abdulhusan shaaban2حلّت قبل مدة قصيرة الذكرى المئوية الثانية لميلاد كارل ماركس، الفيلسوف والمفكّر وعالم الاجتماع والاقتصادي والسياسي، الذي شغل العالم وملأ الدنيا، بأفكاره ونظرياته وأطروحاته، وقبل ذلك بمنهجه الجدلي. وكنت كتبت قبل ثلاثة عقود ونصف من الزمان (1983) مقالة في مجلة الهدف الفلسطينية بعنوان: “بروموثيوس هذا الزمان”، وهو استعارة عن حامل شعلة الفكر الربانية، أشرت فيه إلى فضل ماركس على البشرية من خلال اكتشافه قوانين الصراع الطبقي وفائض القيمة، وقلت ولا أزال إن إضافته الأساسية هي في منهجه الجدلي، وهو المنهج الذي استخدم بطرق خاطئة في الكثير من المرّات.  وإذا كان ماركس مفترى عليه في عصره وحياته، فلم ينجُ من الافتراء حتى بعد  مماته وبعد تاريخ طويل. والإفتراء جاء من جانب أعدائه وخصومه مثلما ورد من جانب مريديه وأتباعه على حدٍّ سواء، خصوصاً حين تعامل هؤلاء مع تعاليمه كنصوص مقدّسة، وحفظوا بعض مقولاته بطريقة أقرب إلى الأسفار التوراتية أو الآيات الإنجيلية والقرآنية. وأكثر من ذلك حين ردّدوها بوصفها تعاويذ أو أدعية فيها شفاء من كل شيئ وتم استخدامها بطريقة تلقينية لا علاقة لها بزمنها أو بجوهر العصر لاسيما بإضفاء قدسية كهنوتية عليها كان ماركس من أشد أعدائها، خصوصاً حين نزّهوه عن الخطأ ووضعوه خارج نطاق النقد وهو الذي عد المثقف ناقداً اجتماعياً. وجرى أحياناً التعامل مع ماركس والمادية الجدلية انطلاقاً من موروثات ريفية أو بدوية أو دينية وبطريقة انتقائية فيها الكثير من الخفّة والركاكة، في حين هي فلسفة حداثية مدنية يسمح منهجها بالحذف والإضافة والتطوير. وكان الأعداء والخصوم في السابق والحاضر وجدوا في ماركس وفلسفته، وخصوصاً منهجه خطراً على مصالحهم، فلعنوه وطاردوه بسبب الأفكار الجذرية التي حاول التنظير لها لإحداث التغيير المنشود ضد الفكر البرجوازي والهيمنة الرأسمالية الطبقية السائدة. أما المريدون والأتباع فقد عدوه “قديساً” لا يأتيه الباطل من خلفه أو من أمامه، وحسب  بعض دعاته إن كل مساس بفكرة قال بها ماركس أو استنتاج  توصل إليه كأنه مساس بأيقونة تستحق أن توضع في متحف بحيث لا تطالها الأيادي أو تلمسها، ومنطق هؤلاء مثل منطق أصحابنا الإسلاميين على اختلاف انحداراتهم، شيعة وسنّة، يعتبرون ما قاله أئمتهم أو مرشدوهم يمثّل الحكمة والرشاد والفضيلة،  وهكذا يتم تمجيد هؤلاء دون نقاش لآرائهم وأفكارهم، سواءً في الماضي أم في الحاضر، علماً بأنهم مثل غيرهم بشر يصيبون ويخطئون، لكن الآيديولوجيا العمياء تريد إضفاء القدسية عليهم وعلى أعمالهم، والأمر ينسحب على الآيديولوجيات القومية والبعثية، فمجرد ذكر أي انتقاد لزعيم أو قائد يجعل منه عدوًّا أو خصماً، علماً بأن الأعمى يكاد يرى نتاج سياسات الاستبداد والإقصاء والتهميش. وبالعودة إلى ماركس فإن مثل هذه النظرة التقديسية تبقى حبيسة في النفوس كلّما سمع أحدهم نقداً أو تقريضاً لبعض أفكاره، أو أن الزمن تجاوز الكثير من أحكامه واستنتاجاته، والأمر ينسحب على لينين وحتى ستالين وإلى الأمين العام لهذا الحزب أو ذاك، سواء في تجارب الأصل أم في تجارب الفرع، وهي ثقافة سائدة لدى جميع الأحزاب الشمولية، شيوعية أو قومية أو إسلامية، حيث يتم التعامل معها من منظور عشائري، فكيف يتم انتقاد شيخ العشيرة مثلاً أو المرشد أو الإمام أو آية الله. لا أخال أحداً من جيلنا الستيني لم يترك اسم ماركس شيئاً لديه، سواءً كان من أنصاره أم من خصومه، ومع ذلك فإن ماركس لم يُقرأ عربياً وعراقياً، علماً بأن الأزمة الراهنة للرأسمالية، أعادت ماركس إلى الواجهة مرّة أخرى وكانت نتائج استفتاء لهيئة الإذاعة البريطانية BBC قد وضعت ماركس من بين 100 شخصية مؤثرة في العالم، حتى أن رجال أعمال ومدراء مصارف ورؤساء شركات تأمين شرعوا بقراءة كتاب “رأس المال” على نحو جديد الذي كان من بين الكتب الاقتصادية والسياسية الأكثر انتشاراً في أواخر العقد الماضي، ومع ذلك أقول إن ماركس لم يُقرأ عندنا، واصطفّ خصومه ينددون به ويتهمونه شتى التهم بما فيها الإلحاد، استناداً إلى تفسيرات خاطئة وإغراضية لعبارته الشهيرة ” الدين أفيون الشعوب” التي أخذها عن الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط، ووصولاً إلى رفض فكرته بإلغاء الاستغلال والانقسام الطبقي، مثلما كان مريدوه يتجمعون ليتغنّون بمواهبه وعبقريته، دون أن يستنبطوا الأحكام الصحيحة بواسطة منهجه وليس بتكرار مقولاته وأحكامه.وأعرف (شيوعيين) متعصبين أشدّ التعصّب، لم يقرأوا كتاباً واحداً كاملاً لماركس باستثناء “البيان الشيوعي” في أحسن الأحوال، ولولا الدراسة الشكلية في المدرسة الحزبية لبعض الكوادر لما كان تم قراءة هذا الكرّاس كاملاً في العديد من الحلقات والمفاصل الحزبية التنظيمية العليا أو الوسطية، خصوصاً وإن العمل اليومي المسلكي والإداري يكاد يستغرق الأغلبية الساحقة منها وحتى تلك القراءات كانت خلطة من رؤية سوفيتية وطبعات مستنسخة في مدارس الدول الاشتراكية الأخرى، ولكن ما أعرفه أيضاً أن صورة ماركس ولينين كانت تعلّق فوق الرؤوس أحياناً وفي المكاتب إذا سمحت الظروف، ولو إن بعضهم علّق صورة الخميني لاحقاً في ظروف الحرب العراقية – الإيرانية في المنفى، وهو أمرٌ ليس من باب النكتة، بل واقعاً. ماركس الذي كان شبحه يجوب أوروبا العجوز، “رمز الشيوعية” لوحق في فرنسا وطرد منها وذهب إلى بروكسل فطاردوه وانتقل إلى ألمانيا ليشارك في ثورة العام 1848 وحين فشلت غادر إلى لندن ليقضي فيها بقية حياته من العام 1849 ولغاية العام 1883 وعاش في ظروف مادية قاسية، ولولا مساعدات رفيقه في الفكر والعمل، فردريك إنجلز لما تمكّن من العيش وكان قد كتب معه: البيان الشيوعي ” المانيفاستو” والعائلة المقدسة، وأزهرت أفكارهما لتنجب ما نطلق عليه “الماركسية” أو “التمركس″، خصوصاً وهما مثّلا الحلقة الذهبية الأولى فيها. وأهم استنتاجات البيان الشيوعي أن تاريخ المجتمعات الإنسانية هو تاريخ نضال الطبقات وأن المجتمع أخذ بالانقسام إلى طبقتين، أغلبية محرومة ” البروليتاريا” وأقليّة متخمة ” البرجوازية”، وبنى ماركس استنتاجاته على هذا التقدير، واضعاً رسالة للطبقة العاملة للإطاحة بالرأسمالية وإلغاء المجتمع الطبقي. واستقرأ التاريخ الإنساني ومراحله، وهو ما أكّد استنتاجه من أن الرأسمالية هي المرحلة الأخيرة للتطور الإنساني، وإن تناقضاتها ستؤدي إلى انهيارها الحتمي، وقد حاول لينين تطوير هذه القاعدة التي ارتكز عليها ماركس، فاعتبر “الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية”، وحلّل ماركس وشرح وفسّر الرأسمالية القائمة في عهده أحسن تحليل وتشريح وتفسير، وهو ما يدعونا للقول أن “الماركسية هي علم الرأسمالية” بامتياز، وكان للمنهج الذي اعتمده والذي ما يزال صالحاً الأساس في بلورة استنتاجاته.

انعكاس الواقع

وقد قرّر ماركس أن تفكير البشر هو انعكاس لواقعهم الاجتماعي الذي يحدّد نمط حياتهم ووجودهم، باعتبار المادة هي أساس الوجود وهي في حالة تطور والتاريخ البشري مرهون لهذا التطور في الظروف المادية، ووفقاً لهذه القاعدة حدّد ماركس رؤيته للكون والعالم والثروة والاقتصاد والسياسة والثقافة والتغيير والثورة. وإذا كان منهجه الجدلي صحيحاً، فليس جميع مقولاته صحيحة، وحتى لو كان بعضها صحيحاً، فإنها ليست صحيحة لعهدنا، خصوصاً في ظل الثورة العلمية- التقنية، أو أنها كانت صحيحة لذلك العهد، فإنها لا تصلح لعهدنا وعلينا استنباط الأحكام الخاصة بنا في ظل الظروف الملموسة. وبهذا المعنى ليست جميع التنبؤات الذي قال بها ماركس يمكن أن تتطابق مع الواقع، فالرأسمالية حطّمت الإقطاع ووجهت النظم والحكومات والبلدان نحو المدنية وتمركزت المِلْكية بيدها أو بيد فئة صغيرة، خالقة عالماً جديداً. وهذا يجسّد صواب رؤية ماركس حيث تعولمت الرأسمالية من خلال ثورة الاتصالات والمواصلات وتمركز المال وازدادت الفجوة الطبقية والاجتماعية، الأمر الذي كان حسب ماركس يقتضي عملية التغيير. وإذا كانت الأزمة الاقتصادية والمالية الطاحنة قد أعادت “طيف ماركس” إلى الواجهة، بعد أن أصبح شبحه «أثراً بعد عين» كما يُقال، الأمر الذي اعتبره البعض جزءًا من المتحفية إذا جاز التعبير، فإنها في الوقت نفسه استحضرت التجربة الشيوعية الدولية، خصوصاً نماذج الماركسية السوفييتية المطبقة. صحيح أن ماركسية القرن الحادي والعشرين لا تشبه ماركسية القرن العشرين، وإنْ كانت تلتقي مع ماركسية ماركس في القرن التاسع عشر، لكنها قد تتجاوزها إلى آفاق أكثر رحابة في ظل مرحلة ما بعد الحداثة والثورة العلمية-التقنية والعولمة وتأثيرها، ومعارفها وعلومها. ولعلّ “الماركسية السوفييتية” تختلف اختلافاً كبيراً عن “ماركسية ماركس” وطبعتها الكلاسيكية، مثلما تختلف هذه الأخيرة التي كشف ماركس قوانينها في القرن التاسع عشر، عن ماركسية ما بعد سقوط جدار برلين العام 1989 ولا شك أن ماركسية القرن الحادي والعشرين ستكون شيئاً آخر، حيث لم يعد التاريخ كما كان المتخيّل منكشفاً في ثنائيات وتبسيطات في ماضيه وحاضره ومستقبله، وعن تشكيلات ومراحل وأدوار يحكمها الصراع الطبقي بكليّاته، ويطرح أشكالاً تتواءم مع التفسيرات اليقينية والحتميات السائدة آنذاك. وكانت إنجازات ماركس قد ساهمت في تعميم معارف عصره، واستنباط حلول تتواءم مع التطور السائد حينئذ، وهو ما أسماه الانتقال إلى عالم الحرية، الذي لم يكن سوى فهم الضرورة، وظلّت الماركسية الكلاسيكية تدور في وحول “الحتميات التاريخية” على نحو سرمدي، وإنْ لم تعر اهتماماً بدور الفرد، معتبرة إيّاه عرضة للتوّهمات والكبوات، وعندما حلّت لحظة تطبيق الماركسية من خلال نظام حاكم، هيمنت عليها الهرمية الكيانية البيروقراطية الحزبية، حيث ارتفع دور الفرد القائد الزعيم، وإن اعتبر الأفراد بفرديتهم وبجمعهم ليسوا سوى جزء صغير وربما مجهري من حركة التاريخ ومساره، الذي تصنعه الطبقة العاملة وطليعتها ويتربع على عرشه القائد الذي تُنسب إليه جميع الصفات الخيّرة فكرياً وإنسانياً وأخلاقياً لدرجة التماهي بينه وبين الطبقة. وقد عمّمت الستالينية نموذجاً احتذى به القادة الآخرون وساروا على هداه، ولعلّ بعض زعماء ما أطلق عليه “حركة التحرر الوطني”، قلّد هذا النموذج بحذافيره، بل زاد عليه في ظروف العالم الثالث المتخلفة، ممارسات أكثر بؤساً على صعيد الإدارة والاقتصاد والسياسة والثقافة وحقوق الإنسان، وبشيء من موروثه وعاداته وتقاليده بما لا ينسجم مع الفكرة الماركسية. لقد شغلت الماركسية، لاسيّما منذ البيان الشيوعي العام 1848العالم أجمع والعلاقات الدولية خلال 170 عاماً ولا تزال، وعندما وصلت إلى السلطة لأول مرة بعد سقوط كمّونة باريس العام 1871  بنجاح ثورة أكتوبر العام 1917 شقّت العالم إلى قسمين، وشهد التاريخ أولى تجارب الحكم «الاشتراكي» وتوسّع الأمر بقيام الجمهوريات الديمقراطية الشعبية بعد الحرب العالمية الثانية العام 1945 ومن ثم نجاح ثورة الصين العام 1949 وتأثر بعض حركات وزعامات العالم الثالث، بالحركة الشيوعية والاشتراكية الدولية، في آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، خصوصاً بعد نجاح الثورة الكوبية العام1959 .

مادية جدلية

بهذا المعنى كانت المادية الجدلية منهجاً للتحليل وأداة للعمل من أجل التغيير، وإذا كان قد سبق ماركس وجايله الكثير من المفكرين والباحثين، مثل كانط وديكارت وهيغل وفيورباخ وغيرهم، إلّا أنه كان الوحيد بينهم الذي ترك مثل هذا التأثير على العالم أجمع، فلم يكن مفكّراً كبيراً أو باحثاً متعمقاً أو فيلسوفاً حالماً أو منظماً وداعية حسب، بل كان كلّ ذلك. ولعلّ في هذه الموسوعية وربط الفكرة بالعمل مصدر قوّته وربما مصدر ضعفه في آن، فالمشروع الماركسي الفلسفي قدّم رؤية للتاريخ من جهة، مثلما قدّم منهجاً للتحليل، وهما الأساسان اللذان تعتز الماركسية في حلقتها الذهبية الأولى (ماركس وانجلز) بإضافتهما إلى علم الاجتماع الإنساني، مثلما كانت مشروعاً لتحرير الإنسانية، وحركة ثورية ذات أهداف محددة، لكنها لم تنجح في الاختبار في تجارب دامت نحو 70 عاماً، ولعلّ الجزء المهم منها ظلّ يوتوبياً، ففي كل فلسفة جزء من اليوتوبيا. لم تحبس الماركسية نفسها في إطار الجدل الفكري الأوروبي، بل كانت الساحات العالمية كلّها مجال حركتها، الأمر الذي وضعها في مواجهة الرأسمالية في كلّ مكان، وهذا الأمر أخذ طابعاً تعبوياً وسياسياً بعد التجارب الاشتراكية الأولى، خصوصاً بعد ثورة أكتوبر وتأسيس الأممية الثالثة بقيادة لينين العام 1919 التي استمرت حتى العام 1943? حيث تم حلّ الكومنترن. احتفى البعض بموت الماركسية، بل إنه أهال عليها التراب بعد دفنها، وما تبقّى منها وضعه في إطار الذكريات أو الكتب المتحفية، وكان بعض الماركسيين قد حاول تدوير تاريخه وإنكار احتسابه على هذا التيار الذي ظنّ أنه تم توديعه إلى الأبد ولم يعد أحد يتذكّره، وإذا بالأزمة المالية العالمية تعيده إلى الصدارة ويصبح طيف ماركس وليس شبحه في كل مكان.

فكرة شمولية

وكما أصبح الحديث عن موت الماركسية بوصفها فكرة شمولية توتاليتارية، ومدخلاً للحديث عن ولادة الليبرالية الجديدة، فقد أصبح الحديث عن فضائل الأخيرة وسيادتها وظفرها مسألة موازية، وهو ما بشّرنا بها فرانسيس فوكوياما حين تحدّث عن نهاية التاريخ وتلقفها بعض زملائنا من الماركسيين القدامى “الليبراليين الجدد”، منتشين باكتساح العولمة للقارات والدول والأمم والشعوب واللّغات والنظم والحدود. وإذا كان هناك في الغرب من أخذ يتحدّث عن عودة ماركس ولكن ليست الماركسية الوضعية النقدية، حيث يريد ماركس لا بسترته المتّسخة، بل كعالم إنثربولوجي وسسيولوجي واقتصادي، ويسير خلفه لا جوقة الرعاع والبروليتاريا، بل مجموعة من البروفسيرات والأدباء والفنانين والمثقفين وأجمل النساء، وهؤلاء يريدون من الماركسية ومن ماركس فكرته الفلسفية ضمن طائفة الأفكار الفلسفية التي تغتني بها اللوحة الفكرية الأوروبية-الغربية، أما هدف تغيير العالم وليس تفسيره، كما دعا إليه ماركس، فهذا أمر تاريخي ومتحفي ليس إلاّ حسب وجهة نظرهم، بحيث لا يتم جمع النظرية إلى جانب التطبيق، وهو ضرورة، انفصلت عنها التجارب الاشتراكية بالكامل وفي جميع الحقول والمجالات. لاشكّ أن الذي مات هو النموذج أو الموديل السوفييتي، وقد أثبت فشله وعدم صلاحه وبالتالي انهياره، لأنه لم يكن ماركسياً أو اشتراكياً، بقدر كونه نموذجاً توتاليتارياً-استبدادياً حيث شكلت قاعدته القسرية الإكراهية الأساس في تطبيقه، الأمر الذي جعله صورة مشوّهة للماركسية الكلاسيكية، رغم بعض نقاط ضعف الأخيرة، وكانت صورة لينين وبالدرجة الأساس ستالين الشاهد الحقيقي للتشويه القيمي والفكري للماركسية، لاسيّما بغياب وجهها الإنساني. ولذلك فإن تبديد أو حتى موت النموذج القسري سيكون متوائماً ومنسجماً مع جوهر الماركسية وذاتها لا خلافاً معها، خصوصاً أن أفكار ماركس المستقبلية لم تكن محط اقتناع، بل هي الأخرى حملت إشكاليات زمانها، فضلاً عن إشكاليات زماننا. وإذا كانت تقديرات ماركس وقراءة بعض أطروحاته، لاسيّما التي تم تطبيقها لم تزكها الحياة، مثل نظريته عن الدولة، التي قال إنها ستذبل وإشكالية دور الفرد في التاريخ، ودور العامل النفسي ووصمه شعوباً بالرجعية بالكامل في معرض حديثه عن الشعب التشيكي، فإن جوهر منهجه ظل حيوياً وقادراً على تحليل واستنباط الأحكام والحلول، رغم أن البعض أرادها أحكامه وحلوله، في حين يقتضي المنهج الماركسي أن نكتشف قوانينا وحلولنا وأحكامنا، لا قوانين وأحكام ماركس، التي كانت تصلح لزمانه وليس لزماننا. هل يحق لنا أن نقول إن الماركسية كفلسفة تستطيع أن تجدّد نفسها رغم شيخوخة بعض جوانبها، حتى إن استبقت بعضاً منها في المكتبات أو اليوتوبيات أو الأحلام أو المتحفيات، فتلك مأثرة الفكر الحي ورائدة بروموثيوس الذي يستحق كما الماركسية القراءة الارتجاعية، بمنهج نقدي وضعي، لا بمسلّمات عفا عليها الزمن!!

 

عبد الحسين شعبان - باحث ومفكر عربي

 

 

ghanem alanazمنذ سنوات وانا اكتب عن نفط العراق ولم يطرق سمعي من التعليقات الكثيرة على مقالاتي من يدعو الى حمده عز وجل على نعمة النفط العظيمة التي وهبها لنا لننعم بخيراتها التي الوافرة.

بل ان الكثير منهم مع الاسف قد وصموا النفط باللعنة واخرين قد اتهموه بالنقمة والبعض الاخر قد قد خلصوا الى ان  كافة المصائب التي حلت بالعراق واهل العراق سببها النفط المسكين. لا بل قد تفتقت قريحة البعض ليكتب قبل ايام قليلة مقالة بعنوان  (نصدر نفطا، وندفع كمية مساوية دماء عربية).

ما الفائدة من هذا الكلام الذي لا يسمن ولا يغني من جوع الذي يكيل اللوم الى هذه النعمة العظيمة بدلا من تسديد اللوم الى الذين لم يقدروا فضلها ليصرفوا ويبذروا مواردها الهائلة في الحروب العقيمة والسرقات الذميمة بدلا من اعمار البلاد واسعاد العباد المالكين الحقيقيين لها.

اليس من الاصلح ان تكتب مثل هذه المقالات والتعليقات للدعوة الى استخدام موارد النفط الهائلة لاعمار العراق ومدنه المدمرة واسعاد ابناء شعبه الذي ذاق الامرين خلال عشرات السنين الماضية بدلا من القاء اللوم على النفط؟. اليس ذلك ما ينطبق عليه نكران شكر النعمة ونكران رد الجميل لرب العالمين الذي وهبنا هذه النعمة التي تحلم بها وتتمناها الكثير من دول العالم؟

لقد كتبت قبل عدة سنوات مقالة بعنوان (الذهب الاسود لاعمار العراق) اقتطف منها بعضا مما يلي:

النفط نعمة لا نقمة

لقد انعم الله علينا بثروة الذهب الاسود العظيمة هذه التي لو استطعنا استعمالها بحكمة وتعقل لجعلت من العراق بلداً متطوراً ينعم فيه المواطن بالعيش الكريم والأمن العميم وهذا ليس بالشيء العسير ان تكاتف الجميع في البناء بامانة واخلاص.

غير انه مما يؤسف له ان تلك الثروة الهائلة ذهبت هباءً منثوراً في خوض حروب طويلة عقيمة ليتبعها حصار بغيض خانق ادى الى تدهور الاقتصاد وهبوط قيمة الدينار العراقي الى الحضيض وما رافقه من غلاء فاحش. ثم جاء الغزو المقيت والاحتلال البشع الغادر وما تلى ذلك من هذه الحالة المأسوية التي تشهدها البلاد في ايامنا هذه من عدم الاستقرار واضطراب الامن واستشراء الفساد وغير ذلك من الآفات الكثيرة.

لقد راح ضحية هذا المسلسل الدموي الرهيب الملايين من ابناء شعبنا بين شهيدٍ ويتيمٍ ومعوقٍ ومشردٍ ومهجرٍ او مهاجر، لتنقلب تلك النعمة العظيمة بيد السياسيين الجهلة الى نقمة أليمة اوصلتنا الى ما نحن عليه اليوم من خراب شامل وفقر مدقع وفوضى عارمة وقسوة صارمة تدمى لها القلوب وتدمع لها العيون.

الذهب الاسود ومجلس الاعمار العراقي السابق

اما في منتصف القرن الماضي فقد استعملت هذه الثروة بصورة عقلانية وفعالة خلال الفترة 1951 – 1963 من قبل مجلس الاعمار الشهير المؤلف من عشرة منهم رئيس الوزراء (رئيساً) وعضوية وزير المالية ووزير الاعمار الذي يقوم بالتنسيق بين مجلس الاعمار ومجلس الوزراء في الحكومات المتعاقبة. اما اعضاء المجلس السبعة الدائميين المستقلين فيختارون ممن يشهد لهم بالعلم والنزاهة والاخلاص، معظمهم من خبراء المال والاقتصاد، وذلك بعد ان حصن المجلس ضد التدخل في شؤونه سواء كان ذلك مباشراً أوغير مباشر من قبل كافة الجهات سواء كانت رسمية أو غير رسمية.

أهداف مجلس الاعمار

اما اهم اهداف المجلس فكانت النهوض بالواقع العمراني والاقتصادي والصناعي والزراعي والخدمي في العراق عن طريق وضع خطط متكاملة سواءً كانت قصيرة او طويلة الامد لتنفيذ المشاريع المتعددة بهدف رفع مستوى معيشة الشعب من خلال توفير الخدمات والوظائف وفرص العمل التي ستوفرها تلك المشاريع سواءً خلال فترة تنفيذها أو بعد انجازها.

كان على المجلس ان يقدم تقاريره وخططه ومشاريعه وميزانيته وما الى ذلك من المعلومات اللازمة الى مجلس الوزراء للمصادقة عليها لتقدم بعدها الى البرلمان لموافقته علبها ليقوم المجلس بعد ذلك بتنفيذ تلك المشاريع بحرية كاملة بالطرق المناسبة  التي يراها ليقوم خلال ذلك بتقديم تقاريره الدورية عن تقدم العمل في تلك المشاريع الى مجلس الوزراء لابداء ملاحظاته وتوجياته حول ما جاء فيها.

مشاريع مجلس الإعمار الرئيسية

حددت ميزانية المجلس بكامل ايرادات النفط في العام 1950 لتخفض الى 70% في السنين اللاحقة. صرف الجزء الاول من تلك الايرادات على مشاريع قطاع الري والزراعة والسيطرة على الفيضانات الموسمية المدمرة التي كانت تغرق العاصمة بغداد والكثير من المدن والقرى وذلك باصلاح الاراضي وشق الترع وبناء السدود التي ما زالت قائمة حتى يومنا هذا كسدي دوكان ودربندخان وسدة سامراء وناظم الثرثار ومنخفض الحبانية وغيرها.

صرف الجزء الثاني من تلك المبالغ على قطاع الابنية والمواصلات والخدمات التي شملت مشاريع انشاء المساكن والابنية الحكومية والمستشفيات كمشروع مدينة الطب في بغداد والمدارس والكليات اضافة الى مشاريع الطرق الرئيسية كطريق الحلة/الكوفة/النجف وطريق بغداد/الفلوجة والجسور كجسر الملكة عالية او الجمهورية لاحقاً وجسر الأئمة في بغداد ومنشآت تصفية واسالة المياه ومحطات توليد الطاقة الكهربائية وشبكات نقلها وتوزيعها الى غير ذلك من المشاريع الحيوية.

اما الجزء الثالث من تلك الايرادات فقد تم صرفه على القطاع الصناعي الذي شمل انشاء معامل الطابوق والسمنت كمعمل سمنت سرجنار في السليمانية لسد حاجة البلد المتزايدة من المواد الانشائية. كما شمل ذلك انشاء معامل حديثة للنسيج كمعمل النسيج في الموصل ومعملي الحديد والورق في البصرة والاثاث والجلود والاغذية والمشروبات الغازية كمعمل السكر في الموصل ومعمل الالبان في ابي غريب وغيرها لتلبية الطلب المتزايد على تلك السلع والمواد الاساسية من قبل المستهلك العراقي. كما شمل هذا القطاع انشاء مصفى القير في القيارة ومصفى الدورة في بغداد لتلبية الزيادة الكبيرة التي حصلت في استهلاك المنتجات النفطية.

تأميم النفط والإزدهار الاقتصادي

كما يجب ان نذكر تأميم النفط وما رافقه من زيادة كبيرة في الطاقة الانتاجية خلال العقد السابع من القرن الماضي وما رافق ذلك من انفجار اسعاره لينتج عن نعمة النفط  العظيمة تلك ذلك الازدهار الاقتصادي والتقدم الاجتماعي والبهاء الحضاري حيث قضي فيه على الامية وتطورت فيه الخدمات في كافة مرافق الحياة ليزدهر العمران وتشيد البنى التحتية ويصل الاحتياطي العراقي في عام 1980 الى ثلاثين مليار دولار او ما تعادل اضعاف ذلك في وقتنا الحاضر.

اليس ذلك التقدم يدل على ان النفط نعمة عظيمة من نعم الله علينا عندما احسنا استعمالها لاعمار البلاد واسعاد العباد؟ اليس من الواجب علينا ان نحمد الله عز وجل على ذلك بدلا من التجني عليها ونكران جميلها ونتعتها بالصفات الذميمة التي اشرنا اليها اعلاه؟

نعم لمجلس إعمار جديد

لقد كُتب الكثير عن انجازات واخفاقات مجلس الاعمار السابق غير انه لا بد لكل منصف من الاعتراف بان انجازاته كانت عظيمة ومشاريعه التي ما زالت قائمة حتى اليوم تشهد له بذلك.

كما ان استقلاليته ونزاهته جديرة بالتقدير والاحترام، فأين تلك النزاهة والاخلاص بالعمل مما نراه اليوم من المشاريع الوهمية التي تذهب فيها الاموال ادراج الرياح دون تنفيذها  أو الفساد المستشري في تنفيد المشاريع الاخرى التي احسنها كما يقال اعرج او كسيح؟

ghanem alanazلقد ظهرت خلال النوات القليلة الماضية اصوات من جهات مهنية رصينة وشخصيات وطنية شريفة واقتصادية متمرسة عفيفة وسياسية مستقلة نظيفة وهندسية وفنية  خبيرة تدعو الى انشاء مجلس اعمار مستقل على غرار مجلس الاعمار السابق لاصلاح هذا الخراب الشامل والدمار الكامل الذي يشهده العراق في هذه السنين العجاف.

لذا فاننا نضم صوتنا الى تلك الاصوات الوطنية الشريفة التي تدعو لانشاء مجلس اعمار جديد تخصص له نسبة ثابتة من واردات الذهب الاسود الهائلة للمباشرة بإعمار العراق لرفع المعاناة المزمنة، من بطالة مرتفة وخدمات متدنية وامراض متفشية وفقر مدقع وجهل مخجل وفوضى عارمة وقسوة غاشمة وفساد مستشري وتعصب اعمى وامتهانٍ لكرامة المواطن وسلبٍ لحقوقه وغيرها من مثل هذه الآفات التي تنخر في مجتمعنا.

إننا بذلك نستطيع تحقيق ما يصبو اليه الجميع من استتبابٍ للأمن والاستقرار وتثبيتٍ لدعائم العمران والرخاء في ربوع الوطن العزيز فقد طال الانتظار ونفد الصبر وعزّ الرجاء حتى بلغت القلوب الحناجر.

راجين من الله عز وجل ان يصفي القلوب ويوحد الكلمة ويشيع الإخاء ليجمع الشمل ويعيد المحبة والرخاء والحياة الكريمة الى كافة ابنائنا واهلنا الكرام.

 

غانم العنّاز

واتفورد من ضواحي لندن

 

 

abdulhusan shaaban2بتواضعه الجمّ وعلمه الوافر لفت المفكر المغربي عبدالله الساعف، في كلمته المكثفة التي ألقاها خلال حفل تكريمه من مركز الذاكرة المشتركة في «مكناس» إلى أن اللّغة تمثّل ركناً أساسياً في الهوّية، وكأنه يواصل حواراً مفتوحاً منذ عقود من الزمان حول دور اللغة، سواء كان دستورياً وقانونياً أم عملانياً ووظيفياً، لاسيّما إذا ما تناولنا الهوّية بتكوينها الثقافي والأنثربولوجي المتعلّق بالإنسان بالدرجة الأولى، في علاقته مع غيره ممن يشتركون معه في الوطن والدين والمجتمع، من جهة، وعلى صعيد المشترك الإنساني الكوني، من جهة أخرى.

ولعلّ مثل هذا التشخيص ينطلق من رؤية معاكسة للثنائيات المتصارعة، في النظر إلى الآخر، حيث إن مقابل الإسلامفوبيا (الرهاب من الإسلام) هناك الويستفوبيا (الرهاب من الغرب) فكلاهما ينمّان عن مخاوف مسبقة تغذّيها أحياناً معطيات بعضها صحيح يتم التعكّز عليه وبعضها الآخر خاطئ، بل و إغراضي، وهو الذي يتّجه بعيداً عن المشترك الإنساني، مروّجاً لصراع خفي وظاهر يتعلّق بالمصالح بالدرجة الأساسية، حتى وإنْ ارتدت جلباباً ثقافياً، سواء كان غربياً باسم الدفاع عن الحضارة المسيحية وقيم الحداثة والتنوير أم عربياً وإسلامياً، باسم الدفاع عن الحضارة العربية - الإسلامية والأصالة والتراث ورفض الاستتباع. وفي كل الأوقات، كان هناك من يجد مبررات وذرائع مختلفة للاتجاهات الإقصائية والإلغائية، لتأجيج عوامل التناحر.

وعلى سبيل المثال فهناك «الويستفوبيا» مقابل «الويستلوجيا»، وهذه الأخيرة تعني استخدام السياسات الغربية ضد قيم الغرب «المعلنة»، ولاسيّما الثقافية منها، ولعلّ نموذجها الراهن هو ازدراء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للأفارقة ولشعوب البلدان النامية، وحديثه المستفِز ضد اللاجئين وضد التزامات واشنطن الدولية التي اتخذت منحىً استخفافياً، في حين أن القيم الغربية تقوم على احترام الآخر والإقرار بالتعددية والتنوّع في إطار النظام الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان والتسامح، وهي قيم إنسانية تتساوق مع مبادئ الحرية والمساواة والشراكة والعدالة.

وتتعارض هذه القيم الإنسانية جملة وتفصيلاً مع السياسات الرسمية الغربية، بما فيها التنظيرات التي تتّخذ الإسلام «عدواً»، خصوصاً باتهامه بالحضّ على العنف والإرهاب، دون تفريق أحياناً بين الإرهابي والمسلم، وبين المسلم والإسلاموي، وبين المسلم والإسلامي، وبين الدين والتديّن، متنكّرة لقيم الإسلام الإنسانية السمحاء، خصوصاً حين تدغمه مع بعض الممارسات العنفية المتعصّبة والمتطرّفة، والتي هي ليست حكراً على المسلمين وحدهم، بل هي موجودة لدى العديد من أتباع الأديان وفي جميع المجتمعات، سواء كانت متقدمة أم متأخرة وإن كان هناك فوارق بينها.

وكان انهيار جدار برلين وانتهاء عهد الحرب الباردة التقليدية (1947-1989) فرصة مناسبة لانتعاش التيارات المعادية للإسلام والمبشّرة ب«نهاية التاريخ» و«صدام الحضارات»، بالتجاوز على معاني «الخصوصية» باسم «الشمولية» واستخدام معايير «ازدواجية» و«انتقائية» إزاء الدول النامية ومنها الدول العربية والإسلامية، وفي أحيان غير قليلة توظيف قواعد القانون الدولي وما يسمّى ب «الشرعية الدولية» لخدمة الأغراض السياسية الأنانية الضيقة.

وقد نظّر فرانسيس فوكوياما منذ العام 1989 لفكرة تقسيم العالم إلى عالمين: عالم تاريخي وآخر ما بعد التاريخ، مؤكداً بأن مشكلات العالم الأساسية الراهنة هي النفط والإرهاب واللجوء، وهذه تمثّل تحدّيات كبرى وغير مسبوقة للغرب الذي تتجسّد فيه العدالة والإنسانية، لاسيّما بعد «ظفر» الليبرالية و«هزيمة» الاشتراكية، كما دعا إلى استبدال البندقية من كتف إلى كتف، وجعل الغرب على أهبة الاستعداد.

أما صموئيل هنتنجتون فقد كتب في مجلة «الفورين أفيرز» عن «صدام الحضارات» منذ العام 1993، معتبراً غياب الشيوعية لا يعني زوال التهديد، داعياً إلى بناء القدرات الدفاعية والأمنية والمخابراتية والفضائية، لأن المشكلة حسب وجهة نظره فكرية بالأساس وتتعلّق بالثقافة والحضارة، وإن الصراع هو حضاري وثقافي بين الغرب والحضارات الأخرى. وبما أن الثقافة سياج الهوّية، فلا بدّ لمن يريد تحقيق الانتصار الكامل والنهائي من اقتلاع وتذويب الثقافات الأخرى المناوئة لليبرالية ومنها الإسلام، لأن خطره قائم من المغرب إلى باكستان، وذلك في محاولة لخلط الأوراق.

ولعلّ مثل هذا المفهوم الإلغائي هو نفسه مفهوم تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن والظواهري وأبو مصعب الزرقاوي، وتنظيم داعش وأبو بكر البغدادي، وجبهة النصرة (جبهة فتح الشام)، الذي نظّر أيضاً لمفهوم الصدام الحضاري مع الغرب، مستخدماً التعاليم الإسلامية السمحاء ضد الإسلام في إطار ما نطلق عليه «الإسلاملوجيا»، مقابل «الويستلوجيا» متناسياً ومتجاهلاً حاجة البشر إلى الحوار والتفاهم والعيش المشترك لتحقيق التعاون والتنمية لما فيه خير الجميع.

فالعرب والمسلمون بحاجة إلى الغرب مثلما هو بحاجة إليهم، ولا يمكنهما الاستغناء عن بعضهما. وإذا كانت حاجة البلدان النامية إلى الغرب علمياً وتكنولوجياً وثقافياً، لأنه يمثل مستودعاً لخير ما أنجزته البشرية من تقدم في المجالات المختلفة، فإنه بحاجة إليها بما تمتلك من موارد ونفط وأسواق وغير ذلك، الأمر الذي يصبح فيه الحوار والتفاهم والتعاون ضرورة ماسة وحاجة ملحّة لا غنى عنها، وخصوصاً على صعيد العلاقات الدولية، والشيء ذاته يمكن أن ينطبق على صعيد العلاقات الداخلية.

 

عبد الحسين شعبان

 

 

zouhair khouildi2ينتمي المصطلح إلى الدراسات ما بعد الهيجلية وضمن التفكير النقدي الذاتي للنظرية الماركسية المنفتحة على التجديدات الكبيرة التي حدثت في الفلسفة اللبيرالية وتم تطعيمها بالعديد من أبحاث العلوم السياسية. إن المقصود هنا ليس التخلص فقط من المثالية والايدولوجيا والهيمنة النسقية الميتافيزيقية على ميدان الحق والقانون وإنما تغيير العلاقة التقليدية بين النظرية والممارسة في مجال السلطة والمعرفة التي كانت تعطى فيها الأولوية للنخب على الجماهير وللنفوذ على السيادة الشعبية وفسح مجال المشاركة للمجتمع في الحكم وتغليب الإدارة الذاتية على الممارسة الفوقية والذهاب في اتجاه الخيار الثالث بين الرأسمالية والاشتراكية.

على الرغم من صعوبة التفكير الفلسفي في السياسة بصورة مختلفة عن البارديغمات المعهودة والبدائل المتكررة خارج الأنساق الإيديولوجية المتنافسة ودون العودة الى المرجعية النظرية والإحداثية التاريخية فإن الوضع الانتقالي للعديد من المجتمعات وبروز موجات الحراك الاحتجاجي والثورات الشعبية التي تعرفها العديد من البلدان واستنفاذ المشاريع الكليانية والنظم الشمولية لإمكانياتها في البقاء دفع الكثير من المفكرين للاشتغال ضمن خلايا عمل وفرق بحثية من تهيئة ظروف جديدة لتطوير الثقافة الديمقراطية.

لم تعد الوعود السياسية الكثيرة تطلق بكيفية غير مدروسة وضمن لعبة سياسية غير مأمونة المخاطر ولم يعد الاعتراف بين اللاعبين يطرح خارج الدروس التعليمية للسياسات العامة وإنما تم ربطه بمبدأ العدالة وفق مقاربة فنومينولوجية تعود إلى عالم الحياة وتستهدف المطالب الحقوقية ضمن تأويلية نقدية تكشف الأوهام التي يقع في شراك الوعي الجمعي للناخبين والمصالح الفعلية التي يسعى كل الطامحين لقنصها.

كما تتجه السياسة على نحو مختلف صوب المستقبل من خلال استراتيجيتين فلسفيتين متعارضتين:

- التنبيه على المخاطر والكوارث وتنذر الجسم السياسي بضرورة التحرك وإحداث التغيير الحاسم.

- رصد معالم الأزمة في مختلف أبعادها والسعي نحو إيقاف الانحدار وتبني واقعية سياسية نقدية.

تتحرك فلسفة السياسية على نحو مختلف على أرضية تأويلية نقدية تحاول ضمان الحريات الفردية مع تأمين العدالة الاجتماعية وتسعى إلى التأليف الواقعي بين متطلبات دولة العناية واستحقاقات دولة الرفاه باستعادة الميراث السياسي الإغريقي والشرقي والنظرية التعاقدية ضمن تدبيرات معقولية مابعد حديثة.

قد يكون إعادة توزيع الثروة والسلطة والمعرفة ضمن المجتمع بصورة منصفة ضمن رؤية للعدالة مابعد الإجرائية تضفي المعنى على أفعال السياسي وتصون القيمة المضافة من كل تداول وقرصنة حسابية. وقد يؤدي هذا التوزيع المتساوي للمنافع والمساوئ إلى تغيير بنية الملكية بحيث يتم التخلص من التملك الفردي الأناني ويقع التأسيس للملكية الافتراضية المشتركة للخير العمومي وما يحققه من اقتدار جماعي للسيادة.

يتم الانتباه كليا إلى مقتضيات السياسة الحيوية ومشاكل الصحة والتعليم والتنقل والشغل والتثقيف والترفيه لدى السكان ضمن الإقليم ويقع تفعيل فضاءات النقاش العمومي بغية تنمية الفعل التواصلي بين المواطنين.

زد على ذلك تقوم هذه الفلسفة بتطعيم المجال السياسي بأفكار ومبادئ مستقاة من التراث الرمزي والتقاليد الدينية ضمن أنساق إيتيقية تطبيقية وتفعل مقولات الصداقة والمحبة والإنصاف والمصالحة والصفح. بهذا المعنى تضع السياسة الجديدة المغايرة الحق على ذمة الاجتماعي وتحمل الحرية مسؤولية احترام الكرامة البشرية وتستهدف بالأساس تخليص المؤسسات من الفساد والشر والكذب والعنف وتزرع في المقابل قيم الفاعلية والمصداقية والنجاعة وتتكفل بمنح العادل سلطة صناعة القرار ضمن نسيج مجتمعي مواطني. فمتى تتنقل السياسة على نحو مختلف من دائرة الاستراتيجيات بعيدة المدى إلى وضعية العاجل الفوري؟

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

 

sadiq alsamarai"ما طار طير وارتفع ...إلا كما طار وقع"!!

منذ الصغر وهذا البيت الشعري الذي يجري مجرى الأمثال يتردد في خاطري ومن حولي، وقد سمعته من العديد من الذين مرَوا وأثروا بحياتي، ولا يزال مترددا، ويحضرني اليوم وأنا في خضم محاورة عميقة مع عدد من الزملاء عن الصيرورة الآتية للواقع السلوكي فوق التراب!!

إبتدأت المحاورة بإستغرابي من سرعة الزمن وفقداننا الإحساس بالوقت، فالأيام تجري بسرعة فائقة، حتى ليفقد الناس طعمها وقيمتها ومعانيها، فالمخلوقات بأسرها في دوّامة الحركة المتسارعة التعجيل والساعية إلى آفاق المجهول المتسع المتشاسع.

قال زميلي: أن الضخ المعلوماتي وآليات التواصل وشبكات التفاعل الآنية، أفقدت الحياة الكثير من خصائصها التي عهدتها الأجيال السابقة، فأصبحنا نطارد سراب!!

وبعد أن تشعب الحوار، ختمه بالقول : أخشى أن هذا التوسع الهائل سيدفع بنا إلى الإنكماش الهائل، وهذا ما يلوح في أفق الواقع العالمي المعاصر!!

قلت إنها فكرة تصلح للكتابة!!

ضحك زميلي مودعا، وبدأت أكتب!!

إن ما يحصل في أي جرم كوني لا يمكنه أن يحيد أو يشذ عما يتحكم بالكون المطلق من قوانين ومعايير ونواميس لا يمكنها أن تقبل أي خطأ مهما كان ضئيلا، فالمفردات الكونية تتحرك وفقا لنظام دقيق جدا جدا، وتحكمها معادلات متوازنة، وذات عوامل مساعدة أو معوّقة وفقا لآليات التفاعل والعناصر الداخلة فيه، والنتائج المطلوبة.

وبما أن الأرض جرم ينتمي لمجموعة شمسية لازلنا لا نحيط بها علما، وأنها واحدة مما لا يحصى من المجموعات الشمسية التي تمر بدورات حياتية وإستخالات كونية، وتدخل في محتدم الإحتراب المستعر في أرجاء الكون المعتم الحرّاق اللهّاب المعتقلات، فأن الأرض تعبّر عن تلك القوانين والسيرورات، وما فيها مختصر لآليات التفاعل الكوني الأعظم، وما في مخلوقاتها كافة يحقق ما فيها من الحالات والسيرورات المتواصلة مع مطلق معادلات الوجود الضاخبة المتعالية الأزيز والفوران.

فسلوك الموجودات الأرضية يتوافق مع إيقاع سلوك الأرض، ولا يمكنه أن ينفصل عنه أو يشذ عن طبيعته ومراميه الدورانية الخلاّطة الولاّدة المنهمكة بإعادة تصنيع وتوليد الموجودات من عناصرها الأولية الداخلة في جوهر كيانها وما تحتويه من طاقات تطلعية وإرادات صيرورية.

وعندما ننتقل للإنسان فأن ما في الأرض فيه وما فيها من كونها الأكبر، وهذا يعني أن الإنسان فيه مختصرات كونية وتعبيرات سلوكية متفقة والتفاعلات الحاصلة في أية بقعة كونية متحركة ومحكومة بقبضة الدوران الخارقة الخانقة.

والكون يتسع وكل إتساع موعود بإنكماش أو إنكباس في مركزه بقوة متناسبة وشدة إتساعه وتعاظم مطاطية قدراته الإنجذابية والتنافرية المتحكمة بمصيره ومنتهياته المتماوجة المتقادحة، والمتسابكة في أوعية الفراغ الفوارة، والأرض يتمدد ما فيها وعليها وينقبض، وظاهرة المد والجزر تعبير واضح عن هذا النشاط الدوراني المتواصل مع موجودات كونية أخرى في مدارات مجموعتنا الشمسية ومدارات وجودها الأخرى الفائقة الحركة والتفاعلات.

والأرض مضغوطة بغلافها الجوي أو قشرتها الغازية التي تتدرع بها وتغلفها بقدرات كهرومغناطيسية ذات خصائص إنجذابية وتنافرية، فهي تتحرك كما تتحرك الرئة ما بين الإتساع والإنكماش، أي أن الأرض تتنفس كما الأحياء تتنفس، وهذه الحركة المنتظمة تشترك فيها جميع المخلوقات وبدرجات وتنوعات متباينة وفقا لطبيعتها ودورها الحياتي.

ولا يمكن للأرض أن تحيا إذا إتّسع غلافها الجوي وترسها الغازي وتزعزعت طبقاته، لأنها ستكون عرضة لإختراقات إشعاعية وجرمية هائلة، تقضي على الحياة فيها، ولهذا فأن عليها أن تحافظ على قدراتها الإحتضانية الكفيلة بديمومة الحياة وتجددها.

فالأرض كينونة حية متحركة ذاتيا وموضوعيا، وترتدي ثيابها وتتدرع بأواصر غازية متماسكة ومقتدرة على مقاومة الصولات العنيفة التي تستهدفها بتواصل وإنقضاض تدميري نيراني الطباع والتفاعلات، وهي تدرك مقومات حياتها وشروط بقائها وتدافع عنها، وهي كأي موجود حي تصاب بالخوف والقلق والإضطرابات السلوكية التي تتلخص بالبراكين والهزات الأرضية والأعاصير والفيضانات وغيرها من التفاعلات التي تحققها الطبيعة الأرضية، وهي تحاول الحفاظ على حالتها الموائمة لأحيائها، وشخصيتها الكونية التي تتميز بملامحها وعلاماتها الفارقة.

ومشكلة الأرض أن مخلوقاتها تتناسى وتتعامى وتنحدر إلى مسارات ذات متاهات ونهايات خطيرة، وكأنها منومة أو مخدرة بالأفكار والتصورات والمعتقدات التي تعاديها وتقتلع إرادة قوانينها من أعماق موجوداتها وخصوصا البشر الذي تسيّد على جميع المخلوقات، وتفوق عليها بأعداده وقدراته الشرسة، وأصبح المالك الحقيقي للآرض والمتحكم بإتجاهات تفاعلات ما عليها، فهو الذي يقرر وينفذ ويتصور ويتوهم ويمضي في سلوكياته الفردية والجمعية القاسية.

وبما أن قوانين الوعاء تتحكم بمصير ما يحتويه، فأن الأرض تفرض قوانينها وإرادتها على ما يدور فيها وعليها من الأحداث والتطورات، ولا بد لها أن تتدخل وتدفع البشر إلى مواضعه التي يجب عليه أن يكون فيها.

فالأرض متوازنة السلوك، ولا تسمح بالإتساع الفائق، لأن ذلك السلوك لا يتفق ومناهجها الدقيقة المتعادلة، لكن البشر قد إتسع وتمدد وتمادى في نأيه عن التراب، وصار يمتلك القدرات الهائلة الكفيلة بصناعة الجحيمات الأرضية، والجهنمات المحتملة فوق الماء والتراب وفي الفضاء، أي أنه وكأنه قد بلغ منتهاه الإتساعي الذي يعني أنه على شفا حفرة الإنكماش الرهيب، والمحق والغياب والعودة إلى مبتدءات المسيرة البشرية فوق التراب الحامي المتأهب المتقطب الملامح، والغاضب المتناقم المتحامل على موجوداته التي أنجبها من رحم ما فيه.

والإتساع البشري إتّخذ منحى توالد الأفكار العلمية ذات القدرات الفتاكة بمحيطها البيئي والتواصلي، إذ بلغت التصنيعات المدمرة أوجها، وصارت المصانع المتوثبة للصراع والتخريب الدامي في تسابق كمي ونوعي، لإنتاج ما هو هائل المحق والشراسة والتوحش، فما عادت القنابل الذرية والهيدروجينية وأخواتها بكافية، وإنما تعددت أنواع الأسلجة النووية وتداخلت حتى صارت الأرض قابضة على جمرة الهلاك، وأنها لا تحتاج إلا إلى مجنون متهور يمتلك حق إتخاذ قرار الإنتحار الأرضي الذي تحققه ضغطة واحدة على زر واحد في حقيبة تحملها الأيادي المتأهبة للإنقضاض على الوجود الأرضي بأكمله.

وذهبت الأفكار إلى مديات ما عاد البشر بقادرٍ على التحكم بها، لأنه أوجد ما يتحكم به ويسيّره ويستعبده، فالبشر هو المخلوق الوحيد الذي يبتكر ويخترع ما يًستعبده ويمتلكه تماما، ونحن نعيش في عصر الإستعباد بالمخترعات التي تعزلنا عن أنفسنا وبعضنا البعض، وتحوّلنا بموجبها إلى موجودات سرابية أو أرقام على شاشات ضوئية ملونة.

كما أن المعارف قد بلغت مستويات كبيرة أعجزت الرؤوس البشرية على إستيعابها وبرمجتها، بل أنها عطّلت الأدمغة وجعلتها مدمنة على أجهزة كأنها أذكى من البشر، حتى ليبدو أمام قدراتها المعرفية متضائلا متصاغرا ومفرّغا من آليات النشاط المعلوم، أي أن البشر أجهَز على ذاته وأفرغها من محتوياتها بل وخربها ونسف أسس صيروتها التماسكية القوية، حتى أضحى ما بين الحالة الإسفنجية والصلدة، وبهذا الكيان صار من الصعب عليه هضم المعلومات ووعي التطورات، مما سيؤدي به إلى الوقوع في حفر الإنكماش الرهيب، كما يشهد الزمن المعاصر العديد من مظاهرها التي أخذت تسري وتنتشر بوبائية غير مسبوقة، وبعدوى عولمية دامية مخربة محطمة لأركان الأمن والسلام والرحمة والطمأنينة.

وكذا يبدو أن بلوغ الذروة المعرفية قد بدأ بأخذنا إلى منزلقات تهالكية إنكماشية، ذات تعجيل متسارع ومتوثب للسقوط في وديان السكون الذي يحلم بالحركة من جديد على سفوح أخرى ذات قمم أعلى، ليبلغها وقد تأهب لمنزلق بعيد!!

 فهل ستسترد النفوس عافيتها والعقول رشدها؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

qasim husansalihالجذام مرض جلدي معد، تسببه بكتريا تتكاثر ببطء شديد وينتقل بالعدوى ليصيب الجميع:ذكور ، اناث، كبار، صغار .. وله فترة حضانة تستمر خمس سنوات.ولأن أعراض ما حصل لأخلاق العراقيين بعد (2003) تشبه اعراض الجذام فأنني استعرته لننحت منه مصطلحا جديدا في علم النفس العربي بأسم (الجذام الأخلاقي) .. منطلقين من حقيقة ان أخلاق العراقيين كانت قبل (2003) افضل من حالها الآن (2018) .. فما هي (البكتريا .. السياسية، الاجتماعية، السيكولوجية .. ) التي كانت السبب؟. وما هي طرائق العدوى التي انتقل بها الجذام الأخلاقي ليصيب الغالبية المطلقة من العراقيين؟ وما الذي ينبغي على المفكرين والمثقفين أن يفعلوه لمكافحة هذا الجذام؟

ان افدح كوارثنا هو ما حصل (للضمير العراقي) من جذام أخلاقي في السنوات الثمان والثلاثين الأخيرة. ولنتفق اولا على تحديد مفهوم (الضمير) فهنالك من يصفه بـ(القاضي) الذي يحاسبنا على اخطائنا، ومن يصفه بـ(الحارس) او (الرادع) الذي يردعنا حين نهمّ القيام بفعل غير اخلاقي، او (الرقيب) على السلوك قبل وعند وبعد الشروع بأي عمل، فيما يصفه آخرون بان الضمير هو الصدق والايمان.ونحن نحكم على الاشخاص بقولنا (عنده ضمير) ان كان ذا اخلاق، و(ما عنده ضمير، او ضميره ميت) ان كان عديم الأخلاق .. ما يعني ان كل واحد منّا هو منظومة من القيم الأخلاقية، وأن الضمير هو (رئيس) هذه المنظومة .. وان هذا الرئيس هو القوة الفاعلة الذي يحدد أهداف الفرد ونوعية تصرفاته مع الآخرين حاكما كان او محكوما، فما الذي حصل لضمير الحاكم والمحكوم في عراق ما بعد (2003)؟

في سبعينيات القرن الماضي،  كان الضمير الأخلاقي العراقي افضل وأنظف بكثير مما هو عليه الآن.وفي ثمانينياته بدأت بكتريا هذا الجذام تنمو فيه.ذلك أن ألد أعداء الضمير هي الحروب، والكارثة انها تجسدت في العراق بأفجع أحداثها عبر ثمان وثلاثين سنة، فنشطت بكتريا الجذام لتحدث تخلخلا في المنظومات القيمية للأفراد وتضعف الضمير عند كثيرين وتهرؤه عند آخرين وتدخله في غيبوبة عند اغلبية.

وما اوصل لهذا الحال من (الجذام الأخلاقي) ننحت له مصطلحا جديدا آخر هو (سيكولجيا التوليد). ونعني بها، أن سلوك أفراد أو جماعات لا يتحول الى ظاهرة اجتماعية الا بعد سلسلة من (الولادات).

كان الحدث قد بدأ سياسيا بنوعية الذين استلموا السلطة.ففي كتابه (سنتي في العراق) وصف بريمر) أعضاء مجلس الحكم بأنهم يفكرون بمصالحهم الشخصية ولا يفكرون بمصالح الوطن.

وكانت (ولادة) مجلس الحكم قد انجبت أخوة أعداء كل واحد منهم طامع بثروة أبيه (الوطن)، فعاشوا حالة(غزوة بدو) أنهم اعتبروا العراق غنيمة لهم وأن عليهم ان يتقاسموه .. فتقاسموه!، وبهذه القسمة تحولت السلطة من وظيفتها الرئيسة المتمثلة بأدارة شؤون الناس الى وسيلة لجمع الثروة.ومن هذه الحاضنة السياسية جاء الوليد الاقتصادي بتحديد راتب وامتيازات لعضو البرلمان لا يتمتع بها اي عضو برلمان في العالم.وبمجيء الدورة البرلمانية الأولى،  وتمتع اعضائها بالرفاهية، فأنها انجبت الوليد الأخطر والأقبح أخلاقيا ودينيا.ذلك ان النائب أدى اليمين بان اقسم أمام البرلمان والشعب بانه سيحافظ على ثروة البلاد،  فتحول الى أكبر سارق بتاريخ برلمانات العالم .. وافتضح أمرهم بوصف الناس لهم بأنه (كلهم حرامية) .. وبتكرارها فأنهم ما عادوا يخجلون من الفضيحة .. ولأنهم خسروا سمعتهم الأخلاقية، فانهم تفننوا وتعفرتوا في الحصول على المزيد من الثروة، كافراد فيما فتحت خزائن احزاب الأسلام السياسي ابوابها لنهب الثروة .. بطريقة يسألونها هل امتلئت تقول هل من مزيد!.

وبسكوت الحكومة الحالية وعدم مصداقية وعود رئيسها بمحاسبة الفاسدين،  وتبادل التهم بين معممين سياسيين بشكل خاص ومدّعين بالزهد والنزاهة .. افتقد الناس انموذج القدوة وصار الموظف البسيط يردّ على ضميره: (اذا كان قدوتي يرتكب هذا الفعل .. فأنا لست بأحسن منه، واذا كان حراما .. فلأضرب ضربتي .. ثم اذهب الى الحج واستغفر ربي .. والله غفور رحيم!) .. فشاع الجذام الأخلاقي بين المتسابقين على الفوز بكرسي البرلمان،  والمتملقين لهم والمصلحيين ،  وبين من أذله الجوع وأوجعه الحرمان، ومن لديه الاستعداد لبيع ضميره بالمجان.

