zouhair khouildiتعاني الديمقراطية عند العرب من عدة أمراض أهمها تأثير مراكز النفوذ واستفحال الفساد والعجز عن الفعل ولذلك تقترح الفلسفة السياسية المعاصرة التوقي بالشفافية ضد الفساد والإعلام الاستقصائي باعتباره سلطة رابعة تقوم بوظيفة المراقبة والتشهير والملاحقة والترصد والفضح والمجاهرة بالحقيقة في وجه السلطة المالية والتقليدية والسياسية وتنظر الى الديمقراطية الآتية التي تتماشى مع روح العصور القادمة.

المرض الأول الذي تعاني منه الديمقراطية العربية - ان وُجِدَت- هو اختراق مراكز النفوذ المالي مواقع اتخاذ القرار والسيطرة البيروقراطية على المؤسسات واحتكار آليات التنظيم الاداري وتكوين مجموعات ضغط عالية تمارس نوع من الهيمنة الناعمة والذكية على النشاط الاقتصادي بالتحكم في المشهد السياسي وتتسبب في تفجر صراعات وانقسامات اجتماعية نتيجة تضارب المصالح وتغير المعطيات والتوجهات.

المرض الثاني الذي أصابت جرثومته الجسد السياسي العربي وجعلته في حالة ممانعة تلقائية للديمقراطية هو الفساد ويظهر ذلك في الولاء والمحسوبية والرشوة والوصولية والانتهازية واصطياد الفرص المواتية وحصد المواقع عن طريق اتقان فنون المضاربة والمقاولة والمزايدة والبروباغاندا والديماغوجيا والإلهاء. لقد تحول الفساد الى جدار سميك يمنع الكائن الديمقراطي العربي الوليد من استنشاق هواء الحرية والحق ويتعود على واقع العنف والكذب والغبار الملوث وانتشار السمسرة والزبونية والسلعنة والهدر والفوات.

المرض الثالث الذي تحول الى خلل بنيوي وإعاقة دائمة يتعلق بحالة العجز المستمر على القيام الذاتي وتحقيق وثبة الاستمرار والديمومة والبقاء والاحتفاظ والمبادرة بالفعل والابتكار والخلق والإبداع ولذلك ظل الساسة العرب مقعدين مقلدين و يؤثرون الخطابة والسفسطة والتحشيد على المناظرة والمبارزة. كيف تواجه السياسة العربية لامعقولية الفساد؟ومن يقوم بمهمة الطبيب المعالج للأمراض السياسية ؟ هل الحاكم الأصلي أم المعارض المناضل؟ وأي دور يلعبه المتحزب السياسي والناشط الحقوقي في المجتمع المدني؟

من المرجح أن تكون هيمنة عقلية الهبة واقتصاد العطاء على المعاملات سبب انتشار الفساد في الأجهزة الإدارية للدول العربية ، وقد يؤدي تقديم يد العون والمساعدة الى الاخلال بالنسق العادي للتنظيم الاداري وبروز تفاوت في التعامل وفي قضاء الحاجات بين المواطنين وعدم التكافؤ الفرص في نظام المبادلات.

أما الضغوط القوية الذي تمارسها الشخصيات الفاعلة في مراكز النفوذ على السياسيين والإعلاميين والخبراء والإداريين فإنها قد تؤثر في طبيعة القرارات السياسية ونجاعتها وقد يسرع في تنفيذها أو يحول دون الالتزام به عند التطبيق وقد يعرقل عملية ترجمة التدابير على صعيد الواقع ويدخل الاضطراب على السير العادي للأجهزة والمؤسسات ويتم توجيهها واستخدامها في سبيل تحقيق مصالح مجموعة ضيقة.

علاوة على ذلك تشكل القوانين والدساتير نقطة الضعف في النظام الديمقراطي ولا يعود ذلك الى التلاعب بها وإخضاعها لمشيئة الحكام وأهوائهم بالتعديل والتغيير وفق الظروف والتوازنات والمصالح وإنما الى صعوبة الالتزام بها عند التطبيق والتقيّد بروحها وحسن قراءة النصوص التشريعية واتباعها بحذافيرها في الممارسة العادية وإخضاع تفاصيل الحياة اليومية بتعقيداتها وتحولاتها الى منظومة الجزاء والردع.

غني عن البيان أن مقاومة الفساد في المجتمع مرتبطة بتقوية النظام الديمقراطي وتركيز مؤسساته بشكل علمي وعقلاني في المجتمع وعدم الوقوع في الخلط بين الاجراءات الادارية والتبادلات الاقتصادية وتفادي تفجر تضارب المصالح وايثار المشترك والعمومي والوطني على الخاص والفردي وما أقل وما بعد الوطني وصنع التناغم بين القاعدة الشعبية العريضة والقرار السياسي المتخذ وبين السياسي والشارع.

من المفروض أن يتم التنبيه على أن الديمقراطية كما تم تصديرها إلى الديار العربية بالقوة والإكراه قد أصبحت خطيرة وأفضت إلى نتائج كارثية وانقلبت على الأمة بالوبال والتدمير وبالتالي آن الأوان للشروع في تفكيك هذا التراث الديمقراطي الغربي الموروث عن الحركات البرجوازية الإصلاحية والتي تم تعديلها بعد بروز العولمة وطغيان النزعات الامبريالية المتسترة وراء رداء كونية حقوق الإنسان وثقافة المواطنة. لقد اتضح بعد تاريخ طويل أن الفكرة المشتركة التي أنتجتها العقلانية الغربية عن الديمقراطية قد استنفذت واستهلكت ما تبقى من نفسها وأن المكونات النظرية والعملية قد أفرغت من مضمونها وفقدت بريقها ولم تعد كافية لمواصلة ريادة البشرية والتبشير بالوفرة والرخاء والأمان بوصفها جنة موعودة على الأرض. يعني تفكيك الديمقراطية التساؤل عن المسلمات السياسية الثاوية في النزعات الثقافية المتمركزة حول العرق واللغة والدين والإقليم والكشف عن استراتيجيات الهيمنة في خطاب الذات العارفة والحاسبة 1[1].

ينبغي تحمل المسؤولية الفلسفية في الكشف عن رذائل الديمقراطية والتحلي بالوعي الضروري لتشخيص الأمراض السياسية لمثل هذا التقليد الذي ابتكره العقل الغربي في زمن التوسع والإرادة الغازية للكوكب. ويجب الإقرار بأن الديمقراطية ليست فحسب نمطا في الحكم يقره نظام سياسي معين ولا تنظيما للمجتمع بل هي وعد بالتنوير ينسخ الاتباعية والجهل والوصاية بالنسبة للجمهور وبالتالي أصبحت غير مطابقة لروح العصر ومطالب الناس في العدالة والمساواة والحقوق والحريات والاعتراف والاندماج والتقدير.

تتكون الديمقراطية من بنية الوعد والعلاقة مع الغيرية ويمثل الحقل السياسي مكان الظهور وما يسمح بالحضور أمام الذات ولكن الكل يتوقف على فهم المفارقة السياسية التي تقر بأن الامتياز الديمقراطي لا يحضر إلا بالضياع في العمومية والمثالية وأن السياسي لا ينخرط في الفعل إلا بإطلاق الوعود اليوتوبية.

في هذا المقام يمكن التأليف بين الحلم الماركسي بمجتمع بلا تفاوت وبلا صراع بين الطبقات وبين المقترح الذي بلوره جاك دريدا حول انتظار الديمقراطية الآتية التي تؤلف بين المحبة النابعة من الوعود التأسيسية لللاّهوت الفلسفي وبين الجمهورية بوصفها مكان إجراء المفاوضات وإبرام الاتفاقات بين القوى الفاعلة. يقال أن البديل الديمقراطي هو أقل الأنظمة السياسية سوء وأننا لا يمكن أن نقارنه بالحكم الفردي المطلق والاستبداد الأغلبي الأوليغراشي والنظم الملكية التوريثية المغلقة والتصورات الفوضوية والنزعات اللاّسلطوية، ولكن يقال أيضا أن الحكم الديمقراطي غالبا ما يكون مطية لوصول قوى غير ديمقراطية للحكم وتنتهي بالعنف وتهيمن أقلية ويسود العقل الحسابي والبراغماتية المشوهة والميكيافلية السلطوية.

لا مناص من استبدال السياسة بالسياسي ومنح الفعل السياسي مرتبة القاعدة الإستراتيجية والبروتوكول الشرفي للظهور في المشهد العمومي القادم والتوجه نحو إعادة بناء وتشكيل الفكر السياسي المستقبلي.

في هذا السياق يجب أن تولد ملحمة سياسية تعلن قيام المقاومة ضد الشمولية وتفشي الإرهاب والعنصرية والعولمة المتوحشة والبيروقراطية الإدارية والتصدي لهيمنة الخبراء والتكنوقراط على المؤسسات العامة.

من الضروري القيام بقفزة على القواعد القديمة التي تدعي الموضوعية والحضور في السياسة وممارسة الظهور من خلال اللعب خارج كل منطق سياسي ونسق حقوقي والتحرك ضمن الإمكانيات المقتدر عليها.

إذا كانت الفلسفة السياسية تتراوح بين الأنطوثيولوجيا والأسكاتولوجيا واذا كان شغل التفكيك هو تجربة المستحيل فإن الديمقراطية الآتية هي بناء للممكن ضمن مسطح محايثة يسمح للأمل السعيد بأن يشرق. فكيف يتحول البارديغم الديمقراطي العربي من سياسة المستحيل في ظل تفشي أمراض الفساد والاحتكار والهشاشة إلى تجربة منفتحة على الحدوث تضع حدا للحاضر المحدود والمنقلب على السياسة المهترئة؟

 

المرجع:

Derrida (Jacques), Politique et amitié, entretiens avec Michael Sprinker sur Marx et Althusser, édition Galilée, Paris,2011, p.99.

كاتب فلسفي

 

 

............................

[1] Derrida (Jacques), Politique et amitié, entretiens avec Michael Sprinker sur Marx et Althusser, édition Galilée, Paris,2011, p.99.

يعود الاكتشاف الحقيقي لفكرة اللاشعور إلى العالم النمساوي سيجموند فرويد. فهو أول من اعتقد بوجود عالم آخر غير ما نعهده من عالمنا النفسي المعبر عنه بالوعي والشعور. ورغم أن هناك من اعتبر نظريته مقتبسة من العالم بيير جانيه، لكن هذا الأخير لم يعول على تلك الفكرة كحقيقة مستقلة عن عالم الشعور، لذا أعاب عليه فرويد كونه اتخذ الفكرة بنحو المجاز لا الحقيقة. وقد أدرك الفلاسفة المعاصرون بداية القرن العشرين ما في نظرية فرويد من جدة وخطورة، لذلك انكروا عليه هذه النزعة الجديدة، فهم لا يفرقون بين الخصائص النفسية والشعورية، فما هو نفسي هو شعوري، والعكس صحيح أيضاً، وبالتالي لا مجال للقول بوجود عالم نفسي آخر يتصف باللاشعور، فكيف إذا ما افترضه فرويد بأنه يشكل الأساس النفسي، وهو أوسع وأعمق غوراً مقارنة بالشعور[1].

وأغلب ما يتعلق بمذهب فرويد في هذا المجال يدور حول (الكبت) كمرض عصابي، حتى جعله النموذج الفعلي للاشعور، فكما يعترف أن مفهومه للاشعور مستمد من نظرية الكبت[2]، وأن الأخير منبع جميع الانحرافات الجنسية، فهو أشبه بإناء محكم الغلق مملوء بالماء ومن تحته نار، فإذا لم يجد مخرجاً انفجر، أو إنه أشبه بماء يجري في قناة أصابها العطب فانسدت في مجراها، فيطفح الماء على السطح ويغمر المكان، وبالتالي إذا لم تجد الحياة الطبيعية مجراها السليم فسيتولد الانحراف وتأتي النتائج عكسية[3]. ويجد الكبت شيئاً من المتنفس عنه لدى الأحلام، حيث الأخيرة تعبير عن الرغبة المكبوتة، وكل رغبة تنبجس في الأحلام لا بد ان تكون رغبة طفلية[4].

هكذا فالذي يطّلع على نظرية فرويد في اللاشعور يجدها تدور حول عقدة الكبت، خصوصاً وان استنتاجاته مبنية على الأمراض العصابية، حتى أقرّ بأن أبحاثه في علم الأمراض قد دفعته وأتباعه إلى تركيز كل اهتماماتهم على ما هو مكبوت. فنظريته العامة مستمدة من علم الأمراض، إذ تنبجس الأعراض المرضية على المستوى السطحي للجهاز العقلي، وهو المستوى الوحيد الخاضع للمعرفة العلمية[5].

وفي البدء كان فرويد يعرّف طريقته في معالجة التحليل النفسي بأنها لا تتضمن إلا تبادل الحديث بين المحلل الطبيب والمريض، إذ يتكلم المريض ويروي أحداث حياته الماضية وانطباعاته الحاضرة، ويتشكى ويعترف برغباته وانفعالاته. ويسعى الطبيب إلى توجيه مسار أفكار المريض ويوقظ ذكرياته، ويوجه انتباهه في وجهة معينة، ويقدّم له تفسيرات، ويرصد ما يثيره فيه من ردود فعل تنمّ عن فهم أو عدم فهم[6]. لكن فرويد استدرك فيما بعد بأن هذه الطريقة لم تحقق ما يرجى، فعمل على تغييرها بأن يطلب من المريض ان يستسلم لعملية التداعي الحر، وهو ان يذكر كل ما يخطر في ذهنه من دون توجيه. وأقرّ بأن عملية التداعي الحر قد حققت النجاح في تحول الأمور المكبوتة من اللاشعور إلى الشعور.

وترتبط نظرية الكبت لديه بعقدة أوديب. وتعود هذه التسمية إلى اسطورة اغريقية استعارها هذا العالم لايضاح ما جاء به من فكرة. وتقول الاسطورة بأنه كان هناك ملك اسمه أوديب قد قتل أباه وتزوج بأمه دون أن يعرف أنهما والديه، ولما عرف بعد ذلك انتابته لوثة عقلية ففقأ عينيه وهجر المدينة إلى الفيافي، وراح يعيش بين الجبال من دون عقل، لذلك صارت هذه الكلمة تطلق على كل مريض شديد التعلق بأمه[7]. فهي تتضمن الكبت والتناقض بين إظهار الرغبة الجنسية اتجاه الأم من جهة، وفعل الضمير الذي ينهى عن ذلك من جهة ثانية.

ويتخذ الضمير هنا دور الأوامر والنواهي، ويتمثل في الأساس بوظيفة الأب ضمن النظام البطريكي، فهو مصدر السلطة والنهي والطابو المعارض للرغبات الجنسية اللاشعورية المتمثلة بما يطلق عليه فرويد (الهو). لذلك كانت عقدة أوديب أقرب علاقة بالأب منه إلى الأم.. ويتضح هذا الحال من محاولة صاحبنا تأويل بعض البيانات الانثروبولوجية لما كانت تفعله قبائل البشر القديمة. فقد تعرّض إلى هذه القضية بشكل مفصل في كتابه (الطوطم والحرام) ثم عاد إلى اختصارها في كتاب (حياتي والتحليل النفسي).

فلقد استعان في هذا المجال بداروين الذي افترض بأن الناس في الأصل كانوا يعيشون بهيئة قبائل، ترزح كل واحدة منها تحت سيطرة رجل قوي عنيف غيور على نسائه كما تفعل قرود الغورلا، لذا خطر في بال فرويد الرؤيا المفترضة التالية:

في قديم الزمان كان رئيس القبيلة طاغية لا حد لسلطانه، فقد استولى لنفسه على جميع النساء، ومنهن النساء المحارم، وحيث ان أولاده كانوا غرماء خطراً عليه فقد قتلهم أو نفاهم. بيد ان الأبناء تجمعوا ذات يوم وائتمروا على ان يقهروا أباهم ويغتالوه ثم يفترسوه، وهو الذي كان عدواً لهم ومثلاً أعلى في الوقت ذاته، وبعد أن تمّ لهم ما أرادوا دبّ الخلاف بينهم فعجزوا عن الاضطلاع بما ورثوا. ولكنهم استطاعوا تحت تأثير الاخفاق والندم ان يصلحوا ذات بينهم، وينتظموا في قبيلة من الأخوة مستعينين بقوانين الطوطمية التي تهدف إلى تجنب تكرر مثل تلك الفِعلة، وأجمعوا أمرهم على ان يتخلوا عن امتلاك النساء اللائي من أجلهن اغتالوا أباهم. وكان عليهم بعدئذ ان يلتمسوا نساءً غريبات، وذلك هو الأصل في الزواج الخارجي الذي يتصل اتصالاً وثيقاً بالطوطمية. وما وليمة الطوطم غير إحياء ذكرى الفِعلة الرهيبة التي نبع منها شعور الإنسان بالذنب (أو الخطيئة الأولى) وكانت مبدأ النظام الإجتماعي والديانة والقيود الاخلاقية في آن واحد.

لقد جاءت هذه الرؤية التأويلية لفرويد اعتماداً على البيانات الانثروبية التي قدّمها الباحثان روبرتسون سميث وفريزر، وهما من العلماء المختصين في دراسة الأساطير القديمة، واعتبر نظريته في الديانة تلقي ضوءاً على الأساس السايكولوجي للتعاليم المسيحية التي لا تزال تهتم بوليمة الطوطم مع تحريف ضئيل في شكل التناول. فقد وجد ضالته عند اطلاعه على كتاب (ديانة الساميين) للباحث روبرتسون سميث، حيث تعرّف من خلاله على ما يُعرف بوليمة الطوطم باعتبارها جزءاً رئيسياً في الديانة الطوطمية، إذ يُقتل فيها الحيوانُ الطوطمُ الذي كان من قبل مقدساً، مرة كل عام، يُقتل في مراسم خاصة على مرأى من جميع أعضاء العشيرة، ويُلتهم بدمه وعظمه ولحمه نيئاً، وهم يرتدون من الملابس ما يجعلهم على على شاكلة الطوطم الذي يحاكون حركاته وأصواته، ثم بعد ذلك يُناح عليه بحسرات وتأوهات، ويعقب الحداد احتفال كبير من البهجة والفرح، حتى انه تنفلت جميع الغرائز من عقالها. وهنا يستشف فرويد طبيعة العيد وجوهره، ويعرّفه بأنه ينشأ عن إباحة ما هو محظور في الأزمنة العادية[8].

فقد لجأ إلى تأويل هذه الطقوس الاحتفالية فاعتبر الحيوان المقدس هو الأب الذي يرأس العشيرة والذي يقوم أولاده بقتله وافتراسه بدمه ولحمه وعظمه، ومن ثم الندم والنياح عليه، وبعد ذلك البهجة والفرح. فالتهامهم للطوطم المقدس يجعلهم يعززون وحدة الهوية فيما بينهم وانهم قد امتصوا الحياة المقدسة عبر الطوطم. وهو يرى ان ذلك شبيه بما تفعله الديانة المسيحية حين تحتفل بأكل الخبز وشرب الخمر، فهما يعبّران عن الجسد والدم المقدسين للمسيح بحسب الرؤية التأويلية.

ويعترف فرويد ان مقدماته الفرضية تبدو مغرقة في الخيال، لكنه يستدرك ويراها بانها تمتاز على ما عداها من الفرضيات بانها تحقق وحدة بين السلاسل المنعزلة والمنفصلة من الظواهر ما كانت لحد الآن متوقعة. فنظرية فرويد في هذا المجال قائمة على إفتراضات داروينية، وهي تضيف إليها سلسلة من الإفتراضات العمودية، مما يجعلها مركبة بعضها على البعض الآخر، وبالتالي المزيد والايغال في التأويل.

فما من ظاهرة إلا وحاول فرويد ان يرجعها إلى التأثير الإسطوري لحادثة قتل الأب وعقدة أوديب، أو الصراع بين الأب والأبناء، فالسلطة السياسية بنظره تتقمص حالة الأب، كما ان الإله في الاديان يتقمص هو الآخر صورة الأب، وان الأتباع عندما يتخذون إطار المعارضة فان ذلك يعني تقمصاً للدور البدائي للأبناء في عزائهم مع أبيهم. أما حينما يتخذون دور الطاعة فهو يعبر عن الرهبة والاعجاب بالأب. فكل شيء يحدث في الحياة الإجتماعية يكون صنيعة هذه المسرحية الإسطورية. حتى خشية الأطفال من حيوان معين مفسّر لديه بما يعني سلطة الأب. وبحسب هذه الفرضية فلقد انتقلت السلطة من يد الأب إلى الأبناء وظلت تحت سيطرتهم مدة من الزمن، ثم عادت مرة أخرى للأب ضمن لعبة الصراع اللاشعوري بين الطرفين، حيث أخذ الأب يثأر لنفسه بعد أن قتله الأبناء[9].

إن المسلك المنهجي الذي اتبعه فرويد يعاكس ما لجأ إليه ماركس، فعوض ان يرتكز على الحاضر لفتح مغاليق الماضي المجهولة لجأ إلى قلب المعادلة من خلال الارتكاز على الماضي المجهول لتأويل الحاضر في مختلف مظاهره وأحواله.

وهناك عدد من الاعتراضات على هذه النظرية يمكن تسجيلها كالتالي:

1ـ لعل أُولى الاعتراضات عليها هو أنها ربما تكون الوحيدة بين النظريات العلمية والفلسفية ربطت مصيرها بالاستناد إلى حادثة عابرة مفترضة جعلتها الأصل المؤثر على سائر الحوادث البشرية والتكوين النفسي للإنسان تقريباً، فهي ليست نظرية حتمية وذات عامل وحيد للتفسير فحسب، بل ان غرابتها تصل إلى حد اعتبار حادثة معينة تفضي إلى ان تكون أصلاً للتوارث والتأثير على مجرى التاريخ والأجيال بلا حدود، وهو ما لم يحدث لدى أيٍّ من الحوادث البشرية مهما كانت عظيمة أو كبيرة. وكأن التاريخ قد بدأ من تلك اللحظة المشؤومة المتمثلة بجريمة القتل السوداء. وقد يصعب ان نجد ما يناظر هذه الرؤية في تأثير حادثة عابرة تقوم بصياغة التكوين النفسي للإنسان وتحديد مصيره ومستقبله من دون منازع، فهي تناظر الصورة السطحية للفهم الديني بما فعلته شجرة آدم المحرمة من سلسلة حوادث الشر والآثام المتعاقبة.

2- لقد لجأ فرويد إلى حادثة مفترضة لقبيلة ما مجهولة وصغيرة وسط قبائل بشرية كثيرة، فلا يعقل ان تكون جميع القبائل قد أصابها ما أصابها من تلك الفعلة بقتل الأولاد للأب ومن ثم تأنيب الضمير والاحتفال بالطوطم كما هو مذكور ضمن عقدة أوديب. وبالتالي فاذا كانت بعض القبائل قد أصابها ما افترضه فرويد، فكيف جاز له تعميم توريث هذه العقدة على كافة البشر، مع ان الأصول البشرية لم تشترك بجريمة تلك العقدة ولوازمها المفترضة؟

3ـ كيف يمكن تقبل ما استند إليه فرويد بتوسعة مداليل ما افترضه داروين حول غيرة رئيس القبيلة شبيهاً بما يحصل لدى قرود الغورلا؟ مع ان الأَوْلى ان يجاب على ذلك بمنطق آخر قائم على حب التملك والتسلط، فهو أقرب للصواب والقبول وفق النظرة المادية الصرفة.. فالأقوى يفكر في الاستحواذ على كل ما يمكن ان تطاله يده من النساء والأموال والعبيد وغيرها. لكن حتى في هذه الحالة فان الأقوى لا يمانع من العطاء المتفاوت لما يملك بحسب من يراه أقرب وأحب اليه، مما يفيض عليه، وسيكون العطاء للأولاد مضموناً من الناحية المبدئية بحكم عاطفة الأبوة والشفقة، وأخرى بسبب الخشية من الانقلاب عليه وقتله. وبالتالي كان لا بد من أن يعطي هامشاً حراً للبقية. ومن الناحية الواقعية ان غيرة الإنسان على النساء ليست بلا حدود، فهو لا يغار على مطلق ما يملكه من نساء عند كثرتهن، لذلك لا يمانع المالك من ان يهب الكثير من جواريه للآخرين.. انما تكون الغيرة للمقربات والمحببات اللواتي يحظين بعلاقة خاصة مع المالك. وحتى في هذه الحالة لا يبالي المالك من ترك الكثير منهن بعد ان يشبع رغباته الجنسية فيهن. بل إن البدائيين كانوا يتميزون بعادة إعارة الزوجة كنوع من الكرم الأخلاقي؛ كالذي يشير إليه ول ديورانت في (قصة الحضارة)[10]. كذلك فان طاقة المالك الجنسية والنفسية لا تتحمل الإبقاء على الأعداد الغفيرة من النساء، فكان لا بد من ان يرضي الآخرين، لا سيما المقربين منه كالأولاد مثلاً.. فعلى الأقل إن فرويد لم يكترث بالطاقة النوعية للنفس البشرية وما تتضمنه من إمكانات ورغبات وعواطف كثيرة ومتنوعة دون ان تقتصر على الجنس والعدوان.

4ـ بحسب المعطيات الانثروبية ليست هناك صورة موحدة لتعامل القبائل البدائية مع المعاشرة الجنسية، فبعض القبائل تتعامل بطريقة مشاعية من الاباحية، وبعضها تتقيد بقيود مختلفة من المنع والتحريم. وحتى الرجوع إلى الحيوانات يجد التنوع في طريقة التعامل الجنسي بين الضوابط وعدمها[11]. ويميل البعض إلى ان الأصل في المعاشرة الجنسية هو المشاع بين أفراد القبيلة، ثم ظهر التقييد بعد ذلك شيئاً فشيئاً، وكانت القيود في البداية بين الأصل والفرع، مثلما هو الحال بين الآباء والأبناء، قبل ان يتحول التحريم بين الأخوة أيضاً، وقد زادت بعض القبائل على ذلك التحريم بين الأقرباء المباشرين.

لكن يبقى ان كل ما يُذكر حول الأصول الفعلية للمعاشرة الجنسية لا يتجاوز التكهنات، خصوصاً وان للقبائل البدائية الحية أنماطاً مختلفة ومتنوعة من هذه المعاشرة، ومن بينها التحريم داخل أفراد القبيلة قاطبة، رغم أنه نادر وليس بالأمر الشائع، وعندما تختص بعض العشائر بهذا النوع من التحريم، فانها تلجأ إلى البديل المتمثل بالزاوج مع أفراد العشائر الأخرى، كالذي يجري وسط بعض القبائل الاسترالية. أما الصورة التي افترضها فرويد حول انفراد الأب أو الرئيس في المعاشرة الجنسية لنساء القبيلة دون غيره، فليس لذلك أثر واضح داخل القبائل البدائية الحية. بل هناك ما يُعرف بحق الليلة الأولى كما يذكره المؤرخ (ول ديورانت)، وهو حق كان يتمتع به الشريف في أوائل العهد الاقطاعي في أوروبا، إذ يجوز له أن يفضّ بكارة العروس قبل ان يُؤذن للعريس بمباشرة الزواج[12].

وبعبارة أخرى، حينما يتحدث فرويد عن الجنس داخل القبيلة كأنه يتحدث عنه داخل الأسرة والعائلة الواحدة وكيف تمّ التحول من جنس المحارم إلى الاقتصار على الغير؛ ليفسّر بذلك كيف ظهر ما يُعرف بتقاليد الزواج. فحادثة القتل تفترض ان الأب معني بمنع الأبناء من الاتصال بنساء القبيلة، وهو إفتراض لا يجد له مسنداً انثروبياً أو تاريخياً، فلا يُعرف لحد الآن أي أثر للاستثناء البطريكي في المعاشرة الجنسية داخل القبيلة. ولو افترضنا بأن منع الأب للأبناء لهذه المعاشرة كان محدداً بالمحارم ضمن الأسرة والعائلة الواحدة دون أن يمتد إلى سائر نساء القبيلة، ففي هذه الحالة سوف لا نجد ما يبرر لماذا وقعت جريمة القتل الإسطورية؟!

5ـ لقد قلب فرويد المعادلة حيث لجأ إلى ما هو مجهول فافترضه كأنه معلوم، ثم حاول من خلاله تفسير ما هو معلوم عبر تأويلاته للحياة البشرية، بما فيها الواضحة المعالم، لتتفق مع الإفتراض الأول. مع ان الأَوْلى هو تفسير الماضي المجهول عبر الحاضر المعلوم، ولو من خلال لحاظ الامكانات والمحالات كالذي كان يؤكد عليه المنطق الخلدوني. فمن خلال سنّة الحياة المشهودة يمكن تفسير مجاهيل الماضي.. وليس قلب الحال من الارتكاز إلى الماضي المجهول لتأويل الحاضر المعلوم.

6ـ لا تستند طريقة فرويد الإسطورية إلى فرضية واحدة بسيطة، بل إلى فرضيات كثيرة معقدة التركيب، فبعضها قائم على البعض الآخر: فمن فرضية استحواذ الأب على النساء قاطبة، إلى فرضية قتل الأب بيد الأبناء، ثم إلى اعتبار الأب رمزاً مقدساً ضمن ولائم الطوطم واحتفالاته، ومن ثم إلى فرضية نقل السلطة إلى الشراكة الأخوية بالمساواة، حتى عودتها إلى الأب من جديد. وفوق كل ذلك فرضية التشكل النفسي بعقدة أوديب نتيجة الأثر الناجم عن حادثة القتل المشار إليها سلفاً. إذ كانت الحصيلة من الإفتراضات الإسطورية الآنفة الذكر هي أن تمّ سحب القضية الانثروبية واسقاطها على التكوين النفسي للإنسان عبر شيء من التقمصات، فقد حملت النفس البشرية هذا الإرث الانثروبي فظل عالقاً بها مثل علوق خطيئة آدم وانحدارها إلى ذريته؛ كشيء محتم لا مفرّ منه.

إن الأب بحسب التقسيم الفرويدي للنفس – كما سبق عرض ذلك - يمثل الأنا الأعلى في قبال المكوّن الأساسي للنفس والمتمثل بما يطلق عليه (الهو). فكلاهما متضادان ومتطرفان إلى الحد الذي ينزع عليهما فرويد القساوة البالغة، فالأول منهما يتقمص صور الأوامر والنواهي، فيبالغ في اتباع قواعد الاخلاق. فكلما غالى الإنسان في ضبط ميوله العدوانية المتجهة نحو الآخرين، كان أناه الأعلى أكثر استبداداً، أي أكثر عدواناً.. فكلما اشتد الشخص في ضبط عدوانه كانت ميول الأنا الأعلى العدوانية التي توجه ضد أنا هذا الشخص أكثر شدة.

أما الهو فهو الجانب الغريزي الذي لا يخضع للمنطق والاعتبارات العقلية والواقعية، فهو لا يفكر بغير اشباع غريزته الجنسية وفقاً لمبدأ اللذة.

ومن الهو يتكون الأنا ومن ثم الأنا الأعلى، وهذه هي الأقسام الثلاثة للنفس لدى فرويد، حيث يتكون الأنا في الأغلب من التقمصات التي تحل محل الشحنات النفسية التي كانت تصدر عن الهو والتي قد توقفت بعد ذلك. وتتصرف أُولى هذه التقمصات دائماً باعتبارها منظمة خاصة في الأنا، وهي تتميز عن بقية الأنا بان تتخذ صورة أنا أعلى، بينما يصبح الأنا فيما بعد حينما ينمو وتشتد قوته أقدر على مقاومة تأثيرات مثل هذه التقمصات.

لقد كان الأنا الأعلى أول تقمص، وهو وريث عقدة أوديب، وقد حدث في وقت كان الأنا فيه لا يزال ضعيفاً. إذ نشأ الأنا الأعلى عن تقمص شخصية الأب باعتباره مثالاً، وكل تقمص من هذا النوع انما هو بمثابة تجرد من الغريزة الجنسية، أو بمثابة إعلاء للغريزة أيضاً. ويظهر أنه حينما يحدث تحول من هذا النوع يحدث أيضاً في نفس الوقت انفصال في الغرائز. وبعد الإعلاء لا يصبح للجزء الجنسي من الغريزة القدرة على ضم كل الجزء الهدام الذي كان منضماً إليه من قبل، فينطلق هذا الجزء في صورة ميل نحو العدوان والهدم. ويصبح هذا الانفصال في الغرائز هو السبب في ذلك الخلق العام الذي يتسم بالخشونة والقسوة اللتين يبديهما الأنا المثالي، أي هذه الأوامر الدكتاتورية التي يصدرها وهي: يجب عليك...

ويمثل الإنسان في حقيقته الهو النفسي المجهول واللاشعوري، ويوجد على سطحه الأنا الذي نما من نواته جهاز الادراك الحسي. فالأنا لا يحيط بجميع الهو، ولكنه يحيط به فقط بالقدر الذي يسمح بتكوين جهاز الادراك الحسي على سطحه، وليس الأنا منفصلاً عن الهو تمام الانفصال، وانما يندمج جزؤه الاسفل في الهو. ولكن الشيء المكبوت مندمج أيضاً في الهو، وهو في الحقيقة جزء منه. والمكبوت شيء قد فصلته عن الأنا المقاومة التي يبذلها الكبت، وهو يستطيع ان يتصل بالانا عن طريق الهو.

وإذا كانت وظيفة الهو غريزية لا تتبع العقل والمنطق، فان الأنا يحاول ان يضع مبدأ الواقع محل مبدأ اللذة الذي يسيطر على الهو، ويلعب الادراك الحسي في الأنا نفس الدور الذي تلعبه الغريزة في الهو. ويمثل الأنا ما نسميه الحكمة وسلامة العقل، على خلاف الهو الذي يحوي الانفعالات. ويقوم الأنا بنفس الطريقة بتنفيذ رغبات الهو كأنها رغباته الخاصة. فهو الذي يقوم بتحوير نزعة الهو نحو أشكال أخرى من الليبيدو والإلتفاف على الأنا الأعلى بالعمل خارج اطار النهي والتحريم. وتقوم جميع خبرات الحياة التي تصدر من الخارج بزيادة ثروة الأنا، أما الهو فعالم خارجي آخر بالنسبة إلى الأنا، وهو يسعى لكي يخضعه لسلطته.

إن التحليل النفسي عبارة عن وسيلة تمكن الأنا من زيادة سيطرته على الهو.. إن الأنا مخلوق ضعيف يقوم بخدمة أسياد ثلاثة، وهو مهدد تبعاً لذلك بثلاثة أخطار مختلفة: من العالم الخارجي، ومن ليبيدو الهو، ومن قسوة الأنا الأعلى. والأنا يحاول ان يتوسط بين العالم والهو، وأن يجعل الهو يسلم بمقتضيات العالم. والأنا ليس فقط حليف الهو، وإنما أيضاً عبد مستسلم يطلب حب سيده، وهو يحاول ان يظل على صلات طيبة مع الهو كلما كان ذلك ممكناً، وهو يسدل ستار التبريرات القبل شعورية على الرغبات اللاشعورية الخاصة بالهو. والأنا يقوم باخفاء صراعات الهو مع الواقع، وبإخفاء صراعات الهو مع الأنا الأعلى أيضاً. فالأنا يتعامل وفق نهج التلفيق والإلتفاف، حيث يسعى للإلتفاف على الأنا الأعلى ليتلبس بأشكال من الليبيدو خارج إطار الطابو والتحريم الذي يفرضه الأب أو الأنا الأعلى.

فالأنا هو كالهو يخضع لتأثير الغرائز أيضاً، فليس الأنا في الواقع إلا جزءاً من الهو قد تحول بصفة خاصة[13]. وبالتالي يبقى جوهر الدافع النفسي هو ذاته لا يتغير، وهو اللذة والغريزة أو الليبيدو.

ويمكن ان نستنتج بحسب هذه النظرية بان الإنسان هو حيوان مكبوت أو مريض، فهو الوحيد من بين الكائنات يعاني من مرض الكبت بفعل الإصابة بعقدة أوديب، أو الصراع الداخلي بين الهو والأنا الأعلى والذي يتوسط بينهما الأنا للتخفيف من شدة سطوتهما المرضية قدر الامكان، ومنه ينشأ الابداع والتطور الحضاري.

ويلاحظ ان فكرة اللاشعور تأسست طبقاً لحالة المرض العصابي المتمثل بالكبت، كما انها اقترنت بإفتراضات إسطورية يراد منها تأكيد التأصل المرضي للإنسان.. ولم يكن هناك مجال للبحث إن كانت التقسيمات النفسية التي يصطحبها المرض الكبتي قد نتجت بفعل الإرث الإسطوري الطوطمي، أم ان العكس هو الصحيح.. فيبدو من نظرية فرويد ان الإرث هو الأساس في الموضوع وفق ما أكد عليه من ظهور التقمصات النفسية للدور الإسطوري الذي كان يمثله الأب أو رئيس القبيلة في قديم الزمان..

وقد يكون من الواجب الفصل بين فكرة اللاشعور وبين جميع المضامين المرضية والإسطورية المذكورة حولها. فعالم اللاشعور أوسع مجالاً من الحالات المرضية، ونجد لذلك بعض الاشارات التي قدمها كارل يونغ بهذا المجال، فهو يرى ان نظرية فرويد ومثلها نظرية أدلر لا تختلفان الا بالتفاصيل، لكنهما يشتركان في صب الاهتمام على وجود عقدة نفسية عامة دفينة في اللاشعور النفسي، أياً كانت هذه العقدة سواء تتعلق بالليبيدو الجنسي، أو بحب السيطرة والشعور بالنقص كما يفترض ذلك أدلر. فلدى يونغ ان كل ما يتعلق بالكبت يدخل ضمن نطاق اللاشعور الشخصي، لكن يضاف إلى ذلك وجود طبقات أعمق من الصفات والخصائص المشتركة العامة، وتندرج ضمن عنوان (اللاوعي الجمعي)، وهو إرث الإنسانية جمعاء[14]. وبعبارة أخرى ان دائرة اللاوعي الجمعي لدى يونغ لا تشتمل على المكتسبات الشخصية الخاصة بأنانا الفردية كما في الكبت، بل على المضامين الناتجة عن الامكانات الموروثة من الوظيفة النفسية بشكل عام. فهو يتألف من مضامين من غير اعتبار الحقبة التاريخية أو الفئة الإجتماعية أو الأثنية، وهذه المضامين هي مستودع ومخزن ردود الأفعال النموذجية للبشرية انطلاقاً من الأزمنة البدائية وبلوغاً إلى الأوضاع البشرية الشاملة أو العالمية، كالخوف والاحساس بالخطر، والصراع ضد السلطة العليا، والعلاقات بين الجنسين، وبين الأبناء وآبائهم، والكراهية والحب، والولادة والموت، وهيمنة المبدأ المضيء أو المظلم.. الخ[15].

ولئن كان الجنس بنظر فرويد، وإرادة القوة بنظر أدلر، المبدأ التفسيري الرئيسي للحياة الإنسانية قاطبة، فان ما يعول عليه يونغ هو وجود محرضات نفسية أخرى تتساوى أهمية مع هذين العاملين. فهو يرفض ان يجعل من عنصر واحد المصدر الوحيد لكل الاضطرابات النفسية، بل يرى ان النفس البشرية تختص بالحاجة الروحية والفطرة الدينية. وتشكل هذه النقطة حجر الزاوية الأساس من نظريته. وكما يقول: «يظهر الفعل الروحي في النفس وكأنه غريزة أو فطرة، كأنه عاطفة حقيقية، فهو مبدأ فريد وفذ». وبالتالي فالروح ليست ظاهرة ثانوية، بل هي أساس كل شكل نفسي وربما كل شكل فيزيائي أيضاً.

من هنا يقدّم علم النفس اليونغي تماثلات وثيقة بالفيزياء النظرية، خاصة فيما يتصل بالجانب الصوفي لهما. إضافة إلى ان كلاً منهما يحمل فروضاً تبدو متناقضة، بل وان تعبيرات يونغ حول عدم قدرة التجارب ان تعطينا ما يكفي من المعلومات والبيانات هي مثل تعابير الفيزيائيين حول ذلك، فكلاهما يعترف بأن هناك حداً تنتهي فيه المعرفة التجريبية لتبدأ الميتافيزياء[16].

