hatam hamidmohsinتنقسم الفلسفة الى ثلاثة حقول: الفيزياء (دراسة العالم الفيزيائي)، الاخلاق (دراسة المبادئ الاخلاقية)، والمنطق (دراسة المبادئ المنطقية). هذه المجالات تستلزم اما دراسة "تجريبية"لتجاربنا، او تحليل "خالص"للمفاهيم."الميتافيزيقا"هي دراسة المفاهيم النقية المتصلة بالتجربة الاخلاقية او الفيزيائية.

الناس يفترضون عموما ان المبادئ الاخلاقية يجب ان تنطبق على جميع الكائنات الرشيدة في كل الاماكن والاوقات. لهذا يجب ان ترتكز المبادئ الاخلاقية على مفاهيم العقل، في تضاد مع الخصوصيات الثقافية والشخصية. ان الهدف من تأسيس ميتافيزيقا الاخلاق هو لتطوير فهم اوضح للمبادئ الاخلاقية، يمنع تشتت الذهن وصرف الانتباه وكذلك لتطوير العديد من المبادئ العامة حول الواجبات الاخلاقية. تنطلق فلسفة كانط في الاخلاق من المبادئ التالية:

1- الافعال تكون اخلاقية فقط عندما تتم لأجل الاخلاق وحدها (دون اي دوافع اخرى مختبئة).

2- السمة الاخلاقية للفعل يُحكم عليها ليس طبقا لنتائج الفعل وانما طبقا للحافز الذي انتجها.

3- الافعال تكون اخلاقية فقط عندما تتم لأجل احترام القانون الاخلاقي (عكس الدوافع الاخرى كالحاجة او الرغبة).

طالما ان المصالح المحددة والظروف والنتائج لا يمكن اعتبارها، فان "القانون"الاخلاقي يجب ان يكون صيغة عامة تُطبّق على جميع المواقف. وبدلا من ان يأمر القانون الاخلاقي بتبنّي افعال محددة، فهو لابد ان يعبّر عن المبدأ بان الفعل يجب القيام به بحافز خالص، بدون اعتبار للنتائج. الصيغة التي تلبي هذه المعايير هي التالي: نحن يجب ان نتصرف بطريقة نرغب فيها ان يصبح المبدأ الدافع لسلوكنا قانونا عالميا. الناس لديهم احساس بديهي بهذا القانون، ومن المفيد للفلسفة ان تحدد القانون بوضوح لكي يحفظه الناس في عقولهم.

انه من المستحيل تقريبا ايجاد امثلة عن الافعال الاخلاقية الخالصة. تقريبا، كل فعل نلاحظه يمكن نسبته الى بعض الدوافع او المصالح التي لا تندرج ضمن الاخلاق الخالصة. غير ان هذا يجب ان لا يثبطنا لأن المبادئ الاخلاقية تأتي من العقل وليس من التجربة. في الحقيقة ان المبادئ الاخلاقية لا يمكن ان تاتي من التجربة، لأن كل التجارب تعتمد على ظروف معينة بينما المبادئ الاخلاقية يجب ان تمتلك صلاحية مطلقة مستقلة عن كل الظروف.

ولأنه يُطبّق في كل الظروف، فان المبدأ الاخلاقي الاساسي للعقل يسمى "الضرورة الحتمية" categorical imperative. الضرورة الحتمية يُعبّر عنها طبقا لنفس الصيغة كقانون اخلاقي: تصرّف فقط بطريقة انت تريد فيها للقاعدة الاخلاقية (المبدأ المحفز) لسلوكك لتصبح قانونا عالميا. عندما ينتهك الناس الضرورة الحتمية، فهم يطبقون على سلوكهم معيار يختلف عما يريدون تطبيقه على كل شخص اخر بصيغة قانون عالمي .هذا التناقض ينتهك مبادئ العقل.

ان الضرورة الحتمية يمكن صياغتها ايضا كمطلب لوجوب ان لا نتعامل مع الكائنات الرشيدة الاخرى مجرد وسيلة لأهدافنا. الكائنات الرشيدة لديها المقدرة للسعي نحو غايات محددة سلفا عن طريق رغباتها، ولكن في متابعة اهدافها، هي لا تعتقد ابدا بانها ذاتها مجرد وسائل لهدف آخر، الناس ذاتهم هدف لافعالهم .. هم "غايات بذاتهم". لو تعاملنا مع الكائنات الرشيدة الاخرى كمجرد وسائل، سنناقض حقيقة ان كل الكائنات الرشيدة هي غايات بذاتها. في هذه الحالة، مبادئنا سوف لن تكون قوانين عالمية، و سوف ننتهك الضرورة الحتمية. طريقة اخرى للاعلان بان الكائنات الرشيدة هي غاية بذاتها هي القول ان الكائنات الرشيدة هي في نفس الوقت الخالق والخاضع للمبادئ التي تنفذها من خلال رغباتها. الضرورة الحتمية ربما يمكن ايضا صياغتها كمطلب لكي نتصرف فقط طبقا للمبادئ التي تكون قوانين في "مملكة الغايات" - او مجموعة قانونية فيها كل الكائنات الرشيدة كانت في وقت ما الخالق والخاضع للقوانين.

الجدال حتى الان اسّس ماهية القانون الاخلاقي، لكنه لم يبيّن لماذا نشعر بوجوب ان نكون اخلاقيين. الاساس للاخلاق هو مفهوم الحرية. الحرية هي المقدرة لمنح قانونك الخاص لرغبتك. عندما نتبع طلبات بعض الحاجات والرغبات او الظروف، سنكون في حالة "فقدان الحرية الاخلاقية"، وان رغباتنا تتقرر بشيء خارج ذواتنا. عندما نتبع الضرورة الحتمية ونختار المبادئ التي قد تكون قوانين عالمية، سنكون في حالة "الاستقلالية الذاتية"نستعمل العقل في تقرير قانون خاص لانفسنا. بكلمة اخرى، نكون احرارا.

حرية الرغبة لا يمكن ابدا اظهارها بالتجربة. انها مبدأ للعقل بان كل شيء نفهمه ربما يتضح على اساس الظروف المسبقة. بكلمة اخرى، العالم الذي نلاحظه ونفهمه هو عالم محكوم بمبدأ ان كل حدث نتج عن حدث آخر. لكن هذا العالم ليس اكثر من صورة يطورها العقل في صنع احساس بـ "الظهور". ان عالم "الاشياء بذاتها" – الاشياء المجسدة للظهور – له نوعيات مختلفة، بما فيها حرية الرغبة. نحن قد لا تكون لدينا معرفة بالاشياء في ذاتها. وهكذا لا يمكن اثبات او عدم اثبات حرية الرغبة. كل ما نعرف هو اننا نمتلك مفهوم لحرية الرغبة وان الاخلاق تتاسس على هذا المفهوم.

 

تحليل ونقد

سنعرض هنا عدد من الانتقادات لكانط. بعض الفلاسفة يرون ان عقائدنا الاخلاقية عند التطبيق مرتكزة على البديهية وليس على العقل. هيجل اشار الى ان المعتقدات الاخلاقية لا يمكن ابدا ان تكون غير مشروطة لأن الاسئلة الاخلاقية يجب ان تُحل في سياق المجتمع الذي نعيش فيه. نيتشة جادل بان العقل ليس مصدرا للحرية الاخلاقية وانما هو عائق للاختيار الحر.

الخيط المشترك في كل هذه الانتقادات هو ان موقف كانط شديد التجريد بحيث يصعب ان يكون نافعا. ككائنات بشرية، نحن نعيش في مكان وزمان معينين. ليس من الضروري او المرغوب لنا ان نفصل عقلانيتنا عن الخصائص الاخرى لشخصيتنا. نحن ربما نفكر في قضايا بطريقة مجردة، وربما نتصور مواقف الناس الآخرين، مع ذلك يجب ان تكون نقطة البداية لنا دائما هي موقفنا الخاص في الحياة.

انها سمة اساسية و"غلطة"شائعة، لو افترضنا وفق افكار التنوير اننا نستطيع تجاهل خصوصياتنا وبامكاننا اكتشاف مبادئ العقل. هذه الغلطة ممكنة لأن فلاسفة التنوير جاؤوا من ثقافة متجانسة نسبيا (اوربا القرن الثامن عشر) ومن موقف طبقة متجانسة نسبيا (الأمن المالي النسبي). هذا التجانس قاد مفكري التنوير للتبسيط المفرط للاسئلة المحددة، مفترضين ان الاجوبة عليها هي "عقلانية" بينما هي في الحقيقة تعتمد على افتراضات ثقافية. فمن جهة، فلسفة كانط وفلسفة التنوير عموما ليست فلسفة الامتيازات . في الحقيقة، افكار كانط هي ثورية في المساواة. طبقا لكانط، الحقائق الاخلاقية لا تأتي من الأعلى عبر الوحي الديني او الالهام. بل، هي ترتكز على اسباب تجعل هناك معنى لكل الناس الذين يسعون للتفكير فيها. ان الحماس الذي يتبنّى فيه الناس الرؤى الاخلاقية يشير الى ان العديد منهم يستمرون بالإيمان في رؤية كانط بان المبادئ الاخلاقية يجب ان تكون مطلقة وعالمية. لاحقا وفي القرن العشرين اصبح الناس اكثر وعيا بالتنوع مما كان ايام كانط. وبالتالي، نحن ربما لدينا ثقة اقل منه بان ما يجعل هناك معنى لنا سيجعل معنى للناس الآخرين. مع ذلك، في ايامنا هذه كما في ايام كانط، يميل الناس للاعتقاد ان عقائدهم الاخلاقية تعني ما هو اكثر من مجرد انحياز ثقافي.

وكما في كل الفلاسفة الكبار، اثار جدال كانط نطاقا واسعا من الردود الايجابية والسلبية . ومهما تصورنا رؤية كانط، سيكون من الصعب التقليل من قيمة التأثير التاريخي "لثورته الكوبرنيكونية" في الفلسفة. حتى اليوم، وبعد مرور قرابة 200 سنة على وفاته، يبقى لجدال كانط حضوره المؤثر في الفلسفة.

Grounding for The metaphysics of morals , sparkNote philosophy guide.

 

zouhair khouildi"ليست جميع الأشياء إلا أسماء أطلقها البشر عليها، واعتقدوا في صدقها، مثل الكون والفساد، الوجود واللاّوجود، النقلة في المكان، وتغير اللون الساطع."

 بارمنيدس، قصيدة في الطبيعة

فلسفة الطبيعة هي عبارة ملتبسة ويعود أصل الالتباس في مظاهره المتعددة إلى ما يلي:

- في الحقبة الكلاسيكية يطلق على الفيزياء اسم فلسفة الطبيعة ويشير المصطلح إلى مضمون علمي بشكل حصري ويمكن الاستناد إلى كتاب نيوتن "المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية" (1687).

- فلسفة الطبيعة في القرن 19 تعني مجموع التأملات للمثالية الألمانية (فيخته- شيلنغ وهيجل).

- يمكن استعمال هذا المصطلح في الإشارة المرجعية إلى شبكة من المشاكل الضرورية في فهم العالم مثل: كيف تصير الطبيعة مدركة؟ هل تصير الطبيعة أمرا مفهوما بالاعتماد على خصائصها أو أن الضروري في معرفتنا لها قد تم حمله بواسطة جهازنا العرفاني؟ وكيف حاز التصور الحديث للطبيعة على التناغم المطلوب؟ وهل ثمة حقيقة في ذاتها تعرف بواسطة الحدس والصورية البشرية أم أن عالمنا ليس شيئا آخر سوى مظهر؟ هل تجريدات الفيزياء مشروعة أم أنها تحرف الواقع؟ وهل تخترق هذه التجريدات العالم أم أنها تهمش معطيات هامة؟ هل الكون محدد؟ كيف يكون متفقا مع تجربتنا في الحرية؟ وألا توجد هوة سحيقة بين الفيزيائي والذهني؟ وهل يقدر العلم على إعطاء تفسير موحد للعالم؟ كيف نفسر النجاح الذي أحرزته الرياضيات والفيزياء الرياضية في مجال فهم العالم الفيزيائي؟

لقد تشكلت هذه الاستفهامات من تقاطع العلم مع الميتافيزيقا ومن اعتماد منجية تعددية تساعد على تثمين كل تفكير فلسفي في الطبيعة. ربما وجهة النظر المفضلة هي تلك التي يلتقي فيها المحدثون مع الإغريق وتتمثل في التصور الهيليني الذي يعي بامتلاك الظواهر دلالة واحدة وتوجد مرتبة. ليست الطبيعة وفق هذا التصور متشكلة من مادة متبلدة ولا تغمر العالم فوضى من الأحاسيس وإنما الوحي الإلهي الذي يمكن الحصول عليه يوجد مبثوثا في الطبيعة وفي باطنية الإنسان. أما الخاصية الثانية للتصور الإغريقي فتتعلق بفكرة الكوسموس وتفيد بأن الواقع منسجم بصورة معينة، فالمسار الوحيد الذي أدركه الإغريق هو المرور من الفوضى إلى الكوسموس وذلك بالحركة نحو النظام الكوني. ولا أحد قادر على الإفلات من هذا النظام الذي يحكم هاديس بما في ذلك الآلهة والبشر، وعلى الأرض أو في السماء، بما أن الكل أطفال من نفس الأم حسب عبارة بندار . هذا التصور التطوري للكون يختلط مع عدد كبير من التجريدات حول الفوضى وتلاشي الطاقة وخاصة عندما نطبق المبدأ الثاني من الديناميكا الحرارية على الكون برمته.

لقد حرصت الحداثة على وضع الطبيعة والإنسان وجها لوجه. فالفكر والجسم عند ديكارت هما جوهران من عالمين مستقلين ولا يمكن رد الامتداد إلى الفكر وكذلك الروح إلى المادة. أما كانط فإن الذهن هو الذي يمنح الطبيعة القوانين التي تساعد على التحكم في ظواهرها، في حين أن الإنسان مقسوم إلى طرفين: من حيث هو كائن حسي ينتمي إلى الطبيعة ومن حيث هو كائن موهوب بالعقل يتخطى الطبيعة وينتمي إلى الروح وذلك لما يتميز به من حرية وإرادة ووعي. فقوانين الطبيعة تتوقف عندما يتعلق الأمر بالروح. منذ القدم تم اعتبار الروح جزء من الطبيعة وهذا في حد ذاته معجزة ويفضي إلى التخلي عن البحث في وضع تعريف واضح للطبيعة إذ كيف يمكن لروح تسكن الطبيعة أن ترسم حدودا لنشاطها؟

من بين المسلمات الضمنية الرئيسية يمكن ان نذكر الاعتقاد في ان الطبيعة مرتبة ومنظمة وتبرهن على وجود معقولية وذكاء تتجلى في التصميم الطباقي والتوازي والبنى السببية والحتمية بأنواعها.

في المجمل يتصف فيلسوف الطبيعة بالواقعية لكي يتم معرفة الطبيعة وفهمها ويكمن المطلب المثالي في بلورة ميتافيزيقا قادرة على جني بطريقة منسجمة المعطيات القادمة من العلوم الصورية والطبيعية ومن البعاد الجمالية والإيتيقية. لم يعد الجدوى في ميتافيزيقا الطبيعة الحديث عن ألغاز العلاقة بين الفيزيائي والذهني ن بين الحتمية واللاّحتمية، بين الفيزياء والرياضيات، بين الكيفيات الأولى والكيفيات الثانية، بين المتصل والمنفصل، بين الحدسي والموضوعي، بين الميكانيكي والرومنسي.

ماذا ينتظر المرء من فلسفة الطبيعة؟ هل ينتظر منها أن تقوم ببناء نظرة جامعة ومنسجمة للعالم؟

ينتظر المرء من فلسفة الطبيعة أن تقوم برفع الطابع الملغز عن الظواهر بتطبيق الرياضيات على العالم الفيزيائي وأن تستمر في استعمال العقل في الوقت الذي تخلى فيه الفنان ورجل العلم عن ذلك وتكيفا مع الموقف الشعري أو الصوفي.لو كان المرء ووعيه ينتميان إلى الطبيعة ولو لم يتعرف ويعترف بوجود بعد ماورائي مفارق للطبيعة فإن فلسفة الطبيعة تنحصر في التصور الواحدي المحايث الذي يمثله سبينوزا.

أما الفكرة التي تعتقد في وجود عالم موهوب بالعقلانية وقابل للتفسير بواسطة نظرية كلية هو برنامج ميتافيزيقي وفرض يساعد على إعطاء معنى للبحث عن تفسير موحد للقوانين المتحكمة في الظواهر. كما أن الواحدية تفترض الاعتقاد في أن كل شيء هو من نوع واحد سواء كان هذا الشيء مادي أو روحاني ، ويترتب عن ذلك رفض التعددية في الجواهر أو العوالم والإقرار بسريان شيء واحد في أرجاء الكون.

يبدو من غير المعقول القول بأن الواحدية المادية قد تم إثباتها إلى الأبد وبالتالي لا محيد عن الوقوع في النسبية والنظر إلى العلوم على أنها مجرد تجميع خفي للقوانين . لذا تعاني الواحدية من مشكل تجريبي ومفاهيمي وتفترض اتصال أنطولوجي بين المادة والروح واتصال ابستيمولوجي بين العلم والميتافيزيقا.

يبدو هذا البرنامج ، من وجهة نظر عرفانية، متفائلا فهو يرفض الريبية من حيث هي موقف متكامل ويعتقد في وجود الحقيقة ويرى أن المكون الأساسي لفلسفة الطبيعة لا يمكن أن يكون نقد وإلغاء الحق. فلا الريبية عند الإغريق ولا هيوم في الأزمنة الحديثة ولا برتراند رسل في الأزمنة المعاصرة تمكنوا من إعطائنا فلسفة في الطبيعة بما أن نظرتهم ظلت بنائية وحاولوا تفادي خطر الذائقة الميتافيزيقية. لقد اقترب الريبيون من الطبيعة لأسباب جمالية وانتبهوا فقط إلى ماهو طريف وعجيب وخلاب واستثنائي وجزئي.

في المقابل يجب اقتراح فروض حول عمق الأشياء وحول الطريقة التي تنبثق بها الأنساق ويجب بذل الجهد بغية تفسير الوجود والصيرورة وتجديد المقولات وحلحلة المشاكل ولقد كان في هذا السياق كل من ديمقريطس وأرسطو ووايتهايد وطوم نماذج مضيئة. لقد تضمنت هذه النزعة التفاؤلية مقاربة عقلانية تثق في قدرة العقل على إنتاج المعرفة وغزو الطبيعة وبناء التقنية تعد إجراء التجارب وصياغة النظريات.

لو قام عالم معين بالبحث عن قانون من اجل تفسير الظواهر أو ربط بعض الظواهر بقانون موجود سلفا فإنه يقوم بذلك تحت قيادة العقل وتوجيهه وينظر إلى عمله العلمي بوصفها معرفة ناجحة وفائدة نافعة. لقد جعل غاليلي من وصف الظواهر الحركة السريعة للتفكير وتخيل القانون الممكن الذي يخضع له الكون.

لقد منح أرسطو ثقته إلى الكلام الطبيعي ورأى في هذه الملكة تجربة مساعدة على الحياة بصورة ضرورية والتعبير والتواصل وعَوّل على التاريخ الطبيعي وظواهر الطبيعية ولغتها في بناء علم الفيزياء والمنطق.

في حين منح المحدثون ثقتهم إلى الرياضيات وتجريداتها ومفاهيمها المبتكرة وطريقتها في إدراك وإرسال الضرورة وساعدتهم النظرة التفاؤلية في إعطاء تصور رمزي للواقع عبر المزاوجة بين التثبت والحدس.

تقوم النزعة التفاؤلية التي تؤمن بها فلسفة الطبيعة على ثلاث ركائز:

1- الفكرة الأفلاطونية عن طيبة الصانع هي التفسير الوحيد والشامل عن وجود العالم الطبيعي.

2- مذهب لايبنتز الذي يرى في العالم الراهن أفضل العوالم الممكنة ضمن فكرة التناغم القبلي.

3- الرأي الذي يبرر وجود الشر في العالم بأنه شيء حسن بما أن السعادة تقضي على الألم.

بهذا المعنى لا يترتب عن القول بالنزعة التفاؤلية المعرفية نزعة تفاؤلية أخلاقية ، على خلاف ذلك تفترض النزعة التفاؤلية المعرفية قيام النزعة الواقعية وما يرتبط بها من معقولية ومن دلالة وحقيقة ونظام وتعتقد في وجود العقل في النظام قبل الطبيعي بصورة تتقدم عن وجوده في العالم بشكل واع.

من هذا المنظور ليس الفكر منضدة فارغة تضع عليها التجربة كل الحقائق بعد جلبها من الظواهر وإنما يثبت الواقعي بأن الأساسي في المعرفة تقدمه لنا الأشياء بذاتها ولذلك ليس العالم ثمرة عملية بنائية للذات.

الموقف المضاد للواعية هو التصورات المثالية في تنوعاتها المختلفة سواء الحسية والاتفاقية والأداتية والفنومينولوجية هي غير محتملة وغير قابلة للترجيح من حيث هي قاعدة معتمدة في فلسفة الطبيعة، وذلك من جهة حاجتها إلى بلوغ التطابق مع التمثلات وتوافق الحدوس والمقولات والمفاهيم مع العالم الخارجي.

لقد حاولت النزعة الواقعية التخلص من هذا اللّاترجيح باستبعاد الأطروحة التي تعارض انتماء الفكر البشري إلى الطبيعة والقول بأن الروح تدرك الطبيعة من الداخل وتعي أنها تكونت بواسطة الآليات عينها التي استعملتها الطبيعة في تكوين بقية الظواهر والعناصر ولكنها تتحكم في القوانين التي تتحكم في العالم.

فهل يقدر تطور الفكر الايكولوجي في الفترة المعاصرة على إعادة الطبيعة إلى بيئتها الأصلية ويقدم إيضاحات عن هذه الالتباسات وينبه النوع البشري بالمخاطر التي تهدد مستقبل الحياة على الكوكب؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...........................

المرجع:

Espinoza (Miguel), philosophie de la nature, ellipses édition ,Paris, 2000,pp-05-06.

 

 

 

مشاكل النظرية: يمكن تصنيف المشاكل المتعلقة بنظرية الانفجار العظيم الى صنفين مترابطين، احدهما مناط بالتنبؤات القائمة على الارصاد والملاحظات الفلكية، فيما يرتبط الثاني بالتفسير النظري للظواهر الكونية الكبرى. وسوف يقتصر حديثنا في هذه الحلقة على مشاكل الصنف الاول، ونؤجل ما تبقى الى حلقة قادمة.

 

مشاكل التنبؤ والرصد الفلكي

وتتحدد هذه المشاكل بالتنبؤات التي لها علاقة بالادلة الرصدية كما عولت عليها النظرية.. وهي ثلاثة كما عرفنا: دليل الازاحة الحمراء واشعاع الخلفية الكونية والعناصر الخفيفة. وسنلقي الضوء على ما ينتابها من خلل وثغرات..

 

أـ الازاحة الحمراء

يعتمد دليل الازاحة على ظاهرة دوبلر وفقاً للانحراف نحو الطرف الاحمر لضوء الطيف عندما تكون النجوم والمجرات مبتعدة عنّا، كالذي سبق عرضه خلال الحلقة الاولى من هذه الدراسة. والمشكلة الاساسية التي يواجهها الدليل المشار اليه هي ان هذا التفسير ليس هو الوحيد المسبب للازاحة الحمراء، فهناك اسباب اخرى تسبب الانحراف اللوني المذكور من دون ان يكون لها علاقة بالابتعاد. فقد تحصل هذه الازاحة بسبب تقدم العمر ولا علاقة لها بمفعول دوبلر. كما قد يفترض وجود غبار يسبب عتمة النجم بدل التعويل على كون النجم بعيداً، تماماً مثلما تحمرّ الشمس والقمر بسبب الغبار في الغلاف الجوي. ويعتقد الفلكيون بان اغلب الخطوط الطيفية الخاصة التي رصدت تعود الى وجود غاز منتشر ورقيق جداً يُظهر الانحراف نحو الاحمر. كما قد يحصل هذا الانحراف بسبب حقل الجاذبية الشديدة التي تنهك طاقة الضوء المغادر منها، كالثقوب السوداء هائلة الحجم في مراكز بعض المجرات. هذا بالاضافة الى وجود اسباب اخرى قد يكون لها صلة بالفيزياء النووية تعمل على توليد الازاحة الحمراء وليس بسبب الابتعاد والسرعات المتفاوتة.

وطبقاً لما سبق شكك عدد من الفلكيين البارزين في ان يكون لهذه الظاهرة صلة بمفعول دوبلر او بتوسع الكون. واغرب ما في الامر هو ان هابل نفسه صاحب الاكتشاف المتعلق بهذا الصدد كان كثير التشكك فيما تعنيه الازاحة الحمراء، ففي اواسط الثلاثينات من القرن الماضي انهمك في جدل محتدم مع عدد من علماء الكون النظريين بشأن التفسير المناسب لانزياح طيف الضوء الوارد من المجرات الهاربة نحو الاحمر. فقد كان هابل يشعر بان قياسات هذا الانزياح لم تكن جديرة بالثقة بسبب الإحكام الذي يجب القيام به لمعادلة نقصان طاقة الضوء الوارد من المجرات المرصودة، فهذا النقصان يجعل الضوء يبدو اكثر وهناً مما يمكن ان يكون. وعليه رفض ان يفسر الازاحة الحمراء كدليل على ابتعاد المجرات عنا بسرع اقل من سرعة الضوء، وقد ادى به الرفض المشار اليه (عام 1936) الى الاستنتاج القائل بان المجرات ساكنة بلا توسع، فتعرّض استنتاجه الى هجوم من قبل العديد من علماء الكون النظريين، رغم ان اعمال هابل الرصدية كانت موضع ثقة واعتماد من دون اعتراض. وهو موقف يذكّر بالمنقول عن وصية الامام الحسن العسكري في بني فضال من الشيعة الفطحية: خذوا ما رووا وذروا ما رأوا..

ومن هذه التشكيكات ما اشار اليه الفلكي البارز هالتون آرب من وجود تجمعات مجرية في السماء يشعّ بعضها انحرافات طيفية مختلفة جداً عن البعض الاخر، فاذا كانت متجمعة مع بعض فانه يصعب ان تكون سرعاتها مختلفة للغاية، كما لا يمكن افتراض ان المسافات بينها شاسعة.

وعلى هذه الشاكلة اكتشف شميدت (عام 1964) ان لبعض اصناف الاجرام مظهر النجوم الا انها تظهر انحرافات طيفية هائلة نحو الاحمر قد تبلغ (300%)، وهي تعني انه اذا كانت هذه الاجرام بعيدة جداً الى الحد الذي يشير اليه انحرافها فلا بد من ان تشع طاقة هائلة خارقة. ويصعب في هذه الحالة تعيين العلاقة بين السرعة والمسافة لشدة البعد. ويطلق عليها اشباه النجوم او الكوازارات (Quasars). فهي اجرام بعيدة جداً عنا، بل هي ابعد النجوم وفي غاية اللمعان والضياء، الى درجة ان الكوازار الواحد يعادل ضياء (100 مجرة)، لذلك لا يُعرف لحد الان مصدر هذه الطاقة الضخمة، فلا يُعرف عن حقول القوى او الجسيمات التي يمكن ان تفسر منابع الطاقة المركزة كهذه. ومن الكوازارات ما يصل بعده الى (10 مليار سنة ضوئية)، ويزداد عددها كلما كانت اكثر بعداً عنا.

وفي مطلع ثمانينات القرن الماضي وجد الفلكيون ان اعتماهم على قياسات الازاحة الحمراء تجعلهم ينتهكون احياناً السرعة الثابتة للضوء كما جاءت بها النسبية الخاصة لاينشتاين، اذ وجدوا ان بعض الكوازارات تبعث على نفثات من المادة تنتقل باسرع من الضوء، وهذا ما جعل البعض لا يتقبل ذلك ويعتبر الكون اصغر بكثير مما مقدر له، بل لم يقترح احد – انذاك- الانقلاب على نظرية النسبية الخاصة في دعواها بثبات سرعة الضوء، وتم رفض اي سرعة تتنافى مع الاخيرة واعتبارها من الاوهام البصرية، كما هو الحال فيما يخص بعض الكوازارات او النفاثات الفائقة السطوع.

وهناك من نقد طريقة هابل وما توصل اليه من نتائج قبل تشكيكه فيها، ومن هؤلاء الفيزيائي الشهير ستيفن واينبرغ الذي شكك فيما توصل اليه الاول من ارتباط بين المسافات والسرعات المجرية. واشار الى انه في (عام 1929) قدّر هابل المسافة لثماني عشرة مجرة فقط اعتماداً على التألق الظاهري لاكثر نجومها لمعاناً، ووازن بين هذه المسافات والسرعات الموافقة لها تبعاً لانحرافات دوبلر، واستنتج بان هناك علاقة خطية بينهما. فهذه هي نظرية هابل التي اعترض عليها واينبرغ قائلاً: >الحقيقة ان فحص المعطيات التجريبية التي كانت بحوزة هابل تجعلني في حيرة حول الطريقة التي استطاع بها ان يتوصل الى هذا الاستنتاج، اذ يبدو انه ليس ثمة ارتباط بين المسافات وبين السرعات المجرية، هذا فيما عدا ميل خفيف الى تزايد السرعات مع المسافات. في حقيقة الامر يجب ان لا نتوقع علامة تامة بين المسافات والسرعات من اجل ثماني عشرة مجرة، وان هذه المجرات قريبة جداً منا، اذ لا يبعد كل منها اكثر من كومة العذراء. ويصعب علينا ان لا نخلص من ذلك ان هابل كان قد عرف الجواب الذي كان يريده، باعتماده على الحجج البسيطة التي سقناها اعلاه، او على التفصيلات النظرية التي ترتبط بها<.

ومعلوم ان ثابت هابل وقانونه يتضمنان بعض المشاكل والانحرافات. فعلاقة القانون بالتمدد لا تصح بدرجة مثالية الا بالنسبة للاجرام المتحركة داخل كون متجانس ومتوحد الخواص. لكن الكون ليس متجانساً تماماً، لذا فبعض المجرات تحيد عن (تدفق هابل) وهو ما يسبب التشتت. وعليه اذا كانت علاقة السرعة بابتعاد المجرات تزودنا بثابت هابل، ففي المقابل ان الانحرافات عن هذه العلاقة تقتضي تقوس الفضاء.

لقد تعرض ثابت هابل الى الكثير من التغير والتبديل نتيجة المزيد من الاكتشافات والملاحظات الرصدية. وفي البداية كان قياس هذا الثابت وبالاً على اكتشافات هابل نتيجة بعض الاخطاء، فخلال الثلاثينات والاربعينات من القرن الماضي تم قياس هذا الثابت بحوالي (170 كم في الثانية) لكل مليون سنة ضوئية من المسافة. لكن سرعان ما تبين بان هذا التقدير خاطئ، وانه على اساسه يكون عمر الارض اكبر من عمر الكون باكثر من ضعفين. وتبين فيما بعد ان تقدير ثابت هابل هو اقل بكثير مما كان يتصور، ومع ذلك نجد تقديرات مختلفة حوله، فتارة يقدر بحوالي (15 كم في الثانية) لكل مليون سنة ضوئية. حيث قدر الفلكيون ابعاد المجرات البعيدة بعشرة امثال ما قدره هابل، وهكذا اصبح الثابت يساوي (15 كم في الثانية) لكل مسافة مليون سنة ضوئية، ولدى بعض اخر انه (16 كم في الثانية)، كما هناك من قدره بانه يتراوح حالياً بين (60ـ70 كم في الثانية) لكل ميجا فرسخ فلكي، اي لكل (3.26 مليون سنة ضوئية)، او يتراوح بين (70-75)، او يحدد بحوالي (66.5)، او حوالي (73 كم في الثانية) لكل ميجا فرسخ فلكي.. الخ. فهذه التقديرات خاضعة للمراجعة بين حين وآخر اعتماداً على اكتشاف المزيد من المجرات وابعادها وتقدير سرعاتها.

ان كل ذلك ينعكس على اختلاف التقادير المتعلقة بقياس عمر الكون، وكذلك الكثافة الحرجة، الى درجة التخبط. فقد قُدرت الكثافة الحرجة بانها تتناسب مع مربع ثابت هابل مقسوماً على ثابت الثقالة الكوني، فمثلاً لو كان هذا الثابت عبارة عن (16 كم في الثانية) لكل مليون سنة ضوئية فستكون الكثافة الحرجة عبارة عن (4.5 x 10-30 غرام سم3)، اي بروتون واحد لكل (400000 سم3) من الفضاء. اما عندما يتغير هذا الثابت فان الكثافة الحرجة ستتغير كذلك. وبالتالي تبقى النظريات الفلكية وعلم الكونيات في تغير وعدم استقرار مع اي اكتشاف جديد.

***

وننتهي مما سبق الى انه لا يمكن التعويل على الازاحة الحمراء ولا على ظاهرة دوبلر في تبيان التوسع الكوني المفترض.

كذلك فان تباعد المجرات عن بعضها البعض لا يدل على نظرية الانفجار العظيم. فكثافة المجرات تعتبر ضئيلة جداً مقارنة بحجم الفضاء المنظور، وفي بعض التقديرات انها حوالي (10%) من الفضاء للكون المنظور. وبالتالي اذا كانت نظرية الانفجار صحيحة كان لا بد من اثبات تباعد سحب البلازما والغازات التي تملأ هذا الفضاء.

ولو عولنا على النسبية العامة لاقتضى ذلك صعوبة اخرى، وهي اثبات تمدد الفضاء ذاته كوعاء هندسي. لكن كيف يمكن اثبات ذلك؟ اذ نعتقد ان الفضاء كوعاء مكاني لا يخضع للتمدد والتقلص والتغير، فكل ذلك نعتبره من المحالات العقلية، وكتعويض عنه يمكن افتراض شيء ما كالاثير هو الذي يتمدد ضمن الوعاء المكاني، ويصبح له ذات الخواص الفيزيائية التي تعزى عادة لهذا الوعاء او الفضاء، ومن ذلك التمدد والتقلص وحمل الطاقات الضخمة كالتي تبشر بها ميكانيكا الكوانتم، فكل شيء يصبح اسير هذا الاثير الكوني، مع ضرورة الحفاظ على وجود الوعاء المكاني من دون ان يكون له خصائص فيزيائية معينة سوى كونه وعاءاً صرفاً ذا ثلاثة ابعاد.

علماً بان الفيزياء الحديثة قد شهدت تبادل ادوار في الخصائص الفيزيائية بين الاثير والوعاء المكاني. ففي الماضي كانت فكرة الاثير هي السائدة وفقاً للنموذج النيوتني، ثم اعقبتها فكرة الوعاء المكاني تبعاً للنموذج الاينشتايني. ورغم ذلك بقي عدد من العلماء البارزين غير مقتنعين بما قدمه اينشتاين من رفض فكرة الاثير، وكان على رأس هؤلاء الفيزيائي الشهير لورنتز. بل ان اينشتاين نفسه قد تحدّث في النسبية العامة عن الفضاء كما لو انه الاثير ذاته من دون مايز. فمن وجهة نظره ان هناك شيئاً ما غير مرئي، وهو حقيقي موجود يعمل على حدوث التسارع، ومن ثم فالاثير موجود، وفي نص له (عام 1920) يعترف ان بدونه لا يمكن تفسير معايير المكان والزمان والفواصل الزمكانية. كما كتب الى لورنتز (عام 1916) قائلاً: ‹‹اتفق معك في ان النظرية العامة للنسبية تعترف بفرضية الأثير››.

واليوم ان الذين عولوا على الفضاء اللامتناهي لا يسعهم منح هذا الفضاء الخصائص الفيزيائية من التمدد والتقلص والتغير، واذا كان لا بد من وجود هذه الخصائص فينبغي ان تكون للاثير وليس للفضاء او الوعاء المكاني الصرف؛ دفعاً للمفارقات والتناقضات..

 

ب ـ اشعاع الخلفية الكونية

لقد واجهت نظرية الانفجار العظيم مشكلة كبيرة تتعلق بالمجرات وعناقيدها الضخمة، فكيف امكن لهذه التكتلات ان تتكون وتتجمع مع بعض في ظروف يفترض انها كانت متجانسة وفي فترة زمنية قصيرة غير كافية لتكوين هذه التكتلات. فالمفترض في مثل هذه الحالة ان يكون الكون مليئاً بطبقة رقيقة من غاز الهايدروجين والهليوم وليس المجرات والنجوم. وهذا ما سنلقي عليه الضوء خلال الحلقة القادمة. لكن ما يهمنا هنا هو ان تشكل المجرات يقتضي ان يسبقه تفاوت في الكثافة المادية التي تعمل على تهيئة صنع هذه الهياكل الضخمة. لذا نسأل: ما هو الدليل على مثل هذا التفاوت؟ وهو الاثر الذي يفترض ان يظهر كبصمة في اشعاع الخلفية الكونية ومن دونه فلا دليل على التوسع الكوني ولا الانفجار العظيم.

هكذا ادرك اصحاب نظرية الانفجار العظيم انه لا بد من ان تظهر اثار من البقع الساخنة على اشعاع الخلفية الكونية، فهي تمثل علامة للدلالة على التكتلات المادية في الماضي السحيق. فلهذا الاشعاع اهمية عظيمة، حيث من خلاله تتم دراسة تشكل المجرات والماضي البعيد، فبعض المناطق حارة فيما البعض الاخر باردة او اقل حرارة، كما انه يحدد لنا المناطق ذات الكثافة العالية مقارنة بالاقل منها، حيث يتولد في بعضها فوتونات اكثر من البعض الاخر، فتكون اكثر كثافة وحرارة، وهو ما ينعكس على اشعاع الخلفية الكونية، باعتباره انعكاساً للماضي ويحمل اثار الكون البدائي. فهذا هو المقصود من عدم تجانس الاشعاع وتناسقه، وهو الفرض الذي عولت عليه نظرية التضخم الكوني كشرط من شروط صحتها، واصلاح لما كانت عليه نظرية الانفجار في نسختها الاولية، اذ لم تضع في الحسبان ان صنع المجرات يقتضي وجود تكثفات مادية سابقة في زمن مبكر جداً من تاريخ الكون. وعليه تداركت نظرية التضخم هذا الحال، بل وقبل ذلك كان هناك احساس لدى بعض علماء الكون النظريين بضرورة وجود تكتلات متفاوتة الكثافة تسبق عملية تكوين المجرات، ومن ثم لا بد من ان يظهر ذلك كبصمة في اشعاع الخلفية الكونية.

لكن ما تفاجأ به الفلكيون هو انه لا توجد مثل هذه التكثفات القوية للاشعاع، كما سنرى..

أما ما توقعه علماء الكون النظريون فهو عدم تماثل شدة الاشعاع في جميع النواحي، اذ قد تحدث تقلبات في هذه الشدة يصحبها تغيرات صغيرة في هذا الاتجاه او ذاك، وتنشأ هذه التقلبات عن الطبيعة الحبيبية للكون لحظة بث الاشعاع، خاصة عند بداية تشكل المجرات مثلاً. كما توجد حالات عارضة تجعل شدة الاشعاع غير متماثلة لاعتبارات مختلفة، فمثلاً ان بسبب حركة الارض بالنسبة الى بقية الكون تتغير شدة الاشعاع قليلاً في السماء. فالارض تدور حول الشمس بسرعة (30 كم في الثانية)، والمجموعة الشمسية تدور بسرعة تقارب (250 كم في الثانية). ولو ان سرعة الارض (300 كم في الثانية) بالنسبة الى التوزيع الكوني للمادة، وبالتالي بالنسبة الى الخلفية الكونية، فان طول موجة الاشعاع الواصل نحو الارض امام حركتها او خلفها سيزيد او ينقص بتلك النسبة الى سرعة الارض، اي ان مقدار التغير يساوي: (0.1%)، لذا تتغير درجة حرارة الاشعاع.

لقد قيست درجة حرارة الاشعاع (عام 1965) فبدت متوحدة الخواص في السماء، ولاحقاً تم اكتشاف ان ثمة تفاوتاً واسع النطاق في درجة الحرارة عبر السماء يبلغ جزءاً واحداً في الالف (1\1000)، وهو ما يعرف بتأثير دوبلر الذي يسببه دوران الارض حول نفسها عبر المجال الاشعاعي المتخلف عن الانفجار العظيم، اذ تبدو السماء اكثر دفئاً بقليل في الاتجاه الذي نتحرك صوبه، فيما تبدو ابرد قليلاً في الاتجاه الذي نبتعد عنه. لكن اذا نحينا هذا التفاوت جانباً والذي يطلق عليه (ثنائي القطب)، فسيبدو الاشعاع وكأنه يأتي على نحو متساو من كل الاتجاهات. ولوقت طويل والمنظرون يشككون في وجود بنية في الخلفية المايكروية على صورة انماط متذبذبة من البقع الحارة والباردة.

