محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الخامس والأخير عن الفروض المساعدة ودورها في ميثودلوجيا برامج الأبحاث عند إمري لاكاتوش، وفي هذا يمكن القول: من الأهمية بمكان أن نلاحظ أنه لا يمكن التنبؤ من النظرية فقط، ولكن من ارتباط النظرية مع الفروض المساعدة، وحقيقة فإنه بالكاد يمكن أن تعد الفروض المساعدة جزءا من النظرية .

فالنظرية هي مجموعة من القوانين، والقوانين هي العبارات التي نأمل أن تكون صادقة، ويفترض أنها صادقة بواسطة طبيعة الأشياء ولا يكون صدقها عرضيا فقط، ولا يكون للفروض المساعدة مثل هذه السمة فمثلا نحن لا نعتقد فعلا أنه لا يوجد أجسام سوي الشمس والأرض مثلا كما ورد في الفرض المساعد السالف الذكر، ولكن فقط كل الأجسام الأخري تمارس قوي ضئيلة بدرجة يمكن إهمالها .

فلا يفترض أن تكون الفروض المساعدة قوانين طبيعية، بل هي مجرد عبارات خاصة " بالشروط الحدية Boundary Conditions والتي تعتبر كحقيقة في نسق معينة . إن أحد الفروق الهامة بين النظرية و الفروض المساعدة هو العناية الفائقة التي يوليها العلماء عد ذكر النظرية، بينما أن الفروض المساعدة هي العرضة للمراجعة والتعديل والتنقيح وليس النظرية .

مثال ذلك لقد قبل قانون الجاذبية العامة لأكثر من مائتي عام باعتباره حقيقة لا تقبل المناقشة واستخدم كمقدمة في مبرهنات علمية لا حصر لها . أما الفروض المساعدة والتي لم تؤدي إلي تنبؤات ناجحة في هذه الأثناء فإنها هي التي عدلت وليس النظرية . فلقد أعتبر أن التنبؤات الخاطئة لم تكن نتيجة خطأ في النظرية ولكن نتيجة خطأ في الفروض المساعدة . ومن ثم فإن المتناقضات المصاحبة لنظرية الجاذبية لم تؤد إلي رفضها لأنه من المحتمل أن الخطأ كان في الفروض المساعدة .

ومثال ذلك عندما لاحظ الفلكيون وجود بعض الظواهر غير المنتظمة في حركة الكوكب أورانوس Uranus ولم يكن من الممكن تفسير هذه الظواهر علي أساس نظرية الجاذبية العامة افترض كل من ليفريه Leveries في فرنسا، وأدامز Adams في إنجلترا وجود كوكب آخر لم يكتشف بعد هو المتسبب في الحركات غير المنتظمة لأورانوس . ولقد ثبت صحة هذا الافتراض عندما اكتشف الكوكب نبتون فيما بعد .

ويمكن أن نوضح الرسم التخطيطي لدور الفروض المساعدة في برنامج البحث النيوتوني، وذلك علي النحو التالي :-

إن نظرية نيوتن الكاملة (ولنرمز لها بالرمز ن) تكونت من ثلاثة قوانين في الحركة (ن1، ن2، ن3) بالإضافة إلي قانون الجاذبية ن4 . ومع ذلك، فإنه لا يمكن أن نستمد من ن في حد ذاتها أية نتائج قابلة للملاحظة فيما يخص نظام المجموعة الشمسية . ولكي يتسني لنا ذلك فنحن في حاجة إلي إضافة عدد من الفروض المساعدة إلي ن : منها علي سبيل المثال أنه لا توجد قوى أخري تؤثر في الكواكب غير قوي الجاذبية، وأن التجاذب فيما بين الكواكب ضئيل جدا إذا ما قورن بالتجاذب بين الشمس والكواكب، وأن كتلة الشمس أكبر بكثير من كتلة الكواكب، وهكذا .

ودعونا نرمز لمجموعة الفروض المساعدة هذه التي تلائم حالة ما، بالرمز أ . ستكون لدينا الآن الصياغة الرمزية الأتية : إذا كانت ن1، ن2، ن3، ن4، أ صادقة فإن ل تكون صادقة، لكن ل كاذبة

يلزم عن ذلك كذب (ن1، ن2، ن3، ن4، أ) يلزم أن يكون عنصر علي الأقل من المجموعة (ن1، ن2، ن3، ن4، أ) كاذبا، لكننا لا نستطيع أن نقول أيا منها كذلك .

وكما يوضح تاريخ العلم، غالبا ما تكمن مشكلة حقيقية في البحث العلمي عند تحديد فرض ينبغي تغييره من بين مجموعة من الفروض . وأن نتأمل علي سبيل المثال كشف كل من آدامز ولوفيرييه لكوكب نبتون عام 1846 فمن خلال نظرية نيوتن "ن" بالإضافة إلي الفروض المساعدة، تمكن الفلكيون من حساب المدار النظري لكوكب أورانوس (أبعد الكواكب التي عرفت وقتها).

لم يتفق هذا المدار النظري مع المدار الذي تم ملاحظته . وهذا كان يعني أنه إما أن تكون ن أو أحد الفروض المساعدة كاذبة . توصل آدامز ولوفيرييه إلي حدس افتراضي مفاده أن الفرض المساعد المتعلق بعدد الكواكب كان خاطئا وافترضا وجود كوكب جديد أبعد من أورانوس، وهو كوكب نبتون وحسبا كتلته والموقع الذي يجب أن يكون موجودا فيه حتي يتسبب في الاضطراب الملحوظ في مدار أورانوس . وفي 23 من سبتمبر عام 1846 تم رصد كوكب نبتون منحرفا 52 درجة فقط بعيدا عن الموقع المتنبأ به .

وهذا الجانب من القصة معروف جيدا لكن ثمة أحداثا تالية ترتبط أيضا بدور الفروض المساعدة في برنامج البحث النيوتوني . إذ واجه علماء الفلك في ذلك الوقت، صعوبة أخري تتعلق بعدم انتظام حركة الحضيض الشمسي لكوكب عطارد التي وجد أنها تتقدم أسرع قليلا مما ينبغي أن تكون عليه وفقا للنظرية القياسية . حاول لوفبرييه أن ينهج النهج نفسه، الذي اتبعه في تفسير عدم الانتظام الذي كان يعتري حركة كوكب أورانوس، والذي تكلل للنجاح .

فافترض وجود كوكب أقرب إلي الشمس من كوكب عطارد، وأطلق عليه اسم فلكان Vulcan وله من الكتلة والمدار وإلي غير ذلك ما قد يفسر الزيادة في حركة الحضيض الشمسي لعطارد . ورغم ذلك لم يستدل علي وجود مثل هذا الكوكب .

إن الفرق هنا يكون ضئيل للغاية . وفي عام 1898 قدر نيوكومب قيمته بما يساوي 41024 درجة أي بما يقل عن جزء من ثمانين من الدرجة في كل قرن . ورغم ذلك فإن الانحراف الضئيل للغاية في حركة كوكب عطارد قد تم تفسيره بنجاح بواسطة النظرية النسبية العامة " ن " التي توصل إليها أينشتين عام 1915 لتحل محل نظرية نيوتن " ن " . فقيمة الزيادة في الحركة غير المنتظمة للحضيض الشمسي لكوكب عطارد قد تم تقديرها من خلال النظرية النسبية العامة كانت 42089 درجة في كل قرض، وهو رقم يقع ضمن النطاقات التي وضعها نيوكومب .

ونري أنه علي الرغم من التشابه الشديد الذي يبدو للوهلة الأولي لعدم الانتظام في حركة كل من أورانوس وعطارد، فإن النجاح تحقق في احدي الحالتين بتعيد أحد الفروض المساعدة أما في الحالة الأخري فكان من خلال تعديل النظرية الرئيسية نفسها .

هذا هو الدور الخاص بالفروض المساعدة في برنامج البحث النيوتوني، ويمكننا هنا أن نقدم شرح للمخطط الذي قدمه فيلسوف العلم الشهير هيلاري بوتنام " لاكتشاف كوكب نبتون في إطار النموذج الاستنباطي الناموس، وهو في هذا يعضد الموقف الذي اتخذه لاكاتوش إزاء الفروض المساعدة في برنامج البحث النيوتوني:-

يبدأ الأستاذ بوتنام لاكتشاف كوكب نبتون من خلال تقديم مخططات للمشكلات العلمية في إطار النموذج الاستنباطي الناموسي، وهذه المخططات هي :-

           (1)                     (2)                          (3)

             نظرية                  نظرية                        نظرية

        عبارات مساعدة              ؟؟؟؟                        ؟؟؟؟؟

                 ـــــــــــــــــــــــــــ    ــــــــــــــــــــــــــــ      ــــــــــــــــــــــــــــ

    التنبؤ – صادق أم كاذب     الواقعة المراد تفسيرها           ؟؟؟؟؟

ويعرض المخطط الأول لمشكلات علمية . وفي نمط المشكلة لدينا نظرية ولدينا نظرية ولدينا بعض العبارات المساعدة AS وتوصلنا إلي تنبؤ . ومشكلتنا هي أن نعرف ما إذا كان التنبؤ صادقا أو كاذبا، والحالة مؤكدة بمعيار فلسفة العلم . أما المخطط الثاني للمشكلة فهو مختلف تماما . ففي هذا المخطط من المشكلة لدينا نظرية ولدينا واقعة مفسرة، بيد أننا نفتقد بعض العبارات المساعدة AS، والمشكلة هي أن نعثر علي AS إن أمكن، وهي صادقة أو صادقة تقريبا (أعني أنها تبسيطات عالية نافعة الصدق)، وقد تلحق بالنظرية لنحصل علي تفسير للواقعة . أما المخطط الثالث فيعرض نظرية وبعض العبارات المساعدة، وتصبح مهمتنا هي أن نعرف ما هي النتائج التي يمكننا أن نتوصل إليها. وهذا المخطط الأخير غير مهم لأن المشكلة رياضية بحتة .

ويوضح بوتنام بعض الأفكار الأساسية التي تظهر في تلك المخططات، فيشير إلي النظرية العامة – مثل نظرية الجاذبية العامة – لا تستلزم أي عبارات أساسية . ويعود ذلك إلي أن لكل حركات الأجسام الطبيعية تتفق معها، ما دامت النظرية لا تقول شيئا عن القوي الموجودة بخلاف قوة الجاذبية التي لا تقبل القياس بصورة مباشرة .

وعلي هذا فإذا أردنا استنباط تنبؤات من النظرية – كي نطبقها علي موقف فلكي – فلا بد من تقديم بعض الافتراضات المساعدة . وعلي سبيل المثال عندما نطبق هذه النظرية علي مدار الأرض سيتعين أن نقدم بعض الافتراضات التقريبية، مثل :

1- لا توجد أجسام باستثناء الشمس والأرض .

2- الشمس والأرض يوجدان في فراغ تام .

3- الشمس والأرض لا يخضعان لقوي جاذبة العامة مع العبارات المساعدة أن نستنبط بعض التنبؤات.

لكن العبارات المساعدة ليست صادقة تماما . ولذا نجد العلماء يقدمونها بصورة غير حذرة وموقنة علي العكس ما يفعلون مع النظرية . وبالتالي تخضع هذه العبارات لمراجعة جذرية دائما. ويضرب بوتنام مثلا علي فكرته السابقة بمدار كوكب أورانوس، فقد أثبتت ملاحظات العلماء خطأ التنبؤات القائمة علي أساس نظرية الجاذبية العامة UG ومع افتراض أن الكواكب المعروفة عندئذ هي كل الكواكب الموجودة . وقد تنبأ العالم ليفريه في فرنسا وأدامس في إنجلترا بأنه لا بد من وجود كوكب آخر . وتم اكتشاف ذلك الكوكب بالفعل، وكان هو كوكب نبتون .

إن بوتنام يري أن تلك الحالة التاريخية تضرب مثلا علي فكرة كون عن حل المعضلات، كما يري أن المخطط الثاني يعتبر النموذج المناسب لعرض هذا النشاط فلو سلمنا بصحة الوقائع المعروفة عندئذ عن مدار أورانوس والوقائع المعروفة قبل عام 1864 المتعلقة بالأجسام التي تؤلف النظام الشمسي، والمعيار AS، حيث أن تلك الأجسام تتحرك في فراغ تام، وتخضع فقط لقوي جاذبية متبادلة، الخ . ومن الواضح أن مشكلة ما كانت تواجههم : إذ لا يمكن حساب محور أورانوس بنجاح إذا أفترضنا وجود جميع الكواكب : عطارد والزهرة وزحل وجوبيتر وأورانوس، وافترضنا أنها مع الشمس تؤلف النظام الشمسي الكلي . فلنجعل s1 متجاورة مع AS المتعددة التي سبق أن أشرنا إليها من قبل، ويشتمل ذلك العبارة التي يحتوي فيها النظام الشمسي علي الأجسام المشار إليها علي الأقل . ولكن من الضروري فقط . وعندئذ تواجهنا المشكلة التالية :

نظرية : UG

S1: AS

عبارات مساعدة إضافية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المفسر : مدار أورانوس

وهذه المشكلة لم تصل إلي قوانين تفسيرية أبعد (برغم أنها قد تصل أحياناً في مشكلة تعبر عنها صورة المخطط 3)، وإنما نصا إلي افتراضات أبعد من الشروط الأولية والحدية المتحكمة في النظام الشمسي، بالإضافة إلي قانون الجاذبية العامة والقوانين الأخري التي تؤلف UG (أعني قوانين الميكانيكا النيوتونية) سيتمكن المرء من أن يفسر مدار أوارانوس . فإذا لم يفرض المرء أن تكون العبارات المحذوفة صادقة أو صادقة بصورة تقريبية، سيكون لدينا عندئذ عددا لانهائياً من الحلول المعبر عنها رياضيا إلي حد بعيد . وحتي إذا ضمن المرء في S1 أنه ليس ثمة قوي جاذبية تؤثر علي الكواكب أو الشمس، فسيظل هناك عددا لا نهائيا من الحلول . بيد أن المرء يختبر أولا الفرض الأبسط، أعني :

نظرية : UG

S1.S2: AS

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نتيجة ؟؟؟ - تثبت في النهاية أنها ذلك الكوكب غير المعروف والذي ينبغي أن يكون له مدار معين صفر

وهذه المشكلة تعد مشكلة رياضية ساهم كل من ليفريه وآدامس في حلها (مثال للمخطط 3). لكن حل تلك المشكلة طرح مشكلة أخري هي :

نظرية : UG

S1.S2: AS

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تنبؤ : هل يوجد كوكب يتحرك في مدار صادق أم كاذب ؟

وتعد هذه المشكلة مثالا للمخطط 1 – وهو مثال يفترض المرء عادة لأن أحد عبارات AS، أعني العبارة S2لانعرف علي الاطلاق أنها صادقة ويشار في الواقع إلي S2 علي انها فرض ذو مستوي – منخفض نروم اختباره . بيد أن الاختبار لا يعد اختبارا استقرائيا بالمعني المعتاد، لأن تحقيق لـ S2 – أو هو بالأحري الصدق التقريبي لـ S2 (والتي تعد جميعها ذات أهمية قصوي في هذا السياق)- فلم يكن الكوكب نبتون هو الكوكب الوحيد غير المعروف في عام 1846، وإنما كان هناك بلوتو الذي اكتشف فيما بعد . والواقع أننا كنا نولي اهتماما بالمشكلة عالية في العام 1846، لأننا نعرف أنه إذا كان التنبؤ سيثبت في النهاية أنه صحيح، إذن فذلك التنبؤ هو علي وجه التحديد العبارة S3 التي نحتاج إليها للاستنباط الأتي :

نظرية : UG

S1.S2: AS

ـــــــــــــــــــــــــ

المفسر : مدار أورانوس

وتشير العبارة S3 إلي أن الكوكب المشار إليه في S2 له علي وجه الدقة المدار " صفر" وتلك العبارة هي حل المشكلة التي بدأنا بها . ويستنتج بوتنام ما يلي " أريد أن أقترح أن المخطط الثاني يعرض الصورة المنطقية لما يطلق عليه كون أسم معضلة " ويبحث المرء في هذا النوع من المشكلات العلمية عن شئ ما يسد ثغرة، لكنه لا يحاول استنباط تنبؤات من النظرية، فمشكلته بالأحري تتمثل في إيجاد بعض العبارات المساعدة المناسبة . وبناء علي هذا، تصبح لنظرية العلمية قابلة للتكذيب أو التأييد، ولذا يقول بوتنام " إن مظاهر الفشل لا تكذب النظرية، نظرا لأن الفشل ليس تنبؤا كاذبا من النظرية عندما نضيف إليها وقائع معروفة موثوقا من صحتها . فالفشل هو إخفاقنا في أن نجد شيئا ما، أي أن نجد العبارات المساعدة . ومن ثم فالنظريات تكون إلي حد ما كبير منيعة من التكذيب إثناء مدة سيطرتها .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

علي رسول الربيعيالمقدمة: أن المقصد الأسنى والدافع الأساس للبحث في سياقات نصوص أدورنو وفوكو و وقضاياها ومناهجهم النقدية وأواتها، إضافة الى خلفياتهما الفلسفية وابعادها. وماذا كانت متشابهة رؤاهم أم لا، والنظر في في أراء المفكرين الذين تعاملوا هم معها، وتناول بعض موضوعاتهم البارزة تاريخياً ضمن التقاليد الفلسفية، ومناقشة مقارباتهم النقدية، هو في المطاف الأخير الأمساك في العقل النقدي الغربي وهو يمارس نقد الذات المنعكسة على ذاتها، أيً ننظر في مسـالك نقده ذاته حتى ما يمكننا هذا من التدرب على التفكر النقدي والتعلم من نقدهم في كسر الدوغمائيات التي تطوق العقل الجمعي لمجتمعاتنا وكيفية أستعمال الأدوات المنهجية والمفاهيم الأجرائية والمنجزات المعرفية لفتح أنغلاقات الروح الفردية والجمعية للمجتمعات في السياق العربي- الإسلامي.

بروفايل

زار أدورنو باريس عدة مرات خلال الخمسينيات والستينيات، حيث ألقى محاضرات في كلية فرنسا (الكولج دي فرانس) والسوربون.[1] ومع ذلك، لم يشر (في الأعمال المنشورة على الأقل) إلى ما يمكن أن يُعرف باسم ما بعد البنيوية أو بشكل أكثر تحديداً الى فوكو.[2] ومع ذلك، أشار فوكو إلى مدرسة فرانكفورت - أو النظرية النقدية - في عدد من المناسبات. قال فوكو لدوشيو ترومبادوري في مقابلة أجريت معه في عام 1978، أنه ما أن تعرف على النظرية النقدية حتى أدرك أن منظريها قالوا بالفعل أشياء كان "يحاول أن يقولها لسنوات عديدة: ولو كان قد علم بعملهم في وقت سابق، لكان هناك اشياء عديدة "لم يكن في حاجة إلى أن يقولها"، وكان سيتجنب بعض الأخطاء: وقال أنه افتتن بالمنظرين النقديين لدرجة أنه لكان "لم يفعل شيئًا آخر سوى التعليق عليهم":[3]

على الرغم من أن هذه الملاحظات تكشف أن فوكو كان على دراية بالنظرية النقدية، إلا أنه ليس من الواضح على الإطلاق ماهيً الأعمال التي قرأها. ذكر فوكو في حديثه مع ترومبادوري، كتابًا كتبها أوتو كيرشهايمر ومنظرين أقل شهرة، مثل جورج روش مؤلف كتاب " العقاب والبنية الاجتماعية"، والذي استشهد به في كتابه المراقبة والمعاقبة.[4] وقد أشار فوكو إلى أن هذا الكتاب أثار اهتمامه بالنظرية النقدية، وأضاف، أنه قد قرأ "بعض نصوص ماكس هوركهايمر" لكن دون أن يذكرها.[5] و لم يشر مطلقًا، في هذه المقابلة أو في أي أعمال منشورة أخرى – في حدود معرفتي-، إلى أي من أعمال أدورنو. هذا الأمر أكثر إثارة للدهشة لأن فوكو أخبر مارتن جاي ذات مرة في محادثة خاصة في عام 1980 أنه رأى موازاة مذهلة بين تحليله الخاص للمجتمع التأديبي والقسري وأراء أدورنو في هذا السياق.[6] يبدو أن ذكره الوحيد للنص الذي كتبه أدورنو قد تم في سياق محادثة أخرى غير منشورة حيث قيل له أن هابرماس معجب بجديلية التنوير - وهو كتاب شارك أدورنو في تأليفه مع هوركهايمر.[7]

حاول بعض المعلقين استكشاف أوجه التشابه بين عمل أدورنو وفوكو طبقاً لما ذكر فوكو في محادثته مع جاي. كذلك نجد هناك محاولتين مبكرتين، شارك بهما كل من أكسل هونيث في مقارن موجز، عن أدورنو وفوكو، و كذلك حاول ديفيد هوي استكشاف بعض الصلات بينهما في سياق دفاعه عن فوكو ضد هابرماس.[8] إن تقييماتهم جديرة بالملاحظة، ليس فقط لأنها نادرة نسبياً كمصادر ثانوية عن أدورنو وفوكو، ولكن لأنها تقدم رؤى مهمة عملهما. لم تكن منشورة محاضرات أدورنو وفوكو في الوقت الذي كتب فيه هونيث وهوي كما هو واضح من تاريخ أصدارتهما. فقراءة هكذا مقالات ومقابلات تعطي أمكانية تقديم شكلاً أكثر دقة لفكر أدورنو وفوكو، مما يجعل من الممكن إجراء تقييم أكثر ثراءً لأفكارهم. الآن بعد نشر العديد من النصوص لأدورنو وفوكو، اصبحت متاحة ويمكن الوصول اليها بسهولة.

على الرغم من الاختلافات الكثيرة بين أدورنو وفوكو والتي تجعل من المستحيل اختزال أحدها بالآخر، فإن نظرياتهم تتقارب عندما يدرسان التشكيل الدقيق لهوياتنا الخاصة وتقييم احتمالات صمودها.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...............................

[1] Miiller-Doohm, Stefan. Adorno: A Biography. Translated by Rodney Livingstone.Cambridge: Polity Press, 2005.pp. 403,407 and 448.

[2] توفي أدورنو بنوبة قلبية بعد بضعة أشهر من صدور كتاب فوكو أركولوجيا المعرفة في مايو 1969. على الرغم من أنه لم يذكر أبداً ما بعد البنيوية، إلا أنه كان على دراية بالتيارات الفكرية في فرنسا فقد ذكر أعمال ليفي شتراوس وجاك لاكان في محاضراته عام 1968 في علم الاجتماع. انظر:

'Sociology and Psychology'. Translated by Irving N. Wohlfarth. New Left Review 47 (1968), pp. 79-97.

[3] Foucault, 'Interview with Michel Foucault'. Essential Works:Power ,p. 274.

[4] Foucault, Discipline and Punish, p. 24. وأنظر ايضا Rusche and Kirchheimer, Punishment and Social Structure.

oucault, 'Interview with Michel Foucault', Essential Works: Power, p. 273.

[5] Jay, Martin.Adorno. London: Fontana, 1984.22.

[6]Martin Jay, Adorno, p. 22.

[7] تحدث جيمس ميلر عن هذه المحادثة في The Passion of Michel Foucault، pp. 456-7 n. 52.

[8] أ،ظر:

Axel Honneth, Honneth, Axel. The Critique of Power: Reflective Stages in a Critical Social Theory.Translated by Kenneth Barnes.Cambridge MA: The MlT Press, 1991.

Hoy, David Couzens and McCarthy, Thomas. Critical Theory. Oxford: Blackwell, 1994. Jameson, Fredric. Late Marxism: Adorno, or, the Persistence of the Dialectic. New York:

Verso, 1990.

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا في هذا المقال الثالث عن الفروض المساعدة ودورها في ميثودلوجيا برامج الأبحاث عند إمري لاكاتوش، وفي هذا يمكن القول: إن إعادة البناء العقلاني للعلم في تصور لاكاتوش قائم علي أن النظرية العلمية المتقدمة هي النظرية التي تنتقل فيها نظرية ما إلي الأمام ومعها محتوي معرفي وتجريب ومنطقي أكبر من نظرية أخري مما يؤدي إلي سلسلة من الاكتشافات لوقائع جديدة . إن ما حاول لاكاتوش أن يقوله هنا هو أن النظرية العلمية التقدمة لم تعد كما كان يؤكد علي ذلك أصحاب الوضعية المنطقية، متقدمة باتفاقها مع الوقائع الملاحظة، بل أصبح المعيار التجريبي لتقدمها يكمن في تقديم النظرية العلمية لوقائع جديدة؛ يقول لاكاتوش:"إذ قدمنا نظرية لحل تناقض بين نظرية سابقة ومثل مناقض بطريقة تجعل النظرية الجديدة تقدم فقط إعادة تفسير مبني علي تناقض المحتويات (لغوياً)، بدلاً من تقديم تفسير مبني علي زيادة في المحتويات (علمياً)، فإن التناقض يحل بطريقة لا تتعدي تفسير معاني الكلمات، غير العلمية . فواقعة معينة تفسر علمياً فقط إذا فسرت واقعة جديدة أخري معها .

ومن هذا المنطلق نود أن نتساءل: ماذا لو كان لدينا سلسلة من النظريات لديها محتوي معرفي أكبر وتتنبأ بوقائع جديدة، ولكن يوجد في هذه السلسلة بعض النظريات المتناقضة؟

يجيب لا كاتوش بأننا لو كان لدينا هذه السلسلة من النظريات ويوجد بينها عدد قليل من النظريات المتناقضة، فإننا لا بد أن نستبعد الواحدة تلو الأخري من تلك النظريات المتناقضة، حتي إذا كان لدينا نظريتان في النهاية نفاضل بينهما عن طريق معرفة أيهما تقدم المحتوي الأكبر المعزز الذي يمدنا بشكل التقدم الذي تتخذه النظرية .. أما سلسلة النظريات المتبقية فإنها تشكل متصلا يستمر ويلتحم ليشكل برامج للبحث .

وهنا يصل لاكاتوش إلي نفس النتيجة التي وصل إليها كلا من بوبر وتوماس كون، ولكن لأسباب مختلفة،  فنحن نعرف أن بوبر ذهب إلي  لا علمية نظريات التنجيم والتحليل النفسي والماركسية لعدم قابليتها للتكذيب، كما أن كون وصل إلي نفس النتيجة ولكن بسبب عجز هذه الأنساق عن تكوين أسلوب لتكوين وحل الألغاز . أما لاكاتوش فيري أن هذه الأنساق لم تنجح في التنبؤ بوقائع ناجحة غير مطروقة أو غير  متوقعة . فهل نجحت الماركسية في ذلك ؟ لم يحدث علي الإطلاق، علي العكس فللماركسية تنبؤات فاشلة معروفة . فقد تنبأ الماركسيون بالفقر المطلق والأكيد للطبقات العاملة، كما تنبؤا بحتمية حدوث الثورة الاشتراكية الأولي في أكثر البلدان الصناعية تقدما، وأن المجتمعات الاشتراكية ستخلو من الثورات والإضرابات العمالية، وبعدم حدوث صراع أو تضارب في المصالح بين الدول الاشتراكية . ونحن لا ننكر بالطبع أن هذه التنبؤات العلمية عند نيوتن وأينشتين، ولكن الفارق الأساسي بينهما هو أن هذه التنبؤات الأخيرة فشلت جميعاً . وكلنا يعرف ما حدث للاتحاد السوفيتي السابق عقب تفكك الجمهوريات السابقة وانهيار النظام الشيوعي في معظم البلدان التي أخذت به . ويبدو الموقف لنا وكأن لاكاتوش كان لا يستقرئ فعلا ما سوف يحدث بعد وفاته بثلاثة عقود . فقد رفض الماركسيون بعد فشل تنبؤاتهم الاعتراف بهذا الفشل، ومن ثم حاولوا تفسير وتبرير هذا الفشل . ففسروا ارتفاع مستوي معيشة الطبقات العاملة في البلدان الصناعية باختراع نظرية الامبريالية العالمية، وفسروا سبب حدوث الثورة الاشتراكية الأولي في روسيا المتخلفة صناعيا آنذاك بدلا من حدوثها في أحد البلدان المتقدمة، كما فسروا حدوث ثورات شعبية في البلدان الاشتراكية كالتي حدثت في برلين عام 1953 وبودابست عام 1956 وبراج عام 1968، وأخيرا فسروا الصراع بين البلدان الاشتراكية ذاتها كالصراع بين روسيا والصين . وقد استعانوا في كل هذه التفسيرات بفروض مساعدة إضافية ثم تلفيقها بعد وقوع الأحداث وليس قبلها كما يحدث في النظريات العلمية .

ومن جهة أخري اعترض لاكاتوش علي بوبر بشأن التقدم العلمي، فقد أكد بوبر  علي اختبار الفرض علي حده وبصورة منفصلة، وأعد ذلك مسألة جوهرية لتقدم العلم وقياس ما يضاف إليه حقيقة، فالذي لا شك فيه أنه لا يمكن أن يقرر أحد إذا كانت نظرية جسورة مهما كانت، وذلك عن طريق اختيارها علي انفصال، لكن فقط عن طريق اختبارها في ضوء سياقها المنهجي التاريخي .

وهذا معناه أنه إذا كان بوبر في محاولته للتقدم العلمي يؤكد عمومية النظرية العلمية، مع وضع في الاعتبار تكذيب النظرية اللاحقة للنظرية السابقة عند تناقضها، فإن لاكاتوش يؤكد علي أن أي نظرية تتمثل وتولد في خضم هائل من التناقضات، ومن ثم يمكن عمل تعديل في النسق النظري العلمي، وطبقا لذلك رأي لاكاتوش أن أي برنامج بحث يتألف من قواعد منهجية ؛ يقول لاكاتوش : " طبقاً للمثيودولوجيا التي أدعو إليها، فإن الإنجازات العلمية العظيمة ليست سوى برامج بحث يمكن تقييمها في حدود مشكلة الدورات المتقدمة والمتفسخة، حيث تشمل الثورات العلمية على برنامج بحث واحد (يتخطى في التقدم آخر) ويحل محله . وتسعى هذه الميثودولوجيا إلى إعادة بناء عقلاني جديد للعلم .

ويؤكد لاكاتوش أن هذه الميثودولوجيا  تقدم برامج البحث صورة عن لعبة العلم تختلف كثيراً عن الصورة التي تقدمها ميثودولوجيا التكذيبي . حيث أن أفضل استهلال افتتاحي ليس افتراضاً يمكن  تكذيبه . (ويكون لذلك متسقاً)، وإنما هو برنامج  بحث .

وهنا يقترح لاكاتوش وحدة جديدة للتقييم، فبدلاً من النظريات المؤيدة التي قدمها بوبر والنماذج الإرشادية التي قدمها كون ، يركز هو علي برامج الأبحاث العلمية . ويرفض لاكاتوش السؤال الأساسي للوضعية المنطقية وهو متي تكون النظرية مقبولة؟ أي متي تكون مبررة بالمعني الذي يوضح أنها صادقة أو علي الأقل محتملة الصدق بدرجة ملائمة؟ كما أنه يرفض السؤال الذي طرحه كون وهو: متي يتحتم علينا قبول نموذج إرشادي في العلم؟ حيث تتمثل الإجابة في إجماع العلماء علي احترام نموذج إرشادي معين، وحيث يتخلي كون عن معيار الإثبات أو التأييد الاستقرائي التجريبي والذي يعد معيارا موضوعيا، ويتخلي أيضا عن المدي المفاهيمي البوبري للتعزيز بوصفه معيارا عرضه للخطأ، والذي يعد أيضاً معياراً موضوعياً، يتخلي كون عن كل ذلك لأجل الاتفاق الذي يتسم بطابع الذاتية . ومثلما فعل كون نجد لاكاتوش أيضا يتخلي عن سائر الأسئلة المطروحة سابقا ويطرح سؤالا جوهريا مؤداه: متي يكون من المعقول أن نقبل أو نرفض برنامج بحث .

لم يغفل لاكاتوش الدلالة التاريخية لنمو النسق العلمي أو الأنساق العلمية، أي لم ينظر إلي النظرية منفردة، بل برنامج متكامل للبحث، وذلك لأن التقدم العلمي عنده يتم بالانتقال من برنامج متدهور إلي آخر تقدمي، وهذا ما جعله علي خلاف مع كثير من فلاسفة العلم المعاصرين وخصوصا كارل بوبر علي الرغم من أنه أخذ منه الكثير من الأفكار تطبيقها ويتألف برنامج البحث العلمي عند لاكاتوش من ثلاثة أشياء:

1- النواة الصلبة .

2- الحزام الواقي .

3- الموجه الإيجابي والسلبي.

أو يتألف من جزئين بنائيين هما:

- النواة الصلبة والحزام الواقي في ضوئهما يقدم نظاما من الاستمرارية لأي سلاسل من النظريات العلمية.

- قاعدتين منهجيتين رئيسيتين : قاعدة الموجه الايجابي وقاعدة الموجه السلبي.

النواة الصلبة (Hard Core ) : بالنسبة لأي برنامج بحث علمي تبدو ثابتة ومحددة وتتألف من معتقدات رئيسية للبرنامج، وهي ليستموضع جدال أو تساؤل . وهذا يعني أنه إذا لم يسلم أي باحث بصحة النواة الصلبة بالنسبة لبرنامج البحث، فإنه في حل في أن يترك برنامج البحث، أي أن النواة الصلبة بمثابة البديهيات والمصادرات النظرية الأساسية بالنسبة لأي برنامج، كما أنها لا تخضع للتكذيب، ولا تقبل التفنيد فهي فرضيات عامة جدا هي اللب أو الصلب الذي علي أساسه ينمو برنامج البحث ويتطور.

رابعاً : دور الفروض المساعدة في قبول أور رفض برنامج بحث:

تتناول منهجية لاكاتوش القرارات التى يتخذها العلماء والاختبارات التى يقدمون بها . هذه القرارات والاختيارات التى يتخذونها عن طريق تبنيهم لنواة صلبة ولمساعد على الكشف الإيجابي . والمساعد على الكشف الإيجابي هو سياسة للبحث أو " تصميم أو خطة تم تصورها مسبقا " يختار المشتغلون بالعلم تبنيها. والمشاكل التى يختارها العلماء المشتغلون على برامج للبحث اختبار عقلانية، هى المشاكل التى يحددها المساعد على الكشف الإيجابي ؛ ويقول لاكاتوش: " طبقا للميثودولوجيا  التى أدعو إليها، فإن الإنجازات العلمية العظيمة ليست سوى برامج بحث يمكن تقييمها فى حدود مشكلة الدورات المتقدمة والمتفسخة، حيث تشتمل الثورات على برنامج بحث واحد (يتخطى فى التقدم آخر) ويحل محله .

وهنا يقول إيان هايكنج :" كان لاكاتوش يولي اهتماما كبيرا بتعيين الحدود الفاصلة لما هو علم، حيث أن الميثودلوجيا التي يدعو إليها معيارية إلي درجة أنها قد تحكم علي بعض الأحداث الماضية في العلم بأنها ما كان ينبغي عليها أن تسير علي هذا المنوال . بيد أن فلسفته لا تيسر أي تقييمات متقدمة لنظريات علمية متنافسة في الوقت الحاضر . وإنما توجد علي الأكثر مؤشرات قليلة بأنها مشتقة من " ميثودولوجيته " فهو يقول أننا ينبغي أن نكون متواضعين في آمالنا المتعلقة بمشروعاتنا الخاصة، لأنه قد يكون للبرنامج المتنافسة الكلمة الأخيرة . وعندما لا يسير برنامج أحد منا في الطريق القويم ينفسح المجال أمام العناد، فيضحي تكاثر النظريات، والتساهل في التقييم، والتقييم المشرف عندئذ هي الطرق المتبعة لرؤية أي برنامج هو الذي يثمر نتائج ويواجه تحديات جديدة .

والسؤال الآن، متي يتم استبعاد برنامج بحث علمي طبقا لميثودولوجيا  لاكاتوش؟ إن استبعاد برنامج بحث علمي يأتي عندما يقدم برنامج البحث العلمي الجديد المنافس تفسيرا لنجاح برنامج البحث العلمي السابق عليه، وتقديم خطوات تجريبية إيجابية، ويتنبأ بوقائع جديدة أكثر من برنامج البحث العلمي السابق . ولكن ليس معني هذا الاستغناء عن برنامج البحث العلمي السابق، يقول لاكاتوش " إن برنامج البحث العلمي الجديد الذي يدخل في منافسة ربما يبدأ بتفسير وقائع قديمة بطريقة جديدة ولكن ربما يأخذ وقتا طويلا قبل أن يري ويقدم وقائع جديدة حقيقية ".

وفي فقرة أخري يقول لاكاتوش:" " لا يوجد هناك تجارب حاسمة إذا عنينا بذلك تجارب تؤدي مباشرة إلي القضاء علي برنامج معرفي معين . وفي الحقيقة فإنه في حال انهزام برنامج بحث معرفي واستبداله ببرنامج معرفي آخر، يمكننا مستفيدين من مرور فترة طويلة من الزمن " تسمية تجربة حاسمة إذا ظهرت جلياً أنها كانت مؤيدة للبرنامج المنتصر وداحضة للبرنامج المهزوم "، " وبعبارة أخري لا يعير العلماء آذانهم بسهولة إلي نتائج التجارب السلبية بادئ الأمر ولابد من مرور فترة طويلة من الأبحاث والاختبارات كي يقبل سوادهم بفشل النظام المعرفي الذي دحضته التجربة، فلا تصبح هذه الأخيرة حاسمة في انهزامه إلا بعد أن تكون قد ترسخت النظرية الجديدة في الأوساط العلمية، فيمكننا فقط عندها القول بأنها تجربة حاسمة .

وقد تأخذ الأمور منحي أكثر تعقيداً حسب لاكاتوش :" فإذا وضع عالم من أنصار المعسكر المهزوم بعد بضع سنوات تفسيراً علمياً لما دعي بـــ "التجربة الحاسمة" يجعلها متفقة مع البرنامج المهزوم، فإن صفة الشرف يمكن نزعها عن تلك التجربة وتتحول بذلك " التجربة الحاسمة " من هزيمة إلي نصر للبرنامج القديم .

وهكذا قد تستمر نظرية ما في مقاومة التغيير لفترات طويلة، وقد تصبح عائقاً أمام أي محاولات جدية لدحضها فتسد آذان العلماء عن صوت البني الطبيعية المناقض لها وتخلق انقطاعاً مرحلياً في المسار العلمي نحو الحقيقة . وقد يطول هذا الانقطاع أو يقصر جاعلاً من مفهوم التقدم نحو البني الموضوعية مفهوماً تاريخياً لا تندرج فيه أية حقبة منعزلة من تطور المعرفة، بل المسار التاريخي برمته .

فعلي سبيل المثال، فإن نظرية الحرارة قد بدت متلكئة وراء نتائج النظرية الفينومينولوجية لعشرات السنين قبل أينشتين – سموكوتشوفسكي للحركة البراونية عام 1905، بعد هذا ما كان قد بدأ علي أنه إعادة لتفسير وقائع جديدة عن الحرارة، علي سبيل المثال قد تحول علي أنه اكتشاف لوقائع جديدة عن الذرات .

وهذا القول يدلنا علي أننا لا نستبعد برنامجا للبحث فقط لأنه قد فشل في أن يلحق بمنافسه القوي . ذلك لأن هذا البرنامج للبحث يمثل تقدما في غياب منافسه القوي، وأننا لا بد أن نعطي لبرنامج البحث الموجود الفرصة طالما كانت لديه القدرة علي ذلك لإعادة بناء نفسه من أجل تحقيق التقدم في العلم .

فالعلم في نظر لاكاتوش يتقدم عن طريق برامج البحث العلمي المتنافسة، فبرنامج البحث المتقدم يكون له نواة صلبة لا تقبل التفنيد، وذلك لوجود حزام واق من الفروض المساعدة، حيث تتجه التفنيدات إلي هذا الحزام الواقي المكون من الفروض المساعدة التي تتحمل صدمة الاختبارات، وتتعدل مرة بعد أخري  حتي أنها يمكن أن تستبدل كلية من أجل حماية النواة الصلبة لبرنامج البحث العلمي . فإذا نجح برنامج بحث علمي ما في هذا الاستبعاد للفروض المساعدة وإحلال فروض أخري تحقق الخطوة الأولي من برنامج بحث متقدم، هي زيادة الفروض المساعدة وزيادة مضمونها التجريبي وقدرته علي التنبؤ بوقائع جديدة . وتأتي خطوة ثانية لتحقيق التقدم في برنامج بحث علمي ما، وهي خطوة إيجابية في هذه المرة والتي تتلخص في " تغيير وتطوير الأشكال المختلفة القابلة للتفنيد لبرنامج البحث، وكذلك كيف تعدل وتطور الحزام الواقي القابل للتفنيد؛ وفي هذا يقول لاكاتوش :" تتميز جميع برامج البحث العلمي "بجوهرها الصلب "  . والمحاولة التجريبية السلبية للبحث تمنعنا من توجيه طريقة التفنيد إلي الجوهر الصلب .وبدلاً من ذلك، علينا أن نستخدم مهارتنا في صياغة أو ابتكار " افتراضات مساعدة"، تشكل حزام الأمان حول ما هو الجوهر الصلب ويجب أن نعيد توجيه طريقة التفنيد إليها . فحزام الأمان من الافتراضات المساعدة هو الذي يجب أن يتحمل حدة صدمة الاختبارات وتتعدل مرة أخري بعد أخري، حتي يمكن أن تستبدل كلية لكي تحمي الجوهر الصلب . فبرنامج البحث يمكن أن ينجح إذا أدي كل هذا إلي تحول إشكالي تقدمي، ويفشل إذا أدي هذا إلي تحول إشكالي تأخري .

ويعطينا " لاكاتوش " مثالاً علي ذلك من برنامج البحث النيوتوني ؛ حيث يلاحظ أن النواة الصلبة لهذا البرنامج تتمثل في الجاذبية، وأنه لا شك في أن بين النواة والظواهر الحزام الواقي من الفروض المساعدة التي تحتك بالاختبار والتكذيب . ومن هنا قبل الحزام الواقي التعديل والتطوير ليحمي النواة، وهذا التطوير يتم بناء علي الموجه الإيجابي المساعد علي الكشف؛ أي أننا حين اكتشفنا أن كوكب يورانوس لا يتفق مع التنبؤات الخاصة بنظرية نيوتن لم نستنتج من هذا أن النظرية كاذبة، بل علي العكس، فالنظرية أو برنامج البحث النيوتوني عامة لا يزال تقدمياً . وبعد فترة من الزمن أصبح هذا البرنامج متفسخاً ومتدهوراً لظهور برنامج أخر، وهو لآينشتين الذي فسر حركة الكوكب عطارد التي لم يستطع برنامج نيوتن حلها . هذا فضلاً عن أن برنامج آينشتين قد تنبأ بانحراف الأشعة الآتية من النجوم تحت تأثير مجال الجاذبية ؛ يقول لاكاتوش :" والمثل التقليدي لبرنامج البحث الناجح هو نظرية الجاذبية لنيوتن : ربما يكون أنجح برنامج بحث . عندما قدم في بادئ الأمر غرق في محيط من الشواذ (أو الأمثلة المضادة، إذا أدرت)، وعارضته نظريات الملاحظة التي تدعم هذه الشواذ . لكن أتباع نيوتن حولوا بذكاء وإصرار واضح الأمثلة المضادة واحدا بعد الآخر إلي أمثلة مثبتة، برفض نظريات الملاحظة الأصلية التي بنيت الأدلة المضادة في ضوئها بصورة رئيسية . وفي أثناء هذا الإجراء قدموا أمثلة مضادة جديدة قاموا أيضا بالرد عليها . ولقد حولوا كل صعوبة جديدة إلي نصر جديد لبرنامجهم . في برنامج نيوتن التجريبية السلبية تطلب منا أن نحول طرق تفنيدنا عن قوانين نيوتن الثلاثة عن الديناميكا وقانونه عن الجاذبية . هذا الجوهر الذي لا يفند عن طريق قرار منهجي من الأنصار. فالشواذ يجب أن تقود التغييرات فقط من حزام الأمان المساعدة والافتراضات الملاحظة والظروف الابتدائية . ولقد قدمت مثلا صغيرا جدا مبتكرا للتحول الإشكالي التقدمي انيوتن . إذا حللناه نجد أن وصلة متتابعة في هذا التمرين تتنبأ بحقيقة جديدة معينة، كل خطوة تمثل زيادة في المحتوي الامبريقي: والمثل يشكل تحولا نظريا تقدميا مستمرا . وأيضا كل تنبؤ يتحقق في النهاية علي الرغم من أنه في ثلاث مناسبات متتالية كان يبدو عليها أنها " مفندة" مؤقتا . بينما " التقدم النظري (في المعني المشروح هنا) يمكن أن يتحقق مباشرة، لا يمكن ذلك بالنسبة للتقدم الامبريقي، وفي برنامج البحث يمكن أن يصيبنا الاحباط بسبب سلسلة طويلة من " التفنيدات " قبل أن يحول افتراض مساعد متزايد في المحتوي ساذج محظوظ سلسلة من الهزائم – بالبصيرة إلي قصة نجاح رنانة، إما عن طريق مراجعة بعض الوقائع الخاطئة أو بإضافة افتراض مساعد جديد . ويمكننا أن نقول عند ذلك إننا يحب أن نطلب أن تكون كل خطوة من برنامج البحث تحولا إشكاليا تقدميا بصفة مستمرة . وكل ما نحتاج إليه بالإضافة إلي هذا هو انه علي الأقل من حين لآخر يجب أن يلاحظ أن الزيادة في المحتوي قد تحققت بأثر رجعي : والبرنامج ككل يجب أن يبين تحولا امبريقيا تقدميا  مترددا . وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن الفروض المساعدة ودورها الرئيسي في ميثودلوجيا برامج الأبحاث عند إمري لاكاتوش وفي هذا نقول: ولكن ماذا نفعل عندما تتمثل أمامنا صعوبة تحول دون إتمام الاختبار؟

يجيب "بوبر": ينبغي أن ندخل فروض جديدة يمكن أن نطلق عليها الفروض المساعدة لتفسير صعوبة ما عند إجراء عملية الاختبار أو لمساعدة النظرية على اجتياز الاختبار . وهذه الفروض تختبر بذاتها أو مستقلة، على حين تقابلها الفروض العينية غير القابلة للاختبار مستقلة، ووضعت فقط للتملص من التكذيب . إن الفروض المساعدة هي من أهم أساليب تطور النظرية وإعادة تعديلها . هذا يعني أنه من منطلق الحرص على تقدم المعرفة والاقتناع بل طرح الفروض القابلة للتكذيب هو أضمن أساليب هذا التقدم، لأننا حين نضع على مواطن الكذب سوف نتمكن من الوصول إلى الفرض الأصوب الذي يتجنبها . وهكذا دواليك ....

ومن هنا لا بد وأن نأخذ على خط مستقيم قاعدة منهجية وهي أن نحكم الفروض المساعدة بحيث تتفادى عملية إبطال عملية التكذيب، أي أن نقبل فقط الفروض التي تقلل درجة قابلية التكذيب للنسق المطروح للبحث، بل على العكس تزيدها . وهذا الفرض الجديد الذي سيزيد بدرجة القابلية للتكذيب، وأن يؤخذ دائماً لمحاولة بناء نسق جديد، نسق نحكم عليه على أساس ما إذا كان سيمثل بالفعل تقدما ما في معرفتنا بالعالم الخارجي أم لا . وفي هذا يقول:"... أما بالنسبة للفروض المساعدة، فإننا نقترح أن نضع القاعدة القائلة: إننا نقبل الفروض المساعدة التي لا يكون إدخالها مفضياً إلي تقليل درجة قابلية التكذيب، أو قابلية اختبار النسق موضع التساؤل، وإنما علي العكس من ذلك نقبل الفروض المساعدة التي تزيد من قابلية التكذيب أو قابلية الاختبار ... وإذا زادت درجة قابلية التكذيب، فقد أثر إدخال الفروض في النظرية فعلاً ".

مثال:

عندما لوحظ أن ثمة انحرافات في مدار كوكب يورانوس، افترض لافيري وآدمز ضرورة وجود كوكب آخر كي يفسر هذه الانحرافات البسيطة . وقد انتهى الأمر بمحاولة لهما بمساعدة آخرين إلى اكتشاف كوكب نبتون بالفعل، وهنا نلاحظ أن الفروض المساعدة لا تخل بمعيار القابلية للتكذيب، بل على العكس زادت به .

والنتيجة أن نظرية الجاذبية عند نبتون أعيدت للاختبار من جديد متمثلاً ذلك في الكشف عن هذا الكوكب . وهذا الاكتشاف فيما يرى " بوبر " تجربة حاسمة صارمة أخرى اجتازتها نظرية نيوتن وبنجاح، أو تعزيز عبور نظرية نيوتن من التكذيب هنا عن طريق فرض مساعد ليبقي معناها أنها غير قابلة للتكذيب .

ولذلك راح بوبر يعلن أن النظرية (أو الفرض) يمكن إنقاذهما دائماً من مأزق التكذيب إذا عززناها بفروض إضافية مساعدة، وطبقا لبوبر يكون هذا مسموحا به فقط لو أن الفرض المساعد الجيد (أو الفروض) تزيد من عدد النتائج الملاحظة. ذلك لأنها ينبغي أن تزيد من " المضمون التجريبي " للنظرية . وإن لم تفعل ذلك، ينظر إلى الفرض المساعد بأنه وضع لغرض معين، وهو غير مسموح به طبقا للقواعد المنهجية المفضلة لبوبر.

معني هذا أن "بوبر" يري أن إدخال الفروض المساعدة يكون مقبولاً إذا كانت تزيد من قابلية الفرض للاختبار . والحقيقة أن عملية إدخال الفروض المساعدة أو تعديلها أو تنقيحها قد يؤدي إلى ما يمكن أن نطلق عليه " بالفروض الغرضية " كما أن قبول أو رفض هذا النوع من الفروض يتوقف على الغرض منها .

وهنا يشجب بوبر الفروض المساعدة التي يدعي الاصطلاحيون أنها يمكن أن تبطل دائما عملية التكذيب، ويؤكد أنه يمكن أن نحكمها بقاعدة نتفادي بها هذا، وهي: تقبل فقط الفروض التي لا تقلل درجة قابلية تكذيب – أي اختبار النسق المطروح للبحث، فعلي العكس تزيدها . وهذا الفرض الجديد الذي سيزيد درجة القابلية للتكذيب، من شأنه أن يقوي النظرية فيجعلها تستبعد أكثر وتمنع أكثر مما كانت تمنعه قبل طرح الفرض . وعلي هذا يصبح تقديم فرض مساعد جديد، يجب وأن يؤخذ دائما لمحاولة لبناء نسق جديد، نسق نحكم عليه علي أساس ما إذا كان سيمثل بالفعل تقدما في معرفتنا بالعالم الخارجي أم لا . وبهذا نلاحظ أن تقديم الفروض المساعدة لا يشكل عقبة ميثودولوجية في وجه القابلية للتكذيب، بل علي العكس سيساهم في تأكيدها، إذ سيساعد علي نمو العالم . وهذا هو الرد علي كل من يتمسك بإمكانية تحصين النظريات ضد التكذيب سواء أكان اصطلاحيا أم غير اصطلاحي .

وفي موضع آخر يصب جام غضبه علي المذهب الاصطلاحي ورواده، فيقول " لقد أدرك كل من بوانكاريه ودوهيم استحالة تصور نظريات علم الطبيعة علي أنها قضايا استقرائية . وقد تحقق لهما أن المشاهدات القياسية التي قيل أن التعميمات تبدأ منها، هي علي العكس من ذلك، تأويلات في ضوء نظريات .. ومن ثم فالنظرية العلمية لا تحوي معرفة صادقة أو كاذبة، فهي ليست إلا أدوات لنا أن نقول عنها فقط إنها ملائمة أو غير ملائمة، مقتصدة أو غير مقتصدة، مرنة، دقيقة أو جامدة، لذلك نجد دوهيم يقول انه لا توجد أسباب منطقية تمنعنا من أن نقبل في وقت واحد نظريتين متناقضتين أو أكثر ... وعلي الرغم من أنني أوافقهما علي ذلك، إلا أنني أختلف معهما عندما اعتقدا باستحالة وضع الأنساق النظرية موضع الاختبار التجريبي، فلا بد أن تكون قابلة للاختبار – أي قابلة للتفنيد من حيث المبدأ وليست أدوات .

