ibrahim telbasilkhaالطريق الثالث third way يقع بين طريق الاشتراكية socialism وطريق الرأسمالية capitalism ، بين اليسار left واليمين right .. ولقد تولد مصطلح "اليسار" ومصطلح "اليمين" عن الحياة البرلمانية الفرنسية في مستهل القرن التاسع عشر، عندما اعتاد الملكيون أو المحافظون أن يجلسوا جماعة إلي يمين رئيس الجلسة , وتجمع المصلحون الدستوريون والانقلابيون إلى يساره . وفي هذا إشارة رمزية لها دلالتها , لأن " اليسار " على وجه الإجمال يريد أن يدفع الأهداف الديمقراطية للثورة الأمريكية والثورة الفرنسية حتى تتحقق على أكملها , ويريد " اليمين " إجمالا مجتمعا أقل من ذلك ديمقراطية بدرجة كبيرة . وهذه الخطوط العريضة التى ترسم الفوارق بين هذين المصطلحين لا تكفي – بطبيعة الحال – لقياس ما في الآراء من تعقيد حتى في السياسة . وذلك لأمر واحد وهو أن الوسط الذي نقيس منه اليسار واليمين ليس نقطة محددة واضحة لأن الجذب الديمقراطي بين مثل الحرية والمساواة موجود دائما . كما أن المثل الأعلى للأمن يزيد الأمر تعقيدا .. غير أن التقسيم إلى اليسار واليمين – برغم هذا – كوسيلة للتمييز بين الجانبين قد ينفعنا وبخاصة إذا لاحظنا أن خط التقسيم منحن يمكن أن يكون دائرة كاملة فيلتقي الطرفان . ومما يلفت النظر في السنوات الأخيرة من الجمهورية الفرنسية الثالثة أن الملكيين والشيوعيين وهما في المصطلح السياسي يمين متطرف ويسار متطرف , كثيرا ما صوتوا في جانب واحد في مشكلة   معينة (1)

ومهما يكن من أمر فإن جيدنز يحاول عبر مؤلفاته أن يجسد التعارض القائم بين " اليسار " و " اليمين " ويدعو إلى الانصراف عن الجانبين التماسا لطريق ثالث وهو يري أن الطريق الثالث وسيلة لتحقيق التقارب بين الاشتراكية أو اليسار وبين الرأسمالية أو اليمين .

وبالنسبة للاشتراكية يري جيدنز أن أصولها ترتبط بالبدايات المبكرة لتطور المجتمع الصناعي منذ حوالي منتصف القرن الثامن عشر وحتى أواخره . وقد كانت الاشتراكية في بدايتها بمثابة بناء فكري يعارض النزعة الفردية individualism في حين ظهر اهتمامها بتطوير نقد للنظام الرأسمالي في فترة لاحقة . وقبل أن تدعي لنفسها معنى محددا شديد التخصيص بقيام الاتحاد السوفيتي اختلط مصطلح الشيوعيةcommunism بشدة مع مصطلح الاشتراكية حيث سعى كل منهما إلى تأكيد أولوية الاجتماعي أو المجتمعي . (2)

وكانت الاشتراكية تمثل في المقام الأول موقفا فلسفيا وأخلاقيا . ولكنها أخذت قبل ماركس بوقت طويل تصطبغ بصبغة المذهب الاقتصادي economic doctrine . بيد أن ماركس هو الذي زود الاشتراكية بنظرية اقتصادية محكمة . هذا فضلا عن أنه وضع الاشتراكية في إطار تفسير شامل للتاريخ . وقد شارك الاشتراكيون جميعا ماركس موقفه السياسي , بغض النظر عن مدى حدة خلافاتهم الأخرى معه . فالاشتراكية تسعى إلى مواجهة نواحي القصور في الرأسمالية بغرض إضفاء صبغة إنسانية عليها أو الإطاحة بها تماما . وتنهض النظرية الاقتصادية للاشتراكية في فكرة مؤداها أن الرأسمالية إذا ما تركت وفقا لآلياتها , فإنها – الرأسمالية – تتسم بعدم الكفاءة الاقتصادية بسبب ميلها إلى خلق تمايزات اجتماعية وعجزها عن إعادة إنتاج نفسها على المدى الطويل . (3)

ولقد كانت النظرية الاقتصادية للاشتراكية تتسم دائما بالقصور وعدم الكفاءة، من حيث تهوينها من قدرة الرأسمالية على التجديف والتكيف وزيادة الإنتاجية باضطراد . كما أخفقت الاشتراكية أيضا في فهم أهمية الأسواق باعتبارها آليات للمعلومات تزود الباعة والمشترين ببيانات أساسية . ولم تنكشف هذه النقائص إلا مع تعاظم عمليات العولمة والتغير التكنولوجي التى بدأت منذ السبعينات . فطوال الفترة من منتصف السبعينيات وقبل انهيار الاتحاد السوفيتي بزمن طويل، أخذت الديمقراطية الاجتماعية تواجه بصورة متزايدة تحدي فلسفات السوق الحر وعلى وجه الخصوص مع نشأة التاتشرية والريجانية التى يمكن وصفها بشكل أدق بتعبير الليبرالية الجديدة . ولقد كانت فكرة تحرير السوق تبدو في فترات سابقة، وكأنها تنتمي إلى الماضي، إلى عصر تم تجاوزه . وهكذا عادت أفكار كان ينظر إليها الكثيرون باعتبارها خارجة عن المألوف , مثل أفكار فريدريك فون هايك friendrich von hayek - الداعية البارز للسوق الحر – ونقاد آخرين للاشتراكية من دعاة السوق الحر، عادت فجأة لتصبح قوة يعتد بها. وقد مارست الليبرالية الجديدة قدرا ضئيلا من التأثير في أغلب دول القارة الأوربية بالقياس إلى التأثير الذي مارسته في المملكة المتحدة والولايات المتحدة واستراليا وأمريكا اللاتينية . وإن كانت فلسفات السوق الحر قد أصبحت مؤثرة في القارة الأوربية، شأنها شأن أماكن أخرى . (4)

وتتسم مقولات الديمقراطية الاجتماعية والليبرالية الجديدة باتساع نطاقها واشتمالها على جماعات وحركات وأحزاب ذات قناعات وتوجهات سياسية مختلفة . وتستند الليبرالية الجديدة إلى تيارين أساسيين، أكثرهما أهمية هو التيار المحافظ ( أصل المصطلح هو اليمين الجديد ) . وقد أصبحت الليبرالية الجديدة بمثابة الرؤية الفكرية للعديد من الأحزاب المحافظة في كافة أنحاء العالم . ومع ذلك فإن ثمة نمطا هاما من التفكير يرتبط بفلسفات السوق الحر التى تتبنى، على خلاف التوجه المحافظ، موقفا تحرريا فيما يتعلق بالقضايا الأخلاقية والاقتصادية في نفس الوقت. فعلى العكس من المحافظين التاتشريين يميل أنصار التحرر علي سبيل المثال إلى دعم الحرية الجنسية أو عدم تجريم المخدرات . (5)

ويقصد جيدنز بتعبير " الديمقراطية الاجتماعية " الإشارة إلى الأحزاب والجماعات الإصلاحية اليسارية الأخرى، بما في ذلك حزب العمال البريطاني british labour party . ويري أن النظم الديمقراطية الاجتماعية تتباين فيما بينها بدرجة كبيرة، ومع ذلك فإن الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية والليبرالية الجديدة يمثلان فلسفتين سياسيتين متميزتين ويلخص جيدنز الاختلافات بينهما على النحو التالي :

أ- الديمقراطية الكلاسيكية " اليسار القديم "

تقوم على :

        التدخل الشامل للدولة في الحياة الاجتماعية والاقتصادية .

        النزعة الجمعية .

        إدارة الطلب بالأسلوب الكينزي بالإضافة إلى النزعة المؤسسية.

        دور محدود للأسواق ,واقتصاد مختلط أو اشتراكي .

        نزوع قوي نحو المساواة .

        دولة رفاهية شاملة تحمي المواطنين " من المهد إلى اللحد " from cradle to grave

        مسار تحديثي تقدمي .

        وعي بيئي منخفض .

        النزعة الدولية internationalism   .

        الانتماء إلى عالم ثنائي القطبية .

ب – التاتشرية أو الليبرالية الجديدة ( اليمين الجديد )

يقوم على :

- دور محدود للدولة .

- مجتمع مدني مستقل ذاتيا .

- نزعة سوقية متطرفة .

- نزعة تسلطية أخلاقية بالإضافة إلى نزعة اقتصادية فردية.

- سوق عمل حر مثل أي سوق أخر .

- القبول بعدم المساواة .

- نزعة قومية nationalism تقليدية .

- دولة الرفاه كشبكة أمان .

- مسار تحديثي تقدمي .

- وعي بيئي منخفض .

- نظرية واقعية حول النظام الدولي .

- الانتماء إلى عالم ثنائي القطبية . (6)

وفي ضوء هذه الاختلافات لاحظ جيدنز حرص الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية على ضرورة تدخل الدولة في نظام السوق (فالدولة ملزمة بأن تتيح السلع والخدمات العامة التي لا يمكن للسوق أن يقدمها , أو لا يمكنه أن يقدمها بصورة ملائمة ) وفي حياة الأسرة ( فالمزايا التي تقدمها الدولة ذات أهمية حيوية لمساعدة الأسر المحتاجة ) . وربما كان أعلى منظر في نشأة دولة الرفاه في المملكة المتحدة كعبا هو ت . هـ . مارشالmarshall والذي قدم عرضا مفحما لهذا النموذج . وفي رأيه أن دولة الرفاهية تمثل قمة عملية تطورية طويلة لحقوق المواطنة.(7)

ولقد وجدت الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية من الصعب عليها أن تتوافق مع الاهتمامات الإيكولوجية ecological concerns .فتأكيدها على النزعة المؤسسية، وسعيها للتشغيل الكامل , وتأكيدها المتعاظم على دولة الرفاه جعلها غير قادرة على التعامل مع القضايا الايكولوجية بطريقة متسقة . فضلا عن أنها كانت تفتقر – من الناحية العملية – إلي نظرة كونية قوية .لقد كانت الديمقراطية الاجتماعية ذات توجه دولي , حيث كانت تسعى إلى خلق وحدة تضامنية بين الأحزاب السياسية ذات التوجهات المتشابكة , عوضا عن مجابهة مثل هذه المشكلات الكونية . ومع ذلك فقد ارتبطت بقوة نظام الثنائية القطبية حيث احتلت مركزا وسطا بين نزعة الحد الأدنى من الرفاهية الأمريكية والاقتصاد المختلط للشيوعية .(8)

أما وجهة نظر الليبرالية الجديدة ينبع من " الحكومة الكبيرة الحجم ". فلقد عبر الأب المؤسس للنزعة المحافظة في بريطانيا ادموند برك edmund burke عن كراهيته للدولة , والتي إذا ما توسعت إلى أبعد ما يلزم لابد أن تتحول إلى العداء للحرية والاعتماد على الذات . وقد كانت النزعة المحافظة الأمريكية تكن العداء منذ أمد بعيد للحكومة المركزية . واستندت التاتشرية على هذه الأفكار , فضلا عن الشكوك الليبرالية الكلاسيكية حول دور الدولة التى نهضت على مقولات اقتصادية حول الطبيعة الأعلى تفوقا للأسواق . وترتبط أطروحة الحد الأدنى من تدخل الدولة ارتباطا وثيقا برؤية مميزة للمجتمع المدني يجب أن تتاح لها فرصة النمو والازدهار، ولن يتحقق هذا إلا إذا امتنعت الدولة عن     تعويقها . (9)

ولهذا يري الليبراليون الجدد أن مصدر النظام في المجتمع لا نجده ماثلا أساسا في التفكير ولا في الحساب والتخطيط العقلانيين من جانب الدولة أو أي جهة أخرى . ذلك أن المجتمع له بمعنى خاص , كيفية عضوية . بيد أن هذه الصفة وليدة تأزر عفوي غير متعمد بين أفراد كثيرين يعملون وفاء لمتطلبات دوافعهم الخاصة . وإن الأسواق التي تعمل على نحو جيد هي المثال الأول والأساسي لذلك , وهي المرتكز الرئيسي للنظام الاجتماعي العفوي. ومثل هذا النظام الاجتماعي ليس مقصورا على الساحة الاقتصادية. وتمثل نظرية النظام العفوي المصدر المباشر المقيد المنوط بالحكومة في مذاهب اليمين الجديد . إذ تقرر أن الهدف الرئيسي للحكومة ليس ( إنتاج أي خدمات أو منتجات بذاتها ليستهلكها المواطنون ) وإنما أن تراعي أن آلية تنظيم السلع والخدمات تعمل وتدار على نحو صحيح . وهنا تكون رسالة الاقتصاد التنافسي إلى الحكومة ما يلي : ابتعدوا ذلك أن تدخل الحكومة حتى وإن جاء بحافز أنبل الدوافع قابل لأن يخلق على الأقل نفوذا بيروقراطيا إن لم نقل استبدادا وطغيانا . (10)

ويذهب أنصار الليبرالية الجديدة إلى القول بأن من فضائل المتجمع المدني إذا ما ترك يعمل وفقا لآلياته " خلق الشخصية الصالحة , والأمانة , والإحساس بالواجب , والتضحية بالذات , والشرف , والخدمة , والانضباط , والتسامح , والاحترام , والعدل, وتنمية الذات , والثقة , والكياسة , والجلد , والشجاعة, والنزاهة , والاجتهاد , والوطنية , واحترام الآخرين , والاقتصاد والتوفير . والدولة، وعلى الأخص دولة الرفاه، تعمل على تدمير النظام المدني .(11)

وإن حدود دولة الرفاه , في رأى الليبراليين الجدد , فاضحة وواضحة لكل ذي عينين . وتشوبها عيوب كثيرة من بينها أنها تفيد الأكثر ثراء دون الأقل، وتخلق مزيجا غير مقدس من الوحوش البيروقراطية وتواكلية الرفاهwalfare dependency . (12) فدولة الرفاه تعد مصدر كل الشرور بذات القدر الذي كانت تمثله الرأسمالية ذات يوم في أعين اليسار الثوري . وما ينهض بعبء تقديم الرفاهية إذا ما قمنا بتفكيك دولة الرفاه هو النموذج الاقتصادى الذى يقوده السوق . فالرفاهية لا ينبغي أن تفهم على أنها منحة تقدم من الدولة بل بأنها تعظيم للتقدم الاقتصادي، ومن ثم لمجمل الثروة من خلال السماح للأسواق بان تحقق   معجزاتها. (13)

وهكذا استعرض جيدنز منطلقات كل من الاشتراكية والرأسمالية او اليسار واليمين ثم نجده يقدم نظريته حول الطريق الثالث فما الذي يقصده " جيدنز " بالطريق الثالث؟

يري جيدنز أن مصطلح " الطريق الثالث " ليس خلقا جديدا في حد ذاته فقد استخدمه من قبل كثيرا عبر تاريخ الديمقراطية الاجتماعية social democracy كتاب وسياسيون ذوو مشارب سياسية مختلف كل الاختلاف . (14)

وأن عبارة " الطريق الثالث " فيما يبدو قد صيغت منذ بداية القرن، وشاع استخدامها في أواسط الجناح اليميني في العشرينات وإن كانت أكثر استخداما في الغالب من جانب الديمقراطيين الاجتماعيين والاشتراكيين في الفترة التى أعقبت الحرب العالمية مباشرة، قدر الديمقراطيون الاجتماعيون بوضوح تام أنهم قد اكتشفوا طريقا متميزا عن رأسمالية السوق الأمريكية، وعن الشيوعية السوفيتية . وعند إعادة تأسيسها في سنة 1951 تحدثت الدولية الاشتراكية بصراحة عن الطريق الثالث بهذا المعنى . وبعد نحو عشرين سنة من هذا التاريخ استخدم الاقتصادي التشيكي أوتاسيك ota sik وآخرون المصطلح للإشارة إلى اشتراكية السوق. وكان الاشتراكيون الديمقراطيون السويديون في العادة أكثر الجميع ميلا إلى استخدام مصطلح الطريق الثالث بأحدث معانيه في أواخر الثمانينات بوصفه برنامجا مهمًا للتجديد وأما الاستخدام الأحدث لتعبير " الطريق الثالث " فنجده عند بيل كلنتون وتوني بلير . (15)

ويستخدم جيدنز مصطلح " الطريق الثالث " بوصفه تجديدا للديمقراطية الاجتماعية أو دلالة على الرؤية المعاصرة للمراجعة وإعادة التفكير التى أنجزها الديمقراطيون الاجتماعيون في أكثر من مناسبة على امتداد القرن . (16) أو للإشارة إلى الإطار المرجعي للتفكير وصناعة السياسات التى تهدف إلى مواءمة الديمقراطية الاجتماعية مع عالم تعرض لتغيرات جذرية خلال العقدين أو الثلاثة عقود الماضية . هو إذن " طريق ثالث " بمعنى " أنه محاولة لتجاوز كل من الديمقراطية الاجتماعية الكلاسيكية والليبرالية الجديدة "(17)

ويري جيدنز أن ثمة قلقا يساور اليمين واليسار على حد سواء حول مجتمع " أنا أولاMe first society وما يترتب عليه من تحطيم القيم الاشتراكية والاهتمامات العامة أو تحطيم التضامن الاجتماعي، ولكنهما يرجعان هذا القلق إلى أسباب مختلفة . فالكتاب الذين ينتمون إلى الديمقراطية الاجتماعية يبحثون عن جذور هذه المشكلة في قوى السوق متضافرة مع التأثير الأيدلوجي للتاتشريه التى تؤكد على أن الأفراد يجب أن يوفروا احتياجاتهم بأنفسهم ولا يعتمدون على الدولة . أما الليبراليون المحدثون وغيرهم من المحافظين فإنهم يبحثون السبب في التسامح الذي ظهر خلال الستينات، والذي زرع البدايات الأولى لنوع من التحلل الأخلاقي moral decay   .(18)

ويطالب جيدنز بضرورة مراجعة هذا الجدل برمته , فإطلاق كلمة " جيل أنا أولا " لوصف النزعة الفردية الجديدة ليس سوى وصف مضلل , فالنزعة الفردية لا تشير إلى عملية تحلل أخلاقي . وبدلا من النظر إلى عصرنا على أنه عصر تحلل أخلاقي فإنه من الأفضل أن ننظر إليه على أنه عصر تحول أخلاقي moral transition . ويجب عليا أن ننظر إلى أساليب جديدة لخلق التضامن بيننا . ولا يمكن أن نضمن تحقق التماسك الاجتماعي عبر فعل يأتي من أعلى تقوم به الدولة أو اللجؤ إلى التراث . إن علينا أن نؤسس حياتنا بشكل أكثر نشاطا مما كان لدى الأجيال السابقة كما أننا بحاجة إلى أن نتحمل مسئولية تبعات أفعالنا وعادات أساليب الحياة التى نتبناها . وعلينا أن نفتش عن توازن جديد بين المسئولية الفردية والجمعية اليوم . (19)

لقد ظلت التفرقة بين "اليسار" و"اليمين" منذ أن ظهرت في نهاية القرن الثامن عشر غامضة ومستعصية على الفهم , ومع ذلك فإنها لم تختف وتشبثت باستمرار . ولقد لاحظ مؤرخ الفاشية الفرنسي زيف سيترنهل seev strenhell في تأريخ للأحزاب والجماعات السياسية التى تصف نفسها على أنها " لا يمين ولا يسار " لاحظ إلى أي مدى كان الخلاف دائما حول طبيعة الانقسام . فقد غير اليسار واليمين من معانيهما عبر الزمن . فنظرة على تطور الفكر السياسي توضح لنا أن نفس الأفكار كان ينظر إليها على أنها تنتمي إلى جناح اليسار في فترات وسياقات بعينها, كما كانت تعتبر منتمية إلى جناح اليمين في فترات وسياقات أخرى . وعلى سبيل المثال كان دعاة فلسفات السوق الحرة في القرن التاسع عشر يعتبرون في صف اليسار، على حين يوضعون اليوم على قائمة اليمين .(20)

ويعرض جيدنز دفاع المفكر السياسي الإيطالي نوربرتو بوبيو norberto bobbio عن استمرار التفرقة بين اليمين واليسار . فقد رأى بوبيو أن فئتا اليمين واليسار قد استمرتا في ممارسة تأثيرهما على الفكر السياسي لأن السياسة بطبيعتها خلافية. فجوهر السياسة هو الصراع بين وجهات نظر متعارضة وبين سياسات مختلفة . ويأتي اليمين واليسار من كلا الجانبين في الجسد السياسي . وبالرغم من أن معنى اليمين أو معنى اليسار يمكن أن يتغير إلا أنه لا يمكن أن يوجد شئ يظل على اليمين واليسار فى آن واحد . فالتمييز بينهما تمييز استقطابي بطبيعته . وعندما تتوازن الأحزاب أو الأيديولوجيات السياسية يشرع البعض في مناقشة جدوى التمييز بين اليسار واليمين . ولكن فى الأوقات التى يصبح فيها أحدهما من القوة بحيث يبدو وكأنه هو " اللاعب الوحيد في المدينة " فإن كلا الجانبين يكونان له مصالح في مناقشة هذه الجدوى . ويكون للطرف الأقوى مصلحة في أن يعلن – كما فعلت مارجريت تاتشر – أنه " لا يوجد بديل آخر " . ويحاول الطرف الآخر في الغالب , وطالما أن روحه العامة لم تعد شعبية، أن يتبنى بعض آراء أعدائه وينشرها باعتبارها آراءه الخاصة . وتكون الاستراتيجية المعهودة للطرف الخاسر هي محاولة التوصل إلى " صيغة توليفية من المواقف المتعارضة بهدف إنقاذه من موقفه الخاص عن طريق النسج على منوال الموقف المعارض , ومن ثم محاولة تحييده " ويصور كل طرف نفسه على أنه يتجاوز التمييز القديم بين اليمين واليسار أو يؤلف بين عناصر من هنا وهناك لخلق توجه جديد يتسم بالحيوية. (21)

ويري جيدنز أن العولمة قد غيرت، جنبا إلى جنب، مع تفكك الشيوعية , الملامح المميزة لكل من اليمين واليسار . فلم يعد هناك فى المجتمعات الصناعية يسار متطرف له صوت عال . بل هناك يمين متطرف له صوت عال ، وهو يعرف نفسه على أنه استجابة للعولمة . وهو اتجاه مشترك يجمع السياسيين من جناح اليمين من أمثال بات بيوكانن pat buchanan في الولايات المتحدة وجان ماري لوبان jean marie le pen في فرنسا وبولين هانسون pauline hanson في استراليا .. وينسحب نفس القول على شرائح اليمين الأكثر شراسة أو الأميل إلى العنف فى الولايات المتحدة التى ينظر أفرادها إلى الأمم المتحدة والحكومة الفيدرالية باعتبارهما من المؤامرات التى تحاك ضد الكيان الوطني الأمريكي . وتنحصر الموضوعات التى تستحوذ على تفكير اليمين المتطرف في موضوعات تتعلق بالحماية الاقتصادية والثقافية . (22)

ويتوصل جيدنز إلى نتيجة مهمة لا يمكن تجاهلها مفادها أن الغرب اليوم يمر بمرحلة تحول، وأن تغيرًا نوعيا قد حدث بالفعل. فمعظم المفكرين والنشطاء السياسيين في نطاق اليسار قد تبنوا نظرة تقدمية إلى التاريخ . فهم لم يتحالفوا فقط مع " المسيرة التقدمية للاشتراكية " وإنما تحالفوا كذلك مع تقدم العلم والتكنولوجيا. وعلى الناحية الأخرى نجد أن المحافظين قد ساورهم الشك في المخططات الفكرية الكبرى , وكانوا برجماتيين فيما يتصل بالتطور الاجتماعي وركزوا جل اهتمامهم على قضية الاستمرارية . ولكن هذه التعارضات أصبحت اليوم أقل حدة مما كانت عليه . فقد قبل كل من اليسار واليمين الطبيعة ذات الحدين للعلم والتكنولوجيا، والتي تولد منافع عظيمة في الوقت الذي يخلق فيه مخاطر جديدة ومظاهر جديدة من القلق وعدم اليقين.(23)

ومع اختفاء الاشتراكية كنظرية فى الإدارة الاقتصادية، اختفي واحد من أهم خطوط الانقسام بين اليسار واليمين .... وطفا على السطح عدد من المشكلات والاحتمالات التى لم تكن واردة في المشروع اليساري أو اليميني . من بين هذه المشكلات قضايا البيئة وقضايا أخرى تتعلق بالطبيعة المتغيرة للأسرة والعمل والهوية الشخصية والثقافية . ولهذه التغيرات الجديدة يطالب جيدنز الديمقراطيين الاجتماعيين بضرورة تبنى نظرة جديدة إلى الوسطية السياسية . فقد تحركت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية نحو الوسط لأسباب انتهازية إلى حد بعيد . حقيقة أن الوسطية السياسية في سياق اليسار واليمين لا يمكن أن تعني إلا التوفيق أي اتخاذ موقف " وسط " بين بديلين واضحين . وإذا كان كل من اليسار واليمين قد أصبح أقل شمولا وإحاطة عن ذي قبل , فإن هذا التصور يصبح غير منطقي . ومن هنا يؤكد جيدنز أن فكرة "الوسط النشط" أو "الوسط الراديكالي" يجب أن تؤخذ مأخذ الجد.(24)

ويضع جيدنز عدة مهام على سياسة الطريق الثالث third way politics القيام بها وهي :

1- إن الهدف العام لسياسة الطريق الثالث يجب أن يكون مساعدة المواطنين على أن يشقوا طريقهم عبر الثورات الرئيسية في هذا العصر : العولمة، والتحول في الحياة الشخصية والعلاقة بالطبيعة .

2- يجب على سياسة الطريق الثالث أن تتبنى اتجاها إيجابيا نحو العولمة، ولكن بوصفها ظاهرة أكثر اتساعا وأبعد مدى من السوق العالمي .

3- يجب على سياسة الطريق الثالث أن تحافظ على اهتمامها المحوري بالعدالة الاجتماعية، مع الاعتراف بأن المسائل التى تجاوزت الانقسام بين اليسار واليمين قد أصبحت أكبر عددا من ذي قبل . ويمكن للمساواة أن تتصادم مع الحرية الفردية ولكن مزيدًا من معايير المساواة سوف يؤدي في الغالب إلى توسيع مدى الحريات المتاحة أمام الأفراد . وطالما أن سياسة الطريق الثالث تخلت عن النزعة الجمعية، فعليها أن تسعى إلى تأسيس علاقة جديدة بين الفرد والجماعة والى إعادة تعريف الحقوق والواجبات.(25)

ويضع جيدنز مبدأين أساسين لهذه السياسة الجديدة هما :

أ- " لا حقوق دون مسؤوليات " No rights without responsibilities . فالحكومة تتحمل مجموعة متكاملة من المسئوليات تجاه مواطنيها وتجاه غيرهم بما في ذلك حماية المعرضين للخطر . ولابد أن يعمل اتساع النزعة الفردية على اتساع الالتزامات الفردية . فتعويضات البطالة ( التى تدفعها الحكومة ) يجب على سبيل المثال أن يصاحبها التزامات بالبحث الدؤوب عن عمل، وعلى الحكومة أن تضمن أن نظم الرفاهية لا تشجع التكاسل عن البحث عن العمل . وكمبدأ أخلاقي، فإن شعار " لا حقوق دون مسؤوليات " لا يصح أن يطبق فقط على المستفيدين من برامج الرفاهية وإنما يجب أن يطبق على كل فرد.

ب- لا سلطة دون ديمقراطية "no authority without democracy “. ففي مجتمع تفقد فيه العادات والتقاليد أهميتها، تكون الديمقراطية الطريق الوحيد لإقامة السلطة . وإن النزعة الفردية الجديدة لا تؤدي حتما إلى تأكل السلطة , ولكنها تستلزم أن تتأسس السلطة على مبدأ الفاعلية أو المشاركة . (26)

ومن أهم القيم التي يجب على الطريق الثالث أن يلتزم بها:

1- المساواة .

2- حماية الجماعــات الهشـة .

3- الحـرية كاستقــلال ذاتـي .

4- لا حقــوق دون مسئوليـة .

5- لا سلطــة دون ديمقراطية .

6- التعددية العالمية ( الكونية ) .

7- النزعة الفلسفية المحافظـة . (27)

كما يحدد جيدنز برنامج programme الطريق الثالث على النحو التالى .

1- الوسط الراديكالي .

2- الدولة الديمقراطية الجديدة ( دولة بلا أعداد )

3- مجتمع مدنى نشط .

4- الأسرة الديمقراطية .

5- الاقتصاد المختلط الجديد .

6- المساواة كأداة للاستيعاب .

7- الرفاهية الإيجابية .

8- دولة الاستثمار الاجتماعي .

9- الأمة الكونية .

10- الديمقراطية الكونية .(28)

وفي شرحه لسياسة الطريق الثالث بأهدافه وقيمه وبرنامجه رأى جيدنز أن الليبراليين الجدد يريدون أن يتقلص دور الدولة . كما كان الديمقراطيون الاجتماعيون – تاريخيا – حريصين على توسيع هذا الدور . أما الطريق الثالث فيرى أن المطلوب بشكل ضروري هو أن نعيد بناء الدولة، فنتجاوز ما يقوله أهل اليمين بأن الحكومة هي العدو " ونتجاوز كذلك ما يقوله أهل اليسار من أن " الحكومة هي الحل " .(29)

ويضع جيدنز عدة أسس فعالة لإعادة بناء الدولة يجب الالتزام بها وهي :

1 - يجب على الدولة أن تستجيب بنائيًا للعولمة . فلكي تكون الديمقراطية أكثر ديمقراطية يجب أولا وقبل كل شئ التحول نحو اللامركزية، ولكن ليس بوصفها عملية ذات اتجاه واحد . فالعولمة تخلق منطقا ودوافع قوية لدفع القوة إلى أسفل، وكذلك دفعها إلى أعلى ومعنى ذلك أن هذه العملية لا تؤدي إلى إضعاف سلطة الدولة – الأمة، فهذه الحركة المزدوجة وهي حركة تحول ديمقراطي مزدوجة – تمثل ظرفا لإعادة تأكيد هذه السلطة، طالما أن هذه الحركة يمكن أن تجعل الدولة أكثر استجابة للتأثيرات التى يمكن أن تلتف حولها من كل حدب وصوب .

2- يجب على الدولة أن توسع دور المجال العام، والذي يعني إجراء إصلاح دستوري يتجه نحو مزيد من الشفافية والانفتاح بجانب توفير ضمانات جديدة ضد الفساد .

3- يجب على الدولة التى ليس لها أعداد أن ترفع كفاءتها الإدارية وذلك للمحافظة على الشرعية أو استعادتها . ذلك أن عدم الثقة في الحكومات على كل المستويات يرجع في جانب كبير إلى كونها عاجزة وغير فعالة .

4- ضرورة وجود صور أخرى من الديمقراطية غير عمليات الاقتراع التقليدية . فالحكومات يمكنها أن تقيم علاقات أكثر مباشرة مع المواطنين، ويمكن للمواطنين أن يقوموا بنفس الشيء وذلك من خلال " التجريب الديمقراطي " أو الديمقراطية المحلية المباشرة، الاستفتاءات الإلكترونية، وهيئات المحلفين من المواطنين وغير ذلك من الاحتمالات .

5- تعتمد شرعية الدولة التى ليس لها أعداد بشكل أكبر من ذي قبل على قدرتها على التعامل مع المخاطر .

6- كما أن توسيع نطاق الديمقراطية لا يمكن أن يكون محليا أو وطنيا فقط . فالدولة يجب أن تكون لها نظرة كونية . فنشر الديمقراطية إلى أعلى لا يجب أن يتوقف على المستوى الإقليمي، ونشر الديمقراطية إلى أسفل يعنى تجديد المجتمع المدني. (30)

فالدولة الديمقراطية الجديدة ( الدولة بدون أعداد ) تقوم على :

- تحريك الديمقراطية إلى اسفل .

- التحول الديمقراطي المزدوج .

- تجديد المجال العام " الشفافية ".

- الكفاءة الإدارية .

- آليات الديمقراطية المباشرة .

- الحكومة كمسئولة عن إدارة المخاطر . (31)

وتجديد المجتمع المدني – وهو أحد مكونات سياسة الطريق الثالث – يكون عن طريق :

- الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني .

- تجديد الجماعة من خلال تشجيع المبادرات المحلية .

- إشراك القطاع الثالث .

- حماية المجال العام المحلي .

- منع الجريمة على النطاق المحلي .

- الأسرة الديمقراطية . (32)

فيجب على الدولة والمجتمع المحلي أن يعملا كشريكين يسهل كل منهما للآخر شئونه ويعمل في نفس الوقت على مراقبته . فموضوع الجماعة موضوع جوهري بالنسبة للسياسة الجديدة، ولكن ليس كشعار فارغ مجرد , فنمو العولمة يجعل التركيز على دور الجماعة أمرا لازما وممكنا في نفس الوقت، وذلك بسبب الضغط الذي تمارسه من أعلى . ولا يعني التركيز على دور الجماعة محاولة لبعث الصور البالية من التضامن المحلي وإنما يعني الاهتمام بالوسائل العملية للتعجيل بالمساندة المادية والاجتماعية لجماعات الجيرة والمدن والمناطق المحلية الأوسع . وليست هناك حدود دائمة بين الحكومة والمجتمع المدني . فالحكومة تحتاج تبعا للظروف – إلى أن تتغلغل في نطاق المجتمع المدني وتحتاج فى أحيان أخرى إلى الابتعاد عنه . وعندما تنسحب الحكومة من الانخراط المباشر فإن مواردها تظل ضرورية لتدعيم الأنشطة التى تضطلع بها الجماعات المحلية، خاصة فى المناطق الأفقر . وفي المجتمعات المحلية الأشد فقرا يمكن أن تحقق المبادات والمشاركة أفضل النتائج الممكنة .(33)

وتدعو سياسات الطريق الثالث إلى اقتصاد مختلط من نوع جديد . ولذلك يري جيدنز أن هناك شكلان معروفان من الاقتصاد المختلط القديم . ينطوي أحدهما على الفصل بين الدولة والقطاع الخاص مع احتفاظ القطاع العام بنصيب كبير من الصناعة تحت سيطرته . أما الآخر فكان وما يزال يسمي بالسوق الاجتماعي . وفي كلا الشكلين تظل الأسواق خاضعة للسيطرة الحكومية إلى حد بعيد . ولكن الاقتصاد المختلط الجديد يسعى بدلا من ذلك إلى تحقيق التعاون بين القطاعين العام والخاص وذلك باستخدام آليات السوق مع وضع المصلحة العامة نصب عينيه . وينطوي ذلك على إيجاد توازن بين السيطرة واللاسيطرة على المستوى العابر للقوميات وعلى كل من المستوى القومي والمحلي وتوازن بين الجوانب الاقتصادية وللاقتصادية في حياة المجتمع . ويحظى ثاني هذين البعدين على الأقل بذلك القدر من الأهمية التى يتمتع بها الأول مع انه يتحقق جزئيا من خلال البعد الأول . (34)

وإذا كانت قضية دولة الرفاه قد استقطبت كلا من اليمين واليسار بصورة أكثر عمقا ووضوحا ما بين شجب اليمين لها ودعم اليسار إياها . فإن جيدنز يري أن الإقرار بالطابع الإشكالى لتاريخ دولة الرفاة يفرض على سياسات الطريق الثالث أن تتقبل بعض الانتقادات التى يوجهها اليمين للدولة . فالدولة غير ديمقراطية بالضرورة، حيث إنها تعتمد فعليا على نظام يتدرج من أعلى إلى اسفل لتوزيع المنافع . كما أن القوة الدافعة لها هي الحماية والرعاية ولكنها لا تتيح مساحة كافية للحرية الشخصية فضلا عن ذلك , فان بعض أشكال مؤسسة الرفاه تتسم بالبيروقراطية وعدم الكفاءة وتشعر المتعامل معها بالاغتراب , كما أن منافع الرفاهية يمكن أن تخلق نتائج معاكسة من شأنها أن تقوض الأهداف التى أنشئت لتحقيقها . ومع ذلك فإن سياسات الطريق الثالث ترى أن هذه المشكلة لا تعني التخلص من دولة الرفاه بل تعدها جانبا من الأسباب الداعية إلى إعادة بنائها . ويري جيدنز أن إعادة بناء دولة الرفاه يجب أن يسير جانبا إلى جنب مع برنامج التطوير الفعال للمجتمع المدني .(35)

 

أ.د. ابراهيم طبه سلكها

رئيس قسم الفلسفة – كلية الآداب – جامعة طنطا

مصر

.............................

الهوامش

1 - كرين برنتن : مرجع سابق ص ص 565 - 566

2 - giddens , anthony : the third way , the renewal of social democacy , polity press , 1999 , p- 3

توجد ترجمة رائعة لهذا الكتاب تحت عنوان " الطريق الثالث، تجديد الديمقراطية الاجتماعية " قام بها د/ احمد زايد , د/ محمد محي الدين، مراجعة وتقديم د / محمد الجوهري صادرة عن المجلس الأعلى للثقافة المشروع القومي للترجمة وقد اعتمدنا عليها فى كتابه هذا الفصل ويمكن مراجعة هذه الترجمة               ص ص 33 - 122

3- Ibid , p - 3

4 - Ibid , pp - 4 -5

5 - Ibid , pp - 5-6

6- Ibid , pp - 6 -8

7- Ibid , pp - 8 -9

8- Ibid , pp - 10 -11

9- Ibid , pp - 11 -12

10 - giddens,anthony : beyond left and right ,         pp - 34 -35

11- giddens,anthony :the third way , p - 12

12 - giddens,anthony : beyond left and right ,         pp - 35 -36

13 - giddens,anthony :the third way , p - 13

14 - Ibid , p - vii

15 - Ibid , p - 25

16 - Ibid , p - vii

17 - Ibid , p - 26

18 - Ibid , p -35

19 - Ibid , pp - 35 - 36

20- Ibid , p 37 -38

21- Ibid , pp 38 - 39

22 - Ibid , p - 42

23- Ibid , p -43

24- Ibid , pp 43 -44

25- Ibid , pp 64 -65

26 - Ibid , pp 65 – 66

27- loc - cit

28 - Ibid , p-70

29 - Ibid , pp 70 -71

30- Ibid , pp 72 - 76

31 - Ibid , p- 77

32 - Ibid , p- 79

33 - Ibid , pp - 79 -80

34- Ibid , p-100

35 - Ibid , p p - 111 -118

 

 

zouhair khouildi"أن نقبل بمسلمة الموضوعية هو أن نعلن إذن القضية القاعدية لإيتيقا معينة هي إيتيقا المعرفة"1[1]

من المفارقة أن تعيد المجتمعات المعاصرة بناء رؤيتها للكون على ضوء الاكتشافات العلمية والاختراعات التقنية على مستوى النظر العقلاني وأن تستمر في الاعتماد على معايير أخلاقية ومفاهيم تقليدية وتواصل عادة تأسيس الثقافة على أعراف وشيم موروثة عن المجتمعات القديمة على الصعيد العملي والاجتماعي.

لقد شهدت العصور الحديث تشكل ما اصطلح على تسميته علوم التقنية ولكن استمر الصراع بين النظرة الغائية والنظرة الآلية في تفسير ظواهر الطبيعة والتغيرات التي تحدث داخل الكون وتم استبعاد كل دور للصدفة والفرضيات الاحتمالية الأخرى أو التقليل من قيمتها الإبستيمولوجية مثل النظريات التحولية والتطورية والكوارثية والانفجار العظيم والتقلص التدريجي والتمدد اللانهائي والنسبية الخاصة والعامة. وبالتالي تعاني المجتمعات في الحقبة الراهنة صعوبة التأليف بين الأنساق القيمية التقليدية والنظريات العلمية الجريئة وغير المعهودة والتي دفعت بالعقل البشري إلى ملازمة الصمت وتبني خيار تعليق الحكم. إذا كان المؤرخون رصدوا اضطرابا كبيرا أصاب قصور المعرفة البديهية وخلخلة في المعتقدات الراسخة نتيجة التقدم العلمي والثورة التقنية والتطور الصناعي فإن الفلاسفة الجدد أدركوا خطورة هذه التحولات ودعوا إلى إعادة تجذير انتماء الإنسان للطبيعة وتمتين روابطه بالكون والمحافظة على الحياة في الكوكب.

لقد حافظ الفكر البشري على الأساطير والمعتقدات والأديان والتصورات الكوسمولوجية والأفكار الفلسفية الكبرى إلى جانب المناهج العلمية والتطبيقات التقنية والمعالجات الرقمية وكان ذلك بسبب الشرخ الذي أحدثه التقدم في النواة الروحية لكل الأنساق القيمية والقلق المصيري الذي ولدته السيطرة على الطبيعة . لقد اعتقد البشر أن العلم قادر لوحده على تقديم الحل التام والنهائي لكل المعضلات العنيدة وأن التقنية هي الأداة الناجعة في ترجمة ذلك على أرض الواقع ولكن جهد العقلنة المبذول لم يكن كافيا قصد التعبير عن الحوافز العميقة للعقل بل لم يقدر على الإحاطة بكل المجموع المعقد والمتشابك الذي يتشكل منه الكون.

لعل الطريقة المتاحة أمام العلوم للارتباط بروح العصور الحديثة هو إعطاء أهمية مركزية للمسألة التقنية على مستوى التجريب والتصنيع بل وكذلك على مستوى حركات التنظير والافتراض والاستشراف والتنبؤ وبهذا المعنى ظهرت التقنية الصناعية وعلوم الإعلامية والعلوم التقنية وعلوم البرمجيات والنمذجة وعلوم الاتصال وحدث تفاعلات معقدة بين الخيال العلمي والمعرفة الفلسفية وبين الأدب القصصي وعلوم التقنية.

غني عن البيان أن المشروع العلمي الذي يتصف بهيمنة البعد النظري ويميل إلى التجريد يتضمن أيضا بعدا تقنيا ويميل من حيث الجوهر إلى التطبيق وكذلك يحتاج المشروع التقني لإعداد نظري وتأمل مجرد. لهذا السبب هيمنت التقنية على العلوم المعاصرة من ثلاثة منافذ حيث اعتبرت المصدر والأداة والهدف وصارت تتكلم لغة الترميز والعلامات والإجرائية والصورنة والأكسمة والمنظومة والنفعية والبنائية.

والحق أن علوم التقنية تتميز بالمرونة وعدم قابلية الانصهار والتحلل بين الجانب النظري البحثي والجانب الإجرائي الصناعي وبمنحها البعد التقني الهندسي الأولوية الإنشائية على البعد النظري والبلور المفهومي.

من المعلوم أن التقنية هي مجموعة أدوات تمثل امتدادا لمجموعة أعضاء الإنسان الطبيعية وقد تم توظيفها ووضعها في خدمة حاجياته الحياتية والاجتماعية ولكنها عرفت في الإبستيمولوجيا بكونها نظريات مطبقة.

