حسن عبود النخيلة الميتامسرح في اندماجه وانفصاله عن الفلسفة الافلاطونية

يتجسد على مستوى الطرح الفكري (الأفلاطوني) رصد محركات الخاصية التأملية الميتامسرحية متمثلاً بتفريق (أفلاطون) بين (الحقيقة) و(النسخة)، (الثابت) و(المتحرك) .

فمن باب المقارنة التي يجريها (أفلاطون) بين (الحقيقة) و(النسخة) فإن نظريته عن المحاكاة تذهب إلى القول بأن (الحقيقة واحدة)، أما النسخ فتمتاز بالتعدد، وهذا هو ديدن العالم الحسي الفاني. ويتضح ذلك جلياً في الكتاب العاشر من (الجمهورية) في المحاورة التي تدور بين (سقراط) و(غلوكون):

(س – أستحلفك أن تخبرني ألسنا قد بينّا أن المحاكاة لا تتعلق إلا بما ابتعد عن الحقيقة ثلاث منازل ؟ .. تلك هي النتيجة التي كنت أنشد الوصول إليها حين قلت إن الرسم أو التصوير والمحاكاة بعامة قد ابتعدت كثيراً عن الحقيقة وهي تؤدي عملها على أكمل وجه . وإن لضروب المحاكاة في دخيلة أنفسنا صنواً يُعدّ لها صديقاً ورفيقاً وخليطاً وإنه يبتعد عن العقل مثل ابتعادها عن الحقيقة وإنها جميعاً ليست تتوجه نحو غاية سليمة أو صحيحة.

غ- تماماً)(1) .

عبر ذلك يقيم (أفلاطون) في نظريته الفلسفية، مقارنة بين عالم الأشياء بحقيقتها، وعالم الظلال المنعكس عنها، عندما يمثل إلى عالم الإدراك الحسي ويشبهه بكهف تقطنه مجموعة من الناس منذ نعومة أظفارهم، بينما قيدت أرجلهم وأعناقهم بالسلاسل وظلوا جامدين لا ينظرون إلا باتجاه واحد، في حين أن هناك ناراً مضرمة خلفهم في موقع أعلى منهم وقد فصل بينهم وبين تلك النار دكة أقيم عليها جدار منخفض شبيه بذلك السياج الذي يستعين به المشعوذون في تقديم ألعابهم وتمريرها على ضحاياهم، على هذا السياج اناس يمشون حاملين تماثيل بشرية وحيوانية، وهم يمارسون سحر الصورة الوهمية على هؤلاء المساجين الذين لا يرون سوى الظلال المتحركة أمامهم، إلى درجة انه لو تكلم احد هؤلاء الممارسين للألعاب من خلفهم لظنوا أن الظلال هي من تنطق، في حين انه لو تسنى لأحد هؤلاء المساجين أن يتحرر من أغلاله ويتمكن من الالتفات إلى ورائه لكان قد رأى مصدر النور . ولو أن هذا الرجل قد اقتيد إلى مرتقى أكثر سمواً فتم الخروج به إلى نور الشمس، فأنه لا يجد إلا عينيه قد بهرتا إلى درجة تعذر رؤية شيء مما كان يحسبه حقيقة . وهكذا لابد له من أن يأتلف رؤية أشياء العالم الأعلى كي يحقق أعظم قدر من النجاح في تمييز الظلال(2) .

ولعل (أفلاطون) يقترب في نظريته هذه مما جاء به (هيراقليطس) مسبقا من تأكيد على استحالة العثور أو الإمساك بالحقيقة في عالم طابعه الجريان الدائم، إلا أن (هيراقيطس) لم يقل بوجود نسخ للحقيقة، فالحقيقة لديه ليس لها مكمن أو ثبات - كما هي لدى (أفلاطون)-، وتلتقي فلسفة (أفلاطون) هذه مع تطلعات وأفكار الكاتب الايطالي (لويجي بيرانديللو) فقد عبر الأخير عن هذه الفلسفة التي كانت مثار الممارسة الميتامسرحية في نصوصه بامتياز على الصعيد الفني والتأملي، وهذه نقطة التقاطع بين الاثنين . فالفن لدى (بيرانديللو) هو الحقيقة الفعلية وهو ما يمنح ثباتاً لما هو متحرك في صميم الواقع الزائل . بينما يؤكد حكم (افلاطون) على الفن أنه نسخة مضللة عن الحقيقة، بل هو إعادة إنتاج الصورة المضللة والمشوهة للعالم المحسوس، مما يجعل منه خديعة تفوق زيف الواقع المحسوس نفسه .

إن ما يستثير علاقة الخاصية التأملية في الممارسة الميتامسرحية بالفلسفة الأفلاطونية هو ذلك التأمل الناشئ من مجاورة النسخة مع الأصل، أو الحقيقة مع ظلها، أو انعكاسها، التي لا يأخذ بها (بيرانديللو) وحده في تطبيق فلسفته الفنية عموماً والميتامسرحية خصوصاً . بل تلاحظ آثارها بشكل جزئي في المسرح اليوناني أيضاً، فالمتأمل – مثلاً- في مسرحية (الفرس) لـ (ايسخيلوس) سيجد، أن في هذه المسرحية تفعيل لخاصية التأمل عبر استحضار النسخة التي هي انعكاس عن الأصل، ولان هذا الاستحضار هو خروج عن المألوف، وتمرد على المنطق العقلي، فهو يحمل فاعلية التأمل الميتامسرحي بشكل اكبر، إذ يعد وجود (الأشباح) من الأشياء اللامعقولة، ومحادثة (الشبح) الذي هو في حقيقته نسخة من صورة (الميت) الحقيقية، يعطي فسحة كبيرة للتأمل، وإعادة الوعي بفنية الكتابة المسرحية. بخاصة وان شخصية (المؤلف)– (ايسخيلوس) تتبدى، وتكشف عن نفسها، عبر الارتكاز على الخاصية النقدية الميتامسرحية، من خلال تحميل حوار شخصية الشبح (داريوس) مساحة نقدية تدين العدوان الفارسي على اليونان، وتعطي تفسيرات لدواعي الهزيمة النكراء التي حلت بهم.

في ضوء ذلك يحقق وجود النسخة التي تنوب عن الأصل، الخاصية التأملية الميتامسرحية، ويحقق الحوار المنطوق به على لسان (الشبح) وما يتخلله من إدانة ونقد - الخاصية    النقدية- :

(رئيس الكورس: ماذا تقول؟ هل لم يجتز كل الجيش الفارسي مضيق هِليه ويغادر أوربا؟

داريوس: كلا، بعض الرجال من بين الالاف – إذا كان علينا أن نصدق وحي الآلهة، بملاحظة كل ما تم: لا يشاهد تحقيق بعض هذا الوحي دون تحقيق البعض الآخر، وإذا كانت الوقائع هي كذلك،

فإن احشويرش، بتركه فرقة مختارة، فإنه يطيع آمالاً كاذبة . إنها باقية في الأماكن التي فيها أسوبوس Asopos يروي الساحل بمياهه الجارية، إنه المغذي المحبوب لأرض بيوتنا، وهناك تنتظرهم آلام

في غاية الشدة، جزاءً وفاقاً لتجاوزهم الحدّ وغطرستهم الفاجرة: إنهم جاءوا إلى بلاد اليونان، ولم يترددوا في نهب تماثيل الآلهة وإحراق المعابد، وهم الذين دمروا المذابح وصور الآلهة وقلبوها رأساً على عقب، وحطموا قواعدها.إنهم آثمون مجرمون، فاستحقوا العقاب بقدر جرائمهم وتنتظرهم مصائب أخرى ...... (الشبح يختفي . صمت طويل)(3).

وعلى صعيد فلسفي آخر يناقش (أفلاطون) ثنائية (الثابت) و(المتحرك) والفوارق القائمة بين الاثنين بالإستناد إلى فلسفته المتعلقة بنظرية المثل، ودليله في الحركة والثبات، ارتباط عالم (المثل) بما هو ثابت، وان هذا اللاتغيير ما يجعله مصداق الحقيقة، في حين أن المتحرك هو ما ينتمي إلى عالم المحسوسات لأنه عالم متقلب، مظاهره متلونة لا تكف عن التغير، وهو بمنظور (أفلاطون) (سلسلة من السيلان الهيراقليطيسي الدائم للمظاهر المتغيرة أبداً التي لا يمكن إدراك معرفة حقيقية  لها)(4)

ويناقش (أفلاطون) موضوعة (الثابت) و(المتحرك) في معرض تصديه لمشاركة المثل ببعضها وأيها يتقارب، وأيها لا يمكن أن يجتمع، على هذا الأساس يؤكد عدم اجتماع (الحركة والسكون، لأن السكون لا يمكن ان يكون في حركة أو الحركة في سكون، لكنهما يشتركان في المشابهة وعدم المشابهة، لكونهما يشبهان نفسيهما، ولا يشبه كل منهما الآخر)(5)

وما يوضح تحطيم هذه القاعدة على المستوى التأملي الميتامسرحي، ما يشغله الميتامسرح من تحويل في الصفات في نصوص مسرح اللامعقول، فمثلاً في مسرحية (إميديه) للكاتب (يوجين يونسكو) وفي مسرحية (الصخرة) للكاتب (فؤاد التكرلي) تتفرد الممارسة الميتامسرحية في تقديم رؤية عكسية لما جاء في الفلسفة الأفلاطونية بشأن الساكن والمتحرك، قصد استثارة التأمل الميتامسرحي، فالساكن (الصخرة) يكون متحركاً، والميت (الجثة) بوصفه ساكناً - مسلم في أمره- يغدو متحركاً .

إن (أفلاطون) إذ يترجم في فلسفته ما يلامس الطبيعة الفكرية التي تنتهجها الممارسة الميتامسرحية فهو من جانب آخر يدخل في الحيز التطبيقي لهذه الممارسة الميتامسرحية من خلال محاوراته التي قدم من خلالها مجمل أفكاره الفلسفية، وقد تفرد (افلاطون) بهذه المحاورات بالمزج بين تقنيات الفن الدرامي والمادة الفلسفية، إذ أنتج ذلك أثراً مهماً على مستوى أسلوب العرض وتبسيط المادة الفكرية، وخلق عوامل التفاعل معها (ولهذا فإن محاورات " أفلاطون" أقرب ما تكون للأعمال المسرحية التي تفترض بالضرورة جمهوراً تخاطبه، بمعنى إنها تتطلب وجود المشاهد المستمع . ولهذا المشاهد المستمع دور في العرض الدرامي عليه أداؤه، إذ يجب عليه أن يفهم أغراض المؤلف، وان يستخلص نتائج العمل)(6) .

ومما يوثق الممارسة الميتامسرحية ضمن محاورات (أفلاطون) هو ذلك الاختباء، أو الاختفاء خلف شخصية (سقراط) الذي يلجأ إليه (أفلاطون) . فيحله بديلاً عنه في تبني أفكاره وأقواله فيصبح المتلقي أمام فاعلية وجود (سقراط) - المجادل الحاضر، الذي هو في الأصل غائب، و(أفلاطون) - الغائب، الذي هو في الأصل حاضر، وعلى حد قول (برتراند رسل) (إن سقراط الذي نجده في المحاورات ما هو إلا ناطق بلسان أفلاطون، الذي عرض بهذه الوسيلة الأدبية كل الآراء التي خطرت بباله في تلك الفترة)(7). على سبيل المثال يتبدى تبادل المواقع والتداخل في المستويات السردية ليعلن فيه (أفلاطون) ثنائية التجلي والإخفاء ضمن محاوراته في (الجمهورية) في الكتاب الأول المعنون بـ (العدالة) إذ تتناوب هذه الثنائية للمؤلِف الأفلاطوني، حيث يبرز بوصفه مؤلفاً للقطعة الحوارية، بيد انه سرعان ما يتوارى، بعد أن يجعل (سقراط) ومحاوره (ثراسيماخس) يتكفلان عنه مهمة التبليغ عن آرائه ومجادلاته، لكنه لا ينسحب نهائياً، ولا ينحي صوته تماماً، ليلفت الانتباه بأسلوب فني إلى ذاته، عبر مرآة ترسمها بدقة وتركيز شخصية (سقراط)، تليها بالأهمية شخصية (ثراسيماخس) بوصف الأول حاملاً للرأي الأرجح الذي يعكس الشخصية الأفلاطونية، أما (ثراسيماخس) فهي مصداق كلام (سقراط)، والقطب الحواري الداعم له:

(قال سقراط: فلما سمعت الكلام دهشت . ورفعت نظري إليه مذعوراً . ولو لم أكن قد سبقته بالنظر لأبكمت، وجمدت كالصنم، ولكن كانت قد حانت مني التفاتة إليه، لما بدأ القول فسبقته

بالنظر . ولذا تمكنت من مجاوبته . فقلت بقليل من الرعشة:

س: لا تقس علينا يا ثراسيماخس . وإذا كنا انا وبوليمارخس قد اخطأنا في بحثنا فكن موقناً ان ذلك

لم يكن تعمداً . ولا يبرهن فكرك أننا لو كنا نبحث عن الذهب لما تساهل احدنا مع الآخر مستسلماً فضلا عن العثور عليه . فأرجوك ان لا تظن اننا ونحن نبحث العدالة، وهي أثمن كثيراً من شذور الذهب، نكون اقل دقة في تمحيص الآراء، بغية إدراك الحقيقة . ويمكنك أن تعلم يا صديقي أن الموضوع فوق طاقتنا . فنحن، بإشفاق حصيف نظيرك، أجدر منا بملامه وتعنيفه .

فقهقه ثراسيماخس أوقح قهقهة لما سمع جوابي وقال:

ث: يا لهرقل ! إنها إحدى مظاهر الاتضاع التهكمي المتمكنة من نفس سقراط . ولقد عرفت ذلك فيك، وقلته لمن حولي، أعني أنك لا تجيب عن مسألة البتة، إذا سُئلت، بل تتجاهل)(8).

 

د. حسن عبود النخيلة

.......................

الهوامش

(1) ديفد ديتشس، مناهج النقد الادبي: بين النظرية والتطبيق، ترجمة: د. محمد يوسف نجم،مراجعة: د. إحسان عباس (بيروت- نيويورك مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر، 2007)، ص 34 .

(2) ينظر: أفلاطون، جمهورية أفلاطون، ترجمة: حنا خباز، (بيروت: دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، ب. ت)، ص 202- 203 .

(3) اسخيلوس، تراجيديات اسخولوس: مسرحية الفرس، ترجمة وتقديم وتعليق: د. عبد الرحمن بدوي، ط1، (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996)، ص 156- 157.

(4) أ.هـ . آرمسترونغ، مدخل الى الفلسفة القديمة،ترجمة: سعيد الغانمي، ط1 (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2009)، ص 64 .

(5)المصدر نفسه، ص 75.

(6) د. محمد عباس، افلاطون والأسطورة، (بيروت: دارالتنوير للطباعة والنشر والتوزيع، 2008)، ص 68.

(7) برتراند رسل، حكمة الغرب: عرض تاريخي للفلسفة الغربية في اطارها الاجتماعي والسياسي، ترجمة: د. فؤاد زكريا، ج1، ط2، (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب، 2009)، ص 105.

(8) أفلاطون،جمهورية افلاطون، مصدر سابق، ص 20- 21.

 

علي محمد اليوسفما يتوجب علينا التسليم به بأن الافكار التي لا تخدم الحياة ليس أهميتها أن نكثر الثرثرة الفارغة بها على أن عالمنا الحقيقي تتمثل حقيقته المعرفية داخل تحليل معنى اللغة كوجود ونظام نسقي خاص مجاله فهم معنى (النص) وليس فهم معنى الواقع. عندما نحاول أعادة تنظيمه في تنظيمنا معنى اللغة كدلالة مستقلة ونظام نفهم بها الموجودات كمفاهيم فلسفية.. وليس في مهمة تخارج الفلسفة كفكر الذي دأبت عليه في المتوازي التجريدي مع موجودات عالمنا الخارجي وليس في التقاطع معه والاحتدام به التي هي طبيعة اللغة الحقيقية وخاصية اللغة الانسانوية كظاهرة حكمت الانسان في انثروبولوجيا تاريخية.

ونكذب على انفسنا ونصدق كذبتنا في تاكيد مغالطة مدانة هي لامعنى مراكمة الاستطرادات التحليلية التجريدية في البحث عن فائض معنى اللغة أن تصبح حقائق فلسفية تقودنا نحو مجهول معرفي لا نفهمه ولا معنى له في الواقع والحياة بل في عالم تجريد معنى اللغة في نص لغوي فقط...خاصية الفلسفة هي تفكير منطق العقل في تعبير اللغة عن وقائع الموجودات تجريديا.أما أن تكون اللغة هي دلالتنا الزائفة في تغييبها مرجعية العقل في تحليل متتالي لمعرفة معنى اللغة، فهي على اقل الامور سذاجة مضحكة انهم اصحاب فلسفة المعنى والتحليل يضعون العربة امام الحصان.

هذه الادانة لهذا المفهوم الضحل يجب أن لا يقودنا الى خطأ أكبر منه في محاولة جعل مفهوم فلسفة اللغة في المعنى ايديولوجيا سطحية مباشرة تقاطع الواقع بغية السيطرة عليه وتحويله الى ميدان سياسي تضمحل فيه الفلسفة وتتلاشى من خلاله كخاصية معرفية ...وتجنيس من فن القول والتفكير وتعبير اللغة لا يشبه ضروب الادب تجنيسا ولا يلتقي ضروب العلم تعبيرا مختبريا.

غالبية مباحث الفلسفة كانت ولا تزال بهذا القدر أو ذاك تنأى بنفسها وتبتعد عن أن تكون ايديولوجيا نظرية مقفلة تقترب من توظيف السياسة لها بدلا من أقترابها المجدي المثمر مع منجزات العلم في الفيزياء والرياضيات مثلا الذي يفيدنا جدا التوازي الفلسفي معه حفاظا على خصوصية كلا منهما الانفرادية (الفلسفة / العلم) على مستوى تجنيس معرفي مختلف والتكامل مع العلم على مستوى تكامل وحدة المعرفة في معالجة قضايا الانسان والحياة..

توازي منطق الفلسفة التجريدي مع منطق العلوم الطبيعية التجريبية يعني بالمحصلة لا نتيجة معرفية حقيقية نجنيها من وراء هذا التعالق الاشكالي بينهما. بينما يكون توازي الفكر الفلسفي مع واقع الحياة في منتهى السلبية التي تجعل الفلسفة التجريدية تحتضر تدريجيا وتحكم الفوضى الواقع.

وبناءا عليه يبقى نظام واقع الاشياء في العالم الخارجي تحكمه فوضى النظريات الايديولوجية السياسية، وجشع اقتصاد السوق الاستهلاكي، ومجتمع الانحلال البائس الذي يخترقه التضليل الاعلامي في تعميق الجهل واسترضاء التفاوت الطبقي تحت طبقات جيولوجيا طمر الحقائق تحت لافتات التخدير الانحلالي مجتمع الرفاهية وحقوق الانسان والسعادة الارضية..

من الامور التي يجب علينا مراودتها دائما في خطابنا اللغوي الملتزم وباستمرار هو مدى وصولنا حقيقة أذا كان يراد لافكارنا الفلسفية جدوى منطقية مؤثرة، يلزمنا الابتعاد باللغة عن تعميق وملاحقة التجويف الفارغ بأسم اللحاق وراء فائض المعنى في فحوى مضمون اللغة وشكلها بعيدا عن مجريات الحياة، والاقتراب قدر الامكان وبلا تحفظ من تجريبية العلم في وضع افكار الفلسفة في مسارها الصحيح بهدي العلم وانتشال حاضرها ومستقبلها من السقوط في متاهة لا جدوى الفلسفة بالحياة الانسانية بالانفصال التام عنها وفي موازاتها الواقع في منطق تجريدي يزيد في ترّهلها المرضي.

في معادلة قلقة أن لا تكون الفلسفة ملحقا علميا ولا أن يكون العلم ملحقا تجريديا فلسفيا. وهذه المعادلة هي تفريق تجنيسي في المعرفة عموما وفي الادبيات الخطابية المكتوبة على وجه الخصوص، وهي حقيقة أن الفلسفة والعلم تجنيسان من افصاحات المعرفة كلا في ميدانه ومحاولة الدمج التداخلي بينهما في محاولة تضييع ملامح وخصوصيات أحدهما بالاخر محاولة عقيمة لا جدوى منها وأستحالة أذابة فوارق التجنيس بينهما أي بين العلم والفلسفة.فالفلسفة منطق تجريدي لا يقبل التجربة، والعلم منطق نظري ليس في حساباته خيالات النظريات غير الخاضعة للتجارب. بل أن تداخل الاشياء المدركة مع الفكر في جدل ثنائي متبادل يكسبهما كلاهما التغيير والتطور وبغير هذا الفهم معناه نفي أن يكون هناك فائدة من وعي الانسان لموجودات الطبيعة وأستحداث رؤيته وقوانينه لها..ألنتيجة التي يحرزها الفكر بالنهاية من هذه العملية هو أن تكون قوانين الفكر هي قوانين الاشياء في الواقع... بمعنى أصبح ما نمتلكه عن الاشياء من أفكار نتيجة مدركاتنا لها  هو وحده الذي يعطي وجودها الحضوري الواقعي في حياتنا...

وعندما يؤكد بوشنسكي أن العالم كله يتغّير بالفكر فهو لا أعتقد كان يقصد بذلك أعتماده نظرية المعنى الفلسفية أن الفكر المجرد يوازي الواقع ولا يقاطعه بالاحتدام به من أجل تغييره. فلسفة اللغة ونظرية المعنى تريد أستبدال مهمة تقاطع الفكر بالواقع بغرض تخليقه والاحتدام به في حرفه بلا ضرورة مهمة الفكر تقاطعه الواقع بغية تغييره بل بغية توصيف معرفته المحايدة معه تجريديا في نموذج سلبي من العلاقة غير المتداخلة وغير التكاملية بينهما. أن الانسان كائن مفكر، والحقيقة أن الذي يغّير مسار الانسانية أنما هو الفكر حسب تعبيربوشنسكي. واضح أن التاكيد هنا على فاعلية الفكر كمضمون عقلي تخليقي هو الذي يقوم بتغيير العالم وليس اللغة كشكل تأطيري تعبيري لمضمون التفكير العقلي، الفكر هو الذي يقوم بتجديد الوجود المادي أو المثالي كماهية وجوهر.فالفكر مضمون عقلي واللغة تأطير شكلي له. والفكر نظرية والموجودات وقائع تحملها الصدف الادراكية بها أوالوعي القصدي لمعرفتها.

الفكر المجرد وحتى الفكر التنظيري الايديولوجي لا يستطيع تغيير العالم بمعزل عن أحتدامه التخارجي جدليا مع الواقع بأداة تنفيذ تهتدي بالفكر ولا تنوب عنه ، هذه النظرة مسألة لا زمت انثروبولوجيا تاريخ الانسان منذ الاف السنين لا تحتاج صحة أثبات وجواز قبول وتمرير لها. صحيح جدا أن نفهم مقولة بوشنسكي أن وسيلة تغيير العالم هو الفكر ليس بمفهوم تجريده الانفصامي عن عدم احتدامه بالواقع كما تبشر به نظرية المعنى في التحول اللغوي، لكن من المحال بالمحصلة أن ينتج لنا الفكر التجريدي واقعا تجديديا بمعزل عن تقاطعه مع واقع موجود مسبقا تعتمل بداخله تناقضات التغيير فيه داخليا.

الفكر عامل موضوعي وليس عاملا ذاتيا في تبديل الواقع

الفكر هو عامل تسريع جدل المتناقضات الداخلية في المادة والمجتمع كعامل موضوعي خارجي، فالواقع بموجوداته لا يتغير بقواه الذاتية في التضاد التناقضي الجدلي الداخلي كوقائع ولا كظواهر بل يتطور ويستحدث ظواهره التجديدية بمساعدة عوامل موضوعية وظروف معينة أحداها هو الفكر ضمن منهاج نظري متكامل في قراءته الواقع تحريكيا ديناميكيا.العوامل الموضوعية الخارجية هي عوامل تحريك وتفعيل تناقضات الجدل داخل الاشياء والظواهر.

وعندما يعبّر ليفريد سيلارز(1912 – 1989) عن الالتباس اللغوي الناتج عن أمثال مقولته :لا وجود لوعي سابق على اللغة، وأن مبتدأ ومنتهى فهمنا العالم هو تعبير لغوي، فهو يصادر العديد من الاعتراضات الواقعية المهمة التي تقفز على حقائق بيولوجيا الوعي العلمي وتجريد تعبير اللغة في البحث عن معنى الوجود في معنى اللغة،..

سيلارز بهذا التصور الالتباسي في عدم التفريق بين تمثلنا العالم الخارجي باللغة، وبين أن تكون اللغة في فلسفة المعنى هي حقيقة تحصيلنا فهم العالم من حولنا، بهذه الازدواجية غير الواضحة في تعبير سيلارز يصادر حقائق مثل حقيقة الوعي واللغة كلاهما نتاج عقلي مصنوع ذهنيا ولا يمتلكان استقلالية فاعلة لها أهمية في عدم تعالقها بمنظومة العقل الادراكية، ويعتبر سيلارز اللغة والفكرالمتداخل مرتكزي فهمنا العالم من حولنا وأنهما أداة فهمنا العالم من خلال فهمنا المعنى في اللغة، لكن لا يمكن للوعي واللغة خلق (عقل) يأتمر بوصايتهما هما عليه، الوعي واللغة هما حلقات تجريدية لا فيزيائية تحتويها بيولوجيا نظام العقل الفيزيائي بالوصاية العقلية عليها، واذا كان الوعي واللغة كلاهما جوهران لا فيزيائيان قبل تعبيرهما عن موضعتهما الاشياء في عالم الموجودات، فهما (الوعي واللغة) يمثلان فكرا أعزلا ولا وجود حقيقي لهما خارج انتاجية العقل لهما ووصايته عليهما.

وبالنتيجة يكون الوعي هو حلقة بيولوجية في ارتباطه بمنظومة الادراك العقلي وليس تجريدا نفسيا لاعلاقة تربطه بجوهر العقل البيولوجي.وهو ما يؤكده الفيلسوف الامريكي جون سيرل. بمعنى أكثر وضوحا لا وجود لوعي خارج ارتباطه بالفكر واللغة ولا أهمية لهم ثلاثتهم جميعا يعتد الاخذ بها (الوعي، اللغة، الفكر) من غير وصاية تفكير العقل البيولوجي والخيالي عليهم وتوجيههم في تنفيذ ايعازاته في تمثلاته الاشياء ومدركاته الشيئية ومواضيعه في معرفتها وتغييرها. لذا العالم لا يتغير باللغة المجردة ولا بالفكر المجرد ولا بالوعي المجرد غير المقيّد بالعقل ،بل بالعقل التفكيري الذي يلازمه الوعي والفكر واللغة كوسائل تنفيذ لمدركات العقل النظرية على الدوام في الاحتدام الفكري المتقاطع مع الواقع في تعبير العقل توسيله الوعي واللغة والفكر نيابة عنه الذي بواسطتهم يتطور الواقع ويتغير في مرجعية العقل لهم......

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

علي رسول الربيعييوضح نهج أو مقاربة عدم الهيمنة أو السيطرة (non-domination approach) مفهوم الحرية  بوصفه غياب السيطرة الخارجية. ويعني التحرر من الهيمنة وفقًا لوجهة النظر هذه، أن تكون مستقلاً عن التأثير التعسفي للأفراد أو الجماعات أو المؤسسات. إن نموذج الجمهورية الرافض لعدم الهيمنة هو سلبي (طبقاً لتصنيف الحرية الى سلبية وايجابية) "لدرجة أنه يتطلب غياب هيمنة الآخرين، ولكن ليس بالضرورة يعني وجود السيطرة  الذاتية" الجانب الايجابي من الحرية.[1] إن مقاربة عدم الهيمنة على غرار التفسير الليبرالي الذي يركز على عدم التدخل، تقدر فيه السلطة الفردية للناس في حق الاختيار، لكنها ترفض فكرة أن الحرية محددة أو مقيًدة بالتدخلات الخارجية. وعليه فأن دعوة تصور مجتمع حر بشكل صحيح  تعيق فعلياً قوة وسلطة التدخل التعسفي من قبل المواطنين والجماعات الأخرى أو من قبل الدولة نفسها.[2]

يجادل بيتيت، لتأكيد هذا الضعف في نهج عدم التدخل، يظهر السيد الخيًر الذي يمتنع عن التدخل في سلوك العبد، بالنسبة الى ليبرالية عدم التدخل، غير ملام .[3] ويُقصد من حالة السيد الخيًر أنْ يُظهر أن التزام الجمهوري بالحرية لا يتعلق بحرية متابعة مسار معين للفعل أو العمل، أو حتى حول التوافر الفعلي الواقعي لجميع مسارات العمل؛ إنها عن الحرية التي لا تعتمد على الإرادة التعسفية لأي شخص. ليس فقط يجب أن تفتح جميع الأبواب المتاحة، بل يجب أن يكون هناك أيضًا حالة عدم وجود حارس باب يمكنه إغلاق الأبواب أو تعطيلها أو إخفائها حسب الرغبة.[4]

إن الجبهة الثانية للخلاف بين الجمهوريين والليبراليين هي التوازن المؤسسي بين تطبيق مبادئ العدالة وشمولية المجتمع السياسي. يجادل بيتيت في هذا الصدد أن الليبرالية الراولزية تحتاج بوصفها معنية  بشرعية السلطة السياسية غير التعسفية وعدالة شروط التعاون، إلى مبررين مختلفين. تكمن صعوبة نهج راولز في أن ازدواجية المصادر التبريرية تفتح الطريق أمام خطر مزدوج يتمثل في إقامة حكومة عادلة اجتماعيًا ولكنها مهيمنة، أو دولة شرعية ولكنها غير عادلة. بدلاً من ذلك، يقدم مفهوم الحرية باعتبارها عدم هيمنة إجراءً ومقياساً لاختبار الأهلية التعاقدية والتبرير المدني الراولزي. يعترف بيتيت بأن نظرية العدالة الجمهورية القائمة على مبدأ عدم الهيمنة تتداخل مع  المنظور السياسي لراولز في العديد من سياساتها؛ ومع ذلك، فإنه يؤكد على الدور الثانوي الذي تلعبه الحريات الإجرائية مثل حرية التصويت أو الترشح لمنصب الرئاسة في العدالة كأنصاف. علاوة على ذلك، تعطي مقاربة عدم الهيمنة وزنا كبيرًا لمشكلة الدولة الاستبدادية والنظام غير العادل اجتماعيًا، وتعتبر السيطرة الشعبية كإجابة لكليهما.[5] إن تدخل مختلف الجهات الفاعلة في حياة المواطنين أمر لا مفر منه، ولكن من الضروري أن يحتفظوا بالسيطرة النهائية على خياراتهم. إن دور المواطنة أكثر بروزًا في الجمهورية مما هو عليه في النظرة الليبرالية، والهدف من هذه المشاركة على مستويات مختلفة (بما في ذلك الدين) ليس مفهومًا محددًا للعدالة (راولز) ولا هو مصلحة عامة شاملة، ولكن يتحدى علاقات وانظمة الحكم بخصوص الهيمنة.[6]

وبناءً على هذا المفهوم للحرية باعتبارها عدم هيمنة، يوضح بيتيت نموذجًا جمهوريًا للديمقراطية يركز على ثلاثة عناصر رئيسة: (1) حكم القانون، (2) المشاركة المدنية، (3) الحماية المؤسسية للحرية.

(1) يجب أن تحمي قوانين الجمهورية المواطنين من خطر التعرض للهيمنة، وأن تحميهم من السلطة التعسفية لمواطنيهم الآخرين ومن المؤسسات الدينية والشركات والأحزاب. فالقوانين العادلة هي إذن شرط الحرية، ولكن من خلال القضاء الفعال على حالات الهيمنة، فهي مصدر تدخل أيضًا، وعلى الأخص في شكل إكراه على المواطنين. لكن لا يعتبر هذا التدخل غير التعسفي بمثابة قيد على الحرية من وجهة نظر الجمهورية.

( 2) إن عدم الهيمنة، كما لاحظنا، هو تفسير سلبي للحرية السياسية، وهي بهذا المعنى ترفض تصوير النشاط السياسي على أنه السعي لتحقيق الصالح العام. في المقابل، يهدف عدم الهيمنة إلى تهيئة الظروف لكل مواطن لمواصلة مصلحته. ومع ذلك، فإن ممارسة الفضيلة المدنية، مطلوبة حتى يتم احترام القوانين وتطويرها بشكل عادل. يجب على المواطنين احترام القانون من أجل مصلحتهم، والتعبير بنشاط عن مطالباتهم السياسية الخاصة، واليقظة بشأن تركيز السلطة في أيدي القلة. إن عدم وجود الفضيلة المدنية يجعل الديمقراطية عرضة لتأثير مجموعات المصالح القوية وبالتالي لنظم الهيمنة.[7]

(3) تعتبر مقاربة عدم الهيم، الدولة الجمهورية ضمانة ضرورية لتحقيق الحرية، وليس فقط كيانًا سياسيًا يخضع له المواطنون. تحدد الحدود المؤسسية والقانونية الحرية[8] (4) كشرط ثابت بطريقة لا تستطيع الفضائل وحدها القيام به. يعتمد الإطار القانوني والسياسي الذي يحمي المواطنين من السلطة غير المقيدة بعض الاستراتيجيات المؤسسية التي تحد من الممارسات الأرادية للسلطة، مثل فصل السلطات ومساءلة المسؤولين المنتخبين الذين يجب أن يستجيبوا في نهاية المطاف لمواطنيهم من أجل تحقيق خياراتهم.[9]

تكبح سيادة القانون والآليات المؤسسية الأخرى معا التدخل التعسفي للدولة.[10] وبالتالي، فإن عدم الهيمنة هو قيمة تعززها الدولة الجمهورية وقيد على كيفية تحقيق أهداف أخرى مثل السلام أوالتطور الاقتصادي.[11] الجمهورية ومواطنيها مشتركون أيضًا بشكل متبادل: الدولة الجمهورية هي شرط ضروري من أجل التحرر من الهيمنة، وأن تغذية الفضيلة المدنية هي شرط ضروري للوقاية من الممارسة التعسفية للدولة .[12] المواطن الحر هو المثل الأعلى في الجمهورية وهو عنصر موحد لها، كذلك، رأس شرعية إكراه الدولة والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية. الترتيبات بين المواطنين هي فقط عندما يتم تصميمها لتعزيز تمتع الناس بالمساواة وبالحرية كعدم هيمنة .[13]

يتطور، على أساس هذه المقدمات الأساسية، نهج عدم الهيمنة في اتجاهات مختلفة، والتي تختلف على أساس نطاق مفهوم الهيمنة وتصميم المؤسسات السياسية. يمكن تفسير طبيعة السلطة التعسفية من خلال النظر إلى الأفراد أو الجماعات، كما يفعل بيتيت من خلال مفهوم الهيمنة باعتبارها غزوًا لحرية الاختيار.[14] يجسد هذا الرأي الحالة التقليدية القديمة للعلاقة بين السيد والخادم، ولكن أيضًا المشكلة المؤسسية الحديثة للعلاقة بين المؤسسات الدينية القائمة والأقليات الدينية. ومع ذلك، فإن التدخلات التعسفية البنيوية في حرية المرء لاتحدد الجناة بوضوح. يمكن أن تخضع الحرية لقوة البنى الاجتماعية أو لعواقب غير مقصودة للسلوك البشري، كما هو الحال في الأسواق المالية أو آثار تغير المناخ. وتقع ضمن هذه الفئة الأديان العالمية أيضًا، بتأثيرها بعيد المدى على الثقافة والأخلاق. وكما تقترح سيسيل لابورد، من الضروري أخذ الهيمنة على أنها  لا تشير إلى العلاقات الشخصية ولكن إلى بنى السلطة الأساسية والنظامية".[15]

لتوضيح هذا البعد من الظلم، يميزأزمانوفا[16] بين الأشكال "العلائقية" و"النظامية" للهيمنة. يتولد الأول عن طريق التوزيع غير المتكافئ  للسلطة بين الجهات الفاعلة داخل نظام اجتماعي معين، مما يؤدي إلى عدم المساواة والاستبعاد. والأخير هو مسألة إخضاع الجميع لضرورات نظام العلاقات الاجتماعية التي يعيشون فيها. في حين يتم التصدي للهيمنة العلائقية من خلال معادلة الموارد المادية والمفاهيمية، يتطلب علاج الهيمنة النظامية إصلاحًا اجتماعيًا يتجاوز المساواة والإدماج - أي تغيير معايير المؤسسات العامة والاقتصاد السياسي لتمكين الديمقراطية كملكية جماعية للبنية الاجتماعية الأساسية.  يصبح النظر للدين من منظور علاقات الهيمنة - في هذا السياق-  مشكلة فيما يتعلق بمنح  حضور متكافئ في الحياة العامة؛ والنظر للدين من  منظور هيمنة  النظام العام العام (السستم)، يصبح الدين مقنعًا بقدر ما يمكّن أو يعوق عملية التألف الجماعي. يوسع هذا النهج نطاق مقاربة عدم الهيمنة ولكنه يمتد إلى مشكلة تصميم المؤسسات خارج الدولة القومية أيضًا، وهذا ما يركز عليه بيتيت.  لا يمكن تحقيق التحرر من الاستبداد والهيمنة في ظل ظروف العولمة دون توسيع مُثلنا السياسية للديمقراطية والمجتمع والعضوية فيه".[17] يشير الترابط والتبادل بين علاقات السلطة في عالم زمن العولمة إلى أن يكون  المحاورين في مقاربة عدم الهيمنة  القوى المنظمة للمجتمع المدني العالمي ونموذجًا عالميًا للمواطنة.[18]

تلقي مقاربة عدم الهيمنة، عبر صيغ مختلفة، ضوءًا جديدًا على فهمنا للقانون والمواطنة والتصميم المؤسسي. من وجهة نظرنا، يقدم المفكرون الجمهوريون من خلال تجاوز عدم التدخل  بديلاً ثاقباً عن ليبرالية عدم التدخل عند مواجهة التحديات الرئيسية المرتبطة ببناء مجتمع حر. يعالجون بشكل مقنع مشكلة السلطة غير المتوازنة بين العدالة والشمول على وجه الخصوص. أولاً، تعطي مقاربة عدم الهيمنة أهمية مركزية لعدم توازن السلطة غير العادلة. يتجاوز التركيز السياسي المجال العام ليشمل مشكلة الحرية داخل العائلات والجماعات. إن سيادة القانون لها نطاق أوسع، لأنها تلعب دورًا في تثبيط أشكال الهيمنة المنتشرة. بالإضافة إلى ذلك إشراك المواطنين للسيطرة على أي ممارسة تعسفية للسلطة. وهذا يسلط الضوء على الأهمية الأخلاقية والسياسية للترابط الاجتماعي: يعتمد المواطنون على بعضهم البعض من أجل حريتهم، لكنهم بحاجة أيضًا إلى الحراسة من الاعتماد المتبادل. تجادل إيريس يونغ بشكل مقنع أن نهج عدم التدخل يفشل في توضيح كيف أن عدم تقرير المصير ليس متجذرًا في التدخل نفسه، ولكن في كيفية تأثير التداخل على توازن السلطة بين الذوات:

يفترض نموذج عدم التدخل أن الوحدات المستقلة يمكن أن تكون منفصلة  تمامً بشكل صحيح أو كما ينبغي  ولا تحتاج إلى أي تفاعل بخلاف ذلك الذي تدخل فيه طواعية. ومع ذلك، في الواقع، غالبًا ما تكون شعوب العالم مختلطة جغرافيًا، أو تسكن بالقرب من بعضها البعض، في البيئات المادية والاجتماعية التي تؤثر عليهم بشكل مشترك. قد تكون بعض الوحدات الضعيفة عرضة للهيمنة من قبل وحدات أكثر قوة ليس لأنها تتدخل بشكل مباشر، ولكن لأنها تحدد الظروف التي يضطر فيها الطرف الأضعف إلى العمل بموجبها.[19][20]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...........................

[1] Pettit, P. (1997) Republicanism: A Theory of Freedom and Government.51.

[2] م،ن،11 .

[3] إن المسافة فيما يتعلق بمشكلة الهيمنة من وجهات النظر الليبرالية،  أقل مما يقترحه به المنظريون الجمهوريون. لايتجاهل الليبراليون القائمون على المساواة،  مثل راولز التهديدات البنيوية للعدالة الجافة ولن يتركوا وضع سيد العبد الخير بلا منازع. تعزو ليبرالية راولز دورًا محوريًا في كيفية قيام مبدأ المعاملة بالمثل بتأسيس شروط المشاركة والتعاون في المجتمع. يلتزم هذا الشكل من الليبرالية بالحرية المتساوية لجميع المواطنين، ليس فقط كحالة مصادفة، ولكن أيضًا كوضع دائم (Saenz, C. (2008) "Republicanism: An Unattractive Version of Liberalism 270). بالنسبة لـراولز، فإن احترام الذات أو احترام الذات هو "على الأرجح أهم خير أساسي": "ترغب الأطراف في الوضع الأصلي في تجنب الظروف الاجتماعية التي تقوضها بأي ثمن تقريبًا" (Rawls, J. (1971) A Theory of Justice. Cambridge, MA: Harvard University Press. 73). هذا النوع من النظرة الليبرالية المساواتية سوف يستبعد بالتالي أوضاع عبد - سيد، التي ناقشها بيتيت.

[4] Pettit, P. (2011) "The Instability of Freedom as Non-interference: The Case of Isaiah Berlin",

Ethics 121(4): 693--716. 709.

[5] Pettit, P. (2012) On the People's Terms: A Republican Theory and Model of Democracy.185--186.

[6] Azmanova, A. (2016) "The Right to Politics and Republican Non-Domination", Philosophy and

Social Criticism 42(4-5): 465-475.

[7] Pettit, P. (1997) Republicanism: A Theory of Freedom and Government. 246-248.

[8] يلاحظ بيتيت أن مقاربة أو نهج عدم الهيمنة يهتم بحرية الاختيار كظاهرة اجتماعية حصريًا. أما  كمنظور فلسفd، فهو لا أدري تجاه الأحوال أو الشروط  الميتافيزيقية والنفسية ..

Pettit, P. (2012) On the People's Terms: A Republican Theory and A Republican Theory and Model of Democracy.27.

[9] Lovett, F. and Pettit, P. (2009) " Neorepub licanism: A Normative and Institutional Research Program", Annual Review if Political Science 12: 11- 29.

Honohan, I. (2013) "Religious Diversity and The Republic", Studies: An Irish Q11arterly Journal

1 02(406): 203- 212.

[10] Pettit, P. (1997) Republicanism: A Theory of Freedom and Government.37.

[11] م، ن،97 .

[12] Pettit, P. (2012) On the People's Tenns : A Republican Theory and Model of Democracy.180-184.

[13] م،ن،123 .

[14] م،ن، 44-67 .

[15] Laborde, C. (2012) "State Paternalism and Religious Dress Code" , International Journal of Constitutional Law 10(2): 398-410.

[16] Azmanova, A. (2016) "The Right to Politics and Republican Non-Domination",

[17] Bohman, J. (2004) "Republican Cosmopolitanism",journa1of Political Philosophy 12(3): 336- 352.352.

[18] تعرقل ممارسة المواطنة الحرة حتى عندما لا يكون الفرد خاضعًا لسيطرتها، ولكن ممارسات الحوكمة تنزاح خارج نطاق وعيها وفاعليتها. عندما تُعرض مسائل المالية العامة على أنها مسائل للخبراء أو المهنيين أو يُعهد بها إلى حوكمة المؤسسات الدولية التي تعمل دون الكثير من المراقبة أو التدقيق العام، يحرم المواطنون من جزء من حريتهم دون أن يخضعوا للهيمنة بشكل مباشر.

[19] Young, I.M. (2005) "Se lf-Determination as Non-Domination : Ideals Applied to Palestine/ Israel", Adalah's Newsletter 12: 1- 9. Available online at: www.adalah.org/ uploads/ oldfiles/ new sletter/ eng/apr05/ ar1.pdf (last accessed 3 July 2017).

[20]

 

سامي عبد العاللماذا لا يكون البحرُ موضُوعاً فلسفياً؟! كيف نقرأ دلالاته في ذاكرة البشرية (اللاهوت والفكر والسياسة) بحيث يكون لدينا تاريخ فكري للماء؟ لقد اعتبرت التقاليد الفلسفية أنَّ المياه أحد عناصر الطبيعة (الماء، الهواء، التراب، النار). ولم يكُن ذلك لإعطاء المياه أهميتها واستبطان جوهرها، بل لتفسير التغير الطبيعي كونياً. بالمقابل ُتُرِكّت فضاءات البحار كمجال حيوي للحروب والمعارك بين المدن-الدول (أثينا واسبرطة قديماً)، حيث كان البحر يأتي بأخبار الهزائم الانتصارات وحطام المعارك.

ربما منذ قُول طاليس: الماء أصل الوجود لم يُدْرج المياه صراحةً إلاَّ كموضوعٍ علمي. ودوماً كانت الموضوعات تشير إلى إطار المعرفة الذي يهتم بها. وكنا في انتظار سنوات وراء سنوات، حتى يكتب الفيلسوف الفرنسي جاستون باشلار كتابه المهم (ماء وأحلام)water and dreams  حول الماء والأحلام والتخيلات والمادة، وقد أفاض في أنواع الماء بحسب المفاهيم والمعتقدات والتصورات النفسية، وناقش الماء والحلم، الماء والتطهر، الماء الهادئ، الماء العنيف وكلام الماء.

أمَّا ابداعياً، فقد كان البحر مصدراً للإلهام والعبور نحو العالم الآخر. وهذا ما يؤكد دلالته اللاهوتية والأدبية في تراث الإنسان باختلاف الثقافات. ولاسيما أنَّ البحر دالٌ لغوي أثار دهشة الإنسان وحيرته. لقد سكَن اللغة كموطن لانسلال الدلالة من ربقة المحدود، والمهيمن. وغدا رمزاً لفيض الروح في المذاهب والاتجاهات الصوفية والأشعار واللغة والقصص الشعبية والأساطير. وعادَ بالنُصوص إلى أصل الحياة كوسيطٍ شفافٍ يلامس الجسد والنفس معاً. يطرحُ "غمْرَ اليابس" ليعالج تشققات الروح وينخر صخور الحياة، البحر يذكرنا بالحركة الدائبة والأمواج العاتية والأنواء العاصفة. ولعلَّ ارتطام الأمواج تلو الأخرى يوازي مثابرة الإنسان لزحزحة المصير. فكلُّ ذوبان للمشكلات يحتاج محاولات لا تنتهي، تعاود ضرباتها بشكلٍّ لا يُمل. الأمواج ترسم درباً لإرادة قادرة على التحرر شريطة ألاَّ تتوقف عما تصبُو إليه.

معاني المجهول تقبع في البحر كمجال مليء بالكائنات والأفكار الغريبة. فلن يسلم أيُّ مفهوم تقليدي من البلَّل، من الغرق. البلل الذي سيسرب التحلُّل إلي أفكارنا المكتنزة كعبء وجودي ثقيل. الأفكار اليابسة فيما يبدو والتي نخشى عليها من الضياع. والقول الشعبي يومئ بحنكة: (إذا جاءك الطوفان، ضَّعْ ابنك بين رجليك)، والمماثلة بين الابن والفكر لا تفوتُنا، حتى يقال حول أسئلة الإبداع وغرابته: هذا المعنى أو ذاك من بنات أفكاري. ومجازاً العقل ابن الإنسان كما يرتبط بمفهوم المؤلف ما قبل الحديث before modern. بينما المؤلف ما بعد الحديث لم يفقد ابنه (الفكر – النص) فقط، بل اعلنت ما بعد الحداثة عن موت المؤلف نفسه (ميشل فوكو– رولان بارت)، تحلل في تربة اللغة ليظهر (بطريقة التناسخ) في أشكال نصيةٍ تالية.

أي كان موت المؤلف لصالح اللغة كنظام اختلاف وإرجاء وغياب، وهو ما يلتقي من طرفٍ قصي مع البحر. اللغة  مياه جارفة تعيد المتلقي أو البَحّار إلى واجهة النصوص (القراءة). تأتي القراءة كفعل ابحار وسط العواصف النصية العاتية بلا ضفاف. كل نص هو مياه دافقة بأعماقها الموروثة (التناص) لتضخ أمواجاً لا قبل لسلطة التأليف بها (فيض التأويل). ولم تكن القراءة لتجد عائقاً في اللغة كمياه تاريخية هادرة  بقدر السلطة الراسية بأعماقها. ولذلك تُحرِّك كل قراءة رواسب القاع مثلما تتحرك الأمواج على السطح، إنَّ ما يلفظه البحر من إشارات لا تقل عما تلتقطه القراءة من عمليات ابحار محفوفة بالمخاطر.

وإذا أراد الفلاسفة والمفكرون اصطياد أفكار طازجة ككائنات البحر الغاص بالحياة، فهناك المغامرة وامتطاء الأهوال (كتابة الفاجعة: موريس بلانشو). وكما كان نيتشه يتفلسف من أعلى الجبال تحت أثداء السحب أو عند درجة الصفر، كذلك  "المفكر البَحّار"sea thinker  يتطلب عقلاً فلسفياً شجاعاً. يلتقط الأفكار من ألسنة الأمواج ومن مصارعة العواصف. وذلك يحتاج شراعاً قوياً إزاء خلسات الفكر. ومن يختار البحر سيغوص في أعماق سحيقةٍ تفجر رئتيه الميتافيزيقيتين بحثاً عن اللؤلؤ والأحجار الكريمة. أي لن تعود الميتافيزيقا التقليدية بالنفع على غواص البحر، أضحت المفاهيم كسفن القراصنة تتحطم تحت ضربات الأمواج!!

لغة البحر موسيقى تستعصي على نوتة المذاهب الفلسفية الكبرى، لكونه أهوج حتى في سكونه البادي. وتمثل رمزية البحر فضاءً لحريةٍ دون نهايةٍ. إنها عالم قائم بذاته، كونه يحتمل كافة الأوجه والمصائر. وجودٌ بلا ثوابت ولا حقائق ولا نهايات ولا أسوار كأنَّه واقع خيالي لدرجة الابهار. فقط البحر رغبات وأسئلة ممتدة بطول البصر. حيث يلتقي هو والسماء عند نقطة التلاشي المزدوج. نقطة الصعود والهبوط – رأساً وأفقاً- بين السماء والأرض. فإذا نظرنا مع الرياح سنجد السماء بحراً مقلوباً إلى فوق. ولئن ركزنا على المياه سنجد السماء مياه زرقاء لامعة الأسطح. قيعان طافية وألوان متماوجة تتطاير إلينا من بعيدٍ. بينما الأشكال المارقة من النظر جواهر، ماهيات تترسب في باطن الدماغ. دماغٌ لعالم يتقلص بين أعلى لا أرض له وأرض لا سماء لها... إنه الأفق المائي الذي يُخفِي ألغازاً كونية. لا يمتلك المُشاهد لآفاق البحر إلاَّ الدهشة تطلعاً إلى  الـ" ما وراء".

كيف إذن نرى العالم، الحياة، المعاني هنالك؟! وحين نخرج إلى البحر، هل نملك خروجاً منه؟ نحن خلاله قد نغادر مكاناً ما ولكنه لا يغادرنا. لأننا مسكونون بخيال يلازمنا حوله ويستحيل الخروج (منه). فهو من استعارات الحياة التي تعمل مع عقولنا ومع طبيعة اللغة. لكل منا بَحْرُه الخاص مثلما لنا طبيعتنا المائية النوعية. أي يستحيل الخروج بحرف الجر (من) البائن بين قوسين. فالحرف يدل على الانفصال الذي كان اتصالاً ومازال. الأرجح مجازياً أنَّه خُروج (إليه – منه والعكس) بما يعين وجودنا في حضوره وغيابه. وتعبير(الخروج من) ناقل للحركة ضمن البحر كأبرز كياناً مائياً يسكن آفاقنا الرحبة. ذلك في حال تحرر الآفاق من الطرق الضيقة والانحشار المحدود داخل الواقع اليومي.

