريكية/ت: د. جورج كتورة، د. الهام الشعراني ص 130

2- المصدر اعلاه ص 132

3- المصدر اعلاه نفس الصفحة

4- المصدر اعلاه ص 134

5- المصدر اعلاه ص 137

6- المصدر اعلاه ص 143

7- المصدر اعلاه نفس الصفحة

8- المصدر اعلاه ص 148