لقد ضاعفت العلوم التقنية من قيمة الإنتاج المادي وجعلت الإنسان يراكم الثروة ويجني الكثير من الأرباح وحل الإنسان الصانع مكان الإنسان العارف وانتصرت الحياة النشطة على الحياة التأملية واشتهر المهندس والتقني والخبير والمحاسب على حساب الشاعر والكاتب والمثقف والمنظر ولكنها في المقابل ولدت حيرة أكسيولوجية وأحدثت فراغا قِيَميًّا وسببت الشعور بالقلق والضياع وصحّرت الوجود وجففت المعنى. لقد غيرت من الطبيعة الإنسانية وصنعت الذكاء وشرحت الانفعال ودفعت الرغبات الى اختراق جميع الموانع والحدود وتلاعب بالعقل وصارت تتحكم في وعيه وذوقه ونمط حياته وتحدد مستقبل تواجده على الكوكب.

بناء على ذلك تركز علوم التقنية على التشييد المادي والبناء المعماري والتنظيم الإداري وتحرص على التكوين والاختراع والاكتشاف والتصور ولكنها وصلت إلى نقطة من التطور بحيث لا يمكنها العودة إلى الوراء أو التوقف عن السير إلى الأمام فقد أجرت تغييرات عميقة وتحولات عنيفة في الطبيعة الإنسانية.

صحيح أن التقدم العلمي والتقني مصدره الإنسان وأن علوم التقنية بدأت بوصفها ظاهرة أنثربولوجية ولكن الإنسان لم يعد يتحكم في وجهة هذا التقدم ولم يعد قادرا على توقع مصيره ودوره في التقدم صار صغيرا.

من هذا المنطلق يجب تشديد الرقابة المنهجية والعقلانية على علوم التقنية ومضاعفة المساحة التي تغطيها الحكمة العملية وتوخي الحذر الفلسفي والفرونوزيس التعقلي وتدبير الاكتشافات والتصرف في التقنيات بروية وتبصر وحسن تمييز ولا يجب أن يفعل الإنسان كل ما تقدر علوم التقنية على فعله ولا ينبغي أن يستهلك كل ما تتمكن المخابر من إنتاجه فربما سيكون المستقبل للفن والإيتيقا وليس للعلم والتقنيات.

لقد انصبت علوم التقنية على وضع المعرفة النظرية في خدمة الحاجات الصناعية للبشرية وقلبت فعليا بنية العالم ونظام الطبيعة وأجرت معالجات معينة للقوى الطبيعية ضمن أفق قرارات سياسية واقتصادية. لقد مثلت علوم التقنية تكملة للماهية الثقافية واللغوية للكائن البشري وإتمام مشروع اللّوغوس في ترتيب تاريخ الكوكب وتنظيم الفوضي وعقلنة اللاّمعقول وضبط الطارىء وقراءة المفاجىء وحصر اللاّمتوقع.

لقد تصور العلماء أن القيمة العليا والخير الأسمى والأخلاق العلمية من تطبيق التقنية على الحياة هو إسعاد الإنسانية والتقليل من الأضرار وأشكال التعب وجلب المنافع والزيادة في أزمنة الراحة والترفيه ولكن الغرض الحقيقي من التقدم العلمي هو الإيمان بالقدرة الزمنية للمعرفة الموضوعية على تحرير الأذهان من الخرافة والجهل وتربية النوع البشري على التخطيط والتنظيم والبناء والتعمير في الكون.

لا يحتاج الإنسان اليوم إلى الوعي السياسي بأهمية المطالبة بالحرية فقط والى ممارسة الفعالية النقدية تجاه الازدراء والعنف المسلط عليه فحسب بل يبحث كذلك عن مصادر المعلومة ونجاعة المعرفة الموضوعية ويتسلح بكل ما توفر له من مناهج وتجارب من أجل اكتساب ابستيمولوجيا معيارية تساعده على الابتكار. يتخذ الإنسان من العلوم ملاذا للتوقي من الخلط ودرء الشبهات وتبين المسالك النيرة وتجويد ملكة الاختيار وتلعب المعرفة الموضوعية سلاحا فتاكا في مقاومة الأشكال الذكية من الاغتراب والتأديب والانضباط. يختار رجل العلم الصيرورة ويرفض العبث واليأس ويتمسك بالحياة ويبحث عن معنى الوجود ويبلور نسقا قيما يخص عمله الخاص ويصر على التحلي بروح الموضوعية والنزاهة والحياد في نظرته وحكمه.

كل الأنساق التقليدية وضعت الأخلاق والقيم بعيدا عن تناول الإنسان وجاءت علوم التقنية لكي تساعد الإنسان على إيقاف قوة التدمير والتحكم في مساحة التحطيم وجعل القيم والأخلاق والبناء في متناوله.

لا يمكن الحديث حينئذ عن معرفة موضوعية وعن قيمة للعلم دون التطرق إلى القيم والأخلاق والأصالة والإنسانية والفعل النافع والحقيقة والاختيار الحر والعناية بالأبعاد الروحية وأحكام القيمة ورعاية الحقوق.

عندئذ توفر علوم التقنية القدرة المادية لتأسيس المعرفة الموضوعية في حين" إن إيتيقا المعرفة المبدعة للعالم الحديث هي الوحيدة المتطابقة مع ذاتها والقادرة لوحدها لو تم فهمها وقبولها على قيادة تطورها"2[2]. أليست إيتيقية المعرفة هي في نهاية المطاف معرفة بالإيتيقا مرتبطة بالفعل ارتباط العقل بالتجربة ؟

 

الهوامش والإحالات:

[1] Monod Jacques, Le Hasard et la nécessité, essai sur la philosophie naturelle de la biologie moderne, édition Cérès, Tunisie,1993,p192.

[2] Monod Jacques, Le Hasard et la nécessité, essai sur la philosophie naturelle de la biologie moderne, op.cit,p192.

 

المصدر:

Monod Jacques, Le Hasard et la nécessité, essai sur la philosophie naturelle de la biologie moderne, édition Cérès, Tunisie,1993.

كاتب فلسفي

 

 

zouhair khouildi"لقد دعتنا كل الثورات المجيدة إلى نزع هالة القداسة عن الأشخاص مهما كان المصدر الذي يستمدون منه تعاليمهم لأن الزعماء التاريخيين لم ينتجوا الثورة بل إن الثورة هي التي تنجب من رحمها زعماء تاريخيين يحافظون على قيمها ويصونون مبادئها "1[1]

بلا ريب إن ما يحدث الآن في الساحة العربية من تحولات عنيفة وتغيرات سياسية جوهرية هو حراك اجتماعي صاعد وتوق غير مسبوق إلى التمتع بالحقوق ومطالبة مستمرة بممارسة فلسفية للحريات. لقد سمي هذا الحدث بالثورات العربية في زمن مابعد حديث وارتبط بإرادة الحياة والتعطش إلى الديمقراطية والحياة المدنية والتعددية. وكانت رغبة الثوار في البداية هو إحداث قطيعة مع الارتداد نحو الماضوية والكف عن تبرير الشمولية كنهج في الحكم والانعتاق من نير التبعية نحو الثقافة الغربية المهيمنة والسياسات الظالمة للعولمة المتوحشة. ولكن بعد ذلك اتجه نحو فك الارتباط وإلغاء المديونية والدفاع عن السيادة ومقاومة التبعية والاندراج ضمن جبهة شعبية عالمية واسعة من المجتمع المدني العالمي. والحق أن واقعة الثورة أو الثورة الواقعة هي حدث تاريخي استثنائي في التاريخ العربي المعاصر سيكون له ما قبله وما بعده وسيدفع إلى انتصار الأمل في الإدماج والتوحد على غريزة التفكك والانقسام وستكون ثمار هذا الفيض الديمقراطي الذي أفرزه إشعاع التحرر على كافة المنطقة العربية. في كل الأحوال إن المدهش في هذا الحراك هو تشابك العوامل والمحددات الواقعية والافتراضية وتضافر الآليات التقنية ووسائل الاتصال الحديثة مع الإيديولوجيات والأفكار الثورية وتفعيل الذاكرة النضالية للشعوب ومشاركة فعالة للشباب والنساء والطلاب والعاطلين والناشطين والحقوقيين وغياب زعامات تقليدية للتحركات .

من نافل القول بوجود تأثير واضح للفكر الفلسفي في المسار الثوري في البلدان العربية والآية على ذلك أن الاحتجاجات اندلعت في دول عربية تميزت عن غيرها بتقدم ملحوظ في الوعي ومستوى عال من التعليم والثقافة والتمدن وتشجع على تعليم الفلسفة وعرفت تجارب تحديثية وقامت بإصلاحات قانونية واجتهادات دينية ومحاولات لزرع الحداثة والتنوير لقرون خلت.

كما أن مصطلح الثورة كان حاضرا بكثافة في الأدبيات السياسية العربية والكراسات السياسية للأحزاب طوال القرن الماضي وبرز العديد من الأعلام الفكرية من جميع المرجعيات كثوار على السائد واتصفوا بالجرأة والتمرد والتجديد والتحرر ومحاولة تقديم البدائل ونحت المشاريع.

غير أن الزعم بالتأثير المباشر للفكر الفلسفي في الحراك الاحتجاجي هو أمر مبالغ فيه وذلك لسرعة اندلاع الأحداث وطابعها العفوي ومشاركة شرائح شعبية واسعة فيها وغياب نظرية ثورية متكاملة وفلسفة في الثورة واهتمام المشتغلين بالفلسفة بأمور شكلية ومنافع ذاتية. لقد أيقظت الثورة العربية الفكر العربي من سباته وجعلته يتفقد ذاته ويراجع مسلماته ويحاول أن يستوعب التحولات ويفهم الأمر الجلل والواقعة التي حصلت في الفضاء العمومي والزلزال الكبير الذي أصاب هرم السلطة والتصدع الذي ظهر على المنظومة القديمة التي كانت تزعم قدرتها على التحكم في ايقاع الحياة ونبض الوجود ومصير الشعوب ووجهة التاريخ. من هذا المنطلق صعدت أسهم الحديث عن الثورة والنضال والكفاح والتمرد والعصيان وصارت هذه المقولات لغة يومية في الصحافة والإعلام والأخبار والسياسة والثقافة والفكر وانفجر المكبوت وتضاعفت مساحات الحريات وشارك الناس بطريقة غير مسبوقة في النقاش العمومي وتم تنظيم انتخابات حرة ونزيهة وتم تداول هموم المعدومين والفئات الأقل حظا وتعرض منوال التنمية المتبع الى التهكم والسخرية ووقع استدعاء الخبراء والطاقات لتقيم البرامج والحلول. اللافت أن الثورة العربية قد قربت الثقافة العربية من القول الفلسفي الجديد الذي كان كل من أركون والجابري والعروي وحنفي وأبي زيد وتيزيني والعظم ومروة وشريعتي وغيرهم قد ساهموا في تشكله وصعوده. بيد أن الأهم هو الفرز الكبير الذي أحدثته بين ثقافة السلطة وثقافة المعارضة وبين مجال المصلحة وحراس النظام ومجال العدالة وحراس الحرية والحق. ربما ماهو مطلوب اليوم بعد هذا الحدث الجلل والفارق ليس تكديس المشاريع الفكرية والاكتفاء بالتنظير المعرفي وطبع المجلدات والكتب على أهميتها بل الانخراط في ثقافة جديدة منفتحة على الجمهور وملتزمة بقضايا الشباب والمعطلين وكل ضحايا الازدراء الاجتماعي.

في حقيقة الأمر كم نحتاج إلى تكرار الانتفاضات وإجراء عمليات عديدة في تثوير آليات إنتاج العقل العربي للحقيقة والذهاب بعيدا في مساءلة الواقع العربي وتجويد طرح مشاكله والتنقيب عن معضلاته وأمراضه والتفتيش عن علله وإعادة صياغة مقولات الثقافة العربية وتأسيس فلسفة الثورة العربية بكل اقتدار وعزم. لقد ساعدت هذه التحولات على طرح أسئلة مختلفة عن غيرها ونابعة من الأرض الناطقة بلغة الضاد وتتماشى مع خصوصية الهوية القصصية القرآنية وتهتم بالخصوص بقضايا الكرامة والإنسانية ودولة الرعاية الاجتماعية وتبحث عن الاعتراف المتبادل والإنصاف وتتحلى بقيم المدنية والسلمية والتعايش وترفع لواء الصفح والغفران وتعد بالأمل في حياة سياسية عصرية وحكم مدني غير شمولي وغير عنصري وغير تابع وتريد الحياة في مجتمع عادل ومتعدد. العلاقة المتينة بين الفلسفة والديمقراطية هي كالرابطة الوثيقة بين الثورة والدولة. فإذا كان مطلب الدولة القوية لا يتحقق الا بعد اتمام ثورة اجتماعية كبيرة فإن بلورة مشروع فلسفي ضخم يرتقي بالإنسان يتوقف على بناء حياة سياسية ديمقراطية تعطي لكل مواطن حقه الطبيعي في التفلسف. حقيق بنا أن نبين أن دور الفلسفة في الراهن العربي هو التصدي لكل أشكال الانقلاب على المسار الديمقراطي ولو كان تحت مسمى الإنقاذ ورعاية المصلحة الوطنية والآية على ذلك أن "الديمقراطية تحارب اللاتسامح الديني وتنبذ التعصب المذهبي والتشدد في القراءة وترفض توظيف العقائد الدينية في الصراع السياسي وتعترض على احتكار التكلم باسم المقدس وتدفع الناس إلى أنسنة الدين وتأويله بما يوافق روح العصر الذين يعيشون فيه وحسب مقتضى المدنية"2[2]. وبالتالي نحن في انتظار ميلاد فلسفة الثورة على نحو أصيل وفارقي تكون قادرة على نحو ملموس على التعبير عن الوعي بالمرحلة التاريخية الحرجة التي تمر بها الأمة والحاجة الجوهرية للتغيير الجذري في بنى الفكر والواقع واللغة والدين وتعكس رغبة الفاعلين في الالتزام والمشاركة والفعل.

لعل أهم سؤال انبثق بعد الحراك الاحتجاجي العربي : هو كيف نعود إلى التاريخ من جهة الإبداع وصناعة الكونية لا من جهة الاستهلاك والمحافظة على الخصوصية ؟ ما السبيل إلى بناء دولة لا شرقية ولا غربية تتعامل بندية مع الأجوار وتعمل على التخلص من التبعية الثقافية والاقصادية والسياسية وتحقق شروط الاستقلال والاستئناف الحضاري الثاني؟ ألا ينبغي أن نجعل من الحرية مقام راسخ للكينونة العربية وليس مجرد مطلب حقوقي عارض ومعرض للانتهاك ؟ متى يكف العربي عن الحلم اليوطوبي بالزعيم المخلص الذي يدحر الفساد والظلم وينشر العدل في الأرض ويسارع إلى تثبيت الفرد المواطن وغراسة شجرة الديمقراطية والتقدم والعناية بمسالك التحرر والعدالة الاجتماعية؟ أي دور للفلسفة في منع الحراك الاجتماعي إلى الانجراف نحو الحروب الأهلية المدمرة وتفاقم الاضطراب العضوي في جسد الأمة؟

 

...............................

الهوامش والإحالات:

[1] زهير الخويلدي، الثورة العربية وإرادة الحياة، مقاربة فلسفية، الدار التونسية للكتاب، تونس، طبعة أولى، 2011،ص52.

[2] زهير الخويلدي، الثورة العربية وإرادة الحياة، مقاربة فلسفية، ص 246.

 

المراجع:

زهير الخويلدي، الثورة العربية وإرادة الحياة، مقاربة فلسفية، الدار التونسية للكتاب، تونس، طبعة أولى، 2011،

 

كاتب فلسفي

 

raed jabarkhadom"ولمَّا كانت المشاعر مصدراً للأفكار فإنما يقع بين الأفكار من عراك هو بالحقيقة يقع بين المشاعر، والشعوب التي يظهر أنها تتقاتل من أجل بعض الأفكار هي تتقاتل في الواقع من أجل بعض المشاعر التي تشتق منها تلك الأفكار. " غوستاف لوبون. كتاب الآراء والمعتقدات. ص 87.

تاريخ العنف قديم قدم الوجود البشري، وتم ممارسته لأول مرة على يد هابيل تجاه اخيه قابيل، وبدأ بعد هذه القصة العنفية مشوار العنف البشري تجاه بعضهم البعض، باختلاف توجهاتهم الفكرية والدينية والقومية والثقافية والسياسية.

ونزعة العنف والشر متجذرة في الذات البشرية، فهي لا تخص مجتمعاً من المجتمعات ولا فئة دون فئة، ولا قومية دون قومية، ولذلك علينا الاعتراف بأن البشر يمارسون العنف ولكن بنسب متفاوتة، من فرد الى آخر ومن مجتمع الى مجتمع، بحسب طبيعة ومزاج وبيئة وسياسة وتربية وثقافة الافراد والمجتمعات .

ونحن هنا نريد الاشارة الى قضية نشوء ووجود جذور العنف وممارساته في الفكر الاسلامي من خلال حديث وفكر الفرقة الناجية، الذي انتج فلسفة سقيمة وعقيمة، واغرق البلاد والعباد في مشاهد عنفية ودموية وطائفية ومذهبية مقيتة طوال عصور تاريخية مضت، ودفع الفرد والمجتمع العربي والاسلامي ضريبة ذلك الحديث والفكر التكفيري التطرفي الخطير الى يومنا هذا وسيظل هذا الفكر والمنطق ساري المفعول فينا مالم يتم نقده ورفضه وازالته من خانة فكرنا المنحرف والمتطرف.

لقد اسس حديث الفرقة الناجية الذي يقول مضمونه ان رسول الله محمد (ص) قال: " ستفترق امتي الى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار الا واحدة " اسس الى علم فرقي تكفيري مبكر في الفكر والثقافة الاسلامية، والى فلسفة متطرفة في الحكم والاعتقاد، او العبادات والمعاملات والاعتقادات، فعليه بنى الكثير من الفقهاء والمتكلمين والمؤرخين اسسهم المعرفية والفكرية والكلامية والاجتماعية والسياسية، وبالتالي ادى الى تمزق وتفرق وتشظي الفكر الاسلامي والمسلمين فيما بينهم على مدى عصور مرت ولا تزال وسيظل هذا الحال الى المستقبل مالم يتم نقد تلك الاسس والمرجعيات والغائها بالكامل واستبدالها بأسس معرفية وفقهية وفكرية عقلانية انسانية قيمية جديدة تنسجم والعالم الجديد الذي نعيش فيه والذي كشف لنا بفضل العلوم والمناهج الفكرية والفلسفية الكثير من الاخطاء والزيف الممارس تاريخياً من قبل العلماء والقادة والحكام تجاه الناس والمجتمعات والتاريخ والحياة.

ان الامم والشعوب والمجتمعات الفاعلة الحية تسعى يومياً لتقديم الشيء المفيد والناجع لأفرادها كي ينعم الجميع بحياة هانئة ومتقدمة مبنية على اسس انسانية نبيلة نابعة من الشعور الحقيقي بقيمة الانسان وكرامته ومقامه الكبير في هذا الوجود.

الا اننا للأسف لا نجيد وعي الحياة ومعرفة قيمتها الحقيقية وأبعادها الجمالية والقيمية والانسانية التي تختلف عن كل المخلوقات والمجتمعات الاخرى، ولم نحسن ادارة وجودنا كما ينبغي ان يكون، واننا للأسف اعطينا للآخرين عن انفسنا انطباعاً وتصوراً سيئاً، من خلال الممارسة الخاطئة للفكر والوعي والفعل، ان الفكر الاسلامي اليوم يتحرك، ولكن بخطوات بطيئة، وان مجتمعاتنا العربية والاسلامية ساكنة راكدة في اماكنها، بسبب السلطة الدكتاتورية الممارسة من قبل الحكام والسياسين، وبسبب استخدام السلطة الدينية بصورة مشوهة، وجعلها خادمة للسياسة في احايين كثيرة.

لقد شهد تاريخنا العربي والاسلامي عنفاً كبيراً تم ممارسته لمدد طويلة من ذلك التاريخ ولا زلنا نعيشه الى اللحظة، عنف مذهبي وكلامي وسياسي واجتماعي وفكري وجسدي على اشده، بين اتباع الدين الواحد، الذين يشهدون ان لا اله الا الله وان محمداً رسول الله، وما ذلك الا بسبب الفتن والاحداث المذهبية والطائفية الضيقة والمقيتة التي تحصل بين المسلمين بين مدة واخرى، متناسين وحدة الدين، ومشتتين ومختلفين احزاباً وفرقاً وجماعات، وكل حزب بما لديهم فرحون، ويحسبون انهم الفرقة المنصورة في الدنيا والناجية في الاخرة.

ان هذا المنطق العنفي جثم على فكرنا سنين طوال، وفقدنا على اثره الكثير من الارواح والثروات والتضحيات الجسام وملايين القرابين قدمت لأرباب العنف والقسوة والكراهية والطغيان، وما كان ذلك ليكون لولا وجود الطبقة السياسية والدينية المستبدة والمتسلطة على رقاب الناس بحد السيف طوال التاريخ، ومستفيدين من بساطة النفوس وسذاجة عقول الناس، ولذلك سعوا بكل ما اوتوا من قوة وسلطة وقرار ان ينشروا الخوف والرعب والزيف والعنف بين العامة كي يجعلوا عاليها سافلها وتكون الامور من نصابهم فقط لا يشاركهم في السلطة والقرار والرأي احد.

لقد عاش الفرد والمجتمع العربي والاسلامي حياة دموية وتطرفية وتكفيرية مرعبة ولفترات طويلة ، حدثت خلالها كوارث واحداث كبرى ىسجلها التاريخ وشهد لها الكثير، وكان وراء ذلك فكر متطرف ومتزمت لا يعرف للتنوير والوعي والتغيير طريق، وقد وُظف لهذا الفكر العنفي التكفيري المتطرف رجال واموال ومنظمات وافكار عابرة للقارات، واصبح العنف والتطرف والارهاب الفقه والمنطق المتداول بين الدول والمجتمعات والشعوب بفضل اجندات سياسية ودينية خطيرة وسيئة مدفوعة الثمن.

صراحة ان قضايا وافكار ومصطلحات مثل التكفير والعنف والخروج عن الملة والشريعة والدين من الافكار والثقافة التي انتشرت في بنية الفكر العربي والاسلامي منذ زمن طويل، وروج لهذا الفكر كُتاب وفقهاء وحكام السوء والكراهية ممن ينتسبون زوراً للاسلام، ويشيعون الفوضى والاضطراب والجريمة والخراب بين ابناء الدين الواحد، وهدفهم الاساس هو تقويض هذا الدين وتشويهه ونقل صورة سلبية عنه للآخرين خارج الدين الاسلامي، واعطاء صورة سوداء ومقيتة عن ديننا لا تنسجم ومنطق الحياة والحب والخير والقيم النبيلة والسلام .

ان عدم الايمان بالآخر، الآخر من داخل الدين او خارجه، من الامور الراسخة في عقيدة وفكر الكثير من المذاهب الاسلامية وتراثهم، وهذا يتضح من خلال المؤلفات التي كُتبت من قبل مفكري كل فرقة وطائفة في الاسلام، وكل كاتب وفقيه ومتكلم يريد بيان فضل ومقام فرقته على الفرق والطوائف الاخرى، متخذاً من حديث الفرقة الناجية سنداً عقدياً وفكرياً لرجاحة فرقته وتطابقها مع القرآن الكريم والسنة النبوية.

وهذا الامر ادى الى احتراب المذاهب الفقهية والكلامية الاسلامية فيما بينها، وسعت كل جماعة اخراج خصمها من الدين وتكفيره، ولم يقف الامر الى هذا الحد بل تجاوزه الى مزيد من العنف والقتل والتشريد والى احداث شرخ كبير في بنية الفكر الاسلامي، ويتضح ذلك منذ وفاة النبي الاكرم محمد (ص) الى يومنا هذا.

كل شيء في هذا العالم يتقدم تقدماً كبيراً الا وجودنا الانساني فأنه يتراجع تراجعاً كبيراً الى الوراء والعودة الى الماضي المقيت، الماضي والتاريخ المزيف الذي لا نتشرف بالانتساب اليه ولا نعترف به، لانه ماضي يمحق وجودنا وينتقم منا ولا يعترف بكرامتنا، ويوظفه البعض منا على البعض الآخر الى اليوم لممارسة امراضه وغطرسته وتطرفه الشخصي والمذهبي والسياسي، ويحاول كسب الشرعية والمشروعية لهذه الممارسات العنفية الدموية الفاسدة.

لقد اسهمت الكتابات والقراءات والتفسيرات الكلامية للنص الديني بدور كبير في تقديم السند الفكري والعقدي للحكام والسياسيين المسلمين، مما سمح لهؤلاء لممارسة العنف والتطرف والارهاب مع خصومهم ومعارضيهم، وقد شهد تاريخ المسلمين الكثير من ضحايا العنف والتطرف الديني والكلامي والسياسي بأختلاف الفرق الكلامية والفقهية واختلاف سياسات الحكم في الاسلام.

وقد اكد الباحثون على ان تحقيق الموضوعية والعلمية في نقد التراث الاسلامي والاستبداد المذهبي امر مستحيل، لانه كل من ينتمي لمذهب لا يرى نصب عينيه الا الخصوم لينتقدهم، اما عقيدته فهي مثار نقد من قبل الآخر المختلف عنه في العقيدة والفكر، اما هو فيغض النظر عن تراثه الموروث، لانه ينظر من زاوية واحدة فقط، ولا يرى في مذهبه خللاً او عثرة تستحق التحليل او النقد، وهذا ما جعل الباحث في المذاهب والفرق الكلامية والفقهية ينحرف عن الصواب، وهذا بدوره جعل الناس يقعون ضحية التاريخ والتراث والتطرف والاستبداد الديني والسياسي.

لقد تلونت وتلوثت حياتنا ووجودنا بتلون واختلاف افكارنا وعقائدنا، بدلاً من ان يكون هذا الامر عاملاً ايجابياً يتم استثماره من اجل التعايش والحوار والمحبة بين الاطياف المختلفة اصبح اليوم وبالاً علينا لا نحتمل وجوده، بسبب فكر ومنطق الفرقة الناجية الذي يكفر الآخر مهما كانت صورته، هذا الفكر الذي يدعو لهيمنة وسيطرة وسطوة الفكر والمذهب الواحد على حياة ومسيرة وفكر وثقافة الآخرين، والذي يعمل على تنحيتهم من الوجود ويرفض تواجدهم في خارطة الحياة، لانهم يمثلون عقبة وعقدة كبيرة في نفوس ورؤوس اصحاب الفرق الناجية ومنهجم التكفيري.

ان منظوماتنا الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية ذات بنية متهرئة وخطاب متشنج منذ زمن مبكر من تاريخ الفكر العربي الاسلامي، واننا اليوم نعيش ذلك التراث الاسود وورثنا تلك التركة الثقيلة من ذلك التاريخ والواقع المنحط الذي شهد انكسارات وتصدعات وانشقاقات على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، بسبب سموم العنف والتطرف التي يبثها فقهاء السوء والكراهية وساسة الجور والطغيان.

اننا بأمس الحاجة اليوم الى تطهير تاريخنا وتنقيته مما علق به من تلك النفايات والافكار الكريهة التي تحسب على ثقافتنا وديننا، وان نعمل ونجتهد على تثبيت ما ينفع الناس وازالة كل زبد مضر ومؤذ بالآخرين، وان نعمل وفق انسانيتنا وان تكون هي العامل المشترك في قياس الاشياء، لانها الهوية الحقيقية الوحيدة التي توحدنا، ونبذ كل ثقافات وسياسات العنف الديني والطائفي والعنصري والسياسي والاجتماعي والتربوي في هذا العالم.

 

raed jabarkhadomيبرز المفكر العربي السوداني محمد ابو القاسم حاج حمد (1941ـ2004م)، من بين اهم المفكرين المعاصرين في الفكر العربي والاسلامي المعاصر، لما يمتاز به من حيوية وجدية وفاعلية وتجديد وتنوير، في طرحه ومنهجه وخطابه وتناوله للقضايا الفكرية والثقافية والاجتماعية والتاريخية، ومحاولته لتقديم قراءات ذات وعي كبير وفهم جديد واسلوب عصراني منسجم مع التحديات التي يواجهها العالم العربي والاسلامي ومتطلبات الحياة لكل ما هو مفيد ومعاصر.

ومصداق ذلك الحكم نجده واضحاً من خلال مؤلفات وكتابات هذا المفكر، التي اعطت الدليل على متانة وعمق فكره ومنهجه واسلوبه، ومن بين مؤلفاته المتميزة والجديدة والجادة كتاب (الحاكمية) الصادر بطبعته الاولى عام 2010 عن دار الساقي، بيروت ـ لندن ، الذي تناول فيه مفكرنا موضوع الحاكمية، ذلك الموضوع البارز في الادبيات الاسلامية المعاصرة في فكر وكتابات الكثير من المفكرين والباحثين، سواء مع ابي الاعلى المودودي او سيد قطب او فكر الاخوان المسلمين والحركات السلفية والصحوية وغيرها.

ومن المعروف ان قضية الحاكمية عند هؤلاء المفكرين والحركات السياسية تعني (الحاكمية الالهية) المطلقة لله تعالى في البشر، وفي الحياة والمجتمع والسياسة، كما هي في الطبيعة والكون، وان الله هو المشرع والحاكم للبشر من منطلق (ان الحكم الا لله)، وقد انجبت هذه الفلسفة الجبرية عقم فكري وثقافي واجتماعي وسياسي يعطل ويميت قدرة واردة وفاعلية الانسان ويحيله الى كائن جامد لا دور له في هذه الحياة.

يعتمد الحاج حمد على آلية جديدة وفهم مختلف تماماً عما تم طرحه من قبل المفكرين والدارسين لفكرة الحاكمية الالهية، اذ انه بصراحة اقام الفكرة واوقفها على قدميها بعد ان كانت واقفة على رأسها، من خلال جعلها (حاكمية للبشر) لا (حاكمية لله).

لقد اوضح الحاج حمد مسألة في غاية الاهمية وهي انه لم تسىء فكرة الى الاسلام والمسلمين وتشوه فكرهم وواقعهم، كما اساءت فكرة (الحاكمية)، هذه الفكرة التي انجبت مجموعة من المفكرين والزعماء والقادة والاتباع المتشددين والمتطرفين على الساحة العربية والاسلامية، والتي جعلت العالم اليوم اكثر عنفاً وتطرفاً وتشوهاً من السابق، هذه الفكرة التكفيرية التي تبنتها حركة الخوارج المتمردة في زمن مضى من التاريخ الاسلامي، وقت خلافة الامام علي بن ابي طالب، وتحديداً في معركة صفين حين تم رفع المصاحف على رؤوس الرماح، في دعواهم بالاحتكام الى كتاب الله من خلال شعارهم (لا حكم الا لله). وقد ادرك الامام علي مضمون فكرهم وخبث نواياهم ومخططهم الاجرامي فردهم بقوله ان عملهم وشعارهم وفكرهم انما هو : ( كلمة حق يراد بها باطل ).              

لقد تم استغلال فكرة الحاكمة من قبل الكثير من الكتاب والمفكرين والمستفيدين لتحقيق مصالحهم الشخصية وافكارهم السئية وتزييف الوعي الاسلامي وتدمير الافراد والمجتمعات، وكذلك قاموا بتحجيم وتحجير وحجب العقول وتعطيل الحرية والاختيار وتقديم الولاء والانتماء المطلق للمشيئة والارادة الالهية، ونحن نشهد اليوم تيار جبري معاصر ومتشدد يحيل الانسان الى كائن ضعيف لا دور له سوى تحقيق الطاعة العمياء للخالق، ويمارس اصحاب فكرة الحاكمية المطلقة لله تعالى، سلطتهم المطلقة وسطوتهم على الناس وكأنهم حماة الدين والناطقون الرسميون بأسم الشريعة الاسلامية.

ويرصد حاج حمد علة اتخاذ الكثيرين من القادة والحكام والتيارات الدينية لفكرة الحاكمية بصورتها السلبية السائدة حيث يقول: " ان فشل قادة الحركات الدينية في التعايش...قد شوَّه مفاهيم الدين وأوجد حالة الانفصام ما بين المسلم ودينه من جهة، حين لا يتقبل المسلم حالات التعصب والمغالاة والادعاء والفرقة وإسقاط حقوق الغير، كما أوجد حالة من الانفصام بين المسلم ومجتمعه من جهة أخرى، حين يقبل بهذه المقولات الزائفة على علَّاتها ظنًّا منه أنها من صلب دينه. ان هذه الخيارات الزائفة والمستندة الى فهم ديني خاطىء، والتي تأخذ بها حركات (الصحوة) الآن، تتعارض كلياً مع منهجية القرآن وخصائص عالمية الرسالة ومفهوم الاسلام للحاكمية البشرية، وتعدد انماط الخطاب الالهي للناس وللمؤمنين وللمسلمين ." (كتاب الحاكمية ص 142).

قدم حاج حمد قراءة جديدة لقضية الحاكمية، تنم عن وعي وتنوير كبيرين للمفكر من جهة ولاعطاء فاعلية اكثر للانسان وحرية ومساحة في الفكر والعمل، من جهة اخرى، والتأكيد على وجودية الانسان ووحدته في هذا العالم رغم تنوع اللغات والاجناس والاثنيات، من جهة ثالثة.

ويرى حاج حمد ان الحاكمية قضية موجودة حقاً في الدين والطبيعة والانسان، ولكنها مرت بمراحل، وتطورت وتغيرت خلال التاريخ والتقدم الحاصل على مستوى الافراد والمجتمعات، فنحن نشهد ثلاث حاكميات او مراحل في التاريخ البشري وهي :

1ـ الحاكمية الالهية.

2ـ الحاكمية الاستخلافية.

3ـ الحاكمية البشرية.

ـ الحاكمية الأولى، تعني "حكم الله المباشر للناس، دون استخلاف بشري، وهو حكم يتميز بـ " الهيمنة المباشرة" على البشر وعلى الطبيعة في آن واحد، مع التصرف الإلهي فيهما (البشر والطبيعة) تصرفاً محسوساً وملموساً من وراء حجاب." (ص 45).

وقد شهد التاريخ البشري الحاكمية الإلهية قديماً وكانت متمثلة في العلاقة بين الله والحالة التاريخية الإسرائيلية، وهي علاقة استوجبت قيام مملكة لله في الأرض ويدير شؤونها الله، بنفسه لا بمنطق الاستخلاف البشري عنه.

ـ والحاكمية الثانية " تعني أن يكون الخليفة موصولاً بالله عبر الإلهام والإيحاء، وأن تسخّر له الطبيعة والكائنات." (ص 64).

كما تعني أن الله يختار الخليفة تماماً كما اختار الله طالوت ثم داوود وسليمان، فالخلافة اختيار إلهي وتسخير إلهي، وليست مجرد سلطة دينية بموجب شرع الله وباختيار بشري.

ـ اما الحاكمية الثالثة وهي حاكمية تأتي "خارج منهج الهيمنة الإلهية المباشرة على البشر والطبيعة "الحاكمية الإلهية"، وكذلك خارج منطق الاختيار الإلهي والتسخير "حاكمية الاستخلاف". (ص70).

يؤكد الحاج حمد أن الله عز وجل قد تدرج بالبشرية لتحكم نفسها وتلك غايته من الخلق، من "الحاكمية الإلهية" إلى "حاكمية الاستخلاف" إلى "الحاكمية البشرية"، أي "حاكمية الإنسان".

إن الحاكمية البشرية قائمة على شرعة الرحمة والتخفيف، لا على شرعة الإصر والأغلال. حاكمية تتسع فيها " دائرة "التصرف البشري" بالقدر الذي تتسع به مداركنا ومفاهيمنا، وتتغير استنباطاتتنا بالقدر الذي تتغير به الأزمنة والأمكنة، وصولاً إلى تأصيل منهج الهدى ودين الحق". (ص 100).

" ان الحاكمية البشرية تتضمن –بحكم بشريتها- التفاعل الإنساني مع المجموع البشري دون ادِّعاءات التفضيل والوصايا على الآخرين، فمن طبيعتها أن تلجأ إلى أنواع متعددة من الحوارات مع المجموع الإنساني على ضوء منهجية القرآن الكلية ودون أن تطبق على هذا المجموع الإنساني "نموذج دولة" لم يِؤسسه خاتم النبيين أصلاً، ودون أن تدعي تمثلها ورجوعها إلى فهم قرآني تأسيسي معين... إنها حاكمية بشرية ليس من طبيعتها أن تستمد سلطانها إلَّا من البشر أنفسهم لا من "فئة" تختار نفسها باسم الله ـ سبحانه ـ او بأسم حاكميته، او استخلافيته، سواء كانت هذه الفئة حاكمة او معارضة ". (ص 131).

حقاً انها قراءة تنويرية وعقلانية تجديدية فاعلة قدمها مفكرنا ذات بعد وجودي انساني عميق تتيح للانسان مساحة واسعة لممارسة وجوده واطلاق طاقاته وادارة شؤون حياته وفق اختلاف منطق الزمان والمكان، ولكن لا يعني ذلك اطلاق العنان للانسان دون قيد او شرط او منهج ينظم حياته الدنيا، فـ " الانسان يستلهم "منهجية القرآن" في ممارسة "حاكمية البشر" " (ص 113)

ولكن لا يعني ذلك ايضاً هيمنة الانسان بصورة مطلقة على الانسان والعالم، كي لا نقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه دعاة الحاكمية الالهية، حين جعلوا هذه الحاكمية هي المسيطرة والمهيمنة على العالم والبشر والطبيعة، وانما يعني حاكمية تعطي للانسان مساحة كبيرة في الادارة والحكم والحياة بالزام ورباط سماوي الهي ينير الطريق والفكر والوجود.

ان الحاج حمد انما يريد التقريب بين ماهو سماوي وما هو ارضي، وان يؤسس لفلسفة انسانية فاعلية تؤمن بما هو انساني وجودي من جهة، وبين ما هو الهي من جهة اخرى، لان وجودنا متكون من هذين الطرفين.

نحن اليوم بامس الحاجة الى تقديم قراءات ومناهج جديدة تنسجم ووجودنا المعاصر، كي نحقق النجاح في هذه الحياة على اتم وجه، وان نحسن ادارة وجودنا وحياتنا، واستبدال الفكر المتشدد والمتطرف والاحادي بفكر تعددي حواري يؤمن بوجود الآخر كوجود الذات، لاننا في هذا الوجود (نحن) كل لا يتجزأ مهما تعددت وتنوعت الواننا والسنتنا وادياننا وافكارنا.

      

zouhair khouildi"إن تحديد ماهو فطري وماهو مكتسب في سلوك الإنسان قد يكون مجالا مثيرا للبحث إذا ما كان هذا التحديد ممكنا"1[1]

الأنثربولوجيا الثقافية هي أحد مناهج العلوم الإنسانية التي حلت محل الأثنولوجيا عند فرايزر وتايلور التي ادعت معرفة مباشرة بأحوال الشعوب البدائية وسعت إلى اكتشاف الحقائق الأساسية بطبيعة النفس البشرية من خلال المقارنة بين عناصر وتفاصيل الثقافة البشرية على صعيد عالمي. كما نقدت الاتجاه الوظيفي عند برونيسلاف مالينوفسكي الذي هدف إلى تبيان كيفية قيام الجماعة الغربية بوظيفتها بوصفها نظاما اجتماعيا وركز على الفروق القائمة بين الثقافات البشرية أكثر من التشابه. بيد أن ميزة المنهج الأنثربولوجي البنيوي عند كلود ليفي شتراوس تكمن في دراسة السلوك الثقافي الذي يتخذ شكل نظم اجتماعية كالعائلة ونظام القرابة والتنظيم السياسي والإجراءات القانونية والعبادات الدينية والعادات والتقاليد والنظام الاقتصادي وذلك بهدف تحديد العلاقة والتأثير المتبادل بينها سواء بالنسبة للمجتمعات القديمة التي نعرفها عن طريق الآثار التي تركتها أو فيما يتعلق بالمجتمعات المعاصرة عن طريق الرصد المباشر. يعبر شتراوس عن حاجة التحليل البنيوي إلى وضع كل التبديلات الممكنة وفحص الأدلة التجريبية على الأساس المقارنة بقوله:" يشتمل المنهج الذي نتبناه على العمليات التالية:1) حدد الظاهرة المدروسة بوصفها علاقة بين اثنين أو أكثر من الحدود أو العناصر، الحقيقية أو المفترضة، 2) ضع جداولا للتبديلات المحتملة بين هذه الحدود، 3) تناول هذا الجدول بوصفه الموضوع العام للتحليل، هذا الأخير الذي لا يتمكن من كشف الروابط الضرورية إلا عند هذا المستوى، فالظاهرة التجريبية لا تكون عند بداية النظر فيها سوى تركيب واحد بين عدد من التركيبات الممكنة الأخرى، والتي ينبغي بناء نظامها مقدما"2[2]. لقد شرع شتراوس للاختلاف وآمن بالتنوع بين الثقافات ونقد نظرية الانتشار الثقافي التي تقر بذيوع السمات الثقافية عن طريق اقتباسها أو بالهجرة من منطقة إلى أخرى وتؤكد أهمية هذا الانتشار في نمو الثقافة البشرية وقدرة الاختراعات الجديدة وأهمية الاستعارة المستمرة والسمات المشتركة في تاريخ الإنسان. لقد ضم المنهج الأنثربولوجي الاجتماعي كل من البنيوية والجيولوجيا والألسنية والتحليل النفسي والماركسية والأثنوغرافيا والتاريخ وتناول نظرية القرابة ومنطق الأسطورة ونظرية التصنيف البدائي.

على كل حال تهتم الأنثربولوجيا البنيوية بمسائل تطور الإنسان بدءا من أشكال حيوانية وتوزعه الحالي في جماعات عرقية متميزة بصفات تشريحية أو فسيولوجية وتدرس أيضا مراحل تطوره الأخيرة بوصفه نوعا بيولوجيا والمراحل التي قادته في ظروف مختلفة عن الأنواع الحية الأخرى إلى اكتساب اللسان.