لقد اقتضى تشكل المجرات والعناقيد الضخمة ان تسبقه تكتلات صغيرة بداية نشأة الكون، ويفترض ان تنطبع على اشعاع الخلفية الكونية بصورة ذبذبات او تقلبات (fluctuations). وبدأ الوعي بذلك منذ (عام 1967) لدى كل من بيبلز وجوزيف سلك الذين اعتقدا بان وجود تكتلات بدائية متفاوتة قبل صنع المجرات ينبغي ان تُرى كتقلبات في السطوع او درجة الحرارة لدى اشعاع الخلفية الكونية، فلا بد من ان تكون درجة الحرارة او السطوع لدى هذا الاشعاع غير موحدة او منتظمة. وفي (عام 1970) تم حساب الاختلاف في الحرارة فتبين انه ينبغي ان تكون (5 أو 6) اجزاء من الالف. لكن لم تكن القياسات في ذلك الوقت دقيقة بما يكفي لاختبار هذا التوقع. وفي (عام 1973) كشف الراصدون عن ان هذه الاختلافات ليست باكثر من جزء من الف (1\1000). وطوال السبعينات فان الراصدين الفلكيين يخفّضون باستمرار هذه التباينات حتى انها تكاد لا توجد او انها ضئيلة للغاية. وقد انعكس هذا الفعل على عمل المنظرين في تعديل نظرياتهم تبعاً لهذه الحدود التباينية.

وفي النهاية ادرك المنظرون بان هناك القليل جداً من المادة التي لا تكفي لصنع المجرات استناداً الى حاجتها للجاذبية القوية، وبالتالي حاجتها الى مادة كثيرة، في حين ان كثافة المادة التي قاسها الفلكيون انذاك تعادل ذرة واحدة لكل عشرة امتار مكعب فقط. ولا تكفي هذه الكمية الضئيلة من تكوين التكتلات القابلة على صنع المجرات بداية نشأة الكون، وعليه كانت الحاجة الى مائة ضعف ذلك المقدار من المادة لتتاح الفرصة لصنع المجرات عبر الجاذبية. اذ تُقدر كثافة المادة في هذه الحالة بحوالي عشرة ذرات لكل متر مكعب، فهذا ما يمكن ان يوقف التوسع لتتمكن المجرات من التشكل عبر الجاذبية بالسرعة الكافية. وعليه احتاج المنظرون الى افتراض مادة مؤثرة وان لم ترصد فلكياً، وبذلك تم التعويل على ما يسمى المادة المظلمة (Dark Matter) لتفي بهذا الغرض، رغم ان الجذور الاولية المتعلقة بفكرة هذه المادة تعود الى (عام 1932) كما سيأتي الحديث عنها خلال الحلقة القادمة.

لقد جاءت نظرية التضخم الكوني (عام 1980) كصيغة بديلة للصيغة الاولية لنظرية الانفجار العظيم، فافترضت وجود مادة مظلمة تهيمن على الكون كله، حيث بفضل جاذبية هذه المادة الغريبة تتكون المجرات والتكتلات الضخمة، فيما لم يكن للمادة العادية ذلك الاثر على تكوينها، او انه كان لها اثر ضئيل يتمثل بالتكتلات المادية السابقة على صنع هذه الاجرام. لذا جاء افتراض المادة المظلمة كتعويض عما يفترض ان تكون هناك تقلبات قوية للخلفية الكونية، فاكتفى العلماء في البحث عن فروقات بسيطة لتلك التقلبات. واصبحت مهمة المادة المظلمة تتحدد في تفسير كيف امكن للمجرات وعناقيدها الضخمة ان تنشأ بسرعة بعد ان تعسر على الملاحظات الفلكية تفسيرها وفق ما عولت عليه الصيغة الاولية لنظرية الانفجار.

وتتنبأ نظرية التضخم - حتى في صورتها المعدلة - بوجود عدم انتظام ضخم في الكون المبكر بحيث لا يتفق مع التجانس الملحوظ في الموجات المايكروية الكونية (الانفجارات الثلاثة العظمى، ص237). كما انها تفترض بان الكون في مقاييسه الكبرى يتصف بالنعومة والتجانس، لكن تبين خلال منتصف الثمانينات ان في الكون كتلاً وشرائط ضخمة من العناقيد المجرية، ما لا يتفق مع اعتبار الكون متجانساً في مقاييسه الكبرى، ومن ذلك ما اكتشفه الفلكي برينت تولي Tully Brent (عام 1986) من وجود هياكل عنقودية يبلغ طولها حوالي مليار سنة ضوئية، وعرضها حوالي 300 مليون سنة ضوئية، وسمكها مليون سنة ضوئية. ثم توالت الاكتشافات بعد ذلك بما هو اعظم من هذه المقادير بكثير.

وفي (عام 1992) اظهر القمر الصناعي المسمى مستكشف الخلفية الكونية (COBE) ان الفروقات المتعلقة بتقلبات اشعاع الخلفية الكونية هي ضئيلة جداً، فقد نشر هذا القمر لاقطاته الحساسة بهدف رصد اي تفاوتات في درجة حرارة الخلفية الكونية في السماء، وتبين انها اقل مما جرى قياسه خلال السبعينات بمائة مرة، اي انها جزء من مائة الف، وليس جزءاً من الف كما كان في السابق. وتم التأكد لاحقاً من هذه النتيجة بواسطة المعدات الاكثر دقة المحمولة على المناطيد وعلى المسبار WMAP.

وفي جميع الاحوال ظهر ان التفاوتات المعتادة لا تزيد عن بضعة اجزء في المائة الف من الدرجة اعلى او ادنى من متوسط حرارة اشعاع الخلفية الكونية.

هكذا كان عام 1992 متميزاً لدى الداعمين لنظرية الانفجار العظيم، وقد ابرزت الصحف حول العالم هذا الاكتشاف المثير والمتعلق بالاثار الطفيفة في درجة الحرارة للاشعاع الكوني مع توحد الخواص تقريباً. وقد اعتبر ذلك دليلاً يؤيد المبدأ الكوني المتمثل بمجموع مبدأي التجانس وتوحد الخواص. فمبدأ التجانس يعني عدم وجود مركز محدد، فكل شيء متماثل في كل مكان. أما الكون المتوحد الخواص فيعني بان الشكل يبدو نفسه من اي اتجاه. فمثلاً ان مجرتنا درب التبانة لا تتسم بتوحد الخواص.

لقد اثار هذا الاكتشاف رضاً وقناعة للمؤيدين لنظرية الانفجار، فقد اعتبروا هذه التقلبات او التفاوتات الطفيفة للكثافة (10-5) كافية لتكوين المجرات وعناقيدها. وبالتالي كان هذا الحال مرضياً تماماً لدى العلماء على خلفية افتراضهم للمادة المظلمة والتي تم تقدير تأثيرها انذاك بمائة ضعف تقريباً قبال المادة الكونية المرئية وغير المرئية. حيث صورت بانها تشكل حوالي (99%) من كثافة الكون المادية، وفي تقدير اخر حوالي (90%)، واغلب ما تبقى يعود الى المادة غير المرئية كالثقوب السوداء وما اليها، كما هناك من رأى انها تتراوح بين (90 ـ 99 %). فهذه القوة الضخمة المفترضة هي التي عوّضت عن النقص الملاحظ في تقلبات اشعاع الخلفية الكونية، فهي تمثل قوة ثقالية اعظم لتسريع نمو الهياكل الضخمة للمجرات، وبدونها يصعب كيف امكن لها ان تتشكل بسرعة، بل وفي زمن قصير نسبياً يتراوح بين (10ـ20) مليار سنة، فبدون ذلك سيحتاج تكوينها الى اضعاف كثيرة من هذا الزمن المفترض.

اما بنظر الناقدين لنظرية الانفجار فان كل ذلك لم يلغِ المشاكل المتعلقة بتكون المجرات، فحيث ان هذه الاثار طفيفة فانها لا تفسر كيف امكن ان تؤدي الى تكوين الهياكل الضخمة للعناقيد المجرية ضمن فترة زمنية لا تعد كافية، فكيف نمت هذه الهياكل بسرعة، ولا تفسر كيف ان الكون كان اصغر عمراً من بعض النجوم العائدة اليه، فمثلاً تم تقدير بعض نجوم مجرة درب التبانة بحوالي (14 مليار سنة)، وانه تبعاً لبعض القياسات الفلكية يصل عمر بعض المجرات الى عشرات المليارات من السنين، بل ان بعضها يقدر بحوالي (150 مليار سنة)، اي اكثر من عشرة اضعاف ما يقدره الفلكيون اليوم. هذا بالاضافة الى ان هذه النظرية تعجز عن تفسير كيف ان الكميات المتوفرة للعناصر الخفيفة كانت خاطئة كلها.

لم يتوقف الحال على افتراض المادة المظلمة لحل مشكلة التقلبات وتكوين المجرات، فمع ان هذا الحال كان مرضياً تماماً (عام 1992) وما بعده، الا انه اتضح في نهاية التسعينات من القرن الماضي ان شكوكاً تجددت في قياسات اشعاع الخلفية، ما جعل فهم الكون بنظر الكثير من العلماء غامضاً، فاما ان تكون القياسات المعتمدة على هذا الاشعاع خاطئة، او ان هناك ظاهرة فيزيائية مجهولة تعمل على توسعة الفضاء بنسبة (9%) اكثر من المتوقع، مثلما لوحظ من خلال المستعرات العظمى (Supernovae) التي تشير الى التسارع، ومن خلال مشاهدة الاشعاع المذكور. وقد عبّر الفلكي الامريكي المعاصر ألِكْس فيليبينكو بان الكون ربما يخدعنا او ان فهمنا للكون ما زال ناقصاً. وعلى اثر ذلك تم التوصل الى اثبات الطاقة المظلمة (Dark energy) كأحد الاركان الهامة للفيزياء (عام 1998)، وذلك على يد ثلاثة من رواد علم الفلك، وهم شاول بيرلماتر وبريان شميت وآدم ريس، وقد تقاسموا جائزة نوبل في الفيزياء (عام 2011) لتقديمهم الأدلة على تسارع الكون وليس تباطؤه، واليوم تُقدر الطاقة المظلمة بحوالي (73%) من مكونات الكون، فيما تقدر المادة المظلمة باقل من ربع مكوناته.

كان من المهم لدى الفيزيائيين ان لا تنافس هذه الطاقة المادة المظلمة بداية نشأة الكون، اذ لو كان الامر كذلك لكانت هناك حاجة الى وجود مادة كونية مؤثرة بما فيه الكفاية للتعويض عن فقدان اثر المادة المظلمة قبال الطاقة المظلمة المتصاعدة.

***

فبحسب الافتراض الجديد ان الكون بدل ان يتباطأ بفعل المادة المظلمة فانه اخذ يتسارع ويتشتت، ولو كانت الطاقة المظلمة هي السائدة بداية نشأة الكون لما أُتيح للمجرات فرصة الصنع والتكوين. لذا افترض الفيزيائيون وجود علاقة تطورية بين هذه الطاقة وتمدد الفضاء، بل اصبحت العلاقة بينهما جدلية، فاحدهما يؤثر في الاخر، حيث بتمدد الكون تزداد كمية الطاقة المظلمة، وبزيادتها تعمل على المزيد من التمدد الكوني، وهكذا دواليك..

ففي بداية الانفجار العظيم كانت الطاقة المظلمة تقارب الصفر؛ تناسباً مع حجم الفضاء الضيق مقارنة بالفترات اللاحقة، وكانت نسبة الكثافة المادية تقدر بما يقارب الواحد (100%)، وظلت ضمن هذه الحدود حتى عندما وصل عمر الكون الى مليار سنة تقريباً، وحينها كان الكون يتباطأ، لكن مع مرور الزمن تضاءلت هذه النسبة وانخفض التباطؤ ونمت في قبالها كثافة الطاقة المظلمة، وتساوت الكثافتان منذ حوالي (5ـ6) مليار سنة مضت، مما يعني انها وصلت الذروة في التسطح، وبعدها اصبحت الكثافة لصالح الطاقة واخذت تتصاعد باضطراد حتى بلغت اكثر من (72%)، وهو ما يجعل الكون منفرجاً بعد أن كان مقوساً. وبحسب بعض التقديرات فان معدل تمدد الكون يتراوح بين (5ـ10%) لكل مليار سنة. ويُفترض ان المستقبل سيشهد المزيد من الطاقة المظلمة مع شدة الانفراج الكوني، وستبلغ الطاقة قريباً من الواحد في قبال ما يقارب الصفر للمادة، حيث يبلغ توسع الكون اعظم قدر ممكن. وهو الحال الذي يعاكس ما كان عليه الكون في البداية.

وعموماً اصبح الكون بحسب الافتراضين المتوازيين للمادة والطاقة المظلمتين واقعاً بين كماشتي التباطؤ والتسارع، او التكثف والتشتت، وان كان مفعول الاخير صار اليوم يعادل ما يقارب ثلاثة اضعاف مفعول الاول. في حين اقتضت الضرورة ان تكون السيادة للمادة المظلمة بداية نشأة الكون، فبدون ذلك سوف لا يمكن تفسير كيف امكن للمجرات وهياكلها الضخمة ان تتكون، كالذي سنخصص له حلقة تالية.

أخيراً وبعد انتهاء القرن العشرين تم اكتشاف ان اشعاع الخلفية الكونية مختلط بالغبار الدائر في مجرتنا (درب التبانة)، لذا بدا غير متجانس تماماً، فأُصيب الدليل بالضعف ومن ثم ضعف النظرية القائمة عليه.

واهم اشارة بهذا الصدد هو ان الفلكيين وجدوا في مارس (عام 2014) ان نصف الكرة الجنوبي من الارض يحمل استقطاباً للاشعاع الخلفي، وهو التواء الاشعاع يتمثل بمزيد من الدفء والاحمرار، وقد سمي باستقطاب نمط (ب) B-mode. وفي البداية هللوا لهذه النتيجة ظناً منهم انها تدل على اثار الامواج الثقالية التي تنبأ بها اينشتاين من قبل والتي سبّبها التضخم الكوني، وقد اعتبرت من اعظم الاكتشافات العلمية كما اعلنتها صحف العالم انذاك. لكن بعد اشهر من هذا الاكتشاف تبين ان هناك شكوكاً تتعلق بحدة هذا الاستقطاب، واصبح الظن بانه نتاج الغبار الذي يلاقيه اشعاع الخلفية عند مروره داخل مجرتنا. وقد زادت هذه الشكوك فيما بعد، وتم الميل الى هذا الاقتناع المخيب والمتعلق بظاهرة الغبار. وعليه وصفت نظرية الانفجار العظيم وفق هذه الشكوك والاعتقادات بانها متخبطة. وقد دفعت هذه النتائج جماعة من الباحثين الى الاعتقاد بانه وفقاً لها ينبغي للكون ان ينهار على نفسه بعد الانفجار العظيم بفترة بسيطة جداً.

يضاف الى ما سبق هناك مشكلة اخرى لم تحل كما اثارها نقاد نظرية الانفجار العظيم، وهي تتعلق بما يطلق عليه السور العظيم (Great Wall) للمجرات، مثلما تم الاعلان عنه (عام 1989)، فسمْك السور المكتشف انذاك يقدر بحوالي (20 مليون سنة ضوئية). وما زال هناك هياكل اضخم واكبر من السابق كما اكتشفها فريق عالمي مؤلف من فلكيين امريكيين وبريطانيين وهنغاريين، اذ قاموا في مطلع تسعينات القرن الماضي بدراسة المجرات فوجدوا مجاميع عنقودية ضخمة تتحرك ببطئ شديد جداً، بحيث لا تتجاوز سرعتها (500 كم في الثانية). وقد قدروا من خلال هذه الدراسة ان عمرها لا يقل عن (150 مليار سنة)، وهو ما يفوق التقديرات المعاصرة باكثر من عشر مرات. وعلى اثر هذه الاكتشافات الفلكية بدأ العلماء بطرح مفاهيم جديدة مؤسسة على قوانين فيزيائية جديدة لسد الفجوة بين المشاهدات ونظرية الانفجار. وقد اصبحت هذه ظاهرة شائعة في علم الكونيات، فكل تناقض جديد هناك افتراض علمي جديد.

وبحسب التقديرات الفلكية فان السور العظيم لهذه العناقيد يحتاج الى سرعة (2000 كم في الثانية) لكي يتم تكوينه، كما تحتاج هياكله الفائقة للتكوين الى سرعة (3000 كم في الثانية)، والمجموع هو (5000 كم في الثانية). هذا من حيث التوقعات النظرية، اما من حيث الرصد الفلكي فقد لوحظ ان السرعة الحاصلة لا تتجاوز مقدار (500 كم في الثانية)، لذا وجد علماء الكونيات تفسيراً او تأويلاً يخدم نظرية الانفجار العظيم، وهو ان هناك تباطؤاً قد حصل دون ان يدفع بالسرعة المفترضة الى اقصاها. لكن السؤال الذي طُرح بهذا الصدد هو التالي: اين ذهبت الطاقة حينما تحولت من طاقة حركية الى حرارة عند تخفيض السرعة كما يحصل في حالة فرامل السيارة من تحول الطاقة الاولى الى الثانية؟

وكان الجواب هو افتراض انها تنتشر على هيئة اشعة اكس (x)، وبالتالي ينبغي ان تظهر في الاشعة عندما تصل الينا. لكن عند فحصها وُجد انها تقدر باقل من المفترض في تحول الطاقة بمائة مرة، فاين ذهبت بقية الطاقة؟

وكجواب على ذلك خمّن المنظرون بان هناك عملية ثالثة غير معروفة ربما حولت طاقة اشعة اكس (x) الهائلة الى نوع اخر من الاشعة الراديوية. وقد لاحظ علماء الفلك نوعاً من الإشعاع الراديوي الشديد بما يكفي لاحتواء كمية هائلة من الطاقة التي من شأنها أن تنجم عن الفرملة المفترضة، فحيث ان هياكل المجرات كلها تكونت بعد صدور هذا الاشعاع الخلفي فانه يتوقع ان يكون حاملاً شيئاً من طاقة هذه الهياكل الضخمة التي انخفضت سرعتها كما يفترض. لكن النتيجة كانت مخيبة.

 

ج ـ العناصر الخفيفة

لقد اثار موضوع العناصر الخفيفة الكثير من الجدل المتعلق بنظرية الانفجار العظيم. فهناك مشاكل مزمنة تتعلق بالديوتيريوم والليثيوم، كما هناك بعض المشاكل التي تثار حول الهليوم، لكنها ليست بالقدر المتعلق بالعنصريين الاولين. فالتوقعات المتعلقة بهما لم تكن سليمة كما ينبغي. وقد اثيرت بعض هذه المشاكل منذ سبعينات القرن الماضي واستمرت تتفاقم حتى يومنا هذا، كما هو الحال مع الديوتيريوم، فتوزيعه لدى المجرات يتخذ اشكالاً غير منتظمة كما تبين خلال العقد المشار اليه. فمثلاً لوحظ ان هذا العنصر يتوزع لدى مجرة درب التبانة بانماط من الاختلاف من دون تماثل، ففي اتجاه تكثر كميته فيما تقل في اتجاهات اخرى لاسباب غير معروفة، في حين يفترض انه يتخذ شكلاً من التساوي في جميع الاتجاهات. وكما قال الفلكي جيفري ينسكي: >لقد كنا منذ السبعينات غير قادرين على تفسير لماذا تختلف مستويات الديوتيريوم في كل مكان<.

وخلال (عام 2006) اظهر القمر الصناعي الخاص بناسا ان تركيز الديوتيريوم المحلي في مجرة درب التبانة هو أكثر مما كان متوقعاً بكثير. وقد تفاجأ الفلكيون حيث وجدوا كميات كبيرة لم تحرق في النجوم، ليس كما هو المتوقع في السابق..

اما الليثيوم فله مشكلة ثابتة، اذ لم يجد العلماء ما توقعوه من الوفرة المفترضة له، وهم لا يعرفون سبب ذلك على وجه التعيين، وان كانت هناك بعض التكهنات المتعلقة بتحديد السبب؛ مثل افتراض وجود كثرة من الفوتونات ادت الى تدمير الليثيوم. وفي تقرير منشور (عام 2015) تبين بان تقدير العلماء لكمية الليثيوم المفترض هو ثلاث مرات اكثر من المرصود فلكياً.

وبحسب الناقدين لنظرية الانفجار العظيم فان افتراض المادة المظلمة قد خلق عدداً من المشاكل ومن بينها ما يخص العناصر الخفيفة والتناقضات التي تتضمنها التوقعات مقارنة بالملاحظات الرصدية. ففي الماضي كانت التنبؤات حول هذه العناصر معقولة ومتفقة الى حد ما مع الارصاد الفلكية، فاُعتبر ذلك ما يدعم نظرية الانفجار، لكن ابتداء من ابريل (عام 1991) اصبحت المشاهدات الرصدية تتنامى عدداً ضد تلك التنبؤات، فهناك كمية اقل من الهليوم في الكون مقارنة بالتنبؤات المطروحة، وكميات اقل كثيراً من الديوتيريوم والليثيوم. ومعلوم ان نسب هذه العناصر بعضها يؤثر في البعض الاخر، فعندما يكون الهليوم صحيحاً (ويقدر بحوالي 23% في الكون) فان توقع نسبة الديوتيريوم سيصبح في مثل هذه الحالة ثمانية مرات اكثر وفرة من الملحوظ. لذلك تم افتراض انه تعرض للاحتراق في النجوم ولم يبق منه سوى (1\8)، كمحاولة لتعليل النقص في وفرة هذا العنصر.

وبلا شك ان توفر العناصر الخفيفة يعتمد على ما عليه كثافة المادة الكونية، فلو كانت المادة المظلمة مادة عادية فان الحساء النووي للانفجار العظيم سوف ينتج لنا الكثير جداً من الهليوم والليثيوم مع كمية غير كافية من الديوتيريوم، وذلك قبل اكتشاف الطاقة المظلمة او افتراضها. ففي هذه الحالة ستكون نسبة الكثافة او الاوميكا حوالي (02 أو 03) اكثر مما هو مشاهد، اي ان الكون سيكون مقوساً. وبالتالي فان حاجة نظرية الانفجار في صيغتها التضخمية هي ان تبلغ نسبة الكثافة او الاوميكا واحداً ليكون الكون مسطحاً بدل التقوس. لهذا تم افتراض وجود مادة مظلمة غريبة ليس فيها الكترونات ولا بروتونات؛ كي لا تؤدي الى تلك النسبة العالية من الكثافة المادية، ولكي يمكن حل مشكلة تكوين المجرات.

يبقى ما يخص الهليوم، فقد طُرح تفسير اخر يعلل وفرة هذا العنصر وكذلك طابع التجانس الحاصل في اشعاع الخلفية الكونية، فكلاهما يمكن ان يفسرا بنفس السبب طبقاً لنظرية البلازما الكونية بريادة الفيزيائي السويدي هانز ألفن (Hannes Alfven). اذ تتنبأ هذه النظرية بان هناك كمية ضخمة من النجوم هي التي انتجت تلك الوفرة. ففي (عام 1978) اقترح الفيزيائي الفلكي مارتن ريس بان هذه النجوم قد انتجت في بضعة ملايين سنة (24%) من الهليوم كما نراها اليوم. وبعد ان تحول قسط من الهايدروجين الى هليوم انفجرت النجوم الى مستعرات عظمى (السوبرنوفا) وتوزع الهليوم في الفضاء. وفي وقت لاحق تكونت نجوم صغيرة من غاز الهليوم المخصب، وتم امتصاص الطاقة المنتجة للنجوم الضخمة من قبل الغبار ما بين النجوم والتي يمكن ان تظهر في اشعاع الخلفية الكونية.

على ان التنافس بين النظريتين (البلازما الكونية والانفجار العظيم) ما زال قائماً حول طبيعة ما يتميز به اشعاع الخلفية الكونية، فهل هناك تجانس تام لهذا الاشعاع كما تفترضه النظرية الاولى، ام ان هناك تقلبات في هذا الاشعاع كما يفترضه المؤيدون لنظرية الانفجار العظيم في نسختها التضخمية؟..

للبحث صلة..

 

 

hatam hamidmohsinولد ارسطو (ابن الطبيب) في مدينة ستاجيرا بمقدونيا سنة 384 قبل الميلاد، ونال تعليمه في اكاديمية افلاطون. وعندما توفي استاذه افلاطون عام 347 قبل الميلاد، عاد المقدوني الى بلده واصبح مدرسا للاسكندر ابن الملك فيليب ملك مقدونيا. كان تلميذه الذي اكتسب لاحقا لقب "الاكبر" محبا لاستاذه ارسطو ونُسب اليه القول"انا مدين لأبي في الحياة لكني مدين لاستاذي في الحياة الجيدة".

بقي ارسطو مع الاسكندر حتى عام 335 قبل الميلاد، حينما اسس اكاديمية خاصة به هي اكاديمية Lyceum في اثينا. مكث في اثينا حتى عام 323 ق.م حيث اجبرته المشاعر المعادية لمقدونيا على الرحيل. "انا لا اسمح للاثنيين ارتكاب الإثم مرتين ضد الفلسفة" مشيرا الى إعدام سقراط، بعدها هرب ارسطو الى جزيرة chaicis ثم مات بعد سنة في عام 322 ق.م

ان قراءة أرسطو أسهل مما يتصورها البعض، حتى اولئك غير القادرين على قرائته باليونانية الاصلية سيغمرهم الحماس ويكونوا اكثر انجذابا له . الشيء الملفت حول سياسة ارسطو، هو الطريقة التي حمل بها هذا الرجل معرفته الواسعة الى محاضراته. كان ارسطو يجذب انتباه مشاهديه بالقصص الممتعة. لم تصل الينا اية رسائل خاصة بارسطو، بل كل ما تبقى له هو محاضراته التي كان يلقيها لطلابه.

 

ارسطو والسياسة التقدمية

الشيء الاكثر اهمية في فلسفة ارسطو السياسية هو المدى الذي بلغته تلك الفلسفة من حداثة وتقدمية. دراساته تتحدث عبر العصور وتستطيع إلهام الناس بعد اكثر من 2200 عام.لم يكن ارسطو مجرد فيلسوف كتب عن المؤسسات والدساتير المثالية آنذاك، وانما تنبّأ بها كما تبدو في صورتها اليوم.معظم القضايا التي عالجها ارسطو هي قضايا تهمنا حاليا: الارهاب، اللا مساواة، اخطار الجشع المفرط للطبقة الصغيرة الثرية، كما ان الحلول والتحليلات التي عرضها كانت ملائمة لزماننا.من المدهش كيف ان علم ارسطو بالحكومة كان مرتكزا على مُثل جرى التعبير عنها من جانب نشطاء اليسار في الغرب اليوم. فمثلا، الرجل الذي علّم الملك لم يكن صديقا للقوي والثري، وانما كان مؤسسا لعلم سياسي اعلن فيه بجرأة ان "رجل الدولة الديمقراطي الحقيقي يجب ان يدرس الكيفية التي يتم بها حماية الناس العاديين من الفقر الشديد"(السياسة، 132a). ذلك جعله طموحا لليسار الحديث الذي وضع المساواة والعدالة الاجتماعية في قلب الصراع السياسي. كان ارسطو ديمقراطيا اجتماعيا قبل الفي سنة من تأسيس هذه العقيدة الاقتصادية. هو أصر بان "المعايير يجب ان توضع بطريقة تؤدي الى تقدم دائم للجميع"، وكما في سياسي يسار الوسط اليوم، هو كان يرغب باعادة توزيع الثروة على اساس ان هذا سيكون افضل للدولة والامة ككل. هو اوضح ايضا كيف يتم هذا:"الطريق الأنسب كما كتب هو "ان تُجمع كل العائدات النقدية في صندوق وتقوم الدولة بتوزيعه دفعة واحدة". في الحقيقة هو اقترح كيف ان المحتاجين يجب "ان يُجهزوا برأس مال ليبدأو الاعمال" (132a).هذه الافكار ليست بعيدة عن متبنيات الاتجاه الديمقراطي الاجتماعي والليبرالي اليوم.وكما في التقدميين من يسار الوسط اليوم هو كان مقتنعا بقوة بان اعادة التوزيع و تدخّل الدولة لا ينفع فقط الفقراء وانما هو "مفيد للاثرياء ايضا".لم يكن ارسطو معارضا للاعمال بل كان واضحا بالقول "ان النقود تأتي للوجود بهدف التبادل "وليست غاية في ذاتها. هو ميز بين oikonomia "فن ادارة المنزل" و kremastike"فن الثراء".شكوكه حول المصلحة الذاتية المفرطة انعكست في وصفاته السياسية:"اول الخدمات الضرورية للدولة التي لا غنى عنها هي "رعاية او حراسة السوق"، هو يشير هنا الى اخطار تقليص سلطات الدولة.لا حاجة للمرء قراءة كتاب توماس بكتي (راس المال في القرن الواحد والعشرين) او قراءة عمود كروغمان في ذي نيويورك تايمز اذا كان بامكانه قراءة السياسة politika لارسطو. ارسطو يجب ان يكون ملهما ليسار الوسط اليوم لأنه اقام تفكيره السياسي على اساس متين من الاخلاق والخوف على اصحاب الموارد القليلة. في الحقيقة، هذا الاساس الفلسفي جعل ارسطو متفوقا على العديد من مفكري الحاضر. اليوم يلجأ السياسيون الى المنفعة والمصلحة الذاتية. بالنسبة لارسطو كان عكس ذلك، "البحث عن المنفعة في كل مكان لايتناسب مع الانسان الحر"(1338ب).بدلا من ذلك، يجب على علم السياسة ان يرتكز على الاعتراف بان "الحياة الجيدة هي الهدف الرئيسي للمجتمع" (1278ب). ولذلك كتب ارسطو بان"مهمة صانع القوانين هي خلق المجتمع الجيد". وكان ارسطو قد اشار الى ان السياسة هي امتداد للاخلاق"التشريعات هي ما يجب ان نقوم به وما يجب الامتناع عنه، ان غاية علم السياسة يجب ان تكون الخير للانسان". وبكلمة اخرى، نحن لدينا سياسة، ونحن نعلّم الفلسفة السياسية لأننا نريد خلق السعادة الحقيقية او eudaimonia لتحقيق الحالة التي تكون فيها"افعالنا منسجمة مع الفضيلة ومع توفير كامل الحاجيات في حياة تامة (Nicomachean Ethics,1101a).

السياسة ليست فقط حول المصلحة الذاتية وزيادة القوة والسمعة، انها حول الاعتراف بان "الدولة هي من حيث الجوهر جالية".وفي كلام واضح"الدولة ليست مجرد المشاركة في محلية عامة بهدف منع الاضرار المتبادلة وتحقيق تبادل السلع". يعترف ارسطو ان انظمة التبادل والمسائل المالية "هي شروط مسبقة ضرورية لوجود الدولة. لكن حتى لو توفرت كل هذه الشروط، فهي لن تصنع الدولة.لأن الدولة هي شراكة من العائلات والجماعات يعيشون جيدا وهدفها حياة تامة مستقلة".(1280ب).

 

ارسطو والعنف السياسي

بالطبع، ليس كل افكار ارسطو ناجحة دائما، اراؤه حول العبودية والمرأة هي بالذات مثيرة للجدل. لكن هذا لا يعني اننا نضع فلسفته جانبا. فهناك القليل من المسيحيين يؤمنون تماما بالانجيل سواء العهد القديم او الجديد، ومعظم الدارونيين المحدثين الجدد لا يوافقون مع اجزاء من اصل الانواع.

وللغرابة ان اكثر فلاسفة السياسة البارزين كانوا ذوي بُعد واحد او بُعدين. توماس هوبز ركز خصيصا على السلام والأمن، جون لوك كان مهتما بالملكية والحرية. كارل ماركس ركز تفكيره على مهاجمة النظام الاقتصادي غير العادل. بالمقابل، ارسطو، كان حتى اكثر من افلاطون،  مفكرا سياسيا عالج جميع القضايا الكبرى: التعليم، العدالة، الديمقراطية، المساواة، الحرب، السلام، الاضطراب الاجتماعي.

 ما يميز نقاشاتنا السياسية الحالية هو العنف السياسي، والثورات والارهاب. هذه القضايا جرت مناقشتها بحرارة ايام ارسطو. من الجدير بالذكر انه وصل الى نفس الاستنتاجات التي توصل اليها علماء السياسة اليوم. اذا كان علماء السياسة اليوم وجدوا ان الارهاب ينشأ بسبب الحرمان، كذلك ارسطو اعترف بان فقدان النفوذ السياسي يخلق الغضب والتمرد والعنف. مما جاء في كتاباته "الناس ... يلجأون الى الثورات عندما لا يُسمح لهم بتقاسم النفوذ وعندما يُعاملون بلاعدالة وفجاجة"(1316ب) و"الناس الغاضبون يهاجمون حبا بالانتقام وليس لأجل الطموح"، ارسطو اثار السؤال البليغ"كيف بامكان الافراد الذين لا يشتركون في الحكومة ان يكونوا طيبين تجاه الدستور؟"(1268ب).

 بالطبع الجواب بالنفي. لذا، كان ارسطوا مؤمنا اساسا ان الناس المُهمشين المُستبعدين من النفوذ السياسي يلجأون بالنهاية الى العنف. ميكافيلي (1470- 1527)لاحقا كان صدى لارسطو حين اكّد "من الضروري ان تكون لدى الجمهورية قوانين تمكّن الجماهير من التنفيس عن الغضب الذي تشعر به". لأنه عندما لاتوجد مثل هذه الآلية، "فان طرقا قانونية اضافية سوف تُستخدم وهذه بدون شك ستكون لها نتائج اكثر سوءاً "(Discoursi, 1531,p.102).

لكي تتم المحافظة على النظام السياسي السلمي، يعتقد ارسطو انه من الضروري اشراك جميع المواطنين، لأن سبب استمرار النظام هو، لأن اولئك الذين في الحكم "يعاملون من هم خارج المؤسسات بشكل جيد" وهم يقومون بذلك "عبر جلب قادتهم الى المؤسسات" (1308a). ربما يبدو هذا مثاليا وسطحيا.انما ليس كذلك. دراسة حديثة لأبرز علماء السياسة، Arend Lijphart وجدت ان اكثر الدول الديمقراطية التي تشرك اقلياتها الاثنية في عملية صنع القرار كان احتمال ممارسة هجمات ارهابية خطيرة فيها اقل بست مرات قياسا بالدول غير الديمقراطية(نماذج الديمقراطية، 2012، ص 270).

ان منطق المفكر القديم كان واضحا :المزيد من المشاركة الديمقراطية تقود الى القليل من اللامساواة وادنى مستوى من العنف. من الصعب التقليل من القيمة التقدمية لهذه الرؤية خاصة عند مقارنتها مع السياسات العامة اليوم. لو نظرنا في الخمس عشرة سنة الماضية، في عدة دول نجد السياسة المتبعة تميزت بزيادة المراقبة(في بريطانيا على شكل قانون سلطة التحقيق وحفظ البيانات لعام 2014) وتفضيل التعامل مع الارهاب والعنف عبر الاعمال العسكرية. لم تكن هناك اي نتيجة هامة لتلك السياسات .لو استعملنا الارقام من مؤشر الارهاب العالمي لمعهد الاقتصاد والسلام، ونستبعد منه سوريا ونيجيريا فان العالم شهد زيادة في الهجمات الارهابية بنسبة 80%. ولو ادخلنا ضمن الارقام هاتين الدولتين ستكون الزيادة سبعة اضعاف.

حين يكون الرد المفضل على العنف السياسي هو الانتقام، وتشديد الرقابة من جانب البوليس وشن "الحرب على الارهاب"، فان الامر يستحق النظر في خط التفكير الارسطي، "الناس يهاجمون تحت تأثير الغضب والتهور"(1315a). في الحقيقة، لم يمتنع الارهابيون عن ممارسة العنف بعد اعتماد تلك السياسات كما اشارت الاحصاءات السابقة. عظمة ارسطو تأتي من اعترافه بان مشاركة المواطن ومنحه النفوذ السياسي هو الذي يمنع موجات العنف الاجتماعي والانقسام السياسي وليس القوة . وذلك مؤشر على اتجاه ارسطو التجريبي واعتماده على البرهان في ادّعاء الحقائق الواقعية.

 

ارسطو والديمقراطية الدستورية

كان ارسطو تجريبيا دائما، جمع كل شيء بدءا من العينات الحيوانية وحتى الحقائق السياسية: هو كتب تعليقات على ما يقارب 170 دستورا قديما . لسوء الحظ بقي فقط واحدا من هذه الدساتير وهو دستور اثينا الذي اكتُشف في الاقصر في آعالي مصر عام 1879.

من غير المدهش ان نجد ارسطو المتحمس لمعرفة الحقائق وضع برهانه الرئيسي للتأثير النافع لما سماه"الطبيعة الديمقراطية"مستندا في ذلك على دراساته التجريبية وبالذات التحليلات المقارنة لدولة قرطاج الديمقراطية. كتب ارسطو بان البرهان على ان "دستورها منظم جيدا هو ان جماهيرها يرغبون بالبقاء مخلصين للنظام السياسي ولم يحصل فيها باي مقدار لا انقسام اهلي ولا استبداد"(1272ب). نجاح قرطاج في تجنب الثورات وما نسميه اليوم الارهاب كان ناتجا حسب قوله من دستورها المتوازن الذي اختير فيه برلمانها المؤلف من 104 عضوا "من كل الطبقات" و "حسب الجدارة". كذلك، في هذا النظام الديمقراطي الملفت جرت موازنة النواب المنتخبين بـ "الكبار"الذين يختارهم الشعب وبرئيس الحكومة باعتباره أعلى سلطة منتخبة"(1272ب).

ومع ان ارسطو حذّر من ان يتحول الحكم بالشعب الى حكم الغوغاء، هو ذكر دائما "انه من مصلحة النظام الديمقراطي لجميع المواطنين ان ينتخبوا القضاة واستدعائهم للمسائلة". في الحقيقة، هو تحدث عن "موافقة المحكوم"(1318ب) وهو الخط الفكري الذي استنسخه لاحقا توماس جيفرسون في اعلان الاستقلال الامريكي.

نموذج ارسطو في الدستور كان قد اتّسم بالارستقراطية المنتخبة لكنها ارستقراطية مرتكزة على التعقل غير العادي والذكاء وليس على الثروة. ولكن حتى في ظل هذا النظام من الحكومة، يبقى للناس الكثير من القول قياسا بمعظم الانظمة ذات الديمقراطية غير المباشرة: في الدولة المثالية لارسطو"عندما يعرض الملوك مشروعا امام الجمعية العامة، فهم لايجعلون الناس مجرد جالسين ومستمعين للقرارات التي اُتخذت سلفا من جانب حكامهم، وانما يمتلك الناس قرارات سيادية"(1278a).

لماذا يضع ارسطو بممارسته الذكية هذه كل الايمان في الناس العاديين؟لماذا يثق ارسطو بهم في عمل القرارات الجيدة؟ هو اعترف بان بعض الناس اكثر ذكاءا من غيرهم، ولكن اعترف ايضا ان العديد من الافراد الذي يتشاورون مع بعضهم ستكون لديهم معرفة جمعية اكبر مما لدى اكثر الناس حكمة. لتوضيح ذلك نقتبس منه التالي:

"حينما يأتي عدد من الناس مجتمعين سيكون ذلك افضل ليس انفراديا وانما جمعيا، تماما كما في وجبة العشاء العامة التي يساهم بها الكثير من الناس تكون افضل من العشاء الذي ياتي على حساب وكلفة شخص واحد. حينما يكون هناك عدة افراد، فان كل فرد ستكون لديه جزء من الفضيلة والحكمة، وعندما يأتون مجتمعين، تماما مثلما يصبح حشد من الناس بهيئة رجل واحد بعدة اقدام وعدة احاسيس، كذلك يصبح ايضا شخصية واحدة فيما يتعلق بالاخلاق والملكات الفكرية"(1281ب).

ومن هنا هو استنتج "سبب افضلية الجمهور العام في الحكم"، لأن "مختلف الناس يمكنهم الحكم على جزء مختلف". ولهذا السبب"من الضروري للجميع ان يشاركوا في الحكم وفي كونهم محكومين"(1332ب).

من الصعب ان نجد حالة دقيقة وموجزة للديمقراطية اكثر من الصيغة الارسطية. نفس الاتجاه عبّر عنه العالم الايطالي marsilius of padua(1275-1343)."القوانين التي كُتبت للايطاليين عام 1324"يجب ان توضع امام هيئة من المواطنين لغرض الموافقة او الرفض ... لأن المواطن الاقل تعليما يستطيع احيانا تصوّر شيء ما يجب تصحيحه بشان القوانين المقترحة حتى عندما لا يعرف اساسا كيفية اكتشاف القانون"(المدافع عن السلام، ص 80). لكننا يجب ان نتذكر ان هذا المفكر، ومثله ميكافيلي، جاءا قريبين جدا من تعاليم ارسطو وسارا على خطى كتاباته. كلا الرجلين تعلما من الاستاذ المقدوني وهو ما يجب ان نتعلمهُ نحن اليوم .

خاطب ارسطو الناس عبر العصور، كتاباته كانت برهانا بان فلسفة الأساتذة القداماء هي ليست مجرد اثرا تاريخيا وانما هي مرشد غير مقيد بزمان. ارسطو الديمقراطي والمدافع عن العدالة الاجتماعية، والمعارض للدولة السلطوية يجب ان يكون في اول قائمة القراءات لكل من يساند التقدمية والثورية.