وما حصل ان المجتمع العراقي صار مختبرا لما يصيب ألاخلاق من تدهور في اوقات الازمات .ونضيف هنا لما كنا قدمناه من (نظريات عراقية) في علم النفس والاجتماع السياسي وعلم نفس الشخصية ، (نظرية) جديدة هي أن (الجذام الأخلاقي) يشبه مرض الجذام الجسمي في ان كليهما ينموان ببطء ، غير ان حضانته في حالة الجذام المرضي تستغرق سبع سنوات لتنتشر وسنتين الى ثلاث للسيطرة عليه، فيما يثبت واقع المجتمع العراقي ان الجذام الأخلاقي يستغرق خمس عشرة سنة ليشيع بين الناس،  وانه يحتاج الى أربع سنوات (دورة انتخابية) لأيقاف انتشاره ، فيما يحتاج الى دورتين انتخابيتين (ثمان سنوات) للسيطرة عليه.

وستثبت صحة نظريتنا هذه ان عام (2018) سيكون بداية التحرك الثقافي لايقاف انتشار الجذام الاخلاقي وسيأتي ببرلمان ينخفض فيه عدد الفاسدين الموبوئين بهذا الجذام، فيما سيشهد برلمان (2022) بداية السيطرة عليه بقلّة عدد المتسابقين للفوز به، شرط القضاء على انشط بكتريا في هذا الجذام،  بتخفيض راتب عضو البرلمان والغاء امتيازاته المادية .. وتلك مهمة المثقفين المبشرين بأن العراق سيكون جنة لمحبيه النظيفين من الجذام الاخلاقي.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

husan abosoudاين نجد الإسلام الصحيح؟ سؤال طرحه علي أحد المتعبين من شباب هذا العصر، وصار هذا السؤال يكرر نفسه في داخلي أيضا، وصرت اردد بتلقائية: اين أجد الإسلام الصحيح؟ اجده عند علماء المذاهب، اجده في الدول العربية والإسلامية، في الشرق او في الغرب، اجده في الكتب والمحاضرات والمكتبات، هل ابحث عنه في ممارسات الناس؟ ثم ما الفائدة من البحث عن الأصل.

ان رجال الدين من جميع المذاهب لم يحلوا مشاكلنا بل فرقوا الدين وجعلوا الناس شيعا ورغبوهم في المذاهب بدل الدين الواحد ونحن ليس عندنا مشكلة كبيرة اذ نتوارث المذاهب أبا عن جد بدون تحقيق او تمحيص ولكن ماذا يفعل المسلم الجديد فهل يعتنق المذاهب ام يعتنق الدين؟ وقد وجدت ان المسلمين بكافة مستوياتهم الافراد والعلماء والحكومات والساسة لا يريدون الإسلام صراحة واحتدم النقاش حول البديل، هل هو المذاهب ام العلمانية ام الديمقراطية؟ ولكي يخرج الساسة من دائرة الاحراج كتبوا لبلدانهم دساتير وضعية ابتدأوها بان القران هو احد مصادر التشريع (وليس المصدر الوحيد)وضاع الواحد منا امام الاسلام السني والشيعي والسلفي والمتطرف والمعتدل الخ وصار البحث عن الإسلام اشبه بالرحلة الشاقة الموجعة الخطيرة بل والمميتة أحيانا، وقد اجتمعت جميع القوى على طمس الإسلام وتشويهه وترغيب الناس في اعتناق المذاهب بدل الدين، ولقد وصل الامر الى درجة التناحر والتقاتل وصرنا نتحدث عن الثراء الحضاري والزخارف الإسلامية للتغطية على جرائم القتل والصراع الدموي اليومي، وصرنا جزافا نعتبر الكتب  الفلسفية والمؤلفات المذهبية والخلافية ثراء ثقافيا، وجاء دور التكفير وفق المصالح او الاملاء الخارجي بالوهم.

اين ابحث عن الإسلام الحقيقي وكل جهة تكفر الأخرى جهرا وعلنا.

ان عملية البحث تحولت الى منزلق خطير في زمن أصبح فيه مصطلح (فصل الدين عن الدنيا وعن الحكم) مطلبا ملحا حتى وضعت العلمانية امام الإسلام والإسلام امام العلمانية ورجال الدين بدلا من ان يحلوا المشكلة صاروا هم المشكلة وفرقوا الدين الواحد وجعلوا الناس شيعا.

فهل نحتاج نحن الى رجال الدين فعلا لا سيما وان احكام الدين كالصلاة والصيام وباقي الفروع واضحة ولا اجتهاد فيها، وقد يحتاج الانسان الى بعض الاجتهاد في المستحدثات فقط. والفتوى جهد بشري يحتمل الخطأ والصواب وليس نصا مقدسا وعليه فانه يجب ان يتم اصدار الفتوى عن طريق الاجتهاد الجماعي وكما ان النظام البرلماني هو الأسلوب التطبيقي للشورى فكذلك الاجتهاد الجماعي هو الأسلوب الأمثل للتوصل الى الحكم الشرعي الصحيح والاقرب لا سيما ان الاجتهاد الفردي هو اشبه بالاستبداد بالرأي ومخالف لنظرية الشورى الواجبة.

اين الخلل؟ الخلل في كثرة القادة ووجود عشرات المراجع في المذهب الواحد مما يمنع الاتفاق على ابسط الأشياء مثل تحديد يوم العيد مثلا او تحديد لباس المرأة وحجابها، وكل واحد منهم يتصور انه يمتلك الحقيقة المطلقة واذا سئل احدهم عن مهنته قال : رجل دين فيجتهد ليبدع في مجال عمله فيخترع وينشئ المذاهب والفرق و الملل والنحل ويؤلف ويحلل ويفسر على أسس ظنية بحتة ، ويقضي اكثر اوقاته  في تخيل الاحكام ويجد لها الفتاوى المناسبة، كأن يقول كما في كتب الفقه : يدك طالق او رجلك طالق فتبدأ معركة الكل والجزء والمنطق واللامنطق، ويختلفون على ولاية الفقيه والتحكم بالأموال علما بان الفقيه من أي مذهب كان ومهما علت رتبته فانه ليس فوق القانون ولا الشريعة فهو محكوم بالنص.

الحاجة اذن ملحة لإعادة جوهر الإسلام او الخروج بإسلام جديد يجمع المحاسن، واما العلماء الذين حققوا انجازات غير يسيرة منها تقسيم الدين الى مئة وثلاث وسبعين فرقة كل واحدة تختلف عن الأخرى في المضمون والشكل حتى بات من الصعب معرفة الأصل من النقل عليهم ان يتوقفوا الى الابد ويتركوا المجال لنا للبحث عن اسلام جديد جدا بدلا من اسلامنا الذي ضاع في التفاصيل.

 

حسين أبو سعود

 

 

juotyar tamer2ليست مفارقة ان تتحول الاديان الى مجرد اداة بيد البشر حيث يقومون بتوظيفه حسب متطلباتهم ورؤاهم الخاصة مبتعدين كل البعد عن الاصول والثوابت الرسالاتية التي تمجد الانسان وتعطيه قيمة تفاضلية على باقي المخلوقات الكونية، ولعل من ينظر الى الاديان بعين خارجة عن مصادرها التشريعية سيلاحظ عمق الهوة التي اصبحت ظاهرة للعيان بين النص الاصلي وبين التأويل البشري للنص والفعل البشري بمقتضيات النص نفسه، ناهيك عن عمق الهوة بين التيارات المفسرة للنص الاصلي، وحجم المعاناة التي يجدها الانسان في فهم وادراك ايهما الاصح، بعيداً عن المقولة التي دائماً ما يتمسك بها رجالات الدين ، "لديك المصدر الاصلي تمسك به تفلح "، في حين ان النص الاصلي المصدر لايمكن الاستناد عليه في كل المسائل لاسباب عديدة ومنطقية لعل ابرزها كونه في الكثير من الاحيان يُفسر على اكثر من وجه، او انه غير مفصل ولايمكن القياس من خلاله، او انه غير مُحَدث كي يناسب الوقت والمكان.

لقد شهدت النصوص الدينية ضمن السياقات التاريخية معارك عنيفة بين جذورها التأصيلية وبين حاملي راياتها بالاخص المفسرين (لانخص بكلمة مفسرين رجال دين دون اخر)، الذين سيطروا على مقاليد الحكم الديني وفق نزعاتهم الشخصية ونزاعاتهم الانتمائية في اغلب الاحيان، سواء أكانوا كهنة ام سدنة، ام رُسل، او حتى فقهاء وائمة، وبعيداً عن مقولة كونهم اصحاب اجتهاد ولهم اجرهم على ما قدموه من اجتهادات خدمت الانسان، في حين ان الامر لايمكن ان ينحصر بالاجر، انما هناك فكر وعقل وحتى عاطفة تجعل من تلك التفسيرات تحت المجهر، وتبرز السمة البشرية الرائدة في صياغة الامور حسب ما يحقق وجودها بعيداً عن التكليفات التعجيزية بنظرها، وهذا ما جعلنا ان نعيش وفق معيات متحولة ،لم تعد تحمل مساراً او نمطاً واحداً يمكن الاعتماد عليه لتحقيق الغاية من وجود الاديان نفسها، فالدين تحول من علاقة الانسان بالمُشرع الاصلي الى اداة يستغلها الانسان كي يحيل المشرع الاصلي الى التقاعد المبكر، ويحقق باستخدامه طموحاته الشخصية، والتاريخ ممتلئ بالامثلة سواء في عهود ما قبل التاريخ او مابعد التاريخ، ففي كلا المرحلتين جاءت الاديان متسمة بالصبغة البشرية الساعية لفرض الاتاوة على وجوده، فلانه موجود يجب ان يكون هناك دين يدعم وجوده، ولكن في البدء عليه ان يؤسس تعاليم تخلده على حساب بني جنسه، وتجعله بنظرهم اقرب الى الاله من كونه انسان، وهذا ما سعى اليه قديما، وضمن الصياغات التي تركتها الاثار القديمة لامسنا عمق الهوة بين مفهوم الدين كدين وبين العمل الذي يراد تحقيقه بالدين، ولم تتغير الصورة في الصياغات المابعدية التي جاءت ترسخ ما ترتب عليه في السابق، فكان الدين من حيث المبدأ وسيلة للتغيير، سرعان ما تحول الى وسيلة اخضاع وتهديد للبشر بيد البشر انفسهم الذي استطاعوا ان يتغلبوا على العوائق التي تفصلهم من الهيمنة على مصادر التشريع، ومن ينظر  بعمق الى السعي البشري عبر المراحل التاريخية كلها سيجد بلا شك هذا السعي وسيلاحظ كيف تحولت المعابد( نقصد بها دور العبادة لجميع الاديان) الى ادوات قمعية بيد البشر لاخضاع بني جلدتهم.

ودائما ما نستشهد بالملوك القدماء كيف اسسوا ممالكهم عبر تبني اديان وفرضها على ابناء الشعب بالقوة والترهيب، وذلك من خلال منظومة مؤسساتية من الكهنة والمعابد، وتلى ذلك ترسيخ مبدأ النبوة وما سعى اليه الانبياء في تحقيق مقصادهم الدينية والتي سرعان ما تحولت الى منظمات ومذاهب متفرقة كل واحدة منها تقوم بتأول وتفسير اقوال الانبياء حسب منطقهم ورؤيتهم التي تنافت وتعارضت وتقاطعت في بعض الاحيان مع الاخرى، وقد لايختلف اثنان على انه كلما زادت الفرق الدينية زادت صعوبة فهم الدين نفسه، وذلك لوجود اختلافات جوهرية بين الفرق في العقائد والأصول، وفي الوقت نفسه انقسام الفرقة الواحدة إلى عدة طوائف، وزوال بعضها ونشوء اخرى جديدة، كما ان الاختلاط الذي يحدث بين تلك الفرق الدينية وغيرها مع المنظمات الدينية والحركات الاخرى يشكل عائقاً كبيراً في الفهم الصحيح للدين، وهذا ما تحول في برهة قصيرة الى صراع لاثبات الرأي والتفسير والتأويل والصراع  تحول الى عقيدة مذهبية هذه الاخيرة تحولت الى صراعات سلطة والسلطوية حين تتدخل تتحول الامور الى حروب وقتال وسبي وتدمير.

لم تتغير مفاهيم الدين بوجود الانبياء ولا حتى الكتب الرسالاتية بالعكس تماماً تحولت تلك الوثائق والمدونات والكتب الى اداوات اخرى بيد البشر استطاعوا من خلال تأويل ما بين السطور الى تحويلها لادوات قمعية اقصائية للاخر بدرجة ان الويلات نتجت عنها، سواء بين اصحاب الدين الواحد كما في فترة انقسام المملكة اليهودية بين مملكة الشمال ويهوذا الجنوبية وما تلاها بعد ذلك من تأويلات وتحويرات للرؤية اليهودية نفسها حول الدين والتي فرضت من خلال قوة السلطة الدينية المركزية القائمة على الانتقاء العرقي، والامر الذي تسبب بالتالي الى الانهيار الكامل الذي أصاب الحكومة الدينية وحكم الكهنة، او المفاهيم بعد اليهودية التي لم تتغير ،بالعكس تماماً فقد تحولت المسيحية السمحة بوقت قصير بعد (وفاة / صلب المسيح) الى صراع مذهبي وفرق ومن ثم تسلط بعض الرجالات الدينية باسم الرسل والبابوية والكنيسة فوجدت باسم الرب محاكم التفتيش لتعذيب الهراطقة ولقتل الخارجين عن الكنيسة، كما وجد باسم الرب جيوش وحروب ودمار وقتال ليس بين الدين الجديد والاديان الاخرى فقط، انما بين الدين الواحد بسبب الاختلافات والانقسامات في الرؤية والتفسير حول النبي نفسه وليس تعالميه فقط، هذا المنطق تحول الى اداة بشرية ساهم في احداث شرخ عميق بين الدين والبشر (الحرب اللاايقونية – حرب المائة عام – الحروب الصليبية)، وحين اتى الاسلام كانت النظرة الظاهرية تعتمد على تحويل العبودية القائمة لغير الاله الى الاله نفسه، ولكن الالية التي اعتمدها اصحاب الدين الجديد لم تختلف عن سابقاتها، حيث حرمت هي الاخرى الانسان من انسانيتة لاعتبارات جبرية من جهة، واعطت الفرصة للساعين من البشر للاطاحة بهيكل الدين وتحويله الى اداة سمجة بيدهم لتحقيق رغاباتهم وطموحاتهم الشخصية، ولن يغير الامر الخوض في المعيات التي رافقت ما سمي وقتها بالفتوحات الاسلامية، لان الفتوحات لم تأتي وفق رغبة الاقوام الاخرى باعتناق الدين الجديد انما اتت بفرض رأي احادي من المسلمين على الاقوام الاخرى باعتبارهم على ظلال ويحتاجون الى نور الهدى، والسؤال هل كانت الشعوب تنتظر هداهم,,,؟ ان الامر لم يختلف تماما بل السعي البشري لفرض فكر ديني واحد واقصاء الاديان الاخرى رسخت مبدأ عمق الهوة بين التشريع الاصلي وبين التأويلات المابعدية التي ظهرت اللمسات البشرية عليها بشكل واضح، فكانت وبالاً ودماراً داخل جغرافية الدين الواحد، والتاريخ الاسلامي مليء بهذا الشرخ التأويلي منذ العهود الاولى، حيث قتل ثلاث خلفاء  راشدين من اصل اربعة، ناهيك عن الطوائف التي ظهرت وعن المعارك الاسلامية الاسلامية من (الجمل – صفين) وما تلاها من انقسامات وشروخات اخرى اتسعت باتساع رقعة التسلط البشري باسم الله وتشريعات الله.

ساهمت الاديان في احداث شروخ بشرية اخرى، وذلك من خلال زعزعة البنية الاجتماعية في المجتمعات بصورة عامة، لاسيما تلك التي اعتمدت على الطبقية الدينية في علاقاتها، حيث حصنت الطبقة الدينية اسوارها بعدم السماح للاخرين بالتزواج مع المنتمين لطبقتهم من النساء والفتيات، في حين سمحوا لانفسهم بالارتباط بالنساء من الطبقات الاخرى كما في بعض الاديان الوضعية، وفي الوقت نفسه جاءت اديان تحرم التزواج ضمن الطبقة الدينية، مما ساهم في احداث خلل بايولوجي لدى هولاء فكانت الفضائح ترافق اماكن عبادتهم بسبب خروج البعض عن دائرة التحريم وعدم الانصياع للترهب الديني المفروض عليهم، وهذا ما ادى بالتالي الى خروج مذاهب وفرق منهم سمحوا بالزواج حتى ضمن تلك الطبقات الدينية، ناهيك عن البنى الاجتماعية الاخرى التي رافقت التحولات الدينية ضمن سعي الاديان للانتشار وفق منطق الحروب والتبشير والدعوة والاصلاح، فالسبي لم يقتصر على مرحلة واحدة من مراحل التطور البشري قديما وحاضراً، لذا كان السبي والجواري والمتجارة بالرقيق الابيض احدى اهم نتاجات العمل البشري ضمن سياقات استدلالية استمدوها من نصوصهم الدينية، وتلى ذلك تصدعات اجتماعية ونفسية اثرت على الرؤية البشرية نفسها للاديان.

ومن الشروخات الاخرى التي ساهمت في احداث متغيرات جذرية على الرؤية الدينية البشرية ما تعلق بالمذابح البشرية التي رافقت التطورات السياسية ولعل ما حدث للمسيحيين في اوربا ضمن الحملات الاسلامية عليها ، ومن ثم للمسلمين في الشرق بعد الحملات الصليبية عليها، وكذلك بعد مجيء المغول ومن بعدهم العثمانيين وما فعلوه بالارمن (مذابح الارمن)، وما فعله الارمن ايضا ضمن السياقات التاريخية الواضحة من مذابح تجاه المسلمين، كل ذلك حدث باسم الاديان ومحاولة اقصاء دين للاخر، ولم يكن النص الالهي الاصيل هو المحرك بقدر ما كان الطموح البشري لفرض ماهيته على الواقع الخرابي الارضي، وبالتالي نتج عن ذلك شرخ وهوة سحقية بين الدين والبشر مرة اخرى، ولم يكن العامل السياسي  والمصالح الاقتصادية والسياسية في الوقت الحاضر الا اداة اخرى بيد المتحدثين باسم الاديان، وذلك لفرض رؤيتهم الخاصة ، ولتحقيق رغباتهم وطموحاتهم الخاصة بعيدين كل البعد عن الممضمون الحقيقي للدين الاصلي (النص الاصلي الالهي)، ولعل زيارة اردوغان المسلم للبابا المسيحي رسالة واضحة لايمكن الشك بها، رسالة مضمونها ان الاديان هي غطاء لمصالح واتفاقيات ... فالبابوية المسيحية التي لم تزل تطالب تركيا وريثة الدولة العثمانية الاسلامية بتقديم اعتذر بسبب تلك المذابح، تستقبل (البابا فرانسيس – اردوغان) احد اشرس القادة الترك في العقود الاخيرة الذي لايتوانى في فعل اي شيء من اجل تحقيق اهدافه حتى لو كانت على حساب شعبه بل حتى لو كان على حساب ابناء دينه، في خطوة تؤكد مرة اخرى ان الاديان ليست الا رداء عتيق هش يتوارى خلفه البشر لتحقيق مصالحهم واهدافهم التي لاتبت للدين بشيء، والامر لايحتاج الى توثيقات ورقية او تاريخية حديثة فقط يحتاج الى التأمل بالواقع البشري الحالي " ماحدث في البوسنة والهرسك والبانيا – ما يحدث بين المسلمين واليهود في اورشليم" القدس" وماحولها ، ما يحدث بين الروهينغا والبوذيين، ما يحدث في ايران والعراق من تطهير عرقي مذهبي طائفي باسم الدين، وما تفعله تركيا بالكورد في عفرين باسم الدين والارهاب والالحاد والى غير ذلك من التفاهات والشعارات التي تلبس رداء الدين وهي لاعلاقة لها بالدين الا ظاهراً" .

 

جوتيار تمر/ كوردستان

 

 

eljya ayshمالك بن نبي: الإنسانية تعيش ما يسمى حالة طوارئ..

"دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن الـ:20 "، محاضرة ألقاها الفيلسوف مالك بن نبي في رحاب مسجد "المرابط" بدمشق عندما زارها لأول مرة عام 1972 وهو قافل من رحلة الحج الأخيرة، كانت عبارة عن وصيته الأخيرة، تركها في ضمير أجيال تتلمس الخروج من أزمتها الراهنة، وبطلب من مالك بن نبي تولى الدكتور عمر كامل مسقاوي بنشرها، كونه كان ملازما له منذ 1956 وعهد إليه بالوصاية على تراثه المكتوب باللغة العربية بعد وفاته

لقد قامت فلسفة مالك بن نبي على التساؤلات، كما هو الشأن عند كثير من الفلاسفة العرب أو الفلاسفة الغربيين، خاصة في فترة ما بعد الحربين العالميتين، بدأت فيها الشعوب المتحضرة (التي تعيش على محور واشنطن – موسكو) تشعر بنفاذ رصيدها الثقافي، رصيد مبررات حياتها التقليدية الموروثة عن أجدادها، وظهور الوجودية كلون أدبي، ولكن مالك بن نبي لم يترك قضية من القضايا إلا وعالجها وحللها، لدرجة أنه اهتم بالطفل، وكيف كان ينشأ لو كان في زمان كيبلنج أو أرنست رنان؟، وكيف كان ينشأ في بيته؟، ثم كيف يتعلم في مدرسته؟، وبعد التخرج من الجامعة، ويتوجه إلى الحياة العملية جنديا في تلك الجيوش التي تفتح البلدان التي تسمى المستعمرات، فمالك بن نبي شخص في هاتين المحاضرتين "دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين" واقع الطفل الذي نشأ في ذلك الوقت وحوله جوٌّ من الأفكار منبتها الاستعمار، أي المناخ الاستعماري الذي تكون في أوربا وفي أمريكا على حد سواء وحتى في الإتحاد السوفياتي قبل الثورة، هذا المناخ الاستعمار هو الذي كان ينشأ فيه الطفل منذ ولادته، في ذلك المناخ خرج إلى الوجود الأدبي كاتب قصصي من فرنسا اسمه جول فيرن ليرسم ملحمة عنوانها "ميشال ستروغوف"، وهي في الحقيقة ملحمة لها صلة بفتح روسية للبلاد الإسلامية في بوخارى، ولا علاقة لها بالبطولات الفرنسية، لأنها كانت جرائم في حق الإنسانية ولم تكن بطولات.

 القصة تدل على سيادة المناخ الاستعماري شرق البلاد وغربها منذ مؤتمر برلين 1881 الذي أبرم فيه الميثاق الاستعماري، ويقف مالك بن نبي على مثال حي لرجل عاش في هذا المناخ الاستعماري، إنه ستانلي stanley الذي بدأ حياته كصحفي، وكانت تغطيته الإعلامية لحملة اللّورد نابيير الأثيوبية في عام 1868 قد أربحته شهرة صحفية كبيرة، فكلّف للذهاب إلى أفريقيا لإيجاد ديفيد ليفينغستون، خاصة وأنه تأثر بفكرة الفتوحات والاكتشافات، فكان عليه أن يغادر وطنه وينزل إلى أفريقيا الوسطى، واحتل جزءًا كبيرا منها، كان ستانلي يرى في الخريطة قطعة بيضاء فأراد أن يلونها بلون ما..، كان اللون الأحمر على الخرائط المستعملة في أواخر القرن التاسع عشر مخصصا لتلوين المستعمرات الفرنسية (بعض المصادر تقول أن اللون الأحمر يرمز إلى الماسونية، غير أن مالك بن نبي يقول أن اللون الأحمر هو لون الشيوعية وهي أيضا دين، ولم يتناول مالك بن نبي الشيوعية كمذهب سياسي أو مذهب اقتصادي، وإنما تناولها كعقيدة ودين تقدم هي الأخرى مبررات).

 أما اللون الأخضر فهو لتلوين المستعمرات الإنجليزية، واللون الأصفر لتلوين المستعمرات الهولندية، واللون البني لتلوين المستعمرات البرتغالية، وقد أراد ستانلي أن يلون قطعة ما من أفريقيا بلون يخول هذه القطعة أن تكون هدية لأوروبا بوصفها مستعمرة، وقد أهداها فعلا إلى تاج بلجيكا (ملكة بروكسل)، لما تم وضع اليد على الكونغو، وكأنها ملاك أجداده، هكذا كانت الأمور تسير وهكذا كانت تتفتح نفوس الأطفال في أوروبا، فالصراع الفكري التصق بخيال الطفل، فكان كل ما يدور حوله يصور له البطولة، ومن الأمثلة التي تحدث عنها مالك بن نبي قصة الأب شارل دو فوكو الذي تطوع للذهاب في سنة 1908 مشيا على الأقدام من مدينة في جنوب الجزائر لفتح القطاع الصحراوي حتى حدود ما يسمى بالسودان الغربي تحت عنوان "الإكتشافات العلمية"، قبل وفاته ترك الراهب دوفوكو رسالة كتبها في 01 ديسمبر 1916 وهو التاريخ الذي عثر عليه مقتولا بتمنراست جنوب الجزائر، إذ يقول فيها: " كنت أرغب في أن أنقل المسيح الى أبناء المغرب، أردت أن أكون الأخ الكبير لأولئك الذين يترددون ويشكون ويترنحون، إلا أنني استقريتُ في نهاية المطاف في الجزائر"، ويضيف في رسالته: " منذ 10 سنوات، كنت أحتفل بالقداس كلّ يوم في تمنراست، إلا أنني لم أنجح في دفع أحد إلى اعتناق المسيحيّة"، وهو ما لايدل على فقدانهم المبررات الروحية، فكانوا يعوضونها بمبررات اجتماعية، وكما يقول مالك بن نبي، فقد كانت لهم ثقة لمفهومي العلم والحضارة، حتى هذين الجانبين كان مصيرهما الفشل، لأن العالم المتحضر اليوم فشل فقي عملية التعويض سواء من الجانب الأدبي أو من الجانب السياسي.

يقول مالك بن نبي إن المجتمع إذا فقد مبرراته ولم يستطع تعويضها بالطرق المشروعة، أو إذا لم يجد سندا في مسيرته التاريخية فإنه من الطبيعي أن يقع في الحيرة والتيه والقلق، ويترتب على هذا انتشار ظاهرة الانتحار في العالم، ويضرب مالك بن نبي مثلا بدولة السويد التي تعتبر أكثر تقدما، وهذا يعني بالتأكيد أن البطون إذا شبعت تبقى الأرواح متعطشة، وحين لا تجد وجهة تتطلع إليها تفضل الاستقالة من الحياة، لكن الإنسان في بعض الأحيان ضعيف، حيث يعجز حتى من القيام بمحاولة الانتحار، لأن فقد مروءته إلى درجة الفشل حتى في التخلص من الحياة بالطرق غير المشروعة، فإنه يفر منها عن طريق الموبقات، وعن طريق التدهور الأخلاقي، وعن طريق الإدمان على المخدرات، بحيث يصبح المجتمع مهددا بالخراب لأن قاعدته الاجتماعية انهارت.، يقول مالك بن نبي : " إن اللون الإسلامي اليوم يكتسح العالم ويغطي مساحة من الدنيا.

 ويقدم مالك بن نبي تصورا لدور المسلم، إذ يقول: يحب على المسلم أن يسير باتجاه التاريخ طبقا لضرورات إنشاء وتشييد داخلية وضرورات اتصال وإشعاع خارجية، وهذا يعني انه يجب أن يرفع مستواه حتى يصل إلى هضاب الحضارة أو أن يكون أعلى منها فيرفع الحضارة إلى قداسة الوجود، ويضيف إليها بعدا جديدا، ولا يقصد مالك بن نبي حضارة الصاروخ أو حضارة الإلكترون لأنها ضيعت أشياء كثيرة أولها الإنسان، ولذا يقول مالك ين نبي أن حضارة القرن العشرين أفلست قداسة الوجود في النفوس وفي الثقافة وفي الضمائر، إن الإنسانية يضيف مالك بن نبي تعيش فعلا ما يسمى حالة طوارئ، في المجال السياسي، الاقتصادي وفي المجالين النفسي والثقافي، ولذا على المسلم أن يحقق شروطا ثلاثة هي: أن يعرف نفسه، وأن يعرف الآخرين، فلا يتعالى عليهم، وألا يتجاهلهم، ولا يجوز له أن يجهل ما في نفوس الآخرين، كما عليه أن يعرف الآخرين بنفسه بالصورة التي أجريت عليها كل عمليات التغيير بعد التصفية والتنقية من كل رواسب القابلية للاستعمار والتخلف وأصناف التقهقر

(إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)

 

قراءة علجية عيش

 

تظل علاقة السَلب لـ الأنا والآخر (وهي علاقة فلسفية) حاضرة في صلب الوعي والعقل والسلوك السياسي والانتخابي اليوم، وهي أقرب ما تكون إلى علاقة ميتافيزيقية منها إلى علاقة سياسية محضة. فالأفراد داخل بنية الجماعة (اذا جاز لنا أن نسميهم أفراداً في هذا الإطار) يخلطون في خياراتهم السياسية الصريحة ما بين تحصيل فكرة كمالهم المنشود عبر ارتباطهم بإله (وَثن، مذهب، إيديولوجية شمولية)، وبين فكرة اشباع حاجاتهم المادية. فتطغى على اهدافهم السياسية الوجودية أهمية رؤية ذاتهم الجماعية متسامية على ما سواها، عبر تبنّي صورة ذهنية عنها، فيظلون يحلمون في مقاربتها مع الواقع، وإدراكها بطريقة خارجية كتفكير مجرد، منسلب، بدلاً من إدراكها في عالم له تكوين تاريخي معين. وبتعبير هيغل فإن: التفكير هذا يعود إلى نقطة التشكل الأولى (انثروبولوجياً وفينومونولوجياً وسيكولوجياً وأخلاقياً وفنياً ودينياً)، وهو تفكير ليس يتم لذاته، إلى أن يجد ذاته، ويربط ذاته بذاته كمعرفة مطلقة في الروح الذي يصبح روحاً مطلقاً، مجرداً (هيغل، فينومونولوجيا الروح/ ص513). وهكذا يتلقى الوعي من خلال اسلوب للوجود يتوافق معه، وهذا الاسلوب هو التجريد.

كان التعبير البدائي المألوف للعلاقة بمطلق هو ارتباط الأفراد بوَثن.. وكانت علاقتهم التعبدية بآلهة متعددة وليست بإله واحد.. وهؤلاء الأفراد يُعبِّرون عن علاقتهم بالعالم الذي يصنعونه هم لأنفسهم، من خلال مخرجات ونتائج أذهانهم، أو مما تصنعه أيديهم، فيصنعون تصوراتهم بشكل ذاتي عن إلههم ـ بالتعبير الفيورباخي، فهم يصنعونه ويغرّبون ذاتهم به، ويحولون مشاعرهم إليه كما يحولون ذاتهم إليه، ثم يقومون بعبادة ما يصنعونه وما يضيفون إليه من خصائص حياتهم، وبدلاً من أن يُعامِلون ذاتهم كخالق له، يَشرَعون بعبادته ويخضعون له. وهنا يخلعون ذاتهم عن جوهرها.

ولعل فكرة ارتباط الأفراد بوثن هنا تقترب من فكرة ارتباطهم بفرد "أعلى" كمقاربة تتشكّل بنحو أخص، وهي ارتباط ـ من جهة المرتبة ـ بفرد من سويتهم، وهي علاقة قابلة للتمثيل في الواقع السياسي المحلي اليوم، عندما تُفوِّض الجماعةُ شؤونها العامة إلى فرد أعلى، وهذه الجماعة ليست جُماع أفراد فاعلين، إنما كتلة صماء يوجهها الفرد/الوَثن الوجهة التي يشاء.

لذلك تنزاح فكرة الولاء والانتماء والإيمان القديمة للأفراد من مستوى الولاء والانتماء والإيمان بمعطى جماعوي (إيمان القبيلة أو الطائفة بوثن) إلى مستوى الولاء والانتماء والإيمان بمعطى الفرد المجرد. كان النظام التضحوي في المعنى البدائي يُقدِم الفرد قرباناً للجماعة (القبيلة أو الطائفة)، إلا أن الجماعة في الوقت الحاضر تحولت قرباناً للفرد المتعالي على فرديته.. ما يعني أن الجماعة بوصفها بنية مؤلَّفة من أفراد مُنسلبين تختزل وجودها في فرد أعلى "متجاوز" لكل تجربة مُمكنة.. فهي تصنعُ وَثنها الذي يتأرجح في منطقةٍ ما بين علو ودنو عند نقطةٍ يحافظُ فيها على مستوى مبهمٍ، وجليلٍ، ومقدسٍ في علاقته بالمجموع. فيديم وجوده الرمزي بافتعال وجود مفارق لوجود الأفراد العاديين.. ويجد دعماً ورضاءً جماعياً في جعل وجوده مؤمثلاً يتسامى على وجود ما هو واقعي فانِ.

عند هذه النقطة لا يسعُ الإنسان أن يقيم علاقة مع قائدهِ السياسي على أنها علاقةٌ شبيهة بتلك التي يقيمها مع أقرانه، فهذا يتعارضُ مع صدى الفكرة في أعماقه، فُضفي عليها صفات ما ورائية، ويحولها إلى علاقةٍ بوَثن.

إن تعاطي الجماعة مع فكرة الفرد / الوَثن هو تعاط من طبيعة مثالية أقرب ما يكون إلى الوعي الزائف الذي يسمحُ بفقدان الأفراد لذواتهم.. وهو في حقيقته: إيديولوجيا تُمارِسُ وظيفةَ قلب المنظور بتعبير ماركس، فتقرأُ الواقعَ بخلاف ما يقرأه العِلم. إذ لا يعكسُ العلمُ الواقعَ، ولا يُعيد تمثيله، ولا يدّعي كشف "الحقيقة" كاملة إذا ما قورن بما تفعله الإيديولوجيا. وكلُ فكرٍ إيديولوجي هو فكرٌ محض تتكشف حقيقته أمام الممارسة الفعلية الموثوق بها.

د. محمد عطوان / باحث عراقي

 

 

husam abdulhusanaltimimiإن المتحرشين في المجتمعات العربية، يتفاعلون مع التحرش الجنسي على أنه وسيلة ترفيهية؛ للتخفيف عن النفس من العناء، أو من أجل فرحتهم بالمناسبات والأعياد، وينظرون إليه كنوع من أنواع الرجولة، إلا أنهم لا يدركون الآثار السلبية التي يتركها التحرش على شخصية المرأة، من آثار سلبية اجتماعية ونفسية وربما جسدية، مما يجعلهن في حالة من الارتباك المعنوي والانعكاسات العصبية في التعامل مع جميع الرجال.

هناك اسباب معينة لهذه الظاهرة الخطيرة، التي تكمن بوجود تاريخ سابق من الأمراض النفسية لدى المتحرش، كالاستمتاع بإزعاج الآخرين وإهانتهم، وتنفيذ النظرية السلطوية الذكورية المطلقة في حق الذكر في التعدي على حرمة الإناث؛ لمجرد الاستمتاع، مع مرضه بالسلوك العنيف بشكل عام، وعدم القدرة على بناء علاقات حميمية، والاشتغال العقلي الكبير بالأمور الجنسية المختلفة سواء الخيالات الجنسية أو الافلام والأنشطة والأحاديث المرتبطة بالجنس، مع وجود معتقدات عقلية (وهمية) تبرر التحرش، وعدم الاستقرار العائلي، ووجود ضعف في التحكم في الذات امام الجنس الآخر.

ثمة توضيح مهم لابد من الإشارة إليه وهو ان المتحرش يمر بعدة مراحل:

اولا: مرحلة التفكير؛ حيث يبحث المتحرش عن حافز يدفعه لممارسة التحرش والاعتداء الجنسي، لحصوله على استثارة جنسية من فعل التحرش، بسبب عدم قدرته في الحصول على نفس القدر من الإشباع الجنسي بطريقة مشروعة.

ثانيا: مرحلة إعطاء الإذن من العقل بالشروع في ممارسة الفعل ذاته، ومن أجل هذا يكون على المتحرش تجاوز بعض القيم والمبادئ، سواء الدينية

بالنظر لنمط ملابسات معينة واعتبارها مبررا للتحرش، وبعض المفاهيم الخاطئة في التطرف الديني الذي يبرر إباحة بعض الاعتداءات على المذاهب والأفكار المختلفة، أو الاجتماعية والتي يفترض بها منعه من التحرش، الا انه يقنع  ذاته بصعوبة الضغوط الاجتماعية معتبرا ذلك مبررا له للتحرش ايضا.

ثالثا: مرحلة انتهاز الفرصة التي تتضمن البحث عن بيئة ملائمة لممارسة فعل التحرش، وقد تشمل هذه الفرصة العديد من المواقف؛ مثل وسائل المواصلات المزدحمة، وأماكن التجمعات الغير خاضعة لضوابط أنظمة الحماية.

رابعا: مرحلة التجاوز الفعلي التي تعتبر البداية في مهاجمة المرأة، والاعتداء عليها، وتتمثل بالتهديد اللفظي والابتزاز خوفا من الفضيحة، وربما التهديد بالأسلحة والضرب، وبعض الأحيان أدى ذلك إلى قضايا جنائية.

الكثير من نساء العالم تمنوا أن يكون هناك قانونا يعالج هذه الأفعال غير الإنسانية، وهذا ما سعت إليه الدول في جميع العالم من خلال سن قوانين للتحرش وتجريم مرتكبيه، ولكن اختلفت القوانين بين دول العالم فمنها ما كان قاسيا وغريبا وغير فعال، ففي الهند اقترح نفاذ قانون يدين أي رجل يحدق بامرأة لأكثر من 14 ثانية، وإلا ربما يواجه عقوبة السجن، واقترح حاكم ولاية كيرالا الهندية، في خطاب ألقاه بإحدى حفلات مدينة كوتشي، دعا فيه النساء للدفاع عن أنفسهن من التحرش وأنظار الرجال، باستخدام السكاكين ورذاذ الفلفل، نعم انه قانون "مضحك" لكن له دور في معالجة هذه الظاهرة، اما في الولايات المتحدة الأمريكية يواجه المتحرش جنسيا عقوبة تصل إلى السجن مدى الحياة، وغرامة قدرها ربع مليون دولار، والكثير من الدول التي وضعت قانون يعاقب المتحرش منها السعودية وباكستان والمغرب ومصر. اما القانون العراقي للتحرش؛ فأوضح أن "المشرع العراقي تطرق إلى التحرش في قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، وأفرد له المواد (402، 401، 400) تحت عنوان الجرائم المخلة بالحياء، وعقوبتها الحبس مدة لا تزيد عن سنة أو غرامة مالية"، واشار إلى أن "الواقعة بحاجة إلى أدلة لكي يتم تجريم مرتكبها وفي مقدمة تلك الأدلة الشهود"، مشيرا إلى أن "التحرش يتضمن الكلام المخل بالحياء الذي لا ينسجم وطبيعة الأعراف المجتمعية".

لذا لابد ان تبدأ المعالجة من الداخل في الحوار الأسري، وان تعمل المؤسسات الثقافية والاعلامية في تنمية التطوير الفكري والحضاري، وتفنيد النظريات السلطوية الذكورية المطلقة وحق الذكر في التعدي على حرمة الاناث للاستمتاع، وتفنيد مبررات ممارسة التحرش، وتوضيح أن التحرش ليس دليلا على الذكورة، وأن أغلبية الرجال يعتبره شخصا منحرفا ومريضا نفسيا، مع توضيح التجريم القانوني لفعل التحرش والعقوبات عليه وتعديله وفق المتغيرات الاجتماعية، والدولة مسؤولة في بناء نظام ايدلوجي رصين؛ لقطع الأسباب هذه الظاهرة، ووضع قواعد علمية واقعية لمعالجتها.

 

حسام عبد الحسين

 

 

ezaldeen enayatتمرّ هذه الأيام الذكرى الخمسون لتأسيس جماعة "سانت إيجيدو" الكاثوليكية، وهي المنظمة التي أعادت للكنيسة حضورها السياسي الناعم في العديد من القضايا الدولية. فيوم أطلّت الجماعة في الساحة الإيطالية في السابع من فبراير 1968، كانت عبارة عن فصل جديد من فصول الأصولية المسيحية التي تمور بها الساحة الدينية في أوروبا والأمريكتين. في تلك الحقبة كان قد ألمّ بالمحرك الديني الرئيس في روما، شيء من العطل وباتت تعوزه المبادرة التاريخية، جراء غلبة الطابع التقليدي والمحافظ عليه. تلخّص ذلك العطل في عدم قدرة الكنيسة على التلاؤم مع تحولات الناس، على غرار تواصل تحريمها للطلاق، وموقفها المناهض لمساواة المرأة مع الرجل في الترقي الكهنوتي، وهو ما لا يزال جاثما على صدر الكنيسة حتى اليوم. لم تجد كنيسة روما سبيلا للخروج من مأزق التأقلم مع الحداثة سوى التعجيل بعقد مجمع الفاتيكان الثاني (1962-1965) في محاولة لمواءمة رسالة الدين مع روح العصر والبحث عن مصالحة مع الزمن، بقصد الإمساك بمجريات الواقع الديني الذي بدأ ينفرط عقده وما عاد للبابا سلطان عليه.

لم تضع تلك العملية الاستباقية حدا للأزمة الدينية المستفحلة. وجاءت أبرز الانشقاقات حينها من جنوب العالم، مع انعقاد التجمّع الأسقفي بمادلين في كولمبيا سنة 1968م، وبروز تيار لاهوت التحرر، الذي جنح نحو الانتقاد الجذري للكنيسة وإلقاء اللائمة عليها لانخراطها في لعبة الرأسمالية الجشعة، لكن روما لم تجد سبيلا سوى رفع سوط الحرمان وعقد المحاكمات لمواجهة عصاة لاهوت التحرر، أمثال غوستافو غوتيراز وليوناردو بوف. تبدو هذه المقدمة ضرورية حتى نضع جماعة سانت إيجيديو داخل إطارها التاريخي. فالجماعة اختارت منذ البدأ موالاة الكنيسة، رغم سعيها الحثيث لتأسيس حيز نشاط اجتماعي-سياسي-ديني خاص بها. فحين أقدم أندريا ريكاردي، المتحدر من عائلة بورجوازية وابن مدير البنك، سنة 1968، على بعث جماعة سانت إيجيديو رفقة ثلّة من دعاة الانبعاث الكاثوليكي، كان يحدوه أمل لتغيير المجتمع بواسطة الإنجيل. وكان قد راكم خبرة طيلة مشواره النضالي الديني تحت تنظيم "جوفنتو ستودينتيسكا" (الشبيبة الطلابية) الذي أسسه الأصولي الإيطالي لويجي جوساني. وبفطنة قيادية تنبه ريكاردي مبكرا إلى أفول عصر "الديمقراطية المسيحية"، حزب الكنيسة العتيد الذي تربع على المسرح السياسي الإيطالي على مدى عقود.

فقد بدأ يخيم تململ في أوساط النخبة الكاثوليكية على مصائر السياسة المتديّنة. وكانت الحاجة ماسة إلى تواجد هيأة مسيحية المنشأ وعلمانية المنشط، تتولى الشأن العلماني بمرجعية كنسية، وتكون واسطة مع الداخل والخارج، لكن ذلك الأمر لن يتأتى بلوغه سوى باستقطاب رموز سياسية وفكرية ودينية وحشرهم في بوتقة موحَّدة. هذا الدرس التقطه مؤسس سانت إيجيديو وحوله إلى واقع فعلي داخل أخويته، فشرع باستقطاب المتنفذين والفاعلين إلى صفّه، لعل من أبرز الوجوه وقتها -1975- الكردينال مارتيني عميد الجامعة الغريغورية الحبرية.

في الحقيقة لم يبدأ الظهور الفعلي لسانت إيجيديو في الساحة الإيطالية سوى مع حلول العام 1973، بعد أن غنمت الجماعة مقرا لها في دير تابع للرهبنة الكرملية في المدينة العتيقة في روما، وشرعت في إسداء خدماتها الاجتماعية للمهمَّشين، مع الانحياز يسارا في السياسة الإيطالية، وهو ما جعل صحيفة "الجورنالي" تتهم الجماعة بالسعي لتشكيل لوبي أحمر موظِّفة ما تسديه من خدمة للمعوزين.

لكن هذا الانفتاح الاجتماعي على الخارج لم يحُلْ دون الانغلاق الدغمائي لسانت إيجيديو، فالجماعة تنطبق عليها مواصفات النِّحْلة الباحثة عن نقاوة طوباوية، والقُدّاس الذي يُعقَد عشية السبت في كنيسة الجماعة يبقى مغلقا في وجوه الغرباء ولا يرتاده سوى الأتباع. ما دفع الكنيسة إلى التدخل ومنع ريكاردي من تقديم العظة بدل الراهب المكرَّس. وتحذيره من مغبة إلحاق تحويرات بالليتورجيا، بعد أن بدأت الجماعة تضيف من وحيها طقوسا شرقية.

لكن إلى جانب انشغال سانت إيجيديو بالمهمَّشين في الداخل، أوْلت اهتماما بالغا للوساطة "الدبلوماسية الصامتة" لحل النزاعات في بلدان العالم الثالث أيضا، بحثاً عن دور في الساحة الدولية، لا سيما وأن العصر تجاوز التبشير بالإنجيل وغدا التبشير بأدوات مستجدة فاعلة في السياسة الدولية.

صحيح أن الجماعة كانت تتدخل بين الصغار وتخشى الكبار، لكن ذلك راكم لديها خبرة عالية تطورت مع السنين. وكان لا بد في هذا المسار من مباركة علنية من الفاتيكان نالتها مع العام 1986. واستطاعت أن تحافظ على ذلك الوجه العلماني في الخارج والكاثوليكي في الداخل. باتت الجماعة تربطها علاقات وثيقة بالمتنفذين تحت قبة بطرس، وتراجعت الخشية من تشكّل كنيسة داخل الكنيسة. وأمام براعة الوساطة الدبلوماسية التي صارت بحوزة سانت إيجيديو، ولا سيما في العالم الثالث، لم تر كنيسة روما مانعا في تكليفها بتنظيم ملتقى أسيزي الشهير الذي حشدت له جملة من قادة أديان العالم، نالت على إثره الجماعة لقب "أمم المتحدة الفاتيكان". وقد كان اللقاء فرصةً ناجحة لترويج رسالة الكنيسة وأسلوباً مستحدَثاً للتبشير بالإنجيل، في وقت كان فيه البابا الراحل كارول ووجتيلا مهووسا بالظهور الإعلامي.

توالت عمليات الوساطة للجماعة في البلقان وبوروندي وغواتيمالا وساحل العاج وليبيريا، وكان الإنجاز الكبير لسانت إيجيديو في حل مسألة الصراع الدائر في الموزمبيق وتوقيع معاهدة السلام في روما بين الأطراف المتنازعة (1992). وأبرز ما تم من الجانب العربي، ترتيب لقاءات للقيادي الإسلامي حسن الترابي مع الزعيم جون غارنغ، بقصد تسوية المسائل العالقة بشأن جنوب السودان. وتوقيع وليد جمبلاط والبطريرك الملكاني مكسيموس الخامس اتفاقا (سنة 1982) بشأن مسيحي قضاء الشوف في لبنان.

غير أن فشل مبادرة رعاية الحوار المتعلق بالجزائر، إبان العشرية السوداء، يوم قالت الجزائر كلمتها لا للتفاوض في ظل الصليب، كان ضربة موجعة لسانت إيجيديو. في وقت كانت فيه الجماعة حريصة على خلق شخصية اعتبارية تغدو بموجبها نافذة في الساحة الدولية. والحال أن القضية الجزائرية حينها ما كانت سوى درجة في السلّم تودّ سانت إيجيديو تخطّيها أو الصعود عليها إلى أعلى.

لا يزال دأب الجماعة اصطياد المتنفذين، أكانوا عاملين في المؤسسات الإعلامية، أو ناشطين في الأحزاب السياسية، أو أشخاصا مؤثرين في السياسة الدولية، والحرص على جلبهم إلى روما وإدخالهم دير تراتستيفيري. لكن من تهوِ به السياسة في مكان سحيق يكفّ تردده على الدّير، فالجماعة لا تحبّ الآفلين.

 

د. عزالدين عناية - أكاديمي تونسي مقيم بإيطاليا

 

 

mohamad aldamiإن بحث المثقفين المؤرق عن أساس صلد للتيقن، إنما هو واحد من أهم الظواهر الثقافية والسياسية اليوم عبر العالم. لذا يشكل “دور الثقافة” علامة مهمة تتموضع على رأس قائمة طويلة حول ما ينبغي للمثقفين وللسياسيين في العالم العربي مباشرته ومناقشته من أجل أن تتمكن هذه النخبة من كنه خصائص دورهم الاجتماعي، وتحديد وظيفتهم السياسية والاجتماعية التي قد لا تتواشج مع تطلعات الإدارة الحكومية بقدر ما تلتئم مع ما يمكن أن يضطلع به المثقفون من مهام خطيرة عبر دورهم في تشكيل الرأي العام والتأثير على مساراته.

وإذا كانت الرؤى حول هذا الموضوع الشائك متنوعة ومختلفة بين مثقفينا، كنخبة، بقدر تعلق الأمر بدور الثقافة، فإن علينا الارتداد إلى أصول جدل الفيلسوف “هوراس” الذي كان أول من أسس لفكرة أن تضطلع الثقافة بوظيفتين، الأولى براجماتية نافعة، والثانية ممتعة للتسلية، بمعنى مشحونة بالدروس، ولكن في آنية ممتعة في ذات الوقت. لذا ترجم بعض المنظرين المحدثين هذه الجدلية عبر استخدام تعبير “الحبوب المغطاة بالسكر”، كناية عن ضرورة كون الثقافة علاجا مقبول الطعم، أي أشبه ما تكون بحبوب الدواء المر التي تطلى بطبقة من السكر: لذا ذهب العديد من مؤرخي الثقافة إلى التعويل على الثقافة لأداء أدوار متعددة، ما دامت الدور النفعي متاحا، إذ عد بعضهم الثقافة كعصارة لخبرات وتجارب أذكى العقول في تاريخ العالم، الأمر الذي يجعلها بديلا عن التجارب التي مرت بها هذه العقول الذكية من إرهاصات ومعاناة وتأملات عبر تاريخ نوعنا الآدمي. هنا تكون الثقافة اختزالا رائعا ومكثفا للتجربة العبقرية البشرية عبر التاريخ، بوصفها ذاكرة (أو خبرات متراكمة) من خلاصات الأذهان المتوقدة وليس الأذهان العادية التي لم تترك اسما في سجل السرد التاريخي الآدمي.

كما أن هناك من المفكرين، أي هؤلاء الذين ذهبوا إلى منح الثقافة قيمة توثيقية تاريخية، باعتبار أن النتاج الثقافي يشكل أنقى وأدق المرايا التي تعكس تفاصيل تاريخ حقبة ما من خلال ما تكتبه الأقلام الأكثر حساسية، والأكثر استجابة لمعطيات العصور المختلفة، لذا جعل هؤلاء يقرأون الشعر الأموي، مثلا كتاريخ بوصفه وثيقة تاريخية واجتماعية تعكس أحوال العرب في ذلك العصر الذي لم يترك لنا وثائقا رسمية مدونة أو تواريخ تكفي لتورخة حياته الاجتماعية وصراعاته السياسية قبل ظهور الإسلام. بينما، عدّ فريق آخر من المفكرين الثقافة بديلا للسفر وللارتحال، فعوضا عن أن تتجشم مشاق السفر إلى مجاهل إفريقيا أو جزر جنوب المحيط الهادي لتحيا بين القبائل البدائية وتعايش سكانها من أكلة لحوم البشر، متحملا مخاطر الانغماس بمثل هذا الإناء البشري والطبيعي الخطير، يمكنك أن تقرأ كتاب رحلات حول هذه المناطق والقبائل البدائية، كتجربة بديلة عن التجربة المباشرة.

زيادة على هذه الأفكار والمداخل المختلفة لموضوع أدوار الثقافة، تبلورت نظريتان لهما أهميتهما القصوى بالنسبة للوضع الراهن للثقافة العربية اليوم: فكالعادة، جرى التمييز بين الوظيفة الترويحية للثقافة من ناحية، وبين الوظيفة الموجهة لها. الفرق بين الوظيفتين كبير لا ريب: ففي الوقت الذي تعد فيه الثقافة أداة للترويح ولحصاد ملذات التجربة الإنسانية، بمعاناتها عبر الاطلاع والقراءة والاستماع، ذهب بعض المفكرين إلى ضرورة اضطلاع المثقف بدور اجتماعي وسياسي تقويمي ممتطيا العمل الإبداعي الذي يقدمه. وبذلك ظهرت فكرة المثقف ناشطا اجتماعيا أو سياسيا، بمعنى: المثقف “الملتزم” الذي يكتب وينشر كتابا أو قصيدة أو رواية كي يضطلع، على نحو ملتوٍ، بتقديم منظوره ورؤيته في الحياة لجمهور واسع من مستهلكي المادة الثقافية. الجهد يصب، بطبيعة الحال وعلى نحو تلقائي، في عملية كسب القارئ للتوافق والاتفاق مع منظور ورؤية الكاتب للحياة، بحسب الموضوع المطروح سياسيا كان أم اجتماعيا. وبذلك يمكن للمرء طرح السؤال المهم: هل أن المثقف هو “رجل دعاية”؟ بمعنى أنه عندما يؤلف ويكتب فإنه يضطلع بنشاط دعائي لا واعٍ لعقيدته في الحياة؟ لاحظ أهمية وخطورة دور المثقف، متأرجحا بين قيم الجمال والمجتمع.

وفي ذات الوقت ذهب العديد من مؤرخي الأفكار مع الرأي أعلاه ثانية باعتبار أن رجل الثقافة، في جوهره، هو “رجل دعاية”، لا واعٍ: فلماذا يضطلع بالكتابة والنشر لو أنه لم يشعر بأن تجربته وما تمخض عنها من أفكار وآراء تستحق العرض على الآخرين من القرّاء بقصد كسبهم إلى جانبه. بيد أن مؤرخي الأفكار والنقاد يلاحظون أن عملية الشد والإقناع، الملتوية أو غير المباشرة، التي يقوم بها المثقف ويفرضها على القارئ، إنما هي عملية قد لا تكون مقصودة أو مقصودة ولكنها تفعل فعلها على القارئ عبر عملية أشبه ما تكون بالتنويم المغناطيسي، لأن القارئ إذا ما اتفق وأعجب برؤية المثقف المسطورة في مقالته أو كتابه أو قصيدته إنما يجد نفسه مستدرجا إلى احتضانها والإيمان بها بطريقة تدريجية لا واعية. لذا يدعي هؤلاء المؤرخون والنقاد أن المثقف هو “دعائي” ولكنه غير مسؤول، بمعنى أن رؤيته لموضوع ما، إذا ما تركت أثرا عميقا في نفوس القراء، لا يمكن أن تفرض عليه شيئا من المسؤولية أمام القانون. لذا لا يمكن لأحد أن يرفع شكوى للمحاكم ضد “البير كامو” لأنه كان قد أقنعه أن يؤمن بعبثية الوجود؛ وعلى نفس المبدأ، لا يمكن لشخص أن يرفع دعوى ضد “كارل ماركس” لأن كتاب (رأس المال) قد أقنعته بأن يحتضن الاشتراكية.

تمثل هذه المداخلات نماذج بعيدة المنال بضمن المهاد الثقافي العربي اليوم، إلا أنها مهمة للغاية حسبما أرى، خاصة مع توافر ودمقرطة الثقافة بعدما كانت في أواسط القرن الماضي حبيسة الكتاب المطبوع والحرف المكتوب. تبث الثقافة اليوم على تنوع مشاربها وأفكارها وعقائدها، عبر الأثير وفي الفضائيات ومن خلال الشبكات الرقمية: هي لا تدق أبواب منازل أولياء أمورنا في العالم العربي للاستئذان، ولا تطلب ترخيصا من حكومة أو وزارة ثقافة أو رب أسرة، فهي تخترق جدران البيت العربي القديم لتتخلله نحو الشبيبة والنشء، مروجة لأفكار جديدة ورؤى غريبة، لا عهد لنا سابقا بها. كما أن هذه “الثقافات” والتيارات الشائعة لا تفرق بين ذكر أو أنثى، غني أو فقير، أسود وأبيض، لأنها “ثقافات معولمة” وعابرة للقارات، متجاوزة الثقافات المتقوقعة العتيقة.

