حيدر جواد السهلانيداريوش شايغان: سيرة وفكر

ولد شايغان (1935- 2018)، في طهران من أب أذربيجاني وأم تنحدر من أمراء وسلاطين جورجيا، أذ كانت العائلة تحمل الثقافة الروسية القفقاسية، وتتكلم أكثر من لغة وهي اللغة الروسية والجورجية والتركية العثمانية والأذربيجانية والفارسية، وقد تعرض أفراد أسرته على يد البلاشفة بعد الثورة الروسية، فأعدموا بعضهم وسجنوا آخرين، درس شايغان الطب وذلك لرغبة العائلة بالطب، لكنه كان يميل إلى الآداب والفنون والفلسفة، لكن لا يريد أن يخالف رغبة العائلة ثم درس العلوم السياسية ودرس الحقوق والفلسفة وعلم اللغة، وارتبط بعلاقة وثيقة مع الفنانين، وحضر محاضرات جان بياجيه و أهتم بعلم النفس. وقد تزوج من زميلته فريده زنديه التي كانت تدرس علم الجمال، وألتحق بجامعة السوربون لدراسة الهندوسية والتصوف  تحت إشراف هنري كوربان، وحصل على شهادة الماجستير والدكتوراه في الدراسات الهندية والفلسفة المقاربة برسالة تحت عنوان (العلاقة بين الديانة الهندوسية والتصوف حسب رواية مجمع البحرين دارا شكو)، ثم عاد إلى إيران وانخرط بتدريس الدراسات الهندية والفلسفة المقارنة واللغة السنسكريتية في جامعة طهران، واتاحت له هذه اللغة السنسكريتية الاطلاع على الفلسفات الهندية والكتب المقدسة المدونة بهذه اللغة، وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ذهب إلى باريس حيث عين مديرا لمعهد الدراسات الإسماعيلية حتى سنة 1988، وقد كان يكتب باللغتين الفرنسية والفارسية، ويمثل شايغان أحد المفكرين الإشكاليين والمثيرين للجدل، فلديه عدة أفكار مركزية تتمحور حولها نقده الفكري للثقافات الغير غربية، وتمحور مشروعه الفكري حول الفروقات الأساسية التي أضافتها الثقافة الغربية، ويعتقد بوجود تعارض وتناقض كبير بين الحضارة العالمية الحديثة وبين الحضارات القديمة ويقصد هنا الحضارات الاسيوية، التي وصفها بأنها لم تشارك التاريخ أعياده، قاصداً بذلك أنها لم تدخل المنعطفات الكبرى التي غيرت الحضارات الحديثة السيكولوجية والكوزمولوجية والبيولوجية، وقد اشتهر بكتاباته عن الحضارات الشرقية وعلاقتها بالحضارة الحديثة وطريقة تمثلها للحداثة الذهنية وقيمتها والاختلافات الكبيرة في بنية هذه الحضارات لدرجة التناقض، وتأثر شايغان بحلقة (اصحاب التأويل) وهي حلقة تتألف من خمسة إلى ستة اشخاص، يغوص فيها العلامة محمد حسين الطباطبائي مع هنري كوربان في مناقشات عميقة ويتحدث فيها الطباطبائي بالفارسية وكوربان بالفرنسية، ويقوم بالترجمة سيد حسين نصروعند غيابه يتولى شايغان مهمة الترجمة ومع أنه واجه صعوبات لأول وهله، وقد واضب على حضور هذه الحلقة، فأوقدت في وجدانه حماساً جياشاً في اكتشاف عوالم المعنى والافاق الروحية في الحضارات الاسيوية والأديان الهندية، وقد حظي بعلاقة جيدة مع الطباطبائي وهنري كوربان وقد شجعه كوربان على دراسة العلاقات بين الديانات والثقافات الهندية والإسلام والاطلاع على الترجمات الفارسية للنصوص السنسكريتية ، وقد مر فكر شايغان على ثلاثة مراحل، أولاً اعتقد أنه يوجد هناك تباين انطولوجي بين المجتمعات الشرقية والغربية، وهنا كان يميل إلى تبجيل الحضارات الشرقية وميراثها الروحي، ثانياً يكتشف فيما بعد أن الحضارات الشرقية لم تكن إلا انعكاساً لحالة الجمود والعجز عن التجديد وانطفاء الحيوية في هذه الحضارات منذ القرن السابع عشر، وهو القرن الذي شهد تربع الغرب وحداثته العقلانية على قمة الحضارات الإنسانية، وأبرز كتبه في هذه المرحلة هو ما الثورة الدينية الذي صدر بعد الثورة الإسلامية في إيران وكأنه رد مباشر على توجهاتها الإسلامية، ثالثاً هنا يتمكن شايغان من تجاوز مرجعياته القديمة جنباً إلى جنب مع تجاوز النقد الأحادي للغرب والحضارات التقليدية سواء بسواء، ويمثل كتابه هوية بأربعين وجهاً كأوضح مثال على هذا التحول الأخير في مسيرة شايغان الفكرية، وفي هذه المرحلة يشدد شايغان على ضرورة توجيه الفكر نحو وظيفة نقدية مزدوجة، بالكشف عن الادلجة المزدوجة التي طالت الحضارات التقليدية والحداثة معاً، كما أنه ينتهي إلى أن الهوية الأحادية النقدية والخالصة، سواء الغرب أو الشرق، ليست سوى وهم كبير، وهو وهم يتأسس على اختزال عقيم للتنوعات البشرية الهائلة في ثنائية زائفة (نحن والآخرون). ويعد شايغان أول من استخدم مصطلح حوار الحضارات وذلك في مؤتمر عقد في طهران عام 1977، حظي بمتابعة وثناء دولي كبير، وقد حصل على أهم جائزة وهي جائزة الحوار العالمي عام 2009، كما فاز بجائزة اتحاد الكتاب الفرنسيين عن روايته أرض المعراج في عام 2004، ومن مؤلفاته: الأديان والمدارس الفلسفية الهندية صدر بمجلدين عام 1967، الاصنام الذهنية والذاكرة الأزلية1976، اسيا مقابل الغرب1977، ما الثورة الدينية1982، النفس المبتورة 1991، هوية بأربعين وجهاً، الهوية والوجود، أوهام الهوية، النور يأتي من الغرب.(1)  

الغرب والشرق:

يعتقد شايغان بوجود تباين أنطولوجي بين المجتمعات الغربية والشرقية، وأن جوهر الفلسفة والعلم في الحضارات الشرقية يختلف تماماً عن المجتمعات الغربية، فأن الفلسفة الغربية تستند إلى نمط التفكير العقلاني، بينما تقوم الفلسفة الشرقية على أساس المكاشفة والإيمان، والعلم لم يستقل عن الدين فقد كان تابع للدين والفلسفة، أما العلم في الغرب فقد تمرد على الدين و الفلسفة، ويعتقد شايغان أنه ليس بوسعنا احتضان التكنولوجيا والبقاء في أمان من تبعاتها الاستنزافية، فالتكنولوجيا بحد ذاتها حصيلة تحول فكري ونتيجة نهائية لمسيرة عدة الآلف من السنين، أذ التقنية بالضرورة تعبر عن غاية ومضمون التفكير الغربي وخصائصه وهي عبارة عن اختزال الطبيعة إلى شيئية الأشياء، والعقل إلى أداة ووسيلة، والإنسان إلى الغرائز، وتفريغ الزمان من أي معنى للمعاد، وبالتالي اختزال الإنسان في بعد واحد، ويرى شايغان أن مهمة المثقفين الاسيويين من أجل مقاومة وباء الغرب، يتمثل بصيانة هويتهم الثقافية عبر العودة إلى ذاكرتهم الأزلية، وإعادة اكتشاف الرسالة المضمرة في تلك الذاكرة، ويعني بالذاكرة الموروث الذي لا يرتبط بشخص معين، بل هو ذو طابع جماعي، وتشكل الذاكرة القومية لكل المجتمع، وهذه الذاكرة تكون انساب وجذور ذلك المجتمع، وهي التي تمكنه من التواصل مع الأحداث الأزلية والأساطير، لذلك تنعت بأنها(أزلية) والذاكرة الأزلية في مفهوم شايغان مستودع للكينونات متعالية على الماضي والحاضر والمستقبل والرسالة المشتقة منها هي التي تصوغ إنسانية الإنسان، ويستهجن شايغان وصف الشرق، بأنه ساكن متحجر يقدس الماضي، لأن ذلك يعني لديه وفاء الشرق للذاكرة الأزلية، كذلك يرفض (الاصنام الذهنية)، لأنها هي الأمانة الأبدية في ذاكرة المجتمعات الشرقية، وأكد شايغان على أن الإسلام، لاسيما التشيع يمثل الينبوع الرئيس للذاكرة الأزلية المشتركة بين الإيرانيين، إذ كان لإيران في العالم الإسلامي ذات الرسالة التي كانت لألمانيا في الغرب، فقد سهرت إيران على سراج الأمانة الآسيوية في الإسلام، ويمثل التشيع الينبوع الرئيس للذاكرة الأزلية المشتركة بين الإيرانيين، ورجال الدين أوعى وأكفأ حراس لهذه الذاكرة، والطبقة التي تحفظ الأمانة اليوم هي الحوزات العلمية في قم ومشهد.( يبدو أن شايغان منحاز للفكر الإيراني أو أنه لم يطلع بشكل جيد على منتج علماء العرب). وهنا نذكر أيضاً أن شايغان ينحاز لقيم الأنوار، ويعتبر منجزات الأنوار منجزات لكل الإنسانية، ويدعو الشرق لتقبل منجزات الأنوار، ويعتقد شايغان أن الحضارة الغربية وبفضل مؤسساتها الاجتماعية والسياسية، اصبحت تراثاً للإنسانية برمتها، ولكن مع هذا المنجز يعتقد شايغان أن الغرب يمر بمأزق حقيقي حيث يفتقر الغرب إلى الثراء الروحي في الحضارات التقليدية الشرقية، ويعاني الفراغ الهائل من المعنى، كما أن عقله التنويري الذي نزع السحر عن العالم إلى عقل أداتي تقني تتحكم فيه المصالح الرأسمالية بالدرجة الأولى، ومقياس قيمته الوحيدة هو قيمته الإجرائية ودوره في السيطرة على البشر وعلى الطبيعة، وفي المقابل لا يمكن للشرق بحضارته التقليدية أن يفلت من  مجال الجذب الهائل الذي خلق كحضارة عالمية، وما يطمح أليه شايغان هو أن يكون حوار بين الشرق والغرب.(2)

الهوية:

مفهوم الهوية من المفاهيم الأساسية التي شغلت فكر شايغان وناقشها في عدة كتب منها أوهام الهوية وهوية بأربعين وجهاً، ووصف الهوية بالريزوم(Rhizome) نسبة إلى النبات الريزوم الذي يتميز بامتداد جذوره بشكل أفقي تحت التربة، لتظهر فوقها بشكل متواصل ومستمر، بحيث يكون من الصعب التخلص منه، ويتميز بأنه لا مركزية له ولا تراتب، وهو بلا بداية أو نهاية، وأن أي جزء صغير منه يمكن أن ينمو وتجدد بشكل مستمر، وهذا التوصيف الأخير يطلقه شايغان ليوضح به مفهوم الفكر المتحرك والهوية الريزومية، هي التي تستقبل جذور اخرى بغض النظر عن نقاءها، لأن الأمر المهم في هذا النقطة هو الأسلوب الذي يتم به هذا الاقتراب من الجذور الأخرى ويستند شايغان في تحليله للهوية الريزومية على اطروحات جيل دولوز(1925- 1995)، وفيليكس غاتاري(1930- 1992). ونقد شايغان مفهوم الهوية النقية الأبدية الساكنة، وأحادية البعد المغلق، فعمل على تفكيكه ونقضه وتقويضه ثم صاغ مفهوماً آخر للهوية، مشتقاً من عصرنا وما تسوده من انطولوجيا مهمشة وتزامن للثقافات المتنوعة وكيف أمسى العالم في هذا العصر شبحاً، اصطلح عليه الهوية بأربعين وجهاً، وهي هوية مركبة ومنسوجة من شبكة من الترابطات الدقيقة، وكأنها ثوب يخاط بأربعين قطعة من قماش ذي ألف لون، ذلك أن التعددية الثقافية واختلاط القوميات وتمازج الأفكار والتهجن المضطرد، كلها ظواهر تجعلنا مستعدين لهوية مركبة، وأن الهوية النقية لم يعد لها وجود موضوعي بسبب انهيار العوالم المؤسسة لها، ثم أنها تكبلت بقيود ثقافية نقية وخالصة كما تسمى، فستؤول غالباً إلى تحجر الهوية وكل هوية على كل حال تركيبية وكيان هجين، يحمل ترسبات كل الأشكال والطبقات النفسية، وكلما كانت هويتنا الأولى عرضة للتمزق، كلما لذنا بقوقعتنا أكثر، ويعتقد شايغان أن الإنسان المعاصر ما عاد قادر على حفظ كينونته داخل حدود هوية معينة، فكلما شددنا على هويتنا، وكلما رفعنا اصواتنا بالانتماء لهذه الجماعة أو تلك الأمة، أفصحنا عن هشاشة هويتنا أكثر من ذي قبل، إن معاناة الإنسان اليوم من أزمة هوية مردها إلى أن الهوية لم تعد مجموعة رتيبة من القيم الثابتة المطلقة، فالهوية الفرنسية مثلاً تجاوزت اليوم حدود فرنسا، وتمددت على كل المساحة الاوربية ومن يدري ربما اتسعت غداً في كل كوكب الأرضي، والهوية النقية الرتيبة، ومثالها الهوية المنبثقة من شعب أو دين منغلق، لا تتكرس إلا بإلغاء الآخرين، وطبعاً لا يعني هذا الكلام أن شخصيتنا ذائبة في مركب لا شكل له ولا عنوان، إنما معناه أن اختزال شخصيتنا إلى فردية خاوية، لم يعد يلبي حاجة واقعنا الفردي المعاصر الذي غدا مركباً ومعقداً بخلاف بعض الطروحات الساذجة التي تؤكد بساطته ونقاءه، فكلما هيمنة الايديولوجيات بعثت الروح في الاصوات الماضية، وانتشالها من اعماق التاريخ، كذلك تنقل كل مستويات الوعي المتواجدة في دواخلنا بالقوة إلى مرحلة الفعل وتعبر عن وجودها إلى جانب بعضها، وتنبئ عن هويات كنا ذاهلين حتى عن وجودها. ويعتقد شايغان أن الهوية ما هي إلا مجرد وهم ويمكن القول إن جميع القيم التي تراكمت عبر الآلف السنين وكل الجهود التي بذلت في سبيل تثقيف الروح، قد غدت فجأة مجرد أوهام، وأن الحقيقة ليست سوى أرادة القوى هذه المرتسمة على وجه الإنسان التكنولوجي. أن الهوية في عالم اليوم مفتوحة على كل ضروب التلاقح والاختلاط والانشقاق والتشظي والاندماج والتخليق والتعبير وبروز مضامين جديدة بما يظهر وهمية العالم.(3)

الهوية في الحضارات التقليدية:

يعتقد شايغان أن الحضارات التقليدية عندما اصطدمت بفكر الحداثة والحضارة الغربية، حاولت مقاومتها، ولكنها اثناء مقاومتها تأثرت بها، وأن الحركات الإسلام السياسي الحديثة التي تتحدث عن صلاحية الدين لكل الأزمنة وعدم تعارضه مع العلم أو القيم الحديثة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، هي في الحقيقة تعلمن الدين وتفرقه من محتواه الروحي التقليدي، بمعنى أنه عندما نقول أن الدين لا يتعارض مع العلم، أو مع الديمقراطية فهذا معناه أن الدين أصبح يستمد مشروعيته من هذا الانسجام مع الحضارة الكونية وليس من الإيمان، وهذا العملية يسميها شايغان العلمنة اللاواعية والتغرب اللاواعي. ويرى شايغان أن الحضارات التقليدية قد انهارت بسبب الحداثة، ونتج عن هذا الانهيار حالة من التخبط لرعايا الحضارات التقليدية في تعاملها مع الأفكار الحديثة التي لم يشاركوا في انتاج اسسها النظرية، ويعتقد شايغان أنه لا توجد حضارة كونية واحدة غير الحضارة الغربية وقيمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن المجتمعات التقليدية لا تستطيع مقاومة هذه الحضارة وخلق نموذج حضاري جديد وكل مقاومة أو فكر مقاوم لهذه الحضارة الغربية لا ينتج عنه إلا مزيداً من التغرب اللاواعي، وأن قيم الحضارات التقليدية قد انتهى زمنها كأرضية سياسية أو اقتصادية، ولكن بقي فقط دورها الروحي. وأن الهوية في البلدان الإسلامية على جانب كبير من التعقيد، بسبب وجود  هوية جديدة على الهوية القومية الدينية في المجتمعات، أذ هذا الهوية ولدت من رحم الحداثة، أي أنها كانت حصيلة مجموعة ن الآراء والمفاهيم، على كل حال راح العالم يتخبط من دون إرادة منه في عالم لا تمت مفاهيمه الوافدة بأي صلة حقيقة للمفاهيم المحلية المألوفة، وذهب يتخبط في الحفاظ على الهوية لكنه انتجه عدة هويات .(4)

التعددية الثقافية:

التعددية الثقافية ظاهرة تنتمي لعصر ما بعد الحداثة، إنها ظاهرة تقترن بزعزعة شرعية السلطة الوطنية وعولمة الاقتصاد، ففي مثل هذا الإطار الواسع، تغدو الثقافة أداة ايديولوجية للمقاومة بوجه تنشيط الاقتصاد العالمي، بموازاة انتشار الرأسمالية، وجاءت إلى السطح عبارات ومصطلحات تعبر عن الهوية ومنها أسلوب الحياة والسياسة والثقافة والحرية في كل اتجاهات الأفكار التي تفرضها العولمة، ولم يعد هدف التعددية الثقافية توطيد الوشائج بين الثقافات الموجودة، وإنما تحرير وتعبئة قوى فاعلة قادرة على إنتاج هويات جديدة، والتعددية الثقافية هي قدرة إنسانية عامة على ابتداع قيم جديدة. وفي ظل التعددية الثقافية وانشطار الهوية يعتقد شايغان، أن الحوار ممكن ولكن لابد أن يلتزم بعدة شروط:

1-  يجب العزوف عن التطرف الحاقد والخطابات المعادية، وهي خطابات تحترف اللعن والتفكير بسبب افتقارها لاستدلالات متماسكة.

2- يجب أن نتقبل عدم وجود ثقافات مستقلة بالمعنى الحقيقي للكلمة وإنما نحن دائماً حيال انساق وجود لا يفيض لها الازدهار إلى داخل نطاق الحداثة.

3- أن الاواصر بين أنساق الوجود هذه ومستويات المعرفة تأتي على شكل حوار الإنسان مع ذاته ومع الآخر لا في صورة فعل ثوري للغاية منه قلب السلطة وينبغي أن نقتنع كذلك أن الحوار ممكن على مستوى الأفقي.(5)

الايديولوجية:

أن الايديولوجيا هي نمط هجين يجمع بين الفكر الديني والفلسفي، وهي نمط جديد من الفكر لن يكون فلسفياً بأتم المعنى ولن يكون ديناً، إنه شيء ما بين الأثنين يأخذ من الدين طاقته الوجدانية، ومن الفلسفة مظهرها المعقول والاستدلالي، والايديولوجية تتوفر على شحنة انفعالية كبيرة، وذلك لاحتوائها على العاطفة الدينية، وعلى جهاز منطقي عقلي، وإذا كان العلم مؤسس التجربة فإن الايديولوجيا دوغمائية، فهي تسلم بمقدماتها على أنها حقائق قبلية من دون أن تحتوي على الشك في مدى صحتها تجريبياً، وبعبارة أخرى إنها لا تكلف نفسها عناء وضع ما تعلنه على محك الإثبات، والايديولوجيا ليست فلسفة كذلك، فالفلسفة هي في تساؤل عن مشكلة الوجود ووضعية الإنسان، في حين أن الايديولوجيا نسقاً مقفلاً ومغلقاً على نفسه، والايديولوجيا ليست فكراً جدلياً، لأنها تفرغ من السلبية، وتأخذ بالمنطق، وليست أيضاً ديانة، لأنها تنفي كل تعال وكل وحي، إنها بمعنى من المعاني الوليد الطبيعي لعصر الأنوار، ونتيجة لذلك لا يمكن للايديولوجيا أن تؤثر في عالم ديني تقليدي، ولا في عالم تهيمن عليه الفلسفة، ولكنها تصبح فاعلة ومؤثرة عندما يصل العالم إلى طريق مسدود، وأن نجاح الايديولوجيا تابع من كونها تلبي حاجتي الإنسان الرئيسيتين، وهما حاجة إلى الاعتقاد وحاجة إلى تفسير الاعتقاد وتبريره. والايديولوجيا تحلل الواقع حسب إطارها المرجعي الخاص، وإنها إذاً فكر منغلق على نفسه ودوغمائي مستعص على التجربة، ولهذا الفكر الايديولوجي فكر لا جدلي ومضاد للتاريخ، والايديولوجية تقع عند تخوم الوعي واللاوعي، فهي تستمد مقولاتها السحرية اللاعقلانية من الوظيفة الرمزية للاشعور، وتستمد جهازها العقلي من كونها تعتمد كأداة على عقل هو شكلي النزعة، أن لا عقلانية الايديولوجية تنبع إذاً من كبتها للإسقاطات، أي من لا شعور محروم من رموزه الطبيعية، من لا شعور تترتب فيه جميع بقايا المزايا المهمشة، أن الايديولوجيا ثنائية النزعة بالمقارنة مع البنى الكبرى للفكر التقليدي التي كانت ثلاثية ومندمجة في النظام الانطولوجي للعالم وحافظة لكل تناظرات العالم الصغير والعالم الكبير.(6) ويحذر شايغان من إدلجة المأثور الديني، فتخرجه من مجاله الخاص إلى حل مشكلات العالم، وتحويله إلى ايديولوجيا فيكون عرضه لشتى الآفات، لأن الايديولوجيات جميعها معرضة للآفات والأخطار، ويحذر من ايديولوجية (دنيوية الدين)، بمعنى إهدار الطاقة الرمزية في الشعائر والطقوس والممارسات الدينية، وبالتالي إنهاك الدين وتفريغه من محتواه المعنوي، أن المفاهيم الدينية في غاية الدقة، وإذا ما خرجت عن حدودها الخاصة، فقدت قابليتها وإمكانيتها، مثال يعتبر الوضوء ممارسة تهدف إلى النظافة والصحة، قد يكون للوضوء أثر صحي ولكنه أولاً أثر ضئيل المساحة جداً لدى المسلمين، وثانياً الوضوء ممارسة دينية صرفة، إنه ليس فعلاً صحياً، وإنما هو فعل رمزي وبمجرد أن نجعله صحياً، تكون قد أسقطنا عنه طابعه الرمزي الديني.(7)

 

حيدر جواد السهلاني

........................

الهوامش:

1- ينظر داريوش شايغان: هوية بأربعين وجهاً، ترجمة حيدر نجف، مراجعة وتقديم عبدالجبار الرفاعي، مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد، ص5- 7- 8- 10. وينظر أيضاً داريوش شايغان: ما الثورة الدينية، ترجمة محمد الرحموني، دار الساقي، بيروت، ص10- 11.

2- ينظر داريوش شايغان: هوية بأربعين وجهاً، ص16- 18- 19- 29- 62.

3- ينظر المصدر نفسه، ص27- 29- 107- 108.

4- ينظر المصدر نفسه، ص121.

5- ينظرالمصدر نفسه، ص93- 94- 101.

6- ينظر داريوش شايغان: ما الثورة الدينية، ص217- 218- 219- 223- 227.

7- ينظر داريوش شايغان: هوية بأربعين وجهاً، ص24.

 

علي رسول الربيعيالجمهورية النقدية عند لابورد

من موقع إستئناف النظر بقيم الجمهورية وفلسفتها للحاجة الراهنة اليها في سياق أوضاع  تفكك الدولة العربية ننظر في أفكار وطروحات الجمهوريين  التي تتعلق بشكل النظام الجمهوري  والقضايا التي تتصل به ومن بينها تلك تنظر في  موقع الدين في الجمهورية.

نناقش هنا طروحات سيسيل لابورد بوصفها ذات تنظير مهم وعميق وتجديدي في الفلسفة الجمهورية حيث تتناول التوازن الصعب بين العدالة والشمولية ومكانة الدين في نظام الجمهورية من خلال رؤية تطلق عليها "الجمهورية النقدية".[1] يواجه الحظر على الرموز الدينية بوصفه قضية تعبر عن طبيعة العلاقة بين الدين ونظام الحكم الجمهوري أو مكانة الدين في الجمهورية اختبارًا قياسيًا من قبل لابورد  في تعبيرها عن المنظور الجمهوري الذي يتعلق بمسألة عدم الهيمنة (الحرية) ويكون حساسًا لحالة الأقليات الدينية ويدعم مشاركتها النشطة في الحياة الديمقراطية. تقوم لابورد في هذا السياق وهذه العملية بمراجعة  نقدية للتقاليد اللائكية (Laicite) كنموذج للعلمانية المعيارية.

نشأت اللائكية  في الوسط الثقافي السياسي للثورة الفرنسية وعملت كمرجعية سياسية في بلدان أخرى مثل كندا وتركيا. تتمتع اللائكية،على هذا النحو، بمسار تاريخي معقد، [2] حيث يمدد نموذج اللائكية حياد الدولة إلى استبعاد أو تهميش المعتقدات الدينية من المجال العام ويفسر الاستقلالية المدنية على أنها ممارسة جماعية تتجاوز الخصائص الثقافية الدينية ويتم ذلك من خلال مقود الدولة أو ذراعها. يهتم، في الوقت الحاضر، مفكرون وسياسيون مختلفون في صيغ التعددية ومنها التعددية الثقافية للائكية.[3] تُصور اللائكية في تفسير لابورد، إطارًا سياسيًا علمانيًا يجمع بين ثلاثة مبادئ: حياد المؤسسات السياسية، واستقلالية المواطنين، والولاء المدني للدولة. ليست هذه المبادئ حصرية للتقليد الفرنسي، لكنها تأخذ – مثالاً- تكوينًا فريدًا في سياق الصراع مع الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا. تهدف رؤية "الجمهورية  النقدية" إلى فصل  دلالة مبادئ الحياد والاستقلالية والمدنية عن عدم مراعاة السلطة في الماضي والحاضر العلاقات بين الدولة والجماعات الدينية. تقرن لابورد لهذا الغرض، أدوات النظرية النقدية، التي تشكك في البناء الجوهري للجماعات الثقافية والدينية المحددة مسبقًا، مع  مقاربة عدم الهيمنة (وتعني الحرية بمصطلح الجمهوريين) لتحدي أشكال من الهيمنة الناتجة عن نتاج التلقين، والتلاعب، وتداخل المعاييرالتي  تبقى غير مرئية لضحاياها.[4] تعتبر الأغلبية الثقافية والدينية هي الجاني الأبرز في هذه المواقف، حيث يمكنهم في الغالب ممارسة الهيمنة  والسلطة على الأقليات وتشمل الأعضاء الضعفاء داخل الأقليات ايضا، ولا سيما النساء. وهكذا، قامت لابورد بتوسيع نطاق تفسير فيليب بتيت بعدم الهيمنة للتعامل مع المنطقة الرمادية من الأنتماءات الاجتماعية،  والتي غالبًا ما تجتمع فيها عناصر الهيمنة وتقرير المصيرايضاً. فيمكن أن تكون المجتمعات الدينية مصدرًا للهوية والدافع لمقاومة الهيمنة ضد الضغوط الخارجية ولكن وسط مغلق يديم علاقات القوة الداخلية كذلك. يقدم بتيت تفسيراً عن متى وكيف يكون من المشروع للدولة أن تزيد من عدم الهيمنة، لكن وجهة نظره  نفسها "تهتم بشكل ضيق للغاية بالسيطرة بأعتبارها ضرراً ذاتياً، وتتجاهل بالتالي ظواهر التنشئة الاجتماعية التقييدية وتنمية التفضيلات التكيفية في ظل ظروف قمعية، حيث يوافق الأفراد ظاهريًا على العيش في ظل علاقات الهيمنة.[5] من أجل تحقيق توازن مناسب بين العدالة والشمولية، من الضروري استيعاب الممارسات الدينية المعدلة بطريقة تقر بوضع الأقليات وتزويد الأفراد المستضعفين من تلك الأقليات بالمهارات والمعرفة الكافية ذات الصلة بالاستقلال الذاتي. يتم تحقيق الهدف الأول من خلال تفسير اللائكية على أنها فهم نقدي للعلمانية، في حين يتطلب الهدف الثاني اتباع استراتيجية للأستقلال الذاتي والصوت المعبر تختلف عن تصور بتيت للسيطرة الشائعة وتصحيح القيود على مفهومه الفردي  للمصلحة.[6]

أولاً، تضيف الجمهورية النقدية عند لابورد شرطين إلى الفهم اللائكي للحياد:

أن تمتنع الدولة عن دعم الدين مالم يكن هذا الأمتناع  (1) عبئاً غير معقول على ممارسة الحريات الدينية (2) ولا ينبغي للدولة أن تدعم دين، يضفي " شرعية"  تضر بشكل غير مبرر بالأقليات الدينية. وعندها فقط ستكون الدولة العلمانية دولة  لاتفرض السيطرة أو الهيمنة.[7]

تدعم هذه الصيغة من مبدأ الحياد بيئة عامة مواتية  لمشروع عدم الهيمنة، ويمنع الشرطان الأساسيان المبدأ من قمع تشكيل صوت المواطنين المتدينين عن غير قصد. أنه يثقل الدولة  أو يُقع عليها عبء بشكل غير معقول اذا سمحت بممارسة الدين من خلال عدم دعم المؤسسة والعبادة الدينية في الأماكن العامة التي لا يتمتع المواطنون بحرية تركها، مثل المستشفيات أو السجون.

ثانيًا، لايستلزم هذا التوفيق الحيادي عدم وجود مبادرة من الدولة في تطوير استقلالية المواطنين. وحتى عندما لا يعتبر الشخص نفسه خاضعًا للهيمنة، فإن السعي وراء عدم الهيمنة يستلزم مسؤولية تعلم المهارات المتعلقة بالاستقلالية. لا يتطلب هذا المسعى التعليمي من الناس أن ينأوا بأنفسهم عن ارتباطاتهم الدينية أو الجمعية، ولا يتطلب الالتزام ببعض المثل العليًا للحياة الخيرة كحياة مستقلة.[8] يتعين على المواطنين من خلال التعليم الوصول إلى الحد الأدنى من الوعي ليكون لديهم الحد الأدنى من السيطرة على علاقات السلطة والتبعية على الأقل. ويستتبع هذا أن ينعكسعلى معتقدات المرء وخفض تكاليف المعارضة والانفصال عن المجتمع التقليدي. ومع ذلك، يجب أن يكونوا أحرارًا في وضع استراتيجياتهم الخاصة للأعتراض وممارسة حقهم في التعبير ورفع صوتهم جنبًا إلى جنب مع أولئك الذين يشاركونهم وجهات نظرهم الدينية.  إن تجاوز  كل من  مقاربة بتيت والتكييف مع عدم الهيمنة ذو شقين: لا تقتصر استراتيجية  حق التعبير على حماية الأفراد من علاقات الهيمنة، ولكنها تضع تصوراً عن دور الجماعات في مقاومة الهيمنة الجماعية.علاوة على ذلك، يعالج التركيز على المهارات المتعلقة بالأستقلالية النقد الليبرالي حول مفهوم المصلحة: فالتعليم العام يجعل المواطنين أكثر وعيًا بالذات ويعزز قدرتهم على الاحتجاج علنًا عندما يشعرون بتجاهل مصالحهم؛ وبالتالي، من الممكن متابعة أفكارهم ومصالحهم عندما تتأثر بالتدخل التعسفي.

يوضح الجدل حول حظر النقاب في فرنسا – مثلاَ وهو النموذج العزيز على قلب لابورد لأنتقاده-، الآثار العملية المترتبة على الطابع الجمهوري النقدي عندها.[9] تعد مسألة منع الحجاب، بالنسبة الى لابورد ،علامة على ضعف الجمهورية الفرنسية، حيث أنها  مثلت هيمنة الأغلبية على أقلية. وما يبدو كأنه مثال على هيمنة  ذكورية، بينما هو، أيً الحجاب، بالنسبة للعديد من النساء المسلمات، خيارًا حراً للتعبير عن هويتهن، وفي بعض الحالات، تعبيراً عن مقاومتهن للعداء المنتشر ضد دينهن.[10] علاوة على ذلك، حتى عندما تكون ممارسة ارتداء الحجاب والنقاب متجذرة في التعبير عن  أشكال  من الهيمنة الداخلية عند الجماعات أو الأقليات، فإن لجوء فرنسا إلى الحظر القانوني ليس هو  مسار العمل الصحيح والفعال: فالمفترض أن تتسامح المجتمعات الديمقراطية، من حيث المبدأ، مع مجموعة واسعة من الممارسات حتى لو كانت غير مقبولة أو غير محتملة أو حتى كريهة أخلاقياً،[11] ويعتبر والإكراه من الناحية العملية طريقة غير فعالة لتحدي الأيديولوجيات المحافظة والأبوية.[12]

تتغلب الجمهورية النقدية - طبقاً للابورد-  من خلال استيعاب الممارسات الدينية أو التوفيق بينها والتطور النشط للسيطرة على المواطنين على قصور مقاربات عدم الهيمنة الأخرى. وتهدف أيضًا إلى تصحيح عيوب وجهات النظر الأخرى التي تتعامل مع مشكلة حماية المواطنين من الهيمنة الدينية دون فرض شكل مختلف من الهيمنة على المتدينين. وتأخذ لابورد نموذجين بديلين بعين الاعتبار وهما على وجه التحديد التعددية الثقافية والليبرالية.

لدى ممثلي التعددية الثقافية أسباب وجيهة لتجنب النفوذ السياسي لتصورات اللائكيين وأهدافهم وللأستقلالية، لكنهم يختزلون الفرد المواطن إلى ترتيب تتلاعب به الأنظمة الاجتماعية المعيارية المتعددة[13] التي لا تشكك في هوية الجماعة بجدية. ليس الهدف من الجمهورية  النقدية هو احترام ثقافات الأقليات في حد ذاتها، لأنها يمكن أن تسهم في حالات من "الهيمنة المزدوجة" داخل وخارج الجماعات. يجب أن يخدم الفهم النقدي لحياد الدولة وتنمية المهارات ذات الصلة بالاستقلالية بين السكان الغرض من إضفاء الطابع المؤسسي على المساواة الجمهورية والسماح لمجموعات الأقليات بتبني طريق المواطنة بدلاً من البقاء في عزلة. يمكن أن يكون ارتداء الحجاب – في الدول الغربية  طبقاً للابورد- على الرغم من رسوخه في الممارسات الأبوية، ذو قيمة استراتيجية معبرة عن موقف ضد خطر الهيمنة المزدوجة: ضد جماعة المرأة، بقدر ما يعني الخروج من موقف سلبي لتمثيل الهوية الدينية بنشاط في الفضاء العام، وضد الدولة، لأنها تتحدى الوضع الراهن الذي تجسده فكرة اللائكية.  لكن تعتمد هذه الاستراتيجية المزدجة على السياق وتحتاج إلى مراعاة توازن القوى القائمة في المجتمع. فبينما يمكن الطعن في منع في الحجاب الإسلامي في فرنسا المعاصرة، وترتيبه بطرق تقوض الهيمنة الأبوية الصريحة، فإنه ليس من الواضح أن ارتداء الحجاب في دول مثل العراق أو المملكة العربية السعودية أو إيران يمكن الدفاع عنه بسهولة  بوصفه تعبير من شخصية الأنثى وأستقلاليتها، على الرغم من أن النساء المسلمات يؤيدنه أو يقاومنه أو يتلاعبنة به. وانه يمكن القول إن النساء في هذه البلدان لا يملكن "قوة خطابية" كافية للتمكن من الطعن بشكل فعال وعلني في قواعد اللباس التي من المفترض أن يتبعنها.[14]

وبهذا المعنى ، يدرك النهج الجمهوري النقدي الحاجة إلى الموازنة بين استراتيجيات التوافق والتعبير مع الاهتمام الرئيس بالهيمنة الدينية التي يدعمها إنفاذ أو تطبيق حياد الدولة.

إن الأساليب الليبرالية - وفقا للابور- غير كافية لفهم الظروف الكامنة وراء خلق صوت مدني داخل الأقليات. تُهمش  صيغ لليبرالية المشاركة السياسية للجماعات التي لا تشترك في القيم الليبرالية الأساسية مثل الاستقلال الذاتي الفردي. لا يوجد شيء، من منظور جمهوري نقدي، حول عدم الهيمنة يتطلب أن يتحرر الأفراد من ارتباطاتهم الدينية أو المجتمعية؛ ولا يعني المثل الأعلى أن الحياة الخيرة هي حياة الاستقلالية الفردية.[15] فالاستقلالية، بالنسبة لـ لابورد، هي قدرة مضمون ما على الحياد وحد أدنى من  المعرفة كيف يكون. وبهذا المعنى، من ألأفضل فهمها على أنها ليس جوهرأً، بل أداة اساسية مفيدة" لتحقيق خطة حياة المرء.[16] في المقابل، تفتح استراتيجية الصوت المعبر إمكانية تطوير شعور كامل بالولاء للمجتمع السياسي من خلال المشاركة في النقاش العام والقرارات السياسية. على صعيد آخر، تتخلى الليبرالية السياسية عند راولز عن التركيز الإقصائي، الاستبعادي للقيم الليبرالية الجوهرية، وتعتمد على نموذج العقل العمومي الذي يدعو إلى قيود صارمة على شرعية النقاش الديمقراطي. يتجاهل منظرو العقل العمومي أهمية تطوير صوت المواطنين للتعبير عن أفكارهم وأحكامهم الدينية من خلال توقع التزامهم بمثال المعاملة بالمثل القائم على تبادل وجهات النظر غير الشاملة. إن إدخال الأصوات الدينية في الجدل الديمقراطي أمر حاسم بالنسبة للناس لتطوير المهارات اللازمة لمقاومة الهيمنة، سواء من الدولة أو داخل جماعاتهم.[17] ومع ذلك، يتطلب حياد المؤسسات السياسية فرض قيود على اللجوء الى أسباب أوأحكام  دينية من قبل الموظفين العموميين. تؤيد لابورد، بهذا المعنى، شكلًا من أشكال العلمانية التبريرية[18] التي تستبعد الحجج الدينية من المجال السياسي وتشجع المواطنين الذين ينخرطون في السياسة كقادة حزبيين ومرشحين للمناصب الحكومية أن يترجموا رؤاهم الدينية بلغة غير دينية. لا يمكن أن تحدث عملية الترجمة هذه إلا من خلال المناقشة والمشاورات العامة، لأنه من غير العدالة أن نتوقع من المواطنين المتدينين أن يعرفوا مسبقًا أي وجهة نظر دينية يمكن التعبير عنها في شكل علماني وكيف. وبهذا المعنى، فإن شرط راولز، الذي يسمح بإدخال مذاهب شاملة في الجدل السياسي شريطة أن يتم تقديم  "أسباب سياسية مناسبة''، يعكس الفهم الأحادي غير الكافي للمبررات العامة ويتجاهل الأهمية التحويلية أو التغييرية للحوار. تعترف لابورد، عند مواجهة القضايا الأخلاقية الأساسية التي تمس معنى الحياة والموت، أنه "قد لا تكون هناك لغة مشتركة عند العقل العلماني، من شأنها أن تكون ذات صلة بالغايات  القصوى والألتزامات النهائية.[19] ينبغي، في هذه الحالة، على ممثلي الدولة والمسؤولين تجنب اللجوء الى الآراء الدينية والعلمانية المثيرة للجدل، الأً بقدر ما تتطلب الحاجة إلى التشريع. وعلى الرغم من هذه القيود في المجال السياسي، يبقى الخطاب الديني ذا صلة بازدهار الجدل الديمقراطي.

تجمع علمانية لابورد التبريرية بين الاهتمام بالتسويغ العام النموذجي لمقاربات العقل العمومي مع تركيز الجمهورية النقدية على تطوير صوت معبر عن المواطنين. وتحقيقا لهذا الغرض، فإنها توضح الفهم التعددي للخطاب الديمقراطي الذي ينكر إمكانية الإجماع على مفهوم واحد للعدالة ويدعم أهمية التنوع والخلاف أوالمعارضة. يجب تبرير المبادئ السياسية العامة، في المجال السياسي، على أساس أسباب وافكار علمانية. لكن لتفسير هذه المبادئ وتثبيتها وترتيبها فيما يتعلق بقضايا محددة ، تقول لابورد، سيشير المواطنون بالضرورة إلى قيمهم الجوهرية ووجهات نظرهم المختلفة. وبهذا المعنى، من غير المتوقع أن يكون هناك إجماع حول ترتيب ومحتوى وآثار المبادئ العامة وأن تصل المجتمعات السياسية المختلفة على تعدد الترتيبات على هذا الأساس.[20]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..............................

[1] Laborde, C. (2012) "State Paternalism and Religious Dress Code”, International Journal of Constitutional L.aw 10(2): 398-410.

[2] Bauberot, J. (2004), LAii:ite 1905-2005, entre passion et raison. Paris: Seuil.

Asad, T. (2003) Formations if the Secular Christianity, Islam, Modernity.

Rorty, R. (2006) Take Care of Freedom and Tnith Will Take Care of Itself: Interviews with Richard Rorty, edited by E. Mendieta. Stanford, CA: Stanford University Press.

[3] Ungureanu, C. (2015) "Europe and religion: an ambivalent relation ", in Zucca, L. and Ungure­anu, C. (eds) Law, State and Religion in the New Europe: Debates and Dilemmas. Cambridge, UK: Cambridge University Press, paperback edition, 307- 333.

[4] Laborde, C. (2008) Critical Republicanism: The Hijab Controversy and Political Philosophy. 23.

[5] م،ن، 151—152

[6] Laborde, C. (2013a) '‘. Justificatory Secularism", in D'Costa, G., Evans, M.,  Modood,  T.,  and Rivers, J. (eds) Religion in a Liberal State. Cambridge, UK: Cambridge University Press:164-186.

[7] Laborde, C. (2008) Critical Republicanism: The Hijab Controversy and Political Philosophy. 87-88.

[8] م، ن، 155 .

[9] يظهر الجدل كيف أن التزامًا جمهوريًا مضللاً بعدم الهيمنة يمكن أن يؤدي إلى اغتراب الأقليات وعزل الأفراد الضعفاء داخل تلك الأقليات. بعد تزايد المخاوف بشأن طرد الطالبات الإسلاميات الذين ارتدوا الحجاب في عام 2004 ، اعتمدت فرنسا القانون رقم: 228 التي نظمت ، "تطبيقاً لمبدأ" اللائكية "، الذي يتعلق بأرتداء لافتات تدل على الأنتماءات الدينية. يحظر القانون ارتداء الرموز الدينية أو الزي في المدارس الابتدائية والثانوية العامة. في عام 2010 ، من خلال التشديد على أسباب أمنية ، تم حظر تغطية الوجه في الأماكن العامة. كان القصد من الحظر أن يكون له تأثير على ارتداء النقاب والبرقع الإسلامية.

[10] Wing, A.K., Smith, M.N. (2006) " Critical Race Feminism Lifts the  Veil?:  Muslim  Women, France , and the Headscarf Ban", U.C. Davis Law Review 39: 743--790.