 

emadadeen ibrahimالفيثاغورية هي مدرسة فلسفية وأخوية دينية تقوم علي تعاليم ومبادئ فيثاغورث وأتباعه . وقد نشأت في جنوب ايطاليا في القرن السادس قبل الميلاد . والفيثاغورية هي مصطلح يستخدم للإشارة إلي المعتقدات الباطنية والميتافيزيقية التي أمن بها فيثاغورس. والفيثاغورية تم تأسيسها في كروتونا وهو ميناء إغريقي مشهور، وهي اقرب إلي الفرقة الدينية منها إلي المدرسة الفلسفية، فلقد كان أعضائها يتعارفون فيما بينهم عن طريق الإشارات السرية، بل كانوا يشتركون في تمللك الأشياء، وتعاهدوا أن يتعاونوا فيما بينهم، وكانت موضوعات الدراسة في هذه المدرسة تدور حول الحكمة الأربع وهي الحساب والموسيقي والهندسة والفلك. ومن المعتقدات الرئيسية لدي فيثاغورث مذهب تناسخ الأرواح، أي أن روح الإنسان تنتقل عند موته إلي جسم آخر، بشري أو حيواني، وكان يعتقد أن الروح لا تموت وأن كل شي يتحول، وقد تكمن روح الإنسان في جسد حيوان ثم تدعه إلي جسم الإنسان ومثلها الأنفاس تنتقل بين البشر والحيوانات دون أن تفقد ماهيتها، وتبقي الروح هي نفسها دائما مهما انتقلت في أجساد مختلفة . وكان فيثاغورث يعتقد أنه لا يمكن للروح أن تتحرر من الجسد وتفوز بالخلود في السماوات، إلا بعد حياة نقية، والحياة النقية عنده كانت تعني حياة التقشف والزهد. ورغم ذلك الكثير من القواعد التي وضعها فيثاغورث كانت تشبه الطقوس البدائية، فعلي سبيل المثال كان من المحظور علي التلاميذ أن يأكلوا الفول، أو يكسروا الخبز، أو يلتقطوا ما وقع علي الأرض . كذلك كان يعتقد أن الموسيقي بالغة الأهمية في السمو بالروح وعلي ذلك درس التلاميذ نظرية الموسيقي، وكان من تعاليمه أن السماء كلها تتكون من مقياس أو عدد موسيقي . ما فسر فيثاغورث الموت علي أنه انفصال في الذاكرة يحدث عندما تعجز النفس عن تذكر الماضي لكي تتصل بالمستقبل، وكان فيثاغورث أول من نادي بعدم أكل لحوم الحيوانات، لأنه اعتبر أن أكل الحيوانات هو تدنيس للجسم البشري، لذا أكد علي ضرورة أكل الغلال أو الحبوب والفاكهة . ويجب أن نشير إلي أن فيثاغورث هو واحد من هولاء الرجال الذين طبعوا في الأذهان أفكارهم، واثروا في النفس تأثيرا قويًاً لازمان متعاقبة .و من الأسباب الهامة التي يجب أن نلفت إليها الانتباه لظهور عقيدة التناسخ هو أن القرن السادس شهد هزة عنيفة في الجوانب الدينية وفي جميع أنحاء العالم المعروف في ذلك الزمان فقد ظهرت الزرادشتية وغيرها . لكن أهم نحلة مهدت لظهور التناسخ هي النحلة الاورفية والتي اهتمت بعبادة ديونسيوس، وكانت تعتقد ان الإنسان مركب من عنصر إلهي وعنصر أرضي، وأن إتباع بعض التعاليم والطقوس الخاصة بالطهارة يودي إلي خلاص النفس أو ما يسمي بعجلة الميلاد، أي عودة الروح إلي بدن الإنسان أو حيوان وهي فكرة التناسخ التي أخذ بها فيثاغورس. ويستشهد علي ذلك الشاعر (زينوفان) أن فيثاغورث أوقف شخصا عن ضرب كلب كان يعوى، لأنه عرف فيه أحد أصدقائه، ويذكر عنه انه كان يؤمن بوجود نفسه في أجساد أخري. ومع ذلك فهو يري أن النفس منفصلة عن البدن أي أن جوهرها مختلف عن جوهر البدن، النفس خالدة وأزلية، فهي لها وجود سابق علي البدن، والبدن هو سجن للنفس، لذا يجب التطهير والتصفية، وذلك عن طريق إتباع قواعد وطرق معينة في المأكل والملبس، وعبادات معينة تجري علي أيدي الكهنة، ولقد اتبع فيثاغورث هذه العبادات والقواعد لكنه أضاف إليها الزهد، الذي يهدف إلي تطهير الجسد بأحد أمرين: الاشتغال بالعلم الرياضي، واموسيقي.

 

د. عماد الدين ابراهيم عبد الرازق - اكاديمي مصري   

 

zouhair khouildi"إن فعل التفكير هو في حد ذاته مشروع خطير جدا ولكن عدم التفكير هو أيضا أكثر خطورة" .. حنة أرندت

يصعب على المرء دراسة التفكير الفلسفي دون المرور بقضية ماهية الفلسفة وحدّها الجامع المانع ولكن عدد قليل من الفلاسفة حاول تقديم جواب شاف عن السؤال الشائك: ما الفلسفة؟، وهذا الأمر في الحقيقة مثير للاستغراب والدهشة بالنظر لانتماء معظمهم إلى المشروع الفلسفي ومساهمتهم في تركيز دعائمه.

لم يتفق الفلاسفة حول تعريف دقيق ونهائي للفلسفة ولا يوجد أمر معين اختلفوا حوله وتخاصموا أكثر من تعريفها إلى درجة أن بعض المؤرخين نفى إمكانية حصول اتفاق في العمق حول الأساس الذي يقوم عليه المشروع الفلسفي والمضمون الحي الذي تقوم الخبرة الفلسفية بتحليله والمقصد الذي يسعى الفيلسوف من خلال ممارسته وأفعاله وسيرته تحقيقه وبلوغه والمنهج الذي يجدر بكل تفلسف فعلي أن يتبعه ويسلكه.

لم يسبق أن تعرضت الفلسفة إلى التجاهل والاستخفاف من قبل العامة والخاصة لمثل ما تتعرض له زمن العولمة المتوحشة والثقافة الاستهلاكية ومجتمع الفرجة وبعد سيطرة الصورة وظهور أنماط الاستنساخ.

يحوز غالبية الفلاسفة على فن الصياغة الفريدة  للمفاهيم ويحاولون من خلال آثارهم فتح العالم وتحرير الإنسان. لكن أي مكان للفلسفة اليوم؟ ولماذا يبحث الإنسان دائما عن طرق للتفلسف؟ وهل ثمة تلازم بين ازدياد المعرفة الفلسفية والتقدم المادي في الحياة؟ وماذا تبقى للفلسفة من دور تقوم به زمن الاضطراب؟ وما الفائدة المرجوة من تدريس الفلسفة ؟ ولم تصلح الفلسفة في الوجود البشري؟ هل يجب رد الاعتبار إليها ؟ ماهو الثمن الذي يجب تقديمه في سبيل ذلك؟ وهل من شروط يلزم توفيها لتحقيق رقيها؟

من البديهي أن تكمن مهمة الفلسفة عند الاشتغال على مسارات الحقيقة والوجود والقيم من أجل تكوين رؤية للعالم وتشكيل وحدة المعرفة بالانطلاق من الدين والفن واللغة والتاريخ في التفسير والنقد والإبداع.

والحق أن الفلسفة تمثل مصدر تخوف وخشية عند من يجهلونها وتثير القلق والشقاء عند من يدرسونها وتعد من الإفرازات العبقرية للعقول الكبيرة للبشرية والذين نحتوا عظمتها وتاريخا وجعلوا العالم مفهوما.

لقد قدم لنا تاريخ الفلسفة ثلاثة أجوبة كبرى: الأولى تنتمي إلى العصر القديم وتقدم الفلسفة بوصفها طريق نحو السعادة ويمثلها أبيقور والرواقية والريبية، والثانية تنتمي إلى العصر الحديث وتجعل من الفلسفة أسلوب لفتح العينين ويمثلها ديكارت من خلال منهجه الحاسم، والثالثة تنتمي إلى الحقبة المعاصرة وتعتبر الفلسفة فعالية إبداعية ويجسدها جيل دولوز من خلال تصوره للفيلسوف على أنه موقع لمفاهيمه بنفسه.

والحق أن الفلسفة هي ممارسة نظرية (بحثية، استدلالية، مفهومية) غير علمية ولا تخضع إلا للعقل والتجربة، مع حذف كل وحي له مصدر متعال أو ما فوق طبيعي وترنو إلى القليل من المعرفة والكثير من التفكير أو فعل المساءلة، وتضيف عدد قليل من معارفنا وتفكر في ما نعرفه أو نجهله بصورة كبيرة1.

لقد اهتم البعض من الفلاسفة بتأسيس الأخلاق وفق الخير والسعادة والفضيلة وتناول آخرون بالدرس المباحث السياسية كالدولة والسلطة والحرب وبحثوا عن السلم والتعاقد من خلال القانون والمؤسسات.  كما جعل فلاسفة شغلهم الشاغل العلوم من جهة رصدهم رحلة المفاهيم وقيامهم بإبداع النظريات بعد القيام بالتجارب وإنقاذ ظواهر الطبيعة، ولقد صعد قسم آخر بالتفكير الفلسفي نحو الخوض في عالم الميتافيزيقا والمعتقد الديني وبحث في الجواهر المفارقة وحقائق الغيب وحاول البرهنة على وجود الله وعلاقته بالعالم والبشر، واعتنى فريق جديد بالراهن واستفسر عن الزمان والمكان وأحوال الإنسان وشروط وجوده.

يعتقد المتابعون بوجود أسلوب كوني ولغة مخصوصة يعتمدها الفلاسفة وطريقة متفق عليها في الحجاج ولكن  المتمعن في الأعمال الفلسفية يلحظ الفوارق والاختلافات بين المحاورات والشذرات والرسائل والمختصرات والمقالات والدراسات والبيانات وينتبه إلى المراوحة بين اعتماد عبارة واضحة ومحددة تتفق مع اللغة المتداولة والكلام الدارج  وبين توخي لغة صعبة وتعبير ملتو وتقنية دقيقة في الكتابة.

عما يتساؤاون عندئذ هؤلاء الفلاسفة اذا غاب عنهم التفاهم والاتفاق والتواصل وحضر عندهم النسخ والنقد والتجاوز وانتفى العمق الذي يرتكزون عليه وافتقدوا الى الاشتراك في القالب والشكل والصورة والإطار.

بيد أن المتمعن في تاريخ الفلسفة يمكنه استخراج سبع ملامح فلسفية كبرى تميز الفلاسفة عن بعضهم البعض:

1-الفلسفة  بماهي نسقsystème : تجمع هذه العائلة كل الميتافيزيقيين الذي طمحوا إلى العثور على نقاط اصطباغ بالنسبة الى الفكر ورسموا خطوطا ووضعوا الحدود بالنسبة الى المعرفة وكانوا خرائطيين بحق وذلك بأن شيدوا الأنساق الصلبة التي تعانق كلية ماهو كائن. في هذا الصدد لقد ميّز بارمنيدس في شذراته عن الطبيعة بين اللاّوجود من حيث هو غير متصور والوجود بوصفه الدرب الذي يتبعه كل باحث عن الحقيقة، وأيده أفلاطون برسمه الحد الذي يفصل العالم المحسوس والذي يمثل المرئي المتغير والعالم المعقول الذي يتضمن جملة من المثل الثابتة، في حين خط سبينوزا مسارا من خلال تمثل هندسي بالذهاب من الله - الطبيعة بغية الوصول بالحكيم الواعي بالكل إلى درجة الغبطة السرمدية من حيث درجة ثالثة من المعرفة. أما لايبنتز فقد أوجد تصورا متناسقا للكون حيث يحوز كل شيء على سبب وجوده وأين تشكل المونادات العناصر البسيطة التي يتركب منه بطريقة يتناغم فيها ويصبح أفضل العوالم الممكنة. بيد أن كانط رسم حدود المعرفة الممكنة بين الظواهر المرئية والماورء مجال الآمال الميتافيزيقية. بينما قام هيجل ببناء النسق الذي تحقق ضمنه مصالحة الإنسان مع ذاته والعالم مع المطلق. في نفس الاتجاه شيّد شوبنهاور رؤية للعالم تكون فيها إرادة الحياة هي ماهية كل شيء2.

2- الفلسفة بماهي حكمةsagesse : يفرق مجموعة من الفلاسفة بين الحياة العادية والحياة الجيدة ويحاولون تحديد شروط تحصيل السعادة والفوز بالرقي والازدهار ويرون أن بلوغ الحقيقة يتطلب تحقيق التناغم مع العالم ومع الآخرين ويعتبرون العناية بالذات أمرا ضروريا للاكتمال ولكنهم يختلفون في توجيه البوصلة في الحياة وتقديم وصفة التوجه في الوجود وإرساء السفينة على بر الأمان  ولقد آمنوا بأن المنهج هو المبدأ الذي يسري في الكون وبأنه يجتاز اللاّفعل ويتغلب على كل كاتم للصوت ويسمح للمرء بأن يكون خيرا بممارسة الفضائل على غرار الإيثار والرأفة والإخلاص. لقد مثل منهج سقراط عن معرفة الذات قولا افتتاحيا في العناية بالنفس من أجل تزكية الجسد، وأضاف إليه أبيقور مطلب استهداف اللذة من خلال إشباع الرغبات الطبيعية والضرورية. أما الرواقية فقد نادت مع سنيك بلزومية العيش وفق العقل وبلوغ هدوء النفس بتخلصها من الأهواء وزادت عليها مع مارك أورال الفعل من أجل الخير المشترك للمدينة بقبول نظام الكون بفرح والعناية بالذات والرضا بالقدر المحتوم. في بدايات الحداثة ارتبط المنهج عند مونتاني بالتركيز على ما يفعله المرء ويعرفه وبالإخلاص للوجود وللحياة عن بعد. على إثر ذلك عثر أمرسن على الرابط الذي يصل الإنسان بالعالم وذلك عبر تطوير الثقة في النفس بالاقتدار على التفكير الذاتي. تبعا لذلك تكاثرت الأصوات المنادية بالعودة إلى الطبيعة والتواصل معها وتبسيط الحياة وطلب الأساسي من الأشياء بالتعامل مع اللحظة على أنها فرصة واستغلال ماهو حاضر أمام المرء من جهة الزمان والمكان. لقد كان ألبرت كامي معبرا عن هذا المنهج بتنصيصه على تعلم أصعب علوم الحياة في ظل العبث والاستحالة والعدم والوجود في العالم من خلال الجسد والاستمتاع بمظاهر الجمال فيه والتخلي عن كل الأوهام المتراكمة عبر تاريخ الفكر والعثور على درب الواقع وقبول عرضية الوجود وتوجيهه نحو الفرح وتقاسم المتع والخيرات مع الغير وممارسة الحياة كماهي في الحاضر بلا أمل في الخلاص ومن خلال الفعل والمحبة وتأمل الطبيعة من حيث هي المصدر الرئيسي للإلهام والإبداع3.

3- الفلسفة بماهي شعلة ملتهبة  Molotov تحرق كل البديهيات عند مفكيكي الأنساق وهادمي الميتافيزيقا وحفاري قبور الذات، ولقد كان سلاحهم رفض كل أشكال الشرف والمجد والألقاب المفخمة التي كانت تعطى للنبلاء والمختصين والجهابذة والقيام بنفي الطقوس والشعائر والجوائز وكل ما يبعد عن الحياة البدئية. في البدء قام ديوجان اللاّيرتي باعتداء صادم على قوانين وعادات المدينة وواصل جوردانو برينو المعركة مع المؤسسة الكهنوتية بنفي مركزية الأرض وإقراره بلاتناهي الكون وتشكله من عوالم متعددة. في نفس الاتجاه نادى روسو بالعودة إلى الطبيعة الأصلية والطيبة للإنسان مادام التطور الحضاري قد أفسده وسارع ساد إلى مدح ممارسة الرذيلة القصوى وإخضاع جسد الغير إلى قانون رغبة الأنا، في حين دافع كارل ماركس على مجتمع بلا طبقات لكي يتفادى الصراع بين البرجوازية والبروليتاريا وبين المصلحة المشتركة التي ترعاها الدولة باسم النظام العام والملكية الخاصة التي تدعمها الرأسمالية. على هذا الأساس وجه فريدريك نيتشه مطرقته لكي تدك حصون الميتافيزيقا وجعل من الجسد بؤرة إرادة القوة ومسرح إبداع قيم جديدة ودفع بالاقتدار إلى إثبات الحياة في مواجهة الأخلاق الموروثة عن التقليد اليهودي المسيحي. بعد ذلك تأتي محاولة جان بول سارتر في الاعتماد على الحرية بغية رفض الانغلاق في ماهية مجردة وجبرية صارمة والاندراج ضمن التاريخ الحي والاشتغال على إبداع الذات بتجاوزها لذاتها. في زمن لاحق عن ذلك وقع الانتباه إلى مخاطر التخلف الاقتصادي ومواجهته للنموذج الصناعي للتقدم وتبنى أنطونيو نيغري التفكيك من أجل خلخلة الأشكال الجديدة من الهيمنة التي تمارسها الإمبراطورية وانتصر إلى الإمكانيات الهائلة التي تتوفر عليها الحشود من أجل الثورة على الظلم وبناء إمبراطورية مضادة. هذا الأمر لن يكتمل إلا إذا تم خلع الهالة عن الانسانوية الغربية والكف عن معاملة الأفراد بتأديب وانضباط4.

4- الفلسفة بماهي طريق pista  وعر يسلكه العقل أثناء البحث في الواقع عن الحقيقة  ولقد مارسها المغامرون من البحاثة الذين يمحصون ويحققون ويدققون وليس لهم من انفعال غير معرفة العالم وإدراك قوانين الطبيعة وفك رموز الواقع . لقد كانت المواضيع والألغاز التي يهتم بها المدققون كثيرة ومتنوعة مثل تعدد المقاربات وتكاثر الطرق التي تتم بواسطتها الدراسة والبحث والاستقصاء، وبالتالي يوجد من يخير الذهاب مباشرة إلى التجربة ويوجد أيضا من يعتمد على العودة إلى التاريخ والاستفادة من التراث. منذ الإغريق خاض أرسطو في كل شيء وجعل من الفلسفة أم العلوم ودقق في الميتافيزيقا والمنطق والأخلاق والسياسة وقام بتصنيف الظواهر الطبيعية والكائنات الحية ضمن التاريخ الطبيعي. في الأزمنة الحديثة نهض ماكيافيللي لكي يبين طرق الحصول والمحافظة على السلطة وانتبه الى أهمية الاستعمال الجيد للقوة والحيلة عند تغير الظروف وتبدل الوضعيات. بينما دقق هيوم في طبيعة الذهن البشري بالانطلاق من التجربة وقاده هذا التقصي إلى القول بأن أفكارنا متأتية من انطباعاتنا الحسية. في الأزمنة المعاصرة منح دي توكفيل الديمقراطية معنى النظام السياسي والنمط المجتمعي الذي تُحتَرمُ فيه المساواة، في حين أشار ولتر بنيامين إلى مراوحات الحداثة بين الحاجة إلى تمدين وسيطرة الإعلام الجماهيري. كما نقدت حنة أرندت التجربة الشمولية وكشفت عن تفاهة الشر نتيجة غياب التفكير وفقدان معنى المسؤولية. بينما تابع مارسيل غوشيه مسارات الأديان في خلع الهالة عن العالم والسماح بحدوث الديمقراطية. من ناحية مختلفة تساءل بروند لاتور عن الأسس الخفية للعلم والتقنية طارحا مفهوما جديدا للطبيعة ومبينا الأزمة الايكولوجية التي أصابت الكون في أعماقه وجعلت مستقبل الحياة على الكوكب مهدد وعلى الحافة5.

5-الفلسفة بماهي أخلاق moralia نعثر عليها عند نقاد الشيم البشرية وقد فرقوا بين عملية تأسيس الأخلاق والتجارب التاريخية التي تشهد الالتزام بالقيم والمبادئ والقواعد والمعايير الأخلاقية وقد حاولوا التخلص من التصورات المصطنعة للحياة ونقدوا بشدة تفشي الآفات الاجتماعية والأمراض السلوكية. لقد حرص هذا الفريق من الأخلاقيين على إظهار تضارب الأغنياء فيما بينهم ونسيانهم متعة اللحظة الحاضرة ووصفوا الحياة الاجتماعية من حيث هي موجهة بواسطة الاهتمام بالمظاهر وفن الخداع والمفاخرة وبرعوا في إزاحة الأقنعة عن الرذائل والمصالح وزرعوا الفضائل والقيم الحقيقية على غرار الصداقة. لقد انتبه باسكال الى أن سبب بؤس الإنسان هو تمركزه على ذاته بدل محبة الله وسانده فولتير في نقده اللاّتسامح الديني والتعصب بين الطوائف وتقديسه الاختلاف في الآراء والتعددية في الاعتقاد. في نفس الاتجاه كشف ديدرو عن الطابع المنافق للأخلاق في المجتمعات الرأسمالية، وأفرغ سيوران مثاليات الوجود التي كانت تثقل كاهله بالأحمال غير قابلة للتحمل وتصالح مع اليأس والسخرية والعدم، ونبه ديبور من تحطيم مجتمع الفرجة المشاعر الأصيلة و صنع أشكال معاصرة من التبعية والاغتراب والعبودية، في حين أعاد ألان فنكايلكروت الاعتبار الى الأدب ورجع بالفلسفة الى ينابيعها من أجل وضع حد للتفاهة والعار والقذارة التي خلفتها سياسات التمييز العنصري6.

6- الفلسفة بماهي خلقEureka وينتسب إليها خالقو المفاهيم وواضعو المصطلحات وراسمو الحدود ويتمثل هذا الشغل المعجمي تارة بالرجوع إلى لفظ في اللغة المتداولة والقاموس المشترك للفاعلين وطورا بتحكيم منطق البحث اللغوي والتحديد الايتيمولوجي والاستناد على الفضاء الدلالي والتداولي للمصطلح، واللافت للنظر أن كل فيلسوف جديد يظهر يقترن مع توقيعه لمفهوم جديد من جهة الميتافيزيقا أو الإيتيقا. لقد اقترن اسم ديموقريطس بمفهوم الذرة والذي منحها خاصية المادة غير قابلة للقسمة. أما طوماس مور فقد وضع مفهوم اليوتوبيا تخيل فيه إمكانية قيام عدالة اجتماعية بين سكان الجزيرة في حياتهم اليومية. بعد ذلك أبدع لابواتيه مفهوم العبودية الطوعية حيث بين فيه حاجة الناس من تلقاء أنفسهم إلى وازع يحكمهم، ثم جاء دور هنري برجسون في الأزمنة الحديثة لكي يركز على مفهوم الديمومة من حيث هي تدفق الحياة الباطنة وتتعارض مع التفسير العلمي للزمن في الفيزياء الرياضية. بعد ذلك جعل ليفيناس من الوجه الطريقة التي يظهر عبرها الغير في عطوبيته وغيريته بالنسبة إلى الذات، بينما لا يوجد مفهوم واحد يستحق الإبداع من طرف الفلسفة بل حشد من المفاهيم تظهر في شكل ريزوم وجسد بلا أعضاء وأرضنة. على نفس الأرضية وقف جاك دريدا بتوقيعه مفهوم التفكيك من حيث هو حركة للفكر يقلب فيها الأزواج الميتافيزيقية، كما عول رينيه جيرار على الرغبة المحاكاتية في تفسير تفجر العنف في حقل المقدس ذاته، وأعلن جان فرنسوا ليوتار نهاية السرديات الكبرى ودخول البشرية في الوضع مابعد الحديث.  بيد أن يورغن هابرماس يتمسك باستراتيجية الفعل التواصلي ضمن مشروع استكمال الحداثة عن طريق التفاعل الاجتماعي والتلاقي بين الذوات والثقافات ضمن الباراديغم اللغوي7.

7- الفلسفة بماهي لامعروف incognita وقد مارسها بعض المستثمرين explorateurs وكشفوا من خلالها عن وجود معنى خفي وراء المظاهر والبديهيات وبالتالي عزم هؤلاء على الغوص في الأعماق وتقليب الطيات والنفاذ إلى البواطن بغية تسليط الضوء على الأشياء وإنارة المسالك المطمورة والدهاليز المظلمة. لقد قذفوا أنفسهم داخل محيطات مجهولة واجتازوا كل الحدود المعتادة ورسموا دروب جديدة من أجل فهم كينونة الإنسان وما يحيط بها. لقد جعل أوغسطين من الباطنية الأرض الجديدة التي يجب امتحانها وغزوها وقد عثر على هذا الآخر الذي يتقدم عليها ويغمر كامل الحياة الحميمة للمرء وهو الله. من وجهة نظر حديثة استخدم ديكارت منهج الشك للوقوف على أرض النفس والفكر وانتهى به المطاف عند الكوجيتو كيقين أول ومبدأ للفلسفة. في حين وزّع كيركجارد الوجود إلى ثلاثة مستويات الجمالي والإيتيقي والديني، ولقد استفاد سغموند فرويد من فرضية اللاوعي لدى الفلاسفة لكي يحلل التمثلات المكبوتة والعقد الدفينة، بيد أن أدموند هوسرل أعاد الانطلاق من الوعي لكي يصف التجارب المعيشة بواسطة منهج جديد قامت الفنومينولوجيا بنحته ويتمثل في القصدية والعودة إلى الأشياء في حد ذاتها. من هذا المنظور واصل مارتن هيدجر جهود أستاذه في تقويض السؤال الميتافيزيقي عن الوجود ونسيان هذا النسيان بالقيام بتحطيم طبقات الأنطولوجيا التقليدية وتحليل الدازاين  بوصفها نمط وجود الكائن البشري. بينما جدد موريس مرلوبونتي ثقته في الجسد الخاص من حيث هو لوغوس العالم ونقطة التمفصل بين الذات والعالم. بيد أن كلود ليفي ستراوس ظل مشدودا إلى واقع البنى اللاّواعية والقواعد الاجتماعية وعلاقات القرابة التي يفكر من خلالها الناس ويفعلوا8.

 في نهاية المطاف إذا كانت الفلسفة فعالية إبداعية وطريق نحو السعادة وطريقة في فتح الأعين، ألا يكمن الجهل الحقيقي،على حد تعبير كارل بوبر، في رفض البحث المعرفة في ظل غيابها وحجبها؟ كيف صمد سؤال لايبنتز الشائك : لماذا الوجود موجود والعدم غير موجود؟ أمام تراكم الأنساق والمفاهيم والمناهج؟

 

د. زهير الخويلدي – كاتب فلسفي

........................

الإحالات والهوامش:

[1] Comte-Sponville (André), la philosophie, édition PUF, Paris, 2005, rééditions Point Delta, 2009pp20-21.

[2] Voir Revue philosophie magazine, n°100, juin 2016,dossier, qu’est-ce que la philosophie ?, pp.48-79.

[3] Idib

[4] Idib

[5] Idib

[6] Idib

[7] Idib

[8] Idib

 

المراجع:

Comte-Sponville (André), la philosophie, édition PUF, Paris, 2005, rééditions Point Delta, 2009

Revue philosophie magazine, n°100, juin 2016,

 

nabe  odaهل الوجود يسبق المضمون؟.. سؤال تطرحه الفلسفة وهو موضوع يعرف فلسفيا باللاتينية باصطلاح "أكسيستاليست"  وهي طريقة تبدأ حسبها الفلسفة بالشخص الحي وصاحب الشعور والنشيط، من ابرز مفكريها الفيلسوف والأديب الفرنسي جان بول سارتر الذي طرح رأيه بأن الوجود يسبق الجوهر. لم اجد للاصطلاح ترجمة عربية .

الاصطلاح اللاتيني فيه تشعبات فكرية وفلسفية متعددة. لذلك أكتفي بالتفسير الذي ذكرته اعلاه واضيف يانه يعني أيضا "تعريف الانسان على أساس أعماله". وان "أمله الوحيد بأعماله.. وما يجعل حبه للحياة بهذه القوة الكبيرة هو نشاطه الابداعي". حسب طرح فيلسوف الوجودية والكاتب الفرنسي جان بول سارتر  الذي قال أيضا:  " المبدأ الرئيسي ل"الاكسيستاليست" يعني ان الانسان  لا شيء الا  ما يصنع هو من نفسه".

طبعا عالم البشر لا يقع بعيدا عن عالم الأحزاب، لو راجعنا تاريخ زعماء أحزاب وزعماء دول لوجدنا الآية معكوسة اذ أن "الاكسيستاليست" هنا اصبحت "ما يفعله أعضاء الحزب او رجال الدولة من اجل ان ترتفع أسهم زعيمهم".. أي يتصرفون كالعبيد بنفي كامل لشخصياتهم وهذا ينعكس سلبا على تفكيرهم بتحولهم الى أبواق تكرر ما تلقن به ولا تفكر بما تقول، ونماذج من جعلوا من انفسهم ابواقا بلا عقل  كثيرة والبارز هو تفاهة اقوالهم وبدائية تفكيرهم ومستوى لا يليق بثقافة الإنسان المعاصر . هنا من المفيد ان اذكر ما قاله الفيلسوف الألماني من القرن العشرين كارل يسبرس : بأن "الوجود يجب ان يكون به تعادل بين الايجابيات والسلبيات". طبعا هناك اجتهادات أخرى اوجعت رأسي بها ولا اريد ان اوجع رأسكم بها.

لكن بقي أن اضيف ان الفلسفة الوجودية وممثلها سارتر اهتمت بهذا الموضوع، بصفته يعطي تأكيدا على اهمية الوجود،  وهذا ما تفسرة الطرفة التالية:

كان رجلا يعاشر  زوجة صديقه في الفراش حين سمعوا صوت سيارة الزوج تقف في الفناء خارج البيت. قفز بسرعة واختبأ بخزانة الملابس. دخل الزوج، وظن ان زوجته اعدت له مفاجأة لينام معها، فها هي عارية وجاهزة... بدأ بقلع هدومه وأراد ان يعلق بنطاله بالخزانة، تفاجأ من رؤية صديقه داخل الخزانة عاريا، سأله: ماذا تفعل هنا يا صديقي ولماذا انت عاري؟ اجابه صديقه: حسب فلسفة سارتر الوجودية كل انسان يجب ان يوجد بمكان ما !!

حتى نخترق عمق المقولة كما تظهر في السؤال الافتتاحي أعلاه علينا ان نغوص في عمق  أفكار الفيلسوف الألماني من القرن التاسع عشر هيجل أحد أهم الفلاسفة على الإطلاق وخاصة الموضوع الذي يعرف ب "المستحيل الهيجلي". وهو موضوع اشغل الفلسفة وقاد الى شبكة واسعة من التفسيرات.

الفيلسوف هيجل فكر بأنه قفز خارج التاريخ، وانه يشاهد حركة التاريخ من فوق وسمى ذلك المستحيل، واشتهر باسم "المستحيل الهيغلي"... أي فقط هيجل هو القادر على تلك الرؤية من خارج التاريخ. سارتر رأى ان الانسان المنفرد يعيش بتوحد مخيف، لذلك قال "ان الوجود سابق للمضمون(الماهية)".

فيلسوف أمريكي فسر هذه الشبكة من التعقيد الفلسفي بحكاية طريفة محاولا ان يفسر المضمون لذلك الاصطلاح. اصيغها بلغتي وفهمي لفن القص:

خرج جمال برفقة صديقه جواد الى رحلة. اثناء تجولهم بإحدى المدن وجدا اعلانا على باب كنيسة يقول: كل من يغير دينه الى الكاثوليكية سيحصل منا على الف دولار!!

جمال تحمس وقال لصديقه : تعال ندخل وسنحصل سوية على 2000 دولار!!

-       لن ارتد عن ديني ... قال جواد.

-       انا سأدخل ولن اقاسمك بالألف دولار

-       انت حر.

دخل جمال الى الكنيسة. مرت الساعات وجمال داخل الكنيسة وجواد ينتظره ..

بعد ان كاد جواد يغادر المكان مللا من الانتظار، ظهر جمال فجأة:

-        ماذا جرى بك لتبقى ساعات طويلة داخل الكنيسة؟

-        غيرت ديني .. وتنورت بالإيمان..واشعر بالراحة والاطمئنان

-        حقا؟ يا للغرابة.. كنت سعيدا وغارقا في ملذات الحياة. هل بعت نفسك بألف دولار؟

-        النقود؟.. انا شخص مؤمن الآن... ما قيمة النقود مقابل الايمان؟ الغير مؤمنين من البشر لا يفكرون الا بالنقود؟!

قال احد الفلاسفة: "الايمان السيء هو أيضا ان نرى انفسنا كأصحاب قدرات غير محدودة، وبدون أي قيود على حريتنا".

هل من يراهن على عبثية ذلك؟ هل حقا ان "الانسان  لا شيء الا  ما يصنع هو من نفسه وليس ما يصنعه به الأخرون"؟! مقولة جديرة بالتفكير!!

الذين آمنوا بالماركسية في عقود سابقة ، لا تختلف حالهم عن حال جمال. أشبه بمن غير دينه مجانا، وأبقى الألف دولار لمن يملكون الاف لا تعد ولا تحصى من الدولارات ولا يلتزمون بما أقنعوا جمال به.

ما نراه اليوم ان الطبقات التي يدعون انهم يريدون محاربتها أصبحت تشكل أكثرية داخل صفوف أحزابهم، لأنهم يعرفون من اين تؤكل الكتف...اما طبقتهم العاملة فغائبة عن العضوية وعن القيادة...لا وقت لديها للعبة الألف دولار ... دينها سيبقى عملها!!

ينطبق على هذا الايمان ما كانت تقوم به جارة لنا ، كانت تخرج كل صباح جديد ، وتنظر الى السماء وتقول بصوت مرتفع: "احفظ يا الهي هذا البيت بعيدا عن النمور" وتعود الى داخل البيت. وهكذا مضت الأيام.. والجيران يضحكون من  هذا الرجاء، حتى تجرأت جارة وقالت لها:" يا جارتي العزيزة .. انت تشغلين نفسك بموضوع بعيد عن الواقع، لأنه لا يوجد نمور قريبة من بلادنا، وأقرب نمر الينا يبعد عنا الاف الكيلومترات.. وحتى يصلنا يجب ان يجتاز اراضي وجبال وأنهر وبحار" فردت عليها الجارة: "هل ترين الآن فعالية رجائي"؟

في بداية وعيي كنا نغني في مظاهراتنا العمالية: "عاش حزب الشيوعية وزعيمه ستالين". ترى ما الفرق بين هذه الكلمات ودعوة الجارة من ربها ان يبعد النمور عن بيتها؟

إذن شيء من تفعيل العقل لا يضر. واذا لم يتبق شيء من العقل بل ايمان لخدمة مجموعة انتهازيين، فليحولوا أحزابهم الى طوائف سياسية... هكذا يتطابق الفاعل والفعل والمفعول به!!

 

ليست هناك مسألة ميتافيزيقية اهم من المسألة الالهية، ولا هناك قضية ظلت حاضرة في الفكر الفلسفي والانساني اكثر منها. ونعلم ما لهذه المسألة من انعكاسات خطيرة على مبحثي الوجود والقيم وما يترتب على ذلك من اثار على حياة الانسان وسلوكياته.

وبلا شك يعتمد تحديد هذه المسألة المركزية على نوعية مفاتح البحث الابستيمي الميتافيزيقي والتي تختلف حولها المذاهب الفلسفية. واذا اردنا تصنيفها مبدئياً فسنجد ثلاثة انواع لها، هي ما نصطلح عليها بكل من تعليق الحكم والنفي والاثبات.

ونقصد بالاول ذلك الذي يجعل عالم الميتافيزيقا مغلقاً امام البحث المعرفي الابستيمي، كالذي تلتزم به مدرسة الوضعية المنطقية، ومن قبلها المذاهب الشكية القديمة والحديثة مثل شيشرون وسكستوس ومونتاني وشارون.

كما نقصد بالثاني ذلك الذي يعتبر القضايا الميتافيزيقية وهمية تماماً، كالذي تعتقده المذاهب المادية والالحادية عبر التاريخ والى يومنا هذا.

في حين نقصد بالثالث ما هو عكس الثاني، اذ يذهب الى امكانية اثبات القضايا الميتافيزيقية وعلى رأسها المسألة الالهية، كما هو حال المذاهب الفلسفية القديمة واللاهوتية والكثير من المدارس الحديثة.

وينقسم المفتاح الاخير الى مفتاحين فرعيين خاص وعام. ويتميز المفتاح الخاص بأنه موضع التزام مذاهب معينة دون اخرى، اذ تعول على مبادئ معرفية – كمفتاح للبحث الميتافيزيقي – لا تحظى بقبول الجميع. فمثلاً ان الدليل الانطولوجي على وجود الله، كما طرحه القديس انسليم وصاغه ديكارت وغيره، لا يعتبر مقبولاً لدى اغلب مذاهب الفلسفة الالهية او الاثباتية، ومثله دليل الصديقين كما طرحه ابن سينا ومن بعده صدرالمتألهين الشيرازي، فهو قائم على بعض التعريفات والمسلمات التي لا تحظى بقبول اللاهوتيين والكثير من الفلاسفة الاثباتيين. ومثل ذلك ما طرحه اللاهوتيون من دليل الحدوث، اذ لا يحظى هو الاخر بموافقة الفلاسفة، لذلك اشكل عليه فيلسوف قرطبة ابن رشد في (مناهج الأدلة في عقائد الملة).

أما المفتاح العام للاثبات فيتصف بانه قابل للاشتراك العام والموافقة التامة لسهولة ادراكه والاقتناع به لدى الفلاسفة الالهيين. فعلى الاقل انه يقبل التطبيق على الشاهد، وبالتالي يمكن توظيفه في الغائب. وباعتقادنا انه يمكن حصر المبادئ المشتركة لهذا المفتاح بثلاثة اساسية، هي: السببية الانطولوجية1 ، والمنطق الاحتمالي الاستقرائي، ومبدأ البساطة.. وارى ان اهمها جميعاً هو المنطق الاحتمالي، كالذي سنبرزه في دراسة مستقلة.

ولمفتاح الاثبات اربعة اشكال متفاوتة من المعاني، أهونها ذلك الذي يطمح الى اثبات مبدأ اصلي للوجود يتصف بالعقل اجمالاً، حيث به يفسر وجود سائر الكائنات الممكنة دون ان يدخل في معرفة تفاصيل هذا المبدأ؛ إن كان ذا قدرة وارادة حقيقيتين ام لا؟ وكثيراً ما يلجأ الفيزيائيون الالهيون الى هذا المعنى المجمل مع تفاصيل قليلة مثل استبعادهم للإله الشخصاني. وبالتالي فهو يمثل المعنى الضعيف للاثبات. ويقابله ثلاثة اشكال من المعاني القوية، كلها لا تقف عند حد الاثبات المجمل بل تقرر بعض التفاصيل المتعلقة بالقدرة والارادة الالهية. ويمكن ان نستعرضها كالتالي:

يتميز احد هذه الاشكال بالحتمية الصارمة لنفيه القدرة الالهية جملة وتفصيلاً، فالعلاقة التي تربط بين المبدأ الاول وصادراته الوجودية تخضع لاحوال صارمة كما تتمثل بقوانين العلة والمعلول، حيث يكون المبدأ الاول علة ما دونه من الموجودات. فرغم انه اكمل منها رتبة، لكنه يخضع مثلها تحت سلطة هذه القوانين. وابرز من يعبر عن هذا الشكل هو الفلاسفة القدماء ومن على شاكلتهم.

أما ثاني هذه الاشكال فهو على عكس ما سبق، حيث يتميز باثبات الارادة المطلقة والقدرة التامة على خلق الاشياء من العدم الصرف بلا استثناء، كالذي يسعى اليه اللاهوتيون من مختلف الديانات السماوية عادة.

في حين يتصف الشكل الثالث بالتوسط بين الشكلين السابقين. فرغم انه يعمل على اثبات القدرة والارادة الالهية المتعلقة بظواهر العالم وصوره، لكنه يستثني من ذلك المادة الاصلية التي يُجرى عليها الخلق والصنع والتكوين. وبالتالي يتخذ هذا الشكل طريقاً وسطاً بين مقالة الحتمية الصارمة من جهة، ومقالة القدرة المطلقة على خلق الاشياء من العدم الصرف من جهة ثانية.

هكذا يمكن تصنيف الاشكال الاربعة السابقة الى شكلين اساسيين من معاني الاثبات: ضعيف وقوي. ويتضمن الاخير ثلاثة اشكال مختلفة تقف قبال المعنى الضعيف، فهي تتضمن زيادة في درجات الاثبات مما يجعلها قوية رغم التفاوت فيما بينها، فبعضها يتصف بتمام القوة في المعنى الاثباتي، فيما يتصف البعض الاخر بالتوسط.

وبعبارة ثانية، ان لدينا معان مختلفة في درجات الاثبات: ضعيف وقوي ومتوسط. وليس لهذه الاشكال علاقة بقيمة الادلة المطروحة، فسواء كانت ادلة صحيحة او زائفة، او كانت ممكنة او ممتنعة، فذلك لا يقف حائلاً دون تصنيفها بالشكل المعروض وفقاً لدرجات الاثبات. فالمعنى الضعيف يتصف بانه اسهل اشكال الاثبات مقارنة بغيره، وكلما زاد المعنى قوة كلما دلّ على كونه اكثر ايغالاً او صعوبة، فالضعف والقوة لهما علاقة بدرجات الاثبات دون قيمته.

وعليه يعد الشكل الاول (الضعيف) أهونها، وذلك باعتباره يمثل المعنى المجمل للاثبات من دون تفاصيل.

في حين يتصف الشكل القائل بالقدرة والارادة المطلقتين بأقواها وأصعبها جميعاً. فالسمة التي يتميز بها هذا المعنى هو الخلق من العدم المحض، خلافاً لسائر الاشكال الاخرى، لذلك كان أقواها درجة وأشدها إشكالاً، فهو يبسط القدرة والارادة على خلق كل شيء؛ مادة وصورة، فالعالم باعراضه وجوهره مخلوق لله بلا استثناء.