البحر ليس موضوعاً مقْصيَّاً هناك، ليس الكائن المائي الذي نذهب إليه فقط أمام سواحل المدن. إنَّه عندئذ حالة نفسية وجودية نحن في القلب منها تغمرنا من حين لآخر. تتكون بنا قبل كل شيء آخر كاستعارة وجود. وحينما يُولِّد لدينا إحساسات متضاربة ومبلِّلة لوعينا فهي حالة ليست حيادية. إعماقنا اللجوجة التي غرقت لتوها في قيعان بلا شواطئ.

وبطريقة فينومينولوجية phenomenologically، يطغى الإحساس الواعي الممتد على حالة الشعور الآني المؤقت. لكونه تجسيداً لتراكم التجليات المرتبطة بالتمثُل والتذكُر والتخيُل، لأن البحر يتشكل من جهة الرمز ارتباطاً بذاكرة اللغة والحياة. وهذه الذاكرة تشكل جُلَّ أفعال الإنسان، هي حصى وتراب تفكيره العميق بأزمنته السحيقة. فالإنسان (كائن مائي ترابي وناري وهوائي)، الأمشاج والأخلاط- بلغة القدماء- هي التي تصوغ رؤاه البعيدة حول الأشياء والعالم.

ولهذا ليست دلالة البحر تمثيلاً لمادة خارجية هي المياه المعتادة. إنها تفيض داخلنا حين نتوحد بها في ممارسة خيالنا النوعي. والمياه- بلغة امبرتو إيكو- لون من التأويل المُضاعف over interpretation، الذي ينفرط عَقدّة بلا تحكُّم فيه كمادة سحرية فائقة الوصف. الماء هو الغرق بمقدار ما هو الطفو، الماء هو الحياة والطوفان، الفيض والانحسار، الأهوال والهدوء، الغربة والحضور، إنه الذهاب بلا عودة وهو الوعود المنتظرة، ولقد رأيناه مؤخراً فضاءً حيث اللاجئين الذين لفظتهم حياة العرب، هو حافظ الأسرار ووشوشة الأغيار.

فالرؤية تجاه الماء (حيث الماء فوق الماء) غير محصورة زمانياً ولا مكانياً. لأن البحر ليس عنصراً  بطريقة الأشياء المألوفة.  فقط هو عيون بحجم السماء تنظر إلى عيون تترامى وتخاتل النظر. هناك أطياف من الأمواج المتدافعة التي تجري خلف بعضها البعض، هي تأتي قوية ومتناثرة في الهواء الطلق. فضلاً عن أصوات مكتومة تنشرها هنا وهناك. كأنها أنين هو الغمر الأبدي الذي يأخذنا نحو المصير، تلك البداية والنهاية المطلقة للصمت. فحيث يوجد بحر يوجد صمت يتكلم عن قرب راهن (الوشوشة). لعله يهمس بأصوات الوجود الساكن كالحياة والموت لا يفترقان. كلاهما يقبع بالداخل المظلم، فلا نرى شيئاً واضحاً.

البحر انفتاح بلا عودة، تغير دائم يحوى- كما يقول اليوناني هيراقليطس - اختلاط المياه والنيران. والاختلاط ليس عملية جارية على عنصرين منفصلين إنَّما متحولين عن بعضهما. الماء يصبح نيراناً والنيران تمسي ماءً. سيولة السيرورة التي تتقلب بلا توقفٍ. لذلك فأنت- برأي هيراقليطس أيضاً- لا تستطيع نزول المياه نهراً أو بحراً مرتين، لأنَّ طبيعتها غير خاضعة للتكرار كما نعتاد. هل البحر غياب أم حضور دائم؟ إنه الغياب الحاضر أبداً. مثله كمثل الآلهة الخفية التي تترقبنا عبر الموجودات كما في الأساطير القديمة.

وبالتالي البحر لا نقيض له، لأنَّ مياهه تشكل العالم. وأبداً ليست اليابسة عكس البحر لكونها لا تخلو من المياه بأشكالها. وقد كان مصدراً للطوفان الذي سبب بداية جديدة لحياة الإنسان. صحيح البداية كانت لاهوتية في واقعة الطوفان من حيث تاريخ الحياة. وأُخذت كآية على الخلق، لكنها أكدت دور المياه في الموت والإنشاء من جديد. لا يخلو البحر من الأثر الإلهي حيث ذكرت الكتب المقدسة عرش الإله فوق وجه الغمر (وكان عرشُه على الماء). حيث يسود هُلام التكوين الأولي نحو الحياة التي نلامسها مع وجود الماء.

من هنا كان البحر سؤالاً فلسفياً نتشوف إليه داخلنا. لم ير الإنسان البحر دون التساؤل حول ما يخفي ويخبئ عنا من أسرار. فهو يوجد بالاستعارات metaphors على البعد والقرب، ينتزعنا من خناق التحديد إلى انفساح الرؤى. والخروج إليه سيتم بمطلق الرحب والسعة. لأنه يلتقي عند نقطة تلامس البحر مع حريتنا المتطلعة إلى كسر القيود. والشيء اللطيف أن هذا ما يرادف أخيراً بين حرفي الجر (من وإلى). فالخروج إليه يساوي الخروج منه كما أشرت، فأي خروج هو في الحقيقة عودة إليه. ففي الوقت الذي نظن الابتعاد عنه سيكون داخلنا ونحن عبره. إنَّه ضفاف الأسرار والأعماق المأمولة التي تنتظرنا بموضع ما.

كان خروج بني اسرائيل من مصر قديما خروجاً إلى البحر. لم يكونوا مدركين المخاطر التي تحيق بهم. الواقعة أضحت لافتة من خلال المياه كما جاءت في الديانات الإبراهيمية. لأن البحر هو مطلق المجهول على الأرض. وكأنهم كانوا يجُسون خلال المستقبل الذي لم يتحدد، بعد أربعين عاماً من التيه بأرض سيناء. وإذا كانت الرواية قد أوردتها النصوص المقدسة، فهي تكشف ارتباط البحر بجملة أشياءٍ.

أولاً: النداء الذي يعد نداء إلهياً لشعب الرب للانعتاق من القيود.

ثانياً: المغامرة المحفوفة بمخاطر مقبولة طالماً نتطلع إلى التحرر. المخاطر في البحر فرصة سانحة، لا مهرب منها. ثمة توجس يقظ أثناء المسير عبره.

ثالثاً: لا يقين هناك سوى المسير دون ضفاف. وتلك سمة كل نداء ديني أو سياسي أو صوفي. فالنداء مصدره غير معروف بدقة. وذلك حتى يلبيه الإنسان أو لا يلبيه. فلئن لبّاه، فليكن بضمان ذاتي وحسب. وقد يجد نفسه مفقوداً كحال الندَّاهة (هذه الجنية الغامضة) التي تستدرج المارين بجوار الماء. والندَّاهة أدخلها يوسف إدريس حيز الأدب بروايته الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه.

رابعاً: في أعماق البحر، يتجلى الفعل ذاته. الوارد أن المياه أضحت -كما جاء بالقرآن- كالطود العظيم (الجبل الضخم) عندما ضرب موسى البحر بعصاه. وهذه تعني استحالة البحر إلى أفق مختلف. وربما كانت الجوانب النفسية بها كافية لتصوير المشاهد بعبارة مادية، وهي ليست هكذا في الحقيقة، لأنها المفاجئة الوجودية المذهلة بخلاف المألوف.

هذا وقد جاءت الحادثة في الكتاب المقدس كالتالي:

" ومدَّ موسى يده على البحر. فأجرى الرب البحر بريح شرقية شديدةٍ كل الليل وجعل البحر يابسة وانشق الماء. فدخل بنو اسرائيل في وسط البحر على اليابسة والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم. وتبعهم المصريون ودخلوا وراءهم. جميع خيل فرعون ومركباته وفرسانه الى وسط البحر. وكان في هزيع الصبح ان الرب اشرف على عسكر المصريين في عمود النار والسحاب وازعج عسكر المصريين. وخلع بَكّر مركباتهم حتى ساقوها بثقلة. فقال المصريون نهرب من اسرائيل. لأن الرب يقاتل المصريين عنهم  فقال الرب لموسى مدَّ يدك على البحر ليرجع الماء على المصريين على مركباتهم وفرسانهم . فمد موسى يده على البحر فرجع البحر عند اقبال الصبح الى حاله الدائمة والمصريون هاربون الى لقائه. فدفع الرب المصريين في وسط البحر. فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل ورائهم في البحر. لم يبق منهم ولا واح".( الكتاب المقدس،  العهد القديم، سفر الخروج، الاصحاح 14/ 21 - 28)

بدا البحر بمثابة الملجأ الذي ينبغي الخروج  إليه مع السرد الكوني في حضور الرب، لأنَّ الفكرة أنَّ للبحر معنى عميقاً يضم إرادة ميتافيزيقية خفية. وربما لأول وهلة يدخل البحر كحدث تاريخي في الذاكرة البشرية ويظل علامة فارقة في اللاهوت وتاريخ الأمم. وبمنطوق النص كان الرب حاضراً في قلب هذه الإرادة، يبدأ موسى بمد يده، فيحرك الرب رياحاً شرقية قوية عكس اتجاه السير. اليدان تضعان الأحداث في اتجاه ما. ليظهر درب ممتد بين الماء كرمز للغرق، ويدخل بنو اسرائيل فتكون عن يمينهم ويسارهم أسوار الماء. والملاحظ على الوتيرة ذاتها: يبدأ ما هو بشري (موسى- وبنو اسرائيل) ثم يجري الرب ما يريدون، حتى خرج موسى وشعبه قبل أمر الرب بإطباق المياه على فرعون وجيشه.

وبعيدا عن دلالة البحر القريب، فقد كانت خلفية الحدث، ليست مجرد طريقا إلى الشاطئ الآخر، وهذه سمة مهمة في أي بحر: أن الشاطئ الآخر يحمل النجاة بمقدار ما يمثل وسيطاً فوق العادة. ولذلك يقال لهؤلاء اللاجئين المعاصرين أنهم لاجئون رغم المخاطر حملهم إلى الجانب الآخر. هكذا لجأ كلُّ مطارد من القهر إلى البحر بكل حمولته الثقيلة.

وقبل واقعة غرق الفرعون كان البحر (أو اليم) رمزاً لاستعادة الحياة كما خاطب الله أم موسى: ( فإذا خِفت عليه فألقيه في اليّم ولا تخافي ولا تحزني..).. والرضيع الذي ألقته الأم هو الناجي الذي أغرق فرعون لاحقاً. إذن التقت دلالة البحر كموضع للأمان والغرق في المسيرة ذاتها. وليس هناك إلاَّ التفكير في نقطة التقاء الحادثين، وإذا كان البحر واليم واحد من حيث المياه، فمعنى ذلك أن هناك تفكيراً فيما وراء الأمر.

لأنَّ الصراع بين موسى والفرعون كان صراعاً يمس الألوهية. وقد صُوّر في السرد عبر كلمات: البحر واليم والأرض والتيه والحركة والرب والنبي. وتلك مفردات القصص الذي يبرز أهمية البحر حين يواصل دلالته المائية في سياق المعنى الاجمالي. والتاريخ الذي ينتظر ليس بعيداً عن البحر كفعل، بل هو الحبر الذي كتب بها كما جاء في النصوص التوحيدية بأشكال مختلفة ضمن التوراة  والإنجيل والقرآن. والمفترض أن الخوف يتناقض مع مصدره وهو البحر، تماماً كما أن الحزن هو الأثر الذي ينتج عن الخوف، غير أنَّ دلالة البحر اختلفت بحسب الواقعة في نطاق كوني. لأنَّ الحضور والغياب بالنسبة للإيمان كما عند أم موسى لم يكن أحدهما على حساب الآخر، تماماً كما لن يكون البحر على حساب اليابسة. ولهذا حرصت النصوص التوحيدية الابراهيمية في إظهار هذا الجدل الكوني- الإنساني لتشكل ذاكرة مترعة بالمعاني الرمزية.

كانت واقعة الطوفان كما جاءت بالكتاب المقدس وسأذكرها كاملة لكونها في ماهية الحدث المائي:

" ولما كان نوح ابن ست مئة سنة صار طوفان الماء على الارض، فدخل نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه الى الفُلك من وجه مياه الطوفان. ومن البهائم الطاهرة والبهائم التي ليست بطاهرة، ومن الطيور وكل ما يدب على الارض: دخل اثنان اثنان إلى نوح إلى الفلك، ذكرا وانثى، كما امر الله نوحاً. وحدث بعد السبعة الايام أن مياه الطوفان صارت على الارض. في سنة ست مئة من حياة نوح، في الشهر الثاني، في اليوم السابع عشر من الشهر في ذلك اليوم، انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم، وانفتحت طاقات السماء. وكان المطر على الارض اربعين يوما واربعين ليلة. في ذلك اليوم عينه دخل نوح، وسام وحام ويافث بنو نوح، وامرأة نوح، وثلاث نساء بنيه معهم الى الفلك. هم وكل الوحوش كأجناسها، وكل البهائم كأجناسها، وكل الدبابات التي تدب على الارض كأجناسها، وكل الطيور كأجناسها: كل عصفور، كل ذي جناح. ودخلت الى نوح الى الفلك، اثنين اثنين من كل جسد فيه روح حياة. والداخلات دخلت ذكرا وانثى، من كل ذي جسد، كما امره الله. واغلق الرب عليه. وكان الطوفان اربعين يوما على الارض. وتكاثرت المياه ورفعت الفلك، فارتفع عن الارض. وتعاظمت المياه وتكاثرت جدا على الارض، فكان الفلك يسير على وجه المياه. وتعاظمت المياه كثيرا جدا على الارض، فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء. خمس عشرة ذراعا في الارتفاع تعاظمت المياه، فتغطت الجبال. فمات كل ذي جسد كان يدب على الارض من الطيور والبهائم والوحوش، وكل الزحافات التي كانت تزحف على الارض، وجميع الناس. كل ما في انفه نسمة روح حياة من كل ما في اليابسة مات. فمحا الله كل قائم كان على وجه الارض: الناس، والبهائم، والدبابات، وطيور السماء. فانمحت من الأرض. وتبقى نوح والذين معه في الفلك فقط. وتعاظمت المياه على الارض مئة وخمسين يوماً.( الكتاب المقدس، العهد القديم، سفر التكوين/ الاصحاح السابع، 7- 25)

هناك عدة معان لتوضيح الدلالة:

- المياه جذرية، ليست مجرد مياه فيما يرى البشر، رغم أن المياه واحدة ولم تكن من جنس آخر. لكن الإرادة المعبرة عنها أوسع من تفكير البشر الجزئي.

- ظاهرة الفيض، الكثرة، هي الدلالة الحاسمة في كل مياه ممكنة. ولذلك تعد المياه أول ما يلفت نظرنا إلى البحر، قدرتها المهولة على توليد الدهشة، فهي غزيرة والغزارة مقترنة بالخطر.

- الغمر، حيث لا بحر دون هذه الإمكانية وسيكون الماء هو الرسّام الذي يشكل جوهر الصورة. وكان النص مليئاً بإمكانية الغمر وهو ما يعني التهام رقعة الأرض.

- تبدو الأرض مقصودةً، كل الأرض. وطبعاً هناك تقدمة بأن الآثام والشرور ملأت الأرض جوراً وظلماً. وكأن الشرور العامة تحتاج إلى التطهر المتمثل في الماء.

- لم تكن المياه علامة لإغفال الحياة، بل كانت بداية أخرى، والبداية عادة تاريخ جذري مغاير. وهي مكان اللحظات النادرة في تاريخ الكرة الأرضية حيث تغيير الوضع القائم. كانت سرديات العذاب والكوارث السابقة مثل قوم عاد وثمود وقوم صالح وغيرهم محدودة بهؤلاء الأقوام، أما دلالة الطوفان، فبحسب دلالة الماء التي لا تبقي ولا تذر.

- على المستوى المجازي- وهذا وارد- أن الطوفان  يمثل استعارة لأهمية البداية في حياة الإنسان. وارتباطاً بالماء، فهو علامة للتطهر وطلب الغفران لوضع سيناريو الحياة كنوع من القيامة التاريخية.

- ليس الطوفان عابراً، إنه حاسم حتى النهاية، وبحجم مساحة الفكرة المفترضة داخله سيكون مؤثراً في حياة البشرية. بحيث هناك ما قبل الطوفان وما بعده وهذا وارد في النص.

- الملاحظ أنَّ نوحاً كشخصية ارتبطت به الأرقام التي بلغها عمره (ستمائة سنة وقت الطوفان) والارقام تفيد قطع الزمن لمراحل كبيرة، وهو ما يصب في الجانب المجازي لعظم خطايا البشر وشرورهم. وبمقدار ما تُظهر عظم الشرور سيكون الحدث الكوني متوقعاً.

- الكائنات والنباتات والحيوانات التي أختارها الرب لنوح كانت علامات حياة متنوعة، رغم أن النص لم يفْصح عن كيفية تعايش الكائنات المتنافرة مدة المئة والخمسين يوماً وهي زمن الفيضان.

-  الفُلك أو السفينة شكلت طوق النجاة وارتفعت فوق مستوى الشرور وفوق الأرض، وكأنَّ المعنى أنه حينما يحمل الماء الإنسان ارتفاعاً عن الرزايا سيكون موضعاً لحياة جديدة.

الحاصل أنّ البحر في كل مواضعه اللاهوتية مضمخ بالدلالات القادرة على إثراء تاريخ الإنسانية. ويعبر عما يكُّون ذهنيات البشر تجاه مفردات الحياة، ولم يكن العقل ليقطع هذه المساحات الشائكة من الأحداث وتفسيراتها سوى بالوعى الفاهم لهذه التحولات الزمنية.

من زاويةٍ أخرى- مع تطور المجتمعات الحديثة - هل البحر أسطورة صيفية حداثية تتجدد مع كل عام؟ وبالتالي هل نستطيع نسيانه حقاً؟ بمعنى آخر: هل بالإمكان تجنب احساساته الغامرة؟ ربما العودة إلى البحر ظاهرة ليست قديمةً كما أشار إليها اللاهوت. هذا إذا كان مُتاحاً- ابتداءً- فقدانُ معناه الإنساني. لأن البحر واصل طريقه كميدان للصراع بين الدول. فيما يعرف بحركة الاستكشافات الجغرافية للعالم الجديد نتيجة الحداثة والتقدم التكنولوجي, مثل الحروب الناجمة عن الاستعمار الحديث على بقاع العالم من قبل القارة الأوروبية حول النفوذ المائي ونهب ثروات الشعوب ونقل العبيد وحركة التجارة العالمية. لقد ظل البحر -كفضاء ساحر ومضمخ بالرعب- موقعاً مناسباً لمغامرة الامبراطوريات والتسابق على إخضاع الشعوب.

إن الرعب القديم ظل راهناً لم ينزح عن البحر، لقد استقر في قاعه ونوّاته واعاصيره. فهو كيان متقلب في تحريك مشاعر الرهبة كلما تتدافع أمواجه مع المجهول. وظل يعكس تطور القوى السياسية والعسكرية التي تمخر خلاله. حتى أن السيطرة على البحار كان شرطا للسيطرة على العالم. فالإمبراطورية الرومانية كانت سيدة عصرها باسطة نفوذها على معظم المجتمعات آنذاك. لأنها كانت امبراطورية بحرية في المقام الأول. وسُمي البحر المتوسط "بحر الروم" نسبة إلى هذه السيطرة وتطبيقاً للقاعدة السالفة. وعلى الغرار نفسه أطلق الامريكان على أنفسهم الرومان المعاصرين نسبة إلى هذا النفوذ المائي الموروث.

لدرجة أنَّ المَشاهد السياسية وراء البحر تثير الحيرة واستنفار المجتمعات. لأنه، ورغم كونه مياهاً، يعتبر عوالم من الاستراتيجيات والمآرب. ويبدو أنَّ الصراع يتحول إلى توازن الخوف المتبادل بين الدول الكبرى. والتحول يترقب القادم السياسي، فلماذا تكون المياه المفتوحة محملة بالمجهول؟! وبخاصة أنها غير مطروقة الآفاق وتغري أصحاب النفوذ العولمي، وفي الوقت ذاته تتطلب مزيداً من المخاطرة.

وبجانب ذلك هناك في الأدبيات والروايات مصطلح "ركوب البحر". وهو يعبر عن مقارعة الأخطار، وترك الأمر إلى شيء غامض غير مأمون العواقب. كما أنه يحملنا بحسب مفاجآته بما يجعلنا مسلوبي المصير. فالبحر أحد المستحيلات الإنسانية التي تعلن التحدي وتطاول الجوانب التي يتعذر تجاوزها. ولهذا كانت كلمات النص القرآني متماسة مع ذلك:" قل لو كان البحر مداداً لكلمات ربي لنفد البحر قبل أنْ تنفد كلماتُ ربي ولو جئنا بمثله مدداً". فالشيء الذي يتحدث عنه النص بإضمار بلاغي هو اللغة، المعاني، العلامات، الاشارات. وبصرف النظر عن أي شيء، فالكلمات (الدوال) هي بطل المعنى حين تموج مع المياه. واللغة تذهب لتكون بحراً وراء بحر حتى تفي بكلمات الله. وكم تواردت أسماء المعاجم وكتب اللغة في التراث العربي على هذا المنوال مثل: " البحر الزاخر" و"البحر المحيط". والتعبيرات الأكثر بلاغةً تعبيرات تترقرق كالمياه الصافية وتتلاطم كالأمواج وتتصادى كالأعماق.

ولا ننسى أنَّ أوزان الشعر العربي تسمى بالبحور التي قعدها الخليل بن أحمد الفراهيدي ثم تداركها الأخفش مضيفاً إليها. أطلقت لتدل على الإحاطة والشمول والقدرة على مقاربة المستحيل بأساليب وأوزان ممكنة. فخيال الشعراء في عرف العرب يأتي من وادي عبقر المسكون بالشياطين والجان. وأقرب تصوير لإنتاج المعاني سيكون من أخيلة البحر. لأنَّ اللغة تتسم بطبيعة سائلة بجميع تشكيلاتها الاستعارية. فحين نعت اللغة العربية حظها العاثر على لسان حافظ إبراهيم قالت:" أنا البحرُ في أحشائِهِ الدُّر كامنٌ .. فهل سألوا الغوَّاصَ عن صَدَّفاتِي".

والآن مع رفاهية الحياة، جُعلَ البحر موضوعاً للاستمتاع، الاستجمام بإفراط السياحة واعتباره مسرحاً لحياة الإنسان الحرة. وبالتالي لم يخلو البحر حالياً من نبرة فلسفية مختلفة تخص ماهية الحياة وجماليات البيئة  وفي هذا الخضم ليس مثل البحر إذ شهد تطاحن المصالح الإقليمية والمذاهب السياسية وترسيم المياه الإقليمية لكل دولة على حدة نتيجة اكتشاف الثروات وبسط النفوذ. ثم كانت خصخصة البحر وجعله سوقاً تجارياً هما صناعة للرأسمال المعولم.

ولهذا بدلاً من الرؤى النظرية  كان البحر مجالاً لكشف الأجساد الحرة التي تستلقي على الشواطئ. وباتت الأخيرة تجارة إمام الأمواج التي تغسل هموم الحياة اليومية. وترسم خريطة السياحة التي هي تسويق لضغوط الحياة المعاصرة وسط الرفاهية المعولمة. وهذا جعل من المودات modes والبرانداتbrands  هي المعايير العابرة للقارات التي تحدد نمط العيش وتصطنع من  فضاء البحر ساحةً ناعمة لأظافر الدول.

 

سامي عبد العال      

 

محمود محمد علي (موقفه من توماس كون)

نعود وننهي كلامنا عن ميشيل بولانى والعقلانية المضمرة  وهنا نقول: من كل سبق يتضح لنا أن بولانى يؤكد على استحالة الوصول إلى معرفة موضوعية محضه عن العاَلم الفيزيقى، وإنما تكون معرفتنا للعاَلم نتيجة تدخلنا فيه بقدراتنا العقلية وآلاتنا ومقايسنا وفروضنا المسبقة، وأن معرفتنا تنسيق لمعتقدات تلعب الذات الإنسانية من خلالها دوراً أساسياً . وهذا الدور قد أكد علية بعض فلاسفة العلم الذين جاءوا بعد بوبر، وبالأخص بــول كـارل فييرآبنـد Feyerabend Karl  Paul (1924 – 1994)، حيث ذهب إلى أن المعرفة تعد من نتاج العقل الإنساني، وهى ليست مستقلة عن اعتقاداتنا وميولنا، فهى تدخل فيها الذات الإنسانية بشكل أساسي . يقول فييرآبند: " إن معتقداتنا العامة وتوقعاتنا تؤثر فى خبراتنا وتصوراتنا للواقع " .

النقطة الثانية: تحرص العقلانية النقدية على وضع قواعد ومعايير وقيود تسمح لنا بفصل السلوك النقدى عن الأنواع الأخرى من السلوك، لكى نكشف عن الأفعال الغير عقلية ونقوم بتفنيدها واستبعادها وفق معايير تضعها العقلانية البوبرية من أهمها معيار القابلية للتكذيب . فالمناقشة العقلية عند بوبر تكمن فى محاولة النقد وليس فى محاولة البرهنة أو تقديم أى احتمال، فكل خطوة فى سبيل النقد هى خطوة على طريق العقلانية الحقه، تقول العقلانية النقدية طور أفكارك لكى تكون قابلة للنقد، هاجمها بطريقة قاسية ولا تحاول أن تربط بينها وبين أفكار أخرى، ولكن فقط حاول أن تظهر نقاط ضعفها .

هذا المبدأ الذى تأخذه العقلانية النقدية ترفضه تماماً العقلانية المضمرة التى تؤكد على الثقة فى واقعية الكشف العلمى، وهذه الثقة تتجاوز البراهين التى يمكن أن تكون معمولة بشكل واضح؛ إن الاكتشافات العلمية فى نظر العقلانية المضمرة تتمثل فى حل المشكلة، وفى فتح باب الاحتمالات التى تعيد النظام وتعيد تعريف وجودنا فى الطرق التى لم تكتشف بعد . وهذه الاحتمالات الخاصة بالنتائج العلمية الصادقة للأشياء ضرورية لكى نعرفها وإن لم نستطيع أن نقولها؛ كما تؤكد العقلانية المضمرة على أنه ليس هناك اختبار للصدق؛ وإنما الصدق يقوم على واقعية الفكرة من خلال المكونات المضمرة . إن الاعتماد على الواقع يقوم على الحكم الشخصى عن طريق الفرد الذى يصنع الاكتشافات وعن طريق الجماعة العلمية التى تقيّم تلك الاكتشافات . المعترف به هو أن الجماعة العلمية تمثل معيار الحكم، وهذا المعيار يتضمن قوانا الشخصية للواقع الذى يدرك من قبل. وبالتالى فإن مبدأ قابلية التكذيب عند بوبر فى نظر العقلانية المضمرة ليس واضحاً مثل أفكار عديدة، بينما هو صادق حيث يسعى إلى اسقاط التعميمات الفردية المتناقضة بشكل  منطقي، والعلم لا يتعامل مع الكيانات التى تلاءم ذلك جيداً داخل الدقة المنطقية . إن ما يبدو متناقضاً قد لا يمثل تناقضاً واضحاً . السؤال المدعم فى العلم هو يمثل دائما الطبيعة الواقعية وأن يبقى السؤال مفتوحاً . ولو اتبعنا على نحو مطلق قابلية التكذيب، فإننا سوف نبقي لنظل داخل تعريفاتنا الحاضرة وفيما يتصل بذلك فانه يعوق التقدم المبدع .

وهذا النقد الذى وجهه بولانى، قد أخذ به معظم فلاسفة العلم المعاصرين، فنجد توماس كون T.Khun  (1922 – 1996) ينقد مبدأ القابلية للتكذيب  فيقول: " ولكن هناك نهج مختلف تماماً فى تناول جماع شبكة المشكلات، ونعنى به نهج كارل بوبر الذى ينكر وجود أى تدابير للتحقق على الإطلاق . إذ يؤكد بدلاً من ذلك على أهمية إثبات الزيف (القابلية للتكذيب)، أى التحقق من زيف الاختبار وذلك لأن نتيجته سالبة وتقضى بضرورة رفض نظرية ثابتة . وواضح أن الدور المنسوب لإثبات الزيف يشبه كثيراً الدور الذى تعزوه دراستنا هذه إلى التجارب الشاذة، أى إلى وقائع التجارب التى تمهد السبيل، من خلال إثارة الأزمة لظهور نظرية جديدة . ومع هذا فقد لا يتسنى المطابقة بين التجارب الشاذة وبين التجارب اللازمة لإثبات الزيف . والحقيقة أننى أشك فى وجود هذه الأخيرة. فكلما سبق لى أن أكدت مراراً فإنه لا توجد النظرية التى تحل جميع الألغاز التى تواجهها فى وقت بذاته، كما وأن الحلول التى يتم الوصول إليها نادراً ما تكون حلولاً كاملة . بل على العكس، فإن هذا النقص والقصور اللذان يشوبان المطابقة بين المعطيات والنظريات القائمة هما اللذان يحددان، فى أى فتره من الزمن، كثيراً من الألغاز المميزة للعلم القياسى . ولو أن كل فشل نواجهه فى سبيل إثبات هذا التطابق يوجب رفض النظرية إذن لانتهى الأمر بنبذ جميع النظريات فى كل الأزمان . ولكن من ناحية أخرى لو أن الفشل الذريع فى المطابقة هو وحده الذى يبرر نبذ النظرية، إذن لاحتاج أنصار بوبر إلى معيار لتحديد " اللااحتمالية " أو " درجة إثبات الزيف " . وإذا ما عمدوا إلى استحداث هذا المعيار فسوف يجابهون يقيناً نفس شبكة الصعاب التى اعترضت دعاة مختلف نظريات التحقق (الوضعية المنطقية) فى المذهب الاحتمالي "؛ ونفس الشئ ذهب إلية بول فييرآبند فى نقد مبدأ القابلية للتكذيب فى كتابه ضد المنهج حيث أكد نفس هذا المعنى .

من هاتين النقطتين يتضح لنا أن هناك اختلاف جوهرى بين العقلانية النقدية والعقلانية المضمرة . وقد أوجز هذا الاختلاف باختصار شديد آلن ماوسجراف Alan Musgrave  (أحد تلاميذ بوبر المتعصبين) على النحو التالى:

1- تبدأ العقلانية النقدية بالمعرفة الموضوعية؛ فى حين تبدأ العقلانية المضمرة بالمعرفة الشخصية .

2- تركز العقلانية النقدية على الشئ فى الكتب والمكتبات (العاَلم الثالث)؛ فى حين العقلانية المضمرة ناتجة عن معتقدات البشر (الاعتقادات).

3- تتكون العقلانية النقدية من الخواص الموضوعية للعبارات والأفكار والنظريات (سواء الصدق والكذب والعلاقات المنطقية)؛ فى حين تتكون  العقلانية المضمرة من جمع الكيانات السيكولوجية (سواء الحالات العقلية وتنسق الاعتقادات .

4- تؤكد العقلانية النقدية على أن المعرفة ليست اعتقادات مبررة؛ فى حين ترى العقلانية المضمرة أن المعرفة بأنها مُعرفة أو محددة بوصفها صدق مبرر.

5- تركز العقلانية النقدية على البنية المنطقية والعلاقات المنطقية بين العبارات  (منطق الكشف)؛ فى حين تركز العقلانية المضمرة على الأصل السيكولوجى للاعتقاد (سيكولوجية البحث).

6- تركز العقلانية النقدية على نقد النظريات وكذلك على المعيار الذى يكون عن طريق اقتراح النظريات؛ فى حين تركز العقلانية المضمرة على تبرير الاعتقادات (مشكلة النسبوية) .

7- تعتمد العقلانية النقدية على الخواص الموضوعية والقاعدة والمعيار المنظم؛ فى حين تعتمد العقلانية المضمرة على الخواص الذاتية للاعتقادات التى تكون مثبتة من خلال خاصية الصدق المرتبط بالواقع .

8- تعول العقلانية النقدية على المشكلات؛ فى حين تعول العقلانية المضمرة على المعرفة المضمرة .

9- العقلانية النقدية هى فلسفة نقدية تكذيبية؛ فى حين أن العقلانية المضمرة هى فلسفة ما بعد النقد.

هذه هى أهم أوجه الإختلاف بين العقلانية النقدية والعقلانية المضمرة كما أبرزها ألن ماوسجراف والذى إنتهى بعد ذلك من خلال هذا الإختلاف إلى أن العقلانية المضمرة هى عقلانية نسبويةRelativism؛  ودجماطيقية Dogmatism؛ وسيكولوجية Psychologism؛ وتبريرية Justificationi؛ ووحدة الأنا كليةSolipsism   .

وننتقل الآن إلى عقلانية توماس كون T.Kuhn كما صاغها فى كتابة " بنية الثورات العلمية "؛ حيث نجد لأول مرة أن العقلانية المضمرة تلعب دوراً مؤثراً على عقلانية كون، تلك العقلانية التى تعول على المجتمع العلمى أو الجماعة العلمية أو بالأحرى المؤسسة العلمية التى تعمل فى إطار النموذج الإرشادي المطروحPardigm  حتى وصفها نيوتن سميث Newlon smith  بأنها " عقلانية مؤسسـاتية "Insutionalised Rationality  .

فلقد أشاد كون بأهمية الدور الذى تلعبه " المعرفة المضمرة "؛ حيث قال بصريح العبارة: " لقد استحدث ميشل بولانى بذكاء يثير الإعجاب فكرة المعرفة المضمرة التى تؤكد على أن القسط الأكبر من نجاح رجل العلم يتوقف على معرفة مضمرة؛ أى على معرفة مكتسبة خلال الممارسة العلمية، والتى لا يمكن التعبير عنها صراحة "؛ ثم قدم كون عرضاً تحليلياً مفصلاً للمعرفة المضمرة فى حاشية كتابه سالف الذكر كما شرحها بولانى فى كتابه المعرفة الشخصية، وذلك تحت عنوان " المعرفة المضمرة والحدس " .

ولم يكتَف كون بذلك، بل أعلن تمسكه بالمعرفة المضمرة فى نقد العقلانية التجريبية، حيث يشدد كون على أنه لا توجد فى العلم مشاهدة محايدة، ولذلك يعالج المشاهدة seeing  من خلال الأشكال الجشتالطية كما فعل بولانى من قبل. ويوضح كون ذلك فيقول:" لو افترضنا أن شخصين يقفان فى مكان واحد ويدققان معاً فى نفس الاتجاه، فلابد أن نستنتج، إلتزاماً بما يقضى به مذهب ربما كانت نقطة الأناوية أوضح دلالة، أنهما يتلقان منبهات تكاد تكون متماثلة ولو استطاع كل منهما أن يثبت عينية على نفس المكان فسوف تكون المنبهات متطابقة . ولكن الناس لا يرون منبهات ومعارفنا عنها هى معارف نظرية وتجريدية إلى حد كبير. وإنما يتلقى الناس بدلاً من ذلك إحساسات وليس هناك ما يجبرنا على افتراض أن إحساسات صاحبينا هنا اللذين يحدقان بعيونهما هى إحساسات واحدة " .

وفى فقرة أخرى يوضح توماس كون ذلك فيقول: " ولنلاحظ الآن أن جماعتين، تتكون لدى أعضائهما على نحو نسقى احساسات مختلفة عند تلقى ذات المنبهات، إنما يعيشون، بمعنى من المعانى فى عالمين مختلفين . ونحن نفترض وجود منبهات لتفسير مدركاتنا الحسية عن العاَلم، كما نفترض ثباتها أو عدم قابليتها للتغير تجنباً لنزعة الأنانية أو الانحصار الذاتى على المستوى الفردي والاجتماعي. وليس عندى أى تحفظ إزاء أى من الافتراضين . غير أن عاِلمنا يزخر أولاً وأساساً بموضوعات إحساساتنا وليس بالمنبهات، وموضوعات الإحساس تلك ليست بالضرورة واحدة من فرد إلى آخر أو جماعة مقابل أخرى .

ثم يشرح لنا توماس كون كيف تتحول المنبهات إلى إحساسات من خلال المعرفة المضمرة . يقول كون:" فالعملية العصبية التى تحول المنبهات إلى احساسات تنطوى على مضمون تميزه الخصائص التالية: أنه انتقل عبر التعلم، وأثبتت التجربة أنه أكثر كفاءة من بدائل منافسة له تاريخياً فى البيئة الراهنة للجماعة، ثم هو أخيراً عرضة للتغير سواء من خلال مزيد من التعلم أو من خلال اكتشاف تفاوت فى التطابق بينه وبين البيئة . وتلك هى سمات المعرفة التى توضح سبب استعمالي للكلمة، بيد أنه استعمال لا يزال غريباً لافتقاره إلى خاصية أخرى . إذ ليس لدينا اتصالا مباشراً بما نحن نعرفه، وليس لدينا قواعد ولا قوانين عامة تتيح لنا التعبير عن هذه المعرفة، وأن القواعد التى تهيئ لنا هذه الصلة إنما تشير إلى المنبهات لا الإحساسات، والمنبهات لا نعرفها إلا من خلال نظرية محكمة الصياغة . وفى حالة عدم وجود هذه النظرية تصبح المعرفة الكامنة فى المسار الواصل بين المنبه والإحساس معرفة مضمرة .

ومن جهة أخرى أكد توماس كون على أن المعرفة المضمرة كشفت له عن حقائق هامة فى فلسفته منها كما يقول " أن النماذج الإرشادية يمكنها أن توجه البحث العلمى فى حالة عدم وجود قواعد؛ وفى فقرة أخرى يؤكد نفس المعنى فيقول: " والحقيقة أن وجود نموذج إرشادي لا يحتاج حتى إلى أن يفيد ضمناً بوجود مجموعة كاملة من القواعد "؛ وهنا يلح كون على أنه إذا كان النموذج الإرشادي يدل على أكثر مما يمكن التعبير عنه صراحة فى شكل قواعد وتوجيهات، فإن هذا الأمر يستدعى قول ما قاله فتجنشتين L.wittgentein     (1889 – 1951) عن فكرة " اللعب " فى سبيل توضيح بعض أوجه النموذج الإرشادي . لقد بيّن فتجنشتين أنه لا يمكن التصريح بالشروط الضرورية والكافية لكى يكون نشاط ما لعباً . وعندما نحاول ذلك فإننا نحصل بصورة ثابتة على نشاط يطابق تعريف اللعب، ولكننا  لا نريد أن نعده كذلك أو على نشاط يستبعده تعريف اللعب، ولكننا نريده لعباً .

يرى توماس كون كما يذكر آلن شالمرز:- أن نفس الشئ يصدق على النماذج الإرشادية، فعندما نحاول إيجاد خاصية دقيقة صريحة مميزة لنموذج إرشادي ما فى العلم الماضى أو فى العلم الحاضر، فإننا نجد دائماً، عنصراً من العناصر الواقعة داخل النموذج الإرشادي يخرق تلك الخاصية المميزة . غير أن كون يؤكد أن هذه الحالة لا تجعل مفهوم النموذج الإرشادي أسوأ تماماً . كما أن وضعية مماثلة فيما يخص اللعب لا تقوض الاستعمال المشروع لمفهوم اللعب . وحتى فى غياب خاصية مميزة بصورة تامة وصريحة، فإن كل مشتغل بالعلم يكتسب معرفته بواسطة تكوينه العلمى . وإذا دأب أحد متعاطى العلم على حل مشاكل من نمط موحد، وعلى إجراء تجارب من نمط واحد، ومارس على وجه الاحتمال، البحث العلمى على يد من سبق أن كان ممارساً محٌنّكاً للعلم داخل نموذج ارشادى معطى، فإنه سيألف مناهج هذا النموذج الإرشادى وتقنياته وأنماطه الموحدة، أنه لا يستطيع أن يقدم بياناً صريحاً حول المناهج والخبرات العلمية التى اكتسبها مثلما لا يستطيع نجار متعلم أن يصف وصفاً تاماً ما هو أعلى مما لدية من خبرة أو مهارة عملية . فالقسط الأكبر من معرفة المشتغل بالعلم القياسي يكون مقدراً بالمعنى الذى شرحه ميشيل بولانى؛ وهنا يعلن توماس كون فيقول: " وأعود هنا لاقتبس من ميشيل بولانى عبارته الخصبة، وأقول أن حصاد هذه العملية معرفة مضمرة يكتسبها المرء من خلال ممارسة العلم قبل أن يتعلم قواعد إنجازها .

ورغم اهتمام كون الشديد بالمعرفة المضمرة وأهميتها فى البحث العلمى؛ إلا أنه يخالف بولانى فى تعويله على الحدس الفردى . يقول كون: " الإشارة إلى المعرفة المضمرة واقترانها برفض القواعد العامة تبرر مشكلة أخرى أثارت ضيق كثير من انتقدونى، وتشكل فيما يبدو أساساً لاتهامات تتعلق باللاموضوعية واللاعقلانية . لقد ولدت إنطباعاً لدى بعض القراء بأننى حاولت أن أقيم العلم  على أساس من حالات الحدس الفردى الذى لا يخضع للتحليل ويكون بديلاً عن المنطق والقانون . بيد أن هذا التفسير خاطئ فى نقطتين جوهريتين . أولاً، إذا كنت قد تحدثت عن الحدس، فإنه ليس حدساً فردياً، وإنما الأصح أنه ذلك الرصيد الذى خضع للاختبار وبات مشتركاً بين أعضاء جماعة بحث ناجحة، ويكتسبه المبتدئ من خلال التدريب باعتباره جانباً من عملية إعداده لعضوية الجماعة . ثانياً، أنه ليس من حيث المبدأ غير قابل للتحليل . بل على العكس فإننى الآن أجرى تجارب على برنامج كومبيوتر جرى تصميمه لدراسة خصائص هذا الحدس على الصعيد الأولى  له.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

 

علي محمد اليوسفتقديم: بعد بروز ظاهرة التحول اللغوي منتصف القرن العشرين (فريجة، دي سوسير ، فينجشتاين، رورتي)، وفلسفة العقل والوعي واللغة ونظرية المعنى (رايل، سيرل، جومسكي) والعديد من الفلاسفة الذين يحسبون على الفئتين المتداخلتين، نتساءل:

هل باتت اللغة في فلسفة المعنى تجريدا تعبيريا (شكليا) بلا موضوع يحتوي قصدية مضمونية دلالية واقعية خارج نظام اللغة الخاص؟، وهل الاشياء والموجودات المستقلة بالعالم الخارجي أصبح لها نظاما نسقيا منطقيا مستقلا ليس بحاجة اللغة الصورية الذهنية التعبيرعنه؟ وهل كل شيء ندركه في معرفتنا موجودات العالم من حولنا أنما تجري معالجته في تجريد اللغة الذهني داخليا بعيدا عن تعالقه بوجوده المادي الواقعي بحياتنا؟ بمعنى هل أصبح فهم العالم من حولنا هو تجريد لغوي صرف يخص نظام اللغة داخليا بما هي لغة تلزمها قواعد نحوية وضوابط رمزية وعلامات واصوات تشكل صفاتها وماهيتها، وأنه لم تعد اللغة وسيلة تواصلية مجتمعية معرفية لفهم وتفسير العالم من حولنا ولا هي قابلية نوعية وملكة خاصة بالانسان وحده في تواصله مجتمعيا بما لا يستطيعه الحيوان ولا الآلة الصناعية؟.

موضعة اللغة والهوية

يقول فينجشتين (القضايا التي لا يكون لها استخدام في اللغة لا يكون لها معنى)، اذا حاولنا تفسير معنى العبارة فهي تحتمل تداخلين من القراءة التأويلية، فأما أن تكون القضايا التي تعجز اللغة التعبير عنها لامعنى لها وباطلة ولا فائدة من الاهتمام بها، وهذه قراءة نمطية كلاسيكية غير سليمة ولا صحيحة فلا يوجد موجود متعيّن انطولوجيا لا معنى له في غياب أدراكه أو في حضور أدراكه على السواء.

وأما قراءة الوجه الثاني للعبارة أن القضايا التي لا تجد في اللغة استخداما يخدمها تكون لا معنى لها. وهذا تعبير غير دقيق ايضا فالقضايا الموجودية التي نعيشها ونعايشها لا تبحث هي عن لغة تحتويها، بل اللغة تبحث عن قضاياها التي تثير الاهتمام في التعبيرعنها.

أي بمعنى محايد ثالث يتوسط التداخلين اللذين ذكرناهما ليس هناك من وجود لا يصله ادراك اللغة العقلي وما لا يقع تحت طائلة الادراك العقلي في تعبير اللغة عنه لا أهمية له ولا وجود له يستحق الاهتمام. وهو رأي تداخلي التباسي ثالث يزيد المشكلة تعقيدا بدلا من محاولة أيجاد طرق حلها لما يحمله من منطق تعبيري يبدو سليما في ظاهره فقط ويعتمل تناقضه بداخله في لامعناه بالتطبيق.فليس كل ما لا يدرك ليس له اهمية ولا قيمة؟ فما لا تدركه انت ويصبح عندك بلا قيمة يدركه غيرك ويعطيه قيمته.

كلا التفسيرين والثالث غير المرفوع بينهما يحملون جميعهم تناقضا يستحق المناقشة المستفيضة. كون اللغة حسب هذه المغالطة المنطقية في التجريد اللغوي تكسب الاشياء معناها ولا تكتسب اللغة من الاشياء معنى مضافا لها في تموضعها كوعي عقلي ادراكي هو جزء من موجودات الواقع بعد تموضعها بالاشياء وفقدانها خاصية التجريد الذهني الانفرادي..

تموضع اللغة في تكوين مواضيعها المدركة تعبيرا عقليا عنها يستهلكها (التموضع) كهوية ذاتية لها خصوصية استقلالية كفكر تجريدي لتكون اللغة في التعبير المتموضع في الاشياء جزءا ماديا متداخلا في صلب التكوين الشيئي التي تموضعت اللغة فيه. ثم أن اللغة ليست وسيلة تعبير ميكانيكية محايدة لا تتأثر بموجوداتها المدركة فهي تتطور جدليا من خلال تعالقها التعبيري عن مدركات العقل.

في التموضع الفكري بالاشياء تتحول اللغة من صيغة ماهوية تجريدية تعبيرية انفرادية مصدرها العقل الى صيغة ماهوية مادية صفاتية مصدرها الاشياء والموجودات التي تموضعت فيها وأصبحت اللغة جزءا من تكويناتها في نظام الواقع وخرجت اللغة على نظامها الفردي الذي يراد له الاستقلالية المتوازية فلسفيا مع الواقع وليس الاحتدام المتضاد معه بغية تغييره حسبما ترفضه نظرية المعنى..

تموضع اللغة بالاشياء يعني خروجها وفقدانها خصائصها التجريدية الانفرادية التي تمثّل ماهيتها الهووية وتتلاشى في موضوعها الذي عبّرت عنه كصفات للاشياء وليس كجواهر وماهيات.فاللغة تعبير شكلي عن الاشياء كصفات خارجية ومضمونية اكثر من أهتمامها العاجز التعبير عن الماهيات كجواهر ذاتية.

من غير المّسلم به ولا مسوّغ له يمنحنا تفويضا أن ننطلق من مقولة خاطئة مفادها كل عالمنا هو وجود صوري لغوي تجريدي تتم معالجته بالذهن فقط كما تذهب له المنطقية النقدية المثالية التجريبية (جون لوك، ديفيد هيوم ، بيركلي) الموروث عن الفلسفة المثالية عموما بدءا من كانط، فشتة، وهيجل وصولا مرحلة التمهيد لعصر التنوير والحداثة شوبنهور، اوجست كونت، نيتشة، وصولا الى البنيوية والتفكيكية، متجاوزين جميعهم قيمة أحقية الاهتمام بالعالم المادي المستقل في الطبيعة بوجوب تعالق اللغة التعبير عنه وليس الاستدلال به كوجود مادي فيزيائي أو لا وجود موجود أصلا الا في أذهاننا فقط، كما أشاعه (باسكال، جون لوك، ديفيد هيوم) أن الواقع هو العلاقات التصورية في اذهاننا عن العالم فقط ولا وجود مادي خارج احساساتنا، وهو رأي مقبول الى حد ما من حيث أن وسيلتنا الوحيدة في أدراكنا العالم الخارجي هو تصورات وتمثلات الذهن للاشياء تجريدا في تعبير الفكر واللغة عنها. فالواقع موجود مادي مستقل لكن ادراكه ومعرفته هي تجريد لغوي تتم بالذهن لا في غيره. ولا تتوفر للانسان وسيلة ادراك وفهمه العالم غير وسيلة تجريده باللغة.

يوجد فرق كبير بين ادراك اللغة الاشياء بالذهن والتموضع في التعبير عنها خارج الذهن في وجود تلك الاشياء باستقلالية سابقة على الادراك واللغة معا. تصوراتنا وتمثلاتنا العالم تجريديا باللغة لا يعني أن تلك الموجودات فقدت وجودها المادي الحقيقي المستقل في العالم الخارجي وأصبحت عالما من الموجودات الذهنية فقط. اللغة وسيلة تعبير عن مدرك عقلي موجود قبل تفكير العقل واللغة فيه تجريديا. وتجريد التفكير بلا موضوع ماثل بالذهن (خارجيا أو داخليا خياليا) لا يتوفر عليه العقل.فالعقل لا يفكر تجريديا في فراغ. الفكر هو موضوع ومن غير الموضوع لا فكر ولا لغة بعدية تعبّر عنه.

الموجود المادي لا ينفي وجوده عدم الادراك الفردي له

ويبقى الاهم من ادراك الوجود في لغة التجريد هو لا أمكانية نفي الوجود المادي الموجود القائم في استقلالية انطولوجية تامة سواء أكان مدركا لغويا أم لم يكن.. ولا خلاف حول هذا الامر أن اللغة هي حمولة لمعنى ادراك الاشياء تجريديا في معرفتها ولا تكون اللغة حمولة تحمل معنى انطولوجيا تلك الاشياء والموجودات في العالم الخارجي كوقائع موجودة مستقلة عن الانسان لا أهمية موجودية لها من دون الادراك العقلي لها والتعبير الفكري اللغوي عنها.ما لا يدرك وعيا فرديا لا يعني انتفاء الموجود ماديا وأنه أصبح لا أهمية يحملها أدراكه من قبل ذوات جمعية أخرى. انعدام وعي فرد واحد في عدم ادراكه لموضوع لا يعني انعدام الوعي به وادراكه من آخرين.

والحقيقة التي تفرض نفسها هي ليس كل شيء تتم معالجته في معنى اللغة التجريدي للعالم من حولنا تمثلا لغويا صوريا نعجز عن تخليقه لغويا وليس خلقه أو الاستغناء عن فهمه خارج نطاق فلسفة اللغة المجردة ذهنيا صوريا في ذات الوقت. الفرق بين تخليق الشيء وبين خلقه، هو في مقدرة الفكر واللغة تخليق الشيء بمعنى تغييره كموجود انطولوجيا، أما الخلق فيعني ايجاد شيء لم يكن له وجودا انطولوجيا.

اللغة قبل التعبير التموضعي لها خارجيا في الاشياء تكون تجريدا صامتا لتفكير العقل لا علاقة تربطه بالموجودات قبل الوعي العقلي بها في ارادة العقل التعبير عنها باللغة، فالوعي الادراكي العقلي لموجود لا أهمية له خارج ادراك الفرد الواحد، يصبح ذلك الموجود مشتركا جمعيا بادراكه حينما تتناوله اللغة بالتعبير عنه وتتموضع به. وفي تموضع اللغة بالاشياء خارج ادراك العقل تكتسب اللغة هويتها المادية الجمعية عوضا عن هوية التجريد الفردي اللغوية التي كانت تحملها قبل تموضعها بالاشياء كتجريد فكري لغوي داخل الذهن.