Bilge,  S.  (2010)  "Beyond  Subordination  vs.  R esistance:  An  Intersectional  Approach  to  the Agency of Veiled Muslim Women", joumal of Intercultural Studies 31(1) : 9-28.

[11] يطبق حظر الحجاب نموذج اللائكية بشدة دون النظر في حالة الحرمان الثقافي والاقتصادي للأقليات ما بعد الاستعمار؛ على وجه الخصوص ، فإنه لا يأخذ في الاعتبار تكلفة التكيف والاندماج في ترتيب محدد مسبقًا للعلاقة بين الدين والسياسة. من خلال استهداف ممارسة ارتداء الحجاب في المدارس العامة ، يضر الحظر أيضًا بعملية حاسمة يتم من خلالها تعريف النساء المسلمات بممارسة سيطرة أكبر. كمساحة يتم فيها "تحييد" رموزها الدينية وانتماءاتها بشكل فعال، فإن المدارس الحكومية الفرنسية غير قادرة في الواقع على تعزيز الاعتراف بها كذوات لها صوت وأذن خاصة بها .

[12] Laborde, C. (2012) "State Paternalism and Religious Dress Code". 398-410.

[13] م، ن، 150 .

[14] م،ن،156 .

[15] م،ن،155 .

[16] م،ن، 155 .

[17] م،ن، 155 .

[18] Laborde, C. (2013a) '‘. Justificatory Secularism".

[19] م،ن، 180 .

[20] ن،م،171-173 .

 

علي محمد اليوسفتقديم بدئي: المقال بحث فلسفي للكاتب لا علاقة تربطه بمفهوم علم الفيزياء ولا بعلم الكوزمولوجيا. وخير دليل على ذلك أنه خلو من مصدر علمي أو فيزيائي. سوى مناقشة موضوع الزمن في الفلسفة اليونانية تحديدا. يليه لاحقا مقال آخر في نفس الثيمة هي الزمن من منظور الفلسفة.(سبق لي ونشرت مبحثين عن مفهوم الزمن  في فلسفة كانط، آخرهما كانط وقالبا الزمان والمكان في الادراك العقلي). المقال المرتقب الثاني تتمة هذا المقال ينشر تباعا بعده.

الزمن والحركة

يقول ارسطو (الزمان هو مقدار الحركة من جهة المتقدم والمتأخر)1. نلاحظ في البدء أن ارسطو يقيس (مقدار) الزمن الذي لا يتغير ادراكا حدسيا بالحركة المكانية المتنقلة للاجسام بالعالم الخارجي من جهة هي كانت موجودات متأخرة (ساكنة) وانتقلت بالحركة فاصبحت موجودات متقدمة بالقياس الى وضعها السابق المتأخر مكانيا. والملاحظة الثانية أن ارسطو يفرق بين الزمن (وحدة) قياس الحركة التي ندرك الزمن بها وليس هو حركة فيزيائية صرفة يمكننا رصدها وتعيينها ومعرفتها منفردة من غير تعالقها بحركة الاجسام مكانيا.

الحركة هي ما  يدركه الزمن العقلي مكانيا ولا تدرك الحركة المكانية للجسم هي ذاتها معنى الزمن وماهيته وكيف يؤثر بها.،هل الزمن فضاء ادراكي فوق العقل؟ أم الزمن فضاء ادراكي لا قيمة له دونما وصاية وتفكير العقل عليه.؟ أم لا معنى لاحدهما العقل والزمن في انفراديتهما الادراكية للاشياء من دون تلازمهما؟ ثم لماذا ومتى نحكم على الزمن متحركا ذاتيا بأطراد مع حركة الاجسام أو هو متحركا بقواه وخصائصه الذاتية التي لا ندركها فقط؟ أوهل الزمن ثابتا غير متحرك أم متحركا متغيرا على الدوام؟ وما هو مقياسنا لتاكيد أو نفي هذه المعادلة في الثبات والتغيير؟ وهل الزمن الارضي هو نفسه الزمن الكوني؟ أسئلة تحتاج الكثير للاجابة عنها بعضها علميا لا يتماشى مع الفهم الفلسفي الذي نطرحه.

الزمان هو تلازم تجريدي أدراكي عقلي حدسي يرتبط بيولوجيا بوظيفة العقل الادراكية، لكنه أي الزمان ليس ماهية بيولوجية مدركة منفردة كجوهر مستقل، بل هو تجريد غير فيزيائي يكتسب معناه الفيزيائي من فيزيائية عمل العقل البيولوجي في معرفة الاشياء. أي الزمن يبدأ ملازمة الادراك العقلي فيزيائيا بدءا بالحواس والوعي والجهاز العصبي ثم انتهاءا بالذهن.والزمن يرافق جميع هذه الفعاليات البيولوجية فيزيائيا لكنه يبقى هو محتفظا بماهيته التجريدية غير المدركة.

ويكون المكان أدراكا عقليا مستقلا تجريديا يرتبط بيولوجيا بعمل العقل وهو موضوع مادي أو موضوع خيالي لا فرق لكنه لا يستطيع الخلاص من ملازمة الزمن له. المكان صورة من ادراكات العقل الزمانية. والعقل يحتاج الزمن في أدراكه الموجودات مكانيا في عالم الاشياء الخارجية،... والزمن قرين العقل الادراكي قبل أن يكون قرين الموجودات المستقلة مكانيا في عالم الاشياء.. العقل لا يستطيع أدراك الموجودات مكانا في عدم ملازمة الزمن له،. ونحن ندرك الزمن في مقدار حركة الاجسام ونعجز ادراك حركة الزمن موضوعا مجردا منفردا عن ملازمته حركة موجودات المكان.

والحركة خاصية الزمان الذي هو (ثابت مطلق) غير متحرك حين تكون طبيعته مطلقا فيزيائيا يحكم الكون والطبيعة والاشياء، والزمن يكون محدودا فيزيائيا متغيرا بحدود معرفتنا وجود الاشياء ومدركاتنا لها في ثباتها وفي حركتها المكانية على الارض.. والزمن تحقيب أدراكي مكاني للاشياء محدود ومتغير به ندرك متغيرات مكان الاشياء الحركية حين نفهم الزمن بمنظور ادراكنا له على الارض وليس في مطلق وجوده الكوني في اللانهائي الذي لا تدركه عقولنا المحدودة كائنات  أرضية.. سوى بمقياس مقدار قربنا أو بعدنا الارضي عن الكواكب والمجرات بالسنوات الضوئية بواسطة أجهزة الكترونية متطورة جدا لهذا الغرض.. وليس بتحقيب الزمن التاريخي الارضي بالسنوات التقويمية العادية.

الزمن تحقيب وقتي حركي محدود ومتغير في أدراكه انتقالات حركة الاجسام الارضية، ويكون الزمن مفهوما مطلقا يحكم الكون والموجودات في ثباته وليس في تغيراته بمفهومنا الارضي له، فالانسان يحس الزمن متلازما مع كل شيء ثابتا كان أم متحركا محسوسا في عالمنا الارضي فقط. وهذا يعني ثبات الزمن وتغيّره معا. ثبات الزمن أنه يحكم كل ذرة وجود بالحياة الى أعقد ظاهرة أو موجود كوني..ويكون متغيرا حين يكون ملازما حركة الاجسام التي ندركها نحن في الطبيعة.

وبالحقيقة الاهم فالزمن ثابت لا يتغير لا في مطلقه ولا في نسبيته الا بتفريقنا نحن لمدركاتنا الارضية والكونية. هنا تعبيرنا الفلسفي عن عدم تغير الزمن غير مستمد من قانون النظرية النسبية التي تربط تغيرات الزمن بالسرعة وكتلة الجسم، في النظرية النسبية لانشتاين حيث يتغير الزمن أو تقل سرعته ولا تتغيير صفاته الماهوية الثابتة كجوهر لا يمتلك ماهية معروفة لكنه متداخل وجودا في كل شيء يحكم الكون، ويحكم كل مدرك عقلي لنا ارضيا وكونيا معا.

ارسطو في عبارته التي مررنا بها (الزمان هو مقدار الحركة بالاجسام) يفهم الزمان مدركا مكانيا بدلالة (حركة ) الجسم وانتقالته بمقدار معين عما كان عليه وضعه المكاني الثابت السابق. وبهذا المعنى هو يقصد الزمن الارضي وليس الزمن الكوني.

ومقدار الزمن عند ارسطو هو (مقدار) حركة الشيء أو الجسم المكانية ومقدار زمن انتقالته من موضع لآخر مكانيا. يلاحظ أن ارسطو حاول تفسير الزمن بالمقدار (وحدة قياس) وعجز عن تفسير الزمن بالماهية التي لا يمكن أدراكها عقليا. كما فسّر الزمن بحركة الجسم مكانا ولم يفّسرالزمن كحركة ذاتية منفردة يتصف بها ماهويا يمكننا أدراكها بمعزل عن حركة الجسم...

أصبح من اليسير اليوم معرفة قياس (مقدار) زمن الحركة فيزيائيا في رصد حركة الشيء مكانا وانتقالاته. ويصبح من السهل معرفة مقدار الزمن بدلالة مقدار حركة الجسم أو الشيء. مثال ذلك توقيت مقدار جري المتسابق الرياضي في قطع مسافة 100 متر مثلا بعدد الثواني، هنا في هذا المثال يكون الزمن تحقيبا متغيرا لقطوعات زمانية جزئية ندركها حركيا لكنها لا تصلح لمعرفة الزمن كجوهرثابت مطلق كونيا، ولا يمكن أدراك مطلق الزمان في جزئية تحقيبية محدودة من الوقت.

وهو دليل دامغ حول حقيقة التسليم بأن الزمن يقاس (بمقدار) حركة الجسم (مكانيا) ولا تعرف ماهية الزمن في تعذّر قياسه ومعرفته في خواصه الصفاتية  فقط وليست الماهوية متعالقة في معرفة مقدار حركة الاجسام... الزمن تجريد ادراكي يعرف بالعقل وحركة الاجسام وليس تجريدا لغويا يعرف بتجريد العقل لمدركاته من الاشياء، ولا هو تجريد ماهوي يحدس منفصلا لوحده، بل الزمن هو تجريد وظائفي للعقل الفيزيائي.

والزمن ثابت في مطلقه كمفهوم يحكم كل شيء بالوجود والكون، ومتغير في ملازمته حركة الاجسام التي يدركها عقلنا الارضي.... جزئية أي شيء مدرك متعيّن عقليا لا يعطي الزمان مطلقه بل يعطي الزمان (آنيته) المدركة عقليا في حركة الجسم أو في سكون الجسم الذي هو في حقيقته ثبات زائف.

وبأنعدام حركة الجسم مكانا لا يتوقف أدراك الزمن العقلي له على أية صورة كانت حتى لو كانت حركة الجسم نوعا من الصيرورة غير المستقرة التي ترتبط بعلاقات غيرثابتة غير مستقلة كموجودات غير متعينة ماديا كعلاقات تحكم وتتفاعل داخل الاشياء أو الظواهر. لكنها لم تكتسب صفة التعيّن الادراكي  مثل جسم أو غيره من الاشياء. فمثلا في علم الفيزياء تفهم العناصر المساعدة فيزيائيا وكيميائيا في تشّكل الشيء أو الظاهرة كعناصر تدخل في تركيب مادة ولا تدرك العناصر كمادة  في متعيّن انطولوجي لوحدها منفردة.

لكن الشيء العبقري الذي يحسب لارسطو هو أدراكه الزمن مفهوما ميتافيزيقيا مطلقا غير محدود بالتناهي الكوني حين لا يحدد للعقل ادراك الزمن ولا يعرف ماهيته الا بحركة المحدودات والمتعينات من الاجسام على الارض، والمكان هو متعّين وجودا مكانيا – زمانيا متلازما محدودا في زمانية حركة الشيء مكانا التي هي قطوعت زمنية متغيرة بتغيرات حركة الاجسام وليست قطوعات زمنية مطلقة ثابتة. وهذه القطوعات الزمنية هي جزء من الزمن المدرك ولا تمثّل الزمن كمفهوم مطلق ثابت لا يتجزأ يحكم الكون والطبيعة الارضية وموجوداتها وتكويناتها والانسان.

لذا لم يقع ارسطو في خطأ أن الزمان حركة مستقلة بذاتها يمكن معرفة مقدارها في قياسها مجردة لوحدها عن حركة الاجسام، بل الزمن ندركه عبر(مقدار) انتقالات الاجسام الحركية الملازمة لشيء متعيّن ثابتا مدركا مكانيا أو مدركا متحركا مكانا، فالمكان موجودا هو استدلال فيزيائي للزمن لكنه لا ينوب عن الزمن بالادراك العقلي... ومثال ذلك أن الزمن نعرف محدوديته الزمنية بحركة جسم الرياضي في قطع مسافة معينة له، وبغير حركة الجسم لا يبقى موضوعا للعقل يدرك به معرفة مقدار الزمن بغير دلالة حركة الجسم ولا يدرك العقل ماهية الزمن ومقداره منفردا ذاتيا.

ونظرية انشتاين الزمان نسبي محدود وليس مطلقا لا متناهيا هي نظرية صحيحة في منطق معادلة الفيزياء الكونية التي تذهب الى أن الزمن يتباطأ كلما زادت سرعة الجسم لقطع مسافة معينة على مستوى سرعة سنوات ضوئية وليس على مستوى سنوات طبيعية بطيئة على الارض.والزمن الارضي ليس هو الزمن الكوني ليس من حيث الماهية وانما من حيث القياس الكمّي فقط.

أذن ما ندركه نحن من زمان أرضي ليس هو مطلق الزمان الكوني بل محدوديته التي نعيّها في حركة الاجسام مكانا، العقل يعقل الزمان تجريدا كمفهوم ميتافيزيقي مطلق على الصعيد الكوني، ويعقله نسبيا متغيرا غير ثابت في حركة الاجسام على الارض.

الحقيقة التي ليس سهلا تصورها أن الزمن مطلق ثابت نسبيا في رصده كل موجودات الطبيعة والحياة، والمكان جوهر متغير بسلطة الزمن عليه كمتغير يلازمه بنفس الوقت، يجب أن لا يفهم من هذا خطأ التصور أن الزمن يحرك الاجسام بل هو يكون ملازما لحركتها على الدوام. ويمكن ملاحظة ذلك أن الزمن لا ندرك حركته الا بدلالة حركة الجسم المكانية، والزمن يحمل صفتين اثنتين متلازمتين تبدوان متناقضتين فهو نسبي ومطلق معا أي متغير وثابت بالاختلاف بين النسبي والمطلق الزماني الذي يحدده طبيعة ونوع المدرك العقلي أي موضوع الزمن المدرك، فالجسم المتحرك مكانا على الارض لا يفلت ولا يتخلص من سطوة أدراك الزمن عليه كتحقيب أدراكي زمني محدد متغير بوجود جسم وموجود في جميع انتقالاته الحركية.. فيكون بهذا المعنى الزمن يتغير طرديا مع تغيير حركة الجسم ويكون الزمن محدودا في ملازمته محدودية موضوع أدراكه، وعندما لا يمكننا ادراك الاجسام مكانا سواء في ثباتها أو في تغيراتها وفي كل الظروف والامكنة فيكون الزمن بهذا المعنى ثابتا مطلقا وباقيا ملازما لكل شيء بالحياة يدركه العقل أو لا يدركه على صعيد الكون وليس على صعيد موجودات الاجسام في الطبيعة وعلى الارض. فالزمن الارضي هو غير الزمن الكوني وهذه حقيقة مثبتة علميا.....وادراكنا الحدسي لمطلق الزمن مرهون بعدم وجود مدركاته المكانية التي تجعل الزمن قطوعات مكانية في تحقيبه لها وتسهيل عملية ادراك العقل لها....ادراك الزمن للاشياء يسبق ملازمة العقل لادراكها... والسبب بذلك الزمن لايفنى بفناء عقل وجسم الانسان.

والزمان يحكم الاشياء بغير دلالة العقل له لكن العقل لا يدرك الاشياء بغير دلالة الزمن، بمعنى الموجود الذي لا يدركه العقل في حركته مكانا يدركه الزمن ويحكم وجوده. وهذا الادراك الزمني لا نفهمه ولا نحس به الا اذا كان مقترنا بادراك العقل وادراك الزمن للاشياء تجريدا بمعزل عن العقل وهو ظاهرة ممكن حصولها لكن عقولنا لا تستوعبها من حيث اننا ندرك الزمان في حركة الاشياء المحسوسة ولا ندرك الزمان المجرد في مواضيع غير مدركة للعقل مكانا مثل الفضاء الكوني والكواكب والمجرّات.

أدراك العقل لموضوعه هو أدراك العقل لوجود ذلك الموضوع حتى لو كان وجوده على مستوى التجريد الذهني..ولا نعرف أسبقية ادراك الاشياء للزمن أم للوعي العقلي بها؟ أم بتداخل بينهما لا نعرف كيفية حدوثه؟ والحال هنا يشبه تماما أيهما أسبق وعي العقل بالشيء أم وعي اللغة بالشيء؟ لا أجابة نستطيعها.

المحرك الذي يتحرك او الذي لا يتحرك

يؤكد الفيلسوف الاغريقي سنبلقيوس (أن كل الحركات في العالم لها علة اولى أو محرك أول، وهذا المحرك الاول قال عنه ارسطو غير متحرك بالعكس من افلاطون الذي قال المحرك الاول متحركا ايضا، لأنه يمثل النفس الكليّة التي هي حيّة ومتحركة بذاتها ولا تحتاج من يحركها)2

يلاحظ من العبارة أن افلاطون أراد الهروب بذكاء من أستحقاق فرضية أن المحرك الاول ثابت لأنه لا يتصور شيئا موجودا فيزيائيا لا تسبقه حركة اولية قبله وهو تصور سليم بحكم قوانين فيزياء الطبيعة، فلجأ الى ربط الحركة بشيء غير فيزيائي ولا تنطبق عليه قوانين الفيزياء وهو (النفس) المجردة المعروفة بتجليّاتها العاطفية المعروفة والاحاسيس السايكولوجية، واذا نحن أهملنا الجانب الميتافيزيقي (الديني) في توصيف المحرك الاول الذي لا يتحرك وهو يتحرك حسب افلاطون فتكون مقولته خاطئة تماما أمام مقولة ارسطو المحرك الاول ثابت لا يتحرك التي لا تقاطع المنحى الديني لكنها تقاطع قانون الفيزياء علميا.

وطبيعي أن نعرف مقولة ارسطو المحرك الاول لا يسبقه محرك آخر لم يستمدها من الدين غير المعروفة عنه آنذاك تلك المعلومة في عصره، بل ارسطو اطلق معلومته المحرك الاول ثابت من استلال فيزيائي في الطبيعة كون كل متحرك سابق عليه متحرك قبلي يسبقه وهذه سلسلة لا نهائية لذا يستحيل الثبات فيزيائيا أن يكون هناك متحركا أوليا لا يتحرك..ولا يسبقه محرّك له سابق على حركته.

فالمتحرك غير الثابت الذي يتحرك يكون يسبقه بالضرورة محرك قبلي له هو الاخر يحتاج الى محرك متغير قبلي آخر يحركه وهكذا تدوم سلسلة المحرك يسبقه متحرك الى ما لا نهاية لذا وضع ارسطو حدا لهذه المتوالية حين قال المحرك الاول لا يتحرك بفعل محرك سابق عليه كي يضع حدا للجدل العقيم في من يكون هو المحرك الاول؟ وكيف جاء المحرك الاول بخاصية الحركة من سابق عليه لا نعرفه ثابتا ولا متحركا ولا موجودا..؟

أفلاطون طرح موضوعة ارتباط المحرك الاول بالنفس وليس بالجسم أو الموجود ماديا. التي- أي النفس- هي جوهر غير فيزيائي تتحرك ذاتيا دونما الحاجة لمن يستثير نزعة الحركة فيها خارجيا ويبعثها فيها أي أخرج النفس من صفة المادة في الحركة والامتداد، وهذه العبارة رغم انغماسها التام في الميتافيزيقا فهي لا تمنحنا أقناعا بها، وافلاطون لم يكن يعلم في عصره أن النفس ليست جوهرا غير منفصل عن الجسم كما وقع ديكارت بنفس هذا الخطأ وأعتبر خلود النفس سببه كونها هي والعقل جوهران لا فيزيائيان خالدان باقيان منفصلان عن الجسم بعد فنائه.. في حين نجد أن علم وظائف الاعضاء وعلم النفس الحديث يعتبرون النفس مكوّنا بيولوجيا مرتبطا بمنظومة الادراكات العقلية والجهاز العصبي والدماغ، ولا يمكننا التحقق من مادية النفس الفيزيائية لذا يكون فناء الجسم الفيزيائي ملزما فناء النفس اللافيزيائية معه...

ما عدا ما يؤمن ويبشر به لاهوت الاديان خاصة التوحيدية في خلود النفس بعد فناء الجسم الذي لا تقول به غير الاديان والفلسفات المتعالقة بها. كما هي عند ديكارت وبيركلي وباسكال وتوما الاكويني، ولايبنتيز،ومالبرانش وغيرهم من الفلاسفة المؤمنين بخلود النفس.

من جهة أخرى تعبير افلاطون حركة النفس حركة ذاتية لا تحتاج محركا يحركها هي الاخرى خاطئة من جانب ثان حيث أن النفس هي لا فيزيائية لكنها جوهر من تكوين بايولوجي مستمد من منظومة العقل الادراكية لكنها تتمايز عنها أنها سلوك سايكولوجي تعتمد في حركتها على ردود الافعال التي تستثيرها الاحاسيس التي يشعر بها جسم الانسان داخليا ويعمل على تلبية اشباعها سواء بتعبيرات النفس أو تعبيرات أشباع غرائز بايولوجيا الجسد.

بايولوجيا النفس غير المتحققة لنا فيزيائيا مستمدة من يايولوجيا منظومة الجهاز العصبي والدماغ لكنها تجريد لافيزيائي منفصل عن نظام بايولوجيا العقل...والنفس في هذا التجريد والانفصال عن بيولوجيا العقل والجسم يشبه تماما موضوعة انفصال الوعي غير الفيزيائي المرتبط فيزيائيا ببيولوجيا العقل لكنه جوهر لافيزيائي متمايز عن فيزياء العقل والجسم لا يمكننا ادراكه بيولوجيا.

من المعلوم في علم الفيزياء أن الحركة الذاتية بالاشياء بدءا من الذرة وصولا الى الكون جميعها مرتبطة بسبب ومسبب، سبب ونتيجة أي أن كل حركة يسبقها ويليها حركة، حتى داخل تركيب الذرة نجد حركة الالكترونات ترتبط بحركة النيوترونات، وهذه السلسلة اللانهائية من الحركة يتوجب حتما وقوفها عند محرك سببي لا يتحرك يستطيع تحريك غيره. هو عند ارسطو المحرك الاول الذي لا يتحرك وعند افلاطون المحرك الاول الذي يتحرك.

كيف تصور فلاسفة اليونان الزمن؟

بالحقيقة شيء مذهل أن نجد عند فلاسفة اليونان في القرن الخامس والرابع ق.م هذا التعبير الفلسفي المعجز عن الزمن ليس بمقاييس عصرهم فقط وأنما بمقاييس زمننا المعاصر، ماهي دلالة الزمان وكيفية ادراكه؟ فلاسفة اليونان قبل ارسطو حددوا الاجابة بالتالي في أعتبارهم الزمن ليس جوهرا ميتافيزيقيا يتعذر ادراكه ولا قالوا الزمن جوهر فيزيائي من المتاح ادراكه كباقي الاشياء والموجودات بل قالوا التالي الذي لا نجد بديلا افضل منه في عصرنا هذا غير هذه الثوابت المعرفية عن الزمن:

- ارتباط الزمان بالحركة

- الزمان هو مقدار حركة الشيء وليس هو الحركة نفسها

- الزمان في الوقت الذي هو مقدار الحركة ومقياسها فانه في نفس الآن يقاس هو ذاته – الزمان -  بالحركة ، 3

نناقش الميزة الاولى أن الزمان يمّثل حركة الشيء وليس هو الحركة بذاتها، والزمان هو مقدار تلك الحركة التي هي حركة انتقالات الجسم مكانيا، وهنا تكون حركة الشيء المكانية لا يمكن أدراكها الا بسبق ادراك زمني عليها يلازمها، بمعنى كل حركة هي تداخل مكاني زماني لا يمكن الفصل بينهما كظاهرتين تحكمان حركة الاجسام كما لا يمكن الاستدلال بأدراك أحدهما بغير دلالة تكاملها وتلازمها مع الاخرى.

فعندما نقول هذه منضدة وهي مدرك عقلي مكاني فالمقصود الحقيقي هو مدرك زماني أيضا معا. وعندما يقول أحدنا هذه يدي فوجودها في أي شكل من الوضع الحركي تكون عليه اليد فهي مدرك زماني ايضا. وتبقى الحركة خاصية مكانية  تلزم الزمان بها لكنها ليست حركة ولا تدرك مكانا من غير ملازمة الزمان لها، فحركة الزمن مطلقة لا تتحدد أبعادها بأشياء مدركة مكانا.

المسألتان الثانية (الزمان هو مقدار حركة الشيء وليس هو الحركة نفسها) والعبارة الثالثة (الزمان في الوقت الذي هو مقدار الحركة ومقياسها، فأنه بنفس الوقت يقاس هو ذاته بالحركة) ساتناولهما بالتعقيب المتداخل بينهما.

أجد في العبارتين منتهى العبقرية بالتعبير الفلسفي بالقياس لذلك العصر، أذ لو قالوا فلاسفة الاغريق الزمان هو (حركة الشيء) لكنه ليس هو الحركة بذاتها والزمن ليس حركة بل هو (مقدار)، فيكون الزمن بهذا المعنى هو حركة الشيء وليس مقدار حركته، مما يرتب على الزمن أن يكون سببا ماديا في تحريك الاجسام، وأنه هو سبب وباعث الحركة المكانية بالاشياء والاجسام وهو خطأ فضيع في التعبير القاصر..،فالزمن لا يحرك الاجسام.

الخطأ هو في التعبير بين أن يكون الزمن هو حركة فيزيائية مستقلة بذاتها، أو يكون حركة ترافق حركة الاجسام لكنه ليس علّة وسبب في حركتها فهذا لاخلاف عليه رغم أمكانية تخطئته، عندما يكون الزمن هو (مقدار) الحركة وليس هو الحركة أي الزمن الذي مانركه منه لا اكثر من كونه (وحدة) قياس كميّة حركة الاجسام والاشياء وليس هو حركتها أو سبب حركتها ، وهذا يختلف جدا أن نقول الزمن هو حركة الاشياء أو هو حركة ذاتية مستقلة، فكلا هذين التعبيرين خاطئين.

فعندما نقول الزمن (مقدار) حركة الشيء لا يعني هذا الزمن أصبح هو (حركة) الشيء. بل الزمن هو مقدارقياس حركة الشيء وليس هو حركة الشيء بذاته. والذي يحرك الجسم هو محرك من نوعه المادي وليس من نوعه الذي لا يجانسه بالصفة المادية حصرا، فلا يشترط أن يسبب حركة جسم الانسان انسانا من نوعه بل مادة أخرى من غير جنسه لكنها تشترك مع الانسان في الخاصية المادية والفيزيائية.

فالزمن هو مقياس لحركة جسم مادية خارجية تفترق معه بالصفات والماهوية، لذا جعلوا فلاسفة الاغريق صفة الحركة هي من صفات الجسم المادي وليس من صفات الزمان غير المادي...شيء آخر الزمن ماهية غير مادية فكيف يكون بمقدورها تحريك ما هو مادي كالاجسام؟ وهل صيغة التساؤل صحيحة وفي محلّها من حيث المبدأ قبل مناقشتنا الاحتمالية في تخطئتها بأعتبار لا مادية الزمن لا تمتلك قابلية تحريك الاجسام المادية أصلا كون الزمن جوهراغير فيزيائي فلا مبرر للسؤال.

يتبع في مقال قادم

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

 

علي محمد اليوسفاللغة نظام من تشكيل الاصوات في صورة كلمات متنوعة ومفردات منتظمة ضمن قواعد خاصة فلا يمكننا مثلا مراصفة كلمات مختارة لاسماء شيئية في تكوين جملة او عبارة ذات معنى، لذا عندما نقول لكل لغة قواعد نحوية خاصة بها تكون هذه القواعد ميزتها الاساسية الاولية أنها تسبق معنى التعبير، من غير الممكن فصل تفكير العقل عن لغة تعبيره عن مواضيع تفكيره....لماذا؟ لأن تفكير العقل لا يتم بغير لغة تجريدية تتم في عملية معقدة في الذهن.لذا يصبح التفكير العقلي هو اللغة.

اذن مالفرق بين لغة العقل في التفكير الصامت داخليا عنها في لغة العقل التعبير عن مدركاته الخارجية؟ سنرجيء الاجابة التوضيحية الى موضع لاحق من هذه المقالة، لكن من المهم معرفة ان العقل في تفكيره الداخلي الصامت في مواضيع الخيال،وفي تفكيره الافصاحي الخارجي عن مدركاته المادية انما يكون بلغة عقلية واحدة هي لغة تجريد صوري تمّثلي للتعبير عن الاشياء الخارجية كمدركات مادية، وعدم تعبيره لغويا نحو الخارج في صمته التفكيري. تفكير العقل في جميع الاحوال هو تفكير صوري تجريدي بوسيلة ومفردات اللغة كعلامات غير مفصح عنها، او كدلالات مفصح عنها لغة عن موجودات يدركها خارجيا.

الاسم والفعل

في كل لغة هناك تقسيم الكلمات الصوتية اللغوية الى اسماء وافعال وحروف، وأخرى تدل على فاعل ومفعول، والى معرّف ونكرة ومضاف ومضاف اليه، وكلمات ظرفية وأخرى شيئية وكلمات غير شيئية تعطي دلالة معناها في مفهوم عام كقولنا كلمات مثل امل، فرح، سعادة، حزن، شجاعة، حكمة، وهكذا الى ما لانهاية حصره.

والاسماء من الكلمات جرى تفريقها عن غيرها من الكلمات منذ عصر ارسطو، انها ليست زمنية، اي الاسماء لا تتعالق دلالتها اللغوية مع التوقيت الزمني المعروف،فالاسم هو صوت شفوي يحمل دلالة تواضعية شيئية عن معنى شيء محدد أي يشير الى دلالة متفق عليها مجتمعيا من دون الرجوع الى خلفية للزمن فلاسم الشيئي باللغة لا يحمل معه تزمينه كما هو الحال مع الفعل باللغة....لكن أحيانا نجد خرقا لهذه القاعدة في لغتنا العربية مثل قولنا (حزيران الماضي) فهنا أرتبط الاسم حزيران بتحقيب زمني هو الماضي.

على العكس من الاسماء تأتي الافعال التي هي دلالة لفعل زمني ولا يمكن للفعل أن يكون تعبيرا شيئيا عن شيء كما هو الاسم. فعندما نقول اسم كرة فالكلمة تحيلنا الى شيء معين دون غيره تقصده ولا علاقة زمنية له بمعنى الكرة، لكن عندما نقول فعل (لعب) فهي لفظة تعني القيام بعمل يلازم زمن اللعب هو الماضي، ويلعب يزامنه زمن الحاضر، وسيلعب يزامنه زمن المستقبل وهكذا.

وحين نصف اللغة خاصية انسانية فطرية – مكتسبة (توليدية) فليس معنى ذلك أن اللغة فعل ارادي انفرادي متحرر عن كل التزام معيّن دونما مسؤولية وهدف قصدي، بل اللغة خاصية مجتمعية مسؤولة وملتزمة في التعبير عما تقصده من معنى تواصلي ترغب تحققه، أي يرغبه قائل اللغة كلاما شفاهيا منطوقا أو كتابة لغوية.

تعبير اللغة

القول بما يذهب له التحليل اللغوي التقليدي الذي يقصر وظيفة اللغة تصديرها (الفكر) التحاوري نحو الخارج (المتلقي) يجده البعض من علماء أختصاص تحليل نحو اللغة تعبير توظيفي يختزل اللغة بحدود معينة... رغم أن اللغة في أقرارنا المبدئي انها وسيلة تعلم اللغة والتواصل بها، كقاسم مشترك بين الفرد والمجموع، ولا تكون هذه الخاصية اللغوية شغّالة فاعلة بغير هذا المعنى السيسيولوجي.

من الصحيح أن هذا الفهم التعميمي في اقتصار وظيفة اللغة بتوظيف أحادي يقوم على تبادل الخبرة المعرفية والسلوكية والنظامية من خلال خاصية اللغة كمحاورة مجتمعية يصادر عدد لا محدود من وظائف لغوية غير التحاور التواصلي تتعالق مع الفهم الخصوصي لنحو كل لغة خاصة على حدة لوحدها. لذا فوظيفة اللغة التحاوري العام لا يدخل ضمن منحى تفسيرات نحو اللغة بما هي لغة تعبّر عن المفهوم الفلسفي لها.

لكن من الواضح أن تعبير اللغة يكون مجال تواصلي مصدره توجه المتحدث الداخل نحو المتلقي الخارج، بمعنى اللغة هي تصدير ناطق من فرد لآخر أو مجموع... وهذا الفهم يمكن أن يكون خارج تحليل وظيفة اللغة نحويا، أن (صمت) اللغة تفكير داخلي موجه من الذات الفردية نحو الذات الفردية نفسها وليس خارجها كما هو وظيفة اللغة بالحوار التواصلي، الصمت تفكير بلا اصوات لغوية خارجية تفصح عنه، عندما تكون اللغة تفكيرا صوريا داخل النفس وما يتصل بها من دواخل عاطفية وأحاسيس لا تصلح أن تكون  بهذا المعنى لغة خارجية ميزتها الاساس هي لغة صوتية (من – الى) نظام صوتي معبّر عن اشياء معينة كموجودات مادية  تشكل حيزا تداوليا تحاوريا توصيليا.

لغة تفكير العقل الداخلي هي لغة فكرية قوامها تفكير الصمت اللغوي وليس لغة الافصاح المنطوق نحو الخارج الذي هو لغة تقوم على ابجدية الصوت بالحرف والمقطع والكلمة وصولا الى العبارة أو الجملة.

فاللغة الخارجية هي أصوات متناغمة في نظام الدلالة عن معنى محدد مقصود، أما الحوار الداخلي مع النفس أستبطانيا فهي لا تسمى لغة صوتية بالمعنى الحقيقي وأنما تسمى تفكيرا داخليا يقوم على تفكير لغوي صوري تجريدي مضمر وليس على تفكيرلغوي معلن عنه بلغة صوتية خارجية تحاورية بين مصّدر لها ومتلق لها.

اللغة والفن

لغة الصمت في تفكير العقل ليست ممارسة سلبية غير خلاقة تعّطل قدرات العقل عن الابداع في الادب والفن وضروب الفعاليات الثقافية.فلغة التعبير الفني مثلا في النحت والرسم وفي جميع جماليات الفنون التشكيلية، هي ايضا لغة حوار داخلي صامت معبّرا عنه بوسائط توصيل تأملية هي غير لغة الكلام المنطوق أو الكتابة المقترنة بزمن محدود...وتكون لغة الحوار التواصلي في الفن والادب والجمال في حالة كمون أستبطاني يستنطقها الانسان المتلقي ويفهمها حسب ثقافته وتكوينه النفسي والجمالي وذائقته العاطفية والنفسية في تلقيه  ضروب الفنون التشكيلية والاجناس الادبية غيرالمتاح الافصاح عنها لغويا ابجديا صوتيا لا بالمعنى الشفاهي ولا بالمعنى اللغوي التواصلي المكتوب.

واللغة الصامتة بالفن منتج عقلي للفكر وتداعيات اللاشعورالمنتج ابداعيا...أما لغة التعبير الانساني الكلام أو اللغة المكتوبة فهي منتج مصنع الحيوية العقلية الانسانية المتفردة خياليا أو فكريا تواصليا، وبذلك يصبح الانسان كائنا لغويا يفكر وهوصامت وفي مخياله حضور ووعي الزمن الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا النوع من الادراك بالزمن والمستقبل لا يتوفر عليه الحيوان...فالحيوان لايعي الزمن مثل الانسان، حتى وأن كان هذا الوعي الزمني(أفتراضيا) كما يمارسه الانسان أفتراضا تحقيبيا زمنيا وتاريخيا وجوديا لا غنى عنه عندما يتعامل مع الزمن ادراكيا ويجهل ماهيته معرفيا.. وعي الانسان وعي زمني وقصدي منظم غير عشوائي ولا هو ردود افعال لا معنى لها.

وعي الذات واللغة

الانسان كينونة تمتلك فينومينولوجيتها وماهيتها وجوهرها المعبّر عنها في جميع صفاتها وكيفياتها التي تجعل من الانسان كائنا متمايزا في هوية جوهرية ماهوية مستقلة منفردة، وفي هذه الخاصية يتأكد أستحالة الاتحاد الانساني غير القابل للتسوية بين الوجود في ذاته، والوجود من أجل ذاته، ومثال هذه الاستحالة تتمثل في محاولة الصوفية الاتحاد الانجذابي الاتحادي المؤقت بين الله الذي هو وجود (بذاته)، مع الانسان الذي هو وجود (لذاته) في كيان مادي ماهوي متعيّن، الله كيفية افتراضية لا معنى يحدها ولا ادراك عقلي يتصورها يمكن أتحادها بكيفية انسانية مغايرة مادية. والله كائن نوراني حسب التعبير اللاهوتي لا يدرك عقليا وغير متعيّن ماديا بالنسبة لادراك الانسان في محدودية ادراكه في اللانهائي والوجود الكوني. وفي هذا الفارق الجوهري الكبيرممثلا في تغاير واختلاف (كيفيتين) أحداهما روحانية لا يدركها عقل الانسان والاخرى مادية تتمايزماهويا ذاتيا، كما تتمايز بعلاقتها مع قوانين الطبيعة فيزيائيا التي يتحكم بها مطلق الزمان ولا محدودية المكان...وبهذا فالانسان كيفية لا تلتقي الا مع كيفيات أخرى تشترك معها بالصفات الجوهرية المادية من نوعها تتجانس معها في كل أو بعض الصفات والماهيات ضمن ضوابط قوانين الطبيعة. أما التعبير عن الحلول التصوفي كدلالة عن حال غير متحقق فعليا فهنا يكون لا اهمية لتلك التمايزات ولا لذلك الاختلاف الماهوي بين الله والانسان .

لغة التخييل الانساني هو قسمة مشتركة بين وعي ذاتها ووعي مدركاتها المادية وغير المادية، كذلك مفهوم الخيال في وعي الانتاجية الفلسفية او الجمالية،وفي نظم الشعرية الادبية الفنية، وفي أية فعالية فنية جمالية ينتجها الانسان ويلعب الخيال الفاعل دورا مهما فيها، وفي مجمل الفنون التشكيلية والنحت وغيرهما، كذلك الحال في أبداعات الاجناس الادبية الشعر والرواية والقصة ومختلف السرديات التي تعبر عن جماليات الادب والفنون عامة...في كل ما ذهبنا له يكون الخيال المنتج حاضرا.

رغم أني في عدة مقالات فلسفية منشورة لي تناولت فيها علاقة التعبير اللغوي كقاسم مشترك يتوسط التعبيرين الفلسفي والشعري، الا أني أجد في نهاية هذه المقالة المرور السريع بهما. فالشعر بخلاف فلسفة افلاطون عن الشعراء أكثر انواع التعبير الانساني الذي يتعالق تواشجيا ارتباطيا بالتعبير الفلسفي.كما يذهب له نيتشة وهيدجر وغيرهما.

لكنما الفرق الجوهري الكبير مابين الفلسفة والشعر يأتي على صعيد (تجريد) التعبير اللغوي في المنحيين، فتجريد لغة الفلسفة هو من النوع المنطقي القائم على تماسك الشعورالعقلي اليقظ باستمرار، بينما يكون تجريد اللغة في الشعر هو تعبير انسيابي لا يحده المنطق العقلي بل تتلاعب به وتتقاذفه  تداعيات اللاشعور الفيضية التي لا يقف خيالها عند حدود معينة.(تفصيل أكثر يجده القاريء في مقالتنا المنشورة الفلسفة والشعر).

لغة الخيال العقلي غير الانفصامي المرضي المنتج،هو قسمة مشتركة بين الفلسفة والشعر باختلاف أن لغة التعبير الفلسقي تلتقي بالشعر في ناحية انها ايضا تتعامل بمنطق التعبير اللغوي التجريدي الذي يتداخل فيه الخيال مع الفكر،لكن التعبير الفلسفي التجريدي لا يلغي هيمنة العقل ورقابته الصارمة، على العكس من الشعر الذي يطغى فيه الخيال وتداعيات المنطق اللاشعوري في اللغة، الذي لا يتوّسل العقل في التنظيم اللغوي، ولا يستدعي الشعر العقل في لجم الخيال المتداخل في جوهر منطق التعبير الشعري الذي ينتهك اللغة المنظمة ويعمل على جعلها لغة تهويم خيالي يخرج باللغة عن مألوفيتها التواصلية التداولية في ابتداع لغة خاصة خارج التنميط العادي.في وقت ترى الفلسفة لغتها التعبيرية في حضور صرامة العقل على التفكير الفلسفي أن تكون صياغة الافكار فيها تقترب جدا من صرامة علم الرياضيات في المعادلات.

الفلسفة في خروجها على التنميط اللغوي التواصلي، تذهب باللغة الى مجاهيل الفهم الاستعصائي على التلقي المباشر، فهي تستدعي العقل في رقابته الصارمة أن لا يخرج التعبير الفلسفي العقلي، عن منهجية اللاشعور في غلبة الخيال في أنتاج تعبير اللامعنى وأعدام نظام اللغة التقليدي كما في الشعر.