ثانيا: الفروض المساعدة وأطروحة دوهيم- كواين

إذا كان "كارل بوبر" قدم بناءً عقلانياً للعلم يتمثل في أن التقدم العلمي سلسلة من الحدوس والتفنيدات، أي أن النظرية الجديدة يجب أن تمر من الاختبارات الجديدة القاسية . فلكي تكون النظرية علمية ينبغي أن تكون قابلة للتكذيب بدون زيادة مستمرة تبدو قليلة الأهمية، فإنه علي الطرف الأخر طرح " بيير دوهيم "، الفيلسوف الاصطلاحي الفرنسي الشهير، هذا السؤال: ماذا نفعل عندما تتمثل أمامنا صعوبة تحول دون إتمام الاختبار الحاسم؟ هل يتطلب الأمر دخول فروض جديدة تحل هذه الصعوبة أو تلك؟ وإذا كان ذلك كذلك فما هي الفروض الجديدة، هل هي فروض مساعدة تخل بمعيار التكذيب وتبطل التجربة الحاسمة؟

وقد أجاب" بيير دوهيم " Pierre Duhem (1861-1916) أن الفيزيائي حين يقوم بإجراء تجاربه لا بد له أن يخضع في عملية التجريب لقاعدة الفروض المتعددة Multiple hypotheses ، أي أن العالم لا بد أن يضع أكبر عدد من الفروض، تظل كلها مائلة أمام الذهن أثناء التجربة، ونتائج التجربة وحدها هي التي تقرر الفرض في النهاية، علي حين تكذب نتائج التجربة الفروض الأخرى، ومن ثم نستبعدها ويتضح لنا هذا المعني من نص " دوهيم " القائل: " إن الفيزيائي لا يمكنه أن يخضع فرضاً واحداً بمفرده للاختيار التجريبي ، بل مجموعة كاملة من الفروض "، وهذا يعني أن التجارب الفيزيائية هي ملاحظة للظواهر مصحوبة بتأويل لها في ضوء النسق المعمول به، لذلك فإن الفيزيائي لا يخضع فرضاً منفرداً للتجريب، بل مجموعة فروض معا .

ويوضح ذلك قائلاً:" لا يمكن مطلقا لأية تجربة فى مجال علم الفيزياء أن تحكم على فرض معزول، لكن يمكنها فقط أن تحكم على مجموعة نظرية من الفروض ككل "، " ثم يفسر الأطروحة لاحقا فى هذا القسم على النحو التالى: " وخلاصة الأمر أن عالم الفيزياء لا يستطيع مطلقا أن يخضع فرضا معزولا لاختبار تجريبى، لكنه يستطيع أن يخضع مجموعة برمتها من الفروض، وحينما لا تتوافق التجربة مع تنبؤاته، فإن ما يتعلمه هو أن واحدا علي الأقل مع الفروض المكونة لهذه المجموعة غير مقبول وينبغي تعديله، لكن التجربة لا تحدد أيا من هذه الفروض هو الذي ينبغي إدخال تعديلات عليه ".

ولكي نناقش أطروحة " دوهيم "، من المفيد أن نقدم الفكرة المتعلقة " لقضية الملاحظة" . أما الآن. فسوف نتناول قضية ملاحظة ولتكن قضية يمكن الاتفاق مؤقتا علي أنها إما صادقة أو كاذبة بناء علي الملاحظة والتجربة . وفقا لأطروحة دوهيم، لا يمكن قط تكذيب فرض معزول في مجال علم الفيزياء . إذ من الأمور المشكوك فيها، وجود تعميم يغطي كل الفروض المتعلقة بعلم الفيزياء، لأن هذا العلم يتضمن علي ما يبدو، بعض الفروض القابلة للتكذيب .

ومن ناحية أخري يري دوهيم أنه عندما تكون التجربة علي عدم وفاق مع تنبؤاتهم أو نتائج النظرية تخبرنا بأنه علي الأقل، واحداً من هذه الفروض المؤلفة لهذه المجموعة خطأ أو تحتاج إلي تعديل، ولكنها – وهذه هي المشكلة لا تخبرهم بالفرض تحديدا الذي هو موضع الخطأ الذي يجب تغييره ... ويستطرد دوهيم قائلاً " كلا، الفيزياء لم تكن ألة تضع نفسها في فوضي وتفكك... الفيزياء يجب أن تكون كائنا عضويا قائماً، في قطعة واحدة يستحيل أي عضوا في هذا الكائن أن يقوم بوظيفة دون الإجراءات الأخري، وبالتالي فإن ثوب أي نظرية فيزيائية يشكل كلاً غير قابل للتجزئة ... كما أنه لو افترضنا أن تأييداً تجريبياً لتنبؤ أو نتيجة من نتائج هذه النظرية أو تلك، فإن هذا الـتأييد لهذا التنبؤ أو ذلك لا يكون البتة برهاناً حاسماً للنظرية ... ولا يكون ذلك بمثابة تأكيد علي أن النتائج الأخري لهذه النظرية غير متناقضة عن طريق التجربة .

وعندما يقول دوهيم أن ثوب النظرية كل متكامل، فهذا معناه أنه لم يكن ممكناً أن تخضع أجزاء النظرية علي انفصال لاختبار التجربة، ومن ثم نبعد التحقيق التجريبي المهلهل عن اختبار النظرية، وبالتالي لا يمكن أن يعد الدليل التجريبي في حد ذاته تكذيبا حاسما للفرض، وليس هناك تجربة حاسمة بصورة قاطعة .

إذن في هذا التوجه يتمسك دوهيم بضرورة أن تكون جميع فروض النظرية ماثلة أمام الذهن (وهو ما كان بفعله العلماء قبله) حين يقوم العالم بإجراء عملية حذف أو إسقاط بعض الفروض . بيد أن حذف فرض ما يعني الانتقال من هذا الفرض إلي الآخر، إلي أن يتم حذفها جميعاً . وهذا إن أدي إلي شئ، فإنما يؤدي إلي فشل التجارب تماماً، ومن ثم لا ننتهي إلي نتيجة ما في حينها , بل الأمر يتطلب تمثل الفروض جميعاً أمام الذهن مما يتيح لهذا العالم الفرصة في الكشف عن تفسير الظاهرة موضع التساؤل .

ويؤيد "أينشتين" "دوهيم" في هذا الرأي، حيث أكد الأول على أنه قد استبدل بنظرية " نيوتن " ككل نظرية جديدة في النسبية العامة، وليس بتغير فرض أو فروض من النظرية العلمية أو من النسق العلمي ككل . وهذا يؤيد صعوبة اختبار فرض من فروض النظرية منفصلاً، ويرفض التجربة الحاسمة، لأنه من غير الممكن أن يكون هناك تجربة تحكم على الفرض (من فروض النظرية أو النتائج) منفصلاً، والسبب في ذلك كما رأينا يرجع إلى أنه من الصعب أن نجد فرضاً بذاته يمتلك حيثاته من نتائج التجربة يكون هذا الفرض أو غيره قابلاً للتكذيب، وذلك عن طريق فصله عن كل الفروض الأخرى للنظرية بغرض اختباره .... الفروض النظرية ينبغي ألا تكون منفصلة لغرض الاختبار، وفي نفس الوقت الذي رفض فيه " دوهيم " اختبار الفروض منفصلة، رأى ضرورة أن تتجنب هذه الفروض التفنيد وذلك عن طريق معرفة سابقة أو فروض مساعدة.

كما يتفق مع " دوهيم " " فرانكين A. Franklin " حيث يؤكد الأخير على أن وجود الفرض أو القانون العلمي أو النظرية مع الفروض المساعدة الخاصة بها أو بها هو ما يحول دون التفنيد، أي يمكننا أن نحمي القوانين والنظريات العلمية من التفنيد، وذلك بتعديل وتغيير الفروض المساعدة أو المعرفة السابقة بشأن هذه الفروض أو القوانين أو النظريات الأصلية موضع التساؤل .

ثالثاً: موقف لاكاتوش من توجهات بوبر إزاء الفروض المساعدة

إذا كان بوبر قد ذهب إلى أن النظرية (أو الفرض) يمكن إنقاذهما دائما من مأزق التكذيب إذا عززناها بفروض إضافية مساعدة، وأنه إذا كان طبقا لبوبر يكون هذا مسموحا به فقط لو أن الفرض المساعد الجيد (أو الفروض) تزيد من عدد النتائج الملاحظة. ذلك لأنها ينبغى أن تزيد من " المضمون التجريبي " للنظرية . وإن لم تفعل ذلك، ينظر إلى الفرض المساعد بأنه وضع لغرض معين، وهو غير مسموح به طبقا للقواعد المنهجية المفضلة لبوبر . وهذه النقطة بالذات هي التي تناولها لاكاتوش لكي يطور على أساسها وصفا " لديناميكا " النظريات. فعمل على أن يحلل ليس فقط بنية النظريات العلمية. والطريقة التى بها تكذب، وإنما أيضا العمليات التى بها تفسح نظرية (أو فرض) مجالا لنظرية أخرى (أو فروض آخر) في " برنامج بحث " متطور بصورة تدريجية بهدف تجاوز النزعة التكذيبية البوبرية، والتغلب على الاعتراضات التى وجهت إليها.

ولقد قدم لاكاتوش تفسيرا لذلك من خلال الظروف التي يمكن عن طريقها الحكم علي أن برنامج بحث ما متقدم علي غيره، وذلك في دراسة له تحمل عنوان "التكذيب وميثودولوجيا برامج البحث العلمي"، حيث يتناول لاكاتوش في هذه الدراسة مناقشة معيار القابلية للتكذيب وتطوره عند بوبر، وكيف أن هناك نوعين من التكذيب: التكذيب الساذج Naïve Falsifications ، والتكذيب المنهجي Methodological Falsifications، فبالنسبة للتكذيب الساذج، فإن البرنامج أو النظرية تكون مقبولة، ومن ثم متقدمة قابلة للتكذيب بطريقة تجريبية، إلا أن لاكاتوش يرفض هذا النوع من التكذيب إذ إن كل قضايا العلم قابلة للخطأ. أما النوع الثاني فهو التكذيب المنهجي، ومن خلاله تكون النظرية مقبولة أو علمية فقط إذا عززت المحتوي الامبريقي بصورة زائدة عن سابقتها أو منافستها .

ولذلك يعطي لنا لاكاتوش تلخيصاً لتصوره بقوله:" إن النظرية العلمية "ت " تكذب إذا اقترحت نظرية أخري (ت) بالمواصفات التالية: (ت) بها محتوي إمبريقي زائد عن (ت): وهذا معناه أنها تتنبأ بوقائع جديدة، وقائع غير محتملة في ضوء (ت) أو حتي محرمة عن طريقها. (ت) تفسر نجاح (ت) السابق، أي أن المحتوي الغير مرفوض في (ت) يدخل في محتويات (ت)(من خلال الخطأ الملاحظ).

بعض المحتويات الزائدة في (ت) معززة

ويستطرد لاكاتوش فيقول:" .. ولكي نستطيع أن نقيم هذه التعريفات نحتاج إلي أن نفهم الخلفية المشكلة لها ونتائجها . أولاً، علينا أن نتذكر الاكتشاف المنهجي للإصطلاحيون من انه لا توجد أي نتيجة تجريبية تستطيع أن تقتل النظرية: وأن النظرية يمكن أن تنقذ من المناقضة إما بواسطة فرض مساعد أ, بإعادة شرح مناسب لألفاظها . وقد حل المكذب الساذج هذه المشكلة بإبعاد الفروض المساعدة إلي مستودع المعرفة الخلفية الخالية من المشاكل – في تعبيرات حاسمة، مستبعدا منها النموذج المستنبط لاختبار الموقف، وبذلك يجبر النظرية المختارة علي العزلة المنقية، التي تصبح فيها هدفاً ساكناً لهجوم التجارب الاختبارية . لكي حيث أن هذه الطريقة لم تقدم إرشاداً لإعادة البناء العقلاني لتاريخ العلم، فيمكننا أيضاً أن نعيد التفكير في طريقتنا كلية. وللحديث بقية!

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

حاتم حميد محسنلنفرض ان شخص ما لايتفق اخلاقيا مع شخص آخر حول قضية معينة، مثل عدم الاتفاق حول فكرة ان وضع الانسان الاقتصادي يتقرر وفقا للثروة التي كانت معه عند الولادة. في مثل هذا النقاش، احد المتحدثين يعتبر نفسه صائبا في القضية بينما الطرف الاخر هو على خطأ. الطرف المقابل في الحديث يفترض ان الاول يرتكب حماقة. بكلمة اخرى، كلا الطرفين يفترضان ان احدهما فقط على صواب. النسبيون يرفضون هذا الافتراض.هم يعتقدون ان الفكرتين الاخلاقيتين المتصارعتين كلتاهما على صواب. الاشتراكي المتطرف والرجل الآخر المخالف له في الرؤية كلاهما متساويان في الصواب، هما فقط يشغلان رؤية اخلاقية مختلفة.

تعرضت النسبية للنقد على نطاق واسع، انها هوجمت باعتبارها فكرة سخيفة وغير ناضجة وحتى غير منسجمة. الفلاسفة الاخلاقيون والثيولوجين وعلماء الاجتماع يحاولون تحديد القيم الموضوعية لكي يمكنهم التصدي لتهديد النسبيين، لكن جميع هذه المحاولات باءت بالفشل . النسبية الاخلاقية هي عقيدة معقولة ذات مضامين هامة في كيفية التصرف اثناء حياتنا وتنظيم مجتمعاتنا والتعامل مع الآخرين.

آكلو لحوم البشر وزواج الاطفال

تختلف الاخلاق جذريا عبر الزمان والمكان.احدى المجموعات الخيّرة يمكن ان تكون مجموعة اخرى شريرة. انظر الى آكلي لحوم البشر وهي الحالة التي مورست من قبل جماعات في كل جزء من العالم. الانثربولوجي Peggy Reeves Sanday وجد دليلا على آكلي لحوم البشر في 34% من الثقافات. او انظر الى المباراة الدموية التي مورست في المسارح الرومانية والتي كان فيها الالاف من المشجعين المتحمسين يشاهدون اناسا منخرطين في معارك مميتة. القتل لأجل المتعة لوحظ ايضا بين الثقافات التي كانت تعتبر قطع الرأس كفعالية ترفيهية. العديد من المجتمعات مارست ايضا اشكال متطرفة من التعذيب والإعدام، كما كان يحصل في اوربا قبل القرن الثامن عشر. وهناك ثقافات ترتكب أشكال مؤذية من تحوير وتعذيب الجسد، مثل قطع الجلد و الاخصاء و تكبيل قدمي الفتاة وهي ممارسة استمرت في الصين لأكثر من الف سنة واستلزمت عذابا مؤلما للبنات الشابات. الاختلافات في المواقف نحو العنف يتوازى مع اختلافات في المواقف نحو الجنس والزواج. عند دراسة المجتمعات المستقلة ثقافيا، وجد الانثربولوجيون ان اكثر من 80% منها يجيز تعدد الزوجات. الزواج المرتّب شائع ايضا وفي بعض الثقافات يتزوج البعض من بنت لاتزال لم تنضج جنسيا او حتى اقل عمرا. وفي أجزاء من اثيوبيا، تتزوج نصف البنات قبل سن الخامسة عشرة.

بالطبع، هناك ايضا تشابهات ثقافية في الاخلاق. لا يمكن لجماعة معينة الاستمرار طويلا لو سمحت بهجمات غير مبررة على الجيران او لا تشجع تربية الاطفال. ولكن ضمن هذه القيود الواسعة، تقريبا كل شيء ممكن. بعض الجماعات تمنع الهجوم على البيوت المجاورة لكنها تشجع الهجوم على القرى القريبة. بعض الجماعات تشجع الآباء على ارتكاب وأد الاطفال، او استعمال العقوبة الجسدية ضدهم او إجبارهم على العمل الاجباري او العبودية الجنسية.

مثل هذه الاختلافات تحتاج الى توضيح. اذا كانت الاخلاق موضوعية الا يجب ان نرى اجماع كبير عليها؟ الموضوعيون يجيبون بطريقتين مختلفتين: اولاّ إنكار الاختلافات. بعض الموضوعيين يقولون ان الاختلافات الاخلاقية جرى تضخيمها كثيرا – الناس في الواقع، يتفقون حول القيم لكن لديهم معتقدات واقعية مختلفة او ظروف حياة تقودهم للتصرف بشكل مختلف. فمثلا، مالكو العبيد ربما يعتقدون ان عبيدهم هم في مرتبة فكرية متدنية، وان الجماعات التي مارست الوأد ربما اُجبرت على ذلك بسبب نقص الموارد في مناطق التندرا الفقيرة. لكن من غير المقنع ان كل الاختلافات الاخلاقية يمكن توضيحها بهذه الطريقة. الاختلافات في المعتقدات وظروف الحياة نادرا ما تبرر السلوكيات قيد التساؤل. هل ان عقدة النقص لدى جماعة معينة تبرر حقا استعبادها؟ اذا كان ذلك صحيحا لماذا لا نعتقد انه من المقبول استعباد الناس ذوي المرتبة المتدنية؟ هل الحياة في مناطق التندرا تبرر الوأد؟ اذا كان الامر كذلك لماذا لانقتل الاطفال الفقراء حول العالم بدلا من منح التبرعات لجمعية اوكسفام الخيرية؟ الاختلاف في الظروف لا يبيّن ان الناس يشتركون بالقيم، بل يوضح لماذا تكون القيم مختلفة.

ثانيا، إنكار ان الاختلافات مهمة. الموضوعيون الذين يعترفون بوجود الاختلافات الاخلاقية يجادلون ان الاختلافات لاتعني النسبية، النظريات العلمية تختلف ايضا، ونحن لا نفترض ان كل نظرية صحيحة. هذه المقارنة محكوم عليها بالفشل. الاختلاف في النظرية العلمية يمكن توضيحه بملاحظات غير كافية او وسائل فقيرة، التحسن في كل منها يقود نحو الالتقاء. عندما يُحدد الخطأ العلمي، تُجري التصحيحات. بالمقابل، الاخلاق لا تتبع مسار الاختلافات في الملاحظة، ولايوجد هناك دليل على التقاء عقلاني نتيجة للصراعات الاخلاقية. العبودية الغربية لم تنتهي بسبب الملاحظات العلمية الجديدة، وانما انتهت مع الثورة الصناعية التي بشّرت بالاقتصاد القائم على الاجور. في الحقيقة، العبودية اصبحت اكثر انتشارا بعد التنوير عندما تحسنت العلوم. حتى مع فهمنا الحديث للمساواة ، اوضح بنيامين سكنر ان هناك الكثير من الناس يعيشون في عبودية حقيقية في العالم اليوم مقارنة بتجارة العبيد عبر الاطلسي. عندما تلتقي المجتمعات اخلاقيا، فهي عادة بسبب ان احداها تسيطر على الاخرى(كما في البعثات التبشيرية لإنهاء اكلي اللحوم البشرية). اما الاخلاق، فهي على خلاف العلوم، لاوجود لمعيار متميز جدا يمكن استخدامه لإختبار وتأكيد او تصحيح حالات عدم الاتفاق عند بروزها.

الموضوعيون ربما يجيبون بان التقدم الاخلاقي حصل بالفعل، أليست قيمنا افضل من تلك السائدة في المجتمعات البدائية التي مارست العبودية، او اكل البشر؟ هنا نحن في خطر التعجرف في افتراض التفوق. كل ثقافة تفترض انها تمتلك الحقيقة الاخلاقية. من المنظور الخارجي، ربما يُنظر الى تقدمنا كتراجع. انظر الى التصنيع في قطاع الزراعة، التحطيم البيئي، اسلحة الدمار الشامل، الاستغلال الرأسمالي، العولمة القسرية، التقوقع في اطراف المدن، ممارسة إرسال الاقارب من كبار السن الى بيوت الرعاية. ربما تبدو طريقتنا في الحياة غريبة للعديد من الناس الذين جاءوا من قبل وللعديد الذين سيأتون لاحقا.

المشاعر والتلقين المتكرر

الاختلافات الاخلاقية يمكن توضيحها بشكل افضل عبر افتراض ان الاخلاق، خلافا للعلم، لاترتكز على العقل او الملاحظة. على ماذا اذاّ ترتكز؟ للاجابة على هذا السؤال نحتاج للنظر بالكيفية التي يتم بها تعلّم الاخلاق.

الاطفال يبدأون تعلّم القيم عندما يكونوا صغارا جدا وقبل ان يتمكنوا من التفكير بفاعلية. الاطفال الصغار يتصرفون بطرق لا يمكن ان نقبلها ابدا مع البالغين: هم يصرخون، يرمون الطعام، يخلعون ملابسهم امام الناس، يضربون، يخدشون، يلسعون، وعموما يخلقون مشاجرات. التعليم الاخلاقي يبدأ منذ البداية، حينما يصحح الآباء هذه السلوكيات غير الاجتماعية، هم عادة يقومون بهذا عبر التأثير على مشاعر الاطفال. الآباء يهددون بالعقوبة البدنية (هل تريد الضرب؟)، او التهديد بسحب الحب (انا سوف لن ألعب معك مرة اخرى)، او النفي دون محاكمة (إذهب الى غرفتك)، الحرمان (لن تحصل على حلويات بعد الآن)، او الافصاح عن عدم الثقة الضمني (انظر الى الألم الذي سبّبته). كل واحدة من هذه الطرق تدفع الطفل ذو السلوك السيء لممارسة مشاعر سلبية وربطها بالسلوك المعاقب. الاطفال يتعلمون ايضا عبر التنافذ العاطفي. هم يرون ردود افعال آبائهم للاخبار الجديدة او كتب القصص. هم يستمعون ساعات الى أحكام حول الجيران غير الناضجين، زملاء العمل اللااخلاقيين، الاصدقاء غير المخلصين . الاطفال كمقلدين ماهرين يستوعبون المشاعر التي يعبّر عنها الآباء، وزملائهم عندما يتقدمون قليلا في السن .

ردود الافعال العاطفية ليست فقط وسيلة ملائمة لإكتساب القيم: انها ضرورية. الآباء احيانا يحاولون التفكير مع اطفالهم، لكن التفكير الاخلاقي يعمل فقط عبر توجيه الانتباه للقيم التي استبطنها الطفل سلفا من خلال ردود الافعال العاطفية. مهما كان مقدار التفكير لا يمكنه الإضرار بالقيم الاخلاقية لأن كل القيم هي بالتأكيد، مواقف عاطفية.

هناك بحث حديث في علم النفس يدعم هذا التنبؤ. نحن نقرر ما اذا كان شيء ما خاطئا عبر التأمل الذاتي في مشاعرنا. اذا كان الفعل يجعلنا نشعر بسوء، نحن نستنتج انه خطأ. بالانسجام مع هذا، أحكام الناس الاخلاقية يمكن تحويلها عبر تغيير مواقفهم العاطفية.فمثلا، عالم النفس Simone Schnall وزملائه وجدوا ان التعرض للقاذورات او روائح الانسان الكريهة او الافلام المثيرة للاشمئزاز يدفع الناس لاتخاذ احكام اخلاقية قاسية حول ظاهرة ليست ذات علاقة . عالم النفس Jonathan Haidt وزملائه بيّنوا ان الناس يتخذون احكاما اخلاقية حتى عندما لا يستطيعون اعطاء اي تبرير لها. فمثلا، 80% من طلاب الكلية الامريكيين في دراسة Haidt قالوا من الخطأ ممارسة الجنس بالتراضي بين اثنين من البالغين الاقارب حتى مع استعمالهما وسائل منع الحمل ودون وقوع اي ضرر . عواطفنا تؤكد ان مثل هذه الافعال خاطئة حتى عندما لا تنتج عنها اي آثار او أضرار للضحية .

اذا كانت الاخلاق مرتكزة على اساس عاطفي، عندئذ فان الناس الذين يفتقرون لعواطف قوية سيكونون منغلقين عن عالم الاخلاق. هذا التنبؤ ثبت صحته لدى المرضى النفسيين الذين اتضح انهم يعانون من عجز عاطفي عميق. عالم النفس James Blair اوضح ان المرضى النفسيين يتعاملون مع القواعد الاخلاقية كمجرد أعراف. هذا يشير الى ان العواطف هي ضرورية لعمل احكام اخلاقية. الحكم بان شيء ما خاطيء اخلاقيا هو استجابة عاطفية. ذلك لا يعني ان كل استجابة عاطفية هي حكم اخلاقي. الاخلاق تستلزم عواطف معينة.البحث يقترح ان العواطف الاخلاقية الرئيسية هي الغضب والاشمئزاز عندما يتم الفعل من قبل شخص اخر، والشعور بالذنب والعار عندما يتم الفعل من قبل الشخص ذاته. يمكن القول ان المرء لا يلجأ الى موقف اخلاقي تجاه شيء ما ما لم يميل ليكون لديه كل من هاتين العاطفتين الموجهتين (الذات والاخر) . انت ربما تشمئز من تناول لسان البقرة ولكن ما لم تكن اخلاقيا نباتيا فانت سوف لن تخجل من تناولها.

في بعض الحالات، العواطف الاخلاقية المكتسبة في الطفولة يمكن إعادة اكتسابها لاحقا في الحياة. الشخص الذي يشعر بالخجل من شيء ما ربما لاحقا يشعر بالخجل من الشعور بالخجل. هذا الشخص يمكن القول لديه نزعة تلقينية للنظر الى ذلك الشيء باعتباره غير اخلاقي، ولكن ايضا لديه ايمان بان هذا الشيء مسموح به، والايمان الاخير يساعد في كبح النزعة الاولى بمرور الزمن.

هذا لا يعني القول ان العقل غير ملائم للاخلاق. يمكن للمرء من خلال التفكير المكثف اقناع شخص ما بان تناول اللحوم عمل خاطئ، لكن الحجة الوحيدة التي تعمل هي تلك التي تلجأ الى العواطف القبلية. سوف لن تكون هناك فائدة من الجدال حول النباتية مع شخص لا يرتعش من فكرة قتل الابرياء. وكما ذكر ديفد هيوم ان العقل دائما عبد للعاطفة.

اذا كانت هذه الصورة صحيحة، فنحن لدينا مجموعة من قيم اساسية مشروطة، وقدرة على التفكير، تسمح لنا بتمديد هذه القيم الى حالات جديدة. هناك اثنين من المضامين الهامة. الاول، هو ان بعض النقاشات الاخلاقية لايمكن الوصول فيها الى قرار بسبب ان كلا الجانبين لديهما قيم اساسية مختلفة. هذا عادة الموقف مع الليبراليين والمحافظين. البحوث تقترح ان المحافظين يقيّمون بعض الاشياء التي هي اقل اهمية لليبراليين، بما فيها هياكل السلطة الهرمية والثقة الذاتية والتضامن ضمن الجماعة والنقاء الجنسي. النقاشات حول الرفاهية والسياسة الخارجية والقيم الجنسية اصبحت في وضع حرج بسبب هذه الاختلافات الاساسية.

الثاني، هو اننا لا نستطيع تغييير القيم الاساسية بواسطة العقل وحده. مختلف الأحداث اثناء الطفولة ربما قادرة على إعادة تشكيل عواطفنا المغروسة بما فيها الصدمة و غسيل الدماغ و الانغماس في جماعة جديدة (نحن لدينا ميل لا واعي نحو الامتثال الاجتماعي). العقل يمكن استخدامه لاقناع الناس ان قيمهم الاساسية هي بحاجة للمراجعة لأن العقل يمكنه اكتشاف متى تكون القيم غير منسجمة ومدمرة ذاتيا. مقال في النسبية ربما يقنع المرء في التخلي عن بعض القيم الاساسية على اساس انها منغرسة اجتماعيا. لكن العقل وحده لا يستطيع غرس قيم جديدة او التأكيد على نوع القيم التي يجب ان نمتلكها. العقل يخبرنا عما هو كائن وليس عما ينبغي ان يكون.

باختصار، الأحكام الاخلاقية ترتكز على العواطف، وان التفكير عادة يساهم فقط بمساعدتنا على الاستنباط من قيمنا الاساسية حالات جديدة. التفكير يقودنا فقط لاكتشاف ان قيمنا الاساسية منغرسة ثقافيا وانها قد تدفعنا للبحث عن قيم بديلة، لكن العقل وحده لا يستطيع اخبارنا اي القيم نتبنّى ولا يمكنه غرس قيم جديدة.

 هل هناك دليل اخلاقي موضوعي؟

فرضية ان الأحكام الاخلاقية ذات اساس عاطفي يمكنها توضيح لماذا هي تختلف عبر الثقافات وتقاوم التحول من خلال العقل، لكن هذا لا يكفي لإثبات ان الاخلاق النسبية صحيحة. الجدال حول النسبية يجب ايضا ان يبيّن ان لا اساس للاخلاق يتجاوز العواطف التي كنا نتحلى بها . النسبيون يجب ان يعطوا اسبابا للاعتقاد بفشل النظريات الموضوعية للاخلاق .الموضوعية تؤمن بان هناك اخلاق واحدة صحيحة ملزمة لكل منا. لكي ندافع عن مثل هذه الرؤية، يجب على الموضوعي ان يقدم نظرية توضح من اين تأتي الاخلاق لكي يمكن ان تكون عالمية وفق هذه الطريقة. هناك ثلاثة خيارات رئيسية: الاخلاق يمكن ان تأتي من اله خيّر، او انها يمكن ان تأتي من طبيعة الانسان (مثلا، تطوير مجموعة فطرية من القيم الاخلاقية)، او انها تأتي من مبادئ عقلانية يستطيع تمييزها كل الناس العقلانيون، مثل قواعد المنطق والرياضيات. الكثير من الجهد بُذل في الدفاع عن كل من هذه الخيارات، وسيكون من المستحيل هنا تقديم مراجعة نقدية لكل النظريات الاخلاقية. بدلا من ذلك، لننظر في بعض الاسباب البسيطة لكل من تلك الخيارات.

المشكلة مع الأوامر الدينية كعلاج للنسبية هي ان لا وجود هناك لإجماع بين المؤمنين حول ما يريدنا الله ان نعمل . حتى مع وجود كتب مقدسة تحتوي على قائمة من الاوامر الدينية، هناك عدم اتفاق حول التفسيرات.هل (لا تقتل) تشمل الأعداء؟ ام تشمل الحيوانات؟ هل انها تجعل المرء مذنبا في القتل غير المتعمد او في حالة الدفاع عن النفس؟هل هي تمنع الانتحار؟ان التحدي الفلسفي لمسألة الاله والاتفاق على نوع القيم المقبولة دينيا هي كذلك عملية اصعب.

المشكلة مع طبيعة الانسان كأساس للاخلاق العالمية هي انها تفتقر للقوة المعيارية، ذلك انها ذاتها لاتزودنا باي رؤية معرّفة للخير والشر. افرض لدينا بعض القيم الاخلاقية الفطرية، لماذا يجب ان نقيّد انفسنا بها؟ الكائنات اللاانسانية عادة تقتل وتسرق وتغتصب دون ان تنال العقوبة من اعضاء جماعتها. ربما قيمنا الفطرية ترسخ ذلك النوع من السلوكيات ايضا. هل ذلك يعني اننا يجب ان لا نعاقب عليها؟ بالتأكيد كلا. اذا كانت لدينا قيم فطرية عرضة للنقاش، فهي تطورت لمساعدتنا في مسايرة الحياة كما في جامعي البذور لدى بعض الجماعات الصغيرة. لكي نعيش في مجتمعات كبيرة مستقرة، فمن الافضل اتّباع القيم "المتحضرة".

اخيرا، المشكلة مع العقل كما رأينا، هي انها لاتضيف شيء الى القيمة. عندما اقول لك ان الخمر فيه نوع من التوازن بين الحموضة وعناصر اخرى للذوق فلا يعني انك ستجده لذيذا. ونفس الشيء، العقل لا يمكنه ان يخبرنا اي من قيمنا هي غير منسجمة، واي الافعال تقودنا الى انجاز اهدافنا. ولكن في ضوء اللاانسجام، لايستطيع العقل ان يخبرنا اي من قيمنا المتصارعة يمكننا اهمالها، واي الاهداف نتبعها. اذا كانت اهدافي تتعارض مع اهدافك، فان العقل سيطلب مني اما إحباط هدفك او التخلّي عن هدفي، فالعقل لا يستطيع اخباري بافضلية خيار على آخر.

عدة محاولات حصلت لدحض مثل هذه المخاوف لكن كل محاولة لم تقد الاّ الى مزيد من النقاش . وفي ضوء القيود الاساسية المذكورة اعلاه(غموض الاوامر الدينية، الفراغ القيمي للتطور، الحيادية الاخلاقية للعقل)، فان الموضوعية تبدو غير محتملة.

الاعتراضات على النسبية الاخلاقية

الناس عادة يرفضون النسبية لأنهم يعتقدون انها لها مضامين غير مقبولة. دعنا ننظر في بعض الادّعاءات والاجوبة عليها.

ادّعاء 1: النسبية تعني ان كل شيء مباح:

الجواب: النسبيون يعترفون اذا كنت تغرس اي مجموعة من القيم، فان هذه القيم ستكون صحيحة لأولئك الذين يحوزونها. لكننا لا توجد لدينا حوافز لغرس القيم عشوائيا. لو درّبنا اطفالنا ليكونوا قتلة قساة فهم ربما يقتلوننا او يُقتلون. القيم المدمرة ذاتيا لا يمكنها ان تستمر.

ادّعاء 2: النسبية تعني اننا ليس لدينا طريقة لنقد هتلر:

الجواب: اولاً، ان أفعال هتلر كانت عمليا مرتكزة على عقائد زائفة بدلا من القيم (العنصرية العلمية، الاستبداد الاخلاقي، احتمالية الهيمنة على العالم). ثانيا، المشكلة مع هتلر هي ليست ان قيمهُ كانت زائفة وانما هي كانت ضارة وخبيثة. النسبية لا تعني اننا يجب ان نتسامح مع الدكتاتوريين السفاحين. عندما يهددنا شخص ما فنحن نتحفز بقوة لحماية انفسنا.

ادّعاء 3: النسبية تعني ان النقاشات الاخلاقية هي بلا معنى طالما كل شخص هو على صواب:

الجواب: هذا هو سوء الفهم الكبير. العديد من الناس لديهم قيم اخلاقية متشابكة، ويمكن للمرء تسوية النقاش باللجوء الى ارضية اخلاقية مشتركة. نحن نستطيع اجراء نقاشات هامة حول كيفية تطبيق وتوسيع قيمنا الاساسية . بعض النقاشات بلا معنى. ان الليبراليين الملتزمين والمحافظين نادرا ما يقنعون بعضهم البعض، لكن النقاشات العامة حول السياسة يمكنها تهيئة الاساس وتسوية غير المقرر.

ادّعاء 4: النسبية لا تسمح بالتقدم الاخلاقي:

الجواب: قد يكون هذا صحيح بمعنى ما، القيم الاخلاقية لا تصبح اكثر صحة. لكنها يمكن ان تصبح افضل في جوانب اخرى. فمثلا، بعض القيم هي اكثر انسجاما وتؤدي بشكل واضح الى الاستقرار الاجتماعي. اذا كانت النسبية الاخلاقية صحيحة فان الاخلاق يمكن اعتبارها وسيلة، ويمكننا التفكير حول ما نحب ان تفعله لنا هذه الوسيلة ثم نراجع الاخلاق طبقا لذلك.

 

حاتم حميد محسن

 

حيدر جواد السهلانيالجمال صفة تلحظ في الاشياء،وتبعث في النفس السروريقول كانت"الجمال هو مايبعث في النفس الرضا".(1) أن احساس الانسان بالجمال هو شيئ فطري حيث ترى الانسان يستمتع به بشكل لاارادي(2). ويرى ولتر ستيس " ان الجمال هو أمتزاج مضمون عقلي، مؤلف من تصورات تجريبية غير ادراكية، مع مجال ادراكي، بطريقة تجعل هذا المضمون العقلي وهذا المجال الادراكي لايمكن ان يتميز احدهاما عن الاخر"(3) . ويرى هربرت ريد " ان الجمال هو وحدة العلاقات الشكلية بين الاشياء التي تدركها حواسنا" (4) . وترى الدكتورة أميرة حلمي مطر انه من الصعب ان نحدد مالجمال أو نقدم تعريفآ للجميل، فقد يرى البدوي في الصحراء جمالآ لايراه أبن المدينة، وقد يرى البدائي في الوشم والوان الزينة جمالآ لايراه الاوربي ومايعجب الصيني قد لايعجب من يعيش في فرنسا، بل يختلف الذوق بين ابناء الحضارة الواحدة، وذلك بحسب ثقافتهم وبيأتهم ، بل يختلف ذوق الانسان نفسه بحسب درجه تدريبه وتهذيبه.(5) ويذهب الدكتور حسام الالوسي الى  أن الجمال احساسآ بالراحة، وعكس ذلك القبيح الذي يشعرنا بالألم والنفور، وليس كل ماترتاح له النفس جميلآ ذلك لأن اللذة التي تحدث من الجمال نتيجة تأثير العقل او الوجدان بواسطة الحواس، وليس كل الحواس، أنما الحواس الراقية وهي حاستا السمع والبصر.(6) أما الدكتور توفيق الطويل يرى أن طبيعة الجمال كانت مثارآ لخلاف بين الباحثين ادى الى وضع نظريات، وقد ثار بين مدرستين احدهما ترى ان الجمال صفات أو خصائص عينية موضوعية مستقلة عن العقل الذي يدركها، ولاترى المدرسة الثانية أن الجمال وجودآ موضوعيآ فترده  الى القوى التي تدركه ومن انصار المدرسة الاولى التي ترى الجمال موضوعيا برايس والثانية التي ترى الجمال ذاتيآ تولستوي.(7)

يبدو لنا أن الجمال حالة ذوقية تارة يكون موضوعيآ وتارة يكون ذاتيآ، اما الموضوعي فهو مرتبط بالعادات والتقاليد والدين فمثلا حالة الصوفي الذي يضع خيمة في الصحراء ويتعبد ويحصل له ارهاق كثير هذه حاله جميلة لدى المتصوف، والبوذي يجلس يقضي ساعات في التأمل وهذه حالة جميلة لديهم والاوربي الذي يشترك بمسابقة الثيران ويتعرض الى كثير من الاذى هذا حاله جميلة لديهم، اذا الجمال هو ليس قاعدة اويمكن أن يخضع الى معايير محدده أذ هو مرتبط بعادات وتقاليد الشعوب. أما  ذاتيآ فهو مرتبط بعدة عوامل للفرد، منها (تعلم الفرد، سايكلوجي، سكن الفرد في الريف أو المدينة، عمر الفرد، الاسرة). اما تعلم الفرد فهي تعطي للشخص المتعلم رؤية جمالية تختلف عن الغير متعلم، والسايكلوجي يلعب دور كبير في تحديد الجمال لدى الفرد، أما سكن الفرد فهو ايضآ يحدد من رؤية الجمالية ، وعمر الفرد هو في حالة تغير فمثلا الطفل يرى القفز واللعب هي اشياء جميلة وفي الكبرلايراها بذلك الجمال الذي كان يراه، والاسرة هي ايضأ تأثر بشخصية الفرد ورؤية للجمال ، اذ كانت الاسرة متعلمة أم غير ذلك.

أن علم الجمال يجب أن يعد فلسفة لأنه علم معياري له منهج معياري، يقرر ماينبغي أن يكون عليه الفن ووظيفته ويضع  القواعد والمقايس للفنانين والمتذوقين.(8) وتتميز فلسفة الجمال عند تناولها للفنون الجميلة وتارخها بأنها لاتتناول الاثار الماضية بقدر ماتتناول العوامل والمؤثرات المكونة للوعي الجمالي عند الانسان.(9) أذآ فلسفة الجمال تختلف عن الشعور بالجمال ومايصاحبه من بهجه، لأنها عملية ايضاح له، وعلى ذلك أن الجمال في الفلسفة ليس جمال الكلمة التي تشترك مع  الادب فيها.(10) الجمال هو علم يبحث في شروط الجمال ومقايسه ونظرياته وفي الذوق الفني وفي احكام القيم المتعلقة بالاثار الفنية، وهو باب من ابواب الفلسفة، وله قسمان نظري وعملي، اما النظري فيبحث في الصفات المشتركة بين الاشياء الجميلة التي تولد الشعور بالجمال فيحلل هذا الشعور تحليلا نفسيا ويفسر طبيعة الجمال تفسيرآ فلسفيآ ويحدد الشروط التي يتميز بها الجميل من القبح فهو علم معياري كالمنطق والاخلاق، اما العملي فيبحث في مختلف صور الفن ويطلق على هذا القسم النقد الفني وهو لايقوم على الذوق وحده بل على العقل ايضآ، لأن قيمة الأثر الفني لاتقاس بما يولد في النفس من الاحساس فحسب بل تقاس بنسبته الى الصورالغايئة التي يتمثلها العقل.(11)

وقد جاءت لفظة علم الجمال من الكلمة اليونانية(aistheticos) استطيقا ومعناها ادراك حسي واطلقت على الاحساس أو الشعور بالجمال وبقيت الكلمة تعني علم الجمال مع أنه اصبح لها معنى اوسع، فالشعور بالجمال يتضمن الحواس والعقل ايضآ، أن أول من استعمل هذا اللفظة هو بومغارتان(1714- 1762) وأول من جعل هذا العلم فرعآ من الفلسفة مستقلآ.(12)  وقد تعددت التعريفات فيه فقال بول فاليري( علم الجمال هو علم الحساسية) وعرفه ايضآ ( كل تفكير فلسفي في الفن).(13) وعرفه كانت(هو العلم المتعلق بالشروط الخاصة بالادراك الحسي) وبذلك يتفق الباحثون أن الجمال نشأ في البداية بأعتباره فرعآ من الفلسفة، ويتعلق بدراسة الادراك للجمال والقبح، وقد يعرف الجمال( بأنه فرع من الفلسفة يتعامل مع طبيعة الجمال ومع الحكم المتعلق بالجمال ايضآ) أو كما جاء في قاموس وبستر(الجمال هو المجال الذي يتعامل مع وصف الظواهر الفنية والخبرة الجمالية وتفسيرها).(14) وقد عده بعض الباحثين الجمال علمآ لأن له منهجه الخاص به، وهو المنهج العلمي الذي يميز أي تفكير علمي ويفرق بين ماهو علمي وماهوغير علمي، ويعتقد البعض أن العلم لايسمى علمآ الابالمعنى التجريبي الوصفي، لذلك اضفوا عليه صفة التجربة واستعملوا طرقآ لقياس شدة او ضعف الاحساس بالجمال، وقد ظهر في القرن التاسع عشر اتجاه تجريبي في الفن والجمال، ورائد هذا الاتجاه هو فخنر الذي يعد اول باحث في علم الجمال التجريبي في كتابه مقدمة في علم الجمال الاستقرائي فقام فخنر بعدة تجارب لقياس شدة الجمال.(15)

 

حيدر جواد السهلاني

....................

الهوامش

1-  ينظر جميل صليبا: المعجم الفلسفي،ج1، ص407- 408.

2- ينظر هديل بسام زركانه: المدخل في علم الجمال، ص7.

3- ينظر ولتر ستيس: معنى الجمال، ص73.

4- ينظر هربرت ريد: معنى الفن، ص10.

5- ينظر أميرة حلمي مطر: فلسفة الجمال، ص5.

6- ينظر حسام الالوسي: مدخل الى الفلسفة، ص218- 219.

7- ينظر توفيق الطويل: أسس الفلسفة، ص467- 473.

8- ينظر نبيل سعيد رشاد:مدخل الى علم الجمال، ص32- 33.

9- ينظر أميرة حلمي مطر:مقدمة في علم الجمال وفلسفة الفن، ص7- 8

10- ينظر هاني يحيى نصري: الفكر والوعي بين الجهل والوهم، ص198- 199.

11- ينظر جميل صليبا: المعجم الفلسفي، ص408- 409.

12- ينظر نبيل سعيد رشاد: مدخل الى علم الجمال،ص11.

13- ينظر هديل بسام زركانه: المدخل في علم الجمال، ص8.

14- ينظرشاكر عبدالحميد:التفضيل الجمالي،ص18.

15- ينظر نبيل سعيد رشاد:مدخل الى علم الجمال،ص33- 34.

 

علي رسول الربيعيسوف نناقش تحت هذا العنوان  مايلي:

ثلاثة أنواع مختلفة من اللغة الأخلاقية

بعض المصطلحات الرئيسية المستعملة في اللغة الأخلاقية

أربع نظريات أساسية حول اللغة الأخلاقية.

ثلاثة أنواع من اللغة

للإدلاء بأقوال أو عبارات أخلاقية، أو الجدال حولها في النقاش الأخلاقي، يتعين علينا استعمال اللغة، وقد كان الكثير من النقاش الفلسفي حول الأخلاق في القرن العشرين معنيًا بمعنى بالعبارات الأخلاقية، وما إذا كان من الممكن إثبات أنها صحيحة أم خاطئة. لذلك، بمجرد أن نقرر أننا أحرار في اتخاذ الخيارات الأخلاقية والتحدث عنها، نحتاج إلى معالجة مشكلة نوع اللغة التي نستعملها للقيام بذلك.

أننا نستعمل ثلاثة أنواع مختلفة من اللغة في الأخلاق. ونحتاج إلى: التمييز بينها بعناية، ومعرفة ما نستعمله  منها وفي أيً وقت أو موقف.

الأخلاق الوصفية

هذا هو الشكل الأكثر مباشرة للأخلاق. إنه يتكون من وصف للطريقة التي يعيش بها الناس، والخيارات الأخلاقية التي يتخذونها. إنه يعرض الحقائق بكل بساطة. هناك مثالان بسيطان للأخلاق الوصفية.

تحصل معظم جرائم السيارات التي يقوم بها الشباب في المناطق التي ترتفع فيها معدلات البطالة.

قد تكون المعلومات الفعلية صحيحة أو غير صحيحة. يمكن التحقق من ذلك عن طريق الرجوع إلى سجلات الشرطة وإحصاءات الموظفين أو العاملين. لكن لاحظ أن العبارة لا تقدم أي ادعاء أخلاقي حول الشباب والجريمة، ولا تقول ما إذا كانت البطالة شيء جيد أو سيء. حتى أنها لا تشير  (على الرغم من أنه قد  تشير ضمنا) إلى وجود صلة بين الجريمة والبطالة.

قد يتزوج الرجال المسلمون حتى أربع زوجات، شريطة أن يكونوا قادرين على توفير العيش لهن ومعاملتهن على قدم المساواة. لا يصدر هذا التعبير حكمًا أخلاقياً، ولا يستفسر عن أنه ماذ اذا كان من الممكن معاملة الزوجات على قدم المساواة. إنه ينص ببساطة على حقيقة ما هو مسموح به في محيط ديني وثقافي معين.

الأخلاق المعيارية

تهتم الأخلاق بالأفكار حول ما هو صواب، وبالعدالة، وكيف ينبغي أن يعيش الناس. إنها تبحث في الخيارات التي يتخذها الناس، والقيم والمنطق الذي يكمن ورائها. وهذا ما يسمى أحيانًا الأخلاق "الموضوعية" أو "المعيارية". كل الحجة الأخلاقية تقريبا هي من هذا النوع عندما يتعلق الأمر بحقوق أو أخطاء قضايا معينة،.

إن القول  الشرقة  خطأ دائما، هي  عبارة  معيارية. يمكن الطعن فيها  باستعمال قول معياري آخر، على سبيل المثال، أعتقد أنه من الصواب أن تسرق في بعض المناسبات. ما لا يمكنك فعله هو تحدي قول أو عبارة معيارية باستعمال عبارة وصفية. لذا فإن الشخص الذي يقول "لكن الجميع هنا يسرقون إذا كانت هناك فرصة" لا يعولون على الادعاء بأنه خطأ. قد يقوم الجميع بفعل ما  لكن هذا لا يجعله صحيحًا.

وعلى هذا الأساس  تدور الأخلاق الوصفية  حول الوقائع، بينما تدور الأخلاق المعيارية حول القيم. كلاهما ضروري ، ولكن من الضروري إدراك أنه لا يمكنك الأنتقال  في المناقشة مباشرة من احدهما إلى الأخر: أيً لا يمكنك الحصول على الـ "يجب" من الـ  "هل".

ميتا - أخلاق

من الممكن أيضًا التراجع عن العبارات الأخلاقية والسؤال:

- ماذا يعني أن تقول أن هناك شيئًا ما صحيحًا أم خاطئًا؟ هل هناك أي معايير موضوعية يمكنك من خلالها تقييم  العبارات الأخلاقية؟

- ما هي اللغة الأخلاقية؟ هل هي عبارات حول الحقائق من أي نوع؟

-هل يعبر التعبير الأخلاقي عن رغبات أو آمال الشخص بشأن ما يجب أن يحدث؟

- بأي معنى يمكن القول بأن العبارة الأخلاقية صحيحة أم خاطئة؟

أسئلة كهذه ليست معنية بمضمون الخطاب الأخلاقي ، ولكن في معناه. يتناسب هذا بشكل وثيق مع فلسفة القرن العشرين، التي تستكشف طبيعة اللغة والطريقة التي يمكن بها إثبات أن العبارات صحيحة أو خاطئة. إن النظر إلى العبارات الأخلاقية بهذه الطريقة يسمى الميتا-أخلاق.

- هل هذه النظرية صحيحة لتجربتي في الأدلاء بعبارات أخلاقية؟

-هل تساعدني حقًا في تقرير ما إذا كان هناك شيء ما صحيح أم خطأ؟

سوف نلقي  لاحقاً نظرة على معنى بعض الكلمات الأخلاقية الهامة – أيً بعض التعاريف التي قدمها الفلاسفة اليونانيون القدماء، والتي كانت جزءًا من الأخلاق منذ ذلك الحين. لكننا سننظر أيضًا في عدد من النظريات الميتا- أخلاقية. على الرغم من أن  الميتا- أخلاق قد جاءت مؤخرًا إلى المشهد الفلسفي، إلا أنه يجدر النظر فيها الآن، حتى يمكننا أن  ننظر إلى النظريات الأخلاقية في الماضي، وتقييمها من حيث المعنى، وكذلك من حيث استنتاجاتها الأخلاقية.

لاحظ عزيزي القارى أن كل نوع من اللغات الأخلاقية له مخاطره:

- خطر الأخلاقيات الوصفية هو أن الوقائع سوف تكون خاطئة بالنسبة للقيم.

- إن خطر الأخلاقيات المعيارية هو أنه عند القول بأن شيئًا ما صحيحًا أو خاطئًا ، قد ينتهي الأمر بالوعظ بدلاً من الإبلاغ ، والتوصية بمسار عمل معين بدلاً من تحديد كل الاحتمالات والنتائج والقيم.

- إن خطر الميتا-أخلاق هو أنه قد يصبح الشخص مهووسًا بمسألة المعنى بحيث يصبح من المستحيل تقديم أي توجيه عملي للخيارات الصعبة التي يتعين على الناس القيام بها.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

محمود محمد عليإن الثورة العلمية التي أحدثها "أسحاق نيوتن"Isaac Newton 1642-1727، قبل القرن التاسع عشر، وبالذات  في مجال الرياضيات والبصريات وما أستتبعها من نتائج عملية في مجال الرياضيات التطبيقية، وعلي وجه الدقة في الميكانيكا والفيزياء العملية، أفضت إلي استخدام التجريب بصورة تكاد تكون شبه دقيقة إلي حد ما في مجالات العلم المختلفة . ومع ازدياد التجريب أصبحت النتائج التي أمكن الحصول عليها من التجارب بمثابة محصول نظري جديد يسمح لنا بتنبؤات وتجارب أخري، وعلي هذا الأساس نتجه إلي مزيد من التجريب إذا ما أيدت هذه التنبؤات مشاهدات ووقائع جديدة تتفق مع المعطيات النظرية . أي أنه بصورة أو بأخرى يمكن لنا القول بأن حصيلة البحث في الاتجاه الاستقرائي ازدادت بصورة ملحوظة بعد عصر نيوتن، مما جعل الباحثين يتصدون لتفسير الوقائع علي أسس منهجية .

