حيدر جواد السهلانيان هذا الثالوث (ماركس، نيتشه، فرويد) اجمعوا على امر واحد هو الشك في الوعي والطريقة التي يتكشف بها الواقع امامهم واتهامهم العقل والواقع الانساني بالزيف على الاقل في ظاهرهما، ومايجمعهم هو الارتياب ناحية كل مانسميه عقلاني ومنطقي وحقيقي، فقد نقدو الحداثة نقدآ جذريآ، وان كان نيتشة هو الاكثر جذريآ حيث طال تقريبآ كل الاسس التي قام عليها كل التراث الفلسفي، كما ان هذا النقد كان له الاثر في معظم فلسفات القرن العشرين.

1- ماركس(1818- 1883) يرى الان تورين ان ماركس اراد ان يقلب فكر هيجل لكي ينتمي الى مجال ثقافي مختلف عن خصمه ومعلمه، ولكن عملية القلب هذه  شكلت قطيعة مثالية مع فلسفات التاريخ، فلم يعد التقدم منظورآ اليه بأعتباره انتصارآ للعقل اوتحقيق الروح المطلق، ولكن تحرير لطاقات وحاجات طبيعية تقف في وجهها ابنية ومؤسسات ايديولوجية.(1) ولذلك يقدم ماركس نقدآ قاسيآ لكل الحلول المطروحة لمشكلة الوجود والمشاكل التي كانت مسيطر عليها في عصر التنوير.(2) ويعتبر ماركس اول مفكر كبير في مابعد الحداثة، لأنه يرى التقدم تحررآ للطبيعة، ويرى هابرماس ان ماركس نقد العقل الالماني، اما العنصر الاصيل يكمن في ان ماركس في نقده للدولة، وهذا النقد يتخذ موقعه في منظور نوع من التنظيم الذاتي للمجتمع.(3) ويعطي ماركس للحداثة مفهومآ سياسي بشكل اساسي لدرجة انه يحدد شكلآ للدولة كدولة موضوعية، وكذلك مخطط للعلاقة بين شكل الدولة وبين الحياة اليومية والممارسة الاجتماعية بوجه عام، فقد كان ماركس يفكر بالعالم الحديث سياسيآ بحيث كان يخضع المعارف الاخرى للمعرفة السياسية، وان نقد ماركس للحداثة والانوار هو نقد طبقي من وجهة نظر الاشتراكية العمالية، فماركس تجاوز الحداثة وليس هدمها واسقاطها كما فعل فلاسفة مابعد الحداثة، واخيرآ كان هدف ماركس هو تحرير الطبقة العاملة بواسطة فهم العلاقات الجدلية التي تسير العلاقة بين العمل والانتاج.

2- نيتشه(1844- 1900) يرى فوكو أن نيتشه احد الثلاث الكبار الذين دشنو النقد الجذري للحداثة في الغرب وهم ماركس ونيتشه وفرويد، وان كان نيتشه هو الاكثر جذرية طاول كل الاسس التي قام عليها التراث الفلسفي الانساني، كما ان النقد كان له أبلغ الاثر في معظم الفلسفات في عصرنا الراهن، وبذلك ان الصلة بين نيتشه ومابعد الحداثة تتجاوز ذلك الى ماهو أعمق، وهي تكمن تحديدآ في مقطع (مابعد) وبهذا الصفة يمكن اعتبار نيتشه الاب الروحي لمابعد الحداثة.(4) فقد كرس نيتشه حياته لبيان آمال التنوير التي لم تكن الا اوهامآ، فالحقيقة التي هي مطلب العلم وغير العلم لم تكن في رأيه غير مجازات قديمة تحجرت، وقد اعلن موت الحقيقة.(5) ويعتقد نيتشه أن مفاهيم النقد والحرية والعدالة والعقل، هي قيم عدمية انحطت باالانسانية الى مرتبة كتلة متجانسة من الافراد الخاضعين المستعبدين المجردين من القوة والاستقلالية، وكشفت عن وجه اللاعقلانية فيها ولاشك أن هذا التصور للحداثة، هو التصور الذي يستهدفه نيتشه بالنقد والتشريح.(6) اذ يرى نيتشه ليس هناك ماهو اكثر حداثة من الكلمات الموجهة ضد كانت من اوجست كونت كمفكر يحتقر الميتافيزيقا، فلايمكن لنا أن نعيش اسرى عالم الظواهر، ويرى مايسمح بالتحرر هو التخلي عن المثل الاعلى، وهو انتصار ارادة الحياة على الرغبة في الموت.(7) وقد ذم نيتشه الحداثة واهلها، ويسميهم البرابرة المحدثين ويسمي الحداثة البربرية الحديثة.(8) وانطلق نيتشه من تدمير النظام الذي بناه هيجل، وهو تدمير مفهوم الحقيقة الماورائية.(9) اذ كانت مقولات هيجل لها الصدارة في الحداثة، قام بتحطيمها نيتشه، لذلك يرى فوكو ان نيتشه اول من رآى عكس الحداثيون، ان الحقيقة لعبة لاغير، يكون المراد منها الابقاء على سلطة الانساق الكبرى ضد الانسان الفرد لكبت رغباته  وتحويله الى آله يحكمها.(10) ان الحقيقة عند نيتشه هي ببساطة جيش متنقل من الاستعارات والكنايات والتجسيدات التي تم تعزيزها ونقلها وتجميلها شعريآ وبلاغيآ.(11) يقترب نيتشه في رؤيته للحقيقة من ماركس الذي رآى الحقيقة سلاحآ طبقيآ، لكن نيتشه يغيب العامل الاقتصادي لصالح البحث في السيكولوجية الانسانية، التي تسعى بأستمرار نحو التفوق وتحركها ارادة القوة. ومن ذلك ادرك نيتشه أن الانسان يجب ان يفهم بأن الحياة لاتحكم بالمبادئ العقلانية، الحياة مليئة بالهمجية واللاعدالة وباللايقين والسخافة، ولاتوجد هناك معايير مطلقة للخير والشر يمكن كشفها بالمنطق الانساني. لذلك يرى نيتشه ،اننا في حاجة الى نقد القيم الاخلاقية، لذا فعلينا اولآ ان نضع قيمة القيم موضع التساؤل، ومن اجل ذلك ان نعرف شروط نشأتها والظروف التي ساعدت على ذلك.(12) واخيرآ يرى نيتشه الحداثة عبارة عن هم ميتافيزيقي جديد اتت لتسد الفراغ الذي خلفه خسوف الميتافيزيقا التقليدية وغياب معانيها الكبرى وغايتها النهائية، فليست الحداثة في المنظور النيتشوي غير هذا البعد الوهمي للحاضر الغربي، فالحداثة شأنها شأن العقلانية تقيم علاقة غير معقولة مع ماضيها، وهي علاقة اساسها الكبت والابعاد.

3- فرويد(1856- 1939) يقوم التحليل النفسي على نظرية مفادها ان كل مايبدو تافهآ وسخيفآ الى الدرجة لانعير معها اي اهتمام، قد يكون في حقيقة الامر ذا معنى، بل ربما الشطر الاعظم من المعنى احيانآ، وقد يكون له الاسهام الاكبر في علاج الامراض النفسية والحالات الهستريا، ينطبق ذلك في سياق التحليل الفرويدي على جميع اشكال زلات اللسان والايماءات والاحلام بشكل خاص. ويرى فرويد ان كل الظواهر تعبر عن آليات داخلية يسلكها الجهاز النفسي، ونظام من المعاني المكبوته داخل النفس الانسانية، ومهمة التحليل النفسي كشف تلك  المعاني الباطنة التي تتوارى وراء الوعي. وبذلك فرويد ركز على قوة وتأثير الدوافع والحوافز اللاعقلية في سلوك الانسان في فكره، والسلوك البشري ليس موجهآ بالعقل،(وهنا فرويد يركز على القوة اللاشعورية في تحريك الانسان، وهو بذلك بالضد من الحداثة التي رأت في العقل هو اعدل واقوى قوة فكرية عند الانسان) وانما هو اقوى من العقل واكثر تأثيرآ في السلوك البشري، انها الدوافع التي هي غرائز لاعقلانية تؤثر على حياتنا الاجتماعية وحضارتنا الانسانية. ويتفق فرويد مع ماركس بقوة التأثير الاقتصادي، لكنه مع ذلك لايسلم معها بغلبة الدوافع الاقتصادية في تحريك الانسان والتاريخ، ويحتج على ذلك بأنه حتى في الظروف الاقتصادية الواحدة لاتسلك الجماعات الانسانية المختلفة سلوكأ واحدآ، اذآ فالغلبة لايمكن ان تعقد الا للعوامل النفسية، تلك الظروف هي التي تحدد مسار العوامل الاقتصادية، لأن الانسان حتى وهو يتصرف بضغط من الظروف الاقتصادية، انما يتمثل لنزعات الغريزة.(13) وبذلك تعتبر كتابات فرويد أهم هجوم منهجي ضد ايديولوجيا الحداثة.(14)

 

حيدر جواد السهلاني

..................................

1- ينظر الان تورين: نقد الحداثة، ص147.

2- ينظر اريك فروم: مفهوم الانسان عند ماركس، ترجمة محمد سيد رصاص، ص9.

3- ينظرهابرماس: القول الفلسفي للحداثة، ترجمة فاطمة الجيوشي، ص99.

4- ينظراحمد عبدالحليم عطية: نيتشه وجذور مابعدالحداثة، ص125- 126.

5- ينظر صالح ابو اصبع: الحداثة ومابعد الحداثة، ص58.

6- ينظر فيصل عباس: الفرويدية، ص114.

7- ينظر الان تورين: نقد الحداثة، ص154.

8- ينظر محمد الشيخ: نقد الحداثة في فكر نيتشه، ص44- 45.

9- ينظر أمينة غصن: جاك دريدا، ص43.

10- ينظر عدي حسين مزعل: الحداثة ومابعد الحداثة، ص43.

11- ينظرمحمد سبيلا وعبدالسلام بنعبد العالي: مابعد الحداثة، ص57.

12- ينظراحمد عبدالحليم عطية: نيتشه وجذور مابعد الحداثة، ص152.

13- ينظرفرويد: الحب والحرب والحضارة والموت: ترجمة عبدالمنعم الحفني، ص6.

14- ينظر الان تورين: نقد الحداثة، ص164.

 

علي محمد اليوسفالمفارقة التي غالبا ما يمرر الكثير من الافكار غير المستوفية شروطها المنطقية بنفس المنهج البراجماتي (الذرائعي) الذي يحاول تطويع وسائله التعبيرية لمقتضيات النتائج المتوخاة المطلوبة من حيث أن المنهج البراجماتي لا يهمه كيفية تناول الافكار بالفهم والمعرفة ماديا أو مثاليا بقدر أهتمامه بنتائج تلك الافكار عملياتيا في التحقق من صحتها بالتطبيق الذي يحقق منفعة.. وليس بما تحويه من أتساق نظري فلسفي منطقي متماسك ظاهريا بما نرضى عنه.. ..فالمنطق الفلسفي هو نظريات مجردة لا يمكن الركون لها والأخذ بصحتها ألا من خلال التطبيق العملاني لها بحسب المنهج الذرائعي في المعرفة..

وغالبا ما تكون الافكار المجردة النظرية موضع ريبة وشك لا تفي التعبير الفكري اللغوي حقّه من الاستقامة المنطقية والصدق والتي تحمل تناقضاتها بأحشائها الداخلية التي نلمس بعضها تصدر على لسان فلاسفة الذرائعية الامريكية وليم جيمس وتشارلز بيرس وجون ديوي وآخرين جاؤوا من بعدهم.. فتشارلز بيرس يبيح (أن يكون العلم يقبل المصادفات) وهو تعبير يمكن القبول المحدود به أذا ما أخذنا توالي بعض الصدف في سياقها العلمي الصرف وضمن أشتغالات العلم التخصصية التجريبية، ولكن يصعب تمرير هذا الفهم بمنطق المنهج الفلسفي البراجماتي الذي يرى صدقية وسلامة أفكارنا أنما تكون من خلال مرورها من مصفاة مرشّحات وفلترة التجربة العملانية في تحقيق النتائج المطلوبة المتوخاة من نتائج الافكار..،، والا كانت تلك الرؤى والنظريات والافكار لا قيمة ولا معنى لها..

الماركسية أرادت أنقاذ التاريخ الانثروبوجي للانسان من ورطة عشوائية الصدف الذي لا ينتظمها التفسير الواقعي المادي في صنع التاريخ فعمدت الى ربط الصدفة بالضرورة التطورية الحتمية التي تحكم مسيرة التاريخ حسب ما تذهب له..لذا حسب الماركسية تكون الصدف التي تحدث في حياة الانسان بما لا يحصى أنما تحكمها الضرورة والهدف المسبق الذي يعمل على تسريع تقدم التاريخ الى أمام بدلا أن ترجعه الصدف غير المتوقعة الى الوراء  أو الوقوف.. وهو ما يحتاج لتفسير يحدد لنا تأثير الصدف المتتالية في صناعة التاريخ من دون أي أرتباط لها بالضرورة. (نحيل القاريء الى مقالتنا المنشورة على موقع المثقف ومواقع أخرى تحت عنوان وهم نهاية التاريخ).

والمصادفات في التاريخ والسيوسيولوجيا هي وقائع ربما ندركها على نطاقهما الانثروبولوجي والمعرفي بأكثرأهمية ووضوح وجلاء عنه في مجال العلم التجريبي التخصصي من حيث صرامة التجارب العلمية في المعرفة بالقياس لانفتاح المجال السيسيولوجي المتاح لتمرير المصادفات على أنها من طبائع الامور بالحياة الاجتماعية التي تحكم الحياة وتحكم التاريخ الانساني معا،،...فالمصادفات هي وقائع ندركها في واقع الحياة اليومية على صعيد السيسيولوجيا ولا نتقبّلها أن تلعب دورا كبيرا في مجال العلم التجريبي بل ولا قيمة علمية لها – اي للمصادفات - بأعتبارها أستثناءا تشذ وتخرج عن القاعدة العلمية المستنبطة من سلسلة التجارب العلمية والنظرية في نسقها العلمي المتماسك،، والمصادفات لا تصلح أن تكون مواضيع غير حدسية قبل توّقع حدوث وقوعها..كما أن حياة الانسان يغلب عليها توالي الصدف التي لا يستطيع درءها أو معرفة زمن وقوعها ولا يمتلك أرادة دفعها عنه،، فالصدف تكون خارج التوقعات وخارج أرادة الانسان التحّكم بها... أن دور المصادفات العفوية اللاضرورية تلعب دورا كبيرا في تصنيعها لحياة الانسان والمجتمع من غير أرادتهما، وليس تصنيع الانسان لحياته بأرادته القاصرة التي تتلقى عشوائية الصدف بلا حول ولا قوة لمنعها أو أيقافها..فالصدف غالبا ما تقوم بصنع حياة الانسان ولا يتمكن من أيقافها بأرادته فهي تعمل بغير وبمعزل عن أرادة الانسان وتوقعاته لها..وكذا الحال مع المصافات غير المتوقعة التي تصيب المجتمعات وترسم الكثير من تاريخها دونما أرادة مجتمعية لها..

الميتافيزيقا والذرائعية

ونعود لنمضي مع بيرس الذي أعتبره وليم جيمس الاب الروحي للفلسفة البراجماتية التي أعتمدت كثيرا على أفكار دارون التطورية وأفكار لامارك في بيولوجيا تطور وظائف الاعضاء عند الحيوان والكائنات الحيّة في الطبيعة، أيضا على أعتبارقانون الانتخاب الطبيعي وبقاء الاصلح نزعة علمية في تفسير الحياة على أسس من أستقراء بيولوجي - أنثربولوجي متماسك الحلقات تقريبا بالنسبة لعصره..

كما أعتمدت الذرائعية منجزات العلم التجريبي غير النظري والدفاع عنها رغم ما شابها الكثير من أفكار الميتافيزيقا عند بيرس - وليم جيمس..يوضّح بيرس قائلا: (الذرائعية أو البراجماتية ليست عقيدة ميتافيزيقية ولا هي تحاول أن تحدد حقيقية الاشياء، أنها ليست سوى منهجا لتقرير دلالة الكلمات والمفاهيم المجردة)(1)

هذه الافكار لبيرس على مقدار ما تحمله من فتح جديد في تأسيس الفلسفة الذرائعية الى أنها لا ترقى الى مستوى طروحات وليم جيمس الناضجة فهو لا ينكر أن تكون الذرائعية منهجا عملياتيا يلاحق الافكار كي يتحقق من جدواها بالتجربة والتطبيق وهي وأن التقت بتعبير بيرس وديوي عن الذرائعية منهجا لتقرير دلالة الكلمات والمفاهيم المجردة بالتجربة ونتائجها، ألا أن جيمس نجده يسقط بورطة ميتافيزيقية أكثر أستهجانا من بيرس قوله: (أن أرادة الايمان تشكل حاجزا على مبدأ الذرائعية التي يكون فيها الله وليس المنهج هو المبدأ الاول والاخير لمعرفتنا دلالة الافكار في تعالقها مع معرفة الاشياء)(2)... وهو تعبير ميتافيزيقي غيبي يحاول جيمس التشبث به لتحقيق ما يعجز أثباته بقواه وقدراته الفلسفية، كان بيرس حذّر منه قوله الذرائعية ليست ميتافيزيقا كما ذهب جيمس نفس المنحى لكنهما بالمحصلة لم يكونا كليهما حذرين بما فيه الكفاية من الانزلاق في التعابير الميتافيزيقية التي وقعا بها،وهوما يتعارض مع المنهج البراجماتي العملاني والنسق الواقعي للذرائعية بالصميم..

الحقيقة التي لا تقوى الذرائعية نكرانها أو التخلص منها هي رغم ما يبدو في صلب فلسفتها من منهج صارم يقوم على تجريبية واقعية تطبيقية ألا أن أفكار فلاسفتها الثلاث بيرس وجيمس وديوي لم يتخلصوا من نزعاتهم المثالية، فهم في الوقت الذي لا ينكرون وجود العالم الخارجي المستقل الا أنهم يلتقون مع المثالية الابتذالية في معالجتهم العالم المادي من منطلقات ميتافيزيقية مثالية هم أيضا..أن الشيء المهم الذي يحسب للذرائعية الامريكية هو تغطيتها نزعتها المثالية في تسويق مقولتها التي تقوم على أن صدق وصوابية الافكار والنظريات لا يتم ألا من خلال المرور بفلترة تلك الافكاربالتجربة والوقوف على نتائجها التطبيقية..

الحقيقة البراجماتية التي يجمع عليها جيمس وديوي ليست هي الفكرة المجردة التي لم تمر بمختبر مصفاة ترشّح وفلترة التجربة لها التي هي وحدها تجعل من الافكار وقائع ميدانية عملانية تعطي مردوداتها ونتائجها في تحقيق المنفعة وتخدم قيم تقدم الحياة العامة..فكيف يربط وليم جيمس بين وجود الله ومعرفتنا الاشياء كونه العّلة الاولى في معرفتنا حقائق الاشياء؟

كما أن الذرائعية تدين الاتجاه الذي يرى في الافكار المجردة أنها تعطي دلالاتها التامة من خلال أحالتها على أفكار أخرى مجردة هي الاخرى لم تكن أخذت فرصتها الاختبارية التجريبية للتأكد من صحتها كي تصلح أن تكون معيارا مرجعيا مقبولا لتجعل الافكار المجردة المضافة لها التي أكتسبت منها الخروج من خانة التجريد الفكري الى واقع التجربة العملية والتحقق من النتائج المتوخاة المطلوبة منها..

أن دلالة الكلمات والمفاهيم المجردة من منظور ذرائعي لا تعطي دلالاتها الحقيقية بأحالتها الى أفكار مجردة غيرها، بل يتم ذلك باحألتها الى أفكار تطبيقية هي نتيجة تجارب أختبارية تؤكد حقيقتها وسلامتها في تحقيق المنفعة حسب ما تدعو له الذرائعية’ عندها تصبح الافكار المجردة متراجعة كمعيار في الحكم وهي قيد التجربة والامتحان..

الذرائعية واللاهوت المسيحي

يحشر بيرس اللاهوت المسيحي في بعض من مفرداته الاكثر ميتافيزيقية في هذا المثال الذي نورده على لسانه (أن الكاثوليك والبروتستانت يعرفون جيدا أن ليس للخبز ولا للخمر الصفات الطبيعية للحم ولا للدم، والمسألة تتعلق بتأثيرها على نفوس المؤمنين لذا – والكلام لبيرس – لا نفهم شيئا سوى ما يحدث بالحواس من آثار مباشرة وغير مباشرة، والتحدث عن غرض له كل الخصائص المادية التي للخمر كما لو كانت بالفعل دما، ماهي الا رطانة خالية من المعنى)(3)

على ماذا يحاول بيرس البرهنة عليه من مثاله اللاهوتي الميتافيزيقي الذي مررنا عليه وهو لا يحتاج الى جهد كبير في معرفة تأويله على المستوى العام قبل المؤمنين الذين قصدهم من الكاثوليك والبروتستانت المسيحيين..؟

من المفروغ منه أن مفاهيم الاديان جميعها وبلا أستثناء أنما تقوم على أفكارالميتافيزيقا التي لا تضيف مناقشتها رصيدا فلسفيا يمكن أعتماده.. لذا تكون أفكار اللاهوت الديني بعيدة عن محاكمتها بمنطق الفلسفة خاصة الذرائعية التي ترى أن كل المفاهيم والرؤى والتصورات لا قيمة حقيقية لها أن لم يجر(ي) تمريرها من مصفاة التجربة العملية، لذا نجد بيرس أقحم قضية دينية ميتافيزيقية في معالجات تنظيرية خاصة بالبراجماتية كفلسفة بعيدة جدا عن مناقشة قضايا دينية لا يجب معاملتها بمنطق الواقع.. هذه الافكار الدينية اللاهوتية جعلت وليم جيمس يقتفي آثار بيرس في مؤلفاته من منطلقات أيمانية دينية غيبية تتقاطع بالصميم مع التنظيرات الفلسفية البراجماتية في جوهرها العملاني الواقعي والا فما معنى ان يقوم جيمس في مناقشة كيفية الاستدلال على وجود الله من منطلق أخلاقي براجماتي قوله (أن الافكار الدينية تتيح لنا أن نحيا بشكل جيد، وأن الله وليس المنهج هو المبدأ الاخير لدلالة الاشياء) (4)..، لا تختلف هذه التعابير عما سبق لبيركلي القول به في أبتذاليته المثالية الذاتية الساذجة التي عزا فيها عجزنا أدراك أي شيء ليس مهما أذا ما علمنا أن الله يدركه بما لا ندركه نحن أنه موجود.وهل تكفي مدركات الله لمعرفة مدركاتنا التي تحتاج الى منظومة فكرية عقلية؟؟

والشيء الأهم أن وليم جيمس لم يكن الفيلسوف الوحيد الذي يكشف عن أيمانه الديني بوجود الله لكن أقحام الافكارالدينية الميتافيزيقية في تفسير قضايا فلسفية تقوم على مرتكزات منطقية لا يمكن تمريرها بسهولة في وقت نبحث فيه عن الاتساق النسقي الفلسفي في الذرائعية بمنهج التطبيق العملاني الواقعي...وفي وقت نجد البراجماتية في صلب توجهاتها أن لا هناك للكلمات والمفاهيم المجردة أية قيمة سوى ما تتركه من أثر ملموس في مفاعيل تلك المفاهيم على المتلقين لها من نتائج عملية بالحياة، وألا فهي لا تستحق الوقوف عندها..أين هذه التوجهات الذرائعية بضوء تناقضات بيرس حين يقول: ( الذرائعية منهج لا يستبق شيئا سوى نتائج تطبيقه) ومن بعده جون ديوي تأكيده (حين نريد أكتشاف دلالة الفكرة علينا التفتيش عن نتائجها في التجربة).. وكلها منطلقات واقعية صرف بعيدة جدا عن أي تفسير ميتافيزيقي أو لاهوتي ديني حاولت الذرائعية مزجه بما لا يمتزج مع أفكارها التي تقوم على التجربة التطبيقية النافعة في توظيفها بحياة الناس.

علي محمد اليوسف/الموصل

..............................

الهوامش

1- جيرار ديلودال/الفلسفة الاميريكية، ت .دكتور جورج كتورة ود. الهام الشعراني ص 132

2- المصدر اعلاه ص 135

3- المصدر اعلاه ص 136

4- المصدر اعلاه ص137

 

 

حيدر جواد السهلانيكلمة الحداثة في اللغة العربية تعود في اصلها الاشتقاقي الى الجذر(حدث) وحدث الشيء يحدث، والحديث في اللغة العربية هو نقيض القديم ويرادف الجديد، اما في اللغات الغربية كلمة(modernity) مشتقة من جذر(mode) وهي الصيغة او الشكل الذي يبدو عليه الشيء.

الحداثة هي حالة ثقافية حضارية ومجتمعية، جاءت كتعبير عن حالة المجتمعات الصناعية الغربية، التي بدأت منذ القرن التاسع عشر، وهي في نفس الوقت امتداد لجهود حثيثة بدأت منذ القرن السادس عشر في اوربا، وتعد الحداثة نقلة نوعية بالفكر الغربي على كل المستويات (الاقتصادية، السياسية، الاجتماعية) وهي ثورة معرفية ساهم بها كثير من الفلاسفة و العلماء ورجال الدين، وهي ضد الفكر السائد القديم، والحداثة ليست مذهبآ سياسيآ اوتربويا او نظامآ ثقافيآ واجتماعيآ فحسب، بل هي حركة نهوض وتطوير وابداع، هدفها تغير انماط التفكير والعمل والسلوك، وهي حركة تنويرية عقلانية مستمرة هدفها تبديل النظرة الجامدة الى الاشياء والكون والحياة الى نظرة اكثر تفاؤلآ وحيوية.(1)

الحداثة ظاهرة متعددة الاشكال وسياقآ فكريآ متعدد المعاني، تلهث وراء الجديد وتتطلع الى اكتشاف فضاءات جديدة وعوالم مغايرة تتخذ من القديم نقيضها لأنها تعبر عن فضول غير متوقف وعن حساسية تختلف عن المقايس السائدة، انها تتشكل انطلاقآ ممايتم انجازه بالفعل ومايؤثر في الايقاع العميق للاجساد والعلاقات والمجتمعات والثقافات، لذلك فظاهرة الحداثة لاتتوقف عن خلق الأزمات، لأنها تتضمن كثيرآ من عناصرها، بل وتؤدي في كثير من الاحيان الى توترات وانفجارات قد تساهم في حلها واخمادها، اذ ماتم تبني منطقها وقد تبقى مصدر دائم اليقظه. والحداثة هي حالة ولادة جديدة لعالم يحكمه العقل وتسوده العقلانية، وبعبارة اخرى الحداثة وضعية اجتماعية تجعل من العقل والعقلانية المبدأ الاساس الذي يعتمد في مجال الحياة الشخصية والاجتماعية، وهذا يقتضي وجود حالة رفض لجميع العقائد والتصورات واشكال التنظيم الاجتماعي التي لاتستند الى اسس عقلية وعلمية. ويعتقد بعض الباحثين بتطابق مفهوم الحداثة والنهضة، فتحقيق الحداثة يعادل تحقيق النهضة، ويعتمد هذا التجانس على تكافؤ مرتكزات المفهومين، فكلاهما الحداثة والنهضة يعرفان بهيمنة العقل والعلمانية والفردية والمدنية وحقوق الانسان، ومن يميز بينهما يرى في النهضة تؤكد على اولوية التغير والتحول، اي التغلب على الانحطاط، ويفترض التغير الثورة على الوعي القائم على منظومة القيم التقليدية السائدة، اما الحداثة تأخذ طابع الابداع والتجديد وعلى خلاف هذا يكون التقليد حالة من التكرار وهي انتاج واعادة انتاج ماهو قائم، فالحداثة تعاني ظهور الفردية والوعي الفردي المستقل. ففكرة الحداثة في شكلها الاكثر طموحآ هي التأكيد على مركزية الانسان، واعطت عدة مفاهيم منها الحرية والتقدم وذات الانسان ومركزية المعرفة. وبذلك ان فكرة الحداثة ترتبط ارتباطآ وثيقآ بالعقلنة، فالعقل في الحداثة يمثل ثورة لايعترف بأي مكتسب من الماضي بل على العكس يتخلص من المعتقدات واشكال التنظيم الاجتماعي والسياسي التي لاتؤسس على ادلة من النوع العلمي.(2)

 وقد اختلف الباحثون حول بداية ظهور الحداثة، فهناك من يرى ان الحداثة تشير الى فلسفة المجتمعات الغربية وثقافتها من حوالي 1850الى 1950 اي الفترة التي حققت انجازات صناعية وعلمية، ويقابله تصور آخروذلك بربطها بشارل بودلير(1821- 1867) الذي يعتبره بعض الباحثين اب للحداثة، لأنه اول من حاول صياغة نظرية للحداثة، ويرافق هذا التصور تصور آخر هو ان الحداثة بدئت مع مطلع القرن الخامس عشر ومارافقه من احداث مثل اكتشاف كولمبس سنة (1492) وسقوط بيزنطة (1493) وثورة كوبرنيكوس واكتشاف الدورة الدموية واطروحات لوثر وفي الفن والادب ظهور دانتي وشكسبير وظهور المقال في المنهج لديكارت (1637).(3) ومع اختلاف الباحثون حول بداية الحداثة ومتى بدأت، لكن الاكيد هو ان الحداثة هي ضد التفكير القديم الذي كان سائدآ في العصور الوسطى (اي على سلطة الكنيسة التي كانت مسيطرة على كل مفاصل الدولة والحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والفكرية، فالحداثة هي ثورة فكرية ومعرفية وعلمية وادبية ضد الكنيسة).

الحداثة هي محاولة للتجديد والابداع وتجاوز التقليد والتخلف، كما انها تعكس بأكملها التحول الهائل الذي غزا مجال الفكر والتقنية والمعرفة بصفة عامة، وقد عرفها جان بودريار(1929- 2007) " انها ليست مفهومآ سوسيولوجيا ولا مفهومآ سياسيآ، بل هي نمط حضاري خاص يتعارض مع النمط التقليدي، اي مع كل الثقافات السابقه عليه او التقليدية". ويرى علي حرب، ان الحداثة ليست مجرد دعوة او رسالة تبشر بها ولاهي مجرد استعراض لما انجزه الفكر الحديث، انها بحسب ماتفكر فيه، وان كل تعريف لها يقع خلفها او ماقبلها او يشكل انقلاب ضدها فهي تجربة لاتكتمل ومشروع دومآ قيد التأسيس. اما الان تورين(1925- ؟) "الحداثة هي اكثر من كونها مجرد تغيير او تتابع احداث، انها انتشار لمنتجات النشاط العقلي، العلمي والتكنولوجي والاداري، فهي تتضمن عملية التمييز المتنامي لعديد من بين قطاعات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدين والفن". ويتمسك هابرماس(1929- ؟) الى حد كبير بمشروع الحداثة الذي يراه غير مكتمل ويدعو الى عدم التخلي عنه ووجوب تقيمه تقييمآ موضوعيآ، ويرى انه بدل التخلي عنه، يجب علينا استخلاص الدروس من الضياع الذي مر به هذا المشروع. ويعرفه رولان بارت(1915- 1980)" انها انفجار معرفي لم يتوصل الانسان المعاصر الى السيطرة عليه".

مميزات الحداثة: كانت للحداثة دعوة شمولية لأكتشاف المجهول، بناءآ على لحظة وعي نهضوية، اذ كان خطابها يختصر في الاعلان عن ضرورة احداث القطيعة مع كل مايمنع العقل من بناء المعرفة الجديدة سواء كان المنع سلطة كنيسة او علاقات طبيعية او كان جهاز المعرفة نفسه الذي يتبناه العقل.(4) وبذلك تتميز الحداثة بتحولها الجذري في المجتمع، و ذلك على مستويات المعرفة وفهم الانسان وفي تصوره للطبيعة وفي معنى التاريخ، اذ انها بنية فكرية كلية، كما انها نمط من التحضر والتمدن يتجلى في الدولة الحديثة والتقنيات والفنون والاخلاق والعادات والافكار الحديثة والقطيعة مع الماضي. وقد طرحت الحداثة عدة مفاهيم من اهمها(العقل والحقيقة، بعدما كانت الحقيقة مسلم بها من قبل الكنيسة، اصبحت الحقيقة متغيرة وخاضعة للتجربة والفحص العقلي، وايضا الحرية والتقدم والليبرالية وحقوق الانسان والخ.....) وايضا الحداثة تحل فكرة العلم محل الاعتقادات الدينية المسلم بها، وتقصر الاعتقادات الدينية على الحياة الخاص بكل فرد. وترتبط الحداثة ارتباطآ وثيقآ بالعقلنة والذات.(5) وقد عد مفهوم الذاتية اول المفاهيم التي شكلت قاعدة للحداثة في مجال الفلسفة، فالحداثة هي اولوية الذات وانتصار الذات ورؤية ذاتية العالم، فقد اصبح الانسان في العصور الحديثة يدرك نفسه كذات مستقلة، والايمان بأن العقل هو جوهر الانسان، والايمان بالتقدم المستمر للأنسانية، لذا تميز فكر الحداثة وثقافته بأيلاء الانسان قيمة مركزية.(6)

رواد الحداثة:

1- ديكارت (1596- 1650) يكاد يتفق معظم الباحثين على الدور الكبير الذي لعبه ديكارت في الفلسفة الحديثة، لما قدمه من رؤية اصلاحية وتأسيسة لمناهج الفلسفة واثر هذا التأسيس والتجديد المنهجي على التحولات التي طرأت على مواضيع البحث الفلسفي، لاسيما ما تعلق منها بالمعرفة واليقين، وهي المواضيع التي ترتب عليها نتائج اخرى امتدت الى جوانب ذات علاقة اكيده بالحداثة. فهو ابو الحداثة، لأنه فتح باب جديدآ على الحياة، في حقبة التبست فيه يقظة العالم ببقايا اللاهوت. وقد اسس ديكارت الحداثة الفلسفية بوضع مبدأ الذاتية كأساس للحقيقة واليقين.(7) فهو قد قدم الاساس الصلب لفكر الحداثة عبر الكوجيتو(انا افكر اذن انا موجود).(8) وبذلك مع ديكارت تغيرت وجهة التصويب والمعرفة البشرية، فلم يكن سهلا بالنسبة لديكارت ان ينقل المعرفة من الكونيات الى الفيزياء، وعليه استطاعت استراتيجية ديكارت ان تؤسس جدلية حوار منتجة بين العقل والعالم، وهذا يعني ان الحداثة تسيطر على الطبيعة وتستغلها لصالح الانسان وتضع كل شيء في خدمته ورغباته، وهذا فجر جديد برز لرائد من رواد الحداثة.(9) فهو قد اكد على التحرر من عالم الاحساسات، لأنه عالم خداع لايتيح الارتقاء من الوقائع والافكار الى اكتشاف نظام العالم، وهذا مادفع ديكارت الى اكتشاف مبدأ الكوجيتو.(10)

2- كانت (1724- 1804) ان مفهوم كانت للحداثة نجده من خلال تساؤله ماالتنوير؟ يجيب كانت بأن التنوير يمثل العصر الذي يخرج فيه الانسان من حالة الوصايا وحجر الماضي الى حالة الثقة والاعتماد على العقل.(11) ومن ذلك يؤمن كانت ايمانآ مطلقآ بالتقدم المستمر للانسانية، وهو يؤكد بأن الناس سيصبحون بملئ حريتهم اكثر تعقلآ، اذ يرى كانت ان العقل هو اسمى قوة من قوانا الفكرية، ويذهب فوكو الى ان كانت يمثل عتبة الحداثة، والتقاء العديد من مسارات الحداثة وروافدها، ويرى هايدجر ان كانت هو مؤسس ورائد الحداثة الفلسفية، اما هابرماس يعتبر فلسفة كانت مرآة الحداثة.(12)

3- هيجل (1770- 1831) الحداثة عند هيجل هي فترة تحاول ان تستمد مشروعيتها من ذاتها عبر تأكيدها على القضية التي تفصلها جذريآ عن الماضي. واستعمل مفهوم الحداثة في سياقات تاريخية للدلالة على حقبة زمنية معينة، حيث ذكر بأن الحداثة بدأت مع عصر التنوير واستعمله ضمن اطار الازمنة الحديثة، وقد ذكر ثلاثة تحولات مهمة وهي اكتشاف العالم الجديد وعصر النهضة وعصر التنوير. وتبرز الحداثة من خلال تأكيده على ان الانسان عاقلآ يملك الارادة التي من خلالها يمكن له ان يحقق حريته على الواقع، لأن الارادة عند هيجل تعني الحرية والتحرر من كل الوقائع التي تسيطر عليه وتجعله خاضعآ للطبيعة. ويعتقد هيجل بأن الحداثة تمثل عصرآ جديدآ، فهي تحاول ان تستمد مشروعيتها من ذاتها عبرتأكيدها على القطيعة التي تفصلها جذريآ عن الماضي، واول مايظهر في نظريته هو الشكل المفهومي الذي يعيد تجميع الحداثة ووعي العصر وعقلانيته، ويتجلى وعي الحداثة بذاتها مع هيجل من خلال سعيه الى ان يمنح العقل الغربي شكلآ نسقيآ تنبثق دلالته الاولى مع الاغريق ومع الفلسفة القديمة وصولآ الى الدولة الحديثة، وقد اعتبر هيجل ان الدولة العقلانية هي التجسيد الكامل لعالم الروح.(13)

مابعد الحداثة

جاءت مابعد الحداثة لتحطم مقولات الحداثة كاللغة والهوية والاصل والصوت والعقل، وقد استعملت آليات التشتيت والتشكيك والاختلاف والتغريب، وتقترن فلسفة ما بعد الحداثة بفلسفة الفوضى والعدمية والتفكيك واللامعنى واللانظام. ويشير مصطلح مابعد الحداثة الى مرحلة تاريخية مخصوصة، ويشير بصورة عامة الى شكل من اشكال الثقافة المعاصرة والتصورات الكلاسيكية كفكرة الحقيقة والموضوعية والتقدم، او الانعتاق الكوني والاطر اللامادية والسرديات الكبرى.(14) وهناك من يعيد مفردة مابعد الحداثة الى ارنولد توينبي (1889- 1975) واخرجه عام (1954) من المجلدين الثامن والتاسع من كتابه دراسة التاريخ، ويشير به توينبي الى الحقبة التي تبدأ في تاريخ الغرب من عام(1875).(15) ويعني توينبي بمصطلح مابعد الحداثة، الفوضى والاضطراب الاجتماعي وانهيار العقلانية التي قامت عليها الحداثة، فضلآ عن تهاوي قيم الحقبة التنويرية، ورافق المصطلح التحولات التي طرأت على المجتمع الغربي، وهي لاتقصر على ارض الواقع وانما تشمل ظهور تيارات فكرية اعادت قراءة اسس ومبادئ الحداثة، وايضآ ان المصطلح له مصطلحات اخرى مماثلة له مثل المجتمع مابعد الصناعي والمجتمع مابعد التكنولوجي. اما ليوتار(1924- 1998) وهو اول من ذهب الى موت الحداثة وميلاد عصر مابعد الحداثة وذلك في كتابه(الوضع مابعد الحداثي) ويرى ان عصر الحداثة هوعصر الحواديث الكبرى، فعصر مابعد الحداثة لن يصدق هذه الحواديث الكبرى.(16) ويرى ليوتار ان الحداثة تحمل في تكوينها وفي احشائها وبدون توقف مابعد حداثتها، ويعرف مابعد الحداثة" الحالة التي تعرفها الثقافة بعد التحولات التي شهدتها قواعد العاب اللغة الخاصة بالعلم والأدب والفنون منذ نهاية القرن التاسع عشر".(17)

سعت حركة مابعد الحداثة الى تقويض سلطة الانساق الفكرية المطلقة، والتي عاده ما تأخذ شكل المذاهب والايديولوجيات، ومن اهم الافكار التي يروج لها انصار مابعد الحداثة وهي ان الحقيقة وهم لاطائل من ورائه، وترتكز مابعد الحداثة على مجموعة من المرتكزات وهي:

1- التقويض، تهدف مابعدالحداثة الى تقويض الفكر الغربي وتحطيم اقانيمه المركزيه، وذلك عن طريق التشتيت والتأجيل والتفكيك.

2- التشكيك، اهم ماتتميز به مابعد الحداثة التشكيك في المعارف اليقينية، وانتقاد المؤسسات الثقافية المالكة للخطاب والقوة والمعرفة والسلطة.

3- الفلسفة العدمية، من يتأمل فلسفات مابعد الحداثة، سيجدها عدمية وفوضوية تقوم على تغيب المعنى، وتقويض العقل والمنطق والنظام والانسجام.

4- التفكيك والانسجام، فلسفات مابعد الحداثة، هي ضد النظام والانسجام، بل هي تعارض فكرة الكلية، وفي المقابل تدعو الى التعددية والاختلاف واللانظام وتفكيك ماهو منظم ومتعارف عليه.

5- هيمنة الصوره، رافقت مابعد الحداثة تطور وسائل الاعلام، اذ لم تعد اللغة هي المنظم الوحيد للحياة الانسانية، بل اصبحت الصوره هي المحرك الاساس لتحصيل المعرفي.

6- الغرابة والغموض، تتميز مابعد الحداثة بالغرابة والشذوذ وغموض الاراء والافكار والمواقف.

7- التناص، يعني التناص استلهام نصوص اخرى بطريقة واعية او غير واعية، بمعنى ان اي نص يتفاعل ويتداخل نصيآ مع النصوص الاخرى.

8-  تفكيك المقولات المركزية، استهدفت مابعد الحداثة تقويض المقولات المركزية الغربية الكبرى، كالدال والمدلول واللسان والكلام والحضور والغياب الى جانب انتقاد مفاهيم اخرى كالجوهر والحقيقة والعقل والموجود والهوية.

9- الانفتاح، اتخذت فلسفة مابعد الحداثة الانفتاح وسيلة للتفاعل والتفاهم والتعايش والتسامح.

10- قوة التحرر، تعمل فلسفات مابعد الحداثة على تحرير الانسان من اوهام الايديولوجيا والميثولوجيا وفلسفة المركز.

11- اعادة الاعتبار للسياق والنص الموازي، فلسفات مابعد الحداثة، اعادت الاعتبار للمؤلف والقارئ.

12- تحطيم الحدود بين الاجناس الادبية، فلسفات مابعد الحداثة لاتعترف بالحدود الاجناسية، فقد حطمت كل قواعد التجنيس الادبي وسخرت من نظرية الادب.

13- الدلالات العائمة، تتميز خطابات مابعدالحداثة عن سابقتها الحداثة بخاصية الغموض والابهام والالتباس.

14- الحقيقة، تنكر فلسفات مابعد الحداثة وجود حقيقة يقينية.

15- التخلص من المعايير والقواعد، مايعرف عن نظريات مابعد الحداثة في مجال النقد والادب تخلصها من القواعد المنهجية.(18)

 

حيدر جواد السهلاني

...........................

الهوامش

1- ينظر محمد نورالدين افاية: الحداثة والتواصل(انموذجآ هابرماس)، ص120.

2- ينظرالآن تورين: نقد الحداثة، ترجمة انور مغيث، ص31.

3- عدي حسين مزعل:الحداثة ومابعد الحداثة من النقد الى نقد النقد، مقال منشور في مجلة الفلسفة، العدد السادس، 2010، ص34.

4- ينظرفيصل عباس: الفرويدية(ونقد الحضارة المعاصرة)، ص107.

5- ينظرالآن تورين: نقد الحداثة، ص30.

6- ينظرعدي حسين مزعل: الحداثة ومابعد الحداثة، ص35.

7- ينظرمحمد الشيخ وياسر الطائي: مقاربات في الحداثة ومابعد الحداثة، ص13.

8- ينظرعدي حسين مزعل: الحداثة ومابعد الحداثة، ص35.

9- ينظرفيصل عباس: الفرويدية، ص108.

10- ينظر رواء محمود حسين: الحداثة المقلوبة، ص47.

11- ينظرفيصل عباس: الفرويدية، ص109.

12- ينظراحمد عبدالحليم عطية: مابعد الحداثة والتفكيك(مقالات فلسفية)، ص11- ص37.

13- ينظرفيصل عباس: الفرويدية، ص110- 112.

14- ينظر تيري ايغلتون: أوهام مابعد الحداثة، ترجمة ثائر ديب، ص70.

15- ينظر صالح ابو اصبع: الحداثة ومابعد الحداثة، ص54.

16- ينظر عدي حسين مزعل: الحداثة ومابعد الحداثة، ص40.

17- ينظر جان فرانسوا ليوتار: في معنى مابعد الحداثة، ترجمة السعيد لبيب، ص7- ص71.

18- ينظر جميل حمداوي: مدخل الى مفهوم مابعد الحداثة، بحث منشور على شبكة الانترنيت.

 

محمود محمد عليسارت فلسفة العلم بشكل عام في إطار منطق تبرير المعرفة العلمية على تحديد مبررات تميزها ووثوقها ومصداقيتها ونجاحها في أداء المهام المنوطة بالعلم، سواء استند هذا التبرير إلى معطيات التحقق التجريبي الاستقرائية أو إلى معايير البساطة والمواءمة الأداتية، وإن مالت كفة الطرح الأول الوضعي، في كلتا الحالين ثمة تبرير للنسق العلمي كمنجز راهن وراسخ يمكن أن يستوعب تطورات أبعد ن من هنا تمثل فلسفة الفيلسوف النمساوي كارل بوبر (28 يوليو 1902 في فينا - 17 سبتمبر 1994 في لندن)، نقطة تحول حاسمة، مادامت فلسفة العلم قد انتقلت معها من منطق التبرير إلى منطق الكشف العلمي والمعالجة المنهجية له، على أساس من قابليته المستمرة للاختبار التجريبي والتكذيب، لتعيين الخطأ كي يحل محله يوما ما كشف أفضل وأكفأ وأقرب إلى الصدق.

ولذلك وضع كارل بوبر نظرية لتأسيس القضايا العلمية كرد فعل على تيار الوضعية المنطقية برفض التعويل على الدليل الاستقرائي في بناء هذه القضايا. إذ وضع بوبر منهجاً عدّه ليس من الدليل الاستقرائي بشيء، وأطلق عليه المذهب الاستنباطي، وذلك ليتخلص من الشبهة الهيومية في الدور والارتداد اللانهائي كما تقتضيه العملية الاستقرائية بوصفها عادة نفسية تقوم على التشابه المستند بدوره إلى الاستقراء، وهكذا، معتبراً ان ما سلكته الوضعية المنطقية من جعل الارتباط قائماً بين الاستقراء والاحتمال لا يغير من النتيجة شيئاً حيث الوقوع في الارتداد اللانهائي، الأمر الذي جعله يغير هذا المنحى بمنهج جديد لا يمت إلى العملية الاستقرائية (وذلك حسب قول يحيي محمد في مقاله نظرية كارل بوبر والقضايا العلمية) .

فهو يبتدئ بوضع فرض معين ذهنياً، وهو فرض مؤقت لا تقتضيه تلك العملية، لكنه يقبل الاختبار، وهو في حالة الاختبار لا يلجأ إلى مبدأ التأييد بالشواهد كما تفتضيها العملية الاستقرائية، إذ أي عدد يمكن استقراءه فإنه لا يكفي للبرهنة على صحة القضية الكلية. فمثلاً مهما رأينا من الحالات التي يظهر فيها البجع أبيض فإن ذلك لا يخولنا ان نعتبر كل بجع أبيض، ولقد ظل الاوروبيون قروناً عديدة لا يرون غير البجع الأبيض، مما جعلهم يتصورون ان كل بجع أبيض، حتى اكتشفوا - في يوم ما - البجع الأسود في استراليا، وبالتالي فقد أدى الاستدلال الاستقرائي إلى نتيجة زائفة ( وذلك حسب قول يحيي محمد- المرجع السابق).

وعلى هذا فقد لجأ بوبر إلى مبدأ التكذيب والبحث عن الحالة التي تظهر الجانب السلبي من الافتراض المطروح، فحيث ان الفرض لا يجد ما يدفع إلى تكذيبه فإنه يصمد بقاءً، والعكس بالعكس؛ ولذلك  يري كارل بوبر أن درجة القابلية للتكذيب (المرتبطة بالمحتوي المعرفي للنظرية) ترتبط أساساً ببساطة النظرية . فكلما كانت النظرية أبسط كلما كانت أكثر قابلية للتكذيب والعكس صحيح . وهذا يعني أن العبارة الأكثر عمومية تحل حل العديد من العبارات الأقل عمومية، لذلك تكون أكثر بساطة ... فالعبارات الأكثر عمومية هي الأكثر قابلية للتكذيب .

ويوضح بوبر ذلك مبينا أن هناك ارتباطا وثيقا بين البساطة والقابلية للاختبار والمحتوي التجريبي، فالنظرية تكون أكثر بساطة إذا كان لها محتوي تجريبي أكبر وإذا كان يمكن تكذيبها، أي يجب تفضيل النظريات الأكثر بساطة من الأقل بساطة، لأنها تمدنا بمعلومات أكثر، ولأن محتواها التجريبي أكبر، ولأنها أكثر خضوعاً للاختبار، ومثل بوبر لذلك بنظرية أينشتين العامة في النسبية التي رآها أكثر بساطة من نظرية الميكانيكا عند نيوتن، فالأولي تتضمن تصورات أقل وفروضا أقل وتستوعب مضمونا أكبر من الوقائع معرض مفاضلتهم بين نظريتين منطويتين علي القدر نفسه من الحقيقة يختارون النظرية الأبسط .

ويجعل بوبر فكرته من درجة البساطة كدرجة من درجات القابلية للتكذيب أكثر صراحة بمعيارين مختلفين وفقا لأحدهما الفرض القائل بأن مدار الفلك دائرة أبسط من الفرض القائل بأن اهليج (قطع ناقص) لأن الفرض السابق يمكن أن يكذب بتحديد المواضع الأربعة التي وجد أنها لا تقع علي الدائرة . (يمكن دائما لثلاثة مواضع وصلها بدائرة) . بينما يتطلب تكذيب الفرض الثاني  تحديد ستة مواضع للفلك علي الأقل . وبهذا المعني يكون الفرض الأبسط هنا هو الأكثر قابلية للتكذيب وهو الأقوى أيضا لأنه منطقيا يتضمن الفرض الأقل بساطة . يهم هذا المعيار بالتأكيد في تحديد نوع البساطة التي يهتم بها العلم .

ولكن بوبر يدعو أحد الفرضين أكثر قابلية للتكذيب . ومن ثم أبسط من الأجزاء إذا كان الفرض الأول يتضمن الفرض الثاني، وله محتوي أمبريقي أكبر بالمعني الاستنباطي الدقيق، إلا أن المحتوي الأكبر ليس بالضرورة مرتبطا بالبساطة الأكثر . فأحياناً ما تعتبر نظرية من النظريات التي لا علاقة لها بالنطاق المحدود الذي تتضمنه النظرية . علي أن النوع المرغوب فيه من التبسيط الذي تبلغه نظرية من النظريات ليس علي هذا النحو مجرد محتوي زائد لأنه إذا كان ثمة فرضين لا علاقة   بينهما (علي سبيل المثال قوانين هوك وسنل) ارتبطا فإن الارتباط  الناتج عنهما يخبرنا بما هو أكثر وإن لم يكن أبسط  من مكونات أيهما . لا يخبرنا أي م الفروض الثلاثة ف1، ف2، ف3 المختبرة قبلا بأكثر من أي من الفروض الأخري . ومع ذلك لا تعد بسيطة علي حد سواء . وهذا الفروض لا تختلف في درجة القابلية للتكذيب . فإذا كذبت أمكن بيان كذب الواحد منها بسهولة أعني بشاهد واحد مخالف وعلي سبيل زوج المعطيات 4، 10 يكذبها جميعها . وبينما ألقت الأفكار المختلفة التي قمنا بمسح وجيز لها ضوء علي معقولية مبدأ البساطة فما زالت مشكلات إيجاد صيغة دقيقة وتبرير موجز لها بغير حل حتي الآن .