"على الرغم من أن الأنثربولوجيا الطبيعية تلجأ إلى معارف ومناهج متفرعة من العلوم الطبيعية فإنها تؤول الى حد كبير إلى دراسة التحولات التشريحية والفزيولوجية الناجمة بما يتعلق بنوع حي معين عن ظهور الحياة الاجتماعية واللسان ومنظومة قيم أو بكلام أصح ظهور الثقافة."3[3] من هذا المنظور يوجد الإنسان في وضع بيو- ثقافي، فهو في منطقة وسطى بين الغريزة والعقل وبين التوحش والتحضر وبين الطبيعة والثقافة وبين البداوة والحضارة. ولكن ماذا يضيف تشكل الثقافة إلى ظاهرة الطبيعة ؟

غني عن البيان أن الثقافة في معناها العام هي الحصول على قدر معين من التربية والتعليم واكتساب نشاط معين عند فئة معينة تمتلك صفات المثقف، أما المعنى الخاص للثقافة فيشير إلى جميع الأنشطة بين أفراد المجتمع الواحد وبالتالي هي المظهر الخارجي للسلوك المكتسب الذي تؤلف عناصره قدرا مشتركا ويتناقله أفراد مجتمع معين وبالتالي الإنسان كائن ثقافي والثقافة لا تنحصر في فئة دون غيرها ولا وجود لمجتمع غير مثقف. هكذا تدل الثقافة على طريقة حياة يتميز بها مجتمع وتحتوي على مجموعة من الأنماط السلوكية وتتضمن جملة من الممارسات المشتركة الموروثة والمتطورة وتنقسم إلى جانب مادي تقني وجانب معنوى ذوقي. من المعلوم أن الدراسات الأنثربولوجية تعتمد على ثنائية الطبيعة والثقافة وتعتبر الإنسان كائن طبيعي وثقافي في ذات الوقت ولا يمكن الفصل بين العوامل البيولوجية والعوامل الاجتماعية في تكوين المحيط الذي يعيش فيه الناس بل ثمة تداخل بين العناصر الطبيعية والمعطيات الثقافية في تكوين الإنسان وبالتالي لا وجود لطبيعة خالصة وليس ثمة ثقافة غير متداخلة مع الطبيعة. كما تحاول النظرة الأنثربولوجية التخلص من النظرة المعيارية التي تفاضلا بين المجتمعات وفق ثنائية التحضر والتخلف أو الزوج المفهومي بدائي وتقدمي وتعامل جميع الثقافات وفق مبدأ المساواة وبطريقة موضوعية بالرغم من اعترافها بأن كل ثقافة لها حركيتها الخاصة وبنية مادية وبنية معنوية تعبر عن محاولات فهم ظواهر الطبيعة. " أما الاعتقاد بأن الإنسانية قد حلت في نمط واحد من الأنماط الجغرافية أو التاريخية فيستحيل أن يسود في تلك المجتمعات أو في مجتمعنا دون أن تكون السذاجة والأنانية قد طبعتها ذلك أن حقيقة الإنسان لا تكمن إلا في اختلاف اجتماعاته وخصائصه المشتركة في آن معا."4[4]

كما يفسر كلود ليفي شتراوس الانتقال من الطبيعة إلى الثقافة بوصفه انتقال من النيئ إلى المطبوخ ومن العري إلى التبادلات التجارية ويعتمد على دراسة الأساطير والفكر البري ومنظومات القرابة وتفسير تحريم سفاح المحارم (الزواج الداخلي والخارجي والتفضيلي والأحادي والمتعدد) وضبط قانون التبادل ويرى أن كل مجتمع يتمثل بعض القواعد ويعدل شروط استمراره الفيزيائي وفقها ويشجع بعض أنماط الاتحاد ويستبعد الأخرى ويقوم بتطبيق منهجي لعدد من المعايير الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية والجمالية. لهذا السبب يقر شتراوس بأن مسألة التعارض بين الطبيعة والثقافة ليست معطى أوليا ولا مظهرا موضوعيا لنظام الكون بل عملا دفاعيا حفرته الثقافة في دائرتها قصد تأكيد وجودها وتواطؤها الأصلي مع الحياة. إن إقامة التعارض بين النظام الطبيعي والنظام الثقافي هو إبداع من صنع الثقافة ويهتدي بحضور أو غياب اللغة المنطوقة واستخدام الرموز في العمليات المعقدة للتواصل ويكتسي مظهر قصدي وتناول تركيبي لسيادة تراتبية وتدرجية وفق آليات متراكبة وبنيات دماغية وتحولات أدائية وتشريحية في الدماغ. والحق أن " بين الثقافة والطبيعة مقايضة تعطي المتشابه لتنال المتغاير وهي تجري تارة بين الناس أو في ما بينهم وتارة بين الحيوانات والناس... أما الاختلافات فينتزعها الإنسان من الطبيعة ويحملها على الثقافة... فتصبح شعارات تتميز بها الجماعات وتنفي بواسطتها الصفة الطبيعية عن اتحادها "5[5]. هكذا يبقى ظهور الثقافة لغزا إنسانيا ونتاجا طبيعيا ويخضع إلى المجتمع أكثر منه إلى الفرد ويقتضي العودة إلى جملة من القواعد والمجموع المعقد من المواضعات والمؤسسات والتحريم الجنسي للأقارب. من المنطقي أن تمتلك كل قاعدة اجتماعية مثل هذا التحريم صفة الكونية ولكنها تطبق في وضعيات خاصة وفي ذلك يصرح شتراوس ما يلي:" لنفترض أن كل ماهو كوني وشمولي، لدى الإنسان، ينتمي إلى مستوى الطبيعة ويتميز بالتلقائية ، وأن كل ماهو خاضع لقاعدة ينتمي إلى الثقافة ويمثل ماهو نسبي وخصوصي"6[6]. في المجمل العلامة المميزة للثقافة ليست الأشياء المصنوعة ولا يتوقف على إعادة تعريف الإنسان بكونه صانع أدوات بل اللغة المنطوقة هي التي تمثل كيان الثقافة والواقعة الثقافية المميزة وإحدى الاستعدادات التي يتلقاها الإنسان من التراث المحيط به وتتشكل عبر تمفصل العلامات، وكذلك تمثل اللغة الحالة الفعلية التي أنجز عبرها الإنسان عملية الانتقال من الطبيعة إلى الثقافة بل هي ملكة تواصل لساني وأداة تعبير وإعلام وأكثر مظاهر النظام الحضاري اكتمالا. " فهاهنا بين الثقافة والطبيعة مقايضة تعطي المتشابه لتنال المتغاير وهي تجري تارة بين الناس أو في ما بينهم وتارة بين الحيوانات والناس... أما الاختلافات فينتزعها الإنسان من الطبيعة ويحملها على الثقافة... فتصبح شعارات تتميز بها الجماعات وتنفي بواسطتها الصفة الطبيعية عن اتحادها "7[7].

في نهاية المطاف تحد الفرد بصورة حتمية قوانين لاشعور مجهول ولا زمني والتي هي قوانين الكون ويترتب عن ذلك أن الحرية والقدرة الخلاّقة للإنسان ودور الفاعل التاريخي هي مجرد أوهام وبالتالي النزعة المضادة للإنسانوية والمثالية المادية جعلت شتراوس يفترض وجود بنيات تفسر الظواهر ولا يمكن إرجاعها إلى أي شيء آخر ويتبنى تصورا سلبيا عن التاريخ والتطور الزمني والذاتية والتقدم ويرى أن الإنسان يتحول من ذات فعالة إلى مجال تمارس فيه الأنساق والبنيات والحتميات اللاواعية تأثيرها الفعال وسيطرتها. وبالتالي ليست البنية معروضة للملاحظة المباشرة بل تفلت من دائرة الوعي العادي والمعنى الأول ليس هو الأحسن وليس ماثلا بل منشأ ولا يتم استخراج السمات الأساسية والثابتة للظواهر إلا من طرف الوعي العلمي حيث يتم الكشف عن السمة اللاشعورية المجهولة للبنيات التي يستعملها الإنسان دون أن يصنعها. علاوة على ذلك تضع البنيوية بين قوسين النشاط القصدي للوعي وترفض الرجوع إلى المعاش ولا تزعم امتلاك الوعي بل تعتبر الوجود الواعي للكائن يطرح مشكلة لا يمكن حلها وتدرس منتوجات النشاط وتصعد إلى حقيقته اللاشعورية ولا تبالي بالعمليات التاريخية والتعبيرات الواعية عن الظواهر الاجتماعية بل تعطي اعتبار أكبر إلى النماذج وتنتقل من دراسة المضامين الشعورية إلى دراسة الأشكال اللاشعورية وتقر بأن البنية المعهودة للظواهر تفلت من الوعي. وبالتالي لا تعطى المعقولية العلمية في التجربة المعيشة في مستوى الإدراك الحسي بل ثمرة عملية إنشاء نماذج ومنظومات من الأشكال ضمن لغة رمزية ومعالجة جبرية. عندئذ لا تتوقف البنيوية عند التشابه والثوابت والواحدية عند دراستها للمجتمعات بل تنتج المعرفة العلائقية والفوارقية وتركز على الاختلاف والتحول والفوارق الدالة بوصفها تمثل البنية المعقولة للنسق الاجتماعي. لكن ما الفرق بين الثقافة والحضارة وبين المثاقفة والتحضر؟ ومتى تنتقل الثقافة إلى الحضارة؟ والى أي حد تمثل الحضارة نقطة اللاعودة مع الهمجية ؟

 

...................

الإحالات والهوامش:

[1] اموند ليتش، كلود ليفي شتراوس، البنيوية في مشروعها الأنثربولوجي، ترجمة ثائر ذيب، دار الفرقد، دمشق، طبعة ثانية، 2010، ص217.

[2] كلود ليفي شتراوس، الطوطمية اليوم، الترجمة الأنغليزية، ص16. ذكره اموند ليتش، كلود ليفي شتراوس، البنيوية في مشروعها الأنثربولوجي، ص37

[3] كلود ليفي شتراوس، الأنثربولوجيا البنيوية، ترجمة مصطفى صالح، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1977،ص406.

[4] كلود ليفي شتراوس، الفكر البري، ترجمة نظير جاهل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، 1987،ص298.

[5] كلود ليفي شتراوس، الفكر البري، مرجع مذكور، ص.134.

[6] كلود ليفي شتراوس، البنيات الأولية للقرابة، الطبعة الفرنسية 1971، ص.10.

[7] كلود ليفي شتراوس، الفكر البري، ترجمة نظير جاهل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، 1987،ص.134.

 

المصادر والمراجع:

كلود ليفي شتراوس، الأنثربولوجيا البنيوية، ترجمة مصطفى صالح، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1977،

كلود ليفي شتراوس، الفكر البري، ترجمة نظير جاهل، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، 1987،

كلود ليفي شتراوس، البنيات الأولية للقرابة، الطبعة الفرنسية 1971.

اموند ليتش، كلود ليفي شتراوس، البنيوية في مشروعها الأنثربولوجي، ترجمة ثائر ذيب، دار الفرقد، دمشق، طبعة ثانية، 2010،

 

كاتب فلسفي

يمثل الموت محوراً هامًا في فلسفة سقراط، وهو من الموضوعات المثيرة في فلسفته، ولقد تعرضت معظم المحاور السقراطية لهذا الموضوع. والموت يعني عنده انفصال النفس عن الجسد، بمعني أن يظل الجسد بمفرده، وتكون النفس أيضا مستقلة عن الجسد وقائمة بمفردها. ويحاول سقراط تفسير الموت تفسيًرا عقليًا في محاورة (الدفاع) فيقول الميت يكون علي أحد حالين إما أن يصبح عدمًا ولا يكون له إحساس كما هو الحال في حالة النوم، وإما بحسب ما يقال أنه يحدث تحول وهجرة للنفس من هذا المكان إلي مكان آخر. فالموت في محاورة الدفاع هجرة النفس من الحياة الدنيا إلي الحياة الاخرة .و سقراط هنا يجعل مستمعيه

بين اختيارين فإما أن يكون الموت هو نوم بلا أحلام أو أنه عبور وهجرة لعالم آخر. ولذا فانه إذا كان حلمًا فانه يعد مكسبًا، فانه مكسب أن أمضي للقاء نهايتي بدون مسحة من الألم/ فهذا بلا شك كسب لكل إنسان غمرته المتاعب والهموم.

أما إذا كان هجرة من مكان إلي مكان آخر فانه سيكون خير أعظم. ويؤكد سقراط علي حقيقة خلود النفس بعد الموت، بمعني أن النفس لا تفني بفناء الجسد. بل هناك حياة آخري بعد هذه الحياة الدنيا، وهذا ما يبرر إقدامه علي تجرع السم، ومواجهة الموت بشجاعة وإقدام وعدم الإنصات لأصدقائه بالهروب.من هنا الموت عند سقراط ليس بنهاية، لأنه لو كان تناهي ما كان ليحمل نفس المعاني التي يحملها باعتباره يجعل النفس بعيدا عن الجسد وكأنه هجرة من مكان إلي أخر.و هكذا يري سقراط أن الموت محض انتقال من حياة إلي آخري، والنفس باقية قبل الحلول في الجسد وبعد مفارقة الجسد. ويستدل سقراط علي ذلك بأدلة من التراث الديني والتراث الثقافي. وفي سياق حديث سقراط عن الموت يشير إلي الانتحار وهو يعارض الانتحار، ويري أن الموت ليس بمعني الانتحار، أو إيذاء للنفس أو الموت بشكل إرادي من الانتظار حتى يحدث ذلك بيد الاله الذي خلقنا ووهبنا الحياة وليس مبرر للهرب من هذه الحياة التي وهبها لنا الاله. ومن الأسباب الهامة أيضا في شجاعة سقراط في مواجهة الموت هو انه من وجهة نظره عدم التفكير في الحياة والموت لان هذه المسالة تحدث دون إرادة الإنسان ودون تدخل منه.و لكن من المهم هو أن ينظر الإنسان فيما يفعل هل يفعل الصواب أم الخطأ .و كذلك يقين سقراط أن هناك حياة آخري بعد الموت حياة خالدة باقية لا يعكر صفوها الهموم والمتاعب والصعاب كما هو الحال في الحياة الدنيا. فالنفس في الحياة الآخرة تسعد بالهدوء والسكينة والرضا والعيش في سعادة، لذا اقبل سقراط علي تجرع السم في مشهد ينم عن شجاعة وثقة بما بعد الموت من حياة خالدة، لذا الموت لا يمثل لسقراط أي قلق أو مشكلة بل علي العكس ستنطلق النفس إلي افاق عليا وتعيش حياة خالدة باقية .لذا ضرب سقراط المثل الاعلي في الدفاع عن مبادئه

والموت من اجل أهدافه. وخلد اسمه في التاريخ الإنساني بأنه المدافع عن مبادئه وأهدافه، وسيظل سقراط اسمه خالًدا علي مر التاريخ علي أنه قابل الموت بشجاعة وإقدام، ولم يجزع لذلك .

 

د. عماد الدين ابراهيم

jamil hamdaouiالمقدمة: تعد النظرية النقدية من أهم النظريات التي انتعشت في فترة (مابعد الحداثة) في ألمانيا، وإن كانت هذه النظرية قد تبلورت في فترة مبكرة، في ثلاثينيات القرن العشرين بمدرسة فرانكفورت، وتجسدت في عدة ميادين ومجالات معرفية، كالفلسفة، وعلم الاجتماع، والسياسة، والفن، والنقد الأدبي. بيد أن هذه المدرسة قد أخذت طابعا فكريا مغايرا منذ السبعينيات من القرن العشرين، وانضم إليها مثقفون آخرون أغنوها نظريا وتطبيقيا. ومن ثم، فقد تحولت النظرية عند مارتن جاي (M.Jay)"من (نادي ماركس) قبل هجرتها من فرانكفورت، إلى (نادي ماكس) بعد عودتها، وحيث هناك في المهجر، فقد الحرف(R) الذي تبدأ به كلمة الثورة (Revolution)"[1]. ويعني هذا انتقال مدرسة فرانكفورت من أفكار ثورية ماركسية إلى أفكار متطورة في عهد ماكس هوركايمر، حيث تم التركيز على الفلسفة بدل التركيز على التاريخ والاقتصاد كما كان في السابق. وبالتالي، فقد استهدفت النظرية النقدية تقويض الثقافة البورجوازية الرأسمالية الاستهلاكية. وعليه، فهدف النظرية النقدية هي تغيير المجتمع على جميع المستويات والأصعدة، وتحقيق التحرر البشري، والمؤالفة بين النظرية والممارسة، والجمع بين المعرفة والغاية، والتوفيق بين العقل النظري والعقل العملي، والمزاوجة بين الحقيقة والقيمة. علاوة على ذلك، فقد كانت النظرية النقدية بمثابة تجديد نقدي للنظريات الماركسية والراديكالية.

هذا، ويمكن التمييز بين فترتين في النظرية النقدية أو مدرسة فرانكفورت: فترة الريادة من الثلاثينيات إلى أواخر الستينيات، وهي فترة هوركايمر، وماركوز، وأدورنو، وفروم...، وفترة التجديد من بداية السبعينيات إلى سنوات الثمانين من القرن الماضي، وهي فترة يورجين هابرماس، وألفرد شميدت، وكلاوس أوفي، وألبرخت فيلمر... وقد احتفظت النظرية النقدية الجديدة لــ(مابعد الحداثة) باهتمامها الخاص بفلسفة العلوم الاجتماعية ونقد الإيدولوجيا .

 

1- مفهوم النظرية النقدية:

يقصد بالنظرية النقدية تلك النظرية التي كان ينطلق منها رواد مدرسة فرانكفورت في انتقادهم للواقعية الساذجة المباشرة، فالنظرية النقدية تهتم بنقد النظام الهيجلي، ونقد الاقتصاد السياسي، والنقد الجدلي. وتهدف هذه النظرية إلى إقامة نظرية اجتماعية متعددة المصادر والمنطلقات، كالاستعانة بالماركسية، والتحليل النفسي، والاعتماد على البحوث التجريبية. وبتعبير آخر، فالنظرية النقدية هي تجاوز للنظرية الكانطية، والمثالية الهيجيلية، والجدلية الماركسية. وبالتالي، فهي نقض للواقع، ونقد للمجتمع بطريقة سلبية إيجابية. ومن ثم، فليس نقد متناقضات المجتمع فعلا سلبيا، بل هو فعل إيجابي في منظور مدرسة فرانكفورت. ويرتبط مفهوم(النظرية النقدية) بعنوان كتاب هوركايمر(النظرية التقليدية والنظرية النقدية) (1937م)، وقد جمع فيه صاحبه مجمل التصورات التي عرف بها أصحاب مدرسة فرانكفورت، سواء النظرية منها أوالتطبيقية، كما ضمنه مجمل المقترحات التي كانوا يؤمنون بها لإنقاذ الواقع وتصحيحه . ومن ثم، فالنظرية النقدية هي تجاوز للنظريات الوضعية التي كانت ترفض التأملية الانعكاسية منهجا في التعامل مع الموضوع المرصود . ومن جهة أخرى، فقد استهدفت النظرية النقدية تنوير الإنسان الملتزم تنويرا ذهنيا وفكريا، وتغييره تغييرا إيجابيا، بعد أن حررته من ضغوطه الذاتية،عن طريق نقد المجتمع بتعريته إيديولوجيا[2].

وعليه، فالنظرية النقدية عند هوركايمر هي" ما تعبر عنه الاتجاهات الوضعية في نظريتها للنشاط البشري على أنه شيء أو موضوع خارجي داخل إطار من الحتمية الميكانيكية، على حين ترفض النظرية النقدية النظر إلى الوقائع الاجتماعية على أنها أشياء، ومن ثم ترفض طابع الحياد الذي تتسم به الوضعية، وتحاول في المقابل أن تطرح فكرا لايفصل بين النظرية والممارسة.

وقد فهم هوركايمر، ومعه فلاسفة فرانكفورت، الماركسية على أنها العلم النقدي للمجتمع. وبالتالي، فمهمة الفلسفة هي متابعة العملية النقدية، والتحري عن أشكال الاغتراب الجديدة. وقد أخذت مساهمته الخاصة شكل تحليل نقدي للعقل. فلئن يكن العقل قد صاغ في الماضي، مثل: العدالة، والحرية، والديمقراطية، فإن هذه المثل حل بها الفساد في ظل هيمنة البورجوازية التي أدت إلى تحلل حقيقي للعقل. ومن هنا، بدت الحاجة إلى نظرية نقدية جدلية تستطيع أن تتعقل اغتراب العقل بالذات."[3]

ونفهم من هذا أن النظرية النقدية ظهرت رد فعل على المثالية الألمانية، وكذلك رد فعل على الوضعية التجريبية التي كانت تدرس الظواهر الاجتماعية دراسة علمية موضوعية، من خلال ربط المسببات بالأسباب، في إطار تصور آلي ميكانيكي. ومن هنا، فالنظرية النقدية هي قراءة نقدية للعقل الجدلي ليس بالطريقة الكانطية، بل في ضوء رؤية ماركسية واقعية جدلية. وبالتالي، تعمل النظرية النقدية على نقد الواقع الاجتماعي، وتقويض تصوراته الإيديولوجية الليبرالية، والبحث عن تجليات الاغتراب الذاتي والمكاني، سواء في النصوص والخطابات أو في واقع الممارسة. وتهدف النظرية النقدية - حسب هوركايمر- إلى تحقيق مهام ثلاث:" أولها، الكشف في كل نظرية عن المصلحة الاجتماعية التي ولدتها وحددتها، وهنا يتوجه هوركايمر، كما فعل ماركس، إلى تحقيق الانفصال عن المثالية الألمانية، ومناقشتها في ضوء المصالح الاجتماعية التي أنتجتها.والمهمة الثانية للنظرية النقدية عنده، هي أن تظل هذه النظرية على وعي بكونها لاتمثل مذهبا خارج التطور الاجتماعي التاريخي. فهي لاتطرح نفسها باعتبارها مبدأ إطلاقيا، أو أنها تعكس أي مبدإ إطلاقي خارج صيرورة الواقع. والمقياس الوحيد الذي تلتزم به هو كونها تعكس مصلحة الأغلبية الاجتماعية في تنظيم علاقات الإنتاج بما يحقق تطابق العقل مع الواقع، وتطابق مصلحة الفرد مع مصلحة الجماعة. أما المهمة الثالثة، فهي التصدي لمختلف الأشكال اللامعقولة التي حاولت المصالح الطبقية السائدة أن تلبسها للعقل، و تؤسس اليقين بها على اعتبار أنها هي التي تجسد العقل. في حين، إن هذه الأشكال من العقلانية المزيفة ليست سوى أدوات لاستخدام العقل في تدعيم النظم الاجتماعية القائمة، وهو ما دعاه هوركايمر بالعقل الأداتي."[4]

وعليه، فالنظرية النقدية هي التي تحقق المصلحة الاجتماعية، وتراعي التطور الاجتماعي التاريخي في إطار المادية التاريخية، وهذا يقرب النظرية النقدية من المادية الثقافية، كما تهدف هذه النظرية إلى خدمة مصالح الأغلبية، والتصدي للأشكال الشكلية والتيارات اللامعقولة التي تخدم الأنظمة الحاكمة.

وعلاوة على ذلك، فالنظرية النقدية هي قراءة ماركسية لواقع المجتمعي. وفي هذا الصدد، يقول توم بوتمور(T.Bottomore) في كتابه (مدرسة فرانكفورت):"تؤكد النظرية النقدية على انتسابها إلى الماركسية، دون أن تضيع الاختلاف مع قراءاتها الكلاسكية، وبخاصة تلك التفسيرات والأطروحات التي قدمها رواد ومنظرو الأممية الثانية والثالثة، وعلى رفضها الاختيار بين التماثل المتناقض مع الفلسفة والعلم، بادعاء أن ماقدمته هو شكل جديد للموضوعية الاجتماعية التاريخية، وهو ما جعلها في تعارض مع الميتافيزيقا والوضعية."[5]

وتأسيسا على ماسبق، فالنظرية النقدية نظرية تتجاوز الوضعية، وترفض منطلقات المثالية الألمانية، ومن ثم، فهي نظرية اجتماعية ماركسية، تولي أهمية كبيرة للذات في تفاعلها مع الموضوع، كما ترتكز على المادية التاريخية، وتعتني بالقيم والأخلاق، وتؤمن بتفاعل الذات مع المجتمع على أن الذوات البشرية مستقلة وغير خاضعة لحتميات أوجبريات موضوعية. ويعني هذا أن الإنسان له دور كبير في صنع التاريخ، وتغيير مجتمعه. ومن ثم، فالنظرية النقدية في الحقيقة هي رؤية نقدية إزاء المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي، في قمة تطبيقاته العملية واليومية.

 

2- سيـــاق النظرية النقدية

من المعلوم أن النظرية النقدية، في مجال علم الاجتماع، قد ارتبطت بمعهد البحوث الاجتماعية أو بمدرسة فرانكفورت الألمانية التي يمثلها كل من: تيودور أدورنو (Theodor.Adorno)، وماكس هوركايمر(M.Horkheimer)، وهربرت ماركوز(H.Marcuse)، ويورغن هابرماس (J.Habermas)، ووالتر بنيامين(W.Benjamin)، وفردريك لوبوك (F.Pollock)، وإيريك فروم (E.Fromm)، ولوفينتال(L.Lowenthal)، ووألفريد شميت (Alfred shmidt)، وكلاوس أوفي (C.Offe)، وأولبرخت فيلمر(A.Wellmer)، وفرانز نيومان (F.Neuwmann)... وقد ظهرت هذه المدرسة في ألمانيا، في بداية الثلاثينيات من القرن العشرين،وقد انتقل المعهد إلى نيويورك إبان المرحلة النازية، ثم استقر بفرانكفورت مرة أخرى في عام 1950م. وقد تأثر تحليل مفكري هذه المدرسة ونقدهم للثقافة الحديثة والمجتمع بما تعرضوا له من مضايقات وتعسفات وضغوطات في عهد الفاشية.

هذا، وقد جاءت النظرية النقدية رد فعل على الوضعية (Positivism) التي كانت تعنى مع أوجست كونت بدراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية موضوعية تجريبية، باستخدام الملاحظة والتكرار والتجربة، وربط الأسباب بمسبباتها، بغية فهم الظواهر العلمية فهما علميا دقيقا. وكانت الوضعية تهتم أيضا بوصف الظواهر دون تفسيرها، لأن التفسير يرتبط في منظور الوضعية بالـتأملات الفلسفية والميتافيزيقية. كما استبعدت الوضعية البعد الإنساني والتأملي والأخلاقي في عملية البحث. وقد وجهت مدرسة فرانكفورت إلى هذه النظرية الوضعية انتقادات قاسية. وفي هذا الصدد، يقول توم بوتومور في كتابه( مدرسة فرانكفورت):"اتخذ أصحاب مدرسة فرانكفورت موقفا مناهضا لها، فانتقدها أدورنو لعجزها عن اكتشاف المصلحة الذاتية التي قد تسهم في تحقيق تقدم موضوعي، بسبب القصور الكامن في أسسها المنهجية، وفشلها في إقامة صلة قوية بين المعرفة من ناحية، والعمليات الاجتماعية الحقيقية من ناحية أخرى.لذلك، انتقدها هابرماس بسبب طبيعتها المحافظة، وقصورها عن فهم العلاقة الخاصة بعلم الاجتماع والتاريخ، انطلاقا من أن علم الاجتماع الوضعي لايأخذ في اعتباره دور التحولات التاريخية في تشكيل المجتمعات.

وبشكل عام، هاجم مفكرو مدرسة فرانكفورت سعي الوضعية إلى تحقيق المعرفة العلمية، وتكميم الحقائق، بما يؤدي إلى ضياع المعنى الجوهري للظواهر الاجتماعية. وأنه ارتباطا بذلك، فقد أدى تمثل الوضعية لنموذج العلم الطبيعي في علم الاجتماع إلى فصل المعرفة عن بعدها الأخلاقي، وهو ما يعني استبعاد الموقف الأخلاقي للباحث، عن طريق الادعاء بأن علم الاجتماع هو علم متحرر من القيمة، وهو ما يعني أيضا أن هذا العلم يمكن أن يكون أداتيا بالنسبة للقوى الاجتماعية المتسلطة، أو هو وسيلة للتحكم والهيمنة كما حدث في الرأسمالية المتقدمة."[6]

ويدل هذا على أن الوضعية العلمية تستبعد الذات، والتاريخ، والأخلاق، والمصلحة الاجتماعية، وأنها في خدمة الليبرالية المستغلة. علاوة على ذلك، أنها تعتبر البشر كائنات مقيدة بحتميات علمية جبرية. وبالتالي، فالإنسان ليس له أي دور في التغيير أو صنع التاريخ،" يرى مفكرو فرانكفورت أن التراث الوضعي يميل للنظر إلى البشر باعتبارهم كائنات لاقوة لها في مواجهة المجتمع، وهو ما يتضح لدى دوركايم الذي يؤكد أن الفرد يجد نفسه في مواجهة المجتمع كقوة أسمى منه عليه أن ينحني أمامها، أو مايؤكد عليه ماكس فيبر حين يرى أن الفرد في المجتمعات البيروقراطية، رأسمالية أم اشتراكية، ليس إلا ترسا في آلة كبيرة.

وفي مواجهة ذلك، ترى النظرية النقدية أن ذلك ناتج عن العمق الداخلي للإنسان، ومن ثم، تؤكد هذه النظرية على العلاقة الجدلية بين الفرد والمجتمع، كذوات مستقلة غير خاضعة، تعكس جوانب الحقيقة الكلية."[7]

هذا، وقد جاءت النظرية النقدية رد فعل على النظريات النقدية للعقل المثالي كما عند كانط وهيجل، بالاعتماد على القراءة الماركسية الجدلية، والاستعانة بالمادية التاريخية. كما وقفت إزاء النظريات البورجوازية التي مارست صنوفا من السلطة الفكرية، ورفضت الفصل بين النظرية والممارسة، بعد أن كانت النظرية في المثالية الألمانية هي المفضلة. وباختصار، فإن النظرية النقدية قد انتقدت النزعة العلمية المغالية، وانتقدت أيضا العقلانية العلمية التقنية، باعتبارها شكلا من أشكال الهيمنة التي ميزت الرأسمالية الأكثر تطورا، أو بشكل أوسع انتقدت تلك المجتمعات الصناعية المتقدمة في القرن العشرين. وجاءت أيضا لنقد الإيديولوجيات السائدة، ونقد الفاشية المستبدة، ونقد النزعة المعادية للسامية إبان وصول النازية إلى الحكم.

 

3- رواد النظرية النقدية:

بادىء ذي بدء، لم يتفق رواد مدرسة فرانكفورت على تصور مذهبي ونظري واحد، فهم مختلفون في كثير من الآراء والتصورات، لكنهم يتفقون في بعض النقاط المشتركة، بل يمكن التمييز بين النظرية النقدية الكلاسيكية والنظرية النقدية الجديدة. ومن ثم، يعد ماكس هوركايمر من المؤسسين الحقيقيين لمدرسة فرانكفورت، وقد كان مديرا لها منذ 1931م، وقد اهتم في بداية المعهد بدراسة الفلسفة الاجتماعية، ونقد المذهب الوضعي والمثالية الألمانية والوضعية المنطقية، وهاجم الميتافيزيقا الغربية على غرار جاك ديريدا ومارتن هايدجر. وقد عاب هوركامير على الوضعية ميلها الكبير إلى العلمية والموضوعية والتجريبية، وتشييء الإنسان، وفصل الحقيقة عن القيم كفصلها المعرفة عن المصالح البشرية.

وهكذا، يقدم هوركايمر، مقابل الوضعية، وعلى النقيض منها"نظرية جدلية تظهر فيها الحقائق الفردية بذاتها في ترابط لا لبس فيه دائما، وتسعى لأن تعكس الواقع في كليته. فضلا عن ذلك، فإن الفكر الجدلي، يوحد المكونات التجريبية في تركيبات من الخبرة... المهمة للمصالح التاريخية التي يرتبط بها الفكر الجدلي... فعندما يعي فرد فعال من ذوي الحس السليم الوضع الكريه للعالم، فإن الرغبة في تغييره تصبح هي المبدأ المرشد الذي ينظم به الحقائق المعطاة، ويشكل منها نظرية ... وبقدر ما يعتمد التفكير الصائب على إرادة قويمة، بقدر ما تعتمد الإرادة القويمة على التفكير الصلب."[8]

ويتابع ماكس هوركايمر التعريف بنظريات مدرسة فرانكفورت وتوجهاتها في مقال قيم تحت عنوان( النظرية التقليدية والنظرية النقدية)(1937م)، يوضح فيه أسس المدرسة ومرتكزاتها النظرية والتطبيقية. وقد سعى هوركايمر جادا إلى تسليح الطبقة العاملة (البروليتاريا) بفكر نقدي تغييري، ووعي طبقي تنويري. وقد اهتم هوركايمر بالمجال الثقافي، واهتم كذلك بالفرد كمركز للفكر والعمل، متأثرا في ذلك بالفلسفة الوجودية السارترية وفلسفة ماكس فيبر، واعتنى بشكل من الأشكال بعلم نفس الفرد والتحليل السيكولوجي. وقد انتهى هوركايمر، في نهاية حياته، عن أن يكون منظرا نقديا، فتحول إلى راهب ديني وصوفي، حينما جعل كانط وهيجل فوق ماركس.

أما الثوري النقدي هربرت ماركوز، فقد كتب مجموعة من المقالات في الثلاثينيات من القرن الماضي، خاصة كتابه( العقل والثورة) (1941م)، داعيا إلى نظرية اجتماعية جدلية مناقضة للعلم الاجتماعي الوضعي، كما عند أوجست كونت، وشتال، وفون شتاين خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي؛ لأنها كانت تماثل بين دراسة المجتمع ودراسة الطبيعة. وما يلاحظ على ماركوز أنه بنى نظريته الجدلية على أفكار هيجل، وحول فكر ماركس إلى هيجيلية راديكالية، فحصر اهتمامه في نقد أصول الفلسفة الوضعية والعلم الاجتماعي.

وقد عرف ماركوز بعدائه الشديد للهيمنة التقنية، وكان يعتبر العقل المنغلق سببا في استلاب الإنسان وتحويله إلى آلة انتاجية ليس إلا. ومن ثم، فقد بلور ماركوز فلسفة تشاؤمية بسبب اغتراب الإنسان في المجتمع الصناعي الحديث الذي تغلب عليه التقنية، ويضيع فيه الإنسان باعتباره ذاتا وكينونة ووجودا، وهي النزعة التشاؤمية نفسها الموجودة عند ماكس فيبر، و يرجع هذا التشاؤم إلى شعور فئة معينة من المجتمع.أي: الشريحة العليا المثقفة من الطبقة الوسطى، أوالصفوة المثقفة بالإحباط وخيبة الأمل.

وقد برهن ماركوز، في كتابه (إنسان البعد الواحد)، على اختفاء الدور التاريخي الفعال للطبقة البورجوازية والطبقة البروليتارية على حد سواء، و هناك قوة واحدة مخفية متحكمة في مسار هاتين الطبقتين معا هي العقلانية العلمية التقنية. وليست هناك طبقة معارضة، فقد تم استيعاب الطبقة العاملة واسترضاؤها من خلال تحفيزات مادية استهلاكية، وترشيد عملية الإنتاج ذاتها. وقد أثارت أفكار ماركوز"استجابة سريعة لدى حركة الطلبة الأمريكية في أواخر الستينيات بمعارضتها للنظام، ولدى حركات طلابية أخرى في دول أوروبية شتى إلى حدما. لكن الحركات الاجتماعية في ذلك الوقت كانت جميعها واقعة تحت تأثير تحليلات متنوعة عن البنية الطبقية المتغيرة، وعن مغزى التقنوقراطية والبيروقراطية، التي قدم علماء الاجتماع إسهامات ملحوظة بصددها."[9]

وتتركز أفكار هربرت ماركوز - سياسيا- حول ثلاث قضايا شائكة: دور الطلاب في العالم الرأسمالي، والحركة الطلابية في فرنسا عام1968م، ودور الطبقة العاملة الحديثة في الغرب.

هذا، وقد آمن ماركوز بقوى ثورية جديدة ستظهر في المستقبل داخل المجتمع الحديث، وسيتحقق التحرر الاجتماعي عن طريق الإشباع الجنسي، كما يبين ذلك في كتابه (الحب والحضارة). وقد برهن فيه سيكولوجيا" بأن تجاوز الندرة المادية في المجتمعات الصناعية المتقدمة، سيخلق الشروط المناسبة لإحراز البشر هدفهم في السعادة من خلال التحرر الجنسي، وتفوق مبدأ المتعة، الذي تصوره كأساس للانعتاق الشامل المؤثر في كافة العلاقات الاجتماعية."[10]

ويعد تيودور أدورنو من أهم رواد النظرية النقدية، ومن المؤسسين الفعليين لمدرسة فرانكفورت، وقد انصب اهتمامه على مجال الثقافة، وبخاصة الموسيقا، والتحليل النفسي، ونظرية علم الجمال، متأثرا في ذلك بوالتر بنيامين، ولم يعرف بالنظرية الجدلية، بقدر ماعرف بالجدل السلبي في نقده للنظريات الفلسفية والنظريات الاجتماعية، كأنه يعيدنا بهذه الأفكار السلبية إلى مذاهب الشك والنسبية. وإذا كان هوركايمر وماركوز لهما صياغة اجتماعية إيجابية على أساس التصور الهيغلي للعقل، فإن آراء أدورنو كانت بعيدة عن الماركسية، على الرغم من كونه يدعي أن فلسفته مادية جدلية. وقد انتقد أدورنو مرات عديدة أفكار ماركس، وخاصة علم التاريخ والمادية التاريخية، ولم يهتم بتحليل ماركس الاقتصادي، وعلاقته بنظريته عن الطبقات، بل أخذ من جورج لوكاش المستوى السلبي من النقد الإيديولوجي في نقد الوعي الطبقي البورجوازي. وقد ساهم في بلورة النقد الثقافي، كما يبدو ذلك واضحا في بحثه الذي كتبه مع هوركايمر بعنوان( جدل التنوير) (1944م)، حيث انتقد فيه العقل العلمي الوضعي الذي يقدم حقائق زائفة عن الوضع البشري، وانتقد العلم والتقنية، وكان يرى أنهما السبب في استلاب الإنسان واستغلاله، وأنهما وهم إيديولوجي زائف ليس إلا. كما انتقد الثقافة الجماهيرية الساذجة التي تساعد على انتشار الإيدولوجيا الواهمة.

ومن جهة أخرى، رفض أدورنو نظرية لوكاش الواقعية التي تقوم على الانعكاس المباشر، حيث يتحول الأدب أو الفن، في منظوره، إلى مرآة تعكس بطريقة مباشرة مايقع في الواقع محاكاة وتمثلا ونقلا وتصورا. وقد اهتم أدورنو بالجمال اهتماما لافتا للانتباه، ويعد أدورنو كذلك من رواد نظرية الجمالية الجديدة، حيث ألف كتابا تحت عنوان (نظرية الجمال)، حيث يعطي مفهوما جديدا للفن والجمال مخالفا للتصور الماركسي الذي يرى الجمال تمثلا للعالم وانعكاسا له، بينما يرى أدورنو الجمال أو الفن وسيلة هروب غامضة. و" هكذا، يرفض أدورنو نظرة لوكاش إلى الواقعية، مؤكدا أن الأدب لايتصل اتصالا مباشرا بالواقع على نحو مايفعل العقل، فتباعد الفن عن الواقع هو الذي يكسبه قوته ودلالته الخاصة. ويتوقف أدورنو عند الطرائق التي يستخدم بها المسرحي صمويل بيكيت الشكل، والموسيقار شوبنبرج الثورة اللانغمية، ليصور خواء الثقافة الحديثة."[11]

ويعني هذا أن شعرية الأدب لاتكمن في مفهوم المحاكاة، بل في الانزياح والابتعاد عن مفهوم الانعكاس المباشر. كما يتخذ الفن - عند أدورنو- موقفا نقديا وسلبيا من العالم. وفي هذا السياق، يقول دافيد كارتر (David karter):" انتقد أدورنو نظرية لوكاش القائلة: إن للفن علاقة مباشرة مع الواقع. وبالنسبة لأدورنو، إن الفن، بما في ذلك الأدب، معزول عن الواقع، وهذا هو مصدر قوته تماما. إن أشكال الفن الشعبي تؤكد فقط، على مطابقة قواعد المجتمع، وتخضع لتلك القواعد أيضا، ولكن الفن الحقيقي يتخذ موقفا نقديا، في منأى عن العالم الذي أنشأه : " الفن هو المعرفة السلبية للعالم الفعلي". ورأى أدورنو الاغتراب واضحا في كتابات بروست وبيكيت على أنها تثبت هذه المعرفة السلبية للعالم الحديث."[12]

ومن هنا، فالنظرية النقدية - حسب أدورنو - هي نقد للواقعية الماركسية الانعكاسية الساذجة التي تعقد الصلة المباشرة بين الأدب والمجتمع، في جل تناقضاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية.

وفي الأخير،" لم ير أدورنو إمكانية لتحرير الفرد من التسلط والهيمنة، لا في ظهور جماعات معارضة جديدة، ولا في التحرر الجنسي، وإنما ارتأى هذه الإمكانية بالأحرى في عمل الفنان الأصيل الذي يواجه الواقع المعطى بالتلميح إلى مايمكن أن يكون. وعلى هذا، فإن الفن الأصيل يمتلك قوة غلابة، لدرجة يضعه أدورنو في مواجهة العلم الذي يعكس الواقع الموجود فحسب، فيما يمثل الفن الأصيل شكلا أعلى من أشكال المعرفة، وسعيا متجها إلى المستقبل وراء الحق."[13]

أما والتر بنيامين (1892-1940م)، فيعد أيضا من رواد مدرسة فرانكفورت، وقد تأثر بكتابات كارل ماركس وأفكار جورج لوكاش الواقعية، وتكمن أهميته في كونه قدم أفضل الصيغ في الفكر النقدي للأدب، وقد ساهمت نظريته بشكل من الأشكال في ظهور البنيوية التكوينية عند لوسيان كولدمان. وقد اهتم بالفن كأدورنو اهتماما لافتا للانتباه،حيث درس الأدب في ضوء مفاهيم ماركسية، حيث اعتبر الفن والإبداع الأدبي إنتاجا والمؤلف منتجا، كما يتضح ذلك جليا في كتابه( المؤلف منتج) (1934م). وقد طالب بنيامين أن يكون الإنتاج ثوريا، وعاملا فعالا في خلق علاقات اجتماعية جديدة بينه وبين المتلقي. ويعني هذا أنه يدعو إلى الفن الثوري الذي يغير المجتمع شكلا ومضمونا، وينوره بشكل إيجابي عبر تمرير رسائل ثورية . ومن هنا، يعتمد الفن عند والتر بنيامين " على تقنيات معينة من الإنتاج، شأنه في ذلك شأن غيره من أشكال الإنتاج.أي: يعتمد على أنماط معينة في الرسم والنشر والعرض المسرحي...إلخ.هذه الأنماط جزء من القوى الإنتاجية للفن، وجانب من مرحلة من مراحل تطور الإنتاج الفني، تتضمن جماعا من العلاقات الاجتماعية بين الفنان المنتج والمتلقي المستهلك."[14]

ومن جهة أخرى، يرى بنيامين أن الاستنساخ الصناعي قد قضى على الفن الراقي والسامي، وحوله إلى كليشيهات لاحياة فيها ولاروح. وهكذا، يقول بنيامين في مقاله( العمل الفني في عصر الاستنساخ الصناعي) (1933م):" إن الأعمال التراثية في الفن كانت تحيط بها هالة من التفرد والتميز والتباعد والديمومة. ولكن الاستنساخ الآلي للرسم، مثلا، قضى على هذا التفرد، وأحل محل اللوحة الفريدة نسخا شعبية، فحطم بذلك من هالة الفن المتوحد المغترب، وأتاح للمشاهد أن يرى اللوحة حيث يشاء، وحين يشاء. وإذا كان البورتريه يحافظ على تباعده عن الموضوع، فإن آلة التصوير تنفذ إلى الموضوع، وتقارب بينه وبين المشاهد إنسانيا ومكانيا إلى أبعد حد، فتقضي على أي سحر غامض ينطوي عليه الموضوع. يضاف إلى ذلك أن الفيلم في آلة التصوير يجعل الناس جميعا خبراء، ماظلوا قادرين على التقاط الصور الفوتوغرافية؛ فتتهدم الشعيرة التقليدية لما سمي بالفن الراقي."[15]

هذا، وقد كرس إريك فروم كتاباته لإنشاء علاقة بين التحليل النفسي والماركسية" عن طريق توسيع تفسيرات سيغموند فرويد فيما يتعلق بالفرد، لتشمل الموقع الطبقي للأسرة والوضع التاريخي للطبقات الاجتماعية. وتابع فروم في أعماله اللاحقة هذا الهدف الرامي إلى إقامة علم نفس اجتماعي ماركسي، يمكن أن تندمج فيه نظرية فرويدية معدلة، وبخاصة في نموذجه عن" الشخصية الاجتماعية"، التي صاغها في ملحق كتابه( الخوف من الحرية). ومع ذلك، توقف فروم في ذلك الوقت عن إقامة أية علاقات مع المعهد. فقد كان تفسيره السوسيولوجي الجديد، والذي يعد أكثر تجريبية وأكثر ماركسية للتحليل النفسي، موضع نقد كل من أدورنو وماركوز بعد فترة وجيزة."[16]

أما يورجين هابرماس مجدد مدرسة فرانكفورت، فيمثل النظرية النقدية في مرحلة مابعد الحداثة، وهو من أبرز المعبرين عن الاتجاه العقلاني، إذ نقد الطابع التقني والوضعي القمعي للعقل في الممارسات الرأسمالية والاشتراكية، ويعد أيضا عند توم بوتومور المفكر الأكبر لما بعد مدرسة فرانكفورت أو النظرية النقدية الجديدة. و"على الرغم من قربه من الماركسية، فإنه يختلف مع ماركس في أمر أساسي: فهو يرى أن ماركس قد أخطأ في إعطائه للإنتاج المادي المركز الأول في تعريفه للإنسان في رؤيته التاريخية، باعتباره تطورا للأشكال والأنماط الاجتماعية .