وفي النهاية نقول إنه لا مسوّغ لجعل المرض الكبتي ملازماً لنشأة الإنسان بفعل الصراع الداخلي المفترض بين أقسام النفس الثلاثة، وأيضاً لا دليل على كون المكبوت قد نجم عن الإرث الإسطوري الذي يحدثنا حوله فرويد. ولو صح ما يقوله الأخير لكان يدخل ضمن اطار (اللاوعي الجمعي) كالذي يطلق عليه يونغ. لكن مع هذا فان فرويد يعترف بوجود هامش لبعض القضايا اللاشعورية خارج نطاق المرض والعصاب الكبتي..

وبالتالي كان لا بد من أن نحتفظ بفكرة اللاشعور ونتعامل مع حالاتها وفق أفق رحب لا علاقة له في الغالب بالمرض ولا بالأساطير المفترضة.

 

[1] سيجموند فرويد: حياتي والتحليل النفسي، ترجمة مصطفى زيور وعبد المنعم المليجي، دار المعارف القاهرة، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[2] سيجمند فرويد: الأنا والهو، ترجمة محمد عثمان نجاتي، دار الشروق، الطبعة الرابعة، 1402هـ ـ 1982م، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[3] سيجموند فرويد ووليم شتيكل: الكبت، ترجمة علي السيد حضاره، مكتبة الشعبية، القاهرة، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[4] سيجموند فرويد: تفسير الأحلام، ترجمة مصطفى صفوان، مراجعة مصطفى زيور، دار المعارف، القاهرة، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[5] فرويد: الأنا والهو.

[6] فرويد: مدخل إلى التحليل النفسي.

[7] فرويد وشتيكل: الكبت.

[8] فرويد: حياتي والتحليل النفسي. والطوطم والحرام، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، عن مكتبة المصطفى الإلكترونية www.al-mostafa.com.

[9] فرويد: الطوطم والحرام.

[10] ول ديورانت: قصة الحضارة، ج1، ترجمة زكي نجيب محمود.

[11] انظر حول الزواج في التراث الشرقي المصدر السابق.

[12] نفس المصدر.

[13] انظر حول ما سبق: فرويد: الأنا والهو.

[14] كارل يونغ: جدلية الأنا واللاوعي، ترجمة نبيل محسن، دار الحوار للنشر، اللاذقية، سوريا، الطبعة الأولى، 1997م، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[15] يولاند جاكوبي: علم النفس اليونغي، ترجمة ندره اليازجي، الاهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الاولى، 1993م، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[16] علم النفس اليونغي.

akeel alabodالتاريخ صناعة بشرية لهاعلاقة بحركة ذلك الامتداد من الزمان، والانسان هواللغة الحية والأداة التي بها تصنع الحضارات، وعبرها تتجسد مواقف الملوك، وثقافات الاساطير، وحكايات الامم.

البدايات سطور تعلَّمَ الناس منها اصول الكتابة واحكام الكلام، وذلك ماضٍ جند العظماء والعلماء ذواتهم وحيواتهم لأجله، فبنوا قصورالحكمة والمعرفة، حتى سادالخيروعم العدل والصلاح، واماالحاضرفزمان، تم اقتياده غصبا بإمرةٍ من اصحاب القوة والسلطان، حيث وفقا لمصالحهم تدار البلاد، كما نراه اليوم بقيادة هذه اللاتوافقات الضالة من المتآمرين والمنتفعين، لذلك حيث بما انه لم تعد هنالك حكومة تصلح للعباد، ضاع ما ضاع ، وانتهكت حقوق الناس وعم الفساد؛سرقت الموارد، واستنزفت الثروات، والمشهد مسرح واسطورة يتم إغتصابهما كل يوم؛حاكم يسرق باسم السلطة، وقاتل يذبح باسم الدين.

لقد بتنا ندرك اننا نعيش في عصر تحكمه الخديعة وانفاق الزيف المقنع بابواق المتخمين، بل وحتى تلك العمائم التي باتت تزداد ثراءا في نفوذهاعلى حساب المستضعفين، بيد اننا لم يعد بوسعنا ان ننتفض مستنكرين، رغم اننا نموت كل يوم الف ميتة.هو اللامألوف هذا الذي نستقبحه ويحكمنا؛يندس بيننا كالشيطان، يعترض طريقنا، يسرقنا، يستفزنا، دون ان نعترض؛لقد صارمألوفا هذا اللامألوف وابتعد المألوف.

لقد تغير كل شيء فينا؛طبائعنا، علاقاتنا مع المدركات، ذائقاتنا، نظراتنا خطواتنا، ولم يبق الاانفاسناهذه التي لازالت تستنشق رين نفوسنا المتصدئة، حيث كرامتنا المفقودة، كما المروءات التي دفنت في ضمائرنا.

كانت الصباحات كما انسام الربيع تزهو بمهرجانات زقزقاتها، تؤمها الفراشات كما شاعر ينتمي الى إحساس معشوقته، ليرتشف رضاب حبها المسكون بآهات قصيدة جديدة، كانت الموضوعات تتلى مثلما لحن فيروزي يخفق خجلا، تضامنا مع قشعريرة عاشق ينتابه الشوق، ليسكن بعيداعند فضاءات بقعة من الارض مسها الاعياء.

لقد احرقت (بطاقات ليلى ومجنونها) هذا الذي اراد ان يعلمنا ذات يوم لغة الصبرولحن الوفاء.إنتماءاتنا كانت تشبه الى حد ماعلاقة موجة مطمئنة بضفاف نهرها الوديع، وأفراخ عصافيريضمها دفء امن.الالوان التي كنا ندركها لا تتجاوززرقة السماء وخضرة الشجر، مضافا اليها بهجة الشمس، وزهو القمر.

كان الربيع عندما يأتي يرتدي تاج الملوك وكانت الحمامات تستضاف عند اروقة المآذن.المسميات بحسب المألوف كانت تقوم على عناوين ثلاثة:الطبيعة، وهي بحسب تصوراتنا سماء، واسراب طيورمهاجرة، وسنابل، ونخيل وبساتين، وارض يمتزج مع ترابها رائحة الطين، هي روح تسقى من انية يملأها المطر.العائلة، وهي أب، وأم، وأبناء يجمعهم سقف، وبيت، ورغيف خبزمعجون بنكهة آلهة روحها مغموسة بالحنين.الجيران، عفة، وطهارة ونقاء؛محطة يسكنها القلب، مساحة تستكمل خطوطها وفقا لحسابات الضمير.

اليوم بعد أن أسقطت جميع العناوين، اللامألوف خارطة تستبيح لغة الدم وقتل العصافير؛محرقة ومنجنيق، مقصلة بها تستنزف لغة الخلق، مجتمعات من النساء يتم إغتصابهن وقتلهن في يوم واحد، احراق ونسف مئات من المساكن والمآذن، والآف من الانفار يجري قتلهم وترويعهم بابشع طريقة من التوحش، والة الذبح كما الفأس تحطم جميع اسوارالثقافات القديمة.

 

 

jamil hamdaouiالمقدمـة: يعد نوربرت إلياس (Norbert Elias) من أهم السوسيولوجيين الألمان، ومن كتابها المتميزين الأفذاذ. ولد سنة 1897م في بريسلو (Breslau) بألمانيا، وتوفي سنة 1990م بأمستردام بهولندة. ويتميز - سوسيولوجيا- بكتابه القيم (حول سيرورة الحضارة)، وقد ظهر في فرنسا في مجلدين تحت عنوان (حضارة القيم، وديناميكية الغرب)[1]، وأضيف إليه مجلد ثالث وهو (مجتمع البلاط). وله مؤلفات أخرى، مثل: السوسيولوجيا والتاريخ[2]، وما السوسيولوجيا؟[3]، ومجتمع الأفراد[4]، والرياضة والحضارة[5]، وموزارت: سوسيولوجيا العبقري[6]، وراء فرويد [7]، والالتزام والحياد: مدخل إلى سوسيولوجيا المعرفة[8]...

إذاً، كيف يتصور نوربرت إلياس علم الاجتماع؟ وما أهم تصوراته السوسيولوجية؟ وما أهم مفاهيمها النظرية والتطبيقية؟ وما أهم الانتقادات الموجهة إلى سوسيولوجيا نوربرت إلياس؟

هذه هي أهم التساؤلات التي سنتوقف عندها بالتحليل والدراسة والتقويم.

 

مفهــــوم السوسيولوجيا:

تهدف السوسيولوجيا،عند نوربرت إلياس، إلى دراسة الأفراد والمجتمع على حد سواء، إذ لايمكن عزل طرف عن طرف آخر. وبالتالي، تنكب السوسيولوجيا على دراسات العلاقات الموجودة بين الأفراد داخل المجتمع، إذ لايمكن دراسة الفرد بمعزل عن الجماعة أو المجتمع. كما للمجتمع وبنياته ومؤسساته تأثيرا واضحا في هؤلاء الأفراد إلى حد الجبرية والحتمية. ويعني هذا أن إلياس يوفق بين الفعل وبنية المجتمع على غرار بيير بورديو(Bourdueu)، ولوسيان كولدمان(L.Goldmann)، وجيدينز(Giddens)، وغيرهم...أي: يجمع بين الفهم والتفسير، بين الذات والموضوع، بين الحتمية والحرية، بين المنهجية الكلية لدوركايم والمنهجية الفردية لماكس فيبر. ويسمى هذا الجمع بالانبناء السوسيولوجي.

ومن جهة أخرى، تعنى السوسيولوجيا بدراسة آداب السلوك لدى الأفراد، وفهم أفعالهم وسلوكياتهم الملموسة، ورصد علاقاتهم التفاعلية التبادلية، واستجلاء مختلف التحولات التي تنتاب الأفراد على مستوى الانبناء المجتمعي، عبر سيرورة الحضارة وتغيرها من حالة إلى أخرى، في ضوء المعطيات التاريخية، والمجتمعية، والسياسية، والاقتصادية، والنفسية. ولافرق بين السوسيولوجيا والسيكولوجيا عند نوربرت إلياس، ولاسيما أن الباحث يدرس المجال العاطفي والشعوري والانفعالي والوجداني لدى الكائن الإنساني، في ضوء المقاربة السوسيولوجية.

ومن هنا، يتبنى نوربرت إلياس السوسيولوجيا التفاعلية التي ترصد مختلف العلاقات التفاعلية التي تحدث بين الأفراد فيما بينهم، في علاقة تماثلية مع بنيات المجتمع عبر الهابيتوس. وبهذا، يكون الدارس من الرواد الأوائل الذين أرسوا دعائم المدرسة التفاعلية في مجال السوسيولوجيا الألمانية إلى جانب جورج زيميل(Simmel).

 

المنهجية السوسيولوجية:

يتبنى نوربرت إلياس مقاربة سوسيولوجية توفيقية تجمع بين الفهم والتفسير، بين التصور الكلي عند إميل دوركايم والتصور الفردي عند ماكس فيبر، بين الفعل والبنية المجتمعية عبر عملية الانبناء والهابيتوس. ومن هنا، فمقاربته انبنائية بامتياز(Configuration). بمعنى أن الواقع الاجتماعي يبنى من قبل الأفراد والفاعلين المجتمعيين، بناء على خبرات ماضية مستضمرة، أو خبرات حاضرة تستمد من الحياة اليومية، أو تتكون بواسطة الهابيتوس. وتشتغل هذه الخبرات على أساس أنها جبريات لاشعورية ولاواعية. وعلى الرغم من ذلك، يقوم الأفراد بحساباتهم، ويتخذون قراراتهم. أضف إلى ذلك، أن هذه الخبرات هي عبارة عن هابيتوس مجتمعي، يتبلور في شكل خطاطات وقيم وفضائل وعوائد يتشربها الفرد انطلاقا من المجتمع (الأسرة، والشارع، والقبيلة، والوطن، والأمة...). بمعنى أن القيم تنتقل عند الأفراد من جيل إلى آخر، فيتمثلونها على أساس أنها معايير ومقاييس للتكيف والتطبع مع المجتمع.وتشكل هذه المعايير والتصرفات والسلوكيات أدوات للمراقبة الذاتية والمحاسبة الشخصية. وقد استمدها الأفراد من المجتمع ومن حياتهم اليومية على حد سواء. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن المجتمع يمارس تأثيره في الفرد. كما يمارس الفرد تأثيره في المجتمع باختياراته وقراراته وإبداعاته.

وبناء على ماسبق، يفضل السوسيولوجي الألماني نوربرت إلياس مفهومي اللعبة واللاعبين بدل الفرد والواقع الاجتماعي.أي: يشبه الواقع المجتمعي باللعبة. أما الفاعلون، فيطلق عليه مصطلح اللاعبين. بمعنى أن اللاعب عندما يحرك عنصرا من عناصر الشطرنج، فإنه يولد لدى الطرف الآخر رد فعل. وعندما يحرك الطرف المقابل عنصرا من عناصر اللعبة، يقوم الآخر برد فعل معاكس، وهكذا دواليك...

وإذا أخذنا مثال كرة القدم، فلايمكن فهم تصرفات اللاعبين وحركاتهم وسلوكياتهم إلا في سياق اللعبة، إذ تستلزم كل حركة رياضية رد فعل من اللاعب المنافس أو المقابل.

وقد تجاوز نوربرت إلياس بعض المفاهيم السوسيولوجية كمفهومي الماكرو والميكرو، فما يبدو ماكرو قد يكون ميكرو، والعكس صحيح أيضا، قد تكون العلاقة الدولية ماكرو. في حين، تكون العلاقة الوطنية ميكرو. بيد أن هذه العلاقات الوطنية قد تكون ماكرو مقارنة بالظواهر الميكروسوسولوجية الأخرى. كما يرفض الباحث المفاهيم التطورية واللاهوتية تجاه التاريخ.

علاوة على هذا، تبنى السوسيولوجيا عند نوربرت إلياس على الفهم والتفسير معا.أي: فهم تصرفات الأفراد السلوكية، والبحث عن معانيها ودلالاتها ونواياها ومقاصدها، ورصد مختلف العلاقات التفاعلية التبادلية التي تتحقق عبر عملية التواصل بين الذوات الفاعلة داخل بنية المجتمع، مع الاستعانة بالتفسير السببي لمعرفة آثار المجتمع في الأفراد. ومن ثم، تقوم منهجيته العلمية على الملاحظة الحسية، والاستعانة بالاختبارات الاجتماعية الكمية والكيفية، وربط التطبيق بالنظرية.

 

التصورا ت السوسيولوجية:

لايمكن فهم آراء نوربرت إلياس إلا باستعراض مضامين كتبه السوسيولوجية، واستجلاء قضاياها الظاهرة والمضمرة، على النحو التالي:

 

حول سيرورة الحضارة:

ينقسم كتاب (حول سيرورة الحضارة) لنوربرت إلياس- الذي صدر سنة 1939م- إلى أجزاء ثلاثة هي: حضارة آداب السلوك، ودينامية الغرب، ومجتمع البلاط. ومن ثم، فهو يعنى بتطور البنيات النفسية والذهنية والوجدانية عند الأفراد والجماعات، في علاقة تماثلية مع تطور البنيات السياسية والمجتمعية. ومن ثم، فهو ينطلق، في كتابه (حول سيرورة الحضارة)،   من سوسيولوجيا تاريخية ونفسية. ومن ثم، فهو لايتناول مفهوم الحضارة بتصورات أوزوالد شبنغلر(Oswald Spangler) أو أرنولد توينبي(Arnold Toynbee)، بل يدرس الحضارة في أوروبا الغربية بدون إيحاءات إيجابية أو قدحية. وبالتالي، فهو يعتمد على سوسيولوجيا عامة تجعل الإنسانية إطارا عاما لها. ومن ثم، فهو يجعل من الحضارة الغربية موضوعا للتفكيك السوسيولوجي.

إذاَ، يهتم الباحث بحضارة القيم في الغرب اعتمادا على النبش التاريخي والسوسيولوجي، برصد آداب السلوك في الحضارة الغربية، ابتداء من العصور الوسطى إلى غاية القرن العشرين.أي: إلى صدور هذا الكتاب في ثلاثينيات القرن الماضي. ومن هنا، فهدف الكتاب هو تحليل الحضارة الغربية، بالتركيز على العوامل الاجتماعية في زمان ومكان معينين، كدراسة الفترة الفروسية، والفترة البورجوازية، والفترة الأرستقراطية، وفترات كل من: جوته، وهنري الرابع، وفريدريك الثاني، وإيراسموس....

ومن ثم، يتتبع نوربرت إلياس آداب السلوك في أوروبا الغربية من فترة زمنية إلى آخرى، ومن مكان إلى آخر، معتمدا على السوسيولوجيا العامة، وتمثل المقارنة كالتي عقدها بين فرنسا وألمانيا على صعيد الثقافة والحضارة، أو الاعتماد على التاريخ بغية تتبع هذه القيم في مراحلها الزمنية، والاستعانة بعلم النفس لدراسة مجموعة من التصرفات الجنسية والجسدية والعاطفية والانفعالية والوجدانية.

ومن ثم، يتتبع الباحث سلوك العري الذي كان معيارا سائدا في ألمانيا في القرن السادس عشر الميلادي، إذ كانت العائلات يخرجن عارية في ذهابها إلى الحمام العمومي، رجالا ونساء وأطفالا، أو التركيز على كيفية استخدام الجسد وعرضه، والتركيز على آداب الطاولة التي كانت فيها الآداب في غاية المرونة والتساهل، وليست متشددة كما هو الحال في أيامنا هذه؛ إذ كان الشباب لايخفون صوت ضراطهم أثناء العطس، وكانوا لايستخدمون أصابعهم الثلاثة عندما يأكلون قطعة لحم من الأطباق، بل كانت تلك الأطباق تمسح بأكمام من يجلس قربهم... فقد أضحت هذه التصرفات - اليوم- عرضة للسخرية والاستهزاء.علاوة على ذلك، لم تستعمل شوكة الطعام إلا في القرن الحادي عشر من قبل حاكم فينيسيا، وقد أدان رجال الدين هذا التصرف، بيد أن هنري الثالث استخدمها بشكل عاد في بلاطه. في حين، كانت هذه الشوكة مدعاة للسخرية عند عموم الشعب.

وعليه، " بمثل هذه الأحداث والوثائق الظريفة أدخل نوربيرت إلياس في التحليل التاريخي والسوسيولوجي للغرب مفهوم حضارة آداب السلوك.يمكن للفكرة التي ظهرت في ثلاثة مجلدات، أن تختزل بشكل سهل: يوضح إلياس أن الحضارة هي مسألة آداب السلوك، وخاصة تلك المتعلقة بالقواعد الصغيرة والكبيرة التي تفرض نفسها على استخدام الجسد وإشباع الحاجات والغرائز والرغبات البشرية.غير أن هذا البعد الأخلاقي عرف تطورا ملحوظا في أوروبا بدءا من عصر النهضة، كان الإنسان القروسطي يعيش في نوع من البربرية الساذجة إلى حد ما، وفي حرية حقيقية بخصوص التعبير العنيف عن مشاعره ورغباته، ولإشباع حاجاته الأكثر مادية، دونما انشغال بنظرة الغير. وبدءا من القرن السادس عشر، شرع كل ذلك (اللياقة، وآداب الطعام، وقواعد الحياء، والحشمة) بالقوننة عن طريق نبلاء البلاط. وفي القرن الثامن عشر، استولى البورجوازيون على آداب السلوك هذه. وفي القرن التاسع عشر، بلغت الحركة أوجها وشاعت أيضا؛ كان العصر عصر الأخلاق الطهرية التي تدعى " النظافة أو العناية الصحية. هل مازلنا فيها حتى الآن؟ هذه مسألة آخرى.إذ يرى إلياس أن هذه الحركة غير المكتملة ترسم كامل التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي للغرب؛ بسبب أن تطور آداب الجسد هذه ناجمة عن تعميم نمط لشخصية هي شخصية نبيل بلاط."[9]

ويلاحظ إلياس أن سلطة الدولة هي المحرك الحقيقي للحضارة، فقد تحول المحاربون الإقطاعيون إلى نبلاء البلاط، وشكلوا ما يسمى بالسلطة الملكية. ومن ثم، فقد فرض الأمير أو الملك قواعد اللياقة على حاشيته والمحيطين به، ثم ترابط المجتمع عضويا ووظيفيا، بعد صعود البورجوازية، وازدياد تقسيم العمل بين أفراد المجتمع الواحد، وكانت آداب السلوك خاضعة للمراقبة الذاتية والضبط الداخلي. وفي هذا، يقول فيليب كابان(Philipe Cabin) وفرانسوا دورتييه (Jean-François Dortier):" إن تطور آداب السلوك- كما يوضح إلياس- ما كان له أن يحدث دون تدجين المحاربين، وتحويلهم إلى نبلاء في البلاط: نشاهد بالفعل بين القرنين الثاني عشر والثامن عشر، في فرنسا على الأقل، صعود السلطة الملكية، وتحول الطبقات الإقطاعية إلى نبلاء البلاط. وهناك فرضَ الأمير أثره في كامل حياة المحيطين به في البلاط" الحب، والحرب، وآداب المائدة، واللياقة، وقواعد النزاعات. وفي الوقت ذاته، كان المجتمع يغتني ويزداد تعقيدا، فأصبح الناس أكثر اعتمادا على بعضهم البعض، وارتبطوا عضويا عن طريق تقسيم العمل.ولم يعودوا يقدرون على العيش منفصلين في جماعات منغلقة على نفسها.وهنا، كما يقدر إلياس، يكمن السببان الرئيسيان لظهور أخلاق مؤسسة على السيطرة المتزايدة على الغرائز البدنية والوجدانية، في الطبقتين المهيمنتين، النبلاء والبورجوازية. لم يعد الأمر متعلقا فقط بتطبيق قواعد اللياقة والحياء والتحاشي، إنما بالوصول إلى الضبط الذاتي لكل واحد، خاصة فيما يتعلق بالاحتكاكات الجسدية والجنس والعنف."[10]

ومن ثم، فقد بلغت آداب السلوك في القرن التاسع عشر الميلادي قمة الرقي والتهذيب والتطهير الأخلاقي والمحاسبة الذاتية، إذ كان العري ممنوعا، وكان قليله يثير الضحك والسخرية بين الجميع، وكان الحديث عن الجنس مع الأطفال عيبا ورذيلة وعارا. بمعنى أن القرن التاسع عشر هو قرن الممنوعات والمقموعات والمكبوتات فيما يخص الجنس، والنظافة، واللياقة، واستخدام العنف، ولم تكن تلك المعايير الانضباطية مجرد قوانين عامة، بل تعد أيضا ثقافة. إنه قرن استبطان التهذيب. وقد كتب إلياس " أن تطور آداب السلوك في جانبه الحديث، يتصف باستبطان متزايد للمعايير؛ مما يجعل الآليات الاجتماعية للمنع لاضرورة لها. بالنسبة له، ليست الحضارة فقط مسألة لياقة في المجالس الرسمية ؛ فهو يعلم جيدا أن هناك ممنوعات وطقوسا معقدة قد توجد عند شعوب تعتبر بدائية.فحركة الحضارة تسير عن طريق مبادىء كونية، وتصيب وعي الفرد بالذات باختصار، لم يعد الأمر متعلقا فقط بقواعد السلوك، بل بمشاعر داخلية إحساسا بالذنب وندما، وتعيد إنتاج نفسها بنفسها، وتشبه الكبت عند فرويد."[11]

ولكن المستغرب في تصور إلياس أن عري المرأة على شاطىء البحر لايعده انقلابا في سيرورة الحضارة، وعودة إلى انعدام الحشمة والحياء والعفة، بل هو تعبير عن حرية المرأة، واستمتاع بحق المساواة في الظروف الحياتية.أما بالنسبة للآخر، فعليه أن يضبط مشاعره وسلوكياته وتصرفاته.

ويلاحظ أن كتاب (حول سيرورة الحضارة) كان ممنوعا في ألمانيا، ولكن أعيد اكتشافه في فرنسا خلال السبعينيات من القرن الماضي، و" استقبل بحماس عن طريق فرانسوا فوره (Furet)، وأندري بورغيير(Burguière)، وإمانويل لوروا لاديوري(Ladurie). وهو يعكس جهدهم الخالص كي يجعلوا من التاريخ علما للعقليات.ويجسد أيضا سوسيولوجيا تاريخية ذات هدف نظري رفيع، ويدشن شكلا لتاريخ آداب السلوك أصبح منذئذ مدرسة (انظر مثلا جورج فيغاريلو(Vigarello).

أخيرا، لقد رسم، مع احتفاظه بمسافة نقدية، لوحة للحضارة الغربية أقل نقدية بكثير من التحليل النفسي والماركسية وتجلياتهما.[12]"

وهكذا، يلاحظ أن الكاتب يدرس الحضارة الغربية في ضوء المقاربة السوسيولوجية، أو يدرس ما هو إنساني، وماهو انفعالي، وما هو وجداني عاطفي وسيكولوجي، ضمن مقاربة سوسيولوجية. ومن جهة أخرى، يدرس ماهو تاريخي ومجتمعي في ضوء مفهوم القمع أو الكبت، كما تحدث عنه سيغموند فرويد (freud) في جل كتاباته السيكولوجية.

علاوة على ذلك، يعنى نوربرت إلياس بسيوسيولوجيا الجسد في شبقيته وماديته وشهواته ونزواته وغرائزه، بالتوقف عند تقنياته على غرار دراسات السوسيولوجي مارسيل موس(M.Mauss)، وربط هذا الجسد بالعفة والعري، وعلاقة ذلك بالهابيتوس، والانبناء المجتمعي، والمراقبة الذاتية، والمحاسبة القيمية، وتصوير طبيعة المجتمع على مستوى الثقافة والحضارة. ويعني هذا أن العواطف والأهواء خاضعة للقيم والتقاليد والعادات والأعراف.

كما اهتم نوربرت إلياس بسوسيولوجيا الرياضة بإشتراك مع تلميذه إيريك دانين (Dunning)، إذ أثبت أن جميع المجتمعات، سواء القديمة منها أم الحديثة، قد عرفت الرياضة، وتتميز الرياضة مقارنة بالهوايات الأخرى بقلة العنف، على الرغم من الاحتكاك الصارم الموجود بين الأجساد الرياضية داخل مجال اللعبة. علاوة على احترام القواعد المكتوبة وغير المكتوبة التي تتحكم في اللعبة. ومن ثم، فهي تهدف إلى غرس القيم الوطنية والقومية، وتحقيق الظفر والانتصار، وتمثل القواعد، والسعي الجاد نحو الاستمتاع باللعب.

ومن ثم، فقد حلل الباحثان الظاهرة الرياضية في بعديها المزدوج: إذ يتعلق البعد الأول بالتطبيق الجسدي، و يرتبط البعد الثاني بما هو فرجوي. وهنا، يتم التركيز على الجسد باعتباره نتاج سيرورة الحضارة.

هذا، وقد انتقلت الرياضة من الألعاب التقليدية العنيفة ( الرومان) نحو ألعاب تحد من العنف والعدوان. بل يمكن القول :إن الهابيتوس الرياضي لايقتصر على اللعبة في مجالها الداخلي فحسب، بل يمتد هذا الهابيتوس حتى خارج هذا المجال على مستوى السلوك والتصرف والتطبع الاجتماعي.

 

ثنائية الالتزام والحياد:

استعمل نوربرت إلياس، في كتابه (مدخل إلى سوسيولوجيا المعرفة)، مفهومي الالتزام والحياد، ويحيل المفهومان معا على ثنائية الذاتية والموضوعية. ويعني هذا أن الدارس يبحث عن الطريقة التي ينبغي أن يتعامل بها السوسيولوجي مع الظواهر المجتمعية، فهل سيبقى محايدا أم يدخل ذاته في البحث؟

ويحيلنا هذا أيضا على إشكالية عويصة في العلوم الإنسانية، هل يمكن التعامل معها على الأساس الوضعي التفسيري؟ أم على الأساس التفهمي الروحي ؟ أم على أساس الجمع بين الفهم والتفسير على حد سواء ؟

ويعني هذا أن الحياد يستلزم الموضوعية في البحث السوسيولوجي.أما الالتزام، فيعني إدخال الذات أثناء التعامل مع الظواهر المجتمعية.

وفي الحقيقة، يتضمن كل سلوك جانبا من الموضوعية الحيادية، وجانبا من التدخل الذاتي (الالتزام).أي: يمكن دراسة الفرد في ضوء المقاربة السوسيوتاريخية، بغية فهم كيف يتطور سلوكه أو فعله المجتمعي عبر التاريخ، ضمن سيرورة الحضارة، ورصد مختلف العلاقات التفاعلية بين الأفراد في علاقتهم مع محيطهم وبيئتهم.

ومن ثم، يوفق نوربرت إلياس بين الفهم والتفسير، ويرفض دراسة الظواهر المجتمعية تفسيرا علميا ووضعيا فحسب، بالاعتماد على التفسير والمقارنة والتكميم الرياضي أو الإحصائي ؛ لأن ذلك يخلق نوعا من الحياد الوهمي.لذا، لابد من الجمع بين الذاتية والموضوعية من جهة، أو بين الفهم والتفسير من جهة أخرى.

 

مفهــــوم الهابيتوس:

لقد وظف نوربرت إلياس مصطلح الهابيتوس(Habitus) في الثلاثينيات من القرن العشرين، قبل أن يستعمله بيير بورديو في كتاباته السوسيولوجية المتنوعة. ويعني الهابيتوس عند الباحث تلك المعرفة المجتمعية المستضمرة أو المخزنة لدى الأفراد بشكل غير واع، وتتجذر مع مرور الوقت بفعل الأسرة أو المؤسسة أو الحزب أو الدولة. وبالتالي، تدل على هوية الفرد. كما تدل على هوية الجماعة . ويحيل هذا على ما يسمى بالتنشئة الاجتماعية أو التطبع أو الاندماج الاجتماعي، سواء أكان فرديا أم جماعيا.أي: تشرب الأفراد لمجموعة من المعايير والقيم والعادات المجتمعية، بفعل الاحتكاك والتطبع والتماثل مع البنيات الموضوعية. ويتميز الهابيتوس بالديمومة والتحول والتطور التاريخي، وانتقاله من جيل إلى آخر. ومن ثم، فقد ركز الباحث، في دراسته للحضارة الغربية الأوروبية، على الهابيتوس الوطني والهابيتوس الهوياتي. ويعني هذا أن كل دولة لها هابيتوس خاص، يتخذ بعدا وطنيا وهوياتيا، كما عند الألمان - مثلا-.

 

نقـــــد وتعليــــق:

خضعت آراء نوربرت إلياس لانتقادات عدة من وجهات علمية مختلفة. ففي مجال التاريخ، انتقده الباحثون في كونه أهمل فترة القرن التاسع عشر الميلادي، ولم يتعرض لها في كتابه (حول سيرورة الحضارة) بشكل دقيق وواضح. كما أن الأنتروبولوجيين ينتقدونه في موضوع الحياء والحشمة على أساس أن الباحث اعتمد على وثائق قليلة غير مناسبة في هذا المجال؛ إذ ركز على المواخير فقط للحكم على آداب السلوك في فترة زمنية ما. كما أن الأوصاف المتعلقة بالسكن المأخوذة من موسوعة ديدرو (Diderot) ومجتمع البلاط هي أوصاف متعلقة بنموذج مثالي أكثر مما هو واقعي.

وعلى العموم، تتميز مفاهيمه السوسيولوجية بالغموض، وصعوبة الفهم والاستيعاب من قبل القراء، ولاسيما مفهوم الانبناء والهابيتوس...

وقدأثبت السوسيولوجي الإنجليزي ستيفن مينل (Stephen Mennell)[13] أن نظريات نوربرت إلياس تصلح لدراسة الدول الغربية، ولكن لاتصلح لتحليل نشأة دول أمريكا الشمالية. وكذلك، لاتنطبق - في رأيي- على الدول العربية التي قامت على احترام القيم الأخلاقية، وضبط آداب التصرف وفق المنهج الإسلامي، بل يتميز المجتمع العربي والإسلامي بكونه مجتمعا محافظا تسوده الحشمة والعفة والتستر. وأكثر من هذا، لايمكن أن نعتبر عري المرأة على الشاطىء حضارة أو حرية أو ثقافة أو مساواة. وبالتالي، على الآخر أن يضبط نفسه سلوكيا وغرائزيا. بينما هذا السلوك الشائن تعبير عن مدى الإسفاف الحضاري، وانحطاط القيم، إذ يثير الاشمئزاز والفتنة والغواية، ويساعد على انتشار البغاء والإباحية وتردي الحضارة. ومن ثم، تؤدي الإباحية والرذيلة والمبالغة في الترف إلى سقوط الدول وانحطاطها، كما يقول ابن خلدون في مقدمته لعلم العمران.

ومن جهة أخرى، بقي الكتاب " من جهة علماء الاجتماع أكثر تشكيكا، وظهرت الانتقادات باكرا.هل بإمكاننا أن نجهل التهذيب وليد عصر النهضة، كما لو أنه لم يكن لعصور أخرى وقارات أخرى فترات من حضارة متقدمة؟ إذا كانت الأمم الأوروبية وحدها تملك الحياء.فما حال الآخرين؟ يجتهد إلياس في كتاب (دينامية الغرب) لتبيان أن ظهور مجتمع البلاط هو أمر مؤكد في كافة القارات.لكن ألا توجد طرائق أخرى للوصول إلى الحضارة من غير الخضوع إلى سلطة الدولة؟ ألا تصف قصص الإثنولوجيين بالتحديد وجود مجتمعات ذات طباع متمدنة مهذبة بغياب سلطة الدولة؟ "[14]

وهناك من يشكك في أطروحة العري في العصر الوسيط كما أثبتها إلياس، فقد اعتبر المؤرخ بيتر ديور(Duerr)، في كتابه ( العري والحياء)، " اللامبالاة القروسطية تجاه العري مجرد أسطورة: فالحالات التي يصفها (الحمامات، واحتفالات العراة، والتنزه في الهواء الطلق) كانت في الحقيقة استثنائية، مغموسة بالإيروسية، وترجع إلى سلوكيات منحرفة. يدعم ديور الأطروحة القائلة بأن الحياء، ولو تنوعت تبدياته، هو شعور كوني، وما من مجتمع مهما كان مستواه من البربرية يمتنع عن وضع قواعد للعري...

وإن وضع قواعد لاستخدامات الجسد (التغوط، والضراط، والتجشؤ، والبصاق، إلخ) لم يكن أبدا غائبا عن وعي الشعوب : فقبل نهاية العصر الوسيط، كانت توجد نصوص يهودية وعربية وألمانية وإنكليزية تتناول الاستخدام المناسب للتغوط (بعيدا عن نظر وسمع الآخرين، ومن المفضل ليلا بعيدا عن أعين الملائكة).إن عادة أصحاب السمو، وهم يستقبلون حاشيتهم جالسين على كرسي بيت الخلاء، والتي أقرها لويس الحادي عشر، ستكون اختراعا حديثا وتعبيرا عن التراتبية المتزايدة في العلاقات الاجتماعية. بالطبع لم يكن من المقبول أبدا بالنسبة للتابع أن يستقبل من هو أعلى منه بالطريقة ذاتها...

باختصار، شكك ديور ومؤرخون آخرون بشكل واسع أيضا، ليس بوجود تنويعات بمستوى الاحتشام المطلوب بين مجتمع وآخر، بل بأن هذا المستوى مرتبط، كما في نظرية إلياس، بظهور طبقات الحاشية، وبالتالي ظهور الدولة الحديثة."[15]

ويتبين لنا، مما سبق ذكره، بأن الثقافة عند نوربرت إلياس، تتأسس سيكولوجيا، بالمفهوم الفرويدي، على قمع الغرائز الجنسية أو الشهوانية أو الشبقية، ويعد هذا المعطى قاسما مشتركا بين جميع الحضارات. بيد أن حضارة الإسلام لم تبن على ماهو غرائزي وجنسي، بل بنيت على دك الوثنية العمياء، والدعوة إلى التوحيد الرباني. كما أن الثقافة أساسها العلم والأخلاق معا، مع حصرها في عبادة الله وحده.

ومن منظور آخر، كيف يمكن الجمع بين امرأة تلبس الحجاب الإسلامي وامرأة عارية، فهل يعني ذلك أن العارية هي التي تملك حريتها الحقيقية، بينما الأخرى لاتملكها. في حين، إن الإسلام هو الذي يقدر المرأة أيما تقدير، ويعلو بها مكانة وسموا ورفعة .

هذا، و" إن هذا الموقف الملتبس لنظرية إلياس يمكن أن يؤخذ عليه: الفرد البشري، بالشكل الذي يصفه به، مأسور في حلقة مماثلة لحلقة التحليل النفسي. مهما فعل أو لم يفعل، فإن تصرفه يعبر عن الأمر ذاته، وهو أن الثقافة تتأسس على لجم الغرائز.والحال، إما أن هذا المعطى مشترك بين كافة المجتمعات البشرية .وبالتالي، فإن تنوعه ليس شديد الدلالة، أو أن بعض المجتمعات ترتقي في هذا الطريق أعلى من غيرها بكثير. لكن هل على هذا يعتمد نجاحها وقدرتها على الـتأثير في الآخرين؟ باختصار، هل التهذيب شرط لانطلاق الحضارة الغربية أم هو مجرد أثر ثانوي؟ تترك أعمال إلياس خلفها مسائل تكفي، بأهميتها، لأن توصف بالأعمال الأكثر تحريضا في القرن العشرين."[16]

أضف إلى ذلك، فليس هناك صلة حقيقية بين دقة الآداب وانعدام العنف والجريمة في المجتمع، فقد وجدت جرائم في عصرنا المتقدم هذا على الرغم من تمثل تام لآداب السلوك. وفي هذا السياق، يقول نيكولا جورنه :" إن سيرورة الحضارة التي وصفها نوربيرت إلياس لاتظهر فقط من خلال آداب المائدة وقواعد الحياء والأخلاق الجنسية، فهي تتناول بشكل أكثر مباشرة أيضا، تراجع مستوى العنف الذي تسمح به الأخلاق العامة .القضية واضحة بين الناس، إن ضبط الحق بالقتال، ثم بالثأر الشخصي عن طريق الدولة، هو نتاج التطور في المؤسسات الذي أصبح حكرا منذ القرن الثامن عشر (راجع دينامية الغرب).ومنئذئذ وضع الاستخدام الاجتماعي للعنف الخاص تحت نظر البوليس والعدالة.ففي العصر الوسيط، كان من عادة المحاربين المتمدنين أن يبتروا أعضاء من ضحاياهم، ومن عادة العوام الذهاب للاستمتاع بعرض تنفيذ الإعدامات. وخلال سيرورة الحضارة صارت العوامل الخارجية حاسمة، لكنها انتقلت إلى آليات نفسية تحكم حساسية كل واحد.

لكن ما الذي يعنيه ما أشار إليه بعض علماء الاجتماع من تراجع الأمن في المجتمعات الحديثة والمتطورة؟ إن هذه المشكلة التي ظهرت خلال الثمانينيات، لقيت عدة أنواع من الأجوبة.يقوم الجواب الأول على التشكيك في أطروحة إلياس: ما من شيء يثبت وجود صلة ضرورية بين الدقة المتناهية في الآداب وتراجع مستوى العنف بين الأشخاص. الجانبان يتنوعان بشكل مستقل عن بعضهما البعض.وعليه، إن زيادة في الانحراف لاتعني أن تقدم الحضارة وصل إلى نهايته.والأخرى تولي أهمية إلى تقطع في سيرورة الحضارة عن طريق إضعاف نموذج الدولة الذي يفترض أيضا، بتعابير عامة، أن الدينامية المؤسساتية التي وصفها إلياس ربما قد بلغت حدا (نهاية) .ومع ذلك يرى آخرون أن العنف كشكل للعلاقة الاجتماعية قد عهد به إلى بعض أماكن النفي الاجتماعي، وبقي غريبا بالكامل عن مجمل المجتمع الذي لم يتوقف عن الخضوع للبوليس."[17]

وفي منظوري الشخصي، إن كثرة الجرائم والانحرافات بين الأفراد في المجتمع الغربي ليس راجعا إلى أفول الحضارة، ونهاية الثقافة، بل يعبر ذلك عن الفراغ الروحاني، وانقطاع سبيل التدين الحقيقي، وازدياد الشك في المعتقدات الغربية وفلسفاتها المادية والإباحية التي علبت الإنسان وشيأته، وحولته إلى رقم من الأرقام البنيوية، أو جعلته سلعة من السلع التجارية الرخيصة الثمن.