ويقابل هذا المعنى ذلك الذي يحيل القدرة والارادة كلياً، كالذي يصوره الفلاسفة القدماء. حيث يثبتون واجباً للوجود مع الاعتراف بواجبية غيره ايضاً، وان كان بالعرض لا بالذات، فهما يشكلان علة ومعولاً، وهما بهذا النحو موجودان ازلاً وابداً على حد سواء، ورغم ان العلة هي الاصل في وجود المعلول، لكنها تفتقر الى معان القدرة والارادة الحقيقيتين وفق هذه العلاقة الحتمية، ومن ثم لا مجال للفعل والخلق اطلاقاً.

ويقف بين المعنيين السابقين شكل متوسط هو ذلك الذي يتمسك بالقدرة والارادة المحددتين بخلق ظواهر العالم وصوره دون ان يمتد الى مادته الاصلية. فبحسب هذا المعنى يعتبر العالم بكل كائناته مخلوقاً للمبدأ الاول باستثناء المادة الاصلية التي يجري عليها الخلق والتصوير دون ان تكون محلاً للخلق ذاته، وبالتالي فالارادة الالهية لا تتعلق بها، كالحال الذي يصفه التصور الارسطي في علاقة واجب الوجود بالمادة القديمة؛ التي يعمل على تحريكها واخراج صورها الممكنة باستمرار، ازلاً وابداً. لكن التصور الاخير لا يتجاوز المعنى الحتمي الانف الذكر، فهو لا يطمح الى اثبات الارادة الالهية وقدرتها، بل يكتفي بجعل العلاقة بين واجب الوجود والعالم لا تتعدى الصورة الحتمية لارتباط العلة بالمعلول.

ومن الواضح انه ليس للشكل المتوسط الانف الذكر شهرة مقارنة بالمعنيين الاخرين من المعاني القوية. واحياناً نجد مفارقات لدى بعض المحاولات التي تستند الى المعنى القوي للاثبات رغم انها تتقيد ضمن حدود المعنى المتوسط، كالذي يظهر لدى عدد من اللاهوتيين الكلاميين، وعلى رأسهم ابو القاسم البلخي المعتزلي (المتوفى سنة 319هـ)، فهو يعتقد بأن الأجسام مخلوقة من طبائع لا يمكن تغييرها بعد أن خلقها الله كما هي عليه2 .

ومنطقياً ان فتح عالم الميتافيزيقا لا يحتاج الى اكثر من الكشف عن صدقية المعنى الضعيف للاثبات. ولو تحقق ذلك لكان انتصاراً للمذاهب الميتافيزيقية الالهية على غيرها. وقد كانت هذه القضية هي محطة النظر الفيزيائي كما اوليناها اهمية لدى بعض الدراسات المستقلة.

 

يحيى محمد – مفكر وباحث

..........................

1- انظر حول هذا النوع من السببية مقال: السببية الاعتقادية وقضايا المعرفة، موقع فلسفة العلم والفهم: http://www.philosophyofsci.com/index.php?id=117.

2- للتفصيل انظر: العقل والبيان والاشكاليات الدينية.

 

nabe  oda*الذين يريدون البحث في أسباب المعجزات ولا يكتفون بالتحديق فيها في دهشة  كما يفعل الأغبياء، سرعان ما نعتبرهم ملحدين كفرة – سبينوزا

* لا يعرف التاريخ فيلسوفا قاتل مثل سبينوزا من اجل حرية الرأي والتسامح الديني*

باروخ سبينوزا (1632 – 1677) يهودي هولندي يعتبر من أبرز فلاسفة القرن السابع عشر.

تأثر سبينوزا في مطلع نشاطه بالفيلسوف، الرياضي والفيزيائي الفرنسي رينيه ديكارت (1596– 1650) الملقب ب "أبو الفلسفة الحديثة"، كانت شهرة ديكارت خاصة بموضوع ثنائية الجسد والعقل باعتبارهما شيئين منفصلين ، فيما بعد غير سبينوزا وجهة نظره بتلك الفكرة واعتبر الجسد والعقل كيان واحد غير منفصل.

اختلف مع طائفته اليهودية التي اعتبرت فكره هداما وشتمته، تبرأت منه عائلته واعتبر زنديقا، ووصل الأمر الى محاولة اغتياله ، بسبب اقواله ان اليهودية والمسيحية تستندان على عقائد جامدة وطقوسهما فارغة من المضمون ولا معنى لها، ووجه نقده للتوراة اليهودية رافضا فكرة ان الله اوحى بكتابتها. قراءته النقدية للكتاب المقدس والإنجيل اعتمدت على الفترة التاريخية التي كتبا فيها، مبينا التناقضات في النصوص. أوضح مثلا ان المسيح الذي تكلم باسم الله ووصفه سبينوزا بأنه كان "الناطق الرسمي باسم الله"، دعا الى التخلي عن اليهودية، التي اصبحت محدودة ونقضها المسيح في مواعظه وأقواله.

 بشر المسيح ، حسب سبينوزا، بدين عقل وضع في رأس رسالته المحبة والخير. لكنه اضاف ان المسيحية أيضا تحولت الى الجمود العقائدي والتشدد وتبنت طقوسا فارغة من المضمون ومن أي معنى له قيمة مضيفا: "هؤلاء الذين يريدون البحث في أسباب المعجزات , وفهم ظواهر الطبيعة كالفلاسفة ، والذين لا يكتفون بالتحديق فيها في دهشة كما يفعل الأغبياء ، سرعان ما نعتبرهم ملحدين كفرة" وهذا بالضبط ما حدث له باعتباره كافرا. بنفس الوقت ورغم ما تعرض له سبينوزا من تحرض ومقاومة الا ان التاريخ لا يعرف فيلسوفا قاتل مثل سبينوزا من اجل حرية الرأي والتسامح الديني، واضطر من اجل معيشته ان يصنع ويبيع عدسات النظر.

اشهر كتب سبينوزا كتاب "رسالة فلسفية" نشر بعد موته في 1677. يطرح في كتابه رؤيته الأساسية بأن كل شيء هو جزء من الطبيعة. يعتبر الكتاب أحد أكثر الكتب تأثيرًا ومناقشة في الفلسفة.

 

الله ليس محركا للدمى

ضمن رؤيته الفلسفية طرح ان "الله ليس محركا للدمى" واضعا الله بموازاة الطبيعة، من رؤيته عدم وجود مادتين (الفكر والامتداد)، كما طرح ذلك الفيلسوف ديكارت، بل مادة واحدة هي اساس كل الوجود، وهي ما اطلق عليها تسمية الله او الطبيعة. بالنسبة له الطبيعة هي الله ومن المهم ان ننتبه انه بدمجه بين الله والطبيعة كان يقصد كل ما هو موجود من مادة ومن روحانيات. بذلك اعتبر الله شيء اشبه بقصة من الخيال العلمي، قوة من الصعب معرفتها، وهو مختلف تماما عن الله الذي تعرفه الديانات، "مولانا، ابانا الذي في السموات، رب العالمين"، وهو ليس الله الذي يظن البشر انه يراقب حركاتهم وأقوالهم ولا ينام الليل ليبقى ساهرا على حمايتهم ورعاية شؤونهم. رغم انه لم يكن ملحدا، لكن الكثيرين اعتبروا فكرة قريبا لفكر الإلحاد .. وربما أسوأ.

اذن الإله عند سبينوزا يمتلك صفة الامتداد. هذه الفكرة أوقعت المفسرين في مشكلات عديدة، لأن سبينوزا لم يجب عن الأسئلة التي تثيرها. لكن التفسيرات لفكره أكدت ان الامتداد عند سبينوزا هو امتداد في جوهره رياضي، والرياضة فكر، وليس امتدادًا شيئيًا فيزيائيا، بالتالي فإن الإله حسب سبينوزا يعتبر الجوهر الوحيد الذي يجب أن يكون ممتلكًا لفكرة الامتداد الرياضي الهندسي.

 اذن لم يقصد سبينوزا طرح الامتداد بمعنى كونه حائزًا على جسم معين أو شكل وأبعاد هندسية ويشغل حيزًا من المكان ،بل قصد صفة الامتداد ذاتها بصرف النظر عن أحوالها من الطول والعرض والشكل والمكان. يمكن القول ان الإله عند سبينوزا ممتد بمعنى أن فكرة الامتداد داخلة في جوهره وماهيته ، فلا يمكن أن توجد في الكون صفة ليست موجودة في الإله باعتباره الجوهر الواحد والوحيد الحقيقي. وأكد انه حتى تصرفات البشر افعالهم افكارهم هي امتداد للطبيعة – الله من نظرته ان الكل واحد!!

هنا يمكن الاستنتاج ان سبينوزا يؤكد ان البشر هم امتداد للإله في مختلف تصرفاتهم ، الجيدة والسيئة لأنهم كيان واحد ممتد!

اعتبر كتابه الحادا لأنه لا يلتزم بما نصت عليه التوراة او الكتب الدينية الأخرى. رغم انه يحدد ان الله هو الطبيعة والطبيعة هي الله حسب فلسفته التي اشتهرت بصفة "الواحدي" (من واحد) وهذا يبرز بالأخص في كتابه "رسالة في اللاهوت والسياسة"، حيث شرح سبينوزا معارضته لنتيجة امتلاك الله خواص بشرية. وكتب أن كلمة "الله" تعني نفس كلمة "الطبيعة"، وانه "سواء قلنا .. أن كل الأشياء تحصل نتيجة لقوانين الطبيعة، أو تحصل بقرار وتوجيه من الله، فنحن نتحدث عن الشيء نفسه".

يبدو في كتابه "الأخلاق" أنه يتحدث عن الأخلاق باعتبارها نوعاً من فروع الفلسفة، لكن الكتاب لا يتناول هذا المعنى المعروف لكلمة "الأخلاق" إلا في الجزء الأخير من الكتاب.

لا يحتوي كتاب الأخلاق على مذهب سبينوزا في الأخلاق إلا في نهايته، أما أغلبه فهو بحث في الإله  وفي الإنسان : طبيعته وطبيعة معرفته وأخيراً الأخلاق.

يتعامل  سبينوزا في طروحاته مع الموضوعات الميتافيزيقية (ما وراء الطبيعة – أي الأشياء التي لا تخضع لقوانين الطبيعة) والأنطولوجية (مجال فلسفي يبحث في طبيعة الموجود او الواقع) والإبستمولوجية (اتجاه فلسفي يتعلق بعلم المعرفة) مثل الإله والعالم والجوهر والكمال والمعرفة البشرية والفهم الإنساني، وسبب تسمية الكتاب باسم الأخلاق هو قناعة سبينوزا أن كل مهام الفلسفة وما يمكن أن يطرحه العقل البشري من أفكار، له غاية جذرية بتوجيه الإنسان في حياته من أجل هدف سامي لهذه الحياة الإنسانية وهي السعادة وسلامة الإنسان العقلية والأخلاقية.

فكر سبينوزا يذكرني بحكاية لطيفة عن مسيحي متدين ، لا ينام الا بعد ان يقرأ مقاطع من كلام المسيح في الانجيل. لو قلت له ان زوجته تخونه او انه اذا آمن وأخلص في ايمانه وحبه للمسيح سيشفى، حتى او اصيب بأخطر الأمراض التي تعرفها البشرية، لطلب منك اثباتات، ولن يقتنع الا بقوة الاثباتات التي تقدمها له، اما اذا قلت له ان الانجيل الذي يقرأ به يوميا كتب من شخصية الهية لا يمكن رؤيتها، وان المسيح قام بعجائب مثل احياء الميت وإطعام خمسة آلاف انسان بخمسة ارغفة شعير وسمكتان وحول الماء الى خمر وغير ذلك من العجائب، وانه اذا لم يلتزم بما يقرأ سيتعذب بنار جهنم، فلن يطلب أي اثبات على ما قيل له وسيقبل تلك الأقوال كحقيقة مطلقة غير قابلة للنقض.

يمكن القول ان "ايمان" سبينوزا بالله تعبر عنه الحكاية التالية:

كانت امرأة مع ابنها يسبحان على شاطئ البحر. فجأة جاءت موجة مرتفعة ضربت الشاطئ وسحبت ابنها الى داخل البحر. نظرت الى السماء ورجت الله ان ينقذ ابنها ويعيده لها سالما، فما هي الا لحظة واذا بموجة كبيرة ثانية تضرب الشاطئ وتقذف ابنها على رمال الشاطئ سليما معافى، شكرت ربها وتأملت ابنها سعيدة جدا.. لكنها انتبهت انه يدون القبعة التي كان يضعها على رأسه لتحميه من حر الشمس ، يبدو انها سقطت عن رأسه في البحر حين سحبته الموجة او حين أخرجته الموجة الثانية بعد ان رجت لله ان يعيده سالما ، نظرت الى السماء وخاطبت الله مرة أخرى "يا الهي كان ابني يلبس قبعة أيضا"؟!

تعتبر فلسفة سبينوزا لوهلة اولى شديدة التعقيد، يمكن تفسيرها مثلا بالنص الأدبي ، الذي يعتبر نمطا من توابع الفكر – أي امتداد له، مثلا القصيدة الشعرية هي امتدادا لعقل الشخص صاحب النص وليست شيئا مستقلا عن العقل. او الثمر الذي يملأ فروع الشجرة، هو من توابع جذر الشجرة – أي امتداد لها، لأن كلاهما من نفس المادة.. وليسا مادتان مختلفتان.

تتميز فلسفة سبينوزا عن سابقاتها بإعادة تعريفها للإنسان باعتباره كائنا شهوانيا "الشهوة ليست سوى جوهر الإنسان، بنصه الفلسفي اطلق تعبير "الرغبة والارادة". وهو بذلك انقلب عن الفكر الفلسفي السابق الذي طرح العقل بصفته جوهرا للإنسان، كما برز ذلك في فلسفة أفلاطون وأرسطو، اللذان اعتبرا الإنسان كائنا عقلانيا بجوهره.

سبينوزا اعتبر الرغبة أساسا للطبيعة الإنسانية وجوهرها أي ليس العقل. فسر ذلك باننا لا نطلب الأشياء و لا نرغب فيها لحكمنا بأنها خير أو شر، بل قال ان البشر يطلقون صفة الخير أو الشر بسبب رغبتهم في الشيء وطلبهم إياه أو كراهيتهم له. أي كل ما هنالك عبودية للشهوات.

يقول سبينوزا في كتابه "الأخلاق": ان الأخلاق تشكل الرغبة في ماهية الإنسان، إذ أنها تتجذر في أعماقه، لذلك هي صفة خاصة بالإنسان لأنها ترتبط بعنصر الوعي لديه. فالرغبة هي الوعي بما نشتهيه ونريده ونسعى إليه. و إذا كان الإنسان يعي رغباته فهو يجهل عللها (دوافعها) الحقيقية.

يرى اسبينوزا أن ما يسمى الإرادة هو في الواقع رغبات أساسها جميعا حفظ بقاء الفرد ، فكل نشاط بشري مهما تنوع واختلف صادر عن هذه الرغبة في حفظ البقاء، شعر بذلك الإنسان أو لم يشعر، وفي ذلك يقول :"كل شيء يحاول أن يبقي على وجوده، وليس هذا المجهود لحفظ بقائه إلا جوهر حقيقته، فإن القوة التي يستطيع بها الشيء أن يبقى هي لب وجوده وجوهره، وكل غريزة هي خطة هذبتها الطبيعة لكي تكون سبيلا لبقاء الفرد " ويقول حول نفس الموضوع: "نحن لا نسعى إلى شيء، لا نريده ولا نشتهيه ولا نرغب فيه لكوننا نعتقد انه شيئا طيبا، بل نحن على العكس من ذلك نعتبره شيئا طيبا لكوننا نسعى إليه ونريده ونشتهيه ونرغب فيه"

الإرادة كما يطرحها سبينوزا هي الجهد الذي تبذله النفس من أجل المحافظة على ذاتها. فالإرادة تتعلق إذن بالتفكير العقلي وبالقدرة على الاختيار، أما الشهوة فهي مصحوبة بوعي ذاتها ويعبر عنها بالجهد الذي يبذله الجسم والنفس معا من أجل المحافظة على الذات واستمرارها. أي أن الشهوة هي وعي الإنسان بما يشتهيه ويسعى إليه من أجل المحافظة على ذاته!!

 

hatam hamidmohsinفي حواراته المتعلقة بالدين الطبيعي(1) يستكشف هيوم ما اذا كانت العقيدة الدينية عقلانية. وبما ان هيوم تجريبي (يرى ان جميع المعرفة تأتي من خلال التجربة)، فهو يعتقد ان العقيدة تكون عقلانية فقط عندما تستند على الدليل التجريبي.

يعرض هيوم ثلاث شخصيات في حواراته كل واحد منهم يمثل موقعا مختلفا في هذه القضية، الشخصيات منخرطة جميعها في الحوار. (ديما) يجادل لأجل موقف الارثودكسية الدينية، ويصر باننا لا يمكننا معرفة طبيعة الله من خلال العقل. هو يعتقد اننا لا نستطيع ابدا معرفة طبيعة الله لأن الله بطبيعته وراء قدرة الادراك البشري.(فيلو)، المشكك الفلسفي، يتفق مع ديما بان الله لا يمكن ادراكه ويعرض حججا اكثر اقناعا في موقفه.الشخصية الثالثة (كلينثس) يجادل ضد الشخصيتين السابقتين من موقع الايمان التجريبي بالله – اي اننا نستطيع معرفة الله من خلال الدليل الذي توفره الطبيعة .

 يؤسس كلينتش عقيدته في الايمان التجريبي على التصميم. طبقا لهذه الحجة، يمكن توضيح النظام المعقد والجميل للكون فقط بوجود مصمم ذكي هو الله. الحجة يُفترض ان تعمل بطريقة المقارنة (analogy) والتي تقوم على:

1- العالم يشبه الماكنة

2- كل المكائن التي نعرفها خُلقت بالذكاء (ذكاء انساني)

3- لذلك، فان العالم يجب ايضا ان يكون خُلق بذكاء (ذكاء ديني).

لو نظرنا للطبيعة ، سنجد دليلا ساحقا بان ذكاء الله يشبه ذكاء الانسان (مع انه بشكل اكثر كمالا). الحجة من التصميم يُفترض ان تكون احسن موقف يمكن فيه الادّعاء بعقلانية العقيدة الدينية. يأمل هيوم عبر اظهار فشل حجة التصميم اثبات ان العقيدة الدينية لا يمكن ان ترتكز على العقل.

(فيلو) المشكك يعارض حجة التصميم. في القسم 2 هو يحاول اظهار ان حجة التصميم ليست حالة حقيقية ولهذا هي زائفة. حجة التصميم تبدو حجة بالمقارنة، لكنها لا تعمل حتى تحت هذا التصنيف للاسباب التالية:

 اولا، المقارنة بين الماكنة والكون هي مقارنة ضعيفة ، ولذا فان اي استدلال مرتكز على هذه المقارنة يجب ان يكون ضعيفا ايضا.

ثانيا، الكون والماكنة ليسا ظاهرة تصلح للمقارنة لانهما ليسا وجودين مستقلين، وانما الكون هو كل والماكنة جزء منه.

ثالثا، يجادل فيلو ايضا بانه من غير الصحيح ان اي نظام نلمسه نشأ بفعل ذكاء محسوس . بعض الانظمة مثل النظام الموجود في الاجسام العضوية نشأ بواسطة التكاثر ضمن دورة حياة النبات والحيوان generation and vegetation. لا يوجد هناك سبب للاعتقاد بانه فقط لأن العالم منظّم، فمن الضروري ان يكون نتيجة لتصميم ذكي .

اخيرا، ان الحجة الاستنتاجية (حجة ترتكز على دليل من الماضي)، ومنها حجة التصميم هي بالتاكيد، تتطلب تجربة مكررة للظاهرة قيد السؤال(اي، تجربة مكررة لسبب تتبعه نتيجة).

لكن السبب الملائم هنا(الله) والنتيجة (الكون) هما كلاهما متفردان، لهما خصوصيتهما، لذا لا توجد هناك طريقة نحصل بها على مثل هذه التجربة المكررة لوجودهما او لشيء مشابه لهما.

في القسم الرابع، ياخذ فيلو خطا اخرا من الجدال.هو يرى ان الادّعاء بان الله مصمم ذكي لم ينجح في توضيح لماذا العالم منظم. ادراك الكيفية التي اسس الله بها العالم في نظام ليست اسهل من ادراك الكيفية التي يكون بها العالم المادي هو مصدر النظام . في كلتا الحالتين، علينا ان نسال كيف ولماذا يحدث هذا. لذلك، لا مكسب من اظهار الله كمصمم ذكي .

في القسم الخامس، يجادل (فيلو) بانه حتى لو اننا نستنتج اي شيء من حجة التصميم، فهو ليس ما نرغب استنتاجه. في ضوء الدليل الذي لدينا من الطبيعة نحن لا نمتلك ارضية نستنتج منها ان الله لانهائي وتام وواحد، او انه يفتقر لجسم مادي. وهكذا حتى لو ان الحجة من التصميم كانت صالحة، فان الدليل الذي نحصل عليه من طبيعة الكون لا يزودنا بمعرفة عن طبيعة الله.

في القسم السادس مرورا بـ القسم الثالث، يحاول فيلو تبيان ان هناك عدة مقارنات ممكنة غير الماكنة، وهي بنفس المقدار مدعومة بالدليل الذي نجده في الطبيعة. مثلا، يمكن مقارنة الكون بجسم الحيوان والله بروحه.لذلك سيكون من الاعتباط اختيار مقارنة الكون بالماكنة.

في القسمين العاشر والحادي عشر يعرض (فيلو) حجته الحاسمة والشهيرة ضد الايمان التجريبي .

 حتى هذه النقطة، تركّز النقاش حول سمات الاله الطبيعي – لانهائيته وابديته وكماله.اما الآن يختبر فيلو فكرة السمات الاخلاقية لله(مثل خيريته) ويسأل ما اذا كانت هذه تُستنتج من خلال التحقيق في الطبيعة. كل من ديمو و فيلو يرسمان صورة معتمة عن الكون.في تعارض تام مع الانسجام التام في الماكنة التي يفترض كلينثس ان الكون يتسم به، هما يخبراننا ان عالمنا هو مكان تعيس، مليء بالشر. وكما يقول فيلو، اذا كان الكون ماكنة، فان هدفه الوحيد هو مجرد البقاء لكل كائن حي، وليس ان يكون كل كائن حي سعيدا. في ضوء حجم الشر الموجود في العالم، نحن لا نستطيع النظر الى العالم واستنتاج ان هناك خير لا متناهي وحكيم وقوي. لو حاولنا استنتاج الصفات الاخلاقية لله من الدليل الموجود في الطبيعة، فان الاستنتاج المشابه الوحيد الذي يمكن بلوغه هو ان الله محايد اخلاقيا.

في هذه النقطة، يبدو ان فيلو اظهر ان حجة التصميم هي غير صالحة. ولكن في الفصل الاخير ياخذ فيلو اتجاها معاكسا ويقبل حجة التصميم. من الواضح تماما هو يصرح ان العالم المنظم يقف خلفه ذكاء وان هذا الذكاء يحمل شبها مع ذهن الانسان. النقطة الحقيقية في عدم الاتفاق ، هو يستمر، هي كم قوة هذا التشابه. ما يفصل الملحد عن المؤمن هو فقط السؤال عن درجة التشابه بين الانسان والله. فيلو يستمر بمهاجمة الدين المنظم باعتباره مؤذ اخلاقيا وفلسفيا، ويجادل بان الدين الحقيقي (وهو الايمان الفلسفي) وحده يجب القبول به.

اخيرا، هو ينتهي بتبنّي موقف ايماني، يقول فيلو لكلينثس ان الشك الفلسفي هو فقط الطريق الملائم للمسيحية الحقيقية، انه يجبرنا للّجوء الى التجلي عبر اضعاف ايماننا بالعقل. فقط عبر التجلي نستطيع عبادة الله بالطريقة الصحيحة. ولكن من المثير للتساؤل ان يكون هذا الادّعاء الاخير تعبيرا عن افكار هيوم ، كونه كان ذو سمعة مشككة وناقد للمسيحية المنظمة.

Dialogues concerning Natural Religion, David Hume, SparkNot philosophy guide

 

......................

الهوامش

(1) الدين الطبيعي او دين الطبيعة هو الدين المرتكز على العقل بدلا من الوحي الديني. في الدين الطبيعي يكون الله والروح وكل الاشياء التي فوق الطبيعة هي جزء من الطبيعة وليست منفصلة عنها.المبادئ الاساسية للدين الطبيعي عرضها ارسطو واعتبر جميع الاشياء مصنوعة من مادة وشكل. الروح هي شكل جميع الاشياء الحية وتتولى ارشاد وتوجيه تلك الاشياء في تطورها. معظم الاديان الطبيعية تعتبر الله هو روح الكون، والعديد من المفكرين يعتبرون مبادئ الدين الطبيعي عقلانية رغم عدم ثبوتها بالدليل التجريبي. عدد من علماء العصر الحديث مثل البايولوجي البريطاني Rupert Sheldrake يعتقد ان الاكتشافات الجديدة تتطابق مع عقيدة ارسطو في الروح. المغناطيسية والجاذبية وميكانيكا الكوانتم تشير ايضا الى قوى غير مادية تعمل في الطبيعة.

 

ibrahim telbasilkhaيطلق مصطلح "الكانطية الجديدة" على تلك الاتجاهات الفلسفية التى تنادى بالعودة إلى روح فلسفة كانط .. وكان أوتوليبمان  Otto Liebmann(1840-1912) أول من رفع شعار "العودة إلى كانت"  Bak to Kant فى كتابه " كانط والمقلدون " الذى نشر عام 1865 .(8) فكل فصل فى هذا الكتاب ينتهى بقوله: " لذلك فمن الضرورى العودة إلى كانط ثانية " . ولقد ظهرت الخطوة الثانية عند فردريش ألبرت لانجة Feiedrich Albert langa (1828-1875) فى كتابه المشهور " تاريخ المادية "  History of Materialism .

ولقد ظهرت الحركات الفلسفية المختلفة للكانطية الجديدة بصفة خاصة فى ألمانيا فى الفترة من سنة 1870 إلى سنة 1920م ومن أبرز هذه الحركات الفلسفية:

1- المدرسة الفيزيولوجية:  Physiological School عند هرمان فون هلمولتنز Herman von Helmoltz (1821-1894) وفردريش ألبرت لانجه .

2- المدرسة الواقعية: Realist school عند  ألوئيس ريل  Alois Riehl (1844-1924) .

3- مدرسة كوتنجن: Gottingen school عند ليونارد نيلسون Leonard Nelson (1882-1927) الذى اتبع أفكار ياكوب فريز Jacob Fries (1773-1843) .

4- المدرسة النسبية: Relativist school أو السيكولوجية عند جورج زمل Georg Simmel (1853-1918) .

5- مدرسة ماربورج: Marburg school  .

6- مدرسة بادن:  Baden school .

7- المدرسة الميتافيزيقية عند أوتوليبمان ويوهانش فولكت (1848-1930) التى قالت بإمكان قيام ميتافيزيقا نقدية .

والجدير بالذكر أننا نجد أنصار ومؤيدين للحركة الكانطية الجديدة لا فى ألمانيا فحسب بل فى خارجها أيضا، فنجد حركة كانطية جديدة تظهر فى فرنسا ويمثلها رينوفييه Renovvier ونجد حركة كانطية جديدة تظهر فى إيطاليا ويمثلها كل من روزمينى Rosmini وجيوبرتى Giobert وفيورنتينو Fiorentino وتوكو Tocco وماسكى  Masci وشيابلى  Chiappelli، ونجد حركة كانطية جديدة تظهر فى روسيا ويمثلها كل من ففيندنسكبى  Vvdenstky وشيلبانوف Chelpanov .

وقد وقفت الاتجاهات الكانطية الجديدة فى مواجهة المذاهب الميتافيزيقية التقليدية وكانت تؤمن بأن الفلسفة يمكنها أن تكتسب صفات العلم " إن هى سايرت منهج كانط النقدى " . وعلى هذا فقد كان ظهور الكانطية الجديدة تجسيدا لما تنبأ به كانط من أن فكره سوف يأتى أكله خلال مائة عام .

ويمكن القول - بوجه عام - أن الكانطيين الجدد يشتركون جميعا فى عدة مفاهيم توحد بينهم:

1- أنهم ينتسبون جميعا إلى كانط الذى هو فى أعينهم أعظم الفلاسفة وهو عندهم المفكر بألف ولام التعريف للثقافة الغربية الحديثة . وهكذا فإنهم جميعا يقبلون مجموعة كثيرة من مواقفه الأساسية . فهم يرفضون المنهج النفسى ويرفضون الميتافيزيقا ويرون أن الميتافيزيقا تبدو مستحيلة وغير ممكنة، بينما المنهج النفسى وكل منهج تجريبى على العموم ينبغى أن يحل محله فى الفلسفة المنهج الترانسندنتالى . ويرى هذا المنهج أن الفلسفة تنحصر فى جوهرها فى تحليل الشروط المنطقية للمعرفة والإرادة.

2- أنهم جميعا مثل كانط " تصوريون " أى أنهم ينكرون على النحو الذى يرتضيه وحسب تنوعات المدارس وجود الحدس العقلى . وما العقل عندهم إلا ملكة تكوين الكل ابتداء من عناصره وهو لا يحوز قدرة غير قدرة التركيب . وعلى هذا فلا توجد معرفة لمضمون الأشياء ولا الجوهر والاستثناء الوحيد من هذا الإجماع هو حالة " لاسك" حيث وقع تحت تأثير الحركة الفينومينولوجية .

3- أنهم جميعا مثاليون فى نظرية المعرفة، ففعل المعرفة لا يقوم فى عملية إدراك للموضوع، بل فى خلق الموضوع، وكما يقولون " إن الموجود لا يوجد فى ذاته، إنما الفكر وحده هو الذى ينشئه " .

4- أنهم يشتركون فى إحياء الفلسفة وإنقاذ الوعى الأوربى من المذهب التجريبى والتأويلات الوضعية لكانط عن طريق العودة إلى أفلاطون وقراءة كانط من خلاله، وتغليب الجانب القبلى اللاتجريبى اللانفسى النقدى فى فلسفة كانط، وتأسيس الفلسفة على الفكر الخالص كما أسسها كانط على الأفلاطونية، والبحث عن المنطقى والقبلى المستقل عن التجربة فى شتى العلوم الإنسانية فى الجمال والأخلاق وعلم النفس والقانون والاجتماع والتاريخ . واعتبروا الشىء فى ذاته تصورا محددا مستقلا عن العقل، أما عالم الظاهر فإنه عالم واقعى هو عالم الأفكار، وعلى هذا النحو اعتبرت الكانطية الجديدة إحدى صور المثالية .

5- ومن أبرز مدارس الكانطية الجديدة شهرة وتأثيرا على أورتيجا مدرسة ماربورج ومدرسة بادن .. والحق أن دعوة العودة إلى كانط التى رفعها ليبمان ترددت بصفة خاصة لدى مجموعة من فلاسفة هاتين المدرستين ومنهم هرمان كوهين  Herman Cohen، وباول ناتورب paul Natorp، فلهلم فيندلباند  Vilhelm Veindlband  وهنريش ريكرت  Heinrich Rickert فى الفترة من سنة 1870 وحتى سنة 192م . ولقد توافق المناخ الكانطى الجديد لهذه المدارس مع رد الفعل الفلسفى العام فى ألمانيا ضد تقليد التأمل النسقى للمثالية والاتجاهات الميتاعلمية Meta-scientific للنزعة الطبيعية والعلوم الطبيعية .

ولقد تأسست مدرسة ماربورج على يد كل من كوهين وباول ناتورب وكانت هذه المدرسة مرتبطة أساسا بفلسفة العلم واستخدام مناهج المنطق الترانسندنتالى لكانط . وقد عمل كل من كوهين وناتورب أستاذًا للفلسفة فى ماربورج فى الفترة من سنة 1885 وحتى سنة 1912م، وأكدا أهمية دراسة كانط وتبنى الموقف العام لفلسفته وذلك خلال بحثهما فى الخلافات الأبستمولوجية والمنهجية بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية .

كان هرمان كوهين (1842-1918) من أبرز الكانطيين الجدد، وكان أستاذا لأورتيجا، ومن أهم مؤلفاته " نسق الفلسفة – منطق المعرفة الخالص " System of philosophy Logic of pur knowledge" وهو الذى أعطى لمدرسة ماربروج أساسها النظرى بتفسيره المثالى للتصورات الموضوعية العلمية والمقولات الفلسفية على أنها بناءات منطقية . وطبق ناتورب المنهج الترانسندنتالى لتفسير أفلاطون وعلم النفس ومناهج البحث فى العلوم الدقيقة . وطبق آرنست كاسيير آراء مدرسة ماربورج فى تاريخ المعرفة وتاريخ الفلسفة، وهاجم الفكرة القائلة بأن المجردات العلمية انعكاس للواقع، وأحال الواقع المادى إلى مقولات الفكر الخالص واستبدل بقوانينه مقولات مثالية، فالإدراك المعرفى نوع من التفكير الرمزى . ودرس المعرفة العلمية وتاريخ الفلسفة الحديثة واعتبره تقدما مستمرا للصياغات العلمية المختلفة.

ولقد حاول كوهين خلال موقفه المنطقى والترانسندنتالى أن يفند التفسيرات السيكوفيزيقية الطبيعية Naturalist psychophysical للواقع المحسوس وتقدم الوعى الإنسانى فى الفلسفة الكانطية الجديدة عند بعض المفكرين الألمان أثناء هذه الفترة (1885-1912) وخاصة عند هلمهولتز ولانجة . والنزعة الطبيعية بهذا الصدد هى وجهة النظر التى تصرح بأن المعرفة والوعى يعتمدان على الخصائص المادية للطبيعة . وفى عام 1890 كانت وجهة النظر هذه انعكاسا للفلسفة الميتافيزيقية التأملية والمثالية الذاتية Subjective idealism خاصة .

وكان هلمهولتز أحد العلماء البارزين فى ألمانيا .. وقد اهتم بالدراسات السيكولوجية والأبستمولوجية والعلمية عن المكان والزمان وقدم نظرية تجريبية عن الحسى والإدراك .. وكان من أنصار الاتجاه العلمى القائل بوجود قوى نوعية لأعصاب الحس ثم قادة هذا الاتجاه إلى القول بذاتية الصفات الحسية ووصل إلى النتيجة القائلة بأن تصور المكان إنما يتوقف على تكويننا الجسمى . وترتب على ذلك أن درس هلمهولتز إمكانية وجود أكثر من تصور واحد للمكان وبالتالى إمكانية ظهور هندسات أخرى غير إقليدية تلتقى كل واحدة منها مع مجموعة خاصة من أعصاب الحس التى زود بها الكائن الإنسانى . بيد أن هلمهولتز يؤكد فى النهاية أن هذه التصورات الهندسية المتعددة لا يتطابق أى منها بالضرورة مع البناء الواقعى للعالم . وقد اعترف هلمهولتز بفضل الفلسفة الكانطية ووجه الانتباه إلى فائدة "العودة إلى كانط " بالنسبة للأبحاث العلمية .

وحذا لانجه حذو هلمهولتز حيث اعتقد أن معرفتنا عن الواقع المحسوس هى حصيلة ذلك التفاعل بين الكيان العضوى الإنسانى وبين أى واقع آخر يمكن أن يكون غير معروف . وتجربة عالم الموضوعات الفيزيائية (العالم المحسوس) تتحدد بواسطة هذا التفاعل بين البشر، بيد أن الكيان العضوى للإنسان ذاته هو فقط موضوع التجربة ويمكن فهمه بواسطة علم النفس والفسيولوجيا .

ولقد رفض كوهين التفسيرات السيكولوجية عند هلمهولتز ولانجه وأخذ عليهما ما زعماه من أن الفلسفة ينبغى أن تبدأ بتحليل الوعى فتكشف عن تطبيق مقولات الفكر على معطيات الحس وما يتبع ذلك من تكوين عالم للظواهر يختلف عن " عالم الشىء فى ذاته " . فالفلسفة عند كوهين لا ينبغى أن تنشغل بدراسة عمليات سيكولوجية تصل من خلالها إلى نتائج ظنية، بل إنها تنشغل بالاحرى بالمعرفة العلمية ذاتها .

ومن الملاحظ أن فكرة بارميندس الذاهبة إلى أن " التفكير Thinking والوجود Being هما شئ واحد" موجودة عند كوهين فى منطقة، فعنده لا توجد فجوة بين الفكر Thought  والواقع Reality حيث إن الفكر هو جوهر العلم والواقع وأساسهما. وأقام كوهين منطقه على "مبدأ الأصل" The Principle of origin .. واعتقد أن منطق حساب التفاضل والفيزياء الرياضية هو أفضل ما يزودنا بإمكانية معرفة المبادئ الأساسية لواقع الأشياء التجريبية وفهمها وأن العلم النيوتونى أثبت إمكانية المعرفة القبلية للطبيعة والأشياء الفيزيقية عن طريق المفاهيم الرياضية للمكان والزمان .

والمنطق عند كوهين ليس سيكولوجيا وليس صوريا بحتا لأنه يفترض دائما وجود معطيات مصدرها الإدراك أو حتى الحدس الخالص . المنطق عنده ليس فكرا فارغا كما أن أى حكم تقريرى لا معنى لصدقه إلا بالنسبة إلى موقعه داخل نسق من القوانين الكلية تستند بدورها إلى أسس منهجية . إذن صورة الفكر لا تنفصل عن مضمونه، وهذا المضمون ليس شيئا آخر سوى الواقع باعتباره موضوعا وهدفا لها، وتقدم المعرفة يعنى نمو الفكر عن معطياته كما ارتأى كانط . ولا مجال للنظر إلى الأعداد باعتبارها مادة خام تفرض من الخارج، فقد تعلم كوهين من حساب التفاضل والتكامل أن الأعداد اللامتناهية لا وجود لها أساسا كمعطيات خارجية بل هى على الأحرى من خلق الفكر .

إذن وقائع العلم عند كوهين تتحدد بالفكر، لذلك فإن " الأشياء فى ذاتها "– themselves  Things in بالنسبة له ليست أشياء كما هى وكما تعرف بالمنطق وبالفيزياء الرياضية .. ونقد كوهين فى أعماله فكرة كانط عن  " المعطيات المستقلة " لمقولات  " الأشياء فى ذاتها " وقوانينها واكتفى بأن الخاصية اللازمة للطبيعة تستمد من المنطق الرياضى للفكر الخالص وتكون مستقلة عن إدارك الحواس وحاول كوهين عن طريق " المنهج الترانسندنتالى " أن يحطم الحاجز الذى أقامه كانط بين المعرفة القبلية والمعرفة التجريبية أو البعدية بالتمييز بين الإحساس باعتباره مستقلا والفهم باعتباره فعالية تلقائية.

وهكذا نجد أن الكانطية الجديدة عند كوهين لم تكن فقط عودة إلى كانط بل إنها قد تجاوزته أيضا، وقد رفض كوهين فى تجاوزه لكانط التصور الخاص بعالم النيومينا أى عالم الشىء فى ذاته وتجاوز " عالم الفنومينا " أى عالم الظواهر . وذهب إلى أن قوانين الطبيعة لا يمكن أن تفهم باعتبارها مقولات يستطيع العقل عن طريقها أن ينظم المعطيات الحسية Sense- Data التى يتلقاها . والأصح أن فهم القوانين يستمد من عالم الفكر الخالص وحده بعيدا عن المعطيات الحسية الخام . وفى هذا العرض يبدو لنا كوهين فيلسوفا مثاليا وأكثر راديكالية من كانط .

أما باول ناتورب (1854-1924) فقد كان من أبرز مفكرى الجيل الثانى بمدرسة ماربوج . اهتم بأحدث ما ظهر من اكتشافات فى العلوم وخاصة نظرية النسبية فى كتابه

" الأسس المنطقية للعلوم الدقيقة " . وقد حاول ناتورب أن يملأ الفراغ الذى تركه كوهين بين العلم كواقعة معرفية قائمة وبين الوعى الفردى الذى كون هذه المعرفة مخالفا بذلك لزميله كوهين . واستطاع – فى علم النفس – أن يصل إلى نتائج تماثل النتائج التى وصل إليها دلتاى.

" وقد رأى البعض أن ناتورب بحرصه على تحقيق التقارب بين الموضوعى والذاتى، إنما يحقق الوحدة الفكرية والمنهجية للفلسفة بوجه عام، فقد كان ناتورب بحق من أكثر المتحمسين للمنهج بمدرسة ماربورج، يقول ناتورب: " لقد فهمنا من قراءتنا لكانط أن الذاتية لا تظهر إلا مع الموضوعية فهى ترتبط معها بعلاقة وثيقة بالإضافة إلى أن كلتيهما تنبثق عن أسس لا نقول إنها ذاتية أو موضوعية لأنها تتجاوز هذا الاختلاف ".

ونلاحظ من ناحية أخرى أن ناتورب قد فسر الأفلاطونية تفسيرا جديدا ووضع دراسات خاصة عن المشكلات البيداجوجية Pedagogical Problems والسيكولوجية .