ولهذا، يرى هابرماس أن التفاعل الاجتماعي هو أيضا بعد أساسي من أبعاد الممارسة الإنسانية، وليس الإنتاج وحده، وهو ما يوضح فلسفته التي تقوم على مفهوم الاتصال أو التواصل، وعلى أسبقية اللغة، وأولويتها على العمل.

والعقل الاتصالي عند هابرماس، هو فاعلية تتجاوز العقل المتمركز حول الذات، والعقل الشمولي المنغلق الذي يدعي أنه يتضمن كل شيء، والعقل الأداتي الوضعي الذي يفتت الواقع ويجزئه، ويحول كل شيء إلى موضوع جزئي حتى العقل نفسه." [17]

وقد وجه هابرماس انتقادات صارمة للماركسية، فأعاد بناءها على أسس جديدة، وتسمى هذه المرحلة من مراحل مدرسة فرانكفورت بمرحلة مابعد الماركسية. وقد بدأ مقالاته التي كتبها في الستينيات بتقويم الوضعية العلمية والمنطقية على غرار أسلافه من مفكري معهد فرانكفورت. وقد ميز بين ثلاثة أنواع من المعرفة انطلاقا من منظور المصلحة التي تحققها للجنس البشري في كتابه(المعرفة والمصالح البشرية) (1974م)، وقد حصرها في مصلحة تقنية، ومصلحة عملية، ومصلحة تحررية. وقد اعتبر هابرماس النموذج النفسي الفرويدي أداة صالحة للنظرية النقدية لتحقيق الثورة التحررية الإنسانية والمجتمعية. وقد أكد هابرماس أسبقية اللغة على العمل، وأكد أيضا ترابط اللغة والعمل الاجتماعي، حيث من الصعب فصل عنصر على آخر، وخالف بذلك رأي ماركس الذي كان يعتبر العمل هو الذي يخلق الإنسان . لكن هابرماس يرى أن اللغة بأنها هي التي تحقق الاستقلال الذاتي والمسؤولية. وبهذا، يكون هابرماس قد انتقل من نظرية المصالح المعرفية إلى نظرية اللغة والاتصال. ويلاحظ أن هناك ارتباطا في فكر هابرماس بين التحليل الفلسفي ونظرية المجتمع، وإن تغيرت طبيعة هذا الارتباط بالتدريج. ففي كتابه( المعرفة والمصلحة البشرية)، كان هناك تماثل بين الأنواع الثلاثة من المعرفة مع قسمات رئيسة للحياة الاجتماعية، وهي: العمل، والتفاعل، والتسلط. وانتقل في المرحلة الثانية إلى تقديم نظرية في الحق لاتضرب بجذورها في المجتمع، وإنما في اللغة بوصفها ميزة عامة للجنس البشري، وتستمر هذه الفكرة في أعمال هابرماس، وإن كان يشدد في الأخير على إعادة بناء النظرية في المجتمع. و" بالفعل، فإن هذا التطور يسجل ابتعادا أكثر عن نظرة مدرسة فرانكفورت في مرحلتها الأخيرة، وأصبح هذا التباعد أكثر صراحة بإعلان هابرماس أنه يتناول النظرية الاجتماعية بوصفه" منظرا ماركسيا مهتما بمواصلة التعاليم الماركسية في ظل ظروف تاريخية متغيرة على نحو كبير". وهكذا، قدم هابرماس عناصر النظرية الماركسية المعاد بناؤها في عملين مهمين خلال السبعينيات، دار أولهما حول مشكلات الشرعية في المجتمعات الرأسمالية إبان مراحل تطورها الأخيرة، والثاني حول المادية التاريخية."[18]

وبناء على ماسبق، فقد حدد هابرماس أربعة أنواع من الأزمات التي تعانيها المجتمعات الرأسمالية المعاصرة: الأزمة الاقتصادية، وأزمة العقلانية، وأزمة الشرعية، وأزمة الدافعية أو أزمة التحفيز.ومن ثم، فقد حاول أن يقدم تقويما للتحول الذاتي للرأسمالية المتطورة. ومن هنا، يقدم هابرماس قراءة تقويضية للمجتمع الرأسمالي، وقراءة تفكيكية للمجتمع البورجوازي المعاصر. و" في الظن أن المسألة الأكثر وضوحا، هي مدى ابتعاده عن أفكار مدرسة فرانكفورت الباكرة، حيث نجده قد سار، إلى حد ما، في عكس الاتجاه الذي بدأه أدورنو وهوركايمر، بإيلائه أهمية كبرى للنظرية الماركسية في المجتمع على نحو متميز، حين كرس مزيدا من الاهتمام لتحليل الهياكل الاقتصادية والسياسية، فيما نجد، على العكس، إشارات ضئيلة في أعماله لصناعة الثقافة.

وأكثر من هذا، فإنه لايطابق النظرية النقدية بالفكر الفلسفي في مواجهة العلم. فهو يقترح أن يوضع النقد بطريقة ما بين الفلسفة والعلم. وهذا المفهوم يتيح مجالا لعلم تجريبي عن المجتمع، على الرغم من أن ذلك لاينبغي أن يستنفذ إمكانية المعرفة الاجتماعية، ويجب إتمامه، أو وضعه، في إطار فلسفة تاريخ لها هدف سياسي.

وفي الوقت نفسه، توجد هناك أيضا استمراريات واضحة في النظرية النقدية من الثلاثينيات حتى الوقت الراهن.

وعلى الرغم من أن هابرماس لم ينسب إلى الفلسفة دورا بارزا للغاية، مثل ذلك الذي حازته في فكر أدورنو وهوركايمر، فإن واقع الحال بلا شك، وبخاصة في أعماله الباكرة، أنه كان لايزال مشغولا إلى حد بعيد بنقد الوضعية، وكان تأثيره ملحوظا بقوة كبيرة في المناظرات ما بعد النظرية حول الأسس الفلسفية للعلوم الاجتماعية."[19]

هذا، وقد مال هابرماس إلى البنيوية التكوينية باعتبارها بديلا لفلسفة التاريخ التي تبنتها مدرسة فرانفكورت إبان بدايتها، متأثرا في ذلك بجان بياجيه، ولوسيان كولدمان.وبعد ذلك، يشرع في التمييز بين الرأسمالية المنظمة والاشتراكية البيروقراطية بوصفهما الشكلين الرئيسين للترشيد العقلاني للمجتمعات الحديثة. ويبني هابرماس نظريته النقدية في علم الاجتماع على مرتكزين ضروريين هما: الفلسفة والعلم. بيد أن نظرية هابرماس غير تاريخية، ولاتعتني بالاقتصاد، كما هو حال النظرية الماركسية الأولى. و" نرى أن السمة الأكثر تميزا لنظرية ماركس، وإسهامها الأكثر أهمية في إقامة علم واقعي عن المجتمع، هي أنها لا تتعامل مع التفاعل الاجتماعي على وجه العموم، وإنما تتناول علاقة البشر بالطبيعة، والتفاعل فيما بين البشر في عملية الإنتاج، كاتجاهات سائدة ومولدة ومحددة لأشكال أخرى من التفاعل.

إن هذا هو المفهوم الذي منح الماركسية قوتها التفسيرية، والذي لايزال يمنحها هذه القوة حتى اليوم.لأنه مهما تكن الحاجة إلى إعادة بناء للنظرية الماركسية من أجل فهم المراحل المستجدة من تطور المجتمعات الحديثة بشكل ملائم، ولاسيما دورالدولة وطبيعة الصراعات الطبقية، فإنه لايزال ضروريا البدء من تحليل تنظيم الإنتاج وتسييره، سواء كان ذلك على شكل تسلط رأس المال المتركز في شركات وطنية أو متعددة الجنسية، أو تسلط الإدارة البيروقراطية للصناعة المؤممة."[20]

وعليه، فقد مر فكر هابرماس – حسب سامي خشبة- بمرحلتين رئيستين: مرحلة نقد العقل الوضعي الذي ساد الغرب مع نضج الرأسمالية، وتطور العلوم الإنسانية والتجريبية. والمرحلة الثانية التي انشغل فيها هابرماس ببناء نظرية اجتماعية قائمة على حركة تنويرية جديدة أو استئناف القديمة، وصياغة عقلانية تسترشد بالمنجزات العصرية لعلوم الطبيعة والعلوم الاجتماعية، وخاصة علم الاجتماع، وعلوم اللغة والاتصال، وعلم النفس التربوي التطوري.[21]

ويمكن أن نحدد بدورنا مراحل أخرى لفكر هابرماس، ففي المرحلة الأولى، انتقد الوضعية العلمية والمنطقية. وبعد ذلك، انتقل إلى الحداثة ليعتبرها دليلا على العقل التنويري مقابل النزعات اللاعقلانية التقويضية والتفكيكية، وقد ارتأى أن الحداثة نموذج للتحرر من كل أنواع السيطرة، حيث تتطابق النظرية والتطبيق، والمعرفة والمصلحة... و ركز أيضا على الاتصال بأنواعه باعتباره وسيلة لبناء المعرفة، وليس مجرد تبادلها، كما أشار إلى ذلك في كتابه (الاتصال ونشوء المجتمع)(1976). وقد أعاد للقيم والمعايير الاجتماعية أهميتها، وتبنى الكفاءة الأخلاقية كمضمون للاتصال الاجتماعي، وذلك في كتابه (نظرية الفعل الاتصالي)(1981م). لكن هابرماس ينتقد (مابعد الحداثة) التاريخية ابتداء من عام 1985م، حيث يرجع فشلها إلى اختلال التوازن بين القيمة المعنوية والقيمة المادية؛ مما حول عقلانية التنوير إلى حالة مرضية، وتلك هي الحال التي يصف بها تصور فرانسوا ليوتار وجان بودريار لما بعد الحداثة[22].

 

5- النظرية النقدية في الميزان:

من أهم إيجابيات النظرية النقدية أنها تنتقد التوجهات الرأسمالية بالتقويض والتشريح والتفكيك، وتنتقد النظريات العلمية والوضعية التي أهملت الإنسان والذات والمجتمع والمصلحة الاجتماعية والقيم الأخلاقية، واعتبرت الإنسان موضوعا مشيأ، تتحكم فيه الحتميات الجبرية، وأنه لاقوة له ولافاعلية في صنع التاريخ أو تغيير المجتمع. ومن ثم، فقد جاءت النظرية النقدية لتصحيح أوضاع المجتمع وتغييرها بتعرية المؤسسات الرأسمالية المهيمنة، وفضح أوهامها الإيديولوجية، وتطوير المفاهيم الماركسية في ثوب جديد، أو إعادة صياغتها مرة أخرى كما فعل هابرماس. وقد تحققت -فعلا- قطيعة إبستمولوجية بين النظرية النقدية القديمة والنظرية النقدية الجديدة.

ويمكن القول: لقد مرت مدرسة فرانكفورت بمجموعة من المراحل، فقد انشغلت في الثلاثينيات والأربعينيات بالاشتراكية الوطنية، ومعاداة السامية، واهتمت في الخمسينيات بصناعة الثقافة، واعتنت في الستينيات بالحركات الثورية التحررية، ولاسيما ثورة الطلبة والأقليات العرقية، لتهتم في سنوات السبعين وبعدها بنظرية المعرفة، وإعادة النظر في كثير من الآراء الماركسية، وبناء أسسها من جديد، وصياغة نظرية ماركسية جديدة، والاعتناء بالقضايا السياسية والمجتمعية في ضوء النظرية النقدية. وقد ارتبط علم الاجتماع بالماركسية، ووضعت النظرية النقدية إبستمولوجيا بين الفلسفة والعلم، وخاصة مع مفكر التجديد هابرماس.

أما عن أهم الانتقادات الموجهة إلى مفكري مدرسة فرانكفورت اختلاف آرائهم من شخص إلى آخر، واختلاف توجهات مدرسة فرانكفورت لـــ(مابعد الحداثة) عن مدرسة فرانكفورت في فترة الثلاثينيات من القرن العشرين. كما استبعدت المدرسة اهتمامها بالتاريخ والاقتصاد إلى حد كبير، وانحرفت انحرافا كبيرا عن مبادىء الماركسية الكلاسكية، كما يتضح ذلك جليا عند الجيل الثاني من مفكري معهد فرانكفورت. وقد همشت النظرية النقدية الجديدة مع هابرماس الطبقة العاملة باعتبارها طبقة ثورية سياسية فاعلة ومغيرة.لذا، وصفت مدرسة فرانكفورت بأنها" ماركسية بدون بروليتاريا"[23]. ومن هنا، " يبدو أن مفهوم مدرسة فرانكفورت عن تدهور، أو تلاشي الطبقة العاملة كقوة سياسية، قدم أساسا على فكرة طوباوية وخيالية عن الثورة التي هي بأية حال الطريقة الوحيدة، أو الأكثر ماركسية، لتصور عملية الثورة الاجتماعية. وربما يكون هذا المفهوم قائما أيضا على انعكاس الخبرة الاستثنائية الأمريكية، الناجمة عن غياب طبقة عاملة منظمة سياسيا في المجتمع الأمريكي، على فكرهم، ولاسيما في حالة ماركوز."[24]

وفي هذا النطاق، يقول توم بوتومور في كتابه( مدرسة فرانكفورت): " وقد أخفقت مدرسة فرانكفورت في الالتزام بالطريقة القاطعة التي اقترحها هوركايمر للنظرية النقدية، حين ذكر أنها لا تمتلك المفاهيم والأدوات التصورية القادرة على سد الفجوة بين الحاضر والمستقبل."[25]

وفي الأخير، يمكن القول بأن النظرية النقدية في عمومها قد ابتعدت في مراحلها الأخيرة عن الماركسية التي انطلقت منها في بداياتها، بل أعلنت هذه النظرية فشلها حينما اعتبر هابرماس بأن نظرية (مابعد الحداثة) حالة مرضية بسبب اختلال التوازن بين ماهو معنوي وماهو مادي.

 

الخاتمة:

وهكذا، نصل إلى أن النظرية النقدية هي قراءة ماركسية للمجتمع، ونقد للنظرية العلمية والوضعية التي أهملت الإنسان والذات والتاريخ والمجتمع والأخلاق. ومن ثم، تعمل النظرية النقدية على تنوير المرء الملتزم، وتنويره عقلانيا وذهنيا، وانتقاد الاغتراب في المجتمع الرأسمالي، وإدانة فكرة التشييء والاستلاب والقمع الآلي. ومن ثم، تستند النظرية النقدية، في قراءتها للأدب والفن والمجتمع، إلى مفاهيم النقد المراكسي الكلاسكي أو الماركسية المعدلة في نظرية هابرماس. ويمكن أن نحدد مجموعة من المراحل التي قطعتها النظرية النقدية الجديدة، فكان هناك في البداية اهتمام بنقد الوضعية العلمية ومعاداة الفكرة السامية. وبعد ذلك، انتقل الاهتمام إلى المجال الثقافي مع ماركوز، ليتم الإنصات إلى الحركات الثورية الطلابية والأقليات الممضطهدة، لتتخذ النظرية النقدية توجها جديا مع هابرماس، حيث بدأت النظرية النقدية الجديدة تقدم تصورات مختلفة حول المجتمع، متأرجحة في ذلك بين الفلسفة والعلم. كما أعيدت صياغة الماركسية من جديد على أسس علمية وسياسية واجتماعية مابعد حداثية، لتنتهي النظرية النقدية بالثورة على (مابعد الحداثة) نفسها، حينما وقع اختلال مجتمعي وحضاري بين القيم المادية والقيم المعنوية، فترتب على ذلك أن أصبحت (مابعد الحداثة) حالة مرضية مأساوية.

 

د. جميل حمداوي

......................

[1] - توم بوتومور: مدرسة فرانكفورت، ص:13.

[2] - انظر: د.سعد البازعي وميجان الرويلي: نفسه،ص:200.

[3] - توم بوتومور: نفسه، ص:206.

[4] - توم بوتومور: نفسه، ص:206-207.

[5] - توم بوتومور: نفسه، ص:207.

[6] - توم بوتومور: نفسه، ص:212-213.

[7] - توم بوتومور: نفسه، ص:213.

[8]- توم بوتومور: نفسه، ص:44-45.

[9] - توم بوتومور: نفسه،ص:83.

[10] - توم بوتومور: نفسه، ص:88.

[11] - توم بوتومور: نفسه، ص:188.

[12]- ديفيد كارتر: نفسه، ص:63.

[13] - توم بوتومور: نفسه، ص:88-89.

[14] - تيري إيجلتون: الماركسية والنقد الأدبي، ترجمة: جابر عصفور، منشورات عيون المقالات، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثانية 1986م، ص:62.

[15]- تيري إيجلتون: الماركسية والنقد الأدبي، ص:63-64.

[16] - توم بوتومور: نفسه، ص:52.

[17] - توم بوتومور: نفسه، ص:160.

[18] - توم بوتومور: المرجع السابق، ص:116.

[19] - توم بوتومور: نفسه، ص:125.

[20] - توم بوتومور: نفسه، ص:147.

[21] - توم بوتومور: نفسه،ص:160-161.

[22] - توم بوتومور: نفسه،ص:162-163.

[23] - توم بوتومور: نفسه، ص:133.

[24] - توم بوتومور: نفسه،ص:105-136.

[25]- توم بوتومور: نفسه،ص:207.

zouhair khouildiتعاني الديمقراطية عند العرب من عدة أمراض أهمها تأثير مراكز النفوذ واستفحال الفساد والعجز عن الفعل ولذلك تقترح الفلسفة السياسية المعاصرة التوقي بالشفافية ضد الفساد والإعلام الاستقصائي باعتباره سلطة رابعة تقوم بوظيفة المراقبة والتشهير والملاحقة والترصد والفضح والمجاهرة بالحقيقة في وجه السلطة المالية والتقليدية والسياسية وتنظر الى الديمقراطية الآتية التي تتماشى مع روح العصور القادمة.

المرض الأول الذي تعاني منه الديمقراطية العربية - ان وُجِدَت- هو اختراق مراكز النفوذ المالي مواقع اتخاذ القرار والسيطرة البيروقراطية على المؤسسات واحتكار آليات التنظيم الاداري وتكوين مجموعات ضغط عالية تمارس نوع من الهيمنة الناعمة والذكية على النشاط الاقتصادي بالتحكم في المشهد السياسي وتتسبب في تفجر صراعات وانقسامات اجتماعية نتيجة تضارب المصالح وتغير المعطيات والتوجهات.

المرض الثاني الذي أصابت جرثومته الجسد السياسي العربي وجعلته في حالة ممانعة تلقائية للديمقراطية هو الفساد ويظهر ذلك في الولاء والمحسوبية والرشوة والوصولية والانتهازية واصطياد الفرص المواتية وحصد المواقع عن طريق اتقان فنون المضاربة والمقاولة والمزايدة والبروباغاندا والديماغوجيا والإلهاء. لقد تحول الفساد الى جدار سميك يمنع الكائن الديمقراطي العربي الوليد من استنشاق هواء الحرية والحق ويتعود على واقع العنف والكذب والغبار الملوث وانتشار السمسرة والزبونية والسلعنة والهدر والفوات.

المرض الثالث الذي تحول الى خلل بنيوي وإعاقة دائمة يتعلق بحالة العجز المستمر على القيام الذاتي وتحقيق وثبة الاستمرار والديمومة والبقاء والاحتفاظ والمبادرة بالفعل والابتكار والخلق والإبداع ولذلك ظل الساسة العرب مقعدين مقلدين و يؤثرون الخطابة والسفسطة والتحشيد على المناظرة والمبارزة. كيف تواجه السياسة العربية لامعقولية الفساد؟ومن يقوم بمهمة الطبيب المعالج للأمراض السياسية ؟ هل الحاكم الأصلي أم المعارض المناضل؟ وأي دور يلعبه المتحزب السياسي والناشط الحقوقي في المجتمع المدني؟

من المرجح أن تكون هيمنة عقلية الهبة واقتصاد العطاء على المعاملات سبب انتشار الفساد في الأجهزة الإدارية للدول العربية ، وقد يؤدي تقديم يد العون والمساعدة الى الاخلال بالنسق العادي للتنظيم الاداري وبروز تفاوت في التعامل وفي قضاء الحاجات بين المواطنين وعدم التكافؤ الفرص في نظام المبادلات.

أما الضغوط القوية الذي تمارسها الشخصيات الفاعلة في مراكز النفوذ على السياسيين والإعلاميين والخبراء والإداريين فإنها قد تؤثر في طبيعة القرارات السياسية ونجاعتها وقد يسرع في تنفيذها أو يحول دون الالتزام به عند التطبيق وقد يعرقل عملية ترجمة التدابير على صعيد الواقع ويدخل الاضطراب على السير العادي للأجهزة والمؤسسات ويتم توجيهها واستخدامها في سبيل تحقيق مصالح مجموعة ضيقة.

علاوة على ذلك تشكل القوانين والدساتير نقطة الضعف في النظام الديمقراطي ولا يعود ذلك الى التلاعب بها وإخضاعها لمشيئة الحكام وأهوائهم بالتعديل والتغيير وفق الظروف والتوازنات والمصالح وإنما الى صعوبة الالتزام بها عند التطبيق والتقيّد بروحها وحسن قراءة النصوص التشريعية واتباعها بحذافيرها في الممارسة العادية وإخضاع تفاصيل الحياة اليومية بتعقيداتها وتحولاتها الى منظومة الجزاء والردع.

غني عن البيان أن مقاومة الفساد في المجتمع مرتبطة بتقوية النظام الديمقراطي وتركيز مؤسساته بشكل علمي وعقلاني في المجتمع وعدم الوقوع في الخلط بين الاجراءات الادارية والتبادلات الاقتصادية وتفادي تفجر تضارب المصالح وايثار المشترك والعمومي والوطني على الخاص والفردي وما أقل وما بعد الوطني وصنع التناغم بين القاعدة الشعبية العريضة والقرار السياسي المتخذ وبين السياسي والشارع.

من المفروض أن يتم التنبيه على أن الديمقراطية كما تم تصديرها إلى الديار العربية بالقوة والإكراه قد أصبحت خطيرة وأفضت إلى نتائج كارثية وانقلبت على الأمة بالوبال والتدمير وبالتالي آن الأوان للشروع في تفكيك هذا التراث الديمقراطي الغربي الموروث عن الحركات البرجوازية الإصلاحية والتي تم تعديلها بعد بروز العولمة وطغيان النزعات الامبريالية المتسترة وراء رداء كونية حقوق الإنسان وثقافة المواطنة. لقد اتضح بعد تاريخ طويل أن الفكرة المشتركة التي أنتجتها العقلانية الغربية عن الديمقراطية قد استنفذت واستهلكت ما تبقى من نفسها وأن المكونات النظرية والعملية قد أفرغت من مضمونها وفقدت بريقها ولم تعد كافية لمواصلة ريادة البشرية والتبشير بالوفرة والرخاء والأمان بوصفها جنة موعودة على الأرض. يعني تفكيك الديمقراطية التساؤل عن المسلمات السياسية الثاوية في النزعات الثقافية المتمركزة حول العرق واللغة والدين والإقليم والكشف عن استراتيجيات الهيمنة في خطاب الذات العارفة والحاسبة 1[1].

ينبغي تحمل المسؤولية الفلسفية في الكشف عن رذائل الديمقراطية والتحلي بالوعي الضروري لتشخيص الأمراض السياسية لمثل هذا التقليد الذي ابتكره العقل الغربي في زمن التوسع والإرادة الغازية للكوكب. ويجب الإقرار بأن الديمقراطية ليست فحسب نمطا في الحكم يقره نظام سياسي معين ولا تنظيما للمجتمع بل هي وعد بالتنوير ينسخ الاتباعية والجهل والوصاية بالنسبة للجمهور وبالتالي أصبحت غير مطابقة لروح العصر ومطالب الناس في العدالة والمساواة والحقوق والحريات والاعتراف والاندماج والتقدير.

تتكون الديمقراطية من بنية الوعد والعلاقة مع الغيرية ويمثل الحقل السياسي مكان الظهور وما يسمح بالحضور أمام الذات ولكن الكل يتوقف على فهم المفارقة السياسية التي تقر بأن الامتياز الديمقراطي لا يحضر إلا بالضياع في العمومية والمثالية وأن السياسي لا ينخرط في الفعل إلا بإطلاق الوعود اليوتوبية.

في هذا المقام يمكن التأليف بين الحلم الماركسي بمجتمع بلا تفاوت وبلا صراع بين الطبقات وبين المقترح الذي بلوره جاك دريدا حول انتظار الديمقراطية الآتية التي تؤلف بين المحبة النابعة من الوعود التأسيسية لللاّهوت الفلسفي وبين الجمهورية بوصفها مكان إجراء المفاوضات وإبرام الاتفاقات بين القوى الفاعلة. يقال أن البديل الديمقراطي هو أقل الأنظمة السياسية سوء وأننا لا يمكن أن نقارنه بالحكم الفردي المطلق والاستبداد الأغلبي الأوليغراشي والنظم الملكية التوريثية المغلقة والتصورات الفوضوية والنزعات اللاّسلطوية، ولكن يقال أيضا أن الحكم الديمقراطي غالبا ما يكون مطية لوصول قوى غير ديمقراطية للحكم وتنتهي بالعنف وتهيمن أقلية ويسود العقل الحسابي والبراغماتية المشوهة والميكيافلية السلطوية.

لا مناص من استبدال السياسة بالسياسي ومنح الفعل السياسي مرتبة القاعدة الإستراتيجية والبروتوكول الشرفي للظهور في المشهد العمومي القادم والتوجه نحو إعادة بناء وتشكيل الفكر السياسي المستقبلي.

في هذا السياق يجب أن تولد ملحمة سياسية تعلن قيام المقاومة ضد الشمولية وتفشي الإرهاب والعنصرية والعولمة المتوحشة والبيروقراطية الإدارية والتصدي لهيمنة الخبراء والتكنوقراط على المؤسسات العامة.

من الضروري القيام بقفزة على القواعد القديمة التي تدعي الموضوعية والحضور في السياسة وممارسة الظهور من خلال اللعب خارج كل منطق سياسي ونسق حقوقي والتحرك ضمن الإمكانيات المقتدر عليها.

إذا كانت الفلسفة السياسية تتراوح بين الأنطوثيولوجيا والأسكاتولوجيا واذا كان شغل التفكيك هو تجربة المستحيل فإن الديمقراطية الآتية هي بناء للممكن ضمن مسطح محايثة يسمح للأمل السعيد بأن يشرق. فكيف يتحول البارديغم الديمقراطي العربي من سياسة المستحيل في ظل تفشي أمراض الفساد والاحتكار والهشاشة إلى تجربة منفتحة على الحدوث تضع حدا للحاضر المحدود والمنقلب على السياسة المهترئة؟

 

المرجع:

Derrida (Jacques), Politique et amitié, entretiens avec Michael Sprinker sur Marx et Althusser, édition Galilée, Paris,2011, p.99.

كاتب فلسفي

 

 

............................

[1] Derrida (Jacques), Politique et amitié, entretiens avec Michael Sprinker sur Marx et Althusser, édition Galilée, Paris,2011, p.99.

يعود الاكتشاف الحقيقي لفكرة اللاشعور إلى العالم النمساوي سيجموند فرويد. فهو أول من اعتقد بوجود عالم آخر غير ما نعهده من عالمنا النفسي المعبر عنه بالوعي والشعور. ورغم أن هناك من اعتبر نظريته مقتبسة من العالم بيير جانيه، لكن هذا الأخير لم يعول على تلك الفكرة كحقيقة مستقلة عن عالم الشعور، لذا أعاب عليه فرويد كونه اتخذ الفكرة بنحو المجاز لا الحقيقة. وقد أدرك الفلاسفة المعاصرون بداية القرن العشرين ما في نظرية فرويد من جدة وخطورة، لذلك انكروا عليه هذه النزعة الجديدة، فهم لا يفرقون بين الخصائص النفسية والشعورية، فما هو نفسي هو شعوري، والعكس صحيح أيضاً، وبالتالي لا مجال للقول بوجود عالم نفسي آخر يتصف باللاشعور، فكيف إذا ما افترضه فرويد بأنه يشكل الأساس النفسي، وهو أوسع وأعمق غوراً مقارنة بالشعور[1].

وأغلب ما يتعلق بمذهب فرويد في هذا المجال يدور حول (الكبت) كمرض عصابي، حتى جعله النموذج الفعلي للاشعور، فكما يعترف أن مفهومه للاشعور مستمد من نظرية الكبت[2]، وأن الأخير منبع جميع الانحرافات الجنسية، فهو أشبه بإناء محكم الغلق مملوء بالماء ومن تحته نار، فإذا لم يجد مخرجاً انفجر، أو إنه أشبه بماء يجري في قناة أصابها العطب فانسدت في مجراها، فيطفح الماء على السطح ويغمر المكان، وبالتالي إذا لم تجد الحياة الطبيعية مجراها السليم فسيتولد الانحراف وتأتي النتائج عكسية[3]. ويجد الكبت شيئاً من المتنفس عنه لدى الأحلام، حيث الأخيرة تعبير عن الرغبة المكبوتة، وكل رغبة تنبجس في الأحلام لا بد ان تكون رغبة طفلية[4].

هكذا فالذي يطّلع على نظرية فرويد في اللاشعور يجدها تدور حول عقدة الكبت، خصوصاً وان استنتاجاته مبنية على الأمراض العصابية، حتى أقرّ بأن أبحاثه في علم الأمراض قد دفعته وأتباعه إلى تركيز كل اهتماماتهم على ما هو مكبوت. فنظريته العامة مستمدة من علم الأمراض، إذ تنبجس الأعراض المرضية على المستوى السطحي للجهاز العقلي، وهو المستوى الوحيد الخاضع للمعرفة العلمية[5].

وفي البدء كان فرويد يعرّف طريقته في معالجة التحليل النفسي بأنها لا تتضمن إلا تبادل الحديث بين المحلل الطبيب والمريض، إذ يتكلم المريض ويروي أحداث حياته الماضية وانطباعاته الحاضرة، ويتشكى ويعترف برغباته وانفعالاته. ويسعى الطبيب إلى توجيه مسار أفكار المريض ويوقظ ذكرياته، ويوجه انتباهه في وجهة معينة، ويقدّم له تفسيرات، ويرصد ما يثيره فيه من ردود فعل تنمّ عن فهم أو عدم فهم[6]. لكن فرويد استدرك فيما بعد بأن هذه الطريقة لم تحقق ما يرجى، فعمل على تغييرها بأن يطلب من المريض ان يستسلم لعملية التداعي الحر، وهو ان يذكر كل ما يخطر في ذهنه من دون توجيه. وأقرّ بأن عملية التداعي الحر قد حققت النجاح في تحول الأمور المكبوتة من اللاشعور إلى الشعور.

وترتبط نظرية الكبت لديه بعقدة أوديب. وتعود هذه التسمية إلى اسطورة اغريقية استعارها هذا العالم لايضاح ما جاء به من فكرة. وتقول الاسطورة بأنه كان هناك ملك اسمه أوديب قد قتل أباه وتزوج بأمه دون أن يعرف أنهما والديه، ولما عرف بعد ذلك انتابته لوثة عقلية ففقأ عينيه وهجر المدينة إلى الفيافي، وراح يعيش بين الجبال من دون عقل، لذلك صارت هذه الكلمة تطلق على كل مريض شديد التعلق بأمه[7]. فهي تتضمن الكبت والتناقض بين إظهار الرغبة الجنسية اتجاه الأم من جهة، وفعل الضمير الذي ينهى عن ذلك من جهة ثانية.

ويتخذ الضمير هنا دور الأوامر والنواهي، ويتمثل في الأساس بوظيفة الأب ضمن النظام البطريكي، فهو مصدر السلطة والنهي والطابو المعارض للرغبات الجنسية اللاشعورية المتمثلة بما يطلق عليه فرويد (الهو). لذلك كانت عقدة أوديب أقرب علاقة بالأب منه إلى الأم.. ويتضح هذا الحال من محاولة صاحبنا تأويل بعض البيانات الانثروبولوجية لما كانت تفعله قبائل البشر القديمة. فقد تعرّض إلى هذه القضية بشكل مفصل في كتابه (الطوطم والحرام) ثم عاد إلى اختصارها في كتاب (حياتي والتحليل النفسي).

فلقد استعان في هذا المجال بداروين الذي افترض بأن الناس في الأصل كانوا يعيشون بهيئة قبائل، ترزح كل واحدة منها تحت سيطرة رجل قوي عنيف غيور على نسائه كما تفعل قرود الغورلا، لذا خطر في بال فرويد الرؤيا المفترضة التالية:

في قديم الزمان كان رئيس القبيلة طاغية لا حد لسلطانه، فقد استولى لنفسه على جميع النساء، ومنهن النساء المحارم، وحيث ان أولاده كانوا غرماء خطراً عليه فقد قتلهم أو نفاهم. بيد ان الأبناء تجمعوا ذات يوم وائتمروا على ان يقهروا أباهم ويغتالوه ثم يفترسوه، وهو الذي كان عدواً لهم ومثلاً أعلى في الوقت ذاته، وبعد أن تمّ لهم ما أرادوا دبّ الخلاف بينهم فعجزوا عن الاضطلاع بما ورثوا. ولكنهم استطاعوا تحت تأثير الاخفاق والندم ان يصلحوا ذات بينهم، وينتظموا في قبيلة من الأخوة مستعينين بقوانين الطوطمية التي تهدف إلى تجنب تكرر مثل تلك الفِعلة، وأجمعوا أمرهم على ان يتخلوا عن امتلاك النساء اللائي من أجلهن اغتالوا أباهم. وكان عليهم بعدئذ ان يلتمسوا نساءً غريبات، وذلك هو الأصل في الزواج الخارجي الذي يتصل اتصالاً وثيقاً بالطوطمية. وما وليمة الطوطم غير إحياء ذكرى الفِعلة الرهيبة التي نبع منها شعور الإنسان بالذنب (أو الخطيئة الأولى) وكانت مبدأ النظام الإجتماعي والديانة والقيود الاخلاقية في آن واحد.

لقد جاءت هذه الرؤية التأويلية لفرويد اعتماداً على البيانات الانثروبية التي قدّمها الباحثان روبرتسون سميث وفريزر، وهما من العلماء المختصين في دراسة الأساطير القديمة، واعتبر نظريته في الديانة تلقي ضوءاً على الأساس السايكولوجي للتعاليم المسيحية التي لا تزال تهتم بوليمة الطوطم مع تحريف ضئيل في شكل التناول. فقد وجد ضالته عند اطلاعه على كتاب (ديانة الساميين) للباحث روبرتسون سميث، حيث تعرّف من خلاله على ما يُعرف بوليمة الطوطم باعتبارها جزءاً رئيسياً في الديانة الطوطمية، إذ يُقتل فيها الحيوانُ الطوطمُ الذي كان من قبل مقدساً، مرة كل عام، يُقتل في مراسم خاصة على مرأى من جميع أعضاء العشيرة، ويُلتهم بدمه وعظمه ولحمه نيئاً، وهم يرتدون من الملابس ما يجعلهم على على شاكلة الطوطم الذي يحاكون حركاته وأصواته، ثم بعد ذلك يُناح عليه بحسرات وتأوهات، ويعقب الحداد احتفال كبير من البهجة والفرح، حتى انه تنفلت جميع الغرائز من عقالها. وهنا يستشف فرويد طبيعة العيد وجوهره، ويعرّفه بأنه ينشأ عن إباحة ما هو محظور في الأزمنة العادية[8].

فقد لجأ إلى تأويل هذه الطقوس الاحتفالية فاعتبر الحيوان المقدس هو الأب الذي يرأس العشيرة والذي يقوم أولاده بقتله وافتراسه بدمه ولحمه وعظمه، ومن ثم الندم والنياح عليه، وبعد ذلك البهجة والفرح. فالتهامهم للطوطم المقدس يجعلهم يعززون وحدة الهوية فيما بينهم وانهم قد امتصوا الحياة المقدسة عبر الطوطم. وهو يرى ان ذلك شبيه بما تفعله الديانة المسيحية حين تحتفل بأكل الخبز وشرب الخمر، فهما يعبّران عن الجسد والدم المقدسين للمسيح بحسب الرؤية التأويلية.

ويعترف فرويد ان مقدماته الفرضية تبدو مغرقة في الخيال، لكنه يستدرك ويراها بانها تمتاز على ما عداها من الفرضيات بانها تحقق وحدة بين السلاسل المنعزلة والمنفصلة من الظواهر ما كانت لحد الآن متوقعة. فنظرية فرويد في هذا المجال قائمة على إفتراضات داروينية، وهي تضيف إليها سلسلة من الإفتراضات العمودية، مما يجعلها مركبة بعضها على البعض الآخر، وبالتالي المزيد والايغال في التأويل.

فما من ظاهرة إلا وحاول فرويد ان يرجعها إلى التأثير الإسطوري لحادثة قتل الأب وعقدة أوديب، أو الصراع بين الأب والأبناء، فالسلطة السياسية بنظره تتقمص حالة الأب، كما ان الإله في الاديان يتقمص هو الآخر صورة الأب، وان الأتباع عندما يتخذون إطار المعارضة فان ذلك يعني تقمصاً للدور البدائي للأبناء في عزائهم مع أبيهم. أما حينما يتخذون دور الطاعة فهو يعبر عن الرهبة والاعجاب بالأب. فكل شيء يحدث في الحياة الإجتماعية يكون صنيعة هذه المسرحية الإسطورية. حتى خشية الأطفال من حيوان معين مفسّر لديه بما يعني سلطة الأب. وبحسب هذه الفرضية فلقد انتقلت السلطة من يد الأب إلى الأبناء وظلت تحت سيطرتهم مدة من الزمن، ثم عادت مرة أخرى للأب ضمن لعبة الصراع اللاشعوري بين الطرفين، حيث أخذ الأب يثأر لنفسه بعد أن قتله الأبناء[9].

إن المسلك المنهجي الذي اتبعه فرويد يعاكس ما لجأ إليه ماركس، فعوض ان يرتكز على الحاضر لفتح مغاليق الماضي المجهولة لجأ إلى قلب المعادلة من خلال الارتكاز على الماضي المجهول لتأويل الحاضر في مختلف مظاهره وأحواله.

وهناك عدد من الاعتراضات على هذه النظرية يمكن تسجيلها كالتالي:

1ـ لعل أُولى الاعتراضات عليها هو أنها ربما تكون الوحيدة بين النظريات العلمية والفلسفية ربطت مصيرها بالاستناد إلى حادثة عابرة مفترضة جعلتها الأصل المؤثر على سائر الحوادث البشرية والتكوين النفسي للإنسان تقريباً، فهي ليست نظرية حتمية وذات عامل وحيد للتفسير فحسب، بل ان غرابتها تصل إلى حد اعتبار حادثة معينة تفضي إلى ان تكون أصلاً للتوارث والتأثير على مجرى التاريخ والأجيال بلا حدود، وهو ما لم يحدث لدى أيٍّ من الحوادث البشرية مهما كانت عظيمة أو كبيرة. وكأن التاريخ قد بدأ من تلك اللحظة المشؤومة المتمثلة بجريمة القتل السوداء. وقد يصعب ان نجد ما يناظر هذه الرؤية في تأثير حادثة عابرة تقوم بصياغة التكوين النفسي للإنسان وتحديد مصيره ومستقبله من دون منازع، فهي تناظر الصورة السطحية للفهم الديني بما فعلته شجرة آدم المحرمة من سلسلة حوادث الشر والآثام المتعاقبة.

2- لقد لجأ فرويد إلى حادثة مفترضة لقبيلة ما مجهولة وصغيرة وسط قبائل بشرية كثيرة، فلا يعقل ان تكون جميع القبائل قد أصابها ما أصابها من تلك الفعلة بقتل الأولاد للأب ومن ثم تأنيب الضمير والاحتفال بالطوطم كما هو مذكور ضمن عقدة أوديب. وبالتالي فاذا كانت بعض القبائل قد أصابها ما افترضه فرويد، فكيف جاز له تعميم توريث هذه العقدة على كافة البشر، مع ان الأصول البشرية لم تشترك بجريمة تلك العقدة ولوازمها المفترضة؟

3ـ كيف يمكن تقبل ما استند إليه فرويد بتوسعة مداليل ما افترضه داروين حول غيرة رئيس القبيلة شبيهاً بما يحصل لدى قرود الغورلا؟ مع ان الأَوْلى ان يجاب على ذلك بمنطق آخر قائم على حب التملك والتسلط، فهو أقرب للصواب والقبول وفق النظرة المادية الصرفة.. فالأقوى يفكر في الاستحواذ على كل ما يمكن ان تطاله يده من النساء والأموال والعبيد وغيرها. لكن حتى في هذه الحالة فان الأقوى لا يمانع من العطاء المتفاوت لما يملك بحسب من يراه أقرب وأحب اليه، مما يفيض عليه، وسيكون العطاء للأولاد مضموناً من الناحية المبدئية بحكم عاطفة الأبوة والشفقة، وأخرى بسبب الخشية من الانقلاب عليه وقتله. وبالتالي كان لا بد من أن يعطي هامشاً حراً للبقية. ومن الناحية الواقعية ان غيرة الإنسان على النساء ليست بلا حدود، فهو لا يغار على مطلق ما يملكه من نساء عند كثرتهن، لذلك لا يمانع المالك من ان يهب الكثير من جواريه للآخرين.. انما تكون الغيرة للمقربات والمحببات اللواتي يحظين بعلاقة خاصة مع المالك. وحتى في هذه الحالة لا يبالي المالك من ترك الكثير منهن بعد ان يشبع رغباته الجنسية فيهن. بل إن البدائيين كانوا يتميزون بعادة إعارة الزوجة كنوع من الكرم الأخلاقي؛ كالذي يشير إليه ول ديورانت في (قصة الحضارة)[10]. كذلك فان طاقة المالك الجنسية والنفسية لا تتحمل الإبقاء على الأعداد الغفيرة من النساء، فكان لا بد من ان يرضي الآخرين، لا سيما المقربين منه كالأولاد مثلاً.. فعلى الأقل إن فرويد لم يكترث بالطاقة النوعية للنفس البشرية وما تتضمنه من إمكانات ورغبات وعواطف كثيرة ومتنوعة دون ان تقتصر على الجنس والعدوان.

