زهير الخويلدي"إن الاستعمار، من حيث هو نفي منظم للآخر، من حيث هو قرار صارم بإنكار كل صفة إنسانية على الآخر، يحمل الشعب المستعمَر على أن يتساءل دائما هذا التساؤل: من أنا في الواقع؟"1[1]

يعد المارتينيكي إيمي سيزار 1913-2008 أحد مؤسسي الحركة الزنجية المناهضة للاستعمار وأكثر الشعراء والكتاب السياسيين الذي حارب التمييز والعنصرية وسعى إلى تغيير صورة الإنسان الملون والانتقال به من حال الانطواء على الذات والعجز عن المبادرة إلى وضع الثورة على الواقع وصنع مصيره بنفسه والتسلح بالمعرفة والإرادة في سبيل الانعتاق من الظروف السيئة وتشييد ظروف حسنة.

لقد كتب سيزار بعد انضمامه إلى الحركة السريالية ونشاطه داخل المعسكر اليساري في فرنسا مجموعة من الكتب والمسرحيات والرسائل أهمها: "الأسلحة العجائبية" و"خطاب عن الاستعمار" و"تراجيديا الملك كريستوف" و"موسم في الكونغو" و"الشمس مقطوعة العنق" و"رسالة إلى موريس توريز".

 لقد مثل هذا المناضل الأممي صرخة مدوية في وجه الامبريالية وتمردا عرقيا ضد النزعة التمركز الغربي المعادية للإنسانية وجسد نزعته الجذرية في المطالبة بالاستقلال للشعوب المقهورة ونادى بالحكم الذاتي لموطنه ورفض مدح الجانب الايجابي من الاستعمار وبقي يكافح للاعتراف بهويته وظل يرمز إلى الأمل الذي تتعلق به الدول المستباحة لكي تستعيد كرامتها وتحصين سيادتها وتجميع تراثها الوطني.

لقد حمل سيزار الاستعمار مسؤولية نزعة الحضارة عن الشعوب الأصلية وزرع البؤس في مجتمعاتها ومكنه نقده الجذري للظاهرة المرضية والحرب العنيفة من اكتشاف نزعة التشييء والإفقار للمستعمَر.

في نفس السياق كشف ابن موطنه فرانز فانون 1925-1961 عن العنف الكلي الذي يترتب عن العدوانية التي يتضمنها الاستعمار تجاه البلدان التي تتعرض للغزو التام ويتم الاستيلاء عليها ونهب خيراتها واستعباد سكانها وسبي نسائها ومحاصرة مدنها وتدمير محيطها دون مبرر تاريخي وبلا سبب معقول.

لقد حارب هذا الطبيب النفساني مع جيش فرنسا الحرة ضد النازيين عمل طبيا عسكريا في الجزائر رفقة المستعمر الفرنسي ولكنه انضم الى جبهة التحرير الجزائرية وعمل طبيبا بتونس ومحررا بصحيفة المجاهد وسرعان ما صاغ فلسفة اجتماعية عندما قام بتأليف معذبو الأرض وبشرة سمراء وأقنعة بيضاء.

لقد نظر فانون للكفاح المسلح وطالب باستعمال القوة من أجل دحر المحتل وأجاز العنف ضد المستعمر ولقد ألهمت هذه الأفكار مختلف حركات التحرر الوطني في العالمي واعتبر أحد أفضل رموز الاستقلال.

لقد كان ضمير العالم الثالث وصوته المعلن وواضع برنامج الاعتماد على الذات والاكتفاء الذاتي الجماعي ولقد تفطن إلى أهمية فك الارتباط مع المستعمر وحذر من الوقوع في الاضطهاد الاستعماري من جديد عند الإبقاء على التبعية الثقافية والمصالح الاقتصادية والاقتراض المالي ونادي بالاستقلال الوطني التام.

لقد انتبه فانون إلى كون آفة الرضوخ للاستغلال ليس قانونا تاريخيا وانما هو حدث طارئ يمكن تغييره وأن التنازلات التي يقوم بها المظلومين ليست سوى أغلال لاإنسانية تعيقهم عن التطور وتسلبهم كرامتهم.

فكيف أدى تطبيق مبدأ التنازل عن الحقوق إلى سيطرة المستعمر على المستعمر سيطرة كاملة وشاملة؟

 

د. زهير الخويلدي

..........................

المصدر:

1- فانون فرانس، معذبو الأرض، ترجمة الدروبي والأتاسي، دار الفارابي، بيروت، طبعة أولى، 2004، ص276.

كاتب فلسفي

 

 

محمد العباسيالتأمين عقد يلتزم المؤمِّن بمقتضاه أن يؤدي إلي المؤمَّن له أو إلي المستفيد، الذي اشترط التأمين لصالحه، مبلغاً من المال أو إيراداً مرتباً أو تعويضاً مالياً ،  في حالة وقوع حادث أو تحقق الخطر المبين بالعقد، وذلك في نظير قسط أو أية دفعة مالية أخرى يؤديها المؤمَّن له للمؤمِّن (موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة للدكتور علي السالوس ص 365) .

أنا من عشاق البرامج الوثائقية المتعلقة بالجرائم والقضايا الجنائية على محطات "فوكس كرايم" و"ديسكفري ID" وغيرهما من محطات وقنوات.. ونلاحظ وفرة الجرائم في العالم وفي الولايات الأمريكية بالذات المتعلقة بالقتل والاحتيال بدافع الطمع في الحصول على تعويضات مالية متعلقة بالتأمين على الحياة !!  لماذا في أمريكا بالذات فهذا لا يرجع بالضرورة لكم المشكلات الأخلاقية المتفاقمة بقدر ما هو بسبب وفرة البرامج التلفزيونية والإخبارية التي تتناول كافة المواضيع ضمن الحريات الممنوحة لهم هناك.. فلا نجد في أغلب الدول الأخرى من يسلط الضوء على فضائحهم وفضائعهم مثل الولايات المتحدة والغرب بشكل عام !!

تخيلوا مثلاً رب أسرة يؤمن على حياته من أجل أن يحمي أفراد أسرته في حال وفاته.. لكن ينقلب السحر على الساحر.. يتعرض هذا الأب للخيانة الكبرى من أقرب الناس إليه.. من زوجته.. من أبنائه.. من أحفاده.. ممن ظن المسكين أنه يوفر لهم الأمن والأمان.. فيكيدون له مكيدة خسيسة تودي بحياته من أجل حفنة من النقود !!  بل لكم أن تتصوروا أن يقوم بالتأمين فرد على فرد آخر في ذات الأسرة ويكيد للضحية في غفلة من أمره بعد مرور فترة محسوبة حسب بنود عقد التأمين للحصول على التعويض المرتقب .

و كم من قصة لنساء قتلن عدة أزواج بالزرنيخ.. فهن تتزوجن مرة تلو أخرى في مدن مختلفة.. وتعملن على تسميم الزوج المغدور به عبر جرعات خفيفة من السم في الأكل على مدى شهور طويلة.. من أجل المال وبدافع الطمع.. وحالات أخرى تكون فيها "زوجة الأب" قد أمنّت على حياة ابن أو ابنة زوجها من أجل الاحتيال على شركات التأمين لصالح الزوج المؤمن له.. فتقتل المؤمن عليه أولاً وتنتظر حتى يحصل الزوج الغافل عن حقيقة الأمر على قيمة التأمين.. ثم تغدر به لترثه بعد ذلك!!  ومن القصص الموثقة إعلامياً أبناء قتلوا آبائهم وأمهاتهم من أجل تعويضات التأمين على الحياة أو الإرث.. ربما من أشهر القصص تلك التي تتعلق بالأخوين "منديز".. فقد قتلا والديهما في قصرهم في "بيفرلي هيلز".. كم هي قاسية قلوب كل هؤلاء وكم هي قذرة رائحة النقود الملطخة بالدماء!!

لربما كانت بعض القصص أشبه بالخيال .. فمثلاً ذاك الشاب الذي ظل يبحث عن الضحية المناسبة ليوهمها بالحب ويتزوجها.. وهو في باطن مخيلته المريضة يخطط لقتلها منذ البداية بعد أن أوهمها بأنه يفكر في مصلحتها حين جعلها توافق على طلبات التأمين على حياتها.. وفعلاً أمّن على حياتها مرة بعلمها، ومرات دون علمها لدى عدة شركات تأمين وصل عددها إلى أكثر من عشر شركات.. ثم قتلها قبل اكتمال السنة الأولى لزواجهما.. جاعلاً الأمر يبدو كحادثة وقوع من فوق صهوة جواد !!

قصص القتل من أجل تعويضات التأمين على الحياة كثيرة.. زوج أمريكي دفع بزوجته من أعلى جرف شاهق من أجل أكثر من أربعة ملايين دولار.. في حين الزوجة  المغدورة لم تكن على علم بالتأمين على حياتها.. وآخر افتعل حادثة بالسيارة من أجل 200 ألف جنيه إسترليني وبعدها بسنوات حاول تكرار نفس الخدعة مع زوجته الثانية من أجل 750 ألف جنيه.. والزوج النيوزيلندي الذي أغرق زوجته في بحيرة في كندا.. والزوج الإنجليزي الذي قتل زوجته بافتعال حريق في مسكنهما في بلجيكا من أجل نصف مليون جنيه إسترليني !!

الحمد لله كثيرا أن موضوع التأمين على الحياة في عالمنا نحن أمر نادر.. لربما سمعنا عن بعض قصص محاولات خداع شركات التأمين لدينا من أصحاب السيارات القديمة أو المشاريع التجارية الفاشلة بالحرق أو افتعال الحوادث من أجل الحصول على تعويض مناسب لا أكثر!! على الأقل في الحديد والحجر وليس في البشر!!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

علي المرهجكانت مُدن العراق، لا سيما بغداد، والبصرة، والموصل تزدان حداقئها بالورد، وإن كانت حدائقاً قليلة، فلم تكن الحياة في الماضي كما الحاضر في تعقيده ومُتغيراته الدراماتيكية المُتسارعة التي اقتضتها الثورات: التقنية، والمعلوماتية والبايلوجية، ولا أروم الخوض في تفصيلات هذه الثورات فهي ليست من مُقتضيات الشرح في هذا المقال.

في ماضينا القريب، كان ابن القرية حينما ينتقل أو يأتي مُسافراً من السلف إلى المدينة تُسحره طُرق المُدن الفارهة وألوان الورد في حدائقها لا لتشكيلات ألوانها المُبهرة فقط ولا لتنوعات عطره الفواحة، بل لأن القادم كان مشغولاً بمقارنة مشهدية القرية وبور أرضها وسبخها ومقارنة ذلك بمشهدية الرؤية لمدينة الأمس، أو ما نُسميه اليوم بـ "الزمن الجميل" ونتأسى على ماض فقدناه. فكم من العراقيين اليوم ينشر صوراً لمُدن العراق في الفترة الملكية وبداية العصر الجمهوري وصولاً لسبعينيات القرن العشرين، ويتغنى بها وكأنها الجنة التي غادرناها، فنحن أبناء آدم الذي أغوته التفاحة فرمته الجنة وغادرها.

زمن الورد كان ذاك كما يروم كبار السن تصويره لنا، وهم كآدم يرومون تحميل هذه الأجيال إثمهم كما حمل ذرية آدم خطيئة أبيهم.

ولا أظن الجنة كانت تليق بآدم بقدر ما كانت تليق بإبليس وصحبه من ملائكة السماء، إلَا أنه أبى واستكبر، ولم تكن الأرض بكل ما فيها من صراع وجود إلَا مكان يليق بآدم وذريته، فبهم تعمرت الأرض، وإن كان فيها بعض من خراب، فهذا لا يعني أن الأرض كانت أجمل قبل أن يتناسل فيها أبناء حواء وآدم.

إن قيمة الوجود (العالم الطبيعي) كما أحسب في التشكيل الإنساني، واستكمال بُنيانه، وأرى مُستوحياً رؤى الوردي أن الصراع بين بني البشر أمر تقتضيه حاجتنا للتطور.

فالناجح لا يشعر بنجاحه إلَا بوجود آخر فاشل، أو أقل منه نجاحاً، والشيء لا يُعرف إلَا بنقيضه، وصراع النقائض هذا بحسب جدلية (هيجل) المثالية، أو جدلية (ماركس) الواقعية إنما هو الذي يُنتج فكرة أو حياة جديدة.

لأعود للزمن الجميل كما يرغب البعض بتسميته، ذلك الزمن الذي كان فيه الفلاح مطية أو عبداً طائعاً لسيده الإقطاعي، يعمل طول السنة في أرض هذا (الشايلوكي)، وفي آخرها يبقى مديناً. لا تستغربوا إنه الزمن الجميل!.

كان أغلب أجدادنا وآباؤنا (يأكلون خلالات العبد)، وهي بعض من بقايا التمر التي نهشتها الديدان ليسدوا بها معدتهم الخاوية، ويشربون من ماء الساقية، ليعيشوا لحظات ذلك "الزمن الجميل"!.

في زمن ثورات الضباط الأحرار، أو الإنقلابيين بلغة الملكيين، تحققت بعض المكاسب للفلاح والكاسب، فكل هذه الثورات تبنت النهج الإشتراكي، وحصل في بدايتها نهضة عُمرانية وعلمية، وبدأ فقراء الناس يحلمون بدولة عادلة تضمن لهم حقوقهم، فوزعت عليهم أراض زراعية من دون دعم لهذا الفلاح الفقير الذي لا قدرة مادية على زراعة الأرض!، فتحولت الأراض إلى أرض بور، أو تملؤها الملوحة، لأن الحكومة الوطنية أخذتها من يد (التاجر المُحتكر، الإقطاعي، القاروني) بعبارة أستاذنا مدني صالح، لتُعطيها للعبد الفقير الذي لا حول له ولا قوة، فكان ما كان مما نحن نعرفه وينطبق عليه المثل العراقي (لا حظت برجيلها ولا خذت سيد علي)، فلا قدرة للفلاح على زراعة الأرض، ولم يكن ما سُميَ بـ "الإصلاح الزراعي" سوى شعار حق يُراد به باطل، فقد ترك الفلاح أرضه وهاجر للمدينة بحثاً عن فرصة عمل.

(يا فرحة ما تمت)، فلم تستمر فرحة الشعب بما حسبوه بأنه "الزمن جميل" طويلاً، لأن هؤلاء الثوار أغوتهم السلطة كما أغوت آدم التفاحة، فكان مصير الشعوب العيش أذلاء يتحكم بهم قائد عسكري أرعن، فحلت سلطة العسكر (الديكتاتورية) بديلاً عن سلطة الملكية المُستبدة، ولربما يعترض مُعترض علينا بأن زمن عبدالكريم قاسم في العراق كان فيه الأمل، وأوافقهم في بعض مُتبنيات الرؤية، ولكن لا يُنكر أحد منَا أنه حُكم (عسكرتاري) فيه ميل حاد للنزعة الفردية في الحُكم وتقديس الزعيم الأوحد للبلاد!.

جاء بعد ذلك زمن ثورة ضباط آخرين من الإنفصاليين عن حركة الضباط الأحرار السابقة، وبدأنا نسير نحو سياسة حُكم ليس عسكرتارياً فقط، لأن في قيادة العسكر بعض من احترام للرتبة العسكرية وتاريخهم في المُشرف بوصفهم قادة، وحيناً بعد حين بدأنا نسير باتجاه القناعة تأييد سياسة "الحزب القائد" وبعد تمكن هذا الحزب من السلطة وقيادة الدولة وفق سياسة (بسمارك) (النار والحديد) صار الشعب يهتف بإسم "القائد الضرورة"!!.

عجيب أمرنا كل ما مر علينا زمن صرنا نلعن الزمن الذي نعيش فيه، ونتغنى بزمن مضى. نحن أبناء الماضي، إن غادرنا نكون بلا كون ولا مُتعة لنا في وجودنا الحالي، فكلما سعينا لكسر قيود هذا الماضي، وجدنا أنفسنا نعيش حاضراً أقسى وأمر، ولفرط ما في واقعنا المُعاش من خيبات صرنا أسارى لماضينا، لنصفه بأنه "الزمن الجميل" رغم ما فيه من تعسف وظلم.

فرحنا نتحسر على "الزمن الجميل"! الذ مضى زمن الملكية، لنُردد المثل القديم "يا ريتك يا بو زيد ما غزيت"، "وتيتي تيتي، مثل ما رحتي إجيتي".

كثير من العراقيين وأنا منهم كُنا نحلم بسقوط (الصنم)، فكان تصورنا لسقوط نظام صدام نكته نتبادلها حالمين، ليأسنا من سقوطه، فقد كانت هُناك نكته يتداولها أبناء جيلنا والجيل الذي قبلنا بأن "صداماً يوم الحساب سلم على الإله، وكان الإله يقوم من كُرسيه مُرحباً بكل قادم إليه، إلَا مع صدام بقيَ على كُرسيه، ومد يده على صدام للسلم، فلم يستطع صدام كتمان غيضه عن الإله، فبادره بالسؤال، لماذا نهضت عن كُرسيك للسلام على الجميع، ولم تفعل ذات الأمر معي، فأجابه الإله، خشيت أن أنهض من كُرسيي، فتسحبني لتجلس مكاني على العرش"!!، وتلك نكتة فيها تعبير كاف عن يأس العراقيين من الخلاص من حُكم صدام وعائلته، فقد بدأ الكثير من العراقيين يُرددون لفرط ما فيهم من يأس "هلا هلا بابن حلا" وحلا هي ابنة صدام المدللة، بإشارة ذكية على أن تصور الخلاص من حُكم صدام وعائلته من قبيل تصورنا للمُستحيل.

ولكن نظام صداماً سقط بإرادة أمريكة، وكان كثير من العراقيين يحسبون أن بسقوط صدام ستُحل مشاكل العراق، وكنت أنا من هؤلاء، وبعد مرور الزمن وتبدل حُكومة بعد أخرى، وجد العراقيون أنفسهم يقعون في مُستنقع كبير للفساد وخراب البلاد والعباد، مصيبة تتلوها مصيبة. طائفية وصراع عرقي وأثني، وإرهاب مُتأسلم، ليُعيدنا الأمريكان لنقطة الصفر والعيش في حُلم العودة للماضي وما يرغب المسلمون والعرب والعراقيون بتسميته بـ "الزمن الجميل"، فكلما مرَ علينا زمن وعشنا بحاضر، وجدنا هذا الحاضر أسوء من الزمن الذي مضى!!.

يبدو أن حديث الذكريات، سيبقى جميلاً رغم كل ما فيه من مأساة وقسوة في العيش، لا لأنه جميل حقاً، بل لأن ما نعيش فيه من حاضر هو أمرَ وأكثر إيلاماً.

يتحمل أجدادنا وأباؤنا ونحن الكثير من سخط هذه الأجيال ليهم وعلينا، لأننا لم نكن جادين حقاً في نكران الذات والعمل على توثيق الصلة مع الجيل القادم وتصحيح المسار، فنحن ومن سبقنا نتحمل كامل المسؤولية عما سيؤول له مصير جيل الشباب والجيل الذي بعدهم.

(كُلنا فاسدون، كُلنا فاسدون، لا أستثني أحداً حتى بالصمت العاجز المواطن قليل الحيلة) بعبارة مُستعارة من مرافعة أحمد زكي في فيلمه الشهير "ضد الحكومة"َ، لتصورنا أن الغلبة هي من طبائع الأمور، فنحن من فرط بأبنائنا أبناء العجز والتردي، لأننا فرطنا بنزعتنا الإنسانية أولاً، وتهاوننا مع أفاعيل الحُكام وفسادهم، بل وتطبيل الكثير لهم ثانياً، وعمل الكثيرين منَا على تغييب الإحساس بإنتمائنا الحقيقي للوطن ثالثاً.

 

د. علي المرهج

 

حسن زايدحين يُدعي المرء للتجول في حديقة غناء، ويتجول بين أشجارها علي اختلاف أطوالها، وأغصانها، وأوراقها، وأزهارها، وثمارها، فإذا امتدت يده إلي زهرة من الزهور أو إلي ثمرة من الثمرات، بحسب ما تلذ عينه، أو تشتهي نفسه، لوجد في الزهرة رائحة تترك لذة في خياشيمه، يستقيم بها مزاجه، وتروق لها نفسه، ولوناً تطيب له النفس، وتستريح له العين، ويسلم به الإدراك. ولوجد في الثمرة لوناً ورائحة ومذاقاً، لوناً تستريح له العين، ورائحة يطرب لها الأنف، ومذاقاً يستلذ به اللسان.

ويرجع ذلك إلي أن في هذه الأشياء مظاهر الحياة، من نمو وإزهار وإثمار، وما فيها من لون ورائحة وذوق، ذاتي الوجود فيها، يصعب تغييره أو تعديله أو إلغاءه. وقد جعلت صالحة للأغراض البشرية.

أما الألوان الصناعية التي قد تبهر العين بشدة لمعانها وكثرة مشتقاتها وتنوع درجاتها فلا تجد لها في النفس أثراً من وجدان أو إدراك أو نزوع. ولا تجد لها في النفس شهوة، ولا في اللسان ذوقاً، ولا بين الأضراس مضغاً، ولا من الفم بلعاً. ومرد ذلك إلي كونها مصنعة مخلقة من مواد وأشياء ليست الروائح والألوان والطعوم ذاتية فيها.

ومثل الأخلاق كمثل الروائح والألوان والطعوم. فالطبيعي من الأخلاق كالطبيعي من الأشياء، والصناعي المخلق من الأخلاق كالصناعي المخلق من الأشياء.

والأخلاق الطبيعية هي تلك التي يتم بذر بذرتها من الصغر، بداية بالأسرة، مروراً بالمدرسة، مصاحبة لجماعة الرفاق، انتهاءًا بالجامعة. وبعد البذرة تجد لها الساق والجذور والنمو الخضري والفروع والأغصان. الأصل ثابت في الأرض، والفروع في السماء.

وإذا كان الفرد هو نواة الأسرة، والأسرة هي نواة المجتمع. فإن الفرد الذي هو الوعاء الذي تصب فيه المنظمومة الأخلاقية التي توارثتها الأسرة عبر أجيال، هو الناقل الأمين لتلك المنظومة إلي أسرة جديدة، وهكذا تتماسك المجتمعات أخلاقياً في إطار ما تعارفت عليه من معروف أو أنكرته من منكر. والأخلاق هي منظومة القيم التي تجلب الخير للإنسان، وتدرأ عنه الشر. وهي تمثل ضوابط للسلوك الإنساني. ومصدر الإلزام فيها هو الضمير أو الله عز وجل. وهي تنقسم من حيث مصدرها إلي أخلاق غريزية موروثة، وأخلاق مكتسبة من البيئة المحيطة. وتتم الممارسة الأخلاقية مع الله، ومع النفس، ومع الغير.

ومن مكارم الأخلاق: الصدق،الأمانة، الحلم،الأناة، الشجاعة، المروءة، المودة، الصبر، الإحسان،   التروي، الاعتدال، الكرم، الإيثار، الرفق، العدل، الحياء، الشكر، حفظ اللسان، العفة، الوفاء، الشورى،    التواضع، العزة، الستر، العفو، التعاون، الرحمة، البر، القناعة، الرضا.

ومن سوء الأخلاق عكس كل ما تقدم، أي الإتيان بمسالك تناقض مسالك مكارم الأخلاق.

ولا ريب أن مردود مكارم الأخلاق علي المجتمع يختلف عن مردود سوء الأخلاق. فالأولي مردودها إيجابي، والثانية مردودها سلبي، ويعد ذلك من نافلة القول. وتتم المعالجة المجتمعية لسوء الأخلاق عن طريق المجتمع بالإلتزام برادع اجتماعي عام يجري تطبيقه علي سيئو الطباع أو سيئو الأخلاق، فيجري تقويمهم إجتماعياً. والمجتمع السوي هو المجتمع الحامل لجينات التقويم الذاتي.

والإشكالية الأخطر في مسألة الأخلاق، ليست في الإتيان بفعل السوء المنافي والمناقض لمكارم الأخلاق، ولا في الإمتناع عن الإتيان بمكارم الأخلاق وسوءها، وهو فرض نظري جدلي يُساق من باب صيانة الإحتمال، وإنما الخطورة تتبدي في أمرين : الأول  في سكوت المجتمع عن فعل السوء دون تقويم، وفقدان المضادات الحيوية المقاومة لفيروسات أفعال السوء لديه. الثاني  في قيام مقترفو سوء الأخلاق بالتدثر بمكارم الأخلاق، أي أن سيء الأخلاق يظهر أمام الناس بمظاهر مكارم الأخلاق، وهو في الأصل يمارس سوء الأخلاق علي نحو أو آخر، وهو مستخفياً.