ولم يكتف بوبر بذلك ؛ بل وجدناه يتساءل :"  ماذا نفعل إذا وجدنا أنفسنا بمواجهة أكثر من نظرية تتوافر فيها شروط القابلية للتكذيب، القابلية للاختبار والمحتوى المعرفي ؟ كيف نفاضل بين النظريات ونختار؟

يري بوبر بأنه إذا ما تم لنا اختيار النظريات، فإننا نقبل النظرية الأكثر قابلية للتكذيب، والأكثر قابلية للاختبار، والأكثر في المحتوي (سواء المحتوي التجريبي أو المحتوي المنطقي) . وعندما نتعرض للعلاقة بين القابلية للتكذيب وبين المحتوي للقوانين والنظريات، نجدها علاقة وطيدة، إذ أن المستهدف من وراء ذلك هو محاولة تكذيب أو تفنيد المحتوي المعرفي لأي قانون أو نظرية .

والواقع أن سبب هذه العلاقة القوية بينهما هو أن التحليل الدقيق لنظرية القابلية للتكذيب يظهر لنا أنه من الضروري أن نبحث عن النظريات الأكثر في محتواها المعرفي، النظريات الجسورة أو الجريئة متذكرين دائماً أن النظرية الأفضل هي التي تخبرنا أكثر، أو ذات محتوي معرفي أكثر، وهي بالتالي الأكثر قابلية للتكذيب . في ضوء هذه العلاقة، يمكننا تفضيل نظرية أينشتين – مثلاً عن نظرية نيوتن، والسبب هو أن دلالة النظرية الأولي – النسبية – فيما يري بوبر دائماً ما تظهر في اعتمادها علي السياقات الأكثر شمولاً.

والمحتوي المعرفي يتضمن الحديث عن المحتوي التجريبي Empirical Content والمحتوى المنطقى Logical Content  . والمحتوى التجريبى يعول على أن النظرية التى تخبرنا بالكثير عن الوقائع المشاهدة هى التى تمنع الكثير أيضاً من الوقائع وتحرم حدوثها، بحيث إذا صدقت من هذه الوقائع المحرمة والمناهضة للنظرية تم تكذيب النظرية على الفور، ولا يعنى ذلك أن " بوبر " يطالبنا بأن نتفرغ لتكذيب كل النظريات العلمية القائمة وإنما يطالبنا بالبحث الدءوب عن الأمثلة السالبة للنظرية القائمة . ونجد عند " كارناب " قضايا من النوع نفسه، وإن اختلفت مشاربه عن "بوبر "، حيث يذكر، " كارناب " أن القوة الحقيقية للقضية تتمثل فى استبعادها بعض الحالات الممكنة . وهذا يؤكد " بوبر " قائلاَ : إن ما يشير اليه " كارناب "، بالحالات الممكنة يعنى طبقاً لتصوره عن العلم نظريات أو فروض ذات درجة عالية أو ذات درجة منخفضة من العمومية .

وإذا كان المحتوى التجريبي هو فئة المكذبات المحتملة التي تجعل النظرية قابلة للتكذيب، فإن محتواها المنطقي هو فئة النتائج التي يمكن أن تستنتج من القضية العلمية سواء كانت قانوناً أو نظرية . فى ضوء ذلك، فإن ما يميز هذه النظرية عن تلك أو هذا القانون عن ذاك إنما هو القابلية للاشتقاق، بحيث نتأكد أنه كلما أمكن اشتقاق أكبر عدد من القضايا منها كانت أكثر قابلية للتكذيب، وكانت بالتالي النظرية علمية أكثر من  غيرها .

ولذلك نجد بوبر في كتابه " منطق الكشف العلمي " يعقد مقارنة بين توجهه الفلسفي وتوجه بوانكاريه وغيره من الاصطلاحيين إزاء مبدأ البساطة ودوره في المفاضلة بين النظريات العلمية، فنجده يقول :" إن التفضيل لا يرجع بالتأكيد إلي شئ من قبيل التبرير التجريبي للقضايا المكونة للنظرية، ولا يرجع للرد المنطقي للنظرية إلي التجربة . إننا نختار النظرية التي تضع نفسها في منافسة مع النظريات الأخري، أي النظرية التي تبرهن علي أنها الأصلح للبقاء بالاختيار الطبيعي، وتكون هذه النظرية هي التي لا تتصدي فحسب لأعتي الاختبارات، ولكي تكون قابلة للاختبار أيضا بأشق الطرق . فالنظرية أداة نختبرها بتطبيقها وأداة نحكم ملاءمتها بنتائج تطبيقاتها . ومن وجهة النظر المنطقية فإن اختبار النظرية يعتمد علي قضايا أساسية يتوقف قبولها أو رفضها علي قراراتنا . ومن ثم فإن القرارات هي التي تقرر مصير النظريات . إلي هذا الحد تكون إجابتي علي السؤال " كيف نختار نظرية ؟" تشابه الإجابة التي يقدمها صاحب المذهب الاصطلاحي . ومثله أقول أن الاختيار في جانب منه يكون محددا باعتبارات المنفعة . ولكن علي الرغم من ذلك هناك فرقاً شاسعاً بين أرائي وآرائه، لأنني أقرر أن ما يميز المذهب الامبريقي هو ما يلي : أن القرار أو الاتفاق لا يحدد في الحال قبولنا للقضايا العامة ولكن علي العكس يدخل في قبولنا للقضايا أي القضايا الأساسية . وبالنسبة للاصطلاحي فإن قبول القضايا العامة يحكمه مبدأ البساطة وهو ينتقي النسق الأبسط . وعلي النقيض من ذلك، أقترح من جانبي أن الشئ الأول الذي يؤخذ في الحسبان هو صعوبة الاختبارات (وهناك ارتباط وثيق بين ما أطلق عليه البساطة وصعوبة الاختبارات، وعندئذ فإن فكرتي عن البساطة تختلف بشكل كبير عن فكرة الاصطلاحي) . وأنا اعتبر أن ما يقرر بشكل نهائي مصير النظرية هو نتيجة الاختبار، أي الاتفاق حول قضايا أساسية . وأقرر مع الاصطلاحي أن اختيار أية نظرية خاصة هو فعل، وأمر عملي . ولكن بالنسبة لي فإن الاختيار متأثر بشكل قاطع بتطبيق النظرية وقبول القضايا الأساسية في علاقتها مع هذا التطبيق، بينما بالنسبة للاصطلاحي تكون الدوافع الجمالية هي العامل الحاسم . ومن هنا أختلف عن الاصطلاحي في تقرير أن القضايا التي يقرها الاتفاق ليست قضايا عامة، ولكنها قضايا شخصية، وأختلف عن الوضعي تقرير أن القضايا الأساسية غير قابلة للتبرير بخبراتنا المباشرة، ولكنها من وجهة النظر المنطقية مقبولة بفعل ما أو بقرار حر (ومن وجهة النظر السيكولوجية فربما يكون ذلك له هدف ورد فعل جيد التطبيق) .

باختصار ترتبط البساطة عند بوبر بمحتوي النظرية . ولما كان المحتوي الأكبر للنظرية هو المطلوب دائما لأنه يعرضها للاختبار أكثر، فإن النظرية البسيطة هي التي تتسم بالدرجة العالية من القابلية للأختبار إذا قورنت بنظرية أخري كانت أكثر تعقيدا. لكن سواء أكانت البساطة بالنسبة للنظرية أو القانون منصبة علي المنفعة، ألأكثر جمالا كما رأي بوانكاريه وغيره من الاصطلاحيين أو الأداتيين أو منصبة علي المحتوي التجريبي المعرفي الأكبر، ومن ثم القابلية للتكذيب الأعلى كما رأي بوبر سواء كان هذا الأمر أو ذاك، إن البساطة ما زالت غامضة  فبالإضافة إلي ما سبق من آراء حول البساطة، فربما نجدها أيضا مبنية علي الاعتقاد بأن الطبيعة بسيطة ولكن يبدو أن الدليل علي صدق هذا الاعتقاد لم يتضح بعد، ثم أن تاريخ العلم نفسه يشهد بأن أنساقا نظرية بسيطة قد تلاشت وقبلت المعقدة . إن هذا الاعتقاد يدل علي مجرد فهم اعتباطي أو علي أحسن الفروض حدسي للطبيعة وللبساطة . لذلك فهو ميتافيزيقي . لذا كان من الممكن أن يخدم كحافز للبحث لكن لا يقبل أي رفض أو تأييد بواسطة الدليل التجريبي وهذا ما يمكن غموض البساطة .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل- جامعة أسيوط

 

 

علي محمد اليوسفأصدروليم جبمس هذه المقالة بعنوان هل الوعي موجود؟ عام 1904 وكانت تمهيدا مباشرا لأنبثاق الواقعية الجديدة وريثة الفلسفة الذرائعية الامريكية التي قامت على مرتكزين:

الفكرة الاولى: لا وجود لمادة أو لكيفية أولى خاصة بالكائن تتميز عما به تكوّن الموضوعات المادية، بل ثمة وظيفة بالتجربة تؤديها الافكار، والوظيفة تكمن بالمعرفة (1).. ما نفهمه من العبارة أن الوعي بالمدركات الحسية تجربة معرفية محايدة، ووظيفة بمعنى الوسيلة أو الوسيط وليس كيانا جوهريا أستدلاليا معرفيا قائما بذاته يمكننا الاحتكام له كحقيقة منطقية متعالقة بالعقل من جهة وفي التعبير اللغوي والفكري عن مدركات الموجودات الحسية من جهة أخرى...فالوعي هو تصورات الافكار العقلية لمعرفة العالم والاشياء وليست موضوعا قائما بذاته مدركا من غير صاحبه وقد ناقشنا هذا الطرح في عدة مقالات سابقة لنا نوضّح جانبا منها لاحقا بضوء الفهم الذرائعي للوعي عند وليم جيمس.

الفكرة الثانية: التجربة الخالصة لا لزوم قسمتها الى وعي والى مضمون وعي، فتجاربنا ليست موجودة وحسب بل هي معروفة، والكيفية الواعية يمكننا تفسيرها من خلال علاقاتها المتبادلة.(2)،.

من الحقائق الفلسفية التي بدأها كانط وأعتمدها هوسرل بمنهجه الفينامينالوجي أن الوعي يحمل ويدّخر موضوعه أي (مضمونه) في المسكوت عنه الخفي في عجز اللغة الاحاطة به.. وليس هناك وعي سليم طبيعي لا يكون قصديا يحمل هدفه.. والوعي بلا مضمون ثرثرة وهراء لا معنى له، وقد أعتمد هذه المّسلمة الفلسفية كلا من هوسرل ومن بعده كلا من هيدجر وسارتر، والأهم أعتمدها جون سيرل وهو من فلاسفة الذرائعية الامريكان المعاصرين ألمتأخرين....

نحن مع أستحالة أن يكون هناك معنى حقيقي لقول فلاسفة الواقعية الجديدة (لا لزوم الى قسمة التجربة الى وعي والى مضمون وعي) فليس من الممكن حدوث مثل هذه القسمة التي تحذر الذرائعية منها؟؟ الوعي هو ادراك عقلي فكري واحد من التجربة المعرفية ذي وجهين، أي هو وعي بمضمون وألا وقعنا في أستحالة أدراكية من حيث أن الوعي بلا مضمون هو وعي غير ممكن عبثي عشوائي لا يحمل معنى الوعي الحقيقي ولا يمكننا التأكد من أمكانية حدوثه عند الشخص السوي في وعيه لذاته ولموجودات العالم...الوعي مضمون عقلي فكري مادي وليس تجريدا لفظيا لغويا فقط في التعبير عن المدركات...

لا يوجد وعي خالص كما أدانه سارتر بمعنى التجربة القائمة بذاتها التي ليس لها مضمون واقعي في عالم الموجودات بسبب أستحالة الفكر واللغة التعبير عن وعي خال من المعنى والمضمون....الوعي وظيفة العقل في نقل الفكر وهو جزء لا ينفصل متعالق مع العقل كجوهر... ومن غير المجدي أن نضع محددات الوعي على أنه تجربة محايدة فقط وليس جوهرا فاعلا مستمدا من تخارجه مع جوهر العقل..والوعي الخالص ربما يكون نوعا من التجربة الصوفية أبعد منه أن يكون وعيا وجوديا لا يمكن بلوغه ولا يمكن تحققه..

وعندما حاول ديكارت في كوجيتو أنا أفكر..أن يجعل الوعي تجربة ذاتية خالصة في أدراك الوجود أنهالت عليه الانتقادات الشديدة من كل حدب وصوب التي بدأها كانط ومن بعده هوسرل وهيدجر وسارتر ولم تقف عند حدود فلاسفة البنيوية أبرزهم شتراوس وفوكو ولاكان والتوسير وصولا الى كونديرا على وجه التحديد في أدانة مقولة ديكارت، معتبرين الوعي الفردي أو الخالص ذاتيا ليس كافيا لأثبات الوجود...فالوعي لا يتمكن التعبير عن نفسه الا بمغايرة وعيه لغيره من الذوات أو الموجودات من جهة وأرتباطه الجوهري بالعقل من جهة أخرى..وبغير هاتين الصفتين الملازمتين للوعي يتحدد أن يكون حقيقيا له معنى أو لا يكون.

ولم يخلص ديكارت حتى من أولئك الذين دافعوا عنه على أعتبار ديكارت قرن وربط الوعي الذاتي الانطولوجي بالفكر وهو ما لم يسبقه به أحد من الفلاسفة..

ما هو الوعي؟

الوعي الذاتي يكون فرديا شخصانيا ولا يمكن تحققه الا بتوفره على جملة أشتراطات ندرج بعضها بأقل الكلمات:

-  أن الوعي هو الوعي الذاتي بالآخر المفارق المختلف عنه، ويبقى الوعي منقوصا أذا ما كان وعيا ذاتيا مثاليا خارج الوجود- في – عالم. (مستفيد من تعبير هيدجر).

- والثاني لا وجود لوعي بلا مضمون قصدي يحركه كهدف يسعى له يريد بلوغه والوصول له.. (مستفيد من تعبيرات هوسرل وهيدجر وسارتر)

- والوعي لا يكون موضوعا لذاته، أي أن الوعي لا يعي ذاته كجوهر قائم منفصل عن مدركاته من جهة وتجريده من أرتباطه بالعقل من جهة أخرى..فمثلما لا يكون العقل موضوعا للعقل ذاته كذلك لا يمكن أن يكون الوعي موضوعا لوعيه.. ان العقل والوعي كلاهما وجهان لعملة واحدة يتبادلان الادراك ليس لمعرفة الموجودات والاشياء وحسب وأنما لمعرفة ذاتيتهما المتداخلة معا.... لذا يكون من الصعب الاستدلال على الوعي من دون تداخله بالعقل ومن خلال تعبير الفكر واللغة عنهما..

الوعي هو تفكير العقل بوسيلة اللغة

-  الوعي يعي ذاته في مدركاته المغايرة له...الوعي يتحقق حين يكون الوعي بشيء يدركه مغايرله... كما لايمكننا تصور وعيا بلا مضمون ..مضمون الوعي هو الوعي الحقيقي في مرجعية الاحتكام فيه للعقل.. والوعي بلا مضمون لا يمكن حصوله وحدوثه كونه مجردا عن مداخلة العقل في مدركاتهما الاشياء وفي التعبير عنها.

- والوعي تجربة شخصانية تسعى لأشباع هدفها فرديا ولا يمكن تعميمها، فلكل وعي أنفرادي هدفه المسبق المراد تحقيقه ولا وجود لوعي من دون قصدية...(مستفيد من تعبير هوسرل وجون سيرل)

- والوعي تتعّطل وظيفته حينما لا يكون تعبيرا عن معنى...أي بلا مضمون.

الوعي والفكر

الافكار هي معارف أدراكية يطلقها الوعي الذي هو وظيفة أنطولوجية - أبستمولوجية، ولا يمتلك الوعي قدرة الحكم على الاشياء منفردا كتجربة محايدة في أكتساب المعرفة التي هي من أختصاص العقل تحديدا قبل الوعي الذي غالبا ما يتجسّد بتعبيرالفكر واللغة عنه...

والوعي القصدي الهادف هو الذي نراه متشّكلا كموضوع في تعبير اللغة ويحمل أفكارا مصدرها تخليق العقل للاشياء ومدركاته بما يضفيه عليها من مقولات...من الخطأ أن نعامل الوعي على أنه تجربة محايدة في نقل أحساسات مدركاته عن الحواس بمعزل عن تداخله الصميم بمقولات العقل المعبّر عنها باللغة فالوعي هو العقل في تعبير اللغة.

الوعي الذاتي هو وعي الأنا الذي يسترشد بالعقل على الدوام في بيان حقيقة الاشياء والحكم عليها بمقولاته النقدية والتكوينية للمدركات. والوعي وظيفة عقلية ابستمولوجية لا يكون موضوعا لذاته ولا موضوعا لمدركاته من غيره..فهو وظيفة أدراك الاشياء والموضوعات المغايرة له..والوعي يعي ذاته كماهية جوهرية تخصّ الانسان الفرد ولا يكون الوعي الفردي موضوعا لغيره بمعنى لا يمكن تعميم ما يدركه الوعي منفردا على المجموع..فالوعي الذاتي هو ماهية الانسان التي لا يدركها غيره، والوعي خاصية أنسانية لا يمتلكها الحيوان ولا الطبيعة..

والعقل يعي ذاتيته وماهيته كموضوع تأملي صامت، ويدرك ذاتيته في وعيه وأدراكه لغيره من الاشياء والموجودات المغايرة له.

لا يمكننا تقسيم الوعي الى تجربة والى وعي بمضمون حسب تحذيرالفلسفة الذرائعية، فالوعي جوهر لا ينقسم على نفسه حاله كمثل حال العقل، وعي الذات هو مضمون الوعي الذي يدرك ذاته ويدرك موضوعاته على السواء ولا يكون الوعي موضوعا مدركا من غيره مالم يصدره العقل على شكل تعبير لغوي حسي عن الاشياء.. ومضمون الوعي هو الوعي الحقيقي ولا يمكننا تصور وعي لا يتعالق بموضوعه والا كان وعيا زائفا بلا معنى...بعبارة ثانية ليس هناك وعي لوحده كتجربة محايدة ولا هناك وعي بمضمون يختلف عنه بعد التجربة...

أن الوعي هو تصورات الذهن لمدركاته داخليا، والوعي فكر ولغة تعبيرواحد يصدره العقل خارجيا في معالجة مدركاته.. الوعي الذاتي بين أنسان وآخر- أي داخل النوع الواحد – هو وعي نوعي مفارق ومغاير لكل منهما تجاه الاخر المدرك كموضوع..وحين يجد كل منهما في الانسان الآخر موضوعا لوعيه وأدراكه، يكونان بهذه المغايرة التعالقية من الوعي المتبادل بينهما يعرف كلا منهما حقيقة وعيه الذاتي...وعي الذات لا يتم الا بوعي المغايرة عن موضوعه.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.................................

الهوامش

* الاقتباسات المحصورة بين قوسين غير المشار لها بالهوامش مأخوذة من مصدر هذه المقالة كتاب /الفلسفة الاميريكية/ جيرار ديلودال/ ترجمة د. جورج كتورة ود.الهام الشعراني.

1- المصدر اعلاه ص 123

2- المصدر نفسه ص 121

 

 

 

علي محمد اليوسفالماهية الجوهر والصفات

نجد مهما تحضيرالانتباه قبل البدء بعرض فلسفة ادموند هوسرل(1859 – 1938) عن الماهية بمنهجه الظاهراتي (الفينامينالوجيا) هو أن هوسرل يعالج ماهية الانسان وليس (ماهيات) الموجودات والكائنات والاشياء في الطبيعة غير العاقلة.

ويرى هوسرل أن ماهية شيء فردي هي ما تتكشف به حقيقته ومعناه، والماهية تتصف بصفة العموم خصوصا أن ما تنسبه الماهية لفرد يمكن أن يشترك به أفراد اخرون (1)

قبل دخولنا في مناقشة هذا الفهم الماهوي لهوسرل نبدأ بمسألة جوهرية هامة نعتمدها مرتكزا في هذه المقالة هي أن الماهية عند الانسان لا تتصف بالتعميم العام كصفات مشتركة بين الناس بل هي (جوهر) فردي متمّيز خاص، بل أهم خاصية للماهية عند الانسان هي أنها فردية غير مدركة دفينة وتجربة خاصة شخصية ذاتية تعني الفرد وحده ولا يصح تعميمها على المجموع من الافراد...

والصفات قد تكون مشتركات يمكن تعميمها بينما الماهية هي تفرّد متمايز يختلف من شخص لآخرلا يمكن تعميمه..وهو ما لانجده لدى هوسرل وأشياعه بأستثناء سارترالذي يخالفهم الرأي..ومن المهم التنبيه أن كانط يفرق بين الماهية والصفات على العكس من هوسرل الذي أراد الرد على كانط معتبرا الصفات هي تجليّات الماهية ولا فرق بين الاثنين من حيث المحتوى والمعنى...ونحن نرجّح فهم كلا من كانط ومن بعده سارترمع الفرق الكبير بينهما، أن الماهية تكوين ذاتي مدّخر عند الانسان وليست صفاته الخارجية المدركة...وبهذا الفهم تعتبر الماهية وجود بذاته (نومين)..وأوضح تعبير بهذا المعنى قول كانط: أن كل ما نستطيع معرفته هو عالم الظاهر الذي لا يشبه عالم الشيء في ذاته، فالله وحده يستطيع أن يرى ذلك – يقصد العالم بذاته -  لأنه غير مقيد بالزمان والمكان وقصور العقل البشري..

وهذا الفهم لماهية الانسان عند هوسرل كصفات مشتركة تجمع بين النوع الواحد أفقيا وبين الصفات والماهية عموديا في النوع الواحد أيضا الذي هو الانسان.. يختلف كليّا عن فهم تلميذه سارتر بأعتبار هذا الاخير يفهم الماهية أنها ليست كينونة ناجزة أو جوهرا مكتملا متداخلا مع وجود الفرد يحمله معه على الدوام كموضوع قابل للادراك في معاملته عقليا، بل يفهم سارتر الماهية عملية تكوينية تطورية ذاتية ينشؤها ويبنيها الانسان بنفسه طيلة سني حياته،وليست ماهيته معطى وجوديا يمتلكه الانسان بالفطرة كجوهرذاتي يلازمه متكاملا بمعزل عن صفاته الخارجية وحتى بالتكامل معها..

ونفهم بضوء سارتر أن (الوجود) هو الواقعة الانسانية البدئية الاساسية التي تسبق كل شيء آخرفي حياة الانسان والتي يمكننا فهمه في أسبقية الوجود الانساني كجوهر ماهوي أو كوعي قصدي أو كينونة فردية فهذه جميعها تأتي لاحقا للوجود الانساني السابق عليها جميعها أولا المتفرعة عنه..فالوعي والماهية والكينونة جميعها نواتج مصنّعة للوجود وتنفرع عنه ولا تكون مكتسبة صفة الموضوع المدرك منفردة أو مجتمعة قبل تحقق وجود الانسان أنطولوجيا بالحياة..فالانسان يوجد أولا وبعدها تتفرع عنه تبعات هذا الوجود في الوعي واللغة والماهية والكينونة والحرية والارادة وهكذا..

فالماهية الانسانية هي سيرورة حياتية متطورة نامية يكتسبها الانسان من الحياة بما يستطيع في سعيه أضافة مكونات جوهرية ذاتية خاصة به من تجاربه بالحياة هي ليست الصفات العامة التي يشترك بها مع غيره من الاشخاص من نوعه،..ومن المتعذّر أن نعثر على ماهية أنسانية ناجزة مكتملة ليست في مراحل من تكوّنها وتصلح أن تكون موضوعا متعّينا في أدراك العقل والتعامل معه..

كما والماهية عند الانسان الفرد هي وعي ذاتي بها وديناميكية متطورة من التكوين التراكمي الكمّي والنوعي المستمرين كوعي قصدي مصنّع في أمتلاك صاحبه عقلا تفكيريا نوعيا مفارقا لغيره من الاشخاص يستطيع به ومن خلاله بناء شخصيته وماهيته المتفردتين عن غيره كماهية ذاتية وليست صفات مشتركة موجودة عند عشرات من الناس.

والماهية عند الانسان الفرد خاصية لا يشاركه بها أحد أو مجموعة من الاشخاص، لذا تكون الماهية ذاتية فردية تحمل خصائص لا يمكن تعميمها على المجموع، فالماهية ليست مجموعة صفات خارجية يشترك الفرد بها مع مجموع من نوعه هم الافراد الاخرين..بمقدار ما هي تصنيع ذاتي لوعي قصدي متمّيزيمتلكه الانسان منفردا بأستقلالية تامة عن علاقات أرتباطه بالصفات التي تجمعه مع الاخرين من الاشخاص...

كما يعتبر هوسرل (الماهية نسق هرمي متسلسل يعلوها الأعم ويندرج تحتها الأخص ومن ثم فالماهية زمانية )(2)..

بالعودة الى الخطوط العريضة في المنهج الظاهراتي عند هوسرل الذي أعتمدته ورسّخته وجودية سارتر وهيدجر ومن قبلهما كانط أن الانسان وجود قبلي سابق على ثلاث نزوعات أقنومية قارّة تحكمه: هي وجود (لذاته) وهو الوجود الطبيعي السوّي للانسان، والوجود (بذاته) أو من أجل ذاته ويشمل هذا بعض صفات (ماهية) الفرد، وأخيرا وجود من أجل الآخرين، ولا يشترط أن تكون هذه الافصاحات  الانطولوجية الثلاث متحققة عند فرد أو مجموعة أفراد بل جميعها حالات من السيرورة الوجودية التي تحكم الانسان منذ الولادة وحتى الممات..

لذا وحسب المنهج الفينامينالوجي عند هوسرل والوجودية يكون الهرم الذي يحمل الصفات العامة التي يتشارك بها الفرد مع غيره من الاشخاص والتي لا تشكل (ماهيات) أنسانوية وأنما صفات وجودية عامة مشتركة قابلة للادراك العقلي المباشركمواضيع كما هو الحال مع كل موجودات وأشياء الطبيعة غير العاقلة..فالماهية عند الانسان وغير الانسان هو صفات مدخّرة في عمق الذات والوجود غير مفصح عنها ولا هي موضوعا في محل أدراك حسّي عقلي لها الا من قبل حاملها الانسان الفرد فقط الذي يستشعرها في كيانه كخصوصية يتفرد بها.بينما لا تعي الموجودات غير العاقلة بالطبيعة ماهياتها أو جواهرها الخفية عن صفاتها البائنة الخارجية..

وصفات الانسان الخارجية البائنة والمدركة التي يتقاسمها الفرد مع غيره من البشر لا تمثل ماهية الانسان كجوهرولا كينونته كوجود، بل هي صفات عامة تشير ألى أنسان معيّن بما هو موجود وبما هو كائن في تلك الصفات التي تكون موضوعات قابلة للادراك المباشر والتعامل معها حسّيا وعقليا لكنها في كل الاحوال تبقى هذه الصفات المدركة لا تشكل ماهية من المتعذر أدراكها حسّيا مباشرة أو أدراكها بتجريد ذهني أو حدسي، وصفات الفرد الخارجية ممكن أن تكون مواضيع أدراكية لكن بخلاف الماهيات عند الافراد التي لا يمكن أن تكون مواضيع أدراكية..فالماهية جوهرمكتسب ثابت نسبيا والصفات عرض متغّير يطاله الزوال والاضمحلال أغلب الاحيان...

والصفات مواضيع مدركة ولا تكون جوهرا ماهويا غير مدرك كما هو الحال مع الماهيات التي هي جواهر لا تدرك مباشرة حسّيا بل ممكن معرفتها علميا كمواضع أبستمولوجية، فمثلا طول الانسان ولون بشرته وتقاسيم وجهه ولون عينيه كلها صفات قد نجدها عند الفرد كما هي موجودة عند عشرات الاشخاص، وهذه الصفات لن تكون ماهيات أنسانوية.. وأذا نزلنا قليلا مع هوسرل من صفات رأس هرم الماهية المزعومة عنده لمعرفة ما يندرج أسفلها من صفات خاصة أكثر بفرد أو مجموعة أفراد فأننا سنتعرف بهذه الحال على صفات مشتركة لكنها لا تمثل ماهيات أيضا مثل ما يمتلكه شخص من نزعة دينية وقيم أخلاقية وضمير وطبيعة وسلوك،وعواطف وغيرها التي يمتاز بها الانسان الفرد وأمكان مشاركته الجماعية بها.. فالماهية شأن خاص جدا وليس شأنا عاما يسهل معرفته وأدراكه الا من صاحبه فقط...والماهية ليست موضوعا لأدراك حسّي أو عقلي وهذا ما يؤكده كانط... أن الموجود بذاته هو وجود ماهوي يتعذر علينا أدراكه والتعامل معه كموضوع مثلما نتعامل مع الاشياء وموجودات الطبيعة..

لنضرب مثلا حول الصفات والماهية في النبات ونقارنها مع الانسان، فمثلا نقول الشجرة تلتقي مع غيرها من الاشجار باللون الاخضر وكل الاشجار تتكون من جذور غائصة في التربة ومن ساق يتوسطها وأوراق وأغصان تعلوها لكن كل هذه الصفات المنفردة لشجرة أو المشتركة مع غيرها من الاشجار أنما تبقى صفات عامة وليست ماهيات خاصة متباينة للاشجار، وعند مغادرتنا الصفات العامة نحو الخصوصيات الصفاتية الاكثر أختلافا بين الاشجار فأننا سنجد هناك أشجارا دائمة الخضرة وأخرى نفضية تنفض أوراقها موسميا وأخرى غير مثمرة للزينة وبخلافها المثمرة وهناك أشجار معمرة وأخرى غير معمرة وهكذا مع صفات عديدة يمكن أدراكها ومعرفتها وربما كانت بعض تلك الصفات تدخل في تشكيل الماهيات للشجرة الواحدة لكنها تبقى في جوهرها صفات بائنة الادراك خارجية كمواضيع وليست ماهيات خالصة دفينة يمكن التعامل معها أدراكيا وأبستمولوجيا..فالماهية هنا ليست صفات بل جوهرا محتجبا خفيّا وراء الصفات الخارجية..

وأختصارا ربما يغنينا عن الاستطراد نقول ماهية كل شيء أو موجود في الطبيعة تتميز بخاصيتين:

الاولى أن الماهية لا تمثل موضوعا للادراك لأنها خاصية محتجبة خلف الصفات الخارجية البائنة للمواضيع المدركة أو المواضيع الخيالية التي يبتدعها العقل من الذاكرة..

والخاصية الثانية أن الماهية فردية شخصية لا يمكننا تعميمها حتى داخل النوع الواحد من جنسه الذي هو الانسان..فماهية كل فرد لا تشابه ماهيات آخرين غيره..

بقيت لدينا مسألة تعبير هوسرل أن الماهية (زمنية) فهي حقيقة لا غبار عليها لكن ليس بالفهم الذي أشار له هوسرل بأعتباره الماهية منجزا كموضوع يمكن التعامل معه أدراكيا كشيء مادي أو موضوع متعيّن.. ويمكن لتأثير الزمان عليه تغييره كمدرك خارجي كموضوع في حين يكون الفهم الصحيح أن الزمن عامل تكوين وأنشاء للماهية عبر المراحل العمرية للانسان وليس عامل تقويض لها كما يحذر هوسرل منه....فالزمان الذي هو عامل تغيير للاشياء والمواضيع في وجودها الادراكي الحسي أو الخيالي أنما يطال الصفات ولا يطال الماهيات كونها ليست مواضيع مدركة لا عقليا ولا زمانيا..

الماهية بهذا المعنى المختلف عن منهج هوسرل الظاهراتي هي أنها سيرورة دائمية في الزمن وليست صفات مكتملة كموضوع أدراكي في تداخلها العقلي مع الزمن والمكان حسب هوسرل..هنا تكون الماهية عند هوسرل هي مجموع صفات الشيء المدرك كموضوع وهذا ما لا ينطبق على الماهية لأنها ليست موضوعا للادراك  ألا في حالات أستثنائية جدا تشمل غير الانسان من موجودات تكون معرفتها من أختصاصات التجارب العلمية وليس من مباحث منطق الفلسفة الظاهراتية على وجه الخصوص..

الماهية والادراك

وفي متابعتنا آراء هوسرل حول الماهية عند الانسان بمنهجه الظاهراتي (الفينامينالوجي) نجده يقول (الماهية ليست مدركة ولا متخيلة لأن كل معطيات التجربة الحسية أو المتخيلة تتحدد بزمان ومكان)(3)

وأخيرا أقرّ هوسرل بما أردناه وشرحناه في السطور السابقة من أن الماهية عند الانسان ليست موضوعا لأدراك عقلي يتحدد زمانيا ومكانيا ولنا توضيح أكثر بعد تكملتنا تثبيت عبارته الاستدراكية قوله (ومع ذلك لا ينبغي أن  يتطرق الذهن الى أن الماهية تجريد، والا اصبحت نتاجا للفكر واصبح هذا النتاج زمانيا اي متغيرا عرضيا، وهكذا يتبين انه اذا كان التجريد يوقظ الوعي بالماهية فانه مع ذلك لا يوّلد الماهية)(4)

ثمة ملاحظات توضيحية مفهومية نرى أهمية تثبيتها بضوء عبارتي هوسرل السابقتين :

- قول هوسرل الماهية ليست مدركة ولا متخيلة كموضوع لأن كل معطيات التجربة الحسّية أو المتخيلة تتحدد بزمان ومكان أدراكي عقلي لها.. هو أعتراف صحيح جاء متأخرا خيرا من أن لا يأتي بما كنا سعينا توضيحه بسطور سابقة..وهذا يجنبنا الخلط بين أدراك العقل للاشياء كموجودات مادية من ضمنها الانسان..وبين الماهية التي هي صفات دفينة غير مدركة ولا واضحة تخص كل موجود لوحده في الطبيعة بذاته..لذا فالماهية ليست موضوعا لأدراك يحدّه الزمان والمكان..وهذا ما يؤكده كانط بالضبط.

- الماهية ليست موضوعا مدركا لا في الانسان ولا في باقي الاشياء المادية الطبيعية غير العاقلة كموجودات خارجية..كما أن الماهية هي أيضا ليست موضوعا متخيّلا يكون مصدره الذاكرة..وأنما الماهية تكوين أنشائي متطورعلى الدوام بالأضافات النوعية غير المنظورة ولا متاح أدراكها بسهولة من قبل الاخرين ما عدا الشخص ذاته منفردا لذا من المتعذر أن تكون ماهية أنسان موضوعا لأدراك غيره من أفراد ..ولا تكون بالضرورة موضوعا مدركا ألا من قبل كل شخص منفردا بذاته تلازمه ماهيته كصيرورة حياتية يصنعها هو بنفسه بمرور الزمن..فالماهية هي وعي الوجود الشخصي المتمّيز لكل انسان منفردا لوحده ..

- كل ماهو غير موضوع للادراك يكون متحررا من سطوة الزمان والمكان في تحديده وتعيينه كموجود..لذا تكون الماهية التي هي ليست موضوعا للادراك بعيدة عن سطوة الزمان عليها في أنحلالها وتقويضها، بل العكس الزمان غير المنظور تأثيره المباشر على ماهية الانسان يكون عاملا ضروريا في تشكيل ونمو وسيرورة ماهية الشخص المتكوّنة بأطراد مستمرداخليا بمرور الزمن..فالماهية جوهر حصيلة عمر الانسان بالحياة.

- تحصيل حاصل لا حاجة التأكيد عليه قول هوسرل الماهية ليست تجريدا ذهنيا وألا أصبحت نتاجا يخلقها الفكر، لا نتصور غاب عن تفكير هوسرل حقيقة  أن كل ماهو غير موضوع مدرك حسيا أو خياليا لا يمكن أن يكون نتاجا تجريديا بالذهن.. والماهية عند الانسان لا تكون موضوعا مدركا من غير صاحبها حاملها التي يستشعرها مثلما يستشعر سريان الحياة في جسمه،،والماهية جوهر تبنيه الحياة ولا تخلقه الافكارالمجردة..لأنها جوهر وجودي مادي يلازم وجود الانسان وليست أفكارا متخيلة مجردة بالذهن مستمدة من الذاكرة..

- متى يكون الشيء أو الظاهرة موضوعا للادراك؟؟

وسيلة العقل في أدراك الاشياء في وجودها المادي المتعيّن في عالم الاشياء يكون بمنظومة العقل الحواس والجهاز العصبي والدماغ.. أما مواضيع الادراك العقلي المستمدة من الذاكرة ومعاملتها الادراكية بالذهن تجريديا فهي كل المواضيع والاشياء التي تكون خيالية من صنع خيال الانسان والذاكرة ولا وجود مادي حقيقي لها في عالم الاشياء، وفي كلتا الحالتين لا تنطبق حالة الادراك على الماهية أن تكون موضوعا لأدراك من غير الشخص حاملها فقط..لا كمدرك مادي خارجي ولا كمدرك تخييلي داخلي بالذهن مستمد من الذاكرة..

- لا أعرف أي تجريد يقصده هوسرل قوله (التجريد الذي يوقظ الوعي بالماهية ومع ذلك فهو لا يوّلد ولا يكون مصدرا للماهية..) وهنا نعيد ونكرر أن هوسرل لا يقر بحقيقة أن الماهية عند الانسان ليست موضوعا للادراك لأنها جوهر خفي وليست صفات خارجية،، لذا في أستعمالنا مفردات تعبير هوسرل في التجريد الذي يوقظ الوعي بالماهية.. تعبير يتعامل مع الماهية كموضوع أدراكي في الذهن المجرد..في حين الماهية هي واقعة مادية دفينة يمتلكها الانسان من تجاربه بالحياة لكنها ليست موضوعا لادراك عقلي مادي ولا خيالي.. كما ليس بأمكان الوعي التجريدي خلق موجودات ماهوية.. الماهية تكون موضوعا أدراكيا تجريديا في ذهن الانسان الفرد حاملها ولا تكون الماهية موضوعا أدراكيا تجريديا من قبل غيره من الاشخاص الذين يشاركونه النوع بالصفات وليس النوع بالماهيات..وماهية الانسان هي تكوين الشخصية الذاتية التي لا تكون موضوعا أدراكيا  لغيره..

- الماهية عند الانسان هي صيرورة مادية تتم داخل الذات الانسانية المنفردة كجوهر ولا يتسنى لأحد أدراكها من غير صاحبها في بنائه وأنشائه المستمر لها.. والماهية لغير حاملها المعني بها ليست وجودا ماديا متحققا في أدراكها ولا موضوعا تخييليا يمكن معاملته تجريديا لا في أدراكه ولا في خلقه من غيره...

- الماهية موضوع ومدرك مادي ومدرك تخييلي للفرد فقط وليس من غيره ويستطيع الانسان التعبير عن ماهيته بالتجريد الذهني المفكر في حين يعجز عن ذلك غيره من الناس أيضا.فالماهية موضوعا للذات وليس موضوعا مدركا لغيرها..

- يؤكد هوسرل على أن الماهية ليست نتاجا للفكر نتوصل اليه بالتجريد بل هي أكتشاف وليست أختراعا.. وتعقيبنا صحيح أن الافكار لا تنتج ماهيات التي هي مواضيع تتسم بالمادية لذات الشخص، وهي تراكمات من الخبرة العملانية بالحياة وليست أكتشافا يدركها العقل تجريديا ولا هي أختراعا لا يدركها العقل، فالماهية جوهر موجود متعيّن يستطيع صاحبها التعبير عنها بلغة التجريد لأنها ليست موضوعا لغيره..

-  كل وعي وأدراك لشيء أو لموضوع هو فعل تجريدي في الذهن لا يمتلك العقل وسيلة أخرى غيرها في معرفته لأن أدراك العالم من أبسط ذرة الى أعقد شيء مدرك هو تجريد وتمّثلات صورية عقلية ، والا تعذر علينا أدراك الاشياء من حولنا أو المواضيع في مخيّلتنا من غير تجريدها فكريا ولغويا..حتى الادراك الحدسي للموضوعات لا يتم بغير تجريد صوري ذهني..

- ينكر هيجل عالم الوجود بذاته ويؤيده في هذا المنحى العديد من الفلاسفة من بعده، والسبب أن الشيء بذاته عند الانسان هو مجموع صفاته وعلاقات النتظمة الداخلية،غير المدركة أو المنظورة من غيره، فألانسان يدرك جيدا نقاط الضعف والقوة في شخصيته التي هي في أغلبها من صنعه هو ولا يعرفها أو يدركها غيره، بينما تكون الماهية أو الوجود بذاته عند موجودات الطبيعة غير العاقلة هي أفتراض حدسي من الاخرين في محاولة الوصول له ومعرفته.وماهيات الموجودات غير العاقلة لا تدرك ذاتيا من قبل حامليها بخلاف الانسان الذي يعي ماهيته منفردا..ومثلما لا يستطيع انسان حدس وادراك ما يفكر به غيره قبل تعبيره تواصليا بما يفكر به، كذلك هي الماهية الانسانوية لا تدركها غيرذات صاحبها..

- ماهية الانسان تبلور طبيعي نامي مستمر في البناء والتشّكل يزامن الانسان في جميع مراحل حياته، بينما تكون ماهيات الموجودات غير العاقلة ثبات من الصفات الداخلية لا تتطور ولا هي من صنع حاملها لأنها جزء من معطى وجودي لا علاقة لأحد غير الطبيعة في أيجاده..

الفهم الميتافيزيقي للماهية

يرى ميرلو بونتي أن الحدس هو الذي يوّلد الوعي بالماهية، وهذا الوعي بالماهية  لا يمكن أن يكون تمّثلا  حتى وأن كان موضوعه ملموسا، فالتمثل أنموذج أتوجه من خلاله الى الماهية، والماهية تبقى دائما وراء التمثلات..(5)،..

أننا نفهم الحدس منهجا أدراكيا ناقصا في الاحاطة والتعبيرعن موضوعه  وتبقى العلاقة التي تربط الحدس بموضوعه ضبابية غير واضحة ولا تشّكل معرفة يقينية حقيقية عن الموضوع المحدوس.. لذا حين يكون الموضوع هو الماهية التي يفهمها ميرلوبونتي فهما ميتافيزيقا عندما تكون الماهية حصيلة حدس وتمّثلات غير منهجية هي أقرب الى التفكير الميتافيزيقي منه للمنهج المنطقي الفلسفي المتمّكن من التعبير عن موضوعه بعلاقة أدراكية حسية أو خيالية عقلية سليمة..فكيف يستطيع الحدس أن يوّلد الوعي بالماهية كما ينّظر له ميرلوبونتي؟؟

الماهية كما سبق لنا فهمها هي تكوينات من السيرورة الدائمية التي لا تكون موضوعا للادراك الاستدلالي عنها ومعرفتها بمنظومة الاحساسات العقلية..فكيف يكون الوعي بالماهية دائما وراء التمّثلات الحدسية المتأرجحة بين التخمين وعجز التطابق الادراكي الواقعي مع الاشياء كمواضيع..كما أن الماهية سيرورة تكوينية وليست جوهرا ناجزا في أمكانية معرفته ولا تكون الماهية موضوعا لتمّثلات حدسية لموضوع أفتراضي غير موجود في التعامل معه.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...........................

الهوامش

1- الفلسفة واللغة، عبد الوهاب جعفر، ص54 نقلا عن المصدر الاجنبي.

2- المصدر اعلاه ص 55 نقلا عن المصدر الاجنبي

3- المصدر اعلاه نفس الصفحة نقلا عن المصدر الاجنبي

4- المصدر اعلاه نفس الصفحة نقلا عن المصدر الاجنبي

5- المصدر اعلاه ص 62 نقلا عن المصدر الاجنبي

 

 

علي محمد اليوسفتعريف: العدم هو الوجه الآخر للوجود حسب ما تذهب له الموسوعة الحرة، وبذلك يكون العدم في علاقة متداخلة تشبه علاقة الفكر باللغة أوعلاقة الروح بالجسد فلا معنى لوجود أحدهما في غياب تعالقه المتداخل بالآخر.. والعدمية Nihilism المشتقة من العدم تذهب الى أن العالم كله بما في ذلك وجود الانسان بلا قيمة وخال من أي مغزى أو معنى حقيقي..وهو ما يرتّب على الانسان أن يستغل حياته من منطلق التسليم بهذه الحقيقة الحتمية التي لا يمتلك درءا لها ولا الأفلات منها..بما يتوجب عليه تنضيج تفكيره بأستمرار من أجل أن يسمو بحياته عن حياة الحيوان الذي لا يعرف ولا يدرك معنى العدم... كما أن على الانسان أن يدرك ويتصرف من خلال التسليم بحتمية العدم بأن الحياة الانسانية قيمتها الحقيقية أنها فانية ولها نهاية...

ويعرّف عالم الفيزياء النظرية لورانس كراوس أن العدم يتألف من لا زمان ولا مكان ولا مساحات ولا جزئيات ولا تنطبق عليه قوانين الطبيعة على الاطلاق.. وبناءا عليه نستطيع القول بأن العدم هو وجود حدسي غير موجود ولا مدرك، ولا يحده الزمان ولا المكان قانونا الطبيعة اللذان يحكمان الوجود في أدراكنا الاشياء بالطبيعة..وتجاهلنا القلق الوجودي للعدم لا يقدم ولا يؤخر من حقيقة أنه يحزم حياتنا بحتمية لاخلاص ولا فكاك منها هي الموت والفناء.

وبالعودة الى فهم كراوس للعدم من وجهة نظر فيزيائية نجده يقول اذا كان من الصعب علينا تخيّلنا العدم بأنه (لاشيء) وغير حقيقي ،فهناك العديد من الاشياء بالعلوم لا يمكنك حدسها لكن ذلك لا يعني عدم وجودها..ويختم تايسون وهو عالم فيزياء أيضا القول معضلة العدم لا تحل أبدا..

العدم والفلسفة

يعرّف هيدجر العدم بأنه النفي القاطع لكل وجود أو شيء يحكمه الفناء الحتمي القطعي بالموت.. والقول بأن العدم موجود قول متناقض لأن العدم سلب وهذا ما يقرّه العقل...

.. وتعقيبنا أن العدم ليس وجودا (قبليا) متعيّنا يسبق وجود الموجودات في عالم الاشياء التي يستهدفها الفناء ،كما هو ليس وجودا (بعديا) يخلف نهاية الاشياء المحكومة بالعدم.. أي حقيقة وجوهر العدم أنه أستدلال أفتراضي غير مدرك يسكن جوهر الاشياء كما تسكن الدودة قلب الشيء المحكوم بالنفي العدمي على حد تعبير سارتر، العدم هو أستدلال أفتراضي لموجود غير بائن للادراك لا كمظهر ولا كجوهر على السواء..والعدم هو حالة من ملازمة الوجود لا يمكننا التعبير عنها بالكلمات، فالعدم ليس جوهرا ولا ماهية ولا موجودا منفصلا متعيّنا يمكننا أدراكه بحواس وأحساسات الادراك العقلي بل هو ملازمة دائمية للموجودات لأفنائها.. أنه حقيقة مطلقة نعرف نتائجها بالحدس ولا نعرف ماهيّاتها بالادراك.. نستشعر تقويضه الموجودات الحية وأفنائها،، لكننا عاجزين معرفة ماهية العدم والاحاطة به لا بالادراك ولا بالتعبير عنه بالكلمات.. وحدس العدم يتيح لنا معرفة الموجودات على حقيقتها قبل أستهداف العدم الحتمي لها كما الموت في أفنائه الكائنات الحية من الوجود.. وأبلغ تعبير عن ذلك أنما جاء على لسان سارتر في تعريفه معنى العدم بقوله أن العدم يركب ظهر الوجود المحكوم بالفناء والزوال لا يتقدمه ولا يسبقه بل يلازمه ملازمة الظل والقرين المتداخل به.. وهو كالسوسة في باطن الموجودات والاشياء التي تنخرها..

العدم هو غير اللاوجود أو الفراغ (الخلاء) الذي يتوسط موجودين محكومين بالفناء بل هو يلازمهما كجزء من تكويناتهما كلا لوحده وصولا الى حتمية فنائهما لا قبليا ولا بعديا عنهما بل في ملازمة حتمية لا أنفكاك لها.. فالعدم لا يسبق الوجود ولا يأتي بعده، بل يداخله وهو دلالة أفتراضية يستهدف غيره من الموجودات والاشياء بالفناء،، وهو لا يفنى بالفناء ولا يعدم نفسه كما في تعبير هيدجر، بل هو نتيجة حتمية شاخصة متبقية بعد فناء الموجودات المحكومة بحتمية العدم والزوال.. أنه الموت الذي يعدم الحياة ولا يعدم نفسه في أستمرارية بقائه كحقيقة أزلية في معايشته الحياة والانسان والطبيعة والموجودات.. ..

العدم والقلق

يتحدث هوسرل عن العدم من منظور فلسفي فيعتبره لصيق القلق النفسي المتداخل في الوجود الانساني، ويأخذ القلق عنده دور العدم في حين نرى العدم ليس حالة من حالات القلق النفسي التي يمكن الشفاء منها بأنفصالها عن الوجود المادي للانسان فقط والقلق لا يشمل كافة أشكال الكائنات الحية الاخرى مثل الحيوان المحكومة هي الاخرى بالعدم فهي لا تشعر بالقلق من الموت الذي سيدركها..

فالعدم يطال الوجود كاملا برمته ويبقى القلق مرهونا بالموت الذي هو شكل العدم والفناء عند الانسان..وأنفلات السيطرة على العدم وأنعدام أمكانية الاحاطة به والتعبير عنه بالكلمات لا يجعل منه قلقا نفسيا يلازم الوجود بأنفصالية مستقلة والخوف منه.. بل بأعتباره وجودا متداخلا ملاصقا الوجود الانساني ويتهدده بالموت والفناء.وعندما نقول العدم هو الوجه الآخر للوجود فليس معنى هذا أننا نستطيع أدراك العدم كما هو الحال مع أدراكنا الوجود، فالعدم جزء متداخل بالوجود لكنه لا يمتلك وجودا متعينا بل هو أفتراض حدسي فقط نلمس نتائجه دونما أدراكه..

وعندما يعبر هيدجر (أن العدم مصاحب للوجود وليس نفيا للوجود) يكون وضع العدم في مفهومه وسياقه الوجودي الحقيقي الصحيح، فالعدم  ينفي الوجود لأنه جزء لصيق بهذا الوجود، ويتعذر على العدم بأعتباره وسيلة أعدام الوجود أن يعدم نفسه ولا نستطيع الجزم أن العدم يفنى بفناء الوجود..فالعدم ليس وجودا قبليا ولا وجودا بعديا يمكن حدسه كمدرك بعد فنائه موجوده المتداخل معه.. ولا نجد نفس الدقة السابقة في عبارة هيدجر التي مررنا بها قوله (فنحن يخرسنا القلق ويطوينا العدم فلا نقوى على نفي الوجود عنه ولا أثباته، ولا يعني هذا أن يكون في القلق فناء للموجود في مجموعه بل أن الموجود يترنح ويتأرجح ويغيب بسببه) 1، هنا هيدجر يجعل من القلق بداية العدم معتبرا القلق هو حالة نفسية لا تعدم الوجود بمجموعه بل تتركه مترنّحا؟؟ القلق ليس عدما ولا ينوب عن العدم في أستهدافه الوجود بالفناء.. القلق حالة من التهيؤ النفسي غير المجدي من العدم..لكن القلق ليس هو العدم بذاته بل مظهرا من مظاهر النفس والتحسّب له..

وفي تعبير برجسون (ان ما يسلب عنه الوجود بكلمات مثل العدم أو الخلاء لا يدخل في نطاق الفكر بل الوجدان، والعدم صيغة وجدانية للفكر، والعدم المطلق فكرة زائفة ) 2، ونكمل مع هيدجر نفس المنحى قوله (اذا كان المنطق لا يوصلنا الى العدم فمن الممكن ان نلجأ الى لغة العامة، لأن العدم ينبغي أن يوجد بطريقة وأخرى والا ما كان موضوعا نبحثه هنا) 3 .