من هنا يكون السؤال الأكثر فورية للوضع الراهن، هو: هل نستكين ونرضخ بوضع المستلم السلبي الذي لا يفعل شيئا حيال الثقافات الطارئة القادمة من كل مكان؟ أم أن علينا أن نتمسك بالوظيفة التعليمية والتوجيهية البنّاءة لثقافة مستنيرة قادرة على النزول إلى حلبة ومعترك الثقافات المعولمة؟

 

أ.د. محمد الدعمي

 

 

najib tala2قرينة التجنيد: فمن الطبيعي أن يندهش المرء ويضطرب أمام ما يسمعه في شأن العملاء والجواسيس؛ لأنه في عقد السبعينيات من القرن الماضي؛ بعْد اشتداد الصراع وقتئذ بين {اليمين/ اليسار} كانت التهمة الرخيصة في صفوفنا تجاه كل معارض لأفكارنا أو تصوراتنا بأنه{مخابراتي} وتلك لعمري؛ كانت تهمة لها مفعولها؛ حينما نعيد أشرطة الماضي ووضع مقاربة أو قرينة بما ينشر الآن من معْطيات وتسريبات جد خطيرة كوثائق (ويكليكس) و(كريس كولمان) وعَلى ذكر هذا الأخير لقد سرب وثائق في حق العديد من الصحفيين المغاربة؛ وهي حقا مثيرة للغاية : إن الواقع الملموس؛ المسنود بالصور (..) هو أن أغلب الوثائق المسربة؛ ممضاة من طرف شخص واحد معروف أو موجهة إلى نفس الشخص؛ وهو صحفي نعرفه رئيسا لمجلس إدارة جريدة يومية؛ كانت لسان حزب كبير؛ وهو الذي اشترى مجلة أسبوعية وهو المحَررالدائم في قناة إلكترونية لمواضيع تدعو إلى الإخلاص الوطني والإصلاح السياسي... فمن سَرَّبَها للمسمَى كريس كولمان ؟ ثم إن الوثائق التي تحمل اسم هذا الصحفي (..) كلها ذات أهداف انتهازية؛ شخصية تنطق سطورها بالرغبة للحصول على الأموال التي ليست موجهة للصحفيين الأجانب وحدهم ... (1) ففي هذا السياق فالصحفي يمارس فن القول (أي) يظل مبدعا سواء في صياغة الخبر أو استجلابه للقراء/المستمعين/المشاهدين؛ وإذا عدنا للردود وردود الفعل بين (صلاح نصر/ مصطفى أمين وأخيه) المعروفين كصحفيين في صحيفة (الأخبار) فمصطفى : كان سندا لمذكرات (اعتماد خورشيد) وعلى ضوئها تم إنتاج العديد من الكتابات والأفلام المرعبة عن المخابرات: وهكذا قضية العميل مصطفى أمين؛ لم يكن مصطفى أمين هو الهدف؛ ولم نتتبعه إلا بعد أن تيقن لرجال مكافحة التجسس أنه عميل من عملاء" بروست أوديل تايلور" ولا أستطيع أن أذكر لك تفاصيل لتتبعنا لنشاط بروس وغيره من عملائه (2)هنا يتضح بأن المخابرات لها علائق وطيدة بالإعلام والصحافة؛ وهاته الأخيرة من طبيعة مهامها لها علائق بالفن والابداع؛ ولاسيما أن الوسط الفني؛ يعتبره العديد بأنه نسيج من الرذيلة والانحلال، والاسفاف السلوكي والفكري ! لأن الأسئلة دائما تتناسل (مثل) كيف بلغ – فلان- النجاح والشهرة والمجد وفنه هابط ولا قيمة له من الناحية الجمالية ولا الفكرية حتى؟

ومفتاح الجواب (هنا) يمكن تصديق سقوط جملة من المبدعين في أحضان الجهاز. فحينما يصرح الممثل إيهاب نافع في مذكراته بأنه : طیار ورجل مخابرات اقتحم عالم التمثيل للتخفي، ھكذا عرف الفنان الراحل إیھاب نافع، والذي وصف نفسھ بأنھ "عمیل مزودج للقاھرة وإسرائیل"، وعمل منتجًا بالتلیفزیون، ومثّل كذلك في عدد من الأفلام خارج مصر، ومن بینھا فیلم " طریق بلا نھایة " و" في طریقي رجل" وغیره (3) ألا يمكن تصديق مثل هذا. وبالتالي فاتهام المخرج والممثل المسرحي السوري همام حوت:: بأنه يعمل لصالح الأجهزة الأمنية وأنه يسوّق لها عن "طريق التنفيس" الذي يمارسه في مسرحه، كما اتهمته بذلك وسائل إعلام غربية.إلا أن هذه الاتهامات ليست غريبة على الفن السوري، فقد وجهت من قبل لدريد لحام وياسر العظمة الذين بدا للصحافة الغربية ومراقبين غربيين "أنهم يتمتعون بقدر عال من الحرية في نقد الأوضاع الداخلية السورية في بلد تسيطر فيه الدولة على كل وسائل الإعلام وتحظر فيه الأنشطة السياسية المعارضة ويخاف فيه الناس من نقد الحكومة والحزب في أحاديثهم العامة (4) ولكن الفنان [همام حوت] حاول أن يدافع بشدة عن مسرحياته في وجه "اتهامات" التي وجهت له؛ بما فيها تعامله مع المخابرات؛ مؤكِدا بأنه انتقد المخابرات في أعماله المسرحية، كما انتقد أدق تفاصيل الوضع الداخلي السوري.

السؤال المحير: ؟

كيف يشعر المرء وهو يدافع عن الاتهامات الموجهة إليه من لدن أصدقاء وزملاء وأفراد أو صحف؛ وهو أساسا يدرك أنه فعلا متواطئ ومتورط بشكل أو آخر في معمعان الجهاز المخابراتي؟

كهمام الحوت الذي قام [الأسد ] بعد ذلك بتقديم الدعم له؛ ليعرض مسرحيته في دمشق تحت رعاية “وزارة الدفاع” وبعدها أمسى يجمع الملايين...وكشف أحد أعضاء الفرقة المسرحية عن موقف مخجل تعرض له الفنان جهاد سعد، أحد أعمدة المسرح السوري، عندما فرض عليه “الحوت” إيقاف أحد عروضه، ليبدأ هو بعروضه، وعندما هم “سعد” بطرده، رفع “الحوت” هاتفه الخليوي وأجرى اتّصالاً حل الموضوع، وتم بعدها إيقاف عروض الفنان جهاد سعد (5) يبدو أن الصورة واضحة؛ من خلال لقطاتها المتعددة؛ تجاه هذا الفنان؛ والذي يذكي تعامله أوتجنيده في صفوف المخابرات السورية؛ وإن حاول تبرئة علائقه؛ لأن كل المعطيات التي قيلت في حقه والمنشورة هنا وهنالك؛ لكافية رغم انخراطه في صفوف الممانعة حسب ما يُروج لنفسه؛ لأن المسرحي – دريد لحام- يبدو لنا أنه في خط الممانعة؛ وحقيقة المعطيات تشير عكس ذلك؛بعْدما إكتشف السوريون وبعض العرب مقالب (غوارالطوشة) الشيعي الذي تآمر مع النظام ضد الشعب السوري ! فأحد الكتاب المغتربين وعضو في رابطة كتاب الثورة السورية. أشار في موقعه الشخصي: تناقلت بعض وسائل الاعلام قبل أيام تصريحاً للمثل السوري (دريد لحام) في مقابلة له على إحدى الفضائيات اللبنانية بأنه (سيتخلى عن جنسيته السورية في حال أن  سقط الأسد) من جهتي، فلم أكلف نفسي حتى مشقة البحث عن هذه المقابلة لأنها لم تفاجئني أصلاً، فالرجل ومنذ بداية الثورة وقف مع النظام القاتل وبصراحة لا تقبل التأويل ضد الشعْب المنكوب. وهو بذلك إنما يكون قد سقط مرتين، مرة فنياً ومرة إنسانياً وتلك هي القصة (6) ممكن أن نؤول كلامه؛ بأن هنالك تحاملا سياسيا؛ وصراعا بين النظام السوري والثوارفي الداخل والخارج؛ يفرض لعبة الاتهامات وتسريب الإشاعات؛ باعتبارها نوعا من أنواع الحرب النفسية. ولكن هناك العديد من الفنانين والمبدعين والمثقفين؛ تم اعتقالهم في سجون النظام السوري (ك) الكاتب سامررضوان/ الفنانة مي سكاف/ الفنان جلال الطويل/ السيناريست محمد أوسو/ الكاتب عدنان زراعي/ المنتج السينمائي عروة نيربية / المسرحي زكي كورديللو وابنه الفنان مهيار/ الفنانة ليلى عوض هاته الأخيرة : صدَّقت الفنانة ليلى عوض على ما يبدو دعوة الفنان دريد لحام في الدخول إلى سوريا بعد أن نشر دعوته القائلة بأنه سيكون مستقبلاً لجميع الفنانين المعارضين على الحدود … لكن على ما يبدو أناب عنه من يفي بالواجب، فاستضيفت في بلدها خير استضافة في محكمة الإرهاب ولم يحرك ساكناً (7) فطبيعي أنه كلما كانت السلطة أقل شرعية، تكون بالضرورة أكْثر بطشا واستبدادا، وتعسفها على المبدع أكبر وقعا وأشد أثرا. ولكن حينما تجد في صفها أو خدمتها عملاء وجواسيس !وهذا الإقرار؛ الذي أدلت به الفنانة – ليلى عَوض - لواضح بأن - دريد لحام – لمجند في الجهاز المخابراتي؛ وهو الذي تقلد منصب (سفير النوايا الحسنة) ويبدو لي أن هذا (المنصب) يحتاج لنقاش أعمق (أي) لكشف ماهي الشروط الضمنية والسرية التي تسمح للفنان أن يتولاه ؟ وبالتالي ما كان ينجزه – دريد لحام- أنه إبداع طليعي؛ ماهو إلا تنفيس عما يعيشه المواطن من تجويع وظلم وتخويف وقمع، كاستراتيجية للحفاظ على السلطة وتكريسها، وهذا مبدأ السلطة التي تستعين دائما بالشريحة الفنية والثقافية لتتبنى ثقافة السلطة وتقوم على بغية نشرها وتعميمها في مفاصل المجتمع. كما أكد العديد من المهتمين والنشطاء والنقاد والفنانين السوريين مؤخرا؛ بأنه ومن خلال أعماله [السياسية] كان يدعو إلى عكس مانراه منه اليوم، وبالتالي فممارسته الفنية؛ لم تختلف عن الفنان (عادل إمام) الذي بدوره قدم أعمالا مسرحية/ سينمائية/ ضد القهروالظلم وتحاربه؛ مطالبة بذلك بالحرية والعَدالة ! فإذا به وقف وقفة عناد وصلابة، ضد الثورة المصرية ومؤيدا جهرا وبكل طاقته نظام (حسني مبارك) فمن خلال هاته الحقائق؛ يتبين أن جل المبدعين (العرب) يعيشون في كنف المخابرات التي هي عين السلطة بدون منازع ؟

فإذا عُدنا للمخابَرات المصرية التي كشفت تقاريرها ومذكرات بعضهم؛ بتجنيد الفنانين في صفوفها؛ فكيف لا يتم تصديق ما كشفت عنه: التحقيقات التي قام بها جهاز “الكسب غير المشروع”، التابع إلى وزارة العدل المصرية. أن صفوت الشريف؛ رئيس مجلس الشورى الأسبق، وأحد ضباط المخابرات المصرية في فترة الستينيات، يملك 4 قصور في منتج “الميراج” في القاهرة الجديدة. أحد هذه القصور حصلت عليه الفنانة المغربية سميرة سعيد... حيث تقدم محامي صفوت الشريف بمستندات تفيد أن القصر رقم 132 تم تسليمها إلى سميرة سعيد، ما جعل التساؤلات تحوم حول وقوعها وانضمامها إلى قائمة الفنانات المجندات على يد صفوت (8) وهذا ليس غريبا عن المخابرات المصرية؛ لأن نفس الإهداء قام به صلاح نصر: وكانت الراقصة (أ . س) التي فشلت في الفن؛ فاستخدمها الشيطان في أوامر السيطرة واشترى لها فيلا في العجوزة ...والممثلة (أ. ز) التي جندها لحسابه في بيروت؛ وغيرهن من كبار الفنانات.. وأنصاف المشهورات.. والكومبارس (9)من هنا ندرك الفرق بين الإبداع الذي تريده السلطة؛ والابداع المتميز والفاعل؛ ذاك الذي يولد من رحِم المعاناة والإكراهات والحاجه، فهذه فالظروف المأساوية التي يعيشها المبدع الذي هو جزء من الكيان الاجتماعي؛ تعطيه دفعة قوية لاستخدام للفكر والخيال؛ لينتج ابداعا له من الخصوصية الحياتية ما يميزه؛ باعتبار أن الإبداع في عموميته مخاض بين الذات والواقع والفكرة؛ لكي يحمل في أعماقه تجربة فكرية وجمالية تضاف إلى تجارب الآخرين. كمحصلة لتفاعل الذوات المبدعة بالواقع المعاش، وهذا الإبداع هو المستهدف عند السلطة بالمفهوم الواسع؛ وتسعى لتدجنه وترويضه؛ لتعزز انوجادها وتكريس ذاتها كمؤسسة ناظمة لمنظوم المجتمع وبنياته؛ فمن هذا التصور تسعى المخابرات أن تخترق المبدعين والفنانين؛ لكي يكونوا طوع منظوم السلطة؛ بحيث عيونها في كل الفنون؛ ولكن الآن تمركزت على السينما كإحدى وسائل التواصل الأكثر تأثيرا وقوة الحضور في عقلية ووجدان الجماهير؛ مما أضحت بعض التد وينات تكشف عن هاته العلاقة ك: ضابط مخابرات له صلة عميقة بخالد صلاح (رئيس تحرير صحيفة اليوم السابع) ويظهر دائما في الصور معه بجانب صديقه المقرب رجل الأعمال أحمد أبوهَشيمة، الذي وصفه بالممول لأنشطة المخابرات الإعلامية... (من هذا الضابط؟): هو ياسر سليم ضابط المخابرات العامة السابق، أو جنرال المخابرات حسبما تطلق عليه وسائل إعلام مصرية، شخصية ظهرت فجأة وتغلغلت في الوسط الإعلامي والفني في مصر، ويشارك الآن في إدارة المشهد الإعلامي والفني عبر شركة تدعى "بلاك أند وايت" للإنتاج الفني والتي يشغل رئيس مجلس إدارتها (10) وهذا ليس غريبا؛ لأن المجال السينمائي مجال استثماري؛ وباستطاعة السلطة اختراقه من باب وضع رجل أعمال[ صوري] توظفه لأغراضها؛ لأن المؤسسات في الوطن العَربي ، تدرك جيدا ما لقوة السينما / المسرح كأسلحة زئبقية تستطيع بأفكارها ورؤاها اختراق عقلية ووجْدان الجماهير؛ بحكم عملهما الجمعَوي وباعتبارهِما أسلحة تواصلية بشكل مباشر؛ وبالتالي فالمبدع كينونة موصلة بحياكة خطاب مُشوش وملغوم وإنتاج معرفة مشوهة وتعميمها، حتى تترسخ مفاهيم ساذجة وتصورات سطحية؛ متباعدة جدا عن سؤال الفهم والقبض على جوهر الحقائق أو العكس (أي) تفعيل ثقافة معارضة وإبداع ملتزم بقضايا الشعْب وهمومه ومعاناته ، ففي هذا الإطار يكون المبدع واضعا خطا مفصليا بينه وبين السلطة؛مما يحدث ذلك التجاذب والعناد بينهما؛ فإن لم يسقط (ذاك) المبدع في فخ الاستقطاب أو الانبطاح؛ تتمظهر آلية التهميش والإقصاء ؟ ولكن الغريب في هاته الآلية يمارسها المبدعون فيما بينهم خاصة في التظاهرات واللقاءات –

لماذا ؟؟

هنا لن نمارس الإسقاط؛ أو أحكام قيمة؛ على هاته الممارسة الإقصائية؛ وحتى إن حاولنا تفكيك السؤال؛ فربما فيه إحراج لجهة (ما) ممكن أن تكون مجندة أو مُسيسة أو انتهازية . ففي كل الأحوال؛ ليس سهلا القبض عن كنه الإشكال؛ وفي نفس الموضوع يصعب على أغلبية المجندين أو المتواطئين مع قطاع ثقافي/ فني/ إبداعي/ البوح بذلك والكشف عن حقيقة الوجه الثاني؛ لكن ما أثارني بشكل مستفز تصريح فنان سوداني [ جمال فرفور] في برنامج منتدى (حكايات) الاجتماعي الفني : نعَم، انتمى لجهاز الامن والمخابرات الوطني وافتخر بهذا الشرف والانتماء، فأنا ضابط بقسم الشؤون القانونية (11) وهذا جاء بناء على سؤال محمد الاقرع من صحيفة (الوفاق): هل فرفور مُنتمي لجهاز الامن والمخابرات الوطني؟ فهل تصريحه غباء أم مباهاة أم جنون العظمة أم تخويف لمنافسه في الميدان؟ فهاته التساؤلات نجد بأن أحد المبدعين المسرحيين رد عليه بقوله: ...لقد ظلت العلاقة بين الفنان والسلطة علاقة يشوبها الحذر والتعقيد والتناقض واختلاف منطلقات كل منها عن الآخر...... وأنت تقر وتفتخر بانتمائك لجهاز سلطة الدولة؛ فإنها لمناسبه لهذا التداعي من التحاور والتأمل والاستدراك. لقد كان لزملائك ضباط جهاز الأمن والمخابرات دورا كبيرا في إعاقة وتعطيل مسيرة الفنون والثقافة في بلادنا سواء أن كان ذلك في عهد الحكومة الحالية أو سابقاتها. فالأمنيون بطبعهم ميالون لأن يكون الأمن مستتبا ..... أما الفنون والتي تعد أنت أحد الناشطين فيها؛ فإن فيها من الحيوية والحِراك ما يجعلنا نبتعد بها قليلا من المقابر. حين نود إطلاق شرارتها لتشعل الحياة بالحيوية والحراك والفعل الجمالي والإيجابي.... لقد ظلت العلاقة بين رجل الأمن ورجل الفن علاقة يشوبها الشك والطبيعة المتباينة. كثير من أهل الأمن في العالم الثالث ينظرون إلى الفنون كضجيج وفعل يستلزم الرقابة (12) فهذا الرد يكشف عن خطابين متنافرين بين الولاء للسلطة ومعارضتها أو الابتعاد عنها قدر الإمكان؛ فبالأحْرى الانخراط فيها والعمل في صفوفها مبدع يدعي أنه (فنان محترف) وبالتالي فالرسالة أوالرد يعد بمثابة مدخل أساس لتعميق النقاش والتفكير بين مفهوم الفن والإبداع ومفهوم الأمن والمراقبة في عصرنا الحالي؟ لكن في المجتمع العربي فالسلطة هي مركز السياسات الإبداعية والثقافية؛ فلولاهاته الحقيقة لما كان للمخابرات اليد الطولي في كل تحركات ! وبالتالي ففي سياق هذا فالمبدع / المثقف/ غير الموالي؛ يعتبر عدوا استراتيجيا للسلطة وللبورجوازية التي تملك وسائل الإنتاج؛ التي تساهم بدورها في استقطابه بالمال والجاه؛ الذي يكون مدخلا أساسيا للانخراط في شبكة السلطة؛ والتوغل في كنهها . ولاسيما أن كُنه السلطة وتناقضاتها بين العطاء المالي ومنح الجاه والصولة في الميدان وغيره وشراستها وعنف ممارستها؛ فهي اساسا لا تعرف صديقا ولا مريدا ولا خدوما؛ حينما تنقضي أغراضها منه؛ أوتجاوز الخطوط الحمراء؟                                إذ كيف استجلب مبدع (ما) أموال سهراته الخاصة؛ تقريبا بشكل يومي، في أبهى الحانات وأرقاها في فنادق فاخرة؟ تلك حقيقة لا يمكِن استغفالها أو مجادلتها؛ لأن هنالك تصريحات في هذا الباب: ...وإن الجميع يعمل في مجال جمع المعلومات وتبليغها وكان المتعاملون مع الجهاز يجمعون من سهراتهم في الفنادق الخمسة نجوم المحدودة في القاهرة في ذلك الوقت كفندق الهيلتون أوفنادق الأربعة نجوم كشبر وسميراميس القديم.. حيث كان يسهر المثقفون والكتاب وكبار الاعلاميين من مصر والعالم العربي وكانوا يجمعون المعلومات ويبلغونها الى مكتب فتحي الديب نائب رئيس جهاز المخابرات (13) يبدو أن المشهد فيه مبالغة؛ ولكن نزيد تأكيدا بأنها الحقيقة؛ لأن العَديد من الفنانين والمثقفين والمبدعين؛ انتهت حياتهم نهاية تراجيدية؛ منهم من توفي فقيرا ومعدما ومنهم من لم يجد حتى مصاريف الأدوية والعلاج : (مثال) / أمل طه /عدنان شلاش / فاضل جاسم /طالب القره غولي (العراق)/ العربي اليعقوبي/ عائد موهوب (المغرب) سعد الله ونوس/ نضال سيجري (سوريا) عبد الهادي القلة (تونس) أمين الهنيدى / عبد السلام النابلسى/ أحمد شحاتة / فاطمة رشدى/ عبد الفتاح القصرى / زينات صدقى عبد العزيز مكيوي / محمود مصطفى العقاد (مصر) وعلى ذكر العقاد؛ المثقف والمفكرالذي يعد نار على علم؛ عاش فقيرا ومات معدما؛ فكان في أغلب الأيام، لا يجد ما يأكله. مما اضُطر إلى بيع مكتبته مرتين، لكي يأكل فقط. ولاسيما أنه كان يرفض الاحسان من أصدقائه وتلامذته. لأنه كان ذا مواقف واضحة وخاصة مسألة الثورة المصرية؛ لأنه كان غير راضٍ عن خطابها السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي وبالتالي أصبح من خصومها؛ مبتعدا عن نشاطه السياسي الصاخب الذي قام به قبل العام 1952، واقتصر نشاطه على العمل الصحافي في الأدب والثقافة من خلال يومياته في جريدة "الأخبار" القاهرية (14) تلك ليست حالة نادرة بل مثله العديد من المبدعين والمثقفين من العالم العربي عاشوا حياة الضنك والحاجة ولازالوا؟

على سبيل الختم

وحتى لا نظل نلعب باللغة (هؤلاء) وغيرهم لم يكونوا بوقا أو في أحضان السلطة وخدامها؛ فلو كانوا كذلك؛ لما انتهوا بهذا الشكل الفظيع والمفجع أليس كذلك؟   مقابل هذا إن كان البعض منهم في أحضانها؛ وانتهى بهاته النهاية أوتلك ك (سعاد حسني) التي قتلت وهى لا تملك سوى بضعة جُنيهات إسترلينيه للعلاج ولنفقات المعيشة، بعد أن منعت الدولة عنها الإعانة المخصصة لها ولعلاجها. لأنها تجاوزت الخطوط الحمراء بسبب إعلانها عن نشر كتاب كانت تعدّ له يكشف خفايا وعلاقات مع المخابرات المصرية ؟ يبقى قتلها لغزا كمقتل /سيد درويش / اسمهان/ يوسف السباعي/ميمي شكيب/ مصطفى نيازي/..../ ولكن جملة من الأقوال والملابسات والأحداث المركبة؛ تشير لحضور المخابرات في عملية القتل؛ ولدينا تصريح للفنان الكوميدي التونسي لطفي العبدلي، يؤكد بالقول علنا: إنه تلقى تهديدات بعْد انتقاده للإمارات وحكامها، موضحا بأن شخص تونسي يعمل لدى المخابرات الإماراتية حذره من ذكراسم الشيخ زايد (15) هذا مارس السخرية؛ كنوع من الكوميديا؛ في حق دولة ليست دولته وتلقى تهديدا بالقتل؛ فما بالنا من أفشى أسرارالجهاز متجاوزا عن قصد أو بدونه الخطوط الحمراء ؟؟؟

نجيب طلآل

..................

الإحالات:

1) قراءة في الوثائق المقرصنة عن المخابرات المغربية : ركن الحقيقة الضائعة لمصطفى العلوي بصحيفة الأسبوع الصحفي في 17/11/2014

2) صلاح نصر يتذكر: الثورة - المخابرات – النكسة لعبد الله إمام ص 149 دار الخيال القاهرة/1999

3) الوجھ الآخر..ل« إیھاب نافع » عن جريدة التحرير الإخباري في 01/09/2017

4) مخرج مسرحي معروف يتحدث عن علاقة أعماله بالمخابرات السورية دبي- العربية. نت في - 10 أبريل 2007

5) همام حوت .. قصة متسلّق من أحضان الأسد إلى أحضان جبهة النصرة: بقلم البيرق

نايمز- لموقع تويت بوك - في22 – مارس- 2016 -

6) كلمة حق في دريد لحام، وماهي قصة سقوطه مرتين؟ لطريف يوسف آغا- في  1/04/2013

7) الفنانة ليلى عوض صدَّقت دعوة دريد لحام بالرجوع فاعتقلتها المخابرات: بقلم جورج الشامي (دمشق) جريدة - صوت الإمارات–في 18/ 12/2013

8) نقلا عن الصحف المصرية :هل كانت الفنانة المغربية سميرة سعيد “ضحية” المخابرات المصرية؟ جريدة اليوم 24- في 19/04/2015

9) مذكرات اعتماد خورشيد شاهدة على انحرافات صلاح نصر:ص 114- ط 3/1988    مؤسسة أمون الحديثة – القاهرة -

10)المخابرات والسيطرة على صناعة السينما في مصر: من مدونة الجزيرة لأحمد عبد القوي- في 18/11/2017

11) جمال فرفور : أنا ضابط بجهازالأمن والمخابرات الوطني- صحيفة الراكوبة  (أخبارالسودان) بتاريخ – 29/06/2014

12) أخي جمال فرفور: تمهل قليلا قبل أن تفتخر: بقلم طارق الأمين – صحيفة  الراكوبة (السودان) في - 07/06/ 2014

13) خلف الكواليس : مذكرات الفنانة المجهولة: موقع السينما المصرية نقلا عن مجلة الشاهد الكويتية في-28 يناير2016

14) لنتصفح كتاب العقاد بين اليمين واليسار- لرجاء النقاش (و) في ديوان العقاد- لأنيس منصور

15) المخابرات الإماراتية تهدد فنان تونسي بسبب سخريته من أبوظبي- جريدة الشعب نقلا عن قناة حنبعل في 9/01/2018

 

hatam hamidmohsin2يصعب حاليا التصور بان العالم يمكنه البقاء بدون نمو، لكن الانسانية تمكنت من ذلك بقليل من النمو او بدونه لآلاف السنين. في بيزنطة وفي مصر كان دخل الفرد في نهاية الالف الاول الميلادي اقل مما كان عليه في بداية عصر المسيحية.معظم اوربا لم تشهد ابدا نموا في الخمسمائة سنة التي سبقت الثورة الصناعية. في الهند، كان دخل الفرد يتراجع باستمرار منذ بداية القرن السابع عشر وحتى اواخر القرن التاسع عشر.

وعندما اجتمع قادة العالم للاتفاق على وقف الانبعاثات الحرارية للبيوت الخضراء التي تهدد حياة الانسانية على هذه الارض، كان هناك سؤال يصعب مناقشته علنا هو هل ان الحضارة التي نعرفها الان يمكنها النجاة مرة اخرى بدون نمو؟ الجواب ببساطة كلا.

ان النمو الاقتصادي بدأ مسيرته في انحاء العالم فقط في المائتين سنة الاخيرة، وهناك شيئان امدّاه بالحياة: وهما الابتكارات والمزيد من الطاقة المرتكزة على الكاربون الذي يأتي معظمه من الوقود الحجري كالفحم والبترول. وبالنظر للخطر الكارثي المحدق بالمناخ الذي بدأ يزحف منذ عقود، قام دعاة انصار البيئة والعلماء وبعض القادة السياسيين بوضع المقترحات على الطاولة والتي تؤكد على ضرورة وقف النمو في الاستهلاك العالمي.

الايكولوجي Paul Ehrlich من ستانفورد جادل منذ عقود باننا يجب علينا إبطاء كل من النمو السكاني والنمو في الاستهلاك. هو قال"كل من يعتقد بامكانية استمرارالنمو السريع والدائم في عالم محدود هو اما مجنون او اقتصادي".

 التوصيات بضرورة وقف النمو ظهرت دائما في مطبوعات الحركات البيئية الراديكالية مثل Dissent و كتابات الداعية البيئي Bill Mckibben وكذلك برزت في الادب الاكاديمي.

فمثلا، Peter Victory من جامعة يورك في كندا نشر دراسة بعنوان "النمو، النمو السالب والتقلبات المناخية:تحليل سيناريو"، فيه قارن انبعاثات الكاربون الكندية في ظل ثلاثة مسارات اقتصادية حتى عام 2035.

تخفيض النمو الى الصفر، وجده الباحث خيارا ذو تأثير بسيط على الكاربون المتدفق في الهواء. فقط خيار "النمو السالب" الذي فيه دخل الفرد الكندي يتراجع الى مستوى عام 1976 ومتوسط ساعات العمل للعمال الكنديين تنخفض بنسبة 75% هو الذي يكبح الانبعاثات الحرارية بطريقة فعالة.

وعلى صعيد الدبلوماسية الدولية يتضح وبقوة طلب الهند من العالم الغني لزيادة حصتها من "كاربون الفضاء" carbon space، (1) وهو الامر الذي يعني منطقيا ان على الدول المتقدمة تقديم انبعاثات سالبة – تمتص المزيد من الكاربون من الجو بدلا من اطلاقه فيه – لذا فان دول العالم الفقيرة ستحرق طريق التنمية امامها كما فعلت الدول الغنية في القرنين الاخيرين.

اما Tim Jackson من جامعة سيري والذي عمل في لجنة التنمية المستدامة التي انشأتها حكومة العمال البريطانية عام 2001، طرح استنتاجا ملفتا، اعترف فيه ان مواطني الدول النامية قادرون على اللحاق بمستويات المعيشة للدول الاوربية في منتصف القرن الحالي، وافترض ان اوربا ستنمو بنسبة 2% سنويا في الفترة بين الآن وذلك التاريخ.

لكي يمكن البقاء ضمن 2 درجة مئوية كمتوسط للزيادة في درجة الحرارة التي اعتبرها العلماء حدا أعلى لتجنب كوارث المناخ، ذلك يتطلب من الاقتصاد العالمي عام 2050 اطلاق ليس اكثر من 6 غرام من الكاربون المشبع لكل دولار من مخرجات الاقتصاد. واذا نظرنا الى هذا من منظور الحاضر فان الاقتصاد الامريكي يطلق من الانبعاثات 60 مرة بقدر ذلك الحجم. الاقتصاد الفرنسي هو من اكثر الاقتصادات فعالية في الكاربون لأنه يستخدم الطاقة النووية بكثافة، لذا فهو يطلق 150 غرام لكل دولار من المخرجات.

اما البروفيسور جاكسون فقد نشر كتابا عام 2009 بعنوان "ازدهار بدون نمو" توصل فيه الى استنتاج حتمي. مهما كانت المزايا الاخلاقية لهذا الموقف، فان مقترح الّلانمو ليس له اي فرصة للنجاح. لأنه اذا كانت الانسانية عاشت لمئات السنين بدون نمو فان الحضارة الحديثة لايمكنها ذلك. المأزق هو ان الاشياء اليومية المبنية على اقتصاد السوق لا يمكنها العمل في لعبة الصفر. "لا فرصة للنجاح في امتلاك صفر من النمو في اي بلد لأن ذلك سيخلق المزيد الصراعات بين الجماعات".

دعنا نفحص ما قدمه لنا النمو القائم على الوقود الحجري، انه اعطى مكاسبا في مستويات المعيشة حتى في المناطق الفقيرة في العالم، كان ذلك مجرد البداية. التنمية الاقتصادية كان لا غنى عنها لإنهاء العبودية. انها كانت شرطا مسبقا حيويا لتمكين المرأة. في الحقيقة، ما كان بامكان الديمقراطية البقاء بدونها. وكما ذكر مارتن ولف المعلق في صحيفة الفايننشال تايمز، ان الخيار في ان يصبح كل شخص احسن حالا – وحيث مكسب فرد ما لا يتطلب خسارة لآخر- كان حاسما للتنمية واشاعة السياسة التوافقية التي تجسد الحكم الديمقراطي.

النمو الصفري خلق لنا جنكيز خان والقرون الوسطى، والسيطرة والإخضاع. انه عجّل من خلق نظام تكون فيه آلية التقدم فقط عبر نهب الجيران. النمو الاقتصادي، وعبر التجارة فتح خيارات افضل بكثير من السابق .

 الاقتصادي من اكسفورد ماكس روسر عرض رسوما بيانية تبيّن مآسي الحروب عبر العصور. انها كانت القاتل الحقيقي في عصر اللّانمو. حوالي نصف الوفيات بين جامعي البذور والمزارعين القرويين واجيال الثقافات القديمة الاخرى كانت قد نشأت بفعل الحروب. دموية القرن العشرين وما شهده من حربين عالميتين وهيليكوست وتطهير عرقي للحروب لا يخرج عن ذلك السياق .

البيئيون الراديكاليون مثل الكاتبة Naomi Klein اعتبرت التغير المناخي فرصة لوضع نهاية للرأسمالية. لكن ذلك سوف لن يقود العمال الى اليوتوبيا التي تحلم بها الكاتبة.

الشيء الجيد هو ان اتخاذ فعل ضد التغير المناخي لا يحتاج القيام بمثل ذلك. انه ليس امرا سهلا، لكننا نستطيع ان نلمح المسارات التكنلوجية التي تسمح للحضارة بالاستمرار بالنمو وتوفير مستقبل ايجابي للاقتصاد العالمي .

السؤال الاساسي الذي برز من التقلبات المناخية هو اكثر من كيفية وقف النمو، انه كيف نطور بشكل تام ونوظف تكنلوجيا الطاقة المستديمة بحجم صغير لنساعد العالم الفقير وكل شخص آخر للسير في مسار التقدم الذي لايعتمد على حرق الكاربون المطمور.

The New York Times, Dec 1, 2015

 

حاتم حميد محسن

...........................

 الهوامش

(1) حصة الكاربون او ميزانية الكاربون هو المصطلح الذي استُعمل في نقاشات المناخ العالمي، ويعني كمية الكاربون التي يُسمح لكل دولة باطلاقها في الفضاء.معظم الحكومات وافقت في مفاوضات كوبنهاكن للمناخ عام 2009 بان على العالم ان يتصرف لمنع الاحتباس الحراري بحيث لا يزيد عن درجتين فوق مستوى ما قبل الصناعة.ايّ زيادة عن ذلك ستكون خطيرة و لها تاثيرات بعيدة المدى. وفق الاتجاه الحالي فان العالم سيطلق واحد ترليون طن من الكاربون في عام 2040، وهو حتى الآن اطلق 574 بليون طن.ولكي نمنع العالم من اطلاق واحد ترليون طن(وهو الحد الذي قد تصبح به الارض غير صالحة للحياة) لابد من خفض الانبعاثات بنسبة 2.47%سنويا والاستمرار بالانخفاض بنفس النسبة حتى تصل الصفر. معظم الفضاء جرى استغلاله سلفا بكثافة من جانب الدول الصناعية تاركة القليل لمن لحق بها متأخرا من الدول الفقيرة ذات الكثافة السكانية .السؤال هو كيف يتم توزيع المتبقي من الفضاء؟هذا هو السؤال السياسي الذي لا يرغب به السياسيون .معظم الناس يرون ان التوزيع يجب ان يرتكز على اساس السكان.الولايات المتحدة تجاوزت حدها الاقصى منذ عام 1936 حيث اطلقت منذ عام 1850 من الكاربون بمقدار ثلاث مرات اكثر من الصين رغم ان سكانها يشكلون ربع سكان الصين، وبريطانيا التي سكانها 1% من سكان العالم تجاوزت حصتها القصوى منذ عام 1945 حيث شغلت 6% من الفضاء، والمانيا بلغت حدها الاقصى منذ عام 1963.اما الهند فستصل الى حصتها بعد عام 2050.

 

 

mutham aljanabi2إن إشكالية الزمن والتاريخ في حياة الأمم هي إشكالية تبذير أو تراكم الثروة المادية والمعنوية فيها. فمن خلالها تظهر مختلف جوانب هذه العملية المتناقضة. بمعنى أنها تعكس بقدر واحد مصير الأمم ومسئوليتها الذاتية عما جرى ويجري من هزائم وانتصارات وسقوط وصعود وانحطاط ورقي، بوصفها جزء من تاريخها الذاتي.

وعندما نتأمل تجربة العالم العربي الحديث وصيرورته الذاتية في مجرى القرن العشرين، فإننا نقف أمام ظاهرة التبذير الشنيعة لتراكم التجارب الذاتية، بأثر صعود وهيمنة واستمرار الراديكالية السياسية والنظم السياسية التقليدية، مع ما ترتب عليه من تبذير دائم للطاقة الفعلية والكامنة للإنسان والمجتمع والمشاريع المستقبلية. مما تسبب بدوره بانسداد لآفاق المستقبل وصعود مختلف التيارات اللاعقلانية، كما هو جلي في حالة الارتكاس العنيفة من القومية العامة إلى الوطنية المغلقة، ومن الليبرالية إلى التوتاليتارية، ومن الدنيوية إلى الدينية، ومن الانفتاح إلى الانغلاق، ومن السلم إلى العنف، ومن المجتمع إلى القبيلة، ومن الدين إلى المذهب، ومن المجتمع إلى الطائفية، ومن التحرر إلى العبودية.

بعبارة أخرى، إننا نقف أمام ظاهرة اختلال الأوزان الداخلية للفرد والجماعة، للنخب والمجتمع، للسلطة والدولة، للثقافة والفكر، للوطنية والقومية. وهو اختلال يعكس تنافر وتعارض العلاقة المفترضة بين الزمن والتاريخ. بمعنى تخمّر الزمن وتحلل التاريخ. مع ما فيها من خروج على الطبيعة. فالطبيعة أيضا تحتوي على نماذج لعلاقة الزمن بالتاريخ. أما بالنسبة للإنسان والثقافة والوجود الدولتي للأمم، فان الزمن طبيعة، بينما التاريخ ما وراء الطبيعة، أي القادر على إبداع المعنى. فالإبداع الحقيقي معنى، أي روح، من هنا بقاءه وإمكانية تغلغله في كل مسام الروح والجسد الفردي والاجتماعي والعالمي، بغض النظر عن القومية والدين والعقائد أيضا، أي على عكس الزمن بوصفه اجترار لمتطلبات الجسد العابرة والجزئية. من هنا تحولها إلى أشباح سرعان ما تزول، على عكس الروح، أي إبداع الإرادة القادرة على الارتقاء إلى مصاف الأبد. فالنفري على سبيل المثال باق بوصفه إبداعا روحيا رغم إننا لا نعرف عن جسده أي شيء. لكن جسده أيضا يسري بيننا. بينما اضمحلت وتلاشت كما لو أنها أشباح كثيرة هائلة و"جبارة" مختلف قوى الزمن العابرة من أباطرة وأبنية وغيرها. بل أن قيمتها الوحيدة بالنسبة للوعي تقوم في كونها بالنسبة لنا مجرد زمن.

وليس مصادفة أن تصبح اشد الأشياء عذوبة فقط بعد تعذبها بدهاليز الزمن لكي تخرج إلى فضاء الوجود بوصفها تاريخا! شأن سقوط الأمطار والمياه الجارية في كل مكان. أنها تنهمل وتمر أياما وأسابيع وأشهر وسنوات أي فترة من الزمن "تتنقى" بين عقبات وعتبات الوجود كما لو أنها تسير عبر مصفاة الزمن من اجل الخروج من ينبوع هو مصدر الحياة و"آية" العذوبة. فالماء يتعذب في دهاليز الزمن وينتقى حالما يتكامل في ينبوع مغر للروح والجسد، أي في "تاريخ" بناء النقاوة واللذة والجمال، باختصار كل ما يمكنه أن يعطي للحياة بهجة ويجعلها ذات معنى، رغم أنها لا تتعدى بمقاييس الزمن أن تكون مجرد امتداد بين صرختين (الولادة والموت).

وفيما لو نقلنا هذه الصورة البيانية والرمزية إلى ميدان الرؤية الفلسفية، فإنها تبدو بالشكل التالي: إن الزمن هو أسلوب وامتداد وجود الأشياء والظواهر، أي كل شيء. أنه أسلوب وجود النشوء والفناء، والصيرورة والعدم. فكل ما في الوجود زمن. انه أرقام النشوء والاندثار. كما أننا نربط وجود الفرد وزواله بالزمن (تاريخ الولادة والموت). مع أنها أمور شرطية. إذ لا وجود على الإطلاق، بمعايير الكون المطلق لعام 2000 أو غيرها، إذ كل تسلسل الأعوام هي تصورات شرطية محكومة برؤية ثقافية أو دينية أو غيرها. لكن الذي يجعل منها "تاريخا" بما في ذلك تدوين الأشياء والأحداث هو قدرتها على نقل "الزمن" إلى وما وراء الزمن (العابر). أي حالما يجري نقله إلى مصاف "وعي الذات". فالزمن سريان والتاريخ بناء، والزمن لحظة عابرة والتاريخ قوة متراكمة، والزمن أس الوجود والتاريخ صرحه الثقافي.

من هنا لا تناقض بين الزمن والتاريخ. بمعنى أن التاريخ ممكن فقط عبر الزمن. فالتاريخ يحتوي على الزمن بوصفه وجودا منفيا، لكن الزمن لا يحتوي بالضرورة على تاريخ. فالخراف بلا تاريخ، لأنها تعيد إنتاج كل ما فيها بما فيها بلا بدائل ولا احتمال عقلاني ولا تراكم غير الصوف واللحم! بل أن الإنسان يصبح حيوانا فعليا حالما يتجاوز فكرة الزمن ليرتقي إلى مصاف التاريخ، أي حالما يدرك طبيعة الوجود بوصفه تاريخا معقدا ومليئا بعذابات الصراع من اجل البقاء، وان كل ما فيه وحدة واحدة، وان الخروج على إدراك هذه الأوليات يحتوي على "موت" محتم، وان هذا الإدراك "يذلل" الأبعاد الوهمية في فكرة الموت، لكي يعيدها إلى مجراها الطبيعي بوصفها كلا واحدا للوجود. وهي رؤية تجعل من معاناة الإنسان تاريخا، أي رؤية أخلاقية وجمالية وإنسانية عذبة بعذابها. فالجمال عذاب من نوع خاص سواء تطرقنا إليه بمعايير الجسد أو الروح.

وليس مصادفة أن العرب القدماء كانت تقول، على سبيل المثال، ليس إلا الدهر يفنينا ويحيينا. بينا كان الرد المحمدي (بوصفه ردا تاريخيا إنسانيا وليس مجرد رد بمعايير الإيمان والدين والإلحاد وما شابه ذلك، لأنها مجرد متضادات أو ثنائيات "مصطنعة") يقوم في إبراز فكرة التاريخ الإلهي (يوم عند الله لا يعادل أيام البشر). ولا يعني ذلك فيما لو وضعنا هذه الفكرة ضمن سياق الرؤية التاريخية المجردة من اعتبارات الإيمان واللاهوت سوى فكرة البحث عن بدائل وأمل دائم ابدي. أنها محاولة تجاوز "الزمن الجاهلي" وتذليله "بتاريخ إلهي"، أي التأسيس لفكرة الأبد. وحقيقة الإبداع ابد دائم لأنه يجعل من كل الأحداث ومجرياته العابرة صورة ومعنى ورمز بمقاييس الروح، أي ما وراء الوجود العابر للزمن. وهو الأسلوب الوحيد القادر على صنع وعي الذات. فالتاريخ هو أولا وقبل كل شيء "وعي ذاتي". وبدونه لا تاريخ.

إن التاريخ بنية ومنظومة من وعي الذات لها أصولها وجذورها في اللغة والشعر والأدب والفكر (فلسفة وحقوق ولاهوت وتصوف وعلوم طبيعية) والعمارة والفن، باختصار في كل الأشكال الكبرى للإبداع المادي والروحي. ليس هذا فحسب، بل وبقدرتها على التجوهر في إبداع واستظهار الجديد من خلال تحولها إلى مرجعيات ثقافية متسامية بالنسبة للوعي. فالتاريخ بهذا المعنى يفترض بلوغ البشر مستوى التراكم الثقافي في امة لها حدودها التاريخية الكبرى.

إن إمكانية تحول الزمن إلى تاريخ ترتبط فقط بإمكانية إرساء أسس منظومة لها حدودها الواضحة في كل شيء، وقادرة من حيث تلقائيتها الذاتية في الاستمرار والتجدد. لهذا يمكننا الحديث عن تاريخ يوناني وروماني وصيني وعربي وأمثالهم. انه تاريخ قابل للتجدد والاستمرار استنادا إلى ذاته بوصفه منظومة لها مرجعياتها الثقافية المتسامية. غير أن هذا التاريخ الثقافي قابل للاندثار في "زمن الأسلاف" في حال بقاءه محنطا، أي معزولا عن الفعل بمعايير "المعاصرة". فالمعاصرة هي بحث عن بدائل ومن ثم استمرار للتاريخ الثقافي، أي معاناة أبدية للإبداع. من هنا تنوع حالات وجود الصراع والتعايش والتوازي والتداخل بين الزمن والتاريخ. ولكل حالة مقدماتها ونتائجها. وهي حالة أو حالات معقدة أحيانا، يمكن دراسة كل منها بصورة ملموسة من اجل البحث عن بديل عقلاني وإنساني لها في حالة كونها أزمة عابرة أو أزمة بنيوية أو طريق مغلق.

وحالما ننقل هذه الحالة من علياء التجرد إلى ميدان الحياة الواقعية للعالم العربي المعاصر، فإننا سوف نقف أمام أسئلة "مصيرية" كبرى مثل: لماذا افتقد العالم العربي إلى صنع تاريخه الذاتي الحديث؟ ولماذا يدور في فلك الأسلاف؟ ولماذا لم يتقدم في منافسة الأمم وصنع ثروته الذاتية؟ ولماذا يقف من حيث الجوهر يراوح في مكانه بعد أكثر من قرنين من الزمن؟ ولماذا تقف مصر منذ إصلاحات محمد علي باشا بدون خطوة نوعية كبرى إلى الأمام؟ ولماذا تراوح سوريا بين كماشة العوز والانغلاق؟ ولماذا تناثر العراق واندثر بعد قرن من الزمن كما لو انه يواجه نفسه للمرة الأولى في قضايا الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة والعلم ومتطلبات الوجود الحياتي العادية؟ أي لماذا نقف أمام تهشم وضعف البنية الداخلية والذاتية لمثلث "التاريخ العربي" (دمشق – بغداد – القاهرة)، أي للتاريخ الذي تمثل من حيث الجوهر كل الكمون الكوني في حضارات وادي النيل والرافدين؟

تكشف هذه الأسئلة أولا وقبل كل شيء عن واقع تبذير الثروة التاريخية للأمة. كما تشير في الوقت نفسه إلى فشل أو توقف مشروع الحداثة والتطور الديناميكي المستقل بمعايير المعاصرة. وذلك لأننا نقف أمام احتدام ابسط إشكاليات الوجود الاجتماعي والسياسي للدولة والأمة، كما لو انه مؤشر على أن ما جرى ويجري هو مسار من عدم إلى عدم، أو من لا شيء إلى لا شيء. بلا تراكم، أي بلا تاريخ في بنية الدولة والأمة والثقافة والعلم والتكنولوجيا. من هنا سيادة وانتشار واستفحال مختلف العلاقات التقليدية في بنية الدولة والنظام السياسي والعلاقات الاجتماعية والثقافة. وهذه كلها علاقات زمنية لا تاريخ فيها لأنها هي هي دوما. بينما التاريخ، بوصفه منظومة قيم أخلاقية متسامية وقاعدة سياسية مدنية وحقوق ونزعات إنسانية وتراكم مادي في ثروات الأمم العلمية والتكنولوجية، فانه يبقى مجرد احتمال وبدائل. الأمر الذي يجعل من فكرة التاريخ في العالم العربي المعاصر فكرة المستقبل نفسها. وهذه بدورها ليست إلا الفكرة القادرة على إرساء أسس المنظومة العقلانية في بنية الدولة القادرة على تنشيط الرأسمال الاجتماعي بمختلف مكوناته ومستوياته. ولا يمكن بلوغ هذه الغاية دون تذليل تقاليد الراديكالية السياسية والبنية التقليدية بمختلف أشكالها وأصنافها. فالراديكالية السياسية والبنية التقليدية هي صانعة الزمن في العالم العربي الحديث والمعاصر. وبالتالي فان تذليلها التام هو الشرط الضروري والأسلوب الوحيد لتذليل مكونات وعناصر وأسباب الخلل التاريخي في بنية الدولة والأمة. 

فعندما ننظر إلى ظاهرة الانحطاط المتنامية في العالم العربي المعاصر، فإننا نرى تراكم ثلاث طبقات تاريخية أدت، على خلفية الأزمة الشاملة للدولة العربية الحديثة، إلى تبذير كل تراكمه الذاتي كما هو جلي في صعود اشد النماذج والأشكال غلو وتطرفا، بوصفه الرد المشوه على فشل المشروع التنموي والتحديثي للدولة والنخب السياسية العربية. فقد كانت الصيرورة العربية الجديدة بمختلف قواها الاجتماعية والسياسية والفكرية مرتبطة ومحكومة في الوقت نفسه بثلاث ظواهر كبرى في التاريخ الحديث، وهي:

•        ظاهرة الغزو الاستعماري،

•        والحرب الباردة،

•        وصعود الفكرة الليبرالية.

وجميعها ظواهر "غربية" (أوروامريكية) المنشأ، عالمية التأثير والأبعاد. من هنا إشراكها الجميع، بما فيه العالم العربي، في عملية جديدة أخرجته من تقوقعه الذاتي وانغلاقه العميق في السلطنة العثمانية المتهرئة. ومن ثم إدراجه في فلك الحركة التاريخية الجديدة التي استطاعت أن تستثير فيه تيارات متقطعة من النهضة الأدبية والإصلاح الديني - السياسي والانبعاث القومي. وهي عملية تاريخية معقدة لم تتكامل في الوجود والوعي العربي المعاصر. من هنا استمرار الخلل البنيوي في الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة.

إذ يكشف هذا الخلل أولا وقبل كل شيء عن عدم تكامل بنية الوعي الذاتي العربي، الذي برز بوضوح في ثلاثة أشكال مختلفة يكمّل أحدها الأخر في مجرى تاريخه الحديث:

•        الأول وهو صعوبة بناء الدولة العصرية والتحديث،

•        والثاني سهولة انسياقه وراء صراع المصالح والعقائد الذي ميز اغلب تاريخ الحرب الباردة (اغلب القرن العشرين)،

•        والثالث يقوم في انقباضه الذاتي واستعصاء قدرته على التحول صوب الديمقراطية والإصلاح البنيوي الشامل بعد انهيار المواجهة التاريخية للمعسكرين (الاشتراكي والرأسمالي).

فقد بقى العالم العربي من بين المناطق القليلة في العالم التي تتلذذ بنفسية وروحية المعسكر. وتشير هذه الحالة إلى بقاء وتعايش المراحل التاريخية الثلاث في وجوده ووعيه المعاصر كما لو أنها مكونات لا يمكن المزج بينهما. ويشير هذا الواقع بدوره إلى بقاء المشاكل والإشكاليات الكبرى في تاريخه الحديث دون حلول، أي انه لم يتطور من الناحية النوعية. من هنا بقاء اغلب مكونات تاريخه التقليدي في الوعي والممارسة، بما في ذلك السياسية. وأصبح هذا الواقع، من الناحية المادية والمعنوية، مرتعا للثقافة التوتاليتارية واللاهوتية التقليدية. وليست هذه النتيجة معزولة عن هيمنة التقاليد السياسية الراديكالية والبنية التقليدية (جمهوريات وملكيات متشابهة ومتكافئة من حيث الرؤية والغاية) بمختلف أشكالها ومستوياتها ومظاهرها في كل مجرى القرن العشرين في العالم العربي. إذ ليس تاريخه السياسي في مجرى القرن العشرين ولحد الآن سوى هيمنة الزمن الراديكالي والتقليدي الدنيوي (العلماني) منه والديني.

عندما نتأمل التجارب التاريخية العاصفة لصعود الراديكالية السياسية العربية الحديثة، فإننا نقف أمام استفحال دورها وتكاملها التدريجي في "منظومة" الاستبداد والانغلاق الثقافي. وتلازمت هذه الظاهرة مع طبيعة التغير الهائل الذي جرى على تاريخ الجغرافيا السياسية للعالم العربي وتجزئة وتفتيت تراكمه الطبيعي للرقي المدني والدولتي والاجتماعي. ومن ثم لم يكن صعود الفكرة الوطنية والقومية في ظل انتفاء شروطها الضرورية منذ عشرينيات القرن العشرين، سوى المقدمة المشوهة لتصنيع آلية الراديكالية السياسية، أي آلية الإنتاج الدائم للحثالة والهامشية والأوهام والأيديولوجيات التوتاليتارية والعقائد الأصولية. مع ما كان يرافقها من تنشيط لاعقلاني للجماهير، أي "للقوى السياسية" المتحزبة والهائجة، وبموازاتها "تنظيم" يقترب من عبودية منمقة وبهرجة مزيفة "لحداثة" معلبة مستوردة ومعروضة في متاحف أمراء مأمورين وملوك صعاليك!

فقد احتوت هذه العملية في أعماقها على احتمال صعود الزعماء والأبطال والقواد الجماهيريين والجمهور، بوصفه الوجه الآخر لسيادة نفسية الغوغاء والرعاع. لكنها كانت تحتوي بالنسبة للعالم العربي على مخاطر الإعاقة التاريخية للتاريخ، أو التشويه المفتعل للمسار الطبيعي الملازم للدولة والمجتمع والثقافة والأمة. وحالما أصبحت هذه الظاهرة آلية قائمة بذاتها منذ خمسينيات القرن العشرين، فإنها تحولت إلى "مرجعية متسامية" بالنسبة للوعي السياسي الراديكالي، أو أنها جعلت من الراديكالية فكرة متسامية عبر مطابقتها مع أيديولوجيا الثورة والانقلاب بوصفها العقيدة المقدسة لحرق مراحل التاريخ.

وليس مصادفة أن تصبح فكرة حرق مراحل التاريخ الصراط المستقيم لبلوغ الجنة القومية والتقدم، أو المطّهر الذي ينبغي أن تحترق في مجرى عبوره كل الأوساخ العالقة على الجسد والضمير والعقل العربي. من هنا تحول انقلاب يونيو عام 1952 العسكري في مصر إلى "نموذج" الثورة، و"الضباط الأحرار" إلى نموذج "القوة السياسية" الجديدة. وسوف تكرر سوريا هذه المزاوجة بين الثورة والحرية في الأفعال والرجال عام 1954، ثم يعيد العراق تنشيطها عام 1958. بمعنى تكامل الفكرة الراديكالية وقواها السياسية الجديدة في المثلث الفعال (مصر وسوريا والعراق) للفكرة السياسية العربية في القرن العشرين.

إن تحول الظاهرة الراديكالية إلى آلية تصنيع وتنشيط القوى السياسية "الجديدة"، وتحولها إلى نموذج في القيادة، كان يحتوي في أعماقه على سحق وحدة المنطق والتاريخ في الفكرة السياسية بوصفها اجتهادا عقلانيا في إدارة شئون الدولة والمجتمع. وليس مصادفة أن تضمحل تدريجيا وتتلاشى فكرة المجتمع المدني والحرية والإدارة، وعوضا عنها تبرز الملامح الناتئة "للزعيم السياسي" و"القائد الجماهيري" و"الأب الروحي". وهي صيغة كانت تتآكل فيها كل الاحتمالات العقلانية للبدائل. ومن ثم كانت تحتوي في أعماقها على تذليلها التدريجي بوصفها اجترارا للزمن أكثر مما هي تجارب التاريخ. مع ما ترتب عليه من تصنيع "منظومي" دائم للانحطاط. ومن بين اشد ملامح هذه الظاهرة هو استفحال نفسية وذهنية الراديكالية السياسية والتوتاليتارية الدنيوية والدينية.

إن التجربة العربية الحديثة تجربة بلا حداثة بالنسبة لبناء الدولة والمجتمع والثقافة! من هنا استفحال نفسية وذهنية الراديكالية السياسية والتوتاليتارية الدنيوية والدينية بوصفه مؤشرا نموذجيا على تحلل البنية التاريخية للوعي السياسي عند النخبة والجمهور، أو سيادة وهيمنة الوعي العادي الجماهيري الأسطوري على الوعي العلمي. وقد لا تخلو أكثر الدول تطورا من الناحية العلمية والاقتصادية عن إمكانية الإصابة بهذا العدوى الغريبة، لكنها تبقى في نهاية المطاف جزء من تجارب الإرادة العنيفة لتذليل الخلل (كما كان الحال في ألمانيا الهتلرية). غير أن الحالة العربية تعكس ليس نزوة التاريخ، بل غريزة الزمن في الوعي السياسي. وليس مصادفة أن تؤدي تجاربه السياسية على امتداد القرن العشرين إلى إنتاج احد اشد النماذج غرابة بهذا الصدد، أي تحول جميع الدكتاتوريات "العلمانية" إلى حليف "استراتيجي" لعتاة القوى السلفية. بحيث نرى السادات يتحول إلى "الرئيس المؤمن"، والنميري إلى مطبق الشريعة الإسلامية، وصدام إلى قائد "الصحوة الإيمانية"، والقذافي إلى "مفكر الإسلام الأخضر". مع ما يرافقه من تحول ممسوخ لبنية النظام السياسي عبر إعادة "بناء" السلطة على أسس عائلية جديدة. بمعنى رجوع اغلب النظم الجمهورية إلى نظم عائلية، أي إلى ملكيات جمهورية! وبالمقابل يمكن رؤية صعود الدعاوي الدعائية المستشرية عن تحول العائلات المالكة إلى "قائدة الإصلاح الديمقراطي" و"النظام الشرعي" و"الثورة". وما بينهما تتراوح في مكانها الرتيب مختلف "العقلانيات" الجبانة والمتسترة وراء رداء "القانون والشرعية" و"المصالح القومية" وما شابه ذلك من أغلفة براقة لواقع لا قانون فيه ولا شرعية لغير المصالح الأنانية الضيقة.  

إن اضمحلال وتلاشي الفرق والخلاف بين "الأنظمة العلمانية" و"الأنظمة التيوقراطية"، ومن ثم تلاشي الخلاف الجوهري بين فكرة التيوقراطية والعلمانية في "النخب السياسية" العربية، يعبر أساسا عن واقع استفحال القيم التقليدية واندماجها "الطبيعي" في منظومة الاستبداد التي وجدت في التوتاليتارية الدينية والدنيوية ملاذها الأخير. وهي توتاليتارية جعلت من الإرهاب الشامل للسلطة وسحق المجتمع المدني وفكرة الشرعية المرتع الفعلي لتيارات الغلو وإرهابها "المقدس". إذ لم يكن هناك من مقدس للاستبداد السلطوي غير السلطة. من هنا تسابقها مع الحركات الإسلامية المتشددة في الدفاع عن "المقدس". ومن ثم إعادة إنتاج الحنبلية الجديدة التي تجعل من الإرهاب حربها المقدسة الجديدة ضد كل بديل يهدف إلى بناء الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي السياسي والمجتمع المدني والثقافة العقلانية.