ومن هذا المنطلق كان الاهتمام الرئيسي لأصحاب الاتجاه الاستقرائي ينصب حول الطريق المؤدي إلي الكشف عن القوانين، واعتقدوا أنه من الممكن رسم منهج لتحقيق ذلك، فنجد أن كلاً من " " فرنسيس بيكون " ) Francis Bacon  (1561-1626، و" وجون ستيوارت مل" J.S.Mill (1806-1873)، قد حاولا تشييد منطق للكشف موازياً لمنطق البرهان، وقاما بصياغة المناهج التي من وجهة نظرهما، تمكن من اكتشاف قوانين الظواهر كنتيجة لتحليل وقائع الملاحظة والتجربة، كما وضع كل منهما منطقاً منهجياً علي غرار المنطق الأرسطي من أجل الوقوف علي الحقائق   الكونية، ومن ثم ادعت بأن قواعد الاستقراء تفسر العملية المنطقية للكشف عن القوانين .

ولذلك نشأ تصور للاستقراء باعتباره وسائل منطقية لصياغة العمليات الخاصة بتكوين واكتشاف المعرفة العامة للارتباطات القائمة بين الظواهر علي أساس معرفة الوقائع الجزئية . وبصفة عامة رد الاستقراء إلي ما يسمي بالمنهج الاستقرائي للبحث والذي تمثل في الخطوات التالية:

الخطوة الأولي: الملاحظة التجريبية . فلابد أن يقوم العالم بملاحظة أمثلة عدة للظاهرة موضوع الدراسة، ملاحظة دقيقة مقصودة منتقاة وهادفة، مرتبة ومتواترة، تتصف بالنزاهة والموضوعية والدقة التي توجب استخدام الأجهزة المعملية إلي أقصي حد ممكن للتكميم الدقيق. وما التجربة المعملية إلا اصطناع الظروف المطلوب ملاحظتها .

الخطوة الثانية: هي التعميم الاستقرائي للوقائع التي لوحظت، فإذا اشتعل الخشب كلما تعرض للهب في سائر الوقائع التي لوحظت، أمكن الخروج بالتعميم الاستقرائي: الخشب قابل للاشتعال .

الخطوة الثالثة: هي افتراض فرض يعلل أو يفسر هذا التعميم، كافتراض أن الخشب قابل للاشتعال لأنه يتحد بالأكسجين .

الخطوة الرابعة: هي التحقق من صحة الفرض عن طريق اختباره تجريبيا . ويكون قبول الفرض أو تعديله، أو رفضه والبحث عن فرض آخر إذا دحض كل هذا وفقا لنتائج محكمة التجريب، تنفيذ حكمها يعني الخطوة الأخيرة للمنهج، وهي بلوغ معرفة جديدة والإضافة إلي بنيان العلم .

وقد أشار "بيفردج" إلي كل ذلك (خاصة فيما يتعلق بالخطوة الرابعة)، وإلي ضرورة عدم التشبث بالأفكار التي لا تثبت صلاحيتها " فينبغي أن نكون علي استعداد للتخلي عن فروضنا أو تعديلها طالما يتضح أنها لا تتمشي مع الوقائع . وليس هذا بالأمر الهين كما يبدو للوهلة الأولي . فعندما يبتهج المرء أن يري احدي بنات أفكاره الجميلات تبدو قادرة علي تفسير كثير من الحقائق التي لولاها لكانت متنافرة، وعندما يجد هذه الفكرة مبشرة بالمزيد من التقدم، فقد يغريه هذا بالتغاضي عن آية مشاهدة لا تتفق مع الصورة التي نسجها، أو علي التخلص منها بأى تفسير، فليس من النادر أبدا أن يتمسك الباحثون بفروضهم المهلهلة، متغافلين عن الأدلة المعارضة لها، وأن يتعمدوا إخفاء النتائج المخالفة لفروضهم،  أي المكذبة لها . بل وحل بيفردج هذا بقاعدة شبيهة بقاعدة بوبر، لكن طبعا ليس في دقتها إذ قال إذا فشلت نتائج التجربة أو المشاهدة الأولي في دعم الفرض فمن الممكن أحيانا بدلا من نبذه كليا في أن نوفق بينه وبين الحقائق المعارضة له بواسطة فرض ايضاحي  ثانوي، أي مساعد المهم دائما هو قبول النقد .

ومعني هذا أنه عندما يضع العالم فرضاً لتفسير ظاهرة ما، فإنه يقوم بالاستنتاج من هذا الفرض بعض النتائج التي تمثل إختيارا لهذا الفرض، والحقيقة أن عملية الاستنتاج لا تكون من الفرض وحده، ذلك أن العالم يقوم بالاستنتاج من الفرض مقترناً مع مجموعة إضافية من الفروض , وهي ما يطلق عليها الفروض المساعدة Auxiliary Hypotheses (الفرض المساعد هو الذي يمكن اختياره فى حد ذاته، وتؤيده أمور أخرى غير التي وضع لتفسيرها فتزيد من مضمون النظرية وقوتها). وقد تكون هذه الفروض المساعدة غير مذكورة صراحة مع الفرض الأساسي . ولكن أحياناً ما يكون الفرض الأساسي متضمنا لها .

ويعطينا كارل همبل مثالاً  قائلاً:" ولنأخذ علي سبيل المثال فرض سيملويز القائل بأن حمي النفاس يحدثها التلوث بالمادة المعدية . لنفحص اللزوم الاختباري القائل بأنه إذا كان علي الأشخاص القائمين علي رعاية المرضي أن يغسلوا أيديهم بمحلول الجير المنقي بالكلور فإن نسبة الوفاة حينئذ من حمي النفاس تقل هذه القضية لا تنتج استنباطا من الفرض وحده. فاشتقاقها يفترض مسبقا المقدمة الاضافية القائلة بأنه بخلاف الصابون والماء وحدهما سيقضي محلول الجير المنقي بالكلور علي المادة المعدية. هذه المقدمة التي يسلم بها ضمنا في البرهان تلعب دورا فيما نطلق عليه الفرض المساعد في اشتقاق القضية الاختبارية من فرض سيملوبز ومن ثم لا يجوز لنا أن نقرر أنه إذا كان الفرض "ف" صادقا كان اللزوم الاختباري "ل" . كذلك ولكن إذا كان كل من ف والفرض المساعد صادقين كان اللزوم الاختباري " ل " كذلك . الاعتماد علي الفروض المساعدة هو القاعدة أكثر منه الاستثناء في اختبار الفروض العلمية وله نتائج هامة لمسألة ما إذا كانت نتيجة من نتائج الاختبار غير موافقة لواحدة من النتائج التي تبين أن  " ل " كاذبة . فقط يمكن التمسك بها لدحض الفرض موضع الاختبار .

وغالباً ما يتم تغيير وتعديل في الفروض المساعدة بغرض المحافظة على الفرض ". ويختلف فلاسفة العلم بشأن عملية التعديل والتنقيح التي تتم للفروض المساعدة . فنجد أن البعض مثل " توماس كون Kuhn T." (1922-1996)، يذهب إلى أنه يمكن أن تعدل كل النظريات بدون أن تفقد خطوطها الرئيسية بواسطة التعديل في الفروض المساعدة . بينما يعتقد البعض الآخر مثل "كارل بوبر" Karl Popper ( 1902-1994)  أن التعديل في الفروض المساعدة يمكن أي فرض من أن يكون متفقاً مع الظواهر، وهذا مما قد يسعد الخيال، لكن لن يساعد على تقدم المعرفة . ويرى "بوبر" أن إدخال الفروض المساعدة يكون مقبولاً إذا كانت تزيد من قابلية الفرض للاختبار. والحقيقة أن عملية إدخال الفروض المساعدة أو تعديلها أو تنقيحها قد يؤدي إلى ما يمكن أن نطلق عليه " بالفروض الغرضية " كما أن قبول أو رفض هذا النوع من الفروض يتوقف على الغرض منها .

ويجب أن نميز بين الفروض المساعدة والفروض العينية علي أساس أن الفروض العينية مغرضة، وهي التي تعني (في نظر كارل بوبر وأتباعه)، التملص من التكذيب.. والفرض العيني هو الفرض الذي يوضع لتفسير ظاهرة بعينها أو حدث بعينة، وليس له ما يؤيده غير هذه الظاهرة أو هذا الحدث ويقابله الفرض الذي تقوم علي صدقه بينة مستقلة، أي الذي تؤيده أمور أخري غير التي وضع أصلاً لتفسيرها، وهذا هو الفرض المساعد حقيقة . والفرض العيني لا يمكن اختباره مستقلا عن النسق ككل، بعكس الفرض المساعد . ويمكن دائما وضع فرض عيني يغطي موضع الكذب الذي نكشفه في النظرية مما يحمي النظرية من التفنيد . ومن ثم يجعل محاولة التكذيب مستحيلة الوصول إلي نهاية معينة وحل هذه المشكلة كما يثيرها الاصطلاحيون أو أي سواهم – يكون بالتمييز بين الفروض المساعدة والفروض العينية، فنقبل الأولي ونرفض الثانية والتمييز بين الفرض العلمي والفرض المساعد مثل أي تمييز ميثودولوجي أمر مبهم يكون فقط علي وجه التقريب . مثلا قدم فولفجانج باولي فرض (لنيوترينو) تماما فرض عيني ولم يأمل في إمكانية التوصيل يوما إلي دليل مستقل له بل وكان مثل هذا الدليل مستحيلا في وقته، لكن مع تطور المعرفة عن جسيمات الذرة أصبح فرضا مساعدا وأمكن اختباره مستقلا. لذلك لا يجب أن نتحامل بقسوة علي الفروض العينية، فقد تصبح يوما ما قابلة للاختبار المستقل وقد يكون اختباره مفندا فيؤدي بنا إلي التخلي عن الفرض والتوصل إلي فرض عيني جديد، قد يصبح مع الأيام فرضا مساعدا وهكذا .

وفي هذه المقالات نحاول أن نجيب علي تلك التساؤلات: هل نجح لاكاتوش في الوصول إلي تفسير ابستمولوجي لبرامج الأبحاث أم لا؟. كل هذه الأمور سوف نكشف عنها من خلال  إلقاء الضوء علي فلسفة لاكاتوش في تفسير الفروض المساعدة ودورها في ميثودولوجيا برامج الأبحاث العلمية، ثم إعادة بنائها في ضوء المناقشات التي أحاطت بها، والانتقادات التي تعرضت لها . وعلي هذا فإن هذا البحث يرمي إلي فهم وتأويل فلسفة لاكاتوش في الفرض المساعدة، برؤية تحليلية نقدية.

وبهذا تتجسد محاور المقالات علي النحو التالي:

أولاً: موقف كارل بوبر من الفروض المساعدة

ذهب  " كارل بوبر" أن منهج العلم قائم علي التخمينات والمحاولات المتكررة بوصفها صيغة لـ " منهج المحاولة واستبعاد الخطأ " Method of Trial and Error. ومن ثم فإن نمو المعرفة يتقدم ابتداء من حذف الخطأ Elimination of Error  ويمكن الإشارة إلي هذه العملية بصيغة بوبر الآتية:

P1--------TT-------EE--------P2

حيث نبدأ بمشكلة ما، ونصيغ حلاً مؤقتاً، أو نظرية مؤقتة، ثم نعرضها بعد ذلك لكل الاختبارات الشاقة الممكنة في إطار عملية حذف الخطأ الذي يقودنا لصياغة مشكلات جديدة، وهذه المشكلات تنشأ من نشاطنا الخاص المبدع،  يقول بوبر:" يستند التقدم في العلم أو في الكشف العلمي إلي الاستخدام الثوري لعملية المحاولة النقدية وحذف الخطأ التي تتضمن بدورها البحث عن اختبارات تجريبية عديدة أو محاولات ممكنة لضعف النظريات العلمية أو تفنيدها " .

بيد أن الموقف الذي اتخذه بوبر هنا من العلم قائم علي أن هناك سمة أساسية في ضوئها تميز بين ما هو علمي وما غير علمي هذه السمة هي " القابلية للتكذيب Falsifiability "، حيث أن ما يشغل خيالنا بل ويشده فيما يري بوبر هو تفنيد نظريته المبكرة عندئذ يكتسب العلم دلالته وخصوصاً عندما يكون واحداً من المغامرات الفكرية التي يسعي إلي ممارستها الإنسان . وبوبر هنا يري أن مبدأ القابلية للتكذيب يقرر ما إذا كانت النظرية تعطينا محتوي إخباريا أم لا،  وذلك في ضوء حجج تجريبيه وملاحظات .... فمهمة العلماء هي أن يحكموا النظريات في ضوء اختبارات قاسية .

ولذلك إذا ما تم لنا اختبار النظريات، فإننا نقبل النظرية الأكثر قابلية للتكذيب، والأكثر قابلية للاختبار، والأكثر في المحتوي (سواء المحتوي التجريبي أو المحتوي المنطقي). وعندما نتعرض للعلاقة بين القابلية للتكذيب وبين المحتوي المعرفي للقوانين والنظريات، نجدها علاقة وطيدة، إذ أن المستهدف من وراء ذلك هو محاولة تكذيب أو تفنيد المحتوي المعرفي لأي قانون أو نظرية. والواقع أن سبب هذه العلاقة القوية بينهما هو أن التحليل الدقيق لنظرية القابلية للتكذيب يظهر لنا أنه من الضروري أن نبحث عن النظريات الأكثر في محتواها المعرفي، النظريات الجسورة أو الجريئة متذكرين دائماً أن النظرية الأفضل هي التي تخبرنا أكثر، أو ذات محتوي معرفي أكثر، وهي بالتالي الأكثر قابلية للتكذيب.

والسؤال الآن ماذا نفعل إذا وجدنا أنفسنا بمواجهة أكثر من نظرية تتوافر فيها شروط القابلية للتكذيب، القابلية للاختبار والمحتوى المعرفي؟ كيف نفاضل بين النظريات ونختار؟

وفي نظر بوبر إذا تعرضت النظرية لاختبار القابلية للتكذيب، واستنبطنا منها عبارات أساسية جديدة، وكانت هذه العبارات متوافقة مع الواقع، بعبارة أخري لم نجد فئة عبارات أساسية تناقضها، فأثبتت مادتها فلابد من قبولها فقط لأننا ليس لدينا داع لرفضها . فالتعزيز – الذي هو جواز مرور الفرض إلي عالم العلم – هو مدي صمود الفرض أمام اختبارات منهج العلم القياسية، وكلما كانت الاختبارات أقسي كلما حازت النظرية التي تجتازها علي درجة تعزيز أعلي . وكلما كانت النظرية أعظم أى أغزر في المحتوي المعرفي وأجرأ في القوة السارحة وأكثر اقترابا من الصدق – أى أكثر قابلية للتكذيب، كلما تمكنت من الصمود أمام اختبارات أكثر قسوة وبالتالي كلما كانت درجة تعزيزها أعلي . لذلك كان بوبر يؤكد دائما علي قسوة الاختبار حتي لا تستطيع النظرية أن تعزز وتعبر إلي نسق العلم بسهولة .

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

علي محمد اليوسفأستهلال

- أجمل الاشياء هي التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل – نيتشة.

- الايمان بالحقيقة هو الجنون بعينه – نيتشة.

- الخبرة الفردية جنون متفق عليه – لانج عالم نفس.

- الجنون هو التدمير الكامل للعمل الفني – ميشيل فوكو.

- من أجل الحديث عن الجنون علينا أمتلاك موهبة شاعر – فوكو.

- ليس المجنون من فقد عقله بل المجنون هو الذي فقد كل شيء ماعدا العقل- جاك لاكان.

- الجنون يفضح كل ماهو غير انساني في الانسان – فوكو.

التساؤل الذي نستهل به ورقتنا هذه هو هل مثل هذه الافكار الفلسفية المعجزة في التعبير التي لا تحدها حدود معرفية وجمالية في نفاذها أعماق الوجدان الانساني، تعتبر ضربا من كشف عقلي فوق طبيعي وغير أعتيادي لا يمكن لأي شخص عادي مهما حاول بلوغ تخومه ومدياته؟؟ أم أنه ضرب من عبقرية الجنون التي تصاب أغلب الاحيان بشطحات من التفكيرالفلسفي الذي نجد له بصمات واضحة في تعبيرات لغوية من التفكير الأخرق الجّذاب الذي يستهوينا بأندهاش وجداني مؤثر غير طبيعي ولا محدود يتمثّل في عجزنا ألالمام به؟

كان نيتشة وهو يمّر بمحنة الجنون لمدة ثلاثة عشر عاما أستثمرتها والدته ماليا بقطع تذاكر زائرين لمشاهدة أبنها المريض، مسّجى على سريره يردد: هناك أمر واحد سيظل أدراكه مستحيلا الى الابد الا هو أن يبقى الانسان عاقلا.. لقد كان نيتشة مؤمنا بشّدة أن الحقيقة لاتدرك بوسائل تقليدية يفهمها جميع الناس، بل بوسائل غير أعتيادية غرائبية أحداها الجنون..

كتب باسكال في أستشهاد كان جاك لاكان أحد أقطاب الفلسفة البنيوية في علم النفس يستشهد به كثيرا قوله، أن الناس مجانين حتما، وكل أنسان مجنون بضرب معيّن منه، وهذا يعني كي نكون طبيعيين عاديين يجب أن نكون مجانين، وهناك جنون ضروري للكائن البشري. ولن نكون بالجنون أسوأ من الذين يسّلمون أنفسهم للعقل ويؤمنون كليّا بحكمته الخاصة (1).. .

وكتب كلود كيتل في كتابه /تاريخ الجنون من العصور القديمة الى وقتنا الحاضرترجمة سارة رجائي ص9 قائلا: واحدة من نقاط الضعف البشري العظيم هو العجز عن ملاحظة أولئك الذين نعتبرهم مجانين بعيون لا تمنحهم قليلا من العقل والحق، أو النظر الى أنفسنا بعيون المجانين من الزاوية التي ينظرون هم لأنفسهم بها أنهم غير مجانين ..

كما عبّر جان لاكان عن أنتقاده النظرية العضوية للجنون كما يعتمدها علم النفس على أنه أختلال عقلي فسلجي وظيفي في عمل الدماغ، متماهيا مع وجهة النظر التي ترى في الجنون ظاهرة أجتماعية ثقافية تمتاز بميزات تختلف من مجتمع وآخرومثله ذهب أغلب الفلاسفة الذين كتبوا عن أهمية رد الاعتبار أنسانيا للمجنون، وربط لاكان الحرية بالجنون بقوله: كي نكون بعيدين عن أهانتنا الحرية، يجب الاقرار أن الجنون رفيقها الوفي الذي يحرص على أقتفاء خطواتها بأخلاص، والكائن البشري لا يمكن فهمه من دون الجنون وحسب، بل أنه لا يكون كائنا بشريا أذا لم يكن يحمل بداخله الجنون قيمة من أحدى قيم الحرية. (2)

بألتاكيد تلك الافكار الفلسفية التي مررنا عليها بعجالة هي جوانب أنسانية فلسفية معيارية أخلاقية تحاكم المجتمع ليس بمقولات علم النفس، الذي يضّحي فيه المجتمع بالمجانين على أنهم عبء يتوجب الخلاص منه بالحجر الطبي كما ذكر ميشيل فوكو عن سفينة الحمقى الاوربية التي تعتبر أحدى صور وأشكال جرائم لجان التفتيش سيئة الصيت التي أدانها في كتابه عن تاريخ الجنون من جنبة تعاملها اللاانساني الوحشي مع مرضى الجنون والجذام والانجذابات العصابية المرضية والفقراء المشردين، وأخذت آراء فوكو والعديد من المفكرين والادباء والفنانين هذا المنحى الانساني خاصة بعد التقدم الكبيرالذي حصل في عالمنا اليوم في مجال حقوق الانسان الذي يريد تصحيح المعادلة الخاطئة التي تنكر على المجنون والمريض أنه ضحّية مجتمعه قبل أن يكون ضحية مرضه، وما يهمنا هنا مناقشة الجنون في تعالقه الوثيق بعلم النفس الطبّي من جهة وعلاقته بالابداع الادبي والفني من جنبة أخرى، في قاسم مشترك هو وظيفة ودور اللاشعور في كلا المنحيين.. أذ ان حقيقة اللاشعور سلبا وايجابا تكون في تغييب أو غياب العقل فقط... كما سيتضح معنا في سطور قادمة..

اللاشعور بين العقل والجنون

العقل يفكر في حضوره اللاشعوري أثناء النوم عند عامة الناس في ملازمته تداعيات اللاشعورالحلمي، ويفّكر العقل أيضا عند الخاصة من الادباء والفنانين وهو في حالة اللاشعور الألهامي حلم اليقظة وتكون حصيلته النهائية النتاجات الابداعية الادبية والفنية والجمالية، ويختلف اللاشعورعند المبدع الادبي والمبدع الفنان عنه في اللاشعورالهلاوسي المنفلت بلا هدف عند العصابي والانفصامي والمجنون الذي يكون اللاشعور عندهم مرضي غير منتج ولا مسيطر عليه ولا ألهامي مبدع من حيث يفتقد فيه (المجنون) قدرة التعبير اللغوي التواصلي المنطقي المتماسك عقليا واقعيا.. ويفتقد المجنون أيضا قدرة أبتداع وسائل تواصلية أخرى غير اللغة التداولية التي تلتقي الآخر وتحاوره بالكلام غير المنطوق الاشاري سيميائيا بدلالة المفهوم والمعنى التواصلي الدارج المطلوب تحقيق غاية أندماجه المجتمعي الطبيعي التي تكون هي الأخرى غائبة عن أدراك المجنون ..فالمجنون لا يحس حاجته لمجتمع هو مستغني عنه ولا يدرك وجوده الذاتي ولا المجتمعي مثلما هم لا يدركون وجوده الانساني ولا هو مدرك وجودهم اللاانساني معه أيضا..

اللاشعور في الادب والجنون

اللاشعور عند المبدع الاديب أو الفنان يبدأ برحلة أغتراب نفسي منتج مقصود لذاته يعمد فيه المبدع أتخاذه اللاشعور المغترب وسيلة تخصيب رؤاه الواقعية الابداعية بنوع من التهويم والذهان التفكيري المصنوع ذاتيا في ولوج عوالم من الخيال المخصب والفنتازيا وتفكير العقل اللامعهود الفوق طبيعي المتعالي على عالم واقع الحياة المعيش، وكذلك في أعتماد المبدع اللاشعور المصنّع من قبله في تنشيط ذاكرة التجريد التعبيري اللغوي وغير اللغوي الخيالي المستمد من اللاشعور بعيدا عن نمطية ورتابة الواقع الحقيقي، ويكون اللاشعور عند الاديب أو الفنان بخلاف عامة الناس هو وسيلة أبتداعه لغة ووسائل توصيل غير ميسورة ولا متاحة للعقل الشعوري السوي المرتبط بالواقع القيام بها عند العامة،

اللاشعور عند الفنان هو تحريرالفعالية الابداعية المعطّلة لديه كطاقة مكبوتة لا تفصح عن تجليّاتها في أنشغالاتها بالشعور والوعي الرتيب بواقع الحياة التي يستهلكها الاشباع الغريزي لحاجات بيولوجيا الجسد في الاكل والنوم والعمل والجنس وغيرها.. اللاشعور عند الفنان أو الاديب فعالية منتجة وحساسية نوعية مرغوبة لا يتوفر عليها غيره، يبدأها برحلة أغتراب وعزلة نفسية عن الواقع مقصودة ومتعمّدة يصنعها المبدع في أعتزال عوالم الحياة المعتادة في كل واقعيتها الطبيعية المعهودة ليعود في نهايتها الى الواقع ثانية بحصيلة من اللقى الثمينة هي أنتاجه الادبي أوالفني، عوالم خيالية غير عادية ولا مسبوقة هي مزيج من توليفة واقع الحياة مع تهويمات اللاشعور الخارجة تماما عن ضوابط عالم الواقع الذي يعيشه الآخرون برتابة يومية لا تجديد حقيقي فيها ولا تخرج عن أشباع حاجات الجسد البايالوجية كما ذكرنا،

وقد يلجأ البعض من الادباء والفنانين الى تناول المخدرات والمسكرات لتخصيب ملكة الابداع الخيالي لديهم في تغليبهم عوالم اللاشعور في منتجاتهم الابداعية، من حيث أن الابداع الادبي الحقيقي الخالد والمطاول للزمن في البقاء والتداول عبر الاجيال هو الذي لا يكون محاكاة أستنساخية مأخوذة من الواقع بحرفية أحداث المعيش ونقلها فقط، وأنما الابداع الادبي والفني الذي يشترك اللاشعور في خلقه واستحضاره هي مزيج أبداعي تقني جمالي في توليفة بنائية تجمع بين موجودات الواقع ومعطيات الخيال غير المدرك المحسوس، ومثل ذلك نقول عن الفنون التشكيلية من رسومات ومنحوتات فهي لا تكون أيضا محاكاة أمينة وصادقة في نقل الواقع الخالي من بصمات الابداع المتّخيل اللاشعوري الممّيز، وألا كانت الكاميرا أصدق تعبيرا عن الواقع من الفنان الرسام صاحب اللوحة..وكانت أحاديث التلفزيون والراديو كافية لمعرفة مجريات الحياة بلا أدب متنوع وموزع بين الشعر والرواية والقصة والسينما والموسيقى وضروب الابداع الادبي النثري والثقافي الاخرى..

الحقيقة التي لا يقوى أنكارها أحد هي لا يمكننا تصور أنفسنا نعيش في عالم خال من اداب وفنون تشكيلية وجمالية تتوزعها الرسومات والمنحوتات وغيرها من ضروب الابداع الفني والادبي التي من غيرها لا يبقى معنا معنى وجداني ولا روحاني تتوفر عليه حياتنا في جفافها المادي القاتل ورتابتها في غياب تلك الابداعات وأفتقادنا لها في ضرورة موازنة الكيان الانساني المادي والروحي..

الفنون والابداعات الادبية هي كالاساطير والميثالوجيا والديانات في حياة الانسان، هي حاجة أنسانية الاستغناء عنها يعني نقص وأختلال في الوجود الانساني الذي يمنحنا أحساسا حقيقيا لادراك وجود متكامل ماديا وروحيا في حياة نعيشها لها معنى حقيقي جديرة أن نحياها..

اللاشعور في السريالية واللامعقول الادبي

وأصرخ مثال على ما ذكرناه في سطور سابقة نجده في تيارات الفنون والادب السريالي، والعبث، واللامعقول، والدادائية، والبرناسية، والتجريد الفني الذي أبتدعه رائد فن التجريد التشكيلي كاندنسكي وأخذه عنه عدد لا يحصى من الفنانين والادباء منهم سلفادور دالي واندريه بريتون وصوموئيل بيكيت وكافكا والبير كامو وازرا باوند وجان جينيه واونيسكو وآخرين لا حصر لهم.. فابداعات هؤلاء في مختلف ضروب الادب والفن والمسرح ليست نسخا مكررة منقولة بحرفية مستمدة من أحداث واقعية تحصل مئات المرات في الحياة الطبيعية، وأنما هي فتوحات وكشف غير مسبوق لعوالم غير معهودة وبنى رمزية تعبيرية جمالية أحيانا غير مألوفة لا يتوفر عليها واقع الحياة التي نعيشها، ويحملها الأثر الادبي أو الفني لم تكن معهودة متوقعة أن تحصل بالحياة العادية في تنوع المجتمعات، أبداعات تتحدث عن عوالم خيالية غريبة لم يسبق للناس أن عاشوها ولا سمعوا عنها شيئا فهي جديدة ومدهشة في غرابتها غير الطبيعية ولا العادية التي كانت حصيلة أبداعاتهم الخالدة زمنيا..

الاداب والفنون ليست تاريخا انثروبولوجيا، وانما هي أبداعات تكتب تاريخا متخّيلا لم يعشه الانسان لكن يوجب عليه أن يعيشه من خلال المنتج الادبي والفني فهو أصدق من تاريخ الاحداث التي عاشها الانسان في الواقع، والتاريخ الروائي المتخيّل أبداعيا مثلا بأحداثه المدوّنة وعلاقاته الغريبة بين شخوصه تكون تعويضا مجزيا نوعيا بما لا يقاس مع الأبداعات الروائية الادبية المستمد بعضها من أحداث التاريخ الواقعي المعيش كما حصلت في عصور سابقة ومنقولة بحرفية تماهي كتابة التاريخ ولا تماهي جمالية وغرائبية العمل الابداعي المميز بقدرات خيالية غير محدودة تستثير الدهشة والانبهار..

كان أندريه بريتون مؤسس الحركة السريالية في الادب والشعر حصرا التي تقوم على محورية مرتكز تداعيات اللاشعورفي تفكيك اللغة الشعرية وأعدام فرص قول الشعر الواقعي بنظام اللغة العادية تداوليا، يؤكد أيمانه بأن الجنون يمّثل الوضع الطبيعي للانسان الا أن ذلك يتطلب سلوك طرق ملتوية غير متاحة في وضع تحكمه مؤسسات لا تقر ذلك وتعتبره خارج العرف المجتمعي المتواضع عليه وكان بردد مقولته: القصيدة الشعرية عندي هي حطام العقل، التي يعني بها أنحلال اللغة عن نظامها العقلي المنسّق المتواضع عليه عند العامة الى أهمية حضور لغة اللاشعور المتحرر كليا من رقابة العقل في أنتاجه اللغة المفككة السائلة الخالية من محتوى منّظم والشكل المدرك طبيعيا.. وفي المعنى السريالي التجريدي هذا على صعيد الفن يمكننا تصنيف أعمال بيكاسو في التكعيبية والتجريد الفني الغرائبي ونزعة العودة الى بدائية الفن، وفنتازيا رسم الوجه والعين على غير طبيعتهما من مساحة اللوحة، ورسم الوجوه والكتل والفراغات والخطوط في اللوحة بأبعاد هندسية حادة كلها تعبيرات غرائبية غير طبيعية تماما يمكننا تلمس فيها ما يصطلح عليه عبقرية الجنون الموزّعة في ثنايا أعماله ورسوماته الابداعية..وربما كان سلفادور دالي متطرفا في غرائبية التجريد الفني أكثر من بيكاسو..بما يمكن أن نطلق عليه جنون العبقرية في الفن..

اللاشعور المصنّع بالمخدرات

وهناك جانب تخييلي أبداعي متصل بالاوهام والهلوسات والذهانات الفكرية الهذيانية التي تمتاز بضرب من الفصام العصابي والجنون، والذي تمّكن بعض المغامرين من الفنانين والادباء تجربته وتذوقه في محاولتهم تخصيب مخيلتهم وملكة الابداع لديهم بملازمتهم عوالم من اللامعقول الذي يبتعثه اللاشعور والذي يجري تصنيعه وأستحضاره بالمخدرات والاعشاب وتناول المسكرات التي تفقد متعاطيها الوعي الشعوري بالعالم الواقعي تماما وتجعله معايشا لعوالم خيالية من صنع غياب الوعي بعيدا عن معيارية الادانة المجتمعية الكاذية التي لا تصلح فيها محاكمة الابداعات والفنون بمنطق أزدواجية الاخلاق.الفنون والاداب فعالية من تجريب ابداعي متطور على الدوام تعتبر محاكمته في الجودة والقبول الاستقبالي بمنطق الاخلاق المجتمعية النسبية والجاهلة تذوقا جماليا سذاجة معيارية لا تصلح تماما..

وهناك رغبة عارمة منتشرة بشكل واسع بين أوساط من الكتاب والادباء والفنانين عالميا اليوم أن الانفصام والذهان والعصاب المرضي بجميع أنواعه أنما يدخل في صلب العمل الفني والابداعي كأستثارة تحفيزية سببية بما لا غنى عنه ولا يمكن تجنبه لأنجاز الابداع بل العكس يتوجب السعي له واستثماره الى اقصى مدى متاح وممكن... ويعبر الفيلسوف الفرنسي والشاعر العدمي المتشائم أميل سوران عن هذه الحال في أستحضار أجواء عوالم اللاشعور الخيالي المخصب بالمخدرات والمشروبات الكحولية قائلا: الذهانات تتميز في بداياتها بمرحلة من الانتشاء الفاقد للوعي المصاحب لأنهيارات الحواجز والعقبات النفسية لفتح الطريق لسكر داخلي يكون أخصب أثمارا في الادب والفن ..

العصاب الانفصامي واللاشعور

كما ذكرنا سابقا تكون رحلة العصابي الانفصامي أو المجنون في اللاشعوروغياب الواقع المعيش عنده حالة أستلابية تتلبسّه لا يقوى الخلاص منها لأنه يجد في اللاشعور عالمه الحقيقي الذي لا عودة منه ويرى في عوالم الآخرين الاسوياء الواقعي الذي لا يستطيع أدراكه أنهم يعيشون عالمهم الزائف غير الحقيقي الواقعي... ونحن نرى في المجنون العكس أنه مريض يعيش عالم الوهم تاركا عالم واقعنا السوي الطبيعي..ومن المحتمل الذي يؤكده عديد من الفلاسفة والادباء والفنانين أننا لا نعيش عالمنا الحقيقي الذي لا يتصوره المجنون وننكر عليه فقدانه، وكما كان لافلاطون قصب السبق بالتبشير بزيف الواقع الذي نعيشه عندما أعتبر واقعنا هو الصورة غير الحقيقية عن الاصل للوجود الحقيقي، ومن يستطيع الجزم أن لا يكون عالم الجنون هو عالم الحقيقة غير المتفق عليه أجتماعيا من قبلنا أذا ما أستعرنا بعضا من مقاربة التعبيرمن وحي نيتشة في شذراته الفلسفية عن الجنون الذي يصفه على أنه حقيقة الانسان المطلقة في هذا العالم التي ينكرها الاسوياء؟؟ ولم يكن نيتشة الفيلسوف الوحيد الذي وجد في الجنون عالم الحقيقة الغائبة عن عالمنا الذي نعيشه.. بل من بينهم ليتريامون وهولدرين وهكسلي وبيكيت وكافكا وعديدين آخرين..بعضهم تقمّص حالة الجنون ليعرف الحقيقة فيه ورغبة الوصول الى تخوم تجربة الجنون..فكانت النتيجة الجنون المطبق لهم الذي سعوا اليه في محاولتهم معرفة حقيقة الجنون..منهم الشاعرالمعروف انطون آرتو وراقص الباليه الروسي العالمي ياجنسكي الذي أنهى حياته بالانتحار بعد تجربة الجنون..والشاعر الالماني هولدرين الذي فتّ الجنون في تجربته الشعرية وقواه العقلية..وفان كوخ وعديدين من الفنانين ...

اللاشعور بين الابداع والجنون

السؤال الطبيعي في البحث عن السبب الحقيقي هنا لماذا يكون اللاشعور بهذه الأهمية في الخلق الابداعي الفكري عموما، وفي انتاج الابداع الادبي والفني خصوصا ولا يتوفر ذلك اللاشعور على فعالية انتاجية ابداعية من أي نوع في ادنى مراتبها لدى الانفصامي أوالمجنون؟؟

الاجابة عن هذا التساؤل من وجهة نظر علم النفس الطبي مربك ومعقد أذ توجد نظريات في علم النفس تذهب الى الجمع بين أعراض الانفصام (الشيزوروفينيا) أو الجنون العصابي الخفيف واشكال الهلاوس والهذاءات الجنونية، وبين ملكة الابداع الادبي والفني سببيا، وهي نظريات لها أستشهادات ميدانية وبحوث سايكولوجية معمّقة معتمدة طبيا لايستهان بها في هذا المجال ليس هنا مجال أستعراضها، فالكثيرين من علماء النفس يذهبون الى تأكيد هذا المنحى في ربط العبقرية بالجنون..فقد عانى فوكو من عصاب مرضي حاول فيه الانتحار وكان نزيل مستشفى أمراض عقلية جمعته بالفيلسوف التوسير المريض عقليا أيضا، والذي قتل زوجته في أحدى نوبات مرضه العقلي، كما كانت مظاهر جنون العبقرية تلازم فنان عصر النهضة بلا منازع مايكل انجلو، وكذا الحال مع فان كوخ وسلفادور دالي.. وعشرات آخرين.

ونعود الى الاجابة عن التساؤل المار ذكره بأقل الكلمات أن الاديب والفنان يمتلكان الشعور واللاشعور في وقت واحد في نفسية غير مرضية سويّة بمعاييرنا العامة على الاقل المستمدة من علم النفس الطبي، بمعنى الاديب والفنان يمتلكان الواقع والخيال معا تحت رقابة العقل الصارمة الحازمة، وهذا ما لا يتوفر عليه المجنون من حيث هو يعيش اللاشعور كعالم من الخيال الحقيقي الذي لا يوجد ولا يعيشه غيره وليس بمستطاع المجنون كما يفعل الفنان العودة من رحلة اللاشعور الى عالم الشعور الواقعي.. ثمة شيء آخر أن اللاشعور عند الفنان هو تخصيب منتج لملكة الابداع لأنه مسيطر عليه عقليا وليس لاشعوريا سائبا غير منتظم يتسّيد صاحبه ويتلبّسه كما هو الحال عند المجنون المريض بما لا فكاك منه أبدا في أمكانية العودة للواقع..

أن من المهم الاقرار بأن الابداع الادبي والفني قرين أنتاجية التفكير العقلي المنّظم والمتماسك سواء في أفصاحات وتعبير اللغة كما في الابداع الادبي، أو في أفصاحات التعبير غير اللغوي الكامن داخل الابداع الفني بحالة من الكمون التعبيري اللغوي غير المفصح عنه في التوصيل التقليدي المباشر الذي يستبطن في دواخله تعبيرات تواصلية تخاطب الوجدانات والعواطف وصمت الذاكرة ولا تخاطب العقل مباشرة كما تفعل اللغة التواصلية التداولية في الادب..

ما ذكرناه لا ينطبق على الانفصامي المريض ولا على المجنون حينما تكون فاعلية اللاشعور لديهم طاغية في الغائها حضور تنظيم العقل للافكار ورقابته عليها، اللاشعور على مقدار ما يمتلكه من قدرة تخصيب للخيال الابداعي الا أنه ليس كافيا ولا بمقدور صاحبه أنتاج فعالية أدبية او فنية خالية من لمسات الحبكة الفنية والمجردة من حرفية صياغة الافكار في تنظيم ابداعي هو ميزة الاديب والفنان فقط..اللاشعوروحده حتى عند الفنان لا ينتج عملا ابداعيا منبّت ومقطوع الصلة نهائيا عن الواقع وادراك العقل في وصايته تنظيم الافكار وجميع وسائل ادراك الوجود..فالفنان يجمع الشعور الواقعي بالاشياء مع اللاشعور الخيالي التجريدي للواقع في انتاجه فعالية واحدة هي الاثر الابداعي..

فنحن مثلا نجد النائم يتكلم أحيانا بتداعيات اللاشعور كما يتكلم المجنون في يقظته وبصوت مسموع أثناء تداعيات اللاشعور في هذاءاته الصوتية اللغوية غير المترابطة ولا المفهومة ولا المنتظمة بسبب غياب تنظيم العقل الزماني والمكاني لها وعدم فهمها وأدراكها أستقباليا عند المتلقي فهي تتحدث عن واقع غير الواقع الذي نعيشه الذي ربما يكون أكثر براءة أنسانية مما نعيشه في واقعنا نحن الاسوياء.لكنا نعجز عن فك طلاسم تلك العوالم والتعامل معها في عجز تنظيم عقولنا لها..

اللاشعور السوي واللاشعور المجنون

طبعا هنا يكون التساؤل واردا مرة ثانية وفي محله لماذا يكون هذا الاختلاف باللاشعور بين السّوي والمجنون؟

الاختلاف أن عقل الانسان السّوي الطبيعي بمقاييسنا نحن الاسوياء هو عقل مبرمج على الادراك الزمني الواقعي (الشعوري) اليقظ باستمرار الذي ينتج عنه كل المعارف والمدركات والتواصل الاجتماعي عبر اللغة، ويأتي هذا من أعتماد الشخص السّوي حالة الشعور اليقظ الذي يلازمه تنظيم الزمن لمدركات العقل السوي، أما العقل عند المجنون فهو عقل (اللاشعور) المبرمّج بالعادة المرضية الانفصامية عن الواقع الذي نعيشه نحن، وعلى غياب الواقع المادي الذي يعيشه الاسوياء والاستعاضة عنه عند المجنون بتداعيات عالم الخيال المرضي الاجتراري القهري، والمجنون لا يمتلك الشعور اليقظ كما هو عند الاسوياء بل يتعامل مع اللاشعور في مجمل تصرفاته وتعبيراته الهذائية..في حين يتعامل السوي مع اللاشعور أثناء النوم وبعض حالات فقدان الوعي أو الذاكرة أو المرض فقط... أما في حالات استحضار اللاشعور كوظيفة تخصيب الخيال الابداعي عند الاديب والفنان فقد سبق لنا شرحها في سطور سابقة..بكلمات قليلة اللاشعور عند الفنان والاديب مسيطر عليه عقليا بينما يكون اللاشعور عند المجنون منفلتا سائبا لا عقل يلجمه، ويكون المجنون كائنا خياليا يعيش حياته في بعد واحد فقط هو الخيال وفي أستعباد اللاشعور له بما لا يمكنه الخلاص منه.....

خاتمة

اللاشعور في الجنون هو غياب العقل والزمن الادراكي المنتظم الذي يتلبّس المجنون على أنه يعيش عالمه الحقيقي وأن عالمنا نحن الاسوياء الذي هو عالم الشعور بالنسبة للمجنون هو عالم غير واقعي ولا حقيقي عنده لأنه لا يدركه ولا يعيشه، ومن الملاحظ أننا نعكس الآية معكوسة في نعتنا عالم الجنون اللاشعوري أنه عالم غير حقيقي بالنسبة لنا لأننا لا نعيشه أيضا ولا يمكننا أدراكه ولا فهمه، ويكون العقل فيه لا يقوى على تنظيم الافكار التعبيرية الصادرة عنه تحت وصاية ورقابة الزمن المعقلن برقابة ووصاية العقل، لذا من العسير جدا علينا فهم هذاءات المجنون على أنها لغة تواصل معنا نفهمها، والسبب كما أوضحناه أن لغة الاسوياء منظمّة زمنيا وعقليا ولا تصبح فاعلة تواصليا من غير أن تستظل بفيء الشعور اليقظ على الدوام..بخلاف هذاءات المجنون التي هي ليست لغة تواصلية لافتقادها العقل المنظم لها والزمن والشعور بواقع الحياة..وأستبدالها بفوضى التعبير وغياب الزمن المنظم وحضور اللاشعور الدائم عند المجنون كواقع حقيقي وليس كحالة مؤقتة تزول بعد الاستيقاظ منها كما هي عند الشخص السّوي..وأختم بعبارات لشوبنهاورأترك فيها المجال للقاريء الأخذ بها من عدمه فهو يقول: المجنون يمتلك معرفة حقيقية بما يدور حوله، ويعرف بعض الماضي أيضا، غير أنه يخطيء الربط بينهما فيرتكب أخطاءه، ويتقوّل أشياء تخلو من كل معنى، وهي ذي نقطة التماس التي تفصل بين المجنون والعبقري..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

....................

هوامش: 1، 2، نقلا عن موقع خبر الالكتروني،

 

علي رسول الربيعيشرعية المؤسسات القانونية: أودأن أطرح في هذه الدراسة، مرة أخرى الأسئلة المهمة حول شرعية الأساس القانوني. لايتعلق هذا السؤال بمهمة المراجعة القضائية التي تخص المشرعين والقضاة حصريًا. أود أن أطرح السؤال من وجهات نظر فلسفية، أي مسألة نظرية الخطاب في القانون. كما لاحظنا في المقال السابق الذي نشرناها تحت عنوان: الخطاب النظري للقانون وحقوق الإنسـان عند هابرماس.

 لابد أن يكون هناك سبب دفع هابرماس  لتقديم نظرية الخطاب (التي تتعلق بالقانون) على الرغم من وجود العديد من النظريات القانونية.  سنفحص بالتفصيل ما حدث بالفعل في سلك الحياة للنظام القانوني. سأنظر أبتداءً وقبل كل شئ  في فلسفة كانط للعدالة، ثم أسلط الضوء على مشاكلها، خاصةً مسألة خضوع القانون للأخلاقية. ثانياً، سأبحث في أساس صلاحية نظرية العدالة لدى راولز. ثالثا، بما أن نظرية النظام (القانوني) هي عادة ناقد لنظرية الخطاب (القانوني) فيترتب على ذلك أنه إذا وجدنا أساسًا صحيحًا وموثوقًا به في نظرية نظام القانون، فإن صحة أساس نظرية الخطاب في القانون ستكون موضع تساؤل وشك. سأبحث إذن عن أسس ومطالبات نظرية النظام. رابعا، سأنظر في علم اجتماع القانون، مع إشارة خاصة إلى فيبر من جانب، بارسون ومارشال من جانب أخر.سأخذ  بنظري كل هذا في سياق نظرية الخطاب لهابرماس  حول القانون. وبالتالي، ومرة اخرى  سيكون  مدار هذه الدراسة  هو كتاب هابرماس الذي اشرنا اليه في الجزء الأول (المقال السابق)، ايً: (Facts and Norms) بين الوقائع والمعايير

فلسفة العدالة الكانطية

لماذا نحتاج القانون؟

ساهم كانط كثيرًا في الفلسفة القانونية، تمامًا كما فعل في فروع الفلسفة الأخرى. تأثر واستلهم جان جاك روسو، الذي سعى عقده الاجتماعي إلى حل مشكلة التوفيق بين الإكراه والحرية الفردية. بالطريقة نفسها، سعت فلسفة كانط للعدالة التي تلعب فيها الحرية دورًا رئيسيًا، إلى تقديم  فهم منهجي للمبادئ الأساسية لجميع القوانين التي ستمكننا من تقرير ما إذا كانت هذه القوانين تتفق مع المبادئ الأخلاقية أم لا. أود، في ما يلي، أن أبرز الأفكار الأساسية  التي تقف وراء فلسفة كانط   للقانون والأخلاق، حتى نتمكن من أن نرى بشكل واضح، مراحل تطور هذه النظرية  ومشاكلها أيضاً.

يقول هابرماس إن الإكراه أو الإذن بالإكراه عند كانط له ما يبرره فقط على أساس ما يمنع أو يعيق  الحرية، أي منع التعدي على حرية كل فرد؛ وأن المطالبة بصحة شرعية القانون يتم التعبير عنها بالتزامن الداخلي للإكراه الشامل المتبادل مع حرية كل واحد (بين الوقائع والمعايير Between Facts and Norms 28).  وكما لاحظنا، تلعب الحرية دورًا رئيسيًا في فلسفة كانط.  وتتضح  أهمية الحرية في فلسفة كانط  حول العدالة من الشعور الحقيقي بالاستقلالية والمسؤولية الأخلاقية. لا يمكن للإنسان أن يكون مسؤولاً أخلاقياً عن أفعاله إلا أذا كان كائن  مستقل وعقلاني وحر. وبعبارة أخرى، إن جميع الأعمال التي تُنفذ تحت وطأة القوة أو الإكراه لا تتحمل أي مسؤولية أخلاقية. ينطبق هذا الفهم للحرية فيما يتعلق بالأخلاق على نظامه القانوني أيضًا. ومن الدلائل الأخرى، تدعم نظريته فكرة أن  يكون  الشخص حراً أو يتصرف بحرية قبل أن يعتبر مسؤولاً عن أفعاله قانونياً.

إن حماية هذه الحرية التي تقوم على أن كل شخص يتمتع بالأستقلالية، والأخلاقية، والقانونية  تخدم الإكراه في نظرية العدالة في الفلسفة الكانطية. وبعبارة أخرى، إن قدرة الشخص على الحرية  تتحد مع قدرة أي شخص آخر، وفقًا لقانون الحرية الشامل. سيتم،في هذه الحالة، فهم الإكراه كوسيلة للحفاظ على الأنتظام في مجتمع من المتواطئين الأحرار. وبالتالي، فإن الإكراه الذي تحمي الحرية يربط  كل الحريات الأخرى، ويضبط الحرية في الوقت نفسه. و يشكل هذاأيضا البنية الأساس للعقود الاجتماعية. ومن ثم، وفقًا لنموذج العقد الاجتماعي، يكتب كانط: لا يمكن أن تعزى السلطة التشريعية إلا إلى الإرادة الموحدة للشعب. لأن من المفترض أن تنطلق جميع الحقوق والعدالة من هذه السلطة، فلا يمكنها أن تؤدي الى أي ظلم على الإطلاق. عندما يأمرأحدهم الآخر، من الممكن أن يؤدي ذلك الى ظلم الآخر، لكن هذا ليس ممكنًا أبدًا  عندما يقرر الشخص هو لنفسه. ومن ثم، فقط من خلال إرادة الشعب الموحدة والموافقة يمكن كل واحد منهم  أن يقرر الشيء نفسه بالنسبة للجميع، وجميعهم يقررون الشيء نفسه  لكل ... فيمكنهم التشريع .[i]

السؤال الأول الجاد هنا هو كيف  تتحد أو تتحق  الإرادة الموحدة للشعب؟ يؤكد النقاد وفقًا لهابرماس أن خيال الإرادة الشعبية الموحدة لا يمكن أن يتحقق إلا على حساب إخفاء أو قمع تجانس الوصايا الفردية. أنا شخصياً أشعر أن طغيان الأغلبية  (في ظروف معينة) سيجد منزلاً في فكرة الإرادة الموحدة هذه. يجب مراعاة مجموعة متنوعة من المصالح وتعدد الآراء.

إن التصرف طبقاً للواجب، أي طاعة القانون بدوافع أخلاقية، وفقاً لهابرماس، لا يمكن  أن يحصل بالإكراه. فلا يستدعي هذا التصرف أي حاجة للإكراه، لأنه ليس من المناسب تأديب شخص يطيع القانون. لا يمكن، من ناحية أخرى، توحيد أو مزج  بين الاختيار الحر لكل شخص مع أختيارات الآخرين من أجل التكامل الاجتماعي، إلا على أساس قواعد صالحة من الناحية المعيارية ودون إكراه، وهذا يعني، أن ياتي بدوافع عقلانية، و دوافع الاعتراف من وجهة النظر الأخلاقية ... وفقًا لقانون الحرية الشامل. (بين الوقائع والمعايير، 28_29)

إن التصرف حسب الواجب هو أختيار حر، حتى عندما يكون الأختيار صعبًا، لكن طالما أنه فعل أخلاقي، فلا يلزم الإجبار به أو عرقلة بالإكراه. عندئذ، يتطلب توحيد الاختيار الحر لكل منها مع الآخرين بعض التحديدات، على الرغم من أن يتم ذلك وفقًا لقانون الحرية الشامل. السؤال الضروري هو: ما الذي يمكنني اختياره ويتوافق مع اختيارك واختيار كل شخص آخر؟ مع الأخذ في الاعتبار الاختلافات في الذوق ووجهات النظر. يشير هابرماس إلى أن هذا (التكامل الاجتماعي) لا يمكن تحقيقه إلا على أساس قواعد صالحة من الناحية المعيارية دون إكراه. يبدو لي أن هذه القاعدة المعيارية الصالحة تعني اليوم أكثر مما كانت عليه في وقت كانط. يجب أن يكون لهذه القاعدة الصحيحة ما يبرر أسبابها أو مطالبها في مجتمع تعددي قبل أن تستحق اهتمامًا بعدم قسريًة خطابها . ما أقوله في الواقع هو أن توحيد كل اختيار حر يتطلب   تحديداً تعريفًا في عصرنا أكثر مما هو مطلوب في وقت كانط . أيضا من وجهات نظر نظرية الفعل عند هابرماس يلاحظ أن هناك جوانب مزدوجة من الصلاحية القانونية وهي الإكراه والحرية. هذان العنصران موجهان نحو الشرعية والاعتراف الاجتماعي وهما من الصفات المميزة للقانون  الشرعي. يتم تحديد الصلاحية الاجتماعية للمعايير القانونية، وفقًا لهابرماس، من خلال الدرجة التي يتم بها تطبيق هذه المعايير، وبالتالي من خلال مقدار  ما يمكن للمرء توقع قبولها من قبل  دائرة المرافعين القانونيين قبولها. كذلك يتم قياس شرعية القواعد من قدرة الخطاب أكتساب متطلبات صلاحيته المعيارية ... أيً وفقًا لما إذا كانت قد  حصلت من خلال عملية تشريعية عقلانية، أو على الأقل يمكن تبريرها من وجهة نظر براغماتية أو أخلاقية . (بين الوقائع والمعايير، 30) هذا يعني أن كل قاعدة يجب أن تكون قادرة على تبرير سبب وجودها. ولا يكفي وضع القواعد، فالمطلوب أن تكون القواعد مقبولة اجتماعيًا وأن تكون متماسكة مع النظام القانوني المعترف به وأن تأتي من سلطة شرعية صحيحة تتمتع بحق التشريع.