من الملاحظ في تعبيري برجسون وهيدجر على السواء في اختلاف بسيط فقط أن العدم في الوقت الذي لا تستوعبه اللغة ولا المنطق في تحديد ما هو.. يكون متوجّبا أستحضاره كموضوع فلسفي ميتافيزيقي يكون أرتباطه بالوجدان وليس أرتباطه بالوجود المادي للاشياء في فنائها الحتمي، لكن المنطق الفلسفي يقر بأن العدم قرين أفنائي للموجودات المادية والاشياء في الطبيعة من بينها الانسان كوجود يدركه الموت والفناء، وتعبير برجسون يدور في نفس الدوامة الميتافيزيقية بأعتباره العدم صيغة وجدانية للفكر، والعدم المطلق فكرة زائفة حسب تعبيره..والدلائل الحقيقية تشير الى أن العدم في الوقت الذي لا يكون وجودا منفردا لوحده بل مصاحبا دائميا للموجودات المادية فهو بالضرورة الادراكية أن ما يقوم بنفي المادة لا يكون فكرا بل هو موجود يستمد ماديته من مواضيع أعداماته المادية.. والعدم بمعنى الفناء هو أكثر صيغة تجريدية مقبولة تمكنّه من أن يكون العدم المطلق ليس فكرة زائفة بل فكرة حقيقية يمكننا أن نجد حقيقتها في أقترانها بالوجود من حيث هو مطلق فاني ومعدوم على الدوام ولا يمكننا تصور موجودات لا يطالها العدم..فليس بمقدورنا القول أن الموت الذي هو عدم مطلق ليس مطلقا..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.............................

هوامش

1- الفلسفة واللغة /عبد الوهاب جعفر ص 86

2- المصدر اعلاه ص84

3- المصدر اعلاه نفس الصفحة

 

زهير الخويلديمقدمة1[1]:

"ذاكرة الرهيب ضرورية للغاية

La mémoire du terrible nous est absolument indispensable "2[2[

لم يكن بول ريكور أول من حذر من إخفاق مشروع الأنوار في الحضارة الغربية ومجيء العدمية وبلوغ الإنسان زمن الخواتيم فقد تحسس ذلك بصورة جنيالوجية فيلسوف المطرقة فريدريك نيتشه وسانده مارتن هيدجر ضمن رؤيته الأنطولوجية الأساسية وتفطن إلى المنحدر الخطر عالم الاجتماع ماكس فيبر وأدرك اقتراب النهاية كل من المؤرخين أرنولد توينبي وأوسفالد شبلنغر واتضحت الأزمة في العلوم الأوروبية مع أدموند هوسرل وانتبه يورغن هابرماس إلى مأزق الحداثة التقنية وسقوط العقلانية في مستنقع الآداتية.

بيد أن الطرافة التي ميزت بول ريكور هو كشفه عن حالة الإنهاك التي بلغها مشروع الأنوار وعن الأزمة التي يعاني منها الوعي التاريخي وتأخره عن الزمن التاريخي والتعارض بين فضاء التجربة وأفق التوقع واستشكاله الأزمة التي أصابت الحضارة الكونية من جهة القيم والمبادئ التوجيهية التي تحكم المؤسسات وطرقه أبواب الديمقراطية عبر الإنسية التعاونية وتطعيمها بالسياسة التي تراهن على الحريات الفردية.

من هذا المنطلق تبدو مسؤولية الفيلسوف كبيرة في المدينة حول مهام الانتقال من الانحلال إلى إعادة البناء ومن الفوات والتأخر إلى اللحاق والتدارك وحول الأدوار التي يجب أن يقوم بها في الوساطة بين الأقطاب المتعارضة وفي رأب الصدع بين الذات والعالم وتخطي وضع الهشاشة وفشل العدالة ومفارقات السياسي.

مصادر الهشاشة حسب بول ريكور تنبع من النقائض التي تشق الواقعة الإنسانية بين الإرادي واللاّإرادي والمنزلة الوسطى التي يحتلها الكائن البشري وتجعله يتأرجح بين الكينونة والعدم وبين اللانهائي والنهائي وتظهر ذلك في التباعد بين المنطقي والمؤثري وبين المتعالي والعملي وحالة اللاّتنساب بين الذات وذاتها بسبب التناقضات بين الحرية والطبيعة وبين القرار والمشروع وبين الباعث والقصد وبين الطبع والأفق.

يتراوح الوجود البشري من وجهة نظر ريكور بين الهزل والجد وبين الكوميدي والتراجيدي ويستنجد بالطابع الملحمي لكي يتغلب في لعبته مع حركة التاريخ ويتحدى سلطة القدر المحتوم ويعلن انتصاره في معركة الحرية على العراقيل والضرورة والإرادة على التناهي واللاّعصمة ويجعل الإقرار شهادة للكائن البشري باللاّتناسب من جهة وقابلية الاقتدار من جهة أخرى ببناء الجسور وإبرام مصالحة بين الأضداد.

مفارقات السياسي التي أثارها ريكور تتوزع إلى ثلاث دوائر: تتعلق الأولى بالشكل العقلاني للدولة المدنية والقوة الفيزيائية المرافقة للقوانين والقرارات، الدائرة الثانية تقسم السلطة بشكل مغاير ضد نفسها وتعطب العلاقة بين البعد العمودي والتراتبي للهيمنة أولا والبعد الأفقي والتوافقي للرغبة في الحياة المشتركة ثانيا، أما الدائرة الثالثة فتتعلق بالنقد المعاصر لفكرة العدالة الواحدة واللاّمنقسمة والقول بوجود دوائر للعدالة تحتاج إلى تبرير من جهة وتوزيع منصف من جهة مقابلة بالنظر لأن الدولة الممسكة بالسلطة تظهر في ذات الوقت كدائرة مثل بقية الدوائر والهيئة العامة التي تحول دون اختراق الدائرة الأولى للدوائر الأخرى.

فشل العدالة الذي كشف عنه بول ريكور ناتج عن تعارض بين فكرة العادل من حيث هو مبدأ عال للحقل الإيتيقي والمعاناة التي تسللت من الخارج في الحكم الصادر من حقل العدالة الجزائية إلى الجاني المدان ويظهر إخفاق مؤسسة العدالة في مستوى التبرير العقلاني للعذاب الذي يعاني منه المتهم لحظة الإدانة.

أما عن المسؤولية فهي تشهد الكثير من المراوغات ومحاطة بالغموض والشبهات ويتم النصل منها في السر والعلن وتكثر التبريرات وتتزايد التسويغات ويقدم الفاعلون العديد من الأعذار وجملة من التعلات والخاسر الأكبر هو العزوف عن الفعل والإخلال بالوعود والتقاعس عن الواجب والتقصير في الالتزام.

هنا ، فيما تتمثل مسؤولية الفيلسوف تجاه هذا الخطر؟ هل هي مسؤولية فردية أم مشتركة؟ وماهي أنواع المدائن الحضرية؟ ولماذا حدث النزاع بينها؟ ما طبيعة الأزمة التي يعيشها الإنسان المعاصر ؟ هل هي أزمة تاريخية ناتجة عن الصراع بين الموروثات؟ وما المقصود بالمدائن المتصارعة؟ وكيف يتم الانتقال من المدينة إلى العالم؟ ومتى يتم بناء العوالم المشتركة بصورة تأسيسية؟ وماذا يتطلب الأمر من ناحية شغل الفيلسوف؟ وهل يمكن لإيتيقا المسؤولية التي تنبع من المصالحة مع الذات أن تكون بديلا عن إيتيقا الاقتناع التي تتشكل من خلال الفعل التواصلي في الفضاء العمومي؟ هل مسؤولية الفيلسوف تتعين من حيث هو مواطن حر أم تتنزل ضمن المؤسسات الرسمية التي يتحرك ضمنها ؟ ألا يُطالب بالمسؤولية الأخلاقية والوجودية إلى جانب المسؤولية السياسية والمسؤولية القانونية؟ والى أي مقام جديد يتطلع؟ هل يقتصر دور الفيلسوف على ممارسة الحكم وتحمل المسؤولية؟ هل هو الحكم المعرفي ام الحكم السياسي؟

حري بالفكر الحاذق أن يقسم بحثه عند معالجة هذه الإشكاليات إلى جملة اللحظات المنطقية التالية وأن يقوم باستدعاء الأنثربولوجيا الفلسفية التي تجمع بين المجتمع والاقتصاد ضمن جدلية الإيتيقا والسياسة:

اللحظة الأولى: مظاهر أزمة الوعي التاريخي بين التخصيص والتعميم

اللحظة الثانية: المدائن المتصارعة وإخفاق العدالة والشر السياسي

اللحظة الثالثة: العوالم المشتركة : السياسي من حيث هو استكمال المقصد الإيتيقي

اللحظة الرابعة: مسؤولية المجتمع الدولي والمقام الجديد للفيلسوف

ما يراهن عليه في الشخصية المفهومية هو تجنيب الحشود الالتجاء إلى العنف والنزاع واللاّتسامح والانزواء والاقتصار على التنظير والانتظار وانحيازه إلى قضايا المجتمع والتدخل في الفضاء العمومي والانتصار إلى المعية الوجودية بين المواطنين الأحرار على أرضية إيتيقية تشيدها إرادة الحياة المشتركة.

ما معنى قول يسبرس وأرندت "الفلسفة ليست بريئة"؟ هل هي مورطة بالضرورة وغير قادرة على إنتاج خطاب موضوعي؟ ما المقصود بفلسفة المدينة ومدينة الفلسفة؟ ولماذا نحتاج إلى التفلسف من اجل التمدن ونعتمد على التفلسف من اجل التمدن؟ ومتى كان التفلسف يساعد على فض النزاعات في المدائن وبناء المشترك؟ وأين يسكن الفيلسوف مدينته بالمعنى الأصيل للكلمة؟ وماذا عليه ينجز في المدينة لكي يصير فيلسوفا من جهة ومتمدنا من جهة أخرى؟ هل ينتصر للفلسفة إذا تصدت لها المدينة ام يحتمي بالمدينة بحثا عن ملاذ لا توفره الفلسفة؟ لماذا ينزوي الفيلسوف بصناعته بعيدا عن الأنظار ويخدم للسلطة؟ وهل يتحمل الفيلسوف مسؤولية كل ما يحدث في العالم ومطالب بتشييد المدينة؟ أليس من المطلوب أن يفكر الفيلسوف دون سلسلة مقيدة وخارج الصندوق ويسير في دروب جديدة ويساهم في صناعة العالم الإنساني؟ كيف يا ترى دور الفيلسوف في صناعة الأمل والتوقي بالثقافة والأدب والتاريخ من التطرف العنيف؟

ماهي خصائص الأزمة التي يعاني منها الإنسان في حياته العادية؟ وكيف تأثرت الحداثة بهذه الأزمة؟

1- مظاهر أزمة الوعي التاريخي بين التخصيص والتعميم:

"الأزمة ليست حادثًا طارئًا، ناهيك عن مرض حديث: إنها مكون من الوعي"3[3]

لقد عرفت البشرية منذ التشكل الأول العديد من الأزمات وأوجدت الوسائل اللازمة لحلها تصديقا لقول ماركس بأن الإنسانية لا تطرح مشاكل لا تكون قادرة على حلها وبالنظر إلى العقل يجد لكل سؤال جوابا ولكل مرض دواء ولكل آفة علاجا ولكن الأزمة الحديثة التي طوقت الوضع البشري طالت واستحكمت ولم يجد الإنسان المعاصر لها مخرجا وتسببت في ظهور العدمية واللاأدرية والانحطاط والحيرة القيمية والفراغ الأكسيولوجي ودفعت بالناس إلى التحرك في الممكن وقبول بالواقعية والبحث عن بدائل مؤقتة.

بعبارة أخرى نحن لا نعيش أزمة لأول مرة في التاريخ، فالوجود البشري شهد ظهور الكثير من الأزمات ولكن ما نعيشه في الزمن الحاضر هي أزمة شاملة لا نظير لها في السابق لأنها تظهر أزمة دائمة ونهائية.

كما أنها طرحت في الميزان قيمة التقدم التاريخي الذي سار إليه البشر وأعادت التساؤل عن معنى الحداثة وتماسك الذات في مواجهة التحديات والعناصر التي تكونها وصلابة المؤسسات في ظل عنف التحولات. لقد تفطن بول ريكور إلى تعدد أسباب الأزمة في العالم وتوزعها بين وراثة العنف التأسيسي وهشاشة ثبت الهوية ومخاطر اللقاء بالآخر ونشر اللاّتسامح بين المجمتعات وإفساد المال للأخلاق والسياسة والاقتصاد.

اللافت للنظر أن الأزمة عامة ومعولمة من جهة وتشمل جميع القطاعات بشكل خصوصي من جهة مقابلة ويضع لها بول ريكور ثلاث أسباب:

1- إن مصطلح الأزمة مزروع في الجسد البشري بطرق متنوعة ومبهمة بما أنه يشمل القيم والوعي والحضارة ويمس المؤسسات والجمعيات والوزارات والأحزاب والمرافق العمومية والخاصة.

2- مرت الأزمة بسرعة من الطابع الجهوي والقطاعي والخصوصي إلى الطابع العام والشمولي والكلي واخترقت بصورة تامة الظاهرة الاجتماعية وبرز ذلك في مستوى تمثل المجتمع لنفسه.

3- أزمة الحداثة لم تعد تشير إلى ظاهرة من بين ظواهر أخرى وإنما صارت ترمز إلى حقبة كاملة ومساءلة جذرية للحاضر واستشكال للراهن بسبب الصراعات التي تخترقه والتي يتعذر حلها[4].

 لقد ترتب عن اشتداد الأزمة تزايد المشاحنات الإيديولوجية وبروز تمثلات عقيمة للمجتمع وغياب التقدير للأفكار القيمية وتزايد الاهتمام بالقيم المعولمة التي تدور في فلك المنفعة والإجراء والربح ومتعة الاستهلاك وتكاثر المشاكل في المجالات التي كانت مستقرة وتفاقم النزاع في الحقول التي كانت هادئة.

يتوقف بول ريكور عند الدلالة الطبية للأزمة ويرى أنها تشير إلى لحظة المرض الذي يختص بتغير في السير العادي للمريض ويرتبط بالمعاناة أو العذاب في وجود شيء كعلامة رئيسية على سياق باثولوجي وتستوجب إحداث قطيعة في الإيقاع الزمني للمرض من خلال التشخيص المبكر والتدخل العلاجي ومحاولة إيقاف المضاعفات وتنمية القدرات الدفاعية التي يختزنها الجسم وتقوية المناعة عبر العقاقير5[5].

القطاع النموذجي الثاني الذي يحلل فيه ريكور مصطلح الأزمة هو حقل التطور النفسي الفزيولوجي الذي يشير الى حالة من البؤس العميق التي يعيشها الكائن وتكون في ذات الوقت في المستوى الجسدي والنفسي وتؤشر على مرور من حقبة عمرية معينة إلى مستوى زمني آخر وتظهر بوضوح في اللاتوازن الذاتي.

النموذج القطاع النموذجي الثالث هو الإطار الكوسموبوليتي الذي كان عمونيل كانط قد اشتغل عليها في كتاباته عن فلسفة التاريخ والتي أقر فيها بإمكانية ملاحظة التطور التام على الصعيد النوعي وحجبها عن الصعيد الفردي بسبب لاإجتماعية الاجتماعي في الحالة الأولى ووجود استعدادات طبيعية لاستعمال العقل تظهر بشكل متأخر في الأجيال المتعاقبة التي تطور قابليتها للتحول إلى المجتمع المدني ودولة القانون6[6].

أما النموذج القطاعي الرابع الذي يشهد بشكل منتظم ميلاد أزمات هو تاريخ العلوم وكشف فيه توماس كوهن في "بنية الثورات العلمية" عن النموذج الإبستيمولوجي للأزمة والطابع المنكسر للإبداع العلمي وبيّن فيه أن التقدم يتم عن طريق سلسلة من الثورات والقطائع التي تحدث من خلال تغيير في النماذج وذلك بعد وقوع تشويهات في النظرية وتعقيدات في المعرفة واختلال في التوازن وبروز أزمات عابرة7[7].

في نهاية المطاف يصل ريكور إلى تحليل المفهوم الاقتصادي للأزمة ويعتبره مفهوما مشتركا ومهيمنا ويعد النموذج الوحيد الذي يمكن أن يؤثر على النماذج الأخرى وينتشر في جل مجالات الحياة الإنسانية وذلك بالنظر إلى تأثير البنية التحتية المادية على البنية الفوقية الثقافية ومسه بقوة الحضارة الكونية وسلم القيم والمبادئ وشبكة المعايير الرمزية وتسببه المباشر في ظهور أزمات في مختلف الميادين الأخرى8[8].

يترتب عن اندلاع الأزمة في المجال الاقتصادي تشكل أزمة بالمعنى المنظومي النسقي واتخاذها الطابع المتنوع التتابعي وانتشارها السريع في المجتمعات المتقدمة والمتأخرة عن نمو أنماط الإنتاج الرأسمالية واكتساحها لكتل بشرية عريضة عوضت حالة الرخاء والرفاه والاستقرار بحالة الكساد والشقاء والعوز.

لقد تولد عن الأزمات القطاعية في المجال الطبي والنفسي الفزيولوجي والكوسموبوليتي والابستيمولوجي والاقتصادي تناقضات اجتماعية وعدة فوارق وعذابات واختلال في القيم وشرر سياسي وحروب متناسلة.

من هذا المنطلق تميزت الأزمة في العالم المعاصر بثلاثة خصائص أساسية حسب بول ريكور: التمكين9[9] والدورية 10[10] والعولمة11[11] ويؤدي ذلك إلى حصول تحولات كبيرة وتغييرات جذرية في مستويات الحياة للنوع. لكن ماهي المعايير التي يعتمد عليها ريكور أثناء تحليله لظاهرة الأزمة المعممة généralisée؟

اعتمد ريكور على عدد من المعايير أثناء دراسته للأزمة التي يعاني منها المجتمع الحديث ويراها تدور كلها حول المعيار الطبي والمعيار البيداغوجي والمعيار السياسي والمعيار الابستيمولوجي والاقتصادي. وكأن الحل في هذه الميادين يكون بالتخلص من المرض بالعلاج الكافي والدواء الشافي والخروج من الفشل المدرسي بالتربية المتكاملة والتعليم الجيد ومقاومة الشر والظلم بالحوكمة الرشيدة والسياسة العادلة والتغلب على الجهل الواعي والغباء المبرمج والخلط المتعسف بالنقد وتحصيل التنمية ضد الفقر12[12].

فكيف أدى التفاوت في امتلاك الثورة وفي درجة إنتاجها إلى ظهور فوراق اجتماعية ونزاع بين المدن؟

اللحظة الثانية: المدائن المتصارعة بين إخفاق العدالة والشر السياسي

" الآخر هو أقصر طريق بين الذات والذات عينها"13[13]

لقد تفطن ريكور إلى أن أزمة المدينة villeتعكس إلى حد كبير الأزمة الطارئة على السياسي والتي تعود هي بدورها إلى أزمة في المشاركة14[14] السياسية وقلة التدخل في الفضاء العمومي وعدم المحاسبة.

تعني المدينة Cité عند ريكور الجماعة السياسية بمختلف المؤسسات التي شيدتها وأعطتها شكل الدولة وتختلف عن المدينةville التي تشير إلى منطقة حضرية تكون في ذات الوقت وسطا فيزيائيا وبشريا يتركز داخله السكان وينتظمون وفق مساحة لها موقعها وبيئتها وفقا لاحتياجاتهم وأنشطتهم الاقتصادية.

المدينة في خطر هذا مؤكد والمهدد فيها هو الجانب الحضري والمدني والعمراني بسبب هبوب رياح العدمية والتوحش واشتداد عود الهمجية واتساع رقعة كثبان الرمال المتحركة القادمة من الصحراء والتي تهدد ما تبقى من مناطق خضراء وواحات ديمقراطية آمنة التي تنتشر فيها المحبة والتصافي والتعاون. ترصد أرندت تنامي ظاهرة فقدان العالم للتمدن وترى أن الواحات التي تستطيع توفير الحياة تم إبادتها عندما كنا نبحث عن ملاذ، يمكن أن يبدو في بعض الأحيان أن كل شيء يتآمر لتصبح الصحراء في كل مكان. لكن ليس هذا سوى خيال، في النهاية العالم دائما نتاج الإنسان، نتيجة حب الإنسان للعالم15[15].

بيد أن اللافت هو عدم الاكتفاء بالتحارب بين قوى الهدم وقوى البناء داخل المدينة بل نشوب نزاع بين المدائن في حد ذاتها وذلك ليس بسبب المشاريع التحديثية فيها والبرامج التنموية والمخططات السياسية ولكن بمفعول إخفاق العدالة16[16] ونتيجة اتساع الهوة بين المركز والأطراف والتناقض بين سكان المدن وسكان الأرياف وبعد استفحال التعصب والازدراء وتفشي التمركز على الذات والنزعة الفرادنية التملكية. من المفروض أن تحوز كل مدينة على مشتغلين بالفلسفة وتتوفر على منتجين للمعرفة وطلاب للحقيقة ومحبين للحكمة وعاشقين للمفاهيم ومناضلين من أجل المواطنة ومشاركين في الفضاء العمومي وبالتالي تبدو مسؤولياتهم مضاعفة في التصدي للانحراف ومقاومة التشويه وفي الانتصار للقيم الكونية والتربية السياسية للجماهير ويطلب منهم أن ينحازوا إلى قضايا الناس الجدية ويتحولوا إلى ناطقين بلسان الضمير.

والحق أنه توجد أنماط مختلفة من المدائن بحسب اختلاف النشاط البشري داخلها والمشروع الإنساني الذي يتم الانخراط فيه من طرف الكائنات البشرية المنتمية إليها وبحسب تأرجح العلاقات بين التنابذ والتعاون.

في هذا الإطار يستأنس بول ريكور بالتحليلات العميقة للوك بلتانسكي ولورنت تيفينو في كتابهما التسويغ : اقتصاديات العظمة17[17] ويحاول تحديد مكانة الفيلسوف ضمن النسق الوظيفي للمدائن المتصارعة ويرى أنه توجد مدينة للتسوق cité marchande حيث ندرة الخيارات تجعل الأشخاص يتنافسون على الحصول عليها ويخضعون ويتوحدون وهناك أيضا المدينة الصناعية cité industrielle التي تهيمن فيها القواعد الوظيفية الخاضعة للمبادئ العليا للمنفعة ومدينة الرأي cité de l'opinion التي تتحدد فيها الشهرة برأي الآخرين بدل الارتباط بالعظمة الحقيقية ويعيش فيها المشهورون من الرياضيين ونجوم الفن والمحترفون والمدينة الملهمة cité inspiré التي تتحدد فيها عظمة الأشخاص بالفضل وليس بالمال والمنفعة والمجد ، والمدينة المحلية cité domestique التي تشير إلى الموطن الأصلي ومسقط الرأس حيث تسود قيم الولاء والوفاء والإجلال والإكبار والرضوخ والانحناء للتقاليد تحت اسم قبول الإقامة المنزلية maisonnée والمدينة المتحضرة cité civique التي يتنازل فيها المواطنون عن مصلحتهم الشخصية لإرادة الجميع التي يعبر عنها القانون الوضعي ضمن الانتماء للمجموعة الوطنية، ومدينة المهمشين cité des marginaux والتي تضم الفنانين الهواة والتأمليين contemplatifs والمفكرين والفلاسفة ومعظم الحالمين من الشعراء والأدباء والنقاد واللاسلطويين والمحبطين والمنبوذين18[18].

هذا التعداد الفلسفي للمدائن يذكرنا بما قام به أفلاطون عند الإغريق وأبي نصر الفارابي عندنا في التفريق بين المدينة الفاضلة ومضاداتها من المدائن الضالة والجاهلة التي يفقد أهلها كل الأشياء المشتركة19[19].

 فكيف يتخطى الفيلسوف المنتمي إلى مدينة المهمشين وضع الهشاشة لكي يقتدر على تحمل المسؤولية؟

يبدو أن وجود المدائن في حد ذاته معرض للهشاشة ومداهم من طرف الشر السياسي وأشكال التراجيديا التي تظهر على مسرح التاريخ ويتطلب اتخاذ تدابير تتعلق باتخاذ القرار وممارسة الحكم والاقتدار على تبني جملة من الإجراءات والسماح للمواطنين بالمشاركة في تنظيم أنفسهم والمساهمة في إدارة الشأن العام وافتكاكهم لحقوقهم والتعبير عن أفكارهم الفلسفية الصامتة والوعي بالتصورات الإبداعية العفوية. كما تتعلق الهشاشة بالممارسة العمومية للفعل السياسي أكثر من تراجيدية الفعل الناتجة عن بروز صراع بين الكائنات البشرية المتناهية وعظمة التحديات التي تواجها على مسرح التاريخ والتحولات الهائلة.

علاوة على ذلك تشهد بعض المدائن تفكك الروابط الاجتماعية وعدم استقرار في شبكة التواصل بينها وغياب الاعتراف[20] بين الأفراد والمجموعات وتجاهل البعض للبعض بالنظر إلى الاختلاف في الانتماء اللغوي والديني والاجتماعي وصراع الأجيال والاحتدام بين الطبقات واندلاع حرب الجميع ضد الجميع.

 في الواقع يساهم تصاعد العنف داخل المدائن ونشوب الحروب الأهلية في الداخل وتعرضها للعدوان العسكري من الخارج والمشاركة في الحرب الشاملة في ظهور أزمات دورية في الحياة العامة ضمنها.

زد على ذلك انتشار التصور البراغماتي للحكم الذي يؤثر التبرير على العدالة والهشاشة على المسؤولية ويصعب عليه إرجاع المجتمع السياسي للمجتمع المدني وما يحمله معه من مصادر القسوة وتحميله للسلطة من مسؤوليات بخصوص منابع النزاع وجذور السياسي ويرى بول ريكور أنها متقدمة على التقاء خطان من القوة هما عنف السادة ومالكي الأراضي ومستولين على الموروث والمهيمنين على الأقليات الاثنية والثقافية والدينية وشرعنتهم للعنف ومأسسته تحت ضغط العقلانية القانونية ضمن التوازن الذي تقيمه دولة الحق عندما تقوم السلطة السياسية بتعريفه من حيث هو قوة تحتكر العنف المشروع وبوصفها شكل قانوني تخضع هي نفسها لقواعده المؤسساتية. لذلك تظل الدولة القانونية في حالة من التأرجح بين القطبين المتكونين من العنف البدئي المؤسس والعنف المشروع الردعي بقوة البوليس والجيش والأمن21[21]. هنا ترى حنة أرندت أن" إدارة الحرب مكنت مرة أخرى كما في القدم من إهلاك القسم الأعظم ليس فقط من الشعوب التي أصابتها بل حولت العالم الذي تسكنه هذه الشعوب إلى صحراء"22[22].

 في هذا الإطار إذا كانت السياسة هي مواصلة الحرب بوسائل غير عنيفة وإذا كانت الحرب هي مواصلة السياسة بوسائل عنيفة فإن الحرية رهينة أسوار المدينة وتتحقق في الأغورا بالمطالبة بوقف الحرب23[23].

المصدر الثاني من الهشاشة يتمثل في التقاطع في مستوى السلطة بين العلاقة العمودية للهيمنة والخضوع التي تتحكم في الحاكم والمحكومين والعلاقة الأفقية التي ترسمها إرادة الحياة المشتركة للجماعة والتي يجعل الرابط السياسي الجامع للمواطنين هشا بالمقارنة مع الرابط الاجتماعي الممتنع عن الخرق24[24].

المصدر الثالث للهشاشة يعود إلى طبيعة الدولة الديمقراطية المعاصرة التي تستمد سيادتها من ابرام اتفاق افتراضي يترجم صيغة تمثيلية تشاركية، ولكن تبقى هذه السيادة منقوصة وتحت رحمة رضا المتعاقدين وتزعم أنها تؤسس ذاتها بذاتها وتخضع العالم السياسي إلى قانون جاذبية خاصة بالمجتمع الذي تحكمه25[25]. يمكن إضافة حالة المعاناة والعذاب التي يعاني منها المذنب والذي يظل يبحث عن إعادة الاعتبار ويهدد بالانتقام كرد فعل عن تأخر الصفح وفي المقابل تنتاب الضحية الذي تعرض للتعدي والإجرام مشاعر بالاهانة ويظل في حاجة إلى إنصاف ورد الاعتبار حتى يظل يحترم العدالة26[26].

يترتب عن هشاشة السياسي ضعف في مستوى الكلام السياسي وفقدانه إلى البرهنة المنطقية واشتغاله عن طريق المغالطة والحجاج والسفسطة والمجادلة ورغبته في الإرغام واستمالة الناس باللعب على العاطفة واصطدام الفعل السياسي بالتراجيدي الذي يظهر على مسرح التاريخ كقدر محتوم لا يمكن تغييره27[27]. أمام هذه الهشاشة المتعددة التي يعاني منها الفضاء السياسي يبدو تحمل المسؤولية الفردية والجماعية من أجل مواجهتها من الأمور الصعبة والتحديات الجسيمة التي تتجاوز اقتدار المواطنين والحكام على السواء.

لذلك تبدو مسؤولية المثقفين جسيمة في معالجة الهشاشة اللغوية للخطاب السياسي وتوضيح المصطلحات الغامضة وتقويم الخطابات المرتجلة وحملها إلى مستوى المفاهيم الدقيقة واستخلاص رهاناتها الأساسية وبيان الروابط الحاسمة بين الاختيارات السياسية للدولة والاختيارات التابعة للمجتمع المدني والصراع الناشب ضمن دوائر العدالة والتنافس بين المدائن والعوالم التي نسكنها على الأدوار والوظائف28[28]. لكن كيف يتم الانتقال من المستوى العنيف للمدائن المتصارعة إلى الأرضية التواصلية للعوالم المشتركة؟

اللحظة الثالثة: العوالم المشتركة بين حذر السياسي واستكمال المقصد الإيتيقي

" أن تكون موجودا في العالم يعني في العمق أن تكون منفتحا على الوجود ولكي تجد نفسك في ضياء الوجود" – مارتن هيدجر ، الوجود والزمان،

السؤال الذي يطرح هنا هو: ماهي الأشياء التي يعول عليها في المدائن المتنازعة لبناء عوالم مشتركة؟

المدينة هي تعدد محدود من النماذج القادرة على تأسيس اتفاق في حالات التقاضي وأنظمة فعل مبررة يسمح الانتماء إليها بانضواء الفاعلين إلى حقول من الأنشطة المتساوقة والتبادلات الضرورية29[29].

هناك مدائن مكتظة ومزدحمة ومليئة بالأنشطة والمشاكل والمخاطر ويصعب فيها العيش وهناك مدائن مهجورة ومتروكة وفارغة من كل حركة وتحولت إلى مقابر للحياة وهناك مدائن منظمة ومشيدة بطريقة عصرية ومتحضرة ومليئة بالحركة والإنتاج والوفرة والرخاء والناس فيها مقبلون على التمتع بالحياة. كما لا يجوز التكلم عن ضرورة الانتقال من المدائن المتصارعة إلى العوالم المشتركة إلا بعد استبدل التحليل الذي تؤمنه طيبولوجيا المواقع30[30] إلى الفهم الذي توفره فلسفة هرمينوطيقية سردية في مقصدها الإيتيقي. الأولى تقتصر على الكشف عن مواضع الصراع وأشكال الخلاف بين المدائن وصعوبة تجسير الهوة وتذليل الصعوبات التي تولد اللاّتفاهم بينما الثانية تبحث عن أسس الاتفاق وشروط إمكان التفاهم وتبني جسور التواصل وتصوغ نظرية التفاوض والتوافق وتتغلب على مواطن الهشاشة والضعف في المدائن.

الخروج من المدائن المغلقة المتزاحمة إلى العوالم المشتركة المفتوحة يقتضي استبدال نظرية في الصراع والتنازع غير المبرر بنظرية في التفاهم والاتفاق المفيد والتوقف عن الهدم والتحطيم وقبول لعبة الوجود معا والرضا بقواعد حسن الجوار وحسن الضيافة وإرادة الحياة المشتركة والانطلاق في البناء والتعمير.

إن القوانين هي المكون الأساسي للمدائن التي يتم احترامها من طرف المواطنين ولا معنى للقوانين خارج البوليس والخاصية المكونة للعالم هي العلائقية والارتباط والمعية التي تجمع بين الأفراد والجماعات31[31].

إذا كان النزاع على الحدود والبحث عن مشروعية داخلية من خلال التشبث بمؤسسات العظمة وفق مبادئ مثالية عليا هو الذي يتسبب في اندلاع الصراع بين المدائن فإن تحمل تراجيديا التاريخ يبدأ بعمل المكاشفة النقدية والاعتراف بالخطأ في حق الغير وطلب الصفح والاهتمام بالتبرير داخل العالم وفق قيمه ومبادئه.

إن التلاقي بين المدائن داخل العالم المشترك أمر ممكن وفق استراتيجية تواصلية مبنية على تقاسم المصير ضمن نظرة ايكولوجية تحترس من ما يتهدد مستقبل الحياة على الكوكب من مخاطر وتنذر بحلول الكارثة.

في هذا الإطار يتسلح الفاعل السياسي بالحذر والحيطة والتعقل والمداولة وجودة الروية في مستوى اختيار الوسائل الأنسب والأقل ضررا على الطبيعة والبيئة والمحيط والتي ترفق بالأغيار وتصون الحياة من كل تهديدات ومخاطر وتتبع منهجية متدرجة وسياسة مرحلية قصد بلوغ الأهداف المرتقبة والغايات المحتسبة.

يمكن للحاكم العادل أن يقوم بالتخطيط التعقلي للسوق الاجتماعي على المستوى الاقتصادي وان يتصرف في الحياة السياسية بشكل ديمقراطي بحيث يشجع على التعددية الحزبية ويصون التنوع والاختلاف ويقوي متانة الروابط الاجتماعية ويشيد إنسية تشاركية واعية بين الفاعلين المدنيين في الصعيد الثقافي والروحي.

من هنا يقترح ريكور التفكير في العلاقة بين الاقتصاد والسياسة ضمن ثلاثة حدود هي الأخلاق والإيتيقا والسياسة بدل الاكتفاء بالثنائيات القديمة: سواء أخلاق وسياسة أو إيتيقا وسياسة ويبرر ذلك بأن التمييز بين الأخلاق والإيتيقا لا يستمد مسوغاته من المستوى الشخصي وإنما من المستوى المؤسساتي السياسي32[32].

ينادي ريكور بأن يكون السياسي الوسط الذي يجد فيه المقصد الإيتيقي إكماله لأغراضه وانجازه لمهامه ويحدد السياسة بأنها تدفع الفرد لكي يحصل على السلطات التي يقدر عليها ويقتدر بها ضمن إطار الرغبة في الحياة الجيدة التي تحدد البعد الإيتيقي للفعل بينما يعتبر العدالة الفضيلة الأولى للمؤسسات التي تمارس فيها هذه القدرات وتتحقق ضمنها هذه الرغبات وذلك عندما يؤشر على المرور من الإيتيقي إلى الإلزام الأخلاقي وذلك من خلال التقيد بالجهاز المعياري والضوابط السلوكية للنسق الصوري للقيم التوجيهية ويبحث زيادة إلى ذلك وفق تمشي نقدي عن ضرورة ممارسة السلطة ضمن القواعد الإجرائية للعدالة.

إذا كان الأخلاقي يتحرك ضمن مدار الإلزام وإذا كان الإيتيقي يبحث عن الجيد وإذا كان الاقتصادي يوفر النافع فإن السياسي يفتش عن تسويغ قانوني لممارسة سيادية للسلطة بغية تطبيق القوانين والتدابير33[33].

على هذا الأساس ينبغي أن يكون الفاعل السياسي مسؤولا بالمعنى القانوني والأخلاقي على ما يحدث من جرائم وتعديات ويتحمل تبعات قراراته واختياراته والإجراءات التي اتخذها عند محاولته عقلنة المجتمع.

ينتبه ريكور إلى أن مفهوم المسؤولية تم استيعابه ضمن مفهوم العزو وتحمل تبعية الأفعال وضرورة جبر الإضرار والتعويض للضحايا وأنه آن الأوان لكي يقع التفكير فيه ضمن شروط إمكان جديدة ومختلفة34[34]

هكذا ترتبط مسؤولية السياسي باقتداره وعزويته ونسبة أفعاله اليه وحيازته على القدرة على اتخاذ القرار والحكمة العملية والحذر السياسي والاختيار التفضيلي والمداولة الحصيفة والتصميم على الانجاز والإتمام.

لكن المدينة الشمولية لا تمنح الفيلسوف فرصة للكلام ولا توفر له فرصا للفعل والمبادرة والتأثير واللقاء بالناس وتسطر له مجالات تحركه وترسم له حدود نفوذه وتحاصره وتصده إن قاوم وتمرد وثار عليها ولا مطمح له إلا السفر والاختلاء والهجرة من أجل بلوغ مدينة الحرية المفقودة والتشبث بالحلم اليوطوبي في الثورة والبحث عن سبل الخلاص واتخاذ مسافة نقدية من الواقع السائد والمرابطة في الأقاصي وملازمة الصمت الحكيم والاشتغال على إعداد البديل الحضاري وطي صفحات الجهل والخرافة والهمجية والظلم.

لكن هل تكفي إحالة السياسة على المقصد الإيتيقي لكي تصلح ما أفسده الاقتصاد الرأسمالي من هشاشة؟

اللحظة الرابعة: مسؤولية المجتمع الدولي والمقام الجديد للفيلسوف:

" أي مسؤولية اليوم في العالم الذي نعيش فيه؟"35[35]

تحميل الفيلسوف مسؤولية مآل الأحداث في عصره هو أقرب إلى الهزل منه إلى الجد ويقتضي التلاعب بالمسؤولية أكثر من التطرق إلى البحث في تاريخها عن تسويغ نظرا لحالة الإلقاء به في مدينة المهمشين واستحالة نسبة أفعاله وأقواله وأفكاره إليه من حيث وجوده في وضعية هشة ومحاصرته بالسلطة المقيدة.

بيد أن مهمة الفيلسوف لا تكمن في ممارسة الوعظ الأخلاقي والإرشاد التربوي ولا تقتصر على تقديم النصيحة بالمعنى الاجتماعي والاستشارة بالمعنى السياسي وتوفير المشروعية بالمعنى القانوني للحاكمين وإنما تتعدى كل ذلك إلى تعليم المواطن القيم المدنية والأنسنة الثقافية والتسامح الديني ويمكنه أن يصبح مهندسا معماريا للمدينة من حيث المساهمة في العقلنة والتنظيم والتحفيز والبناء المدني والتنضيد التقني.

من ناحية ثانية يظل الفيلسوف مطالب بالتفكير في أفق ثالث يوجد في خضم المواجهة بين المجتمع المدني والمجتمع الثالث ويلتصق بالفضاء العمومي ويسهل إبداع مؤسسات سياسية ضمن إطار مابعد وطني وفق رؤية اندماجية وحدوية مع الأقطار المجاورة على أساس الانتماء إلى المحيط الجيوسياسي وتقاسم فكرة الإنسانية التقدمية ويسهر على تغذية الخيال السياسي للمواطنين بجملة من التصرفات الإيتيقية والجمالية.

هذا المطلب لن يتحقق إلا من خلال إجراء تحويل في مفهوم السيادة وفق ديناميكية جديدة عابرة للحدود ومربكة للهوية الوطنية وللذهنية التقليدية التي تنتمي إلى سلوك سياسي حزبي ظل رهين مقولات تقليدية .

ان الخروج من منطقة الهشاشة ومجال النزاع والتراجيدي يشترط التزام الفيلسوف بنظام معياري وقيمي يضم مجموعة من النماذج الإدماجية التي تدفعه إلى تحمل المسؤوليات حول الانفتاح على المجتمع الدولي وتبادل الذاكرات بغية تصحيح السرديات وبلورة الضيافة بين الثقافات عبر توسط الصفح والرجاء والأمل.

يتم بناء العالم حسب أرندت بواسطة الفانين من أجل خلودهم المحتمل ولكنه يظل دائما مهددا من قبل الظروف المميتة التي تحيل الذين شيدوه والذين يولدون لكي يحيوا فيه إلى التقاعد والفناء36[36]. لذلك يبقى"العالم هو دائما صحراء في حاجة إلى أولئك الذين يبدؤون ليكون قادرا من جديد على الابتداء"37[37]

لا يتكون العالم المشترك من الذوات والمواضيع ولا يتوقف على الأبعاد الرمزية والأشياء المادية بل ثمرة فعل الجماعة ونتيجة تضافر الإرادات وتعاون الملكات وتقاطع الدوائر ويوجد في العتبات وعند بين بين.

العالم ليس مجال للتأويل والسرد فحسب وإنما هو كذلك مجال للتغيير وإعادة التشكيل وبالتالي لا يقتصر على تدبير الذوات ولا على التأثير في المواضيع بل يضم الحقول المشتركة لتخصيب المعنى والقيمة والأرضية العامة التي تتحرك ضمنها الإرادات لكي تقتدر على الفعل والتذكر والكلام والقص والوعد.

لا مفر أمام الفيلسوف من توقي مخاطر اللقاء بالغير والتخلص من ميراث العنف التأسيسي الذي تلوث به الضمير الإنساني وتسبب في أزمة في الوعي التاريخي سوى إعادة بناء مشروع الأنوار من خلال تبادل تجارب الذاكرة بين المدائن واعتماد نماذج الصفح واللاّعنف والتسامح والعدالة من منظور المحبة والهبة. " فالمسؤولية ليست فقط مسؤولية عدد من المثقفين : الأكثر أهمية هي المسؤولية عند كل مواطن"38[38].

الأمر يتعلق بتحمل الفيلسوف مسؤولية التغيير الجذري في مقامethos الأفراد والمجموعات والدول والذهاب إلى ابعد من ثنائية الأنا والغير ضمن أفق مابعد مقولي يحوز على كثافة روحية وطاقة عالية.

بعد البناء السردي للهوية الخاصة يجدر انتزاع الاعتراف المتبادل من خلال تثمين البعد السردي للعوالم المشتركة عن طريق حركات الترجمة من حيث هي أفعال مثاقفة وتبادل الذكريات وممارسة الغفران. بهذا المعنى يولد المقام الجديد من الفهم المطبق على التعقيد في بعضه البعض للقصص الجديدة التي تهيكل وتشكل هذا التقاطع بين الذكريات. لا يتخلى المقام الجديد عن الإحداثيات التاريخية الهامة وما رافقها من عنف تأسيسي وإنما يبذل جهدا تأويليا من أجل الانخراط في قراءات متعددة للتاريخ والذاكرة39[39].

بعد ذلك يجدر المعالجة من مرض التقاليد وجراحات الذاكرة الجمعية والاهانات التي خدشت الكرامة البشرية والشفاء من الإفراط في الإيديولوجيا والتفريط في اليوتوبيا ونفي عنف الحدث التأسيسي وإطلاق العنان للفاعلية النقدية للحاضر وتحطيم الأوهام المتعلقة بالوضع وتفكيك الاغتراب واستشراف المستقبل.

غني عن البيان أن استكمال المشروع الأنواري بالنسبة للحضارة الكونية لن يتحقق إلا بتغلب الذاكرة على النسيان ونبذ التمركز العرقي للثقافة الغربية التي تزعم الانطلاق البدئي من الإغريق والرومان واللاّتينين وإحراز التحديث من خلال الانتصار في المعركة مع الكهونت وتكريس النموذج العلموي التقنوي كمعاير للتمدن وإقصاء البعد الرمزي والروحاني والاعتراف بمساهمة كل الثقافات الشرقية والإفريقية والآسيوية وخاصة العلوم والفنون والآداب العربية والإسلامية في قيام حداثات متعددة للعالم المشترك40[40]. اللافت أن مسؤولية الفيلسوف في العالم المشترك ضمن الجماعة التاريخية الناطقة بلغة الضاد تتمحور حول استئناف المشروع الأنواري ضمن مقاربة تأصيلية حداثية تسعى إلى إعادة تملك التراث ضمن رؤية تأويلية ايتيقية تراوح بين النقد والتواصل وتعتمد المضيافية والمسلكية العبرمنهاجية والعقلانية المركبة.

من المفروض أن يتم التذكر السردي للتجارب الحضارية المشتركة الحاصل فيها تثاقف وترجمة واستفادة بين الشعوب وحوار بين المذاهب وتلاقي بين الأديان في الأندلس وصقلية والشام وبيت المقدس حيث يجب أن نمارس النسيان العلاجي للاضطهاد الديني والتمييز الهووي ونتحمل مسؤولية الغفران41[41].

كما يمثل باراديغم الاعتراف المتبادل بين الذوات والمجموعات والدول أكثر أرضية إيتيقية ضرورية لارساء عدالة اجتماعية خالية من الظلم والازدراء وتستطيع التنازل وتكف عن التعديات وتجبر الأضرار.

في هذا الصدد تصرح أرندت عن الحكم والمسؤولية "أنت طبيعي، شخص عادي ، لا مجرم ولا مؤدلج، ولا وحش مريض، في يوم ما تنهار كل المعايير التي اعتدت عليها. منذ ذلك الحين فصاعدا تواجه خطر التواطؤ مع الأشياء السيئة. كيف تتجنب ذلك كيف تميز الخير عن الشر؟ كيف تقول لا؟ - في محاولة تقييم الوضع- لذلك عليك التفكير والتفكير بنفسك، هذا الفعل ليس مقصورا على النخبة: إصدار حكم وتحمل المسؤولية ، يمكن للجميع أي كان يمكن أن يفعل ذلك ، لا تزال في حاجة إلى الإرادة..."42[42]

لكن كيف يستدعي اقتصاد العطاء شعرية الحياة الأخلاقية لكي تمنح الفعل السياسي ديناميكية وإبداعية؟

خاتمة:

"هل يمكننا أن نحيا دون أن يكون للتاريخ معنى؟"43[43]

الثورة في الخطاب الفلسفي تعني تشييد خطاب فلسفي في الثورة وبدل البحث عن موقع للفلسفة في مدينة الثقافة والنضال الثقافي في سبيل مكان للمدينة الفلسفية والاكتفاء باللاّمكان واللاتحدد والانحياز إلى المدنية وتثوير الذهنية النخبوية وتطهيرها من التعالي والنرجسية والتمركز على الذات وزرع التواضع والإيثار.

لقد ظلت المدينة عندنا أسيرة مفهوم أم القرى وغير بعيدة عن المخزون الرمزي للبادية بالرغم من التخلص من لفظ المدائن الكسروي واستنبات مفهوم الحاضرة والتصالح مع مفاهيم البيت والمنزل والساحة والأسوار والأبواب والأسواق والمخازن ولم يقبل الفارابي الاقامة بمدينة الحرية واعتبرها جالبة للفوضى والتخاصم وفضل عليها مدينة السعادة ولقد بقيت الثورة مجرد خروج مسلح على الحاكم ولم تتحول في لسان العرب إلى مشروع تحرري ومقام انعتاقي وطريق نحو الحرية وتدريب على الكرامة.

كما ارتبطت الثورة بالانقلابات العسكرية وقيام الأنظمة الشمولية ورفضتها الأحكام الفقهية في مختلف المذاهب وتم اعتبارها فتنة وردة وإضعاف للملة باسم المصلحة ولم يقع اعتبارها هي المصلحة العامة.

صرحت أرندت ما يلي:" أصبحت الثورات أمرًا مألوفًا ، بعد تصفية الإمبريالية ، ونهض الكثير من الناس ليأخذوا من بين قوى الأرض حقهم في المكان المنفصل والمتكافئ الذي تسنه قوانين الطبيعة والإله"44[44]، ولعل العلامة البارزة التي تسم الوضعية الراهنة بالنسبة إلينا هي سلسلة الثورات التي توالت في عالمنا.

لم يعد ممكنا السيطرة على المجال الحيوي من خلال اختلاق حروب أهلية داخلية بين الأشقاء المتجاورين ولا عن طريق شن حروب شاملة مدمرة تحت مسمى التدخل العسكري من أجل حقوق الإنسان ونشر ثقافة الديمقراطية وإنما مرت المبادرة الشعبية من الحرب إلى الثورة ومن المطالبة بالخبز والأمن والحماية إلى المطالبة بالاعتراف والعدالة وانخرطت الجماهير في النضال من أجل الحرية والانتصار للكرامة البشرية.

لقد شهدنا عدد من الثورات الناجحة ليس فقط بمجرد تمكن مكونات إراداتها الشعبية من مغادرة المدائن المتصارعة والتخلص من النظم الشمولية وإنما بفضل ما اقتدرت عليه من تشييد واحات العوالم المشتركة.

لقد تحولت الثورات من حيث هي الأحداث الأكثر دلالة في تشكيل العالم الراهن الى القوة الأكثر فاعلية في تغيير وجهة التاريخ وصناعة مستقبل الشعوب لما تمتلكه من قدرات تأسيسية للجمهوريات45[45].

بطبيعة الحال تتطلب كتابة سردية الثورة وفق المنوال الفلسفي الملائم استنطاق اللاوعي الجمعي للجمهور وإدراك المخيال السياسي للفاعلين الاجتماعيين وترجمة الشعارات المرفوعة وتطلعات الشبيبة وأمنياتها وتحويل انتظاراتها وتوقعاتها لبرنامج سياسي للقوي الثورية ومخطط استراتيجي قابل للتبلور والانجاز.

تكمن مهمة الفيلسوف في التحول إلى مهندس معماري يتقن فنون التخطيط والتصميم والتعمير والإسكان وينفتح على الوظائف العلاجية للأزمات والأدوار الجراحية للزوائد ويقوم بتنظيم علاقتها بالعالم46[46].

لا يجب تنظيف المدينة من الشخصيات المعارضة ومن الأفكار الثورية من أجل تدعيم السيستام وتركيز النظام ولا ينبغي الخجل من حركات التفكيك والخلخلة التي تحطم كل ما قائم وتجهز على القديم طالما أنها تمثل شرط إمكان بناء قويم ومناسبة ضرورية للتأسيس المختلف للمدينة الثورية والسيستام غير الشمولي.

لقد أخرجت الثورة الفيلسوف من دائرة الاتهام وجعلت من براءة الفلسفة والغفران والصفح مقاما جديدا بالنسبة إلينا وأوجد الربيع عالما مشتركا يضم الجميع من أبناء الوطن ويلوح بالتصافي والسلم في العقول.

لا مقام للفيلسوف دون مدينة ولا تعمر مدينة تجبر فيلسوفها على مغادرتها ولا يكون التفلسف الحق سوى تمدينا حقيقيا ولا يصل الناس إلى رتبة المدنية إلا بالعقل الفلسفي وإذا غاب تعطل منحى الإقامة في العالم.

 لقد ذكرت أرندت أن كلمة الثورة مهما كان القاموس السياسي الذي يستعملها تحوز على معنى عام بغض النظر عن مكانها وزمنها والقائمين بها والظاهرة السياسية التي عبرت عنها والذاكرة التي تريد احتكارها. غير أن العلاقة الملتبسة بين الثورات والحروب هي التي تستحق الدراسة والتحليل وإبراز مواطن التباين بينها والانتباه إلى المعنى السياسي النبيل الذي يرتبط بالثورات والإقرار باستهدافها للتشييد والتعمير47[47].

إذا كان الأيتوس القديم أصبح غير جدير بالسكنى ولا يصلح للعناية بالذات وتدبير المصالح العامة ويثير الاشمئزاز ويبعث على الغثيان والتمرد والعصيان فإن المطلوب من الفيلسوف هدمه وإقامة أيتوس مغاير. إن الانتقال من لحظة المدينة الشمولية إلى لحظة العالم الديمقراطي يقتضي مد جسور التواصل بين الفرقاء والإجماع على المشترك الثوري وترك الخلاف والتباغض والتكاتف على تأمين مصالح الناس والارتقاء بهم نحو مرتبة المشاركة الفعالة في الشأن العام والانخراط في العمل البناء والإنتاج المولد للتنمية والثروة.

من الطبيعي أن يتبوأ الفيلسوف مكانة هامة في المدينة وأن يكون ضمن القيادة الثورية ولا يقتصر دوره على التغريد خارج السرب والبقاء في حالة استنفار دائم ولا يتورط في مواقف مرتجلة ويقول الحقيقة في وجه السلطة ويشهد على العصر ويتمسك بالحلم وينقد الواقع ويعد الفلسفة سلاحا ثوريا وأن" الثورات تطرح مسألة الحرية السياسية على النمط الأكثر واقعية والأكثر جذرية، حرية المشاركة في الشؤون العامة، حرية الفعل- لما تخفق الثورات تصير كل الحريات السياسية والمدنية الأخرى مهددة"48[48].