إن هذا التضافر التاريخي بين مكونات ومقومات متضادة في الفكر والممارسة السياسية يشير إلى عمق الخلل البنيوي في طبيعة الدولة والنظام السياسي والثقافة. وهو خلل يتناغم مع خلل الأوزان الداخلية في كل شيء. وبالمحصلة هو تعبير عن انحطاط فعلي شامل. وفي ظل ظروف كهذه يصبح الإرهاب ثمرة حلوة كما كانت الحرية هي الثمرة الحلوة لصعود القوى الاجتماعية الحية والفكرة التنويرية والعقل الحر. ذلك يعني، إن تحول الإرهاب إلى "عقيدة مقدسة" هو بحد ذاته مؤشر على نوعية الهبوط الشامل في الوعي النظري والعملي، أي في الفكر والأخلاق. ويشير هذا الهبوط بدوره إلى طبيعة الأزمة البنيوية التي يعاني منها المجتمع والدولة والثقافة. وفي الحصيلة ليست هذه الأزمة سوى الصيغة الأكثر تجريدا للانحطاط الثقافي.

فالانحطاط الثقافي هو الحاضنة الفعلية للتطرف والغلو. والقضية هنا ليست فقط في أنه يمد الوعي السطحي بكل الصيغ والرموز السهلة للهضم السريع للعوام، بل ولما فيه من "طاقة" على شحذ أوهام الحثالة الاجتماعية وأنصاف المتعلمين بروح العنف والتخريب. وفي هذا يكمن سر القدرة الفائقة والاستعداد الأكبر من جانب الأصوليات الإسلامية المعاصرة على ابتذال قيم الاعتدال العقلانية. ويكشف هذا الابتذال عن ضعف الثقافة العقلانية واضمحلال أو غياب الذهنية النقدية، أي كل ما تشترك به وتتسابق الأنظمة السياسية العربية والأصوليات الإسلامية المتطرفة. ومن فعل هذين المصدرين تتراكم قيم الحنبليات الجديدة بوصفها التجسيد العملي لجنون "الإرهاب المقدس"، أي التجسيد الأغرب لتبذير الثروة التاريخية للأمة.

فقد كانت الحنبلية التيار المناسب لإيمان العوام، أي للذهنية العادية والتقليدية. وذلك لان مضمونها لا يتعدى فكرة الانصياع والتنفيذ الشكلي والتقليد الحرفي لمجموعة النصوص المتراكمة في خيال الثقافة وأوهامها وعقولها. كما أنه التيار الذي مّثل الفكرة القائلة بضرورة التقييد الحرفي بكل ما هو "مقدس" و"إسلامي". بينما لم يكن هذا المقدس والإسلامي في تصوراته وأحكامه سوى كمية النصوص المحببة لأوهام العوام. من هنا انهماكه الفعال في شئون الجسد الفردي. إذ ليست حقيقة الحنبلية سوى الاعتناء المفرط بحقوق الجسد والتزاماته بما يخدم "واجبات" الانتقال من لذة الدنيا إلى "نعيم الآخرة". ذلك يعني أن حدودها القصوى تنحصر في شهوة الفرجين. وهي شهوة اختزلت مضمون الإسلام وعقائده الكبرى من خلال تحييد العقل ومنعه من الإبداع الحر، لأنها وجدت في كل فعل عقلي حر أسلوبا يؤدي بالضرورة إلى "بدعة".

وتشير هذه الحالة أولا وقبل كل شيء إلى جمود الروح الثقافي وخراب الذهنية النقدية وانحسارها التام. وليس مصادفة أن تسود الذهنية الحنبلية في جميع مراحل السبات الثقافي والحضاري في عالم الإسلام عموما وفي العالم العربي خصوصا. الأمر الذي جعل منها أيديولوجية مناسبة للانحطاط الثقافي والسياسي.

لقد غرست الحنبلية في النفسية الاجتماعية والذهنية الثقافية نمطا أصوليا (راديكاليا لاهوتيا) في الفكر والممارسة استطاع في غضون قرون عديدة تجفيف أغلب المصادر الحية للرؤية الإسلامية. إنها استطاعت أن تنتج وتعيد إنتاج ذهنية لا يتعدى اهتمامها حدود الجسد الفردي المرفوع إلى مصاف "الأمة". بمعنى غياب واضمحلال، بل واندثار الأبعاد الاجتماعية والسياسية للفكر. مع ما ترتب عليه من تجميد للحياة الاجتماعية بمعايير العبادات الشكلية، وتحنيط للحياة السياسية يقيم الخضوع، ومن ثم ترسيخ وتوسيع وتجذير الاستبداد السياسي والفكري والاجتماعي عبر دعمه الدائم بقواعد الإيمان التقليدي.

وليس اعتباطا أن تكون معظم الحركات الإسلامية الغالية والمتعصبة منها والإرهابية هي مجرد نماذج متنوعة للحنبلية (الوهابية المحدثة وأمثالها). وهي ظاهرة يمكن تحسسها الملموس من خلال رؤية الارتباط العلني والمستتر بين الحركات الأصولية المتطرفة والأنظمة التقليدية. ففي كليهما تسود وحدة القيم المشتركة عن "الوحدة" و"الصراط المستقيم" ومحاربة الحرية الفردية والاجتماعية والسياسية والدفاع عن "القيم الإسلامية"، أي كل ما يمثل تقاليد الاستبداد والثقافة اللاهوتية المغلقة.

فالوهابية من حيث بنيتها العقائدية وذهنيتها الثقافية ومزاجها النفسي هي الصيغة الأكثر تمثلا لتاريخ الانحطاط الفكري والروحي والعقلي للإسلام. ومن ثم لا يعني صعودها المعاصر سوى إضفاء صفة العصرية على واقع الانحطاط بأحد أقسى وأتعس وأرذل نماذجه النظرية والعملية. وبالتالي، فان بلوغ الحركات الإسلامية الراديكالية ذروتها في الأصولية الوهابية الجديدة هو مؤشر على ما يمكن دعوته بختم الولاية الراديكالية في التاريخ العربي المعاصر. بمعنى تراكم الذهنية والنفسية الراديكالية في نموذج ديني أصولي توتاليتاري جمع في ذاته كل النتاج اللاعقلاني للقرن العشرين في العالم العربي. وبما انه قرن التفريغ الشامل للبدائل العقلانية، من هنا فراغ البدائل الإسلامية السلفية بشكل عام والوهابية بشكل خاص من أية رؤية إستراتيجية باستثناء إستراتيجية الإرهاب بوصفه أسلوب "الشهادة الحية" للأموات. وهذا بدوره لا يعني سوى الاستمرار الأعنف بتبذير الرأسمال التاريخي للدولة والأمة. وهو السر القائم وراء الالتقاء الفعلي بين "الأنظمة التيوقراطية" و"الأنظمة العلمانية" في إعادة إنتاج الراديكالية المتشددة، أي في التبذير الدائم للكلّ الاجتماعي.

إن السبب الجوهري القائم وراء هذا التبذير يكمن في "منظومة" الخراب التي رافقت صعود وهيمنة الراديكالية السياسية والبنية التقليدية بمختلف أشكالها، أي كل ما أدى إلى تبديد وتبذير ما أسميته بالرأسمال التاريخي للدولة والأمة. فهو المستنقع الأكبر لخنق كافة الطاقات الحية. بعبارة أخرى، إن السبب القائم وراء تبذير الرأسمال الاجتماعي يقوم في الخروج على منطق التاريخ والبقاء ضمن سياق الزمن. من هنا انعدام التراكم التاريخي والتهام بقاياه في تجارب ميتة. مما أدى إلى اختلال الأوزان الذاتية للعالم العربي المعاصر. وهذه بدورها ليست إلا النتيجة المترتبة على انعدام التأسيس الفعلي للتاريخ الذاتي، ومن ثم انعدام المنظومة المرنة لوحدة الزمن والتاريخ في بناء الدولة والمجتمع والثقافة. وذلك لان إشكالية الزمن والتاريخ هي إشكالية العابر والأبدي، المتبدل والثابت، الطبيعي والثقافي، التقليد والإبداع وغيرها. فما لم يجر بناء فلسفة العلاقة الديناميكية بين الزمن والتاريخ، فان التبذير المستمر للرأسمال التاريخي للأمة يصبح أسلوبا للوجود، أي لاجترار الزمن الميت. وهي عملية لا تنتهي لأنها بلا بداية ولا نهاية، أي دوران فارغ. ولا يمكن تذليلها إلا من خلال نقلها من عالم الوجود الطبيعي إلى ميدان منظومة البدائل. بمعنى تنشيط فكرة الزمن والتاريخ بالشكل التي يجعلها أسلوبا منهجيا وأداة معرفية في تناول إشكاليات الحياة بمختلف مظاهرها، بما في ذلك السياسية. فالإبداع العظيم هو الذي يتجاوز فكرة الزمن (العابر والجزئي) إلى تاريخ وعي الذات القومي والإنساني. بمعنى القادر على صنع منظومة فعالة في توسيع مدى الرؤية الإنسانية.

فالوعي التاريخي القومي بوصفه منظومة بحاجة إلى رؤية إصلاحية شاملة تنفي الغلو والتطرف بوصفه تعبيرا عن نفس غضبية وجهل يناسبها في تقاليد الأحزاب الراديكالية، أي كل ما عانى منه العالم العربي في مجرى النصف الثاني للقرن العشرين، وبالأخص منذ ستينيات القرن العشرين. بحيث أصبح الصعود الراديكالي للتشدد الإسلامي الوجه الآخر لهبوط الراديكالية الدنيوية (العلمانية) وتدميرها لمشروع النهضة والحداثة. الأمر الذي جعل ويجعل من اندثارهما في ظل العولمة المعاصرة وصراع الوجود الثقافي والقومي للأمم أمرا حتميا.

وإذا كان موت الراديكالية الدنيوية واقعا جليا بعد مرور نصف قرن من الزمن الضائع، فان الراديكالية الدينية المتشددة (الأصوليات) ولدت ميتة منذ البدء. وذلك لأنها ليست قادرة على مواجهة العولمة بمعاييرها، كما أنها عاجزة عن تمثل المصالح القومية بمعايير الحداثة الفعلية. وإذا كانت التجارب التاريخية للأمم الحديثة تبرهن على استحالة توسيع المدى العقلاني للمسار الفعلي في ارتقاء الأمم دون مخاض التجارب الخشنة والمريرة، فلأنه الأسلوب الوحيد لإرساء أسس العقلانية والرؤية الواقعية والنزعة الإنسانية، أي المكونات الضرورية لبناء منظومة الدولة والأمة الحديثة.

فالتاريخ لا يعرف معجزة إحياء الموتى. أنها مقبولة ضمن سياق ومذاق الأوهام والأساطير الدينية والدنيوية. أما التاريخ الفعلي للأمم فهو تاريخ المستقبل، أي تاريخ الأمم القادرة على حل إشكاليات وجودها المعاصر بمعايير المعاصرة، والمستقبل بمعايير المستقبل. ذلك يعني أنها حلول لا مكان فيها للراديكاليات الدينية والدنيوية والتقليديات المتنوعة أيا كان شكلها ومحتواها. وذلك لأنها جميعا منظومات مغلقة من حيث المبدأ والغاية. وبالتالي عاجزة عن إدراك قيمة ومعنى وأثر فكرة الاحتمال والبدائل الحرة.

إن مفارقة التاريخ العربي المعاصر تقوم في طرحها بعد قرن من الزمن الضائع، مهمة البحث عن بدائل واقعية لما خلفته الراديكالية السياسية والنزعات التقليدية من تبذير وتحطيم وتهشيم للتراكم التاريخي للأمة، وتدمير للعقل والعقلانية والضمير الاجتماعي الحر. وهي بدائل لا يمكنها الاستقرار والنمو إلا في حال استنادها إلى فكرة اجتماعية وطنية ذات أبعاد قومية عربية. بمعنى قلب المعادلة التاريخية المشوهة للنظريات والأفكار من خلال صنع معادلة تاريخية عقلانية تبدأ بالفكرة الاجتماعية وتتكامل بالفكرة الوطنية لتنتهي بالفكرة القومية، بوصفها حلقات واقعية وضرورية ومستقبلية. فهو الأسلوب الوحيد الذي يضمن صيرورة وتراكم الرأسمال التاريخي للأمة.

والثورة العربية الأخيرة هي المفتاح السياسي والاجتماعي لفتح مغاليق التاريخ من خلال رمي بوابة الزمن العتيقة وفتح الطريق أمام فكرة الحرية وممارسة الاحتمال العقلاني من اجل إرساء منظومة المرجعيات المتسامية للمجتمع والقومية والدولة والثقافة. وبهذا تكون قد وضعت الطبقة الأولى لإرساء صرح العلاقة الديناميكية بين الزمن والتاريخ، أي زمن التجارب الحية وتاريخ تنظيمها في وعي ذاتي عقلاني الرؤية وإنساني النزعة ومستقبلي التوجه.(انتهى)

*** 

ميثم الجنابي

 

 

sadiq alsamaraiالمحبة مشاعر إيجابية طيبة نقية رائقة تبعث الحياة في الأعماق، وتفجر منابع الرحمة والألفة والتفاعل الإنساني الصادق الصحيح في قلوب البشر.

وهي عاطفة شاملة طاهرة تتوطن الكيان الإنساني وتتمكن من المشاعر والأفئدة والعقول والوجدان.

والمحبة كلمة مطلقة المعاني سرمدية الغايات، وقول باللسان والعمل، وهي ينبوع الأقوال والأفعال الإنسانية، فنحن نفعل ما نحب ولا نفعل ما لا نحب.

المحبة التي يدفنها الناس في الشكوك والمخاوف والمظالم والقسوة والتوحش الأرضي المتصاعد.

المحبة التي يريدها الله لخلقه وأرسل رسله وأنبياءه ليبشروا بها ويدعون الناس للصفاء والأمل والرجاء والطمأنينة الأرضية.

المحبة التي نحاربها كل يوم ونطاردها في دروبنا وننقض عليها لنفترسها وندمر معالمها ومعانيها ونقضي على حملة راياتها ومبشريها.

المحبة التي يلقيها الله في قلوب عباده الصالحين الذين ينيرون الأرض بوهجها الفياض وأشعتها الدافئة السنية الطيبة.

"... وألقيت عليك محبة مني" طه: 129

والمحبة تقرن بالإيمان فالمؤمن يحب ربه ورسله وما أنزله على الأجيال البشرية، التي تسعى كأنها أمواج النهر المتوافدة.

"...والذين آمنوا أشد حبا لله..." البقرة: 165

المحبة كلمتنا السحرية الرقراقة الناعمة السعيدة، التي لا تعرف إلى أين تأوي في خضم التفاعلات الأرضية السلبية التي تدفن معالمها وتبرز ما يشير لضدها.

ولكي يتحقق الأمن والسلام والسعادة في المجتمعات البشرية فأن من المهم أن نتبع ما يحبه الله ويرضاه ونبتعد عما لا يحبه.

وقد ذكر الله تعالى في القرآن الكريم ما يحبة وما لا يحبه، وياليتنا نتبع ما يرضي ربنا ويحبه.

ولكن "... وتراهم ينظرون إليكَ وهم لا يبصرون" الأعراف: 198

 ما يحبه الله

أولا: التقوى

التقوى هي مخافة الله، ومن يخاف الله لا يعمل ما يغضبه لأنه يرى الله دائما في ما يراه ويقوله ويفعله ويجتهد أن يكون ما يقوم به خالصا وصادقا لله وحده.

والتقوى قد تعني حفظ النفس عما يؤثم وذلك بترك المحظور والخوف والحذر من الله، بإلتزام أوامره وطاعته والتفاعل مع القيم والمبادئ بصدق وإيمان.

"...إن الله يحب المتقين" التوبة:  4، 7

"...فإن الله يحب المتقين" آل عمران: 76

ثانيا: العدل

والعدل هو رعاية الحقوق وإحترامها وعدم الجور وهو ضد الظلم، وإن الله يأمر بالعدل والإحسان .

والعدل فضيلة سلوكية تحقق السعادة وتساهم في الأمن والتطور والرقاء.

"...وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين" المائدة: 42

"...وأقسطوا إن الله يحب المقسطين" الحجرات: 9

ثالثا: الإحسان

هو الإخلاص والإتفاق وحسن الطاعة، ويأتي من الحسن واللطف والجمال في السلوك، وما يبدر من البشر ويساهم في تحقيق الرضى ويشيع الفرح والمحبة والغبطة.

وقد يمتد في معانيه وإشاراته ليشمل الكثير من الصفات والمميزات التي ترضي الله وتسعد خلقه.

"...واصفح إن الله يحب المحسنين" المائدة: 13

" ...ثم اتقوا وآمنوا واحسنوا والله يحب المحسنين" المائدة 93

"...والله يحب المحسنين" آل عمران : 134، 148

رابعا: التوكل على الله

التوكل هو تسليم الأمر والثقة بالله والتفاؤل والأمل وحسن الظن والطمأنينة، وكذلك الثقة بحسن تدبير الله للأمور. وهو ما يكمن في القلب ويجهر به الفعل.

والتوكل بحاجة إلى الأخذ بالأسباب وتفويض ما بعد ذلك إلى رب العباد، وهو عكس التواكل الذي يعني التكاسل وعدم الجد والإجتهاد، بينما التوكل يمنح القوة على الإنجاز بعد الأحذ بالأسباب والعمل الجاد.

"...وإن الله يحب المتوكلين" آل عمران:159

خامسا: الصبر

" الصبر مفتاح الفرج"، وهو التحمل والتجلد ويبشر بأن بعد العسر يسرى، والصبر يعني القدرة على المقاومة والمقارعة للويلات والنوائب والإمساك بخيوط الأمل والرجاء.

"...والله يحب الصابرين" آل عمران: 146

سادسا: الطهارة

الطهارة هي النظافة والنزاهة، وهي ليست بدنية أو مادية وحسب، وإنما تعني تطهير القلب والنفس والمشاعر والأحاسيس من الأوضار والأضرار، وما يتسبب بنجاستها من نوادس السوء والبغضاء. وقد كُتب الكثير عن المعنى المادي للطهارة والقليل عن أبعادها السلوكية والنفسية والروحية.

" والله يحب المتطهرين" التوبة: 108

سابعا: الإيمان

الإيمان هو التصديق وإعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان كما يقال شرعيا.

وهو "أن تؤمن بالله وبملائكه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره"؟

وأن تؤمن بمعنى أن تمتثل لمبادئ وقيم ومعاني الدين بكل ما فيها من نفحات الرحمة والمودة والتفاعل الإيجابي بين الناس.

"...ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون" الحجرات: 7

" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه"، فالإيمان محبة خالصة.

ثامنا: التوبة

التوبة هي الرجوع أو العود إلى الله.

"وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" النور: 3

" إن الله يحب التوابين..."البقرة: 222

وفي التوبة لا بد من الإقلاع والندم والعزم على فعل الخير والإبتعاد عن الفعل الذي أعلنت التوبة عنه.

وما أروع أبواب التوبة الواسعة التي تعبر عن رأفة الله تعالى بعبادة ودعوتهم للإنضمام إلى رسالاته التي توفر لهم الحياة الطيبة.

ما لا يحبه الله

أولا: الظلم

الظلم وضع الشيئ في غير موضعه.

ومَن إسترعى الذنب فقد ظلم.

والظلم أليم وطارد لدوافع الخير والبركات وعواقبه وخيمة وقاسية على المجتمع.

" يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظلموا"، وكذلك " واتقوا دعوة المظلوم فأنها ليست بينها وبين الله حجاب"

وأيضا "إتقوا الظلم فأن الظلم ظلمات يوم القيامة..." هذا هو الظلم الذي لا يحبه الله ولا يحب عباده الذين يمارسونه.

"...إن الله لا يحب الظالمين" الشورى :40، آل عمران:57، 140

ثانيا: العدوان

العدوان هو الظلم الصارخ وهو تجاوز لكل القيم والمعاني والأعراف والتقاليد الإنسانية التي تحترم الناس. وقد إرتبط العدوان بالصراعات والحروب، فالحروب في أكثر جوانبها هي العدوان الواضح، لأنها تتسبب بالويلات ولهذا تأسست الأمم المتحدة لتخليص البشرية من شرورها، كما جاء في ميثاقها،  " تخليص الأجيال القادمة من ويلات الحرب التي كدرت البشرية مرتين في هذا العصر (القرن العشرين)، وخلق الظروف المواتية لمراعاة العدالة وإحترام الإلتزامات المترتبة على المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي"

"...ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين" البقرة: 190

"...والله لا يحب المعتدين" المائدة: 87

"...إنه لا يحب المعتدين" الأعراف: 55

ثالثا: الفساد

الفساد هو سوء إستغلال السلطة المكلف بها الفرد لتحقيق منافع خاصة، والإضرار بمصالح المجتمع والدولة بطرق غير مشروعة.

ويأخذ الفساد معاني متعددة وخلاصتها جميعا تحقيق الأضرار بالآخرين، وتوفير أسباب ودواعي دمار المستقبل.

"...والله لا يحب المفسدين" المائدة: 64

"...إن الله لا يحب المفسدين" القصص :77

" والله لا يحب الفساد" البقرة. 205

رابعا: الكفر

الكفر هو النكران والجحود.

نكران النعمة مهما كانت وتناسيها. وقد يتخذ معاني شرعية وحياتية وإجتماعية أخرى تحقق معاني الجحود والنكران.

"...فإن الله لا يحب الكافرين" آل عوران: 32

"..إنه لا يحب الكافرين" الروم : 45

"...إن الله لا يحب كل خوان كفور" الحج: 38

خامسا: الخيانة والإثم

الخيانة هي التفريط بالأمانة، وناقض العهد خائن، وهي سلوك مؤذي للمجتمع، ولهذا يعتبر الوفاء الذي هو عكس الخيانة صفة حميدة ومفيدة للمجتمع لأنه يحقق فوائد جماعية ذات قيمة حضارية.

والخيانة داء ينخر أعماق الشعوب ويحطم بنيانها ويبعثرها لتكون ضعيفة يتهالك عليها من يرغب فيها.

أما الإثم فهو الذنب وهو " ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس".

ومن يذنب يقترف عملا يعتدي فيه على حقوق الآخرين والحياة، ويؤسس لنتائج سلبية ذات تأثيرات مدمرة للمجتمع، ولهذا تم سن القوانين وتعريف الذنوب ومعاقبة من يقترفها لأنها تهدم المجتمعات وتحقق السوء الوخيم.

"...والله لا يحب كل كفار أثيم" البقرة: 267

"....إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما" النسائ :107

"وذروا ظاهر الإثم وباطنه إن الذين يكسبون الإثم سيجزون بما كانوا يقترفون" الأنعام: 120

سادسا: الإسراف

الإسراف هو تبذير الأموال والثروات .

"كلوا واشربوا وتصدقوا من غير سرف ولا مخيلة".

وكل إسراف مضرة وله عواقبه الصعبة، فلكل شيئ حدوده التي تحافظ على سلامته من الميل إلى حيث يخرج عن طبعه ودوره المفيد في الحياة.

فكل شيئ بمقدار وما زاد عن حده إنفلب ضده وقضى على نفسه.

والإسراف هو اللامعقول في كل ما يبدر من الإنسان، والمعقول أن يتم حفظ الموجود في وعائه الصالح لبقائه ودوام دوره المفيد في الحياة.

"... ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" الأنعام: 141، الأعراف: 3

سابعا: الخيبة واليأس:

الخيبة واليأس لا يتفقان مع الإيمان ومحبة الله، لأن التفاؤل من الإيمان  والخيبة واليأس من النكران والجحود.

ومساندة اليأس وتزويده بكل عوامل التأثير بين الناس يعطل الحياة ويشل القدرات، ويدفع إلى عدم رؤية الضوء والتمرغ بالظلام وسوء النوايا.

"...إن الله لا يحب الخائبين" الأنفال: 58

"ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون" يوسف: 87

"ولا تقنطوا من رحمة الله" الزمر: 53

ثامنا: الإختيال والفخر

الإختيال هو الكبر وإحتقار الناس وهو صفة مذمومة في جميع الأديان.

فلا يجوز الإختيال والتفاخر على الآخرين وإحتقارهم والشموخ عليهم، لأن في ذلك إساءة وهوان للناس جميعا وعدم إحترام للإنسان الذي خلقه الله بأحسن تقويم.

"...والله لا يحب كل مختال فخور" الحديد: 23

تاسعا: التكبر

التكبر هو التعالي على البشر وعدم الإكتراث لوجودهم ومعاني حياتهم، وهو إمعان فاحش في الإعتصام بخنادق الذات وتمادي في نرجسيتها وتقديرها، وربما تقديسها والتفاعل معها على أنها العالم وحسب، فلا قيمة لموجود من غير أن يحقق شيئا للذات العمياء الجاهلة المسجونة في صندوقها الأظلم المنتفخ وكأنه البالون الذي يوشك على الإنفجار.

"...إنه لا يحب المستكبرين" النحل: 23

هذه مبادئ سلوكية واضحة وقواعد راسخة تفضي إلى السعادة البشرية وتحقق الحلم الإنساني الراقي الذي ينفع الجميع، ويؤسس لمسيرة حافلة بالرحمة والصدق والرغبة الأكيدة بالحياة التي لا تضر الآخريين، فلنتبعها لنكون أرقى وأقوى وأقدر.

 

د. صادق السامرائي

 

 

saleh altaei2طالما شكوت وضع شعبي، وتألمت لما آلت إليه أموره، حتى ظننت بأننا الشعب الأوحد في الكون وعلى مر التاريخ؛ الذي ابتلاه الله بحكام أغبياء، وفرض عليه أن يعاني من حكامه، والشعب الوحيد الذي صودرت حرياته، ونهبت ثرواته، وتنمر طغاته، وبددت خيراته، وفسد ولاته، وتعددت جنسيات قياداته، لكن الظاهر أن هذا هو الحال الطبيعي لذلك النوع من الشعوب القليلة الفريدة الذكية اللماحة المبدعة؛ التي تجرأت، فكسرت سلاسل الرتابة، وانطلقت خارج حدود المألوف، فورطت نفسها في الاختراع والصناعة والمعرفة والفن والجمال، في وقت كانت البشرية كلها تغط بنوم عميق، كأنه سبات أهل الكهف، يتقلبون، تقرضهم الشمس، يبدون كالأحياء، ولكنهم في حقيقتهم لا حياة فيهم.

قناعتي الجديدة ولدت عند تصفحي الكتاب الثالث من موسوعة قصة الحضارة لول ديورانت؛ الذي تحدث فيه عن الصين، ولدت ساعة وجدت مقطوعة من خطبة ألقاها دوق "جَوَّ" بين يدي الملك "لي وانج" حوالي عام 845 ق.م، يُعَّرف الامبراطور من خلالها كيف يحكم، جاء فيها:

إذا كان الشعراء أحرارا في قرض الشعر.

والناس أحرارا في تمثيل المسرحيات.

والمؤرخون أحرارا في قول الحق.

والوزراء أحرارا في إسداء النص.

والفقراء أحرارا في التذمر من الضرائب.

والطلبة أحرارا في تعلم العلم جهرة.

والعمال أحرارا في مدح مهاراتهم وفي السعي إلى العمل.

والشعب حرا في أن يتحدث عن كل شيء.

والشيوخ أحرارا في تخطئة كل شيء.

فذلك هو الحكم الرشيد!

فأنا حينما سحبت تلك الصفات، وأسقطتها على صفات شعبنا العراقي، وجدت:

أن الشعراء في العراق أحرار في قرض الشعر، ولكن لا هم أجادوا صنعتهم فتفردوا، ولا وجدوا من يطرب لأقوالهم، بعد أن تكاثرت أعدادهم وكثر التناحر بينهم.

والفنانون أحرار في تمثيل المسرحيات طالما أنها لن تجد فرصة لأن يشاهدها الناس المشغولين بهموم دنياهم.

والمؤرخون أحرار في قول الحق؛ الذي يعرفون، دون أن يتعبوا أنفسهم بالبحث عن الحقيقة بين ركام الأكاذيب والدجل والغش.

والوزراء أحرار في إسداء النص، لا خدمة للشعب، وإنما حفاظا على مناصبهم ومكاسبهم وغنائمهم وأحزابهم ومذاهبهم وقومياتهم.

وفقرائنا أحرار في التذمر من الضرائب وخصخصة الكهرباء وارتفاع أسعار الدواء وفقدان مفردات البطاقة التموينية، بل إن حكومتنا العتيدة الرشيدة السديدة التي تقودها العمائم و(الغتر) و(الجراويات) والبراقع والربطات و(البوشيات) تشجعهم على التذمر لكي تطفئ نار غضبهم فلا يتطاير شرره قريبا من كراسيهم.

وطلبتنا أحرار في تعلم العلم جهرة حتى انه سمح لهم باستخدام السماعات والمرسلات وأدوات الغش المتطورة جهارا علنا لكي يحققوا النجاح، طالما أنهم سيضافون إلى طوابير الباحثين عن عمل، ومن وجد منهم عملا وفق نظام العقود الذي سنته الحكومة يبقى عرضة للطرد مع كل تبديل إداري في دائرته التي يعمل فيها، لأن المدير الجديد يجلب أهله وأحبابه وحزبه.

وعمالنا أحرار في مدح مهاراتهم وفي السعي إلى العمل، ولكن لا مهاراتهم مكنتهم من العثور على عمل، ولا سعيهم أوصلهم إلى نتيجة.

وشعبنا حر في أن يتحدث عن كل شيء ولاسيما السياسة، لأن حديثه عنها يزرع بين مكوناته العداء، فينشغلون بأنفسهم وفيما بينهم عن فساد حكومتهم.

وشيوخنا (أعضاء مجلس نوابنا) أحرار في تخطئة كل شيء لأنهم يظنون أن الله خلقهم من سلالة آلهة سومر وبابل ونمرود، وفرض على الناس تبجيلهم والركض خلف مواكبهم وانتظار بعض عطاياهم.

المشكلة أن الصين في عصرها الراهن، حققت أكثر من ثورة ابتداء من ثورة شينخاي 1911 وعصيان أوهان في 10 تشرين الأول 1911، وخلع الإمبراطور "بوئي" في 12 شباط 1912، إلى الثورة التي انطلقت عام 1919، وتكللت تلك الثورات بالثورة البروليتارية الثقافية الكبرى عام 1966؛ التي قادها "ماو تسي تونغ" بدعوته الشباب الذين عُرفوا فيما بعد باسم الحرس الأحمر إلى القيام بانقلاب على الزعامة الشيوعية.

أما نحن العراقيين فكل الثورات ولاسيما منذ عام 1963 فصاعدا كانت سعيا من سياسيين مغامرين  وراء السلطة والمال لا رغبة في خدمة الشعب ونشر الجمال، وقد تكللت بثورة التغيير عام 2003 التي قادها ونفذها الجيش الأمريكي؛ خطة ومنهجا وعددا وعدة وشخوصا. الاختلاف الوحيد بيننا وبين الصين أن ما عرفت بالثورة الثقافية حتى مع كونها تسببت في سفك الكثير من دماء الأبرياء، وخربت الكثير من التراث الصيني إلا أنها هي التي خلقت الصين الحديثة بكل ما تمثله من قوة ونفوذ وسمعة ورهبة، أما ثورة التغيير في عام 2003 في العراق فإنها أسهمت في سفك دماء العراقيين وسرقت أموالهم وجردتهم مما بقي عندهم من زمن القحط الصدامي وعرضت بلدهم إلى التشظي وجعلته بؤرة للاحتقان ومشروعا للمصائب وكأن ما يلوح في الأفق مجرد صور تتهدد وجودنا ومستقبل أولادنا وأحفادنا. ومعنى هذا أننا إذا ما كنا حريصين على أمن وسلامة بلدنا وأجيالنا، ومستقبل البشرية معنا، فعلينا القيام بثورة شعبية ثقافية نختم بها مراحل معاناتنا، إذ لا سبيل سواها بعد أن فشلت كل السبل التي اتبعناها من قبل! ولا غرابة في ذلك لألسنا أصحاب هوسة: "يا بغداد ثوري .. ثوري .. وخلي (فلان) يلحق نوري"؟

 

mutham aljanabi2إن احدى الحقائق التاريخية والسياسية الكبرى التي يمكن استنباطها من تاريخ الأمم تقوم في أن قيمة الأحداث التاريخية الكبرى لا تكمن فيما تريد قوله وفعله فحسب، بل وفي مآثرها العميقة بالنسبة لإعادة ترتيب الوعي الذاتي. وذلك لأنها تضع كل شيء على ميزان المواجهة مع النفس. وإذا كان الحدث التونسي والمصري قد مثلا في بداية الأمر رئتي الاستنشاق العميق لرياح الحرية العاتية، فإنهما يكونا بذلك قد دفعا بالدماء النقية إلى كل شرايين الجسد الاجتماعي والسياسي والعقلي والوجداني والوطني (التونسي والمصري) والقومي العام (الذي اخذ صداه ومجراه يجري في كل البلدان العربية بدون استثناء). بمعنى أن هذا الحدث التاريخي الأول كان يمثل الاستنشاق العميق والسليم لنفس الحرية، بوصفه المعيار الفعلي للحق والحقيقة والقيم المتسامية. كما أنها ضمانة التطور الطبيعي والعقلاني. وذلك لأنها تضع الجميع أمام محك المجتمع والقانون. وليس مصادفة أن يتطابق الشعار الشعبي والوطني في تونس ومصر ولاحقا في البلدان العربية جميعا مع مضمون المطالبة بالحرية بوصفها نقيضا للاستبداد والفساد. وذلك لان التجربة التاريخية تكشف عن أن الاستبداد هو مصدر الفساد، والفساد هو دم فاسد، أي قاتل للروح الاجتماعي والوطني والقومي. ومن ثم فهو قاتل للوجود الإنساني الحق.

ذلك يعني إننا نقف أمام تحول بنيوي عميق في الرؤية السياسية يوحد في مقدماته وأساليبه وغاياته أيضا الأبعاد الاجتماعية والوطنية والقومية. وفيما لو أوجزنا حقيقة ما جرى ويجري من أحداث كبرى في العالم العربي الآن، فإنها تقوم في صعود ظاهرة التيار الاجتماعي العقلاني الحر في تحدي الطريق المسدود للدولة العربية الفاشلة ونظمها السياسية المتحللة. ومن ثم الوقوف أمام ظاهرة نوعية جديدة من حيث قواها الذاتية، وأسلوب عملها، ونوعية نشاطها، وشعاراتها، وطبيعة خطابها، وغاياتها.

فقواها الذاتية هي الشرائح الاجتماعية المتعلمة، والشبابية منها بشكل خاص. الأمر الذي يجعل منها قوة اجتماعية مدنية ومستقبلية. ووجد ذلك انعكاسه في أسلوب عملها الاجتماعي البحت، ومن ثم نشاطها العلني والمدني في مواجهة السلطة (التقليدية) وأجهزتها القمعية (البدائية). وكشف كل ذلك عن وجود صراع بين عالمين مختلفين، ورؤيتين متباينتين، و"ثقافتين" متناقضتين، كما نعثر عليه في نوعية النشاط الذي خاضته وتخوضه هذه القوة الاجتماعية الجديدة في مواجهة قمع السلطة.

كما يجد هذا الصراع انعكاسه النوعي الجديد في موقف الدول العربية من الصراع الدائر فيما بينها. فالدولة الراديكالية تريد الإبقاء على نمط الاستبداد والتحلل بوصفه طريق "الأمان"، بينا تسعى الدولة التقليدية إلى حرف الأبعاد الاجتماعية والمستقبلية للصراع من خلال إثارة الطائفية ومختلف الأشكال البدائية كما هو جلي في سلوك مملكة آل سعود والدويلات الخليجية. بما في ذلك من خلال "استباق" الحركات الثورية ومحاولة "تزعمها"!! وذلك لأنها تتوجس طبيعة التحول العاصف والبنيوي في الثورات العربية الأخيرة. فإذا كان بإمكانها سابقا المناورة من خلال استغلال مختلف أساليب المؤامرة والمغامرة والمقامرة في الصراع ضد سلطات لا تختلف عنها كثيرا من حيث الأسلوب والوسيلة والغاية، على الأقل فيما يتعلق باتخاذ القرار والاستفراد بالسلطة وموارد الدولة، فان القضية تختلف الآن اختلافا بدأ يتخذ أبعادا جوهرية مغايرة. فالصراع ضد الدول العربية الأخرى يعني الصراع ضد شعوبها. وهذا ما لا طاقة لها به. من هنا محاولة الالتفاف عليها بطرق تتسم بقدر هائل من الدهاء الخبيث البليد والسقوط الأخلاقي، كما هو جلي في مواقفها من الثورة اليمنية في دعمها المستمر والعلني لعلي عبد الله صالح (وقبلها إيواء زين العابدين بن علي ومساعيها للحصول على حسني مبارك والبقية الباقية من "زعماء" ترهات). والغاية من وراء ذلك هو استعمال كل ما يمكن استعماله، بما في ذلك قطع الغيار المستعملة والقديمة من اجل الالتفاف على مجرى العملية الثورية الحالية او توجيه  مسارها  صوب الطريق المسدود. كما فعلت وتفعل لحد الآن تجاه العراق من اجل إلهائه في البقاء ضمن دوامة العنف والتحلل. بينما نراها تساهم في قمع الثورة البحرينية ومحاولة تحويلها صوب صراع طائفي. بينما تسلك سلوكا عنيفا ومرابيا وداعما للحرب الأهلية في سوريا. وتعمل في الوقت نفسه بمختلف الأساليب من اجل ابتزاز مصر وليبيا. وترشي الملكة المغربية والأردن بدعوة الانضمام إلى "مجلس التعاون" (او نادي الملكيات)، أي إننا نقف أمام محاولة استبدال ربيع الحركة العربية الاجتماعية والمستقبلية "بخريف الملوك"، أي استبدال العقل والمستقبل والحرية بالخرافة والماضي والاستبداد. وليست هذه المقارنة في الواقع سوى الوجه الظاهري لصراع تيارين يتمثلان تقاليد دولة العائلة والقبيلة الفاشلة من جهة، وتيار الدولة الاجتماعية والوطنية والقومية من جهة أخرى.

وليس مصادفة أن يكون التيار المعارض من حيث أسلوبه الأولي والظاهري "الكترونيا"، أي "غير مادي". وبالتالي استحالة الإمساك به. وبالمقابل انه الأكثر قوة وتأثيرا وتصميما وقابلية للتوسع والارتقاء. وذلك لأنه يتمثل أولا وقبل كل شيء نتاج العلم والمعرفة العصرية. وفي الوقت نفسه لم يؤد ذلك إلى اغتراب هذه القوى عن المجتمع، بما في ذلك أشدها تقليدية وتخلفا. وذلك بسبب فاعلية الشعارات الاجتماعية والسياسية التي كانت تتمثل وجدان الفئات المقهورة والمهانة، وفي الوقت نفسه يرتقي بها إلى مصاف الفكرة الوطنية والقومية العامة من خلال تلحينها أغاني الوجدان المعذب بموسيقى الحرية والحق والعدالة. ذلك يعني أنها استطاعت أن تتمثل في خطابها السياسي والاجتماعي الوجدان المعذب ومشاكل المجتمع، كما تتحسسه وتفهمه القوى الحية (الشبابية).

إن تمثل الوجدان الاجتماعي من جانب القوى الشبابية الحية المتعلمة والمثقفة، أي القوى التي تحمل في نفسيتها وذهنيتها جنين المستقبل، كان ردا تاريخيا هائلا على جمود وخمول واضمحلال وتلاشي "اليسار" و"اليمين" التقليديين. وذلك لان هذا التيار الاجتماعي الحر والعقلاني، هو تيار الحياة الفعلية والمستقبلية، وليس تيار العقائد الميتة والاحتراف الحزبي الضيق.

فقد كشفت هذه الأحداث عن احتراق التيارات العقائدية وتقاليد التحزب المحترف، بوصفها بقايا عالم مندثر. وليس مصادفة أن نلحظ ضعف وخوار بل و"موت" الحركات التقليدية من "يسار" و"يمين" و"علماني" و"ديني". وذلك لان هذه التيارات التقليدية تعتاش على صراع عقائد وأيديولوجيات، ولا تعيش بمعايير المعاصرة والمستقبل. ومن ثم لا تحس نبض التاريخ ولا ترى آفاقه. ولا يغير من حقيقة وآفاق هذا الاستنتاج استحواذ الحركات الإسلامية السياسية على مقاليد الأمور في انتخابات ما بعد سقوط الدكتاتوريات في تونس ومصر وليبيا. وذلك لأنه جزء او حلقة من مسار "طبيعي" هو جزء مما ادعوه بصيرورة المركزية الإسلامية وطرق ارتقاءها من الحالة اللاهوتية الدينية إلى الدينية السياسية وعبرها صوب الرؤية السياسية الثقافية. وفي حال عدم الارتقاء فأنها تتحول بالضرورة إلى سماد الأرض الاجتماعية للبدائل السياسية الأكثر تنورا وتنويرا. وهي عملية حتمية، كما أنها طبيعية من اجل أن يجري تراكم الوعي الاجتماعي السياسي المستقبلي بمعايير التجارب الذاتية السليمة.

فالتيارات التقليدية لا ترى غير السلطة. وليس مصادفة أن ترتقي فكرة السلطة عندها إلى مصاف المقدس، وان تعتبرها الضمانة الكبرى "للثورة"، وما شابه ذلك. ومن ثم تحول المجتمع وقواه الاجتماعية إلى مجرد وقود لمغامراتها ومؤامراتها. والسبب يكمن في أن السلطة هي المهنة المدرة للأرباح والفوائد عند هذا النوع من الحركات الحزبية. الأمر الذي أدى ويؤدي إلى تصنيع "أزلام سلطة" وليس رجال دولة.

بينما كشفت وستكشف الأحداث الحالية للثورة العربية عن أن التيارات الحزبية التقليدية ليست سياسية، بل عصابات متحزبة لمصالح أنانية ضيقة. وهي في أفضل الأحوال مجرد بقايا لتقاليد راديكالية خربة وتقليد أيديولوجي عتيق. مع ما يلازمه بالضرورة من انعدام العلم والمعرفة والاحتراف، أي كل ما يجد الاستعاضة عنه بالتحزب. وبالمقابل كشفت هذه الأحداث نفسها عن ظاهرة نوعية جديدة وهي صعود شباب اجتماعي متعلم وسقوط "قيادات" حزبية جاهلة. بعبارة أخرى، إننا نقف أمام صعود ظاهرة اجتماعية سياسية نوعية جديدة وهي: متعلمون وليس متحزبون في إدارة الصراع السياسي. ذلك يعني أنهم يتمثلون إحدى المكونات الضرورية للمستقبل الديناميكي القائم على إدراك قيمة وأهمية وضرورة الإدارة، بوصفها بديلا جديدا لتقاليد "القيادة". والفرق بينهما هو الفرق بين العلم والمعرفة من جهة، والتقليد والتقاليد من جهة أخرى، بين فكرة علمية وفكرة حزبية، بين فكرة مدنية حديثة وبنية تقليدية عائلية أو قبلية أو جهوية. وأن هذا الخلاف الجوهري يشير إلى خلاف بين زمن ماض وبين تاريخ مستقبلي. وفيما بينهما نعثر على ملامح الديناميكية الداخلية التي ستكشف عن نفسها لاحقا، والقائمة في طبيعة التناقض الظاهر في الحياة السياسية بين المعرفة الحقيقية والتحزب. ووراء ذلك يكمن الخلاف الجوهري بين الثبات التلون. فإذا كان العلم يتسم بالثبات لأنه بحث عن الحقيقة، فان التحزب قابل للتلون.

كما تضع هذه الظاهرة الجديدة مهمة النظر إلى البدائل بمعايير الرؤية العلمية والطلاق التام مع تقاليد الأيديولوجيات والعقائد الجازمة، أيا كان شكلها ومضمونها. فالدرس الأكبر مما جرى ويجري من عصيان ثوري أولي في العالم العربي يقوم في إبراز أولوية الطاقة الكامنة في أجيال المستقبل. وهو جيل أو مجتمع المعرفة والعلم والتكنولوجيا، أي الفئات المتعلمة والمثقفة، وليس مفهوم الطبقات وغيرها من الصيغ السوسيولوجية والأيديولوجية التقليدية. فالفئات الجديدة، أو جيل المستقبل هو جيل البدائل الاجتماعية الكبرى، وذلك لأنه محكوم من حيث تأهيله ورؤيته بمعايير المعرفة العلمية الحديثة، أو على الأقل انه متحرر من شوائب التقليد الأيديولوجي والتحزب الضيق. الأمر الذي يجعل من هذا الجيل مع مرور الزمن حامل المقومات والمقدمات الجديدة للتطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، باختصار حامل البدائل الواقعية والعقلانية. وذلك لأن رؤيته المستقبلية محكومة بمعايير المستقبل نفسه. وبالتالي، فانه الجيل الذي يتماهى مع فكرة المجتمع المدني والنظام السياسي العقلاني والدولة الحديثة والتطور العلمي. إضافة لذلك أن المستقبل، على خلاف ما كان في الماضي القريب أيضا، لم يعد جزء من حلقات الزمن (ماضي – حاضر – مستقبل)، بل أصبح جزءا من صيرورة الحاضر. وهذا بدوره وثيق الارتباط بماهية العلم الحديث والمعرفة الحديثة والتكنولوجيا الحديثة. الأمر الذي يجعل من قوة المستقبل هذه القوة العقلية والروحية الكبرى، ومن ثم القوة المنتجة الكبرى. مع ما يترتب عليه من بروز قوة سياسية تذلل بالضرورة تقاليد التحزب الشائخة.

إن الديناميكية المتراكمة التي كشفت عن نفسها في أحداث الثورة العربية المستمرة تشير إلى طبيعة التراكم الذي يصنع قوة المستقبل، أي قوة التيار الاجتماعي العقلاني الحر. وهي ظاهرة كونية من حيث ديناميكيتها الداخلية، لكنها تتميز بخصوصية فريدة من نوعها في الأحداث والتاريخ العربي الآني والمستقبلي. ولعل من أهم مميزاتها:

1. أنها نتاج تطورها التلقائي، بوصفها حركة اجتماعية ثقافية سياسية قائمة بذاتها من حيث حوافزها الداخلية، أي أنها تجرى بموازاة ونفي تقاليد التحزب والأحزاب القديمة. فالأخيرة هي الوجه الآخر للسلطة التقليدية نفسها.

2. أنها نتاج مواجهة وتحد متراكمين من حيث مكوناتها العقلية والروحية على النظم التقليدية في العالم العربي. فجميع النظم السياسية في جميع الدول العربية تقليدية بدون استثناء. أن جميع الدول العربية ونظمها السياسية تعيش وتعمل بمعايير ما قبل الدولة الحديثة، أي أنها تعيش بمعايير الماضي. من هنا تراكم الشحنة الخفية والقوية ضدها على كافة المستويات. 

3. أنها تكشف عن وحدة الرؤية الاجتماعية والسياسية والثقافية بأبعادها الوطنية والقومية. من هنا تناغمها في الزمان والمكان، والنظر والعمل، والشعار والغاية. الأمر الذي يشير إلى فاعلية تاريخ خفي موحد بين الدولة العربية (الجزئية) والعالم العربي (ككل).

4. أنها حركة المستقبل. وبالتالي تحتوي على احتمالات متنوعة، لكنها تبقى في نهاية المطاف جزء من المسار الواقعي والعقلاني للبدائل الكبرى في الدولة العربية والعالم العربي ككل.

إن الإدراك الفلسفي العقلاني لطبيعة الثورة العربية ومجرياتها الحالية، ممكن فقط ضمن سياق ما ادعوه بفكرة الاحتمال العقلاني. إذ تحتوي من بين الأفكار جميعا على قيمة منهجية (نظرية وعملية) لفهم نوعية الانتقال من الزمن إلى التاريخ بالنسبة للعالم العربي. وتحتوي هذه بدورها على عناصر عديدة. ومن الممكن الاكتفاء هنا فقط بفكرة الاجتهاد الحر بمعايير العقل، والعمل بمعايير المستقبل، أي الفكرة المحكومة بالواقع التاريخي. والمقصود بالواقع التاريخي هنا هو المرحلة الثقافية الكبرى التي تمر بها الأمة أو الأمم. ففي حالة الموقف من العالم الإسلامي بشكل عام، فانه يمر بحالة ما ادعوه بالمركزية الإسلامية الحديثة. وهي جزء من استعادة تقاليد أو روح المركزية الثقافية الكونية. من هنا تداخل المكونات السياسية والثقافية والقومية فيها بقدر واحد. وحالما يجري نقل هذه المركزية واحتمالاتها إلى المستوى القومي، فأنها تتخذ هيئات متنوعة ومتباينة بالارتباط مع مستوى التطور الثقافي. والإشكالية الكبرى هنا هي إشكالية تأسيس وعي الذات القومي والثقافي، بوصفها حركة تلقائية متراكمة في منظومة مرجعيات متسامية. الأمر الذي يتطلب معرفة موقع النفس في سلم أو درجات التطور التاريخي الثقافي (والتي تطرقت إليها في حلقات سابقة).

وضمن هذا السياق أيضا، يمكن القول، بان ما جرى ويجري في تونس ومصر والأردن واليمن وليبيا والبحرين وسوريا ومملكة آل سعود وغيرها من حلقات السلسلة العربية الآخذة في الانفراط، ليس إلا الوجه الآخر أو الصيغة الأخرى لإعادة لضم هذه الحلقات بخيوط الحركات الاجتماعية الجديدة. وبالتالي، فإنها تشير إلى ظاهرة واقعية ومستقبلية بقدر واحد. وفيها يمكن أن نرى ونتأمل نفي الصيغة الخربة لإرساء أسس البدائل للدولة التقليدية بمختلف أشكالها وأصنافها، بوصفها نماذج للدولة الفاشلة، أو الدولة الرخوية. وبهذا المعنى يمكن النظر إلى ما يجرى في العالم العربي على انه "ثأر" من النفس أولا وقبل كل شيء. لكنه ثأر عقلاني واجتماعي يأخذ على عاتقه مهمة فتح طريق المستقبل الحر بدون وصاية ورعاية أيا كان مصدرها. وليس هناك من طريق لها في العالم المعاصر غير بناء الدولة الشرعية والنظام السياسي المدني الديمقراطي والثقافة العلمية الحديثة.

فإذا كان الاحتلال الأمريكي للعراق، على سبيل المثال، دليلا أولا وقبل كل شيء على انحلال الدولة العراقية التقليدية، فان الدولة الشرعية والمجتمع المدني الحر، والثقافة العلمية المتقدة هي القوة الرادعة لكل تدخل أجنبي غريب أيا كان شكله ومستواه ومحتواه وغايته. فالتدخل الأجنبي هو أولا وقبل كل شيء دليل على انهيار الدولة الخاضعة للتدخل، وبقاء تقاليد الغلبة والهيمنة والاستحواذ على النطاق العالمي. وما جرى في العراق وتطبيقه النسبي والجزئي في ليبيا بغطاء آخر، ومحاولة تكراره في سوريا يكشف عن أن العولمة لا يمكنها أن تكون أسلوبا للحلول العقلانية ما لم يجر الاشتراك فيها بقوة تناسب قوى المشتركين الأساسيين فيها. بمعنى أنها ما زالت (وستبقى لفترة يصعب تحديدها الآن) ميدانا لصراع المصالح. وبالتالي، فان كل الشعارات البراقة عن الديمقراطية والتطور والتقدم وما شابه ذلك تبقى مجرد شعارات ظاهرية لا تؤدي محاولات "زرعها" إلا على إنتاج ثمار مرة. وذلك لأنها أولا وقبل كل شيء مشاريع خارجية، أي أنها ليست تلقائية، وليست اجتماعية، وبالتالي ليست مستقبلية. وليس مصادفة أن نرى ملامح الفشل السريع للمشروع الأمريكي في العراق وتعرضه للهزيمة المادية والمعنوية. وهذا بدوره ليس إلا الخاتمة الطبيعية لكل مشروع خارجي. كل ذلك يبرهن على جملة حقائق كبرى لعل أكثرها أهمية ضمن هذا السياق هو ما يلي:

• إن نجاح أي مشروع كبير هو أولا وقبل كل شيء نتاج لتراكم الرؤية الواقعية عن طبيعة وحجم الإشكاليات التي تواجهها الأمة والدولة.

• إن أجمل وأفضل المشاريع الأجنبية تبقى غريبة من حيث المقدمات والنتائج. وذلك لان المشاريع الأجنبية لا يمكنها التوفيق بين رؤيتها الخاصة ورؤية الآخرين، وبالأخص في ظل اختلافات جوهرية في التاريخ الثقافي والسياسي والتطور العام.

• المشاريع الأجنبية إما أملاءات وهو الأتعس، وإما سياسة المصالح الضيقة وهي الأكثر تخريبا.

• إن المشاريع الأجنبية هي مؤشر على خراب ذاتي، ودليل على اختلال في توازن القوى. وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليها.

• إن البدائل المستقبلية الكبرى ينبغي استمدادها من المستقبل الذاتي.

إن حقيقة المستقبل بالنسبة للعالم العربي مقرون بالإجماع المتنامي في كل مكونات ومنظومات وجوده على فكرة الاحتمال في البدائل، بمعنى الانهماك في التخطيط المتنوع والمختلف لهوية المستقبل. وليس هذا بدوره سوى الاجتهاد والجهاد الدائم من اجل تحقيق إستراتيجية بناء الهوية الوطنية والقومية، والدولة الوطنية والقومية، والثقافة الوطنية والقومية. وهو مشروع لا يمكن تحقيقه بين ليلة وضحاها. لاسيما وأنه ليس جزء من تصورات الأحزاب وأيديولوجياتها، بل هو المكون التاريخي لتطور المجتمع والبنية الاقتصادية ونظام الدولة السياسي والثقافة العامة والخاصة. وبالتالي، فهو المشروع الأكبر للعملية التاريخية المعقدة التي يتوقف مسارها وسرعتها على طبيعة التحولات السياسية والاجتماعية وقواها المحركة والفاعلة.

ويفترض هذا بدوره بلورة رؤية واقعية وعقلانية عن ماهية البديل الوطني والقومي، الذي ينبغي أن يأخذ بنظر الاعتبار نتائج مراحل السقوط (كل بلد لحاله) من اجل تذليلها الفعلي. بمعنى دراسة وتحديد الموقف من 

• الدولة عبر تأسيس وتحقيق فكرة الدولة الشرعية

• النظام السياسي عبر تأسيس وتحقيق فكرة النظام الديمقراطي الاجتماعي

• الاقتصاد عبر تأسيس وتجسيد فكرة الاقتصاد الديناميكي والاجتماعي

• المجتمع عبر تأسيس وتحقيق فكرة المجتمع المدني

• توسيع وتحقيق القيم الأخلاقية الكبرى المتعلقة بمنظومة الحرية والعدالة والمساواة،

• التربية والتعليم عبر إرساءها على أسس علمية وعملية حديثة

• الثقافة المؤسسة على قيم العقلانية والنزعة الإنسانية

• إرساء أسس جديدة للخطاب الاجتماعي والوطني والقومي والإنساني. وتوظيف ذلك في شعارات تستجيب للواقع وما تريده الأغلبية مما يسهم في توسيع مدى الأبعاد المشار إليها أعلاه. إضافة إلى تركيزها على القيم والمفاهيم والقضايا الجامعة والملامسة لإحساسه اليومي والمستجيبة لوعيه الثقافي والتاريخي. وأن يكون الخطاب والشعار محمولا بفكرة الحرية والمستقبل. وأخيرا، الخروج التام من تقاليد وبقايا النزعة الأيديولوجية الصرف وهالة الماضي وتمجيد الموتى. (يتبع...).

***

 

ا . د. ميثم الجنابي

 

 

sadiq alsamaraiإبن رشد العربي القرطبي (1126-1198) ميلادية،  ثائر عقلي وفيلسوف لبيب عمل جاهدا لإحياء العلوم العقلية ورفع رايات يعقلون ويتفكرون ويتدبرون، فحاول التوفيق ما بين الشريعة والحكمة، وتحرير العقل من أصفاد التبعية والإذعانية والخنوع والجمود، ودافع عن العقل ووقف ضد الساعين لتدميره وإلغاء دوره، فرد على كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي بكتاب تهافت التهافت، وتواصل بنشاطاته الفكرية لإستنهاض العقل العربي من غفوته وغفلته وإطلاق جوهر ما فيه من المكنونات الحضارية.

ولا أريد الخوض في تفاصيل حياته لأن ما يهمني هو دعوته إلى العمل العقلي والإبداع اللازم لصناعة الحضارة المتوافقة مع قدرات الأجيال في عصورها المتعاقبة، فهو من كبار علماء زمانه وتولى قضاء إشبيلية وقرطبة وكان من المقربين لخلفاء الموحدين خصوصا المنصور، الذي قربه ودمره في ذات الوقت بسبب وشاية فقهاء الدين، الذين شعروا بأن توجهات إبن رشد تزعزع سلطاتهم الدينية وهيباتهم الإجتماعية والسياسية، ففعلوا ما فعلوه من الوشايات والمكائد التي إنتهت بإحراق كتبه وإتهامه بالزندقة والإلحاد ونفيه إلى مدينة "اليسانة".

وتم إشاعة وترسيخ مفهوم أن الفلاسفة والذين يعقلون ويتدبرون ملحدون وزنادقة، وعلى الناس أن يبتعدوا عنهم ويحتقرونهم ويحرقوا كتبهم ويمتنعوا عن تداول آرائهم.

وفي هذا الوقت إهتمت أوربا - التي كانت تعيش في ظلمات عصورها - بفكر إبن رشد ورؤاه وتصوراته، وإنطلقت فيها حركات إعمال العقل والفكر، وبفضل هذه التفاعلات إستطاعت أن تتحرر من عصور الإنحطاط وتبدأ ثورتها المعرفية، التي توجتها المنطلقات البيكونية المعتمدة على التجربة والعلم فوصلت بأحوالها إلى ما هي عليه اليوم.