وهذه الفئة تمثل السوس "داء يأخذ الدَّابَّة في قوائمها أو يكون في عَجُزِها بين الوَرِك والفَخِذ يورثُ ضعفَ الرِّجل  قاموس المعاني" الذي ينخر في قوائم المجتمع وعظامه. مما يفضي بالضرورة إلي ضعف المجتمع وهزاله. وقد ظهرت هذه الفئة في المجتمع. والمجتمع مندفع في هذا الإتجاه بقوة دون أن يوقفه أحد. فهل إلي إيقافه من سبيل؟.

 

حسن زايد

 

خالد جودة احمدقصة "حلم أبيض وأسود" للقاص "عصام قابيل" نموذجًا

تراسل الحلم والواقع أحيانًا يكون هو مركز للقصة القصيرة ومفتاحها الفني، حيث يجري الدخول والخروج من وإلى فناء الحلم المزهر الذي يعني المثال المرغوب، نموذجًا: قصة (حلم أبيض وأسود) للقاص (عصام قابيل)، تقول القصة: (كان يوم الجمعة يكاد يودع جمال القاهرة وذهبت إلى هناك وجلست علي مقعدي وأسندت ظهري للخلف ويبدو أن السبات قد أخذ حقه مني ورأيت أنني دخلت في حلم عميق فإذا بي أرى علماء من كل صوب وحدب هذا عالم يتحدث في الأصالة والمعاصرة بوجهه الوضاء وهذا يتحدث عن الأثريات وقد ظهرت عليه الهيبة والأناقة وهذا يبدع في شرح رسالته للمهجر ورغم أنه قد ركب سفينة السبعين إلا أن وجهه لازال شاباً وحيويته تملأ المكان نشاطاً وقد تسيد المنصة بوجهه المشرق وهذا عالم في المخطوطات تظهر عليه علامات الجدية تختلط بملامحة الطيبة وابتسامته الجميلة وهذا ناقد قدير لديه علم ووعي وإبداع هذه ناقدة وهذه روائية وهذه شاعرة وهذه دكتورة في السعادة نعم سبحان الله حتى السعادة كان لها فيلق واعي يدعو لها، الله أكبر ما كل هذه القامات والهامات المشرفة الله ما أحلاه هذا الحلم وكأنني أشاهد أفلام أبيض واسود من الزمن الجميل أفيكي كل هذا العلم والعلماء مصرنا الحبيبة وتمنيت وأنا في حلمي ألا ينتهى فلكم نحتاج إلى مثل هذه الأحلام الرائعة لتستمر الحياة ولكن يبدو أنني كنت على موعد مع نهاية الحلم إذ سمعت صوت من على المنصة يناديني ويقدمني جعلني بين النوم واليقظة فانتبهت ونظرت حولي ولم أصدق، فركت عيناي ونظرت حولي مرة أخرى وياللعجب لم يكن حلماً بل كان حقيقة).

استعمل القاص الرمز للزمن الجميل، بفيلم "أبيض وأسود"، دال لنص آخر غائب حول موقف نقدي للقاص من الفن السينمائي الأكثر حداثة.

أمر آخر: قد يطرح القارئ للقصة سؤالًا هل الحدث القصصي في القصة واقعي أم خيالي؟، والحقيقة أن الكاتب بصفة عامة يمكن له أن يضم ما يسمي بالعنصر "سيرذاتي" لقصته –وهو ليس السيرة الذاتية الصافية، بل أمور يمر بها القاص في حياته ويقوم بتحويرها أو إضافتها كما هي لأدبه، فالسيرة الذاتية الصافية نوعًا أدبيًا، والعنصر سير ذاتي موقفًا (أسلوبًا) فنيًا، ولكن القارئ قد لا يحاط علما –وليس ضروريًا أن يعرف- بانه عنصر سيرذاتي لتخصيب القصة مثله مثل عناصر أخرى. ويعرف القارئ فقط عندما يوجد ما يسمي "الميثاق" ويعني تصريح من الكاتب أو وثيقة تدل فعلا علي أن الشخصية حقيقية، أو أن الحدث واقعي حدث للقاص، الذي يجعل القارئ يعي أنه عنصر سير ذاتي.

وسواء عرف القارئ الميثاق أو لم يعلم أنه حدث حقيقي، الجميع يجد مغزي القصة حول أن أعظم الاحلام ما كانت واقعًا متحققًا لكنه مؤجلًا، والتأجيل ليس بذاته لكن بفعل عوامل خارج ذاته، أي نموذجًا لم يتم تعميمه أو واقعًا يقاوم ليحقق كينونته في الوعي الثقافي العام الغائب، وهذا سر المراوحة بين الواقع والحلم، وسر خاتمة القصة.

"ميثاق": بقي أن نذكر أنها أمسية ثقافية لمنتدي الأصالة والمعاصرة حضرتها بالفعل، عبر عنها القاص فنًا.

 

خالد جودة أحمد

 

وسام عبدالعظيم عباسان دراسة اي طريقة من طرق الاتصال والتلقي لا بد ان تستند الى تحليلات تفاعلية، ومن البديهي ان يقوم ذكاء الفاعل (المرسل) بتشغيل فاعلية المفعول به (المتلقي) من خلال الازدواج النفساني الناتج عن تشكيل وظائف المراقبة الداخلية لتفاعلية الفاعل عن طريق تحرير طاقة فاعل ثاني او نائب فاعل من نفس المفعول به الاول، ثم تتجه طاقة الفاعل ونائب الفاعل نحو مفعول به ثاني، لو استعضنا عن هذه المتوالية القواعدية لوجدنا ان كل فكر علمي يزدوج مع فكر تقريري وفكر تفاعلي يقيني وبين فكر واعٍ لواقعة الفكر، وبين الوعي واللاوعي، وبين قطبي هذا الازدواج يشتغل فكر هو في غاية التفاعلية، والقصد من الازدواج هو تفاعل الممثل مع  المشارك ومع الدور الذي يؤديه، لذا بدأ الاهتمام بدراسة فكرة التفاعل منذ ان اكد (ويلبر لانج شرام 1948) اهمية شكل ومضمون التغذية الراجعة، والتي هي عنصر اساسي من عناصر العملية التفاعلية، وان عملية الاتصال الجماهيري وتأثيراتها التي جاءت في اول اشارة لمصطلح التفاعلي واكد (شرام) على وجود محتوى ومسافة شكلية تركيبية في عملية التفاعل بين المرسل (الممثل) والمستقبل (الجمهور) بينما (كانط) يرى ان الشكل هو الذي يحدد الاثر التفاعلي ويستثير الانفعال الجمالي، والذي بفضله يتم توصيل نوعين من رجع الصدى هما رسالة من المستقبل الى المرسل ورسالة من المستقبل الى ذاته، بأعبار ان المسرح وسيلة من وسائل الاتصال الجماهيري. ان عملية التفاعل والتبادل مع الاخرين بقصديه تفاعلية من خلال (التغذية الراجعة، النتائج، رد الفعل لشيء ما) يُراد الاتصال بالاخرين والتفاعل معهم فتُستخدم الرموز الحركية والسمعية والبصرية واللمسية التي تُعَد افضل وسلة لايصال دلالة العرض الخارجية والكشف الضمني لتلك الرموز. فضلاً عن العملية التفاعلية ينبغي ان يشترك فيها كل من العرض والمتلقي في فهم كل من السلوك اذ يتفاعل الوعي، الحركة الجسدية والنفسية والوظيفية . من خلال الجوانب الاتية:

أ‌- لغة الرموز وتفاعل الاشياء .

ب‌- تركيب واستعمال القواعد وعلاقتها بالرموز .

ت‌- طرائق استخدام لغة الرموز وتفعيلها لدى المتلقي .

ان وصف تفاعلية لغة العرض التي تعني ان النظام المشترك المكون من الرموز والاشارات التي يستخدمها (المُيَسر) الذي يعرفة الباحث وسام عبد العظيم على انه اللاعب الاساسي في المسرح التفاعلي والوسيط بين الممثلين والمتفرجين فهو يشجع الجمهور ويحفزه على المشاركة في اللعبة، لتبادل وتفاعل المعاني والافكار بين الممثل والمتلقي

فالممثل المُيَسر يتفاعل من خلال المشهد المسرحي بنقل المعاني على لسان الممثل بالكلمات الملفوظة (المنطوقة) التي تعتمد على فاعلية الصوت، وغير الملفوظة غير المنطوقة التي تعتمد على استخدام الكلمات المقروءة والمكتوبة والرموز والاشارات وحركات الجسم والايماءات، وعلى المستقبل المتلقي فك الرموز او شفرات العرض اي قراءة الافكار، وهذه الافكار ليست بدرجة واحده في التفاعل مع المعاني التي يراد ايصالها فيتحول المتلقي في المسرح التفاعلي إلى مرسل للعلامة ومستقبل، أي (علاقة تبادلية ديالكتيكية)، وهذا لا يتم إلا باشتراكه الذهني تارة والمادي تارة أخرى في إنتاج دلالات العمل الفني الجديد. إن عملية (الاشتراك) من جهة تعطي فرصة لانتاج رسائل مستمرة، تنتج بنحوٍ مباشر من تبادل الارساليات بين المتلقي ومقدمي العمل المسرحي تاركة العمل مفتوح باتجاه تأسيس المعاني والقيم الجمالية الجديدة، ومن جهة اخرى كسر هذا (الاشتراك) استمرارية العمل المسرحي التقليدي، والمتمثلة في خطاب جاهز لا يسمح باختراقه أو الارتجال فيه، وهذا ما يؤكده (جاك دريدا) حين عد هذه العملية بمنزلة كسر لاستمرارية أو خطية الخطاب فتعود ومن ثمَّ إلى قراءة مزدوجة، قراءة للجزء مدركاً في علاقته بالأصل، وقراءة أخرى له وقد خلط في كل جديد ومختلف . وبناءً على هذه التصورات فبامكان الباحث أن يتوصل إلى تقنية (الاشتراك الارسالي) أوالارسال المشترك بين المتلقي ومنتجو العمل الفني وبتوظيف هذه الخاصية بتقنيتها في المسرح التفاعلي، يجد أنَّ (الاشتراك الارسالي) نوعان:

الاول: اشتراك (تفاعلي) فكري ونفسي.

الثاني: اشتراك (تفاعلي) مادي قصدي.

النوع الأول تكمن الصعوبة فيه بأنَّ المتلقي لا يتكيف من اللحظة الاولى مع الرسائل التي يتلقاها ولا يتآلف معها، وبذلك يكون موقفه معقداً، الامر الذي يخلق نوعاً من التعارض الثنائي بين المألوف واللامألوف. وإنَّ هذه العملية من شأنها أن تدفع بالمتلقي إلى تفجير فعل التفكير والوعي في ضوء استقبال العلامات بصيغها البصرية والسمعية والحركية، وما تحمله من احالات رمزية مباشرة وغير مباشرة ثم تفكيك شفراتها، والتفاعل معها، ومحاولة إيجاد العلاقات الرابطة بينها يتيح الفرصة للفهم والتأويل والارتقاء إلى امتلاك الدلالة وانتاج المعنى، وفي معرض حديث (مايكل كيربي) عن عملية اشراك المتلقي ذهنياً في تأسيس نظام العرض الدلالي، يقول: "إننا نربط أجزاء العرض المتشظية بنسق خفي لتشكل صورة معينة، هذا النسق لا يحدث في الكيان المادي للعمل الفني، بل يحدث في عقل المتلقي"، اذ إن ما يميز العرض المسرحي التفاعلي من غيره هو ذلك الحضور الآني واللقاء والمشاركة بين الممثل والجمهور. ومن هنا تتأتى خصوصيته في تحقيق زمكانية مشتركة للتلقي بين منتجيه، وهذا يقابل مفهوم أفق التوقع الذي رسمهُ (هانز روبرت ياوس) ضمن طروحات نظرية (جمالية المتلقي) وفي حال تخييب أفق توقع المتلقي يجعله أكثر انشداداً وإثارة للتواصل مع الحدث المسرحي، إذ يؤكد (ريتشارد فورمان) في حال تحريف عنصر التلقي فذلك يؤدي الى تحريف كل عناصر العرض الأخرى، وبهذا يتم اقصاء أي تصور عقلي سابق، لا تخلق مثل هذه العملية اهتماماً مباشراً بتحقيق تعدد المعاني والتفسيرات بل إلى تعليق فعل التفسير ذاته ومغادرته إلى فعل المشاركة، وهذا ما سعى إليه (فورمان) من أنْ يكون المتلقي مبدعاً ضمن طاقم مبدعي العرض، إذ يقول "لا توجد مشكلة في أن نبدع عرضاً مسرحياً، لكن المشكلة كيف نجعل المتلقي مبدعاً يختبر حواسه بعيداً عن خطر الاندماج في العمل أو الإثارة".

أما النوع الثاني من الاشتراك فهو (مادي قصدي)، يعني أن مشاركة المتلقي مشاركة فعلية لا تقتصر على التواصل الذهني والحسي فقط، ومنتج العرض هنا (المخرج) هو الذي يحدد القصدية إن وجدت، إذ أن وجود القصدية يتوقف على تصور المتلقي للشكل، وعلى تفاعله معه، وهكذا تتلاشى المسافة النقدية التقليدية بين (المتلقي والعرض)، فالنقد هنا لا يقوم على دراسة بناء الشكل للعمل المسرحي وإنَّما على غياب مسافته الجمالية،

إذ أن عروض المسرح التفاعلي تقرر غياب هذه المسافة في انتاجاتها، ومن ثمَّ فالعملية النقدية لا تفسر دلالة الاشكال في العمل المسرحي رجوعاً لمدليلها، وأنما من علاقة المتلقي بتلك الاشكال ضمن الاطار التركيبي البنائي للعرض كله، وما يرسله المتلقي نفسه، ويؤكد هذا الطرح (ريتشارد فورمان) فيقول "إنَّ بناء العرض المسرحي التفاعلي يتألف في العمل نفسه كشيء ومن مشاركة المتلقي له شيئ اخر. فالمسرح التفاعلي يعمل على استراتيجية تسعى إلى اشراك المتلقي في مناقشة واختبار كل المعاني، وإلى اقتناص الدلالات في ضوء الاحداث المطروحة في العرض .

ومن الجدير بالذكر ان ظهور المسرح التفاعلي قد ارتبط بالكاتب والمخرج المسرحي البرازيلي (اوجستو بوال) الذي عرف بأهتمامه بمسرح المضطهدين والمسرح السياسي، ويعتبر هذا النوع من المسرح مدخلاً فعالاً في توضيح بعض المجالات والافكار واكساب الجمهور مجموعة من المفاهيم والقيم والمهارات عن طريق إشراكه في الفعل المسرحي، ويعتمد هذا المسرح على التلقائية وعدم الدخول في تداريب دقيقة حينما يتعلق الامر بإشراك الجمهور كممثل وقد يمثل هذا الاخير دون اعتماد نص او ازياء او اكسسوارات، عكس الممثلين الرسميين في العرض المسرحي. وفي كل الحالات يصبح المشهد ساخناً درامياً إذا كان الشخص الذي اقترح الفكرة موجوداً بين المتفرجيين، وما ان يبدأ الممثلون في اداء المشهد حتى يحرصوا على تطوير الفكرة بحيث تصل الى نقطه تصبح فيها المشكلة التي يتحدث عنها المشهد واضحة وتحتاج الى حل فيتوقف الممثلون عن الأداء ويسألون الجمهور ان يضع حلاً لهذه المشكله، وهنا يبدأ المتفرجون في اقتراح الحلول، ويقوم الممثلون مباشرة بارتجال مشاهد تجسد الحلول، ويصبح لدى المتفرجين الحق في ايقاف التمثيل، بواسطة الميسر او الممهد للعمل، وتصحيح الممثلين فيما يذهبون اليه من حلول، او فيما يستخدمون من كلمات لوصف المشكلة، وهكذا يصبح الجمهور هو (مؤلف) المشهد والممثلون يؤدون ما يؤلفه الجمهور بشكل فوري على المسرح .  والعارضين في المسرح التفاعلي هم نماذج منفتحة على نفسها (بعكس طريقة ستانسلافسكي).

ويستخدم هذا النوع من المسارح خطوات اساسية تمثل اسلوبه الخاص مع ممثليه والتي تبدأ من التمرينات وتستمر خلال العرض الاتصال مع نفسه بنفسه، الاتصال بالاخرين بدون تكوين سردي او تشكيل عال، الاتصال بالاخرين مع تكوين سردي او تشكيل عال، ان مشاركة المتفرجين في المسرح التفاعلي توسع من حقل ماهية العرض لان مشاركة المشاهدين تتم بدقة في النقطة حيث يهدم العرض ويصبح حدثاً اجتماعياً. بكلمة اخرى، فأن المشاركة هي متعارضة مع فكرة احتواء الذات، الاستقلالية، بداية –وسط- نهاية . وبهذه الطريقة فأن المشاركة تعني: تحويل الحدث الجمالي الى حدث اجتماعي، أي تحويل التركيز من الفن والمحاكاة الى محتوى حقيقي كامن اكثر صلابة لكل من في المسرح بعكس جماليات المسرح التقليدي التي تفرض احتواء – الذات والاستقلالية بقوة، وهذا يمثل اعادة احياء مشاركة الجمهور التي كانت سائدة في العصور الوسطى. يهدف المسرح التفاعلي اذن الى اعادة مشاركة الجمهور باعتبارها قناة نهائية تجريبية للمحاولة الاولى من اجل دعمها واعادة خلقها من خلال فتح النظام التواصلي وجعل التغذية الاسترجاعية ممكنة ومفعمة بالبهجة . وحسب (ماري الياس) فان المسرح التفاعلي هو المسرح الذي يُطَبق على مبدأ الارتجال واللعب ويحاول ان يحافظ على مبدأ المتعة (اي متعة الملقي) ويقلب اسس المسرح التقليدي من اجل التغيير عبر حوار مع متلقية حول موضوع محدد .

بينما عرف الباحث وسام عبد العظيم على انه (مسرح حي للتنشيط الاجتماعي، يتيح للجمهور امكانية التواصل والتفاعل والتفكير والتعبير والمناقشة مع الممثلين وفيما بينهم بكامل الحرية وفي جميع الحالات والمواقف فهو يشجع الجمهور على مراجعة معارفهم ومواقفهم وسلوكياتهم، ويعرض المشاكل امامه ويدفعه الى مناقشتها والبحث عن حلول لها الامر الذي يسهم في زيادة الوعي وتطوير المهارة لدى الجمهور) .

لاحظ الباحث من خلال تطبيقه العملي لهذه التجربة، ان الاداء التمثيلي للطرف الاول من الرسالة، لا زال يتجه الى الصيغ التقليدية للأداء، ويحاول بحذر وتوجس ان يطلق طاقاته الادائية لتؤدي فعلها في هذه التجربة الفتية، فكانت المحاولات فردية لا تتسم بالشمـول والوضوح في تقنياتها، ولذلك اتجه الباحث الى دراستها، والبحث عن الاطر التنظيرية لهذه التجربة، لكي تكسبها الصلابة والوضوح باعتبار ان المعرفة بهذا الشكل المسرحي تعد ضرورة اساسية ومهمة، بعد ان حقق هذا المسرح نجاحاً كبيراً في انحاء عديدة من العالم والوطن العربي.

ولما اطلع الباحث على ادبيات الاختصاص وجهود الباحثين الذين سبقوه لم يجد ان هناك من تصدى لهذه المشكلة، وهذا بحد ذلك يمثل مشكلة بحاجة ماسة الى المعالجة . ولذلك وجد ضرورة التصدي لها في دراسة علمية لكي يسعى لرسم الاطر الادائية العلمية والعملية فيها، سيما وان الباحث قد خاض العديد من التجارب في هذا المجال .

وهكذا حاول المسرح التفاعلي في المزج بين الفعل المنظم والاجزاء الدرامية المفتوحة والتي ليست مجرد لحظات ارتجالية – يقوم فيها المؤدون بالأداء بشكل حر انطلاقاً من مجموعة الاهداف والقواعد- ولكن لحظات مفتوحة (وغير مجهز لها مسبقاً) يقوم فيها كل من بالقاعة بالتمثيل سواء فردياً، او في مجموعات صغيرة او في شكل جوقة موسيقية، وذلك للدفع بالفعل الدرامي الى الامام .

اذ ان هذا المسرح يترك اثاراً لا يمكن نسيانها على المدى القصير متمثله في اكتشاف الناس لانفسهم من خلال التفاعل مع عروضه التي تعد بمثابة لحظات تعارف واكتشاف جماعي تتمحور حول قيم وابعاد جماعية مشتركة ذات طابع انساني وقيمي. يعمل المسرح التفاعلي على تعبئة المجتمع بصورة مباشرة من خلال فكره يعرضها امام اعين الجميع، فتختلف المظاهر الاجتماعية والسايكلوجية، ويقوم بدفع الجمهور للبحث ذاتياً عن الحلول، كما انه يعمل على كسر جدار الصمت المقيم حول الموضوعات الاجتماعية التي يصعب تداولها بين الناس .

يستمد المسرح التفاعلي قوته وفاعليته من تجسيده المباشر للواقع بكل تشعباته وتناقضاته، فهو يعكس حالات واوضاع انسانية تتجلى فيها شتى اشكال الافكار والمشاعر والمعتقدات والعادات والتقاليد، ويتم تجسيد ذلك كله من خلال اليات وتقنيات مختلفة، كالحوار بين الممثلين او بين الممثلين والجمهور، وحركة تجسيد الجسد بإيقاعاته المتنوعة والصوت بكافة نغماته ودلالاته، والغناء والموسيقى وكذلك الوسائل السمعية والبصرية  وقد استفاد المسرح التفاعلي من البؤرة الواحدة في المسرح التقليدي واضاف لها تعدداً في البؤر، أي ان عدد من الاحداث المتزامنة موزعة في الفضاء، بحيث ان كل حدث يتنافس مع غيره لشد الانتباه، والحوادث تتم امام وفوق وتحت وحول المشاركين، وبالتالي فهم محاطون بتشكيلة من الصور المرئية والاصوات، وليس مهماً ان تكون كثافة الاحداث سميكة، ما هو مهم ان الاحداث المتفرقة تقود الى الشعور بكبر الفضاء باغلب حجمه.

