عدنان عويدإذا نظرنا إلى الواقعية كرؤى أو مواقف ذهنية تؤمن بدور التجربة والخبرة الاجتماعية في معرفة حياة الإنسان وما يحيط به من ظواهر عبر تاريخه الطويل، فسنجد إرهاصتها الأولية لدى كثير من الشعوب، ممثلة في أقوال بعض منتجي أساطيرها أو لدى حكمائها الأولين، كما هو الحال مثلاً في رد "أناناتبشم" على "جلجاميش" في (ملحمة جلجاميش) عندما عجز "جلجاميش" عن إيجاد سر الخلود، حيث قال له "أناناتبشم" مواسياً: (متى بيننا بيتاً دام إلى الأبد!؟، ومتى صنعنا ختماً دام إلى الأبد..!؟.). فمثل هذه المقولات الدالة على دور التجربة والخبرة في معرفة طبيعة الحياة وقوانينها، كثيراً ما نجدها في ملاحم الشعوب القديمة وأساطيرها كما أشرنا.

أما إذا نظرنا إلى الواقعية كموقف فلسفي، فيبدو أنها جاءت عبر سياقها التاريخي كرد فعل على الفلسفة المثالية التي كانت تمجد المطلق والمجرد والغيبي والجبري والمستبد، والمؤمنة بكل تياراتها بأن الواقع يأتي بعد الفكرة التي تعتبر منبع الحقيقة مهما يكن مصدر هذه الفكرة (ما وراء الطبيعة - الروح- الفطرة- البنية النفسية- العقل المجرد..الخ.)، مخالفة إياها - أي الفلسفة المثالية - في نظرتها إلى العالم الخارجي والإنسان. فالفلسفة الواقعية تؤمن بالنسبي والملموس والعياني وحرية الاختيار، وأن الواقع المادي المحسوس هو مصدر الحقيقة، وأن الحواس هي أداة المعرفة، أو الوسيلة التي توصلنا إلى هذه الحقيقة.

عموماً إذا كان "أفلاطون" هو مؤسس المدرسة الفلسفية المثالية، والذي تأثر في أفكاره، أو قال بما يؤيدها، أو يقاربها فيما بعد، العديد من الفلاسفة والمفكرين الغربيين، أمثال جورج باركلي، ودافيد هيوم، وكانت، وغيرهم الكثير أيضاً ممن آمن بالتأمل العقلي واعتقد بأن عالم الفكر يسبق عالم الواقع. فإن " أرسطو" يعتبر رائد الواقعية كتيار فلسفي، حيث جاء فيما بعد أيضاً، العديد من الفلاسفة الذين أسسوا على أفكاره ، أو قالوا بما يقاربها أو شبيهاً بها، أمثال القديس توما الأكويني، وفرانسيس بيكون، وابن رشد، وابن حزم ، وابن خلدون، وجون لوك، وديكارت وغيرهم الكثير من الذين كانوا واقعي النظرة، تجريبي النزعة، يقرون بأهمية الإحساس في تشكيل المعارف للوصول إلى الحقيقة، مثلما كان لمسألة الربط بين العلم والتطبيق العملي وللتربية في نظر بعضهم الدور الكبير والفاعل في إعداد الفرد لحياة سعيدة، ، وبذلك جاء الواقع عند جميعهم سابقاً على الفكر.

الفلسفة الواقعية إذاً، هي التي تقر في المحصلة بأن معرفتنا بحقائق الواقع تتزايد بالاكتشاف والتحليل الموضوعي والتفسيرات العلمية، فالظواهر تسير وفق قوانين طبيعية/ موضوعية، ودور الإنسان فيها هو الكشف عن هذه القوانين والتحكم بها وتسخير آلية عملها لمصلحته.