 

الخاتمــــة:

وخلاصة القول، يعد نوربرت إلياس من السوسيولوجيين الألمانيين المنسيين في الثقافة الغربية بصفة عامة، والثقافة العربية المعاصرة بصفة خاصة؛ والسبب في ذلك أن كتبه، لزمن طويل، حوصرت من قبل المؤسسات الأكاديمية الألمانية، ومن مؤسسات الطبع والنشر والتوزيع ذات التوجه السياسي النازي. ولم تترجم أعماله إلى اللغات الأجنبية، ولاسيما الفرنسية والإنجليزية، إلا في العقود الأخيرة من القرن العشرين.

هذا، وتتميز أعماله بالتحريض، والجدة، وجرأة الطرح، والانطلاق من السوسيولوجيا التاريخية، والاستعانة بالسيكولوجيا الفرويدية لتعميق مفاهيمه الاجتماعية، ولاسيما مفاهيم: الانبناء، والهابيتوس، و الحياد والالتزام...

وعليه، فأهم ما تتسم به دراساته السوسيولوجية التي تجمع بين الفهم والتفسير تركيزها على سيرورة الحضارة الغربية، والاهتمام بالجسد، ودراسة سوسيولوجيا الرياضة. ومن ثم، فهذه الأعمال الحفرية الجادة تذكرنا، بشكل من الأشكال، بأبحاث الفيلسوف ميشيل فوكو (Michel Foucault)، وأبحاث المؤرخ فرناند بروديل(Fernand Braudel)، وأبحاث السوسيولوجي بيير بورديو (Pierre Bourdieu)، على سبيل التمثيل والمقارنة والتخصيص ...

...................

الهوامش:

[1]-Norbert Elias:Sur le processus de civilisation, traduit partiellement (manquent les pages 1 à 122) et publié en deux parties :

   La Civilisation des mœurs, Calmann-Levy, 1973, puis Pocket, 2002 (traduction de Pierre Kamnitzer)

   La Dynamique de l’Occident, Calmann-Lévy, 1975, puis Pocket, 2003 (traduction de Pierre Kamnitzer).

2- Norbert Elias: La Société de cour (texte intégral) et Sociologie et histoire (inédit en français), Flammarion, 1985, puis Calmann-Lévy, 1994 (préface de Roger Chartier, traduction de Pierre Kamnitzer et Jeanne Etoré).

3- Norbert Elias: Qu'est-ce que la sociologie ? Pandora, 1981, puis Pocket, 2003 (traduction de Yasmin Hoffman)

4- Norbert Elias:La Société des individus, Fayard, 1991, puis Pocket, 2004 (avant-propos de Roger Chartier).

5- Norbert Elias: Sport et civilisation : la violence maîtrisée (avec Eric Dunning), Fayard, 1994, puis Pocket, 1998 (avant-propos de Roger Chartier, traduction de Josette Chicheportiche et Fabienne Duvigneau).

6- Norbert Elias:Mozart : sociologie d'un génie, inachevé, Seuil, 1991 (traduction de Jeanne Etoré et Bernard Lortholary).

7- Norbert Elias: Au-delà de Freud : sociologie, psychologie, psychanalyse, La Découverte, 2010 (présentation de Marc Joly, postface de Bernard Lahire, traduction de Nicolas Guilhot, Marc Joly et Valentine Meunier).

8- Norbert Elias:   Engagement et distanciation : contribution à la sociologie de la connaissance, Fayard, 1993, puis Pocket, 1998 (avant-propos de Roger Chartier, traduction de Michèle Hulin)

9- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: علم الاجتماع، ترجمة: د.إياس حسن، دار الفرقد، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:181-182.

10- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: علم الاجتماع، ص: 182.

11- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: نفسه، ص:183.

12- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: نفسه، ص:183.

13- Quentin Deluermoz (sous la direction de): Norbert Elias et le XXe siècle, Perrin, 2012.

14- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: نفسه، ص:184.

15- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: نفسه، ص:184-185..

16- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: نفسه، ص:185.

17- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: نفسه، ص:186-187.

 

zouhair khouildiإذا كان أدموند هوسرل قد أدخل الفنومينولوجيا إلى مجال البحث الابستيمولوجي وبحث في نظرية المعرفة ومسألة الوعي وانتهى إلى أزمة العلوم الأوروبية فإن مارتن هيدجر قد نقلها إلى المجال الأنطولوجي وجعلها منهجا بحثيا في أحوال الوجود وتفطن إلى خطورة التقنية والعقل الأداتي وأهمية الشعرية. وإذا كانت الأنثربولوجيا الفلسفية مع أرنست كاسرر والفنومينولوجيا المتعينة مع موريس مرلوبونتي قد سلكت الطريق الطويل في تقصي معنى الوجود فإن هيدجر قد اختار الطريق القصير والمباشر في العروج نحو الوجود. وإذا كان الطريق الطويل في استهداف الكائن البشري يشير إلى الأنثربولوجيا الفلسفية التي سعى إلى بنائها بول ريكور وذلك بالتعويل على ما وفرته العلوم الإنسانية من عدة منهجية وطرق اجرائية واستثمار النسق الرمزي للغة والأولوية العلمية والإيتيقية للبيولوجيا والبسيكولوجيا وما تركته الشمولية من جراحات حية وأخلاقية. فإنه على خلاف ذلك يدل الطريق القصير في استهداف الكائن البشري على الأنطولوجيا الأساسية التي أبدعها مارتن هيدجر وتمظهرت في ثوب تحليلية الدازاين بالعزوف عن استثمار نتائج واكتشافات العلوم الوضعية والصحيحة والإنسانية.

في هذا الصدد تثار الإشكاليات التالية:

ماذا يمكن أن يكون الإنسان في حياته اليومية؟ وأي وجود أصيل يمكنه بلوغه؟ وهل بقي أمرا معينا يمكن أن نذكره عنه في ظل نسيان الكينونة وطغيان النزعة العدمية؟ ما الفرق بين الوجود بصفة عامة والوجود الأصيل؟ وما الداعي إلى التمييز بين وجود الأشياء والوجود الإنساني؟ وما المقصود بالوجود الزائف؟ وكيف يمكن الارتقاء من الوجود الزائف إلى الوجود الحقيقي؟ وأين يتحقق الوجود الأصيل؟ هل في الوجود المكاني أم في الوجود الزماني؟ وماذا تضيف الزمانية إلى الدازاين؟ هل تبقى الدازاين على حالها أم يصيبها التغير والتحول؟ وماهي دوافع وضعيات القلق والجزع والعبث التي يتعرض لها وجود الإنسان؟ هل من دور للقلق في التعبير عن الوضع الإنساني؟ بأي معنى يمثل الموت البعد الأساسي للكينونة؟ وكيف للمرء أن يواجه الموت؟ ومتى يمكن الانتصار على التناهي؟ إلى أي مدى تمثل اللاّعصمة خاصية الإنسان؟ ماهو المعيار المحدد للطابع التاريخي للذات؟ وهل التاريخية هي ركام الأحداث المختلطة دون فاعلية من الكائن الإنساني؟ هل الإنسان هو نقطة التقاء بين الأحداث التاريخية أم هو ذات فعالة في صيرورة الأحداث تتدخل في صنعها؟ هل يصير الدازاين كائنا تاريخيا بالذوبان في الأحداث التاريخية المتتالية ؟ ماهي انعكاسات تدخل الماضي في البنية الزمانية للدازاين على مستقبلها ؟ ألا ينبغي أن نبحث عما يشكل الوجود الخاص للدازاين؟ إلى ماذا يقود التأويل الأنطولوجي للدازاين؟

يعبر هيدجر عن الوضعية العجيبة التي يمر بها الإنسان في الأزمنة الحديث باستثمار هذه المفارقة الفلسفية : "كلما نظم الإنسان بتصميم وإصرار مسيرته نحو التحكم بالطاقات الهائلة الضرورية لسد حاجاته إلى الأبد، كلما ضعفت قدرته على بناء إطار ماهو جوهري وضروري وعلى الاستكانة إليه."1[1]

يحاول مارتن هيدجر تحطيم التناول العلمي المموضع للإنسان والتعريف البديهي الموروث عن القدامى والذي يميزه عن بقية الكائنات بوصفه الحيوان العاقل وينقد فكرة الذات التي تزعم بأن حد الطبيعة البشرية يمكن إنارته وتوضيحه عن طريق أنثربولوجيا وضعية ذات منحى علمي وفي المقابل يلتزم بوصف فنومينولوجي لوجوده وينطلق من اندراجه في العالم ويقوم بتحليل أحواله وتجاربه وتتبعه في تجليه وتحجبه وفي إقباله وإدباره ويكشف عن فقر الإنسان بلا مقولات أساسية ودون ماهية وطبيعة ثابتة2[2]. في هذا الصدد بَيَّنَ هيدجر أن الدّازاين هو مفردة ألمانية تفيد الوجود بصفة عامة وفعل أن يكون الإنسان موجودا ولكنه منح الكائن الملقى في العالم الذي يتخذ طابعا زمانيا معنى محددا هو نمط وجود خاص بالإنسان وبرر ذلك بأن الأشياء موجودة ومستمرة وتختلف فيما بينها بينما الإنسان هو الوحيد الذي يمكن أن نقول عنه أنه كائن ويرتبط بوجوده من جهة نمط الفهم والإمكانية.

في الواقع أن يكون المرء لا يعني فقط أن يوجد مثلما توجد الأشياء التي تجهل وجودها ولا تعي ماهيتها بل يكون بالفعل ويتساءل عن معنى وجوده ويحول هذا السؤال عن وجوده إلى علاقة تكوينية مع ذاته. من هذا المنطلق لا تتطابق حقيقة الموجود البشري التي يتم الحصول عليها من خلال فهم ماذا يعني الوجود بالنسبة إلى الإنسان مع المعارف المجردة والجزئية التي تراكمها العلوم الوضعية.

على هذا النحو يعلن مارتن هيدجر انتمائه إلى المشروع الهوسرلي الناقد للعلم ويجري تحليلا للدازاين ولا يركز فيه على التصرفات الفردية وإنما يهتم بالبُنَى الأنطولوجية الكبري للوجود البشري وبعبارة أخرى يتناول الأبعاد الوجودية للإنسان. إن الخاصية الأولى التي تميز الوجود البشري هي الانفتاح على العالم وعلى كل الكائنات الأخرى طالما أن الوجود ليس ذاتا واعية ومتجردة وإنما هو الاندراج في العالم الآن وهنا واكتشاف المرء نفسه باعتباره كائن فريد وموجود متعلق بالمكان والزمان ومنتمي إلى عصر معين ومنغرس في التقاليد والتراث. بيد أن الوجود البشري يمتد باعتباره إسقاط لذاته خارج ذاته والتوجه نحو العالم وبالنظر إلى أن الوعي هو دائما وعي بشيء ما. بناء على ذلك تمثل القصدية حركة انفتاح على العالم ومحاولة للظفر بالمعنى . كما لا يشكل الوعي حالة مكتملة ومعطى أصليا بل تجربة ذهاب من الذات إلى العالم وإياب من العالم إلى الذات. كما لا يحصل الإنسان على وعي بذاته إلا من خلال إقامته لعلاقة مع العالم الذي يحيا فيه وعند لقائه بهذا العالم من خلال ذاتها عينها.

إن الإنسان يوجد معزولا بصورة اصطناعية في باطنية ذاتية ناتجة عن تفكير مجرد ولكي يلتقي بإنسانيته ويتصالح مع ذاته يكون ملزم على الخروج من ذاته والإلقاء بنفسه في العالم. هكذا يسحب هيدجر الستار عن فهم أصلي وأصيل للوجود البشري ويلغي التعريف الكلاسيكي العقلاني للذات ويقرر الكف عن تكوين تصور ماهوي عن وجودها الواعي بشكل مستمر وبصورة شفافة ومطابقة لذاتها وتحطيم ثنائية النفس والجسم والانقسام الميتافيزيقي بين المحسوس والمعقول وبين المادة والفكر. وبالتالي حلت تجربة الوجود في العالم مكان مفاهيم الحيوان العقلاني والكوجيتو والذات الحاضرة بشكل مجرد ودائم وموحد مع نفسها وتبين أن الإنهمامangoisse هو البنية العامة لوجوده وتقمص الوعي الوضعيات المعيشة والانفتاح وصار الإنسان مقذوفا به في العالم ومنفتحا على المستقبل الآتي ويوجد في شكل مشروع ذاتي.

اللافت للنظر أن الوجود البشري مرتبط دوما بالزمان ويتجلى في صورة مشروع إنساني قابل للتحقيق في المستقبل وبالتالي يأخذ الزمان أهمية جوهرية وبالتالي تشكل الزمانية المعنى الأصلي لوجود الدازاين ويشير معنى الدازاين الى الزمانية3[3]. بناء على ذلك لا تخضع الأنطولوجيا الأساسية الوضع البشري لفهم نظري مجرد ولا تطرح أسئلة علمية مكانية وإنما تتنزل ضمن فهم التجربة الزمانية للدازاين والديمومة الحية وتقوم بوصف صيرورة تشكل الذات ضمن الغيرية والاختلاف وتعطي الأولوية للمستقبل على الحاضر وتعتبر الزمان عبور للماضي للحاضر نحو المستقبل ولكن الماضي ما ينفك يمضي والمستقبل مازال لم يهل بعد والحاضر لم يقدر على الحضور وبالتالي هو مجرد همزة وصل بين ما انقضى دون رجعة وما قد يأتي.

غني عن البيان أن الوجود البشري موسوم بخاتم التناهي ويتجلى ذلك في الانهمام بالمستقبل في إطار الزمانية والوجود من أجل الموت بوصفه البعد المتناهي من الكينونة والتعامل مع ظاهرة الموت باعتبارها البعد الجوهري للوجود وليس الحد الخارجي للحياة . والآية على ذلك أن الإنسان لا يأتي إلى الحياة إلا والهرم قد دب به لكي يموت وكأن أول يوم يقضيه الإنسان في الحياة هو أول خطوات في اتجاه الموت. اللاّفت للنظر أن الانهمام sorge هو مفهوم متميز عند هيدجر لأنه يعبر عن تجربة خوف يعيشها الإنسان في مواجهته للتناهي والشعور بالضياع في العالم وانتفاء القيمة واصطدامه بالعدم وليس مجرد خوف من مخاطر واقعية تهدد الحياة الإنسانية بالانتفاء، كما يعبر الانهمام عن تجربة الوجود نحو الموت4[4].

والحق أن الإنسان لا يكتشف بنفسه نهاية الشأن الإنساني عند التقائه بتجربة الموت فقط وإنما يعبر عن بعده عن جوهر وجوده ولذا يمثل الموت الإمكانية الخاصة بشكل مطلق واليقين الذي لا يتجاوز ولا يمكن تحديده5[5].

بناء عل ذلك يتجلى الوجود الزائف للدازاين في مظاهر القلق والشعور بالغربة والتباعد والسقوط واللغو والالتباس والتوسط والتأثر الوجداني وهي مظاهر فردية رغم اندراجها ضمن مظاهر جماعية مثل الناس والشعب والحشد والحياة اليومية فإنه يمكن رفع هذا الوجود الزائف وإلغائه نحو الاهتمام المستبصر.

كما يتضح الوجود الحقيقي للدازاين في مظاهر الخوف والهُم on والانهمام والقلق والعدم والوجود في العالم وهي مظاهر تتجاوز وتتعالى على الوجود الزائف وتعبر عنها تجارب الوجود من أجل الموت والضمير والذنب والتصميم والتاريخية والزمانية والنداء والحضور والانعطاء .

غاية المراد أن وجود الدازاين هو نقطة انطلاق الأنطولوجيا الأساسية لاسيما وأن السؤال الأنطولوجي عن الوجود لن يطرح إلا إذا وجدت كائنات بشرية تحمل على عاتقها مهمة طرحه والتفكير حول الوجود وحراسته. هكذا يتبين أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي بإمكانية طرح سؤال الوجود وذلك لكونه الوحيد الذي يتضمن الإمكانية على طرح السؤال والتكلم مع العالم والإنصات إلى نداء الوجود واستدعاء المعاني. في هذا السياق يري هيدجر أن مسكن الوجود هو اللغة وأن الوجود يفكر فينا وبنا وذلك لأن الإنسان هو الموجود الأوحد الذي يبدو وكأن الوجود العام قد اصطفاه أو دعاه ليكون في مصيره نفسه ناطقا باسمه.   والحق" أن سؤال التماسك في الدازاين الذي يوجد في تشتت الظروف والفرص لا يطرح إلا في أفق اليومية الروتينية أي التاريخانية اللاأصلية وحتى يخرج الدازاين المتردد من التشتت يجب أن يخترع بعد فوات الأوان بدء موحدا"6[6].

ألا يتعلق الذهاب إلى الوجود عندئذ بحدوث البدء العائد أم بحدثان عائد في البدء؟ فهل تمثل اللحظة الريكورية البدء الجديد الذي حدث في أوانه؟ وما الذي تغير في تصور الوضع البشري عندما تم تبديل الطريق القصير بالطريق الطويل مع ريكور؟ كيف تتعامل فلسفة اللاّعصمة مع لاتناسب الذات مع ذاتها؟

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

.............

الهوامش والاحالات:

[1] هيدجر (مارتن)، مبدأ العلة، ترجمة نظير جاهل، بتصرف، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة ،2001، ص.37.

[2] Haar (Michel), Heidegger et l’essence de l’homme, éditions Jérôme Milon, Grenoble, 1990,pp112.122.

[3] Heidegger (Martin), Etre et temps, traduit par Vezin François, édition Gallimard, Paris, 1986.p391.

[4] Heidegger (Martin), Etre et temps, op.cit,p307.

[5] Heidegger (Martin), Etre et temps, op.cit,p315 .

[6] داستور (فرانسواز)، هيدجر والسؤال عن الزمان، ترجمة سامي أدهم، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1993.ص98.

 

المراجع والمصادر:

Heidegger (Martin), Etre et temps, traduit par Vezin François, édition Gallimard, Paris, 1986.

هيدجر (مارتن)، مبدأ العلة، ترجمة نظير جاهل، بتصرف، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة ،2001،

----

داستور (فرانسواز)، هيدجر والسؤال عن الزمان، ترجمة سامي أدهم، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1993.

Haar (Michel), Heidegger et l’essence de l’homme, éditions Jérôme Milon, Grenoble, 1990,

hasan ajmiتنقسم فلسفة المعرفة إلى مذاهب فكرية مختلفة ومتصارعة لا يُوحِّد بينها سوى مذهب السوبر حداثة الذي يؤكد على لا محددية المعرفة فيقبل أجناس المعرفة المتنوعة.

تبدأ فلسفة المعرفة بتحليل أفلاطون وهو التالي: المعرفة هي اعتقاد صادق مُبرهَن عليه. هذا يعني مثلا ً أننا نعرف أن الأرض تدور حول الشمس إذا وفقط إذا الأرض تدور حول الشمس، ونحن نعتقد ذلك ولدينا برهان أو براهين على صدق اعتقادنا هذا. لكن الفلسفة المعاصرة أظهرت فشل هذا التحليل التقليدي للمعرفة، واشتهر الفيلسوف غيتر بنقده. من الممكن تقديم هذا النقد على النحو التالي: لنتصوّر أننا ننظر إلى ساعة معينة ونرى أنها تشير إلى أن الوقت هو الواحدة ظهرا ً، ولنتصوّر أننا نملك برهاناً قوياً على صدق اعتقادنا بأن الوقت هو الواحدة ظهراً لأننا كنا نعتمد على تلك الساعة في معرفة الوقت وكانت تلك الساعة تشير دائماً إلى الوقت الصحيح، ولنتصوّر أن بالفعل الوقت هو الواحدة ظهراً. لكن الحقيقة هي أن تلك الساعة معطلة، وقد تعطلت البارحة حين كانت تشير إلى الواحدة ظهراً وأنها مجرد صدفة أننا اليوم نظرنا إلى تلك الساعة حين كان الوقت حقاً الواحدة ظهراً. الآن، بما أن تلك الساعة معطلة، إذن نحن لا نعرف أنها الواحدة ظهراً، فمجرد الصدفة جعلتنا ننظر إلى تلك الساعة حين الوقت كان حقاً الواحدة ظهراً وبالصدفة فقط توقفت البارحة تلك الساعة مشيرة إلى الواحدة ظهراً. على هذا الأساس لدينا اعتقاد صادق مُبرهَن عليه بأن الوقت هو الواحدة ظهراً، لكن ليس لدينا معرفة بأن الوقت هو الواحدة ظهراً، فالوقت هو الواحدة ظهراً ونعتقد بذلك ولدينا برهان على ذلك لكننا لا نعرف أنها الواحدة ظهراً لأننا اعتمدنا في تشكيل اعتقادنا على ساعة معطلة. هكذا يُظهر غيتر خطأ تحليل المعرفة على أنها اعتقاد صادق مُبرهَن عليه (John Pollock and Joseph Cruz : Contemporary Theories of Knowledge .1999. Rowman & Littlefield Publishers).

ثمة نظريات أخرى في المعرفة منها نظرية الانسجام التي تقول إن معتقدنا يشكّل معرفة متى انسجم مع معتقداتنا الأخرى كافة. هكذا يكون النظام الفكري الذي يشكّل معرفة هو النظام الحاوي على معتقدات منسجمة فيما بينها. لكن المشكلة الأساسية التي تواجه هذا المذهب كامنة في أنه من الممكن أن تنسجم معتقداتنا فيما بينها من دون أن تنجح في التعبير عن الواقع، وبذلك لا تشكّل معتقداتنا المنسجمة حينها معرفة حقة. فمثلا ً، نظرية أرسطو في تفسير الكون منسجمة لكنها لا تشكّل معرفة، علمياً الشجرة ليست شجرة بسبب اتخاذها صورة Form الشجرة على نقيض مما تقول نظرية أرسطو. ومشكلة أخرى تواجه هذا الموقف هي أن من الممكن وجود أنظمة فكرية مختلفة ومتعارضة فيما بينها رغم أن كل نظام منها منسجم ذاتياً. مثل ذلك أن نظرية النسبية لأينشتاين أفكارها منسجمة لكنها تعارض وتناقض نظرية ميكانيكا الكم المنسجمة الأفكار أيضاً. وبذلك يستحيل على ضوء الانسجام الفكري فقط أن نتمكن من الحكم على أية نظرية أو نظام فكري على أنه يشكّل معرفة حقاً دون نظام فكري آخر. ومن النظريات الأخرى التي طرحها الفلاسفة نظرية الأسس في المعرفة التي تقول بوجود بعض المعتقدات الأساسية التي لا تحتاج إلى برهنة لأنها بديهية، وعلى ضوء تلك المعتقدات البديهية تتم البرهنة على المعتقدات الأخرى ويتم تشكيل المعرفة. لكن المشكلة الأساسية التي تواجه هذا المذهب قائمة في أنه لا يوجد معيار على أساسه نتمكن من اختيار ما هو بديهي وأساسي من المعتقدات، فما هو بديهي بالنسبة لهذا الفرد قد لا يكون كذلك بالنسبة إلى فرد آخر

) Matthias Steup، John Turri، and Ernest Sosa ( Editors ): Contemporary Debates in Epistemology. Second Edition. 2013. Wiley-Blackwell (.

من مذاهب المعرفة أيضاً مذهب يدعي أن الاتفاق على قبول معتقد ما يجعله معرفة وعلى أساسه تتم البرهنة على المعتقدات الأخرى فنكتسب المعارف. ومشكلة هذا المذهب أنه لا يوجد ضامن يضمن أن مجرد اتفاقنا على معتقد معين يجعل هذا المعتقد معرفة حقة، فمن الممكن أن نتفق على ما هو كاذب بشكل دائم ومستمر. ولقد تطورت فلسفة المعرفة فنشأت النظرية السببية في المعرفة ومفادها التالي: معتقداتنا تشكّل معرفة متى كانت مُسبَّبة من قبل الوقائع في العالم. وهذا يعني أننا نعرف أن الأرض تدور حول الشمس إذا وفقط إذا كنا نعتقد بذلك، وفعلا ً الأرض تدور حول الشمس، ودورانها هذا هو سبب اعتقادنا بأنها تدور حول الشمس. هكذا نضمن ارتباط ما نعتقد بما هو في الواقع فنضمن المعرفة كما يزعم أصحاب هذه النظرية. لكن إحدى مشاكل هذه النظرية هي أنه لا يوجد ما يضمن أن العلاقات السببية تستلزم تحقيق المعرفة، فمن الممكن أن تكون العلاقة السببية بيننا وبين العالم مُسبِّبة لمعتقدات كاذبة عن العالم ولذا اكتسبت الانسانية معتقدات كثيرة خاطئة عبر تاريخها. والنظرية السببية في المعرفة تواجه مشكلة أساسية أخرى هي التالية : معادلات الرياضيات وعناصرها كالأعداد مجردة وبذلك لا قدرة سببية لها لكونها مجردة. من هنا بالنسبة إلى النظرية السببية في المعرفة يستحيل علينا معرفة الرياضيات بما أن النظرية السببية في المعرفة تستلزم وجود علاقات سببية بيننا وبين العالم لتحدث المعرفة لكن الرياضيات لا ترتبط بنا سببياً لكونها مجردة. وهذه النتيجة، ألا وهي أنه يستحيل علينا معرفة الرياضيات، هي في الحقيقة نقيض الواقع لأننا نعرف الرياضيات ومعادلاتها وعناصرها كالأعداد. من هنا تفشل النظرية السببية في المعرفة.

)Helen Beebee، Christopher Hitchcock، and Peter Menzies (Editors): The Oxford Handbook of Causation. 2010. Oxford University Press (.

لقد رأينا فشل النظريات السابقة في تحليل المعرفة. هذا يشير إلى أن المعرفة غير مُحدَّدة كما تقول السوبر حداثة ولذا فشلت النظريات المختلفة في تعريفها. بالنسبة إلى السوبر حداثة، المعرفة غير مُحدَّدة ما هي. وبذلك لا تسجننا السوبر حداثة في تحليل معين للمعرفة فتحررنا معرفياً. فبما أن المعرفة غير مُحدَّدة، إذن لا تغدو المعرفة مُحدَّدة سوى من خلالنا نحن بالذات. وبذلك تعتمد المعرفة علينا كي نكوِّنها فنمسي أسياد المعرفة بدلا ً من عبيد لها. فلو كانت المعرفة مُحدَّدة لتم سجننا في قيود معرفية مُحدَّدة مُسبَقاً فنصبح بذلك سجناء المعارف الماضوية. لكن السوبر حداثة تحررنا من خلال لا محددية المعرفة. من هنا، تنتصر السوبر حداثة على المذاهب الفلسفية الأخرى. لا قيمة لمعرفة تسجننا بل القيمة العليا كامنة في معارف تحررنا. فلا معرفة من دون حرية ولا حرية من دون معرفة. المعرفة حرية والحرية كامنة في لا محددية المعرفة.

بما أن السوبر حداثة تعتبر أن المعرفة غير مُحدَّدة، إذن من الممكن للمعرفة أن تكون معتقدات صادقة مُبرهَناً عليها منطقياً كما في الفلسفة وأن تكون معتقدات صادقة مُبرهَناً عليها اختبارياً ومنطقياً معاً كما في العلوم كعلوم الفيزياء والكيمياء. وبما أن المعرفة غير مُحدَّدة، إذن من الممكن للمعرفة أن تكون معتقدات صادقة مُبرهَناً عليها رياضياً كما في الرياضيات، ومن الممكن للمعرفة أن تكون معتقدات صادقة مُسبَّبة من قبل الحقائق والواقع كما في حياتنا اليومية وفي العلوم أيضاً. وبما أن المعرفة غير مُحدَّدة، إذن من الممكن لها أن تكون معتقدات أو قدرات مفيدة كمعرفتنا بكيفية ركوب الدراجة. هكذا تتمكن السوبر حداثة من التعبير عن أن المعارف السابقة هي فعلا ً معارف وأن المصادر السابقة كالعلم والفلسفة والرياضيات إلخ هي حقاً مصادر للمعرفة. وبذلك تكتسب السوبر حداثة فضائلها المعرفية فتكتسب مقبوليتها. وعلى هذا الأساس أيضاً تنجح السوبر حداثة في توحيد الأجناس المعرفية المختلفة. فكل الأنماط المعرفية السابقة تشكّل معارف حقيقية من جراء لا محددية المعرفة، وبذلك تتوحد تلك الأجناس المعرفية المتنوعة في كونها معارف حقة. فلو كانت المعرفة مُحدَّدة لتم سجننا في نمط أو نوع معرفي واحد دون سواه. من هنا، لا محددية المعرفة تضمن تجسدات المعرفة المتنوعة تماماً كما تضمن قبولها معاً.

تتصارع معارفنا بسبب اختلافها وتنوعها. فمثلا ً، نعرف من خلال البصر أن الكون يتكوّن من أشياء مادية مختلفة كالتراب والهواء والأشجار والزهور. لكن من منطلق العلوم التجريبية كالفيزياء نعرف أن العالم يتشكّل من ذرات وجُسيمات كالإلكترونات. أما من منظور علم الرياضيات فنعرف أن الكون بنيات رياضية وبفضل اختلاف البنيات الرياضية تختلف الظواهر الطبيعية. هكذا تختلف المعارف وتتنافس. لكن رغم صراع معارفنا، تتمكن السوبر حداثة من توحيد معارفنا المتصارعة فتحل أكبر خلاف فكري. السوبر حداثة توحِّد بين معارفنا المتعارضة حين تعتبرها كلها معارف مقبولة وصادقة. فبما أن، بالنسبة إلى السوبر حداثة، المعرفة غير مُحدَّدة، إذن من الطبيعي أن تتجلى المعرفة في معارف مختلفة ومتنوعة كمعرفتنا من خلال البصر ومعرفتنا من خلال العلوم التجريبية ومعرفتنا من خلال الرياضيات. وبذلك هذه المعارف المتنوعة تشكّل حقلا ً معرفياً واحداً لأنها مجرد تجسدات عدة للمعرفة. هكذا تنجح السوبر حداثة في توحيد المعارف بدلا ً من التعصب لنوع معرفي ضد نوع معرفي آخر. وفي هذا فضيلة كبرى للسوبر حداثة لأنها تحل إشكالية صراع المعارف.

تحررنا المعارف والحقائق غير المُحدَّدة لأنها تدعونا إلى البحث المستمر عنها من جراء لا محدديتها. المعرفة المحدَّدة معرفة ميتة. والحقيقة المُحدَّدة سجن لنا. كون مُحدَّد كون لا يدعونا إلى التفكير المستمر فيه. لذا كون مُحدَّد كون بلا استمرارية المعرفة. وكون بلا معرفة كون بلا حرية. وكون بلا حرية كون بلا وجود.

 

mutham aljanabiإن المقدمة العامة لفهم ماهية "الإسلام السياسي" تقوم أولا وقبل كل شيء في كونها ظاهرة تاريخية تتداخل فها مختلف إشكاليات الماضي والحاضر والمستقبل. أما بروزها بهيئة ظاهرة سياسية صرف، أي إرجاعها إلى فكرة "تسييس" الإسلام، فأنها تشير أولا وقبل كل شيء إلى أولية الأبعاد السياسية في الظاهرة الإسلامية الحالية، وليس حقيقتها كما هي. وهذا بدوره كان مرتبطا من الناحية الزمنية "بالثورة الإسلامية" في إيران، بوصفها الحدث السياسي الأكبر في صيرورة "الإسلام السياسي" الحديث. فقد استعادت هذه التسمية بعد حوالي قرن من الزمن ما سبق وان دعاه ماركس "بالثورة المحمدية" (الإسلامية)، ولكن في ظل ظروف جديدة وآفاق مستقبلية لم يكن بالإمكان النظر إليها آنذاك بوصفها حركة ذاتية تلقائية للعالم الإسلامي، أو أنها تحتوي بالضرورة على هذه البواعث بوصفها الأكثر جوهرية في مساره الذاتي. فقد كان الصراع العالمي بين القطبين على أشده. ومن ثم كان من الصعب تذوق هذه الثورة بلسان الشيوعية المتشددة والرأسمالية النفعية. من هنا التقائهما للمرة الأولى في الموقف من "الثورة الإسلامية" بشكل خاص. مع ما ترتب عليه من هموم كبيرة متنوعة الوسائل والغايات من اجل فهم هذا "المنافس الطارئ" على الصعيد العالمي، على الأقل بمعايير الأيديولوجيا والفكرة السياسية. وهو السبب الذي يفسر سرّ الانهماك الشديد بالإسلام بوصفه ظاهرة سياسية وأيديولوجية صرف.

فقد كانت "الثورة الإسلامية" في إيران احد المنعطفات الكبرى في تاريخ الإسلام الحديث. فمن الناحية الأيديولوجية كانت أشبه بالثورة الفرنسية ضمن سياق الفكرة الليبرالية (الغربية)، والثورة البلشفية ضمن سياق الفكرة الاشتراكية (الشرقية). بمعنى أنها مثلت احد النماذج الأيديولوجية الجديدة المنافسة للتقاليد "الغربية" و"الشرقية" في الثورة وعقائدها الكبرى. وفي هذا يكمن سبب الانشغال الكبير بادراك مقدماتها وغاياتها وإمكاناتها الذاتية وأثرها المحتمل. وعندها بدأت تظهر مختلف صيغ التعبير عن هذه الظاهرة الإسلامية الجديدة. لكن مصطلح "الإسلام السياسي" كان من بين أكثرها بروزا وانتشارا وإقناعا.

وفيما لو جرى تكثيف المعنى المتراكم في الدراسات المتنوعة والمختلفة عن ماهية وحدود "الإسلام السياسي"، فأنها لا تعدى في الأغلب إطلاقه على تيارات مختلفة بل ومتصارعة ومتناقضة، المشترك بينها هو نمو نشاطها السياسي المتحزب وأيديولوجيتها العملية. وبالتالي، فمن حيث طابعه الأيديولوجي يرمي "الإسلام السياسي" إلى غاية كبرى وهي "أسلمة" الفرد والجماعة والأمة في كافة الميادين والمجالات والمستويات، ومن حيث موقفه العقائدي الثقافي العام يرمي إلى مواجهة مشاريع "الغرب" ومناهضة نموذجه في كل شيء. ومن حيث طابعه العملي فانه يجمع بين مختلف الأشكال العملية والسياسية القديمة منها والحديثة.

فمن الناحية المجردة ليس في هذه الأوصاف العامة "للإسلام السياسي" شيئا ما غريبا أو مختلفا اختلافا نوعيا عما سبقه من تقاليد وأشكال سياسية لها وجودها الفاعل في العالم الإسلامي على امتداد القرن العشرين. غير أن "الثورة الإسلامية" في إيران قد جعلت منه كيانا بارزا متميزا وقائما بحد ذاته ليس فقط على النطاق الوطني والإقليمي والإسلامي، بل والعالمي أيضا، بوصفه قوة بديلة ومشروع خاص له صداه السابق ضمن ما يسمى بالعالم الثالث والطريق الثالث والقوة الثالثة، وما شابه ذلك. إلا أن الأحداث التاريخية اللاحقة قد كشفت عن أن هذه التسميات هي حصيلة "قطبية ثنائية" قابلة للانحلال والزوال. ومن ثم لم تكن أكثر من أوصاف أيديولوجية صرف. أو على الأقل أنها توصيفات سياسية عابرة تستجيب فقط للمغزى الجزئي القائم في مصطلح "الإسلام السياسي".

وبالمقابل جرى تحسس وإدراك "الثورة الإسلامية" بمختلف الأشكال والصيغ الوجدانية البهية من جانب أولئك الذين وجدوا فيها تجسيدا لمشروع كوني جديد ينفي تقاليد التبعية ويؤسس لأصالة ذاتية! ففي المقدمة المكتوبة لدستور الجمهورية الإسلامية (الإيرانية) نقرأ ما يلي:"إن هذا الدستور الجديد الذي وضع على أعتاب القرن الخامس عشر الهجري، هو استمرار لرسالة النبي محمد ونشاطه، باعتباره المؤسس الأول للحركات الإسلامية التحررية". وأن "الثورة الإسلامية" وضعت بداية عصر جديد هو عصر "تحرير المضطهدين والمستضعفين وهزيمة كل المستكبرين". ووجد البعض حقيقتها ومهمتها الكبرى في كونها أبرزت "أهمية الإسلام السياسي" الذي "تجلى بوضوح بعد الثورة الإسلامية العظمى، بعد أن قطع العالم الإسلامي تجاربه مع الأيديولوجيات الغربية المعاصرة". و"أن الثورة الإسلامية الكبرى في إيران شكلت المؤشر الحقيقي على يقظة المسلمين وظهور الإسلام، هذا المارد العملاق من القمقم"، وأنها "استنقاذ للإسلام في قلب الحركة الوطنية والتقدمية من محاولات احتوائه وتوظيفه الرجعي"، كما أنها "التعبير الفكري الشامل لرفض الأمة شعوبا ودولا إن تصبح ولاية لحروب صليبية جديدة"، و"الانقلاب الهائل الذي قدم الإسلام الثوري، الذي بمساعدته يمكن مجابهة الكولونيالية والصهيونية والرأسمالية والعنصرية وقوى الرجعية الداخلية، التي تشكل الخطر الأكبر للإسلام الحق". بل وجد فيها احد الشعراء الكبار الظاهرة التي جعلت "الإسلام يظهر الآن وكأنه وحده الحديث الثوري الباقي". وأنها في نهاية المطاف "انفجار عالم كان الغرب يعتقد انه استأنسه تمام وطوعه بكل مقوماته ليدور في فلكه".

وعموما يمكننا القول، بأن هذه التقييمات اقرب ما تكون إلى استعادة راديكالية لتقاليد راديكالية، وأنها رد فعل وجداني وغبط روحي أكثر مما هي أفكار مؤسسة بمعايير التجربة التاريخية الشاملة. وذلك لأنها ساهمت بوعي أو دون وعي على جعل "الإسلام السياسي" الصيغة الوحيدة والمطلقة للظاهرة الإسلامية. ومن ثم حولت "الإسلام السياسي" إلى نموذج متسام، وصيغة عملية، وأسلوب منهجي، ورؤية سياسية، وتاريخ روحي بقدر واحد. بحيث بدأ البحث عن جذوره الأولية في شخصية النبي محمد (تسييس النبوة وتاريخها العملي) وإعادة قراءته بمعايير سياسية ثقافية حية وحديثة محكومة بالواقع وإشكالاته. وقد كانت تلك خطوة حية، لكنها بالقدر ذاته خطرة، وذلك لأنها كانت أشبه بتلبيس لا تأسيس. وذلك لأنها حاصرت إشكاليات الوجود التاريخي للعالم الإسلامي وآفاقه المستقبلية بالفكرة القائلة، بان غاية "الإسلام السياسي" هي الوقوف ضد كل المبادئ غير الإسلامية، وتقديم المناعة الثقافية للمسلمين من خلال الحفاظ على "الكينونة الإسلامية الكاملة" في كل شيء! ومن ثم العمل على جعل الأمة الإسلامية طرفا جوهريا وفاعلا في العالم المعاصر من خلال بناء نظام إسلامي من طراز جديد، ونظام قيم، وحقوق، واقتصاد وتربية وما إلى ذلك.

فقد حفزت الثورة وأثارت ذكريات الماضي والذاكرة الحية، وأجبرتهما على الدوران في فلك الهياج المتسامي وقوة التعبير المبتهج في برزخ العصيان والتمرد الذي صنعه جبروت "الإسلام السياسي الجديد". الأمر الذي يمكن رؤيته في ذلك العدد الهائل من الشطحات الوجدانية الجميلة والفاقدة في الوقت نفسه لحصانة الرؤية التاريخية الذاتية، كما هو الحال على سبيل المثال في فكرة حسن حنفي عن القطيعة الشاملة مع الغرب، وتحرير الإسلام من الاستهلاك الرجعي وما شابه ذلك. وذلك لما فيها من طفح أيديولوجي. وذلك لان محاربة الاغتراب الظاهري هنا تحتوي في الواقع على اغتراب من نوع باطني يقوم في ثقل "الغرب ومشاريعه" في الفكر البديل والمقارنة. وكذلك الحال بالنسبة للاستعاضة الشاملة الظاهرية والباطنية للفكرة الأيديولوجية. وذلك لاستحالة القيام بذلك دون أن يجري بلورة الفكرة الفلسفية القادرة على إنتاج صيغ إيديولوجية وسيطة تجري ضمن سياق تطورها التلقائي والذاتي. مع ما يترتب عليه من تذليل شامل وقطيعة، أولا وقبل كل شيء مع تقاليد وبواعث الفكرة اللاهوتية نفسها. فهو الطريق الوحيد القادر على إرساء أسس أو تأسيس منظومة مرجعيات معقولة ومقبولة في العالم الإسلامي. وهذه بدورها صيرورة تاريخية تفترض الارتقاء في مدارجها صوب التذليل التام للرؤية اللاهوتية الصرف وتقاليدها السنية الحنبلية في الموقف من الإسلام، باعتباره صيرورة تاريخية ثقافية ودينية وليس كيانا عقائديا ثابتا. بينما تستحيل هذه الفكرة ضمن سياق الرؤية الحنبلية السلفية المتشددة وتقاليدها القديمة والحديثة (والسائدة في التقاليد السنية الحالية). وبدون ذلك تبقى مهمة إلغاء العقل والضمير الإنساني الحر القربان الدائم لإثبات قدسية الشعائر الثقيلة بوصفها حقيقة الإسلام والإيمان، مع ما يترتب عليه من توسيع وتشدد فاعلية البنية التقليدية وتقاليدها الاستبدادية التي حولت كل ما في الإسلام وتاريخه الثقافي إلى طعم مثير في مصيدة خبيثة. وقد يكون صعود المراكز "الإسلامية" المتجسدة في مختلف "مؤسسات" الوهابية السعودية وإسلام البترودولار والوهابيات المحدثة، احد أشكالها ونماذجها الجلية.