مقتضى القول أن إيتيقا المسؤولية التي يلتزم بها الفيلسوف في تعامله مع الظاهرة المدينة تجمع بين تقدير الذات وتقدير الغير وتحرص على زرع الأمل والعلاج بالغفران وجدلية الحب والعدالة وتسعى إلى إنقاذ العالم من الانحلال إلى إعادة البناء ومن الذوبان إلى إعادة الأعمار وتعيد كتابة التاريخ وفق رؤية تعددية تضرب الاحتكار والتمركز وتنفتح على المسكوت عنه والضمني والمبعد والمهمش والمقصي والمختلف. ولا يحوز التاريخ على معنى وتعود للفلسفة قيمتها في الحياة اليومية إلا إذا تخلص من الحلول النهائية وإذا تمكن العقل العملي من التعافي من أمراض الوعي التاريخي وتدارك آفات ونقائص النسيان المتعمد واقتدر على التغلب على الذاكرة الجريحة وأمراضها وجعل فضاء التجربة يتحرك ضمن أفق الانتظار وتحمل واجب قضاء الدين والوفاء بالوعد وجدارة الرد على السؤال الكانطي: ما الذي يجوز لي آمل؟49[49]. في هذا المنحى"إن جوهر الاحترام هو ما أحترمه في الآخر، وما أنتظره منه هو تكريس احترامي من قبله، هذا ما يسمكن أن نسميه وجودنا-قيمتنا، قيمتنا الموجودة، بهذا المعنى يقول كانط: الكائنات العاقلة تسمى أشخاصا لأن طبيعتهم تعني أنهم غايات بذاته" وأيضا الطبيعة العاقلة توجد كغاية بذاتها."50[50]، فمتى يكف الناس عن التزاحم باسم التمدن على الكوكب ويعتصموا بالتراحم ليجعلوه عالما فسيحا؟ وأليس الأمل الذي ينشده الفيلسوف من المدينة هو الحرية في أن أصبح مواطنا حرا دون الحاجة إلى دفع ثمن الاستيعاب؟ وما المطلوب من الفيلسوف على المستوى الثوري والإيتيقي أن ينجزه لكي تتشكل المصالحة بين فضيلة العدالة ونعمة الحرية ويتم التحوط بالآفات المهددة للعمران ويقع التغلب على المخاطر المحدقة بالحياة المشتركة داخل المدينة الجامعة؟ وألا تكون المدينة الجامعة هي الأكثر دلالة عن المدينة المدنية؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

.....................................

الهوامش والإحالات:

[1] مداخلة في ملتقى الفلاسفة ومدائنهم ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس أيام 24-25-26 أكتوبر 2019.

 [2] Ricœur Paul, Ethique et responsabilité , textes réunis par J.-Ch. Aeschlimann Neuchatel, la Baconniere, coll : langages, 1994, p20.

[3] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, éditions seuil, Paris, 2019, p300.

[4] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p166.

[5] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p167.

[6] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p169.

[7] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p173.

[8] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p174.

[9] autonomisation

[10] périodicité

[11] mondialisation

[12] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p184.

[13] Ricœur Paul, Soi-même comme un Autre, édition du seuil, Paris, 1990.

[14] Jérôme Porée, Paul Ricœur, le philosophe, l’architecte et la cité, in Revue juridique de l’ouest, Université de Rennes 1, Année 2008, n°3, pp301-320.

[15] Voir Arendt Hannah , qu’est-ce que la politique ?, les déserts et les oasis, texte établi par Jerome Kohn, édition française et préface de Carole Widmaier, édition du seuil, Paris , 2014.pp291-294.

[16] Ricœur Paul, le juste, la justice et son échec, Cahier n°81, éditions de l’Herne, Paris, 2005.p07.

[17] Luc Boltanski et Laurent Thévenot, De la justification : les économies de la grandeur, édition Gallimard, 1991,

[18] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p122.

[19] أبو نصر الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة، تقديم وتعليق ألبير نصري نادر، دار المشرق، بيروت، طبعة2، 1986، ص131.

[20] Ricœur Paul, Anthropologie philosophique, écrits et conférences 3, édition du seuil, Paris, 2013.pp445-451

[21] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p124.

[22] Arendt Hannah, qu’est-ce que la politique ?,op cit p237

[23] Arendt Hannah, qu’est-ce que la politique ?,op cit p256.

[24] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p125.

[25] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p126.

[26] Ricœur Paul, le juste, la justice et son échec, op, cit, pp30-31

[27] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p127.

[28] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p127.

[29] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p122.

[30] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p123.typologie des situations.

[31] Arendt Hannah , qu’est-ce que la politique ?, op.cit.p267.

[32] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p95.

[33] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p96.

[34] Ricœur Paul, le concept de responsabilité : essai d’analyse sémantique, revue Esprit, n 206 , 11, 1994, pp28-48.

[35] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p115.

[36] Arendt Hannah , qu’est-ce que la politique ?, op- cit, p293.

[37] Arendt Hannah , qu’est-ce que la politique ?, op-cit, p294

 [38] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p127.

[39] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p277.

[40] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p305.

[41] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p307.

[42] Voir Hannah Arendt, Responsabilité et jugement, traduit par Jean-luc Fidel, éditions Payot&Rivages, Paris, 2009.p205

[43] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p308.

[44] Hannah Arendt, la liberté d’être libre ,traduction de Françoise Bouillot, Payot, Paris, 2019.p17.

[45] Hannah Arendt, la liberté d’être libre , op.cit, pp22-23.

 [46] د زهير الخويلدي، تنظيم المدينة من خلال السياسة الاجتماعية عند أرسطو، مجلة النور، نشر بتاريخ 15، 06، 2019.

[47] Hannah Arendt, la liberté d’être libre , op.cit, p30.

[48] Hannah Arendt, la liberté d’être libre , op.cit,pp83-84 .

[49] Ricœur Paul, Politique, économie et société, écrits et conférences4, op.cit, p309.

[50] بول ريكور، فلسفة الإرادة ، الإنسان الخطاء، ترجمة عدنان نجيب الدين، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، بيروت، طبعة أولى، 2003، ص185.

 

حاتم حميد محسنكان ابيقور اول من وضع الصياغة الاولى لمشكلة الشر او المشكلة المنطقية للتعامل مع الايمان بالله حيث كتب:"الله اما يرغب في ازالة الشر وهو غير قادر على ذلك، او هو قادر ولايرغب، او هو لايرغب ولا هو قادر، او هو يرغب وقادر. اذا كان الله يرغب وغير قادر على ازالة الشر فهو ضعيف وهذا ما لا يتفق مع شخصية الاله، واذا كان قادرا ولايرغب فهو حسود وهذا ايضا لاينسجم مع الله، اما اذا كان لايرغب وغير قادر فهو سيكون ضعيفا وحسودا في آن واحد، ولذلك فهو ليس اله. وفي حالة كونه يرغب وقادر فهذا وحده ملائما لله. فمن اي مصدر اذاً يأتي الشر؟ او لماذا لايزيله الله.

في القرون الاخيرة صاغ ليبنز (1646-1716) مصطلح العدالة الالهية (theodicy) (1) ليشير الى المحاولات المنهجية في الدفاع عن الايمان بالله في وجه الشر والمعاناة، كالحجج التي عرضها القس اوغستين. وفي السنوات العشرين الاخيرة، قام الملاحدة الجدد امثال ريتشارد دكنز بإعادة الحديث عن العدالة الالهية لتكون في موقع الصدارة، منتقدين اله الانجيل والآلهة الاخرى.

التعتيم على الشر

كانت هناك ردة فعل ضد ذلك النوع من النقاش الفلسفي الذي يجادل متأرجحاً، منتقدا ومدافعا عن مفاهيم معينة لـ لله في العلاقة مع مشكلة الشر. ردة الفعل هذه تأتي من فلاسفة هم انفسهم متدينون. تيرانس تلي (Terrance Tilley) مثلا، في كتابه (شرور الثيودسي) يكتب: "ان الممارسة العادية للعدالة الالهية الاكاديمية همشت واستبدلت وبالنهاية أسكتت اولئك المعبّرين عن الأسف، والداعين الى الله، المواسين للاحزان، والساعين عمليا الى فهم ومواجهة الأحداث والافعال والممارسات الشريرة. يمكن القول ان الثيودسي كممارسة خطابية انما تخفي الشرور الحقيقية بينما تستمر تلك الشرور في الإضرار بالناس" (تيلي، شرور الثيودسي).

لننظر في مسألتين مترابطتين بقوة في ادّعاء الكاتب أعلاه 1- ان الثيودسي تخفي طبيعة الشر الحاصل حقا في العالم. نضيف هنا ان الافكار المضادة للثيودسي هي ايضا مذنبة في هذا الشأن. 2- وفقا لما تتضمنه النقطة الاولى، فان النقاشات الفلسفية حول مشكلة الشر وعلاقتها بالاله هي شائكة لأنها تتجاهل الطرق الاخرى في التعامل مع الشر، وفهمها و مواجهتها. وبما ان هذه الطرق الاخرى ذات قيمة اخلاقية فهذه ستكون مشكلة اخلاقية.

النقطة الاولى هنا تتعامل مع الشر باعتباره متحولا من شيء ما يمارسه المرء الى ظاهرة الشخص الثالث(ادراك الناس الآخرين له). الحقائق الفيزيقية او السايكولوجية السيئة للناس الواقعيين تبتعد عنا عندما تصبح اشياءً او ملاحظات وتحليلات عقلانية."البُعد الفينوميلوجي" بين غرف التعذيب او معسكر Auschwitz النازي من جهة، وجماعات الفلسفة من جهة اخرى، تحتاج الى اعتراف اكبر اذا اردنا ان نكون صادقين في القضية. الاعتراف بهذا يستلزم القبول بان النقاش الاكاديمي يسهل عليه دائما تشجيع بعض عيوب الفهم الخطيرة. اذا كانت طبيعة النقاش حول مشكلة الشر تخفي طبيعة الشر ذاته، عندئذ فان الموقف يصبح اكثر سوءاً.هذا يعيدنا الى النقطة الثانية لدى تيلي بان النقاش بين الثيدوسيين ومعارضيهم يمكن ان يتجاهل انواع اخرى للخطاب، مثل القبول بالشر و مواجهته . كل من المناصرين والمعارضين للعدالة الالهية يمكن ان يكونوا مذنبين في هذا مع ان تيلي يركز على عيوب الفريق الأول. مثال حول هذا ذكره ريتشارد دكنز Richard Dawkins في "خداع الرب". فيما يتعلق بالمواجهة مع الفيلسوف المسيحي ريتشارد سونبرن Richard Swinburne، يذكر دكنز: "حينما كان في حوار تلفزيوني مع سونبرن وآخر من كلية اكسفورد البروفسور بيتر اتكنس. حاول سونبرن تبرير قضية الهيليكوست على اساس انها منحت اليهود فرصة رائعة ليكونوا شجعانا ومتسامين. أجاب بيتر اتكنس بصوت غاضب "ربما ينتظرك عقابا طويلا".(خداع الرب ص 64).

في ردة الفعل على ملاحظات سونبرن كانت المشكلة ليست في ان الفكرة غير منطقية (وهي كذلك)، بل في المعارضة الاخلاقية لسوء الفهم العميق والصمت والانفصال عن الموقف الانساني، الاندفاع للدفاع عن مفهوم معين لـ الله مع ترك الانسانية تغرق في حالة من الاحباط واليأس. سونبرن ربما يُتّهم من خلال ايمانه الوثني بتحويل المفاهيم الى شيء مقدس، وإقامة اماكن عالية للقرابين مع كل ما يقاسيه الانسان لأجل ذلك الهدف.

ان ما اظهره سونبرن حول هذه المسألة التي تحدّث عنها تيلي هو مدعاة للتساؤل. تفضيل الدفاع عن مفهوم الله على المشاركة العاطفية مع ضحايا الشر هو خيار مشكوك به اخلاقيا عند محاولة الدفاع عن الخير.

هذا الاتجاه من تفكير تيلي يمكن تطبيقه ايضا على معارضي الثيدوسية . معارضو الثيدوسية يرون انه من غير العقلاني الايمان بآله متسامح قدير في ضوء وجود الشر. هم احيانا يعرضون هذا كسبب لعدم احترام القوة التي تقدمها الصلاة والصيام والطقوس الدينية. بالنسبة للعديد من معارضي الثيدوسية، هذه المجموعة من الاوهام، مع انها تعطي الأمل، لكنها سوف لن تغير الجدال . هم يقولون ان اتّباع الحجج بشكل محكم سوف يتطلب منّا الرؤية في ضوء فجر باهت، وعالم بدون اله، عالم بلا قلب، بلا روح يجب علينا ان نكون فيه واثقين ذاتيا وفيه جميعنا نكون افضل. هذه الرؤية تفترض ان غير المؤمن هو صائب في جداله. لكنها ايضا تفترض انه بسبب انه على صواب، فان الحجج المنطقية لها وزن اكبر في المواجهة الشخصية مع الشر قياسا بالتجارب الايجابية التي يمتلكها المتدين من خلال انشغالاته الدينية. هو يجب ان يترك انشغالاته الدينية والتزاماته الحياتية بعيدا لأجل الحجة. بالنسبة للعديد من المؤمنين الدينيين مهمة تخفيف عبء المقاومة ضد اليأس والاحباط هي مكملة لإيمانهم، انها ليست شيء يمكن اشتقاقه من مجموعة من العقائد وانما هو نظام حياة كامل تكمن قوته التحفيزية في استقامته. ان منطق اي حجة معينة حول مشاكل الشر يجب ان يُنظر اليها طبقا لمشاعر ومحتوى الفرد ذاته (وجهة نظر الشخص الاول) كجزء من نطاق كامل من الاعتبارات حول كيفية عيش الحياة. هذه الاعتبارات تتضمن مختلف الطرق من التعامل مع الشر والتي نجدها اكثر فاعلية.

جعل المنطق اخلاقيا

سنشير هنا الى نواقص فلسفة النقاشات الدينية. في أحسن الاحوال، النقاش بين انصار ومعارضي الثيدوسية هو مشروع منطقي واخلاقي في آن واحد. ان الايمان او عدم الايمان في آله خيّر ومتسامح وبالانسجام مع وجود الشر هو سؤال عظيم الأهمية لحياة معظم الناس، وان النقاش هو محاولة لمتابعة ذلك السؤال الحيوي. للقيام بهذا بصدق، فان السعي نحو ايمان عقلاني مهما كانت خلفية المرء او ميوله ومهما اصطدمت استنتاجاته مع العقائد القائمة، هو سعي اخلاقي. لذا لابد من استمرار هذا النقاش . انه يجب ان يبقى جزءا من الاستطلاع المستمر داخل وخارج الاكاديميا. من الواضح ان النقاش يمكن ان يقود بعض الناس للايمان بالله وآخرين ليفقدوا ايمانهم. هذه الحجج هي جزء من نسيج مشاورات ورؤى العديد من الناس، ولكن الكيفية التي تنسجم بها الحجج مجتمعة مع الرؤى الشخصية هو سؤال معقد. انه عادة من المعقول ان يُشتق ليس كثيرا من اوامر مفروضة من فلاسفة والتي قد تكون منطقية ولكن من ضرورات الحياة. في بحثنا عن المعنى او البقاء السايكولوجي او الانجاز الشخصي، نحن عادة نهتم بما نعتقد انه من المعقول الايمان او العمل به .من الصعب تبرير الادّعاء في اي دور يجب ان يلعبه الجدال في حياة اشخاص آخرين، بدون الدخول في حوار معهم، وبدون محاولة حقيقية لتقدير موقفهم في الحياة. المفكرون من اي جانب من النقاش الذين يفشلون للقيام بهذا انما تنقصهم المهارة والموهبة، بهذا المعنى تكون الثيودسي سيئة. النقاشات حول مشاكل الشر تكون في احسن حال عندما يضع المشاركون جانبا الرغبة في تحويل شخص ما لوجهة نظرهم في الجدال، وبدلا من ذلك يكونون منفتحين للتبادل الذي يهدف للتعامل عمليا مع الشر بينما في نفس الوقت يفكرون في طبيعته.

لا يجب تجاهل ارتباط التجربة الانسانية ضمن ووراء السؤال عن الايمان بالله . جدالات العدالة الالهية تجد مكانها ضمن سياق الحياة المعاشة وضمن حياة الاخرين.هذا يعني الاحتجاج على عقلانية ديكارت المنفصلة والسماح بان هناك قضايا حقيقية تهم خيارات واقعية حول كيف نعيش الحياة مع وجود خلافات حول السمة المنطقية للحجج الفلسفية. المؤمنون وغير المؤمنين سيقومون بالافضل لو سلكوا هذا الاتجاه.

الملاحدة الجدد كان موقفهم على الشكل التالي: اذا كان الايمان بالله يشكل مأزقا اخلاقيا (حماية من المخاطرة) عندئذ فان اقناع الناس لعدم القيام بهذا سيبدو خيرا اخلاقيا، والايمان بالله يكون حماية من المخاطرة، لذلك فان الجدال ضد العدالة الالهية هو واجب اخلاقي. نحن يجب ان نكون واضحين ان الثيودوسيين يؤمنون انهم لديهم تبرير مشابه في الدفاع عن الله والجدال لإثبات وجوده. اذا كانوا يستطيعون اقناع الناس في الايمان بالله عندئذ بالنسبة لهم هذا خير اخلاقي وحياة اولئك الذين تحوّلوا ستكون أحسن بكثير. لكن هذا موضوع شائك لأن ما هو "خير" الذي تُقيّم به الحياة اخلاقيا هو موضوع عرضة للخلاف. عناصر التقييم الاخلاقي مثل اهمية الجماعة، تكافؤ الفرص، التسامح، الحرية الفردية، هي ذاتها في قلب الخلاف. في كل الاوقات، المقدس و "المقدس العلماني"يتصادمان ولا حل واضح.

الرعاية المشتركة

ان الرغبة في الفهم والعمل المشترك لاتحتاج لتتحطم بسبب الخلاف، كما لاحظ الفيلسوف بول هيج Paul Hedges في كتابه (الدين والالحاد في حوار، 2016): الناس اكثر قدرة للوصول الى فهم مشترك حول التجارب التي يشتركون بها. الناس من جميع القناعات الدينية ومن غيرهم يتقاسمون تجارب الأسى والمأساة واحتمال الموت. هم ايضا يتقاسمون السؤال العملي والايديولوجي الذي يبرز في العلاقة مع الشر والمعاناة: كيف يمكن ان نعيش حياتنا ونستمر نعيشها في اسوأ الظروف؟ التبادل المشترك بين العقائد حول هذا السؤال يحدث في كل الاوقات. عندما ضرب تسونامي عام 2004 حياة البوذيين والمسلمين والهندوس والمسيحيين في اجزاء من جنوب شرق اسيا، العديد من الناس وجدوا الكثير من الصداقات الحميمة ضمن مختلف التعدديات الثقافية بما خلق اكبر نسبة من المجتمعات الانسانية. هم يقدمون للبشرية فرص ثرية للتغلب على سوء الحياة لأنهم بعملهم هذا يقدمون فرصا متميزة ونادرة لتبادل الرؤى والقيم واساليب الحياة . سواء أكانت في المدن او في التواصل الاجتماعي او في القرية العالمية، ستكون الرؤى الالحادية والدينية اكثر غنى في رؤية ذاتها كاجزاء متكاملة في الوطن المتعدد ثقافيا.

 

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش

(1) في عام 1710 استخدم الفيلسوف والرياضي الالماني ليبنز مصطلح ثيودوسي في محاولة لتبرير وجود الله في ضوء عدم الكمال الظاهر في العالم.ثيدوسي تعني الدفاع عن الله، هي جواب لسؤال لماذا آله خيّر يسمح بظهور الشر، وبهذا تُحل قضية الشر. وفقا للثيدوسيين يكون وجود آله قدير وعارف ومتسامح منسجما مع وجود الشر والمعاناة في العالم.هناك العديد من الاتجاهات والنظريات الثيودوسية المتعلقة بتفسير الشر، منها مثلا تفسير اوغستين وعمانوئيل كانط وتوما الاكويني والثيولوجي اليوناني ايريناوس Irenaeus.وبالنسبة للاخير الذي ولد في القرن الثاني الميلادي عرض افكارا توضح ان وجود الشر ضروري لتطور الانسان. هو يرى ان خلق الانسان مركب من جزئين: الناس خُلقوا اولا في صورة الله (ايميج) ومن ثم في الشبه مع الله. صورة الله تنطوي على امكانية تحقيق الكمال الاخلاقي، بينما الشبه مع الله هو تحقيق ذلك الكمال. لكي نحقق الكمال الاخلاقي يرى ارينوس يجب على الانسان ان يمتلك الرغبة الحرة. ولكي ينجز الرغبة الحرة، لابد ان يمارس المعاناة وان الله يجب ان يكون على مسافة معرفية من الانسانية epistemic distance. ولهذا، فان الشر يوجد لكي يسمح للانسان ليتطور كفرد اخلاقي.

 

علي محمد اليوسفيقترن مصطلح النحو التوليدي في فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات بأسم العالم الفيلسوف نعوم جومسكي 1928.. وهو يشير به الى بنية لغوية (فطرية) تتضمن تكوين وأنشاء بنيات مركبة جديدة للغة المستحدثة على الدوام في توليد جمل وعبارات لم يكن أستعمالها موجودا سابقا في المعنى التداولي العام مجتمعيا، وليست هذه التوليدية الفطرية مكتسبة من المحيط والبيئة وأنما هي ترجع بالأساس الى ملكة يحتازها الانسان منفردا عن نوعه في أمتلاكها كما يمتلكها غيره من الاشخاص لكن بأختلاف جوهري أن كل انسان لوحده كائن أجتماعي يعبّر عن الحياة باللغة الخاصة به ويفهم العالم من خلالها بما تمّكنه وتسعفه مخيلته الفطرية توليد لغته الخاصة منذ الطفولة نظرا لما يمتلكه من أستعداد فطري لغوي توليدي تطوري..وبهذه العبارات نكون أمينين في نقل ما هو جوهري في فلسفة جومسكي في التوليدية اللغوية ولنا مداخلة معها خاصة في مفهوم هل اللغة حصيلة معرفية ينشؤها الفرد لتكون سلوكا مجتمعيا كما تذهب له المدرسة السلوكية الامريكية يجمع الكل أم تبقى اللغة منتجا فرديا يسعى كل شخص لوحده أيجاد لغته الخاصة في تعامله مع الحياة بمعزل عن لغة الجماعة كما يذهب له جومسكي في خلافه مع المدرسة السلوكية؟؟..

وفي كتابه (البنيات المركبة للغة) يذهب جومسكي الى أن البنية الفطرية التي يمتلكها الانسان تمكنه من تكوين جمل وعبارات وبناء تراكيب لغوية تجديدية لم يسبق للفرد أن تعلمها من المحيط الاجتماعي من قبل، وهذه البنية الفطرية التوليدية المركبة للغة هي بمثابة الآلة التي توّلد جمل وعبارات اللغة باستمرار.(1)

في مقالة سابقة كنت أشرت الى أن تفكير الانسان العقلي باللغة المجردة يمتلك دائما خاصية توليدية في أغناء اللغة بأستمرار بما أطلقت عليه (فائض المعنى) الذي يدّخره التفكير العقلي ويعود الى ضخّه ثانية بواسطة تعبير اللغة عنه كأداة التواصل الاجتماعي وأكتساب المعرفة. وفائض المعنى هو أمكانية التفكير العقلي المتجدد على الدوام في تزويد اللغة بشكل ونوع الافكار التعبيرية الجديدة التي لم يكن سبق للغة التعبير عنها...وفائض المعنى كمصطلح ورد عرضا في الادبيات الفلسفية التي تناولت تحليل اللغة في التفكيكية..

وفي توليدية جومسكي كل تعبير لغوي جديد تضّخه ملكة التفكير العقلي في عبارات وجمل وتراكيب هي ليست من أختراع ملكة التوليد اللغوي بما هي لغة تقوم على الصوت والكلام والكتابة.. وأنما مصدرها يكون من أختراع مخيّلة الانسان في القدرة على التوليد اللغوي المتجدد بما يحمله على الدوام من فائض المعنى المدّخر بالعقل التفكيري كمفاهيم أدراكية متجددة في تفسير ظواهر الحياة والسلوك والمحيط الاجتماعي يأخذ الافصاح عنها شكل تعبيرات اللغة..

أننا يجب علينا التمييز بضوء ما أوردناه عن التوليدية هو وجوب التفريق بأن توليدات مفردات اللغة الجديدة الصادرة عن ملكة التفكير العقلي التوليدي المجرد ليست هي خاصية من أبتداع العقل الفطري التجريدي بعيدا عن مؤثرات البيئة والمحيط التي لها الأثر البليغ في تطور اللغة على مستوى الفرد والجماعة..

ونجد أيضا من المهم التأكيد أن اللغة والفكر كلاهما متلازمان يتطوران سوية مع التطور الذي يحكم الحياة التي يعيشها الانسان ضمن مجتمع معيّن.. ويؤكد جومسكي (أن الدماغ البشري مبرمج بيولوجيا لتعلم اللغة، ولذلك فان القدرة العقلية لتعلم اللغة تعد فطرية وليست سلوكية مصدرها البيئة، والانسان يمتلك لغة فطرية وهي عبارة عن آليات وقدرات لغوية غريزية تنمو من خلال التفاعل مع البيئة اللغوية المحيطة به من الطفولة). نقلا عن موقع الباحثون السوريون.

جومسكي في أدانته المدرسة السلوكية الامريكية في التحليل اللغوي وصف: اللغة أنها أبعد ما تكون عن مجرد تسلسل عادات، كما أنها تختلف عن وسائل الاتصال لدى فصائل الحيوان.. من جهة أخرى يرى جومسكي أن الآلات لن تقدر مطلقا أن تستعمل الكلمات أو أي أشارات أخرى تؤلفها، كما نفعل نحن في تصريحنا للآخرين عن أفكارنا.(2) بضوء ما مر بنا نستنتج:

- لغة الآلات نمط من لغة صوتية مبرمجة لا تقوم على ملكة الابداع التوليدي في الجمل والعبارات كما هي عند الانسان في تجريده الذهني.. وأنما هي تلقين صوتي ببغائي لا يتمّكن من الربط الخلاق في علاقات الجمل ضمن السياق الابداعي الممّيز بقدرات أنسانية لغوية في التعبير ...

- اللغة التي تكرّس السلوك المتداخل فرديا - اجتماعيا وتخدمه تصبح بمرور الوقت عادة من علاقات لغوية - مجتمعية تستحكم السلوك بعيدا عن التوليد الابداعي في تجديد اللغة وهذا ما لايقّربه جومسكي...حيث يرى أن تطورات اللغة هي مجموع قدرات الافراد ضمن مجتمع معيّن..ولا تكتسب اللغة صفة السلوك الجمعي المتواضع عليه أجتماعيا برغبة مجتمعية هي أساسا تقوم على مجهودات لغوية تعبيرية فردية، تكوينها من نتاج تكامل ملكة التعبير اللغوي الفطرية مع مؤثرات البيئة والمحيط التي تختلف بتأثيرها من شخص لآخر..

- اللغة عند الانسان تختلف عنها عند الحيوان كرابط تواصلي في النوع لكليهما، فهي عند الحيوان غريزة متحكّمة، وليس كما هي عند الانسان ملكة أبداعية تفهم الحياة وتحاول تطوير الوسائل والتعابير اللغوية بما يشبع التطور الحاصل بالحياة ويغني اللغة ككائن عقلي حي متجدد..بينما تكون لغة الحيوان مقيّدة بحاجة التكاثرالموسمي وبعض الحاجات المتعلقة بالغذاء والتي لا يحتاج الحيوان في أشباعها لعقل توليدي منتج للغة تتطور دائما كما يفعل الانسان لذا لا تحتاج اللغة عند الحيوان الى التطورلأنها أصبحت غريزة صرف وليست فعالية متجددة على الدوام كما هي عند الانسان..

كما نجد أيضا عند جومسكي أهم ميزة في لغة الانسان التي يتوّحد بها الفكر السياسي والفلسفي واللغوي أن الانسان يمتلك جانبا فطريا يتميز به على أنه خالق للفكر واللغة...ونفهم من هذا أن اللغة ليست معطى أجتماعيا مكتسبا من البيئة التواصلية، بل هي أستعداد فطري يمتلكه الانسان منفردا في تطويرأدواته اللغوية التي يرافقها على الدوام دخول الفكر مع البيئة في علاقة جدلية تحكم الاثنين معا (الفكر واللغة) تكون نتيجتها لغة أبتكارية متطورة بأستمرارتنمو مع نمو مدارك الانسان في فهم الحياة من حوله وتلبية حاجاته المجتمعية عبر التواصل اللغوي ..

أن اللغة تخرج من فضاء الابداع الفكري الشخصي الى الفضاء المجتمعي العام وتصبح فهما مشتركا وسلوكا عاما مجمعا عليه مجتمعيا حين يكون تفاعل الانسان مع محيطه البيئي يستلزم منه تطوير قدراته اللغوية التي تشكل بالضرورة الاجتماعية التواصلية لغة مجتمعية مبتكرة في التقائها مع لغة المجموع....

أي بمعنى تصبح اللغة الشخصية قاموسا لغويا يفهمه ويتعامل به المجتمع وليس خاصا بفرد أو مجموعة أفراد.. قيمة اللغة أجتماعيا وتطورها التداولي لا يتم من غير صهر وأندماج أبداعات الافكار اللغوية الشخصية في مصهر التداول الاجتماعي للغة كسلوك معرفي وتواصلي..وتطور اللغة في تداخلها مع البيئة والحياة لا تتم عن طريق جهود فردية معزولة كتوليدات أبتكارية فردية للغة بل في أندماجها ضمن لغة جامعة لجميع أفراد مجتمع معيّن...أغلب علماء اللغة يدركون هذه الحقيقة ويتعاملون معها على أن اللغة تتطور بتطور حياة الانسان..

اللغة في الوقت الذي تكون فيه قابلية أدراكية فطرية تواصلية فردية فهي عاجزة عن التطور ما لم تتحول الى سلوك مجتمعي عام تنتظمه اللغة الموحدة.. (وقد نجحت البنيوية في جذب الانظار الى وجود بنية معقولة لنسق فونولوجي (صوتي) قد يظن أنه نتاج فكري رغم أنه ليس ثمرة تفكير أي فرد لوحده)(3)...

أننا نكون مخطئين حقا حين ننطلق من أن اللغة وتطورها يسبق ويوجه أفكارنا ومدركاتنا العقلية في فهم العالم من حولنا في حين يكون المطلوب هو العكس أن الفكر هو داينمو ومحرك تطوير اللغة التي ندخل بها ومن خلالها معترك فهمنا الحياة في سيرورتها الواقعية.. ولا نعتقد نكون مخطئين أذا ما أخذنا سلامة تفكير المدرسة السلوكية الامريكية في فلسفة اللغة أعتبارها اللغة القانون العام الذي يحكم السلوك المجتمعي،، فاللغة لا تنمو وتتطور قبل تطور الفكر الذي تعبر عنه هي..فالجانب الفطري الخلاق في توليدية اللغة أنما يتم عن طريق توليدية الفكرمعرفة الحياة ولا يكون سابقا عليه تعبير اللغة..الفكر هو ملكة توليدية خلاقة مثابرة ولا يمكن أن تكون اللغة تمتلك مقومات بناءاتها الانشائية بمعزل عن هذه الخاصية العقلية التي تحكم الانسان فكرا ولغة متكافلين معا..

وأذا كان الكشف على النحو التوليدي في فلسفة جومسكي هو الذي أكد على أهمية الجانب الفطري في الانسان، فان التحليل العميق للتواصل عن طريق اللغة قد بيّن أن اللغة الى جانب القيم الاجتماعية والاخلاقية والثقافية تكون تعبيرا عن واقع روحي يشمل جميع الافراد ويعني لديهم مصدرا وسببا لوحدتهم دون المساس بتفردهم .(4). رغم أن تعبير مصدر وسبب لوحدتهم الروحية تمثل نظرة ميتافيزيقية تكون لفظة توّحدهم الاجتماعي أخف وطأة من الاولى... (فليس مستبعدا أن نتصور اللغة عضوا في الجسم البشري..)(5) وهي كذلك قطعا..

اللغة والاشياء

للشاعر الفرنسي بوالو مقولة تذهب (أن ما تتمثله جيدا تأتي صياغته واضحة، والكلمات التي تقوله تظهر فينا طائعة)(6) وهي مقولة تعطي مؤشرا واضحا في أسبقية وأولوية الفكر في توليد تعبيرات اللغة التي نعبّر فيها عن أفكارنا..اللغة أداة طيّعة يقودها الفكر ولا تقود هي الفكر..

وبالرغم من مزاعم علماء اللغة من أن الكلمات والاصوات الدالة تتصف بالعشوائية، الا أن المرجّح التاكيد أن اللغة تقوم في جوهرها على تنظيم العلاقة الواقعية التي يفهمها جميع الاشخاص بين الكلمات والاشياء.. ويتمثل هذا في تعبير هيجل المادي قوله (اللغة تعبير عن الواقع وعن الفكر، واللغة مكنّت النفس من التشيؤ)(7) وهو تعبير مادي جدلي يتعارض مع جميع نعرات ومدارس تجريدات اللغة ميتافيزيقيا المعتمدة تحت مباحث فلسفة اللغة التحليلية..

قد نجد فروقات بين الاصوات الانفرادية المعبرة عن معنى أو لا معنى في مقطع صوتي أو كلمة منفردة معزولة عن سياقها التعبيري اللغوي، لكنما هذا لا نجده في تعابير يكون التعبير اللغوي في سياق عبارة أو جملة تكون تعبيرا دقيقا أمينا عن الاشياء في واقعيتها وتصوراتنا الذهنية المتعالقة مع ذلك الفهم عنها....فالصوت العشوائي غير المعبّر عن معنى واضح كونه غير منتظم في نسق لغوي دال هو الذي لا يعطينا تطابقا حسيا بين الشيء والتعبيراللغوي الصوتي عنه.. بينما تكون العبارات أو الجمل ضمن سياقاتها المنطقية المتماسكة في التعبير لا يمكن أن تكون عشوائية في عدم توصيل المعنى المطلوب..وتكون تعبيراتنا عشوائية في حال عدم أنتظام العلاقة التي تحكم تداخل اللغة والفكر..

اللغة وقصدية الفكر

أن طبيعة تراكيب الجمل أو العبارات اللغوية الكاملة أنما تكون طبيعة قصدية في توصيل المعنى الواقعي المطلوب عن الاشياء في وجودها الخارجي.. وهو ما لا يتوفر عليه نظام الاصوات الذي لا يكون معبّرا حقيقيا واضحا من غير أعتماده خلفية الفكر التوليدية للغة..بمعنى الصوت بلا لغة تؤطره مفهوميا تواصليا يكون عملا عشوائيا لا معنى له... ففي التأملات السادسة لديكارت يقول (أنما أنحصرت ماهيتي في أني شيء مفكر أو جوهر كل ماهيته أو طبيعته ليست سوى التفكير).

فألانسان تفكير عقلي قبل أن يكون لغة تعبيرية عن الاشياء.. واللغة لا تستمد فاعليتها من الوجود الانطولوجي للاشياء فقط وأنما من قابلية العقل أمتلاكه ملكة التعبيرالفطرية عن تلك الاشياء باللغة بما يراه العقل لا بما تدركه الاحساسات فقط..

أن وضوح الافكار بأعتبارها معيار اليقين الديكارتي- الذي نجده عند فينجشتين ودي سوسير- هو مرفوض عند لا يبنتيز، الذي يعتبر الوضوح منزلقا نحو أرتكاب الاخطاء، أذ كثيرا ما نجد الشواهد الواضحة خادعة، لذا يقترح ليبنتيز أن يحل محله ما يطلق عليه تحليل المفاهيم.(8)، وفي أرجائنا الخوض في القاموس اللغوي التحليلي الذي أبتدعه لايبنتيز في (تحليل المفاهيم) وكان فيه سيّد مباحث فلسفة اللغة بحق، والذي أرسى وأصبح هذا المصطلح مرتكز جميع فلاسفة اللغة التحليلية من بعده...

ونكمل مع لايبنتيز وعلينا الانتباه كم يتطابق ما قاله لا يبنتيز حول الوضوح في المعنى الذي كان أستعاره كما أشرنا سابقا عن ديكارت لكن بفارق جوهري أن ديكارت كان واقعيا في تبسيط اللغة التعبير عن الاشياء والواقع المادي الذي تأثر به ونقله حرفيا هيجل.. في حين وضع لايبنتيز هذا المصطلح تحت وصاية تجريدية أعتمدتها مدارس وتيارات فلسفة تحليل اللغة الحديثة من دون أستثناء وتسمية أسماء فلاسفة بعينهم..الذين تناولوا الفلسفة كمبحث فلسفي تجريدي وليس كعلم اللغة القائم بذاته بعيدا عن الفلسفة...

يرى لايبنتيز(أن ما لا يمكن التعبير عنه بلغة العامة هويكون ضربا من الخيال والوهم خصوصا وأن الفيلسوف لا يختلف عن الانسان العادي بما لديه من معرفة بقدر ما يمتلكه من منهج المعرفة نفسه)(9) ص 39

لا نعتقد لا يبنتيز كان واضحا بما فيه الكفاية بما يقول، فوضوح الافكار التي تساير السلوك المعرفي المجتمعي لا يمكن أن تكون لغة فلسفية واضحة عند الجميع يفهمها المعني المختص وغير المعني من عامة المجتمع ..وأنها تختلف معرفيا ليس بنوعية المعرفة بين العامة والفيلسوف ألا فقط بامتلاك (المنهج) المعرفي حسب تعبيره..هذا المنطق الفلسفي لا يمتلك القبول والتمرير بسهولة...

الا أن الشيء ألهام الجدير بالاشادة والوقوف عنده في تعبير لايبنتيز هو أبتكاره مصطلح (تحليل المفاهيم) الذي أصبح من بعده أنجيل فلاسفة التحليلية اللغوية واللسانيات رغم أرسائه نزعة التفلسف اللغوي التحليلي المجرد في مراجعة وتفسير المفاهيم الفلسفية..عندما جعلت تلك المدارس من متاهات العقل الانساني الفلسفية تقوم على مرتكز متاهات التحليل اللغوي التي لا نعتقد وضوح التعبير في حال تحققه فيها يعطيها مقبولية..الغموض الفلسفي في تحليل لغة الفلسفة طريق مسدود أمام كل رغبة جادة أو غير جادة في أن يكون للوضوح الفلسفي معنى التداول العام..

التجريد اللغوي

يقول تيسو،Tissot 1767 كلما كان العلم مجردا أو معقدا كلما كثرت مخاطر التردي في الجنون.. وكان لا يبنتيز يرى أن ما لا يمكن التعبير عنه بلغة العامة يدخل في نطاق الخرافة.. واللغة هي المرآة الحقيقية للعقل، فالواقع عقلاني واللغة هي المعبر عنه...(10).كما يرى برجسون:ليس طريق اللغة هو ما يجب أن نسلك أذا أردنا أن نسبر أغوار الحياة..فالواقع الحقيقي لا يمكن التعبير عنه باللغة، وبريقه يلمع من وراء الكلمات.(11) ص 42.

امام هذه المتناقضات الفلسفية يتأكد معنا مايلي على الاقل:

- أن الواقع المادي ليس تجريدا لغويا، بل هو تجريد فكري معرفي مفهومي قبل أن يكون موضوعا لتعبير اللغة عنه تجريديا أيضا..وفي كل الاحوال هناك حقيقة علينا التسليم بها أن اللغة لا تنوب عن تمّثل الواقع في الذهن كما هو الواقع على حقيقته خارجه.فالتفكير العقلي تجريد لغوي فقط..

- أن العلاقة المتداخلة التي تربط ثلاثية الواقع والفكر واللغة ليس من المتاح الميسور الاجتهاد الفلسفي في التعبير عنها من منطلقات ميتافيزيقية، وعبارة برجسون تشير بوضوح لما ذكرناه..فهو يرى الواقع الحقيقي لا يمكن التعبير عنه باللغة وبريقه يلمع من وراء الكلمات..

- هل أصبحت وسيلة فهم الواقع الحقيقي هي فهم ماهية الواقع بعد أن تحوّل في الذهن الى ميتافيزيقا لا يصح الاستدلال عنها بوسيلة اللغة وأنما بالحدس غير القاطع في التفكير به قبل التعبيرتجريديا عنه؟

وهو ما يتطلب من برجسون الأجابة عن مسالتين متداخلتين ترك توضيحهما: ماهو الواقع الحقيقي المختلف عن الواقع غير الحقيقي في مدركاتنا التصورية العقلية؟ الواقع الحقيقي الذي لا تستطيع اللغة التعبير عنه كيف يمكننا أدراكه وما هي وسيلة التعبير عنه في عجز اللغة القيام بالمهمة حسب برجسون؟ وكيف نوّفق هذا مع عبارة لا يبنتيز الذي يرى الواقع هو كل ما هو عقلاني تستطيع اللغة التعبير عنه كمرآة حقيقية للعقل، ولم يشر لا يبنتيز الى وجود واقع حقيقي هو غير الواقع الذي لا تستطيع اللغة أدراكه في التعبير عنه؟؟

القضية الثانية المتعالقة مع ما ذكرناه هو التساؤل أذا ما كانت اللغة عاجزة عن فهم الواقع الحقيقي والتعبير عنه،، فبأي وسيلة يمكننا معرفته والتعبير بغير اللغة عنه؟؟

عجز اللغة في التعبير عن الواقع هو تحول الواقع المادي الى تجريد ميتافيزيقي يدركه العقل بالحدس وليس باللغة التي هي وسيلة العقل الطبيعية في التعبير عن الواقع في تجلياته المدركة حسيا وليس الواقع عندما يتحول الى ميتافيزيقا لا يستوعبها تعبير اللغة.. ويتحوّل الواقع الى ميتافيزيقا عندما يكون موضوعا أو قضية تشغل العقل الادراكي في محاولة فهمها وتفسيرها قبل أمكانية التعبير عنها كمدركات تجريدية باللغة مثلما يجري التعبير عن الواقع المادي بما هو مدرك عقلي يمكن التعبير عنه باللغة..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش

1- الفلسفة واللغة، د. عبد الوهاب جعفر/ ص 17/نقلا عن المصدر الاجنبي.

2- المصدر اعلاه ص 18

3- المصدر اعلاه ص 21 نقلا عن المصدر الاجنبي

4- المصدر اعلاه ص 19 نقلا عن المصدر الاجنبي.

5- المصدر اعلاه ص21

6- المصدر اعلاه ص 31

7- المصدر اعلاه ص 41 نقلا عن المصدر الاجنبي

8- المصدر اعلاه ص38 نقلا عن المصدر الاجنبي

9- المصدر اعلاه ص 39 نقلا عن المصدر الاجنبي

10- المصدر اعلاه ص 42

 

حيدر جواد السهلانينظرية المعرفة (المعنى والتاريخ)

نظرية المعرفة هي البحث في طبيعة المعرفة واصلها وقيمتها ووسائلها وحدودها، ومعنى ذلك ان نظرية المعرفة هي البحث في المشكلات الفلسفية الناشئة بين الذات المدركة والموضوع المدرك، او بين العارف والمعروف، واقدم صور هذه النظرية بحث الفلاسفة عن درجة التشابه بين التصور الذهني والشيء الخارجي.(1) وقد كانت اول محاولة في تاريخ الفكر الفلسفي لوضع مشكلة المعرفة الانسانية موضع بحث مستقل كانت في القرن السابع عشر للميلاد مع الفيلسوف الانجليزي جون لوك(1632- 1704) في كتابه (مقالة في العقل البشري- 1690) الذي يعد بحق اول بحث علمي منظم يتناول بالفحص والدرس اصل المعرفة وماهيتها وحدودها ودرجة اليقين فيها.(2) ويتفق مع هذا الرأي محمد فتحي الشنيطي الذي يرى أن نظرية المعرفة قديمة قدم التفلسف، وان لم تقرر لها ابحاث مستقلة الامنذ عهد جون لوك، فلا نجد قبل جون لوك محاولة جدية وواضحة لدراسة مسائل المعرفة دراسة مستقلة، فعند افلاطون تنظيم جدليات للمعرفة، اما ارسطو تدخل بحوث المعرفة في دراسات مابعد الطبيعة، ولم يعني كل من افلاطون وارسطو بوضع حد فاصل بين موضوعات المعرفة ومسائل مابعد الطبيعة، ولا بين هذا الموضوعات من جهة والدراسات المنطقية من جهة اخرى، وجاء بعد لوك الفيلسوف كانت فهو اعظم من كتب في نظرية المعرفة وارسى قواعدها على اسس علمية سليمة.(3) ويعارض هذا الرأي مصطفى النشار الذي يرى ان نظرية المعرفة مبحث قديم فقد كان واضح المعالم عند افلاطون وارسطو، اذ كانت لهم بحوث مستقلة في المعرفة، فقد خصص افلاطون عدة محاورات اهمها ثياتيتوس والسفسطائي، وارسطو تناول المعرفة في مباحث النفس والذاكرة والكتاب الاول من الميتافيزيقا.(4) ويتفق مع هذا الرأي الدكتور صالح الشماع ويرى ان افلاطون اول فيلسوف نجد عنده اهتمامآ عظيمآ بكيفية الادراك والعلاقات بين المحسوس والمعقول مما يدخل في مجال نظرية المعرفة.(5) ويرى ايضآ يوسف كرم، افلاطون هو اول فيلسوف بحث مسألة المعرفة لذاتها وافاض فيها من جميع جهاتها.(6) ومع ذلك يخبرنا تاريخ الفكر البشري، ان المفكرين قد عبروا منذ اقدم العصور الفلسفية عن الجدل حول طبيعة المعرفة ومصدرها، كما يخبرنا أن بعضآ منهم قد اشترط ان البشر غير قادرين بطبيعتهم للوصول الى المعرفة، ومن راى بأن العقل سبيلآ او حد للحصول على اي نمط من المعارف، في حين هناك من ذهب الى ان المعرفة لاتكون معرفة مالم ترتد بشكل او بأخر الى اصول حسية.(7)

أن المعرفة عند فلاسفة الطبيعة الاوائل لم تكن قد اتضحت معالمها بعد، اذ كان المذهب منصبآ على الطبيعة مستغرقآ في ظواهرها، فالطبيعيون الاوائل والفيثاغورين والايليون تركزت عنايتهم في وصف الطبيعة، محاولة تفسير ظواهرها دون ان يثيروا الشك في الوسائل التي نستخدمها، اما المعرفة عند السفسطائيون، وقد كانت فكرتهما الاساسية أن من المستحيل أن يصل الانسان الى معرفة موضوعية، وقد نشأ موقفهما من النظر في اختلاف اراء الفلاسفة الطبيعيون.(8) والسفسطائيون كانوا اول من وجه النظر الى مباحث المعرفة وحدودها فأثاروا مشاكل هامة منها، عملوا على هدم ابسط مسلمات العقل واستحالة قيام العلم، الامر الذي دفع بشخص سقراط الى الظهور للدفاع عن العلم وموضوعيته بطريقة جدلية، التي كانت تستهدف في وضع تعريفات لكي يقوم العلم.(9) وقد كان سقراط اول من ميز تميزآ فاصلآ بين موضوع العقل وموضوع الحس، وكان له اسلوب في الجدل ليس كغيره وحاصل الطريقة التي تبناها سقراط في الوصول الى الحقائق، القاء الاسئلة السؤال تلو الاخر، وقد كان مؤمنآ بالحقائق الواقعية كما كان مؤمنأ بأمكان الوصول اليها، وكان من طلائع اصحاب اليقين.(10) وقد كان بالضد من السفسطائيون، فأن غاية العلم عنده هو كشف الماهيات وهي قائمة في العقل.(11)

اما افلاطون تتركز المعرفة عنده على اربعة مراحل هي الحس، الظن، الاستدلال، اليقين، المرحلة الاولى يختص بأدراك ظواهر الاشياء والامور النفسانية ولايصلح ان يكون سبيلآ الى المعرفة لأنه ينقل لنا الصيرورة الدائمة والتغير المستمر. المرحلة الثانية وهي مرحلة الحكم على المحسوسات المتغيرة استنادآ الى ماتم استنباطه من العلاقات القائمة بينها، وهي مرحلة ارقى من الحس، الا انه يضل معرفة ناقصة.المرحلة الثالثة، وهي ارقى من المرحلة الثانية لأن موضوعها غير حسي وموضوعها عبارة عن معان كلية، كالمعاني الرياضية والهندسية. المرحلة الرابعة، وهي عبارة عن ادراك عالم المثل وموضوعه هو حقائق الاشياء وهي كليات مجردة عن المادة ولاتدركها الحواس.(12) والمثل في رأي افلاطون هي المعايير الدائمة الثابته التي يتم بمقتضاها العلم، وذلك بانطباع صورها في العقل، اما الاشياء المحسوسة التي نراها ونشاهدها فليست حقائق وانما هي اشباح تحاكي المثل، وبذلك المعرفة عند افلاطون هي ليست معاني عامة مستخلصة من المظاهر المتعددة في العالم المحسوس، وانما نستكشفها بالحدس المباشر وهذا الحدس لايأتينا من التجربة، بل هو المرحلة الاخيرة في منهج جدلي.(13) اما ارسطو يرى الحقيقة ليست في العالم المفارق، بل علينا ان نبحث عنها في نطاق الاشياء المحسوسة، والحق ان الوجة الحسية من نظرية المعرفة الارسطية يتظافر مع جانبها العقلي منذ البداية، اذ يحدثنا في مؤلفاته المبكرة عن أنواع المعرفة بادئآ من الوجة التجريبية الحسية.(14) اما الرواقية والابيقورية فهم كانوا ماديون يسلمون بيقين المعرفة الحسية، ويرون انها تتوافر فيها عناصر القوة والثقة والوضوح، والافكار الحقيقية آتية من المعرفة الحسية، اما بيرون مؤسس الشك، كان يرى ان كل قضية تحتمل قولين، اما الافلاطونية المحدثة ترى اليقين بالمعرفة مستنده الى الله تعالى.(15)

اما في الفلسفة الاسلامية، فقد ميز فلاسفة المسلمين بين ضربين من المعرفة، معرفة تدرك بالعقل وهي الحكمة، ومعرفة تدرك عن طريق النصوص الدينية من القران الكريم والاحاديث النبوية.(16) ويرى الكندي الحس هو احد المصادر الاساسية للمعرفة، اما الفارابي يذهب بأن المعرفة انما تحصل عن طريق الحس، فالمعاني او المقولات مصدرها ليس الالفاظ بل الاشياء الحسية، اما ابن سينا المعرفة عن طريق الحواس، والحواس نوعان ظاهرة وباطنة، اما الغزالي فقد وقف موققف الشك المنهجي الذي يؤدي الى اليقين.(17) اما المتصوفة لهم منهج فريد في المعرفة يختلفون فيه عن كل المتكلمين والفلاسفة، فبينما يعتمد هؤلاء على العقل يتوسل المتصوفة بالذوق والقلب، فالمعرفة الصوفية نفحه الهية يصل اليها الانسان وهي نور رباني يملأ جوانب نفسه.(18) اما فلاسفة المسيحية يدخلون عنصر الايمان في نظرية المعرفة، فالايمان هو منبع اليقين، وقد وضح القديس اوغسطين دور الايمان في المعرفة واخذ يسعى للربط بين الايمان الديني واليقين العقلي برباط وثيق.(19) اما في الفلسفة الحديثة فقد تحددت معالمها، ويرى ديكارت في الشك هو السبيل للوصول الى اليقين، والمعرفة عند ديكارت هي المعرفة العقلية وهي المعرفة التي تنظم الافكار الواضحة، فديكارت كان داعيآ الى قدرة العقل على اقامة المعرفة الموضوعية اليقينية، وراى ان سبيل اليقين هو الاستنباط وليس الاستقراء الذي يؤدي الى معرفة احتمالية، ويعرف ديكارت الحدس هو رؤية عقلية مباشرة ونور فطري او غريزة عقلية يدرك بها الذهن الحقائق، اما الاستنباط هو فعل ذهني نستخلص بواسطته من شيء لنا به معرفة يقينية نتائج تلزم عنها. اما سبينوزا يرى في الفكرة الواضحة، تبدد كل شك، ذلك لأن الشك ينجم عن فكرتين مختلفتين متعارضتين والفكرة الواضحة تحمل معها اليقين، وتقوم حجته على اساس ان الفكرة الواضحة متضمنة اليقين. اما لايبنتز يفرق بين ثلاث ضروب من المعرفة، معرفة حدسية ومعرفة برهانية ومعرفة حسية، واليقين كذلك على انواع يقين حدسي ويقين برهاني ويقين حسي. اما جون لوك هو اول من وضع النظرية التجريبة في المعرفة بصورة البحث المستكمل، وقد انكر الافكار والمبادئ الفطرية في المعرفة، ويرى ان العقل عاجز عن تزويدنا بمعرفة اولية فطرية.(20) اما كانت يرى مصدر المعرفة هو عن طريقين طريق التجربة والافكار القبلية في العقل، ويرى في المقولات والتصورات القبلية في العقل الانساني معيار موضوعية الادراك الحسي، ويرى في التجربة هي من تستيقظ الافكار القبلية.(21) وقد ظهرت عدة اسئلة في نظرية المعرفة، حول طبيعة المعرفة، ومصدر المعرفة وامكان المعرفة، اما طبيعة المعرفة فيرى الواقعيون ان المعرفة هي صورة للعالم الواقعي، ويذهب البراجماتيون الى انها طريقة في سلوك دنيا الواقع، اما المثاليون، المعرفة هي مدركات العقل وتكون هي الفكر وهي الاشياء في آن واحد. اما مصدر المعرفة، فظهرت عدة مذاهب منها المذهب التجريبي، الذي يرى مصدر المعرفة هو عن طريق الخبرة الحسية، والمذهب العقلي، يرى ان مصدر المعرفة هو العقل، لأن الحواس كثيرآ ماتخدع، المذهب النقدي، ويرى المعرفة لاتتم الابالخبرة الحسية والمبادئ العقلية معآ. اما امكان المعرفة، فظهر مذهب الشكاك ويرون لايمكن الوصول الى المعرفة، ومذهب الاعتقاديون الذين يذهب الى انه من الممكن الوصول الى المعرفة.