ومن المهام الاساسية للمسرح التفاعلي ان ينبع من صميم مشاكل الناس، لان الناس عند رؤيتهم لمسرحية لا تعبر عن انفسهم لن يكترثوا لها ولن يتابعوها بشوق . لذا فإن عروض المسرح التفاعلي، قد تصدت لأشياء كانت تتأرجح بين التظاهر السياسي وإلقاء الضوء على الحياة الإجتماعية ومحاكمتها وفي هذا عودة الى المسرح ودعوة الجمهور للإشتراك في بالعرض بشكل فعلي و جمهور هذا المسرح لا يشترط بالضرورة جمهوراً مسرحياً، والمتفرج الذي يصل إلى مرحلة الجرأة والشجاعة في محاولته للتغيير سيعتاد عل التغير السيكولوجي الحاصل في ذاتهِ ويستمر في المسرح الذي تحول إليه من ذلك العلاج أو تلك الجرعة التشجيعية التي أخذها عبر ما مرَّ به من متغيرات جماعية إذ ان العلاج أمام الجميع وليس على انفراد، هو ما يجعل من الفرد في حالة تغلب على الشك عبر ما اخذ من دوافع سلوكية، اذ يقوم بالمعالجة النفسية للذات المقهورة بالمسرح والعلاج بالتمثيل ولهذا اتخذ النشاط المسرحي سبيلاً للمعالجة النفسية وأطلق عليه السكيودراما وهو شكل من الأداء الارتجالي غير المكثف لدور أو عدة ادوار يرسمها فريق عمل ويؤديها المريض. وحسب (باشلار)، استطاع العاملون في المسرح التفاعلي تطبيق المنهج في التعليم والتحريض والعلاج النفسي في أماكن متعددة ولم يتقيد بالمكان التقليدي وانفتح على الشارع والمقهى والميترو والأسواق والأحياء السكنية إذ إن احد العروض التي قدمها (بوال) في مسيرته كانت في حي شعبي بسيط مجرياً بعض التمارين مع عدة ممثلات ومتناولا موضوعاً عن علاقة الرجل بالمرأة مما دعا بعض ساكنات الحي إلى التدخل تلقائياً وان تنزل أخريات بدعوة من (بوال) نفسهُ إلى الشارع ليحظين بمشاهدة أقرب وهذا ما جعل ربطاً وثيقاً بين المعروض من ناحية ومع المكان من ناحية أخرى، إن الانطباع الذي يتشكل عفوياً لدى المتفرج جراء تواجده بالمكان الذي تجري فيه أحداث العرض، يؤثر مستقبلاً في حالة مابعد التغيير الذي يتشكل لديه حيث ان المكان يعني معان عديدة، أقربها إلى ذهن المشاهد تلك البيئة المسرحية التي يشرحها المؤلف في النص حيث تعيش شخوصهُ. ومن العلامات الفارقة التي تميز مناهج المسرح لـ (ارسطو وبرخت) وما يمكن لهذين المنهجين من تحقيقهِ مع المتفرج وما يمكن لمنهج المسرح التفاعلي من التوصل إليه مع المتلقي ففي حالة أرسطو، هي حدوث التطهير، وفي حالة برخت يصبح الهدف هو إيقاظ الوعي النقدي لدى المتفرج. أما المسرح التفاعلي فيركز على الفعل أو الحدث ذاتهُ والمتفرج في المسرح التفاعلي لا يسلم نفسهُ للشخصية الدرامية أو الممثل ليقوم بأداء الفعل أو الفكر نيابة عنهُ، وإنما العكس هو الصحيح

ويرى الباحث ان المسرح التفاعلي ما يميزه عن غيره هو دفع المتفرج إلى المشاركة الفعلية والدخول في اللعبة المسرحية بل ويقوم على تغيير الحدث المباشر في العمل والإدلاء برأيهِ على وفق ما يراه مناسباً من فعل وقول بل هو يذهب ابعد من ذلك في انه يبحث في الحلول والمعالجات ولا يقف ساكناً مكتفياً بعرض المشكلة فقط وهذا ما كان يفتقره المسرح التقليدي . ويبدو أن عملية ضخ المعلومات من المرسل تجاه المتلقي هو فعل يقوم بهِ فاعل واحد الا وهو المرسل بكل أشكاله أما مسألة توزيع فعل التعليم وتقسيمهُ قسمة عادلة بين المرسل والمتلقي فذلك ما يبحث فيه (باولو فرايري)، إذ ليس هناك متلقٍ خاوٍ تماماً من أية معلومة وبهذا يستند فعل التعليم إلى فاعلين والمسرح التقليدي محكوم بصلة غير انتقالية، ففيهِ كل شيء يبث من المنصة إلى الصالة، كل شيء مرسل محول نحو الاتجاه والعواطف والأفكار و الأخلاق ولا شيء يسير في الاتجاه الآخر. اصغر ضجة وأدنى تعجب واقل إشارة حياة يصدرها المتفرج تعادل السير في الطريق الخطأ في شارع له اتجاه واحد خطر فخشية أن يتبعثر سحر المسرح، السكون مطلوب، وفي سياق العمل المسرحي التفاعلي تجري مجموعة من التفاعلات التي تشارك في صناعة الجو الذي يعد الرحم لولادة المتفرج المتفاعل، إن احد هذه التفاعلات هو الإجراء العلاجي للمرضى النفسيين ودراسة حالاتهم ومدى قدرة تفعيل العلاج بالمسرح التفاعلي كأحد طرق العلاج المجتمعي عبر ممارسات حياتية يومية أو معالجة لها من قبيل التدريب والتمرين هذا هو الحال مثلاً في المسرح العلاجي الذي يتراوح بين الطب العقلي والتمثيل النفساني. المداواة بالتمثيل المسرحي ممارسة طبية موجودة منذ القرن التاسع عشر وتطورت في القرن التالي مع التحليل النفساني الفرويدي، وينطلق من المسرح العفوي ونظرية فرويد بغية العلاج النفسي وإعانة الذين يعانون من الكبت أو صعوبة الاتصال والاندماج الاجتماعي . وقد يأخذ جانب العلاج الفاعل في المسرح التفاعلي مديات تساعد على النمو النفسي والحصول على جرع التشجيع عبر وسيلة عرفتها البشرية منذ قرون ومن الناحية العملية كان ما يفعلهُ (مورينو). وهو أن يجمع مجموعة من الحالات ذات الطبيعة النفسية الخاصة، ثم يظهر هؤلاء الأشخاص أصحاب تلك الحالات على الخشبة ليقدموا خبراتهم وعلاقاتهم الشخصية. فتأخذ حالة المشاركة الجماعية مكانتها والعمل للجميع وليس ثمة بطل هو المحور الذي تدور حوله جميع الشخصيات الأساسية والثانوية والجوقة وحتى الجمهور، وهو يسير ومن وراءه الجميع. ومسرح مورينو مسرحاً للجميع كما هو المسرح التفاعلي وليس مسرحاً يتوسط فيه ممثل محترف جماهير مشدوهة تثبت أنظارها عليه فالجميع يجب أن يشاركوا بالأداء إذ إن الانفرادية لا تسمح بالتطوير الثقافي والمعرفي، ذلك أن النشاط التعليمي ينمو عبر الاحتكاك والمصادمة العلمية التي يتولد عنها الإبداع. ولم يعد المتفرج مأسوراً بوقت معين يحدده زمن العرض الذي أسس له تقليد متبع في غالبية العروض. وقد امتدت اشتغالات المسرح في مجمل توجهاته الحديثة إلى منعطفات والتفاتات متنوعة، ابتُكِرَتْ لتغطي الاحتياجات المتطورة للمسرح، فضلا عن استعراض القدرات التي يمكن للمسرح التفاعلي الوصول إليها، عبر مخاطبة كافة فئاة المجتمع، حيث جاءت خلال العرض صيغ ومرتكزات جديدة قادرة على التعليم والتوجيه والمتعة والتسلية معا بإشراك الجمهور إشراكا فعليا وإنزاله إلى ميدان التمثيل، وعليه يحدد الباحث وفي ضوء ما طرحه سلفاً تقنيات (المسرح التفاعلي) على وفق الممارسات المتداخلة والمتشابكة التي تحيط بالأسلوب المحوري لـ (المسرح التفاعلي)، هذه التقنيات تكون بمثابة ميزه (للعمل المسرحي التفاعلي) قوامه مستمدة من هذه التقنيات والبالغ عددها (سبعة) حسب تصنيف الباحث لها. وهي تقنية مسرح الجريدة وتقنية مسرح الصورة الرمزية، وتقنية المسرح الخفي، وتقنية مسرح حلقة النقاش، وتقنية المسرح التشريعي وتقنية مسرح طيف الرغبة، وتقنية مسرح صندوق الدنيا . كما عمد وسام عبد العظيم الى السعي لإيجاد مجموعة من المرتكزات خاصة بالمسرح التفاعلي تميزه عن بقية المسارح ومن هذه المرتكزات متمثلة بالجوكر (المُيَسر) والممثل المتفرج، والارتجال وتبادل الادوار، اما النص في المسرح التفاعلي فهو ينقسم على قسمين، يتمحور الأول حول طرح القصة وشكل الاضطهاد وتشخيص القاهر والمقهور بأسلوب واقعي أو رمزي أو تعبيري ولا يحبذ استخدام الأساليب التي تغيب فيها القدرة على الفعل والتأثير. كالسريالي واللامعقول اذ يأخذ الطابع الميتافيزيقي دورهُ في ذلك، إذ أن التغيير يحصل بما هو ممكن على ما هو كائن و القسم الثاني من النص فهو الذي يخص التغيير الذي يقترحهُ المتفرج في أثناء العرض والقيام بالفعل المقترح بنفسهِ والإمساك بزمام الأمور وقيادة الدفة على وفق ما يراه .

 

وسام عبد العظيم عباس – العراق

...................................

المصادر:

1- وسام عبد العظيم عباس، توظيف تقنيات اداء الممثل في عروض المسرح التفاعلي، رسالة ماجستير غير منشورة، (العراق، جامعة بغداد – كلية الفنون الجميلة، 2017)

2 - ألعاب للممثلين وغير الممثلين، ترالحسين علي، وزارة الثقافة، مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي (9)، القاهر: (أكاديمية الفنون - مطابع المجلس الأعلى للآثار- مركز اللغات والترجمة،)، 1997 0

3- البريكي، فاطمة: مدخل إلى الأدب التفاعلي، الدار البيضاء: (المركز الثقافي العربي)، ط1، 2006 . 

4- بوديروزا، ألكسندر: دليل التدريب في التقنيات المسرحية، صندوق الامم المتحدة للسكان، 2013.

5- بيرلين، سيديل واخرون: دليل التدريب في التقنيات المسرحية، اصدار صندوق الامم المتحدة للسكان بالتعاون مع الهيئة الدولية لصحة الاسرة، نيويورك: (صندوق الأمم المتحدة للسكان(UNFPA)، 2010 .

6- اوبرسفيلد، ان: مدرسة المتفرج- قراءة المسرح، تر حمادة ابراهيم واخرون، القاهرة: (مركز اللغات والترجمة- اكاديمية الفنون- مطابع المجلس الاعلى للاثار)، 1996.

 

مع اختفاء الصحفي السعودي جمال خاشقجي في الثاني من تشرين الاول بعد دخوله الى قنصلية المملكة العربية السعودية في اسطمبول وتحولها الى قضية راي عام عالمي ظهرت اصوات تدعو الى تطبيق قانون غلوبال ماغتينسكي لعام 2016 الذي صدر في الولايات المتحدة الامريكية فما هو هذا القانون وماالاهمية التي يشكلها في تاريخ القانون الجنائي الدولي ؟ هذا ما سوف نتناوله في مايلي دون ان نقصد توجيه الاتهام لاي طرف قد يكون ورد اسمه في حادثة الاختفاء فالحقيقة مازالت غير واضحة وغير مكتملة ولكن القانون موجود منذ عام 2016 .

في عام 2011 قام السناتور بنجامين كاردين من الحزب الديمقراطي مدعوما من 38 عضوا في مجلس الشيوخ على راسهم السيناتور جون مكين والسيناتور ماركو روبيو من الحزب الجمهوري والسيناتور جوزيف ليبرمان عن الحزب الديمقراطي بتقديم مشروع قرار لمعاقبة المسؤولين الروس الذين تم اتهامهم بتعذيب واخفاء وقتل المحاسب الروسي سيرغي ماغتنيسكي عام 2009 في روسيا بعد ان قام بكشف ملفات فساد خطيرة . في  حزيران من عام 2012؛ رفعت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ تقريرا اعده عضو اللجنة السيناتور كيري تقريرها باعتماد المشروع باسم قانون سيرغي ماغنيتسكي للمسؤولية . كانَ القصد الرئيسي من القانون هوَ معاقبة الساسة الروس المسؤولين عن وفاة سيرغي ماغنيتسكي من خلال حظر دخولهم إلى الولايات المتحدة ومنعهم من استخدامِ النظام المصرفي. في السادس من كانون الأول من نفس العام صادقَ مجلس الشيوخ الأمريكي على نسخة من القانون وذلك بعد موافقة 92 نائبًا مُقابل رفض 4 فقط.وقّعَ الرئيس باراك أوباما على القانون في 14 كانون الأول 2012.

اختص الجزء الرابع من القانون بتحديد الاشخاص الذين يخضعون للقانون وتم تحديدهم في الفقرة اولا بالمسؤولين الروس الذين تثبت علاقتهم بحادث ماغنيتسكي حصرا الا ان الفقرة الثانيا من الجزء الرابع وسعت من ذلك بادراجها اي شخص في العالم يثبت اشتراكه في تعذيب او اخفاء او قتل  اي شخص في العالم يحاول كشف عمليات فساد يرتكبها مسؤولين حكوميين او يحاول الكشف عن اي انتهاكات لحقوق الانسان المعترف فيها عالميا .

في عام 2015 عاد السيناتور كاردين مدعوما بزعيم الجمهوريين جون ماكين واعضاء بارزين في الحزب الديمقراطي وقدم مشروع قرار يدعو الى توسيع القانون ليصبح اسمه قانون غالوبال ماغنيتسكي وتم تمرير القانون في عام 2016؛ بحيث يسمحُ لحكومة الولايات المتحدة بمعاقبة المسؤولين الحكوميين الأجانب المتورطين في انتهاكات حقوق الإنسان في أي مكان في العالم . وعلى نفس الخطى سارت العديد من دول العالم على راسها كندا التي قامت باصدار قانون مشابه عام 2017 وكذلك المملكة المتحدة التي عدلت قانون العقوبات وضمنته فقرات من قانون غلوبال ماغتنيسكي عام 2017 وكذلك فعلت استونيا عام 2016 وليتوانيا عام 2017 ولاتيفيا عام 2018 .

تكمن اهمية هذا القانون في انه ولاول مرة في القانون الجنائي الدولي يتم منح السلطة التنفيذية والتشريعية وليس القضائية لدولة ما وهنا المقصود بها الولايات المتحدة الامريكية سلطة التحقيق وفرض العقوبات حيث ان نص الجزء الثالث من قانون عام 2016  منح لرئيس الولايات المتحدة الامريكية صلاحية فرض عقوبات اقتصادية على اي شخص تتوفر لدى الرئيس معلومات عن قيامه بانتهاكات حقوق الانسان مهما كانت صفة ذلك الشخص او منصبه في دولته حتى وان كانت تلك الانتهاكات قد وقعت على اشخاص لايحملون الجنسية الامريكية وليسوا مقيمين في الولايات المتحدة الامريكية ولم يحصلوا على تاشيرة دخول الى الولايات المتحدة الامريكية وليس لهم اي علاقة مادية او معنوية بالولايات المتحدة الامريكية . وتمتد تلك العقوبات الى كل شخص او مؤسسة او منظمة او جهة علمت او ساندت او دعمت او حاولت التستر او حماية الاشخاص الذين يرتكبون الجرائم المنصوص عليها في القانون .

من ناحية اخرى منح القانون السلطة التشريعية (الكونغرس) للولايات المتحدة الامريكية صلاحية الطلب من رئيس السلطة التنفيذية القيام بالتحري والتحقيق في اي ادعاءات لانتهاكات حقوق الانسان او فساد مالي يحصل في بلد اخر وفي مناطق خارج الولايات المتحدة الامريكية لبحث امكانية قيام الرئيس بفرض العقوبات المنصوص عليها في القانون وحسب ماورد في نص الفقرة (د) من الجزء الثالث فان على الرئيس خلال مدة 120 يوم من استلامه طلبا من رئيس الكونغرس او اعاء اللجان المختصه في الكونغرس للتحقيق في مزاعم اخفاء وتعذيب اشخاص او قتلهم ان يقرر فرض العقوبات المنصوص عليها في القانون او ان يقدم تقريرا للكونغرس يبين فيه اسباب امتناعه عن تطبيق العقوبات .

كما ان الفقرة (ج) من القسم الثالث اشارت ولاول مرة الى اعتماد الرئيس في فرض العقوبات المنصوص عليها في القانون على المعلومات المقدمة من قبل حكومات الدول الاخرى والمنظمات غير الحكومية المعنية بمراقبة انتهاكات حقوق الانسان وكذلك المعنية بمكافحة الفساد المالي والاداري دون تحديد جنسية تلك المنظمات اي ان جميع المنظمات غير الحكومية في العالم من حقها ان تقدم معلومات عن قيام اشخاص بتعذيب او قتل او اخفاء او تطبيق اجراءات خارج اطار القضاء الاعتيادي بحق اشخاص حاولوا كشف فساد مالي او اداري او حاولوا كشف عمليات انتهاك لحقوق الانسان . هذا النص يمنح صلاحية قوية غير مسبوقة للمنظمات غير الحكومية مهما كان حجمها او جنسياتها او تبعياتها في ملاحقة انتهاكات حقوق الانسان وملاحقة عمليات الفساد المالي والاداري .

كما ان نصوص القانون جعلت للسلطة التشريعية الحق في متابعة تنفيذ العقوبات وحددت من قدرة الرئيس على رفع تلك العقوبات الا بعد ان يتم تقديم تقرير الى الكونغرس بالاسباب التي يتم على اساسها رفع العقوبات كذلك نص الجزء الرابع من القانون على قيام الرئيس بتقديم تقرير الى الكونغرس يتضمن اسماء الاشخاص (المادية والمعنوية ) الذين تم تطبيق القانون عليهم واسباب تطبيق العقوبات والقضايا التي تم التحري والتحقيق فيها . والزم القانون الرئيس بتقديم تقرير سنوي في يوم 10 كانون الثاني وهو اليوم العالمي

لحقوق الانسان عن اجراءات تطبيق القانون وان يكون هذا التقرير علنيا الا اذا اقتضت مصلحة الولايات المتحدة الامريكية جعل جزء منه سريا لاحتوائه على معلومات قد تمس المصالح العليا للدولة .

يلاحظ في هذا القانون ان اهميته تنبع في انه لم يحيل الامر الى السلطة القضائية في الولايات المتحدة الامريكية لتقرير ما اذا كان الشخص يجب فرض العقوبة عليه ام لا وقد سبق للعديد من دول اوربا ان منحت لمحاكمها حق النظر في دعاوى انتهاكات حقوق الانسان التي تقع خارج اوربا ولكنها اول مرة يتم منح هذا الحق للسلطة التنفيذية في تطبيق عقوبات على اشخاص ارتكبوا جرائم خارج اراضي الدولة التي تفرض العقوبة والضحايا والمتهمين فيها ليس لهم علاقة بالدولة التي تفرض العقوبة وهو توجه خطير كون العقوبات تمنح الحق لاي مواطن امريكي وحسب ماورد تعريفه في نص الفقرة 3 من القسم 2 من القانون الحق في احتجاز اي اموال او ممتلكات تعود ملكيتها الى شخص تم فرض العقوبات عليه بموجب هذا القانون .

من الجدير بالذكر ان النظام القضائي الامريكي يسمح بالطعن بالقرارات الصادرة عن رئيس الادارة الامريكية امام المحاكم الفدرالية في الولايات المتحدة الامريكية وبامكان القاضي الفدرالي المنفرد اصدار قرار بايقاف تنفيذ القرارات الصادرة عن السلطة التنفيذية بصورة دائمة او مؤقته . من هذا المنطلق يحق للاشخاص الذي يتم فرض العقوبات عليهم بموجب قانون ماغنيتيسكي الطعن بتلك العقوبات امام المحاكم الفيدرالية الامريكية ولكن ذلك يتطلب وجودهم او من يمثلهم على الاراضي الامريكية ليتم الاستماع لقضاياهم.

بالنسبة لما يتعلق بقضية خاشقجي وهنا يمكن استخدامها كمثال للالية التي يمكن بموجبها استخدام قانون ماغنيتيسكي لعام 2016 . جمال خاشقجي وكما هو معروف مواطن سعودي رغم ان عائلة خاشقجي من اصول تركية ولكنها عاشت في مكة المكرمة منذ زمن طويل قبل انشاء الدولة السعودية ، كان خاشقجي يعيش في الولايات المتحدة الامريكية ويكتب عمودا في صحيفة الواشنطن بوست كما انه صحفي معروف. خاشقجي لم يحصل على الجنسية الامريكية ولم يحصل على حق الاقامة الدائمة او مايعرف بالكرين كارد الامريكي وكان يتنقل بجوازه السعودي وبتاشيرة دخول يتم تجديدها سنويا في الولايات المتحدة الامريكية . من الناحية السياسية كان خاشقجي يرفض تسمية نفسه معارضا لنظام الحكم في بلده الام ، كما انه ولوقت طويل كان يعتبر من المقربين للاسرة الحاكمة وخصوصا في زمن الملك عبدالله كما كان مستشارا صحفيا لرئيس جهاز المخابرات السعودي السابق الامير تركي الفيصل وعمل خاشقجي على تلميع صورة النظام الحاكم في السعودية بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 . حادثة اختفاءه حصلت بعد زيارته الى قنصلية بلده في مدينة اسطمبول . فهل يمكن استخدام قانون ماغنيتيسكي في التحقيق في قضيته ؟ الجواب هو مادام هناك من يستطيع جمع اصوات كافية داخل الكونغرس الامريكي لاقناع المجلس لمناقشة الموضوع وهو الحاصل فعلا وفقا لتصريحات العديد من اعضاء مجلس الشيوخ من جمهوريين وديمقراطيين وعلى راسهم السيناتور ليندسي غراهام من ولاية ساوث كارولاينا الذي يعتبر من صقور الجمهوريين الذين يشكلون حزب الاغلبية حاليا .

من ناحية اخرى فان النشاطات الاخيرة لخاشقجي قبل اختفاءه كانت تتعلق بنشر الديمقراطية حيث قام بانشاء منظمة غير حكومية تهدف الى نشر الديمقراطية في الدول العربية اطلق عليها اسم (DAWN ) وقام بتسجيلها في مدينة ديلاور الامريكية واستخدم علاقاته باثرياء الخليج للحصول على تمويل لها وهو الامر الذي جعل العديد من اجهزة الاستخبارات العالمية والمحلية مهتمه بمعرفة مصادر التمويل خصوصا وان خاشقجي كان معروفا بتعاطفه مع حركات الربيع العربي وكان مقربا للحركات الجهادية في افغانستان خلال عقد الثمانينيات . مما يجعله مثالا مناسبا لامكانية تطبيق القانون موضوع البحث .

السوال الذي يثار هنا هل يمكن استخدام هذا القانون في متابعة جرائم اضطهاد واخفاء النشاطين في مجال الدفاع عن حقوق الانسان ومكافحة الفساد الاداري والمالي في العالم ؟ الجواب هو بكل بساطة نعم . لكن يجب ان نعلم ان تطبيق اي قانون يحتاج الى الاليات معينة يجب اتباعها وبعكسه فسوف تفشل اي جهود خارج تلك الاليات وفي هذا الموضوع تنفرد الولايات المتحدة الامريكية بوجود مايعرف بمجموعات الضغط التي ترتكز في العاصمة واشنطن او اللوبيات وهي المجموعات التي يمكن ان تحرك اعضاء مجلس الشيوخ لتبني اي قضية ومعظم دول العالم تستعين بمكاتب علاقات عامة لخلق مجموعات ضغط ومن اشهرها اللوبي الاسرائيلي واللوبي الايراني .

في النهاية نكرر ان هذا القانون واتجاه العديد من الدول في العالم لاصدار تشريعات مشابهه يعتبر تحول مهم في القانون الجنائي الدولي يمنح للسلطات التنفيذية صلاحيات كبيرة ويمنح لاجهزة الاستخبارات امكانية التحري والكشف عن جرائم ترتكب في دول اخرى ولكنها في نفس الوقت تساهم بصورة كبيرة في محاربة خروقات حقوق الانسان وجرائم الفساد المالي باعتبار ان المتهمين لن يستطيعوا التستر خلف جدار السيادة الوطنية للتهرب من المحاسبة ولكن يجب ان يتم ذلك ضمن الاطر والاليات القانونية وليس بالشعارات والكلام فقط .

 

زهير جمعة المالكي

 

عبد الخالق الفلاحتعدّ المسؤولية الاجتماعية ركنًا أساسيًا وهامًا في حياة المجتمعات والأفراد، واي نجاح للمسؤولية الاجتماعية في اي بلد لا يقتصر فقط على جهد واحد، بل بحاجة لتضافر جميع الجهود من أجل الإسهام الفعال في بناء ذلك المجتمعٍ على ان يتمتع أبنائه بروح المبادرة والمسؤولية والأخذ بزمام المبادرة نحو تشكيل واقعٍ مغاير للواقع الذي هو فيه وللحقيقة ان العراق يفتقر الى هذه الظاهرة المهمة لان الدولة كانت غائبة عن مثل هذه النشاطات منذ اكثر من 40 عاماً سوى المحدودة منها والتي لا تغتفر لها، ونحن الان بأمس الحاجة للمسؤول الذي يستطيع ان يقنع كل فردٍ ومواطنٍ بأهمية المسؤولية الاجتماعية، وأن تكون نابعة من ذاته ومزروعة في داخله حتى تتوحد هذه الجهود في بناء منظومة اجتماعية يشارك فيها الكل على ان نجعلهم يشعرون بأنهم أعضاء فاعلين ولديهم القدرة على تحمل أعباء الواقع بروح طيبة، وإلا سيصبحون عندئذ أفرادًا عاجزين لا يتمتعون سوى بالكسل والعجز والاستجداء الغير المجدي من الآخرين لمساعدتهم وإنقاذهم من الواقع السلبي الذي هم فيه، ويتحولون تدريجيًا عبر الزمن إلى مجرد هياكل بشرية تتلقى المعونات والمساعدات الإنسانية من أجل الاستمرارية في الحياة فقط، بعيدًا عن أي مبادرة او جهد أو استشعار داخلي بأهمية المسؤولية كمفهوم والشعور يجب أن يكون له تأثيرٌ فعلي على أرض الواقع.