اؤكد ماسبق لي ذكره في أكثر من مقال أن عبقرية اللغة سابقة على عبقرية الفكر، كما ان جمالية اللغة أسمى من جماليات التعابير الاخرى التي لا تتوسل اللغة قيمة عليا في التعبير. رغم أن تراتيبية انتاجية العقل للغة لا يسبق انتاجية العقل للفكر حسب اجتهادي الشخصي. لكن ثمة تساؤل تعجز عنه أجابة الفلسفة كما تعجز عنه اجابة العلم الوظائفي للاعضاء البشرية هو أيهما يستبق الاخر تفكير العقل لغويا أم تفكير اللغة عقليا؟ وهل تجدي أمكانية أفتراض الفصل بين هذين المنحيين؟

ففي حال صمت الانسان، تكون اللغة هي الفكر ولا تفريق بينهما خارج الذهن كما لا تفريق بينهما داخله ايضا. فاللغة هي الفكرداخل العقل وخارجه في ترابط لا انفكاك بينهما.واللغة والفكر حوار داخلي غير مفارق ولا معلن، وكذلك هما خارج العقل حوار عقلي لغوي معلن لا انفكاك بينهما في فهم احدهما بمعزل عن الاخر. اللغة والفكرة تعبير واحد عن موضوع ملازم واحد في زمنية لحظوية محسوبة، ويفترقان عن الخيال العقلي المنتج لهما، وفي التمايز الدلالي بينهما، متى ما أصبحت الفكرة واقعا ماديا دلاليا معبّرا عنها بلغة يدركها المتلقي في ظاهرياتها، أو يستشعرها بما تستبطنه الفكرة من دلالات وأحاسيس تحمل فائض المعنى بلا نهاية قرائية استقبالية للنص اللغوي.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

زهير الخويلدي"الفن لا يريد تمثل الشيء الجميل بل التمثل الجميل للشيء"، تحليلية الجميل، نقد ملكة الحكم

يعتبر نقد ملكة الحكم من قبل عمانويل كانط (1724- 1804)، الذي يطلق عليه "النقد الثالث"، العمل الرئيسي للفلسفة الجمالية. درس فيه ملكة الذوق لدينا، والطريقة التي نحكم بها على العمل الفني ويقود تفكيراغير مسبوق في طبيعة الجميل. لقد أعلن فيه كونية الحكم الجمالي وميز فيه بين الجميل والرائع ونصص فيه على خلو الفن وبراءة الفنان من التوظيف والجوانب النفعية واشتغاله للفن من أجل الفن. في هذا السياق يصف كانط الحكم الجمالي بـ "أحكام الذوق" ويلاحظ أنه، حتى لو كانت مبنية على مشاعرنا الذاتية، فإنهم يدعون أيضًا أن لديهم صلاحية كونية. تختلف مشاعرنا عن الجمال عن مشاعرنا حول المتعة أو الأخلاق في كونها غير أنانية. لأنه إذا أردنا أن نحصل على أشياء ممتعة ونسعى إلى تعزيز الخير الأخلاقي، فإن الجمال مطلوب لنفسه. إن هذا الإيثار هو الذي يجعل الأحكام كونية في الذوق: "ما يرضي الجميع بدون مفهوم جميل". وبالتالي تأتي المتعة الجمالية من اللعبة بين الخيال وفهم الشيء المدرك. ملكة الحكم، التي تشكل في ترتيب ملكاتنا للمعرفة، مصطلحًا متوسطًا بين الذهن والعقل، هل لديها أيضًا، في حد ذاتها، مبادئ مسبقة؟ وماهي وظيفة ملكة الحكم ؟ وهل هذه العناصر تأسيسية أم تنظيمية ؟ وكيف تعطي بداهة قاعدة للشعور بالسعادة والألم، كمصطلح متوسط بين كلية المعرفة وكلية الرغبة ؟

هذه هي الأسئلة التي يعالجها في "نقد ملكة الحكم" والذي أحدث به كانط ثورة في مجال الفنون عندما قام بتعريف الجمال على أنه "التعبير عن الأفكار الجمالية" ؛ وهذا ما يمنحها وحدتها وقابلية الذوات للتمتع بها دون غرض. يجب أولاً ملاحظة أنه لم يبق شيء تقريبًا من مبدأ المحاكاة الكلاسيكية في نظرية كانط، حيث أن مفهوم المحاكاة بالمعنى القديم نفسه تم تهميشه في أقصى الحدود والتعويل على مبدأ التمثل الذاتي عن طريق الحكم الجمالي والذوق. فإذا بقي لها نطاق معين من وجهة نظر نقدية، فإنه بمعنى مختلف تمامًا عما كان موجودًا في السابق. ما يكتبه كانط في هذه النقطة يجب تفسيره بشكل صحيح: "كانت الطبيعة جميلة عندما ظهرت في الوقت نفسه مظهر الفن ؛ والفن لا يمكن تسميته بالجمال إلا إذا علمنا أنه فن وأنه يأخذ مظهر الطبيعة لنا". الفقرة45. يبدو أن جمال الطبيعة يتم إنشاؤه عن قصد بينما جمال أعمال البشر يحرر من الأغراض: كيف نتخيل أن مثل هذه الأشياء تأتي من الصدفة؟ كل شيء يناسب طبيعتنا ؛ كل شيء متناغم مع روحنا. ومع ذلك، فإن الشعور الجمالي يعلمنا عن الطبيعة أقل من طبيعتنا. لكن ما الفرق بين الجمال، الجيد، المفيد، اللطيف؟

الجمال هو شعور بالرضا. ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بينه وبين اللطيف. ما هو لطيف يرضي الحواس (رائحة الورود) ؛ ما هو جميل موجه للعقل (قصيدة). ما يرضي بيير لا يرضي يوحنا. لا أحد مطالب للاتفاق على الموافقة على اللون. الجمال مفروض على الجميع؛ هو هدف الرضا العالمي. الجمال نكران الذات: فهو لا يثير أي رغبة، بل إنغماس خالص في التأمل. لذلك فهي ليست مفيدة ولا جيدة: نحن مهتمون بوجود واحد مثل الآخر. إذا لم يكن الجميل خيرًا، فهو رمزه: فهو يُظهر في الواقع أن الإنسان ليس مدفوعًا بالمتعة والاهتمام حصريًا، ولكنه أيضًا، حتى في حساسيته، كائن أناني وحر. ومع ذلك، كون الحرية مؤشرًا للأخلاق، فإن الحساسية تجاه الجميل تكشف عن كائن أخلاقي. من هذا المنطلق الذوق هو القدرة على الحكم على الجميل. إنه كوني: عندما نقول عن رجل له ذوق، ندرك فيه القدرة المعصومة على الحكم على ما هو جميل وما هو ليس كذلك. ومع ذلك، فإن المذاق هو شيء شخصي، ونقول بهذا المعنى: كل شخص له ذوقه الخاص. التناقض واضح فقط: في الواقع، الذوق عالمي وذاتي. هذا هو، في حساسية كل منهما، مطابق لحساسية الجميع. نحن لسنا جميعًا حساسين لمذاق النبيذ، لكننا نتفق جميعًا على لوحة لذيذة. في هذا الاطار عمل كانط على دراسة طبيعة الظاهرة الجميلة وتحليل الحكم الذوقي وعبقرية الفنان ويرى ان الجمال هو شعور في الإنسان أكثر من ملكية شيء ما. بمناسبة وجود شيء معين، تظهر حالة ذهنية معينة، نتيجة سارة لتناغم كليات المعرفة البشرية. الجمال ليس شيئًا نفهمه، هدف فهم: يمكننا أن نجد ما نتجاهل استخدامه جميلًا. ومع ذلك، تستيقظ الكلية الفكرية بهذه المناسبة. بعد ذلك الجميل هو الشعور بأن الكائن الحالي موجود من أجل غاية، بدون، مع ذلك، يمكننا، أو علينا أن نتخيل هذه النهاية. يتم تنظيم الشيء الجميل بشكل متناغم، ولكن ليس بهدف أي استخدام يمكن تصوره. لذا فإن الجمال هو هدف الرضا اللطيف ولكن غير المثير للاهتمام، ولكنه عالمي ولكنه شخصي، ونهائي لكن لا نهائي، وضروري ولكن في القانون فقط. السامي ليست الجميل جدا، بل من طبيعة مختلفة تماما. في الجزء الثاني من الكتاب، كانط تعامل مع مفهوم الغائية، أي فكرة أن كل شيء له غاية، هدف ولكنه في الحقل الجمالي في حاجة الى نقد. في الواقع تقع الغائية بين العلم واللاهوت، ويقول كانط إن المفهوم مفيد في العمل العلمي، حتى لو كان من الخطأ افتراض أن المبادئ الغائية تعمل بالفعل في الطبيعة. ثم يعتبر كانط الغرض المدرج في الطبيعة نفسها. الغاية ليست خاصية الأشياء في حد ذاتها: نحن نفكر بها وننظم الظواهر. مثل الحرية في نقد العقل العملي، الغائية هي فكرة تنظيمية. من هذا المنظور لا يمكننا تفسير بنية الأحياء وحقيقة الظاهرة الطبيعية من خلال نظرية الميكانيكا الحية بل عن طريق مفهوم الغائية.

من هذا المنطلق تتمثل الاضافة النوعية لكانط في المجال المفهومي في التمييز الحاذق على الصعيد الذوقي بين الحكم المحدد jugement déterminant أين يكون المحمول ضمن الموضوع والحكم التفكريjugement réfléchissant حيث يكون المحمول زائد عن الموضوع. فهل أوجد كانط نظرية في الفن؟ وماهي خصائص هذه النظرية الفنية ومكوناتها الداخلية؟

عمل كانط على معرفة صلة العبقري بالإبداع الفني وحسب تصوره الجمالي تضع الطبيعة في بعض الناس موهبة خلق جميلة اصطناعية (فنية). الجمال الفني هو مجرد نوع مستمد من الجمال الطبيعي: وهو ما تنتجه الطبيعة عن طريق الإنسان. العبقرية موهبة لا يمكن تعلمها. إن العبقرية نفسها هي التي تضع قواعد الفن، وهذا يعني ما يجب أن تكون عليه لكي تتوافق جمالها مع الجمال الطبيعي. الفنان ليس لديه قواعد، بل هو أصلي؛ ولكن لأن ما ينتجه له قيمة عالمية لحساسية الإنسان، فإن إبداعاته في كل مرة مثال للفنانين التابعين. إنها تشكل الذوق من خلال إيقاظها وتطويرها. يدرس كانط علاقة الفن بالمجتمع: غالبًا ما يقترن المذاق بميل للمؤانسة. يميل المتذوق إلى مشاركة ملذاته الجمالية، لدرجة أنه في بعض الأحيان يكون قادرًا على الاستمتاع بها فقط في المجتمع. لأن جميع الناس لديهم نفس قوة الذوق، يمكنهم مشاركة نفس الرضا؛ إن مشاركة هذا الشعور هو تكوين مجتمع، بل إنه "بداية الحضارة". مجتمع الذوق يزرع ويذوق. التذوق هو كلية فطرية ومثالية في اتجاه واحد يجب أن يعمل. كما يميز كانط أيضا بين الجميل والسامي. في حين أن جاذبية الأشياء الجميلة واضحة وواضحة على الفور، فإن السمو يرتبط بالغموض وغير القابل للتطبيق. اذا كان التمثال اليوناني أو الزهرة الجميلة جميلة، فإن حركة الغيوم العاصفة أو المبنى الضخم سامية: فهي، إلى حد ما، كبيرة جدًا بحيث لا يمكن لتصورنا احتضانها بالكامل. يؤكد كانط أن إحساسنا بالسمو مرتبط بملكة الحكم لدينا، والذي يحتوي على فكرة الكلية. وهكذا، فإننا نمثل مجمل الغيوم أو المبنى، وبالتالي نحكم على سمو هذه الأعمال. لذلك فإن السمو ليس في الكائن المتصور، ولكن في العقل نفسه. على العكس، يكمن الجميل في الكائن نفسه. بعد ذلك يؤكد كانط على أهمية اللعب الحر للملكات في عملية الابداع الجمالي و يرى أنه لا يمكن مساواة الجميل بالمفيد أو اللطيف: اذ عندما نتأمل في عمل فني جميل، لا يتم ترتيب الملكات مثل الفهم أو الخيال إلى غاية معرفية، بمعنى أنه لم يتم حشدهم لاكتساب أي معرفة أو متعة من العمل المعني. بعد ذلك تكون الملكات أثناء المخاض الجمال في تجربة "اللعب الحر": فهي تتفق مع بعضها البعض، وتحفز بعضها البعض، ولا تخضع بأي حال من الأحوال لبعضها البعض. من هذه اللعبة المجانية يأتي الرضا الجمالي. اللافت للنظر في الفقرة 46 من نقد ملكة الحكم هو أن كانط كشف عن الشخصية العبقرية التي تعتبر مبدأ لإنتاج العمل الفني. عندما أقول أن شيئًا جميلًا، فإنني أحكم على المذاق، وهو حكم تكون طبيعته متناقضة بقدر ما هي مفاجئة. في حين أنها تدعي أنها عالمية، لا يمكن إثبات حكم الذوق. إذا كانت أمام لوحة أعتبرها جميلة، أخبرني شخص ما بعدم الموافقة على حكمي، فلا يمكنني أن أثبت له أنه مخطئ لأنني لا أستطيع إثبات أنني على حق. إذا استطعت، فلن يكون حكمًا على الذوق يُظهر المتعة الشخصية بل حكمًا من نوع علمي. الحقيقة هي أنني ما زلت مقتنعا بأن خصمى يجب أن يجد هذه الطاولة جميلة. هذه النقطة الأخيرة مثيرة للاهتمام. لأنه إذا كان حكم الذوق يدعي العالمية، فهو أن العمل الفني ليس نتاج خيال خالص غير منظم. كل عمل فني يطيع القواعد التي ليس من السهل دائمًا تفسيرها ولكنها تدعم الشعور بالوحدة الذي ينبثق عنها. وبالتالي فإن الهدف من دراستنا هو اكتشاف أصل العمل الفني وبشكل أدق من هذا النوع من الانتظام الداخلي للعمل والذي يكون تفرده بسبب عدم إمكانية تفسيره. من خلال التأكيد، هذا هو عنوان الفقرة 46، أن "الفنون الجميلة هي فنون العبقري"، قد يعتقد المرء أن كانط يعرف الفنون الجميلة، وبعبارة أخرى ما نسميه الفن. أعتقد أن هذا ليس هو الحال لأنه في هذه المرحلة من التحليل الكانطي، يعتبر الجميع طبيعة الفن الذي عارضه كانط حتى الآن الطبيعة والتقنية و العلم. ما نتحدث عنه هنا هو عبقري، والغرض من التعريف الذي قدمه كانط هو شرح طبيعته. وتجدر الإشارة إلى أن اسم "عبقري" يظهر هنا لأول مرة في الكتاب. والمشكلة التي تنشأ بعد ذلك يمكن صياغتها بوضوح: ما الذي يجب أن يكون عبقريًا بحيث يمكن اعتباره أصل إنتاج الأعمال الفنية؟ أخيرًا وليس آخرًا، هل من المؤكد أن الشخصية الاستثنائية للفنان العظيم هي مسألة عبقرية وليست تقنية؟ أليس العبقري هو هبة الطبيعة.؟

والحق أن العبقرية هي "الموهبة التي تعطي القواعد للفن": لذلك تعد الأصالة أهم خصال العبقري ولكن يجب ان تقترن بالذوق السليم والخيال المبدع. يبدو أن مفهوم العبقرية هو بالفعل المصطلح النهائي في التفكير الكانطي في الفن، وهذا هو السبب في أن كانط يشير أيضًا إلى أصل كلمة "عبقرية"، عبقرية معنياً، بالمعنى الديني، "الروح المعطاة عند الولادة لرجل لحمايته وتوجيهه". هذا التقارب بين المعنى الجمالي والمعنى الديني لمفهوم العبقرية لا يعني أن الفنان الرائع مستوحى من الآلهة. لقد رأينا إلى أي مدى يرفض المنظور الكانطي هذا المفهوم. إنه يظهر بلا شك أن العبقرية، مثل الإلهية، هي سبب مطلق وغير مسبوق كما قلنا أعلاه، نقطة بداية لا يمكن تفسيرها ولكن يجب علينا مع ذلك أن نعترف بما أن هناك أعمال الفن وأن هذه ممكنة فقط إذا اعتبرنا العبقرية أصلها. يبدو من المقبول التأكيد على أن العبقرية يمكن أن تعطي الأمل في حل تناقضات الجماليات، حيث يتم التوفيق بين القاعدة المناسبة للفن وحرية المبدع. ولكن إذا كان يشير إلى فكرة شائعة – فمن ينكر أن باخ أو فيرمير عباقرة؟ - ومع ذلك، لا يزال هناك نوع من اللاعقلانية لأنه لا يزال غير مبرر. يتم استنتاجه كشرط لإمكانية العمل الفني ولكن لا يتم تحليله في علاقاته مع المجتمع أو التاريخ. ولا يتساءل كانط أيضًا عن المعنى التاريخي والاجتماعي الذي يمكن للمرء أن يعطيه لوجود العباقرة. مشكلتها الوحيدة هنا هي مشكلة الإبداع الفني التي يمكن فقط بشرط الاعتراف بمبدأها الأصل الذي ليس له أصل، مبدأ، في الواقع، غير مشروط، غير افتراضي، محرك أول الفن: عبقري. فماهي التأثيرات التي حصلت في حقل فلسفة الفن نتيجة تغيير كانط البارديغمات المتبعة في التمثل والخلق والتعبير الجمالي؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.......................

المصدر:

Emmanuel Kant, critique de Faculté de juger, 1790, édition Gallimard, coll, Folio-essais, Paris ,2008.

عمونيل كانط، نقد ملكة الحكم، ترجمة غالب هنا، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، طبعة 2012.

 

علي محمد اليوسفتصدير: أعرف جيدا لا جدوى رغبتي  زرع الالتزام بالفلسفة،لكن أيماني العميق الراسخ أن ألانسان أغلى قيمة بالحياة تجعلني لا أييأس من تكرار المحاولة. (ع)

تقديم:

سبق ونشرت مقالة فلسفية اولى بعنوان (نقد فلسفة اللغة والمعنى) كمفهوم عام رافق انبثاق نظرية المعنى وفلسفة العقل كتيار فلسفي طاغ منتصف القرن العشرين، وأعقبته بمقال ثان يشتغل على نفس الثيمة في نقد فلسفة اللغة بعنوان (فلسفة اللغة وتغييب الواقع)، وهذه المقالة الثالثة في نفس الموضوع الذي وجدت أنه يحتاج الى مؤلفات عديدة يكتبها غيري وليست ثلاث أو اربع مقالات متناثرة لي...

اذا اردنا توجيه نقد فلسفي معمّق لما جاءت به فلسفة اللغة والتحول اللغوي من انحراف فلسفي غير طبيعي ولا أقول عنه تنظير فلسفي متجدد بمقدار ماهو محور ارتكاز دوران حول قضية لغوية تجريدية لا نفع قصدي معرفي متوقع منها، تبّنته بداية بشكله غير المتبلور بتطرفه الحالي تقريبا وفتحت أمامه الطريق واسعا الفلسفة البنيوية لتعقبها في التعكز المجاني عليه فلسفة جاك دريدا في التفكيكية بتطرف أكثر حدّة لتنبري بعدها على نفس التعميق الممنهج التاويلية والتحليلية والعدمية والمنطقية الحديثة في استئثار محور نظرية المعنى في اللغة عوض الاهتمام الفلسفي بمناحي انسانوية أخرى وجدوها تجاوزها الزمن بحسب اجتهادهم الفلسفي في محاكاتهم التماهي مع ما بعد الحداثة، فليس من حقائق مرجعية هناك بقيت مثل العقل والانسان والوجود والحياة ولا الطبيعة ولا الميتافيزيقا ولا الايديولوجيات كسرديات شمولية أستهلكت نفسها بالتطبيق الفارغ من المعنى المطلوب تحقيقه،..

لقد وصلت المعرفة الانسانية حسب فلاسفة اللغة ونظرية المعنى اليوم مرحلة لم يعد هناك حقائق أو قضايا تستحق الاهتمام الفلسفي بها والاولى الأهم تدارك الخلاص من التضليل الفلسفي الذي أوقعتنا به نظرية المعرفة والعقل والوجود والانسان والعلم وغير ذلك قرونا طويلة لنجد انفسنا أمام حقيقة أن الفلسفة لم تقل شيئا جديرا يستحق البناء عليه أورثه لنا تاريخ الفلسفة قبل وجوب مراجعتنا تصحيح كل الاخطاء الموروثة التي أوقعتنا اللغة بها في تضليل يقوم على أزدواجية الاضمار اللغوي الباطني في مخاتلة اللغة تضييعها المعنى في الظاهرالسطحي الالتباسي من التعبير على حد تعبير فلاسفة انصار نظرية المعنى والتحول اللغوي في الفلسفة.

لا يخفى على قاريء متابع بالحد الادنى ثقافيا ولا أقول فلسفيا ألا استوقفته فلسفة اللغة والمعنى ونظريات التحول اللغوي وما راكمته من تجريد فلسفي لغوي تحليلي صرف زاد في ترّهل التجريد الفلسفي التاريخي المتوارث الممتد عبر قرون طويلة في منهج أعتمدته فلسفة اللغة في الابقاء على أهمية التوازي الفلسفي مع الواقع الانساني السيسيولوجي لا يقاطعه ولا يحتدم معه في تخارج ألتأثر وألتأثير.فالفلسفة بكل مباحثها من ضمنها نظرية المعنى لم توجد لمهمة تغيير الحياة بل وجدت لفهم الحياة بمنطق الفكر اللغوي المجرد حسب أصحاب نظرية المعنى اللغوي المعاصرين.

نستطيع القول دونما الانزلاق الى مواقع السرعة في أصدار الآراء الى حقيقة أن الفكر المعرفي من أي منبع وأي شكل أتى لا يلتزم الانسان ومصيره وجودا انسانيا أفضل... مستقبله نحوحتمية الاهمال والزوال....وأذا ما أنبرى أحدهم القول أن الفلسفة كتجريد والالتزام كصيرورة واقعية تاريخية مسيران متوازيان لا يلتقيان ولا يتكاملان، فجوابنا أن أبرز فلاسفة الالتزام كان سارتر وعديدين آخرين أقتفوا أثره من بعده،حاولوا جعل الوجودية فلسفة ملتزمة ولو اقتصر الامر عندهم على الادب فلسفيا. علما أن الوجودية فلسفة أمعنت في تمجيد الذات وأعلائها شأن الفردانية بالحرية المسؤولة والوجود القلق بما يكون سببا كافيا يلغي ويسقط عن الفلسفة الوجودية نزعة الالتزام بقضايا الانسان أيجابيا...فالالتزام بالوجودية هو منتهى السلبية في المفهوم الاستعاري الذي نفهمه ايديولوجيا،.. لكنها أي الوجودية التزمت الانسان كمصير فاجع بالحياة ولم تفهم الالتزام بمستقبل افضل له لا يلوح بالافق.

هذا التفريق الوجيه الصحيح لا يلغي مبدأ الالتزام بالانسان كوجود ومصير بغض النظر عن الفهم المحدود الذي يرى الالتزام هو في تنمية الجوانب الانسانية المتفائلة مستقبليا فقط.

وأذكر بهذا الصدد أن شيخ فلاسفة القرن العشرين الانكليزي براتراند راسل صاحب التحليلية المنطقية الحديثة رغم معارضته منذ معاصرته الاكاديمية لفينجشتين في رسالته الفلسفية المنطقية وفلسفة اللغة والمعنى التي باتت صلب الاستغراق غير المسؤؤل في تاكيد أجترار النحو اللغوي الصرف الذي سيقود الفلاسفة الى أن يصبحوا علماء أختصاص باللغة وليس فلاسفة معرفة تبحث عن معنى وجود الانسان : قال راسل تعريفي للفلسفة أنها نظام منطقي يحاول فهم الحياة بمغايرة جديدة غير مألوفة وليس من مهمّاته تغييرها.. في تكريسه نزعة فلسفية مثالية تسعى تجذير منهج الضياع والتيه في مراكمة تجريد اللغة فلسفيا وترهلها الزائد غموضا في أنهمام الدوران حول محورية النص قراءة تجريدية بما هو تخليق لغوي يحمل فائض معنى غائب على الدوام. ومن الواضح في عبارة راسل الرد المبّطن على عبارة ماركس الشهيرة الفلاسفة أكتفوا بتفسير العالم بدلا من السعي لتغييره.

وفي مشادّة كلامية حدثت بين راسل وفينجشتين في أحدى المؤتمرات الفلسفية، خاطب هذا الاخير قائلا: أنك يا راسل لم تفهمني فهما صحيحا يوما ما على الدوام، فأجابه راسل ببرود الانكليزي وحضور حجته البديهية أجلس مكانك فأنت لا تستطيع التعبيرفلسفيا عما تريد توصيله من معنى.علما أن راسل كان كتب مقدمة رسالة دكتوراه فينجشتين(رسالة منطقية فلسفية) وأجازها اكاديميا هو وجورج موربالاشراف عليها ومناقشتها.. ويعترف راسل أنه لا يعيبه تبديل آرائه الفلسفية على مدار الساعة.

فلسفة اللغة ونظرية المعنى رغم الجوانب التي أستثمرها بعض الفلاسفة بمنهج متوازن حينما لم يصادروا خاصية اللغة الفكرية أنها نتاج عقلي متطور انثروبولوجيا - سيسيولوجيا رافق تاريخ الانسان بالاحتدام مع واقع الانسان بالطبيعة والتقاطع معه من أجل تغييره، منذ تلك الاحقاب السحيقة لم يكن الانسان مهادنا الطبيعة منقادا محايدا لها ومتكيّفا كالحيوان معها بالفكرالسلوكي القطيعي، ميزة الفكر الحيّة هي الخاصّية أنثروبولوجيا أن الفكر لايوازي الحياة ولا يبني نظاما له من الخيال اللغوي الوهمي الاعزل في التماهي مع موازاة ما تجيء به الطبيعة من كوارث تلحق الاذى بالانسان لم تكن الطبيعة لها دورا سببيا بها، لذا أراد الانسان التغيير بالفكر الذكي محاولته أسترضاء مسبب هذه الكوارث والظواهر الطبيعية التي لا يجد تعليلا شافيا لها وما ينتابه من خوف منها فأوجد قيمة العبادة بالفكر الاعزل بأسترضاء الالهة فقط بما يخدم سلامة بقائه علي قيد الحياة على الاقل.

وفيما أعقب ذلك من ازمان وجدنا الايمان بالاله يصادر الفكر الذكي الواقعي عند الانسان ليس في مهادنة الواقع ولكن في محاولة درء الكوارث بالغيبيات الميتافيزيقية بما يبعد أذى الطبيعة عنه وأدامة بقائه. بمعنى التعبير عن الارادة الانسانية الفاعلة في تغيير نمط الحياة بالفكر الاعزل الذي لا يعرف التجربة ولا التطبيق عصرذاك. منذ تلك الازمان السحيقة كان الفكر ملازما نقده الوجود الانساني في نشدان الافضل وليس مهادنة الطبيعة في التكيّف السلبي معها، الذي هو ميزة تكّيف الحيوان مع الطبيعة في الانقياد القطيعي السلبي لها. تكيّف الانسان الايجابي مع الطبيعة كان في التمرد عليها ومحاولته أخضاع معطياتها وظواهرها بما يخدم تقدمه بالحياة. حينما كانت فلسفة الدين هي الفلسفة الاولى في القرون الوسطى الاوربية، كان ذلك أحد اسباب الانحطاط الحضاري في دول اوربا قاطبة، فالكنيسة التي قادت الدين بسطوتها اللاهوتية الوضعية، أنما قادت الفلسفة وجعلتها تابعة وراء ما يقوله الدين في الكنيسة وليس وراء ما تقوله تعاليم المسيح في الانجيل الذي تعددت نسخه الكاربونية المكتوبة، كما هو الحال اليوم في قيادة فلسفة اللغة الفكر التنويري عبر أدخاله نفق العدمية في تراكمية البحث عن المفقود في اللامعنى أو بالاحرى في المعنى المصادر لغويا

مايهمنا لو نحن حاولنا سحب بعض من هذا الاسقاط الانثربولوجي على واقع الفلسفة المأزوم بملاحقة تجريد معنى اللغة عندنا اليوم لكنا نرفض مصادرة الوسيلة التغييرية للفكرفي تاكيد مساره المنحرف المتوازي مع الواقع الانساني كما ترغبه فلسفة المعنى والتحليل اللغوي التراكمي وليس ما ترغب تحققه الحياة في طبيعتها المتطورة نحو الافضل على الدوام.

نخلص الى القول لا يوجد فكر أبتدعه الانسان في مساره التاريخي حتى الفكر الديني المقدس منه على لسان الانبياء لم يكن محتدما اصطراعيا مع واقع الحياة في وجوب التغييرنحو الافضل. الفكر المهادن الذي يوازي الواقع ولا يحتدم معه ولا يقاطعه لا يحمل معنى الفكر الحقيقي ولا قيمة تاريخية له.ولو لم تكن الاديان في جوهرها الميتافيزيقي الغيبي غير التطبيقي سوى على صعيد تنظيم السلوك والاخلاق والقيم الرفيعة التي تهتم بسعادة الانسان الارضية والاخروية لكانت الاديان اندثرت من حياة الانسان منذ ازمان أذا ما اسقطت من أهتماماتها الانسان قيمة عليا بالحياة. ولم تلعب دور الريادة في تقاطعها مع الانحراف الدنيوي.

من المسائل التي نتجاهلها اليوم أن الفلسفة الاوربية التي نستنسخها في التراجم وكتب العروض الهامشية العربية لا تصنع الحياة في أنقيادها وراء الايديولوجيا السياسية ولا الاقتصادية ولا العلمية الصرفة أو أية معرفة أخرى ، بل هي تترك ما لقيصر لقيصر. وتعمل على استمرارية تاريخ الفلسفة يسير في متوالية نقد المعنى في اللغة المجردة بلا حدود ولا معنى متحقق من هذه العملية، وهذا يثير حفيظة بعض حفظة صرعات الفلسفة الغربية عندنا من العرب بموقفهم الملكي أكثر من الملك بأن الفلسفة ليست ايديولوجيا تغيير بل هي حرث في بحيرة عن كنز المعنى المفقود في موجود معنى اللغة الضائع.

نظام اللغة في موازاة نظام الاشياء

اللغة فضاء من التعبير المتعالي على نظام الاشياء في وجودها المادي أو حتى الخيالي كمواضيع، وتفتقد اللغة تجريدها المنفرد في موضعتها داخل تركيبة ادراك الاشياء كمتعينات موجودية في حياة الانسان. بهذا المعنى تكون اللغة أكتسبت هويتها الواقعية الجمعية في فقدانها هويتها الانفرادية التجريدية بالوعي الفكري الانفرادي. أكتساب اللغة مجتمعيتها وسيسيولوجيتها الطبيعية هو في نفاذها الى أعماق الاشياء بدلا من التسطيح الوجودي التعبيري الذي تعيشه اللغة منعزلة عن محيطها الحيوي التعبيري الذي هو عالم الموجودات في الطبيعة وفي  الحياة التي نعيشها وتعيشنا.

اللغة لا تكتسب هويتها الجمعية في أعتبارها موضوعا تحليليا تراكميا محوريته نظام المعنى الخصائصي كلغة مرتكزها نحواللغة وقواعدها التركيبية والمجازية والتوليدية والاشتقاقية في البحث عن معنى دلالي في تشكيل هويتها التجريدية ذاتيا بل تكتسب اللغة هويتها المجتمعية كنظام سلوكي في التعبير عن العالم الخارجي بنظام تعبّر عنه اللغة كشكل ويكتشفه الفكركمضمون في موجودات عالم الاشياء وليس باللغة كتعبير دلالي مجاله نحو وقواعد استعمالات اللغة بما هي لغة ادب ونص في متراكم المعنى المضاف لها قرائيا تداوليا في مسلسل لا نهائي في أختلاق تحليلية لا حصر لها من التأويل المضاف المتراكم غير المنفرز خطأه من صوابه كونه لا يستند الى مرجعية لا في العقل ولا في قبلية النص بعد عملية تخليقه التحليلي مرات تليها مرات.

محاولة تفسير ظواهر الحياة في متراكم تجريد اللغة لا يجعل من الواقع الانساني يتحرك قيد سنمترا واحد، التوازي اللغوي مع الحياة الذي تعمل فلسفة اللغة عليه كثيمة مستحدثة بكل طاقتها اللغوية المجردة مضيعة وقت في قضية فلسفية لا مستقبل ينتظرها ولا واقع ميداني يؤيدها.

من الامور التي يصعب تمريرها بسهولة أن فلسفة اللغة ونظرية المعنى أضافت بعدا تجريديا ثالثا على تجريد اللغة في توازيها مع الواقع وعدم الاحتدام به من أجل تغييره أعمق بكثير مما دأبت تاريخية الفلسفة التغذية به والتناسل البقائي بممارسته على أمتداد قرون طويلة جدا من هراء التوازي الفلسفي مع الواقع الانساني وفي تهميش حيويته بالتخارج النقدي مع الفكر.

ما يحسب للايديولوجيا السياسية بغض النظر عن مجالات الصح والخطأ في التطبيق هو أنها نقلت الفكر من تجريد اللاواقع الى ميدان تطبيق الواقع... رب أعتراض مقبول يذهب الى أن الفلسفة ليست نظرية في الايديولوجيا وأنما هي فهم تجريدي منهجي نظامي نسقي كلي متقدم لفهم العالم بطرق واساليب غير معهودة سابقا في سياقاتها التعبيرية التي نعيشها برتابة اشباع غرائز البقاء البيولوجية فقط.

في جزء من الاجابة لماذا تخاف الفلسفة من تذويت خصائصها التجريدية في منظورات الايديولوجيا، ولا يصح العكس؟، مخافة الايديولوجيا انغماسها بالتجريد الفلسفي أن يجعل منها نظاما لا واقعيا؟ لقد حشرت الفلسفة نفسها في المنطق وفي الرياضيات وفي مختلف العلوم الطبيعية وفي التاريخ وفي الانسنة الانثروبولوجية ولم تزحزح الفلسفة تلك المجالات عن نظامها الخاص كمفاهيم تعمل بمعزل عن الفلسفة لانها ليست ارادة تغيير بل هي ارادة فهم وتفسير فقط ، وبقيت الفلسفة تركض لاهثة وراء مجالات التطبيق في العلوم والحياة والتاريخ ولكن بلا جدوى توازي متحققات العلوم والايديولوجيا في التقدم الى أمام بالحياة بما هي حاضر في صيغة المستقبل..

لماذا يتم التغاضي عن الواقع الخارجي كنظام قائم بذاته في فلسفة اللغة ونظرية المعنى حين تكون اللغة تجريدا نقديا لماهيتها كلغة لها قوانينها الخاصة في النحو والقواعد والتركيب والتوليد والمجاز والاشتقاق وغيرها من قواعد وضوابط نظام اللغة التي تحدّها من حيث هي نظام في ملاحقة معنى الدلالة التجريدية المعبّرة عن الاشياء (لغة) فقط وليس من حيث هي تعبير عن المعنى المكتشف أو الواجب معرفته في نظام وعالم الاشياء بما يطورها ويغيرها كمفاهيم تقوم عليها حياة الانسان.

تجاهل فلسفة اللغة والمعنى لأهم ميزة في طبيعة اللغة هو أنها وسيلة تغيير الواقع بالتخارج معه تطوريا هي الاخرى، اللغة في تطويرها الواقع تكتسب هي ايضا فاعلية التغيير والتطوير من الواقع وعالم الموجودات.

معنى الاشياء في فلسفة اللغة وفائض المعنى هو نظام مواز منفصل تماما عن معنى نظام اللغة كخاصية تجريد فهمها وليس لفهم العالم بها ومن خلالها، نظام تمتلكه اللغة كمقومات بنيوية غير مستمدة من تأثيرات المجتمع ولا من تأثير هذا الاخير على نظامها الخاص بها. هذا ما تروّج له وتبتغيه تحليلية فلسفة اللغة والمعنى بما هي نظام لغوي مستقل لا علاقة له بالانسان ولا بنظام الموجودات في العالم الخارجي.

فلسفة اللغة والمعنى نسق تجريدي يوازي نظام الحياة ولا يقاطعه. نظرية المعنى في فلسفة التحول اللغوي تعتبر اللغة نظاما يمتلك خاصية التجريد والانفراد الذي لا يلزم ولا يترّتب على فهمه وتعديله والاضافة له معرفة حقيقية لوقائع الحياة التي تحكمنا ونتحّكم بها جدليا، فاللغة لم تعد في نظرية المعنى ظاهرة مجتمعية تواصلية وتداولية سلوكية سوى على مستوى التسطيح المفهومي بالقياس المقارن لخصائصها الفلسفية الجديدة المستحدثة كنظام تجريدي قائم بذاته ولذاته فقط.

هناك حقيقة يحاول البعض القفز من فوقها تلك هي من الصعب الموائمة بين من يعتبر نظام عالم الاشياء هو تجريد لغوي مقفل معناه بالذهن الصامت على نظام اللغة الداخلي وليس بالجدل المادي مع تخارجه الموضوعي. وهو ما تتبناه فلسفة اللغة ونظرية المعنى في التفكيكية والتاويلية على وجه الاستشهاد بهما. وبين من يعتبر اللغة نظام أجتماعي سلوكي مرتبط أشد الارتباط في تسيير أمور الحياة التي يحياها الانسان ولا تعيشها اللغة منعزلة عنها وحدها، وهو ما تدور حوله جميع الفلسفات المادية المعاصرة التي أنحسر بريقها بعد تعثّر النظريات السياسية التطبيقية الاعتياش عليها كايديلوجيا مجتمعية تهتم بمستقبل الانسان أنتهىت من تاريخ الفلسفة.

حين يعتبرعالم اللغة الفيلسوف جومسكي اللغة توليد فطري انفرادي لا مجتمعي ولا سلوكي لملكة عقلية ذكية يمتاز بها الانسان عن الآلة وعن الحيوان ، نجده يدين المنهج السلوكي النفسي في مجتمعية اللغة الذي يعتبر اللغة تكيّف أجتماعي سلوكي متطورمتعايش في تداخل اللغة كظاهرة أجتماعية يتناسب تطورها الذاتي طرديا مع تطور دورها كسلوك مجتمعي وظائفي تواصلي تاثيري جدلي في حياة الانسان.

وهذا الفهم لا يقدم ولا يؤخر أذا ما كانت اللغة تولد كغريزة فطرية ملازمة للطفل تبتدعها وترعاها بالتنمية المستدامة قابلية الفرد التوليدية الذكية للغة، أو أذا كانت اللغة ظاهرة مجتمعية تتطور جماعيا سلوكيا ولا تلغي ابتكارات الفرد التخليقية التوليدية في أغنائها.فاللغة أبداع توليدي فردي لا يتكامل بالنمو المطرد الا في وسط مجتمعي يحتويها. ويعبر كواين أن اللغة هي فن أجتماعي، وكان فينجشتين عبّر عن معنى أعمق حين وصف تخييل اللغة هو تخييل لتصور ما يجب أن تكون عليه الحياة. ولم يقل ما يجب ان تكون عليه اللغة.

هل أهمية اللغة تجريد يوازي الواقع ولا يقاطعه بالتغيير؟

البحث في المجردات الفكرية في نظرية المعنى لا يمنحنا وحده منفردا المعنى الحقيقي لقضايا الحياة التي هي مصدر افكارنا ولغتنا الحية التي نعيشها.فاللغة كائن أجتماعي حي تستقي حيويتها الوجودية التطورية حضاريا من واقع عالم الاشياء الديناميكي المتطور انثروبولوجيا مجتمعيا. وتجاهل هذه الوسيلية الوظيفية اللغوية المعرفية يراد لنا منها التسليم بما أطلق عليه الفلاسفة (الذرية المنطقية ) في التحليل اللغوي عند فينجشتين والتي أصبحت مقولة أرتكازية أعتمدتها الفلسفات البنيوية ، التفكيكية ، التاويلية ، مفادها يجب على المنطق اللغوي تحقيق نوع من التوازي مابين الانطولوجيا وما بين اللغة ، هذا التوازي الافتعالي الذي تكرسه وتبحث تجذيره فلسفة المعنى في اللغة والذرية المنطقية هي تمثل واقعة وجوب انفصال المعنى اللغوي التجريدي عن نظام معنى الاشياء في وجودها الواقعي المستقل كنظام يحكم حياتنا وينظمّها ولا مجال التكامل ولا التكافل بينهما في تحميل اللغة معنى لا علاقة له بتوسيل اللغة اداة وصول وظائفي يقود الى معنى نظام الاشياء بالحياة.التوازي الذي تنادي به فلسفة اللغة في نظرية المعنى بين نظام اللغة الهوياتي الخاص بها كرموز تعبيرية وعلامات صوتية أيحائية، وبين نظام الاشياء الذي تحكمه أستقلالية الموجودات، يجعل من مبحث اللغة في نظرية المعنى يحرث في مياه بحر بعيدا عن الواقع كجزر أنقاذ له يتجاهلها.ربما كنا نحن الشرقيين نفهم الامور دائما بجدية اكثر من اللازم.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

ملخص: مع ثورة الأخلاق ضد الأنطولوجيا، لم تعد مسألة أكون أو لا أكون هي المهمة، بل ثمة مسألة أكثر عمقا وأهمية من سؤال الكينونة  وصراعها مع العدم أو النسيان، إنها مسألة المسؤولية عن الآخر، ومسألة أن أكون إنسانا أخلاقيا أو لا أكون، لذلك علينا أن نهجر مخدع الكينونة ونمضي صوب الأخلاقي، ليبقى الهّم الأكثر للإنسان هو المسألة الأخلاقية التي تربط بين بني البشر وليس كينونة الوجود. فالانهمام الإيتيقي يسبق كل انهمام أنطولوجي. "الأخلاق سابقة عن الأنطولوجيا، فخلف حضور الإنسان هناك أسبقية التعامل مع الآخر. فالأنا المتعالي في تجرّده يعود ويستنهض عن طريق  ومن أجل الآخر"(1)

يعبّر ليفناس عن "الآخر" وعن تأثيراته على "الأنا" في تفاعلاته معها بمصطلح "الوجه" (VISAGE) إنه أثر الإله والموضع الذي تتجسد فيه كلمته." لا يمكنني تحديد أي شيء عن طريق الإله. لأنه هو الإنساني من أعرفه. وإنه الإله الذي يمكنني تحديده من خلال العلاقات الإنسانية وليس العكس (...) إنه من مفردات العلاقة مع الغير، أستطيع التحدث عن الإله"(2)

و"الوجه" ترجمة أصيلة عن المسؤولية، لكن ليس كما يفهمها سارتر، حيث يجعلها تقيّد "الأنا"  وتهدده  وتعبّر عن جحيم "للأنا" في تحديد حرياته من طرف "الآخر" الذي يراقبه، بل يصرّح ليفناس بأن "الوجه" يمثل نمط المسؤولية الأكثر أساسية، فوجه الآخر باعتباره كذلك يمثل الاستقامة فهو يعني علاقة بالنزاهة،  وفي العلاقة الناشئة بين "الأنا" و"الآخر" من خلال واسطة لغة الوجه، المتمثلة في تقاسيمه وتعابيره تنتج " محادثات عبر فهم الرسائل التي يوجهها الوجه"(3)

كما لا ينبغي النظر إلى "الوجه" (الآخر) على أنه طرف مقابلة تحتكم بقانون التحدي والاستجابة أو الفعل ورد الفعل، الذي يرجّح في الأخير كفة على الأخرى. فحسب ليفناس "الوجه" يمثل "عينان، أنف فم (...)، الوجه عند ليفناس هو أول شيء يرى للآخر وهذا الوجه ليس بريء. من خلال ضعفه الذي يذكرنا بالضعف الملازم للطبيعة الإنسانية، هذا الوجه ينادينا. إنه يمنحنا مسؤولية  اتجاه الآخر. إنها أول خطوة للأخلاق التي تتجنب إقصاء الغير، وفي نفس الوقت الاعتراف به في غيريته. إنها إذن أول مرحلة للفلسفة التي تموضع "الغير" في قلب علاقاتنا مع العالم.(4)

إن تأويل لفيناس للوجه، باعتباره  تعبيرا عن "الآخر" الذي يتفاعل معي ضمن العديد من الضروريات الحياتية التي تجمعنا، يظهر "الآخر" في حاجة إلى "الأنا" وكأنه يطلب منها المساعدة أو الإشراك في أمر ما حيث أن إقصاء الأنا للآخر يجعله مسؤولا عن موته، بل ويجعله مسؤولا عن قتله، لأنه رفض التفاعل معه ليتركه يموت في وحدته. "إن "الأنا" مذنب اتجاه "الآخر" وملزّم به، ومسؤول عنه، في علاقة أسأل فيها نفسي من هو الأولى؟!".(5)

إنها رؤية رومنسية محضة عن "الآخر"، بحيث من خلال النظرة (Le Regard)، يمكن أن نقرأ في وجه "الآخر" العديد من التعابير، فإما استدراج واستدعاء، أو التماس واستنجاد.. وكأن وجه الآخر يخاطب الأنا بقوله:  أرجوك لا تتركني أموت في وحدتي، وإن أردت أن تقتلني بفعل ذلك، فأنظر إلى وجهي، فإنك لن تفعل. إن الوجه يستدعيني دون أن أستطيع تجاهل نداءه أو نسيانه.