بينما العرب إجتهدوا في قتل فكر إبن رشد وإسكات دعواته العقلية والتدبرية والتفكرية، فتمتعوا بعصور إنحطاط حالكة منذ وفاته وحتى اليوم، حيث لا يزالون يحاربون العقل ويتبعون ذوي العمائم واللحى من الذين يتاجرون بالدين ويسخرون العباد لتمرير رغباتهم وأهوائهم وما يبتغون من متاع الدنيا ولذائذها، وهم من ألد أعداء الدين وأشد خلق الله نفاقا ومراءاة.

وكان إبن رشد منوِّرا عقليا شجاعا ومقداما فوضع المتاجرين بالدين في مواقف صعبة تهدد مكانتهم مما حدى بهم للقضاء عليه وإعدام فكره ومنطلقاته المبنية على الأدلة والبراهين العقلية والحقائق الساطعة، فهم يريدون مَن يتبع ويقبع، ويفترضون أن الناس جهلة لا يعلمون وهم الذين يحتكرون المعارف والعلوم، وما على الآخرين إلا أن يقولوا آمين.

ومن المعروف أن مصطلحات فاسق، كافر، مارق، ملحد وزنديق وغيرها قد طغت على المسيرة العربية ولا تزال فاعلة في المجتمع العربي، فما أن ينهض إنسان يدعو إلى العقل وإستخدامه حتى هبت بوجهه العمائم واللحى لأنها تشعر بالتهديد وأكالت عليه هذه التهم وخوفت الناس منه ووضعته في أقفاص الإتهام، فتنهال عليه الأقلام المغرضة ووسائل الإعلام، ويتم التشهير به في الخطب والمحافل، حتى يتقرر إغتياله أو الحكم عليه بالسجن المؤبد، لأنه قال يا أمة يعقلون أين العقل، أو يا أمة " إقرأ" لماذا لا تقرؤون؟!!

وهذا السلوك أدى إلى ترسيخ مفاهيم وتفاعلات الإنحطاط الوخيم الفاعل بالوجود العربي منذ وفاة إبن رشد وحتى اليوم، ولن تستعيد الأمة كرامتها وقدراتها الحضارية إن لم تعود إلى عقلها وتستحضر حكمتها ورشدها، وتعمل بقدرات العقول المتفاعلة الفاعلة لا المنفعلة الخالية من حثالة لب أو رشاد مبين.

فهل سنعيد لإبن رشد عزته وكرامته، وللعقل هيبته وحضوره في واقعنا المنحط الممنوع من إعمال العقل؟!!

أم أن في ذلك كفر وإلحاد وزندقة ومروق وفسوق، يا أمة خجلت من وجودها الأمم؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

juotyar tamer2تعتمد المقولات الشعاراتية في الكثير من الاحيان على موروثات تسمى في المعاجم التي وضعها البشر  بالحضارة، ووفق المنطق التاريخي،الشرق وبالاخص الاوسط مهد الحضارات البشرية ومهد الاديان الرسالاتية، ومنها انبثقت التشريعات وسنت القوانين، ونطقت الاحرف وبدأت الكلمة المرسومة المكتوبة، وتكونت اولى البنى للتجمعات البشرية، والحضرية، ومنها انتشرت الى باقي المناطق المجاورة، ناهيك عن ان في الشرق الاوسط بالذات ولد الانبياء والى غير ذلك من الاستدلالات الشعاراتية التي يستشهد بها كل شرقي سواء أكان متدينا ام قومياً او حتى ملحداً، تاركاً وراء مقولاته كماً هائلاً من التساؤلات التي قد تجابه من اصحاب الفكر الشعاراتي بالنكران.

حين نقف عند مفهوم الحضارة بالذات نشعر بشيء من الغبطة، ولكنها غبطة لاتستمر الا للحظات فما ان نستعيد قوانا الذهنية ونفكر  بشكل عقلاني في ماهيات الحضارة سواء القديمة ام الحاضرة، حتى نجدنا امام معضلة لاحل لها، حيث التضاد قد تسرب الى شرايين الشرقي في الشرق، واصبح يلهث وراء وَهم مدون فقط ولا وجود له على ارض الواقع، ولاننا لم نعد نعيش وفق منطق الغيبيات والتراجيديا الميثولوجية القديمة والشعارات، فاننا اصبحنا ننظر الى الامور وفق معطيات اخرى، بحيث لم تعد تلك البرمجيات القديمة بكل تمفصلاتها تؤثر فينا لا عاطفياً ولا حتى تبهرنا لاسيما بتلك الامثلة من المجتمعات القديمة والتي استمرت على نمطها في العصر الوسيط لبرهة قبل ان تتحول هي الاخرى الى وقائع لامسنا فيها عمق التضاد، فالشرقي المتنمق لايستند في حياته الا على المثالية المتعالية التي ورثها ضمن مدونات الاجداد ولو بحث عن التلازميات التي رافقت تدوين تلك المثاليات لوجد عمق التناقض الذي كان يعيشه هولاء، فعلى سبيل المثال لا الحصر، لم يزل الشرقي ينظر الى الاقوام المجاورة على نحو من التدني، لكونهم بنظره اقل شأن حضاري منه، ودائما نجده يستشهد بالبنى الرخامية التي تركها اسلافه واجداده في المنطقة ليقول للاخرين باننا كنا اصحاب حضارة وعمران، ولو وقف فقط برهة زمن واسترجع الكيفية التي جعلتهم يبنون تلك الصروح العمرانية مثلاً، لادرك بانهم استخدموا الالاف من العبيد"البشر" ومارسوا معهم الضرب بالسياط والتجويع والقهر والاستبداد حتى استطاعوا من بناء تلك الصروح التي يسميها" الشرقي" الان حضارية وهي في الاصل بنيت بدم الالاف وعرقهم، فكيف تقول عن صر ح ما حضاري وهو قد بني بعمل لاانساني، هذا التساؤل لايحتاج الى جواب منمق اخر مطعم بالشعاراتية التي فقدت عذريتها، انما تحتاج الى عمق عقلاني تأملي تأويلي حداثي وفق منهج انساني بحت، لانه اذا ما اسلمنا بامر الواقع بانها سنة الحياة في ان يعمل ويكد البعض ويموتون جوعاً كي يخلد التاريخ اسماء مضطهديهم ومستغليهم فانه التضاد والتناقض بحد ذاته، لاننا بذلك ننفي عن وجودنا السمة والصفة الاسمى التي نفتخر بها عن باقي الكائنات وهي الانسانية. ناهيك عن الاستعباد فهناك حيث نسميه مهد الحضارات لم تمر عليه حقبة دون اراقة الدماء والقتل (الصراعات ما قبل التاريخ والصراعات في العصر اليهودي والمسيحي والاسلامي ومن ثم القومي)، وكل الاحداثيات المتعلقة بالصراعات تلك تدور ضمن منظومة واحدة وهي اقصاء الاخر، وبناء صرحه فوق جماجم الاخرين، بحيث تحول تاريخهم الى تمجيد للملوك المقاتلين والمحاربين وكل ما دون وقتها وكل ما رسم وقتها ونقش على الجبال والاحجار والرخاميات والطين واوراق البردي وغيرها هي رماح وسهام والات حرب ودمار، واسماء وحملات ملوك وجيوش واسرى واستعباد ونساء وقهر وحيوانات  كالاسود والنمور والاحصنة والثعابين والنسور تمثل السلطوية بدلالاتها ووحشيتها " قوتها "، انه المنطق القديم الذي نستشهد به حديثاً لنقول للاخرين باننا كنا مهد الحضارات وكانت ارضنا ارض التشريعات.

والغريب في الامر بانه رغم كل التشريعات سواء الدنيوية او السماوية الرسالاتية فان الرؤية الاقصائية لم تتغير عند ابناء الشرق وظلوا يمارسون هوايتهم المفضلة وهي الحرب والقتل والسبي والخراب والدمار فمن سبي بابل الى وقتنا الحاضر ستجد الالاف من المُمارسات المتشابهة التي اقدَمَ عليها اصحاب الاديان والرسالات باسم نشر التحضر والقيم، وبالتالي فان المنظومة التي يرثها الشرقي لايمكن ان تخلوا في حقبة ما من هذا التناقض والتضاد اللامنطقي، فمن كان  وفق منطقه البداوة او البادية اقل شأن واقل تحضر من المدينة، وفي الوقت نفسه كان يرسل اولاده الى اليها ليتعايشوا لفترة ضمن دائرة البدو وذلك ليتعلموا منها الشجاعة وفصاحة اللسان والقيم والى غير ذلك من الامور التي هي ضمن التوثيقات الحضرية المستمدة من البداوة والتي كان ينظر اليها على انها اقل شأن منه،فانه لابد وان ولد من ماء امتزجت الملوحة والعذوبة فيه بحيث ورث جمع الاضداد منها.

ووفق هذا المنطق فان التلازميات الشرق اوسطية هي من اكبر الاوهام التي جعلت الانسان على هذه البقعة يعيش في خيال لاينم عن وعي وواقع عقلاني، ولعل اكبر دليل على ذلك ما ان تحدثه عن شيء حتى تجده يلجأ الى ماضيه ليستشهد به وهذا ما دفع احدهم الى القول "ليس الفتى من قال كان ابي..." وكأنه انتبه الى حجم التناقض الموروث في زمنه فما بالك بزمننا الذي مازال الشرقي يبني صرحه الحاضر فوق موروثاته القديمة التي ورثها حتى تحول الى مستهلك لانفع منه سوى ان يتحول الى اداة بيد الاخرين ليتم توظيفه وفق اجنداتهم،ومع  ان ماضيه كما اشرت اليه سابقاً لايخرج من دائرة التضاد العقلي النفسي العاطفي بل يصل الى حد الانفصام في احيان كثيرة.. فانه مع علمه بالخلل الكامن فيه الا انه لايستطيع الخروج من تلك الدائرة لكونه اقنع نفسه بنظرية المؤامرة، وفي الحقيقة بان الشرقي هو في الاصل نواة المؤامرة نفسها وبذرتها التي استقت من نفسيته غير الصالحة وانفاسه الحقدوية، وسعيه الاقصائي للاخر، فتحول من ضحية للمؤامرة التي يعتقد بانها موجودة الى نبع يمدها بكل الوسائل وكل الحاجيات لكي يقصي الاخر، ولعل من يبحث في المحركات التاريخية القديمة ومن ثم في العصور الوسطى والحديثة وحتى المعاصرة سيجد كيف ان الحياة على هذه البقعة استسلمت لمبدأ اقصاء الاخر  ومحاولة بناء الصروحات العمرانية والسياسية التي يعتبرها حضارة على جماجم وجثث الاخرين ممن لاينتمون الى فصيلته سواء الدينية او المذهبية او القومية.

من هذا المنطلق نطرح تساؤلاً غير ملزماً، ترى هل بناء صرح عمراني حضارة، ونحن ندرك تماما انه بُني بيد العبيد البشر (من استعبدهم) الذين وقعوا تحت مطرقة وسيوف ملوك ودول، بل حتى بيد شعوب حكمها أُسر سلطوية اجبرت شعوبها على العمل لتخليد ذكرى حروبهم وسلطتهم او كهنة مارسوا الشعوذة الدينية تجاه ابناء شعوبهم فالزموهم بالعمل تحت وصايتهم ولمصالحهم، وتركوا لنا هذه الصروح البنائية العمرانية وتلك الرسومات والاحرف بكل مراحلها التاريخية.. ونحن ندرك تماماً بان الالاف قد قضوا جوعاً وتعباً ومرضاً وخوفاً وضرباً وهم يبنون تلك الصروح..؟ .

 

جوتيار تمر/ كوردستان

 

abduljabar alrifai2تنتمي مباحثُ علم الكلام القديم إلى ما يُصطلح عليه بـ"الحكمة النظرية"، أما الأخلاقُ فتنتمي للحكمةِ العملية وليس النظرية. وبعبارة أخرى يقول علمُ الكلام المعتزلي والشيعي بالحُسن والقُبح العقليين، أي إن الفعلَ يتصف بالحُسن والقُبح في ذاته، بغضّ النظر عن الأمر والنهي الإلهي. كما يحلّل طبيعةَ الإلزام بالتكليف، وهل هو عقلي أو شرعي، أو هو كلّ منهما، لكننا مع ذلك لا نعثر في المباحث القديمة لعلم الكلام المعتزلي أو الشيعي على مباحث تعالج ماهيةَ القيمِ الأخلاقية، أو تتحدّث عن وظائفِها، أو تشرح مصادرَ الإلزامِ في الفعل والترك الأخلاقيين، وطبيعةَ العلاقةِ بين الوحي والأخلاق. كذلك لا نعثر في علمِ الكلام على مباحثَ تدرس الفضيلةَ والسعادةَ وكيفياتِهما وتكشف عن طبيعةِ العلاقة بين إنتاجِهما وأنماطِ الواقع المتغيرة، والمنابعِ المتنوعة لإلهامهما تبعًا لتنوّع طرائقِ عيشِ الإنسان وبيئاتِه المختلفة.

 هذا في علم الكلام المعتزلي[1] والشيعي[2] الذي يتبنّى القولَ بالحسن والقبح العقليَين أي الذاتيَين للأفعال. أما في علمِ الكلام الأشعري فالإشكاليةُ تأخذ صيغةً أخرى، إذ ينفي أبو الحسن الأشعري "260 – 324" عن العقلِ قدرتَه على اكتشافِ الحُسن والقُبح، لأن الحُسنَ والقُبحَ في مفهومه ليسا ذاتيَين يتصف بهما الفعلُ بما هو، بغضّ النظر عن حكمِ الله، لذلك يشدّد الأشعري ومن تبعه على أن الحُسنَ هو ما حسَّنه الأمرُ الإلهي، والقُبحَ هو ما قبّحه النهيُ الإلهي[3].

وهذا يعني أنه ليس هناك فعلٌ للإنسان يتصفُ بذاتهِ بالحُسن أو القُبح، أو يتصفُ بذاتِه بالعدل أو الظلم خارج نطاق ما يقوله الوحي، ويلزم من ذلك أن العقلَ لا يحكمُ بقبحِ عقابِ المطيع أو ثوابِ العاصي، كذلك يلزمُ منه عدمُ الاكتراثِ بأحكامِ العقل العملي، وتجاهلُ بداهاتِ أحكامِه الأخلاقية. إن دعوى التمسك بقول الوحي تفضي، كما يقول الامام علي بن أبي طالب، إلى أن: "هَذَا اَلْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ اَلدَّفَّتَيْنِ، لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ، وَإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ اَلرِّجَالُ"[4]، وهؤلاء الرجال الناطقون بإسمه هم المفسرون والمحدثون والمتكلمون والفقهاء الناطقون، ونطقهم نيابة عن "اَلْقُرْآنِ" لا يمكن أن يكون متعاليًا على ذاتهم، وطبيعة الواقع الذي يعيشون فيه، فيصبح "اَلْقُرْآنُ" مرآةً تتجلى فيها صورتُهم، ورؤيتُهُم للعالَم، وثقافتُهُم، وأفقُ انتظارهم، وأحكامُهُم المسبقة.

  وكما يعجز العقلُ عند الأشعري وأتباعِه عن اكتشافِ الحُسن والقُبح، فإنه تبعاً لذلك لا يمكنه إدراكُ الأخلاقِ والفضيلة والسعادة ووسائلِ بلوغها. من هنا لم يعد للأخلاقِ من حيث هي أخلاق أيُّ مضمون خارج سياق الوحي في علم الكلام الأشعري.

 وذلك ما تكذّبه حقائقُ الواقع وما نجده من أخلاقيات عميقة في البنية العميقة للمجتمعات البشرية التي لم تتعرف على الوحي الإلهي، فلو لم تكن هناك نواميسُ كونيةٌ للعدل والأخلاق، وكان كلُّ حُسن يحيل إلى ما يُحسّنه الوحي، وكلُّ قُبح يُحيل إلى ما يقبحّه الوحي، فسيفضي ذلك إلى تفريغِ الأخلاق من مضمونِها، وغيابِ أيِّ فعل أو سلوك أخلاقي في المجتمعات البشرية التي لم تعرف الوحي. ومع أن تلك المجتمعات لم تعرف الأديانَ الابراهيمية، ولم تصل اليها تشريعاتُ الوحي، فإن تاريخَها يبرهن على أن هناك حضورٌ للكلمات والأفعال الأخلاقية في حياة الفرد والجماعة، وأنها تدرك أن للكلمات والأفعال الأخلاقية الأصيلة بصمةً في ضمير العالم، ذلك أن كلَّ كلمة أخلاقية وكلَّ فعل أخلاقي حقيقةٌ أبدية، فلو تكلمتَ بكلمة طيبة، أو فعلتَ فعلاً حسناً، سيكون لكلِّ منهما بصمةٌ في ضمير العالم على شاكلته، الكلمةُ ذاتها تقال عن صاحبها بأبهى صورها، الفعلُ ذاته يعود على صاحبه بأجمل مما فعل، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.

  الحياةُ الأخلاقية سلسلةُ مواقف، تصنع بمجموعها طوراً وجودياً خاصاً للكائن البشري، إنها الشرطُ الذي يتحقّق به نمطُ حضورٍ إنساني لهذا الكائن في العالم، فهو من دون أخلاقٍ ليس إنسانًا. لذلك لا يعبّر الدينُ عن حضورِه الأصيل في الحياة إلّا من خلال الحياةِ الأخلاقية. الحياةُ الأخلاقية تطرد كلَّ تمثيل للدين يتلفع بأقنعة زائفة، فكلُّ من ينتهك سلوكُه الأخلاقَ يهدر المعنى الإنساني للدين. إن أخطرَ ما يهدّد وجودَ الدين في المجتمع هو ضمورُ الحسّ الأخلاقي في حياة الفرد والجماعة، وتفشي التبريرات والحيل التي تتخفّى بنصوصٍ دينية وتتخذها ذريعةً لتسويغِ انتهاك كرامةِ الناس والتضحيةِ بحقوق الإنسان بوصفه إنسانًا.

وهنا أودُّ الاشارةَ إلى أنه يحدث أحياناً خلطٌ بين ثلاث مجموعات من القيمِ التي ينهلُ منها الانسانُ وتشبعُ متطلباتِ أساسية لحياته المعنوية، وهي: القيم الروحية والقيم الأخلاقية والقيم الجمالية، ولكلّ واحدة من هذه القيم وظيفتها الأساسية، وكلٌّ منها يحقّق كمالًا للإنسان على شاكلته، ويشبعُ احتياجات أساسية لحياة الفرد والجماعة. نعم، هناك علاقةٌ عضوية من التأثر والتأثير العضوي المتبادل بين هذه المجموعات من القيم، فوجود كل منها يعزز وجود الأخرى، وتكامل كل منها يعمل على تكامل وجود الأخرى.

وما يهمنا الإشارةُ إليه هنا هو وظيفة القيم الروحية والقيم الأخلاقية، فالقيم الروحية: تشبع الفقرَ الوجودي للإنسان، وتروي الظمأَ الذي يعيشه كل ُّكائن بشري للمقدّس، فتكرّس كينونتَه، وتلهمه القوة، وتمنح إرادتَه توترًا وصلابة. والقيم الأخلاقية: تعمل على إقامةِ بناءٍ سليم للروابط الاجتماعية، وتجعل العلاقةَ بالآخر عادلة، تنشد خيرَ البشرية وأمنَها وسلامَها، لكن القيمَ الأخلاقية لا تثري الفقرَ الوجودي للكينونة البشرية، ولا تروي الظمأَ المزمنَ للمقدس الذي ترويه القيمُ الروحية، لذلك أضحى المقدّس منبعًا لأمنِ النفس وسكينةِ الروح وطمأنينةِ القلب.

الإيمانُ بوصفه قيمةً روحية، يهبنا مالا تهبنا إياه القيمُ الأخلاقية، إذ يمتلك تأثيرًا سحريًا، تتسامى به الأرواحُ فتحلق في عوالم الملكوت. الحبُّ أيضًا، على الرغم من أنه يُسهم في منحِ حياتنا الاجتماعية وعلاقاتنا بالغير الكثيرَ من الأمنِ والدفء والسلام، فتتجلى فاعليتُهُ الأخلاقيةُ في ترسيخِ العلاقات الاجتماعية، لكن الحبَّ بوصفه قيمةً روحية، يهبنا مالا تهبنا إياه القيمُ الأخلاقية. للحبّ كيمياءٌ خاصة تتبدّل معها مادةُ القلوب فيصير جوهرُها نفيسًا. عندما يجد الإنسانُ قلبَه مازال مولعًا بإنتاجِ الحبّ، ويتحول الحبّ إلى طريقةِ عيش للإنسان، فسيكون الأقدرَ على إنتاجِ أجمل معنى لحياته وحياة الناس. إذ إن كلَّ من يتخذ الحبَّ طريقةَ عيش يصبح فنانًا بارعًا، يرسم أجملَ الصور للحياة التي يتبدّد معها الكثيرُ من ظلام العالم.

القيمُ الروحية تخفّف علينا مواجعَ الحياة وجروحَها ونكباتِها، وتكون فاعليتُها في بناء الأمن النفسي أعمقَ من القيم الأخلاقية، فمهما كان موقفُنا وضميرُنا أخلاقيًا، ومهما كنّا صادقين وننشد الفضيلة، لكن لو فوجئنا بنكبة فإنها تستنزفنا، وربما نتهشم بها، لو لم  نمتلك رصيدًا روحيًا يلهمنا المزيدَ من الطاقات التي تمكننا من عبور تلك النكبة. لذلك نجد الروحانيين المتيمين بحبّ الله والانسان والعالم، هم الأقدر على عبور نكباتِ الحياة من دون انكسارات وخسارات، وبلا ضياع وانهيارات.

 

عبدالجبار الرفاعي

...............

[1] يقول واصل بن عطاء (80 – 131 هـ): (الباري حكيم عادل، لا يجوز أن يضاف اليه شر وظلم، ولا يجوز أن يريد من العباد خلاف ما يأمر به، ويحكم عليهم بشئ ثم يجازيهم عليه، فالعبد هو الفاعل للخير والشر والايمان والكفر والطاعة والمعصية، وهو المجازى على فعله، والرب تعالى أقدره على ذلك كله. ويستحيل أن يخاطب العبد بـ"افعل" وهو لا يمكنه أن يفعل، وهو يحس من نفسه الاقتدار والفعل). انظر: د. أحمد صبحي. في علم الكلام. القاهرة: مؤسسة الثقافة الجامعية، ط 4، 1982، ج1: ص 184.

[2] يقول العلامة الحلّي (648 هـ - 726 هـ): (ذهبت الإمامية ومن تابعهم من المعتزلة إلى أنّ من الأفعال ما هو معلوم الحسن والقبح بضرورة العقل، ومنها ما هو معلوم بالاكتساب أنه حسن، أو قبيح، كحسن الصدق الضار، وقبح الكذب النافع. ومنها ما يعجز العقل عن العلم بحسنه أو قبحه فيكشف الشرع عنه كالعبادات). العلامة الحلي، نهج الحق وكشف الصدق، ص 82 – 85.

[3] يقول الإيجي (نحو 680-756هـ): (العقـل عنـد الأشـاعرة لا يحسن ولا يقبح، فلا ثبوت ولا عقاب قبل ورود الشرع في حين آمنـت المعتزلـة بالحسـن والقـبح العقليـين، كمـا أن الماتريديـة اقتربـت مـن المعتزلـة في هـذا الصـدد بقـدر مـا ابتعـدت عـن الأشـعرية في منهجهـا الشـرعي للحسـن والقبح العقليين).

[4] نهج البلاغة، الخطبة 125.

 

mutham aljanabi2إن تاريخ الأمم ليس ألعابا نارية شديدة التوهج سريعة الزوال. على العكس! إن تاريخ الأمم هو تراكم بطيء عميق الثبات في مرجعيات متسامية. وهو الفرق الجوهري بينه بين الزمن. فالزمن دقائق وساعات وأيام وأشهر وسنين، أي تيار سار لا يعني البقاء ضمن معاييره سوى تكرار واجترار ما مضى. بمعنى العيش بمعايير الماضي ومقاييسه. وليس مصادفة أن يواجه الإسلام فكرة الدهر الجاهلي القائلة، بأنه (ليس إلا الدهر ينشئنا ويفنينا) بفكرة الزمن الإلهي، أي بفكرة الالتزام الفردي والجماعي تجاه المستقبل (من ثواب وعقاب). وهي فكرة لم ولن تفقد قيمتها مع مرور الزمن، وذلك لما فيها من مرجعية متسامية في حال وضعها ضمن قيم العصر الحديث.

فالأحداث الكبرى والهزات العنيفة التي ميزت العالم العربي في نهاية القرن العشرين وبداية الحادي العشرين جعلت من التقاء القرنين شيئا اقرب إلى التقاء قرون الثيران في صدامها الدامي. بمعنى تحول التاريخ إلى لحظات منحلة في زمن الغريزة. وتشير هذه الحالة إلى واقع الانحطاط ومستوى الخراب في بنية الدولة والمجتمع والثقافة بشكل عام والسياسية بشكل خاص.

وقد يكون صعود التفسير والتأويل الطائفي للماضي والحاضر من بين أكثرها تخريبا. وذلك لما فيهما من ولع في نبش قبور الموتى من عقائد ومذاهب عتيقة، مع ما يترتب عليه من إثارة التعصب الأعمى في مقاتلة فكرة المستقبل. في حين أن التاريخ الحقيقي وحقيقة التاريخ بالنسبة للأمم الحية هو مستقبل فقط. أما التأويل والتفسير المذهبي والطائفي والحزبي الضيق فهو الأسلوب الملازم للحركات والتيارات الخارجة على حقائق التاريخ الكبرى (القومي والعالمي). وليس مصادفة أن تكون في أولها مذهبية ضيقة وفي آخرها طائفية سياسية، أي أكثر الأشكال تخريبا وتدميرا للعقل النقدي والضمير الاجتماعي والقومي. وذلك لان نهايتها تصب حتما في صنع تيار القتل المجاني للعقل الثقافي والضمير التاريخي للأفراد والجماعات والأمم. مع ما يترتب عليه من تحلل داخلي وانحسار للقوى العقلانية وانهيار لمكونات الأمة، أي كل ما نعثر على انعكاسه العملي في انتهاك فكرة المرجعية العربية وأولويتها في الصراع الداخلي. وقد تكون الحالة العراقية والليبية احد نماذجها الجزئية. لكنها تظهر كامل رداءها الرديء في "الثورة السورية". بحيث يتحول حتى الغلاف الخليجي او دويلات الجزيرة شبه العربية إلى غطاء مثقوب ومهزلة "للحل العربي". أما الأسئلة الكبرى التي تظهر هنا فهي التالية: لماذا يظهر بعد قرن من زمن المعاناة الصعبة والمعقدة للصيرورة العربية من يتجاهل مآثرها ورذائلها لكي يرميها من جديد في أحضان الغرباء؟ ولماذا تندفع "نخبة" المعارضة من ديمقراطية وعقلانية وإسلامية إلى الانغماس في أحضان قوى ليست عقلانية ولا ديمقراطية ولا قومية عربية ولا إسلامية؟ ولماذا تظهر معارضة لا مرجعية كبرى فيها لغير الغرباء من دويلات المال والرشوة ودول الاستعمار القديم والكولونياليات الحديثة؟ إن الإجابة العامة والمباشرة على هذه الأسئلة جميعا تقوم فيما يمكن دعوته بالخروج على منطق التاريخ القومي بشكل عام وتجاربه النظرية والعملية بشكل خاص.

فالتطور والتطوير الفعلي للدولة والأمة يستلزم السير إلى الأمام بمعايير الواقعية والعقلانية والفكرة المستقبلية. وهذه بدورها تفترض وجود حدودها القومية الجلية. إذ ما لم تتكامل القومية في كيان وكينونة مستقلة وديناميكية لا يمكنها حل أية إشكالية كبرى أمام تطورها الحر. وهذا بدوره صراع تاريخي متعلق بكيفية حل إشكالية الدولة والقومية، أي إشكالية النظام السياسي والمجتمع. وما لم يجر حلها بطريقة تستند إلى فكرة المرجعية العربية، بوصفها بديهية سياسية في كل المواقف، فان كل "الاجتهادات" الأخرى تبقى مجرد أوهام مدمرة!

إلا أن الحالة المشوهة الحالية ليست غريبة على تاريخ الأمم جميعا. أما في التاريخ العربي فإننا نستطيع رؤية معالمها الأولية فيما اصطلح عليه حينذاك بعبارة "دول الطوائف"، وما نعثر عليه ويمكن رؤيته الآن من تصنيع خرب لدول الطوائف "الحديثة". وهي حديثة بلا حداثة! لأنها تجتر زمن الانحطاط وتعيش بمعاييره ومقاييسه. بمعنى أنها تحفر قبورها بيدها وتغنّي بحمية مبالغ فيها أغنية الموت البليد!

لقد كان مصطلح "دول الطوائف" يحتوي في أعماقه ورؤيته المستقبلية على حدس تاريخي عميق بآفاق الخراب والزوال. وفيها يمكن رؤية البديل الفكري الهائل الذي بلور معالمه الأولية ابن خلدون في فلسفته الراقية عن قوانين التاريخ والرؤية التاريخية. فقد كانت حقيقة الفكرة الخلدونية عن قانون التاريخ بهذا الصدد تحتوي من حيث بواعثها وغاياتها على محاولة بناء الذهنية التاريخية بمعايير ومقاييس الوعي التاريخي (الواقعي والسياسي). انه قدم إحدى الصيغ النموذجية (على الأقل من الناحية المنهجية) القائلة، بأن وعي الذات القومي والثقافي ممكن فقط ضمن الرؤية التاريخية المجردة عن الأهواء والنوازع الضيقة. بمعنى الانتقال بالفكر التاريخي من حضيض الأهواء والمذاهب الضيقة إلى فضاء العلم والفلسفة المجردة. وليس مصادفة أن يتحول إلى احد مصادر الوعي التاريخي السياسي والقومي والثقافي في العالم العربي الحديث. وهو السرّ الذي يمكننا رؤيته على سبيل المثال في البحث التاريخي الحديث عند خير الدين التونسي، وتكامل الرؤية الإصلاحية وفكرة الحرية القومية والسياسية عند الكواكبي، وانتشارها السريع في الفكر الفلسفي والسياسي العربي الحديث.

بعبارة أخرى، إننا نقف هنا أمام صعود فكرة التحرر من زمن الأسلاف الضيقة إلى تاريخ الثقافة الحرة. وهو انتقال ملازم لصعود الفكرة القومية، يمكن رؤية ملامحها المتراكمة في فكرة أصحاب النهضة عن إصلاح الأمة والرقي المعنوي عبر الرجوع إلى تراث العرب الأدبي، وكذلك في توسع مدى ونوعية الرجوع إلى تاريخ العرب الثقافي مثل البحث عن "مشاهير المسلمين" و"تاريخ التمدن الإسلامي" ورؤية "فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام"، أي المزاوجة بين التراث القومي والثقافي (العربي والإسلامي). ويمكن رؤية نتائج هذا التراكم في البحوث والدراسات والمناهج الكبرى المؤسسة لوعي الذات القومي من خلال عي الذات التاريخي، كالبحث عن "تاريخ مفصل" للعرب قبل الإسلام، وفي الإسلام، ثم النظر إلى تاريخه الواقعي الحديث بعيون الرؤية الحالمة (المستقبلية) ورؤية ما فيه من قلوب نابضة، كما نراها في الكتابات المتعلقة ب"ملوك العرب" و"قلب العراق" و"قلب سوريا ولبنان"، لتنتهي بمختلف نماذج وعي الذات التاريخي، بمعنى الانتقال من "تاريخ العرب" إلى "العرب والتاريخ".

وقد تلقفت الحركات الراديكالية السياسية هذا التراكم، بحيث جعلت من الفكرة القومية محل صراع دامي وعنيف. وهو صراع لم يكن معزولا عن "شيوعية الأقليات" في العالم العربي، التي جعلت من محاربة القومية العربية هدفها العقائدي، ومن الدفاع عن "القوميات" الصغيرة هدفها العملي. ويقترب هذا التناقض من حدود الانفصام الذهني والأخلاقي والسياسي. وبالمقابل توجه الفكر القومي السياسي صوب محاربة هذا الخلل العنيف وليس صوب البناء العقلاني للدولة القومية وتكاملها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. مما أدى إلى تصارع واحتراب الحركات السياسية والدول من اجل تمثيل هذا التيار الصاعد للفكرة القومية، وليس توحدها وتكاملها الضروري. والسبب يكمن في أن الحركات الراديكالية السياسية (بما فيها القومية) كانت محكومة برؤيتها وأفعالها بالزمن وليس بالتاريخ. وهو أمر جلي في عدم ارتقائها إلى مصاف المرحلة الضرورية عن تأمل فكرة وإستراتيجية "العرب والمستقبل" من خلال إرساء أسس التاريخ الفعلي للدولة والأمة والثقافة.

وقد انتهت هذه المرحلة الراديكالية بانتكاسة الفكرة القومية الأولية. من هنا ظهور نقد "العقل التاريخي" بمختلف مظاهره. وهي حالة نقدية ضرورية بوصفها مقدمة الانطلاق صوب المرحلة القادمة، أي التأسيس للمستقبل. لكنها مازالت تعاني من ثقل الإرث الخرب والهائل لتقاليد الراديكالية السياسية، التي تشكل حالة الرجوع إلى زمن الأسلاف احد نماذجها الفعالة! إلا أنها تعكس مع كل انحرافاتها منطق المسار المستقيم والقويم في توسيع وتعميق وعي الذات القومي. بحيث يمكن العثور عليها في ابسط المظاهر أيضا. فعوضا عن أشعار الحب والغرام ودعاوي التغلب على الحسد والحسود والعدو اللدود على شاحنات النقل العتيقة، كان يمكن قراءة شعار "امتنا امة واحدة" المكتوبة بخط اليد على قافلات النقل بين ليبيا وتونس، بأثر العصيان الاجتماعي في مواجهة الدكتاتوريات في تونس وليبيا. إذ لم تكن اليد التي كتبت هذا الشعار وأمثاله سوى اليد الروحية الجديدة. وفيه نعثر بقدر واحد على شعار الرجوع للفكرة القومية، بوصفها فكرة اجتماعية وحيوية وإنسانية، أي أنها لم تعد جزء من مغامرات أزلام السلطة.

بعبارة أخرى، إننا نعثر في هذه الصيغ الأولية والبدائية على بلورة مقدمات الرؤية التاريخية والسياسية السليمة عن ماهية الفكرة العربية بوصفها فكرة تقع ما وراء سياسية "الدولة" أيا كانت. بمعنى إرساء أسس استقلالها بوصفها فكرة مستقبلية. كما أنها تشير إلى حقيقة مرجعية جرى تفتيتها وسحقها في ظل صعود القوى الرخوية، التي تحولت مصر،على سبيل المثال، بأثرها من قاطرة الكينونة لعربية الحديثة إلى آخر عربة فيها قابلة للابتزاز من رشوة دول الخليج شبه العربية!

ذلك يعني أن زمن الخروج عن مرجعية الفكرة العربية في مصر مبارك وقبله السادات قد أدى إلى إسقاط مصر إلى الحضيض، لأنهم أرادوا اقتلاعها من جذرها الحي الناطق، بحيث تحولت إلى خرساء شأن مومياء حسني مبارك! والشيء نفسه يمكن قوله عن العراق وغيره من مراكز الصيرورة العربية وكينونتها الثقافية. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان اندلاع الثورة المصرية ونجاحها الأولي، كان بفعل كينونتها العربية. فقد أشعلت فيها الشرارة التونسية لهيب التاريخ الذاتي. مما يبرهن بدوره على أن التاريخ العربي المعاصر واحد وموحد من حيث الجذور والرؤية والهموم. وانه محكوم كله بوعي أو دون وعي بفكرة البدائل، بوصفه حركة تلقائية من حيث مقدماته وأدواته وأساليبه وقواه وغاياته، أي كل ما يبغي أن يؤدي إلى صيرورة وانتظام ما ادعوه بالمرجعيات المتسامية في الوعي الفردي والاجتماعي والوطني والقومي. وذلك لأن احدى الإشكاليات المثيرة للعقل والضمير العربي تكمن في انعدام فكرة المرجعية العربية بوصفها مرجعية ما فوق سياسية وما فوق عقائدية وما فوق أيديولوجية.

بمعنى ضرورة ارتقاء هذه المرجعية فوق الصراع السياسي والعقائدي والأيديولوجي، بوصفها بوصلة الرؤية العملية. بينما كشفت أحداث الثورة العربية عن أنها لم تصبح لحد الآن مرجعية جوهرية للرؤية السياسية والعملية. وقد تكون التجربة العراقية والليبية من بين أكثرها بروزا. وإذا كانت من حيث طابعها الدموي ونتائجها التخريبية الهائلة هي الوجه العملي لزمن الانحطاط السياسي وخلل البنية الاجتماعية والوطنية والقومية بأثر هيمنة دكتاتوريات فجة ومتخلفة، فان محاولة تكرارها في سوريا مؤشر على خراب الرؤية العملية والسياسية والمستقبلية والقومية للمعارضة أولا وقبل كل شيء. بمعنى أن محاولة استقدام الأجنبي من اجل "حل المشكلة الوطنية" و"القضية السورية" و"النظام الديمقراطي" و"الشرعية" هو خروج شامل على مرجعية الفكرة العربية وأولويتها بالنسبة لحل الإشكاليات العالقة والمأساوية أحيانا للدولة والأمة. (يتبع...)

 

 

jafar alhakeemفِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ (لوغوس) وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ (اله)

هذه هي المقدمة الاستهلالية للانجيل المنسوب إلى (يوحنا) والتي دائما ما يستشهد بها الاخوة المسيحيون لاثبات الوهية يسوع الناصري، ويكثرون من ترديدها في كل مناسبة.

وفي سياق مناقشة هذا النص، يجب اولا توضيح حقيقة مهمة جدا، وهي ان هذا النص الشهير، ليس كلام الله،ولا كلام يسوع المسيح!، وإنما هو مجرد عبارات سطرها الأشخاص المجهولون الذين قاموا بتأليف الانجيل المنسوب ليوحنا!

والقارئ للكتاب المقدس يلاحظ بشكل واضح ان يسوع المسيح لم يستخدم ابدا لفظة (الكلمة) في توصيف نفسه، رغم ورود عبارات وجمل كثيرة منسوبة ليسوع يتحدث فيها عن نفسه، مع ذلك لم يقل ابدا عن نفسه انه (الكلمة!)

الامر الاخر، الذي يلاحظه القارئ للكتاب المقدس، هو ان لفظة (الكلمة) وردت مرارا وتكرارا في نصوص العهد القديم وكذلك الجديد، لكنها ابدا لم ترد ضمن المعنى الذي وضعه المؤلفون لانجيل (يوحنا) ولا حتى ضمن معنى قريب منه!

فقد وردت لفظة الكلمة احيانا بمعنى (الشريعة) واحيانا بمعنى (الوحي) واحيانا اخرى بمعنى الاوامر الالهية، والشواهد كثيرة ولا نحتاج لإيرادها،لأنها معروفة لكل من تصفح الكتاب المقدس!

من خلال التمعن في كلمات النص الاستهلالي والافتتاحية التي هي أقرب الى الاشعار الرومانسية للانجيل المنسوب الى (يوحنا) نلاحظ ان معنى لفظة (الكلمة) والذي اقحمه المؤلفون لهذا الانجيل، هو معنى غريب وغير متسق مع دلالة نفس اللفظة في متون الكتاب المقدس، وانما تم اقحامها في هذا الإنجيل المتأخر زمنيا عن باقي الأناجيل من أجل غرض معين!

ان اقحام معنى غريب عن ادبيات الكتاب المقدس، تسبب في اخراج نصا مشوها، ينقض بعضه بعضا، ويبدو ان السادة كتبة إنجيل (يوحنا) لم يكونوا مهتمين بهذا الأمر!

بقدر اهتمامهم بتقديم تصورا لاهوتيا جديدا من اجل ترسيخه في أذهان المؤمنين!

وهذا المفهوم، يتحدد بشكل واضح في العبارة التي اثبتها هؤلاء الكتبة - بعد اللف والدوران- وهي عبارة

(وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ،مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ،مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا)يوحنا 1/14

بعد هذه العبارة، يتضح المعنى الذي يراد ترسيخه، وهو ان يسوع المسيح هو الكلمة، وهو أزلي غير مخلوق وهو نفسه (الله) المتجسد في شكل انسان، وانه اقنوم (الابن) الذي يساوي مجده نفس مجد (الاب!)

ان لجوء كتبة هذا النص الى المخاتلة اللفظية والتلاعب بدلالة الالفاظ، اوقعهم في تناقضات عجيبة، تسببت في تهافت المعنى الذي يراد إيصاله، بل وتناقضه مع بعضه البعض، وتناقضه مع سرديات بقية نصوص الكتاب المقدس!

فعندما اراد كاتب النص الإشارة الى ازلية المسيح، استخدم تعبير (في البدء كان الكلمة!)، فقام بنفسه بنسف هذا المعنى!

والسبب بسيط وواضح، فعبارة (في البدء) لا تعني ابدا (الازلية) وان كانت احيانا تعني (الاقدمية)، فعندما يقول الكتاب المقدس (في البدء خلق الله السموات والارض) لايفهم القارئ ان المقصود هو ازلية السماء والارض!

ونلاحظ ان هذا التناقض الواضح قد اوقع اللاهوتيين الذين حاولوا شرح هذا النص في اضطراب شديد، فصاروا يحاولون تاويل هذا التناقض بتفسيرات سطحية وساذجة!، حتى صار بعضهم يلجأ الى معاجم اللغة العربية ويلف ويدور، ليخرج لنا بتفسير يقول : ان (في البدء) تعني الأقدمية! ليفسر لنا الماء...بعد الجهد...بالماء !!

ومن التناقضات التي يحملها هذا النص، عبارة(والكلمة كان عند الله!) فهذه العبارة تنقضها العبارة التي تليها (وكان الكلمة الله) لأن المعنى الذي تستوجبه العبارتين يستدعي ان يكون(الله عند الله!) وهذا المفهوم لايتسق مع أي منطق!

وكما اوضحت آنفا، ان كل هذه اللفة والدوران التي قام بها كتبة هذا النص، غرضه هو الوصول للنتيجة التي يريد هؤلاء السادة تمريرها، وهي أن (الكلمة) هي (الله المتجسد) على شكل (يسوع المسيح!)

ولو سلمنا لهم بهذا المعنى، فسيحدث اضطراب كبير في مفهوم الإيمان،لأن هذا المعنى يستلزم ان يكون أقنوم

(الابن/ الكلمة) هو الخالق الذي(به كل شيء كان وبغيره لم يكن!)

فهل هذا يشمل بقية الأقانيم (الآب والروح القدس)؟!

هل هذه الاقانيم خلقها اقنوم (الكلمة الابن) ام كانت مخلوقة معه؟! والنص يقول(به كل شيء كان!!!)

ومن المفارقات الغريبة لهذا النص المتناقض، والذي تم اقحامه على نصوص الكتاب المقدس لغرض اعطاء بعدا لاهوتيا لشخص المسيح، ان هذا النص ليس فيه اي اشارة الى الاقنوم الثالث الذي يتشكل منه الله واعني به (الروح القدس!)

والسبب واضح، وهو ان هذا النص تمت كتابته في اوائل القرن الثاني الميلادي، بينما لم يتم (ترقية)  الروح القدس الى درجة الالوهية الا في اواخر القرن الرابع الميلادي !

ولا اريد الاستفاضة في نقد وتبيان تناقضات النص الاستهلالي لانجيل يوحنا، لان ذلك يتطلب مقالا او اكثر، ولان هناك الكثير من الردود والشروح الرائعة لكثير من الشباب على الشبكة العنكبوتية، توضح تهافت وتناقض النص، ويستطيع من يريد الاستزادة الرجوع اليها، لكني فقط اود الاشارة الى التلاعب وتحريف الترجمة التي عمد اليها مترجمو النص،حين وصلوا الى عبارة (وكان الكلمة الله) حيث قاموا بترجمة كلمة (اله) إلى كلمة (الله) لكي يضبطوا تحريف معنى العبارة !!

لأن النص الاصلي يذكر كلمة (اله) والتي تعني احيانا الشخص الذي يملك السلطان الالهي كما هو الحال مع (موسى) حيث نجد ان الله يخاطبه في العهد القديم قائلا:

(انا جعلتك الها لفرعون)

اما في نص إنجيل يوحنا المتقدم قام المترجمون بتحريف الكلمة(اله)  الى كلمة (الله) لكي يكون يغيروا المعنى بشكل مختلف تماما، من اجل ان يتسق مع العقيدة التي يريدون تسويقها!!

وبالرجوع الى أسباب إقحام هذا النص الهجين في الكتاب المقدس،بل وجعله مقدمة افتتاحية للانجيل المتأخر زمنيا، علينا ان نتتبع اصل الفكرة التي اقتبسها الذين كتبوا هذا النص، وهي فكرة (اللوغوس) والتي قام هؤلاء الكتبة بإعطائها معنى جديدا، وهو (الكلمة) بعد ان كانت متداولة بمعنى (العقل)

ان عقيدة الكلمة (اللوغوس) هي بالأصل فكرة مسروقة من فلسفة يونانية قديمة كان (هيراقليطوس) اول من تكلم بها في القرن السادس قبل الميلاد حيث انشأ فلسفته على اساس ان كل شيئ في الكون يديره وينظمه عقل الله(اللوغس) الازلي!

ثم جاء (فيلون السكندري) في نهايات القرن الاول الميلادي و طور هذه الفكرة واعتبر (اللوغوس) هو أقدم شيئ في العالم وبه قد تم خلق كل شيئ في هذا الكون!

هذه الأفكار كانت منتشرة و رائجة في أوساط الجاليات الناطقة باليونانية ومدنها، وخصوصا في مدينة (افسس) التي يعتقد ان كتابة انجيل (يوحنا) قد انجزت فيها، والتي هي بنفس الوقت المدينة التي عاش فيها (هيراقليطوس) صاحب فكرة (اللوغوس)

بالنسبة للانجيل المنسوب ليوحنا، وحسب اشارات الكثيرين من مؤرخي الكنيسة، فقد تم كتابة هذا الإنجيل، للرد على الهرطقات التي بدأت تنتشر في ذلك الوقت!، ونحن نتكلم هنا عن الفترة ما بين نهاية القرن الأول وبداية القرن الثاني

وواضح جدا، ان المقصود بالهرطقات، هي العقائد التي كان يتبناها الكثير من المسيحيين الاوائل، والتي لا تؤمن بالوهية يسوع الناصري ولا تتخذ منه إلها معبودا

ورغم ان المؤرخين المسيحيين حاولوا دائما طمس واخفاء المعالم التي تشير الى الصورة الكاملة لتنوعات الايمان المسيحي المبكر، وتصوير المشهد مقتصرا على مسيحية الكنيسة وإيمانها القويم، الا انه ورغم ذلك،تسرب لنا بعض الاخبار عن مجاميع مسيحية كان لها ايمانا لا يتطابق مع الكنيسة كالغنوصيين والأبيونيين

لقد كانت طائفة الابيونيين المسيحية تمثل مجموعة مبكرة من المسيحيين المتهودين، والذين كانوا يتبعون يسوع الناصري ويعتبرونه (نبيا مختارا) من الله، وبنفس الوقت اختلفت طائفة الأبيونيين (ابيونيم تعني: الفقراء) مع ايمان الكنيسة الارثوذكسية، في صفات يسوع الناصري، حيث كانوا يعتبرونه بشرا عاديا، ولا يؤمنون بولادته العذرية، ولا بمسيحانيته

في هذا الجو المليئ بالافكار المتضادة حول المسيح، تم تاليف الانجيل المنسوب ليوحنا، متضمنا مقدمته الاستهلالية والتي تؤكد على اعطاء يسوع الناصري بعدا لاهوتيا، لغرض الرد على أفكار المجاميع المسيحية الأخرى، كالابيونيين، و لغرض تثبيت الإيمان الذي يسوق له المؤلفون لهذا الانجيل في نفوس اليونانيين الذين بدأوا بمفارقة الوثنية واعتناق الايمان الجديد، وذلك من خلال اقتباس فكرة يونانية راسخة لدى تلك الجالية،وهي  فكرة (اللوغوس) وتطويرها لكي تصبح موائمة للوضع العقدي الجديد، وقد نجحوا فعلا، في جعل الوثنيين اليونانيين يتقبلون الفكرة القديمة/الجديدة ويعتنقونها كعقيدة!

فصار اللوغس(العقل) يعني (الكلمة) وأصبح يسوع هو التجسد لهذه الكلمة، والاله الجديد الذي حل محل الالهة القديمة!

وبهذه التوليفة العقدية الجديدة، تم ترسيخ فكرة ازلية يسوع الناصري، وجعله خالقا بعد ان كان مخلوقا!

من خلال نص هجين متهافت المعنى تم اقتباسه من فلسفة يونانية، و اقحامه في نصوص تم اعطاءها، لاحقا، صفة القداسة، رغم التناقض المخل، والاضطراب البين في المفهوم الكلي الذي حاولت معاني تلك النصوص تشكيله!! 

 

حوارات في اللاهوت المسيحي 26

د. جعفر الحكيم

 

 

mohamad aboelkeramبعد الضجة الإعلامية والتحليلات المتواترة حول تحرير الدرهم المغربي، وإثارة ذلك مخاوف كثيرة لدى العديد من الخبراء الاقتصاديين والسياسيين المحليين والدوليين عبر القنوات والصحف العربية والدولية، أنا لست بخبير اقتصادي ولا دارس لها ولكن كإنسان مواطن عادي أتأثر مما يحدث عالميا من غلاء المواد الاستهلاكية المعيشية البسيطة وتراكم التضخم لدى دولنا في العالم الثالث والفقير، أثارتني الاتهامات الخطيرة التي توجه للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي وسياساته الممنهجة في حق الدول المقترضة منه خاصة الدول الفقيرة والدول التي يوهمونها بالسائرة في طريق النمو، و تبعات تلك السياسة المغرضة في إحداث تبعات مزمنة من خلال التحكم والسيطرة على سياسات تلك الدول المقترضة من خلال فرض نظم سياسية واقتصادية حسب امتلاءات وتوجيهات المؤسسة النقدية.

وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ( The IMF and the World Bank ) حسب صحيفة وقائع التي تصدر عن المؤسستين:فهما مؤسستان شقيقتان ضمن منظومة الأمم المتحدة تشتركان في هدف واحد، هو رفع مستويات المعيشة في بلدانهما الأعضاء. وتتبع المؤسستان منهجين متكاملين لتحقيق هذا الهدف، حيث يركز الصندوق على قضايا الاقتصاد الكلي بينما يركز البنك على التنمية الاقتصادية طويلة الأجل والحد من الفقر. مؤسستان شقيقتان ضمن منظومة الأمم المتحدة تشتركان في هدف واحد، هو رفع مستويات المعيشة في بلدانهما الأعضاء.

و لتفنيد كل هذا قررت الغوص في البحث عن الحقيقة وفك اللغز المحير لدي بخصوص هاتين المؤسستين الماليتين وإنهاء ادعائهما البريء بمساعدة الدول الأعضاء في محاربة الفقر والمساهمة في رفع النمو الاقتصادي والاجتماعي لها.

و من خلال البحث في مراجع مختلفة التي تصب في مناقشة وتحليل الموضوع، فقد كشف الباحث عمرو جمال الدين عن أخطر 10 معلومات في إطار بحثه لنيل الدكتوراه تخص قرض صندوق النقد الدولي، الذي ستحصل عليه مصر على 3 سنوات سنختزل منه الأهم التي قد ينطبق على الدول الطالبة للاقتراض :

- لكل دولة عضو في صندوق النقد الدولي حصة في رأسمال الصندوق .

- تستطيع كل دولة أن تقترض ما يعادل 335% من حصتها .

- يخضع الصندوق لهيمنة وسيطرة الولايات المتحدة والتي تملك الحصة التصويتية الأكبر والتي تستطيع إيقاف أي قرض أو الموافقة على أي قرض، فنظام التصويت داخل الصندوق يقوم على أساس القوة التصويتية للحصة التي يملكها البلد العضو، وكما هو معروف فإن أكبر حصة تصويتية هي من نصيب الولايات المتحدة، والتي تمتلك 17% من رأس مال الصندوق، وهذا يدل على قوة وقدرة تحكم الولايات المتحدة في القوة التصويتية لصندوق النقد والبنك الدولي.

- يطبق صندوق النقد ما يعرف بمبدأ المشروطية conditionality” والذي يقوم على مدى استمرارية الالتزام بتقديم القرض من الصندوق بالتزام الدولة العضو بالإصلاحات الفنية المتفق عليها والتي تندرج في أغلبها باتجاه تحرير سوق الصرف وإزالة الحواجز والعقبات أمام دخول وخروج رؤوس الأموال والالتزام باتفاقيات تحرير التجارة الدولية وإزالة التشوهات في أسعار الصرف وأسعار الفائدة وخفض الإنفاق العام المتمثل في تخفيض الدعم الموجه للصناعات والذي يؤدي إلى تشوه أسعار الهيكل الإنتاجي، مما يضر بالمنافسة الدولية مع الحفاظ على برنامج لدعم الطبقات الأكثر فقرًا وخفض نمو الجهاز الإداري وبند الأجور والمرتبات في الموازنة العامة.

- ومن الممكن أن يمتنع الصندوق عن استكمال برنامج التمويل إذا لم يلتزم البلد المقترض ببنود القرض المتفق عليها، وكما أن من الممكن أن يطلب البلد المقترض عدم استكمال البرنامج في أي مرحلة من مراحل البرنامج.

- طبقا لبرنامج المشروطية الذي ينفذه الصندوق مع الدول المقترضة فإن برامج الإصلاح في أغلب الدول التي تشهد أزمات اقتصادية تكون مكلفة ومؤلمة في حقيقتها لطبقات المجتمع خاصة الفقيرة أو المتوسطة، وللتوضيح فإن الصندوق لا يمكن فهم دوره كما يصوره البعض أنه الشيطان الأعظم الذي يهدف إلى تدمير الدول وقتل الفقراء، في الحقيقة أن كثيرًا من برامج الصندوق وضعتها الدول المقترضة بنفسها وروجعت فقط من الصندوق، ولكنها تبقى في النهاية مؤلمة لأنها تعالج سلسة من الفشل الإداري والاقتصادي والإخفاقات المتتالية والتي بالطبع يكون علاجها مؤلمًا لشعوب هذه الدول .

- وفى حقيقة لا يخفيها الصندوق، فهو يهدف إلى سيادة الرأسمالية العالمية وحماية النظام الرأسمالي وأفكاره، والتي تمهد لفتح أسواق الدول النامية أمام الدول المتقدمة إما كسوق استهلاكية أو كسوق أيدي عاملة رخيصة بعد خفض عملات هذه الدول وهو الطلب الثاني الأكثر أهمية والأكثر إلحاحًا في كل لقاءات الصندوق مع مسئولي الدول المقترضة .

- ولكن الصندوق لا يهدف إلى إفلاس هذه الدول وتدميرها هو يريد إدماجها في الدور المرسوم لها في النظام الاقتصادي العالمي وحماية الرأسمالية العالمية وفتح الأسواق أمام الشركات الدولية واقتصاديات الدول الكبرى، أما إذا سلمنا بما يروجه البعض من أن الصندوق هدفه تدمير الدول النامية فإن الدول الصناعية ستفقد أسواقها وسيفقد الصندوق سلطاته تباعًا لانهيار هذه الدول وهو ما ﻻيتفق عقلا .

وطرح الباحث تساؤلًا.. لماذا تتجه الحكومة للاقتراض من الصندوق ببرنامج مشروطية معقد كهذا؟

وأجاب: في الحقيقة يجب أن نعلم أن الحكومات تتدخل في مفاوضات برامج التسهيل الائتماني حتى تتم الموافقة على البرنامج فيكون ذلك بمثابة شهادة جدارة ائتمانية لهذا البلد أنه يتبع الإجراءات الخاصة بحرية التجارة وتسهيل حركة رأس المال وحماية السوق وحرية التجارة، وبالتالي فهذا الاتفاق في حد ذاته يتيح حزمه تمويلية من الاستثمارات وتدفق رأس المال الدولي وإمكانية الاقتراض من مؤسسات وبنوك دولية في الدول الكبرى، وبالتالي فكثير من الدول تدخل في هذا المفاوضات لكي تحصل على نجاح المفاوضات فقط، وقد لا تكمل برنامج الاقتراض أو لا تنفذه بالأساس..

من خلال ما رصده لنا الباحث يؤكد لنا السمعة السيئة لهذه المؤسسة لدى الشعوب الفقيرة خاصة العربية، للأسف هناك من يدافع عن هذه المؤسسة المالية التي هدفها هو تحسين صحة الاقتصاد العالمي وتيسير حركة التجارة الدولية وضمان الاستقرار المالي، وأن نظرة الشعوب العربية للمؤسسات الدولية سلبية راجعة لترسخ نظريات المؤامرة في العقلية العربية، حيث يُنظر إلى هذه المنظمة المالية الدولية على أنها أداة لنهب ثروات العالم الفقير وتدمير البلدان.و يبرر المدافعون عنه بخصوص نسبة الفوائد المفروضة كون هذه الأخيرة "مؤسسة بنكية" وليس "منظمة خيرية"، تقدم ديونًا وفق نظام السوق المالي كسائر الأبناك المالية، وأن الصندوق يقدم قروضًا ميسرة لفائدة البلدان الفقيرة، بعضها بفائدة تبلغ صفرًا في ظل الصندوق الاستثماري للنمو والحد من الفقر، التابع له.