وإذا انتقلنا إلى الاتجاه الآخر للكانطيين الجدد وهو اتجاه " مدرسة بادن" لوجدنا أن أتباعها وخاصة فيندلباند وريكرت كانوا يركزون على دراسة الظواهر الإنسانية والاجتماعية باعتبارها دراسات تاريخية أو دراسات ثقافية Cultural Studies كما اهتموا بجانب القيم المختلفة .

فلهم فيندلباند (1848-1915) هو أحد مؤرخى الفلسفة الأكثر شهرة وكان من أكثر المتحمسين للفيلسوف كانط ولرغبته فى إحداث تقدم فى الفلسفة مماثل لتقدم العلوم، وهو صاحب التساؤل الشهير: كيف يتسنى لنا أن يكون فهمنا لكانط دقيقا بحيث نجرؤ على تجاوزه؟.

وفى المحاضرة التى ألقاها فيندلباند عام 1894 فى جامعة ستراسبورج Universtity of Etrasbourg  عن " التاريخ والعلم الطبيعى " قدم بحثا فى الأبستمولوجيا يتسم برؤية كانطية جديدة حيث ميز بين المعرفة المستمدة من العلوم الطبيعية والمعرفة المستمدة من الدراسات التاريخية أو العلوم الثقافية . ولقد عدل فينندلباند عن وجهة النظر التى ترى الواقع كفكر خالص والتى نجدها عند كوهين ومدرسة ماربورج وذلك بفكرته القائلة بأن المشكلة الأبستمولوجية للواقع التجريبى هى مشكلة فى القيم وليست مشكلة منطقية .. وكان فيندلباند أكثر ارتباطا بمسائل القيم من مشكلات المنطق كما وجه اهتمامه إلى التمييز بين العلوم الطبيعية والدراسات التاريخية .(29) التمييز بين علوم " واضعة للقوانين " وبين "علوم مصورة للأفكار "، العلوم الطبيعية واضعة قوانين لأنها تهدف إلى صياغة قوانين عامة أما العلوم الإنسانية ولها مناهج مختلفة فهى " مصورة أفكار " ومنها علم التاريخ، العلوم واضعة القوانين تدرس ما يتكرر على نمط واحد بينما العلوم مصورة الأفكار كالتاريخ مثلا فإنها تدرس ما حدث مرة ولا يحدث ثانية . وإذا نظرنا كيف يفكر كل من العالم والمؤرخ لوجدنا العالم يهدف إلى المعرفة، هذه غاية العلم، أما المؤرخ فيسعى إلى التقييم ومن ثم يمكن أن يعد التاريخ من علوم القيم، فالأحكام الأخلاقية التى يصدرها المؤرخون والتى تشكل ما يعرف باسم " حكم التاريخ " تجعل هذا العلم قريبا من علم الأخلاق .

كما ذهب فيندلباند إلى أن العلوم التجريبية فى معرفتها للواقع إنما تهتم بالعام الذى يظهر فى صورة قانون طبيعى أو الفردى الذى يتحدد من زاوية تاريخية معينة إذن تهتم بالصورة العامة لواقع يتصف بالثبات كما تهتم بالمضمون الذى يتحدد فى أفراد الواقع ويتميز فيه كل فرد عن الآخر، والعلوم التى تهتم بالكشف عن الصور العامة هى علوم تبحث عن قوانين أما النوع الثانى من العلوم فهى التى تهتم بالأحداث المفردة . الأولى تنصب على ما يتصف بالدوام، والثانية تهتم بما حدث لمرة واحدة، الأولى باحثة عن قوانين، والثانية تصف الحالات الفردية.

أما ريكرت فإنه شارك فيندلباند فى رؤيته لأهمية معيار القيم والمعانى وفكرة التمييز بين المعرفة العلمية الطبيعية وبين المعرفة التاريخية .. ورأى أن العلوم الثقافية أو الدراسات التاريخية تبحث وتلاحظ ما هو فردى فى الواقع ولا يكون متضمنا فى المبادئ العامة . والمعرفة التاريخية لا تهدف إلى بلوغ المفاهيم العامة للأشياء بل تتعلق بالتصور الفردى الوحدوى لها .. ولقد حذا ريكرت حذو فيندلباند حيث اعتقد أن الاختلافات الأساسية بين التاريخ " العلوم الثقافية " أو الدراسات التاريخية وبين العلوم الطبيعية تكون فى المنهج، فبينما تهدف العلوم الطبيعية إلى اكتشاف القوانين فإن العلوم الثقافية بالمناهج المقارنة تدرس الظواهر الاجتماعية والإنسانية وتحللها تحت تأثير الاستطيقا والقيم الفكرية والأخلاقية . كما تابع ريكرت فيندلباند فى تأويله وتفسيره للمقولات الكانطية فى ضوء نظرية القيم وفى تفرقته بين العلم والتاريخ .

 

hatam hamidmohsinمنذ الخمسينات من القرن الماضي اصبح مفهوم "التحطيم البناء"، يُنسب الى الاقتصادي النمساوي الامريكي جوزيف شومبيتر الذي اشتقه من عمل كارل ماركس وصاغه كنظرية في الابتكار الاقتصادي ودورة الاعمال.

طبقا لشومبيتر، فان "التحطيم البناء" يصف عملية التحول الصناعي الذي يغير جذريا وباستمرار البناء الاقتصادي من الداخل، يحطم باستمرار البناء القديم ويخلق آخر جديد محله. وفي النظرية الاقتصادية الماركسية يشير مفهوم التحطيم البناء الى العمليات المترابطة بين تراكم الثروة وتحطيمها في ظل الرأسمالية.

اما السوسيولوجي الماركسي الالماني (ورنر سمبارت) فكان له الفضل في الاستعمال الاول لهذا المصطلح في عمله (الحرب والرأسمالية، 1913). ولكن في الاعمال المبكرة لماركس، كانت فكرة التحطيم البناء تتضمن ليس فقط ان الرأسمالية تحطم وتعيد بناء الانظمة الاقتصادية السابقة، وانما ايضا  يجب وباستمرار ان تقلل من قيمة الثروة القائمة (سواء من خلال الحروب او التقادم او ازمات اقتصادية دورية منتظمة) لكي تهيئ الارضية اللازمة  لخلق ثروة جديدة.

وبالرغم من هذا، اكتسب المصطلح لاحقا شعبية ضمن الاقتصاد الليبرالي الجديد او اقتصاد السوق كوصف للعمليات مثل التقليص لكي يمكن زيادة فعالية ودينامية الشركة. الاستعمال الماركسي جرى ترسيخه وتطويره في اعمال العلماء ديفد هارفي و مارشال بيرمن و مانول كاستيل.

 

في الفكر الماركسي

مع ان المصطلح الحديث"التحطيم البناء"لم يكن مستعملا بوضوح من جانب كارل ماركس، لكنه اُشتق من تحليلاته، خاصة في اعمال ورنر سمبارت (الذي وصفه انجلس بالبروفيسور الالماني الوحيد الذي فهم كتاب رأس المال لماركس)، وجوزيف شومبيتر الذي ناقش مطولا اصل الفكرة في اعمال ماركس.

في البيان الشيوعي عام 1848، وصف كل من ماركس وانجلس نزعة الراسمالية "لتدمير العمليات الانتاجية الواسعة":

مجتمع البرجوازية الحديثة، مع علاقاته في الانتاج، التبادل والملكية، المجتمع الذي جلب هذه الوسائل العملاقة للانتاج والتبادل، هو كالساحر الذي لم يعد قادرا على السيطرة على العالم الذي سُحر به. يكفي القول ان الازمات التجارية ذات الطبيعة الدورية وضعت وجود كل المجتمع البرجوازي امام المحك، في كل مرة تكون اكثر تهديدا. في هذه الكوارث، يتم التدمير الدوري لجزء كبير ليس فقط من الانتاج القائم وانما من القوى المنتجة السابقة . في هذه الازمات، ينتشر الوباء الذي اُعتبر سخافة – وباء الانتاج المفرط. المجتمع يجد نفسه فجأة اعيد ثانية لحالة البربرية المؤقتة، يبدو كما لو كانت مجاعة او حرب عالمية مدمرة تقضي على كل وسائل الرزق،  اما الصناعة والتجارة تبدوان محطمتين،  ولكن لماذا؟ لأن هناك الكثير من الحضارة، الكثير من وسائل العيش، الكثير من الصناعة والتجارة. القوى الانتاجية التي في حوزة المجتمع لم تعد تميل لأي تطوير آخر لظروف الملكية البرجوازية، بالعكس، انها تصبح قوية جدا في هذه الظروف ... كيف تتخطى البرجوازية هذه الكوارث؟. من جهة، عبر التحطيم الملزم لعمليات الانتاج الواسع، ومن جهة اخرى، عبر افتتاح اسواق جديدة والاستغلال التام للاسواق القديمة. اي، عبر تمهيد الطريق لأزمات اكثر كثافة واكثر تدميرا، وعبر اضمحلال الوسائل التي تُمنع بها الكوارث. وبعد عدة سنوات،  وفي مخطوطة لماركس بعنوان Grundrisse، كتب ماركس ان "التحطيم العنيف لرأس المال يتم ليس بعلاقات خارجية له، وانما كشرط لبقائه الذاتي". بمعنى اخر،  هو يؤسس ارتباط ضروري بين القوى الخلاقة للانتاج الراسمالي وتحطيم القيمة الراسمالية كاحدى الطرق الرئيسية التي تحاول بها الراسمالية التغلب على تناقضاتها الداخلية:

هذه التناقضات تقود للانفجارات والكوارث والأزمات، التي يؤدي بها وقف العمالة وتدمير جزء كبير من راس المال الى العودة الى النقطة التي مكنت من الاستخدام الكامل لقوى الانتاج بدون الانتحار.

في نظريات فائض القيمة يميز ماركس بين السيناريوهات التي يؤثر بها تحطيم قيمة السلعة اما على القيم الاستعمالية او القيم الاستبدالية لها. تحطيم القيمة الاستبدالية مترافقا مع الاحتفاظ بالقيمة الاستعمالية يمثل فرصة واضحة لإستثمار رأسمالي جديد ومن ثم اعادة دورة الانتاج- خفض القيمة:

ان تحطيم رأس المال من خلال الأزمات يعني تأكل القيم بشكل يمنعها من التجديد اللاحق لعملية اعادة الانتاج كرأسمال في نفس الحجم. هذا هو التاثير التدميري لهبوط اسعار السلع. انه لا يسبب التحطيم لاي قيمة استعمالية.ما يخسره احد يكسبه اخر.القيم المستعملة كرأسمال تُمنع من العمل مرة اخرى كرأسمال في ايدي نفس الشخص. الرأسماليون القدامى يذهبون للافلاس.

ان جزءا كبيرا من رأسمال المجتمع الاسمي، اي، القيمة الاستبدالية لرأس المال القائم، يتحطم كليا، وبما ان هذا التدمير،  لايؤثر على القيمة الاستعمالية، فهو يسرّع الانتاج الجديد.هذه ايضا هي الفترة التي خلالها يثري اصحاب النقود انفسهم على حساب المصلحة الصناعية.

الجغرافي والاجتماعي ديفد هارفي يلخص الفروق بين الاستعمال الماركسي لهذه المفاهيم واستخدام شومبيتر:"كل من ماركس وشومبيتر كتبا مطولا حول نزعتي "الخلاق والمدمر"المتأصلة في الراسمالية. بينما يبدي ماركس اعجابه بالصفة الخلاقة للراسمالية هو يؤكد بقوة على سمتها في التحطيم الذاتي. شومبيتر لطالما اعجب بالطاقة الخلاقة اللامتناهية للرأسمالية بينما اعتبر الصفة التدميرية مسألة تتعلق بالكلفة العادية لانجاز الاعمال.

 

استعمالات اخرى مبكرة

في الهندوسية، الاله شيفا هو خالق ومدمر في آن واحد، وهو ما اُعتبر مصدر الفكرة الغربية للتحطيم البناء. وفي التعابير الفلسفية، كان مفهوم التحطيم البناء قريبا من مفهوم هيجل للنفي sublation . اما في النقاشات الاقتصادية الالمانية جرى اخذ المفهوم من كتابات ماركس بواسطة ويرنر سمبارت، خاصة في كتابه Krieg and Kapitalismus الصادر عام 1913 :

مرة اخرى، تبرز من التدمير روح جديدة من الخلق، ندرة الخشب وحاجات الحياة اليومية دفعت الى اكتشاف بدائل للخشب، واستعمال الفحم للتدفئة، واختراع فحم الكوك في انتاج الحديد.نيتشة بدوره جسّد التحطيم البناء للحداثة عبر الشخصية الاسطورية للاله دينوسيس، الشخصية التي اعتبرها في نفس الوقت "خلاقة تدميريا"و "مدمرة ابداعيا".

في كتابه on Genealogy of morality عام 1887 يؤكد نيتشة على المبدأ العالمي لدورة الخلق والتدمير، بحيث ان كل عمل خلاق تتبعه نتائجه التدميرية:

ولكن هل سألتم انفسكم بما يكفي عن مقدار كلفة بناء كل مثال على هذه الارض؟ كم هي الحقيقة التي اسيء فهمها وشُوّهت،  كم حجم الكذب الذي كان يتوجب تقديسه،  كم عدد الضمائر التي تعكرت،  كم مقدار التضحية بالاله في كل مرة؟ اذا كان يتوجب بناء معبد فان معبدا آخر لابد ان يُدمّر: ذلك القانون – ليأتي اي شخص يثبت لي عدم تحقق ذلك في حالة واحدة.

 

ارتباط المفهوم بشومبيتر

في كتابه (الراسمالية، الاشتراكية والديمقراطية، 1942) طور شومبيتر المفهوم بعد قراءة دقيقة لأفكار ماركس (والتي خصص لها كل الجزء الاول من الكتاب)، مجادلا (في الفصل الثاني) بان قوى التدمير البنّاء التي اطلقتها الراسمالية ستقود بالنهاية الى زوالها كنظام.

 مفهوم التحطيم البناء اشتقه شمبتر من الفكر الماركسي واستخدمه لوصف العملية التدميرية للتحول الذي يترافق مع الابتكار:

الرأسمالية،  بطبيعتها شكل او طريقة من التغيير الاقتصادي وهي لا يمكن ابدا ان تكون مستقرة ... الحافز الاساسي الذي يديم ويحافظ على المحرك الراسمالي في الحركة ياتي من الاسواق الجديدة ومن الاشكال الجديدة للتنظيم الصناعي الذي يخلقه المشروع الراسمالي.

 ... ان افتتاح اسواق جديدة اجنبية او محلية، والتطور التنظيمي من الحرف اليدوية والمصنع الى اهتمامات مثل الستيل الامريكي يوضح عملية التحول الصناعي التي باستمرار تغير دراماتيكيا البناء الاقتصادي من الداخل، باستمرار تحطم البناء القديم، باستمرار تخلق نظاما جديدا.هذه العملية من التحطيم البناء هي الحقيقة الضرورية للراسمالية. انها تشكّل  الراسمالية وهي الهم الذي يعيشه كل راسمالي ... الراسمالية تتطلب عصفا دائما للتحطيم البناء.

في نظرته للراسمالية يرى شومبيتر ان دخول ابتكاريين جدد كان القوة الخلاقة التي حافظت على النمو الاقتصادي حتى مع تحطيم القيمة للشركات والعمالة القائمة التي تمتعت بدرجة من القوة الاحتكارية المشتقة من النماذج التكنلوجية والاقتصادية والتنظيمية السابقة.كان شومبيتر متشائما حول ديمومة هذه العملية، يراها تقود بالنهاية الى تآكل الاطار المؤسسي للراسمالية:

في تحطيم اطار المجتمع قبل الراسمالية،  تكون الراسمالية حطمت ليس فقط الحواجز التي تمنع تقدمها وانما حطمت ايضا الدعامات التي منعت انهيارها. هذه العملية هامة في ضرورتها القاسية، لم تكن مجرد مسالة ازالة الاشياء المؤسسية الميتة وانما ازالة شركاء طبقة الراسمالي الذين كانت علاقات التبادل معهم عنصرا ضروريا لمشروع الراسمالي ... العملية الراسمالية اضعفت ذاتها بنفس الطريقة التي حطمت بها الاطار المؤسسي للمجتمع الاقطاعي.

في الحقيقة،  الابتكار الناجح هو عادة مصدر لقوة السوق المؤقتة، تقلص الارباح ومواقع الشركات القديمة لكنها تستسلم بالنهاية لضغوط الاختراعات الجديدة والمتاجرين بها من المنافسين الجدد.التدمير الخلاق هو مفهوم اقتصادي قوي لانه يستطيع توضيح العديد من التغييرات الديناميكية:التحول من السوق التنافسي الى السوق الاحتكاري والعودة مرة اخرى.

 

ديفيد هارفي David Harvey

يرى ديفد هارفي ان التحطيم البناء هو سيف ذو حدين ويضيف:

ان تاثير الابتكارات المستمرة هو تأكل قيمة الاستثمارات السابقة ومهارات العمل ان لم يكن تحطيمها . التحطيم البناء هو جزء لا يتجزا من دورة راس المال ذاتها. الاختراع يفاقم عدم الاستقرار وعدم الآمان، وبالنهاية يصبح القوة الرئيسية في دفع الراسمالية الى نوبات متكررة من الأزمات. الصراع للابقاء على الربحية يدفع الراسماليين للسباق في استكشاف كل انواع الامكانات. خطوط انتاج جديدة تُفتتح وهو ما يعني خلق حاجات ورغبات جديدة. الرأسماليون مجبرون لمضاعفة جهودهم لخلق حاجات جديدة لدى الاخرين. النتيجة هي مفاقمة عدم الأمن واللااستقرار حينما يتحول رأس المال الواسع والعمال من خط انتاجي الى آخر تاركين جميع القطاعات تتحطم. الحافز لإعادة التموضع في اماكن اكثر ربحية (الحركة الجغرافية لكل من راس المال والعمل) يعمق جذريا وباستمرار الانقسام بين العمل الدولي والاقليمي، مضيفا بعدا جغرافيا هاما لعدم الآمان. التحول الناجم عن تجربة المكان ترافقها ثورة في البعد الزماني عندما يكافح الرأسماليون لتقليل الوقت المطلوب لإستبدال رأس المال الى اقصر ما يمكن.

العولمة يمكن اعتبارها الشكل الحتمي لضغط الزمان والمكان، تسمح لرأس المال المستثمر للانتقال فورا من زاوية في العالم الى اخرى مخفضا قيمة الاصول الثابتة وتاركا العمالة في المناطق الحضرية بينما تُفتتح مراكز جديدة للتصنيع في مواقع اكثر ربحية لعمليات الانتاج.ومن هنا فان الراسمالية بهذه العملية المستمرة من التحطيم البنّاء لا تحل تناقضاتها وازماتها الداخلية وانما فقط تنقلها من موقع جغرافي الى آخر .  

 

hatam hamidmohsinهناك نزعة عامة بان العالم اللا فلسفي لا يثمن الفلسفة ويعتبرها تنظيرا خالصا لا ارتباط له بالمشاكل التي يواجهها الناس في حياتهم اليومية.غير ان هذا ليس صحيحا بالضرورة. هناك العديد من الفلاسفة كافحوا لإيجاد وسائل لتذليل المشاكل عبر توجيه انتباه الناس ودفعهم للتفكير بالمظاهر الاساسية للحياة. مثال على هذا هو سورن كيركيجارد 1813-1855.

مع شعوره بالاستياء من النظام الفلسفي المهيمن لهيجل ومن جميع الفلسفات الشهيرة الاخرى في ذلك الوقت، سعى كيركيجارد للاجابة على اسئلة الحياة بالرجوع الى العصور القديمة والى المفكر الذي شعر بقربه الروحي والذهني منه. هذا المفكر هو سقراط - مشاغب اثينا- اصبح نموذج التقليد الرئيسي للشاب كيجارد الذي اراد الاستمرار بفن الحكمة الروحية واصبح هو ذاته مشاغب كوبنهاجن. تماما كما فعل سقراط، حاول كيجارد تحدي المعتقدات السائدة في زمانه. هو اراد ان يبين بان الحقيقة المهمة الوحيدة هي حقيقة ذاتية داخلية. بالنسبة لكير كيجارد يستطيع المرء المعرفة الحقيقية فقط عبر التحليل الصادق والعميق لذاته، معرفة في منْ هو او ليس هو، ماهي قيمه ومعتقداته، ماهي الحقائق بالنسبة له.

على عكس سقراط، الذي عرفنا افكاره عبر مصادر اخرى، كان كيركيجارد كاتبا خصبا .فقد ترك خلفه مجموعة من الكتابات تركزت على افكار واهتمامات معينة.عمله ربما يبدو متناقضا لأول وهلة، ولكن بالنظرة المتفحصة يستطيع المرء رؤية ان تلك الاعمال تتبع نفس المشروع "السلبي" لدى سقراط.

الفيلسوف القديم اعتقد بعدم وجود اي شخص يستطيع ادّعاء امكانية المعرفة المطلقة (ولهذا يأتي لقب "سلبي"كمضاد للفلسفة "الايجابية"، وان كل فرد يستطيع ويجب ان يفكر بنفسه وبهذا سيجد قيمه الخاصة و طريقه الخاص في الحياة. هذا يمكن ان يتم بالفحص الدقيق لتفكير المرء. سقراط اطلق على هذا التكنيك في مساعدة الناس ليكونوا واعين بمعرفتهم الداخلية اسم maieutic، نسبة للممرضة مايا في اثينا. سقراط تواضع في نفسه، مدعيا انه لا يعرف اي شيء، وهو يسأل محاوره سلسلة من الاسئلة تهدف لاثبات معرفة الفرد او الافتقار لها. هذه الحوارات عادة تنتهي في الـ aporia – وهي حالة من الالتباس وعدم الفهم مع عدم ايجاد حل في الموضوع قيد المناقشة، لكن هنا سيدرك الفرد جهله. كيركيجارد انتهج نفس مشروع سقراط، محللا تفكيره الخاص، وبعمله هذا يكون قد ادرك بان:

"الشيء هو العثور على الحقيقة والتي هي حقيقة بالنسبة لي، العثور على الفكرة التي لأجلها ارغب ان اعيش واموت ... ما الفائدة في هذا الشأن اذا اكتشفت ما يسمى الحقيقة الموضوعية، او لو عملت طريقتي من خلال انظمة الفلاسفة ... ؟ وما الفائدة في ان اكون قادرا لعمل نظرية عن الدولة .. والتي انا ذاتي لا اجسدها وانما مجرد احملها ليراها الآخرون؟ ما فائدة ان اكون قادرا على عرض معنى المسيحية، او توضيح عدة حقائق منفصلة، ان لم يكن لها معنى عميق في نفسي وحياتي؟ يجب على المرء اولا ان يتعلم معرفة نفسه قبل معرفة اي شيء آخر .. فقط عندما يمتلك الفرد فهما داخليا لنفسه، ومن ثم يرى الطريق امامه في مساره، ستكتسب حياته المعنى و الراحة الدائمة ".

استعمل كيركيجارد اسماءا مستعارة كطريقة لإبعاد نفسه عن الافكار في كل كتاب. كل اسم هو تجسيد لطريقة في رؤية العالم، طريقة عيش الحياة. عبر اعماله هو اقترح ثلاث مسارات رئيسية للحياة: الجمالي، الاخلاقي، الديني (بالنسبة له المسيحية).

الجمالي يرى العالم من خلال الانقسام بين الممتع/المزعج. بالنسبة له، الحياة صُنعت لتعاش، لتمارس، ولا وجود هناك لسلسلة من الخيارات. الحياة هي الفورية والمباشرة. الجمالي، بالعكس، يرى هناك فقط سلسلة خيارات. بالنسبة له، الحياة هو ما تقوم به .لا يكفي فقط ان تعيشها، انت يجب ان تعمل خيارات ملموسة تعطي شكلا لوجودك ولذاتك. الحياة مسؤولية. الانقسام الاخلاقي هو (الخير مقابل الشر). المسيحي، من جهة اخرى يعترف بانك لا تستطيع النجاح في خلق ذات تامة. ولكن من خلال الايمان في عفو الله انت تستطيع قبول ظروفك غير التامة وتعيش ذاتك كذات خاصة بك. ولكن رغم ان هذه الخيارات تبدو كثيرة كانها تمثل حلول حتمية، لكن امكانات حياة كيجارد هي فقط امكانات. اي واحد منها لا يمثل "حقيقة نهائية". كيركيجارد يراها مجرد خيارات يستطيع المرء عملها في حياته.

اتجاه كيركيجارد لازال ملائما بسبب تركيزه على الفرد. كل منا يشعر بالحاجة للهدف. ما علّمنا اياه كيجارد وسقراط هو ان هذا الهدف يمكن تحقيقه فقط عبر خياراتنا وافعالنا، والطريقة التي نعيش بها حياتنا. لا احد آخر، لا الفيلسوف ولا الكاهن يستطيع اخبارنا عن من وماذا نحن، او ماذا يجب ان نعمل.نحن يجب ان نكتشف ونقرر ذلك لانفسنا، في داخلنا من مكان هو الاكثر الفة، فيه نستطيع جعل ذاتنا الحقيقية تأتي الى الضوء ومن ثم تشرق على مسارنا الخاص .من المهم لنا معرفة انفسنا واكتشاف ما هي قيمنا، عقائدنا، حقائقنا – لكي نعيش حياة اكثر قناعة. من المهم معرفة من نحن حقا، لكي لا يستطيع اي شخص استغلالنا لعمل ما هو مضاد لذواتنا الداخلية.

كير كيجارد لم يعرض لنا الحقائق المجردة والموضوعية، وانما يتحدانا لاكتشاف الحقائق الذاتية لانفسنا. هو يقترح تشجيعنا لنصبح مستقلين: "عبارة اعرف نفسك"تعني افصل نفسك عن الاخرين.

في النهاية، ما يقوم به كير كيجارد يجعلنا اكثر جرأة لنعيش، عبر اختيار كيفية العيش، وعبر تحمّل المسؤولية عن حياتنا. فهل نستطيع ان نكون بمستوى توقعاته؟

 

Philosophy Now , Aug/sep 2016

 

zouhair khouildi"بما أننا نرى أن الحياة ليست الا حركة للأطراف تكمن بدايتها في قسم رئيسي ما في داخلها، فلماذا لا يمكننا القول أن لكل الآلات (التي تتحرك ذاتيا...) حياة اصطناعية؟"1

لقد تميز تعليم توماس هوبز (1588-1679) بالانجذاب إلى الدراسات الكلاسيكية والاهتمام بالرياضيات والفيزياء ولقد سافر إلى فرنسا وألمانيا وايطاليا وقام بقراءة وترجمة المؤلفات التاريخية لتوسديد وفي الأثناء فتح له الأب ميرسان الباب لكي يتعرف على مجتمع العلماء في القارة الأروبية وينشر كتاباته البسيكولوجية والفيزيائية.

في هذا الاطار يمكن التذكير بأن هوبز ألف مجموعة من الكتب ربما أشهرها كتابي "اللويثان" (التنين) و"عناصر في القانون الطبيعي والسياسي" واللذان يتنزلان في الفلسفة السياسية والقانونية ، ودرس فيهما حالة الطبيعة والحالة المدنية والعقد الاجتماعي وأسس السلطة والجمهورية والعلمانية والمسألة الدينية وركز فيه على الحماية. ولقد طرح للنقاش عدة قضايا جديد تتنزل في إطار المذهب التجريبي مثل الحركة والفراغ واللانهائي والبصريات وفكر في علاقة الحرية والصدفة والضرورة واعتبر الحركة هي المبدأ الفيزيائي المولد للأشياء الطبيعية واستعمله في تأسيس نظرية جديدة في الأخلاق والسياسة. لقد تبني هوبز نظرة مادية حينما اختزل كلية العالم في مجموعة من الأجسام ولما جسد كل شيء بما في ذلك الله الذي اعتبره جسما كبير يحوي العالم والجمهورية التي اعتبرها جسما سياسيا وشبه هوية المجتمع بالعضوية الفردية.

كل ما يوجد في الكون هو أجسام وقوى وحركات والمجتمع والسلطة السياسية ليستا من الأمور الطبيعية بل يقوم الإنسان بتشييدهما بالاصطناع وعن طريق الاتفاق للخروج من حالة الحرب إلى الحالة المدنية.

 كما أنه ترك مؤلفات أخرى على غرار" في المواطنDe cive " و"في الإنسان De homine " ولكن القسم الذي يظهر فيه التصور الميكانيكي للطبيعة بشكل واضح يسمى "في الجسم De corpore" ويضم في القسم الأول منه عناصر فلسفية تتراوح بين الفلسفة الأولى والمنطق والفيزياء وعلاقة الإنسان بالكون.

لقد ترتب عن الفكر الميكانيكي والاصطناعي عند هوبز تصورا ماديا متشائما عن الإنسان يعتبر هذا الكائن موهوبا بأهواء عنيفة وانفعالات متوترة وليس بالعقل والإرادة تدخل جميع الأفراد في صراع قاتل.

في هذا السياق صرح ما يلي:" ليس الفكر سوى حركة الجسم". لقد أدى به مثل هذا التصريح الى الدخول في نقاش ساخن مع رونيه ديكارت حول مسألتين حاسمتين:

-  الأولى هي من طبيعة علمية وتتعلق بنظرية الضوء وراسل الأب مايرسون ودافع عن الطابع المادي للضوء ودحض فكرة روحانية الجوهر أو لاماديته التي قال بها ديكارت. وقد استنتج من ذلك أن الإحساس ليس مجرد تقبل وإنما هو تنظيم للمعطيات عن طريق عملية التمثل

-  الثانية من طبيعة فلسفية وتتعلق بالتأملات ويتم مراجعة طبيعة الجوهر الجسمي أو المادي وطبيعة الذات وملكات الله على غرار العلم والإرادة والقدرة والعقل والرحمة والعناية.

من المعلوم أن هوبز تأثر بمقال في المنهج لديكارت واهتم بنظرية النور الطبيعي لكن حدثت خصومة وتنافس وصل إلى حد الاتهام بالنسخ ودفعت بهوبز الى تجذير مواقفه من العقلانية وتعميق نسقه التجريبي والتفريق دلاليا بين كلمة الروح esprit الفرنسية وكلمة mind الفكر الإنجليزية التي سمحت باعتبار الخيال والإحساس من ملكات المعرفة على خلاف ديكارت الذي سبق له أن أطردهما وحملهما مسؤولية التغليط. لقد قام هوبز باستبدال الكلمة التي تتضمن عبارة الكوجيتو أنا أفكر بترجمة أنجليزية محرفة هي أنا مفكر. ولقد جسد الصراع بين الحيوانات والآلات التعارض الجوهري بين الفيلسوفين. إذ يعتبر هوبز الحيوان موهوبا بالإحساس والعاطفة والخيال والحذر وأنتج معنى اصطناعيا للروح ويعتمد على تمثل العالم في بناء فلسفته الطبيعية.

لقد تعامل هوبز مع فكرة الكوجيتو بوصفها تحقيق لغوي أو فضاء دلالي لا غير وقام بنقد اللغة التي استخدمها ديكارت لقول الفكرة الجديدة وكشف عن وقوعه في أحكام مسبقة تربوية ناتجة أخطاء الفلسفة القديمة. يستحيل على المرء حسب هوبز أن يعرف الحقيقة دون مساءلة الكلمات و القيام بنقد تاريخي للغة. لقد طرح هوبز في القسم الثاني من كتاب "في الجسم" السؤال التالي: على ماذا يمكن للمرء أن يتفلسف؟

لقد كان جوابه منصبا في امتحان علاقة الإنسان بالعالم والاشتغال بالأجسام والمحسوسات والأفكار والذاكرة والخيال والحركات والأصوات والألوان والأذواق والروائح . كما قام بالتمييز بين الأشباح والأوهام من وجهة نظر بسيكولوجية وفرق بين العوارض الداخلية والأشياء المادية وبين التصورات الإدراكية والوقائع الخارجية التي تبدو مستقلة نسبيا عن سلطة الفكر. لقد ترتب عن ذلك القول بأن كل الكيفيات الجسمية التي تأتي إلى الأحاسيس هي تأثيرات مرتبطة بالذات وتصدر عن الأشكال وتمتلك أسماء. هذه الأشياء تأتي إلى الإدراك بواسطة التجربة الحسية بالنظر إلى أن العالم موجود ولو شك العقل البشري في وجود الكائن المطلق (الله) الذي أوجده . هكذا يمكن للمرء أن يقوم بعد أو حساب كبر السماء والأرض وحركة الكواكب والنجوم وأن يقسم هذه الأبعاد إلى عناصر وأجزاء وأن يقيس حركتها وينتقل من الغموض والالتباس إلى الإدراك الجلي والمعرفة الطبيعية. غني عن البيان أن الحس عند هوبز هو أصل جميع الأفكار وأن علة الحس هي حركة الجسم الخارجي وما يحدثه من تأثير حسب الكيفيات.

لقد اعتمد هوبز على هذه الصور الموضوع للأفكار ويمكن اعتبارها وجهة نظرنا التجريبية تجاه الطبيعة وتشكل أعراض داخلية للفكر وأنواع الأشياء الخارجية من حيث هي تبدو موجودة. وجهة النظر الأولى تتعلق بالبسيكولوجيا وملكات الروح ووجهة النظر الثانية هي موضوعية وتجعل الخيال يعتمد على هذه الصور في تكوين العالم. من هذا المنطلق: " ليس الحس في كل الحالات الا وهما أصيلا سببه الضغط ، اي حركة الأشياء الخارجية ، على عيوننا وآذاننا وأعضائنا الأخرى المخصصة لذلك."2

بهذا المعنى تتشكل نزعة اسمية عند هوبز تتمثل في اعتبار الألفاظ العامة أدوات نافعة ومطابقة للإشارة وتعين الواقع التي تحوز على ما فيه الكفاية من نقاط مشتركة. بهذا المعنى لا تكون الحقيقة في عالم الأشياء الملموسة ولا توجد بشكل مسبق في عالم الأفكار وإنما يتم سبكها وبلورتها في عالم العبارات اللغوية. إن عالم الكلمات وعالم الأفكار عند هوبز يمثل عالم من المواضعات والاصطلاحات تماما مثل عالم القوانين في المجال السياسي حيث يقوم الناس بسنها ووضعها ويقوم البعض باحترامها وتطبيقها والبعض الآخر باختراقها وتجاهلها. بهذا المعنى انتهى به الأمر الفلسفي الذي أحدثه إلى النتيجة التالية: " الصواب والغلط هما محمولان لغويان وليس شيئين ، وحيث لا يوجد كلام فإنه لا توجد لا حقيقة ولا خطأ"، فكيف يكون ذلك ممكنا؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي 

.......................

المرجع:

1.هوبز (توماس)، اللوياثان-الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، ترجمة ديانا حبيب حرب/ بشرى صعب ، تحقيق رضوان السيد، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الأولى، 2011.

2.هوبز (توماس)، اللوياثان-الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة، مرجع مذكور،ص25

 

تاريخ النظرية وأدلتها: تصف التصورات الفيزيائية منذ قرون وحتى بداية القرن العشرين ان الكون يمثل قبّة ضخمة ساكنة وانه لا يتعدى مجرتنا (درب التبانة)، ولم يتخيل احد بان هناك ما يزيد عليها باعداد كبيرة جداً تصل اليوم الى اكثر من (400 مليار مجرة). واول فلكي استطاع اظهار أن كوننا لا يقتصر على مجرة (درب التبانة) هو إدوين هابل الذي كشف عن الكثير من المجرات خلال العشرينات من القرن الماضي. بل زاد على ذلك اكتشاف تباعد بعضها عن بعض وازدياد سرعاتها بما يصل الى سبع سرعة الضوء، حيث عرّض بعضاً منها الى الفحص والاختبار للتعرف على مسافاتها؛ معتمداً في ذلك على شدة اضاءاتها، فكلما كان الضوء الواصل منها خافتاً كلما دل على كونها بعيدة، ومن حيث الدقة يتناسب السطوع عكساً مع مربع المسافة. وصنف هابل مجراته المكتشفة الى صنفين رئيسيين: منتظمة وغير منتظمة، والمنتظمة تنقسم الى حلزونية واهليلجية. وهناك عناقيد المجرات البعيدة جداً، وهي ليست موزعة بانتظام، بل انها على صورة نموذج شبكي على سطح فقاعات هائلة الحجم؛ مؤلفة مما يبدو انه فضاءات فارغة.

لقد تغيرت النظرة نحو الكون بحسب هذه الاكتشافات، فمن كون سكوني يحمل مجرة واحدة فقط الى كون دينامي لا يستقر على حال ويحمل في جعبته مئات المليارات من المجرات. ويعتبر هذا التغير الجذري ثاني اعظم تغير في الفيزياء بعد ثورة كوبرنيك.

ان كوناً يبدي تباعداً واتساعاً مضطرداً، كما بينت الكشوفات الفلكية، لا بد من ان يوحي بانه قد بدأ من نقطة مضغوطة اطلق عليها المفردة (singularity)، فمنها بدأ تشكل الكون عبر افتراض وجود انفجار هائل جعل الكون يتسع ويتمدد، لذلك تم اطلاق نظرية الانفجار العظيم (big bang) على هذه الفكرة التي ترى ان الكون آخذ بالتوسع منذ بداية هذا الانفجار. وقد دلّت النظرية بداية الامر على مجرد التوسع الكوني (cosmic expansion)، لكنها تعدلت منذ ثمانينات القرن الماضي لتدل على التضخم الكوني (Cosmic inflation) وليس مجرد التوسع فحسب.

والى يومنا الحالي لا يعرف على نحو التأكيد سبب هذا الانفجار الضخم. وهو انفجار مخصوص دون ان يكون عادياً بالمعنى المألوف، فهو ليس كالانفجارات التي نسمع عنها او نشهدها كل لحظة ودقيقة عبر الاعلام على مدار الساعة. لا اقصد بخصوصية ضخامة الانفجار التي لا توصف بلا حدود، بل من الصعب تسميته انفجاراً، فهو انفجار فيه كل الخير بما لا يتفق مع مفهومنا عن الانفجار المقترن بالموت والدمار، انه بحسب تعبير البعض انفجار ناعم جداً جداً، او ان الاشعاع الناتج عنه منتظم بدرجة تدعو للدهشة، رغم انه لا يرد في مخيلتنا كيف يكون الانفجار ناعماً ومنتظماً؟ فكل الانفجارات التي نراها هي مدمرة وخشنة وعشوائية وليست ناعمة ومنتظمة، ولو كان ناعماً ومنتظماً بالفعل لبدى مشفراً سلفاً لينبئ عن احداث عظيمة ما زال العقل حائراً في وصفها وفهمها، وذلك على شاكلة ما تصفه الاطروحة الاصلية للمبدأ الانثروبي (Anthropic Principle‏).

لقد عبّرت مقالة الانفجار العظيم عن الفوضى العارمة، فليس من المعهود ان يصنع انفجار نظاماً قط، وهو بطبيعته يتنافى مع مبدأ الانتروبيا او القانون الثاني للثرموداينميك. فالانفجار هو تناثر عشوائي سريع المدى وليس من المتصور ان يكون نظامياً وهادئاً ومسالماً ومثمراً في الوقت ذاته.

تصورْ لو قيل لك بانه شوهد انفجار اخذ يتفاعل ببطئ شديد استمر لمدة يوم كامل وسط ركام من الاشياء المختلفة، فبدل من ان يعمل على تناثرها في كل اتجاه بعشوائية تامة؛ اذا به يصنع منها شيئاً جميلاً ومنظماً مثل زهرة تسرّ الناظرين.

من الطريف حقاً ان يكون اصل مصطلح (الانفجار العظيم) جاء من فلكي شديد المعارضة قيل انه استهدف بهذا اللفظ تسخيف النظرية والسخرية منها. فقد نقد الفيزيائي المعروف فريد هويل هذه النظرية وعبّر عنها بهذا المصطلح بما يبدو منه الحطّ من شأن فكرة التوسع الكوني التي تفترض وجود نقطة محددة بدأ منها التطور، لكنه نفى – فيما بعد – ان يكون قصده السخرية من النظرية، فهو اول من صاغ المصطلح في برنامج اذاعي على شبكة الاذاعة البريطانية (عام 1949). لكن المصطلح اخذ يشيع حتى استقر كدلالة على تلك النظرية الى يومنا هذا.

لم تكن نظرية الانفجار العظيم مقنعة في بداية ظهورها، ولم يعطَ لها شيء من الاعتبار الا بعد اربعينات القرن الماضي، حيث حدثت مراجعة جذرية لقياس المسافات. وابرز سبب جعلهم لا يعولون عليها يتعلق بقياس ثابت هابل الذي قيس خلال الثلاثينات والاربعينات، وكان يقدر حينذاك بحوالي (170 كم في الثانية). فاعتماداً على هذا الثابت تم استنتاج ان عمر الكون يساوي اقل من ملياري عام، طبقاً للقانون المعتمد عليه وهو مقلوب ثابت هابل. في حين ان اعمال رذرفورد حول النشاط الاشعاعي اظهرت بان عمر الارض حوالي (4.6) مليار سنة، مما يعني ان عمر الاخيرة اقدم من عمر الكون. وحتى عندما تمّ تعديل هذا الثابت وتخفيضه خلال خمسينات القرن الماضي فان عمر الكون قد قارب عمر الارض، فيما قياسات اخرى كانت جارية انذاك تبدي ان عمر بعض المجرات اكثر من عشرة مليارات سنة، اي انها أكبر من عمر الكون. وهذا ما ادى الى الشك في دلالة ما اتى به هابل حول عمر الكون او التمدد، سواء ما يتعلق بقانونه وثابته، او ما اعتمد عليه حول ظاهرة دوبلر والازاحة الحمراء، كما سنرى..