عندما نسلط الضوء على هذه الشروط مقابل  الخلفية الفلسفة الكانطية للعدالة، يصبح الفرق واضحاً . أقام  كانط نظريته المثالية الأخلاقية والقانونية على الحرية. ومع ذلك، فقد ذكر الحرية نفسها من بين النقائض في نقد العقل المحض، وهي تلك الأشياء التي يمكن أن تكون أو لا تكون. وفي حالة الحرية، قد تكون محدودة أو غير محدودة، اعتمادًا على خط الحجة. يطرح هذا التوجه مشكلة جدية في مايتعلق بالتطبيق على النظرية القانونية الكانطية في مجتمعات الحالية. فلا يزال بوسعنا أن نتصور هذه الطبيعة القطبية للحرية في النظرية القانونية الأخلاقية. هنا، تتمثل الوظيفة الفريدة للإكراه في منع إعاقة الحرية، أو عرقلة الحرية في حماية الحرية. يمكن للمرء أن يجادل بأن إعاقة الحرية غير المسيطر عليها والحرية الخطرة، يتم بالقانون، وبهذا المعنى، هي حرية مؤسسية مقبولة تحكم بعض الحريات الأخرى. ومع ذلك، طالما تسمم السلطة بعض حامليها أو تدعهم ثملين بها، فقد نطالب في بعض المعايير لتحديد الوسائل القسرية وكيف ومتى يتم تطبيقها لحماية الحرية.

وضع كانط، تحت تأثير روسو، الأساس القانوني للأعتراف بحقوق كل شخص، أو يفترض أن يتم الاعتراف بها، من قبل جميع الأشخاص الآخرين. وهذا بدوره يعتمد على الشرعية التي تأتي من إعطاء حرية متساوية لكلشخص . ومن هنا تتعايش حرية الجميع.

ومع ذلك، يبدو أن هذا الإنجاز أو صحة الأساس القانوني  عند كانط أحد ضحايا  مصادفات التاريخ في التطور القانوني. كان يمكن أن ينجح بشكل جيد عندما لا يتم التمييز بشكل كبير بين القانون والأخلاق. في هذا العصر، اذ لم تعد الشرعية القانونية مستمدة من الحرية الأخلاقية وفقًا لهابرماس. سأوضح هذا لاحقاً. علاوة على ذلك، تم تطوير فلسفة كانط  عن العدالة  تحت تأثير ما يسميه هابرماس  فلسفة  الذاتية أو فلسفة الوعي، أي في الوقت الذي لعبت فيه الذاتية دورًا رئيسيًا في الفلسفة. فلسفة الذاتية هذه ابدأت مع الكوجيتو الديكارتي واستمرت مع كانط ..الخ.، حيث  سيطرت الأنا، انفس، أو الذات، على الأفكار الفلسفية.  ونشهد هذا في ثورة  كانط الكوبرنيكية، حيث لم يعد العقل سلبيًا ولكنه نشط وفعاًل، ويقوم بفرضَ الشروط المسبقة للمعرفة والفهم.

لقد حصلت أشياء كثيرة داخل النظم الاجتماعية منذ زمن كانط حتى اليوم.  فقدحدث ترشيد النظم الاجتماعية وهذا أثر  كثيراً على النظم القانونية. ونما المجتمع وتحول من التوحيد إلى التعددية، من الذاتية إلى  الموضوعية ومن عالم واحد إلى العديد من العوالم. وعليه، فإن بعض المبادئ التي استندت أو استمدت من الافتراضات الشائعة للحقيقة غير القابلة للنقاش في ذلك  الوقت أصبحت قضايا  محل جدل. فعلى سبيل المثال يكتب كانط. عندما أفكر في ما يجب أن أقوم به، فأنا أفكر أيضًا في ما يجب أن تفعله جميع الكائنات العاقلة، لأنه إذا كان القانون أو القانون الأخلاقي صالحين بالنسبة لي ككائن عاقل، فيجب أن يكون صالحًا لجميع الكائنات العاقلة. لذلك، هناك اختبار رئيسي لجميع الأعمال الجيدة من الناحية الأخلاقية، وهو ما إذا كان يمكن تطبيق مبدأه على جميع الكائنات العاقلة بشكل ثابت ومستمر.[ii]

دون أي شك بشأن حقيقة المبادئ الأخلاقية الصحيحة أو التي تمتلك الشرعية الآن، قد يكون من الصعب تبرير الادعاء بأن نظرتي الى الفعل الصحيح من ناحية الحق يمكن أن تمثل بشكل مطابق وصحيح  وجهة نظر جميع الكائنات العقلانية المتساوية. وهذا لأن العقلانية نفسها  تم ترشيدها. ويصبح الأمر أكثر صعوبة عندما نكتشف أنه لا أحد يتحدث من موقع معلق في الفراغ. وبالتالي قد يكون من الصعب تجنب سلاسل التأثيرات مثل الوراثية والاجتماعية والثقافية والبيئية والتقنية والنفسية والأنثروبولوجية والنفعية والسياسية والدينية، على سبيل المثال لا الحصر. قد يجادل المرء بأن الخير أو فكرة الخير تتجاوز كل هذه العوامل المذكورة. مثل هذه الحجة يمكن أن تدعي تقديرنا المشترك لأشياء مثل أن الحياة هبة، والصفات الجمالية، والموسيقى، وما إلى ذلك. يمكن المحاججة أو الأعتقاد بهذه الحجة لكن جينالوجيا الأخلاق  لنيتشه تتركنا في حيرة، وعلى كل حال، منذ زمن نيتشه إلى اليوم يرفض  صوت الأخلاق أن يدفن على قيد الحياة. المشكلة العنيدة هي كيف يمكننا تعريف القضايا الأخلاقية؟ أعتقد أن هذه هي إحدى المهام الأولى التي يجب على الكانطيين الجدد مواجهتها، قبل مراجعة المبادئ الأخلاقية الكانطية.

مرة أخرى قد يكون من المفيد، في وقت كانط،  استخدام  رأئي الخاص عن  لأفعال الأخلاقية كمحك أو معيار لجميع الذوات العقلانية الأخرى. بينما اصبح، القول "رأسان أفضل من رأس واحد" أكثر صحة اليوم. من أجل لفت أنتباهنا  إلى البيذاتية. لقد انتقلنا من المونولوج إلى الحوار، من الإملاء إلى المناقشة، من نظرية التأمل إلى نظرية الخطاب.  وهنا يتساءل المرء إلى أي مدى يمكن أن يمضي  تحليل واختبار كانطي  للفعل  الجيد أو الخير  من الناحية الأخلاقية في مجتمع تعددي، حيث يتنافس الأشخاص ذوو الآراء والتوجهات والأهداف المختلفة في عالم حر.

 هناك حالات تعتبر  فيها التصرفات التي لها ما يبررها أخلاقياً من جانب مجتمع أو جماعة غالبًا ما  غير مقبولة من قِبل الآخرين. فتصبح مسألة صحة أساس النظرية القانونية الكانطية أكثر صعوبة لأن  نظريته القانونية مستمدة من المبادئ الأخلاقية. تقول موسوعة الفلسفة أن النظرية هي تطبيق لنتائج الفلسفة الأخلاقية على ظروف الناس بوصفهم مجرد  ناس.[iii] يوضح هابرماس أن كانط  وضع مبدأ الحق العالمي من خلال تطبيق المبدأ الأخلاقي على العلاقات الخارجية وبدأ نظريته القانونية بهذا الحق المستحق لكل إنسان بحكم إنسانيته، أي الحق في المساواة في الحريات المدعومة من الحق في الإكراه. (بين الوقائع والمعايير، 100). ويسمكن فهم هذا بشكل أفضل بعد النظر والتبصر في المحتوى المعياري لنظام الحقوق.

 إن نظام الحقوق هذا (الحقوق الشخصية)، الذي ينتمي إلىه كل كائن بشري غير قابل للتصرف، ولايمكن التخلي عن هذه الحقوق  حتى لو اراد  المرء، ويتم إضفاء الشرعية عليها قبل تسن  في شكل قوانين، على أساس المبادئ الأخلاقية، و بشكل منفصل عن أن الاستقلال السياسي للمواطنين الذي يشكل  في البداية مع العقود الاجتماعية فقط. (بين الوقائع والمعايير، 101). وهذا يعني، أن شرعية نظام الحقوق الكانطية يتم قبل استيعاب أو تشريع هذه الحقوق على شكل قوانين. وتستند شرعيتها إلى مبادئ أخلاقية مستقلة عن الاستقلال السياسي. وعليه ليست شرعيتها سوى جزء من الكل. إنها شرعية خاصة فقط ولا يمكنها التأثير على الاستقلال العام أو السياسي للمواطنين. الحق المدني فقط  هو المؤهل لهذا الاستقلال السياسي. لذلك، تؤكد فلسفة العدالة الكانطية على الاستقلالية الأخلاقية على حساب الاستقلال السياسي.

تسبق حرية الذات عند كانط إرادة المشرع السيادي، وفقا لهابرماس. وبالتالي، فإن سيادة الإرادة المتزامنة والموحدة للمواطنين مقيدة بحقوق الإنسان ذات الأساس الأخلاقي. هذا الحق يحمي الأفراد من التدخل الخارجي. وغالبا ما يطلق عليه حق سلبي أو حرية سلبية. يمكن للأفراد من خلال الحقوق السلبية، الانسحاب من الأماكن العامة ومن الالتزامات الخاطئة المتبادلة إلى موقف المراقبة المتبادلة.

ومع ذلك، فإن استنباط النظرية القانونية من الحرية الذاتية يضع قيودًا مهمة وجدية على هذه النظرية القانونية. غالبًا ما تُترجم الكلمة الألمانية Freiheit باللغة الإنجليزية باسم الحرية والحرية والحق والاستقلال والامتياز والحكم الذاتي. ومن هنا يمكن قراءة مصطلح حرية الذات وفهمها كحق شخصي أو حرية ذاتية وما إلى ذلك. تكشف نظرية الخطاب في القانون أيضًا أنه وفقًا للحق الشخصي الذي يحمي خصوصية كل فرد، يتمتع كل مواطن (كل شخص) أيضًا بالحق المدني أو بالحق السياسي. فبينما الحق الشخصي خاص، تكون الحقوق المدنية عامة. ويمكن للشخص مع الحقوق المدنية الانخراط في التواصل البيذاتي والأنشطة العامة، السياسة مثلاً.  إن الحق الذاتي وحده لا يمكن أن يؤهل الشخص للأنشطة السياسية. كذلك، لا يمكن أن ينبثق القانون الحديث من وراء الترتيب السياسي. لذلك، فإن النظرية القانونية الكانطية، التي تنبثق من الحقوق الشخصية، تحرز درجات أقل في النسق أو مجال الحقوق اليوم، وبالتالي لم تعد مؤهلة لمجابهة  التحديدات ووتعزيزي التفضيلات الحالية. لا يدمر هذا نبل الشرعية الكانطية، لكنه لا يدخل في السياق القانوني الحالي.   وحتى اذا  مازال يستخدمها بعض المحامين والقضاة  فأن هذا لا يبرر صلاحيتها في تقييمنا الحالي.

في الدولة الديمقراطية التي تدار فيها الحكومة بموجب القانون، القانون الوحيد هو القانون الذي يتمتع بالحماية التشريعية. مثل هذه الحماية لا يمكن تحقيقها إلا من خلال ترخيص من الحقوق المدنية. ويمكن أن يأتي هذا من خلال سلطة الهيئة التشريعية أو في بعض الأحيان، السلطة القضائية  النظام. (من حيث التشريع القانوني). وحتى  المدخل الأساسي للمنصب التشريعي يتطلب هذا الحق المدني أو السياسي. ولا بد من إضافة مؤهلات أخرى إلى هذا الحق. وبالاسلوب نفسه، تتمتع شرعية القانون بدعم الحقوق المدنية من قبل  المواطنين الذين يقبلون مثل هذا القانون كحق خاص بهم.

 وعلى اساس هذا الفهم، سيكون هناك تشويش خطير إذا كانت السلطة التشريعية تعتمد على الحقوق الشخصية. هذا يعني أن أي شخص في أي مكان له الحق في المشاركة السياسية في كل موقع، فيما طالما يتعلق بحرية الشخص. يجب أن نتذكر أن الحرية الذاتية هي حق خاص - شخصي يبقى مع الفرد في كل مرة بقدر ما هو / هي شخص بشري. أحد الأسئلة الحاسمة هو كيف يمكننا إذن أن نوفر للقانون الحديث، البعد الأخلاقي المهم الذي يتمتع به القانون في النظرية الكانطية؟  فصل الأخلاق عن القانون بطريقة مشددة قد يعطي وجها غير إنساني للشرعية.  ثم أن الشخص نفسه  الذسي يعتبر كائن قانوني هو أيضا كائن أخلاقي. ومن المفترض  أن يأتي  وجود كل من القواعد القانونية والأخلاقية من أجل رفاهية الإنسان. لتناول  هذه القضية، سنستشير هابرماس في  مسألة التمييز بين القانون والأخلاق. ايً سنتناول  في الحلقة القادمة العلاقة بين القانون والأخلاق.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

  ......................

[i] Kant; Metaphysical Element of Justice, trans. J. Ladd, New York, 1965 p78.

[ii] S.E. Stumpf; Philosophy History and Problems. McGraw-Hill, Inc. 1994 p.316.

[iii] Encyclopedia of philosophy, vol. 6. p.260.

 

الزهرة قنيتتمحور هذه الدراسة حول رؤية تحليلية لإشكالية الحداثة وما بعد الحداثة وفق مساءلة نقدية فلسفية للسوسيولوجي والفيلسوف البولندي "زيغمونت باومان"، وبتعبيره المخصوص لمصطلح "الحداثة السائلة" الذي حاول من خلاله تقديم مقاربة مجازية نقدية عملت على شرح الحداثة الغربية في مسيرتها وانتقالها من مرحلتها الأولى المتميزة بالصلابة والتي دشنها عصر التنوير، إلى زمنها الثاني المتسم بالسيولة وسرعة التغير.

وفق هذا التحليل النقدي المجازي للحداثة الغربية يكون باومان قد ألقى على عاتقه مهمة توصيف الوضع الإنساني المعاصر في مرحلة السيولة، وفق إشكال يتموضع في صميم الراهن بامتياز وهو: هل يعتبر الوضع الإنساني الحديث في مرحلة السيولة ارهاصا أم نموذجا آليا أم استشرافا أم نذيرا بما هو آت؟ أو هل كان على النقيض من ذلك، تسوية مؤقتة عابرة يشوبها الخلل والنقصان وعدم الاكتمال، وكأنها فاصل زمني بين استجابتين بارزتين ومختلفتين تتسمان بالاتساق والكمال والدوام إزاء تحديات الوجود الإنساني المشترك؟

إن هذا السؤال الإشكالي يسلط الضوء على ما وصل إليه الإنسان والمجتمع ككل بكل أطيافه وعلى اختلافها في خضم عصر ينوء بالتحولات المتسارعة وبالتحديات التي لا تنتهي، وعرضه للمآلات الكبرى التي أدت إليها الحداثة السائلة في زمننا هذا، وتجلياتها في أحوال الإنسان اليومية، وفي مشاعره واختياراته، وما يمر به من أزمات بفعل النزعة الاستهلاكية التي ارتفعت وتيرتها وتعمقت آثارها بفعل العولمة، ففي العولمة يتضح الكثير مما يعنيه باومان بالسيولة، سيولة البشر بتدفقهم من مكان لآخر، وسيولة المال وسيولة الهويات بتغيرها المستمر.

ومن منطلق هذا الإشكال المعرفي الذي تناوله زيغمونت باومان يبدو أن أهمية مقاربة إشكالية الحداثة الغربية باتت أكثر راهنية من أي وقت مضى وذلك نظرا للأفق الذي صار الإنسان يحيا ضمنه وما يحتمله من توترات وإشكالات زادتها التوترات العالمية كالحروب والإرهاب حدة، لذلك طرحنا مشكلة الحداثة الغربية عند باومان في بعدها الكوني ضمن الخطاب الفلسفي المعاصر، وذلك من أجل معالجة الواقع الراهن الذي تمر به الإنسانية وحاجتها الماسة إلى الحوار لبناء مجتمع إنساني متماسك وفق أفق العيش الإنساني المشترك.

ولما سبق يكون زيغمونت باومان قد استطاع أن يصور الواقع الاجتماعي والاقتصادي الذي عرفته المجتمعات الإنسانية عبر مراحل الحداثة، وأن يبين الدور الذي لعبته العولمة باعتبارها أحد تجليات الحداثة التي ساهمت في تغيير أنماط العيش الإنساني، فالنص الباوماني نص شارح لزمن السيولة في دائرة اليومي والشخصي.

تمهــــيد إشكالي:

نادرة هي الكتابات عن فلسفة الفيلسوف وعالم الاجتماع البولندي المخضرم "زيغمونت باومان"(1)، والذي توفي مؤخرا في (09/01/2017م) عن عمر يناهز 91 سنة، والذي اشتهر بتأسيسه لنظرية ‹‹الحداثة السائلة››، إنه من الشخصيات المفهومية والمميزة عالميا نظرا لرؤاه الجريئة والجديرة بالعرض وبصمتها الكبيرة في النظر إلى العالم اليوم من منظور الحداثة Modernity  وما بعد الحداثة poste Modernity، فلقد تميز المسار الفكري والفلسفي لزيغمونت باومان بنقده الجذري للحداثة وما بعد الحداثة، هذه الأخيرة من أكثر الإشكاليات الفلسفية الراهنة اشتغالا داخل المتون الفلسفية الحداثية.

حاول السوسيولوجي والفيلسوف المعاصر زيغمونت باومان أن يضع ويبتكر مقاربة نقدية مجازية تبلورت فيما عرف لديه بــ "الحداثة السائلة"، وذلك من خلال مساءلته النقدية للفكر الحداثي وتحليله وتتبع مساراته، حيث عمل باومان على شرح الحداثة الغربية وانتقالها من مرحلة الصلابة إلى مرحلة السيولة، مفصلا مآلات الحداثة السائلة في الوعي بالذات والخيارات الشخصية.

والسؤال الذي يتحكم في مقاربة باومان النقدية للحداثة الغربية هو: كيف يمكن تفسير ظاهرة الحداثة الغربية في تشكل مسارها الذي انعطف من الصلابة إلى السيولة وفق رؤية باومان النقدية؟

إن هذا السؤال الإشكالي تندرج ضمنه عدة تساؤلات تضعنا فيها النصوص الباومانية وللتعرف على القراءة التي قدمها باومان حول قضية الحداثة الغربية نطرح الإشكالات التالية: هل يمكن العثور على نوع من الاتساق بين البدايات الأولى للحداثة الغربية والمآلات المناقضة لبداياتها؟ وفي ظل هذا التحول الدؤوب كيف يمكن قراءة الوضع الإنساني المعاصر في مرحلة السيولة؟ وإلى أي مدى يمكننا الحديث عن مجتمع إنساني اليوم في عالم استهلاكي معولم؟ ماذا يقصد باومان بالسيولة؟ وماهي هوية مصطلح السيولة المعاصر عند زيغمونت باومان؟ وما مرجعية الرؤية السائلة لزيغمونت باومان؟ وما مآلات الحداثة السائلة في الوعي بالذات والخيارات الشخصية؟

- نحاول في هذه الدراسة الاستفادة من عصير أفكار باومان من خلال تحديد المحاور التي عمل عليها باومان في كتاباته (الخطوط العامة لفكر باومان).

المقاربة الفلسفية للحداثة الغربية عند زيغمونت باومان

أولا- من الحداثة الصلبة إلى الحداثة السائلة:

1- الحداثة السائلة...إشكالية المفهوم وهويته:

- ونحن بصدد تحليل هذه المقاربة النقدية الجديدة التي جاء بها باومان للحداثة الغربية لابد لنا أولا أن نقف على مصطلح "السيولة" الذي وسم مجموعة من مؤلفات الكاتب والذي يعتبر سؤالا يثير في القارئ فضولا حول هوية هذا المصطلح يفسره قول باومان في كتابه الحداثة السائلة والذي جاء كالتالي:‹‹ ما قررت أن أسميه بوضوح" الحداثة السائلة" إنما هو الإيمان المتنامي بأن التغير هو الثبات الوحيد، وان اللايقين هو اليقين الوحيد إذ كانت الحداثة في المئة عام الماضية، تعني محاولة الوصول إلى حالة نهائية من الكمال أما الآن فإن الحداثة تعني عملية تحسين وتقدم لا حد لها، من دون وجود حالة نهائية في الأفق ومن دون رغبة في وجود مثل هذه الحالة››(2).

والحداثة السائلة مفهوم جديد نحته باومان لكي يكون أداة شاملة لفهم النسخة الراهنة من الحداثة في الفكر والحياة اليومية والأدب وفي العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وهذا المفهوم من اشتقاقات زمن العولمة وعالم ما بعد الحداثة(3)، وعليه فالحداثة السائلة هي الحالة المعاصرة التي يتجلى فيها ذوبان الهياكل والمؤسسات الاجتماعية الصلبة في ظل تنامي السيولة في كل شيء من حولنا، فالسيولة هي نموذج لنمط حياتنا المعاصرة.

استلهم زيغمونت باومان مصطلح "السيولة" من أدبيات التفكيك النقدية لجاك دريدا(4) وطروحاته ما بعد الحداثية، متخذا من التفكيك حاضنا ثقافيا، حيث  نجد أن التفكيك في أصله اللغوي هو فعل عملي صناعي، فباومان استعار مصطلح التفكيك بمعناه الصناعي بعنصر من عناصر الطبيعة الأربعة التي كان الفلاسفة الطبيعيون القدماء قد انشغلوا بها وحاولوا أن يكشفوا ماهية الموجودات من خلال إعادتها إلى العناصر الأربعة، وهي الهواء والتراب والماء والنار، واختار باومان الماء لسيولته ولأن فيه تتجسد فاعلية الحياة ومن ثم مادية العالم المعاصر، وهذه المادية التي يراها باومان غير جدلية وهي في الأساس مادية طبيعية وبهذا التوجه الفلسفي لما هو طبيعي يكون باومان قد تجاوز الدلالة الصناعية للتفكيك بدلالة طبيعية تبنى عليها مدلولات الموجودات ومكوناتها وكأن ليس للصنيع البشري فيها أي دور بل البشر منساقون في خضمها بلا حول وبلا قوة، وتاريخهم تاريخ طبيعي ينتقل بشكل مادي من حالة الصلابة الحياتية التي لها شكل الثبات والتحجر والتي تمثلها مرحلة ما قبل الحداثة إلى ميوعة مخلخلة تمثلها مرحلة الحداثة في أشكال مراوغة وغير مستقرة والتي لن تفضي إلا إلى الهوائية /الغازية اللانهائية بهلامية لا شكل لها ولا عنوان وهو ما ستمثله مرحلة ما بعد الحداثة، وهذا التشكل وشبه التشكل واللاتـشكل هو ما جعل توجه باومان ومقصديته المخلخلة والاهتزازية تبدو جديدة لا صلة لها بالتفكيك بينما يكمن التفكيك أصلا في هذا الاستبعاد للفاعلية الصناعية المفككة، والاستعاضة عنها بالفاعلية الطبيعية المخلخلة التي هي حتمية وليست احتمالية.

إذن، باومان من خلال مفهومه "للسيولة"، ومن خلال كتبه حول السيولة، التي يحاول فيها أن يجعل مادية العالم متقولبة في إطار فيزيائي سائل، تدل هذه الرؤية المادية على استشراف تشاؤمي للمستقبل لا يخلو من الرهبة والخطر كونها تصب في باب الإنذار والتنبيه على سلبية القادم(5).

استخدم باومان مصطلح "السيولة" ليصف مرحلة راهنة تمر بها المجتمعات المعاصرة ومصطلحي حداثة صلبة وسائلة هما المصطلحان اللذان جاء بهما باومان كبديل لمصطلحي حداثة وما بعد حداثة على الترتيب، لقد أدخل باومان مصطلح السيولة كصورة مجازية لأجل فهم وتحليل وتقويم حالة الإنسان الحاضرة، ويفسر اختياره لهذا المفهوم بأن عصر الحداثة وما بعدها يعني تفكيك النظم والمبادئ والقيم وتخلخل الروابط التي كانت تجمع تلك المواد الصلبة (الأخلاق والمرجعيات والقيم) وباتت مثل المواد السائلة التي يتغير شكلها بتغير الحيز الذي توضع فيه، وأكدت هبة رؤوف عزت في مقدمة كتاب "الحداثة السائلة" إلى أن باومان لا يعطينا لقطة ثابتة لصورة ساكنة، بل يشرح لنا الحداثة في حركتها ومسيرتها وتحولاتها، فهو ينتقل في تحليله من وصف الحداثة الصلبة التي تسعى لنفي الغيب والهيمنة على العالم، وتحديد القواعد وبناء الدولة وصناعة القومية الصلبة، والسعي لليقين المادي المبني على زعم القدرة على التحكم، إلى الحداثة السائلة التي تقوم على منطق الاستهلاك بمعناه العميق للمكان والقيم والأشياء والعلاقات في ظل العولمة(6)

2- ما بعد الحداثة.. السيولة وإذابة المفاهيم:

إن الوضع الراهن اليوم يمضي لجهة السرعة، التبدل، أو تلك الحالة التي أسماها باومان "بالسيولة" والتي صار عالم اليوم يحيا توجهاتها، في سلوك إنسان ومجتمع الإستهلاك فالحداثة السائلة ترفض كل ما هو ثابت، والثبات الوحيد الذي تؤمن به هو التغير فأصبح المجتمع الحديث في زمن السيولة يعظم المرونة وسرعة الزوال والتخلص من الأشياء والتخلي عنها، "فالحياة الاستهلاكية حياة من التعلم والنسيان السريعين"(7)، وعليه فالنسيان يعتبر واحدا من عناصر اللعبة الاستهلاكية، في عصر الحداثة السائلة فباومان يرى أن الحياة السائلة هي حياة استهلاكية، فالواقع هنا يفرض منطق السرعة على حركة المستهلك.

ومن هذا المنطلق فإن هذه الرؤية تتوافق مع المبدأ الأساسي للنظام الإستهلاكي الرأسمالي ذلك المبدأ الذي يتلخص في عبارة (اشتر، استعمل، ارم)، حيث تظهر أهمية تحديد صلاحية كل موضة/منتج بوقت معين فمن الضروري أن تنتهي صلاحية كل منتج في فترة زمنية محددة حتى تتاح الفرصة لمنتج آخر ليحل بديلا له، فإذا كان المبدأ الأخلاقي للنشاط الإنتاجي-  بحسب "ماكس فيبر"-  هو تأجيل الإشباع، فإن المبدأ الأخلاقي للحياة الاستهلاكية إن اعتبرنا ان فيها مبادئ أخلاقية سيكون وهمية الشعور بالإشباع، ومن هنا فإن شعار تلك المرحلة هو أن يكون العميل راضيا، وفي الوقت نفسه أن تتولد (حاجات زائفة) متجددة، بحيث يشعر العميل بالحاجة إلى تلبيتها وإرضائها واشباعها.(8)

وعلى هذا النحو، أصبحنا نشهد اليوم انتشار ثقافة الإستهلاك وشيوع العقلية الاستهلاكية فالاستهلاك هو المرتكز الأساسي الذي آل بالإنسان إلى الاغتراب عن نفسه وعن مجتمعه ووجد الفرد نفسه أمام خيارات لا تنتهي نتيجة انتاج آلاف السلع الغير ضرورية، ويضرب لنا باومان مثالا على ذلك بطاولة تحتشد بألوان عديدة وكبيرة من الطعام، لكن الأكّالون هم المستهلكون، والذين سيصعب عليهم تحديد أولوياتهم، وهنا تظهر أهم التحديات أمام المستهلك في عصر الحداثة السائلة، وهي مسألة (تحديد الأولويات)، فالبؤس الذي يعانيه المستهلك هنا هو مشكلة الخيارات المتعددة، وليست الخيارات النادرة التي كان يقف أمامها إنسان عصر الحداثة الصلبة، وبالتالي فالسيولة التي تطرح أمامنا الخيارات اللامتناهية تضيق علينا أكثر فهي تدخل الفرد في حالة من عدم الانتهاء واللايقين، فلا سكينة ولا هدوء روحي بسبب امتزاج كل شيء وغياب الشيء الواضح والمفهوم والثابت ، وعلى الرغم من أن الاستهلاك عالم يتبع فيه الإنسان غيره لكنه يبقى هو الشخص الذي يختار ما يرغب فيه، وهو الذي يسمح لسلطة ما في أن تكون سلطة من خلال هذا الفعل. في عالم الاستهلاك هذا، لا وجود لسلطة رادعة، بل سلطة ناعمة تتودد إلى صاحب الاختيار وتحاول إغواءه وإغراءه بشكل دائم(9).

ويعزي باومان السيولة التي تتسم بها أزمنتنا الى تفكيك النظم، بمعنى فصل السلطة (القدرة على فعل الأشياء) عن السياسة (القدرة على تحديد الأشياء التي ينبغي فعلها) فالأشكال الاجتماعية اليوم التي حددت اختياراتنا وعززت أنماط السلوك المقبول في السابق لم تعد قادرة على الاحتفاظ بشكلها زمنا طويلا لذلك فإن "مشروع الحياة" يخضع الآن للانصهار والتحلل، وعليه لم يعد بوسعه أن يكون مرجعية لأفعال الأفراد ولاستراتيجيات الوجود الاجتماعي، بأثر عمره القصير، كما أنه غير قادر جراء ذلك على استحداث ما هو متماسك ومتسق، بموازاة الانفصال الحاصل بين السلطة والسياسة التي شكلت سابقا مفهوم الدولة الأمة، شيء من عدم اليقين يحكم مثل هذه العلاقة، الدولة الخاضعة إلى تأثير فضاء معولم يقع خارجها، فالسياسة بمعنى القدرة على تحديد اتجاهات الفعل وأهدافه ليست قادرة على الفعل العالمي فهي تظل سياسة محلية ولا تحتفظ بقوة تحديد مسارات الفعل السياسي  وأهدافه، لا الدولة إذن باستطاعتها حل مشكلاتها، ولا السياسة أيضا، قادرة على جذب مواطنيها ما يعني تحول المسؤولية إلى قوى السوق المتغيرة، يقول باومان ‹‹الفعل يستلزم القوة لتتمكن من اتخاذ القرارات وبالطبع نحتاج السياسة، التي تعطيك القدرة لتقرر ما تحتاجه لكن التزاوج بين القوة والسياسة انتهى في الدول القومية، القوة تمت عولمتها، لكن السياسة لا تزال شيئا محليا. يمكننا أن نعتبر أن السياسة فقدت ذراعيها، كما أن الجماهير توقفت عن الإيمان بالنظام الديمقراطي لأنه لا يحفظ وعوده››(10)

وهكذا اختفت الأطر المرجعية والسياسية التي كانت سائدة في عصر الحداثة الصلبة أو بلغة "ليوتار"(11)‹‹ سقط ما نسميه الأنساق الفكرية الكبرى ولن يعود لها وجود››، فالحداثة السائلة هي عملية تفكيك البنيات الاجتماعية واستبدالها ببنيات جديدة لغتها تحرير السوق  تعظيم مجتمع الاستهلاك وعولمة التجارة ورأس المال، وبالتالي فالحداثة السائلة تعبر عن غياب المرجعيات وتآكل الذات، وفقدان حدودها نتيجة تسليم الأمر لقوى العولمة التي باتت ترشد العالم الى وجهات غير مستقرة في غياب تأثير الدولة الأمة التي فقدت تأثيرها في مجرى الأمور.

وفي ذات المسار، يحاول باومان في حداثته السائلة أن يدرس ظاهرة الفردية، انطلاقا من ملاحظته أن مجتمعنا اليوم هو مجتمع خاضع لسيرورة النزعة الفردية، يقول باومان: "حداثتنا الغربية نسخة يطغى عليها الطابع الفردي والطابع الخاص.."(12) ، فالفرد هو الفاعل الوحيد في مرحلة السيولة، فالكل يؤول إلى الفرد وحده، هو فقط من له الحق في تقرير الأشياء ذلك أن الأفراد في عالم الحداثة السائلة ينعمون بحرية الاختيار فأصبح العالم خاليا من ذلك الأخ الأكبر الذي ذكره "جورج أورويل" في روايته الأشهر (1984م)، كما أنه أيضا لا يوجد الأخ الأكبر الحنون الذي قد يساعدك ويحنو عليك ويمد يد العون لك في الظروف الصعبة والأوقات الحرجة، ومن هنا أصبح كل ما يتعلق بمصير الفرد في يد (الفرد) ذاته، فالفرد هو الذي يقرر الأشياء التي بمقدوره أن يفعلها، وينمي هذه المقدرة بأقصى المستطاع، ويحدد الغايات التي تتوافق وهذه المقدرة، بحيث يتحقق له كل الرضى الذي يبتغيه، وكل متعة يمكن أن يتصورها العقل أو يخطر على البال، فالأمر بأكمله متروك للفرد(13). هذه النزعة الفردية أدت إلى هيمنة الفضاء الخاص على الفضاء العام، فلقد أصبح الفرد مهتما بشؤونه الذاتية والخاصة عوض شؤون مجتمعه والمصلحة العامة، وهذا ما مثل عائقا ومشكلا للمواطنة، فالفردانية أدت إلى تفكك المواطنة، وتآكلها ببطء يقول باومان في هذا الشأن: ‹‹ الأفراد هم المتضررون من الضغوط التي تفرزها سيرورة النزعة الفردية، فهم يجردون تدريجيا ولكن باستمرارية دائمة، من درع المواطنة الواقي، وتنزع منها مهارات المواطن واهتماماته››(14)

ثانيا- مآلات الحداثة السائلة في الوعي بالذات والخيارات الشخصية:

1- صناعة الخوف وهيمنة اللايقين:

‹‹الخوف من المعاناة، هو أشد ألوان المعاناة››/ سيغموند فرويد

- في مشروعه الفكري لفهم الحداثة ذكر باومان في الحداثة السائلة: ‹‹ في ظل حركة السيولة، كل شيء يمكن أن يحدث، ولكن لا شيء يمكن أن نفعله في ثقة واطمئنان، فتتولد حالة من ( اللايقين تجمع ما بين الإحساس بالجهل (استحالة معرفة ما سيحدث) والعجز(منع ما سيحدث) والإحساس بالخوف دون أن نستطيع إدراكه ولا تحديده››(15)، بمعنى أنه في ظل العولمة ذات التحولات السريعة والمتلاحقة بلا نقطة مرجعية زادت درجة الخوف عند الأفراد من تغير الأحوال، وهذا ما يجعل الحياة مملوءة بالمخاوف التي يرى باومان أنها قرينة على عدم اليقين وبالتالي يتولد داخل الإنسان شعور داخلي بالهشاشة والخوف.

حالة الخوف تلك التي أفرد لها باومان كتابا مستقلا وكنتيجة متوقعة من هذا العصر السائل والعلاقات الإنسانية العابرة في زمن اللايقين، يخرج "زيغمونت باومان" بنقد آخر للحداثة في مرحلتها السائلة بخصوص الخوف الذي يحياه إنسان العصر الحديث، فيخبرنا بأن العهد الذي قطعته الحداثة على نفسها بتحرير الإنسان من الخوف قد تم نقضه، فلقد كان من بين وعود الحداثة الغربية في مرحلة الصلابة، استئصال الخوف من العالم، لكنها لم تحقق ذلك(16).

لم تحقق الحداثة إذن، ثقة الإنسان في نفسه بعد نفي اليقين الديني والتقاليد لهامش الحياة    الخاصة وفرض منظومة المنطق المادي، فالتقنية المتطورة التي وصلت إليها الحداثة أصبحت تخنق العالم المعيش وتنشر جرائم الأحداث والعنف وفقدان الأمان،" فالحياة السائلة حياة محفوفة بالأخطار يحياها المرء في حالة من اللايقين الدائم"(17)، وبالتالي أصبح اللايقين والخوف من المستقبل آفة الحداثة السائلة، فعالم الحداثة السائلة هو عالم ساد فيه الإحساس بعدم الأمان واللايقين، وفقدان الاستقرار، فالسمة البارزة في عالمنا المعاصر هي الخوف من كل شيء، وهو خوف معمم يعصف بكينونة الإنسان والوجود الإنساني يستحق أن نطلق عليه (الخوف الكوني)، فالإنسان الذي سقط في سجن الخوف، صار يشعر بالتهديد الدائم من المستقبل والخوف المستمر من مصيره المجهول لما أدت إليه السيولة من سرعة في الإستهلاك والاستبدال، إنه "قلق الحضارة" كما وصفه سيغموند فرويد.

عملت الحداثة في طورها السائل على خصخصة الأمن، حيث ظهر السوق كبديل للدولة في تقديم خدمات الأمن، فلقد انتقل دور السلطة والدولة من دور (الرعاية الاجتماعية) وتقديم الخدمات للمواطنين، وتأمين الضمان الاجتماعي إلى دور( الدولة الأمنية) التي غايتها مكافحة الإرهاب والجريمة(18)، وبالتالي صارت السلامة الشخصية منفذ بيع رئيس وهو ما يتماشى مع طرح أولريش بيك حينما تحدث عن " اقتصاد الخوف"، ملاحظا أن الأمن الشخصي أصبح سلعة استهلاكية مثل الكهرباء والماء، يتم تنظيمها من طرف قطاعي العام والخاص، غير أن حدود التفكير السائل في المجتمع الذي ينبني على تأمين السلامة الشخصية لدى الفئة القادرة على تحقيقها بدافع الخوف، يتجلى في فكرة الخطر لدى أولريش بيك بكونه خطرا ديمقراطيا يصيب الأغنياء والفقراء والأقوياء أيضا(19)، ويرجع السبب في زيادة معدل الخوف إلى تزايد وتيرة النزعة الاستهلاكية والى النظام الرأسمالي، تقول هبة رؤوف عزت في مقدمة كتاب الخوف السائل:" إنها الرأسمالية في ثوبها الجديد، حيث يسكن الخوف النفوس، وتدار الحياة بشكل لا يمنح الأمن ولا يحقق السعادة"(20) فاستهلاك الحماية وتحولها الى سلعة كل ذلك ناتج من تطور الرأسمالية، فمع انتشار المخاوف وسيرورة النزعة الفردية، أصبح الأمان بدوره مهمة الفرد وحده، تقول هبة رؤوف عزت في مقدمة كتاب المراقبة السائلة:" إن أكبر التحديات التي نواجهها هي تخلي دولة المراقبة عن وظيفة الأمن وتركها للمواطن وحده"(21).

ولا ينفك فهم الخوف عن إدراكنا للشر، فالخوف الذي نواجهه في عالم اليوم ليس ناشئا عن فزع من شيء محتمل غير مقصود استنادا لتصور أن الخير أصيل في الإنسان، بل هو خوف يتأسس على وعي متزايد بتنامي التوحش في هذا العالم، واعتيادية الشر فيه ويزيد هذا الخوف من احتمالية قبولنا للشر، بل والتطبيع معه، مادام يوفر لنا الحماية(22)، فقد توغل الشر في نسيج الحياة اليومية وترسخ في قلبها، وعندما يجري تحديده فإنه يجعل كل الصور البديلة للحياة تبدو غير معقولة، بل وغير حقيقية فالسم القاتل يصور نفسه بصورة مخادعة على أنه ترياق منقذ للحياة من شقاء الحياة.(23)

وعليه فإن الخاصية الأحدث في هذا المجتمع هي ذلك الشعور العميق بفقدان الأمان غير أن هذا الشعور الذي نحسه ناتج للتطور التكنولوجي، فالتقنية المتطورة التي وصلت إليها الحداثة أصبحت تخنق العالم المعيش وتنشر جرائم الأحداث وأعمال العنف، على شكل حرب يخوضها الكل ضد الكل، فيقبع هذا الفرد في القلق، فلقد ذهب أنطوني غيدنز إلى أن "العولمة تشكل السمة الأساسية للحظة الراهنة في عالم اليوم، وأن الانفلات هو أحد سمات العولمة إن لم يكن سمتها الأبرز، لهذا أطلق على هذا العالم بأنه عالم منفلت والحركة فيه لا تخضع لسيطرة البشر بشكل كامل"(24)

وعليه فإن التقنية التي أفرزتها الحداثة والتي كانت تعد الإنسان بالأمان أصبحت اليوم تمثل أزمة إنسانية لإنسانية فقدت إنسانيتها، وساهمت في صناعة الخوف وزيادة معدلات الجريمة، "فلقد جر الإيمان المطلق بفاعلية العقل والمبالغة في استعماله إلى خيبات تجرعها إنسان الحداثة، وإلى مآزق فكرية ووجودية عبثت بجوهر الإنسان وماهيته، فلهذا أعلن المشروع الحداثوي إفلاسه، وقضى على الجانب الروحي في الإنسان وغيب القيم واحتفى بالمادة"(25).

إنها صيرورة أزمة ترجع إلى إفلاس العقل الحداثي، أي ذلك العقل الأداتي الذي هيمن على الحضارة الغربية وخلص بها إلى تشظي الحقيقة وأفول الإنسان، وأدخل الكينونة الإنسانية في عالم العدمية واللامعنى.

2- اللاجئون ومشكلة الهوية:

‹‹اللاجئون هم التالف البشري في تخوم الأرض، الغرباء وقد تجسدوا الغرباء حتى العظم الغرباء المرفوضون والمقابلون في كل مكان بالكراهية والحقد›› / زيغمونت باومان.

‹‹في هذا الزمن السائل، لا يبقى للهوية معنى، بل إن حالات الهجرة واللجوء والسفر المتواصل سعيا لعيش أقرب ما يكون إلى كريم، يعزز من مفهوم اللايقين الذي يصفه الكاتب ويحول الهوية أيضا إلى شكلها السائل›› / زيغمونت باومان.

يتحدث باومان عن أزمة اللاجئين كمخرج من مخرجات الحداثة السائلة، فموجة الهجرة التي يشهدها العالم حاليا أنزلتنا إلى واقع صعب وغريب ومشتت وهو واقع يتشكل يوميا ويشكل هوية جديدة لكنها هوية معولمة تصنع خارج الهوية المحلية المسيجة بقيم مؤسسات التنشئة الاجتماعية التقليدية، إنها هوية سائلة تصنع هناك وفي مكان ما، وإن شئنا التدقيق في اللامكان، لاتبالي بتنوع القيم ولا باختلاف العادات والتقاليد تهدف إلى هندسة مجتمعات مقولبة وسائلة بلا أصل وبلا تاريخ يقول باومان: ‹‹فالهجرة المكثفة في العصر الحديث ليست شيئا جديدا ولا حدثا فرديا، ولكنها في الواقع تأثير ثابت ومتواصل لنمط الحياة الحديثة بانشغالها الدائم ببناء النظام والتطور الاقتصادي تعمل هاتان الخاصيتان كمصانع بإمكانها إنتاج أشخاصا زائدين عن الحاجة، هؤلاء إما غير قابلين للتوظيف محليا أو مرفوضين سياسيا، وبالتالي مجبرون على التماس مأوى أو فرص حياة أفضل بعيدا عن أوطانهم››(26)

ويرى باومان أن أوروبا وعلى الرغم من كل تقاليدها التنويرية والكانطية والكوزموبوليتانية وصل خطابها السياسي إلى نقطة العداء الصريح تجاه الغرباء والمشردين من بقاع أخرى من العالم في تنكر معلن للقيم الإنسانية وتقوقع على الحدود الذاتية مع أن "الترحال والهجرة كانا أشبه بثوابت أنثروبولوجية على مر التاريخ البشري" كما يقول باومان، وفي ضوء ذلك يعرب باومان عن سخطه إزاء التنكر التاريخي الصارخ الذي يواجهه اللاجئون الهاربون من الحرب وأولئك المحرومون الذين يسعون إلى حياة أفضل، ووفقا لما ذهب إليه زيغمونت باومان فإن ذلك يدل على عمق مأزقنا المعاصر الذي يربطه باومان بهيمنة القيم الرأسمالية على وجودنا مستندا إلى رؤى من الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي(27).

وعليه فإن باومان يرصد أزمة تمر بها المجتمعات اليوم أسماها "النفايات البشرية" واعتبرها كأحد النتائج الوخيمة للرأسمالية، فالانتصار العولمي للرأسمالية أسهم بشكل من الأشكال في زيادة فائض البشر بلا انقطاع، ومن أبشع تبعات العولمة في نظره هو تحرير الحرب من القيود والضوابط وإضعاف سلطة الدولة، الأمر الذي جعل من الصراعات اليوم تنتشر بشكل مستمر، وهو ما يؤدي إلى فرار الأفراد خارج نطاق هويتهم ما عدا عنصر واحد وهو اللاجئ، على هذا الأساس يفقد الفرد وجوده الاجتماعي والأشياء الحاملة للمعنى؛ الأرض المنزل، الممتلكات... فباومان في حديثه عن الهوية يقدم مثال اللاجئين يقول: ‹‹ في الطريق إلى المخيمات يجرد الناس من كل عنصر فريد من هوياتهم ماعدا عنصرا واحدا ألا وهو اللاجئ "غير الشرعي" الذي لا وظيفة له، ولا مكان، ولا دولة له، فداخل أسوار المخيم يصير اللاجئون كتلة مضغوطة مجهولة، بعد ما حرموا من المزايا الاجتماعية الأساسية التي تستمد منها الهويات...فتلك المخلوقات المنجرفة المنتظرة لا تملك سوى حياتها العارية...››(28)، فلا يبقى سوى الجدران، والأسلاك الشائكة، والبوابات المحكمة والحراس المسلحين، وبين كل ذلك تتحدد هوية اللاجئين، بل تنتهي آمالهم في الحق بتعريف الذات فمشكلة اللاجئ تتبدى أنه في المكان ولكن ليس منه، وسيبقى ينظر إليه كدخيل وغريب لا ينتمي للمكان، يقول باومان: "...دعوني أكرر: إن من يسكنون مخيمات اللاجئين، لا يمكن أن يعودوا إلى حيث أتوا، فالبلدان التي تركوها لا تريدهم أن يعودوا...فلا أمل في العودة ولا طريق إلى الأمام، فما من حكومة ترحب بتدفق ملايين النازحين والمشردين...فالمخيمات التي أقيمت على أنها مخيمات مؤقتة تتحول إلى دائمة، فإذا أصبح المرء لاجئا فإنه يصير لاجئا إلى الأبد،"(29)، إنهم حالات يستعصي وصفها وتعريفها بالمصطلحات المعتادة التي نسرد بها الهويات البشرية، إنهم التجسد الحقيقي لما أطلق عليه "جاك دريدا" ‹‹ الحالات المبهمة التي يستعصي البث فيها›› (Indécidables)، فهم ليسوا مجرد منبوذين، بل إنهم خارج طوق الفكر(30)، وبالتالي تصبح هذه الفئات المهمشة في مجتمع الحداثة الغربية تعاني من غياب ما يعرف بـ "الهوية"، هوية تحدد مكانتهم ضمن الشعوب.

ونأخذ مثال على ذلك بما حل ببلادنا العربية في الآونة الأخيرة لندرك أن مشكلة اللاجئين تتجاوز في أثرها الحيّز المحلي لتمتد إلى كافة أنحاء العالم. فالدول المتقدمة التي تدخلت في إدارة الصراع والثورات بما يخدم مصالحها بالدرجة الأولى، قد ساهمت في ارتفاع معدلات اللاجئين بعد ما يسمى بـ «الحرب على الاٍرهاب» في سوريا والعراق وأفغانستان قد تأثرت بقضية اللاجئين، ما إن يعبر هؤلاء حدود بلدانهم الأم ــــــ حتى يتوقفون عن كونهم مواطنين ويغدون لاجئين ويفقدون كل حقوق المواطنة ويكتسبون لا إراديا وضع " اللاموجود" فمشكلة اللاجئ تتبدى في أنه في المكان ولكن ليس منه، وسيبقى ينظر إليه كدخيل وغريب لا ينتمي للمكان!(31)

ويكفي أن نفكر في الأزمة السورية وأن نشاهد سيل الصور التي يتداولها الإعلام، إذ تجهد كثير من القوى لـحل المسألة السورية، لندرك أن عبور الحدود بات أمرا منقذا للحياة ولو مؤقتا حتى وإذا كانت المخيمات هي كل ما ينتظر اللاجئين على الضفة الأخرى وبينما يمثل السوريون النسبة الأكبر من اللاجئين حاليا، فإن الكثير من شعوب دول العالم الثالث مازالت تمثل عددا كبيرا منهم كذلك بمعنى أن ما يسود المشهد اليوم هو إرث الحداثة الغربية السابقة معطوفا على المزيج السام من النظام الاقتصادي الرأسمالي، والرغبة في السيطرة إنه الجانب الاستبدادي لأنظمة العالم الثالث الذي يسحق شعبه ويدفع بناسه إلى قارب يمكن أن ينقلب في أقل من نصف ساعة، لكن حتى في مثل هذه الأزمات لا تتحقق المساواة فبينما يفر الرجال والنساء من الحروب الأهلية والأوضاع الاقتصادية المريعة، والتعذيب الجسدي، والاعتقالات العشوائية والقتل الجماعي على النساء أن يواجهن خطرا مضاعفا وفي أثناء الهرب من نظام مستبد في ظل كافة التبعات التي تنجم عن ذلك، يضاف إلى النساء بعد آخر يستدعي الهروب، وهو كل الأهوال التي تقع عليهن لمجرد كونهن نساء يفضي هذا البعد الجندري إلى احتمالية المعاناة من الاغتصاب والتحرش الجنسي، والزواج القسري، والإجهاض القسري. إلخ(32).

ـــــ وكتب باومان يقول:" تعزل الرموز الثقافية عن الخيط الشامل وتنسج الهويات المختلفة فالصناعة الذاتية المحلية المتمايزة تصبح علامة محددة تحديدا شاملا للقرن العشرين المتأخر... وتحتم الأسواق الشاملة الخاصة بالمواد الاستهلاكية والاستعلامات اختيار ما يجب امتصاصه من أجل إعداد علامات رمزية للعلامات الخاصة بالهويات المضمحلة والمبعوثة، والتي من شأنها أن تقتلع الشخصية من جذورها وقد انغرست في المجتمع الشامل في هذه المرة ليست هي البلسم المضاد للعولمة، وإنما هي إحدى نتائجها الشاملة التي لا محيد عنها إنتاجا وشرطا"(33).