الواقع كموجودات وظواهر مستقلة لا حصر لها هي التي تخلق الوعي بها ولا يمكن للفكر والوعي خلق واقع مادي بتفكير مجرد لا يتقدمهما واقع موجود مستقل مدرك سابق عليهما، بل من الممكن للفكر الخيالي خلق وقائع وعوالم مادية بالفن والادب تبدو لنا في منتهى الواقعية لكنها في حقيقتها عوالم افتراضية لا تعيش ولا تمتلك الحياة على الارض قبل تناولها الفني باللغة في الادب أو تناولها الفني بالالوان والكتل والخطوط والفراغات في التشكيل الفني أو تناول تلك العوالم الخيالية حياة الانسان في الحركة والعلاقات الاجتماعية والنفسية وعلاقاتها مع الوقائع والموجودات الخارجية.

تدوير ملاحقة المعنى اللغوي في دورة تحليل مقفلة على نفسها كنظام خاص مستقل تجريدي باللغة، في تعدد المتراكم الاستقبالي له من القراءات المتعددة على الدوام لا يغيّر من حقيقة أن الواقع لا يتغير بالفكر المجرد الذي يوازي الواقع ولا يداخله في التقاطع والاحتدام معه كما تذهب له نظرية المعنى في فلسفة اللغة، بل تكون الافكار المصاغة على شكل نظرية نسقية متكاملة هي التي تمتلك قدرة تغيير الواقع العملاني الذي يقوم على الاختبار الحقيقي لتلك النظرية في ملازمتها اداة تنفيذها تلك الافكار النظرية التي هي وسيلة ارادة الانسان ونزوعه الدائم الذي يراوده ويلازمه في ضرورة التغيير المستمر للواقع والفكر كليهما معا.

بمعنى حتى النظرية المتكاملة كنظام لغوي في العلم وفي الايديولوجيا ليس بمقدورها تغيير الواقع أو التاثير به من غيرارادة الانسان الخلاقة كوسيلة تحويل النظرية الى واقع مدرك تصبح جزءا منه.

هذا ينطبق على البراجماتية أو الذرائعية العملانية الامريكية ، وينطبق على الماركسية كايديولوجيا سياسية، كما ينطبق على مختلف علوم الفيزياء والكيمياء والرياضيات والهندسة فالنظرية العلمية الصحيحة المكتوبة على الورق من غير تطبيق عملاني لها لا قيمة ولا معنى تحمله.

وعي اللغة وتوازي الواقع

حسب الفيلسوف الامريكي جون سيرل يعتبر الوعي تمثيل واقعي للاشياء محايث للعقل بيولوجيا كحلقة جوهرية داخل منظومة العقل الادراكية التي تبدأ بالحواس ولا تنتهي بالدماغ، والوعي ليس تجريدا فلسفيا خاصا مرتبطا بسايكلوجيا النفس غير الفيزيائية فقط وأنما يرتبط ايضا بيولوجيا بمنظومة العقل الادراكية في الجملة العصبية والدماغ، فالوعي القصدي لا يمكن حصره في حيّز استثارة بيولوجية تهم دواخل الانسان الباطنية النفسية فقط تليها وتعقبها استجابة بيولوجية لاشباع بواعث الغرائز التي يستثيرها جسم الانسان على شكل احاسيس يستلمها الجهاز العصبي والدماغ ليتداخل في اشباعها كردود الافعال الارادية وغير الارادية في تعالقها مع منظومة الجهاز العصبي والعقل المتداخل مع نفسية الفرد وما ينتابه من مشاعر داخلية.(شعور الانسان بالجوع مثلا، العطش، البكاء، الفرح، النوم، الالم، الجنس، الافراغ وهكذا). ومن جنبة أخرى الوعي أيضا حلقة وصل بين استثارات موجودات العالم الخارجي التي تنقلها الحواس للعقل كأحساسات خارجية وليس أحاسيس داخلية التي هي مثيرات حاجة جسم الانسان داخليا بضرورة اشباع مثيرات تلك الغرائز كما ذكرنا.والاحساسات مثيرات الحواس لجسم الانسان.

استطراد بين قوسين

وتعقيبنا التواصلي مع هذا الفهم الصحيح لبيولوجيا الوعي المرتبط فسلجيا توظيفيا مع منظومة الادراك العقلية وليس بالنفس فقط، الذي يمكننا تشبيهه بكيمياء تصنيع مادة الكلوروفيل (المادة الخضراء) في النبات التي تدخل في صناعة النبات لغذائه في استهلاكه الضوء واشعة الشمس وحاجته ثاني اوكسيد الكاربون ليطرح النبات الاوكسجين، فهذه العملية هي فعالية بيولوجية صرف لكننا نعجز عن ادراكها حسّيا ظاهراتيا كصفات حسيّة بائنة يمكن ملاحظة تصنيعها داخل اوراق النبات بل نتأكد من حصولها البايولوجي تجريبيا علميا في دراسة الظاهرة مختبريا فيزيائيا.

من جانب آخر تعتبر هذه العملية من أهم عوامل حفظ التوازن البيئي في الطبيعة وأدامة حياة الانسان بمقدار ما تمثله من ضآلة ادراكية لا يهتم بها الانسان في علاقته بالطبيعة. فتعويض النبات للاوكسجين بدلا من ثاني اوكسيد الكاربون تجعل الانسان يرتاح لبيئة الطبيعة الخضراء في أدامة حياته وضرورة أستهلاكه الاوكسجين لأدامة بقائه. لذا يكون قطع الاشحار بلا مسؤولية بيئية متوازنة تعويضية تنشر الخلل البيئي في التصحر وارتفاع درجة حرارة الارض.

هذا المثال يمكننا سحبه أسقاطيا على أن الوعي ضرورة حياتية نلمس تاثيرها وأهميتها لكننا لا نستطيع ادراك وظيفتها حسيا.فالعقل ذاته يمارس الوعي كوسيلة ادراكية لكنه لا يستطيع ادراك الوعي وظيفيا كما هو الحال في عمل ووظيفة الجهاز العصبي.

اللغة بين البيولوجيا والتجريد النفسي

الوعي هو لغة عقلية مجردة في التعبير عن فهمنا ومعرفتنا العالم في حقيقته المادية. واللغة هي وعي بيولوجي في منظومة الادراك العقلي قبل أن يكون وعيا لغويا وحلقة المعنى التجريدي في معرفة الاشياء. والدليل أن اللغة تفقد خاصية التجريد في موضعتها داخل بنية الاشياء التي تعبرعنها ماديا وتنتهي كلغة صادرة عن وعي عقلي فردي لتصبح لغة استقبالية لوعي عقلي جمعي هي جزء من موضوع وليس جزءا من نظام لغوي تجريدي يحمله فرد في تفكيره العقلي الصامت بدلا من وجوده متموضعا ادراكا جمعيا في معرفة الاشياء.

التموضع اللغوي هو أستهلاك هوية اللغة كخاصية انفرادية لتكون تموضعها في تكوينات الاشياء تعبيرا أدراكيا جمعيا لموضوع متعيّن انطولوجيا يتعامل معه الاخرين قراءات لغوية ايضا وغير لغوية حسب الحاجة.

علاقة اللغة بالاشياء ليست علاقة منفصمة تقوم على معنى نظام اللغة بذاتها في أستبعاد مواضيع أدراكها وعدم مداخلتها مع معرفة مدركاتها، فاللغة تدخل بعلاقة تخارجية في الاستعمال الوظائفي وأعطاء المعنى التعبيري المطلوب مع الاشياء، وهو ما ينفي نظرية أن يكون كل شيء تجري معالجته بتجريد اللغة ذهنيا فقط قبل تموضع اللغة الشيئي في الموجودات وفقدانها خاصيتها التجريدية في تعبيرها الفكري عن الاشياء.أننا نتلقى اللغة في الاشياء ولا نتلقاها داخل تجريدات الذهن.

اللغة بلا عالم خارجي تتموضع فيه يحتويها في تعبيرها عنه، تكون (لامعنى) مطلق من الالفاظ الصوتية أو المكتوبة التي لا حمولة دلالية لها ولا تمتلك أهمية و لا قيمة حقيقية لها. والاشياء وقائع حضورية في العالم الخارجي تعطي لغة الادراك العقلي أهميتها وبغير وجود الاشياء في علاقاتها البينية فيما بينها وعلاقتها بالانسان يصبح لا أهمية للغة في حياتنا، واللغة حضور تجريدي صوري للاشياء بالذهن ولا يكتسب أحدهما (الموجودات أو اللغة) معناه الحقيقي من دون تعالقه المتخارج مع الاخر في تكامل الافصاح عن المعنى القصدي لهذه العملية الجدلية بينهما.

اللغة في كل الاحوال هي أفصاح تعبيري عن معنى وعي فكري قصدي سابق بالذهن عن موضوعات ادركها العقل، وتغييب هذا الافصاح الهادف في التركيز على العناية باللغة كبنية تمتلك نظامها الخاص ولا علاقة لها بنظام الاشياء والموجودات في العالم الخارجي هو وجهة نظر لاتحمل حق التسليم بها الا في الثرثرة النظرية التجريدية الفلسفية التي ترى في اللغة ميدانا يحمل كل التناقضات التأويلية التي تسمح بالحرية الفائضة في أعادة تدوير اللامعنى تنظيريا ومحاولة البحث عن المعنى المزعوم المطلوب في نظام اللغة المغيّب حضوره في الحياة كما تروّج له نظرية المعنى فلسفيا.

أزمة اللغة بالفلسفة المعاصرة هي أزمة ملاحقة المعنى في نظام اللغة والتحقق من انفصال تعبير اللغة عن العالم في تعبير اللغة عن ذاتها وخصائصها. ونجد هذا في تعبير فينجشتين (تاريخ الفلسفة هو تاريخ نقد معنى اللغة ) وليس تاريخ نقد معنى الوجود الانساني بالحياة، وتعبير نقد المعنى كدلالة تعبيرية عن اللاتحقق في مدى عدم تطابق التعبير اللغوي مع معناه القصدي المراد منه. لا يمكننا البحث عن الواقع في نظام اللغة المستقل لكننا نستطيع البحث عن نظام نسق اللغة المادي في تنظيم الواقع على اساس من فهم لغوي.

في هذا التاكيد على أصرار فلسفة المعنى في اللغة هو أعتبار اللغة واقعة أنشائية نحوية مستقلة بنظام داخلي علينا اكتشافه قبل البحث المتحقق عن دلالاته وتأثيراتها في نظام الاشياء التي ندركها. واللغة كنظام منفرد حسب نظرية نقد المعنى اللغوي التجريدي، لا تقاطع الواقع ولا قضاياه ولا تتخارج جدليا معه ولا تحتدم مع متناقضاته بل توازيه كنظام مجتمعي طبيعي مستقل لاعلاقة للغة به، ولا علاقة تربطه بمعنى اللغة. وهذه نظرية غارقة في تجريد لغوي لا معنى حقيقي له حتى على الصعيد الفلسفي.

كل هذا يقودنا الجزم أن غالبية مباحث فلسفة اللغة هي تجريدات تراكمية بلا هدف ولغو فارغ لا معنى حقيقي يقصده ولا معنى مؤثر يمّثله على المستوين النظري، والواقعي المغيّب حضوره المطلوب بالحياة..وما علينا سوى عرض تلك الافكار أنها آخر ما توصلته الفلسفة من فتوحات لغوية ما يتوجب الترجمة له وتاليف كتب الهوامش وأستعراضات العناوين عن حقيقة افتراضية غير موجودة في وجوب فهمنا العالم في ملاحقة المعنى اللغوي.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

 

 

حاتم حميد محسنهل هناك علاج للبروباغندا والمعلومات المضللة والأخبار المسيئة للحقيقة؟ جواب تويتر هو في اضافة طريقة للتأكد من الحقائق (fact-checking) وفحص العبارات المضللة، وهو الاسلوب الذي قاد الى مواجهة مع الرئيس دونالد ترمب. ومع ان هذا النزاع  جرى تأطيره  كقضية تتعلق بحرية الكلام، الاّ ان الفلاسفة اليونانيين القدماء الذين كانوا قلقين جدا من مسألة "الأخبار المزيفة" لمجتمعاتهم، يقولون ان هذه القضية أخطر واكثر عمقا.

وكما يبدو من النزاع بين تويتر وترامب الذي تسارع الآن بفعل التكنلوجيا، لكن المعضلة ليست جديدة ابدا. اولى ديمقراطيات العالم في اليونان القديمة شهدت نقاشات جادة صعبة حول الحقيقة والمعرفة والديمقراطية. لو كان فلاسفة اليونان القدماء أحياءً الآن سيقولون ان هذا ليس مجرد شجار حول تغريدات وانما هي قضية هامة تتطلب منا ان نتخذ خيارا جوهريا حول ما اذا كنا نريد ان نعيش في مجتمع يقيّم الحقيقة. الاتجاه الاثني لهذا السؤال يبيّن لماذا السماح للبروباغندا والمعلومات المضللة، بلا استجواب وبلا فحص، قد يفكك الديمقراطية ذاتها.

قبل وقت طويل من، "الأخبار المزيفة"، كان لدى اليونانيين مجموعة هامة من الافكار حول الحقيقة. الفيلسوف سقراط جادل بان الحقيقة المطلقة (Sophia)  يمكن معرفتها واننا نتواصل بشكل افضل عندما نوصل فقط تلك الحقيقة. تلميذه افلاطون ذهب أبعد بالقول ان المرء يمكنه الوصول للحقيقة من خلال الطريقة الديالكتيكة التي قصد بها عملية التحقق والاختبار. كلا الفيلسوفين سقراط وافلاطون اقترحا ان الحكمة لاتعتمد كليا على امتلاك "الحقيقة" وانما على كونك واع بجهل المرء بها. وبينما نحن نتذكر افلاطون كأكبر فيلسوف في ديمقراطية اثينا، في الحقيقة، هو لم يكن مولعا بالديمقراطية لأنه إعتقد بعدم امكانية كل فرد الوصول الى الحقيقة من خلال الديالكتيك. هو ايضا لم يهتم بفن الخطابة البليغة لسبب معين وهو انه كان قلقا من ان الناس الذين هم بلا معرفة بالحقيقة سيستعملون التلاعب والاستغلال و فن الكلام لإقناع الجمهور الذي لايستطيع معرفة الاختلاف.

في مقابل سعي افلاطون للحقيقة الفلسفية، كان هدف السوفسطائين الحقيقة العملية phronesis، حيث انهم علّموا الناس كيف يمكن عمل حجة قوية من خلال مناقشة الاقوال المتنافسة. وبدلا من البحث عن معرفة سقراط المطلقة، رأى السوفسطائيون الحقيقة هي متى ما اقنعت جماعة متساوية وذات آراء متنوعة  شخصا آخر للاعتقاد ان تلك الآراء كانت  صحيحة.

لهذه الاسباب، كان افلاطون مشككا بمعلمي البلاغة المعروفين بالسفسطائيين، الذين كان من ضمنهم البلاغيون اليونانيون مثل غيرغوس الذي ادّعى كونه الرجل الحكيم وتقاضى اجورا لتعليم الارستقراطيين  الاخلاق وصناعة الكلام. ومن منظور افلاطون، استعمل السوفسطائيون  حيلا بلاغية ماهرة كسبوا بها زبائنهم لكنهم لم يطوروا الحقيقة. افلاطون اعتقد ان السوفسطائيين انفسهم كانوا  لايعرفون الحقيقة  ولكنهم مع ذلك جعلوا معيشتهم بتعليم الاخرين الذين هم ايضا لا يعرفون. نقد افلاطون فيه بعض الحقيقة ولكن بالمعنى الاوسع  كان غير عادل.

السوفسطائيون، رغم ضعفهم، اثبتوا انهم لاعبين ضروريين في خلق ديمقراطية عاملة. لماذا؟ لأن معظم القرارات السياسية لا يمكن حلها بديالكتيك افلاطون. الحقيقة لم تكن سلفا هناك او يسهل العثور عليها. لذا فان السوفسطائيين علّموا كيفية اكتساب المهارات الضرورية لممارسة الديمقراطية – كيف نصل الى إجماع حول الحقيقة. هم علّموا الناس كيف يخلقوا حججا لإقناع الجمهور للايمان بوجهة نظرهم، وحل المشاكل السياسية الشائكة.

مقابل سعي افلاطون للحقيقة الفلسفية، كان هدف السوفسطائيين –الحكمة العملية.

بالطبع، عند النظر اليها من منظور الحقيقة المطلقة، فان الحكمة العملية تبدو معتمة. عندما انت تستمع للناس اليوم وهم يستعملون السفسطة كمرادف لعمل حجج مضللة وغير حقيقية، فانت تستمع لحديث افلاطون الينا عبر العصور.لذا هل بروبوغندا العصر الحالي وتضليل المعلومات هي مجرد سفسطة؟ ليس تماما. الديمقراطية اليوم في الحقيقة تحتضن وحتى تقيّم السفسطائيين الحديثين. وفق معيار اليونان القديمة، اساتذة الجامعات اليوم والمحامون سيُعتبرون اكثر شبها بالسوفسطائيين منه الى الفلاسفة. الاساتذة يقدّمون تفسيراتهم لما لديهم من دليل في تخصصاتهم العلمية. المحامون يوظفون مهاراتهم في المنطق و  الكلام لعمل حججا اكثر اقناعا لمصلحة زبائنهم.(ومثل السوفسطائيين، كلاهما يصنعون نقودا من جهودهم).

للدفاع عن انفسنا ضد المتحمسين لإفلاطون، نحن يجب ان نشير الى ان المحامين والاساتذة ايضا يضعون تأكيدا متساويا على كشف الحقيقة. في صفوف الجامعة، الطلاب يسألون مشرفيهم ويتم تشجيعهم على تحدّيهم بحججهم.(اساتذة القانون يعلّمون وفق الطريقة السقراطية) .في قاعات المحاكم، الشهود يُستجوبون مرة اخرى والقضاة – الذين يتم اختيارهم بطريقة مهنية ودون تحيز –  يُتوقع ان يصلوا  الى الحقيقة التي تُفهم باعتبارها تكمن في مكان ما بين الاطراف المتنافسة.

امريكا تجسّد نسخة من الديمقراطية التي احتضنها ارسطو، والتي تضم افضل ما لدى افلاطون والسوفسطائيين. ارسطو اوضح بان الحكمة العملية هي نظير الديالكتيك . كلا الطريقتين من البحث عن الحقيقة هما ضروريتان لحل المشاكل السياسية والوصول للحقيقة.

لكن المشكلة هي ان البروباغندا والمعلومات المضللة تكمن خارج هذين النموذجين. عندما  نواجه بروباغندا ومعلومات مضللة، فان اصلها – الذي انتجها والطريقة التي اُستعملت للوصول للنتيجة – هي تُحجب عادة. البروبوغندا والمعلومات المضللة لا يقدمان حججا ماهرة  ولا يستدعيان اختبارا صارما. البروباغندا والمعلومات المضللة هما اقناع بدون موافقة: في الحقيقة، عبر تقديم نسخة جديدة من "الحقائق"، مؤلفوها يحاولون اخفاء سعيهم الى إقناعنا دائما. هذه الاشكال من الاتصال توفر استنتاجا مرتكزا على الاستغلال بدلا من المنطق. البروبوغندا والمعلومات المضللة تخلق عالما فيه عدم الايمان هو عدم ولاء، بدلا من محاولة مشتركة للبحث عن الحقيقة.

باختصار، ان هدف البروبوغندا ليس الاقناع وانما الاذعان والقبول، انها لا تستخدم الحكمة (Sophia) ولا الفضيلة الاخلاقية. ذلك يفسر لماذا هي الشكل المفضل للاتصال لدى السلطويين. انها ببساطة تتطلب منا ان  نؤمن بالحقيقة، ولكن بدون استخدام طريقة الديالكتيك للوصول اليها، وبدلا من ذلك هي تدّعي بعض الطرق السرّية للعثور على الحقيقة. الاتهام بان شيء ما هو "اخبار زائفة" بدون دليل او تبرير هو ذاته الحاجة النهائية له، وفق تعبير جورج اورويل 1984، "أرفض دليل عينيك واذنيك".

الطلب الضمني للطاعة المتضمن قصدا في المعلومات الزائفة هو الاكثر تدميرا للديمقراطية. عندما نشترك بالالتزام بايجاد الحقيقة ونتفق حول طريقة اكتشافها، فنحن انما نضع قواعد ديمقراطية هامة. ليس فقط  ان هذه القيم المشتركة والايمان في العملية يساعدنا في الوصول الى حلول تعاونية، وانما هي ايضا تعطينا سندا يدعم مجتمعنا عندما تصل حكوماتنا الى قرارات او تعمل سياسات لانتفق عليها.

لذا عندما تحاول تويتر تنبيه الناس الى ضرورة التأكد من الحقائق في تغريدات ترامب، فهي تستعمل طريقة ديمقراطية قديمة تعود الى اليونان القديمة. هي تذكّرنا اننا لدينا مسؤولية على انفسنا وعلى زملائنا المواطنين للبحث عن الحقيقة ونقاشها. انها تشجعنا لنكون مخلصين لقيمنا المشتركة والمبادئ العليا، ليس لفرد او حزب .

ولكن عندما يرتكز صنع القرار على "اختيار احد الجوانب"، بدلا من الارتكاز على الحجة المنطقية واكتشاف الحقيقة، فان تلك القواعد الاساسية ستتداعى. البحوث تبيّن ان العقائد المبنية على الوعد بالولاء لفرد او انتماء حزبي هي بالذات لاتقتنع بالحقائق التي تستجوبها او تدحضها. بدون حقيقة واقعية مشتركة كنقطة بدأ، فان المُثل الارسطية في نقاش الافكار وتحقيق اجماع في قضايانا المشتركة يصبح مستحيلا. عندما يكون البروباغنديون رؤساءً او اي شخص اخر، هم يرفضون اي محاولة لعرض الحقائق امام الكذب، هم يرفضون دعامات ايجاد الحقيقة التي يقوم عليها المجتمع الديمقراطي: الفضول والنقاش. الاتهامات بدلا من الحجة،  والاذعان بدلا من الاقناع هي غير منسجمة مع الحوار الديمقراطي. اليونانيون القدماء رفضوا البروباغندا غير المستجوبة والمعلومات المضللة  خارج القيم الديمقراطية، وكذلك يجب علينا فعل ذلك.

 

حاتم حميد محسن

 

نابي بوعلي (يفترض في النص أن يحتوي على معنى قار وحقيقي ونهائي، أي أنه يعبر عن الحقيقة ويحتوي عليها، ومع ذلك، فإن الحقيقة ليست معطاة سلفا، ولكن كثيرا من النصوص تحتاج إلى تأويل لاستنباطها، ولذلك تعددت مدارس التأويل واتجاهاته عبر القرون).. بول ريكور

1 - القراءة بوصفها وضعا إشكاليا للنص:

لنجعل من المقولة السابقة لـلفيلسوف الفرنسي بول ريكور (1913-2005) مدخلا لهذا المقال، وهي المقولة التي تنفتح في إحدى قراءاتها على مفارقة غريبة، تجعل النص في وضع يلفه الالتباس، وتطرح عليه في الوقت نفسه مشكلات عديدة، وهو ما يجعلنا نتساءل: كيف يحمل النص الحقيقة ولا يحملها في الوقت نفسه؟ وإذا كان المعنى قارا وحقيقيا ونهائيا في النص فلماذا لا يكون جاهزا للفهم المباشر؟ لماذا يصمت النص عن البوح بالحقيقة ولماذا يتطلب جهدا تأويليا لاستنباطها؟ هل يظل النص مراوغا لأن الحقيقة تقع خارج أسواره؟ لماذا يتعدد النص بتعدد القراءات وينفتح على آفاق الإمكان في كل لحظة يتم الاقتراب منه؟ هل يمكن الإحاطة  بمحتوى وحدود أي نص فهما وتأويلا؟ وأخيرا لماذا نجد في الهامش والمهمش والمنسي أشياء مهمة ذات دلالات معبرة عن حالات الصمت في مسيرة النص؟

في البداية ودون حشد للتعاريف الكثيرة الخاصة بالنص، فإنني أعمد إلى هذين التعريفين اللذين يشيران إلى النص المكتوب القابل للقراءة، حيث يعرف قاموس الألسنية الذي أصدرته مؤسسة لاروس (النصّ) على النحو التالي :"إن المجموعة الواحدة من الملفوظات، أي الجمل المنفذة، حين تكون خاضعة للتحليل، تسمّى: نصاً، فالنص عينة من السلوك الألسني وإن هذه العينة يمكن أن تكون مكتوبة، أو محكية (du bois,J ,1999, P: 482). ويعرفه بول ريكور:" لنسمّ نصّا كل خطاب ثبتته الكتابة... تسجيل يضمن للكلام ديمومته بواسطة خاصية النقش الدائمة"(ريكور، ب،2001: 105).

وإذا كانت التعاريف السابقة لا تثير أي قلق معرفي أو إشكالي يومئ إلى أن النص يضمر أكثر مما يقول، فإن الواقع مخالف لذلك تماما، حيث تضعنا مقولة بول ريكور السابقة في صلب الإشكالية الجدلية للنص بين الإفصاح والصمت، بين الظاهر والباطن، بين الحضور والغياب. من هنا يتحدد النص بوصفه فضاء واسعا من الدلالات يجب فك رموزه، ولذلك ليس المهم ما قاله النص، وإنما الأهم هو ما لم يقله. وبناء على ما سبق تتركز الجهود في فعل القراءة من حيث هي محاولة تملك النص على ما يقبع وراء السطور وخلف الكلمات، وبحثا في أماكن الظل وعلامات الاستفهام، والهامش، والمسكوت عنه... وفي هذا الصدد يقول علي حرب:" مثلا. أنا إذا أقرأ قصيدة من قصائدك يا صديقي الشاعر(يقصد الشاعر إسماعيل فقيه الذي أجرى معه الحوار، وقد نشر هذا الحوار على حلقتين في جريدة النهار البيروتية بتاريخ 22و23 تموز 1992)، أحاول البحث عن معنى ما تقوله، وأعني بمعنى القول ما لا يقوله، وهو برأيي الأهم، لأنه الشيء الذي يخفيه القول وينبني عليه. وبهذا المعنى فأنا أقرأك لأكشف لك ما لم تكشفه أنت بذاتك"( حرب،ع، 2005: 264). ولكن كيف يمكن أن نقرأ ما لم يقله النص؟

 ينطلق أنصار هذا التيار من مسلمة مؤسسة على أن النص يكون ممتنعا عن الفهم منذ الوهلة الأولى، حيث لا يمكن إدراك معناه بالسهولة والوضوح المطلوبين، مما يجعل القارئ لا يطمئن إليه، بل بالعكس، يجد القارئ كل فهم للنص يدفعه إلى التساؤل من جديد حول طبيعة الفهم الذي توصل إليه، لأن المعنى الفوري أو المعنى الحرفي للنص، الذي يتبادر إلى الذهن ليس هو المقصود في ذاته في معظم الأحيان، بل هو مجرد إحالة على معنى آخر، يحيل بدوره إلى معنى آخر. هكذا تستمر المغامرة في البحث عن المعنى الخفي والبعيد، فخلف الحقائق الظاهرة المعروفة توجد دائما حقائق باطنية مخبأة لا تزال غير معروفة في حالة صمت، تنتظر من يميط عنها اللثام. لقد أضحى الصمت الذي يلازم النص، هو الفضاء المفضل للاشتغال عليه في الفلسفة التأويلية المعاصرة، وبدأ يتصدر واجهات الفكر الفلسفي بحثا عن المعنى الغائب والمغيب. حسب بول ريكور، فإن النص ظل يشكل بؤرة الاهتمام لفلسفة التأويل عبر القرون، وهو الانشغال الذي أفردت له تلك المدارس حيزا مهما، عبر جدل السؤال وآليات القراءة، التي فتحت أفقا لمسوغات التأويل والحفر والتفكيك للوقوف على ما سكت عنه النص لاكتشاف دلالات الصمت والتغييب والحجب والمراوغة والإلغاء والنفي والإبعاد والطمس والتشويه...حيث لم يقتصر الأمر على النصوص الدينية وإنما امتد ذلك إلى كل النصوص التاريخية والقانونية والأدبية. تلك هي إذن المسافات البعيدة التي تظل محل اختراق وتجعل قراءة النص ممكنة ويبقى على القارئ اكتشافها لتفعيله لمواجهة المشكلات في شكلها الراهن. إن هذا التوجه في الوقوف على دلالات الصمت يفرضها منطق الانزياح عن قراءة التطابق والتماثل، والعبور نحو فضاء الاختلاف والتعدد والتغاير بحثا عن قراءة تأويلية إبداعية ثانية في مستوى ما وراء المباشر والمعطى والجاهز، بمعنى البحث في مساحات الغياب داخل النص، من حيث هو معان فائضة ودلالات متدفقة لا تتوقف عن التوالد بحكم خضوعه للصيرورة التاريخية والجدل القائم بين النص والقارئ. وتكمن أهمية النص وفاعليته فيما يحدثه من وقع وآثار ونتائج تسهم في تأسيس التاريخ في الزمن الآتي المستقبلي.

إن عملية تأويل النص ليست فعلا معزولا عن السياقات الاجتماعية والثقافية والأحداث التاريخية، التي تمثل المشهد العام للمجتمع في حراكه المتواصل، وبالتالي فإن لكل نص بواعثه وأسباب وجوده وظروف ميلاده ومقاصده، هي التي تشدّ انتباه القارئ، وتوجه فكره مثل: استحداث مساءلات داخل النص لإعادة تنظيم الوجود... إعادة ترتيب الحقيقة... إعادة إنتاج تجربة الإنسان في العالم... استكشاف مضامين النصوص المقفلة وردها إلى الظروف الخارجية التي ساهمت في إنتاجها....اكتشاف العناصر التي تحاول تجريدها من الواقع...تلك هي بعض الدواعي التي تدفع باتجاه تحريك النص، وتجعله منفتحا على القراءات المتعددة، متى يحضر القارئ.

إن تاريخ التأويل حافل بالأمثلة على ذلك، فقد كان المشكل الأساسي الذي دفع  الفيلسوف واللاهوتي الألماني فريدريك شلايرماخر، هو العمل على وضع نظرية عامة للتأويل وفهم النص لحمايته من سوء الفهم، حيث أكد هذا الأخير بأن عملية التأويل تبدأ عندما يحدث سوء الفهم للنص، أو عندما يبدو أن النص صار غير مفهوم بمرور الزمن. وفي ظل التفاعل القائم بين النص والقارئ تنشأ تصورات وتتولد إشكالات جديدة تخترق حدود النص المعروفة وتتجاوزها إلى فضاء العوالم الرمزية التي يلفها الغموض وتحوم حولها الشكوك لكشف المحجوب وصولا إلى المعنى الغائب المستتر خلف كلمات النص، أو بناء معرفة جديدة استنادا إلى حيثيات النص. وهكذا يظل النص مفتوحا مما يخلق في القارئ بؤر توتر وهواجس تدفعه إلى تحفيز النص ليقول المزيد. ولذلك يظل النص ملهما لأسئلة متواصلة تثيرها تأويلات القارئ، التي لا تجد لها أجوبة جاهزة في كل مرة. وبالرغم من أن فن التأويل ارتبط في بدايته بدوافع تفسير النصوص الدينية المقدسة إلا أنه امتد تدريجيا إلى حقول معرفية جديدة، وانسحب بالتالي على النصوص التي كانت خارج اهتماماته، وبتوسيع خطابه اكتسب أبعادا دلالية في مدارس التأويل الفلسفي المعاصر. وازدادت أهميته الفلسفية تبلورا في أوساط الباحثين خاصة مع قراءة النصوص وإعادة إنتاجها وفتح حوارات خصبة معها. وقد عزز هذا المسعى فرضية مفادها أن النص ينطوي على طبقات متعددة من المعاني غير منتهية تكشف عنها القراءة عبر الصيرورة التاريخية للوجود الإنساني. لقد وجد الإنسان أمامه العديد من نقاط الاستفهام في النص التي تتحداه، وفرضت عليه إعادة قراءة الموروث الثقافي والتاريخي. يقول نصر حامد أبو زيد:" قراءة التراث وتأويله في ضوء مشكلات الواقع والراهن وهمومه تمثل إحدى الهموم الفلسفية في الفكر الإنساني المعاصر"( أبو زيد نصر، ح،2000: 173،). لقد شكل البحث عن الحقيقة الغائبة والمغيبة أحيانا في النص هاجسا قويا بالنسبة للقارئ، واستحوذ على تفكيره من أجل استخراج المعاني المبثوثة في النص وإزالة غموضها، واستنطاق ما هو صامت حتى تصبح واضحة قابلة للتبليغ، دون سوء فهم في صورة من الشفافية والصفاء. ولكن ما الذي يجعل المعاني غير واضحة؟ إذ من المفروض أن المؤلف يكتب من أجل أن يكون خطابه مفهوما، وليس من أجل أن يترك مساحات الفراغ، التي تحفز التساؤلات وعلامات الاستفهام؟

إن مساحة الفراغ المتعمدة أو غير المتعمدة هي التي أدت إلى تناسل المفاهيم والمترادفات التي تحيل بدورها إلى ظاهرة الصمت التي تطبع النص. لقد انتشرت مفاهيم في الحقل التأويلي مثل: المسكوت عنه... اللامفكر فيه... اللامنطوق... اللامتحقق... المتحجب... الغائب... المطموس... وغيرها من المفاهيم الأخرى. في هذا الوضع صار ينظر إلى النص بأنه فضاء للمعاني المتحجبة والمشفرة، وبالتالي يبقى مرشحا للتأويل من خلال فعل القراءة المركزة المجددة للنص، بعيدا عن القراءة الاستهلاكية السطحية التي لا هدف لها سوى المتعة. إن القارئ الواعي يمكنه النفاذ إلى أعماق النص ليكتشف المعاني المبثوثة المتوارية تحت طبقاته. هناك اعتقاد يقوم على افتراض أن هناك دائما الأفضل والأجمل والأسمى، الذي يمكن للعقل البشري أن يقدمه في بناء معارفه وتصوراته، لأن العقل ليس بنية نهائية مغلقة بلغت حد الاكتمال وأغلقت نوافذ الفهم وأبواب التأويل. هكذا نكتشف المضامين الجديدة للقراءة في تحريك النص، من حيث هي إبداع لمعاني غير منتهية وتحفيزها على الظهور. ولا يتحقق ذلك  إلا بفضل الحوار مع النص وفك مغالق الأسئلة المحرجة، لأن كل قارئ يحيل النص إلى مرجعيته المعرفية الخاصة. لكن ذلك لا يحول دون منح النص فرصة ليقول المزيد ويكشف عن الخفي. ومن الخطأ الجسيم أن نثبت معنى وحيدا لنص باعتباره فهما نهائيا، ونختم على روحه ونقتله في معنى يتيم، فذلك يتناقض مع طبيعة النص المفتوح على القراءات المتعددة، وهذه خاصية جديدة طبعت النصوص فيما بعد الفلسفة البنيوية. وهو ما يقودنا إلى الحديث عن علاقة القارئ بالنص.

2 - جدلية الضيافة / القارئ والنص

القراءة نافذة التواصل مع النص، والفعل الملموس الذي ينتهي إليه مصير النص. لا يهم من يحلّ ضيفا على الآخر، هل النص هو من يستقبل القارئ أم القارئ هو من يبادر إلى دعوة النص ويرحب به؟ إن النتيجة في النهاية واحدة، حيث يتم اللقاء بينهما عبر وسيط اللغة، فيكون النص نقطة الالتقاء بين القارئ والمؤلف في عملية تبادلية، وعلاقة حوارية تجعل القارئ يستأنف معاني النص ويعيش أفكار المؤلف، من خلال النفاذ إلى نفسيته. يمكن القول أن النص ميت من دون تنشيط القارئ له. من هنا نعتبر النص وجودا متعلقا بوجود آخر هو وجود القارئ لتتبلور بعد ذلك بشكل واضح عملية التركيز على علاقة القارئ بالنص. ولهذا فإن النص منذ تشكله، لا يجد لحظة اكتماله إلا في الصيرورة التي تربط بينه وبين القارئ في أي زمان وفي أي مكان، بمعنى أن النص موجود من أجل القراءة حتما وإلا فما الفائدة من كتابته أصلا؟ ثم إن النص يمكنه تجاوز الحدود الزمانية والجغرافية، ويعبر الهويات الثقافية من خلال أعمال الترجمة من لغته الأصلية إلى لغات أخرى. إن الترجمة تزيد من حظوظ النص في الانتشار والعيش في بيئات ثقافية مختلفة، وتمنحه فرصة التواصل مع حضارات وأقوام بعيدة. وكم هي النصوص التي قدر لها أن تحيا خارج محاضنها الأصلية بفضل التدوين والشرح والتفسير والتأويل. إن التأويل من حيث هو فن الفهم، يصبح ضروريا ومشروعا كل المشروعية للوقوف على مقاصد النص. وتحقق فعل القراءة يرتبط أصلا بالقارئ الذي يتفاعل مع النص ويتعامل معه بطريقة ودودة"فالنص، كما يشير إلى ذلك تودوروف، بمكر(مستندا إلى ما يقوله شولمبرج عن بوهوم)، هو نزهة يقوم فيها المؤلف بوضع الكلمات ليأتي القراء بالمعنى"(إيكو، أ،2000: 22). حينما يتجول القارئ من خلال النزهة التي يقوم بها عبر تضاريس النص، كما يرى تودوروف، فإنه يتجول بفكره في متون النص والكلمات وأبعادها ودلالاتها، في صورتها وفي ظلالها، ولاسيما تلك النصوص ذات الطبيعة الإيحائية والموغلة في التجريد والمجاز، يشعر أن حقيقة ما تكمن وراء الكلمات، فيسعى إلى اكتشاف مقاصد النص المؤسسة لحمولته الفكرية، وتوجهاته الإيديولوجية والسياسية المتوراية خلف الألفاظ، التي ساهمت في تشكل النص وميلاده وتبرر وجوده واستمراره وسلطته،" إن للكتابة ما وراءها، ولأقل إن لها بعدها السلطوي، والمعارك الأدبية أو الفكرية إنما هي صراع على السيطرة والنفوذ أو من أجل انتزاع المرجعية...لا شك أن هذه المعارك تشكل صراعا بين وجهات نظر أو بين منظومات تأويلية مختلفة، ولكن إغفال الجانب السلطوي هو طمس لحقيقتها"(حرب، ع، النص،2005: 268) وإذا كانت القراءة هي انكشاف النص، إلا أن ذلك الانكشاف الذي يحكم النص يمثل طاقة تحريض تجعل النص على استعداد لأن يقول أكثر مما يظهر، وهذا ما يسمح للقراء على الدوام من أن يتفاعلوا معه، ويستنبطوا منه دلالات جديدة من اللغة المرمزة من جهة، ومن جهة أخرى الوقوف على الرهانات التي تخضع لها عملية إنتاج النص والتي تشكل البنية الغائبة للمعنى.

تتباعد المواقف، وتتباين الرؤى في قراءة النص، للبحث عن الأسرار المطوية ومطاردة المعنى الهارب الذي يمارس التخفي في أشكال وسياقات يصعب حصرها. لأن المعنى يصعب القبض عليه جاهزا داخل قفص اللغة، بل إن حضور القارئ هو الذي يبث الروح في النص لإعادته إلى الحياة من جديد. إن تلك المهمة تقتضي القضاء على غربة النص بإزاحة الظلال عن أبعاد الكلمات، وإزاحة الغشاء الذي يصيبها خاصة إذا اتسع الفارق الزمني مما يجعل الآفاق تتباعد، وهنا بالضبط ينشأ التوتر لدى القارئ لاستحضار الماضي الثقافي رغم بعد المسافة الثقافية بينهما. وبالمقابل فإن النص نفسه ستتسع مدلولاته بتعدد القراءات التي توظفه بخلفيات إبستيمولوجية وفلسفية ودينية وإيديولوجية مختلفة، مما يجعل المعاني مفتوحة لتحوز دلالات جديدة. إن النص من حيث هو خطاب موجه إلى القارئ، يحتاج دائما إلى تفهم من خلال المصاحبة اللغوية لكي ينفذ إلى الإدراك، ومن هنا نفهم أنه ليس خطابا مكتملا يملك سائر المقومات التي تكشف عن أسراره مباشرة، فهو في حاجة إلى القارئ ليتكلم على لسانه، وبالتالي فإن القارئ يسعى من خلال التأويل إلى إكمال النص، وتوضيح ما كان متروكا بلا وضوح داخل النص أيضا. ومن هنا رأى رولان بارت أن القارئ يتحول إلى منتج للنص، وعنصر فعال يشارك في عملية صياغته، ولو بطريقة ثانوية غير مباشرة. وبهذا ينفي رولان بارت السلبية عن القارئ ولا يعتبره مجرد مستقبل ومستهلك لغوي للنص لتتأكد بشكل واضح مركزية القارئ باعتباره الغاية المقصودة من وراء إنتاج كل نص مكتوب. فهو غاية الكتابة وبغيره يصبح النص مجهولا، بل في حكم العدم.

يحمل النص في ذاته مقولة الإمكان أمام ممارسة التأويل، وفحوى مقولة الإمكان تكشف عن معاني في النص ليست متحققة، بمعنى أن النص يتضمن بالإضافة إلى أبعاده ومعانيه الواضحة أبعادا ومعاني أخرى متخفية لم تتكشف بعد، وهي في حالة انتظار القارئ الذي يكشف عنها الغطاء. ولا يتم ذلك بطبيعة الحال إلا إذا توفرت الظروف المناسبة لتحقيق فعل القراءة بطريقة جيدة، تسمح بدورها بتأويل جيد يكشف إمكانيات النص اللامحدودة، التي كانت مستترة ومحجوبة عن الناس، وعن العالم حتى تصبح في متناولهم. والتأويل يكون مشروطا برؤية فكرية للعالم والأشياء تسبق عملية التأويل في ذاتها وتؤطرها. هذه التجربة الجدلية بين القارئ والنص تجعل كلاهما يتعلق بالآخر، فالقارئ كذات فاعلة مؤثرة في النص لاحتواء مقاصده ودلالاته للاستفادة منها من جهة، والنص بمحتوياته اللانهائية تدفع القارئ إلى استجلائها من جهة ثانية. فهذه العلاقة بالذات تشكل الخيط الرابط بين القارئ والنص. ثم إن إعادة قراءة النص لا تؤدي إلى سوء فهمه بقدر ما تمنحه قوة وتعيد تأسيسه على أسس جديدة يكتسب من خلالها فضاء ممكنا ويحطم سائر الحواجز المعيقة له في فضاء التداول.

لا الشك أن النصوص التاريخية تحجب وتشوه الكثير من الحقائق لأسباب عديدة منها على سبيل المثال القمع الفكري والاضطهاد السياسي وتوسيع دوائر الظلم النازل على الناس. يتضح ذلك في محاولات تحريف الديانات السماوية" وليست المسيحية التي أنزلها الله على نبيه عيسى عليه الصلاة والسلام هي التي شرعت للنصارى في العصور الأولى أو الوسطى هذه التعاليم الهمجية المتعطشة إلى السفك والهلاك، فالمسيحية الحقة قد تبخرت بعد وفاة عيسى بأمد قليل. وقد حاول بعض الأتقياء والمنصفين أن يعيدوها إلى أوضاعها الصحيحة(كآريوس) وأتباعه ففشلوا وأبيدو... وتولى زمام الديانة المشوهة أقوام انقسموا على أنفسهم في فهم عقيدة التثليث، ولعن بغضهم بعضا، ونصبوا لأنفسهم المشانق والمحارق، وعانى العالم من تعصبهم وتشفيهم من خصومهم الويل الكبير"(الغزالي،م، 2005: 91).

تسمح قراءة النص للقارئ بتفكيكيه، وهو ما يجعله يستنبط معاني جديدة لم تكن لتكشف عن نفسها تلقائيا" إن القراءة هي التي تمنح الوجود الحقيقي للكتابة التي تظل قابعة بين الأوراق، مستقرة في زوايا الظلام الذي يشبه العدم، إلى أن يجيء القارئ ـ وبأي مفهوم ـ فيزيح عنها الظلام، وينفض عنها ما كان علق بها من غبار: فتشرق وتنمو وتزهو"( مرتاض، ع المالك، ب ت:175-176).

إن حقائق التاريخ تتأكد من خلال القراءة والفحص الدقيق وإعادة القراءة، ولولا عملية الحفر المتواصلة في النصوص القادمة من الماضي، فإنها لا تهتز ولا تتحرك من تلقاء نفسها، ولكنها تتفاعل دائما مع فعل القراءة وتكشف عن المعاني التي كانت ربما غائبة حتى عن كاتبها. وفي هذا المنظور ذهب البعض إلى الاعتقاد أنه يمكن للقارئ أن يضمن النص معان جديدة لم تكن لتخطر على بال صاحبه ويفهم النص أحسن مما فهمه صاحبه. وهكذا بفضل القراءة يمكن استخراج المعنى المحتمل لنص غامض، وتصور معاني جديدة قد لا يكون المؤلف قد فكر فيها أصلا، وهذه المعاني تتوالد في ذهن القارئ نتيجة التقاطع بين النص من جهة، وتجارب القارئ وتراثه الشخصي وواقعه الاجتماعي من جهة ثانية.

وبالرغم من أن النص يتأطر في سياق لغوي رمزي، وفي واقع اجتماعي ثقافي، إلا أنه غير قار في الإطارات الثابتة التي تمنحه اللغة إياها، بمعنى أنه غير جاهز للفهم المباشر، فكلما كان النص قادرا على التعبير عن مشكلة وجودية تخص الإنسان كلما امتلك روحا جديدا، تمكنه من الاستمرار في الحياة، بينما النصوص التي استنفدت هذه الخاصية هي نصوص تستمر في الوجود دون أن يستدعيها الموقف الراهن. ويمكن القول أن عملية القراءة هي مراحل متتالية يمر بها النص ليصل إلى مرحلة النضج الذي ليس نضجا نهائيا بمعنى الاكتمال، وإنما يعني نضجا في سياق ثقافي وتاريخي ما، له حدوده المعرفية وأطره النظرية والابيستمولوجية. يترتب عن هذه الفكرة أن النص ينتعش باستمرار، حيث يدفع به القارئ إلى الحركة، وحيث يوجد تأويل توجد حقيقة مؤقتة آيلة إلى التغيير حتما. هكذا تنقشع صورة الحقيقة الغائبة تدريجيا ونسبيا أمام القارئ. إن قراءة النص هي فعل فهم جديد وتفاعل القارئ مع محتويات النص، ومع متغيرات الواقع التي لا تتوقف، وهي في الوقت ذاته تفاعل مع الذات التي تقرأ النصوص المختلفة، وتعيد إنتاجها، عبر عملية استنطاق منهجي ومعرفي وإجرائي لطبقات النص بحثا عن الحقيقة المفترضة في حوار مع النص، الذي يكتسب أعمارا جديدة بفضل القراءة والتأويل. النص يولد ويتحول في الزمن ويحيا  بفضل القراءة وإعادة القراءة التي تجعله يعود إلى سن الشباب.

يتغذى القارئ من النص ويغذيه بالمقابل، يبث فيه المعنى والروح من خلال التفاعل معه، فلقد كانت الدراسات النقدية السابقة وإلى زمن قريب، تعطي الأولوية للمؤلف مضحية بالقارئ، على اعتبار أن المؤلف يشكل العمود الفقري والركيزة الأساسية في العملية الإبداعية والنقدية. إلا أنه مع تطور الدراسات اللغوية وظهور مناهج النقد في القرن العشرين اتضح أن ذلك الموقف كان مجانبا للحقيقة، ومن ثم تحول مركز الاهتمام إلى القارئ بدل المؤلف، ومنحت له الحرية التامة في تفسير النص، ليكشف الغطاء عن معاني النص المحتملة أو المغيبة، مما وفر قاعدة لاتساع دائرة التأويل الايجابي البناء، حيث انفتحت آفاق جديدة لتعدد القراءات.

لا ننكر الوظيفة الإيديولوجية في عملية إنتاج النص، لأنها ترتبط بالمجال الإنساني الغامض والمعقد، ذلك المجال الذي يتقاطع فيه المعرفي بالإيديولوجي، والثقافي بالسلطوي، مما يجعل الحياد المطلق الذي يفترض أن يحكم الكتابة أمام مساءلة كبرى، حيث تتدخل مؤثرات مختلفة ذات مرجعيات متباينة في قوة وسعة التأثير، فالنص ينجز ضمن شروط معطاة، وسابقة أحيانا، وهي الشروط التي تتحدى المؤلف، وتشكل رهانا حقيقيا، واختبارا له. إن المعادلة الشخصية للمؤلف وثقافته الخاصة، والطبقة التي ينتمي إليها، وروح العصر الذي يعيش فيه، كثيرا ما تتدخل لتحجب الحقيقة عن الأنظار، أو لتوجهها نحو وجهة معينة. وكم هي الحقائق التي انزوت في التاريخ نتيجة الإهمال والتقاعس، وحسابات خارجة عن نطاق العلم والموضوعية. لا شك أن الأهداف المسبقة تكيف بشكل كبير عملية الكتابة وتوجه مسارها مع مصالح اجتماعية وثقافية ذات أهداف محددة. وعلى سبيل المثال نجد كل تدوين للتاريخ وكل تفسير له، أو لأية وثيقة تاريخية، يكون محكوما باهتمام المؤرخ وقناعاته، لأنه يتحرك في فضاء معين يملي عليه أسئلة الفهم ويوجهها ويؤطرها في نفس النسق والاتجاه. ولكن من جهة وعلى الرغم بإقرار الوظيفة التحريفية للايديولوجيا إلا أن ذلك لا يمنع من القول أن الذاتية والأحكام المسبقة ضرورية للفهم، ولمنع النص من سوء الفهم، ومن ثم ينبغي أن ننفتح على النص من دون أن نقحم بطريقة تعسفية معتقداتنا وأحكامنا القبلية، ونقولب النص في إطارها. إن تفاعل الذات والموضوع في النص لا ينفصلان أمام الخيوط المتداخلة للنص، حيث يصبح منطق التعامل مع النص، مبني على اعتبارات إيديولوجية، وحسابات خارج إطار الموضوعية. هكذا ندخل عتبة تزوير وتزييف الحقائق مما يخل بمصالح الحقيقة العلمية. إن مشاعر المؤلف تتسرب إلى النص، كما أننا حين نتوجه نحو النص، فإننا لا نفهمه بعقل فارغ تماما، بل نفهمه انطلاقا من محددات سابقة عن هذا الموضوع تملأ علينا لحظة الوجود الحاضرة ومشروع المستقبل المأمول، لأن انصهار هذه الآفاق الزمنية تدعو بعضها بعضا. فمسألة التأويل البريء للنص وبعده عن أي تحيز، والاعتقاد بوجود قراءة تدعي الحياد والابتعاد عن المؤثرات الخاصة هي مجرد ضرب من الفشل المسبق. فالنص من حيث هو رمز يحمل تشعبات الوجود الإنساني وامتداداته، لا يمكن قراءته في أفق خال من خبرات القارئ وتجاربه الشخصية، ولذلك لابد من الحديث عن التحام الآفاق وانصهارها. إن الأفكار المسبقة والمشاعر الشخصية وجميع مظاهر الخبرة لا يمكن قمعها بمثل هذه البساطة التي يتصورها البعض، بل بالعكس تماما، فهي التي تهيئ عملية الفهم والظروف المناسبة لهذا اللقاء بين النص والقارئ. لا يمكن فهم النص دون حشد من الأفكار المسبقة، فلحظات اللقاء والانفتاح على النص لا تحدث بمحض المصادفة، وفي فراغ من دون مقدمات سابقة على هذا اللقاء الذي تمهد له. لقد عبر جورج هانس غادمير عن حقيقة التحام النص بمفسره أحس تعبير، عندما أعلن بصورة قطعية أنه يستحيل الفهم دون إقحام الأحكام المسبقة للمؤول كشرط أساسي وضروري لعملية الفهم، وإدراك المعنى" لأن أفق المعنى الذي يقف داخله النص، أو العقل التاريخي تتم مقاربته من داخل الأفق الشخصي للمرء، فالمرء عندما يقوم بالتفسير لا يترك أفقه الخاص وراءه، بل يوسعه بحيث يدمجه بالأفق الخاص بالنص أو الفعل"(مصطفى،ع، فهم الفهم (مدخل إلى الهيرمينوطيقا)، 2003: 163). من خلال تفاعل النص بالقارئ  تبرز حقائق النص وتتضح، ولذلك لا بد من الالتفات إلى السؤال الذي يطرحه القارئ على النص. من هنا يمنح التأويل القارئ هامشا من الحرية ضد الأنساق الدوغمائية التي تسيج العقل وتعتقله داخل خطابات متصلبة غالبا ما تكسوها مسحة إيديولوجية بعيدة كل البعد عن الحقيقة. حيث يقوم القارئ بملء الفراغات لإنضاج النص وإكمال غير المكتمل، ولكون النص مفتوحا فإنه يقبل تعدد القراءات بالضرورة. فالنص وهو يدخل عالم القارئ يضحي بشيء من ماضيه لصالح مستقبله، ويسعى إلى الاندماج في الحاضر، ويحاول ممارسة نفوذه وسلطته التي يستمدها من وصاية سلطة ما، يستجيب لندائها، ويضحي بالحقيقة في سبيلها. وهذا ما يجعلنا نتساءل عن طبيعة علاقة النص بخطاب السلطة.