4ـ بحسب المعطيات الانثروبية ليست هناك صورة موحدة لتعامل القبائل البدائية مع المعاشرة الجنسية، فبعض القبائل تتعامل بطريقة مشاعية من الاباحية، وبعضها تتقيد بقيود مختلفة من المنع والتحريم. وحتى الرجوع إلى الحيوانات يجد التنوع في طريقة التعامل الجنسي بين الضوابط وعدمها[11]. ويميل البعض إلى ان الأصل في المعاشرة الجنسية هو المشاع بين أفراد القبيلة، ثم ظهر التقييد بعد ذلك شيئاً فشيئاً، وكانت القيود في البداية بين الأصل والفرع، مثلما هو الحال بين الآباء والأبناء، قبل ان يتحول التحريم بين الأخوة أيضاً، وقد زادت بعض القبائل على ذلك التحريم بين الأقرباء المباشرين.

لكن يبقى ان كل ما يُذكر حول الأصول الفعلية للمعاشرة الجنسية لا يتجاوز التكهنات، خصوصاً وان للقبائل البدائية الحية أنماطاً مختلفة ومتنوعة من هذه المعاشرة، ومن بينها التحريم داخل أفراد القبيلة قاطبة، رغم أنه نادر وليس بالأمر الشائع، وعندما تختص بعض العشائر بهذا النوع من التحريم، فانها تلجأ إلى البديل المتمثل بالزاوج مع أفراد العشائر الأخرى، كالذي يجري وسط بعض القبائل الاسترالية. أما الصورة التي افترضها فرويد حول انفراد الأب أو الرئيس في المعاشرة الجنسية لنساء القبيلة دون غيره، فليس لذلك أثر واضح داخل القبائل البدائية الحية. بل هناك ما يُعرف بحق الليلة الأولى كما يذكره المؤرخ (ول ديورانت)، وهو حق كان يتمتع به الشريف في أوائل العهد الاقطاعي في أوروبا، إذ يجوز له أن يفضّ بكارة العروس قبل ان يُؤذن للعريس بمباشرة الزواج[12].

وبعبارة أخرى، حينما يتحدث فرويد عن الجنس داخل القبيلة كأنه يتحدث عنه داخل الأسرة والعائلة الواحدة وكيف تمّ التحول من جنس المحارم إلى الاقتصار على الغير؛ ليفسّر بذلك كيف ظهر ما يُعرف بتقاليد الزواج. فحادثة القتل تفترض ان الأب معني بمنع الأبناء من الاتصال بنساء القبيلة، وهو إفتراض لا يجد له مسنداً انثروبياً أو تاريخياً، فلا يُعرف لحد الآن أي أثر للاستثناء البطريكي في المعاشرة الجنسية داخل القبيلة. ولو افترضنا بأن منع الأب للأبناء لهذه المعاشرة كان محدداً بالمحارم ضمن الأسرة والعائلة الواحدة دون أن يمتد إلى سائر نساء القبيلة، ففي هذه الحالة سوف لا نجد ما يبرر لماذا وقعت جريمة القتل الإسطورية؟!

5ـ لقد قلب فرويد المعادلة حيث لجأ إلى ما هو مجهول فافترضه كأنه معلوم، ثم حاول من خلاله تفسير ما هو معلوم عبر تأويلاته للحياة البشرية، بما فيها الواضحة المعالم، لتتفق مع الإفتراض الأول. مع ان الأَوْلى هو تفسير الماضي المجهول عبر الحاضر المعلوم، ولو من خلال لحاظ الامكانات والمحالات كالذي كان يؤكد عليه المنطق الخلدوني. فمن خلال سنّة الحياة المشهودة يمكن تفسير مجاهيل الماضي.. وليس قلب الحال من الارتكاز إلى الماضي المجهول لتأويل الحاضر المعلوم.

6ـ لا تستند طريقة فرويد الإسطورية إلى فرضية واحدة بسيطة، بل إلى فرضيات كثيرة معقدة التركيب، فبعضها قائم على البعض الآخر: فمن فرضية استحواذ الأب على النساء قاطبة، إلى فرضية قتل الأب بيد الأبناء، ثم إلى اعتبار الأب رمزاً مقدساً ضمن ولائم الطوطم واحتفالاته، ومن ثم إلى فرضية نقل السلطة إلى الشراكة الأخوية بالمساواة، حتى عودتها إلى الأب من جديد. وفوق كل ذلك فرضية التشكل النفسي بعقدة أوديب نتيجة الأثر الناجم عن حادثة القتل المشار إليها سلفاً. إذ كانت الحصيلة من الإفتراضات الإسطورية الآنفة الذكر هي أن تمّ سحب القضية الانثروبية واسقاطها على التكوين النفسي للإنسان عبر شيء من التقمصات، فقد حملت النفس البشرية هذا الإرث الانثروبي فظل عالقاً بها مثل علوق خطيئة آدم وانحدارها إلى ذريته؛ كشيء محتم لا مفرّ منه.

إن الأب بحسب التقسيم الفرويدي للنفس – كما سبق عرض ذلك - يمثل الأنا الأعلى في قبال المكوّن الأساسي للنفس والمتمثل بما يطلق عليه (الهو). فكلاهما متضادان ومتطرفان إلى الحد الذي ينزع عليهما فرويد القساوة البالغة، فالأول منهما يتقمص صور الأوامر والنواهي، فيبالغ في اتباع قواعد الاخلاق. فكلما غالى الإنسان في ضبط ميوله العدوانية المتجهة نحو الآخرين، كان أناه الأعلى أكثر استبداداً، أي أكثر عدواناً.. فكلما اشتد الشخص في ضبط عدوانه كانت ميول الأنا الأعلى العدوانية التي توجه ضد أنا هذا الشخص أكثر شدة.

أما الهو فهو الجانب الغريزي الذي لا يخضع للمنطق والاعتبارات العقلية والواقعية، فهو لا يفكر بغير اشباع غريزته الجنسية وفقاً لمبدأ اللذة.

ومن الهو يتكون الأنا ومن ثم الأنا الأعلى، وهذه هي الأقسام الثلاثة للنفس لدى فرويد، حيث يتكون الأنا في الأغلب من التقمصات التي تحل محل الشحنات النفسية التي كانت تصدر عن الهو والتي قد توقفت بعد ذلك. وتتصرف أُولى هذه التقمصات دائماً باعتبارها منظمة خاصة في الأنا، وهي تتميز عن بقية الأنا بان تتخذ صورة أنا أعلى، بينما يصبح الأنا فيما بعد حينما ينمو وتشتد قوته أقدر على مقاومة تأثيرات مثل هذه التقمصات.

لقد كان الأنا الأعلى أول تقمص، وهو وريث عقدة أوديب، وقد حدث في وقت كان الأنا فيه لا يزال ضعيفاً. إذ نشأ الأنا الأعلى عن تقمص شخصية الأب باعتباره مثالاً، وكل تقمص من هذا النوع انما هو بمثابة تجرد من الغريزة الجنسية، أو بمثابة إعلاء للغريزة أيضاً. ويظهر أنه حينما يحدث تحول من هذا النوع يحدث أيضاً في نفس الوقت انفصال في الغرائز. وبعد الإعلاء لا يصبح للجزء الجنسي من الغريزة القدرة على ضم كل الجزء الهدام الذي كان منضماً إليه من قبل، فينطلق هذا الجزء في صورة ميل نحو العدوان والهدم. ويصبح هذا الانفصال في الغرائز هو السبب في ذلك الخلق العام الذي يتسم بالخشونة والقسوة اللتين يبديهما الأنا المثالي، أي هذه الأوامر الدكتاتورية التي يصدرها وهي: يجب عليك...

ويمثل الإنسان في حقيقته الهو النفسي المجهول واللاشعوري، ويوجد على سطحه الأنا الذي نما من نواته جهاز الادراك الحسي. فالأنا لا يحيط بجميع الهو، ولكنه يحيط به فقط بالقدر الذي يسمح بتكوين جهاز الادراك الحسي على سطحه، وليس الأنا منفصلاً عن الهو تمام الانفصال، وانما يندمج جزؤه الاسفل في الهو. ولكن الشيء المكبوت مندمج أيضاً في الهو، وهو في الحقيقة جزء منه. والمكبوت شيء قد فصلته عن الأنا المقاومة التي يبذلها الكبت، وهو يستطيع ان يتصل بالانا عن طريق الهو.

وإذا كانت وظيفة الهو غريزية لا تتبع العقل والمنطق، فان الأنا يحاول ان يضع مبدأ الواقع محل مبدأ اللذة الذي يسيطر على الهو، ويلعب الادراك الحسي في الأنا نفس الدور الذي تلعبه الغريزة في الهو. ويمثل الأنا ما نسميه الحكمة وسلامة العقل، على خلاف الهو الذي يحوي الانفعالات. ويقوم الأنا بنفس الطريقة بتنفيذ رغبات الهو كأنها رغباته الخاصة. فهو الذي يقوم بتحوير نزعة الهو نحو أشكال أخرى من الليبيدو والإلتفاف على الأنا الأعلى بالعمل خارج اطار النهي والتحريم. وتقوم جميع خبرات الحياة التي تصدر من الخارج بزيادة ثروة الأنا، أما الهو فعالم خارجي آخر بالنسبة إلى الأنا، وهو يسعى لكي يخضعه لسلطته.

إن التحليل النفسي عبارة عن وسيلة تمكن الأنا من زيادة سيطرته على الهو.. إن الأنا مخلوق ضعيف يقوم بخدمة أسياد ثلاثة، وهو مهدد تبعاً لذلك بثلاثة أخطار مختلفة: من العالم الخارجي، ومن ليبيدو الهو، ومن قسوة الأنا الأعلى. والأنا يحاول ان يتوسط بين العالم والهو، وأن يجعل الهو يسلم بمقتضيات العالم. والأنا ليس فقط حليف الهو، وإنما أيضاً عبد مستسلم يطلب حب سيده، وهو يحاول ان يظل على صلات طيبة مع الهو كلما كان ذلك ممكناً، وهو يسدل ستار التبريرات القبل شعورية على الرغبات اللاشعورية الخاصة بالهو. والأنا يقوم باخفاء صراعات الهو مع الواقع، وبإخفاء صراعات الهو مع الأنا الأعلى أيضاً. فالأنا يتعامل وفق نهج التلفيق والإلتفاف، حيث يسعى للإلتفاف على الأنا الأعلى ليتلبس بأشكال من الليبيدو خارج إطار الطابو والتحريم الذي يفرضه الأب أو الأنا الأعلى.

فالأنا هو كالهو يخضع لتأثير الغرائز أيضاً، فليس الأنا في الواقع إلا جزءاً من الهو قد تحول بصفة خاصة[13]. وبالتالي يبقى جوهر الدافع النفسي هو ذاته لا يتغير، وهو اللذة والغريزة أو الليبيدو.

ويمكن ان نستنتج بحسب هذه النظرية بان الإنسان هو حيوان مكبوت أو مريض، فهو الوحيد من بين الكائنات يعاني من مرض الكبت بفعل الإصابة بعقدة أوديب، أو الصراع الداخلي بين الهو والأنا الأعلى والذي يتوسط بينهما الأنا للتخفيف من شدة سطوتهما المرضية قدر الامكان، ومنه ينشأ الابداع والتطور الحضاري.

ويلاحظ ان فكرة اللاشعور تأسست طبقاً لحالة المرض العصابي المتمثل بالكبت، كما انها اقترنت بإفتراضات إسطورية يراد منها تأكيد التأصل المرضي للإنسان.. ولم يكن هناك مجال للبحث إن كانت التقسيمات النفسية التي يصطحبها المرض الكبتي قد نتجت بفعل الإرث الإسطوري الطوطمي، أم ان العكس هو الصحيح.. فيبدو من نظرية فرويد ان الإرث هو الأساس في الموضوع وفق ما أكد عليه من ظهور التقمصات النفسية للدور الإسطوري الذي كان يمثله الأب أو رئيس القبيلة في قديم الزمان..

وقد يكون من الواجب الفصل بين فكرة اللاشعور وبين جميع المضامين المرضية والإسطورية المذكورة حولها. فعالم اللاشعور أوسع مجالاً من الحالات المرضية، ونجد لذلك بعض الاشارات التي قدمها كارل يونغ بهذا المجال، فهو يرى ان نظرية فرويد ومثلها نظرية أدلر لا تختلفان الا بالتفاصيل، لكنهما يشتركان في صب الاهتمام على وجود عقدة نفسية عامة دفينة في اللاشعور النفسي، أياً كانت هذه العقدة سواء تتعلق بالليبيدو الجنسي، أو بحب السيطرة والشعور بالنقص كما يفترض ذلك أدلر. فلدى يونغ ان كل ما يتعلق بالكبت يدخل ضمن نطاق اللاشعور الشخصي، لكن يضاف إلى ذلك وجود طبقات أعمق من الصفات والخصائص المشتركة العامة، وتندرج ضمن عنوان (اللاوعي الجمعي)، وهو إرث الإنسانية جمعاء[14]. وبعبارة أخرى ان دائرة اللاوعي الجمعي لدى يونغ لا تشتمل على المكتسبات الشخصية الخاصة بأنانا الفردية كما في الكبت، بل على المضامين الناتجة عن الامكانات الموروثة من الوظيفة النفسية بشكل عام. فهو يتألف من مضامين من غير اعتبار الحقبة التاريخية أو الفئة الإجتماعية أو الأثنية، وهذه المضامين هي مستودع ومخزن ردود الأفعال النموذجية للبشرية انطلاقاً من الأزمنة البدائية وبلوغاً إلى الأوضاع البشرية الشاملة أو العالمية، كالخوف والاحساس بالخطر، والصراع ضد السلطة العليا، والعلاقات بين الجنسين، وبين الأبناء وآبائهم، والكراهية والحب، والولادة والموت، وهيمنة المبدأ المضيء أو المظلم.. الخ[15].

ولئن كان الجنس بنظر فرويد، وإرادة القوة بنظر أدلر، المبدأ التفسيري الرئيسي للحياة الإنسانية قاطبة، فان ما يعول عليه يونغ هو وجود محرضات نفسية أخرى تتساوى أهمية مع هذين العاملين. فهو يرفض ان يجعل من عنصر واحد المصدر الوحيد لكل الاضطرابات النفسية، بل يرى ان النفس البشرية تختص بالحاجة الروحية والفطرة الدينية. وتشكل هذه النقطة حجر الزاوية الأساس من نظريته. وكما يقول: «يظهر الفعل الروحي في النفس وكأنه غريزة أو فطرة، كأنه عاطفة حقيقية، فهو مبدأ فريد وفذ». وبالتالي فالروح ليست ظاهرة ثانوية، بل هي أساس كل شكل نفسي وربما كل شكل فيزيائي أيضاً.

من هنا يقدّم علم النفس اليونغي تماثلات وثيقة بالفيزياء النظرية، خاصة فيما يتصل بالجانب الصوفي لهما. إضافة إلى ان كلاً منهما يحمل فروضاً تبدو متناقضة، بل وان تعبيرات يونغ حول عدم قدرة التجارب ان تعطينا ما يكفي من المعلومات والبيانات هي مثل تعابير الفيزيائيين حول ذلك، فكلاهما يعترف بأن هناك حداً تنتهي فيه المعرفة التجريبية لتبدأ الميتافيزياء[16].

وفي النهاية نقول إنه لا مسوّغ لجعل المرض الكبتي ملازماً لنشأة الإنسان بفعل الصراع الداخلي المفترض بين أقسام النفس الثلاثة، وأيضاً لا دليل على كون المكبوت قد نجم عن الإرث الإسطوري الذي يحدثنا حوله فرويد. ولو صح ما يقوله الأخير لكان يدخل ضمن اطار (اللاوعي الجمعي) كالذي يطلق عليه يونغ. لكن مع هذا فان فرويد يعترف بوجود هامش لبعض القضايا اللاشعورية خارج نطاق المرض والعصاب الكبتي..

وبالتالي كان لا بد من أن نحتفظ بفكرة اللاشعور ونتعامل مع حالاتها وفق أفق رحب لا علاقة له في الغالب بالمرض ولا بالأساطير المفترضة.

 

[1] سيجموند فرويد: حياتي والتحليل النفسي، ترجمة مصطفى زيور وعبد المنعم المليجي، دار المعارف القاهرة، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[2] سيجمند فرويد: الأنا والهو، ترجمة محمد عثمان نجاتي، دار الشروق، الطبعة الرابعة، 1402هـ ـ 1982م، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[3] سيجموند فرويد ووليم شتيكل: الكبت، ترجمة علي السيد حضاره، مكتبة الشعبية، القاهرة، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[4] سيجموند فرويد: تفسير الأحلام، ترجمة مصطفى صفوان، مراجعة مصطفى زيور، دار المعارف، القاهرة، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[5] فرويد: الأنا والهو.

[6] فرويد: مدخل إلى التحليل النفسي.

[7] فرويد وشتيكل: الكبت.

[8] فرويد: حياتي والتحليل النفسي. والطوطم والحرام، ترجمة جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، عن مكتبة المصطفى الإلكترونية www.al-mostafa.com.

[9] فرويد: الطوطم والحرام.

[10] ول ديورانت: قصة الحضارة، ج1، ترجمة زكي نجيب محمود.

[11] انظر حول الزواج في التراث الشرقي المصدر السابق.

[12] نفس المصدر.

[13] انظر حول ما سبق: فرويد: الأنا والهو.

[14] كارل يونغ: جدلية الأنا واللاوعي، ترجمة نبيل محسن، دار الحوار للنشر، اللاذقية، سوريا، الطبعة الأولى، 1997م، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[15] يولاند جاكوبي: علم النفس اليونغي، ترجمة ندره اليازجي، الاهالي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، الطبعة الاولى، 1993م، عن مكتبة الموقع الالكتروني: www.4shared.com.

[16] علم النفس اليونغي.

akeel alabodالتاريخ صناعة بشرية لهاعلاقة بحركة ذلك الامتداد من الزمان، والانسان هواللغة الحية والأداة التي بها تصنع الحضارات، وعبرها تتجسد مواقف الملوك، وثقافات الاساطير، وحكايات الامم.

البدايات سطور تعلَّمَ الناس منها اصول الكتابة واحكام الكلام، وذلك ماضٍ جند العظماء والعلماء ذواتهم وحيواتهم لأجله، فبنوا قصورالحكمة والمعرفة، حتى سادالخيروعم العدل والصلاح، واماالحاضرفزمان، تم اقتياده غصبا بإمرةٍ من اصحاب القوة والسلطان، حيث وفقا لمصالحهم تدار البلاد، كما نراه اليوم بقيادة هذه اللاتوافقات الضالة من المتآمرين والمنتفعين، لذلك حيث بما انه لم تعد هنالك حكومة تصلح للعباد، ضاع ما ضاع ، وانتهكت حقوق الناس وعم الفساد؛سرقت الموارد، واستنزفت الثروات، والمشهد مسرح واسطورة يتم إغتصابهما كل يوم؛حاكم يسرق باسم السلطة، وقاتل يذبح باسم الدين.

لقد بتنا ندرك اننا نعيش في عصر تحكمه الخديعة وانفاق الزيف المقنع بابواق المتخمين، بل وحتى تلك العمائم التي باتت تزداد ثراءا في نفوذهاعلى حساب المستضعفين، بيد اننا لم يعد بوسعنا ان ننتفض مستنكرين، رغم اننا نموت كل يوم الف ميتة.هو اللامألوف هذا الذي نستقبحه ويحكمنا؛يندس بيننا كالشيطان، يعترض طريقنا، يسرقنا، يستفزنا، دون ان نعترض؛لقد صارمألوفا هذا اللامألوف وابتعد المألوف.

لقد تغير كل شيء فينا؛طبائعنا، علاقاتنا مع المدركات، ذائقاتنا، نظراتنا خطواتنا، ولم يبق الاانفاسناهذه التي لازالت تستنشق رين نفوسنا المتصدئة، حيث كرامتنا المفقودة، كما المروءات التي دفنت في ضمائرنا.

كانت الصباحات كما انسام الربيع تزهو بمهرجانات زقزقاتها، تؤمها الفراشات كما شاعر ينتمي الى إحساس معشوقته، ليرتشف رضاب حبها المسكون بآهات قصيدة جديدة، كانت الموضوعات تتلى مثلما لحن فيروزي يخفق خجلا، تضامنا مع قشعريرة عاشق ينتابه الشوق، ليسكن بعيداعند فضاءات بقعة من الارض مسها الاعياء.

لقد احرقت (بطاقات ليلى ومجنونها) هذا الذي اراد ان يعلمنا ذات يوم لغة الصبرولحن الوفاء.إنتماءاتنا كانت تشبه الى حد ماعلاقة موجة مطمئنة بضفاف نهرها الوديع، وأفراخ عصافيريضمها دفء امن.الالوان التي كنا ندركها لا تتجاوززرقة السماء وخضرة الشجر، مضافا اليها بهجة الشمس، وزهو القمر.

كان الربيع عندما يأتي يرتدي تاج الملوك وكانت الحمامات تستضاف عند اروقة المآذن.المسميات بحسب المألوف كانت تقوم على عناوين ثلاثة:الطبيعة، وهي بحسب تصوراتنا سماء، واسراب طيورمهاجرة، وسنابل، ونخيل وبساتين، وارض يمتزج مع ترابها رائحة الطين، هي روح تسقى من انية يملأها المطر.العائلة، وهي أب، وأم، وأبناء يجمعهم سقف، وبيت، ورغيف خبزمعجون بنكهة آلهة روحها مغموسة بالحنين.الجيران، عفة، وطهارة ونقاء؛محطة يسكنها القلب، مساحة تستكمل خطوطها وفقا لحسابات الضمير.

اليوم بعد أن أسقطت جميع العناوين، اللامألوف خارطة تستبيح لغة الدم وقتل العصافير؛محرقة ومنجنيق، مقصلة بها تستنزف لغة الخلق، مجتمعات من النساء يتم إغتصابهن وقتلهن في يوم واحد، احراق ونسف مئات من المساكن والمآذن، والآف من الانفار يجري قتلهم وترويعهم بابشع طريقة من التوحش، والة الذبح كما الفأس تحطم جميع اسوارالثقافات القديمة.

 

 

jamil hamdaouiالمقدمـة: يعد نوربرت إلياس (Norbert Elias) من أهم السوسيولوجيين الألمان، ومن كتابها المتميزين الأفذاذ. ولد سنة 1897م في بريسلو (Breslau) بألمانيا، وتوفي سنة 1990م بأمستردام بهولندة. ويتميز - سوسيولوجيا- بكتابه القيم (حول سيرورة الحضارة)، وقد ظهر في فرنسا في مجلدين تحت عنوان (حضارة القيم، وديناميكية الغرب)[1]، وأضيف إليه مجلد ثالث وهو (مجتمع البلاط). وله مؤلفات أخرى، مثل: السوسيولوجيا والتاريخ[2]، وما السوسيولوجيا؟[3]، ومجتمع الأفراد[4]، والرياضة والحضارة[5]، وموزارت: سوسيولوجيا العبقري[6]، وراء فرويد [7]، والالتزام والحياد: مدخل إلى سوسيولوجيا المعرفة[8]...

إذاً، كيف يتصور نوربرت إلياس علم الاجتماع؟ وما أهم تصوراته السوسيولوجية؟ وما أهم مفاهيمها النظرية والتطبيقية؟ وما أهم الانتقادات الموجهة إلى سوسيولوجيا نوربرت إلياس؟

هذه هي أهم التساؤلات التي سنتوقف عندها بالتحليل والدراسة والتقويم.

 

مفهــــوم السوسيولوجيا:

تهدف السوسيولوجيا،عند نوربرت إلياس، إلى دراسة الأفراد والمجتمع على حد سواء، إذ لايمكن عزل طرف عن طرف آخر. وبالتالي، تنكب السوسيولوجيا على دراسات العلاقات الموجودة بين الأفراد داخل المجتمع، إذ لايمكن دراسة الفرد بمعزل عن الجماعة أو المجتمع. كما للمجتمع وبنياته ومؤسساته تأثيرا واضحا في هؤلاء الأفراد إلى حد الجبرية والحتمية. ويعني هذا أن إلياس يوفق بين الفعل وبنية المجتمع على غرار بيير بورديو(Bourdueu)، ولوسيان كولدمان(L.Goldmann)، وجيدينز(Giddens)، وغيرهم...أي: يجمع بين الفهم والتفسير، بين الذات والموضوع، بين الحتمية والحرية، بين المنهجية الكلية لدوركايم والمنهجية الفردية لماكس فيبر. ويسمى هذا الجمع بالانبناء السوسيولوجي.

ومن جهة أخرى، تعنى السوسيولوجيا بدراسة آداب السلوك لدى الأفراد، وفهم أفعالهم وسلوكياتهم الملموسة، ورصد علاقاتهم التفاعلية التبادلية، واستجلاء مختلف التحولات التي تنتاب الأفراد على مستوى الانبناء المجتمعي، عبر سيرورة الحضارة وتغيرها من حالة إلى أخرى، في ضوء المعطيات التاريخية، والمجتمعية، والسياسية، والاقتصادية، والنفسية. ولافرق بين السوسيولوجيا والسيكولوجيا عند نوربرت إلياس، ولاسيما أن الباحث يدرس المجال العاطفي والشعوري والانفعالي والوجداني لدى الكائن الإنساني، في ضوء المقاربة السوسيولوجية.

ومن هنا، يتبنى نوربرت إلياس السوسيولوجيا التفاعلية التي ترصد مختلف العلاقات التفاعلية التي تحدث بين الأفراد فيما بينهم، في علاقة تماثلية مع بنيات المجتمع عبر الهابيتوس. وبهذا، يكون الدارس من الرواد الأوائل الذين أرسوا دعائم المدرسة التفاعلية في مجال السوسيولوجيا الألمانية إلى جانب جورج زيميل(Simmel).

 

المنهجية السوسيولوجية:

يتبنى نوربرت إلياس مقاربة سوسيولوجية توفيقية تجمع بين الفهم والتفسير، بين التصور الكلي عند إميل دوركايم والتصور الفردي عند ماكس فيبر، بين الفعل والبنية المجتمعية عبر عملية الانبناء والهابيتوس. ومن هنا، فمقاربته انبنائية بامتياز(Configuration). بمعنى أن الواقع الاجتماعي يبنى من قبل الأفراد والفاعلين المجتمعيين، بناء على خبرات ماضية مستضمرة، أو خبرات حاضرة تستمد من الحياة اليومية، أو تتكون بواسطة الهابيتوس. وتشتغل هذه الخبرات على أساس أنها جبريات لاشعورية ولاواعية. وعلى الرغم من ذلك، يقوم الأفراد بحساباتهم، ويتخذون قراراتهم. أضف إلى ذلك، أن هذه الخبرات هي عبارة عن هابيتوس مجتمعي، يتبلور في شكل خطاطات وقيم وفضائل وعوائد يتشربها الفرد انطلاقا من المجتمع (الأسرة، والشارع، والقبيلة، والوطن، والأمة...). بمعنى أن القيم تنتقل عند الأفراد من جيل إلى آخر، فيتمثلونها على أساس أنها معايير ومقاييس للتكيف والتطبع مع المجتمع.وتشكل هذه المعايير والتصرفات والسلوكيات أدوات للمراقبة الذاتية والمحاسبة الشخصية. وقد استمدها الأفراد من المجتمع ومن حياتهم اليومية على حد سواء. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن المجتمع يمارس تأثيره في الفرد. كما يمارس الفرد تأثيره في المجتمع باختياراته وقراراته وإبداعاته.

وبناء على ماسبق، يفضل السوسيولوجي الألماني نوربرت إلياس مفهومي اللعبة واللاعبين بدل الفرد والواقع الاجتماعي.أي: يشبه الواقع المجتمعي باللعبة. أما الفاعلون، فيطلق عليه مصطلح اللاعبين. بمعنى أن اللاعب عندما يحرك عنصرا من عناصر الشطرنج، فإنه يولد لدى الطرف الآخر رد فعل. وعندما يحرك الطرف المقابل عنصرا من عناصر اللعبة، يقوم الآخر برد فعل معاكس، وهكذا دواليك...

وإذا أخذنا مثال كرة القدم، فلايمكن فهم تصرفات اللاعبين وحركاتهم وسلوكياتهم إلا في سياق اللعبة، إذ تستلزم كل حركة رياضية رد فعل من اللاعب المنافس أو المقابل.

وقد تجاوز نوربرت إلياس بعض المفاهيم السوسيولوجية كمفهومي الماكرو والميكرو، فما يبدو ماكرو قد يكون ميكرو، والعكس صحيح أيضا، قد تكون العلاقة الدولية ماكرو. في حين، تكون العلاقة الوطنية ميكرو. بيد أن هذه العلاقات الوطنية قد تكون ماكرو مقارنة بالظواهر الميكروسوسولوجية الأخرى. كما يرفض الباحث المفاهيم التطورية واللاهوتية تجاه التاريخ.

علاوة على هذا، تبنى السوسيولوجيا عند نوربرت إلياس على الفهم والتفسير معا.أي: فهم تصرفات الأفراد السلوكية، والبحث عن معانيها ودلالاتها ونواياها ومقاصدها، ورصد مختلف العلاقات التفاعلية التبادلية التي تتحقق عبر عملية التواصل بين الذوات الفاعلة داخل بنية المجتمع، مع الاستعانة بالتفسير السببي لمعرفة آثار المجتمع في الأفراد. ومن ثم، تقوم منهجيته العلمية على الملاحظة الحسية، والاستعانة بالاختبارات الاجتماعية الكمية والكيفية، وربط التطبيق بالنظرية.

 

التصورا ت السوسيولوجية:

لايمكن فهم آراء نوربرت إلياس إلا باستعراض مضامين كتبه السوسيولوجية، واستجلاء قضاياها الظاهرة والمضمرة، على النحو التالي:

 

حول سيرورة الحضارة:

ينقسم كتاب (حول سيرورة الحضارة) لنوربرت إلياس- الذي صدر سنة 1939م- إلى أجزاء ثلاثة هي: حضارة آداب السلوك، ودينامية الغرب، ومجتمع البلاط. ومن ثم، فهو يعنى بتطور البنيات النفسية والذهنية والوجدانية عند الأفراد والجماعات، في علاقة تماثلية مع تطور البنيات السياسية والمجتمعية. ومن ثم، فهو ينطلق، في كتابه (حول سيرورة الحضارة)،   من سوسيولوجيا تاريخية ونفسية. ومن ثم، فهو لايتناول مفهوم الحضارة بتصورات أوزوالد شبنغلر(Oswald Spangler) أو أرنولد توينبي(Arnold Toynbee)، بل يدرس الحضارة في أوروبا الغربية بدون إيحاءات إيجابية أو قدحية. وبالتالي، فهو يعتمد على سوسيولوجيا عامة تجعل الإنسانية إطارا عاما لها. ومن ثم، فهو يجعل من الحضارة الغربية موضوعا للتفكيك السوسيولوجي.

إذاَ، يهتم الباحث بحضارة القيم في الغرب اعتمادا على النبش التاريخي والسوسيولوجي، برصد آداب السلوك في الحضارة الغربية، ابتداء من العصور الوسطى إلى غاية القرن العشرين.أي: إلى صدور هذا الكتاب في ثلاثينيات القرن الماضي. ومن هنا، فهدف الكتاب هو تحليل الحضارة الغربية، بالتركيز على العوامل الاجتماعية في زمان ومكان معينين، كدراسة الفترة الفروسية، والفترة البورجوازية، والفترة الأرستقراطية، وفترات كل من: جوته، وهنري الرابع، وفريدريك الثاني، وإيراسموس....

ومن ثم، يتتبع نوربرت إلياس آداب السلوك في أوروبا الغربية من فترة زمنية إلى آخرى، ومن مكان إلى آخر، معتمدا على السوسيولوجيا العامة، وتمثل المقارنة كالتي عقدها بين فرنسا وألمانيا على صعيد الثقافة والحضارة، أو الاعتماد على التاريخ بغية تتبع هذه القيم في مراحلها الزمنية، والاستعانة بعلم النفس لدراسة مجموعة من التصرفات الجنسية والجسدية والعاطفية والانفعالية والوجدانية.

ومن ثم، يتتبع الباحث سلوك العري الذي كان معيارا سائدا في ألمانيا في القرن السادس عشر الميلادي، إذ كانت العائلات يخرجن عارية في ذهابها إلى الحمام العمومي، رجالا ونساء وأطفالا، أو التركيز على كيفية استخدام الجسد وعرضه، والتركيز على آداب الطاولة التي كانت فيها الآداب في غاية المرونة والتساهل، وليست متشددة كما هو الحال في أيامنا هذه؛ إذ كان الشباب لايخفون صوت ضراطهم أثناء العطس، وكانوا لايستخدمون أصابعهم الثلاثة عندما يأكلون قطعة لحم من الأطباق، بل كانت تلك الأطباق تمسح بأكمام من يجلس قربهم... فقد أضحت هذه التصرفات - اليوم- عرضة للسخرية والاستهزاء.علاوة على ذلك، لم تستعمل شوكة الطعام إلا في القرن الحادي عشر من قبل حاكم فينيسيا، وقد أدان رجال الدين هذا التصرف، بيد أن هنري الثالث استخدمها بشكل عاد في بلاطه. في حين، كانت هذه الشوكة مدعاة للسخرية عند عموم الشعب.

وعليه، " بمثل هذه الأحداث والوثائق الظريفة أدخل نوربيرت إلياس في التحليل التاريخي والسوسيولوجي للغرب مفهوم حضارة آداب السلوك.يمكن للفكرة التي ظهرت في ثلاثة مجلدات، أن تختزل بشكل سهل: يوضح إلياس أن الحضارة هي مسألة آداب السلوك، وخاصة تلك المتعلقة بالقواعد الصغيرة والكبيرة التي تفرض نفسها على استخدام الجسد وإشباع الحاجات والغرائز والرغبات البشرية.غير أن هذا البعد الأخلاقي عرف تطورا ملحوظا في أوروبا بدءا من عصر النهضة، كان الإنسان القروسطي يعيش في نوع من البربرية الساذجة إلى حد ما، وفي حرية حقيقية بخصوص التعبير العنيف عن مشاعره ورغباته، ولإشباع حاجاته الأكثر مادية، دونما انشغال بنظرة الغير. وبدءا من القرن السادس عشر، شرع كل ذلك (اللياقة، وآداب الطعام، وقواعد الحياء، والحشمة) بالقوننة عن طريق نبلاء البلاط. وفي القرن الثامن عشر، استولى البورجوازيون على آداب السلوك هذه. وفي القرن التاسع عشر، بلغت الحركة أوجها وشاعت أيضا؛ كان العصر عصر الأخلاق الطهرية التي تدعى " النظافة أو العناية الصحية. هل مازلنا فيها حتى الآن؟ هذه مسألة آخرى.إذ يرى إلياس أن هذه الحركة غير المكتملة ترسم كامل التاريخ السياسي والاجتماعي والثقافي للغرب؛ بسبب أن تطور آداب الجسد هذه ناجمة عن تعميم نمط لشخصية هي شخصية نبيل بلاط."[9]

ويلاحظ إلياس أن سلطة الدولة هي المحرك الحقيقي للحضارة، فقد تحول المحاربون الإقطاعيون إلى نبلاء البلاط، وشكلوا ما يسمى بالسلطة الملكية. ومن ثم، فقد فرض الأمير أو الملك قواعد اللياقة على حاشيته والمحيطين به، ثم ترابط المجتمع عضويا ووظيفيا، بعد صعود البورجوازية، وازدياد تقسيم العمل بين أفراد المجتمع الواحد، وكانت آداب السلوك خاضعة للمراقبة الذاتية والضبط الداخلي. وفي هذا، يقول فيليب كابان(Philipe Cabin) وفرانسوا دورتييه (Jean-François Dortier):" إن تطور آداب السلوك- كما يوضح إلياس- ما كان له أن يحدث دون تدجين المحاربين، وتحويلهم إلى نبلاء في البلاط: نشاهد بالفعل بين القرنين الثاني عشر والثامن عشر، في فرنسا على الأقل، صعود السلطة الملكية، وتحول الطبقات الإقطاعية إلى نبلاء البلاط. وهناك فرضَ الأمير أثره في كامل حياة المحيطين به في البلاط" الحب، والحرب، وآداب المائدة، واللياقة، وقواعد النزاعات. وفي الوقت ذاته، كان المجتمع يغتني ويزداد تعقيدا، فأصبح الناس أكثر اعتمادا على بعضهم البعض، وارتبطوا عضويا عن طريق تقسيم العمل.ولم يعودوا يقدرون على العيش منفصلين في جماعات منغلقة على نفسها.وهنا، كما يقدر إلياس، يكمن السببان الرئيسيان لظهور أخلاق مؤسسة على السيطرة المتزايدة على الغرائز البدنية والوجدانية، في الطبقتين المهيمنتين، النبلاء والبورجوازية. لم يعد الأمر متعلقا فقط بتطبيق قواعد اللياقة والحياء والتحاشي، إنما بالوصول إلى الضبط الذاتي لكل واحد، خاصة فيما يتعلق بالاحتكاكات الجسدية والجنس والعنف."[10]

ومن ثم، فقد بلغت آداب السلوك في القرن التاسع عشر الميلادي قمة الرقي والتهذيب والتطهير الأخلاقي والمحاسبة الذاتية، إذ كان العري ممنوعا، وكان قليله يثير الضحك والسخرية بين الجميع، وكان الحديث عن الجنس مع الأطفال عيبا ورذيلة وعارا. بمعنى أن القرن التاسع عشر هو قرن الممنوعات والمقموعات والمكبوتات فيما يخص الجنس، والنظافة، واللياقة، واستخدام العنف، ولم تكن تلك المعايير الانضباطية مجرد قوانين عامة، بل تعد أيضا ثقافة. إنه قرن استبطان التهذيب. وقد كتب إلياس " أن تطور آداب السلوك في جانبه الحديث، يتصف باستبطان متزايد للمعايير؛ مما يجعل الآليات الاجتماعية للمنع لاضرورة لها. بالنسبة له، ليست الحضارة فقط مسألة لياقة في المجالس الرسمية ؛ فهو يعلم جيدا أن هناك ممنوعات وطقوسا معقدة قد توجد عند شعوب تعتبر بدائية.فحركة الحضارة تسير عن طريق مبادىء كونية، وتصيب وعي الفرد بالذات باختصار، لم يعد الأمر متعلقا فقط بقواعد السلوك، بل بمشاعر داخلية إحساسا بالذنب وندما، وتعيد إنتاج نفسها بنفسها، وتشبه الكبت عند فرويد."[11]

ولكن المستغرب في تصور إلياس أن عري المرأة على شاطىء البحر لايعده انقلابا في سيرورة الحضارة، وعودة إلى انعدام الحشمة والحياء والعفة، بل هو تعبير عن حرية المرأة، واستمتاع بحق المساواة في الظروف الحياتية.أما بالنسبة للآخر، فعليه أن يضبط مشاعره وسلوكياته وتصرفاته.

ويلاحظ أن كتاب (حول سيرورة الحضارة) كان ممنوعا في ألمانيا، ولكن أعيد اكتشافه في فرنسا خلال السبعينيات من القرن الماضي، و" استقبل بحماس عن طريق فرانسوا فوره (Furet)، وأندري بورغيير(Burguière)، وإمانويل لوروا لاديوري(Ladurie). وهو يعكس جهدهم الخالص كي يجعلوا من التاريخ علما للعقليات.ويجسد أيضا سوسيولوجيا تاريخية ذات هدف نظري رفيع، ويدشن شكلا لتاريخ آداب السلوك أصبح منذئذ مدرسة (انظر مثلا جورج فيغاريلو(Vigarello).

أخيرا، لقد رسم، مع احتفاظه بمسافة نقدية، لوحة للحضارة الغربية أقل نقدية بكثير من التحليل النفسي والماركسية وتجلياتهما.[12]"

وهكذا، يلاحظ أن الكاتب يدرس الحضارة الغربية في ضوء المقاربة السوسيولوجية، أو يدرس ما هو إنساني، وماهو انفعالي، وما هو وجداني عاطفي وسيكولوجي، ضمن مقاربة سوسيولوجية. ومن جهة أخرى، يدرس ماهو تاريخي ومجتمعي في ضوء مفهوم القمع أو الكبت، كما تحدث عنه سيغموند فرويد (freud) في جل كتاباته السيكولوجية.

علاوة على ذلك، يعنى نوربرت إلياس بسيوسيولوجيا الجسد في شبقيته وماديته وشهواته ونزواته وغرائزه، بالتوقف عند تقنياته على غرار دراسات السوسيولوجي مارسيل موس(M.Mauss)، وربط هذا الجسد بالعفة والعري، وعلاقة ذلك بالهابيتوس، والانبناء المجتمعي، والمراقبة الذاتية، والمحاسبة القيمية، وتصوير طبيعة المجتمع على مستوى الثقافة والحضارة. ويعني هذا أن العواطف والأهواء خاضعة للقيم والتقاليد والعادات والأعراف.

كما اهتم نوربرت إلياس بسوسيولوجيا الرياضة بإشتراك مع تلميذه إيريك دانين (Dunning)، إذ أثبت أن جميع المجتمعات، سواء القديمة منها أم الحديثة، قد عرفت الرياضة، وتتميز الرياضة مقارنة بالهوايات الأخرى بقلة العنف، على الرغم من الاحتكاك الصارم الموجود بين الأجساد الرياضية داخل مجال اللعبة. علاوة على احترام القواعد المكتوبة وغير المكتوبة التي تتحكم في اللعبة. ومن ثم، فهي تهدف إلى غرس القيم الوطنية والقومية، وتحقيق الظفر والانتصار، وتمثل القواعد، والسعي الجاد نحو الاستمتاع باللعب.

ومن ثم، فقد حلل الباحثان الظاهرة الرياضية في بعديها المزدوج: إذ يتعلق البعد الأول بالتطبيق الجسدي، و يرتبط البعد الثاني بما هو فرجوي. وهنا، يتم التركيز على الجسد باعتباره نتاج سيرورة الحضارة.

هذا، وقد انتقلت الرياضة من الألعاب التقليدية العنيفة ( الرومان) نحو ألعاب تحد من العنف والعدوان. بل يمكن القول :إن الهابيتوس الرياضي لايقتصر على اللعبة في مجالها الداخلي فحسب، بل يمتد هذا الهابيتوس حتى خارج هذا المجال على مستوى السلوك والتصرف والتطبع الاجتماعي.