مبادئ وأسس منهج الفلسفة الواقعية المعاصرة

في عصرنا الحاضر وأمام ما انتاب الحقيقة عموماً والفكر وتياراته على وجه الخصوص من ضياع وتهميش وتداخل تحت ظل النظام العالمي الجديد وأنظمة القهر والاستبداد في العالم الثالث، وأهمها ذاك التداخل الذي حصل لتيارات الحداثة بكل تجلياته والفلسفة العقلانية من ضمنها، مع تيارات ما بعد الحداثة، ليتشكل تياراً فكرياً هجيناً (ما بعد حداثوي)، غابت فيه ملامح العقلانية والمثالية معاً، لتسود فيه رؤى فكرية يغلب عليها طابع الفوضى الفكرية، والعبث، واللامعقول، والتجزيئية، واللاأدرية، وعدم الإيمان بجدوى القيم الأخلاقية الجوهرية، والتمسك بالشكلي، والدعوى إلى النمذجة التي تحاول أن تجعل من الظاهرة وفي مقدمتها الإنسان، ذرة معزولة عن غيرها من الظواهر ليس لها لون أو طعم أو رائحة، إلا لون وطعم ورائحة ما يخدم مصالح قادة هذا النظام الكوني الجديد وأنظمة القهر والاستبداد.. الخ.

من هنا وأمام مواجهة هذه الحالة من اللامعقول، يفرض علينا المنطق والواجب تجاه (إنسانيتنا)، ضرورة التمسك بما هو إيجابي، وإعادة إنتاج ما من شأنه أن يعيد إنتاج إنسانيتنا، وبخاصة الفكر التنويري بعد تنقيته من جراثيم ما بعد الحداثة والغيبية والامتثال والاستسلام والجبر، ونفض غبار الجهل عنه، وكل ما اعتراه من تفاهات فكرية هدامة وتخريبية أرادت النيل من جوهر الإنسان خلال مئات السنوات الماضية، والرغبة في استمرارية هذا الإنسان في حالات ضياعه، واغترابه واستلابه إلى وقتنا الحاضر. هذا ويأتي في مقدمة الجهود الايجابية التي يجب أن تبذل الآن من أجل إعادة الإنسان إلى جوهر إنسانيته، هي رد الاعتبار للفلسفة العقلانية، ومحاولة إغنائها برؤى فكرية جديدة تضفي عليها طابعاً أكثر عقلانية وعلمية تتناسب وتحديات المرحلة الراهنة، منطلقين من إعادة التأسيس لمبادئ وقواعد أكثر علمية وعقلانية لفلسفة واقعية معاصرة تتناسب وطبيعة التحديات المعصرة، يمكننا تحديد أهمها بالتالي:

1- إن للظواهر قوانينها الخاصة بها والتي تتحكم بآلية عملها. وهي موجودة بشكل مستقل عن الإنسان تؤثر فيه ويؤثر فيها. وتأثيره فيها يأتي بعد ملاحظتها واكتشاف قوانينها وآلية عملها.

2- إن الإنسان في طبيعته ليس ضرورة فحسب، بل وحرية أيضاً، وهنا تكمن استقلاليته النسبية عن الضرورة وبقية الظواهر الأخرى المحيطة به، وقدرته على التحكم فيها وتسخيرها لمصلحته.

3- الظاهر بمجموعها ومن ضمنها الإنسان ذاته، ليست ثابتة جامدة في معطياتها، بل هي في حالة سيرورة وصيرورة دائمتين، أي هي في حالة حركة وتطور وتبدل وتشكل دائم، وهذا بالتالي ما يمنحها نسبيتها وينفي إطلاقيتها، ويؤكد أن حقيقتها تقوم دائماً على معرفة ناقصة.

4- الفلسفة العقلانية النقدية المعاصرة لا تؤمن بوجود قوى فطرية موروثة خلقت مجردة عن تاريخ الإنسان قبل الولادة، بل تؤكد على أن الإنسان محكوم بتأثير البيئة الطبيعية والاجتماعية على تفكيره وسلوكياته، دون أن تنكر أن هناك استعدادات وراثية أولية لعبت فيها تلك الظروف الدور الأساس على وراثة الإنسان.