مصدرالمعرفة عند المادية الجدلية

المادية الجدلية، وهي مذهب (ماركس وانجلس) تدخل على المادة حركة جديدة تجمع بين التغيرات الكمية والتغيرات الكيفية، وفي نظر المادية الجدلية العالم مؤلف من مادة متحركة ذات تطور صاعد على مستويات متتالية متزايدة في التعقيد في الكم حتى اذا بلغت هذا المستويات اعلى درجات التعقيد، نشأ عنها بالضرورة تحول مفاجئ وتغيرات كيفية جديدة.(22)

النظرية الماركسية ترفض المثالية كلها وتجعل الحقيقة النهائية للمادة، ثم تجعل اعتماد العقل الانساني على تلك المادة، فالمادة هي خارج الذهن وليس بحاجة الى أي ذهن لكي يوجدها.(23) وفي المعرفة يجب التفكير ديالكتيكيآ، اذن المعرفة عند المادية الجدلية لاتستطيع أن ترتقي الى ماوراء الاحساس، وتعتبر أن الاحساس هونتيجه ديالكتيكية، فتكون مهمة النظرية المادية للمعرفة على وجه التحديد أن لاتقطع أبدآ الفكر الفلسفي عن الفكر العملي ولاعن النشاط العملي التاريخي، والفكر يستطيع أن يعرف الطبيعة لأنه جزءآ منها، وأن الاحساس هو الصلة بين الوعي والعالم الخارجي، والانتقال من المادة الى الوعي هو انتقال ديالكتيكي والحركة من الاحساس الى الفكر هي ايضآ ديالكتيك، فالمعرفة هي:

1- المعرفة هي انعكاس ذاتي للواقع الموضوعي .

2- المعرفة هي تسلسل تأريخي.

3- المعرفة مكيفة بالممارسة العملية.

4- المعرفة هي ثمرة فاعلية الانتاج العملية.(24)

وبذلك تكون المعرفة عند المادية الجدلية تصل الى الحقيقة عن طريق المعطيات الحسية وتأخذ بنتائج العلم، اذا تعد المادية الجدلية من الفلسفات التي قامت على العلم وتعترف بنتائج العلم، ولاغريب في ذلك اذ كثير من الفلاسفة اعتمدوا على نتائج العلم وبنوا نظريات على نتائج العلم مثل (النظرية الالية التي تقول بأن الكون عبارة عن الة ويوجد هناك محرك قام بتحريكها، كمثل الساعة)

المادية الجدلية تنظر الى الاشياء والمعاني في ترابطها بعضها ببعض ومايقوم بينهما من علاقة متبادلة وتأثير كل منهما في الاخر، وماينتج عن ذلك من تغير، كما تنظر اليها عند ولادتها ونموها وانحطاطها وبذلك تتعارض الجدلية في كل ناحية مع الميتافيزيقا وليس ذلك لأن الجدلية لاتقبل أي سكون أوفصل بين مختلف جوانب الواقع بل هي ترى في السكون جانبآ نسبيآ في الواقع . وتنظر المادية الجدلية الى العلم الطبيعي على أنه مصدر المعرفة الموضوعية، وهدف المعرفة هوالمساعدة في تغير الواقع وينطبق هذا بنفس القدر على العلم الطبيعي والاجتماعي. لذلك اكد ماركس على أن الوعي الانساني هو الذي يحدده الوعي الاجتماعي، وليس الوعي هو الذي يحدده الوجود الاجتماعي، وأنما الوجود الاجتماعي هو الذي يحدد الوعي.(25)

المعرفة هي ممارسة، أي أن كل النظريات التي تدعي العلمية، تجد أختبارها الحاسم في الممارسة، وبذلك المادية الجدلية هي مبدؤها أن المادة هي كل الموجود وأن مظاهر الوجود على اختلافها نتيجة تطور متصل للقوى المادية، غير أن ماركس قليل العناية بدراسة المراتب العليا، وهو يوجه همه الى دراسة التاريخ ومن هنا جاء وصف مذهبه بالمادية التاريخية.(26)

إذاً القضية الاساسية التي تقدمها المادية الجدلية هي أن كل مايفكر فيه الانسان، ماهو في النهاية الانتيجة حاجاته الاقتصادية التي تحددها طرق الانتاج والعلاقات الاجتماعية التي يخلقها هذا الانتاج، وهذا الطرق تتنوع وتتطور بطريقة جدلية تعبر عن نفسها في قانون الصراع الاجتماعي بين الطبقات والفكرة الجوهرية عند ماركس هي أن كل مضمون الوعي الانساني يحدده المجتمع، وهذا الوعي يتعدل ويتغير ويتنوع بحسب التطور الاقتصادي.(27) أخيرآ المادية الجدلية ترى في المعرفة هي عملية جدلية بين المادة والعقل الانساني وترى في الحاجة الانسانية ونتائج العلم والتأريخ هو من يقوم المعرفة، فالمعرفة الانسانية تشكل تطور الفكر الغربي الذي يرتقي صاعدآ في سلم المعرفة البشرية، وينطلق من مستوى المعارف القائمة ويستند الى نتائجها، اذآ المنهج الماركسي في المعرفة مثل منهج العلم يتعارض مع الحقيقة المطلقة، وتتوالى فيه لحظات الجدل، اي ظهور المشكل ثم النقيض ثم الحل، الذي يشكل تجاوزآ للوضعية، وكذلك هو حال النظريات العلمية، التي تتجاوز بعضها البعض، بل قد تلغي بعضها البعض بناء على معيار الابطال، كما يعتمد المنهج الماركسي في تصوره لبناء المعرفة على الجدل الدائم بين النظرية والممارسة، فالنظرية توجه للمارسة والممارسة تحقق النظرية لتطورها وتغنيها.(28)

 

حيدر جواد السهلاني

...........................

الهوامش

1- ينظر جميل صليبا: المعجم الفلسفي، ج1، ص478.

2- ينظر عادل السكري: نظرية المعرفة، ص32.

3- ينظر محمد فتحي الشنيطي: المعرفة، ص53.

4- ينظر مصطفى النشار: نظرية المعرفة عند ارسطو، ص28.

5- ينظر صالح الشماع: مشكلات الفلسفة، ص32.

6- ينظر يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، ص84.

7- ينظر رودك وتشيز هولمز: نظرية المعرفة، ص6.

8- ينظر محمود زيدان: نظرية المعرفة، ص32.

9- ينظرصباح حمودي المعيني: نظرية المعرفة في الفكر العربي المعاصر، ص6.

10- ينظرجعفر السبحاني: المدخل الى العلم والفلسفة والالهيات، ص78.

11- ينظرمحمد فتحي الشنيطي: المعرفة، ص69.

12- ينظريوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية، ص85.

13- ينظرمحمد فتحي الشنيطي: المعرفة، ص70.

14- ينظر مصطفى النشار: نظرية المعرفة عند ارسطو، ص33- 34.

15- ينظر محمد فتحي الشنيطي: المعرفة، ص76.

16- ينظرالمصدر نفسه، ص88.

17- ينظر محمود زيدان: نظرية المعرفة، ص171.

18- ينظر محمد فتحي الشنيطي: المعرفة، ص89.

19- ينظر المصدر نفسه، ص90.

20- ينظر المصدر نفسه، ص99- 109.

21- ينظر كانت: نقد العقل الخالص، ص45.

22- ينظر جميل صليبا: المعجم الفلسفي، ج2، ص309- 310.

23- ينظر الموسوعة الفلسفية المختصرة، ص405.

24- ينظر روجية غارودي: النظرية المادية في المعرفة، ص62.

25- ينظر جورج بوليتزر وجي بيس و موريس كافين: اصول الفلسفة الماركسية، ص26.

26- ينظر كريس هارمن: كيف تعمل الماركسية، ص32.

27- ينظر عادل السكري: نظرية المعرفة، ص89- 90.

28- ينظر يوسف تبيس: الماركسية من الثورة المعرفية الى الثورة الاجتماعية، ضمن الماركسية الغربية ومابعدها، اشراف علي عبود المحمداوي، ص34- 35.

 

 

علي رسول الربيعيالمقدمة: قبل نقاش مشكلات الأنتقال الديمقراطي وتعزيزها والكيف ولماذا يحصل الأنكسـار البنيوي أو التاريخي الظرفي في عمليًة التحول الديمقراطي، والعلاقة الجوهرية بين ترسيخ الديمقراطية وحكم القانون، نعرض في هذه الدراسة مدخل اساس بوصفه تعريف عملي عن أشتغال الديمقراطية في نظام سياسي يتمتع بأنتخابات تنافسية بالإضافة إلى حماية الحريات السياسية. ولفهم هذا المنظور بشكل أفضل، نحتاج إلى فهم مجموعة وجهات النظر حول ما يشكل الديمقراطية. سوف نناقش عدة توجهات متعارضة مختلفة: الديمقراطية كعملية، ديمقراطية المشاركة، وديمقراطية حكم الأغلبية polyarchy وهي قد تكون السلطة في هذه الحالة ليست ديمقراطية تماما وليست دكتاتورية ايضاً كما وصفها روبرت دال والذي سنشير الى نظريته لاحقاً. بعد ذلك، نلخص بإيجاز ثلاث قواعد بيانات مقبولة على نطاق واسع عن الديمقراطية ويستند إليها المختصون في استكشاف أسس ومقومات الديمقراطية، لأن كل واحدة منها تحدد خصائص معينة للديمقراطية. إن الغرض من مسح المفاهيم المختلفة وعمليتها وأشتغالها هو لفرز خصائص الديمقراطية من خلال مراجعة مصادرها الكبرى.

وجهات نظر متباينة للديمقراطية

نلخص هنا الخصائص المميزة للديمقراطية من ثلاث وجهات نظر فلسفية مختلفة.

الديمقراطية كعملية: شومبيتر وأتباعه

يعتبر جوزيف شومبيتر مثال مشهور لهذا الرأي. نقطة انطلاقه هي ما يسميه "المذهب الكلاسيكي للديمقراطية" القادم من القرن الثامن عشر. ويصف هذا المبدأ بأنه مجموعة من الترتيبات المؤسسية لأتخاذ القرارات السياسية التي تؤدي إلى تحقيق الصالح العام، حيث يقرر الأشخاص مثل هذه القضايا من خلال انتخاب المسؤولين المفوضين لتنفيذ إرادة الشعب. و يصف احد المشاكل من خلال استعمال وضع أفتراضي.[1]

لنفترض أن هناك بلد يمارس بطريقة ديمقراطية اضطهاد المسيحيين، وحرق السحرة، وذبح المسلمين. من المؤكد أننا يجب ألا نوافق على هذه الممارسات حتى لو أنها أتخذت قراراتها وفقًا لقواعد الإجراءات الديمقراطية. لكن السؤال الحاسم هو: هل سنوافق على الدستور الديمقراطي نفسه الذي أسفر عن مثل هذه النتائج مفضلينه على الدستور غير الديمقراطي الذي من شأنه تجنبها؟

باختصار، يمكن للناس اختيار الأهداف الشريرة أو غير الأخلاقية بشكل أساسي.

يفضل شومبيتر التوجه نحو فهم الديمقراطية. إنه يشك في قدرة الناس ككل على اتخاذ قرارات جيدة. لديه المزيد من الثقة في قدرة الممثلين المنتخبين. من هنا، يجادل بالقول: "الطريقة الديمقراطية هي ذلك الترتيب المؤسسي للتوصل إلى قرارات سياسية يكتسب فيها الأفراد القدرة على اتخاذ القرار من خلال الصراع التنافسي على تصويت الشعب."[2] "فتهني الديمقراطية أن الناس لديهم الفرصة لقبول أو رفض الذين يحكمونهم".[3] ومن ثم، يتم تصور الديمقراطية كعملية، ونظام سياسي يتحول فيه الناس إلى سلطة فعالة لاتخاذ قرار بشأن أولئك الذين ينتخبونهم.

وقد اتبع آخرون راي شومبيتر. فيلاحظ كارل بوبر أن الديمقراطية هي النظام الوحيد الذي يستطيع الناس من خلاله تخليص أنفسهم من قادتهم دون عنف وإراقة دماء.[4] ويؤكد برزيورسكي أيضًا على أن احتمال تشكيل الحكومة من خلال الاقتراع من قبل الناخبين يجعل حل النزاع أكثر سلمية.[5]

نجد هنا، السمة المميزة الرئيسية للديمقراطية هي الانتخابات التنافسية، هناك العديد من النقاد لمنظور الحد الأدنى للديمقراطية.[6]

ديمقراطية المشاركة  participatory democracy

يجادل بيتر باشراخ بأن وجهة نظر شومبيتر للديمقراطية هي في الحقيقة شكل خفي من النخبوية، مما يسمح للسلطة الحقيقية بالبقاء في أيدي دائرة سياسية محدودة، مع وجود دور ضئيل للمواطنين في التصويت للمرشحين للمناصب. ويدعي أنه لا يمكن للديمقراطية أن تكون شكلاً حيوياً من أشكال الحكم إلا إذا كانت هناك مشاركة واسعة من قبل المواطنين.[7] يختصر باشراخ نظريته بالقول: " أعتقد أنه يجب أن تستند نظرية الديمقراطية إلى الافتراضات والمبادئ التالية: يكتسب غالبية الأفراد ثقتهم بأنفسهم وتطورهم نحو تأكيد أكمل لشخصياتهم من خلال المشاركة بنشاط أكبر في القرارات المجتمعية الهادفة؛ لذلك لدى الناس عموماً مصلحة مزدوجة في الأهتمام بالسياسة، في نتائجىها النهائية وفي عملية المشاركة،"[8] أو الأشتراك في مجرياتها، بالإضافة إلى ذلك، فأنه يزعم حتى المؤسسات الخاصة - إذا كان لها تأثيرات عامة - مطلوب أن تكون ديمقراطية، ومع صوت الناس في القرارات التي لها تأثيرات عامة.

تناقش كارول باتيمان[9] في كتابها "المشاركة والنظرية الديمقراطية" الوظيفة التثقيفية للمشاركة، متبعة أراء جون ستيوارت ميل، في أن الناس يصبحون أفضل كمواطنين بمجرد أنخراطهم ومشاركتهم السياسية. كما أنها تجادل - مثل بشراخ - بخصوص أهمية تمكين المواطنين من الحصول على أدوار في صنع القرار.

تستند الحياة السياسية في ديمقراطية المشاركة على عدة مبادئ أساسية:

- إجراء عملية صنع القرارات المتعلقة بالآثار الاجتماعية الأساسية بواسطة مجموعات عامة من المواطنين؛

- أن ينظر إلى السياسة بشكل إيجابي، على أنها فن خلق نمط جماعي مقبول من العلاقات الاجتماعية؛

أن السياسة لها وظيفة إخراج الناس من العزلة وأدماجهم في المجتمع، وبالتالي فهي وسيلة ضرورية، وإن لم تكن كافية، لإيجاد معنى في الحياة الشخصية ...

في التحليل النهائي، يعتقد أنصار ديمقراطية المشاركة أن إشراك المواطنين العاديين في السياسة ستمكنهم، وسيؤدي إلى اكتساب الثقة في القدرة على المشاركة بشكل هادف، وسوف يشجعهم على أن يصبحوا أكثر اطلاعاً على السياسات والقضايا السياسية، وسوف يكون في هذه العملية إثراء للديمقراطية.[10]

السمة المميزة الرئيسية لهذا المنظور هي أنه يجب أن يكون هناك انفتاح في النظام السياسي للسماح بمشاركة حقيقية من الشعب. وبالتالي، يجب أن يكون الدعم لمختلف أشكال التعبير الحر حاضراً حتى تتحقق الديمقراطية. النقطة الأساسية، هنا،هي أنه يجب احترام أشكال الحرية المدنية، للسماح لديمقراطية المشاركة بالازدهار.

الديمقراطية باعتبارها حكم الأغلبية

يأتي واحد من أكثر فروع نظرية الديمقراطية تأثيراً من عمل عالم السياسة روبرت دال في كتابه "مقدمة للنظرية الديمقراطية"[11] و" في الديمقراطية"[12] حيث دعا بشدة إلى أهمية وقيمة هذا الشكل من الديمقراطية.

يستخلص دال مصطلح polyarchy من اللغة اليونانية، في مقابل الملكية (حكم الفرد) أو الأوليغارشية (حكم الأقلية). ويعني " حكم الأغلبية".[13]

يحدد دال هذا النمط من الحكم بست خصائص:

1- المسؤولون المنتخبون؛

2- انتخابات حرة ونزيهة ومتكررة.

3- حرية التعبير؛

4- الوصول إلى مصادر بديلة للمعلومات؛

5- الاستقلال الذاتي للجمعيات والأتحادات؛

المواطنة الشاملة

يشير معيار المسؤولون المنتخبون إلى الناخبين الذين ينتخبون ممثلين لاتخاذ القرارات نيابة عنهم. وهكذا، تُعرّف الديمقراطيات المعاصرة بأنها ديمقراطية تمثيلية. وتتطلب حرية التنافس في الانتخابات وإجرائها بشكل روتيني نسبيا. وأن يكون الإكراه في الانتخابات نادرًا نسبيًا حتى يتم تعريف بلد ما على أنه ديمقراطي. وأن يتمتع المواطنون بحرية التعبير حتى يمكن انتقاد النظام القائم. كذلك يحتاج المواطنون، من أجل أتخاذ خيارات مستنيرة في الانتخابات والحكم على الأنظمة في الفترة الفاصلة بين الانتخابات، إلى الوصول إلى مجموعة متنوعة من مصادر المعلومات - وليس فقط المصادر التي تسيطر عليها الحكومة.

يحتاج المواطنون إلى أن يكونوا قادرين على المشاركة مع بعضهم البعض أثناء الانتخابات وفيما بينها. وأن يكونوا أحرارأ في الانضمام إلى المجموعات القائمة، وتشكيل مجموعات جديدة، والمشاركة في المنافسات السياسية. تعد المشاركة في المجموعات آلية رئيسية للمواطنين للتأثير على المسؤولين.[14] وأخيرا، المواطنة الشاملة. كما يقول دال "لا يمكن حرمان أي شخص بالغ يقيم في بلد بشكل دائم ويخضع لقوانينه من الحقوق المتاحة للآخرين وهو ضروري للمؤسسات السياسية ".[15]

يدرك دال أن هذا يعطي للمواطنين دورًا أقل من دوره في الديمقراطية التشاركية، الاً أنه هو يؤكد أن حكم الأغلبية هو أكثر أشكال الديمقراطية عملية في المجتمعات الكبيرة والمعقدة. فبالنسبة إليه، إذن، هناك معياران أساسيان في تحديد الديمقراطية: الانتخابات الهادفة والحريات والحقوق المدنية.[16]

البيانات الأساسية الثلاث

سنقوم بفحص ثلاثة من مجموعات البيانات الأكثر استخدامًا واحتراماً على نطاق واسع لاستكشاف الخصائص المحددة للديمقراطية: مجموعة بيانات Vanhanen ومجموعة بيانات Polyarchy وتصنيفات Freedom House.

مجموعة بيانات نظام المشاركة المتعددة Vanhanen

يلاحظ Tatu Vanhanen[17] أن مقياسه يتبع عن كثب منطق نموذج دال لحكم الأغلبية (فليس من قبيل الصدفة، يُطلق على موقع Vanhanen عنوان Polyarchy Data). والمتغيران الذي يستخدمهما لإنشاء "مؤشر الديمقراطية" هما: 1- النسبة المئوية للحصة من الأصوات المدلى بها في الانتخابات من قبل أحزاب الأقليات / المرشحين المستقلين؛ 2- النسبة المئوية للراشدين البالغين الذين يصوتون في الانتخابات. يرى الأول كدليل على التنافس الحقيقي والثاني كدليل على حرية الوصول إلى الاقتراع.

يصر Vanhanen على أنه لكي يتم تصنيف بلد ما كدولة ديمقراطية، فإنه يحتاج إلى أحزاب / ومرشحين مستقلين للحصول على ما لا يقل عن 30 في المائة من الأصوات ويتطلب نسبة إقبال تتجاوز 20 في المائة. انه يضاعف هذه معا؛ إذا تم الوصول إلى كل عتبة وإذا كانت النتيجة الإجمالية ست نقاط مؤشر (0.3 X 0.2 X 100)، فسيتم تصنيف الدولة كدولة ديمقراطية.

يقول Vanhanen طبقاً لمنطق قيم العتبة: "إذا كانت نسبة الأحزاب الصغيرة منخفضة للغاية، على سبيل المثال، أقل من 30 في المائة من الأصوات المدلى بها ...، فإن هيمنة الحزب الأكبر تكون قد تغلبت لدرجة أنه من المشكوك فيه ما إذا كان يمكن اعتبار هذه دولة ديمقراطية ".[18] "يزعم أن أي شيء أقل من نسبة المشاركة 20 في المائة يشير إلى أن الناخبين المحتملين قد لا يتمتعون بحرية كاملة في التصويت، مما يشير إلى وجود مشكلة في الحريات المدنية.

وهكذا، يعترف Vanhanen بمكونين من عناصر الديمقراطية: انتخابات معبرة عن منافسة حقيقية، وحرية الوصول إلى الاقتراع من قبل الأفراد. بالنسبة له، يمثل الأخير مثالًا على حماية الحريات المدنية وحكم القانون، رغم أنه يرتبط بالانتخابات.

تقييمات Freedom House ( بيت الحرية)

ينشر بيت الحرية ( Freedom House ) تقريراً سنوياً مشهوراً ومتاح لمن يريد الوصول اليه عن الحرية في العالم. يتناول فيه جميع دول العالم ليصف ويصنف بعد ذلك المدى الذي تكون فيه الحرية، أيً هل هناك حرية أم لا ولأي درجة. يتم التعامل مع درجة الحرية كمقياس للديمقراطية. يقوم بيت الحرية كل عام بدراسة استقصائية ومن خلال كمية هائلة من المعلومات حول كل بلد، وويقيًم أعضاء الفريق كل دولة علىاساس سلسلة من العناصر من O إلى 4، ويعتبر O الأقل حرية و 4 الأكثر حرية. هناك بعدان لنقاط بيت الحرية: (1) الحقوق السياسية و (2) الحريات المدنية. هوناك عدد من الأسئلة المحددة لكل بعد منهما لوضع التصنيف 0-4 على النحو المذكور أعلاه.

هناك سلسلة من الأسئلة للتي تتعلق بالحقوق السياسية، نأخذها على سبيل المثال لا الحصر، فهناك أويمكن اضافة قضايا أخرى حسب البلدان تحت الفئات التالية - العملية الانتخابية (على سبيل المثال، "هل رئيس السلطة التنفيذية، أو البرلمان ... منتخب من خلال انتخابات حرة ونزيهة؟"، هناك واحد من ثلاثة بنود تحت هذا العنوان ؛ التعددية السياسية والمشاركة (على سبيل المثال، "هل الخيارات السياسية للشعب خالية من هيمنة الجيش أو اي قوى مسلحة أخرى، [إلخ]؟") ؛ أداء الحكومة (على سبيل المثال، "هل الحكومة خالية من الفساد المتفشي؟")؛ أسئلة إضافية تتعلق بالحقوق السياسية التقديرية (على سبيل المثال، "هل الحكومة ... تعمد تغيير التكوين العرقي ... لتدمير ثقافة أو قلب التوازن السياسي لصالح مجموعة أخرى؟"). ثم يتم حساب النقاط. يتم ترميز درجة 36-40 كـ 1 (الأكثر حرية) ؛ 30-35 ك 2 ؛ 24-29 إلى 3، وهكذا ...، حتى نصل إلى أقل درجة من الحرية 7، ثم يأتي تصنيف الدول بين 0-5 من النقاط. حيث تعني علامة 1 دولة حرة من ناحية الحقوق السياسية؛ ويمثل 7 منافسة قليلة الحرية. وتنطبق العملية نفسها على البعد الثاني في تصنيفات بيت الحرية- أيً الحريات المدنية؛ والتي تشمل الفئات التي تتعلق بحرية التعبير والمعتقد (على سبيل المثال، "هل هناك حرية نقد الحكومة والأحزاب الحاكمة ونقد السلطة ونقد القادة والحكام نقد ايديولوجيا السلطة دينية أو وضعية، أو حرية أكاديمية، ...؟")؛ وكذلك الحقوق التنظيمية (على سبيل المثال، "هل هناك حرية التجمع وتشكيل الجمعيات واحزاب ...؟")؛ وحكم القانون (على سبيل المثال، "هل هناك قضاء مستقل؟")؛ الاستقلالية الشخصية والحقوق الفردية (على سبيل المثال، "هل هناك تكافؤ في الفرص في المناصب والوظائف العامة وغياب استغلال اقتصادي؟"). يتم منح 0-4 نقاط لكل عنصر محدد، كما اشرنا أعلاه، يتم احتساب 53-60 نقطة على أنها 1 ( حرية)، مع 0-7 نقاط تؤدي إلى درجة 7 (الأقل من الحرية).يتم إضافة التصنيفين معًا ثم تقسيمهما على اثنين. النقاط من 1-2.4 تؤدي إلى تسمية الدولة "حرة"؛ 3-5.5 "حرة جزئيًا" ؛ 5.5-7 يتم تعريفها على أنها "غير حرة". ولأغراضنا، فإن الشيء الرئيسي الذي يجب ملاحظته هو أن اثنين من البعدتن يركزان على الانتخابات والحريات السياسية الممنوحة للأفراد.

تقييم النظام

يمكن تلخيص جوهر تصنيفات النظام السياسي من حيث تصور الديمقراطية على النحو التالي.[19] هناك ثلاثة عناصر أساسية مترابطة للديمقراطية، حيث يتم إدراجها في الثقافة السياسية المعاصرة. أولاً، وجود المؤسسات والإجراءات التي يمكن للمواطنين من خلالها التعبير عن التفضيلات حول السياسات والقادة البديلين. الثاني هو وجود قيود مؤسسية على ممارسة السلطة من قبل السلطة التنفيذية. ثالثا، ضمان الحريات المدنية لجميع المواطنين في حياتهم اليومية وفي المشاركة السياسية.

تم تطوير سلسلة من التدابير المحددة، ويقوم المبرمج بتصنيف كل بلد وفقًا لهذه المقاييس الملموسة. تشمل الفئات التي يتم ترميزها في نظام المشاركة السياسية هو،هل هناك فئات معينة محرومة أو محرومة؟ القدرة التنافسية السياسية في الانتخابات؛ القيود المفروضة على رئيس السلطة التنفيذي؛ ما مدى انفتاح العملية السياسية؟ هل تتميز العملية بالاستيلاء العنيف على السلطة؟؛ وتعقيد هياكل السلطة، أيً ما مدى مركزية السلطة الحكومية؟.

بمجرد أن يتم ترميز كل عنصر محدد، يتم حساب درجة من الديمقراطية (مع الإشارة إلى مدى ديمقراطية جماعية للأبعاد المختلفة) إلى استبداد ( درجة الاستبداد في بلد معين). يتم استخلاص درجة الاستبداد من درجة الديمقراطية (أيً أن المنطق وراء هذا هو أن العديد من المجتمعات لها بعض خصائص ديمقراطية واستبدادية) وتضاف عشر نقاط إلى المجموع الكلي. تمتد النتيجة المتحصلة من O (الأقل ديمقراطية) إلى 20 (الأكثر ديمقراطية).

تعريف عملي للديمقراطية

نعتقد أن المناقشة السابقة للمناهج المختلفة لتحديد وقياس الديمقراطية تكشف عن بعدين متمايزين. بعبارة موجزة، هي (1) حكومة بالأغلبية، و (2) ما يسمى عادة "بسيادة القانون". نحن نرى أن هذين المعيارين البسيطين ينتجان من عدة مقاربات مختلفة لاستكشاف الديمقراطية. يؤكد نهج شمبيتر على الانتخابات. تعكس ديمقراطية المشاركة بالتأكيد وعيًا بأهمية الانتخابات وتطالب أيضًا بأن تتاح للناس فرصًا كبيرة وحقيقية وأن يشاركوا في السياسة بحرية وبعدة طرق أخرى غير مجرد التصويت. فقد أكدت ديمقراطية المشاركة على كل من الانتخابات والحريات المدنية. وهكذا، تتحدث كل من المنظورات التي تم فحصها بشكل أو بآخر عن كل من هذه الخصائص.

وهذا يتوافق مع تعريف واحد قياسي للديمقراطية.[20]

نظام الحكم الذي تُمنح فيه السلطة السياسية المطلقة للشعب، قد تكون الديمقراطية مباشرة، كما تمارس في اجتماعات أثينا القديمة وبلدة نيو إنغلاند، أو تتطلب الديمقراطية غير المباشرة والتمثيلية نظامًا لصنع القرار يستند إلى حكم الأغلبية، مع وجود أقلية محمية الحقوق محمية. اقدم تعليق موجز على كل من هذين الجانبين المميزين للديمقراطية.

"قاعدة الأغلبية"

 إن كل من كتب تحت هذا العنوان يقصد بها، نظامًا تمثيليًا للحكم، انتخابات حرة تنافسية وجراء انتخابات جماعية، والمساءلة النهائية للممثلين أمام الناخبين، والوزن المتساوي للتأثير في التصويت بعنى الأقتراع الواسع أن لم يكن الشامل الذي يجسد مبدأ "شخص واحد، صوت واحد".

يتم في النظام الديمقراطي اختيار الممثلين حسب نوع التصويت الشعبي حيث تختلف الطريقة من بلد إلى آخر. ولكي تكون ديمقراطية حقيقية، يجب على النظام تمكين الأغلبية - إذا كانت هناك أغلبية - من انتخاب نسبة مقابلة تقريبًا من الممثلين.، وإن يتم اتخاذ نفس الحكم بشأن طريقة منصفة لتمثيل الأقليات. ويكون في في جميع الديمقراطيات الممثلون مسؤولين أمام الناخبين من حيث أن ناخبيهم يختارونهم وأن إعادة الانتخاب مرهون بالناخبين في تلك الدائرة الانتخابية. تتطلب الانتخابات الهادفة نوعاً من المنافسة الثنائية أو متعددة الأحزاب وقدرة جميع الأحزاب على عرض مشاريعها أمام الناخبين. وعليه تدعو قاعدة الأغلبية إلى حق الاقتراع الذي يعطي التصويت لمعظم المواطنين البالغين.

"سيادة القانون"

يمكن توضيح جميع المتطلبات المذكورة أعلاه، وكذلك قائمة طويلة من الحقوق والحريات المدنية في دستور وقوانين الدولة. ومع ذلك، كما رأينا في كثير من الأحيان، فإن هذه القيم لا تأثير لها في حالة عدم وجود نظام قضائي قادر على تنفيذها بفعاليًة. إن هذه الحزمة من العواملهي المقصود بمصطلح "سيادة القانون". يدرج بيت الحرية Freedom House صراحةً "حكم القانون" باعتباره معيارًا للحريات المدنية.

يجب أن تكون الحقوق الانتخابية والحريات المدنية أكثر من مجرد كلمات رائعة على الورق. فإذا تم تجريد أولئك الذين يخسرون الانتخابات من حقوقهم المدنية أو حريتهم أو ممتلكاتهم من قبل أغلبية منتصرة، فهذا شكل حكم يضاد الديمقراطية. تتطلب قاعدة القانون وجود سلطة قضائية مستقلة، وحكومة مستعدة لفرض حتى تلك القرارات القضائية التي لا تعجبها، والحماية الفعالة للحريات السياسية والمدنية ضد التعدي والأنتهاك العام والخاص. كما قال اللورد أكتون في تعليقه الشهير (1877) "إن الاختبار الأكثر تأكيدًا الذي نحكم من خلاله على ما إذا كانت دولة حرة حقًا، هو مقدار الأمن الذي تتمتع به الأقليات".وطبعا الأقليات ليس فقط عرقية أو دينية ولكن سياسية أو فكرية أو غيرها. لا تزال المؤسسة الأمريكية لسلطة قضائية مستقلة هي النموذج الأساسي في هذا الصدد وقد تشكل المساهمة الأمريكية الأكثر أهمية في النظرية والممارسة الديمقراطية.

إن حكم الأغلبية وسيادة القانون هما المكونان الأساسيان للحكم الديمقراطي. والمفارقة العظيمة، بطبيعة الحال، هي على الرغم من أن كلاهما ضروري للغاية، إلا أنهما يتعارضان مع بعضهما البعض، ونتيجة لذلك، كانا مصدرًا للجدل السياسي المستمر. لكن هذا التناقض الأساسي لا يمكن الهروب منه: إنه ثمن العيش في ظل نظام ديمقراطي.

اقول كتعليق ختامي على حكم الأغلبية وسيادة القانون. من المسلم به أن أيا من هذين الشرطين لا يفسح المجال لتقدير مرضٍ تماماً؛ تختلف الآراء حول بلد معين بشكل مشروع من ناحية القواعد والقوانين في بعض الحالات. ومع ذلك، عندما ننظر إلى التقييمات والقوائم العديدة للحكومات الديمقراطية وغير الديمقراطية، هناك اتفاق أكبر بكثير على عدم الاتفاق.

الديمقراطية وبناء الأمة

عندما نتحدث عن "بناء الأمة الديمقراطية"، نتوقع في نهاية المطاف أن تتميز الحكومة الديمقراطية الجديدة بحكم الأغلبية بالإضافة إلى حكم القانون الذي يضمن حقوق الأقليات والحريات السياسية. أما إذا كانت "الديمقراطية" الناشئة لا تفي بهذه المعايير فلا يمكننا، بالطبع، أن نقبل تلك الدولة الجديدة كديمقراطية. سنوضح في الدراسة اللاحقة في سياق هذا الموضوع/ النقاش طبيعة بناء الدولة، والتي غالبًا ما يتم اعتبارها حاليًا بمثابة بناء دولة ديمقراطية. وعلى كل حال تستند هذه المناقشة إلى تصور لمصطلح "ديمقراطي" وكان هذا هو محور هذه الدراسة. شكراً لمن قرأ وصبر وفهم. 

 

 الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................

[1] Schurnpeter, Joseph. (1975). Capitalism, Socialism, and Democracy. New York: Harper & Row.242).

[2] Schurnpeter, Joseph. (1975). Capitalism, Socialism, and Democracy.269.

[3] Schurnpeter, Joseph. (1975). Capitalism, Socialism, and Democracy.285.

[4] بوبر، كارل، المجتمع المفتوح وأعداؤه،، ترجمة السيد نفادي و حسام النايل،، بيروت، دار التنوير،2014.

[5] Przeworski, Adam. (1999). Minimalist conception of democracy: A defense. In Ian Shapiro and Casiano Hacker-Cordon (eds.), Democracy's Value. Cambridge: Cambridge University Press.

[6] Bachrach, Peter. (1967). The Theory of Democratic Elitism: A Critique. Boston: Little, Brown.

[7] Bachrach, Peter. (1967). The Theory of Democratic Elitism: A Critique.101.

[8] Casiano Hacker-Cordon (eds.), Democracy's Value. 101.

[9] Pateman, Carole. (1970). Participation and Democratic Theory. New York: Cambridge

University Press.

[10] يرتبط أحد الأنواع الفرعية الحالية لمدرسة الفكر الديمقراطي التشاركي بعمل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، الذي يدعو إلى إقامة نظام اجتماعي سياسي يعتمد على التواصل الحواري والخطاب المفتوح. وهو يدعي أن النظام الرأسمالي الراحل يعاني من أزمة شرعية وأن هناك تحول لهذا النظام يلوح في الأفق. فهناك حاجة إلى معايير جديدة. لكن كيف سيتطور هذا الوضع؟ يجب هابرماس في :

Habermas, Jurgen. (1975). Legitimation Crisis. Boston: Beacon Press (trans.T. McCarthy).

إن أخلاقيات الاتصال فقط هي التي تضمن عمومية القواعد أو المعايير المقبولة واستقلالية الأشخاص الذين يتصرفون فقط من خلال إمكانية خطاب يستوفي مطالب الصلاحية التي تظهر بها القواعد. وهذا يعني أن ضمان العمومية يأتي من فقط من القواعد التي يوافق عليها جميع المتأثرين دون أي قيد إذا دخلوا في عملية تشكيل الإرادة الخطابية.،"لا تستند المطالبة بصحة القواعد إلى الأعمال اللاعقلانية الأختيارية للأطراف المتعاقدة، ولكن في الاعتراف بدوافع عقلانية للقواعد، والتي قد يتم التشكيك فيها في أي وقت." وما الذي يحدد الصلاحية؟ يدعي هابرماس أن الحجة الأفضل التي تنبثق عن الحوار التعاوني يجب أن تحكم - إذا كان هناك إجماع حول هذا الاحتمال الوحيد. تفترض نظرية الاتصال هذه أنه لا توجد حقيقة عالمية لتوجيه صياغة المعايير المتفق عليها بين الناس. يجب أن يكون تطوير هذه المعايير وظهورها نتيجةً للمناقشات التي تؤدي إلى توافق الآراء.

قام هابرماس بتأليف سلسلة من الأعمال التي توضح نظريته في العمل الاجتماعي بمزيد من التفصيل .

Habermas, Jurgen. (1979). Communication and the Evolution of Society. Boston: Beacon Press (trans. T. McCarthy).

 Habermas, Jurgen. (1984). The Theory of Communicative Action, VOL 1. Boston: Beacon Press (trans. T. McCarthy).

وهو يجادل بأن المواطنين سوف يختبرون صحة ادعاءات مختلف الأفكار والقواعد قيد المناقشة. وفقا لتحليله النهائي

Habermas, Jurgen. (1975). Legitimation Crisis. Boston: Beacon Press (trans. T. McCarthy)150.

يجادل جون دريزيك بأن عقلانية التواصل والديمقراطية يمكن أن يخفف الكثير من المشكلات التي تواجهها الأنظمة الديمقراطية في القرن العشرين. تتضمن الترتيبات للمساعدة في ما يسميه دريزيك "الديمقراطية الاستطرادية"، المجالات العامة المفتوحة للنقاش، والتأكيد على المواطنة النشطة والخطاب العام النابض بالحياة. إن التمردات التي ترعى الديمقراطية الاستطرادية ستحمي الناس من قوة الجماعات المهتمة بالذات ومن التكنوقراط / البيروقراطيين الذين يقدمون خبراتهم الفنية كقوة مصدر. ستؤدي النتيجة النهائية إلى مزيد من الديمقراطية الحقيقية، أنظر:

Gutmann, Amy and Dennis Thompson. (1996). Democracy and Disagreement.

Cambridge, MA: Harvard University Press.

 [11] Dahl, Robert A. (1956). A Preface to Democratic Theory. Chicago: University of Chicago Press.

[12] Dahl, Robert A. (1998). On Democracy. New Haven: Yale University Press.

[13] Dahl, Robert A. (1998). On Democracy.91.

[14]Dahl, Robert A. (1960). Who Governs? New Haven: Yale University Press.

[15] Dahl, Robert A. (1998). On Democracy.86.

[16] Dahl, Robert A (1970). After the Revolution. New Haven: Yale University Press.

[17] Vanhanen, Tatu. (2003). Democratization: A Comparative Analysis of 170 Countries.

London: Routledge.

[18] Vanhanen, Tatu. (2003). Democratization: A Comparative Analysis of 170 Countries.65.

[19] Gurr, Ted Robert, Keith Jaggers, and Will H. Moore. (1991). In Alex Inkeles (ed.).On Measuring Democracy. New Brunswick, NJ: Transaction Press.97.

[20] Plano, Jack and Milton Greenberg. (1993). The American Political Dictionary. Fort Worth: Harcourt Brace Jovanovich, 9th edition. 8-9.

 

علي محمد اليوسفتقديم: ماقام به فينجشتين (1889-1951) في فلسفة اللغة تعتبر أنعطافة تاريخية كبيرة مثيرة وغير مسبوقة في تاريخ الفلسفة، حتى لقّب بالفيلسوف الذي كان له تأثيرا قويا على أمتداد القرن العشرين، أجبر فينجشتين بآرائه التي لا ترى وجود فيلسوف منافس له حسب أدعائه أنه توصل الى حل معضلات الفلسفة من خلال منهج تحليل اللغة للمفاهيم، ما جعل فلاسفة حلقة اكسفورد وحلقة فيّنا يعيدوا النظر جذريا بمباحث الفلسفة وكيف يمكن أن تحل تلك المباحث بضوء تحليل أشكالية اللغة التي أثارها فنجشتين، وكانت أفكاره دعامة ومرتكز فلاسفة البنيوية الفرنسية دي سوسير وجان بياجيه ورولان بارت وميرلوبونتي وفوكو والتوسير أن يراجعوا منطلقاتهم الفلسفية بضوء جديد فلسفة اللغة، أما فلسفة جاك دريدا التفكيكية فكانت أتجاها راديكاليا في فلسفة اللغة مثلت خروجا على آراء فنجشتين عندما أدخلت التفكيكية مباحث الفلسفة الحديثة في عنق الزجاجة حيث كانت التفكيكية منهجا في اللغة زاد الارباك الفلسفي وليست منهجا في حل معضلات قضايا الفلسفة بمنهج تحليل اللغة، لا كما أراد فينجشتين تحقيقه في تحليل اللغة وسيلة تقويم على اساس من تحليل مفاهيم الفلسفة العالقة وليس الغوص في نحو اللغة بما هي تجنيس ادبي.

لم يكن فينجشتين كغيره من الفلاسفة المحدثين والمعاصرين بعيدا عن جمع المتناقضات في حياته الخاصة والفلسفية، فقد كان صوفيا غامضا وعصابيا نفسيا لا يعير أهتماما للدين بعد رفض قبوله راهبا في ديربسبب ميوله الجنسية المثلية، وكان يلازمه القلق الوجودي العصابي وشبح الجنون والانتحار،وعمل معلما في مدرسة ابتدائية وبستانيا ومهندسا معماريا، في وقت تنازل عن ميراث والده  الكبير لشقيقه وشقيقته، مكتفيا بحياة مليئة بالمعاناة التي كان يسعى لها بأرادته وقناعته الحصول على نوع من التطهير الذاتي والخلاص النفسي من العصاب المرضي الذي يلازمه بلا جدوى.. تطوّع في الجيش أبان الحرب العالمية الاولى على أمل أن ينقذه الموت في المعركة من فكرة الجنون والانتحار اللتين تلازمانه كما أخبر صديقه وزميله مارتن شيرلتنيز.. وبعد أنتهاء الحرب أطلق سراحه من الأسر في أيطاليا ليموت أخيرا في سرطان البروستاتا..

فلسفة اللغة والفكر

ذهب فنجشتاين ومعه فلاسفة الوضعية المنطقية التحليلية الجدد حلقة فينا الى التسليم (أن ما لا يمكن أن يقال لا يستحق أن يؤخذ بنظر الاعتبار) (1).

لقد أراد فلاسفة اللغة وعلماء اللسانيات العودة الى أهمية الوضوح في تعبير اللغة كوسيلة ابتدائية اولى لمحاولة حل قضايا الفلسفة العالقة منذ قرون بسبب اشكالية اللغة في التعبير الغامض العصي على الفهم الاستقبالي الذي غالبا ما ينشغل بشكل التعبير اللغوي في ازاحته المضمون المتعالق والمتخّفي في تغييب اللغة وسيلة حضور الفكر ذي المعاني المدّخرة من دونها،، ومخاتلة اللغة القائمة على الدوام التي تجمع بين تضاد اللغة مع الفكر الذي تعبّر عنه رغم تعالقهما كوجهين لعملة واحدة (اللغة وعاء الفكر).. ولا صحيح أن اللغة تخون الفكر في تغييب أمكانيات الفكر مخاتلة اللغة وخيانته لها في عدم أستطاعتها التعبير عما هو كامل ومقبول بالفكر قبل اللغة.. من المهم التنبيه الى أن الثابت في فلسفة اللغة، هو اللغة والفكر هما وجهان لعملة واحدة لا انفكاك بينهما الا أن معظم مباحث فلسفة اللغة تذهب الى الفصل بينهما لمقتضيات البحث الفلسفي في تحليل اللغة.

خيانة الفكر للغة تكون قبل خيانة اللغة للفكر وما يضمره الفكر من أدّخار معرفي مسكوت عنه لا يبوح به أفصاحيا باللغة وبما تعجز اللغة التعبيرعنه بوضوح مطلوب، لذا فالافكار دائما ما تكون محمّلة بفائض من المعنى التي لا تستطيع اللغة التعبير عنه والألمام به دفعة واحدة على الدوام من خلال النص المكتوب، التي يكون الفكر أضافة نوعية متجددة متكررة بسبب ما يحمله من فائض المعنى المغيّب في تتالي التعبير اللغوي القاصر في النص التداولي على أعتباره فكرا متجددا قرائيا في تعبير اللغة عنه بأستمرار.. ومهمة اللغة أنها وسيلة توصيل المعنى المدّخر في الفكر..

من المفروغ منه أن (شكل) اللغة يستتبعه تعالقيا تواشجيا (مضمون) الفكر، ولا شكل بلا مضمون كما لا مضمون بلا شكل يعّبر عنه يحتويه، ومن هنا يكون تلازم الفكر مع اللغة تلازم الضرورة التي تدّخر فيها كل معاني التضاد القائم بينهما، بين الفكر واللغة.. أذ ليس كل تفكير تستطيع اللغة التعبير عنه كاملا لا نقص يعتريه..

فكيفما يكون مضمون الافكار تطاوعه اللغة في التعبير عنه كشكل لغوي يحدد ثباته الفكر وليس اللغة ذاتها، بمعنى اللغة لا تستطيع تحديد مضامين الافكار التي تعبّر عنها بينما يكون مضمون ومحتوى الفكر هو الذي يحدد شكل اللغة في التعبيرعنه.

أن وضوح التعبير اللغوي لا يجعل من الافكار ذات قيمة منفردة مميزة يمكن تجاوز كل ما لا تستطيع اللغة التعبير عنه أن يكون بلا قيمة ولا معنى، أذ يوجد الكثير جدا من أشكاليات معرفية وقضايا فلسفية وأمور حياتية تستحق الجدارة والاهتمام في عجز اللغة التعبير عنها بشكل واضح لكنها تمتلك لها حضورا دائميا غائبا خلف نص اللغة المعاد تكوين بناءاته التعبيرية بالتكرار التجديدي في البحث عما تغفله اللغة من معنى مفقود يلازم النص المتداول المتجدد القراءة.. كما أن عبقرية اللغة سابقة ومستمدة من عبقرية الفكر.. وأغلب ما تستطيع اللغة التعبير عنه بأمانة وصدق ووضوح يكون سهلا استهلاكيا غير جدير بالاهتمام لأن لغة التعبيرعنه تكون متطابقة مع المضمون الدلالي بما يجعل فائض المعنى المغيّب خلف قصور تعبير اللغة عن الفكر غير موجود بأستمرار وتفتقده لغة التعبير في وقت يدّخره الفكرالجوّاني على الدوام.. الفكر تعبير لغوي صامت، واللغة تعبير لغوي واضح.

وضوح الافكار يحمل معه داء السطحية المباشرة التي تفتقد محمولات فائض المعنى المدّخر خلف تداولية النص كنص لغوي.. كما يجعل وضوح النص لغويا عرضة للانحراف الساذج في التعبير عن الافكار السليمة.. ومن المشكوك به أن نعتبر تعبير اللغة صادقا وكافيا عندما يعبر بوضوح عن الافكار التي غالبا ما تكون سطحية بسيطة بالقياس لما تعجز اللغة التعبير عنه من أفكار جديرة بالقيمة والاهتمام لا تستطيع اللغة مجاراتها في صدق التعبيرعنها.. فالوضوح في المعنى اللغوي لا يشترط به التعبيرعن ألمهم الجدير بالاهتمام من القضايا والمفاهيم..

اللغة هي فن التعبير عن الفكر في زمن محدد ونص متعيّن قابل للاضافة على الدوام من خلال استمرارية تداوليته كنص، لذا تكون اللغة دائما محل أتهام وعجز وتقصير عندما تكون عاجزة الا عن تعبير فكري سطحي ضحل، ويكون ما لا قدرة لغوية التعبير عنه هو الجدير بالاهتمام في محاولة كشفه بتعبير صدق اللغة معه.. ودائما ما تكون الافكار الجديرة بالاهتمام غائبة عن التداول اللغوي الذي ينجذب نحو السهل والجاهزالمباشر في أستهلاك المعنى.. من هنا نجد قيمة الادّخار الفكري الجوّاني الصامت الذي تعجز اللغة التعبير عنه في النزعة الصوفية مثلا حيث يكون الفكرالصامت يحمل قيمة كبيرة في عجز اللغة التعبير الواضح عنه هو أبرز مثال على تلك الحقيقة التي أشرنا لها. ولا يشترط فهمنا تطابق تعبير اللغة مع دلالة محتوى الفكر يلغي من حسابنا أن القضية المعبّر عنها أصبحت سليمة وحقيقية..

ومقولة فنجشتين (أي شيء لا يستطيع الانسان التعبير عنه يجب عليه أن يبقى صامتا) مقولة تحذيرية تتحاشى هفوات اللغة المفترضة مسبقا أنها مخاتلة في التعبير وعدم أيفائها أعطاء كل مدّخرات الفكرالمعنى المعبّر عنه.. لذا يكون الأسلم صرف التركيز عن التعبير لغويا لأشياء ومفهومات ليست مكتسبة اليقينية التامة بالوضوح الفكري القاطع قبل الافصاح اللغوي عنها.. أي الهروب دوما الى أمام من أستحقاقات مواجهة الافكار الثرّة العميقة في عجز اللغة التعبير عنها كأفكار..

فضاء الفكر وفضاء اللغة

من الضروري الاقرار بأن فضاء الفكر غير المكتسب صفته التعبيرية الناجزة باللغة يكون دائما أوسع بمدياته التفكيرية وما يدّخره من معاني، من تعبير فضاء اللغة المحدود بكلمات النص والالمام به كاملا في مطابقة معنى الدال والمدلول التي تكون على الدوام علاقة متفاوتة المعنى بينهما..تفاوت لغة التعبيرعن مجاراة الفكر.

وشكل اللغة الذي يتطابق مع مضمون الفكر تطابقا كاملا يكون أستهلاكيا مستنفدا كل أضافة تداولية من فائض المعنى في أهمية تداوله المتتالي كنص لم تسطع اللغة التعبير عنه بصدق على الدوام.. فليس كل دال لغوي يكون بالحتم والضرورة معبّرا تعبيرا صادقا عن مدلوله لكي تكون جميع معارفنا جاهزة في التصديق والقبول لأن اللغة أستطاعت التعبير عنه بصدق ووضوح.. هذا ليس كافيا أن نجعل ما تستطيع اللغة التعبير عنه يكون جديرا بنا التسليم بصحته وأهميته فكثير وبما لا يحصى من تداول أفكار بلا معنى بفضل قابلية اللغة السطحية مجاراتها في التعبير عنها وهي لا تحمل من القيمة غير الاستهلاك المجاني التداولي المؤقت القابل الى حتمية زواله وأندثاره كنص ميت لا يحمل معه مدّخرات من فائض المعنى بما يبقيه حيّا ..