وإنني هنا لأستحضر وجه الطفل الذي يتوّسل شيئا ما من أمه أو والده، يتوّسل وملامح وجهه تقول للمخاطب أنت لن تستطيع بتأثير تقاسيم ومعاني هذا الوجه أن ترفض لي طلبا،" الأنا لا يمتلك فقط الوعي بالإجابة، وإنما يتعلق الأمر بإلزامية وواجب خاص، الذي من خلاله يقرر الاستجابة"(6)

فتستجيب "الأنا" أمام مغريات ّالآخرّ أو لالتماساته فيوّلد لدى "الأنا" مشاعر الحب أو الشفقة. وإما على العكس، تعابير وجه طفل يعنفه والده أو آخر قريب كان أم غريب، وكأنه يقول له: أرجوك لا تضربني أو لا تؤذيني، لا تقتلني.

ويؤكد ليفناس على ذلك بقوله:"(...) هكذا فإن "الوجه" يخاطبني قائلا: لن تقوم بالقتل أبدا، ففي العلاقة بالوجه يتم التنديد بي كمغتصب لمكان الآخر (...) وبالتالي، فإن واجبي المتمثّل في الاستجابة للآخر يعلّق حقي الطبيعي في البقاء كحق حيوي".(7)

إن اللقاء مع "الآخر" يتحدد من خلال حضور الوجه وزيارته "إن زيارة (Visitation) "الوجه" ليست إذن انكشاف العالم في محسوساته، الوجه مجرّد أو متعّر، لقد تجرّد من صورته الخاصة من خلال عراء الوجه(...) إن دلالة الوجه في تجرّده، بالمعنى الحرفي للكلمة، خارق للعادة، خارج عن كل نظام، وعن كل أحد (...) وتجلّي الآخر مطلق الآخرية في غيريته  وعرائه وتجرّده وهو يناديني ويأمرني بأن استجيب له".(8)

هذا يعني تقبّل وقبول النداء والاستدعاء والائتمار بأمر الآخر، كوجه متجرّد ضعيف وذلك بالإجابة بنعم كبرى !. وليس ذلك التجرّد، بالتجرد الذي يظهر عند كشفنا الحجاب أو النقاب عن شيء متخّفي، بل إن التجرّد الحقيقي هو وجه الآخر كظهور يتوّسل إلينا. إنه ذلك الوجه الذي يأتي إلينا من الخارج.(9)

كما يمثل "الوجه هوّية خاصة، تحمل خصوصيات ذاتها للأنا والآخر من خلال الجلد، تقاسيمه وخطوطه الآثار المحفورة فيه، أي أنه يمثل كل لحظات الحضور للآخر".(10)

إن المسؤولية اتجاه "الآخر" عند ليفناس، ليست رهينة تجربة الوعي أو وعي التجربة، كما هو الشأن عند سارتر، إنها مسؤولية مطلقة لانهائية وتجربة أخلاقية، والوعي بالحاجة إلى الآخر، ينكشف من خلالها كوجيتو جديد، هو "كوجيتو الوجه". إنه في الحقيقة كوجيتو عاطفي أخلاقي: أنا أعاني، أنا أتمتع.. إذن أنا موجود".(11)

إن تعابير هذا الوجه ومساءلته تجعل الأنا يشعر بالمسؤولية عن كل ما يحدث للآخر، بل ويكون أكثر مسؤولية من غيره، بحيث لا يلزم الآخرين ولا يلق عليهم اللوم، إذ أنه وحده المسؤول ووحده الملام. إلا أنه، حسب ليفناس، قبل الكوجيتو هناك تحية عند اللقاء (Avant le cogito, il y a bonjour). ذلك لأن الأخلاق في فكر ليفناس تمثل حدث (Evènement)، إنه حدث لقاء مع الآخر الإنساني، الذي نبادره بالقول: بعدك سيدي.(12)

وهذا ما جعل ليفناس يتبنى فكرة  دستويفسكي*(1821ـ 1881) التي تقول "كلنا مسؤولون أمام الكل عن كل شيء وعن الجميع، وأنا أكثر من الجميع مسؤولية".(13)

" إن وجه الغير(Autrui) يضعني موضع مساءلة، يفرغني من ذاتي نفسها، كاشفا لي دائما عن مصادر جديدة(...) إنني أجد نفسي أمام الآخر الذي لا يمثل: لا دلالة ثقافية، ولا معطى بسيط، إنه معنى أولي مستعد للتعبير عن نفسه، إنه عن طريقه فقط كظاهرة، دلالة ما ستنتج عن الأنا في الوجود".(14)

وما يجعل الأخلاق سابقة على الأنطولوجيا ومنفتحة عليها، كونها تحتكم للإمكان وممكنات التحقق لا الوجوب، وبعيدة عن ضرورة الأنطولوجيا، بل قد تتحول إلى ضرورة أخلاقية اقتصادية أيضا، حيث "سيصبح الذهاب إلى الغير بأيد فارغة بخلا. هذا ما يجعل الأنا تضطلع بمسؤولية لا مشروطة أمام الآخر دون أن تكون تبادلية أو تماثلية "أنا كريم اتجاه الآخر، ولا يلزم أن يكون ذلك الكرم خاضعا للمبادلة"(15)

بينما الضرورة والإلزام في الأخلاق مصوّبان نحو "الأنا" دون مطالبة للآخر ودون انتظار أي مقابل منه أو شكر. أي أن المسؤولية عن الآخر ليست مشروطة البتة بمبادلة الإنسان الآخر للمسؤولية حيالي، إذ أن مسؤولية الآخر حيالي، إنما هي من شأنه الخاص الذي لا شأن لي به، فأنا دائما أكثر مسؤولية عن الآخرين من جميع الآخرين دون أدنى استثناء، أي أن هناك تعالي لمسؤوليتي عن كل مسؤولية للآخرين.(16)

ومن منطلق هذه الفلسفة الأخلاقية تظهر ملامح الروح الرومنسية، إذ لا يمكن "للأنا" العيش بمعزل عن الآخر، كما يتجلى فكر اجتماعي أيضا، فالإنسان حيوان اجتماعي بطبعه. إلا أن هذا الاجتماع يجب أن تؤطره قيم أخلاقية تضمن العدالة " مسؤولية الأنا اتجاه الآخر هي مسؤولية لامتناهية، تبدأ مع الإنسان الآخر متمثلا في الوجه الذي يقابلني وجها لوجه، والذي يطالبني بالعدالة من أجل الآخرين جميعا ومن أجل جميع أشكال الإنسانية.

إن اللمسة النهائية لتلك الطيبة التي تتعمق برغبة لامتناهية، تقوم على عدم ترك الغير يتأوّه ويموت وحده، حتى لو لم يستطع الغير أن يفعل شيئا بالمقابل".(17)

إذا كان الأنا في حاجة للآخر ولا يمكنه العيش دونه، إذ لا معنى لحياته دونه، فإن الأنا في علاقته الأخلاقية مع الآخر، لن يفكر في تهديد وجود الآخر، ولن يسمح بتعريضه للخطر. وبالتالي نتجاوز نظرية تشارلز داروين (C.R.Darwin)(1882 ـ 1809) حول "البقاء للأقوى" ذلك لأن الصيرورة الأنطولوجية قد تفضي بقتل الآخرين من خلال فرز الأكثر نجاعة وقوة وإبداعا على حساب من هم دونهم بلا حول ولا قوة .

" تنبثق علاقتي الأخلاقية بحب الآخر، من واقع كون الأنا لا يمكنه ضمان بقائه لوحده، ولا يمكنه أن يجد المعنى في وجوده الخاص بالعالم، في أنطولوجيا الذات عينا".(18)

إننا نحاول التغلب على غريزة الأنانية الطبيعية، فلا مجال للهيمنة في هذه العلاقة، بل المجال، كل المجال للتفاعل والتعايش، وهكذا ينتشر نظام أخلاقي لما هو إنساني بالإعلان عن الحكم الجازم التالي:" لن تقوم بالقتل أبدا !"(19)

وبمقتضى ذلك تستعاض العلاقة الصراعية بين "الأنا" و"الآخر" بعلاقة حب متحرر من كل أطر عائلية قومية أو دينية، إنه حب الغريب للغريب، حب لغربته، فرديته وغيريته، حيث يكون "الأنا "رهين ومرتهن لنداء الآخر، حيث "لم تكن العلاقة والاختلاف بين الذوات في الفلسفات السابقة تمثل إلا التعارض  والتخاصم".(20)

إنها علاقة علو خارج كل  وساطة وكل دافع منشأه جماعة نوعية، خارج كل علاقة عائلية سابقة  وكل تأليف ماقبلي، حب أجنبي لأجنبي، هو أفضل من أخوة داخل الأخوة ذاتها.(21). أي أن "الآخر" لا يدخل في علاقة مع "الأنا"، ولا يمكن أن تعرف غيريته إلا بحضور "الوجه" بكل تعابيره  ومعانيه.

ويمكن فهم الوجه على طريقتين:

1ـ الوجه العاري، لأنه منكشف ولأنه جزء من شكل، أو أنه في سياق وتساوق مع الأشكال المحيطة به. هذا ما يمكن تسميته "بسيميائية الوجه".

2ـ الوجه اللاشكلي _أي ما وراء الوجه كشكل _ حيث لا يمكن التفكير فيه انطلاقا من علاقته مع الأشياء كعلاقته مع الآخر.(22)

إننا نحاول أن نفهم معاني ومقاصد الوجه في حالة عريّه وتجرده، من خلال العينين، اللون والتغيرات الفيزيولوجية. فإن كان الوجه يتقنّع خلف قناع ما، رغبة في خداعنا، سوف تفضحه تلك العلامات والعوارض. شأن الكاذب مثلا: قد يفضح في تلوّن وجهه خجلا، أو في نظرته وجحوظ عينيه."فلقاء الأنا بالآخر الأجنبي الذي يكون تحت إمرته وندائه، هو لقاء بين الأجانب دونما أن يكونوا من الأقارب، فكل فكرة يجب أن ترتبط بالعلاقة الأخلاقية".(23)

ـ رمزية مفهوم الظهر:

على غرار مفهوم "الوجه" الذي اعتبره ليفناس الوسيط الذي يربط بين "الأنا" و"الأنت" في علاقة أخلاقية، يتناول أيضا مفهوم " الظهر" الذي يقول بأنه يمكن أن يكون بالنسبة للإنسان، معبّرا بنفس درجة تعبير الوجه إن لم يكن أكثر.(24)

الوجه يذكرني بإلزاماتي، فالعلاقة مع الإنسان الآخر، هي علاقة وجه لوجه، (Face a face) (visage au visage) كعلاقة أخوية، حيث هناك وحدة إنسانية ومجموع إنساني، وكل الأفراد هم إلى جانب الآخرين ومعهم، وهم ملتزمون داخل مجتمع مشترك.(25)

فبالنسبة للإنسان الوجه والظهر هما مكمن الدلالة بالذات، وقد يقوم أحدهما مقام الآخر ويؤدي نفس الرمزية أو الدلالة التي يوحي بها الجسد أو الإنسان، كونهما وجهين لعملة واحدة، لذلك كان ليفناس يقرأ الكتاب من نهايته، من أجل أن يكشف هذه الخاصية للجسد. وإذا كانت الدلالة ستتراءى أم ستتوارى إذا ما قلبنا منطلق الاستقراء أم لا.

وكذلك فعل ليفناس عندما قرأ رواية "حياة ومصير" (لفروسمان فاسيلي)، حيث استشهد بمشهد تلك المرأة التي تقف في طابور سجن من أجل الاستعلام عن زوجها المعتقل السياسي فيصفها الكاتب:" لم تكن تعتقد من قبل، بأن الظهر يمكن أن يكون معبّرا إلى هذا الحد، وأن يبلّغ بطريقة نافذة حالات النفس، لقد كان الأشخاص الذين يقتربون من البوابة يمددون أعناقهم وظهورهم بشكل خاص، وكانت أكتافهم مرفوعة وكذلك عظام الأكتاف وكأنها مستندة على نصب، وتبدو وكأنها تصرخ وتبكي وتنتحب".(26) 

إيتيقا الإلزام والحرية:

إن أخلاق "الأنا" كما يريدها ليفناس، تجعل الذات تابعة لمعطيات الآخر ومنشغلة بمتطلباته دون إقصاء لا للأنا ولا للآخر، لكن هذه الإلزامية الخلقية، تجعل "الأنا" يتصرّف ويتعامل بحذر نتيجة لحضور وجود آخر، إذن عوضا عن الحرية المستقلة هناك مسؤولية تابعة "وحتى لو تنكرت لمسؤوليتي الأساسية تجاه "الآخر"  بتأكيدي على أن حريتي الخاصة سابقة على كل شيء، فإنني لا أستطيع التخلّص من واقع كون "الآخر" قد طلب مني الإجابة، حتى قبل أن أمارس حريتي بعدم الإجابة على طلبه. فالحرية الأخلاقية هي حرية صعبة.(27)

إن الحرية الأخلاقية صعبة، لأنه يفترض بها أن تكون ملتزمة دائما بتبعيتها للآخر، وكما يفترض أيضا بها أن تبقى تحت مراقبة الإلزامية الأخلاقية، تلك التي توجب على "الأنا" الاستجابة لمتطلبات "الآخر"  ويقدم ردة فعل مناسبة لطبيعة الذات الأخلاقية. لابد من "احترام الآخر في ذاته وفي غيريته، والمحافظة على حريته ".(28)

إننا حتى عندما نفترض أن حرية "الأنا" سابقة على طلب "الآخر"، نعود ونمتحن هذا الافتراض على قانون التحدي  والاستجابة الذي وظفّه أرنولد توينبي(A. Toynbee)(1889 ـ 1975)، أو الفعل ورد الفعل إلى كون الفعل سابقا عن ردة الفعل، أو التحدي سابق على الاستجابة فكذلك طلب الآخر سابق على استجابة الأنا، وبالتالي فهو سابق أيضا على حريتها.

ذلك ما جعل ليفناس يقول: " أن نتفلسف هو أن نصعد إلى ما قبل الحرية (...) إلى ما يحرر الحرية من الاعتباط، بحيث تصبح الحرية نفسها بمثابة الحرية من "أجل ــ الآخر" مشاكلة للمسؤولية "عن ــ الآخر"، وهذا يعني أنه: مثلما أن الإيتيقا تسبق الأنطولوجيا، فإن المسؤولية أيضا تسبق الحرية  وتشترطها فتحوّلها إلى حرية انفتاح على الآخر. أي حرية لاأنطولوجية بخلاف الحرية السارترية التي ظلت أسيرة الإكراهات النظرية للأنطولوجيا الفينومينولوجية لكتاب "الوجود والعدم".(29)

إذن يتميّز "الآخر" بقوة التحريك والاستثارة أخلاقيا، لأنه يفتعل وضعية تستوجب من "الأنا" التعامل معها أخلاقيا والاستجابة لها، كون هذا "الآخر"، وفي نفس الوقت، يتميّز بالضعف إلى جانب القوة، فلولا خصوصية الضعف، لما استجاب "الأنا" أخلاقيا، إما من باب الشفقة، أو من باب الشعور بالمسؤولية الأخلاقية والإلزام اتجاه مساعدة "الآخر"، هذا الأخير الذي يسبق الأنا أخلاقيا وهنا مكمّن قوته، بينما حاجته لـ"لأنا" تظهره أضعف المخلوقات التي تلزم الاستجابة لها.

" إن الآخر هو أغنى وأفقر الكائنات: فهو أغنى على مستوى أخلاقي، لأنه يسبقني دائما. فحقه في الوجود يسبق حقي، وهو أفقر الكائنات على مستوى أنطولوجي أو سياسي، لأنه لا يمكن أن يقوم بأي شيء دون مساعدتي(...)".(30)

ولذلك فالأسبقية الأخلاقية للآخر، تجعل "الأنا" في حالة من القلق والحذر، وإن كنا غير ملزمين أنطولوجيا في الاستجابة له، بصفتنا أحرار في رفضه والتنّكر له. إلا أن الوعي الأخلاقي يسبق الوعي الأنطولوجي، لتبقى الذوات في تخبّطها بين الدنو إلى صفة الملائكة بالاستجابة للوعي الأخلاقي، والتدّني إلى صفة الشياطين بالاستجابة للوعي الأنطولوجي.

إن الذات التي يقصدها ليفناس هي ذات أخلاقية مستعدة للتضحية بحقوقها وحرياتها أمام نداءات الآخر وحاجاته، ليشعر "الأنا" بإلزام نحو "الآخر" فيقوّم سلوكه ومعاملاته، بمقتضى ما يتناسب ومستلزمات الآخرين. لتظهر الحرية الذاتية، مسألة ثانوية بالمقارنة مع أسبقيتهم.

"إن حرية الذات ليست هي القيمة الأسمى أو الأسبق، فتبعية استجابتنا للآخر الإنساني أو الإلهي كالآخر مطلق، تسبق استقلالية حريتنا الذاتية في اللحظة التي أعترف فيها بأنني أنا المسؤول أقبل بأن تكون حريتي مسبوقة بإلزام  يأتيني من الآخر".(31) إنها مسألة الحرية والمسؤولية وطبيعة تفاعلهما في إطار الأنا الأخلاقي، حيث الوعي بمسؤولية الأنا يجعله في موضع إلزامي أخلاقي اتجاه "الآخر"، إلى درجة تسبيق هذا الإلزام نحو الآخرين على الحرية الذاتية، وما يرغب الأنا في إشباعه من حقوق وحتى رغبات. إنها لحظات من تعالي الذات الأخلاقية التي تروّض وتكبح رغبات الأنا عند تقاطعها مع إلزامات الآخر.

وفي إحالة إلى روح المسرح وتوظيفا له يقول ليفناس:"إنه في الحين الذي أكون فيه متفرّجا، أنا أيضا أكون مسؤولا، معناه أيضا، أن أكون متكلّما، فلا شيء هو مجرد مسرح بحد ذاته للتفرّج، والدراما ليست مجرد لعبة. إن كل شيء فضيع".(32)

إن الوعي بالمسؤولية يستدعي مباشرة تدخل الأنا الأخلاقي الإلزامي، وكأننا نتحدث هنا عن جدلية إثنية كثيرا ما أشادت بها الفلسفات القديمة إنها: جدلية الخير والشر والصراع المتبادل بينها، الذي حينا يرجّح كفة الأول، وحينا آخر، يغلّب كفة الآخر، على حسب حركية التحدّي والاستجابة. فحضور الأول يستدعي الثاني والعكس صحيح، لكن في صيرورة غير ثابتة بل متحوّلة ومتحركّة، كأننا أيضا نتحدث عن أساس المعتقدات الدينية الذي يتمحور حول جدلية التحريض الشيطاني والنصح الملائكي.

إنها مسألة "زمنية النداء والاستدعاء، وبما أن هناك استجابة وإجابة، إذن فهذا يدل على أن هناك على الدوام تأخير. وبما أن النداء يسبق دائما الإجابة، فإن النداء يسبقني على الدوام".(33)

فقد يظهر "الأنا" الالتزام الأخلاقي ويكظم الحرية الذاتية الأنطولوجية، فتتغلّب لغة الأخلاقي على لغة الأنطولوجي."فالعلاقة بين "الأنا" و"الأنت" هي علاقة داخل مجتمع، نحن فيه متساوون الواحد بالمقارنة مع الآخر. أنا للآخر كما أن الآخر لي"(34))

ولا ينبغي ـ من منظور أخلاقي أن تكون تلك العلاقة  متماثلة أو متقابلة "نحن مسؤولون جميعا من أجل الآخرين، لكني أكثر مسؤولية من الآخرين" وهو لا يعني هنا بأن كل " أنا" أكثر مسؤولية من كل الآخرين، لأن مطالبة "الآخر" بنفس ما أطالب به نفسي، معناه تعميم هذا القانون على الجميع، إن هذا اللاتماثل الجوهري هو أساس الإيتيقا، إذ لست أكثر مسؤولية من "الآخر" فقط، بل إنني مسؤول من أجل مسؤولية الجميع".(35)

عندما يخدم "الأنا" "الآخر" من أجل مقابل ما ينتظره منه، أو أن يضعه داخل إلزام من أجل الآخرين إنه في هذه الحالة نوع من الاستغلال، حيث انطلاقا من مسؤوليتي نحوه، أجعله هو أيضا مسؤولا اتجاهي واتجاه الغير، فعلى الذات أن تطالب ذاتها بالإلزام والاستجابة للمسؤوليات دون الانطلاق من مبدأ المساواة في الإلزاميات، فعلى الأنا مطالبة نفسه دون الأخذ بعين الاعتبار ردة فعل مماثلة.

يوظف ليفناس هنا قول ألان جانكيليفتش (A.Jankélévitch) ويمتدح قوله إذ قال:" ليس لنا الحق، إنه دائما الآخر من لديه الحقوق".(36)

فأنا حينما أقول بأن: "الفضيلة تكافئ ذاتها بذاتها" لا أقول ذلك إلا لنفسي، إذ في الوقت الذي أجعل من هذا القول معيارا بالنسبة لـ"لآخر"، فإنني سأكون مستغّلا له. لأن ما سأقوله سيكون هو: كن فاضلا من أجلي، اشتغل من أجلي، أحبني...لكن لا تنتظر مني أي شيء بالمقابل".(37) ولهذا يختلف ليفناس مع مارتن بوبر (Martin Buber) في موقفه من العلاقة الأخلاقية بين " الأنا والأنت" التي يراها كحضور مشترك ومماثل.

على الأنا أن يعمل من أجل الآخر"إن الفرد_ من أجل_ الآخر، هو بمثابة الفرد_ الحارس_ لأخيه وبمثابة الفرد_ المسؤول_ عن الآخر(...)، إنها علاقة بين الشخص الذي أكونه، وبين الآخر الذي عليّ الاستجابة له(...)، من حيث تشكل وحدة وثيقة بين "الأنا" و"الآخر"، إنها وحدة النوع الإنساني الممنونة للأخوة بين بني الإنسانية".(38)

 

د.بن عودة أمينة

..........................

الهوامش:

1)    Emmanuel Lévinas, Altérité et transcendance, p 109.

2)    Yasuhiko Murakami, Affection d’appel-Lévinas et la psychopathologie du regard chez les autistes (Cahiers D’Etudes Lévinassiennes), p283.

3)    Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme, p 04.

4)    Solenn Carof, A-t-on besoin d’autrui (Magazine Les grandes questions de la philosophie, Les grands dossiers des Sciences Humaines), p25

5)    .Emmanuel Lévinas, Altérité et transcendance, p112.

6)    Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme, biblio essais,1987,p 53.

7)    رتشارد كيرني، مدخل إلى فلسفة إيمانويل ليفيناس، من الفينومينولوجيا إلى الإتيقا، حوار مع ليفيناس، ص 18.

8)    Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme, p, p51, 52.

9)    جون ليتشه، خمسون مفكرا أساسيا معاصرا، من البنيوية إلى ما بعد البنيوية، تر. فاتن البستاني، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان، ط1، 2008، ص 246.

10)  Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme, p12.

11)  بن عمر، سواريت، الحوار بين الذات والآخر في فلسفة ليفناس، ص 378.

12)  Alain Finkielkaut, Actualité d’un Inactuel, p38.

(*) فيودو ميخايلوفتش دوستويفسكي، كاتب وروائي روسي، ألّف روايات تترجم الحالة النفسية السياسية، والاجتماعية الروحية للمجتمع الروسي، وعادة ما ينسب إليه تأسيس المذهب الوجودي، صاحب الرواية المشهورة "الإخوة كارامازوف"(1880) والقائل على لسان أحد شخصيات الرواية " كلنا مذنبون بذنب الجميع، وأنا أكثر الناس ذنبا"، من رواياته أيضا: الجريمة والعقاب (1866)، المساكين(1846)، الشياطين(1872).

13)  Richard A. Cohen, Chooing and the chosen: Sartre and Lévinas) Cahiers

D’Etudes Lévinassiennes, Lévinas-Sarter), p 64.

14)  Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme, p, p 49,50

15)  Emmanuel Lévinas, Altérité et transcendance, p111.

16)  فرحات، مصطفى كمال، صروف "الكينونة" بين ليفيناص وهيدغر، حرب الإيتيقا ضدّ الأنطولوجيا، ص 145.

17)  روجر بورغرايف، "الملك المعزول" طريق تحليل الأنا بالغير ( كتاب جماعي. ليفناس من الموجود إلى الغير)، تر. علي بوملحم ، مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، ط 1، 1428ه، 2008م، ص70.

18)    رتشارد كيرني، مدخل إلى فلسفة إيمانويل ليفيناس، من الفينومينولوجيا إلى الإتيقا، حوار مع ليفيناس، ص 18.

19)  Emmanuel Lévinas, Altérité et transcendance, p 114.

20)  Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme ,p 10.

*)) في حب الآخر على الرغم من غيريته وخصائصه الفيزيولوجية، تقول الروائية الانجليزية "إيميلي برونتي": إن كنت أحبه، فليس ذلك لأنه جميل(...) بل لأنه أنا ذاتي أكثر مني"، أنظر: نور الدين، بلعز، الوجه والإنسانية في الفلسفة الليفيناسية، (مجلة أوراق فلسفية)، ص401.

21)  فرحات، مصطفى كمال، صروف "الكينونة" بين ليفيناص وهيدغر، حرب الإيتيقا ضدّ الأنطولوجيا، ص149.

22)  بن عمر، سواريت،الحوار بين الذات والآخر في فلسفة ليفناس، ص، ص، 380، 381.

23)  Emmanuel Lévinas, Altérité et transcendance, p108.

24)  جاك رولان، إنسانية الإنسانية، تر. إدريس كثير، عز الدين الخطابي، ص35.

25)  Philippe Huneman, Estelle Kulich, Introduction à la phénoménologie, p, 134.

26)  جاك رولان، إنسانية الإنسانية، ص ، ص 37 ، 38 .

27)  رتشارد كيرني، مدخل إلى فلسفة إيمانويل ليفيناس، من الفينومينولوجيا إلى الإتيقا، حوار مع ليفيناس، ص 22 .

28)  Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme, p04.

29)  فرحات، مصطفى كمال، صروف "الكينونة" بين ليفيناص وهيدغر، حرب الإيتيقا ضدّ الأنطولوجيا ص 146.

30)  رتشارد كيرني، مدخل إلى فلسفة إيمانويل ليفيناس، من الفينومينولوجيا إلى الإتيقا، حوار مع ليفيناس،  ص 22.

31)  المرجع نفسه: ص 22.

32)  Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme, p02.

33)  فرحات، مصطفى كمال، صروف "الكينونة" بين ليفيناص وهيدغر، حرب الإيتيقا ضدّ الأنطولوجيا، ص 146.

34)  Emmanuel Lévinas, Altérité et transcendance, p111.

(*) قول لأليوشا في رواية "الأخوة كرامزوف" لدوستوفسكي.

35)  رتشارد كيرني، مدخل إلى فلسفة إيمانويل ليفيناس، من الفينومينولوجيا إلى الإتيقا، حوار مع ليفيناس، ص 25.

(**)كاتب فرنسي من مجموعة الكتّاب والمفكرين الفرنسيين الذين يسمون انفسهم بـ" الفلاسفة الجدد" معروف عليه توصيفاته العنصرية ضد الأجانب من السود وعرب المغاربة داخل المجتمع الفرنسي، وتمجيده للاستعمار باعتباره حقبة تنويرية.

36)  Emmanuel Lévinas, Altérité et transcendance,113.

37)  رتشارد كيرني، مدخل إلى فلسفة إيمانويل ليفيناس، من الفينومينولوجيا إلى الإتيقا، حوار مع ليفيناس، ص 25.

38)  Emmanuel Lévinas, Humanisme De L’Autre Homme, p, p 10, 11.

 

حاتم حميد محسنما هو الجمال بالضبط؟ هذا السؤال شغل أذهان الفلاسفة والانثربولوجيين وعلماء الأعصاب ونقّاد الفن بالاضافة للناس العاديين طوال التاريخ الانساني . ارتبطت مفردة "جمال" عادة بالتجربة الجمالية للفرد وهي تشير بالأساس الى الصفات الجوهرية لشيء ما والتي تثير نوعا من رد الفعل في سلوك الناظر، مثل المتعة او الهدوء او الفرح. يُنسب الجمال الى كل من الظواهر الطبيعية (مثل منظر الغروب او الجبال) وكذلك الى الأشياء الجميلة التي يصنعها الانسان (مثل اللوحات الفنية او السمفونيات الموسيقية). وعلى مدى الف عام من تاريخ الفلسفة الغربية كانت هناك العديد من النظريات التي سعت الى تعريف الجمال بواحدة من الطريقتين التاليتين:

1- اما يعود الى "سمات أساسية" في الظاهرة الطبيعية او في الأعمال الفنية.

2- او انه يُعرّف كليا تبعا لتجربة الانسان الجمالية.

الاتجاه الاول ينظر الى الجمال موضوعيا، كشيء جوهري يوجد بحد ذاته في "شيء ما" او شيء فني، وبشكل مستقل عن تجربة الناظر له .

الاتجاه الثاني (الجمال هو ما يبدو في عين الناظر)، وهو ينظر الى الجمال باعتباره امراً ذاتيا، شيء ما يحدث في ذهن الفرد الذي يتصور الجمال . وفي الجماليات، كانت الموضوعية مقابل الذاتية من أخطر القضايا الفلسفية ليس فقط فيما يتعلق بطبيعة الجمال وانما ايضا بالارتباط بالأحكام على المزايا النسبية للأعمال الفنية. هنا نسأل ما اذا كان الجمال ذاته يوجد في الشيء (الظاهرة الطبيعية او العمل الفني) او يوجد كليا وبشكل خالص ضمن التجربة الذاتية للشيء.

الآراء الموضوعية

حسب رؤية افلاطون (427-347ق.م)، ان الجمال يقيم في عالم الأشكال. الجمال امر موضوعي، لا يتعلق بتجربة الناظر. تصوّر افلاطون لـ"الموضوعية" هو تصوّر مثالي. عالم الأشكال هو عالم "مثالي" وليس مادي. الأشكال، والجمال هي افكار غير مادية بالنسبة لإفلاطون. والجمال يبقى شيئا موضوعيا كونه ليس خاصية لتجربة الناظر.

آرسطو (384-322 ق.م) ايضا اعتقد بالرؤية الموضوعية للجمال، لكنه عرّف الجمال بخصائص الشيء الفني، مثل التناسق، النظام، التوازن، التناسب. هذا المعيار يظل قائما سواء كان الشيء طبيعيا ام من صنع الانسان.

بينما يؤمن كل من افلاطون وارسطو بتصورات مختلفة للجمال، لكنهما يتفقان على ان الجمال هو خاصية للشيء وليس شيء ما في ذهن الناظر.

الآراء الذاتية في الجمال

1- ديفد هيوم (1711-1776) جادل بان الجمال لا يكمن في "الاشياء" وانما هو ذاتي تماما، انه مسألة مشاعر وعواطف. الجمال هو في ذهن الفرد الناظر للشيء، وان ما هو جميل للمراقب قد لا يبدو كذلك للآخر.

2- عمانوئيل كانط (1724-1804) اعتقد ايضا ان الحكم الجمالي يرتكز على المشاعر، وبالذات مشاعر المتعة. ما يجلب المتعة هو مسألة ذوق فردي. هذه الأحكام لا تستلزم المعرفة ولا المنطق، وهي لذلك ذاتية. الجمال يُعرّف طبقا لعملية الأحكام الذهنية، انه ليس سمة للشيء يُحكم عليها بالجمال.

هناك تعقيدات تبرز من إعتماد الرؤية الذاتية الخالصة للجمال، لأن فكرة الجمال تصبح بلا معنى لو اصبح كل شيء مجرد مسألة ذوق او تفضيل شخصي. اذا كان الجمال خالصا في عين الناظر فان فكرة الجمال لم تعد لها قيمة بالمقارنة مع مُثل الحقيقة او الخير. إشكالات ستبرز حول مسألة الذوق، لأن الناس سوف تكون لديهم آراءً قوية حول ما اذا كان الجمال حاضرا ام لا، وستكون هناك عدة مستويات له. كل من هيوم وكانط كانا مطّلعين على هذه المشكلة، وحاول كل واحد منهم بطريقته الخاصة تقليل المشكلة عبر إضفاء مسحة موضوعية على فكرة الجمال.

اقترح هيوم بأن أمثلة كبرى عن الذوق الجيد ستبرز، كما يفعل الخبراء المحترمون عادة .هؤلاء الخبراء يميلون لإمتلاك تجربة ومعرفة واسعة، وان الآراء الذاتية بينهم تميل للاتفاق.

كانط ايضا كان مطلعا على ان الأحكام الذاتية للذوق في الفن تولّد نقاشات تقود بالفعل للاتفاق على اسئلة الجمال. هذا ممكن لو ان التجربة الجمالية تحدث وفق موقف متجرد نزيه، لايتأثر بعوائق المشاعر الشخصية والافضليات.

الجمال من وجهة نظر العلماء

هؤلاء يقولون ان الجمال هو ما يبدو في عين الناظر، ولكن هل ان الفكرة لدى الناظر هي نتاج لجينات الفرد ام للبيئة ؟ هذه كانت محل نقاش بين العلماء منذ وقت طويل . رغم ان بعض البحوث ترى ان تفضيل صفات جسدية معينة مثل الطول او قوة العضلات ربما كانت مشفّرة في جيناتنا، لكن دراسة جديدة وجدت ان تجربة حياتنا الفردية هي التي تقودنا لإكتشاف ان وجها معينا اكثر جاذبية من الآخر. نقاش دور الطبيعة ام التنشئة في جماليات الانسان دفع الباحثين الى عمل استبيان لـ 547 زوج من التوائم المتشابهة و 214 زوج من توائم مختلفة، طُلب اليهم النظر الى 200 وجه ووُضع لهم مقياس من 1 الى 7، حيث 1 يمثل الاقل جاذبية و 7 الاكثر جاذبية. مجموعة اخرى من 660 من غير التوائم اكملوا نفس الاستبيان.

اذا كانت الجينات هي المسؤولة عن تفضيلات الوجه، فان التوائم المتشابهة يجب ان تكون لها تقديرات متشابهة. واذا كان تاثير البيئة العائلية يحمل اكثر وزنا فان التوائم المختلفة يُفترض ايضا ان تجيب بطريقة مشابهة.لكن معظم النقاط التي حصل عليها التوائم كانت مختلفة عن بعضها الآخر، وهو ما يشير الى ان شيئا ما آخر كان في اللعبة. الباحثون يعتقدون ان خبرة حياة الفرد هي التي ترشد أفكارنا حول جاذبية الجمال.

دوتون والنظرية الدارونية في الجمال

الفيلسوف دينيس دوتون تحدّى نظرية "الجمال في عين الناظر" من خلال عرضه للنظرية الدارونية في الجمال. يرى دوتون انه ليس لديه شك بان تجربة الجمال بكثافتها الشعورية ومتعتها، انما تعود الى سايكولوجيتنا التطورية. تجربة الجمال هي جزء من سلسلة طويلة متكاملة من التكيفات الدارونية. الجمال هو عملية تكيفية نقوم بتوسيعها وتكثيفها في خلق الفن والتمتع به، ولكن مع كل ذلك لاتزال هناك صفة اساسية في شخصية الأسلاف كامنة في رغباتنا الجمالية، لذا فان السؤال عن هل ان الجمال هو في عين الناظر؟ الجواب هو بالنفي، انه عميق في أذهاننا، هو موهبة تسللت من المهارات الذكية وحياة المشاعر الغنية لأسلافنا القدماء. ان ردود افعالنا القوية تجاه الصور الرمزية، او تعبيرات الشعور في الفن، او جمال الموسيقى، او سماء الليل، ستكون معنا ومع أحفادنا طالما استمر الانسان في الوجود .

 

حاتم حميد محسن

..................

المصادر:

1- What is Beauty, what is Art?Iumencandela, Introduction to philosophy

2- why beauty is in the eye of the beholder,Science,AAAS

 

 

زهير الخويلدي"الفن هو محاكاة الطبيعة"

لقد كان السفسطائيون بالفعل متجولين يعلمون إما دروسًا احتفالية أو طرقًا لتحقيق انتصار الحقيقة . وهكذا، كانت فلسفتهم مبنية على السعي الوحيد للنجاح من خلال فن الإقناع والإغواء. يدعو السفسطائيون إلى وضع الحقيقة في منظورها الصحيح. ظهرت فلسفتهم في وقت أخذت فيه الحياة الفكرية شكل لعبة، وأحيانًا منافسة: تم الدفاع عن هذه الأطروحات من قبل منافسين يمنحهم القاضي السيادة، ويساهم غالبًا الجمهور في تتويجهم بالجوائز. ونتيجة لذلك، لم يعد الفيلسوف يبحث عن الحقيقة أو يجدها، بل يقترحها ويقدمها للحكم المدقق. هذا هو السبب في أن الفلاسفة اللاحقين سيولون عناية كبيرة لتمييز أنفسهم عن المتحدثين السفسطائيين. لهذا السبب، على سبيل المثال، في محاورة الغورجياس لأفلاطون، يبتعد سقراط عن الالتزام بالرد على خطاب كاليكلاس لصالح العدالة الطبيعية، ويشكو من استعمال الخطاب. في ظل هذه الظروف، ترتكز المغالطة بشكل أساسي على ركيزتين: التحليق الكبير، من ناحية، والذي يسمح للمتكلم باختيار مواضيع خطابه بدقة ؛ إتقان الخطاب، من ناحية أخرى، لكسب تأييد الجمهور. بشكل أعم، حياة ومواقف كبار السفسطائيين مثل بروتاجوراس (الذين قاموا بفضح الأثينيين من خلال عدم مبالاتهم في مسائل الدين)، أو غورجياس من لونتيوم، أو بروطاغوراس من سيوس، أو حتى هيبياس من إليس، تركت الرقي باعتباره التأكيد الأول على تفوق الحياة الاجتماعية على الحياة الفكرية. لقد أسس السفسطائيون النزعة الإنسانية. تثبت رواية أسطورة بروميثيوس ذلك، لأنها تظهر أنه من طبيعة الإنسان أنه ينتج الثقافة بفضل ذكائه التقني والسياسي. وهكذا، يهدف التعليم إلى تطوير المهارات التي هي تقنيات وفن الكلام، وبفضلها يمكن للإنسان أن يخترع نفسه وعالمه. يقول بروتاجوراس، "إن الإنسان هو مقياس كل شيء، لما هم عليه لأولئك الذين هم، وما ليسوا، لأولئك الذين ليسوا" (بروتاجوراس). لذلك يجب أن يتعامل فقط مع الشؤون الإنسانية. "بالنسبة للآلهة، يعترف ديوجين اللايرتي ، لا أستطيع أن أعرف إما أنهم أو أنهم ليسوا كذلك ؛ الكثير من العوائق تعارضه، غموض الموضوع وإيجاز الحياة.

النتيجة هي الأولوية المعطاة للكلام، للتشكيل على الجوهر، الذي يترجم إلى مدح للفنون والطب والابتكار. ومع ذلك، في السياسة، يكون تأكيد السماوي على قوة الإنسان واستقلاله أقوى. تكشف النزعة الإنسانية السفسطائيين على وجه الخصوص أن القانون هو اختراع بشري، والذي بموجبه، إلى حد ما، مصطنع وتعسفي. إن عمل المشرعين دليل على ذلك، سواء في أثينا أو في المستعمرات، وتولي عمل الدستور في جميع الأوقات. يجب ترك معظم الموسيقيين صورهم الكاريكاتية إلى الأجيال القادمة. لقد عرفت المغالطة بالفعل في تاريخ الأفكار نتيجة محزنة إلى حد ما. على المستوى النظري، تدهورت إلى السخرية السياسية، التي ترى الخطاب كوسيلة لإشباع التعطش للسلطة. على المستوى العملي، ترك تراثًا كاملاً للبحث في براعة الكلام: الأهمية الممنوحة للبلاغة والنحو والمرادفات والأعمال الصغيرة التي تلخص بشكل تخطيطي الأطروحات الأخلاقية المزدوجة وفن النزاع. وأخيرًا، فإن أفلاطون قبل كل شيء هو الذي نقش في الذاكرة الجماعية المعنى الشائن المرتبط بصورة السفسطائي. لقد طرح الطاولة أولاً القيام بتوثيق، بصوت سقراط، أعمال السوفسطائيين: "كل واحد من هؤلاء المعلمين، الأثينيين، في أي مدينة يذهبون إليها، لديهم موهبة جذب الشباب، و عندما يمكن إرفاقهم بدون مال غير مرتبطين بمثل مواطنيهم الذين يحبونهم، يقنعونهم بمغادرة مواطنيهم لينضموا إليهم، ويدفع لهم الشباب مقابل ذلك ويتم احتجازهم". والأهم من ذلك، أنه رسم السوفسطائي باعتباره عديم الضمير يستخدم حججاً مضللة معقدة لخداع المحاورين، وهو صانع رأي يبيع بسعر باهظ الثمن تعليماً لا مكان للأخلاق فيه. فكيف حسمت الفلسفة معركتها العقلية مع السفسطة، وهل حصل تغييرا في استعمال العقل أم اللغة.

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

........................

المصدر:

Dumont J.-P., les sophistes. Fragments et témoignages, édition PUF, Paris, 1969.

 

علي رسول الربيعيإن فكر التنوير هو روح الحداثة الغربية. إنه إرثها المستمر كما يصر ورثتها، وأن مشروعها بعيد عن الانتهاء أو الأستنفاد. يتحدث البعض عن الحداثة كمشروع غير مكتمل،[1] أو الحداثة الثانية، أو حتى تحديث الحداثة، أو المجيئ الثاني  أو المرحلة الثانية للتنوير نفسه. لديهم إيمان لا يتزعزع فيه باعتباره "نهاية التاريخ" المطلقة. يدعي التفاؤل الجامح  للتنوير تعزيز التقدم الإنساني على أساس ثقافة العقل الخالص وتطبيقاته.

كان كانط نموذج فكر التنوير، وقد أوضح منطقه بأبسط المصطلحات: إن الهدف من استقلالية العقل هو إنقاذ البشرية وتحريرها من الكهف المظلم  الذي هي فيه جراء عدم النضج الذي يكتنفها. وبقيامه بذلك، اضفى الطابع المؤسسي على الأجندة الرئيسية للحداثة الأوروبية التي لم يتم تحدي عقليتها بشكل جدي وعميق الى  ظهور ما بعد الحداثة في مجموعة الأعمال الفلسفية الضخمة التي اصدرها نيتشه، هايدجر، ليوتارد، فوكو، ليفيناس، دريدا، فاتيمو، دولوز، إيريجاراي، وآخرين. لكن على الرغم من امتياز وتقدير استقلالية وسلطة العقل للتقدم البشري والتحرر المزعوم، إلا أن الحداثة الأوروبية للأسف تركت الآخر في  منطقة مظلمة  وباردة، سواء كان الجسد أو المرأة أو الطبيعة أو الجسد الشرقي والشرق، وقد تم عزلها ليس عشوائيًا ولكن بموقف مقصود، فليس من قبيل المصادفة أن يتم تعيين الجنس  الأنثوي للأشارة الى الجسم والطبيعة والشرق، في حين أن الثنائية في فكرهم أو عقلهم، الثقافة، والغرب - من المقولات الذكورية.[2] وتجدر الإشارة إلى أن جوهر الخلاف ما بعد الحداثي يكمن في دحض هذه الثنائية في التفكير.