على ذلك كانت فكرة وجود كون استقراري ساكن هي المعول عليها لدى الكثيرين حتى بعد ان شاعت اكتشافات هابل خلال ثلاثينات القرن الماضي. وفي نهاية الاربعينات اعقبتها فكرة اخرى جذبت الفيزيائيين، وتدعى نظرية الحالة الثابتة (Steady State theory) او الثبات الكوني، وهي لعدد من العلماء من أمثال توماس جولد وفريد هويل وبوندي ونارليكار. فقد وجد فيها الفيزيائيون ضالتهم المنشودة والند الذي قد يتفوق على نظرية الانفجار العظيم. ولم ينحسم التنافس بينهما الا عند منتصف الستينات بعد ان تم اكتشاف اشعاع الخلفية الكونية المايكروي (Cosmic Microwave Background)، اذ كان لنظرية الانفجار العظيم الانتصار الحاسم، رغم انها ظلت تواجه مشاكل كثيرة، اهمها انه تم مؤاخذتها على تخبطها في تقديرات عمر الكون، كما ان لها دلالة على العشوائية الواضحة، اذ كيف يمكن لانفجار عشوائي ان يخلق لنا نظاماً دقيقاً؟ كما كيف يمكن التوفيق بينها وبين مبدأ الانتروبيا والقانون الثاني للثرموداينميك، إن لم يكن هناك منظِّمٌ هو من قام بالنفخ في النار؟ على ذلك تظهر فكرة الثبات الكوني اكثر قبولاً ومنطقاً، فهذه النظرية تفترض ان الكون يتمدد في فضاء وزمان غير متناهيين من دون انفجار، ويبقى يمتلك نفس الخصائص الكونية الثابتة رغم مرور الزمن. ويكون معدل التمدد ثابتاً ايضاً. وهي تفترض وجود مجال لخلق المادة بمعدل ثابت لتبقى كثافة الكون ثابتة عند التمدد، وتسمى العملية بالخلق المستمر، حيث يتم خلق حوالي هايدروجين واحد لكل متر مكعب على مدار عمر الكون.

هكذا بحسب هذه النظرية ان الخلق مستمر من دون حاجة للبداية ولا الانفجار، او ان المادة ليس لها بداية ولا نهاية. ففي الكون وسيلة ثابتة لتزويد نفسه بالطاقة الى الابد، بحيث يبقى متوسط كثافة الكون ثابتاً. فتتكون المجرات وتموت ويعاد تكوينها وهكذا دون انقطاع. وقد قام فريد هويل بدعم هذه الفكرة نظرياً، واعتبرت طوال اكثر من عقد بانها المنافس الندي لنظرية الانفجار الكبير.

لقد اصبحت نظرية الثبات الكوني جذابة عند ظهور اختلاف مقادير عمر الكون بين فترة واخرى الى ان حلّ منتصف الستينات من القرن العشرين، حيث تبين خطأ النظرية تبعاً لاكتشاف اشعاع الخلفية الكونية (CMB) لما لها من دلالة على اختلاف ظروف بداية الكون عما عليه الان. وبالتالي اعتبرت متناقضة مع مقاييس علم الفلك. لذلك تم التخلي عنها، لكن هويل لم يتقبل ما افضت اليه نتائج الاكتشاف المتعلق بهذا الاشعاع، بل عزا ذلك الى مسببات اخرى، وظل على رأيه حتى مماته. واليوم حاول البعض ان يجد فيها او في نموذج اخر على شاكلتها بديلاً عن نظرية الانفجار العظيم مثل نظرية البلازما الكونية كما سنعرف..

ولا عجب من ان يؤيد بعض اللاهوتيين الغربيين نظرية الحالة الثابتة دفاعاً عن الخلق المستمر من قبل الله دون انقطاع ولا بداية، مع تجاهل إلحاد اصحابها. وعلى الصعيد الاسلامي انها تنسجم مع فكرة الاله الفعال: (فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)، وقد كان ابن تيمية من اللاهوتيين المسلمين يعتقد بهذه الفكرة، وهي ان الله فعال وخلاق أزلاً وأبداً من دون انقطاع، فهو يحيي ويميت على الدوام، وهي النظرية التي أكّد عليها الفلاسفة القدماء. وحتى فكرة ان الكون في بدايته يختلف عما عليه الان لا يتضارب مع اصل فكرة دوران الخلق واستمراريته ازلاً وابداً، فالاختلاف الذي يلاحظه العلماء ضمن زمن محدد يقارب (14 مليار سنة)، انما يعبر عن دورة كونية قد سبقتها دورات بلا بداية، وستتلوها دورات بلا نهاية. وقد يشار الى هذا المعنى بما جاء في النص القرآني: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ).

ومن حيث التفصيل يمكن تحديد الادلة التي اعتمدتها نظرية الانفجار العظيم بثلاثة اساسية هي كالتالي:

 

1ـ دليل ازاحة دوبلر

وهو دليل تباعد المجرات باضطراد بعضها عن بعض بتسارع يعتمد على طول المسافة فيما بينها، ومن ذلك التباعد الملاحظ من الارض اعتماداً على اكتشافات هابل اواخر عشرينات القرن الماضي. وقبل ذلك تنبأ فريدمان بتوسع الكون (عام 1922)، بل ورأى ان المناطق البعيدة في الكون هي اسرع من غيرها، وان العالم متماثل في جميع الجهات. وجاءت هذه التنبؤات قبل اكتشافات هابل بخمس سنوات. وقد طرح ثلاثة افتراضات متنافسة حول شكل ما يتصف به الكون، فهو اما ان يكون مفتوحاً كسرج الحصان فيستمر التمدد فيه الى الابد، او مغلقاً على الطريقة الاينشتاينية فيفضي به الى الانسحاق من جديد، او مسطحاً يتراوح بين الانفتاح والانغلاق.

لقد اعتمد هابل في اكتشافاته على ازاحة دوبلر، وهي الظاهرة المكتشفة على يد الفيزيائي النمساوي كرستيان دوبلر (عام 1842) والذي طبقها على كل من الصوت والضوء باعتبارهما أمواجاً متنقلة، لكنه أخطأ التطبيق فيما يخص الامواج الضوئية عندما ارد ان يفسر سبب ظهور الكواكب ملونة، فظاهرة دوبلر لا تتبين من خلال العين المجردة قط، وهي بذلك تختلف عن التطبيق المتعلق بالامواج الصوتية. فبحسب الاخيرة تتصف الظاهرة بانها مألوفة تماماً، فاذا كان هناك مصدر متحرك يحمل صفارة صوتية، كما في حالة سماعنا لسيارة الاسعاف، فاننا ندرك من خلالها اقتراب المصدر او ابتعاده، فاذا زادت حدة الصوت المسموع باضطراد فسيدل ذلك على اقتراب المصدر منا، وعندما تنخفض هذه الحدة او تخفت باضطراد فانه يتباعد عنا. كذلك هو الحال مع الضوء، فلو كان هناك مصدر يبتعد عنا بسرعة فائقة فان الضوء الذي سيصلنا منه سيبدو احمر، ويزداد الاحمرار كلما ازداد بعداً، ولو اقترب المصدر منا فسيبدو ازرق، ويزداد زرقة كلما اقترب اكثر فاكثر باضطراد. وتفسير هذه الظاهرة هو ان الامواج الضوئية في حالة الابتعاد تزداد طولاً؛ لذلك تبدو حمراء، فيما تتقلص اكثر فاكثر عند الاقتراب فتبدو زرقاء. وبالتالي يحدث الانزياح نحو الاحمر بسبب تمدد الضوء فيتطلب زمناً اطول ليصل الينا، فيما يحدث الانزياح نحو الازرق بسبب انضغاط الطول الموجي للضوء فيتطلب زمناً اقصر ليصل الينا.

وربما يكون وليم هايجنز هو اول من وظّف هذه الظاهرة في معرفة ابعاد النجوم واتجاه حركاتها، ففي (عام 1868) اثبت بان الخطوط المعتمة في اطياف بعض النجوم الاكثر لمعاناً منحرفة خفيفاً نحو الاحمر او الازرق تبعاً لاوضاعها الطبيعية في الطيف الشمسي، وقد فسّر ذلك تبعاً لابتعاد او اقتراب النجم. فمثلاً ان طول موجة كل خط من الخطوط المعتمة في طيف النجم كابيلا هو اكبر من طول موجة الخط المعتم الموافق له في طيف الشمس، وذلك بنسبة (0.01%)، مما يشير الى انه يبتعد عنا بنفس هذه النسبة من سرعة الضوء.

وقد صاغ هابل مع مساعده الشاب ملتون هوماسون (Milton Humason) قانونه استناداً الى هذه الظاهرة1 ، فاستنتج بان هناك علاقة مضطردة عكسية تربط بين السرعة والمسافة بين المجرات، فكلما كانت المسافة بعيدة كلما كانت اكبر سرعة، الى درجة ان بعضها تكون لكثرة البعد ذات سرعة كبيرة تقارب سبع سرعة الضوء. وتبين فيما بعد ان بعضها يسير باكبر من (90%) من سرعة الضوء، واليوم تقدر سرعة بعض المجرات البعيدة بانها اكثر من ذلك، حتى ان الكثير افترض بانها تنتهك سرعة الضوء وتتجاوزه. وبذلك توصل هابل الى ان المجرات تتباعد عنا بسرع متفاوتة اعتماداً على بعدها عنا. وهذا ما دعاه الى تحديد نسبة ثابتة بين المسافة والسرعة سميت (ثابت هابل). ومعلوم ان هذا الثابت يتغير مع تغير الزمن طالما ان الكون في تطور وحركة اتساع. لكن تغيره لا يحدث الا ضمن فترات طويلة جداً، وبالتالي يعتبر ثابتاً بالنسبة لنا.

وبحسب هذا الثابت يمكن قياس سرعة ابتعاد المجرة، حيث تساوي ثابت هابل (H0) مضروباً في المسافة (D) بيننا وبين المجرة، ومن الناحية الرياضية تكون معادلة قانون السرعة (V) كالتالي:

V = H0 D

والمهم في الامر هو انه رغم اهمية اكتشافات هابل الا انه لم يربط بينها وبين التمدد الكوني، فلم يتصور ان لذلك دلالة على التوسع والتمدد، فكل شيء يتباعد عن كل شيء باضطراد. لكن اول من وظف هذه الاكتشافات في اثبات هذا التوسع هو الفيزيائي والقس البلجيكي لومتر، ورتّب على ذلك انه لا بد من ان يكون الكون قد بدأ من نقطة تمثل بداية الانطلاق والتوسع. ففي ورقة نشرها (عام 1927) فسّر فيها ازاحة دوبلر الضوئية بانها دالة على تمدد الكون، اذ عمل على حل معادلات النسبية العامة لاينشتاين، وتنبأ بان الكون يتمدد، وبدت الفكرة غريبة حتى نقل عن اينشتاين بانه احتج وقد احمرّ وجهه بتصريح مفاده : "معادلاتك الرياضية صحيحة، لكن فيزياءك فظيعة". وفي (عام 1930) اقترح لومتر بان كوننا المتمدد قد بدأ من نقطة متناهية في الصغر اطلق عليها الذرة الاولية، وهي المسماة فيما بعد بالمفردة والتي منها بدأ الانفجار العظيم ثم اخذ بالتمدد والتوسع كما يفسره قانون هابل. وقد كان لومتر يرى ان بداية تاريخ الكون تتصف بالبرودة، لكن عدداً من الفيزيائيين منهم رالف الفر وجورج جاموف قاموا بطرح نموذج بديل يتحدث عن بداية حارة للكون، فهي تمثل فرناً بدئياً للتخليق النووي.

وكثيراً ما يمثل على هذا التوسع وعلاقته بتباعد المسافات بالبالون المنقّط، واول من فعل ذلك هو عالم الفلك البريطاني ادنجتون (عام 1931)، فكلما زاد نفخه زاد تباعد المسافات بين النقاط باضطراد. وهي تعني تزايد سرعة تباعد النقاط البعيدة عن مصدر النفخ مقارنة بالقريبة ضمن نسبة ثابتة. كما كثيراً ما يشار الى ان هذا التباعد يعبر عن تمدد الفضاء وليس ابتعاد المجرات ذاتها، مثلما هو الحال مع البالون المنقّط.

 

2ـ دليل الخلفية الاشعاعية CMB

يفترض هذا الدليل ان الكون نشأ وهو مليء بالاشعة الحارة جداً قبل تشكل المادة عبر الذرات، ومع مرور الزمن أخذ الكون يبرد شيئاً فشيئاً، وعند حد معين تمّ لهذه الاشعة ان تنفذ وتسافر في الفضاء بحرية، فاخذت حرارتها تنخفض باضطراد الى ان وصلتنا بعد رحلة طويلة استغرقت مسافة تُقدر حالياً باكثر من (13 مليار سنة ضوئية)، فاصبحت درجة حرارتها منخفضة للغاية وقريبة من الصفر المطلق. ان سفر الاشعة وامتدادها عبر هذه المليارات من السنين مع انخفاض درجة حرارتها لها دلالة على التمدد الكوني.

فعلى خلفية نظرية التوسع الكوني تنبأ كل من ألفرد وهيرمان (عام 1948) بتدبر فكرة وجود خلفية اشعاعية كونية قوية في حقبة التخليق النووي، اذ لو كان هناك توسع بالفعل لكان يفترض ان يصلنا منه اشعاع يبلغ من البرودة اقصاه، وهو ما قدّره هذان الفيزيائيان بدرجة حرارة (5 كلفن)، وذلك قبل اكتشافه خلال الستينات صدفة. فقد لفت انتباه هذين العالمين ان هناك وفرة كثيرة من الهليوم ما لا يكفي ان تكون النجوم قد قامت بتخليقه من الهايدروجين. فالهليوم المصنع داخل النجوم يبقى حبيساً فيه، مع انه منتشر في كل مكان. وبالتالي افترضا ان الهليوم مخلق في الاساس قبل تكون النجوم والمجرات، وانه من المتوقع على هذا الاساس ان يكون هناك ما يدل على هذه العملية عبر الاشعاع الواصل الينا منذ تلك الفترة البدائية. لذلك تمّ افتراض وجود خلفية تحمل بصمات ما كان عليه الكون في البداية، اي تحمل بصمات الهايدروجين والهليوم.

وتبدأ قصة اكتشاف هذه الامواج الراديوية او الاشعة المايكروية عبر نوع من الضجيج (عام 1965). فقد كان الفلكيان الشابان بنزياس وويلسون يستخدمان هوائي امواج راديوية للاتصال مع اول قمر صناعي حديث للاتصالات، وعندما وجدا مجموعة غامضة من الامواج المشوشة، ظنّا في البداية انه قد يكون هناك راديو بالقرب من نيويورك او فضلات طيور تغطي هوائي الامواج الراديوية الخاص بهما، وبعد اشهر من الحيرة والارتباك في البحث والتدقيق تمكنا من الكشف عن اهم ظاهرة كونية بعد اكتشاف هابل لتمدد الكون، رغم انهما لم يعلما اهمية هذا الاكتشاف.

لقد تم تفسير اشعاع الخلفية الكونية بانه اشعاع جسم اسود تبلغ درجة حرارته اقل من (3 كلفن). فهو طويل الموجة، وهو اشعاع حراري بارد جداً يصدر عن جسم اسود لان فيه كل صفات الاشعاع الحراري المنطلق من فرن درجة حرارته بالغة الضآلة، اذ له طيف يعبّر عن طريقة تغير لمعان الضوء حسب تغير طاقته، لذا ينطبق عليه صفات هذا الجسم.

وفي اوائل التسعينات وصل القياس بواسطة القمر الصناعي لمسار ارضية الكون من ناسا ذروته، وقد اكد الفيزيائيون والفلكيون بدرجة عالية من الدقة ان الكون مليء باشعاعات مايكروية درجة حرارتها حوالي (2.7) فوق الصفر المطلق البالغ (-270 درجة مئوية). وبذلك يكون اشعاع الخلفية الكونية ابرد شيء في الطبيعة. فالامواج المايكروية هي ضوء غير مرئي يميز الاجسام الباردة للغاية. والذي جعلها تتصف بذلك هو سفرها الطويل الصادر منذ نشأة الكون، اذ تمثل صدى لحظة الانفجار العظيم، وبالتالي فهي موجودة في كل مكان، فكل متر مكعب من الكون يحتوي في المتوسط حوالي (400 مليون فوتون). ومن اثار هذه الاشعة ما يظهر في التلفزات القديمة من تشويش ملفت للنظر قبل وبعد البث المباشر، حيث يوجد ما يقارب (1%) منها ضمن هذا التشويش الضوضائي.

هكذا لم يجد الفيزيائيون فرضية افضل من ان يفسروا فيها طبيعة الاشعاع المايكروي طبقاً لافتراض انه صادر منذ زمن سحيق ضمن رحلة طويلة حتى انتهى الينا، وذلك خلال مدة تزيد على (13 مليار عام). وهو يكشف عن ان الكون قد بدأ ساخناً ثم تمدد ونما في الحجم حتى برد شيئاً فشيئاً بدلالة هذا الاشعاع الكوني الذي وصلنا. فهو الاثر البارد لآخر اشعاع تشتت بواسطة الالكترونات في حقبة اعادة الاتحاد الذري.

اما لماذا لم يصلنا هذا الاشعاع منذ بدء الانفجار العظيم؟ فسبب ذلك يعود الى انه لم يُتحْ له التحرك بحرية بداية نشأة الكون بسبب معوقات التفتيت الاشعاعي، وذلك قبل تشكل الذرات والمادة. ومعلوم انه خلال الدقائق الاولى من عمر الكون تكونت انوية العناصر الخفيفة ضمن ما يسمى بالتخليق النووي البدائي. فقد كانت الحرارة والكثافة الجسيمية وقت الانفجار العظيم عالية جداً، وكانت الفوتونات تواجه مشكلة في حركتها لشدة صدامها بفعل هذه الكثافة الجسيمية، حيث يجد الفوتون في طريقه الكثير من الالكترونات الحرة او المتأينة التي تعمل اما على امتصاصه او نثره وتشتيته. فكان الحال اشبه بثقب اسود يمنع فوتونات الضوء من التحرر، فلكونها ذات طاقة ضخمة اتصفت بهيجان عشوائي عنيف منعت من خلاله اي فرصة لتخليق الذرات، وذلك بفعل اصطداماتها العنيفة بالالكترونات وغيرها. لهذا كانت الهيمنة والغلبة للاشعاع على المادة لتفتيته لها ومنعها من التجمع والتماسك. لكن مع مرور الزمن ضعفت طاقة الفوتونات من ان تمنع تجمع المادة وايقاف التأين، واختفت بذلك الالكترونات الحرة بعد ان صارت انوية العناصر الخفيفة تقتنصها لتشكل بذلك اولى الذرات المتعادلة الشحنة. ويؤرخ لهذه المرحلة عادة بحوالي (380 ألف عام) بعد الانفجار، وذلك عند درجة حرارة منخفضة تقدر بحوالي (3000 كلفن). وتعتبر هذه الحقبة مفصلية بعد الدقائق الاولى من عمر الكون. فبحسب التقديرات الفيزيائية انه لم يحصل هناك شيء ذو اهمية يمكن ان يشار اليه بعد الدقائق المحدودة من عمر الكون حتى جاءت هذه الحقبة المفصلية من الزمن، فقبلها كان الكون معتماً ومليئاً بحساء متأين وخليط من المادة والاشعاع من دون تمايز، ثم اصبح الكون منذ تلك الحقبة شفافاً امام الاشعة المتحررة من العتمة الخانقة، والتي وصلتنا على هيئة اشعاع الخلفية الكونية، فيما تركت خلفها الذرات الاولية التي اخذت بتجميع بعضها الى البعض الاخر تبعاً للجاذبية فيما بينها، فتكونت منها عناقيد المجرات بالتدريج، وبذلك تمت هيمنة المادة وغلبتها بكثرة ما انتجته من المجرات وعناقيدها.

لقد اُعتبر هذا الاشعاع اقوى دليل على نظرية الانفجار العظيم، حيث اُستبعد ان يكون مصدره نابعاً من مجرتنا، باعتباره يتصف بالانتظام، في حين ان مصادر مجرتنا ليست منتظمة، او ان درجة الانتظام فيها لن تكون موزعة بالتساوي في السماء. وعليه استنتج الفيزيائيون ان هذا الاشعاع يأتي من خارج مجرتنا باعتباره متماثلاً في جميع نقاط الارض ولا يتأثر بالفصول ولا بالليل والنهار.

ورغم ان الفيزيائيين اعتبروا اكتشاف هذا الاشعاع خلال منتصف الستينات اعظم دليل على نظرية التوسع الكوني، لكنهم واجهوا فيما بعد صعوبة في تفسير حالة الكون غير المتجانسة. فرغم ان صفات هذا الاشعاع دالة على التوسع الكوني؛ لكنها في الوقت ذاته لا تتسق مع ما يتصف به الكون من عدم التجانس. فهناك مناطق مكتظة بالمجرات وعناقيدها، فيما هناك مناطق اخرى فارغة، فكيف يمكن تفسير وجود هذه التجمعات الضخمة من دون ان يكون هناك شيء من الاثر الحاصل على الخلفية الاشعاعية، بمعنى انه لا بد ان يكون في بداية الكون شيء من التفاوت في الكثافة هي ما تبرر وجود المجرات وعناقيدها الضخمة، ولا بد ان يكون هذا التفاوت قد نقلته الخلفية الاشعاعية بشيء من التفاوت ايضاً.

هكذا يلاحظ ان الخلفية الاشعاعية التي جعلها الفيزيائيون اعظم دليل على نظرية التوسع هي ذاتها أثارت امامهم – فيما بعد - مشاكل لم يتمكنوا من حلها. ففي البداية وجدوا في تجانس اشعاع الخلفية ضالتهم المنشودة؛ فهللوا لهذا الاكتشاف باعتباره الدليل الذي كانوا ينتظرونه للعودة بهم الى بداية الانفجار العظيم قبل تكون المجرات والمادة. لكنهم واجهوا فيما بعد مشكلة تتعلق بان هذا الدليل ينبئ بكون مبكر متجانس تماماً طالما ان الاشعاع الذي اكتشفوه يتصف بالتجانس، وهو بهذا الحال عاجز عن ان يفسر كيف ظهرت المجرات الضخمة من كون متجانس؟ وهذا ما دفع الفلكيون الى ان يبحثوا عن شيء خلاف ما ارادوه في البداية. فقد كان تجانس الاشعاع الخلفي ضالتهم على التوسع الكوني، فيما تمنوا بعد ذلك ان يعثروا على اشعة خلفية تظهر بعض الفروقات التي يمكن من خلالها تفسير تكون المجرات.

لقد تغيرت ملامح نظرية الانفجار العظيم من اطارها القديم المتمثل بالتوسع الكوني الى اطار جديد مفترض سمي بالتضخم الكوني (Cosmic inflation)، وقد بدأ طرح هذا الاطار الجديد في مطلع ثمانينات القرن الماضي وهو يتنبأ بوجود مثل هذه الفوارق لدى اشعاع الخلفية الكونية. لكن كلما بحث الفلكيون من خلال الاقمار الصناعية وغيرها وجدوا ان الخلفية الاشعاعية ما زالت تنبؤهم بالتجانس مع فروقات ضئيلة جداً لا تقوى على تفسير هذه المجرات وعناقيدها الضخمة، كما سنعرف فيما بعد..

 

3ـ دليل العناصر الخفيفة

هو دليل يتعلق بتكون العناصر الخفيفة خلال الدقائق الاولى من عمر الكون، وهي ثلاثة: الهايدروجين والهليوم والليثيوم. اما العناصر الاثقل منها فتكونت جميعها بعد نشأة النجوم. اذ افترضت نظرية الانفجار العظيم ان الكون مكون في الاساس من الهايدروجين وبحوالي (23%) من كتلة الهليوم. وقد قدّر بعض الفيزيائيين ان هذا الحساب صحيح. وبحسب الفيزيائي بيبلز (peebles) كان الكون في الدقائق الثلاث الاولى مليئاً بالاشعاع الذي يمنع من تشكل زيادة هامة في العناصر الاثقل من الهايدروجين2 . فالاشعاع كان يملأ الكون وله حرارة مكافئة بالغة الارتفاع، وطول موجته قصيرة جداً. لكن درجة حرارته المكافئة اخذت بالهبوط مع توسع الكون باستمرار؛ الى ان ظهر حالياً على شكل ضجة خلفية راديوية تملأ جميع الاتجاهات بالشدة نفسها. ولاحظ بيبلز انه لو لم توجد خلفية شديدة للاشعاع خلال الدقائق الاولى للكون لحدثت التفاعلات النووية بسرعة تكفي لان يتحول قسم كبير من الهايدروجين الى عناصر اثقل، وهو خلاف الواقع، حيث يشكل الهايدروجين ثلاثة ارباع الكون.

وتم افتراض ضرورة ان تكون بعض النظائر الخفيفة قد تشكلت قبل تكون المجرات والنجوم بزمن بعيد طبقاً لهشاشتها وانها تحتاج الى حرارة قوية للتكون، كما هو الحال مع الديوتيريوم الموجود بقلة في الكون مقارنة بالعناصر الخفيفة الاخرى، وهو هايدروجين ثقيل يتكون من النترون المتحد مع البروتون. اذ لوحظ بان نواة الديوتيريوم هشّة لا يستقر صنعها في النجوم، خلافاً للهليوم والليثيوم. فما يجري في النجوم هو تدمير الديوتيريوم بمعدل يفوق معدل انتاجه، لأن المجالات الاشعاعية القوية داخل هذه الاجرام تكسّر الديوتيريوم الى مكوناته الاصلية من البروتونات والنيترونات، وبالتالي لا بد ان تكون وفرة هذا العنصر قد تم تخليقها قبل ولادة النجوم والمجرات. فعندما كان الكون في بدايته حاراً جداً فان أنوية الديوتيريوم المخلقة كانت تتمزق وتتفكك بفعل الاشعاع الى بروتون ونيترون منفصلين. وهكذا تُدمّر هذه الانوية بمجرد تخليقها، ويطلق على ذلك اسم (عنق زجاجة الديوتيريوم). وما دام هذا الاختناق المروري النووي موجوداً فانه لا يمكن تخليق اي ذرة هليوم. لكن حين قلّت درجة حرارة الاشعاع عن المليار درجة فانه لم يكن للاشعاع القوة الكافية لتفكيك الديوتيريوم. ومن الممكن ان تتلاحم ذرتا الديوتيريوم لتكوين (الهليوم -3) مع اطلاق نيوترون، ثم يستطيع هذا الهليوم اقتناص نواة الديوتيريوم وتكوين ذرة (هليوم -4) مع اطلاق بروتون، وهو الهليوم المتوفر في الطبيعة بما تقدر كتلته بحوالي (25%) مع بقاء اثار بسيطة للديوتيريوم و(الهليوم -3).

لقد كان تأثير القوة النووية الشديدة خلال الدقيقتين الاولتين من عمر الكون بارزاً في تكوين انوية الهايدروجين وغيرها. فبعد دقيقة واحدة بدأ الكون يبرد بما يكفي لاندماج البروتونات والنترونات مكونة انوية الذرات. وأول ما نشأ من الانوية هي تلك المتعلقة بالديوتيريوم، حيث فيه بروتون واحد مع نترون واحد. ولما انخفضت الحرارة لما دون عتبة الاندماج النووي كان قد نتج هليوم واحد مقابل عشرة انوية للهايدروجين، وقليل جداً من عناصر اخرى. اي تمخضت العملية عن تكوين (90%) من الهايدروجين مع (10%) من الهليوم وقليل جداً من الديوتيريوم والتريتيوم والليثيوم. وسبب توقع هذا التقدير يعود الى وجود هذه النسبة في النجوم، فعشر مكوناتها من الهليوم. لكن بقي الاخير يتخلق بنسبة قليلة جداً في هذه الاجرام نتيجة الاندماج النووي للهايدروجين، حيث يميل الديوتيريوم الى الاندماج فيها بسرعة الى الهليوم إن لم يتحطم بفعل الاشعاعات النجمية المتوالية.

للبحث صلة..

 

يحيى محمد – مفكر وباحث

......................

1- لقد كان هوماسون بغّالاً يساعد في نقل المعدات الفلكية ولم يكن متخصصاً، لكنه أصبح فيما بعد عالماً فلكياً بامتياز

2- اذ يُفترض انه لم يتكون خلال هذه الدقائق غير العناصر الخفيفة الثلاثة فحسب.  

 

zouhair khouildi"إن المشكلة الكبرى التي أقلقت البشر في جميع العصور وجرت عليهم معظم الويلات... لم تكن مشكلة قيام السلطة على الأرض أو مشكلة مصدرها بل مشكلة تعيين صاحب الحق بها"1

ولد جون لوك ( 1632- 1704) قرب بروستل من أنجلترا زمن الثورة الدامية وفي نفس السنة التي ولد فيها فيلسوف أمستردام سبينوزا ودرس في أكسفورد التي كان يسيطر عليها الأرسطيون بينما كانت كامبردج تحت هيمنة الأفلاطونيين. علاوة على ذلك عايش لوك الحرب الأهلية الأنجليزية التي دارت رحاها بين الأرستقراطية المَلَكية والبرجوازية البرلمانية وساهمت في تغيير المشهد وميلاد فكر جديد.

لقد حاول منذ البداية نشر أفكار المدنية والسلم والتسامح والتسوية والتضحية في سبيل الصالح العام وساند نظرية العقد الاجتماعي وسيادة الشعب والحكومة النيابية وتقلد العديد من المناصب بعد وصول مقربين منه إلى الحكم وحصل على ثروة كبيرة من تجارة العبيد وهي من الرذائل التي ارتكبها منظر الحقوق والحريات التي وضع هذه مبادئها في جملة من المؤلفات غلى غرار "رسالة في التسامح" و"رسالة في الحكم المدني". لقد تقابل مع مالبرنش وبل وسبينوزا ولايبنتز ولكنه تأثر بفرنسيس بيكون وطوماس هوبز ورونيه ديكارت. لقد ساعده السيد شافتسبري على الالتحاق بالتدريس في جامعة أوكسفورد بالرغم تيار السياسة قد قام بجرفه بعيدا عن مقاعد البحث الجامعي.

لقد تجلت فلسفة لوك التجريبية الحسية بعد بلوغه سن السادسة وخمسون حينما كتب "رسالة في الذهن البشري" وبيّن فيه رفضه التام نظرية الأفكار الفطرية التي تعتقد في امتلاك العقل البشري لمجموعة من الأفكار الفطرية يرثها منذ الولادة ولا يكتسبها عن التجارب التي يمر بها في الحياة ولا يتعلمها في البحث والجدل ، وفي مقابل ذلك أقر بأن العقل يولد صفحة بيضاء ويشبهه باللوح النظيف الخالي من كل شيء وصرح في هذا السياق بأنه " ليس ثمة شيء موجود في العقل إلا كان موجودا أولا في الحواس".

لقد جمع لوك بين المحافظة على الإيمان ضد السلطة الكنسية التي تعصف بالدين واعتمد العقل حكما في شؤون الدنيا وفي تنظيم المعطيات الوافدة من الخبرة الحسية التي جعلها عمادا رئيسيا لفلسفته التجريبية. بناء على ذلك رسم لوك لسلطة العقل حدودا مزدوجة : الأولى من جهة التجربة والثانية من جهة الإيمان.

اذ يصرح في هذا الإطار: " ليست الأفكار الفطرية مطبوعة على العقل بطبيعتها، لأنها ليست معرفة بالنسبة إلى الأطفال والسذج وغيرهم". لقد وضع لوك الخبرة التجريبية باعتبارها المصدر الأساسي للمعرفة والضابط الأول للعقل والمعيار الفلسفي للتثبت من حقيقة الروح والعالم والله ولقد ترتب عن ذلك دخول لوك في نقاش حول قضايا الجوهر والسببية والأخلاق والسياسة وبحث في إطار نظرية المعرفة عن علاقة النفس بالجسم وتناول عناصر الفهم الإنساني بشكل مباشر وركز على ما يوجد في الذهن من إحساسات وتصورات وادراكات ومقولات وأفكار وتساءل عن كيفية حدوث المعرفة فيه دون الالتفات إلى الطبيعة الفزيولوجية لعضوية للذهن من جهة تكوينها الداخلي.

لقد أرجع لوك الأفكار في منطلقها إلى الحواس باعتبارها المصدر الأول لتلقي الانطباعات والإدراكات.

لقد كشف لوك في "رسالة في العقل" عن عجز الذهن البشري عن التعرف على حقيقة العالم المادي بشكل كلي وعن معالجة الأمور التي تتجاوز قدراته وحدوده وبالتالي أنكر بشكل تام وجود أفكار فطرية قبل التجربة وطرح السؤال التالي: متى يبدأ المرء في التفكير؟ وكانت الإجابة المفضلة لديه: يبدأ المرء في التفكير عندما يبدأ في الإحساس. ولا يمكن بالتالي اعتبار لوك دون النظر إليه على أنه العدو الأول لنظرية الأفكار الفطرية والأب المؤسس للتجريبية ولا يمكن فهم نظريته السياسية دون التطرق إلى نظريته حول نسبية المعرفة ودليله هو عدم وجود أي تمثل للواقع يكون مطلقا بالنظر إلى أن الكلمات لا تشير إلا إلى أفكار وليس إلى أشياء.

 جملة القول أن المعرفة الواضحة هى المعرفة المرتبطة بقدرات الفهم الإنسانى المرتبطة بالإدراك الحسى، أما المعرفة الميتافيزيقية فهى في نظره غامضة ومشوشة دائماً لأنها لا تعتمد على أي مصدر تجريبى. في هذا الصدد يعلن لوك ما يلي: "في البدء كانت التجربة" وبذلك استنتج أن التفكير لا يتم إلا بعد تفعيل الأحاسيس وإجراء التجارب. غير أن التجربة عند النزعة التجريبية لا تفيد دخول مخابر البحث experiment عند الألمان وإنما المعيش اليومي للكائنات الحسية التي هي نحن Erfahrung .

كما يضيف في نفس الاتجاه :" لا يوجد أمر في الذهن لم يكن موجودا في البداية في الحواس".

 لقد ترتب عن ترابط الأفكار بالإحساسات القول بأن فكرة اللانهائي لا تطابق أي شيء ماديا ، كما أن التجربة ليست فحسب مصدرا موضوعيا للمعارف التي تتعلق بظواهر الطبيعة وحقائق العالم بل تصلح أيضا بوصفها المعيار الذي يعتمد عليه الفكر الفلسفي للتمييز بين الأفكار الحقيقية والأفكار الزائفة.

لقد طرح أحدهم على الجماعة العلمية المشكل التالي: لو عالج أحد الذين لا يبصرون منذ الولادة مرضه بإجراء عملية جراحية وأمكن له للمرة الأولى رؤية جسم مثلث الأضلاع و جسم دائري كان يميز بينهما بواسطة اللمس ، فهل يمكن لهذا الشخص أن يميز بين الجسمين بواسطة النظر فحسب؟ ألا يطرح هذا المشكل مسألة الحس المشترك الذي يعود إلى أرسطو؟ هل الحواس مرتبطة ببعضها البعض أم منفصلة؟

إذا كان العقلانيون يرون بإمكانية الاسترسال بين الحواس فإن التجريبيين يرفضون ذلك ويرون بأن حاسة اللمس منقطعة عن حاسة النظر وبالتالي يجب للشخص المذكور أن يتعود التمييز بين الأجسام بالنظر بالرغم من خبرته في التمييز بينها بواسطة اللمس ولكن هذه الخبرة لا تفيده في شيء عند التمييز بالنظر.

غير أن حالة أخرى قد ظهرت سنة 1730 وتمكنت من التمييز بين الجسمين عن طريق اللمس وليس من خلال النظر، ولقد ترتب عن ذلك القول بأن التجربة لا تكون حاسمة سوى بصورة نادرة وأن الفلاسفة يتشبثون دائما بوجاهة نظرياتهم وأنه يعسر عليهم الاحتكام إلى معيار التجربة والتثبت من صدق أفكارهم.

كما يوجه لوك ضد النظرية الفطرية التي يدافع عليها العقلانيون الاعتراض التالي: لو كانت الأفكار فطرية فإنها يجب أن تكون كونية وحاضرة عند كل البشر بشكل دائم وفي كل زمان ومكان كما يرى العقلانيون. عند لوك الأفكار تختلف وتتنوع الأفكار حسب اختلاف وتنوع الأفراد وتعدد الأماكن والأزمنة وتتنوع عند الفرد نفسه على مجرى حياته ذاتها وعند تغيير أماكن تواجده ومعايشته لوضعيات زمنية متعددة.

لقد عثر التجريبيون على الحجج الملائمة والمناسبة لأطروحاتهم من جهة التاريخ والجغرافيا في حين أن التقليد الفلسفي عند العقلانيين وعند المثاليين ترك هذه الحجج جانبا واهتم بالحجج والبراهين المنطقية.

لقد ترتب عن ذلك التمييز الشهير الذي أجراه لوك بين الأفكار البسيطة والأفكار المركبة. ولقد أكد على أن الأفكار البسيطة هي تمثلات فردية لا تقبل القسمة وتتكون من ذرّات من التمثلات وتنقسم إلى أنواع ثلاث:

- الأفكار البسيطة التي تنتج عن الإحساس مثل الحار والبارد والمالح والحلو والامتداد والشكل والحركة التي تأتي مباشرة من تجربتنا الحسية.

- الأفكار البسيطة التي تنتج عن التفكير وتأتي من الملكات الباطنية على غرار الذاكرة والانتباه واليقظة والإرادة.

- الأفكار البسيطة التي تنتج في ذات الوقت عن الإحساس وعن التفكير مثل أفكار الوجود والديمومة والعدد وهي مطلوبة من طرف التجربة الحسية للأشياء الخارجية وأيضا من أجل تشغيل الملكات الباطنية.

ربما وجود الأفكار التي تنبع من التفكير قد تجنب النزعة التجريبية عند لوك من النقد الذي وجه لها بعنوان اختزال الوجود الإنساني إلى مجرد غرفة تسجيل للمعلومات وسند انفعالي تأثري للمعطيات.

أما الأفكار المركبة التي تتكون تجميع وترابط للأفكار البسيطة ولقد ميز لوك بين عدة أنواع من الأفكار التركيبية يمكن ذكر أهمها:

- أفكار حول الجواهر وهي وقائع يمكنها أن تستمر بذاتها.

- أفكار حول الأحوال Modes وهي وقائع لا يمكنها أن تستمر بذاتها بل تحتاج دائما إلى غيرها.

هكذا يقع لوك في تثبيت الصلة الدائرية بين الكلمات والأفكار بحيث لا وجود لأفكار بلا كلمات ولا وجود لكلمات بلا أفكار. وهذا هو المعنى المزدوج لللّوغوس عند الإغريق الذي يعني الكلام والفكر في آن واحد.

بيد أن التجريبيين يعطون أهمية كبيرة للكلام بوصفه الشرط المتعين والفعلي لتحصيل المعرفة والفكر. اللافت للنظر أن الطفل قد ظهر في النهاية في على المشهد الفلسفي مع جان لوك ويعود ذلك إلى الأهمية الكبيرة التي يمنحها التجريبيون إلى التربية بالنظر إلى أن العقل لدى الطفل صفحة بيضاء ويعتمد على التجربة في إدراكه للعالم وبما أن كل الأفكار مكتسبة . لهذا الاعتبار يميز لوك بين التعليم l'instruction الذي يتعلق باكتساب المعارف الموضوعية والتربية الحقيقية التي تراهن على تنمية شخصية الطفل.

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

........................

 جون لوك، في الحكم المدني، ترجمة ماجد فخري، بيروت، 1959.ص87.

 

emadadeen ibrahimلقد احتل مفهوم الحداثة أهمية كبيرة وشغل أذهان الفلاسفة والأدباء وكذلك علماء الاجتماع. لما يمثله هذا المفهوم من منزلة كبيرة في تاريخ الفكر الإنساني. والحداثة مفهوم فلسفي مركب ماهيته وجوهره الكشف عن ماهية الوجود. وتتمثل الحداثة كما يمثلها (جدينز) في نسق من الانقطاع التاريخي عن المراحل السابقة حيث تهيمن التقاليد والعقائد ذات الطابع الشمولي الكنسي، فالحداثة تتميز بأنماط وجود وحياة وعقائد مختلفة. ووترتكز معظم تعريفات الحداثة علي فكرتين جوهريتين هما: فكرة الثورة ضد التقليد، ومركزية العقل. ويعرف ماركس وإميل دوركهايم وماكس فيبر الحداثة بأنها تجسد صورة نسق اجتماعي متكامل وملامح نسق صناعي منظم، وكلاهما يقوم علي أساس العقلانية في مختلف المستويات. كما تعني الحداثة الإبداع الذي هو نقيض الإتباع والعقل الذي هو نقيض النقل. فالحداثة مفهوم متعدد المعاني ويمثل رؤية جديدة للعالم مرتبطة بمنهجية عقلية مرهونة بزمانها ومكانها. ويري (نصيف نصار) في مجال التمييز بين الحداثة والتقليد أن الحداثة هي المفهوم الدال علي التجديد واكتشاف الإبداعي. ويجب أن نشير إلي ملاحظة مهمة وهي غالبا ما يتم الفصل بين الحداثة والتحديث كمدخل منهجي لتعريف الحداثة بصورة علمية. ورغم هذا الفصل إلا انه يوجد تداخل بين المفهومين الحداثة والتحديث. وغالبا ما يتفق الباحثون علي استخدام الحداثة للإشارة إلي التحديث. فالحداثة موقف عقلي تجاه مسالة المعرفة .وإذا رجعنا إلي الجذور التاريخية لنشأة الحداثة فسوف نجد أن ديكارت الفيلسوف الفرنسي هو أب الحداثة ولا سيما في التفكير الفلسفي. لقد كان استخدامه للمنهج العقلي دورًا هامًا في تبديد ظلمات العصور الوسطي.كما أن منهجه ألشكي يعتبر من أهم مقومات الحداثة الغربية.و ترتكز الحداثة علي ركيزتين كما يري (ألان تورين) العقلانية والانفجار المعرفي. فالحداثة كما يري تورين هي عملية انتشار المنتجات العقلية والعلمية والتكنولوجية، وهي بالتالي رفض التصورات القديمة.فهي مذهب يسعي إلي نبذ القديم الثابت من القيم والشرائع . ومن أهم مرتكزات ومنطلقات الحداثة : العقل ودوره في الحياة مبتدأ الحداثة وخبرها ولذلك فان هيمنة العقل وسيادته تشكل المنطلق الحقيقي للحداثة وأساسها المركزي. كما يلعب العلم دورًا هامًا وبارزًا في مفهوم الحداثة، كذلك تمثل الحرية شريان حيوي في مفهوم الحداثة. ويري (لوي ديمون) أن الحداثة ترتكز علي المحاور التالية: الفردانية في مقابل حلول الفرد في الجماعة، التمييز المطلق بين الذات والموضوع.