كما أن الشبكات المسؤولة من الجمعيات الاجتماعية مطالبة أكثر من أي جهة اخرى بتفعيل مفهوم المسؤولية الاجتماعية في تقديم الممكنات عن طريق قنوات المجتمع المختلفة للوصول إلى الأهداف التي من شأنها أن تحقق العدالة الاجتماعية لكافة طبقات افراد المجتمع دون استثناء الذي يضم الجميع، وحتى تؤدي المجموعات العاملة هذه الوظيفة بشكل جيد يفترض أن تدخل في شراكات محدودة مع مختلف الأطراف وتحديد المسار الموجه نحو إدراج اهتماماتها بالمسائل الاجتماعية والبيئية والأخلاقيات واحترام حقوق الانسان والمستهلك، سواء في أنشطتها التشغيلية أو في وضعها لاستراتيجيتها ولتحقيق شعار اليوم العالمي للمسؤولية الاجتماعية وهو "القضاء على الجوع.. هدفنا ". ومن ثم تأتي المسؤولية الاجتماعية على مستوى الدولة في الأخذ بزمام المبادرة في تحمل المسئوليات الملقاة على عاتقها، وهذا يعني أن تتحمل السلطة السياسية والإدارية مسؤوليتهما في الإشراف على تأمين كافة الاحتياجات اللازمة للمواطنين ومساعدتهما. ومن هنا كذلك لا يمكن الحديث عن المسؤولية الاجتماعية بدون الحديث عن أخلاقيات أفراد وجماعات ومؤسسات المجتمع في التعامل مع المسؤولية الاجتماعية في الإطار الإنساني الذاتي والذي ينبع من مدى احترامهم لهذا المبدأ الإنساني، والذي من أجله نهضت مجتمعات وتقدمت بفعل أواصر الترابط والتماسك السائد بين أفراد المجتمع الواحد.

 ان تولى الدولة الاهتمام والرعاية والتأهيل العاطلين من أجل الوصول بهم إلى بر الأمان وتوفير الحياة الكريمة لهم وتمكين وصولهم والقضاء على فقرهم ودمجهم بالمجتمع ليكونوا أعضاء فاعلين فيه.

وتقول التقارير الدولية، إن هناك حوالي 805 ملايين شخص في العالم ليس لديهم غذاء يكفي لأن يتمتعوا بحياة صحية نشيطة. ويعادل ذلك قرابة واحد من بين كل تسعة أشخاص على ظهر الأرض.

وتعيش الغالبية العظمى من الجوعى في العالم بالبلدان النامية، حيث توجد نسبة 13.5 في المئة من السكان الذين يعانون من نقص التغذية، وتعد آسيا هي القارة التي تضم معظم الجوعى، حيث يشكلون ثلثي مجموع الجوعى في العالم.

وانخفضت النسبة المئوية في جنوب آسيا خلال السنوات الأخيرة، بيد أنها زادت قليلا في غرب آسيا، وفي إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى هي المنطقة التي تشهد أعلى انتشار للجوع، حيث يعاني واحد من كل أربعة أشخاص في تلك المنطقة من نقص التغذية.

ويطالب الحقوقيون ممثلو منظمات ألاهلية والدولية بأن تقوم بدور رئيسي وفعال للقضاء على ظاهرة الجوع وسوء التغذية وضمان وجود أنظمة غذائية أكثر استدامة وصمودا أمام تأثيرات التغير المناخي، وضمان توفر نظم غذائية صحية ومغذية للجميع".

وللمسؤولية الاجتماعية أهمية أخرى داخل الدول والمجتمعات، حيث إنها تأخذ بزمام المبادرة في تحمل المسؤوليات الملقاة على عاتقها، وهذا يعني أن تتحمل الجهات المعنية مسؤولياتها في الإشراف على تأمين كافة الاحتياجات اللازمة لكافة أفراد المجتمع.

ويشدد هؤلاء الحقوقيون على أن نجاح المسؤولية الاجتماعية لا يقتصر فقط على جهد واحد، بل بحاجة لتضافر جميع الجهود من أجل الإسهام الفعال في بناء مجتمعٍ يتمتع أبناؤه بروح المبادرة والمسؤولية والأخذ بزمام المبادرة نحو تشكيل واقعٍ مغاير للواقع الحالي، وهذا لن يتم إلا باقتناع كل فردٍ بأهمية المسؤولية الاجتماعية، وأن تكون نابعة من داخله حتى تتوحد هذه الجهود في بناء منظومة اجتماعية يشارك فيها الكل، ويشعرون بأنهم أعضاء فاعلون لديهم القدرة على تحمل أعباء الواقع بروح طيبة، وإلا سيصبح أفراد المجتمع في أي مكان مجرد أفراد عاجزين لا يتمتعون سوى بالعجز والتسول غير المجدي من قِبل الآخرين لمساعدتهم وإنقاذهم من الواقع السلبي، إلى أن يتحول هؤلاء تدريجيًا ومع الزمن إلى مجرد هياكل بشرية تتلقى المعونات والمساعدات الإنسانية من أجل الاستمرارية والبقاء فقط، بعيدًا عن أي مبادرة أو استشعار داخلي بأهمية المسؤولية كمفهوم ينبغي أن يكون له تأثيرٌ فعلي على أرض الواقع. ومن الاهمية ان نجعل المسؤولية والمواطنة عند الشباب قضية حيوية ومحور اهتمام كل جيل، لارتباطها بمهمة تحديد الأفعال والممارسات، لأن هذه المسؤولية ترتبط ارتباطا وثيقاً بالإنسان وفعله في صيغته الفردية أو الجماعية. ولذا فإن أهم ما يحتاج إلية العراق اليوم هو الفرد المسؤول اجتماعياً، أو بمعنى آخر الفرد الذي يؤدي دورة ويقوم بواجباته بالشكل السليم بين طبقات المجتمع نزولاً وبتواضع بدل القصور العاجية والانزواء خلف الجدران، بغير حاجة إلى توجيه أو رقابة من شخص او موسسة.

 

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

محمد الدعميللمرء أن يزعم دون تردد أن لفظ “حريم” العربي كان، منذ العصر الوسيط، من أكثر الألفاظ المستعارة للغات الأوروبية من اللغة العربية، استقطابا للدلالات والمعاني، خصوصا المسيئة للعرب وللإسلام. لا يكمن الخلل، بطبيعة الحال، في اللفظ ذاته: إنما هو يكمن في قيمته الرمزية المعبرة لوضع المرأة العربية أو المسلمة سلبا في مجتمعاتنا.

عندما استعار العقل الاستشراقي اللفظ، فقد حوره لفظا وصوتا، فصار Harem، تلك الكلمة المثقلة بالدلالات المسيئة أعلاه، إلا أن استقطاب الكلمة لدلالات سلبية إضافية مافئ وأن تضاعف مع بداية العصر الذهبي للكولونياليات الأوروبية (البريطانية/ الإسبانية/ الفرنسية والإيطالية). ومرد ذلك هو شعور العقل المستشرق القادم من الأصقاع الشمالية المتجمدة بأنه عندما يلج الأقاليم الشرقية الدافئة، فهو إنما يعود لدفء المرأة، أو إلى أحضان الأم أو الزوجة: لاحظ أن الشاعر الأميركي “وتمان” Whitman عد الشرق “بيت الأمومة” House of Maternity، بينما اعتبر هو أن الشرق إنما يشكل “رحم التاريخ”Womb of history، موظفا لغة مشحونة بمعطيات “عقدة أوديب” بعد أن استعارها سيجموند فرويد، من مكتشفها ليرمز إلى حنين الرجل للأم والأمومة.

وإذا كان الاستشراق الرومانسي قد باشر تأنيث الشرق بهذه الطريقة الرقيقة، والرافعة من شأن الأنثى، فإن الاستشراق المحترف، أي الموظف من قبل الإدارات الكولونيالية في لندن أو باريس، من بين سواهما، قد باشر حملة “تأنيث الشرق” بطريقة تفسح المجال لاستخدامه واستغلاله على نحو لا يخلو من ميل الرجولة لفرض هيمنتها على الأنوثة الراضخة أو “السكونية”. لهذا السبب، لم يتأخر ضباط الاحتلال الكولونيالي، من بين سواهم من الإداريين الإمبرياليين، في التظاهر بالدفاع عن المرأة الشرقية، وضد من؟ أقول ضد الرجل الشرقي النزق والاندفاعي والعصابي، وحماية لها منه، كما تم تصويره خطا ومبالغةً!

لذا، أصر الجنرال نابليون بونابرت Bonaparte على إتخاذ خليلة حسناء له، بعد احتلال مصر، إذ كانت فكرة الهيمنة على خليلته المسكينة هذه (فاطمة) إنما ترمز للهيمنة على بلاد عظمى، كبلاد النيل. أما المنقب الآثاري الأكثر شهرة “ليارد” Layard، صاحب كتاب (نينوى وأطلالها)، فقد تعمد معاقبة كل رجل وظفه من سكان المنطقة الريفية العاملين لديه في الحفريات، جسديا إذا ما اشتكت زوجته أو ابنته منه، على أن يجري العقاب المهين علنا أمام سكان القرى المجاورة. وهكذا، حرص ضابط الاحتلال والمنقب الآثاري، من بين آخرين، على تقديم صورة لمجتمع الدولة الاستعمارية “كحامٍ للمرأة” ومدافع عن حقوقها.

بل، إن هذا بالضبط ما فعله الأميركيون حال احتلال العراق، أي عندما فرضوا على “القيادات الجديدة” التي قدمت على دباباتهم تعيين نسبة لا تقل عن الربع 25% للنسوة في أي مجلس حكم أو برلمان أو إدارة، جزءا من هذه الحملة لتصوير “الرجل الأشقر الطويل” إنسانا أكثر إنصافا بالمرأة وبحقوقها. وهذا الادعاء بـ”رحمة” المرأة والحرص على حقوقها لا يختلف كثيرا عما فعلته الإدارة الإمبراطورية البريطانية في الهند عندما منعت الهندوس قانونا من ممارسة عادة الـ”"Satee أي حرق الأرملة ذاتها طوعا، جزعا على زوجها حين تحضره المنية

 

أ. د. محمد الدعمي

 

بسبب الظروف القاسية التي مر بها مجتمعنا وبلدنا خلال المئة سنة السابقة ومنذ تشكيل الدولة الوطنية في بداية العشرينات من القرن العشرين وما مر به قبل ذلك في الفترة المظلمة، اصبح لدى المواطنين وخصوصا المتعلمين والمثقفين من ابناء بلدنا رغبة لمعرفة لماذا اغلب دول العالم تتقدم ونحن نتراجع فحتى دول افريقيا التي كانت في مجاهل الظلام ونحن في بداية الانفتاح في النصف الاول من القرن العشرين اخذ الكثير منها موقعه في سلم التطور ولا نزال نحن نتراجع، فما أن نخرج من حفرة إلا ونقع في اخرى، ناقش البعض من الباحثين والمفكرين هذا الموضوع وهل أن الامر يتعلق بطبيعة الانسان او المجتمع وتركيبته او ظروف البلد وثرواته من النفط والثروات الاخرى التي جعلت العراق محط العالم الغربي، او قياداته التي حكمته بدون رؤية او حكمة .

واجبنا كباحثين هو البحث عن اسباب فشلنا في العراق في توفير وسائل لحماية المجتمع من الانزلاق في الصراعات وحمايته من الطغاة ومن السقوط في الازمات الخطيرة التي تهدد المجتمع نحو الاستمرار في التخلف والوقوع في التفسخ و الفوضى والاستمرار في متاهات الضياع او دوامات الصراعات العرقية والطائفية، وشكل هذا الموضوع محركا للتفكير والبحث لدراسة الاسباب والنتائج وامكانية ايجاد طرق للعلاج والوقاية .ولنطرح السؤال التالي على انفسنا لماذا نجحت دول كالمغرب والامارات في بناء مشروع الدولة وبدأت تسير على السكة الصحيحة وبامكانيات بشرية واقتصادية اقل من العراق بينما دخل العراق في متاهة الفوضى ولحد الآن، حيث لامشروع واضح للدولة المستقرة الآمنة التي تخطط للمستقبل .

يجب أن نبدأ البحث في اهم اسباب فشلنا في اقامة مشروع الدولة الوطنية، المستقرة دولة المواطنة الصالحة والسائرة على طريق التقدم وليس التراجع والتخلف، وهو واجب الحكومات المتعاقبة ان تحث الباحثين على أن يدرسوا بشكل موضوعي الأسباب وهل ثمة حل او مقترحات لحلول .

من اهم العقد والمشاكل التي واجهها ولا يزال يواجهها المجتمع في العراق:

1- صعوبة صناعة المواطنة: ما اسباب عدم قدرتنا على صنع المواطنة، المواطنة هي أساس أي مجتمع حديث التأسيس كالعراق في بداية تشكيل الدولة الوطنية، خصوصا في ظل التعدد القومي والديني والمذهبي، والمواطنة تعني ان يكون الناس متساوين امام القانون وفي الحقوق والواجبات والشعور بالانتماء الى هذا الوطن .

2- تعقيد العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة: ما اسباب فشلنا في بناء علاقة واضحة ومتوازنة بين مؤسسات الدولة والمواطن قائمة على الحقوق والواجبات من خلال تعريف واضح ومحدد لدور المواطن ودور الدولة ومؤسساتها مما ادى الى أنعدام الثقة بين مؤسسات الدولة والمواطن ولا يزال عدم الثقة وعدم الاحترام هو السائد واصبح جزء من سمات هذا المجتمع فلا السلطة مستعدة لاحترام المواطن ولا المواطن لديه الثقة بالسلطة.

3- الاحزاب بين مشروع الدولة والسلطة : هل الاحزاب هي من ساهم في افشال قيام الدولة الحديثة بتصنيفاتها القومية والماركسية والدينية وصراعاتها على السلطة وعدم تقديمها مشروع سياسي لدولة المواطنة وبقاءها في مصالحها الضيقة القائمة على التنافس على الحكم والتشبث بالحكم وافساده.

4- المؤسسة العسكرية والحكم : هل كان دور المؤسسة العسكرية هو السبب الاساسي في افشال اقامة الدولة الحديثة بسبب استيلائها على الحكم بواسطة الانقلابات وتصديها لمشروع حكم الدولة مما ادى الى تخبط العسكر في منظومة الحكم كما رأينا في العراق ومصر.

5- التراتب والاستقرار الطبقي: ما اسباب فشلنا في الحفاظ على استقرار التراتبية الطبقية او البناء الاجتماعي الطبقي في المجتمع، والتراتبية الطبقية هي بناء طبيعي للمجتمع حدث نتيجة التطور الطبيعي للمجتمع، فعلى مدى التأريخ تنمو وتتشكل المجتمعات على شكل طبقات ذات مميزات اجتماعية واقتصادية وثقافية، اي وجود طبقات متعددة في السلم الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع.ولا يقصد بالتراتبية الطبقية بقاء الناس في طبقات منعزلة عن بعضها ومتسلطة على بعضها .

التراتبية تعني ان المجتمع فيه حراك طبقي قائم على الابداع والكفاءة والمهارة والمهنية والنمو الاقتصادي و الاجتماعي ويمكن لأي انسان ان يتحرك بين الطبقات اعتمادا على قدراته ومواهبه.اما في مجتمع مثل مجتمعنا فأن هذه التراتبية ذات طابع شكلي قائم على المال او العشائرية او بواسطة الوراثة اوالعمل في اجهزة السلطة والفساد. في مجتمعنا وعلى مدى العقود الماضية يمكن لاي شخص تغيير تراتبه الطبقي بمجرد حصوله على منصب او مال وكثيرا ما رأينا اشخاصا حوَلَتهم الانظمة الحاكمة او السلطة الى رموز بسبب منصب أُعطي لهم دون وجه حق او بسبب الحزبية او بسبب الفساد المالي واغلبهم من السياسيين الفاسدين وليس لهم من المواهب سوى الفساد والنفاق ومن تجار الحروب وتجار قوت الشعب .

هذه التغييرات في التراتبية الطبقية ادت الى تدمير طبقات فاعلة وتكوين طبقات اخرى طارئة ففي زمن النظام السابق قام النظام بتدمير الطبقة الوسطى واقام مكانها طبقة من القادة الحزبيين والعسكريين والأمنيين وتجار الحصار الفاسدين والشيوخ الطارئين على المشيخة .الطبقة الوسطى هامة لاستقرار المجتمع وهي تضم المهنيين كاساتذة الجامعات والقضاة والمحامين والاطباء والمهندسين والمدرسين والموظفين والضباط والمتعلمين والمثقفين والتجار والصناعيين و دورها في جميع المجتمعات المُحافظَة على استقرار المجتمع وهي المصد الرئيسي للصدمات والمانع للكوارث والواقي للمجتمع من الذهاب الى الفوضى والتدهور وهي محرك المجتمع نحو التقدم والاستقرار، هي الطبقة الواعية التي تمثل عمود المجتمع وتحميه من السقوط لذلك حاولت الانظمة الدكتاتورية وفي جميع الدول التي مرت بمثل ظروفنا أنهاء او تذويب الطبقة الوسطى وجميع الانظمة الشمولية سواءاً كانت دينية او قومية او شيوعية تحاول ألغاء دورهذه الطبقة وتدميرها لانها تريد ان تُسيّر المجتمع حسب رؤيتها الشمولية . التراتبية الطبقية تمثل النمو الطبيعي للمجتمع على مدى عمره.المجتمعات التي عاشت فترات الحكم الشمولي انتهت بتشكيل طبقتين طبقة الحكام وحواشيهم والمستفيدين منهم وطبقة عموم الشعب.

6- الاجهزة الامنية: ما اسباب تَغوّل الاجهزة الامنية وتحولها من حماية امن المجتمع الى اجهزة متفرعنة تخدم الانظمة الحاكمة وسلطاتها وتذل المواطن وتسلبه حقوقه وكلما زادت في إذلال المواطن أخذت صلاحيات اكثر.والاجهزة الامنية في المجتمعات الشرق-اوسطية تمثل عقلية المجتمع المتعجرف الأبوي الذي يصنف الناس على اساس الولاء للعشيرة والطائفة والدين والمنطقة، عقلية الراعي والعصا والرعية.وانت اما موالي (اي منافق للحاكم واجهزته) او انك عدو (للقائد والنظام ويضاف اليها الشعب لاعطائها الشرعية) أن تعرضت بالنقد للحكام او للحكومة او النظام او مؤسساته.

7- العلاقات بين الاسباب الداخلية والمحيط الخارجي: هل الموضوع داخلي يتعلق بأسباب داخلية اجتماعية اقتصادية تربوية سياسية جغرافية مناخية بايولوجية او خارجي يتعلق بجيراننا وتدخلاتهم في مجتمعنا ومحاولة اقلاقه ومنع الاستقرار فيه لاسباب تتعلق بمصالحهم وتضاربها مع مصالحنا.

8- الثروة النفطية: هل موضوع الثروة النفطية كان اهم اسباب عدم الاستقرار، خصوصا وان دول نفطية اخرى تعاني مثل مانعاني من عدم الاستقرار وهي تمتلك ثروة نفطية كبيرة مثل العراق كليبيا وفنزويلا ونيجيريا.

هذه بعض التساؤلات التي فكرت بها وطرحتها وقد تكون هناك اسباب اخرى جديرة بالدراسة والتمحيص.

 

د. احمد مغير - طبيب وباحث

 

محمد العباسيفي العام 1992 نشرت مقالة في "جريدة أخبار الخليج" في ثلاثة أرباع صفحة عن مقترح موجه لكل من يعمل في مجال تعليم اللغة الإنجليزية، بالذات لمن بيدهم تصميم وإختيار المناهج والمواد التعليمية في هذا المجال.. وكان لب موضوعي هو العمل على تثقيف المتعلمين بأهمية دور اللغة الإنجليزية، ليس فقط كمادة يجب إجتيازها لتحصيل الدرجات وإجتياز المقررات، بل كمهارة تطبيقية لا بد لنا منها في الكثير من مناحي حياتنا، طوال حياتنا المستقبلية. فليس كل المواد التي يتم تدريسها تقع في ذات الخانة، ولا كل المواد التعليمية مجردة لا يشعر معها المتلقي أنها لا ترتبط بالواقع وتفتقر إلى أبسط القناعات بأنها مملة وغير مفيدة كما يعتقد الكثيرين من طلبتنا في أعمارهم الصغيرة.. فبعض العلوم تلعب أدواراً مهمة ومن المفروض أن نعمل على تنمية الوعي لدي المتعلمين اللإلمام بفائدتها منذ المراحل الأولى.. وعلينا كمعلمين أن نعمل بصدق على تبيان وإيضاح وتثقيف المتعلمين بالجوانب التطبيقية لهذا المعارف عبر أمثلة وإستخدامات وشرح الظروف والمناسبات التي قد نحتاج فيها لهذه العلوم.

فلا يكفي أن تتسمى بعض المعاهد والجامعات بمسميات مثل "التطبيقية" أو "التقنية" أو "الفنية" أو "المهنية" في حين لا يلتزم فيها القائمين عليها بإتباع الطرق الصحيحة والأساليب الناجعة في تطبيق هذه المسميات في فصولهم الدراسية.. وقد يتفق معي الكثير من الأكاديميين بأن كليات التربية في دولنا تفتقر للكوادر المؤهلة لإعداد مثل هذه المخرجات القادرة على تطبيق هذه المهارات.. فطلبة كليات التربية هم في آخر المطاف نتاج سنوات من التعليم الجامد في المدارس.. وجل علمهم يكون عبر مطالبات بالحفظ والتلقين.. لذا يأتون للجامعات حاملين معهم تجاربهم، وبالتالي يواصلون التحصيل بنفس الأساليب العقيمة، وهكذا يواصلون المشوار بعد تخرجهم وعملهم كمدرسين مجرد ملقنين للأجيال اللاحقة.. وبالذات حين يرون في مهنة التعليم مجرد وظيفة ودوام ومصدر رزق لا أكثر.

فمثلاً، أختي الأكبر سناً تخرجت من "معهد المعلمين" كمدّرسة للتربية الفنية (الرسم)، ولها في هذا المجال رسومات جميلة.. وأنا أيضاً أحب الرسم وقد رسمت لوحات كثيرة فيما مضى.. وأجمل ما سمعت منها قولها أنها مجرد مُدّرِسة للفن وأنني بالمقابل "فنان".. أي أنها كانت ترى في لوحاتها إلتزامها بأساسيات المعرفة بالألوان والأبعاد والتقنيات الأكاديمية في هذا المجال.. وترى في لوحاتي أنا مساحات واسعة من الإبداع والحرية والإنطلاق دون حواجز وقيود. وربما دفعتني ملاحظاتها تجاه أعمالي الفنية نحو الشعور بأهمية التفريق بين عمليتي التعليم والتدريس! ومن هذا المنطلق عملت في المجال الأكاديمي لأكثر من 30 سنة معتمداً على أن تكون محاضراتي ترتكز على عملية التعليم الممزوج بجرعات ممتعة ومرتبطة بالنواحي التطبيقية والعملية والحياتية.. ومن ثم كانت دراساتي العليا وبالذات بحوثي للدكتوراة تنبع من ذات المنطلق.. فكانت رسالتي حول "سيكولوجية تعلم اللغات"، وأساس بحثى كان حول مفهوم "الدوافع الإيجابية" لتعلم وإكتساب اللغة الإنجليزية في بلداننا.