وبالتأكيد كثيرا ما تكون اللغة عاجزة تماما عن التعبير في حال يكون الصمت لغة تعبير أسمى من لغة التعبيرالمكشوف تداوليا في الوقاية من السقوط في تعبير لامعنى محدد واضح له، فالصمت المقترن بوعي قصدي مسّبق يكون لغة صائبة فكريا خذلته لغة التعبير التواصلية، ولغة الصمت غير المفصح عنها تكون بالحتم هي (فكر) مكتنز بمحمولات فائض المعنى لأنها فكر غير معبّر عنه باللغة ..فالصمت الهادف يكون هنا لغة حضور غائب يتوخى الوضوح التداولي الكامل في معنى تعبير اللغة عنه.. والصمت القصدي لغة غير عادية في أتخاذها موقفا صائبا من الوعي ..الصمت قد يكون عجزا لغويا لكنه حتما لن يكون تفكيرا بلا معنى..فالصمت تفكير لغوي هادف بما يرغب الافصاح عنه باللغة.

ولا يشترط أن يكون الصمت الانساني عجزا تعبيريا لغويا عندما يكون الصمت لغة تحذر من الوقوع في براثن الغموض العصّي، وأن الصمت لغة تحمل من المعاني والدلالات تأويلا ما لا تستطيع اللغة التعبير عنه، فليس كل صمت هو وقاية وحذر بمقدار أن يكون لغة أحترازية لا يمكن التعبيرعنها بدقة في لغة المعنى المطلوب أحيانا.

وبالعودة الى عبارتي فنجشتين وتعالقهما الفلسفي، الاولى أن ما لا يمكن أن يقال ليس جديرا بالأهتمام.. والثانية على المرء أن يصمت في حال أعجزه التعبير اللغوي بوضوح، أنما تؤكدان حقيقة واحدة هي أنه ليس بمقدور اللغة على الدوام التعبير عن عبقرية الافكار بأمانة وصدق، وفي أعتمادنا لغة الصمت ليس عجزا في تعبير اللغة وأنما هو أرجاء مقصود لما يدّخره الفكر من فائض المعنى التي لا تدركه اللغة في تعبير النص لاول مرة.. لغة الصمت ليست خلوّا من المعنى في عجز اللغة بل هو محمولات لحقائق حياتية تبّين لنا بوضوح تضاد التفكير العميق مع سطحية تعبير اللغة أغلب الاحيان..

ولتوكيد هذه الحقيقة نستنطق عبارة المتصوف العربي الكبير محمد بن عبد الجبار النفري قوله (كلما أتسعت الرؤيا ضاقت العبارة) وهي عبارة غاية في دقة التعبير الواضح القائم على التضاد الدائمي بين الفكر ولغة التعبير عنه. هنا نفهم التضاد هو القدرة على المعايشة التي تجمع اللغة والفكر ديالكتيكيا في تشكيل الظاهرة الجديدة أو في التعبير عن المفهوم المستحدث جدليا، وليس تناقضا في وجوب زوال أحدهما لصالح ديمومة وبقاء الآخر..فلا يوجد شكل تعبيري لغوي لا يداخله فكر قصدي هادف..

العلاقة بين الرؤيا بتعبير النفري التي هي الفكر الصامت الذي يدّخر المعنى قبل التعبير اللغوي عنه، وبين عبارة التعبير شكل (اللغة) هي علاقة تناسب عكسي وليس علاقة تناسب طردي، وهذا التضاد في التناسب العكسي ضروري وقائم بذاته لا يقبل وسطية الحلول التوفيقية الثالث المرفوع ويبقى يحكم علاقة الفكر باللغة داخل وخارج التجربة الصوفية قائما ما بقيت حقيقة اللغة أنها وعاء الفكر..وأننا نفكر من خلال اللغة وبها في كل امور الحياة ..

التحول اللغوي وفائض المعنى

كانت اللغة قديما تعتبر مجرد أداة للتعبير عن الفكر، وهذه الفكرة لم تعد تلقى حضورا في وقتنا الحاضر حسب أدعاء بعض فلاسفة التحول اللغوي الذين يرون فيه تحولا في وظيفة الفلسفة نحو الاهتمام (بتحليل مفاهيم ) واقعية وليس تعبير عن أفكار مجردة لقضايا لا يمتلك الكثير منها معنى حقيقيا غير زائف..

في مفهوم فلاسفة عديدين معاصرين منهم فينجشتين لا يخرجون عن النظرية التي ترى (اللغة هي الفكر ولا يوجد فاصل بينهما بل هما شيء واحد، ووضع حد لأفكارنا أنما هو وضع حد للغة فقط، وما يخرج عن هذا الحد لا معنى له، فالفكر هو القضية ذات المعنى) موقع اضاءات انترنيت.

عليه تكون كل فكرة لا تكتسب معناها الا بوسيلة التعبير المعبّرة عنها باللغة، وهو شيء صحيح أذا ما أعتبرنا أن حقيقة الفكر لا تكون بغير تعبير اللغة، والمسألة التي نجد فيها مجال النقد الذي هو في حقيقته الفلسفية اليوم هو نقد أفكار الفلسفة وليس القيام بتفسيرها وتوضيحها التي كانت مباحث الفلسفة مشغولة قرونا طويلة في تفسير مباحث وأشياء تقوم على أفكارفارغة بحاجة الى نقد تقويمي..

ومن الواضح أننا لا نستخدم حسب رغبة فلاسفة التحول اللغوي أن المفاهيم التي يدّعون وظيفة اللغة تحليلها هي أولا واخيرا أفكارا أكتسبت اللغة التعبيرية عنها، وألا نكون ملزمين التفريق بين الفكر والمفهوم وكيف نتعامل معهما بالنقد الفلسفي؟

أن فكرة تحجيم ووضع حد لأفكارنا لا يكون الا بوضع حد للغة فقط مسألة تقبل سلامتها أذا ما أعتبرنا أمكانية فصل الفكرة عن لغة التعبيرعنها واردا مقبولا، وهذا ما يرفضه فلاسفة اللغة والعلوم الانسانية ويعتبرونه بلا معنى يفتقد السند المنطقي التوضيحي.. وتماشيا مع هذا المعنى لا يكون لدينا أمكانية تحجيم سلطة وحدود اللغة بمعزل عن لا يطال هذا التحديد الفكر الذي هو بحسب تعبير فينجشتاين المررنا به (الفكر هو القضية ذات المعنى) في تحجيمه ووضع حد له من خلال تحجيم حدود اللغة.

أذا ما أعتبرنا الفكر هو لغة غير مكشوفة ولا تعبيرية مرئية تداولية حين يكون العقل يتمّثل موضوعاته داخل بنية العقل الموزعة بين الاحساسات والاحاسيس وما تنقله الحواس والذهن والدماغ والجهاز العصبي عندها لا تكون هناك قيمة سابقة للغة على الفكر باعتبارهما شيئا واحدا غير مفصح عنه ولا يعبّر عن شيء أو معنى طالما هو تفكير جوّاني صامت داخل المنظومة العقلية المؤلفة من الاحساسات والجهاز العصبي والدماغ... أما في حالة تعبير اللغة عن الافكار في تعالقها مع وجود الاشياء خارجيا أو حتى القضايا المجردة فكريا عن توصيف الألمام بالموجودات في العالم الخارجي عندها تفقد الافكار قيمتها لأنها صبّت في وعاء اللغة وأصبحنا نتعامل مع الافكار أنها لغة تعبير فقط..

أذن أصبح لدينا الآن حقيقة ماثلة أننا لا نستطيع تحجيم أفكارنا الا من خلال تحجيم اللغة التداولية وليس من خلال تحجيم لغة تفكير العقل جوانيا بموضوعاته، فالفكر في كل الاحوال يبقى تجريدا ذهنيا غير مفصح عنه ولا يمكننا التعامل معه الا من خلال أفصاح اللغة عنه فقط التي هي علامات صور التفكير المجردة.. وبهذا الفهم الدقيق يصبح تعبير فينجشتاين (الفكر وحده هو القضية ذات المعنى) يفتقد وسائل التحقق الفعلي منه ولا يقلل أهمية التساؤل وألادعاء أنه الوحيد الذي يحمل معنى بوسيلة اللغة أم بعدمها؟ يبدو التساؤل منطقيا قائما حينما نتعامل مع الفكر لا يمثل اللغة تارة وتارة أخرى نتعامل مع حقيقة أننا لا يمكننا الفصل ما بين الفكر واللغة.. وعندما يقول فينجشتين الفكر هو القضية ذات المعنى،، يكون تساؤلنا كيف نتأكد من صحة هذا الاستنتاج الذي يجعل الفكر هوغير اللغة، وكيف لا تكون اللغة هي صاحبة القضية التي تحمل معنى بدلا من الفكر؟ وكيف نستدل على أن الفكر يحمل قضية وهو قرين متداخل باللغة في معنى التعبيركليهما عن شيء واحد..

عليه نكون ملزمين كي يتسنى لنا الفهم الصحيح في تعالق اللغة مع الفكر أننا يمكننا الفصل بينهما من حيث كوننا لا نستطيع فهم الافكار في التعبير الخارجي الا بوساطة تصورات وتجريدات اللغة فقط.. بنفس أهمية أننا لا نستطيع التعويل على أننا نفكر جوّانيا في صمت اللغة بأفكار هي ليست علامات لغوية صورية في تحديد التفكير العقلي وهو أستحالة لا يمكن نتوقع حدوثها أبدا..فتفكير العقل لغة صورية لأفكار مجردة سواء كان التفكير بالاشياء خارجيا أوكان بها تفكيرا داخليا..

فرز محددات اللغة عن محددات الفكر في عدم أهمال أفتراض التداخل العضوي القائم بينهما يكون واردا من ناحية التحليل الفلسفي وليس في أعتبار التداخل بينهما هي وظيفة بايولوجية تساعدنا بفهم الاشياء التي يكرس حقيقتها منطق العلم في دراسة وظائف الاعضاء في الجسم البشري قبل تسليم الفلسفة بصحتها القاطعة..والفكر واللغة وجهان لعملة واحدة حقيقة صحيحة لا يمكن التلاعب بها كما أشرنا ومجمع عليها فلسفيا وعلميا في حال تكون اللغة تعبير خارجي عن الموجودات والاشياء، ويكون الفكر تعبير ذهني قصدي صامت في تفكيره بموضوعات مستمدة خارجيا أو مستمدة من خزين الذاكرة المعرفية على السواء. وفي حال يكون الفكر كمضمون لغوي يهدف الى معنى لم يأخذ حيّزه اللغوي الشكلي في التعبيركنص متداول القراءة، عندها يكون عالما قائما بذاته لا يمكننا أدراكه ألا بدراسة علمية تعمل على فهم كيف يفكر العقل؟؟ وهل الفكر لغة داخل العقل كما هو لغة خارج العقل في التعبير عن فهمنا للاشياء؟؟

بألتاكيد تكون لغة التعبير في كلتا الحالتين واحدة في الدلالة اللغوية كشكل تعبيري يقوم على التجريد، لكنها مختلفة في دلالة المعنى الفكري كمحتوى مضموني..فما تعبّر عنه اللغة من أفكار ليس بالضرورة يكون نفسه تفكير العقل بتجريد اللغة داخل تفكير العقل الصامت..

كيف لنا أن نفهم؟

أن مصطلح التحول اللغوي الذي قلب الفلسفة رأسا على عقب، الذي ترجع أصوله الى كل من جوستاف برجمان وجاتلوب فريجة اللذّين يذهبان الى ذات المنطلقات عند فينجشتاين، على أن هذا المفهوم قدّم خدمة جليلة لا يمكن تثمينها للفلسفة التحليلية عندما جرى (تعيين حدود الفكر بتعيين حدود اللغة) من دون توضيح فك هذا التعالق الاشتباكي بين اللغة من جهة والفكر من جهة أخرى.. وجرى الاستنتاج أن هذا التفريق بالحدود باللغة حصرا دون الفكر وضع حدا للمعنى واللامعنى.. (فاصبحت اللغة في مركز البحث الفلسفي المعاصر..) العبارة بين مزدوجين نقلا عن موقع ضفاف انترنيت.

وهذا يضعنا مرغمين أمام تساؤل بماذا نربط المعنى واللامعنى هل نربطه بالفكر أم باللغة أم بكليهما معا؟؟ وهذا خلاف مايراه فينجشتاين أن الفكر وحده يمثل قضية المعنى بمعزل عن اللغة حيث تكون قيمتها التعبيرية متوارية خلف حجب تسيّد الفكر على اللغة خارج العقل وأنه وحده يحمل قضية المعنى.. وهذا هو النفق المسدود الذي يحرّم تحريما قاطعا مسألة التفريق بين اللغة والفكر ولمن تكون الأسبقية في فهم العالم والتعبيرعنه؟؟ يذهب فيلسوف اللغة نعوم جومنسكي (الى أن اللغة تفرض بشكل وآخر على الانسان طريقة التفكير) من حيث أستحالة التفكير بغير تصورات اللغة الدلالية في معرفة الاشياء..

أشكالية فصل الفكر وأستبعاده عن اللغة أنما جاء من أعتبار أن اللغة أصبحت هي التعبير الوحيد عن الفكر، وبغير اللغة لا يمكن فهم وقائع الحياة لذا هي أستأثرت بالمعنى بدلا من الفكر الذي لا تستوعبه اللغة وهو يحمل فائض المعنى المطلوب على الدوام...أشكالية فصل اللغة عن الفكر معقدة جدا لما تحمله من محذورات الوقوع في أخطاء قاتلة عند تناولها فلسفيا وليس وظائفيا علميا كما هو المفروض..

يعترف فينجشتين أنه أرتكب أخطاءا فضيعة في رسالته المنطقية والتي تراجع عنها بضوء تشخيص فرانك رامزي لتلك الاخطاء، وعندما سئل جون سيرل كيف أستطاع فنجشتين التخلص من أستخدام الصورة لتوضيح المعنى؟ أجاب سيرل تم ذلك من خلال تراجع فينجشتين الى أن أستعمال العلامة اللغوية قيمتها تكون في وسيلة أستخدامها في مجرى الحياة وأهمية اشتغالها في الحيّز الاجتماعي..

وفي معنى مصطلح (لعبة اللغة) وصورة الحياة الذي أبتكره فينجشتين يقول: (اللغة ليست نوعا من الخيال أو الوهم اللامكاني و اللازماني وأنما هو ظاهرة مكانية وزمانية ) نقلا عن موقع اضاءات..مؤكد هنا الاقرار بحقيقة أن اللغة تعبير عن فكرة مدركة عقليا بزمانها ومكانها وليست تجريدا خارج هذا الادراك والا كنا نقع في اللامعنى، في لا جدوى اللغة وأستحالة أن يكون هناك معنى خارج الادراك اللغوي لعالم الاشياء والتصورات الذهنية، كما لا توجد أفكار ذات معنى في تعبير اللغة الافصاح عنها خارج عالم الواقع الخارجي المحدود أدراكيا بالزمان والمكان..ولا توجد أفكار تستطيع اللغة ممارسة التعبير عنها خارج تجريد عالم الاشياء وفهم العالم..

 

علي محمد اليوسف / الموصل

............

هامش 1،جنون الفلاسفة، نايجل رودنجرز وميل ثومتون، ترجمة متيم الضائع ص 173

 

 

حاتم حميد محسنكتب ادورنو وزميله هوركهايمر رسالة هامة اثناء حياتهما في المنفى ليتوصلا الى رؤية تشاؤمية عن الحياة في نظام زائف. كتاب ديالكتيكية التنوير لثيودور ادورنو وماكس هوركهايمر هو ربما " أهم اصدار لمدرسة فرانكفورت".

قامت مدرسة فرانكفورت مجتمعة بتطوير نظرياتها في عالم دمرته الحرب العالمية الاولى. جمهورية ويمر(1) شكلت صدمة نفسية خطيرة للمجتمع حين تحطمت العديد من اليقينيات القديمة الى اشلاء متناثرة. وما هو اسوأ من ذلك، لم يبرز أي شيء من بين ذلك الحطام ليعطي الناس املاً في المستقبل.

عندما فشلت الديمقراطية الليبرالية وتحولت ويمر الى نازية، اضطرجميع اعضاء هذه المدرسة وهم من المثقفين الماركسيين اليهود الى الهروب خارج البلاد الذي تحوّل ضدهم لأسباب عنصرية وسياسية. احد اهم اعضائها البارزين ولتر بنيامين قتل نفسه عام 1940 على الحدود الاسبانية الفرنسية، وهو الحادث الذي ترك باقي الأعضاء في كآبة شديدة.

وبعد ان غيّروا بلدهم اكثر مما غيروا احذيتهم كما يقول برتولت بريت، انتهى بهم الحال في الولايات المتحدة اثناء سنوات هتلر، ورغم ان هذا كان ملاذا لهم، لكنه ليس المجتمع الذي يوفر الانسانية. ارنست بلوتش وصف الولايات المتحدة بـ "طريق مسدود مضاء بالنيون" وهم شعروا ان المجتمع الملزم للسعي وراء السعادة الفردية كان مثالا لعالم من الضحالة والنفاق واللااصالة. في واحدة من اهم حكايات ادرنو الشهيرة في Minima Moralia (2) التي نشرها عام 1951 يقول من غير الممكن ان تعيش حياة حقيقية في نظام زائف.الشيء الاكثر اهمية في هذا النص، ان المفكرين من مدرسة فرانكفورت لم يميزوا كثيرا بين مختلف أشكال الراسمالية سواء ديمقراطيات استهلاكية كانت ام دكتاتوريات فاشية. ورغم ان السطح الظاهر للآليات الظالمة كان مختلفا بشكل واضح، لكن بالنسبة لهم القاعدة الاساسية لرأس المال كانت ذاتها.

ديالكتيكية التنوير يصل الى رؤية متشائمة حول ما يمكن القيام به ضد نظام زائف والذي، من خلال "صناعة الثقافة" يخلق باستمرار وعيا زائفا حول العالم الذي حولنا مرتكزا على الاساطير والتحريفات التي انتشرت بقصد لمنفعة الطبقة الحاكمة.

هذا بالطبع ليس غريبا على الرأسمالية، ولكن الرأسمالية تتخذ شكلها السلعي الكامل لكي نصبح مستهلكين راغبين ومنتجين للاغتراب. بالنسبة لادرنو وهوكمر، الثقافة الاصيلة لا تتساوى ببساطة مع الثقافة العالية، والتي هي سلعية بنفس المقدار. الثقافة الاصيلة تقاوم بشكل مباشر التسليع وتعاقب المشاهدين بسبب توقعهاتهم للترفيه .

وبالاعتماد على نظرية الديالكتيك السلبي، تجادل ديالكتيكية التنوير بان قيم التنوير ذاتها ليست تقدمية بشكل اوتوماتيكي وان عملية التحرير المحتملة للحرية الانسانية كما عرضها هيجل وماركس جرى إضعافها باستعبادنا ضمن شمولية العلاقات الاجتماعية الرأسمالية.

رؤيتهم هي ان الفاشية والستالينية ورأسمالية المستهلك كلها انتج الانتشار الواسع للانماط الاجتماعية لوسائل الانتاج وتوسيع نطاق الشركات مع دور مركزي للدولة.

هذا الالتقاء ترافق مع اسوأ استغلال للطبقة واستبدلها بنوع من التواطؤ الاجتماعي بين الطبقات بالرجوع الى الميثولوجيا والسيطرة الايديولوجية.

السيطرة تمت ليس فقط عبر القمع المباشر وانما من خلال مظاهر غير ايديولوجية لحياتنا اليومية وخاصة الطرق التي تشجع بها الحداثة على إنجاز ومتابعة الرغبات بدلا من سحقها او السيطرة عليها. هنا، جاءت السادية الى جانب نيتشة لإظهار كيف ادّت الحداثة والتنوير الى إعادة تقييم منظومة القيم واضعفت كل التقاليد. ماركس ايضا لاحظ ان الرأسمالية قادت الى ان (كل ما هو متماسك تبخر في الهواء). ان ما حصل من سوء فهم في هذه المسألة هو ان مدرسة فرانكفورت لم تكن السبب في الانهيار الظاهر للقيم الاجتماعية وانما كانت تجذب الانتباه للطريقة التي كانت بها الرأسمالية وبإصرار تحطم اليقينيات القديمة.

في قسم اللاّسامية هما يوضحان الطرق التي اُستعملت بها الاساطير حول اليهود من جانب كل من الفاشية والليبرالية الديمقراطية لخلق جماعة خارجية يمكن القاء اللوم عليها لكل المشاكل. هذا بلغ ذروته في النظرية النازية بان العالم خضع لمؤامرة يهودية فيها موّل المصرفيون اليهود الاغنياء الشيوعيين لكي يسيطر رأس المال على القيم الانتاجية التقليدية الجيدة.

فرويد دخل في اللعبة هنا بالقول ان كراهية الآخر(هنا اليهود، ويمكن ان يكون اي جماعة اخرى) هي في الحقيقة طريقة لإخفاء الغيرة عما لديهم، ليس بالنسبة للثروة، وانما في تقاليدهم الجمعية الظاهرة والتماسك الاجتماعي، الذي حافظوا عليه بينما الامة المضيفة تتآكل من حولهم. الفاشية هكذا نجحت ليس بسبب قمعها وانما لأنها تجيز وتشجع رغباتنا العميقة لإيجاد سببا لإشتراكنا او قبولنا الخطأ.

 

حاتم حميد محسن

....................

الهوامش

(1) جمهورية ويمر هو الاسم التاريخي اللارسمي للدولة الالمانية من 1918-1933. الاسم مشتق من مدينة ويمر التي عُقد فيها اجتماع الجمعية الدستورية اول مرة، اما الاسم الرسمي للجمهورية (جمهورية الرايخ) بقي لم يتغير منذ عام 1871. بعد ان عقدت الجمعية الوطنية اجتماعها في ويمر كُتب دستور جديد وجرى تبنّيه في 11 اغسطس عام 1919. وطوال سنواتها الـ 14 واجهت جمهورية ويمر مشاكل هائلة بما فيها التضخم المتسارع، التطرف السياسي(لكلا جناحي اليمين واليسار تدعمهما قوى مسلحة) بالاضافة للعلاقات الشائكة مع المنتصرين في الحرب العالمية الاولى. الاستياء في المانيا تجاه معاهدة فرساي بدأ يتصاعد خاصة في جناح اليمين حيث هناك غضب شديد تجاه اولئك الذين وقّعوا على المعاهدة وخضعوا لشروطها، لكن جمهورية ويمر لبّت معظم شروط المعاهدة. ومنذ عام 1930 فصاعدا، استعمل الرئيس هندبيرغ قانون الطوارئ لدعم المستشارين. الكساد الكبير المتزايد في ظل سياسة الانكماش قاد الى ارتفاع حدة البطالة. في عام 1933 قام هندبيرغ بتعيين ادولف هتلر مستشارا للدولة وجعل حزبه النازي جزءا من ائتلاف الحكومة حيث استلم النازيون مقعدين من مجموع المقاعد الوزارية العشرة للحكومة. وخلال اشهر، تم فرض حالة الطوارئ وفقا لقانون تفويض السلطات لعام 1933. وهنا تم إلغاء تام للحكومة الدستورية والحريات المدنية مع سيطرة هتلر التامة على الحكومة. هذه الأحداث وضعت حدا لجمهورية ويمر حيث انهارت الديمقراطية وبدأ عصر جديد للدكتاتورية النازية بتاسيس دولة الحزب الواحد .

(2) minima moralia هو عنوان كتاب للفيلسوف ثيودور ادرنو نُشر عام 1951. ادرنو بدأ في كتابة الكتاب اثناء الحرب العالمية الثانية حين كان يعيش في المنفى في امريكا، ثم اكمل الكتاب عام 1949. عنوان الكتاب مشتق من Magna Moralia وهو كتاب في الاخلاق يعود تقليديا لارسطو. في مقدمة الكتاب رسالة عن الموضوع الذي يهتم به الكتاب وهو "تعليم الحياة الجيدة"، وهي الفكرة المركزية في الاصول اليونانية والعبرية للفلسفة الغربية. في اواسط القرن العشرين يؤكد ادرنو ان الحياة الجيدة والنزيهة لم تعد ممكنة لأننا نعيش في مجتمع لا انساني. في بداية الكتاب يضع ادرنو عبارة ان "الحياة لا تُعاش". يوضح الكاتب هذا في سلسلة من الكتابات القصيرة والامثال التي تتوزع على طول الكتاب منتقلا من الممارسات اليومية الى المعالم المقلقة للنزعات العامة للمجتمع الصناعي. المواضيع تضمنت الطبيعة التدميرية للالعاب، حالات اليأس والاحباط على مستوى العائلة، عدم حقيقة ما هو حقيقي، تآكل الحوار، تصاعد الايمان الماورائي. يبيّن ادرنو كيف ان تغيرات بسيطة في السلوك اليومي تنعكس في العلاقة مع الأحداث الكارثية للقرن العشرين.

 

علي محمد اليوسفتقديم: كانت لافكار (كانط) 1724 – 1804الفلسفية تأثيرا قويا لترسيخ الثورة الكوبرنيكية 1543م،ومن بعدها الثورة العلمية التي قادها غاليلو 1616م، وأنسجاما مع الفكر الديكارتي العلمي في القرن السابع عشر التمهيدي المزامن لثورة أسحق نيوتن 1672م التي زلزلت جميع اليقينيات اللاهوتية الثيولوجية، والتي فرضت على الفكر الفلسفي تبّني النزعة العلمية في تأمين تطابق الاشياء مع معرفتنا لها حسب تعبير رورتي،، وقد كرّس كانط طيلة أحد عشر عاما جهوده لهذه المهمة التي أثمرت عن ثلاث مؤلفات له تمثّل أهّم رصيده الفلسفي الموروث من بعد وفاته هي على التوالي (نقد العقل المحض) و(نقد العقل العملي) و(نقدالحكم) التي سببت ثلاثتها أمتعاضا وعداءا شديدين لكانط شخصيا واجهها بكل ثبات وبسالة وتحمّلها بشجاعة وسط كنيسة متزمتة وسلطة ملك جاهل ومجتمع قطيعي مبرمّج لاهوتيا لم يدّخروا جميعا جهدهم في محاربته بكل الوسائل حتى الوضيعة منها.

كانط وفلاسفة التجريبية المنطقية

لقد راجع كانط بمنهجه النقدي العقلي الأخطاء التي وقع فيها الفكر الفلسفي الحسي - التجريبي عند بيركلي وهيوم وجون لوك حول ثنائية شغلت التفكير الفلسفي زهاء قرن كامل بدءا من القرن السابع عشر حتى بداية مطلع القرن التاسع عشر، وهي ثنائية العقل والادراك المعرفي التي تمرّكز حولها مبحث الابستمولوجيا في تقليب صفحات الجدل الفلسفي الواسع حول علاقة الادراك الحسي بالتصور الذهني – العقلي،.. والتي أصبحت الآن بالنسبة لفلاسفة البسكيولوجيا** واللغة المعاصرين مسألة لا نفع من البحث فيها حالها حال الميتافيزيقا ليست جديرة بالاهتمام الفلسفي والوقوف عندها..

ورغم الاختلاف الجوهري الفلسفي الكبير بين فهم كانط لهذه الثنائية وأختلافه مع كل من جون لوك وديفيد هيوم من حيث أن كانط ناقش ثنائية العقل والمعرفة تجريدا فلسفيا محضا تماشيا مع منهجية أفكاره المثالية في كتابه نقد العقل المحض، في الوقت الذي كان تناولها قبله كلا من هيوم وجون لوك من منطلق أبستمولوجي تجريبي وليس من منطلق تجريد نظري فلسفي، وقد لخّص ريتشارد رورتي هذا التباين حول تلك الثنائية الفلسفية الخلافية (الابستمولوجيا والعقل) في عبارته ( أنه قد ذهب كانط الى مناقشة معرفة (قضايا) وليس معرفة (أشياء) كما ذهب له جون لوك) 1. معنى العبارة المباشر أن كانط ناقش قضايا وافكار (نظرية) في حين عمد جون لوك الى مناقشة (اشياء) فيزيائية متعينة انطولوجيا في العالم الخارجي.

نجد من المهم التنبيه أن كانط في معالجته قضايا المعرفة والعقل يلتقي مثاليا مع مناطقة المثالية التجريبية الواقعية الانجليزية التي يمثلها بيركلي وهيوم وجون لوك بأختلاف بسيط يتوّضح معنا لاحقا مرتكزه الاساس أن كانط يذهب الى أن الوجود سابق على الفكر.. والفكرأجراء عقلي يتعامل مع الوجود تخليقيا له ديالكتيكيا متخارجا معه وليس في أيجاده كواقع من عدم بالفكر المجرد كما يدعو هيوم ولوك، وكانط رغم هذا الاختلاف الجوهري عن المثاليين فهو بعيد عن الفهم المادي الماركسي المعروف في ثنائية أسبقية الواقع على الفكر.. بينما ذهب هيوم ولوك نحو عدم وجود عالم خارج مدركات الحواس وما يختزنه الذهن من أحساسات تصله عبر الحواس والجهاز العصبي تمّثل وجود أشياء العالم الخارجي في العقل التجريدي ومن دون الاحساسات التي مصدرها الحواس لا وجود لمادة في تفكير العقل ويمسي فارغا.

واضح من عبارة رورتي السابقة أن كانط ناقش ثنائية العقل والابستمولوجيا من منطلق تجريدي فلسفي على نطاق الفكر النظري المحض كما أشرنا له، في حين كان لوك ناقش الثنائية من منطلق حسّي تجريبي يفهم المعرفة فهما تجريبيا علميا تماما لكنه فهم مثالي لا مادي أيضا.. . وعبّر رورتي عن فهم جون لوك المثالي التجريبي الذاتي بما يرتّب عليه قوله (عدم وجود موضوعات في العالم الخارجي قبل عمل العقل التكويني، والموضوع هو الشيء الذي تصدق عليه محمولات عدة هي دائما نتيجة تركيب في العقل له داخليا) 2.. جون لوك هنا يلغي وجود عالم مادي مستقل خارج الادراك الحسّي العقلي له.. .علما أن عمل العقل التكويني داخليا يعطي بالضرورة الاستنباطية فلسفيا تكوينات العقل الانشائية للاشياء في وجودها الخارجي كمواضيع مستقلة للادراك العقلي.. ولا يخلقها العقل أنطولوجيا بالفكرالتصوري المجرد.. ولا يعدم ويلغي وجود الاشياء باستقلالية عدم الادراك الحسّي لها.. فالموجودات هي أشياء مادية موجودة سواء أدركها الحس والعقل أم لم يدركانها.

و تعبير رورتي واقعي موضوعي الى حد ما في فهم أكتساب المعرفة علميتها التجريبية عند لوك، فالموضوع حسب عبارته تكون محمولاته العديدة هي نتيجة لمعالجته عقليا بما أطلق عليه كانط مقولات العقل البنائية التشكيلية لموضوع الادراك بالذهن ، ومن حيث أنكارجون لوك الاقرارالمبدئي بحقيقة أن وجود الشيء واقعا مستقلا في عالم الموجودات يكون قبل أدراكه، هو غيره موضوعا مدركا جرت عليه عملية تخليق ذهني – عقلي وجعلت منه موضوعا تركيبيا معرفيا راسخا في الذاكرة في جملة مواصفاته وماهيته الجديدة.. وهو ما يلتقي مع وجهة نظر كانط القريبة من هذا الفهم الفلسفي بشأن تخليق العقل التخارجي الجدلي لمواضيع مدركاته وأقرار كانط بخلاف فلاسفة المثالية المنطقية التجريبية أن الواقع وجود مستقل لا يصنعه الفكر التخليقي العقلي له بل يضفي عليه مقولاته الادراكية في تكوينه الانشائي معرفيا داخليا وفي تشكيله تصوريا خارجيا كمدرك حقيقي واقعي في عالم الاشياء والموجودات بالتعبير عنه بالفكر واللغة وليس بخلقه واقعيا بالتصورات الفكرية.

كانط وثنائية المعرفة - العقل

قام كانط بمراجعة وتصحيح أفكار جون لوك كما أشرنا له سابقا، التي يذهب فيها الى أن تصورات العقل هي التي تمنح الوجود الخارجي والعالم الموضوعي حقيقته الموضوعية المادية، وأعتبر لوك صور الاشياء التي هي نتاج التفكير العقلي (داخليا) أي في الذهن هو الذي يمنح الحواس (واقعية) ما تدركه من الاشياء في وجودها (خارجيا).. .أي بحسب جون لوك الاحساسات القادمة من الحواس كافية لمعرفة عالم الاشياء وأدراكه خارجيا بالذهن وليس كواقع انطولوجي مستقل سابقا على التفكير الذهني.. وما لا تستطيع الحواس أدراكه لا يمتلك وجودا حقيقيا في عالم الاشياء الخارجي حسب لوك.

وبخلافه ذهب كانط الذي رأى العكس في نزعة الفهم المثالي الذاتي لدى هيوم ولوك متمثلا في عبارته ( الحدوس بلا تصورات تكون عمياء ) ويقصد كانط بذلك تصورات العقل التكوينية الانشائية عن مواضيع الادراك الخارجية في وجودها المتعيّن المادي المستقل، فهذه التصورات تكون عقلية في تفسيرها الحدوس،،التي هي بداية المعرفة المستمدة من (قبلية) الواقع كوجود وليس من (بعدية) التصورات العقلية التخليقية الانشائية له كمدرك واقعي وموضوع لوعي العقل..

وبهذا يكون كانط يرفض مثالية جون لوك في مثالية نقدية ذاتية أبتدعها لنفسه في أسبقية الواقع على الفكر وفي أهمية تخليق العقل للواقع وليس خلقه وأيجاده من لاشيء بوسيلة أدراكه الذهني فقط،،ومقولات العقل هي من مهمة العقل التكويني الانشائي للموجودات.. وعليه لا يكون العقل مرآة عاكسة للحدوسات وأنما هو (ملكة) فكرية تنظيمية أجرائية لتلك الحدوسات.. وتصورات عقلية أنشائية تكوينية جديدة لها وهو أهم أختلاف جوهري بين مثالية كانط الجديدة عن مثالية جون لوك وهيوم التقليدية الكلاسيكية الابتذالية.. .

وكان قدعبّر جون لوك عن تصوراته المثالية تجاه هذه الاشكالية الفلسفية القائمة حول أبستمولوجيا الادراك العقلي قوله (أن الطبع – يقصد ما يطبع من حدوسات الادراك على صفحة العقل من معارف – ليس ألا جعل الحقائق – بمعنى مواضيع المعرفة قبل أكتسابها صفة الحقيقة - مدركة حسّيا، هذا أذا كان لذلك معنى، لأن طبع أي شيء على العقل من غير أن يدركه العقل يبدو غير معقول). 3

والتساؤل المنطقي على هذا الفهم الفلسفي لجون لوك هو هل من الممكن تصوّرنا طبع صور الاشياء بالذهن أو العقل يكون من غير أدراكها العقلي القبلي المسّبق لها؟؟ وهل يكفي معرفة ما تنقله الحواس ويطبع بالذهن لا علاقة للعقل بتمّثله أدراكيا ؟؟ والأمر الآخر المهم أن مواضيع المعرفة لا تكون (حقائق) ولا تكتسب صفة حقائق بالحواس الناقلة لها قبل تأكيد العقل لصفتها الحقيقية بعد معالجتها أدراكيا وأنطباعيا في الذهن،، لذا لا يكون قبول الأمر والتسليم به يمرّعبر هذا الاسلوب المصادر للمنطق الفلسفي في التعبير عن آلية ميكانيكية تجعل من الذهن صفحة أستقبال وطبع ما يرده من الحواس عليها.. .وليس للعقل علاقة أدراكية أولية بها بفهمها مادة خام قبل أنطباعها في لوحة الذهن الذي هو الآخر غير الحواس وما تنقله من أحساسات..

ولمّا كان العقل هو (ملكة) تخليق وعي ذكي لمعالجة مدركاته، لذا يكون ما تطبعه تلك المدركات على صفحة العقل من أحساسات داخليا الواصلة اليه عبر الحواس ومنظومة الجهاز العصبي كمادة خام، أنما تكون بالمحايثة السببية والعليّة وحكم الضرورة المعرفية هي مدركة عقليا كتحصيل حاصل.. ولا يمكن للعقل ولا غيره أنكار حقيقة حدوث أشياء تطبع على صفحة الذهن المفكر لم يكن العقل قد أدركها مسّبقا وألا لم تكن تأخذ فرصة الانطباع المعرفي المخزّن في الذهن والذاكرة.. .فالعقل ليس لوحة مستباحة لكتابة حدوسات مدركات الحواس قبل أستحالة العقل أدراكها كما يذهب جون لوك أن العقل صفحة بيضاء فارغة في خلوّها مما تطبعه عليها الحواس من أحساسات.. وهذه العملية الادراكية تتم من دون رقابة العقل والانتباه لما يدركه على لوحة صفحته وما يطبع عليها من حدوسات خارجية...

وما تغاضى عنه جون لوك أن ما تنقله الحواس من أحساسات يستجيب العقل لها ويقبلها أنطباعا أوليا في الذهن قبل تخزينها في الذاكرة ليس بآلية ميكانيكية بعيدة عن الادراك والفهم المبدئي الاولي لها في منظومة العقل الحسية - الادراكية - العصبية - الفكرية - الذهنية.. وأن عملية الانطباع الحسي للمدركات وأن كانت تتم في ومضات كهربائية في نقل الحواس لها وأستقبال منظومة الجهاز العصبي والعقل لها،، الا أن العقل من المستحيل تمرير ما لا يدركه ذهنيا بالدماغ أن يكون (مطبوعا) على لوحته بالذهن والذاكرة داخليا،، والذهن والذاكرة هما من خصائص تكوينات العقل البيولوجية العصبية وليستا من خصائص ما تنقله الحواس من حدوس.. ليمّحص العقل بعدئذ حقيقة مطبوعات ما تنقله الحواس من زيفه وهو أفتراض آلي ميكانيكي لا يأخذ بكثير أهتمام قدرات العقل الخلاقة التي لا تحد بتنظيمه ومقولاته الاجرائية الصادرة عنه.. ألانطباع الذهني هو أدراك بدئي أولي لصور الاشياء وهي خام يسبق أدراك يقيني آخر يستتبعه في أعطاء العقل مقولاته النهائية عن تلك المدركات كوقائع سواء أكانت بالذهن كمواضيع تفكير أو موجودات في العالم الخارجي على السواء..

الخبرة عند جون لوك

أستعمل جون لوك مفهوم الخبرة بفهم فلسفي خاص على غير معناها العملاني الدارج تجريبيا - علميا في المهنة والسلوك الطبيعي العملي العلمي بالحياة التي تعني حصيلة تراكم التجارب المعرفية المكتسبة في مهنة ما أو أختصاص معيّن، فالخبرة بهذا المعنى تكون هي خزين معرفي مكتسب يحتاجها العقل العملي في تدبير شؤون أختصاصه بالمعرفة التراكمية التي يمتلكها بمرور الوقت..

أما لوك فيعتبر الخبرة هي (افكار الاحساس والتفكير) الآني Moment المباشرdieredct في التعبير عن المدركات من الاشياء والموضوعات.. .والخبرة عنده ليست خزين الذاكرة المكتسب من تجارب الحياة التي يمّر بها الانسان.. .وأنما هي ردود الافعال الآنية المباشرة للاحساسات الواصلة الى الذهن اللاارادية منها والارادية على السواء.كما يرفض لوك كل ما يسمى خبرات فطرية بالذهن.

أي أن الخبرة عند جون لوك هو ما يعطي صور الاشياء في الذهن حقيقتها الانطولوجية المادية في عالم الموجودات الخارجي وليس ما تختزنه الذاكرة عنها من أفكار تجريدية.. وبهذا الفهم يبتعد جون لوك عن حقيقة أمتلاك العقل قدرات تخليق لموجودات الاشياء بما يضفيه عليها من مقولاته الاجرائية والتنظيمية التكوينية غير مكتف بالتفكير العقلي المجرد بشأنها كما هي عند كانط.. .

أن المبدأ المفارق حول فهم كانط هو أن العقل عنده لا يفكر بالاشياء بميكانيكية حيادية من دون ملاحقتها بمقولات أجرائية صادرة عن العقل تعمل على تخليقها الانطولوجي بالجديد المضاف لها.. .وخطأ جون لوك أنه أعتبر الاحساسات المباشرة الواردة للذهن تستطيع تنظيم نفسها ذاتيا وتمنحنا معرفة الشيء المدرك من قبل الحواس بمعزل عما يسمى مقولات العقل الاجرائية عن الاشياء..

ونجد من المهم التعرّض لتفسير أعتراض التباسي بأن لوك فيلسوف تجريبي قريب جدا من الفهم المادي في معرفة حقائق الاشياء علميا، فأين يكون تفكيره من المثالية في المنهج المعرفي المادي؟؟

ألأجابة أن لوك يتعامل مع الأحساسات (كأشياء) فكرية مجردة يخضعها للتجريب العملاني الفكري للتأكد من صحتها من عدمه وهذه الاحساسات التجريبية هي تمهيد لأرهاصات بروز المذهب الذرائعي البراجماتي العملاني في الفلسفة الامريكية وهو ليس موضوعنا الآن.. وصحيح أكثر أن الفكر التجريبي يكون في محصلته وما يتوصل له من نتائج يقينية قاطعة يكون (واقعيا) أي ماديا نوعا ما،، لكن الفرق الجوهري في مثالية لوك باختلافه عن المنهج المادي أنه يعتبر الفكروحده وصور الاشياء في الذهن هو ما يحدد وجود الاشياء واقعيا من جانب أحادي ومنظور وحيد الجانب هو (الفكرة) الصورية عن المدركات وليس وجود الاشياء المستقل واقعيا في العالم الخارجي.. . في حين أن علاقة الفكر مع الواقع وتكويناته جدليا تخارجيا في المنهج المادي هي التي تقرر حقيقة الواقع من جهة وحقيقة الفكر من جهة أخرى على السواء.. . فالمادية تقر بيقين راسخ أسبقية الواقع على الفكر المنبعث عنه كأنعكاس مرآتي لكنها لا تعطي أحقية الفكر تقرير حقيقة ذلك الواقع وصدقية صفاته الظاهرة وماهيته المتوارية المحتجبة بمعزل عن وجوده الانطولوجي وما يفصح عنه من صفات حسّية بائنة وما يحتويه من ماهية وجوهرتتداخل جدليا مع الفكرالمعّبرعنه كموضوع مدرك عقليا.. ولا تعطي النظرية المنهجية المادية أيضا الواقع المادي العياني منفردا تحديد ما يجب أن يكون عليه الفكر لمدركاته..

الاحساسات بين المنهج المادي والمنهج المثالي

أننا ملزمون بتوضيح الفرق بين المنهج المادي عنه واختلافه مع المنهج المثالي في تحديد نوعية الادراك الحسي، أن هذا الاخيراي المنهج المثالي يتعامل مع ماتنقله الحواس هو سبب ونتيجة وجود الشيء، في حين يعتبر المنهج المادي الاحساسات المنقولة له ليست كافية أن تكون هي الالمام الكامل بوجود الاشياء والحكم عليها، والاحساسات هي وسيلة تجريدية لنقل ماتدركه الى العقل ليقوم بمعالجتها..

كما يكون الفرق في (المنهج) أي في المنهجية المادية تعطي للجدل المتخارج بين الفكر والواقعة التي يمثلها ويعبّر عنها نتيجة حقيقتها وحقيقة الفكر التعبيري عنها ماديتهما.. كما والمادية لا تقرّ أن وجود الاشياء متوقف على أدراك العقل لها.. وأن عالم الاشياء موجود أساسا من دون الادراك الصوري له في الذهن تفكيريا بخلاف مثالية لوك التي تجعل وجود الواقع هو تصورات فكرية ذهنية فقط وليس الواقع المادي الخارجي سوى تصورات الذهن له وفي غياب هذه التصورات فلا يكون هناك واقع مادي حقيقي للاشياء .. أن لوك يبدأ بداية صحيحة عندما يعتمد التجريد الصوري هو وسيلة العقل الوحيدة المتاحة بالتفكير وأدراك الاشياء في الذهن، بعدها يستنتج لوك نتائج غير صحيحة هي أن وجود الشيء هو ناتج تفكير العقل به فقط، ولا وجود حقيقي خارجي له مستقل بغير تصورات الذهن عنه..

ومن المعلوم جيدا أن سارتر أخذ بالمبدأ الماركسي بعيدا فهو لم يقل الوجود سابق على الفكركما في الماركسية وكفى،، وأنما ذهب أبعد من ذلك حين أعتبر الوحود سابق على الوعي والفكر والماهية والكينونة،،فلا تفكير من غير (واقع) مدرك ولا توجد للانسان (كينونة) مكتملة وأنما الكينونة ما يصنعه الانسان في كل مراحل حياته العمرية.. .وأخيرا فالانسان يصنع (ماهيته) بقراراته الحرة المسؤولة عن فرديته المجتمعية، وبذا يكون الانسان من أجل ذاته وليس(بذاته).. فالماهية والكينونة عند سارتر لا تسبق وجود الانسان.. وأنما هما صيرورة حياتية يبنيها الانسان لنفسه بالحياة ويكتسبهما بمرور الوقت.. .

مع جون لوك والمنهج

وأمام هذه المعضلة ثنائية العقل والابستمولوجيا أعتبر جون لوك أدراكات الحواس لا تجعل من تلك المدركات حقائق عقلية وهذا يحمل صواب تفكيره الدقيق ، كما ينكر لوك أن المدركات الحسّية هي وقائع مستقلة في عالم الموجودات وهو خطأ مغرق في مثاليته،، ويعتبر لوك يقينية وجود الاشياء المستقل ماديا بالعالم الخارجي ناقصا ما لم تتناوله (التجربة) العلمية بالاختبار وهو فهم تمهيدي يقترب كثيرا من الفهم الفلسفي البراجماتي الذي كانت أفكار ديفيد هيوم وجون لوك الارهاصات الفلسفية الاولية لها.. المدركات الحسيّة ليست نتاج تفكير العقل بها وأدراكها بل هي وسيلة مدركات لأشياء قائمة مستقلة وجوديا في العالم الخارجي بمعزل عن وجوب ادراك الحواس والعقل لها من عدمه..

المنهج المادي لا ينكر العلمية التجريبية بالتفكير كما يرغبه هيوم ولوك لكنه لا يأخذ بالفكر التجريبي المجرد ذهنيا على أنه يمثل سبب ونتيجة في وقت واحد لتأكيد حقيقة وجود الاشياء وحقيقتها الابستمولوجية أيضا.. والأهم الذي يجمع بين المادي والمثالي هو أن وسيلة العقل الوحيدة المعتمدة في أدراك الوجود وفهمه وتفسيره هو التجريد الصوري الفكري العقلي في أدراك ومعرفة الاشياء مبدئيا عن طريق الحواس، سواء أكان منهج التفكير الادراكي لموضوعاته مثاليا أو كان ماديا. فأين الاختلاف بين المنهجين المادي والمثالي في الادراك الحسي؟؟

الاختلاف أن ما تنقله الحواس والجهاز العصبي للذهن هو مادة خام ليس من عمل المنهج الادراكي المادي أو المثالي للعقل أعتبارها حقائق،، لكن ما يصدره العقل من مقولات فهم وتفسير (منهجي) لمدركاته الواصلة اليه كأحساسات مجردة هي التي تعطي منهجية التفكير المادي في أختلافه عن منهج التفسير المثالي.. فالفكر يكون ماديا حينما يعتبر في منهجيته العقلية أن الوجود سابق عليه والفكر أنعكاس الواقع.. والفكر المثالي في منهجيته العقلية يذهب الى أن الفكر يسبق الوجود ولا وجود مستقل يسبق الفكرالذي هو تخليق الوجود وتطويره وتغييره وليس خلقه وأيجاده من عدم كما ترى المثالية.. والاشياء لا تكتسب حقيقتها الانطولوجية في تعبير الحواس عنها بل تكتسبها في تخليق الفكر العقلي في التعبير عنها.. .

ما نريد التأكيد عليه أن وسيلة أدراك العقل هي نقل تجريدات الحواس للادراك العقلي صوريا في المنهجين المادي والمثالي، ويكون الاختلاف بينهما بما يصدره العقل منهجيا عنها من تفسيرات ومقولات تكوينية أنشائية بفهم مغايرأحدهما عن الآخر..

رورتي والخبرة

يعتبر ريتشارد رورتي الكلام الابتذالي غير الفلسفي عن الخبرة هو أنه (يمكن للتفكير العادي أن يتكلم عن الخبرة بمعناها المبتذل، كأن نفكر فيما أذا كانت لدينا خبرة كافية بشيء لكي نحكم عليه، غير أن هذا ليس تعبيرا فلسفيا، فالتفكير الفلسفي يكون فقط عندما نبحث كما يفعل كانط عن علل causes ومسببات الآراء الخاصة بالمعرفة التجريبية الحسّية وليس مجرد مبرراتها.)4.

ويوّضح رورتي مفهوم الخبرة بقوله (تتشكل خبرتنا المعرفية من عنصرين هما: المعطيات المباشرة مثل معطيات الحس التي تقدم للعقل أو تعطى له، والثاني صورة أنشاء أو تأويل يمّثل نشاط الفكر) 5. وهذا الفهم متماهي كثيرا مع فهم كانط للخبرة ويقاطع فهم جون لوك لها.. وأذا أستعرنا تعبير جاستون باشلار الذي سعى أن يرى الفلسفة والعلم متكاملان ببعضهما الواحد للاخر يقول الخيال والتفكير المستمد من العقل، هو ملكة تشكيل صور تتجاوز الواقع بل تعمل على صنعه وتغييره لوجدنا أن العقل تخليق جديد لمدركاته وليس عملية ميكانيكية بالتعريف الظاهراتي السطحي لصفات تلك المدركات.

بضوء هذا الفهم الذي يقدمه رورتي يكون بعيدا كثيرا عن كل من جون لوك وكانط كليهما ليقترب من الفلسفة البراجماتية الراسخة أمريكيا كفلسفة ابستمولوجية – وسياسية في تسيير المجتمع الامريكي، أن كانط يفترق عن هذه البراجماتية ليس في أبتعاده عن الأخذ بالتجربة في تأكيد صحة أختبار حقائق الابستمولوجيا وحسب وأنما أيضا يعتبر(مقولات) العقل هي صفات قبلية (فطرية) في الذهن وليست (بعدية) مكتسبة من الجدل المتخارج الذي يجمع بين المعرفة المدركة والفكرة المعبّرة عنها.. وبخلافه تماما لا يعترف جون لوك بشيء أسمه (خبرة فطرية) ويعتبرها خرافة.

أن كانط مثالي نقدي ولا يخرج على مثالية هيوم التجريبية فكريا ألا في القليل، فهما كليهما يتعاملان على أن الفكر هو جوهر الادراك وجوهر المعرفة بالاشياء معا.. فكانط يعتبر العقل يمتلك معارف فطرية ومكتسبة مخزّنة في الذاكرة بعضها مستمد من الواقع الخارجي،، يتمكن بها العقل من أصدار مقولاته (القبلية) وهذا بخلاف رورتي الذي يرى بمقولات العقل هي قدرات فكرية (بعدية) في أنشائها تكوينات المعرفة ومعالجة مدركات العقل.. والمقولات القبلية يوضحها كانط أنها خبرة متراكمة عن الاشياء تسمح للعقل أصدار مقولاته التي يطلق عليها (حقائق تركيبية قبلية) بضوئها يكون العقل ممتلكا قدرات المقارنة بين حقيقة الشيء المدرك ومطابقة معرفته له مع الخبرات القبلية عنه وعن غيره من المدركات..

أن كانط يؤمن بوجود خبرات قبلية (فطرية) كمعطى ذهني ويعتبر قانوني الادراك (الزمان والمكان) هما معطيان فطريان يولد الانسان مزوّدا بهما لمعرفة العالم.. ولا يقلل كانط أهمية تراكم التجارب المكتسبة سببا في تكوين الخبرة المخزّنة بالذاكرة متبّعا آلية تجمع الاثنتين (الخبرة الفطرية والخبرة المكتسبة) في تكاملهما معرفة العالم وأدراكنا الاشياء.