و في معرض مقال للكاتب خالد بن شريف في موقع "ساسة بوست": تحصل الحكومة على الأموال من خلال الضرائب ومواردها العمومية، إلا أن حكومات الدول التي تعيش داخل منظومة فساد، عادة ما تعجز عن تحصيل ميزانية كافية بعدما تتفاقم مشاكلها الاقتصادية وتبلغ حافة الإفلاس، فتضطر إلى الاستدانة من صندوق النقد الدولي، كما حصل مع المغرب وتونس ومصر، وتطلب منه التدخل لحل أزمتها الاقتصادية. ويقوم صندوق النقد الدولي بإرسال خبرائه لتقييم الوضع الاقتصادي لذلك البلد الراغب في الاقتراض، ويضع توصيات تصب غالبًا في خطط التقشف وترشيد النفقات، كوصفة مؤلمة لمعالجة المشاكل الاقتصادية التي تهدد اقتصاد تلك البلدان بالانهيار، الممثلة في التضخم وعجز الميزانية واختلال الصادرات والواردات وتراجع العملة المحلية.و يضيف مدافعا عن الصندوق كون مواطنو البلدان المقترضة ينظرون على أنه المتهم في إغراق بلدانهم بالديون، بينما الواقع هو أن حكوماتهم الفاسدة على الأرجح هي من قادت بلدانهم إلى الإفلاس وفتحت صنبور الاقتراض بدون حدود، بل إنه لولا ديون صندوق النقد الدولي، التي تقدر بعشرات المليارات من الدولارات لكل دولة، لسقطت اقتصادات العديد من بلدان العالم الثالث في حفرة الانهيار التام منذ عقود. وربما تستغل الحكومات العربية هذه الأساطير الشائعة لتشويه الصورة الحقيقية لصندوق النقد الدولي أمام شعوبها، وذلك من جهة أولى لرفع مسؤوليتها عن سوء الأوضاع الاقتصادية ببلدانها، فتوهم مواطنيها بمسؤولية الصندوق، ومن جهة أخرى من أجل تنفيذ سياسات اقتصادية قاسية، فتختبئ خلف المؤسسات الدولية، بينما في الحقيقة هي التي تتحمل المسؤولية في إفلاس اقتصادها على الأرجح، بسبب رعايتها لمنظومة الفساد المستشرية، التي تستنزف جيوب المواطنين وتكبح أي فرصة إصلاح.

و لتأكيد تورط الولايات المتحدة الأمريكية في سياسة التحكم الاقتصادي العالمي، بينما كنت أفكر في كتابة هذا المقال وصلتني رسالة مفاجئة كأن صاحبها يقرأ أفكاري، معلومة إضافية أجهلها تتحدث عن اتفاقية برايتون وودز 1944م

Woods) (Bretton. تلك الاتفاقية التي جعلت الدولار هو المعيار النقدي الدولي لكل عملات العالم حيث تعهدت أمريكا بموجب تلك الاتفاقية وأمام دول العالم بأنها تمتلك غطاء من الذهب يوازي ما تطرحه من دولارات.

و تنص الاتفاقية على أن من يسلم أمريكا 35 دولارا تسلمه أوقية من الذهب. أي انك إذا ذهبت إلى البنك المركزي الأمريكي بإمكانك استبدال 35 دولارا بأوقية من الذهب وأن الولايات المتحدة الأمريكية تضمن لك ذلك.

وحينها صار الدولار يسمى عملة صعبة واكتسب ثقة دولية وذلك لاطمئنان الدول لوجود تغطية له من الذهب وجمعت الدول في خزائنها أكبر قدر من الدولارات على أمل تحويل قيمتها إلى الذهب في أي وقت.

واستمر الوضع على هذا الحال زمناً حتى خرج الرئيس نيكسون في السبعينات على العالم فجأة في مشهد لا يُتصور حتى في أفلام الخيال العلمي ليصدم كل سكان الكرة الأرضية جميعاً بأن الولايات المتحدة لن تسلم حاملي الدولار ما يقابله من ذهب .

وليكتشف العالم أن الولايات المتحدة كانت تطبع الدولارات بعيدا عن وجود غطاء من الذهب وأنها اشترت ثروات الشعوب وامتلكت ثروات العالم بحفنة أوراق خضراء لا غطاء ذهبي لها.

أي أن الدولارات ببساطة عبارة عن أوراق تطبعها الماكينات الأمريكية ثم تحدد قيمة الورقة بالرقم الذي ستكتبه عليها فهي 10 أو 100 أو 500 دولار بينما الثلاث ورقات هم نفس القيمة والخامة ونفس الوهم فقط اختلف الرقم المطبوع.

أعلن نيكسون حينها أن الدولار سيعوم أي ينزل في السوق تحت المضاربة وسعر صرفه سيحدده العرض والطلب بدعوى أن الدولار قوي بسمعة أمريكا واقتصادها.

وكأن هذه القوة الاقتصادية ليست قوة مستمدة من تلك الخدعة الكبرى التي استغفل بها العالم فلم تتمكن أي دولة من الاعتراض أو إعلان رفض هذا النظام النقدي الجديد لأن هذا الاعتراض سيعني حينها أن كل ما خزنته هذه الدول من مليارات دولارات في بنوكها سيصبح ورقا بلا قيمة وهي نتيجة أكثر كارثية مما أعلنه نيكسون.

سميت هذه الحادثة الكبيرة عالمياً صدمة نيكسون (Nixon shock) ويكفيك أن تكتب (Nixon shock) في محركات البحث لتكتشف أنها حادثة كتب عنها آلاف الصفحات التحليلات والدراسات ولكنها مغيبة عن الشعوب.

نيكسون قال حينها كلمته الشهيرة : (يجب أن نلعب اللعبة كما صنعناها ويجب أن يلعبوها كما وضعناها)، لا زال هذا النظام قائما حتى اليوم. أمريكا تطبع ما تشاء من الورق وتشتري به بضائع جميع الشعوب.

و لتنفيذ مخططاتها للسيطرة على العالم، قامت الولايات المتحدة بصناعة قراصنة اقتصاديين تكونهم وتوفر لهم كل الظروف والإمكانات الكافية لتحقيق الهدف، تجلى ذلك في اعترافات قرصان اقتصادي "جون بيركنز" في وقت يتناسب مع الرغبة في تفسير أسباب وآثار الأزمة المالية العالمية، بتأليفه لكتاب "الاغتيال الاقتصادي للأمم"، وهو خبير اقتصادي دولي جاءت اعترافاته في كتابه (Confessions of an Economic Hit Man)، لتلقي الضوء على ممارسات نخبة رجال الأعمال والسياسة في الولايات المتحدة لبناء إمبراطورية عالمية تسيطر عليها “الكوربورقراطية Corporatocracy” أي سيطرة منظومة الشركات الكبرى على اقتصاد العالم.

يقول المؤلف إنه مع الخبراء الاقتصاديين قاموا بتطويع اللغة لتغليف إستراتيجيتهم في النهب الاقتصادي، وذلك باستخدام مفاهيم مثل (الحكم الرشيد وتحرير التجارة وحقوق المستهلك )، بحيث لا تصبح السياسات الاقتصادية جيدة إلا من خلال مخططات الشركات الكبرى.

وعلى الدول التي تقبل هذه المفاهيم خصخصة الصحة والتعليم وخدمات المياه والكهرباء أي أن تبيعها للشركات الكبرى وهي مضطرة بعد ذلك إلى إلغاء الدعم وجميع القيود التجارية التي تحمي الأعمال الوطنية، بينما عليها القبول باستمرار أميركا وشركائها من الدول الصناعية الكبرى في تقديم الدعم لقطاعات أعمالها وفرض القيود لحماية صناعاتها.

ولا تريد النخبة الأميركية بالفعل قيام الدول بسداد ديونها، لأن ذلك هو السبيل إلى تحقيق أهدافها بعد ذلك من خلال مفاوضات سياسية واقتصادية وعسكرية، ويفترض بيركنز “أن حرية طبع النقد الأميركي دون أي غطاء هي التي تعطي لإستراتيجية النهب الاقتصادي قوتها، لأنها تعني الاستمرار في تقديم قروض بالدولار لن يتم سدادها.

يحدد المؤلف دوره في استخدام المنظمات المالية الدولية لخلق ظروف تؤدي إلى خضوع الدول النامية لهيمنة النخبة الأميركية التي تدير الحكومة والشركات والبنوك. فالخبير يقوم بإعداد الدراسات التي بناء عليها توافق المنظمات المالية على تقديم قروض للدول النامية المستهدفة بغرض تطوير البنية الأساسية وبناء محطات توليد الكهرباء والطرق والموانئ والمطارات والمدن الصناعية، بشرط قيام المكاتب الهندسية وشركات المقاولات الأميركية بتنفيذ هذه المشروعات.

وفي حقيقة الأمر فإن الأموال بهذه الطريقة لا تغادر الولايات المتحدة حيث تتحول ببساطة من حسابات بنوك واشنطن إلى حسابات شركات في نيويورك أو هيوستن أو سان فرانسيسكو، ورغم أن هذه الأموال تعود بشكل فوري إلى أعضاء في “الكوربورقراطية” فإنه يبقى على الدولة المتلقية سداد أصل القرض والفوائد.

من خلال كل ما سبق ذكره والحقيقة المرة للنهج اللوبي الاقتصادي العالمي في تدمير الدول وإحراقها بفتيل الحروب أو قتلها خنقا بسياسة التفقير والتضخم الاقتصادي، لم يعد للمدافعين عن هذه المؤسسة الدولية سوى الاعتذار والعدول عن نشر أفكار تدعم سياساتها التي افتضحت من داخل المطبخ العالمي بعد اعترافات "جون بيركنز" وأمثاله، لكن في الحقيقة لمن نحمل المسؤولية الحقيقة لتردي الأوضاع في الدول العربية خصوصا ودول العالم الثالث عموما..للسياسات الممنهجة للحكومات المتعاقبة أم للشعوب الناخبة التي تنتجها، أم للأنظمة المستبدة.. أم للاستعمار الذي صنعها وتركها تنجز برامجها عبر نسج خيوط مشبوكة على مقاس الدول الحاكمة في العالم، للأسف صنعوا لنا أزمة اقتصادية على مقاسهم بينما الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الاقتصاديين ينعمون في رخاء كبير متفقين بالتوازي على تحريك خيوط الدمى الاقتصادية لدى الدول الخانعة للنظام الاقتصادي العالمي المصنوع كما أسلفنا من القوى العظمى في العالم.

 

محمد أبو الكرام

 

 

ali almomen2الموضوع الأبرز الذي مابرح العلمانيون يفتون فيه هو موضوع العلاقة بين الدين والشأن العام، أو مايعبرون عنه بفصل الدين عن السياسة والدولة. وهذه الفتوى لها مجموعة من الدلالات؛ أهمها:

1- إن العلمانيين يتطفلون على اختصاص علمي دقيق، ويقتحمونه دون أن تكون لديهم دراية بعلومه ومعارفه ومناهجه؛ بدءاً بعلوم العقيدة والكلام والقرآن والحديث والرجال والفقه، وانتهاءً بمناهج الشريعة والاجتهاد فيها، وليس لديهم القدرة العلمية على الإفتاء وإصدار الاحكام الشرعية. وكما أن من حق الطبيب أن يجتهد في اختصاصه، وكذا المهندس وخبير القانون؛ فإن إصدار الفتوى والحكم الشرعي هو اختصاص الفقهاء حصراً، وأن طرح رأي اختصاصي في القرآن الكريم أو الحديث الشريف هو مسؤولية المختصين بعلوم القرآن ودراية الحديث وعلم الرجال. فكيف إذا كانت هذه الفتاوى ترتبط بنسف جانب حياتي أساس؛ هو الشأن العام أو السياسة وقيادة المجتمع والإقتصاد. فيأتي أي علماني؛ سياسي أو صحفي أو رجل أعمال أو طالب جامعي أو ممثل سينمائي أو مذيع تلفزيوني، ويفتي بكل سهولة وسذاجة: الدين لاعلاقة له بالسياسة والاقتصاد!! ويجب فصل الدين عن الدولة!! والنبي محمد لم يؤسس دولة!! والاسلام دين روحي وعبادي!! وغيرها من الفتاوى الكبيرة.

2- إن العلمانيين يمارسون أبشع عمليات الإقصاء السياسي والفكري لمن يخالفهم فكرياً، وهذا هو ديدن العلمانيين؛ فهم حين يفتون بفصل الدين عن الدولة والسياسة والشأن العام؛ فإنهم بذلك يعمدون الى إقصاء خصومهم الإسلاميين عن ممارسة العمل السياسي والحكومي؛ بوسائل وأساليب غير سوية، ويحاولون العودة الى الاستفراد بالحكم؛ كما كانوا في العراق منذ العام 1917 وحتى العام 2003؛ حين تفردوا بالسلطة ومارسوا استبداداً ودكتاتورية وفاشية مطلقة ضد من يعارضهم، ولاسيما ضد الإسلاميين. ولاتزال رائحة دماء الإسلاميين الذين ذبحهم العلمانيون تشم في المقابر الجماعية والسجون والمعتقلات والشوارع والأزقة والأهوار والصحاري. وبالتالي فإن دعوات العلمانيين لاقصاء الدين عن الدولة والحياة العامة تقف وراءها محاولات التفرد مرة أخرى بالحكم، والعودة الى سياسة القمع والإقصاء والتشريد والقتل ضد الإسلاميين.

3- إن العلمانيين يعملون على تزييف الحقائق الموضوعية؛ لأنهم حين يطبقون معايير العلمانية التي نشأت في أوربا في إطار مخاضات اجتماعية وسياسية واقتصادية وفكرية لصيقة بالبيئة الأوربية وبصراعات التنويريين مع الكنيسة والكهنوت المسيحي؛ على بيئة إسلامية عربية لها خصوصياتها الدينية والعقلية والإجتماعية؛ فإنهم بذلك يقيسون الشريعة الإسلامية بالشريعة المسيحية، ويشبهون المرجعية الدينية الإسلامية ومنظومتها بالكنيسة المسيحية في عصور اوربا المظلمة ومابعدها. وبهذا التزييف يعمل العلمانيون على مصادرة عقول الناس والضحك عليهم واستلاب وعيهم؛ وهي جريمة عامة لاتقل خطورة عن جرائم القتل والقمع والتشريد التي مارسها العلمانيون طيلة عقود من تاريخ العراق المعاصر، أو جريمة الإفتاء في الموضوعات الدينية.

وأحاول هنا تفكيك الدلالات السابقة، و مقاربة مايترشح عنها من إشكاليات؛ ولاسيما إشكالية العلاقة بين الإسلام والدولة، أو الشريعة والشأن العام.

مبادئ الإسلام وتعاليمة وأصوله وفروعه وأحكامه؛ تفرض بداهةً عدم الفصل بين الإسلام والشأن العام والدولة والسياسة والاقتصاد؛ فالإسلام هو خاتم الشرائع، ولايمكن أن تكون الشريعة الخاتمة ناقصة. وتتضمن الشريعة الإسلامية كل مايحتاجه الإنسان لتنظيم حياته؛ سواء في البعد العبادي أو الإجتماعي أو الإقتصادي أو السياسي. وبمراجعة سريعة لأبواب الفقه يمكن الوقوف بسهولة على هذه الحقيقة. أي أن السياسة والعمل السياسي وأهداف العمل السياسي والممارسة السياسة؛ كلها جزء من الإسلام ومن شريعته، وليست السياسة فعلاً أو فكراً أو هدفاً مستقلاً عن الدين وشريعته؛ بل هي جزء لايتجزء عن الإسلام، ولايوجد فصل مطلقاً بين أجزاء الشريعة الاسلامية؛ فهي تكمل بعضها. وعليه؛ لاتوجد في الإسلام ثنائية اسمها السياسة والدين. وأرى من الضروري جداً أن يراجع العلمانيون أحكام الشريعة الاسلامية في مصدريها الأصليين (القران والصحيح من السنة الشريفة) والمصادر الكاشفة (الإجماع والعقل)؛ ليتعرفوا على مستوى موضوعية فتاواهم القاضية بفصل الإسلام عن السياسة والدولة وعموم الشأن العام، وهل إن ذلك ممكناً من منظار الإسلام!!

أما قياس الاسلام وشريعته الشاملة الكاملة على الديانة المسيحية فهو قياس باطل منهجياً، وكذلك قياس الصراع بين الكنيسة وجماعات التنوير في عصر النهضة الأوربية على علاقة المنظومة الدينية الاسلامية بالواقع الاجتماعي لبلاد المسلمين هو قياس باطل؛ لأن هناك اختلاف حاسم في الظروف السياسية والبيئة الاجتماعية؛ فضلا عن الخلاف الأساس بين الشريعة الاسلامية والعقيدة المسيحية، وبين سلطة الكنيسة ودورها وسلطة الشريعة الإسلامية ودور المرجعية الدينية الإسلامية. وبالتالي فالعلمانية التي هي نتاج الصراع بين التنويريين وسلطة الكنيسة في أوربا؛ هي نتاج محلي أوربي مفصل على مقاس مخاضاتها وضروفها وصراعاتها الإجتماعية، ولايمكن فرض هذا النتاج الايديولوجي على بيئات أخرى مختلفة؛ كالبيئة الإسلامية. والنتيجة فإن العمل السياسي في الاسلام يقننه الفقه السياسي الاسلامي ويهدف الى تطبيق الشريعة الاسلامية من خلال المرجعية الدينية الاسلامية ومن خلال الدولة الاسلامية.

ربما يمكن للمسيحي أن يقول بأن المسيحية هي ديانة تربط الفرد بخالقه فقط، ولاعلاقة لها بالسياسة والدولة، ولعله يستدل على ذلك بأن سيدنا عيسى (ع) لم يؤسس دولة ولم يأمر أتباعه بتطبيق أحكام الشريعة المسيحية؛ لعدم وجود فقه اقتصادي وفقه مالي وفقه سياسي وفقه جهادي وفقه معاملات وعقود.

ولكن ماهي حجة المسلم الذي ينتمي للفكر العلماني حين يزعم أن الدين لاعلاقة له بالسياسة وبالدولة، وليس فيه نظرية إقامة دولة ؟! فماذا كان يفعل نبي المسلمين ـ إذن ـ؟! ألم يكن على رأس الدولة الإسلامية والحكومة الإسلامية والسلطة الإسلامية؟! ثم ماذا كان يعمل إمام المسلمين علي بن أبي طالب (ع)؟ ألم يكن حاكماً ورئيساً للدولة؟!.

أما المسلم الشيعي فسيقع في مفارقة أكبر؛ فمن بديهيات المذهب الشيعي هو إيمان المنتمي إليه بوجود الإمام المهدي المنتظر؛ فماذا ستكون مهمة الإمام المهدي حين يظهر؟! هل سيجلس في المسجد ويصلي بالناس فقط ويعلمهم العبادات؛ أو سيؤسس دولة وحكومة وسلطة ؟! فإذا لم يكن في الإسلام دولة وسياسة وسلطة؛ فبأي شريعة سيحكم ؟! هل سيطبق العلمانية بأحد ايديولوجياتها؟ هل سيحكم بعقيدة ماركس أو ميشيل عفلق أو جمال عبد الناصر أو روسو او مونتسكيو أو لنكولن؟! أم انه سيحكم بشريعة جده محمد بن عبد الله ؟! فإذا لم يؤسس محمد دولة ولم يكن علي حاكماً؛ فبأي سنة وسيرة سيحكم الإمام المهدي ؟! والأهم من ذلك؛ كيف سيؤسس الإمام المهدي الدولة الإسلامية وكيف سيديرها؟ هل سيقوم بذلك من خلال العبادات فقط والصلاة والصوم والمكوث في المسجد، وبالأخلاق الفاضلة والوعظ والإرشاد ؟ أو بالعمل السياسي والعسكري والإقتصادي والثقافي والإعلامي؟ وإذا لم يكن في القرآن الكريم والسنة الشريفة كل هذه الأمور؛ فهل سيخترعها ويبتدعها الإمام المهدي، أو يعتمد على النظريات السياسية والإقتصادية الوضعية ؟! فيطبق مثلاُ الديمقراطية الليبرالية، ويتبى الإقتصاد الرأسمالي وإقتصاد السوق، وربما يطبق الإقتصاد الإشتراكي ويحصر وسائل الإنتاج بيد الدولة !!

أما إذا كان هذا المسلم الشيعي العلماني لايؤمن بوجود الإمام المهدي وظهوره، ويعتبر ذلك خرافة، ومن اختراعات الإسلاميين؛ فهذا أمر آخر؛ إذ لانستطيع حينها الإحتجاج بإيمانه بالبديهيات الشيعية. وهو بذلك حر، ولكن نرجو منه أن يريحنا بالإعلان عن ذلك صراحة؛ لكي نحاججه بمنهجيات أخرى يؤمن بها هو.

أعتقد أن من المهم تفكيك الإشكاليات وحصر الإختصاصات، ومن أولويات ذلك ابتعاد العلمانيين عن إصدار الفتاوى في قضايا الدين والشريعة؛ لأنه ليس اختصاصهم؛ بل اختصاص الفقهاء حصراً، وفي الوقت نفسه يجب أن يبتعد الفقهاء والإسلاميون عن إختصاص العلمانيين؛ أي اختصاص ممارسات الدولة العراقية العلمانية المتملة بأبشع ألوان الطائفية والعنصرية والفساد الإداري والمالي وسرقة ثروات البلد والعمالة للإستعمار والقتل والمقابر الجماعية والإغتصاب والتعذيب والتشريد وقمع الحريات والإضطهاد والتخلف والفشل.

وأكرر هنا ماذكرته في مقالات سابقة؛ أن كلامي هذا لصيق بالبعد الفكري النظري ولاعلاقة له بممارسات الإسلاميين الحالية أو بتجربة التطبيق القائمة في العراق؛ لأنها تجربة مشوهة ومتخمة بالإشكاليات، وقد مارس فيها كثير من الإسلاميين اختصاصات العلمانيين.

 

د. علي المؤمن

 

ahmad alkhozaiهناك عدة تراكمات تاريخية، ساهمت في بلورة وتكوين الوعي الجمعي للمجتمع العراقي، وتحديد اتجاه بوصلته، في ما يخص تعاطيه مع الانتخابات .. أي الممارسة الديمقراطية التي تمكنه من اختيار ممثليه في مجلس النواب، الذي ينبثق من خلاله شكل وطبيعة الحكومة التي ستأخذ على عاتقها إدارة شؤون البلاد، وفق نظام سياسي برلماني، حدد معالمه وأطره الدستور العراقي الذي كتب بعد عام 2003 .. والذي يعد جزء فعال من المشكلة العراقية المزمنة، وذلك لضبابيته، وغياب القوانين والآليات التي تحدد عمل الكثير من فقراته.. ويمكن حصر هذه التراكمات كنتاج لعدة عوامل تاريخية، ضمن مجموعة من المسارات الثابتة، التي يشكل بعضها جزء لا يتجزأ من طبيعة الشخصية العراقية وتكوينها الفطري والسيكولوجي والسلوكي.. تتحد هذه العوامل مع بعضها بطريقة عفوية ذات نزعة ميكافيلية، لحظة مواجهة الناخب العراقي لصندوق الانتخابات، فتتحول إفرازات هذه العوامل في اللاوعي إلى تبريرات منطقية، جعلت منه أداة لوصول الكثير من الفاسدين والطارئين على العمل السياسي، لسدة الحكم في عراق ما بعد التغيير.

شكل العراق منذ الفتح الإسلامي له سنة 15هجرية، بؤرة توتر كبيرة، ومسرحا لأغلب الصراعات الطائفية والسياسية التي شهدها التاريخ الإسلامي، بدءا بواقعة الجمل وصفين وحرب الخوارج وثورة الإمام الحسين (ع)، التي كانت نقطة الشروع والتأصيل لمبدأ الثورة على السلطة الجائرة، فتلت هذه الثورة عدة حركات سياسية ذات طابع عسكري، أخذت بعدا طائفيا، كان احقاق العدل، والأخذ بثار الحسين (ع) ابرز شعاراتها المعلنة، كحركة زيد بن علي، والثورة العباسية على الحكم الأموي، ومن ثم حركة محمد النفس الزكية على ابو جعفر المنصور، وهكذا توالت الانتفاضات والحركات العسكرية ضد السلطة الحاكمة، مما جعل العراق بيئة خصبة لعمليات شد وجذب طائفية وسياسية، ومصدرا ثرا لنشوء ونمو الكثير من الفرق والطوائف والحركات الفكرية الاسلامية المتقاطعة فيما بينها، وقد افرز هذا الحراك الديني والسياسي والاجتماعي إلى ان يصبح مركزا استقطاب للتشيع بأغلب أشكاله وتفرعاته، كحركة يسارية إسلامية، مما جعل السلطة على امتداد التاريخ الإسلامي تنظر إلى اغلب سكان العراق بعين الريبة والتوجس، خلقت هذه النظرة نمطية سياسية مورست ضد هذه الأغلبية فيه، أخذت إشكالا عدة، كان إطارها العام هو التهميش والإقصاء والتضييق، تحولت هذه السياسة المتوارثة إلى صيغة ممنهجة ومدروسة في عهد الاحتلال العثماني سنة 1532 ميلادي ، حين مارس ما يعرف (بالطائفية السياسية) ضد هذه الأغلبية وعمل على تأسيس لمنظومة اجتماعية وسياسية تصدرت المشهد السياسي العراقي، ناتجة عن تمييز طائفي وطبقي بين أبناء الشعب العراقي .. وقد أورد السياسي كامل الجادرجي في كتابة من أوراق كامل الجادرجي ما نصه (ان الطائفة الشيعية تعد في زمن الدولة العثمانية اقلية ينظر إليها بعين العداء فلم تكن يقبل لهم تلميذ في مدارسها الحربية، ولا إي وظيفة حكومية وحتى المدارس الإعدادية كانت يمنع أبناء هذه الطائفة من دخولها)..ويذكر عبد الكريم الازري في كتابه مشكلة الحكم في العراق..( أن فتاح باشا قد تحول من المذهب الشيعي الى المذهب السني، لأنه أراد إدخال ابنه المدرسة الرشدية ومن ثم ادخاله للمدرسة الحربية العثمانية، والتي كانت محرمة على الشيعة).. وقد رُسخ هذا المفهوم بعد الاحتلال البريطاني للعراق عام 1914 حين تبنى المحتل البرجوازيات العراقية التي صنعتها الدولة العثمانية، لتتصدر المشهد السياسي في أول حكومة عراقية وطنية عام 1921.. بعد ان اصبح فيصل الاول ملكا على العراق، وبذلك أسست بريطانيا لنظام سياسي مشوه المعالم وغير مستقر .. كان الشيعة العرب أول المبعدين عنه، ثمنا دفعوه لقيامهم بثورة العشرين، حتى نعتهم احد اهم مٌنظري القومية العربية ساطع الحصري (بالغجر) .. ويذكر الدكتور علي الوردي في لمحاته ، أن البيرسي كوكس المندوب السامي البريطاني، حين غادر العراق عائدا إلى بريطانيا بسبب فشله في إخماد ثورة العشرين، كان على رأس مودعيه السياسي العراقي مزاحم الباججي، وقد طلب منه نقل سلامه الى الملك جورج الخامس، وان يخبره بان من قاتلوهم في الوسط والجنوب، ليسوا عراقيين ولا عرب بل عجم .. وقد انعكس هذا التوجه على سلوك والمزاج العام للحكومة الناشئة آنذاك في تعاطيها مع هذه الأغلبية .. فيذكر المؤرخ العراقي عبد الرزاق الحسني في كتابه (تاريخ الوزارات) مذكرة للملك فيصل الأول، موجهة إلى الحكومة والنخب السياسية، تبين ازمة الهوية والانتماء التي كان يعانيها الشيعة العرب آنذاك ، وتشير الى عمق الفجوة الطائفية المتوارية بين ابناء العراق، يقول فيها ..( أن العراق مملكة تحكمها حكومة عربية سنية مؤسَسَة على أنقاض الحكم العثماني، وهذه الحكومة تحكم قسماً كردياً.. وأكثرية شيعية، وإن الاضطهادات كانت تلحقهم من جراء الحكم التركي الذي لم يمكنهم من الاشتراك في الحكم، وعدم التمرن عليه والذي فتح خندقاً عميقاً بين الشعب العربي المنقسم إلى هذين المذهبين .. ويخاطب الملك النخبة السياسية قائلاً .. أخشى أن أتهم بالمبالغة، لكنه من واجبي أن لا أدع شيئاً يخامرني، خاصة لعلمي بأنه سوف لا يقرأ هذا إلا نفر قليل، ممن يعلمون واجباتهم ومسؤولياتهم، ولا أرغب أن أبرر موقف الأكثرية الجاهلة من الشيعة، وأنقل ما سمعته ألوف المرات، وسمعه غيري من الذين يلقون في أذهان أولئك المساكين البسطاء من الأقوال التي تهيجهم، وتثير ضغائنهم، إن الضرائب على الشيعي، والموت على الشيعي، والمناصب للسني، ماالذي للشيعي؟

حتى أيامه الدينية لا اعتبار لها، ويضربون الأمثلة على ذلك، مما لا لزوم لذكره) انتهى كلام الملك فيصل الاول.

وقد سُحب هذا الإجراء على جميع الحكومات العراقية، التي قادت العراق حتى دخول أميركا محتلة له عام 2003 .. وقد شارك الشيعة العرب هذه المحنة شركائهم في الوطن وهم الأكراد، وبالأخص في الأربعين سنة التي تسلم فيها البعث زمام السلطة في العراق .. حيث تحول الجزء الأكبر منهم إلى حطب لمغامرات النظام السابق العسكرية وحروبه العبثية، واتسمت هذه الفترة بالرعب والإعدامات والتغييب في السجون والمقابر الجماعية وتكميم الأفواه ومصادرة الحريات، والظلم والاضطهاد والتغييب القسري لهاذين المكونيين عن مراكز السلطة في العراق إلا ما ندر.. كل هذه التراكمات التاريخية، قد وجدت لها مكان في الوعي الجمعي العراقي، وأطلت برأسها بعد 9-4-2003 ونتج عنها صراع حقيقي بين طوائف الشعب العراقي وقومياته على السلطة، وفق رؤية ضبابية لازمت الإنسان العراقي، اتجاه مفهومي الوطن والوطنية، فغاب وغيب الوعي الوطني بمفهومه العام، وبرزت أزمة هوية كبيرة، واضطر الفرد العراقي للجوء إلى الهويات الفرعية (الهوية الطائفية والهوية القومية والهوية القبلية) كحالة تعويضية، وتحويلهن إلى خندق يتمترس به اتجاه الآخر شريكه في الوطن.. وقد انعكس هذا التوجه بصورة واضحة في جميع الدورات الانتخابية، حين حل الوعي الطائفي والاثني والعرقي والقبلي، محل الوعي الوطني المسئول اتجاه العراق ومستقبله، فاغلب الشيعة العرب انطلقوا في اختيار مرشحيهم من عقدة تاريخية مثقلة بالظلم والإقصاء والتهميش، وحماسة دينية ذات بعد طائفي، حين تصوروا إن ما مطروح على الساحة السياسية الشيعية، من أحزاب وحركات، هو الوسيلة الناجعة لتشبث الشيعة بالسلطة، بعد قرون من الإقصاء والتهميش، وفرصة تاريخية قد لا تتكرر، لممارسة طقوسهم الدينية بحرية، بعد منعوا من أدائها لعقود طويلة، وهذا ما فعله الأكراد أيضا، حين صوتوا لدعاة الاستقلال، والوطن المنشود، فكان السلوك الانتخابي للشيعة والأكراد نابع عن خوف كبير من عقدة تاريخية هي، العودة إلى الماضي، وأما سنة العراق الذين انتهجوا نفس السلوك الانتخابي الطائفي، لخوفهم من المستقبل، وان ينتج هذا التبادل القسري في الأدوار، فيما يخص حكم العراق، مسلسل تهميش وإقصاء آخر سيكونون هم ضحيته هذه المرة، وكذلك لوجود قناعة راسخة لطيف واسع منهم، بأحقيتهم في حكم العراق كإرث تاريخي، وكامتداد لنمطية سياسية واثنية تسود معظم المحيط العربي والإقليمي.. لذا وبعد كل ما تقدم فأن عقدة التاريخ، ستبقى هي المشكلة الأكبر في تحديد بوصلة الناخب العراقي، وسلوكه وتعاطيه مع الآخر، وعامل مهم في تبلور وعيه الانتخابي، المؤثر الفاعل على مستقبل العراق.

 

احمد عواد الخزاعي

 

mutham aljanabi2تكشف تجارب الأمم جميعا، عن أن الحقيقة هي مصدر الإلهام. وللحقيقة تجليات ومظاهر لا تحصى، وذلك لأنها القوة الجوهرية الباحثة عن نسب مثلى للوجود وتحقيقها في النفس. الأمر الذي جعل منها على الدوام مصدر الإلهام والخيال المبدع. وبالمقابل لا يفعل الخطأ إلا على تصنيع الخاطئ. وهذا بدوره لا ينتج غير الكذب والدجل والخداع، أي مختلف مظاهر ومستويات الخداع الذاتي. مع ما يترتب عليه بالضرورة من انعدام للخيال المبدع.

وعندما نتأمل الحدث التاريخي الذي بدأته تونس، ودفعته مصر إلى شوطه الأبعد، واستكملته ليبيا ثم اليمن ومازال يتعرج ويتدرج في مسار الشك واليقين في البحرين والشام والأردن والبقية الباقية من دول العالم العربي، فإننا نقف، رغم كل الطابع الدرامي والخطيئة في بعض منها، أمام نفس مظاهر الخطاب التضليلي للسلطة، أي أمام دكتاتورية متشنجة تحتقر الروح الاجتماعي والوطني وتنظر إلى الشعب على انه غوغاء ورعاع ملثمين وإرهابيين وجرذان وفئران وعملاء للأجانب. شعب لم يبق فيه بمعايير السلطة أي شيء باستثناء كمية هلامية من نفايات الزمن! أي كل ما قامت به هي نفسها من أجل أن تتسلط على دولة بلا شعب!

غير أن للحقيقة خيالها الخاص. وللسلطة أيضا "خيالها" الخاص. الأولى محكومة بمنطق التاريخ، والثانية محكومة بدقات الزمن. فعندما قال زين العابدين، وحسني مبارك، وصالح، بأنهم سوف لن يرشحوا أنفسهم لرئاسة "أبدية"، وعندما قالت الشعوب "لا نريد"، فان السلطة المتعودة على صنع الخنوع لم تفهم معنى الإرادة فيما تريده الناس. وعندما أصبح إصرار الإرادة طوقا حول السلطة عندها قالوا جميعا، بأنهم يعملون على تغيير مواد الدستور والحوار مع المعارضة والاستجابة لمطالب الشعب. وعندما قال لهم الشعب، بان مطلبه الوحيد هو "تغيير النظام" و"إسقاط النظام"، عندها "فهموا" كل بطريقته الخاص المعنى النهائي والغاية الفعلية للمواجهة والتحدي. وقد فهم زين العابدين بسرعة مضمون المطالبة والإرادة، بحيث استتبعها هروبه السريع من البلاد إلى ارض "العباد"، وما لم يفهمه الرجل العتيق والهرم السحيق حسني مبارك في بداية الأمر، لكنه اضطر لفهمه متأخرا كعادته! والفرق بينهما هو فرق الزمن، أي أيام الخوف وليالي المؤامرة. بينما كان الشعب العربي يتعامل مع الأيام بمعايير "الغضب" و"الرحيل"، أي بمعايير الإرادة الاجتماعية والسياسية الوطنية والقومية. إنها معايير صنع التاريخ الفعلي التي لا يؤدي تضليل السلطة إلا على توسيع ضلالها الذاتي.

وبغض النظر عن تنوع حالات النهاية المباشرة لأجساد الطغاة الصغار بين هارب ومسجون ومعتقل ومقتول ولاجئ مؤقت، فأنهم جميعا لم يفهموا وما كان بإمكانهم فهم مضمون وغاية ومغزى ومعنى ما حدث ويحدث، أي أنهم لم يفهموا كونهم جميعا قد جرى تهريبهم وإبعادهم وإبادتهم من تاريخ الصيرورة المعقدة والمستقبلية في الوقت نفسه للكينونة العربية. فالسلطة التي تعودت على قياس كل شيء بمعايير الزمن، تعتقد بان الاحتجاج والتمرد والعصيان والثورة موجه ضد عدد السنوات التي قضاها كل منهما في الحكم. أنهم لم يفهموا حقيقة الحقائق الكبرى والتي بلورها الشعار الشعبي العارم: "الشعب يريد إسقاط النظام"! بينما كانوا يواجهون هذا الاحتجاج بقوة الأجهزة القمعية المتحللة وأحزاب الجيب المتبلدة وأعوان من الشطارين والعيارين ومرتزقة الإعلام بشعار: "السلطة تريد ما لا يريده الشعب العنيد"! بحيث وجد ذلك احد نماذجه المضحكة والمخزية في حادثة الهجوم البدائي لقوة "الفرسان" الممتطية بألبستها الحديثة حصان وبعران! وقد كان ذلك في "جماله" يشبه جمال حسني مبارك أي نموذج القوة الوريثة لأرث بدائي يعتقد بان الفروسية هي مجرد ركوب فرس! لكنها صورة نموذجية عن شح الخيال ومسخ العقل وانعدام الضمير المميز للسلطات المنعزلة والمغتربة عن مجتمعاتها.

لقد تجاوزت مواجهة الإرادة الشعبية للسلطات المتهرئة إشكالية السلطة والمجتمع بمعايير "الاحترام" و"التبجيل" و"التفخيم" وما شابه ذلك، إلى مستوى تغيير النظام، أي البحث عن بدائل ترتقي إلى مصاف المنظومة المحكومة بفكرة الحق والحقوق. فقد كان الشعار الجوهري هو شعار إسقاط النظام الحالي واستبداله بنظام آخر، أي بمنظومة تذلل زمن السلطة لتنقل المجتمع إلى تاريخ الدولة الحديثة. الأمر الذي حوّل كافة الشوارع والساحات إلى "ميدان تحرير" تطابق في صورته مع ميدان التحرير القاهري. وإذا كانت هذه الميادين هي ميدان الصراع المباشر مع السلطة والنظام السياسي، فان رمزيته تتعدى حدود الكلمة والعبارة والأرض لترتقي إلى مصاف الفكرة المجردة المتسامية عن التحرر والحرية. وفيها تنعكس شحنة الاحتجاج الاجتماعي والسياسي والوطني والقومي المتراكمة في قلوب الجيل الشاب وعقوله، أي في قوة المستقبل.

لقد كانت قوة الاحتجاج العارمة في تونس ومصر واليمن وليبيا والبحرين والمغرب وسوريا تعبيرا متنوعا عن إدراك قيمة الحياة والمستقبل، بوصفها القوة الوحيدة القادرة على صنع التاريخ الفعلي للأمم. فالتاريخ الفعلي هو رديف لمضمون المؤسسة القادرة على صنع تراكم الذات الإنسانية وتجاربها المتنوعة بوصفها قوة مبدعة. وليس مصادفة أن يكون الإلهام على الدوام القوة المبدعة في التاريخ، وان يكون الخيال المبدع القوة المنظمة للوجود. وان نعثر على هذا التزاوج الفعال في طبيعة وحجم وفاعلية الخيال العربي الجديد، أو قوة الروح المبدع الذي يعادل معنى الحياة وفكرة المستقبل. فالإنسان العربي المعارض لسلطة زين العابدين وحسني مبارك والقذافي وعلي صالح والأسد وآل خليفة وآل سعود وآل هاشم وآل علوي وغيرهم، والمنتفض ضد النظام السياسي القائم، يعمل ويفعل بفكرة الحق والكرامة وليس الغريزة. وفي هذا تكمن حقيقة الإلهام التاريخي الجديد للثورة التي بدأتها تونس واستكملتها وتستكملها البقية الباقية من أقطار العالم العربي. .

فقد كان النموذج السائد للسلطة "العربية" وما يزال في اغلبه هو سلطة الغريزة النهاشة النهابة المتغطرسة في لباس السرقة والاستحواذ. إنها سلطة البطون التي لا تمتلئ أبدا لأنها فارغة على الدوام شأن هوة الموت! وليس مصادفة أن يتحول طغاة العالم العربي إلى أطواق الموت الملتفة حوله! بحيث لم يعد الناس يشمون منهم غير عفونة الزمن. ولا مجاز في الأمر. إذ أن كل منهم هو مومياء الزمن الفارغ للسلطة، وممثل الاغتراب الفعلي عن حياة الدولة والمجتمع وماضيهما وحاضرهما ومستقبلهما. والمغترب قابل لكل الرذائل. وليس مصادفة أن تصبح الفوضى هي "نظام" وجود الأشياء. وعندما تصرخ الجموع في كل مكان بأنها تريد إسقاط النظام، فأنهم يعنون ما يقصدون. إنهم يريدون إسقاط الفوضى. بينما لم ير أي من "رؤوس النظام" في كل ما كان يجري سوى الفوضى. الأمر الذي جعل حسني مبارك على سبيل المثال يقول، بأنه مستعد للتخلي عن السلطة، لكنه يخاف الفوضى! انه لم يفهم بان حقيقة الفوضى هي ليست حركة الناس القوية والحية ضد الدكتاتورية التي سلبت حقوقهم وعرّضت الفرد والجماعة والدولة والأمة إلى مهانة مستمرة، كما أنها ليست بعض مظاهر اللاعقلانية التي تلازم بالضرورة التمرد الاجتماعي الكبير والعصيان والمواجهة والتحدي لعنف السلطة، بل هي اغتراب السلطة عن فكرة الدولة والمجتمع والحقوق.

إن حقيقة الفوضى في العالم العربي ككل تقوم في أسلوب وجود وعيش وعمل السلطة "الفائضة" بالخيبة والرذيلة. إنها فوضى الحياة السياسية، وفوضى الحياة الاقتصادية، وفوضى الحياة الحقوقية، وفوضى الانتماء الوطني، وفوضى الانتماء القومي، وفوضى الانتماء الثقافي والروحي، وفوضى القيم، التي أنتجت في نهاية المطاف "منظومة الفوضى". وهذه بدورها غير قابلة للعيش طويلا. إن ما جرى ويجري في دول العالم العربي من ردود فعل ترتقي إلى مصاف التحدي التاريخي ليست إلا الصيغة الأولية للرد على فوضى السلطة. وفي هذا الرد التاريخي يمكننا رؤية استلهام الإنسان العربي لتراث وشخصيات الكينونة الحرة والمتفانية من اجل الخير الأسمى للكل العربي. وفيها تنعكس الحقيقة الكبرى القائلة، بان ثورات العالم العربي ذات نبض واحد، لان قلبها واحد، وهمومها الكبرى واحدة.

ولعل المغزى التاريخي الأكبر لما جرى في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وما سيجري لاحقا في البقية الباقية، هو الاستمرار بتقاليد الإصلاحات الكبرى ولكن من خلال تحقيقها بمعايير الإلهام الاجتماعي والوطني والحقوقي والأخلاقي. ولا يغير من هذه الحقيقة مختلف مظاهر الخلل والشلل والتراجع والنكوص والشعوذة واللاعقلانية. وذلك لان الفكرة الجوهرية فيها ليست الخبز، بل الحق والكرامة. وهذا مؤشر جوهري على حقيقة الإلهام العميق بالمستقبل. إذ ليس الحق والكرامة سوى المعايير الكبرى للروح العقلي والأخلاقي. وأمام هذا الروح لا يصمد كل ما يعارضه. لأن كل ما يعارضه أشباح.

 إن الإرادة التي صنعت فيما مضى اغلب مآثر العجائب السبع، هي الإرادة الكامنة والذائبة في صلب الكينونة العربية الحديثة، رغم كل ضعفها وركاكتها الجلية والمثيرة للشماتة والشتيمة أيضا، لكنها القادرة في الوقت نفسه على رمي سلة السلطات المتهرئة على قارعة الطريق الصعب، من اجل بناء النفس والدولة الحديثة على أسس الشرعية ومبادئ الحق والعدالة.

فإذا كان الواقع والرهان والنتائج الأولية جلية للعيان والعقل والبرهان في الحالة التونسية والمصرية رغم طابعها المتناقض، فان الواقع والرهان والنتائج الأولية مثيرة للالتباس ومثيرة للشكوك الأولية في ليبيا والبحرين وسوريا، وإمارات وممالك الخليج والجزيرة والبقية الباقية من دول العالم العربي.

وإذا كانت سوريا من بين أكثرها أهمية، فلأنها كانت وما تزال بؤرة الكينونة العربية الحديثة. من هنا الطابع المرهف والمتناقض لما يجري فيها وحولها ومستقبلها. والسبب يكمن في تداخل إشكاليات النظام والسياسي والدولة، المجتمع والقومية. وهي إشكاليات تتداخل وتتلاقي بشكل اقرب إلى حد الشفرة القاتلة. فالتغيير في سوريا أمر ضروري. والإصلاح غاية عملية. مع أن سوريا تحتاج من حيث الجوهر إلى إعادة تأسيس شاملة في بنية النظام السياسي وفكرة الدولة والمجتمع والقومية تتجاوز طبيعة وحالة الموجود والوقف تجاهها من جانب السلطة والمعارضة على السواء.

غير أن الاستنتاج المذكور أعلاه لا يبدل حاليا من طبيعة الانحراف الفعلي في الثورة السورية وإشكالاتها العصية. ومن الممكن القول، بان إشكالية الحالة الثورية في سوريا تقوم في تحول "الثورة" إلى فتنة، والعصيان إلى هذيان، مع ما ترتب عليه من فساد وإفساد شامل لما تقوم به. وقد يكون تمويلها من جانب الغرب الكولونيالي والدويلات الخليجية (السعودية القطرية) هو من بين أكثرها تخريبا وتوثيقا وتدقيقا لانحرافها وزيغها. بحيث تحولت من حيث الجوهر إلى ثورة مضادة. وهناك أربعة أسباب كبرى لهذا الخراب او الخلل البنيوي القائم في هذه الرؤية والمواقف وهي:  تعارضها مع تاريخ وعي الذات الوطني والقومي العربي في سوريا، وتجاهلها لما يمكن دعوته بالحقيقة السورية بوصفها حقيقة قومية عربية كبرى هي أوسع وأعمق وأكثر جذرية من السلطة والنظام السياسي (الحالي القائم في سوريا)، وعدم جعلها الفكرة العربية القومية مرجعية كبرى ومتسامية، وعجزها عن تحويلها إلى بديهية سياسية. وقد ترتب على ذلك أربع نتائج وخيمة لعل أكثرها تخريبا هي: أنها لم تستفد من تجارب التدخل الأجنبي وآثاره المدمرة كما هو الحال بالنسبة للعراق وليبيا. الأمر الذي يشير إما إلى أنها عمياء العقل أو القلب أو الضمير أو جميعها، وأنها لم تتبع النموذج الأمثل للصراع السياسي السلمي من اجل الإصلاح كما جرى في تونس ومصر واليمن والبحرين، وأنها تصارع من اجل الانقلاب وليس الإصلاح، وتصارع من اجل السلطة وليس من أجل الدولة والأمة.

كشف مسار الثورة الدموية في ليبيا عن طبيعة الصراع المرير بين العصيان والطغيان. كما كشف مسارها في اليمن عن طبيعة الصراع بين العصيان والخذلان. أما في البحرين فقد كشف عن طبيعة الصراع بين العصيان والحرمان. كما كشفت التجربة السورية عن طبيعة الصراع بين العصيان والزمان. أما في "ممالك الملح" فانه كشف عن طبيعة الصراع بين العصيان والرهان. ووراء كل هذه الصورة المتنوعة تتلألأ الحقيقة القائلة بوجود عصيان اجتماعي متوحد من حيث بواعثه وغاياته، وتنوع في الاستبداد. فالأخير يتخذ صيغ الطغيان والخذلان والحرمان والزمان الفارغ والرهان عليه من اجل ديمومة الحالة كما هي. بعبارة أخرى، إن السلطة في مختلف الدول "تتفنن" من اجل الاستمرار. من هنا تنوع الرذيلة، او بلوغ أنواعها المتميزة، أي أن لكل سلطة أولوية في رؤية الوسيلة الضرورية لديمومتها. ومن ثم تعكس وتعّبر عن نمط معين للنفسية والذهنية الاستبدادية. بينا الرد واحد، أي العصيان على هذه الأنماط المختلفة. وليس مصادفة أن يكون الشعار العام هو "الشعب يريد إسقاط النظام". ذلك يعني أنها لا ترى في تنوع الاستبداد شيئا غير الاستبداد بوصفه نظاما فاسدا.

إلا أن تجارب التمرد والعصيان الاجتماعي وتنوعها تشير إلى أن توسع مداها الجغرافي هو مجرد أنواع لظاهرة تاريخية كبرى. بمعنى إننا نقف أمام تباين يعّبر عن وحدة في ما حدث ويحدث وسيحدث تعبّر عن المسار العام والنتائج الأولية للثورة العربية عبر كشفها العملي عن الخلل البنيوي في النظام السياسي وانغلاق نمط الدولة الحالية، باعتبارها دولة تقليدية وبدائية. ومن ثم نهاية ما يمكن دعوته بعهد الوصاية والولاية. وسواء جرى فهم العهد على انه عهدا ووعدا او بوصفه مرحلة، فكلاهما من طينة واحدة بالنسبة لحقيقة الدولة العربية الحديثة بوصفها دولة فاشلة، أي لا حداثة فيها بوصفها منظومة متكاملة.

فإذا كان تاريخ الدولة العربية الحديثة هو مجرد زمن تقليدي او زمن راديكالي، أي منظومة حكم العائلة والقبيلة او الأحزاب العقائدية الطارئة، فان انحدارها مع كل خطوة في مجال التحديث، خطوات إلى الوراء مقارنة بحقيقة الحداثة والتطور والارتقاء المدني، اصبح أمرا "طبيعيا". وحالما تتحول طبائع الأشياء ومسارها الطبيعي إلى حالة تناقض أصول الأشياء ومهمتها ووظيفتها، فان كل ما فيها يتحول إلى نقيضها.

فالأحزاب العقائدية التي حكمت وما زال بعضها يحكم الدول العربية لم تكن أحزابا سياسية اجتماعية، أي أنها لم تصل إلى السلطة عبر الانتخاب، ولم تكن علاقتها بالدولة مبنية على أساس عقد اجتماعي وشورى للنخب الفكرية والروحية. من هنا هيمنة نمط القيادة وليس الإدارة، والعقائد وليس العلم السياسي. وهي بهذا المعنى الوجه الآخر للسلطة التقليدية (الممالك والإمارات والسلطنات). وبالتالي، فان كل منها كان يكمل الآخر. وليس مصادفة أن يكون احترابها ومؤامراتها فيما بينها الصيغة شبه المطلقة لوجودها وديمومتها وحماستها. وهذا بدوره ليس إلا الوجه الآخر لعلاقتها بالمجتمع. من هنا طابعها الطارئ الذي يبرز بجلاء في اغترابها عن المجتمع والقومية والأمة ومصالحها الكبرى والعامة. ولعل السرقة والابتزاز وتهريب الأموال إلى الخارج هو احد مظاهر هذا الطابع الطارئ والخوف من نتائجه. أنها تترقب دوما إمكانية الزوال. من هنا "تهذيبها" لمنظومة القمع فقط من اجل تأجيل وقت الهروب والرحيل. مع ما يترتب عليه من هيمنة فكرة الوصاية والولاية بوصفها الوجه الظاهري لمضمون الاستبداد. وبما أنها تحاول أن تتمثل مظاهر وصاية بلا أوصياء وولاية بلا أولياء من هنا سخافة وعقم كل ما تقوم به، ومعاداتها لأبسط قواعد الوجود الاجتماعي والدولة الحديثة. الأمر الذي جعل منها زمن الضياع الدائم، وبالتالي تخريب أسس الدولة الحديثة والتقدم الاجتماعي والفكرة القومية السليمة.  

وفيما لو أجملنا مختلف مظاهر هذه الحالة الخربة على مدار القرن العشرين، فأننا نقف أمام نتيجة زهيدة جدا بهذا الصدد هي عين النكوص التاريخي للدولة والأمة، أي عين الاستهزاء والتسخيف بالطاقة والإمكانية التي يحتويها العالم العربي. فالطاقة والإمكانية الكامنة فيه، التي تجعله قادرا على أن يصبح قطبا عالميا هائلا، تحولت بأثر هذا النمط من الدولة ونظامها السياسي إلى قوة بائسة.

إن طبيعة الدولة العربية الحديثة، منافية لطبيعة الدولة والحداثة، أي لأسس وجودها الذاتية. فهي أما دولة وصاية وولاية، أو دولة سلطان وعبدان، أو دولة عائلة وعشيرة، أو دولة حريم وحرام، أو دولة ديوان وديدان، أو دولة رشوة وابتزاز. والدولة هنا تعادل معنى السلطة. بمعنى ذوبان او اضمحلال فكرة الدولة في حدود السلطة. والأخيرة مجرد تسلط وسلطان! من هنا انقلاب كل ما فيها إلى ضدها.

فالدولة هي تداول، بينما لا تداول فيها. كما أن وصايتها بلا أوصياء، وولايتها بلا أولياء. ولا تعني دولة السلطان والعبدان سوى سلطة خصي الجاه والمال، الأمر الذي جعل منها مجرد قصور مليئة بالحريم والبغاء وخاوية من كل ما يمكنه إرساء أسس الروح الأخلاقي للدولة. بحيث جعلها ذلك مجرد ديوان لديدان زاحفة! مع ما يترتب عليه من اندثار للروح الاجتماعي والوطني والقومي. من هنا طبيعة الهيمنة المطلقة فيها للعائلة والعشيرة. فهي تبدأ بأسمائها وتنتهي بألقابها! من هنا آل سعود، وآل خليفة، وآل الصباح، وآل زايد، وآل ثاني وآل قابوس! وكلها كابوس في لباس ابيض "يطّهر" نفوسها السوداء! وتقابلها بالمثل دول الاستبداد الراديكالي لدنيويات (علمانيات) مزيفة هي الوجه الآخر لهذا النمط. ولكل منها أسلوبه الخاص في الاغتراب الجوهري عن مصالح الدولة والمجتمع والقومية والمستقبل. الأمر الذي جعلها جميعا تشترك في صفات كبرى لعل أكثر جوهرية هي الاستبداد والرشوة والابتزاز. أنها دولة الرمال المتلونة، أي الفاقدة لأسسها الذاتية وقواعد ديمومتها القوية والحرة. باختصار أنها دولة بدون هوية اجتماعية، شأن البدون الكويتي. أنها دولة بلا أسس وطنية، ولا روح قومية، أي دولة بلا فكرة دولة. أما النتيجة فهي الزحف الدائم للدولة الرخوية، أي الدولة الفاشلة والمخيبة لأمال أمة كبرى! من هنا كبر العصيان الاجتماعي والسياسي في مواجهتها وتحطيمها كما لو انه لا ضرورة فيها ولا قيمة!

فالسائد في هذا النمط أو الساري في شرايين هذا النمط من الدولة هو النفط الذي جعل من كل الأشياء الأخرى توابع. مع ما يترتب عليه من إعادة إنتاج لعصبية الخيام والأغنام القديمة، أي تلك التي تضمحل فيها وتتلاشى فكرة الوحدة الاجتماعية والوطنية والقومية. الأمر الذي جعل ويجعل من "الوطنية" فيها عنصرية فجة أو "روحا" بدائية لا علاقة لها بفكرة المواطنة بالمعنى الدقيق للكلمة. من هنا انغلاقها على الآخرين وعدم قبولهم للغير. وهي حالة اقرب إلى نفسية القبلية، مع أن الأخيرة قابلة أحيانا للاختراق بسبب الغنيمة! وقد يكون أسلوب قبول "الاغيار" كمواطنين في البحرين أو ما يسمى بالتجنيس الطائفي نموذجا "عصريا" لها. أما طابعها القومي فأنه أكثر غرابة! فالعربي فيها ليس فقط غريب كالغرباء، بل ومحط شكوك ومخاوف!

ووراء هذه الحالة العنيفة والمدمرة يمكن رؤية الملامح الأولية للبنيان السياسي والاجتماعي والوطني والقومي والعقلي والروحي والأخلاقي. وقد يكون النسج الأولي للوعي الاجتماعي الذي لا يتسم بالاحتراف والإتقان، والمتحرر من زمن الأيديولوجيات والعقائد الجامدة، احد مظاهره الكبرى. أما صعود الحركات الإسلامية السياسية المتميزة بقوة العقائد الجامدة، فانه دليل إضافي على هذه الحقيقة، رغم انه يبدو مناقضا لها من الناحية الظاهرية. وذلك لأن هذا التناقض هو احد مظاهر ما ادعوه بصعود وهيمنة المركزية الإسلامية. أنها ظاهرة وأسلوب ومرحلة وحالة ثقافية وسياسية وليست بديلا شاملا. وفيها تنمو بالضرورة ويتراكم ويندثر صعود اللاهوت السياسي بوصفه الحالة الأولية والبدائية الملازمة لصيرورة الزمن الراديكالي بأثر طبيعة الانقطاع التاريخي للتراكم الطبيعي في مسار الفكرة الإصلاحية (الدينية والدنيوية) وكيفية نشوء الدولة العربية الحديثة.

إلا أن من بين أهم نتائج هذه الحالة هو الصيرورة الأولية لملامح مرجعية الحرية الفعلية والنظام العقلاني بوصفها مرجعية سياسية وفكرية كبرى. إذ تبرز ملامحها المبتسمة من وراء العيون الدامعة والأجساد المدمية لملكوت الحرية. بعبارة أخرى، أن بروز ملامح مرجعية الحرية والنظام وجوهريتها بالنسبة للوعي السياسي والاجتماعي ترتقي إلى مصاف الفرضية الكبرى للمستقبل بوصفه تاريخيا ذاتيا. وقد تجسد ذلك للمرة الأولى فيما يمكن دعوته بالمنازلة الكبرى في مواجهة منظومة الطغيان بالعصيان، والاستبداد بالحرية، والسلطة بالدولة، والعائلة والقبيلة بالمجتمع، والحاضر بالمستقبل.

***

 

 

hatam hamidmohsin2يُعتبر نموذج دومار من اهم النماذج في تفسير ظاهرة العبودية في المجتمعات الزراعية. الاقتصادي Evsey Domar نشر نموذجه لأول مرة عام 1970 في ورقة بعنوان "اسباب العبودية: فرضية" نُشرت في مجلة التاريخ الاقتصادي. نموذج دومار هو تنقيح لفرضية نُشرت في الأصل للمؤرخ الروسي Vasily Klyuchevsky الذي نظر في اسباب العبودية من خلال رؤيته للتجربة الروسية في القرنين السادس عشر والسابع عشر. في فرضيته هذه، يسعى دومار لإعطاء الفرضية تطبيقا واسعا مع التركيز بنفس الوقت على التحليلات التي تعرض نموذجا اقتصاديا كتفسير لأسباب الرق.