أما من الناحية النظرية المجردة، فيمكننا العثور على مفاهيم وأحكام شبيهة عند اغلب مفكري وأيديولوجي الإسلام في العصر الحديث مثل الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، والمودودي، وحسن البنا، وسيد قطب وغيرهم. فقد أسس الأفغاني لفكرة الجامعة الإسلامية بوصفها أسلوب للتحرر من السيطرة الكولونيالية، ومن ثم منهجا خاصا للبناء الثقافي والعلمي والسياسي المستقل للعالم الإسلامي. وسار محمد عبده ضمن نفس السياق ولكن من خلال التركيز على أولوية وجوهرية الإصلاح العلمي والتربوي والثقافي. بينما رجع رشيد رضا إلى فكرة الخلافة الأولية بوصفها حلا يستقيم مع حقيقة الإسلام في مجال البناء السياسي للدولة. أما حسن البنا فقد أسس لفكرة الدورة الأبدية، التي تجعل من المحتوم رجوع ما اسماه بقيادة المسلمين للعالم، بوصفها دورة التاريخ القادمة. ومن ثم فان المهمة العملية تقوم في تحضير الجماعة المسلمة المتكاملة بذاتها من اجل إرساء أسس الدولة الإسلامية الحقيقية. وقد كانت آراء المودودي تجميعا وتوليفا حادا لمختلف أفكار الإصلاحية والتشدد السياسي العملي الداعي لتوحيد المسلمين في قوة مستقلة عبر الاستناد التام والشامل لأصول الإسلام ومبادئه وقيمه. بينما بلور سيد قطب فكرة الحاكمية الإلهية الإسلامية عبر جعل الإسلام في أصوله الكبرى (القرآن الحديث) مصدر البناء الإسلامي في كل شي، واعتبار ما عداه جاهلية قديمة أو محدثة.

فقد بدت الثورة الإسلامية في إيران للوهلة الأولى كما لو أنها الصيغة الفعلية لتجسيد وتحقيق المفاهيم والقيم والآفاق الكامنة في الأفكار السياسية الإسلامية المتبلورة في غضون عقود مديدة من القرن العشرين. الأمر الذي جعل منها بؤرة إشعاع هائلة بالنسبة للمزاج والوجدان الإسلامي العادي والنظري على السواء. ومن ثم محاولة جعل إيران مركز الاستقطاب الإسلامي العالمي في مواجهة "الاستكبار العالمي" (المعسكر الشرقي والغربي)، مع ما لازمه من إغراء لتصدير الثورة. ولم يكن هذا الإغراء معزولا عن الخاصية الجديدة للثورة في إيران. فقد كانت "إسلامية" من حيث الطابع والأسلوب والقادة والشعار والرؤية والهيمنة الأيديولوجية. الأمر الذي جعل منها ثورة من طراز خاص، حاولت أن تجعل منه نموذجا جديدا للعالم الإسلامي. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنها كانت ثورة بقدر واحد على تقاليد الإسلام السياسية القديمة الغارقة في بحبوحة الارتزاق والخنوع والاستبداد، سواء بتيارها السني أو الشيعي. بمعنى أنها كان تمثل نوع جديد من الخروج على تقاليد الإسلام القديمة سواء بمظهرها السني (الحنبلي بشكل خاص) والشيعي (الإثني عشري - الإمامي بشكل خاص) وبالأخص ما يتعلق منها بفكرة "ولاية الفقيه". فقد كانت تلك من حيث مكنونها الداخلي والذاتي الصيغة الإسلامية الصرف لفكرة ولاية الفيلسوف (الإغريقية). وهذا بدوره لم يكن معزولا أيضا عن نفسية وذهنية التمرد والثورة المميزة لتقاليد التشيع العريقة المشبعة بالتفلسف العقلي والعرفان الصوفي والنزعة الإنسانية.

وقد كمنت في هذه الحالة أيضا احد أسباب الصعود اللاحق للفكرة الطائفية أو الصراع المذهبي في العالم الإسلامي بشكل وعام والعربي بشكل خاص. بمعنى انه يمثل حالة بقاء وفاعلية الوعي اللاهوتي، وفي الوقت نفسه يمثل حالة الانتقال منه إلى الوعي السياسي. الأمر الذي نعثر عليه في صعود نمط "الطائفية السياسية" وليست الاجتماعية أو المذهبية أو العقائدية. وبما أن التشيع الحديث، بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران كان يمثل ويتمثل تقاليد الرفض للاستبداد والدعوة للحرية من هنا يمكن رؤية الصعود المتنامي لفكرة التسنن "المجاهد" بوصفها نفيا للحرية ودعوة للاحتراب الداخلي وانتهاج بدائي ومستميت لإثارة اشد الأشكال غير العقلانية والهمجية في الوعي الفردي والجماعي. وهو أمر جلي على خليفة العلاقة السياسية بين ممالك وإمارات الخليج "السنية" قبل الثورة وبعدها. فقد كانت علاقتها بالشاهنشاهية علاقة ودية وتحالف، مع أن نظام الشاه كان يمثل الصيغة الأكثر عدائية للعالم الإسلامي والعربي بشكل خاص. فقد كان النظام الشاهنشاهي الإيراني نموذجا "للمجوسية" و"العنصرية الفارسية" والحليف الأكبر للقوى الكولونيالية والصهيونية في المنطقة. بينما تحولت إيران بعد الثورة الإسلامية، المناهضة والنافية لكل خطايا الشاهنشاهية، إلى العدو "المجوسي" و"الصفوي" الأكبر! الأمر الذي يشير إلى حقيقة العلاقة بين التسنن التقليدي وتقاليد الاستبداد والعبودية. بمعنى انه يشير أولا وقبل كل شيء إلى بقاء تقاليد الماضي في ظل مرحلة تتسم بديناميكية قوية للانتقال من مرحلة اللاهوت الديني البليد إلى مرحلة اللاهوت السياسي الفعال. وفيها ومن خلالها تنعكس تقاليد السلطة المستبدة وتقاليد المعارضة والرفض الميزة في تاريخ الإسلام بمختلف أشكالها وحركاتها.

وإذا كان انتصار الإسلام في إيران مقرونا بالتشيع، فلأنه بقي القوة الأكثر تماسكا واستمرار من غيره في تمثل تقاليد الرفض وفكرة الحرية بمعاييرها اللاهوتية والسياسية. فإذا كانت حركات التسنن من حيث الجوهر تتمثل وتمثل تقاليد الاستبداد والاستعباد للسلطة أيا كان شكلها ومزاجها، فان الأمر يختلف بالنسبة للتشيع الذي ربط فكرة المثال بفكرة المقدس وبإمامة الروح لا الجسد. الأمر الذي جعله على الدوام يقف بين ملك السلطة وزمنها وبين ملكوت الروح وتاريخ جبروته الباحث عن بدائل مثلى. وقد حّيد ذلك واضعف إمكانية المرونة العملية في التشيع من جهة، لكنه أبقى على جذوة المواجهة ضد السلطة بوصفها مرجعية يصعب تذليلها في ظل الاستبداد والاستعباد، من جهة أخرى. من هنا محاولات حصر معنى ومضمون الثورة الإسلامية في إيران بألقاب "الروافض" و"الصفوية" و"التشيع" من اجل إثارة الحماسة الغبية حول تسنن بدوي همجي لا علاقة جوهرية تربطه بالإسلام بغير الاسم والرسم. ومن ثم سحق الفكرة الإسلامية، بما في ذلك السياسية منها بين رحى التحريف المتعمد لوقائع الماضي والحاضر، والتخريف المتمرد على ابسط مظاهر الحق والحقيقة.

إننا نعثر في هذه الحالة على مفارقة مرهقة للعقل الحر والضمير الحي في عصر "ما بعد الحداثة"، لكنها تعكس المسار الواعي لمرحلة الانتقال المتأخرة نسبيا في العالم الإسلامي من حالة الوعي الديني اللاهوتي إلى الوعي الديني السياسي. من هنا تلازم الإثارة المذهبية والطائفية السياسية بوصفه السور الأخير الذي يمكن أن تتحصن وراءه قوى الاستبداد وتقاليد الاستعباد وبقايا التصحر الثقافي والروحي وقواه البدوية في ممالك وإمارات الخليج وامتداده الاجتماعي والثقافي في المشرق العربي. من هنا محاولاته تأسيس الثنائية العدائية بين التشيع والتسنن من خلال إرجاع الإسلام إلى كتلة همجية لا تتعدى في أفضل نماذجها حدود السلفية الحنبلية، أي اشد الأشكال تخلفا وبدائية للفكرة الإسلامية. ومن ثم محاولات جعل هذا الصراع محور الإسلام وبداية ونهاية الوجود العربي والإسلامي! ولعل مفارقة هذا السلوك البليد تقوم في محاولته تفريغ مسالك العقل النقدي من تاريخ الروح والجسد الثقافي، أي كل ما ينبغي له أن يذلل، مرة واحدة إلى الأبد، بقايا هذا الخلاف عبر نقل الوجود العربي والإسلامي من محور الصراع المذهبي، بوصفه أسلوبا للإبقاء على البنية التقليدية وتقاليد الاستبداد والاستعباد، إلى عالم الحرية والمواطنة، أي إلى عالم نوعي آخر يذلل قدرة الربع الخالي على رمي رماله إلى مدنية المستقبل العربي ودنيوية العالم الإسلامي. وذلك لان صعود المركز السني التقليدي الحنبلي الوهابي هو الوجه الآخر لبقايا البنية التقليدية المتهالكة من حيث بنيتها الذاتية والخشنة من حيث إمكانياتها المالية. ومن ثم هي مسخ جذاب لأمثاله. وبالتالي، فهو أمر عرضي وطارئ في ديناميكية العالم المعاصر ومرحلة الانتقال التاريخية الكبرى التي يمر بها العالم الإسلامي صوب المرحلة السياسية الاقتصادية.

بعبارة أخرى، إن قوة الإسلام السني الحنبلي الوهابي من قوة الرشوة المالية. ومن ثم فانه خال من الروح الثقافي والنزعة الإنسانية والقيم الاجتماعية والروح المدنية. انه مجرد ممول مباشر وغير مباشر لسلفيات متشددة، بوصفها الصيغة غير الواعية لازمة الإسلام السني التقليدي. كما أنها تعكس عموما أزمة اليسار الدنيوي والتيار القومي بمختلف مشاربه، التي لازمت حالة الخروج على منطق التطور الطبيعي للتاريخ الفعلي للأمم (القومية) والدولة الحديثة. غير أن صيغته الظاهرية والمباشرة الحالية القائمة في إثارة الصراع الطائفي والمذهبي بين التشيع والتسنن لم تعد مذهبية صرف كما كان فيما مضى، كما هو جلي في افتقاده التام للجدل النظري. لقد تحول إلى خلاف عملي اقرب إلى المؤامرة والمغامرة والمقامرة من جانب الحنبلية الوهابية المحدثة. ومن خلالها برزت تقاليد الماضي بوصفها خلافا حادا في الرؤية تجاه اغلب إشكاليات الوجود المتعلقة بالدولة والنظام السياسي والمجتمع والحقوق والقيم. وإذا كانت خاتمة التيارات السنية الحنبلية الوهابية تتراكم في كمية العداء والاستعداء على العقل والضمير القومي والمصالح الكبرى والرؤية المستقبلية للحرية والمواطنة وفكرة الحق والحقوق، فلأنها كانت على الدوام تمثل هامشية الروح والجسد الثقافي. فقد كانت التقاليد الحنبلية على الدوام القوة الوحيدة الكبرى والشرسة في عدائها للعقل والعقلانية والنزعة الإنسانية والفلسفة والعلوم، على عكس ما هو مميز لتقاليد التشيع.

وضمن هذا السياق يمكن فهم طبيعة "الثورة الإسلامية" وأثرها اللاحق بالنسبة لبروز "الإسلام السياسي" بهيئة تيار مستقل بذاته استحوذ على كامل الكينونة الإسلامية المعاصرة. والسبب يكمن في أن الثورة الإسلامية في إيران أبرزت الملامح الأولية الكبرى لمرحلة الانتقال من الوعي اللاهوتي الديني إلى الوعي الديني السياسي، أي من الوعي اللاهوتي الإسلامي إلى الوعي الإسلامي السياسي.

 

ا. د. ميثم الجنابي

مفكر وباحث

raheem alsaidiكلاهما يوصف بالاستبطان والهدوء ومحاولة المعرفة والغموض، وكلاهما نهم بحب الاكتشاف واعتقاده باهميته بل وايمانه بنرجسيته العليا، فالانا في الفلسفة وفي الجانب المخابراتي تبرز بشكل عاقل وواثق، لقد لفت انتباهي فوكو وهو يحاول جومسكي في مقابلة جمعتها، كان يستبدل جلسته باستمرار، ويتصنع حركات قلقة بالرغم من انها عاقلة جميله اما جومسكي الذي بقي ثابتا لم يتحرك كثيرا وكلاهما كان فكرا كبيرا، فالانا الفلسفية عاقلة وهكذا الاستخبارية.

وهنا لا اريد التحدث عن نظرية المؤامرة التي يدسها منتقدوا الكثيرمن الفلاسفة ومنهم اركون وغيره لمنهجه في الانسنيات، والقاضي بان منهجه (المنسوخ من الفكر الفرنسي) محاولة لضرب الثوابت الاسلامية، فهو(وفق رايهم) منهج يحاول تدجين وتفكيك المبادئ فهو يعمد على تحويل النص الى مدونة، كما يتبنى ذلك ابو زيد، ومع اني لا استبعد هذه الافكار تماما الا ان الحديث عن هذه النقطة غير مجد تماما

وقد لا استبعد مثلا استفادة بعض المفكرين من الجهد الاستخباري او التقارير التي تابعوها سيما في الحرب لمعرفة الكثير من الافكار والاحداث فالمفكر توينبي بردة الفعل والتحدي والاستجابة التي استلهمها من الفيلسوف وعالم علم النفس يونغ كان يطلع على التقارير التي تدون في الحرب ومع عمله في الخارجية وفي دائرة المخابرات حصرا اطلع على الاحداث ونظر الى افكار ربما تبدو موجهة نحو هدف يخدم الدولة التي يعمل لاجلها وهكذا كان شبنكلر الذي كان يعيش في المحيط الالماني وكتب حول الحضارة وتبدلها او المانيا وخصائصها (ناقدا او موافقا) ويمكنني القول – وهذه ليست بالفتوى – ان مجمل فلاسفة التاريخ كانوا يعملون وفق خطط رسموها او اختمرت لمساندة الافكار التي يؤمنون بها ونصرة معتقدهم او وطنهم او صنعوا افكارا موجهة نحو غايات مرسومة، ولا يبتعد عن هذه الاسطر ذكر هنكنكتون او فوكوياما الذان نظرا لسقوط الحضارة ووجها عملا ربما لم يكن يعرفة الساسة، وكلها (افكارا وفلاسفة) تعتبر عاملا توجيهيا نحو اهداف مرسومة وتتصل بالجانب الاستراتيجي اكثر من اتصالها بالفلسفة ولكنها اخذت طريق الفلسفة لانها افكار تتسم بالخصوبة والمغايرة وهي محفزة او محركة او مسقفزة لافكار اخرى

والفلسفة او الفكر احيانا كان عاملا مهما في هيجان او خدمة الطغات، واتذكر في العراق ان ناظم كزار مثلا اعتمد على الافكار النفسية لبعض الخبراء الالمان (المانيا تبدو في كثير من الاحيان بلا مشاعر فهي محض عقل وواجب والة) لانتزاع اعترافات السجناء العراقيين (السياسين منهم)، وهذه االقاعدة طبقت بشكل واسع ومهم في الحروب الحديثة، فالمفكر في خدمة الحرب احيانا وفي حاشية الطاغية غالبا، ولايعني هذا ان لا صلة لهذه القضية في التاريخ، كما انني لا اريد اتهام ارسطو والفاربي وغيرهم بالتقرب من السلطان والعمل ضمن المنظومة الاستخبارية التي تذلل العقبات للسلطان، فان هذا الموضوع يحتاج معرفة، ما هو حجم استفاده الاسكندر او سيف الدولة من هذين الفيلسوفين على المستوى السياسي وما الذي امكن تطبيقة في الدولة من الافكار .

ولا يمكننا مثلا اعتبار يوسف (ع)عميلا استخباريا للفرعون او مفكرا ضمن حاشيته، لمجرد انه قدم له حلا منهجيا لازمة انسانية بل وعالمية كبيرة، بمنهج يوصف بـ (التنبؤي، الافتراضي، المستقبلي) وهو الامر الذي يذكره باشلار باعجاب في كتابه الماء والاحلام، ولكن يجب الاشارة الى فهمين في هذا الموضوع الاول هو الاستفادة المباشرة والموجهة والمخطط لها ولو بشكل يبتعد عن التفصيل عن الافكار الفلسفية وغيرها من الفكرية والاستراتيجية والدراسات المستقبلية في دعم الدول التي تتنبنى هذه الافكار والفلاسفة والجانب الثاني هو اللامباشر ويخص استفادة الدول المستبدة وغير المستبدة من افكار الفلاسفة والمفكرين بطريقة لا مباشرة

ويمكننا استعراض مجموعة من الاسئلة تخص قضية الفلسفة والمخابرات، وهي تحاول معرفة الاواصر والمتقاطعات والمتقاربات من الافكار، فالحديث في هذا الجانب يعني السؤال عن مديات قرب الفلسفة من الدولة، وهو موضوع مهم عند القول بموضوعين مختلفين وليس عن ذات موضوع (ليس عن امومة الفلسفة للدولة، بل عن علاقة متضادة بين الدولة والفلسفة) اقصد عن تبعية الدولة للفلسفة وتبعية فروع الفلسفة للدولة وايهما انتصر (وكانها علاقة بين السيد والعبد)، فالفلسفة صنعت الدولة ثم الدولة اصبحت السيدة الاولى وشغلت الفلسفة ضمن دوائرها، وهذا جانب مهم يجب ان يبحثه طلبة العلم لاعادة انتاج وتكرير الفكر .

ايضا السؤال عن دور فلسفة التاريخ بل والاجتماع في القضية الاستخبارية على مر التاريخ، فما يدهشني ان احدا لم يكتب فلسفة عن الرحالة ودورهم، نعم كتبوا حول الاستشراق ولكن الرحالة لهم الدور الخطير بهجرة الافكار وطلب المعرفة او الدور المخابراتي على مر التاريخ، ولا اتهم الجميع هنا ولكن قد اتهم البعض منهم، فما يدهشك ان يكون توجه الفلسفة الغربية المعاصرة او الجانب السسيولوجي منها موجه نحو المجتمع، وحتى العسكر الغربي كان يفكر بطريقة استخباراتية فهناك تقارير قراتها لاحد الضباط البريطانيين في دول الخليج، دَوَنَ فيها الاسماك في الخليج وعندما يصل الى قضية سمك القرش يقول ان الشيعي لا ياكله بينما السني ياكله ويستخدم زعانفه كمقو جنسي، هذه المعلومة وغيرها انما هي نتاج جزئي لمفكر جزئي ويمكن القياس على الافكار الكبير التي تقوم بتحويل التاريخ وفق مسارات تتبناها الدولة للسيطرة وتطويع الافكار .

اعتقد بان مؤسسسة راند للدراسات اليوم والتي تفتح فرعا وحيدا للعرب في قطر تستثمر التخطيط طويل وقصير المدى وتستثمر الجانب الاستراتيجي لصياغة الافكار التي اقل ما يمكن القول عنها انه جهد استراتيجي استخبارتي فكري بامتياز، ومن المؤلم القول ان الفلسفة يمكن لها ان تكون موضوعا وتابعا للدولة اوافكار الدولة .

 

zouhair khouildiاستهلال: لا ينطلق المنهج الإيتيقي من التعاليم التي يقدمها العقل وإنما هو الذي يعاين موضوعيا العوامل الطبيعية الضرورية المحددة لحياة الوجدان ويستنبط من "طبيعة الإنسان المألوفة أي من الوضع الإنساني عموما"1[1] ويدرك المجتمع كعلاقات قوى ويهدي الجميع إلى العيش في وئام مع بعضهم البعض ومع نظام الكون.

إيتيقا ليفيناس هي اختبار حاسم تجريه الفلسفة ضد أنانية الفرد وذلك بالتساؤل عن عفوية الأنا ومجهوده في المحافظة على وجوده في ظل حضور الغير والتحلي بالمسؤولية اللاّمتناهية تجاهه دون تحفظ أو احتراز. اذ لا يمكن تعويض وجهة نظر الأنا المنخرط في التجربة المعيشة والكف عن النظر إلى الأخلاق بوصفها بلورة قواعد للحياة الجيدة وفق الخير الأسمى أو وفق مبدأ الواجب وإعادة تعريفها باعتبارها تحمل الذات مسؤوليته تجاه الغير والانفتاح على ماوراء الماهية والإقرار بالوجود المختلف2[2].

لكن أي منزلة يحتلها الكائن البشري في الوجود؟ وماهي الفضائل التي يجب أن يكتسبها الإنسان في الحياة ؟ وما نصيبه من مطلب السعادة ومن قيمة الخير؟ ولماذا يفترض الناس أن جميع الأشياء الطبيعية تتصرف مثلهم من أجل غاية؟ وكيف تتولد الأحكام المسبقة المتعلقة بالخير والشر وبالاستحقاق والخطئية وبالثناء والتوبيخ بالنظام والفوضى وبالجمال والقبح عن حكم خاطئ هو العلة الغائية ؟ لكن ماذا لو كانت الغاية الحقيقية من الفعل الإرادي هو الرغبة في الحصول على الشيء النافع وتجنب حصول الشيء الضار؟3[3]

من بالضبط يقوم بتحديد الهوية الإنسانية؟ هل هو الانتماء أم الظهور؟ هل هو الجسد أم الوجه؟ بماذا تتصف علاقة وجه لوجه مع الآخر؟ ما الفرق بين الغير والآخر؟ من هو الغير؟ ما المقصود بالغيرية الجذرية؟ وكيف تتحمل الذات المسؤولية الإيتيقية تجاه الغير؟ وهل تنعم للذات بالسعادة مع الغير؟

 

1- البحث الايتيقي عند سبينوزا:

لقد ذكر جيل دولوز في كتابه " سبينوزا، فلسفة عملية "4[4] أن العمل التحديدي الذي قام به سبينوزا للكائن البشري هو تحديدا جغرافيا هندسيا يتمثل في رسم خارطة للإنسان على خطوط الطول والعرض بحيث يكون خط الطول هو علاقات السرعة والتمهل والحركة والسكون ويمثل خط العرض مجموع الانفعالات.

وبالتالي لم يحدد سبينوزا الإنسان عبر شكله وأعضائه ووظائفها ولم يصفه بالجوهر أو الذات الفاعلة وإنما حالات قوة ما انفكت تتحول وتتعدل وتتشكل وتتألف عبر الأفراد والمجموعات تظهر تارة في قدرة تلقي الانفعالات وطورا في قوة القرار في الوجود وقد تم التعبير عنه بالكوناتوس Conatus أو رغبة البقاء.

الله هو الجوهر الوحيد بينما بقية الكائنات فهي مجرد مخلوقات وصفات وأحوال تعبر عن الجوهر.

في هذا السياق يصرح سبينوزا في القضية العاشرة من الجزء الثاني من كتابه العمدة "علم الأخلاق" ما يلي: "لا ينتمي كيان الجوهر إلى ماهية الإنسان، وبعبارة أخرى ليس الجوهر ما يؤلف صورة الإنسان"5[5].

و بالتالي يفصل بين الماهيةessentia والجوهر substantia ." الجوهر ما يوجد في ذاته ويتصور بذاته"6[6] أما " ما ينتمي إلى ماهية شيء من الأشياء هو ذلك الذي ، إن وجد، وجد الشيء وان بطل ، بطل الشيء"7[7]. ويبرهن على أن ماهية الإنسان هي شيء موجود في الله طالما أن الله هو العلة الوحيدة لجميع الأشياء وبالنظر إلى أن كل الكائنات لا يمكنها أن توجد أو تتصور دون الله وهي تتألف من تحولات معينة لصفات الله بل إنها عرض أو حال يعبر عن طبيعة الله الأزلية واللاّمتناهية بطريقة معينة ومحددة.

زد على ذلك يميز سبينوزا بين الجوهر و الصفة والحال. من الواجب ومن طبيعته أن يوجد كل جوهر في ذاته ويتصور بذاته، فهو متقدم بالطبع على أعراضه ولامتناه بالضرورة ولا يمكن أن ينتج عن جوهر آخر يكون موجودا، أما "الصفة فهي ما يدركه الذهن في الجوهر مقوما لماهيته" في حين أن "الحال هو ما يطرأ على الجوهر، وبعبارة أخرى ما يكون قائما في شيء غير ذاته ويتصور بشيء غير ذاته"8[8].

غير أن العمل الفلسفي الحاسم الذي قام به سبينوزا هو توحيد تصور الإنسان لنفسه وللكون والقضاء على الثنائية الديكارتية التي فصلت بين الفكر والامتداد وبين عالم الأشكال الهندسية والأرقام والعالم العضوي. إذ لم يعد الإنسان ثنائية نفس وجسم بل صار شيئا واحدا إذا نظرنا إليه من جهة الامتداد يكون جسدا وإذا نظرنا إليها من جهة الفكر يكون نفسا. كما بين سبينوزا مستطاع الجسم وأوضح أنه يقدر على فعل أمورا كثيرة للإنسان أكثر إذهالا من أفعال النفس بل تمثل النفس فكرة شيء جزئي موجود بالفعل هو الجسم. بأي معنى يشكل الإنسان نمطا متناهيا من الجوهر الإلهي؟ فيم تتمثل خصائص الفردية البشرية؟

يبذل الإنسان جهدا كبيرا للمحافظة على وجوده وبقدر ما يكون الكوناتوس مقتدرا يكون الإنسان مستقلا ومطابقا مع ذاته وبالتالي يمثل الكوناتوس الرغبة الصلبة في الدوام أي الماهية الخاصة بالكائن البشري.

الطبيعة البشرية في نظام الأشياء ينبغي أن تكون مطابقة لهوية الإنسان في نظام الأفكار ولكن الوقوع في الخطأ أمر جائز نتيجة الاعتقاد في حرية الاختيار والعلة الغائية وإتباع الشهوات واضطراب الانفعالات.

"إنهم يبلغون قمة الحكمة بإسداء شتى أنواع المديح لطبيعة إنسانية لا وجود لها إطلاقا وباستهجان الطبيعة الإنسانية الموجودة حقا ، وفعلا، فإنهم لا ينظرون إلى البشر على حقيقتهم، وإنما على نحو ما يرغبون"9[9]. غير أن التحدي الكبير الذي فرض نفسه على سبينوزا في المجال الأخلاقي وحاول معالجته هو التالي: كيف يمكن بناء إيتيقا خالية من التصور المشترك عن حرية الاختيار ومستندة على فكرة الكوناتوس؟

والحق أن جهل الناس للعلل الحقيقية لفعلهم وعجزهم عن التعبير عن الطبيعة الخاصة بهم سببه الوقوع في ذم الأهواء وهجاء الرغبة والسخرية من الجسد والسخرية من الغرائز واللوم من النسيان ولعن الأخطاء والانصياع إلى الخوف والإعراض عن صوت العقل ومحك التجربة والتظاهر بالعفة والطهارة والفضيلة.

"فليس من شك إذن – وقد برهنا على ذلك في علم الأخلاق- أن الناس يرزحون بالضرورة تحت الانفعالات وأنهم على هيئة تجعلهم يشفقون على الأشقياء ويحسدون السعداء وأنهم أميل إلى الثأر منهم إلى الرحمة والغفران وأن كل امرئ ، علاوة على ذلك، يرغب في أن يعيش الآخرون وفقا لطبعه الخاص"10[10]

في الواقع يتراوح الوضع الإيتيقي للكائن البشري بين العقل والأهواء وبين التأثير والتأثر وبين الفعل والانفعال بين السبب والنتيجة وبين الفرح والحزن والفرق بين القطبين في المرتبة وليس في الطبيعة.

لا يدعي سبينوزا إلى تفوق الروح على الغرائز وسيطرة العقل على الجسد وإنما إلى صحة جيدة للاثنين وتأسيس مشتركة هوية بينهما وذلك بالزيادة في الاقتدار والرفع من اشتهاء الوجود وطاقة قابلية الاكتمال.

لا يحقق الإنسان قدرا معلوما من السعادة إلا بتغليب الانفعالات الايجابية المثبتة على الانفعالات السلبية المعدمة وإدراك الفرح واللذة والرضا والمحبة وطرد الحزن والشقاء والقلق والكره والعيش وفق ما يأمره به العقل وفي تناغم مع نفسه ومع نظام الكون، إذ" نحن بالأساس مخلوقات متقمصة وراغبة ومكافحة"11[11]

يمكن عند سبينوزا إحلال الحرية مكان العبودية والانتقال من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية وذلك بالنظر إلى الإنسان الحر على أنه الكائن العقلاني الذي ينتمي إلى المدينة ويحترم القرارات القانونية الجماعية ويسعى إلى الخير ويتفادى الشر ويتحلى بالفضيلة ويبتعد عن الرذيلة ويغمره الفرح والمحبة والرجاء. غير أن السعادة التامة لا ترتبط بالبقاء بل بحسن البقاء وليس الحياة العادية بل الحياة الجيدة وتقتضي تحصيل الدرجة الثالثة من المعرفة والخلاص وبلوغ الأبدية عن طريق الارتقاء إلى الغبطة والطمأنينة.

لكن كيف ساهم عمونيال ليفناس في تطوير الإيتيقا السبينوزية للارتقاء بها إلى مستوى الفلسفة الأولى؟ لماذا ارتبطت الإيتيقا باكتشاف الغيرية؟ ماهي آثار العلاقة مع الآخر في شكلها الأصلي؟هل يوجد حالة تظهر فيها الآخرية في خالصيتها؟ أليس هناك حالة يحمل فيها الكائن الآخرية بوصفها حدا ايجابيا ؟12[12]

 

2- استئناف القول الإيتيقي عند ليفيناس:

لا ترتكز الإيتيقا على احترام قانون كلي بل هي فلسفة أولى تسبق الأنطولوجيا ولا تبحث عن التأسيس ولا تعتمد على الانفعالية المطلقة وإنما تنطلق من لقاء الغير وتحتك بالوجه وتفتح بعد الدلالة وتحرر الذات .

لقد أعطى ليفيناس الأولوية المطلقة للعلاقة الإيتيقية مع الغير وجعل من الإيتيقا هي الفلسفة الأولى التي تتفوق على فلسفة المعرفة وعلى الأنطولوجيا. في هذا المقام اهتم بالوجه والهوية والمسؤولية والنظرة والإنساني وبحث عن إنسانية الآخر في إنسان بلا وضع وماوراء الماهية ويوجد بشكل مختلف ومنفصل13[13]. لقد ميز ليفيناس بين الغير والآخر وبين أن الغير يبرز إلى الذات من خلال اللقاء بوجهه حيث يظهر لها في صورة كائن فريد لا يمكن اختزاله أو رده إلى أحد مقولات الهوية وإدراجه ضمن سلاسل التصنيف.

تتجلى العلاقة الثرية وغير القابلة للاختزال في المقابلة مع وجه الغير والنظر إليه وجها لوجه والانتماء إلى نفس البعد الزماني والمكاني وتحمل مسؤولية اللقاء والتحلي بالحب والصداقة واحترام علاقة القربى وحسن الجوار على الرغم من الانفصال والغربة والمجهولية والتباين وغياب حسابات المصالح والانتفاع.

لقد حاول ليفيناس تخطي التعارض التقليدي الذي أقامه أفلاطون بين المماثل والآخر بوصفهما من الأنواع العالية المتعارضة ومنح الحق للآخر من حيث هو آخر أي إلى الغيرية المطلقة التي لا تنتمي إلى داخل الوجود وليست لها نسبة إلى المماثل ولا تمثل مقولة صورية في تمفصل اللّوغوس في إحالته إلى الوجود بل تتجلى بشكل أصلي في العلاقة الإيتيقية بين الأنا والآخر وخارج مقولات المنطق وأبعاد الأنطولوجيا.

لم يتعامل ليفيناس مع آخرية الآخر بوصفها موضوعا منظورا إليه من قبل الذات ولا تجربة يقتحمها بالوعي من الخارج ويقدم فيها وصفا شافيا ضافيا لأشكال الآخر وإنما يعتبره شرطا أساسيا لوجود الذات ويتوقف عند الآخرية الغامضة والمجهولة التي تفتقد لكل علامات المشاركة والحضور والقرابة مع الذات.

بيد أن الأخر من حيث هو الآخر المطلق ومن جهة كونه يمنح الدلالة إلى الذات وينتج المعنى هو الغير ويصفه ليفيناس بأنه الإنسان الآخر الذي لا يمكن مقارنته ويمثل الخصوصية المطلقة في وضعه البشري وبالتالي لا يجوز معاملته بوصفه فردا آخر يتقاسم مع الذات نفس الماهية ونفس الوجود والمجتمع ذاته14[14].

كما تخفض تجربة الغير كل مزاعم امتلاك الوعي ودعاوي الحرية وقدرات الذات الأنانية على الحضور والمعرفة والتملك والكينونة بمعزل عن تدخل الآخرين وترفع من شأن المسؤولية بوصفها علاقة إيتيقية.

ينقد ليفيناس الماهية من حيث هي حضور محض يتخطى كل حد ويحاول تجاوز المراوحة بين الوجود والعدم من خلال نحت مفهوم الوجود المختلفAutrement qu’être ويرى أن المسألة ليس في الوجود أو عدم الوجود وإنما العدم في حد ذاته ليس نقيض الوجود وإنما لا يمتلك معنى إلا بالمقارنة مع الوجود. ان الوجود المختلف هو اللاّنهائي الذي يخترق شمولية الوجود وينتزع نفسه من مقولاته وينتج المعنى15[15].

غني عن البيان أن الوجود المختلف مرتبط بما يوجدil ya والثمية illéité التي تشير إلى المناطق التي تنفلت عن مراوحات الوجود بين الظهور والاختفاء وتعدم إمكانية حضور التعالي والحدوث الخالص. انه ليس الأنت ولا الذات الأخرى وإنما يقطع مع نظرية التمثل ويشهد على الانتماء المشترك للوجود والعدم.

تتكون فنومينولوجيا العلاقة مع الغير من الأبعاد التالية:

- يوجد منبع الدلالة اللغوية في النداء على الغير وبالتالي الغير هو القطب الذي تتحدث معه الذات.

- يطرح الغير من حيث هو غير في ازدراء الفقير والغريب وذلك مصادرة حقه في التعبير والحياة.

- يعتبر الشريك غيرا في إطار وصف العلاقة مع الأقرباء والتفريق بين الشركاء وبين المجاورين.

- تطرح تحمل مسؤولية الغير دون حد وبلا تحفظ الغير بشكل مطلق في مواجهة الدعوة إلى القتل.

- الوجه هو الشكل المطلق الذي يعبر به الغير عن نفسه ويطرح باعتباره ذاتا بالنسبة إلى الذات.

" من المهم أن نلاحظ أن ليفيناس لا يكتفي هنا بالقول إن العلاقات الأولية مؤذية أو فظيعة بل يقول ببساطة إننا في أكثر المستويات أساسية نقع تحت تأثير الآخرين بطرق لا سيطرة لنا عليها وان هذه السلبية، التأثرية، وحالة التعرض للتماس تدشن من نحن"16[16].

يحافظ ليفيناس على مفهوم الكوناتوس عند سبينوزا ويعيد الاعتبار للرغبة بوصفها علاقة مع اللانهائي ويفرق بينها وبين الحاجة الأنانية في الاستهلاك والإشباع التي يمنحها العالم الصناعي وفق مقياس مادي. زد على ذلك تهب الغيرية نفسها بوصفها رغبة ويكون الغير راغبا ومرغوبا فيه ولكن تظل الرغبة لامتناهية دون الذوبان في أنانية المماثل وانغلاق السيادة ودون الإحساس بالحرمان والزهد في السعادة.

وجه الأخر visage هو أحد الظواهر التي يطل من خلالها الغير على الذات وعلى العالم وعلن فيها عن حضور اللانهائي ولكن الأثرtrace هو الطريقة التي يطبع بها الوجه حضوره في المرئي وحدث الظهور الذي يقلب كل البنى المعتادة للظهور.

 

على سبيل الختم:

-الغاية القصوى من الفلسفة عند سبينوزا هي ايتيقا أصلية للسعادة والحرية وذلك بالاعتماد على الكوناتوس بوصفه المجهود الذي يبذله الفرد للحفاظ على حسن بقائه وتقوية وضعه في الحياة.

- تلعب الرغبة دورا أساسيا في الانتقال بالانفعالات من الحزن إلى الفرح وذلك عندما تنجح في الارتقاء المستمر بالفرد من الدرجات الأقل إلى أكبر قدر من القوة والكمال والمحافظة على وثاقة الوجود والحياة.

-لا يمكن أن تتحمل الطبيعة البشرية الإكراه والضغوط بشكل مطلق ولا توجد أي سلطة يمكن أن تمنع الإنسان من التفكير ومن الوجود بل كل فرد حر في قناعاته وسيد أفكاره وهذا الحق الطبيعي يحميه القانون وتضمنه الدولة.

- الوضع الإنساني يتميز بالتعبFatigue والألم والعنف والعزل والانفصال والهروب والتلاشي والضياعevasion والانفعال والتأثر والهشاشة والعطوبية ومشاعر الضيق والسأم والعبث والضجر والضعف والعجز والانطواء والتمزق وجلد الذات والكراهية تجاه النفس والآخرين.

- مفهوم الإنساني humain يقتضي الكف عن تمييز الإنسان عن بقية الكائنات بالعقل والوعي والإرادة واللغة وتثمين الجوانب التي ألقت بها النزعة الإنسانية في الخارج وهمشتها وتجديد إنسانية الإنسان الآخر. إن احترام الإنساني في الإنسان وتحمل المسؤولية المطلقة تجاه الغير تستوجب انفتاحا على دلالة الوجه وتخليص الذاتية من جوهرانية حرية الاحتيار والإبحار بها ما بعد الفعل والانفعال وخارج الوجود والعدم.

-الوجه لوجهface à face هي البنية الأولية للاجتماعية وتقر بالطابع التناظري بين الذات والغير ولكن هذه البنية لا تعني المواجهة بين الأنا والأنت ولا تعني علاقة تشاركية مع الغير في النحن والانتماء إلى المجتمع وإنما تفيد علاقة تناظرية تذهب من الذات إلى الغير دون عودة وتضع الغير محل تبجيل وموضع تقدير وترقيته في منزلة رفيعة ومنحه كل المعايير التفضيلية وكل العناية والرعاية والاهتمام مهما كانت أشكال وضعه17[17].

- تجربة الانتشاء jouissance هي تقوية الانية لجهودها للثبات في الوجود وتعتبر كيفية للاكتمال في علاقة الجسد الذاتي بالعالم وتغذية عاطفية من الغير وتصبح تفكرية قصدية حينما تحافظ على إمكانية الحصول على التعالي وتجعل تحقق الذات مشروطا بحضور الغير18[18].

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

......................