ولا يخرج كانط بهذا الفهم أن علّة وسبب وجود العالم الخارجي يكون مصدرها بالذهن وليس بالعلاقة الجدلية التخارجية مع المدركات والموجودات المتعالقة مع الفكر بعلاقة سببية، تلك السببية التي ينكرها هيوم ويعتبرها تراكم تجارب تمتلك بالتكرار صفة (العادة) المستديمة التي تفسّر ظاهرة ما بتعالقها مع أخرى ليس كسبب ونتيجة وأنما هي تكرارعلاقاتي بالصدفة تختزنه الذاكرة كمعرفة مكتسبة في تعليلها ترابط الاشياء بالصدف العمياء وليس سببيا في العلاقات التي تربط الاشياء علة ومعلول.. وهو ما يعتبره الفلاسفة سقطة كبيرة لهيوم في عالم نعيشه تحكمنا فيه السببية من أصغر حركة نقوم بها في حياتنا الى أعقد ظاهرة تحكم قوانين الكون ندركها أو لا ندركها..

الوعي والمعرفة

يشن سلارز هجوما لاذعا على منتقدي ومصادرة عبارته الفلسفية مفادها (عدم الاقرار لوجود وعي سابق على اللغة).6 وليس من السهل التسليم بصحة ماذهب له سلارز فالوعي عند الطفل في معرفته ألوان بعض الاشياء وصفات بعضها الآخر والعلاقة السببية بين الالم وتعابير الجسم عنها وغيرها عديد جميعها حالات يسبق الوعي بها تعلم اللغة وسيلة تعبير لما يدركه ويعجز التعبير عنها باللغة،، فالطفل يعرف النار تحرق قبل معرفته التعبير اللغوي عن ربطه النار سبب الاحتراق.. .

وجود الاشياء السابق على الوعي التعبيري المادي اللغوي عنها كمدركات هو مبعث الوعي السابق بها وسابق على تعبير اللغة عنها، كما يعتبرسلارز أيضا (أن كل وعي للكائنات المجردة، وحتى كل وعي للجزئيات هو شأن لغوي) 7. من المفروغ منه عدم مناقشة صحة هذه البديهية التي تذهب الى أن الوعي هو تفكير العقل لا يتم الا بتعبيراللغة عنه،، وعليه هل من الممكن التساؤل أن الوعي بالكائنات المادية والفيزيائية غير المجردة هي ليست شأنا لغويا؟؟ بالتاكيد البدهي لا.. .ولا أختلاف في التعبير اللغوي عن الكليّات كما هو الحال مع الجزئيات في الوعي الادراكي لهما كليهما.. .. فالوعي التعبيري هو أدراك لغوي وليس أدراكا حسّيا مجردا عن موضوعه كما هو في عجز التعبيرعن الوعي باللغة أحيانا.

الوعي هو ملكة العقل في أجتراحه اللغة وسيلة الافصاح عن مدركاته، لذا لا يكون الوعي تجريدا لغويا منعزلا عن وصاية العقل الملازمة علائقيا له. وأن كانت اللغة هي وسيلة الافصاح التعبيري عن قصديات الوعي الا أنها لا تمثل جوهرا ينوب عن الوعي الادراكي العقلي، وتبقى اللغة جوهرا للوعي تكتسب ماهويتها التعبيرية من ملازمتها الوعي كما في ملازمة الوعي لادراك الاشياء المادية وموضوعات التفكير التخييلية التجريدية.. .أننا يمكننا القول وبأطمئنان أن الوعي هو تصورات فكرية لا تحتاج التعبير اللغوي التواصلي أحيانا..

لذا يكون التساؤل هل توجد غير التصورات الفكرية اللغوية وسيلة للتعبير عن الاحاسيس والوعي بها؟؟ نعم يوجد مثلا شعور الطفل كما أوضحنا في سطور سابقة أو شعور الشخص البالغ بالالم هو وعي تصوري تجريدي للألم قبل أن يكون لغة معبّرة عنه،، لذا فالوعي بالوقت والحين الذي يمّثل رد فعل أستثارة الواقع له كمواضيع أدراكية، فأن الوعي لا يستطيع التعامل مع تلك المدركات في التعبير عنها الا بوسيلة التصورات العقلية المجردة (لغويا).

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..........................

الهوامش :

** البسكيولوجيا تيار فلسفي أشار له وليم جيمس في مؤلفاته بعلم النفس ويقوده رورتي وسلارز وكواين من بعده.. ويمثلون هؤلاء بفلسفتهم تطوير مبحث اللغة التحليلية عند جورج مور وبراتراندرسل وفينجشتاين، كما ويعتمدون منهج علم النفس التجريبي مرتكزا في محاربتهم مبحث الابستمولوجيا فلسفيا بأعتبارها مبحثا ميتافيزيقيا لا فائدة منه.

1- ريتشارد رورتي / الفلسفة ومرآة الطبيعة / ترجمة: د. حيدر حاج اسماعيل/ مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ص 236

2- المصدر السابق ص 220

3- المصدر السابق ص 219

4- المصدر السابق ص 227

5- المصدر السابق ص 225

6-  المصدر السابق ص 264

7- المصدر السابق نفس الصفحة

 

 

علي رسول الربيعيتؤكد الرؤية الحديثة على أن  تعريف الأفراد بوصفهم من الذوات المستقلة لا يتحقق إلا عندما  تدرك كل ذات أنها حرة في اتخاذ القرارات والأفعال. وتنظر إلى التحديث من خلال التصنيع والتوسع الحضري والعلاقات التعاقدية في السوق بوصفها الوسيلة التي يسمح بها المجتمع لكل مواطن أن يصبح ذاتاً مستقلة ًوقادرة على تعريف نفسها. استيقظت صحوة الذات، فعليًا في هذه المرحلة المعاصرة وتعمقت خلال الأزمات الاقتصادية والنمو الاقتصادي الديناميكي بدرجة ما. ومع ذلك، فإن السلطات السياسية الاستبدادية في بعض مناطق العالم متعاونة مع التكنوقراطية وتعيق ظهور الذاتية الناضجة. هو ذا ما يمكن أن يسمى ظاهرة التحديث المضاد. قد يجد التدرب على المواطنة من خلال الحوار الفلسفي طرقًا لحل هذا المأزق بإعادة تصور أهداف الحداثة ووسائلها من حيث تمكين الإمكانيات الكامنة في الذاتية.

تدور الحوارات الفلسفية التي تؤطر عالم اليوم متعدد الثقافات عادة حول مقارنات بين التقاليد المتنوعة لوجهات نظر عالمية. وتدرس مقاربات المقارنة التقاليد الفلسفية المختلفة من حيث قابليتها على الاتساق أو الانسجام  أو عدم قابليتها على التأثر. هناك رأيان متعارضان في هذه المقاربات. يقول أحدهما  إنه لا يمكن إجراء مقارنة ذات مغزى وقيمة بين الاختلافات لأنه لا يوجد أساس للمقارنة لتبدأ منه. بينما يقول الآخر بأن هناك جوهرا واحدا، وأنه يمكن تحديد هذا الجوهر في أي تقليد ثقافي، بغض النظر عن الثقافة.

تفترض هذه المقالة  أنه على الرغم من الاختلافات الظاهرة بين الأفكار وتقاليدها المتنوعة إلا أنها تتعامل دائمًا مع طبيعة الواقع وأساليب المعرفة وكيف يجب أن يعيش الناس معًا ويمكن العثور على قدر كبير من القواسم المشتركة وكذلك التقارب الاختياري بينهم في كثير من النواحي. علاوة على ذلك، تبدو المجتمعات الصناعية والمتقدمة اليوم وكأنها تتخلى عن وجهات نظرها الثقافية التقليدية ورؤيتها للعالم (worldviews) أو وجهات نظرها عن العالمية، أو تغيًر جوانب معينة منها. والنتيجة هي تقارب وجهات نظر العالمية بين مختلف الشعوب، لا سيما فيما يتعلق بالكيفية التي يجب أن يعيش بها البشر الذين يتشاركون معًا في البيئة العالمية نفسها.

إن شرحًا اجتماعيًا تاريخيًا شاملاً، وقد أضيف، تفسيريًا، وهرمينوطيقياً لهذا التقارب قد تم التعبير عنه في وثيقة “تحالف الحضارات” التي أصدرتها الأمم المتحدة والتي تؤكد أن “الحضارات والثقافات تعبر عن ثروة للبشرية وتراثها الكبير؛ وطبيعتها أن تتداخل وتتفاعل وتتطور فيما بينها. تشترك جميع الحضارات في التاريخ في علاقة الاقتراض المتبادل وكذلك التكيًف واستيعاب أفكار وعادات بعضها البعض. تتطور الثقافات والحضارات من خلال التفاعل مع الآخرين، وتتحول وتتبدل العادات المحلية والمعارف والأفكار خلال عمليات الانتقال من ثقافة إلى أخرى في جميع أنحاء العالم. تتشكل الحكايات التي تلعبها الحياة الفردية والجماعية في كل ثقافة من خلال تفاعلات اجتماعية وتجريبية معقدة داخل ديناميات التاريخ والثقافات والهويات والعولمة والروح الجماعية. لا يمكن لأحد من هؤلاء وحده أن يدّعي أنه القوة المثالية الرئيسية لمصير البشرية. أو يمكن لأيّ منهم أن يعيش دون الآخرين؛ أو يرسم ويحدد تعقيد التفاعلات المرتبطة بالتطور الديناميكي والمستمر لأنفسنا وثقافاتها عبر الزمان والمكان بدقة”.

كل ما يمكن قوله بدرجة معقولة من اليقين هو أن التغيير المجتمعي، سواء كان دقيقًا متقناً أو صارماً صارخًا، معترفًا به أو غير معترف به هو ثابت ومتعدد بطبيعته. حتى هيجل، الذي أعطانا مفهومنا الحالي عن التاريخية، أكد أن معاني التغيير لا يمكن فهمها أو بناؤها إلا في نهاية حقبة زمنية، وأصرّ على أن تعقيدات التغيير لا تتوقف أبداً.

 يمكن أن يكون أفضل مثال على تعقيد عملية التغيير هي المجتمعات الصناعية الحديثة وهي منطقة أو دول شرق آسيا، التي نريد أن نأخذها مثلا هنا، التي طالما اعتبرت منطقة للتقاليد الخالدة، والتي لا تتغير، وتوصف الآن، بأنها منطقة “الأسواق الناشئة” في الاقتصاد العالمي. لقد أحرزت تقدمًا سريعًا في إنجاز  التجديدات العلمية والتكنولوجية في الإنتاج، وبالتالي خلق وفرة مادية وتحسين نوعية الحياة لأعداد أكبر في مجتمعاتهم. لقد أصبحت عوالم الحياة اليومية مع تطور هياكلها الاقتصادية بشكل متزايد، في المناطق الحضرية  كما بكين وسيول وبانكوك ومانيلا وكوالا لامبور وجاكارتا أكثر انغماسًا في الثقافة التكنولوجية العلمية بحيث من المستحيل الآن على مواطني هذه العواصم الكبرى ممارسة الحياة اليومية دون التكنولوجيا.

لقد أصبحت التنمية والنمو الاقتصادي والعلوم والتكنولوجيا، بالنسبة إلى الأسواق الناشئة، ملاحق حيوية لبعضها البعض. فأضحى الشرق والغرب والشمال والجنوب، ومع تقدم وانتشار العلم والتقنية ليشمل جميع أنحاء العالم، يعمل بشكل متزايد في نفس مجال العقلانية، وبالتالي لم يعد بالإمكان ادعاء مفاهيم الواقع والموضوعية والعقلانية كخاصية للحضارة الغربية فقط. لقد تم دمج كل من التجريبية والعقلانية، التي كانت تعتبر يومًا ما المرحلة الأساسية التنموية للتاريخ الفكري الأنجلو-أوروبي، بسلاسة في تاريخ الفلسفة العالمية.

لا يوجد أي شك على الإطلاق في أن تراث هاتين المدرستين للفلسفة الحديثة يتردد صداها عميقا في العصر الحديث للمجتمعات الصناعية الجديدة في شرق آسيا وكذلك في أميركا اللاتينية، تمامًا كما كان له صدى عميق في المجتمعات الأنجلو-أوربية. في الواقع، عندما أتحدث عن روح العصر، أو روح الفكرة الكبرى المهيمنة في سياق حداثة اليوم، أجد نفسي أفكر في المصطلح بقدر ما استعمله هيجل، كشيء دائم وقوي، خارق للطبيعة تقريباً، يوجّه الجنس البشري. فبالنسبة إلى هيجل، إن روح أو مزاج فترة معينة من التاريخ كما هو مبين في أفكار ومعتقدات العصر قد تم تصوره ثم تجلى في الحياة المادية للشعب. ولأن كل فكرة لها فكرة معارضة وينشأ الصراع بشكل أو بآخر حتى يتم حل الصراع، ويتم  نقض هذا الحل أو الطعن فيه دائما وتستمر الدورة الجدلية. اعتبر هيجل أن كل تصميم هو توليفة للروح عمومًا، يوفر توسيعًا لمعناها، حتى يمكن إدراكه مرة أخرى بنقاء رائع وشامل. الفكرة نفسها، بكل تداعياتها، أطلقَ عليها أحيانًا العقل، وأحيانًا الحرية، وأحيانًا، بكل بساطة، الفكرة.

الحرية هي فكرة قوية بشكل رائع. لكن منطق هيجل يدفعنا إلى إدراك أن العديد من الأفكار لها التوجيه نفسه والإرشاد لنا. تنتمي جميع الأفكار، في تناقضها أو أنسجامها، إلى الحياة المجتمعية؛ ويتم التعبيرعنها أحيانًا وتضطهد أحيانا أخرى؛ تتعدد بتنوع السياقات والعقلانيات واختلاف التقاليد والعادات. ونظرًا لأن مفاهيم مثل الحرية ذات ميزة عالمية، فهي تتخطى الحدود وتتشابك فيها ثقافتان أو أكثر، فيكون قبول المواقف أو العادات أو أنماط التفكير لدى كل منهما تجاه الآخر هو فتح طبيعي أو توسيع لعناصر مفاهيمية موجودة في كل منهما أساساً أو على الأقل توجد إرهاصاتها.

توسع عملية الاستلام في حالة الفرد أفق عالم حياته، وأيضا سواء كانت المشاركة في العملية جماعية أو فردية، فهي تحدث “إزاحة” لما هو مستقر في البيئة الثقافية التي استلمت المفاهيم الجديدة. وطبقاً لـلرؤية أو الأيديولوجية التي تقوم على تضامن وتنوع المواطنين العالميين وإنشاء قوانين تتجاوز الحدود الوطنية بهدف الرد على الجوانب اللاإنسانية للعولمة تتفاعل الأفكار والمعتقدات والقيم والعادات في عوالم مختلفة ويصيبها التحول من خلال التفاعل، وتتغير، وهي بهذا تتجدد مرة أخرى في عوالمها أو بيئاتها الأصلية، التي  تتغير هي بدورها أيضًا. فما كان غريباً وغير مألوف يتحول إلى شيء مألوف وحميم. وهذا يعني أنه يتم تكييفها أو استيعابها من خلال وساطة عناصر عالمية مشتركة موجودة في عالمين أو أكثر، فتتغير الثقافات والأفراد وتصبح أكثر تركيباً وقدرة على التعبير عن إمكانات البشرية المتعددة الجوانب. تشترك المجتمعات التقليدية والحديثة في عناصر ومخططات توجيهية عديدة. فعلى سبيل المثال، يربط العمل في كل مجتمع زراعي أو صناعي البشر بالطبيعة. بالإضافة الى استعمال الأدوات سواء كان العمل منزلي أو في معامل التصنيع الحديثة.

التناقضات الثقافية

إن العمل تفاعلي في جوهره حتى وإن بدا أنه يتم تنفيذه بمعزل عن الآخر. إنه مشترك أساسا، واجتماعيته واضحة في تقسيم العمل، وفي تجارة مُنتج العمل تداوله. يخلق العمل مع الآخرين شعورا بالتضامن والغايات المجتمعية. ينبع من هذا التضامن الجماعي من شرائع  الأخلاق للعيش معا في سلام. ليس من المستحيل، كما أشار هيجل في كتابه “ظاهريات العقل”، أن أفكاراً، مثل الاعتراف المتبادل، والعدالة الاجتماعية، والحقوق المدنية، مستمدة من إدراكنا للطابع التعاوني الجماعي للعمل الإنساني. ورغم أنه غالباً ما يشدد مسؤولو مشروع العولمة على قوة التعاون في العمل من أجل السلام والتنمية الناجحة إلا أنه تم في بعض الأوقات والظروف والمرة تلو الآخر إنكار الطبيعة الاجتماعية للعمل، فكان لهذا الإنكار تداعياته على التعايش السلمي في سياق هذه العولمة الاقتصادية، تمامًا كما كان ذلك في عهود بناء الإمبراطورية وتوسعها واستعمارها.

يتناقض هذا الإنكار، بطبيعة الحال، مع أهداف التحول الديمقراطي، التي تدعي جميع الدول المشاركة في مشروع العولمة، أنها تتبناها. إن من أكثر الأمثلة الصارخة لهذا الإنكار ممارسة نقل الصناعات إلى مواقع تكون فيها الضمانات الخاصة بالعمال والبيئة ضعيفة أو غير موجودة، مما يجعل الوعد بالحرية من خلال التنمية يتلاشى. بدأت الدول المتقدمة في الترويج لهذه الممارسة داخل حدودها في سبعينات القرن العشرين، لكنها منذ بضع عقود قامت بنقل الصناعات إلى البلدان النامية التي غالبًا ما تكون في منافسة فيما يتعلق بأقل الأجور وتكاليف السلامة الأقل. ما تلا ذلك، بالطبع، هو تكاثر الجيوب من العمال الفقراء والعاطلين عن العمل في الدول المتقدمة وضمان استمرار الفقر والفقراء في الدول النامية وتركيز  شديد للثروة في أعداد صغيرة من المواطنين في كلا النوعين من الدول.

 لم تكن الدول الصناعية الجديدة في شرق آسيا، والتي سنأخذها مثالاً في هذا المقال، قد فُرض عليها التحديث بحركة مد التاريخ. بل اختارت التنمية الاقتصادية حتى تتمكن من التمتع بالكرامة الإنسانية والحرية الفردية والعدالة الاجتماعية نفسها التي تصورت أن مجتمعات الدولة المتقدمة تمتعت بها في سياق التحديث. تبنت معظم دول العالم اليوم، ومن بينها الدول العربية، خطة التحديث التي طرحتها الليبرالية الجديدة التي عززت نظام البلوتوقراطية على حساب النظام الديمقراطي. ولكن كيف حدث هذا؟ كيف يمكن للدول التي يُفترض أنها اختارت الحداثة  أن تنتهي الى البلوتوقراطية وليس الديمقراطية؟

 شدد كل من كانط و هيجل على الدور المحفز للمواطنين لإيقاظ أنفسهم كأفراد في جماعة من أجل تحقيق الحداثة في مجتمعاتهم. يعد وجود درجة عالية من الحراك الاجتماعي عاملاً حافزًا لتطوير الوعي الفردي في طبقة متوسطة من طبيعتها تكون آخذة في التوسع. يحمل التحديث من خلال التصنيع وعدًا من قِبل المجتمعات الصناعية الجديدة بالاعتراف بمبدأ العقلانية في العلاقات التعاقدية في اقتصاد السوق، وبالتالي السماح لكل شخص بالوقوف على مؤهلاته ومزاياه الخاصة، متخلياً من الروابط الطبقية التقليدية. عندما ينظر إلى التحديث في ضوء ذلك، يصبح من الضروري لنجاحه أن يصبح كل مواطن مدركًا لذاته باعتباره فردًا له حق العيش كما يرغب. بالنسبة إلى شعوب شرق آسيا، يمكن القول إن عملية الاستيقاظ الذاتي هذه بدأت بالفعل منذ عقود وتتعمق في نمو ديناميكي، والأمل أن تستيقظ إرادة المستقبل للشعوب العربية.

 هناك الكثير من العوائق الكبيرة التي تنتظر على الطريق المؤدي إلى الفردية في مجتمعات الدول العربية. على الرغم من التقدم المطرد للعلم والتكنولوجيا وفاعليًة العقلانية الأداتية والترشيد  للإنتاجية في العالم إلا أنه ما تزال التغييرات في طرق التفكير التقليدية والإدراك تسير بخطى بطيئة في المجتمعات العربية، وهناك فجوة واسعة ومقلقة بين الحداثة والتقاليد. فبينما تدور القوى الإنتاجية حول محور العقلانية الأداتية-الذرائعية ذات الفاعليًة في المجتمعات الأكثر تقدماً، لا يزال الوعي السياسي والاجتماعي متمسك بأنظمة وطرائق تفكير تقليدية. فلا يبدو أن عملية العقلنة والترشيد مصحوبة بتغييرات مقابلة في البنية الفوقية للمجتمع. نرى، بدلاً من ذلك، أن الوعي السياسي والاجتماعي الوراثي/السلطوي هو الذي يوجه اتجاه التنمية الاقتصادية. تؤثر هذه الأنماط الراسخة بقوة في توجهات وتصرفات أولئك الذين  يتخذون القرارات ويديرون شؤون المؤسسات الرسمية.

تكررت ظاهرة مقاومة الحداثة بشكل أو بآخر في الغرب على مدى قرنين أو ثلاثة قرون ، ونشهد ذلك في البلدان الناميًة المعاصرة مرارًا وتكرارًا اليوم أيضاً. إنها القوة الدافعة للعقيدة الانقسامية للنسبية الثقافية. فعندما يكون التحديث متعمدًا، كما هو الحال في معظم البلدان النامية، تعارض المشاعر التقليدية الإصلاحات وتسعى إلى استيعابها في إطار النظام القديم. غالبًا، في عصر العولمة هذا، ما يتم التغاضي عن حركات مكافحة التحديث بحجة التسامح مع الأنظمة والأطر التقليدية باسم حق التعددية الثقافية. فبينما يتم التحدث عن التسامح في العالم بأسره، يتبنى العديد من الزعماء السياسيين في الدولة الناميًة أيديولوجية التنمية التي تعتمد فقط على حكمهم التسلطي والقمعي. عندما تتحد السلطوية التقليدية مع التكنولوجيا الحديثة، تكون النتيجة  قيام تكنوقراطية غير ديمقراطية. إن هذا الشكل من أشكال الحكم يضرّ بشدة بالمجتمعات التي لم تنضج فيها الظروف التاريخية لقيام وتعزيز الثقافة المدنية.

يزعم القادة السياسيون في الدول النامية بأنه يمكن تحقيق تنمية اقتصادية مستقرة من خلال الإدارة التكنوقراطية بزعم منهم بأن المواطنين سيتمكنون في نهاية المطاف من تبني حريات ومسؤوليات الديمقراطية. يبدو أن هذا يؤدي إلى نتائج ملموسة في البداية؛ ولكن مع مرور الوقت، يصبح من الواضح تمامًا أن عملية الاستيقاظ الذاتي للمواطنين كذوات فردية لا تظهر ببساطة لأن نمط حياتهم قد تعزز بالاتكالية والاستهلاك. تشجع القيادة السلطوية، في غياب مواطنين استيقظوا ذاتياً، أن يصبح الناس مستهلكين، ولا يهتمون إلا بالنمو الاقتصادي. وبالتالي سيكون بالنسبة إلى مثل هذه الدولة أنها ليست بحاجة للديمقراطية.

 من المؤكد أن النزعة الاستهلاكية هي واحدة من أكبر العوائق التي تحول دون اليقظة الذاتية للمواطنين كأفراد. لكن رغم أنها ليست جديدة، ولا يلزم بالضرورة أنها تخنق الذاتية، إلا أنها عندما تكون تحت تأثير انتشار التكنولوجيا المتقدمة، فإنه يصعب تجنب أن تصبح شمولية. وكما أشار هربرت ماركيز في نقده للتكنولوجيا الحديثة والنزعة الاستهلاكية في الغرب، هناك ثلاث احتياجات وهمية، تغذيها الابتكارات التكنولوجية، يتم تلفيقها من قبل وسائل الإعلام والنتيجة هي أن العمال الذين من المفترض أن يحررهم التقدم التكنولوجي يُجبرون اجتماعيًا ونفسيًا على العمل بجهد أكبر من أجل تلبية حاجات دائمة التجدد ولا تشبع.

إن الخطاب الذي ينظر بإيجابية ومثالية للتكنولوجيا يرى فيها وسيلة لدعم نوعية حياة جيدة في كل جانب ولجميع المواطنين. ولكن في مستوى أقل من العالم المثالي هذا، أي في العالم الذي نعيش فيه، كانت التكنولوجيا دائمًا ولا تزال أداة هائلة للسيطرة السياسية والاجتماعية. ثم إن الاستهلاك، الذي تنشطه تكنولوجيا المعلومات المكررة إلى ما لا نهاية، يشل ذكاء المواطنين ويضعهم في حال وعي ضحل وفارغ. هذا الشعور الفظيع للفرد، الذي وصفه ماركيز جيدًا وعبّر عن مدى قوته، يتفشى في مجتمعات الأسواق الناشئة الآن. إن إشباع مواد الاستهلاك وحده لا يعزز الذاتية. تتغلب المادية في العالم الذي وصفه ماركيز، على الحساسية  تجاه الآخرين مما يخلق جهلًا مخدرًا بالحياة نفسها.

الحداثة كذاتية

السمة الأساسية المميزة  للحداثة هي وعي الذات بوجودها  كفاعل يؤكد بعض المؤرخين الغربيين أن استيقاظ الذات هذا أصبح واضحًا في الشكل السياسي للثورة الفرنسية عام 1789 من ناحية وفي شكل المثالية الألمانية من ناحية أخرى. يشير هذا المنظور التاريخي إلى أنه لكي تحصل عملية الفردنة في المجتمع تتطلب تأملاً عميقاً في هذا العصر حتى يمكن مواكبة التغييرات المستمرة في العقلية التي تحدث نتيجة  التحولات السريعة للبنية الاجتماعية  في العالم  الأكثر حداثة.

يسمح لنا ربطنا الفلسفة بالواقع من خلال الأنثروبولوجيا، التي فسرها كانط وهيغل في سياق ملاحظاتهما للظروف السياسية والاجتماعية في زمانهما، بإمساك أحد الآثار السياسية لنظرية المعرفة المتعالية عند كانط وهي مشكلة الذاتية، التي يصبح فيها أولئك الذين يحرزون الذاتية أفرادًا أحرارًا يقررون لأنفسهم، إذ أن الحرية الفردية محور أساسية في فلسفة كانط السياسية. وكذلك الذاتية علامة فريدة لا نظير لها للكرامة الإنسانية في فلسفته الأخلاقية.

عند قراءة كانط، من الصعب تصديق أنه عاش حياته كلها في المدينة نفسها ولم يغامر مطلقًا بأكثر من بضعة أميال خارجها. فقد كان ودون مساعدة من أيّ من وسائل الاتصال الحديثة التي نعرفها اليوم يعرف الكثير عن العالم خارج مدينته وبلده وأوروبا. لقد صرخ ضد العبودية وضد الحروب والوسائل القمعية المستخدمة لفتح الأسواق في الأراضي البعيدة. ويشمل اتحاد الدول الذي تصوره تلك الأراضي التي اعتبرها الأوربيون مأهولة بالمتوحشين. ورأى كانط، أن ممارسات الأوروبيين كانت أكثر وحشية من ممارسات “المتوحشين”. يحدد كانط المادة 3 من شروط السلام الدائم، والتي كانت  تشير إلى حقوق الناس كمواطنين في نظام عالمي، بما يسميه “أوضاع الضيافة العالمية”. كان يعتقد أن جميع الدول تطمح إلى التجارة ولكن فقط في ظل ظروف وشروط عملية متفق عليها للضيافة العالمية، ولا يحق الدول الأنجلو-أوروبية من التعامل مع الأراضي الأجنبية كما لو أنها غير مملوكة لأيّ بشر ومتاحة لغزوها ونهب ثرواتها.

إن كانط نفسه الذي أصر على حسن الضيافة بين الأمم، فهم جيدًا الطبيعة التنافسية والصراعية للبشر. وقد اشتهر كانط باكتشاف لـ”اللااجتماعي في المجتمع” كصفة للطبيعة البشرية. لقد وصل البشر، كأفراد، إلى بناء النظام الاجتماعي بعد إدراكهم الحاجة إلى العيش في مجتمع، وأنه ضروري للبقاء على قيد الحياة. وتوصلت الأمم إلى فكرة الحفاظ على السلام الدائم للسبب نفسه. عندما تحدث كانط عن الانتهاكات التي ارتكبها التجار الأوروبيون لدول أضعف وأقل تطوراً من دولهم ، ربما كان يتنبأ بمشاكل اليوم. اعتقد كانط  أنه سيكون هناك دستور عالمي، لكن ما ندعو إليه الآن بدلاً من ذلك هو نداءات من المجتمع المدني، من مختلف المنظمات غير الحكومية من أجل حكم ونظام عالمي يحقق العدالة الاجتماعية ويحافظ على البيئية من خلال دستور وقوانين عالمية وتدابير سياسية، لأن التحديث، كما يُمارس اليوم، خلق عدم مساواة لا مثيل لها بين المواطنين داخل الأمة الواحدة وفضلاً عن تلك التي بين الأمم.

تحدث كانط عن تدمير الطبيعة بالحرب والاستعمار وأساليب التسويق القسرية، لكنه لم يصل به التخيًل الى أن الحداثة قد تعرّض موارد العالم للخطر. لقد اعتقد أن البشر سوف يوفّقون بين طبيعتهم التنافسية وميلهم للصراع من أجل الحفاظ على مجتمع يسوده السلام. يُخيًل إليّ أن رسالته ستكون هي نفسها فيما يتعلق بإعادة رؤية الحداثة بحيث لا يمكن إدامتها فحسب، بل تستحق أن تكون مستمرة في تطورها. ولن يجد صعوبة في ربط إعادة النظر هذه بالعدالة الاجتماعية والبيئية.

أما بالنسبة إلى هيجل، فتتحقق الذاتية في العمل لأن في العمل نتعامل مع الطبيعة والبشر. وفي العمل يصنف فرد ما الآخرين من خلال بيذاتية أو موضوع ما ، ويحقق البشر ذاتيتهم عندما يدركون قيمة عملهم. يربط العمل، من الناحية المثالية، المواضيع معًا من خلال اجتماعيته وموضوعيته. فالعمل هو الإمكانات البشرية المتحققة في الفعل الاجتماعي. يحرص هيجل على الإشارة إلى أن العمل، الذي في جوهره ليس فرديًا أبدًا، يسمح للبشر باكتساب الاعتراف من الآخرين بأنهم يتوقون ويحتاجون له بطبيعتهم. يتم تلبية الحاجة إلى الاعتراف في تقسيم العمل داخل المجتمع، بوصف العمل عنصر ملزم للفرد في المجتمع. يكتسب الأفراد من خلال نتاج العمل، الاعتراف المتبادل على قدم المساواة. إن الأفراد، بوصفهم عمالًا، هم أشخاص مستقلون يتحملون مسؤولية الآخرين، وبالتالي فهم جماعيون أيضًا.

كان كل من كانط وهيجل مدركين تمامًا لعواقب اقتصاد السوق، وتصويرهما للذاتية على أنها وعي بقدرة الفرد على التفكير والتصرف بشكل مستقل، وكان التأكيد على التعاون هو استجابة للمشاكل الناجمة عن تحديث المجتمع الألماني في فجر الثورة الصناعية الكبرى. وطالب الأخير على وجه الخصوص، بتجاوز الدولة التي تم فيها معاملة الأفراد كتروس في آليًات السوق. لقد تصور مجتمعًا يشجع الخصوصيات الذاتية والاعتراف العالمي بالفرد الحر. ثم تطور هذا التفكير وعلى أساس قوي مع النظرية النقدية للرأسمالية المتأخرة. فهناك، المزيد من الأدلة التي تشير إلى أن الذاتية موجودة في جميع مجالات  الحياة، وأن سمتها المميزة، الإرادة الحرة، وليست حاضرة حتى في أكثر الدول استبدادية وقمعًا. فقد تتجاوز الدول أو لا تتجاوز أدوارها القمعية وقد يتم خنق الشخصية، لكنها تبقى موجودة ولا تتوقف أبدًا عن العثور للتعبير عن نفسها على مستوى ما.

تأويل أخلاقيات عابرة للثقافات

يحول البشر بقوة الخيال والعمل الطبيعة إلى شيء جديد تمامًا، وبهذا الإبداع، يميـزون أنفسهم. ويكشف العمل كيف يغير البشر الأحرار العوالم الخيالية إلى العالم الفعلي، وهم بهذا يشكلون ذاتيتهم. وفي هذا السياق  نطلب من الفلسفة أن تسـاهم في هذا التشكيل حتى نستعيد  الذاتية قوتها لتطوير أخلاقيات عالمية.  وجاءت فلسفة هوسرل الظاهراتية المتعالية للذات في مطلع القرن العشرين، في إطار المساعي الفلسفية لتأمين الذاتية البشرية من التهديد ضد إعادة توحيدها، وتبعتها وجودية هيدجر وسارتر، وصولاً إلى النظرية النقدية لهوركهايمر، أدورنو وماركيز وهابرماس حتى تشارلز تايلور وآخرين. لقد عالج كل واحد من هؤلاء الفلاسفة مشكلة اختفاء الذاتية عن طريق تناولها من وجهات نظر ومصادر مختلفة. لم تختف أزمة الذاتية أبداً باختلاف المنظورات. واجهت مجتمعات عديدة، منذ فجر الألفية الجديدة، أزمات أنثروبولوجية عميقة مما دعا الفلاسفة إلى إعادة النظر في قضية الذاتية في هذه اللحظة المعاصرة المحفوفة بالمخاطر حيث تخنق السيبرانية والنزعة الاستهلاكية ليس فقط ميل الأشخاص إلى التفكير والعمل المعارضين، ولكن إبداعهم وإرادتهم أيضًا.

إن المفاهيم الديمقراطية مثل “الفرد” و”المساواة أمام القانون” و”العدالة الاجتماعية” و”حقوق الإنسان” لا تُعطى لنا بداهة. إنها مفاهيم تنتمي إلى الإرث الذي بناه أولئك الفلاسفة والمفكرون الذين عكسوا نضال البشرية من أجل تحرير الذات من روابط  الماضي. لقد تمكّنت هذه المفاهيم من الوصول إلى الكثير عبر قرون من خلال عمليات النشر المعقدة والمتنوعة وأصبحت تشمل  كل البشرية الآن تقريبًا. يحفز اكتساب المعاني المركبة  لهذه المفاهيم من خلال علاقاتنا الاجتماعية، من الحب والكراهية والعمل واللعب، وكافة الروابط العابرة للثقافات التي تقوم من أجل ضمان كرامة الإنسان والعدالة لجميع البشر.

نحن مدينون بالفهم لعمق وأهمية هذه المفاهيم للحث المتزايد باستمرار من قبل المجتمع المدني في جميع أنحاء العالم على استعادة الرؤية الأساسية للحداثة، مع التركيز على المساواة. لقد أوضحت منظمات المجتمع المدني والفلاسفة والنقاد، الذين كرسوا عملهم من أجل مفاهيم الحداثة الأصيلة والاستطلاعية، لمختلف الحكومات أن الذاتية والمساواة والعدالة الاجتماعية ومراعاة حقوق الإنسان تختنق تحت ضغط الاقتصاد في عالم اليوم. إن المجتمع المدني هو الذي يحث الحكومات على الاهتمام بما يقوله لنا العلماء عن بيئتنا. وهو الذي يُبلغ المجتمعات بالمخاطر التي تطرحها عليهم أيديولوجية الليبرالية الجديدة ونظامها الاقتصادي، واستغلالها البيئة. وهو الذي لفت الانتباه إلى حدود التحديث.

يحثني هذا الفهم على الدعوة إلى تعليم التفكير النقدي لحل المشكلات والوعي بالقضايا التي تهدد العالم. ألاحظ أن العديد من الجامعات في أنحاء العالم لديها تخصص في الدراسات البيئية والعدالة الاجتماعية. يجب أن يكون مثل هذا التعليم من أولويات الدول الحديثة، ولا ينبغي أن تنتظر حتى يصل الطلاب إلى سنوات الجامعة، ويمكن أن يبدأ في وقت أقرب بكثير. هناك برامج رائعة تعرض للمجتمع نوعا من الاستقصاء الفلسفي (CPI) الذي يستكشف عدة أنواع من التفكير، بما في ذلك التفكير الأخلاقي. يجب أن يقدم التعليم المستمر بالتأكيد دورات مجتمعية في الدراسات البيئية للبالغين من جميع الأعمار. هناك العديد من الطرق الأخرى لتثقيف المواطنين حول الذاتية والعمل. يبدو لي أن تلك الدول التي اختارت التحديث لديها أفضل فرصة لاستكشاف ذلك مع مواطنيها من جميع الأعمار. يوجد الأمل في الحفاظ على مفاهيم الحرية والمساواة بين الثقافات على قيد الحياة وتنميتها من خلال التعليم والنقاش محليا وعالميا.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 عامر عبدزيد الوائليعلى الميت أن يعرف خارطة الموت و جغرافية؛ ليستطع ان يدرك اسراره مكابدته التي سوف ترشده إليها خرائطَها وعوالمَها سوف يتغير مصيره بحسبها .ومن هنا ياتي السؤال الوجودي من ذا الذي يرمي إلى تلك المرامي سواه؟ ومن سواه قادر على أن ينقش على وجه الطين ملامحه ويرسل الى البشر رسالته المعتقة بريح الجنوب التي لعنها ادابا وبكى الجنوبيين على عذاباتها؟ من ذا ينسى حزن جلجامش على فقدانه غريمه ومن ثم حبيبه الأوحد الذي غيبت ارض كور نايه،وصدى صوته الحزين يعلن الحزن على أرض عشقها عذاب وفراقها عذاب ..صوت مازال لدى كل عراقي صداه يتردد في كل المنافي وحنينه إلى ارض أوروك ؟ حزن ترك ضلاله تمتد على انليل الفاجر الملعون المبعد إلى حيث أرض إللاعودة، تلك الأرض القاسية التي خاطتها مخيلة أدباء أوروك ومن قبلهم أدباء سومر تعلن كل المراسيم الحزينة وهي تبكي عشتار الجميلة التي جدبت خصالها الحية عند أبواب الموت الأبدي وخاطت حول كل الذكور قربان اخصاء كان حبيبها أول من ذهب قربان لها، اه يا تموز و أنت تهرب متخفيا وعين الإله تحميك من عيون متعطشة للموت تروم اعتصار رغبتك، عذاب سوف يتكرر صداه لدى كل أصحاب الرؤوس السوداء وأحفادهم من بعد ما أضاعوا الحلم بالخلود منذ غادرهم جلجامش الجميل الذي غيب ذاته من اجل بقاء أوروك، وآدابا من قبله أرام الخلود إلا أن خديعة شمش غيبة عليه وعلى جنسه فرصة الخلود؟ هكذا كان الكهنة يحاولون زخرفة لعنة الموت الأبدي الذي ينتظره الجميع وحتما ملاقوه ومن ثم الحديث عن جغرافية للموت تعني البحث عن إبعاد ومواقع تخيلية للجغرافية،التي شكلتها المخيلة العراقية معتمدة على آليات تخيل رسمت إبعاد لتلك العوالم امتدت أثارها عميقا في الذاكرة لدى الشعوب الأُخرى التي استعارتها من بعد؛ ونحن هنا نحاول تحديد جغرافيا للموت نحاول إعطاء مرتسمات لتلك العوالم الموازية التي تشكل إحدى الممكنات التي ممكن إن تكون قد فاز بها بعض الإبطال سواء أكان ذلك على مستوى الواقع أم على مستوى التخيل الرمزي، إلا إننا ندرك عظمة العراقي القديم الذي برع في تخليق عوالمه الرمزية وإكسابها بعد قيمي أضفى على الحياة قيمة عندما منح تلك الوقائع عمق ميتافيزيقي مرتبط بمنظومة من القيم إذ مثلما وظف الطين ليكون أداة للكتابة، كذلك وظف الخيال ليكون حقل فعال يتم من خلاله بناء الذاكرة وشحذها بالرموز التي هي صدى الواقع اليومي الاجتماعي والسياسي .

إن البحث في الواقع الديني "الموت " أو المخيال الديني وما يصطنعه من عوالم تخيلية تعود إلى الواقع الاجتماعي والمؤسسات الفاعلة فيه - قديما كان المعبد والقصر - كما يرى الكثير من الباحثين في هذا الأمر فهي نشاطاً يحمل معنى يشد إليه الفاعلين الاجتماعيين فينظمون سلوكهم بعضهم إزاء بعض، بمعنى انه فعالية جمعية يذوب فيها الفردي داخل الجماعة من اجل الحماية والشعور بالاطمئنان في تلك الفترة الفرد ليس فاعل بل منفعل على الرغم من أنها حقبه رعوية تبحث عن منقذ يقود الجماعة على الرغم من أنها هي من يصنعه خصوصا في فضاء الحاجة إلى قادة في الحروب هنا يتم تخليق الإبطال، ساعتها تصدق مقولة (إن مصير الشعوب لا يتوقف على الجماعة بقدر ما يتوقف على قيمة الفرد)(1) تشكل قيمة الوجود المتخيل من خلال وجود معبد يقرر الحقيقة ويكون الواسطة فيها كل هذا هو منطق الدين القديم الذي يرجع كل شيء إلى ما هو خارج البشر إلى القوى المفارقة التي تريد تبرير ذاتها، بعدها سلطة، وتفعل ذلك باستعمال مقولات قابلة للتعميم والشمولية، أيّ صالحة لكلّ النّاس نجد هذه المقولات بطابعها القديم من خلال التشريع المدعوم بالسرد الديني عبر الاسطرة إبطالها شخصيات مفارقة أو متميزة أو إنصاف آلهة. 

يفترض من اجل إنجازه هذه الغاية أن يندمج كل سلوك فردي في عمل يحمل طابع الاستمرارية وان تنتظم التصرفات وتتجاوب بعضها مع بعض طبقاً لقواعد ضمنية مستضمرة. من أجل النجاة من التيه، وكلّ ما يعاكسه هو التيه والجنون بحسب رواية المعبد إلا أنه كان ضروري لتنظيم وحده الجماعة فالممارسة الدينية- الاجتماعية، بوصفها تنتظم شتات تصرفات الأفراد وتوجهها نحو غايات مشتركة، تفترض وجود بنية معقدة من القيم وعمليات التعيين والاندماج المحمل بمعانٍ ودلالات في أو ملة أو طائفة أودين يتخذ من إله يحتمي به وبحياضه المقدس،هنا ظهر المكان المتخيل (المقدس) وظهرت أيضا حاجه إلى وجود , كما تفترض لغة رمزية (شيفرة) اجتماعية ومستضمرة ليست هناك أية ممارسة اجتماعية يمكن إرجاعها فقط إلى عناصرها الفيزيقية، والمادية بل لابد من اختلاق منظومة رمزية مرتبطة بالقوى التي يستمد المجتمع منها وجودة التي تبدو أنها في بداياتها الجنينية (تشكل عفوي، تكون متأصلة في الاديان ذات الصبغة الدعوية الكونية) (2) هكذا تدعم السلطة نفسها بالقوة القهرية سواء أكانت مادية بالرجال أم مفارقة إلهية تغدو السلطة كنتيجة لضرورة خارجية إن كل مجتمع كلي على صلة بالخارج بالإلهة التي أنزلت الملكية من السماء، وأنزلت القوانين للملوك كما استلم حمورابي شريعته من شمش (3) يبدو عبر سرد المعبد والقصر أن المجتمع يستمد قوانينه من خارجه لا من ذاته. ويتضمن ثانياً، مبدأ (المغايرة) أي القول بأن البشر مدينون بمعنى وجودهم إلى غيرهم وليس إلى بشـر مثلهم، ويتضـمن ثالثاً، مبدأ (الانفصال)، أي القول بوجود فارق أو مسافة بين المجتمع ومصدره، بين المجتمع ومصدره. (4)

ومن هنا فإن كل مجتمع -المجتمع ممثل بالقوة الفاعلة فيه هي هنا كما قلنا المعبد والقصر - ينشيء لنفسه مجموعة منظمة من التصورات والتمثلات، أي مخيالاً، من هنا فإن كل مجتمع هو إنتاج نفسه، مخيالاً يقوم ـ على وجه خاص ـ بجعل الجماعة تتعرف بواسطته على نفسها، ويوزع الهويات والأدوار ويعبر عن الحاجات الجماعية والأهداف المنشودة.

لهذا ظهرت اللغة الدينية ونخبويتها بوصفها وسيط بين الناس ومصدر وجودهم هنا اللغة ليس هي الأخرى - بحسب تلك المخيالات- ليس صنيعة البشر وضرورة من ضرورات تواصلهم بل هي صنيعة الإله هو الذي علم البشر الأسماء المحب للمعرفة هو إله الحكمة(انكي) هنا تصبح الحقيقة بيد الإلهة لكن كيف يمكن التواصل معها أو معرفة نواياها الملغزة هنا برعت المعرفة القديمة بقيادة المعبد في خلق علوم العرافة والتنجيم والرثاء والتأبين وصناعة مخال الموت .

كل هذا ساهم في خلق الهوية الموحدة لجماعة أنه (بقيام الجماعات البشرية معانٍ ودلالات مخيالية اجتماعية تتمكن من إعطاء معنى لكل ما هو (موجود)، لكل ما يمكن أن يقوم فيها أو يقوم خارجها) (5) وهو أمر موجود في عمق كل ممارسة إنسانية إذ يحاول المجتمع أن يرصن وحدته من الانقسام فيخلق أعداء يمثلون تهديداً واستناداً إلى هذا التهديد الخارجي.سواء كانوا من عالم مفارق إلهة أم شياطين أم أعداء . كيف يعمق وحدته من خلال صناعة المنظومات الدينية التي في اغلبها موروثة، فإنها تؤدي بالنتيجة إلى تمجيد وحدة المجتمع عبر "سلطة الرمز" التي تمظهر عبر المخيال الاجتماعي(6) بما أنه منظومة من البداهات والمعايير والقيم والرموز فهو ميداناً لتحصيل المعرفة بل هو مجال لاكتساب القناعات، مجال تسود فيه حالة الإيمان والاعتقاد.

كل هذا يتحقق من خلال "الدين" (7) فهو في أصله دَيْن البشر للعالم الآخر وللكائنات العلوية وللقوى الفائقة. بمعنى أن الدين على رغم من أنه ينبع من حاجات داخلية ؛ إلا انه ينزل من السماء التي تشرف وتدير شأن الأرض وفكرة الدين هي التي تتيح المجال الموت هو اعتداء على وجوده سواء أكان فردأ أم جماعة هنا أقام المجتمع منظومات قيمة تسوغ حدوث الموت إما بخطاء بدئي وإما بقرار كوني قامت به الإلهة مثل الطوفان فأن هذه المبادئ تحدد أسـس الواقعة "الدينية البدائية "فإنها تشــكل من جهة أولى شروط أمكان الدولة ؛ لأن نشوء الدولة ما كان ممكناً ؛ إلا أن يعقل المجتمع نفسه بواسطة مبدأ خارج عنه.(8)

بمعنى إن تلك الرؤية تستمد منها الدولة الشرعية كونها جاءت بقرار يعود إلى قوى مفارقة هي التي تصنع رؤية البشر ووجودهم ومن ثم ليس أمام البشر من قدرة بالخروج ؛إلا بحاله من حالات ثلاث :

الأولى، توجيه الشكوى إلى تلك القوى المفارقة فهي التي نصبت الملك ورسمت الأقدار .(9) وإما الثاتية فهي تكفير تلك القوى ومن ثم تجريمها وهكذا حدثت اغلب الانشقاقات الدينية من خلال ظهور ديانات جديدة .وربما هناك حاله ثالثة هي الاعتماد على القوة ثم إعادة بناء السرد الرسمي والقول إنّ الإلهة اختارت الإله الذي يعود إليه الشعب المنتصر أن يكون زعيم الإلهة كما حدث في قصة الخليقة البابلية عندما أنتصر حمورابي انتصر معه مردوخ كزعيم لإلهة هذا ترقيع للاهوتي يعيد بناء السرد من جديد حتىّ يسبغ المشروعية على المنتصر والقول إنه قرار مفارق .(10)

إذا كانت هذه آلية المجتمع البدائي في المحافظة على وحدته من التمايز فإنها تسهم في خلق عالم مفارق وأسبغ الشرعية على الملوك على حين هي جزء من نظام تشريعي ماضي من الشفاهيه بوصفه عرفاً يضفي القدسية على الوضع السياسي يرجع تشريعاته إلى الآلهة واوجب الخضوع لها ويعلي من شأن الملك في الوقت نفسه . في مجال تحليل المخيال الديني الناظم إلى وحدة الجماعة المتمثل في تلك المنظومة القيمة التي يشيدها المعتقد الاجتماعي الديني من خلال سلطة المعبد،يمكن رسم خرائط هذا العالم التخيلي من خلال سرديات أسطورية تشي بملامح هذا العالم من خلال سرد حبكات تروي رحلات متخيلة إلى هذا العالم المستحيل الذي تم تخليقه خياليا، فالخيال يستطيع بقدرته الخاصة التأليف بين الأشياء، والألوان والأحاسيس فيبدع الصورة مستفيداً من التعاقب والحركية في الزمان ومن التشكيلية في المكان. يعني أن الوعي مرتبط بعلم النفس والاجتماع والمعرفة التي يظهر عندها من خلال مفهوم الخيال إذ يرى (جيلبار ديران ـ Gilbert Durand ) أن الوعي يتمتع بطريقتين لاستحضار العالم ؛ واحدة مباشرة يبدو فيها الشيء ذاته حاضراً في الذهن، وذلك عند الإدراك أو الإحساس البسيط، كأن تتخيل إنسان تعرفه، أو شجرة أو شيئاً مادياً محسوساً وأما الثانية فهي غير مباشرة عندما لا يمكن لوعينا إن يستحضرا موضوعه استحضاراً حسياً، كما هو الشأن عندما تتذكر طفولتنا أو نستحضر عالم ما بعد الموت. (هكذا أتاحت تلك الطبيعة الجميلة "حيث تلك السهول الفسيحة والسماء الشديدة الزرقة التي ما كانت تشوبها سحب أو تكدرها غيوم، بينما النجوم تتلألأ فيها )(11) وقد تجلت تلك الحقيقة في تلك الحقب، في أماكن عديدة كانت بمثابة أول الأحلام التي عصفت بها الريح في خضم تراجيديا رهيبة جعلت منها مجرد نصوص أثرية ـ أحلام ظهرت بأشكال هندسية على جدران الفخاريات أو نصوص خطتها أنامل الكهنة(12) في كل الأحوال التي يكون فيها الوعي لا مباشر يكون موضعه غائباً أي من جنس المجردات التي يمكن أن يقال عنها أنها تمثل (قيمة أخلاقية سياسية) ولا يمكن للوعي أن يتمثل، إلا بوساطة الصور.(13) إذا كان للرموز وظيفة فهي الدافع الذي يعين ويجعل الإنسان قادرا على المواجهة، ومن هنا فالنصوص التي ظهرت شكلت مرحلة نضج، أمَا القراءة فهي من جانب مؤرخي الأفكار في محاوله تأويليه، تتجلى من خلال محاولاتهم الحفر و دراسة مراحل ظهور الرموز والبنية المعرفية التي أنتجتها والظروف التي ساهمت في ذلك ؛ أي هي مهمة القارئ الذي يبحث عن المعنى وهذه السطور مساهمة في جهود القراءة فأننا نلمس في الحفريات المعرفية الاثارية التي ظهرت باحثة عن مراحل تكون الفكر العراقي والإنساني القديمين والتي وجدتها تتمفصل إلى ما قبل التأريخ وما بعده .

والتي تعد محاولات حضارية ناضجة ؛ وفي الوقت نفسه تعد مدوناتها من أقدم المدونات التي تناولت مسائل وجودية:" كالحياة والموت، وخلق الكون والإنسان، والخير والشر، والثواب والعقاب "(14) .كانت تلك المدونات قد عكست قلق الإنسان الوجودي إذ الإنسان " هو كائن قلق الحس، يبحث عن ملجأ يأتمن إليه "(15).