لذا أرى فرقاً شاسعاً بين عمليتي التدريس والتعليم.. فالتدريس عملية مرتبطة بأساسيات تلقين المتعلم مناهج ومواد معينة ومحتوياتها المقننة، وفي أحيان كثيرة تكون عملية محددة غير قابلة للتوسع والإبداع، بل إلتزام تام بحرفية المناهج وربما حفظها عن "ظهر-قلب" بهدف إجتياز إمتحانات محددة المخرجات والمعلومات.. بينما أري في التعليم مجال واسع من الإبداع وحرية التفكير ومجال مفتوح للخروج من الإطار المحدد للمنهج، وتشجيع النقاش وتبادل الأفكار وممارسة وتقييم المعلومات عبر مجالات تطبيقية عملية في كافة المجالات الحياتية.. هكذا تعلمت من أختي وأنا في مقتبل العمر أن هناك فرق بين الأمرين!!

فحسب موقع "موضوع" الإلكتروني في الفرق بين التعليم والتدريس: "تسعى كليّات التربية الحديثة إلى إخراج معلّمين قادرين على مواكبة تحديات العصر واستغلالها فيما هو مفيد وفعال في العملية التربوية، ومهما كان من الضروري للمعلّم أن يمتلك من مهارات سلوكية ومهنية عالية، يجدر به أن يمتلك المحتوى والمخزون الثقافي التربوي للمصطلحات العلمية للسلوك الاجتماعي التربوي، حتّى يستطيع تحديد نوع أي سلوك سيواجهه خلال حياته المهنية وترجمته بما يتوافق والنظريات التربوية التي تعلّمها ليستفيد من هذه النظريات لحل ما يواجهه من مشكلات تربوية، خاصة أن المعلّم يواجه أكثر من غيره مشاكل تربوية سلوكية فيقع في حيرة عن كيفية تخطيها بما يتفق مع الطبيعة البشرية التربوية، وبما أننا في صدد الحديث عن المصطلحات التربوية فإن أهم المصطلحات التي يبدأ المعلمون الطلاب في معرفتها هي التعليم والتدريس".

و أنا أميل بين هذين التعريفين إلى مصطلح "التثقيف".. فعملية التثقيف تتمتع بخاصية فتح المدارك لدي المتعلم لينهل من كافة المصادر المتوفرة والمتاحة جوانب غير محددة المعالم، والخروج من الإطار الضيق للمنهج بكل جموده والمادة العلمية في إطارها الضيق.. أرى أنه في حين أن مصطلح التدريس ينبع من الإلتزام بالمنهج، فمصطلح التعليم يتوسع في مناقشة كافة التفاصيل وهو أقرب إلى كسب ثقافة منفتحة حول المواضيع من زوايا ومناحي مختلفة ويحمل المتعلم للتفكير والبحث والمناقشة.. ومثل هذه العملية في الفصول الدراسية تتطلب من المعلم ذاته أن يتمتع بسعة أفق لتقّبُل الآراء وتوقع الخروج بحرية عن الإطار المحدد للمنهج. هذه مهارة قد لا يتمتع بها المتدربين على أيدي معلميهم المنتهجين للطرق القديمة في التلقين والجمود.. أي أن "فاقد الشيء لا يعطيه".. بل هي عملية تستوجب الإعداد السليم لتخريج معلمين يتمتعون بدرجات عالية من الثقافة حتى ينجحوا في تثقيف الأجيال اللاحقة.. وعملية كسب الثقافة تتطلب مهارة خاصة من الجانبين ودرجة عالية من السماح للإبداع والتفكير الخلاق وفتح المجال لتباين الآراء وتقبّلها بشكل إيجابي منفتح.

فلو نجحنا في مساعينا لتعليم اللغة الإنجليزية على أساس أنها مهارة سيحتاجها المتعلم في حياته القادمة وأنها أداة لا بد لنا من إكتسابها لأنها مهمة في عمليات الإستزادة من مناهل العلم ومهمة في الأسفار حول العالم، وأنها متطلب أساسي في أغلب التخصصات الجامعية، بل ومن أهم متطلبات القبول لدي أغلب الجامعات المحلية والعالمية، ومن أهم وأول المطالبات للحصول على وظائف مرموقة، لما فرطّنا في إكتسابها منذ المراحل الأولى.. فالطالب الغر لن يعرف ولن يقّدر أهمية اللغة الإنجليزية إذا لم نساعده على الإقتناع بكل الإستخدامات لهذه اللغة، بالذات إذا كانت بيئته لا تتعدى أصداقاء "الحارة" والمنزل العائلي، حيث لا يجد لهذه اللغة إستخدام ولا أهمية.. لكن لو نجحنا منذ البداية عل تنمية عامل "الدافع" عبر دفعه لإستخدامات تطبيقية لممارسة هذه اللغة، وأجبرناه أحياناً على القراءة والكتابة، والتحدث بها في الفصل الدراسي بشكل جاد، سيجد المتعلم هدفاً يجبره على إكتسابها.

فتعلم اللغات لا بد لها من بيئة تدفع المتعلم لممارستها لتنمو.. لذا يلجأ البعض لإرسال أبنائهم للعيش مع عائلات في بريطانيا وأمريكا حتى يضطرهم الوضع لممارسة اللغة الإنجليزية ونمو الدافع لإكتسابها بفعل الإضطرار لتفادي المواقف المحرجة مثلاً.. فبعض الدوافع السيكولوجية تنشأ عبر الترهيب، وإن كان البعض يراها سلبية نوعاً ما، غير إنها دوافع فعالة للتعلم والممارسة، وتكون نتائجها إيجابية في نهاية الأمر.. حيث يجد المتعلم كم هي مفيدة هذه اللغة لأنها تجنبه بعض المواقف الغير سارة، بل وتساعده للإنخراط في حوارات مع الآخرين دون خجل، وبالتالي تتطور لديه مهارات وإستخدامات لم تكن على باله وهو "محكور" في إطار عائلته وأصدقاء الصغر.. بل سيجد أن هذه اللغة تفتح أمامه أبواباً ومجالات وإهتمامات ربما فشلت المدرسة في شرحها له في مراحل التعليم المبكرة!

وفي عالم اليوم لا بد لنا من تعلم اللغة الإنجليزية كمثال للولوج في مواقع التواصل الإجتماعي والمواقع الإلكترونية ومجالات البحث عن المعلومات وكتابة البحوث الأكاديمية. وهنا أيضاً أعود ثانية لمصطلح الثقافة.. فالثقافة السليمة هي التي تقنن لنا الإستخدام الأمثل لهذه المواقع المفيدة والغنية، وهي التى تقودنا عبر دهاليز العالم الإلكتروني وحسن الإختيار ما بين "الغث والسمين".. فمفهوم الثقافة أنها لا تعبّر بالضرورة عن كم المعلومات بل ماهيتها وكيفية التعامل والتفاعل معها، وكيفية تطويعها والإستفادة منها في مجالات الحياة. فالمثقف الواعي ينجح في التفاعل حتى مع المعلومات الجديدة عليه، ولا يأخذ بها كمسلمات مفروضة، بل يقييمها ولنقل "يروضها" حتى يسبر أغوارها ويفهم أسرارها ويقرأ ما بين سطورها ويفسرها ومن ثم يستفيد من مفيدها ويفند ما سواها. وهكذا أرى أن سر التعليم يقع في إعداد المتعلم لكسب المعارف، بينما التدريس يتلخص في جمع وحفظ كم معين ومحدد حسب فصول المناهج، بقدر يسير (إن كان في أحسن الأحوال) من المرونة والتفقه!

ففي مقالتي في 1992 ركزت على مسألة تعليم اللغة الإنجليزية خارج المنهج الدراسي المعتمد وعارضت التعامل معها كمادة دراسية جامدة تتبعها إمتحانات ورسوب ونجاح، بل التعامل معها على أنها مهارة لا بد من صقلها وممارستها.. مع التأكيد على ضرورة تثقيف الطلبة وتنشئة وعيهم نحو أهميتها لهم ومجالات الحاجة لها في مستقبل حياتهم.. فالثقافة في اللغة تدل على حسن المنطق وفطنة الإنسان، وذلك لأن الشخص المثقف هو الذي يتعلم أموراً جديدة وعامة كل يوم في إطار معرفي شامل يفيد به نفسه والآخرين، وبذلك تكون الثقافة إحدى مكوّنات السلوك الإنساني الذي يساعد على تحديد طريق الإنسان والتفاعل السليم مع كل شيء من حوله.. فثقافة الشعب هي أهم من كمية علمه، ففي ثقافته تجتمع المزايا التي تجعله مختلفاً عن غيره وتمنحه الخصوصية في العادات والقيم واللغة والممارسات الحياتية والتطور الحضاري.

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

عبد الجبار الرفاعييتفوق الكائنُ البشري على غيره من الكائنات بالرحمةِ. الرحمةُ خلاصةُ المشاعر الحميمية الدافئة وجوهرُها النفيس. أما العقلُ فعلى الرغم من أنه كان وما زالَ من أهمّ ما يتميزُ به الإنسانُ، غير أن "الروبوت" صار يقوم ببعض الأعمال الدقيقة والمعقّدة بواسطة عقل إلكتروني. ويعدنا الذكاءُ الصناعي اليومَ بالكثير مما يمكن أن ينجزه هذا العقلُ الإلكتروني غدًا من مهمات، فهو يشارك عقل الإنسان وأحيانًا يكون بديلًا عنه في تنظيم وإنجاز أعمال متنوّعة. لكن "الروبوت" مع امتلاكه لعقلٍ يظل يفتقر للمشاعر الحميمية الدافئة. ومعنى ذلك إن الكائنَ البشري يتفوّقُ على غيره من الكائنات في الأرض بالرحمة، بل لا تتحقّق إنسانيته إلّا بالرحمةِ.

الرحمةُ حالةٌ، وهي أسمى من العدالة، بل تسمو حتى على الإحسان. ولولاها لنضبت الطاقةُ المتدفّقةُ التي تغذّي الشفقةَ والروحَ الخيريةَ وحوافزُ العطاء والبرّ والإنفاق في الحياة، وكلُّ ما يشكّل منبعًا للعواطف المتدفّقة الفياضة في حياة الناس، وما يبني علاقاتِهم الاجتماعيةَ ويرسّخها على ركائز عميقة صادقة.

الرحمةُ أشملُ وأوسعُ من العدالة. العدالةُ تنشد التوازنَ والمساواةَ والإنصافَ في الحكم، وهي مفهومٌ يبتني على القانونِ والحقوقِ والأخلاقِ. أما الرحمةُ فهي "حالةٌ"، و"الحالةُ" هي ما يتلبّس بها الإنسانُ ويعيشُها بوصفها حقيقيةً وجوديةً كما يعيشُ الحبَ والإيمان، الحالةُ تصيرُ مكوّنًا لهويتِه الشخصيّةِ.

العدالةُ ضرورةٌ لحماية حقوقِ الإنسان وحرياتِه، وهي شرطٌ لازمٌ لكلّ عمليةِ بناءٍ مجتمعي سليم، وهي ضمانةٌ للأمنِ والسلمِ الأهلي من كلّ أشكال العنف والتعدّي على حقّ الآخَر في العيش المشترَك، وخلقِ فرصٍ متكافئةٍ للأفراد في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. لذلك لا يمكن أن يقوم مجتمعٌ سليمٌ من دون قوانين تُنظّم الحياةَ الاقتصادية والسياسية وتحقّق الأمنَ والعدالةَ الاجتماعية، وأنظمةِ عقوبات عادلة تُنصِف المظلومَ وتردع الظالم، بنحو تتسم فيه بالانصاف والتوازن، وتحمي مصالحَ الفرد والجماعة، ويتساوى فيها الأفرادُ في حقوقهم وحرياتهم.

لا يمكن الاستغناءُ عن العدالة بالرحمة، الرحمةُ ليست بديلًا عن العدالة في بناء أيّة جماعة بشرية أو في بناء أيّة دولة، لأن الظلمَ مقيمٌ في الأرض، وأن عيشَ الإنسان وتأمينَ متطلباته الحياتية يفرض عليه الكدحَ والتنافسَ والصراع، والعدالةُ تمنع من أن ينتهي تأمينُ الإنسان لمصالحه ومتطلباته إلى نزاعات دموية وحروب عدوانية.

إن افتراضَ بناء مجتمع على الرحمة وحدها افترضٌ غير واقعي، لأن مثلَ هذا المجتمع لا يمكن أن يتحققَ مادام البشرُ بشرًا، لكن تظل الرحمةُ قيمةً إنسانية رفيعة، تسمو بحياة الفرد والجماعة، بوصف الرحمةِ تنفي بعضَ العقوبات عفوًا، أو تخفض من شدّة بعض العقوبات الأخرى القاسية، وبوصفها هدفًا نبيلًا ينشده الدينُ ليوقظ به ضميرَ الإنسان ويسمو به إلى أجمل حالة إنسانية يمكن أن تتحلّى بها شخصيتُه.

الرحمةُ تنتج ما لا تنتجه العدالةُ، من الرحمةِ يتوالدُ الغفرانُ والعفوُ والعطفُ والرفقُ واللينُ والشفقةُ، لذلك يستطيعُ من يمتلك الرحمةَ تحمّلَ الأقوالِ والأفعال المؤذية الصادرة عن الآخر، كما يستطيعُ العفوَ عنها. الرحيمُ يتحملُ ما لا يتحمله غيرُهُ، ويعفو عمَّ لا يعفو عنه سواهُ من البشر. وما أجمل تفسير الشيخ محيي الدين بن عربي لمنطقِ الرحمةِ في القرآن، إذ يكتب في الفصّ الزكرياوي من كتابه "فصوص الحكم": "والرحمةُ على الحقيقةِ نسبةٌ من الراحمِ، وهي الموجبةُ للحكمِ، وهي الراحمةُ، والذي أوجدها في المرحومِ ما أوجدها ليرحمه بها، وإنما أوجدها ليرحم بها من قامت به"1 . بمعنى أن الحقَ سبحانه إذا رحمَ إنسانًا أوجدَ فيه الرحمةَ، أي جعلَ الرحمةَ تقومُ به، بحيث يصبح قادرًا على أن يرحمَ غيرَه من المخلوقات، وبذلك يصبح المرحومُ راحمًا. الحقُ لا يوجِدُ الرحمةَ في المرحومِ ليرحمه بها، بل ليكسبه الصفةَ الإلهية التي بها يرحمُ غيرَه2 .

وبموازاة الرحمة حضرت كلمةُ "الْإِحْسَان"، فقد ورد "الْإِحْسَانُ" والكلمات ذات الصلة به بشكل لافت في القرآن، إذ جاءت بحدود 200 مرة3 . والإحسانُ يعني ما إذا عمِلَ الإنسانُ عملًا يتضمّن خيرًا للغير. وكما يقول الراغب: "الإحسان على وجهين: أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسنَ إلى فلان. والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا علّمَ علمًا حسنًا، أو عمِلَ عملًا حسنًا"4 . وحثَ القرآنُ على الْإِحْسَانِ في الأقول والأفعال، الجدال مثلًا ينبغي أن يكون بالتي هي أحسن، فهو يقول: "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"5 . وعلى الرغم من أن الإحسانَ مفهومٌ أخلاقي ينشد تقديم ما هو أجمل من القول والفعل، وهو يقعُ في مرتبة تفوق العدالة، لكن يمكن تخصيصه في بعض المواقف دون سواها، فلعل المرء يكون مُحسنًا في مقام فيما لا يكون مُحسنًا في مقام آخر. لذلك لا يربو الإحسانُ لمرتبة الرحمةِ، من حيث هي حالة وجودية لمن يتلبّس بها، فلا تُخصّص الرحمة بمواقف معينة، لأن الرحيمَ يكون رحيمًا حيثما كان الموقفُ.

الكائنُ البشري ليس رحيمًا بالطبع، ولعل في ذلك سرَّ تركيزِ القرآن على الرحمةِ وكثافةِ حضورها فيه، ووضعِها إطارًا مرجعيًا وبوصلةً دلاليةً تُرشِد لما تؤشّر إليه مدلولاتُ سورِه وآياتِه. الرحمةُ حالةٌ لا يستوعبها الكائنُ البشري ولا يتّصفُ بها بيسر، ولا يتمثّلها بسهولة، بل لا يطيقها أكثرُ الناس، لأنها شديدةٌ على النفس، وطالما عجز الكائنُ البشري عن التحققِ بها، إذ إن نزعاتِ العدوان التي تترسّب في أعماقِ هذا الكائنِ تمنعه من امتلاكِها.

الإنسانُ كائنٌ طالما تغلّب في شخصيته الشرُّ على الخير، والتوحشُ على الرحمة. ولولا الدينُ لم تكن الحياةُ ممكنة. الأديانُ خفّضت كثيرًا من الطاقة التدميرية للتوحش في الأرض، فأضحت حياةُ الإنسان ممكنة. لا يتأنسنُ الكائنُ البشري إلّا بالرحمةِ، ومن دونها يتساوى هذا الكائنُ وأيَّ وحشٍ مفترس.

الجلّادون الدمويون الذين ظهروا في الأديان في العصور المختلفة كانوا تعبيرًا عن طبع هذا الكائن المتوحّش أكثرَ مما كانوا يعبّرون عن رحمة الأديان. وإلّا فكيف نفسّر ظهورَ شخصياتٍ روحانية مُلهِمةٍ في الأديان، مثل: الحلاج والنفري ومحيي الدين بن عربي وجلال الدين الرومي وايكهارت والأم تريزا، وغيرِهم ممن يمثلون أجملَ النماذج الرحيمة الملهمة، وممن تفوّقوا في تجسيدهم لكيفية تمثّل الكائن البشري لمغزى الأديان وندائِها الروحاني العميق.

الكائنُ البشري ليس خيّرًا بالطبع، إنه مستعدٌ بالقوة أن يكون خيرًا أو أن يكون شريرًا، ونادرًا ما يتخلّص إنسانٌ في نشأتِه من آثار العواملِ التي تكوّن نواةَ السلوك العدواني في شخصيته، ولولا ذلك لكان معظم الناس رحماء. يتطلّب خفضُ تأثيرِ هذه العوامل على سلوكِ الإنسان أن ينشأ في بيئةٍ تربويةٍ صحيةٍ، وتنمو شخصيتُهُ في فضاءِ تربيةٍ أخلاقيةٍ صالحة، وحياةٍ روحيةٍ مُلهِمة، وثقافةٍ حيويةٍ ديناميكية، كي تترسّخ في شخصيته النزعاتُ الخيرية، وتولد في روحه بذرةُ المحبةِ وتنمو وتتجذّر باستمرار، بوصفها طاقةً ملهمةً لأجمل معاني الحياة، ولكلِّ ما يُكرّس الرحمةَ وما يتوالد عنها من قيمِ العفوِ والغفرانِ والشفقةِ على الخلق، وما يحمي الكائنَ البشري من الاغترابِ الوجودي.

وكلُّ ذلك لا ينجزه إلّا فهمٌ بديلٌ للدين، وموقفٌ مختلف لنمطِ الصلةِ بالله، ورؤيةٌ جديدة للعالم، وإرادةٌ جديّةٌ في تبنّي العلومِ والمعارفِ والخبراتِ الإنسانيةِ الجديدة، والخلاصُ من الغرام بعلومِ ومعارفِ الموتى التي نسخت أكثرَها العلومُ والمعارفُ الحديثة، لكن المؤسفَ أن أكثرَ ذلك ما زالت تفتقر إليه مجتمعاتُ عالَم الإسلام.

 

عبد الجبار الرفاعي

...........................

1- شرح القيصري على الفصوص. ص 237.

2- الرفاعي، عبدالجبار. الدين والظمأ الأنطولوجي. بيروت:  مركز دراسات فلسفة الدين ودار التنوير، ط 2، 2016، ص 170.

3- ورد "الْإِحْسَانُ "والكلمات ذات الصلة به في القرآن بهذه الصيغ: الْحَسَنَات، الْحَسَنَةَ، الْحُسْنَى، الْحُسْنَيَيْنِ، الْمُحْسِنِينَ، إِحْسَانًا، أَحْسَنَ، أَحْسَنَهُ، أَحْسَنُوا، أَحْسَنتُمْ، بِالْحَسَنَاتِ، بِالْحَسَنَةِ، بِالْحُسْنَى، بِإِحْسَانٍ، بِأَحْسَنَ، بِأَحْسَنِهَا، تُحْسِنُوا، حَسَنًا، حَسَنٍ، حَسَنَاتٍ، حَسَنَةً، حَسُنَتْ، حُسْنُهُنَّ، حِسَانٌ، فَأَحْسَنَ، لَحُسْنَ، لَلْحُسْنَى، لِلْمُحْسِنَاتِ، لِلْمُحْسِنِينَ مُحْسِنٌ، مُحْسِنِينَ، مُحْسِنُونَ، وَالْإِحْسَانِ، وَأَحْسَنَ، وَأَحْسِنُوا، وَحَسُنَ، وَحَسُنَتْ، يُحْسِنُونَ.

4- الطيبي، شرف الدين الحسين بن محمد. شرح الطيبي على مشكاة المصابيح المسمى الكاشف عن حقائق السنن. بيروت:   دار الكتب العلمية، ج1: ص93.

5- العنكبوت، 46.

 

حسن العاصييحتل الجزء العسكري والأمني الصدارة في أولويات العلاقات الإفريقية الإسرائيلية، إذ بدأت المساعدات العسكرية الإسرائيلية لبعض الدول الافريقية حتى قبل استقلال هذه الدول، فقد قامت كل من أوغندا وغانا في العام " 1962 " بإرسال عسكريين وضباط للتدرب في إسرائيل، وبالمثل أرسلت تنزانيا مجموعة من الضباط للتدرب في المعاهد الحربية الإسرائيلية، كما دربت إسرائيل أول مجموعة من الطيارين من أثيوبيا وغانا وأوغندا، ودربت طيارين مدنيين من نيجيريا، وفي العام "1966 " أنشأت إسرائيل أول كلية حربية في غانا، حيث كان يتواجد فيها "100 " ضابط إسرائيلي كخبير ومدرب، وتواجد في أوغندا أكبر بعثة اسرائيلية في العام " 1965 " وكان ضباط وجنود الجيش والشرطة وجهاز الاستخبارات الأوغندية يتلقون تدريبهم على يد ضباط من الجيش الاسرائيلي، وهنا من الجدير ذكره أنه حتى خلال الفترات التي تم فيها قطع العلاقات من قبل الدول الإفريقية مع إسرائيل ، لم تؤثر على مستوى هذا التعاون العسكري بين الطرفين .

اتفاقيات سرية

وترتبط اسرائيل بمعاهدات عسكرية وأمنية سرية مع العديد من الدول الإفريقية، تتضمن تدريب الجيوش وأجهزة الاستخبارات في تلك الدول، وذلك للحفاظ على استمرار الأنظمة الديكتاتورية في إفريقيا التي تجد فيها إسرائيل ضالتها لتحقيق أهدافها .

فعلى سبيل المثال لا الحصر، قامت إسرائيل بتوقيع معاهدة سرية للتعاون العسكري مع زائير التي طلبت مساعدة إسرائيل على أثر محاولة الانقلاب الفاشلة فيها، وقامت إسرائيل بمساعدة الجيش الليبيري في قمع التمرد على النظام، وعقدت معها صفقة عسكرية بملايين الدولارات، ويقوم الخبراء الإسرائيليين بتدريب الجيش الكاميروني ، وباعت لها إسرائيل طائرات من نوع "كفيرو عرافا "، ناهيك عن التعاون العسكري الإسرائيلي مع أثيوبيا التي تحتل موقع الصدارة في اهتمامات قادة اسرائيل كونها البلد الوحيد الغير عربي المطل على البحر الأحمر .

وعلى امتداد السنوات الماضية، إضافة إلى حصدها الأموال من النزاعات الدموية في القارة الافريقية، قامت إسرائيل بتوظيف علاقاتها المميزة مع العديد من الضباط في المؤسسات العسكرية والأمنية الإفريقية، لاختراق القارة وللحفاظ على مصالحها الاستراتيجية فيها على المدى البعيد .