الإحالات والهوامش:

[1] سبينوزا ، كتاب السياسة، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب، تونس، طبعة أولى، 1999، صص.39. 40.

[2] Levinas Emmanuel, Totalité et infini, essai sur l’extériorité, édition Nijhoff, La Haye, 1961.p13.

[3] سبينوزا ، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب، تونس، طبعة أولى، 1999، صص.76. 77.

[4] Deleuze Jilles, Spinoza et la philosophie pratique, édition Minuits, Paris, 1981.2003.

[5] سبينوزا ، علم الأخلاق، مرجع مذكور، صص.98. 99.

[6] سبينوزا ، علم الأخلاق، مرجع مذكور، ص30.

[7] سبينوزا ، علم الأخلاق، مرجع مذكور، ص85.

[8] سبينوزا ، علم الأخلاق، مرجع مذكور، ص30.

[9] سبينوزا ، كتاب السياسة، مرجع مذكور، ص37.

[10] سبينوزا ، كتاب السياسة، مرجع مذكور، صص.38. 39.

[11] Scruton Roger, Spinoza, traduit par Ghislain Chaufour, édition du Seuil, Paris, 2000.p.60.

[12] ليفيناس عمونيال ، الزمان والآخر، ترجمة جلال بدلة ، دار معابر للنشر والتوزيع ، دمشق، سوريا، طبعة أولى، 2014،ص.95.

[13] Levinas Emmanuel, Totalité et infini, op.cit.p

[14] Levinas Emmanuel, le temps et l’ autre, Fata Morgan, 1979, repris par PUF, Quadrige, 1985. p63.

[15] Levinas Emmanuel, Autrement qu’être ou au- delà de l’essence, édition Martinus Nijhoff, La Haye, 1974. p15.

[16] جوديث بتلر، الذات تصف نفسها ، ترجمة فلاح رحيم، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى، 2014. فصل: لابلانش وليفيناس: أولوية الآخر،ص167.

[17] Levinas Emmanuel, totalité et infini, p53.

[18] Levinas Emmanuel, totalité et infini, p86.

 

المصادر والمراجع:

سبينوزا ، كتاب السياسة، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب، تونس، طبعة أولى، 1999،

سبينوزا ، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب، تونس، طبعة أولى، 1999،

ليفيناس عمونيال ، الزمان والآخر، ترجمة جلال بدلة ، دار معابر للنشر والتوزيع ، دمشق، سوريا، طبعة أولى، 2014،

جوديث بتلر، الذات تصف نفسها ، ترجمة فلاح رحيم، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى، 2014.

Deleuze Jilles, Spinoza et la philosophie pratique, édition Minuits, Paris, 1981.2003.

Scruton Roger, Spinoza, traduit par Ghislain Chaufour, édition du Seuil, Paris, 2000.

Levinas Emmanuel, Totalité et infini, essai sur l’extériorité, édition Nijhoff, La Haye, 1961

Levinas Emmanuel, le temps et l’ autre, Fata Morgan, 1979, repris par PUF, Quadrige, 1985.

Levinas Emmanuel, Autrement qu’être ou au- delà de l’essence, édition Martinus Nijhoff, La Haye, 1974.

 

 

إن أغلب الأفكار والأحاسيس التي تخطر في ذهن الإنسان تُفرض عليه فرضاً دون ان يتقصد اظهارها. وقد تبرز الخواطر منذ البداية بلا وعي، كالذي يحصل باستمرار عند الغفوة بين اليقظة والنوم، فكثيراً ما تمر بالفرد أفكار لا يقصدها ولا يعرف سبب ظهورها، ومع هذا تظهر حتى لو كانت ترتبط بماضٍ مؤلم تثير فيه الأرق، وتسبب له إهتزاز المشاعر وفقدان الراحة والنوم. وقد تنشأ الخواطر خلال فترة ضئيلة من الزمن إلا أنها تنقطع فجأة مما تسبب حالة الشعور بالذات، وربما يحاول أن يتعرف في الحال على طبيعة هذه الأفكار ونوعيتها ومدة مرورها، ولكن دون جدوى، وكأن أشياءاً غريبة مرَّت به دون أن يتعرف عليها أو يشعر بها.

هكذا إن أغلب الأفكار التي تخطر في أذهاننا هي نتاج العقل الباطن من دون سلطة لنا عليها ولا وعي بها. وتعتبر الخلوة مجالاً خصباً لاطلاق هذا النتاج الزاخر بالحيوية. وكما يعبر بعض الباحثين بالقول: إن المرء حينما يكون في وسط الجماعة فإنه كثيراً ما يتوهم انه (يعمل)، بينما يكون في الحقيقة قد اكتفى بالاستسلام للمجتمع، فحمله تيار الحياة الجمعية فوق أمواجه الصاخبة العاتية. وأما في لحظات الوحدة فإن مجرد التحرر من نداءات الواقع، سرعان ما يرتد بالمرء إلى مركز وجوده، وعندئذ تنبعث من أعماق الموجود مئات من القوى المجهولة المعجزة التي تغير من صفحة العالم أمامه، وتسمح له بأن ينجو مصيره. وهكذا قد يكون في وسعنا ان نقول ان قيمة كل فرد منا انما تقاس بمدى قدرته على الإنطواء على نفسه.. ولهذا يقول لويس لافل: «ان كل قوتنا، وكل غبطتنا، وكل ثروتنا أيضاً، انما تنبعث جميعاً من الوحدة، ما دام شيء لا يمكن ان يكون ملكاً لنا حقاً، اللهم إلا اذا تبقى لنا حتى بعد ان نكون بمفردنا»[1].

وكثيراً ما يتحدث العرفاء الصوفيون عن الخواطر، وبعضهم يحصيها فيوصلها إلى خمسة أنواع ذات مراتب مختلفة للكشف، كالذي يفعله صدر المتألهين، وهو يحلل بعضها عبر الاعتقاد بوجود صراع بين الملائكة والشياطين المجتمعين في أعماق النفس الباطنية، فتظهر على أثر ذلك الخواطر المختلفة وفق مبدأ السنخية[2]. وهو الصراع المنعكس عن النزاع الوجودي بين الخير والشر، والذي يمثل عليه العرفاء بمظهري محمد وإبليس، وفق مقولتهم: «لا فتى إلا إثنين: أحمد وإبليس». والصراع النفسي الذي يتحدث عنه العرفاء، شبيه بما تذكره مدرسة التحليل النفسي من صراع داخلي لاشعوري، ضمن الهو الذي يكون مقسم الارادة بين غريزتي الحب (إيروس) والموت[3]، فالأولى هي ذاتها غريزة اللذة والجنس التي تدعو إلى الحفاظ على الذات والحياة، أما الثانية فتدعو في القبال إلى الهدم والعدوان. وكلا الغريزتين متعايشتان معاً رغم ما بينهما من صراع وتضاد.

وبحسب الغزالي فإن الكشف يفيض على أهل الأرباب من العرفاء، تارة على سبيل الإلهام بأن يخطر لهم بنحو الورود من حيث لا يعلمون، وأخرى على سبيل الرؤيا الصادقة، وثالثة في اليقظة على نحو «كشف المعاني بمشاهدة الأمثلة كما يكون في المنام، وهذا أعلى الدرجات، وهي من درجات النبوة العالية»[4]. وفي محال آخر اعتبر الغزالي أن ما يهجم على القلب من علم وكشف؛ منه ما لا يدري العبد كيف ومن أين حصل له هذا العلم، كما منه ما يطلع العبد معه على السبب الذي استفاد منه ذلك العلم. ويسمى القسم الأول إلهاماً ونفثاً في الروع، وهو ما يختص به الأولياء، بينما يسمى الثاني وحياً إذ يختص به الأنبياء[5].

وبلا شك ان الإنطواء على الذات يعمل على تخفيف مجاري المعطيات الخارجية والحسية، مما يهيء للنفس القابلية على إفاضة الخواطر والأفكار الخلاقة، فهي مخزونة في عالم العقل الباطني، وتحتاج إلى ما ينفّس عنها عند غلق منافذ الحواس. فالعلاقة بين العالمين الخارجي والداخلي للنفس متعاكسة، فكلما اتيحت الفرصة إلى العالم الخارجي بالإنفتاح كلما تمّ التضييق على النشاط الداخلي للنفس. كذلك فإن منع النشاط الخارجي من الفعل؛ يساعد على تهيئة النشاطالداخلي للقيام بدوره الخلاق، وهي الفرصة التي ينتهزها العرفاء الصوفيون. وكما يرى الغزالي بأن هناك طريقين للمعرفة التي تنساق إلى القلب، أحدهما كسبي إذ يأتي بواسطة أنهار الحواس والإعتبار بالمشاهدات الحسية حتى يمتلئ القلب علماً، أما الآخر فيأتي من خلال سد هذه الأنهار بالخلوة والعزلة وغض البصر ثم التوجه إلى عمق القلب بتطهيره ورفع طبقات الحجب عنه، حتى تتفجر ينابيع العلم من داخله[6].

مع ان هناك خلافاً ضمن أجواء الفلاسفة والعرفاء. فالبعض منهم يرى ان الإبداع في كشف الحقائق يأتي بداية ولو لم تكن هناك سابقة للاستفادة بالكسب العلمي والإنفتاح على العالم الخارجي، وهناك تشكيك فيما يقدمه العقل من أدلة ونتائج كسبية. لذلك هاجموا المنطق الأرسطي ولم يتقبلوا التفكير العقلي عموماً، منذ ظهور العرفان وازدهاره في الحضارة اليونانية، وحتى الحضارة الإسلامية، كما يظهر لدى جابر بن حيان الكوفي وذي النون المصري وغيرهما ممن طعن بقدرة العقل على الوصول إلى الحقائق الماورائية. وقد ظلت هذه النظرة هي السائدة تقريباً لدى العرفاء. فالصوفية كما ذكر الغزالي لم يحرّضوا على تحصيل العلوم ودراستها للبحث عن حقائق الأمور، بل رجحوا على ذلك العمل بالمجاهدة في محو الصفات المذمومة والإقبال بكل الهمة إلى الله تعالى[7].

كذلك كان الأمر بعد الغزالي، إذ أنكر إبن عربي - مثلاً - وجود قيمة حقيقية للتفكير العقلي، ورأى أن ما ذكره الغزالي من أهمية للعقل في تحديد مدارات الكشف هو «زلة قدم» ما كان ينبغي له أن يقع فيها، وإن اعتبر ذلك تستراً له، إذ نبّه في مواضع أخرى على خلاف ما أثبته. وأصرّ إبن عربي على أن العلم الصحيح ليس نابعاً عن الفكر ولا عن العقلاء من حيث أفكارهم، وانما يتحقق في المكاشفات والأذواق، فهي بمنزلة الأدلة لأصحاب النظر في العلوم، وبالتالي فليس العلم إلا ذلك النور الإلهي الذي يقذفه الله في قلب العالم[8].

في حين ذهب آخرون إلى خلاف ما سبق، فاعتبروا ان من شروط الكشف والإبداع الحقيقي (العرفاني) هو التزود بالكسب العلمي والإنفتاح على العالم الخارجي. ويعتبر ابو حامد الاصفهاني التركة وصدر المتألهين الشيرازي من أبرز من ذهب إلى هذا التوجه. فالأول كان يرى المشاهدة الكشفية لا تصلح - عنده - إلا بعد سبق عملية الاستفادة من ملكة تلك العلوم الحاصلة عن طريق العقل أو الفكر النظري. كذلك رأى صدر المتألهين ان الكشف لا يستغني عن معرفة مقدمات القضايا، بل ورأى أنه يندر أن تكون هناك نفس قدسية لم يمسّها التعليم البشري[9]، فهو لا يسلّم بصحة الكشف ما لم يمر بمرحلة التعليم الكسبي إعتماداً على العقل وآلاته من الحواس. لذلك ذمّ طائفة من الصوفية لأنها لم تلتزم بهذا النوع من التعلم، ووضع فصلاً عنوانه (في أن من شرع في المجاهدة والرياضة، قبل إكمال المعرفة وإحكامها بالعبادات الشرعية فهو ضال مضل)، وقال فيه: «إن الذين نصبوا أنفسهم في هذا الزمان في مقام الإرشاد والخلافة جلّهم بل كلّهم حمقى جاهلون بأساليب المعرفة والرشاد واستكمال النفس وإستقامتها في السداد، وأكثرهم ذهبوا إلى منع الصور الإدراكية، وسد أبواب المعارف والعلوم التي هي الأمثلة للأعيان الخارجية، زعماً منهم أن هذا العمل من الطالب هو الذي يبعّده للتوجه نحو المبدأ الفياض. ولم يعلموا أيضاً أن عزل المدارك والقوى العقلية والوهمية والخيالية عن أفاعيلها وآثارها بالكلية محال. ولم يتفطنوا بأن عزلها عن تحصيل ما لها من الكمالات يوجب ركونها إلى صور مشوشة يخترعها الخيال، وذلك هو الظلم... وهم مع هذا يسمون ذلك معاينة ومكاشفة»[10].

هكذا بحسب الاتجاه الأخير يمثل الإنفتاح على العالم الخارجي في الكسب العلمي شرطاً ضرورياً للعرفان الصحيح والكشف عن الحقائق، حيث تحتفظ النفس بمخزونها العلمي المكتسب ليتهيأ لها الإنفتاح على الخواطر الملهمة والتحقيق بلا وعي، وأحياناً يحصل ذلك خلال الغفوات والأحلام.

إن عالم اللاشعور هو عالم التفكير والإبداع وإن لم نشعر بذلك، أو إننا ندرك بأننا لم نقم بأنفسنا في توليد النتائج المذهلة خلال لحظة حيوية مدهشة لا تقبل الوصف. وهو الأمر الذي يفسر لنا الكثير من الاكتشافات العلمية، حيث لم تأتِ إلا بعد جهد جهيد، وكان الرياضي الفرنسي هنري بوانكاريه يقول: «لا يكون هذا العمل اللاشعوري ممكناً ومنتجاً إلا اذا هيأه عمل شعوري، ولا تشرق هذه الالهامات السريعة على الإنسان إلا بعد جهود ارادية. العقل لا يستريح في الظاهر إلا ليعمل في الباطن، ولا تنبجس الحقيقة من هذا العمل اللاشعوري إلا اذا كان مسبوقاً بعمل ارادي. وعلى ذلك فإن الحياة اللاشعورية لا تقل خطورة عن الحياة الشاعرة»[11].

وقد سُئل نيوتن مرة عن كيفية اكتشافه لقوانين الجاذبية، فكان جوابه هو التفكير فيها دائماً.

ولعل التجربة الذاتية للعلماء والمفكرين والأدباء هي أكبر شاهد على ما يحصل من أسرار عظيمة في عالم الكشف، إذ تخرج الأفكار بذاتها من مسرح اللاشعور إلى الشعور بلا تفكير ولا استدلال. وربما كانت نظرية نيوتن في الجاذبية تستند إلى هذه التجربة إذا ما صح النقل بأنه توصل إلى اكتشافه بعد أن رأى تفاحة تسقط على الأرض وهو جالس في حديقة منزله يتأمل، فصاح: وجدتها.. وجدتها، كما سبقه في هذه الصرخة أرخميدس.

وكثيراً ما يحصل الإكتشاف بهذه الطريقة المفاجئة في عالم الرياضيات، وهناك قصص كثيرة يرويها العلماء عن أنفسهم وكيف أنهم رأوا الحل أمامهم كبريق خاطف من دون تفكير. بل ان بعض الأفراد لهم القدرة على توليد النتائج الحسابية المعقدة بطلاقة أو من دون نظر وتفكير، ومن هؤلاء من يتصف بالعوق العقلي[12].

يذكر المؤلف الموسيقي موزارت Mozart (خلال القرن الثامن عشر) تجربته بهذا الصدد ويقول: عندما أكون هانئ البال حسن المزاج، أو عندما أقوم بنزهة في العربة، أو على قدمي، بعد وجبة جيدة، أو في الليل حين لا استطيع النوم، تشق الأفكار طريقها في رأسي بالسهولة التي يمكن لأي إمرئ ان يتمناها، فيا ترى من أين تأتي وكيف؟ أنا لا أدري، وليس ثمة ما أفعله حيالها، فأحتفظ بما يعجبني منها في رأسي وأترنم به، أو هذا على الأقل ما قاله لي الآخرون بأني أفعله. وما ان تكون فكرة اللحن الأساسي جاهزة لدي حتى يخطر لي لحن آخر يربط نفسه بالأول وفقاً للقواعد التي يتطلبها التأليف بمجموعه.. وعندئذ تصبح روحي متأججة بالإلهام، فينمو العمل، واستمر في توسيعه، مع استيعابي له بصورة أوضح فأوضح إلى ان ينتهي من التأليف كله في مخيلتي على الرغم من انه قد يكون طويلاً. وحينذاك يلتقطه عقلي كلمح البصر.. فهو لا يأتيني متوالياً بمختلف أجزائه منجزة بالتفصيل كما ستكون فيما بعد، وانما يأتي كاملاً تُسمعني اياه مخيلتي[13].

فالحدس الكشفي مزود بطاقة حيوية كبيرة تشدّ نفوسنا للأخذ به، ومن يتعرّض له قد لا يحتاج لفحصه وإختباره من الخارج.

وتكثر هذه الحقيقة في حالات الخلوة والتفكير الدائم مع عدم تشتيت الذهن. ولعل أنسب فتراتها وقت السحر، ففيه يزداد توارد الأفكار وتأثر الشعور بعالم اللاشعور المجهول، وهو سرّ عظيم لم يستكشف منه شيء حتى الآن.

وإذا كان الإهتمام والممارسة التأملية يعدّان من العناصر الهامة والفعالة لتحقيق التجربة الحدسية، كما سبق أن أوصى بها الفلاسفة المتأخرون من المسلمين، فإن ما يُجنى من هذه التجربة يجب أن يُصاغ ضمن القوالب المنطقية التي تليق بالعلم المعنية به، كما نبّه على ذلك إبن خلدون[14].

 

مفكر وباحث عراقي

.......................

[1] زكريا إبراهيم: مشكلة الإنسان، ضمن سلسلة مشكلات فلسفية، طبع مكتبة مصر، ص24ـ31.

[2] انظر حول الآثار التي خلفها مبدأ السنخية على التفكير الفلسفي والعرفاني واسقاطاتها على الفهم الديني كلاً من: مدخل إلى نظم التراث، ضمن سلسلة المنهج في فهم الإسلام (2). والنظام الوجودي، ضمن سلسلة المنهج في فهم الإسلام (3).

[3] الأنا والهو، ص93.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، بهامشه كتاب تعريف الاحياء لعبد القادر باعلوي، وعوارض المعارف للسهروردي، ج1، ص62.

[5] الإحياء، ج3، ص14.

[6] الإحياء، ج3، ص16، ص470.

[7] الغزالي: ميزان العمل، حققه وقدم له سليمان دنيا، دار المعارف في مصر، الطبعة الأولى، 1964م، ص221ـ222. والإحياء، ج3، ص15.

[8] الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي، جمع وتأليف محمود الغراب، دار الفكر بدمشق ، ص177.

[9] صدر المتألهين الشيرازي: كسر أصنام الجاهلية، حققه وقدم له محمد تقي دانش بژوه، مطبعة جامعة طهران، 1340هـ ـ 1962م، ص15.

[10] كسر أصنام الجاهلية، ص23ـ24.

[11] علم النفس، ص165.

[12] انظر الشواهد على ذلك مثلاً: بول ديفيز: التدبير الإلهي، ترجمة محمد الجورا، مراجعة جهاد ملحم، دار الحصاد، دمشق، الطبعة الأولى، 2009م، ص158 وما بعدها. وروجر بنروز: العقل والحاسوب وقوانين الفيزياء، تصدير مارتن غاردنر، ترجمة محمد وائل الأتاسي وبسام المعصراني، مراجعة محمد المراياتي، دار طلاس، دمشق، الطبعة الأولى، 1998م، عن مكتبة الموقع الإلكتروني: www.4shared.com، ص490 وما بعدها.

[13] العقل والحاسوب وقوانين الفيزياء، ص495ـ496.

[14] مقدمة إبن خلدون، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، ص535ـ536. كذلك: مدخل إلى فهم الإسلام، مؤسسة الإنشار العربي، الطبعة الثالثة، 2012م.

akeel alabod(فللجسم وراء اتصاله الجوهري جزء آخر حيثية ذاته حيثية قبول الصوروالأعراض اللاحقة وهوالجزء المسمى بالهيولي والمادة). ومقدمة السيد العلامة هذه ترتبط بمحورين: الاول يبحث في الطبيعة المتغيرة للجوهراي حقيقته المادية، والثاني في أصل المادة اي الحقيقة التكوينية للجوهروهي الهيولى كما سيأتي.هنا نقطتان الأولى ترتبط بحقيقة الجوهر، والثانية بحقيقة العرض.والعرض يبحث في الهوية المتغيرة للمادة بعد الاتصال بغيرها، بينما يبحث في الجوهرعن اصل المادة، أي حقيقتها التكوينية قبل انفعالها، اي اتصالها بمادة ثانية، حيث ان للمادة حيثيتان؛الاولى حيثية الفعل، والثانية حيثية القوة. ان الامتدادات الثلاثة للجسم باعتباره جوهر ترتبط بحيثية الفعل، أما حيثية القوة فهي حيثية الانفعال وهي تنتج عن الصورة الثانية عبر تفاعل واتصال المادة بمادة اخرى (1).

وتوضيح ذلك بحسب السيد العلامة ان للجسم اوالمادة صورة وكمالات قبل الاتصال، وصورة وكمالات بعد الاتصال.الاولى تسمى هوية الوجدان اي هيئة المادة الفعلية، والثانية هيئة المادة المنفعلة اي المتغيرة وهويسمى بالفقدان، والفقدان هنا بمعنى تغير ماهية المادة الأولى الى ماهية ثانية، فماهية زيد الانسان هي غير ماهية النطفة التي تفاعلت مع البويضة في رحم المرأة لتصبح زيدا فيما بعد، كما جاء في شرح السيد العلامة كمال الحيدري(2).

والهيولى(السايتوبلازم) هي المادة التي يصنع الشيء منها. فطريقة بنائها التكويني وتركيبها البايولوجي يعكس قدرتها على التطورواتخاذ صورمختلفة. ومن مكونات هذا السايتوبلازم الميتوكندريات وهي عضيات وظيفتها التنفس الخلوي وتوليد الطاقة داخل جسم الخلية وتحتوي على حمض دنا. والميتوكندريات هي من الاجزاء التابعة لأجزاء الخلية الاساسية التي هي الغشاء البلازمي، والنواة، والهيولى (3).هنا حيث لا يخفى، فان هنالك نسب ومقادير تدخل في اكمام هذه المكونات وهي ضرورية في حسابات معادلات التفاعل البايولوجي والكيميائي، باعتبار ان شروط التفاعل والاتصال مع المواد والاجسام يعتمد على هذه النسب.

ونقطة الارتباط في محوري البحث تعتمد على قضيتين:الأولى تبحث في القبول(قابلية) المادة على الأتصال، والثانية استعداد هذه المادة على الانفعال وذلك بحكم طاقتها الحركية الناشئة عن الطبيعة المتغيرة لتركيبة الخلية بحسب ما ورد اعلاه.وعلى اساس التحقيق فيما تنوقش في قانون الحركة الجوهرية لصدر المتألهين، نجد ان هنالك طاقة ومادة وسرعة تتنازع فيما بينها، هذا التنازع يبحث في الفرق بين الجوهر والعرض، وبموجب هذا الفرق يصبح للمادة هويتان، فقبول المادة على الاتصال امرا عرضيا، اذ الجوهرهوية المادة الاولى، والعرضي معناه كما اسلفنا قابلية المادة على التحول اوالتغير، اي الهوية الثانية للمادة.

 

وهذه المقولات تتفق مع ماجاء به اينشتاين في قانون بحث الطاقة والمادة حيث (ط = ك.س²)، بمعنى ان حساب الطاقة اي القوة الفاعلية للمادة المرتبطة مع حيثية القبول يأتي من حاصل ضرب كتلتها اي صورتها الجسمية المفروض فيها الامتددات الثلاثة والتي تم الاشارة اليها في مقدمة البحث، مع مربع سرعة الضوء (4).وبحسب تركيبة الخلية يصبح من الضروري الاستفادة من التركيب الذري لنواة الخلية وهذا مهم في بحث ودراسة الهندسة اوالنشاط الذري لحركة الخلية من خلال انتاج صورجديدة للمادة على اساس مبدأ التحكم بالحركة اوالسرعة. والسؤال كيف يتم بناء خلايا جديدة، اوكيف يتم التحكم في انتاج صورنوعية جديدة للمادة بحسب ما تم مناقشته اوالتطرق اليه؟

هنا نقطتان:الاولى، قابلية المادة على الاتصاف بهوية اخرى كما في تحول النطفة الى زيد، حيث فقدان النطفة لهويتها التي كانت عليها بعد تحولها الى زيد، فالقبول والاتصاف بالصورة الجديدة يدخل في باب الفقدان، وحقيقة تلك القابلية قبل الانفعال اوالاتصال تدخل في باب الوجدان، وهو الطاقة الكامنة اوالامكان الاستعدادي للمادة، وهذا يعطي اتصافا جديدا للمادة اوالكتلة بحسب القانون اعلاه.الثانية، موضوع مربع السرعة ويحسب من خلال المسافة والزمن، والغاية من تربيع السرعة لها مضمون فيزيائي بحسب قانون الجذب العام لنيوتن، الذي يسمى بقانون التربيع العكسي وهو ان (القوة تتناسب عكسيا مع مربع المسافة بين مركزي الجسمين) وهو قائم على اساس ان حركة المادة يفقدها جزء من مادتها اثناء اتصالها مع مادة ثانية لتنتج صورة جديدة وهذا ما يسمى بالفقدان كما يحصل في انشطار الذرات الكيمياوية، لهذا فان مربع السرعة يساعدنا في تحديد الصورة الجديدة اوالاتصاف الجديد للمادة (5).

فقد ورد في سورة المؤمنون اية 13 (ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم انشأنه خلقا اخرفتبارك الله احسن الخالقين) (6).

وهذا من قبيل التطورالبايولوجي للجنين عبر مراحل التكوين المختلفة للإتصاف الجديد حيث النطقة التي خلقها الله لتكون سببا كافيا لخلق اخر يتلوها زمن تحول النطفة الى علقة، وزمن تحول العلقة الى مضغة، وزمن تحول المضغة الى عظام، وزمن كسو العظام لحما. وهذه المراحل الخمسة المتصلة وهي مرحلة النطفة والعلقة والمضغة والعظام واللحم تصبح في النهاية خلقا اخرا بافاضة الخالق حيث تكتمل عوامل الخلق والتكوين بناءا على قانون الاتصال الفيزياـبايولوجي للخلية ومراحل تكاملها الخلقي بحسب (الاستعدادات التدريجية المتعاقبة الحصول في امتداد الزمان)(7) بحسب الملة هادي السبزواري.

 

...................

الهوامش:

(1) نهاية الحكمة، في ماهية المادة وإثبات وجودها ص 113ـ ط 1986بيروت ـلبنان114.

(2) كتاب نهاية الحكمة السيد كمال الحيدري المجلد الاول، في ماهيَّـة المـادَّة وإِثبـات وجودهـا: من قوله :فإنَّ الإِتِّصالَ الجوهري من حيث هو اِتِّصالٌ جوهريٌّ لا غير، وأمَّا حيثية قوَّة الكمالات الَّلاحقة وإِمكانها فأمرٌ خارِجٌ عن الإِتِّصال المذكور مُغايراً لهُ، محاضرة 102.

(3) راجع هيولى المعرفة.

(4) تكافوء الطاقة والمادة انشتاين 2015، ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

(5) راجع فلسفة الفيزياء2014، ويكيبيديا، الموسوعة الحرة وقانون الجذب العام لنيوتن 2015 .

(6) كتاب نهاية الحكمة السيد كمال الحيدري المجلد الاول، محاضرة 102.

(7) راجع شرح الاسماء الحسنى الملة هادي السبزواري ج1، ص62.

raheem alsaidiلا شك ان محمد اركون يمثل مفصلا مهما في الفكر العربي المعاصر، ليس لانه صاحب مشروع فحسب، بل لان لديه خاصيتا المغامرة والخيال اللتان تعدان الاساس الصحيح لاخراج وانتاج النجم المفكر (او صناعة المفكر) بالاضافة الى الاعلام الذي عوضه باتقانه اللغة الفرنسية والاتكاء على النشر في اللغة الفرنسية ومع هذا فهو لم يحقق تقدما بمشروعه في الانسنيات على الارض الاوربية ويسير بصعوبة في الارض العربية والاسلامية بالرغم من شمولية المنهج او المشروع بحيث تختلط على المتتبع الامور فيسال هل هو مشروع اسلامي ام علماني ام فلسفي ام هو مجرد تنظير اجتماعي ...الخ .

ومع ان قضية الانسنة لا تختصر بعجالة، الا انها ببساطة مشروع يعتمد على مناهج الفكر الغربي المعاصرة ومنها اللغوية واللسانية والتاريخية في نظرته الى التراث الاسلامي ويتعامل مع النص بمعزل عن القدسية ويخضعه للبحث والمنهج العلمي، ويحاول تطبيق العلوم الانسانية على الوحي واعتماد طريقة (الاسلاميات التطبيقية) والمناهج الانثروية والسيميائية والاركلوجية والتفكيكية والهرمنيوطيقية، وبالتالي التعامل بجزئية ونسبية مع كل شيء الا مع المنهج الذي يستخدمه فهو المطلق بالقياس الى النصوص (كل النصوص)، مع انها مناهج نسبية لا توصف بكونها مطلقة لانها تتعامل مع النسبي ايضا ولان مديات العلم لا توصف بالمحدودية وبالتالي يصعب الاطلاق هنا، وهو يفصل بين الدين والنص وبين الانسان والدين والانسان وارتباطاته الروحية، وهذا هو المعيار الاساسي الذي جعل اركون يعتمد على مجموعة من المفكرين الاسلاميين بعدهم من موسسي الانسنة العربية ومنهم مسكويه وابي حيان التوحيدي والعامري وغيرهم . فكان اركون الذي تاثر بالمتاثرين بنيتشة واولهم فوكو، اراد التاصيل للسوبرمان الجمعي (المجتمع الانسان)، وهو المتاثر بالافكار النثربولوجية والسسيولوجية، واراد رفع المجتمع الانساني بتحميله اطار السوبرمان بازاء الشخوص والرموز والذوات المقدسة بما فيها الله والنص الالهي.

ويبدو ان لمشروع الانسنة مديات ومراحل للتطور فهو يبدا من طرح انساني لينتهي بطرح اقصائي لكل ما عدى الانسان، وتتشكل على اساس غائي لا يختلف عن فكرة اليوتوبيا التي تسعى الى تاكيد ذاتها بغاية نهائية لا تشاركها غاية اخرى او لا تختلف عن الافكار الاشتراكية التي تجعل من الوصول الى النظام او المنهج الشيوعي هو الهدف الاساس فلا تكتفي بالاشتركية بعدها نظاما للعيش والتعامل والتطور، فهدفها الاول والمتصل بالغاية يشير الى تطبيق كامل يعالج النظام الاجتماعي قبل ان يكون السياسي وما السياسي الا الهدف الثانوي لتشكيل الدول او لتاسيس منهج صمم ليستاصل كل ما يهدد الفكرة المطروحة او يتصور صاحبها بانه يعارضه وفق قراءته للتاريخ، واقصد استئصال الدين وملحقاته لفسح المجال للتحدث عن كل ما هو متقاطع مع الدين، وبعدها يتم تطبيق ذلك الهدف النهائي.

وهذا ما اراه في الانسنة والفكر الانسني الاركوني فهناك حدية متطرفة لا تهتم بقراءة التنوع اكثر من اتجاهها بنظرة احادية ذاتية تعطي للفرد (الانسان) المساحة الكلية من منهج يعمل على تمجيد ذلك الانسان وتوفير بيئة فهمية وثقافية وفكرية له، ومن الغريب ان هذا المنهج هو الفتات الذي يصلنا بواسطة اركون (المفكر والمغامر) من الفكر الاوربي (الفرنسي حصرا) بوساطة جيل من المفكرين الفرنسيين فوكو، دريدا، التوسير، دولوز، والذي تحول الى مرحلة ما بعد (الانسان) ان امكننا القول، في الوقت الذي ياطر اركون الى مشروع يعتمد على الانسنة باعتبرها الحل الناجع لازمة الفكر والحضارة العربية .

ان القول بعدم نجاح مشروع اركون بالرغم من العناصر المهمة التي يحملها يمكن ان يدرج ضمن عدد من العوامل التي قد لا تسرد هنا بشكل مباشر وبصورة تقريرية، ففي المشروع مقاربة كما اسلفت من قضية طمر الغرائز والتنظير غير الواقعي الذي الحت على تطبيقه الاشتراكية في سيرها لاكمال مشروع الشيوعية في طوره النهائي، وواقع الحال انه ارتطم بالواقع (سيما السياسي والاجتماعي بل والنفسي منه) ففشل التخطيط الذي نظر له ماركس بقلب المعادلة الهيجلية راسا على عقب وقدم ديالكتيكا استطاع المسير ولو برجل عرجاء الى فترة معينة انتهى خلالها من مهمة القضاء على الحكم الذاتي الذي تمثل بالملوك ذوي نظرة البعد الواحد لا الابعاد المختلفة .ولكن البديل لتك النظرة ايضا كان قاصرا بالرغم من تحقيقة الانجاز الذي حول المجتمع الروسي مثلا الى مجتمع اخر يختلف كما وكيفا ....ومع هذا فقد التفت الى مسالة مهمة تعتمد التخلص من القيود العديدة التي صممتها له الاشتراكية .

ان تلك الصورة التي لن تستمر قد نجدها في منهج اركون الذي يستبعد عناصر تتصل بالانسان، مما يجعل مشروعه الانسني يمثل تطرفا لا ينسجم والنظرة الموضوعية التي يتوجب ان يراعي بها المفكر التاثيرات التي لا يمكن استثنائها في حياته الواقعية ومنها الدين والتاريخ فيتحتم التعامل او التفكير بنظرة انسنة معتدلة لا تقصي ولا تستثني مختلف المؤثرات ولا تقنن النصوص السماوية وفق نظرة انسنة اقصائية لان ذلك يعني حرمان شريحة اخرى توصف بالانسنية ايضا ولكنها تعطي للنص المقدس قيمة روحية،فدريدا الفيلسوف الفرنسي الذي يرخم لفظة الهدم الى التفكيك في منهجه وغيره هم الملهمين لاركون في منهج يبحث عن غاية مقصودة هدفها الهدم، وليس الحل او النمو الفلسفي، فكانت الغاية الموضوعة لهذا المنهج تلقف وتستبعد وتزيل كل ما في طريقها من الحلول الاخرى التي يمكنها التوفيق بين النص المقدس وقراءة ذلك النص وفق منهج يوفق ولا يستبعد ويركب حتى وان فكك، ترشيدا للافكار وتمهيدا للتنمية الممكنة في النص واستعادة منهجية تكرير النص وليس اطفاء النص لغرض اشعاله مرة اخرى وللحديث تتمة .

 

zouhair khouildiيشكل كل من الألم والعذاب الحد المناقض الذي يستهدفه وعينا أي أن امتلاك الوعي هنا يعني قبل كل شيء فعل المكابدة. ما لا يُحتَمل هنا هو بالتحديد ما لا يحتمل. إن التبرير الوحيد للعذاب وكرامتنا الكبيرة جدا هي الرأفة. يكون العذاب في الوعي معطى ومحتوى، بنفس الطريقة بعض الشيء لصوت أو إحساس آخر. لكن ما يميز هذا المحتوى عن الأحاسيس الأخرى هو تعارضه مع الوعي، فهو كائن بالرغم عن الوعي. هذا المحتوى الذي لا يمكن مقارنته يحول أيضا دون مقارنته مع الحدث. يظهر الألم، دائما في هذا المستوى الوصفي، في محتواه باعتباره ثغرة دائمة في المعيش، الألم هو بصورة معينة كيفية لهذا الرفض. هذا المعيش هو معيش بوصفه حال، فهو بصورة معينة تساؤل مستمر وبلا جواب مطروح على المعيش. لا يتعلق هذا الطابع غير قابل للتحمل للألم بالطابع الكمي للألم بل بالأحرى بالطابع النوعي له.

يظهر الألم، من بين المقولات المختلفة للمعيش، باعتباره كليا شيء ما خصوصي. يمكن وفق هذا المقياس تناول المشكل المثار في السابق حول لماذا لم تدمج الفلسفات الغربية الأصلية العذاب الفيزيائي في نسقها.

فلنفرض على سبيل المثال الكانطية. ولنأخذ الذهن، الأنا أفكر الكانطي الذي يتضمن خصوصا هذا الفعالية التأليفية للوعي الذي يعرف ويفهم ويعانق العالم الحسي،والذي يظهر أيضا موحدا في مجموع مرتب. حتى العناصر الأكثر خفاء أو الأكثر انكسارا حسب التقريب تكون مدمجة ضمن هذه الفعالية التأليفية للوعي. يُظْهِر العذاب قبالة هذا الأنا أفكر الكانطي خاصيتين كبيرتين. في البداية يكون عنصرا ومعطى لا ينكسر إطلاقا ونهائيا أمام هذا التأليف. إلا أنه وأيضا بالأساس الطريقة والصيغة التي يعبر بها هذا الرفض، رفض المشاركة في تجميع المعطيات المتنافرة في مجموعة دالة، عن ذاته. وبالتالي يظهر الألم ممتلك لمكون مزدوج أي هو في ذات الوقت من يتعارض مع هذا البناء وفي نفس الوقت هو هذا التعارض ذاته. يكون في نفس الوقت الرفض وكيفية هذا الرفض. هذان العنصران هما اللذان يجعلان من الألم شيئا، مثلما قلنا، الأكثر خصوصية من مختلف مقولات المعيش. هذه الخصوصية هي أيضا تابعة لفعل امتلاك الوعي بعدم القدرة على معانقة الوعي بالألم. يرفض الألم أن يكون محتويا في الوعي على نفس الكيفية مع الوقائع الفيزيائية الأخرى وكل محاولة لإدراك الألم تتعرض إلى الإخفاق. الألم هو محتوى يرفض أن يكون محتوى. بالطبع يمكن التخفيض من الألم ولكنه يختفي عندئذ من حيث هو ألم ولا يكون فكرا. عندما يتم تخفيض الألم لا يتبقى بالفعل ألما وإنما ثمة محتوى يعيشه المرء ولا يكون لهذه الخصوصية التي تمثل الطابع الاستثنائي للألم إضافة إلى رفضه. اللذة هي مختلفة تماما بل أيضا وبالتحديد معارضة. اللذة هي شيء معين يهيمن عليه المرء ويغطيه.إنها اللحظة المتناغمة من تجربة معينة. إلى هذا العنوان تندمج تماما في الأنا أفكر الكانطي الذي ذكرناه منذ قليل. على العكس يظهر الألم باعتباره معطى سلبي بامتياز.

مع ذلك لا تعني هذه الحالة الاستثنائية من الرفض التي هي الألم أن يرنو الوعي عند كل فرد إلى رفض الألم . ببساطة ينبعث الألم أين يوجد رفض للوعي. ليس من المتأكد أن يكون هذا الرفض واعيا بذاته، على العكس يكون حاضرا بالنسبة إلى الوعي،غير أن حضور هذا الرفض هو الذي يمنح كل خصوصية الألم. لقد قلنا، بأنه الوعي بعدم القدرة على المعانقة ضمن الوعي. إنها الظاهرة التي تشير إلى سقم الألم.

حضور هذا الرفض في الوعي لا يشكل الوعي بالسلب فحسب وإنما هو سلبية الوعي.انه النفي بامتياز. إن رفض الوعي هو رفض السماح بالتغطية والإمساك بالمعنى والدلالة والمعرفة أو الوجود المعروف. في هذه الأثناء لا تريد هذه السلبية للوعي أن تمثل نظاما غائيا ولا دلالة مخصوصة ولا هدفا محددا. انه بصورة معينة العثرة الأولى ضمن الوعي. إنها ليست مرة أخرى عثرة يمكن الاضطلاع بها مسبقا وتكون مدركة ومفهومة. ولا تظهر هذه المعرفة بالفعل إلا حينما يعالج المرء الألم في ظل غياب الألم ولما يتكلم المرء بلا ألم عن الألم. لقد قلناه منذ أن يظهر الألم فإنه يظهر بالتعارض مع الوعي وانه يكون شكل وطريقة هذا الرفض. إن الألم هو الوعي بالإرجاء لكنه أيضا هذا الإرجاء في حد ذاته.