هكذا فإن الأمر بقدر ما يمثل جانباً معرفياً فانه يقوم على بعد حسي يحصل فيه الإدراك بشكل مباشر، وبعد حسي باطن يعتمد على المدركات السابقة. فعندما يتصور الوعي بأشياء فأنه يريد أن يراها في الخارج بينما هي مخزونة في ذاكرته، بل حتى عندما يتصور صور جديدة و فأنه يتصورها بالمقارنة مع تلك الموجودة في الحس الباطن أو العقل بوصفها نتيجة لتجارب سابقة، يمكن ترميزها والتعبير عنها من خلال الرغبة (معاني الألم، الشر، و الحياة، و الموت) عبر الوسيط البطل الأنموذج الذي سعى إلى تحقيق رغباته من خلال محور الرغبة يظهر من يناصره ويظهر من يعاديه والذي يحول بينه وبين موضوع رغبته.الرغبة بالحياة الطويلة والصحة الجيدة بعيدا عن عوالم الموت والتقلبات كل هذا يمثل موضوع يمكن استثماره عبر جعل المخاوف تهجع والأماني تورق يتحقق هذا عبر السرد والقدر المدهشة للغة التي تمكننا من أن نحقق أحلامنا عبر السرد والمحكي من ثم نستطيع أن نبني مخيالا أسطوريا (لا يوجد أي مجتمع بشري يمارس دوره او آليته بشكل مختلف أي بدون تشكيل متخيل ما) (16) لأن التخيل يمنح المجتمع القدرة على أن يقدم حلول لما يحيط به من معضلات طبيعية (فالدين أو الأديان في مجتمع ما هي عبارة عن جذور .. ونجد إن كل الأديان قد قدمت للإنسان ليس فقط التفسيرات والإيضاحات، وإنما أيضاً الأجوبة العملية القابلة للتطبيق والاستخدام مباشرة في ما يخصّ علاقتنا بالوجود والآخرين والمحيط الفيزيائي الذي يلُّفَنا، بل وحتى الكون كله، وفيما وراءه بالأشياء الموعودة (فوق الطبيعة)(17) ومن هنا يلجأ الأفراد إلى رموز متعدد: فالحديث أو الكلام يستعمل نطاقاً من الأصوات ليكوَن أشكالا كثيرة من الرموز مثل الكلمات، واللغة المكتوبة، ويمكن تذكرها بسهولة جداً ؛ لان المكتوب يكون مطبوعاً، ويمكن للغة أن تأخذ أشكالا أخرى لا متكلمة ولا مكتوبة (..) يمكن تحقيق الاتصال باللغة، والهيئة، ووضع الجسم أو التعبيرات الوجه وهذه الوسائل للاتصال تشكل المستوى الأول للرمزية بينما تشكل المفاهيم، التي تعبر عن حقيقة ما المستوى الثاني التي تقدم صوراً أو تمثيلات ذهنية، تأخذ موقع الأشياء التي تعبر عنها ولكون المفاهيم شخصية لكل إنسان، فإنها تكون بالضرورة أيضاً نتاجاً اجتماعياً لعدد كبير من الناس(18)، ليس من الضروري أن نجد هيمنة الموضوعية على منظومة معتقدات المجتمع (فإن منظومة المعتقدات الفاعلة ضمن مجتمع غير محددة لا بالحقائق المنطقية أو التاريخية ولا بالأدلة الواقعية) (19) وهذا يظهر ونحن نتطرق إلى منظومة من المعتقدات الأخروية والدنيوية العراقية التي تخط ملامح جغرافية تخيلية للموت ؛من اجل فهم التمثلات القديمة لابد من الوقوف عند أمرين:أولهما، مفهوم الزمان كما تصوره العراقيين، والثاني المنظومة التي يمكن من خلالها كشف الصورة التي تمكننا من فهم الفكر القديم وموقفه من الموت . ونحن نجد نمطين من السرديات الأسطورية تغاير مقاصدها بتغاير المتن الوجودي لها فهي الأفاق التي تمكن الإنسان من خلالها أن يستوطن اللغة ويتخذها سفينة النجاة التي تحيل تخيلاته إلى أماكن قابله للعيش؟

لعل محاولتنا هذا هي رحلة إلى العالم الافتراضي الممكن أو المستحيل، الذي خلقته تلك الثقافات في محاولتها فك سر حدث الموت.

 

 د. عامر عبدزيد الوائلي

...........................

(1) عبد الرزاق الجبران، جمهورية النبي، بيروت،2007،ص57.

(2) ميشال مسلان، علم الاديان، ترجمة عز الدين عناية،المركز الثقافي العربي،ط1، بيروت، 2009، ص126.

(3)(3) شريعة حمورابي 1795-1750(ق.م) تعد انظم وأكمل شريعة في تاريخ الحضارات القديمة .انظر :نائل حنون، شريعة حمورابي،ج1،ص13.بواسطة : سالم الالوسي، شريعة حمورابي،بيت الحكمة سلسلة رواد الفكر، بغداد،2007،ص13.

(4) بيار كلاستر، مارسيل غوشيه، في اصل العنف، تعريب: على الحرب، دار الحداثة، بيروت، ط1، 1985، ص35ـ36 

(5) فاخر عاقل، معجم علم النفس، دار العلم، ج3، بيروت، 1979، ص25

(6) فاخر عاقل، معجم علم النفس، المصدر السابق، ص25ا

(7) الدين : بشكل عام، ثمة تصوران متواجهان يفترضان نفسيهمما . التصور الاول يقول بوحدة الظاهرة الدينية الاساسية . ففيما يتجاوز التاريخ وتنوع التمظهرات العينية، نجد ماهية واحدة للدين وحدة الظاهرة الدينية من خلال الايمان بوجود عالم غير مرئي، مفارق ومقدس، مأهول بالارواح أو الالهة واليه يتقدم الناس باستمرار بالنمط نفسه،من العباداة .

خلاف لذلك يرفض بعض الكتاب استخدام كلمة "دين" ويرون فيها تصنعا مفهوميا يشبه تحكميا واقعا واحدا لظواهر مختلفة ..لمزيد انظر :جان فرنسوا دورتيه، معجم العلوم الانسانية، ترجمة : جورج كتورة،مؤسسة الكلمة، ط1، ابو ظبي،2009،ص412.

(8) فاخر عاقل، معجم علم النفس المرجع السابق، ص 36ـ 37 ـ 38.

(9) انظر :محمد عابد الجابري،نحن والتراث دار الطليعة، بيروت .

(10) قصة الخليقة : إينوما إلش ... حينما في العلى،ترجمة ثامر مهدي محمد عن كتاب قصة الخليقة البابلية واثرها في العهد القديم تاليف الكسندر هايدل،دار الشؤون الثقافية 2001،طباعة : إنانا الأمير.

(11) صموئل نوح كريمر، ترجمة : فيصل الوائلي، كويت، (بدون تاريخ)، ص156.

(12) تربو عدد الرقم الطينية للعراق القديم على المليون لوح متعددة الإغراض .انظر : فاضل عبد الواحد، من ادب الهزل والفكاهة،م/ كلية الاداب، جامعة بغداد،ص82,

(13) صموئل نوح كريمر المرجع السابق الذكر،ص27-26.

(14) المرجع السابق، ص78.

(15) يوسف الحوراني، الإنسان والحضارة، ط2 بيروت، 1973، ص6-7.

(16) محمد أركون، العلمية والعلمانية، ترجمة : هاشم صالح، الساقية بيروت،ص32.

(17) - المرجع نفسه، ص23.

عبدالهادي عبد الرحمن، سحر الرموز، ص137. (18)

(19) خوان بايا وبونثا، العمارة وتفسيرها، ت سعاد عبد علي، الشؤون الثقافية، بغداد، ط1، 1996، ص39.

 

 

علي محمد اليوسفتعريف أولي: المبحث الذي توليه الفلسفة الحديثة حقه من الاهتمام كثيرا هي أن علم النفس الوظائفي التجريبي المرتبط فيزيائيا بمبحث الابستمولوجيا المعاصرة يعتبرأهم ركيزة تقوم عليها مباحث الفلسفة المعاصرة اليوم،، وغالبية تلك المباحث الفلسفية خاصة فيما يخص الابستمولوجيا يلعب علم النفس التحليلي الوظائفي التجريبي وعلم وظائف الاعضاء والجهاز العصبي والدماغ، دورا مركزيا هاما فيها يوازي الاهتمام بالجانب الادراكي المنطقي الفلسفي على صعيد علاقة (الفكرباللغة) في فلسفة اللغة بل ومحاولة تجاوزهما (ثنائية الفكر واللغة) كأهم محورمركزي تقوم عليه الفلسفة الاوربية المعاصرة بدءا بالتحليلية التي ساهم بأرسائها فينجشتاين الى جانب جورج مور وبيرتراند رسل، وليس انتهاءا بتفكيكية دريدا التي قامت على ميراث كل من التحليلية الانجليزية والبنيوية الفرنسية... ومدرسة مابعد التحليلية المعاصرة التي يقودها ريتشارد رورتي وسلارز وكواين وكارناب ويشكل علم النفس التجريبي محور أرتكازها الفلسفي معلنة أحتضار الابستمولوجيا كمبحث فلسفي أثير دام قرونا طويلة كما أحتضرت وماتت الميتافيزيقا كمبحث شغل التفكير الفلسفي قرونا من قبل ...

سلارز واللغة

يعتبر سلارز( 1912- 1989) وهو من رواد الفلسفة الواقعية النقدية القرين والوريث القوي لأفكار فينجشتاين (1889- 1951) في فلسفة اللغة حول أعتماده اللغة ودورها المركزي في تحليل وفهم وحل أشكاليات قضايا الفلسفة الموروثة العالقة منذ عصور طويلة. وأعتبر سلارز اللغة مفتاح أدراك العالم ووسيلته في التعبير عنه وفهمه وتفسيره.. (ولم يقدم سلارز براهين على نظرية العلاقة بين اللغة والفكر) كما يصفه رورتي.1، وسيلارز صاحب المقولة المعروفة (الوعي كله شأن لغوي بدايته اللغة). وبأعتباره فيلسوف أبستمولوجي فهو يعتقد (أن الافكار أحداث داخلية لا يمكن أعتبارها غير ذات صلة ضرورية باللغة، أو الى حالات الدماغ أو الى حالات مختلفة بحسب حاجات علم النفس التجريبي الحسّي ) 2.

من الناحية المبدئية لا ضير في أهمية التسليم بصوابية أن الافكار هي أحداث داخلية تجري بالذهن صوريا (تجريديا) لكنما نريد التوقف قليلا عند معنى الدلالة اللغوية لمعنى كلمة التجريد غير المصطلحي خارج مباحث فلسفة اللغة. فالتجريد على المستوى الفني في أبداع ضروب الانتاج الفني هي التعبير بالفكر اللغوي الصامت عن أشكال ومحتوى الفن من غير الاستعانة بدلالة اللغة التعبيرية المسموعة أو المكتوبة كوسيط تواصلي، فاللوحة التشكيلية أو القطعة النحتية هي شكل من أشكال اللغة في التعبيرعن دلالة فكرية مضمونية كامنة غير مفصح عنها في لغة تعبير دلالية تواصلية مباشرة وأنما معبّر عنها بدلالة التأويل الايحائي بفهم المعنى.

أما التجريد الفلسفي فهي التفكيرالمنطقي الصوري بالذهن داخليا أو التفكير المعبّر عنه خارجيا باللغة المجردة في صور الادراك للاشياء والموضوعات و محاولة فهم العالم بتجريد لغوي يمّثل الفكر...فالتجريد هو صورة التفكير بواسطة اللغة وليس التعبير بها،، ولا توجد لغة تعبيرية غير مجردة في التعبير عن الواقع...لذا يبقى الواقع عصيّا على محاولة أحلال الفكر عوضا عنه بدلا من التعبير عنه.

بهذا التوضيح البسيط جدا لا نستدرك سلامة تعبير سلارز ولا نتحفظ على تعبيره أن الافكار الداخلية يمكن أعتبارها ذات صلة تعالقية ضرورية باللغة، على أنه تعبير موّفق متماسك المعنى فلسفيا،، فالتفكير الذهني داخليا تجريديا لا يتم بغير أدراك صور الاشياء خارجيا، وكذلك العقل يفكّر بصور الاشياء تجريدا على مستوى أدراك الاحاسيس داخليا أي من داخل أجهزة بيولوجيا الحياة التي يتوزعها جسم الانسان مثل جهاز الهضم وجهاز الدورة الدموية والجهاز العصبي والعضلي وهكذا،، وكذلك على مستوى الأستجابة للاحساسات الخارجية عن الموضوعات والاشياء أيضا.

وعندما نقول أدراك الذهن لصور الاشياء خارجيا وداخليا، أنما المعني به صور الاشياء بالفكر التي لا يمكن للعقل البشري التفكير من غيرها، وكل صورة مجردة لشيء مدرك بالذهن هو صورة لغوية مجردة لنفس الشيء ماديا أيضا.. والتفكير الصوري بالاحاسيس داخليا أنما هي لغة صورية صامتة ساكنة لم يفصح العقل التعبير عنها خارجيا..لذا فالعقل الذي يبدو لنا أنه يفّكر بصور الاشياء تجريديا، فأنما في الحقيقة يكون هو يفكر بلغة أيحائية مجردة عن مواضيع أدراكها الحسّي باستثناء صور الاشياء الملازمة للفكر عنها .. وعليه تكون حقيقة تفكير العقل قائمة على التفكير باللغة التي تعبر عن صور الاشياء موضوعة التفكير.. وحواس الانسان والجهاز العصبي المرتبط بها والذهن العقلي الذي يستقبلها أنما هو يشبه عمل كاميرا التصويرالتي تكتفي بطبع صور الاشياء فيها فقط،، لكن بفرق جوهري أن الكاميرا مرآة الوقائع والاشياء هي صمّاء لا تعي ولاتفكر كما يفكر ذهن الانسان في التقاطه صور الاشياء ومعالجتها بتجريد لغوي يقوم على الصورة قبل لغة التفكير التجريدية للمدركات، فالذهن يفكر تجريديا بصورة الشيء قبل التعبير عنه باللغة الأبجدية....فصور الاشياء بالذهن هي تعابير لغوية كامنة صامتة وليست صورا مجردة عن مدلولاتها اللغوية في عالم الاشياء.

ونجد الالتباس بين علاقة الفكر بالذهن داخليا يبحث عن أفصاحها رورتي خارجيا بدلالة موضوعات العالم الخارجي الحسّية فهو يعتبر (المعرفة اللاتصورية واللالغوية للاحساسات الاولية الخام تنسب الى كائنات على أساس عضويتهم الممكنة في المجتمع) 3. لا يفهم بالضبط معنى تعبير رورتي أن المعرفة تكون لاتصورية ولا لغوية للاحساسات الخام بنسبتها حسب تعبيره الى كائنات عضويتهم ممكنة في المجتمع، والتعليل الوحيد الذي نفهمه منها يبقى أن الابستمولوجيا هي سلوك مجتمعي قبل أن تكون مادة لغوية بالذهن من أجل المعرفة.. ..فالاحساسات الاولية حسب رأينا هي أشعارات تحفيزية صادرة منقولة أدراكيا شعوريا الى مناطق محددة وظيفيا بالدماغ.. وكل مايتم أدراكه أو الشعور به يكون بالضرورة المعرفية التكاملية في فهم الشيء هو (لغة) وأن كانت لغة لا تعبيرية منطوقة كما في الصمت، لكنما هي لغة تفكير ذهني تتم داخليا وهي في حالة كمون غير معبّر عنه بالصوت أو الكلام أو بالكتابة.

الفرق بين أن تكون المحفزات الفيزيائية عن الاشياء هي وسيلة أحساسات نفسية مرتبطة بالسلوك أكثر منها وسيلة أكتساب معارف علمية حسب رغبة فلاسفة البيسكولوجيا فلاسفة بعد التحليلية اللغوية في قول رورتي (الابستمولوجيا نظام نظري وليس نظاما عمليا بيسكولوجيا)،، بمعنى أن الابستمولوجيا نظام تجريدي نظري من حيث هي خزين الاحساسات بالذهن بينما البيسكولوجيا هي نظام بيولوجي تجريبي نفسي عملي يتخذ صفة السلوك الانساني. وتكون الاحساسات الفيزيائية في كلتا الحالتين (النفسية السلوكية والمعرفية النظرية) أنما تمثل وسيلة أدراك وليس هدفا أدراكيا قائما بذاته.

المعرفة الوهمية والعلم

على خلاف الكثيرين من الفلاسفة القدماء والمحدثين عمد كارناب (1891-1970) وهو فيلسوف التجريبية المنطقية الحديثة الى ضرورة فصل الفلسفة عموما عن العلم، رغم محاولات العديد من فلاسفة القرن السابع عشر المتأثرين بديكارت قلب تلك المعادلة في وجوب التكامل الضروري بين العلم والفلسفة وليس مهما عندهم لمن تكون الأسبقية ولا التبعية بينهما هل تكون في ريادة وأسبقية العلم على الفلسفة أم العكس.. كما (وأعطى كارناب ومعه فلاسفة آخرين من حلقة فينا كلمة ميتافيزيقا توصيف محتقر قولهم أنها تفيد (اللامعنى) وخلعوا نفس التوصيف القاسي على مبحث الابستمولوجيا بالفلسفة بانها بلا معنى).4

من المهم التفريق بين صحة القول الفلسفي أن الميتافيزيقا لامعنى لها، أي لا جدوى من الخوض في مسالكها وقضاياها، وبين تحفظ الاتجاه الجديد الذي يلازم بعض الفلاسفة المعاصرين البسكولوجيين أعتبارهم الابستمولوجيا مبحثا حان وقت تجاوزه كما حصل مع تجاوز الفلسفة قضايا الميتافيزيقا باعتبار الابستمولوجيا هي مبحث فلسفي يترّتب عليه الادراك السلوكي النفسي وليس وسيلة اكتساب المعارف التجريبية كما يفعل العلم مختبريا،، فمبحث الابستمولوجيا ليس علما ينوب عن العلم بل هي سلوك نفسي مكتسب لا علاقة له بمنجزات العلم..

ومثال تأكيد ذلك فقد وجد فينجشتاين ومعه فلاسفة اكسفورد أن هناك وظيفة فلسفية باقية في ضرورة العلاج النفسي لفلاسفة هم بحاجة الى الشفاء من الوهم بوجود مسائل أبستمولوجية.5 ويعتبر كواين أن فلاسفة الابستمولوجيا كانوا يحلمون أيجاد فلسفة أولى أكثر ثباتا من العلم وتوظيفها في تسويغ معرفتنا العالم الخارجي. 6

والحقيقة التي لا يمكن العبورمن فوقها هي أن الابستمولوجيا كانت الفلسفة الاولى على أمتداد تاريخ الفلسفة منذ افلاطون وكانت الابستمولوجيا مبحثا في الفلسفة قرينة مبحث الوجود (الانطولوجيا)، قبل أن تصبح الابستمولوجيا في الفلسفة الحديثة والمعاصرة لا قيمة حقيقية لها كما هي الحال بلامعنى ولا قيمة للميتافيزيقا وزيف التفلسف بقضاياها عند رواد الفلسفة الاوربية والامريكية المعاصرة.

الاشكالية التي تعاني منها الفلسفة المعاصرة حول مبحث الابستمولوجيا هو حقيقة أن تاريخ الفلسفة بقي قرونا طويلة يعتبرها الفلسفة الاولى،، ويراد منها الآن أخلاء الطريق امام الفلسفة المعاصرة التي ترى أن المعرفة اليوم هي مشكلة البحث عن المعنى في فلسفة اللغة...وهذا ما عبّر عنه كارناب ممثلا عن حلقة فيينا وفينجشتاين ومعه حلقة اكسفورد (أن مهمة الفلسفة الاولى اليوم أن لم تكن الوحيدة هو تحليل المعاني) في لغة الفلسفة فقط..

ومن غير المجدي محاولة ربط الايستمولوجيا ومقارنتها معياريا بالعلم ومنجزاته في الحكم على أنها لامعنى حقيقي لها،، أكثر من أعتبارها وسيلة أكتساب السلوك المجتمعي وليس أكتساب حقائق ومنجزات العلم التجريبي... والعودة بحسب أجتهادهم الى أصل الابستمولوجيا على أنها ترتبط بعلم نفس السلوك المجتمعي، وأصبحت الابستمولوجيا اليوم لا تعني جدوى ملاحقتها منجزات العلوم ولا حتى الاسهام بها أو المفاضلة معها بين العلم والابستمولوجيا أحدهما بمعزل عن الآخر ليس على صعيد آلية الاشتغال وحسب وأنما على صعيد المنجز المتحقق لكل منهما... كما من المفروغ منه أن تكون الابستمولوجيا مبحثا فلسفيا يتكامل بالعلم لكن لا ينوب عنه ولا يأخذ دوره.فالابستمولوجيا ترجع الى أصلها الفلسفي المنطقي غير العملي التي تقاطع العلم في تطبيقاته العملية التجريبية..

الابستمولوجيا والوهم الفلسفي

على خلاف مع الكثيرين من الفلاسفة عمد كارناب الى وجوب وضرورة فصل الفلسفة عن العلم القائمة فعلا كجوهرين منفصلين،، في وقت أستمات فيه العديدون من الفلاسفة منذ ديكارت القرن السابع عشر محاولتهم قلب المعادلة في أهمية تلازم وتكامل الفلسفة مع العلم وليس مهما التفكير لمن تكون الاولوية والاسبقية بمقدار أهمية تحقيق النتائج المتوخاة من مثل هذا التوجه العلمي - الفلسفي..وقد أعطى كارناب وفلاسفة آخرين معه من حلقة فينّا كلمة ميتافيزيقا توصيفا تحقيريا بالقول انها (بلامعنى) لها، وفي وجوب أن تلحقها الابستمولوجيا بنفس التوصيف الفلسفي.. وعبّر فينجشتين ومعه فلاسفة اكسفورد بان هناك وظيفة فلسفية باقية علينا انجازها بالعلاج النفسي تتمثل باشفائنا لبعض الفلاسفة المرضى وتخليصنا لهم من وهم وجود مسائل ابستمولوجية بالفلسفة علينا معالجتها. 7. ويكمل كواين هذا التوجه قوله (لقد حلم الابستمولوجيون بفلسفة اولى اكثر ثباتا من العلم وتوظيفها في تسويغ معرفتنا العالم الخارجي) 8.والمقصود بالفلسفة الاولى هنا هي مبحث الابستمولوجيا المتعالق بمبحث الوجود ومبحث القيم والاخلاق.

في محاولتنا فهم وأستقصاء كيف يفكر هؤلاء الفلاسفة اقصاء الابستمولوجيا أن تكون مبحثا غير ذي جدوى حاله حال الميتافيزيقا، نجدهم يحاولون ربط الابستمولوجيا من الناحية التوظيفية الآلية بالاحاسيس وعلم النفس التجريبي، وليس ربطها بالعلم معتبرين بداية ما يطلق عليه معرفة ابستمولوجية لا تكون غير استجابة كهربائية للاعصاب ناتجة عن مثيرات تحفيزية فيزيائية لا علاقة لها باكتساب معرفة علمية تجريبية بمقدار ما تمثله من علاقة وطيدة بعلم النفس الوظيفي التجريبي.

لكن الصحيح الذي تمت مصادرته من فلاسفة البيسكولوجيا ان المؤثرات التحفيزية الفيزيائية للاعصاب لا تمثل قيمة معرفية علمية حقيقية مباشرة بذاتها بالقياس الى القيمة الحقيقية التي نكتسبها عن طريق التجربة المختبرية الدقيقة في قضايا العلم.. فوظيفة المؤثرات التحفيزية أنها لا تمّثل قيمة علمية ناجزة بحد ذاتها مسألة قائمة صحتها ولا مجال مناقشة دحضها... الا أن تلك المحفزات الفيسيولوجية تحمل بدايات التفكير في معرفة العالم ليس بالضرورة أن تكون معارف تجاري حقائق العلم أو تنافسها ولا حتى التكامل معها كما يرغب العديد من الفلاسفة القدماء الذين كانوا يحلمون مزاوجتهم مباحث الفلسفة بالعلم بشكل تلفيقي أعتباطي لم يكتب له النجاح..فكما أن معرفة العالم لا تستأثر به منجزات العلم لوحدها كذلك لا يمكننا نكران المعارف الابستمولوجية المكتسبة بغير طرائق العلم أنها لا تمثل أحدى أهم الوسائل في معرفتنا العالم بغير وسائل العلم وحدها.

أن استماتة فلاسفة البيسكولوجيا مابعد التحليلية المعاصرين ضرورة التخلي عن فكرة أعتبار الابستمولوجيا هي الفلسفة الاولى التي تسبق العلم،، يجب أن يتم بنفس الاسلوب الفلسفي المنهجي في تخلي الفلسفة عن مباحث الميتافيزيقا حسب تعبيرهم..بحكم حقيقة التفوق العلمي الذي نشهده باعتبارها اليقين الوحيد الذي يمكننا به معرفة العالم والاحتكام على حقيقته القائمة على التجربة العلمية المتحققة بنتائجها..لكن هذه وجهة نظر ناقصة غير متكاملة وحيدة الجانب تغفل أن معرفة العالم لا تتم بمنجزات وحقائق العلم وحدها بل أن معرفة العالم تتم بأكثر من مجال فلسفي أو معرفي أو علمي أو نفسي أو تاريخي أو انثروبولوجي ولا حتى في تكامل هذه الجوانب مجتمعة معا، فمعرفة العالم عملية مطردة متجددة على الدوام تلغي الكثير من الوسائل القديمة لكنها تستحدث الكثير الجديد غير المسبوق بدلا منها.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..................

الهوامش

1- ريتشارد رورتي/ الفلسفة ومراة الطبيعة /ت : د. حيدر حاج اسماعيل/ ص271

2- المصدر اعلاه نفس الصفحة

3- المصدر اعلاه ص 272

4- المصدر اعلاه ص 311

5- المصدر اعلاه ص 313

6- المصدر اعلاه ص 314

7- المصدر اعلاه ص 311

8- المصدر اعلاه ص 313

 

 

حاتم حميد محسنعُرف شوبنهاور بالتشاؤم، هو يعتقد ان الحياة دولاب يتأرجح بين الألم (عندما نريد شيء ما ولا نمتلكه) والضجر (عندما نمتلك الشيء ولم نعد نهتم به). هو ايضا يرى ان اساس فهم الحياة هو التفكير في الصراع لأجل البقاء، وخاصة الحصول على الطعام. لننظر في طبق البيتزا المصنوع من لحم البقر. بالنسبة للبقر التي تُصنع من لحمها البيتزا يُعد الامر كابوسا: لكي يوفروا اللحم لابد من تربية السجين ثم ذبحه وتقطيعه ثم أكله. (الحياة بالنسبة للحيوانات البرية ليست افضل حالا، كل ما هنالك يتم استبدال حياة الحيوان السجين المحصور في مكان معين بحياة الخوف والصراع المستمر لأجل البقاء وباحتمال ان تنتهي حياته في مواجهة مجموعة من الحيوانات الجائعة لتأكله حيا). احيانا ينال المرء تعاملا لائقا وايجابيا، ولكن نسبيا، ليس هناك الكثير من الراحة، ففي أي مكان من الحياة يتفوق الألم على المتعة بشكل كبير.

وهناك ما هو مشابه مع انه أقل عنفا يُقال عن حياة معظم الناس. نحن نكره المدرسة، ولانستطيع الانتظار حتى ننضج، نكره العمل او كوننا(عاطلين)، ولا نستطيع الانتظار لسن التقاعد، حينذاك سنكره الضجر، السأم، وظروف الخجل او عدم احترام كبار السن.

هذا النوع من التفكير هو الشائع لدى شوبنهاور. لكنه ليس كل القصة. شوبنهاور المتفائل لديه أخبار جيدة لكل منْ يقبل برؤيته التشاؤمية. انت تعتقد اننا افضل من الأموات؟ حسنا، ولكن لماذا؟ (طبقا لشوبنهاور) نحن سنكون امواتا، وقبل ان يمضي وقت طويل سوف لن نعاني الى الابد في الجحيم. عندما نموت، نموت، وما كنّا عليه سيبصبح ترابا.

هل تلك اخبار جيدة؟ نعم: هل تعتقد ان التراب شيء سيء؟"بقايا لبقايا وتراب لتراب" ربما يبدو شيء سيء؟ لكن التراب شيء عظيم. كما يقول شوبنهاور في "العالم كرغبة وتجسيد":

"تعلّم ان تعرفها قبل التقليل من اهميتها. هذه المادة التي تكمن الآن كتراب وبقايا سوف تتحلل حالا في الماء، من ذاتها الى بلّور(كريستال)، سوف تلمع كالمعدن، ثم تطلق شرارا كهربائيا، وبسبب كهربائيتها المكثفة ستجسد قوة تتحلل بدورها الى اقرب العناصر، مختزلة الارض الى معادن، انها سوف تكوّن ذاتها دون ان يُطلب منها ذلك الى نباتات وحيوانات، ومن رحمها الاسطوري تتطوّر الحياة التي لفقدانها نكون قلقين جدا".

نحن سوف نموت، لكن المادة التي خُلقنا منها ستبقى. هذه اخبار جيدة لأن المادة ساحرة، وحياتنا مليئة بالألم. المادة التي صُنعنا منها لا يمكن تحطيمها وسوف تكوّن كريستال ومعادن ونباتات وحتى حيوانات. انه شيء رائع. نحن من جهة اخرى، مع اننا صُنعنا من مادة رائعة، لكننا سنكون ضحية للقلق والمعاناة. ومن الافضل لو يصل ذلك القلق والمعاناة الى نهايته.

ليست فقط المادة ساحرة. كل شيء هو ساحر. هذا يوضح لماذا الفنانون العظام يستطيعون رسم او التقاط صورة لأي شيء ويخلقون منه عملا فنيا راقيا. نحن عادة لا ندرك هذا الجمال العالمي بسبب انانيتنا. بكلمة اخرى، نحن نهتم كثيرا بانفسنا وقليلا ببقية العالم. نحن نميل لنهتم قليلا بالاشياء التي لا نريد امتلاكها، اما الاشياء التي نريدها حقا هي اما تقلقنا لأننا لانستطيع امتلاكها او انها بالنهاية تزعجنا عندما نمتلكها.

عالم هادف

ولكن ماذا لو تخلّينا عن الرغبة او التفكير في حيازة الشيء، بعيدا عن الخوف او التفكير بما يعنيه الشيء لنا؟ ماذا لو نترك الاشياء فقط لتكون؟

هذا هو النوع من امكانية الحياة التي تعرضها لنا اللوحة. لا سؤال هناك عن أكل الفاكهة في اللوحة او شراء المزرعة في الريف- وعندما تزول امكانية الاستعمال او الامتلاك، عندما نتحرر من رغبتنا الجامحة، وعقولنا تتحول الى تأمل بسيط، نحن نستطيع بالنهاية التمتع براحة البال ونرى كم هي الاشياء جميلة – كل الاشياء-. الفن يستطيع توضيح هذا لنا، اي لماذا نحبه: ولكن عندما تضع ذهنك في الموقف الصحيح سوف تستطيع في كل يوم ممارسة الاشياء كما لو كانت فنا بدون الحاجة لإنفاق الملايين على الأعمال الفنية. العالم ذاته قطعة فنية كبيرة، وهو متاح مجانا للتمتع به. كتاب شوبنهاور يسمى (العالم كرغبة وتجسيد) لأنه يعتقد ان العالم يمتلك هذين المظهرين. التجسيد هو كيف تبدو لنا الاشياء. انه كل الظهور، ليس اكثر واقعية من الحلم، والرغبة التي هي الطبيعة الحقيقية المؤطرة للعالم.

ماذا يعني هذا؟ (للتبسيط اكثر) حسب شوبنهاور، هو انني أعرف في وجودي الحقيقي الداخلي، بأني رغبتي، ومن السخف الاعتقاد انني شيء ما متفرد، لذا كل شيء يجب ان يكون رغبة. كيف أعرف انا بالنهاية رغبة؟ انا أعرف اني لست جسما ميتا. الاختلاف الكبير بيني وبين الميت هو اني أعمل اشياء لا تتم بالتآكل البطيء. لذا فان أفعالي تجعلني منْ او ماذا انا. أفعالي تعبّر او تجسّد رغبتي. انا ما أعمل وانا أعمل ما أرغب. حتى عندما لا أقوم بما اريد عمله (مثلا عندما أكون في العمل) انا أعمل ما اخترت ان أعمل لسبب معين، كأن يكون الرغبة في الحصول على الراتب. انا اذاً تجسيد لرغبتي. ولايوجد هناك سبب للاعتقاد اني خاص في هذا الشأن. انت تجسيد لرغبتك. والشيء ذاته ينطبق على الحيوانات وكل الاشياء الحية، وبالنسبة الى شوبنهاور حتى الاشياء غير الحية ايضا. النباتات غير واعية، لكنها تنمو بطرق تساعدها في ايجاد ضوء الشمس والماء وفرص التكاثر. انها تُقاد بالرغبة بالحياة. حتى الاشياء غير الحية تخلق مواد خام. الانهار تجري الى البحر، الجبال تنمو ببطء او تتآكل، وهكذا. شوبنهاور لا يعني ان الانهار تريد ان تتبع المنحدرات، وانما تدفّقها هو تعبير عن الرغبة. نحن نعرف ان الاشياء الحية تتصرف بدافع الرغبة (تتجسد كرغبة لتعيش)، وان الاشياء الحية تُصنع من نفس المادة كما في الاشياء غير الحية. لذا، كما شوبنهاور، نحن نستطيع التفكير بكل الاشياء كأنها تتحفز بنفس القوة الاساسية التي يمكن ان نسميها رغبة. هذه الرغبة لن تقتنع ابدا طالما ان الطبيعة الدقيقة للرغبة هي الكفاح لأجل اشياء اخرى، وانها ليست عقلانية، لذا انها تطلب دائما وبجشع. هذا يبدو مخيف نوعا ما، كفم مفتوح دائما. غير ان شوبنهاور يقول اننا نستطيع القول بنفس الطريقة ان العالم ليس رغبة وانما موسيقى.

الموسيقى، المادة، المعنى

يرى شوبنهاور ان الموسيقى يمكنها ان تحرّكنا بقوة بدون ان تمثل بذاتها أي شيء في العالم المتجسد. هذا يبيّن، اولا، ان الموسيقى يمكن ان تكون تجسيد مباشر للرغبة، لم يتوسطها اي شيء آخر. الموسيقى او القصة ربما تملأنا بالخوف من تصوّر وحش عملاق او معركة، تؤثر على ذاتنا الداخلية حين تجعلنا نفكر بالاشياء التي نخاف منها. لكن الموسيقى يمكنها وبدون أي تدّخل فكري، ان تتحدث مباشرة عن الرغبة. بهذا المعنى هو يعتقد ان الموسيقى يمكن ان تكون تجسيد مباشر للرغبة ذاتها.

وفي جدال آخر يكشف ان الموسيقى تشبه الرغبة. الرغبة العمياء التي يفترض شوبنهاور انها تؤطر طبيعة الواقع هي ليس لها اي هدف: انها فقط تريد، بدون ان تريد اي شيء محدد يمكن ان يشبعها. انها موجهة نحو هدف بدون هدف محدد. هذا يجعلها مشابهة جدا للفن كما عُرّف من قبل عمانوئيل كانط. كانط ذكر ان الفن، خاصة الفن الجميل، هو هدفية بدون هدف. بهذا المعنى، يصبح ما هو واقعي حقا (الرغبة) وما هو جميل حقا (الفن العظيم، مثلا)هما الشيء ذاته. شوبنهاور يعتبر الموسيقى أرقى أشكال الفن. لذا فان الموسيقى تشبه الحقيقة النهائية – وهو ما يعني ان الحقيقة النهائية تشبه الموسيقى. "نحن لهذا السبب نستطيع القول ان العالم يجسد الموسيقى كما يجسد الرغبة".

ذكر الشاعر والروائي الالماني غوث Goethe ان البناء المعماري هو عبارة عن "موسيقى جامدة"، لكن شوبنهاور يرى ان كل شيء يمكن تصوره كموسيقى متجسدة. وكما لاحظنا، هو يرى الاشياء المادية عُرّفت ليس كثيرا بما صُنعت منه وانما بما تقوم به. لذا فان كل شيء يقوم بما هو تجسيد مادي او تجسيد موسيقي. الكون هو عرض راقص، او مهما كان نستطيع تسميته موسيقى متحركة بثلاثة ابعاد. القطارات تقوم بحركة، سمك القرش يجسد القرش، البراكين تجسد البراكين وهكذا. عندما تسير على طول الشارع، كل شيء تجتازه يمارس رقصته الخاصة، معبّرا عن الرغبة بطريقته. كل نبتة تشبه الانفجار البطيء للاغصان، الاوراق والازهار. التلال هي حقا صيرورة حية تنبض بصوت الموسيقى "الصامتة". لكنها ليست انفرادية تماما كما نصفها نحن لأنه طبقا لشوبنهاور الكل هو واحد. لذا بينما القطط تعمل كقطط وقوس قزح يبدو كقوس قزح، لكن كل هذا هو جزء من سمفونية واحدة ضخمة. الطبيعة هي تناغم، تؤطرها وتحركها رغبة واحدة وليست متعددة. ت اس. اليوت كتب في " The Dry Salvages"(المقالة الثالثة من مجموع اربع، 1941) "انت الموسيقى طالما الموسيقى تستمر". هذا ما يعتقد به شوبنهاور ايضا لكنه يضيف انه الموسيقى ايضا، وكذلك آليوت، وكل شخص او شيء آخر. وبينما لا يستمر أحدنا الى الابد، لكن الموسيقى تستمر. انها خالدة.

خلاص شوبنهاور

الفن، وخاصة الموسيقى و أي شيء آخر حين يدفعنا لتأمل الحقيقة النهائية دون إشراك رغبتنا الخاصة فهو يقدّم لنا علاجا للرغبة والضجر. انت ربما تنزعج من اشياء لديك، ولكن ماذا عن الاشياء التي ليست لديك؟ انها رائعة، فقط عندما تتغلب على انانيتك بما يكفي لتقدير تلك الاشياء.

يبدو ان شوبنهاور نجح احيانا في تحقيق نوع من السعادة الغامرة بين عجائب الطبيعة. في احدى المرات هو أضاع نفسه بين الازهار في حديقة Dresden. المسؤول الذي شاهده سأله منْ هو، شوبنهاور أجاب انه يرغب لو هو (المسؤول) أخبره بذلك. كل واحد يمكن ان يكون هو الغريب بين الازهار لو قبل بفلسفة شوبنهاور.

لسوء الحظ، فلسفة شوبنهاور لا توفر علاجا للألم. لكنها لا تخلق الألم ايضا، انها فقط تعترف بحجم المعاناة . انها تسلط الضوء على مقدار الجمال والدهشة في العالم، وبعمل كهذا، تجعلنا ربما اقل رغبة في اكل اللحوم . اذا لم نأكل تلك البيتزا الحيوانية، مفضلين البيتزا النباتية سوف نقلل المعاناة في العالم.  سوف لا نقلل معاناتنا، بالطبع، ولكن كلما اعتنينا اكثر بالزهور والحيوانات وكل شيء آخر، كلما كانت رعايتنا لمشاكلنا الخاصة قليلة، والتي هي مؤقتة وعديمة الأهمية.

الاختلاف بيني وبين الآخر هو تافه كلون الشعر، العمر، اللباس، وهكذا. لكن المشترك بيننا هو اكثر اهمية، هو انسانيتنا. المشترك بيننا وبين كل الاشياء الحية وحتى غير الحية هو أفضل، نحن كلنا تجسيد للرغبة الأبدية.

الوجود ذاته شيء هائل. عندما نموت ستموت المادة التافهة معنا، لكن الشيء الهام سيستمر. ان ما هو حقيقي جدا واكثر واقعية هو غير فان، وتلك حقا أخبار جيدة.

 

حاتم حميد محسن

.....................

Schopenhauer the optimist, philosophy Now, Oct-Nov 2019

 

 

1186 عقول خطرةعند البحث عن نيتشة في اليوتيوب سنجد هناك رابط شوهد اكثر من ثلاثة ملايين مرة.انه امر مثير للاعجاب لفيلسوف في القرن التاسع عشر. بالمقابل، جون ستيوارت مل لم يحظ باكثر من مائة الف مشاهدة. اذا كان الرابط يكشف عن شعبية نيتشة(1844-1900)، هو ايضا يخبرنا عن الكيفية التي نُظر بها اليه كمرشد ساحر ومحبوب منقطع النظير.

ان الرسالة الاساسية لـ "عقول خطرة" هي ان لا وجود هناك لقراءة لنيتشة تجعله مقبول اخلاقيا لجناح اليسار السياسي او الوسط. اي تفسير يصفه بهذا هو غير ناضج وخطير .

ان النقاش الحالي هو من النقاشات الملحّة حول نيتشة. نحن نعيش في وقت حيث اليمين المتطرف يتحفز احيانا بنيتشة، يعود للظهور مجددا حيث يُقابل باحترام كبير لدى المعلقين المؤثرين مثل غوردن بيترسون، وحيث القادة الشعبويين السلطويين مثل بوتن واردوغان ورئيس الفليبين يتّبعون اسلوب نيتشة في التقليل من قيمة القواعد والحقائق مفضلين الرؤية البطولية للقوة والمصير. وكما بالنسبة لترامب، الحقيقة البديلة او ما بعد الحقيقة، فيها يكون الواقع صدى لفكرة نيتشة بان"لا وجود هناك لحقائق وانما فقط تفسيرات"، هذه الرؤية تصدرت عناوين الاخبار متسائلة ما اذا كان بالإمكان إلقاء اللوم على المانيا في بروز ظاهرة ترامب ام انها مجرد تنبأت به.

الكاتب بينير(Beiner) كان يركز على هجوم نيتشة الواضح على الليبرالية والمساواة بما جعله فيلسوفا مؤثرا لليسار. انها ليست محاولة من نيتشة لإخفاء رؤيته الرافضة للاخلاق الليبرالية. هو أطلق النارعليها من الأعلى. لكي يطرح جداله ضد التفسيرات اليسارية لنيتشة، يعمد بينير الى تكرار بعض تعبيرات نيتشة الشهيرة التي يحرّض فيها على العبودية، وتشجيع التطهير العرقي، وكراهيته العميقة ورفضه للمساواة الانسانية.

بعض الباحثين في نيتشة يمنحون العذر لهذا العنف المتطرف من خلال قرائته باعتباره استعارات غير حقيقية وبلاغات ساخرة، هي لم تكن توجهات ضرورية مرشدة للفعل. رغم ان نيتشة يترك نفسه مفتوحا للتفسيرات، لكن لا دليل على انه ليس خطيرا ومميتا في هذه القضايا.

هناك جزءان اساسيان واضحان لفلسفة نيتشة : هو يجد المساواة انحدارا اخلاقيا مثيرا للاشمئزاز، وهو يريد الانسانية ان تخرج من فكرة الاخلاق العالمية. كل فرد يجب ان يقرر دليله الاخلاقي. مفاهيم الخير والشر يجب الغائها. بينير يذكّر الليبراليين بان الالتزام بالمساواة الانسانية فيما يتعلق بالحقوق والحرية او اعتبارات الكائن الاخلاقي هي المبدأ المعرّف لأي اخلاق في مرحلة ما بعد التنوير. انها لا يمكن التفاوض عليها. لكن أي نوع من المساواة، وأي شفرات اجتماعية مرتكزة على المساواة، هي ببساطة تثير الكراهية الشديدة لدى نيتشة، وبصرف النظر عن قرائتك لأكثر اقوال نيتشة الصادمة، فان فلسفته الاخلاقية لا يمكن ان تمثل أي نوع من سياسات اليسار او الوسط. بالطبع، اليمين المتطرف هم ايضا يشعرون بالاضطراب لو ارادوا إسناد ايديولوجيتهم على اكتاف نيتشة. هو وجد مناهضة السامية سخيفة، ونصح دائما بالبحث عن منظور جديد لفهم العالم. وما هو اكثر جوهرية، ان نيتشة كان واضحا برفضه الراسخ لأي نوع من ذهنية القطيع، اليسار، اليمين او الوسط.

آفاق نيتشة

يسعى بينير الى انجاز ثلاثة اشياء في كتاب "عقول خطرة". اولاّ، هو يعرض فكرة الحدود او الآفاق Horizons كعامل اساسي لكشف نقد نيتشة للحداثة. ثانيا، هو يريد القول بانه – على عكس ما يريده منك كبار الاكاديميين – فانه من غير الصحيح القول بعدم وجود فلسفة سياسية لنيتشة. اخيرا، هو يقول ان كل ما ذُكر آنفا – تحطيم الاخلاق، سيادة الفلسفة السياسية، ومركزية الآفاق- تنطبق ايضا على مارتن هايدجر (1889-1976).

هجوم نيتشة على الديمقراطية الليبرالية لازال يتسبب في اراقة الدماء. المجتمعات الحديثة هي في ازمة روحية، كما يقول نيتشة، بسبب تقديسها الشديد للعقلانية والمساواة. نيتشه يرى هذا كارثيا لأنه يقود الى تحطيم أفاق الثقافة التي يحتاجها الناس لكي يعيشوا حياتهم الحقيقية.

الآفاق الثقافية هي حدود ثابتة من الافكار والتصورات بها يُعرّف الناس بالضبط منْ هم وما هي اهدافهم في الحياة. في هذا الجانب نيتشة يمجّد فوائد الطاعة الطويلة لقواعد معينة، والتي كما يقول تقود الى انتعاش الاشياء التي"لأجلها نستحق الحياة، مثل، الفضيلة، الفن، الموسيقى، الرقص، العقل، الروحانية "(ما وراء الخير والشر، v188، 1886). اليونان ما قبل سقراط امتلكت مثل هذه الآفاق، وكما فعلت الثقافات الاخرى غير الدينية. المسيحية ايضا لديها حدودها التي يجب احترامها، لكن نيتشة يكره المسيحية. تفسير بينير لهذا هو ان المسيحية رغم انها تفرض آفاقا، لكنها لا تسمح بالخلق الذاتي الأصيل لأن عقيدتها بالخلاص تنكر المأساة المطلقة للحياة، او فكرة ان كل شيء ينتهي بالموت وبالنتيجة كل جهودنا بالنهاية تذهب هباءاً. بالنسبة لنيتشة ان الثقافة الحزينة مليئة "بتشاؤم القوة" المطلوبة لمواجهة الفراغ. وبما ان ذلك يتطلب الشجاعة، فهو يجيز التفوق او النبل Nobility. المسيحية، من جهة اخرى، ترسّخ ما يسميه نيتشة "اخلاق العبودية".

ان ما هو اكثر إشكالية للمجتمع الغربي هو انه عبر"موت الاله" (1) وفقداننا ايماننا التاريخي، نكون قد محونا آفاقنا الثقافية، كما يذكر ذلك نيتشة بطريقة بلاغية في" الانسان المجنون"(The Gay science، 1882). بدون آفاق سوف نتحرر من القيود نحو فراغ يبتلع كل المتعة والمعنى من الحياة. هذا، كما يقول بينير، هو اصل كراهية نيتشة الخاصة للمسيحية: انها جسر من القديم النبيل الى الحداثة الساقطة.

ان اقتراح بينير في ان الآفاق توضح كراهية نيتشة للمجتمعات الحديثة يبدو صحيحا. ادّعاء بينير هو "ان نيتشة أراد الابداع والافاق المفتوحة للفيلسوف البطل وأراد الافاق المغلقة والضيقة لكل شخص آخر"(ص36). ولكن كيف تكون الآفاق مفتوحة للسوبرمان لو نال نيتشة رغبته وعاد الى الافاق المغلقة لما قبل ثقافة المسيح؟ وبعبارة اخرى، اذا كان السوبرمان يضع آفاقه الخاصة به فلماذا يشعر نيتشة بالحزن على ازالة الافاق التي جلبتها المسيحية والتنوير لاحقا معهما؟

الشيء ذاته مع هايدجر

فكرة ان نيتشة ليس لديه فلسفة سياسية جرى الدفاع عنها من جانب الباحث البارز في نيتشة وهو بران ليذر Brian Leiter في انسكلوبيديا ستانفورد للفلسفة. هنا هو يجادل بانه رغم ان نيتشة يدّعي انه مفكر سياسي هام، ومع انه لديه الكثير ما يقوله عن مشكلة الديمقراطيات الحديثة، لكن فلسفته السياسية الايجابية تنقصها التفاصيل. الوصفات الايجابية الكامنة في نقد نيتشة هي في الحقيقة تنطبق على الفرد وليس على الدولة وتهتم بالكيفية التي يصل بها الناس العظام الى طاقتهم الخلاقة.

بينير يسمي رؤية ليذر هذه بالسخيفة. فقط لأن الفلسفة السياسية سلبية ذلك لايجعلها غير سياسية. في الحقيقة، ليذر يعرض نفس الجدال في مناقشة الفلسفة الاخلاقية لنيتشة. هو يرى بانها في الاساس سلبية في نقدها اخلاقية القطيع لكنه لايزال يستنتج منها اخلاق ايجابية بافتراض ان الاخلاق الايجابية هي المضاد لما يكرهه نيتشه.

كتاب "العقول الخطرة" بوضوح ينطبق بالتساوي على نيتشة وهايدجر، لكن هايدجر اُلقي عليه اللوم بسبب ما فعله نيتشه . بينير يشير الى ان تحليل هايدجر للمجتمعات الحديثة تأثّر وبطريقة مشابهة بنيتشة. الآفاق تلعب دورا موازيا. ونفس الشيء ايضا ان هايدجر افتقر الى تفاصيل في فلسفته السياسية الايجابية. لكن بينير يقول، كما في نيتشة، نحن لا نستطيع القول ان فلسفته ليست سياسية.هذا الادّعاء يصعب اثباته . من كتاباته وافعاله يبدو من الواضح ان هايدجر كان نازيا على الاقل في جزء من حياته، والافتراض بانه تنقصه الفلسفة السياسية هو غير صحيح.

استنتاج

الكتاب يختتم بتحذير من القناعة بالليبرالية. الليبراليون ربما يشعرون بالآمان من هجوم نيتشة لأنهم يعتقدون ان افتراض المساواة متأسس جيدا لدرجة ان فكرة نيتشة السلبية وكراهيته لا يمكنها زعزعة ذلك الاساس. الاعتقاد بان القيم الليبرالية مقبولة عالميا هو واضح في القواعد المتفق عليها في القرن العشرين خاصة قواعد جون رولس" Proceduralism". يرى بينير ان تفضيل الاخلاق الاجرائية، "هي طريقة للقول اننا بالاساس جميعنا ليبراليون" . في الحقيقة، ان المشروع الليبرالي هو بعيد عن الانجاز، في ظل عودة الفاشية والبروز العالمي للسلطوية. بينير لا يتوسع هنا كي يوضح الكيفية التي يرتبط بها تحليله بالمشهد السياسي المعاصر(رغم انه قام بهذا في مقال لاحق في تاريخ شبكة الاخبار).هو ربما اضاع الفرصة هنا لكن جداله يبقى صامدا. نيتشة و هايدجر كشخصين ذكيين مثلما كان نقدهما للحداثة، اعتبرا جزءاً كبيرا من الانسانية لاقيمة له، وهما بديا ليس لديهما شك في استعباده او تحطيمه كليا. ولذلك هما كانا شريرين.

 

حاتم حميد محسن

.........................

* كتاب (عقول خطرة: نيتشة، هايدجر، وعودة اليمين المتطرف) للكاتب رولاند بينير، صدر عن مطبوعات جامعة بنسلفانيا عام 2018 في 176 صفحة.

الهوامش

(1) استعمل نيتشة عبارة "موت الاله" ليلخّص تأثير عصر التنوير على مركزية مفهوم الله ضمن الحضارة الاوربية الغربية والتي كانت مسيحية الطابع منذ الامبراطورية الرومانية. التنوير ادّى الى انتصار العقلانية العلمية على الكشف المقدس والى صعود المادية الفلسفية والطبيعية التي استغنت عن دور الاله في شؤون الانسان ومصير العالم. اعترف نيتشة بخطورة موت الاله على الافتراضات الاخلاقية في اوربا القائمة على الايمان المسيحي التقليدي."عندما يتخلّى المرء عن الايمان المسيحي، فهو يتخلّى عن الكل: لاشيء ضروري يبقى لديه".المشكلة هي في كيفية الحفاظ على نظام للقيم في غياب الامر الديني. الاستنتاج التنويري لـ "موت الاله" أعطى دفعا للافتراض بان الناس و الحضارة الغربية ككل لم تعد تؤمن بالنظام الاخلاقي الديني. موت الاله هذا سيقود، حسب نيتشة، ليس فقط الى رفض النظام الفيزيقي وانما ايضا الى رفض القيم المطلقة ذاتها. ومن هنا فان خسارة الاساس المطلق للاخلاق يقود الى العدمية. هذه العدمية وجد فيها نيتشة الحل عبر إعادة تقييم اسس القيم الانسانية.