3 النص وخطاب السلطة:

إن تأثير الظروف والملابسات والوسائط لا يمكن إنكارها في ولادة النص، إذ لا يعقل أن يولد النص مفصولا عن فضاء الرهانات والصراعات التي تولدها الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تشكل بالفعل التربة التي ينبثق منها ويؤثر عليها بالمقابل، فلا يمكن فهم النص وتأويله بعيدا عن خطاب السلطة، ومنطق الفاعلين الاجتماعيين، وعن آليات السيطرة والهيمنة. لقد أكد مشال فوكو أن النص مراقب ومسيّج. وعليه فمن الخطأ الكبير الاعتقاد بأن النص مشكل بشكل واضح أمام أعين القارئ. حتى وإن لم تكن هذه المعطيات حاضرة في الوعي المباشر، فهي حاضرة في لاوعي التاريخ ومغروزة في بنيته. وبالرغم من أن هذه المسألة تعتبر بديهية في نظر الكثيرين، إلا أن هناك محاولات لعزل النص عن الظروف التي ولد فيها. إن كل نص يرتكز على خلفية فكرية أو سياسية أو إيديولوجية وإلا كان موجها لإنسان القطيع للاستهلاك. إن التأويل الذي انفصل عن مصادره الدينية تحت تأثير العقلانية الفلسفية ليعمق مفاعيله في الواقع، أدى إلى تزايد الحاجة إلى كشف الصراع الاجتماعي حول السلطة والمعرفة ومواقع القوة في المجتمع، عبر النصوص المؤولة التي تعبر بكل تأكيد عن صراع عميق يكون  قائما على خلفية صراع اجتماعي سياسي وفكري. فالصراع كما قال ماركس، يكون دائما بين من يملك وبين من لا يملك، مهما كانت تمظهرات هذا الصراع، فمن يملك السلطة يستطيع أن يملك كل ما عداها. لقد تراكمت جهود الباحثين في مجال التأويل لفحص النصوص من جديد، مما هيأ أرضية خصبة لميلاد أفكار جديدة عن التأويل، سيكون لها مفعول خطير في تغيير التصورات والمفاهيم، وقلب النظم الاجتماعية والفكرية، وفتح المجال أمام المواقف الاجتماعية، والحركات المذهبية والدينية المتعارضة بل والمتناقضة. إن التأويل تميز بالصراع الحاد بين مختلف المدارس التي تشربت النص الديني بسبب الاختلافات السياسية التي بدأت تطفو إلى السطح ومعها بدأت مسألة الانحراف في فهم وتأويل النص الديني بما يتماشى والمصلحة السياسية والمذهبية، مما ترتب عنه انقلابا جذريا في المفاهيم وتغيرها، وهذه التطورات هي التي تعتبر المفجر الأساسي لعملية التأويل. وهي المعارف التي تساعد الإنسان على أن يتكيف مع الوجود ومع نفسه. إن القارئ وهو يطارد النص فإنه يتملكه إحساس بأن النص مركب من طبقات ومعاني تظل قابلة للتفكيك إذا ما وجدنا السبيل إلى ذلك. إن النص يزخر دائما بطاقة دلالية غير منتهية وكل فهم للنص ما هو إلا فهم من ضمن تأويلات مفتوحة لا تنتهي. والقارئ هو الوحيد الذي يجبر النص على قول المزيد من الحقائق. والمعاني الجديدة لا تتولد من النص، إلا عبر هذا الصراع الذي يستغرقه النص ومن خلال الارتباط معه، وهو حيز قصير، إذ إن تأويل كل نص إلا ويترك وراءه مساحة خالية تحتاج إلى استكمال وإنضاج، وكل نهاية قول فيه تعتبر فاتحة لقول جديد، بحكم التغير الزمني نفسه. يرتبط الفهم برسالة النص، حيث لا يمكن النظر إلى النص في مستوى الكتابة الظاهرة، وفي الدرجة الصفر، لأن ذلك يؤدي إلى إفراغه من بعده الثقافي، ورسالته الحضارية، وأبعاده القيمية المختلفة المتضمنة فيه، ولذلك يبقى لكل نص أفقه التاريخي وخلفيته الحضارية، التي لا يجوز إغفالها أثناء التعامل مع النص. إن الحديث عن حرية المؤلف يجرنا إلى الحديث عن حضور خطاب السلطة في توجيه الكتابة، وكما هو معروف فإن السلطة موجودة في كل مكان، وأن النص لا يسلم من التأثير السياسي قراءة أو تدوينا، ليخرج النص عن حدود الموضوعية، ويتجه نحو التحيز المخل بالحقيقة، ومن ثم إلى تزييف التاريخ. إن مثل هذه الوضعية تفترض إعادة قراءة جديدة للتاريخ من منظور جديد للبحث عن المهمش والمسكوت عنه بسبب الضغوط السياسية التي غيبت أحداثا من التاريخ. إن إعادة كتابة التاريخ التي نسمع بها من الحين والآخر، هي في الواقع إعادة قراءة وتأويل للأحداث التاريخية، التي يعتقد أنها غيبت أو عزلت باعتبارها حقائق مهمة في التاريخ لا بد من رد الاعتبار إليها من جديد. فلا نستطيع أن نفهم أو نفسر الأحداث إلا بردها إلى الماضي التاريخي الذي انبثقت فيه. وخلاصة القول أن ما يهم من التحليل السابق، هو حجم النصوص النائمة على الرفوف في تراثنا العربي والصامتة منذ زمن بعيد والتي تنتظر من يوقظها ويحسن الإنصات إليها في ظل إعراض تام عن الاهتمام بالتراث، فلقد طغى التاريخ السياسي، وأهملت التواريخ الأخرى. ثم غالبا ما توكل مهمة كتابة التاريخ إلى مؤرخين معروفين بولائهم للنظام الرسمي، ومن ثم يتم توجيه كتابة التاريخ حسب متطلبات السلطة، وهذا شيء معروف ومبرر لأن كل أمة تسعي إلى كتابة تاريخها بما يخدم مصالحها. أما بقية أحداث المجتمع وحركته وصيرورته فقلما تجد من يهتم بها أو يلتفت إليها. وهنا مكمن الخطر عندما نخلط التاريخي بالسياسي في ثقافتنا العربية، حيث ينتج عنه رؤية ضيقة جدا لتصور منهج الكتابة التاريخية، ويستبعد المشهد الثقافي برمته، فالمؤرخ كما يقال لا يكتب الحقيقة فقط وإنما يكتب المغالطات.

لقد قادت أبحاث التأويل المفكرين والفلاسفة والباحثين للاقتراب من معاني النصوص الغامضة والملتبسة، وذلك بسبب احتمال انطباقها على معاني متعددة، وتأويلها وتحريكها في إطار وعي تاريخي مختلف، ولذلك لا يمكن أن نختم على أي نص في معنى واحد، محدد ونهائي زاعمين أننا قد ألقينا القبض على حقيقته النهائية. وهذا ما يتعارض مع فن التأويل، الذي ينفر من أي تحديد دوغمائي يحتكر الحقيقة لنفسه.. لأن الحقيقة تتطلب العدول عن موقف الثنائيات التي تميزت بها الدراسات السابقة، وبالتالي يكون التأويل هادما للثنائيات الضدية، حيث يفتح آفاقا رحبة للاختلاف والحوار والتعايش المفضي إلى البحث عن الحقيقة.

إن الاقتناع بأن النص لا يزال يرمز إلى وجود معاني خفية هو الذي ضاعف أبحاث التأويل، حيث ترسمت الجهود في شكل مدارس، ومراكز أبحاث، واتجاهات فكرية ومعرفية كبرى، أضحت تشكل فضاء للبحث الحر، والنشاط العلمي الواسع من أجل تجديد الدراسات التراثية وإحيائها. وما أحوجنا اليوم إلى استخدام منهج علمي في القراءة والنقد يميط اللثام عن التراث الضخم الذي تم تجميده خلال القرون الماضية حيث لا نستفيد من خبرة وجهود أجيال سخرت حياتها من أجل ذلك التراث. إن الإطلاع على تراثنا يفتح أمامنا أبوابا جديدة تجعلنا نعيد النظر في معارفنا وفي تجربتنا في هذا الوجود، وذلك من أجل تجديد السؤال بين أفق النص وأفق القارئ عبر قراءات من المؤكد أنها ستتواصل جيلا بعد جيل من دون أن تستنفذ كلية سؤال النص الصامت، لأن القراءة لا تخترقه دفعة واحدة وإلى الأبد، بل تسهم فقط في بلورة معنى جديدا حسب الظروف ومتطلبات العصر. إن عملية التأويل ما هي في النهاية إلا إجراء فني يضيء جوانب النص المعتمة ويتوقف على اجتهاد القارئ ودرجة وعيه بالموضوع، التي تمكنه من اكتشاف المسكوت عنه وغزو مساحات اللامفكر فيه من الجوانب المستورة بفعل عقلية الإلغاء والإقصاء، وتحجيم النص والتقليل من إمكاناته الفعلية. يعتبر النص مادة ملهمة للتأويل، فهو منطلق التفكير والتأمل، ودافع الاجتهاد المتواصل، إنه حوار متواصل بين الماضي والحاضر، حيث يتم فهم الماضي واستقباله من خلال الأفق الثقافي للحاضر، كما لا يمكن قراءة الحاضر إلا في ضوء معطيات الماضي بحضور القارئ، الذي يحقق التواصل الفعلي كغاية أسمى، ويفتح خطا جديدا لتجليات النص الصامت.

 

نابي بوعلي ـ جامعة معسكر

....................

 الهوامش:

1-   Jean du bois et autres, Dictionnaire de linguistique et des sciences de langage, larousse1999, P482

2 - ريكور بول،2001، من النص إلى الفعل، ترجمة محمد برادة-حسان بورقية، عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، القاهرة.

3 - حرب علي، 2005، نقد النص، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان.

4 – نصر حامد أبو زيد، 2000، الخطاب والتأويل، المركز الثقافي العربي، ط1، بيروت، لبنان.

5- ايكو أمبرتو، التأويل بين السيميائيات والتفكيكية، ترجمة سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب.

6- حرب علي، المرجع نفسه.

7 – الغزالي محمد، 2005، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، دار القلم، دمشق.

8 – مرتاض عبد المالك ، نظرية القراءة، دار الغرب للنشر والتوزيع، ب ت، ب ط.

9 عادل مصطفى، فهم الفهم (مدخل إلى الهيرمينوطيقا)، ط1، دار النهضة العربية بيروت، لبنان.

 

علي رسول الربيعيتتميز قضايا الفلسفة بخصيصة  وقوفها خارج الصيرورة التاريخية الحدثية المستمرة. وتأخذ القيمة الحقيقية للحدث الزمني رغم أنه مؤقت مكانة كلية وشمولية ومجردة عندما يوضع في أطارفلسفي. فلا تتغير القيمة الحقيقة للقضية الشهيرة (والتي اصبحت مضرب الأمثال في  مختلف الدراسات الأدبية)، والقائلة بأن قيصر قد قُتل في عام 44 قبل الميلاد مع مرور الوقت، على الرغم من أن مضمون الحقيقة الأخيرة هو حالة زمنية مؤقتة. لا تتعامل الفلسفة، في تخصصاتها الأساسية، مع الحالات الزمنية. لن يتحول الحدث الزمني وقضيته الى حجة فلسفية إلا إذا كان يعتمد على مبادئ عامة لا تخضع لقيود تاريخية. فمثلا هناك بعض المواقف الأخلاقية تتعلق بظروف تاريخية محددة ولكي تعبر عن حجة فلسفية ينبغي أن تُصاغ  بطريقة تكون قابلة للتطبيق على حالات أخرى من حيث المبدأ حتى لو  كان الموقف الذي على المحك هو الحالة المعروفة الوحيدة. فقد يحاول الأخلاقي أو الفيلسوف السياسي أن يقول إن مشاركة بروتوس في المؤامرة ضد قيصر كانت صحيحة أو خاطئة أخلاقياً. لكن حجته لن تكون حجة فلسفية إلا إذا كانت تعتمد على مبادئ عامة لا تخضع لقيود تاريخية، أو مثلا أن لا يقتل المرء أبدًا المحسنين؛ أو ويجب ألا يشارك المرء في سلوك يؤدي إلى الحرب الأهلية، إلخ.  أوقد يكون المبدأ هو أن يتصرف المرء وفقًا لأفكار الشرعية السياسية التي يتقاسمها معاصروه وأقرانه، وفي هذه الحالة، على المرء أن ينظر إلى أفكار المعاصرين من أجل الحكم على ما إذا كان الفعل صحيحًا أو خطأً من الناحية الأخلاقية، وهذه الأفكار مؤقته وظرفية بالتأكيد. لكن المبدأ القائل بأن هذه الأفكار تحدد الخاصية الأخلاقية لفعل الفرد ليس مؤقتًا.

من ناحية أخرى، إن اكتشاف الحقائق الفلسفية هو بالفعل زمني، أنه أمر مؤقت بالفعل، ولا يوجد أدنى شك في أن هناك عوامل تاريخية تسهل هذا الاكتشاف أو تجعله صعباً. فعلى سبيل المثال، يتمثل الفرق الأساسي بين الأخلاق اليونانية الكلاسيكية والأخلاق الهلينيستية (Hellenistic) والفلسفة السياسية في توسيع الأفق الذي يشعر الناس من خلاله بالمسؤولية الأخلاقية تجاه البشر الآخرين. كانت دولة المدينة (polis) في العالم الكلاسيكي هي التي تحدد هذا الأفق بشكل أساس. قامت الهلينيستية لاحقاً على توسيع مجال  العالمية وتحرك في اتجاه الشمولية، اي أنه أصبح من الخصائص الأساسية للقاعدة الأخلاقية أنها صالحة لجميع الكائنات العقلانية. عززت الأديان العالمية هذه الفكرة، وخاصة المسيحية والإسلام، ولاحقا من خلال فلسفات عصر التنوير. من الواضح تمامًا أن التغيير الذي تمثله الهلينيستية تم تحديده عن طريق انهيار العالم السياسي القائم على المدن وظهور الدول الإقليمية، وفتح الشرق من قبل الإسكندر الأكبر، وتشكيل الإمبراطورية الرومانية. وغني عن القول أن أولئك الذين يعتبرون العالمية جوهر أي نظرية أخلاقية عقلانية لن يدعون أنه مع انهيار المدينة، تطورت مبادئ جديدة للتقييم الأخلاقي؛ لأن مبادئ التقييم الأخلاقي ليست مؤقتة أو عرضة للتغيير مع الزمن. سوف يزعمون أن بعض المبادئ الأخلاقية قد تم فهمها منذ أول مرة فقط.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

 

محمود محمد عليعلاقتها بالعقلانيات الأخرى

نعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الثالث عن مفهوم العقلانية المضمرة عند ميشيل بولانى، وهنا نقول:  إذا كان مفهوم العقلانية عند بولانى يقوم على الفكر التكاملي الذي يمكن الأشخاص من إدراك العقلانية فى الطبيعة، فيمكن القول أننا هنا بصدد عقلانية تمثل مرحلة ما بعد الحداثة، تلك المرحلة التي تعمل على تصفية العقلانية الحديثة التي قامت على المبدأ أو التصور أو المنهج الواحد للعقلانية، والذي نشأ مع عصر التنوير عندما ما أحدث العقل قطيعة مع العوالم الأسطورية واللاهوتية وسائر الأشكال الغامضة التي ورثها من العصور الوسطى الغربية، وذلك عن طريق الإعلاء من قيمة العقل الذي هو قادر على فهم العالم الطبيعي والسيطرة عليه .

ولذلك نرى بولانى يسعى جاهداً من خلال عقلانيته المضمرة إلى سحب فلسفة العلم إلى موقف نقدي من الحضارة الغربية؛ حيث يرى أن تمجيد المجتمع العلماني العقلاني بمعية قيم عصر التنوير هي التي أدت بالحضارة الغربية إلى العدمية والنزعات الشمولية من قبيل الفاشية والنازية والشيوعية؛ تلك النزعات التي سعت كما يقول ساندرز إلى الانفصال المتزايد بين العالم الموضوعي الذي خلقه العقل المنسجم مع القوانين الطبيعية وبين عالم الذاتية الذي هو من قبل كل شئ عالم الفردية أو عاَلم الدعوة إلى الحرية الشخصية، وهذا الفصل جعل الكائنات البشرية تنتمي إلى عالم تحكمه قوانين طبيعية يكتشفها العقل ويخضع هو نفسه لها، مما أدى إلى موت الذات ونبذ جميع أشكال ثنائية الجسد والنفس ودمج الإنسان فى الطبيعة .

من هذا المنطلق النقدي الذي وجهه بولانى لعقلانية عصر التنوير، نراه يرفض كل المنهجيات والعقلانيات القائمة فى فلسفة العلم، التي تقوم على تمجيد المعرفة الموضوعية طارحاً عقلانيته المضمرة التي تسعى إلى تمجيد المعرفة الشخصية، فنراه يهاجم العقلانية التجريبية التي ترى أن " النظريات العلمية يتم استخلاصها بكيفية صارمة من الوقائع التي تمدنا بها الملاحظة والتجربة . ولا مكان فى العلم للآراء الشخصية والأذواق وتأملات المخيلة، ويمكن الثقة فى المعرفة العلمية، إذ هي معرفة مبرهن عليها بطريقة موضوعية "؛ كما ترى العقلانية التجريبية كذلك أن  " التجارب الشخصية والذاتية للملاحظين المنفردين ليست أساساً متيناً للقوانين والنظريات التي تشكل العلم، بل تؤكد على أن ما يأتينا عن طريق الملاحظة التي يجرى التسليم بها هي الأساس المتين الذي تصدر عن المعرفة العلمية، وهى فى ذلك ترتكز على فرصتين: الأولى، أن الإنسان الملاحظ يبلغ مباشرة قليلاً أو كثيراً بعض خصائص العاَلم الخارجي بقدر ما تسجل الدماغ تلك الخصائص عند فعل الرؤية ذاته . والثانية، أن ثمة ملاحظين عاديين إذا نظروا إلى شئ واحد أو مشهد سيريان الشيء ذاته، لأن الأشعة الضوئية التي تتآلف فيما بينها بكيفية مشابهة ستقع على عين كل من الملاحظين وتتجمع فى بؤرة شبكتيهما العادية بواسطة عدسات عادية وستولد أعينهما صور متماثلة، وسترسل عندئذ معلومات ذات طبيعة واحدة إلى دماغ كل الملاحظين عن طريق أعصابهما البصرية العادية وسينتج عن ذلك أن الملاحظين سيريان الشيء ذاته" .

وهنا يفند بولانى مزاعم العقلانية التجريبية من خلال عقلانيته المضمرة، حيث يقول:" قضايا العلم لا يمكن أن تكون على نحو معروف لأي وقائع قابلة للملاحظة "؛ ويقول أيضاً " إن التصور الشعبي للعالم النزيه الذي يجمع الملاحظات والتجارب لتأسيس تعميم جديد يعد تصوراً كاذباً تماماً "؛ وإذا كان بولانى يرفض هنا دور الملاحظات والتجارب؛ فذلك لأن هذا الدور فى نظره لا يفضي إلى النظرية العلمية، فهو يرى أن النظرية العلمية لا تنكشف إلا من خلال فعل فردى خلاق يتمثل فى عملية التخمين، وهذه العلمية تبدأ حين يشعر الباحث بأنه مولع بالبحث العلمي، وهذا الولع يجعله يتجه نحو مجال محدد للمشكلات التي يبحثها . وهنا يكون العمل التخمينى الذي يقوم به الباحث متمثلاً فى قدراته التخمينية داخل المادة العلمية التي لم تتجمع بعد أو لم تلاحظ قط . ومن خلال ذلك يقوم الباحث بعد ذلك بالتطبيق الناجح لقدراته . وهذا يتضمن الإحساس بالهبات الكامنة فى ذاته والوقائع الكامنة فى الطبيعة، ومن خلال هذا وذاك، سوف تنبثق أفكاره فى يوم واحد لتوجهه إلى الكشف العلمى .

ومن ناحية أخرى يرى بولانى أن التجربة التي يعيشها ملاحظون ينظرون إلى شئ ما لا تحددها مجرد المعلومات التى تنقلها على شكل أشعة ضوئية تدخل العين، ولا تحددها الصور التي ترتسم فوق شبكية العين فقط، وأن ملاحظين عاديين يريان شيئاً واحداً ومن موقع واحد وفى شروط فيزيائية واحدة لن يعيشا بالضرورة تجارب بصرية واحدة، لأن ما يراه شخص ما مختلفاً تماماً عما يراه شخص آخر، كما أن عملية الإدراك الحسي تعتمد على خبرات الشخص المدرك ومعرفته وتوقعاته؛ وبالتالي فلا مكان للمشاهدة المحايدة التي تعتمد على الخبرة الحسية، ذلك لأن العلماء أضحوا يشاهدون الظواهر الخارجية من خلال ذواتهم .

وهنا نلاحظ أن بولانى يتبنى فكرة الأنا وحدية منهجية Methodological solipsism والقائلة بأني أنا وحدي الموجود ولا أستطيع أن أعرف أو ألاحظ شيئاً على أنه موجود باستثناء ما يقع فى خبرتي أنا؛ وعلى أساس الأنا وحدية منهجية، اتخذ بولانى خبرات الشخص الفردية أساساً تُبنى عليه مفاهيم العلم، فحاول أن يبنى العاَلم من أفكار أولية ترتبط ببعضها عن طريق علاقات أولية فاقتطع قطاعاً عرضياً من الخبرة التى تعلمها بالممارسة والتدريب، ليقدم لنا فيه أفكاره الأولية؛ وقد ابتدع بولانى المعرفة المضمرة ليحقق هذا الغرض.

وثمة نقطة أخرى جديرة بالإشارة، وهى نقد بولانى للمذهب الاختزالي Reductionism  هذا المذهب الذي يتبناه غلاة الفيزيائيين وبعض الوضعيين المناطقه من أمثال أوتونويرات Otto Newrath ( 1882 – 1945 )  ورودلف كارناب Rodulf  Carnap  ( 1891-1970)  والذي يؤكد على أن علم الفيزياء هو علم العلوم والعلم الواحد الذي لا علم سواه، وكل العلوم الأخرى مجرد أفرع للفيزياء وأجزاء منها . ومن ثم تكون لغة الفيزياء هي اللغة العلمية الواحدة وهذه اللغة الفيزيائية تتمتع بخاصية تجعلها كلية Unrersal Language  يمكن أن يقال فيها أن كل شئ له معنى، وهى اللغة التي تتحدث عن الأشياء الفيزيائية وحركتها فى الزمان والمكان، وكل شئ يمكن التعبير عنه أو ترجمته فى حدود هذه اللغة خصوصاً علم النفس .

وقد رفضت عقلانية بولانى ذلك، حيث أكدت على أن العالم مخلوق من محتويات حقيقية مستقلة أو أجزاء تحتوى فيما بينها على تنوع واسع من العقلانيات، علاوة على أن إنجازات علم الفيزياء ذاتها تمت بفضل عقول عظيمة وشخصيات موهوبة وليست بفضل المادة الفيزيقية فى حد ذاتها .

كما رفض بولانى أيضا مبدأ الحتمية Determinism فى الفيزياء الكلاسيكية وهو مبدأ يرى أن أفعال الإنسان وتصرفاته، وكذلك الحوادث الطبيعية والظروف الاجتماعية والظواهر النفسية بما فى ذلك الوعي محكومة بأسباب ضرورية خارجة عن إرادة الإنسان وسابقة عليها .لقد أضحى هذا المبدأ الحتمى يحتل مكاناً ضئيلاً فى فلسفة ميشيل بولانى، تلك الفلسفة القائمة على العلاقة الفينومينولوجية بين العارف والمعرف .

ومن جهة أخرى أنكر بولانى مزاعم الأداتيين Instrumentalists  القائلة بأن المفاهيم النظرية المجردة التي جاءت بها الفيزياء الرياضية الحديثة؛ والقائلة بأنها مجرد وسائل أو أدوات مساعدة يستهل بها العلماء لفهم الظواهر الطبيعية، وأن معانيها متفق عليها بين العلماء دون أن يكون لها سند من الواقع؛ وقد رفض بولانى ذلك، حيث يقول " إن المفاهيم النظرية تشير إلى كيانات فعلية موجودة فى الطبيعة، وإن قصرت حواسنا وأجهزتنا الإدراكية "، وفى موضع آخر يقول " النظريات العلمية تقدم وصفاً حقيقياً للوقائع التى تكون ماهيتها مرتكزة على الواقع " ويقول أيضاً: " صدق النظريات العلمية يكمن فى إنجاز الاتصال بالواقع "؛ ويقول كذلك " عملية البحث تفترض مسبقاً الواقع، والعاِلم يكشف عن الحقيقة الخفية من خلال هذا الواقع، وعندما ينتهي من بحثه عن تلك الحقيقة يصبح متعلقاً برؤية الواقع المشار إليه والذى مازال خلف تلك الرؤية أعمق وأبعد" .

هذه النصوص توضح لنا أن بولانى فيلسوف علم واقعي يسعى إلى تحويل المعرفة إلى وجود؛ أى ينتقل من إدراكنا للطبيعة إلى وجود الطبيعة ذاتها على عكس الأداتيين الذين لا يكترثون بالمشكلات المعرفية التى تتعلق بالمفاهيم العلمية . فليس المهم فى نظرهم كيف عرفناها؛ بل المهم هو نجاحها فى أدائها لوظيفتها التى وجدت من أجلها .

وننتقل إلى العقلانيات المعاصرة، حيث نجد أن بولانى يشارك معظم فلاسفة العلم المعاصرين الدعوة إلى محاربة كل أنواع الدوجماطيقية والأيديولوجيات الشمولية، كما يتفق معهم فى الدفاع عن المجتمعات الليبرالية، وأن البحث العلمى ليس عملية استقرائية ناتجة من ملاحظات، ولا حتى عملية استنباطية ناجمة عن النظرية، بل عملية خلق وإبداع؛ كما يتفق معهم فى الوقوف ضد الوضعية المنطقية التى نزعت إلى " إغفال تاريخ العلم باعتباره فى نظرهم غير ذى صلة بفلسفة العلم بناء على اعتقادهم بأنه لا منطق للكشف العلمى، وأن عملية ملاءمة الكشف العلمى والتقدم العلمى هو موضوع تختص بدراسته علوم أخرى مثل علم النفس أو علم الاجتماع أو غيرهما، حيث أن ملاءمة الكشف العلمى والتقدم العلمى هو موضوع تختص بدراسته علوم أخرى، حيث أن فلسفة العلم مقتصرة على منطق البحث فحسب، وأن عاِلم المنطق مهمته تحديد اللغة ضماناً لدقة وتطابق الاصطلاحات، وأن ما يجنيه هو البنية المنطقية لكل القضايا الممكنة التى تزعم أنها قوانين علمية " .

وإذا كان بولانى يشارك معظم فلاسفة العلم المعاصرين تلك الأفكار، إلا أنه يختلف معهم فى أمور كثيرة . ومن هؤلاء الفلاسفة الذين اختلف معهم كارل بوبر، ويمكن أن نعرض لمظاهر هذا الاختلاف فى النقطتين التالتين:-

النقطة الأولى: تؤكد العقلانية النقدية عند بوبر أن لتطوير المعرفة العلمية منطقاً موضوعياً يقوم على المشكلات النظرية والإختبارية التى تواجهها الفرضيات العلمية من دون أن يكون للتصورات الذاتية والنفسية للعلماء أثر يذكر فى تحديد هويه تلك المشكلات الموضوعية . فكما أن الكائن الحى مواجه بمشكلات موضوعية متعلقة بقدرته على التأقلم والبقاء والتكاثر سواء كان يتمتع بمضمون موضوعى قائم باستقلال عن وعى الأفراد أم لا . فتطرح النظريات العلمية والرياضية اشكالات موضوعية على الوسط العلمى من دون أن يعى العلماء بالضرورة طبيعة الإشكال المطروح فيكون وعيهم الذاتى فى بعض الأحيان متأخراً عن اللحاق بالمشكلة القائمة أو قد يرون المشكلة خلافاً لما هى على حقيقتها . إن رجلا يواجه مشكلة ما قلما يرى ماهية مشكلته اللهم إلا إذا وجد حلاً لها، وحتى فى فهمه للمشكلة فأنه قد يكون على خطأ، وقد ينطبق هذا الأمر على العلماء بالرغم من كونهم من القلة التى تسعى واعية إلى إدراك طبيعة المشكلات التى يواجهونها . وعلى سبيل المثال . فإن فهم كبلر الوعى لمشكلته كان اكتشاف تناسق النظام الكواكبي، ولكن يمكن القول إن المشكلة التى حلها فعلاً كانت الوصف الرياضى للحركة فى مجموعة كوكبيه مؤلفة من نجمين . وهكذا يكون كبلر قد حل مشكلة مغايرة للمشكلة التى اعتقد أنه كان يواجهها . فإذا كانت المشكلات مجرد تصورات ذاتية فإنه لا يمكن تفسير نشوء مثل هذا   الوضع .

وهكذا يرى بوبر أن للمشكلات العلمية كياناً موضوعياً مستقلاً عن الإدراك الذاتى للعاِلم، وبالتالى فلا يمكن أن ترد النظريات العلمية إلى محتوى شعور أى عاِلم، بل أن اختبار النظريات العلمية لا يتضمن ولا يعتمد على الاعتقادات الذاتية لدى العلماء، بل إنها اختبارات موضوعية يستطيع أن يقوم بها وأن يكررها أى فرد فى زمان ومكان ما. ومن ثم فإن قضايا الملاحظة لابد أن تكون موضوعية ويجب ألا ترد إلى محتوى شعور أى عاِلم هى الأخرى . ولا تعنى موضوعيتها هنا أن نقيم لغة الملاحظات ذات طابع نظرى، كما فعل " كارناب " بل إن ما يراه بوبر هو أن تجرى كل الملاحظات بلا استثناء فى ضوء نظرية .

ويطور بوبر لهذه الغاية نظرية عن عوالم ثلاثة ذات نتائج مهمة على مجمل نظرية إلى المعرفة وهى:-

العاَلم الأول: عاَلم الحالات الفيزيقية والاشياء المادية .

العاَلم الثانى: العاَلم الذاتى، وعاَلم الوعى والشعور، والحالات العقلية والميول السيكولوجية، والمعتقدات والادراكات

العاَلم الثالث: عاَلم المحتوى الموضوعى، كالعلم والفلسفة والأعمال الأدبية والفنية . فيه المشاكل ومحاولات حلولها، والفروض ومناقشاتها النقدية، والنظم السياسية والتقاليد والقيم .... محتوى هذا العاَلم هو محتوى الكتب والصحف والمعارض والمتاحف، والموضوع السليم للابستمولوجيا يقطن فيه لا فى العاَلم الثانى . والعلاقة بين العواَلم الثلاثة متداخلة . فالعاَلم الأول مستقل عن العاَلم الثالث . لكن العقل - العاَلم الثانى هو الوسيط الذى يربط بينهما بواسطة علاقاته بكليهما . إذ له وثيق الصلة بالعاَلم الثالث، فهو الذى  يخلقه ثم يظل يدرسه ويضيف إليه ويحذف منه . وهو يدرك أيضاً مكونات العاَلم الأول بالمعنى الحرفى لمفهوم الإدراك الحسى، وأيضا العاَلم الثانى له أثر كبير على العاَلم الأول . لكن القوى التكنولوجية تكمن فى النظرية فى العاَلم الثالث؛ والذات أى العاَلم الثانى - هى التى تستخرج القوة التكنولوجية من النظرية وتقوم بطبيعتها، فتغير بها العاَلم الاول .

أما العقلانية المضمرة عند بولانى فهى تنكر كل هذه الأفكار التى تعول عليها العقلانية النقدية، وتؤكد على الطابع الشخصي للمعرفة العلمية بدلاً من الطابع الموضوعي، حيث ترى أن المعرفة تنسيق لمعتقدات يمتلكها أشخاص وتقع داخل عقولهم وأدمغتهم، وهذه المعتقدات تختلف باختلاف صاحبها . يقول بولانى " النشاط الكلى للعلماء يكون على أساس مجموعة من التخمينات ذات درجات مختلفة، ويحمل هؤلاء العلماء بعض هذه التخمينات على أنها معروفة ضمناً أو على أنها معتقدات غير مدركة إلى حد ما " . ويقول أيضاً: " إننى أؤمن بأن الفكر الفلسفى نشأ من خلال معتقدات شخصية "؛ ولما كانت المعرفة تقوم على اعتقادات، فإن هذه الاعتقادات تمتل تصورات شخصية مسبقة تلعب دوراً مهماً فى شرح الظواهر وتفسيرها وكشف قوانينها الخفية . يقول بولانى " كل الاكتشافات العلمية فى النهاية تستند على الحكم الشخص للعاِلم، حيث أن الطريق يبدو مفتوحاً لتوحيد التتابع الكلى للقرارات الشخصية، والتى تبدأ مع رؤية المشكلة ثم متابعتها من خلال البحث وكل طريقة تؤدى إلى كشف حقيقة جديدة فى الطبيعة" .

ومن ناحية فإن العقلانية المضمرة ترفض إصرار بوبر على أن المعرفة الموضوعية ليس لها مكان فى الأذهان، وأن مكانها العلمي هو العاَلم الفيزيقي ومكانها النظري هو الكتب أو بالأدق هو العاَلم الثالث، وتؤكد على الأفكار والنظريات العلمية والفلسفية قبل أن تخرج إلى العاَلم الثالث تمثل اعتقادات وتخمينات فى أذهان العلماء والفلاسفة الذين قالوا بها، علاوة على أن أهم الأمور التى تجعل القارئ يهتم بالعالم الثالث هو أنه يعينه على تكوين اعتقاداته . فشخصية الإنسان هى مجموعة اعتقاداته وهى الهدف النهائي للبحوث العلمية والفلسفية على حد سواء . .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

 

 

سامي عبد العالليس السؤال ساذجاً رغم أنَّه مألوف الطرح، وفيما يبدو لن تكون إجابتُه بسيطةً ولا ضرْباً من غثِ التكرار. صحيح أنَّ الكراهية جزءٌ من نسيج الحياة الإنسانية، وأنَّها جانب مُراوغ يُبرّر على مستوياتٍ عدةٍ، ولكنها لا تُعْطّىَ مجاناً، فهي ليست واقعةً عشوائيةً تقفزُ بين فينةٍ وأخرى. إذن يتجدد الاستفهامُ: لماذا (أنتَ) تكره شخصاً أو شيئاً ما؟! ودلالة الـ(أنت) أعمق من الحالة التي تعيشها، هي عمق وجودك وأصالته. هل ثمة سلطة بإمكانها فرض الكراهية؟! هل هناك كائن يبثُ الكراهيةَ مباشرةً؟! بالطبع لا، لكنها مثل الحب لا تُفرض ولا تُلقى دونما أسبابٍ فلسفيةٍ أبعد من الحالة العامة.

وفلسفياً، هل توجد أسبابٌ للكراهية hatred ميتافيزيقية أو اخلاقية مثلاً؟ فنحن ندرك أنَّ الكراهية تجربة نفسية أو اجتماعية، لكن تبدو غامضة وملتبسة تلك العلاقة بأسئلة الفلسفة التي تخص الماهية والحياة والإنسان والله. وربما الغموض نتيجة أن الفلسفة بالنسبة للإرهاب غير واردة كما أنه يكثف حضوره ويقويه داخل المشاهد (اللقطات) سواء أكانت تفجيراً أم دماءً أم تعذيباً. حتى يبث الرعب على نطاقٍ أوسع كأنَّه يحيط بالمجتمعات من كل مكان. بينما الفلسفية أبعدُ من هذا العراء الخالي، هي ليست مسرحاً متلفزاً تتعلق بالعيون، لكنها إيقاع إنساني كوني تأتي بالأعماق، تنبض بالإحساس الغائر والمأساوي في جميع اللقطات. الفلسفة لقطة كلية تفسر وتساءل الهواش والفوضى والشظايا التي تتناثر جراء مظاهر العنف باسم الدين.

المسألة أنَّ كراهية الجماعات الدينية ارتبطت بنتائج أفعالها السياسية والاجتماعية، لكنها لم تُظهِر علاقتها بالعمق الوجودي للإنسان. كانت نتائج ظاهرية لا تمسُ ما ينازعنا الارهابيون وجودَّه. أقصد أهميةَ فهم كراهية الارهاب من باب (الذات) لا الموضوع. علينا ملاحظة أنَّ كل ما قِيل بصدد كراهية الارهاب جاء بالجوانب الخارجية (الموضوع)، ولم تكُّن لتمس الجوانب الذاتية. والأخيرةُ جوانب تلتقي مع جوهر الدين كـ(إيمانٍ حُر free faith) أو لا يكون، أي أنَّ الحرية تساوي وجود الدين من عدمه. الدين في قوامه هو حرية اعتقاد، حرية امتلاء روحي وحرية تكوين نفسي ووجودي.

فلقد قِيلت في كراهية الارهاب أسبابٌ كثيرةٌ: هناك من اعتبر الجماعات الاسلامية أفظاظاً لا رحمة لديهم. وهناك من عدَّهم كائنات تراثية جاءت متأخرة بعد فوات الأوان. وهناك من وصفهم بالصد عن سبيل التسامح والاعتراف بالآخر. وهناك من نقدهم كمذاهب دينيةٍ مغلقة لا تفهم الحياة وتطوراتها. وهناك من ناداهم كمتنطعين باسم الدين يلوكون عبارات ثقيلة الوطأة بلا فهمٍ. وهناك من رمقهم كفارغي عقول لاهثين بأشكال التدين ورسومه. وهناك من أفزعه تدميرُهم للمجتمعات والدول والأفكار بمعناها المعاصر.

لكن الفكرة الأعمق: أنَّ الناس يكرهون جماعات الارهاب لأنَّهم يستعملون ما يمتلكه الإنسان من إيمانٍ للتسلط عليه فيشعر بالانتهاك والإهانة الداخلية. وفعل (يمتلك) فعلٌ مقصود هنا، الإرهابي لم يُعْطَّ أيُّ سندٍ لاغتصاب ايمان الآخر، لا من قبل الله ولا من قبل الدين ولا من قبل المجتمعات ولا من قبل الناس ولا من قبل الفرد. من ذا الذي أعطاه هذا الحق ابتداء؟! لنفترض أنَّ ذلك السبب هو الأهم بخلاف أي شيء آخر، أي بصرف النظر عما يفعله الارهابيون. فالايمان علاقةٌ أصيلة بذاتك، علاقة خاصة، علاقة جذرية، علاقة حميمة، علاقة سرية، علاقة وجودية ... إذن: كيف لمن لم يعرفها، ولا يقدرها ولا يحددها أن يضعها في قبضته، ويقلبها على راحتيه؟!

الارهاب يُحاكِّم الخاص والنوعي داخل الإنسان بما هو عام. فالإيمان فعل يقين وحب وتصديق خاص، وحين يحتكره إرهابيٌ في شكل مساءلة للمؤمن ذاته، سيكون ذلك وبالاً على الذات. وههنا يمكن تحديد الأسباب الفلسفية وراء كراهية الجماعات الاسلامية، وقد لا تكون أسباباً معلنة ولا يستطيع الإنسان التصريح بها ولا معرفتها. فلم يكن لكل إنسان أن يفتش فلسفياً فيما يقول ويفعل. لأنها اسباب وجودية، من صميم اللاوعي الجذري في حياة الإنسان.

1- سرقة دلالة الله، السرقة هي سرقة لكل مؤمن وليس فرداً ولا مجتمعاً بعينهما. كأنَّ الارهاب يستولي على مساحة الله داخل البشر. هو بتلقائية يفعل ذلك طوال الوقت. ففي المقام الأول: الارهاب لا يعرف حجم الله داخل الإنسان، وبالمقام الثاني لا يدرك ما سيقول إزاءه بموجب تكفير الناس. فالتكفير فعل اغتصاب ميتافيزيقي وروحي بملء الكلمة، نظراً لأنَّ الايمان لا يطَّلع عليه شخص ولا جماعة، كما أنَّ صاحبه قد لا يستطيع التعبير عنه كذلك. الإيمان فعل صامت، هو أبكم وأخرس لا يتكلم ولا ينادي إلاَّ على نفسه فقط. وحين ينادي عليه الإرهابيون ولا يجيب، فهم يعتقدون أنَّ الايمان صاخب، ويتم تفريغه من الثراء لصالح الضجيج الذي ينتظره أمام الآخرين.

الارهابي لا يدرك ماذا سرق، فالميتافيزيقا لا تسرق وإلاَّ ستصيب السارقَ لعنةُ الطيش، واللعنة بالنسبة للإرهاب هي فعل القتل على اللا شيء من الأساس. فإذا كان الإيمان غير مرئي، فمن العتّه تعيينه في أشكال ثم محاسبة الفرد على ما لا يدرك ولا يحدد. وبخاصة أنَّ الله داخل البشر هو الوجود الذاتي، كيف سيقدم لك ما يوجد ذاتياً كموضوع، كيف يمكن قلب الذاتي إلى موضوع؟! النكاية أن الارهابي يشترط إخراج الله الذاتي للعفو عن الإنسان وإفلاته من التكفير. وكأنَّ الارهابي يريد تصنيم الله من حيث استحالته في تاريخ المعتقدات التوحيدية. الصنم هو الشكل البراني الذي يخرجه المرء قائلاً: إليك ما أؤمن به!! كيف سيصدق التكفيري أن هذا الايمان(أو غيره) ليس المعبر عنه كاملاً؟ ألاَ تكون الأصنام كاذبة كما كانت طوال التاريخ؟ أليست الأصنام عبودية ساذجة لا تقدم حقيقة ولا معنى، وهي مجرد رغبات سائلة للهو واللعب؟!

2- امتلاك وجود الله، ذلك باعتباره اقتصاداً محدوداًlimited economics، أي منذ استيلاء الارهابي على دلالة الله يضعها في البورصة الاجتماعية والسياسية. وأخطر ما يُشْعر المرءُ بالضآلة أنْ يرى ذاته قد عُرضَ للبيع والشراء بالأسواق. فالإيمان لا يباع ولا يشترى وإلاَّ لغدا سلعة تتقاذفها الأيدي. تزداد الكراهية طالما يستعمل الارهابيون هذه السلطة في كل خطاباتهم وأفكارهم. ولنلاحظ أنَّ خطابات الاسلام السياسي تعرض كلمة الله كمقولة توزع دلالتها كالاستثمار. فلو أنك انضممت إلى تنظيم اسلامي، تصبح أنت رابحاً معاني الرضا والعفو والغفران. والدائرة التي تحكم الأمر أسواق لاهوتية يدرك أصحابها قائمة الاسعار وآليات السوق ومن يبيع ومن يشتري!!

وهذا التصور التجاري ينسحب على كافة أفكار الاسلام السياسي، لأن خطاباته تجارية لدرجة السخرية، فمن حيث أنَّه لا يلوي على شيء حقيقي في جعبته، فكان العائد الاقتصادي من استعمال الخطاب هو الأهم. ورغم صعوبة التكفير وما يتبعه من العنف والإقصاء، إلاَّ أنه يمثل معياراً لما هو مقبول أو مرفوض. الفرد المعرض للتكفير هنا يشعر بنوع من الانتهاك الخاص به دون سواه. فالتكفير يفقدك خصوصيتك ويجعلك سلعة معروضة في تلك الأسواق، بضاعتها هي الغنائم والسبايا وبقايا حطام البشر وسلب المجتمعات وذهنيات القطيع ونفايات العقول وغثاء البشر. هذه ليست مبالغات بل تجسدت في دولة الخلافة الداعشية عياناً بياناً.

3-المقدس سلطة قتل، أخطر شيء أنْ يتحول إيمانُك إلى رصاصة في صدرك أنت لا سواك. الارهابي حين أصطنع لنفسه سلطة المقدس فعل ذلك، وكم كان قاسياً على الإنسان أن توضع سلطة الرحمة والغفران كتكفير للمتطلع إليها. ليست هناك صورة أوقع أثراً من صور التكبير والتهليل التي كانت تلقى أثناء ذبح الضحايا على يد الدواعش، فاقترن التكبير بالقتل وسفك الدماء وجز الرقاب.

وبخاصة أنَّ عبارات التكبير في الثقافة الشعبية مرتبطة بمعاني النجاة والملاذ الآمن والاحتماء بالله والاعتراف والتسليم الواعد. وهي لون من اليقظة التي تتطلع إلى السماء رجاءً وأملاً. وفي الوقت نفسه- على الجهة الأخرى- أمست صيغ التكبير سكيناً في يد الارهاب. ونحن نعرف أن آذان الصلوات الخمس يردد التكبيرات مراراً طوال اليوم. وهذا رَبَطَ إحساس الفرد بجوهر ما يؤمن، ويجعله كلمات جارية تلقائياً خلال المواقف والأعمال.  ورغم ان التكبير لغة، لكنها لغة هي الوجود مع تكملة الصيغة بمناحي الدين والاعتقاد.

4- الإيمان الوثني، الايمان سر، خفاء لا يطَّلع عليه أحدٌ. والتنظيمات الاسلامية تهتك الاسرار وتحولها إلى أحداث ساخرةٍ. عندما يطالب الاسلاميون غيرهم بالكشف عن هوياتهم الدينية religious identities، فهم ينصبون وثناً دون دراية. الهوية الدينية – من منطلق الدين الاسلامي- ليست واحدة ولا تنسحب على كل الديانات. وكأن الاسلاميين يكررون معتقدات غابرة تخص الوثن كما يبدو شكلاً ليس غير.

وحتى عقل الإنسان عندما يصور موضوعاً، فهو يثبت الصورة في إطار بعينه، فما بالنا بكون موضوعات الدين متعالية وخارج الرؤية المعتادة وتبنى على أخيلة وعواطف يصعب الهيمنة عليها. وليس بعيداً عن مفارقة الإرهاب أن الدواعش كانوا يكتبون على سياراتهم: أن ماركة سيارة (كذا ومؤمنة: شيفروليه مؤمنة). في اقتران بوهيمي بين الآلة والروح من قبيل الايمان السطحي. لكن هل هناك فارق يذكر بين صنيع الدواعش وبين قول بعض القبائل في استراليا القديمة بأن الأرواح الشريرة تتلبس جبلاً معيناً أو أن روحاً خيراً يسكن شجرة مقدسة أو يجسد حيوان مفترس أسرار القوة( الطوطم). ربما الفارق أن ذهنية الدواعش استبدلت الجبال والوديان والغابات بالسيارات الفارهة والأسلحة المتطورة والدولارات الخضراء واستعمال الاضاءة بدلاً عن الحطب.

الفرد العادي لا يستطيع رؤية إيمانه مجرداً من الروح، فقد يصر الارهابيون على اخراجه في شكل أوامر وأفعال تخص التنظيمات لإثبات الولاء. وبالتالي فالوثنية هي جوهر الارهاب، إنه القناع المعاصر لها، هناك هوس داعشي مثلاً بالأيقونات والكتابات والرموز المعبرة عن دولة الخلافة. وتلك الاشياء ليست مجرد لغة، لكنها معتقدات تخص العالم والحقائق وكيفية التفكير.

5- التطفُل على ما هو خاص، يدرك الإنسان أنَّ ما يخصه يجب أن يكون كذلك، لكن الارهابيين يعرْون أعماقه إذ يفتشون في ضميره وقلبه ووجدانه وعقله وإحساساته وخواطره. هو يتحول إلى موضوع مكشوف تماماً. الإنسان إجمالاً ليس إلاَّ خصوصية داخل كيانٍ منطوٍ على ذاته. يحرص على إظهار وجوده متى شاء ويواريه متى شاء. وهذا المبدأ بسيط لدرجة التسليم باستقلال الأفراد، لكن الارهاب لا يسلم بأي شيء خاص. وهذا معناه اعتبار الإنسان مباحاً، كل شيء فيه يجب تعريته من جسمه إلى ذاكرته حتى دُنياه وانتهاء بآخرته.

ليس للإنسان العادي غير ما يضمر من اعتقاد يبث إليه شكواه ويردده بعيداً عن التطفل. في حين أن الإرهابيين لا يعترفون بأية مساحة دون مراقبة. الإخوان المسلمون – على سبيل التوضيح- يجعلون ثمة مراقبين طوال الوقت ليتعرفوا على التغيرات النفسية لأعضاء التنظيم ويتابعون بدقة: بماذا يفكرون وينشغلون. وقد لا يكون الأمر صريحاً هكذا، إذ يتم تجنيد الأفراد داخل الجماعة بإشغالهم ليل نهار بأدبيات وطقوس الجماعة. الهدف ألاَّ يترك التنظيم أية برهة زمنية لانشغال النفوس دون التعلق بالجماعة. هذا يؤدي إلى تدمير الخصوصية وجعلها مادة للتحكم وإعادة انتاجها في شكل طقوس جمعية، بحيث لن يتمكن الفرد من مغادرتها إلا بالموت. وكأن الدين أصبح سطحاً لا بد أن يراه الآخرون كل  لحظة دون أن ينمو تلقائياً في ثراء التأمل وحرية الذات.

6- معيار خارج الذات،  لم يكن الدين عبثاً حين أقر حرية الاعتقاد للأفراد، ( من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) ولم يقل (من شاءوا فليؤمنوا ومن شاءوا فيكفروا ...)، واو الجماعة تتدخل عضوياً في تشكيل مادتها. وسيكون على الفرد ألاَّ يفعل دون الجمع. وهذا بأدق التفاصيل ينتهك المسؤولية، يشوِّه الاعتقاد ويجعله نهباً لكل من هب ودب. وبخاصة أنَّ لكل فرد بصمةَ إيمان تترك أثراً روحياً فيما يمارس. وهذا بالنسبة للإنسان العادي يساوي حياته، لأنَّ التعاطف الديني لا يأتي مصادفةً، بل بفضل الجزء الحر من النفس والالتصاق به.

هذه العلاقة تحمل ربطاً عميقاً بين الاعتقاد والأنا، حيث تحقق إشباعاً نفسياً لصاحبها، فكلمة الإيمان تُقال على وجوه الحب والعلاقات الإنسانية والدين جنباً إلى جنب. فالمحب لآخر يعتقد أنَّه يؤمن به وبإنسانيته، ومن خلال تكوين العلاقة باطنياً يتوزع الإشباع النفسي. فكيف لمتطفل باسم ما تؤمن أنْ يضع معياراً خارجياً لذلك؟ ولا سيما أن الجماعات الاسلامية تحرص على طرح الداخل كمادة هي التداول اليومي لاعتقاد الأفراد. وهذه ليست سمة عارضة بل (بنية حركية) تهم الجماعات كلها بلا استثناء. وتؤكد كيفية الامساك بها وقولبتها من وقت لآخر. فحين يندمج الأفراد في نمط ديني غالب ومحدد ومرسوم ولو شكلياً، يظل الأعضاء تحت قوة الجماعة وتطويعها للمشاعر والأفعال. وهو نوع من الولاء الحسي والنفسي للتنظيم، ونتيجة معايشة الأفكار يشعر الفرد أن عقلة (الذي هو له) لم يعد له، إنما أصبح جزءاً من جسم الجماعة لا خيالاً ولا تصوراً يحلق بهما بعيداً.