وبالتالي فالعولمة أخرجتنا من هويتنا الصلبة المسيجة بالأعراف والتقاليد والقيم المتوازنة واستطاعت أن تصنع لنا هوية سائلة لا تعترف بالثبات والقيم والأعراف، هوية يتداخل فيها الصراع ما بين الأنا والآخر، وعليه يجب تحقيق التكامل بين الأنا والآخر من أجل تحقيق وحدة الإنسان في إطار احترام التعدد والاختلاف، والاعتراف بخصوصياته التي تميزه وكذلك الاعتراف بهويته فالهوية مطلب إنساني وشرط صميم لبقاء الوجود الإنساني.

3- الحب السائل وهشاشة العلاقات الإنسانية:

‹‹ إن الإنسان لا يعرف الحب بصورة أكبر عن طريق التنقل بين العلاقات، ولا يصبح خبيرا في الحب بتعدد علاقاته، فهذا التنقل بين العلاقات لن يختبر الحب إلا كمجموعة أحداث منفصلة صادمة وهشة ولن يزداد معرفة بالحب››/ زيغمونت باومان- الحب السائل.

- غيرت الحداثة صورة المجتمعات المعاصرة، وأحد الجوانب التي شهدت التغيير هي العلاقات الإنسانية ويرى باومان أن ما يحكم العلاقات في المجتمع الحديث السائل هو التعامل مع العاطفة بالتعامل نفسه الذي نتعامل به مع السلعة فهو عالم من الصلات العابرة التي يمكن الاستغناء عنها كأي منتج تم استهلاكه، فكل الروابط التقليدية الثابتة قد فقدت سيطرتها ولم تعد مرغوبة(34)، معناه أن الروابط الثابتة والممتدة في الأسرة، والطبقة الاجتماعية والدين، والزواج، وربما حتى الحُب لم تعد حقيقية أو مرغوب فيها كما كانت من قبل.

وفي زمننا هذا، يرى باومان أن الاستهلاك قد تجاوز فكرة السلعة المادية إلى استهلاك العواطف والعلاقات الإنسانية وتكنولوجيا التواصل، بالصورة التي أثرت كثيرا على معاني الحياة والحب والأخلاق، وبالطريقة التي جعلتنا مراقبين باستمرار بسبب استهلاكنا النهم للتكنولوجيا الحديثة، مما أدى إلى سيولة الخوف تحت وطأة الاستهلاك والقلق مما يخبئه الغد، وأنتج لنا اضطرابا أخلاقيا أصبح معه الشر مبررا حتى من جانب الدولة(35).

هذا التحديث المتتالي وذلك الاستهلاك المستمر قد تسبب في حالة من الفردية طغت على أهمية الجماعة، فأصبح كل فرد يواجه الحياة بمفرده، فأضحى المجتمع عبارة عن جماعة تواجه مشاكلها بشكل فردي، كل فرد على حدا، فأصبحت التجمعات البشرية في الحفلات والمعارض والمنتجعات السياسية والمراكز الرياضية، تجمعات صاخبة تخلو من أي علاقات إنسانية بل هي علاقات سطحية استهلاكية أو بلغة عبد الوهاب المسيري(36) علاقات تعاقدية تقوم على ممارسة اللحظة الحاضرة واستهلاكها دون الاهتمام بتكوين روابط حقيقية.

وهذا ما يوضح مدى هشاشة العلاقات الإنسانية، وكيف دمرت كل ما تتسم به العلاقات الوجدانية من عفوية وتلقائية عاطفية فكل الروابط التقليدية الثابتة قد تفككت وغدت مجرد علاقات موضوعية بلا معنى.

كما يتطرق باومان لسيطرة العوالم الافتراضية على عالمنا الحقيقي، وكيف أن العلاقات في الواقع أصبحت تقاس بمقاييس الواقع الافتراضي، أي أن ضغطة زر واحد على "حذف" أصبحت تستعمل في الحياة الحقيقية كتعبير عن سرعة إنهاء العلاقات وكأنها لا شيء وكذا تسرب الملل إلى الحياة الزوجية عما مضى بسبب استشراء معاني الاستهلاك داخل النفوس بالبحث الدائم عن اللذة الفورية قصيرة الأجل، ففي ظل تنامي السيولة في كل شيء، وتحول "المجتمع" إلى مجرد "تجمع بشري"، تحول هذا الإنسان من "وضوح العلاقات الاجتماعية" إلى "غموض الصلات العابرة"(37)

إن العلاقات العابرة في ضوء الحداثة السائلة، سعادة حالمة بلا روابط، سعادة لا تخشى الآثار الجانبية وتتناسى تبعاتها، سعادة تخاطب المستهلك قائلة: "إن لم يحقق لك المنتج الرضا الكامل، يمكنك رده واستعادة نقودك كاملة"، إنها أكمل تجسد للحرية من منظور الممارسة السائدة للمجتمع الاستهلاكي.

وفي ظل هذا تنمو العلاقات الافتراضية وهي على عكس العلاقات الحقيقية، حيث يمكن خوض العلاقات الافتراضية بسهولة كما يمكن التنصل منها بسهولة. تبدو العلاقات الافتراضية ذكية وسريعة، بالمقارنة مع العلاقات الحقيقية الثقيلة، التي تتحرك ببطء ويتطلب الخروج منها الكثير من الجهد كما أنها لا تخمد بسهولة.

لقد كبرت العلاقات على الانترنت عبر مواقع المواعدة على حساب الأشخاص، الأماكن التي قد تجمعهم بشريكهم والأعمدة التي تتحدث عن الحب في المجلات والصحف، لكن تبقى ميزة العلاقات الافتراضية كما وصفها أحدهم: “يمكنك دائماً أن تضغط زر الحذف (Delete)(38).

خلال هذه العلاقات الافتراضية يكون التواصل عبر الموبايل ووسائل التواصل الاجتماعي هو الحالة النموذجية للعصر السائل الذي نعيشه، فالعلاقة مؤقتة وليست مبنية على الالتزام والاستمرار.

بالإضافة كذلك إلى أن الانسحاب التدريجي للدور الاجتماعي للدولة، ضد عجز الأفراد  قد جرد الفعل الجمعي من كثير من سحره السابق، وهكذا فإن مفهوم المجتمع بوصفه الرابطة الكلية التي تجمع أهل البلد في أرض الدولة السيادية يبدو كلمة جوفاء إلى حد كبير، وهكذا صارت الروابط الإنسانية هشة إلى حد كبير ومؤقتة، ولذلك صار المجتمع أقرب إلى الشبكة منه إلى رابطة كلية صلبة(39)، فباومان يشرح لنا الدرجة التي وصل إليها المجتمع من تهاون في حق الحب الحقيقي،  وعليه أصبحت العلاقات طويلة الأمد في هذا العالم مملة، ويضرب باومان مثالا على ذلك بالملل من العلاقات الزوجية فمن قبل كانت بعد سبع سنوات من بدايتها أما الآن فالملل يبدأ بعد ثمانية عشر شهرا أو سنتين على الأكثر، ويقول في هذا السياق: "...العقلية قصيرة الأمد التي جاءت لتحل محل العقلية طويلة الأمد، فالزيجات القائمة على مقولة تعاهدنا ألا يفرقنا إلا الموت صارت، موضة قديمة تماما، وصارت عملة نادرة فلم يعد الشريكان يتوقعان البقاء معا طويلا..(40)، فلا وجود للالتزامات الدائمة في هذا العصر الحديث السائل فالوعد الوحيد الذي يقطعه انسان الحداثة السائلة هو البقاء في حركة دائبة مع سرعة هذه الحركة، إذن فالميوعة والهشاشة مست كل شيء حتى العلاقات الإنسانية وتم فقدان الاستقرار.

ثالثا- القيمة الإبستمولوجية لأطروحة باومان:

1- قيمة أطروحة باومان في فهم الإنسان للواقع المعاش:

تمثل أعمال باومان في مجموعها منظومة نظرية فلسفية نقدية متكاملة لفهم تجربة الوجود الإنساني في القرن العشرين قد توازي في أهميتها المشروع الهيغلي المهم في بناء تصورنا للعالم كما كان في القرن التاسع عشر، وهو إن لم يقدم برنامجا لتغيير العالم فإنه دون شك تجرأ على وضع الواقع المعاصر أمام قفص الإتهام ناقدا كل مراحل التجربة الإنسانية من الحداثة وزمن اليوتوبيات الكبرى إلى فترة خلو العرش على حد تعبيره، وهي فترة تعطلت فيها الممارسات القديمة فلم تعد تصلح فيها أنماط العيش الإنساني المشترك. بالإضافة إلى أن ما يميز أسلوب باومان أنه أسلوب موسوعي بامتياز من خلال طرقه للأبواب المختلفة من أجل فهم الدور الذي تلعبه الحداثة في الحياة المعاصرة، وهذا ما يتجسد في أعماله المتعددة حول الهولوكوست والحرية والعولمة والطبقة العاملة والحب والهجرة...إلخ، فكل هذه الأبواب التي يطرقها تؤدي إلى نفس الإتجاه في فهم الواقع الاجتماعي من منظوره الخاص، فهو غير ملتزم بمدرسة فكرية واحدة في تحليلاته، يقول: ‹‹ كنت أسعى للحصول على إجابة على نفس الأسئلة طوال الوقت، وإذا لم أجد ذلك أخذت الأسئلة معي››(41)، معنى هذا أن باومان يعتمد في تحليلاته على مجموعة متنوعة من التخصصات والمصادر والأفكار ذات الطابع الاختياري بدلا من أن يحتكم إلى توجه نظري معين فهو وبلا شك من السوسيولوجيين الموسوعيين بامتياز في مجال العلوم الإنسانية، فمن أكثر ما يميز باومان هو قدرته الباهرة على التحليل، وذلك من خلال ربطه التوجهات النظرية في علم الاجتماع بنظيرتها في الأدب، الفلسفة، والتاريخ، ثم يفسر من خلال تلك التوليفة ما يحدث في العالم من حولنا، فلقد قدم لنا تحليلا حيا ودقيقا للوضع العالمي المعاصر، فالنص الباوماني يملك من القدرة التفسيرية ما يجعله مناسبا لفهم وتحليل تحولات كثيرة يمر بها عالمنا، وقد صنف بعض المختصين والباحثين في علم الاجتماع باومان خارج حدود التخصص وتلقيبه بـ "الفيلسوف الاجتماعي"، فلقد عايش باومان بشكل مباشر العديد من أحداث الرعب في القرن العشرين والتي لونت بدورها طريقة رؤيته للعالم، وتأتي أعماله بمثابة رسالة من القرن العشرين لجيل القرن الحادي والعشرين من خلال تفسيره وتحليله للأزمة الحالية العالمية وبالتالي تزود كتابات باومان المتابع لها بقدرة أعمق على التعامل مع الواقع وبناء رؤية وموقف اتجاهه.

زيادة على ذلك نجد هبة رؤوف عزت في مقدمتها لكتاب "الحداثة السائلة" تشير إلى أن سلسلة كتب باومان تقع ضمن ما نسميه ‹‹فقه الواقع›› الذي يتعرض لمسألة فقه الحداثة ومنطلقات فهمها وتجليات منظومتها في الواقع الذي نعيشه، فباومان يقترب من الحداثة بصيغها الحداثية ويجد القارئ نفسه مستوعبا الظاهرة التي يقرأ عنها ويدرك أنه في داخلها ولا يعني ذلك أن أفكار باومان تعينه على فهم ما يعيشه من مشكلات وما يواجهه من تحديات فحسب بل تساعده على بناء فهم نقدي لمساراته الشخصية الراهنة(42).

وعليه فإن مؤلفات باومان والتي ترجمت إلى العديد من اللغات بما في ذلك اللغة العربية تشكل حاجة ملحة في فهم الواقع الاجتماعي الذي نعيشه اليوم من تحولات وتغيرات اجتماعية واقتصادية تقول هبة رؤوف عزت في مقدمة كتاب الأزمنة السائلة:‹‹ فكتابات باومان ليست إعادة انتاج ميكانيكية للأفكار، فقد غدت الكثير من الكتابات الأكاديمية والفكرية مجرد تكرار وإعادة تدوير لما قاله الآخرون، لكن كتاباته كاشفة ومهمة لأنها تبين لنا ملامح الوجود في زمن التحولات ودلالة السيولة وآثارها التي نعيشها كل يوم وتساعدنا على الخروج من وهم المأساة الفردية إلى رحابة النظر الأوسع، وتعيننا على استعادة الوعي بفلسفة الزمن واقتراب الوقت بالمنطق الحاكم وبالنظم الحاكمة وهي أول خطوة للتفكير الجمعي في حلول مختلفة، وفي صيغ تاريخية للمقاومة››(43).

2- المشروع الفكري لزيغمونت باومان:

إن إمكانية التفكر في نصوص زيغمونت باومان تدفع كل باحث في أن يستحضر الأفكار والتحليلات النظرية التي عمل عليها باومان حول اشكالية الحداثة وما بعد الحداثة، هذه الأخيرة تمثل أهم مشروع فكري نقدي بدأه باومان منذ أواخر الثمانينات من القرن العشرين ومنذ ذلك الحين وهو يسعى إلى بلورة رؤية شاملة للحداثة وما بعد الحداثة وفق أفق الجغرافيا الغربية.

وتمشيا مع هذا الطرح، فإن ما يميز سوسيولوجيا باومان وتحليلاته ذات الطابع الاستثنائي والتي تتميز بقدرتها المخصوصة على الكشف عن ملامح المجتمع المعاصر في زمن التحولات وآثار السيولة على الفرد والمجتمع معا، فكتابات باومان تعيننا على استعادة الوعي بفلسفة الزمن الراهن، وهي أول خطوة لتأسيس تفكرية جديدة للتفكير الجمعي وفق أفق العيش الإنساني المشترك.

ويتمثل المشروع الفكري لباومان في تقوية التماسك الاجتماعي فهدف باومان في أطروحته يتمثل في خلق وجود اجتماعي يمكن للأشخاص العقلانيين والمتحررين من ممارسة حريتهم بطريقة خلاقة وأراد أن يشجع عملية الحوار داخل المجتمع المدني فكان أمله أن يعمل المثقفون أمثاله على تشجيع الأفراد العاديين للقيام بمشاركة قوية ونشطة في جعل المجتمع أكثر حرية وأكثر مساواة وأكثر عدالة.(44)

- وعليه فإن نقد باومان ليس مجرد نقد سلبي ارتكاسي، وإنما يوجه الإنسان الحديث، إلى أهمية تقوية التماسك الاجتماعي، وخلق وعي اجتماعي وإعادة الاعتبار للمسؤولية الاجتماعية في مقابل الفردية المنكفئة على ذاتها، إن التحرر من ثقافة الانكفاء على الذات، والتمركز حول الجسد، والاستغراق في الاستهلاك، لا يكون إلا بإحياء المجال العام، وتقوية التفاعل الاجتماعي،(45)

إن المشروع الفكري لباومان يشكل نافذة مطلة على الوضع الإنساني الراهن فيما يتعلق بآفاق أنسنة العالم البشري وجعله أكثر رحابة وقبولا للإنسانية، فباومان ليس متشائما بصفة مطلقة فهو يرى أنه ورغم انتصار الفردانية المفككة فإننا نسعى إلى انقاذ وجودنا الفردي المميز، ما يعمل على تكوين ذات فاعلة حرة ومحط الرهان في هذا هو الحوار والتواصل، فمادام الإنسان انسانا فالأمل مستمر، يجب على الإنسان أن يتذكر انسانيته.

- غاب زيغمونت باومان حقا، عن عالمنا لكن مشروعه الفكري سيبقى دون شك دليلا علميا لكل من يتصدى لمهمة تفكيك وفهم تحولات الأزمنة وتقلبات التاريخ خلال العقود المقبلة، وبهذه المقاربة النقدية لأطروحة باومان نكون قد لمسنا ولو القليل مما تطرق إليه باومان في نقده للحداثة الغربية، بالرغم من أنه مازال الكثير الذي لم يدون عنه، وما ذكرناه هنا هو نقطة من بحر ما قدمته أعماله.

خـلاصـــات:

من كل ما سبق يمكن استخلاص ركائز المشروع الباوماني فيما يلي:

1 - إن المحور الرئيسي في فكر زيغمونت باومان هو حال الإنسانية في تقلبها بين أطوار الحداثة.

2- عمل باومان على شرح الحداثة الغربية عبر مسيرتها وانتقالها من مرحلتها الأولى المتميزة بالصلابة إلى زمنها الثاني المتسم بالسيولة وسرعة التغير، فانتقلنا من زمن الارتباط الى زمن فك الارتباط، إذ أصبح التفكك والانقطاع من السمات العادية في حياتنا وهو نتيجة حتمية لعمليتي الإذابة والتمييع التي تركت بصمتها على كل شيء حتى على العلاقات الإنسانية.

3 - الحداثة في هذا المسار أحالت كل المواد الصلبة في طريقها إلى سائلة، بفعل دعوتها إلى التحرر من الماضي والدين والمقدس لكنها في الوقت ذاته كانت قادرة على خلق مواد أكثر صلابة، وهنا كان مبعث المشروع النقدي لدى باومان، ورافق هذا الانتقال من الصلابة إلى السيولة، انتقال المجتمع من المجتمع المنتج إلى المجتمع المستهلك كنتيجة لقلب القيم (الدوام والزوال) ما مس الكثير من أسس الحياة.

4 - وفي ذات المسار أصبح لكل شيء عمر افتراضي، وغير متماسك حتى الهويات والتي غدت متغيرة وباستمرار تماشيا مع روح العصر فأصبحنا أمام هوية مصطنعة إضافة إلى أن الحداثة ساهمت في تغيير المفاهيم هذا القلب في المفاهيم والتغيير في الكثير من الأسس جعل العلاقات الاجتماعية تدخل السيولة، فغدت مجرد "علاقات استهلاكية" وعابرة تفتقر للأبدية.

5- ومن أهم نتاِئج الحداثة السائلة كذلك انتشار الخوف وعدم توفر الأمان، وهم مزمن هشاشة، غياب الشعور بالوحدة الإنسانية، افتقار أدوات وجود انساني مشترك.

6- وبناءا على ما تم عرضه وتحليله من موقف زيغمونت باومان من الحداثة الغربية ومآلاتها الكارثية على الإنسان يمكننا القول إجمالا بأن فكر باومان يشكل نافذة مطلة على العالم المعيش، لما تضمنه مشروعه من جدة في الطرح، وإبداع للمفاهيم، وما زاد فكر باومان تألقا وخصوصية، هو راهينته لكل ما يعانيه الفكر الإنساني المعاصر من أزمات وتلمسه لموضوعات العصر بعين فاحصة، فبارمان يصف أمراضنا المجتمعية بدقة وعمق ويعرض أفكارا شديدة الجدة والأصالة والأهمية لفهم وضعنا الراهن في عصر السيولة على حد تعبيره.

- لكن كيف يمكننا الخروج من هذا التفكك للعيش الإنساني المشترك؟ وكيف يمكن استرداد إنسانية الانسان؟ وأي مسلك ابستمولوجي يمكن أن نسلكه للخروج من هذا المأزق الأنطولوجي في ضوء مساءلة باومان النقدية للحداثة الغربية؟

 

الزهرة قني  - ماستر فلسفة

.................................

(1) زيغمونت باومان: هو مفكر وعالم اجتماع بولندي من مواليد 19 نوفمبر 1925م ببولندا، وتوفي في: 9 جانفي 2017م لأسرة يهودية فقيرة استقر في انجلترا بعد ما تم طرده من بولندا عام 1971م بتهمة معاداة السامية، يجمع الكاتب بين علم الإجتماع والفلسفة ويحذو حذو ‹‹مدرسة فرانكفورت›› في نقدها للحداثة وهو صاحب الإشتقاق الإصطلاحي "للحداثة الصلبة" و"الحداثة السائلة"، والذي يظهر من خلال عناوين كتبه، بروفسور علم الإجتماع في جامعة ليدز (ومنذ عام 1990م أستاذ متقاعد) عُرف باومان بسبب تحليلاته للعلاقة بين الحداثة والهولوكوست، وأيضاً ما يتعلق بالمذهبية المادية (الاستهلاكية) لما بعد الحداثة.

(2) زيجمونت باومان، الحداثة السائة، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2016م) ص27.

(3) أنديرا مطرا، عصر "الحداثة السائلة": أفول الإنسان العمومي، القبس الإلكتروني، 31 ديسمبر 2017م.

(4) جاك دريدا ( Jacque Derrida): (1930 2004م) فيلسوف فرنسي وناقد أدبي يمثل الجيل اللاحق للبنيوية Post Structuraliste، أي الجيل الذي استفاد من البنيوية ولم يقبلها كلية، ورفضها ولم يتخلص منها كلية أيضا عرف دريدا عبر مصطلحه الشهير ‹‹التفكيكDéconstruction ‹‹ ومن ثمة عرفت فلسفته بالتفكيكية، ومن أهم مؤلفاته of Grammatology أو "في علم الكتابة" وWriting and Difference أو "الكتابة والإختلاف".

(5) نادية هناوي، الخلخلة والفكفكة بين زيغمونت باومان وجاك دريدا، لندن، صحيفة القدس العربي، 5/4/2018م.

(6) مقدمة هبة رؤوف عزت، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص11.

(7) زيغمونت باومان، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، تر: سعد البازعي وبثينة الإبراهيم (أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، ط1، 2016م) ص197.

(8) عارف عادل مرشد، الحداثة السائلة كبديل عن ما بعد الحداثة عند زيغمونت باومان، أفكار ص 60.

(9) سعد القصاب، زيغمونت باومان مفكر يرى العالم ليس كما نراه، لندن، صحيفة العرب، 31/12/2016م، العدد 10500.

(10) المرجع نفسه

(11) جان فرانسوا ليوتار(1924 1998م): فيلسوف وعالم اجتماع ومنظر أدبي فرنسي اشتهر بأنه أول من أدخل مصطلح ما بعد الحداثة إلى الفلسفة والعلوم الاجتماعية وعبر عنها في اواخر سبعينيات القرن العشرين، كما حلل صدمة ما بعد الحداثة على الوضع الإنساني. وساهم مع كل من جاك دريدا وفرانسوا تشالي وجيل دولوز في تأسيس المعهد العالمي للفلسفة.

إسهامه الرئيسي في الفلسفة هو نقده للحداثة وكتابته عن سقوط الأيدولوجيات الكبرى التي يسميها السرديات الكبرى ومن خلالها ينتقد فكرة التنوير نفسه، لأن كل هذه الأيدولوجيات من نتاج التنوير وكلها كان لها هدف واحد هو التحرر وتحقيق سعادة الإنسان ولكن يرى ليوتار أنها سقطت وفشلت فشلاً ذريعا، ويدعوا للخروج من هذه الحداثة التي أدت للهولوكوست، وهيروشيما وناجازاكي.

(12) زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص49.

(13) يسرى وجيه السعيد، مصطلح السيولة المعاصر وارتداداته عند زيغمونت باومان، مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث، ديسمبر 2016م.

(14) زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص88.

(15) زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص 33.

(16) حيدر الجراح، مركز الإمام الشيرازي يناقش الخوف من الآخر بين العزلة والإنفتاح، ملتقى النبأ الأسبوعي، 19 04 2018م.

(17) زيغمونت باومان، الحياة السائلة، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2016م) ص15.

(18)ـــ زيغمونت باومان، الأزمنة السائلة، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2016م) ص39.

(19)ـــ أولريش بيك، مجتمع المخاطر العالمي: بحثا عن الأمان المفقود، تر: علا عادل وهند إبراهيم (القاهرة: المركز القومي للترجمة،2013)، ص32.

(20)ـــ زيغمونت باومان، الخوف السائل، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1، 2017م) ص12.

(21)ـــ زيغمونت باومان وديفيد ليون، المراقبة السائلة، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ط1 2017)، ص 20.

(22)ـــ مقدمة هبة رؤوف عزت، الخوف السائل، مصدر سابق، ص16.

(23)ـــ زيغمونت باومان وليونيداس دونسكيس، الشر السائل، تر: حجاج أبو جبر (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر ط1، 2018م)، ص21.

(24)ـــ أنتوني غيدنز، عالم منفلت: كيف تشكل العولمة حياتنا، تر: محمد محي الدين (القاهرة: دار ميرية، د ط،2005) ص17.

(25)ـــ محمد سالم سعد الله، (مدرسة فرانكفورت: النظرية النقدية وفلسفة النص)، مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية سطيف، العدد09،20ـ20م، ص168.

(26) نورا حلمي، زيجمونت باومان: أزمة اللاجئين هي أزمة الإنسانية، 14 03 2019م

(27) إبراهيم قعدوني، زيغمونت باومان يرصد انحراف البوصلة الأخلاقية لأوروبا، العرب، الأحد 08 07 2018م.

(28)ـــ زيغمونت باومان، الأزمنة السائلة، مصدر سابق، ص61.

(29)ـــ زيغمونت باومان، الأزمنة السائلة، مصدر سابق، ص 60.

(30) المصدر نفسه، ص ص66 67.

(31) رائدة نيروخ، كتاب الأزمنة السائلة: حين تموت المرجعيات الكبرى، إضاءات، 20 02 2019م ttps://www.ida2at.com/liquid times book

(32) شيرين أبو النجار، مأزق ما بعد الاستعمار: التفاوض أم الرفض؟، مجلة الأبحاث الجسد والجندر، مجلد2، عدد2، 2016م، ص ص220 221.

(33)ـــ أولريش بيك، ماهي العولمة؟، تر: أبو العيد دودوا (بيروت: منشورات الجمل، ط2،2012م)، ص98.

(34) هبة رؤوف عزت، من مقدمة كتاب الحب السائل لزيغمونت باومان، مصدر سابق، ص18.

(35) سامح عودة، مجموعة السوائل طريقك إلى نظرية باومان في علم الاجتماع، https://midan.aljazeera.net/intellect/sociology/2018/1/22

(36) عبد الوهاب المسيري (1938 2008م ): مفكر وعالم اجتماع مصري وهو مؤلف موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية أحد أكبر الأعمال الموسوعية العربية في القرن العشرين، ونلمح أثر زيغمونت باومان في رؤية عبد الوهاب المسيري للحداثة العلمانية من خلال الرؤية النقدية للحداثة الغربية، حيث نجد الدكتور عبد الوهاب السيري وجه بدوره سهام النقد للحداثة الغربية، فعادة مايشير المسيري إلى باومان في مقدمة مؤلفاته: ( العلمانية الشاملة والعلمانية الجزئية اليهود واليهودية والصهيونية) ويشيد بدوره في تشكيل رحلته الفكرية، يقول في ذلك الدكتور والناقد الأدبي حجاج أبو جبر في مقدمة كتاب "الحداثة السائلة": ‹‹... ربما يكون عبد الوهاب المسيري هو أول بحار التقط الزجاجة المغلقة وأخرج الرسالة، وقرأها واستوعبها، وصاغ منها النماذج التفسيرية الأساسية في نقد الحداثة الغربية وتحولاتها في مرحلتي الصلابة والسيولة، وتبدأ الحداثة الغربية بما يطلق عليه المسيري: "العقلانية المادية الصلبة القديمة" أو " الحلولية الكمونية الواحدية المادية الصلبة" وتنتهي بما يسميه: "اللاعقلانية المادية السائلة الجديدة" أو "الحلولية الكمونية الواحدية المادية السائلة ››، كذلك يتتبع حجاج أبو جبر أثر زيغمونت باومان في رؤية عبد الوهاب المسيري للحداثة الغربية من خلال مقارنته بين كتاب المسيري" الصهيونية والنازية ونهاية التاريخ" (1997م) وكتاب "الحداثة والهولوكوست" الذي صدر عام 1989م لمؤلفه زيغمونت باومان، كما نوه به في مقدمة موسوعته "اليهود واليهودية والصهيونية": نحو نموذج تفسيري جديد"(1999م)، واعتبر أعماله من أهم الكتابات التي شكلت مرجعيته الفكرية ومقولاته التحليلة.

(37) سامح عودة، مجموعة السوائل طريقك الى نظرية باومان في علم الاجتماع، مرجع سابق.

(38) قراءة في كتاب "الحب السائل، عن هشاشة الروابط الإنسانية"، دراسات وتقارير، في دائرة الضوء، 27 سبتمبر 2016م،

https://www.lahaonline.com/articles/view/51165.htm

(39) ـــ زيغمونت باومان، الأزمنة السائلة، مصدر سابق، ص26.

(40)ـــ زيغمونت باومان، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص215.

(41) عبد الإله فرح، زيجمونت باومان والسوسيولوجيا، مؤمنون بلا حدود للأبحاث والنشر، نوفمبر 2017م.

(42) مقدمة هبة رؤوف عزت، الحداثة السائلة، مصدر سابق، ص11.

(43) من مقدمة هبة رؤوف عزت، زيغمونت باومان، كتاب الأزمنة السائلة، مصدر سابق، ص23.

(44) عبد الإله فرح، زيجمونت باومان والسوسيولوجيا، مرجع سابق.

(45) مقدمة هبة رؤوف عزت، زيغمونت باومان، الحياة السائلة، مصدر سابق، ص 18.

 

علي محمد اليوسفتقديم: يعتبر وعي الذات مبحثا فلسفيا كلاسيكيا مجمعا على تناوله لدى العديد من الفلاسفة على امتداد عصور طويلة، لما له من أرتباط وثيق بالانسان كوجود عاقل مفكر ناطق، وأرتباط وعي الذات أيضا في التخارج مع الموضوع جدليا، وعلاقتهما الاثنين (الوعي والموضوع) باللغة كتعبير عن عالم الموجودات الخارجي.

ان وعي الذات (الخالص) الذي أشار له سارتر هو وعي (بذاته)، وفي التعبير الفلسفي الفينومينولوجي (نومين/ وجود في ذاته)، وفي هذا النوع من الوعي الانساني يلازمه أستحالة أدراكية للعقل لا يمكن الانسان بلوغها في ادراكه ماهيته الذاتية وكذا معرفته ماهيات الاشياء والموجودات غير المدركة وليس صفاتها المدركة فقط ، فالموجودات في الطبيعة بذاتها لا يستطيع الانسان أدراك ماهياتها انطولوجيا،، ولا تمتلك هي (وعيا بذاتها)، بمعنى أنها ثوابت تحمل ماهاياتها وصفاتها وظاهرياتها معا، ولا يمكن التأثير فيها خارجيا أو تحريكها أو التفاعل معها بوعي مشترك متبادل متخارج معها أنسانيا وغير انساني،،، لذا فهي (وعي بذاته) مكتسب كل الاستقلالية عن الآخر من نوعه في العالم الخارجي للموجودات ماعداالانسان كوجود نوعي متعايش معها،، الوجود بذاته يكون خارج مدركات الانسان العقلية..

والموجودات التي تنطبق عليها مقولة كانط (موجودات بذاتها) تتصف في عدم وعيها لذاتها من جهة، ولا تعي أدراكها الطبيعة من حولها من جهة أخرى،، بخلاف الانسان الذي يعي وجوده الذاتي ويعي موجودات الطبيعة من حوله،، وفي مثل هذا النوع من الوجود(بذاته) لا قيمة أنسانية تتمثل فيه بل تكون قيمة الموجودات (بذاتها) تتمثل في أهمية أدراك الانسان لها في وجودها الظاهري كصفات خارجية فقط وليس كجواهر ماهوية ساكنة بذاتها غير بائنة حسّيا ويتعّذر أدراكها عقليا.

والوعي في ذاته أو بذاته بالنسبة لموجودات الطبيعة غير الانسان، هو الموجود الذي لا يعقل غيره أو لاحاجة له بذلك، ولا يمتلك قدرة تغيير الاشياء والموجودات من حوله أو تبادل الادراك المتخارج معها...وهذا النوع من الوعي الوجودي بذاته المغيّب يمكننا أعتباره وجودا أفتراضيا لموجودات الاشياء يلازم وعي الوجود الانساني الذي يتوفر على طبيعة نوعية في وعي الوجود المتخارج مع الموجودات....بمعنى الوجود بذاته في الموجودات هو موضوع متحقق مدرك أفتراضا حدسيا ولا يطاله الادراك الانساني حقيقة قصديا في ماهيته وجوهره من قبل الموجود لذاته (الانسان) ولا يتبادل الادراك معه...كون موجودات الاشياء لا تعقل ذاتها ولا تدرك الانسان في تعالقه معها ولا تستطيع مجاراته بأدراكها له كما يفعل الانسان معها ومع موجودات الطبيعة التي يرغب معرفتها..

سارتر و(الوعي الخالص)

الوعي (الذاتي الخالص) هو مقولة سارتر في تعريفه هذا النوع من الادراك الانساني الذي لا قدرة للانسان الفيزيائي بلوغه، فهو نوع من النشدان والطموح  المثالي الملازم في محاولة وصوله درجات من التسامي الصوفي الذي لا يحتازه ويمتلكه الانسان الطبيعي السوي، وهو وجود لا يتعيّن أدراكه بوعيه بذاته ولا وعي وجوده في تعالقه بوعي الآخرين لوجوده...وأمثلته نجدها في ظواهر طبيعية أوظواهر خارقة للطبيعة محدودة جدا.الوعي الخالص لا تمتلكه الموجودات غير العاقلة،، أما بالنسبة للانسان فهو وجود بذاته أيضا لا يتوفر عليه الانسان ولا يتمكن الافصاح عنه كمدرك موضوعي لغيره..

فالله وجود (بذاته افتراضا) وهو وجود ذاتي خالص يمتاز بأنه لا حاجة له في وعي الانسان أو الطبيعة به ولا يتحدد أدراكه الوجودي الايماني الغيبي بوعي الاخرين له ، وكذلك هو في غنى عن وعي الطبيعة في كل موجوداتها ومظاهرها وأشيائها كموجودات في ذاتها أن تدركه، فالطبيعة لا تمتلك وعيا أدراكيا تعرف به الله كما لا حاجة بها أن تعي الوجود الخالص غير المتعّين وغير المدرك انسانيا وتعجز عن ذلك كما هو عجز الانسان مثلها في أستحالة معرفته الوجود الذاتي الخالص للخالق الذي هو وجود مكتف بذاته،،،

وعي الانسان في ادراك ذاته والطبيعة

موجودات الاشياء بالطبيعة لا يمكنها أن تعي بعضها البعض الآخرفي تبادل أدراكي مثمركما في علاقة الانسان الادراكية معها.....لذا تبقى حاجة الانسان لوعي الطبيعة والاستفادة منها قائمة وضرورية، في حين تعجز الطبيعة أدراك ذاتها ولا تعي غيرها من الموجودات والكائنات فيها أو من حولها... أن وعي الذات الانسانية للطبيعة هو في أن يعقل الانسان وجوده وفي أن يعقل ويدرك وجود الموجودات والاشياء في الطبيعة وفي العالم الخارجي من حوله كموضوعات... والانسان يكون وعيه لذاته والاخرين من نوعه أو من غير نوعه كموجودات يتم بالتمايزالنوعي المفارق بينهم جميعا،،، وعي الذات أدراك أنساني لذاته كونه متعالقا وجودا ومتغايرا مفارقا مع وجوده (في – ذاته) الذي هو حالة من الوجود الذي لاقيمة حقيقية له سواء أدركه الانسان أم لم يدركه، لكنه بالنسبة لموجودات الاشياء في الطبيعة من غير الانسان يكون الوجود (بذاته) السمة الجوهرية السالبة الغالبة على وجودها الطبيعي كمدركات للعقل الانساني في وقت لا تعي هي (ذاتها) ولا تبادل الانسان أدراكه لها، والنومين أي الوجود (بذاته) في أشياء وموجودات الطبيعة هو ضرورة انطولوجية لها في أدراك الانسان لها كموجودات بصفاتها الخارجية فقط من غير معرفة ماهياتها، والوجود بذاته في موجودات الطبيعة من غير الانسان، أنما هو جوهر ملازم طبيعي أن تمتلكه الاشياء في الطبيعة الجامدة ولا يمتلكه الانسان ولا يسعى الانسان أمتلاكه لأن الموجودات بذاتها هي مواضيع أدراك العقل الانساني في صفاتها وليس في ماهياتها غير المدركة، لكن في تمايز الانسان عنها أن الانسان لا يكون موضوعا مدركا لها أي لموجودات الطبيعة....

- فالوجود بذاته -  حالة سلبية يتعذر على الانسان السوي نشدان تحققها ذاتيا في (أناه) فهي تقعده تماما عن أداء دوره ومهمته كفرد منتمي لمجتمع...والمدركات بذاتها في موجودات الطبيعة هي مواضيع للادراك العقلي الانساني على الدوام متفاعلا معها من حوله وفي حالة حركة دائبة مستمرة من التفاعل والتخارج معها،،،توجب على الانسان أن يكون جزءا منها ومعايشا لها في الطبيعة، لكنه مفارق ومتخارج معها متمايز في أدراكه لها في عجزها هي أدراكه.

كيف يعي الانسان نوعه والطبيعة

أن الانسان ذات وموضوع في وقت واحد،فكروتعبير،مادة وأدراك، يتبادلان الادراك ألتأثيري التناوبي التخارجي، فالانسان يدرك الموضوع ويعيه حسّيا وعقليا، ويتناوله تفكيرا ماديا أو خياليا،ويعبّر عن هذه العلاقة باللغة وبغير اللغة من وسائل التواصل مثل لغة حركات الجسد في اليوغا والمسرح الصامت ولغة الفن الكامنة في قلب التجريد التشكيلي في الرسم والنحت وضروب الجماليات الفنية... والانسان يعي ذاته الفردية عقليا أيضا،بخلاف مع موضوع أدراكه غير (الانسان)، فالموضوع الذي يدركه الانسان لا يشترط به أدراك ذاته ولا الانسان ولا الطبيعة لا داخليا عقليا بالذهن ولا خارجيا عقليا في التعبير ولا تمتلك الموجودات علاقة تناوبية متخارجة مع الموجودات والاشياء من نوعها بخلاف ما يفعله الانسان بعلاقته معها...

فالموضوع يكون مادة يدركها الانسان بمقدار أهميتها وحاجتها له، وهي أي المواضيع لا تدرك ولا تعي مبادلة الانسان وعيه وحاجته لها، وهذه العلاقة الادراكية الواعية القصدية بين الانسان والموضوع المادي تختلف عن علاقة أدراك الانسان للانسان من نوعه... فالموضوع يكون موضوعا مدركا ثنائيا بشرط أرتباطه التعالقي المتخارج بمن يدركه وهو الانسان...بمعنى أن الانسان يدرك ذاته ويدرك موضوعه ويدرك غيره من نوعه أنسانا آخر، بأختلاف جوهري هو قدرة الانسان العقلية والمحسوسة في أدراكه الموضوعات والاشياء من غير نوعه في الطبيعة ولا تشاركه هي الادراك ولا تبادله معه... ولا يدرك الانسان غيره من نوعه بنفس (الكيفية) التي يدرك بها الاشياء وموجودات الطبيعة... فأدراك الانسان لنوعه أي الانسان الآخر، يكون ضمن علاقة جدلية وتخارجية نوعية تواصلية تتعدى حدود أدراك الانسان للموجودات، ولا يمارس الانسان نفس الالية في أدراكه الموضوعات في الطبيعة كما في تواصله الادراكي مع غيره من نوعه، فمدركات الطبيعة لا تبادل الانسان وعيه بها، وأدراك الانسان للانسان من نوعه هو تبادل وعي عقلي أدراكي بين محاور ومتلق أدراكي يماثله ويحاوره أو يتقاطع معه في بعض جوانب خلافية، أما وعي الانسان لموجودات الطبيعة فهو يختلف حين يكون الادراك الانساني لها أحاديا من جانب واحد فقط، وموجودات الطبيعة لا تدرك نفسها ولا تعي أهمية تعالقها بوعي الانسان وأدراكه لها... أن الانسان في هذه الحالة يدرك ذاته وموضوعه معا ، في وقت لا يدرك ويعي الموضوع ذاته – بأستثناء الانسان حين يكون موضوعا لغيره من نوعه كأنسان – ولا يعي الموضوع غير الانسان من الموضوعات وعي الانسان به وأدراكه له...وأغلب مواضيع الادراك من موجودات الطبيعة والمحيط والعالم الخارجي للانسان تكون فاقدة الوعي الادراكي الذاتي والموضوعي معا وهو ما لا ينطبق على الانسان حين يكون موضوعا مدركا لانسان آخر من نوعه..

ربما تتمتع الطبيعة بنوع من الروحانية غير المدركة ماديا،في أنواع من التمظهرات المادية والجوهرية أيضا لكن كلتا الحالتين لا تمتلكان عقلا منظّما يديرهما في وعي الذات أوفي وعي الآخر، وهنا تعتبر الطبيعة في تجليّاتها المادية وغير المادية الساحرة وجود سلبي لأنها غير عقلانية حتى في قوانينها الازلية العامة التي تحكمها وتحكم الانسان معها بها في استقلالية عن الانسان...القوانين العامة التي تحكم الطبيعة لم تخترعها الطبيعة لتحكم الانسان بها فكليهما الانسان والطبيعة محكومين بها أزليا وتعمل باستقلالية تامة عن رغائب الانسان والطبيعة معا،وأقصى غاية يمتلكها الانسان حيال تلك القوانين هو محاولته أكتشاف بعضها وتسخيرها لوجوده في علاقته بالطبيعة،، بعكس قوانين الانسان التي يخترعها والتي يبغي فيها هيمنته وسيطرته على الطبيعة لتحقيق مصالحه في الوجود المتعالق مع الطبيعة..

وعي الذات الانسانية القصدية والديناميكية

أخذ الفلاسفة الماديون الماركسيون (هيجل ،فيورباخ، ماركس) ومعهم فلاسفة الوجودية سارتر وهيدجر، مسلمّة مادية الكون أن الوجود سابق على الوعي به في ظواهره غير الماهوية أي بصفاته فقط، بخلاف الفلاسفة المثاليين الذين يرون العكس من ذلك أن الفكر والوعي في وجود الاشياء في الطبيعة هو الذي يحدد الادراك بها والوعي بمعرفتها وقيمتها الحقيقية هي في الذهن وليس في وجودها ضمن عالم الاشياء الخارجي.

الشيء الاكثر أهمية أن بعض الفلاسفة غير الماركسيين لم يكتفوا بذلك بل ذهبوا بأن وعي الوجود الذاتي يقترن ب (قصدية) كما في تعبير هوسرل، وأضاف هيدجرعليها أن وعي الذات مرتبط ارتباطا وثيقا ب(هدف) يسعى تحقيقه أطلق عليه(ديناميكية) وعي الذات، معتبرا ديناميكية وعي الذات هو الوعي الحقيقي الفاعل في وجود الانسان في تعالقه المتعايش مع جميع ظواهر الطبيعة من حوله وفي كونه جزءا لايتجزأ من الكلية المجتمعية التي تحتويه ووعي الذات الحقيقي يكون متحققا في - عالم... وهذه الديناميكية الهيدجرية مستمدة من هوسرل أستاذه في الدعوة ان وعي الذات لا يكتمل ألا بارتباطه بنوع من القصدية الهادفة التي تعيّن هدفها مسبقا يحققها له أندماجه بالكليّة المجتمعية سلبا أو أيجابا. وأراد سارتر أقتفاء أثر هوسرل وهيدجر في أن وعي الذات لا يكتفي من أجل أثبات وجوديته الفردية السلبية كما هي في الكوجيتو أنا أفكر أذن... في ربط ديكارت تحقق الوعي الذاتي بالتفكير المجرد، ودعا سارتر الى أن وعي الذات الاصيل هو الالتزام بالحرية المسؤولة التي ينوء بحملها الانسان الفرد كونه كينونة أجتماعية يحمل همومها وتبعاتها بمسؤولية عن ذاته ومسؤولية عن نوعه الانساني في مجتمعه والعالم، رغم أن انسان سارتر يعيش عدمية وجوده الملازمة له الذي تقعده كحقيقة وجودية فردية عن أي التزام مصيري بالآخرين.

وعي الذات فينومينولوجيا (ظاهراتيا)

بضوء التمهيد السابق نناقش رأي ميرلو بونتي المحسوب على أقطاب البنيوية، في تعالق وعي الذات بالظاهراتية (الفينومينولوجيا) التي جاء بها هوسرل في الفلسفة الحديثة، التي ترجع ارهاصاتها الاولية الى فلسفة افلاطون (بالمثل) وفلاسفة آخرين قبل وبعد افلاطون أبرزهم كان أرسطو، الذي وضع  حدا لعالم المثل دام ما يقارب أكثر من الفي عام أعلى فيه شأن العقل في تأكيده على الانسان في وجوده الارضي...وظلت آراء ارسطو فاعلة ومؤثرة بالقرون الوسطى الاوربية، الى أن أنتهى مآلها في النهضة الاوربية في القرن الثامن عشر وما بعدها وتم تجاوزها في تبني أولوية الانسان والعلم ومنجزاته في عصري النهضة والانوار وفي مرحلة متأخرة في  الحداثة الاوربية.

يقول ميرلوبونتي :(نظرية الظواهر ترتبط أرتباطا مباشرا بوعي الذات، فهو ليس حقيقة خارجية خالصة ، ولا عملا عقليا صرفا).(1) عبارة دقيقة وصحيحة وهي أمتداد لمقولات هوسرل وهيدجر وسارتر ليس من حيث الصياغة الفلسفية لغويا، بل من حيث المعنى الذي تستبطنه اللغة التعبيرية في أحشائها كمحمول دلالي تأويلي متعدد المعنى. وفي تعبيره أن الوعي ليس عملا عقليا صرفا هي أدانة لديكارت فقط، ولا يمكن الأخذ بها من حيث الدلالة الوظيفية للعقل والادراك والشيء المدرك والمعبر عنه لغويا أو غير لغوي لا يقتصر دوره ولا ينحصربهذا التوصيف المقتضب،ويأتي التوضيح في الاسطر لا حقا.

أن ظواهر الاشياء التي يدركها العقل حسيّا – داخليا تتم في عملية (تخارج) متبادل جدلي بين الوعي ووجود الاشياء الخارجية، وهذه العملية التخارجية الجدلية لا تجعل من الوعي وجودا خارجيا مستقلا، كمثل وجود الموضوع المدرك عقليا ذاتيا في وجوده الخارجي المستقل في الطبيعة، وأن التخارج المتبادل بين الذات والموضوع وتعالقهما لا يلغي أستقلالية وجودهما المفارق كلا عن الآخر، وهما في هذا التخارج التعالقي بينهما يتحدد وعي الوجود من جهة ويتعين وجود الاشياء المدركة والموضوعات من جهة أخرى...والقول بأن وعي الذات ليس عملا عقليا صرفا أدانة صائبة بحق مقولة ديكارت المثالية السلبية (انا افكر أذن انا موجود ) على ما تحمله العبارة من تأويل فلسفي متعدد متضاد في تعبيرها ومعناها في الوعي المثالي السلبي غير المادي رغم الاجماع الفلسفي على أن ديكارت هو أبو الفلسفة العلمية الحديثة في تركيزه أعتماد التفكير الفلسفي العقلي الذي يسهل مهمّة العلم، لكن في الكوجيتو حصر ديكارت أثبات الوجود في/ عن ناتج التفكير الذاتي المجرد المكتفي بذاته في أثبات وجوده الانفرادي وحده ، ويعتبر ديكارت أمكانية وعي الذات في التفكير العقلي المحض الذي يحدد الوجود المادي المفكّر به، وبذلك يمكننا أدراك الذات تفكيرا عقليا مثاليا خياليا في أي موضوع مستمد من الذاكرة يكون مادة أدراكية للعقل لا يفصح عنها،، وديكارت في الكوجيتو ربط وعي الذات بالموضوع المفكر به خياليا ذاتيا فقط ولم يتعداه الى مدركات المواضيع الاخرى في وجودها المادي المستقل في عالم الاشياء التي هي مواضيع أدراكية للعقل لا تقل أهمية بل تزيدها التي هي مواضيع العالم الخارجي والاشياء... كما يصبح وعي الذات في الكوجيتو تفكيرا خارج أدراك وجود العالم الخارجي المستقل بالتعبير عن ذاتيته الوجودية صمتا سلبيا غير معبّر عنه لغويا أوغيرها من وسائل أثبات الوجود التواصلي...

وهذا خلاف أن وعي الذات (الديناميكي)  عند هيدجر ، والوعي (القصدي) الهادف كما عند هوسرل لا يتحقق الا في تخارج الوعي التناوبي مع موضوعه في جدلية ديالكتيكية من التأثر والتأثيرالتي تعطي الذات فاعليتها الوجودية ، وتمنح الموضوعات وجودها المتعالق بالوعي والادراك الحسي والعقلي لها،كما تعطي كلا من الذات والموضوع تمايزهما النوعي بأستثناء وعي الانسان بمثيله النوعي الذي هو الانسان الآخر في تبادلهما الادراك التواصلي بكيفية مغايرة عن علاقة وعي الانسان بالموضوعات والاشياء اللاعقلانية.

الاشياء ومواضيع العالم الخارجي ومظاهره التي لا تحصى كثرتها هي وجود مستقل سواء جرى أدراكها أو بعضها أم لا، ووعي الذات كما ذكرنا لا قيمة حقيقية وجودية له في حال أحتفاظه بوجوده المستقل بذاته عن أدراك الاشياء(نومين)، لذا يستلزم وجودهما الادراكي(الذات والموضوع) تخارج جدلي متبادل بينهما كي يأخذ كل منهما معناه ووجوده... وبذا يمكننا أعتبار وعي الذات الديناميكي الهادف عند هيدجر، أنما يكون  وجودا أنسانيا لذاته وليس سلبيا بذاته، كنتيجة لعملية التخارج المتبادل مع الموضوع، الكفيل به وعنه وبواسطته يكون أثبات وجودهما الانطولوجي لكليهما معا الذات وموضوعه المدرك.

مع ميرلوبونتي ثانية

في عودتنا الى ميرلوبونتي ثانية قوله (يكون الموضوع حقيقة مباشرة تفرض نفسها أمام الوعي، والموضوع يتوقف على الوعي به من حيث هو جوهرفي وجوده،)(2)

هنا كي نعتبر هذا التعبير صحيحا فلسفيا منطقيا، علينا تحديد نوع وماهية الموضوع المدرك عقليا كي يكون الوعي ملزما لنا في تقبّله وفرض أدراكه على الوعي الانساني به،واذا كان الموضوع يمتلك جوهرا أوماهوية لها أهميتها في ألزام أدراكه بأعتباره جوهرا على حد تعبير ميرلوبونتي، فليس كل موضوع يحمل جوهرا لافتا الاهمية في لزوم وألزام الذات الانسانية أدراكه في عملية تخارجية معه، ولا بد لنا من معرفة طبيعة ونوع وأهمية وخصائص الموضوع الذي يطرح نفسه أمام الوعي به كألزام وجودي لأدراكه... ولا يكفي أن يكون للموضوع جوهرا، كي يلزم عنه الوعي الذاتي أدراكه ودراسته، كما أن جوهر الموضوع المحتجب لا يسبق أدراك (الموضوع) ذاته كوجود وكينونة مستقلة بمجموع صفاتها وجوهرها، ربما تحمل حمولات ماهوية تلزم الذات وعيها بها أو أحتمال كبير أن لا تمتلك كل الموضوعات المدركة مثل هذه الخاصّية المسّماة جوهرا وتكون ملزمة للادراك ، فليس كل الاشياء مهمة وصالحة وضرورية أن تكون مواضيع أدراك ذاتي وعقلي محايث يعنى بها الانسان في وعيه لها وأهتمامه بها.

ويعتبر ميرلوبونتي (أنه لا فكر خارج العالم أو خارج الكلمات) (3).وهي عبارة صحيحة من حيث أن الفكر الذي يتأمله العقل مادة للتفكير داخليا في قطيعة وصمت تعبيري عن العالم الخارجي يكون معطّلا وجوده خارج العقل، وكذلك كي يكون الفكر متعيّنا وجودا خارج ذاتيته يتوجب عليه أن يتوّسل الكلمات الشفاهية الكلام أو اللغة المنطوقة أو المكتوبة أو أية وسيلة تحقق تواصلها في التعبير عن وجود الفكر الكيفي خارجيا.