وقد نقلت إسرائيل سياستها في إشعال فتيل الحروب والنزاعات، وإذكاء التناقضات المتعددة، وممارسة الخداع والابتزاز، وإثارة النعرات القومية والمذهبية، نقلت كل هذا الميراث البغيض الذي كان يشكل بالنسبة لها نهجاً منتظماً في علاقاتها مع محيطها العربي طوال عقود إلى القارة الإفريقية، ولا تتردد إسرائيل في عمل كل شيء في سبيل تحقيق أهدافها، فتراها تستغل على سبيل المثال، النزاعات الإرتيرية وحالة الفوضى الأمنية السائدة في الصومال من أجل تعزيز علاقاتها مع أثيوبيا التي قامت بالحصول على كميات كبيرة من الأسلحة الإسرائيلية بهدف تأزيم منطقة القرن الإفريقي التي تعاني بالأصل من أزمات متفجرة متعددة.

نتيجة للدعم الإسرائيلي غير المحدود يصنف الجيش الإثيوبي ثالث أهم جيش في القارة الإفريقية بعد مصر والجزائر، ويحتل الموقع 42 عالمياً، بامتلاكه 2300 دبابة، و800 مركبة، 200 صاروخ متعدد، 90 طائرة مقاتلة، 43 طائرة مروحية، بحسب الأرقام التي نشرها موقع "جلوبال باور فاير".

الاقتحام الناعم

نعود قليلاً إلى الوراء، فبعد قيام دولة إسرائيل في العام 1948 عاشت الدولة الجديدة عزلة مع محيطها العربي والإفريقي، هذا التهميش الذي تعرضت له إسرائيل من قبل جيرانها جعلها تستنبط أساليب جديدة لكسر هذه العزلة، فظهرت فكرة المساعدات للدول الإفريقية المجاورة الفقيرة، فبدأت إسرائيل بطرق أبواب القارة وتقدم نفسها على أنها فاعل خير، وبدأت مساعداتها تصل إلى بعض الدول الإفريقية وفي مقدمتهم إثيوبيا، ومع وصول هذه المعونات الإسرائيلية تباعاً إلى إفريقية كانت إسرائيل تنفذ إلى قلب القارة، وكان وجودها يتبلور ويتعزز في إفريقية خاصة في إثيوبيا لتصبح حليفة إسرائيل المطلة على البحر الأحمر.

في بداية الستينيات من القرن العشرين أرسلت إسرائيل عدد من المستشارين العسكريين كي تقوم بتدريب المظليين الإثيوبيين، وكذلك تدريب وحدات خاصة لمكافحة التمرد والشغب، كما قامت إسرائيل بتدريب جنود وضباط الفرقة الخامسة في الجيش الإثيوبي لمواجهة جبهة التحرير الإرتيرية.

في العام 1973 قطعت العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل وإثيوبيا تضامنا مع مصر والعرب، لكن استمرت إسرائيل بإرسال قطع الغيار للطائرات والذخيرة للأسلحة أمريكية الصنع التي يملكها الجيش الإثيوبي، وكذلك استمر تواجد عدد كبير من المستشارين والخبراء العسكريين الإسرائيليين في أديس أبابا، ولم يتغير هذا الوضع حتى مع وصول الرئيس الإثيوبي ذو التوجه الماركسي "مانجستو هيلا مريام" للسلطة في العام 1974 من القرن العشرين، لكن هذا الوضع تغير في العام 1978 حين قام الرئيس "مانجستو" بطرد جميع المستشارين الإسرائيليين من إثيوبيا على أثر انكشاف علاقة البلدين مما اعتبر خرقاً لقرارات مجلس الوحدة الإفريقية ووضع إثيوبيا في حرج شديد من الدول الإفريقية.

في العام 1983 ورغم استمرار قطع العلاقات الدبلوماسية بين إثيوبيا وإسرائيل، قامت الأخيرة بتدريب عسكري وأمني للحرس الرئاسي ولجهاز الشرطة الإثيوبي ولرجال بعض الأجهزة الأمنية ومنها المخابرات.

ثم بدأت إسرائيل في استقبال يهود الفلاشا الذين هاجروا من إثيوبيا بناء على اتفاق بين الحكومتين في العام 1985 مقابل مساعدات عسكرية تقدمها إسرائيل لأديس أبابا، ولغاية العام 1987 كانت إثيوبيا تلقت معونات عسكرية بقيمة 85 مليون دولار مكافأة لها على السماح ليهود الفلاشا بالهجرة إلى إسرائيل، وأرسلت تل أبيب 300 مستشار وخبير أمني وعسكري إلى إثيوبيا، وقامت خلال هذه الفترة بتدريب 40 طياراً إثيوبياً في إسرائيل، في العام 1989 من القرن العشرين تم إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وتم افتتاح السفارة الإسرائيلية في أديس أبابا، وقدمت إسرائيل المزيد من المساعدات العسكرية لإثيوبيا.

في العام 1990 قدمت إسرائيل حوالي 150 ألف بندقية للجيش الإثيوبي بحسب تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، وتوسعت مساعدات إسرائيل لتضم معونات صحية وأدوية، وكذلك أرسلت خبراء في مجال الري والزراعة، وفي العام 1991 قامت إسرائيل بنقل 15 ألف يهودي من الفلاشا مباشرة عبر جسر جوي من أديس أبابا إلى إسرائيل، ودفعت للرئيس الإثيوبي مبلغ 35 مليون دولار قبل أن يطيح به انقلاب شعبي ضده فهرب إلى زيمبابوي، وبحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام فإن إثيوبيا لا تبلغ ميزانيتها العسكرية سوى 0,8 في المائة، إلا أنها أصبحت ثالث أقوى جيش في القارة السمراء بفضل الدعم العسكري الإسرائيلي.

تفتيت العلاقات العربية -الافريقية

أصبح من المؤكد أن إسرائيل استطاعت وعبر برنامج المساعدات العسكرية بشكل رئيسي، والإنمائية بدرجة أقل، استطاعت أن تفسد العلاقات التاريخية بين العرب ومصر بوجه خاص وإثيوبيا، وأنها تمكنت من إخراج مصر من إثيوبيا والحلول مكانها، وبدأ فصل جديد من فصول الضغط الإسرائيلي على مصر والسودان عبر أذرعها الإفريقية في إثيوبيا وغيرها من الدول الإفريقية.

إن التعاون العسكري وتقديم مساعدات عسكرية إلى الدول الإفريقية، وكذلك تدريب ضباط الجيش والأجهزة الأمنية الإفريقية، كان ولايزال يستحوذ على أهمية خاصة في الاستراتيجية الإسرائيلية، لتوظيف هذا الملف في ممارسة الابتزاز والضغوط والمقايضة، والأهم هو استخدامه كسلاح في مواجهة الدول العربية لتهديد أمنها والضغط عليها لتغيير مواقفها في بعض الملفات، ومن أجل هذه الرؤية عملت إسرائيل على تكثيف نشاطها وتواجدها العسكري في إفريقيا، وقامت بإرسال كثير من الخبراء والمستشارين العسكريين والأمنيين الإسرائيليين إلى عدة دول إفريقية من أجل تدريبهم والإشراف عليهم، حتى أن إسرائيل قامت بتدريب كثير من الحراس الرئاسيين الذي يتولون حماية قادة ورؤساء القارة السمراء، وجلبت الآلاف من الأفارقة للدراسة والتدريب في معاهدها الحربية وكلياتها العسكرية.

ولم تكتفي إسرائيل بتقديم السلاح وتدريب الجنود والضباط، بل قامت أيضاً بنقل تجربتها في العمل مع منظمات الشباب الشبه عسكرية مثل تجربة منظمتي "الناحال" و"الجدناع" وقامت بإرسال مستشارين ومدربين إلى بعض الدول الإفريقية لتعليمهم كيفية تنظيم صفوف الشباب الإفريقي في فصائل تجمع العمل المدني والتدريب العسكري سوية.

أيضاً أرسلت إسرائيل عدداً من مدربيها للإشراف على تنظيم الخدمة العسكرية التي تفرض على الشباب الإفريقي لفترات زمنية محددة كما هو الحال في إسرائيل، وقامت أيضاً بإرسال عدد من الخبراء لتدريب قوات الشرطة في تنزانيا، ودربت قوات المظليين في الكونغو، ثم أنشأت مدرسة هناك وقدمت لجيش الكونغو أسلحة وعتاد، ثم في سيراليون أيضاً يتكرر ذات السيناريو حيث أرسلت إسرائيل خبراء عسكريين وضباط من أجل تدريب الجيش السيراليوني، ثم أنشأت لهم مدرسة عسكرية في فري تاون.

والجدير بالذكر هنا أن إسرائيل استطاعت أن تبني قواعد جوية وبحرية في دول القرن الإفريقي، وبالطبع الغاية الرئيسية منها هو تهديد الأمن العربي والضغط على مصر والسودان، وقد تحولت جميع هذه القواعد إلى مراكز للتجسس على الدول العربية وعلى الدول الإفريقية نفسها، كما شكلت إسرائيل فرق عمل أمنية ومجموعات عسكرية بشكل مشترك مع عدد من الدول الإفريقية، الغاية منها هو تقوية نفوذ إسرائيل داخل الأجهزة العسكرية والأمنية الإفريقية عبر هذه المجموعات التي تضم الكثير من كبار الضباط الذين تلقوا تدريبهم في المعاهد العسكرية الإسرائيلية في إسرائيل أو تدربوا بواسطة مستشارين إسرائيليين في بلدانهم جميعهم يدينون بالولاء للمصالح الإسرائيلية ، وتربطهم علاقات مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ومعظم هؤلاء الضباط من إثيوبيا والكونغو ورواندا وزائير وساحل العاج ومن جنوب إفريقيا وإريتيريا وكينيا وأوغندا وتنزانيا.

وفد شجعت إسرائيل الأجيال الجديدة من القادة الأفارقة الذين ينتمون إلى أقليات عرقية أو مذهبية في بلدانهم، ويرتبطون بعلاقات جيدة مع إسرائيل، ومنهم "مينيس زيناوي" في إثيوبيا و "أسياسي أفورقي" في إريتيريا و "جون جارانج" في دنوب السودان و "يوري موسيفيني" في أوغندا، وكل هؤلاء أصبحوا قادة بلدانهم وأصدقاء مخلصين لإسرائيل ويدافعون عن مصالحها.

إن إسرائيل ترتبط مع إريتيريا باتفاقية أمنية تم توقيعها في العام 1996، حصلت بموجبها إريتيريا على مساعدات عسكرية ضخمة، وحصلت إسرائيل على تسهيلات لتعزيز وجودها في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وأصبح لها تواجد عسكري في مضيق باب المندب.

في الصراع الذي وقع في منطقة البحيرات العظمى في العام 1994 قامت إسرائيل بتزويد كل من رواندا وبوروندي والكونغو بالأسلحة وبالمستشارين العسكريين وذلك بهدف إثارة النعرات والقلائل لتبقى هي المستفيد الوحيد والقادر على إدارة هذه الصراعات في المنطقة.

وقام جهاز المخابرات الإسرائيلي الموساد من خلال مكتبه في نيروبي، ومن خلال تعاون إسرائيل الأمني مع كينيا بتحريض الأخيرة على إثارة التوترات فيما يتعلق بأزمة مياه النيل مع مصر في العام 2003، وظلت إسرائيل تضغط على كينيا حتى أعلنت انسحابها من معاهدة حوض النيل الموقعة في العام 1929، وكررت إسرائيل نفس السيناريو مع أوغندا التي أعلنت أنه يجب إعادة التفاوض حول موضوع مياه النيل والوصول إلى حل يرضي جميع الأطراف، أو أنها سوف تنسحب من الاتفاقية كما فعلت كينيا.

وقد أصدر الدبلوماسي الإسرائيلي السابق "آريه عوديد" كتاب "إسرائيل وإفريقيا" في العام 2014 وترجمه إلى العربية الدكتور عمر زكريا المتخصص في الشؤون الإسرائيلية، وتظهر قيمة هذا الكتاب الهام من أن مؤلفه كان من الذين وضعوا خطط اختراق القارة الإفريقية من قبل إسرائيل، وساهم في عملية بناء وتعزيز العلاقات الإسرائيلية الإفريقية على مدار عقود، وكان قد بدأ عمله الدبلوماسي في أوغندا في العام 1961، وانتقل ليرعى المصالح الإسرائيلية في كينيا في سبعينيات القرن العشرين، ثم في تسعينيات القرن الماضي عمل سفيراً في سوازيلاند وكينيا، ثم عين سفير غير مقيم في لاسوتو وزامبيا وموريشيوس وجزر سيشيل، وعمل محاضراً للدراسات الإفريقية في الجامعة العبرية في القدس.

علاقات سرية رغم المقاطعة

يذكر الدبلوماسي الإسرائيلي في كتابه آنف الذكر، أن إسرائيل ظلت على علاقات سرية مع الدول الإفريقية التي قطعت علاقاتها الرسمية العلنية مع إسرائيل في مراحل مختلفة خلال القرن العشرين، نتيجة للضغوط التي تعرضت لها تلك الدول الإفريقية من الأنظمة العربية، وظلت إسرائيل تعمل بكامل حريتها في تلك الدول، ويقر "عوديد" أن إسرائيل استمرت في تقديم كافة أنواع المساعدات العسكرية والأمنية للدول الإفريقية، وذكر أن إثيوبيا وإريتيريا لاحقاً كانتا مهمتان جداً لإسرائيل من أجل تأمين الطرق الملاحية للشرق الأقصى ولجنوب إفريقيا، والموانئ الموجودة في مومباسا في كينيا ودار السلام في تنزانيا هي موانئ مهمة لإسرائيل بهدف كمحطات في الطرق الملاحية، ويقول أن التواجد العسكري الإسرائيلي في إثيوبيا وأوغندا وكينيا بالغ الأهمية من الناحية الجيوسياسية لتطويق العرب.

وكان عوديد قد درس في جامعة ماكريري البريطانية في أوغندا، وقد درس معه في هذه الجامعة العديد من الزعماء الأفارقة الذين وصلوا إلى هرم القيادة السياسية والعسكرية في بلدانهم فيما بعد ومنهم "بنجامين مكابا" الرئيس التنزاني السابق، وقام الدبلوماسي السابق اثناء عمله بإرسال الكثير من الطلبة الأفارقة للدراسة في إسرائيل، وكان يختارهم بمعاونة رجال المخابرات الإسرائيلية الموساد بناء على معايير معينة أهمها مدى قدرة هؤلاء الطلبة على تبوأ مناصب قيادية في بلدانهم لاحقاً، ودرجة صداقتهم مع إسرائيل، ومن بين هؤلاء الذي أرسلهم للدراسة "يوسف لولي" الذي أصبح رئيس أوغندا بعد سقوط عيدي أمين.

وكشف عن الدور الخطير الذي لعبه الجيش الإسرائيلي وجهاز المخابرات الموساد في بعض الدول الإفريقية من خلال السفارات الإسرائيلية وبعض ملحقياتها التجارية والثقافية، بواسطة مستشارين أمنيين بلغ عددهم العشرات في كل من إثيوبيا، أوغندا، الكونغو، تنزانيا، كينيا، إريتيريا.

أوغندا النموذج

وكانت إسرائيل ساعدت الرئيس الأوغندي "أوبوتي" بناء على طلبه في مساعدة حصل عليها من إسرائيل لتنظيم وتدريب جيشه لمواجهة أعدائه في السودان التي كانت إسرائيل تدعم قيام كيان غير عربي في جنوبه، الاهتمام الإسرائيلي بأوغندا يأتي من كون منابع النيل الأبيض فيها، وكونها تقع جنوبي مصر والسودان الدولتين العربيتين اللتين تريد إسرائيل حصارهم والضغط عليهم، مما دفع إسرائيل إلى القيام بتدريب سلاح المشاة والمظلات والمدرعات والقوات الجوية في الجيش الأوغندي، ودربت أيضاً رجال وضباط الشرطة، وأول دبابة حصل عليها الجيش الأوغندي كانت مقدمة من إسرائيل ضمن ست دبابات، ودربت الطيارين العسكريين الأوغنديين في معهد للطيران قامت ببنائه إسرائيل في أوغندا، ثم قدمت لهم أربع طائرات تدريب ظراز "بوخانا" ولاحقاُ باعت لهم 12 طائرة من نوع "بوجا"، وفي فترة لاحقة دؤبت إسرائيل 30 طيار أوغندي في إسرائيل، ودربت معهم عشرات الفنيين لصيانة الطائرات.

ثم جاء الوقت كي تحصد إسرائيل فيه ثمار هذه المساعدات والدعم الكبير الذي حصلت عليه أوغندا التي أصبحت من الدول الإفريقية التي تمتنع عن التصويت في القضايا التي تتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي في المحافل الدولية.

وعلى سبيل الذكر عارضت أوغندا مشروع قرار حول القدس في الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 2003، كما امتنعت عن التصويت في قضية جدار الفصل العنصري الذي اقامته إسرائيل على الأراضي الفلسطينية حين طرح اقتراح لتحويل الموضوع إلى المحكمة الدولية، وفي أكثر من مناسبة أدانت أوغندا كفاح الشعب الفلسطيني واعتبرته إرهاباً.

ودولة مثل" الرأس الأخضر" وهي عبارة عن مجموعة جزر تقع غرب إفريقيا، يصرح رئيسها" جورجي كارلوش" بعد اللقاء الذي جمعه مع رئيس الوزراء الإسرائيلي " بنيامين نتنياهو" على هامش اجتماع المنظمة الاقتصادية المشتركة لدول غرب إفريقيا قبل شهور قليلة، بأن دولته لن تصوت ضد إسرائيل في الأمم المتحدة من الآن فصاعداً.

وقبل جولته الثالثة إلى إفريقيا، استضاف "نتنياهو" رئيس توغو "فاورا غناسينغبي" على مأدبة عشاء في منزله بالقدس الغربية، ومن اللافت ما كتبه الرئيس الإفريقي في سجل الزوار" أحلم بعودة إسرائيل إلى إفريقيا، وعودة إفريقيا إلى إسرائيل"، ورد عليه "نتنياهو" بقوله" أن توغو هي صديقة حقيقية لإسرائيل".

للتذكير

إن العالم من حولنا يتغير، وتتبدل معه مصالح الدول وتحالفاتها، فهل أصبحت فلسطين والقضية الفلسطينية في طي النسيان بالنسبة لمعظم الدول الإفريقية؟

فهل يمتلك العرب القدرة والرؤية والقرار والعزيمة على تصويب وتحسين العلاقات الرسمية والشعبية بينهم وبين شعوب إفريقيا وقادتها، أم أن الأزمات العربية -العربية التي لا تنتهي جعلت من العرب قوماً يفكرون خارج مصالحهم بل خارج التاريخ وخارج الجغرافيا.

 

حسن العاصي

كاتب وباحث فلسطيني مقيم في الدانمرك

 

 

عدنان عويدالتشيؤ فلسفياً: هو تحويل الظاهرة الإنسانية (الإنسان) إلى شيء، ليس له أي دور في تأكيد ذاته الإنسانية بعد أن استلبت منه قدراته العقلية وإرادته وأصبح في حالة صنمية أو سلعية.. أو تحول إلى ذرة اجتماعية ليس لها لون أو طعم أو رائحة. إلا لون وطعم ورائعة تلك الذرة الاجتماعية التي يريدها عليها من عمل على تشيئها، وهي هنا الأنظمة الاستغلالية الاستبدادية مهما كانت أشكالها. هذه الأنظمة التي تعمل دائماً على خلق أو (تحديد) جوهر هذا الإنسان سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وثقافياً، بحيث يُشعرها هذا الإنسان المشيء بوجودها وقوتها وهيمنتها واستمرارية سلطتها من جهة. ويَشعر بالمقابل رعاياها بضعفهم وقلة حيلتهم ورضوخهم لقادة هذه الأنظمة من جهة ثانية.

يقول "هيجل": (التحديد يعني السكون)، والسكون برأيي يعني التحجر والصنمية. وبالتالي فالسكون بالنسبة لحالات استلاب الأفراد من حريتهم وإرادتهم ولقمة عيشهم يعني (التشيؤ). وهذا "كيكغارد" له رأي في التشيؤ يقول فيه أيضاً: (إنك تلغيني إذا وضعتني في نظام)، ويقصد هنا النظام الذي تُسلب فيه حرية الإنسان أي كان نوع هذا النظام الذي يمارسالقهر والظلم على رعاياه. وهو ما ذهب إليه "ماركوز" عند حديثه عن النزعة التشيئية للإنسان قائلا : (إن هذه الذات تسلب من دورها الأخلاقي والسياسي والجمالي حيث يختصر دورها على الملاحظة الخالصة والقياس والحساب الخالصين). (1)

فالتشيؤ إذن ظاهرة يصبح في ظلها الناس مجرد موضوعات تُسيرهم ميولات تكنولوجية واقتصادية وسياسية وأيديولوجية في آن معاً. وتحدد سلوكهم مصالح اجتماعية محددة يفرضها النظام السياسي الاستبدادي القائم على السلطة ممثلاً بحوامله لاجتماعية.

إن الفرد في النظام الرأسمالي على سبيل المثال، وهو النظام الأكثر تعبيراً عن حالات التشيؤ التي تصيب الفرد والمجتمع تحت مظلته التقنية التكنولوجية، هذه المظلة التي تفرض علاقات إنسانية مشوهة، تنهض على الكم والتراكم الإنتاجي والاستهلاك المنتزع من صلته العضوية بالمجتمع. أو بتعبير آخر، إن العلاقات الإنسانية في هذا النظام الرأسمالي، تُحددها روح المقايضة والمنفعة الخاصة. وبالتالي فإن روح المقايضة والتملك اللامشروط، والتشبث بالأشياء المصنوعة، ونشوة الاستهلاك، ستعمل بالضرورة على تغريب الإنسان واستلابه وتشيئه.

إن تحول جميع النشاطات الإنسانية والأشياء إلى سلع يعتبر أساس حالة التشيؤ. هذا وتظهر ظاهرة التشيؤ على عدة مستويات أهمها:

أولا: على مستوى المجتمع الاستهلاكي:

إن المجتمع الاستهلاكي ينزع على الدوام إلى خلق واستنباط رغبات جديدة. وذلك لأن الإنسان مركب حاجات، وحاجاته لا تنضب، وبالتالي فالاستهلاك يشكل هنا حجر الزاوية في تشييئ الإنسان وتركه يلهث وراء تامين حاجاته الروحية والمادية والمعنوية. ولتحقيق هذه الحالة من الاستهلاك تُوظف الدعاية بكل أشكالها وفي أعلى مستوياتها من أجل تغيير البنية العقلية والسلوكية للفرد والمجتمع وفق توجهات المجتمع الاستهلاكي ورغبات القائمين عليه.

ثانيا: على مستوى حب التملك أو الحيازة:

إن حب التملك للأشياء يصبح الحافز الرئيس للأفراد، وهو ما يجعل الأشياء تتحكم في الإنسان. ومن هنا تصبح قيمة الإنسان ومكانته في هذه الأنظمة مرتبطة بقدراته على تملك الأشياء وجديدها.

أن مقدرة الإنسان وقيمته ومكانته الإنسانية تكمن في قيمة الأشياء التي في حوزته، والتي يرى فيها قيمته الذاتية المتوارية. فاللوحة الفنية مثلاً لم تعد تقدر بقيمتها الفنية الجمالية والابداعية ودورها في تغيير وعي وأحاسيس الإنسان نحو جوهر إنسانيته، وإنما قيمتها تُحدد بسعرها الذي يصل إلى ملايين الدولارات، وقيمة الإنسان فيها هي قيمة من يشتريها.

إن هذا التشيؤ الذي يقع فيه الإنسان تحاول الفلسفة البرجوازية ان ترده كما هو الحال عند  "ماركوز" في (كتابه الإنسان ذو البعد الواحد)، إلى التكنولوجية العلمية التي تميل حسب رأيه إلى دراسة الأفراد بطريقة موضوعية علمية تبرر ما هو قائم. (2). أي تبرر هذه الفلسفة كل حالات قهر الناس وظلمهم واستلابهم وتشيئهم، مدعية أن التطور التكنولوجي هو السبب الرئيس وراء ذلك وليست التناقضات والصراعات الطبقية القائمة على الاستغلال هي السبب. وهذا برايي ما تعول عليه كل نظرية ما بعد الحداثة في علم الاجتماع بشكل خاص، فالتجريبية في ميدان العلوم الاجتماعية تعمل على طمس طبيعة العلاقات الاجتماعية القائمة على التناقض والصراع بين المالك والمنتج في الأنظمة الاستغلالية ومنها النظام الرأسمالي، فالذين يشتغلون على علم الاجتماع الرأسمالي يحاولون إبعاد القوى الفاعلة في النظام الرأسمالي وهي الطبقة الملكة للمال والسلطة، عن المسؤولية وتحميلها للتكنولوجيا، وكأن التكنولوجيا هنا مجردة عن حواملها الاجتماعيين الذين يسخرونها لمصلحتهم. وعلى هذا الأساس لم يعد مهماً دراسة تكون المجتمعات البرجوازية وآلية عملها والقوى التي تتحكم في آلية هذا العمل ومسألة التناقض والصراع الطبقي القائم في هذه المجتمعات، بقدر ما يهم دارس علم الاجتماع عرض مكونات وموجودات هذه المجتمعات بما فيها أفراد المجتمع، بوصفهم أشياء ووقائع وأرقام وبيانات ومعادلات وتروس في آلات التكنولوجيا.