هكذا يتخلق لدي كل جماعة إدماج لتجارب الايمان في نمط ثابت دون اختلاف. ولذلك ليس عبثاً أنَّ أعضاء الجماعات نسخ مشوهة من بعضهم البعض، العقول والمشاعر والأفعال وردود الأفعال واحدة لدرجة الغرابة. أكبر ثغرة في بنية الجماعات الاسلامية هذا التشابه الذي يصل حدَّ التطابق، حيث يكون قهر التكرار هو الماثل أمام كل فرد ولا يستطيع التصرف بمفرده. ورغم أنهم يطلقون عليه (السمع والطاعة) و(الأخوة)، إلاَّ أنه تدمير لماهية الإنسان، وإفشال لتنوع البشرية الخلاق.

7- تحطيم الآخر، أي كسر دلالة الآخر داخل الفرد. فعندما يتعرض لعنف الجماعات الاسلامية رؤية أو فعلاً، فهناك ما يتحطم على صعيد الآخر داخله. فليس الآخر خارج الإنسان، لكن كل منا ينطوي على آخر يحفظ توازنه ثرياً ومتنوعاً. وهو ما يتكون نتيجة المشاعر الإنسانية التلقائية، وقد يبلغه الإنسان في تجارب الصداقة والحب والتعاطف والتواصل.

ومن ثم فإنَّ اعتبار الآخر مهدور الدم ومباح الوجود، هو قتل لجوانب الإنسان، وقد يتحول المقتول داخلياً إلى لعنة مدمرة، فالفرد يصبح كارهاً لأية علاقة إنسانية حرة. لأن تلك الصور التي تشكلت لديه قد لُّوثت بالعنف، تركت فجوةً غير قابلة للردم.

ولذلك كان طبيعياً تحول الدواعش مع العنف إلى كائنات مفترسة بالفعل لا المجاز. ولفظة الذئاب المنفردة ليست خبط عشواء، هي معبرة  عن النهم الوجودي للدماء والقتل. ربما تكف حيوانات الغابة عن الافتراس بمجرد الاحساس بالشبع، غير أن الارهابيين لا يتوقفون جوعاً للقتل والتكفير. وليست تلك الفكرة بعيدة عن الإنسان، لكنها تصل إليه ضمنيَّاً مع تكرار العمليات الفاجعة. التوحش هو القاعدة التي بات الإرهاب يتعبد عليها بجميع أفعاله. وهذا يقتل الآخر ويخيفنا منه معاً. وكأن بول سارتر يؤكد المعنى قبل تصاعد موجات الإرهاب في نهاية القرن العشرين: الآخر هو الجحيم!! ولم ينسحب ذلك على الارهاب عينه بل يتحسس الناس الآخر المظلم داخلهم لمجرد أنَّ شخصاً ما قد يتحدث في الدين، لأن الجحيم مازال مفتوحاً. وكأن الارهابيين يقفون على أبواب الذوات ماسكين أسلحتهم لكل خارج وداخل... هم خزنة جهنم الجدد.

8- غلق آفاق الأمل، تضع الجماعات الاسلامية حارساً على ذوات الأفراد، لكنه ليس للقتل بل حارس ليلي على الخيال والآفاق الرحبة للحرية والزمن. وكل حارس يتمثل نسخته المشوه من الخليفة، فالداعشي المهمل في وديان وصحراى الدول(والذي نعتقده نسياً منسياً) يتمثل خليفته حرفاً بحرف، النسخة البديلة في مكانه القصي. معتقداً أنه يحرس ثغور الخلافة التي تحدها السماء الزرقاء  وكواكب ونجوم المجرات الأخرى.

لا يعرف هذا "المرمي هناك" التصرف ولا العيش من تلقاء نفسه، لأنَّ كلَّ ما يلوي عليه هو تعبأة التنظيم لهويته الدينية التي يتصرف على أساسها. كائن مفرَّغ من أي شيء إلاَّ تعاليم التنظيم، إنَّه كذبة داخل إزار وجلباب الدين ليس أكثر، جسد أغبر أشعث هو الهوام الآدمي من حطام الإنسان. لم يدرك معاني الألم إلاَّ ما يأكل من جوعٍ ويشرب من عطشٍ ويحتمي من لدغات العقاربٍ. جسده هو المهم بالمقام الأول، لكن ماذا وراء الغمام، ماذا وراء الأيام، هل بهذه الأفعال الدموية سيكون الدين أفضل حالاً أم لا؟!

إنَّه لا يفكر أصلا ويستعيذ من خليفته طوال الوقت أنْ مرت عليه خواطر التفكير في الدنيا تاركاً زمن الجهاد والفتك بالأعداء. الكائن المجوف هذا يقف بالمرصاد لكل أمل بين أنامل الناس. يفرغ فيهم الرصاص بمجرد أن يأملوا فيما هو آت، يعاقبهم على إنسانية دفعها إلى الوحل. لقد كان مشهد الأيزيديين والأيزيديات في (سنجار العراق) وهم فارين من مذابح الدواعش مشهد بلا أمل، جهنم تمشي على الأرض. بينما يبتسم الارهابيون ويتصايحون بالتكبيرات فوق العربات الحربية كأنهم في سندباد العصر. لأول وهلة اصطنع الارهاب مدن الملاهي(كديزني لاند) لممارسة عمليات القتل وجز الرقاب!!

9- الإيمان حظيرة تنظيمية، هذه الأوضاع جعلت الذات لدى الإنسان جثة متحركة، والأبرز أنها أفرغته من التأمل والتساؤل، والفكر، لأن الخليفة – كسلطة دينية وزمنية في عرف التنظيمات- يعني تشكيل الاعتقاد كما تمارسه سلطة المراقبة والمعاقبة. فالفرد داخل التنظيم غير معترف به، هو ليس أكثر من زائدة لحمية تقطع متى شاء ولي الأمر أو تصفي نفسها بتنفسها. هذه حظائر (زرائب) لاهوتية لا مدن فاضلة كما أرادت الفلسفةُ. فإذا كان الفلاسفة منذ أفلاطون مروراً بتوماس مور وليس نهاية بمدن الواقع الافتراضي قد رسموا إنساناً له حياته النوعية وصوره البراقة، فالإرهابيون أرجعوه إلى محميات ميتافيزيقية metaphysical reserves يقف عليها شبح فظ من أي مكان كان.

الفرد العادي يخشي من دخول هذه المحميات، لكونِّها أشبه ببيوت الرعب على طريقة سينما الرعب، لن ينال الإنسان فيها إلا التشوه وقد يتحول كأفراد التنظيم إلى زومبي يقتات على لحوم البشر. عندما بدأ تحرير شمال العراق من الدواعش، أخذ الارهابيون في تصفية بعضهم البعض والانتحار بأمر التنظيم نفسه. وهذه أشياء غريبة حقاً، فالمفروض أن هناك هدفاً هو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة كما يزعمون!!، لكن ما حصل أنَّهم أصبحوا كائنات ليليةً بلا أمل.

 

سامي عبد العال

 

زهير الخويلديترجمة: د. زهير الخويلدي

"ان كل الفلسفة ملتزمة وأن كل الفلسفة العظيمة لديها سياسة"

تقديم: موريس ميرلوبونتي فيلسوف فرنسي ولد سنة 1908 وتوفي سنة 1961 تأثر بفينومينولوجيا هوسرل وبالنظرية القشتالتية النفسية التي وجهت اهتمامه نحو البحث في دور المحسوس والجسد في التجربة الإنسانية بوجه عام وفي المعرفة بوجه خاص. من أهم كتبه بنية السلوك وفينومينولوجيا الإدراك الحسي.

يمنح موريس مرلوبونتي لفن الحوار مكانة بارزة في أسلوبه الفلسفي ويخوض تجربة النقاش مع الغير بغية الاتصال بالجمهور وعرض أفكاره وتحليل نظرياته للعموم والخروج بالفكر الفلسفي من الجامعة الى المجتمع وذلك لأن المطلوب من أي مؤلف هو اعتناء التفسير بمختلف المشاكل التي يطرحها في صيغة أسئلة ولا التعرف على المذهب العقدي الذي يتبناه والشرح الدقيق للنصوص التي كتبها باللغة الأكاديمية.

لقد تعامل مرلوبونتي مع الحوار كتجربة فلسفية مثمرة بقوله في هذا النص المهم:" في تجربة الحوار، تم تشكيل أرضية مشتركة بيني وبين الآخرين، وفكرتي وصنع نسيج واحد فقط، وكلماتي وكلمات محاوري يتم استدعاؤها من خلال حالة المناقشة، فهم جزء من عملية مشتركة لا أحد منا خالقها. هناك كائنين، والآخر لم يعد هنا بالنسبة لي سلوكًا بسيطًا في مجالي التجاوزي، ولا بجانبي، نحن واحد للمتعاونين الآخرين في المعاملة بالمثل الكاملة، تنزلق وجهات نظرنا إلى بعضها البعض، نتعايش عبر نفس العالم. في الحوار الحالي، أنا متحرر من نفسي، أفكار الآخرين هي أفكار كثيرة خاصة به، لست أنا من شكلها، على الرغم من أنني أمسك بها على الفور أو أتوقعها، وحتى، الاعتراض الذي وجهه إلي المحاور يخطف مني أفكارًا لم أكن أعرف كيف أملكها، بحيث إذا أقرضته أفكارًا، فإنه يجعلني أفكر في المقابل. فقط بعد الحقيقة، عندما انسحبت من الحوار وأتذكره، يمكنني إعادة دمجه في حياتي، وجعله حلقة في تاريخي الخاص، ودخول الآخرين في غيابه، أو، بقدر ما زلت حاضرًا، أشعر بأنه تهديد لي."

على هذا الأساس يسمح الحوار للمعاملة بالمثل ويجعل من مبدأ التعاون شرط بناء الرابط الاجتماعي ويعد العامل الأساسي للتواصل البيذاتي ويتمحور في بنيته حول مبدأ الاختلاف في المواقف والأفكار والآراء ولذلك يصف مرلوبونتي تجربة الحوار بين اثنين على أنها تجربة مثالية وأن طابعها المثالي هو الذي يجعلها تتحقق قيمتها المفاهيمية ويمنحها وجودها العلائقي بين عدد من المتحاورين في العالم المشترك.

 " في تجربة الحوار، هناك أرضية مشتركة بيني وبين الآخرين، وفكرتي وصنع نسيج واحد فقط، وكلماتي وكلمات المحاور تسمى بحالة المناقشة، فهم جزء من عملية مشتركة لا أحد منا خالقها. هناك كائنين، والآخر لم يعد هنا بالنسبة لي سلوكًا بسيطًا في مجالي المتعالي ولا بجانبي نحن واحد للمتعاونين الآخرين في التكامل التام، تنزلق وجهات نظرنا إلى بعضها البعض، نتعايش عبر نفس العالم".

النص المترجم:

"في الميكروفون، يخاطب موريس مرلو بونتي جمهورًا سيتعرف عليه خلال أحد البرامج. لا شك أن مستمعيه قد رأوا كتبه أو قرؤوها أو اشتروها. لا شك أن الكثيرين يعرفون بالفعل أنه جزء من هيئة تحرير مجلة الأزمنة الحديثة أو، في وقت لاحق، أنه يشغل كرسي الفلسفة في معهد فرنسا. ربما يعرفونه من خلال جان بول سارتر، المعروف بالفيلسوف الوجودي،الذي قُرأ ككاتب روائي، واستمع إليه ككاتب مسرحي . ومع ذلك، فإن جمهور الراديو ليس جمهور الفلسفة. في سنوات ما بعد الحرب هذه، يبدو أن الحياة الفكرية الفرنسية تدور حول الوجودية. تركيز المؤسسات الخاصة بالحياة الفكرية في باريس، والاهتمام بالفلسفة والموضة "الوجودية" التي تمزج بين الساحات والأقبية والحصى الأدبية والفلسفية والمقاهي على الطراز الألماني، فضلاً عن العدد المحدود من الدورات التعليمية "من الممكن دائمًا أن يكون أكبر عدد من المثقفين - المعلمين والأساتذة والصحفيين والكتاب وجميع أولئك الذين يعتمد تقدمهم في العالم وفي الأعمال التجارية على رأس مال ثقافي معين - يشتركون في نفس المراجع، تمامًا مثلما يمكن أن يستأنف جيل مرلوبونتي في أي وقت محادثة لا نهاية لها حول عمل مارلو أو جيد أو بروست أو فاليري أو مالارميه، أو على فلسفة هوسرل وهيدجر وحول معلميهم برانشفيك وألان على الأغلب، ربما أنصت هؤلاء المستمعون بالفعل الى الراديو، أنه بناءً على اعترافه الخاص لم "يحضر كثيرًا": بين عامي 1946 و 1952، تدخل مرلو بونتي ثلاث عشرة مرة على الأقل (وفقًا لما تمكنا من العثور عليه في المعهد الوطني السمعي البصري) في الإذاعة الفرنسية، بالإضافة إلى تقديم سلسلة من "الأحاديث" في عام 1948. ومع ذلك، من خلال التقدم إلى الميكروفون، لا يستطيع مرلوبونتي توقع أن يكون معروفًا بالفعل من خلال كتب فلسفته أو مفهومة بالفعل، بحيث يجب عليه تقديم أفكاره في كل مرة منذ البداية. هذا يعني منذ البداية دون التمكن من الإشارة بسرعة إلى تاريخ الفلسفة أو إلى المناقشات المعاصرة، ودون استخدام نمط العرض الفلسفي.

"عماذا يسأل الفيلسوف؟ "

ليس كل شيء يجب أن يؤخذ من البداية فحسب، بل كل شيء سيبدأ مرة أخرى. لا يقابل سوء الفهم حول الوجودية والفلسفة إلا سوء الفهم حول الشيوعية واتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية والسياسات الديغولية والسياسة بشكل عام. وبالتالي، يستخدم مرلوبونتي كل منصة يتم تقديمها إليه لشرح وتحليل ومنح مستمعيها المعرفة والمنظورات اللازمة لفهم أفضل والعمل الذي يمكن أن يؤتي ثماره. سيظل من الضروري له أن يكون قادرًا على التعامل مع الموضوعات التي يراها بشكل عاجل جدًا، حتى يتمكن من تحويل الانتباه عن البدائل الكاذبة وكل سوء التفاهم المتبادل والطوعي الذي هو حقيقة الحياة الاجتماعية والسياسية، تجاه الأسئلة التي لا يستطيع الخصوم حلها. يقدم منبر الأزمنة الحديثة هذه الإمكانية لفريق التحرير ؛ إلى جانب جان بول سارتر، سيمون دي بوفوار، جان بويلون، جي بي بونتاليس وألفونس بونافي، لدى مرلوبونتي الفرصة لتحديد الموضوعات التي سيتم علاجها وكيفية الاقتراب منهم. تشير سرعة وطول التدخلات، خاصة بالمقارنة مع المتحدثين الآخرين، بالإضافة إلى هيكل الخطاب إلى أن مرلوبونتي كان يعد ملاحظات من أجل تقديم أفكاره بأوضح ما يمكن، من أجل توضيح أكبر قدر ممكن الوضع السياسي لعام 1947. ثم يحاول أن يمهد الطريق نحو الاشتراكية، في حين يبدو أن الديغولية تسود وتضع في عينيه سياسة مناهضة للشيوعية والطبقة العاملة بشكل واضح، يتم صد الحزب الشيوعي في المعارضة ويبدو أنه يقتصر عليها، وأن سفيوSFIO تبتعد عن الاشتراكية. يبدو أن اليسار بأكمله يرفض إرث الجبهة الشعبية والمقاومة، التي كانت قد حددت اتحاد اليسار، ومستقبل اشتراكي وتجديد سياسي لفرنسا. هل سمعت هذه المكالمات؟ على الأقل، تمت مراقبة العرض من قبل روبرت شومان، رئيس المجلس، بعد أن تم تسجيل ثمانية عروض فقط وبثت خمسة عروض. بالإضافة إلى هذه التدخلات، التي تتقاطع مع مناقشة المتعاونين معه في منبر الأزمنة الحديثة، سيتم تقديم الميكروفون مرلوبونتي  عدة مرات كجزء من عرض منبر باريس. حول مبحث موضعي، غالبًا ما يكون ردًا على حدث مستجد أو منشور، يتأكد المشرف من بدء مناقشة بين الضيوف والتدخل لضمان مكان للجميع وإعادتهم إلى الموضوع. مرلوبونتي، في كل مرة، ينتظر بصبر لبدء المحادثة، ثم ينقله إلى وجهة نظره، مما يجبر محاوريه على الرد عليه في نفس الوقت مع المشرف. إنه يعرف كيف يسيطر على محادثة ليس لفرض موقفه، بل لتغيير وجهة نظر وطرح السؤال نفسه بشكل مختلف.

من بين محاوريه، وجد العديد من المتعاونين معه، سابقًا أو حاضرًا: ريمون آرون، الذي شارك في إنشاء العصر الحديث. بيير هيرفي، الذي حاول لفترة طويلة تجديد الشيوعية الفرنسية ؛ ديفيد روست الذي شارك في فهم روح الحرب والفاشية ؛ الآباء الدومينيكان الذين عرفهم خلال مشاركته في مجموعات نقاش الإسبريت ؛ ماكس بول فوشيت، مدير مراجعة فونتين التي أعطت صوتًا لكتاب المقاومة وحيث نشر مرلو بونتي بعض مقالاته الأولى فور انتهاء الحرب ؛ أو جان كانابا الذي، مثل الكثيرين (ولا سيما دوسانتي) كان لفترة قريبة من سارتر ومرلوبونتي، ذهبوا نحو الحزب الشيوعي. بجانبهم ومعهم، وبفضل كل شيء مشترك بينهم، يطور مرلوبونتي تفكيرا في صعوبات تجديد الفكر، والتفكير الذي يمكن اتباعه حول مواضيع الشباب، والسريالية، ومعسكرات الاعتقال وكذلك الالتزام السياسي للكتاب وإنشاء وإنتاج المجلات الفكرية. في منبر باريس كما في المقابلات القليلة حول فلسفة أوائل الخمسينيات وفي المقابلات التي أجراها مع جورج شاربونييه، يجب على مرلوبونتي الإجابة على الأسئلة التي ليست له ومناقشة الموضوعات التي ليست في قلب عمله. وبالتالي، لدينا الفرصة للاستماع إلى ردود أفعاله على أسئلة الوقت، حول الموضوعات التي لديه رأي واضح فيها لكنه لا يشعر بالقدرة على التعبير عنها علنًا: غالبًا غير مريح، متردد، و في بعض الأحيان غامضا في إجاباته، فإن مرلوبونتي هو الذي يتكيف مع وقته بدلاً من محاولة تعديله بفائض من الفهم. يمكننا أن نسمع كل صعوبة الحوار: التنهدات، اللحظات التي يشعل فيها مرلو بونتي سيجارة، غضبه، إن لم يكن تعبه؛ ولكن لا يزال يشرح نفسه. الرساميون، حسب شاربونييه قبل كل شيء، يلعبون دورهم كمحاور، ليس فقط لجعل مرلوبونتي يتحدث، ولكن لجعله يخاطب الثقافة العامة، الأسئلة، المناقشات التي لا تدور بين الفلاسفة، ولكن داخل المجتمع. وبالتالي فإن هذه المقابلات تعمل على التحول الطوري فيما يتعلق بعمل مرلوبونتي، والأمر متروك له لإعادة صياغته، لإعادة ترتيب فيما يتعلق بأسئلة المرء. دون تردد، يعتبر مرلوبونتي مع ذلك أن هذه الأفكار والمواقف صحيحة وتستحق عرضها على الجمهور، حتى لو كان في سجل مختلف عن سجل الفلسفة.

"لقد تحدثنا مطولاً عن السياسة"

في كل مرة، يلتزم مرلوبونتي بالتدخل كفيلسوف. لا يتم التذرع بآرائه الشخصية وذكرياته وتفضيلاته إلا لتقديم أمثلة لفهم أوسع للموضوع والعودة إلى السجل الأعم لما يمكن أن تسهم به الفلسفة في السؤال والوضع. لأنه بمجرد توضيح الوضع، بمجرد اكتشاف الافتراضات المسبقة وفتح مسارات جديدة للعمل عن طريق التحليل الفلسفي، يبقى الخيار كاملاً ولا يمكن حتى اقتراحه بالفلسفة، والتي لا يمكنها إلا أن تقرر ما هو ممكن ومرجح. ومن ثم يعود الأمر لكل شخص أن يختار لنفسه، وفقًا لقيمه، على أساس هذه الحقيقة التي كشفت عنها الفلسفة. قدم ميرلو بونتي، في إحدى مساهماته في منبر الأزمنة الحديثة، الفلسفة على أنها "سلاح الحقيقة": مجرد معارضة الحقيقة للظلامية من السياسيين كانت كافية بالفعل لمهاجمتها واتخاذ إجراء مختلف تمامًا. سيتم تقديم منتدى جديد لمجموعة مرلوبونتي في عام 1953 ويقع إنشاء صحيفة الخبير  لتدعم حملة بيير مونداس فرانس ؛ بعد انضمامه إلى رئاسة المجلس، قدم جان جاك سيرفان شرايبر وفرانسواز جيرو وفريقهم توجهًا جديدًا للصحيفة. قام بتغيير صيغته مرة أخرى في عام 1955، عندما أصبحت الأسبوعية يومية لفترة الانتخابات التشريعية. خلال هذه الفترة القصيرة، تولى "منتدى" الخبير، الذي سمح لمندس فرنسا وشخصيات ميندي السياسية الأخرى بالرد على رسائل القراء. شكل جديد حيث تجيب الشخصيات العامة والمؤهلة على بعض الأسئلة. ظهر مرلو بونتي هناك كأستاذ للفلسفة في عهد فرنسا، وقبل كل شيء أجاب على أسئلة النظام السياسي أو الاجتماعي. كما سيتناول العديد من هذه المداخلات في "الكلمات" التي تنهي كتابه "علامات"، عن طريق محو آثار إجابة مباشرة على سؤال. يجب أن ننتبه لهذا المنبر، ولا نتفاجىء: كان مرلو بونتي عضوًا مهمًا في الحركة التي تدعم بيير مينداس فرانس وحيث قام بفرك الكتفين معه بالإضافة إلى فرانسوا ميتران وعدد من المثقفين (بما في ذلك ساوفي الذي نقل عنه في الخبير وفي مقابلات 1959). تبدأ هذه المشاركة في تكوين يسار جديد في فرنسا على الأقل من عام 1954 وتستمر، وفقًا للوثائق التي لدينا، على الأقل حتى عام 1959، بينما يساهم في المراجعة الانتقائية الخبير (يفعل لا يوجد إشارة أو أي أثر للتمزق). كما يشير في مقابلاته مع جورج شاربونييه إلى استنتاجه الشخصي، اختياره، في نهاية التطورات الفلسفية للإنسانية والإرهاب، المتعلقة بالحزب الراديكالي. وبالتالي، يبدو أن مشاركته في الخبير تتابع مشاركته في الأزمنة الحديثة  في حين لم تعد مسألة التعليق على الأحداث السياسية أثناء ظهورها، ولا لعب دور تحريري، تواصل مرلو بونتي تقديم مساهمة الفلسفة في توضيح الوضع الاجتماعي والسياسي .

وهكذا، إلى جانب تأملاته في السياسة، التي تهيمن على تدخلات مرلو بونتي الاذاعية، تمامًا كما تشكل الجزء الأكبر من النصوص التي نشرها بنفسه، نجد عددًا من التأملات في الفلسفة. بالنسبة إلى أندريه بارينود، يشرح أن كل الفلسفة ملتزمة وأن كل الفلسفة العظيمة لديها سياسة، لكن هذا الارتباط لا علاقة له بالأطراف أو بسهولة الوصول إلى الفكر الفلسفي. يوضح إلى جورج شاربونييه، الذي يسأله كثيرًا عن حياته المهنية وعن السياسة، بالتفصيل دور الفلسفة ووجودها في سجلات الكتابة الأخرى، والتقدم في موقفه تجاه الفلسفة، و سأل أخيرًا عن معنى بحثه الفلسفي منذ ذلك الحين كما يذكر مرتين، ثم يعمل على الكتابة التي نعرفها على أنها مرئية وغير مرئية. إذا كانت كتبه نادرًا ما يتم ذكرها - فقد تمت الإشارة إلى بنية السلوك وفنومينولوجيا الادراك الحسي والإنسانوية والإرهاب ومغامرات الديالكتيك - نرى هنا الكثير مما يحيط بها ويربطها. ينتهز مرلوبونتي هذه الفرص لتوضيح تفكيره، حول التحليل النفسي وحول مفهوم الوضعيات الصعبة - ولتعليمنا كيفية ممارسة الفلسفة. وهكذا نجد مرلوبونتي في حوار مع غير الفلاسفة، يتحدث إلى جمهور كبير، يجيب على أسئلة اليوم بدلاً من تلك التي تهمه أكثر مما يفكر فيه. يتم عكس وضع التعرض لحوارات أفلاطون والفلاسفة الذين يقلدونها هنا: الشخصيات الأخرى ليست ذرائع لصياغة الأفكار التي تم تطويرها بالفعل، وليست لحظات لمعرض تم تحديده مسبقًا، ولكن هناك العديد من الأسباب للتحدث، لاتخاذ موقف، لمعارضة، اقتراح، إلهام، للتفكير ... كما هو الحال بالفعل للفلاسفة الذين لا يستطيعون إلا أن يستمعوا ويستجيبوا آخر. بالطبع، ستكشف النصوص التي نقدمها هنا والتي هي نسخة من مداخلات مرلو بونتي في الإذاعة الفرنسية الكثير لقرائه والمعلقين. ولكن لديه أيضًا وقبل كل شيء الكثير ليقدمه لأي شخص مهتم بالفلسفة والمشكلات التي يتم تناولها خلال هذه المقابلات، وهي المشاكل التي تعلن عنها عناوين وترجمات هذه المجموعة. بما أنه حتى بدون التحدث في سجل فلسفي، فإن الأمر يتعلق بمسألة صنع الفلسفة، مرلو بونتي يعطينا التفكير في الطريقة التي نتعامل بها مع أنفسنا، في اختلافنا عن ماضينا وعن نوايانا. التي نتعامل معها ونفهمها ؛ التي نقوم من خلالها بتنفيذ مشاريع جماعية وإصدار أحكام بشأنها ؛ التي نحن جزء من واقع يقاومنا من خلال تقديم كل ما نحتاجه للعمل ؛ التي نبدعها ونخلقها بأنفسنا من خلال القيام بذلك ؛ وهو ما نفهمه اختلافنا عن الآخرين عندما نسافر، كما فعل مرلوبونتي في أفريقيا عام 1956 وفي مدغشقر عام 1957 ؛ وكيف نقترب من الطرق التي يمكن للآخرين أن يفعلوا بها ويفهموا الأساس، من الأدب إلى التحليل النفسي والفلسفة."

 

كاتب فلسفي

....................

المصادر:

Maurice Merleau-Ponty, Phénoménologie de la perception (1945), Paris, Gallimard, coll. « TEL », 1998, p. 407.

Maurice Merleau-Ponty, Causeries. 1948, établies et annotées par Stéphanie Ménasé, Seuil, coll. « Traces écrites », Paris, 2002.

الرابط:

https://editions-verdier.fr/wp-content/uploads/2016/09/extrait_entretiens_avec_charbonnier.pdf

 

محمود محمد علي"الممارسة عن طريق التعلم والتدريب"

نعود ونكمل حديثنا حول مفهوم العقلانية المضمرة عند ميشيل بولاني، وهنا يمكننا القول بأنه في ضوء ما سبق في المقال الأول يتضح لنا أن الكشف العلمي عند بولانى يقوم على المعرفة المضمرة القائمة على المهارة التي اكتسبناها بالممارسة عن طريق التعلم والتدريب ثم التلقائية التي تتمثل من خلال قوة الحدس، تلك القوة التى تمكن العاِلم من الإحساس بشكل مسبق بالمشكلة المطلوب حلها، وهذا الحل ينبثق فى لحظة ما في ذهن العاِلم . وفى هذا يذهب ريتشارد جيلويك Richard Gelwick فيقدم مثالاً من تاريخ العلم ليدلل على صحة مفهوم الكشف العلمي عند بولانى وهو اكتشاف ارشيميدس لقانون الأجسام الطافية والذي تولد من قصة التاج المخلوط بالفضة فيقول " طبقا لتاريخ العلم ارشميدس كان قد سأل ليعرف عما إذا كان تاج الملك مصنوع من الذهب أم أنه مخلوط من معادن أخرى غير الذهب . وبما أن التاج كان له شكل منتظم، فإنه من الصعب أن نقيس أو نقارن أجزاءه بأجزاء معادلة الذهب في أحد الأيام دخل ارشميدس الحمام فوجد أنه كلما غمر فيه جزء أكبر من جسده فاض الماء وتدفق من جوانب الحوض . وهنا صاح ارشميدس بصوت عالي " لقد وجدتها، " الوعي الأساسى لمشكلة وزن تاج الملك يتمثل في تلك الأيام التي شغلت المشكلة بال أرشميدس . وأما الوعي الثانوي فيتمثل حين دخل ارشميدس الحمام ووجد أن الماء يطفو كلما غمر ارشميدس جسده فيه . إن إكتشاف ارشميدس كان من خلال المعرفة المضمرة التي يلعب فيها الحدس دوراً كبيراً، إذ يتمثل في لمحة اشراقية تأتى من خلال الوعي الثانوي الذي يخدم توجهنا إلى تكامل الشكل المترابط . هذه الصورة يمكن أن تستخدم أيضا لتكون متجسدة تحت عنصر الذات والمتمثل في استخدام ارشميدس لتجربته الجسدية التي وجهته إلى اكتشافه الأكبر ".

وثمة عامل آخر مهم للمعرفة المضمرة يؤكد عليه بولانى، وهو أنها انتقالية Transitive ، بمعنى أننا ننتقل من مستوى واحد للواقع إلى مستوى أكثر تعقيدا ًمعنى، خاصة وأن العاَلم يواجهنا بمجموعة واسعة من المستويات المختلفة، وهى مستويات متشابكة من الواقع والعقلانية جميعها تتطلب منا بأن نلتزم بها كما نعرفها.

ويؤكد بولانى أن هذا الأساس الابستمولوجى للتدرج Stratification يقوم على أن العديد من رؤانا العقلانية تمثل بنيات Structures منظمة ندرك من خلال المبادئ الأساسية للعمل والوظيفة والغرض أو النظام . إن مكانة هذه المبادئ تعد مسألة اختيار ابستمولوجى للمستوى الذي ننظر إليه ولكن بشكل جوهري و يتمثل في عدم قابلية الاختزال الانطولوجى Ontological       Irreducibility لأجزاء القوانين المؤتلفة للمستوي الأدنى من تلك المبادئ المنظمة التي يمكن ملاحظتها.

وسواء كانت الأجزاء كما يرى بولانى محل الاعتبار ذرات أو أذرع أو تروس أو قطع من الكمبيوتر أو عضلات حيوانية، فإن سلوك كل منهما يتم وصفه بقوانين يمكن صياغتها بعمومية كافية، بحيث أنها تغطى أي ظرف يمكن أن يؤدى فيه الجزء وظيفته بدون فقدان تفرده.

ومن ناحية أخرى يرى بولانى أن وصف سلوك أي مجموعة أجزاء معطاه في ظروف معينة يحتاج معلومات ليس فقط عن هذه القوانين، ولكن عن التطبيق المجدد لها، أي أننا بحاجة إلى معلومات عن الظروف المبدئية والمحيطة وعن تحديد الأرقام والترتيبات والعناصر الأخرى التي يسميها بولانى " تحكم طرفى " Marginal Control . وهذا التحكم الطرفى هو الذي يحدد مجموعة من القطع الصغيرة للكمبيوتر أو البلورات السائلة التي تشكل ساعة أو آلة حاسبة أو جهاز تحكم أو الشيء الذي لا يفعل أي شئ مطلقاً .

إن النقطة الأساسية التي يريد بولانى أن يؤكد عليها هنا كما يقول هو أن مبادئ التنظيم العقلاني للشيء هى عبارة عن قوانين معينة للتحكم الطرفى التي يتم استبعادها منطقياً من القوانين العامة للأجزاء . إن أجزاء أي شئ تتكون غالباً من أجزاء أصغر، وهكذا فإن قوانينها العامة تصبح محكاً طرفياً بالنسبة للعناصر الأصغر، وهكذا فإن الكينونةEntity محل النقاش قد تصبح ذات وظيفة كجزء له كينونة أكثر حجماً ومنطقية وتعقيداً.

وهنا يشير بولانى إلى مبدأ الترتيب أو النظام أو العمل لأي كينونة معطاة بالحرف P والقوانين التي تحكم أيا من أجزائها بالحرفQ ، ثم يصف بولانى العلاقة بين الكل والأجزاء على النحو التالي : كل ما ينتمي إلى Q يعد ضرورياً ولكن ليس كافيا لكل ما ينتمي إلى P، والعقلانية التي تكون عن طريق الآلة أو الوظائف الآلية شبه الحيوانية لا تصبح بينه Evident بالعملية النظرية للاختزالية Reduction والتي تنحى مبادئ التحكم الطرفى جانباً باعتبارها ليست قوة توضيحية، ولكنها بالأحرى تصيغ قوانين التحكم الطرفى بغرض التصميم لأي اختراع إنساني أو الوظيفة الإجرائية للكائن الحي .

ويؤكد بولانى في نظرته المتدرجة أن العاَلم يتكون من تسلسل هرمي متداخل ضخم من الأشياء والأحداث والأفكار المنظمة، بما في ذلك وبشكل أكثر تحديداً التنوع الواسع من منتجات الثقافة، وفى قاع التسلسل الهرمي تقع الناحية الخاصة بأجزاء الفيزياء . والكيانات المعينة هنا تعد قليلة في النوع، إذ أنها توجد بأعداد كبيرة، بحيث أن العموميات واسعة التطبيق للصيغة البديهية تكون المادة الطبيعة . ولكن عندما نصعد إلى أعلى معدل التعقيد نجد أن العناصر تصبح أكثر وأكثر اتساقاً بأفراد أقل وأقل من أي نوع معطى، بحيث يصبح النوع العقلاني من العمومية في الفيزياء أقل وأقل فائدة، وتصبح محددات التعقيد المنظم هى وسيلة الفهم.

ولم يكتف بولانى بذلك، بل يؤكد على أن التنوع الواسع للكيانات والبنيات تجد لها انعكاساً في التنوع الواسع للعلوم، ونجد أن العلاقات المتداخلة للكيانات تتفق مع الطبيعة المتداخلة للعلوم ؛ وهناك نقطة يؤكد عليها بولانى في التسلسل الهرمي بكل ما ينتمي إلى Q وكل ما ينتمي إلى P، وهى أن أي جزء من الـ Pقد يتضمن درجة عالية أو منخفضة من الحتمية عن الأجزاء التي تنتمي إلى الـ Q ؛ وفى فقرة أخرى يؤكد بولانى على أن المستويات الأعلى لما هو بشرى تتضمن حرية وإبداعية أكثر مما تقدم محددات الآلات الحية لأجسامنا، ومن ناحية أخرى نجد أن الكمبيوتر لديه حتمية أبعد بكثير مما يمكن أن نراه في مستوى هايزنبرج Heiselberg Level الخاص بالإلكترونات شبه الموجيةWave-Like Electrons التي يتم استخدامها في الكمبيوتر.

وهنا يريد بولانى أن يصل إلى حقيقة هامة، يؤكد عليها في كتابه العلم والإيمان والمجتمع، وهى أنه ليس بإمكان رجل العلم أن يجد عن طريق التجربة أكثر من تفاعل ضئيل للمعلومات التي يستخدمها في البحث . لذا فإنه من الضروري أن يكون رجل العلم عضواً في برنامج البحث، وعلى المجتمع العلمي أن يقدم الاتصال المطلوب لمثل هذه المجموعات المنظمة، وأن يشكل نظاماً للنشر والاتصالات الأخرى من خلال تقديم المعلومات الموثوق بها .

ومن ناحية أخرى يرى بولانى أن هناك جانب شخصى أخر للمعرفة يتمثل فى أن الطبيعة المتداخلة للعلوم تقود إلى شبكة ضخمه للرأي العلمى الخاضع للحكم النقدي والذي يؤكد على المعايير التعديلية المستمرة لكل الأنظمة، ومن النادر اختبار نتيجة منشورة عن طريق التكرار، حيث أن المعيار الذي يجعل الباحث أو المحكمين الملائمين اعتبار شيئاً ما على أنه اكتشافاً حقيقياً تعد نفس المعيار عن طريق التحقق Verification؛ حيث أن المنشورات المقبولة تحمل بشكل عام دلالات التحقق الكافي . فكل نتيجة تملأ بمعنى معين فراغاً في نسيج العلم المتنامى واحدة من الأنماط الهامة للعقلانية هي منطقية الترابطات المكتشفة حديثاً بذلك النسيج جزءاً من الارتباط العام للأشياء .

وهنا نجد بولانى يؤكد على أن التجديد والاكتشاف في العلم عادة ما يستمر من خلال اختيار مشكلات جديدة، التي يمكن أن نحددها أو نشخصها على أنها فجوات للبحث، والتي تظهر على حافة هذا النسيج المتنامى بشكل مستمر للتفكير العلمي . إن المعرفة المضمرة في الحكم على المشكلة لكونها مشكلة جيدة تتضمن تكاملاً للنتائج المعروفة في الجزء القريب من النسيج مع المواد المتاحة والمهارات الخاصة للباحث، وكل ذلك يقع في بؤرة التركيز على ما هو معروف كما هو الحال عند محاولة النظر من خلال النظارات المعكوسة إذ تظهر معالم أكثر وتتجلى النتيجة الجديدة، ويتضح ذلك بشكل عقلانى، ولكن في الغالب يبدو مختلفاً عن التخمين المبدأى الغامض، وتعد عملية البحث والاكتشاف السمة العامة في الطريقة التي توجد بها العقلانية في العاَلم الواقعى، كما تعد برامج البحث ذات رؤى تتم مشاركتها من خلال مجموعات صغيرة من العلماء يلاحظون جوانب الواقع التي تلهمهم بتتابع ثابت من المشكلات الجيدة .

وثمة نقطة أخرى جديرة بالإشارة في نظرية المعرفة المضمرة والتي تعد شخصية بشكل عميق وهو ما يسميه بولانى " برنامج موثوق بهfiduciary programme . وهى مشكلة قبول المعتقدات الغير مثبته والتي تحاول العقلانية النقدية عند بوبر التخلص منها . وهنا نجد أن بولانى يصر على قبول تلك المعتقدات مؤكداً : " أننا لو اعتبرنا تلك الحجج التي تقول بأن شخصاً ما قد يستخدم في تقريره العلمي لما يعتقده من نتائج، وتلك الحجج التي تقول بأن السلطات العلمية تستجيب لحالة الفن في ميادينها الخاصة لوجدنا أنها تقوم على عدد من المعتقدات التي نستقيها من ثقافتنا عن طريق الإدراك الحسي، إلا أن أساس معتقداتنا المثبتة التي نعتقد أنها مثبته ليست مثبته في حد ذاتها، إنها أمور يمكن الشك فيها إدراكياً من خلال العقل، ومع ذلك فنحن لا نشك فيها واقعياً على أساس أنها تمثل عناصر نثق فيها ونلتزم بها " .

ويبرر بولانى ذلك فيقول: " على سبيل المثال نحن نعتقد أننا نعيش في عالم حقيقي يمكننا الاتصال به، ونعتقد أن قوانا العقلية كافية لخلق معنى لخبراتنا، وأنه من الصادق أن نستخدم مصطلحات معاييرنا المتبناه عن العقلانية . نحن نعتقد أن العلماء قادرون على تتبع دوافعهم فى تقصى الكشف، كما نعتقد أن انفعالاتنا المشتركة عن الجمال والتألق والترابط والصدق هي عبارة عن توجيهات جديرة بالثقة، كما نعتقد أيضا أن إطار العمل التفسيري المتجسد فى لغتنا هو إطار عمل حقيقي، وأن الغالبية العظمى لنتائج البحث العلمي تكون صادقة . وبالتالي فإننا نؤمن بأنه يمكننا أن ندرك المنطق الصحيح والتطبيقات الهندسية ووجود النظام ووجود العشوائية الإحصائية فى العالم الفيزيائي . وأود أن أضيف اقتناعي الخاص بأن العلماء فى إمكانهم تنظيم المستجدات التي تطرأ عليهم والتي تعد أحدث حقيقة وليست عرضه للتفسير العقلاني .

وهنا نتساءل إذا كانت كل تأكيدات الحقيقة عند بولانى معتمدة على المعتقدات غير المثبتة فكيف يتسنى للمعرفة أن توجد؟ هل نحن مضطرون إلى أن نرضى بمجرد الاعتقاد معتمدين فى ذلك على التفضيلات الخاصة للفرد؟ وهل من الممكن أن تكون هناك اتصالات حقيقة بالواقع والتي يتم تأكيدها وقبولها على أنها صادقه؟

يرى بولانى أن المعرفة تنسيقاً خاصاً لمعتقدات يمتلكها أفراد وتقع داخل عقولهم وأدمغتهم . ومن المؤكد أن هذه الوجهة من النظر تجد دعماً لها فى الحس المشترك. فإذا قلت " إنني أعرف تاريخ كتابتي لهذه الفقرة ولكنك لا تعرفها أنت "، فأنى أستند هنا على شئ يدخل جزءاً فى معتقداتي، ويغيب عن فكرك أو دماغك. وإذا ما سألتك " هل تعرف القانون الأول من قوانين الحركة عند نيوتن " فإن سؤالي ينصب على ما هو مألوف لديك أنت كشخص . ومن الواضح أن التأكيد الشخصي هو كل ما يتوفر لدينا، وحيث أن كل شخص لديه مخاطرة الوقوع فى الخطأ، فإن شكل القبول لا يمكن أن يكون إلا إلتزاماً . وفى الالتزام يعتمد الشخص على كل الدلائل المتاحة التي تقترح أن ما يتم إدراكه فى القطب العالمي هو الصدق إتصالاً بالواقع . وإذا افترضنا إمكانية وقوع الشخص فى الخطأ، فإننا نخلص إلى أن الوقت قد حان لنكف عن الشك ونقبل المعرفة ونعيش من خلالها مضيفين إلى المخزون الشخصي لمعرفة الشخص والتي يثق الفرد فيها بوجوده العقلي .

وعند إدراكه يبدو وجود مجموعة من المعتقدات غير المثبتة والتي يكمن خلف الالتزام ليهدد اقتناعات الشخص بالحقيقة . وهنا تكشف النسبوية الثقافية Cultural Relativism عن نفسها لتعلن هل الشخص قد وصل إلى المادة من ثقافته المختلفة، وإذا ما أراد الشخص أن يبدى رغبته فى أبعاد الشكوك التي قد ظهرت، فإن الشخص يحاول أن يدرك وجود نقطه وقوف يستطيع عندها أن يقارن إطار عملنا الغربي للاعتقاد بإطار عمل آسيوي أو أفريقي، وسيحاول الشخص فى هذه المقارنة أن يصدر أحكاماً عن مثل هذه الأمور كمسألة للعقلانية. وفى الحال يرجع الفرد للوراء للتقاليد الغربية التي لها مفهوم معّرف جيداً عن العقلانية ومعايير إدراك إنكارها، وفى الواقع ليس بمقدور الشخص أن يجد مكاناً يبدأ منه ليسمح له بالوصول إلى إطار مختلف للإشارة إليه، وذلك لأن البحث محكوم على نحو مضمر من خلال المعتقدات التي تجعل الشخص ينشد أساساً أكثر ثباتاً لمفهوم الصدق عند الشخص .

ويخلص بولانى إلى أنه لا يوجد أحد هنا إلا نحن بنو البشر القابلون للوقوع فى الخطأ، والذي نبذل أقصى ما عندنا لاكتشاف الواقع، واستكشاف العقلانية ونحن مقتنعين أنه على الرغم من مخاطر الوقوع فى الخطأ، فإننا نقوم بفعل جيد.

باختصار، إن مفهوم العقلانية المضمرة عند بولانى يقوم على الفكر التكاملي كوسيلة يمكن للأشخاص من خلالها إدراك العقلانية فى الطبيعة . إن مفهوم الكون غير القابل للرد عند بولانى يوحي بأنه توجد أنواع جديدة من العقلانية المعروفة فى العلوم المختلفة والموجودة بشكل لا حصر له الاكتشاف، وهناك قائمة طويلة من الأنماط الخاصة يحصيها بولانى تشمل : الأنساق الاستنباطية فى الرياضيات والأنساق المعنية بالكيانات الأساسية فى الفيزياء والأنساق الهندسية مثل الفيزياء البللورية والكيمياء العضوية والأنساق الوظيفية التركيبية فى الجيولوجيا ذات الصلة بالأنواع العديدة من المبادئ التنظيمية والتدريجية والتشغلية والعديد من الأنظمة المعقدة من التفكير والعلاقة والفعل فى العلوم الاجتماعية وبشكل عام تماماً ملء الفراغات فى الحافة المتنامية دائماً فى شبكة العلم . إن أمثلة العقلانية فى الطبيعة هي النوع الذي يرخى الانفعالات العقلية للعلماء والباحثين ويقوى إيمانهم بأن هناك إمداد متواصل لا يتوقف للعديد من الحالات التي يمكن إيجادها . وبالتالي فإن مفهوم بولانى لما هو شخصي يمثل عبوراً للفجوة بين ما هو ذاتي وما هو موضوعي يعد ممثلاً فى كل حالة من حالات الكشف العلمى على حد تعبير وليم سكوت .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

علي محمد اليوسفتقديم: الرسالة المنطقية الفلسفية لفينجشتين (1889 – 1951) التي حصل بها على شهادة الدكتوراة من جامعة كامبريدج عام 1930، وكتب بيرتراند راسل مقدمة لها، كانت تقريبا المؤلف الوحيد لفينجشتين في حياته، وكتبت عنها مقالات وبحوث عديدة لعل من أبرزها ملاحظات زميله في كامبريدج عليها فرانك رامزي (1903 – 1936)، وكان عالم رياضيات مرموقا توفي عن عمر 26 عاما. بيّن رامزي العديد من الاخطاء في الرسالة التي أعترف بها فينجشتين وحاول تداركها في مؤلفه الثاني (تحقيقات فلسفية).كما كان لرامزي دور كبير في ترجمة الرسالة الى الانكليزية بعد اشراف كلا من راسل ومور عليها اكاديميا في منح شهادة الدكتوراة لفينجشتين عنها.

أبرز تلك الملاحظات لرامزي وردت في أجابة جون سيرل حول تساؤل رامزي كيف تخلص فينجشتين من مطب الصورة التمثلية اللغوية المجردة في فهم العالم، فقال سيرل أن فينجشتين تخلص من هذه النمطية اللغوية باعتباره لاحقا اللغة كائن حي بقاءه الحقيقي في مجرى التعبير عن الحياة ... ولم يؤخذ هذا الاستدراك الفلسفي الهام على محمل الجد لدى فلاسفة اللغة ونظرية المعنى الذين اوغلوا في ترسيخ قطيعة اللغة مع نظام الحياة ولم يأخذوا كغيرهم حقيقة اللغة أبرز ظاهرة أجتماعية وانثروبولوجية تاريخية في حياة الانسان وصنع مستقبله.

بعد نشر الرسالة بدعم من ترجمة رامزي لها الى الانكليزية، وراسل في كتابته لمقدمتها حدثت ضجّة كبيرة حولها، ابرزها كان تاثير الرسالة على الوضعية المنطقية وفلسفة التحليل في حلقتي فينا في النمسا وحلقة اكسفورد في بريطانيا. الرسالة كتبت باسلوب منطقي معقد يقترب من الرياضيات كثيرا، ومرتكزها لم يكن فلسفة اللغة وتحليل المعنى التي جاءت في أعقاب الرسالة زمنيا على ايدي فلاسفة بنيويين وتفكيكيين وتحليليين وغيرهم، وأنما هي أعتمدت نظرية الذرات في تكوين العالم التي ترجع اصولها الى ديمقريطس وليوقيوس،.

بالحقيقة أسرع واقول هذه الورقة هي نقد فلسفة اللغة ونظرية المعنى بضوء خلفية ومرجعية رسالة فينجشتين لما كان لها من تاثير على فلسفة اللغة عموما منذ ما بعد منتصف القرن العشرين التي أعقبت الرسالة في الثيمة البحثية الفلسفية فلسفة المعنى في التحول اللغوي كفلسفة اولى في القرن العشرين.

وأعتمدت كعادتي عبارات من كتاب جمال حمود فلسفة اللغة عند لودفيج فينجشتين مصدرا وحيدا في عرض افكار الرسالة التي كانت كما ذكرته تمهيدا لظهور وهيمنة فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات والمعنى كفلسفة اولى في القرن العشرين والى اليوم. ومن الجدير ذكره أن استاذ الفلسفة المصري عزمي اسلام هو صاحب اول ترجمة للرسالة الى العربية التي صدرت عن جامعة الكويت.

اشكالية  اللغة

في رسالة شخصية من فينجشتين يخاطب بها براتراند راسل معتبرا (المشكلة الاكبر في الفلسفة هو بين ما يمكن أن يقال وبين ما يمكن اظهاره)1 أي التضاد بين ما تسكت وتعجز اللغة التعبير عنه وبين ما تستطيعه اللغة اظهاره تعبيرا واضحا والا كان الصمت أجدى وأنفع.

وكل ما يمكن أن تقوله اللغة وتستطيعه حسب فينجشتاين هو أظهار الجانب السلبي في القضايا على حقيقتها، وبحسب تحذيره أيضا أن اللغة آخر الحقائق التي يمكننا التسليم بها والوثوق بصدقيتها التي هي دائما ما تكون تعبيرا عن زيف دفين غير معلن لا تستوعب اللغة صدقيته الفكرية الصادرة عن العقل.

واللغة بناء عليه حسب فينجشتين لا تستحق الثقة لا بالاظهار والافصاح عن الجانب الايجابي كما يرغبه بيرس، الذي تعجز اللغة عنه لأنه في حقيقته تعبيرلغوي زائف عن قضية غير موجودة، بل الصمت في المعنى المدّخر الذي لا تبيحه اللغة في القول هو ايضا في حقيقته صمت زائف مكبوت في تفكير الذهن لا مجال عقلي يبيحه للغة التعبير عنه. بمعنى الصمت تفكير عقلي لا تمتلك زمامه اللغة.

فبأي معنى نريد اللغة الخائنة سلفا كما ينعتها فينجشتين التعبير الاظهاري الذي نرضى عنه؟ وهل أصبحت اللغة عدا مهمتها التواصلية لا معنى مفهوميا مستقلا  لها؟ نحاول الاجابة عن بعض هذه التساؤلات.

خيانة اللغة أم عجز تفكيرالعقل؟

بوجيز العبارة الفلسفية المباشرة التي تبتعد عن تعبير المنطق الفلسفي عند فينجشتين بأسلوب العلامات الرياضية والمعادلات الفيزيائية التي يرغبها ويفضّلها راسل، يمكننا تبسيط العبارة بما يسمح لنا الفهم الفلسفي، أن تعبير اللغة هو تعبير التباسي وقاصر من حيث الابانة بوضوح تام عن المقصود الدلالي في تعبير اللغة عنه.