 

ثنائية الالتزام والحياد:

استعمل نوربرت إلياس، في كتابه (مدخل إلى سوسيولوجيا المعرفة)، مفهومي الالتزام والحياد، ويحيل المفهومان معا على ثنائية الذاتية والموضوعية. ويعني هذا أن الدارس يبحث عن الطريقة التي ينبغي أن يتعامل بها السوسيولوجي مع الظواهر المجتمعية، فهل سيبقى محايدا أم يدخل ذاته في البحث؟

ويحيلنا هذا أيضا على إشكالية عويصة في العلوم الإنسانية، هل يمكن التعامل معها على الأساس الوضعي التفسيري؟ أم على الأساس التفهمي الروحي ؟ أم على أساس الجمع بين الفهم والتفسير على حد سواء ؟

ويعني هذا أن الحياد يستلزم الموضوعية في البحث السوسيولوجي.أما الالتزام، فيعني إدخال الذات أثناء التعامل مع الظواهر المجتمعية.

وفي الحقيقة، يتضمن كل سلوك جانبا من الموضوعية الحيادية، وجانبا من التدخل الذاتي (الالتزام).أي: يمكن دراسة الفرد في ضوء المقاربة السوسيوتاريخية، بغية فهم كيف يتطور سلوكه أو فعله المجتمعي عبر التاريخ، ضمن سيرورة الحضارة، ورصد مختلف العلاقات التفاعلية بين الأفراد في علاقتهم مع محيطهم وبيئتهم.

ومن ثم، يوفق نوربرت إلياس بين الفهم والتفسير، ويرفض دراسة الظواهر المجتمعية تفسيرا علميا ووضعيا فحسب، بالاعتماد على التفسير والمقارنة والتكميم الرياضي أو الإحصائي ؛ لأن ذلك يخلق نوعا من الحياد الوهمي.لذا، لابد من الجمع بين الذاتية والموضوعية من جهة، أو بين الفهم والتفسير من جهة أخرى.

 

مفهــــوم الهابيتوس:

لقد وظف نوربرت إلياس مصطلح الهابيتوس(Habitus) في الثلاثينيات من القرن العشرين، قبل أن يستعمله بيير بورديو في كتاباته السوسيولوجية المتنوعة. ويعني الهابيتوس عند الباحث تلك المعرفة المجتمعية المستضمرة أو المخزنة لدى الأفراد بشكل غير واع، وتتجذر مع مرور الوقت بفعل الأسرة أو المؤسسة أو الحزب أو الدولة. وبالتالي، تدل على هوية الفرد. كما تدل على هوية الجماعة . ويحيل هذا على ما يسمى بالتنشئة الاجتماعية أو التطبع أو الاندماج الاجتماعي، سواء أكان فرديا أم جماعيا.أي: تشرب الأفراد لمجموعة من المعايير والقيم والعادات المجتمعية، بفعل الاحتكاك والتطبع والتماثل مع البنيات الموضوعية. ويتميز الهابيتوس بالديمومة والتحول والتطور التاريخي، وانتقاله من جيل إلى آخر. ومن ثم، فقد ركز الباحث، في دراسته للحضارة الغربية الأوروبية، على الهابيتوس الوطني والهابيتوس الهوياتي. ويعني هذا أن كل دولة لها هابيتوس خاص، يتخذ بعدا وطنيا وهوياتيا، كما عند الألمان - مثلا-.

 

نقـــــد وتعليــــق:

خضعت آراء نوربرت إلياس لانتقادات عدة من وجهات علمية مختلفة. ففي مجال التاريخ، انتقده الباحثون في كونه أهمل فترة القرن التاسع عشر الميلادي، ولم يتعرض لها في كتابه (حول سيرورة الحضارة) بشكل دقيق وواضح. كما أن الأنتروبولوجيين ينتقدونه في موضوع الحياء والحشمة على أساس أن الباحث اعتمد على وثائق قليلة غير مناسبة في هذا المجال؛ إذ ركز على المواخير فقط للحكم على آداب السلوك في فترة زمنية ما. كما أن الأوصاف المتعلقة بالسكن المأخوذة من موسوعة ديدرو (Diderot) ومجتمع البلاط هي أوصاف متعلقة بنموذج مثالي أكثر مما هو واقعي.

وعلى العموم، تتميز مفاهيمه السوسيولوجية بالغموض، وصعوبة الفهم والاستيعاب من قبل القراء، ولاسيما مفهوم الانبناء والهابيتوس...

وقدأثبت السوسيولوجي الإنجليزي ستيفن مينل (Stephen Mennell)[13] أن نظريات نوربرت إلياس تصلح لدراسة الدول الغربية، ولكن لاتصلح لتحليل نشأة دول أمريكا الشمالية. وكذلك، لاتنطبق - في رأيي- على الدول العربية التي قامت على احترام القيم الأخلاقية، وضبط آداب التصرف وفق المنهج الإسلامي، بل يتميز المجتمع العربي والإسلامي بكونه مجتمعا محافظا تسوده الحشمة والعفة والتستر. وأكثر من هذا، لايمكن أن نعتبر عري المرأة على الشاطىء حضارة أو حرية أو ثقافة أو مساواة. وبالتالي، على الآخر أن يضبط نفسه سلوكيا وغرائزيا. بينما هذا السلوك الشائن تعبير عن مدى الإسفاف الحضاري، وانحطاط القيم، إذ يثير الاشمئزاز والفتنة والغواية، ويساعد على انتشار البغاء والإباحية وتردي الحضارة. ومن ثم، تؤدي الإباحية والرذيلة والمبالغة في الترف إلى سقوط الدول وانحطاطها، كما يقول ابن خلدون في مقدمته لعلم العمران.

ومن جهة أخرى، بقي الكتاب " من جهة علماء الاجتماع أكثر تشكيكا، وظهرت الانتقادات باكرا.هل بإمكاننا أن نجهل التهذيب وليد عصر النهضة، كما لو أنه لم يكن لعصور أخرى وقارات أخرى فترات من حضارة متقدمة؟ إذا كانت الأمم الأوروبية وحدها تملك الحياء.فما حال الآخرين؟ يجتهد إلياس في كتاب (دينامية الغرب) لتبيان أن ظهور مجتمع البلاط هو أمر مؤكد في كافة القارات.لكن ألا توجد طرائق أخرى للوصول إلى الحضارة من غير الخضوع إلى سلطة الدولة؟ ألا تصف قصص الإثنولوجيين بالتحديد وجود مجتمعات ذات طباع متمدنة مهذبة بغياب سلطة الدولة؟ "[14]

وهناك من يشكك في أطروحة العري في العصر الوسيط كما أثبتها إلياس، فقد اعتبر المؤرخ بيتر ديور(Duerr)، في كتابه ( العري والحياء)، " اللامبالاة القروسطية تجاه العري مجرد أسطورة: فالحالات التي يصفها (الحمامات، واحتفالات العراة، والتنزه في الهواء الطلق) كانت في الحقيقة استثنائية، مغموسة بالإيروسية، وترجع إلى سلوكيات منحرفة. يدعم ديور الأطروحة القائلة بأن الحياء، ولو تنوعت تبدياته، هو شعور كوني، وما من مجتمع مهما كان مستواه من البربرية يمتنع عن وضع قواعد للعري...

وإن وضع قواعد لاستخدامات الجسد (التغوط، والضراط، والتجشؤ، والبصاق، إلخ) لم يكن أبدا غائبا عن وعي الشعوب : فقبل نهاية العصر الوسيط، كانت توجد نصوص يهودية وعربية وألمانية وإنكليزية تتناول الاستخدام المناسب للتغوط (بعيدا عن نظر وسمع الآخرين، ومن المفضل ليلا بعيدا عن أعين الملائكة).إن عادة أصحاب السمو، وهم يستقبلون حاشيتهم جالسين على كرسي بيت الخلاء، والتي أقرها لويس الحادي عشر، ستكون اختراعا حديثا وتعبيرا عن التراتبية المتزايدة في العلاقات الاجتماعية. بالطبع لم يكن من المقبول أبدا بالنسبة للتابع أن يستقبل من هو أعلى منه بالطريقة ذاتها...

باختصار، شكك ديور ومؤرخون آخرون بشكل واسع أيضا، ليس بوجود تنويعات بمستوى الاحتشام المطلوب بين مجتمع وآخر، بل بأن هذا المستوى مرتبط، كما في نظرية إلياس، بظهور طبقات الحاشية، وبالتالي ظهور الدولة الحديثة."[15]

ويتبين لنا، مما سبق ذكره، بأن الثقافة عند نوربرت إلياس، تتأسس سيكولوجيا، بالمفهوم الفرويدي، على قمع الغرائز الجنسية أو الشهوانية أو الشبقية، ويعد هذا المعطى قاسما مشتركا بين جميع الحضارات. بيد أن حضارة الإسلام لم تبن على ماهو غرائزي وجنسي، بل بنيت على دك الوثنية العمياء، والدعوة إلى التوحيد الرباني. كما أن الثقافة أساسها العلم والأخلاق معا، مع حصرها في عبادة الله وحده.

ومن منظور آخر، كيف يمكن الجمع بين امرأة تلبس الحجاب الإسلامي وامرأة عارية، فهل يعني ذلك أن العارية هي التي تملك حريتها الحقيقية، بينما الأخرى لاتملكها. في حين، إن الإسلام هو الذي يقدر المرأة أيما تقدير، ويعلو بها مكانة وسموا ورفعة .

هذا، و" إن هذا الموقف الملتبس لنظرية إلياس يمكن أن يؤخذ عليه: الفرد البشري، بالشكل الذي يصفه به، مأسور في حلقة مماثلة لحلقة التحليل النفسي. مهما فعل أو لم يفعل، فإن تصرفه يعبر عن الأمر ذاته، وهو أن الثقافة تتأسس على لجم الغرائز.والحال، إما أن هذا المعطى مشترك بين كافة المجتمعات البشرية .وبالتالي، فإن تنوعه ليس شديد الدلالة، أو أن بعض المجتمعات ترتقي في هذا الطريق أعلى من غيرها بكثير. لكن هل على هذا يعتمد نجاحها وقدرتها على الـتأثير في الآخرين؟ باختصار، هل التهذيب شرط لانطلاق الحضارة الغربية أم هو مجرد أثر ثانوي؟ تترك أعمال إلياس خلفها مسائل تكفي، بأهميتها، لأن توصف بالأعمال الأكثر تحريضا في القرن العشرين."[16]

أضف إلى ذلك، فليس هناك صلة حقيقية بين دقة الآداب وانعدام العنف والجريمة في المجتمع، فقد وجدت جرائم في عصرنا المتقدم هذا على الرغم من تمثل تام لآداب السلوك. وفي هذا السياق، يقول نيكولا جورنه :" إن سيرورة الحضارة التي وصفها نوربيرت إلياس لاتظهر فقط من خلال آداب المائدة وقواعد الحياء والأخلاق الجنسية، فهي تتناول بشكل أكثر مباشرة أيضا، تراجع مستوى العنف الذي تسمح به الأخلاق العامة .القضية واضحة بين الناس، إن ضبط الحق بالقتال، ثم بالثأر الشخصي عن طريق الدولة، هو نتاج التطور في المؤسسات الذي أصبح حكرا منذ القرن الثامن عشر (راجع دينامية الغرب).ومنئذئذ وضع الاستخدام الاجتماعي للعنف الخاص تحت نظر البوليس والعدالة.ففي العصر الوسيط، كان من عادة المحاربين المتمدنين أن يبتروا أعضاء من ضحاياهم، ومن عادة العوام الذهاب للاستمتاع بعرض تنفيذ الإعدامات. وخلال سيرورة الحضارة صارت العوامل الخارجية حاسمة، لكنها انتقلت إلى آليات نفسية تحكم حساسية كل واحد.

لكن ما الذي يعنيه ما أشار إليه بعض علماء الاجتماع من تراجع الأمن في المجتمعات الحديثة والمتطورة؟ إن هذه المشكلة التي ظهرت خلال الثمانينيات، لقيت عدة أنواع من الأجوبة.يقوم الجواب الأول على التشكيك في أطروحة إلياس: ما من شيء يثبت وجود صلة ضرورية بين الدقة المتناهية في الآداب وتراجع مستوى العنف بين الأشخاص. الجانبان يتنوعان بشكل مستقل عن بعضهما البعض.وعليه، إن زيادة في الانحراف لاتعني أن تقدم الحضارة وصل إلى نهايته.والأخرى تولي أهمية إلى تقطع في سيرورة الحضارة عن طريق إضعاف نموذج الدولة الذي يفترض أيضا، بتعابير عامة، أن الدينامية المؤسساتية التي وصفها إلياس ربما قد بلغت حدا (نهاية) .ومع ذلك يرى آخرون أن العنف كشكل للعلاقة الاجتماعية قد عهد به إلى بعض أماكن النفي الاجتماعي، وبقي غريبا بالكامل عن مجمل المجتمع الذي لم يتوقف عن الخضوع للبوليس."[17]

وفي منظوري الشخصي، إن كثرة الجرائم والانحرافات بين الأفراد في المجتمع الغربي ليس راجعا إلى أفول الحضارة، ونهاية الثقافة، بل يعبر ذلك عن الفراغ الروحاني، وانقطاع سبيل التدين الحقيقي، وازدياد الشك في المعتقدات الغربية وفلسفاتها المادية والإباحية التي علبت الإنسان وشيأته، وحولته إلى رقم من الأرقام البنيوية، أو جعلته سلعة من السلع التجارية الرخيصة الثمن.

 

الخاتمــــة:

وخلاصة القول، يعد نوربرت إلياس من السوسيولوجيين الألمانيين المنسيين في الثقافة الغربية بصفة عامة، والثقافة العربية المعاصرة بصفة خاصة؛ والسبب في ذلك أن كتبه، لزمن طويل، حوصرت من قبل المؤسسات الأكاديمية الألمانية، ومن مؤسسات الطبع والنشر والتوزيع ذات التوجه السياسي النازي. ولم تترجم أعماله إلى اللغات الأجنبية، ولاسيما الفرنسية والإنجليزية، إلا في العقود الأخيرة من القرن العشرين.

هذا، وتتميز أعماله بالتحريض، والجدة، وجرأة الطرح، والانطلاق من السوسيولوجيا التاريخية، والاستعانة بالسيكولوجيا الفرويدية لتعميق مفاهيمه الاجتماعية، ولاسيما مفاهيم: الانبناء، والهابيتوس، و الحياد والالتزام...

وعليه، فأهم ما تتسم به دراساته السوسيولوجية التي تجمع بين الفهم والتفسير تركيزها على سيرورة الحضارة الغربية، والاهتمام بالجسد، ودراسة سوسيولوجيا الرياضة. ومن ثم، فهذه الأعمال الحفرية الجادة تذكرنا، بشكل من الأشكال، بأبحاث الفيلسوف ميشيل فوكو (Michel Foucault)، وأبحاث المؤرخ فرناند بروديل(Fernand Braudel)، وأبحاث السوسيولوجي بيير بورديو (Pierre Bourdieu)، على سبيل التمثيل والمقارنة والتخصيص ...

...................

الهوامش:

[1]-Norbert Elias:Sur le processus de civilisation, traduit partiellement (manquent les pages 1 à 122) et publié en deux parties :

   La Civilisation des mœurs, Calmann-Levy, 1973, puis Pocket, 2002 (traduction de Pierre Kamnitzer)

   La Dynamique de l’Occident, Calmann-Lévy, 1975, puis Pocket, 2003 (traduction de Pierre Kamnitzer).

2- Norbert Elias: La Société de cour (texte intégral) et Sociologie et histoire (inédit en français), Flammarion, 1985, puis Calmann-Lévy, 1994 (préface de Roger Chartier, traduction de Pierre Kamnitzer et Jeanne Etoré).

3- Norbert Elias: Qu'est-ce que la sociologie ? Pandora, 1981, puis Pocket, 2003 (traduction de Yasmin Hoffman)

4- Norbert Elias:La Société des individus, Fayard, 1991, puis Pocket, 2004 (avant-propos de Roger Chartier).

5- Norbert Elias: Sport et civilisation : la violence maîtrisée (avec Eric Dunning), Fayard, 1994, puis Pocket, 1998 (avant-propos de Roger Chartier, traduction de Josette Chicheportiche et Fabienne Duvigneau).

6- Norbert Elias:Mozart : sociologie d'un génie, inachevé, Seuil, 1991 (traduction de Jeanne Etoré et Bernard Lortholary).

7- Norbert Elias: Au-delà de Freud : sociologie, psychologie, psychanalyse, La Découverte, 2010 (présentation de Marc Joly, postface de Bernard Lahire, traduction de Nicolas Guilhot, Marc Joly et Valentine Meunier).

8- Norbert Elias:   Engagement et distanciation : contribution à la sociologie de la connaissance, Fayard, 1993, puis Pocket, 1998 (avant-propos de Roger Chartier, traduction de Michèle Hulin)

9- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: علم الاجتماع، ترجمة: د.إياس حسن، دار الفرقد، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2010م، ص:181-182.

10- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: علم الاجتماع، ص: 182.

11- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: نفسه، ص:183.

12- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: نفسه، ص:183.

13- Quentin Deluermoz (sous la direction de): Norbert Elias et le XXe siècle, Perrin, 2012.

14- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: نفسه، ص:184.

15- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: نفسه، ص:184-185..

16- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: نفسه، ص:185.

17- فيليب كابان وجان فرانسوا دورتيه: نفسه، ص:186-187.

 

zouhair khouildiإذا كان أدموند هوسرل قد أدخل الفنومينولوجيا إلى مجال البحث الابستيمولوجي وبحث في نظرية المعرفة ومسألة الوعي وانتهى إلى أزمة العلوم الأوروبية فإن مارتن هيدجر قد نقلها إلى المجال الأنطولوجي وجعلها منهجا بحثيا في أحوال الوجود وتفطن إلى خطورة التقنية والعقل الأداتي وأهمية الشعرية. وإذا كانت الأنثربولوجيا الفلسفية مع أرنست كاسرر والفنومينولوجيا المتعينة مع موريس مرلوبونتي قد سلكت الطريق الطويل في تقصي معنى الوجود فإن هيدجر قد اختار الطريق القصير والمباشر في العروج نحو الوجود. وإذا كان الطريق الطويل في استهداف الكائن البشري يشير إلى الأنثربولوجيا الفلسفية التي سعى إلى بنائها بول ريكور وذلك بالتعويل على ما وفرته العلوم الإنسانية من عدة منهجية وطرق اجرائية واستثمار النسق الرمزي للغة والأولوية العلمية والإيتيقية للبيولوجيا والبسيكولوجيا وما تركته الشمولية من جراحات حية وأخلاقية. فإنه على خلاف ذلك يدل الطريق القصير في استهداف الكائن البشري على الأنطولوجيا الأساسية التي أبدعها مارتن هيدجر وتمظهرت في ثوب تحليلية الدازاين بالعزوف عن استثمار نتائج واكتشافات العلوم الوضعية والصحيحة والإنسانية.

في هذا الصدد تثار الإشكاليات التالية:

ماذا يمكن أن يكون الإنسان في حياته اليومية؟ وأي وجود أصيل يمكنه بلوغه؟ وهل بقي أمرا معينا يمكن أن نذكره عنه في ظل نسيان الكينونة وطغيان النزعة العدمية؟ ما الفرق بين الوجود بصفة عامة والوجود الأصيل؟ وما الداعي إلى التمييز بين وجود الأشياء والوجود الإنساني؟ وما المقصود بالوجود الزائف؟ وكيف يمكن الارتقاء من الوجود الزائف إلى الوجود الحقيقي؟ وأين يتحقق الوجود الأصيل؟ هل في الوجود المكاني أم في الوجود الزماني؟ وماذا تضيف الزمانية إلى الدازاين؟ هل تبقى الدازاين على حالها أم يصيبها التغير والتحول؟ وماهي دوافع وضعيات القلق والجزع والعبث التي يتعرض لها وجود الإنسان؟ هل من دور للقلق في التعبير عن الوضع الإنساني؟ بأي معنى يمثل الموت البعد الأساسي للكينونة؟ وكيف للمرء أن يواجه الموت؟ ومتى يمكن الانتصار على التناهي؟ إلى أي مدى تمثل اللاّعصمة خاصية الإنسان؟ ماهو المعيار المحدد للطابع التاريخي للذات؟ وهل التاريخية هي ركام الأحداث المختلطة دون فاعلية من الكائن الإنساني؟ هل الإنسان هو نقطة التقاء بين الأحداث التاريخية أم هو ذات فعالة في صيرورة الأحداث تتدخل في صنعها؟ هل يصير الدازاين كائنا تاريخيا بالذوبان في الأحداث التاريخية المتتالية ؟ ماهي انعكاسات تدخل الماضي في البنية الزمانية للدازاين على مستقبلها ؟ ألا ينبغي أن نبحث عما يشكل الوجود الخاص للدازاين؟ إلى ماذا يقود التأويل الأنطولوجي للدازاين؟

يعبر هيدجر عن الوضعية العجيبة التي يمر بها الإنسان في الأزمنة الحديث باستثمار هذه المفارقة الفلسفية : "كلما نظم الإنسان بتصميم وإصرار مسيرته نحو التحكم بالطاقات الهائلة الضرورية لسد حاجاته إلى الأبد، كلما ضعفت قدرته على بناء إطار ماهو جوهري وضروري وعلى الاستكانة إليه."1[1]

يحاول مارتن هيدجر تحطيم التناول العلمي المموضع للإنسان والتعريف البديهي الموروث عن القدامى والذي يميزه عن بقية الكائنات بوصفه الحيوان العاقل وينقد فكرة الذات التي تزعم بأن حد الطبيعة البشرية يمكن إنارته وتوضيحه عن طريق أنثربولوجيا وضعية ذات منحى علمي وفي المقابل يلتزم بوصف فنومينولوجي لوجوده وينطلق من اندراجه في العالم ويقوم بتحليل أحواله وتجاربه وتتبعه في تجليه وتحجبه وفي إقباله وإدباره ويكشف عن فقر الإنسان بلا مقولات أساسية ودون ماهية وطبيعة ثابتة2[2]. في هذا الصدد بَيَّنَ هيدجر أن الدّازاين هو مفردة ألمانية تفيد الوجود بصفة عامة وفعل أن يكون الإنسان موجودا ولكنه منح الكائن الملقى في العالم الذي يتخذ طابعا زمانيا معنى محددا هو نمط وجود خاص بالإنسان وبرر ذلك بأن الأشياء موجودة ومستمرة وتختلف فيما بينها بينما الإنسان هو الوحيد الذي يمكن أن نقول عنه أنه كائن ويرتبط بوجوده من جهة نمط الفهم والإمكانية.

في الواقع أن يكون المرء لا يعني فقط أن يوجد مثلما توجد الأشياء التي تجهل وجودها ولا تعي ماهيتها بل يكون بالفعل ويتساءل عن معنى وجوده ويحول هذا السؤال عن وجوده إلى علاقة تكوينية مع ذاته. من هذا المنطلق لا تتطابق حقيقة الموجود البشري التي يتم الحصول عليها من خلال فهم ماذا يعني الوجود بالنسبة إلى الإنسان مع المعارف المجردة والجزئية التي تراكمها العلوم الوضعية.

على هذا النحو يعلن مارتن هيدجر انتمائه إلى المشروع الهوسرلي الناقد للعلم ويجري تحليلا للدازاين ولا يركز فيه على التصرفات الفردية وإنما يهتم بالبُنَى الأنطولوجية الكبري للوجود البشري وبعبارة أخرى يتناول الأبعاد الوجودية للإنسان. إن الخاصية الأولى التي تميز الوجود البشري هي الانفتاح على العالم وعلى كل الكائنات الأخرى طالما أن الوجود ليس ذاتا واعية ومتجردة وإنما هو الاندراج في العالم الآن وهنا واكتشاف المرء نفسه باعتباره كائن فريد وموجود متعلق بالمكان والزمان ومنتمي إلى عصر معين ومنغرس في التقاليد والتراث. بيد أن الوجود البشري يمتد باعتباره إسقاط لذاته خارج ذاته والتوجه نحو العالم وبالنظر إلى أن الوعي هو دائما وعي بشيء ما. بناء على ذلك تمثل القصدية حركة انفتاح على العالم ومحاولة للظفر بالمعنى . كما لا يشكل الوعي حالة مكتملة ومعطى أصليا بل تجربة ذهاب من الذات إلى العالم وإياب من العالم إلى الذات. كما لا يحصل الإنسان على وعي بذاته إلا من خلال إقامته لعلاقة مع العالم الذي يحيا فيه وعند لقائه بهذا العالم من خلال ذاتها عينها.

إن الإنسان يوجد معزولا بصورة اصطناعية في باطنية ذاتية ناتجة عن تفكير مجرد ولكي يلتقي بإنسانيته ويتصالح مع ذاته يكون ملزم على الخروج من ذاته والإلقاء بنفسه في العالم. هكذا يسحب هيدجر الستار عن فهم أصلي وأصيل للوجود البشري ويلغي التعريف الكلاسيكي العقلاني للذات ويقرر الكف عن تكوين تصور ماهوي عن وجودها الواعي بشكل مستمر وبصورة شفافة ومطابقة لذاتها وتحطيم ثنائية النفس والجسم والانقسام الميتافيزيقي بين المحسوس والمعقول وبين المادة والفكر. وبالتالي حلت تجربة الوجود في العالم مكان مفاهيم الحيوان العقلاني والكوجيتو والذات الحاضرة بشكل مجرد ودائم وموحد مع نفسها وتبين أن الإنهمامangoisse هو البنية العامة لوجوده وتقمص الوعي الوضعيات المعيشة والانفتاح وصار الإنسان مقذوفا به في العالم ومنفتحا على المستقبل الآتي ويوجد في شكل مشروع ذاتي.

اللافت للنظر أن الوجود البشري مرتبط دوما بالزمان ويتجلى في صورة مشروع إنساني قابل للتحقيق في المستقبل وبالتالي يأخذ الزمان أهمية جوهرية وبالتالي تشكل الزمانية المعنى الأصلي لوجود الدازاين ويشير معنى الدازاين الى الزمانية3[3]. بناء على ذلك لا تخضع الأنطولوجيا الأساسية الوضع البشري لفهم نظري مجرد ولا تطرح أسئلة علمية مكانية وإنما تتنزل ضمن فهم التجربة الزمانية للدازاين والديمومة الحية وتقوم بوصف صيرورة تشكل الذات ضمن الغيرية والاختلاف وتعطي الأولوية للمستقبل على الحاضر وتعتبر الزمان عبور للماضي للحاضر نحو المستقبل ولكن الماضي ما ينفك يمضي والمستقبل مازال لم يهل بعد والحاضر لم يقدر على الحضور وبالتالي هو مجرد همزة وصل بين ما انقضى دون رجعة وما قد يأتي.

غني عن البيان أن الوجود البشري موسوم بخاتم التناهي ويتجلى ذلك في الانهمام بالمستقبل في إطار الزمانية والوجود من أجل الموت بوصفه البعد المتناهي من الكينونة والتعامل مع ظاهرة الموت باعتبارها البعد الجوهري للوجود وليس الحد الخارجي للحياة . والآية على ذلك أن الإنسان لا يأتي إلى الحياة إلا والهرم قد دب به لكي يموت وكأن أول يوم يقضيه الإنسان في الحياة هو أول خطوات في اتجاه الموت. اللاّفت للنظر أن الانهمام sorge هو مفهوم متميز عند هيدجر لأنه يعبر عن تجربة خوف يعيشها الإنسان في مواجهته للتناهي والشعور بالضياع في العالم وانتفاء القيمة واصطدامه بالعدم وليس مجرد خوف من مخاطر واقعية تهدد الحياة الإنسانية بالانتفاء، كما يعبر الانهمام عن تجربة الوجود نحو الموت4[4].

والحق أن الإنسان لا يكتشف بنفسه نهاية الشأن الإنساني عند التقائه بتجربة الموت فقط وإنما يعبر عن بعده عن جوهر وجوده ولذا يمثل الموت الإمكانية الخاصة بشكل مطلق واليقين الذي لا يتجاوز ولا يمكن تحديده5[5].

بناء عل ذلك يتجلى الوجود الزائف للدازاين في مظاهر القلق والشعور بالغربة والتباعد والسقوط واللغو والالتباس والتوسط والتأثر الوجداني وهي مظاهر فردية رغم اندراجها ضمن مظاهر جماعية مثل الناس والشعب والحشد والحياة اليومية فإنه يمكن رفع هذا الوجود الزائف وإلغائه نحو الاهتمام المستبصر.

كما يتضح الوجود الحقيقي للدازاين في مظاهر الخوف والهُم on والانهمام والقلق والعدم والوجود في العالم وهي مظاهر تتجاوز وتتعالى على الوجود الزائف وتعبر عنها تجارب الوجود من أجل الموت والضمير والذنب والتصميم والتاريخية والزمانية والنداء والحضور والانعطاء .

غاية المراد أن وجود الدازاين هو نقطة انطلاق الأنطولوجيا الأساسية لاسيما وأن السؤال الأنطولوجي عن الوجود لن يطرح إلا إذا وجدت كائنات بشرية تحمل على عاتقها مهمة طرحه والتفكير حول الوجود وحراسته. هكذا يتبين أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي بإمكانية طرح سؤال الوجود وذلك لكونه الوحيد الذي يتضمن الإمكانية على طرح السؤال والتكلم مع العالم والإنصات إلى نداء الوجود واستدعاء المعاني. في هذا السياق يري هيدجر أن مسكن الوجود هو اللغة وأن الوجود يفكر فينا وبنا وذلك لأن الإنسان هو الموجود الأوحد الذي يبدو وكأن الوجود العام قد اصطفاه أو دعاه ليكون في مصيره نفسه ناطقا باسمه.   والحق" أن سؤال التماسك في الدازاين الذي يوجد في تشتت الظروف والفرص لا يطرح إلا في أفق اليومية الروتينية أي التاريخانية اللاأصلية وحتى يخرج الدازاين المتردد من التشتت يجب أن يخترع بعد فوات الأوان بدء موحدا"6[6].

ألا يتعلق الذهاب إلى الوجود عندئذ بحدوث البدء العائد أم بحدثان عائد في البدء؟ فهل تمثل اللحظة الريكورية البدء الجديد الذي حدث في أوانه؟ وما الذي تغير في تصور الوضع البشري عندما تم تبديل الطريق القصير بالطريق الطويل مع ريكور؟ كيف تتعامل فلسفة اللاّعصمة مع لاتناسب الذات مع ذاتها؟

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

.............

الهوامش والاحالات:

[1] هيدجر (مارتن)، مبدأ العلة، ترجمة نظير جاهل، بتصرف، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة ،2001، ص.37.

[2] Haar (Michel), Heidegger et l’essence de l’homme, éditions Jérôme Milon, Grenoble, 1990,pp112.122.

[3] Heidegger (Martin), Etre et temps, traduit par Vezin François, édition Gallimard, Paris, 1986.p391.

[4] Heidegger (Martin), Etre et temps, op.cit,p307.

[5] Heidegger (Martin), Etre et temps, op.cit,p315 .

[6] داستور (فرانسواز)، هيدجر والسؤال عن الزمان، ترجمة سامي أدهم، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1993.ص98.

 

المراجع والمصادر:

Heidegger (Martin), Etre et temps, traduit par Vezin François, édition Gallimard, Paris, 1986.

هيدجر (مارتن)، مبدأ العلة، ترجمة نظير جاهل، بتصرف، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة ،2001،

----

داستور (فرانسواز)، هيدجر والسؤال عن الزمان، ترجمة سامي أدهم، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى، 1993.

Haar (Michel), Heidegger et l’essence de l’homme, éditions Jérôme Milon, Grenoble, 1990,

hasan ajmiتنقسم فلسفة المعرفة إلى مذاهب فكرية مختلفة ومتصارعة لا يُوحِّد بينها سوى مذهب السوبر حداثة الذي يؤكد على لا محددية المعرفة فيقبل أجناس المعرفة المتنوعة.

تبدأ فلسفة المعرفة بتحليل أفلاطون وهو التالي: المعرفة هي اعتقاد صادق مُبرهَن عليه. هذا يعني مثلا ً أننا نعرف أن الأرض تدور حول الشمس إذا وفقط إذا الأرض تدور حول الشمس، ونحن نعتقد ذلك ولدينا برهان أو براهين على صدق اعتقادنا هذا. لكن الفلسفة المعاصرة أظهرت فشل هذا التحليل التقليدي للمعرفة، واشتهر الفيلسوف غيتر بنقده. من الممكن تقديم هذا النقد على النحو التالي: لنتصوّر أننا ننظر إلى ساعة معينة ونرى أنها تشير إلى أن الوقت هو الواحدة ظهرا ً، ولنتصوّر أننا نملك برهاناً قوياً على صدق اعتقادنا بأن الوقت هو الواحدة ظهراً لأننا كنا نعتمد على تلك الساعة في معرفة الوقت وكانت تلك الساعة تشير دائماً إلى الوقت الصحيح، ولنتصوّر أن بالفعل الوقت هو الواحدة ظهراً. لكن الحقيقة هي أن تلك الساعة معطلة، وقد تعطلت البارحة حين كانت تشير إلى الواحدة ظهراً وأنها مجرد صدفة أننا اليوم نظرنا إلى تلك الساعة حين كان الوقت حقاً الواحدة ظهراً. الآن، بما أن تلك الساعة معطلة، إذن نحن لا نعرف أنها الواحدة ظهراً، فمجرد الصدفة جعلتنا ننظر إلى تلك الساعة حين الوقت كان حقاً الواحدة ظهراً وبالصدفة فقط توقفت البارحة تلك الساعة مشيرة إلى الواحدة ظهراً. على هذا الأساس لدينا اعتقاد صادق مُبرهَن عليه بأن الوقت هو الواحدة ظهراً، لكن ليس لدينا معرفة بأن الوقت هو الواحدة ظهراً، فالوقت هو الواحدة ظهراً ونعتقد بذلك ولدينا برهان على ذلك لكننا لا نعرف أنها الواحدة ظهراً لأننا اعتمدنا في تشكيل اعتقادنا على ساعة معطلة. هكذا يُظهر غيتر خطأ تحليل المعرفة على أنها اعتقاد صادق مُبرهَن عليه (John Pollock and Joseph Cruz : Contemporary Theories of Knowledge .1999. Rowman & Littlefield Publishers).

ثمة نظريات أخرى في المعرفة منها نظرية الانسجام التي تقول إن معتقدنا يشكّل معرفة متى انسجم مع معتقداتنا الأخرى كافة. هكذا يكون النظام الفكري الذي يشكّل معرفة هو النظام الحاوي على معتقدات منسجمة فيما بينها. لكن المشكلة الأساسية التي تواجه هذا المذهب كامنة في أنه من الممكن أن تنسجم معتقداتنا فيما بينها من دون أن تنجح في التعبير عن الواقع، وبذلك لا تشكّل معتقداتنا المنسجمة حينها معرفة حقة. فمثلا ً، نظرية أرسطو في تفسير الكون منسجمة لكنها لا تشكّل معرفة، علمياً الشجرة ليست شجرة بسبب اتخاذها صورة Form الشجرة على نقيض مما تقول نظرية أرسطو. ومشكلة أخرى تواجه هذا الموقف هي أن من الممكن وجود أنظمة فكرية مختلفة ومتعارضة فيما بينها رغم أن كل نظام منها منسجم ذاتياً. مثل ذلك أن نظرية النسبية لأينشتاين أفكارها منسجمة لكنها تعارض وتناقض نظرية ميكانيكا الكم المنسجمة الأفكار أيضاً. وبذلك يستحيل على ضوء الانسجام الفكري فقط أن نتمكن من الحكم على أية نظرية أو نظام فكري على أنه يشكّل معرفة حقاً دون نظام فكري آخر. ومن النظريات الأخرى التي طرحها الفلاسفة نظرية الأسس في المعرفة التي تقول بوجود بعض المعتقدات الأساسية التي لا تحتاج إلى برهنة لأنها بديهية، وعلى ضوء تلك المعتقدات البديهية تتم البرهنة على المعتقدات الأخرى ويتم تشكيل المعرفة. لكن المشكلة الأساسية التي تواجه هذا المذهب قائمة في أنه لا يوجد معيار على أساسه نتمكن من اختيار ما هو بديهي وأساسي من المعتقدات، فما هو بديهي بالنسبة لهذا الفرد قد لا يكون كذلك بالنسبة إلى فرد آخر

) Matthias Steup، John Turri، and Ernest Sosa ( Editors ): Contemporary Debates in Epistemology. Second Edition. 2013. Wiley-Blackwell (.

من مذاهب المعرفة أيضاً مذهب يدعي أن الاتفاق على قبول معتقد ما يجعله معرفة وعلى أساسه تتم البرهنة على المعتقدات الأخرى فنكتسب المعارف. ومشكلة هذا المذهب أنه لا يوجد ضامن يضمن أن مجرد اتفاقنا على معتقد معين يجعل هذا المعتقد معرفة حقة، فمن الممكن أن نتفق على ما هو كاذب بشكل دائم ومستمر. ولقد تطورت فلسفة المعرفة فنشأت النظرية السببية في المعرفة ومفادها التالي: معتقداتنا تشكّل معرفة متى كانت مُسبَّبة من قبل الوقائع في العالم. وهذا يعني أننا نعرف أن الأرض تدور حول الشمس إذا وفقط إذا كنا نعتقد بذلك، وفعلا ً الأرض تدور حول الشمس، ودورانها هذا هو سبب اعتقادنا بأنها تدور حول الشمس. هكذا نضمن ارتباط ما نعتقد بما هو في الواقع فنضمن المعرفة كما يزعم أصحاب هذه النظرية. لكن إحدى مشاكل هذه النظرية هي أنه لا يوجد ما يضمن أن العلاقات السببية تستلزم تحقيق المعرفة، فمن الممكن أن تكون العلاقة السببية بيننا وبين العالم مُسبِّبة لمعتقدات كاذبة عن العالم ولذا اكتسبت الانسانية معتقدات كثيرة خاطئة عبر تاريخها. والنظرية السببية في المعرفة تواجه مشكلة أساسية أخرى هي التالية : معادلات الرياضيات وعناصرها كالأعداد مجردة وبذلك لا قدرة سببية لها لكونها مجردة. من هنا بالنسبة إلى النظرية السببية في المعرفة يستحيل علينا معرفة الرياضيات بما أن النظرية السببية في المعرفة تستلزم وجود علاقات سببية بيننا وبين العالم لتحدث المعرفة لكن الرياضيات لا ترتبط بنا سببياً لكونها مجردة. وهذه النتيجة، ألا وهي أنه يستحيل علينا معرفة الرياضيات، هي في الحقيقة نقيض الواقع لأننا نعرف الرياضيات ومعادلاتها وعناصرها كالأعداد. من هنا تفشل النظرية السببية في المعرفة.

)Helen Beebee، Christopher Hitchcock، and Peter Menzies (Editors): The Oxford Handbook of Causation. 2010. Oxford University Press (.

لقد رأينا فشل النظريات السابقة في تحليل المعرفة. هذا يشير إلى أن المعرفة غير مُحدَّدة كما تقول السوبر حداثة ولذا فشلت النظريات المختلفة في تعريفها. بالنسبة إلى السوبر حداثة، المعرفة غير مُحدَّدة ما هي. وبذلك لا تسجننا السوبر حداثة في تحليل معين للمعرفة فتحررنا معرفياً. فبما أن المعرفة غير مُحدَّدة، إذن لا تغدو المعرفة مُحدَّدة سوى من خلالنا نحن بالذات. وبذلك تعتمد المعرفة علينا كي نكوِّنها فنمسي أسياد المعرفة بدلا ً من عبيد لها. فلو كانت المعرفة مُحدَّدة لتم سجننا في قيود معرفية مُحدَّدة مُسبَقاً فنصبح بذلك سجناء المعارف الماضوية. لكن السوبر حداثة تحررنا من خلال لا محددية المعرفة. من هنا، تنتصر السوبر حداثة على المذاهب الفلسفية الأخرى. لا قيمة لمعرفة تسجننا بل القيمة العليا كامنة في معارف تحررنا. فلا معرفة من دون حرية ولا حرية من دون معرفة. المعرفة حرية والحرية كامنة في لا محددية المعرفة.

بما أن السوبر حداثة تعتبر أن المعرفة غير مُحدَّدة، إذن من الممكن للمعرفة أن تكون معتقدات صادقة مُبرهَناً عليها منطقياً كما في الفلسفة وأن تكون معتقدات صادقة مُبرهَناً عليها اختبارياً ومنطقياً معاً كما في العلوم كعلوم الفيزياء والكيمياء. وبما أن المعرفة غير مُحدَّدة، إذن من الممكن للمعرفة أن تكون معتقدات صادقة مُبرهَناً عليها رياضياً كما في الرياضيات، ومن الممكن للمعرفة أن تكون معتقدات صادقة مُسبَّبة من قبل الحقائق والواقع كما في حياتنا اليومية وفي العلوم أيضاً. وبما أن المعرفة غير مُحدَّدة، إذن من الممكن لها أن تكون معتقدات أو قدرات مفيدة كمعرفتنا بكيفية ركوب الدراجة. هكذا تتمكن السوبر حداثة من التعبير عن أن المعارف السابقة هي فعلا ً معارف وأن المصادر السابقة كالعلم والفلسفة والرياضيات إلخ هي حقاً مصادر للمعرفة. وبذلك تكتسب السوبر حداثة فضائلها المعرفية فتكتسب مقبوليتها. وعلى هذا الأساس أيضاً تنجح السوبر حداثة في توحيد الأجناس المعرفية المختلفة. فكل الأنماط المعرفية السابقة تشكّل معارف حقيقية من جراء لا محددية المعرفة، وبذلك تتوحد تلك الأجناس المعرفية المتنوعة في كونها معارف حقة. فلو كانت المعرفة مُحدَّدة لتم سجننا في نمط أو نوع معرفي واحد دون سواه. من هنا، لا محددية المعرفة تضمن تجسدات المعرفة المتنوعة تماماً كما تضمن قبولها معاً.

تتصارع معارفنا بسبب اختلافها وتنوعها. فمثلا ً، نعرف من خلال البصر أن الكون يتكوّن من أشياء مادية مختلفة كالتراب والهواء والأشجار والزهور. لكن من منطلق العلوم التجريبية كالفيزياء نعرف أن العالم يتشكّل من ذرات وجُسيمات كالإلكترونات. أما من منظور علم الرياضيات فنعرف أن الكون بنيات رياضية وبفضل اختلاف البنيات الرياضية تختلف الظواهر الطبيعية. هكذا تختلف المعارف وتتنافس. لكن رغم صراع معارفنا، تتمكن السوبر حداثة من توحيد معارفنا المتصارعة فتحل أكبر خلاف فكري. السوبر حداثة توحِّد بين معارفنا المتعارضة حين تعتبرها كلها معارف مقبولة وصادقة. فبما أن، بالنسبة إلى السوبر حداثة، المعرفة غير مُحدَّدة، إذن من الطبيعي أن تتجلى المعرفة في معارف مختلفة ومتنوعة كمعرفتنا من خلال البصر ومعرفتنا من خلال العلوم التجريبية ومعرفتنا من خلال الرياضيات. وبذلك هذه المعارف المتنوعة تشكّل حقلا ً معرفياً واحداً لأنها مجرد تجسدات عدة للمعرفة. هكذا تنجح السوبر حداثة في توحيد المعارف بدلا ً من التعصب لنوع معرفي ضد نوع معرفي آخر. وفي هذا فضيلة كبرى للسوبر حداثة لأنها تحل إشكالية صراع المعارف.