الافتراضات

يفترض دومار في نموذجه الفرضيات التالية:

1- الارض والعمل هما العنصران الوحيدان للانتاج (لا حاجة لرأس المال او الادارة)

2- الارض هي ذات طبيعة موحدة ولا اعتبار هنا للموقع.

3- هناك مردود ثابت للعمل (الناتج الحدي للعمل هو ثابت، ويساوي تقريبا متوسط ناتج العمل).

بالاضافة الى ذلك، يرى دومار ان هناك ثلاثة عناصر ملائمة في هذا النموذج تتعلق بالهيكل الزراعي وهي:

1- وفرة في الارض المجانية

2- وفرة في العمل المجاني (عمل فلاحي مجاني)

3- زراعة على نطاق واسع (لا وجود لعمل مالكي الاراضي).

يرى دومار ان اي من العنصرين وفي اي موقف يمكن ان يوجدا بشكل متماسك ولكن يستحيل وجود العناصر الثلاثة مجتمعة في وقت واحد . اعتمادا على اي من العناصر توجد بحالة من التماسك، ستبرز امامنا مختلف انواع المجتمعات.

وفق خصائص نموذج دومار، فان الانتاج = دالة (الارض مضروبة في العمل)، وفي ظل افتراض ان الانتاج يتطلب فقط الارض والعمل، والانتاج ذو مردود ثابت، وهناك وفرة في الارض المجانية، عندئذ سوف لن تكون هناك حرية للعامل في اختيار الاجور.

التطبيق التاريخي

يركز دومار في اختبار نموذجه على التحليلات التاريخية للعبودية في روسيا وبولندا- لتوانيا واوربا الغربية والولايات المتحدة. تحليل دومار لروسيا ينظر في ما قبل عام 1550 عندما كان فلاحو روسيا احرارا، وبعد مائة سنة عندما اصبحوا عبيدا. يؤكد دومار ان العوامل الملائمة المساهمة في هذا التغيير في التصنيف كانت عدد الخدام المطلوبين من جانب الجيش وكذلك مقدار السكان. في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، بدأت الحكومة الروسية بتوزيع الاراضي واعادة توزيع السكان في المناطق المركزية من البلاد. ومع بداية القرن السابع عشر، كانت هناك نسبة عالية من الارض/ العمل بالاضافة الى الحاجة الحكومية لخلق طبقة كبيرة من الخدم، والذي سبب زيادة كبيرة في مستوى الرق في روسيا . في بولندا- لتوانيا، هناك عوامل ملائمة قادت الى زيادة في العبودية بدأت في القرن الرابع عشر مع احتلال اراضي اوكرانيا مما قاد الى نسبة عالية في الارض/ العمل في المناطق المتسعة الجديدة. كذلك، الهجرة خارج المناطق المركزية باتجاه الاطراف قاد الى نسبة اكثر تجانسا للارض/ العمل على طول حدود الدولة. في تحليله للعبودية في اوربا الغربية يقترح دونار ان اعادة توزيع السكان في الامبراطورية الرومانية الاخيرة خلق زيادة كبيرة في نسبة الارض/ العمل مما خلق موقفا برزت فيه العبودية كنتيجة لاحقة لزيادة نسبة الارض/ العمل بسبب انخفاض عدد السكان. ان نهاية القرن الثالث عشر في اوربا الغربية قوبلت بهبوط حاد في العبودية والذي يعزوه دومار الى كثافة السكان والفائض الكبير في العمل ومن ثم الى الهبوط الكبير جدا في نسبة الارض /العمل. كذلك، يلعب هذا النموذج الاقتصادي دورا هاما في تحليل اسباب العبودية في الجنوب الاستيطاني الامريكي. يرى دومار بان الجنوب الامريكي اظهر وفرة في الارض المجانية ونطاق واسع من الزراعة، ولكن لا وفرة في العمل المجاني. مقابل ذلك، نجد في الشمال الامريكي وفرة في الارض المجانية ووفرة في العمل المجاني، ولكن لا وجود لنطاق كبير للزراعة. الجنوب الامريكي اثناء الفترة الكولنيالية كان يتميز بكميات كبيرة من الارض الخصبة التي لم تكن مأهولة قبل الاستيطان، ونادرا ما قُطنت اثناء الاستيطان. يبرر دومار استيراد العبيد الى الجنوب الامريكي كحاجة اقتصادية للعمل نتيجة النسبة العالية من الارض /العمل في الجنوب. دومار يعزو الفرق في مقبولية العبودية في الجنوب الامريكي قياسا بالشمال الامريكي الى معارضات سياسية واجتماعية والى التكيف العالي للعبيد مع المناخ الحار، و الى زيادة الانتاجية التي تتماشى مع المواسم الاطول والاكثر ثمارا في الجنوب بسبب الحرارة.

نقد وتقييم

نموذج دومار في العبودية واجه انتقادا منذ نشره عام 1970. في عام 2009 نشر البروفيسور جين جاكس روس ورقة بعنوان "اسباب العبودية :مراجعة الفرضية"جادل فيها ان الرق والعبودية لا يمكن ان يكونا صحيحين في وقت واحد، حيث ان دومار يرى ان ندرة العمل هي ضرورية لكنها ليست كافية لظهور العبودية، وان عاملا سياسيا خارجيا مطلوبا لوجود لعبودية، روس يرفض هذه الرؤية ببيان ان "في اقتصاد الكفاف الزراعي الظروف التكميلية للعبودية هي 1- نموذج القلة في طلب العمل oligopsony(وجود عدد قليل من المشترين) الناجم عن 2- قلة المجهزين للعنفoligopolistic (عدد قليل من البائعين) من جانب مالكي الاراضي الكبيرة". لكن البروفيسور جوناثن كاننك من جامعة هنتر نشر ورقة بعنوان "اسباب العبودية والطريق الى الرأسمالية الزراعية: تنقيح فرضية دومار"، في فرضيته يعرض كاننك"صياغة توازنية عامة ومبسطة لفرضية دومار عن اسباب العبودية فيها يؤكد على التفاعلات بين العناصر الانتاجية في البلد، وطبيعة تكنلوجيا الانتاج، والتوزيع الاساسي لحقوق الملكية في الارض". ورقة (كاننك) تعتبر توسيعا لنموذج دومار بدلا من ان تكون تحديا مباشرا له.

 

حاتم حميد محسن

 

 

ibrahim abrashثلاثة متغيرات حاكمة في أية مقاربة راهنة لمسألة الثقافة والمثقفين والعلاقة بين المثقف والسلطة في (العالم العربي) وهي :

1- هيمنة الانشغالات الأمنية والسياسية والبحث عن متطلبات الحياة اليومية على حساب تراجع دور ومركزية الثقافة والمثقفين .

2- تسطيح معنى المثقف والثقافة وغلبة الكم على الكيف .

3- عملية إزاحة للمثقف الشمولي أو الوطني الجامع لصالح المثقف الطائفي والمذهبي والأثني .

 هذه المتغيرات أو المستجدات أثرت على مكانة ودور الثقافة والمثقفين ونظرة الجمهور لهم . ما قبل الانهيارات الكبرى التي اصابت الدولة الوطنية بسبب فوضى الربيع العربي كان الإشكال الرئيس عند الحديث عن الثقافة والمثقفين تتمركز حول حرية الرأي والتعبير وعلاقة المثقف بالسلطة والسلطان، وآنذاك كانت السلطة سلطة واحدة ومهيمنة وهي سلطة الدولة المحتكرة لأدوات الهيمنة والتسلط، والسلطان هو الحاكم ملكا أو رئيسا حيث لا سلطة تعلو على سلطته، أما اليوم فلم تعد سلطة الدولة السلطة الوحيدة التي تحتكر أدوات القهر والتسلط، ولم يعد هناك سلطانا وحيدا متفردا بالسلطة في حيزها السياسي أو الاجتماعي .

السلطان اليوم لم يعد الحاكم الوحيد الأوحد بل جماعات متعددة كل منها تنصب نفسها مرجعية للشعب ولكل منها سلطتها وسلطانها، سلطان المال أو سلطان الدين أو سلطة الانتماءات المحلية أو عصبيات ما قبل الدولة، وقدرتها على المنع والمنح وقدرتها على التحشيد والاستقطاب، وبالتالي أصبح المثقف في مواجهة سلطات متعددة عليه مواجهتها جميعا إن أراد أن يكون مثقفا بالمفهوم الحقيقي للمثقف، أو الانضواء تحت سلطة إحداها مما قد يفقده صفة المثقف .

من منطلق أن المثقفين والمفكرين بكل تسمياتهم أو تصنيفاتهم – المثقف /المفكر العضوي، المثقف / المفكر الطليعي، المثقف / المفكر النقدي، المثقف /المفكر الرسولي الخ - يجب أن يكونوا في الطليعة وفي حالة تصادم مستمر مع كل أوجه الفساد والشطط في ممارسة السلطة، وفي حالة اشتباك مع الحياة اليومية ومشاكلها وتحدياتها، والسراج المنير الذي يمنح الأمل ويوجه الرأي العام نحو الطريق الصواب للخروج من الأزمة، من هذا المنطلق يلوم البعض المفكرين والمثقفين ويحملونهم مسؤولية ترك المجال لأشباه المثقفين ولمنتحلي صفة المفكر ولكَتَبة السلطان وتجار الفتاوى الدينية الخ ويلومونهم لأنهم انزووا وكثيرون منهم هاجر إلى بلاد الغرب التي طالما انتقدوا سياساتها .

دون تبرئة المثقفين من المسؤولية إلا أن المفكر والمبدع ليس فدائيا دائما وبالضرورة . فدائية المفكر والمثقف واستعداده للتضحية بحياته دفاعا عن فكره وعن قضايا الأمة وإن كانت تتأتى من شخصية المثقف وقوة وأهمية إبداعه ومن الرأي العام الذي يجله ويحترمه، إلا أن شجاعة وفدائية المثقف تُستمد أيضا وتتعزز من فضاء الحرية، حرية الرأي والتعبير التي يكفلها القانون، وفي العالم العربي انحسر فضاء الحرية عما كان قبل ما يسمى الربيع العربي . صحيح أن حرية الرأي والتعبير لم تكن سابقا بأفضل حالها وكانت محدودة ومُحاصَرة والسجون تعج بالمعتقلين السياسيين ولكن الحالة كانت افضل من اليوم .

عندما يغيب الأمن وتسود فوضى وحرب أهلية يصبح القتل فيها على الهوية أو لمجرد الشبهة ودون محاكمة آنذاك تتراجع فضيلة الشجاعة والتحدي عند المثقفين ورجال الفكر الصادقين، ويتوشح بها العسكريون والسياسيون ومن والاهم من الكَتَبة وأشباه المثقفين، وحتى هؤلاء يستمرون صامدين في الميدان ليس لشجاعتهم بل لأن لهم مصالح مادية يدافعون عنها ولأنهم يتحركون بحماية الجيش والأمن، وعندما يتحرك المثقف والمفكر متسلحا بمسدس أو بمرافقين مسلحين تسقط عنه صفة المثقف .

لا شك أن الأنظمة العربية ما قبل فوضى الربيع العربي لم تكن أنظمة ديمقراطية، ولكن كان في سدة الحكم قادة كبار يحترمون أو يخشون نسبيا الفكر والمفكرين ويأخذون بعين الاعتبار الثقافة والمثقفين حتى وإن اختلفوا معهم في الرأي . قادة يقدمون أنفسهم أو يزعمون أنهم يمثلون ويحمون القضايا الكبرى والفكر المعبر عنها، الوطن والوطنية، القومية والعروبة والمشروع القومي، الثورية والتقدمية والتحرر من الاستعمار الخ، أما اليوم فغالبية القادة والزعماء يفتقدون الصفة التمثيلية الجامعة لا على مستوى الدولة الوطنية ولا على مستوى المشروع القومي العربي ولا على مستوى تمثيل الفكر الثوري والتقدمي والتحرري .

غالبية الأنظمة السياسية اليوم يسيطر عليا الهاجس الأمني وكيفية الحفاظ على كراسي الحكم وعلى جغرافيا دولة حتى وإن كانت في حدود عشيرتهم وطائفتهم، والحفاظ على مصالحهم التي هي ثوابتهم ومرجعياتهم بل يفرضونها كثوابت ومرجعيات للشعب أو ما تبقى منه ! .

المشكلة لا تكمن في تراجع الفكر والمفكرين والثقافة والمثقفين بالإطلاق، فمثل هؤلاء موجودون وربما أكثر عددا وأكثر حضورا إعلاميا في زمن السبرانية والمال السياسي . نحن نتحدث عن مضمون الفكر والثقافة وعن نوعية المثقفين ورسالتهم، فمن يملأ المشهد الثقافي والفكري اليوم يعكسون ويعبرون عن فكر طائفي أو مذهبي أو فئوي، ويعبرون عن ثقافة فرعية أو مضادة، أو كتبة مأجورين لهذه الجهة الخارجية أو تلك .

وأخيرا فإن الفجوة كبيرة ولا شك ما بين الواجب الذي على المثقفين القيام به والممكن الذي يقومون به الآن، وهي فجوة لا يتحمل المسؤولية عنها المثقفون فقط بل النظام السياسي برمته وخصوصا السياسيون، وأسوء هؤلاء السياسيون الذين يتولون مناصب ثقافية وسياسية معا، فهذا الجمع بين الوظيفتين أو الدورين يجعلهم سياسيين فاشلين ويسيئون للثقافة في نفس الوقت.

إن كان المثقفون لا يتحملون الدور الرئيس فيما تشهده المنطقة من أزمات وانهيارات إلا أن عليهم الرهان لإظهار المخاطر التي تهدد المنطقة وهويتها وتاريخها كما سيكون لهم دور في استنهاض الحالة الوطنية وإعادة بناء الدولة على أساس الديمقراطية والمواطنة والشراكة السياسية، لأن فوضى السلاح والحرب الأهلية مصدرها وأساسها خلل وفوضى في الثقافة والفكر وخلل في المنظومة القيمية .

 

د. إبراهيم أبراش

 

mohamad tawfiqalawiتم التطرق في الجزء الأول من هذا الموضوع تحت عنوان (كيف يمكن للحكومة ان توفر فرص عمل للشباب؟) على الرابط:

 https://mohammedallawi.com/2018/01/22

حيث تم في ذلك الجزء طرح المحور الأول وهو: توجيه الشباب وبالذات خريجي الجامعات للعمل للاستثمار في مجال المشاريع الصغيرة والمتوسطة. وسنتناول في هذا الجزء المحور الثاني وهو: توجيه الشباب من غير خريجي الجامعات للعمل الحر الخاص وإنشاء المشاريع الصغيرة على الأخص.

إن هذا المحور الثاني قد يفوق في أهميته المحور الأول لما يتركه من أثر كبير في نهوض المجتمع وبناء مؤسساته الاجتماعية والمهنية ووضع اللوائح والأنظمة والضوابط لتطوير المجتمع وتنميته وتأسيس وإعطاء الدور الحقيقي والفاعل لمنظمات المجتمع المدني وبالتالي رفع مستوى الإنسان العراقي.

إن طرح الموضوع أعلاه لا يقتصر على توفير فرص العمل فحسب بل هو منظومة اجتماعية ومهنية ومؤسساتية يمكنها ان تضع العراق في النهاية بمصاف الدول الكبرى والمتطورة في العالم المتحضر في يومنا الحالي.

وقبل الخوض في التفاصيل أحب ان انوه استنادا إلى الردود التي وصلتني آنفاً إلى ان الكثير مما سأطرحه قد يظن بعض القراء الكرام  ان هذه الأمور صعبة التحقيق لقلة الكادر القادر على تطبيقها؛ وانا اختلف مع هذه الظنون؛ نعم هناك قلة في الكادر، ولكن ليس ذلك بالمانع؛ يجب ان نسعى للنهوض ببلدنا وان استدعى الأمر جلب طاقات وكوادر غير عراقية لفترة من الوقت؛ ولكن لا بد ان يأتي اليوم الذي ستتفجر فيه الطاقات الكامنة، ولا بد لبلدنا ان ينهض وينتفض على الفاسدين، ولا بد للمصلحين ان يتمكنوا من المسك بزمام الأمور من خلال صناديق الاقتراع؛ ولا بد ان يأتي اليوم الذي يعيش فيه الانسان العراقي كما يستحق ان يعيش في بلد يقوده الطيبون والأكفاء من أبنائه وهم كثر، فينعم الناس بالراحة والاستقرار والسلام والنهوض والتطور والازدهار فليس ذلك على الله ببعيد.

إن توضيح الموضوع يتطلب البحث في ستة نقاط وهي:

1- أقامة دورات للتخصصات القطاعية المختلفة في كافة محافظات البلد

2- تفعيل دور الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية وتطوير معاييره وتوسيع قاعدة المواصفات القياسية العراقية.

3- مساعدة الحكومة في تشكيل منظمات المجتمع المدني القطاعية لتطوير القطاعات المختلفة ولوضع الضوابط والأنظمة واللوائح والمعايير القطاعية.

4- أنشاء مصرف القروض الميسرة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة الذي تطرقنا إليه سابقاً.

5- تأسيس الهيئة العليا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تطرقنا إليها سابقاً.

6- توفير خدمات جديدة للمواطنين تغطي مئات المجالات المرتبطة بمصلحة المواطن وإنشاء مجلس حماية المستهلك الذي اقر في قانون حماية حقوق المستهلك الصادر عام 2010.

ولتقريب الصورة للقارئ الكريم بشأن دور النقاط الستة أعلاه نفترض ان هناك شخصاً يريد ان يتعلم ويعمل في مجال التأسيسات الكهربائية؛ تقوم الهيئة العليا للمشاريع الصغيرة والمتوسطة (نقطة رقم 5)، إبتداءً بإنشاء معاهد وجلب مهندسين لتدريس الطلاب وتدريبهم على مبادئ الهندسة الكهربائية وكيفية تشييد التأسيسات الكهربائية (نقطة رقم 1)، ويجب ان يعلم الطالب كيف يتم أنشاء التأسيسات الكهربائية ضمن اللوائح ومعايير المواصفات القياسية المدرجة من قبل الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية (نقطة رقم 2)، وعند انهاء الدورة يسجل الطالب المتخرج في منظمة قطاعية كأن تكون (منظمة فنيي البنيان والأعمار/ الكهربائيون) (نقطة رقم 3)، حيث عندما يريد المواطن ان يبني داراً أو عندما يريد المقاول ان يستدل على فني متخصص في التأسيسات الكهربائية يلجأ إلى هذه المنظمة لتزويده بأسماء الفنيين الحاصلين على شهادات معترف بها لإقامة التأسيسات الكهربائية ضمن المعايير والمواصفات العالمية، ويستطيع هذا الطالب المتخرج ان يفتتح محل لبيع وإنشاء التأسيسات الكهربائية اعتمادا على قرض ميسر من مصرف القروض الميسرة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة (نقطة رقم 4) اعتماداً على توصية من الهيئة العليا (نقطة رقم 5) التي ستكون حاضنة لمشروعه حتى نجاحه، ويتولى مجلس حماية المستهلك (نقطة رقم 6) إصدار لوائح بأنظمة معايير التأسيسات الكهربائية التي توجب على المقاول أو اي عامل في مجال التأسيسات الكهربائية الالتزام بها .

إني لا أزعم ان العراق يفتقر إلى جميع ما ذكرنا فهناك دورات للتدريب في العديد من المجالات والقطاعات، فضلاً عن وجود بعض المعاهد الفنية والمهنية والطبية والاتصالات. وهناك الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية، وهناك المواصفات القياسية العراقية، وكانت هناك قروض ميسرة مخصصة من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية للمشاريع الصغيرة ولكن من دون منهج وبرنامج، بل هناك قروض من البنك المركزي للمشاريع الصناعية والزراعية والسكنية ولكن ايضاً من دون متابعة ومن دون برنامج واضح، وتم وضع قانون حماية حقوق المستهلك عام 2010 والذي يتضمن انشاء مجلس حماية المستهلك. للأسف الكثير من الفعاليات اعلاه دون المستوى المطلوب أو شبه معطلة، والكثير من القوانين والتعليمات لا زالت حبراً على ورق؛ بل الكثير من خريجي المعاهد الفنية والمهنية والطبية وهندسة الاتصالات لا يجدون فرصاً للعمل؛

 أمام هذا الواقع؛ ما هو المطلوب؟

العراق ليس بدعاً من الدول، لذلك من المهم الاستفادة من التجارب العالمية ضمن هذه النقاط الستة لرسم سياسة تتبناها الحكومة للنهوض بالمجتمع وتطويره وتوفير فرص عديدة جداً للشباب للعمل من اجل بناء البلد وازدهاره لخير أبنائه.

(1) النقطة الأولى - أقامة دورات للتخصصات القطاعية المختلفة في كافة محافظات البلد: المطلوب أنشاء مئات المعاهد في مختلف المحافظات حيث نجد في دول متطورة كبريطانيا وألمانيا وفرنسا وايطاليا وغيرها هناك ألاف دورات التدريب، ففي كل دولة من هذه الدول بين عشرة ألاف إلى عشرين إلف دورة تدريبية في السنة، المهم في العراق دراسة الواقع والخطط المستقبلية ثم وضع سياسة جديدة للتدريب حسب الحاجات المستقبلية المتوقعة، بل تطوير الدورات بما يتناسب مع العلوم الحديثة التي أخذت تتطور بالأسابيع والأشهر فضلاً عن السنوات، إن فترة التدريب لكل دورة تتراوح بين ثلاثة أشهر إلى سنتين في المجالات التالية على سبيل الذكر وليس الحصر:

مجال البناء والتعمير: كالتأسيسات الكهربائية، التأسيسات الصحية، النجارة، الرسم الهندسي، التصميم الداخلي، تصميم الحدائق، وغيرها.

مجال العلوم الطبية: كالإسعافات الأولية، متابعة مرضى السكر في عيادات متخصصة، فحص العيون، اللقاحات اللازمة، الفحص الدوري لكل مواطن، الطب البديل، وغيرها.

مجال الحفاظ على البيئة: الحماية من التلوث، التلوث وأثره على الانسان، معالجة تلوث الماء والهواء والتربة، علوم المناخ والاحتباس الحراري، وغيرها.

مجال الصحة والجمال: التدريب على الأنظمة الغذائية لتخفيف الوزن واللياقة البدنية، العمل بصالونات التجميل، الحلاقة وتصفيف الشعر، وغيرها.

مجال الصحافة والأعلام: دورات عن الأعلام، كتابة المقالات، دورات عن الدعاية، دورات عن وسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها.

فضلاً عن مئات الدورات ضمن العشرات من المجالات كمجال الهندسة وتكنولوجيا المعلومات، مجال أدارة الأعمال والتسويق، مجال الفن والتصميم، مجال الزراعة والري والغابات، مجال تنمية الثروة الحيوانية، مجال السياحة والفندقة، مجال الرياضة والتدريب، مجال التصوير وصناعة الأفلام، مجال الطيران والرحلات السياحية،  مجال الصياغة والسيراميك والصناعات اليدوية، مجال اللغات المختلفة، مجال التربية والتعليم، مجال الملاحة النهرية والبحرية، مجال الطباعة والكرافيك والتصميم، مجال التمويل والصيرفة، مجال الخياطة وتصميم الملابس، مجال النجارة وصناعة الأثاث، ومئات المجالات الأخرى التي لا يسع المجال لذكرها.

 

محمد توفيق علاوي

 

ghanem alanazلم يكن للعاملين في شركة نفط العراق في كركوك من نشاط نقابي يذكر خلال العقد الثاني من القرن الماضي. فقد كان العاملون في الوظائف الادارية اضافة الى معظم العاملين في الوظائف الوسطى كالكتابية والفنية والمهنية من الاجانب وذلك لعدم توفر المهارات المطلوبة بين العراقيين مما ادى الى اقتصار استخدام العراقيين على المهن شبه الفنية واليدوية بصورة رئيسية ممن ليس لهم دراية بالعمل النقابي. ومع انتشار المدارس في نهاية العقد الثاني وبداية العقد الثالث التحق الكثير من خريجي تلك المدارس بشركة نفط العراق ليحلوا محل بعض الاجانب في الدرجات الكتابية والفنية والمهنية فبدأت تظهر اوائل الحركة النقابية بين العاملين في الشركة.

 قام بكر صدقي بانقلابه في 29 تشرين الاول 1936 فقامت مظاهرات في انحاء العراق في الثاني والثالث من كانون الاول 1936 طافت احداها في شارع الرشيد في بغداد مطالبة (بالخبز للفقراء والارض للفلاحين والموت للفاشيين).

وفي 17 نيسان 1937 القى بكر صدقي خطاباً انكر فيه ان يكون في العراق طبقة عمالية او رأس مالية متنفذة فقام على اثر ذلك في 24 نيسان عمال الموانئ في البصرة بمظاهرات واسعة احتجاجاً على ذلك.

قامت بعد ذلك في 5 أيار 1937 مظاهرات من قبل عمال السكاير والسكك الحديدية في بغداد وعمال شركة نفط العراق في كركوك ومحطات ضخ النفط وعمال معامل النسيج في النجف تطالب بتحسين احوالهم المعاشية.

أول نقابة لعمال النفط في العراق

وقد ساعد انتشار المدارس والكليات والاذاعة والصحف خلال الحرب العالمية الثانية على انتشار الوعي النقابي بين منتسبي شركة نفط العراق للمطالبة بتحسين اوضاعهم المعاشية فجرت محاولة لانشاء نقابة لهم في عام 1945. لقيت تلك المحاولة اعتراضاً شديداً من قبل الشركة فقامت بفصل عدد من قادة الحركة (المشاغبين) للتخلص منهم وقامت بعد ذلك في بداية حزيران 1946 بانشاء هيئة باسم (اللجنة الداخلية للعمل) تحت رعاية احد موظفيها الاجانب خصص 15 مقعداً من مقاعدها التي لم يعلن عن عددها للعمال. جرت بعد ذلك الانتخابات للمقاعد المخصصة للعمال ففاز بعض (المشاغبين) بخمسة منها بالرغم من مناورات الشركة لعدم التصويت لهم.

قام هؤلاء الخمسة بوصم (اللجنة الداخلية للعمل) بكونها أداة استعمارية طيعة بيد الشركة لكبح جماح الحركة النقابية العمالية المشروعة وحرمان العمال من تطلعاتهم لابسط حقوقهم بعد ان عانوا كثيراً من تدني الاجور وارتفاع التضخم وغلاء المعيشة وشحة المواد الاستهلاكية خلال سنوات الحرب العالمية الثانية.

عمال الخراطة في الورشة الميكانيكية لشركة نفط العراق- كركوك - 1965

تم على اثر ذلك عقد اجتماع في 13 حزيران 1946 حضره حوالي 500 من عمال الشركة الذين قرروا المطالبة بما يلي:

1- الاعتراف بحقهم بتشكيل نقابة مستقلة خاصة بهم.

2 - رفع الحد الادنى للاجور اليومية من 80 الى 250 فلسا.

3 - وضع حد لقيام الشركة بالفصل الجماعي والتعسفي للعمال.

4 - انشاء صندوق ضمان للمرضى والمعاقين وكبار السن من العاملين في الشركة.  

علمت الشركة بذلك الاجتماع والمطالب المفرطة فقررت تهدئة الاوضاع فقامت في الاول من تموز 1946 بزيادة غلاء المعيشة لمختلف الدرجات ما بين 50 و 100 فلس باليوم الا انها اصرت على عدم الموافقة على زيادة الحدود الدنيا للاجور وبقية المطالب الاخرى.

لم ترتقِ تلك الزيادة لتطلعات العاملين العراقيين في الشركة مما نتج عنه تشكيل (لجنة عليا للاضراب) اضافة الى عدد من اللجان الثانوية التي تمثل معظم المهن والدرجات الوسطى في الشركة للتنسيق والتشاورفيما بينها.

ألإضراب عن العمل

تطورت الامور بصورة سريعة جداً حيث اتخد قرار من قبل اللجنة العليا وبقية اللجان الثانوية في الثالث من تموز للقيام بالاضراب عن العمل بعد ان تم حصولهم على موافقة ميدانية مبدئية من قبل معظم العاملين للاشتراك به.

بوشر بالاضراب في الرابع من تموز 1946 حيث خرج ما يقارب خمسة آلاف من العاملين في الشركة بمسيرة في شوارع كركوك رافعين لافتات تحمل شعاراتهم ومطالبهم. انتهت المسيرة في بستان كاور باغي في اطراف المدينة حيث اقيم حفل القيت فيه خطب وكلمات تدعو الى الصمود حتى تتحقق مطالب المضربين. اصبحت كاور باغي بعد ذلك مركزاً للتجمعات والمظاهرات اليومية تُحمل فيها اللافتات وتُلقى خلالها الخطب الحماسية والكلمات التشجيعية وتُردد الشعارات النقابية ويُنادى بالمطالبة بالحقوق المشروعة.

كان الاضراب مفاجأة كبيرة بالنسبة للشركة وضعها في موقف حرج جداً امام الصحافة والرأي العام فقامت، من مبدأ الحفاظ على ماء الوجه، بدعوة المضربين بالتخلي عن اضرابهم والعودة الى اعمالهم قبل ان تستطيع النظر في مطالبهم.

كانت الحكومة في هذه الاثناء قلقة من استمرار الاضراب مما قد ينتج عنه عرقلة انتاج وتصدير النفط، المصدر الرئيسي لمواردها المالية. فقامت باصدار اوامرها الى متصرف (محافظ) كركوك باتخاذ الاجراءآت اللازمة لانهاء الاضراب واستخدام القوة، ان تطلب الامر. قام المتصرف برفع تقريره الذي بين فيه ان مسيرات المضربين واعتصاماتهم قد كانت سلمية ولم تتسبب في تعكير الامن العام في المدينة لذلك فهو ينصح بالتروي ولا يرى ضرورة لاستعمال القوة لتفريقهم. رأت السلطات في بغداد في تقرير المتصرف ما ينم عن تحديه للاوامر وتعاطفه مع مطالب المضربين فقامت بعزله وتعيين متصرف جديد.

ألقسوة المفرطة واطلاق النار على المضربين

تطورت الامور الى الاسوء بعد وصول المتصرف الجديد واستلامه مهام عمله حيث وصلت مفرزة من الشرطة الخيالة الى ساحة الاعتصام في كاور باغي في 12 تموز 1946. قامت الشرطة باصدار اوامرها للمتظاهرين بالتفرق واخلاء موقع الاعتصام وعند عدم استجابة المتظاهرين لتلك الاوامر قامت الشرطة بمهاجمتهم من ثلاث جهات متفرقة مستعملة في بداية الامر الهراوات مما نتج عنه سقوط عدد من المتظاهرين الجرحى تحت اقدام الخيول المضطربة. وعندما بدأت الجموع تتفرق في كافة الاتجاهات لم تكتفي الشرطة بذلك بل قامت باطلاق الرصاص عليهم بصورة عشوائية مما نتج عنه مجزرة راح ضحيتها عشرة قتلى وسبعة وعشرين جريحاً. لقد تبين لاحقاً من مجرى التحقيق ووتقارير المحاكم بان معظم القتلى كانت اصاباتهم من الخلف بعد ان قاموا بالتفرق والهرب.

ومع انتشار خبر المجزرة اجتاحت البلاد موجة من الاستنكار والتنديد بشركة نفط العراق لعدم تلبية حقوق العمال المشروعة وبالسلطات الحاكمة لاستعمالها تلك القسوة المفرطة تجاه المتظاهرين المسالمين العزل.

نتائج الاضراب

اما السلطات التي وضعت في موقف حرج فقد حاولت تبرير فعلتها بوضع اللوم على المشاغبين والمتصييدين في المياه العكرة.

واما شركة نفط العراق فقد وضعت في موقع حرج مشابه حاولت على اثره تهدئة الخواطر برفع الاجور الدنيا لمنتسبيها من 80 الى 140 فلساً ورفع مجموع الاجور والمخصصات اليومية الدنيا من 200 الى 310 فلساً.

اما المضربون فقد رجعوا الى اعمالهم يوم 16 تموز 1946 مهزومين لكنهم غير منكسرين كما اريد لهم. كما انهم شعروا بالمرارة العميقة وخيبة الامل الشديدة لقيام سلطاتهم الوطنية ليس فقط بالوقوف مع شركات النفط الاحتكارية الجشعة ضد مطالبهم المشروعة بل بالقيام باستعمال القسوة المفرطة ضدهم لتسيل الدماء الزكية فيسقط ذلك العدد الكبير من زملائهم بين قتيل وجريح.

 ومع كل ذلك فلم تفت تلك الاحداث الدامية من عضد الحركة النقابية في الشركة بل زادتها اصراراً وانتشاراً بين منتسبي الشركة للمضي قدماً في المطالبة بتحسين احوالهم المعاشية.

فلم يمض غير اقل من سنتين على تلك الاحداث حتى قام العاملون في محطة ضخ النفط الرئيسة كي-3 بالقرب من مدينة حديثة على الفرات باضرابهم الشهير عن العمل في نيسان 1948 ومسيرتهم التاريخية المذهلة نحو بغداد لكسب تاييد الرأي العام لقضيتهم.

اضراب عمال نفط محطة ضخ كي-3 ومسيرتهم المدهشة الى بغداد

تعتبر محطة كي-3 لضخ وتصدير النفط العراقي الى البحر الابيض المتوسط والواقعة بالقرب من مدينة حديثة على نهر الفرات اكبر المحطات من حيث سعتها واهميتها وبالتالي عدد العاملين فيها.

فقد تابع عمال المحطة الاحداث المؤسفة لاضراب زملائهم عمال الشركة في كركوك في تموز 1946 التي استعملت فيها السلطات الحكومية القسوة المفرطة ليذهب ضحيتها عدد كبير من القتلى والجرحى لتنتهي بالفشل دون تحقيق كافة اهدافها. كما انهم اعتبروا قيام الشركة اثر تلك الاحداث بتهدئة الخواطر برفع الاجور غير كافيا لتحسين احوالهم المعاشية بصورة ملموسة في تلك المحطة والمحطات النائية الاخرى.

وعليه فقد قامت اللجنتان في المحطة، الاولى التي تمثل العمال والثانية التي تمثل الفنيين والكتبة وغيرهم، في بداية نيسان 1948 بالتداول للمطالبة بزيادة اجورهم وتحسين ظروفهم المعاشية. تلى ذلك عقد اجتماع لحشد كبير من العمال والمستخدمين في 22 نيسان خارج محطة كي-3 صوت خلاله على القيام بالاضراب.

بوشر بالاضراب في اليوم التالي حيث شكلت على وجه السرعة لجان فرعية لتنسيق الاعمال حيث تم توزيع اعضاء تلك اللجان على كافة المرافق النفطية والخدمية والسكنية في المحطة للتأكد من عدم حدوث اضرار او تخريب لها كما تم تعيين لجنة لحراسة مدخل المحطة للسيطرة على دخول وخروج الافراد والآليات والمواد وغيرها. لقد اخذت الشركة في ذلك على حين غرة حيث انها لم تعلم بالاضراب الا مساء ذلك اليوم لتقوم بعد ذلك بالتنديد به ووصفه بغير قانوني.

ومع استمرار الاضراب قامت الشركة بمحاولة تهدئة الخواطر بعرض بعض التنازلات البسيطة الا انها اصرت على عدم الموافقة على طلب المضربين برفع الاجور بنسبة 25% الى 40%. 

اما السلطات الحكومية فقد كانت هذه المرة اكثر صبرا في معالجة الاوضاع حيث ان احداث كاور باغي الدامية لا زالت ماثلة في الاذهان. كما انها كانت في نفس الوقت تريد ان تنهي الاضراب ليستأنف ضخ وتصدير النفط باسرع وقت ممكن لحاجتها الماسة لموارد النفط المالية.

واخيرا نفد صبر السلطات فقامت في 5 ايار بارسال قوة قوية من الشرطة مزودة ببعض الآليات المدرعة الى المحطة. قامت القوة بنصب عدد من اسلحتها الرشاشة وتسيير مشاتها في عدد من المناطق النفطية والسكنية الحساسة ليتم لها بذلك السيطرة على المحطة بالكامل. لقد تم كل ذلك بحذر شديد من قبل قواة الشرطة والمضربين معا لتفادي وقوع اية صدامات بينهما. ثم قامت السلطات التي بدأ صبرها ينفد من جديد في 7 ايار بقطع الارزاق عن المضربين ليلي ذلك قطع الماء والقوة الكهربائية مما نتج عنه صعوبات كبيرة للمضربين وعوائلهم الساكنين في دور الشركة للاستمرار بالعيش داخل المحطة.

لقد اصبح المضربون بذلك في وضع حرج احلاهما مر فاما ان يستمروا وعوائلهم بتحمل المعيشة تحت تلك الظروف القاسية التي لا تطاق او انهاء الاضراب والاذعان لشروط الشركة. واخيرا تفتقت الاذهان عن فكرة جريئة للحفاظ على ماء الوجه بالقيام بمسيرة الى بغداد التي تقع على بعد 250 كلم لتقديم مطالبهم للسلطات العليا هناك.

المسيرة المدهشة الى بغداد

بدأ المضربون بمسيرتهم مع شروق الشمس في 12 ايار بطوابير منظمة تحمل لافتات مكتوب عليها (نحن عمال النفط قد قدمنا للمطالبة بحقوقنا المهضومة). ومع مضي الوقت وارتفاع درجة الحرارة في منتصف النهار بدى الاعياء الشديد على الكثير منهم ليتوقفوا اخيرا بعد قطع مسافة ثلاثين كيلومتر تقريبا. انتشرت اخبار المسيرة العجيبة بين اهالي المدن والقرى المحيطة بهم فتم التبرع لهم بعدد من السيارت والحافلات لنقلهم الى مدينة هيت القريبة منهم ليقضوا ليلتهم هناك في الجوامع وبعض الاماكن العامة لينعموا بقليل من النوم ويريحوا اجسادهم المتعبة.

إستؤنفت المسيرة صباح اليوم التالي سيرا على الاقدام بعد ان عملت السلطات على عدم توفير اية وسائط نقل لهم ليقوموا بقطع مسافة لا بأس بها بعد تعب وارهاق كبيرين. تفتقت الاذهان مرة اخرى عن فكرة القيام بالخلود الى الراحة خلال النهار تفاديا لحرارة الشمس الحارقة والقيام بدلا من ذلك بقطع مرحلتهم القادمة خلال الليل. لقد كان ذلك القرار ارتجاليا مخيبا للآمال حيث انهم وجودوا انفسهم يتخبطون في الظلام في منطقة غريبة عنهم ناهيك عن خوفهم الشديد من بعض الحيوانات الوحشية الموجودة في المنطقة اضافة الى العقارب والافاعي.

واخيرا وصلوا الى مدينة الرمادي مرهقين لكن غير منكسرين في طوابير منظمة حاملين لافتاتهم وهاتفين بشعاراتهم ليقابلوا من قبل اهالي المدينة بالترحيب وهتافات التأييد.

تركوا مدينة الرمادي باتجاه مدينة الفلوجة بسيارات وحافلات تم التبرع لهم بها من سكان المدينة منتشين وهاتفين في طريقهم بشعارات النصر وتحقيق الاهداف ليصلوا الى جسر الفلوجة على نهر الفرات ليجدوا انفسهم قد وقعوا في كمين محكم من قوات الشرطة. لقد كان ذلك مفاجأة كبيرة لهم اذهلتهم لم يستطيعوا معها الا الاستسلام لقواة الشرطة المنظمة ليتم اعتقال قادتهم وليفرق ما تبقى منهم ليجدوا طريقهم الى مدنهم.

وبهذا انتهى ذلك الاضراب بالفشل الذريع ولكن دون اراقة دماء وانتهت المسيرة الشاقة بخيبة الامل الكبيرة لتقوم شركة نفط العراق بعد ذلك بفصل عدد كبير من قادتهم وناشطيهم.

 الدروس المستقاة

لقد علمت تلك الاحداث كل من شركة نفط العراق ونقابة عمال النفط والسلطات الحكومية دروسا مهمة في العلاقات العامة وضرورة حل المشاكل المتعلقة بالعمل والعمال عن طريق الصبر والاناة لإيجاد الحلول اللازمة لها.

فقد ادركت الشركة ضرورة استخدام بعض الخبراء بالعلاقات العامة والصناعية بدلا من التعنت والتعجرف من قبل موظفيها الاداريين لتقوم بتأسيس دائرة علاقات صناعية لمعالجة تلك الامور الحساسة مما نتج عنه عدم حوث اي اضراب عن العمل حتى تاريخ تأميم الشركة في عام 1972.

 اما العمال فقد ادركوا بضرورة عدم التسرع بالقيام بالاضراب عن العمل ليكتسبوا مع مرور الزمن  خبرة جيدة مكنتهم من الحصول على مطالبهم عن طريق المفاوضات الجدية.

اما السلطات الحكومية فقد تعلمت درسها من احداث كاور باغي ليتم لها معالجة اضراب عمال محطة كي-3 دون حدوث اية اصابات او اراقة دماء.

 

غانم العناز

..................

المصدر : كتابى العراق وصناعة النفط والغاز في القرن العشرين الصادر بالغة الانكليزية عن دار نشر جامعة نوتنكهام البريطانية في ايار 2012 .

  

 

mutham aljanabi2فيما لو جاز اختصار كل المعنى القائم وراء المعاناة الكبرى للأحداث التاريخية الهائلة التي يصنعها العالم العربي الآن، فأنها تقوم في مهمة تحويل زمن السلطة إلى تاريخ الدولة والأمة. مع ما يترتب عليه من إعادة تأسيس كبرى لكل مكوناتهما الجوهرية. الأمر الذي يجعل من هذه الثورة التاريخية مشروع المستقبل. من هنا أثرها الهائل بالنسبة لصيرورة الكينونة العربية الحديثة والمستقبلية. 

فقد كشفت أحداث المواجهات الدرامية التي جرت على امتداد اشهر طويلة وما تزال عن طبيعة وقوة المخاض الصعب والمعقد في عالم تتعارض وتتصارع فيه القيم والمفاهيم والإمكانيات والنيات والغايات. لكنها تفرز مع كل ذلك قيمة ومعنى ومغزى الانقلاب التاريخي العربي بوصفه صفحة جديدة في تاريخنا الحديث. وكل ما فيها من حروف وعبارات مازالت في قيد المجهول بوصفها جزء من الاحتمال غير المتناهي للخيال القومي المبدع، أي خيال الفعل الاجتماعي والرؤية الاجتماعية والبدائل الاجتماعية الكبرى. من هنا صعود أولوية المكونات الديناميكية لمغامرة الزمن والتاريخ.

فالمرء لا يجد صعوبة في القول بان الزمن هو أسلوب وجود الأشياء والذاكرة والأحداث. أو أن يرفعه إلى مصاف الصيغة المجردة عن دوران الأرض والشمس وظهور القمر واختفاءه وتتالي الأيام والشهور والسنين، أو يختصره إلى مجرد وجدان عابر، أو يضيف إليه سرعة الضوء لكي يذلل مفارقة القِدَم والحدث ويجعلها معقولة بمقاييس الحساب والرياضيات. وتعكس هذه المحاولات التنوع الهائل في الموقف من الزمن، انطلاقا من تحسس الجميع بما فيه من قدرة غامضة هي محتوى القلق والاندهاش العميق الذي يثيره من خلال معضلات الفكر "الخالدة" وأسئلته المحيرة.

غير أن للزمن بعدا سياسيا مهما هو "زماننا نحن". وليس مصادفة أننا عادة ما نربط الأمور الكبرى، الرمزية منها والواقعية، بزمن يشكل بالنسبة للوعي الاجتماعي والتاريخي نقطة انطلاق ضرورية للحساب والتقييم. فالغالبية من البشر تستصعب إدراك حقيقة الفكرة خارج الزمن، لأنه التيار الذي يخترق وجودها اليومي. وتتجسد هذه المفارقة أحيانا بما ندعوه بالزمن الجميل والزمن القبيح. أما في الحقيقة فان الجميل والقبيح ليس إلا التعبير الخاص عن أذواق الأفراد والجماعات والأمم لما تراه وتعايشه من أحداث. ومن ثم ليس الجميل والقبيح في الزمن سوى ما نفعله ونتذوقه نحن. بينما الزمن هو تيار وجودنا ومرآة تاريخنا لا غير. ففي الإنسان نراه يتمظهر في مراحل الطفولة والصبا والفتوة والرجولة والشيخوخة والكهولة، وفي الرؤية التاريخية نراه في أزمان الماضي والحاضر والمستقبل، وفي العقل نراه في مقولات الممكن والواقع، وفي الأخلاق نراه في قيم الواجب والأفضل. وهي مكونات اقرب إلى البديهة بالمظهر، لكنها اشد تعقيدا بالنسبة للفكر حالما يضعها على محك الجدل، وأكثر إثارة حالما يضعها على محك المصير، وأوسع إلهاما حالما يضعها على محك البدائل. أما القوة الوحيدة القادرة على تذليل أو توليف هذه الجوانب، فهي الحكمة. أنها الوحيدة القادرة على اختزال الزمن إلى متعة حتى في أشد مظاهره "قبحا"، كما أنها الوحيدة القادرة على ربط الأزل بالأبد في الآن الدائم، و بالتالي إعطاء المهزومين والخاسرين والمرهقين إمكانية الخلاص من اليأس والقنوط.

وعندما نضع هذه الفكرة في موقفنا من "الزمن القبيح" في العالم العربي المعاصر فان "نقطته الأولى" تقوم في صعود وهيمنة البنية التقليدية على مقاليد "الدولة الحديثة" واستمرارها اللاحق بصعود الراديكاليات السياسية التي جعلت من السلطة قدس الروح والجسد! ومنذ ذلك الحين أصبح تحطيم مؤسسات الدولة والمجتمع أسلوبا لترسيخ الرذيلة، التي تجسدت تاريخيا في مختلف نماذج الدكتاتوريات الفجة للأفراد والعائلات والقبائل! أي في كل تلك النماذج المتخلفة والبدائية والخبيثة للبنية التقليدية التي نرى تساقطها السريع والمريع كما لو أنها لا شيء! وفي كل هذه الحالة الدرامية المثيرة للعقل والوجدان تتضح معالم سقوطها المخزي التي تجعل منها بمعايير الرؤية السياسية "عقودا مظلمة"، وبمعايير المستقبل "مرحلة ماضية" و"حقبة بائدة" وبمعايير الثقافة "همجية خالصة" وبمعايير الجمال "قبحا تاما" وبمعايير الأخلاق "رذيلة لا مثيل لها"، وبمعايير الزمن "شرّ الأزمان".

وإذا كانت المرحلة المعاصرة من "الزمن العربي" تدفع إلى الأمام إشكالية السياسة والأخلاق، فلأنه بلغ الذروة التي أطلق عليها ابن المقفع يوما تسمية "شر الأزمان"، أي التي يفسد فيه الراعي والرعية، أي السلطة والمجتمع. وما يتبعه من أزمان اقل فسادا لكنها فاسدة مثل "أن يصلح الإمام نفسه ويفسد الناس". وذلك لأنه "لا قوة بالإمام مع خذلان الرعية ومخالفتهم وزهدهم في صلاح أنفسهم". أو أن يكون "صلاح الناس وفساد الوالي". وذلك لان "لولاة الناس بدأ في الخير والشر ومكانا ليس لأحد. وقد عرفنا أن ألف رجل كلهم مفسد وأميرهم مصلح اقل فسادا من ألف رجل كلهم مصلح وأميرهم مفسد". بعبارة أخرى، إن قيمة السلطة ونموذجها العالي في السلوك هي الضمانة الأقوى بالنسبة للعدالة والحق. إذ تكشف التجارب التاريخية جميعا عن أن الأمير المفسد لحاله أكثر تخريبا من صلاح ألف رجل. وتجارب العالم العربي عموما تكشفت عن أن فساد "القائد" و"الزعيم" و"الرئيس" و"حامي الحرمين" و"الأمير" و"السلطان" لا يقومّه "صلاح" الملايين. وفي هذا تكمن شروط الوقوع في "شر الأزمان"، أي الزمن الذي "يجتمع فيه فساد الوالي والرعية". وهو الزمن الذي ساد العالم في مجرى العقود العشرة للقرن العشرين! لاسيما وأن فكرة الراعي والرعية تعكس من حيث صيغتها الأولية والبيانية صورة البداوة وتقاليد الرعاة. وبالتالي، فأنها تتضمن صورة العلاقة البدائية، مما يفقدها الآن قيمتها الأولية. مع أن مضمونها السياسي الأول كان يتطابق مع أبعادها الأخلاقية، أي أن حقيقة العبارة ومضمونها يرمزان إلى الأمانة والاهتمام والرفق، سواء جرى النظر إليهما بمعايير الملكية او المصلحة او المنفعة. وهي مهمة السلطة في تعاملها مع المجتمع بوصفه أمانة او وديعة كبرى. غير أن منطق التاريخ والحقيقة يفترضان تجاوز هذه الصورة البدائية عبر نقلها إلى مصاف الحرية كما هي. ومن ثم كسر علاقة الراعي بالرعية واستبدالها بعلاقة المجتمع بنفسه عبر مؤسساته الشرعية وجوهرية القانون والقواعد المتفق عليها.

لقد مر العالم العربي بالأزمنة الثلاثة الفاسدة وتذوق كل مرارتها المريرة! ذلك يعني انه لم يعش مرحلة "خيار الأزمان". مما يجعل من الحاضر والمستقبل قضية الرهان الفعلية. وبالتالي التعامل مع "خيار الأزمنة" على انه الخيار الوحيد الممكن والضروري بالنسبة للعالم العربي من اجل تجاوز ضعفه البنيوي الكبير منذ نشوء الدولة المعاصرة حتى الآن. ولا يمكن تجاوز هذا الضعف دون المرور بزمن "اجتماع الصلاح في الراعي والرعية"، أي في السلطة والمجتمع. وهو أمر نرى ملامحه القوية الآن في ذلك الاندفاع الهائل للروح الاجتماعي والوطني والقومي في تذليل زمن الفساد، وجعل السلطة والزمن تيارا واحدا في تاريخ الدولة والأمة. (يتبع...)

***

ميثم الجنابي

 

 

ali almirhigتلخيص ونقد لرؤية شريعتي لمفهوم المُثقف في كتابه "مسؤولية المثقف"

يُعرف شريعتي مفهوم المثقف بأنه: "كلمة تُطلق على فرد من طبقة أو شريحة تقوم بعمل عقلي" (ص50، مسؤولية المثقف)، وهو بهذا التعريف لا يروم شمل جميع المُتعلمين، أو من يصفهم بأنهم يقومون بأعمال عقلية، بصفة المثقف، مثل المعلمين وأساتذة الجامعة والشعراء والفنانين والمهندسين والأطباء والمحامون والقضاة ورجال الدين والفلاسفة والمؤرخين، لأن المثقف ليس هو الذي يُمارس أعمالاً عقلية، وهو بهذا يروم الفصل بين مفهوم المثقف ومفهوم المفكر، لأن "المفكر بمعناه الإصطلاحي "صفة لفكر إنسان ما"، أما المثقف، بمعناه اللفظي فهو "صفة لعمل إنسان ما"، ومن هنا فبعض المُستنيرين هم من أهل الفكر، وبعضهم لا ينتمون إليه كمجموعة مُصنفة، وعلى العكس فبعض أهل الفكر مُستنيرون وبعضهم لا يتمتعون بهذه الصفة" (ص53، مسؤولية المثقف)، لذلك يرى شريعتي أن كلمة "مُتعلم" هي أليق بمن تعلم أو حصل على شهادة وعمل بها، وبقيَ يعمل في إختصاصه من دون إنشغال بقضايا المجتمع العامة و مشاكله والبحث عن حلول لها. ويقصد بالمثقفين هي "تلك الطبقة التي تقوم بالفكر كعمل" وأدوات عملها الاجتماعي هي عقولها ومعلوماتها وتخصصاتها في مُقابل الطبقة التي تقوم بعمل يدوي أو بدني" (ص82، مسؤولية المُثقف).

من هنا نجد شريعتي يذهب لنقد "المثقف المُقلد" في مجتمعنا حسب وصفه، لأنه جعل من فكره نُسخة من المثقف الأوربي الذي نتجت ثقافته وفق ظروف فكرية ودينية واجتماعية مُباينة تماماً لظروفنا، فالمثقف الأوربي أخذ خصائص فكره وثقافته اللادينية من ظروف مجتمعه الذي كانت فيه المؤسسة الدينية مؤسسة ضاغطة على الفكر وقامعة للتعقل وللنزوع العلمي، بينما تجد في تايخنا الإسلامي يخلو من مثل هذه المؤسسة القامعة لعقله ونزوعه العلمي، الأمر الذي يعني أن الظروف الدينية والسياسية والتاريخية لصيرورة المثقف وفاعليته في المجتمع مُختلفة بين المثقف الغربي ومُتطلبات وجوده وفاعليته النقدية في مُقابل مُقتضيات ومُتطلبات وجود المثقف الشرقي وفاعليته النقدية، ولا مبرر تاريخي ولا ديني ولا سياسي لأن يكون المثقف الشرقي نسخة مُكررة من المُثقف الغربي.

لذلك نقد شريعتي المثقف الشرقي الذي جعل جُلَ همه نقد الدين وإنعكاساته السلبية على المجتمع، فجعل منه القامع للحُريات والمُعيق لتدم المُجتمعات. وبرأي شريعتي هذا الأمر إن كان ينطبق على المجتمع الغربي، فليس بالضرورة أن ينطبق على المُجتمع الشرقي، فلم يكن سعي المُقف الشرقي الذي صير الدين أصلاً للتخلف المُجتمع الشرقي سور تقليد وإعادة تكرار لمقولات المُثقف الغربي.

ولو تمكن المُثقف الشرقي من إدراك ووعي حاجيات مُجتمعه لأدرك أن في الدين بوصفه المكون الأساسي للتماسك المُجتمعي خلاصه وتنويره الذي يرنو إليه، لن يكون نقد الدين في مجتمعنا برأي شريعتي سوى نسيان الذات وتمكين الآخر من الإنقضاض على آخر المعاقل والسدود المانعة لسطوة الإستعمار.

إن مهمة المثقف "العودة إلى الذات" وهي مُهمة رسالية نبوية "حين لا يكون هناك نبي، ونقل الرسالة إلى الجماهير، ومُواصلة النداء، نداء الوعي والخلاص، والإنقاذ في آذان الجماهير الصماء التي أُصيبت بالوقر، وبيان "الإتجاه والسبب" وقيادة الحركة في المجتمع المتوقف، وإضرام نيران جديدة في مُجتمعه الراكد، وهذا عمل لا يقوم به العُلماء، لأن هناك مسؤولية مُلقاة على عاتق العُلماء مُحددة تماماً وهي منح حياة أكبر قدر من الإمكانيات، ومعرفة "الوضع الراهن" وكشف قوى الطبيعة والإنسان وإستغلالهما. إن العُلماء والفنيين والفنانين يمنحون المُجتمع البشري أو مُجتمعهم قوة علمية، لكن المُثقفين يُعلمون المُجتمع "كيفية السير" ويمنحونه الهدف، كما يُقدمون رسالة "التحول" وإستجابة "التحول إلى نسق بعينه" ويُضيئون الطريق للحركة". (ص126ـ127، مسؤولية المُثقف). الأمر الذي يعني أن المُثقف هو ليس من تعلم وعرف النظريات العلمية والفلسفية وحفظها، وليس هو من سار على نهج ديني موروث، وليس هو من يخضع لقيم وتقاليد مُجتمعية بالية، إنما هو الفرد الأصيل الواعي بمُتطلبات مجتمعه وإمكانات التغيير من داخله، فالمُثقف في مجتمع أفريقي مثلاً، عليه أن يفهم مُتطلبات وتناقضات هذا المُجتمع، ليسعى للكشف عن سبل النهضة المُمكنة من داخله، لأن هذا ما فعله المُثقف الغربي، حينما أدرك دوره في بث الوعي التنويري في مُجتمعه وكشف الأسباب الرئيسة للتخلف والإنحطاط في مُجتمعه، فكانت المؤسسة الكهنوتية هدفاً له في دعوة لمواجهتها والخلاص من سطوتها ورجعيتها.

مُلخص القول: أن على المُثقف أن يعي "النمط الثقافي" لمُجتمعه، فالنمط الثقافي اليوناني نمط فلسفي، والنمط الثقافي للرومان نمط فني وعسكري، والنمط الثقافي للصين هو نمط صوفي، والنمط الثقافي عندنا "نحن المسلمين" هو النمط الديني الإسلامي. (يُنظر، ص135، مسؤولية المُثقف). فينبغي على المُثقف ـ برأيه ـ "في المُجتمع الإسلامي أن يكون عالماً بالإسلام، هذا أمرٌ حتميٌ ولا مُناقشة فيه مهما كان دينه ومهما كانت عقيدته، وإن فعل فسوف يحس فجأة بحالة ثورية مُدهشة غير مُتوقعة، وسوف ينتبه إلى مأساة عظيمة قد حدثت، وهي كيف أن المُثقفين الآخرين قد ضيعوا أوقاتهم سُدى وأفسدوا مواهبهم ونوابغهم، وضللوا الناس نتيجة لـ "سوء البدء"، وكيف أنهم تسببوا في مأساة عظيمة بسوء فهمهم وتخبطهم وخطلهم وعدم معقوليتهم ومنطقيتهم في الربط بين الأشياء". (ص140ـ141، مسؤولية المُثقف)، ولا أعرف من هو هذا المُثقف برأي شريعتي، هل هم عُلماء الكلام المُسلمين مثلاً؟ وإن كانوا هم، فأي فرقة منهم يقصد وهم يُكفر بعضهن بعضا؟ هل هم المُعتزلة، أم الأشاعرة، أم الشيعة، أو ربما الحنابلة، أو لربما يقصد الفلاسفة المُسلمين، ولكن أياً منهم هل هم الفلاسفة العرفانيون أم هم الفلاسفة البرهانيون؟ أو قد يكون الصوفية، ولكن أي الصوفية يقصد، هل هم الصوفية العُرفاء من المُتفلسفة، أم هم الصوفية الطُرقيين السالكين لطُرق الحق، وأي حق هذا، هل هو مع من سلك الحلول أم الإتحاد أو في وحدة الوجود؟.