إن النظرة (المجهرية) العلمويّة لعلم الاجتماع البرجوازي، التي تكشف الظواهر الإنسانية كظواهر منظمة ودقيقة متكيفة ومندمجة في محيطها الاجتماعي بعيداً عن أي قيم إنسانية يمارسها أناس من لحم ودم، لهم مصالحهم وعواطفهم ورغباتهم إلخ، هي ليست أكثر من محاولات مشبوهة باسم العلم يمارسها علماء اجتماع تهدف إلى حجب الصورة الحقيقية لمجتمع قائم على صنمية السلعة وتسييد النزعة الاستهلاكية التي ستغير مفهوم الإنسان من ذات تفكر في ذاتها وبالآخرين وبكل ما يحيط بها، إلى ذات تستهلك فقط ما يقدمها لها سوق الإنتاج من أجل الاستهلاك. لقد انقلب العقل في أنماط الاستهلاك هذه من عقل ناقد للأشياء إلى عقل أداتي تسيره وتحدد دوره الأشياء المصنوعة للاستهلاك. لقد تغير العقل بتعبير آخر من أداة للتفكير إلى أداة للاستهلاك.

إن أي وعي مشروط بمدى تلبيته للحاجات الاستهلاكية، هو بلغة هيجل مجرد "وعي شقي" أي هو وجود مُغترب مُشيئ".

 

د. عدنان عويّد - اتب وباحث من سورية

...........................

1 -  للاستزادة في هذا الموضوع راجع دراسة : سلمى بالحاج مبروك الخويلدي - المواطن والإنسان ذو البعد الواحد - موقع حــركـــة التـجـــديـــد - تـونـس - الصفحة الاساسية - ثقافـة و فـنون - الاربعاء 9 نيسان (أبريل) 2008 .

2- المرجع نفسه.

 

فراس زوينيعد العراق في مقدمة بلدان العالم من حيث فرص النهوض الاقتصادي والعمراني لامتلاكه العديد من المفاتيح التي تمكنه من فتح الأبواب المغلقة للعملية التنموية وتذليل العقبات امام احداث التنمية المستدامة، واحب في هذه الورقة ان اسلط الأضواء على ثلاثة من هذه المفاتيح التي ان تواجدت في أي بلد فأنها ستقوده نحو النهضة التنموية والعمرانية .

المفتاح الاول هو امتلاك العراق قاعدة غنية ومتنوعة من الموارد الطبيعية والبشرية وضعته ضمن اغنى دول العالم من حيث غزارة الموارد وتوافرها، حيث سبق وان اعلن المعهد الامريكي للطاقة في تقريره الدوري الصادر في العام ٢٠١٤ ان العراق يحتل المرتبة التاسعة عالميا بحجم الثروات الطبيعية الموجودة فيه، واشار التقرير إن "حجم الاحتياطي النفطي بحسب المسوحات الجيولوجية والزلزالية يبلغ نحو 350 مليار برميل، وان العراق يضم ايضا ثروات معدنية كالفوسفات والفضة والزئبق والفسفور بالإضافة الى الغاز الطبيعي، مبيناً ان المسح لم يشمل القطاع النفطي فقط بل كل الثروات الطبيعية كالذهب والبلاتين وغيرها، ووفقا لدراسة أخرى أعدها موقع "إنسايدر مانكي" الامريكي في العام ٢٠١٧، فأن العراق جاء في المرتبة الخامسة عالمياً باحتياط النفط المؤكد والذي بلغ 142.50 مليار برميل، متقدما بذلك على الكويت والإمارات، فيما اعلنت وزارة النفط في مناسبات عديدة ان العراق يسعى الى الوصول بالاحتياطي النفطي الى 170 مليار خلال الفترات القريبة القادمة، في الوقت الذي بلغ احتياطي العراق من الغاز 135 مليار قدم مكعب، وعند التكلم عن دورالموارد الطبيعية في التنمية الاقتصادية يكون من المناسب الإشارة الى النرويج، والتي تعد مشابه للحالة العراقية من ناحية امتلاكها للموارد الطبيعية، حيث اكتشف النفط في النرويج في أواخر عام 1969، وبدأ التحوّل الاقتصادي في النرويج من دولة تعتمد على الزراعة وصيد الأسماك، لتصبح الدولة الرائدة عالمياً في مجال التنقيب عن النفط والغاز، وخوفاً من ضعف اقتصادها المحلي بسبب ظهور بوادر التوجه نحو الريع واهمال باقي القطاعات، عمدت النرويج الى تأسيس صندوق النفط السيادي عام 1990 لدعم الاقتصاد على المدى الطويل، والمحافظة على مستويات النموّ، وتحصين الاقتصاد في المستقبل عندما تشّح الإيرادات النفطية، وفي عام 1996 جرى أوّل تحويل مالي إلى الصندوق، ثمّ في عام 2006 تمّ تغيير اسمه ليصبح الصندوق التقاعدي الحكومي النرويجي، ولتفادي آثار تقلبات النفط على اقتصاد البلاد فقد ركز الصندوق استثماراته على خارج البلاد من خلال تسعة آلاف شركة تعمل في قطاعات مختلفة في 75 دولة، وبعد مرور عقدين من الزمن قدر حجم الصندوق في نهاية عام ٢٠١٧، بنحو 910 مليارات دولار، ولفهم مدى أهمية الموارد الطبيعية من الناحية الاقتصادية فما على القارء الكريم سوى تقسيم هذا الخزين على 5.2 مليون نسمة وهم تعداد النرويج ليتبين نصيب كل مواطن من هذه الثروة، وقد يبين هذا المثال مدى أهمية الثروات الطبيعي بالنسبة لبلد ذا تجربة ناشئة مثل العراق، ويمكن اعتبار الثروة الطبيعية هي اول مفاتيح التنمية الاقتصادية والبناء يحملها بيده اليمين للقيام بالعملية التنموية والعمرانية .  

ويحمل العراق بيده اليسرى المفتاح الثاني، وهو توفر الايدي العاملة وارتفاع نسبة الشباب بين فئات المجتمع، فقد بين الجهاز المركزي للإحصاء في تقرير نشر في الأول من تشرين الأول من عام ٢٠١٨ إن عدد سكان العراق بلغ 38 مليون و124 الف و182 نسمة حسب الاسقاطات السكانية لعام 2018 مبينا ان نسبة الذكور منهم بلغ 19 مليون و261 الف و253 نسمة بنسبة 51%، فيما بلغت نسبة الاناث منهم 18 مليون و862 الف و929 نسمة وبنسبة 49% من مجموع السكان، ويعد العراق من اكثر دول المنطقة شباباً بالرغم من الحروب المتتالية التي خاضتها البلاد خلال العقود الأخيرة وسقوط مئات الالاف من الشهداء، الا ان الواقع السكاني للعراق يشير الى هيمنة الفئات العمرية الشبابية على باقي الفئات العمرية، وقد كشفت وزارة التخطيط ان نسبة السكان المسنين في العراق بلغت ٣٪‏ وفقاً لتقديرات الجهاز المركزي للإحصاء لعام ٢٠١٨، وذلك يعني ان العراق من المجتمعات الفتية أي ان فئات الشباب ما بين ١٦-٦٣ هي اكثر فئات المجتمع، حيث بلغ حجم القوى العاملة في العراق قرابة ٧ مليون مواطن، ويشكل هذا الرقم قوى هائلة لا يستهان بها، وكانت وزارة التخطيط قد اكدت في مناسب عديدة ان عدد سكان العراق يزداد سنويا بمعدل يقارب ٨٥٠ ألف شخص سنوياً، فيما توقعت ان تصل نسبة السكان الى 50 مليون شخص خلال عام 2030، وقد يكون من المناسب ذكر ان هناك نماذج تنموية للعديد من الدول التي استطاعت استغلال كثافة الايدي العاملة وتراجع مستوى الاجور بسبب هذه الكثافة العددية مثل الصين والهند ودول جنوب شرق اسيا والتي جعلت من زيادة العرض للعمالة منطلق رئيسياً للنهوض، وقد لا تكون الحالة العراقية بمعزل عن هذه الأمثلة، فان الكثافة الشبابية في المجتمع العراقي يمكن ان تشكل احد اهم عوامل التنمية الاقتصادية والبشرية، اذا ما تم استغلالها وتوجيهها نحو البناء والاعمار، للتأسيس لاقتصاد متين ينتشل العراق من واقعه المتراجع مستغلة توفر باقي عناصر النهوض والتنمية المستدامة .  

اما المفتاح الثالث من مفاتيح التنمية والاعمار التي يمتلكها العراق فهو الحاجة الملحة للبناء والخدمات وتحولها الى ضرورة حتمية اذا اريد لهذا النظام الاستمرار والبقاء، نتيجة تراجعها الرهيب خلال الفترات السابقة، حيث يمكن للمحافظات العراقية ان تتحول خلال فترة بسيطة الى ورشة عمل عملاقة فكل شبر في هذا البلد بحاجة الى البناء او الى إعادة الاعمار، ويعتبر البناء والاعمار رغبة جماهيرية عارمة يجب ان تلبى بعد سلسلة الإخفاقات التي أعقبت عام ٢٠٠٣ وتواتر الوعود الحكومية الفارغة، في وقت لايزال الواقع الحياتي لمعظم المحافظات العراقية يشير الى تراجع مستمر في مستوى البناء والخدمات، وقد تكون فرص انتشال البلاد من هذا الواقع تتضاءل يوم بعد يوم، ويجب التوجه إصلاحها بسرعة وجدية، والا كانت النتائج على مستوى كيان الدولة ووجودها وخيمة، وان تراجع الواقع الخدمي والعمراني للبلاد في العقود الأخيرة نتيجة الدكتاتورية والحروب وسنوات الحصار الاقتصادي مع التخبط في إدارة الملف السياسي والاقتصادي بعد عام ٢٠٠٣ وتفشي الفساد المالي والإداري، انتج حالة من التخلف والتراجع الحاد في كل قطاعات الدولة وجعل العراق في امس الحاجة الى إعادة بناء هذه القطاعات، والتي قد لا يكفي لبنائها الجهد الداخلي والمحلي، وانما قد يتعدى ذلك الى الحاجة الماسة الى جلب الاستثمار الخارجي، وجذب اهتمام الشركات متعددة الجنسية، وتجدر الإشارة هنا الى النموذج التركي في احداث التنية الاقتصادية والبناء، والذي اعتمد بشكل كبير على جلب الاستثمارات الخارجية مستغلاً توفر الايدي العاملة والرغبة الملحة وضرورة البناء والاعمار، لكن ضل التمويل وتوافر الأموال اللازمة للبناء والنمو هي العقبة الكبرى في النموذج التركي، ولجأت تركيا لسد هذا النقص الى الاستثمار الخارجي من خلال تقديم التسهيلات اللازمة لجذب الشركات العالمية الكبيرة والرصينة للاستثمار في الداخل التركي وبما يحقق المنفعة المتبادلة بين الشركات و والمجتمع التركي . اما في الحالة العراقية فبالامكان تصور حجم العمل الذي يمكن ان يتحقق في العراق عن طريق جلب الاستثمارات الأجنبية من خلال وصف السيناتور الامريكي جون ماكين الى (ان العراق هو قارورة العسل التي تجذب اليها الكثير من الذباب) ويقصد بالذباب هنا الاستثمار الأجنبي .          

ان المفاتيح الثلاثة السابقة يمكن اعتبارها من اهم عوامل التنمية الاقتصادية والاجتماعية، التي تقود أي مجتمع نحو البناء والاعمار وتؤسس لقاعدة اقتصادية متينة تأخذه حتماً نحو التنمية المستدامة، وقد تكون الحالة العراقية هي شذوذ هذه القاعدة اذ ان لكل قاعدة شواذ، فالواقع العراقي يعكس ضياع الموارد الطبيعية المتعددة وايراداتها الهائلة التي قد تكفي لبناء عشرة بلدان، وارتفاع نسب البطالة بين الشباب بالرغم من حاجة البلاد الملحة للعمل، وتردي الخدمات وانهيار البنى التحتية رغم ضياع المليارات بذريعة بنائها، وارتفاع نسبة الدين العام وتفشي البيروقراطية الإدارية في مؤسسات الدولة والعديد من المشاكل والمعوقات التي أدت الى ضياع الفرص المتاحة وذوبانها في دوامات متعددة لعل أولها الفساد وليس اخرها سوء الإدارات السياسة والاقتصاد السابقة المتعددة والتي مسكت زمام الأمور في العقود الأربعة الأخيرة .

 

فراس زوين / باحث اقتصادي

 

زهير الخويلدي"أن تكون فيلسوفا لا يعني أن تعلم الكثير من الأشياء بل أن تكون دقيقا في كل شيء" .. سقراط

لم يتفق الفلاسفة على الكثير من الأمور بما في ذلك تعريف النشاط الذي يقومون به، فالجميع يمنح لنفسه تصورا مخصوصا وطريقة في البحث ينفرد بها عن غيره ويضع لمنطلقاتها نتائج يزعم اكتشافها بنفسه.

غير أن هذا الاختلاف والتباين بين الفلاسفة حول طبيعة مجهودهم ونوعية الشغل الفكري الذي يقومون به لا يلغي وحدة الهدف والمصير والرغبة المشتركة في تدبير المدينة واستهداف حياة جيدة خالية من الشقاء.

لا تقتصر الفلسفة على النظر في العالم وإبراز الحضور الإنساني وتصور مجتمع أفضل وإنما هي فعالية إبداعية فيه ونشاط خلاق وقدرة تحررية وأيضا درب نحو تحقيق السعادة وتمكين الناس من الخير العام.

إن التباس المصطلح التقليدي للحكمة مرده الإشارة إلى معرفة الحقيقة وممارسة الفضيلة الأخلاقية في ذات الوقت وترتب عنه تشكل تأويلين للفلسفة: التأويل الأول يتصور الفلسفة بأنها معرفة عقلانية وبحث متواصل عن المعقولية ويمثله علماء الطبيعة الإغريق في القديم وهيجل والتيار الوضعي والتوجه اللغوي الأنجلوساكسوني، أما التأويل الثاني الذي كان سقراط قد دشنه وواصله كانط والوجودية فإنه يعتبر الفلسفة مسلكية إيتيقية عن المصير الحقيقي من خلال نقد المعرفة وتعلم الفضيلة والالتزام بها في الحياة اليومية.

إذا كان صحيحا وجود فلاسفة عرفتهم البشرية ومفكرين أحرار دون أن يتمكنوا من بناء فلسفات ومذاهب ولم يكتبوا مؤلفات ويدونوا نصوصا ويوثقوا أفكارهم ولم يحفظوا أقوالهم في كتب على غرار سقراط فإن الفلسفة الأولى تبلورت حول تاريخ حافل من الشخصيات المفهومية والتطور المعرفي والتجارب العقلية.

لم تصبح الفلسفة مهنة ولم يتحول الفيلسوف إلى مدرس إلا ضمن نظام الأجرة في الحضارة الرأسمالية ولما تم إدراج محبة الحكمة ضمن البرامج الرسمية للتعليم في مختلف المستويات إلى جانب بقية المواد.

غير أن هذا التوظيف الاجتماعي والإدماج التربوي أفقد الفلسفة دلالتها الأصلية ورونقها الفكري وهالتها الجمالية وحولها من امتحان دقيق لقدرات الإنسان على البحث العقلي الى تلقين مدرسي لعدد من التعاليم.

لماذا يجد الإنسان نفسه في حاجة ماسة إلى دراسة الفلسفة ومطالعة كتب الفلاسفة؟ وفي أي سن تزداد هذه الرغبة ؟ وما الغرض من ذلك؟ هل يوجد هدف محدد أم الأمر يتعلق بالفضول وحب الاطلاع والمعرفة؟ ماذا عن الفلسفة ؟ وماهي العبارة التي تتناسب أكثر مع التصور الفلسفي الذي يخص الإنسان المعاصر؟ وكيف يمكن للفلسفة أن تدرب على حب الحياة؟ ومتى يوجد فيلسوف يكون قريبا من هذا التصور؟ ومن هو الفيلسوف الأبعد؟ وأي دور حقيقي يؤديه الفلاسفة؟ وماهي الفكرة الموروثة الأكثر إنارة في الفلسفة؟ وما طبيعة التفسير الذي تقدمه الفلسفة النقدية للواقع المعاصر؟ ومتى ينال الفيلسوف حق المواطنة عندنا؟

في البداية  تقوم الفلسفة في معناها الواسع بوضع مجموعة من الأفكار والمبادئ في نسق واحد والحرص على بناء نظرية محورية للعالم وتشييد علم عقلاني بالطبيعة وتفسير متساوق للواقع وإيجاد رؤية شاملة في الإنسان. إلا أن الدرس الافتتاحي في الفلسفة التطبيقية يقوم بالتحريض على الدخول الطوعي إلى مختبر الفلسفة النظري بالانخراط الملتزم في الممارسات الجديدة للتفكير الفلسفي لتأهيل إلى طلب الحكمة  للذين ليسوا بفلاسفة. لا تقتصر الفلسفة على التفكير العميق في التجارب الفعلية للوعي الإنساني ولا تنحصر في النظر إلى ظواهر الطبيعة وأحداث التاريخ وأحوال المجتمع وأنظمة السياسة وشيم الأخلاق وإنما تنتج المعنى من كل هذه التجارب وترسم الدروب المضيئة بغية تخليص البشرية من الجهل والبؤس والتفاوت والظلم والألم واللاإنسانية وغرس قيم العدالة الاجتماعية والمساواة التامة بين الفئات والجهات.

إذا كانت حضارة إقرأ قد عرفت ميلاد العديد من الفلاسفة وتشكل جملة من المذاهب الفكرية والاتجاهات التنويرية والكثير من الأنساق المعرفية والنظريات العلمية فإن بروز فيلسوف واحد في الأزمنة المعاصرة يقتضي الكثير من الجهود ويتطلب التغلب على العراقيل ومواجهة المشككين والرد على القوى المعارضة.

ليس الفيلسوف بالضرورة هو من يشيد عمارة شاهقة من الإشكاليات والمقولات والتعليقات ومن يصوغ التصورات في مرجعيات وأنساق وعقائد ومن أَلَّف الكتب والموسوعات وإنما يكون متفلسفا في الممكن ويتحرك ضمن التاريخي ويلوح بالنسبي وينهمك في النقد الذاتي والمراجعات القاسية بصورة مستمرة.

لذلك يمكن للفيلسوف أن يحاول اختراع الأفكار وتشريع القيم ووضع القوانين والإشارة إلى المناهج وأن يشارك في التغيير الاجتماعي عن طريق الانتماء العضوي والانحياز للقوى الثورية ويساهم في التقدم. ألا تظل الفلسفة في وضع طوارئ معرفية واستنفار وجودي طالما بقي الإنسان في حال مطاردة لإنسيته؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

علي المرهجالفصاحة هي فن إجادة القول الجميل ببلاغة وبيان، فحينما يُطلق اللفظ على أحد منَا فيُقال عنه أنه فصيح، فذلك يعني أنه يُتقن أساليب التعبير البلاغي في اللغة العربية من (مجاز) و(استعارة) و(تورية) وما تقتضيها لغة الخطاب من بيان تستسيغه الأذن العربية التي اعتادت الهيام في مبنى اللغة لا في معناه وفحواه.

ربما تكون الفصاحة في الشعر أو النثر أو في الكلام الشفاهي، فيها بعض أو كثير من البيان وبعض من الحكمة في الخطبة، أو الوصية، أو الموعظة، أو الثناء والمدح، بل وحتى في الهجاء والذم.

والفصاحة ـ أحياناً ـ تقتضي االصراحة، بصيغة التورية أو المُباشرة، وربما يحسب بعض الناس أن في المُباشرة في المدح أو الذم (وقاحة)، لذلك نُفضل نحن العرب صيغة (التورية) في كلامنا بكل ما فيها من فصاحة التلميح لا التصريح على صيغة المُباشرة في المدح الممدوح فيحسب القول فصاحة، وفي الذم عند المذموم فيحسب الول وقاحة، ولكنني أعتقد ان (الصراحة) عند من عُرِف عنه محبة الآخرين هي من مُقتضيات الصدق في القول وصيغ التدوين، أو الكتابة، لأنه لا يروم تجريح الصديق ولا ذمه لمن أجل الإهانة، ولا مدحه من أجل نيل مكانة، فبعض من الصادقين يجعلون من النقد منهجاً لهم بُغية السير وفق ما تقتضيه نزعته المُحبة للإنسانية والعدل والاستقامة.

فيُمكن لك بلغة عربية فصيحة في صيغة المُبالغة أو صيغ الترميز أو التلميح بعبارات بيانية أثيرة أن تسبَ شخصاً، فيتقبل أسلوبك في السبَ هذه، ولربما تكتنز هذه الصيغة في مدلولاتها أقذع صيغ الشتم والتوبيخ، وستجد أن من توجه له هذه العبارات راضياً عنها وأحياناً يسعد بها.

ولكنه سيقف لك (ركبة ونص) وسيُحاسبك اشد الحساب حينما تصفه بصيغة فيها فصاحة ولكنها لا ترتكن لا إلى (التورية) ولا للمجاز ولا الاستعارة، لأن فيها قولاً صادقاً فيه من (الصراحة او (المباشرة) في الكلام أو التعبير اللفظي، ما تبتغي فيه إصلاح له، ولكنه يرفضه ولا يرتضيه ويحسبه من صيغ التعبير اللفظي في الوقاحة!.

فقل لفلان أنك حيوان، ستجده يرد عليك الوصف بأقذع منه، ويعدّ هذا الوصف من قبيل الذم اللاذع، ولكن قل له (أنك أسد) ستجده فرح، والأسد حيوان، أو قُل له أنك كالكلب في وفائك، وكالحمار في صبرك، ربما سيحمل قولك هذا على محمل حسن، ولا ينشغل بصفات الحيوانات السلبية الأخرى التي هي من طبيعة تكوينها الكُلي.

ذلك لأن العرب اعتادت وصف الإنسان بصفات الحيوان بنوعه لا بجنسه، ولكننا نتغاضى عما في صفات الجزء (النوع) ونعدها من قبيل (الاستعارة اللفظية)، ولكنها بتحصيل الحاصل هي صفات يحتويها الكُل.

وقد استخدم العرب لفظ المُباشرة كرديف لمعنى الجماع، وأظن لما يشتركان فيه بالمصداقية، ففي الجماع تعبير عملي عن مصداقية الرغبة في المُمارسة الجنسية، وفي المُباشرة في القول مصداقية التعبير في الرفض أو القبول لطباع شخص أو لما في فكره من مساوئ الفهم أو سوء التقدير لتعاطيه الفكري والاجتماعي، لفرط ما فيه من نرجسية او عدم تقدير لقدراته الذاتية وتجاهل لقدرات الآخر.

في الوقاحة كما أظن خرق لمألوف القول والفعل في الوسط الاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد، ولربما يكون التعبير بلفظ ما بلغة مجتمع ما فيه وقاحة، ولكنه بلغة أخرى وفي وسط اجتماعي آخر هو لفظ فيه من الفصاحة الشيء الكثير، فخذ مثلاً بعض ألفاظ الفحش في لغتنا، في التصريح بها خرق لمألوفنا القيمي، ولكنك لو ترجمتها للغة أخرى ـ في الغالب الأعم ـ لا تُعط نفس بُعدها في خرق المألوف القيمي في هذه اللغة الأخرى ومُجتمعها الناطق بها.