تحررنا المعارف والحقائق غير المُحدَّدة لأنها تدعونا إلى البحث المستمر عنها من جراء لا محدديتها. المعرفة المحدَّدة معرفة ميتة. والحقيقة المُحدَّدة سجن لنا. كون مُحدَّد كون لا يدعونا إلى التفكير المستمر فيه. لذا كون مُحدَّد كون بلا استمرارية المعرفة. وكون بلا معرفة كون بلا حرية. وكون بلا حرية كون بلا وجود.

 

mutham aljanabiإن المقدمة العامة لفهم ماهية "الإسلام السياسي" تقوم أولا وقبل كل شيء في كونها ظاهرة تاريخية تتداخل فها مختلف إشكاليات الماضي والحاضر والمستقبل. أما بروزها بهيئة ظاهرة سياسية صرف، أي إرجاعها إلى فكرة "تسييس" الإسلام، فأنها تشير أولا وقبل كل شيء إلى أولية الأبعاد السياسية في الظاهرة الإسلامية الحالية، وليس حقيقتها كما هي. وهذا بدوره كان مرتبطا من الناحية الزمنية "بالثورة الإسلامية" في إيران، بوصفها الحدث السياسي الأكبر في صيرورة "الإسلام السياسي" الحديث. فقد استعادت هذه التسمية بعد حوالي قرن من الزمن ما سبق وان دعاه ماركس "بالثورة المحمدية" (الإسلامية)، ولكن في ظل ظروف جديدة وآفاق مستقبلية لم يكن بالإمكان النظر إليها آنذاك بوصفها حركة ذاتية تلقائية للعالم الإسلامي، أو أنها تحتوي بالضرورة على هذه البواعث بوصفها الأكثر جوهرية في مساره الذاتي. فقد كان الصراع العالمي بين القطبين على أشده. ومن ثم كان من الصعب تذوق هذه الثورة بلسان الشيوعية المتشددة والرأسمالية النفعية. من هنا التقائهما للمرة الأولى في الموقف من "الثورة الإسلامية" بشكل خاص. مع ما ترتب عليه من هموم كبيرة متنوعة الوسائل والغايات من اجل فهم هذا "المنافس الطارئ" على الصعيد العالمي، على الأقل بمعايير الأيديولوجيا والفكرة السياسية. وهو السبب الذي يفسر سرّ الانهماك الشديد بالإسلام بوصفه ظاهرة سياسية وأيديولوجية صرف.

فقد كانت "الثورة الإسلامية" في إيران احد المنعطفات الكبرى في تاريخ الإسلام الحديث. فمن الناحية الأيديولوجية كانت أشبه بالثورة الفرنسية ضمن سياق الفكرة الليبرالية (الغربية)، والثورة البلشفية ضمن سياق الفكرة الاشتراكية (الشرقية). بمعنى أنها مثلت احد النماذج الأيديولوجية الجديدة المنافسة للتقاليد "الغربية" و"الشرقية" في الثورة وعقائدها الكبرى. وفي هذا يكمن سبب الانشغال الكبير بادراك مقدماتها وغاياتها وإمكاناتها الذاتية وأثرها المحتمل. وعندها بدأت تظهر مختلف صيغ التعبير عن هذه الظاهرة الإسلامية الجديدة. لكن مصطلح "الإسلام السياسي" كان من بين أكثرها بروزا وانتشارا وإقناعا.

وفيما لو جرى تكثيف المعنى المتراكم في الدراسات المتنوعة والمختلفة عن ماهية وحدود "الإسلام السياسي"، فأنها لا تعدى في الأغلب إطلاقه على تيارات مختلفة بل ومتصارعة ومتناقضة، المشترك بينها هو نمو نشاطها السياسي المتحزب وأيديولوجيتها العملية. وبالتالي، فمن حيث طابعه الأيديولوجي يرمي "الإسلام السياسي" إلى غاية كبرى وهي "أسلمة" الفرد والجماعة والأمة في كافة الميادين والمجالات والمستويات، ومن حيث موقفه العقائدي الثقافي العام يرمي إلى مواجهة مشاريع "الغرب" ومناهضة نموذجه في كل شيء. ومن حيث طابعه العملي فانه يجمع بين مختلف الأشكال العملية والسياسية القديمة منها والحديثة.

فمن الناحية المجردة ليس في هذه الأوصاف العامة "للإسلام السياسي" شيئا ما غريبا أو مختلفا اختلافا نوعيا عما سبقه من تقاليد وأشكال سياسية لها وجودها الفاعل في العالم الإسلامي على امتداد القرن العشرين. غير أن "الثورة الإسلامية" في إيران قد جعلت منه كيانا بارزا متميزا وقائما بحد ذاته ليس فقط على النطاق الوطني والإقليمي والإسلامي، بل والعالمي أيضا، بوصفه قوة بديلة ومشروع خاص له صداه السابق ضمن ما يسمى بالعالم الثالث والطريق الثالث والقوة الثالثة، وما شابه ذلك. إلا أن الأحداث التاريخية اللاحقة قد كشفت عن أن هذه التسميات هي حصيلة "قطبية ثنائية" قابلة للانحلال والزوال. ومن ثم لم تكن أكثر من أوصاف أيديولوجية صرف. أو على الأقل أنها توصيفات سياسية عابرة تستجيب فقط للمغزى الجزئي القائم في مصطلح "الإسلام السياسي".

وبالمقابل جرى تحسس وإدراك "الثورة الإسلامية" بمختلف الأشكال والصيغ الوجدانية البهية من جانب أولئك الذين وجدوا فيها تجسيدا لمشروع كوني جديد ينفي تقاليد التبعية ويؤسس لأصالة ذاتية! ففي المقدمة المكتوبة لدستور الجمهورية الإسلامية (الإيرانية) نقرأ ما يلي:"إن هذا الدستور الجديد الذي وضع على أعتاب القرن الخامس عشر الهجري، هو استمرار لرسالة النبي محمد ونشاطه، باعتباره المؤسس الأول للحركات الإسلامية التحررية". وأن "الثورة الإسلامية" وضعت بداية عصر جديد هو عصر "تحرير المضطهدين والمستضعفين وهزيمة كل المستكبرين". ووجد البعض حقيقتها ومهمتها الكبرى في كونها أبرزت "أهمية الإسلام السياسي" الذي "تجلى بوضوح بعد الثورة الإسلامية العظمى، بعد أن قطع العالم الإسلامي تجاربه مع الأيديولوجيات الغربية المعاصرة". و"أن الثورة الإسلامية الكبرى في إيران شكلت المؤشر الحقيقي على يقظة المسلمين وظهور الإسلام، هذا المارد العملاق من القمقم"، وأنها "استنقاذ للإسلام في قلب الحركة الوطنية والتقدمية من محاولات احتوائه وتوظيفه الرجعي"، كما أنها "التعبير الفكري الشامل لرفض الأمة شعوبا ودولا إن تصبح ولاية لحروب صليبية جديدة"، و"الانقلاب الهائل الذي قدم الإسلام الثوري، الذي بمساعدته يمكن مجابهة الكولونيالية والصهيونية والرأسمالية والعنصرية وقوى الرجعية الداخلية، التي تشكل الخطر الأكبر للإسلام الحق". بل وجد فيها احد الشعراء الكبار الظاهرة التي جعلت "الإسلام يظهر الآن وكأنه وحده الحديث الثوري الباقي". وأنها في نهاية المطاف "انفجار عالم كان الغرب يعتقد انه استأنسه تمام وطوعه بكل مقوماته ليدور في فلكه".

وعموما يمكننا القول، بأن هذه التقييمات اقرب ما تكون إلى استعادة راديكالية لتقاليد راديكالية، وأنها رد فعل وجداني وغبط روحي أكثر مما هي أفكار مؤسسة بمعايير التجربة التاريخية الشاملة. وذلك لأنها ساهمت بوعي أو دون وعي على جعل "الإسلام السياسي" الصيغة الوحيدة والمطلقة للظاهرة الإسلامية. ومن ثم حولت "الإسلام السياسي" إلى نموذج متسام، وصيغة عملية، وأسلوب منهجي، ورؤية سياسية، وتاريخ روحي بقدر واحد. بحيث بدأ البحث عن جذوره الأولية في شخصية النبي محمد (تسييس النبوة وتاريخها العملي) وإعادة قراءته بمعايير سياسية ثقافية حية وحديثة محكومة بالواقع وإشكالاته. وقد كانت تلك خطوة حية، لكنها بالقدر ذاته خطرة، وذلك لأنها كانت أشبه بتلبيس لا تأسيس. وذلك لأنها حاصرت إشكاليات الوجود التاريخي للعالم الإسلامي وآفاقه المستقبلية بالفكرة القائلة، بان غاية "الإسلام السياسي" هي الوقوف ضد كل المبادئ غير الإسلامية، وتقديم المناعة الثقافية للمسلمين من خلال الحفاظ على "الكينونة الإسلامية الكاملة" في كل شيء! ومن ثم العمل على جعل الأمة الإسلامية طرفا جوهريا وفاعلا في العالم المعاصر من خلال بناء نظام إسلامي من طراز جديد، ونظام قيم، وحقوق، واقتصاد وتربية وما إلى ذلك.

فقد حفزت الثورة وأثارت ذكريات الماضي والذاكرة الحية، وأجبرتهما على الدوران في فلك الهياج المتسامي وقوة التعبير المبتهج في برزخ العصيان والتمرد الذي صنعه جبروت "الإسلام السياسي الجديد". الأمر الذي يمكن رؤيته في ذلك العدد الهائل من الشطحات الوجدانية الجميلة والفاقدة في الوقت نفسه لحصانة الرؤية التاريخية الذاتية، كما هو الحال على سبيل المثال في فكرة حسن حنفي عن القطيعة الشاملة مع الغرب، وتحرير الإسلام من الاستهلاك الرجعي وما شابه ذلك. وذلك لما فيها من طفح أيديولوجي. وذلك لان محاربة الاغتراب الظاهري هنا تحتوي في الواقع على اغتراب من نوع باطني يقوم في ثقل "الغرب ومشاريعه" في الفكر البديل والمقارنة. وكذلك الحال بالنسبة للاستعاضة الشاملة الظاهرية والباطنية للفكرة الأيديولوجية. وذلك لاستحالة القيام بذلك دون أن يجري بلورة الفكرة الفلسفية القادرة على إنتاج صيغ إيديولوجية وسيطة تجري ضمن سياق تطورها التلقائي والذاتي. مع ما يترتب عليه من تذليل شامل وقطيعة، أولا وقبل كل شيء مع تقاليد وبواعث الفكرة اللاهوتية نفسها. فهو الطريق الوحيد القادر على إرساء أسس أو تأسيس منظومة مرجعيات معقولة ومقبولة في العالم الإسلامي. وهذه بدورها صيرورة تاريخية تفترض الارتقاء في مدارجها صوب التذليل التام للرؤية اللاهوتية الصرف وتقاليدها السنية الحنبلية في الموقف من الإسلام، باعتباره صيرورة تاريخية ثقافية ودينية وليس كيانا عقائديا ثابتا. بينما تستحيل هذه الفكرة ضمن سياق الرؤية الحنبلية السلفية المتشددة وتقاليدها القديمة والحديثة (والسائدة في التقاليد السنية الحالية). وبدون ذلك تبقى مهمة إلغاء العقل والضمير الإنساني الحر القربان الدائم لإثبات قدسية الشعائر الثقيلة بوصفها حقيقة الإسلام والإيمان، مع ما يترتب عليه من توسيع وتشدد فاعلية البنية التقليدية وتقاليدها الاستبدادية التي حولت كل ما في الإسلام وتاريخه الثقافي إلى طعم مثير في مصيدة خبيثة. وقد يكون صعود المراكز "الإسلامية" المتجسدة في مختلف "مؤسسات" الوهابية السعودية وإسلام البترودولار والوهابيات المحدثة، احد أشكالها ونماذجها الجلية.

أما من الناحية النظرية المجردة، فيمكننا العثور على مفاهيم وأحكام شبيهة عند اغلب مفكري وأيديولوجي الإسلام في العصر الحديث مثل الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا، والمودودي، وحسن البنا، وسيد قطب وغيرهم. فقد أسس الأفغاني لفكرة الجامعة الإسلامية بوصفها أسلوب للتحرر من السيطرة الكولونيالية، ومن ثم منهجا خاصا للبناء الثقافي والعلمي والسياسي المستقل للعالم الإسلامي. وسار محمد عبده ضمن نفس السياق ولكن من خلال التركيز على أولوية وجوهرية الإصلاح العلمي والتربوي والثقافي. بينما رجع رشيد رضا إلى فكرة الخلافة الأولية بوصفها حلا يستقيم مع حقيقة الإسلام في مجال البناء السياسي للدولة. أما حسن البنا فقد أسس لفكرة الدورة الأبدية، التي تجعل من المحتوم رجوع ما اسماه بقيادة المسلمين للعالم، بوصفها دورة التاريخ القادمة. ومن ثم فان المهمة العملية تقوم في تحضير الجماعة المسلمة المتكاملة بذاتها من اجل إرساء أسس الدولة الإسلامية الحقيقية. وقد كانت آراء المودودي تجميعا وتوليفا حادا لمختلف أفكار الإصلاحية والتشدد السياسي العملي الداعي لتوحيد المسلمين في قوة مستقلة عبر الاستناد التام والشامل لأصول الإسلام ومبادئه وقيمه. بينما بلور سيد قطب فكرة الحاكمية الإلهية الإسلامية عبر جعل الإسلام في أصوله الكبرى (القرآن الحديث) مصدر البناء الإسلامي في كل شي، واعتبار ما عداه جاهلية قديمة أو محدثة.

فقد بدت الثورة الإسلامية في إيران للوهلة الأولى كما لو أنها الصيغة الفعلية لتجسيد وتحقيق المفاهيم والقيم والآفاق الكامنة في الأفكار السياسية الإسلامية المتبلورة في غضون عقود مديدة من القرن العشرين. الأمر الذي جعل منها بؤرة إشعاع هائلة بالنسبة للمزاج والوجدان الإسلامي العادي والنظري على السواء. ومن ثم محاولة جعل إيران مركز الاستقطاب الإسلامي العالمي في مواجهة "الاستكبار العالمي" (المعسكر الشرقي والغربي)، مع ما لازمه من إغراء لتصدير الثورة. ولم يكن هذا الإغراء معزولا عن الخاصية الجديدة للثورة في إيران. فقد كانت "إسلامية" من حيث الطابع والأسلوب والقادة والشعار والرؤية والهيمنة الأيديولوجية. الأمر الذي جعل منها ثورة من طراز خاص، حاولت أن تجعل منه نموذجا جديدا للعالم الإسلامي. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أنها كانت ثورة بقدر واحد على تقاليد الإسلام السياسية القديمة الغارقة في بحبوحة الارتزاق والخنوع والاستبداد، سواء بتيارها السني أو الشيعي. بمعنى أنها كان تمثل نوع جديد من الخروج على تقاليد الإسلام القديمة سواء بمظهرها السني (الحنبلي بشكل خاص) والشيعي (الإثني عشري - الإمامي بشكل خاص) وبالأخص ما يتعلق منها بفكرة "ولاية الفقيه". فقد كانت تلك من حيث مكنونها الداخلي والذاتي الصيغة الإسلامية الصرف لفكرة ولاية الفيلسوف (الإغريقية). وهذا بدوره لم يكن معزولا أيضا عن نفسية وذهنية التمرد والثورة المميزة لتقاليد التشيع العريقة المشبعة بالتفلسف العقلي والعرفان الصوفي والنزعة الإنسانية.

وقد كمنت في هذه الحالة أيضا احد أسباب الصعود اللاحق للفكرة الطائفية أو الصراع المذهبي في العالم الإسلامي بشكل وعام والعربي بشكل خاص. بمعنى انه يمثل حالة بقاء وفاعلية الوعي اللاهوتي، وفي الوقت نفسه يمثل حالة الانتقال منه إلى الوعي السياسي. الأمر الذي نعثر عليه في صعود نمط "الطائفية السياسية" وليست الاجتماعية أو المذهبية أو العقائدية. وبما أن التشيع الحديث، بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران كان يمثل ويتمثل تقاليد الرفض للاستبداد والدعوة للحرية من هنا يمكن رؤية الصعود المتنامي لفكرة التسنن "المجاهد" بوصفها نفيا للحرية ودعوة للاحتراب الداخلي وانتهاج بدائي ومستميت لإثارة اشد الأشكال غير العقلانية والهمجية في الوعي الفردي والجماعي. وهو أمر جلي على خليفة العلاقة السياسية بين ممالك وإمارات الخليج "السنية" قبل الثورة وبعدها. فقد كانت علاقتها بالشاهنشاهية علاقة ودية وتحالف، مع أن نظام الشاه كان يمثل الصيغة الأكثر عدائية للعالم الإسلامي والعربي بشكل خاص. فقد كان النظام الشاهنشاهي الإيراني نموذجا "للمجوسية" و"العنصرية الفارسية" والحليف الأكبر للقوى الكولونيالية والصهيونية في المنطقة. بينما تحولت إيران بعد الثورة الإسلامية، المناهضة والنافية لكل خطايا الشاهنشاهية، إلى العدو "المجوسي" و"الصفوي" الأكبر! الأمر الذي يشير إلى حقيقة العلاقة بين التسنن التقليدي وتقاليد الاستبداد والعبودية. بمعنى انه يشير أولا وقبل كل شيء إلى بقاء تقاليد الماضي في ظل مرحلة تتسم بديناميكية قوية للانتقال من مرحلة اللاهوت الديني البليد إلى مرحلة اللاهوت السياسي الفعال. وفيها ومن خلالها تنعكس تقاليد السلطة المستبدة وتقاليد المعارضة والرفض الميزة في تاريخ الإسلام بمختلف أشكالها وحركاتها.

وإذا كان انتصار الإسلام في إيران مقرونا بالتشيع، فلأنه بقي القوة الأكثر تماسكا واستمرار من غيره في تمثل تقاليد الرفض وفكرة الحرية بمعاييرها اللاهوتية والسياسية. فإذا كانت حركات التسنن من حيث الجوهر تتمثل وتمثل تقاليد الاستبداد والاستعباد للسلطة أيا كان شكلها ومزاجها، فان الأمر يختلف بالنسبة للتشيع الذي ربط فكرة المثال بفكرة المقدس وبإمامة الروح لا الجسد. الأمر الذي جعله على الدوام يقف بين ملك السلطة وزمنها وبين ملكوت الروح وتاريخ جبروته الباحث عن بدائل مثلى. وقد حّيد ذلك واضعف إمكانية المرونة العملية في التشيع من جهة، لكنه أبقى على جذوة المواجهة ضد السلطة بوصفها مرجعية يصعب تذليلها في ظل الاستبداد والاستعباد، من جهة أخرى. من هنا محاولات حصر معنى ومضمون الثورة الإسلامية في إيران بألقاب "الروافض" و"الصفوية" و"التشيع" من اجل إثارة الحماسة الغبية حول تسنن بدوي همجي لا علاقة جوهرية تربطه بالإسلام بغير الاسم والرسم. ومن ثم سحق الفكرة الإسلامية، بما في ذلك السياسية منها بين رحى التحريف المتعمد لوقائع الماضي والحاضر، والتخريف المتمرد على ابسط مظاهر الحق والحقيقة.

إننا نعثر في هذه الحالة على مفارقة مرهقة للعقل الحر والضمير الحي في عصر "ما بعد الحداثة"، لكنها تعكس المسار الواعي لمرحلة الانتقال المتأخرة نسبيا في العالم الإسلامي من حالة الوعي الديني اللاهوتي إلى الوعي الديني السياسي. من هنا تلازم الإثارة المذهبية والطائفية السياسية بوصفه السور الأخير الذي يمكن أن تتحصن وراءه قوى الاستبداد وتقاليد الاستعباد وبقايا التصحر الثقافي والروحي وقواه البدوية في ممالك وإمارات الخليج وامتداده الاجتماعي والثقافي في المشرق العربي. من هنا محاولاته تأسيس الثنائية العدائية بين التشيع والتسنن من خلال إرجاع الإسلام إلى كتلة همجية لا تتعدى في أفضل نماذجها حدود السلفية الحنبلية، أي اشد الأشكال تخلفا وبدائية للفكرة الإسلامية. ومن ثم محاولات جعل هذا الصراع محور الإسلام وبداية ونهاية الوجود العربي والإسلامي! ولعل مفارقة هذا السلوك البليد تقوم في محاولته تفريغ مسالك العقل النقدي من تاريخ الروح والجسد الثقافي، أي كل ما ينبغي له أن يذلل، مرة واحدة إلى الأبد، بقايا هذا الخلاف عبر نقل الوجود العربي والإسلامي من محور الصراع المذهبي، بوصفه أسلوبا للإبقاء على البنية التقليدية وتقاليد الاستبداد والاستعباد، إلى عالم الحرية والمواطنة، أي إلى عالم نوعي آخر يذلل قدرة الربع الخالي على رمي رماله إلى مدنية المستقبل العربي ودنيوية العالم الإسلامي. وذلك لان صعود المركز السني التقليدي الحنبلي الوهابي هو الوجه الآخر لبقايا البنية التقليدية المتهالكة من حيث بنيتها الذاتية والخشنة من حيث إمكانياتها المالية. ومن ثم هي مسخ جذاب لأمثاله. وبالتالي، فهو أمر عرضي وطارئ في ديناميكية العالم المعاصر ومرحلة الانتقال التاريخية الكبرى التي يمر بها العالم الإسلامي صوب المرحلة السياسية الاقتصادية.

بعبارة أخرى، إن قوة الإسلام السني الحنبلي الوهابي من قوة الرشوة المالية. ومن ثم فانه خال من الروح الثقافي والنزعة الإنسانية والقيم الاجتماعية والروح المدنية. انه مجرد ممول مباشر وغير مباشر لسلفيات متشددة، بوصفها الصيغة غير الواعية لازمة الإسلام السني التقليدي. كما أنها تعكس عموما أزمة اليسار الدنيوي والتيار القومي بمختلف مشاربه، التي لازمت حالة الخروج على منطق التطور الطبيعي للتاريخ الفعلي للأمم (القومية) والدولة الحديثة. غير أن صيغته الظاهرية والمباشرة الحالية القائمة في إثارة الصراع الطائفي والمذهبي بين التشيع والتسنن لم تعد مذهبية صرف كما كان فيما مضى، كما هو جلي في افتقاده التام للجدل النظري. لقد تحول إلى خلاف عملي اقرب إلى المؤامرة والمغامرة والمقامرة من جانب الحنبلية الوهابية المحدثة. ومن خلالها برزت تقاليد الماضي بوصفها خلافا حادا في الرؤية تجاه اغلب إشكاليات الوجود المتعلقة بالدولة والنظام السياسي والمجتمع والحقوق والقيم. وإذا كانت خاتمة التيارات السنية الحنبلية الوهابية تتراكم في كمية العداء والاستعداء على العقل والضمير القومي والمصالح الكبرى والرؤية المستقبلية للحرية والمواطنة وفكرة الحق والحقوق، فلأنها كانت على الدوام تمثل هامشية الروح والجسد الثقافي. فقد كانت التقاليد الحنبلية على الدوام القوة الوحيدة الكبرى والشرسة في عدائها للعقل والعقلانية والنزعة الإنسانية والفلسفة والعلوم، على عكس ما هو مميز لتقاليد التشيع.

وضمن هذا السياق يمكن فهم طبيعة "الثورة الإسلامية" وأثرها اللاحق بالنسبة لبروز "الإسلام السياسي" بهيئة تيار مستقل بذاته استحوذ على كامل الكينونة الإسلامية المعاصرة. والسبب يكمن في أن الثورة الإسلامية في إيران أبرزت الملامح الأولية الكبرى لمرحلة الانتقال من الوعي اللاهوتي الديني إلى الوعي الديني السياسي، أي من الوعي اللاهوتي الإسلامي إلى الوعي الإسلامي السياسي.

 

ا. د. ميثم الجنابي

مفكر وباحث

raheem alsaidiكلاهما يوصف بالاستبطان والهدوء ومحاولة المعرفة والغموض، وكلاهما نهم بحب الاكتشاف واعتقاده باهميته بل وايمانه بنرجسيته العليا، فالانا في الفلسفة وفي الجانب المخابراتي تبرز بشكل عاقل وواثق، لقد لفت انتباهي فوكو وهو يحاول جومسكي في مقابلة جمعتها، كان يستبدل جلسته باستمرار، ويتصنع حركات قلقة بالرغم من انها عاقلة جميله اما جومسكي الذي بقي ثابتا لم يتحرك كثيرا وكلاهما كان فكرا كبيرا، فالانا الفلسفية عاقلة وهكذا الاستخبارية.

وهنا لا اريد التحدث عن نظرية المؤامرة التي يدسها منتقدوا الكثيرمن الفلاسفة ومنهم اركون وغيره لمنهجه في الانسنيات، والقاضي بان منهجه (المنسوخ من الفكر الفرنسي) محاولة لضرب الثوابت الاسلامية، فهو(وفق رايهم) منهج يحاول تدجين وتفكيك المبادئ فهو يعمد على تحويل النص الى مدونة، كما يتبنى ذلك ابو زيد، ومع اني لا استبعد هذه الافكار تماما الا ان الحديث عن هذه النقطة غير مجد تماما

وقد لا استبعد مثلا استفادة بعض المفكرين من الجهد الاستخباري او التقارير التي تابعوها سيما في الحرب لمعرفة الكثير من الافكار والاحداث فالمفكر توينبي بردة الفعل والتحدي والاستجابة التي استلهمها من الفيلسوف وعالم علم النفس يونغ كان يطلع على التقارير التي تدون في الحرب ومع عمله في الخارجية وفي دائرة المخابرات حصرا اطلع على الاحداث ونظر الى افكار ربما تبدو موجهة نحو هدف يخدم الدولة التي يعمل لاجلها وهكذا كان شبنكلر الذي كان يعيش في المحيط الالماني وكتب حول الحضارة وتبدلها او المانيا وخصائصها (ناقدا او موافقا) ويمكنني القول – وهذه ليست بالفتوى – ان مجمل فلاسفة التاريخ كانوا يعملون وفق خطط رسموها او اختمرت لمساندة الافكار التي يؤمنون بها ونصرة معتقدهم او وطنهم او صنعوا افكارا موجهة نحو غايات مرسومة، ولا يبتعد عن هذه الاسطر ذكر هنكنكتون او فوكوياما الذان نظرا لسقوط الحضارة ووجها عملا ربما لم يكن يعرفة الساسة، وكلها (افكارا وفلاسفة) تعتبر عاملا توجيهيا نحو اهداف مرسومة وتتصل بالجانب الاستراتيجي اكثر من اتصالها بالفلسفة ولكنها اخذت طريق الفلسفة لانها افكار تتسم بالخصوبة والمغايرة وهي محفزة او محركة او مسقفزة لافكار اخرى

والفلسفة او الفكر احيانا كان عاملا مهما في هيجان او خدمة الطغات، واتذكر في العراق ان ناظم كزار مثلا اعتمد على الافكار النفسية لبعض الخبراء الالمان (المانيا تبدو في كثير من الاحيان بلا مشاعر فهي محض عقل وواجب والة) لانتزاع اعترافات السجناء العراقيين (السياسين منهم)، وهذه االقاعدة طبقت بشكل واسع ومهم في الحروب الحديثة، فالمفكر في خدمة الحرب احيانا وفي حاشية الطاغية غالبا، ولايعني هذا ان لا صلة لهذه القضية في التاريخ، كما انني لا اريد اتهام ارسطو والفاربي وغيرهم بالتقرب من السلطان والعمل ضمن المنظومة الاستخبارية التي تذلل العقبات للسلطان، فان هذا الموضوع يحتاج معرفة، ما هو حجم استفاده الاسكندر او سيف الدولة من هذين الفيلسوفين على المستوى السياسي وما الذي امكن تطبيقة في الدولة من الافكار .

ولا يمكننا مثلا اعتبار يوسف (ع)عميلا استخباريا للفرعون او مفكرا ضمن حاشيته، لمجرد انه قدم له حلا منهجيا لازمة انسانية بل وعالمية كبيرة، بمنهج يوصف بـ (التنبؤي، الافتراضي، المستقبلي) وهو الامر الذي يذكره باشلار باعجاب في كتابه الماء والاحلام، ولكن يجب الاشارة الى فهمين في هذا الموضوع الاول هو الاستفادة المباشرة والموجهة والمخطط لها ولو بشكل يبتعد عن التفصيل عن الافكار الفلسفية وغيرها من الفكرية والاستراتيجية والدراسات المستقبلية في دعم الدول التي تتنبنى هذه الافكار والفلاسفة والجانب الثاني هو اللامباشر ويخص استفادة الدول المستبدة وغير المستبدة من افكار الفلاسفة والمفكرين بطريقة لا مباشرة

ويمكننا استعراض مجموعة من الاسئلة تخص قضية الفلسفة والمخابرات، وهي تحاول معرفة الاواصر والمتقاطعات والمتقاربات من الافكار، فالحديث في هذا الجانب يعني السؤال عن مديات قرب الفلسفة من الدولة، وهو موضوع مهم عند القول بموضوعين مختلفين وليس عن ذات موضوع (ليس عن امومة الفلسفة للدولة، بل عن علاقة متضادة بين الدولة والفلسفة) اقصد عن تبعية الدولة للفلسفة وتبعية فروع الفلسفة للدولة وايهما انتصر (وكانها علاقة بين السيد والعبد)، فالفلسفة صنعت الدولة ثم الدولة اصبحت السيدة الاولى وشغلت الفلسفة ضمن دوائرها، وهذا جانب مهم يجب ان يبحثه طلبة العلم لاعادة انتاج وتكرير الفكر .

ايضا السؤال عن دور فلسفة التاريخ بل والاجتماع في القضية الاستخبارية على مر التاريخ، فما يدهشني ان احدا لم يكتب فلسفة عن الرحالة ودورهم، نعم كتبوا حول الاستشراق ولكن الرحالة لهم الدور الخطير بهجرة الافكار وطلب المعرفة او الدور المخابراتي على مر التاريخ، ولا اتهم الجميع هنا ولكن قد اتهم البعض منهم، فما يدهشك ان يكون توجه الفلسفة الغربية المعاصرة او الجانب السسيولوجي منها موجه نحو المجتمع، وحتى العسكر الغربي كان يفكر بطريقة استخباراتية فهناك تقارير قراتها لاحد الضباط البريطانيين في دول الخليج، دَوَنَ فيها الاسماك في الخليج وعندما يصل الى قضية سمك القرش يقول ان الشيعي لا ياكله بينما السني ياكله ويستخدم زعانفه كمقو جنسي، هذه المعلومة وغيرها انما هي نتاج جزئي لمفكر جزئي ويمكن القياس على الافكار الكبير التي تقوم بتحويل التاريخ وفق مسارات تتبناها الدولة للسيطرة وتطويع الافكار .

اعتقد بان مؤسسسة راند للدراسات اليوم والتي تفتح فرعا وحيدا للعرب في قطر تستثمر التخطيط طويل وقصير المدى وتستثمر الجانب الاستراتيجي لصياغة الافكار التي اقل ما يمكن القول عنها انه جهد استراتيجي استخبارتي فكري بامتياز، ومن المؤلم القول ان الفلسفة يمكن لها ان تكون موضوعا وتابعا للدولة اوافكار الدولة .

 

zouhair khouildiاستهلال: لا ينطلق المنهج الإيتيقي من التعاليم التي يقدمها العقل وإنما هو الذي يعاين موضوعيا العوامل الطبيعية الضرورية المحددة لحياة الوجدان ويستنبط من "طبيعة الإنسان المألوفة أي من الوضع الإنساني عموما"1[1] ويدرك المجتمع كعلاقات قوى ويهدي الجميع إلى العيش في وئام مع بعضهم البعض ومع نظام الكون.

إيتيقا ليفيناس هي اختبار حاسم تجريه الفلسفة ضد أنانية الفرد وذلك بالتساؤل عن عفوية الأنا ومجهوده في المحافظة على وجوده في ظل حضور الغير والتحلي بالمسؤولية اللاّمتناهية تجاهه دون تحفظ أو احتراز. اذ لا يمكن تعويض وجهة نظر الأنا المنخرط في التجربة المعيشة والكف عن النظر إلى الأخلاق بوصفها بلورة قواعد للحياة الجيدة وفق الخير الأسمى أو وفق مبدأ الواجب وإعادة تعريفها باعتبارها تحمل الذات مسؤوليته تجاه الغير والانفتاح على ماوراء الماهية والإقرار بالوجود المختلف2[2].

لكن أي منزلة يحتلها الكائن البشري في الوجود؟ وماهي الفضائل التي يجب أن يكتسبها الإنسان في الحياة ؟ وما نصيبه من مطلب السعادة ومن قيمة الخير؟ ولماذا يفترض الناس أن جميع الأشياء الطبيعية تتصرف مثلهم من أجل غاية؟ وكيف تتولد الأحكام المسبقة المتعلقة بالخير والشر وبالاستحقاق والخطئية وبالثناء والتوبيخ بالنظام والفوضى وبالجمال والقبح عن حكم خاطئ هو العلة الغائية ؟ لكن ماذا لو كانت الغاية الحقيقية من الفعل الإرادي هو الرغبة في الحصول على الشيء النافع وتجنب حصول الشيء الضار؟3[3]

من بالضبط يقوم بتحديد الهوية الإنسانية؟ هل هو الانتماء أم الظهور؟ هل هو الجسد أم الوجه؟ بماذا تتصف علاقة وجه لوجه مع الآخر؟ ما الفرق بين الغير والآخر؟ من هو الغير؟ ما المقصود بالغيرية الجذرية؟ وكيف تتحمل الذات المسؤولية الإيتيقية تجاه الغير؟ وهل تنعم للذات بالسعادة مع الغير؟

 

1- البحث الايتيقي عند سبينوزا:

لقد ذكر جيل دولوز في كتابه " سبينوزا، فلسفة عملية "4[4] أن العمل التحديدي الذي قام به سبينوزا للكائن البشري هو تحديدا جغرافيا هندسيا يتمثل في رسم خارطة للإنسان على خطوط الطول والعرض بحيث يكون خط الطول هو علاقات السرعة والتمهل والحركة والسكون ويمثل خط العرض مجموع الانفعالات.

وبالتالي لم يحدد سبينوزا الإنسان عبر شكله وأعضائه ووظائفها ولم يصفه بالجوهر أو الذات الفاعلة وإنما حالات قوة ما انفكت تتحول وتتعدل وتتشكل وتتألف عبر الأفراد والمجموعات تظهر تارة في قدرة تلقي الانفعالات وطورا في قوة القرار في الوجود وقد تم التعبير عنه بالكوناتوس Conatus أو رغبة البقاء.

الله هو الجوهر الوحيد بينما بقية الكائنات فهي مجرد مخلوقات وصفات وأحوال تعبر عن الجوهر.

في هذا السياق يصرح سبينوزا في القضية العاشرة من الجزء الثاني من كتابه العمدة "علم الأخلاق" ما يلي: "لا ينتمي كيان الجوهر إلى ماهية الإنسان، وبعبارة أخرى ليس الجوهر ما يؤلف صورة الإنسان"5[5].

و بالتالي يفصل بين الماهيةessentia والجوهر substantia ." الجوهر ما يوجد في ذاته ويتصور بذاته"6[6] أما " ما ينتمي إلى ماهية شيء من الأشياء هو ذلك الذي ، إن وجد، وجد الشيء وان بطل ، بطل الشيء"7[7]. ويبرهن على أن ماهية الإنسان هي شيء موجود في الله طالما أن الله هو العلة الوحيدة لجميع الأشياء وبالنظر إلى أن كل الكائنات لا يمكنها أن توجد أو تتصور دون الله وهي تتألف من تحولات معينة لصفات الله بل إنها عرض أو حال يعبر عن طبيعة الله الأزلية واللاّمتناهية بطريقة معينة ومحددة.

زد على ذلك يميز سبينوزا بين الجوهر و الصفة والحال. من الواجب ومن طبيعته أن يوجد كل جوهر في ذاته ويتصور بذاته، فهو متقدم بالطبع على أعراضه ولامتناه بالضرورة ولا يمكن أن ينتج عن جوهر آخر يكون موجودا، أما "الصفة فهي ما يدركه الذهن في الجوهر مقوما لماهيته" في حين أن "الحال هو ما يطرأ على الجوهر، وبعبارة أخرى ما يكون قائما في شيء غير ذاته ويتصور بشيء غير ذاته"8[8].

غير أن العمل الفلسفي الحاسم الذي قام به سبينوزا هو توحيد تصور الإنسان لنفسه وللكون والقضاء على الثنائية الديكارتية التي فصلت بين الفكر والامتداد وبين عالم الأشكال الهندسية والأرقام والعالم العضوي. إذ لم يعد الإنسان ثنائية نفس وجسم بل صار شيئا واحدا إذا نظرنا إليه من جهة الامتداد يكون جسدا وإذا نظرنا إليها من جهة الفكر يكون نفسا. كما بين سبينوزا مستطاع الجسم وأوضح أنه يقدر على فعل أمورا كثيرة للإنسان أكثر إذهالا من أفعال النفس بل تمثل النفس فكرة شيء جزئي موجود بالفعل هو الجسم. بأي معنى يشكل الإنسان نمطا متناهيا من الجوهر الإلهي؟ فيم تتمثل خصائص الفردية البشرية؟

يبذل الإنسان جهدا كبيرا للمحافظة على وجوده وبقدر ما يكون الكوناتوس مقتدرا يكون الإنسان مستقلا ومطابقا مع ذاته وبالتالي يمثل الكوناتوس الرغبة الصلبة في الدوام أي الماهية الخاصة بالكائن البشري.

الطبيعة البشرية في نظام الأشياء ينبغي أن تكون مطابقة لهوية الإنسان في نظام الأفكار ولكن الوقوع في الخطأ أمر جائز نتيجة الاعتقاد في حرية الاختيار والعلة الغائية وإتباع الشهوات واضطراب الانفعالات.

"إنهم يبلغون قمة الحكمة بإسداء شتى أنواع المديح لطبيعة إنسانية لا وجود لها إطلاقا وباستهجان الطبيعة الإنسانية الموجودة حقا ، وفعلا، فإنهم لا ينظرون إلى البشر على حقيقتهم، وإنما على نحو ما يرغبون"9[9]. غير أن التحدي الكبير الذي فرض نفسه على سبينوزا في المجال الأخلاقي وحاول معالجته هو التالي: كيف يمكن بناء إيتيقا خالية من التصور المشترك عن حرية الاختيار ومستندة على فكرة الكوناتوس؟

والحق أن جهل الناس للعلل الحقيقية لفعلهم وعجزهم عن التعبير عن الطبيعة الخاصة بهم سببه الوقوع في ذم الأهواء وهجاء الرغبة والسخرية من الجسد والسخرية من الغرائز واللوم من النسيان ولعن الأخطاء والانصياع إلى الخوف والإعراض عن صوت العقل ومحك التجربة والتظاهر بالعفة والطهارة والفضيلة.

"فليس من شك إذن – وقد برهنا على ذلك في علم الأخلاق- أن الناس يرزحون بالضرورة تحت الانفعالات وأنهم على هيئة تجعلهم يشفقون على الأشقياء ويحسدون السعداء وأنهم أميل إلى الثأر منهم إلى الرحمة والغفران وأن كل امرئ ، علاوة على ذلك، يرغب في أن يعيش الآخرون وفقا لطبعه الخاص"10[10]

في الواقع يتراوح الوضع الإيتيقي للكائن البشري بين العقل والأهواء وبين التأثير والتأثر وبين الفعل والانفعال بين السبب والنتيجة وبين الفرح والحزن والفرق بين القطبين في المرتبة وليس في الطبيعة.

لا يدعي سبينوزا إلى تفوق الروح على الغرائز وسيطرة العقل على الجسد وإنما إلى صحة جيدة للاثنين وتأسيس مشتركة هوية بينهما وذلك بالزيادة في الاقتدار والرفع من اشتهاء الوجود وطاقة قابلية الاكتمال.

لا يحقق الإنسان قدرا معلوما من السعادة إلا بتغليب الانفعالات الايجابية المثبتة على الانفعالات السلبية المعدمة وإدراك الفرح واللذة والرضا والمحبة وطرد الحزن والشقاء والقلق والكره والعيش وفق ما يأمره به العقل وفي تناغم مع نفسه ومع نظام الكون، إذ" نحن بالأساس مخلوقات متقمصة وراغبة ومكافحة"11[11]

يمكن عند سبينوزا إحلال الحرية مكان العبودية والانتقال من حالة الطبيعة إلى الحالة المدنية وذلك بالنظر إلى الإنسان الحر على أنه الكائن العقلاني الذي ينتمي إلى المدينة ويحترم القرارات القانونية الجماعية ويسعى إلى الخير ويتفادى الشر ويتحلى بالفضيلة ويبتعد عن الرذيلة ويغمره الفرح والمحبة والرجاء. غير أن السعادة التامة لا ترتبط بالبقاء بل بحسن البقاء وليس الحياة العادية بل الحياة الجيدة وتقتضي تحصيل الدرجة الثالثة من المعرفة والخلاص وبلوغ الأبدية عن طريق الارتقاء إلى الغبطة والطمأنينة.

لكن كيف ساهم عمونيال ليفناس في تطوير الإيتيقا السبينوزية للارتقاء بها إلى مستوى الفلسفة الأولى؟ لماذا ارتبطت الإيتيقا باكتشاف الغيرية؟ ماهي آثار العلاقة مع الآخر في شكلها الأصلي؟هل يوجد حالة تظهر فيها الآخرية في خالصيتها؟ أليس هناك حالة يحمل فيها الكائن الآخرية بوصفها حدا ايجابيا ؟12[12]

 

2- استئناف القول الإيتيقي عند ليفيناس:

لا ترتكز الإيتيقا على احترام قانون كلي بل هي فلسفة أولى تسبق الأنطولوجيا ولا تبحث عن التأسيس ولا تعتمد على الانفعالية المطلقة وإنما تنطلق من لقاء الغير وتحتك بالوجه وتفتح بعد الدلالة وتحرر الذات .

لقد أعطى ليفيناس الأولوية المطلقة للعلاقة الإيتيقية مع الغير وجعل من الإيتيقا هي الفلسفة الأولى التي تتفوق على فلسفة المعرفة وعلى الأنطولوجيا. في هذا المقام اهتم بالوجه والهوية والمسؤولية والنظرة والإنساني وبحث عن إنسانية الآخر في إنسان بلا وضع وماوراء الماهية ويوجد بشكل مختلف ومنفصل13[13]. لقد ميز ليفيناس بين الغير والآخر وبين أن الغير يبرز إلى الذات من خلال اللقاء بوجهه حيث يظهر لها في صورة كائن فريد لا يمكن اختزاله أو رده إلى أحد مقولات الهوية وإدراجه ضمن سلاسل التصنيف.