القطيعة مع الوعي:

الطريقة التي جعلت المعروف من الوعي والعلم من الوعي هي دائما شيء معين من المكتمل ومن المدرك ومن المعانق.على العكس نلاحظ في الألم رفضا للانعطاء وعنصر انكساري للوحدة وللمجموع وللتأليف. وتجيب هذه الصرخة بالألم على كيف. إنها كيف وقد أصبحت محتوى والمحتوى الذي يبقي على كيف. رفض الانعطاء ضمن الألم هو رفض الانعطاء إلى العالم والى الآخرين والى الأنا الذي يفكر.

في الواقع أحدهم يقول أنا، ليصل إلى العالم ويعانقه. لقد توجه المرء نحو فكرة وتأليف يسمح له بالتفكير سويا. إن المعرفة هي دائما تأليف للمعطى. يكون المعطى مجموعا ومكثفا في الأنا ويصبح صورة يمكن أن أتذكرها. هذه الاستحالة بالنسبة إلى الوعي على الإدراك التي تلاحظ ضمن الألم لا يمكن الالتقاء بها مطلقا ضمن اللذة. على العكس من ذلك اللذة هي ما يمنح المعرفة الاكتمال. ثمة نوع من الرهافة والقرابة بين الأنا وما أعرفه ضمن اللذة. ليس ثمة أي تنافر. امتلاك الوعي بشيء معين بالنسبة إلى كانط هو تجميع، انه وضع في مجموعة، على سبيل المثال وضع الأحاسيس في مجموعة. انه تأليف . وتوجد مقولات مختلفة من الكيفيات بالمعنى الكانطي. إذا قلنا، على سبيل المثال، أن ما جمعناه هو ممكن، وأن ما جمعناه هو واقعي أو أن ما جمعناه هو ضروري. هكذا يمكن أن يكون الإثبات المتضمن في الاعتقاد ممكنا أو واقعيا أو ضروريا. لو على سبيل المثال قال بيير بأن القمر هي نجم ثابت فإنه ممكن. هذا ليس واقعيا ولكن في عبارة بيير ذاتها توجد هذه المقولة للممكن. وأيضا لو قال بيير أن القمر تدور حول الأرض فإنه أكثر من الممكن، انه واقعي. وأيضا مرة أخرى ليس من التناقض القول بأن القمر أقل بكثير من الشمس، فإنه ليس واقعيا ولكن هذا ممكن. في النهاية إذا قال بيير بأن مجموع زوايا المثلث تساوي مستقيمين فإن هذا يكون ضروريا. ومفكر فيه بوصفه ما لا يمكن أن يكون مختلفا.

   تتميز مقولة الألم بوضوح عن هذه المقولات عن الكيفيات. إن الألم هو هذه الحالة الأكثر خصوصية من الوعي حيث لا يبني هذا الأخير شيئا أو بأكثر تحديد يبني دون القدرة على البناء. كل واحد يمتلك الوعي بجسده وبوجهه وبيديه وبأسنانه... ويكون هناك دائما وعي ايجابي. ألم الأسنان هو مدرك ومحلي. غير أن هذا الألم هو لحظة القطيعة مع هذه الوحدة ومع هذا الوعي الايجابي. توجد كيفيات مختلفة من الألم لكنها كلها تتميز بالقطيعة مع هذه الوحدة. يكون الألم ضعفا وفضيحة ضمن الوعي الذي يبني. يبدو، دون أدنى شك، أنه لا يمكن تناول الألم باعتباره مجرد معطى. فأنا بالطبع لدي الخبرة بالألم مثلما لدي الخبرة باللون أو بالصوت. لكن خاصية الخبرة المؤلمة أنها تكون وفي ذات الوقت قطيعة مع الوعي. الخبرات الأخرى هي خبرات ايجابية وتكون بصورة معينة في مواضعهم وتدخل بسهولة في المقولات والغائيات.

من هذا المنظور يحوز الألم على خصوصية كبيرة. في الوعي ما لا يمكن تحمله و بالتحديد ما لا يحتمل وهذه الكيفية في عدم التحمل تميز الألم بالخصوص. بالضبط الألم هو ما لا يقبل للتحمل ولا يوجد بصورة جزئية سوى العذاب الفيزيائي الذي يظهر هذه الخاصية. عدد من العلامات تكون غير مؤلمة. والأمثلة هي عديدة مثل الضغط العالي ومرض السكر لا يكونا مؤلمين.

 

عذاب غير نافع:

يوجد ضمن الألم رابط حميمي جدا مع الشر. يكون، بهذا المعنى وضن قياس معين، الظاهرة الأولى للشر. إن لحظة الألم هي لحظة الفوضى والرفض واللحظة التي لا يمكن أن ندعي فيها قبول العواقب، وفي كلمة لحظة الألم هي هذه أو تلك التي لا يتدبر أمرها. العذاب هو انفعالية بالمعنى الإيتيمولوجي، انه قبول وخضوع. بالفعل في كل واقعة وعي ويأخذ المرء بشكل معتاد. لكن عندما نمتلك وعيا بالألم لا يمتلكه على وجه الحقيقة ويتعذب المرء. امتلاك الوعي بالألم ليس البتة محوه. هذا يشير أيضا إلى الطابع المفارق والفريد للألم. يوجد في الألم الأخلاقي امتلاك للوعي يمكن أن يسمح وفق قياس معين باختزال الألم. يختلف الأمر جدا في حالة الألم الفيزيائي. بالفعل حينما يضغط الوعي لا يستولي كليا لما يستولي. لا توجد لحظة من السلم عندما يمتلك المرء وعيا بشيء معين يكون جاهزا أمام الوعي. هذا يساعد على فعل غيرية الألم. امتلاك الوعي بالألم هو قبل كل شيء خضوع وانه أيضا خضوع للخضوع. وبعبارات أخرى لا يكون المرء البتة في حالة سلم مع الألم. عندما يمتلك المرء الوعي بأن الشمس تسطع، هذا ربما يكون صحيحا أو خاطئا . عندما يمتلك المرء الوعي بأن إصبعه قد احترق فهذا ربما يكون أيضا صحيحا أو خاطئا، لكن المرء اشتد به الألم أكثر. وهذا لا نقاش فيه ولا أحد يمكن التقليل من شأنه. دائما العذاب يكون ضد، يكون ضد من يتعذب عندما يكون قد قبل الألم.عندما يحاول المرء قبول ما يوجد في العذاب من عار فإن العذاب لا يأتي إلي المرء ولا يقبل المرء كل شيء، بل يبقى العذاب الذي يعاني منه المرء كثيرا. إن الألم هو محنة بامتياز. لا تتوافق انفعالية الانفعال مع أي فعالية ايجابية ولا تنعكس على أي شيء حتى على سببها ذاته. من ناحية أخرى إن انفعالية العذاب هي أشد كبرا وعمقا من بعض الأشكال الأخرى من الانفعالية التي لا تكون في قسم منها سوى في المظهر، هذه حال على سبيل المثال أحاسيسنا. الفعالية التي توجد في الإدراك هي فعالية استقبال. لقد أصبت بواسطة النور أي أني استقبل النور إذن، وبالطبع فأنا منفعل في الرؤية، ولكن بصورة معينة كل إحساس هو انفعالية ويتخطى الإدراك هذه الانفعالية ويعطيها معنى ويحولها إلى دلالة.

يوجد دائما تمزق في العذاب. لقد رأينا أن العذاب يكون انفعالا. لكن هذا الانفعال يكون مختلفا عن غياب الحرية التي تحد الحياة وفعل الإنسان وتعطل وعيها بألا يتحكم فيها سوى مجرد إدراك الأشياء. لقد تم التوصل إلي الإنسان الذي يتعذب بشكل مختلف وبأكثر عنف وليس بواسطة تغييب الحرية التي تمنع كل حركة. الجوهري ضمن العذاب هو هذا الرفض وهذه اللاّ، هذه اللاّ التي تكون شرا والتي يتوافق معها كل عذاب. هي ذا السلبية الحميمة، وهذا اللاّمعنى الذي يعرف الألم. " ألم العذاب هو مثل التمفصل الأكثر عمقا للعبثية". يكون الألم مضيقا وطريقا مسدودة في الحياة وفي الوجود. هذا الألم الذي يكون العذاب هو بجلاء ابتلاء. في عمق كل شر يوجد ألم فيزيائي، حتى عندما لا يكون الألم الفيزيائي مؤلما لأنه يكون استشعار الشر، الشر الذي يخضع له أحد الآخرين. توجد بالطبع شرور لا تكون فيزيائية ولكنها تتعلق دائما مع الوضعية المدانة من أحدهم وفي نهاية المطاف يدخل شيء معين، الفيزياء لا يمكن تجنبه في هذه المنزلة من العذاب. " انه بواسطة الشر يتم فهم الانفعال". العذاب غير نافع ولا يمكن أن يكون مبررا.

 

محبة الآخر:

يطرح كل فرد معذب، يطرح عليَّ سؤالا لا يمكن تفاديه وجوهريا الذي هو نداء، نداء بالمساعدة، نداء استنجاد. يوجد إذن بعد آخر من الألم. في الواقع، يلاحظ المرء في حضن هذا العذاب غير النافع وفي هذه السلبية وفي حضن هذا التمزق وفي التحسر وفي الصرخة ذاتها نداء إلى الآخر. هل يقول المرء أنه يرتاح؟ البعض يظهر التحسر على أنه نتيجة انعكاسية. ربما. لكن يوجد على مستوى الوعي، ضمن التحسر الذي يسببه الألم، نداء يقيني إلى الآخر.هكذا يوجد في هذه السلبية هذا النداء، هذا النداء على الآخر والاستنجاد بالآخر، يكاد يكون صلاة. هذا يمثل أهمية أكيدة بالنسبة إلى الطابع الإنساني، وبين الإنساني، للألم. في هذه الحالة حيث يكون المرء وحيدا مع الألم في هذه الحالة التي لا يمكن تصورها، يوجد إزهار للمعنى، وعلامة على الاجتماعية، وبداية للدلالة. هذا الدور للعذاب في الاجتماعية كان دائما موجودا، حتى منذ عهد قريب أو في سالف الأزمان، بطريقة قاسية تحديدا، عندما يجد الأطباء أنفسهم في مواجهة عذابات لا يقدرون على التخلص منها.

هذا الشاهد على الألم هو الإنسان ويمكن، في قسم لكن في قسم فقط، أن يضطلع بعذاب الآخر، يمكن أن يقوم، ويمكن أن يتقاسم الألم مع الغير. البنية الإنسانية والبنية الأنثربولوجية العميقة تسمحان بطريقة حدسية بادراك هذه الظاهرة. بقدر ما يضطلع بألمه الخاص بقدر ما أن يضطلع المرء في قياس معين بألم الغير وفي كل الأحوال لا يمكن للمرء أن يظل غير غير مكترث. عدم عدم الاكتراث بالآخر وبألمه هو عنصر جوهري. هذا يكون في ذات الوقت المسؤولية بالنسبة إلى الآخر ومصدر المسؤولية بالنسبة إلى الآخر. بعبارة أخرى إنها مصدر الاجتماعية. إنها الكيفية الأولى للاجتماعية قبل كل مؤاكلة (مشاركة الضيوف في الأكل والمرح والقصف). عندما لا يكون المرء معزولا ولو تراسل مع أحدهم فإنه يكون أيضا في نفس السلسلة، يكون في الكثرة الإنسانية.

على خلاف ذلك يعزل الألم بإطلاق وينبع هذا النداء على الغير من هذا العزل المطلق. هذا الأخير ليس نتيجة اصطدام بسيط بين واقعتين توجدان على نفس الحقل.انه أيضا شيء آخر. ليست الاجتماعية ببساطة فعل أن يكون المرء معدودا. إنها ليست الكثرة الإنسانية التي كونت الاجتماعية الإنسانية، إنها هذه العلاقة الغريبة التي بدأت مع الألم، في ما يخصني أين قمت بالنداء على الآخر وفي ما يخصك الذي يجعلني أرتعد وفي ما يخص الآخر الذي لا يكون غير مكترث. انه حب الآخر أو الرأفة. لا تقوم المداعبة مثلا باخفاء الألم بل تحوله وتنتزع منه دائما في المعيش هذا اللاّمعنى المكتمل، هذا الرفض للدلالة الذي توجد فيه الذات التي تتعذب من العزلة. المداعبة هي ظاهرة خارقة للعادة. يلمسها المرء ولا يلمسها. هذا الواقع الخام الذي هو المداعبة يتملك بنية خاصة، ويمكن أن يكتب المرء فنومينولوجيا المداعبة. يبدو أن الواقع الذي يكون فيه الغير في النداء على الآخر سواء في الخارج يكون أيضا في وعد الخلاص. يبدو أن الغيرية تكون انفتاحا في اتجاه حل ما. تتدخل في النداء على الآخر بالخصوص الحاجة إلى التسكين، و إلى مُسكِّن، بالإضافة إلى الأمل في الوجود المخفف أو الأمل في الحصول على تأجيل الموت.

يوجد تعارض واختلاف غير قابل للاختزال بين ألم الغير الذي هو فضيحة وغير نافع والذي يحمل نداء استنجاد وبين الألم الخاص بي والألم فيَّ، الذي يكون بطريقة تداخلية بلامعنى غير أنه يمكن إذن أن يمتلك دلالة لو يتفادى إيلام الغير، لأنه يكون إذن حركة حب صائرة عذاب من أجل عذاب أحد آخر، تضحية. يمكن بالفعل أن يمتلك العذاب فيَّ معنى بوصفه عذاب من أجل الآخر. ليس بأن يصير أو يكون عذابا من أجل الآخر. إن كيفيتي في العذاب من حيث هي إمكانية العذاب من أجل أحد آخر تكون كرامتي الإنسانية.

لا تتمثل الكرامة الإنسانية فقط في المحافظة على الوجود في أن أكون نفسي. يظهر الإنسان في الابداع وفي الطبيعة وفي كلية الوجود باعتباره استثناء في الإصرار على الوجود، لأنه لو أصر كل كائن على الوجود فإن الوحيد الذي يمكن أن يتعذب من أجل الآخر والذي لا يكون شيئا في الواقع هو الإنسان الآخر. بالنتيجة ظهور الإنسان هو انقلاب للأنطولوجيا في النظام العادي للوجود.

 

مجازفة الكرامة:

ليس للعذاب معنى، قال المرء. لكن العذاب من أجل اختزال عذاب الآخر هو التبرير الوحيد للعذاب وهو الكرامة الأكثر عظمة، يكون هذا في النظام الأخلاقي والإيتيقي. هذه الخصوصية هي من نمط إنساني ولا تلاحظ سوى عند الإنسان. تمتلك الرأفة، أي ايتيمولوجيا العذاب مع الآخر، معنى ايتيقيا. إنها الشيء الأكثر امتلاكا للمعنى في نظام العالم وفي النظام العادي للوجود. إن الواقع الذي يجعل الغير يرأف بعذاب الآخر هو الحدث الإنساني الأكبر، والحدث الأنطولوجي الأكبر. لم ينته المرء من الاندهاش من هذا، انها علامة على الجنون البشري، انه مجهول عند الحيوانات. عندها لا يبدو أن يتم العثور على مكانة للرأفة.

إن حب الغر هو في البداية عذاب من عذاب الآخر. ليس حب الغير لازم بمعنى تلازم زوج النعل. نحن مسكونين جدا بالحب الشهواني إلى درجة أننا لن نتمكن من تعيير قيمته العليا أي حب المسؤولية من أجل الغير. ماذا يعني الآخر بالنسبة اليَّ؟ يمكن أن يفسر المرء بداهة ما يعنيه بالنسبة اليَّ بصورة عملية، انه من النافع أن يقدم لي الآخر بعض الخدمات. لكن هذا لا يكون الرأفة بأي شكل. لا ينبغي أن تكون الرأفة هي الكره. إنها ليست الاضطلاع بالغير.إنها على العكس حدث الحب. و لا توجد الرأفة سوى في الألم، إنها ايتيمولوجيا اللفظ ذاتها. العذاب مع الآخر هو العذاب من أجل الآخر. هذه هي البداية العسيرة للإنسانية، وهذه ليست سكونا مطلقا. هذه الغائية من العذاب هي غائية من مستوى أعلى، الذي لا يكون فقط من مستوى حيواني، الذي لا يستكمل إلى حد أقصى مصير الحي. هذه الغائية هي العذاب من أجل الغير وبالتالي حبه، أو بالأحرى حب الغير وإذن العذاب من أجله. من هنا تأتي الكرامة الإنسانية التي يمتلكها كل كائن ونحن نكون أيضا،ودون أدنى شك، في الحقل الإيتيقي. يمكن أن نفكر في النفعية بوصفها ما يمدد الحياة ويولد الأفراح. ينبغي في هذه الحالة مواجهة الرأفة بكل الطاقة الممكنة [1].

يربي الكثير من معاصرينا أطفالهم بالقول لهم:" لا تتركوا أنفسكم تتأثر بالآخرين، فانتم لن تنتهوا إذا ما بدأتم في التأثر بالفعل بكل شيء". يوجد فرق جذري بين نفعية الإشباع ونفعية من طبيعة أخرى تلك التي تكون المشاركة في حياة جديرة أكثر. يكون عمق الإنساني في كل الحركات السخية إيتيقيا، وهذا بالضبط ما يميزه عن كل الكائنات الأخرى. إن الكرامة الإنسانية دون عذابات هو موعود بها بواسطة الأديان في الجنة. العذاب هو مجازفة، انه المجازفة التي ينبغي خوضها من أجل أن يكون المرء حساسا وذكيا.

ماذا يمكن أن نقول عن الذين حكم عليهم بالعذاب دون الأمل في التحرر؟ يوجد معاقون ويحدث أن تعثر في إعاقتهم على نوع من الكمال، ولكن يوجد أيضا معذبون بلا أمل. لا يستطيع المرء القيام بأشياء أخرى غير البحث عن معالجة وعن شروط حياة يكون فيها العذاب بأقل درجة ممكنة. يمنح العذاب معناه إلى حب الغير. لكن يمكن أن يكون أقل قسوة. إن حب الغير هو دائما حب أحد الذين يتعذبون في مستوى معين وبدرجة معينة. الغير الذي يناديني هو دائما أحد بلا دفاع، وكل كائن إنساني هو بلا دفاع بصورة أو بأخرى بالرغم من كل الهيئات التي تمنح له والألقاب التي يمتلكها، وان وجهه يعلن حتما الموت الذي سيأتي. هل من الممكن أن يرأف المرء بموت الغير، وحيدا في موته، أي مع عذابه؟

يطرح عذابي في دلالته القصوى إدانتي للموت، لأن في بداية الأشياء ما يكون في عمقه هو ما يمتلك وعيا يطمح بالنسبة إلي ويقود إلى تمزق ما. انه المعنى الحميمي للعذاب. يصبح عذابي إدانتي للموت لأنه العلامة على ذلك، الحدس،ويتمثل عمق الاجتماعية الإنسانية في الاهتمام بموت الغير قبل موتي. أي حظ لأحد يتعذب؟ نعم، لو تعذب من أجل الآخر لأنه يبرهن على الكرامة الإنسانية.

الآخر هو دائما معذب، وجه الغير هو ظاهرة مسبقة عن الموت. يكون العذاب على وجه الآخر دائما طلبا، ولهذا السبب يرتعب معاصرونا من وجه الآخر، لأن وراء كل وجه يوجد طلب. والكرامة تكون بالضبط قبول الطلبات. ليست مسألة نفعية بل مسألة كرامة. لنفترض ذات ما تتعذب من التهاب وركي والذي استمر عشر أعوام، عشرون عاما، أربعون عاما، فإنها ستتعذب من وركها المريض. أي مساعدة يمكن أن يقترحها المرء؟ لا شيء جدي ونهائي خارج الوجود معها في بؤسها، والتحدث معها، وإغاثتها. ذلك هو الفعل الايجابي لكل واحد، ليس فقط لإلغاء ألمه الخاص بل لتخفيض ألم الآخر.

أن يأتي أحدهم لنجدتي فإن ذلك يبرر وحده حضور الإنسان في العالم. ولا ينبغي أن تكون هناك كياسة مع العذاب، بل فقط السعي الى استخراج شيء ايجابي منها. ليست القرابة بين العذاب والموت الذي كنا قد طرحناه في السابق هي القرررابة الوحيدة. يكون العذاب الحالة التي تطبع الكائن المتناهي والمحدود. لكن الموت هو التناهي. وهذا مؤكد بما أننا كائنات متناهية ولذلك نتعذب. إنها واحدة من أشكال محدوديتي، والعذاب، حتى في حياتي اليومية، يكون بصورة معينة واحد من بشائر إدانتي للموت.

(حديث مجمعة بواسطة جان مارك نوراس)[2]

 

.................

الإحالات والهوامش:

[1] سبينوزا، الإيتيقا، الكتاب 4، القضية 50.

[2]   Une éthique de la souffrance, entretien avec Emmanuel Levinas , in Souffrances , corps et âme, épreuves partagées, dirigé par Jean-Marie von Kaenel avec la participation de Béatrice Ajchenbam-boffety, Editions Autrement, Paris, série mutations n°142, février 1994, pp.127-137.

 

المصدر:

Une éthique de la souffrance, entretien avec Emmanuel Levinas , in Souffrances , corps et âme, épreuves partagées, dirigé par Jean-Marie von Kaenel avec la participation de Béatrice Ajchenbam-boffety, Editions Autrement, Paris, série mutations n°142, février 1994, pp.127-137.

 

كاتب فلسفي

 
 

zouhair khouildi"إن أهم شيء يجب علينا أن نراعيه في تعاملنا هو أن نبين للمسلمين بوجه عام أننا نريد أن نفهمهم لا أن نحاربهم"1[1]

الجدير بالملاحظة هو وجود مفارقة تحكم علاقة الإسلام بالغرب على مستوى الفلسفة والتربية والسياسة وتتمثل في كون المسلمين مازالوا يجدون أنفسهم في تبعية تامة للغرب وفي حاجة إلى الاعتماد عليهم في كل ضرورات الحياة ولكنهم في المقابل يسعون بكل ما أوتوا من جهد للتخلص من هذه التبعية والتحرر من سلطة الغرب عليهم ويبحثون عن مسالك أخرى، ولذلك كانت العلاقة بينهما متناقضة وفصامية. فماهي علامات هذا التوتر وتداعياته؟

في البداية لم تحظ الفلسفة في الإسلام بالتشجيع الضروري للتقدم بينما ربط الغرب تقدمه بتحقيق الحداثة الفلسفية. لقد أخذ العرب صناعة التفلسف عن الإغريق والفرس والشرقيين بصفة عامة واصطدموا بأحكام الدين ونظرته المعيارية ورؤيته الصارمة للحياة. بينما استفاد العقل الغربي من اجتهادات الفلسفة العربية وترجم معظم المؤلفات العلمية التي كتبت بلغة الضاد وانسلخ عن كل المناخ القروسطي وقام بثورة ضد التراث القديم وفتح الباب أمام الغد.

لقد تناولت الفلسفة عندنا الماورائيات والمنطق والأخلاق وتم تطعيم ذلك ببعض الاكتشافات حول الطبيعة واللغة والحساب والهندسة والفلك والجغرافيا والهندسة وعلوم الحيل والعمران والتاريخ والحضارة ولكن انتصر في النهاية علم الأصول وحاز الفقه أولوية مطلقة في سياسة حياة الناس وتدبير شؤون المعاش وإعداد المعاد وكثرت كتب الشروح والتفاسير والاقتباسات وقل التأليف والابتكار والإضافة.

بينما ركزت الفلسفة عند الغربيين على العقل والوعي والذات والفرد والشخص والمواطن والكيان في العالم وأعطت معنى للحياة والطبيعة والوجود وشكلت رؤية تاريخية للعقل وأنتجت عدة نظريات عن القوة والطاقة والسرعة والزمان والمكان وحرصت على الالتزام بالموضوعية في الأحكام وتحلت بالنسبية المعرفية ومنظورية العالم وعدمية القيم.

أما فلسفة التربية في حضارة إقرأ فقد اتصفت بالضغط والإكراه واتبعت عادة التأديب والضرب وتوخت أسلوب الإملاء والتلقين وكثر فيها الوعظ والإرشاد وسيطر عليها التقليد والنقل وخلت من روح الإبداع والابتكار وظلت العلوم العقلية محصورة في تبعية للعلوم النقلية والعلوم اللغوية والتصوف والسير والعبر.

في حين أن فلسفة التربية في الحضارة الغربية قد تمحورت حول مبدأ الحرية وفعلت النقد وتجربة التنوير وسمحت بالتعلم الذاتي ومبادرة الفرد وشجعت على الحوار والتفاعل وإبداء الرأي والتعبير عن الموقف الشخصي وشجعت استعمال اللغات المغايرة وعمل الترجمة وتساهلت مع فعل الإبداع والمختلف والجديد.

من المفروض أن يكف المسلمون عن معاندة العلوم الفلسفية وأن تتضمن نظم التعليم لديهم التربية الفلسفية ومناهج التفكير الحي وتجد العلوم الإنسانية المكانة اللائقة وأن يتم تشجيع حريات التعبير والنقد والاعتقاد. ومن المطلوب أن يتوقف الرب عن النظر إلى الإسلام بوصفه ثقافة مغايرة ومعادية وأن يعامله ليس فقط باعتباره شريكا في صنع الحضارة الكونية وإنما عنصر داخلي ومكون ثقافي أساسي للمشهد الكوكبي.

لقد تأثرت حكمة الضاد بالعناصر الثابتة والمتحولة والموروثة والوافدة التي شهدتها الحياة الاجتماعية والاقتصادية للمجتمع العربي الإسلامي وعكس النثر العربي والشعر العربي هذا التدفق والتراكم والغربلة التي عرفتها تلك الثقافة في الحقبة الوسيطة. ولقد لعبت العلاقة الجدلية بين المدن والنواحي النائية في مستوى الاقتصادي الزراعي والطبيعة الإقطاعية للعلاقات الاجتماعية وسياسة الناس من خلال الأحكام السلطانية ونظام ملكية الأرض والسياسة المالية ذات النمط التجاري في تحديد رؤية الإنسان للعالم الفلسفية وتوجيه طريقة التفكير التي يعول عليها لمواجهة المشاكل المعرقلة للأهداف المتعالية والمثالية في المنظور البعيد من جهة المقصد والدنيوية مرتبطة بالمصلحة على المستوى المباشر من جهة ثانية.

أما الحكمة الغربية فقد تأثرت بحركة الإصلاح الديني التي أنهت حقب من الحروب الأهلية واللاّتسامح بين المذاهب والتعصب الفكري وزرعت موجات من التنوير ومسارات من التحديث للمجتمعات الأوروبية ولقد ساهمت الثورات العلمية والاختراعات التقنية في تفجير الثورة الصناعية في مرحلة أولى وفي تشكل الثورة السياسية التي ترتبت عنها أصداء اجتماعية وتداعيات فكرية مهمة عجلت بنهاية النظرة القروسطية التي ترتكز على انغلاق الكون وتشكل نظرة حداثية تعتمد أساسا على انفتاح الكون والهيمنة على الطبيعة.

لقد ارتكزت حكمة الرب على معرفة ما يفكر فيه الآخرون في أزمنة مختلفة وذلك بعية معرفتهم بصورة معمقة وإدراك تجارب حياتهم وطرقهم في تنظيم مجتمعاهم واستثمار ذلك في بلوغ أسلوب لحياة جيدة. وبالتالي " الشيء الذي ميز الغرب عن بقية العالم هو، في نهاية المطاف ، أخلاق الفعالية والنشاط، وكما أن التكنولوجيا قد غزت العالم فكذلك اكتسبت الأخلاق المتماشية معها قدرا لا يستهان به من النفوذ المتجدد"2[2]

لقد عبر الفكر الإسلامي في الآونة الأخيرة عن أزمة عميقة في تملك التراث والوفاء لهويته الثقافية واعتقد أن الخلاص هو في الرجوع الى المبادئ والتعاليم التقليدية وبذلك سقطت في الأصولية والنصية والشمولية ودب اليأس حول إمكانية بناء التنمية واللحاق بركب الحداثة وتزايد السخط على الحكومات والتذمر من ظلم العولمة ووقع تحميل الاستعمار الجديد مسؤولية الفوات الحضاري وازداد الشعور بالغرابة في العالم ولكن لا ينبغي أن يشعر الناطقون بلغة الضاد بالتهديد والاستهداف من قبل الآخر الغربي وأن يتوقفوا بشكل منهجي وإجرائي عن تغذية الحنين إلى الأصول والبحث الهووي وإثارة أشكال من سوء التفاهم مع العالم وأن يدخلوا في حوار مع الواقع التاريخي وأن يجروا اجتهادا عقلانيا حول النصوص والمرجعيات . لعل الاختلافات الناتجة عن أسباب سياسية واقتصادية بين الغرب والإسلام لا تؤدي إلى تفجر صراع إيديولوجي يستمر على مرور التاريخ وعلى طول الجغرافيا ولا تحول قيام أشكال من التلامس الثقافي والعلمي بينهما ومن وجود تشابهات روحية وأنثربولوجية بين العالمين قد تعزز التشارك بينهما في تحمل مسؤولية رعاية الحياة على الأرض وتدبير شؤون الكون والعناية بالمعمورة من كل تصحر وانحدار.

في الختام يمكن القول بأن الإسلام من حيث هو دين سماوي وظاهرة تاريخية لا يمثل أي تهديد على العالم ولا يجعل من المؤمنين به كائنات عنفية بالضرورة ولا يتكلم بلغة حربية تجاه الهويات والأديان الأخرى بل يجب أن يكف الغرب عن التمركز الحضاري ويشرع للتعددية الثقافية ويعامل الإسلام باعتباره شريكا حتى يشعروا المسلمون بأنهم ليسوا منبوذين وأن مستقبلهم ليس في خطر. علاوة على أن "ما يقدمه العالم الإسلامي هو بديل نموذجي لأوروبا يمكن للمرء من رؤية الشكل الفعلي لمجتمع منظم وفق مبادئ مختلفة "3[3].

 

..................

الهوامش:

[1]   فريتس شتيبات ، الإسلام شريكا، ترجمة عبد الغفار مكاوي ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت، عدد302، أبريل، 2014، ،ص83

[2] برتراند رسل، حكمة الغرب، عرض تاريخي للفلسفة الغربية في إطارها الاجتماعي والسياسي، ترجمة فؤاد زكريا، سلسلة عالم المعرفة، 364، يونيو2009، الكويت، ص294

[3] أنتونيو بلاك، الغرب والإسلام ، الدين والفكر السياسي في التاريخ العالمي، ترجمة فؤاد عبد المطلب، سلسلة عالم المعرفة، عدد394، نوفمبر، 2012، الكويت،ص42.

 

المراجع:

فريتس شتيبات ، الإسلام شريكا، ترجمة عبد الغفار مكاوي ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت، عدد302، أبريل، 2014،

برتراند رسل، حكمة الغرب، عرض تاريخي للفلسفة الغربية في اطارها الاجتماعي والسياسي، ترجمة فؤاد زكرياء، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 364، يونيو2009،

أنتونيو بلاك، الغرب والإسلام ، الدين والفكر السياسي في التاريخ العالمي، ترجمة فؤاد عبد المطلب، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، عدد394، نوفمبر، 2012،

 

كاتب فلسفي

........................

[1] فريتس شتيبات ، الاسلام شريكا، ترجمة عبد الغفار مكاوي ، سلسلة عالم المعرفة ، الكويت، عدد302، أبريل، 2014، ،ص83

[2] برتراند رسل، حكمة الغرب، عرض تاريخي للفلسفة الغربية في اطارها الاجتماعي والسياسي، ترجمة فؤاد زكرياء، سلسلة عالم المعرفة، 364، يونيو2009، الكويت، ص294

[3] أنتونيو بلاك، الغرب والإسلام ، الدين والفكر السياسي في التاريخ العالمي، ترجمة فؤاد عبد المطلب، سلسلة عالم المعرفة، عدد394، نوفمبر، 2012، الكويت،ص42.

jamil hamdaouiتعد فترة المراهقة من أهم الفترات التي يمر بها الإنسان في حياته الطبيعية، بل يمكن اعتبارها فترة ميلاد جديد. بالإضافة إلى كونها فترة انتقالية قلقة وحرجة، ينتقل فيها الفرد من الطفولة نحو الرجولة. وقد اختلف الباحثون في تحديد بدايتها ونهايتها بشكل دقيق، ويرجع ذلك إلى تنوع طبائع الشعوب، وتعدد ثقافاتها، واختلاف الفترات الزمانية، وتباين المناطق الجغرافية، وتنوع البيئات المناخية.

وإذا كان علم النفس التقليدي قد اعتبرها فترة أزمة وقلق وتوتر واضطراب ، إلا أن علم النفس الحديث اعتبرها فترة عادية وطبيعية في مسار نمو الإنسان. وأكثر من هذا، فقد عولجت أزمة المراهقة في ضوء مقاربات مختلفة، منها: المقاربة التاريخية، والمقاربة البيولوجية، والمقاربة النفسية، والمقاربة الاجتماعية، والمقاربة الأنتروبولوجية، والمقاربة التربوية...

هذا، وقد ظهرت دراسات عديدة حول الموضوع غربا وشرقا، منذ أن أصدر ستانلي هول(G.Stanley Hall) أول كتاب حول المراهقة سنة 1904م ، وتبعه في ذلك فرويد ببحث حول الموضوع نفسه سنة 1905م. وتندرج بحوث المراهقة ضمن علم النفس النمائي أو الارتقائي الذي يعنى بتطور الفرد في مختلف مراحله العمرية، وفق خصائصه البيولوجية، والفيزيولوجية، والعقلية، والعاطفية، و النفسية، والاجتماعية، والثقافية...؛ سواء أكانت هذه المراحل السيكولوجية مترابطة الحلقات والمفاصل أم مستقلة عن بعضها البعض.ومن هنا، يدرس علم النفس النمائي أو الارتقائي أو التطوري أو التتبعي سيكولوجية الطفل، وسيكولوجية المراهق، وسيكولوجية البالغ أو الراشد، وسيكولوجية الشاذ، وسيكولوجية الشيخوخة أو الكهولة...وقد تأثر هذا العلم بمنجزات البيولوجيا التطورية كما عند داروين ولامارك ومندل...

ومازال موضوع المراهقة قضية إشكالية مؤرقة ، تثير كثيرا من الحبر في الأوساط النفسية والاجتماعية والتربوية والثقافية...، بل أصبح هذا الموضوع الشائك ميدانا رحبا يغري المربي والأستاذ والمكون والمؤطر والمشرف على حد سواء. وبالتالي، يحتاج إلى مدارسة علمية عميقة، وتحليل استقرائي شامل، ومقاربة نفسية واجتماعية وعلاجية حقيقية، بغية الحد من من مجموعة من المشاكل التي يتخبط فيها تعليمنا المعاصر، ولاسيما الإعدادي والثانوي والجامعي منه.

إذاً، ما المراهقة لغة واصطلاحا وتوقيتا؟ وما تاريخها؟ وما أهم النظريات والمقاربات التي تناولت المراهقة؟ وما أهم العوامل التي تتحكم فيها؟ وما موقف علم النفس منها؟ وما خصائصها العضوية والنفسية والاجتماعية والانفعالية؟ وما أهم مشكلاتها الذاتية والموضوعية؟ وما علاقة المراهق بالمدرسة؟ وما أهم الحلول والتوجيهات والإرشادات لمعالجة أزمة المراهقة؟

تلكم أهم الأسئلة التي سوف نحاول الإجابة عنها في موضوعنا هذا.

 

للاطلاع على كتاب المراهقة للدكتور جميل حمداوي كاملا في مكتبة المثقف

http://almothaqaf.com/library/29.pdf

 

amir salihمن المعروف تاريخيا إن العبودية والمجتمع العبودي هو أول مجتمع طبقي متناحر في التاريخ نشأ على أنقاض المجتمع المشاعي البدائي. وقد وجدت العبودية بدرجة أو أخرى في جميع المجتمعات البشرية. وقد بلغ هذا النظام اعلي أشكال تطوره في اليونان القديمة وروما القديمة, حيث كان العبيد قد أصبحوا القوى الإنتاجية الرئيسية للمجتمع. وكان ملاك العبيد في النظام العبودي يشكلون الطبقة الحاكمة. والعبيد في هذه المرحلة التاريخية هم جزء من ممتلكات سيدهم ولهم حق التصرف بهم والتدخل في ثنايا حياتهم جملة وتفصيلا بما فيه بيعهم وشرائهم وزجهم كوقود في معاركهم المختلفة من اجل التوسع والاستحواذ على أراضي الغير وأملاكهم, كما لا يمتلكون أي حقا مدنيا لتقرير شؤونهم إلا بموافقة المالك لهم, فهم جزء من ممتلكات السيد المالك !!!.

والعبودية أو الرق هو نوع من الأشغال الشاقة القسرية طوال الحياة للعبيد حيث يعملون بالسخرية القهرية في الأعمال الشاقة والحروب وكانت ملكيتهم تعود للأشخاص الذين يستعبدونهم وكانوا يباعون في أسواق النخاسة أو يشترون في تجارة الرقيق بعد اختطافهم من مواطنهم أو يهدي بهم مالكيهم. وممارسة العبودية موغلة في التاريخ العربي والأوربي والأمريكي, كما هناك اجتهاد في الأديان السماوية اليهودية والمسيحية والإسلامية في التعامل مع ظاهرة العبودية في محاولة للتخلص منها تدريجيا تحت وطأة ظروف الحياة المتغيرة التي لا تقبل بالعبودية كخيار للعيش !!!.

العبودية انتهت في أمريكا وأوربا كتشكيلة اجتماعية واقتصادية وفكرية وسلوكية وتركت ورائها فتات من متفرقات الظواهر وبقت في العالم العربي والإسلامي كجزء من منظومة قيم التخلف والرذيلة والخضوع والتي تعيد إنتاج نفسها بمختلف المظاهر في مجتمعات متناقضة ومتصارعة بين قيم التخلف وقيم التمدن والحضارة. ويكفي هنا الإشارة إلى تقرير منظمة "وولك فري " والصادر في نهاية العام 2014 بالتعاون مع مركز العدالة لحقوق الإنسان للحد من العبودية الحديثة, والذي أكد أن ما يقارب 30 مليون فرد يعيشون في عبودية, نصفهم في الهند, فيما تنتشر أعلى نسبة في موريتانيا حيث تقدر ب 2.4% من السكان, ثم في بلدان عربية أخرى كتونس والمغرب وغيرها. وبحسب هذه الدراسة فأن الفساد هو السبب وراء انتشار الظاهرة وليس الفقر وتشمل الظاهرة الاتجار بالبشر والعمل الإجباري واستغلال الأطفال والزواج ألقسري والمبكر !!!.

كما تمارس العبودية على نطاق واسع في دول الخليج العربي كسلوكيات اجتماعية شائعة اتجاه الوافدين من القوى العاملة من مختلف دول العالم وبشكل خاص الافرواسيوي حيث يتم احتجاز جوازاتهم حين دخولهم مباشرة إلى بلد "الضيافة " ثم ارتهانهم في الإقامة وتسير أمورهم حسب مزاج صاحب الدار ووضعهم تحت الإقامة الجبرية, فلا خروج من البلد إلا بأذن من " المضيف ". وإذا كانت القادمة للعمل سيدة مضطرة بحكم ظروفها فأنها ستتعرض إلى مختلف صنوف القمع والإرهاب والعبودية الشخصية والمضايقات الشخصية واغلبها ذات الطابع الجنسي بفعل عوامل الكبت والحرمان والتخلف لدى "المضيف " !!!.