وهذا القصور التعبيري ليس سببه تقصير اللغة بالمعنى الذي يجعل المتراكم من البحث عن الاظهار الحقيقي في ملاحقة المعنى التعبيري اللغوي يزداد ويتضخم على حساب أضاعة أبراز الوضوح الاظهاري في اللغة الذي يبقى ملازما غامضا دوما مستقرا في أعماق اللغة غيرالمكتملة من جنبة توصيل المعنى التام الذي يقفل أضافات التاويل في حال امكانية التحقق لوصوله لغويا.

وهذا الطموح اللغوي في تمام الاظهار للقضية أو للشيء غير وارد تحققه فعليا فاللغة خارج التعبير بالكلمات الشيئية تبقى مشروع مفتوح النهايات غير مكتمل المعنى والوضوح، فاللغة بنية تراكمية تأويلية من تعدد القراءات التداولية في البحث عن مرحلة أقفال المعنى بلا جدوى كون حقيقة اللغة حركة من التغيير التطوري المستمر في البحث عن معنى الوجود بوسيلة اللغة وليس البحث في معنى اللغة في تغييب تكامل تعبير اللغة عن الواقع.. فهم الواقع ليس في أدراكه ومعرفته عقليا بل في التعبير اللغوي عنه تجريديا بوضوح...

التضاد بين ثنائية ما يجب أن يقال لغويا وبين ما يمكن أظهاره دلاليا هو أولا وأخيرا قائم على ازدواجية اللغة في التعبير القاصر غير المقصود (شكلا ومحتوى) لغويا تجريديا. فالمتعذر أظهار اللغة له يكون مدّخرا أجباريا مضمونيا لقراءات تداولية تعبيرية لاحقة له على الدوام بما يدعى القراءة المتجددة في حفريات المعرفة التاويلية وملاحقة فائض المعنى المسكوت التعبير عنه.(البنيوية، التفكيكية، التأويلية ). وهنا يكون الادخار الاجباري في مضمون الفكر وليس في شكل تعبير اللغة.

اللغة الاظهارية للقضايا الايجابية المطلوبة غير الملتبسة اشكاليا بين الشكل المنجز والادخار غير المعلن المسكوت عنه مضمونا في محاولة التعبير بوضوح هي ليست فعلا ما يقال وأنما الحقيقة المصادرة هي عجز تعبير اللغة عما يجب أن يقال بوضوح قصدي دلالي تام المعنى مرجعيته تفكير العقل وليس مرجعيته تعبير اللغة. وتعدد القراءات التعاقبية المتتالية حول نص أو قضية هو قصدية تعبيرية في البحث عن المعنى الضائع في ثنايا عجز تعبير القراءة الاولى لنص أو خطاب في غياب الوضوح التام عند المتلقي.

والوضوح اللغوي التعبيري الذي يشترطه فينجشتين كي لا نقع في وجوب الصمت الاكثر أثمارا من ناحية عدم تحميل الكلام او لغة التعبير حمولة الالتباس الغامض الذي لا تضع تاويلات القراءات اللاحقة عليه حدا له. هو في مطالبة تعبير اللغة تحقيق الوضوح الذي هو تطابق تماثلي فيما يتم التعبير عنه بالكلمات الذي يتوجب أن يكون أظهارا لما يجب أن يكون وليس ادخارا مغيبّا غير مقصود لما كان يراد قوله ولم يحصل، بل بما قيل وانتهى وأصبح خطابا مقروءا أو كلاما شفاهيا منطوقا.. .

بهذا الفهم يوضع حد للمتراكم في ناتج القراءات لما تضيفه من تاويلات في ملاحقة المعنى. وعدم الوضوح هو بمعنى وآخر توقف التفكير في البحث عن ايجاد لغة تماثلية تامة التطابق تجعل من تعدد نقد المعنى في اللغة تقف عند حدودها قبل الانزلاق نحو التعبير الغامض أو التعبير الملتبس الذي لا يمتلك معنى واضحا على الدوام بما يستثيره من تداعيات الاضافات الاستقبالية في عملية التلقي. اللغة فضاء لانهائي غير محدود مفتوح على جميع آفاق تعدد القراءات التجديدية له شكلا ومضمونا. يمكننا الاستطراد هنا قليلا الى أن عبقرية اللغة هو في شكل تعبيرها، وعبقرية العقل بانجاز التفكير المضموني المطلوب تعبير اللغة عنه.

بيرس والخطاب الايجابي

في كتاب رسالة فينجشتين الفلسفية المنطقية يردد بأصرار (أن عدم الثقة في اللغة أو في النحو هو أول ضرورات التفلسف) 2، وهو ما عبّر عنه بيرس بالخطاب الايجابي الذي يقوم على نظرية القول والاظهار في نظرية المعنى واللامعنى.. من جهة أن اللغة تحاول رسم حدود المعنى في اللغة، وبالنتيجة هي ترسم حدود اللامعنى في اللغة على حد تعبير فينجشتين في تشاؤمه من تعبير اللغة.

محاولة رسم حدود المعنى في اللغة هو الوصول الى الوضوح التام الذي يتطابق فيه اللفظ مع مدلوله الشيئي، هو لا معنى ادخاري مطلوب مضموني يتجاوز اللغة عجزا تفكيريا التعبير عنه افصاحا، أي وصول اللغة مرحلة مطالبة فينجشتين أن كل ما يمكن قوله يمكن قوله بوضوح وما لا يمكن قوله يتوجب الصمت عنه. وفي هذا التعبير ليس حلا للمشكلة وأنما هو ارجاء مقصود في الهروب الى امام مهمة البحث عن حل.

تعبير اللغة وضوحا هو أقفال للمعنى في حدود لا امكانية تاويل لاحق يتعقبه باستمرار وهو ما يتنافى مع طبيعة حركة وتغيرات اللغة على أنها تعبير ادخاري في عدم الوضوح والابانة التامة عن المعنى، فاللغة كيان نسقي نظامي غير مكتمل في كل تعبير يقصده ولن يكون غير كذلك تتابعيا لأن اللغة ظاهرة انثروبولوجية حركية متطورة ملازمة للانسان لا تتسم بالثبات الزائف، واللغة هي عجز تعبيري دائم يحتاج اضافات متتالية وحمّالة أوجه في التلقي والتفسير.فالاظهار المتطابق لغويا في عالم الاشياء يوتوبيا لا يمكنها التحقق على مستوى تعبير اللغة عن خطاب، لكنها مسألة بديهية جدا تحققها على مستوى الكلمة المفردة في تعبيرها الشيئي. كان نقول الحصان، الانسان، الزهرة وهكذا.

وعجز اللغة عن الوضوح القصدي التام هذا مستمد من عجز تفكير العقل الاحاطة بالموجودات المعبر عنها لغويا الذي من المفروض به يكون تفكيرا واضحا متكاملا مقفلا على المعنى وهو ما تعجز اللغة التعبيرعنه باستمرار على خلفية تفكك وضبابية وغموض المعنى بالذهن التفكيري قبل التعبير اللغوي. فالتفكير هو مضمون عقلي ناقص تاويلي دوما واللغة شكل عبقري في التعبير عن مضمون التفكير العقلي.

ماذا يعني الوضوح في معنى تعبير اللغة عن القضايا وموجودات الطبيعة والحياة؟ هل الوضوح هو المباشرة التقليدية التي نفهمها مع ملازمة ابجدية اللغة، في مطابقة الكلام أو الكلمات مع شيئية وجود الموجودات في عالم الاشياء دالا ومدلولا؟ أم أن الوضوح الفلسفي المطلوب لغويا منطقيا يكون في نسق نظام اللغة الداخلي كتفكير قبل أفصاحه عن مطابقته تفكير اللغة مع الواقع كموجودات؟ علما أن النسق اللغوي هو نظام داخلي تختص به اللغة في التوازي مع الواقع وليس في التقاطع والاحتدام به بغية تنظيمه كما تروّج له التفكيكية ومن قبلها البنيوية في فلسفة اللغة والمعنى.

فنظرية المعنى في فلسفة اللغة التي تطورت بدءا من الفلسفة البنيوية ثم التفكيكية وتلتها التحليلية والتاويلية جميعها بلورت هذا المعنى الشاذ في ترسيخ توازي اللغة مع الواقع وليس التقاطع التغييري به تماشيا مع ما بعد الحداثة التي اكدت وجوب تجاوز المرجعيات الميتافيزيقية العقل، الانسان، الواقع، السرديات الكبرى (الايديولوجيا السياسية، وايديولوجيا ولاهوت الاديان) وغيرها في أعتماد مركزية فهمنا عالمنا الحالي تحليلا لغويا أنما مكمنه في معنى اللغة فقط بمعزل عن فهمنا الواقع بدلالة اللغة..

معنى الكلمة التي لا تحتاج أضافة معنى لاحق عليها هو حالة المطابقة بين المفردة مع دلالة وشيئية الشيء المعني به التعبير مثل قولنا هذا قلم  وتلك شجرة وهذا رجل وتلك بقرة وهكذا. وحتى الوضوح التعبيري عن الشيئية المقفل المعنى يصبح مشروع اضافة غير مكتمل معناه، فنحن نستطيع التعبير عن القلم بما لاحصر له من عبارات وجمل تحمل معاني اضافية ملحقة لأي مفردة لغوية شيئية نعتبر اقفال المعنى بها كاملا. مثل ناولني القلم، والقلم موجود جانب الكتاب وهكذا ألوف الجمل والعبارات...أذن الكلمات الشيئية التعبيرية لغويا لا تمثل نظاما لغويا بل دلالة شيئية مقطوعة مقفلة على دلالة معينة لكلمة بذاتها لا غيرها. فالكلمة الشيئية لا تحتاج اضافة تفسيرية لها، لكن تعبير اللغة على مستوى الخطاب أو النص هو ما يحتاج اعادة تكرار المعنى فيه.

صمت اللغة والهروب الى امام

وبأي معنى معياري يكون الصمت هو وقاية حقيقية عندما نعجز التعبير بوضوح خوفا من الانزلاق اللغوي في قول ما لا يجب أن يقال عن أشياء لا تعطينا اللغة معناها كما يدعونا له فينجشتين؟ اللغة لا تسبق موضوعها ولا تتقدمه لذا يكون التطابق بين دال ومدلول هو الذي يقفل المعنى المقصود في محاولة قطع دابر قابلية الاضافة التاويلية للمعنى، فالذي يحدد المعنى تكون مرجعيته وجود الاشياء، وليس مرجعيته معنى اللغة في تطويعها الكلمة لمعنى ما تلفظه كلاما وتعبيرا لغويا. والقضايا الحقيقية هي فقط تلك التي تظهر اشياء تفرزها اللغة على أنها زائفة هي (تركيبة من العلامات اللغوية التي توهمنا عما يمكننا اظهاره، والقضايا الزائفة هي تلك التي بعد تحليلها تظل تظهر ما يجب أن تقوله اللغة)3.

من البديهي أن كل ماهو زائف لا يجعل التحليل المضاف عليه منه حقيقة صادقة لاحقا. فالتحليل هو اضافة لمعنى مجرد وليس اضافة تركيبية خصائصية ماهوية للاشياء، ولا كل حقيقة صادقة يمكن أن يجعل منها التحليل بالضرورة زيفا كما في تعبير عبارة فينجشتين المار ذكرها أعلاه.

التحليل اللغوي هو تلاعب في المعنى كصفات ولا يتداخل في منح القضايا التحليلية حقيقة مغايرة لما هي عليه كجوهر وماهية لا يغيّرها معنى اللغة بل تغيّرها جدلية التضادات التي تعتمل بها داخليا وخارجيا موضوعيا كعوامل تسريع التضاد الجدلي الداخلي في الاشياء.

في تعبير فينجشتين (القضايا الحقيقية هي فقط تلك التي تظهر شيئا آخر غير ما تقوله)4، تشير أن مخاتلة اللغة في التضليل ليست عملية تفكير مقصودة بالذهن بل هي عملية قصور عفوي في تعبير اللغة عن المعنى، ولا يصل الحد الى أن ما هو حقيقي هو الذي لا تعبّر عنه اللغة بصدقية تمثله. أي لا يتطابق تعبير اللغة مع شيئيته الحقيقية كجوهر لوجود مادي متعين أو موضوع خيالي مدرك.

يمكننا تمرير حقيقة أن الزيف قرين اللغة فلسفيا فقط وكذا هو الصدق الحقيقي ايضا والا ضاعت معايير الفرز بين أي من الاثنين نركن اليه تعبيرا حقيقيا والاخر زائفا؟ في أبسط تعبير لدي سوسير أن اللغة وعاء الفكر، ولم يقل اللغة تعبير ملزم للغة التعبير عما هو زائف على أنه جوهر حقيقي في مقصودية تضليلنا.

هذه مخاتلة في التعبير مستمدة عن مخاتلة وتضليل اللغة التي نصنعها نحن تداوليا لاحقا وليس تضليل اللغة التي وجدناها مصنوعة تأتينا استقباليا في نص او خطاب او في كلام نتيجة صادرة عن الذهن.

تضليل اللغة للمعنى يتأتى لاحقا مضافا من خارج مستخدمي اللغة كوسيلة استعمال ادراكي ولا يتأتى تضليل اللغة كما هو مشاع متفشي من داخلها كنظام معرفي في البحث عن المعنى في نظام اللغة وليس معنى اللغة في تعبيرها عن فهم العالم الخارجي.

نحن نجعل من وضوح ما تعّبر عنه اللغة (لعبة) نتعامل معها أنها تمتلك القدرة المطلقة في التعبير الايجابي الذي قصده بيرس عن القضايا التي يمكننا الركون لها في التسليم بها.، فالقصور الذاتي هو في تفكير اللغة كمضمون افصاحي وليس القصور في شكل اللغة كتعبير فكري يكون فيه التمفصّل الذي ينفرز به الزائف عن الحقيقي، والاضافات المعمقة لهذا الازدواج هو على عاتق ومسؤولية المتلقي مستخدم اللغة وليس على عاتق أدانة تعبير اللغة الاستقبالي ...

وفي قول فينجشتين القضايا الحقيقية هي فقط تلك التي تظهرها اللغة على غير حقيقتها فيما تقوله عنها، فهو تدليس فلسفي في محاولة تمرير مغالطة لا معنى لها أن تعبير اللغة التي لا يجب الوثوق بها حسب تحذيره، هو أن كل ما تظهره اللغة من تعابير لا تمثل معنى الاشياء في حقيقتها واللغة دائما ما تعبر عن الزيف الذي توهمنا به هو تلاعب لغوي لا معنى له ولا رصيد فلسفي منطقي يمتلكه.

واللغة حسب طعن فينجشتين بصدقيتها سلفا حين يقول بداية التفلسف مرهون بسحب ثقتنا من اللغة قبل التفكير بشيء آخر، أنما تتمثل حقيقتها فيما تضمره اللغة من أدخارغير مقصود في المعنى الفائض عن حاجة التعبير عنه لكنه ضروري لتعدد أكتشافه في البحث التداولي عن المعنى في متواليات التلقي بما يخلعه تاويل التلقي من أضافة تراكمية - نوعية وليس محدودية على ثبات النص الاستقبالي كمرجعية في التلقي.

وتبقى اللغة كما في تفكيكية دريدا هي مشروع تقويض ليس للغة بل لمعنى قصدية اللغة في قواعدها النحوية ونظامها الداخلي الخاص بها وهو طريق مسدود رغم رحابة أنفتاح أبوابه على تقويضات لا نهائية من أعدام المعنى اللغوي الفوضوي تتابعيا باسم البحث عن المعنى الضائع في ثنايا مضمرات اللغة في الخطاب.

في تناقض المعنى

يقول فينجشتين في الرسالة المنطقية (ما يمكن اظهاره لا يمكن قوله) 5 هذا التناقض البادي والمضمر في العبارة يضعنا مجبرين التسليم بالحقائق التالية التي تناهض العبارة في تناقضها التعبيري :

- لا يوجد أظهار معلن ولا عدم أظهار خفي تعجز اللغة التعبير عنه وتحمل أوزار قصوره لا في الابانة والافصاح عنه ولا في الغموض والابهام له.

- ما تظهره اللغة تعبيرا هو تمام المعنى في القضايا التي يتطابق فيها شكل اللغة مع مضمونها الدال.بمعنى تعبير اللغة تطابق شيئي مقفل في المعبّر عنه كموجود.

- تداولية اللغة في مقصودية البحث أو الاضافة لمعنى جديد أغفله تعبير اللغة عملية عقيمة لانها بحث عن لا شيء غير موجود في اللغة.

- اللغة دائما هي فيض معنى محايد مكشوف في تعبيره عن الاشياء والمقصودات والقضايا أظهارا وأضمارا، عليه ليس من الحكمة المنطقية تخوين اللغة وعدم الثقة بها كون اللغة تعبير زائف عن الاظهار والاستتار معا. طالما حسب تعبير فينجشتين ما يمكن أظهاره لا يمكن قوله.

نكمل تناقضات فينجشتين بما أوضحناه بداية هذه الورقة النقدية في عبارة منطقية أخرى نجدها في الرسالة قوله (وظيفة اللغة التمثيلية الوحيدة، هي التي تجعل ما يقال يكون ذا معنى، اذ حدود ما يمكننا قوله هي حدود ما له معنى)6. العبارة تعطي اللغة تزكية مجانية تنسف تحذير فينجشتين من خيانتها عندما تكون حدود ماله معنى هو حدود ما يمكن قوله باللغة. أين نضع هذه العبارة مع متناقضات فينجشتين مع بدايات هجومه اللاذع على أهمية عدم الوثوق باللغة الذي اشرنا له سريعا بداية هذه الورقة عندما يرد الاعتبار للغة الذي حاول أغتياله في جملته الاخيرة هذه؟.. وكيف يتناسب كل التشكيك السابق باللغة مع قوله ما يكون له حدودا، يكون له معنى يمكن القول فيه؟

حدود اللغة عند فينجشتين هو حدود الفكر وليس حدود اللغة، والفكر عنده هو (القضية) التي يتوجب علينا منحها الاهتمام وليست اللغة. وكيف لنا فرز الفكر ذي القضية عن اللغة الجوفاء التي هي شكل الفكر التعبيري الذي لا يحمل معنى الفكر بأمانة واخلاص؟ مثل هذا التفريق غير الجائز غير المقبول ما بين اللغة والفكر كنت ناقشته في ثنايا أكثر من مقال نشرته سابقا أحدها بعنوان (العقل واللغة).

المنطق والزمن

المنطق فعالية فكرية عقلية لغوية تقترب كثيرا في تداخلها مع رياضية التفكير، مجالها يحكم الموجودات ويحكم قوانينها المتعالقة بها. أي المنطق لا يعمل في فراغ سابق عليه ولا في فراغ لاحق يليه فهو تفكير عقلي، لذا عمد فينجشتين في الرسالة أعتبار مجال الاشياء لا تحدده طرائق المنطق، أي سعى فينجشتين جعل المنطق تجريد يتعالى على اللغة ويتوسط علاقات الوجود. قوله (فالمنطق الذي يملأ العالم فأنه حسب مقولة راسل لا يعرف شيئا خارج ذاته)7..

التساؤل التجريدي منطقيا هنا اذا كان المنطق يملأ العالم، فماذا يتبقى للمنطق خارج العالم يشكل مجالا له يقوله؟ المنطق الذي حدوده العالم الفيزيائي يصبح لا شيء باق خارج حدود هذا العالم يكون موضوعا منطقيا يجدر الاهتمام به ومعرفته. كل مجال في المعرفة فيزيائية، رياضية، كيميائية، هي حدود للمنطق الذي يحكمها قانونا بمنطقه لا بمنطق تلك الاشياء عليه، ولا شيئ متعين يحكم المنطق ولا يحكمه المنطق هو بالمعرفة المحدودية له.

رغم ذلك يقحمنا فريجة بمنطقية عويصة قوله(ان قضية من قبيل يوليوس قيصر موجود هي عبارة لا هي صادقة ولا هي كاذبة لكنها خالية من المعنى )8، نعتقد أن الكذب والصدق لا يحددهما المنطق اللغوي تجريدا بل يحددهما التفريق بينهما  التحقيب الزمني الذي هو قطوعات زمنية واقعية وليس الزمان كمفهوم مطلق،..

فالوجود المجرد منطقيا لتعبير، بمعنى الكذب والصدق لا يختلفان بالمعنى في تحقيب زمني واحد يتلازمان به، أي تلازم الكذب مع الصدق في التباس منطقي يقبل معنيين متناقضين في تعبير واحد لا(زمني).. مثل العبارة التي مررنا بها يوليوس قيصر موجود.

لكنهما صفتا الكذب والصدق يختلفان في عدم التلازم التحقيبي الزمني عندما يكون للجملة زمان لصدقها منفردا عن زمان لكذبها منفردا ايضا، فقولنا الشمس تشرق صباحا عبارة صادقة، ولكننا عندما نقول الشمس تشرق ليلا تكون العبارة كاذبة، والتناقض الاستعمالي المنطقي التعبيري للعبارة هو الذي يجعل تلك العبارة بلا معنى منطقيا حين يكون تزامنها متناقضا في التعبيرعن قضية واحدة بلا تحقيب زمني يحدها الاختلاف. فاللامعنى في العبارة قرين تخطئة تحقيب الزمن لها وليس اللامعنى ملازم لتخطئة الصياغة التعبيرية اللغوية لعبارة أو جملة غير متوافقة منطقيا لا يحدها تحقيب زمني يقوم على جمع المتاقضات الى جانب المختلفات.

واذا ما كانت هناك حاجة توضيحية في أسقاطنا ما ذهبنا له على عبارة (يوليوس قيصر موجود ) يكون قولنا يوليوس قيصر موجود سنة 49 ق. م واغتيل سنة 44 ق.م تكون عبارة قيصر موجود صادقة، ولو قلنا يوليوس قيصر موجود سنة 10 ق. م واغتيل سنة 65 ميلادية تكون عبارة قيصر موجود كاذبة غير صحيحة، فالعبارة واحدة لكن غياب التحقيب الزمني لها يجعلها أما هي كاذبة وأما هي صادقة ايضا.أما أن تكون لاهي كاذبة ولا هي صادقة ضمن تحقيب زمني لها تعتبر عبارة ناقصة لاقيمة معرفية لها.

أما أن تكون نفس العبارة لما تحمله من تناقض منطقي بلا معنى، فالمعنى يحدده التحقيب الزمني لوجود قيصر من عدم وجوده ولا يحدده منطق صياغة العبارة كما وردت مفتوحة على اللازمن التحقيبي المحدد قيصر موجود. ونخلص من هذا أن المنطق اللغوي هو لا تحقيب زمني للعبارة وكان هذا سببا كافيا لالتباسها كما وردت فهي لا كاذبة ولا هي صادقة بل هي بلا معنى عندما لا نجد في العبارة تحقيبا زمنيا يوضّحها.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

هوامش: ترقيم العبارات ماخوذة نقلا عن جمال حمود /فلسفة اللغة عند لودفيج فينجشتين /ص 206 - 212

 

 

 

محمود محمد علي (المنطلقات والمفاهيم)

ميشيل بولانى: عالم كيمياء فيزيائية وفيلسوف علم لم يثبت حضوره فى قلب مجتمع الفلاسفة بالقدر الكافي الذي أثبته فى مجتمع العلماء، ولد بالمجر سنة 1889 من أسرة يهودية مرموقة، درس الطب بجامعة بودابست Budabest ، لكنه كان مهتماً بالكيمياء الفيزيائية، حيث حصل فيها على الدكتوراه عام 1913، ثم عمل بمؤسسة الكيمياء الفيزيائية ببرلين . وفى عام 1944 بدأ يهتم بفلسفة العلم . وفى عام 1948 قام بتدريس كُورس شخصي في العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة مانشستر، وفى عام 1950 سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قام بالتدريس فى معظم الجامعات الأمريكية، وتوفى سنة 1976 . ومن أعماله: " العلم والأيمان والمجتمع: و" المعرفة الشخصية " و" البعد المضمر " و" المعرفة والوجود" و"منطق الحرية " و" دراسة الإنسان "؟.. علاوة على العديد من المقالات مثل " العبقري فى العلم " و" الخيال المبدع " و" الثورة العلمية " و" العلم والواقع " و" العلم: الملاحظة والاعتقاد " .

وأما بالنسبة للعقلانية المضمرة عند ميشيل بولانى، وهى موضوع مقالنا فهي تعبر تعبيراً واضحاً عن نظريته في المعرفة المضمرة Tacit Knowing، تلك النظرية التي تؤكد على أن القسط الأكبر من نجاح رجل العلم يتوقف على معرفة مضمرة، أي على معرفة مكتسبة خلال الممارسة العلمية والتي لا يمكن التعبير عنها صراحة، وهى معرفة هامة ذات شأن عن الطبيعة التي يتم اكتسابها من خلال تعلم الدارسين علاقة التماثل، ثم تتجسد بعد ذلك في طريقة لرؤية المواقف الفيزيقية قبل أن تتمثل في قواعد أو قوانين . كما أن هذه المعرفة تبين لنا بأنه ليس لدينا اتصال مباشر بما نعرفه نحن، وليست لدينا قواعد ولا قوانين عامة تتيح لنا التعبير عن هذه المعرفة، وأن القواعد التي تهيئ لنا هذه الصلة إنما تشير إلى المنبهات لا الاحساسات، والمنبهات لا نعرفها إلا من خلال نظرية محكمة الصياغة، وفى حالة عدم وجود هذه النظرية تصبح المعرفة الكامنة في المسار الواصل بين المنبه والإحساس معرفة مضمرة.

والمعرفة المضمرة تمثل جوهر المعرفة الشخصية عند بولانى، تلك المعرفة التي تركز على البعد الشخصي للمعرفة العلمية، فإذا كان العلم يبحث في عالم فيزيقي لا شخصي، إلا أن العلم ذاته نشاط ذو سمه شخصية، فلا يمكن تتبع نمو المعرفة العلمية إلا كسلسلة من أفعال أشخاص، وإنجازاتهم وكشوفهم جميعاً تتطلب تعهداً والتزاما شخصياً بوجهة ما للنظر وقابلية العلم المستمرة للاختبار والتكذيب والتصويب، تعنى أن هذه الوجهة من النظر قد تكون خاطئة وثمة فرض ما يجب استبعاده.

وفى هذا تؤكد عقلانية بولانى كما يرى بعض الباحثين على عدم وجود قواعد يمكن برمجتها في حاسب آلي، كما أنها ليست هوى شخصي أو مزاج خاص، ذلك لأنها لا تتم إلا في إطار مجتمع من العلماء قد أعدهم إعداداً خاصاً ولهم مقصد كلى عام . كل هذا لا يقرأ مباشرة من المعطيات التجريبية، بل يتضمن وثبة عقلية خلاقة تنبع من ا لعالِم العبقري الذي يبدل قصارى جهده في الإلمام بالحصيلة المعرفية السابقة التى استوعبها من خلال الإدراك الحسي، ثم قدح ذهنه ليتوصل إلى حل للمشكلة المطروحة للبحث، هذا الحل يمثل حدساً فردياً لا تدركه إلا الموهبة العلمية والعبقرية الخلاقة في انشغالها العميق بالمشكلة التي تبدو فى الواقع مضمرة  .

وهكذا نجد أن تفسير بولانى لظاهرة العلم يتقدم بتوازن حصيف بين جانبين هما: البصيرة الفردية لخيال العالم من ناحية، وتقبل المجتمع العلمي لهذه الرؤية ودوره النقدي إزائها من الناحية الأخرى.

وفى حقيقة الأمر أننا فى هذا البحث سنقصر اهتمامنا على دراسة العقلانية المضمرة كما عرضها بولانى فى كتاباته ومقالاته منتهجين فى ذلك منهجاً تحليلياً مقارناً يرتكز على تحليل نصوص بولانى والوقوف على كل ما تحويه من أراء وأفكار، هذا إلى جانب المقارنة بين عقلانية بولانى وغيرها من العقلانيات الأخرى . لذلك فإن هذا البحث يدور حول محورين أساسياً هما:-

- مفهوم العقلانية المضمرة .

- العقلانية المضمرة وعلاقتها بالعقلانيات الأخرى .

أولاً: مفهوم العقلانية المضمرة:

ترتكز فلسفة بولانى على التفكير الكلى Holistic Thinking ، وبالذات حول كيفية حدوث مثل هذا التفكير، وكيف يتسنى للعالم أو المفكر التأمل بعمق في معرفة هذا التفكير. ويرى بولانى أن القوة الأساسية لفهم هذا التفكير فهماً عميقاً تكمن في الحصول على نظرة للإحساس الناجم من جوانب عديدة للموقف، وهذه القوة تنبثق من دافع فسيولوجىPhysiological Urge   يكمن في أعضاءنا الحسية التي تجعلنا نفهم بشكل عقلاني " الانطباعات " Imprssions  التي نستقبلها. ويطلق بولانى على هذه القوة " المعرفة المضمرة " واضعاً في اعتباره أننا لا نستطيع بشكل واضح أن نصف ذلك صراحة.

ويرى بولانى أن الأدراك الحسي Perception  الذي تعول علية النظرية الجشتالطية Gestalt Theory  خير مثال لتوضيح المعرفة المضمرة، على أساس أنه يشتمل على عملية تأويل الاحساسات بحيث يزودنا بما في عالمنا الخارجي من أشياء أو وقائع أو أحداث يمكن إدراك معالمها Clues في تعريفات كلية Whole Terms  .

وهنا يؤكد بولانى فيقول: " علينا أن نبدأ بحقيقة أننا نستقبل العديد من عناصر الضوء والظل من الأشياء، وتتوافر لدينا معارف عديدة في ذاكرتنا، والتي تساعدنا على إدراكنا الحسي لها. وبالرغم من ذلك نحن لا ندرك عناصر من الضوء والظل أو أجراء من المعلومات التي في ذاكرتنا .إن ما نراه هو عبارة عن أشياء ذات أشكال محددة Definite Shapes وأماكن وحركات ومعاني محددة أيضاً أي جشتالطات وذلك لو استخدمنا تعريفاً عاماً.

إن الجديد هنا في وصف بولانى لعملية الإدراك الحسى يكمن في أنه أخذ من علماء النفس الجشتالط، فكرة أنه لا يمكن وصف الحَدثْ سواء كان خبرة أو فعلاً باعتباره أحداث صغيرة مستقلة . ويُسمى هذا الحدّثْ جشتالط  "  Gestalt “   بالألمانية ويترجم إلى شكل Form  أو   بنية Structure "  .

ثم يصف بولانى هذا الحدث في عملية المعرفة المضمرة فيقول " عندما نرى الجشتالط فإننا نعتمد على الأجزاء والعناصر، ولكننا لا ننظر إليها؛ إننا  نراها بشكل ثانوي كمشيرات pointers إليه . إننا لا نعرف بشكل مدرك ماهية هذه المشيرات، ولو أننا مثلاً حاولنا أن نخمن ما تخبرنا به الملامح أن الجشتالط يرمز إلى شخص ما، فإننا سنخمن ما استخدمناه بالأمس، وليست تلك المشيرات الجزئية التي نستخدمها الآن، إن المعالم الخاصة بتلك الأشياء لا يمكن التحدث عنها بصراحة ؛ إذ أنه ليس بمقدور أي شخص أن يخبرنا عن كيفية ارتباط هذه المعالم ببعضها. ويسميها بولانى بأنها معروفة على نحو مضمر Tacitly Known   .

ويؤكد بولانى على أن التكامل المضمر Tacit Integration  هو الاسم الذي يصف هذه العملية، وذلك من خلال مهارة Skill  تتكون عن طريق التدريب والممارسة  Practice. يقول بولانى: " لكي تكتسب معرفة جيدة، ولكي يتم تدريبك على التشخيص الطبي، يجب أن تمر خلال مقرر طويل من الخبرة تحت توجيه وإرشاد معلم . فإذا لم يستطع الطبيب الممارس إدراك بعض الأعراض المعينة للمرض لما استطاع وصفها، فيجب أن يعرف شخصياً هذا العرض بشكل أصلى بحيث يتمكن الدارس من معرفة وصف الأعراض، ويجب عليه أيضاً أن يدرك بشكل تام الفرق بين هذه الحالات، وعليه أن يتمكن من تطبيق معرفته بشكل عملي " ؛ وفى فقرة أخرى يقول بولانى " العلم يحتاج إلى مهارة العالِم، وأنه من خلال التدريب على مهارته يتسنى له أن يشكل معرفته العلمية "  .

ثم يصف بولانى دور مهارة التدريب والممارسة من خلال التحولات التي وقعت داخل التجربة الإدراكية لطالب طب يتعلم كيف يقوم بالتشخيص من خلال صورة الأشعة السينية فيقول: " تصوروا طالباً في الطب يتابع درساً في تشخيص الأمراض الرئوية بالأشعة السينية، إنه ينظر داخل غرفة مظلمة إلى آثار سواء على شاشة مشعة وضعت على صدر أحد المرضى ويستمع إلى الطبيب المختص في التصوير الإشعاعي . يعلق للحاضرين في لغة تقنية على الخصائص ذات الدلالة في مناطق الظل تلك . إن الطالب يتيه في البداية تيهاً تاماً، لأنه لا يستطيع أن يرى في صورة صدر معين سوى ظلال القلب والأضلع تتوسطها بعض البقع على هيئة عنكبوت . ويبدو الخبير وكأنه يحبك رواية من بنات أفكاره، فالطالب لا يرى شيئاً مما يدور حول الحديث . وبحضوره لهذا النوع من الحصص أسابيع عديدة . وبإمعانه في النظر في كل الصور الجديدة للحالات المختلفة التي تعرض أمامه، سيولد لديه بصيص من الفهم، وسيصل بالتدريج إلى صرف نظره عن الأضلع ليميز الرئتين . وسينتهي بمثابرته اليقظة إلى أن ينكشف له مشهد غنى بالتفاصيل ذات الدلالة من تغيرات فيزيولوجية وتحولات مرضية وندوب وتعفنات مزمنة ودلائل على مرض حاد، وعندئذ يدخل إلى عالم جديد، وهو إن استمر لا يرى سوى جزء مما يراه الخبراء . فإن الصور تتخذ منذ الآن معناها وكذلك التعليقات التي تقدم حولها.

وإذا كانت المعرفة المضمرة تتمثل من خلال مهارة نكتسبها التدريب والممارسة ؛ فإن بولانى يؤكد بأنها ذات صلة بالمهارات الجسدية Bodily Skills  على أساس أن جسدنا هو الوسيلة التي بواسطتها نعرف العاَلم، وهذه المهارات الجسدية تتضمن وعياً رئيسياً Focal Awareness  لما نحاول أن نفعله، ووعياً ثانوياً Subsidiary Awareness  لكل مكونات فعلنا، ولما كنا لا نستطيع أن ندرك بشكل نقدي أي من تلك المكونات والفعل، فإنه من الضروري أن نثق بأنفسنا ونثق كذلك في مهارات الآخرين الذين نتفاعل معهم . إن المعرفة تعد شخصية في المقام الأول فيما يتعلق بوجود المكونات المضمرة Tacit Component ، وفى المقام الثاني تعد شخصية كذلك فيما يتعلق بضرورة الثقة بهذه المكونات.

ثم يدعونا بولانى إلى أن ننظر بعد ذلك إلى أن الوعي الأساس والوعي الثانوي لهما وظيفة هامة بالنسبة للمهارات الجسدية ؛ حيث يقول: " فلو وضعنا فى الاعتبار استخدام آلة مثل الشاكوش Hommer لدق مسمار، فإننا نلاحظ كلاً من المسمار والشاكوش، ولكن بطريقة مختلفة . إننا نشاهد تأثير ضرباتنا على المسمار بطريقة فعاله .  وعندما نحضر الشاكوش لا نشعر أن مقبضه قد أثر في كفة اليد التي نمسكه بها  ولكن ما نركز عليه هنا هو أن رأس الشاكوش قد طرقت المسمار . ولكن بمعنى محدد نكون بالتأكيد متيقظين لما تشعر به يدنا وأصبعنا التي تمسك بالشاكوش . وهذا ما يجعلنا مهتمين بالتحكم فيه ومسكه بطريقة فعالة ودرجة الانتباه التي نوليها إلى المسمار تأخذ نفس المدى، ولكن بطريقة مختلفة من المشاعر . وهنا يمكن أن نقول أنني لدينا وعى ثانوي بالشعور الموجود في كفة اليد تمسك بالشاكوش والتي تنعكس وتتحول إلى وعى رئيسي نحو قيامي بدق المسمار.

وهنا يريد بولانى أن يوضح أن الأشياء التي ينصب عليها اهتمامنا الرئيسي هي المسامير التي تدق، في حين أن الأداة المتمثلة في الشاكوش تمثل اهتمام ثانوي . ولما كانت الاحساسات الخاصة بالأصابع على الآلة لا تلاحظ من خلال الوعى الثانوي، فيمكن أن تستخدم كإرشاد للآلة، حيث أن الآلة تعمل كجزء في جسمنا . وبالتالي يمكننا أن نستخدم أيدينا بدلاً من الآلة في هذا المثال.

إلا أن النقطتين اللتين يريد بولانى إلقاء الضوء عليهما تظهران بشكل واضح باستخدام الآلة، وذلك على النحو التالي.

النقطة الأولى:- أن جسمنا ذو امتدادات Extensions  معروفة تقريباً في ضوء الوعي الثانوي – ونعتمد في ذلك في الحصول على معرفة العالم .

النقطة الثانية:- كل الوقائع Particulars  التي تحدث تكاملاً في أي معرفة مضمرة تكمن في داخل أنفسنا من خلال الاحساسات التي تنطبع على شبكية العين Retina  فيما مضى كفكر يشكل الصور Images  التي يمكن أن تلاحظ بشكل مركز، وكل الذكريات والاعتقادات التي نستنتجها من الأشياء الثانوية . وطبقاً للإدراك العام Common Sense  عن التأثير الذي نستشعره في أجسادنا يقول بولانى: "  إننا نعيش في مجموعة من الوقائع مشيرين إلى جشتالط معطى، هذا الجشتالط يتضمن الأدوات التي نستوعبها أو نحاكيها لأجسادنا . وهكذا فإن هناك طريقة ثالثة تكون فيها المعرفة شخصية، وهى أن كل معرفتنا المضمرة تكون متجسدة ".

وهذا التجسيد Embodiment  كما يذهب بولانى هو الذي يعرض الجانب الذاتي لعلاقتنا بالجشتالط، فعندما نبدأ بالواقع ونصبح مقتنعين بما نراه أو ندركه يكون له مغزى Significance   بكونه حقيقياً أو مقبولاً . وبالتالي فإننا نلزم أنفسنا بهذا الإدراك الحسي، حيث نتحرك نحوه ونقتنع به ونعتمد عليه، وذلك من خلال باعث Motivation  يتمثل في الالتزام Commitment . هذا الالتزام يوحي يباعث عاطفى Passionate ، حيث أنه يمثل المجال الكلى للقيم في العلم وفى الحياة . وقد ناقشه بولانى تحت عنوان " الانفعالات العقلية " Intellectual Passions .

والالتزام في رأى بولانى ذو طبيعة قطبية Polar ، بمعنى أن النهاية الداخلية لها أساس في قوتنا الباطنية الذاتية Subjective Indwelling  والنهاية الخارجية لها أساس في الواقع Reality  الذي نلتزم به . ويؤكد بولانى بأنه " علينا أن تلتزم بذلك، فإذا لم نلتزم بذلك كأن نتشكك في أن خياراتنا وتفصيلاتنا الذاتية تفسد تفكرينا، فإنها سوف تهدد الهدف الكلى الذي نلزم به أنفسنا للشيء أو الآخر بوصفة وجود حقيقي . وبالتالي فسوف نغير التزاماتنا " .

وهنا يستخدم بولانى مصطلح شخصي Personal  ليتخطى الفجوة بين الذات والموضوع، وهو في هذا لا يقلل من قوة الشيء الموضوعي كشيء موضوعي، ولكنه يضيف إليه قوة أخرى وهى المشاركة الشخصية للذات نفسها، وهذه المشاركة تمثل تصورات شخصية مسبقة تلعب فيها الذات الإنسانية دوراً مهماً في شرح الظواهر وتفسيراتها وكشف قوانينها من خلال قوة الحدس الفردي الذي لا يخضع للتحليل المنطقى.

ويوضح بولانى ذلك مؤكداً أن الكشف العلمي يتم من خلال المعرفة المضمرة التي ترى أن البحث العلمي ليس عملية آلية، بل عملية خلق وإبداع، والعبقرية المبدعة بمنزلة العنصر الفاعل فلا يمكن الوصول إلى القانون أو النظرية عن طريق خطوات منهجية، وإنما الكشف العلمي نتوصل إليه بناءً على خطوتين : الأولى " مقصودة " وهى الدراسة، والأخرى " التلقائية " وتتمثل في الحدس الفردي الذي يستوعبه العاِلم عن طريق الإلمام بالحصيلة المعرفية السابقة، ثم قدح ذهن العالم ليتوصل إلى حل للمشكلة المطروحة للبحث، وهذا الحل هو الحدس الفردي الذي لا تتنبه إليه إلا عبقرية العالم في إنشغالها العميق بالمشكلة المضمرة وتأتى ظهور النظرية في لحظات أو ساعات أو حتى أيام، حيث نندهش ونصرخ مهللين . وبعدها نتوقف عن إجهاد عقلنا عن إنتاج هذه النظريات أو الأفكار .. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقل بجامعة أسيوط

 

 

علي رسول الربيعيالنظرفي عودة وهابرماس

على الرغم من أن معظم المفكرين والباحثين الذين درسوا هذه المشكلة كان بينهم إجماع واسع ضد استخدام الأسباب الدينية في الحياة السياسية، إلا أنه لا يزال هناك قدر كبير من الخلاف بينهم حول التفاصيل1.

يشير البعض إلى أن لا يجب أن يتدخل الدين في المداولات السياسية أبدًا  بينما يعتقد البعض الآخر أنه قد يلعب دورًا اعتمادًا على نوع السؤال السياسي المطروح، أو المنصب الخاص الذي قد يشغله شخص ما، أو المكان الذي تحدث فيه المداولات. أنا لا أقصد أشراك جميع الحجج المتضمنة في ما اسميه القيود التداولية. بدلاً من ذلك،  أفحص ما أعتبره أكثر الحجج إقناعاً المتاحة ضمن الإجماع وأكشف لماذا أخطأوا لأسباب أخلاقية وتجريبية.

يرتكب الإجماع الواسع لصالح القيود التداولية أخطاء أخلاقية وتجريبية  لأنه يبالغ في تقدير كل من معقولية وجاذبية النظام السياسي "المقيد" وتهديد النظام "الديني". ينسج أنصار القيود التداولية معًا مجموعة من المطالب التي تبدو مقنعة مما يجعل هذه القيود أحد ركائز النظام الاجتماعي والسياسي الديمقراطي، لكنها لا تصمد  أمام الفحص الدقيق، خاصة تلك التي تفكك خيوطهم الأخلاقية والتجريبية الناظمة. أريد ان أركز أولاً على ادعاءات القيود التداولية، ولا سيما تلك التي تدافع عن أولوية العلمانية ومن ثم الأسباب  العمومية .أقترح (من موقع  نقدي ودافع البحث عن اسباب اقوى) أن  فلاسفة  مثل روبرت عودة، ويورغن هابرماس، وجون راولز يرفضون بسرعة الأسباب الدينية على أنها مشتبه فيها إبستيمولوجيا وأخلاقياً، كما أنهم يقدمون أيضًا ادعاءات تجريبية غير مبررة تقول أن الخصخصة السياسية للدين شبه حتمية أو قدرة هذه الأدعاءات على إثارة الصراع السياسي. وعليه أن أدعاء القيود التداولية  أنها تمثل الى حد ما جهد لضمان الشرعية السياسية في نظام ديمقراطي دستوري يتميز بتعددية أخلاقية واسعة وعميقة، لا يمكن أن تصمد. إنه طموح بشكل مفرط فيما يتعلق بدرجة التوافق الأخلاقي والسياسي الذي يمكن أن نتوقعها في ظل ظروف التعددية وغير مدركين للقول أن الجهود المبذولة للدفع في أي حال قد تؤدي إلى نتائج عكسية للغاية.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

........................

1-  للأطلاع على النقاشات الموسعة حو الأسباب الدينية  أنظر:

Audi, Robert. "The Place of Religious Argument in a Free and Democratic Society." San Diego Law Review 30 (1993): 677- 702.

Audi, Robert.Religious Commitment and Secular Reason. Cambridge and New York: Cambridge University Press, 2000.

Audi, Robert. “The State, the Church, and the Citizen." In Religion and Cotemporary Liberalism, ed. Paul J. Weithman. Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1997.

Audi, Robert, and Nicholas Wolterstorff. Religion in the Public Square: The Place of Religious Convictions in Political Debate. Lanham, MD: Rowman & Littlefield, 1997.

Berkowitz, Peter. "John Rawls and the Liberal Faith." Wilson Quarterly 26, no. 2 (2002): 60-70.

Carter, Stephen L.God's Name in Vain: The Wrongs and Rights of Religion in Politics, 1st. edn. NewYork: Basic Books, 2000.

Chaplin, Jonathan. "Beyond Liberal Restraint: Defending Religiously Based Arguments in Law and Public Policy." University of British Columbia Law Review 33, no. 3 (2000): 617-46.

Dombrowski, Daniel A. Rawls and Religion: The Case for Political Liberalism. Albany: State University of New York Pres s, 2001.

Eberle, Christopher J. "Basic Human Worth and Religious Restraint." Philosophy and Social Criticism 35, no. 1-2 (2009): 151-81.

Christopher J. Eberle, "Religion, Pacifism and the Doctrine of Restraint;' Journal of Religions Ethics 34, no. 2 (2006);

Christopher J. Eberle, Religious Conviction in Liberal Politics. New York: Cambridge University Press, 2002.

Elshtain, Jean "State-Imposed Secularism as a Potential Pitfall of Liberal Democracy." Paper presented at the Religious Liberty Conference, Prague, Czech Republic, 2000.

Greenawalt, Kent. Private Consciences and Public Reasons. New York: Oxford University Press, 1995.

  Habermas,Jurgan On the Relations between the Secular Liberal State and Religion." In Political Theologies: Public Religions in a Post-Secular World, ed. Hent De Vries and Lawrence Sullivan. New York: Fordham University Press, 2006.

Habermas, "Religion in the Public Sphere"; JeffJordan, "Religious Reasons and Public Reasons," PublicAffairs Quarterly 11, no.3 (1997);

Krause, Sharon R. Civil Passions: Moral Sentiment and Democratic Deliberation. Princeton, NJ: Princeton University Press, 2008.

Larmore, Charles. "The Moral Basis of Political Liberalism." Journal of Philosophy 96, no. 12 (1999): 559-626.

Macedo, Stephen. “Transformative Constitutionalism and the Case of Religion: Defending the Moderate Hegemony of Liberalism." Political Theory 26, no. 1 (1998): 56-80.

Parkinson, John. Deliberating in the Real World. Oxford: Oxford University Press, 2006.

Perry, Michael J. Religion in Politics: Constitutional and Moral Perspectives. New York: Oxford University Press, 1997.

Rawls, John."The Idea of Public Reason Revisited." In The Law of Peoples, ed. John Rawls.Cambridge: Harvard University Press, 1999.

Rosenblum, Nancy L., ed. Obligations of Citizenship and the Demands of Faith.

Princeton, NJ: Princeton University Press, 2000.

Swaine, Lucas. "Deliberate and Free: Heteronomy in the Public Square."Philosophy and Social Criticism 35, no. 1- 2 (2009): 183-213.

Talisse, Robert. "Dilemmas of Public Reason: Pluralism, Polarization, and Instability." In The Legacy of John Rawls, ed. Thom Brooks and Fabian Freyenhagen. New York: Continuum, 2005.

Weithman, Paul J.Religion and the Obligations of Citizenship. Cambridge: Cambridge University Press, 2002.

 

 

حاتم حميد محسنأحاديث ابكتيتوس (Discourses) هي سلسلة من المحاضرات للفيلسوف الرواقي ابكتيتوس كتبها تلميذه اريان عام 108 ميلادي وجرى فهمها كشكل من العلاج النفسي، يقوم به الفيلسوف الذي يتبنّى دور المعالج.

وكما يتضح من المقارنة، طبقا لابكتيتوس ، فان الوظيفة الصحيحة للفيلسوف المهني هي مشابهة لوظيفة الطبيب النفسي او المعالج وذلك من ناحيتين، اولاً، ان اولئك الذي يعانون من أمراض فيزيقية يبحثون عن مشورة المعالج ليصف لهم العلاج المناسب بهدف استعادة الحالة الطبيعية للصحة. بالمشابه، اولئك الذين معهم أمراض في الروح (الذهن) يبحثون عن مشورة الفيلسوف ليصف لهم الوصفة الملائمة للعلاج بهدف استعادة الحالة الطبيعية للصحة النفسية والسعادة.

ثانياً، لا احد يتوقع ان تكون زيارة المرضى للطبيب سارة، المرضى يجب ان يعترفوا بأعراضهم المرضية الخاصة، يبحثون عن العلاج الطبي الخاص بهم، ويكونون راغبين لتنفيذ وصفة العلاج بصرف النظرعن عدم الراحة فيها. ونفس الشيء بالنسبة للفيلسوف، مراجعوه يجب ان يعترفوا بأعراضهم الخاصة (المتضمنة عدم الرضا بالحياة)، يسعون لمشورة خاصة، وينفذون و برغبة العلاج (غير السار) عادة.وكما يقول ابكتيتوس:

"مدرسة الفيلسوف، يا رجال هي عيادة طبية: لا يجب عليكم مغادرتها بسعادة وانما مع ألم. لأنكم لم تكونوا في صحة جيدة قبل دخولكم اليها".

رسالة ابكتيتوس هي الحفاظ على الصحة النفسية، والفلسفة هي الشرط المسبق. ان وصفة العلاج ليست سهلة ولا سارة ولكن لو اُتبعت ، فان الطالب الملتزم يستطيع التغلب على الاستياء ويحقق حالة دائمة من الرفاهية النفسية. باختصار، سنرى كيف انجز ابكتيتوس دوره كمعالج للروح، ولكن لابد اولاً، من ملاحظة سريعة عن الميتافيزيقا.

ثيولوجيا ابكتيتوس

كُتب الكثير عن ثيولوجيا ابكتيتوس وإشاراته المتواصلة لزيوس والآلهة. واذا كان تصوّر ابكتيتوس للآله يختلف كثيرا عن التصورات الحديثة باعتبار اننا بما لدينا من عقلانية فنحن نشترك بجزء من الاله زيوس ضمن أنفسنا ولا نحتاج اي شيء خارجي لحياة سعيدة ، لذا فاننا سوف نتجنب اي نقاشات جادة حول الثيولوجي او الميتافيزيقا في هذا المقال، ونقتصر بدلا من ذلك فقط على تغطية الأبعاد الاخلاقية لتعاليم ابكتيتوس. والسبب هو ان طريقة العلاج الموجودة في (الأحاديث) التي وُصفت لمساعدة الطالب على الحصول على الحرية النفسية المطلقة هي طريقة فعّالة بصرف النظر عن موقف المرء الميتافيزيقي النهائي. وسواء اعتقد المرء باله أعلى ، او نظام وحدة الوجود، او فوضى ذرية، فلايزال الموقف هو ان الشيء الوحيد الذي ضمن السيطرة التامة للمرء هي حكمه الشخصي وحده. نحن لا نستطيع السيطرة على الأحداث الطبيعية او الناس الآخرين او حتى على صحتنا (كليا)، لكننا نحتفظ فعلا بالسيادة الحتمية على عقيدتنا وهذا بالضبط وحصرا هو مجال التحسين الذاتي الأخلاقي بصرف النظر عن افكار المرء حول وجود نظام حتمي او فوضى في الكون.