إنه من السهولة تأكيد حقيقة أن كل فهم، وكل التفكير هو مقارن. المقارنة هي مصدر اكتشاف حدود خطاب الذات في ضوء الآخر الأجنبي الذي يكون دائمًا غريبًا بدرجة أقل أو أكثر. لقد حث المنظر الأدبي الأمريكي جوناثان كولر، من أجل النهوض بالأدب المقارن، بكل حكمة زملائه على التخلي عن المركزية الأوروبية التقليدية والتحول الى العالمية.[3] اذ سيعمل التبادل العالمي للأفكار والقيم  الى روح ابتكارية عابرة  للحدود الوطنية.

لقد تغلغلت المركزية الإثنية، بنسبة كبيرة كانت أم صغيرة في بعض أرقى العقول الفلسفية في التاريخ الفكري الحديث للغرب من مونتسكيو إلى روسو، ومن هيجل وماركس إلى كارل ويتفوغيل. هناك بالطبع استثناءات دائمًا مثل : فولتير، همبولت، وهيردر، الذين لرفضوا كمقارنين حكاء، أن بأمكان الشخص التعرف على الحقيقة و الوصول الى السعادة بمجرد كونه أوروبيًا أو غربيًا. يجب أن يقال، منذ البداية، أن المناقشة الحماسية لمسألة العقلانية ودورها في إنتاج الفكر بين الثقافات ليست مسألة تتعلق بالمطلقية والنسبية الإبستيمولوجية (المعرفية) بل تتعلق بكيفية صياغة الحقيقة الجانبية أو البعيدة أو المستعرضة بالفعل دون الوقوع في المركزية العرقية.

إن أساس العقلية الأوروبية التي تسمى المركزية الأوروبية  هو التنظيم والتصرف المهيمن لأوروبا الحديثة (الغرب) الذي يشرع أو يضفي الشرعية على نفسه باعتباره الوصي وصاحب الأمتياز  لرأس المال الثقافي والعلمي (التكنولوجي والسياسي والاقتصادي وحتى الأخلاقي) للعالم بأسره .وبناء جدار فاصل كبير بين الشرق والغرب، بعبارة أخرى ، تنخرط المركزية الأوروبية  عمداً في "نوع من نظام الفصل العنصري الفكري الذي يتم فيه عزل الغرب المتفوق عن الشرق الأدنى".[4] إن "التحديث" ليس سوى كلمة رئيسية شاملة تُعطى لعملية الشمولية والتهميش لظاهرة المركزية  الأوروبية. واذا ما وضعناها على سرير المعبد الغائي للعالم، تتضح هذه المركزية عبارة عن عبادة الأصنام القبلية.  يتحدث زيجمونت بومان بصفته المترجم والناقد الفطن للحداثة الغربية والتمركز الأوروبي قائلاً:

نظرت النخبة الفكرية في أوروبا الغربية ومواطئها في القارات الأخرى، من القرن السابع عشر على الأقل وحتى القرن العشرين، إلى طريقتها في الحياة ككسر جذري في التاريخ العالمي. إن الإيمان بدون تحد تقريبًا بتفوق وضعها الخاص على جميع الأشكال البديلة المعاصرة للحياة أو ماضيها سمح لها أن تأخذ نفسها نقطة مرجعية لتفسير الهدف النهائي للتاريخ ، وتصف نفسها بوصفها حداثة وتجديد في تجربة الزمن الموضوعي.  لقد تم تنظيم حساب الوقت بالنسبة لمعظم تاريخ أوروبا المسيحية، حول نقطة ثابتة في الماضي المتراجع ببطئ . حددت المركزية الأوربية النقطة المرجعية للزمن الموضوعي في الحركة، وربطتها بقوة بتوجهها نحو استعمار المستقبل بنفس الطريقة التي استعمرت بها الأرض المحيط  بها.[5]

في الواقع ، تعطي فكرة مركزية أوروبا هذه لاستعمار المستقبل معنىً جديداً لمفهوم الحداثة كمشروع غير مكتمل أو كنهاية للتاريخ.

لقد لطخت عنصرية المركزية الأوربية البشعة والمروعة التي ارتكبها اثنان من الفلاسفة "المستنيرين" المرشدين للحداثة الغربية وبوصفهم فلاسفةعالميين سمعتهم : ديفيد هيوم وإيمانويل كانط. لقد كانوا بلا شك من أصحاب تفوق الجنس الأبيض. كتب هيوم: أنا أميل للاشتباه في الزنوج، في جميع  الأجناس  الأخرى من البشر بشكل عام، أنهم  أقل بشكل طبيعي من البيض ولم يكن هناك أبداً أمة متحضرة من أي لون آخر غير البشرة البيضاء، ولا حتى أي فرد بارز سواء في العمل أو النظر. ناهيك عن مستعمراتنا البريطانية.[6]

إن كانط، الذي تم الإشادة به باعتباره المبشر السياسي لعصبة الأمم، هو النموذج الفلسفي للحداثة الغربية "المستنيرة" الذي دافع عن كرامة الإنسان ، والنزاهة الأخلاقية الإلزامية، والمعرفة العالمية  ردد ، لسوء الحظ، عنصرية هيوم في الملاحظات على شعور الجميل والسامي (1763). بالإضافة إلى الاستهزاء والسخرية من "الهنود والصينيين"، فقد  زعم كانط بطريقة غير مستنيرة ومتحيزة قائلاً:

ليس لدى الزنوج في أفريقيا بطبيعتهم أي شعور بالارتفاع فوق التافه. يتحدى السيد هيوم أي شخص على ذكر مثال واحد أظهر فيه زنجي أيً  مواهب، ويؤكد كانط  أنه من بين مئات الآلاف من السود الذين يتم نقلهم الى أماكن أخرى من بلدانهم، وعلى الرغم من أن العديد منهم قد أطلق سراحهم، إلا أنه لم يتم العثور على أي فرد منهم  قدم أي شيء عظيم في الفن أو العلوم أو أي خاصية أخرى جديرة بالثناء، بينما يرتفع بعض البيض باستمرار من حالة الرعاع والحشود الدنيا الى حالة سامية  من خلال مواهبهم  المتفوقة التي تحضى بالاحترام في العالم. الأساس هو الفرق بين هذين العرقين للإنسان، ويبدو أنه كبير فيما يتعلق بالقدرات العقلية كما في اللون. إن أديان الزنوج السود وثنية، وهم عبثون و ثرثاريون للغاية بحيث يجب أن يبتعدوا عن بعضهم البعض عند هيجانهم.

لقد رد كان المفكر الأمريكي الإفريقي المعروف فريدريك دوغلاس في القرن التاسع عشر، وهو يضع في أعتباره احكام هيوم وكانط، أن بشرة الجلد ليس لها أي تأثير على عمل العقل.[7]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

....................................

[1] jurgen Habermas, The Philosophical Discourse of Modernity,Polity, 1990.

[2] HwaYol Jung, "Enlightenment and the Question of the Other: A Postmodern Audition," Human Studies 25 (2002): 297-306.

[3] Jonathan Culler, "Comparative Literature, At Last!" in Comparative Literature in the Age of Multiculturalism, ed. Charles Bernheimer (Baltimore: Johns Hopkins University Press, 1995), pp. 117-121.

[4] John M. Hobson, The Eastern Origins of Western Civilisation (New York: Cambridge University Press, 2004), p. 283.

[5] Zygmunt Bauman, Legislators and Interpreters (Cambridge: Polity Press,1987), p. 110.

[6] Hume, Essays Moral, Political, and Literary,ed.T.H. Green and. H.Grose, 2 vols. (London: Longmans, Green, 1875), I: 252.

[7] Observations on the Feeling of the Beautiful and Sublime, trans. John T. Goldthwait (Berkeley: University of California Press, 1960), pp. 110-111.

 

 

عدنان عويدعندما يقوم الباحث أو المفكر في التعامل مع الظواهر الاجتماعية بكل أنساقها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية بحيادية، من أجل إظهار مالها وما عليها، على اعتبارها منتجاً إنسانياً، فهذا أمر إيجابي يقره العقل والمنطق.

ولكن عند يحاول الباحث أو المفكر أن يحيّد الإنسان نفسه أو يبعده عن تشكل وآلية عمل هذه الظاهرة أو تلك، فهنا تكمن الخطورة في الوصول إلى الحقيقة، على اعتبار الظاهرة هنا وكأنها فرخت بشكل مجرد ولا مكان للإنسان ومصالحه وتناقضاته وصراعاته في تشكلها. وهذا ديدن كل النظريات الفكرية الما بعد حداثية التي تعمل على إقصاء الجوهر الحقيقي لنشاط الإنسان.

في المفهوم:

حتى القرن السابع عشر ظلت مفردة الـ (بنية) محصورة على ما يبدو في استعمالات الإطار المعماري، وفي أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، رحت المفردة تستخدم من قبل المفكر "هربرت اسبنسر" على المستوى الاجتماعي، أما مع " دور كهايم" وماكس فيبر" وغيرهما من علماء الاجتماع التقليديين، فقد استخدمت المفردة في تعيين الخصائص الاجتماعية، ثم راحت فيما بعد تتطور دلالات المفردة مع "ليفي شتراوس" و" ألتوسير" وميشيل فوكو" ولويسيان رولان" ، لتدخل نطاق المفهوم ، أي أصبحت (البنيوية) تشكل هنا نظرية لها تياراتها واتجاهاتها الاجتماعية والفلسفية والنقدية في مجال الأدب والفن ومعظم العلوم الإنسانية. وبذلك اكتسبت إرثاً جديداً أصبح له حضوره الفاعل في عالم الفكر والأدب بشكل خاص، والمعرفة بشكل عام. (1)

على العموم إن البنية» في سياقها العام، هي شبكة العلاقات الإنسانية التي يكونها الإنسان ويتعامل معها عقلانياً بعد تجريدها مما هو خارج عن نطاق تكوينها وآلية عملها الحقيقيين.

أما من الناحية المنهجية، فالبنيوية تشكل منهجاً فكرياً وأداة تحليل تقوم على فكرة الكلية أو المجموع المنتظم .

إذن، إن البنيوية في المحصلة هي منهج فكري نقدي يقر بأن كل ظاهرة إنسانية، (فكرية أو أدبية، أو اجتماعية)، تشكل بنية قائمة بذاتها، لا يمكن دراستها وفق هذا المنهج إلا بعد أن تقوم بتفكيكها إلى عناصرها المكونة لها، وذلك دون تدخل فكر ورغبات واهتمامات الدارس لهذه الظاهرة أو تلك. أما نقطة الارتكاز الأساس في هذا المنهج النقدي البنيوي، فهي (الوثيقة)، حيث أن البنية لا الإطار هي محل الدراسة، فالبنية تكفي بذاتها ولا يتطلب إدراكها اللجوء إلى إي عنصر من العناصر الغريبة عنها، لذلك نجد أن الانفعال والأوهام الوجدانية عاجزة عن تحقيق ما تنجزه دراسة العناصر الأساسية المكونة لدراسة الظاهرة أو الأثر.

أسس البنيوية:

ينطلق المنهج البنيوي للظاهرة من ضرورة أن ينصب التحليل البنيوي على الجانب ألتزامني وليس التعاقبي، أي على الجانب التاريخي لا التطوري. وكذلك التعامل مع القطيعة المعرفية لا الإستمرارية، على اعتبار أن كل تحول تاريخي للظاهرة يعكس نماذج من القطائع المعرفية واللااستمرارية. هذا في الوقت الذي لا تعطي فيه البنيوية للإنسان مكانة خاصة في العالم الاجتماعي، فهو في معطياته العامة ظاهرة (شيئاً)، ولا معنى له خارج نطاق البنية والتفاعل البنيوي.

كما تربط البنيوية الظاهرة الثقافية أو الاجتماعية في السلطة، حيث تعتبر أنه من غير الممكن ملاحظة بنية أو دراستها خارج نطاق السلطة، وذلك إذا ما أخذ بعين الاعتبار أن الانضباط والعقاب والخطاب الأيديولوجي.. إلخ، موجودة أصلاً ضمن نطاق ممارسة السلطة. يضاف إلى ذلك أن البنيوية تنظر إلى عالمية المعايير، أي وحدتها التي تتحكم في دراسة الظاهرة ، فتنوع الثقافات يؤدي بالضرورة إلى تنوع التعابير عنها، بيد أن البنى التي تتحكم في هذه المعايير متماثلة وفقاً لرؤية البنيوية .

أما على المستوى اللغوي، فترى البنيوية أن الظاهرة الثقافية تشكل أنظمة لغوية لابد أن تحلل باتساق بواسطة تقنيات مستقاة ومشتقة من الألسنية، كالتراكيب اللغوية، والصور اللفظية، ووحدة الأصوات، والتضاد والثنائي، والاستعارة والكناية .. الخ. ثم أن كل ظاهرة ثقافية يجب أن يتم التعامل معها كما يتم التعامل مع اللغة، أي لها دالها ومدلولها. هذا وتستند البنيوية إلى مجموعة من المصطلحات والمفاهيم الإجرائية في عملية الوصف والملاحظة والتحليل، غالباً ما تشير في دلالاتها إلى التحديد والعزل والفصل وتفكيك الظاهرة المدروسة، كالنسق والنظام والبنية والبنية الداخلية والعناصر وشبكة العلاقات، كذلك الثنائيات وبنية التعارض والاختلاف والدال والمدلول، والمجاورة والاستبدال والتقرير والإيحاء والتمفصل المزدوج .. الخ . (2)

البنيوية التوليدية / التكوينية:

أمام حالات الضياع التي حلت على العالم بشكل عام وعلى أوربا بشكل خاص بسبب النتائج المدمرة للحرب العالمية الأولى والثانية فيما بعد، كان للحركة الفكرية الفلسفية منها والأدبية والفنية نصيب واضح من هذا الضياع أو التشظي الذي تجلى في ظهور الكثير من النظريات والمدارس الفكرية والفنية والنقدية الأدبية التي راحت تبحث في واقع إنسان تلك المرحلة وتوصيفها، وبالتالي وضع الحلول لخلاص الإنسان من معاناته، فكان من بين تلك النظريات والمدارس إضافة إلى الوجودية والعبثية والمذهب الذري، (من الذرة وهي أصغر جزء من المادة)، النظرية (البنيوية) كمنهج ومذهب فكري شكل ردة فعل على الوضع الذري الذي ساد العالم الغربي في بداية القرن العشرين كما اشرنا سابقاً، وهو وضع تغذى وانعكس أيضاً على تشظي المعرفة وتفرعها إلى تخصصات دقيقة متعددة تم عزل بعضها عن بعض، مجسدة في الوقت نفسه مقولة عزل الإنسان ذاته وانفصاله عن واقعه والعالم المحيط به (تذريره)، وتكريس شعوره بالإحباط والضياع والعبثية.

أمام حالات الضياع المادي والفكري هذه، ظهرت أصوات تطالب بضرورة العودة إلى النظام الكلي والتكافلي والمتناسق الذي يوحد العلوم بعضها ببعض، ومن ثمة يعمل على تفسير العالم والوجود، وبالتالي جعله مرة أخرى بيئة مناسبة للإنسان. هذا وقد كانت البنيوية التوليدية / التكوينية، أحد هذه الأصوات التي جاءت استجابة  لبعض المفكرين والنقاد اليساريين، بغية التوفيق بين أطروحات البنيوية في صيغتها الشكلانية /التفكيكية التي جئنا على عرض أهم مقوماتها وأسسها سابقاً، وأسس التفكير المادي الواقعي للفكر والثقافة عموماً .

لقد أسهم في تكوين هذا الاتجاه البنيوي التوليدي، عدد من المفكرين اليساريين أمثال (المفكر المجري جورج لوكاش، والفرنسي بيير بوردو، والروماني الأصل لوسيان غولدمان).

هذا ويعتبر الناقد " لوسيان غولدمان"، من أهم الذين نظروا في البنيوية التكوينية / التوليدية، فهو في تطويره للبنيوية الشكلية ومحاولة ربطها بالواقع، اهتم بدراسة بنية النص الأدبي دراسة تكشف عن الدرجة التي يجسد بها النص (رؤية العالم) عند طبقة اجتماعية محددة، أو مجموعة اجتماعية محددة، ينتمي إليها الكاتب، على أساس أنه كلما اقترب النص اقتراباً دقيقاً من التعبير الكامل المتجانس عن رؤية العالم عند هذه الطبقة الاجتماعية أو تلك، كان أعظم تلاحماً في صفاته الفنية.

أما الأعمال الفنية عند " غولدمان" لا ينظر إليها على أنها خلق فردي خالص، بل هي خلق يتجاوز الفرد... هي نتاج بنية الأفكار والمطامح التي تشترك فيه مجموعة اجتماعية (طبقة)، غير أنها تصل إلى أرقى تعبيراتها عند الشاعر والمفكر.

إن الكتاب والمفكرين عند "غولدمان" هم الأفراد المتميزون الذين ينقلون فنياً رؤية العالم عند طبقة اجتماعية أو مجموعة بشرية ينتمون إليها ويصوغونها بطريقة كاشفة ، وإن لم تكن واعية بالضرورة . بيد أن التكوين أو التوليد عنده لا يتضمن أي بعد زمني يعيد الشيء المدروس ( الظاهرة) إلى تاريخ ولادته ونشأته، فالبعد الزمني في هذا الشأن يعتبر ثانوياً جداً.

إن البنية التي يأخذ بها " غولدمان" ترتبط بأعمال وتصرفات الإنسانية، وإن فهمها ليس أكثر من محاولة لإعطاء جواب بليغ عن وضع إنساني معين في زمان ومكان محددين دون النظر إلى النشأة والتطور التاريخي لها بالضرورة .

أما الناقد " بيير بورديو" فهو إضافة إلى الرؤى السابقة التي طرحها "غولدمان" في سياق عرضه للبنيوية التوليدية، نراه يعتبر أن المدى الاجتماعي هو المدى الحيوي الذي تكمن فيه الصراعات الطبقية والتي ينبغي علينا النظر إليها، أي حالات الصراع الطبقية، بمحتواها الثقافي، حيث يقدم لنا هذا المحتوى هنا، كرأسمال (رمزي) مقابل الرأسمال الاقتصادي. وهذا الرأسمال الرمزي يكرس وفق رؤية " بيير بورديو" التمايزات بين الطبقات الاجتماعية، بل ويعيد إنتاجها لاشعورياً . وللرأسمال الثقافي عنده عنف شأن الرأسمال الاقتصادي، إلا أنه لا يخلق صراعاً ظاهرياً بين الطبقات .

هذا وأن الرأسمال الرمزي يقسم المجتمع بدوره إلى طبقات منها على سبيل المثال :

1 – برجوازية صغيرة ومتوسطة، ذات رأسمال ثقافي أعلى من الرأسمال الاقتصادي للطبقات الرأسمالي الصغيرة والمتوسطة ، يمثلها شرائح الأنتلجينيسيا، مثل الأطباء والمهندسين والمحامين.

2- رأسمال اجتماعي ناجم عن قوة العلاقات الاجتماعية المستندة إلى أصول اجتماعية تقليدية ( شيوخ العشائر والقبائل والطوائف) .

3- رأسمال الجسد، كالجمال والجاذبية.

إن هذا الرأسمال بأنواعه له قوة جبارة تستخدم وتنتج بناء المدى الاجتماعي وتشكله، وتعيد إنتاجه من جديد .

ختاماً نقول: إن النظرية البنيوية في اتجاهيها الشكلاني والتوليدي ليست أكثر من رؤى ومفاهيم أريد من خلال طرحها التعمية على العوامل الحقيقة التي تشكل العلاقات الاجتماعية والفكرية وآلية عملها، وبالتالي دفع المجتمع (أفراد وكتل) للبحث عن خلاصهم ومعاناتهم التي خلفتها لهم طبيعة العلاقات الرأسمالية الاستغلالية، هذه العلاقات التي كانت وراء ليس ما خلفته الحربين العالميتين من دمار للمجتمعات البشرية فحسب، وإنما هي وحدها تتحمل القسم الأكبر من حالات معاناة هذه المجتمعات وما لحق أفرادها من ضياع وتشيء واستلاب (3).

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية

............................

(2) - للاستزادة في مفهوم البنيوية ونشأتها راجع : موقع شموس نيوز – في تاريخ البنيوية وتطورها. عبد الله جاد كريم.

(2) – للاستزادة في معرفة أسس النظرية البنيوية. يراجع رسالة أسس النظرية البنيوية في النقد العربي الحديث رسالة مقدمة لنيل شهادة دكتوراه علوم في الأدب العربي (نقد معاصر).إعداد الطالب – حكيم دهيمي.

(3) – راجع موقع الحوار المتمدن – ابراهيم حجاج - منهج البنيوية التوليدية في النقد الأدبي.

يراجع أيضاً – موقع الحداثة وما بعد الحداثة – البنيوية التوليدية او البنيوية التكوينية – سليم ساعد السلمي.

 

 

 

 

زهير الخويلدي"إن فعل المعرفة ليس مجرد تقبل سلبي لما يرد على الذات العارفة من الخارج بقدر ماهو نشاط مطابق للمبدأ الفاعل النشيط الساري في الكون"[1]

تعرف فلسفة زينون بالرواقية لأنه كان يجتمع مع تلاميذه في الرواق، وكانوا يجعلون من اجتماعهم فرصة للتدرب على محبة الحكمة تجاوزا للقصور الفكري والتقليد نحو حالة الرشد الذهني والإبداع المعرفي.

من المعلوم أن الرواقية تؤسس للمدرسة وتشرع لها بوصفها مؤسسة حاضنة تتبنى عقولا جديدة وتحتفي بالدرس. كما تؤكد على مبدأ الاحتذاء القائم بين الأستاذ والتلميذ وعلى شروط التدرب على الحكمة. ولكنها بوصفها مدرسة عملية توفر للمتعلم فرصة اتخاذ قبلة خاصة به في التفكير وما يلفت النظر في الرواقية هو انبناؤها على فكرة التعاطف الكوني وعلى مبدأ وحدة الوجود. فهي تآخي الموجودات وتدعو إلى الانسجام مع الطبيعة ومع الذات. بما يخدم لقاء الإنسان بالإنسان ويؤسس للتسامح والعيش معا.

علاوة على ذلك تقوم فلسفة الرواق على الراهن والحدثي وعلى الظفر بالحرية ضمن الأحداث. فهي فلسفة زمنية وليس أكثر حاجة منا اليوم إلى الانغراس في الزمن وفي التاريخ. الجميل هو وحده الحسن هكذا تذهب الرواقية، أما السعادة فهي الانخراط في دفق الحدثان وعيا بأنه نظام الكون. فما أحوج إنسان اليوم إلى تربية على هكذا جمالا وهكذا فضيلة. كما تنبهنا الرواقية إلى قيمة الآخر وقيمة الإيثار عند التعامل معه وعلى فضل التعاطف الكوني في تأسيس الأخلاقية الإنسانية بما يحتم ضرورة الاجتماع الانساني ومطلب تحقيق السعادة الجماعية. على هذا النحو تكمن حاجتنا في أن نربي من خلال الحكيم الرواقي في انتمائه إلى الكونية السياسية الكوسموبوليتية "الناس كلهم مواطنو العالم، العالم موطن الإنسان، والإنسان مواطن العالم". هكذا يعلن زينون. فإذا كانت الأعراف والعادات هي قانون البيئات المحلية فإن العقل هو القانون الطبيعي الحقيقي الذي يحكم العالم. فالمواطنة العالمية هي حكم الطبيعة فضلا عن كونها فضيلة أخلاقية وسياسية فإن إن المواطن العالمي مطالب بتأسيس أسرة والقيام بجميع وظائف المواطن: من اعتناء بالسياسة وتدبير شؤون المدينة. وكذا الاعتناء بالسياسة والحلم بتشييد دولة عالمية.

يمكن أن نذكر من الرواقيين: أبيكتات وسينيكا وشيشرون وماركوريل، فقد أكد أبيكتاتEpictete  على أن الحرية تتحقق عندما يتمكن المرء من تجاوز السلطة السياسية الظالمة وتشييد السلطة السياسية العادلة. كما تتحقق السعادة عند الرواقية عبر المصالحة مع الذات والتناغم مع الطبيعة مع أبيكتات وشيشرون. لقد قاما بنقد التصورات الأرسطية التي تفرق بين الاختيار والإرادة وأقرا بأن العلامة على الحرية يكمن في التسلح بالإرادة في مواجهة الضغوطات وحول هذا الموضوع يصرح أبيكتات: " أيها الإنسان، انك تمتلك بالطبيعة إرادة لا تعرف العوائق ولا الاكراهات... وإرادتك لا يعترضها أي إكراه ولا عائق ولا مانع... انه حكمك هو الذي يجبرك على التصرف، إن الإرادة هي التي تلزم الإرادة. أيها الإنسان إذا أردت، أنت حر، إذا أردت كل شيء سيكون حسب إرادتك والتي هي إرادة الله كذلك" كما يضيف في نفس الفكرة: " أنت ذاتك تريد أن تكون حرا وثمة طريق واحد يقودك إلى تحقيق ذلك ألا وهو الاستخفاف بكل ما ليس في متناولك" كالصحة والثروة والشهرة والحظ والمجد وامتلاك السلطة والاكتفاء بتطبيق كل ما يقع تحت يديك والرجوع إلى ذاتك والبحث عن القوة التي تمتلكها من أجل استخدامها واكتشاف القدرة على التحمل والتحلي بالصبر والتحكم في الذات ومواجهة الشدائد والعمل على التخلص من أسر التمثلات والآراء. حرية الإنسان تتجاوز كل سلطة : إذ يقول المستبد أنا السيد، استطيع فعل كل شيء وما الذي تستطيع فعله؟، لكن هل بإمكانك حرماني من حريتي؟... لن تستطيع تكدير صفائي. لا يمكن أن يكدر صفائي أحد سواي. يمكنك أن تهددني بقدر ما تشاء، فأقول لك إنني حر.أنت حر؟ وكيف ذلك؟- إن الألوهية نفسها هي التي حررتني... انك سيد على هيكلي العظمي فخذه. لكن ليست لك أي سلطة على نفسي.".

في نفس الاتجاه يرى شيشرونCiceron أن الحرية هي الانتصار على الضرورة ويبرر ذلك بأن:

-  كل شيء يحدث بسبب القدر أي وجود الضرورة

-  حركة الأرواح الإرادية الحرة تنفلت من القدر

-  كل شيء يحدث بسبب القدر ولكن الرضا يحصل عن الاقتناع والحرية والاختيار مع الأشياء التي تكون في مقدورنا والأشياء التي تخرج من دائرة سلطاننا. تجنب الضرورة مع الاحتفاظ بالقدر بالتفريق بين الأسباب المسبقة والرئيسية والكاملة للأفعال والأسباب القريبة والمساعدة لها.

تبعا لذلك يشبه شيشرون الاختيار الحر بحالة الاسطوانة التي تتلقى دفعا أوليا ولكنها تواصل حركة الدوران بذاتها. زد على ذلك يمكن عرض بعض العتبات النصية التي تظل خالدة رغم مرور قرون على كتابتها من طرف الحكماء الرواقيين في الرسائل التي تبادلوها فيما بينهم يمكن أن نذكر منها التالية:

" كلما كانت هذه الأسباب الكاملة والرئيسية لا تدخل تحت نفوذنا، كانت الإرادة أيضا خارج نفوذنا"

سينيكا، رسالة إلى ليسيليوس

" تريد أن تعرف ما هو خطأك الرئيسي؟ أنت لا تعرف كيف تحسب: أنت تضع ما تعطيه أكثر من اللازم وتقليل ما تتلقاه." سينيكا، رسالة الى ليسيليوس،

" عظيم جدا هو ضعف الروح التي ذهب عقلها!" سينيكا، ثبات الحكيم،.

" الجسد والروح والذكاء. إلى الجسم، الأحاسيس. إلى الروح، الميول ؛ إلى الذكاء، والمبادئ" ماركورال، أفكار بالنسبة إلى نفسي، الكتاب الثالث، السادس عشر،

حسن الختام هي هذه الحكمة الخالدة:" الموت والحياة، المجد والغموض، الحزن والسرور، الثروة والفقر، كل هذه الأشياء ترجع على قدم المساواة إلى الخير والأشرار، دون أن تكون في حد ذاتها جميلة أو قبيحة. وبالتالي فهي ليست بضائع ولا شرور." لقد ذكر ذلك ماركورال، أفكار بالنسبة إلى نفسي، الكتاب الثاني، في القسم الحادي عشر، فلماذا يتناسى الإنسان المعاصر الحكمة الرواقية وإيتيقا التصالح بين الذات والطبيعة والمجتمع؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

..................................

المرجع:

1- د جلال الدين سعيد، فلسفة الرواق، دراسة ومنتخبات، مركز النشر الجامعي، تونس،1999، ص29

 

 

حاتم حميد محسن"الانجيل يبيّن الطريق للذهاب الى السماء، وليس الطريق الذي تسلكه السماء". (Galileo Galilei)

"لا يوجد هناك انسجام بين الدين والعلم. عندما كان العلم طفلا، سعى الدين لخنقه وهو في المهد". (R. G. Ingersoll)

يقول الكاتب رونالد بايز البروفيسور في الطب النفسي انه عندما كان يمارس الطب النفسي قبل 35 سنة، قال احد المرشدين التعليميين له شيئا غيّر الى الأبد الطريقة التي اعتقد بها حول مهنته. هو قال"في الطب النفسي"، "انت تستطيع ان تعمل بايولوجي في الصباح، وثيولوجي بعد الظهر". الرسالة التي يريد ايصالها هي ان مشاكل المرضى يمكن فهمها والتعامل معها من كلا المنظورين العلمي والديني دون خوف من التناقض او عدم الانسجام. نعم، هناك العديد من النقاد في الطب النفسي الذين يعارضون حسن النية العلمية، لكن تلك مناقشة تأخذنا بعيدا جدا. بدلا من ذلك، سنستعمل ادّعاء المرشد كنقطة للدخول الى سؤال اكثر اتساعا: وهو، بأي الطرق يختلف العلم والدين، وبأي معنى تكون لهما خصائص مشتركة؟

هذا السؤال ليس جديدا . لكننا نأمل عبر التمييز بين ادّعاء الحقيقة وادّعاء الحكمة في العلم والدين ان نستطيع عمل دفاع لشكل من "الانسجامية". للقيام بهذا سوف نطرح تمييز القس اوغستين بين العلم Scientia والحكمة sapientia، وسنوضح الكيفية التي يكون بها هذا التمييز مفيدا، سوف نعرض حوارا متصورا(مع استعمال اقتباسات حقيقية) بين شخصيتين بارزتين في عالمي الدين والعلم، وهما آلبرت آينشتاين و رابي (Rabbi Menachem Schneerson) . ما يجعل هذا الحوار مختلفا عن حوارات "العلم مقابل الدين" العادية هو موقع الرجلين المتحاورين، البرت اينشتاين كان عالما متدينا بعمق، وريب كان ثيولوجيا علميا بعمق.

حكاية مفردتين:علم و دين

عند النظر الى التشابه والاختلاف بين العلم والدين، يبدو من المفيد عرض على الأقل بعض التعريفات البسيطة والكافية لهما. نحن لا ندّعي ان هذه التعريفات توفر المعيار الضروري والكافي لأي من مفردتي "العلم" و "الدين". في الحقيقة، لودويج وتغنستن علّمنا ان نتحقق من فكرة التعريفات "الضرورية". مع هذا نحن يجب ان نبدأ في مكان ما. طبقا لذلك، نود تعريف "العلم"كـ "ذلك الحقل من الدراسة الذي يحاول وصف وفهم طبيعة الكون، كليا او جزئيا بوسائل من الملاحظة الدقيقة، وصياغة الفرضيات، والمحاولات التجريبية للتثبت او تكذيب الفرضيات، والاختبارات التجريبية للتنبؤات المتولدة من فرضيات معينة".

اما تعريف الدين فهو ربما اكثر مراوغة من تعريف العلم. وكما لاحظ بروفيسور الدين Thomas A. Idinopulos، "انه كلما تعلّمنا الكثير حول الاديان كلما اعترفنا ليس بالتشابهات بينهما وانما بالاختلافات"(ما هو الدين؟Cross currents، 1988). (نتذكر ايضا تعريف Henry Fielding للدين في رواية توم جونز، 1749: "بواسطة الدين أعني المسيحية، بالمسيحية أعني البروتستانتية، بالبروتستانتية أعني كنيسة انجلترا المتأسسة بالقانون"). مع ذلك، نريد المغامرة بتعريف عملي للدين مرتكز جزئيا على عمل الفيلسوف Ninian Smart(1927-2001). "الدين" ربما يُعرّف، كـ "تلك المجموعة من المعتقدات والطقوس والقيم والأعراف والقصص التي تعالج مكان البشرية في العلاقة مع الكون، وتعرض رؤية عالمية متماسكة يلعب فيها الايمان، العبادة، معنى المقدس، والخضوع للقيم النهائية، دورا هاما". لاحظ ان تعريف الدين لا يتطلب الايمان باله – بما في ذلك الخالق العالم بكل شيء، الكلي القدرة الذي يتدخل في شؤون البشرية – رغم انه لايستبعد اي من الاله او الالهة. في الحقيقة، اذا انت تعتبر البوذية دينا، فان مفهوم الاله المتجاوز لا يوجد في النيرفادا البوذية. اليانية Jainism ايضا تفتقر الى اي فكرة متماسكة للاله. لذا عندما نسأل ما اذا كان العلم والدين يشتركان بخصائص معينة، نحن لا نحتاج للقيام بهذا في العلاقة لأي من افكار الله كما فُهم، على سبيل المثال، في اليهودية، والمسيحية والاسلام.

منسجم ام غير منسجم؟

كما عرضنا من خلال العبارات في بداية هذا المقال، هناك فجوة واسعة بين الرؤيتين في علاقة الدين بالعلم. غاليلو عرض رؤية "منسجمة"، مقترحاً ان الدين يخبرنا ما يجب ان نقوم به للحصول على الخلاص، وليس كيف تعمل النجوم والكواكب في ظل القانون الطبيعي. الاخير هو مجال العلم. هذا الموقف ليس بعيدا عن موقف Stephen Jay Gould (1941-2002) الذي وضع مصطلح "عدم التداخل في مجال الدين والعلم" ليصف العلاقة بين الدين والعلم. وكما اشار غولد، "العلم يغطي الكون التجريبي: كيف صُنع (حقيقة) ولماذا يعمل بهذه الطريقة (نظرية). مجال الدين يمتد عبر اسئلة المعنى الاخلاقي والقيمة. هذين المجالين لايتداخلان" (مقتبس من موقع غولد).

في تعارض حاد، نحن لدينا الـ "الرؤية غير المنسجمة" للمحامي الامريكي R. G. Ingersoll(1833-1899)، المعروف بـ "اللاادري العظيم"، الذي جادل بان الدين والعلم هما بالنتيجة عدوين لدودين. لكن ادّعائه بان الدين معاديا للعلم يمكن معارضته بالعديد من الامثلة التاريخية الأصلية. فمثلا، في جدال غاليلو السيء السمعة، الذي أدانت فيه الكنيسة الكاثوليكية غاليلو لهرطقته، من غير الواضح ان الموقف الأصلي للكنيسة كان ناتجا عن اتخاذها مواقفا "ضد العلم". بعض الباحثين اقترحوا ان الكاردينال بيلارمين، رئيس مكتب محاكم التفتيش، "كان راغبا بتأييد الحقيقة العلمية لو انها جرى اثباتها وفق قناعته ". (النقاش الكامل لهذا عرضه p. Machamer في ستانفورد انسكلوبيديا للفلسفة، 2014).

مقابل موقف غولد لابد من القول ان هناك مقدار محدود ولكن هام من التداخل بين العلم والدين. ايضا نرى، في تضاد مع Ingersoll ان الدين لا يحتاج ليكون عدوا للعلم. ولكن قبل طرح هذا الموقف "المنسجم المعدّل"، نود عرض حوار افتراضي بين اثنين من كبار التاريخيين في مجال عدم التداخل بين الدين والعلم.

البرت اينشتاين (1879-1955) هو اكبر عالم شهير منذ اسحق نيوتن، بينما Rabbi Menachem Schneerson(1902-1994) كان رئيسا لفرع لوبافيتشر لليهودية الارثودكسية. لكن ريبي لم يكن رجل دين عادي، كونه درس العلم والرياضيات في جامعة برلين والسوربون. هو كان قادرا جدا على مناقشة العلم فكريا حتى مع اناس مثل اينشتاين. بالنسبة له، رغم ان اينشتاين تربّى في بيت يهودي غير متعصب، لكنه "كان لديه احترام كبير للعناصر الانسانية في التقاليد اليهودية"، واحتفظ منذ طفولته بـ "احترام عميق للانسجام والجمال في ما سماه عقل الاله، كما تجسّد في خلق الكون وقوانينه"(اينشتاين:حياته والكون، W. Isaacson، ص 20، 2008). هذه النقطة تصبح حاسمة في الجدال الذي سنعرضه.

ريبي يقابل اينشتاين

دعنا نتصور اجتماع لريبي مع اينشتاين في أواخر عام 1954 قبل وقت قصير من وفاته. اينشتاين في عمر 75 سنة بينما ريبي في عمر 52. رغم ان الحوار افتراضي، لكن رؤى اينشتاين تمثلت بالاقتباسات الحرفية من اينشتاين ذاته طوال سنين حياته. بالنسبة لريبي، الاقتباسات تمثل تعاليم Rabbi Schneerson كما جُمعت وتواترت عبر مجموعة من الكتابات الشفوية. التعاليم المتوفرة جرى نسخها لاحقا من قبل تلميذ ريب Rabbi Simon Jacobson.

وعلى الرغم من ان الحوار عُرض في اللغة الانجليزية، لكن المرء بسهولة يمكنه تصور نقاش الرجلين في اللغة اليديشية، اللغة الام للعديد من اليهود حول العالم:

ريبي: مرحبا بروفيسور، انه شرف لي اللقاء بك، لذا اذا كنت انا جريء جدا فستكون مشكلة هنا. بالنسبة لبعض الناس لايزال هناك انقسام موجود بين الدين والعلم نظرا لأن بعض الأجزاء من الحياة يتم السيطرة عليها من قبل الله بينما اخرى من قبل قوانين العلم والطبيعة. هذا الموقف المجزأ هو خاطئ. طالما ان الله خلق الكون والقوانين الطبيعية التي تحكمه، فلا يمكن ان يكون هناك انشقاق بين الخالق وخلقه.

آينشتاين: يا سيد ريب، من السرور ان التقي بك، انا اقول بأن خلف القوانين الواضحة والارتباطات يبقى هناك شيء غامض يتعذر تفسيره. تقديس هذه القوة التي هي وراء أي شيء قابل للفهم هو ديني. ولذلك المدى، انا في الحقيقة متديّن. انا لا اؤمن بالاله الشخصي، انا لم انكر هذا وعبّرت عنه بوضوح. اذا كان هناك شيء عندي يسمى ديني عندئذ فهو إعجاب غير محدود بتركيب العالم وبالقدر الذي يستطيع علمنا كشفه.

ريبي: في الحقيقة ان القوانين الطبيعية للكون من الصعب ان تتعارض مع المخطط الذي صُنعت منه، لذا، فان العلم هو بالنهاية دراسة الانسان لذهن الاله، وهو سعي لفهم القوانين التي وضعها الله لإدارة الكون المادي.

آينشتاين: نعم يا ريبي، مع اني لا استطيع تصور اله يكافئ ويعاقب مخلوقاته، او لديه الرغبة من النوع الذي ندركه في انفسنا . . لكن يكفي بالنسبة لي لغز ابدية الحياة وربط البناء المدهش للواقع بمسعى خالص لفهم جزء صغير جدا من العقل الذي يجسد ذاته في الطبيعة.

ريبي: في الحقيقة يا بروفيسور لا يوجد هناك سؤال حول ما اذا كان الكون يسترشد بمنطق معين . . العلماء والفلاسفة ينظرون في الطبقات الخارجية للكون ليكتشفوا القوة الكامنه فيه. ما نبحث عنه حقا، سواء كنا نعترف به ام لا، هو الاله، او اليد داخل القفاز.

آينشتاين: انت تعلم يا ريب، انا اعتقد اننا في موقف طفل صغير يدخل الى مكتبة هائلة الحجم مملوءة بالكتب من مختلف اللغات. الطفل يعرف ان شخص ما يجب ان يكون كتب تلك الكتب. هو لا يعرف كيف.  لا يفهم اللغة التي كُتبت بها تلك الكتب. الطفل يشك بوجود نظام غامض في ترتيب الكتب لكنه لا يعرف ما هو. هذا الموقف يبدو لي موقف حتى الانسان الأكثر ذكاءً تجاه الله. نحن نرى الكون ترتّب بطريقة مثيرة للدهشة ويطيع قوانين معينة، لكننا نفهم تلك القوانين فقط بطريقة معتمة .

ريبي: لذا فان التحدي الحقيقي للعلم اليوم ليس نفي الله وانما اكتشاف كيف يعكس العلم ويضيء اجزاءً من ذهن الله الذي لايزال غير مكتشف.

آينشتاين: بالنسبة لي، ريبي، ان الشعور الأكثر جمالا والذي نحسه هو غامض. هو الشعور الاساسي الذي يصل الى الفن الحقيقي والعلم. . للإحساس بأن وراء أي شيء يمكن ممارسته هناك شيء لا يمكن لأذهاننا معرفته والذي يصلنا جماله وسموه فقط بشكل غير مباشر، هذه هي التدينية. بهذا المعنى، وبها فقط، اكون انا انسان متدين.

ادّعاءات العلم والحكمة

من الواضح هناك بعض الادّعاءات الصحيحة في العلم والدين والتي لا يمكن التسوية فيها. فمثلا، عندما يحسب بعض الاصوليون المسيحيون عمر الارض بستة الاف سنة، فان معظم العلماء يعتقدون ان الرقم الصحيح هو 4. 6 بليون سنة. وبافتراض ان كلا الادّعائين يستعملان كلمة "سنة"بنفس الطريقة، عندئذ لا توجد هناك طريقة للتسوية. كذلك، طرق الدين والعلم هي ايضا مختلفة راديكاليا ان لم تكن غير منسجمة. فمثلا، نحن عموما لا نجد الثيولوجيين يقومون بتجارب دقيقة لتقرير عمر الارض او لإكتشاف ما اذا كانت صلاتهم تُستجاب. ولكن عندما نأتي لادّعاءات الحكمة، هناك مساحات هامة من الانسجامية بين العلم والدين.

بعض الاشتقاقات لكلمة "دين" تربطها الى المعنى اللاتيني religare بمعنى "يربط بسرعة"او "يربط". نرى ان الدين يسعى الى ربطنا كبشر بـ "القوة الاصلية"والنهائية المسؤولة عن وجودنا، والتي تسعى ايضا لربطنا بالنظام الكوني .  الادّعاء العلمي السائد جرى التعبير عنه عام 1973 من قبل الفلكي كارل ساغون carl sagan في برنامج تلفزيوني بيّن فيه بأن "الحديد الذي في دمنا، الكالسيوم الذي في أسنانا، الكاربون الذي في جيناتنا، كانت قد اُنتجت قبل بلايين السنين في داخل نجم عملاق أحمر. نحن صُنعنا من مادة النجوم".