أما إذا كان القادم من الدول الأخرى المصدرة للقوى العاملة ذكرا فأنه سينوء تحت وطأة مزيدا من التهديد والإرهاب والجلد وقطع الرقاب وخاصة إذا تجرئ على إقامة نوع من التواصل مع ربة دار المضيف. على العموم فأن العبودية كمرحلة تاريخية اقتصادية اجتماعية في طريقها إلى الزوال ولكنها باقية كنمط سلوكي قهري يشد المتخلف دوما إلى الإبقاء عليه !!!.

zouhair khouildi"مشكل الكلام في مواجهة العنف ليس مشكل بنية ، إنما مشكل معنى"1[1]

كيف تدرك العلاقة بين العنف والكلام وبين القوة والحق وبين الحرب والسلم وبين التنازع والتكاتف؟ هل يبدو التعارض واضحا والاختيار بينهما من الأمور السهلة ؟ وكيف يتخيل المرء إمكانية الاختيار بين وضعيتين قصوويتين تتميزان برفضهما للتواصل بين الذوات والمجموعات بروز التوتر والتباعد في وجهات النظر والتصورات الكبرى للعالم؟ وبماذا يضع الإنسان معايير قابلة للتطبيق للتفرقة بينهما؟

الجواب عند بول ريكور على هذه الأسئلة صعب ويقتضي المرور بطريق طويل من التدقيق والتقصي وزيارة الكثير من المرجعيات المتنوعة والتجارب المتعددة والتحلي بالحذر الفلسفي والنقد المنهجي. إذ تبدو اللغة بوصفها المسرح الذي يتجلي من خلاله العنف ويأتي إلى العالم ويتعلق بالشأن الإنساني من جهة أولى ولكن الكائن البشري بوصفه كائن الكلام والتفكير والاجتماع هو الوحيد الباحث عن معنى حياته والمتفهم لوضعيات وجوده وهو المبدع الوحيد لاستراتيجيات التنظيم وإعادة البناء وتسخير أشياء الكون لتحقيق مصالحه المادية والمعنوية والساعي إلى الحياة الجيدة والوجود الأصيل ولذلك يضع حدا للعنف من ناحية أخرى عن طريف أفعال الكلام ولغة الحوار وجدلية السؤال والجواب وصنع تاريخه المشرق. ما يسترعي الانتباه هو الإقرار الريكوري التالية: "لا مشروع ثوري بلا وعي وبلا امتلاك الوعي، إذن بلا تمفصل للمعنى". فهل تتوقف عملية انجاح المشروع الثوري على تقاطع فعل التكلم في السياسة والشعر والفلسفة؟ ألا يمنح العنف اللاّمعنى للكلام الثوري؟

 

ترجمة النص

" ما يجعل موضوعنا هاما، هذا المساء، هو أن المواجهة بين العنف واللغة تغطي مجموع المشاكل التي نقدر على طرحها بالنظر إلى الإنسان. أي نفس ما نتصوره. إذ تغطي المواجهة بينهما حقلا شاسعا بما أن العنف واللغة يحتلان كل واحد منهما مجموع الحقل البشري. بالفعل ينتج المرء فكرة رهيفة جدا ومبهرة جدا عن العنف لو قام باختزاله إلى واحد من الأشكال القصووية حيث يكون جذريا وواضحا في حد ذاته: من جهة القتل أي الموت الذي يسببه الإنسان إلى الإنسان، ومن جهة ثانية ، قوة الطبيعة ، عندما تمنح إلى الإنسان فائضا معينا لا يقدر على التحكم فيه: عنف النار، عنف العاصفة ، عنف الفيضان، عنف الانجراف ،عنف الألم ، وعنف الوباء. لكن بين القتل والعاصفة توجد المملكة القائمة بين الاثنين وربما تشكل العنف في حد ذاته والعنف البشري والفرد من حيث هو عنف، وعنفه ينظر إليه من جهة العاصفة ومن جهة القتل: انه عنف الرغبة وعنف الكراهية من ناحية العاصفة ، و انه إرادة إخضاع الإنسان الآخر ومحاولة خوصصة حريته أو تعبيره من ناحية القتل ، انه العنصرية والامبريالية. ألا نقول لا المرء يجني شيئا حينما يعالج العنف من بعيد وأنه بالفعل يدرك كل الأشكال بطريقة حاذقة عندما يعالج المشاكل النوعية التي يطرحها الاضطهاد أو الثورة أو تلك التي تطرحها الكراهية الخاصة للإنسان تجاه الإنسان؟

بالرغم من ذلك أرى أن مهمة الفيلسوف هنا هي أن يأخذ مسافة عريضة جدا من مملكة العنف ، منذ الطبيعة الخارجية التي ندخل معها في مواجهة ، مرورا بالطبيعة التي توجد فينا ونحملها، والى حد إرادة القتل التي، لنقل، يتغذي منها كل وعي بالتضاد مع كل وعي آخر. لأن الذي يمثل وحدة مشكل العنف ليس تعبيراته المتعددة التي تتفرع من هذا الشكل أو من الآخر لما ينظر إليه بوصفه شكلا أساسيا، إن ما يمثل وحدة مملكة العنف هو أنه يمتلك كلاما في الوجه لوجه. يصير العنف بالتكلم معه بوصفه مشكلا بالنسبة إلى إنسان يتكلم والذي يلاحق المعنى، وبالنسبة إلى كائن قام بخطوة سلفا في النقاش ويعرف شيئا ما عن العقلانية. هكذا يمتلك العنف معناه في آخره أي الكلام. وبالتعادل يتأتى القول والنقاش والعقلانية على وحدة معناها من كونها مشروع لاختزال العنف. إن العنف الذي يتكلم هو العنف الذي يبحث سلفا عن امتلاك المعقولية ، انه عنف يتنزل ضمن فلك العقل ويبدأ سلفا في سلب نفسه باعتباره عنفا.

هذه هي بالتحديد نقطة انطلاقنا : العنف والكلام يقيسان معا كامل الحقل الذي يشقانه بما أنهما نقيضين مطابق كل واحد منهما للأخر بالضبط مع كامل الامتداد. على المرء أن يتوقف هنا وبوجه معين، لا يتخطى نقطة الانطلاق هذه، ولا يقوم سوى باللقاء به وبشكل أقل تجريدا وأكثر واقعية، لأنه لا يقدر أحد على التذمر من العنف دون أن يتناقض معه، وعندما يتذمر هذا الأخير يرغب في أن يكون على حق ومن هنا يدخل إلى حقل القول والنقاش تاركا في الباب سلاحه.

ينبغي أن يكون التعارض الشكلي بين الكلام والعنف ممنوحا بشكل مؤقت إلى كل متكلم ولكن قد قلنا عبثا أن هذا الأمر يثير الإحساس بأن هذا التعارض الشكلي لا يخترق المشكل وإنما يمنحه فقط بعدا هاما والذي يؤدي إلى احتواء الفراغ. لماذا؟ لأن التعارض الذي نفهمه والذي ننطلق منه ليس بالتحديد بين الكلام والعنف وإنما هو ـ حسب العبارات ذاتها لإريك فايل في منطق الفلسفة ، الذي قد اعترفت له بالفضل في مقدمتي ـ التعارض بين الخطاب والعنف ، وبأكثر دقة بين الخطاب المتماسك والعنف. في حين أن لا أحد يعلن هذا الخطاب المتماسك ولا أحد يبقى متمسكا به ، أي لو زعم أحدهم التمسك به فإنه يصبح من جديد العنيف الذي يسعى إلى تثمين بشكل مسبق خصوصيته الفلسفية تحت غطاء تضليل الخطاب المتماسك.

لقد قمت بالإعلان عن كلمة: تضليل imposture. تكشف هذه الكلمة الفجائية عن عالم مظلم من الأقوال الكاذبة التي تجعل من الكلام فعلا عنيفا. لقد قمنا بالانطلاق من الأطروحة المضادة، بوضوح وجلاء، للخطاب وللعنف، وهاهي الجملة ، التي تنفلت من عمق هذا التعارض الشكلي والذي لا يلتحم بنظامه الخاص، انه العنف يتكلم. من يتكلم قاصدا المعنى هو العنف. نحن بالفعل مدعوون إلى استثمار كل بينية بين العنف والخطاب، وهي الحقل ذاته للكلام البشري أي المختلط بين الخطاب والعنف. من البديهي جدا أن مشكلا مثل هذا لن يتأتى أبدا لو بقينا في المقارنة العلمية للغة. ولا تدرك مثل هذه المسألة إلا إذا مررنا إلى فزيولوجيا معينة للكلام وليس بإعطائها جوابا بل ببساطة أن يتم طرحها. اللغة بريئة ـ اللغة أداة ـ شفرةـ لأنها لا تَتَكَلم بل هي متكَلَمَة. انه الخطاب المرسل ، وليس البيانات المشوهة والمتناهية والمغلقة التي تحمل جدلية المعنى والعنف. ينبغي إذن أن نعيد تموضعنا في ديناميكية الكلام لكي نلتقي بهذا الصراع من أجل المعنى في مواجهته مع التعبير عن العنف. ينبغي أن يعبر أحدا ما ـ ليس بالضرورة أنا معينا ، بل شعبي وطبقتي وجماعتي ، الخ.ـ لكي يعبر العنف عن نفسه.

ينبغي أن يشق قصد قول شيء معين هذا التعبير لكي يتمكن مقصد المعنى من التعارض مع التعبير عن العنف. ثمة إذن في القول ـ وليس في اللغة ـ مكان مضبوط جدا أين يلتقي فيه التعبير وإرادة المعنى ويتواجهان. في هذه النقطة يخضع الكلام المتكلم parole parlante للجذب الأكثر حدة من العنف ومن المعنى المعقول. لقد جعل الكلام من حيث هو قول بالفعل مكانا يأتي فيه العنف إلى التعبير، وفي نفس الوقت يجد قصد المعنى المعقول مرتكزا من الاهتمام بالمرجع الذي يغذي قولنا.

أريد أن أقرب بطريقة أكثر ملموسة هذا الالتقاء في التعبيرـ الذي يعطي صوتا إلى العنف ـ ولإرادة المعنى ـ والذي يعطى صوتا إلى الخطاب المتماسك. أبحث في الكلمات، أو بأكثر تحديدا في شغل التسمية، الذي لا ينتمي إلى اللغة في حد ذاتها وإنما إلى إنتاج القول. ربما يستغرب المرء من حديثي هنا عن الكلمات بوصفها انتماء إلى نظام القول والى الجملة إذن، وليس عن اللغة ومنتجيها. ألا تنام الألفاظ هادئة في معاجمنا؟ كلا بتاتا. ليس ثمة أو لن تكن كلمات في معاجم وإنما يوجد فقط علامات متاحة ومحدودة بواسطة علامات أخرى داخل نفس النسق نفسه بواسطة شفرة مشتركة. هذه العلامات تصبح كلمات معبأة بالتعبير والإشارة حينما تساهم في بناء جمل وحينما تستعمل وتحصل على قيمة استعمالية. بلا ريب قد تكذب القاموس وتسقط بعد الاستعمال ولكنها لا تدل على ماهو خاص إلا في الدعوى العابرة للخطاب الذي نسميه جملة. إنها تدخل في حقل المواجهة بين العنف والخطاب.

أريد أن أعطي أمثلة مأخوذة من ثلاثة سجالات مختلفة لفعل التكلم الذي يخصنا. فعل التكلم السياسي وفعل التكلم الشعري وفعل التكلم الفلسفي. في هذه اللحظات الثلاثة ـ التي لا أفكر بتاتا في تصنيفها وفق تراتبية ـ يمثل اللفظ من حيث هو برعم فعل التكلم نقطة انعقاد العنف والمعنى.

 

1ـ فعل التكلم السياسي

لما أفكر في السياسة أفكر بداية في الطغيان والثورة. وهذا مشروع ولكن هذه المقاربة تظل بعيدة عن النفاذ إلى المشكل. ربما تقوم بحجب الماهوي ذاته. إن الالتقاء البدئي بين العنف والمعنى يجري في التمرين العادي للسياسة . علينا أن نبدأ بالطغيان. من البديهي أن يتكلم العنف مع الطغيان. لهذا كان من البديهي أن يعارض الفلاسفة دائما بين الطغيان هذا الحد الأقصي للسلطة والفلسفة أي الخطاب الذي له معنى. بالتحديد تقوم الفلسفة بنفيه لأنه يأتي فوق أرضيتها، الكلام. بالفعل لم يكن الطغيان أبدا التمرين المحض والغفل للقوة. بل الطغيان يضغط بواسطة الغواية وبواسطة الحمل على وبواسطة المخادعة ، يفضل الطاغي خدمات السفسطائي على خدمات الخصم. اليوم أيضا، وبالتحديد اليوم ، مر هتلر بواسطة غاببالزGoebbels. يلزم السوفسطائي غاببالز من أجل خلق الكلمات والجمل التي تثبت الكراهية وتلحم المجتمع بالجريمة وتقدم التضحية والموت. نعم، يلزم السوفسطائي من أجل منح الصوت الى العنف، صوت دال، صوت دلالي. بالنسبة إلى العنف الثوري فإنه يحتاج بصعوبة الى فعل القول الذي يحرك القول في لحظة امتلاك الوعي. لا مشروع ثوري بلا وعي وبلا امتلاك الوعي، إذن بلا تمفصل للمعنى.

غير أن العنف السياسي لا يحده لا الطغيان ولا الثورة. لقد أصيب السياسي كله رويدا رويدا بهذا اللعب المرعد للمعنى والعنف. وبلا شك ينبغي القول بداية المعنى لأن السياسي يوجد طالما وجدت المدينة لأن الأفراد بالفعل بدؤوا ينجحون جزئيا في التفوق على عنفهم الخاص بإخضاعه إلى قاعدة للحق. تحمل كلمات المدينة هذه العلامة الكلية التي تكون نوعا معينا من اللاّعنف. لكن الجماعة في نفس الوقت لا تجتمع سياسيا إلا لأنها قوة تضاعف هذا الشكل وتوصل إلى الجسم السياسي وحدة الإرادة التي تتصدر قرارات وتفرضها من أجل أن تجعلها منفذة. بيد أن هذه الإرادة الكبيرة، التي هي قانون بالنسبة إلى الأفراد، هي في ذات الوقت فرد كبير غاضب والذي يتكلم يوما بعد يوم كلام الخوف والغضب والكرامة المضطهدة والتدجيل، أي العنف. هكذا تمثل أيضا قاعدة الحق التي تعطي شكلا إلى الجسم السياسي سلطة أي عنفا كبيرا يخط دربه عبر عنفنا الخاص في مجموعه ويتكلم كلام القيمة والشرف.

ها قد جاءت الكلمات الكبيرة التي ترفع الحشود وفي بعض الأحيان تقودهم إلى الموت. بواسطة فن حاذق في التسمية تغزو إراداتنا المشتركة. انه يزيف أيضا إراداتنا مانحا كلامنا الخاص في مجموعه الأسطورة المشتركة للنصر، ويعبر بها عن العنف مثلما نعبر عن نكهة الثمرة التي نعصرها. هل يقول المرء بأن مغامرة شبيهة لا تجيء إلا إلى الكلام السياسي؟

 

2ـ فعل التكلم الشعري

لو يظهر أن الأكثر طهارة من الكلامات ـ كلام الشاعرـ لا يفلت من هذا الاجتذاب المضاعف للمعنى والخصوصية العنيفة فإنه يجدر بنا القول أن الكلام برمته من هنا ظرفي ومعروف. أتمسك بأن الكلام الشعري ينبع من انفتاح معين يسمح بظهور طابع معين للوجود. وأؤيد هنا بشكل مؤقت الوصف الهيدجري للكلام بوصفه خضوعا إلى تعهدات بالقياس إلى الوجود يكون إزاءها الإنسان منفتحا أصليا.   إنها طريقة الشاعر في تعاطي المعنى. استجابته ليست أبدا خضوعا ، حيث التمرد أو الاستقلالية الذاتية تكون هي المعاكس. استجابته تشير إلى هذا الانقياد وهذا الإتباع ، وهذا السماح بالوجود laisser- être. في هذا يكمن الخطاب اللاعنف حيث البيت الشعري هو النقطة المتقدمة. بهذا يكون الكلام الأقل تحت تصرفنا ولكنه يطرح الإنسان. بالرغم من ذلك...وبالرغم من ذلك فان الخصوصية العنيفة قد قطفت من خلال هذه النقطة الحدية اللاّعنيفة. كيف؟ لكن تحديدا في ضرب الكلمة وفي قوة ضرب الكلمة، فحمل الوجود ، حسب العبارات ذاتها لهيدجر، هو حمله إلى الكلام. بينما الكلمة ، تكوين الاسم، حسب هيدجر، بلورة الوجود في وجوده وبالتالي صونه في انفتاحه.

ما معنى فعل صونه في انفتاحه؟ هنا يسكن ويتسامى العنف الرهيف، هذا الذي قال عنه الإنجيل بأنه يقوي المملكة، في الكلمات، في القبض على الوجود بواسطة الكلمات تصير الأشياء وتكون. الانفتاح المعين الذي يكون قبضا معينا، هذه هي الكلمة الشعرية التي تعبر من خلالها الخصوصية العنيفة للشعراء عن ذاتها، في اللحظة ذاتها التي يمتنع ويتعاطى مع الوجود المكتشف. ينبثق الإنسان العنيف في النقطة ذاتها أين يلتقي الوجود والمعنى أي في الحدث، في حلول أجل الكلمة. الشاعر هو هذا العنيف الذي يرغم الأشياء على فعل الكلام، انه الاغتصاب الشعري.

 

3ـ فعل التكلم الفلسفي

أستكمل هذا المسار المترابط بين العنف والخطب ببعض الكلمات حول الكلام الفلسفي. أنا متفق تماما مع اريك فايل حول أن الفلسفة تعرف بالكامل بواسطة إرادة المعنى، بواسطة اختيار لصالح الخطاب المتماسك. ما يعد انفتاح عند الشاعر يكون عند الفيلسوف نظاما وانسجاما. لكن هذا القصد ذاته والخطوات التي يمكن للفيلسوف أن يقوم بها في هذا الاتجاه تخاطر بإخفاء العلاقة المتكتمة بين الخطاب والخصوصية العنيفة للفرد الفيلسوف. في البد عنف السؤال الأولي أي يكون الفيلسوف هذا الإنسان المدرك بواسطة صرامة سؤال معين أي سؤال الكوجيتو، سؤال الحكم التأليفي القبلي، سؤال الوجود ذاته.

بيد أن الفيلسوف يأتي دائما إلى التفكير بواسطة شعبDéfilé سؤال فريد. عنف ونقطة انطلاق. عنف نقطة الانطلاق. فعل أن نبدأ هو دائما ضربة قوية ، حتى وبالخصوص لما نبدأ بواسطة الجوهر المطلق مثل سبينوزا. أيضا هو عنف المسار الفريد أي الفيلسوف هو هذا الذي يمفصل تكملة لخطابه في أفق تراث معين، والذي هو يظل تراثا حيا على الدوام ، بتسليم كلمات مترسبة سلفا، لا يمكن لأي فيلسوف أن يقوم بالاستيلاء التام من جديد على مسلماته. لا وجود لفلسفة بلا مسلمات.

أيضا عنف الانتهاء، هناك دائما ماهو سابق لأوانه أي الفلسفة لا توجد إلا في الكتب التي هي في كل مرة تأليف متناه للروح، الكتاب هو دائما مجعد بطريقة مبكرة، انه يوقف مشار الكلية في إغلاق اعتباطي. لهذا السبب كل الفلسفات هي جزئية، حتى وان وجد الكل في كل فلسفة هامة. وفي الجملة أنا نفسي عينها واحد من هذه الخصوصيات العنيفة، إني أدرك كل هذه الخصوصيات الكلية التي هي كليات خصوصية من وجهة نظري الخاصة. وحده الدرب الصلب "للنضال المحبوب combat amoureux" يكون ممكنا.

 

خاتمة:

أريد أن أنهي باستخلاص بعض الاستنتاجات النظرية والعملية من هذه المكافحة. الأولى تتعلق أساسا بحد المعنى المعقول والخطاب المعقول الذين يجمعان كل هذا التفكير. أريد أن أقول هنا ثلاثة أشياء.

أولا ، هذا النقاش ليس له معنى إلا إذا تمكنا من فعل الكلام عن غاية destination الكلام. اذ لا يمكن مواجهة الكلام والعنف، ولا حتى الجمع بينهما، دون مشروع معين للكلام ودون غاية. ان البحث عن المعنى ، بتخطيط هذه الغاية، يعطي إلى العنف نقيضه. لكن أليس من الخطير ، ومن الزيف ، أن نتحدث عن غاية للكلام؟ لأن من يعلم أين تذهب ولماذا تصلح؟

لقد تم نقد العلل الغائية منذ الزمن الجميل بواسطة الفلاسفة من ديكارت إلى سبينوزا وكانط وهيغل ونيتشه. ولكن نقد الغائية، مدركة بوصفها الحد النهائي المفروض من الخارج على وظيفية ميكانيكية،لا يستنفذ مسألة المعنى، لأن الغائية الحقيقية ليست هدفا مقترحا من الخارج ، إنها البيان الممتلئ لتوجيه ديناميكية معينة. يفرض هذا البحث علينا إذن أن نأخذ رؤى هومبدولت المتعلقة بتكون الكلام بوصفه بيانا تاما للروح، باعتباره بيانه الذاتي عن نفسه، انتشاره الذاتي على الملأ. من غير الممكن الدخول إلى جدل معين مثل الذي نهتم به اليوم دون هذا النداء على الكلام إلى فعل التعبير عن المفكر بالتمام.

 

الملاحظة الثانية:

ليس فعل التكلم عن معنى معقول هو وحده فعل التكلم للذهن الحسابي وللذكاء الأداتي. على العكس. كل اختزال للعقل في الذهن يتواطأ في النهاية مع العنف. عندئذ وحده الصراع المنظم ضد الطبيعة يصير مفكرا فيه. إن بناء تاريخ معين ، فردي أو جماعي، يصير بلا معنى. انه ليس مستغربا إذن في عصر التخطيط planification   ألا يجد الذكاء سوى beatnik قبالته أو عبثية الجريمة بلا هدف. في عالم الصراع المنظم ضد الطبيعة فقط وفي العالم الذي قد اختزل مشروعه حول العقلانية في هذا الصراع يتم تصور الجريمة المحضة ، وأدرك هذا الذي يقترح القتل من أجل القتل بصورة جذرية.

الملاحظة الثالثة :

عندما يستولي الذكاء الحسابي على الكلام في حدا ذاته ينتج التأثيرات ذاتها من اللامعنى، فأن نعرف بنى اللغة لا يعني أننا نتقدم خطوة في المعنى المعقول. لأن الذي هو محل تساؤل ليس معنى الخطاب ولا بنية الملامسclavier الذي به يلعب. مشكل الكلام في مواجهة العنف ليس مشكل بنية ، انما مشكل معنى، معنى معقول، أي الجهد من أجل الاندماج في فهم حاوي للعلاقة بين الإنسان والطبيعة، بين الإنسان والإنسان، بين الوجود والمعنى، وفي النهاية الصلة ذاتها بين الكلام والعنف. لقد تم تشجيع الوهم الذي من خلاله يضعف الذكاء البنيوي فهم الكلام بواسطة الاعتقاد في أن المعرفة البنيوية ، بوضعها الذات بين قوسين ، تتخلص من وهم التمركز على الذات.

بيد أن الفهم الذي لا يفهم أيضا ذاته، ـ في القبول المضاعف للفظ أي الذي لا يحتويه ولا يخترق المعنى،ـ هو ذكاء ميت ، ذكاء منفصل. بالرغم من أنه في المظهر، يترك المكان فارغا من أجل إثبات فوضوي وعنيف للذات ، وبالتحديد لأن هذا الأخير قد تم استباحة حقل بحثه. ليس من المستغرب أن طقس اللامعنى لامعنى للشخصية يزهر حيث يتم الإعلان عن جمع النفي الأشد تعصبا للذات. كل ذكاء أداتي فقط، لأنه لا يفهم حامله الخاص، هو ضالع في العنف وفي الإثبات اللامعنى للخصوصية. الذكاء الأداتي و الوجود اللامعنى هما الولدان التوأمان واليتيمان بعد موت المعنى. لهذا السبب يمكن لعمل واحد للفكر، أين المفكر يفهم ذاته في التاريخ المعنى، أن يفهم في ذات الوقت الخطاب ونقيضه ، أي العنف.

لكن كيف نعيش الوضعية البينية ، بين المعني والعنف ؟ أن نجيب على هذا السؤال هو أن نطلب ما صار بالنسبة إلى التطبيق التعارض الأولي بين الخطاب والعنف. أحاول أن أوجز في تجميع بعض القواعد الخصبة حول حسن الاستعمال الكلام في مواجهة مع العنف.

1) لا ينبغي أن ننقطع عن الأخذ بعين الاعتبار من حيث هو حقيقة بسيطة ومجردة ولو كانت فارغة هذا الذي يمثل نقطة الانطلاق الخاصة بنا أي معرفة أن الخطاب والعنف هما الأكثر تضاد للوجود البشري. أن نشهد دون انقطاع هو الشرط الوحيد من أجل معرفة العنف حيث يكون والعودة إلى العنف إذا اقتضى الأمر. بيد أن هذا الذي لا ينقطع عن فعل الإشارة بوصفه المضاد للخطاب يتم الاحتفاظ به دائما لكي يكيل المديح ، ولا ينقطع عن شقه أو عن الاعتقاد بأنه تم تجاوزه عندما لم يعد كائنا. ينبغي أن يظل الالتجاء إلى العنف دائما إثما محدودا، خطا في الحساب، ومن يسمي الجريمة جريمة هو من الآن فصاعدا على درب المعنى والخلاص.

2) لا ينبغي أن نتمسك بأن الخطاب اللاعنيف فقط حقيقة شكلية بل نشهد على أنه أمر أي" لا تقتل" هو على الدوام حقيقي، حتى عندما لا يكون مطبقا. من يغفر يستمر في الاعتراف بالأخر باعتباره كائنا عقلانيا ويمنحه فعل التشريف. علاوة على ذلك ، يحافظ بواسطة طرق شتى على إمكانية الدخول في نقاش مع خصمه، انه لا يرتكب البتة في زمن الحرب حركة تجعل السلم مستحيلا.

من هنا يتم التعويل بشدة لكي تضغط أخلاق الاقتناع على أخلاق المسؤولية. تبقى مكانة الشاهد على اللاّعنف منقوشة في التاريخ. يشهد اللاّعنيف بواسطة حركته المهاجرة وغير الموافقة بالنسبة إلى كل الناس هدف التاريخ والعنف في حد ذاته.

هذه التكملة الثانية من الاستنتاجات لا تتضاد البتة مع الأولى: أن نعترف بالعنف حيثما يكون، وأن ننظر في فعل الالتجاء إلى العنف كلما اقتضى الأمر، لا يقصي البتة فعل اعتراف المرء بمكان الشاهد اللاّعنيف في التاريخ، لأنه لو انتمى اللاّعنف لوحده إلى أخلاق الاقتناع فإنه في مقابل هذا الأخير لن يحتل البتة مكان أخلاق المسؤولية. تعبر الجدلية بين أخلاق الاقتناع وأخلاق المسؤولية عن وضعيتنا ذاتها البينية بين الخطاب والعنف.

3) القاعدة الثالثة لحسن استعمال الكلام تتعلق بما أسميه ممارسة اللاّعنف في الخطاب في حد ذاته. يقتضي عنف الخطاب في الادعاء بأن واحدة من كيفياته تستنفذ القول. أن تكون لاعنيفا في الخطاب يعني أن تحترم تعدد وتنوع الكلامات. انه ترك المكان لأنماط الخطاب أي هنا الخطاب الحاسب وكل خطابات الذهن، هنا المعنى المعقول ومشروعه في الشملنةtotalistion ، في مكان آخر التقاطع بين الخطابات الميثية والكلام النبوي تفتح الإنسان على المصدر ذاته للمعنى حيث لا يطرح بل هي تطرح منه. أن نحترم التعدد والتنوع والتراتبية في الكلامات يعني بالنسبة إلينا نحن البشر الطريقة الوحيدة للاشتغال على المعنى المعقول. "[2]

 

التعليق:

تتمثل وجهة نظر بول ريكور في أن الإنسان كائن فضولي قادر على مواجهة اللاّمعنى، علاوة على أن تاريخ الإنسانية التي ينتمي إليها قد شهد محاولات مستمرة وللتصدي لعنف الطبيعة الخارجي وإحلال السلم الدائم مكانه وإعطاء معنى للحياة من خلال العمل والتنظيم وتنمية الأبعاد المدنية من الطبيعة الإنسانية وجعل البعد اللغوي كلاما معقولا وإبداعا دلاليا.

توجد علاقة تواشج بين الشعر والعمل وبين الكلام والعنف وإذا كان العمل يمكن الإنسان من الانتفاع بأشياء الطبيعة ويتسبب من جهة الابتداء في الشقاء ويجلب السعادة في المنتهى فإن الشعر يساعد الإنسان على التحرر من ضغط الواقع والتحليق في الخيال وإعادة بناء عالم مختلف ويجعل من الأبعاد الرمزية للكلام هي مسكن الوجود وموضع مكوث الكائن البشري.

بيد أن العنف لا يصدر عن الطبيعة الخارجية فحسب بل قد ينبعث من داخل الجماعة ويتفجر على مسرح التاريخ بشكل فجائي ويتراوح بين التدميري غير المشروع والبنائي المشروع. لكن هل يؤدي الإقرار بشرعية العنف التكويني إلى تقديسه والنظر إليه بوصفها حقا إنسانيا؟

يضع ريكور ثقته في اللغة ويبحث عن كلام عقلاني خالي من العنف يجري من خلاله النقاش المفضي إلى الاتفاق والتفاهم ويتم معالجة الأشكال المرئية من العنف والأشكال اللاّمرئية.

لا يمكن أن يتحرر الإنسان من أسر الطبيعة والشروط الاجتماعية والتاريخية والاقتصادية إلا من خلال تحصيل الحرية السياسية والحرية الشعرية والحرية الفلسفية وبعد إخلاء الفعل السياسي والقول الشعري والتفلسف الشخصي من خطر مداهمة العنف والكذب والأداتية.لكن ألا تنتصر الإنسانية على هذا الوباء المتفشي حينما تحل لغة المعنى مكان واقع اللاّمعنى؟

 

المصدر:

Ricœur Paul, violence et langage, in la violence , recherches et débats, semaine des intellectuels catholiques, février 1967,édition Desclée De Brouwer ,Paris, 1967 .pp.86ـ94.

ترجمة وتقديم د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

........................

[1] Ricœur Paul, violence et langage, in la violence , recherches et débats, semaine des intellectuels catholiques, février 1967,édition Desclée De Brouwer ,Paris, 1967,pp.86ـ94.

[2] Ricœur Paul, violence et langage, in la violence , recherches et débats, semaine des intellectuels catholiques, février 1967,édition Desclée De Brouwer ,Paris, 1967,p94.

zouhair khouildi"يدفع الإرهاب الشامل إلى الحد الأقصى بعدين اثنين هما غياب الأهداف الواقعية والقدرة على استخلاص فائدته من عطوبية الأنساق المعقدة"1[1]

ماهو دور الفلسفة النقدية في تشريح العلاقة بين الإرهاب والعولمة والتمفصل بين الأديان والعنف المدمر؟

ذلك هو السؤال الذي حاول يورغن هابرماس أن يجيب عليه بالاعتراف منذ البداية بالطابع المزلزل للحدث التاريخي واتصاف التساؤل الفلسفي عن الخبر بدراسة الصاعقة التي تخلف البطش والرعب. ولهذا حاول إعادة التفكير في دلالات الهجومات الإرهابية ومدى انتمائها إلى الأحداث الفارقة في الأزمنة التاريخية ومدى تورط العولمة والوسائل الحديثة للاتصال في صناعة الإرهاب وانتشارها بشكل سريع.

لقد حصل إجماع على أن الإرهاب علامة مرض بالنسبة للحضارة الكونية ودليل على أزمة بنيوية في الديمقراطية التمثيلية وفشل الفصل العنيف بين السرديات التأسيسية والقوانين الوضعية ويمثل خطرا داهما على الحياة السياسية التشاركية وعلى النظام التشريعي الضامن لها ويسبب الشلل البطيء للآليات الدفاعية والميكانزمات المقاومة حينما تتعرض الجماعة السياسية لهجوم خارجي وتتحسس ضعفا هيكليا داخلها.

إذا كان جاك دريدا يفسر هذه التصرفات بكونها ردود أفعال دفاعية ناتجة عن الحداثة نفسها والتنوير الذي شرعن الاستعمار وضاعف أشكال اللاّمساواة بسبب التحديث القسري والسريع والإرادة السياسية الغازية ويري أن "العولمة" هي عبارة منمقة تعد الإنسانية بالرخاء والوفرة ولكنها تخفي البؤس والعنف والظلم ويأمل أن تشفى الإنسانية من هذا الوباء الرقمي بأن يتم إخماد النيران والحروب وفض النزاعات التدميرية والتقليل منها ومراقبتها والانتصار عليها بالتدرج وعبر مراحل وبطريقة بطيئة ومدروسة فإن هابرماس يفسر وجود التطرف والإرهاب بالعنف الذي أفرزته العصرنة المسقطة على أنماط الحياة التقليدية وفشل الحداثة في الانتشار على الصعيد الكوني ووجود مقاومات هووية ويشير إلى أن العقل الإنساني مثلما يسمح بالتواصل الشفاف والتنظيم الإداري والتقدم التكنولوجي يفرز أيضا الانفصال والاغتراب والعنف.

بناء على ذلك يخيم شبح الإرهاب العالمي على الحياة الإنسانية ويصدم الوعي ويحتل مساحات التفكير الممكنة وينتقم من المستقبل بأن يلغي كل أمل بالعيش المشترك وكل وعي بالعلاقة التكوينية في الحاضر. وفي نظر هابرماس يمثل العالم الإسلامي حالة خاصة ويوجد في وضع استثنائي، فهو يخلو من التقاليد الديمقراطية والتداول السلمي على السلطة ويعرف أنظمة حكم مستبدة وشمولية من ناحية أولى ويمتلك ثروات بشرية هائلة ومصادر من الطاقة البترولية الحيوية لا يقدر الاقتصاد العالمي أن يعوضها من ناحية ثانية ولذلك تتحرك الدول الكبرى من أجل حمايتها وتشن الحروب والنزاعات من أجل السيطرة عليها.

العيب الأكبر بالنسبة إلى هابرماس هو في التقاليد والثقافية الإسلامية التي تتناقض مع الحداثة وتوجد في وضعية مواجهة دائمة مع الحضارة الكونية وتستميت في الدفاع عن هويتها وتضحي بحاضرها من أجل الحنين إلى الأصول والبقاء وفية إلى الينابيع ولذلك تحولت إلى تربة خصبة للاستبعاد والإقصاء والعزلة.

والحق أن الإرهاب ظاهرة نفسية متمركزة حول الآلة الرقمية وملتصقة بالعقل الحسابي وتتكثف باستمرار في المستقبل وتتداخل مع التجربة الإنسانية وتلتصق بالعقل التقني والفضاء الرقمي والعالم الافتراضي وجعلت من الدافع المرضي هو استيهامات الأمل والوعد والحلم الذي يمكن الإنسان المقهور من ثبت ذاته في الخيال، ولا مخرج منها إلا بالتحليل والنقد الذاتي للتراث الاستعماري الذي خلفته الحداثة والتنوير.

يفرق هابرماس بين الجريمة العادية وأشكال العنف الأخرى التي يلجأ إليها الأفراد والجماعات للدفاع عن النفس ويعتبر دفاع الفلسطينيين عن أرضهم ومقاومتهم لكل التعديات التي تصادر حقوقهم إرهابا من النوع التقليدي الذي يحدث داخل الأوطان وتمارسه حركات سياسية تجاه كيان سياسي قائم يسمى دولة. غير أن مثل هذا الحكم المتجني هو باطل وقد نتج عن الإحساس بالذنب لدى كل ألماني وربما قد ارتبط بتوبيخ الضمير لما ضاقه اليهود في الحقبة النازية من تشريد وازدراء وصدر عن التمركز الحضاري الغربي.

يصل العنف إلى درجة الفتك والتعدي لكل المعايير حينما يمارس بطريقة فوضوية مدمرة للعدو المفترض ويقابل الحياة بالحياة ويبادل الموت بالموت ويحدث الصدمة والرعب حينما يفقد الغائية ويمارس الإعدام لكل إمكانية للوجود في العالم والتواصل مع الغير وعندما يقضي نهائيا على كل أشكال الحوار والتفاهم.

بوجه عام أن الأسباب المؤدية بصورة غير مباشرة إلى تفجر العمليات الإرهابية هي الكراهية بين الشعوب والاختلافات في التصورات العقدية للحياة وبروز أشكال من التهميش الاقتصادي والظلم الاجتماعي وتعثر المنوال التنموي والتمييز على أساس العرق والجهة والمعتقد واللون والانتماء الهووي واحساس الثقافة الرسمية بالتعالي والتفوق على ما يفد من الهوامش والأطراف.

على هذا الأساس يشكل الإرهاب تجليا صادما للعنف البنيوي الذي يقبع في اللاوعي السياسي للأفراد ويجد الفرصة بالبروز عند احتدام الأزمات الدولية والانتفاضات الشعبية وأشكال العصيان والتمرد. وبالتالي حينما تتعطل لغة الحوار بين الجماعات المتغايرة ثقافيا وحينما يطرأ اضطرابا في التواصل ويسود الانفصال والانطواء على الذات والعزلة والتوحد وتستبد أشكال سوء التفاهم وانعدام الثقة بالمشهد فإن النزاعات تظهر على السطح ويبرز اللاّتواصل ولغة العنف بوصفهما الطريقة الوحيدة للتواصل.

وبلا شك يفضي حدوث اضطراب في دوائر التواصل إلى نشوب العنف والإرهاب وكذلك ينتج هذا التوجه التخريبي إلى تراكم أشكال من سوء التفاهم والمشاحنات التي تعطل بدورها تجربة التواصل.

بطبيعة الحال أدان هابرماس من وجهة نظر أخلاقية الحركات المرعبة للنفوس التي تهاجم وتدمر وتهدد الحياة المدنية وتحمل صفات الهمجية والتوحش مهما كانت الدواعي والوضعيات المضطربة التي دفعت إليها ويرفض أي تبرير للقتل والعنف والألم المسلط على الغير وإلحاق الضرر به وتخليف الضحايا. ويقوم بتحليل كيفية نشوء الظاهرة من زاوية تاريخية ويضعها في سياقات سياسية دولية مضطربة تميزت بنهاية الاستقطاب الثنائي وهيمنة النموذج الليبرالي الغربي في صيغته الرأسمالية الصناعية المتقدمة وبروز تحولات سياسية في مختلف أشكال الحكم وسقوط الأنظمة الشمولية وفقدان الدول السيطرة على الأوضاع الداخلية وعجزها عن مراقبة الأقاليم وفرض نفوذها على الأرض والتحكم في الجماعات الاحتجاجية التي وجدت الفرصة السانحة للقيام بأعمال إجرامية في الداخل والتخطيط لمهاجمة الخارج. لا يشبه الإرهاب السياسي مطلقا الجريمة العادية التي يتولى القضاء المحلي التحقيق والبت فيها ولا يقدر القضاء الدولي لوحده الحكم على هذه الظاهرة العالمية وذلك لتعقدها ولطابعها المجهري وما تتطلبه من تضافر لكل الجهود وتعاون المقاربات والمعالجات والسعي إلى فض الخلافات بالطرق السياسية السلمية.

ينجم عن ذلك أن إعلان الحرب على الإرهاب بغية درء المخاطر يؤدي إلى ارتكاب أخطاء جديدة لكونه يواجه قوة شبكات مجهرية لا يمكن حصرها ولا يقتصر على محاربة جيش نظامي كلاسيكي لدولة مارقة. ان لفظ الحرب على الإرهاب هو عبارة سقيمة من وجهة نظر معيارية لكونه يرفع من قيمة المجرمين ويمنحهم مرتبة المحاربين الأعداء ومن زاوية براغماتية يستحيل بالقوة العسكرية التغلب على المجهول.

يدافع هابرماس عن مسارات التحديث التي تقوم بها الحضارة الغربية تجاه العالم ويوظف المنعرج اللغوي في سبيل تحقيق أشكال المعرفة الكلية وتجسيد أفكار العقلنة والأخلاق والحرية في المؤسسات القانونية الدولية ويعتبر مقصد الحداثة الغربية في قيام مجتمع دولي حر يسعد فيه الجميع لم يفشل لأنه لم يتحقق بعد بل مازال لم ينته ولم يصل إلى الاكتمال ويتطلب مواصلة عملية التنوير والإصرار على استخدام العقل وتامين القدرة على العمل والبناء والكفاءة في التواصل وقنص المصالح المعرفية والمادية والتقنية والمصالح العملية مثل الانعتاق والاجتماعية والتفاهم والتفاعل والتكامل والمشاركة الكاملة في عمليات اتخاذ القرار وتحمل مسؤولية التدخل البناء والفعال في الفضاء العمومي والتسلح بالتفاؤل والأمل.