وللحداثة أيضا أسس وخصائص منها: أنها مرحلة تبلغها المجتمعات الإنسانية من خلال عملية التراكم التاريخي، والخروج من دائرة الوصايا التاريخية التي فرضت علي العقل الإنساني في عصور الظلام. كذلك تأكيد أهمية الوعي الإنساني وضرورة الحضور الثقافي لهذا الوعي في مختلف مجالات الحياة حضورا يؤكد تزايد العقلانية والتنوير. وجذور الحداثة ترجع إلي الفلسفات اليونانية والرومانية، كذلك العقيدة اليهودية والنصرانية، إذ أن كثير من الحداثين تأثروا بها واتضح ذلك من أفكارهم وآدابهم، الشيوعية المتضمنة للمادية الجدلية . إذن الحداثة ثورة علي كل قديم في العقائد والقيم وهي تنطلق من العقل والتقدم التكنولوجي . وشهدت الحداثة ومازال تشهد نموا متسارعا في جميع ميادين المعرفة.إذن الحداثة تمثل مذهبا فكريا يرفض الثوابت والمسلمات القديمة . من هنا رأينا تغلغل الحداثة كمذهب في جميع مجالات الحياة واعتناق الكثيرين لها .   

 

zouhair khouildiاستهلال: "ثمة طبيعة أساسية وثمة عدة إكتسابات، تتداخل مع هذه الطبيعة، وتحاكيها دون أن تختلط بها"1

يبدو في الظاهر أن الفطري هو ذلك الجانب البيولوجي/الغريزي الذي يولد مع الإنسان. أما المكتسب فيتمثل في جميع أشكال السلوكات الثقافية التي خلقها الإنسان من خلال تفاعله مع أمثاله. ولكن إذا كان إدغار موران E. Morin قد رأى أن الإنسان كائن بيولوجي كلية، وكائن ثقافي كلية ؛ فإن التصورين، البيولوجي الصرف والسوسيو- ثقافي، لا يشاطرانه الرأي. ولعل السبب الذي يكمن وراء ذلك أن الطرح البيولوجي يعتبر الإنسان كائنا بيولوجيا بالدرجة الأولى، لأن جميع مكوناته وتشكيلاته المستقبلية محددة بالوراثة. فالصبغيات والجينات تحمل جميع ما سيؤول إليه الإنسان في المستقبل.

 إذا كان منديل Mendel تحدد انتقال الخصائص الوراثية من جيل إلى آخر، فإن كثيرا من البيولوجيين يؤكدون تعميم ذلك على السلوكات النفسية. وبناء على ذلك تقلص النظرة البيولوجية من دور المحيط، حيث يرى أغست فايزمان A. Weismann أن المحيط يؤثر على الخلايا الجسمية soma ولا يمكن أن يؤثر، إلا باحتمال ضعيف جدا، على الخلايا الجنسية germen المسؤولة عن انتقال الخصائص الوراثية. أما النظرة السوسيوثقافية، فإنها تعتبر الإنسان منتوجا ثقافيا بالدرجة الأولى. فير ى دوركايم Durkheim أن الظواهر الإجتماعية بمثابة "أشياء"، فلا يمكن للإنسان أن يتجاهلها وإلا تعرض للقهر الذي يمكن أن تمارسه عليه. ومن ثمة فإن السلوكات السيكولوجية لايمكن أن تفسر بعوامل بيولوجية أو فطرية لأنها نتاج اجتماعي. هكذا يرى لوسيان مالصون L. Malson – من خلال أطروحته "الأطفال المتوحشون" – أن عزل الطفل البشري عن بني جنسه، سيجعل منه كائنا غريبا ؛ لأنه ليست هناك غريزة خاصة بالنوع البشري. فإنسانية الإنسان تتوقف على وجوده داخل محيط ثقافي. وفي هذا الإطار تطرح الإشكالية التالية : كيف كان الإنسان قبل أن يدخل إلى عالم الثقافة ؟ أو بتعبير آخر، كيف كان الإنسان قبل أن يعرف الحياة الاجتماعية؟ كما يمكن طرح السؤال التالي : ما الذي يلعب الدور الأساسي في شخصية الإنسان ؟ هل الفطري أم المكتسب؟

في الواقع يجب التمييز بين الطبيعة الخارجية وهي مجموع الموجودات والأشياء الماثلة في العالم خارج المنتجات المصنوعة من طرف البشر والطبيعة الداخلية وهي مجموع السمات والقوى التي جبل عليها الإنسان وتمثل الجانب الطبيعي البيولوجي وتتكون من رغبات وغرائز ودوافع وبواعث ومثيرات وأمزجة. لكن هل الجانب الطبيعي في الكائن البشري من الأمور الفطرية الموروثة أم من العادات المكتسبة؟ ما المقصود بالفطرة ؟ وهل تتعارض مع التجربة والتاريخ؟ وماذا يكتسب المرء في حياته؟ ثم كيف تشكلت النظرة الميكانيكية للطبيعة على أنقاض تحطيم فكرة الكوسموس ونهاية العالم المغلق؟

والحق أن"ما يطرح مشكلا في تعبير فطري ومكتسب ليس لا الفطري ولا المكتسب (إذ يمكن تحديدهما بسهولة)، بل هو حرف الواو الذي يرمز إلى نوع العلاقة بينهما. لكن هذا الحرف الذي هو بمثابة كمين سيدفعنا إلى الحذر تجاه عملية الجمع هذه، التي هي عملية ضرورية في الحياة اليومية."2

1- الآليات البيولوجية مثل الذكاء وصنف الدم ولون البشرة ودائرة الرأس والمعلومات التي يحملها إلي الإرث التناسلي تمثل ماهو فطري في الإنسان. وبعبارة ديكارت الفطري هو النور الطبيعي للعقل.

2- المواد المتوفرة من العلاقة بالمحيط والطاقة والحالة العاطفية تمثل ماهو مكتسب لدى الإنسان. وبعبارة دفيد هيوم المكتسب هي المعارف التي يحصل عليها المرء بحكم تكرار التجارب والعادة.

غير أن العلاقة بين الفطري والمكتسب متداخلة وناتجة عن العديد من العوامل المتفاعلة ومن الخطأ المنطقي دراستها عن طريق الفصل بينها واستبدال الواقع بالنماذج وبالتالي تقع في محظور نفي الطبيعة التي تزعم أنها تحاول دراستها. فماهي حصة كل من الفطري والمكتسب في الطبيعة؟ وكيف تتم معرفة الطبيعة ؟ هل بالاعتماد على العقل وما يتضمنه من أفكار أم بواسطة التجربة؟ وما الهدف من معرفتها؟

إذا كانت الفلسفة الإغريقية قد جعلت من الطبيعة معارا معرفيا فإن مفهوم الطبيعة مع ديكارت لم يحافظ على نفس المعنى بل ارتبط بتشكل العلوم الطبيعية وأعطيت للرياضيات والمنهج التجريبي الشرعية المعرفية لدراسة الظواهر الفيزيائية وتكيس الملاحظات وبلورة الفروض واستنتاج القوانين.

بناء على ذلك تحولت فكرة الطبيعة في العلم الحديث إلى آلية تسمح للبشر بأن يحددوا موقعهم من الكون وصارت تتيح إمكانية تحويل المعطى غالى المبني والخام إلى المرسكل وبلوغ الحيواني فيه.لقد أصبح الإنسان في الحضارة الحديثة سيدا ومالكا للطبيعة3 وأصبغ عليها بعض الخصائص التي لا تنتمي إلى كائن طبيعي آخر سواه وهي كيفيات مرتبطة بتكوينه الفزيولوجي والنفسي ومقاصده، كما صار بإمكانه دراسة وقراءة الكتاب الكبير بواسطة استعمال لغة رياضية بدل الكتابة على نص مستقل.لقد حلت الفلسفة الطبيعية محل الفلسفة التأملية وشرعت في دراسة ظواهر الكون ومعرفة القوة والنار والهواء والأجرام وحركة الأجسام التي توجد في محيط الإنسان ويمكن أن يستعملها بصورة خاصة. فماهي رؤية الفلسفة الديكارتية للمعطيات الفطرية؟

 

1- وجهة نظر ديكارت:

لقد بين ديكارت بأن الجسم آلة عضوية تتكون من عدة أجهزة وغدد وتحكمها قوانين دقيقة وكشف عن وجود طبائع ثابتة لا يمكن للشك أن ينكرها وحدد مفهوم الحقيقة بالانطلاق من النور الطبيعي للعقل.

يصرح ديكارت حول هذا الموضوع:" بالنسبة إليَّ، أميز بين نوعين من الغرائز: الأولى هي فينا من حيث نحن بشر وكائنات عقلية بشكل محض، وهي النور الطبيعي ...، أما الأخرى توجد فينا من حيث نحن حيوانات وتدل على الدافع الخصوصي في الطبيعة نحو المحافظة على الجسم الخاص بنا "4.

لقد ساهم ديكارت إلى جانب كل من غاليلي وكوبرنيك وكبلر ونيوتن في قيام علم الطبيعة في العصر الحديث وأوكل إلى هذا العلم مهمة دراسة الطبيعة بهدف معرفتها بشكل دقيق بواسطة الرياضيات والمنهج التجريبي و السيطرة على الظواهر والتحكم بها عن طريق التقنية والصناعة وتشييد طبيعة ثانية.

كما نصص ديكارت على أن الامتداد هو أساس الطبيعة المادية بينما الفكر هو أساس البعد الروحي وجعل من الميتافيزيقا أساس الفيزياء، ومن المعلوم أنه لم يثبت أثناء رحلة الشك حتى التأمل الخامس سوى وجود الذات والإله، بل اكتفى بالتمييز بين النفس والجسد، أما في التأملات (الخامس والسادس) فإنه قد انطلق إلى إثبات وجود العالم وحقيقة الأشياء. ما تناوله ديكارت في هذا الشأن ليس وجود المادة في حد ذاتها أو الأجسام المادية أو العالم في كليته بل حقائق الحساب والهندسة، ويذهب إلى التمييز بين معرفة العالم باعتباره مادة ومكوناً من أشياء مادية، والمعرفة الرياضية، ويقر بأن المعرفة الرياضية تتمتع ببداهة وصدق داخلي، والضمان الوحيد لهذا الصدق الداخلي هو أن الإنسان قادر على الحكم في المسائل الرياضية بيقين، وهذه القدرة على الحكم الصحيح ليست زيفاً أو خداعاً، لأن الإله هو الذي يضمن وصول الإنسان إلى اليقين في الرياضيات طالما استخدم ملكة الحكم لديه على نحو صحيح. والحقائق الرياضية من حساب وهندسة يتوصل إليها العقل وحده دون الاعتماد على الحواس ودون العودة إلى التجربة. فكيف استخدم ديكارت الرياضيات من أجل قراءة كتاب الطبيعة المفتوح؟ وماهو المفتاح المعتمد في هذه القراءة؟

يبدو أن ديكارت كان يعتقد في وجود حقائق رياضية مستقلة عن العالم المادي، ويري بأن فهذه الحقائق موجودة فطريا وموضوعة على مستوى الفكر وليست في حاجة إلى العالم المادي كي تتحقق وما على العقل إلا اكتشافها بنفسه بدون الاستعانة بالإدراك الحسي ودون التثبت بالتجارب.

مقتضى القول أن الطبيعة حسب ديكارت هي مادة في الأساس وهي مختلفة من حيث الجوهر عن الرياضيات التي هي مفكر خالص وتتمتع بالصحة واليقين ويمكن الاستعانة بها لتفسير ظواهر الطبيعة دون الجزم بأنها التعبير الحقيقى عن جوهر الطبيعة وماهيتها، كما سيفعل من بعده سبينوزا ونيوتن.

أما عن طبيعة الأشياء المادية فإنه يميز فيها بين ما يدركه العقل من صفات الأولية للأشياء، مثل الامتداد والشكل والعدد، وما تدركه الحواس.من صفات ثانوية مثل اللون والطعم والرائحة والملمس. ويذهب ديكارت إلى أنه طالما يدرك العقل الصفات الأولية في الأشياء بوضوح وتميز فمعنى هذا أن هذه الصفات موجودة بالفعل في المادة وهي ما تشكل ماهيتها، أما الصفات الثانوية فليست في المادة نفسها بل هي ناتجة عن تأثر الحواس بالمادة، وآيته على ذلك تغير هذه الصفات الثانوية.

في هذا المنظور إن المادة في الأساس امتداد وعدد وشكل وحركة. هذه الصفات الأولية هي حقيقية لأن العقل هو الذي يدركها ويستقبلها وترد عليه دون أن يتأثر بها، أما الصفات الثانوية فلا تستقبلها الحواس من المادة بل تتأثر بها وحسب، والاستقبال يختلف عن التأثر إذ أن الاستقبال لشيء موجود بالفعل، في حين أن التأثر يعود إلى طريقة التركيب وطبيعة الحواس، وبالتالي فنحن لا نعرف من الأشياء على الحقيقة إلا ما نستقبله منها بوضوح وتميز وهو الامتداد والحركة والعدد، أما ما تتأثر به حواسنا فلسنا على يقين من أنه داخل في طبيعة المادة، بل هو صفات ثانوية فيها يمكن أن تتغير مع بقاء الصفات الأولية للمادة كما هي.

اللافت للنظر أن الذهن البشري حسب ديكارت يملك معانٍ وتصوّرات لم تنبثق عن الحسّ وإنّما هي ثابتة في صميم الفطرة، فالنفس تستنبط من ذاتها. إن هناك معارف وأفكار ومبادئ فطرية توجد في العقل منذ الولادة، وبالتالي هي معارف ومبادئ تتميز بالبداهة والوضوح والإطلاق والكلية وهذه التصوّرات الفطرية Innées عند (ديكارت) هي فكرة (الله والنفس والامتداد والحركة) وما إليها من أفكار تتميّز بالوضوح الكامل في العقل البشري مثل الوجود والكمال والذات والجوهر والماهية والنظام والترتيب.

 علاوة على ذلك إن العقل ملكة فطرية وأنه موزع بين الناس بالتساوي بحيث ليس هناك شخص أوتي من العقل أكثر مما أوتي الآخرون. زد على ذلك إن العقل قادر على إنتاج الأفكار والمعارف انطلاقا من مبادئه الذاتية ودونما حاجة إلى أي مصدر خارجي، والعقل في نظره لا حدود له حيث بإمكانه أن يدرك كل الحقائق حتى الميتافيزيقية منها كوجود الله وخلود النفس وبداية العالم.

لقد جعل ديكارت الطبيعة آلة كبيرة وجعل اللغة ميزة طبيعية لدى البشر يتفوق بها على الحيوان وتصور الحيوانات في شكل آلات5 تعمل أعضاؤها وفق قوانين وبرهن من خلال تجربة الشمعة على بقاء الجوهر الممتد بالرغم من ذهاب كيفياته الحسية 6 ووضع تنظيما جديدا للعالم ومنح الذات إمكانيات جديدة للهيمنة عليه وأسس عقلانية الفيزياء الرياضية على أنقاض فكرة العالم المغلق وعزز مكانة المادة في العلم.

علاوة على ذلك انطلق من فكرة دور النور الطبيعي في البرهنة على وجود الله في التأمل الثالث من أجل رسم الحدود بين الطبيعة والفكر وبين الفيزياء والميتافيزيقا وأقحم الواقع في السبب والأثر معا. ولا يمكن وضع المعارف التي يحصل عليها الذهن بواسطة النور الطبيعي موضع شك، لكن هذا الإقرار يفضي إلى مشكل هو شكل العلاقة بين النور الطبيعي ومعايير الحقيقة كالوضوح والتميز. كما يفترض أن يكون هذا النور الطبيعي منغرسا في الأنفس البشرية بواسطة الله وبالتالي يصعب التمييز بين نظام الطبيعة والنظام الميتافيزيقي وبين الحقيقة الموضوعية واليقين المطلق وبين الصرخة الطبيعية والكلام البشري7.

لكن تبقى الغاية التي جعلها ديكارت لهذه المعرفة الطبيعية - وهي السيطرة على الطبيعة وتملكها8 – محل أخذ ورد لذلك تم انتقاد هذا الهدف من طرف"ميشيل سير" الذي تساءل : إذا كان الهدف من العلم الطبيعي هو التحكم في الطبيعة، فهل يمكن التحكم في تحكمنا ؟ بمعنى هل نستطيع السيطرة على العنف البشري الذي دمر الطبيعة بدعوى السيطرة عليها ؟ إنها فكرة خطيرة هيمنت على الحضارة الغربية منذ ديكارت أفضت إلى تكاثر التصنيع التقني وكانت لها أثار سلبية على الطبيعة وعلى الوجود البشري ذاته.

 

2- وجهة نظر هيوم:

 من جهة مقابلة يتعامل هيوم مع كل معرفة تخص الإنسان على أنها فلسفة قيمية وأخلاقية بما فيها نظرية المعرفة ومبحث السياسة والدين والاقتصاد، فهو يرى كما ذكرنا أن المعارف البشرية تنقسم إلى:

1 - فلسفة طبيعية تضم كل معارفنا عن الطبيعة بالمعنى الفيزيائي والكيميائي والإحيائي والرياضي .

2 - ولأن المعرفة ظاهرة إنسانية، فقد نظر إليها هيوم على أنها تنتمي إلى الفلسفة الأخلاقية . وكان في ذلك , منطلقاً من الاعتقاد في أن ما يحدد كل إنتاج إنساني هو طبيعته القيمية وما يتضمن من انفعالات ومشاعر وعواطف وإدراك حسي ومخيلة وفهم . لذلك فإن هيوم قد وضع لبحثه في الطبيعة البشرية عنواناً فرعياً هو (محاولة لإدخال المنهج التجريبي في الموضوعات الأخلاقية) .

لم يكن هيوم هو أول من بحث في الطبيعة البشرية، ذلك لأن هذا البحث كان ملازماً للفكر الفلسفي منذ ظهوره لدى اليونان، لكنه يعد أول من بحث فيها انطلاقاً من المنهج التجريبي وذلك بتتبع موضوعات الفلسفة من معرفة وأخلاق انطلاقاً من بداياتها الأولى و دراسة المعرفة انطلاقاً من الإدراك الحسي وانطباعات الحواس، وإدراك الأخلاق انطلاقاً من الأحاسيس والعواطف والانفعالات .

وكان البدء بالإدراك الحسي والانفعالات لدراسة المعرفة والأخلاق يجعل نظريته سيكولوجية , فهو يرى أن علم النفس يجب أن يكون المنطلق . وأن علم النفس الذي يفهمه هيوم هو علم الطبيعة البشرية , ولهذا السبب ينظر إلى هيوم على أنه من إرهاصات علم النفس التجريبي الحديث. وكان هدف هيوم من ذلك الوصول إلى الدقة العلمية التي حازتها العلوم الطبيعية مع نيوتن في مجال الموضوعات الأخلاقية، والهدف من تشريح الطبيعة الإنسانية هو الوصول إلى المبادئ الأساسية الحاكمة لهذه الطبيعة.

ينظر هيوم إلى الطبيعة البشرية على أنها في النهاية طبيعة يمكن دراستها والوصول فيها إلى المبادئ الأساسية الحاكمة لها تماماً فقد نظر إلى علم الطبيعة البشرية على أنه علم الوظائف النفسية . فقد انطلق من المبادئ الأساسية التي تحرك النفس الإنسانية مثل الأحاسيس والمشاعر والانفعالات، مؤسساً عليها نظريته في المعرفة وفي الأخلاق . ذلك لأنه اكتشف أن حركة النفس صادرة عن وظائف للنفس.

والمنهج التجريبي عند تطبيقه على الموضوعات الأخلاقية , يصبح بحثاً عن الوظيفة ويمثل المنهج العلمي الذي يقوم بالدراسة العلمية للطبيعة البشرية وذلك برفض الانطلاق من أي تصورات قبلية مسبقة عن الطبيعة الإنسانية، ويترك البحث التأملات القبلية في الطبيعة الإنسانية، مثل الافتراض بأنها طبيعة خيرة أو طبيعة شريرة، وهو يرفض التأمل الباطني باعتباره وسيلة يتوصل بها إلى الطبيعة الإنسانية. ويشرع في بحث سلوك الناس وما يكشف لنا هذا السلوك من انفعالات وعواطف.

" يجب علينا ممارسة تجاربنا في هذا العلم من الملاحظة الدقيقة والحذرة للحياة الإنسانية، وأخذها كما تظهر في العالم، عن طريق سلوك البشر في اجتماعهم وتسيير شؤونهم وفي مشاعرهم" .

ونظر هيوم لطبيعة المعرفة البشرية من منطلق أنها مكونة من إدراكات بسيطة يصنع منها الفهم إدراكات مركبة، كما يدرس هذه الإدراكات على أساس الترابط بينها في الذهن، وهو ما يعرف بنظرية ترابط الأفكار الناتج عن طريقة عمل عقلنا . يقول هيوم في ذلك:" هذه هي إذن مبادئ اتحاد وتجانس أفكارنا البسيطة، والتي تقدم لنا في المخيلة رابطاً لا ينفصل، بها تتحدد في الذاكرة. ونجد هنا نوعاً من الجذب، الذي سوف نكتشف أن له آثاراً كبيرة في العالم العقلي مثلما كان له في العالم الطبيعي ".

على هذا الأساس ينطلق في بحثه في الطبيعة البشرية من أفكار أساسية، وعن طريق ملاحظة سلوك البشر، ويرى أن هذه الأفكار تذهب إلى أن ما يحكم السلوك الإنساني، سواء كان معرفياً أو قيمياً أو أخلاقياً، هو الإحساسات والعواطف والانفعالات أولاً , فعن طريق الإحساسات نتعرف على الوجود وتتكون لدينا أفكار عنه , فلأننا نتلقى إحساساً باللون الأزرق نعتقد في وجود هذا اللون، ولأننا نتلقى أحاسيس اللذة والألم تكون لدينا أفكاراً عن اللذة والألم , وبالتالي نسعى للحصول على اللذة وتجنب الألم .

فالطبيعة الإنسانية مؤسسة بحيث تجعلنا نستحسن أشياء ونرفض أشياء أخرى، ويعني هذا أن قبول أو رفض شيء ما سواء كان صحيحاً أو خاطئاً، جميلاً أو قبيحاً، خيراً أو شريراً، لا يعتمد على قرار نتخذه عن طريق الموازنة العقلية والاستدلال والبرهان، بل يعتمد على طبيعتنا البشرية التي هي في الأساس إحساسات ومشاعر. والهدف الأساسي هو اكتشاف الإمكانات والتوجهات الكامنة في الطبيعة البشرية وأهم توجهاتها التي تتحكم في سلوك الإنسان ومعرفته ومعتقداته هي: الأحاسيس والعواطف والانفعالات، ولذلك يعلي من شأنها ويعطيها الأولوية على العقل ذاته، بل انه يجعل العقل نفسه خاضعاً لها : "العقل عبد للانفعالات، ولا يمكنه أن يفعل أي شيء سوى أن يخدمها ويطيعها "9

إذا أردنا البحث عن الدوافع الأولى والأساسية للسلوك البشري فيجب علينا الانتهاء حتماً إلى الإحساس والعاطفة والانفعال لأن العقل لا يمكن أن يشكل دافعاً للسلوك. فهو يرى إن العقل الإنساني ليس سوى ملكة منظمة لما يتلقاه الإدراك من انطباعات على المستوى المعرفي، أو ما تتلقاه النفس الإنسانية من لذة وألم. لكنه يبقي للعقل دورا تنظيميا محدودا ويصر على أن العقل والمنطق ليس له دور كبير في حياة البشر وسلوكهم . كما أن دوره متواضع في مجال الاعتقاد، ولا يمكن للبشر أن يسلكوا ويستمروا في الحياة بدون اعتقاد، فالبشر يمارسون الاعتقاد كل يوم وفي كل وقت، وهذا أكبر دليل على أن العقل لا يشكل دور كبير في الاعتقاد الذي يتبناه الإنسان . كما يطلق هيوم على موضوعات العقل إدراكات، ويقسمها إلى نوعين: الانطباعات والأفكار، ويميز بين الموضوعات التي تدخل العقل على أساس الإحساس والخبرة من جهة والتفكير والاستدلال من جهة أخرى. فتلك الإدراكات التي تدخل بكل قوة وعنف يمكن أن نسميها الانطباعات، وتحت هذه التسمية نفهم كل إحساساتنا وانفعالاتنا وعواطفنا كما تظهر لأل مرة في النفس. وإذا كانت الانطباعات حسية فالأفكار أيضاً حسية، وكل الفرق بينهما أن الانطباعات إدراكات تنطبع على الإدراك الحسي، والأفكار إدراكات تنطبع على العقل. وما ينطبع على الإدراك الحسي يكون قوياً وعنيفاً، وما ينطبع على العقول يكون خافتاً ضعيفاً. والإدراك المنطبع على الإدراك الحسي هو تأثر مباشر للحواس بالأشياء وبالخبرة التجريبية، أما الإدراك المنطبع على العقل فهو مجرد صورة خافتة للأشياء والخبرة. وإذا كان الإدراك الحسي يتلقى تأثيرات قوية من الخارج فإن العقل لا يتلقى إلا صوراً ذهنية عن الادراكات الحسية. إنّ الفارق بين التصوّر والاعتقاد ليس في المحتوى، بل في طريقة إدراكه، وهكذا نعرف أنّ الوجود ليس صفة وليس له فكرة خاصّة به تضاف أو تحذف من فكرتنا عن شيء معيّن نقول عنه: أنّه موجود.فالوجود ليس عنصراً من عناصر فكرتنا عن الأشياء.

لقد كان الهدف الأساسي الكشف عن الطريقة التي يفكر بها الإنسان والتي تتحدد وفق طبيعته، ولأن هذه الطبيعة لدى هيوم طبيعة حسية انفعالية في الأساس , فلقد ذهب إلى أن التفكير غير ممكن إلا بحضور إدراكات في الذهن، وهذه الإدراكات إما أن تكون انطباعات أو أفكار10 . لكن هل يرتكز التصور الهيومي للطبيعة على الاعتقاد أم على العادة؟ وكيف أدى إنكاره للسببية في الطبيعة إلى القول بالاحتمال والاسمية؟

يقدم هيوم نظرية خاصة في الجوهر، يرفض فيها أن يكون للجوهر وجود حقيقي في الأشياء ويذهب إلى أنه مجرد طريقتنا نحن في التفكير، وهو يختزل الجوهر إلى الانطباعات . وسبب حضور هذه الفكرة في أذهاننا ,هي عادة عقلية في جمع صفات جزئية وأفكار بسيطة ترتبط معاً بعلاقات تحدثها المخيلة، ويطلق عليها اسماً عاماً بهدف امكان التواصل مع الآخرين وإفهامهم ماذا نقصد. وبالتالي فالجوهر ليس سوى اسم كلي لمجموعة من الصفات والأفكار البسيطة. فالمعرفة عند هيوم هي إقامة علاقة بين الأفكار، سواء كانت هذه الأفكار ترجع مباشرة إلى انطباعات الحواس أو كانت ترجع إلى انطباعات التفكير.

إن كل العلاقات التي يمكن أن تظهر بين الأفكار تتمثل في سبعة: التطابق , والهوية , والعلاقات الزمانية والمكانية، والكم أو العدد، ودرجات الكيف، والتضاد، والسببية. ويقسم هيوم هذه العلاقات إلى نوعين: الأول يعتمد حصرياً على الأفكار التي تقارنها ببعضها البعض، وذلك مثل التطابق والتضاد ودرجات الكيف وأعداد الكم. أما النوع الثاني فيعتمد على شيء من الاستدلال مثل الهوية والعلاقات الزمانية والمكانية والسببية. فعلى سبيل المثال فإن السببية لا تعتمد على إقامة مقارنة بين فكرة وأخرى بل تعتمد على استدلال من السبب إلى النتيجة أو العكس . والاحتمال هو الاستدلال من افتراضات، وينقسم إلى نوعين: نوع يؤسس على الصدفة ونوع ينشأ عن الأسباب. فكل استدلال يبني على وجود شيء بالصدفة يتصف بأنه احتمالي وعشوائي، والاستدلال المؤسس على الأسباب أيضاً احتمالي عال، لأنه يفترض أن الحالات التي تثبت فيها صلة بين سبب ونتيجة سوف تتكرر، أو أن السبب الذي أحدث نتيجة في الماضي سوف يحدث نفس النتيجة في المستقبل، لكن ليس هناك ما يؤكد لنا هذا الانتظام (الحتمي) بين السبب والنتيجة في الحالات التي لم تخضع بعد للتثبت التجريبي. لكن كيف أدى تبرير الاعتقاد من الناحية الفلسفية إلى الإقرار بأهمية الدين الطبيعي إلى جانب الدين المدني؟

 

خاتمة:

من المعلوم أن الطبيعة تدل على كل ماهو مدركperceptible وكل ماهو متصورconcevable وتتعارض مع ماهو صناعيartificiel مثل الأشياء التي أنتجتها البراعة الإنسانية ومع ماهو ماورائيsurnaturel مثل الأحداث الخارقة للعادة التي تقع في الحياة الإنسانية عن طريق القدرة الإلهيةgrâce divine 11. إذا دققنا أكثر وعدنا إلى المعجم الفلسفي نجد ما يلي: الطبيعة Nature والطبيعيNaturel والمذهب الطبيعي Naturalisme.

+ من جهة أولى الطبيعة Nature تمتلك دلالات متعددة تتعلق إما بطبيعة كائن معين وإما بالطبيعة بصفة عامة (بوصفها مجموع الكائنات). فهي المبدأprincipe الموجه في تطور كائن معين حيث يقترن الفيزيسphusis بالبذرة عند الإغريق. هنا تتعارض الطبيعة من حيث هي سببcause أو عقل مع الفن أو مع التقنية. بعد ذلك نجد الماهيةEssence التي تفيد مجموع من الخصائص التي تعرف كائنا يكون مطابقا مع نوعه. من هذا المنظور نجد الطبيعة البشرية حاضرة في كل إنسان. غير أن هذا التصور المتداول تم تهفيته من طرف الأثنولوجيا والبسيكولوجيا والماركسية والوجودية برفضهم أسبقية الماهية على الوجود. كما نعثر على الإنسان الطبيعيl’ homme de la nature عند جان جاك روسو يتعارض مع المواطن في الحالة المدنية، وبالتالي كل ماهو فطري أو تلقائي في النوع يتعارض مع الثقافة، ويتعارض أيضا مع الوحيrévélation والرحمةGrace التي يذكرهما قاموس التيولوجيا.

المعنى الخاص والدقيق للفظ الطبيعة يشير إلى الطبائع الخاصة بفرد معين التي تميزه عن غيره وتعني الطبعcaractère أو المزاجtempérament والجانب المورفولوجي والمكونات البيولوجية.

من جهة ثانية الطبيعة هي مجموع الأشياء (الحيوان والنبات والتراب) الخاضعة لقوانين عامة جعلها أرسطو متعارضة مع الصدفة تحديدا. هذا المعنى يتم تخصيصه على النحو التالي:

-   مجموع مخلوقات الله في المنظور الإيماني وكل ماهو موجود حسب منظور غير ديني، أي مجموع الكائنات الخاضعة للسببية التي تكاد أن تكون ميكانيكية بالتعارض مع الحرية أو الروح.

-   العالم المرئي الذي نسكنه من حيث هو متعارض مع النظام العاطفي والروحي والفكري ومابعد الطبيعي الذي يظل محتجبا عن أنظارنا وغير مدرك حسيا.

-   يمكن اعتبار الطبيعة،بالقياس إلى أن كل كائن مطالب بأن يحقق ماهيته، المبدأ المعياري الذي اتبعه ذلك الكائن. من البديهي أن نذكر في هذا الإطار قوانين الطبيعة من حيث هي قوانين كونية والتي لا تمثل القوانين البشرية سوى محاكاة خصوصية لها. كما يبدو من المنطقي أن تتضمن الحركة المضادة للطبيعة الكثير من الانحراف والفساد والانتقام في المعجم التحليلي النفسي.

في الحقيقة،" يشير لفظ الطبيعة إلى معان مختلفة، فبالمعنى الفيزيائي والفلكي الطبيعة هي الكون بما يتضمنه من أفلاك وظواهر متنوعة تخضع لقوانين ثابتة وضرورية. والمقصود أيضا بالطبيعة أصل الشيء وجوهره وكنهه، مثل قولنا: طبيعة الماء وطبيعة النفس الخ. ويعني لفظ الطبيعة الفطرة والغريزة، وهو بهذا المعنى مقابل للثقافة والحضارة. وللطبيعة معنى رومنطيقي وهو الذي نعنيه عندما نشير بهذا اللفظ إلى الغابات والبساتين والمروج وكل ما يبعدنا عن صخب المدينة وضوضائها."12

+ أما الطبيعيNaturel فيستعمل في كل معان كلمة الطبيعة ويتعارض مع المكتسب والمنعكس والصناعي والإنساني والإلهي والموحى به وماوراء الطبيعي والأسطوري وغير السوي. يمكن أن نذكر على سبيل المثال الحق الطبيعي الذي يستخلص من حالة الطبيعة ويتعارض مع الحق الوضعي. وكذلك نذكر عبارة الدين الطبيعي المستعملة بكثرة في القرن 18 والذي يرتكز على بالعقل ويتحاور بشكل مستقل وندية مع الوحي.

+ في حين أن المذهب الطبيعي Naturalisme يدل في الحقل الجمالي والفني على التصور الذي يأخذ بمقتضاه الفنان الطبيعة كنموذج في عمله سواء كان رسما أو نحتا أو نثرا. كما تم تطبيق المصطلح على التيارات الفلسفية التي تنفي وجود ماوراء الطبيعة من غيب وروحانيات وكل مبدأ متعال وكل قيمة أو حقيقة من طبيعة مغايرة لما يظهر في التجربة. علاوة على ذلك ينفي المذهب الطبيعي كل خلق الهي وكل عناية إلهية ويثبت طيبة الطبيعة ويفسر تطور المجتمع بالاعتماد على قوانين طبيعية ويعتبر حالة الطبيعة بوصفها عصرا ذهبيا مرجعا للسلوك البشري. لكن تقع معظم القواميس في حلقة مفرغة ودور لغوي عقيم حينما تعرف الطبيعة بمجموع الأشياء الموجودة بشكل طبيعي وتحدد الأشياء الطبيعية بواسطة الطبيعة13.

الإشكال يظهر حينما تكون الطبيعة من جهة مستودع الخيرات والمنافع الكفيلة بإشباع البشر وترضيتهم ولكنها من جهة أخرى قد تتحول إلى مصدر تهديد وعنف وقسوة نتيجة تقلبات مناخية وحركية جيولوجية.

علاوة على ذلك تجد الفلسفة نفسها في مواجهة تحدين:

-   تعريف الكائن البشري من وجهة نظر الطبيعة (البحث في ماهيته وفكرته أو دراسة الجانب الطبيعي منه والغريزي والجسماني).

-   تعريف الطبيعة من وجهة نظر الكائن البشري (البحث في بنيتها ونظامها الكوني أو دراسة الجانب الروحي والعاطفي منها). فما السبيل المؤدي إلى تجنب الوقوع في مثل هذا الدور؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

.........................

الهوامش والإحالات:

[1] Bergson (Henri) , les Deux Sources de la morale et de la religion (1932), Quadrige, 7edition, PUF, Paris, 1997, P289.

[2] Jaccard A, Moi et les autres, édition du seuil, Paris, 1983,p44.

[3] Descartes René, Discours de la méthode, VI, 1637, collection 10-18, 1963, pp74-75.

[4] Descartes René, Lettre à Mersenne du 16 octobre 1639, in Lettres, textes choisis par Michel Alexandre, PUF, 1954, p57.

[5] Descartes René, Discours de la Méthode, V, 1637, commentaire Gilson, 1966, « Considéreront ce corps comme une machine qui, ayant été faite des mains de Dieu, est incomparablement mieux ordonnée et a en soi des mouvements plus admirables qu’aucune de celles qui peuvent être inventées par les hommes, »

[6] Descartes René, Méditations métaphysiques, 1641, II, édition 10-18, Paris, 1964,pp149-150.

[7] Descartes René, Discours de la Méthode, 1637, commentaire Gilson, 1966, pp.57-58. « on ne doit pas confondre les paroles avec les mouvement naturels, qui témoignent de passions, et peuvent être imité par des machines aussi bien que par des animaux ».

[8] Descartes René, Discours de la Méthode, VI, 1637, édition 10-18, Paris, 1963, pp.74-75. « Au lieu de cette philosophie spéculative qu’on enseigne dans les écoles , on en peut trouver une pratique, par laquelle , connaissant la force et les actions du feu, de l’eau, de l’air, des astres, des cieux et de tous les autres corps qui nos environnent, aussi distinctement que nous connaissons les divers métiers de nos artisans, nous pourrions employer en même façon à tous les usages auxquels ils sont propres, et ainsi nous rendre comme maitres et possesseurs de la nature . »

[9] Hume )David(, traité de la nature humaine, 1738, L.II,3 partie, sect III, tome 2, édition Aubier-Montaigne,Paris, 1946.pp524-526

[10] Hume )David(, enquête sur l’entendement humain, 1748, Traduit par M. Beyssade, édition GF, Paris,1983.

[11] Giuculescu Alexandru, l’image de la nature dans la science, in Cahiers de la revue de théologie et de la philosophie, n°18, Lausanne (Suisse), 1996 .p211.

[12] سعيد (جلال الدين)، معجم المصطلحات والشواهد الفلسفية، دار الجنوب للنشر، تونس، 1998. ص.275.

[13] Lenoble (Robert), histoire de l’idée de nature, éditions Albin Michel, 1969.p217.

 

 

لقد سبق لنظرية النسبية العامة لاينشتاين ان جعلت عملية التأثير الكوني وليدة العلاقة بين هندسة الزمكان والطاقة او المادة، وعندما تم اكتشاف توسع الكون نهاية العشرينات من القرن الماضي اخذت التصورات النسبية تبدي بانه لا بد من الرجوع الى بداية لا تسبقها بداية اخرى، وهي تمثل نقطة مكانية ولحظة زمانية مرافقة، وتحمل هذه النقطة كتلة طاقوية هائلة. فمن خلال تلك الحالة المعبر عنها – فيما بعد - بالمفردة singularity بدأ ما يعرف بالانفجار العظيم ومن ثم التوسع او التضخم الكوني. فالمفردة هي نقطة مضغوطة الى ابعد حد من التكثف المادي. وبحسب النسبية تُقدّر كثافة المادة وطاقتها بانها غير متناهية ضمن هذه النقطة التي يكون فيها الزمن والمكان منعدمين او صفرين.

هذا ما يلزم عن النسبية العامة، فالمفردة هي نتاج هذه النظرية، وعلى الاقل انها معتبرة طبقاً لنظريات التوسع والتضخم الكوني. فقيم الطاقة لدى المفردة تبقى قيماً لا متناهية، ومن هذه البداية جاء التأثير السببي ضخماً للغاية، وما زالت اثاره سارية الى يومنا الحالي من دون ان نعرف حدود هذا التأثير ومخلفاته واللحظة التي سيتوقف عندها مستقبلاً، فلحد الان لا يجزم الفيزيائيون اي شكل من الاشكال الذي يتوجه اليه التوسع الكوني، فهل سينتهي الى حد ثم يعود الى النقطة التي بدأ منها، ام انه يستمر الى ما لا نهاية له من دون توقف؟

ويعتبر الفيزيائي والقس البلجيكي لومتر اول من استنتج وجود هذه النقطة البدئية استناداً الى معادلات النسبية العامة وتوظيفاً لاكتشافات هابل حول تباعد المجرات عن بعضها البعض. ففي ورقة نشرها عام 1927 فسر فيها ازاحة دوبلر الضوئية بانها دالة على تمدد الكون، اذ عمل على حل معادلات النسبية، وتنبأ بان الكون يتمدد، وقد بدت الفكرة غريبة انذاك، حتى نقل عن اينشتاين بانه احتج - وقد احمر وجهه - بتصريح مفاده : (معادلاتك الرياضية صحيحة، لكن فيزياءك فظيعة). وفي عام 1930 اقترح لومتر بان كوننا المتمدد قد بدأ من نقطة متناهية في الصغر اطلق عليها الذرة الاولية، وهي المسماة فيما بعد بالمفردة والتي من خلالها بدأ الانفجار العظيم، ثم اخذ بالتوسع او التضخم كما يفسره قانون هابل.