صيغة اكثر روحانية لهذه الفكرة جرى التعبير عنها عام 1918 من قبل رئيس الجمعية الفلكية الملكية في كندا، الدكتور البرت دي واتسون Albert D. Watson:

"من الصحيح ان اول لمحة رصينة للكون غير المقاس هي مسؤولة عن احساسنا بعدم اهميتنا. لكن علم الفلك مفيد حتى في هذا ويساعد في فتح الطريق لإدراك ان أجسامنا هي جزء مكمل للكون المادي العظيم، والتي من خلالها تتجسد القوانين والقوى التي تأخذ ترتيبا في أعلى تجسيد للوجود الكوني".

(Retiring presidents Address، الاجتماع السنوي، 29 جنوري، 1918).

ان الفرق الذي نؤكد عليه هنا بين ادّعاءات الحقيقة وادّعاءات الحكمة هو ايضا ليس جديدا: نحن نعتمد على الفرق الذي عمله اوغستين هيبو Augustine of Hippo (354-430) قبل 16 قرن بين العلم والحكمة. يرى اوغستين ان العلم هو معرفة بالأشياء الدنيوية والتي نسميها "حقائق حول العالم الملاحظ". اما الحكمة تشير الى "الحكمة المشتقة من التأمل بالحقيقة الخالدة".

نعتقد ان الكثير من الخلاف الظاهر بين العلم والدين يبرز من الفشل في التمييز بين هذين الوسيطين المتميزين للمعرفة. في الحقيقة، ان الخلط بين تعابير العلم وتعابير الحكمة وبالعكس هو ما يسميه الفيلسوف جلبرت رايل بـ "خطأ التصنيف" كما لو نسمي الحوت سمكا. 

كذلك يشير البروفيسور ماركوس بورغ، الى ان العديد من اقوال الحكمة في النصوص الدينية هي من حيث الجوهر استعارات وهي بهذا تبدو تتعارض مع الاقوال العلمية حول العالم الملاحظ. الخطر يبرز عندما نقرأ حرفيا ما هو في الاصل تعابير مجازية. من المهم ان نلاحظ (كما لاحظ بورغ) ان التعابير المجازية هي ليست زائفة حتى عندما لا تكون تعابير علمية. هي تبقى تحتوي على حكمة هامة. في الحقيقة يلاحظ بورغ ان "الاستعارات يمكن ان تكون صحيحة في العمق حتى عندما لا تكون حرفيا صحيحة. الاستعارة هي اضافة للشعر وليست نقصا في الحقيقة "(ص41). فمثلا، في John 15:5 يخبر يسوع اتباعه، "انا كرمة العنب، انتم الأغصان. هو من يثابر تجاهي، وانا فيه، هو من يحمل الكثير من الفاكهة". من الواضح ان هذه الاستعارة الممتدة ليست ادّعاءً حرفيا حول الحقائق الملاحظة التي يمكن اختبارها وتفنيدها بالعلم. وانما هي تعبير حكمة او مجاز يعبّر عن فكرة ان أتباع يسوع هم امتداد روحي له، وان الأشياء الجيدة ستأتي من ايمانهم.

كلمة ختامية

هناك منْ يمارس طقسا غريبا كل صباح مرتكز بدرجة ما على صلاة يهودية تسمى modeh ani والتي تُتلى تقليديا عند الاستيقاظ الاول. انها صلاة شكر. في اللغة الانجليزية تقول، "انا اقدّم شكري لك ايها الملك الحي الخالد، لأنك وبرحمة منك استعدت روحي بداخلي، اخلاصك عظيم". لماذا نسمي هذا طقسا غريبا؟ باختصار لأن من يمارس الطقس غير متأكد ان هناك "ملك أبدي" يستمع له، وهو اقل بكثير من حاكم كوني يعتني بحاجاته ورغباته وطموحاته. ومع ذلك، في كل صباح هو يقدّم شكره للحياة والصحة ويتحدث كما لو ان قوة عليا تستمع له. صلاته ليست علما. انها ليست بيان للحقيقة خاضع للنفي العلمي. انه فعل تقديس مكرس لهدف مقدس. انه فعل ديني بالقدر الذي يربط شكره وامتنانه بشيء ما اكبر من ذاته، ربما بالمعنى الذي يشعر به آينشتاين. الصلاة هنا لا تتعارض مع العلم: انها لا تجسد تحديا للمعرفة العلمية او الطبية. بل ان فعل التقديس هذا انما هو اشارة نحو الحكمة، البحث عن الحكمة حتى في مواجهة أعمق الشكوك.

 

حاتم حميد محسن

..........................

آينشتاين و ريبي، حوار بين العلم والدين، Philosophy Now، عدد June-July 2020.

 

 

 

حسن عبود النخيلة الميتامسرح في اندماجه وانفصاله عن الفلسفة الافلاطونية

يتجسد على مستوى الطرح الفكري (الأفلاطوني) رصد محركات الخاصية التأملية الميتامسرحية متمثلاً بتفريق (أفلاطون) بين (الحقيقة) و(النسخة)، (الثابت) و(المتحرك) .

فمن باب المقارنة التي يجريها (أفلاطون) بين (الحقيقة) و(النسخة) فإن نظريته عن المحاكاة تذهب إلى القول بأن (الحقيقة واحدة)، أما النسخ فتمتاز بالتعدد، وهذا هو ديدن العالم الحسي الفاني. ويتضح ذلك جلياً في الكتاب العاشر من (الجمهورية) في المحاورة التي تدور بين (سقراط) و(غلوكون):

(س – أستحلفك أن تخبرني ألسنا قد بينّا أن المحاكاة لا تتعلق إلا بما ابتعد عن الحقيقة ثلاث منازل ؟ .. تلك هي النتيجة التي كنت أنشد الوصول إليها حين قلت إن الرسم أو التصوير والمحاكاة بعامة قد ابتعدت كثيراً عن الحقيقة وهي تؤدي عملها على أكمل وجه . وإن لضروب المحاكاة في دخيلة أنفسنا صنواً يُعدّ لها صديقاً ورفيقاً وخليطاً وإنه يبتعد عن العقل مثل ابتعادها عن الحقيقة وإنها جميعاً ليست تتوجه نحو غاية سليمة أو صحيحة.

غ- تماماً)(1) .

عبر ذلك يقيم (أفلاطون) في نظريته الفلسفية، مقارنة بين عالم الأشياء بحقيقتها، وعالم الظلال المنعكس عنها، عندما يمثل إلى عالم الإدراك الحسي ويشبهه بكهف تقطنه مجموعة من الناس منذ نعومة أظفارهم، بينما قيدت أرجلهم وأعناقهم بالسلاسل وظلوا جامدين لا ينظرون إلا باتجاه واحد، في حين أن هناك ناراً مضرمة خلفهم في موقع أعلى منهم وقد فصل بينهم وبين تلك النار دكة أقيم عليها جدار منخفض شبيه بذلك السياج الذي يستعين به المشعوذون في تقديم ألعابهم وتمريرها على ضحاياهم، على هذا السياج اناس يمشون حاملين تماثيل بشرية وحيوانية، وهم يمارسون سحر الصورة الوهمية على هؤلاء المساجين الذين لا يرون سوى الظلال المتحركة أمامهم، إلى درجة انه لو تكلم احد هؤلاء الممارسين للألعاب من خلفهم لظنوا أن الظلال هي من تنطق، في حين انه لو تسنى لأحد هؤلاء المساجين أن يتحرر من أغلاله ويتمكن من الالتفات إلى ورائه لكان قد رأى مصدر النور . ولو أن هذا الرجل قد اقتيد إلى مرتقى أكثر سمواً فتم الخروج به إلى نور الشمس، فأنه لا يجد إلا عينيه قد بهرتا إلى درجة تعذر رؤية شيء مما كان يحسبه حقيقة . وهكذا لابد له من أن يأتلف رؤية أشياء العالم الأعلى كي يحقق أعظم قدر من النجاح في تمييز الظلال(2) .

ولعل (أفلاطون) يقترب في نظريته هذه مما جاء به (هيراقليطس) مسبقا من تأكيد على استحالة العثور أو الإمساك بالحقيقة في عالم طابعه الجريان الدائم، إلا أن (هيراقيطس) لم يقل بوجود نسخ للحقيقة، فالحقيقة لديه ليس لها مكمن أو ثبات - كما هي لدى (أفلاطون)-، وتلتقي فلسفة (أفلاطون) هذه مع تطلعات وأفكار الكاتب الايطالي (لويجي بيرانديللو) فقد عبر الأخير عن هذه الفلسفة التي كانت مثار الممارسة الميتامسرحية في نصوصه بامتياز على الصعيد الفني والتأملي، وهذه نقطة التقاطع بين الاثنين . فالفن لدى (بيرانديللو) هو الحقيقة الفعلية وهو ما يمنح ثباتاً لما هو متحرك في صميم الواقع الزائل . بينما يؤكد حكم (افلاطون) على الفن أنه نسخة مضللة عن الحقيقة، بل هو إعادة إنتاج الصورة المضللة والمشوهة للعالم المحسوس، مما يجعل منه خديعة تفوق زيف الواقع المحسوس نفسه .

إن ما يستثير علاقة الخاصية التأملية في الممارسة الميتامسرحية بالفلسفة الأفلاطونية هو ذلك التأمل الناشئ من مجاورة النسخة مع الأصل، أو الحقيقة مع ظلها، أو انعكاسها، التي لا يأخذ بها (بيرانديللو) وحده في تطبيق فلسفته الفنية عموماً والميتامسرحية خصوصاً . بل تلاحظ آثارها بشكل جزئي في المسرح اليوناني أيضاً، فالمتأمل – مثلاً- في مسرحية (الفرس) لـ (ايسخيلوس) سيجد، أن في هذه المسرحية تفعيل لخاصية التأمل عبر استحضار النسخة التي هي انعكاس عن الأصل، ولان هذا الاستحضار هو خروج عن المألوف، وتمرد على المنطق العقلي، فهو يحمل فاعلية التأمل الميتامسرحي بشكل اكبر، إذ يعد وجود (الأشباح) من الأشياء اللامعقولة، ومحادثة (الشبح) الذي هو في حقيقته نسخة من صورة (الميت) الحقيقية، يعطي فسحة كبيرة للتأمل، وإعادة الوعي بفنية الكتابة المسرحية. بخاصة وان شخصية (المؤلف)– (ايسخيلوس) تتبدى، وتكشف عن نفسها، عبر الارتكاز على الخاصية النقدية الميتامسرحية، من خلال تحميل حوار شخصية الشبح (داريوس) مساحة نقدية تدين العدوان الفارسي على اليونان، وتعطي تفسيرات لدواعي الهزيمة النكراء التي حلت بهم.

في ضوء ذلك يحقق وجود النسخة التي تنوب عن الأصل، الخاصية التأملية الميتامسرحية، ويحقق الحوار المنطوق به على لسان (الشبح) وما يتخلله من إدانة ونقد - الخاصية    النقدية- :

(رئيس الكورس: ماذا تقول؟ هل لم يجتز كل الجيش الفارسي مضيق هِليه ويغادر أوربا؟

داريوس: كلا، بعض الرجال من بين الالاف – إذا كان علينا أن نصدق وحي الآلهة، بملاحظة كل ما تم: لا يشاهد تحقيق بعض هذا الوحي دون تحقيق البعض الآخر، وإذا كانت الوقائع هي كذلك،

فإن احشويرش، بتركه فرقة مختارة، فإنه يطيع آمالاً كاذبة . إنها باقية في الأماكن التي فيها أسوبوس Asopos يروي الساحل بمياهه الجارية، إنه المغذي المحبوب لأرض بيوتنا، وهناك تنتظرهم آلام

في غاية الشدة، جزاءً وفاقاً لتجاوزهم الحدّ وغطرستهم الفاجرة: إنهم جاءوا إلى بلاد اليونان، ولم يترددوا في نهب تماثيل الآلهة وإحراق المعابد، وهم الذين دمروا المذابح وصور الآلهة وقلبوها رأساً على عقب، وحطموا قواعدها.إنهم آثمون مجرمون، فاستحقوا العقاب بقدر جرائمهم وتنتظرهم مصائب أخرى ...... (الشبح يختفي . صمت طويل)(3).

وعلى صعيد فلسفي آخر يناقش (أفلاطون) ثنائية (الثابت) و(المتحرك) والفوارق القائمة بين الاثنين بالإستناد إلى فلسفته المتعلقة بنظرية المثل، ودليله في الحركة والثبات، ارتباط عالم (المثل) بما هو ثابت، وان هذا اللاتغيير ما يجعله مصداق الحقيقة، في حين أن المتحرك هو ما ينتمي إلى عالم المحسوسات لأنه عالم متقلب، مظاهره متلونة لا تكف عن التغير، وهو بمنظور (أفلاطون) (سلسلة من السيلان الهيراقليطيسي الدائم للمظاهر المتغيرة أبداً التي لا يمكن إدراك معرفة حقيقية  لها)(4)

ويناقش (أفلاطون) موضوعة (الثابت) و(المتحرك) في معرض تصديه لمشاركة المثل ببعضها وأيها يتقارب، وأيها لا يمكن أن يجتمع، على هذا الأساس يؤكد عدم اجتماع (الحركة والسكون، لأن السكون لا يمكن ان يكون في حركة أو الحركة في سكون، لكنهما يشتركان في المشابهة وعدم المشابهة، لكونهما يشبهان نفسيهما، ولا يشبه كل منهما الآخر)(5)

وما يوضح تحطيم هذه القاعدة على المستوى التأملي الميتامسرحي، ما يشغله الميتامسرح من تحويل في الصفات في نصوص مسرح اللامعقول، فمثلاً في مسرحية (إميديه) للكاتب (يوجين يونسكو) وفي مسرحية (الصخرة) للكاتب (فؤاد التكرلي) تتفرد الممارسة الميتامسرحية في تقديم رؤية عكسية لما جاء في الفلسفة الأفلاطونية بشأن الساكن والمتحرك، قصد استثارة التأمل الميتامسرحي، فالساكن (الصخرة) يكون متحركاً، والميت (الجثة) بوصفه ساكناً - مسلم في أمره- يغدو متحركاً .

إن (أفلاطون) إذ يترجم في فلسفته ما يلامس الطبيعة الفكرية التي تنتهجها الممارسة الميتامسرحية فهو من جانب آخر يدخل في الحيز التطبيقي لهذه الممارسة الميتامسرحية من خلال محاوراته التي قدم من خلالها مجمل أفكاره الفلسفية، وقد تفرد (افلاطون) بهذه المحاورات بالمزج بين تقنيات الفن الدرامي والمادة الفلسفية، إذ أنتج ذلك أثراً مهماً على مستوى أسلوب العرض وتبسيط المادة الفكرية، وخلق عوامل التفاعل معها (ولهذا فإن محاورات " أفلاطون" أقرب ما تكون للأعمال المسرحية التي تفترض بالضرورة جمهوراً تخاطبه، بمعنى إنها تتطلب وجود المشاهد المستمع . ولهذا المشاهد المستمع دور في العرض الدرامي عليه أداؤه، إذ يجب عليه أن يفهم أغراض المؤلف، وان يستخلص نتائج العمل)(6) .

ومما يوثق الممارسة الميتامسرحية ضمن محاورات (أفلاطون) هو ذلك الاختباء، أو الاختفاء خلف شخصية (سقراط) الذي يلجأ إليه (أفلاطون) . فيحله بديلاً عنه في تبني أفكاره وأقواله فيصبح المتلقي أمام فاعلية وجود (سقراط) - المجادل الحاضر، الذي هو في الأصل غائب، و(أفلاطون) - الغائب، الذي هو في الأصل حاضر، وعلى حد قول (برتراند رسل) (إن سقراط الذي نجده في المحاورات ما هو إلا ناطق بلسان أفلاطون، الذي عرض بهذه الوسيلة الأدبية كل الآراء التي خطرت بباله في تلك الفترة)(7). على سبيل المثال يتبدى تبادل المواقع والتداخل في المستويات السردية ليعلن فيه (أفلاطون) ثنائية التجلي والإخفاء ضمن محاوراته في (الجمهورية) في الكتاب الأول المعنون بـ (العدالة) إذ تتناوب هذه الثنائية للمؤلِف الأفلاطوني، حيث يبرز بوصفه مؤلفاً للقطعة الحوارية، بيد انه سرعان ما يتوارى، بعد أن يجعل (سقراط) ومحاوره (ثراسيماخس) يتكفلان عنه مهمة التبليغ عن آرائه ومجادلاته، لكنه لا ينسحب نهائياً، ولا ينحي صوته تماماً، ليلفت الانتباه بأسلوب فني إلى ذاته، عبر مرآة ترسمها بدقة وتركيز شخصية (سقراط)، تليها بالأهمية شخصية (ثراسيماخس) بوصف الأول حاملاً للرأي الأرجح الذي يعكس الشخصية الأفلاطونية، أما (ثراسيماخس) فهي مصداق كلام (سقراط)، والقطب الحواري الداعم له:

(قال سقراط: فلما سمعت الكلام دهشت . ورفعت نظري إليه مذعوراً . ولو لم أكن قد سبقته بالنظر لأبكمت، وجمدت كالصنم، ولكن كانت قد حانت مني التفاتة إليه، لما بدأ القول فسبقته

بالنظر . ولذا تمكنت من مجاوبته . فقلت بقليل من الرعشة:

س: لا تقس علينا يا ثراسيماخس . وإذا كنا انا وبوليمارخس قد اخطأنا في بحثنا فكن موقناً ان ذلك

لم يكن تعمداً . ولا يبرهن فكرك أننا لو كنا نبحث عن الذهب لما تساهل احدنا مع الآخر مستسلماً فضلا عن العثور عليه . فأرجوك ان لا تظن اننا ونحن نبحث العدالة، وهي أثمن كثيراً من شذور الذهب، نكون اقل دقة في تمحيص الآراء، بغية إدراك الحقيقة . ويمكنك أن تعلم يا صديقي أن الموضوع فوق طاقتنا . فنحن، بإشفاق حصيف نظيرك، أجدر منا بملامه وتعنيفه .

فقهقه ثراسيماخس أوقح قهقهة لما سمع جوابي وقال:

ث: يا لهرقل ! إنها إحدى مظاهر الاتضاع التهكمي المتمكنة من نفس سقراط . ولقد عرفت ذلك فيك، وقلته لمن حولي، أعني أنك لا تجيب عن مسألة البتة، إذا سُئلت، بل تتجاهل)(8).

 

د. حسن عبود النخيلة

.......................

الهوامش

(1) ديفد ديتشس، مناهج النقد الادبي: بين النظرية والتطبيق، ترجمة: د. محمد يوسف نجم،مراجعة: د. إحسان عباس (بيروت- نيويورك مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، 2007)، ص 34 .

(2) ينظر: أفلاطون، جمهورية أفلاطون، ترجمة: حنا خباز، (بيروت: دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، ب. ت)، ص 202- 203 .

(3) اسخيلوس، تراجيديات اسخولوس: مسرحية الفرس، ترجمة وتقديم وتعليق: د. عبد الرحمن بدوي، ط1، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996)، ص 156- 157.

(4) أ.هـ . آرمسترونغ، مدخل الى الفلسفة القديمة،ترجمة: سعيد الغانمي، ط1 (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2009)، ص 64 .

(5)المصدر نفسه، ص 75.

(6) د. محمد عباس، افلاطون والأسطورة، (بيروت: دارالتنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2008)، ص 68.

(7) برتراند رسل، حكمة الغرب: عرض تاريخي للفلسفة الغربية في اطارها الاجتماعي والسياسي، ترجمة: د. فؤاد زكريا، ج1، ط2، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب، 2009)، ص 105.

(8) أفلاطون،جمهورية افلاطون، مصدر سابق، ص 20- 21.

 

علي محمد اليوسفما يتوجب علينا التسليم به بأن الافكار التي لا تخدم الحياة ليس أهميتها أن نكثر الثرثرة الفارغة بها على أن عالمنا الحقيقي تتمثل حقيقته المعرفية داخل تحليل معنى اللغة كوجود ونظام نسقي خاص مجاله فهم معنى (النص) وليس فهم معنى الواقع. عندما نحاول أعادة تنظيمه في تنظيمنا معنى اللغة كدلالة مستقلة ونظام نفهم بها الموجودات كمفاهيم فلسفية.. وليس في مهمة تخارج الفلسفة كفكر الذي دأبت عليه في المتوازي التجريدي مع موجودات عالمنا الخارجي وليس في التقاطع معه والاحتدام به التي هي طبيعة اللغة الحقيقية وخاصية اللغة الانسانوية كظاهرة حكمت الانسان في انثروبولوجيا تاريخية.

ونكذب على انفسنا ونصدق كذبتنا في تاكيد مغالطة مدانة هي لامعنى مراكمة الاستطرادات التحليلية التجريدية في البحث عن فائض معنى اللغة أن تصبح حقائق فلسفية تقودنا نحو مجهول معرفي لا نفهمه ولا معنى له في الواقع والحياة بل في عالم تجريد معنى اللغة في نص لغوي فقط...خاصية الفلسفة هي تفكير منطق العقل في تعبير اللغة عن وقائع الموجودات تجريديا.أما أن تكون اللغة هي دلالتنا الزائفة في تغييبها مرجعية العقل في تحليل متتالي لمعرفة معنى اللغة، فهي على اقل الامور سذاجة مضحكة انهم اصحاب فلسفة المعنى والتحليل يضعون العربة امام الحصان.

هذه الادانة لهذا المفهوم الضحل يجب أن لا يقودنا الى خطأ أكبر منه في محاولة جعل مفهوم فلسفة اللغة في المعنى ايديولوجيا سطحية مباشرة تقاطع الواقع بغية السيطرة عليه وتحويله الى ميدان سياسي تضمحل فيه الفلسفة وتتلاشى من خلاله كخاصية معرفية ...وتجنيس من فن القول والتفكير وتعبير اللغة لا يشبه ضروب الادب تجنيسا ولا يلتقي ضروب العلم تعبيرا مختبريا.

غالبية مباحث الفلسفة كانت ولا تزال بهذا القدر أو ذاك تنأى بنفسها وتبتعد عن أن تكون ايديولوجيا نظرية مقفلة تقترب من توظيف السياسة لها بدلا من أقترابها المجدي المثمر مع منجزات العلم في الفيزياء والرياضيات مثلا الذي يفيدنا جدا التوازي الفلسفي معه حفاظا على خصوصية كلا منهما الانفرادية (الفلسفة / العلم) على مستوى تجنيس معرفي مختلف والتكامل مع العلم على مستوى تكامل وحدة المعرفة في معالجة قضايا الانسان والحياة..

توازي منطق الفلسفة التجريدي مع منطق العلوم الطبيعية التجريبية يعني بالمحصلة لا نتيجة معرفية حقيقية نجنيها من وراء هذا التعالق الاشكالي بينهما. بينما يكون توازي الفكر الفلسفي مع واقع الحياة في منتهى السلبية التي تجعل الفلسفة التجريدية تحتضر تدريجيا وتحكم الفوضى الواقع.

وبناءا عليه يبقى نظام واقع الاشياء في العالم الخارجي تحكمه فوضى النظريات الايديولوجية السياسية، وجشع اقتصاد السوق الاستهلاكي، ومجتمع الانحلال البائس الذي يخترقه التضليل الاعلامي في تعميق الجهل واسترضاء التفاوت الطبقي تحت طبقات جيولوجيا طمر الحقائق تحت لافتات التخدير الانحلالي مجتمع الرفاهية وحقوق الانسان والسعادة الارضية..

من الامور التي يجب علينا مراودتها دائما في خطابنا اللغوي الملتزم وباستمرار هو مدى وصولنا حقيقة أذا كان يراد لافكارنا الفلسفية جدوى منطقية مؤثرة، يلزمنا الابتعاد باللغة عن تعميق وملاحقة التجويف الفارغ بأسم اللحاق وراء فائض المعنى في فحوى مضمون اللغة وشكلها بعيدا عن مجريات الحياة، والاقتراب قدر الامكان وبلا تحفظ من تجريبية العلم في وضع افكار الفلسفة في مسارها الصحيح بهدي العلم وانتشال حاضرها ومستقبلها من السقوط في متاهة لا جدوى الفلسفة بالحياة الانسانية بالانفصال التام عنها وفي موازاتها الواقع في منطق تجريدي يزيد في ترّهلها المرضي.

في معادلة قلقة أن لا تكون الفلسفة ملحقا علميا ولا أن يكون العلم ملحقا تجريديا فلسفيا. وهذه المعادلة هي تفريق تجنيسي في المعرفة عموما وفي الادبيات الخطابية المكتوبة على وجه الخصوص، وهي حقيقة أن الفلسفة والعلم تجنيسان من افصاحات المعرفة كلا في ميدانه ومحاولة الدمج التداخلي بينهما في محاولة تضييع ملامح وخصوصيات أحدهما بالاخر محاولة عقيمة لا جدوى منها وأستحالة أذابة فوارق التجنيس بينهما أي بين العلم والفلسفة.فالفلسفة منطق تجريدي لا يقبل التجربة، والعلم منطق نظري ليس في حساباته خيالات النظريات غير الخاضعة للتجارب. بل أن تداخل الاشياء المدركة مع الفكر في جدل ثنائي متبادل يكسبهما كلاهما التغيير والتطور وبغير هذا الفهم معناه نفي أن يكون هناك فائدة من وعي الانسان لموجودات الطبيعة وأستحداث رؤيته وقوانينه لها..ألنتيجة التي يحرزها الفكر بالنهاية من هذه العملية هو أن تكون قوانين الفكر هي قوانين الاشياء في الواقع... بمعنى أصبح ما نمتلكه عن الاشياء من أفكار نتيجة مدركاتنا لها  هو وحده الذي يعطي وجودها الحضوري الواقعي في حياتنا...

وعندما يؤكد بوشنسكي أن العالم كله يتغّير بالفكر فهو لا أعتقد كان يقصد بذلك أعتماده نظرية المعنى الفلسفية أن الفكر المجرد يوازي الواقع ولا يقاطعه بالاحتدام به من أجل تغييره. فلسفة اللغة ونظرية المعنى تريد أستبدال مهمة تقاطع الفكر بالواقع بغرض تخليقه والاحتدام به في حرفه بلا ضرورة مهمة الفكر تقاطعه الواقع بغية تغييره بل بغية توصيف معرفته المحايدة معه تجريديا في نموذج سلبي من العلاقة غير المتداخلة وغير التكاملية بينهما. أن الانسان كائن مفكر، والحقيقة أن الذي يغّير مسار الانسانية أنما هو الفكر حسب تعبيربوشنسكي. واضح أن التاكيد هنا على فاعلية الفكر كمضمون عقلي تخليقي هو الذي يقوم بتغيير العالم وليس اللغة كشكل تأطيري تعبيري لمضمون التفكير العقلي، الفكر هو الذي يقوم بتجديد الوجود المادي أو المثالي كماهية وجوهر.فالفكر مضمون عقلي واللغة تأطير شكلي له. والفكر نظرية والموجودات وقائع تحملها الصدف الادراكية بها أوالوعي القصدي لمعرفتها.

الفكر المجرد وحتى الفكر التنظيري الايديولوجي لا يستطيع تغيير العالم بمعزل عن أحتدامه التخارجي جدليا مع الواقع بأداة تنفيذ تهتدي بالفكر ولا تنوب عنه ، هذه النظرة مسألة لا زمت انثروبولوجيا تاريخ الانسان منذ الاف السنين لا تحتاج صحة أثبات وجواز قبول وتمرير لها. صحيح جدا أن نفهم مقولة بوشنسكي أن وسيلة تغيير العالم هو الفكر ليس بمفهوم تجريده الانفصامي عن عدم احتدامه بالواقع كما تبشر به نظرية المعنى في التحول اللغوي، لكن من المحال بالمحصلة أن ينتج لنا الفكر التجريدي واقعا تجديديا بمعزل عن تقاطعه مع واقع موجود مسبقا تعتمل بداخله تناقضات التغيير فيه داخليا.

الفكر عامل موضوعي وليس عاملا ذاتيا في تبديل الواقع

الفكر هو عامل تسريع جدل المتناقضات الداخلية في المادة والمجتمع كعامل موضوعي خارجي، فالواقع بموجوداته لا يتغير بقواه الذاتية في التضاد التناقضي الجدلي الداخلي كوقائع ولا كظواهر بل يتطور ويستحدث ظواهره التجديدية بمساعدة عوامل موضوعية وظروف معينة أحداها هو الفكر ضمن منهاج نظري متكامل في قراءته الواقع تحريكيا ديناميكيا.العوامل الموضوعية الخارجية هي عوامل تحريك وتفعيل تناقضات الجدل داخل الاشياء والظواهر.

وعندما يعبّر ليفريد سيلارز(1912 – 1989) عن الالتباس اللغوي الناتج عن أمثال مقولته :لا وجود لوعي سابق على اللغة، وأن مبتدأ ومنتهى فهمنا العالم هو تعبير لغوي، فهو يصادر العديد من الاعتراضات الواقعية المهمة التي تقفز على حقائق بيولوجيا الوعي العلمي وتجريد تعبير اللغة في البحث عن معنى الوجود في معنى اللغة،..

سيلارز بهذا التصور الالتباسي في عدم التفريق بين تمثلنا العالم الخارجي باللغة، وبين أن تكون اللغة في فلسفة المعنى هي حقيقة تحصيلنا فهم العالم من حولنا، بهذه الازدواجية غير الواضحة في تعبير سيلارز يصادر حقائق مثل حقيقة الوعي واللغة كلاهما نتاج عقلي مصنوع ذهنيا ولا يمتلكان استقلالية فاعلة لها أهمية في عدم تعالقها بمنظومة العقل الادراكية، ويعتبر سيلارز اللغة والفكرالمتداخل مرتكزي فهمنا العالم من حولنا وأنهما أداة فهمنا العالم من خلال فهمنا المعنى في اللغة، لكن لا يمكن للوعي واللغة خلق (عقل) يأتمر بوصايتهما هما عليه، الوعي واللغة هما حلقات تجريدية لا فيزيائية تحتويها بيولوجيا نظام العقل الفيزيائي بالوصاية العقلية عليها، واذا كان الوعي واللغة كلاهما جوهران لا فيزيائيان قبل تعبيرهما عن موضعتهما الاشياء في عالم الموجودات، فهما (الوعي واللغة) يمثلان فكرا أعزلا ولا وجود حقيقي لهما خارج انتاجية العقل لهما ووصايته عليهما.

وبالنتيجة يكون الوعي هو حلقة بيولوجية في ارتباطه بمنظومة الادراك العقلي وليس تجريدا نفسيا لاعلاقة تربطه بجوهر العقل البيولوجي.وهو ما يؤكده الفيلسوف الامريكي جون سيرل. بمعنى أكثر وضوحا لا وجود لوعي خارج ارتباطه بالفكر واللغة ولا أهمية لهم ثلاثتهم جميعا يعتد الاخذ بها (الوعي، اللغة، الفكر) من غير وصاية تفكير العقل البيولوجي والخيالي عليهم وتوجيههم في تنفيذ ايعازاته في تمثلاته الاشياء ومدركاته الشيئية ومواضيعه في معرفتها وتغييرها. لذا العالم لا يتغير باللغة المجردة ولا بالفكر المجرد ولا بالوعي المجرد غير المقيّد بالعقل ،بل بالعقل التفكيري الذي يلازمه الوعي والفكر واللغة كوسائل تنفيذ لمدركات العقل النظرية على الدوام في الاحتدام الفكري المتقاطع مع الواقع في تعبير العقل توسيله الوعي واللغة والفكر نيابة عنه الذي بواسطتهم يتطور الواقع ويتغير في مرجعية العقل لهم......

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

علي رسول الربيعييوضح نهج أو مقاربة عدم الهيمنة أو السيطرة (non-domination approach) مفهوم الحرية  بوصفه غياب السيطرة الخارجية. ويعني التحرر من الهيمنة وفقًا لوجهة النظر هذه، أن تكون مستقلاً عن التأثير التعسفي للأفراد أو الجماعات أو المؤسسات. إن نموذج الجمهورية الرافض لعدم الهيمنة هو سلبي (طبقاً لتصنيف الحرية الى سلبية وايجابية) "لدرجة أنه يتطلب غياب هيمنة الآخرين، ولكن ليس بالضرورة يعني وجود السيطرة  الذاتية" الجانب الايجابي من الحرية.[1] إن مقاربة عدم الهيمنة على غرار التفسير الليبرالي الذي يركز على عدم التدخل، تقدر فيه السلطة الفردية للناس في حق الاختيار، لكنها ترفض فكرة أن الحرية محددة أو مقيًدة بالتدخلات الخارجية. وعليه فأن دعوة تصور مجتمع حر بشكل صحيح  تعيق فعلياً قوة وسلطة التدخل التعسفي من قبل المواطنين والجماعات الأخرى أو من قبل الدولة نفسها.[2]

يجادل بيتيت، لتأكيد هذا الضعف في نهج عدم التدخل، يظهر السيد الخيًر الذي يمتنع عن التدخل في سلوك العبد، بالنسبة الى ليبرالية عدم التدخل، غير ملام .[3] ويُقصد من حالة السيد الخيًر أنْ يُظهر أن التزام الجمهوري بالحرية لا يتعلق بحرية متابعة مسار معين للفعل أو العمل، أو حتى حول التوافر الفعلي الواقعي لجميع مسارات العمل؛ إنها عن الحرية التي لا تعتمد على الإرادة التعسفية لأي شخص. ليس فقط يجب أن تفتح جميع الأبواب المتاحة، بل يجب أن يكون هناك أيضًا حالة عدم وجود حارس باب يمكنه إغلاق الأبواب أو تعطيلها أو إخفائها حسب الرغبة.[4]

إن الجبهة الثانية للخلاف بين الجمهوريين والليبراليين هي التوازن المؤسسي بين تطبيق مبادئ العدالة وشمولية المجتمع السياسي. يجادل بيتيت في هذا الصدد أن الليبرالية الراولزية تحتاج بوصفها معنية  بشرعية السلطة السياسية غير التعسفية وعدالة شروط التعاون، إلى مبررين مختلفين. تكمن صعوبة نهج راولز في أن ازدواجية المصادر التبريرية تفتح الطريق أمام خطر مزدوج يتمثل في إقامة حكومة عادلة اجتماعيًا ولكنها مهيمنة، أو دولة شرعية ولكنها غير عادلة. بدلاً من ذلك، يقدم مفهوم الحرية باعتبارها عدم هيمنة إجراءً ومقياساً لاختبار الأهلية التعاقدية والتبرير المدني الراولزي. يعترف بيتيت بأن نظرية العدالة الجمهورية القائمة على مبدأ عدم الهيمنة تتداخل مع  المنظور السياسي لراولز في العديد من سياساتها؛ ومع ذلك، فإنه يؤكد على الدور الثانوي الذي تلعبه الحريات الإجرائية مثل حرية التصويت أو الترشح لمنصب الرئاسة في العدالة كأنصاف. علاوة على ذلك، تعطي مقاربة عدم الهيمنة وزنا كبيرًا لمشكلة الدولة الاستبدادية والنظام غير العادل اجتماعيًا، وتعتبر السيطرة الشعبية كإجابة لكليهما.[5] إن تدخل مختلف الجهات الفاعلة في حياة المواطنين أمر لا مفر منه، ولكن من الضروري أن يحتفظوا بالسيطرة النهائية على خياراتهم. إن دور المواطنة أكثر بروزًا في الجمهورية مما هو عليه في النظرة الليبرالية، والهدف من هذه المشاركة على مستويات مختلفة (بما في ذلك الدين) ليس مفهومًا محددًا للعدالة (راولز) ولا هو مصلحة عامة شاملة، ولكن يتحدى علاقات وانظمة الحكم بخصوص الهيمنة.[6]

وبناءً على هذا المفهوم للحرية باعتبارها عدم هيمنة، يوضح بيتيت نموذجًا جمهوريًا للديمقراطية يركز على ثلاثة عناصر رئيسة: (1) حكم القانون، (2) المشاركة المدنية، (3) الحماية المؤسسية للحرية.

(1) يجب أن تحمي قوانين الجمهورية المواطنين من خطر التعرض للهيمنة، وأن تحميهم من السلطة التعسفية لمواطنيهم الآخرين ومن المؤسسات الدينية والشركات والأحزاب. فالقوانين العادلة هي إذن شرط الحرية، ولكن من خلال القضاء الفعال على حالات الهيمنة، فهي مصدر تدخل أيضًا، وعلى الأخص في شكل إكراه على المواطنين. لكن لا يعتبر هذا التدخل غير التعسفي بمثابة قيد على الحرية من وجهة نظر الجمهورية.

( 2) إن عدم الهيمنة، كما لاحظنا، هو تفسير سلبي للحرية السياسية، وهي بهذا المعنى ترفض تصوير النشاط السياسي على أنه السعي لتحقيق الصالح العام. في المقابل، يهدف عدم الهيمنة إلى تهيئة الظروف لكل مواطن لمواصلة مصلحته. ومع ذلك، فإن ممارسة الفضيلة المدنية، مطلوبة حتى يتم احترام القوانين وتطويرها بشكل عادل. يجب على المواطنين احترام القانون من أجل مصلحتهم، والتعبير بنشاط عن مطالباتهم السياسية الخاصة، واليقظة بشأن تركيز السلطة في أيدي القلة. إن عدم وجود الفضيلة المدنية يجعل الديمقراطية عرضة لتأثير مجموعات المصالح القوية وبالتالي لنظم الهيمنة.[7]

(3) تعتبر مقاربة عدم الهيم، الدولة الجمهورية ضمانة ضرورية لتحقيق الحرية، وليس فقط كيانًا سياسيًا يخضع له المواطنون. تحدد الحدود المؤسسية والقانونية الحرية[8] (4) كشرط ثابت بطريقة لا تستطيع الفضائل وحدها القيام به. يعتمد الإطار القانوني والسياسي الذي يحمي المواطنين من السلطة غير المقيدة بعض الاستراتيجيات المؤسسية التي تحد من الممارسات الأرادية للسلطة، مثل فصل السلطات ومساءلة المسؤولين المنتخبين الذين يجب أن يستجيبوا في نهاية المطاف لمواطنيهم من أجل تحقيق خياراتهم.[9]

تكبح سيادة القانون والآليات المؤسسية الأخرى معا التدخل التعسفي للدولة.[10] وبالتالي، فإن عدم الهيمنة هو قيمة تعززها الدولة الجمهورية وقيد على كيفية تحقيق أهداف أخرى مثل السلام أوالتطور الاقتصادي.[11] الجمهورية ومواطنيها مشتركون أيضًا بشكل متبادل: الدولة الجمهورية هي شرط ضروري من أجل التحرر من الهيمنة، وأن تغذية الفضيلة المدنية هي شرط ضروري للوقاية من الممارسة التعسفية للدولة .[12] المواطن الحر هو المثل الأعلى في الجمهورية وهو عنصر موحد لها، كذلك، رأس شرعية إكراه الدولة والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية. الترتيبات بين المواطنين هي فقط عندما يتم تصميمها لتعزيز تمتع الناس بالمساواة وبالحرية كعدم هيمنة .[13]

يتطور، على أساس هذه المقدمات الأساسية، نهج عدم الهيمنة في اتجاهات مختلفة، والتي تختلف على أساس نطاق مفهوم الهيمنة وتصميم المؤسسات السياسية. يمكن تفسير طبيعة السلطة التعسفية من خلال النظر إلى الأفراد أو الجماعات، كما يفعل بيتيت من خلال مفهوم الهيمنة باعتبارها غزوًا لحرية الاختيار.[14] يجسد هذا الرأي الحالة التقليدية القديمة للعلاقة بين السيد والخادم، ولكن أيضًا المشكلة المؤسسية الحديثة للعلاقة بين المؤسسات الدينية القائمة والأقليات الدينية. ومع ذلك، فإن التدخلات التعسفية البنيوية في حرية المرء لاتحدد الجناة بوضوح. يمكن أن تخضع الحرية لقوة البنى الاجتماعية أو لعواقب غير مقصودة للسلوك البشري، كما هو الحال في الأسواق المالية أو آثار تغير المناخ. وتقع ضمن هذه الفئة الأديان العالمية أيضًا، بتأثيرها بعيد المدى على الثقافة والأخلاق. وكما تقترح سيسيل لابورد، من الضروري أخذ الهيمنة على أنها  لا تشير إلى العلاقات الشخصية ولكن إلى بنى السلطة الأساسية والنظامية".[15]

لتوضيح هذا البعد من الظلم، يميزأزمانوفا[16] بين الأشكال "العلائقية" و"النظامية" للهيمنة. يتولد الأول عن طريق التوزيع غير المتكافئ  للسلطة بين الجهات الفاعلة داخل نظام اجتماعي معين، مما يؤدي إلى عدم المساواة والاستبعاد. والأخير هو مسألة إخضاع الجميع لضرورات نظام العلاقات الاجتماعية التي يعيشون فيها. في حين يتم التصدي للهيمنة العلائقية من خلال معادلة الموارد المادية والمفاهيمية، يتطلب علاج الهيمنة النظامية إصلاحًا اجتماعيًا يتجاوز المساواة والإدماج - أي تغيير معايير المؤسسات العامة والاقتصاد السياسي لتمكين الديمقراطية كملكية جماعية للبنية الاجتماعية الأساسية.  يصبح النظر للدين من منظور علاقات الهيمنة - في هذا السياق-  مشكلة فيما يتعلق بمنح  حضور متكافئ في الحياة العامة؛ والنظر للدين من  منظور هيمنة  النظام العام العام (السستم)، يصبح الدين مقنعًا بقدر ما يمكّن أو يعوق عملية التألف الجماعي. يوسع هذا النهج نطاق مقاربة عدم الهيمنة ولكنه يمتد إلى مشكلة تصميم المؤسسات خارج الدولة القومية أيضًا، وهذا ما يركز عليه بيتيت.  لا يمكن تحقيق التحرر من الاستبداد والهيمنة في ظل ظروف العولمة دون توسيع مُثلنا السياسية للديمقراطية والمجتمع والعضوية فيه".[17] يشير الترابط والتبادل بين علاقات السلطة في عالم زمن العولمة إلى أن يكون  المحاورين في مقاربة عدم الهيمنة  القوى المنظمة للمجتمع المدني العالمي ونموذجًا عالميًا للمواطنة.[18]

تلقي مقاربة عدم الهيمنة، عبر صيغ مختلفة، ضوءًا جديدًا على فهمنا للقانون والمواطنة والتصميم المؤسسي. من وجهة نظرنا، يقدم المفكرون الجمهوريون من خلال تجاوز عدم التدخل  بديلاً ثاقباً عن ليبرالية عدم التدخل عند مواجهة التحديات الرئيسية المرتبطة ببناء مجتمع حر. يعالجون بشكل مقنع مشكلة السلطة غير المتوازنة بين العدالة والشمول على وجه الخصوص. أولاً، تعطي مقاربة عدم الهيمنة أهمية مركزية لعدم توازن السلطة غير العادلة. يتجاوز التركيز السياسي المجال العام ليشمل مشكلة الحرية داخل العائلات والجماعات. إن سيادة القانون لها نطاق أوسع، لأنها تلعب دورًا في تثبيط أشكال الهيمنة المنتشرة. بالإضافة إلى ذلك إشراك المواطنين للسيطرة على أي ممارسة تعسفية للسلطة. وهذا يسلط الضوء على الأهمية الأخلاقية والسياسية للترابط الاجتماعي: يعتمد المواطنون على بعضهم البعض من أجل حريتهم، لكنهم بحاجة أيضًا إلى الحراسة من الاعتماد المتبادل. تجادل إيريس يونغ بشكل مقنع أن نهج عدم التدخل يفشل في توضيح كيف أن عدم تقرير المصير ليس متجذرًا في التدخل نفسه، ولكن في كيفية تأثير التداخل على توازن السلطة بين الذوات:

يفترض نموذج عدم التدخل أن الوحدات المستقلة يمكن أن تكون منفصلة  تمامً بشكل صحيح أو كما ينبغي  ولا تحتاج إلى أي تفاعل بخلاف ذلك الذي تدخل فيه طواعية. ومع ذلك، في الواقع، غالبًا ما تكون شعوب العالم مختلطة جغرافيًا، أو تسكن بالقرب من بعضها البعض، في البيئات المادية والاجتماعية التي تؤثر عليهم بشكل مشترك. قد تكون بعض الوحدات الضعيفة عرضة للهيمنة من قبل وحدات أكثر قوة ليس لأنها تتدخل بشكل مباشر، ولكن لأنها تحدد الظروف التي يضطر فيها الطرف الأضعف إلى العمل بموجبها.[19][20]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...........................