وفي السياسة، إن كان النمط الديني الإسلامي هو الغالب في ثقافتنا بوصفه المُكون لوعينا السياسي، فما هو نمط الحُكم الذي ينشده شريعتي؟ هل هو نمط على شكل ولاية الفقيه التي تكونت بعد وفاته في إيران؟ أم هو شكل نظام "الحاكمية" الذي يدعون له جماعة الإخوان المُسلمين؟ أم هو نمط الحُكم الإسلامي الذي يفصل بين الولاية الدينية والولاية المدنية الذي ذهب إليه كثير من المُفكرين الإسلاميين؟.

إن رؤية شريعتي لمفهوم المُثقف تسيح في فضاء اللفظ والنُظم البياني والخطابي للغة، الذي ينشد المثال الأعلى وفق النموذج المُتبنى وفق عقيدته بوصفه النموذج الأرقى، ولربما يكون تبنيه لهذا التصور لمفهوم المُثقف هو تصور فردي لا يتبناه كثير من أبناء الطبقة أو المذهب الذي ينتمي إليه شريعتي، لهذه سيبقى مفهومه للمثقف أسير رؤيته التفسيرية الثورية التي هي محط خلاف وأخذ ورد داخل الوسط المذهبي "الإسلامي" الذي ينتمي إليه شريعتي، فكيف بها حين إخضاعها للفضاء الإسالمي العام المُباين في النهج والرؤية والعقيدة لمُتبنيات شريعتي.  

 

mohamad ghani2لا شك ان الضمير في لغة العرب له معان تتنوع بحسب اختلاف مجلات الدرس والتحليل، حيث اننا بتصفح سريع لقواميسهم نجده يعني في مجال اللغة واللسانيات صفة او لفظا لغويا يدل على الشخص المتكلم او المخَاطب او الغائِب، فتستعمل بدلا عنه لاختصار الكلام. بينما يعني الضمير في مجال الفلسفة والاخلاق ذلك الفرقان الوجداني الذي ينبع نوره من اعماق الفطرة الانسانية ليبين لصاحبه الخطأ من الصواب.

ان السعادة الحقيقية في اتباع انشادات الضمير، التي تعلو اصواتها كلما استطاع الانسان جلاء حُجُب الاغيار عن قلبه، ولا نعني بتلك الحجب غير درجات أستار الانوار من جهة وغير دركات أغطية الظلمات التي تعتبر حواجز كلها عن رؤية تجليات الخالق في الكون فهو ظاهر لذوي البصائر باطن عن عُمي البصيرة.

أليس قد تحجب انوار الطاعة صاحبها عن مولاه ان هو اغتر بعلمه او خشوعه او وضوئه او صلواته؟ بل قد تقذفه في دركات السفلية من الاخلاق الانسانية لريائه ونفاقه.

لا غرو ان السعادة الحقيقية في اتباع صوت الضمير، لانه نداء أجراس الفطرة فينا، وكلما انصتنا لآذان الفطرة فينا كلما دخل رئتا القلب اوكسيجين المحبة واستنشقنا أنفاس المقدس.

قرَّبهم منه فإجتباهم          فنزَّهوا الفكر في علاهُ

 ليس لهم للسوى التفاتٌ     كيف وقد شاهدوا سناهُ

 أزال حُجب الغطاء         عنهم فاستنشقوا نفحة هواهُ

(ابو مدين الغوث)

ان صوت الضمير هو الفرقان الذي يفرق به الانسان بين الصواب والخطأ، وهو الصراط المستقيم المبثوث فينا فطرة وغريزة، فما علينا الا الحفر في أنفسنا بفأس الذكر والاعتبار والتفكر والاستبصار ليتبدى لنا ذلك السور الفطري بين عالم الخير والشر فينا، والذي يمكننا تقوية صلابته بتحكيم انسداد مداخل الشيطان على القلب فلا يأمرالجوارح الا بما يوافق صوت هذا الفرقان، فلا سعادة حقيقية الا براحة الضمير.

و كلما قوي صوت الضمير الا وحلت نداءاته وتبدت نصائحه كأغنية ذات الحان عذبة تفوح منها شذا الغيب العطر ورياه، والعكس بالعكس، فكلما خبا صوت الضمير الا وبدا نداؤه كأغنية مملة تتكرر من مغن بذيء لا يعجب المرئ كلامه وان كان يصدر عنه لباب الحكمة وزبدة الحصافة والرشاد، ومن اراد مقارنة الحس بالمعنى ليتضح المثال، فليتأمل حال بعض شبابنا التائه اليوم الذي يترك الفن الراقي لينحط بذوقه الى البذيئ من الاغاني وما ذاك الى لانقلاب بوصلة الفطرة الانسانية التي خبا فيها صوت الضمير وعلت كل اصوات ما عداه.

 

د. محمد غاني. كاتب، المغرب

 

 

khadat jleed2ربما يتعجب القارئ من استعمال هذا المصطلح الجديد أي العقل الجزائري وربما يرى قارئ آخر بأنه دال بدون مدلول وربما يستشف منه نزعة وطنية شوفينية بعيدة عن المنطق والواقع ورب سائل يتساءل: أليس العقل مفهوما إنسانيا شاملا؟ ألم يعتبره ديكارت بأنه أعدل القسمة بين البشر؟ إن هذه الأسئلة رغم وجاهتها ليست موضوع اهتمامنا في هذه الإشكالية المطروحة أمامنا للنقاش، كما أني لا أريد بإستعمال هذا المصطلح أن أدخل في ذالك السجال الفكري والإيديولوجي بين محمد عابد الجابري وفتحي التريكي ومحمد أركون وجورج طرابيشي وعلي حرب وغيرهم حول شرعية إستعمال مصطلح العقل العربي ومحدداته وتجلياته في الثقافة العربية الإسلامية وعوائقه الإبسيمولوجية.

لا شك أن العرب جميعا يشتركون في الثقافة العربية الإسلامية القائمة على النص المركزي وهو الوحي كمبدأ للقيم والمبادئ العليا، ولكن بفعل التراكمات التاريخية وتباعد الأزمنة الثقافية والخصوصيات الجغرافية والتاريخية واللغوية والممارسات الجماعية إستطاع كل قطر عربي وكل شعب عربي أن يشكل خصوصية ثقافية خاصة به، ومن هنا كانت الشخصية الجزائرية تختلف عن الشخصية التونسية والمغربية إلخ، وإن كانت هذه الثقافات تشترك في مبادئ وقيم عامة إلا أنها تختلف من الناحية الأنثروبولوجية في التصورات والمفاهيم التي تضبط وتحدد السلوكات الفردية والجماعية والتصور العام للمجتمع « وبما أن الحياة الاجتماعية ليست واحدة، ولا على خط واحد فمن المنتظر أن تتعدد أنواع القواعد العقلية ولنقل أنواع المنطق بتعدد وتباين أنماط الحياة الإجتماعية، من هنا كان للشعوب المسماة بدائية منطقها وكذلك للشعوب الزراعية منطقها، ومن هنا أيضا ولنفس السبب كان لكل مرحلة تاريخية منطقها»

إن نقد العقل الجزائري الذي نعنيه هو ذلك العقل الذي نشأ وتشكل داخل الثقافة الجزائرية وبيئتها الجغرافية والسوسيولوجية، في نفس الوقت الذي عمل هو نفسه على إنتاجها وإعادة إنتاجها، وبصورة أخرى ومن ناحية إبستمولوجية الحفر المعرفي في مكونات ومحددات العقل الجزائري، أي إكتشاف القوالب الذهنية والأفكار والتصورات التي يفكر بها الإنسان الجزائري والبحث النقدي في البنى الذهنية الدفينة للثقافة الجزائرية وإكتشاف الأورغانون أو الآلة المعرفية التي يحلم بها الإنسان الجزائري وينظر من خلالها إلى العالم والتاريخ ويحكم بها على نفسه وعلى الآخرين، وإذا أردنا أن نستعير لغة الدكتور محمد عابد الجابري الفلسفية في مشروعه الكبير (نقد العقل العربي) فنقول ميدان واحد لم تتجه إليه أصابع الإتهام بعد وبشكل جدي وصارم هو تلك القوة أو الملكة أو الأداة التي بها يقرأ الجزائري ويرى ويحلم ويفكر ويحاكم، إنه العقل الجزائري ذاته، إن نقد العقل الجزائري كآليات معرفية ومضمون إيديولوجي وسوسيولوجي جزء أساسي وأولي من كل مشروع للنهضة، وهل يمكن بناء نهضة بعقل غير ناهض، عقل لم يقم بمراجعة شاملة لآلياته ومفاهيمه وتصوراته ورؤاه؟

لاشك أن هذه الأسئلة الإبستمولوجية تمثل الشجرة التي تغطي الغابة وعليه فإننا نؤكد مرة أخرى بأن «موضوعنا ليس موضوعا لنا إلا بمقدار ما تكون الذات موضوعا لنفسها في عملية النقد الذاتي»

إن التحليل الإيستمولوجي للعقل الجزائري وتفكيك بنيته العقلية والذهنية ضرورة تاريخية وهذا حتى نستطيع أن نغير نظرتنا عن أنفسنا وعن الآخرين، فاكتشاف العوائق الإستيمولوجية في الذهنية الجزائرية والتفكير الجزائري مسألة مهمة وهذا لإحداث القطيعة معها ونفيها وتكريس مفاهيم وتصورات جديدة تكون بديلا للمرحلة السابقة لأنه بدون تغيير هذه الذهنيات والقوالب الجاهزة يبقى المضمون واحدا وتستمر نفس التصورات والسلوكات والممارسات لأنها تستمد شرعيتها من هذه المعتقدات والقوالب الذهنية الجاهزة لأنها تنزل منزلة المطلق «من طرف أولائك اللذين لم يكتسبوا في مدرسة المؤرخين أو مدرسة الفلاسفة الروح النقدية، أولئك الذين يحكمهم العقل السائد الذي أنتجه عقل أجدادهم الفاعل، عقل ثقافتهم التي يعتبرونها الثقافة الوحيدة والممكنة» 

ولكن السؤال المطروح والصعب والذي يشير إلينا قبل أن نشير إليه، هو أين نبحث عن هذا العقل الجزائري المزعوم؟ أين نجد محدداته وتجلياته؟ وللإجابة على هذا السؤال أعتقد أن الدكتور أحمد بن نعمان قد أجاب عليه بصورة ما في كتابه (نفسية الشعب الجزائري) وهو دراسة أنثروبولوجية ثقافية تحاول أن تكشف عن شخصية الإنسان الجزائري وطريقة تفكيره من خلال الأمثال الشعبية والثقافة الشعبية بصفة عامة، لأن هذه الثقافة وهي ثقافة الذاكرة والتراث الشفهي والمروي والمحكي هي الثقافة التي تعكس بحق طبيعة الإنسان الجزائري ونظرته إلى الحياة والتاريخ فالإنسان الجزائري يجب أن نبحث عنه في الثقافة الشعبية وليس في الثقافة الرسمية، وفي ذلك يقول الدكتور أحمد بن نعمان  «وبذلك تكون الأمثال الشعبية في الثقافة الجزائرية من أكثر عناصر الأدب الشعبي شمولية للفئات الإجتماعية وأكثرها تعبيرا عن نفسية غالبية أفراد الشعب وإحساساتهم وانعكاسا لما يخالج ضمائرهم وما تصبو إليه نفوسهم من نشر للقيم التي يتمسكون بها، ويرغبون في نشرها تحقيقا لما في أعماق الأفراد وأذهانهم من المعتقدات الراسخة بشأن المثل العليا التي يطمحون إلى المحافظة عليها وجعلها سائدة في الحياة العملية قولا وفعلا»

فالثقافة الشعبية هي الثقافة التي يفكر بواسطتها الإنسان الجزائري ويحلم وينظر بها إلى الحياة والتاريخ لأن «هناك في العصر الحاضر قاعدة عرفية تتحدد بموجبها الجنسية الثقافية لكل مفكر، هذه القاعدة تقتضي أن المثقف لا ينسب إلى ثقافة معينة إلا إذا كان يفكر داخلها والتفكير داخل ثقافة معينة لا يعني التفكير في قضاياها، بل التفكير بواسطتها»

ولكن ماذا يعني التفكير بواسطة ثقافة ما؟ «فالتفكير بواسطة ثقافة ما، معناه التفكير من خلال منظومة مرجعية تتشكل إحداثياتها الأساسية من محددات هذه الثقافة ومكوناتها وفي مقدمتها الموروث الثقافي والمحيط الإجتماعي والنظرة إلى المستقبل، إلى الكون والإنسان، كما تحددها مكونات تلك الثقافة وهكذا فإذا كان الإنسان يحمل معه تاريخه شاء أم كره، كما يقال فكذلك الفكر يحمل معه شاء أم كره آثار مكوناته وبصمات الواقع الحضاري الذي تشكل فيه ومن خلاله».  

وإذا كان فلاسفة النقد يؤكدون أن الفيلسوف إذا أراد أن يستحق الإحترام فلا بد أن يعلمنا عن طريق الأمثلة فما هي محددات وتجليات العقل الجزائري من خلال ثقافته الموروثة والمنغرسة في وجدانه ومخياله الإجتماعي والتي تحدد سلوكاته وفقا لطريقة تفكيره الخاصة؟

لاشك أن المجتمع الجزائري ومن خلال النظرة العامة تغلب عليه عقيدة الشك والتشاؤم وعقيدة التشاؤم ضد التقدم في التاريخ ونجد أن الكثير من الأمثال الشعبية تؤكد هذه الحقيقة مثل: (الأيام الخوالي أفضل من الأيام القادمة) (وأحيني اليوم وأقتلني غدا) (وذهب ذالك الزمان بناسه وجاء هذا الزمان بفأسه) مع الكثير من الأمثلة الأخرى وهذا ما يتنافى مع بعد من أبعاد الإنسان وهو المستقبل، وبالتالي يصبح الإنسان أسيرا للماضي يكرره بإستمرار بحيث يصبح الماضي مستقبلا للحاضر وهذه أكبر إشكالية على مستوى الوعي التاريخي والتحرر من معيقات الحاضر والماضي، وإذا رجعنا إلى مفهوم الزمن المرتبط بالنظرة الدينامية للتاريخ إنطلاقا من هذه الأمثلة وأمثلة أخرى فإننا نجد تكريس تصورات سلبية لهذا المفهوم رغم القداسة التي يحملها على مستوى القيم الإسلامية والنص المركزي (الوحي)، فالإنسان الجزائري لا يستغل الوقت كما أمر بذلك الإسلام ولكنه يقتل الوقت باستمرار، فالزمن في هذا التصور هو عدو للإنسان لأنه يحيل إلى الغدر والفقر والإبتعاد عن الزمن المثالي الذي هو الماضي ويقال (فلان قتله الزمان) أي قتله الفقر وفي هذا المعنى يقول الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله «فنحن في العالم الإسلامي نعرف شيئا يسمى الوقت ولكنه الوقت الذي ينتهي إلى عدم، لأننا لا ندرك معناه ولا تجزئته الفنية لأننا لا ندرك قيمة أجزائه من ساعة ودقيقة وثانية ولسنا نعرف إلى الآن فكرة الزمن الذي يتصل إتصالا وثيقا بالتاريخ».

كما أن الإنسان الجزائري في عمومه من خلال أفكاره وتصوراته وممارساته لا يعترف بنسبية الحقيقة ولكنه يدعي احتكار الحقيقة المطلقة والمعبر عنها بالمثل الشعبي (معزة ولو طارت) فاحتكار الحقيقة يؤدي إلى نفي الآخر وعدم الإعتراف به وتسفيه أفكاره وتشويهها وهذه مثلا هي أحد تجليات العقل السياسي الجزائري من خلال الخطابات والممارسات التي تسوقهما كل من السلطة والمعارضة عن بعضهم البعض  من خلال الخطاب والخطاب المضاد، مع العلم أننا لا نجري هنا محاكمة لثقافتنا الشعبية فهي تحمل أيضا الكثير من العناصر الإيجابية كفلسفة حياة باعتبارها تختزن حكمة الشعوب، ولكن ما يهمنا هنا هو طريقة التفكير والمعاني التي تحملها بعض القضايا الهامة المرتبطة بهذه الثقافة كفكرة الزمن والتاريخ والتي هي قضايا مصيرية لكل شعب يريد أن يشارك في حركة التاريخ وفي صناعة الحضارة ويواجه مصيره بمبضع نقدي ومنهج علمي بعيدا عن الشعبوية والدروشة السياسية والنزعات الدونكيشوتية والأحكام الإطلاقية التي تحنط التاريخ وتبجل الأشخاص بدل الأفكار وتكبل الإنسان وإمكانياته الذاتية ولا تعطيه القدرة على الإبداع وانفتاح شخصيته وتكاملها، فنحن في الجزائر اليوم على المستوى التاريخي نعيش كما يقول الأستاذ مالك بن نبي مرحلة (إنسان ما بعد الموحدين)، أي ما بعد الحضارة «فإذا نظرنا إلى هذا الوضع نظرة إجتماعية، وجدنا أن جميع الأعراض التي ظهرت في السياسة أو في صورة العمران، لم تكن إلا تعبيرا عن حالة مرضية يعانيها الإنسان الجديد –إنسان ما بعد الموحدين- الذي خلف إنسان الحضارة الإسلامية والذي كان يحمل في كيانه جميع الجراثيم التي سينتج عنها في فترات متفرقة جميع المشاكل التي تعرض لها العالم الإسلامي منذ ذلك الحين، فالنقائص التي تعانيها النهضة الآن، يعود وزرها إلى ذلك الرجل الذي لم يكن طليعة في التاريخ، فنحن ندين له بمواريثنا الإجتماعية، وبطرائقنا التقليدية التي جرينا عليها في نشاطنا الإجتماعي، ليس ذلك فحسب، بل إنه يعيش الآن بين ظهرايينا، وهو لم يكتف بدور المحرك الخفي الذي دفعنا إلى ما إرتكبنا من خيانة لواجبنا وأخطاء في حق نهضتنا، بل لقد اشترك معنا في فعلنا، لم يكتف بأن بلغنا نفسه المريضة التي تخلقت في جو يشيع فيه الإفلاس الخلقي والإجتماعي والفلسفي والسياسي فبلغنا ذاته أيضا ».

إن التحرر من هذا الإنسان المريض أي إنسان ما بعد الموحدين مرتبط أساسا بضرورة الوعي بهذه الحقيقة التاريخية وهي أننا كجزائريين نعيش اليوم تاريخيا وزمانيا في القرن الواحد والعشرون ولكن على المستوى الثقافي والفكري والذهني نعيش بقوالب قرون غابرة وأزمنة ثقافية تجاوزها التاريخ المعاصر وأصبحت من أخطاء الإنسان في الماضي، فلماذا تعلم الغرب والآخرون من أخطائهم ولم نتعلم نحن من أخطائنا؟

«وطالما ظل مجتمعنا عاجزا عن تصفيته هذه الوراثة السلبية التي أسقطته منذ ستة قرون، وما دام متقاعسا عن تجديد كيان الإنسان طبقا للتعاليم الإسلامية الحقة ومناهج العلم الحديثة، فإن سعيه إلى توازن جديد لحياته وتركيب جديد لتاريخه سيكون باطلا عديم الجدوى».

ولا يكون ذلك في نظرنا إلا من خلال فتح ورشات لنقد العقل الجزائري كلحظة تأسيسية ونقطة إرتكاز في كل أبعاده المختلفة: العقل المعرفي الإبستيمولوجي والعقل السياسي والعقل الأخلاقي والعقل الجمالي والعقل التاريخي.

إن نقد الأداة أي العقل الجزائري وتكييفه مع المعطيات التاريخية الجديدة ومبادئ العلم الحديث والقيم الإنسانية الحقيقية من شأنه أن يدخل الجزائريين في حداثة تاريخية جديدة ومتجددة قائمة على العقلانية والديمقراطية والإيمان بالإنسان والنقد المستمر للذات والنظرة التاريخية المتطلعة إلى المستقبل.

ويبقى الهدف ليس النقد من أجل النقد «بل من أجل التحرر مما هو ميت أو متخشب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي والهدف: فسح المجال للحياة لكي تستأنف فينا دورتها وتعيد فينا زرعها ولعلها تفعل ذلك قريبا» إنه مشروع كبير ويستحق منا كل جهد.

 

 بقلم الدكتور قادة جليد

أستاذ جامعي وباحث أكاديمي

 

 

abdulhusan shaaban2في إطار مهرجان «القرين» الثقافي السنوي في دولة الكويت، التأمت ندوة مهمة نظّمها «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب» بعنوان «اقتصادات الثقافة العربية ودور الكويت في تنمية المعرفة». والحقيقة أن العنوان يحمل تفاصيل عدة، ومتفرّعات كثيرة، يتداخل فيها دور القطاعين العام والخاص في «تنمية الثقافة»، وفي «ثقافة التنمية»، كما يندرج تحت العنوان ذاته دور الهيئات الثقافية الرسمية وشبه الرسمية في نشر الثقافة من جهة، وفي تعزيز اقتصادات الثقافة من جهة أخرى، بما فيها الثقافة الإلكترونية (النشر الرقمي)، خصوصاً أن السؤال يتعلق بالمستقبل، فهل الثقافة سلعة، أم خدمة مساعدة ترفد التنمية؟

وإذا كانت اقتصادات الثقافة في العالم وصلت إلى آفاق رحبة، وحققت نجاحات باهرة على هذا الصعيد، فإنها في العالم العربي لا تزال في بداية الطريق، ويكفي أن نشير إلى أن نسبة الإنفاق في البلدان العربية لا تزيد على 3 في الألف من الدخول القومية، بل إن بعض البلدان أقل من ذلك بكثير، على الرغم من أن الدساتير العربية، جميعها تقريباً تشير، وبدرجات متفاوتة ومختلفة، إلى مسؤولية الحكومة في رعاية الثقافة، باعتبارها «حقاً» لكل مواطن تكفله الدولة، وتلتزم بدعمه.

ولعلّ هذا الأمر يستوجب إجراء مراجعة مسؤولة من جانب الحكومات والقوى الفاعلة في المجتمع حول قيمة الثقافة كحاجة روحية للإنسان، خصوصاً حين تقترن بالمعرفة، إنتاجاً ونقلاً وتلقياً، مثلما تمثّل مورداً أساسياً للدخل يمكنه أن يعود بمردود مادّي ومعنوي على الدولة والمجتمع والفرد، بما يتفاعل مع عملية التنمية.

وإذا كان على الدولة أن تلعب دوراً محورياً في التنمية الثقافية، بتخصيص الموارد والبيئة الحاضنة لتفجير طاقات المجتمع والفرد، فلا بدّ لها من التعاون مع مؤسسات المجتمع المدني ومع قطاع أصحاب الأعمال، ومهما يكن دور المؤسسات الثقافية في التعبير عن الواقع المعيش وحياة الناس، لكن مسؤولية الدولة تبقى أساسية، سواء في سن القوانين وتشريع الأنظمة، أو في ضمان كفالة الثقافة وحمايتها لتحقيق السلام المجتمعي باعتبارها جزءًا حيوياً ومهماً من التنمية.

وقد أصبحت الثقافة مجالاً واسعاً وكبيراً للاستثمار، حيث توجد بلدان تقوم اقتصاداتها على الثقافة بجميع جوانبها، ابتداء من موروثها الثقافي إلى الحقول العلمية والتقنية، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي «الروبوتات»، ويتعلق الأمر بتنمية المعرفة كجزء من الثقافة بما فيها الخيال الذي هو حسب عالم الفيزياء الشهير ألبرت آينشتاين «أهم من المعرفة» حيث ينضوي تحت لوائه: الإبداع، والابتكار، والتميّز، والتجديد.

والثقافة بهذا المعنى هي أحد الأسلحة الناعمة والمؤثرة في عملية التنمية بمفهومها الإنساني الشامل والمستدام، ولا نقصد بذلك «النمو الاقتصادي» فحسب، بل «توسيع خيارات الناس» في الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والقانونية والتربوية والصحية والبيئية والنفسية، لإحداث التطوّر والتغيير المطلوبين. ومن الصعب تصوّر تحقيق التنمية المستدامة من دون ثقافة، الأمر الذي يقتضي الربط بين التنمية والثقافة، لأن أحدهما يكمّل الآخر، بل هما وجهان لعملة واحدة، وهناك علاقة جدلية ومصيرية ووجودية بين الثقافة وأي مشروع تنموي.

وإذا كانت الثقافة هي نتاج لكل الناس، فينبغي أن يكون استهلاكها لكل الناس أيضاً، لأنها لم تعد محصورة بالنخبة فحسب، والإبداع هو كل ما يشمل التعبير عن إحساس المجتمع بالجمال والحرّية والهوّية الإنسانية، وهذا جزء من الاقتصاد، فالسينما والمسرح والفنون والآداب والسياحة، بما فيها السياحة الدينية والآثارية، تمثل استثمارات اقتصادية كبيرة للجميع، بما توظّفه من خدمات، ونقل، وأماكن إقامة، وغيرها من الفرص الكبيرة لخلق وظائف لآلاف الناس.

واستناداً إلى ذلك، فالثقافة ليست مجرد هامش تعبير، بقدر ما هي مكوّن أساسي من مكوّنات التنمية، ولكنها اختُزِلت في ظل الأيديولوجيات الشمولية ليقتصر دورها على الإرشاد والتوجيه والدعاية، وحتى اليوم فالتعامل معها يُنظر إليه من باب الإلحاق والتبعية، بل إن الصراعات السياسية المحمومة على تولّي المناصب «السيادية»، لا تضع الثقافة في صلب اهتماماتها، حيث دائماً ما يُنظر إليها نظرة استصغارية.

أما أهم الكوابح التي واجهت الثقافة والمثقف على المستوى العربي فهي: شحّ الحريات والثيوقراطيات الدينية، والانقسامات والصراعات الطائفية، إضافة إلى العادات والتقاليد البالية، وقلّة التخصيصات المالية من جانب الحكومات، فضلاً عن تحكّم رأس المال في التوجهات الثقافية، تضاف إلى ذلك محاولات فرض استتباع خارجي لتعميم نمط الثقافة السائدة ذات المضمون المعولم، لاسيّما بتسليع الثقافة، من دون أن ننسى ما للتعصّب والعنف والإرهاب من تأثيرات سلبية في الثقافة والتنمية في السنوات الأخيرة، الأمر الذي تدارسته «ندوة القرين» التي ضمّت نخباً فكرية وثقافية عربية متنوّعة، وحثّتهم على تبنّي الدعوة لبناء مشروع ثقافي عربي لمواجهة التحدّيات والاختراقات التي تواجهها الأمة العربية، مشفوعة بالدعوة لتأسيس مجلس أعلى للثقافة العربية يجمع بين الجهات الحكومية والمفكرين والمثقفين العرب، وممثلين عن القطاعين الخاص والعام، لإطلاق مبادرات ثقافية جامعة تكون جهة تواصل وتفاعل بين الجهات المختلفة المعنية بتنمية الثقافة وبثقافة التنمية.

 

najib tala2إن ملف الفنان أوالمبدع في ربوع العالم العربي وعلاقته بالجهاز المخابراتي؛ في كثير من المحطات لازلت شبه غامضة تلك العلاقة؛ وتحمل عدة تأويلات واحتمالات في حق هذا أو ذاك؛ إذ تبقى شكوكا أو اتهامات بدون إثبات أو دليل مادي، بل تبقى مجرد اتهامات مبنية عَلى تصورات عامة أو إشاعات• لأنه لم يتم كشف النقاب عن العَديد من المبدعين في إحدى المذكرات أو التصريحات لفضح المسكوت عنه!

فانطلاقا من غريزة التساؤل: ألا يثيرفي المرء : فنان(ما) أو مثقف(ما) أو مبدع (ما) شكوكا ووضع علامات الاستفهام (؟؟) حول تحركاته هنا وهناك وسفرياته عدة مرات في الموسم الواحد؛ لعدة تظاهرات ولقاءات فنية وإبداعية؛ ويكرم مئات المرات هُناك وهنالك؛ ومنوجد في عدة لجن تنشيطية وترفيهية حتى ! ومتقوقع في عدة مجلات وصحف ومواقع إلكترونية كعضو (استشاري) علما أن ما هو معروف عن ذاك أوتلك؛ ليس لديهم خبرة في المجال العنكبوتي أولا وثانيا ليسوا متفرغين للعمل الفني والثقافي؛ أي منخرطين في وظيفة ما؛ لأن المبدع في الوطن العربي في عموميته ليس محترفا بالمعني الحرفي . فكل هذا وغيره يخلف غموضا وردود أفعال؛ ربما تكون سلبية باستثناء بعض اللحظات تكون هنالك ومضات أو تلميحات حول فنان (ما) كان مجندا في صفوف المخابرات؛ يتلصص بشكل أو آخر على حركات زملائه أوأصدقائه أوطلِب منه ذلك كحالة عمر شريف مثلا مع رئيس المخابرات وقتئذ: إنه يريد منهما أن يطلعاه أولاً بأول عن أخبار النجوم في مصر وخاصة فلان وفلان وحدد لهم بالاسم عددا من النجوم فى ذلك الوقت .....ويصف عمر .....إنه كان يرتعِد ولم يدر ما يجب أن يقوله وأنقذته زوجته الفنانة - فاتن حمامة – التي أجابت صلاح نصر وبكل وضوح وشجاعة أنها ترفض أن تؤدى هذا الدور ضد أي زميل أو زميلة لها (1) فهذا التصريح يكشف علانية وبشكل مادي بأن هنالك تجنيدا رسميا وحقيقيا لبعض المبدعين؛ لأن المسألة تتعلق بضبط أي تحرك كيفما كان نوعه؛ وخاصة المجال الفني والثقافي؛ الذي له علائق وطيدة بالجماهير وبالنسيج الاجتماعي؛ فارتباطا بما أشرنا إليه قد أطلق عمر الشريف العنان لسر احتفظ به لما يقرب من أربعة عقود: إن المخابرات المصرية .....قد كلّفته بعملية تدخل ضمن نطاق العمليات القذرة، تبدأ بإقامة علاقة مع فتاة، تبين بعد ذلك أنها فنانة شهيرة، تمهيدا للوصول إلى والدها وتصفيته، لأنه كان من خصوم الدولة الناصرية. لم يكن الشريف يعرف بطبيعة المهمة، لكنه سارع بالذهاب إلى السفارة المصرية فى لندن، بمجرد عِلمه أن ضابط المخابرات القاطن فى السفارة يَرْغب فى رؤيته. وهناك تم تكليفه بالأمر؛ فأبدى قبولا مبدئيًّا، لأنه لم يكن يمتلك الرفض (2) طبعا فكشف مثل هذا السر يعد من الغرابة؛ وخاصة على لسان فنان عالمي؛ رغم أن هنالك نوعا من الغموض أو المواربة في عملية الرد أو الدفاع على الاتهامات والأكاذيب التي ألحقت ب(صلاح نصر) بالدرجة الاولى؛ باعتباره كان رئيس الجهاز المخابرات المصرية : وهكذا انتشرت شائعة يأن المخابرات تحد من حرية المواطنين؛ وتراقبهم وتتجسس عليهم مع أنها في الواقع بعيدة كل البعد عن هذا العمل . إن الانسان السليم لا يهمه حتى أية إجراءات أمن تتخذها هذه الأجهزة .... إن الذين يبثون الارهاب في نفوس المواطنين؛ هم فئة واحدة، العملاء. لأن المخابرات هي عدوهم الأول الذي يكشفهم؛ لذلك فإن همهم الأول هو تخريب الجهاز وتدميره حتى يصبح غير قادر على نشاطه الايجابي (3) كيف يمكن ألا نصدق مذكرات – فاتن حمامة – المنشورة في أغلب الجرائد المصرية؛ والتي تذكي حقائق عِدة ولتصريحات زوجها – عمر شريف - و لكن حينما نستقرئ ما جاء بعد هذ الإفصاح من لدن الناقد الفني طارق الشناوي الذي :كشف أن القصة لنضال الأشقر وله في الواقع ما يبرره. فهي ابنة عائلة سياسية حتى النخاع، ووالدها هو أسد الأشقر الرئيس السابق للحزب القومي السوري، تجرّع آلام السياسة ومعاركها(4) هنا العديد من الخيوط لم تتضح بعد؛ وخاصة صمت الفنانة اللبنانية – نضال الأشقر- وعلاقتها بعمر؟ ربما هاته العلاقة لو أفصحت عنها- الأشقر- لربما ستكشف عن أسماء وأسماء متورطة في براثين جهاز المخابرات؛ فلما استطاع عمر الشريف قبل وفاته أن اعترف بأنه: فوجئ كذلك بتمويل وكالة المخابرات الأمريكية لفيلمه "جيفارا" عام 1969، وهو ما استغلته مخابرات "نصر" في اتهامه بالجاسوسية لصالح دول أجنبية (5) فالمسألة لا تدعو للشك؛ لأن القرائن في هذا المضمار متعددة؛ فالذي يسقط في شباك المخابرات كعميل/ جاسوس؛ سواء في بلاده أولدولة أخرى فإنه لا محالة سيقوم بمهمته داخليا وخارجيا؛ وحتى إن لم يكن مع الجهاز؛ يكون مع مؤسسة (ما) كما أشرنا سلفا، وبالتالي ألا يمكن للمبدع اللبناني - زياد عيتاني - الذي تم توقيفه بتهمة التخابر مع إسرائيل؛ ألا يكون مخبرا في لبنان (؟) قبل أن يكون مخبرا لإسرائيل؟ ولاسيما: في التحقيق معه، وبمواجهته بالأدلة والبراهين، اعترف بما نسب إليه، وأقرّ بالمهام التي كلف بتنفيذها في لبنان".....رصد مجموعة من الشخصيات السياسية رفيعة المستوى، وتوطيد العلاقات مع معاونيهم المقربين، بغية الاستحصال منهم على أكبر كم من التفاصيل المتعلقة بحياتهم ووظائفهم والتركيز على تحركاتهم.... والعمل على تأسيس نواة لبنانية تمهّد لتمرير مبدأ التطبيع مع إسرائيل، والترويج للفكر الصهيوني بين المثقفين(6) فهذا الاعتراف؛ خلف صدمة في الأوساط الثقافية والفنية في لبنان. لأن هذا الفنان : شكّل ظاهرة مسرحية لا يمكن نكرانها فهو موهوب ومحبوب، يقف منذ 4 سنوات على المسرح وحيداً أكثر من ساعة ونصف كل ليلة، ليقدم أعمالاً شبه مونودرامية، ويبقى قادراً على جذب الناس، على مختلف انتماءاتهم وشرائحهم الاجتماعية من خلال أسلوبه الحكواتي بكثير من الطرافة، والقدرة على تقمص الشخصيات(7) حقيقة؛ القضية تشكل صدمة واندهاشا؛ بحيث لا تستطيع أي قوة أن تمنع قوة العطاء الابداعي. ولكن للأسف ارتمى الفنان (زياد عيتاني) حضن الجهاز الإسرائيلي؛ وهو يعرف ما هو المطلوب منه و تلك إشكالية ! وفي نفس السياق تفرض تساؤلات حارقة؛ هل كان الجمهور ورواد المسرح وعشاقه منخدعين فيه ؟ هل العيب في سلوك ومسلكيات المبدع أم في ممارسة إبداعه؟ هل كان مخبرا في الوسط الفني والإبداعي؛ قبل أن تستقطبه وتجنده إسرائيل ؟ وعلى ذكر إسرائيل؛ فالملاحظ أنه كيان دينامي وفاعل في مجال الاستقطاب والتجنيد واختراق كُل الدول سواء العربية والأوربية ! فالمجندين للجاسوسية يتحدد هدفهم الأساس في كسب المال؛ وإن كانت إسرائيل توظفه بسخاء فلها من وسائل الضغط ما يكفي وخاصة الجانب[الجنسي] فالأموال والنساء، من أهم الأسلحة التي تستخدمها المخابرات في استقطاب عملائها وإسقاط الكثير من الضحايا في شباكها للوصول إلى المعلومات المتوخاة، ووسيلتها هي الرذيلة والإغراء ومن هُنا: يمكن الحصول على المعلومات من الشخص الشاذ أسرع من الشخص الطبيعي؛ لأنه سيكون واقع تحْت تأثير الشذوذ وفضح أمره..... ليس للدين دخل في أعمالنا ...فالجسد ليس له قانون خاص... وليس له أهمية من حيث استخدامه.. ونعتبره أداة لنجاح العمل القذر وألمانيا الغربية هي أول الدول التي اعتمدت على الجنس في عملياتها. تليها إسرائيل !! (8) فهاته القاعدة التي سلكتها المخابرات منذ تأسيسها حسب كل دولة؛ وذلك من الناحية السيكولوجية التي تراعي نقاط الضعف في الشخص الذي يراد تجنيده في صفوفها. فالقائمون على الاستقطاب يدرسون السمات الشخصية والمزاجية ، قبل الوصول إليه والاقتراب منه. ومن هنا لقد استطاعَت تنشيط عملية التجسس واستقطاب عملائها أو مخبريها أو المتعاونين معها، ولو بصفة مؤقتة. لكن الأخطر أن جهاز المخابرات الإسرائيلية يشهد له بقوة الاختراق وممارسة كل ما لا يخطر على بال المرء لأن: لها أهداف وأغراض تفوق قدرة دولة صغيرة مثل إسرائيل ..فهي بمثابة عُيون وآذان لها سواء في الداخل اوفي الخارج .وهَذه المخابرات جهاز ذو أغراض متعددة؛ فهُو ذراع السلطة السرية ...إنه أداة لإثارة الانقلابات لأعمال العنف .من اغتيال وتخريب؛ للتدخل السري في شؤون الدول الأخرى لاسيما العربية والافريقية.... تستخدم كل السبل لتحقيق أغراضها من قتل وتخريب وتدبير الانقلابات واستخدام الجنس والخطف(9) وذلك لجمع المعلومات بشتى الطرق والوسائل بما فيها استعمال المال والجنس(المرأة) والمصالح والتقاط الصور؛ لترويض الشخصية المستهدفة؛ وفعلا حسب التقارير المكشوف عنها وما نطالعه في الصحف أو الكتب؛إن أعتى المسؤولين والسياسيين والمعارضين لذاك الرئيس أو ذاك الحاكم؛ أصيبوا بالضربة القاضية؛ فسقطوا في شراك المخابرات؛ وتم التعاون معهم والانصياع إلى طلباتهم !ومن المصادفة أننا نجد تصريحا / موضوعا؛ جد مثير في سياق ما أشرنا إليه تحت عنوان: علال الفاسي في موسوعة الحركة الوطنية والمقاومة- بقلم :عبد القادر الإدريسي؛ مفاده:... إنني غير راض عن عَدد من أعْضاء حزبي الذين لهم حياة مزدوجة، يجْلسون في مؤسسات(هكذا) وهم يعملون مع جهات مخابراتية أخرى، ومنهم من حصل على مناصب لم يكن يحلم بها أجداده، ومنهم من دخل صراحة في العمل المخابراتي، وحصل على هَدايا وهي عبارة عن مشاريع ومزارع ومال(10) وهاته حقائق وإن كانت تحوم حولها مظاهر الغموض؛ وتوليد الردود بين صدق ما يرى وما يروى؛ وتكذيبه أو معارضته !

استرجاع

انعرجت قليلا عن الموضوع؛ من أجل موضعة القرينة فقط، لكي لنبين أن مسألة التجنيد والاختراق عند المخابرات سهل؛ مادامت تغلغلت جوانية الأحزاب؛ وفي رحابها و كَواليسها؛ عِلما أن للأحزاب ضوابط داخلية وقوانين مسنونة بالاتفاق؛ فكيف لا تستطيع أن تجند المبدع ؟ وبالتالي إذ لا يمكن لزعيم أن يتكلم هكذا دونما إثبات؛ وإن كان صاحب الموضوع لم يستسغ تصريح – علال الفاسي – فظل مستغربا للموضوع واعتبره كلاما جِد مسيء إلى الزعيم علال وإلى القيادات الاستقلالية؛ يبدو أنه لم يطلع على كتب (أحمد البخاري) ضابط المخابرات [الكاب 1] والذي قدم حقائق رهيبة وجد مثيرة عن حقبة الستينيات والسبعينيات؛ والتي وقعت أحداثها في تلك الفترة، كاشفا أسماء بدون تحفظ أو ترميز. من تورط مسؤولين في السلطة ، وأدوار بعض السياسيين والبرلمانيين وقادة الأحزاب في التعاون مع المخابرات. فلو تصفحها لما ظل مضطرب الفكر ومتبلبلا نفسيا؛ ليشير:...هل مثل هذا الكلام ينشر في موسوعة عن أعلام الحركة الوطنية والمقاومة؟ أم هومن جنس ما تنشره الصحف إياها أوبعض المذكرات التي تكاثرت في هذه المرحلة التي اختلط فيها الحابل بالنابل...إن هذا الكلام الذي يعَد بالمقاييس القانونية، قذفًا وتشهيرًا وتشويهًا للسمعة، مما يقع معه كاتب هو ناشره أيضًا، تحت طائلة القانون. والناشرهنا هو(المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير)التي تصدرعَنها هذه الموسوعة. كلام لا يمكن السكوت عنه، وهو بالنسبة لي شخصيًا، مفاجأة من العيار الثقيل، لأنني أعرف كاتبه (11) هنا أراد أن يكون حكما مستبدا عن كلام له من الوثوقية ما يكفي؛ نظرا لطبيعة الحزب وبعض أعضائه؛ والقرينة تصريحات جد خطيرة أدلى بها- أحمد الخلطي- عميل المخابرات المغربي سنة 2006 ويذكر الأسماء؛ لكن ما صرح به ما فجره عميل [الكاب1]أحمد البوخاري في مذكراته، وكتبه يفوق من الحقائق المثيرة ما يكفي والتي أسالت الكثير من المداد واللعاب، لتبيان كيف : أخرست المخابرات المغربية، على امتداد ستينات وسبعينات القرن الماضي، حوار المقاهي وقهقهات الطلبة والشباب خلال التظاهرات وفي الساحات العمومية، وجعلت العديد من عناصر النخبة السياسية والمبدعين والصحفيين والنقابيين يطفون على بحر من الخشية والخوف بعد أن "اشترتهم" بالوعد والوعيد وتوريطهم في "كبسات" أخلاقية علقت فوق رؤوسهم سيف "ديموقليس" المستعد ليهوي على الرقاب في أية لحظة وحين (12) فمن الطبيعي أن جيل ستينيات وسبعينيات من القرن الماضي؛ يعرفون هذا جيدا ولا يمكن أن يغالط المرء التاريخ وأحداثه؛ وحتى إن كان هنالك محاولة للتضليل؛ فظاهِرة البوح؛ بوح العملاء والمخابراتيين؛ أضحت سائدة في أغلب الدول العربية؛كصحوة ضميرأو محاولة للتكفير عما لحق من أذى على ايديهم في حق العباد وناس البلاد؟ فكيف يمكن أن نفسر شهادة أو قصة K.M في2003 وهو مجرد عميل خضع لأقسى أنواع الابتزاز والتهديد؛ واندفاعه لكشف المزيد من الخروقات الصارخة لأعتى مؤسسة في جهاز الحكم الجزائري؛ حقيقة قصته مروعة ومريبة؛ بحيث استطاع أن يخترق كل الفضاءات والأمكنة و المجالات : خلال تواجدي بجامعة باب الزوار، الضابط عبد القادر (عباس) أمرني بالتجسس على السيّد عبد المجيد بن حديد رئيس الجمعية الجزائرية لترقية النّشاط الرياضي و الثقافي و التبادل الدولي المقيمة بالقرية الجامعية USTHB، بحجّة أنّه مولودٌ بتونس وأنّه مقرّب من النظام الليبي ويتلقى دعم مالي من القذافي، وهَكذا انخرطتُ بهذه الجمعية 03 جانفي 1990، وفي 13 أفريل 1993 أصبحت نائب رئيس الجمعية ومكلّف بالإدارة والمالية و التنظيم، فكنتُ أعرف كل خباياه وأشارك في لقاءات الحوار التي قامت بها الرئاسة 1994 وكان يقوم بها أحمد أويحي، وهكذا كنتُ أكتبُ التقاريرعَنه وعن كلّ اتّصالاته وبرامجه وأُسلّمها ل الضابط...(13) أليس هَذا مريب للغاية !!

 

نجيب طلآل

......................

الإحالات:

1) حكاية عمر الشريف والمخابرات: يرويها / محمد رجب - كتبها محمد صلاح في – الموجز- في23 يوليو 2015 -

2) نفسها

3) صلاح نصر يتذكر: الثورة - المخابرات - النكسة لعبد الله إمام ص92 دار الخيال القاهرة/1999

4) عمر الشريف يعلن عن قصة الفنانة التي كلفتة المخابرات المصرية بإقامة علاقة معها تمهيدا لقتل والدها - متابعة - لجريدة ميدان التحرير – في - 17 مارس 2013

5)"جيفارا" و"صلاح نصر" أفسدا العلاقة بين عمر الشريف وناصر - أحمد إبراهيم الشريف لصحيفة اليوم السابع في - 12 يوليه 2015

6) توقيف الممثل اللبناني زياد عيتاني بتهمة التخابر مع إسرائيل / بيروت العربي الجديد – في 24 نوفمبر 2017

7) صدمة بين الأوساط الثقافية في لبنان بعد توقيف الفنان زياد عيتاني بتهمة «التعامل مع إسرائيل» موقع سوريتي في 25/11/2017

8) مذكرات اعتماد خورشيد شاهدة على انحرافات صلاح نصر- ص110/111ط 3/1988 مؤسسة أمون الحديثة – القاهرة -

9) صلاح نصر يتذكر: الثورة - المخابرات – النكسة لعبد الله إمام ص74/75 دار الخيال القاهرة/1999

10)علال الفاسي:نهرمن العلم الجاري والوطنية الخالدة ص - 203 – تحت إشراف /عبدالحق عزوزي الطبعة الأولى /2010

11) نفسها ص 204

12) كيف وظفت المخابرات المغربية سلاح الجنس للإيقاع بألذ أعداء النظام ؟ الجزء الأول : في صحيفة أخبار الجنوب : نقلا عن أسبوعية صحيفة المشعل في 17/09/2012

13) قصة العميل - ك.م - في مسلخ المخابرات الجزائرية: الشياطين البشرية- منشور في معهد الأدب العربي لجامعة حسيبة بن بوعلي بتاريخ 4/03/2014

 

 

saleh altaei2مع كل خطوة في طريق التمدن والتحضر، كانت القوانين تتقدم خطوات على الحضارة نفسها، لتسبق وتؤسس وتبني وتنظم وتوجه، ولو لم تكن القوانين بهذه السرعة وهذه النمطية غير التقليدية ما كانت لتضبط إيقاع الحضارة، ولكانت الحضارة نفسها قد تعرضت إلى امتحانات قاسية تؤخر سيرورتها. وكنا نحن العراقيين ولا فخر أول من سن القوانين وشرع الشرائع وقدمها إلى العالم كله مرقومة على حجر شريعة حمورابي، كما كنا أول من خالف تلك القوانين وخرج عليها، ربما لأننا في مرحلة ما من تاريخنا قيدنا القانون وجعلناه يبطئ في سيره، فيتخلف عن سير الحضارة التي تفتح باب الاشتهاء على مصراعيه، وهو أوسع أبواب المخالفة، وللأسف لم تكن النتيجة في صالحنا، فقد خسرنا بفعل هذا التناقض فرصتنا وحضارتنا، فتأخرنا عن ركب الإنسانية التي كانت تركض مسرعة، ونحن نتيجة بطرنا كنا نسير خببا مطمئنين، وربما مغرورين!

بعد آلاف السنين، انتبه العالم إلى مخاطر كبوتنا التي وقعنا فيها، فعمل على تجنبها من خلال القوانين التي سنها، والتي أعطاها فسحة من الحركة لتسبق مسير الحضارة بخطوات، وتُعبِّد لها النتوءات الحادة التي قد تعترض سبيلها، وقد نجحوا في ذلك نجاحا باهرا.

ولكننا حتى بعد آلاف السنين لم نتعظ من تجاربنا، ولا زلنا نكرر السقوط في نفس الحفر التي سقط فيها أجدادنا، ولذا تزداد الهوة الفاصلة بيننا وبين الحضارة والشعوب المتحضرة، فيتقدمون ونتأخر، ولاسيما وان مشرعينا يصوغون قوانيننا على مشتهاهم وذائقتهم ومنافعهم دون النظر إلى ذائقة ومنفعة الأمة، وهذا السوء في الاختيار لم يعمل على تأخير بلداننا فحسب وإنما خلق هوة لا حدود لها بين الطبقات الحاكمة والمنتفعين الذين تخدمهم القوانين، وبين طبقات الشعب الأخرى التي تسحقها القوانين بما يدفعها عنوة إلى مخالفتها وكراهيتها والعمل ضدها، ومع كل خرق لأحد القوانين تزداد الهوة بيننا وبين الحضارة للأسف.

إن عدالة القوانين لا تأتي من حيث التطبيق الشامل لفقراتها بالتساوي على جميع الفئات، فالمساواة لا تعني العدل، بل في التناغم مع كل حالة وفق مقاساتها، حيث يسن القانون من حيث العموم والكلية ليخضع له الجميع دون استثناء، لكن يجب أن تكون ضمن فقراته إشارات إلى حالات استثنائية لها قدرة مقايسة الضغط بالنتيجة، لا إجبار المخالف على ارتكاب مخالفة أخرى ليخلص نفسه من مأزق فيقع في مأزق أخطر منه، وهناك في العالم الكثير من أمثال هذا القانون المطواع منها على سبيل المثال قانون احتساب غرامة مخالفات حدود السرعة المرورية في فلندا، الذي يتضمن فقرات تجيز رفع مبلغ الغرامة المرورية وفق دخل المخالف، فقد تمت صياغة القانون بشكل يُتيح للسلطات فرض الغرامة المالية على شخصين ارتكبا المخالفة نفسها أحدهما فقير الحال والآخر غنيا؛ وفق نسب ترتفع طرديا مع حجم أموال المُخالف، حتى وإن تشابهت المخالفات، لأن المبلغ (س) إذا ما كان سيردع أفراد الطبقة الفقيرة ويمنعهم من مخالفة القانون، فإنه لن يردع أفراد الطبقة الوسطى، وهذا لن يردع طبقة أصحاب رؤوس الأموال. ومن الأمثلة التطبيقية لهذا القانون ان مدير شركة نوكيا الشهيرة، فوجئ في بداية عام 2002 بخطاب مخالفة سرعة يطالبه بتسديد مبلغ (12.5) مليون دولار لقيادته دراجته النارية خارج حدود السرعة القانونية، وقد استعان بمحامين نجحوا في تخفيض الغرامة الى (103) آلاف دولار، قام بدفعها صاغرا! وبالتالي أسهمت هذه الموازنة القيمية في تنفيذ القوانين بمطواعية بالحد من استهتار الطبقات المتنفذة التي لا تهتم لدفع الغرامات البسيطة.

إن هذا بالتأكيد لا يعني أن تكون جميع القوانين بهذا الشكل فبعض القوانين يجب أن تكون قسرية من أجل بناء صالح وصحة وذوق المجتمع، ففي عام 1968 سن قانون في سنغافورا، ينص على تغريم من يرمي النفايات في الأماكن العامة مبلغ ألف دولار، وهو قانون يبدو في ظاهره تعسفيا، لكنه وخلال زمن قصير جدا جعل من سنغافورا واحدا من أنظف بلدان العالم.

فضلا عن ذلك هناك قوانين تبدو ظاهرا وكأنها تتهدد مستقبل الشباب، وفيها الكثير من الإجحاف والقسوة، ولكنها سنت أساسا للحفاظ على مستقبل الشباب ومستقبل الشعوب ومستقبل البلدان وحماية للمسيرة العلمية، ففي بعض الولايات الهندية، هنالك قانون أصبح ساريا منذ عام 1997، ينص على معاقبة الطالب الذي يغش في الامتحان بالسجن لمدة قد تصل الى عشرة أعوام، وقد تعلل الذين سنوا هذا القانون بانه جاء لحماية العملية التعليمية ومؤسساتها من الطلبة الغشاشين، الذين قد ينجحون بواسطة الغش ـ وهم غير مؤهلين ـ لتبوء مراكز متقدمة في البلاد، في وقت يسرقون فيه جهد غيرهم ويحرمونهم من الحصول على الفرصة التي يستحقونها.

إن التجربة القاسية المرة التي عشناها منذ عام 1963 ولغاية هذه الساعة، سواء عن طريق سن القوانين الغبية أو التهاون في تطبيق القانون أو السماح لمن نجحوا بواسطة الغش بقيادة البلاد وتسيير أمورها، هو جزء من الأسباب التي حولت بلدنا من بلد نام واعد إلى دولة فاشلة آيلة للسقوط، وهذا يوجب على الجهاز القضائي والقانوني العراقي أن يمارس دوره الحقيقي والأخلاقي في إعادة بناء وترميم قوانيننا التي أكل الدهر عليها وشرب، وألا سنجد انفسنا في ورطة كبيرة تتهدد حياتنا ووجودنا ومستقبلنا ومستقبل أجيالنا.

 

صالح الطائي

 

 

husan abosoudهل المراة مشكلة عالمية حقا؟ كمشكلة فلسطين او مشكلة التصحر مثلا، فالدلائل كلها تشير الى انها مشكلة فعلا، اذ لا تكاد ترى منزلا الا وفيه مشاكل مزمنة احد اطرافها هي المراة، ولا نجد امراة معذبة الا ونجد وراءها عدة نساء، وكثرة البرامج والمقالات والكتب التي تتناول حل المشاكل الاسرية وكيفية التعامل مع المراة تنبيء بان هناك مشكلة فعلا، ونرى الكتاب والكاتبات في انهماك دائم لترقيع مالا يمكن ترقيعه في تكرار ممل لاسطوانة حقوق المراة، وقد قال احدهم عن المرأة الرقيقة: بان المرأة قاسية لا تعرف الرحمة احيانا وهي مضطربة دائما لكنها تمارس الافتعال لتبدو هادئة وعندما تفقد اسلحتها كلها تهدأ قليلا، وقال اخر: المراة ليست لغزا، انها ببساطة انسانة صعبة في التعامل وانها من اكبر اسباب الشجارات والمهاترات والجرائم.

ان اقوال الفلاسفة والحكماء في المراة تستحق التأمل، وكذلك تناول الاديان للمراة ينبئ بانها قضية وحتى الحضارة الغربية لم تنصف المراة بل واساءت استخدامها كثيرا وانزلها الى حد العري، وقال احد العارفين باحوال المراة بان الرجل لا يتزوج ليخلق المشاكل ولكن المراة تتزوج لتخلق المشاكل وهذا فرق جوهري فالمراة تكرر نفس الاخطاء التي ارتكبتها ولا تستفيد من الدروس والعبر والتجارب، وهي جوهر رديء في حلة قشيبة، هي تريد ان تنافس في كل شيء وتزاحم في كل شيء وهذ يضرها اكثر مما ينفعها، يسلبها انوثتها، فالتزاحم يسلب الانوثة ويخالف الرقة، فالمراة في بعض الاحيان تطمر جمالها في وحول غيها ومجونها وجنونها وتهورها، تهدم بيتها بيدها احيانا ولولا ان العصمة بيد الرجل لتهدمت اكثر البيوت وتشردت معظم الاسر اذ لم يكن من العبث ان تكون القوامة للرجل داخل الاسرة، وان معظم الداعيات لحقوق المرأة هن من الفاشلات في الحياة الزوجية اتعبتهن شهوة السيطرة، لهن كيد عظيم تختار الاوقات العصيبة لكي تملي شروطها وهي احيانا تحول حياة اطفالها ولا سيما الرضع منهم الى جحيم لا يطاق ولا تهتم للترسبات الخطيرة في نفسية الطفل.

رضخ المجتمع في العالم الاسلامي للمرأة لها فسمح لها بالخروج والعمل، وسمح لها العلماء بكشف وجهها وكفيها علما ان الخطاب الديني تجاه المراة ليس موحدا حتى داخل البلد الواحد والدين الواحد وتساهل معها فقهاء الشيعة حتى جعلوها تسافر وتحج بلا محرم (اذا امنت الخطر)، و في بعض دول الديمقراطيات العريقة أعطيت المرأة حق التبرج ولم تعط حق التحجب وسمحوا لها بالخروج في المظاهرات والعمل كمضيفة طيران تجوب البلدان بلا محرم وفي بعض الدول الاسلامية البسوا المضيفة نوعا من الحجاب واطلقوا لها العنان، واشركوها في البرامج الدينية في القنوات الفضائية الاسلامية فصار الرجل ينظر اليها طوال فترة البرنامج دون اي تذكر لغض البصر والنظرة الاولى التي له والثانية التي عليه.

نحن عندما نعزل المراة عن الرجل ونجعلها مخلوقا اخر فنخصص لها يوما نسميه يوم المراة او نخصص لها وزارة المراة او نقول حقوق المرأة نساهم في تفاقم المشكلة، علما بان مشكلة المراة هي المراة نفسها وليس الرجل فالحماة التي تجهد نفسها في البحث عن عروس لولدها وتاتي بها وسط مظاهر التفاخر والفرح الى بيتها تتحول بعد فترة قصيرة الى عدوة لدودة لها، فماذا اعطت بلقيس وزنوبيا وبينظير بوتو وحسينة واجد و وبندرانايكا وانديرا غاندي للمراة اكثر مما حصلت عليه من الرجل، وماذا منع زين العابدين بن علي عن المرأة وهو رجل وماذا حرم الرئيس حسني مبارك المراة منها.

ان المرأة العربية لا تستطيع ان تميز مصلحتها ولا تتساءل لماذا لا تحترم بعض الدول الغربية المنقبات اللاتي اخترن النقاب عن رضا وقناعة وسلوك كما انها تحتم علينا احترام السافرات ولا تتساءل ما هي مصلحة الدول العظمى في ان يكون أكثر من 30% من البرلمانيين في العراق من النساء، وما مصلحتها من قيادة المرأة للسيارة في السعودية مثلا،

فالمراة مخلوق خلقها الله فيما بعد لاسعاد الرجل ويجب ان يكون هذا الهدف المقدس نصب عينيها فان اذته فهي مقصرة مع انوثتها قبل كل شيء وليس عبثا ان تكون القوامة للرجل داخل الاسرة.

 

حسين ابو سعود