القارئ، بالطبع، ربما يعارض بأن السيادة النهائية على عقيدة المرء تفترض سلفا وجود الرغبة الحرة وان الرغبة الحرة هي في الحقيقة وهم. هنا سوف نتجنب هذه القضية لسببين:

1- برجماتيا، من المستحيل لأي شخص ان يعتقد حقا انه لا يستطيع السيطرة على عقيدته الخاصة

2- ان كنت تتخلى عن السيطرة على عقيدتك لقوى قدرية، فلا معنى هناك في مناقشة أي شيء ، لأن كل شيء بما في ذلك (اعتقادك او عدم اعتقادك بالرغبة الحرة) هو خارج عن سيطرتك. لذلك، نحن سوف نأخذها كمسلمة بديهية اننا نحتفظ بالسيطرة على الأشياء التي نؤمن بها والأهداف التي نضعها لأنفسنا. اذاً ما هو التشخيص الرئيسي الذي يسبب لنا الكثير من المعاناة ، وما هي خيارات العلاج المتوفرة لنا من التقاليد الرواقية؟ قبل الاجابة، يجب علينا ان نفحص اولاً تصوّر ابكتيتوس للطبيعةالانسانية.

الطبيعة الانسانية، العقلانية، والسعي وراء السعادة

الشيء الجيد لطلاب الفلسفة الرواقية ، طبقا لابكتيتوس ، هي انهم سلفا لديهم المعرفة المسبقة والميول للعيش بسعادة وبحياة حرة من المنغصات النفسية. مهمة الفيلسوف هي ببساطة الحفاظ على هذه الحالة الطبيعية من الصحة عبر تشخيص وتصحيح الافكار الشاذة والسلوك، تماما كما يصف المعالج المضاد الحيوي لإزالة الالتهابات البكتيرية.

بالنسبة لايبكتاتوس، كل الكائنات الانسانية تشترك برغبة فطرية وقدرة ليكونوا سعداء، عقلانيين، ويعيشوا مع الآخرين. الانسان كما ذكر ارسطو، عقلاني، سياسي، حيوان اجتماعي. كذلك، الناس لديهم انجذاب طبيعي للحقيقة والانسجام وكراهية طبيعية للصراع وعدم الانسجام. الناس باتّباعهم العقل ، يؤمنون بعقائد ويتصرفون بطرق معينة بسبب انهم يعتقدون انها طريقة صحيحة وصادقة للتفكير والسلوك. لا احد يضع هدفا للايمان بعقائد زائفة وغير منسجمة، او يتصرف بطرق غير عقلانية. اللاعقلانية هي المفردة التي نطبّقها على عقائد الآخرين ، وليس على أنفسنا.

طبقا لما تقدم، اذا كنا غير مقتنعين بحياتنا، ذلك بسبب ، اننا رغم ايماننا بعقلانية عقائدنا وافعالنا، لكننا في الاساس أخطانا في أحكامنا. انها مهمة الفيلسوف ليشير لنا كيف اننا مخطئون وكيف بدلا من ذلك "نستخدم الانطباعات بشكل ملائم ".هذا كان الاتجاه البيداغوجي الاساسي لكل المدارس الفلسفية القديمة (الرواقية، الايبيقورية، الارسطية، الافلاطونية، الشكية)، لكن التقاليد الرواقية كانت هي التقنية العلاجية الجدّية والأكثر فاعلية (ولهذا اصبح للرواقية التأثير العميق على تطور العلاج السلوكي الادراكي الحديث).

بالنسبة للرواقيين، في اتجاههم العادل، الذي يميزهم عن كل المدارس المنافسة كانت الفكرة بأن السعادة يمكن تحقيقها من خلال بلوغ الحرية النفسية التامة وغير المقيدة، وبدلا من المتعة فان هذا هو الخير الأسمى .

كل انسان ، كحيوان عقلاني و اجتماعي، لديه القدرة على تحقيق السعادة ، لكن بما ان هناك العديد من الطرق يكون فيها الناس غير سعداء ، فهم يقعون في مآزق نفسية وثقافية تمنعهم من هذا البلوغ. هذه المآزق هي مختلف انواع المصائب الفردية والعالمية الناجمة عن جعل سعادة المرء خاضعة لأشياء خارجة عن سيطرته .

التشخيص Diagnosis:عبودية نفسية مفروضة ذاتيا

الحقيقة الاستثنائية حول الرواقية هي تحديدها للمشكلة الاساسية المسؤولة عن كل المعاناة الانسانية وهي الرغبة في الاشياء التي ليست ضمن سيطرتنا، او بعبارة اخرى العبودية النفسية المفروضة ذاتيا للأحداث الخارجية وللناس من حولنا. ما الذي يجعلنا غير سعداء؟عموما، نحن جُعلنا غير سعداء حينما تكون هناك اشياء نرغبها ولا نستطيع امتلاكها او عندما تكون هناك اشياء نمتلكها حقا ولكن لا نهتم بها ونسعى لتجنّبها.السعادة ببساطة هي حالة لا يرغب فيها المرء شيء اكثر او اقل مما يمتلك. ايبيكتوس أدرك ان هذه الحالة يمكن تحقيقها بشكل دائم لو ان المرء يدرّب ذهنه على قبول الأحداث تماما كما تحدث امامه.

اذا كان ابكتيتوس يشير مرارا لطلابه كعبيد – كما ورد في الأحاديث – ذلك بسبب انهم يفترضون رؤى تضعهم تحت عبودية دائمة للناس الآخرين وللأحداث الخارجية (1). يقول ابكتيتوس:

"كل شخص هو عرضة لمن يمتلك السيطرة على ما يريد او لا يريد، لأن صاحب السلطة هذا يستطيع منح ذلك الشيء او سلبه . اذا كان اي شخص يريد ان يكون حرا، عندئذ دعه لا يريد اي شيء ولا يسعى لتجنب اي شيء تحت سيطرة الآخرين، والاّ هو سيكون عبدا".

طبقا لهذا، من الخطأ محاولة تأمين السعادة من خلال، اكتساب الشهرة لأن الرغبة في الشهرة تضعك في عبودية للآخرين الذين تبحث انت عن ثنائهم. وبالمثل، الرغبة بالنقود والسلطة تضع المرء في عبودية بدرجة او باخرى لاولئك الذين يستطيعون منحها او سلبها بعيدا. فقدان الشهرة او النقود او الثروة او السلطة – والذي قد يحدث في اي لحظة بصرف النظر عن افضل الجهود التي يبذلها الشخص – سوف يؤدي الى معاناة نفسية حادة طالما ان رفاهية المرء ترتبط بشيء شديد التقلّب وغير شخصي ومعتمد على الآخرين. حتى مجرد التفكير بضياع هذه الأشياء الخارجية سيخلق للمرء مستوى دائم من القلق والخوف.

التطبيق الرواقي للتفكير، يعلّمنا ان حالة متسقة وموثوقة من الرضا تتحقق فقط حين يربط الانسان نفسه مع الاشياء التي تحت سيطرته الكاملة وهي الحكم والفضيلة اللذان لن يضيعا ولن يُمنحا الاّ طوعا.

لذلك فان معاناة الانسان والقلق والخوف هي نتاج للخوف من فقدان شيء خارجي ، وهذا يضع المرء في عبودية دائمة.الطريقة الوحيدة للتغلب على هذه المحنة هي بتحرير المرء من الاعتماد على الاشياء الخارجية عبر التحوّل نحو الداخل (الذات) ولما يهم المرء ويسيطر عليه حقا.

العلاج: تربية العقل والفضيلة

من الملاحظ ان ايبكتيتوس يضع اللوم كليا في عدم سعادة المرء على اكتاف المرء ذاته. السبب هو ان الشيء الوحيد الذي نحن مسؤولون عنه وتحت سيطرتنا التامة هو أحكامنا وليس الأحداث او الانطباعات التي نواجهها (الاحاسيس، المشاعر، الافكار العابرة). طالما ان السعادة والرفاهية مقتصرة على عالم الأحكام ، وان أحكامنا هي كليا ضمن اختيارنا، فان رفاهيتنا هي كليا ضمن اختيارنا ايضا. اذا كنا غير سعداء ، فان أحكامنا هي خاطئة، وطالما نحن نحتفظ بالسيطرة الكاملة على أحكامنا، فاننا لدينا القوة لتغييرها وبذلك نحسّن رفاهيتنا التفسية.

لم تكن هذه دائما هي الرؤية الشائعة. نحن عادة نلوم كل شيء الاّ انفسنا في عدم سعادتنا وحظنا التعيس. نحن نُقاد برغباتنا للاشياء الخارجية ونسلّم حريتنا طوعا لمن حولنا ولقوى وراء سيطرتنا. هذه هي مآزق نفسية نحن باستمرار نقع بها ، وهي تتأثر بالمآزق الثقافية للحياة المعاصرة. نحن تعلّمنا وقُصفنا باستمرار بتعليمات لتضخيم تقييمنا للمؤثرات الخارجية وتقليل قيمة شخصيتنا وقدرتنا العقلية. وبدلا من التركيز على تطوير الشخصية ، نحن حريصون على صنع نقود كافية وتراكم كافي للسلع ليجعلنا نبدو ناجحين امام الآخرين. نحن نضع انفسنا في عبودية لأصحاب الأعمال ولثناء جيراننا على حساب احترامنا الذاتي وقيمنا وقناعتنا الداخلية.

الترياق لهذا التقييم السطحي للاشياء الخارجية هو امر بسيط وهو عبر التحول نحو الداخل بالتركيز على الذات وتطوير الشخصية ومن ثم تحقيق حرية نفسية تامة. هذه هدية اُعطيت لنا من الطبيعة او من الآلهة كما يقول ابكتيتوس. انها متوفرة لكل شخص وفي كل الأزمان حتى اثناء فترات المحن والقلق الشديد. هنا يذكر ابكتيتوس كيف نتعامل مع الشدائد:

"ماذا اذاً في ايدينا ليساعدنا في مثل هذه الطوارئ؟ لماذا وما هو الشيء الآخر عدا ان نعرف ماذا لي وماذا ليس لي ، ماذا في حوزتي من قوة وماذا ليس في حوزتي ؟انا يجب ان اموت، فهل يجب ان اموت انينا ايضا؟ انا يجب ان اُسجن، فهل يجب ان أحزن على ذلك ايضا؟انا يجب ان اُرحّل الى المنفى، فهل هناك ما يمنعني من الرحيل مع ابتسامة وهدوء مرح؟.. انت تستطيع ربط أقدامي بالسلاسل ، ولكن حتى الاله زيوس لا يستطيع التغلب على قدرتي في الاختيار".

التعليق بشأن زيوس يُعد هاما هنا. ابكتيتوس طوال الأحاديث يذكّرنا بانه بينما اجسامنا الفيزيقية تمثل جزءا ضئيلا من الكون، لكن قدرتنا العقلية تضعنا بنفس مستوى الآلهة. هو يكتب:

"الا تعرف كم انت جزء تافه مقارنة بالكل؟ فيما يتعلق بجسمك ذلك صحيح، ولكن بشأن عقلك فانت لست اسوأ ولا أقل من الآلهة. ان حجم العقل لا يمكن قياسه بالطول والارتفاع وانما بقيمة الأحكام". انه فقط عبر تربية العقل وفي تطوير الفضيلة نستطيع العيش كالالهة على الارض، غير منزعجين بالاحداث الخارجية. ورغم ان هذا الهدف النهائي للممارسة الرواقية لايمكن ادراكه كليا، لكن يجب على المرء بذل الجهد. كما يذكر ابكتيتوس:

"ذلك ما حققه سقراط ذاته عبر عدم الاهتمام بأي شيء عدا العقل في جميع الاشياء التي واجهها. وانت بالرغم من انك لم تصل الى سقراط بعد لكنك يجب ان تعيش على الاقل كما يرغب اي شخص في ان يكون كسقراط".

اذا كنت تريد ان تكون كسقراط (يعتقد ابكتيتوس انك يجب)، و تريد علاج حالتك من العبودية النفسية، فان وصفة العلاج الضرورية هي واضحة: لا ترغب في أي شيء عدا ما يحدث، لا ترغب اي شيء وراء ما تمتلكه حاليا، ركّز على تطوير الفضيلة المسترشدة بالعقل، ضع اهدافا واسّس افضليات ولكن لا تصبح مضطربا نفسيا ان هي لم تتحقق، استعملْ كل الشدائد والصعوبات كفرص لممارسة قرارك الرواقي، عالج كل الموقف والصعوبات بالطريقة المثالية بالنظر داخليا لما تستطيع انت عمله وليس خارجيا لما يستطيع الآخرون عمله لك.

عندما تتبنّى هذه الممارسات ، انت تدريجيا تصبح مدركا كم هو متهور سلوك بعض الناس. منْ يشتكي من شيء ما ليس ضمن سيطرته عدا السخيف؟. من يضحي باحترامه الذاتي وعمله الذاتي على شيء لا يمكن تجنّبه عدا من لم يتعلم الفلسفة؟. مع ان هذه الممارسة قد تكون صعبة لكن المكافأة ستكون حرية نفسية تامة.

الانعكاسات على المجتمع

قد يحصل لدى القارئ انطباع بان تركيز ابكتيتوس الكلي على تطوير شخصية الفرد، لا يشير الى ان هناك شيء ذو معنى يقوله حول الاخلاق بالمعنى الأوسع للتصرف المناسب تجاه الآخرين.

ولكن، كما سنرى، ان فلسفة ابيكتيتوس لها نتائج اجتماعية ثرية . عندما يفهم المرء ان الخير الوحيد الصحيح للانسان هو العقل والفضيلة، وان جميع الناس يشتركون بنفس القدرة العقلية، عندئذ يكون المرء مجبرا لإدراك ان ما هو خير لنفسه هو خير للآخرين كما صيغ من جانب ابيكتيتوس في القاعدة الذهبية: "ما تريد تجنبه من معاناة لنفسك ، حاول ان لا تفرضه على الآخرين".

وفي مكان آخر يذكر ابكتيتوس:

"انت تتجنب العبودية، مثلا، تحرص بأن لا تستعبد احدا ، لأنك عندما تقبل العبودية من الآخرين ، انما انت تؤكد عبوديتك. لأن الرذيلة لا تشبه الفضيلة، ولا الحرية تشبه العبودية. مثلما لا يرغب الفرد المعافى حضور المريض من حوله ولا يقبل باولئك الذين يعيشون معه وهم في حالة مرض، كذلك لا يقبل الفرد الحر ان يُخدم من عبيد، ولا يقبل ايضا حالة العبودية لمن يعيشون معه".

العقل يجبرنا للاعتراف بان ما هو خير لنا هو خير للاخرين، وان الرغبة بالمعاناة للاخرين هي اكبر نفاق، وان العيش بوجود المرض او العبودية هو غير مرغوب لصحة الروح.

 كان ابيكتيتوس مواطنا عالميا. قال يجب ان نكون مثل سقراط الذي ذكر:

" ... عندما تُسأل عن بلدك لا تقل انا من أثينا او من كورينثوس وانما قل انا مواطن في العالم".

رغم اختلاف الناس في الجسم او الجغرافية او الثروة المادية، لكنهم يشتركون بنفس القدرة العقلانية التي اُعطيت لهم من الله او الطبيعة. كل الناس ككائنات عاقلة، يشتركون بروابط عالمية وواجب بأن لا يفرضوا على غيرهم ما لا يرغبون فرضه عليهم. طالما ان ما نحتفظ به من سيطرة كاملة على قدرتنا العقلية وشخصيتنا الفاضلة، هو ما نرغب به لأنفسنا، لذلك نحن بالمثل يجب ان نرغب نفس الشيء لكل البشرية.

هذا التحول نحو الداخل من خلال تطوير الشخصية الاخلاقية للمرء يجعل من المحتمل ان يشارك المرء بأعمال ايثار، لأن الفرق بين الأنوية والتضحية سيختفي، مثلما يختفي ايضا التمييز العشوائي الذي يقسم الانسانية حسب العرق والطبقة والجنس. اذا انا لم اعد ارغب باستغلال الناس للحصول على الاشياء الخارجية (نقود، سلطة، شهرة)، فسوف افقد عادة استعمال الآخرين كوسيلة لغاية، ويمكن ان ابدأ بتصور الآخرين كأناس متساوين.وبهذا فان علاج ابيكتيتوس لعدم السعادة الفردية هو نفس العلاج الذي نريده للمجتمع ككل.

 

حاتم حميد محسن

.....................

الهوامش

(1) العبودية التي يصف بها ايبكتيتوس طلابه تشبه عبودية اولئك الذين سُجنوا في كهف افلاطون، افلاطون استخدم الكهف ليصف صعود الروح الى العالم العلوي، الذي تتجسد فيه فكرة الخير. الناس الذين في الكهف يرون فقط ظلالا للاشياء التي تظهر امامهم وليس الضوء الحقيقي للواقع. هؤلاء قُيدت رقابهم وسيقانهم منذ الطفولة، وبقوا في نفس المكان غير قادرين على تحريك رؤوسهم ، لذا هم يستطيعون النظر فقط الى الامام. بهذا هم ليسوا احرارا ولابد من تحريرهم وتمكينهم من مغادرة الكهف لكي ينتقلوا من عالم الظل(الوهم) الى العالم المشرق(الحقيقة).

 

علي رسول الربيعيالفرق الذي يصنعه العنف

يعتقد كوفر أنّه من الممكن الحدّ من سلطة تفضيل معنى ينزع إلى القتل في تفسير القانون على حساب معاني أخرى وصناعة السّلام وفقا لنظام قانونيّ، فعلى القانون أن يفلت من الالتزام بضرورة العنف؛[1] قد يتصوّر كوفر أنّ القضاة يتحكّمون بوسائل فرض الألم وتنفيذ حكم الموت في لحظة واحدة، ومن ثمّة فهم يتسامحون بحكمة مع الرّؤى المعياريّة المتنوّعة المحرّضة أو الاستفزازيّة. لكن لا يمكن التّوفيق بين العنف والقانون أبدًا بشكل كافٍ ومُرضٍ لأنّهما من الحقائق الاجتماعية المتصارعة التي لا يمكن لأيّ قدر من البراعة النّظريّة أن يجعلهما منسجمين.[2]

نسلّم جدلًا بكون الرّسائل المركزيّة المبثوثة من خلال مقالتي "النّاموس والسّرد" و“العنف والكلام” ليست متوافقة أساساً وبشكل منطقيًّ، فهما على مستوى النّشاط العمليّ مخاصمين لبعضها البعض. إذ تمارس إكراهات العمل الموصوفة في “العنف والكلام” قيودا ذاتيّة على قضاة الدّولة في سلطة اتّخاذ القرار، وفي تفسير النّصّ القانونيّ واختيار وفرض معنى وحيد من بين معاني متعدّدة (Jurispathic). وأوّل تلك الإكراهات هي التّخلّص من الدّوافع الأوّليّة باعتبارها مطلبا من المطالب العقلانيّة لعموميّة وموضوعيّة الأحكام والقرارات،[3] وهناك من الإكراهات الأخرى ما قد يستمدّ وجوده من ذلك التّفاعل الهشّ والمطلوب بين "تنظيم النّاس" وبين الرّغبة في أن يكون عنف القانون قابلا للتّنفيذ والتّدجين على حدّ سواء.

فمن أين لتلك المسافة بين الفكر والعمل، بين الأحكام والقرارات أن تُعدّ في حالة القانون نعمة وصعوبة  في آن واحد؟ قد تكون نعمة إذا لم يكن هناك أيّ مسافة فعليّة بين قرار قضائيّ وبين تطبيقه على الآخرين، وهذا يعني أنّه إذا طُلب من القضاة أن يقوموا بأنفسهم بفرض عقوبة الألم والموت الذي تقتضيه أحكامهم فسيحصل عنف قليل، لكن والحال أنّ هذه المسافة تُشكّل صعوبة لأنها تقتضي إيجاد طريقة لاجتياز الفجوة بين تفسير القاضي للنّصّ القانونيّ وبين التّنفيذ الفعليّ والمادّيّ للقرار القضائيّ ومثاله حالة الجلاد. هل في هذه الحالة ما يربط الانتقال من الكلمة القانونيّة الى الفعل؟ فالانتقال يقوم هنا بأمرين: أولًا، يُبقي على القاضي منفصلا عن الفعل نفسه وبمنأى عنه وإن ظلّ مرتبطًا به، لكن تنفيذ هذه القرارات القضائيّة يجعل القضاة متورّطين أخلاقيّا إلى حدّ ما. ثانيًا، يربط الفعل بالأمر أي يربط بين الجلاّد و القاضي عبر القرار القضائيّ، وبطريقة تتغلّب على الموانع الثّقافيّة والأخلاقيّة المتعلّقة بإنزال الألم والموت. يبدو أنّ هذا هو المسار الاساس الذي يجعل متطلبات "تنظيم النّاس" ممكنًة بالنسبة للقانون كنشاط عمليّ وكفكر يُعمل به ليؤدّي وظيفته في الجوانب العمليّة من حياة المجتمع.

هناك قصّة أخرى يمكن سردها لا تتعلّق بالأسباب لكن بلغة التّبرير، والأخلاق ونواحي أخرى، إنّها قصّة يرويها الضّبّاط والقائمون على تنفيذ القانون الواحد منهم للآخر: إنّهم يعتقدون أنّ ما يقومون به مبرّرا، وهذه القناعة هي ما يفسّر قدرتهم على نقض الموانع العرفيّة مقابل القيام بالعنف. فهم يعتقدون أنّ الأعمال التي يؤدّونها هي أعمال ضروريّة بالفعل، وأنّهم المخوّلون حصراً لتنفيذها.

وبما أنّهم يميلون للتّصرف مباشرة عند تنفيذ المرسوم القضائيّ دون مبالاة بأيّ قيد، فإنّ هذا الأمر يبقى إشكاليّا ومحيّراً.[4]هناك شيء واحد يدفع للاعتقاد بأنّ هذه الأفعال ضروريّة ولها ما يبرّرها أنه افتراض نظام موحّد ومبرّر من القواعد والعقوبات يجعل ممارسة الإكراه مبرّرة أيضا. ولسدّ هذه الفجوة تكون الحاجة ملحّة إمّا إلى تأكيد معقول لصحّة قرارات التّدخّل بالقوّة للفصل في النّزاعات، أو إلى توسّط فاعلين ومسؤولين آخرين، أو إلى كليهما.

وحيث إنّ القانون من وجهة نظر كوفر ليس نظامًا شكليًّا ولكنّه مؤسّسة تفسيريّة،[5]فمن الواضح أنّ من ميزة وخصوصيّة أيّ قرار عدم انفصاله تمامًا عن الفاعل الذي يقوم به.[6] وهذا لا يستتلزم البحث فيما إذا كانت هذه الأحكام والقرارات صحيحة أو غير صحيحة، ولكنّه يعني أنّ ضمان هذه الأحكام لا يتحدّد تمامًا بالرّجوع فقطّ إلى قواعد النّظام وحده،[7] إذ يملك ممارسو هذه القواعد الخيار لفهمها من جديد دائمًا، ولرؤيتها على ضوء جديد وتفسيرها بطرق جديدة لكي تكون مقنعة.[8] يجب على المسؤولين القانونيّين والقضاة خاصّة أن يفسّروا ويقيسوا ويوازنوا، بطرق ليست ثابتة ولكن مرنة، فليس لديهم أيّ مبرّر للتّصرّف بلامبالات تُجاه النّصوص. لأنّه لا ينبغي لأحكامهم أن تكون ذات طابع شخصيّ أو نتاجا لنزوة أو تحيّزا أو تفضيلا غير معتمد، أنها ينبغي أن تكون غير قابلة للتّصرّف الشّخصيّ.[9] يعني ذلك أنّ هذه الأحكام تحمل أثر أصحابها، وتدلّ على منظورهم، وعلى مجموع افتراضاتهم ووجهات نظرهم كأصحاب قرار، لا أن تكون  ذات تأثير على مضمون الأحكام الصّادرة.

إنّ تنفيذ حكم بحقّ مدعًى عليه عن جريمة تحت سقف القانون هو نتيجة حكم القاضي بذلك، وهو حكم كان يمكن أن يكون مختلفًا تمامًا لولا ميول وتصوّرات وفهم وتفسير ذلك القاضي للنّصوص القانونيّة.[10] هذا لا يستلزم بالطّبع وجوب أن يتحمّل القضاة المسؤوليّة الكاملة عن القرارات التي يتّخذونها حيث إنّ ما يقرّرون يتشكّل بقوّة لاعتبارات ليست لديهم أيّ سلطة عليها كالقوانين ذات الصّلة، والقرارات السّابقة، وإجراءات الرّقابة.[11] ينخرط القضاة في القرارات التي يتخذون وفي تفسير القانون بصفة خاصّة، ويُتوقّع أن تعتمد أهليّة هذه الأحكام وقدرتها على الاستمرار على الجانب العمليّ، وعلى التّحليلات والحجج، وعلى تهيئتها لأن تسعف الشّرطة القضائيّة في القيام بالتّنفيذ.

من المفترض أن يتحمّل القضاة المسؤوليّة بوصفهم مفسّرين للقانون فيما يتخذون من قرارات ويصدر عنهم من أحكام تُشكّل جزءًا ممّا يأخذ كوفر بعين الاعتبار عندما يتصوّر إمكانيّة تدجين عنف القانون. فهؤلاء القضاة هم وسيلة "نقل" نظام القواعد القائمة وتنزيلها على أجساد البشر وأرواحهم ألما وموتا. ليست مسؤوليّة القضاة كبيرة لأنّهم قد يكونوا غير قادرين على فعل ما يجب القيام به، ولكنّها كبيرة عندما ينخرطون كفاعلين أخلاقيّين ما يعطيهم متّسعا أوسببًا كافيًا للتّصرّف بتفكير أكثر عمقًا[12] وبالتّأكيد، هذا يكفي لاختبار "إيمانهم والتزامهم".[13]

وبناءً عليه، فإنّ على القضاة المنخرطين في "تنظيم النّاس" ويمارسون عنف القانون أن يستوفوا الشّروط المنصوص عليها والمحدّدة مسبقا للإذن أو السّماح بهذا السّلوك أو ذاك، وأن يقدّموا باعتبار ما يتّخذون من قرارات هم مسؤلون عنها الضّمانات اللاّزمة سواء منها المتعلّقة بصحّة تلك القرارات أو المتعلّقة بسلامة التّنفيذ من عيوب الشّطط بمراقبة تدخّلات الفاعلين والمسؤولين والإشراف عليها. فانخراطهم في ذلك العنف بإصدار أحكام يرون أنّ لها أسبابًا مقنعة وقرارات يعتقدون أنّ إصدارها تمّ بطريقة صحيحة ومنصفة، وبالنّظر إلى الطّابع الخاصّ لهذه المشاركة فإنّهم يساهمون في تبرير يسمح للآخرين بالتّصرّف بالوكالة.

لقد أشار كوفر إلى عائق مزعج يواجه مشروعه التّرميميّ، إنّه المشكلة النّاتجة عن الصّعوبات التي تواجه القضاة والمسؤولين القانونيّين الآخرين في إيجاد القناعة اللاّزمة لعنف القانون ولتنظيم استخدامه عند الضّرورة. يقول كوفر: "إنّه لمواجهة هذه الصّعوبة من داخل المجتمعات التّفسيريّة الخاصّة التي تسمح بالعنف وتبرّره، لا بدّ من توفير المبرّرات القويّة والأسباب المقنعة"،[14] فبدون هذه الأسباب والمبررات لا يمكن ولن يكون عنف القانون منظّمًا ومنتشرًا على نحو فعّال.

يقدّم العنف مبرّرا قويّا للأعمال القانونيّة،[15] ونتيجة هذه الحقيقة هي تعزيز العلاقة بين نظام قانونيّ إمبرياليّ هو بحاجة مستمرّة إلى إيجاد أو توليد مبرّرات قويّة وبين المجتمعات ذات المعايير المشتركة التي تكون تصوّراتها عن الحقّ والخير في نزاع أو خلاف مع ما يتطلّب القانون. وبسبب تلك المبرّرات التي استحدثتْ لأجل استدامة العنف يصبح النّظام القانونيّ عدوانيّا بالإصرار على فرض تصوّره ووجهة نظره كنسخة وحيدة للحقّ، وفي ذلك يقول هادلي أركز:

"عندما نستدعي لغة الأخلاق، فإنّنا نمدح ونلوم، نُثني ونُدين، نُحَيّي ونَسْخَر، نوافق ونعترض. بالتالي، قد لا يكون هناك معنًى لإلقاء هذه الأحكام على الآخرين ما لم يكن مفترضًا أنّ هناك معايير للحكم في متناولنا ومتناولهم تسمح لهم بأن يعرفوا أنّ ما يقومون به هو الصّواب أو الخطأ. فعندما نستدعي لغة الأخلاق فإنّنا نتحرّك بعيدًا عن بيانات الذّوق الشّخصيّ والمعتقد الخاصّ؛ إنّنا نقدّم الحكم على الأشياء الصّحيحة أو الخاطئة، عادلة أو غير عادلة عمومًا".[16]

لذلك يكون التّفسير القانونيّ الذي يهتمّ بالعنف مطلوبا، ليروي سردا يجعل المطالب التي يفرض تنفذيها مطالب موضوعيّة،[17] من حيث إنّ التّفسير القانونيّ يسعى ليس فقطّ لإظهار أنّ قراراته قويّة يمكن الدّفاع عنها من النّاحية الفنّيّة، ولكن لأنّها جديرة بأن تُفرَض ضدّا على إرادة الذين يقاومونها لأنّهم يستحقّون أن يذوقوا الألم الذي يتمّ باسمها".[18] وهو ما أدّى بحسب كوفر إلى "صعود أسهم المؤسّسة التّفسيريّة"،[19] وشجّع القضاة على خلق قصّة مُدعّمة معياريًّا تكفي للتّغلّب على التّحفّظ، ولإقناع المسؤولين الآخرين بعدم التّدخّل. وهو أيضا ما يجعل تقييد هذه القصّة والحدّ من ميلها إلى اكتساح مجالات وساحات جديدة أكثر صعوبة، الشيء الذي يستدعي تعزيز التّسامح في مواجهة هذا التّحدّي الخطير.[20]

إنه لمن الصّعب حقّا التّفكير في مثل هذه القصص من غير تذكّر مناقشات كوفر ودعوته إلى خلق المعنى القانونيّ حيث يشير إلى أنّ هذه العمليّة تنطوي على الالتزام والتّطابق، وعلى الموضوعيّة فيقول: إنّ "خلق المعنى القانونيّ يتطلّب التّفاني والالتزام، ويتطلّب الموضوعيّة".[21]ويأخذ كوفر هنا بعين الاعتبار مواقف وسلوك مختلف أفراد المجتمعات المعزولة الذين يُستغرَب أن يكون هناك أيّ انفصال جذريّ بينهم وبين مجتمع قضاة الدّولة، وتوقّع من هؤلاء أن يعترفوا بعرضيّة واحتماليّة المعاني والمبرّرات التي ولدت في هذا المجتمع. فلا يمكن أن يحصل العنف دون الشّعور بأنّ هناك ما يبرّره، وإذا حصل ذلك، فمن غير المرجّح أن تكون هناك قيود ذاتية على التّبرير.

لذلك فإنّ الأمور هي أكثر تعقيدًا كما يذكّرنا كوفر بشكل قاطع، يُساهم القاضي كما رأينا في تشكيل جهاز موظّفي الشّرطة وقوى الأمن الذين يشعرون أخلاقيًّا بأنّهم "أحرار" ليقوموا بالعنف القانونيّ فيؤثّرون بدورهم على القانون الذي ينفّذون أو يفرضون بالإكراه. ومع أنّ هؤلاء لا يقومون بمراجعة الاستحقاقات الموضوعيّة لأمر القاضي فهناك حدود أو قيود على ما تمّ توكيلهم للقيام به، وعلى الظّروف التي بموجبها سينجزون ذلك. فالقاضي الذي يُصدر الأوامر والقرارات يأمل منهم القيام بمهامّهم مع الحرص على أن يكون الإنجاز مطابقا للمراسيم ملتزما بالقيود.

إنّ التّفسير القانونيّ ليس حرًّا أبدًا، فهو يرتبط ارتباطا متبادلاً بالأدوار التي يصدر عنها أو يوجّه إليها، ويترتب على ذلك توتّر دائم بين إنتاج معنًى قانونيّ أكثر تماسكًا بطريقة يستحسنها دوركين، وبين "توليد إجراءات فعّالة في سياق عنيف".[22] لكن قد يكون لهذا القيد المفروض على التّفسير القانونيّ فضيلة تدجين وتلطيف عنف القانون على وجه التّحديد، غير أنّه يطرح مسألة الإكراهات المنطقيّة والبراغماتيّة، الاجتماعية والأخلاقيّة التي تتخلّص من قانون الدّولة لكي تصبح لها سلطة اتّخاذ القرار بتفضيل معنى من بين المعاني المتعدّدة ((Jurispathic لأجل إلغاء الأوامر المعياريّة الأخرى خلافًا لدعوة كوفر في نهاية مقالة "الناموس والسّرد".

وعودا على بدء، وكما تمّت الإشارة إليه في مقالة “العنف والكلام” فإنّ "تنظيم الناس" نعمة ونقمة في نفس الآن من حيث هو أمر ضروريّ لقانون يعني التّعامل مع الألم والموت. قانون يوفّر أجهزة تسعف على نحوٍ فعّال في تحوِيل الفكر إلى عمل يمكن أن ينتج عنف القانون بطريقة معتدلة خاضعة للسّيطرة عمومًا. فتكون تفاعلات النّظام القانونيّ الدّولتيّ مع الرّؤى المعياريّة المتنافسة محدّدة بتلك الأوضاع والظّروف، وفي هذه الأوضاع لا يكون القضاة أحراراً في القيام بتفسير قانونيّ دون عوائق، ولكن يجب أن تلبّي قراراتهم شروط ممارسة العنف. لذلك وعن سبيل المثال، فإنّ القاضي الذي يعيش في عالم يتضمّن نظاما ضدّ تعدّد الزّوجات، قد يجد أسبابًا قانونيّة مقنعة ليجد استثناءً لمجتمع انعزاليّ معيّن يؤمن بمبدأ تعدّد الزّوجات. أمّا إن كان القرار "الصّحيح" و"الأفضل" هو الاستجابة بشكل مناسب للتّنظيم الاجتماعيّ للعنف، فمن غير المرجّح أن يُراعَى هذا الاستثناء. إنّ الدّرس المستفاد من مقالة “العنف والكلام” هو أنّ الفكر لا ينتج عملا لا يتأثّر به، وأن تفسيره يتحوّل بحكم الضّرورة استجابة لسياقه العنيف.

يُغيًر العنف الأشياء والأشخاص ويغيًر القانون الأشياء والأشخاص أيضا، والقضيّة هي أنّ قدرة الذين يفرضون إرادتهم على الآخرين، أي أولئك الذين يستعملون الإكراه ليكفلوا الانسجام فيما بينهم سيرتّبون الأسباب والذّرائع لتبرير عدم احترامهم لما في محيطهم من تعدّد واختلاف. قد تضعف الفروقات الجديدة إذا كانت لا تدحض التّبريرات القديمة، وهذا يجعل كوفر مُحقًّا عندما اعتبر أنّ فائض الإفتاء بقضايا الضّمير يتعارض مع مطالب التّضامن بالتّأكيد. فإذا كان هذا صحيحا فهو شرط لا غنًى عنه لعنف قانون فعّال.

ما يسعى كوفر إلى الإقناع به، هو أنّ الشّعراء والفلاسفة غير المثقلين بالحاجة إلى الجانب العمليّ والتّطبيقيّ لأفكارهم هم أحرار في زيادة التّمايزات والاختلافات، يتصرّفون بحرّيّة في اختبار وجهات نظر متعارضة. وكما سبق الإشارة إليه، فإنّ الحاجة إلى القيام بالعنف تُحدث الاختلاف والفرق بحدوث الألم والموت، فعندما يتعلق الأمر بذلك مواقف لا يمكن التّراجع عنها، لأن ما يحدث يكون القضاة هم المسؤولون بشكل مباشر عنه. في العالم التّفسيريّ للقانون لا تُملي النّصوص أو يحدّد العقل وحده النّتيجة، بل على العكس من ذلك، ففي عالم يتطلّب العنف الشّرعيّ تتشكّل "النّتيجة الصّحيحة" في جزء منها من خلال الالتزامات المشتركة والمعاني العامّة التي تجعل مشروع التّعاون بشأن القانون ممكناً.

حتى ولو لم تكن هذه الالتزامات والمعاني مقنعة كلّيًّا ولا مشتركة أو عامّة، فإنّه يجب احترامها إذا ما أُريـدَ الحفاظ على قدرة القانون الهشّة على ممارسة العنف. لأنّ ثمن هذه القدرة، هو تصرّف يعادي رؤى وأوامر أنظمة معياريّة أخرى، خلافًا لما ورد في نهاية مقالة "النّاموس والسّرد" من دعوة إلى "وقف تقييد النّاموس" و "إلى عوالم جديدة". يربط العنف الفكر بالعمل، ونتيجة لذلك يجعل القانون أقلّ تسامحًا فيما يتعلّق بالتّعدّد والاختلاف، فقدرة القانون على أن يكون جرميًّا أو قاتلاً تميل إلى جعله سلطة لاتّخاذ القرار بين المعاني المتعدّدة (Jurispathic)، وهذا ضدّ أمل كوفر الحماسيّ.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

....................................

[1] حول إمكانية مثل ذلك الهروب، انظر:

Dumm,T. “The Fear of Law,” Studies in Law, Politics and Society 10 (1990): p.29.

Drucilla Cornell, “The Violence of the Masquerade: Law Dressed Up as Justice, “Cardozo Law Review 11 (1990), p. 1047

[2] انظر: Taylor, “Desire of Law/Law of Desire

[3] انظر:

Thomas, N., The View from Nowhere (New York: Oxford University Press, 1986); and Richard Rorty, Philosophy and the Mirror of Nature (Princeton: Princeton University Press, 1979)

[4] لكن انظر: Kelman and Hamilton, Crimes of Obedience

[5] انظر:

Stanley, F., “The Law Wishes to Have a Formal Existence,” in The Fate of Law, ed. Austin, S., and Thomas R. K, T., Ann Arbor: University of Michigan Press, 1991.

Dworkin, R., “Law as Interpretation,” Texas Law Review 60 (1982), p.527

[6] على حد تعبير Stanley فإنّ عبارة "التّفسير" ليست فن التّشكيل ولكن هي فن البناء. إنّ المفسرين لا يفكون رموز القصائد؛ بل يصنعونها".

(Is There a Text in This Class?) Cambridge: Harvard University Press, 1980),p. 327)

وأيضا:

Levinson,S., “Law as Literature,” p.373

[7] للإطّلاع  على مناقشة مفيدة حول هذه النقطة انظر:

Hart, H, L, A., on formalism and rule skepticism in The Concept of Law (Oxford: Clarendon Press, 1961), chapter 7

[8] انظر: Fish, Is There a Text in This Class?

[9] حول التّمييز الشّخصيّ والذّاتيّ انظر: Nigel, The View From Nowhere, pp.152-53

[10] لمعالجة عامّة لهذا الموضوع انظر:

Noonan, J., Persons and Masks of The Law: Cardozo, Holmes, Jefferson, and Wythe as Makers of Masks (New York: Farrar, Strauss & Giroux, 1976)

[11] المسألة هنا هي عن القيد الذي تفرضه الحقائق القانونيّة والسّياسيّة، وهي تقع في صميم المناقشات النّظريّة التّفسيريّة نظر:

Levinson, “Law as Literature” and Gerald Graff,” Keep off the Grass, ‘Drop Dead’ and Other Indeterminacies, “Texas Law Review 60 (1982),p. 405

[12] عن ضرورة التّشاور في صنع القرار الأخلاقيّ، انظر:

Maguire, D., The Moral Choice (Garden City, N.Y.: Doubleday, 1978).

Charles Larmore, Patterns of Moral Complexity (Cambridge: Cambridge University Press, 1987)

[13] يقول كوفر: "لا يمكن أن يكون تفسير القانون صالحًا إذا لم يكن هناك من هو على استعداد ليعيشه"

(Nomos and Narrative,” p.44)

[14] Cover, “Violence and the Word” 1627

[15] يقصد بالتّبرير القويّ ذلك التّبرير الكافي لشرح عمل يكون له أصل أو مصدر آخر غير كونه عمل إرادة أو قوّة صرفة. انظر:

Hadley A., First Things (Princeton: Princeton University Press, 1986), p.20

[16] المرجع نفصه، 22-24.pp

[17] "تستددعي نصوص القانون القيام بعمليّة تفسير لأجل التّنزيل على الوقائع موضوع النّوازل المعروضة على القضاء، وتنشد عملية التّفسير هذه تحقيق الخير الذي هو في حدّ ذاته تفسيرا وليس أمرا نهائيّا لما يمكن أن يكون، فهي من هذه النّاحية وعد بالتّوفيق الكامل... ولكن حتى مع ذلك، فإن قانون القانون هو ما نبرر به تفسيرنا من خلال مناشدتنا الخير. عندما يتمّ الدّفاع عن التّفسير القانونيّ باعتبار أنّ ما يشرعه هو الخير، فإنّه يُفرض على الآخر كما لو أنّه قد تمّ إنجاز الخير او تحقيقه" (Cornell, From the Lighthouse,” p.1712)

[18] انظر:

Minow, M., Making All the Difference: Inclusion, Exclusion, and American Law (Ithaca: Cornell University Press, 1990) pp. 60-65

[19] Cover, “Nomos and Narrative” p.51

[20] على حدّ تعبير Minow (Making All the Difference, pp. 64-65) "تسعى اللّغة القانونيّة لأن تطبق عالميًّا، بغضّ النّظر عن الصّفات الخاصّة للفرد، إلاّ أنّ الكونيّة المجرّدة في كثير من الأحيان، "تأخذ الجزء بالكلّ، تأخذ الخاصّ بالكونيّ والجوهريّ، والحاضر بالأبديّ ... "في ذلك اليوم، ستفشل العدالة بإقرار منظورها الخاصّ ونفوذها في تعيين الفرق فيما يتعلّق ببعض القواعد غير المعلنة".

[21] .Cover, “Nomos and Narrative,” p.45

[22] Cover, “Violence and the Word” p.1629

 

 

علي رسول الربيعيالتّنظيم الاجتماعيّ للقانون: في إنجازات العنف المنظّم

واصل كوفر الذي حوّل العنف إلى سلام بطريقة مبدعة تخيّله عن صنع السّلام بين عنف القانون وضبط النّفس والتّسامح لاعتقاده أنّ ذلك ضروريّ جدًّا للقانون. لم يكن ممتنعا بالنّسبة له أن يحدّد الظّروف التي تجعل عنف القانون مؤثّرا بشكل فعليّ في العالم لاسيما وقد تناول باهتمام بالغ في مقالتين بعنوان: "العنف والكلمة" و"قيود التّفسير الدّستوريّ" الدّور المهمّ الذي يضطلع به القضاة في التّنظيم الاجتماعيّ للقانون، حيث رأى أنّهم  يرأسون قمّة "هرم العنف".[1]

وبشكل مجازيّ فإنّ الهرم يكوّن مفهوم التّنظيم الاجتماعيّ في مقالة "العنف والكلمة"، وهو يعني تسلسلا صارما واضح المعالم لعنف الدّولة يطابق التّسلسل الهرميّ للمؤسّسات القانونيّة نفسها".[2]ونظرًا للصّورة المُقدّمة للقضاة الذين يرأسون قمّة هذا التّسلسل يصبح من الطّبيعيّ طرح التّساؤل ليس عن كيفيّة تفسيراتهم للنّصّ القانونيّ وعمّا إن كانت تقيّد العوالم أو تخلق عوالم جديدة، ولكن وبالأحرى عمّا يحدث لتلك التّفسيرات عند اكتمال العمل التّفسيريّ إن كان سمع بها أحد أو اهتمّ لها أيّ شخص.

فإذا كانت الإجابة بالنّفي، فسنواجه وضعا القانون لا يستطيع معه القانون نشر إكراهه القسري، وهو وضع قد يكون مرحّبا به من قبل النّاموس ولكن لا يكون مرحّبا به بمجرد الإقرار بأن العنف هو بالفعل داخل مجتمعنا ونظام حكمنا. وعن هذا يقول كوفر: "لوقف المعاناة قليلا أي لوقف فرض العنف يتعيّن إعطاء القانون لأولئك الذين هم على استعداد للقيام بذلك". [3] وإذا لم يكن هكذا فقد يتجرّأ الآخرون من هم في أسفل سلّم القيادة على استعمال الإكراه والقسر بشكل فرديّ مستقلّ فوضويّ وغير منضبط وهو بالتّأكيد ضدّ كلّ من الاحتمالين: سواء بالنّسبة لاحتمال السّيطرة على العنف بشكل عامّ في المجتمع، أو بالنّسبة لاحتمال الدّولة الخارجة عن القانون لأنّ الرّؤية اللّيبراليّة في القانون تنظّم نفسها بنفسها.[4]

يبدو كوفر في مقالته عن "النّاموس والسّرد" وكأنّه يقف مع المعنى ضدّ السّلطة،  لكنّه في مقالتيه عن "العنف والكلمة" وعن "قيود التّفسير الدّستوريّ" يبدو كأنّ تحالفه مع المعنى قد تزعزع، ويتّضح ذلك  حين يقول:

"إذا كانت فكرة الموت والألم تُعدّ في جوهر التّفسير القانونيّ من الأفكار السّيّئة فلا ضير من ذلك، لإنّه لن يكون هناك أفضل من مجتمع الحجّة ومن قرّاء وكُتّاب النّصوص والمفسّرين، طالما أنّ الموت والألم يُشكّلان جزءا من عالمنا السّياسيّ فمن الضّروريّ أن يكونا في جوهر القانون. لن يكون البديل عنهما مقبولًا لأنّهما موجودان حقيقة داخل سياساتنا، ولكنّه سيكون خارج الانضباط لقواعد اتّخاذ القرارات الجماعيّة في معزل عن الجهود الفرديّة الرّامية إلى تحقيق نتائج من خلال تلك القواعد".[5]

لا نرى في هذه الجمل حضورا للنّاموس، كما لا نرى تأكيدا واضحا على قدرات وفضائل المجتمع التّعدّديّ، ولكنّنا نجد ما يحيل إلى خطر الصّراع وإلى التّفاعلات التي قد تجري عند الحدود الفاصلة معياريّاً بين المجتمعات المُوحّدة أو المندمجة. لذلك نجد أنّ عمل كوفر هو استحضار لكابوس هوبز (Hobbes) عن الموت والألم غير المنضبطين داخل جسم النّظام السّياسيّ ولكن خارج نطاق القواعد.[6] ففي نظره يتحقّق النّظام والسّلام فقطّ عندما يتجسّد التّفسير القانونيّ وتتحقّق ظروف وشروط "هيمنة فعالة ومؤثّرة".[7] لأنّه في حال عدم حصول ذلك تصبح "حالات الأخذ بالثّأر والمقاومة والانتقام"[8] واردة في المجتمع.

ولعلّ في إشادة كوفر "بقواعد القرار الجماعيّ" وبالأشخاص الذين يسعون إلى تحقيق النّتائج من خلال الالتزام بها يعبر عن انتقال من هوبز إلى لوك، أي انتقال من حركة السّلطة ضدّ الحرّيّة إلى القواعد ضدّ الفوضى. والملاحظ هنا كذلك، تخيل عالم خارج القانون لاستحضار وتبرير الانضباط "للقواعد".[9] فانطلاقًا من كابوس هوبز كفرضيّة مؤسّسة خطا كوفر لتبرير عنف القانون باعتبار ما يفرض من انضباط قسريّ، والتّساؤل هنا هو عن مدى كفاية مفهوم لوك عن "انضباط قواعد القرار الجماعيّ"، بالإضافة إلى إحياء الانضباط حيثما وُجِدَ.

إنّ هذا الانضباط الذي تتمّ به السّيطرة على انتشار الإكراه، وهذا التّنظيم الذي يقوم به القضاة من خلال تفسيراتهم للنّصوص القانونيّة يقفان في تناقض صارخ مع حالات انعدام القانون وحالات العنف غير المنضبط الذي أشار إليه كوفر بمثال الإعدام من دون محاكمة[10]حيث "يختفي النّاس ويموتون فجأة بدون أيّة مراسم للعزاء داخل السّجن دون أيّ مبرّر، ودون أيّ تفويض لدفنهم".[11] فالنّظر من الدّاخل ضدّ شبح العنف غير المنضبط يجعل انضباط قواعد القرار الجماعيّ في اعتقاده إنجازا يستحق التّقدير. يقول: "علينا أن نتوقّع من عنف القرارات التّفسيريّة للقضاة تنظيما كاملا تقريبا، ويعتبر مثل هذا التّنظيم الجيّد للعنف إنجازاً".[12]

لقد اهتمّ كوفر بهذا "الإنجاز" من خلال فهم كيف تُتَرجِم التّفسيرات القضائيّة النّصوص القانونيّة إلى أفعال، وكيف تصبح العبارات القضائيّة أعمال عنف. يعني ذلك أنّه عندما يواجه القضاة مشكلة تفسيريّة فإنّهم يواجهون مشكلتين وليس واحدة: الأولى، هي مشكلة المعنى في حدّ ذاته، أي كيفيّة تحديد وتبرير تأويل مُرضٍ للنّصّ إن لم يكن متفوّقًا على ايّ تـأويل أخر.[13] أمّا الثانية، فهي مشكلة التّنفيذ، أي كيفية ضمان أن يعمل الآخرون بناءً على الأسس والطّرق التي يحدّدها القرار النّاتج عن ذلك التّفسير.

ففيما يتعلّق بالأولى أي بمشكلة المعنى، أخذ كوفر بعين الاعتبار مرّة أخرى التّنظيم الاجتماعيّ للقانون، لكن من خلال تنظيم التّفسير والتّبرير الاجتماعيّ، كتب يقول: "لا يعمل أيّ قاضٍ منفردًا لأنّ تطبيق فهم القانون في مجال الألم والموت يتطلّب الموافقة الإيجابيّة أو السّلبية للعقول القانونيّة الأخرى".[14] فقبل أن تُترجم العبارات القانونيّة إلى أفعال يجب على القضاة الآخرين سواء كانوا قضاة استئناف ينظرون في قرار ابتدائيّ، أو كانوا من أعضاء المحكمة الابتدائيّة أن يقتنعوا بعبارت القرار المتّخذ، وبأنّ تفسير النّصّ القانونيّ منطقيّ ومعقول. وبعبارة أوضح، يجب أن يقتنعوا بأنّ تفويض العمل له ما يبرّره، وأنّ العبارات توفّر تبريرًا كافيًا للعنف المقضي به. لذلك، يُعدّ مجتمع القضاة دائمًا مجتمع تفسير وتبرير، لأنّ "التّبرير بالنّسبة لأولئك الذين يفرضون العنف مهمّ للغاية".[15]

بما أنّ القضاة لا يقومون بأنفسهم بالأفعال التي تُجيزها قراراتهم، فإنّهم يعتمدون على الآخرين في الأدوار أو الوظائف المؤسّسيّة الموجودة لتنفيذ الأوامر، وجعل تلك القرارات نافذة المفعول في الواقع. لقد وضّح كوفر هذه الحقيقة الواقعيّة المألوفة من خلال النّظر في قرارات الأحكام الجنائيّة التي يقوم بها القضاة في ميدانهم"،[16] والتي تعتمد على "هيكلة التّعاون" بين الشّرطة والسّجّانين وباقي المنفّذين "بناء على أوامر القاضي لضمان عدم هروب السّجين، وحماية القضاة والمدّعين العامّين والشّهود والسّجانين من الانتقام".[17] وتعمل هيكلة هذا التّعاون على التّغلّب على الموانع الثّقافيّة والأخلاقيّة التي تكبح "إلحاق الألم بالآخرين"،[18] فبالنّسبة له الحقيقةً الأساس هي أنّه يمكن التّغلّب على تلك الموانع "بناء على أمر من القاضي".