[1] Pettit, P. (1997) Republicanism: A Theory of Freedom and Government.51.

[2] م،ن،11 .

[3] إن المسافة فيما يتعلق بمشكلة الهيمنة من وجهات النظر الليبرالية،  أقل مما يقترحه به المنظريون الجمهوريون. لايتجاهل الليبراليون القائمون على المساواة،  مثل راولز التهديدات البنيوية للعدالة الجافة ولن يتركوا وضع سيد العبد الخير بلا منازع. تعزو ليبرالية راولز دورًا محوريًا في كيفية قيام مبدأ المعاملة بالمثل بتأسيس شروط المشاركة والتعاون في المجتمع. يلتزم هذا الشكل من الليبرالية بالحرية المتساوية لجميع المواطنين، ليس فقط كحالة مصادفة، ولكن أيضًا كوضع دائم (Saenz, C. (2008) "Republicanism: An Unattractive Version of Liberalism 270). بالنسبة لـراولز، فإن احترام الذات أو احترام الذات هو "على الأرجح أهم خير أساسي": "ترغب الأطراف في الوضع الأصلي في تجنب الظروف الاجتماعية التي تقوضها بأي ثمن تقريبًا" (Rawls, J. (1971) A Theory of Justice. Cambridge, MA: Harvard University Press. 73). هذا النوع من النظرة الليبرالية المساواتية سوف يستبعد بالتالي أوضاع عبد - سيد، التي ناقشها بيتيت.

[4] Pettit, P. (2011) "The Instability of Freedom as Non-interference: The Case of Isaiah Berlin",

Ethics 121(4): 693--716. 709.

[5] Pettit, P. (2012) On the People's Terms: A Republican Theory and Model of Democracy.185--186.

[6] Azmanova, A. (2016) "The Right to Politics and Republican Non-Domination", Philosophy and

Social Criticism 42(4-5): 465-475.

[7] Pettit, P. (1997) Republicanism: A Theory of Freedom and Government. 246-248.

[8] يلاحظ بيتيت أن مقاربة أو نهج عدم الهيمنة يهتم بحرية الاختيار كظاهرة اجتماعية حصريًا. أما  كمنظور فلسفd، فهو لا أدري تجاه الأحوال أو الشروط  الميتافيزيقية والنفسية ..

Pettit, P. (2012) On the People's Terms: A Republican Theory and A Republican Theory and Model of Democracy.27.

[9] Lovett, F. and Pettit, P. (2009) " Neorepub licanism: A Normative and Institutional Research Program", Annual Review if Political Science 12: 11- 29.

Honohan, I. (2013) "Religious Diversity and The Republic", Studies: An Irish Q11arterly Journal

1 02(406): 203- 212.

[10] Pettit, P. (1997) Republicanism: A Theory of Freedom and Government.37.

[11] م، ن،97 .

[12] Pettit, P. (2012) On the People's Tenns : A Republican Theory and Model of Democracy.180-184.

[13] م،ن،123 .

[14] م،ن، 44-67 .

[15] Laborde, C. (2012) "State Paternalism and Religious Dress Code" , International Journal of Constitutional Law 10(2): 398-410.

[16] Azmanova, A. (2016) "The Right to Politics and Republican Non-Domination",

[17] Bohman, J. (2004) "Republican Cosmopolitanism",journa1of Political Philosophy 12(3): 336- 352.352.

[18] تعرقل ممارسة المواطنة الحرة حتى عندما لا يكون الفرد خاضعًا لسيطرتها، ولكن ممارسات الحوكمة تنزاح خارج نطاق وعيها وفاعليتها. عندما تُعرض مسائل المالية العامة على أنها مسائل للخبراء أو المهنيين أو يُعهد بها إلى حوكمة المؤسسات الدولية التي تعمل دون الكثير من المراقبة أو التدقيق العام، يحرم المواطنون من جزء من حريتهم دون أن يخضعوا للهيمنة بشكل مباشر.

[19] Young, I.M. (2005) "Se lf-Determination as Non-Domination : Ideals Applied to Palestine/ Israel", Adalah's Newsletter 12: 1- 9. Available online at: www.adalah.org/ uploads/ oldfiles/ new sletter/ eng/apr05/ ar1.pdf (last accessed 3 July 2017).

[20]

 

سامي عبد العاللماذا لا يكون البحرُ موضُوعاً فلسفياً؟! كيف نقرأ دلالاته في ذاكرة البشرية (اللاهوت والفكر والسياسة) بحيث يكون لدينا تاريخ فكري للماء؟ لقد اعتبرت التقاليد الفلسفية أنَّ المياه أحد عناصر الطبيعة (الماء، الهواء، التراب، النار). ولم يكُن ذلك لإعطاء المياه أهميتها واستبطان جوهرها، بل لتفسير التغير الطبيعي كونياً. بالمقابل ُتُرِكّت فضاءات البحار كمجال حيوي للحروب والمعارك بين المدن-الدول (أثينا واسبرطة قديماً)، حيث كان البحر يأتي بأخبار الهزائم الانتصارات وحطام المعارك.

ربما منذ قُول طاليس: الماء أصل الوجود لم يُدْرج المياه صراحةً إلاَّ كموضوعٍ علمي. ودوماً كانت الموضوعات تشير إلى إطار المعرفة الذي يهتم بها. وكنا في انتظار سنوات وراء سنوات، حتى يكتب الفيلسوف الفرنسي جاستون باشلار كتابه المهم (ماء وأحلام)water and dreams  حول الماء والأحلام والتخيلات والمادة، وقد أفاض في أنواع الماء بحسب المفاهيم والمعتقدات والتصورات النفسية، وناقش الماء والحلم، الماء والتطهر، الماء الهادئ، الماء العنيف وكلام الماء.

أمَّا ابداعياً، فقد كان البحر مصدراً للإلهام والعبور نحو العالم الآخر. وهذا ما يؤكد دلالته اللاهوتية والأدبية في تراث الإنسان باختلاف الثقافات. ولاسيما أنَّ البحر دالٌ لغوي أثار دهشة الإنسان وحيرته. لقد سكَن اللغة كموطن لانسلال الدلالة من ربقة المحدود، والمهيمن. وغدا رمزاً لفيض الروح في المذاهب والاتجاهات الصوفية والأشعار واللغة والقصص الشعبية والأساطير. وعادَ بالنُصوص إلى أصل الحياة كوسيطٍ شفافٍ يلامس الجسد والنفس معاً. يطرحُ "غمْرَ اليابس" ليعالج تشققات الروح وينخر صخور الحياة، البحر يذكرنا بالحركة الدائبة والأمواج العاتية والأنواء العاصفة. ولعلَّ ارتطام الأمواج تلو الأخرى يوازي مثابرة الإنسان لزحزحة المصير. فكلُّ ذوبان للمشكلات يحتاج محاولات لا تنتهي، تعاود ضرباتها بشكلٍّ لا يُمل. الأمواج ترسم درباً لإرادة قادرة على التحرر شريطة ألاَّ تتوقف عما تصبُو إليه.

معاني المجهول تقبع في البحر كمجال مليء بالكائنات والأفكار الغريبة. فلن يسلم أيُّ مفهوم تقليدي من البلَّل، من الغرق. البلل الذي سيسرب التحلُّل إلي أفكارنا المكتنزة كعبء وجودي ثقيل. الأفكار اليابسة فيما يبدو والتي نخشى عليها من الضياع. والقول الشعبي يومئ بحنكة: (إذا جاءك الطوفان، ضَّعْ ابنك بين رجليك)، والمماثلة بين الابن والفكر لا تفوتُنا، حتى يقال حول أسئلة الإبداع وغرابته: هذا المعنى أو ذاك من بنات أفكاري. ومجازاً العقل ابن الإنسان كما يرتبط بمفهوم المؤلف ما قبل الحديث before modern. بينما المؤلف ما بعد الحديث لم يفقد ابنه (الفكر – النص) فقط، بل اعلنت ما بعد الحداثة عن موت المؤلف نفسه (ميشل فوكو– رولان بارت)، تحلل في تربة اللغة ليظهر (بطريقة التناسخ) في أشكال نصيةٍ تالية.

أي كان موت المؤلف لصالح اللغة كنظام اختلاف وإرجاء وغياب، وهو ما يلتقي من طرفٍ قصي مع البحر. اللغة  مياه جارفة تعيد المتلقي أو البَحّار إلى واجهة النصوص (القراءة). تأتي القراءة كفعل ابحار وسط العواصف النصية العاتية بلا ضفاف. كل نص هو مياه دافقة بأعماقها الموروثة (التناص) لتضخ أمواجاً لا قبل لسلطة التأليف بها (فيض التأويل). ولم تكن القراءة لتجد عائقاً في اللغة كمياه تاريخية هادرة  بقدر السلطة الراسية بأعماقها. ولذلك تُحرِّك كل قراءة رواسب القاع مثلما تتحرك الأمواج على السطح، إنَّ ما يلفظه البحر من إشارات لا تقل عما تلتقطه القراءة من عمليات ابحار محفوفة بالمخاطر.

وإذا أراد الفلاسفة والمفكرون اصطياد أفكار طازجة ككائنات البحر الغاص بالحياة، فهناك المغامرة وامتطاء الأهوال (كتابة الفاجعة: موريس بلانشو). وكما كان نيتشه يتفلسف من أعلى الجبال تحت أثداء السحب أو عند درجة الصفر، كذلك  "المفكر البَحّار"sea thinker  يتطلب عقلاً فلسفياً شجاعاً. يلتقط الأفكار من ألسنة الأمواج ومن مصارعة العواصف. وذلك يحتاج شراعاً قوياً إزاء خلسات الفكر. ومن يختار البحر سيغوص في أعماق سحيقةٍ تفجر رئتيه الميتافيزيقيتين بحثاً عن اللؤلؤ والأحجار الكريمة. أي لن تعود الميتافيزيقا التقليدية بالنفع على غواص البحر، أضحت المفاهيم كسفن القراصنة تتحطم تحت ضربات الأمواج!!

لغة البحر موسيقى تستعصي على نوتة المذاهب الفلسفية الكبرى، لكونه أهوج حتى في سكونه البادي. وتمثل رمزية البحر فضاءً لحريةٍ دون نهايةٍ. إنها عالم قائم بذاته، كونه يحتمل كافة الأوجه والمصائر. وجودٌ بلا ثوابت ولا حقائق ولا نهايات ولا أسوار كأنَّه واقع خيالي لدرجة الابهار. فقط البحر رغبات وأسئلة ممتدة بطول البصر. حيث يلتقي هو والسماء عند نقطة التلاشي المزدوج. نقطة الصعود والهبوط – رأساً وأفقاً- بين السماء والأرض. فإذا نظرنا مع الرياح سنجد السماء بحراً مقلوباً إلى فوق. ولئن ركزنا على المياه سنجد السماء مياه زرقاء لامعة الأسطح. قيعان طافية وألوان متماوجة تتطاير إلينا من بعيدٍ. بينما الأشكال المارقة من النظر جواهر، ماهيات تترسب في باطن الدماغ. دماغٌ لعالم يتقلص بين أعلى لا أرض له وأرض لا سماء لها... إنه الأفق المائي الذي يُخفِي ألغازاً كونية. لا يمتلك المُشاهد لآفاق البحر إلاَّ الدهشة تطلعاً إلى  الـ" ما وراء".

كيف إذن نرى العالم، الحياة، المعاني هنالك؟! وحين نخرج إلى البحر، هل نملك خروجاً منه؟ نحن خلاله قد نغادر مكاناً ما ولكنه لا يغادرنا. لأننا مسكونون بخيال يلازمنا حوله ويستحيل الخروج (منه). فهو من استعارات الحياة التي تعمل مع عقولنا ومع طبيعة اللغة. لكل منا بَحْرُه الخاص مثلما لنا طبيعتنا المائية النوعية. أي يستحيل الخروج بحرف الجر (من) البائن بين قوسين. فالحرف يدل على الانفصال الذي كان اتصالاً ومازال. الأرجح مجازياً أنَّه خُروج (إليه – منه والعكس) بما يعين وجودنا في حضوره وغيابه. وتعبير(الخروج من) ناقل للحركة ضمن البحر كأبرز كياناً مائياً يسكن آفاقنا الرحبة. ذلك في حال تحرر الآفاق من الطرق الضيقة والانحشار المحدود داخل الواقع اليومي.

البحر ليس موضوعاً مقْصيَّاً هناك، ليس الكائن المائي الذي نذهب إليه فقط أمام سواحل المدن. إنَّه عندئذ حالة نفسية وجودية نحن في القلب منها تغمرنا من حين لآخر. تتكون بنا قبل كل شيء آخر كاستعارة وجود. وحينما يُولِّد لدينا إحساسات متضاربة ومبلِّلة لوعينا فهي حالة ليست حيادية. إعماقنا اللجوجة التي غرقت لتوها في قيعان بلا شواطئ.

وبطريقة فينومينولوجية phenomenologically، يطغى الإحساس الواعي الممتد على حالة الشعور الآني المؤقت. لكونه تجسيداً لتراكم التجليات المرتبطة بالتمثُل والتذكُر والتخيُل، لأن البحر يتشكل من جهة الرمز ارتباطاً بذاكرة اللغة والحياة. وهذه الذاكرة تشكل جُلَّ أفعال الإنسان، هي حصى وتراب تفكيره العميق بأزمنته السحيقة. فالإنسان (كائن مائي ترابي وناري وهوائي)، الأمشاج والأخلاط- بلغة القدماء- هي التي تصوغ رؤاه البعيدة حول الأشياء والعالم.

ولهذا ليست دلالة البحر تمثيلاً لمادة خارجية هي المياه المعتادة. إنها تفيض داخلنا حين نتوحد بها في ممارسة خيالنا النوعي. والمياه- بلغة امبرتو إيكو- لون من التأويل المُضاعف over interpretation، الذي ينفرط عَقدّة بلا تحكُّم فيه كمادة سحرية فائقة الوصف. الماء هو الغرق بمقدار ما هو الطفو، الماء هو الحياة والطوفان، الفيض والانحسار، الأهوال والهدوء، الغربة والحضور، إنه الذهاب بلا عودة وهو الوعود المنتظرة، ولقد رأيناه مؤخراً فضاءً حيث اللاجئين الذين لفظتهم حياة العرب، هو حافظ الأسرار ووشوشة الأغيار.

فالرؤية تجاه الماء (حيث الماء فوق الماء) غير محصورة زمانياً ولا مكانياً. لأن البحر ليس عنصراً  بطريقة الأشياء المألوفة.  فقط هو عيون بحجم السماء تنظر إلى عيون تترامى وتخاتل النظر. هناك أطياف من الأمواج المتدافعة التي تجري خلف بعضها البعض، هي تأتي قوية ومتناثرة في الهواء الطلق. فضلاً عن أصوات مكتومة تنشرها هنا وهناك. كأنها أنين هو الغمر الأبدي الذي يأخذنا نحو المصير، تلك البداية والنهاية المطلقة للصمت. فحيث يوجد بحر يوجد صمت يتكلم عن قرب راهن (الوشوشة). لعله يهمس بأصوات الوجود الساكن كالحياة والموت لا يفترقان. كلاهما يقبع بالداخل المظلم، فلا نرى شيئاً واضحاً.

البحر انفتاح بلا عودة، تغير دائم يحوى- كما يقول اليوناني هيراقليطس - اختلاط المياه والنيران. والاختلاط ليس عملية جارية على عنصرين منفصلين إنَّما متحولين عن بعضهما. الماء يصبح نيراناً والنيران تمسي ماءً. سيولة السيرورة التي تتقلب بلا توقفٍ. لذلك فأنت- برأي هيراقليطس أيضاً- لا تستطيع نزول المياه نهراً أو بحراً مرتين، لأنَّ طبيعتها غير خاضعة للتكرار كما نعتاد. هل البحر غياب أم حضور دائم؟ إنه الغياب الحاضر أبداً. مثله كمثل الآلهة الخفية التي تترقبنا عبر الموجودات كما في الأساطير القديمة.

وبالتالي البحر لا نقيض له، لأنَّ مياهه تشكل العالم. وأبداً ليست اليابسة عكس البحر لكونها لا تخلو من المياه بأشكالها. وقد كان مصدراً للطوفان الذي سبب بداية جديدة لحياة الإنسان. صحيح البداية كانت لاهوتية في واقعة الطوفان من حيث تاريخ الحياة. وأُخذت كآية على الخلق، لكنها أكدت دور المياه في الموت والإنشاء من جديد. لا يخلو البحر من الأثر الإلهي حيث ذكرت الكتب المقدسة عرش الإله فوق وجه الغمر (وكان عرشُه على الماء). حيث يسود هُلام التكوين الأولي نحو الحياة التي نلامسها مع وجود الماء.

من هنا كان البحر سؤالاً فلسفياً نتشوف إليه داخلنا. لم ير الإنسان البحر دون التساؤل حول ما يخفي ويخبئ عنا من أسرار. فهو يوجد بالاستعارات metaphors على البعد والقرب، ينتزعنا من خناق التحديد إلى انفساح الرؤى. والخروج إليه سيتم بمطلق الرحب والسعة. لأنه يلتقي عند نقطة تلامس البحر مع حريتنا المتطلعة إلى كسر القيود. والشيء اللطيف أن هذا ما يرادف أخيراً بين حرفي الجر (من وإلى). فالخروج إليه يساوي الخروج منه كما أشرت، فأي خروج هو في الحقيقة عودة إليه. ففي الوقت الذي نظن الابتعاد عنه سيكون داخلنا ونحن عبره. إنَّه ضفاف الأسرار والأعماق المأمولة التي تنتظرنا بموضع ما.

كان خروج بني اسرائيل من مصر قديما خروجاً إلى البحر. لم يكونوا مدركين المخاطر التي تحيق بهم. الواقعة أضحت لافتة من خلال المياه كما جاءت في الديانات الإبراهيمية. لأن البحر هو مطلق المجهول على الأرض. وكأنهم كانوا يجُسون خلال المستقبل الذي لم يتحدد، بعد أربعين عاماً من التيه بأرض سيناء. وإذا كانت الرواية قد أوردتها النصوص المقدسة، فهي تكشف ارتباط البحر بجملة أشياءٍ.

أولاً: النداء الذي يعد نداء إلهياً لشعب الرب للانعتاق من القيود.

ثانياً: المغامرة المحفوفة بمخاطر مقبولة طالماً نتطلع إلى التحرر. المخاطر في البحر فرصة سانحة، لا مهرب منها. ثمة توجس يقظ أثناء المسير عبره.

ثالثاً: لا يقين هناك سوى المسير دون ضفاف. وتلك سمة كل نداء ديني أو سياسي أو صوفي. فالنداء مصدره غير معروف بدقة. وذلك حتى يلبيه الإنسان أو لا يلبيه. فلئن لبّاه، فليكن بضمان ذاتي وحسب. وقد يجد نفسه مفقوداً كحال الندَّاهة (هذه الجنية الغامضة) التي تستدرج المارين بجوار الماء. والندَّاهة أدخلها يوسف إدريس حيز الأدب بروايته الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه.

رابعاً: في أعماق البحر، يتجلى الفعل ذاته. الوارد أن المياه أضحت -كما جاء بالقرآن- كالطود العظيم (الجبل الضخم) عندما ضرب موسى البحر بعصاه. وهذه تعني استحالة البحر إلى أفق مختلف. وربما كانت الجوانب النفسية بها كافية لتصوير المشاهد بعبارة مادية، وهي ليست هكذا في الحقيقة، لأنها المفاجئة الوجودية المذهلة بخلاف المألوف.

هذا وقد جاءت الحادثة في الكتاب المقدس كالتالي:

" ومدَّ موسى يده على البحر. فأجرى الرب البحر بريح شرقية شديدةٍ كل الليل وجعل البحر يابسة وانشق الماء. فدخل بنو اسرائيل في وسط البحر على اليابسة والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم. وتبعهم المصريون ودخلوا وراءهم. جميع خيل فرعون ومركباته وفرسانه الى وسط البحر. وكان في هزيع الصبح ان الرب اشرف على عسكر المصريين في عمود النار والسحاب وازعج عسكر المصريين. وخلع بَكّر مركباتهم حتى ساقوها بثقلة. فقال المصريون نهرب من اسرائيل. لأن الرب يقاتل المصريين عنهم  فقال الرب لموسى مدَّ يدك على البحر ليرجع الماء على المصريين على مركباتهم وفرسانهم . فمد موسى يده على البحر فرجع البحر عند اقبال الصبح الى حاله الدائمة والمصريون هاربون الى لقائه. فدفع الرب المصريين في وسط البحر. فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل ورائهم في البحر. لم يبق منهم ولا واح".( الكتاب المقدس،  العهد القديم، سفر الخروج، الاصحاح 14/ 21 - 28)

بدا البحر بمثابة الملجأ الذي ينبغي الخروج  إليه مع السرد الكوني في حضور الرب، لأنَّ الفكرة أنَّ للبحر معنى عميقاً يضم إرادة ميتافيزيقية خفية. وربما لأول وهلة يدخل البحر كحدث تاريخي في الذاكرة البشرية ويظل علامة فارقة في اللاهوت وتاريخ الأمم. وبمنطوق النص كان الرب حاضراً في قلب هذه الإرادة، يبدأ موسى بمد يده، فيحرك الرب رياحاً شرقية قوية عكس اتجاه السير. اليدان تضعان الأحداث في اتجاه ما. ليظهر درب ممتد بين الماء كرمز للغرق، ويدخل بنو اسرائيل فتكون عن يمينهم ويسارهم أسوار الماء. والملاحظ على الوتيرة ذاتها: يبدأ ما هو بشري (موسى- وبنو اسرائيل) ثم يجري الرب ما يريدون، حتى خرج موسى وشعبه قبل أمر الرب بإطباق المياه على فرعون وجيشه.

وبعيدا عن دلالة البحر القريب، فقد كانت خلفية الحدث، ليست مجرد طريقا إلى الشاطئ الآخر، وهذه سمة مهمة في أي بحر: أن الشاطئ الآخر يحمل النجاة بمقدار ما يمثل وسيطاً فوق العادة. ولذلك يقال لهؤلاء اللاجئين المعاصرين أنهم لاجئون رغم المخاطر حملهم إلى الجانب الآخر. هكذا لجأ كلُّ مطارد من القهر إلى البحر بكل حمولته الثقيلة.

وقبل واقعة غرق الفرعون كان البحر (أو اليم) رمزاً لاستعادة الحياة كما خاطب الله أم موسى: ( فإذا خِفت عليه فألقيه في اليّم ولا تخافي ولا تحزني..).. والرضيع الذي ألقته الأم هو الناجي الذي أغرق فرعون لاحقاً. إذن التقت دلالة البحر كموضع للأمان والغرق في المسيرة ذاتها. وليس هناك إلاَّ التفكير في نقطة التقاء الحادثين، وإذا كان البحر واليم واحد من حيث المياه، فمعنى ذلك أن هناك تفكيراً فيما وراء الأمر.

لأنَّ الصراع بين موسى والفرعون كان صراعاً يمس الألوهية. وقد صُوّر في السرد عبر كلمات: البحر واليم والأرض والتيه والحركة والرب والنبي. وتلك مفردات القصص الذي يبرز أهمية البحر حين يواصل دلالته المائية في سياق المعنى الاجمالي. والتاريخ الذي ينتظر ليس بعيداً عن البحر كفعل، بل هو الحبر الذي كتب بها كما جاء في النصوص التوحيدية بأشكال مختلفة ضمن التوراة  والإنجيل والقرآن. والمفترض أن الخوف يتناقض مع مصدره وهو البحر، تماماً كما أن الحزن هو الأثر الذي ينتج عن الخوف، غير أنَّ دلالة البحر اختلفت بحسب الواقعة في نطاق كوني. لأنَّ الحضور والغياب بالنسبة للإيمان كما عند أم موسى لم يكن أحدهما على حساب الآخر، تماماً كما لن يكون البحر على حساب اليابسة. ولهذا حرصت النصوص التوحيدية الابراهيمية في إظهار هذا الجدل الكوني- الإنساني لتشكل ذاكرة مترعة بالمعاني الرمزية.

كانت واقعة الطوفان كما جاءت بالكتاب المقدس وسأذكرها كاملة لكونها في ماهية الحدث المائي:

" ولما كان نوح ابن ست مئة سنة صار طوفان الماء على الارض، فدخل نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه الى الفُلك من وجه مياه الطوفان. ومن البهائم الطاهرة والبهائم التي ليست بطاهرة، ومن الطيور وكل ما يدب على الارض: دخل اثنان اثنان إلى نوح إلى الفلك، ذكرا وانثى، كما امر الله نوحاً. وحدث بعد السبعة الايام أن مياه الطوفان صارت على الارض. في سنة ست مئة من حياة نوح، في الشهر الثاني، في اليوم السابع عشر من الشهر في ذلك اليوم، انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم، وانفتحت طاقات السماء. وكان المطر على الارض اربعين يوما واربعين ليلة. في ذلك اليوم عينه دخل نوح، وسام وحام ويافث بنو نوح، وامرأة نوح، وثلاث نساء بنيه معهم الى الفلك. هم وكل الوحوش كأجناسها، وكل البهائم كأجناسها، وكل الدبابات التي تدب على الارض كأجناسها، وكل الطيور كأجناسها: كل عصفور، كل ذي جناح. ودخلت الى نوح الى الفلك، اثنين اثنين من كل جسد فيه روح حياة. والداخلات دخلت ذكرا وانثى، من كل ذي جسد، كما امره الله. واغلق الرب عليه. وكان الطوفان اربعين يوما على الارض. وتكاثرت المياه ورفعت الفلك، فارتفع عن الارض. وتعاظمت المياه وتكاثرت جدا على الارض، فكان الفلك يسير على وجه المياه. وتعاظمت المياه كثيرا جدا على الارض، فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء. خمس عشرة ذراعا في الارتفاع تعاظمت المياه، فتغطت الجبال. فمات كل ذي جسد كان يدب على الارض من الطيور والبهائم والوحوش، وكل الزحافات التي كانت تزحف على الارض، وجميع الناس. كل ما في انفه نسمة روح حياة من كل ما في اليابسة مات. فمحا الله كل قائم كان على وجه الارض: الناس، والبهائم، والدبابات، وطيور السماء. فانمحت من الأرض. وتبقى نوح والذين معه في الفلك فقط. وتعاظمت المياه على الارض مئة وخمسين يوماً.( الكتاب المقدس، العهد القديم، سفر التكوين/ الاصحاح السابع، 7- 25)

هناك عدة معان لتوضيح الدلالة:

- المياه جذرية، ليست مجرد مياه فيما يرى البشر، رغم أن المياه واحدة ولم تكن من جنس آخر. لكن الإرادة المعبرة عنها أوسع من تفكير البشر الجزئي.

- ظاهرة الفيض، الكثرة، هي الدلالة الحاسمة في كل مياه ممكنة. ولذلك تعد المياه أول ما يلفت نظرنا إلى البحر، قدرتها المهولة على توليد الدهشة، فهي غزيرة والغزارة مقترنة بالخطر.

- الغمر، حيث لا بحر دون هذه الإمكانية وسيكون الماء هو الرسّام الذي يشكل جوهر الصورة. وكان النص مليئاً بإمكانية الغمر وهو ما يعني التهام رقعة الأرض.

- تبدو الأرض مقصودةً، كل الأرض. وطبعاً هناك تقدمة بأن الآثام والشرور ملأت الأرض جوراً وظلماً. وكأن الشرور العامة تحتاج إلى التطهر المتمثل في الماء.

- لم تكن المياه علامة لإغفال الحياة، بل كانت بداية أخرى، والبداية عادة تاريخ جذري مغاير. وهي مكان اللحظات النادرة في تاريخ الكرة الأرضية حيث تغيير الوضع القائم. كانت سرديات العذاب والكوارث السابقة مثل قوم عاد وثمود وقوم صالح وغيرهم محدودة بهؤلاء الأقوام، أما دلالة الطوفان، فبحسب دلالة الماء التي لا تبقي ولا تذر.

- على المستوى المجازي- وهذا وارد- أن الطوفان  يمثل استعارة لأهمية البداية في حياة الإنسان. وارتباطاً بالماء، فهو علامة للتطهر وطلب الغفران لوضع سيناريو الحياة كنوع من القيامة التاريخية.

- ليس الطوفان عابراً، إنه حاسم حتى النهاية، وبحجم مساحة الفكرة المفترضة داخله سيكون مؤثراً في حياة البشرية. بحيث هناك ما قبل الطوفان وما بعده وهذا وارد في النص.

- الملاحظ أنَّ نوحاً كشخصية ارتبطت به الأرقام التي بلغها عمره (ستمائة سنة وقت الطوفان) والارقام تفيد قطع الزمن لمراحل كبيرة، وهو ما يصب في الجانب المجازي لعظم خطايا البشر وشرورهم. وبمقدار ما تُظهر عظم الشرور سيكون الحدث الكوني متوقعاً.

- الكائنات والنباتات والحيوانات التي أختارها الرب لنوح كانت علامات حياة متنوعة، رغم أن النص لم يفْصح عن كيفية تعايش الكائنات المتنافرة مدة المئة والخمسين يوماً وهي زمن الفيضان.

-  الفُلك أو السفينة شكلت طوق النجاة وارتفعت فوق مستوى الشرور وفوق الأرض، وكأنَّ المعنى أنه حينما يحمل الماء الإنسان ارتفاعاً عن الرزايا سيكون موضعاً لحياة جديدة.

الحاصل أنّ البحر في كل مواضعه اللاهوتية مضمخ بالدلالات القادرة على إثراء تاريخ الإنسانية. ويعبر عما يكُّون ذهنيات البشر تجاه مفردات الحياة، ولم يكن العقل ليقطع هذه المساحات الشائكة من الأحداث وتفسيراتها سوى بالوعى الفاهم لهذه التحولات الزمنية.

من زاويةٍ أخرى- مع تطور المجتمعات الحديثة - هل البحر أسطورة صيفية حداثية تتجدد مع كل عام؟ وبالتالي هل نستطيع نسيانه حقاً؟ بمعنى آخر: هل بالإمكان تجنب احساساته الغامرة؟ ربما العودة إلى البحر ظاهرة ليست قديمةً كما أشار إليها اللاهوت. هذا إذا كان مُتاحاً- ابتداءً- فقدانُ معناه الإنساني. لأن البحر واصل طريقه كميدان للصراع بين الدول. فيما يعرف بحركة الاستكشافات الجغرافية للعالم الجديد نتيجة الحداثة والتقدم التكنولوجي, مثل الحروب الناجمة عن الاستعمار الحديث على بقاع العالم من قبل القارة الأوروبية حول النفوذ المائي ونهب ثروات الشعوب ونقل العبيد وحركة التجارة العالمية. لقد ظل البحر -كفضاء ساحر ومضمخ بالرعب- موقعاً مناسباً لمغامرة الامبراطوريات والتسابق على إخضاع الشعوب.

إن الرعب القديم ظل راهناً لم ينزح عن البحر، لقد استقر في قاعه ونوّاته واعاصيره. فهو كيان متقلب في تحريك مشاعر الرهبة كلما تتدافع أمواجه مع المجهول. وظل يعكس تطور القوى السياسية والعسكرية التي تمخر خلاله. حتى أن السيطرة على البحار كان شرطا للسيطرة على العالم. فالإمبراطورية الرومانية كانت سيدة عصرها باسطة نفوذها على معظم المجتمعات آنذاك. لأنها كانت امبراطورية بحرية في المقام الأول. وسُمي البحر المتوسط "بحر الروم" نسبة إلى هذه السيطرة وتطبيقاً للقاعدة السالفة. وعلى الغرار نفسه أطلق الامريكان على أنفسهم الرومان المعاصرين نسبة إلى هذا النفوذ المائي الموروث.

لدرجة أنَّ المَشاهد السياسية وراء البحر تثير الحيرة واستنفار المجتمعات. لأنه، ورغم كونه مياهاً، يعتبر عوالم من الاستراتيجيات والمآرب. ويبدو أنَّ الصراع يتحول إلى توازن الخوف المتبادل بين الدول الكبرى. والتحول يترقب القادم السياسي، فلماذا تكون المياه المفتوحة محملة بالمجهول؟! وبخاصة أنها غير مطروقة الآفاق وتغري أصحاب النفوذ العولمي، وفي الوقت ذاته تتطلب مزيداً من المخاطرة.

وبجانب ذلك هناك في الأدبيات والروايات مصطلح "ركوب البحر". وهو يعبر عن مقارعة الأخطار، وترك الأمر إلى شيء غامض غير مأمون العواقب. كما أنه يحملنا بحسب مفاجآته بما يجعلنا مسلوبي المصير. فالبحر أحد المستحيلات الإنسانية التي تعلن التحدي وتطاول الجوانب التي يتعذر تجاوزها. ولهذا كانت كلمات النص القرآني متماسة مع ذلك:" قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أنْ تنفد كلماتُ ربي ولو جئنا بمثله مدداً". فالشيء الذي يتحدث عنه النص بإضمار بلاغي هو اللغة، المعاني، العلامات، الاشارات. وبصرف النظر عن أي شيء، فالكلمات (الدوال) هي بطل المعنى حين تموج مع المياه. واللغة تذهب لتكون بحراً وراء بحر حتى تفي بكلمات الله. وكم تواردت أسماء المعاجم وكتب اللغة في التراث العربي على هذا المنوال مثل: " البحر الزاخر" و"البحر المحيط". والتعبيرات الأكثر بلاغةً تعبيرات تترقرق كالمياه الصافية وتتلاطم كالأمواج وتتصادى كالأعماق.

ولا ننسى أنَّ أوزان الشعر العربي تسمى بالبحور التي قعدها الخليل بن أحمد الفراهيدي ثم تداركها الأخفش مضيفاً إليها. أطلقت لتدل على الإحاطة والشمول والقدرة على مقاربة المستحيل بأساليب وأوزان ممكنة. فخيال الشعراء في عرف العرب يأتي من وادي عبقر المسكون بالشياطين والجان. وأقرب تصوير لإنتاج المعاني سيكون من أخيلة البحر. لأنَّ اللغة تتسم بطبيعة سائلة بجميع تشكيلاتها الاستعارية. فحين نعت اللغة العربية حظها العاثر على لسان حافظ إبراهيم قالت:" أنا البحرُ في أحشائِهِ الدُّر كامنٌ .. فهل سألوا الغوَّاصَ عن صَدَّفاتِي".

والآن مع رفاهية الحياة، جُعلَ البحر موضوعاً للاستمتاع، الاستجمام بإفراط السياحة واعتباره مسرحاً لحياة الإنسان الحرة. وبالتالي لم يخلو البحر حالياً من نبرة فلسفية مختلفة تخص ماهية الحياة وجماليات البيئة  وفي هذا الخضم ليس مثل البحر إذ شهد تطاحن المصالح الإقليمية والمذاهب السياسية وترسيم المياه الإقليمية لكل دولة على حدة نتيجة اكتشاف الثروات وبسط النفوذ. ثم كانت خصخصة البحر وجعله سوقاً تجارياً هما صناعة للرأسمال المعولم.

ولهذا بدلاً من الرؤى النظرية  كان البحر مجالاً لكشف الأجساد الحرة التي تستلقي على الشواطئ. وباتت الأخيرة تجارة إمام الأمواج التي تغسل هموم الحياة اليومية. وترسم خريطة السياحة التي هي تسويق لضغوط الحياة المعاصرة وسط الرفاهية المعولمة. وهذا جعل من المودات modes والبرانداتbrands  هي المعايير العابرة للقارات التي تحدد نمط العيش وتصطنع من  فضاء البحر ساحةً ناعمة لأظافر الدول.

 

سامي عبد العال      

 

محمود محمد علي (موقفه من توماس كون)

نعود وننهي كلامنا عن ميشيل بولانى والعقلانية المضمرة  وهنا نقول: من كل سبق يتضح لنا أن بولانى يؤكد على استحالة الوصول إلى معرفة موضوعية محضه عن العاَلم الفيزيقى، وإنما تكون معرفتنا للعاَلم نتيجة تدخلنا فيه بقدراتنا العقلية وآلاتنا ومقايسنا وفروضنا المسبقة، وأن معرفتنا تنسيق لمعتقدات تلعب الذات الإنسانية من خلالها دوراً أساسياً . وهذا الدور قد أكد علية بعض فلاسفة العلم الذين جاءوا بعد بوبر، وبالأخص بــول كـارل فييرآبنـد Feyerabend Karl  Paul (1924 – 1994)، حيث ذهب إلى أن المعرفة تعد من نتاج العقل الإنساني، وهى ليست مستقلة عن اعتقاداتنا وميولنا، فهى تدخل فيها الذات الإنسانية بشكل أساسي . يقول فييرآبند: " إن معتقداتنا العامة وتوقعاتنا تؤثر فى خبراتنا وتصوراتنا للواقع " .

النقطة الثانية: تحرص العقلانية النقدية على وضع قواعد ومعايير وقيود تسمح لنا بفصل السلوك النقدى عن الأنواع الأخرى من السلوك، لكى نكشف عن الأفعال الغير عقلية ونقوم بتفنيدها واستبعادها وفق معايير تضعها العقلانية البوبرية من أهمها معيار القابلية للتكذيب . فالمناقشة العقلية عند بوبر تكمن فى محاولة النقد وليس فى محاولة البرهنة أو تقديم أى احتمال، فكل خطوة فى سبيل النقد هى خطوة على طريق العقلانية الحقه، تقول العقلانية النقدية طور أفكارك لكى تكون قابلة للنقد، هاجمها بطريقة قاسية ولا تحاول أن تربط بينها وبين أفكار أخرى، ولكن فقط حاول أن تظهر نقاط ضعفها .

هذا المبدأ الذى تأخذه العقلانية النقدية ترفضه تماماً العقلانية المضمرة التى تؤكد على الثقة فى واقعية الكشف العلمى، وهذه الثقة تتجاوز البراهين التى يمكن أن تكون معمولة بشكل واضح؛ إن الاكتشافات العلمية فى نظر العقلانية المضمرة تتمثل فى حل المشكلة، وفى فتح باب الاحتمالات التى تعيد النظام وتعيد تعريف وجودنا فى الطرق التى لم تكتشف بعد . وهذه الاحتمالات الخاصة بالنتائج العلمية الصادقة للأشياء ضرورية لكى نعرفها وإن لم نستطيع أن نقولها؛ كما تؤكد العقلانية المضمرة على أنه ليس هناك اختبار للصدق؛ وإنما الصدق يقوم على واقعية الفكرة من خلال المكونات المضمرة . إن الاعتماد على الواقع يقوم على الحكم الشخصى عن طريق الفرد الذى يصنع الاكتشافات وعن طريق الجماعة العلمية التى تقيّم تلك الاكتشافات . المعترف به هو أن الجماعة العلمية تمثل معيار الحكم، وهذا المعيار يتضمن قوانا الشخصية للواقع الذى يدرك من قبل. وبالتالى فإن مبدأ قابلية التكذيب عند بوبر فى نظر العقلانية المضمرة ليس واضحاً مثل أفكار عديدة، بينما هو صادق حيث يسعى إلى اسقاط التعميمات الفردية المتناقضة بشكل  منطقي، والعلم لا يتعامل مع الكيانات التى تلاءم ذلك جيداً داخل الدقة المنطقية . إن ما يبدو متناقضاً قد لا يمثل تناقضاً واضحاً . السؤال المدعم فى العلم هو يمثل دائما الطبيعة الواقعية وأن يبقى السؤال مفتوحاً . ولو اتبعنا على نحو مطلق قابلية التكذيب، فإننا سوف نبقي لنظل داخل تعريفاتنا الحاضرة وفيما يتصل بذلك فانه يعوق التقدم المبدع .

وهذا النقد الذى وجهه بولانى، قد أخذ به معظم فلاسفة العلم المعاصرين، فنجد توماس كون T.Khun  (1922 – 1996) ينقد مبدأ القابلية للتكذيب  فيقول: " ولكن هناك نهج مختلف تماماً فى تناول جماع شبكة المشكلات، ونعنى به نهج كارل بوبر الذى ينكر وجود أى تدابير للتحقق على الإطلاق . إذ يؤكد بدلاً من ذلك على أهمية إثبات الزيف (القابلية للتكذيب)، أى التحقق من زيف الاختبار وذلك لأن نتيجته سالبة وتقضى بضرورة رفض نظرية ثابتة . وواضح أن الدور المنسوب لإثبات الزيف يشبه كثيراً الدور الذى تعزوه دراستنا هذه إلى التجارب الشاذة، أى إلى وقائع التجارب التى تمهد السبيل، من خلال إثارة الأزمة لظهور نظرية جديدة . ومع هذا فقد لا يتسنى المطابقة بين التجارب الشاذة وبين التجارب اللازمة لإثبات الزيف . والحقيقة أننى أشك فى وجود هذه الأخيرة. فكلما سبق لى أن أكدت مراراً فإنه لا توجد النظرية التى تحل جميع الألغاز التى تواجهها فى وقت بذاته، كما وأن الحلول التى يتم الوصول إليها نادراً ما تكون حلولاً كاملة . بل على العكس، فإن هذا النقص والقصور اللذان يشوبان المطابقة بين المعطيات والنظريات القائمة هما اللذان يحددان، فى أى فتره من الزمن، كثيراً من الألغاز المميزة للعلم القياسى . ولو أن كل فشل نواجهه فى سبيل إثبات هذا التطابق يوجب رفض النظرية إذن لانتهى الأمر بنبذ جميع النظريات فى كل الأزمان . ولكن من ناحية أخرى لو أن الفشل الذريع فى المطابقة هو وحده الذى يبرر نبذ النظرية، إذن لاحتاج أنصار بوبر إلى معيار لتحديد " اللااحتمالية " أو " درجة إثبات الزيف " . وإذا ما عمدوا إلى استحداث هذا المعيار فسوف يجابهون يقيناً نفس شبكة الصعاب التى اعترضت دعاة مختلف نظريات التحقق (الوضعية المنطقية) فى المذهب الاحتمالي "؛ ونفس الشئ ذهب إلية بول فييرآبند فى نقد مبدأ القابلية للتكذيب فى كتابه ضد المنهج حيث أكد نفس هذا المعنى .

من هاتين النقطتين يتضح لنا أن هناك اختلاف جوهرى بين العقلانية النقدية والعقلانية المضمرة . وقد أوجز هذا الاختلاف باختصار شديد آلن ماوسجراف Alan Musgrave  (أحد تلاميذ بوبر المتعصبين) على النحو التالى:

1- تبدأ العقلانية النقدية بالمعرفة الموضوعية؛ فى حين تبدأ العقلانية المضمرة بالمعرفة الشخصية .