أن الفكر والكلمات (اللغة) في الصمت الذاتي هي حوار وتفكير جوّاني يحتويه حيّز العقل وظائفيا ، ويكون الفكر بهذا هو موضوع التفكير في أستثارته العقلية أيضا غير مفصح عن تحققه الوجودي خارج ملكة اللغة في التعريف به وفي التعبير عنه.

الصمت لغة تواصلية

والافصاح اللغوي عن الموجودات والاشياء لا يتم فقط بلغة التواصل والتداول العادية (الكلام اوالكتابة أو الكتابة الصورية أو حتى الاشارية والرمزية منها)،فهناك مثلا تعبيرات لغوية لا تحتاج أن تكون اللغة فيها منطوقة أو مكتوبة أو صورية مرئية أو حتى أشارية سيميائية، وتبقى تداوليتها وأستقبالها صمتا يديره العقل بأفصاحات حركية يقوم بها (الجسد) نيابة عن اللغة تواصليا، كما في التعبير اللغوي الكامن في الجماليات النحتية واللوحات والفنون التشكيلية برمتها،.وكذلك في طقوس العديد من العبادات الدينية الوثنية (اليوغا) التي تكون أيضا فيها اللغة في حالة كمون وجداني أيماني روحاني لا تحتاج معها اللغة المسموعة أو المنطوقة  تعبيرا محتاجا لها...وكذلك نجد لغة الصمت التواصلية في رقص الباليه في أعتماد حركات الجسد لغة أيحاء تواصلي صامت بمرافقة الموسيقا، ومثلها في المسرح الصامت الذي يتوّسل الجسد حركيا أيمائيا بعيدا عن اللغة المنطوقة أو المسموعة في التداول المعهود تواصليا أيضا بمصاحبة الموسيقا التصويرية...كل هذه التجليات تكون اللغة أوالفكر في حالة  كمون عقلي وليس كما يدعي ميرلو بونتي لا يوجد فكر خارج الكلمات في التعبير.فجميعها تعبيرات لا تتوّسل الكلمات في التواصل الخارجي، بل تتوّسل لغة الايحاءات داخل التفكير العقلي الذي يفصح عن نفسه خارج اللغة المنطوقة أو المكتوبة بحركات الجسد.

من المهم الاشارة الى ضرورة التفريق بين عبارة ميرلوبونتي في أنعدام الفكر من غير التعبير اللغوي عنه ، وبين عبارة هيدجر التي يذهب بها أن الكلمات تعطي الوجود تعيّنه الحضوري..هنا ميرلوبونتي في عبارته السابقة مثالي صرف لا يختلف عن هيوم وبيركلي وجون لوك ممن يعتبرون الفكر سابق على المادة ولا وجود لعالم خارجي لاتتمثله الحواس الناقلة للعقل ،وأن المادة والوجود هو مجموعة التصورات الذهنية عنهما، وهذه التصورات الذهنية المجردة هي كل ما نعرفه عن الوجود وعالم الاشياء،،أما عبارة هيدجر فهي عبارة مادية وجودية مستمدة من الماركسية ترى أن الفكر هو أنعكاس الواقع السابق علي الافكار المجردة وجودا، ولا وجود لفكر لا يسبقه واقع مادي للاشياء والموجودات..

الذات في تحققها الادراكي

من جهة أخرى فأن العقل يعقل نفسه والعالم الخارجي في كل شيء، ولا يعمل التفكير العقلي في فراغ أنطولوجي أو في عدم موضوعي ولا في فراغ أو عدم لغوي، فالتفكير العقلي هوالفكرة ولغتها المعبّرة عنها في أدراك موضوعها.

والعقل في الوقت الذي يعقل ذاته صمتا تخييليا فهو يعقل الاشياء المادية والمجردة منها أيضا على السواء صمتا صوريا أو تعبيرا فكريا لغويا عنها، ولا يوجد منطقة (عدم) لا يكون تفكيرالعقل السليم فيها حاضرا في دور محوري يدخل من ضمن وظائف العقل، ألا في أستثناء الحالات المرضية كالجنون والموت أو غياب الوعي أو الانفصام أو الذهان المرضي وغيرها  من الحالات المرضية التي يعتبر العقل فيها ميّتا سريريا.

فالعقل يدرك الموجودات عقليا ماديا، ويدرك ويفكر في الموجودات والاشياء التي ينعدم التفكير المادي بها وجوديا لكن العقل يفكر بها خياليا تجريديا ويعقلها في غير وجودها المادي مثل وعيه بالقيم والسلوك والاخلاق والجمال والفن والموسيقا وغيرها... وفي كل الاحوال العقل لايعمل في فراغ عدمي يمنعه من التفكير في أدراكه المواضيع المادية في العالم الخارجي،  وفي تفكيره الخيالي التجريدي الذي لا يعتبر فيه تفكير العقل لاغيا لمجرد عدم أفصاحه عن الموضوع المفكر به عقليا لغويا أو بكلمات التعبير التواصلي...فالفكر مادة في العقل قبل أن يكون مادة في الواقع، ويستطيع الفكر التعبير عن المادي والروحي والقيمي تجريديا منطقيا معجزا ولغويا دالا متقنا في دلالة التعبير.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش

1- ميرلوبونتي /د. عبد الوهاب جعفر/ الفلسفة واللغة ص 105

2- المصدر نفسه ص106

3- المصدر نفسه ص 107

 

حاتم حميد محسناستعمل ارسطو (384-322 ق. م) المقارنة بين رحلة اديسوس الملحمية وسفينة الدولة لكي يجيب على ثلاثة من أهم الاسئلة الدائمة في الفكر السياسي. وهي 1- ما اذا كانت الفضيلة للشخص الجيد هي نفس الفضيلة بالنسبة للمواطن (السياسة، 1276b 20 ) 2- ما اذا كانت فضيلة الحاكم الجيد هي نفس فضيلة الشخص الجيد (1277 a20 ) 3- ان كان بالإمكان تعليم الحكمة والفضيلة.

كتب ارسطو ان "المواطن كالبحّار عضو في جماعة". للبحّارة الآن وظائف مختلفة، احدهم مُجدف، الثاني ملاح والثالث مراقب . وبينما ينطبق تعريف كل فضيلة خصيصا على شخص معين من طاقم السفينة، لكن في نفس الوقت هناك تعريف مشترك يمكن تطبيقه على كل افراد الطاقم. ذلك انهم جميعا لديهم هدف مشترك وهو "سلامة الإبحار"(1276b 25 ).

يستخدم ارسطو مصطلح "فضيلة" بمعنى "التميّز excellence في اداء الوظيفة". ما يجعل المجدف ممتازا هو القوة والمهارة في استخدام المجاديف. اما الملاح فهو بارع في الابحار. الحارس او المراقب يجب ان تكون لديه المعرفة في تفسير الغيوم والرياح والتيارات وحركة المد . في هذا السياق لا يهم كثيرا ما اذا كان المجدفون اناس جيدين بمقدار ما ينصب الاهتمام على مهارتهم وقدرتهم على التجديف الجيد، ونفس الشيء ينطبق على الآخرين. الكابتن يتولى تنسيق هذه الفعاليات (1279a5). اذا كان المجدف والملاح والمراقب يُحكم عليهم بأدائهم لنشاطاتهم المحددة، فان الكابتن يُحكم عليه طبقا للمقدرة على ايصال السفينة سالمة الى الميناء.

ان طيبة المجدف حفّزت اوديسوس ليختار أهون الشرين (بين الوقوع في فخ وحش عملاق قد يلتهم السفينة كلها او الغوص الرهيب في تيارات بحرية هائلة). سلطته على البحّارة لم ترتكز على القوة او المكانة وانما على الاحترام والصداقة. هم كان بامكانهم عدم طاعته . في الحقيقة، بعد وقت قصير من الهروب من المأزق الخطير، هم رفضوا قراره في تجنّب الاغواء اللذيذ لجزيرة هيلوس . عندما تمرد Eurylochos وهو الشخص الثاني في سلّم القيادة وقاد المجدفون الى الجزيرة، قال اوديسوس "انا يجب ان استخدم القوة. انا واحد ضد الكثرة". لكن هوميروس اراد التأكيد على اهمية نتائج عدم طاعتهم. بعد ان تناول المجدفون طعام هيلوس تحطمت سفينتهم ولم ينج الا اوديسوس.

هل يمكن تعليم الفضيلة؟

كان اوديسوس كابتنا جيدا لأنه دائما يضع طاقمه في اولى اهتماماته ولم ينسحب ابدا من الخطر حرصا على سلامته الذاتية. كذلك، هو جعلهم افضل بحارة. اوديسوسس لم يعمل في شراكة مع افراد طاقم خجولين وجبناء، وانما مع افراد ذوي مقدرة على الشجاعة والتضحية الذاتية. المأزق الاكثر صعوبة هو في التضحية بالقلة لأجل سلامة الكثرة، غير ان المقدرة على عمل هكذا تضحية تعتمد على سياسة الموارد الثمينة: فكرة الصالح العام والمقدرة على ترسيخها عبر تكوين التميّز. هل نستطيع غرس المقدرة على الخير في كل من الناس والحكام؟ ارسطو عُين من قبل فيليب الثاني مدرسا لابنه الاسكندر، لذا بالنسبة له السؤال "هل يمكن تعليم الفضيلة؟" لم يكن سؤالا افتراضيا . في رواية (الوسط الذهبي، 2009) للروائي الكندي انابيل ليون، ارسطو يسأل الاسكندر ليسمي الفضيلة. الاسكندر الذي يطمح للمجد سماها "الشجاعة". ارسطو يوضح ان الحاجة للشجاعة هي جبن، بينما زيادة الشجاعة هي طيش. في البدء الاسكندر يسخر من استاذه متوقعا جداله بان الفضيلة تتبع مسار الوسط قائلا:"انت تثمن الوسطية".

يجيب ارسطو، بالنفي، "الاعتدال والتوسط ليسا نفس الشيء". هنا يتحدث الاسكندر عن اخيه الذي يشعر بالخجل نتيجة عجز ذهني او جسدي. هو يسأل "هل انا اجسّد حد التطرف امامه ؟". ارسطو يجيب عبر دعوة الاسكندر لإمضاء يوم على الساحل مع اخيه. الدرس هو الشهامة – لتكون معتدل تجاه المرؤوسين(Nichomachean Ethics,1124b20 ). درس آخر هو ان الفضائل تعزز بعضها البعض. ارسطو ادرك ان تلميذه الشاب كان تافها وقاسيا. بدون شهامة هو لا يستطيع ان يطور شجاعة مدنية تستلزم الشعور بالخجل من اللاشرف. ادراك هذا يتطلب شخصية وحكم من النوع الذي يسميه ارسطو "الحكمة العملية"والتي هي مقدرة الفرد على التشاور جيدا حول ما هو جيد وملائم وموصل عموما الى حياة جيدة (NE,1140a 25-30). الحكمة العملية يعتبرها ارسطو فضيلة الفضائل، بدون حكمة عملية فان شخصا مثل الاسكندر ربما لديه تميّز عملي كالمهارة في القتال لكنه تنقصه الشخصية والحكم في إظهار الشهامة تجاه اولئك المنهزمين امامه . هذا سيجعله جنديا باسلا لكنه شخص مرعب، وهكذا سيكون حاكما فقيرا. "فضيلة الحاكم تختلف عن فضيلة المواطن"(السياسة، a1277( 20-25، وهما ليستا متساويتين في القيمة. المواطن ربما يكون جنديا او معلم او بحّار او طبيب. في ضوء التنوع في المواطنين وأشكال المؤسسات، ليس كل المواطنين يحتاجون الى فضائل متشابهة. البعض ربما يحوز على حكمة عملية، لكن كل من يحكم يجب ان يحوز على ذلك. كيف يمكن للمرء اكتساب الحكمة العملية؟ جواب ارسطو انه : عبر ممارسة الاعتدال في كل شيء .

ذلك كما يبدو ليس امرا سهلا، اولا الصعوبة في ايجاد طريق الوسط الذهبي او عدم التطرف. هذا ليس متوسط حسابي. السفينة التي تبحر في ممر ضيق ربما تنحرف كثيرا تجاه احد الجوانب، ولكن هناك سيكون دائما طريق افضل للوصول الآمن للميناء. ثانيا، لا توجد هناك طريقة حسابية يمكن ان يتعلمها الملاح ليجد افضل مسار في ظل الظروف المتغيرة للمد والرياح والطقس، لكن الملاح يمكن ان يتعلم من خلال الممارسة والتدريب مع احسن الخبراء كيفية ايجاد المتوسط في الظروف المتغيرة. هذا يفسر لماذا المعلمون هم الاكثر اهمية". (الاتصالات الشخصية، جولاي 17، 2018).

هل يمكن تعليم الاخلاق السياسية؟

يقول ارسطو ان خلاص الجماعة هو المهمة المشتركة للمواطنين (السياسة، 1276b 30 )، ولأجل هذه الغاية هم يجب ان يؤدوا عملهم جيدا(40). ولكن مثلما في الكابتن الذي يجب ان يقود السفينة بأمان الى الميناء، الحاكم يجب ان يمتلك الحكمة والفضيلة لكي يتجاوز وجهات النظر الخاصة بالمواطنين ويركز على الصالح العام (1287b5 ).

فكرة ان الحاكم يجب ان يكون اكثر حكمة واكثر فضيلة من المواطنين العاديين هي فكرة غريبة عن فهمنا للسياسة، نحن لا نعتبر المسؤولين المنتخبين كمثال للمواطنين.

غرابة رؤية ارسطو عن فضيلة الحكام يجب ان تدفعنا للتساؤل لماذا اصبح السياسيون اقل قيمة في نظرنا.

ادرك ارسطو ان الديمقراطية تستلزم المشاركة المباشرة للمواطنين في الادارة العامة. الديمقراطية تمكنت عندما كانت الدولة "مؤطرة بمبدأ المساواة والتشابه"، الذي بموجبه يعتقد المواطنون " انهم يجب عليهم استلام السلطة بالتناوب"(1279a 10 ). هذا يوضح لماذا ارسطو كما في العديد من معاصريه، نظر الى الديمقراطية كنظام حكم مطلوب خصيصا: انه تطلّب حكمة عملية لجميع المواطنين، او على الاقل اولئك الذين يمسكون الادارة العامة – والذين بالنسبة لارسطو يمكن ان يكونوا من حيث المبدأ اي مواطن.

سفينة ارسطو المقارنة تقترح بان اولئك الذين في السلطة يحتاجون للحكمة العملية من اجل تحقيق الاهداف المشتركة التي يتقاسمونها مع المواطنين الذين يتحمل الحكام المسؤولية تجاههم. ولكن تجدر ملاحظة ان ارسطو كان مهتما بنوع خاص من الحكم: نوع "يُمارس تجاه الناس الاحرار والمتساوون في الولادة". هو كان يفكر ليس في العلاقات بين الخادم والسيد (لأن الخادم يطيع نتيجة للضرورة وليس للمنطق)، وانما نوع من العلاقات توجد بين المواطنين الاحرار. في مثل هذه العلاقات تحتاج السلطة للحكمة العملية لكي تجد طرقا في خدمة الصالح العام. هذا يفسر لماذا احتضن ارسطو رؤية ان "كل من لم يتعلم كيف يطيع لا يستطيع ابدا ان يكون قائدا جيدا"(1277b10 – 15 ). ولكن ليس كل كابتن او معلم او حاكم لديه مثل هذه الحكمة العملية. هذه اعتبرها ارسطو مشكلة خطيرة.

(هانا ارندت) ايضا اعترفت بمركزية الحكمة العملية للديمقراطية عندما جادلت في (وعد السياسة، 2005) ان السياسة هي فن بواسطته نقود تعدديتنا واختلافاتنا. كل مواطن عندما يدخل المجال العام يجب ان يوازن بين مختلف الاهداف. عادة نحن نتحفز بالسبب او القضية ولكن عندما ننخرط في مشاورات او أحكام ونتصرف بحرية كمتساوين مع الآخرين، سنواجه تحديا اكبر في موازنة اهدافنا الشخصية مع اهداف الآعضاء الاخرين للجماعة السياسية. ذلك يتطلب حكمة عملية.

انه لهذا السبب سيكون من المقلق للغاية اننا لا نسعى لتعليم العامة ولا قادتنا على فنون السياسة والمواطنة. في الحقيقة، انها حقيقة مدهشة للحياة الحديثة ان لا جهد بُذل من جانب المؤسسات العامة لتعليم السياسيين فنون القيادة. لا توجد فرص لإعداد الناس للدخول الى السياسات العملية. الاحزاب السياسية احيانا تقدم بعض التدريب للمرشحين قبل الانتخابات، وعادة يقدّم المشرعون تدريبا اساسيا للمشرعين المنتخبين الجدد، ولكن لا توجد مؤسسة قائمة تزود التدريب والتوجيه للناس الذين يطمحون للدخول الى السياسة. الديمقراطيات تثق بالهواة لإدارة معظم المنظمات المعقدة في المجتمعات الحديثة، هؤلاء يديرون اكبر الميزانيات ويتخذون القرارات منخرطين بكل شيء من القواعد القانونية حتى التفاصيل التنظيمية.

لماذا لا ندرّب السياسيين؟

احد الاسباب هو الاعتقاد بان السياسة يمكن تعلّمها و ليس تعليمها – اي ان التعليم يحدث اثناء الوظيفة وليس من قراءة الكتب المنهجية والدراسة. بالتأكيد السياسة كأي ممارسة، تُكتسب من خلال التجربة ولكن هناك العديد من الممارسات التي تُعلّم ايضا. الكثير مما يمارسه السياسيون على اساس يومي هو يمكن تدريسه تماما – بما في ذلك عمل القوانين والتحليلات التشريعية والموازنات والتقديرات، فواتير النقود، اجراءات وقواعد برلمانية، عمل اللجان، عمل التكتلات، الادوار والمكاتب، الاتصالات السياسية، العلاقات مع الخدمة المدنية، اللوبيات والاعلام. كذلك، تزود المدارس المهنية عدة امثلة من الوسائل يمكن فيها شحذ الممارسات من خلال التعلم التجريبي، بدءاً من المحاكم الصورية في القانون، الى الممارسات الاكلينكية في الطب، الى ألعاب الحروب في الجيش.

تبرز هنا معارضة قوية وهي انه حتى لو أمكن تعليم آلية السياسة، فليس من الواضح ان السياسيين الطموحين يمكن تعليمهم ليكونوا خيّرين. يجب الاعتراف ان الناس من غير المحتمل ان يتعلموا الفضيلة السياسية من مدارس السياسة ما لم يدخلوا على الاقل ومعهم احساس بالخدمة العامة – بعض الناس يدخل السياسة لأسباب خاطئة، او لفقدانهم الميول الحقيقية ليصبحوا ممارسين حكماء. مع ذلك، نفس المعارضة يمكن توجيهها الى اي مدرسة مهنية اخرى، مثل مدارس القانون او مدارس الاعمال. الاساس في هذه المدارس هو بالضبط لغرس الممارسة الجيدة. مدارس القانون التي لا تغرس الاعجاب بقواعد القانون، ومدارس الاعمال التي لا تشجع على ممارسة الاعمال الاخلاقية، او مدارس الطب التي لا تضع عناية المرضى في الصميم، ستُعتبر فاشلة من جانب معظم الممارسين.

ربما المعارضة الاكثر إشكالية التي يثيرها الناس هي ان السياسة غير اخلاقية وفاسدة في الصميم وان اي تدريب اخلاقي للسياسيين سيجردهم من السلاح بوجه الخصوم الميكافيليين. مهما يظن المرء حول هذه الرؤية المتشائمة للسياسة، فان التحدي في التعليم هو لإعداد السياسيين لعمل أحكام حكيمة في ظل ظروف غامضة اخلاقيا. هناك حالات تحصل لكل سياسي في الحياة عندما يصطدم ضميره مع متطلبات الوظيفة ويصبح التعامل مع هذه المواقف يتطلب نوعا من الاستعدادات . ربما القليل من هذه الاستعدادات يمكّن السياسيين من التعامل مع هذه الاشكالات باخلاقية اكبر.

الديمقراطية والحكمة العملية

 يتعلم المرء ليكون كابتنا للسفينة بالعمل تحت قيادة كابتن ثم يصدر الاوامر لملاحي السفينة (السياسة 1277b 586 ). ونفس الشيء المقدرة على الحكم تعتمد على المهارات والمعرفة التي تُكتسب جيدا عبر الممارسة تحت اشراف رجال دولة ذوي تجربة. اليونانيون القدماء فهموا ان غرس الفضائل ضروري للحكام الجيدين والمواطنين في الدفاع ضد تضخم الذات والتلهف للسلطة والديماغوجية الانتهازية. نحن حتى وقت متأخر كنا اقل اهتماما بهذا الخطر . اصبح الناس مولعين جدا بالانقسام الزائف بين حكومة القوانين وحكومة الناس، ونسوا ان القوانين لا تفرض ذاتها، وانما تُفرض من جانب الناس. عندما يحصل الدجالون على السلطة فان دفاعنا الجيد هو في الشخصيات وأحكام الناس عنهم، وليس القوانين وحدها. طالما الدفاع عن مؤسساتنا هو بأيدي موظفي الخدمة المدنية والحكام، الا يجب ان نعتني بتعزيز شخصياتهم وأحكامهم؟

اذا كان الجواب نعم، عندئذ فان تدريب السياسيين هو ليس سوى عمل نخبوي. ربما المؤسسات الاكثر نخبوية تفشل في اعداد المواطنين لممارسة الخدمة المدنية. مع ذلك احدى سمات المواطنة الديمقراطية الاكثر تحديا (ومصدر التوتر بين الديمقراطية والليبرالية) هي ان الديمقراطية لكي تعمل جيدا، يجب على المواطنين امتلاك فضائل مدنية. ذلك يفسر لماذا نحتاج الى بعضنا لنكون فضلاء. على اقل تقدير، الديمقراطية تتطلب مواطنين ذوي شجاعة ليكونوا مدافعين موثوقين عن المؤسسات الديمقراطية. اليونانيون ادركوا انهم ليكونوا شجعانا يعني انهم اشخاص يمكن وضع الثقة بهم. ذلك النوع من الشجاعة لايبرز تلقائيا انه يجب ان يُغرس. اذا اردنا إعداد المواطنين للحياة العامة يجب ان نذهب الى ما وراء المدارس القديمة للتعليم المدني. إعداد الناس للديمقراطية يجب ان يكون في قلب الرسالة التعليمية للمؤسسات والمدارس العامة. التعليم يجب ان يستلزم ترويض وتعويد الممارسين الطموحين ليشعروا ويتشاوروا ويحكموا ويعملوا في خدمة الصالح العام، انه يجب ان يزرع فضيلة مدنية عبر تهيئة الفرص وغرس المعرفة والمهارة والتحفيز ليكونوا مواطنين جيدين ورجال دولة، وانه يجب الحفاظ على فكرة ان السياسة فعالية نبيلة.

ارسطو شكا من ان السياسيين عملوا القليل لتعليم زملائهم المواطنين كيفة التشريع (NE,1181a). تلك الشكوى لازال صداها بعد الفي سنة.

 

حاتم حميد محسن

 

كُل فلسفة لا تتكرَّس في قلب اللغة رُوحًا ومادةً، ستقع في الفراغ، وتُؤسِّس للعدم . ولا يُمكن للأنساق الفلسفية أن تعيش وتنمو وتتكاثر، إلا إذا ارتمت في أحضان اللغة بشكل إرادي لا قَسْري . واللغةُ الحاملةُ للفلسفة هي وسيلةٌ للتخاطب، ونظامٌ للرموز، وعَالَمٌ مِن الإشارات، ومكانٌ لتوليد الأحلام، وزمانٌ تَوحيدي للمراحل، أي إن اللغة تُوحِّد الماضي والحاضر والمستقبل في زمن فلسفي واحد، يمتد في أعماق الإنسان وتفاصيل المجتمع وجزيئات الأحلام .

2

لا مكان في الزمن الفلسفي لعملية حَرق المراحل، لأن المراحل وُجِدَت لتبقى علاماتٍ في الطريق، ومعالم في مسيرة الإنسان . وما يحدُث هو ظُهور قفزات ذهنية عابرة للمراحل، وهذه القفزات الذهنية تكون على شكل طفرات اجتماعية (تغييرات في تسلسل أنماط الوجود الاجتماعي، تُؤدِّي إلى تكوين أنماط جديدة تمتاز بالقُدرة على بعث الدهشة والانبهار). وهذه التغييرات مُفاجئة وصادمة وغير مُتوقعة، لأنها تقوم على الإبداع وصناعة الفِعل، وليس الاتِّباع وانتظار رَد الفِعل. والمراحلُ لا تُعيق انطلاقَ الفكر، وإنما تُنظِّم حركته، وتضبط تحرُّكاته، تمامًا كإشارات المرور التي تُنظِّم حركة السيارات، وتمنع تصادمها. والسياراتُ تتحرَّك وتمضي إلى وُجهتها، في حين أن إشارات المرور تظل ثابتة في مكانها . ومَن يُطالب بحرق المراحل لضمان تدفُّق الأفكار وانطلاقها نحو المستقبل، كَمَن يُطالب بحرق إشارات المرور للسماح بانطلاق السيارات إلى هدفها .

3

الواقعُ انعكاس لمحتويات الذهن . والتغييرُ الاجتماعي على الأرض إنما يبدأ بفكرة ذهنية . والسفينةُ تُصنَع على اليابسة، ثُمَّ يتم إنزالها إلى البحر . وهذا يدل على الارتباط الوثيق بين فلسفة التغيير الواقعية ولغة الذهن المُجرَّدة . وإذا استطاعت الفلسفةُ أن تندمج في اللغة، وتُحوِّلها إلى بَوتقة لصهر الأحلام الإنسانية، وتحويل الأفكار المُجرَّدة إلى واقع محسوس، ستصبح _ أي الفلسفة _ هي التعبير الدقيق عن فاعلية الفرد (قُدرته على إحداث تأثير إيجابي) ودَافعيةِ المعنى الاجتماعي ( حالة المجتمع التي تُسهِّل استجابته للتأثير الإيجابي وُصولًا إلى التَّوازن بين الفكر والغريزة ) .

4

إن بناء الزمن الفلسفي على لغة الذهن، يستلزم التفريق بين البُنية القَصْدِيَّة في الفلسفة (قَصْدِيَّة الفلسفة) والبُنيةِ الحَدْسِيَّة في اللغة (حَدْسِيَّة اللغة) . وهذا التفريقُ ضروري لتحديد أسبقية العوامل الفكرية، وترتيبها بشكل منطقي وفعَّال، وتعيين الفِعل ورَد الفِعل دُون الخلط بينهما . وقصديةُ الفلسفة هي التَّوَجُّه المركزي في أنساق الشعور الفكري نَحْو معرفة خصائص الأشياء، وطبيعة العناصر، وظواهر المجتمع، وتحليل جُزيئاتها بشكل منطقي مُتسلسل، للوصول إلى نقاط القوة ونقاط الضعف، والربط بين العِلَّة (السبب) والمَعلول      (النتيجة) . أمَّا حَدْسِيَّةُ اللغة فهي انبعاث الشُّعور في الداخل الإنساني دُون القُدرة على تفسيره. وهذا الانبعاثُ يكون مُفاجئًا، لأنه يَظهر دُون ترتيب مُسبق، ولا تخطيط منطقي . ورغم هذا، فإن الشعور الإنساني غير المُفسَّر هو نوع المعرفة، وله منطق خاص به. ووظيفةُ الفلسفة أن تكشف عن هذا المنطق الخاص.

5

الإنسانُ يَستمتع بزقزقة العصافير، ويَشعر بها، وتُسيطر على حواسِّه وأحاسيسه، ومع هذا فهو عاجز عن تفسير هذه الزقزقة، ولا يَعرِف معناها . ويَطرَب لصوت المطر أو هدير أمواج البحر، ويتفاعل مع تفاصيل الصَّوت بكل مشاعره . ورغم هذا، لا يَقْدِر أن يُفسِّره ويَفهمه. ورُبَّما يبكي الإنسانُ من الفرح، أو يَضحك مِن الألم (شَر البَلِيَّة ما يُضحِك) . وهذا الأمرُ له منطق خاص في حالات مُحدَّدة، ولا يُمكن تعميمه، ولا أخذه على إطلاقه . وقانونُ المنطق العام يَرفض العلاقةَ بين البكاء والفرح، أو الضحك والألم . وفي العقل الجمعي، يرتبط البكاءُ بالألم، والضحك بالفرح . وهذا يُثبِت أن للمنطق مَفْهُومَيْن: خاص (نِسبي) وعام (مُطْلَق). وإذا استطاعت الفلسفةُ دراسةَ الأشكال الاجتماعية المُنبثقة عن هذين المَفْهُومَيْن، سيتجذَّر المعنى الفلسفي في المجتمع كلُغة رمزية قائمة بذاتها، وقادرة على كشف الأنساق الفكرية المُستترة في مشاعر الفرد، وأحاسيس الجماعة، وعواطف المجتمع . وعندئذ، تُصبح فلسفةُ اللغة الكاشفة للأنساق الاجتماعية، هي لغة الفلسفة التي تُعيد تعريفَ الفردِ والجماعةِ والمجتمعِ، اعتمادًا على الجوهر لا الشكل .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

علي رسول الربيعيسوف نتناول تحت هذا العنوان:

ـ الحرية السلبية والإيجابية.

 ـ النظر فيما إذا كان يجب أن يكون لحرية التعبير حدودأ.

 ـ وجهة نظر جون ستيورات ميل التي مفادها أنه يجب أن تكون حراً في فعل ما تريد، بشرط ألا تؤذي أحداً آخر.

 ربما تكون الحرية هو المفهوم الأساسي والأكثر أهمية في الفلسفة السياسية. ويتفق الجميع على أن الحرية شيء جيد، ولكنها تثير الكثير من الأسئلة:

- ما هو الغرض من الحرية؟

- هل أريد ببساطة ألا يفرض المجتمع أي قيود على ما يمكن أن أفعل؟

- هل أريد أن أكون حراً في التخطيط لحياتي كما أتمنى؟

- كيف تتلاقى رغبتي في الحرية مع الحاجة الواضحة إلى نوع من النظام السياسي والاجتماعي؟

- إذا كان ما أريد فعله يتعارض مع مصالح الآخرين، كيف سيتم التوفيق بين حريتي في القيام بذلك وحريتهم في إيقافها؟

إذا لم تكن هناك مشاكل مع الحرية، فربما لن تكون هناك حاجة إلى الفلسفة السياسية أو السياسة بالفعل. لدينا مشكلة لأنه من الواضح في مجتمع معقد، لا يمكن للناس ببساطة القيام بأشيائهم الخاصة دون إدراك أن ما يفعلونه يؤثر على الآخرين، وأنهم يتأثرون في المقابل. وبالتالي، فالسياسة هي وسيلة للتفاوض بين القيد المنظم وحرية الفرد.

إنً الأسئلة الرئيسية هي:

- كيف ترتبط فكرة الحرية بالحاجة إلى القانون ووالحكم أو السيطرة السياسية؟

- أين هو الخط الذي يجب رسمه بين الأشياء التي يجب تركها للفرد وبين الأشياء التي يكون التوافق فيها مع الدولة هو الخيار الأفضل؟

من الواضح أن الحرية الكاملة للجميع قد تؤدي إلى الفوضى (بالمعنى المشترك لهذا المصطلح)، وتتعارض مع الطبيعة المعقدة للمجتمع - لا يمكنك تنظيم التعليم والرعاية الصحية والدفاع وما إلى ذلك، إذا كان الجميع حر في فعل ما يحلو لهم، لأن كل هذه الأشياء تعتمد على قابلية الناس للتوقع ومطابقة للقواعد الأساسية لتمكين المجتمع من العمل.

من ناحية أخرى، لا أحد سيعتبر أنه من الصحيح للناس أن يتصرفوا مثل النمل، وأن يطيعوا القواعد الثابتة وأن يكرسوا كل طاقاتهم دون تفكير لصالح الجماعة ككل. إن أشد الانتقادات التي كانت موجهة إلى بعض الدول الاشتراكية والشيوعية هي أنها حاولت، من أجل الصالح العام، حرمان الناس من حرية العيش كما يختارون. بوضوح، يجب أن يكون هناك توازن.

السؤال الأساسي هو بكل بساطة: لماذا يجب أن أقبل من أي شخص آخر أن يقول لي ماذا أفعل؟ لماذا لا يجب علي أن أفعل ما يعجبني؟

يؤدي هذا إلى تعريف سلبي للحرية - بمعنى آخر، الحرية هي ما تبقى لك بمجرد تأخذ تدخل الآخرين في حياتك في الاعتبار. ومع ذلك، تعني الحرية، بمعناها الإيجابي، اختيار كيفية العيش، وما يجب القيام به، والقدرة على تحديد جدول أعمالنا وأهدافنا.

 أشتهر إشعياء برلين بهذين المعنيين للحرية - الحرية السلبية والحرية الإيجابية - في محاضرة بعنوان "مفهومان للحرية"، ألقاها في جامعة أكسفورد في عام 1958، وهي نقطة انطلاق جيدة للغاية لأي شخص مهتم بـ الفلسفة السياسية.

الحرية السلبية

 الحرية هي التحرر من تلك الأشياء التي تحد مما يمكننا القيام به. يحاول الفلاسفة الذين يركزون على هذا الشكل من الحرية تحديد الحد الأدنى من الحرية الذي يجب السماح به للأفراد حتى يتمكنوا من الحفاظ على كرامتهم كبشر. إنها الحرية "من" بدلاً من الحرية "إلى".

اقترح جون ستيوارت ميل (1806-73)، الذي يعد كتابه On Liberty نصًا أساسيًا للنظر في هذا النهج للحرية، أن الإبداع الإنساني سيتم سحقه دون مستوى مناسب من الحرية. لم يوافق إشعياء برلين على ذلك، بحجة أن الإبداع يمكن أن يزدهر حتى داخل أكثر الأنظمة قمعية. هذه نقطة مهمة، لأنه إذا كان ميل على حق، فإن الحرية من القيود ضرورية للغاية إذا كان لديك الحرية في التعبير عن نفسك وتطويرها كفرد مبدع. من ناحية أخرى، إذا كان برلين على حق، فإن الوعي بـ "الحرية في" تستطيع أن تمكّن من العيش بشكل إيجابي وخلاق، حتى في الحالات التي تكون فيها الظروف الخارجية قاسية وتقييدية.

مبدأ ميل "الضرر"

أدرك ميل أنه ليس كل مجتمع مستعد أفراده لتحمل مسؤولية الحرية بالطريقة التي كان على وشك أن يقترحها. فيقول عن الحالة التي يسميها: الاستبداد هو أسلوب شرعي للحكومة في التعامل مع البرابرة، بشرط أن تكون بهدف تحسينهم، وتبرر الوسائل من خلال تأثيرها الفعلي من أجل تلك الغاية. (من: كتاب الحرية)

بمعنى آخر، تقوم الحكومة بتحسينهم حتى يصلوا الى النقطة التي يمكن أن يتصرفوا فيها ويفكرون كأفراد مستقلين. إن كل ما يحتاجه الناس هو حاكم حكيم يخبرهم بما يجب عليهم فعله.

أراد ميل تعظيم الحرية. فيجادل بأن: الغرض الوحيد الذي يمكن من خلاله أن تكون السلطة شرعية، وتمارس على أي عضو في مجتمع متحضر، ضد إرادته، هو منع إلحاق الأذى بالآخرين. فمصلحته، سواء الجسدية أو الأخلاقية، ليست أمرًا كافيًا. لان: الفرد هو صاحب السيادة على جسده وعقله، فقط (كتاب الحرية)

بمعنى آخر، حتى لو كنت تعتقد أنه سيكون لمصلحة شخص ما، أو سعادة طويلة الأجل، أنه يجب إجباره على القيام بشيء ما، أو الامتناع عن فعل شيء ما، فهذا سبب غير كاف للتدخل. حتى لو استطاع المرء أن يرى أن شخصًا ما سوف يؤذي نفسه، فيجب ألا يُمنع من ممارسة حريته من القيام بذلك. القيد الوحيد هو أنه لا ينبغي السماح لهم بإيذاء أي شخص آخر. يجب أن يكون الشخص حرًا في التخطيط لحياته لتناسب شخصيته، ولديه الحرية الكاملة في "الأذواق والملاحقات"، حتى لو اعتقد الآخرون أنه "أحمق أو منحرف أو مخطئ".

وعلى هذا الأساس، يناقش ميل حرية الضمير والفكر والشعور والتعبير، وكذلك حرية الاتحاد مع الآخرين. بمعنى آخر، يجب أن يُسمح لك بحرية بالتفكير والتحدث والتصرف كفرد - وجمع الأشخاص الآخرين معًا للقيام أو التفكير أو التصرف - بشرط ألا يحدث أي ضرر للآخرين في هذه العملية.

والحرية الوحيدة التي تستحق الاسم، هي السعي لتحقيق مصلحتنا في طريقتنا، طالما أننا لا نحاول حرمان الأخرين من حريتهم، أو التغلب عليها. (كتاب الحرية)

حرية التعبير

يرى ميل في كتاب الحرية: إذا أنعقد إجماع البشر على راي وكان هناك شخص واحد له راي مخالف، فلن يكون هناك ما يبرر للبشرية اسكات ذلك الشخص وبالمقابل لا يحق له اسكات البشرية اذا أمتلك سلطة تمكنه من ذلك، حتى لو كان الراي لا قيمة له الاً عند صاحبه.

من بين السمات الرئيسية لوجهة نظر ميل للحرية حرية التعبير، والتي اشرنا اليها أعلاه هو التعبير الأوضح والأكثر تطرفًا. ومع ذلك، هناك بعض القيود التي قد تفرض عليها، في ضوء مبدأ "الضرر" - حيث يمكن اعتبار التعبير عن وجهة نظر بمثابة تحريض على الكراهية. وبالتالي هناك قيود على حرية التعبير وضعت لمنع ارتكاب أي جريمة على أساس الدين أو العرق أو الجنس أو العمر مثلاً.

المشكلة في هذا هي معرفة بالضبط ما يمكن اعتباره يسبب جريمة أو أذى. ماذا عن الفكاهة أو السخرية؟ ألا يستطيع الكوميدي أن يشير إلى الدين أو الجنس أو العرق أو العمر في مزحة؟ هل القصد من أهمية مثل الكلمات المستخدمة؟

لذلك، عند النظر في هذا الموقف، نحن بحاجة إلى تحقيق التوازن بين مبدأ ميل "الأذى"، مع إصراره على حرية التعبير حتى بالنسبة لشخص ما في أقلية واحدة. ومع ذلك، قد يقيد ميل حرية التعبير لوجهات نظر في موقف من المحتمل أن يثير المتاعب. وبالتالي، لن يكون لديه أي مشكلة مع فكرة تقييد حرية التعبير حيث يكون عرضة للتحريض على الكراهية - في الواقع، كان يرى أنه هذا بالضبط نوع الموقف الذي يجب أن يتدخل فيه القانون لمنعه.

الاعتراضات على ميل

هناك اعتراضان أساسيان على الأقل على وجهة نظر ميل للحريات التي ينبغي السماح بها للأفراد. الأول هو:

- قد يكون لكل عمل تأثير على الآخرين، حتى لو لم نكن على دراية بما قد يكون عليه هذا التأثير. بعبارة أخرى، من السذاجة أن نفترض أن ما أقوم به في خصوصية منزلي لا يكون مصدر قلق للآخرين.

على سبيل المثال الشديد، يتم تنزيل الصور الإباحية للأطفال مثلاً، ويمكن القول أن المادة متاحة بالفعل على الويب، في انتظار الشراء، وبالتالي فإن إجراء أي تنزيل معين لا يضر أي شخص ماديًا. قد لا يؤثر إجراء التنزيل على أي شخص آخر، ولكنه يعتبر جريمة جنائية خطيرة، لأن الاتجار في المواد الإباحية عن الأطفال يستند إلى الاستغلال الجنسي للأطفال. لذلك فإن الشخص الذي يقوم بالتنزيل يكون بالنتيجة متورط في إنتاجه، وبالتالي ضرر السابق لحق بهؤلاء الأطفال. بالطريقة نفسها، لا يمكن فصل الفعل الخاص بتناول المخدرات غير القانونية عن الضرر الذي قد يحدث للآخرين من خلال الطبيعة الاستغلالية لتجارة المخدرات.

وبالتالي، على الرغم من أن تلك الأفعال يبدو أنها تتم على انفراد، إلا أن حجة ميل ستظل تدينها على أساس الأضرار السابقة التي حدثت. هذا لا ينكر أنه قد تكون هناك حالات حيث يجب السماح بالنشاط الخاص لأنه لا يضر حقًا بأي شخص آخر - إنه يشير ببساطة إلى أننا بحاجة إلى استعمال الشدة للغاية. ونكون حذرين عندما نحاول رسم الحدود بين الأفعال الخاصة وآثارها العامة.

الاعتراض الثاني أكثر أهمية من منظور الفلسفة السياسية:

- إنه يجب أن تهتم الدولة بالرفاه الأخلاقي للمواطنين. لا ينبغي تركهم لتقرير ما الذي سيفعلونه بأنفسهم.

لقد أعتقد أفلاطون وأرسطو أن الدولة تتحمل مسؤولية توفير الظروف التي يمكن للناس أن يعيشوا فيها حياة جيدة، وبالتالي فإن الأسئلة التي تحدد طبيعة هذه الحياة الجيدة كانت بحق جزءًا من الفلسفة السياسية.

بالنسبة لميل، فإن المسؤولية التي منحها الإغريق القدماء للدولة أصبحت الآن تُمنح للأفراد. يجب على الناس أن يحددوا لأنفسهم ماهية حياتهم، ومهمة الدولة هي السماح لهم بمتابعة هذه الحياة الطيبة بكل الوسائل الممكنة، شريطة ألا تقيد قدرة الآخرين على فعل الشيء نفسه.

ولكن هل كان محقًا في التركيز كثيرًا على الفرد؟ ندرك اليوم أن آراء الناس تلون من قبل وسائل الإعلام والمواقف العامة للمجتمع، وكلاهما قد يتاثر بالحكومة. ومن المتوقع أن تتبنى الحكومات وجهات نظر حول الصحة والبيئة والتعليم والعصيان المدني واحترام السلطة وما إلى ذلك. لكن من خلال القيام بذلك، فهم يؤثرون في مجال الحياة الذي ربما يعتبره ميل مسؤولية الفرد وحده. لذلك، بالنظر إلى طبيعة وسائل الإعلام والمجتمع، هل من العدل أن نتساءل عما إذا كان نهج ميل الفردي لا يزال واقعيا؟

الحريات الأساسية

تعتمد درجة الحرية المسموح بها للفرد على ما إذا كنت تعتقد أن الأشخاص، الذين تركوا لوسائلهم الخاصة، سيعملون بشكل منسجم فيما بينهم، وفي هذه الحالة يمكنك السماح لهم بالحرية القصوى. أما إذا شعرت، مثل الفيلسوف هوبز، أنه في الحالة الطبيعية، يكون الكل في حرب مع الكل وتحدث فوضى، فربما تريد تقييد الحرية أكثر من ذلك.

يتناقض راي بنيامين كونستانت (1768-1830)، الذي كتبه في فرنسا في أعقاب الثورة الفرنسية وحكم نابليون، مع "حرية القدماء"، التي كانت هي حرية المشاركة في الحياة السياسية للجمهورية كما في اليونان القديمة وروما، مع "حرية الحداثة" التي حددها من ناحية تلك الأشياء التي يمكن للأفراد القيام بها دون خوف من سيطرة الحكومة أو الاعتقال.

 أيً، أنه قام بالتمييز بين الحرية الإيجابية والسلبية. فبالنسبة له، كان هناك أيضًا تناقضًا بين محاولة الثورة الفرنسية بالعودة إلى تقليد جمهوري للحياة المدنية، والذي لم ينتج الحرية المقصودة، و "الثورة المجيدة" في بريطانيا عام 1688، التي أسست حكم القانون في ظل نظام ملكي دستوري، يضمن الحريات الأساسية للمواطنين. من الواضح أنه، يأسًا من الأول، اختار كونستانت الشكل الأخير من الحرية؛ الذي يحدد بعض الحريات الأساسية، والتي يتم اعتمادها على نطاق واسع كحد أدنى، وهي حرية:

- الدين

- الرأي

- التعبير

- الملكية.

كان يعتقد أن المجتمع يجب أن يحمي كل فرد من العقاب أو القيود في سعيه لهذه الحريات الأربع. يميل تعريف الحرية بهذه الطريقة، إلى تعزيز النظرة الفردية للبشرية - وبعبارة أخرى، أننا نعرّف أنفسنا بشكل رئيسي بما نختار القيام به كأفراد، بدلاً من اعتبار أنفسنا أجزاء صغيرة من كل اجتماعي أكبر.

كما كان كونستانت يدرك جيدا، هذا هو التقليد الذي تطور في العصر الحديث. إذا عدت إلى اليونان القديمة، كان هناك شعور بأن الفرد لا يمكنه إلا أن يعمل ويؤدي هدفه من خلال المشاركة في السياق الاجتماعي والسياسي بأكمله. فبالنسبة لأرسطو، كان الإنسان حيوانًا سياسيًا، وليس حيوانًا فرديًا يعمل لمصلحته الشخصية، بل للاتفاق مع الآخرين حول كيفية العيش معًا. لكن هذا، بطبيعة الحال يقع تحت مسألة " الحرية الإيجابية".

الحرية الإيجابية

الحرية الإيجابية هي حرية اختيار ما سنفعله في حياتنا، ووضع الأهداف والعمل لتحقيقها. هل ينبغي للحكومات أن تعزز هذه الحرية؟

يكمن الخطر في هذه المقاربة، كما قدمه برلين، أن هناك إغراءً أن يتمتع الناس بحرية "أعلى" من تلك التي يختارونها بالفعل لأنفسهم. وبعبارة أخرى، من المغري لمن هم في السلطة ويمتلكون القوة أن يعتقدوا أن الناس يجهلون إمكاناتهم الخاصة وأفضل مصالحهم.

وهناك خطر من إخبار الناس بأنهم أحرار حقًا، عندما تكون قد فرضت عليهم حقًا تصور عما يجب أن يكونوا "أحراراً" في فعله. إنها خطوة قصيرة من ذلك إلى تقييد الأشخاص الذين لديهم تصور أنانية أقل أو أكثر حول ما يجب أن يكونوا أحرارًا في البحث عنه في الحياة.

يقتبس برلين في محاضرته المعنونة "مفهومان للحرية" من كتاب كانط قائلاً "الأبوية هي أعظم طغيان يمكن تخيله". هناك دائمًا خطر قيام مصلح حسن النية بمعاملة الناس على أنهم مادة تتشكل من خلال الإصلاحات التي اختارها، سواء اختاروا المساعدة أم لا. وتلك الأهداف المفروضة، والحرية المفروضة لتحقيقها، هي في الحقيقة مجرد شكل آخر من أشكال السيطرة.

هناك مثال واضح لفرض الحرية الإيجابية في أعمال روسو، حيث يقول إن السعادة والحرية الحقيقية للناس تكمن في تنحية إرادتهم الخاصة وإيجاد حريتهم الحقيقية عن طريق التوفيق من أجل الإرادة العامة للناس. وبدلاً من أن يظلوا عبيداً لمشاعرهم وتوجهاتهم الخاصة، فإنهم سيختبرون بعد ذلك حرية إعطاء أنفسهم للمشروع السياسي الأكبر. وبطبيعة الحال، إذا لم يدرك الناس أن مصلحتهم وحريتهم الخاصة تكمن في هذا الاتجاه، فسيتعين عليهم - حسب عبارة روسو المخيفة - أن يكونوا مجبرين على أن يكونوا أحرارًا.

يجادل برلين بأنه لكي يكون المجتمع حراً، من الضروري ألا تعتبر أي قواعد مطلقة. بمعنى آخر، من حق الفرد دائمًا أن يفسر ويفهم أي قاعدة كما هي تنطبق عليه، ولا يجب إجبار أي شخص على التصرف بطريقة غير إنسانية. من المهم أيضًا أن تستند هذه الحرية إلى تعريف ماذا يعني أن تكون إنسان. يحتاج الناس أن يكونوا قادرين على تطوير فكرة عن نهاية أو غرض الحياة البشرية؛ يجب أن كونوا أحراراً في النظر في هذا ومناقشته، وتعديله حسب الاقتضاء. وفي النهاية، هذا ليس شيئًا يمكن فرضه على الناس، إنه شيء يتعين عليهم احتضانه بأنفسهم.

يتعلق جانب آخر من جوانب الحرية الإيجابية بتشجيع المشاركة في النظام السياسي (وليس وفقًا للجمهوريين، كما هو موجود في مدينة اليونان القديم) من خلال تقديم مدفوعات لكل مواطن، حتى لا يحتاجون إلى توظيف من أجل التمتع والمساهمة في المجتمع. يشير هذا إلى أننا قد لا نكون أحرارًا في القيام بما نشاء لأننا مشغولون للغاية في كسب المال - وقد تحررنا من هذه الحاجة، وسنكون أحرارًا في استخدام وقتنا بشكل أكثر إبداعًا.

من ناحية أخرى، فإن طرح مثل هذه الحرية سيتداخل مع الكثير من الافتراضات حول العمل والنظام الاقتصادي، بحيث يصعب رؤية كيف يمكن تنفيذها دون بعض الجملة.

الحرية الفعالة

من المهم التمييز بين أن يُسمح لك قانونًا بعمل شيء ما، وبين القدرة فعليًا على القيام بذلك. يمكن إصدار قانون يسمح لكل واحد، إذا رغبوا في ذلك، بالجري مسافة ميل في دقيقتين. ومع ذلك، لن يؤدي ذلك إلى زيادة حريتهم الفعلية، لأنه على الرغم من السماح لهم بذلك، فإنهم غير قادرين عليها فعليًا. وجود حد أدنى من القيود والحد الأقصى من الاحتمالات على ما يرام. ولكن في العالم الواقعي، لن تتاح الفرصة أمام الناس أبدًا إما لأن يصبحوا كل ما يسمح لهم بأن يصبحوا فيه، أو يحتاجون إلى ضبط النفس من القيام بكل ما هو ممكن لهم. تعتمد حريتهم الفعالة على امتلاك الوسائل والقدرة على فعل ما يختارونه.

إن فكرة الحرية الفعالة هذه تعود إلى النظر في الإنصاف الذي ناقشناه في حلقات سابقة من هذه السلسلة. إن السعي من أجل مجتمع عادل - سواء من خلال نوع من الاتفاقيات التي اقترحتها راولز، أو من خلال التقييم النفعي للفوائد - هو في نفس الوقت السعي لتحقيق مجتمع يتم فيه تعظيم الحرية الفعالة. أن تُعامل بشكل غير عادل هو أن يكون لديك إمكانات محدودة، وبالتالي أن تُحرم من الأشياء التي من الممكن أن تحصل على نصيب أكبر من الموارد. لا يقتصر الفقر على عدم وجود أموال أو موارد كافية، بل يتعلق الأمر أيضًا بالحرية في القيام بالأشياء التي يستطيع الأشخاص الذين لديهم أموال أكثر أن يختاروا القيام بها بحرية.

يبدو لي أنه يجب الحكم على النظام السياسي من خلال درجة تمكن شعبه من الاستفادة من الحريات المقدمة، وليس فقط من خلال استحقاقهم لها. السؤال الأساسي: ما الفرق الذي تحدثه هذه الحرية بالنسبة لي؟

تتحسن الحرية الفعالة إذا كان المجتمع مستقراً ومنظمة تنظيماً جيداً. علق ديفيد هيوم، في مقالته "حول الحرية المدنية"، والمهتم بتوازن الحرية والسلطة، وفوائد الأشكال السياسية المختلفة، على كيف أصبحت الحياة أفضل في ظل الملكيًة:

"لقد تأكد أن الملكية المتحضرة، وكما قيل سابقًا في مدح الجمهوريات وحدها، إنها حكومة قوانين، وليس حكومة اشخاص. أنها حساسة للنظام، والأسلوب، والثبات، لدرجة مذهلة. تشجع الصناعة، تزدهر الفنون، ويعيش ولأمير في أمان بين رعاياه، مثل الأب بين أطفاله." (كتاب الحرية)

على الرغم من أنه لا يعتقد أن الملكية هي شكل مثالي من أشكال الحكومة، إلا أنه يتخذ موقفا براغماتيا. إذا تم وضع القوانين وتطبيقها بنزاهة، وأصبحت الممتلكات آمنة، فمن غير المرجح أن يعيش الناس في خوف وبالتالي تزداد حريتهم الفعلية.