غير أن غابة من المشاكل أعاقت بلورة هذه الحداثة البعدية وأدت الى ظهور موجة من النزاعات العدمية المتشائمة والواقعية السياسية المحافظة بسبب التناقض بين البني الاجتماعية والصيرورة التاريخية والنظم المعرفية ويظهر ذلك في قيام التنوير على الاستعباد والبناء الهرمي وتحول العقلانية إلى حساب أدوات.

لقد حاول هابرماس تحويل العقلانية الغربية إلى حكم معياري وتصور مجتمعي ونظام سياسي ديمقراطي ينطبق على جميع البشر بشتى توجهاتهم وأنماط حياتهم ويسمح للجميع بالاختيار على التكافؤ والخبرة. لكن ظهور بوادر الهيمنة والتسلط والاستغلال والاغتراب والأداتية عطلت الأفعال العقلانية التواصلية وأعاقت قوى التطور من الاندفاع نحو إمكانيات غير متوقعة وأنتجت قيم ثقافية معادية للتغير والأنسنة.

رأس الفتيل الذي يغذي الصراع والتصادم بين الغرب والثقافات الأخرى يتمثل في هينة المستوى الاقتصادي على المستوى الاجتماعي وعلى المستوى الثقافي وتحوله إلى العنصر المحدد في شكل تطور النوع البشري والمتحكم الأبرز في صيرورته التاريخية ومصيره. وما يعقد الوضعية أكثر خضوع مؤسسات الدولة لهيمنة رجال الاقتصاد والأعمال وتمادي علاقات القرابة من العائلات المالية في احتكار القرار السياسي والتصرف في شؤون البشر والتنفذ في الإدارة وكذلك الانفراد بالتخطيط ورسم السياسات. علاوة على أن الفكرة التي تربط استقرار الديمقراطيات الغربية بتكون رأي عام حقيقي يمثل قوة ضغط على السلطة ويمكن غالبية الناس من المشاركة والتأثير والتوجيه واتخاذ القرار هي مجرد وجهة نظر متداولة وفاقدة للمصداقية وتحتاج إلى قرائن وإثباتات بالنظر إلى أن البنية الطبقية للملكية تكرس هيمنة القلة على الرأي العام وتقصي الأغلبية وتسمح للعناصر المتحالفة مع دوائر الضيقة من القوة من استخدام الاقتصاد لمآربها الشخصية دون مراعاة المصلحة المشتركة ودون التفكير في استمرار سيادة الدولة.

" لقد وصل تدخل الدولة وما استتبعه من نمو العقل الأداتي إلى حد خطير حتى أضحت اليوتوبيا السلبية ممكنة وقد وصلت عقلنة القرارات التي تخص الشأن العام إلى حد تفويض الكمبيوتر بالقيام بهذا الدور بدل التنظيمات الاجتماعية ، الأمر الذي أدى إلى استبعاد تلك القرارات من مجال المناقشة العامة تماما"2[2].

غني عن البيان أن يكون الغرب في أزمة ناتجة عن التحولات البنيوية التي عصفت بالنظام الرأسمالي حسب هابرماس وتتجلى في الاقتصاد في مستوى الصراع بين المالكين لوسائل الإنتاج والمنتجين الفعليين تظهر في المجال السياسي الاجتماعي في توتر العلاقة بين الدولة والأفراد وبين الحاكمين والمحكومين وتشتد في المجال الثقافي القيمي في لامعقولية العقلانية واندلاع صراع بين الثقافات من أجل الشرعية.

من المفروض أن يقوم الغرب بتنمية علاقاته مع الثقافات الأخرى والدول المغايرة والكف عن فرض قواعد الحوار ومنطقه الخاص في التفاهم مع الآخر بالقوة والإكراه وأن يعمل على تخفيف درجات الكراهية وحدة العدوانية التي تشعر بها بعض الشعوب تجاهه وخاصة تلك التي تم استعمارها واستغلال ثرواتها ونهب مدخراتها وإهانة رأسمالها الرمزي وتدنيس مقدساتها ولها ذاكرة مثخنة بالجراح. وبالتالي من المفروض أن تقوم الحضارة الغربية بنقدها الذاتي وأن تبحث عن لغة مشتركة وتعول على ترجمة وجهة نظرها الايجابية إلى لغات العالم وتدخل في سياسة حوارية مع الثقافات وتوطد السلم والتعايش.

لا يكفي أن تتحرر العقلانية الغربية من فلسفة الوعي وتنفتح على المنعرج اللغوي ولا يهم أن تتوقف عن طموح التأسيس الموروث عن الأنطولوجيات التقليدية وتتبنى خيارات تداولية تشاركية وتنتهج مسارات إجرائية في الثقافة والسياسة والقانون والاجتماع والعلاقات الدولية بل الأهم هو حسن إدارة الأزمة والوعي بالوضع المرضي المزمن ونسق الأزمات التي يصدره الغرب إلى العالم باسم التضامن والتكافل.

إذا كانت الأزمة في مظهرها الاقتصادي تتأثر باندلاع صراعات جديدة حول الأجور وتحسي شروط العمل وتؤدي إلى فقدان الإنسان السيطرة على الحياة الاجتماعية وبروز توترات نفسية مثل التشويه والكبت وتنشأ نتيجة فوضى السوق وعجز الدولة عن التوفيق بين المصالح المتضاربة للمتنافسين وانجرارها وراء سياسة إصلاحية ترقيعية تقوم على الاقتراض والتداين وبالتالي تقع في شراك التضخم والفشل في تأدية وظائفها الحيوية فإن المنحدر الخطير الذي يهدد الغرب هو نهاية الدولة الأمة وإصابتها بنقص في المشروعية وذلك بحكم فقدان النظام الانتخابي التمثيلي الهالة وحدوث قصور في الدافعية بسبب تنامي البيروقراطية الإدارية وإضعاف قدرات الفئات الشابة والنسوية والشرائح الشعبين من المشاركة.

يعول هابرماس على نظرية الفعل التواصلي في امتصاص العنف اللاعقلاني، الذي يهدد بتمزيق الروابط وبتوتير المناخ وبشحن الأجواء بالمشاعر السلبية، ويجعل من الفاعلية الموجهة نحو التلاقي الأداة الناجعة لبناء أرضية مشتركة للحوار الثقافي والتعاون الاقتصادي والتبادل العلمي والتنافس التقني على الاختراع.

كما يسعى إلى تشييد مجال التجربة المباشرة والتلقائية للرغبة والمعرفة والفعل على التكامل الاجتماعي وربط الحياة اليومية للناس بالحوار العقلاني المتبادل وتمتين جسور التواصل بين الأفراد والمجموعات والشعوب وفق الحجة والتعقل وليس وفق الأعراف والعادات والتقاليد وعن طريق الإقناع وليس الإكراه. أن تبدو العملية معقدة ومتشابكة وتهم الجانب الإداري والمعطى القانوني وتطرح في إطار شبكات الاتصال والمنظومة الرقمية وتمس أيضا الرموز الثقافية والقناعات الدينية وتهم أشكال الرقابة السياسية للأفراد. وإذا أردنا بناء الثقة على الصعيد الكوكبي وبلوغ علاقات دولية مستقرة فإنه من الضروري الشروع في تنقية الأجواء على صعيد الإيمان والعلم والعلاقات الثقافية قبل المسارعة بوقف التهديدات العسكرية وحلحلة المشاكل السياسي بفرض لغة السلم والتفاوض الديبلوماسي بدل لغة التهديد والوعيد الحربي.

بلا ريب إن نشر ثقافة حقوق الإنسان والمواطنة والقيم التقدمية والتربية على الديمقراطية وترشيد الممارسات الليبرالية في الحياة العامة وتنظيم ورشات النقاش ودورات الحوار هي خطوة في الطريق الصحيح نحو استكمال المشروع الأنواري من أجل تحديث المعمورة ومهما كانت أشكال المعاندة والعرقلة حادة وعنيفة فإن المنتصر الوحيد حسب هابرماس هو العقلانية التواصلية ومؤسسات التفاوض والتوافق.

خلاصة القول أن القيمة المضافة في التواصل بين الشعوب لا يمكن احتكارها وادخارها من جهة دولية واحدة وأن توزيع رأسمال الثقة المتبادلة بين الشركاء في تعمير الكوكب وإزالة الحدود والحواجز أمام تنقل الأفراد والبضائع ورؤوس الأموال والمعلومات والخبرات هو الخيار الكوني والتمشي الحضاري التمديني الذي يجب أن يسير فيه الكل دون استثناء حتى يتم القضاء على الإرهاب واقتلاعه من جذوره. "بالتالي يقتضي التواصل - باعتباره شرط إمكان دون أن يكون هدفا- بخصوص العالم وجود نظام لغوي عمومي يشترك فيه الناس في الواقع الحي.. ويتشرب التقاليد الموروثة والمواقف الجماعية حول العالم".3[3]

لهذا السبب على الحضارة الغربية أن تراجع الصورة النمطية التي كونتها عن نفسها وسببت لها الأذى والشيطنة وأن تغير من نهج سياساته تجاه العالم وأن تكف عن استعمال شعار صدام الحضارات من أجل تحقيق مصالحها الاقتصادية وتتخلى نهائيا على الحلم الاستعماري الأنواري بالتسيد التقنوي للوجود.

الآية على ذالك هو" أن حوار حضارات جديدا سيتيح نزع الصفة الجبرية على المستقبل والتدرب على تصور إمكانيات أخرى وتحقيقها والعثور من جديد على توازن مع الطبيعة وأهم ما في الأمر هو خلق شروط تتيح لكل امرئ أن يتصور ويعيش إمكانيات أخرى وأن يشجع تحديد الغايات تحديدا ذاتيا."4[4]

لكن تبشير هابرماس بالنموذج الليبرالي الديمقراطي وتبنيه نهج العولمة ومناداته باستكمال إستراتيجية الحداثة بالنسبة إلى بقية الشعوب والدول المتخلفة عن الركب ألا ينم عن إعادة إنتاج للمركزية الغربية والصورة النمطية الخاطئة عن الغير؟ لماذا أساء الظن بالفلسطينيين المدافعين عن حقوقهم المشروعة حينما نعتهم بالإرهابيين؟ ماذا أنتج التواصل غير الاعتراف بالعدو والتطبيع مع الواقع والتنازل عن الحق؟ أليس من اللائق أن يحترم الغرب مقدسات الشعوب التي تختلف مع منظومته المعيارية للحياة؟

 
 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

....................

الاحالات والهوامش:

1] Habermas )Jürgen(,Qu’est-ce que le terrorisme ?, février 2004.

Lien :http://www.monde-diplomatique.fr/2004/02/HABERMAS/11007

[2] كريب (إيان)، النظرية الاجتماعية من بارسونز الى هابرماس، ترجمة محمد حسين غلوم، سلسلة عالم المعرفة ، عدد244،الكويت، 1999،ص356.

[3] فرانك مانفريد، حدود التواصل، الإجماع والتنازع بين هابرماس وليوتار، ترجمة عز العرب لحكيم بناني، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، 2003،ص88.

[4] روجي غارودي ، حوار الحضارات، ترجمة عادل العوا، منشورات عويدات، بيروت ، طبعة رابعة، 1999، صص161-162.

 

المصدر:

Habermas )Jürgen(,Qu’est-ce que le terrorisme ?, février 2004.

Lien :http://www.monde-diplomatique.fr/2004/02/HABERMAS/11007

 

المراجع:

كريب (إيان)، النظرية الاجتماعية من بارسونز الى هابرماس، ترجمة محمد حسين غلوم، سلسلة عالم المعرفة ، عدد244،الكويت، 1999، ( الفصل 12 يورغن هابرماس : عودة الى خزانة ملفات صص345- 366).

فرانك مانفريد، حدود التواصل، الإجماع والتنازع بين هابرماس وليوتار، ترجمة عز العرب لحكيم بناني، أفريقيا الشرق، الدارا البيضاء، الطبعة الأولى، 2003،

روجي غارودي ، حوار الحضارات، ترجمة عادل العوا، منشورات عويدات، بيروت ، طبعة رابعة، 1999  

 

mohamad ghaniيلتقي العلم مع الدين في الاقرار بشيء نجده من الأهمية بمكان في تحقيق النجاح الانساني عبر التاريخ، هذا الامر هو ذلك الدور المحوري الذي يلعبه العقل في تحديد المصير الانساني سواء في هاته الحياة الدنيا وهي من الامور التي بحث فيها الفلاسفة وعلماء النفس أو حتى في الحياة الاخرى وهي من الأمور التي نبهت اليها الكتب السماوية وجاء بها الانبياء عبر التاريخ.

نبه أرسطو قبل آلاف السنين الى مبدأ عظيم لا تمثل كل الانجازات العلمية الحاضرة الا حواشي مفسرة وموضحة له 1، هذا المبدأ هو ما نسميه اليوم قانون السبب والنتيجة حيث رأى أرسطو أننا نعيش في عالم منتظم ومحكوم بقوانين كبرى ثابتة وأن كل شيء يحدث من حولنا له سبب معين سواء علمناه أم جهلناه2.

نفس هذا المبدأ تعلمناه في المدرسة يوم كنا صغارا لما كانت معلمتنا تدرسنا قصة الصرار والنملة تفسيرا للمثل الشائع "من جد وجد ومن زرع حصد" وما تلك القصة الا تعبير قصصي مفسر للمبدأ الديني الخالد في آي القرآن الحكيم "قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها" الشمس 9-10، حيث جاء جواب القسم كقاعدة كونية بعد قسم الحق بثمانية أنواع من آياته الكونية العظيمة قائلا {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} الشمس 1-8، فإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أهمية هاته السنة الالهية والناموس الكوني الذي مفاده أن من ينجح في تزكية نفسه فهو في فلاح وسعادة، أما من أهمل تزكية نفسه فهو في خيبة وخسران وندامة 3.

لا غرو أن هذا المبدأ الديني نفسه ما عبر عنه إسحاق نيوتن "لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه " 4، وصاغه براين تريسي رائد علم نفس النجاح بقاعدة مفادها "أن لكل فعل عواقبه" وهو متضمن الآية الكريمة "إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم " يس12، حيث ذهب صاحب التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب الى أن المقصود بآثار ما قدم ابن آدم هي السنن الحسنة، كالكتب المصنفة والقناطر المبنية، والحبائس الدارة، والسنن السيئة كالظلامات المستمرة التي وضعها ظالم والكتب المضلة، وآلات الملاهي وأدوات المناهي المعمولة الباقية، وهو في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجر العامل شيء، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها فما قدموا هو أفعالهم، وآثارهم أفعال الشاكرين فبشرهم حيث يؤاخذون بها ويؤجرون عليها .5.

إن عقل الإنسان هو سلطان جوارحه فهو الآمر الناهي في مملكة الفعل الانساني وقد عبر براين تريسي الخبير بخبايا النفس الانسانية عن هذا المعنى في فقرة رائعة قائلا:" إن عقلك هو أكثر القوى ذات السلطان في عالمك: وتعد طرقك المعتادة في التفكير هي أصل ما أنت عليه الآن. الى جانب الموقع الذي تشغله تتسم أفكارك بالابداع وهي ما تبدع واقعك من الألف الى الياء" وكما قال إيمرسون "يصبح الانسان على شاكلة ما يفكر به معظم الوقت "6 .

الهوامش

1، براين تريسي، ارسم مستقبلك بنفسك ص 16

2، براين تريسي، ارسم مستقبلك بنفسك ص 16

3، موقع الايمان أولا، مدارسة وحفظ سورة الشمس.

4، براين تريسي، ارسم مستقبلك بنفسك ص 27

5، فخر الدين الرازي مفاتيح الغيب ص 44، دار الكتب العلمية بيروت 2004

6، براين تريسي، ارسم مستقبلك بنفسك ص 31

 

د محمد غاني، أكاديمي وباحث مغربي

 

لكل علم منطق، ويعد علم أصول الفقه اكمل منطق يخص العلوم الإسلامية، ومع ذلك فهذا العلم وغيره من العلوم لم يكن كافياً لعلاج مسألة الفهم الديني والتقييم. صحيح ان هذا العلم حدد المصادر المعرفية للتشريع، لكنه لم يفعل شيئاً إزاء المعايير المعتمدة في الترجيح عند تعارض الفهم ضمن الاطار المعرفي الواحد. فالترجيح المقرر يحصل فيما لو اختلفت المصادر المعرفية أو التشريعية، كإن يرجح نص الكتاب على السنة عند التعارض، أو الاجماع على النص، أو محاولة ايجاد صيغة للجمع تقضي على التعارض. أما ان يكون التعارض يلوح النظريات التي تتأسس ضمن المجال المعرفي ذاته؛ فهذا ما لم يوضع له معيار مشترك واضح، كإن يفهم بعضهم نصاً معيناً بفهم محدد، ويفهم آخر النص ذاته بفهم مخالف مع اشتراكهما ضمن المنهج والنظام الواحد. مما يعني انه لا بد من وجود معايير أخرى تتحكم في ترجيح بعض النظريات على البعض الآخر، إلى الحد الذي يمكن لهذه المعايير أن تتحكم في العلوم الإسلامية، وعلى رأسها أصول الفقه وغيره من العلوم المكتملة. فهي أشمل من هذه العلوم وتخضع لضوابط منطقية يمكن من خلالها قبول النظرية أو رفضها. وبهذا تتبين قيمة العلم الذي يعنى بذلك، وهو ما اطلقنا عليه علم الطريقة.

لهذا يمكن تقسيم معايير التقييم إلى صنفين: مقيدة محدودة وتأسيسية شاملة. وتختص المعايير الأولى بالطريقة المعروفة للعلماء في الأخذ والرد، كالذي يُعنى به أصول الفقه غالباً، مع لحاظ الاختلاف الوارد حول ضوابط الأخذ والرد. فمثلاً ان من العلماء من يتقبل النظرية التي تقوم على مبدأ المصلحة والاستحسان أو القياس وما إلى ذلك، في حين يرفض البعض الآخر مثل هذه القواعد الإجتهادية. كما أن البعض قد يتقبل النظرية القائمة على القواعد العقلية ويرجحها على النص، في حين يفعل الآخر العكس من ذلك. أما المعايير التأسيسية الشاملة فلها صفة الشمول والعموم، وتمتاز الرئيسية منها - على الأقل - بأنها تحظى بقبول (الوجدان العلمي)، ولذلك فإنها تكون موضع إختبار جذري لنظريات الفهم على الاطلاق، وهي بهذا المعنى تتصف بالتأسيس، ولا شك أن بعضها مما يُعنى به أصول الفقه كما سنرى.

وعليه يختلف علم الطريقة عن العلوم الإسلامية حول طبيعة الفحص والتحقيق. فالذي تعتمد عليه العلوم الإسلامية هو مراعاة الأدلة والبراهين بحسب أُطرها المنهجية الخاصة، فمثلاً يعتمد علم الفقه على الأدلة البيانية النقلية، ويعتمد علم الكلام – في الغالب - على الأدلة والبراهين العقلية. أما التحقيق بحسب علم الطريقة فهو أمر آخر مختلف، إذ يعتمد على معايير متعددة يشترك في قبولها الوجدان العلمي، وهو بالتالي لا يعول على المعايير الخاصة كالذي تعوّل عليه العلوم الإسلامية. بل يجعل من المعايير المشتركة محكاً لقبول النظريات أو استبعادها. مع اخذنا بنظر الإعتبار الاختلاف الذي قد يرد حول بعض المعايير إن كانت تصلح أن تكون مشتركة أو خاصة. فربَّ معيار نرى فيه صفة الاشتراك لإعتبارات معينة، في حين يرى آخرون أن له صفة الخصوص. لكن في جميع الأحوال أن هناك معايير تتصف طبيعتها بالاشتراك دون أدنى شك.

ولا تتوقف وظيفة علم الطريقة عند التعامل مع النظريات والأنساق الموجودة طبقاً للتحقيق المعرفي من ترجيح بعضها على البعض الآخر، بل تزيد على ذلك بأن يكون لها الصلاحية في اتخاذ بعض المعايير والضوابط التي من شأنها تأسيس الفهم والبحث المباشر المتعلق بالنص والخطاب، وكأنه إنشاء جديد للفهم.

وبالتالي فهناك معايير وضوابط للترجيح بين النظريات، كما هناك معايير وضوابط لتأسيس الفهم المستحدث مع النص. ويختلف حال التعامل بين النهجين، إذ ان العمل بحسب النهج الأول يتم عبر التعامل مع مختلف الأنساق والنظريات قويها وضعيفها، وكذا مختلف المناهج والنظم المعرفية. في حين يقتصر العمل بحسب النهج الثاني على القيام بانتقاء بعض المناهج، ويجرى هذا الانتقاء طبقاً لأُطر محددة نراها صالحة للإعتماد عليها كمعايير دقيقة للفهم، وليس الترجيح بين النظريات. وكأن المعايير المعتمدة في الفهم أشبه بطريقة الإجتهاد المعول عليها في الفقه، وكذا فالمعايير المعتمدة في الترجيح هي أشبه بطريقة النظر1 .

ويختلف هذا الحال عما يرد في فلسفة العلم. ففي هذه الفلسفة هناك مهمتان تقعان على عاتق فلاسفة العلم، وكلاهما يتعلقان بالتبرير والتفسير دون التأسيس. فمن ناحية يقوم هؤلاء بتفسير آلية الترجيح بين النظريات العلمية بردها إلى ضوابط ومبادئ محددة، وهم بذلك يبررون ما هو جار في العلم دون ان يضيفوا إليه شيئاً من عندهم، فهم لا يمارسون الترجيح بين النظريات العلمية، فذلك ما يزاوله العلم نفسه ولو بطريقة تلقائية. بل كل ما يفعلونه هو تبرير هذه الآلية أو تفسيرها وتأطيرها ضمن مبادئ وضوابط مفترضة. أما من ناحية أخرى فهو أن هؤلاء يقومون بوضع مبادئ وضوابط يقترحونها لتفسير قبول النظرية كنظرية علمية. بمعنى انهم يحاولون ان يميزوا بين النظرية العلمية وغيرها، ضمن ضوابط يفترضونها ويختلفون حولها، ومن ذلك ما تقوم به الوضعية المنطقية من افتراض مبدأ التحقيق (التجريبي) في النظرية العلمية، بمعنى أن أي نظرية لا تقبل الإختبار التجريبي، ولو بصورة غير مباشرة، فهي ليست نظرية علمية، أو أنها – حسب تعبير هذه المدرسة - نظرية بلا معنى 2. أو مثل ما يراه كارل بوبر حول مذهبه التكذيبي، وهو ان أي نظرية لا يسعها ان تنتمي إلى العلم ما لم تمتلك القابلية على التكذيب.

هكذا يقوم فلاسفة العلم بدورين متكاملين: أحدهما تبرير حالات الترجيح التي يزاولها العلماء بين النظريات العلمية، أما الآخر فهو تفسيرهم للنظرية العلمية ذاتها، فأي النظريات تعد علمية وأي منها ليست كذلك؟ وهم في كلا الدورين ليسوا معنيين بقبول النظريات ورفضها، فهم لا يمارسون الترجيح بين النظريات، كما أنهم ليسوا معنيين بتقرير إن كانت النظرية المطروحة علمية أو غير علمية. بل كل ما يفعلونه هو تبرير وتفسير ما يقوم به العلماء من الترجيح والقبول. وبذلك فإن غرض فلسفة العلم لا يتجاوز تبرير وتفسير ما هو جار في الوسط العلمي من الترجيح والقبول، وبالتالي فهي ليست معنية بوضع الضوابط والمعايير لتأسيس النظريات والمناهج الجديدة التي يُفترض اتباعها في العلم، رغم ان بعض العلماء قد يتقيد بالرؤية التي يقدمها فيلسوف العلم احياناً، ومن ذلك العمل وفق طريقة كارل بوبر التكذيبية، وقبلها وفق الرؤية المنطقية الوضعية لدى الكثير من العلماء، لكن ذلك لم يحد من ان يتنامى الموقف العام للعلم دون ان يؤطر بمنهج خاص للبحث. على ذلك فلحد الآن ما زال فيلسوف العلم لم يؤثر تأثيراً ملحوظاً على الحركة العلمية، وبقي دوره يعنى بالوصف والتبعية للنتاج العلمي دون ان يتمكن من ان يفرض على العلم مواقف معيارية، أو يقدّم له قواعد ووصفات لما ينبغي ان يكون. وقد اظهرت التطورات الأخيرة ان النمو العلمي اخذ يمتد لقضايا لم تكن مقبولة على مستوى القواعد التي يصنفها فلاسفة العلم في تصورهم لطبيعة المعرفة العلمية، بل ولم تكن مقبولة حتى لدى العلم ذاته، وكانت تُصنف ضمن الطرح الفلسفي أو الميتافيزيقي، ومع ذلك فإنها اخذت تستشري وتتسع يوماً بعد آخر.

لكن الحال في علم الطريقة مختلف، فهو لا يفسر ويبرر فحسب، بل ويضع ما هو جدير للتأسيس ويبحث عما يلزم إبقاءه من المناهج والنظم، وما يستحق الإهمال لعدم وفائه بالدقة المطلوبة، اعتماداً على الإتساق مع الحقائق الأصلية للخطاب الديني، وهي الحقائق التي لا يمكن أن تخطأها العين الفاحصة، والتي بدونها يتحوّل الدين إلى شيء آخر مختلف، لا سيما ما يتعلق بنظرية التكليف وما تتضمنه من المحاور الأربعة. فعدم الاتساق مع الحقائق المشار إليها قد يفضي إلى حصول نوع من القطيعة المنطقية، وهي تختلف عن تلك التي شهدها العلم الحديث، إذ كانت قطيعة هذا الأخير مع ما قبله من العلم القديم تاريخية، طالما لم يعد للعلم القديم وجود يعترف به في العالم.

مع هذا فسنواجه مشكلة تتعلق بنوع الضوابط والمعايير التي ينبغي اتخاذها في الرفض والقبول والترجيح. فقد نعد بعض المعايير مما يلزم اتخاذها، في حين يخالفنا آخرون في ذلك. فالمشكل الذي نواجهه هنا يتعلق بمشروعية المعايير المتبناة، وهو مشكل يعالج ضمن ما أطلقنا عليه (فلسفة علم الطريقة). فمثلاً قد يرد الاختلاف حول مشروعية تطبيق مبدأ البساطة على نظريات الفهم الديني وترجيح بعضها على البعض الآخر، وكذا الواقع في بعض أبعاده. لكن في جميع الاحوال لا غنى من فتح بساط البحث والتحقيق حول هذه الضوابط والمعايير وما ينتابها من مشاكل واعتراضات ضمن فلسفة علم الطريقة، وهو أمر شبيه بما حصل في علم أصول الفقه، إذ لم يستطع تجاوز الخلاف الحاصل في ما ينبغي اتخاذه من قواعد للإجتهاد وإستنباط الأحكام الشرعية أو الفقهية. ومع ذلك فهناك من المعايير ما لا يمكن الاستغناء عنها؛ بإعتبارها من القواعد المؤسسة للعلم والفهم. فرفضها يفضي إلى رفض العلم والفهم معاً، كما هو الحال مع قاعدة الإستقراء وعدم التناقض. كما ان من المعايير ما لو تخلينا عنها فسوف يفقد النص مصداقيته وحجته، مثلما هو الحال مع معيار الحقائق الموضوعية المستمدة من الواقع. وكذا فإن من المعايير ما لو تخلينا عنها فسيفضي بنا الأمر إلى رفض الحقائق الأصلية للخطاب الديني، كنظرية التكليف. فتعطيل هذه النظرية أو نفيها أو الصدام معها من قبل المفكرين والباحثين، يشابه المحاولات الجارية لدى بعض علماء الطبيعة لنفي الواقع الموضوعي أو التشكيك بوجوده. مع أن كلاً منهما يعد من المسلمات التي بدونها يفقد العلم والفهم قيمته.

 

أدوات التحقيق المعرفي

هناك فارق هام بين المعرفة والتحقيق المعرفي، فقد يلتقيان وقد يفترقان. فالاعتماد على المعطيات المباشرة للواقع - مثلاً - هو معرفة محققة يتفق عليها الجميع ولا تشك بها النفوس. وفي القبال قد تكون هناك معرفة تتقبلها النفوس رغم أنها غير محققة كالاولى. فمثلاً كان الناس يعتقدون منذ آلاف السنين بأن الأرض ساكنة، معوّلين في ذلك على الإحساس الذاتي، وهو عدم الشعور بالحركة، الأمر الذي جعلهم يتقبلون مثل هذه المعرفة رغم انها ليست محققة. كذلك قد يصادفنا فيض من الروايات ذات دلالات معينة، وهي بحكم هذا الفيض أو التراكم المعرفي تتقبلها النفوس بقوة، رغم انها قد لا تكون محققة كالاولى. مما يعني أن المعرفة سواء كانت محققة أو غير محققة تؤثر في النفوس، وقد يكون تأثير الأخيرة أقوى عليها من الأُولى. وفي جميع الأحوال أن لكل منهما إعتباراته الخاصة، فإذا كان للمعرفة المحققة مبرراتها المنطقية والعقلية؛ فإن المبررات التي تقبع خلف المعرفة غير المحققة تتصف بأنها نفسية أكثر مما هي منطقية أو عقلية. ولو أن الانسان فطن إلى عامل الوثوق والتحقق لكان الموقف في التأثير والقبول مختلفاً، ولأخذ بالمعرفة الأُولى مع التشكيك في الثانية.

وللتحقيق المعرفي مراتب مختلفة، مثل التحقيق في القضايا المباشرة وغير المباشرة، أي التحقيق في القضايا الحسية وغير الحسية ومنها الميتافيزيقية، وايضاً التحقيق في القضايا التاريخية والقضايا المعاصرة، فدرجات المعرفة والإحتمال تتباين بين هذين النوعين من القضايا وفقاً لنظرية الإحتمال وقوة القرائن الدالة. فمثلاً ان التواتر التاريخي للحوادث لا يمتلك القوة المعرفية لما يماثلها من الحوادث المعاصرة، ففي التواتر التاريخي من المستحيل التعرف على كل الملابسات والظروف التي تكتنف رواية الحادثة، وبالتالي قد يكون فيها ما يوهم التواتر، فأبلغ ما يمكن الاعتماد عليه هو كثرة ما وصلنا من النقول المختلفة والتوثيق، مع ان ذلك قد يورد إحتمال التزوير والدس والاختلاق وربما مؤامرة السلطة والحركات المنظمة لتوظيف الذين يقومون بمهمة الوهم التواتري. وليس الحال كما يحصل في الحوادث المعاصرة بإعتبارها يمكن ان تخضع للإختبار وحتى المشاهدة الفعلية ايضاً، ومع ذلك فقد يصاب التواتر في القضايا المعاصرة بالوهم بفعل التلقين اللاشعوري تحت ضغط التأثير الاجتماعي كالذي يستشهد عليه غوستاف لوبون ببعض الشواهد في كتابه (الاراء والمعتقدات)، منها ما نقله عن قول احد دعاة المذهب الروحاني ماكسويل: «يلقن الحاضرون بعضهم بعضاً فلا يلبثون ان يكون عندهم هوس جامع، ومما سمعته ان احد الحضور اشار إلى انه يرى نوراً في جهة معينة فالتفت الباقون ورأوا ما رآه، ثم اعلن رجل انه يشاهد صورة فشاهد الاخرون ما شاهده، هذا هو هوس الجماعة، وقد أيدت لي تجاربي الشخصية ان حاسة البصر هي أكثر الحواس استعداداً لقبول الانطباعات الوهمية»3 .

ومن المعلوم انه ليس كل قضية ناجحة أو صحيحة تعتبر محققة معرفياً، فقد يتفق الكشف عن القضية الصحيحة صدفة وإن لم يمارس فيها التحقيق، مثل التنبؤات الاعتباطية الناجحة التي لا تستند إلى الأساس العلمي ومنطق الإحتمالات، فهي على شاكلة من يراهن بالقطع واليقين على ظهور احد وجهي قطعة نقد مرمية، وهو فعل غير مبرر بإعتباره لم يخضع للمنطق وان صادف النجاح. ولهذه القضية شواهد كثيرة نواجهها في حياتنا العملية، بل والدينية ايضاً.

ومثلما ينطبق أمر التحقيق المعرفي على مسائل الإدراك والقضايا العلمية وما إليها، فإنه ينطبق كذلك على الفهم الديني. إذ تارة يرد الفهم، وأخرى يرد التحقيق فيه، والفارق بينهما واضح. وعادة ما يمارس العلماء كلا هذين النمطين من المعرفة.

ويمكن تصنيف التحقيق الذهني بإطلاق، سواء في العلم أو الفهم أو غيرهما، إلى ثلاثة أصناف: يقيني، وتبريري، وتخميني. ويتميز التحقيق اليقيني بتطابق التصور الذهني مع الموضوع الخارجي، سواء كان هذا الموضوع هو الكون والعالم والطبيعة وما إلى ذلك من أمور خارجية، أو كان عبارة عن النص الذي يتعلق به الفهم الديني، أو غيره من النصوص البشرية. في حين يتميز التحقيق التبريري باستناده إلى المبررات الكافية لقيامه دون بلوغ مستوى اليقين أو تطابق الحكم الذهني مع الموضوع الخارجي، سواء في العلم أو الفهم أو غيرهما من المجالات والأنشطة الذهنية. أما التحقيق التخميني فهو يخلو من المبررات الكافية للتعويل عليه من الناحية المنطقية أو الموضوعية لدى المجالات المشار إليها. فعلى صعيد العلم تتصف علاقة الحكم الذهني بالموضوع الخارجي بضعف المبررات التجريبية والعقلانية، ومثل ذلك على صعيد الفهم، حيث تتصف العلاقة بأنها تمثل تأويلاً بعيداً أو استبطاناً رمزياً أو غير ذلك مما يفتقر إلى دعم المعطيات اللغوية أو النصية أو الوجدانية. ونجد سواء في حالة التحقيق التبريري أو التخميني أنها تتضمن مراتب لا حدود لها، وذلك خلافاً لحالة التحقيق اليقيني.

وما يهمنا من هذه الأصناف الثلاثة هو التحقيقين اليقيني والتبريري دون الصنف الثالث التخميني؛ باعتباره يفتقر إلى المبررات الموضوعية الكافية للأخذ به والتعويل عليه.

يبقى أن أول المبادئ التي ينبغي اتخاذها للتحقيق في الفهم الديني هو مبدأ المراجعة المتواصلة، وذلك بافتراض ان القضايا المطروحة للفهم، ومثلها سائر مسائل التحقيق، هي قضايا يختلط فيها الخطأ مع الصواب، لذا كان من الضروري تعريضها إلى المراجعة المستمرة للكشف عن حدود الصحة والدقة أكثر فأكثر.

ويعد مبدأ المراجعة مهماً في العلوم الطبيعية، وبعضهم جعله معياراً للفصل بين العلم الحديث والعلم القديم. فقد اعتبره الاستاذ (رايت) سر التقدم والعامل الذي فصل العلم الحديث عن القديم جذرياً. فأصبح من المسلم به ان الإختلاف الأساسي بين العلمين ليس لإعتبار نتائجهما من الصواب والخطأ، بل لكون العلم الحديث اعتمد على منهج الفحص والمراجعة المستمرة دون أن يعتمد عليه العلم القديم أو يوليه أهمية، إذ كان هذا الأخير يعد النظرية التي يصل إليها تمثل حقيقة قاطعة ونهائية لا تحتاج إلى فحص جديد 4. وعليه فبفضل المراجعة والتحقيق رُجحت نظرية كوبرنيك على نظرية بطليموس في النظام الشمسي، وقد أُعتبر ذلك حداً فاصلاً بين العلمين، حيث لم ترجح النظرية الأولى على الثانية طبقاً للصواب والخطأ، بل استناداً إلى مبدأ البساطة، فرغم الاعتراف بان نظام بطليموس كان بارعاً ومتقناً ودقيقاً إلا انه نظام معقد للدوائر الرئيسية والثانوية مع اختلاف انصاف الاقطار والسرع وغير ذلك5 .

مع هذا تفترض المراجعة معايير ومبادئ يتم على ضوئها التحقيق. ولدى الفهم الديني يمكننا البحث حولها؛ فنتساءل هل أنها تتم وفقاً لبيان النص، أو تبعاً للأخذ بإعتبارات الواقع، أو العقل أو غير ذلك؟

بادئ ذي بدء، يُفترض أن نقدّم بهذا الصدد مبادئ واضحة يمكن الاتفاق عليها. فتحديدنا لمعايير التحقيق يعتمد على ما هو مشترك من القواعد والأصول، أو ما هو موثوق به وغير قابل للطعن. وبذلك نتفادى كل ما يعود إلى الاسقاطات والقبليات المنظومية الخاصة؛ بإعتبارها ليست من القضايا التي يشترك في قبولها المحققون، وانها تحتاج إلى الأدلة الواضحة التي يتقبلها الوجدان العلمي.

وما نطرحه لا يقتصر على المنحى الأبستيمي. إذ هناك نزعة براجماتية فيما نعوّل عليه أحياناً عند تحديد الضوابط والمعايير المتخذة للترجيح والتحقيق، ومنها معيار الواقع والوجدان العام. وبالتالي فإن المعايير المعوّل عليها لا تقتصر على النص وحده، إذ لا فائدة من هذا النص إن كان يتصادم مع الواقع ويتناقض معه، أو كونه لا يراعي حقوق الواقع من المصالح والمضار. وتعد مثل هذه الأمور من الافتراضات (الميتافيزيقية) التي لا غنى عنها.

صحيح انه قد يُعترض على ذلك بأن ما ذُكر من قضية المصالح والمفاسد وكذا ما يتعلق بالوجدان العام، وما يرتبط به من قضايا لها علاقة بالعدالة والمقاصد والتكليف، كلها تعد نتاجاً لقواعد اكبر يتحدد عليها الفهم، ويقابلها قواعد أخرى تعطي نتائج مضادة أو مختلفة، كالذي تتبناه النظرية الاشعرية، فهي لا تسلم بتلك الافتراضات ولا تعترف ببداهتها طبقاً لمنطقها في (حق الملكية) كما فصلنا ذلك خلال الحلقة الرابعة لمشروعنا المنهجي، وذلك ضمن (النظام المعياري).

والجواب على ما سبق هو ان هذه النظرية قد ابتليت بمأزق أوصلها إلى التعارض مع نظرية التكليف، وهي من هذه الناحية أفضت إلى أن تتصادم مع اولى الحقائق الأصلية التي دلّ عليها النص الديني بالإستقراء من دون معارض. وهذه الدلالة تشابه من وجه ما يفترضه العلم الطبيعي من وجود حقائق دالة على الواقع الموضوعي، فتعامل العلم معها هو بإعتبارها حقائق موضوعية وليست ذاتية، وكذا هو حال التعامل مع دلالات النص في الفهم الديني، وذلك بإعتبارها تتضمن صوراً للتكليف وليس نفياً له.

كذلك قد يُعترض على ما ذكرناه من أن لقاعدة المصالح والمضار نزعة افتراضية ميتافيزيقية. فقد يقال كيف ذلك مع أن بالإمكان إثبات هذه المصالح والمضار من خلال النص، كالذي تقوله نظرية المقاصد الشرعية؟

والجواب هو أن إثبات قاعدة المصالح والمضار من خلال النص لا يتنافى مع كونه افتراضاً ميتافيزيقياً، بمعنى أنه حتى لو لم يكن بالامكان إثبات ذلك؛ فلا غنى من افتراضه، لأن بدون هذا الافتراض تصبح علاقة الدين بالانسان بلا غرض معقول، وربما تكون خلاف ما يتطلع إليه هذا الكائن، كإن يدعو الدين إلى المضار وينهى عن المصالح.

 

...............

1- انظر حول الفارق بين الإجتهاد والنظر في الفقه: الإجتهاد والتقليد والاتباع والنظر، الفصل السادس.

2- انظر:

Kyburg, H. E. Probability and Inductive Logic. U.S.A, 1970, p. 48-49.

3- غوستاف لوبون: الآراء والمعتقدات، ص191.

4-      انظر:

Wright, The Origins of Modern Science, The structure of Scientific Thought, p. 15.

5- انظر:

Hemple, Philosophy of Natural Science, current printing, USA, p. 41