يقوم القضاة من خلال هيكلة التّعاون بالعمل التّفسيريّ الذي يجعل من أفعال عنف القانون "أفعالًا مفهومة"[19] بالنّظر إلى "الاهتمام التّلقائيّ النّسبيّ بأوامر القضاء"،[20] "لذلك فإنّ أولئك الذين ينفّذون هذه الأوامر قادرون على أن يحيلوا إلى القاضي المسؤوليّة الأخلاقيّة الأساس لأعمال العنف التي قاموا بها".[21] فالسّياق المؤسّسيّ للتّفسير القانونيّ يتيح ما يمكن التّنبّؤ به من مجموعة الرّدود على القرارات القضائيّة، "رغم أنّ هذا غير ضروريّ من النّاحية المنطقيّة"،[22] غير أنّ في هذه الفجوة ما بين الضّرورة وما يمكن التّنبّؤ به يحاول كوفر معرفة الطّريقة التي يضبط بها التّفسير نفسه من خلال الحاجة إلى عمل أولئك الذين يقومون بعنف القانون فعلًا لتنظيمه والسّيطرة عليه في الوقت نفسه.[23]

يتطلّب الانتقال من التّفكير في التّفسير إلى التّفكير في التّنفيذ النّظر في احتمالين بداية، فقد تُحلّ مشكلة تنفيذ العمل التّفسيريّ وما يدلي به من مبرّرات، وقد تمتلك قراءات النّصوص حجّيّة موثوقة ومقنعة تقدّم تحليلات لا يمكن لأيّ عاقل أن يختلف عليها. كما قد يتمّ التّنفيذ على شكل سلسلة من القرّاء المتعاقبين: يقرأ القاضي النّصّ، ثمّ مدير الشّرطة، ثمّ السّجّان، فيقرأ الجميع، ولو بشكل مستقل، النص بالطريقة نفسها، ويتبنى جميعهم التبريرات نفسها ، ونتيجة لذلك، يتبنى جميعهم الالتزامات نفسها. ولكن  كوفر من خلال مُعطى نظريّته الخاصّة في التّفسير حيث يكون عالم المعنى هو عالم الحرّيّة وليس عالم السّلطة والحكومة[24] أستكشف احتمالا ثانيًا لفهم كيف يمكن أن تُترجم القراءات القانونيّة إلى أفعال.

فقد وجد من ناحية أولى، أنّه يمكن العثور على الجواب اذا ما غيّر القضاة طريقة قراءتهم وأخذوا بالاعتبار ردود فعل الآخرين في سلسلة الأوامر. ومن ناحية ثانية في هيكليّة الحكومة البيروقراطيّة والأدوار التي تضمن الامتثال التّلقائيّ نسبيًّا لأيّة قراءة تصدر من شخص يمارس السّلطة القضائيّة.[25] ففيما يتعلّق بالنّاحية الأولى، قد يكون انتباه القضاة إلى فهم المعنى بريئًا كما لو كانوا شعراء أو كتّابا أدبيّين، وسيكونون أحرارا في العمل كما هو هرقل عند رونالد دوركين طبقا لإحساسهم بأنّ هذه هي أفضل نظريّة للمعنى وللأخلاق السّياسيّة،[26] وأنً قيامهم بذلك سيُنقذ المعنى من خطر تخليّه عن السّيطرة على أجهزة عنف الدّولة.

على كلّ حال، يسعى القضاة كعادتهم في أداء واجبهم العادي لضمان استجابة هذه الأجهزة، ووفقًا لوجهة نظره لا تعني الأعمال التّفسيريّة من النّاحية القانونيّة شيئًا إذا لم يتبنّاها أحد. وبالتّالي فإنّ القضاة ليسوا أحرارًا،[27] ولا يمكنهم في غفلة شعريّة تضمين أشياء من خارج النّصّ. إنّ التّفسيرات والمبرّرات القانونيّة التي يقدّمها القضاة هي دائمًا، ويجب أن تكون دائمًا واعية بالسّياق المؤسّساتيّ والتّنظيميّ الذي يتمّ به تلقّيها وترجمتها إلى أفعال. يقول كوفر: "تتطلّب ممارسة التّفسير فهم ما سيفعل الآخرون وما تتحدّث به المحكمة، في كثير من الحالات، قد يكون تعديل هذا الفهم، بغض النظر عن مدى ضلالته، هو الرد المؤسّسيّ المحتمل. وفي حال تعذر ذلك، يضحي المُفسّر في الرّبط بين فهم ما يجب فعله وبين الفعل في حدّ ذاته".[28]

"فبصرف النّظر كيف سيكون سوء التّوجيه أو التّضليل" كان تفكير كوفر واضحاً حول أولئك المسؤولين عن الفعل بدلًا من الكلام. ولهذا السّبب يجب أن يكون تأثّر الجمهور ضئيلاَ هنا. لذلك فهو يرى أنّ على القاضي أن يتذكّر أنّه قاضٍ وليس شاعرًا، ويأخذ بعين الاعتبار دائمًا الاستجابات المؤسّسيّة المحتملة لضمان أن تكون قراءاته مقنعة إن لم تكن صافية وفعّالة وممتازة. وعلى هذا الأساس، يتشكّل التّفسير القانونيّ بعمق من خلال إدراك الطّابع المشروط للتّنفيذ، فيتبدّل المعنى ويتحوّل ليكون ضامنًا لاتّباع حكم القاضي. لا تعني القراءة الممتازة لنصّ قانونيّ أن تحظى بثناء النّقّاد، لكنّها تنبّه وتثير الاستجابات اللاّزمة لدى المسؤولين الذين يقومون بأعمال العنف التي تسمح بها تلك القراءة.

عندما أخذ كوفر التّنظيم الرّأسيّ للقانون بعين الاعتبار بدت نظرته الفوضويّة للدّرجات السّفلى من هرم يقف القضاة على رأسه مثيرًا للرّيبة "فعندما يُفسّر القضاة القانون في سياق رسميّ يُتوقّع كشف العلاقة الوثيقة بين الأوامر والأفعال التي ينتدبون لها أو يكلفون بها، كما يُتوقّع أن تؤدي أوامرهم دور المحفّزات الفعليّة للعمل. فعن سبيل المثال، لا يُتوقّع أن تتصادم مداولات السّجّانين والحرّاس مع الإجراءات المقرّرة بأوامر قضائيّة".[29]

إنّ اللّغة التي وصف بها كوفر ترجمة الأوامر القضائيّة إلى إجراءات قانونيّة غامضة وغير مألوفة، فهو لم يحدّد ما إن كانت العلاقة بين أوامر القضاة وبين الأفعال التي يقوم بهاالآخرون مبنيّة على التّجربة والاختبار وتشير إلى "ما نتوقّع"، أم أنّ لها بدلًا من ذلك بُعُدا معياريّا يُشير إلى "ما ينبغي أن نتوقع". يبدو مع كوفر إذن أنّ البديل المُتَخَيّل الذي يُولّد "الأفضليّات والتّوقّعات" هو جهاز عنف الدّولة غير المستجيب للالتزام والانضباط.

"عندما يُفسّر القضاة نصّا قانونيّا فإنّهم يحفّزون عامل السّلوك داخل المؤسّسات والمنظّمات الاجتماعيّة، فيظهرون على مستوًى معيّن من الفهم، أو يقدّمون في الواقع لجمهورهم المقصود فهمهم للعالم المعياريّ. إلاّ أنّه وعلى مستوًى آخر ينخرطون في آليّة عنيفة حيث يفقد الجزء الأكبر من جمهورهم القدرة على التّفكير والعمل بشكل مستقلّ".[30] قد يتوقّع المرء عند هذه النّقطة أنّ كوفر قد ثار ضدّ أفكاره الخاصّة في مواجهة مثل هذا السّلوك البيروقراطيّ الجامد وغير المعقول، وتمرّد ضدّ استغلال السّلطة التّفسيريّة لتعليق "القدرة على التّفكير والتّصرّف بشكل مستقلّ" لأنّ ذلك متوقّع من كوفر الفوضويّ، أو كوفر التّعدّديّ المعياريّ الذي يحتضن ويثني على نظريّة تنظيم اجتماعيّ تسمح بتعدّد مواقع التّفسير، وبالمواقع التي تسود فيها القراءات البديلة لأنّ تفكيك مركزة سلطة التّفسير تدخل المراكز المعنيّة في تنافس حول تفسير القانون، وهو ما يساعد على الحدّ من عنفه، وعلى تسوية المشاكل المتعلّقّة بتعقيدات تسلسل إصدار الأوامر.

لكنّه تخلّى عن المعنى (الحرّيّة) آخذا بمتطلّبات النّظام في عالم التّفسير بنظر الاعتبار لأجل أن يكون العنف منظّما. وضبط المعنى بواسطة متطلّبات الانضباط نفسها، فناهض إمكانيّات الإكراه غير المنضبط، ونظر إلى التّفسير القانونيّ والتّنظيم الاجتماعيّ للقانون من داخل القانون نفسه كمجال لتحقيق "أيّ إنجاز ممكن لتدجين العنف"[31] وتحويل الإكراه إلى إقناع، وتحويل الحرب إلى سلام.

ليس من المستغرب أن يكون هذا التّفاؤل من وراء قبوله بعنف القانون، فقد كتب كما لو أنّ هذا العنف لن يكون له ثمن يدفعه القانون نفسه،[32] لذلك يمكن جمع تعليمات وتوصيّات قانون الدّولة التي أعرب عنها في "النّاموس  والسّرد" و “العنف والكلمة” كالتّالي:

الامتناع عن العنف حيثما كان ذلك ممكنًا، السّماح بأن تزدهر عوالم جديدة، ولكن من أجل الحياة يجب أن لا ننسى أنّ عنف القانون ضروريّ في بعض الأحيان. ومع ذلك يجب ألاّ يكون متاحا بشكل تلقائيّ وإنّما بحسب الحاجة إليه. في النّهاية، فإنّه بقدر ما يعتبر العنف المعتدل والمراقب إنجازا مطلوبا لتنظيم النّاس، بقدر ما هو معقّد وهشّ.

يتضح من هذا الكلام إصرار كوفر على أن يكون عنف القانون مقنّنا محدود الاستعمال وذلك لاقتناعه بأنّ المجتمع يعيش عوالم معياريّة في ظلّ النّاموس، من غير أن يلتفت إلى أنّ العنف قد يدمر بسهولة هذا النّاموس على الرّغم من الحاجة إلى معاييره للدّفاع عن المعياريّة والحفاظ عليها. تُشير الدّعوة إلى الضّبط والتّقييد المذكورة في نهاية مقالة "النّاموس والسّرد" أساسًا إلى أنواع من المحاكمات حيث يكون استخدام الإكراه مناسبًا وله ما يبرّره؛ مع أنّ الإصرار على هذه المحاكمات النّاذرة نسبيًّا، وعلى استعمال الإكراه القانونيّ بشكل منضبط ومحدود ينسجم مع القناعة بأنّ بعض هذا الإكراه ضروريّ ينبغي تطبيقه بشكل فعّال في تلك المناسبات. إذن، لكي يقوم القانون بالدّور المنوط به يجب أن يكون عنيفًا لكن بأدنى حدّ ممكن. إنّ التفات كوفر لعنف القانون في مقالة "العنف والكلمة" تشير إلى أنه بالرّغم من أسبقيّة المعياريّة على القانون تبقى هناك ضرورة لعنف القانون، كما تبقى الحاجة إلى تأمين ظروف استخدامه على نحو فعّال وكفوء أيضًا.

يأتي السّؤال عن إمكانيّة الحصول على ذلك بكلتي الوسيلتين، وعمّا إن كان بالوسع توفير شروط الاستخدام الفعّال للإكراه التي حدّدها ببصيرة نافذة، وطوّر من خلالها في الوقت نفسه نظاما قانونيّا منضبطا، متسامحا ومشجعا في الموقف من الرّؤى المعياريّة البديلة. كما يأتي السّؤال عن إمكانية أن يكون القانون قاتلا بتبنّي معنًى وحيدا من بين معاني متعدّدة وبدون أن تكون له سلطة اتّخاذ القرار بحسب مصطلح (Jurispathic) الذي أشار به إلى سلطة الحكومة وممارستها للحكم عبر قمع أو إبادة القيم التي تتعارض مع قيمها.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

............................

[1] Cover, “Violence and the Word” 1609

[2] Douglas, H., “Time, Inequality, and Law’s Violence” in Austin Sarat and Thomas R. Kearns” Law’s Violence [Ann Arbor: University of Michigan Press, 1992], pp.3-4

[3] Cover, “The Bonds of Constitutional Interpretation “p. 833

[4]Sarat and Kearns, “A Journey Through Forgettingأنظر:

[5]  .Cover, “Violence and the Word,” p.1628

[6] للحصول على تحليل مماثل ولكن في سياق مختلف، انظر:

Gary, P., “Reason and the Mob” Tikkun 2 (1987), p.28

[7] Cover, “Violence and the Word,” p. 1616

[8]  المرجع نفسه، 1616. انظر أيضًا:

Susan, J., Wild Justice: The Evolution of Revenge (New York: Harper & Row, 1983)

[9] انظر  Sarat and Kearns, “A Journey Through Forgetting”

[10]Cover, “Violence and the Word,” 1624.

[11] المرجع نفسه.، 1624 في مكان واحد، يبدو كوفر انه يفكر بأفتراض وقضية مختلفة تمامًا، يقول: " أنه يجب أن يُنظر إلى العنفو كإشكالية بنفس الطريقة فيما إذا كان سيتم تنفيذه بامر من قاضي المحكمة ، او من قبل رجل مافيا." لكنه عاد فأنسحب بسرعة  قائلاً ، " أرجو أن تلاحظوا هنا جيدًا، أنني لا اقول أن هنام مساواة في كل عنف المبرر منه وغير المبرر. وأدعي بأنه إشكالي بنفس الطريقة. وأعني بذلك، شكل التحليل الذي نقدمه لتحديد  فيما إذا كان للعنف ما يبرره أو لا هو يتم بالطريقة نفسها. الطريقة نفسها إذا كان هناك أيً خير  عام وعلى الأطلاق لن تعطي الجواب نفسه فيما يتعلق بالحالات المتباينة." (إنظر، Folktales of Justice,” p.182 and note 15) .

[12]Cover, “Violence and the Word,” 1624.

[13]  بطبيعة الحال، هناك كثير من النّقاش في النّظريّة القانونيّة والدّستوريّة. انظر عن سبيل المثال:

Snford Levinson, “Law as Literature,” Texas Law Review 60 (1982), p.373; and Ernest, W,, “Legal Formalism: On the Immanent Rationality of Law, “Yale Law Journal 97, 1988,P.949

[14] Cover, “Violence and the Word” 1627

[15] المصدر نفسه، 1629. يكون التّركيز على تبرير الحكم كبيراً بشكل خاصّ لاسيما في الحالات التي يكون فيها العنف المسموح به أشد حدّةً. يتمثل هذا في حكم الإعدام بوصف هذا الحكم بالغ الصّرامة ونهائيّا لا يمكن إلغاؤه، فيكون الإلحاح والتّركيز على الكلمة – التّفسير الذي يشرّع ويؤسّس للتّبرير القانونيّ لهذا الحكم. فيشكّل حكم الإعدام المظهر الأكثر وضوحا للعنف في التّفسير القانونيّ، حيث يكون فرض هذا الحكم اختبارا قويّا للإيمان والالتزام بحكم المفسّر (المصدر نفسه ص 1622)، يصبح الإيمان والالتزام الاختبار النّهائيّ للتّفسير، والمعيار النّهائيّ الذي سيتمّ على أساسه قياس قوّة الإقناع في التّبرير.

[16] المرجع نفسه، 1618.

[17] المرجع نفسه، 1619.

[18] المرجع نفسه، 1613. على حدّ تعبير كوفر، "عندما يكون كبح العنف كاملًا، لن يكون للقانون ضرورة؛ إذ لو لم يكن القانون قادرا على التّغلّب على العنف من خلال إشارات اجتماعيّة فإنّه لن يكون ممكناً أو جائز الحدوث. (المرجع نفسه). للإطّلاع على مناقشة مفيدة حول مخاطر تجاوز ذلك الكبح، انظر:

Herbert, K., and Hamilton, V, Lee., Crimes of Obedience: Toward a Social Psychology of Authority and Responsibility, New Haven: Yale University Press, 1989)

[19] Cover, “Violence and the Word” p.1617

[20] المرجع نفسه، 1626.p

[21] المرجع نفسه، 1626-27.pp.

[22] المرجع نفسه، 1611.p

[23] لأنّه يمكن التّنبّؤ بالأجوبة، فإنّه يمكن للقضاة درس أو مراجعة أعمالهم التّفسيريّة الخاصّة باعتبار أنّ لديهم تأثيرا على العالم؛ ولأنّ الأجوبة ليست ضروريّة منطقيًّا، يجب على القضاة أن يكونوا متيقّظين للظّروف التي تحافظ على جودة التّنبّؤ في الإدارة والتّنفيذ.

[24] انظر، Cover “Nomos and Narrative”, p. 18.

[25] على حدّ تعبير  Cover: "لا ينتظر السّجّان والحارس والمنفّذ مكالمة هاتفيّة من عالم أو فقيه أو أي ناقد قبل تنفيذ حكم الإعدام بالسّجناء مهما قد تكون تفسيرات أولئك مقنعة. إنّهم ينتظرون أمر القاضي فقطّ، وبقدر ما يحمل ذلك الأمر في طيّاته من دلائل رسميّة يكون النُّطق بالصّفة القضائيّة." (“Violence and the Word” p.1625)

[26] انظر، Ronald Dworkin, “Hard Cases” Harvard Law Review 89 (1975):p. 1057

[27] Cover, “Violence and the Word,” p.1617

[28] المرجع نفسه، 1612.p

[29] المرجع نفسه، 1613-14.pp

[30] المرجع نفسه، 1615.p

[31] المرجع نفسه، 1628.p

[32] من الواضح أنّ كوفر لم يكن فوضويًّا كثيرًا بقدر ما كان غير مبالٍ بتمايز الإعدام خارج نطاق القانون (أو آلية تشغيل الشّرطة بعيداً)، عن الإعدام بعد المحاكمة ومراجعة الاستئناف. لم يكن لدى كوفر هذا النّفور الرّومانسي من العنف ولا مثل هذا التّعاطف غير المشروط مع الحرّيّة على حساب النظام، لكنّه رفض العنف تمامًا.

 

علي رسول الربيعيمعيارية القانون

إنّ وصف كوفر لعنف القانون هو جزء من مشروع كبير، ففي الحين الذي يقدّم فيه تصوّرًا مميّزًا عن القانون يستكشف الموضوعات الكلاسيكيّة في النّظريّة السّياسيّة والقانونيّة التي تتعلّق بالمعنى والسّلطة، بالحرّيّة والنّظام، بالمجتمع والدّولة.[1] تبدأ نظريّة كوفر السّياسيّة والقانونيّة مع افتراض أنّنا "نعيش في ناموس، في عالم معياريّ، نخلق فيه باستمرار عالم الحقّ والباطل، القانونيّ وغير القانونيّ، الصّالح والباطل" ونحافظ عليه.[2]"فالنّاموس يشكّل "وجودنا" الاجتماعيّ كما تشكّل الكتلة والطّاقة والزّخم العالم المادّيّ، وإنّ فهمنا لبنية العالم المعياريّ ليست أقلّ أهمّيّة أو قيمة من فهمنا لبنية العالم المادّيّ".[3]

تقف هذه الصّورة المعياريّة بوصفها شرطا أساسا لحياة المجتمع الإنسانيّ في تناقض صارخ مع الصّورة اللّيبراليّة لمجتمع من دون قانون بوصفها حرب الجميع ضدّ الجميع.[4] فبالنّسبة لكوفر، يُعدّ العالم الذي يقع خارج القانون عالما اجتماعيّا مكوًنا من مجتمعات محلّيّة وجماعات لكلّ واحد منها رؤية مميّزة عن الخير تشجّع على الالتزام بها بدلًا من عالم معزول أو أفراد متنافرين،[5] إنّه عالم من الرّؤية والالتزام والقيم والطّموحات المشتركة وليس عالم المصالح المتعارضة، إنّه عالم النّاموس. إنّ مهمّة القانون هي المشاركة في ذلك النّاموس وتأييد ولادة رؤية معياريّة وحياة ملتزمة؛ فمهمّة القانون هي التّسامح والاحترام وتشجيع التّنوّع المعياريّ حتى عندما يُولِّد هذا التّنوّع معارضة لقواعد وأوامر القانون نفسه. إنّ خطر القانون يكمن في مواجهة هذا التّنوّع من خلال الإصرار على تفوّق نظامه وأوامره، أذ إنّ قيامه بذلك سيقيًد النّاموس.

فهو يعتبر أنّ القانون هو أكثر من مجرّد قواعد وأوامر تشرّعها مؤسّسات الدّولة،[6] وأنّ دولة القانون عليها أن تجسّد رؤية معياريّة وتعبّر عنها لأنّها من وجهة نظره هي القوّة الخاصّة والمهمّة بالنّسبة لأيّ نظام قانونيّ ودستوريّ، ويضرب عن ذلك مثلا بدستور الولايات المتّحدة الذي يعتبر بياناً للقيم وليس مجموعة قواعد.[7]ففي اعتقاده يساهم القانون في صياغة وتوضيح الطّرق التي تجري بها الحياة في الحاضر وعلى ضوئها يتمّ تحديد الإمكانات المستقبليّة، فلا ينشأ القانون من خلال عقد أوعلاقات طويلة الأمد بين أفراد يسعون لصياغة أهداف مشتركة كما يعتقد اللّيبراليّون،[8] ولا من أوامر الحكومات والحكام أو الملوك.[9]

يربط القانون النّاموس بالسّرد، أي بسرد الخبر أو قصّة الحدث بحسب كوفر،[10] "فالقانون والسّرد مرتبطان بشكل لا ينفصل"،[11] ويشير في مقالته عن "التّاريخ والمصير، عن البداية والنّهاية، عن التّفسير والغاية".[12] الى "إنّ المتن القانونيّ لا يتضمّن مجموعة القوانين فقطّ، وإنّما يتضمّن اللّغة وسرديّات الأساطير في ذلك المتن أيضًا"، ويشمل السّرديّات التي"تؤسّس نماذج السّلوك" كذلك، يوصف القانون هنا بكونه "مخزونا من التّحركّات ومعجما للعمل المعياريّ"[13] ولا تتضمّن الرّوايات السّردية للقانون الصّور والمُثُل العليا فقطّ لكنّها تتناول الأوضاع الجارية فيما يمكن أو يجب أن تكون عليه أيضا، "فـالنّاموس هو العالم الحاضر الذي يتشكّل بواسطة نظام يشدّ الواقع بالرّؤية".[14]

وعلى هذا الأساس يعتقد كوفر أنّه بقدر ما يكون هناك أهتمام بصحّة النّاموس، بقدر ما لن تكون هناك حاجة للدّولة".[15] لأنّ قانون الدّولة يوفّر مصدرا واحداً للمعنى من بين مصادر عديدة، مصدرًا لا يمكنه بحكم ارتباطه بمطلبها أن يزعم لرؤيته المعياريّة الوحيدة الصّحّة أو التّفوّق على رُؤًى مختلفة في أماكن أخرى.[16] فهو يوفّر رؤية واحدة فقطّ عن الخير والمصلحة، ويبني جسراً واحداً من جسور عديدة تربط بين العالم بالفعل، وبين الحقائق البديلة التي تشمل التّصوّر البشريّ عن المستقبل.[17] لهذا، عندما يفسّر القاضي قانون الدّولة ويضفي عليه معنًى فإنّ ذلك يكشف عن أنّ هناك  تفسيرات ومعاني أخرى للقانون في مجتمعات تقع خارج نطاق الدّولة، وهذا ما يجعل المعنى المقدّم من قبل القاضي للقانون لايمتلك تفوّقا تأويليّا بشكل مسبق، ولا يضمن أن ينجز بشكل منتظم.

إذا قبلنا وأذعنّا لتفسيرات القضاة فلا بدّ من إيجاد أسباب لذلك، وفي سياق البحث عن تلك الأسباب كان كوفر قد رفع عاليًا من معيار قياس تأثير قانون الدّولة حتى حينما بدأ يتوقّع حصول التّوتّر بينها وبين مصادر القانون الأخرى. لقد دافع كوفر عن فكرة أنّ "الحضارة القانونيّة العظيمة تتّسم بثراء النّواميس التي فيها والتي تساعد على تكوينها".[18]

تصبح الحضارة القانونيّة العظيمة ثريّة من خلال تنوّع الرّؤى والالتزامات التي تتضمّنها، ففي كلّ ناموس عدد وفير من القوانين، وفيه من جهة أخرى خصوبة في مبدأ أو قاعدة خلق المعاني القانونيّة، الى الحد الذي يخلق مشكلة  تتطلب حلأ سواء من قبل للمحكمة أو الدّولة.[19]

فما يخلق إشكاليّة الدّولة والقانون في اعتقاد كوفر ليس القليل من النّظام ولكن الكثير منه، وليس ضعف العالم الأخلاقيّ ولكن كثافته المرتفعة. مع ذلك، فإنّ إشكاليّة الدّولة وقوانينها قد بدأت مع شبح الصّراع كما هو في الفكر السّياسيّ اللّيبراليّ. وفي هكذا عالم، على قانون الدّولة أن يلعب دورًا متواضعًا ومُقيّدًا،[20] كما ينبغي على قانون الدّولة أن يكون متسامحاً يحترم نظم الخيارات المعياريّة الأخرى بدلًا من محاولة ثنيها عن القيام بدورها، أو تدميرها بالإكراه الشّرس المستعمل بشكل روتينيّ.[21]

في واقع كهذا الذي نعيش، فإنّ قانون الدولة يُسحب في اتجاهين بحسب كوفر، ونتيجة لذلك ينشأ فيه "توتّر جوهريّ"،[22] فهو من ناحية يشارك في توليد المعنى المعياريّ، ومن ناحية أخرى يلعب دورا في مجال الرّقابة الاجتماعيّة ويستعمل العنف لفرض مفهومه الخاصّ عن النّظام. إنّ صنع المعنى، وتوليد المعنى المعياريّ في المجتمعات المتعدّدة يجعل مهمّة الحفاظ على النّظام صعبة ومعقّدة، لهذا يقول كوفر: "يُمارس الانقسام الجذريّ بين التّنظيم الاجتماعيّ للقانون كسلطة، وبين تنظيم القانون من حيث المعنى طابعا غير منضبط للمعنى وتأثيرًا مزعزعًا لاستقرار السّلطة".[23] إنّ المعنى هو دائمًا أكبر ممّا يمكن أن تستوعبه السّلطة، وحيثما يلجأ القانون إلى السّلطة فإنّه يُقرّ بحدود وقصور المعنى.

تُعدّ هذه الصّيغة نموذجًا فعليّاً لعمل كوفر، لا يمكن ضبط المعنى طبقا لحمولته الدّلاليّة فقطّ، فاذا ما تركت السّلطة لذاتها فإنها ستكون مستقرة أو ثابتهّ، وبالتالي فأن المعنى والسّلطة، أو التّفسير والعنف يعملان منفصلان كقوى توتّر في آن مع بعضهما وضدّ بعضهما البعض. وبما أن المعنى غير مقيّد هو ميدان الحرّيّة، فأن "التّنظيم الاجتماعيّ للقانون كسلطة" هو مجال النّظام. ورغم جهود كوفر لأن ينأى بنفسه عن هذه الصّيغة، تبقى المشكلة الأساس للمجتمع والسّياسة والقانون هي كما حدّدتها اللّيبراليّة،[24] مشكلة الحرّيّة والنّظام التي يعاد إدراجها ووصفها والتّأكيد عليها في النّقاش دائمًا.[25]

يبدو وكأنّ التّماسك الدّاخليّ لأنظمة المعنى والنّظام الموجود بالفعل، فضلا عن هشاشة السّلطة وإمكانات الحرّيّة المتاحة في إطار ذلك النّظام ينفلت من نظرة كوفر كما ينفلت من النّظرة اللّيبراليّة. فكوفر يرى أنّ عالم المعنى والتّفسير هو فقطّ العالم المرن الذي يمكن أن يكون العالم الحرّ عالم التّعدّد والممكن والمتخيّل؛ وهو بحسب فوكو (Foucault)[26] يولّد التّسلسل الهرميّ للسّلطة في أيّ نشاط لتوليد المعنى. لقد توصّل كوفر رغم الجهود التي بذلها لتفسير وإعطاء معنى لعنف القانون، وللسّلطة والعنف إلى أنّ ميدان العنف والسّلطة موجود خارج نطاق المعنى والتّفسير. وهكذا يصبح العالم الإجتماعيّ، السّياسيّ، والقانونيّ عالمًا متوترًا يتحرك باتّجاه أحد الأقطاب ثمّ يلتفّ ليدور باتّجاه الآخر، إنّه عالم يشكّل فيه المعنى خطرًا على السّلطة دائمًا، لأنّ السّلطة تعني موت المعنى دائماً.

يلعب القضاة دورًا محوريًّا في إنجاز وتحقيق رؤية كوفر فيما يتعلّق بالتّنوّع، وبالثّقافة الغنيّة معياريّا، وبحالة الانضباط وضبط النّفس، فهم ينهضون في نظره بدور حاسم في وظيفة وموقع العنف في القانون. يقفون بين الحرّيّة والسّلطة على الخطّ الذي يفصل الخطأ عن الصّواب فيما بين المعنى وبين الاحتمالات التّفسيريّة للنّصّ القانونيّ (الحرّيّة)، وبين القدرة على تبنّي معنى واحد وفرضه بالإكراه بوصفه المعنى الصّحيح والوحيد (النّظام)، لذلك فهم في جميع أعمالهم يعتبرون "جماعة عنف".[27]

هناك معنيان مترابطان دفعا كوفر للتّفكير بالقضاة كجماعة عنف، ينطوي الأوّل على قدرة القضاة بوصفهم موظّفي الدّولة على نشر القوّات المسلّحة التي تفرض القسر والإكراه.[28] فالقضاة إذن هم جماعة عنف لأنّهم قادرون على استعمال القوّة المادّيّة وحملها على تحقيق تفسيراتهم للقانون وتنفيذها ميدانيّا على أرض الواقع.[29] وينطوي الثّاني على تحوّل القضاة إلى جماعة عنف عندما يقمعون ويقلّلون من الثّراء المعياريّ للعالم الاجتماعيّ: "فهم يحكمون أو يصدرون الأوامر والقرارات بسبب وجود العنف، لكنّهم والحالة هذه لا يخلقون القانون بقدر ما يقتلونه. وفي مواجهة النّموّ الوافر لمئات التّقاليد القانونيّة يأخذ القضاة على عاتقهم سلطة اتّخاذ القرار بتبنّي معنًى وحيدا من عدّة معانٍ. أيً يعتبرون المعنى الذي يتبنّون هو المعنى الوحيد أو التّفسير الوحيد للقانون فيدمّرون أو يحاولون تدمير كلّ ما هو غيره".[30] لقد دعا كوفر القضاء والقضاة الذي يمثّلونه إلى أن يكونوا "أقلّ إكراها وتدميرًا للقانون"، وأن يكونوا أقلّ إصرارًا على الواحديّة وأقلّ التزاماً بالتّسلسل الهرميّ المفروض على الرّؤى المعياريّة، كما دعاهم إلى عوالم جديدة والتّوقّف عن وضع القيود على النّاموس".[31]

يُشكّل عنف قانون الدّولة مانعًا قويًّا وعائقًا كبيرًا إذا ما نظرنا إليه من الخارج، أيً من خلال وجهة نظر النّاموس، ومن وجهة نظر العوالم الممكنة أوغير القائمة بالفعل حتى الآن. إنهّ من وجهة نظر كوفر أكراه غير ضروريّ لبناء العالم عبر الأنشطة المعياريّة فهو يدمّر التزامات الجماعات والجمعيّات خارج الدّولة. إذ لا يتفق هذا الإكراه مع شبكة المعتقدات والممارسات والفهم الذي يجعل من وجود النّاموس ممكناً، إنّه يضع حدًّا ونهاية للتّفسير ولبنية المعنى، أنه يقطع النّقاش ويضع حدًّا للدّوافع أو الحوافز التّأويليّة. فالبعد القسريّ للقانون هو بحد ذاته بعد مُدمِّر لإمكانية التّفسير.[32]

يُمثّل عنف القانون تهديدًا مستمرًّا لمشاركة القانون الرّئيسة في إنتاج وحفظ المعنى في المجتمعات ذات المعياريّة المتنوّعة، فبسبب الأدوار التي يقوم بها قانون الدولة من صنع السلام وحفظ الحدود، ولا سيما التهديد بأن يصبح استبداديا في طابعه؛ وصفاته ألأساس في أن يكون عامّاً وشاملاً فأن ذلك يُبنى عليه أن يكون له " الحق"  أن يقوم بحظر ما يجب أو ما لايجب القيام به إذا ما كان هناك للقانون وجود على الأطلاق. ومن هنا فإنّه من السّهل بالنّسبة لقضاة الدّولة أن يقوموا بحفظ النّظام من خلال سيادة قانون واحد، لذلك تجدهم يصرّون على هذا التّوحيد تحت عنوان قانون الدّولة. وبتكريس هذا الأسلوب يتمّ تدمير الجهود الرّامية إلى إتاحة الالتزام بمصادر معياريةْ أخرى وبمصادر غنيّة للمعنى. وبهذا يهدّد عنف القانون القانون نفسه من خلال الإفراط في تنظيم ما يسمّيه مصادر القانون. فيضرّ عنف القانون بمصادر القانون بعض الأحيان ليس بدوافع استبداديّة بل من الإفراط في احترام المطلّبات البيروقراطيّة للدّولة. لذلك يدعو كوفر إلى التّواضع والانضباط  اتّجاه المجتمعات المعياريّة خارج الدّولة، ويسمح لنفسه فيما يتعلّق ببروقراطيّة الدّولة بأن يتخيّل القاضي رغم اندراجه بالفعل في هرم السّلطة مقاوما متميزا ينقذ المعنى والحرّيّة من إكراهات العنف والنّظام. ومن خلال هذا التّصوّر  تشتغل على ما يبدو حجّة مألوفة لسيادة القانون التي يتمّ بها تعيين سلطة القاضي بصرف النّظر عن بقيّة أجهزة الدّولة الإداريّة.

يُشير عنف القانون على مستوى معيّن إلى عدم كفاية معياريّة، وإلى عدم قدرة السّرديّات المهيمنة على فرض السّيطرة. ويُشير أيضًا إلى عدم القدرة على خلق وحفظ ناموس موحّد في عالم النّواميس المتنافسة. ففي كلتا الحالتين يُثير توظيف الإكراه أسئلةً حول الأساس المعياريّ المبرّر لذلك الإكراه، فإذا كان استعمالا بسبب عدم التّحديد، أو بسبب تآكل التّفاهمات المعياريّة فإنّ ذلك لا يعدّ مبرّرا كافيا للعنف.

قد يكون الإكراه القانونيّ أكثر إشكاليّة من حيث الوضوح والشّفافيّة عندما يُستخدم ضدّ أوامر وأنظمة معياريّة معارضة، لأنّ اللّجوء إلى ما يطلق عليه كوفر "تفوّق المرجع الذّاتيّ للنّظام" لا يساهم في حلّ قضيّة المعياريّة هنا. وبعيدًا عن كون التفوّق تبريراً حقيقيّاً فإنّ ادّعاءه مجرّد رفض ساذج للانخراط في السّؤال عن موضوعية التّبرير. يصرّ "تأويل السّلطة القضائيّة" على أنّ النّظام فوق كلّ اعتبار،[33] لكنّه لا يقوم بأيّ فعل لإثبات هذا التّفوّق المعياريّ. قد يكون من الصّعب تبرير عنف القانون لأولئك الذين سوف يُستخدم ضدّهم خصوصًا إذا كان القانون يفتقر لهذه الصفة أي صفة التّفوّق المعياريّ، لذلك يبدو  من خلال رؤية كوفر للقانون أنّ استخدام الإكراه ضدّ الأوامر المعياريّة المتنافسة أمر مشكوك فيه وغير خاضع لسيطرة القانون.

يُذعن القضاة للعنف في كثير من الأحيان وبشكل روتيني جدًّا؛ ويؤكّدون بشدّة على سيادة قانون الدّولة في كثير من الأحيان وبشكل روتينيّ جدًّا كذلك. ففي كلا الوضعين يعتقد كوفر أنّ قانونا يتبنّى معنًى واحداً ويلغي المعاني الأخرى يقوم بتدمير النّاموس وهو في غير حاجة إلى ذلك التّدمير إلاّ لتأكيد مطلب يتعلّق بالضّبط والتّنظيم فقطّ وهو ما يُشكّل خطرًا كبيراً على عالم المعنى. تبقى "الطّوائف المتصارعة" معينا لا ينضب للالتزام القيميّ تضفي على الحياة معنىً معياريّاً حاسماً في غياب نظام تعليم ثقافيّ عالميّ مستقرّ واسع النّطاق. إنّ تقييد تلك الطّوائف بقانون يتبنّى معنًى واحداً يلغي المعاني الأخرى يبدّد التزاماتها ويدمّر طموحاتها ويهدّد بقوّة المصادر الرّئيسة للقيم التّعبيريّة. فهو من هذه النّاحية تهديد جدّيّ بإلغاء التّنوّع في عاالم متعدّد يُفْتَرَضُ أنّه غنيّ بتنوّعه الخلاّق معياريّاً، لأنّ عنفه هذا يقف عائقا في طريق والتّسامح والأحترام. ولموقفه المعلن هذا من التّعدّد والتّنوّع والتّسامح قد يتوقع المرء من كوفر تصوّر رؤية لقانون ينبذ العنف وينأى عن القسر والإكراه، لكن ما يلبث أن يجد في نظرته للعلاقة بين القانون والأوامر المعياريّة الأخرى لحظات غامضة من الحزن، من القلق، ومن النّقد.

لا يستطيع كوفر أن يتصوّر القانون دون عنف، لكنّه يصرّ بالمقابل على أنّ "مبدأ التّشريع الذي يولّد معنى القانون (jurisgenerative) في جميع المجتمعات لا وجود له أبدًا بمعزل عن العنف".[34] لقد كتب حول تنظيم عنف القانون، لاسيما حول الطّريقة التي "تنتقل بها السّلطة القضائيّة من خلال الطّبقات الدّنيًا لإدارة العدالة وإقامتها" ودعا إلى جانب دوغلاس هاي إلى "الاحتفاء بسلامة واستقامة السّلطة من الأمر بالعنف".[35] لقد رأى هاي أنّ عبارة "احتفاء" لا تبدو مناسبة تمامًا في طرح كوفر عند توصيف موقفه تُجاه التّنظيم الدّاخليّ لعنف القانون، فهو يتناول في تحليل العلاقة بين العنف والتّفسير القانونيّ التّنظيم الدّاخليّ لعنف القانون بأسلوب عالم الاجتماع الذي يحقّق في الوقائع وليس بأسلوب المتحمّس المحتفل بما قد يعثر عليه، الشّيء الذي حرّك نقده للآخرين مع الإعراب عن الأسف لواقع العنف والتّعبير عن عدم التّسليم بحاجة القانون إلى القيام بذلك العنف.

إنّ اللّغة التي استعملها كوفر لوصف النّاموس غير منظّمة، غير محكمة يتّضح فيها خوفه حين يقول: "أطلقوا العنان وحلوا القيود، قد تكون العوالم التي تمّ إنشاؤها غير مستقرّة، وقد تكون طائفيّة في تنظيمها الاجتماعيّ، وفصاميّة غير متماسكة في خطابها، حذرة وعنيفة أو شديدة في تفاعلاتها".[36] ففي وصفه "الصّراع الطائفيّ" يبيّن أنّ "المسارات التّفسيريّة ليست معزولة"[37] عن بعضها لاسيما وقد سنّت قانونا خاصّا بها في عوالم معياريّة بوجود دينامكيّات متقلّبة ومتفجّرة. لذلك فإنّ مشروع "الحفاظ على العالم يتطلّب طاقة لا تقلّ عن طاقة خلقه".[38] ويصبح القضاة في هذه العمليّة، بالنسبة له، حتى وهم ينشرون العنف "جماعة سلام".[39]

هكذا لم يعد عنف القانون عائقا ولا كابحا بعد أن كان يبدو ابتداءً غير ملائم للنّاموس ولأعمال القضاء عندما يأخذ القضاة على عاتقهم سلطة اتّخاذ قرار بتبنّي معنى وحيد على حساب معاني أخرى عديدة (Jurisgenerative)، في مجتمعات محلّيّة وروابط داخل ناموس تمّ ترويضه بتآلف القانون مع العنف على نحو يبدّد الخطر فلا تعود هناك حاجة إلى الزّيادة في الضّمان، ولا يتمّ دفع أيّ ثمن في المقابل. وفي هذا السّياق يعرب كوفر عن الأمل من خلال توجيه نداء للقضاة يدعوهم إلى مقاومة النّزعة الإداريّة لتجنّب الإفراط في العنف والتّوافق مع نظام قانونيّ يرضي وينسجم مع عوالم معياريّة متنوّعة. والمقلق أنّ أغلب القضاة سيرفضون بعنف ودون داعٍ أيّ نقد وأيّ تطلّع إلى عالم معياريّ خارج قانون الدّولة، وبذلك سيدمّرون النّاموس ويدمّرون سرد الحدث الذي يعتمد عليه القانون نفسه. لقد ابتعد كوفر في هذا التّحوّل المتخيّل للعنف إلى السّلام من النّقد ليعيد ذكر الاعتذار اللّيبراليّ عن قانون يعتمد على الإكراه.[40]

 

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...............................

[1] في هذا الاستكشاف (انظر Nomos and Narrative” 4 ") يترك كوفر المقدّمات المنطقيّة للفكر السّياسيّ اللّيبراليّ لكنّه يبقى مرتبطًأ بها بنفس الوقت. إنّ رحيله عن الّليبراليّة يظهر في تفضيله الجماعتيّة على الفرديّة، وإصراره على أولويّة القِيَم على المصالح. تظهر ارتباطاته الّليبراليّة في استخدام نزعتين متعارضتين هما الحرّيّة والنّظام لوصف ضغوطات الحياة الاجتماعيّة البشريّة، وفي اعتذاره المتردّد عن عنف دولة القانون وتأييده. للحصول على مقارنة لافتة، انظر:

Judith, S., “The Liberalism of Fear’ in Liberalism and Moral Life,ed. Nancy Rosenblum (Cambridge: Harvard University Press, 1990)

[2] Cover, “Nomosand Narrative” 4

[3] المرجع نفسه، 5

[4] انظر، Hobbes, Leviathan,184-85. على حد تعبير Shklar: "يمكن القول إنّ الخوف عالميّ كما إنّه فيزيولوجيّ دون قيد أو شرط. ... أن تكون على قيد الحياة يعني أن تخاف ... إنّ الخوف الذي نخشى منه هو الخوف من الألم الذي يلحق بنا من الآخرين بقتلنا أو تشويهنا (“Liberalism of Fear,” 29).

[5] انظر أيضًا:

Michael, S., Liberalism and the Limits of Justice (Cambridge: Harvard University Press, 1982)

 

[6] كان كوفر يخشى "أن يتعرّف طلاب القانون على العالم المعياريّ بواسطة الأدوات المهنيّة للرّقابة الاجتماعيّة،" وقد أكّد على أنّ "المؤسّسات الرّسميّة للقانون هي جزء صغير من الكون المعياريّ الذي يجب أن يستدعي اهتمامنا" (“Nomos and Narrative” 4)  انظر أيضًا:

Garet, “Meaning and Ending"

[7] انظر:

Robert, P., “Theories of Constitutional Interpretation” in Law and the Order of Culture

[8] للإطّلاع على مناقشة موقع العقد في الفكر اللّيبراليّ انظر:

Vicente Medina, Social Contract Theories Political Obligation or Anarchy (Savage, Md.: Rowman & Littlefield, 1990)

أيضًا:

Michael, L Social Contract (Atlantic Highlands, N.J.: Humanities Press, 1986)

[9] انظر:

John Austin., The Province of Jurisprudence Determined, “Law as the Sovereign’s Commands” in “The Nature of Law: Readings in Legal Philosophy, ed. M.P. Golding (New York: Random House, 1966)

[10] "إنّ فرض قوّة معياريّة" على شؤون عامّة حقيقيّة أو وهميّة هو كما يؤكّد كوفر فعل لخلق سرديّة. لذلك تُعتبر جميع أنواع السّرديّات التّاريخيّة، والخياليّة، والتّراجيديّة، والكوميديّة (وليس فقطّ القانون) أنّها قضايا شؤون عامّة تعرّضت لمختلف "مجالات القوّة المعياريّة". فكلّ منها بما في ذلك القانون، هو"نموذج" لعالم اجتماعيّ بُنيَ وفُرز وتشكّل وتحوّل من قبل مجموعة مستقرّة نسبيًّا من الالتزامات المعياريّة وتطلّعاتها. وخلاصة القول: "إنّ الرّموز التي تربط نظامنا المعياريّ بالبنى الاجتماعيّة للواقع ولرؤانا لما يمكن أن يكون العالم هي رموز سرديّة"

(“Nomos and Narrative” 10) للإطلاع على مناقشات أخرى عن طبيعة وإمكانيّات السّرديّة انظر:

Robert, S., and Robert Kellog, The Nature of Narrative (London: Oxford University Press, 1966), and Miller, D, A., Narrative and Its Discontents: Problems of Closure in the Traditional Novel (Princeton: Princeton University Press, 1981)

[11] Cover, “Nomos and Narrative” p.5

هذه النّقطة قد تمّ التّسليم بها على نطاق واسع انظر:

“Symposium on Legal Storytelling,” University of Michigan Law Review 87 (1989), pp. 2073-2496

[12]Cover, “Nomos and Narrative” p.5.

[13] المرجع نفسه، ص 9

[14] المرجع نفسه. 9

[15] المرجع نفسه، 11. هنا نسمع مرّة أخرى أصداء فوضوية ل Cover انظر

Cover, “Folktales of Justice” p.181.

[16] واصفًا موقف كنيسة مينونت بوصفها لا كاثوليكيّة ولا بروتستانتيّة

Mennonite Church in Bob Jones University v. U.S. (103 S. Ct. 2017 1983)

يزعم كوفر أنّ "ضمن نطاق المعنى الدّستوريّ فإنّ فهم ال Mennonite يفترض وضعا يساوي أو أعلى من ذلك الممنوح لفهم قضاة المحكمة العليا. في هذا المجال من المعنى فإن جماعة ال Mennonite قد خلقت قانونًا على أكمل وجه كما يفعل القاضي" (Nomos and Narrative,” p.28)

[17] يعرض كوفر هنا تعاطفه مع التّعدّديّة القانونيّة الجذريّة، انظر:

Merry, S., ‘‘Legal Pluralism’’ Law and Society Review 22, 1988, p869.

وأيضا:

Griffiths,J., ‘‘What Is Legal Pluralism?’’ Journal of Legal Pluralism 24, 1986, p.1.

[18] Cover, “Nomos and Narative,” 6

[19] المرجع نفسه 40. للإطلاع على وجهة نظر مختلفة جدًّا حول نفس المشكلة انظر:

Martin Shapiro, Courts (Chicago: University of Chicago Press, 1981)

[20] Cover, “Nomos and Narrative” p.12

[21] المرجع نفسه، 53

[22] Cover, “Violence and the Word” 1602, note 2

[23] Cover, “Nomos and Narrative” p.18

[24] للإطلاع على دراسة عميقة وغنيّة عن  طبيعة التّوتّرات بين طروحات كوفر واللّيبراليّة  انظر:

Sherwin, “Law, Violence, and Illiberal Belief”

[25] انظر Unger, Roberto., Knowledge and Politics, New York, Free Press, p.1975

[26]  انظر

Foucault, M., Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writtings, 1972-1977, trans,Colin Gordon. (New York: Pantheon, 1980(

[27] Cover, “Nomos and Narrative” p.53

[28] قدّم كوفر تفصيلا لهذا العنف في “Violence and the Word”

[29] يظهر العنف المنسّق والخاضع للانضباط من خلال الأفعال والقرارات التّفسيريّة للقضاة، فالقضاة من هذا المنظور الدّاخليّ لكوفر في تحرٍّ وفحصٍ يجعله إنجازًا له أهمّيّة اجتماعية كبيرة. يضغط الوعي بالحاجة إلى تنظيم ومراقبة العنف بدوره على الأنشطة التّفسيريّة للقضاة الذين يجلسون على "هرم العنف" كما دعاه كوفر انظر:

(“Violence and the Word” 1609)فيتحوّل التّفسير ويصبح مختلفًا بوجود العنف كما عبر عن ذلك بالقول: "يجري التّفسير القانونيّ في حقل الألم والموت". (المرجع نفسه، 1601). "يحدث التّفسير القانونيّ على ساحة المعركة بل إنّه جزء من معركة تنطوي على أدوات الحرب والشّعر. في الوافع إنّ القانون الدّستوريّ يرتبط بعمق بشكل رئيس بالحرب أكثر من ارتباطه بالشّعر" (“The Bonds of Constitutional Interpretation, 817)، إلاّ أنّ عنف القانون ليس مجرّد قضيّة تفسير؛ إنّه بالإضافة إلى ذلك مسألة تنظيم اجتماعيّ، ومسألة تنفيذ القرارات القضائيّة، ومسألة ترجمة الأوامر إلى أفعال عنيفة.

[30] Cover, “Nomos and Narrative,” p.53

"يرى كوفر أنّ قانون الدّولة ومن خلال قوّته المتفوّقة يقوم بإيقاف الإبداع التّأوليّ للمبدأ المنتشر في جميع أنحاء المجتمع" (“Nomos and Narrative,” 44)

ويرى ستنانفورد ليفنسونSanford Levinson  أنّ كوفر في هذه الفقرة  يكتب عن عنف "مجازيّ بكلّ بساطة" انظر:

Levinson, “Conversing About Justice” Yale Law University 100 (1991): 1855, 1865

[31]over, “Nomos and Narrative,” p.68

[32]“Nomos and Narrative” p. 48)

[33] يوضع القانون في أشدّ تجاربه عند مواجهة القضاة لالتزامات المقاومين المعياريّة، وعند العصيان المدنيّ، وعند وجود أفراد من مجتمعات معيّنة على استعداد للمعاناة بسبب معتقداتهم. فعند مواجهة هذه الاختبارات والطّعن فيما لديهم من وهم التّفوّق المزعوم لتّفسيراتهم الخاصّة، فإن القضاة يلجأون إلى تبريرات عقلانيّة لنشر العنف، وهو ما يسمّيه كوفر "مبادئ الاختصاص القضائيّ" (“Nomos and Narrative” 55). وتوفر هذه المبادئ "اعتذارات عن الدّولة نفسها وعن عنفها" (المرجع نفسه، 54). بالتّالي فإنّهم يبالغون في رأيه في تقدير السّلطة والنّظام، ويقلّلون من تقدير المعنى والحرّيّة (انظر “Folktales of Justice” 180-81 ). ترتكز مبادئ الاختصاص القضائيّ على خوف عميق من الخلافات والمشاكل التي تخلق الاختلاف، ونتيجة لذلك فهي تعزّز مبادئ الانغلاق وتبرّر التّعصّب تُجاه الرّؤى المعياريّة المغايرة للاتزامات المنصوص عليها في قانون الدّولة. إنّ الاختصاص القضائيّ هو وسيلة لتجنّب المشاركة المعياريّة؛ فهو يسمح للقضاة بأن يفصلوا أنفسهم عن العنف الذي يأذنون به، ويتجنّبون قياس قوّة التزامهم بالعنف في مقابل الاقتناع بفهم القانون. لذلك يعتقد كوفر أنّهم يختلفون، وأنّهم لعزوف عن ممارسة التزاماتهم التّفسيريّة هم في الغالب أقلّ شأناً من المقاومين الذيين يعرّضون أنفسهم للمعاناة والموت في سبيل معتقداتهم..

[34]Cover, “Nomos and Narrative” p.40

[35] Douglas, H., “Time, Inequality, and Law’s Violence” Law’s Violence in Austin Sarat and Thomas Kearns [Ann Arbor: University of Michigan Press, 1992] p. 141

[36] Cover, “Nomos and Narrative” 16

[37] المرجع نفسه، 60

[38] المرجع نفسه

[39] المرجع نفسه

[40] انظر، Shklar, “ The Liberalism of Fear”

أيضًا،  Unger, Knowledge and Politics