أما الصراحة، فهناك مثل أثير في ثقافتنا هو (الصراحة راحة)، ولكنه مثل غير معمول به، فليست كل صراحة راحة، فإن أنت واجهت شخصاً وصارحته بوجهة نظرك فيه وكشفت عن بعض من عوراته، فلا تكون الصراحة هنا رديفة للراحة، بل يعدَها من صارحته صفة من صفات الوقاحة بل هُناك من يعد الصراحة والصدق في المواجه في الكثير من العنت والقُبح وغياب (اللياقة الاجتماعية)، وهنا نعود لعادة العرب في قبول أقذع السبَ بـ (التلميح) ورفض أبسط النقد بـ (التصريح)!.

 

د. علي المرهج

 

احمد بابانا العلويبعث أحد أمراء الصين بعض رجاله الى الحكيم "تشوان– تسو" فاخبروه، برغبة الامير في ان يتولى الحكيم منصبا رفيعا في الدولة .. وبعد صمت طويل صرخ الحكيم في رجال الامير قائلا: «انني اختار ان اجرجر اذيالي في الاوحال كما تفعل السلحفاة..»

وتنطوي هذه الحكاية على الغاز كثيرة أبرزها وأقربها الى التناول أن الحكمة تأبى القيود، وإن كانت من الذهب..

ذكرتني هذه الحكاية للحكيم الصيني الذي عاش في القرن الرابع قبل ميلاد المسيح عيه السلام..

بقصة الكاتب الصحفي (المختفي) «جمال خاشقجي» الذي خرج من بلاده حيث تبوأ مكانة مرموقة وتقلد مسؤوليات هامة جعلته مقربا من السلطان الحاكم والمحيطين به من الامراء النافذين .. ثم فجأة جاءه أمر من ولي الامر الجديد، بالتوقف عن الكتابة، فضاقت به الارض بما رحبت .. فخرج الى ارض الله الواسعة، طلبا للحرية التي تمكنه بان يقول رايه ويمشي، دون حسيب اورقيب من احد مهما كانت سطوته وجبروته وطغيانه..

بعيدا عن السياسة وما يلابسها من مداهنة ومواربة وزلفى، والسلطان وما يرافقه من غطرسة وتهديد.. وكل ما  يتنافى مع الفكر الحر الذي ينبض بالحياة والصدق ويدعو إلى يقظة الفكر والثورة على الظلم والطغيان والإستبداد..

فرسالة الفكر تستنير بالحرية.. والكتاب الاحرار هم الذين يلتزمون بالقيم والمثل البانية للارادات الحرة. فالحرية تعبير عن قدرة الارادة على الفعل ووسيلة يحقق بها الفرد والمجتمع اهدافه، في التحرر والانعتاق والتقدم..

فمسالة الحرية جوهرية في الاجتماع الانساني عامة، وايضا في المجتمعات العربية الاسلامية المعاصرة..

وكلمة الحرية من اكثر الكلمات استعمالا في القاموس السياسي الحديث.. وتستعمل مرادفة للاستقلال والديموقراطية والتنمية..

ولمفهوم الحرية اهدافا متباينة: حرية الفرد وحرية الطبقة وحرية الاقلية في مقاومة الاغلبية والامة في مصارعة اعدائها.. والمطالب بالحرية يلجا الى مبررات دينية او تاريخية او فلسفية يتوخى منها إثبات المطلب من الحرية .. فالذي ينشد الحرية يتطلع الى التحرر والانعتاق من الخضوع لسلطان مطلق يكرس حكم الفرد او حكم اجهزة او عصبية او طبقة..

فاساس الحرية الاختيار واول (مظهرها الارادة) ومنها تطل كل الحريات الاخرى .. فالشعور الفطري هو اثبات للوجود الذي هو عين الحرية.. ومن هنا كان المفهوم الاسلامي للحرية عند التطبيق واجب التحقيق، وليس مجرد حق من الحقوق فقط .. والواجب قانون عقلي تامر به الارادة في شخص فاعل اخلاقي.. والعمل الاخلاقي الذي ترمي اليه الحرية عن طريق الاستقلال الذاتي انما هو المواءمة بين العقل وبين الارادة .. وغني عن القول ان الانسان يتحرر بارادته واختياراته..

فعملية الاصلاح والتقدم تعبر عن ارادة الناس من اجل العمل على تحقيق امانيهم وامالهم..

والحرية تشمل تحرير العقل وتحرير الفكر والارادة والعمل.. لكي تكون السيادة للقانون الذي يعبر عن ارادة المواطنين ويدين له المجتمع بالولاء المطلق .. ويجعل من الحاكمين مجرد موظفين وخدام لمصلحة المحكومين..

فرسالة الفكر هي ارساء لقواعد الحرية، والدفاع عن مبادئها، وقيمها الانسانية الخالدة..

و تاريخ الانسانية هو تاريخ الحرية، لانها الغاية التي تسعى اليها  لبلوغ أعلى المراتب في المدنية والتحضر والعمران البشري  واطراد التقدم ..

ويسجل التاريخ ان الصراع في المجتمعات التقليدية بين عالم الافكار وعالم الاشخاص يستند على الافكار لمواجهة الاستبداد والحكم الديكتاتوري الذي يضطهد المفكرين وقادة الراي الذين يدافعون عن الحرية باعتبارها الامل في نجاح رسالة الفكر في التنوير ودحض الطغيان..

بهذا الصدد يرى الاستاذ عبد الله العروي في كتابه «مفهوم الحرية» بان اتساع نطاق الدولة في المجتمع العربي الاسلامي ادى الى اتساع الوعي بضرورة الحرية المجردة المطلقة وغاب عن الاذهان البدوي كحامل مشعل الحرية والاصالة والمحافظ على الاصالة، والمروءة والفصاحة.. لذلك اصبحت البداوة مرحلة تجاوزها التاريخ.. (ص.29)

وقد نشا عن تقوية الدولة نزوعها الى الاطلاق والشمول كما نتج عن ذلك ايضا الضغظ على المجتمع والافراد.. واعتبر كل فرد حر مستقل عدوا للدولة.. وكلما اتسع نفوذ الدولة، ارتبطت الحرية بالدولة وكثرت التشريعات التي تنفي الحقوق الفطرية والكونية للانسان..ومن المسلم به ان أسوأنظم الحكم النظام الفردي المطلق ..

فمن واجب الدولة ان تكون  الضامن للحريات  الفردية والجماعية، لا ان تكرس العبودية. لقد ترتب عن هذا الوضع رفض الافراد للحكم الشمولي الذي يمكن الدولة من السيطرة على مناحي الحياة ومقدرات المجتمع..

فالفرد يريد ان يكون له دور في الدولة يتيح له المشاركة في الشان العام باعتباره، مواطنا يتحمل مسؤولية في المجتمع .. ويساهم بعلمه وعمله، ويكون  له حق التصرف اللامشروط .. والمشاركة في قضايا المجتمع..

ان التطورات السياسيية والاجتماعية التي يعرفها المجتمع العربي الاسلامي سوف تجعل الدولة التقليدية المركزة في سلطاتها واتساع مجالها غير ملائمة للاوضاع الجديدة المطبوعةبالتطورات الحضرية والعمرانية وانتشار مفهوم الحرية في مجال الادراك وفي مجالات المخاطبة والتعبير .. ورفع شعار الحرية في جميع ميادين النشاط الانساني من اجل تحرير الانسان من الاساليب العتيقة.. ومن هنا جاءت الدعوة الاصلاحية باسم الحق والمصلحة، لان الامر مرتبط باصلاح سياسات الدولة ونظامها لكي تتلائم مع التطورات الاجتماعية .. فلا بد من ربط التطور الاجتماعي بالتطور السياسي، والخروج من بنية الدولة والمجتمع التقليدين .. لانهما يعيقان حركة التطور والتقدم ..

فدعوة الحرية مرتبطة بالاصلاح الذي يهدف الى الانعتاق من الاستبداد..ومشاركة الشعب في الحكم..

ومن ناقل القول ان حاجات المجتمع تولد من صميم ذلك  المجتمع .. اذا ما وجدت منظومة فكرية منبثقة عن مفهوم الحرية.. وهذا ما ادركه المرحوم «جمال خاشقجي» عندما هرب من الاستبداد بحثا عن فضاء يفكر فيه بحرية..

ان شرط الرجل المثقف في كل عصر، ان يطبع عصره ويلازمه في تفكيره وعمله، كما يلازمه،في نظرته الى العالم من حوله، فلا يعيش في الزمن الحاضر بعقل الزمن الماضي، ولا يترجم الواقع بلغة الوهم والخرافة..

 

أحمد باياتا العلوي

 

صادق السامرائيلا يمكن لأمة أن تكون من غير مفكرين وفلاسفة يقرؤون الحاضر ويستشرفون المستقبل، ويرسمون خرائط الرقاء والنماء، وما خلت أمتنا من المفكرين والفلاسفة على مر العصور والأزمان.

وفي العصر الحديث برز فيها مفكرون وفلاسفة، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، وكلٌ منهم قد أدلى بدلوه وسلط الأضواء على أحوالها ورأى ما رأى في كيفيات نهوضها، لكنها لم تنهض كما يتوجب النهوض، ولا واكبت كما تقتضي المواكبة، وقد سبقها بأشواط بعيدة مَن بدأ النهوض بعدها بعقودٍ عديدة.

والعيب السائد في إقتراباتهم، أنها ذات نمطية تأريخية ودينية وإغفالية، وتجدهم يدورون في دائرة مفرغة، فيعيدون إنتاج وتصنيع ما تناوله المفكرون العرب منذ قرون، مما يعني أنهم لم يأتوا بجديد، وإنما يُلبسون ما توصل إليه الأقدمون أزياء جديدة وحسب.

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اليوم والمفكرون العرب يراوحون في ذات البقعة، وما تمكن الواحد منهم الخروج من جاذبيتها، والنظر إلى الأمور بعلمية وشمولية ذات قيمة حضارية معاصرة، فتراهم يمعنون في الطرح عن الإسلام بأنه هو الحل أو هو المشكلة، بينما واقع السلوك البشري يؤكد أن الدين ليس حلا ولا مشكلة.

فالعرب لم يتقدموا ويتحضروا بسبب الإسلام كدين، وإنما بسبب الثورة الشاملة التي أذكاها الإسلام في العقول والقلوب والنفوس، فقبل الإسلام كان عند العرب أديان متعددة،  فالأديان لا علاقة لها بالتقدم والتأخر، وإلا كيف يمكن فهم تقدم الصين والهند واليابان وفيها عشرات المئات من الأديان، التي يعبد فيها البشر ما لا يخطر على بال من أصناف المخلوفات والحجر والشجر.

ولم يكن الإسلام أول الأديان أو آخرها كما يعتقد المسلمون، فهناك العديد من الأديان عند المجتمعات الأخرى ولدت بعده ولها أنبياؤها، بل حتى في الإسلام هناك فرق وجماعات ترى أن لديها نبيها وتتبعه وهي تمارس طقوس الإسلام.

ولكل دين رؤيته ويرى أنه الصحيح، فالذي يعبد الفأرة يرى أن الإسلام دين غير صحيح، ودينه هو الأصوب، والعكس صحيح، وهذا ينطبق على كافة الأديان ومنذ أقدم الأزمان، ولا جديد في هذا السلوك المتعارف عليه.

ولا يمكن لصاحب دين أن يسفّه معتقد صاحب دين آخر مهما توهم بأنه يمتلك من الحجة والدليل والبرهان، لأن الأديان إنتماءات عاطفية إنفعالية لا تمت بصلة للعقل أبدا، ولا يوجد فوق هذه الأرض مَن يمكنك أن تقنعه بتغيير ما يعبد، إلا إذا رأى ذلك هو بنفسه، أو لمصلحة وغاية بقائبة.

فالأديان حاجات نفسية بحتة تشيع الإطمئنان في الأعماق البشرية، التي يعتمل فيها الخوف من الغيب والمصير الذي لا تدركه، ولهذا فأن الأديان ربما سبقت الحياة البشرية، أي أن البشر قد بدأ الخطو فوق الأرض وهو معبّأ بدين، لأن أي خطوة لا يمكنها أن تتحقق نحو غيب مجهول دون خارطة  مصير تطمئن ذلك البشر.

كما أن المفكرين العرب أتعبوا الأجيال بعلاقة الدين بالدولة، وكأن البشر يمكنه أن يفصل نفسه عن الدين، وبما أن البشر في الدولة فأن الدين في الدولة أيا كان ذلك الدين، وهذه الإتجاهات تسببت في إنحرافات إدراكية والتشبث بمصطلحات تشوش الوعي والإدراك، ومنها العلمانية التي أمضت الأجيال في القرن العشرين ترى أنها تعني فصل الدين عن الدولة، بينما هي تعني وبإختصار: " لكم دينكم ولي دين".

فما دام البشر لا يمكنه أن يعيش من غير دين، فأن فصل الدين عن الدولة لا يمكنه أن يكون، لأن الدولة فيها حكومة من البشر الذي يكنز دينا،  لكن المشكلة التي لا نراها هي أن تجبر الآخر على إتباع دينك، أي أنك تسعى لإلغاء دينه.

وإذا إتفقنا على أن الدين ما تؤمن به وتعتقده، فلكل بشر ما يؤمن به ويعتقده، ولا يوجد بشر بلا دين، فحتى الملحد له دين ما.

ويبقى سؤال قائم عنوانه، لو أن الدين دولة لتبين ذلك في الكتب الدينية المنزلة والوضعية، ولتم مخاطبة الأنبياء بالملوك والأباطرة وغير ذلك، لكن المخاطبات كانت بعنوان النبي أو الرسول، وما تطرقت الكتب السماوية بأنواعها إلى أن يكون النبي أو الرسول ملكا أو رئيسا لدولة إلا فيما ندر، مما يعني أن الأديان ما أتت لإقامة دولة وإنما لتحقيق معنى الإنسان في البشر.

والمأزق الآخر الذي غرق فيه المفكرون العرب هو التأريخ، فكل منهم يقرأ التأريخ على هواه وبمنظاره المصنوع في ورشة مافيه من النمطيات والترسانات العاطفية والإنفعالية، التي لا تمت بصلة إلى الموضوعية، وكأن العرب لوحدهم لديهم تأريخ، وبأنهم فقط الذين فعلوا ما فعلوا .

والعجيب في الأمر أن التأريخ يتم مقارنته بهذا العصر، ويتحقق عزله عن مكانه وزمانه وما يحيطه من أمم وشعوب وكيف كانت تعيش، فيبدو وكأنه تأريخ إجرام وتوحش وعدوان، وهذا تجني وإنحراف خطير ومدمر، فالتأريخ العربي عندما يُقرأ في أوانه هو الأفضل والأقل دموية ووحشية من غيره من تواريخ الأمم والشعوب.

ثم لماذا هذا الإسفاف في محاولات تغيير التأريخ وتحريفه وكتابته على هوى مَن يشاء ويرى؟!

ولماذا الخلط بين الدين والدولة، وعدم التمييز بين السلطة والقوة والمعتقد، فالدول التي نسميها "إسلامية" كانت تسمي نفسها الدولة الأموية والعباسية والعثمانية وغيرها، وما أضافت إلى التسمية كلمة إسلامية، لأنها دول وإمبراطوريات، وقد إتخذت من التشريع الإسلامي دستورا لها، لكنها لم تتبعه بحذافيره وكان لكل منها دستوره وقوانينه التي يمليها الحاكم وحاشيته.

وما أغفله المفكرون العرب وحتى اليوم هو أن المجتمعات البشرية تعيش عصر العلم والتكنولوجيا منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم، والعرب لا يزالون لا يقتربون من العلم والتكنلوجيا ويخافونهما ويرتعبون منهما، وحتى الدولة العثمانية من أهم أسباب سقوطها هو عدم إيمانها بطريق العلم والتكنولوجيا، والذي نبهها إليه المبعوثون إلى بلاد الغرب في ذلك الوقت، لإعتباره من قبل أصحاب العمائم بدعة وإفساد وإنحلال.

ومنذ ذلك الوقت وكأن المفكرين العرب يحسبون الخوض في موضوع العلم والتكنولوجيا من المحرمات، بينما الواقع السلوكي البشري يؤكد أن لا فرق بين أمة العرب وغيرها من الأمم، سوى أنها أهملت العمل بالعلم والتكنولوجيا الذي يتميز بهما هذا العصر، ولا يمكنها أن تكون إلا بإتخاذهما منهجا للقوة والحياة والرقاء.

وكل ما يصف به المفكرون العرب أمتهم إنما نوع من الهراء والثريد حول الصحون، فالأمة لا تختلف عن غيرها، بل وفيها طاقات متوقدة بحاجة إلى إستثمار علمي وتكنولوجي، بدلا من التبديد في البهتان والأضاليل الحمقاء، التي تتسبب بالدمارات الهائلة التي تعيشها أمة العرب.

فانظروا ما فعلته الأحزاب المتأدينة ببلد كالعراق منذ ألفين وثلاثة وحتى اليوم، وهذا دليل دامغ على أن القول بأن الدين يمكنه أن يكون دولة نوع من البهتان والهذيان.

فالدولة دولة والدين دين، وكل صاحب دين فاعل بدولة.

فالتزم دينك وابني دولتك!!

 

د. صادق السامرائي

 

قاسم حسين صالحالواقعة: لقيت أربع نساء عراقيات شهيرات في آب/ اغسطس وأيلول/سبتمبر 2018 حتفهن، اثنتان منهن اغتيلتا برصاص مسلحين هما رفيف الياسري الملقبة بـ"باربي" نسبة إلى اسم مركزها التجميلي، والثانية هي رشا الحسن صاحبة مركز «فيولا» التجميلي، وآخرهن مقتل وصيفة ملكة جمال العراق وعارضة الأزياء تاره فارس (22سنة).

وتلقت عارضة الأزياء والأعلامية شيماء القاسم تهديدا بالقتل اضطرها الى مغادرة العراق لتصرّح بان اللواتي اصبحن مشهورات في السوشيال ميديا سيكون مصيرهن القتل، لأننا اصبحنا في نظرهم (عاهرات) .. يحق لهم ان (نذبح مثل الدجاج).

وقد اثار اغتيال تارة فارس جدلا فاق القدح والمدح الذي كانت تثيره صورها الجريئة، وتوزع الناس بين من ادان قتلهن وبين من قال عنهن انهن (قاذورات) على حد وصف نائب في البرلمان العراقي.

تحليل سيكولوجي

تنسب تهمة قتل مشاهير الفتيات في وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) الى جهات دينية متطرفة، ولا يعنينا هنا ما اذا كانت وراءه دوافع سياسية، بل تفكيك الدوافع في قراءة سيكولوجية للحدث.

كانت الدراسات قد توصلت الى ان فكر (التطرف) يتغذى على معتقدات مفبركة واحداث تاريخية مزورة، يشيع بين جمهور محدود الوعي يسهل توجيهه واقتياده حتى إلى الهلاك، فيما توصل السيكولوجيون المعاصرون الى ان التعصب يعدّ هوسا مرضيا بالهوية، سببه ان المتعصب لهويته يعتقد، او جعلوه يعتقد، بوجود تهديد يستهدف القضاء على هويته وشحنه نفسيا بآلية التخويف من الآخر وتصويره مصدراً لتهديد دائم يستهدف انهاءه الذي قد يكون التهديد حقيقياً، أو مبالغاً به، أو مفتعلاً، او وهما من نوع البرانويا .. او هوسا دينيا.

والعلّة الفكرية في المتطرّف (المتعصب) ان عقله مصاب بالدوغماتية التي تعني الجمود العقائدي، اخفها التمسك باقوال مطلقة من غير دليل، صعودا الى مقاومة الافكار الجديدة، وصولا الى الاعتقاد الجازم اليقيني المطلق بأن الآخر باطل دون نقاش .. وانتهاءا بفرض السلطة على الآخر .. وافنائه ان عارض او تحدى .. فيما التطرّف في الدين يزيد عليها بأن يزّين لصاحبه الزعم انه وحده على حق، وينعت من يخالفه الرأي: بالكفر، والمروق، والزندقه، والفسوق.

ومن متابعتنا لما جرى في العراق وجدنا ان الجهة الراعية للتعصّب (للتطرف) تضفي على نفسها هالة القداسة إن كانت دينية، والقوة والرهبة والبطش إن كانت دنيوية. وفي كلتا الحالتين تكون المؤسسة في حالة حرب لا نهاية لها، أو إنذار بحرب وشيكة الوقوع مع آخر. وكان الباحث في علم الاجتماع السياسي (جيرارد) توصل الى أن التعصّب (التطرّف) يكون معدياً في المجتمعات المحبَطة، وأن الفرد الذي يفتقد الفرصة الإيجابية قد يجد في الجماعات المتعصِّبة بديلاً من الممكن أن توفر له وظيفةُ ما، ومكانةً ما، ودوراً ما.وهذا ما حصل في العراق.

وسواء كانت الجهات التي قتلت شهيرات السوشيال ميديا الأربعة مرتبطة او مدفوعة او مدعومة من احزاب او كتل اسلامية، او لا علاقة لها بها فان السبب السيكولوجي الرئيس هو ان سلطة الآسلام السياسي تريد ان تكون هي مركز الشهرة والاستقطاب الجماهيري:في الجامع، المدرسة، الشارع، الاعلام وفي .. الفيسبوك وتويتر والانستغرام.

والسبب الرئيس الثاني، ان هذه الجماعات ومن يؤيدها بالسر اوالعلن، لا تتحمل المنافسة، ولأنها وجدت ان لهذه (القاذورات .. الفاسقات) رصيدا كبيرا من المتابعين في السوشيال ميديا(تارة فارس لوحدها زاد عدد متابعيها على المليونيين في الانستغرام)، فانهم خشوا ان يسحبن منهم اوسع واهم شريحة في المجتمع .. الشباب لا حرصا على اخلاق الشباب بل خوف سيكولوجي من اثارة استياء اهم واخطر واكبر قوة في المجتمع .. حاضرا ومستقبلا.

والسبب السيكولوجي الثالث انهم يعدّون هذه الشهرة نوعا من التحدي الذي يهدد قيمهم ودعوتهم الى قيام مجتمع تكون فيه المراة محتشمة بالمعنى الذي يفهمونه عن الحشمة، والذي يعني عندهم اخفاء كل معالم الجمال في المراة، ولأنهم يضعون المرأة في مكانة أدنى من الرجل، فأنهم يرون انه من العار عليهم ان تحصل فتاة بعمر العشرين (مره!) على اكثر من مليوني متابع في السوشيال ميديا وهم في صحفحاتهم لا يحصلون على مئات.

من جانب آخر .. ان اظهار جمال المرأة بشكل متطرف في مجتمع محافظ، تحكمه نفس سيكولوجيا التطرف الديني .. بمعنى ان التطرف في الجمال يرى في من يلتزم بالدين بأنه رجعي ومتخلف .. يعيش خارج عصره، وأنه يحصر وظيفة المرأة في الانجاب وامتاع الزوج جنسيا، ولها ان تتبرج وتتوشم وتظهر مفاتن جسمها لزوجها فقط.والذي حصل ان تارة فارس ورفيقاتها دفعتهن سيكولوجيا التحدي الى التطرف في اظهار الجمال بتتفنن في رسم وشوم وصور باغراءات جنسية مبتذلة.

ويحتضن كل هذه الأسباب سبب سيكولجي عام هو ان السلطة اذا تضاءلت هيبتها وكانت ضعيفة في تطبيق القانون وفرض النظام، فانه يجري التعبير عن الكراهية بين الجماعات باساليب العنف والعدوان يكون ابشعها لدى المتطرفين دينيا الذين خبروا العنف خمسة عشر عاما تراجعت فيه قيمة الحياة وصار قتل الانسان عندهم اسهل من شربة ماء، فيما المولع بالجمال لا يستطيع رؤية ذبح دجاجة .. ما يعني ان التطرف في الدين والتطرف في الجمال ضدان لا يلتقيان .. وان الغلبة فيه تكون لمن خبر العنف وامتلك القوة والقدرة على افناء الآخر.

وتبقى ثمة مفارقة.

صار يوم الخميس مرعبا لعارضات الأزياء وخبيرات التجميل، لأن كل الاغتيالات التي استهدفت نساء عراقيات شهيرات حدثت يوم الخميس! .. ولحضراتكم نترك التفسير .. والتفليس!

 

ا. د. قاسم حسين صالح

16 /10/ 2018