2- تركز العقلانية النقدية على الشئ فى الكتب والمكتبات (العاَلم الثالث)؛ فى حين العقلانية المضمرة ناتجة عن معتقدات البشر (الاعتقادات).

3- تتكون العقلانية النقدية من الخواص الموضوعية للعبارات والأفكار والنظريات (سواء الصدق والكذب والعلاقات المنطقية)؛ فى حين تتكون  العقلانية المضمرة من جمع الكيانات السيكولوجية (سواء الحالات العقلية وتنسق الاعتقادات .

4- تؤكد العقلانية النقدية على أن المعرفة ليست اعتقادات مبررة؛ فى حين ترى العقلانية المضمرة أن المعرفة بأنها مُعرفة أو محددة بوصفها صدق مبرر.

5- تركز العقلانية النقدية على البنية المنطقية والعلاقات المنطقية بين العبارات  (منطق الكشف)؛ فى حين تركز العقلانية المضمرة على الأصل السيكولوجى للاعتقاد (سيكولوجية البحث).

6- تركز العقلانية النقدية على نقد النظريات وكذلك على المعيار الذى يكون عن طريق اقتراح النظريات؛ فى حين تركز العقلانية المضمرة على تبرير الاعتقادات (مشكلة النسبوية) .

7- تعتمد العقلانية النقدية على الخواص الموضوعية والقاعدة والمعيار المنظم؛ فى حين تعتمد العقلانية المضمرة على الخواص الذاتية للاعتقادات التى تكون مثبتة من خلال خاصية الصدق المرتبط بالواقع .

8- تعول العقلانية النقدية على المشكلات؛ فى حين تعول العقلانية المضمرة على المعرفة المضمرة .

9- العقلانية النقدية هى فلسفة نقدية تكذيبية؛ فى حين أن العقلانية المضمرة هى فلسفة ما بعد النقد.

هذه هى أهم أوجه الإختلاف بين العقلانية النقدية والعقلانية المضمرة كما أبرزها ألن ماوسجراف والذى إنتهى بعد ذلك من خلال هذا الإختلاف إلى أن العقلانية المضمرة هى عقلانية نسبويةRelativism؛  ودجماطيقية Dogmatism؛ وسيكولوجية Psychologism؛ وتبريرية Justificationi؛ ووحدة الأنا كليةSolipsism   .

وننتقل الآن إلى عقلانية توماس كون T.Kuhn كما صاغها فى كتابة " بنية الثورات العلمية "؛ حيث نجد لأول مرة أن العقلانية المضمرة تلعب دوراً مؤثراً على عقلانية كون، تلك العقلانية التى تعول على المجتمع العلمى أو الجماعة العلمية أو بالأحرى المؤسسة العلمية التى تعمل فى إطار النموذج الإرشادي المطروحPardigm  حتى وصفها نيوتن سميث Newlon smith  بأنها " عقلانية مؤسسـاتية "Insutionalised Rationality  .

فلقد أشاد كون بأهمية الدور الذى تلعبه " المعرفة المضمرة "؛ حيث قال بصريح العبارة: " لقد استحدث ميشل بولانى بذكاء يثير الإعجاب فكرة المعرفة المضمرة التى تؤكد على أن القسط الأكبر من نجاح رجل العلم يتوقف على معرفة مضمرة؛ أى على معرفة مكتسبة خلال الممارسة العلمية، والتى لا يمكن التعبير عنها صراحة "؛ ثم قدم كون عرضاً تحليلياً مفصلاً للمعرفة المضمرة فى حاشية كتابه سالف الذكر كما شرحها بولانى فى كتابه المعرفة الشخصية، وذلك تحت عنوان " المعرفة المضمرة والحدس " .

ولم يكتَف كون بذلك، بل أعلن تمسكه بالمعرفة المضمرة فى نقد العقلانية التجريبية، حيث يشدد كون على أنه لا توجد فى العلم مشاهدة محايدة، ولذلك يعالج المشاهدة seeing  من خلال الأشكال الجشتالطية كما فعل بولانى من قبل. ويوضح كون ذلك فيقول:" لو افترضنا أن شخصين يقفان فى مكان واحد ويدققان معاً فى نفس الاتجاه، فلابد أن نستنتج، إلتزاماً بما يقضى به مذهب ربما كانت نقطة الأناوية أوضح دلالة، أنهما يتلقان منبهات تكاد تكون متماثلة ولو استطاع كل منهما أن يثبت عينية على نفس المكان فسوف تكون المنبهات متطابقة . ولكن الناس لا يرون منبهات ومعارفنا عنها هى معارف نظرية وتجريدية إلى حد كبير. وإنما يتلقى الناس بدلاً من ذلك إحساسات وليس هناك ما يجبرنا على افتراض أن إحساسات صاحبينا هنا اللذين يحدقان بعيونهما هى إحساسات واحدة " .

وفى فقرة أخرى يوضح توماس كون ذلك فيقول: " ولنلاحظ الآن أن جماعتين، تتكون لدى أعضائهما على نحو نسقى احساسات مختلفة عند تلقى ذات المنبهات، إنما يعيشون، بمعنى من المعانى فى عالمين مختلفين . ونحن نفترض وجود منبهات لتفسير مدركاتنا الحسية عن العاَلم، كما نفترض ثباتها أو عدم قابليتها للتغير تجنباً لنزعة الأنانية أو الانحصار الذاتى على المستوى الفردي والاجتماعي. وليس عندى أى تحفظ إزاء أى من الافتراضين . غير أن عاِلمنا يزخر أولاً وأساساً بموضوعات إحساساتنا وليس بالمنبهات، وموضوعات الإحساس تلك ليست بالضرورة واحدة من فرد إلى آخر أو جماعة مقابل أخرى .

ثم يشرح لنا توماس كون كيف تتحول المنبهات إلى إحساسات من خلال المعرفة المضمرة . يقول كون:" فالعملية العصبية التى تحول المنبهات إلى احساسات تنطوى على مضمون تميزه الخصائص التالية: أنه انتقل عبر التعلم، وأثبتت التجربة أنه أكثر كفاءة من بدائل منافسة له تاريخياً فى البيئة الراهنة للجماعة، ثم هو أخيراً عرضة للتغير سواء من خلال مزيد من التعلم أو من خلال اكتشاف تفاوت فى التطابق بينه وبين البيئة . وتلك هى سمات المعرفة التى توضح سبب استعمالي للكلمة، بيد أنه استعمال لا يزال غريباً لافتقاره إلى خاصية أخرى . إذ ليس لدينا اتصالا مباشراً بما نحن نعرفه، وليس لدينا قواعد ولا قوانين عامة تتيح لنا التعبير عن هذه المعرفة، وأن القواعد التى تهيئ لنا هذه الصلة إنما تشير إلى المنبهات لا الإحساسات، والمنبهات لا نعرفها إلا من خلال نظرية محكمة الصياغة . وفى حالة عدم وجود هذه النظرية تصبح المعرفة الكامنة فى المسار الواصل بين المنبه والإحساس معرفة مضمرة .

ومن جهة أخرى أكد توماس كون على أن المعرفة المضمرة كشفت له عن حقائق هامة فى فلسفته منها كما يقول " أن النماذج الإرشادية يمكنها أن توجه البحث العلمى فى حالة عدم وجود قواعد؛ وفى فقرة أخرى يؤكد نفس المعنى فيقول: " والحقيقة أن وجود نموذج إرشادي لا يحتاج حتى إلى أن يفيد ضمناً بوجود مجموعة كاملة من القواعد "؛ وهنا يلح كون على أنه إذا كان النموذج الإرشادي يدل على أكثر مما يمكن التعبير عنه صراحة فى شكل قواعد وتوجيهات، فإن هذا الأمر يستدعى قول ما قاله فتجنشتين L.wittgentein     (1889 – 1951) عن فكرة " اللعب " فى سبيل توضيح بعض أوجه النموذج الإرشادي . لقد بيّن فتجنشتين أنه لا يمكن التصريح بالشروط الضرورية والكافية لكى يكون نشاط ما لعباً . وعندما نحاول ذلك فإننا نحصل بصورة ثابتة على نشاط يطابق تعريف اللعب، ولكننا  لا نريد أن نعده كذلك أو على نشاط يستبعده تعريف اللعب، ولكننا نريده لعباً .

يرى توماس كون كما يذكر آلن شالمرز:- أن نفس الشئ يصدق على النماذج الإرشادية، فعندما نحاول إيجاد خاصية دقيقة صريحة مميزة لنموذج إرشادي ما فى العلم الماضى أو فى العلم الحاضر، فإننا نجد دائماً، عنصراً من العناصر الواقعة داخل النموذج الإرشادي يخرق تلك الخاصية المميزة . غير أن كون يؤكد أن هذه الحالة لا تجعل مفهوم النموذج الإرشادي أسوأ تماماً . كما أن وضعية مماثلة فيما يخص اللعب لا تقوض الاستعمال المشروع لمفهوم اللعب . وحتى فى غياب خاصية مميزة بصورة تامة وصريحة، فإن كل مشتغل بالعلم يكتسب معرفته بواسطة تكوينه العلمى . وإذا دأب أحد متعاطى العلم على حل مشاكل من نمط موحد، وعلى إجراء تجارب من نمط واحد، ومارس على وجه الاحتمال، البحث العلمى على يد من سبق أن كان ممارساً محٌنّكاً للعلم داخل نموذج ارشادى معطى، فإنه سيألف مناهج هذا النموذج الإرشادى وتقنياته وأنماطه الموحدة، أنه لا يستطيع أن يقدم بياناً صريحاً حول المناهج والخبرات العلمية التى اكتسبها مثلما لا يستطيع نجار متعلم أن يصف وصفاً تاماً ما هو أعلى مما لدية من خبرة أو مهارة عملية . فالقسط الأكبر من معرفة المشتغل بالعلم القياسي يكون مقدراً بالمعنى الذى شرحه ميشيل بولانى؛ وهنا يعلن توماس كون فيقول: " وأعود هنا لاقتبس من ميشيل بولانى عبارته الخصبة، وأقول أن حصاد هذه العملية معرفة مضمرة يكتسبها المرء من خلال ممارسة العلم قبل أن يتعلم قواعد إنجازها .

ورغم اهتمام كون الشديد بالمعرفة المضمرة وأهميتها فى البحث العلمى؛ إلا أنه يخالف بولانى فى تعويله على الحدس الفردى . يقول كون: " الإشارة إلى المعرفة المضمرة واقترانها برفض القواعد العامة تبرر مشكلة أخرى أثارت ضيق كثير من انتقدونى، وتشكل فيما يبدو أساساً لاتهامات تتعلق باللاموضوعية واللاعقلانية . لقد ولدت إنطباعاً لدى بعض القراء بأننى حاولت أن أقيم العلم  على أساس من حالات الحدس الفردى الذى لا يخضع للتحليل ويكون بديلاً عن المنطق والقانون . بيد أن هذا التفسير خاطئ فى نقطتين جوهريتين . أولاً، إذا كنت قد تحدثت عن الحدس، فإنه ليس حدساً فردياً، وإنما الأصح أنه ذلك الرصيد الذى خضع للاختبار وبات مشتركاً بين أعضاء جماعة بحث ناجحة، ويكتسبه المبتدئ من خلال التدريب باعتباره جانباً من عملية إعداده لعضوية الجماعة . ثانياً، أنه ليس من حيث المبدأ غير قابل للتحليل . بل على العكس فإننى الآن أجرى تجارب على برنامج كومبيوتر جرى تصميمه لدراسة خصائص هذا الحدس على الصعيد الأولى  له.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: بعد بروز ظاهرة التحول اللغوي منتصف القرن العشرين (فريجة، دي سوسير ، فينجشتاين، رورتي)، وفلسفة العقل والوعي واللغة ونظرية المعنى (رايل، سيرل، جومسكي) والعديد من الفلاسفة الذين يحسبون على الفئتين المتداخلتين، نتساءل:

هل باتت اللغة في فلسفة المعنى تجريدا تعبيريا (شكليا) بلا موضوع يحتوي قصدية مضمونية دلالية واقعية خارج نظام اللغة الخاص؟، وهل الاشياء والموجودات المستقلة بالعالم الخارجي أصبح لها نظاما نسقيا منطقيا مستقلا ليس بحاجة اللغة الصورية الذهنية التعبيرعنه؟ وهل كل شيء ندركه في معرفتنا موجودات العالم من حولنا أنما تجري معالجته في تجريد اللغة الذهني داخليا بعيدا عن تعالقه بوجوده المادي الواقعي بحياتنا؟ بمعنى هل أصبح فهم العالم من حولنا هو تجريد لغوي صرف يخص نظام اللغة داخليا بما هي لغة تلزمها قواعد نحوية وضوابط رمزية وعلامات واصوات تشكل صفاتها وماهيتها، وأنه لم تعد اللغة وسيلة تواصلية مجتمعية معرفية لفهم وتفسير العالم من حولنا ولا هي قابلية نوعية وملكة خاصة بالانسان وحده في تواصله مجتمعيا بما لا يستطيعه الحيوان ولا الآلة الصناعية؟.

موضعة اللغة والهوية

يقول فينجشتين (القضايا التي لا يكون لها استخدام في اللغة لا يكون لها معنى)، اذا حاولنا تفسير معنى العبارة فهي تحتمل تداخلين من القراءة التأويلية، فأما أن تكون القضايا التي تعجز اللغة التعبير عنها لامعنى لها وباطلة ولا فائدة من الاهتمام بها، وهذه قراءة نمطية كلاسيكية غير سليمة ولا صحيحة فلا يوجد موجود متعيّن انطولوجيا لا معنى له في غياب أدراكه أو في حضور أدراكه على السواء.

وأما قراءة الوجه الثاني للعبارة أن القضايا التي لا تجد في اللغة استخداما يخدمها تكون لا معنى لها. وهذا تعبير غير دقيق ايضا فالقضايا الموجودية التي نعيشها ونعايشها لا تبحث هي عن لغة تحتويها، بل اللغة تبحث عن قضاياها التي تثير الاهتمام في التعبيرعنها.

أي بمعنى محايد ثالث يتوسط التداخلين اللذين ذكرناهما ليس هناك من وجود لا يصله ادراك اللغة العقلي وما لا يقع تحت طائلة الادراك العقلي في تعبير اللغة عنه لا أهمية له ولا وجود له يستحق الاهتمام. وهو رأي تداخلي التباسي ثالث يزيد المشكلة تعقيدا بدلا من محاولة أيجاد طرق حلها لما يحمله من منطق تعبيري يبدو سليما في ظاهره فقط ويعتمل تناقضه بداخله في لامعناه بالتطبيق.فليس كل ما لا يدرك ليس له اهمية ولا قيمة؟ فما لا تدركه انت ويصبح عندك بلا قيمة يدركه غيرك ويعطيه قيمته.

كلا التفسيرين والثالث غير المرفوع بينهما يحملون جميعهم تناقضا يستحق المناقشة المستفيضة. كون اللغة حسب هذه المغالطة المنطقية في التجريد اللغوي تكسب الاشياء معناها ولا تكتسب اللغة من الاشياء معنى مضافا لها في تموضعها كوعي عقلي ادراكي هو جزء من موجودات الواقع بعد تموضعها بالاشياء وفقدانها خاصية التجريد الذهني الانفرادي..

تموضع اللغة في تكوين مواضيعها المدركة تعبيرا عقليا عنها يستهلكها (التموضع) كهوية ذاتية لها خصوصية استقلالية كفكر تجريدي لتكون اللغة في التعبير المتموضع في الاشياء جزءا ماديا متداخلا في صلب التكوين الشيئي التي تموضعت اللغة فيه. ثم أن اللغة ليست وسيلة تعبير ميكانيكية محايدة لا تتأثر بموجوداتها المدركة فهي تتطور جدليا من خلال تعالقها التعبيري عن مدركات العقل.

في التموضع الفكري بالاشياء تتحول اللغة من صيغة ماهوية تجريدية تعبيرية انفرادية مصدرها العقل الى صيغة ماهوية مادية صفاتية مصدرها الاشياء والموجودات التي تموضعت فيها وأصبحت اللغة جزءا من تكويناتها في نظام الواقع وخرجت اللغة على نظامها الفردي الذي يراد له الاستقلالية المتوازية فلسفيا مع الواقع وليس الاحتدام المتضاد معه بغية تغييره حسبما ترفضه نظرية المعنى..

تموضع اللغة بالاشياء يعني خروجها وفقدانها خصائصها التجريدية الانفرادية التي تمثّل ماهيتها الهووية وتتلاشى في موضوعها الذي عبّرت عنه كصفات للاشياء وليس كجواهر وماهيات.فاللغة تعبير شكلي عن الاشياء كصفات خارجية ومضمونية اكثر من أهتمامها العاجز التعبير عن الماهيات كجواهر ذاتية.

من غير المّسلم به ولا مسوّغ له يمنحنا تفويضا أن ننطلق من مقولة خاطئة مفادها كل عالمنا هو وجود صوري لغوي تجريدي تتم معالجته بالذهن فقط كما تذهب له المنطقية النقدية المثالية التجريبية (جون لوك، ديفيد هيوم ، بيركلي) الموروث عن الفلسفة المثالية عموما بدءا من كانط، فشتة، وهيجل وصولا مرحلة التمهيد لعصر التنوير والحداثة شوبنهور، اوجست كونت، نيتشة، وصولا الى البنيوية والتفكيكية، متجاوزين جميعهم قيمة أحقية الاهتمام بالعالم المادي المستقل في الطبيعة بوجوب تعالق اللغة التعبير عنه وليس الاستدلال به كوجود مادي فيزيائي أو لا وجود موجود أصلا الا في أذهاننا فقط، كما أشاعه (باسكال، جون لوك، ديفيد هيوم) أن الواقع هو العلاقات التصورية في اذهاننا عن العالم فقط ولا وجود مادي خارج احساساتنا، وهو رأي مقبول الى حد ما من حيث أن وسيلتنا الوحيدة في أدراكنا العالم الخارجي هو تصورات وتمثلات الذهن للاشياء تجريدا في تعبير الفكر واللغة عنها. فالواقع موجود مادي مستقل لكن ادراكه ومعرفته هي تجريد لغوي تتم بالذهن لا في غيره. ولا تتوفر للانسان وسيلة ادراك وفهمه العالم غير وسيلة تجريده باللغة.

يوجد فرق كبير بين ادراك اللغة الاشياء بالذهن والتموضع في التعبير عنها خارج الذهن في وجود تلك الاشياء باستقلالية سابقة على الادراك واللغة معا. تصوراتنا وتمثلاتنا العالم تجريديا باللغة لا يعني أن تلك الموجودات فقدت وجودها المادي الحقيقي المستقل في العالم الخارجي وأصبحت عالما من الموجودات الذهنية فقط. اللغة وسيلة تعبير عن مدرك عقلي موجود قبل تفكير العقل واللغة فيه تجريديا. وتجريد التفكير بلا موضوع ماثل بالذهن (خارجيا أو داخليا خياليا) لا يتوفر عليه العقل.فالعقل لا يفكر تجريديا في فراغ. الفكر هو موضوع ومن غير الموضوع لا فكر ولا لغة بعدية تعبّر عنه.

الموجود المادي لا ينفي وجوده عدم الادراك الفردي له

ويبقى الاهم من ادراك الوجود في لغة التجريد هو لا أمكانية نفي الوجود المادي الموجود القائم في استقلالية انطولوجية تامة سواء أكان مدركا لغويا أم لم يكن.. ولا خلاف حول هذا الامر أن اللغة هي حمولة لمعنى ادراك الاشياء تجريديا في معرفتها ولا تكون اللغة حمولة تحمل معنى انطولوجيا تلك الاشياء والموجودات في العالم الخارجي كوقائع موجودة مستقلة عن الانسان لا أهمية موجودية لها من دون الادراك العقلي لها والتعبير الفكري اللغوي عنها.ما لا يدرك وعيا فرديا لا يعني انتفاء الموجود ماديا وأنه أصبح لا أهمية يحملها أدراكه من قبل ذوات جمعية أخرى. انعدام وعي فرد واحد في عدم ادراكه لموضوع لا يعني انعدام الوعي به وادراكه من آخرين.

والحقيقة التي تفرض نفسها هي ليس كل شيء تتم معالجته في معنى اللغة التجريدي للعالم من حولنا تمثلا لغويا صوريا نعجز عن تخليقه لغويا وليس خلقه أو الاستغناء عن فهمه خارج نطاق فلسفة اللغة المجردة ذهنيا صوريا في ذات الوقت. الفرق بين تخليق الشيء وبين خلقه، هو في مقدرة الفكر واللغة تخليق الشيء بمعنى تغييره كموجود انطولوجيا، أما الخلق فيعني ايجاد شيء لم يكن له وجودا انطولوجيا.

اللغة قبل التعبير التموضعي لها خارجيا في الاشياء تكون تجريدا صامتا لتفكير العقل لا علاقة تربطه بالموجودات قبل الوعي العقلي بها في ارادة العقل التعبير عنها باللغة، فالوعي الادراكي العقلي لموجود لا أهمية له خارج ادراك الفرد الواحد، يصبح ذلك الموجود مشتركا جمعيا بادراكه حينما تتناوله اللغة بالتعبير عنه وتتموضع به. وفي تموضع اللغة بالاشياء خارج ادراك العقل تكتسب اللغة هويتها المادية الجمعية عوضا عن هوية التجريد الفردي اللغوية التي كانت تحملها قبل تموضعها بالاشياء كتجريد فكري لغوي داخل الذهن.

الواقع كموجودات وظواهر مستقلة لا حصر لها هي التي تخلق الوعي بها ولا يمكن للفكر والوعي خلق واقع مادي بتفكير مجرد لا يتقدمهما واقع موجود مستقل مدرك سابق عليهما، بل من الممكن للفكر الخيالي خلق وقائع وعوالم مادية بالفن والادب تبدو لنا في منتهى الواقعية لكنها في حقيقتها عوالم افتراضية لا تعيش ولا تمتلك الحياة على الارض قبل تناولها الفني باللغة في الادب أو تناولها الفني بالالوان والكتل والخطوط والفراغات في التشكيل الفني أو تناول تلك العوالم الخيالية حياة الانسان في الحركة والعلاقات الاجتماعية والنفسية وعلاقاتها مع الوقائع والموجودات الخارجية.

تدوير ملاحقة المعنى اللغوي في دورة تحليل مقفلة على نفسها كنظام خاص مستقل تجريدي باللغة، في تعدد المتراكم الاستقبالي له من القراءات المتعددة على الدوام لا يغيّر من حقيقة أن الواقع لا يتغير بالفكر المجرد الذي يوازي الواقع ولا يداخله في التقاطع والاحتدام معه كما تذهب له نظرية المعنى في فلسفة اللغة، بل تكون الافكار المصاغة على شكل نظرية نسقية متكاملة هي التي تمتلك قدرة تغيير الواقع العملاني الذي يقوم على الاختبار الحقيقي لتلك النظرية في ملازمتها اداة تنفيذها تلك الافكار النظرية التي هي وسيلة ارادة الانسان ونزوعه الدائم الذي يراوده ويلازمه في ضرورة التغيير المستمر للواقع والفكر كليهما معا.

بمعنى حتى النظرية المتكاملة كنظام لغوي في العلم وفي الايديولوجيا ليس بمقدورها تغيير الواقع أو التاثير به من غيرارادة الانسان الخلاقة كوسيلة تحويل النظرية الى واقع مدرك تصبح جزءا منه.

هذا ينطبق على البراجماتية أو الذرائعية العملانية الامريكية ، وينطبق على الماركسية كايديولوجيا سياسية، كما ينطبق على مختلف علوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات والهندسة فالنظرية العلمية الصحيحة المكتوبة على الورق من غير تطبيق عملاني لها لا قيمة ولا معنى تحمله.

وعي اللغة وتوازي الواقع

حسب الفيلسوف الامريكي جون سيرل يعتبر الوعي تمثيل واقعي للاشياء محايث للعقل بيولوجيا كحلقة جوهرية داخل منظومة العقل الادراكية التي تبدأ بالحواس ولا تنتهي بالدماغ، والوعي ليس تجريدا فلسفيا خاصا مرتبطا بسايكلوجيا النفس غير الفيزيائية فقط وأنما يرتبط ايضا بيولوجيا بمنظومة العقل الادراكية في الجملة العصبية والدماغ، فالوعي القصدي لا يمكن حصره في حيّز استثارة بيولوجية تهم دواخل الانسان الباطنية النفسية فقط تليها وتعقبها استجابة بيولوجية لاشباع بواعث الغرائز التي يستثيرها جسم الانسان على شكل احاسيس يستلمها الجهاز العصبي والدماغ ليتداخل في اشباعها كردود الافعال الارادية وغير الارادية في تعالقها مع منظومة الجهاز العصبي والعقل المتداخل مع نفسية الفرد وما ينتابه من مشاعر داخلية.(شعور الانسان بالجوع مثلا، العطش، البكاء، الفرح، النوم، الالم، الجنس، الافراغ وهكذا). ومن جنبة أخرى الوعي أيضا حلقة وصل بين استثارات موجودات العالم الخارجي التي تنقلها الحواس للعقل كأحساسات خارجية وليس أحاسيس داخلية التي هي مثيرات حاجة جسم الانسان داخليا بضرورة اشباع مثيرات تلك الغرائز كما ذكرنا.والاحساسات مثيرات الحواس لجسم الانسان.

استطراد بين قوسين

وتعقيبنا التواصلي مع هذا الفهم الصحيح لبيولوجيا الوعي المرتبط فسلجيا توظيفيا مع منظومة الادراك العقلية وليس بالنفس فقط، الذي يمكننا تشبيهه بكيمياء تصنيع مادة الكلوروفيل (المادة الخضراء) في النبات التي تدخل في صناعة النبات لغذائه في استهلاكه الضوء واشعة الشمس وحاجته ثاني اوكسيد الكاربون ليطرح النبات الاوكسجين، فهذه العملية هي فعالية بيولوجية صرف لكننا نعجز عن ادراكها حسّيا ظاهراتيا كصفات حسيّة بائنة يمكن ملاحظة تصنيعها داخل اوراق النبات بل نتأكد من حصولها البايولوجي تجريبيا علميا في دراسة الظاهرة مختبريا فيزيائيا.

من جانب آخر تعتبر هذه العملية من أهم عوامل حفظ التوازن البيئي في الطبيعة وأدامة حياة الانسان بمقدار ما تمثله من ضآلة ادراكية لا يهتم بها الانسان في علاقته بالطبيعة. فتعويض النبات للاوكسجين بدلا من ثاني اوكسيد الكاربون تجعل الانسان يرتاح لبيئة الطبيعة الخضراء في أدامة حياته وضرورة أستهلاكه الاوكسجين لأدامة بقائه. لذا يكون قطع الاشحار بلا مسؤولية بيئية متوازنة تعويضية تنشر الخلل البيئي في التصحر وارتفاع درجة حرارة الارض.

هذا المثال يمكننا سحبه أسقاطيا على أن الوعي ضرورة حياتية نلمس تاثيرها وأهميتها لكننا لا نستطيع ادراك وظيفتها حسيا.فالعقل ذاته يمارس الوعي كوسيلة ادراكية لكنه لا يستطيع ادراك الوعي وظيفيا كما هو الحال في عمل ووظيفة الجهاز العصبي.

اللغة بين البيولوجيا والتجريد النفسي

الوعي هو لغة عقلية مجردة في التعبير عن فهمنا ومعرفتنا العالم في حقيقته المادية. واللغة هي وعي بيولوجي في منظومة الادراك العقلي قبل أن يكون وعيا لغويا وحلقة المعنى التجريدي في معرفة الاشياء. والدليل أن اللغة تفقد خاصية التجريد في موضعتها داخل بنية الاشياء التي تعبرعنها ماديا وتنتهي كلغة صادرة عن وعي عقلي فردي لتصبح لغة استقبالية لوعي عقلي جمعي هي جزء من موضوع وليس جزءا من نظام لغوي تجريدي يحمله فرد في تفكيره العقلي الصامت بدلا من وجوده متموضعا ادراكا جمعيا في معرفة الاشياء.

التموضع اللغوي هو أستهلاك هوية اللغة كخاصية انفرادية لتكون تموضعها في تكوينات الاشياء تعبيرا أدراكيا جمعيا لموضوع متعيّن انطولوجيا يتعامل معه الاخرين قراءات لغوية ايضا وغير لغوية حسب الحاجة.

علاقة اللغة بالاشياء ليست علاقة منفصمة تقوم على معنى نظام اللغة بذاتها في أستبعاد مواضيع أدراكها وعدم مداخلتها مع معرفة مدركاتها، فاللغة تدخل بعلاقة تخارجية في الاستعمال الوظائفي وأعطاء المعنى التعبيري المطلوب مع الاشياء، وهو ما ينفي نظرية أن يكون كل شيء تجري معالجته بتجريد اللغة ذهنيا فقط قبل تموضع اللغة الشيئي في الموجودات وفقدانها خاصيتها التجريدية في تعبيرها الفكري عن الاشياء.أننا نتلقى اللغة في الاشياء ولا نتلقاها داخل تجريدات الذهن.

اللغة بلا عالم خارجي تتموضع فيه يحتويها في تعبيرها عنه، تكون (لامعنى) مطلق من الالفاظ الصوتية أو المكتوبة التي لا حمولة دلالية لها ولا تمتلك أهمية و لا قيمة حقيقية لها. والاشياء وقائع حضورية في العالم الخارجي تعطي لغة الادراك العقلي أهميتها وبغير وجود الاشياء في علاقاتها البينية فيما بينها وعلاقتها بالانسان يصبح لا أهمية للغة في حياتنا، واللغة حضور تجريدي صوري للاشياء بالذهن ولا يكتسب أحدهما (الموجودات أو اللغة) معناه الحقيقي من دون تعالقه المتخارج مع الاخر في تكامل الافصاح عن المعنى القصدي لهذه العملية الجدلية بينهما.

اللغة في كل الاحوال هي أفصاح تعبيري عن معنى وعي فكري قصدي سابق بالذهن عن موضوعات ادركها العقل، وتغييب هذا الافصاح الهادف في التركيز على العناية باللغة كبنية تمتلك نظامها الخاص ولا علاقة لها بنظام الاشياء والموجودات في العالم الخارجي هو وجهة نظر لاتحمل حق التسليم بها الا في الثرثرة النظرية التجريدية الفلسفية التي ترى في اللغة ميدانا يحمل كل التناقضات التأويلية التي تسمح بالحرية الفائضة في أعادة تدوير اللامعنى تنظيريا ومحاولة البحث عن المعنى المزعوم المطلوب في نظام اللغة المغيّب حضوره في الحياة كما تروّج له نظرية المعنى فلسفيا.

أزمة اللغة بالفلسفة المعاصرة هي أزمة ملاحقة المعنى في نظام اللغة والتحقق من انفصال تعبير اللغة عن العالم في تعبير اللغة عن ذاتها وخصائصها. ونجد هذا في تعبير فينجشتين (تاريخ الفلسفة هو تاريخ نقد معنى اللغة ) وليس تاريخ نقد معنى الوجود الانساني بالحياة، وتعبير نقد المعنى كدلالة تعبيرية عن اللاتحقق في مدى عدم تطابق التعبير اللغوي مع معناه القصدي المراد منه. لا يمكننا البحث عن الواقع في نظام اللغة المستقل لكننا نستطيع البحث عن نظام نسق اللغة المادي في تنظيم الواقع على اساس من فهم لغوي.

في هذا التاكيد على أصرار فلسفة المعنى في اللغة هو أعتبار اللغة واقعة أنشائية نحوية مستقلة بنظام داخلي علينا اكتشافه قبل البحث المتحقق عن دلالاته وتأثيراتها في نظام الاشياء التي ندركها. واللغة كنظام منفرد حسب نظرية نقد المعنى اللغوي التجريدي، لا تقاطع الواقع ولا قضاياه ولا تتخارج جدليا معه ولا تحتدم مع متناقضاته بل توازيه كنظام مجتمعي طبيعي مستقل لاعلاقة للغة به، ولا علاقة تربطه بمعنى اللغة. وهذه نظرية غارقة في تجريد لغوي لا معنى حقيقي له حتى على الصعيد الفلسفي.

كل هذا يقودنا الجزم أن غالبية مباحث فلسفة اللغة هي تجريدات تراكمية بلا هدف ولغو فارغ لا معنى حقيقي يقصده ولا معنى مؤثر يمّثله على المستوين النظري، والواقعي المغيّب حضوره المطلوب بالحياة..وما علينا سوى عرض تلك الافكار أنها آخر ما توصلته الفلسفة من فتوحات لغوية ما يتوجب الترجمة له وتاليف كتب الهوامش وأستعراضات العناوين عن حقيقة افتراضية غير موجودة في وجوب فهمنا العالم في ملاحقة المعنى اللغوي.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

حاتم حميد محسنهل هناك علاج للبروباغندا والمعلومات المضللة والأخبار المسيئة للحقيقة؟ جواب تويتر هو في اضافة طريقة للتأكد من الحقائق (fact-checking) وفحص العبارات المضللة، وهو الاسلوب الذي قاد الى مواجهة مع الرئيس دونالد ترمب. ومع ان هذا النزاع  جرى تأطيره  كقضية تتعلق بحرية الكلام، الاّ ان الفلاسفة اليونانيين القدماء الذين كانوا قلقين جدا من مسألة "الأخبار المزيفة" لمجتمعاتهم، يقولون ان هذه القضية أخطر واكثر عمقا.

وكما يبدو من النزاع بين تويتر وترامب الذي تسارع الآن بفعل التكنلوجيا، لكن المعضلة ليست جديدة ابدا. اولى ديمقراطيات العالم في اليونان القديمة شهدت نقاشات جادة صعبة حول الحقيقة والمعرفة والديمقراطية. لو كان فلاسفة اليونان القدماء أحياءً الآن سيقولون ان هذا ليس مجرد شجار حول تغريدات وانما هي قضية هامة تتطلب منا ان نتخذ خيارا جوهريا حول ما اذا كنا نريد ان نعيش في مجتمع يقيّم الحقيقة. الاتجاه الاثني لهذا السؤال يبيّن لماذا السماح للبروباغندا والمعلومات المضللة، بلا استجواب وبلا فحص، قد يفكك الديمقراطية ذاتها.

قبل وقت طويل من، "الأخبار المزيفة"، كان لدى اليونانيين مجموعة هامة من الافكار حول الحقيقة. الفيلسوف سقراط جادل بان الحقيقة المطلقة (Sophia)  يمكن معرفتها واننا نتواصل بشكل افضل عندما نوصل فقط تلك الحقيقة. تلميذه افلاطون ذهب أبعد بالقول ان المرء يمكنه الوصول للحقيقة من خلال الطريقة الديالكتيكة التي قصد بها عملية التحقق والاختبار. كلا الفيلسوفين سقراط وافلاطون اقترحا ان الحكمة لاتعتمد كليا على امتلاك "الحقيقة" وانما على كونك واع بجهل المرء بها. وبينما نحن نتذكر افلاطون كأكبر فيلسوف في ديمقراطية اثينا، في الحقيقة، هو لم يكن مولعا بالديمقراطية لأنه إعتقد بعدم امكانية كل فرد الوصول الى الحقيقة من خلال الديالكتيك. هو ايضا لم يهتم بفن الخطابة البليغة لسبب معين وهو انه كان قلقا من ان الناس الذين هم بلا معرفة بالحقيقة سيستعملون التلاعب والاستغلال و فن الكلام لإقناع الجمهور الذي لايستطيع معرفة الاختلاف.

في مقابل سعي افلاطون للحقيقة الفلسفية، كان هدف السوفسطائين الحقيقة العملية phronesis، حيث انهم علّموا الناس كيف يمكن عمل حجة قوية من خلال مناقشة الاقوال المتنافسة. وبدلا من البحث عن معرفة سقراط المطلقة، رأى السوفسطائيون الحقيقة هي متى ما اقنعت جماعة متساوية وذات آراء متنوعة  شخصا آخر للاعتقاد ان تلك الآراء كانت  صحيحة.

لهذه الاسباب، كان افلاطون مشككا بمعلمي البلاغة المعروفين بالسفسطائيين، الذين كان من ضمنهم البلاغيون اليونانيون مثل غيرغوس الذي ادّعى كونه الرجل الحكيم وتقاضى اجورا لتعليم الارستقراطيين  الاخلاق وصناعة الكلام. ومن منظور افلاطون، استعمل السوفسطائيون  حيلا بلاغية ماهرة كسبوا بها زبائنهم لكنهم لم يطوروا الحقيقة. افلاطون اعتقد ان السوفسطائيين انفسهم كانوا  لايعرفون الحقيقة  ولكنهم مع ذلك جعلوا معيشتهم بتعليم الاخرين الذين هم ايضا لا يعرفون. نقد افلاطون فيه بعض الحقيقة ولكن بالمعنى الاوسع  كان غير عادل.

السوفسطائيون، رغم ضعفهم، اثبتوا انهم لاعبين ضروريين في خلق ديمقراطية عاملة. لماذا؟ لأن معظم القرارات السياسية لا يمكن حلها بديالكتيك افلاطون. الحقيقة لم تكن سلفا هناك او يسهل العثور عليها. لذا فان السوفسطائيين علّموا كيفية اكتساب المهارات الضرورية لممارسة الديمقراطية – كيف نصل الى إجماع حول الحقيقة. هم علّموا الناس كيف يخلقوا حججا لإقناع الجمهور للايمان بوجهة نظرهم، وحل المشاكل السياسية الشائكة.

مقابل سعي افلاطون للحقيقة الفلسفية، كان هدف السوفسطائيين –الحكمة العملية.

بالطبع، عند النظر اليها من منظور الحقيقة المطلقة، فان الحكمة العملية تبدو معتمة. عندما انت تستمع للناس اليوم وهم يستعملون السفسطة كمرادف لعمل حجج مضللة وغير حقيقية، فانت تستمع لحديث افلاطون الينا عبر العصور.لذا هل بروبوغندا العصر الحالي وتضليل المعلومات هي مجرد سفسطة؟ ليس تماما. الديمقراطية اليوم في الحقيقة تحتضن وحتى تقيّم السفسطائيين الحديثين. وفق معيار اليونان القديمة، اساتذة الجامعات اليوم والمحامون سيُعتبرون اكثر شبها بالسوفسطائيين منه الى الفلاسفة. الاساتذة يقدّمون تفسيراتهم لما لديهم من دليل في تخصصاتهم العلمية. المحامون يوظفون مهاراتهم في المنطق و  الكلام لعمل حججا اكثر اقناعا لمصلحة زبائنهم.(ومثل السوفسطائيين، كلاهما يصنعون نقودا من جهودهم).

للدفاع عن انفسنا ضد المتحمسين لإفلاطون، نحن يجب ان نشير الى ان المحامين والاساتذة ايضا يضعون تأكيدا متساويا على كشف الحقيقة. في صفوف الجامعة، الطلاب يسألون مشرفيهم ويتم تشجيعهم على تحدّيهم بحججهم.(اساتذة القانون يعلّمون وفق الطريقة السقراطية) .في قاعات المحاكم، الشهود يُستجوبون مرة اخرى والقضاة – الذين يتم اختيارهم بطريقة مهنية ودون تحيز –  يُتوقع ان يصلوا  الى الحقيقة التي تُفهم باعتبارها تكمن في مكان ما بين الاطراف المتنافسة.

امريكا تجسّد نسخة من الديمقراطية التي احتضنها ارسطو، والتي تضم افضل ما لدى افلاطون والسوفسطائيين. ارسطو اوضح بان الحكمة العملية هي نظير الديالكتيك . كلا الطريقتين من البحث عن الحقيقة هما ضروريتان لحل المشاكل السياسية والوصول للحقيقة.

لكن المشكلة هي ان البروباغندا والمعلومات المضللة تكمن خارج هذين النموذجين. عندما  نواجه بروباغندا ومعلومات مضللة، فان اصلها – الذي انتجها والطريقة التي اُستعملت للوصول للنتيجة – هي تُحجب عادة. البروبوغندا والمعلومات المضللة لا يقدمان حججا ماهرة  ولا يستدعيان اختبارا صارما. البروباغندا والمعلومات المضللة هما اقناع بدون موافقة: في الحقيقة، عبر تقديم نسخة جديدة من "الحقائق"، مؤلفوها يحاولون اخفاء سعيهم الى إقناعنا دائما. هذه الاشكال من الاتصال توفر استنتاجا مرتكزا على الاستغلال بدلا من المنطق. البروبوغندا والمعلومات المضللة تخلق عالما فيه عدم الايمان هو عدم ولاء، بدلا من محاولة مشتركة للبحث عن الحقيقة.

باختصار، ان هدف البروبوغندا ليس الاقناع وانما الاذعان والقبول، انها لا تستخدم الحكمة (Sophia) ولا الفضيلة الاخلاقية. ذلك يفسر لماذا هي الشكل المفضل للاتصال لدى السلطويين. انها ببساطة تتطلب منا ان  نؤمن بالحقيقة، ولكن بدون استخدام طريقة الديالكتيك للوصول اليها، وبدلا من ذلك هي تدّعي بعض الطرق السرّية للعثور على الحقيقة. الاتهام بان شيء ما هو "اخبار زائفة" بدون دليل او تبرير هو ذاته الحاجة النهائية له، وفق تعبير جورج اورويل 1984، "أرفض دليل عينيك واذنيك".

الطلب الضمني للطاعة المتضمن قصدا في المعلومات الزائفة هو الاكثر تدميرا للديمقراطية. عندما نشترك بالالتزام بايجاد الحقيقة ونتفق حول طريقة اكتشافها، فنحن انما نضع قواعد ديمقراطية هامة. ليس فقط  ان هذه القيم المشتركة والايمان في العملية يساعدنا في الوصول الى حلول تعاونية، وانما هي ايضا تعطينا سندا يدعم مجتمعنا عندما تصل حكوماتنا الى قرارات او تعمل سياسات لانتفق عليها.

لذا عندما تحاول تويتر تنبيه الناس الى ضرورة التأكد من الحقائق في تغريدات ترامب، فهي تستعمل طريقة ديمقراطية قديمة تعود الى اليونان القديمة. هي تذكّرنا اننا لدينا مسؤولية على انفسنا وعلى زملائنا المواطنين للبحث عن الحقيقة ونقاشها. انها تشجعنا لنكون مخلصين لقيمنا المشتركة والمبادئ العليا، ليس لفرد او حزب .

ولكن عندما يرتكز صنع القرار على "اختيار احد الجوانب"، بدلا من الارتكاز على الحجة المنطقية واكتشاف الحقيقة، فان تلك القواعد الاساسية ستتداعى. البحوث تبيّن ان العقائد المبنية على الوعد بالولاء لفرد او انتماء حزبي هي بالذات لاتقتنع بالحقائق التي تستجوبها او تدحضها. بدون حقيقة واقعية مشتركة كنقطة بدأ، فان المُثل الارسطية في نقاش الافكار وتحقيق اجماع في قضايانا المشتركة يصبح مستحيلا. عندما يكون البروباغنديون رؤساءً او اي شخص اخر، هم يرفضون اي محاولة لعرض الحقائق امام الكذب، هم يرفضون دعامات ايجاد الحقيقة التي يقوم عليها المجتمع الديمقراطي: الفضول والنقاش. الاتهامات بدلا من الحجة،  والاذعان بدلا من الاقناع هي غير منسجمة مع الحوار الديمقراطي. اليونانيون القدماء رفضوا البروباغندا غير المستجوبة والمعلومات المضللة  خارج القيم الديمقراطية، وكذلك يجب علينا فعل ذلك.

 

حاتم حميد محسن