الخوف من الحرية

جادل الفيلسوف الوجودي الفرنسي جان بول سارتر بأن الوجود يسبق الماهية - وبعبارة أخرى، ليس لدينا ذات ثابتة نحتاج إلى التوافق معها، لكننا نبني من نحن كما نمضي في الحياة. لكن هذا يجلب معه مسؤولية فظيعة، وهي أننا أحرار في اختيار ليس فقط ما سنفعله، ولكن أيضًا ما سنصبح. بالنسبة لسارتر وغيره من الفلاسفة الوجوديين، مثل مارتن هايدغر، فإن هذا النوع من الحرية هو شيء يغري كثير من الناس بالفرار منه. إنه تهديد وكذلك تحد. من السهل اعتماد دور أو قناع ثابت بدلاً من مواجهة حرية تشكل حياتنا.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

علي رسول الربيعيسنتناول تحت هذا العنوان:

 ـ استكشاف مقدار الحرية التي نحتاجها لفهم الأخلاق

 ـ كيف تتحدى الاختزالية الحجج الأخلاقية

 ـ كيف تعامل الفلاسفة مع قضية الحرية والحتمية.

ـ أي نوع من الحرية؟

لا أحد حر تمامًا في فعل أي شيء يرغب فيه. الحرية محدودة بطرق مختلفة:

- كثير منا لاسيما ايام الصبا نود الانطلاق في الهواء، ننشر أذرعنا ونطير، وربما كنا نحلم بذلك، قد يكون لدي بعضنا شغف بأفلام سوبرمان، ونشعر أنه لابد أن يكون ذلك ممكناً بطريقة ما. لكن جسدنا غير قادر على الطيران بدون مساعدة. للتغلب على القيد، لا بد لي من اللجوء إلى التكنولوجيا.

- قد أرغب في أن أكون فنانًا أو موسيقيًا أو هي ترغب أن تكون لاعبة جمباز شهيرة وذات موهبة عالية، لكن حريتي محدودة. قد لا يكون من المستحيل فعليًا تحقيق هذه الأشياء، لكنه يتطلب مستوى من الخبرة والتدريب والقدرة الطبيعية، مما يجعل فرصي في تحقيق ما أريد مقيدة بشدة.

هناك أمثلة على تقييد الحرية الفعلية. سواء أكان ذلك بقوانين مادية أو قدرات طبيعية أو قيود قانونية أو اجتماعية، فنحن جميعًا مقيدون بما يمكننا القيام به. إذا كنت سأقوم باختيار أخلاقي، يجب أن أكون حراً في القيام، أو عدم القيام، بالشيء المعني. لا يمكن أن يكون من الخطأ أخلاقيا عدم الطيران لأنني غير قادر على القيام بذلك. من ناحية أخرى، يمكن أن يصبح المشي عارياً في العلن قضية أخلاقية - إذا قيل إن ذلك سيؤدي إلى ارتكاب جريمة - لأنه سيكون شيئًا اخترت أن أفعله وقد كان من الممكن أن أرفضه لو أنني اعتبرته خطأ .

الحتمية

سنعرض هنا وجهة نظر الحتمية. يعتمد العلم على مراقبة الأحداث الطبيعية وأسبابها، ومن المعلومات الناتجة نكون قادرون على تطوير النظريات التي يمكن التنبؤ بها الأحداث. اذا قلت "أعتقد سيهطل المطر". لا تعني بذلك أن الطقس لديه شخصية، وأنك تخمن أنه قد قرر هطول الأمطار. بل بالأحرى أنك قلت بناءً على السحب والرياح والرطوبة في الهواء، أيً أنك كنت لاحظت أشياء مماثلة التي أدت إلى المطر في أوقات سابقة.

- يُتوقع هطول المطر طبقاً لبعض الظروف الجوية .

- قد تكون غير دقيق في التنبؤ بهذه الظروف، وبالتالي بقدوم المطر، لكن هذا لا ينتقص من الطبيعة المحددة بشكل أساسي لهذا الحدث.

- ستمطر في ظل ظروف معينة وبدونها لا، لأن: الجو يتحرك بشكل حتمي. ممكن التبوء به من الناحية النظرية، حتى لو كان صعباً عملياً.

ممكن التنبؤ بالمطر لأنه من المسلم به أن جميع الظواهر الفيزيائية مترابطة بشكل سببي، ويمكن شرح كل شيء من الطقس إلى النبضات الكهربائية من خلال القوانين الفيزيائية. هذه هي الحتمية.

يمكن القول أنه منذ صعود العلم الحديث في القرن السابع عشر إلى أوائل القرن العشرين، كان العلم ميكانيكيا. كان ينظر إلى العالم أجمع كآلة، من شأنها أن تمكًن البشرية من التنبؤ به والتحكم في عمل الأشياء الفردية. حتى عملية التطور، كما حددها داروين، كان لها أساس ميكانيكي وحتمي. لدينا مثال واضح مع نظرية الانتقاء الطبيعي على الطريقة التي يتم بها دفع التغيير إلى الأمام من خلال تطبيق قانون موضوعي؛ أن أولئك الذين يبقون على قيد الحياة إلى مرحلة البلوغ هم وحدهم القادرون على التكاثر، وهم هم الذين ينقلون خصائصهم إلى الأجيال القادمة، وليس الآخرين.

لا يزال العلم يبدو حتمياً إلى حد كبير في الأطار العام للأشياء، ولذلك ركب بعض الفلاسفة كثير من الحقائق على اساس أنه في ميكانيكا الكم، على سبيل المثال، تحدث الأشياء في المستوى دون الذري بطريقة عشوائية. نعم يمكن رؤية الاتجاهات العامة، لكن لا يمكن التنبؤ بعمل الجزيئات الفردية. لكن هذا لا يعني أنه، على المستوى الذي يعمل ويشارك فيه البشر إن العالم بأسره غير محدد - فهذا يقتصر على عالم فيزياء الجسيمات.

احتفظ العلم بوجهة نظر حتمية إلى حد كبير إجمالاً، بما في ذلك مجالات علم الاجتماع وعلم النفس التي تستكشف القضايا المهمة أخلاقياً. هناك فكرة عامة مفادها أن جميع الأحداث (بما في ذلك الفعل البشري) يمكن شرحها بناءً على الأحداث السابقة، التي تعتبر المسبب لها. ويمكن تفسير ذلك في ما يخص الفعل البشري (إلى حد ما) من حيث تأثير البيئة أو التنشئة على الفرد، إلى جانب جميع القيود المادية الأخرى التي تحد من عملنا.

قد نكون مؤهلين اجتماعيًا أو نفسيًا للتصرف بطريقة معينة، نتيجة للتربية أو البيئة. أو تعطي الجينات الوراثية استعدادًا للعنف أو الاكتئاب أو الفصام . هل هذا يعني أننا لا نتحمل أي مسؤولية عن هذه الأشياء؟ إذا كان من الممكن كشف صلة سببية مباشرة، فسيتم تعزيز حالة الحتمية في هذه المجالات من الحياة. من ناحية أخرى، كشفت الدراسات أنه بينما تكون الصفات الجسدية (مثل لون العينين) 100 في المائة بسبب الوراثة، لكنها كشفت أن العوامل السلوكية للتوائم، مثل الميول النفسية - الجسدية، يمكن أن يكون لها عامل وراثي منخفض يصل إلى نسبة 31 في المائة. يوضح هذا ما يمكن أن يوحي به المنطق السليم، وهو أن هناك عوامل أخرى بالإضافة جيناتنا التي تؤثر على سلوكنا. لكن هذا لا يدحض الادعاء بأن كل شيء محدد. إنه يدل على أنه لا يوجد عامل وحيد فقط يمكن أن يحدد النتيجة النهائية، ولكن مجموع العوامل تقوم معًا بذلك، يساهم بشيء كل منهما في المعادلة الحتمية.

قد تؤثر هذه الأشياء على حريتنا، وليس بالضرورة على حرية إرادتنا (التي سنتناولها لاحقاً). ربما نعتقد أننا أحرار في الاختيار، حتى إذا كان عالم النفس أو عالم الاجتماع أو عالم الوراثة السلوكي يدعي معرفته بشكل أفضل.

الاختزالية

 هي مشكلة فلسفية وليست مشكلة أخلاقية، لكنها مهمة لأنها تدعي أنها تجعل اللغة الأخلاقية، وفكرة الحرية الشخصية بأكملها بلا معنى.

 عندما ترفع ذراعك لالتقاط القلم مثلاً. ما يحدث في الواقع؟ لقد تعلمنا في المدرسة منذ كنا طلبة في المرحلة الثانوية وما نجده في كثير الكتب التعليمية المبسطة، أن ما يحدث هو:

- تقلص العضلات بسبب تغير كيميائي.

- يحدث هذا التغيير الكيميائي من خلال المنبهات التي تمر عبر الخلايا العصبية.

- النبضات الكهربائية الصغيرة في الأعصاب تنشأ في الدماغ.

 - يحتوي المخ على ملايين كثيرة من الدوائر الصغيرة لكل حركة للجسم والفكر الذي يمر عبر العقل، هناك الدافع الكهربائي المقابل في الدماغ.

إذا مررت شحنة كهربائية عبر عقلي، فسوف أرخ عضلاتي بشكل لا إرادي. إذا تم قطع إمدادات الدم إلى جزء من الدماغ، فإن خلايا الدماغ هذه ستموت، ونتيجة لذلك ستتوقف أجزاء من جسدي عن العمل بشكل تلقائي (كما يحدث عندما يصاب شخص ما بتخثر دماغي). قد لا أدرك أن الضرر في ذهني؛ كل ما أعرفه هو أن ساقي لن تعمل.

الآن هذا يقود المُختزل أو الذي يتبنى نظرية الاختزال إلى الادعاء بأن الأفكار التي لدينا ليست سوى نبضات كهربائية. الحرية إذن هي وهم بطريقتين: أولاً، من الممكن نظريًا التنبؤ بأي خيار؛ ثانياً، الاختيار ليس في الواقع سوى مجموعة من النبضات الكهربائية التي تتبع قوانين الفيزياء. في مقابل هذا، يمكن الرد على الاختزالية مثلا بأنها تختزل الكتاب ما هو إلا مجموعة من الحروف المطبوعة على الورق، أو أن اللوحة ليست سوى بقع من صبغات على قماش. أيا كان التحليل المادي الذي قد يقدمه المختزل، فإن تجربتي للكتاب أو اللوحة هي شيء أكثر من قواعدها المادية.

بالطبع لكي يكون للاختيار الأخلاقي (وبالتالي الأخلاق) أي معنى، يجب أن أؤيد أن الشخص أكثر من مجرد نبضات كهربائية محددة. لكن مع ذلك، لا يوجد شيء يمكنني القيام به ولا يشمل أيضًا تشغيل عقلي، فبمجرد موت عقلي لم أعد أشعر بالمعنى المادي للشعور على الأقل.

إن وجهة نظر الاختزالية تستنزف وتفرغ اللغة الأخلاقية من أي معنى صحيح. لقد كانت هناك حركة فلسفية لها تأثير كبير تدعى "الوضعية المنطقية " في الجزء الأول من القرن العشرين، تبنت وجهة نظر مفادها أن الاقوال ذات معنى فقط إذا كانت صحيحة بالتعريف، أو إذا كان يمكن إثبات أنها صحيحة بالملاحظة. "اثنين زائد اثنين يساوي أربعة" صحيح لأنه مسألة تعريف رياضي، ايً أن محمولها لا يزيد عن موضوعها فهي قضية تحليليلة. والعبارة "هناك شجرة في الحديقة" اعتبروها تعني "إذا كنت تريد أن تنظر إلى الحديقة، فسترى هناك شجرة"- لذلك فهي ذات معنى لأن هناك دليل فعلي أو مؤكد) لإثبات صحتها أو خطئها. لكن عبارة "من الخطأ أن تقتل" ليست تعريفية (تحليليلة)، وكذلك لا يمكنك أن تجد أي شيء " هناك" في العالم يقابل كلمة "خطأ". وعليه إن الأخلاق لا معنى لها، طبقاً لهذا الأختبار، لأنها لا تعتمد على المنطق ولا على الأدلة التجريبية.

لاحظ لماذا من المهم التفكير بوضوح في المطالبات الاختزالية والحتمية:

- تقول الحتمية أن جميع القرارات هي نتيجة لعوامل سابقة. إذا كانت الحتمية صحيحة، فلسنا أحرار في اختيار ما يجب القيام به. لذلك نحن لا نستحق الثناء ولا اللوم على أفعالنا. لا يتعين علينا أن نعرف كل الأسباب وراء وجهة نظر أديتميترية - يجب علينا أن نعتقد أن هناك أسبابًا كافية.. ليس علينا أن نعرف كل الأسباب لنتبنى وجهة نظر حتمية - علينا فقط أن نعتقد أن هناك أسباب كافية.

- يدعي الاختزال أن جميع العمليات العقلية هي في الواقع نبضات كهربائية في الدماغ. على هذا الأساس، فهي جزء من العالم المادي وتخضع للحتمية.

- لا يمكن أن يُقال أنه يتعين علينا القيام بشيء ما، بدون أن نتمكن من فعل ذلك. لأنه بدون قدر كافٍ من الحرية الأخلاق لا معنى لها.

الحرية والدولة

في المناقشة التي تمت حتى الآن، نظرنا بطريقة مجردة إلى حد ما في ما إذا كان الشخص حرًا في تقرير كيفية التصرف أم لا. لكن من الناحية العملية، حتى لو شعرنا بأننا أحرار، فنحن مقيدون بالفعل بالقواعد القانونية والاجتماعية للمجتمع الذي نعيش فيه.

إذا خرقنا القانون، فإننا نعاقب. إذا لم يتم ضبطنا ونحن نقوم بأنتهاك القانون، فقد لا نزال نشعر بالذنب. الحرية ليست مجرد مسألة بيولوجية، ولكنها مسألة حياة اجتماعية وسياسية. إذا شارك شخص ما في مظاهرة مؤيدة لمزيد من الحرية، فمن غير المرجح أن يكون قلقًا بشأن ما إذا كان يمكن أن يكون هناك تفسير علمي لكل نشاط عضلي أثناء سيره إلى الأمام؛ ولكن من المرجح أن مايهمك أن تقوم بحملات من أجل الحرية الاجتماعية أو السياسية واستعادة الفرد للخيارات التي تحظرها بعض السلطات.

ولكن هل يجب أن يكون لكل فرد الحرية في اختيار الطريقة التي سيعيش بها؟ في أي بلد معين، يحتاج الناس إلى اتخاذ قرار بشأن ما إذا كانوا سوف يقودون سياراتهم جميعًا على اليمين أو اليسار، وإلا ستكون هناك فوضى على الطرق. تملي الفطرة السليمة أنه يجب ألا يحق للفرد حرية القيادة على الجانب الآخر. ولكن هل يجب أن يتمتع الجميع تلقائيًا بالحق في المشاركة في العملية الديمقراطية لاختيار الحكومة؟ الإجابة على هذا السؤال ليست واضحة، لأن النتائج أقل وضوحًا.

جادل أفلاطون، على سبيل المثال، (في كتاب الجمهورية افصل التاسع) بأن معظم الناس العاديين لم يكن لديهم طبيعة عقلانية قوية،، وبالتالي يحتاجون إلى التقييد فيما فعلوه بحكمهم من قبل أولئك الذين كانوا أكثر عقلانية بشكل طبيعي. اعتقد أن الفلاسفة وحدهم سيكون لديهم القوة الكافية ليتمكنوا من التشريع من أجل مصلحة المجتمع ككل. في هذا الكتاب، يقدم أفلاطون الحجج المختلفة في شكل نقاش بين الأفراد. واحد من هؤلاء هو ثريماخوس، Thrasymachus، الذي يعتقد أن القوانين دائما ما تصب في مصلحة الطبقة الحاكمة، وتعليقات غلوكون Glaucon الذي يعتقد بالمقابل أن الجميع يودون أساسا التصرف بدوافع أنانية بحتة، على الرغم من أن جميعهم سيعانون نتيجة للفوضى التي تلت ذلك. كل من هذه الآراء حول الدوافع الإنسانية والاجتماعية تجد أصداءها تتردد على مدار تاريخ الأخلاق.

 

الدكتور علي رسول الربيعي

 

عبد الجبار الرفاعي

تفرضُ رؤيةُ الكائنِ البشري للعالَم الذي يعيش فيه كيفيةَ صلته بالعالَم، ويتشكّل نمطُ وجودِهِ في ضوئها، وتمثّلُ هذه الرؤيةُ إطارًا مرجعيًا موجّهًا لتفكيرِهِ ومواقفِهِ وسلوكِهِ في الحياة.

لقد صنع علمُ الكلام رؤيةَ معظم المسلمين للعالَم، بعد أنْ تسيّدت الرؤيةُ التوحيديةُ للمتكلمين مبكرًا الحياةَ الدينيةَ في عالم الإسلام، واستولت بالتدريج على شعورِ المسلم ولا شعورِه، وصاغت أشكالَ علاقته بذاته والآخر، وتشكّلَ في سياقها منطقُ التفكير الديني في الإسلام، وظهرت بصمتُها في تدوينِ علومِ الدين ومعارفِهِ المختلفة. وانتهت إلى ضربٍ من الاغترابِ الوجودي للمتديّن عن عالَمِهِ الذي يعيشُ فيه.

في لاهوتِ المتكلّمين يغتربُ الإنسانُ وجوديًا عن الله، لأن ذلك اللاهوتَ يبرعُ في نحتِ صورةٍ لله تحاكي علاقةَ السيد بالعبد المكرّسةَ في مجتمعات الأمس. الله في هذا اللاهوت تسلطي كما الملوك المستبدّين، نمطُ علاقته بالإنسان كأنها علاقةُ مالكٍ برقيقه، فهو يمتلك الناسَ كما يمتلك الأسيادُ الرقيقَ، ويمتلك أقدارَهم، ويمتلك التصرّفَ بكلّ شيء في حياتهم. وقد وُلدت عقيدةُ الجبر في أفق هذه الرؤية مبكرًا، وأصبحت منبعًا لشرعنة الأشكال المتنوّعة للاستبداد في تاريخ الإسلام. وحاولَ بعضُ الفقهاء تبريرَ استبدادِ الحاكم في أدبيات الأحكامِ السلطانية، وتفويضِه بحقِّ الاستحواذِ على السلطةِ واحتكارِها، وبحقِّ ممارسةِ كلّ ما من شأنه تدبيرُ الشأن العام وبسطُ الأمن ما دام عادلًا. ولا أدري كيف يمكن أنْ يجتمعَ الضدان (الاستبداد/العدالة) في أفعالِ وأوامر شخصٍ واحد، على نحوٍ يكون عادلًا في استبدادِهِ، ومستبدًا في عدالتِهِ. وهو ما تفنَّن بعضُ المتكلّمين في تسويغِه عندما نحتوا صورةً لله تحاكي شخصيةَ المستبدّ الظالم في أوامرِهِ، لكنَّه العادلُ مع خلقِهِ في تلك الأوامر.

1071 ثلاثيةـالرفاعي

إن الصورةَ التي صاغها المتكلّمون لله في كتاباتهم لا يتجلّى فيها شيءٌ من رحمته، بل تظهر قاسيةً شديدةً، إذ عمل المتكلمُ على رسم صورةِ الخالق بوصفه مُعاقِبًا لخلقه عقابًا مريرًا، ومعذِّبًا لهم عذابًا مريعًا، ومتسلِّطًا عليهم، يراقب كلَّ زلّةٍ أو خروجٍ عمَّا فرضته تلك الصورةُ من أوامر ونواهٍ تتّسع لكلّ صغيرة وكبيرة في حياتهم. وتغلّبت صورةُ الالهِ المرعبِ وتغلغلت في آثار المتكلمين، حتى طمستْ ما يشي بمحبةِ اللهِ لخلقِه، ورحمتِه، وعفوِهِ وتوبتِهِ ومغفرتِهِ لهم. من هنا نشأ جدلٌ واسعٌ بين المتكلّمين حولَ مصير فاعل الكبيرةِ، حتى قال بعضُهم بخلوده في النارِ.

ولم تشأ تلك الصورةُ قبولَ التنوّع والاختلاف الطبيعي بين البشر، ولم تقبل صورةُ الله التي نحتوها إلّا النموذجَ الواحدَ الذي صاغه علمُ الكلام، وهو نموذج يجب أنْ يتماثلَ فيه كلُّ الناس الذين يعيشون في الأرض أمس واليوم وغدًا.

 وكان من نتائج تسيّد صورة الله هذه، بناءُ علاقة عدائية بين الله والإنسان، لأن رسمَ صورة مخيفة لله تقود الإنسانَ للنفور منه، الإنسانُ بطبيعته ينفر من كلّ ما هو مخيف، ولا ينجذب إلّا لما كان محبوبًا جميلًا.

قادتْ تلك الصورةُ المكفهرّةُ الإنسانَ للهروب من الله بسبب ما أثارته من قلق، وذعر، وكآبة، وربما اشمئزاز. فإنه لا يمكن أن يحبَّ الإنسانُ عدوَّه، أو يظلّ محايدًا حياله، بل عادةً ما يلجأ لمقاومته، فإنْ لم يستطع يلجأ للاحتماء، بالاختباءِ والغيابِ عنه تمامًا. وعندما يحتجب الإنسانُ عن الله يحتجب اللهُ عنه.

عندئذٍ ينتهي الحالُ بالإنسان للسقوطِ في الاغترابِ الوجودي أو «الاغتراب الميتافيزيقي»، الذي هو ضربٌ من الاغتراب يختلف عن اغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي. إنه ضياعُ كينونة الكائن البشري وتشرّدُها عن أصلها الوجودي.

يفتقرُ الإنسانُ في وجوده المتناهي المحدود إلى اتصالٍ بوجودٍ غنيّ لا نهائيّ لا محدود، وعندما لا يتحقّق له مثلُ هذا الاتصال الوجودي يسقطُ في الاغترابِ الميتافيزيقي. والاغترابُ الميتافيزيقي يعني أن وجودَ الذات البشرية وكمالَها لا يتحقّقان ما دامتْ مغتربةً في منفى عن أصلها الذي هو الوجود الإلهي.

الاغترابُ الميتافيزيقي ضربٌ من الاغتراب لا يرادف تفسيرَ جورج ويلهم فردريك هيغل (1770 - 1831) الذي يرى أن الاغترابَ ينشأ من وعي الإنسان بالهوة الشاسعة بين وجوده والحقيقة النهائية «الروح المطلقة» أو العالم المثالي. فالإنسانُ يكون مغتربًا عندما لا يجد ذاتَه في العالم المثالي.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ لودفيغ فويرباخ (1804 - 1872) الذي يرى أن خيالَ الانسان هو من اخترع فكرةَ الإله وأسقط عليها كلَّ كمالاته، فأصبح الانسانُ مُستلَبًا، عندما صيّر الإلهَ كلَّ شيء في حين سلب من ذاته كلَّ شيء.

ولا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ كارل ماركس (1818 - 1883) الذي جعل سببَ الاغتراب استغلالَ الرأسمالي للعامل، واستلابَ قيمة عمله، الذي يفضي إلى: اغترابِ العامل عن ناتج عمله، واغترابِه عن عملية الإنتاج، ومن ثم اغترابِه عن وجوده النوعي ككائن بشري، واغترابِ العمال بعضِهم عن بعضِهم الآخر.

كما لا يرادف الاغترابُ الميتافيزيقي تفسيرَ سيغموند فرويد (1856 - 1939)، الذي رأى أن الاغترابَ ناتجٌ عن وجودِ الحضارة واستلابِها لغرائز الإنسان، اثر ما يحدث من تعارض بين متطلّبات بناء الحضارة وما تفرضه الدوافعُ الغريزية للإنسان من متطلّبات مضادّة.

وأعني بـ «الاغتراب الميتافيزيقي» أن الانسانَ هو الكائنُ الوحيد في هذا العالم الذي لا يكتفي بوجود ذاته، فيشعر على الدوام بافتقاره إلى ما يثري وجودَه، لذلك لا يكفّ عن الاتصال بمنبع لا محدود للوجود، يتكرّس به وجودُه الشخصي، ويظلّ يعمل كلّ حياته على توسعة وجودِه وإغنائه، من خلال السعي للعثور على ذلك المنبع اللامحدود للوجود، فإنْ عجز عن الاتصال بالمطلق عاش حالةَ ضياعٍ واغترابٍ وجودي.

ولما كان كلُّ شخص يحتاجُ لما يتخطّى وجودَ ذاته المحدود، فإنْ لم يصل إلى المطلق يحاول أن يعوّض حاجتَه بما يعتقد به من مطلق، بقطع النظر عن نوع ما يعتقد به، سواء أكان أيديولوجيًّا، أو ميثولوجيًّا، أو فكرةً، أو أمةً، أو إثنيةً، أو بطلًا، أو وطنًا، أو ملحمةً، أو سرديةً، أو غيرها، وكلها تنتمي إلى المتخيَّل الذي تنسجه كلُّ جماعة لنفسها، ويتحقّق فيه شكلٌ من أشكال حضورِها، وحضورِ كلِّ فرد ينتمي إليها، وشعورِه بالاتصال بمطلق. لكنه عندما يستفيق متأخرًا يجد ذاتَه مقذوفةً في متاهات، وكأنه يهرول وراء سراب، لأن كلَّ ذلك لا يشعره بأن وجودَه الفردي يتكرّس بمزيد من الوجود. بمعنى أن لدى كلِّ فرد حاجةً إضافيةً في ذاته للوجود عابرةً لوجوده الشخصي الضيّق، وهذا الوجودُ لا يفيضه سوى الاتصال الحيوي بالمطلق. إذ يتّسع وجودُ الكائن البشري بمدى قدرته على تحقيق ضربٍ من الاتصال بهذا الوجود اللامحدود.

وجودُنا الفقيرُ يبحثُ عن وجودٍ يتسعُ له ويتحررُ به من كلِّ حدود وقيود الوجود. الزمانُ والمكانُ واللغةُ قيودٌ وحدودٌ تُفقِر الوجود، وتغرقه في اللامعنى أحيانًا، لذلك يبحث الإنسان عن لغة بديلة للغته تستوعب ما يتوالد في متخيله وأحلامه وأوهامه وقلقه وآلامه، فينتقل للرمز الذي يتسعُ لما لا تتسعُ له أيةُ لغةٍ. الرمزُ يتكفل بتزويد الإنسان بمعانٍ تضيقُ بها اللغةُ، الرمزُ لغةُ الأديانِ والفنون، لذلك كانت الأديانُ والفنونُ من أثرى منابع المعنى في حياة البشر.

كلُّ وجودٍ يقترنُ بزمانٍ ومكانٍ ولغةٍ فقيرٌ، لأن الزمانَ والمكانَ واللغةَ قيودٌ تقيّدُ الوجودَ وحدودٌ تحده، وكلُّ قيدٍ وحدٍ نهايةٌ، والنهايةُ افتقارٌ، وكلُّ افتقارٍ ضربٌ من الظلامِ. لذلك لا يمتلكُ الوجودُ المحدودُ كينونتَه إلا عندما يتحررُ من حدودِ الزمانِ والمكانِ واللغةِ. الزمانُ الذي هو غطاءٌ من الظلامِ يحتجبُ به الوجودُ، فيغترب عن ذاته. الصلةُ الوجوديةُ بالوجود المطلق، وهو الله، هي ما يحرّرُ الوجودَ المحدود من اغترابه، أي من فقرهِ الناتج عن قيوده وحدوده، التي عندما يتخلصُ منها يمتلكُ كينونتَه، فيكتمل وجودُه، وتُمحى غربته عن ذاته. لا يمتلكُ الوجودُ المحدود ذاتَه الا بصلته الوجودية بالوجود المطلق. وهذه الصلة لم أجدها في مدونة علم الكلام الإسلامي، الذي أنتجَ غربةَ المسلم عن ذاته وعالَمه.

  هذا المعنى هو الذي أفهمه من آية النور: "اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ۗ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ"١. "وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا"٢. هذا النور هو الوجود المطلق الذي يخرج به الوجود المحدود من فقره وظلمته، أي من اغترابه.

 إن القرآنَ كتابٌ ميتافيزيقي بامتياز، وكلُّ ما جاء فيه ينشدُ بناءَ صلةٍ وجودية بالله، وتكريس الحياة الروحية والاخلاقية، نلحظ أن حضورَ الله يتفوّق كثيرًا على كلِّ حضورٍ في هذا الكتاب، وهذا الحضورُ لله لا نراه بهذه الكثافة في أيّ كتابٍ مقدّسٍ آخر غيرِ القرآن. فقد ورد ذكرُ اسمِ "الله" 1567 مرةً في آياته، ولو أضفنا لذلك عددَ أسماءِ الله وصفاتِه المتنوّعةِ في القرآن لتجاوز هذا العددَ بكثير، فمثلًا تكرّر ذكرُ كلمة "رب" فقط 124 مرة.

 الدينُ هو ما يخلّص الإنسانَ من الاغتراب الميتافيزيقي من خلال الاتصال الوجودي بالمطلق، الذي هو الله في الأديان الإبراهيمية، والإله أو الروح الكلّي في أديان أخرى. والمطلقُ يمثّل أغزرَ منبع يستقي منه الكائنُ البشري مزيدًا من الوجود، وهذا الوجودُ هو الذي يحدّد كيفيةَ حضور الذات البشرية في العالَم، لأن الكائنَ البشري يتحقّقُ فيه بمرتبة أكمل من الوجود.

الاغترابُ الميتافيزيقي حالةٌ أنطولوجية، تُستلَب فيها كينونةُ الكائنِ البشري، ولا يتخلّص منها الإنسان إلّا ببناءِ صلةٍ ديناميكيةٍ يقظةٍ بالمطلق، تتحقّق فيها أُلفةُ الإنسان مع الوجود، بعد أنْ تحدث عمليةُ توطينٍ له، بنحو يتحوّل الوجودُ فيه إلى مَسكَنٍ يقيم فيه. وحيث يسكن الإنسانُ الوجودَ يجدُ ذاتَه، وعندما يجدُ ذاتَه يشعر بالأمان في المأوى الذي يأوي إليه. ويتبدَّل نمطُ علاقته بإلهِهِ، فيتحوّل من عداءٍ إلى حبٍ، بل قد يتسامى الحبُّ إلى مرتبةٍ يكون فيها الحبيبُ هو الأنا.

وعلى الرغم من الآثار الموجعة لاغتراب الوعي والاغتراب الاقتصادي والاجتماعي والنفسي والسياسي، لكن الخلاصَ من أنواع الاغترابِ هذه لا يعني الخلاصَ من الاغتراب الميتافيزيقي، لأن الاغترابَ الميتافيزيقي اغترابٌ لكينونة الكائن البشري عن وجودها، وهذه الحالةُ من الاغتراب تنتج القلقَ الوجودي، إذ بعد أن تنقطعَ صلتُه الوجودية بإلهِهِ، يفتقدُ ذاتَه، وعندما يفتقد الإنسانُ ذاتَه يمسي عرضةً لكلِّ أشكال التبعثر والتشظّي، وربما يتردّى في حالةٍ من الغثيان الذي يعبثُ بروحِهِ ويمزّقُ سلامَه وسكينتَه الجوانية.

ونشأ اغترابُ الإنسان الوجودي عن إسقاط المتكلّمين لصورة الإنسان على الله. فقد تورّط المتكلّمون بقياس الغائب على الشاهد في دراسة توحيدِ الله وصفاتِه وأفعالهِ، وكان نموذجُهم المحسوس علاقةَ السيد بالعبد، فصاغوا في إطارها نمطَ علاقةِ الله بالإنسان. ووُلدت الرؤيةُ التوحيدية الكلامية في أفق هذا الفهم، وكُتبت المدونةُ الفقهية في سياق هذه الرؤية، وتبعًا لذلك أنتجت فقهًا يشرعن بعضَ أشكال العنف. بل تغلغلت رؤيةُ المتكلّمين في معارف الدين المختلفة، وظهر أثرُها في كثير مما أستلهمه المسلمون من النصوص الدينية.

الرؤيةُ التوحيديةُ للتصوّف الفلسفي عالجت الاغترابَ عن الله ببناء صلة وجودية بين الله والإنسان، إذ يسافرُ الإنسانُ في ضوء هذه الرؤية إلى الله حتى يصلَ إليه، ويحضر في حضرته، كذلك يقترب اللهُ من الإنسان، حتى يصيرَ الإنسان مرآةَ الله وأظهرَ تجلياته، كما يشرح ذلك مفهومُ الإنسان الكامل، وأسفارُ الإنسان في عوالم الأسماء والصفات الالهية، وكيف يصعد الإنسانُ سُلّمَ تلك العوالم، ويتسامى ليتصل وجوديًا بالحق. في إطارِ هذه الرؤية تتلاشى المسافاتُ بين الإنسان ومقامِ الربوبية، ويتخلّص الإنسانُ من اغترابه الوجودي عن الله، ويكفّ الدينُ عن أن يكونَ منبعًا للعنف.

ويمكن العثورُ على بعض الجذور العميقة للعنف في الاغتراب الميتافيزيقي، فقد كشفت الدراساتُ الأنثروبولوجية عن اقترانِ العنف بالمقدّس٣ . وتشير التوراة والقرآن إلى أن أولَ عملية عنف دموي في الحياة البشرية قتل فيها أحدُ أبناء آدم أخاه كانت بسبب نزاع على قربان إلهي.

عندما نتحدّث عن التصوّفِ الفلسفي، وكيفيةِ رسمه لوحةً ميتافيزيقية مختلفة تمامًا عن لوحة المتكلمين، لوحة يتصل فيها الإنسانُ بالله، فيتحرّر من اغترابه الوجودي، وتبعًا لذلك يتحرّر المتدينُ من أحد بواعث الحاجة للعنف، فإن البحثَ يتناول الموضوعَ من زاوية تنشد الكشفَ عن أثر هذا النوع من الاغتراب، بوصفه يسهم في تشكيل البنيةِ العميقةِ لظهور العنف. ولسنا هنا بصدد الحديث عن الأسباب الأنثروبولوجية والاجتماعية والنفسية والسياسية والاقتصادية المختلفة للعنف، والتي لا يمكن استبعادُها ونفي الأثر المباشر والكبير لها في ظهور الأنواع المتنوّعة للعنف، وتطوّر أساليب ممارسته.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

.......................

١-  النور، 36. 

3- الزمر، 69.

٣-  راجع كتاب: رينيه جيرار. العنف والمُقدَّس. ترجمة: سميرة ريشا. بيروت: المنظمة العربية للترجمة.

 

 

حاتم حميد محسنيجب على النظرية العلمية:

1- ان تقدم توضيحا متماسك منطقيا

2- ان تكون مدعومة بالدليل

3- ان تكون مفيدة

اذا كنت تؤمن بان واحدة من الصفات الثلاث اعلاه هي خاصية معرّفة للعلم فأنت بالتعبير الفلسفي اما

1- واقعي او 2- تجريبي او 3- برجماتي.

واذا صادف ان تكون عالِما فمن المحتمل ان يكون اهتمامك الرئيسي اما

1- نظري 2- او تجريبي 3- او ذرائعي (اداتي). وبشكل عام انت ربما تحب فقط

1- ان تكون لديك فكرة عن الكيفية التي يعمل بها الشيء او

2- اكتشاف كيفية عمل الشيء او

3- فقط لتجعله يعمل.

 عندما يقوم فلاسفة العلوم بتأدية عملهم فان الشيء الاساسي الذي يأخذونه بالاعتبار هو أي مزيج من العناصر أعلاه يجعل الفعالية علمية. الموضوع ليس شديد الصعوبة، هناك فقط ثلاثة متغيرات. بدلا من التفكير بعبارات من الافكار المطلقة، يمكن بسهولة تقليد العديد من فلاسفة العلوم والنظر الى امثلة من التاريخ. قصة الجاذبية هي مثال مفيد عن تطور الفهم العلمي لأنها شيء نلمسه جميعا، يستلزم العلم بها جميع النقاط اعلاه مع انها لاتزال اسطورة.

هناك قصة بسيطة عن الكيفية التي تطورت بها الافكار حول الجاذبية حتى القرن العشرين بدءا من ارسطو مرورا بغاليلو ونيوتن حتى اينشتاين وذلك عبر مسار بدأ في التوضيح ثم البرهنة ثم على شكل معادلات مفيدة.

ارسطو (384-322 ق.م)

اذا كانت مدة الاستخدام هي المقياس لصلاحية النظرية فان نظرية الجاذبية الاكثر نجاحا هي تلك التي عرض ارسطو توضيحا لها . واحدة من بين تلك الافكار ترتكز على سلوك العناصر الاربعة اليونانية وهي الارض والماء والهواء والنار (اضاف ارسطو عنصرا خامسا وهو الاثير).

جميعنا نعرف ان الاحجار تغطس في الماء وان فقاعات الهواء تصعد الى السطح، والدخان يقفز الى الاعلى، لأننا شاهدنا الدليل على ذلك. ارسطو اوضح بان طبيعة مختلف العناصر تبحث عن مكانها الطبيعي: الارض والماء يتحركان نزولا، الهواء والنار يتحركان صعودا. بكلمة اخرى، هناك شيء ما حول العناصر يجعلها تتحرك بالطريقة التي تقوم بها. ولكن هل تسميتها "طبيعة" يجعلها علما؟

ارسطو ذهب ليطرح ادّعاءا كميا بدائيا: المزيد من الطبيعة المعينة التي يحتوي عليها الشيء (مصنوع من المزيد من الارض والهواء) يعني الأسرع او الأبطأ في السقوط. بكلمة اخرى، ان سرعة السقوط هي تناسبية مع الكتلة. هذه فرضية يمكن قياسها بسهولة ومن المفيد معرفة ان كانت صحيحة. لذا هل ذلك يجعلها علما؟ ارسطو لم يختبر الفكرة ابدا.

ما اعتقد به ارسطو حقيقة وبشكل ادق هو ان العناصر الارضية تتحرك نحو او بعيدا عن مركز الكون، وان الارض تكون في الوسط. طالما ان الارض وصلت سلفا الى مكانها المقصود فان ارسطو يجادل بان الارض لم تكن تتحرك. دليله على هذا الادّعاء هو انت عندما ترمي صخرة فهي تسقط عند قدميك. اذا كانت الارض تتحرك كان يجب للصخرة ان تسقط بعيدا عنك لأن الارض تكون قد تحركت اثناء الوقت الذي استغرقته الصخرة في السقوط . توضيحه لماذا الشمس والقمر والكواكب والنجوم تتحرك حول الارض هو لأنها وُضعت في سلسلة من الافلاك متحدة المركز تدور حول محور يمر عبر النجم القطبي. الافلاك صُنعت من الاثير وهو العنصر الخامس وهو يختلف عن العناصر الاخرى في كونه يتحرك دائريا . وهكذا يوضح ارسطو ان هناك فقط نوعان من الحركة الاساسية هما الخطية والدائرية. كل حركة يمكن وصفها كمجموعة مركبة من هذين الاثنين، وبما ان الارض والماء والهواء والنار كلها تتحرك بخطوط مستقيمة، فيجب ان يكون هناك عنصر يتحرك دائريا.

ان الاسس المعتمدة اعلاه هي ضعيفة، ولكن لو قبلنا بها فهي توضيحات منسجمة منطقيا. بطليموس قام بتطوير نموذج ارسطو الى وصف رياضي نجح في التنبؤ بمواقع الاجرام السماوية. لذا نال الدعم بالدليل واذا كانت مواقع النجوم هامة لأغراض الملاحة او الاحتفالات الدينية، فسيكون النموذج مفيد ايضا.

الان نحن ندرك عمليا ان كل ما قاله ارسطو حول الجاذبية هو غير صحيح، لكن توضيحاته ككل بقيت ذات معنى كبير واستمرت تقاوم التحديات طوال الفي سنة. في القرن اللاحق لارسطو، جادل الفلكي اليوناني اريستارشوس بان الشمس وليس الارض هي مركز الكون، لكن هذه الفكرة لم تُراجع بالكامل حتى مجيء كوبرنيكوس في القرن السادس عشر الميلادي. وبهذا النصر جرى ايضا تجاهل توضيحات ارسطو في الجاذبية. اذا كانت الارض تتحرك، وهي ليست في المركز، عندئذ فان توضيحات ارسطو لسبب سقوط الاحجار نزولا، او لماذا تسقط اساسا، يجب ان تكون خاطئة ولابد من توضيح جديد.

بعد وفاة كوبرنيكوس انتقلت مسؤولية نشر كتابه (حول ثورات الاجرام السماوية، 1543) الى اندريه اوساندر Andreas osiander. اوساندر اضاف مقدمة جادل فيها ان مختلف التوضيحات يمكن ان تنال الدعم من نفس الدليل. لا يهم ما اذا كان الناس يختارون التوضيحات الاكثر اقناعا لهم او التي يجدونها اكثر فائدة للعمل بها. وكما ذكر اوساندر "اذا كانت التوضيحات توفر حسابات منسجمة مع الملاحظات، ذلك وحده يكفي". ورغم ان رياضيات كوبرنيكوس لم تكن كتلك التي طورها بطليموس لكن قسما منها كان يسهل العمل بها. لذا فان بعض الرياضيين والفلكيين تبنّوا نموذج كوبرنيكوس، ليس بسبب ايمانهم بتوضيح مركزية الشمس وانما بسبب انه كان مفيدا.

غاليلو (1564-1632)

هناك صورة رمزية وُضعت على برج بيزا بايطاليا في بداية القرن السابع عشر يظهر فيها غاليلو على قمة برج مائل، يرمي كرات حديدية مختلفة الاحجام لكي يثبت انها تسقط في نفس السرعة.

عدد قليل من المؤرخين اعتقد حقا ان غاليلو قام بتلك التجربة. غاليلو كان حائرا بالنتائج المربكة لإيمان ارسطو ان الاشياء الثقيلة تسقط اسرع من الاشياء الخفيفة. ماذا يحدث لو ان الشيء الثقيل والشيء الخفيف رُبطا مع بعضهما؟ من جهة، طبقا لفلسفة ارسطو، الوزن الاثقل سوف يسقط اسرع، وطالما الاخف وزنا سوف يمسك الاثقل نحو الاعلى، فان الحزمة سوف تُسحب باحكام، وان السرعة الكلية للسقوط يجب ان تكون شيء ما بين سرعة الوزنين على انفراد. من جهة اخرى، طالما الوزنان متحدان، فهما والحزمة شيء واحد مع وزن مركب، لذا فان السرعة المركبة يجب ان تكون اسرع من السرعة الانفرادية. هاتان المحصلتان لا يمكن ان تكونا كلتاهما صحيحتان. رغم ان غاليلو ربما رمى او لم يرم اوزانا من البرج، هو بالفعل قام بهذا وسجل الكثير من التجارب لرمي مختلف الاوزان نحو الاسفل والتي تتعارض نتائجها بشكل قاطع مع ادّعاء ارسطو في ان الاكثر وزنا يساوي اكثر سرعة.

ان ملاحظات غاليلو التي استخدم بها التلسكوب لا تستبعد امكانية ان تكون الارض في المركز، لكنها بالفعل كشفت بوضوح ان الكون ليس كما وصفه ارسطو. اكتشاف غاليلو لأقمار المشتري، مثلا، اظهر ان ليس كل شيء يدور حول الارض.

نيوتن (1643-1727)

في 28 نوفمبر 1660 اعلنت مجموعة من الفلاسفة الطبيعيين في لندن عن تكوين "كلية لدعم التعليم الفيزيورياضي التجريبي". عندما سمع الملك شارلس الثاني بالخطة أعطى موافقته، وخلال سنتين صدر مرسوم بتأسيس الجمعية الملكية في لندن. شعار الجمعية كان "لا تأخذ بكلمات اي شخص"(1). في عام 1660 كانت عبارة "اي شخص" تعني ارسطو.

في عام 1687 نشرت الجمعية الملكية (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية) لأحد زملائها وهو اسحق نيوتن. في هذا الكتاب وصف نيوتن قانونه في الجاذبية الكونية . قصة سقوط التفاحة على رأس نيوتن لها نفس المصداقية التاريخية لسقوط كرات غاليلو من فوق برج بيزا. مع ذلك، ادرك نيوتن ان سبب سقوط الاحجار على الارض هو نفس سبب دوران القمر حول الكواكب، ونفس سبب دوران الكواكب حول الشمس . بكلمة اخرى، لاتوجد هناك قوتان بل قوة واحدة وهي قوة الجاذبية . الفيزيائيون يحبون البساطة، وهم عمليا يحبون القوى الموحدة. نيوتن اظهر انه بدلا من ان طبيعة الارض تتحرك باتجاه المركز والهواء يتحرك بعيدا، فان كل جسيم في الكون ينجذب الى الاخر. وبهذا يمكننا نسيان افلاك الاثير.

ورغم ان نيوتن وآخرين اعترفوا بان هناك حاجة الى مزيد من الدليل لتأكيد قانونه، لكن مع تقدم الزمن اصبح واضحا انه كان ناجحا جدا في حساب مواقع الكواكب التي لم يُعرف منها في السابق سوى ستة . وبعد قرن، في عام 1781 اعترف وليم هيرشل William Herschel ان نقطة الضوء التي اخطأ الفلكيون القدماء في اعتبارها نجما كانت كوكبا اسماه اورانوس. وفي عام 1845 حينما اكمل اورانوس معظم مداره كان واضحا انه لم يتصرف كما افترض قانون نيوتن. الرياضيون في باريس وكامبردج بدأوا بحساب الكتلة وموقع جسم اخر قد يكون مسؤولا عن ذلك الانحراف. (جوهان غل) حدد كوكب نبتون الذي كما في اورانوس جرى اعتباره في السابق نجما . لذا فان فكرة نيوتن عن قوة الجاذبية اوضحت حركة الكواكب، انها نالت الدعم بمزيد من الدليل وانها طُبقت بنجاح في اكتشاف كوكب جديد. ولكن هل القول "هناك قوة" يختلف عن القول "هناك طبيعة؟ ."قبل ان يجف الحبر من كتاب (المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية) حتى بدأ الناس يشكون من ان نيوتن أدخل قوة بدون آلية: لأنه مع كل القوة التوضيحية لفكرة "قوة الجاذبية"، لم يكن هناك توضيح لكيفية عمل الجاذبية. معظم التحدي جاء من أتباع ديكارت (1596-1650). حيث كان ديكارت ايضا مهتما في حركة الكواكب لكن اهتمامه الرئيسي كان اعطاء توضيح للمدارات. هو قام بهذا عبر تشجيع فكرة الـ vortices او الدوامات التي طبقا لها يكون الفضاء مركب من مواد غازية صغيرة جدا تتحرك كالسائل. هذه تحوم حول الشمس بطريقة تشبه انجذاب الماء نحو ثقب صغير، وانها بدورانها تسحب الكواكب معها. في عام 1713 عندما نشر نيوتن الطبعة الثانية من مبادئ الفلسفة الطبيعية، هو شعر مجبرا ليضيف مقالة سميت "تعليق عام"فيه تحدى مباشرة فكرة الدوامات . اشار نيوتن الى ان مدارات المذنبات هي ايضا شاذة ولاتنسجم مع النموذج: "ولذلك فان الفضاءات السماوية التي من خلالها تتحرك الكواكب والمذنبات حرة و باستمرار وفي جميع الاتجاهات وبدون انخفاض ملحوظ في الحركة، هي خالية من اي سائل مادي". نيوتن تجاهل توضيح ديكارت حول عمل الجاذبية، وارفق مقطعا ذكر فيه "انه لا يضع فرضيات" "انا لا اعمل فرضيات". هو كتب : " ولكن حتى الان انا لم اكن قادرا على اكتشاف سبب هذه الخواص للجاذبية من ملاحظتي للظاهرة، وانا لا اعمل فرضيات. لانه كل ما لايُستنتج من الظاهرة يسمى فرضية، والفرضية سواء كانت ميتافيزيقية او مادية، سواء كانت ذات خواص اسطورية او ميكانيكية، ليس لها مكان في الفلسفة التجريبية". يرى نيوتن ان التوضيحات حول كيفية عمل شيء ما ليس بالضرورة ان تكون علما، طالما النموذج الرياضي يعطينا القوة لرسم وتنبؤ واستغلال بيئتنا، فان مهمة الفيزياء تكون قد تمت. وكما يستنتج المقطع: "بالنسبة لنا ذلك يكفي، ان الجاذبية توجد حقا، وتعمل طبقا للقوانين التي اوضحناها وهي مسؤولة عن كل حركات الاجسام السماوية". التوضيح لكيفية عملها ليس هاما للعلم. وكما يذكر اوساندر، ما يهم هو هل تستطيع استعمال النظرية؟ نيوتن كان بامكانه ان يسمي بسهولة قوة الجاذبية بـ "طبيعة" الجاذبية. الفرق الحقيقي بين "طبيعة" ارسطو و "قوة" نيوتن هي ليست في التوضيح :هي في النوعية وفي فائدة الرياضيات ووفرة الدليل عليها. ولكن اذا كانت الصحة هي معيار العلوم عندئذ سوف نهمل نيوتن بالاضافة الى ارسطو.

اينشتاين (1879-1955)

لم يكن اورانوس الكوكب الوحيد الذي خرق قوانين نيوتن في الحركة. في الحقيقة كان Leverrier في اكتشافة لنبتون كان يعمل ومنذ عام 1840 لفهم اسباب حالات الشذوذ في كوكب عطارد. عندما جرى اختبار لتنبؤاته بملاحظة حركة عطارد في مواجهة الشمس في عام 1843 وجد انها غير متطابقة ولكن مع النجاحات في اكتشاف نبتون، عاد Leverrier الى المشكلة مرة اخرى بهدف حساب الكتلة وموقع كوكب آخر قرب عطارد يمكنه توضيح السلوك غير المنتظم لعطارد. هو كان شديد الثقة لدرجة اعطى الكوكب اسم فولكان او اله النار. الفلكيون بدأوا يبحثون عن اله النار. البعض ادّعىوا انهم عثروا عليه: ولكن مع الفحص الدقيق ثبت ان كل الادعاءات لا اساس لها. لا وجود لاله النار.

توضيحات نيوتن لم يدعمها الدليل. لابد من وجود شيء آخر هو الذي يسبب الخلل في الحساب. هناك ايضا قصة اخرى، تتعلق بالكيفية التي اكتشف بها اينشتاين النسبية. في عام 1865 نشرت الجمعية الملكية نظرية ماكسويل (النظرية الديناميكية لحقل الكهرومغناطيسية). معادلات ماكسويل الانيقة وصفت الكهرومغناطيسية كموجات تسافر في الفضاء بسرعة الضوء. لكن الموجة، كقاعدة، تحتاج الى وسيط، الموجة في المحيط ليست موجة اذا لم يوجد هناك محيط. ومقابل نصيحة نيوتن، كان ماكسويل مستعدا لعرض توضيح: ان "الضوء والمغناطيسية هما تاثيرات لنفس المادة، وان الضوء هو اضطراب الكترومغناطيسي انتشر طبقا لقوانين الالكترومغناطيسية". المادة الافتراضية التي من خلالها تنتشر الموجات الضوئية – توضيح السلوك الملاحظ – اصبح يعرف بـ "الاثير ناقل الضوء" . على خلاف وسيط الجسيمات الدائرية التي اقترحها ديكارت، هذه يُعتقد انها ثابتة، وشيء تتحرك من خلاله الارض وجميع الاجسام السماوية : اكثر شبها بالضباب منه الى الدوامات.