ليس من شك ان المفردة قد حيّرت علماء الكون الى يومنا هذا. فلو اردنا ان نسترجع التوسع الكوني الى الوراء حتى نصل الى لحظة البدء بالتقلص شيئاً فشيئاً، فسيعني ذلك ان الزمان والمكان سيتحولان الى تلك المفردة دون تعديها، اذ بدأ التأثير من هذه النقطة الكونية من دون زمان ولا ابعاد مكانية محايثة.

ان من المفارقة ان تكون المفردة من لوازم النسبية العامة في الوقت الذي تكون مناقضة لمضامينها، فهي الحالة التي تكشف عن خطأ هذه النظرية وعدم امكان تطبيقها عليها. فالنسبية تتنبأ بالمفردة حيث تكون درجة الحرارة والكثافة والانحناء فيها لا نهائية، لذلك اعتبرت لدى الفيزيائيين خاطئة تماماً. فعند الرجوع الى الوراء زمنياً فان الجسيمات تتقارب فيما بينها شيئاً فشيئاً حتى الوصول الى نقطة التفرد، وعند هذا الحد ينبغي ان تكون الطاقة غير متناهية وفقاً للقوانين الفيزيائية المتعارف عليها. فمثلاً لما كانت المسافة بين الجسيمات في حالة المفردة او النقطة عبارة عن صفر، فان تعيين قوة الثقالة بين الجسيمات ستكون لا نهائية طبقاً لقانون الجاذبية، اذ القوة تتناسب عكساً مع مربع المسافة بين الجسمين.

ولا تقتصر هذه المشكلة على المفردة الكونية لدى النشأة الاولى، او ما يعرف بظروف الانفجار العظيم، وانما تلوح ايضاً ما يحصل لدى الثقوب السوداء، فهي ايضاً تمتلك مفردتها الخاصة، وفي الحالتين تعجز معادلات النسبية العامة عن معالجتها.

فللمفردتين صفات مشتركة، فسواء في بداية الكون او في حالة الثقب الاسود يحصل التفرد بفعل الجاذبية الضخمة، وعندما يتحدث الفيزيائيون عن المفردة الكونية (البدئية) فانهم لا يميزونها من حيث الكثافة المادية عن تلك التي لدى الثقوب السوداء. مع ان هذا الحديث يتضمن شيئاً من المفارقة، فرغم انه في الحالتين هناك مفردة وجاذبية ضخمة، لكن ما يحصل هو شيء معاكس. فللمفردة الثقبية صفة الابتلاع لكل ما حولها بفعل الجاذبية الضخمة، في حين يحصل العكس في حالة المفردة الكونية (البدئية)، اذ يتولد منها انفجار عظيم يدفع كل شيء في حوزته الى الخارج.

ويعود تاريخ الحديث عن الثقوب السوداء الى عام 1783، فقد طرح جون ميتشل بحثاً حول النجوم من حيث احجامها وابعادها وكتلها، وقام بقياس تأثير جاذبيتها على الضوء المنبعث من اسطحها، وذلك استناداً الى النظرية الجسيمية للضوء كما عرضها نيوتن، وقد توصل الى ان من الممكن ان تكون هناك نجوم لها كثافة لا تقل عن كثافة الشمس وان اقطارها اكثر من 500 مرة قدر قطر الشمس، ففي هذه الحالة ستعمل الجاذبية على ثني الضوء دون ان تسمح له بالخروج والوصول الينا، لذلك تبدو مظلمة او غير مرئية، ومن ثم سميت بالنجوم المظلمة. وفي عام 1796 نشر الفرنسي لابلاس كتاباً طرح فيه بحثاً عن (النجوم غير المرئية) وجاء مشابهاً لفكرة ميتشل من دون علم بما قام به الاخير، حيث كشف فيه عن اثر الجاذبية في جعل بعض النجوم مظلمة او غير مرئية لعدم تمكن الضوء من الافلات من شدة الثقالة. لكن هذه الفكرة اختفت من طبعة كتابه لعام 1808 وما بعدها من الطبعات، وذلك بعد ان شاعت ابحاث يونغ وفرزنل التي اثبتت بشكل قاطع بان الضوء عبارة عن موجات وليس جسيمات خاضعة للجاذبية.

اما خلال القرن العشرين فقد قدّم الفلكي الالماني كارل شوارزتشايلد (Schwarzschild) اول محاولة علمية جادة لاستنتاج الثقوب السوداء من النسبية العامة سنة 1916، اي بعد ان نشر اينشتاين نظريته في نفس السنة، وقد ابدى الاخير عدم اقتناعه بالفكرة الجديدة، وفي عام 1939 طرح تفسيراً انكر فيه مثل هذه الثقوب. لكن تبين لدى عدد من العلماء خلال الستينات بان ما وصفه شوارزتشايلد هو الواقع الصحيح، وكان منهم ستيفن هوكنج وبنروز ودايسون وويلر الذي يعود اليه الفضل في اطلاق الثقوب السوداء على هذه النجوم. ومع ان الكثير من الفيزيائيين اعتبروا هذه الثقوب خيالية، لكنها لقيت ترحيباً خلال التسعينات من القرن المنصرم لتزايد الادلة حولها.

والمعروف ان الثقب الاسود يتكون من النجم اذا ما كانت كتلته كبيرة جداً، فاحياناً تبلغ هذه الكتلة عشرات المرات من كتلة الشمس او اكثر، وهي ما تجعل قلب النجم شديد التكتل، فتزداد جاذبيته ويصبح مهيئاً للتحول الى ثقب، اذ تبدأ عملية التكون بعد ان تستنفد التفاعلات النووية الحرارية للنجم طاقتها، اذ تتغلب قوة الجاذبية في قلب النجم على هذه التفاعلات التي كانت تقاومها، فتُسحب المادة الى الداخل ومن ثم يتقلص حجم النجم ويتكثف، ومنه يتكون الثقب، حيث يقوم بابتلاع كل ما حوله بسبب ضخامة هذه القوة.

مع ذلك فالثقوب السوداء مازالت مفترضة من دون ان يدل عليها شاهد او دليل تجريبي مباشر، فبحسب النسبية انه لا يمكن رؤيتها ابدأ، حيث يستحيل ان ينفذ منها اي شيء حتى الضوء تحت وطئة ثقالة الجاذبية، وهذا ما يجعلها عصية على الاثبات والاستشعار. لكن هناك طريقة لستيفن هوكنج ذكر بانها اشرقت عليه في لحظة اكتشاف هي اشبه ما يكون بالالهام العرفاني عام 1974، فقد حاول ان يثبت بان هذه الثقوب تشع بعض التيارات الضوئية دون ان تكون مظلمة تماماً، وذلك اعتماداً على نظرية الكوانتم.

فبحسب الكوانتم ان المجالات الفضائية ليست صفرية لعدم اليقين، فالفضاء مليء بخلق وفناء الجسيمات الزوجية المتضادة، المسماة بالتقديرية او الوهمية، حيث تظهر بشكل ازواج متضادة، لكن سرعان ما يفني الجسيمان احدهما الاخر، وهو ما يحدث ايضاً في المنطقة القريبة من الثقب الاسود، فهناك جسيمات زوجية افتراضية حول الثقب، ومنها الزوج المتعلق بالفوتونات، فكثافة الطاقة السلبية لافق الثقب الاسود تحني الزمكان مما تجعل اشعة الضوء يتباعد احدها عن الاخر، على عكس الكثافة الايجابية للطاقة التي تجمع الاشعة كما هو مرئي. اي ان المقدرة الهائلة لجاذبية الثقب يمكنها ان تحقن طاقة في زوج الفوتونات فتبعدهما عن بعض في منطقة الفضاء المجاورة لافق حدث الثقب الاسود، اذ يمكن ان يسحب احدهما ليهوي داخل الثقب قبل تفانيه مع نظيره المضاد، فيما يفلت الثاني بالاندفاع نحو الخارج بعيداً. لذلك يتكون منه تيار مستمر من اشعاعات منبعثة للخارج، مما يجعل الثقوب السوداء مشعة. وتولّد هذه الظاهرة ما يُعرف بالشعاع الهوكيني، نسبة لهوكنج. وعليه فالثقوب السوداء ليست سوداء تماماً.

فهذا ما تنبأ به هوكنج، وهو ان الثقوب السوداء تصدر اشعاعات باستمرار تجعل من طاقة الثقب او كتلته تتناقص، وكلما قلّت كتلة الثقب زادت حرارته، وبالتالي زاد انبعاث الاشعاعات منه، الى ان تتبخر تماماً فيكون حالها كحال سائر مناطق الكون العادية.

مع ذلك فلحد الان لم يتمكن احد من رؤية هذه الثقوب ولا التحسس باشعاعتها المفترضة وفقاً للحسابات الرياضية التي أتى بها هوكنج؛ لا ضوئياً ولا حرارياً، فقد جاب الفلكيون بحثاً عن مثل هذه الاشعاعات لكن دون جدوى، اذ لم يجدوا اي من هذه الاشعاعات المركزة في نطاق اشعة جاما. لذا تبقى قيمتها تعود الى التحليل الرياضي الصرف مع بعض الادلة غير المؤكدة، وبالتالي فهي مازالت مقبولة لدى غالب الفيزيائيين الى يومنا هذا.

ان التشابه بين المفردتين الثقبية والكونية البدئية جعل هناك من يقترح بأن الكون كله قد يكون واقعاً في ثقب اسود عملاق، كالذي افاده ويلر. كما رأى الفيزيائي سمولين ان ظروف الإنفجار العظيم تتشابه مع مراكز الثقوب السوداء، وعليه اقترح ان كل ثقب اسود هو نواة لعالم جديد يخرج للوجود عبر إنفجار هائل، لكنه محتجب عن انظارنا للأبد من خلال أفق حدث الثقب الاسود.

وعلى عكس ما ذهب اليه ويلر وسمولين فان كل هذه التشابهات والتماثلات بين ظروف المفردتين الثقبية والكونية البدئية لم تبرر للفيزيائيين ان تكون لوازمهما متحدة او متماثلة. فبين هاتين المفردتين فارق كبير في النتائج المترتبة عنهما. فالمفردة الثقبية تبتلع ولا تنفجر او تتمدد، فيما ان المفردة الكونية تنفجر او تتمدد، وحتى الاشعاعات التي تبثها المفردة الثقبية وفقاً لحسابات هوكنج فانها تعتبر شحيحة جداً الى درجة انه يستحيل اكتشافها تجريبياً، لذلك فانها تختلف تماماً عما يحصل في حالة المفردة الكونية من الهيمنة الاشعاعية.

يبقى ان هناك فرقاً ضمنياً لدى المفردتين، فالمفردة الثقبية توصف بانها بالغة البرودة الى درجة انها تقترب من الصفر المطلق، فمثلاً ان الثقب الاسود ذي الكتلة الاكبر من الشمس ثلاث مرات له درجة حرارة صغيرة جداً، فهي اعلى من الصفر المطلق بحوالي جزء من مائة من المليون درجة. فيما ان المفردة الكونية بالغة الحرارة بما لا يعادلها اي ظاهرة حرارية في الكون. وبلا شك ان هذا التمايز هو ما يبرر للفيزيائيين القول بان المفردة الكونية وظروفها التالية تحمل من الطاقة الحرارية ما لا تتحملها قوة الجاذبية؛ قبل وبعد تحررها او تميزها عن وحدة قوى الطبيعة المعروفة، لذلك حصل الانفجار او التمدد لتفوق الطاقة الحرارية على الجاذبية. فهذا هو ما يفسر لماذا حصل الانفجار او التوسع في حالة ظروف المفردة الكونية فيما انه يحدث العكس في حالة المفردة الثقبية. ولو اننا عولنا على النظرية القائلة بان الكون بدأ بارداً للغاية وليس حاراً كما هو السائد، او ان المفردة فيه قد اتصفت بالبرودة القصوى، ففي هذه الحالة ستكون ظروف المفردة الكونية مشابهة لظروف مركز الثقب الاسود او المفردة الثقبية، وعليه سوف يمتنع ان يكون هناك انفجار في الكون الاولي او توسع وتضخم. وان كانت هناك اعتبارات قد تعيد الثقة بان الكون قد نشأ نشأة باردة، او انه يتصف بالازلية والتراوح بين البرودة والسخونة عبر دورات مستمرة من دون انقطاع.

لقد سبق ان قلنا بان النسبية لم تتمكن من حل مشكلة التفرد؛ سواء في حالة الثقوب السوداء او في حالة النشأة الكونية. فمن الناحية الرياضية تتصف المفردة بطاقة وكثافة لا نهائيتين. وفي حالة النشأة الكونية ان التمدد يفترض التفرد كمنطلق، والتفرد يقتضي اللانهاية ومعضلتها الرياضية، لذلك تبطل النسبية عند هذه النقطة الفريدة.

***

ان معضلة المفردة البدئية لا تقتصر على الجانب الرياضي للتحاليل الفيزيائية، انما هناك مشكلة اخرى فلسفية تلوح النظريات الكونية عموماً والنسبية العامة خصوصاً، فالسؤال الميتافيزيقي يطرح نفسه من اين اتت المفردة الكونية وكيف تولدت وهي تحمل في جعبتها طاقة الكون الضخمة كلها؟

لم يكن لدى النسبية ما تتحدث عنه قبل تلك المفردة المعقدة غاية التعقيد. فليس باستطاعتها ان تتحدث عن فضاء وزمان سابقين ومقترنين بالطاقة المضغوطة باعلى مستويات الضغط الكوني الهائل. فالزمان والمكان مقترنان بالطاقة والمادة، واذا لم يكن من الممكن تقسيم المفردة او الرجوع بها الى حالة ابسط، اذ كل ذلك يفضي الى التسلسل اللامتناهي، فانه ليس من الممكن ايضاً الحديث عن زمان ومكان سابقين، وبالتالي ليس من سبيل سوى افتراض ان المفردة قد ولدت من العدم التام، وبالتعبير الرياضي انه قد ولدت من الصفر المطلق؟

ليس من شك ان عصر اينشتاين كان يعتبر الحديث عما يسبق المفردة هو من القضايا الفلسفية والميتافيزيقية التي ليس لها علاقة بالعلم. فالعلم رهين بوجود الواقع الفيزيائي، وان هذا الاخير متشكل من الزمكان والطاقة، فاذا ما كان هذا التشكل صفراً فانه ليس هناك واقع فيزيائي، وبالتالي لا مجال لأن يكون هناك علم بالتبع.

فهناك قلق يعبر عن كيف يمكن للعدم او الصفر المحض ان يولد شيئاَ مهولاً من الطاقة الضخمة لدى حيز ضيق للغاية من نقطة الفضاء، هكذا فجأة من دون مرور بوسائط تطورية تسمح بتجمع الطاقة الهائلة، ومن ثم تفترض شيئاً من الفضاء الواسع؟ كيف امكن ان تكون هناك نقطة تحمل كل شيء كوني دفعة واحدة، وهي غير قابلة للانقسام والارتداد؟ ان هذه النقطة او المفردة ليست بالامر البسيط، فهي تحمل طاقة الكون كله بقواه المختلفة، فكيف تولدت فجأة من لا شيء؟ كيف امكن للصفر ان يولد عدداً، مثل ان يولد واحداً مركباً ابلغ حالات التركيب، حيث يحمل في طياته اعداداَ لا متناهية من الكسور الحدية؟.

فباعتبار ان المفردة تمثل شيئاً واحداً، وفي الوقت ذاته انها مركبة ابلغ حالات التركيب من الطاقة الضخمة، فهذا يعني ان الصفر المتمثل بالعدم قد انتج ما لا نهاية له من دون مرور بالارقام التصاعدية..؟

انه وفقاً للنسبية لا مجال لافتراض شيء من الفضاء والزمان السابق للطاقة والكتلة، وبالتالي فوجود المفردة بطاقتها الضخمة هي البداية الاولى لصنع الزمكان، فهي تمثل زمكاناً كمونياً خالياً من الابعاد الفعلية. فالمفردة هي النقطة الفضائية الاولى غير القابلة للتقسيم والارتداد رغم كونها تحمل طاقة الكون كله.

يا للمفارقة.. فكل هذه الطاقة قد جاءت دفعة واحدة من الصفر من دون تفكيك، اذ لا مجال لافتراض ان تكون المفردة ذات طاقة ضئيلة جداً، او باردة للغاية.

والنتيجة هي ان خلق الكون من لا شيء يعني خلق ما لا نهاية له من الصفر المطلق. فالعدم يساوي صفراً، ووجود الشيء يساوي واحداً، لكن هذا الشيء ليس بسيطاً وهو يحمل تلك الطاقة الضخمة للغاية، وبالتالي فالواحد هنا هو تعبير عن اللانهاية، وهو ما يعني ان من الصفر ينتج الواحد اللامتناهي، فعملية المرور من العدم الى الوجود هي مرور سلسلة لا متناهية من الطاقة، وهو ما يجعل المشكلة ميتافيزيقية.

هكذا لم يتبين وفق نظرية المفردة الكونية من اين اتت الطاقة الضخمة الى الوجود رغم عدم وجود ابعاد زمكانية. فهي من هذه الناحية تثير مشاكل ميتافيزيقية، وتبطل عندها المعادلات والقوانين العلمية؛ طالما انه ليس لها معنى محصل بحسب الفهم الفيزيائي. لذا ليس من الغريب ان يبدأ العلم الفيزيائي بقوانينه المعروفة من لحظة ما بعد المفردة. فاول لحظة معتبرة لدى الفيزيائيين هي ما تعرف بزمن بلانك (10-43 ثانية)، وهي اقل فترة زمنية محسوبة على الاطلاق، ومن حيث تاريخ الكون يمثل زمن بلانك اول لحظة مقررة فيزيائياً دون ان يسبقها لحظة مستقلة سوى المفردة، وتقدر درجة الحرارة عندها بحوالي (1032 كلفن)، وفي هذه اللحظة بدأت الجاذبية بالتحرر قبل بقية قوى الطبيعة المعروفة (الكهرومغناطيسية والقوة النووية الضعيفة والشديدة)، ومنها بدأ الكون يتمدد ومن ثم يبرد ويزداد توسعاً بالتدريج مع اضطراد الزمن.

 

ان من المبرر للفيزيائيين ان يعتبروا الكون في زمن بلانك هو بداية الانفجار العظيم. لكننا نتفاجأ عندما نجد الفيزيائيين موتز وهين يذكران بان علماء الكون قد بدأوا دراساتهم عندما كان عمر الكون (10-35 ثانية)، فهذه هي البداية وليس بالامكان الرجوع الى ما قبلها، فهي بنظرهما تمثل لحظة الانفجار العظيم.

والحقيقة ان هذه البداية ليست مقنعة، فقد سبقتها حقبة زمن بلانك التي منها بدأ الكون بالتمدد بعد تحرر قوة الجاذبية واستقلالها، بمعنى ان في هذه الحقبة بدأ الزمكان بالظهور والتمدد بابعاده الاربعة. وبحسب التحليل الفيزيائي ظهرت بعد هذه الحقبة لحظة ثانية مستقلة، وذلك عندما اصبح عمر الكون (10-35 ثانية)، حيث تناقصت عندها درجة الحرارة فاصبحت (1027 كلفن)، وفيها تحررت القوة النووية الشديدة عن سائر القوى. وليست هذه الحقبة هي بداية التطور الكوني او الانفجار العظيم، فكل ذلك كان متوقفاً على تحرر الزمكان الذي يمثل الاصل في التمدد الكوني، وهو ما يدين الى تحرر قوة الجاذبية واستقلالها، كالذي حدث خلال الحقبة الزمنية الاولى المتمثلة بزمن بلانك. اما قبل هذا الزمن فيفترض انه لم يحدث شيء مميز سوى وجود المفردة بطاقتها اللانهائية.

***

 لقد افضت مشكلة التفرد الى ان تقوم نظريات عديدة بالالتفاف عليها ضمن معالجات افتراضية مختلفة، وذلك تجنباً للدخول في متاهات القضايا الميتافيزيقية، فضلاً عن العمل وفق القوانين الفيزيائية المتعارف عليها من دون شائبة. وقد اتخذت حالات الالتفاف والنفي اشكالاً مختلفة، منها نظرية القفزة الكمومية، وهي تفترض ان الكون انبثق دفعة واحدة كقفزة من الفراغ المتصل او الزمكان اعتماداً على نظرية الكوانتم. فالكون بهذا الاعتبار قد نشأ من لا شيء، وأصل الفكرة يعود الى ايام الحرب العالمية الثانية، ثم تم تطويرها بداية سبعينات القرن الماضي، حتى توجت اخيراً لدى لورانس كراوس حالياً. وبلا شك ان هذه النظرية قد تجاوزت اعتبارات النسبية العامة، حيث تقوم على زمكان مينكوفسكي الخالي من الجاذبية وترتبط بالنسبية الخاصة وهندستها الاقليدية.

كما منها نظرية عدم التحديد لهارتل وهوكنج، اذ تفترض بان الكون نشأ من دون بداية محددة ولا زمن محدد، فالبداية منبسطة وسط مجموعة من النقاط المتساوية بلا مركز معين، كما ان الزمن كان مجرد متصل مكاني.. فلا زمن موجود ولا مفردة محددة حتى يقال من هنا بدأ النفخ في النار او الانفجار العظيم. وتعتمد هذه النظرية على كل من النسبية والكوانتم، فمن خلال الاعتماد على النسبية تم التخلص من الزمان بتحويله الى مكان، كما من خلال الاعتماد على الكوانتم تم التخلص من اي مفردة معينة لنشأة الكون طبقاً لمبدأ عدم اليقين. فالبداية تنطلق من لحظة زمن بلانك، وقبلها لم تكن هناك لحظة زمنية ولا بداية محددة، فهناك نقاط غير قابلة للتحديد وفقاً لإحتمالات الكوانتم، وهي تعبر عن المتصل المكاني الرباعي قبل نشأة الزمان.

لكن من المعلوم ان زمن بلانك يمثل اللحظة التي تحررت فيها الثقالة او الجاذبية من سائر قوى الطبيعة المعروفة. وبالتالي يقتضي ان يبدأ الامتداد المكاني من هذه الحقبة لا قبلها، الا اذا اصبحنا نتحدث عن زمكان مينكوفسكي المعدوم الثقالة، وهو ما ابطلته النسبية العامة.

كما هناك نظريات التفاعل التي تفترض بان كوننا قد نشأ بفعل التصادم او الاتحاد بين اشياء موجودة سلفاً، من دون حاجة لافتراض التفرد. فبعض النظريات ترى بان كوننا هو نتاج انفجار ضخم حصل بفعل تصادم فقاعتين كونيتين فنتج عنهما كوننا الحالي، كالذي يخمنه جماعة من اصحاب نظرية الاوتار. كما تفترض نظرية اخرى بان الانفجار حصل بفعل اتحاد جسيمات ثقيلة جداً سميت اونيتونات، فقد تولد من هذا الاتحاد جسيمات النكليونات – كالبروتونات والنترونات - في الوقت الذي تخلف عن ذلك انفجار عظيم هو سبب نشأة الكون، وتعود هذه النظرية الى الباحث الفيزيائي موتز، حيث اعتقد بان من الممكن ان يتكرر هذا السيناريو في المستقبل من دون حاجة لافتراض مفردة بدئية. لكن هذا التقدير لا يحظى بموافقة النظريات الفيزيائية الاساسية، كالنسبية والكوانتم، فكما عرفنا بان النسبية ترد الكون الى المفردة كنقطة اخيرة من دون امتداد ولا تباعد جسيمات او اتحاد فيما بينها، فيما ان الكوانتم تشير الى حالة التراوح الكمومي وفقاً لمبدأ عدم اليقين، وهو ما جعل الكون ينبثق من العدم..

كذلك هناك نظريات الارتداد الكوني، وتفترض ان للكون دورات ازلية يمر بها من خلال نقطة ارتداد بلا حاجة للاخذ بفكرة التفرد. فعند العودة بالزمن الى الوراء يصل الكون الى ادنى حجم له ثم يتمدد مجدداً. وقد كان عالم الكونيات الروسي زلدوفتش Zeldovich (1914-1987) يرى بان الكون يتوسع وينكمش ثم يعود فينفجر بالتوسع وهكذا الى ما لا نهاية له، وفي كل مرة يزداد حجمه ويدوم اكثر. وقد جاءت هذه النظرية للتخلص من مشاكل نظرية الانفجار العظيم، لكن زلدوفتش اعترف عند تدليله على نظريته الارتدادية انه اخفق وان الكون الارتدادي لا يصلح حلاً لمشكلات الانفجار، بل انها تتزايد باستعماله.

ثم تكررت مثل هذه المحاولة لدى اصحاب نظرية الاوتار، وذلك بالاستعانة بزمن وحيز فيزيائيين ضيقين ونهائيين للغاية مع وجود كتلة وطاقة يحملانها، وهو زمن بلانك ومسافة بلانك او حجمه كأقصى حدود الانطلاق الزمكاني. وبالتالي فكل حركة وانتقال وتغير وتأثير لا يمكنها ان تتجاوز هذه (الحدود البلانكية). فمن خلال هذه التحديدات يمكن التخلص من القيم اللامتناهية، كما يمكن التخلص من فجوة ظهور الحادثة من لا شيء.

وتقتضي نظريات الارتداد ان يكون الكون ازلياً من دون بداية ولا نهاية محددة.

اضافة الى ان هناك نظرية الثبات الكوني (الحالة الثابتة) التي تعود الى عدد من الفيزيائيين ابرزهم فريد هويل، وهي لا تعترف بوجود مفردة كونية، بل تسلم بان الكون ازلي غير متناه في زمانه ولا فضائه، وهو من هذه الناحية ليس بحاجة الى افتراض مفردة ولا الى انفجار عظيم. وقد كانت هذه النظرية جذابة وشائعة لدى الفيزيائيين لمدة عقود قبل ان يتم التخلي عنها منذ منتصف ستينات القرن الماضي، وذلك بعد اكتشاف اشعاع الخلفية الكونية الدال على ان للكون بداية تتمثل بالمفردة.

هذه هي مجمل النظريات التي التفّت على نظرية المفردة الكونية او انكرتها، وكلها تمثل سيناريوهات تخمينية مفترضة دون ان تمتلك ادلة فيزيائية معتبرة..

 

 

zouhair khouildi"كي نعرف اذن، فكرة القدرة أو الاقتران الضروري معرفة تامة، علينا أن نفحص انطباعها، وكي نعثر على الانطباع بيقين أكبر، علينا أن نبحث عنه في جميع المصادر التي يمكن أن يصدر عنها"1

ولد دافيد هيوم (1711- 1776) في مدينة أيدنبرغ من عائلة تنتمي إلى صغار النبلاء بحيث كان وضعه المادي كافيا من أجل متابعة دراسته في القانون في جامعة التي تتبع مدينته وانتقل بعد ذلك إلى مدينة لافليش بفرنسا أين قام بتأليف معظم كتبه. لقد أقام سنة 1763 بباريس والتقى بمعظم الفلاسفة وربطته بهم علاقة صداقة وتم الاعتراف به كأحد أهم الرواد الذين أخذوا عنه الكثير من الأشياء الفلسفية. بيد أن علاقته مع جون جاك روسو وفر له الحماية واستقدوم هذا الأخير إلى أنجلترا ولكنهما عرفت نهايتها مفضلا العودة إلى بلده.

لقد ترك هيوم جملة من المؤلفات أهمها "مقالة في الطبيعة البشرية"1739 التي تتكون من جزأين وموجز1740 وكتب بعد ذلك بسنة محاولات أخلاقية وسياسية ومحاولات فلسفية في الذهن البشري التي أصبحت تعرف فيما بعد "تحقيق في الذهن البشري" و"تحقيق في مبادئ الأخلاق" وكذلك ألف في مجال الاعتقاد كتابين" التاريخ الطبيعي للدين" و"محاورات في الدين الطبيعي". لقد تمثلت طرافة بحوثه الفلسفية في محاولته تطبيق المنهج التجريبي أثناء دراسته الطبيعة للبشرية والمعتقدات والفضائل الأخلاقية والقوانين وقد ترتب عن ذلك تشييده لنسق فليفي جديد من المعرفة يتفادى التشذر والتجزئة. لقد تأثر بفرانسيس بيكون وجان لوك واسحاق نيوتن ورأى في التحليل الدقيق للإنسان شرط الفلسفة الأول لكي تحمي الحقيقة العلمية من الوقوع الزلل ولكي تعثر المعرفة الإنسانية على قاعدة صلبة.

لقد طرح دافيد هيوم للنقاش العلمي فلسفة طبيعية تنظر وفق رؤية شاملة وترفض أن تكون العقول البشرية مجرد نسخ عن العقل الكلي وتشكك في كون العالم كما هو يمثل البشر وارتاب من التأمل الفلسفي. في سبيل ذلك فند كل الحجج المعقدة وبراهين الأديان على وجود الله ودعى إلى تطبيق المبادئ التجريبية عند تفسير نشاط الذهن البشري بالاستفادة من فيزياء نيوتن وبالتالي قام بتأسيس علم الإنسان بدل علوم اللاّهوت.

لقد وجد هيوم نفسه في عصر ارتكزت فيه الأنساق الفلسفية (ديكارت ومالبرانش وسبينوزا ولايبنتز) على فكرتي الجوهر والسببية. اذا كان بركلي قد نقد فكرة الجوهر المادي وقال باللامادية و ناقش أيضا فكرة السيبية الفيزيائية فإنه ترك سببية الأرواح أو الأفكار على حالها، وجاء دور دافيد هيوم لكي يدفع بالحركة الريبية إلى وضعيتها الجذرية منكرا وجود الجوهر الروحاني وفكرة السببية بصفة عامة التي قام بكنسها من دائرة المعرفة والوجود والقيم أيضا.

لم تعد الذات كما هو الشأن عند بركلي جوهرا وإنما أضحت مع هيوم مجرد مؤلف للمعرفة وبهذا المعنى اعتبر هيوم الريبي الذي حرم كانط من النوم لمدة طويلة وساهم في حصول يقظته التامة وصحوته الفكرية من السبات الدغمائي.

لقد مثلت فرادة هيوم إلى جانب شوبنهاور في كونهما حرصا عل امتلاك نسق فلسفي قبل بلوغه سن الثلاثين .

لقد أسس هيوم لاول مرة ما سيسمى بعد ذلك الذرية النفسية وذلك ببلورة تناسب بين العنصر الأول للتمثل وذرة المادة ولما جعل من نزعة الذرية في المذهب التجريبي في ذات الوقت نزعة نفسية ومنطقية وفيزيائية.

هكذا يتشكل الكل، بالنسبة إلى التجريبية، سواء وقع تمثله فكريا أو ماديا، من مجموع لا يمكن اختزاله الى العناصر التي يتكون منها. وبالتالي كل محتوى ذهني يمكن تقسيمه الى بعدين:

- الإدراكات التي تعرفها عن طريق الانطباعات (الأهواء والصور الحاضرة للفكر بشكل مباشر)

- الأفكار (نسخ ضعيفة من الانطباعات).

في البدء توجد الانطباعات التي تحدثها الأشياء في الإنسان ويسمي هيوم الانطباعات مجموعة الأحاسيس والأهواء والانفعالات التي تتتكون في الذهن نتيجة تأثره في الحس، وبعد ذلك تتشكل الأفكار من هذه الانطباعات ويسميها انعكاسات ونسخ ضعيفة من الانطباعات. لكن إذا كانت الانطباعات حية وفاعلة فإن الأفكار خافتة وذاوية ولا تعبر عن الأشياء في حد ذاتها وانما عن تمثلاتنا عنها التي ترتسم في الذهن.

تقول تمثلاتنا بعض الحقائق عن ذواتنا ولكنها لا تظل خرساء ولا تقول شيء حينما تتعلق بالأشياء ذاتها. وتتمثل ريبية هيوم في الوقوع في الوهم إذا ما اعتقد الإنسان أن أفكاره تعبر عن الواقع الموضوعي ويقع الناس في هذا الوهم نتيجة العادة التي تدفعهم إلى حمل الأشياء الخارجية ما يـأتيهم من مشاعر داخلية.

حينما يبدأ المرء في التفكير حسب هيوم فإنه لا يهتم سوى بذاته بالرغم من اعتقاده أنه يدرك كيفيات العالم الخارجي. بيد أن طرافة هيوم في تأكيده على سخاء générosité الذات عاطفيا. لقد كان أول من جعل من نموذج الميكانيكا السماوية عند نيوتن لكي يفسر الطريقة التي تستخلص بها الأفكار من بعضها البعض في العالم الذهني وأول من قارن ترابط الأفكار بنوع من الجذب الذي يحدث في العالم الذهني وما يترتب عن ذلك من تأثيرات خارقة للعادة في عالم الطبيعة وتجلي لأشكال متعددة ومتنوعة.

اذا كان من المتعذر علينا تصور أفكار متميزة ومنعزلة فأنه يستحيل علينا صياغة فكرة دون وجود أفكار أخرى مترابطة معها وبالتالي يجب توفر على قوة تربط الأفكار بعضها ببعض تماما مثل قوة الجاذبية الكوني التي تربط بين الأجسام السماوية في العالم الفيزيائي.

في هذا السياق يميز هيوم بين ثلاثة أنماط من الترابطAssociation أو الجمع:

- الترابط بالتشابه ressemblance: تستدعي فكرة معينة ما يشبهها من أفكار عن طريق مبدأ تناسب العنصر مع المجموع أو الجزء مع الكل.

- الترابط بالتجاور أو التماسcontiguïté: تستدعي فكرة معينة ما يتجاور معها من أفكار تنتمي الى نفس السياق الزمني أو المكاني. مثال تأملات الزمن الضائع عند بروست

- الترابط السببي أو بواسطة السببية: تستدعي فكرة معينة فكرة أخرى اذا مثلت هي السبب والفكرة الأحرى النتيجة . مثال الإشهار هو السبب والاستهلاك هو النتيجة.

لماذا سلط هيوم انتباهه على مسألة السببية؟

توجد عدة اعتبارات دفعت هيوم الى الاهتمام بالسببية ودراستها بطريقة نقدية:

- السببية هي أحد الشروط التجريبية التي تسمح بترابط الأفكار

- فكرة السببية وجدت في جوهر الأنساق الميتافيزيقية التي منحت لله دورا مركزيا في الخلق وجعلته سببا أولا. إذا كان العقلانيون فكروا في العلاقة السببية من زاوية الاستنباط فإن هيوم يرفض ذلك جملة وتفصيلا وسيفكر في العلاقة السببية من زاوية الاستقراء وسيربطه بالتكرار والعادة ويلاحظ وجوده في العديد من المرات عن طريق التجربة.

- يجب رفض مبدأ السببية بما أن الإيمان بوجودها قد يُصيب الأساس الذي تقوم عليه التجربة بالعقم. فالمرور من السبب المعطى إلى الأثر الحاصل يقتضي المرور بجانب الانطباع المتشكل.

لقد بحث هيوم في الانطباع الخاص الذي ولدت منه فكرة السببية وتبين له أن علاقة التجاور في المكان والتعاقب في الزمان هي التي جعلت الناس يعتقدون في وجود علاقة ضرورية بين مجموعة معينة من النتائج ومجموعة أخرى من الأسباب إذا توفرت ظروف متشابهة (السبب هو النار، الدخان هو الأثر).

النتيجة: السببية توجد في ذواتنا وليس في الأشياء الخارجية.

العلاقة السببية عند هيوم ليست حقيقة موضوعية ولا معطى فيزيائي في الأشياء ولا بنية منطقية للفكر بل هي تتشكل في الذات نتيجة توفر عوامل نفسية ويوجد في الفكر البشري اتجاه كوني يمر من لفظ إلى آخر ينبع من تجربة التكرار والمعاودة . بهذا المعنى تظهر لنا التجربة انتظام في تعاقب أو تتابع بعض الظواهر مثل الثلج الذي يتبع البرودة والتبخر الذي يتبع الحرارة. تنبع فكرة السببية عندئذ من العادة.

يسمح علم الإنسان الذي سعى هيوم إلى تشييده من توحيد الطبيعة البشرية بمنح الإدراك مضمونا نفسيا والتفريق بين الانطباعات التي تضم الانفعالات والصور الحاضرة مباشرة أمام الفكر والأفكار التي تمثل نسخا ضعيفة عن الانطباعات ولقد شمل هذا التفريق بين الانطباعات والأفكار من جهة القوة والمصداقية.

بما أن الأفكار لا تتطابق دائما مع الانطباعات وإنما تظل تابعة لها يبلور هيوم نقدا فلسفيا للأفكار بالاعتماد على منهجية صارمة وذلك بأن يراقب الأفكار بإيجاد معادل واقعي لها في الانطباعات وتوضيح الأفكار الغامضة بمقارنتها بالانطباعات التي تتطابق معها ورفض الأفكار التي تفتقد للأسس الحسية مثل الجوهر والهوية الشخصية والسببية، فالفكر هو بصدد تذكر الأفكار الماضية وبلورة ترابطات بينها عبر الخيال.

بيد أن الخيال بالنظر إلى الحرية التي يتمتع بها يستطيع أن ينتج أفكارا معقدة لا تعكس العلاقات التي تمثلها نظام الذي تمثله الانطباعات. بناء على ذلك يتبع ترابط الأفكار ثلاث قواعد أساسية هي: التشابه والتجاورContiguité في المكان والزمان والسببية. أما فيما يخص الأفكار المجردة فإن هيوم يشترك مع بركلي في نظريته الاسمية الراديكالية ويري أن الفكرة المجردة ليست سوى فكرة فردية تم قبولها كتمثيل لما يراه مجموع الأفراد فيما بينهم يمثل قسما. كل لفظ في اللغة يمثل فكرة فردية في أي قسم من أي نوع.

ماذا لو لم تشرق الشمس غدا؟

يعتبر هيوم، مثل كل التجريبيين، الاستنباط رهانا خاسرا وغير مقبول ويبرهن على ذلك بأن لاشيء يوحي بأن غدا سيكون مشرقا مثل اليوم تماما ولا شيء في نظام الأشياء وترتيب الكون يشير إلى أن علاقة معينة بين مجموعة الأحداث تظل ضرورية وكونية. تصور نظام الأشياء على غرار نظام الأفكار.

في المقابل يعطي هيوم إلى الاستقراء أساسا غير منطقي ولكنه نفسي ويعتبره تخمينا احتماليا يقع اشتقاقه من التجربة المتداولة وقد تحول الى قانون نتيجة الوقوع في التعميم بكثرة التكرار والإعادة وبذلك يكون قد ردم الفجوة التي ظلت قائمة في الاتجاه العقلاني بين الفكر العلمي والتجليات الأكثر عقلانية في الحياة العاطفية.بما أن الاتجاه التجريبي يشتغل بواسطة الاستقراء فإنه يكف عن إصدار أحكام تامة ويعزف عن القول بوجود اليقين المطلق حول الأشياء الخارجية والمواضيع المدروسة. كما العلم لا يقدر على التخلص بشكل نهائي من الاعتقاد. بهذا المعنى يكون من المحتمل بصورة عالية أن تشرق الشمس غدا ولكن ليس من المستحيل تماما ألا يحدث، بما أن هذا الأمر – إمساك الشمس عن الشروق- ليس متناقضا من الناحية المنطقية ولا من الناحية الفيزيائية. لقد عدلنا ساعة الشروق بحكم العادة وهذا ما يحدث دوما في كل يوم.

إن الاستقراء هو رهان حول المستقبل لا يمكن أن يستخف به أي باحث في المجال العلمي والبعد المعرفي ويطرح جانبا سؤال اللّماذا؟ ويثير بشكل دائم سؤال الكيف؟ وطموحه نحو تحقيق المزيد من الاختراعات واكتشاف القوانين لا يعرف حدودا ولا يفتر عند علاقات ثابتة ولا يتوقف عند صياغة تامة لحقيقة نهائية.

ماهو اشكالي في فلسفة هيوم التجريبية هو منحها للإعتقاد معنى مخصوص والتعامل معه كمعرفة متبلورة لا يمكن اختزالها وفي هذا السياق تحدده كما يلي : الاعتقاد فكرة قوية وحية يقع اشتقاقها من انطباع حاضر بعد انعقاد اجتماع بينهما.

غني عن البيان أن الحقيقة لا توجد بلا اعتقاد حتى وان كان الاعتقاد لا ينتمي إلى نظام الحقيقة. لقد بين هيوم على معرفة العالم أهم من معرفة الذات التي تريد معرفته وبرهن على ذلك بالتشكيك في يقينية الهوية الشخصية وتبني نظرة ريبية مختلطة لا يمكن أن تشكك في وجود العالم الخارجي إذا ما اعتبرت الاعتقادات فاقدة للقيمة وغير وجيهة وبالتالي يقر هيوم بوجود إحساسات كونية من التناغم والتعاطف تمنح التفكير والفعل نقاط ارتكاز صلبة. لكن كيف أدت مراجعة مبدأ السببية من طرف هيوم إلى ميلاد العلم الحديث؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

...........................

1- هيوم ( دافيد)، مبحث في الفاهمة البشرية، ترجمة موسى وهبة، دار الفارابي، بيروت، لبنان، طبعة أولى،2008،صص،91-92