تتجلى العلاقة الثرية وغير القابلة للاختزال في المقابلة مع وجه الغير والنظر إليه وجها لوجه والانتماء إلى نفس البعد الزماني والمكاني وتحمل مسؤولية اللقاء والتحلي بالحب والصداقة واحترام علاقة القربى وحسن الجوار على الرغم من الانفصال والغربة والمجهولية والتباين وغياب حسابات المصالح والانتفاع.

لقد حاول ليفيناس تخطي التعارض التقليدي الذي أقامه أفلاطون بين المماثل والآخر بوصفهما من الأنواع العالية المتعارضة ومنح الحق للآخر من حيث هو آخر أي إلى الغيرية المطلقة التي لا تنتمي إلى داخل الوجود وليست لها نسبة إلى المماثل ولا تمثل مقولة صورية في تمفصل اللّوغوس في إحالته إلى الوجود بل تتجلى بشكل أصلي في العلاقة الإيتيقية بين الأنا والآخر وخارج مقولات المنطق وأبعاد الأنطولوجيا.

لم يتعامل ليفيناس مع آخرية الآخر بوصفها موضوعا منظورا إليه من قبل الذات ولا تجربة يقتحمها بالوعي من الخارج ويقدم فيها وصفا شافيا ضافيا لأشكال الآخر وإنما يعتبره شرطا أساسيا لوجود الذات ويتوقف عند الآخرية الغامضة والمجهولة التي تفتقد لكل علامات المشاركة والحضور والقرابة مع الذات.

بيد أن الأخر من حيث هو الآخر المطلق ومن جهة كونه يمنح الدلالة إلى الذات وينتج المعنى هو الغير ويصفه ليفيناس بأنه الإنسان الآخر الذي لا يمكن مقارنته ويمثل الخصوصية المطلقة في وضعه البشري وبالتالي لا يجوز معاملته بوصفه فردا آخر يتقاسم مع الذات نفس الماهية ونفس الوجود والمجتمع ذاته14[14].

كما تخفض تجربة الغير كل مزاعم امتلاك الوعي ودعاوي الحرية وقدرات الذات الأنانية على الحضور والمعرفة والتملك والكينونة بمعزل عن تدخل الآخرين وترفع من شأن المسؤولية بوصفها علاقة إيتيقية.

ينقد ليفيناس الماهية من حيث هي حضور محض يتخطى كل حد ويحاول تجاوز المراوحة بين الوجود والعدم من خلال نحت مفهوم الوجود المختلفAutrement qu’être ويرى أن المسألة ليس في الوجود أو عدم الوجود وإنما العدم في حد ذاته ليس نقيض الوجود وإنما لا يمتلك معنى إلا بالمقارنة مع الوجود. ان الوجود المختلف هو اللاّنهائي الذي يخترق شمولية الوجود وينتزع نفسه من مقولاته وينتج المعنى15[15].

غني عن البيان أن الوجود المختلف مرتبط بما يوجدil ya والثمية illéité التي تشير إلى المناطق التي تنفلت عن مراوحات الوجود بين الظهور والاختفاء وتعدم إمكانية حضور التعالي والحدوث الخالص. انه ليس الأنت ولا الذات الأخرى وإنما يقطع مع نظرية التمثل ويشهد على الانتماء المشترك للوجود والعدم.

تتكون فنومينولوجيا العلاقة مع الغير من الأبعاد التالية:

- يوجد منبع الدلالة اللغوية في النداء على الغير وبالتالي الغير هو القطب الذي تتحدث معه الذات.

- يطرح الغير من حيث هو غير في ازدراء الفقير والغريب وذلك مصادرة حقه في التعبير والحياة.

- يعتبر الشريك غيرا في إطار وصف العلاقة مع الأقرباء والتفريق بين الشركاء وبين المجاورين.

- تطرح تحمل مسؤولية الغير دون حد وبلا تحفظ الغير بشكل مطلق في مواجهة الدعوة إلى القتل.

- الوجه هو الشكل المطلق الذي يعبر به الغير عن نفسه ويطرح باعتباره ذاتا بالنسبة إلى الذات.

" من المهم أن نلاحظ أن ليفيناس لا يكتفي هنا بالقول إن العلاقات الأولية مؤذية أو فظيعة بل يقول ببساطة إننا في أكثر المستويات أساسية نقع تحت تأثير الآخرين بطرق لا سيطرة لنا عليها وان هذه السلبية، التأثرية، وحالة التعرض للتماس تدشن من نحن"16[16].

يحافظ ليفيناس على مفهوم الكوناتوس عند سبينوزا ويعيد الاعتبار للرغبة بوصفها علاقة مع اللانهائي ويفرق بينها وبين الحاجة الأنانية في الاستهلاك والإشباع التي يمنحها العالم الصناعي وفق مقياس مادي. زد على ذلك تهب الغيرية نفسها بوصفها رغبة ويكون الغير راغبا ومرغوبا فيه ولكن تظل الرغبة لامتناهية دون الذوبان في أنانية المماثل وانغلاق السيادة ودون الإحساس بالحرمان والزهد في السعادة.

وجه الأخر visage هو أحد الظواهر التي يطل من خلالها الغير على الذات وعلى العالم وعلن فيها عن حضور اللانهائي ولكن الأثرtrace هو الطريقة التي يطبع بها الوجه حضوره في المرئي وحدث الظهور الذي يقلب كل البنى المعتادة للظهور.

 

على سبيل الختم:

-الغاية القصوى من الفلسفة عند سبينوزا هي ايتيقا أصلية للسعادة والحرية وذلك بالاعتماد على الكوناتوس بوصفه المجهود الذي يبذله الفرد للحفاظ على حسن بقائه وتقوية وضعه في الحياة.

- تلعب الرغبة دورا أساسيا في الانتقال بالانفعالات من الحزن إلى الفرح وذلك عندما تنجح في الارتقاء المستمر بالفرد من الدرجات الأقل إلى أكبر قدر من القوة والكمال والمحافظة على وثاقة الوجود والحياة.

-لا يمكن أن تتحمل الطبيعة البشرية الإكراه والضغوط بشكل مطلق ولا توجد أي سلطة يمكن أن تمنع الإنسان من التفكير ومن الوجود بل كل فرد حر في قناعاته وسيد أفكاره وهذا الحق الطبيعي يحميه القانون وتضمنه الدولة.

- الوضع الإنساني يتميز بالتعبFatigue والألم والعنف والعزل والانفصال والهروب والتلاشي والضياعevasion والانفعال والتأثر والهشاشة والعطوبية ومشاعر الضيق والسأم والعبث والضجر والضعف والعجز والانطواء والتمزق وجلد الذات والكراهية تجاه النفس والآخرين.

- مفهوم الإنساني humain يقتضي الكف عن تمييز الإنسان عن بقية الكائنات بالعقل والوعي والإرادة واللغة وتثمين الجوانب التي ألقت بها النزعة الإنسانية في الخارج وهمشتها وتجديد إنسانية الإنسان الآخر. إن احترام الإنساني في الإنسان وتحمل المسؤولية المطلقة تجاه الغير تستوجب انفتاحا على دلالة الوجه وتخليص الذاتية من جوهرانية حرية الاحتيار والإبحار بها ما بعد الفعل والانفعال وخارج الوجود والعدم.

-الوجه لوجهface à face هي البنية الأولية للاجتماعية وتقر بالطابع التناظري بين الذات والغير ولكن هذه البنية لا تعني المواجهة بين الأنا والأنت ولا تعني علاقة تشاركية مع الغير في النحن والانتماء إلى المجتمع وإنما تفيد علاقة تناظرية تذهب من الذات إلى الغير دون عودة وتضع الغير محل تبجيل وموضع تقدير وترقيته في منزلة رفيعة ومنحه كل المعايير التفضيلية وكل العناية والرعاية والاهتمام مهما كانت أشكال وضعه17[17].

- تجربة الانتشاء jouissance هي تقوية الانية لجهودها للثبات في الوجود وتعتبر كيفية للاكتمال في علاقة الجسد الذاتي بالعالم وتغذية عاطفية من الغير وتصبح تفكرية قصدية حينما تحافظ على إمكانية الحصول على التعالي وتجعل تحقق الذات مشروطا بحضور الغير18[18].

 

د. زهير الخويلدي

كاتب فلسفي

......................

الإحالات والهوامش:

[1] سبينوزا ، كتاب السياسة، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب، تونس، طبعة أولى، 1999، صص.39. 40.

[2] Levinas Emmanuel, Totalité et infini, essai sur l’extériorité, édition Nijhoff, La Haye, 1961.p13.

[3] سبينوزا ، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب، تونس، طبعة أولى، 1999، صص.76. 77.

[4] Deleuze Jilles, Spinoza et la philosophie pratique, édition Minuits, Paris, 1981.2003.

[5] سبينوزا ، علم الأخلاق، مرجع مذكور، صص.98. 99.

[6] سبينوزا ، علم الأخلاق، مرجع مذكور، ص30.

[7] سبينوزا ، علم الأخلاق، مرجع مذكور، ص85.

[8] سبينوزا ، علم الأخلاق، مرجع مذكور، ص30.

[9] سبينوزا ، كتاب السياسة، مرجع مذكور، ص37.

[10] سبينوزا ، كتاب السياسة، مرجع مذكور، صص.38. 39.

[11] Scruton Roger, Spinoza, traduit par Ghislain Chaufour, édition du Seuil, Paris, 2000.p.60.

[12] ليفيناس عمونيال ، الزمان والآخر، ترجمة جلال بدلة ، دار معابر للنشر والتوزيع ، دمشق، سوريا، طبعة أولى، 2014،ص.95.

[13] Levinas Emmanuel, Totalité et infini, op.cit.p

[14] Levinas Emmanuel, le temps et l’ autre, Fata Morgan, 1979, repris par PUF, Quadrige, 1985. p63.

[15] Levinas Emmanuel, Autrement qu’être ou au- delà de l’essence, édition Martinus Nijhoff, La Haye, 1974. p15.

[16] جوديث بتلر، الذات تصف نفسها ، ترجمة فلاح رحيم، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى، 2014. فصل: لابلانش وليفيناس: أولوية الآخر،ص167.

[17] Levinas Emmanuel, totalité et infini, p53.

[18] Levinas Emmanuel, totalité et infini, p86.

 

المصادر والمراجع:

سبينوزا ، كتاب السياسة، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب، تونس، طبعة أولى، 1999،

سبينوزا ، علم الأخلاق، ترجمة جلال الدين سعيد، دار الجنوب، تونس، طبعة أولى، 1999،

ليفيناس عمونيال ، الزمان والآخر، ترجمة جلال بدلة ، دار معابر للنشر والتوزيع ، دمشق، سوريا، طبعة أولى، 2014،

جوديث بتلر، الذات تصف نفسها ، ترجمة فلاح رحيم، دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى، 2014.

Deleuze Jilles, Spinoza et la philosophie pratique, édition Minuits, Paris, 1981.2003.

Scruton Roger, Spinoza, traduit par Ghislain Chaufour, édition du Seuil, Paris, 2000.

Levinas Emmanuel, Totalité et infini, essai sur l’extériorité, édition Nijhoff, La Haye, 1961

Levinas Emmanuel, le temps et l’ autre, Fata Morgan, 1979, repris par PUF, Quadrige, 1985.

Levinas Emmanuel, Autrement qu’être ou au- delà de l’essence, édition Martinus Nijhoff, La Haye, 1974.

 

 

إن أغلب الأفكار والأحاسيس التي تخطر في ذهن الإنسان تُفرض عليه فرضاً دون ان يتقصد اظهارها. وقد تبرز الخواطر منذ البداية بلا وعي، كالذي يحصل باستمرار عند الغفوة بين اليقظة والنوم، فكثيراً ما تمر بالفرد أفكار لا يقصدها ولا يعرف سبب ظهورها، ومع هذا تظهر حتى لو كانت ترتبط بماضٍ مؤلم تثير فيه الأرق، وتسبب له إهتزاز المشاعر وفقدان الراحة والنوم. وقد تنشأ الخواطر خلال فترة ضئيلة من الزمن إلا أنها تنقطع فجأة مما تسبب حالة الشعور بالذات، وربما يحاول أن يتعرف في الحال على طبيعة هذه الأفكار ونوعيتها ومدة مرورها، ولكن دون جدوى، وكأن أشياءاً غريبة مرَّت به دون أن يتعرف عليها أو يشعر بها.

هكذا إن أغلب الأفكار التي تخطر في أذهاننا هي نتاج العقل الباطن من دون سلطة لنا عليها ولا وعي بها. وتعتبر الخلوة مجالاً خصباً لاطلاق هذا النتاج الزاخر بالحيوية. وكما يعبر بعض الباحثين بالقول: إن المرء حينما يكون في وسط الجماعة فإنه كثيراً ما يتوهم انه (يعمل)، بينما يكون في الحقيقة قد اكتفى بالاستسلام للمجتمع، فحمله تيار الحياة الجمعية فوق أمواجه الصاخبة العاتية. وأما في لحظات الوحدة فإن مجرد التحرر من نداءات الواقع، سرعان ما يرتد بالمرء إلى مركز وجوده، وعندئذ تنبعث من أعماق الموجود مئات من القوى المجهولة المعجزة التي تغير من صفحة العالم أمامه، وتسمح له بأن ينجو مصيره. وهكذا قد يكون في وسعنا ان نقول ان قيمة كل فرد منا انما تقاس بمدى قدرته على الإنطواء على نفسه.. ولهذا يقول لويس لافل: «ان كل قوتنا، وكل غبطتنا، وكل ثروتنا أيضاً، انما تنبعث جميعاً من الوحدة، ما دام شيء لا يمكن ان يكون ملكاً لنا حقاً، اللهم إلا اذا تبقى لنا حتى بعد ان نكون بمفردنا»[1].

وكثيراً ما يتحدث العرفاء الصوفيون عن الخواطر، وبعضهم يحصيها فيوصلها إلى خمسة أنواع ذات مراتب مختلفة للكشف، كالذي يفعله صدر المتألهين، وهو يحلل بعضها عبر الاعتقاد بوجود صراع بين الملائكة والشياطين المجتمعين في أعماق النفس الباطنية، فتظهر على أثر ذلك الخواطر المختلفة وفق مبدأ السنخية[2]. وهو الصراع المنعكس عن النزاع الوجودي بين الخير والشر، والذي يمثل عليه العرفاء بمظهري محمد وإبليس، وفق مقولتهم: «لا فتى إلا إثنين: أحمد وإبليس». والصراع النفسي الذي يتحدث عنه العرفاء، شبيه بما تذكره مدرسة التحليل النفسي من صراع داخلي لاشعوري، ضمن الهو الذي يكون مقسم الارادة بين غريزتي الحب (إيروس) والموت[3]، فالأولى هي ذاتها غريزة اللذة والجنس التي تدعو إلى الحفاظ على الذات والحياة، أما الثانية فتدعو في القبال إلى الهدم والعدوان. وكلا الغريزتين متعايشتان معاً رغم ما بينهما من صراع وتضاد.

وبحسب الغزالي فإن الكشف يفيض على أهل الأرباب من العرفاء، تارة على سبيل الإلهام بأن يخطر لهم بنحو الورود من حيث لا يعلمون، وأخرى على سبيل الرؤيا الصادقة، وثالثة في اليقظة على نحو «كشف المعاني بمشاهدة الأمثلة كما يكون في المنام، وهذا أعلى الدرجات، وهي من درجات النبوة العالية»[4]. وفي محال آخر اعتبر الغزالي أن ما يهجم على القلب من علم وكشف؛ منه ما لا يدري العبد كيف ومن أين حصل له هذا العلم، كما منه ما يطلع العبد معه على السبب الذي استفاد منه ذلك العلم. ويسمى القسم الأول إلهاماً ونفثاً في الروع، وهو ما يختص به الأولياء، بينما يسمى الثاني وحياً إذ يختص به الأنبياء[5].

وبلا شك ان الإنطواء على الذات يعمل على تخفيف مجاري المعطيات الخارجية والحسية، مما يهيء للنفس القابلية على إفاضة الخواطر والأفكار الخلاقة، فهي مخزونة في عالم العقل الباطني، وتحتاج إلى ما ينفّس عنها عند غلق منافذ الحواس. فالعلاقة بين العالمين الخارجي والداخلي للنفس متعاكسة، فكلما اتيحت الفرصة إلى العالم الخارجي بالإنفتاح كلما تمّ التضييق على النشاط الداخلي للنفس. كذلك فإن منع النشاط الخارجي من الفعل؛ يساعد على تهيئة النشاطالداخلي للقيام بدوره الخلاق، وهي الفرصة التي ينتهزها العرفاء الصوفيون. وكما يرى الغزالي بأن هناك طريقين للمعرفة التي تنساق إلى القلب، أحدهما كسبي إذ يأتي بواسطة أنهار الحواس والإعتبار بالمشاهدات الحسية حتى يمتلئ القلب علماً، أما الآخر فيأتي من خلال سد هذه الأنهار بالخلوة والعزلة وغض البصر ثم التوجه إلى عمق القلب بتطهيره ورفع طبقات الحجب عنه، حتى تتفجر ينابيع العلم من داخله[6].

مع ان هناك خلافاً ضمن أجواء الفلاسفة والعرفاء. فالبعض منهم يرى ان الإبداع في كشف الحقائق يأتي بداية ولو لم تكن هناك سابقة للاستفادة بالكسب العلمي والإنفتاح على العالم الخارجي، وهناك تشكيك فيما يقدمه العقل من أدلة ونتائج كسبية. لذلك هاجموا المنطق الأرسطي ولم يتقبلوا التفكير العقلي عموماً، منذ ظهور العرفان وازدهاره في الحضارة اليونانية، وحتى الحضارة الإسلامية، كما يظهر لدى جابر بن حيان الكوفي وذي النون المصري وغيرهما ممن طعن بقدرة العقل على الوصول إلى الحقائق الماورائية. وقد ظلت هذه النظرة هي السائدة تقريباً لدى العرفاء. فالصوفية كما ذكر الغزالي لم يحرّضوا على تحصيل العلوم ودراستها للبحث عن حقائق الأمور، بل رجحوا على ذلك العمل بالمجاهدة في محو الصفات المذمومة والإقبال بكل الهمة إلى الله تعالى[7].

كذلك كان الأمر بعد الغزالي، إذ أنكر إبن عربي - مثلاً - وجود قيمة حقيقية للتفكير العقلي، ورأى أن ما ذكره الغزالي من أهمية للعقل في تحديد مدارات الكشف هو «زلة قدم» ما كان ينبغي له أن يقع فيها، وإن اعتبر ذلك تستراً له، إذ نبّه في مواضع أخرى على خلاف ما أثبته. وأصرّ إبن عربي على أن العلم الصحيح ليس نابعاً عن الفكر ولا عن العقلاء من حيث أفكارهم، وانما يتحقق في المكاشفات والأذواق، فهي بمنزلة الأدلة لأصحاب النظر في العلوم، وبالتالي فليس العلم إلا ذلك النور الإلهي الذي يقذفه الله في قلب العالم[8].

في حين ذهب آخرون إلى خلاف ما سبق، فاعتبروا ان من شروط الكشف والإبداع الحقيقي (العرفاني) هو التزود بالكسب العلمي والإنفتاح على العالم الخارجي. ويعتبر ابو حامد الاصفهاني التركة وصدر المتألهين الشيرازي من أبرز من ذهب إلى هذا التوجه. فالأول كان يرى المشاهدة الكشفية لا تصلح - عنده - إلا بعد سبق عملية الاستفادة من ملكة تلك العلوم الحاصلة عن طريق العقل أو الفكر النظري. كذلك رأى صدر المتألهين ان الكشف لا يستغني عن معرفة مقدمات القضايا، بل ورأى أنه يندر أن تكون هناك نفس قدسية لم يمسّها التعليم البشري[9]، فهو لا يسلّم بصحة الكشف ما لم يمر بمرحلة التعليم الكسبي إعتماداً على العقل وآلاته من الحواس. لذلك ذمّ طائفة من الصوفية لأنها لم تلتزم بهذا النوع من التعلم، ووضع فصلاً عنوانه (في أن من شرع في المجاهدة والرياضة، قبل إكمال المعرفة وإحكامها بالعبادات الشرعية فهو ضال مضل)، وقال فيه: «إن الذين نصبوا أنفسهم في هذا الزمان في مقام الإرشاد والخلافة جلّهم بل كلّهم حمقى جاهلون بأساليب المعرفة والرشاد واستكمال النفس وإستقامتها في السداد، وأكثرهم ذهبوا إلى منع الصور الإدراكية، وسد أبواب المعارف والعلوم التي هي الأمثلة للأعيان الخارجية، زعماً منهم أن هذا العمل من الطالب هو الذي يبعّده للتوجه نحو المبدأ الفياض. ولم يعلموا أيضاً أن عزل المدارك والقوى العقلية والوهمية والخيالية عن أفاعيلها وآثارها بالكلية محال. ولم يتفطنوا بأن عزلها عن تحصيل ما لها من الكمالات يوجب ركونها إلى صور مشوشة يخترعها الخيال، وذلك هو الظلم... وهم مع هذا يسمون ذلك معاينة ومكاشفة»[10].

هكذا بحسب الاتجاه الأخير يمثل الإنفتاح على العالم الخارجي في الكسب العلمي شرطاً ضرورياً للعرفان الصحيح والكشف عن الحقائق، حيث تحتفظ النفس بمخزونها العلمي المكتسب ليتهيأ لها الإنفتاح على الخواطر الملهمة والتحقيق بلا وعي، وأحياناً يحصل ذلك خلال الغفوات والأحلام.

إن عالم اللاشعور هو عالم التفكير والإبداع وإن لم نشعر بذلك، أو إننا ندرك بأننا لم نقم بأنفسنا في توليد النتائج المذهلة خلال لحظة حيوية مدهشة لا تقبل الوصف. وهو الأمر الذي يفسر لنا الكثير من الاكتشافات العلمية، حيث لم تأتِ إلا بعد جهد جهيد، وكان الرياضي الفرنسي هنري بوانكاريه يقول: «لا يكون هذا العمل اللاشعوري ممكناً ومنتجاً إلا اذا هيأه عمل شعوري، ولا تشرق هذه الالهامات السريعة على الإنسان إلا بعد جهود ارادية. العقل لا يستريح في الظاهر إلا ليعمل في الباطن، ولا تنبجس الحقيقة من هذا العمل اللاشعوري إلا اذا كان مسبوقاً بعمل ارادي. وعلى ذلك فإن الحياة اللاشعورية لا تقل خطورة عن الحياة الشاعرة»[11].

وقد سُئل نيوتن مرة عن كيفية اكتشافه لقوانين الجاذبية، فكان جوابه هو التفكير فيها دائماً.

ولعل التجربة الذاتية للعلماء والمفكرين والأدباء هي أكبر شاهد على ما يحصل من أسرار عظيمة في عالم الكشف، إذ تخرج الأفكار بذاتها من مسرح اللاشعور إلى الشعور بلا تفكير ولا استدلال. وربما كانت نظرية نيوتن في الجاذبية تستند إلى هذه التجربة إذا ما صح النقل بأنه توصل إلى اكتشافه بعد أن رأى تفاحة تسقط على الأرض وهو جالس في حديقة منزله يتأمل، فصاح: وجدتها.. وجدتها، كما سبقه في هذه الصرخة أرخميدس.

وكثيراً ما يحصل الإكتشاف بهذه الطريقة المفاجئة في عالم الرياضيات، وهناك قصص كثيرة يرويها العلماء عن أنفسهم وكيف أنهم رأوا الحل أمامهم كبريق خاطف من دون تفكير. بل ان بعض الأفراد لهم القدرة على توليد النتائج الحسابية المعقدة بطلاقة أو من دون نظر وتفكير، ومن هؤلاء من يتصف بالعوق العقلي[12].

يذكر المؤلف الموسيقي موزارت Mozart (خلال القرن الثامن عشر) تجربته بهذا الصدد ويقول: عندما أكون هانئ البال حسن المزاج، أو عندما أقوم بنزهة في العربة، أو على قدمي، بعد وجبة جيدة، أو في الليل حين لا استطيع النوم، تشق الأفكار طريقها في رأسي بالسهولة التي يمكن لأي إمرئ ان يتمناها، فيا ترى من أين تأتي وكيف؟ أنا لا أدري، وليس ثمة ما أفعله حيالها، فأحتفظ بما يعجبني منها في رأسي وأترنم به، أو هذا على الأقل ما قاله لي الآخرون بأني أفعله. وما ان تكون فكرة اللحن الأساسي جاهزة لدي حتى يخطر لي لحن آخر يربط نفسه بالأول وفقاً للقواعد التي يتطلبها التأليف بمجموعه.. وعندئذ تصبح روحي متأججة بالإلهام، فينمو العمل، واستمر في توسيعه، مع استيعابي له بصورة أوضح فأوضح إلى ان ينتهي من التأليف كله في مخيلتي على الرغم من انه قد يكون طويلاً. وحينذاك يلتقطه عقلي كلمح البصر.. فهو لا يأتيني متوالياً بمختلف أجزائه منجزة بالتفصيل كما ستكون فيما بعد، وانما يأتي كاملاً تُسمعني اياه مخيلتي[13].

فالحدس الكشفي مزود بطاقة حيوية كبيرة تشدّ نفوسنا للأخذ به، ومن يتعرّض له قد لا يحتاج لفحصه وإختباره من الخارج.

وتكثر هذه الحقيقة في حالات الخلوة والتفكير الدائم مع عدم تشتيت الذهن. ولعل أنسب فتراتها وقت السحر، ففيه يزداد توارد الأفكار وتأثر الشعور بعالم اللاشعور المجهول، وهو سرّ عظيم لم يستكشف منه شيء حتى الآن.

وإذا كان الإهتمام والممارسة التأملية يعدّان من العناصر الهامة والفعالة لتحقيق التجربة الحدسية، كما سبق أن أوصى بها الفلاسفة المتأخرون من المسلمين، فإن ما يُجنى من هذه التجربة يجب أن يُصاغ ضمن القوالب المنطقية التي تليق بالعلم المعنية به، كما نبّه على ذلك إبن خلدون[14].

 

مفكر وباحث عراقي

.......................

[1] زكريا إبراهيم: مشكلة الإنسان، ضمن سلسلة مشكلات فلسفية، طبع مكتبة مصر، ص24ـ31.

[2] انظر حول الآثار التي خلفها مبدأ السنخية على التفكير الفلسفي والعرفاني واسقاطاتها على الفهم الديني كلاً من: مدخل إلى نظم التراث، ضمن سلسلة المنهج في فهم الإسلام (2). والنظام الوجودي، ضمن سلسلة المنهج في فهم الإسلام (3).

[3] الأنا والهو، ص93.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، بهامشه كتاب تعريف الاحياء لعبد القادر باعلوي، وعوارض المعارف للسهروردي، ج1، ص62.

[5] الإحياء، ج3، ص14.

[6] الإحياء، ج3، ص16، ص470.

[7] الغزالي: ميزان العمل، حققه وقدم له سليمان دنيا، دار المعارف في مصر، الطبعة الأولى، 1964م، ص221ـ222. والإحياء، ج3، ص15.

[8] الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي، جمع وتأليف محمود الغراب، دار الفكر بدمشق ، ص177.

[9] صدر المتألهين الشيرازي: كسر أصنام الجاهلية، حققه وقدم له محمد تقي دانش بژوه، مطبعة جامعة طهران، 1340هـ ـ 1962م، ص15.

[10] كسر أصنام الجاهلية، ص23ـ24.

[11] علم النفس، ص165.

[12] انظر الشواهد على ذلك مثلاً: بول ديفيز: التدبير الإلهي، ترجمة محمد الجورا، مراجعة جهاد ملحم، دار الحصاد، دمشق، الطبعة الأولى، 2009م، ص158 وما بعدها. وروجر بنروز: العقل والحاسوب وقوانين الفيزياء، تصدير مارتن غاردنر، ترجمة محمد وائل الأتاسي وبسام المعصراني، مراجعة محمد المراياتي، دار طلاس، دمشق، الطبعة الأولى، 1998م، عن مكتبة الموقع الإلكتروني: www.4shared.com، ص490 وما بعدها.

[13] العقل والحاسوب وقوانين الفيزياء، ص495ـ496.

[14] مقدمة إبن خلدون، المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، ص535ـ536. كذلك: مدخل إلى فهم الإسلام، مؤسسة الإنشار العربي، الطبعة الثالثة، 2012م.

akeel alabod(فللجسم وراء اتصاله الجوهري جزء آخر حيثية ذاته حيثية قبول الصوروالأعراض اللاحقة وهوالجزء المسمى بالهيولي والمادة). ومقدمة السيد العلامة هذه ترتبط بمحورين: الاول يبحث في الطبيعة المتغيرة للجوهراي حقيقته المادية، والثاني في أصل المادة اي الحقيقة التكوينية للجوهروهي الهيولى كما سيأتي.هنا نقطتان الأولى ترتبط بحقيقة الجوهر، والثانية بحقيقة العرض.والعرض يبحث في الهوية المتغيرة للمادة بعد الاتصال بغيرها، بينما يبحث في الجوهرعن اصل المادة، أي حقيقتها التكوينية قبل انفعالها، اي اتصالها بمادة ثانية، حيث ان للمادة حيثيتان؛الاولى حيثية الفعل، والثانية حيثية القوة. ان الامتدادات الثلاثة للجسم باعتباره جوهر ترتبط بحيثية الفعل، أما حيثية القوة فهي حيثية الانفعال وهي تنتج عن الصورة الثانية عبر تفاعل واتصال المادة بمادة اخرى (1).

وتوضيح ذلك بحسب السيد العلامة ان للجسم اوالمادة صورة وكمالات قبل الاتصال، وصورة وكمالات بعد الاتصال.الاولى تسمى هوية الوجدان اي هيئة المادة الفعلية، والثانية هيئة المادة المنفعلة اي المتغيرة وهويسمى بالفقدان، والفقدان هنا بمعنى تغير ماهية المادة الأولى الى ماهية ثانية، فماهية زيد الانسان هي غير ماهية النطفة التي تفاعلت مع البويضة في رحم المرأة لتصبح زيدا فيما بعد، كما جاء في شرح السيد العلامة كمال الحيدري(2).

والهيولى(السايتوبلازم) هي المادة التي يصنع الشيء منها. فطريقة بنائها التكويني وتركيبها البايولوجي يعكس قدرتها على التطورواتخاذ صورمختلفة. ومن مكونات هذا السايتوبلازم الميتوكندريات وهي عضيات وظيفتها التنفس الخلوي وتوليد الطاقة داخل جسم الخلية وتحتوي على حمض دنا. والميتوكندريات هي من الاجزاء التابعة لأجزاء الخلية الاساسية التي هي الغشاء البلازمي، والنواة، والهيولى (3).هنا حيث لا يخفى، فان هنالك نسب ومقادير تدخل في اكمام هذه المكونات وهي ضرورية في حسابات معادلات التفاعل البايولوجي والكيميائي، باعتبار ان شروط التفاعل والاتصال مع المواد والاجسام يعتمد على هذه النسب.

ونقطة الارتباط في محوري البحث تعتمد على قضيتين:الأولى تبحث في القبول(قابلية) المادة على الأتصال، والثانية استعداد هذه المادة على الانفعال وذلك بحكم طاقتها الحركية الناشئة عن الطبيعة المتغيرة لتركيبة الخلية بحسب ما ورد اعلاه.وعلى اساس التحقيق فيما تنوقش في قانون الحركة الجوهرية لصدر المتألهين، نجد ان هنالك طاقة ومادة وسرعة تتنازع فيما بينها، هذا التنازع يبحث في الفرق بين الجوهر والعرض، وبموجب هذا الفرق يصبح للمادة هويتان، فقبول المادة على الاتصال امرا عرضيا، اذ الجوهرهوية المادة الاولى، والعرضي معناه كما اسلفنا قابلية المادة على التحول اوالتغير، اي الهوية الثانية للمادة.

 

وهذه المقولات تتفق مع ماجاء به اينشتاين في قانون بحث الطاقة والمادة حيث (ط = ك.س²)، بمعنى ان حساب الطاقة اي القوة الفاعلية للمادة المرتبطة مع حيثية القبول يأتي من حاصل ضرب كتلتها اي صورتها الجسمية المفروض فيها الامتددات الثلاثة والتي تم الاشارة اليها في مقدمة البحث، مع مربع سرعة الضوء (4).وبحسب تركيبة الخلية يصبح من الضروري الاستفادة من التركيب الذري لنواة الخلية وهذا مهم في بحث ودراسة الهندسة اوالنشاط الذري لحركة الخلية من خلال انتاج صورجديدة للمادة على اساس مبدأ التحكم بالحركة اوالسرعة. والسؤال كيف يتم بناء خلايا جديدة، اوكيف يتم التحكم في انتاج صورنوعية جديدة للمادة بحسب ما تم مناقشته اوالتطرق اليه؟

هنا نقطتان:الاولى، قابلية المادة على الاتصاف بهوية اخرى كما في تحول النطفة الى زيد، حيث فقدان النطفة لهويتها التي كانت عليها بعد تحولها الى زيد، فالقبول والاتصاف بالصورة الجديدة يدخل في باب الفقدان، وحقيقة تلك القابلية قبل الانفعال اوالاتصال تدخل في باب الوجدان، وهو الطاقة الكامنة اوالامكان الاستعدادي للمادة، وهذا يعطي اتصافا جديدا للمادة اوالكتلة بحسب القانون اعلاه.الثانية، موضوع مربع السرعة ويحسب من خلال المسافة والزمن، والغاية من تربيع السرعة لها مضمون فيزيائي بحسب قانون الجذب العام لنيوتن، الذي يسمى بقانون التربيع العكسي وهو ان (القوة تتناسب عكسيا مع مربع المسافة بين مركزي الجسمين) وهو قائم على اساس ان حركة المادة يفقدها جزء من مادتها اثناء اتصالها مع مادة ثانية لتنتج صورة جديدة وهذا ما يسمى بالفقدان كما يحصل في انشطار الذرات الكيمياوية، لهذا فان مربع السرعة يساعدنا في تحديد الصورة الجديدة اوالاتصاف الجديد للمادة (5).

فقد ورد في سورة المؤمنون اية 13 (ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم انشأنه خلقا اخرفتبارك الله احسن الخالقين) (6).

وهذا من قبيل التطورالبايولوجي للجنين عبر مراحل التكوين المختلفة للإتصاف الجديد حيث النطقة التي خلقها الله لتكون سببا كافيا لخلق اخر يتلوها زمن تحول النطفة الى علقة، وزمن تحول العلقة الى مضغة، وزمن تحول المضغة الى عظام، وزمن كسو العظام لحما. وهذه المراحل الخمسة المتصلة وهي مرحلة النطفة والعلقة والمضغة والعظام واللحم تصبح في النهاية خلقا اخرا بافاضة الخالق حيث تكتمل عوامل الخلق والتكوين بناءا على قانون الاتصال الفيزياـبايولوجي للخلية ومراحل تكاملها الخلقي بحسب (الاستعدادات التدريجية المتعاقبة الحصول في امتداد الزمان)(7) بحسب الملة هادي السبزواري.

 

...................

الهوامش:

(1) نهاية الحكمة، في ماهية المادة وإثبات وجودها ص 113ـ ط 1986بيروت ـلبنان114.

(2) كتاب نهاية الحكمة السيد كمال الحيدري المجلد الاول، في ماهيَّـة المـادَّة وإِثبـات وجودهـا: من قوله :فإنَّ الإِتِّصالَ الجوهري من حيث هو اِتِّصالٌ جوهريٌّ لا غير، وأمَّا حيثية قوَّة الكمالات الَّلاحقة وإِمكانها فأمرٌ خارِجٌ عن الإِتِّصال المذكور مُغايراً لهُ، محاضرة 102.

(3) راجع هيولى المعرفة.

(4) تكافوء الطاقة والمادة انشتاين 2015، ويكيبيديا، الموسوعة الحرة.

(5) راجع فلسفة الفيزياء2014، ويكيبيديا، الموسوعة الحرة وقانون الجذب العام لنيوتن 2015 .

(6) كتاب نهاية الحكمة السيد كمال الحيدري المجلد الاول، محاضرة 102.

(7) راجع شرح الاسماء الحسنى الملة هادي السبزواري ج1، ص62.

raheem alsaidiلا شك ان محمد اركون يمثل مفصلا مهما في الفكر العربي المعاصر، ليس لانه صاحب مشروع فحسب، بل لان لديه خاصيتا المغامرة والخيال اللتان تعدان الاساس الصحيح لاخراج وانتاج النجم المفكر (او صناعة المفكر) بالاضافة الى الاعلام الذي عوضه باتقانه اللغة الفرنسية والاتكاء على النشر في اللغة الفرنسية ومع هذا فهو لم يحقق تقدما بمشروعه في الانسنيات على الارض الاوربية ويسير بصعوبة في الارض العربية والاسلامية بالرغم من شمولية المنهج او المشروع بحيث تختلط على المتتبع الامور فيسال هل هو مشروع اسلامي ام علماني ام فلسفي ام هو مجرد تنظير اجتماعي ...الخ .

ومع ان قضية الانسنة لا تختصر بعجالة، الا انها ببساطة مشروع يعتمد على مناهج الفكر الغربي المعاصرة ومنها اللغوية واللسانية والتاريخية في نظرته الى التراث الاسلامي ويتعامل مع النص بمعزل عن القدسية ويخضعه للبحث والمنهج العلمي، ويحاول تطبيق العلوم الانسانية على الوحي واعتماد طريقة (الاسلاميات التطبيقية) والمناهج الانثروية والسيميائية والاركلوجية والتفكيكية والهرمنيوطيقية، وبالتالي التعامل بجزئية ونسبية مع كل شيء الا مع المنهج الذي يستخدمه فهو المطلق بالقياس الى النصوص (كل النصوص)، مع انها مناهج نسبية لا توصف بكونها مطلقة لانها تتعامل مع النسبي ايضا ولان مديات العلم لا توصف بالمحدودية وبالتالي يصعب الاطلاق هنا، وهو يفصل بين الدين والنص وبين الانسان والدين والانسان وارتباطاته الروحية، وهذا هو المعيار الاساسي الذي جعل اركون يعتمد على مجموعة من المفكرين الاسلاميين بعدهم من موسسي الانسنة العربية ومنهم مسكويه وابي حيان التوحيدي والعامري وغيرهم . فكان اركون الذي تاثر بالمتاثرين بنيتشة واولهم فوكو، اراد التاصيل للسوبرمان الجمعي (المجتمع الانسان)، وهو المتاثر بالافكار النثربولوجية والسسيولوجية، واراد رفع المجتمع الانساني بتحميله اطار السوبرمان بازاء الشخوص والرموز والذوات المقدسة بما فيها الله والنص الالهي.

ويبدو ان لمشروع الانسنة مديات ومراحل للتطور فهو يبدا من طرح انساني لينتهي بطرح اقصائي لكل ما عدى الانسان، وتتشكل على اساس غائي لا يختلف عن فكرة اليوتوبيا التي تسعى الى تاكيد ذاتها بغاية نهائية لا تشاركها غاية اخرى او لا تختلف عن الافكار الاشتراكية التي تجعل من الوصول الى النظام او المنهج الشيوعي هو الهدف الاساس فلا تكتفي بالاشتركية بعدها نظاما للعيش والتعامل والتطور، فهدفها الاول والمتصل بالغاية يشير الى تطبيق كامل يعالج النظام الاجتماعي قبل ان يكون السياسي وما السياسي الا الهدف الثانوي لتشكيل الدول او لتاسيس منهج صمم ليستاصل كل ما يهدد الفكرة المطروحة او يتصور صاحبها بانه يعارضه وفق قراءته للتاريخ، واقصد استئصال الدين وملحقاته لفسح المجال للتحدث عن كل ما هو متقاطع مع الدين، وبعدها يتم تطبيق ذلك الهدف النهائي.

وهذا ما اراه في الانسنة والفكر الانسني الاركوني فهناك حدية متطرفة لا تهتم بقراءة التنوع اكثر من اتجاهها بنظرة احادية ذاتية تعطي للفرد (الانسان) المساحة الكلية من منهج يعمل على تمجيد ذلك الانسان وتوفير بيئة فهمية وثقافية وفكرية له، ومن الغريب ان هذا المنهج هو الفتات الذي يصلنا بواسطة اركون (المفكر والمغامر) من الفكر الاوربي (الفرنسي حصرا) بوساطة جيل من المفكرين الفرنسيين فوكو، دريدا، التوسير، دولوز، والذي تحول الى مرحلة ما بعد (الانسان) ان امكننا القول، في الوقت الذي ياطر اركون الى مشروع يعتمد على الانسنة باعتبرها الحل الناجع لازمة الفكر والحضارة العربية .

ان القول بعدم نجاح مشروع اركون بالرغم من العناصر المهمة التي يحملها يمكن ان يدرج ضمن عدد من العوامل التي قد لا تسرد هنا بشكل مباشر وبصورة تقريرية، ففي المشروع مقاربة كما اسلفت من قضية طمر الغرائز والتنظير غير الواقعي الذي الحت على تطبيقه الاشتراكية في سيرها لاكمال مشروع الشيوعية في طوره النهائي، وواقع الحال انه ارتطم بالواقع (سيما السياسي والاجتماعي بل والنفسي منه) ففشل التخطيط الذي نظر له ماركس بقلب المعادلة الهيجلية راسا على عقب وقدم ديالكتيكا استطاع المسير ولو برجل عرجاء الى فترة معينة انتهى خلالها من مهمة القضاء على الحكم الذاتي الذي تمثل بالملوك ذوي نظرة البعد الواحد لا الابعاد المختلفة .ولكن البديل لتك النظرة ايضا كان قاصرا بالرغم من تحقيقة الانجاز الذي حول المجتمع الروسي مثلا الى مجتمع اخر يختلف كما وكيفا ....ومع هذا فقد التفت الى مسالة مهمة تعتمد التخلص من القيود العديدة التي صممتها له الاشتراكية .

ان تلك الصورة التي لن تستمر قد نجدها في منهج اركون الذي يستبعد عناصر تتصل بالانسان، مما يجعل مشروعه الانسني يمثل تطرفا لا ينسجم والنظرة الموضوعية التي يتوجب ان يراعي بها المفكر التاثيرات التي لا يمكن استثنائها في حياته الواقعية ومنها الدين والتاريخ فيتحتم التعامل او التفكير بنظرة انسنة معتدلة لا تقصي ولا تستثني مختلف المؤثرات ولا تقنن النصوص السماوية وفق نظرة انسنة اقصائية لان ذلك يعني حرمان شريحة اخرى توصف بالانسنية ايضا ولكنها تعطي للنص المقدس قيمة روحية،فدريدا الفيلسوف الفرنسي الذي يرخم لفظة الهدم الى التفكيك في منهجه وغيره هم الملهمين لاركون في منهج يبحث عن غاية مقصودة هدفها الهدم، وليس الحل او النمو الفلسفي، فكانت الغاية الموضوعة لهذا المنهج تلقف وتستبعد وتزيل كل ما في طريقها من الحلول الاخرى التي يمكنها التوفيق بين النص المقدس وقراءة ذلك النص وفق منهج يوفق ولا يستبعد ويركب حتى وان فكك، ترشيدا للافكار وتمهيدا للتنمية الممكنة في النص واستعادة منهجية تكرير النص وليس اطفاء النص لغرض اشعاله مرة اخرى وللحديث تتمة .