ومع افتراض ثبات سرعة الضوء خلال الاثير، وافتراض ان الارض تتحرك من خلال الاثير فان سرعة الضوء المقاسة هنا يجب ان تتغير اعتمادا على ما اذا كانت تتحرك في نفس الاتجاه كما على الارض او عمودية لها. في عام 1887 اثنان من الفيزيائيين الامريكيين وهما البرت ميشلسن و ادوارد مورلي صمما تجربة حسية لمقارنة الوقت الذي يقطعه الضوء خلال مسارين متساويين بزوايا قائمة لكل منهما. هما توقعا ان يكونا قادرين على اثبات وجود الاثير وحساب سرعة واتجاه حركة الارض خلاله. هما وجدا ان لا فرق في الوقت الذي يقطعه الضوء الى المسارين. ذلك يعني اما الارض ثابتة – وهو شيء غير صحيح، او ان سرعة الضوء للمراقب على الارض هي ذاتها بصرف النظر عن حركة الارض.

الفيزيائيون طرحوا توضيحا للكيفية التي يتسبب فيها الاثير- ناقل الضوء بمثل هذه النتائج المربكة. وفي عام 1905 وضع اينشتاين نظريته في النسبية. هو تخلى عن الاثير الناقل للضوء لصالح الفضاء الفارغ وعرض وصفا رياضيا يتطابق تماما مع الدليل: ان سرعة الضوء هي ذاتها لجميع المراقبين .

غير ان اينشتاين آمن برؤية مختلفة عن الفضاء عندما نشر النظرية العامة للنسبية عام 1915. النسبية العامة توضح الجاذبية بتصور انه بدلا من ان يكون الفضاء مجرد فراغ فهو وسيط ينحني بوجود الكتلة. اينشتاين لا يقدم فرضية لكيفية حدوث انحناء الكتلة للزمكان اكثر مما قدم نيوتن حول كيفية عمل الجاذبية. "انحناء الزمكان" هو توضيح للجاذبية بدون توضيح . ولكن مرة اخرى ذلك لا يهم لكي تكون النظرية مفيدة. وكما اوضح الدليل حالا، المعادلات التي استنتجها اينشتاين هي اكثر دقة في التنبؤ بحركة الكواكب قياسا بقوانين نيوتن.

فلسفة العلوم في القرن العشرين

في عام 1919 وبعد الكسوف الشمسي الكلي قام الفلكيون البريطانيون بتجربة ثبت فيها ان الضوء القادم من النجوم ينحني بفعل جاذبية الشمس وهو ما يؤكد صحة النظرية النسبية. في نفس الوقت كان كارل بوبر يحاضر في جامعة فيينا وكان قد تأثر كثيرا بالتنبؤات التي طرحتها النظرية النسبية. انها كانت تنبؤات جريئة لأنها اذا لم يدعمها الدليل فالنظرية ستكون خاطئة. بوبر قرر ان هذه هي السمة المعرّفة للعلم: النظرية تُعتبر علمية فقط اذا أمكن من حيث المبدأ إظهار انها كاذبة . طبقا لهذه الرؤية فان ادّعاء ارسطو بان سرعة السقوط الحر التناسبية مع الكتلة سيكون ادّعاءاً علمياً، لأن تجربة بسيطة واحدة يمكن ان تقرر ان كان ذلك صحيحا ام خاطئا. غاليلو أظهر ان ذلك ليس صحيحا. ولكن طبقا لبوبر انه لايزال ادّعاءاً علميا، لأن الادّعاء الصحيح ليس سمة معرّفة للنظرية العلمية.

 عندما كان بوبر يطور نظريته في التكذيب، كان العلماء سلفا يشيرون الى ان ذلك ليس ما يعملون به . البايولوجي Ludwik Fleck أدخل فكرة "الفكرة الجمعية" – مجموعة من العلماء يشاركون بنفس النظرية والتطبيق، وفي نفس الطريقة العلمية ويتعاونون لتطوير ذلك البحث الى اقصى حدوده الممكنة . البروفيسور ميخائيل بولوني في الكيمياء عرض نقطة مشابهة. العلم حسب تجربته ليس طريقة موضوعية منفردة يمكن ببساطة تقديمها كوصفة واتّباعها، بل ان العلماء يضعون قيد التطبيق الفلسفة والطرق التي تعلّموها من العلماء الآخرين . اساسا، حالما يبدأ العلماء في التفكير الجماعي فهم يساهمون في ذلك المشترك. الفيزيائي ماكس بلانك يشبه اينشتاين فهو لم يقبل بالكامل تفسيرات ميكانيكا الكوانتم للعلماء الشباب، بل لاحظ ان "الحقائق العلمية الجديدة لا تنتصر بإقناع خصومها لأن خصومها بالنهاية يموتون ويظهر جيل جديد اكثر اطلاعا على تلك الحقائق". لذا فان البايولوجيون والكيميائيون والفيزيائيون البارزون كلهم يقولون في تجربتهم المهنية ان العلم لا يعمل مثلما يعتقد الفلاسفة كبوب، ولا توجد هناك طريقة علمية واحدة، هناك العديد من الطرق. وفي عام 1962 نشر توماس كن Thomas Kuhn (1922-1996) كتابه (تركيب الثورات العلمية) الذي جعل الناس ينتبهون للاعتقاد المتزايد بان العلم هو ليس المشروع الاصلي المنفرد الذي حاول وصفه الفلاسفة.

(تركيب تقدّم العلوم) الذي اشير اليه في كتاب (كن) له ثلاثة اجزاء. هناك فترة "ما قبل العلوم" فيها توجد بعض الخصائص في العالم ليس لها توضيحات علمية. الناس يتأملون ويقدمون مقترحات حتى يأتي مقترح يرى عدد كافي من العلماء انه يستحق بذل الوقت والموارد للبحث فيه. بدلا من تحطيم الفكرة، كما يرى بوبر، اذا كانت التجربة المصممة وفق هذا التوضيح تنتج نتائج تطابق النظرية، عندئذ سيتعاون العلماء لتعزيز النموذج الجديد Paradigm النموذج هو النوع الشمولي للتوضيح المستخدم).اذا كان النموذج جيدا فهذه ستكون فترة بنّائة لانها تعطي العلماء اطارا مفاهيميا لإستكشاف القدرة على اثارة اسئلة لن تحدث خارج النموذج. حل اللغز هذا ضمن النموذج يسميه كن "العلم الطبيعي". ولكن مهما كان النموذج جيدا فنحن لا نعرف ابدا بان اكتشافا جديدا سوف لن يلقي به في عالم النسيان. ذلك حدث لنموذج ارسطو في الطبيعة، وحدث لنيوتن، لا عالِم يضمن ان ذلك لا يحدث مع نماذجنا الحالية. عندما يحدث ذلك فالشيء المحتمل اولاً ان يحصل بعض الترقيع لحماية النموذج القديم من خلال دراسة تاريخ العلوم كما يرى كن. ولكن مع تراكم الشذوذ الذي سيُغرق النموذج القائم في أزمة، فان نموذج جديد سيكون مطلوبا لتوضيح كل شيء في النموذج القديم اضافة الى اشياء اخرى لم يستطع توضيحها، تماما مثلما اوضحت النظرية النسبية سلوك معين لم توضحه جاذبية نيوتن.

Paul feyerabend (1924-1994)  كان من بين اربعة اشخاص شكرهم (كن) في مقدمة كتابه تركيب الثورات العلمية. paul رفض ان يكون مساعد باحث لبوبر. هو بدأ عمله كفيزيائي وكان مؤهلا لإصدار مثل ذلك الحكم. مثلما يوضح تاريخ الجاذبية، ان التوضيح، البرهنة، الفائدة جميعها لعبت دورا حاسما في العلوم. paul كان قلقا من ان أي طريقة علمية اختزالية كطريقة بوبر سوف تستبعد جزءا من ذلك التاريخ. لا أحد يحب ان يقال له ما يفكر او يعمل، والعلماء ليسو استثناء. بدلا من ذلك، اعتقد paul ان الوصفة الوحيدة للعلوم التي يمكنها استيعاب كل عثرة وقفزة هي الفوضى الابستيمولوجية (2). هو آمن بان المعيار الأكثر اهمية للنظرية هي ان تكون مفيدة. يقول paul " استمعت الى موعظة الفوضوي البروفيسور (وغنر) قائلا: "بالتأكيد انت لم تقرأ كل المخطوطات التي يرسلها الناس لك، انت يجب ان تلقي اكثرها في سلة النفايات". يؤكد paul انه فعلا يقوم بذلك، انه لا يقرأ كل الاوراق المكتوبة، انا أعمل اختياري بطريقة فردية جدا وتفضيلية لأني لا يمكنني ازعاج نفسي بقراءة ما لا يهمني وان اهتماماتي تتغير من اسبوع الى آخر ومن يوم الى آخر لأني مقتنع ان الانسانية والعلم سيستفيد من الأعمال الخاصة لكل فرد "(ضد الطريقة، 1975). مهما يعتقد المرء انه يجب او لا يجب ان يكون مؤهلا للعلوم، الحقيقة هي ان العلوم تتم من جانب الناس. بعض منهم عقلاني، والبعض الآخر تجريبي، بينما آخرون برجماتيون. لايهم مهما كانت القواعد المفروضة فان الناس سيخرقونها .

 

حاتم حميد محسن

.........................

الهوامش

(1) كان شعار الجمعية Nullius In Verba ويعني لا حجة بدون دليل، وهو تعبير عن تصميم أعضاء الجمعية على الصمود ومقاومة اي هيمنة من اي سلطة وتأكيد الادّعاءات باللجوء فقط الى الحقائق التي تقررها التجربة.

(2) الفوضوية الابستيمولوجية Epistemological anarchism هي نظرية ابستمية طورها الفيلسوف النمساوي Paul Feyerabend الذي اعتقد بعدم وجود قواعد منهجية مفيدة تحكم تقدم العلوم او نمو المعرفة. هو يرى ان فكرة وجود قواعد ثابتة وعالمية للعلم هي فكرة غير واقعية وخبيثة وضارة للعلم نفسه. ان استعمال مصطلح فوضوية يعكس التعددية المنهجية للنظرية، لأن الطريقة العلمية المزعومة لاتمتلك الحق في احتكار الحقيقة او اي نتائج مفيدة. هو ذكر بما انه لا توجد طريقة علمية ثابتة فمن الأحسن اعتماد مبدأ "كل شيء مباح" في الطرق المنهجية. هذا المبدأ هو الوحيد الذي يمكن الدفاع عنه تحت اي ظروف وفي جميع مراحل التطور الانساني .هو شعر ان العلم بدأ كحركة تحررية ولكن بمرور الزمن اصبح دوغمائيا وجامدا. وعلى الرغم من نجاحات العلم فهو بدأ يكتسب سمات قمعية واصبح من غير الممكن بهذه الطريقة الغامضة المقارنة بين العلم والدين او بين العلم والميثولوجي.

 

 

علي رسول الربيعيالـمقدمة: بداية أريد القول بأنني سأناقش أحد المسائل الأساس في فلسفة هابرماس: وهي المسألة التي تتعلق  بأسئلة  تخص نظرية الخطاب. بمعنى آخر، السؤال عن،  نظرية الخطاب في القانون،  أو  عن سبب أو داعي وجودها، لماذا يجب علينا أن نتعامل مع مسألة نظرية الخطاب هذه للقانون؟

لماذا يريد هابرماس إنتاج نظرية جديدة للقانون (وحقوق الإنسان) حيث توجد بالفعل نظريات أخرى كثيرة؟

ما الذي يميًز نظرية الخطاب هذه وماذا تمتلك بحيث لا نعثر عليه  في نظريات القانون (وحقوق الإنسان الأخرى؟

هل نظرية الخطاب في القانون وحقوق الإنسان ضرورية في نوعها؟ أم أنها ليست أكثر من مجرد ضرب لما هو موجود بالفعل، من خلال استعمال وتكرار الكلمات نفسها؟

إذا كانت نظرية الخطاب للقانون وحقوق الإنسان ليست استنساخًا لنظريات موجودة بالفعل، فما الذي يجعلها مختلفة بشكل واضح عن نظريات القانون الأخرى و عن الأسس الفلسفية الأخرى لحقوق الإنسان؟

في مواجهة كل هذه الأسئلة، هناك شيء واحد يبرز في الذهن هو أن شيئًا ما قد حدث في مجريات ومسالك الحياة للنظام القانوني. لقد حدث شيء جدي وعميق في التاريخ القانوني، خاصة في المنطقة التي يتم فيها التوجه إلى النظام الاجتماعي. كما نعلم أن القانون والمجتمع مرتبطان بشكل وثيق. تؤثر تغييرات وتطور المجتمع على  صياغة القوانين وتشريعها. يتطلب الفهم الصحيح للقانون الحديث أيضًا بعض التبصر في الخلفية الاجتماعية التاريخية. هذه الرؤية بالذات تكشف عن صورة القانون الأكثر حداثة كصورة الشرعية في المجتمع الديمقراطي. وبعبارة أخرى، فإن معظم النماذج النظرية التي توجه تنظيم القانون الحديث وعمله أصبحت الآن غير مكتملة. هذا هو  ناتج عن تأثير تطور المجتمع بسبب ترشيده، الذي يدمر الأنماط التقليدية والأخلاق الاجتماعية التي تستند إليها هذه النماذج النظرية القانونية. في مجتمع ما قبل الحداثة، استندت صحة المعايير الاجتماعية إلى توافقها مع التقاليد أو الأخلاقيات الاجتماعية المشتركة. هذه التقاليد والأخلاقيات الاجتماعية المشتركة كانت تستند بدورها إلى بعض مبادئ الافتراضات القديمة. الآن، كشف ترشيد المجتمع وعالم الحياة عن فراغ معظم هذه الافتراضات. نتيجة لذلك، انهارت الأمور، ولا يمكن للمركز الصمود مرة أخرى.

 لذلك  يشعر هابرماس  أن إعادة بناء النظام القانوني ليست ضرورية فحسب بل ملحّة. نظرية الخطاب القانوني هي إعادة بناء النظام القانوني. لقد  لفت عمله انتباهنا إلى الحالة القانونية، وإلى مطالباته الترميمية. ف أحاول أن اتعمق في هذه الدراسة في الأساس أو القوام  التأسيسي لنماذج قانونية نظرية لنرى ما حدث.  يأتي هذا التحقق والفحص بالطبع من وجهات نظر فلسفية. وهذا ما يلفت انتباهنا إلى الفلسفة Kantian للعدالة، ونظرية Rawls للعدالة، واذا سنحت الفرصة نشمل ايضاً نظرية النظام القانوني ل N. Luhmann، وعلم الاجتماع القانوني لكل من M. Weber و Parson و Marshall. الأساس مهم جدا لكل هيكل ؛ لذلك، إعادة بناء الأساس القانوني يتطلب حصن قوي. فمن أجل هذا الساس و من أجل التخلص من الأخطاء القديمة، يضع هابرماس أساسًا جديدًا معًا. هذا الأساس الجديد هو عن نظام الحقوق.

بعد  النظر في إعادة بناء صلاحية الأساس القانوني، سأتولى شرح مهمة الأساس القانوني الجديد، الذي  قام به هابرماس من خلال نظام الحقوق. بعد إعادة تعريف المحتوى المعياري من خلال نظام الحقوق، سأقوم بتتبع العلاقة بين الشرعية والصلاحية (الشرعية)، مع تسليط الضوء على بعض مشاكل التشريعات مع التأكيد في الوقت نفسه على عوامل التحقق من الصحة. يتميز التطور التاريخي لمذهب الحق بآراء متنوعة؛ سوف أتتبع في هذه الدراسة ولو مختصرا تاريخ الحقوق هذا  لا من أجل أن اكشف فقط المدة التي تم فيها  أزاحة أو أقتلاع نظام الحقوق ولكن أيضًا كم ماقاست وعانت  حقوق الإنسان. سأحاول عن طريق نظرية الخطاب تخفيف التوتر بين الحكم الذاتي الخاص والعام. واشير ايضا الى أختلاف مواطن توماس هوبز وأفكار حقوق الإنسان عما لدينا اليوم. سأضع حقوقه ومواطنته جنباً إلى جنب مع حقوق هابرماس في شرح المعنى والشرعية والمصادقة على القانون.

واحدة من خصائص النظام القانوني هي طبيعته الغامضة.   ورثت حقوق الإنسان  شئ من  الغموض أو الميل الطبيعي المثير للدهشة. وبالتالي، يرفض بعض القضاة اليوم اعتبار حقوق الإنسان مماثلة للمبدأ القانوني. لتحرير حقوق الإنسان من هذا اللغز الموروث، سأناقش أولئك الذين يؤكدون أن حق الإنسان ليس مبدأً قانونياً، لأنه وُلد أصلاً من اتفاقية الأمم المتحدة. ثم الى نحتاج الى  استنتاج حق الإنسان من الخطاب القانوني العملي، من أجل إعطاءه مكان مناسب بين المبادئ القانونية. سوف يستلزم هذا أولاً استبعاد الحق في علم الأخلاق من الشكل القانوني. ويتطلب توضيح  مقولات  الحقوق عند هابرماس. بقدر ما نعيش في مجتمع ديمقراطي، فإن مسألة حقوق الإنسان لا تشكل مشكلة خطيرة. في أي وقت، في اللحظة التي نتخطى فيها الدائرة الديمقراطية، تصبح قضية حقوق الإنسان مهمة مختلفة تمامًا. في هذه الحالة يجب علينا أولاً تثقيف الناس وإقناعهم وبشأن حقوق الإنسان، وبالتالي سنكون مهتمين أكون بهذه المشكلة الحساسة في عصرنا. هذا هو الاعتراف بحقوق الإنسان خارج المجتمع الديمقراطي.  وهذا يتطلب منا مناقشة حقوق الإنسان والدين وحقوق الإنسان والدول والحقوق وإعلانات الأمم المتحدة. تعتمد الدراسة اساسا على كتاب هابرماس المرجعي الأساسي  Facts and Norms بين الوقائع والمعايير

 

د. علي رسول الربيعي

........................

why must we occupy ourselves with the issue of the discourse theory of law and human rights? why does Habermas want to produce a new theory of law and human rights where many other legal theories already exist? what special about this discourse theory that could not be found in other theories of law and human rights? Is the discourse theory of law and human rights necessary in its own kind? Or is it not merely a multiplication of what is already there, through the use and multiplication of words? If the discourse theory of law and human rights are not a reproduction of already theories, what makes it distinctly different from other theories of law and the other philosophical foundations of human rights?

 

علي محمد اليوسفتعريف اولي: منذ القرن السابع عشر عصر ديكارت أخذ مبحث (الوعي) في الفلسفة أهتماما أستثنائيا في أعقاب أطلاق كوجيتو ديكارت أنا أفكر.. الذي كان قمّة الوعي الذاتي المثالي في جعل الواقع الخارجي وجودا لا أهمية له في أمتلاك الوعي الفردي القصدي لمعرفة الذات..

في أعقاب مجيء فلاسفة عديدين على مراحل زمنية متباعدة ظهر الفيلسوف  برينتانو بمقولته (أن اللاوجود القصدي هو ككل هدف قصدي موضوع ومضمون مختلفان) وسنجد تأثيرهذه العبارة على سيرل.. ليعقب – برينتانو -  تلميذه هوسرل مستعيرا قصدية الوعي منه في شرح معنى أدراك الذات على أنها أشباع لوعي معرفي هادف في شيء محدد مقصود  سلفا في وجوب الادراك بلوغه.. وبذلك تأثر تلميذه من بعده، هيدجر في أعتباره الوعي القصدي هو نتاج الواقع المادي الذي لا يكون له معنى ما لم يكن وعيا ديناميكيا– في – عالم مؤكدا أهمية الوجود المجتمعي ومقصّيا وعي الفردية الذاتية في سلبيتها، وجاء سارتر ليتوّج ذلك في الوجودية أن الوجود سابق على الوعي به ليلتقي بالفهم المادي الماركسي من غير رغبة منه بذلك وأنما مكرها لخلاصه من مثالية ديكارت الذاتية المقفلة في علاقة الأنا بكل من الفكر والوجود..وخروج سارترلاحقا على الماركسية نفسها في جوانب فلسفية خلافية عديدة أفادت منها الفلسفة البنيوية كثيرا في نقدها القاسي للماركسية لدى كل من التوسير، وشتراوس، وفوكو، وبياجيه.. وغيرهم.

الفيلسوف الامريكي المعاصر جون سيرل ناقش موضوعة الوعي والقصدية من منطلق مغاير تماما هو تعالق فعاليات اللغة والعقل والوعي والقصدية وحاسة البصروالاشباع والشخصانية في تحقق تجربة الادراك بما أطلق عليه فلسفة العقل واللغة وهو مبحث تخصصه الفلسفي..وكان سيرل أبرز الفلاسفة المعاصرين الذين تناولوا دور القصدية في الوعي بتعالقها مع كل من الادراك الذاتي واللغة والعقل، وكان في فلسفته قريبا من فينجشتين الذي أعتمده في بعض طروحاته في فلسفة اللغة، مبتعدا عن جاك دريدا الذي فهم اللغة فهما تجريديا جعلها تدور في فلك التقويض غير الهادف لتحقيق فائض المعنى، وأعتبر اللغة على أنها كلمات في ترتيب معيّن مجّرد عن نيّة وقصدية المتكلم، مؤكدا سيرل قدرة العقل على تمّثل الاشياء، وأن جميع الحالات القصدية أنما هي سعي نحو شيء معين نتمّثله أدراكيا..وبهذا الفهم الوظيفي القصدي للعقل واللغة خرج سيرل تماما على مقولة دريدا الذي يفهم التفكيك اللغوي نظام أستراتيجي من التقويض والهدم المستمرفي تناول النص اللغوي بمعزل عن أية علاقة له بغيره.. وفي ألغاء دريدا مبدأ الأحالة على أيّا مما أطلق عليه المرجعيات الميتافيزيقية الثابتة التي يأتي في مقدمتها الغاء هيمنة العقل بأعتباره من سرديات ميتافيزيقا الحداثة الواجب مجاوزته كما بشّرت به ما بعد الحداثة لاحقا لتفتح الطريق واسعا أمام أستهداف البنيوية لمرتكزات الحداثة في العقل ومركزية الانسان وما أطلق عليه السرديات الكبرى من ضمنها الماركسية..وتبنى دريدا هذه المباحث في التفكيكية بتطرف لغوي لا يزال مثار جدل واسع....

جون سيرل وقصدية الوعي

يذهب سيرل أنه أستنادا الى تقليد معرفي في الفلسفة المثالية فرضية خاطئة معتمدة تلك هي أننا لا يمكننا أدراك العالم الحقيقي بصورة مباشرة، وهي تشبه محاولة شخص تطوير علم الرياضيات على أفتراض عدم وجود الارقام.(1)

بضوء ما مر بنا في عبارة سيرل أن أدراك العالم الحقيقي لا يتم عبر الاحساسات المنقولة للدماغ بصدقية يعتمدها الادراك العقلي المباشر وهو طرح سليم ودقيق، ومن هنا يكون الادراك العقلي منقوصا ويفقد الواقع الحقيقي كموضوع للادراك الكثير من مزاياه، هذا من جهة.. من جهة أخرى يتمّثل عدم امكانية معرفة الواقع على حقيقته في تعّذر الادراك الحقيقي المباشرله، أن وسيلة العقل الادراكية للعالم الخارجي تقوم أساسا على تأطير صادرات الاحساسات المنقولة الى الدماغ بزمن أدراكها الذي يجعلها متعيّنا مكانيا – زمانيا في بنية واحدة لا تنفصم، وبغير هذه الآلية يتعذّر على الادراك العقلي أن يكون واقعيا وسليما في أدراكه الأشياء المنّظم  فكريا بعيدا عن الادراكات الهلاوسية الناقصة، فجوهر الادراك هو الوعي بموضوع يأتي الدماغ ويستلمه عبر منفذ الحواس، أي بمادة خام يكون مصدرها بالنسبة للعالم الخارجي الحواس والزمن الذي يحتويها وجودا،أو بالنسبة لموضوع الخيال المستمد من الذاكرة تأمليا أسترجاعيا في فعالية ذهنية تجريدية لا يكون فيها الموضوع متعّينا وجودا في عالم الاشياء.. وبخلاف هذين الآليتين لا يكون هناك أدراك للواقع الحقيقي سليم يعتمده العقل أو الدماغ تحديدا.. ويبقى ألادراك القصدي ناقصا تماما في تعّذر أدراك العالم الحقيقي مباشرة بفهم يمّكن العقل من معالجته لمواضيع أدراكاته بالمقولات التي تجعل من المدركات مواضيع معرفية وليس مواضيع أشباعات بيولوجية خالصة..ويوجد فرق بين الادراك المعرفي والادراك الغريزي يتضح معنا لاحقا أكثر..

أننا نفهم الوعي المثالي المتطرف عند كل من بيركلي وهيوم وجون لوك في أعتبارهم موضوعات العالم الخارجي ما هي سوى أنطباعات في الذهن وأفكار العقل المجردة، وأنكر بيركلي وجود المادة ليتبعه هيوم بتطرف أكثر في الغائه العقل ونظام السببية معتبرا أياها خبرة متراكمة تجريبية يتعوّدها العقل بالتكرار المستمر ليجعل منها قانونا يحكم نظام الاشياء في العالم الخارجي والطبيعة..

وينتقد سيرل ديفيد هيوم حول مفهوم السببية بشراسة قائلا( في الفلسفة التحليلية عانت المناقشات حول مفهوم السببية تقليديا من المفهوم الهيومي –نسبة الى هيوم – القاصر على نحو سخيف، فمن هذا المنظور التقليدي تكون السببية دائما علاقة بين أحداث منفصلة تعمم قانونا، وأما العلاقة السببية وهي العلاقة الضرورية فلا يمكن معايشتها أبدا، هذا الرأي غير كاف فنحن نعيش في بحر من السببية التي نعايشها بصورة واعية، وعلى العكس تماما في كل مرة تدرك فيها أي شيء أو تقوم بأي شيء عن قصد فانك بذلك تمارس وتشهد علاقة سببية )(2)

والصحيح أيضا أن العقل وتحديدا وسيلته الادراكية الحواس والدماغ لا يتعامل مع مواضيع مدركاته المادية أو الخيالية الا بتجريد فكري تصوري ذهني يتم داخل الدماغ، والحقيقة التي لا يجهلها العديدون أن النظرة او المنهج المثالي هو نفسه ينطبق عليه التفكير المادي بالاحتكام كليهما الى مرجعية العقل، فالمثالية التجريبية تعطي العقل أرجحية قصوى في الادراك، ومثلها وربما أكثر تنحو المادية في أعتمادها العقل كمنهج وحيد في المعرفة العلمية والحقيقية....أشتراك كل من الفلسفتين المادية والمثالية في مرجعية العقل في أختلاف جوهري لا يمكن طمسه أو أغفاله، فالمثالية تعتمد العقل في أنتاجه الواقع المجرد فكريا بالذهن، بينما المادية تعتمد العقل أنعكاسا للوجود المادي لعالم الاشياء في أنتاجية الفكر المتعالق جدليا مع الواقع بعرى وثيقة من الديالكتيك المتخارج بينهما..ولا وجود مادي مدرك لا يتعالق مع فكرأنساني...

لكن يبقى العقل في أي نوع من التفكير الادراكي والمعرفي بحاجة الى متعّين مادي يكون مادة خام لوعيه الادراكي يمثّل موضوعه.... وهذا ما تتوفر علية الاشياء في عالم الموجودات الواقعي عبر الحواس أو عالم الموضوعات في وجودها الافتراضي المستمد من الذاكرة التخييلية الاسترجاعية وهذا يقاطع مقولة سيرل (التجربة الواعية ليست موضوعا للادراك، فهي في الواقع تجربة الادراك ) (3).

في هذه المقولة نعجز عن فهم محدّد ماذا يعني لنا الوعي ، وماذا تعني لنا القصدية ، وماذا يعني لنا الادراك العقلي، وماذا يعني لنا موضوع الادراك ، فجميع هذه الفعاليات الادراكية وتوابعها تجمعها تلك المقولة في ما أطلق عليه (تجربة) الادراك..الوعي الادراكي القصدي يحتاج الى أشباع معرفي لمدركاته لا تنفصل عن مواضيعها الادراكية من خلال التجربة الادراكية لموضوعات معرفية تختلف تماما عن أشباع القصدية لغرائز أدراكية بيولوجية مثل أشباع العطش والجوع والجنس..في هذا النوع من الادراك البيولوجي يكون الاشباع استهلاكيا بمعنى نهاية تجربة الادراك في الاشباع البيولوجي، بخلاف الاشباع الادراكي المعرفي فهو يدّخر خزينا أستراتيجيا معرفيا في الذاكرة..

التجربة الادراكية في المعرفة فعالية من فعاليات العقل (الدماغ) لكن موضوع الادراك هو في كل الاحوال شكل ومضمون (محتوى) لموجود متعّين في عالم الاشياء غير مرتهن وجوده بأهمية الادراك العقلي له..ولا يمكن للادراك القصدي المباشر الفصل بين محتوى الشيء ومضمونه، فالمرتبة الاولى للادراك هي في معرفة الشيء كوجود فينومينولوجي موّحد بصفاته البائنة الخارجية التي ربما تكون معرفتها هي معرفة ماهيّة الشيء المحتجبة خلفها،... وفي نفس المعنى تقريبا فعل منهج الفينامينالوجيا في أدراك الظواهر الخارجية فينومين والماهيات غير المدركة للوجود بذاته (نومين) وجاء هذا التمييز الذي أصبح تقليديا راسخا في فلسفة كانط..

فأدراكنا وجود كرسي هو أدراك شخصاني أنفرادي لموضوع يتألف من شكل ومحتوى متعيّن أنطولوجيا، ولا يوجد مضمون من دون شكل يلازمه..كما لا يوجد شكل من دون مضمون يلازمه ويفصح عن ماهيته الانطولوجية كجوهر.. والادراك يكون قصديا هادفا لاشباع رغبته الفطرية الغريزية أو في الاشباع المعرفي، فأشباع غرائز فطرية عند الانسان مثل الجوع والعطش والجنس هي من باب الاشباعات البيولوجية لاهداف الادراكات القصدية، وهذه القصدية الادراكية الاشباعية أنما تكون بعفوية بيولوجية تختلف عن قصدية الادراك المعرفي للاشياء..فالفعاليات الادراكية القصدية الغريزية العفوية البيولوجية كما في حالات أشباع العطش والجوع والجنس وغيرها لا يكون العقل المدرك لاشباعها ملزما بتجربة أدراك قصدي هي أبعد من المتحقق الاشباعي البيولوجي لها..وتكون القصدية هنا شخصانية مكتفية ذاتيا.. وهذه تختلف عن قصدية أشباع الموضوع غير الفطري الغريزي في الالمام بتفسيره كمعرفة خالصة تبغي معرفة الشيء المدرك بخصائصه البائنة أوماهيته المحتجبة لما يجعله العقل خزينا معرفيا أستراتيجيا في الذاكرة.. ويختلف الوعي بحقائق الموجودات في ألادراك المعرفي عنه في الاشباع البيولوجي وفي هذا النوع من القصدية المعرفية (لا يكون الوعي بالشيء وعيا حقيقيا ألا بمقارنته الشخصانية الفردية بغيره من حالات الوعي الاخرى كجزء من الوعي الشخصاني الكلّي )(4) وهذا لا يتم بغير أعتماد الخزين المعرفي الاستراتيجي في الذاكرة التي هي بنك المعلومات المكتسبة بالخبرة العقلية والتجربة،،. فقد تكون موضوعات الوعي هي أدراكات تتم في الذهن والخيال ألاسترجاعي من الذاكرة ولا يقابلها وجود متعيّن وحضورموضوعي في عالم الاشياء (وتمثل الاحلام شكلا من اشكال الوعي المختلف تماما عنه في حالات اليقظة )(5) أي ألادراك في موضوعات الخيال المستمد من الذاكرة جميعها تعتمد الشعور المسيطر عليه عقليا بينما لا يكون الشعور حاضرا في الاحلام لذا يكون الادراك الحلمي اللاشعوري تداعيات متقطعة لا ينتظمها أدراك تحسّسي مترابط ولا زمن تنظيمي لها..

سبق لي في غير هذه المقالة أني اشرت بالفارق بين أحلام اليقظة وأحلام المنام أن الاولى تقترن بالشعور المنّظم زمنيا، والثانية هي تداعيات لاشعورية لا يقوم الزمن الادراكي بتنظيمها.. لذا تكون الادراكات في أحلام المنام ناقصة فهي تأتي على شكل تداعيات صورية ذهنية متقافزة تتخللها قطوعات تفتقد الزمن الأدراكي المنتظم لها مما يجعلها عسيرة على الفهم القائم على الوضوح الادراكي المنظّم زمانيا كما في اليقظة..

خصائص الوعي القصدي

- الوعي حقيقي غير قابل للاختزال.(6) بمعنى غير قابل للقفز من فوق آليات السياق الادراكي الذي يبدأ بالحواس ولا ينتهي بالدماغ والجملة العصبية..

- الوعي نوعي بمعنى ( هناك نوعية تجريبية لكل حالة واعية، والوعي شخصاني أنطولوجي لا تتم معايشته ألا من قبل موضوع بشري أو حيواني).(7).

- جميع ملامح الوعي ناتجة من دون أستثناء عن عمليات بيولوجية – عصبونية داخل الدماغ ومنظومة الجهاز العصبي.(8)

- الوعي القصدي المعروف الوحيد هو الموجود في الجهاز العصبي للانسان او الحيوان..(9)

- تجربة الوعي الادراكي القصدية النوعية الشخصانية بكاملها هي جزء من مجال وعي ادراكي كلي.(10) بمعنى أشتراك أكثر من حاسة واحدة في تجربة الادراك من جهة، وكل تجربة شخصانية تعتبر محدودة بالنسبة لتجارب لا حصر لها من أدراكات وعي كلي متنوع بتعدد موضوعاته من جنبة أخرى.

- مضمون الوعي القصدي يفيد معنى شروط الاشباع (11) بمعنى غاية وهدفية الادراك هو أشباع الرغبة في تحريك القصد نحوتحقيق غاية محددة يتوجب بلوغها..والوعي القصدي وعي هادف يتحدد بالذهن سلفا..

مفهوم التجربة الادراكية

يأخذ سيرل على الفيلسوف أ.ج. آير صاحب كتاب (اسس المعرفة التجريبية) في معرض بناء حجته على آراء مستمدة من هيوم بأن ما ندركه هو بيانات حسيّة .. ليطرح سيرل بضوء ذلك تساؤله :ما الموضوع الذي نحن واعون به مباشرة في حالة الادراك اذا لم يكن جزءا من أي شيء مادي؟؟(12) طبعا هنا كان تركيز سيرل على الادراك والوعي القصدي الناتج عن رغبة الاشباع المعرفي التي تفترض سلفا تحقق الوجود الانطولوجي لمواضيع العالم الخارجي للاشياء كمجال أدراكي واقعي، وأغفل أمكانية قيام الادراك على غير متعيّن مادي يحضر كموضوع كما ألمحنا له سابقا، فالعقل يقوم بفعل الادراك القصدي في معالجته مواضيع أدراكية غير مادية مستمدة من الذاكرة التخييلية الى جانب أدراكه مواضيع الواقع المادي، ولا وجود في حالة الادراك القصدي التخييلي شرطا لموضوع يكون جزءا من شيء مادي كما في رغبة سيرل في عبارته السابقة..ليس شرطا أن يكون الوعي الادراكي بموضوع يمّثل جزءا من واقع مادي حصرا ، فالخيال الادراكي يستطيع التعامل مع موضوعات لا وجود لعلاقة أنطولوجية لها تربطها بحواس الادراك ..

ويضرب سيرل مثالا: عندما يرى الرجل سرابا في الصحراء فهو بالتالي لا يدرك أي شيء مادي، لأن الواحة التي يعتقد أنّه يراها غير موجودة أصلا.. (13)، ويأخذ سيرل على (آير) أنه هو وفلاسفة آخرون يقولون مع هذا (أن تلك التجربة في رؤية الواحة ليست تجربة تتعلق بلا شيء ومن هنا فلها مضمون محدد ).(14). وبضوء هذا الفهم الادراكي يتضح معنا أباحة صحة الذهاب الى أن الادراك هو معايشة بيانات حسية مستمدة من الذاكرة والذهن كما يرى هيوم، ولا يختلف الحال مع أدراك موضوع ماثل متعّين وجودا أو مع موضوع غير موجود واقعيا حقيقيا.. يكونان سببا في بعث أدراكات الاحساسات، وهو تأويل صحيح في تتبعنا آلية الوعي الادراكي وليس قصديته...

من الملاحظ رفض سيرل أن المضمون في حد ذاته يمّثل موضوع التجربة مؤكدا على ما عزاه أنه خطأ (آير) قوله (أن تجربة الواحة للرائي ليس تجربة لا تتعلق بلا  شيء، بل التجربة هنا تتحدد بموضوع محدد ).(15).

ولتوضيح هذا الالتباس يذهب سيرل الى (أن المضمون القصدي الذي هو الموضوع في المعنى البنيوي – يقصد في واقع تجربة الادراك الحقيقي النسقي الكلية – ليس هو ذات الموضوع في المعنى القصدي).(16)

في هذا التفريق يؤكد سيرل وجهة نظره الفلسفية أن تجربة الادراك انما تقوم على موضوع يتخذ صفته ومعناه الوجودي – البنيوي في ممارسة تجربة الادراك الواقعة عليه في وجوده وفي غيابه على السواء..فالموضوع هو في المحصلة النهائية التي تفرض نفسها هو وجود انطولوجي مستقل بذاته في حالتي الادراك المباشر له أو في حالة معاملته كموضوع للادراك يفتقد الوجود المادي المتعيّن واقعيا..وربما لا ينطبق هذا على مثال سراب الواحة كما أوحى سيرل بذلك..

هل يتم الوعي القصدي خارج الدماغ؟

ينقل جون سيرل عن الفيلسوف الامريكي (الفا نوي) في مقال لهذا الاخير بعنوان (تجربة من دون رأس) الى أن الوعي الادراكي القصدي يمكن أن يتم خارج الدماغ ،موضحا قوله (أن تجربتنا في الوعي غير معتمدة فقط على ما يتمّثل في أدمغتنا ،بل يعتمد على تفاعلات دينامية بين أقطاب الوعي – الدماغ -  والجسم -  والبيئة)(17).

الوعي القصدي عند سيرل يشمل جميع حالات الذهن ولا ينفك عنها، حتى أنه يرى في تصّور حالة ذهنية غير واعية، عبارة متناقضة ذاتيا، وبحسب رأيه الوجود مادة صماء فمن أين يأتي الوعي؟ ويرى أن الوعي لا بل العقل كله ظاهرة بيولوجية مادية بالكامل وهو المذهب المعروف بالطبيعانية البيولوجية.. نلاحظ للمرة الثانية سيرل يكرر فهمه الفلسفي أن موضوع الادراك القصدي هو المتعّين أنطولوجيا في عالم الاشياء فقط، وقد قمنا توضيح هذه المسألة في سطور سابقة من هذه الورقة البحثية..

اللغة والعقل في الوعي القصدي

سعى سيرل الى اكتشاف طبيعة الارتباط بين اللغة والعقل فهما يتوّجهان الى أدراك الاشياء معا، فيتمّثل العقل الشيء ويقصده بالتزامن مع أستحضار لغة التعبير فيه، تزامنا يكاد يكون آنيا،، ويطرح سيرل بهذا المعنى سؤالا لمن تكون الاسبقية للعقل أم للغة؟ ويجيب على تساؤله عن الاسبقية للعقل مؤكدا وجهة نظره التي ضمنها مقدمة كتابه (القصدية) حيث جاء في فلسفة العقل من الكتاب المنشور عام 1983، أن الافتراض الاساسي القائم وراء تناولي لمشكلات اللغة هو أن فلسفة اللغة هي فرع من فلسفة العقل..(18).

ويطلق سيرل على أن الهلوسة الادراكية (الواعية) لا تمتلك موضوعا من أيّ نوع كان ، وتعقيبنا أن هلاوس الادراكات غير (واعية) تماما بموضوعها وليس كما ورد أنها (واعية) في أمتلاكها مضمونا ولا تمتلك موضوعا، ويتعّذّر التفكير في وعي أدراكي لا يحمل موضوعه المتعيّن كمادة أدراكه الملازمة له ، ولا يشترط في موضوع الادراك أن يكون متعينا أنطولوجيا بل من الممكن أن يكون الموضوع مستحدثا من الذاكرة الاسترجاعية، وبخلاف الهلاوس غير المنتجة تكون أدراكات الاسترجاعات التذكرّية واعية تحمل موضوعها معها في ملازمة تخليق الادراكات المجردة في الذهن.. وحالة الادراكات الهلاوسية تكون حالة من تداعيات الصور الذهنية المرتبطة الدلالة بغيرموضوع واحد محدد ، وتجارب الهلوسات الادراكية التي لا تحمل موضوعها الادراكي معها بوعي كاف لا تعبّر عن تجربة واقعية من الممكن تصديق حدوثها الواقعي..والا كيف لنا تعليل سلسلة الادراكات التي يمتزج بها اللاشعور الهلاوسي مع الوعي الشعوري التام باكثر من موضوع تخييلي كما نجده في معظم الابداعات الفنية والادبية وبالتحديد في الشعر؟؟ ففي مثالنا هذا لا نستطيع القطع أن تلك التجارب الادراكية هي من نوع الهلاوس غير المنتجة التي تفتقد موضوعها.. بل هي تمتلك موضوعها بكل جدارة وأستحقاق.

تلخيص ختامي

1- يذهب سيرل أن الوعي الادراكي القصدي ظاهرة بيولوجية، أي أنه وعي شخصاني نوعي أنطولوجي وهو جزء من مجال وعي كلي شامل.(19)

هنا بضوء هذا التعريف يجب التفريق بين موضوع الادراك المعرفي الذي لا يشترط حسب فهمنا أن يكون أشباعا بيولوجيا كما في مثال الاشباع الغريزي الجنس والجوع والعطش وغيرها، وبين الموضوع المدرك في الوعي القصدي في مجال المعرفة والسعي لاكتسابها.. الذي يكون أدراكا نوعيا يخص بيولوجيا الانسان كركن أساس تحديدا في أكتسابه المعرفة شخصانيا.. فهوأدراك بيولوجي على مستوى الشخص المدرك للاشياء وليس بيولوجيا على مستوى موضوع أدراكه..ومواضيع الادراك القصدي نوعين موضوع أدراك معرفي، وموضوع أدراك غريزي فطري..وكلاهما يشكلان هدفين متمايزين لتجربة الادراك في أشباعهما...

2- ينطلق سيرل من نظرة أحادية فينامينالوجية في الادراك ، تقوم على مرتكز محوري أن موضوع الادراك هو المتعيّن أنطولوجيا في عالم الاشياء المادية فقط ، ويهمل الادراكات الفكرية التي يكون منشؤها الذاكرة الاسترجاعية في أدراك موضوعاتها، ولا يناقشها في صفحات كتابه الموسوم (رؤية الاشياء كما هي) كفعالية أدراكية لا يمكن أهمالها..وعنوان كتابه رؤية الاشياء.. أنما تقوم في تركيزه على المدركات الحسّية في الواقع  فقط..علما أن مدركات مواضيع الادراك المستمد من الذاكرة أنما تنتج عنها جميع ضروب الابداع في الادب والفكر والثقافة والفنون وجميعها أدراكات قصدية حيوية في خياتنا وهكذا..

3- يحدد سيرل أن محددات أي أدراك قصدي تتألف من ثلاثة عناصر فقط يؤكد عليها هي المدرك (بكسر الراء) أي الشخص، وثانيا موضوعه،أي موضوع الادراك، وثالثا حاسّة الابصار العين، التي تكون البداية منها في أستقبالها ضوء الشيء المدرك الصادر منه، أي ضوء الموضوع المنبعث منه في تجربة الادراك الساقط على شبكية العين.. ولا نعرف أهمية الادراكات الناجمة عن بقية الحواس عند الانسان كالسمع واللمس والتذوق والشم فجميعها تعتبر مصادر الاحساسات الاولية في عمليات الادراكات لم يعرها سيرل أهتمامه.. كما لم يعر أنتباها الى الدماغ ومنظومة الجهاز العصبي الفاعل في أتمام عمليات الادراكات..ركّز كثيرا على أهمية العين فقط في تجربة الوعي الادراكي المادي.. وعنونة الكتاب هو (رؤية) بمعنى الابصار في العين وعلاقتها بالوعي الادراكي القصدي فقط هو محتوى الكتاب كاملا...

4- ورد على لسان سيرل أن علاقة الادراك في الهلوسة لا تنطبق على حالات الادراك الحقيقي السليم، كون أدراكات الهلاوس لا تمتلك موضوعا حتى وأن أمتلكت (وعيا) أدراكيا في مضمون متعيّن أدراكا، وناقشنا هذا الغموض في أسطر سابقة، فالوعي القصدي في أدراكات الهلاوس لا يمتلك وعيا مثمرا لكنه لا يعدم أمتلاكه موضوعات أدراكية لا يشترط أن تكون مستمدة انطولوجيا من واقع الاشياء بل يمكن أن تكون مواضيع الادراك الهلاوسي منطلقها تداعيات الفكر الصادرعن الذاكرة... والوعي هو وعي بموضوع يتألف من شكل ومضمون ولا وعي من غير موضوع يدركه، لكن الموضوع المستقل لا يشترط بالوعي ملازما له..

5- لكي يقوم سيرل في تأكيد رغبته أن أدراكات الهلوسة السيئة لا تمتلك (موضوعا) وقد تمتلك (مضمونا)، الى التفريق بين الموضوع ومضمونه في تجربتي الادراك الحقيقية والسيئة أي بين تجربة الادراك السليم وتجربة الهلوسة، وهذا التفريق لا يلغي ولا يلعب دورا حاسما بين التجربتين ويعبّر عن هذه الاشكالية المفتعلة قوله (في التجربتين – يقصد الحقيقية والهلاوسية -   يتكرر لدينا نفس الموضوع القصدي بالضبط ولكن في وجود موضوع قصدي في أحدى الحالتين فقط دون الاخرى) 20

لا نعتقد العبارة سليمة من ناحية ترابط المعنى في خلوّها من التناقض بمعنى توفر الموضوع القصدي في التجربة الحقيقية وأنعدامها في تجربة ألهلوسة حتى وأن أمتلكت مضمونا وليس موضوعا.. علما أن عبارة سيرل تشي باشتراك التجربتين في أدراكهما موضوعا واحدا.. كما لا يمكن أستساغة التفريق بين الموضوع ومضمونه في تجربة الادراك الخطأ الذي زرعته الفينامينالوجيا في تكريسها ثنائية أدراك الظاهراتية هذا وأستحالة أدراك النومين ذاك، عندما فصل منهج الفينامينالوجيا أدراك الاشياء في ظاهرياتها البائنة عنها في عدم أمكانية أدراك ومعرفة ماهياتها التي كان رسّخها كانط قبل هوسرل..، وفي العودة الى علاقة شكل الموضوع مع مضمونه نرى أستحالة أدراك مضمون متحرر عن موضوعه في (شكل) أنطولوجي يمكن أدراكه منفصلا غير متعالق بموضوعه، فالمضمون هو محتوى ملازم لموضوع محدد في شكل.. وأدراك موضوع كشكل أنطولوجي لا ينفصل عن مضمونه حتى وأن لم يدرك المضمون مباشرة كماهية أو جوهر..ولا يمكننا تصورأدراك مضمون بلا موضوع يؤطره..ما يدرك كموضوع يدرك وحدة واحدة شكلا ومحتوى والثالث مرفوع على حد تعبير الفلاسفة..

6- يطرح سيرل تساؤلا أشكاليا صعبا، يذهب الى تدعيم صحته وصوابه كلا من فلاسفة الشكيّة التقليديين ديكارت وبيركلي وهيوم ولوك وكانط، هو أن كل ما يمكننا أدراكه هو تمثّلات تجاربنا الشخصية الفردانية صوريا عن الواقع، فهل يمكننا تعميم حقيقة مدركاتنا على الجانب الأخر (مجموع الاخرين) (21).

لن نأخذ بتفنيد سيرل لهذا الادعاء لأن تفنيده يقوم على حجّة أشكالية قوامها مرتكز حاسة البصر (العين) في التجربة الادراكية، وهناك أجماع على حقيقة ثابتة لا يمكننا العبور من فوقها هو لا تتمكن الحواس من أدراك الاشياء على حقيقتها بصورة كاملة، كما لا يمكن للعقل تكوين أفكاره عن مدركاتنا كحقيقة قاطعة، وتبقى على الدوام أدراكاتنا ناقصة في معرفة العالم .. من جهة أخرى سحب سيرل التساؤل المار ذكره الى مضمار التعبير اللغوي الالتباسي المعقد كما يطرحه فينجشتين، وهذا ما لا يعتمده فلاسفة الشكيّة الكلاسيكية بدءا من ديكارت وليس أنتهاءا بفلاسفة التحليلية الانجليزية جورج مور وبراتراندرسل من حيث أن الحواس خادعة ولا تحمل أكثر من نصف الحقيقة على الدوام كما هي اللغة أيضا خادعة ومخاتلة ومعرفة الواقع على حقيقته أمر غير متيّسر لا بالادراك ولا بتعبير اللغة... كذلك فأن مخاتلة اللغة تنسحب على التعبير عن التجربة الفردية كما تنسحب على تعبير الادراكات الجماعية أيضا ولا منجاة لأحد مما يعرف بخيانة اللغة... التجربة الحقيقية بالادراك الشخصاني يمكننا تعميم بعض أستنتاجاتها، من حيث أن مواضيع الادراك في غالبيتها تكون متعّينات أدراكية ثابتة أنطولوجيا تقريبا، بينما يكون الادراك الذاتي متغيّرا ومتعددا بالنسبة لموضوع وجوده في حكم الادراك الثابت أو ظاهرة تتسم بالثبات النسبي، وكذلك فالادراك الفردي لا يتوّصل الى حقائق علمية قاطعة بل الادراك قسمة مشاعة أمام الجميع في ممارستها ضمن الامكانيات المتعددة في تنوع ألادراكات الشخصانية في الاشباع القصدي، عليه تكون نتائج الاستدلال الادراكي لا تلزم غير صاحب التجربة من الأخذ بها لدى أصحاب زوايا رصد متباينة أخرى.. يوجد تفاوت أدراكي بين شخص وآخر لكن لا يوجد تفاوت في أدراكنا حقيقة الوجود يسبق أدراكاتنا الفكرية عنه..مما يجعل أمكانية الخطأ الجمعي متراجعا في أدراك الموضوع الواحد..

جون روجرز سيرل: فيلسوف امريكي ولد عام 1932 ويشغل ألآن درجة أستاذ فخري في فلسفة العقل واللغة، وأستاذ طلبة الدراسات العليا في جامعة بيركلي – كالفورنيا، معروف على نطاق واسع في مساهماته في فلسفة اللغة والعقل والفلسفة الاجتماعية، بدأ التدريس في جامعة بيركلي عام 1959..

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.....................

الهوامش :

1- جون ر. سيرل/ رؤية الاشياء كما هي/ سلسلة عالم المعرفة /ترجمة

ايهاب عبد الرحيم/ ص 163

2- المصدر اعلاه ص 34

3- المصدر السابق ص 58

4- المصدر السابق ص 59

5- المصدر السابق ص 57

6- المصدر نفسه نفس الصفحة

7- المصدر نفس الصفحة

8- المصدر نفس الصفحة

9- المصدر نفسه ص 59

10- المصدر نفس الصفحة

11- المصدر نفس الصفحة

12- المصدر ص 94

13- المصدر نفس الصفحة

14-  المصدر نفس الصفحة

15- المصدر ص 59

16- نقلا عن موقع اضاءات الالكتروني

17- المصدر السابق ص 99

18- المصدر السابق ص 97

19- المصدر السابق ص 193

20- المصدر السابق ص 181

21- المصدر السابق ص 194