5- الفلسفة الواقعية النقدية المعاصرة تؤمن بأن الفرد هو أساس الكيان الاجتماعي، وأن المجتمع ما هو إلا مجموعة الأفراد، وعليه فإن حرية الفرد لا يمكن لها أن تتحقق إلا في حالة تمتع الفرد بجميع الامتيازات والحقوق الخاصة، وهذا لا يتم إلا بانعتاق الإنسان وتخليصه من كل ما يعيق تطوره وتطور المجتمع معاً، وذلك عبر تجاوزه للكثير من المحرمات السلبية التي يفرضها المجتمع والدولة معاً على تفكيره وتصرفاته.

6- لا تقر الفلسفة العقلانية النقدية المعاصرة بالأخلاق المعيارية المسبّقة، والتي غالباً ما تسلبه حريته وإبداعاته، وإنما تقر بنسبية الأخلاق وضرورة مواءمتها للمرحلة التاريخية المعيوشة، فهي ضد القوالب الأخلاقية والفكرية الجامدة التي غالباً ما تدخل الإنسان في عوالم (دنكوشيتية) تحد من انعتاقه ومن تطور ونمو إنسانيته.

7- العقل الإنساني في معطيات الفلسفة العقلانية النقدية المعاصرة ليس معطىً بيولوجياً تقوم آلية عمله بشكل مستقل عن مجموع علاقات الإنسان مع المحيط الاجتماعي والطبيعي الذي يتفاعل وينشط فيه، بل هو مجموعة الرؤى والأفكار والمعارف والمهارات التي شكلها الإنسان عن طريق إدراكه وحواسه وتجربته الفردية والاجتماعية تاريخياً، وراح يرفض أو يتبنى من خلالها ما يناسبه أو ما لا يناسبه من أفكار وسلوكيات وفقاً لطبيعة المرحلة التاريخية التي يعيشها، والتي غالباً ما تفرضها طبيعة مصالحه الخاصة والعامة.

8- تؤمن الفلسفة العقلانية النقدية المعاصرة بدور وأهمية التربية في تدريب الإنسان وإكسابه المهارات النظرية والعملية القادر من خلالها على التفاعل بإيجابية مع الواقع الذي يعيش فيه، وحالات تبدل وتطور هذا الواقع.

9- الفلسفة العقلانية النقدية المعاصرة فلسفة ترفض تقسيم العالم بشكل تعسفي وجذري إلى مادة وصورة.. روح ومادة، فللجانب الروحي عندها أهمية في إغناء الجانب العملي، على الرغم من أن البداية للفعل، (في البدء كان الفعل كما يقول فاوست) والعكس صحيح بالنسبة لتأثير الجانب العملي على الجانب الروحي، فالعلاقة بين طرفي المعادلة جدلية، والروح عندها هي المعرفة المكتسبة بالخبرة والتجربة وما تولده لدى الإنسان من مهارات ذهنية، وإحساسات داخلية تتجلى في شعوره بالحب والكره، والجمال والقبح تجاه الظواهر التي تحيط به ويتعايش معها.

هذه هي أبرز القواعد التي ترتكز عليها الفلسفة العقلانية النقدية المعصرة في عالمنا المعاصر برأيي، والتي تشكل المنطلقات الفكرية لكل تفكير عقلاني تنويري يرمي إلى تجاوز عقلية وثقافة الجمود والتكفير والزندقة ورفض الأخر، إضافة إلى عقلية وثقافة المجتمع الاستهلاكي بكل ما تحمله من تفرد سلبي، وعهر، وتنمية للغريزة على حساب العقل وقتل لروح الإنسان وإبداعاته، وبالتالي العمل على نمذجته

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

 

 

ماجد احمد الزامليعلى أثر الثورة الصناعية التي حدثت في أوربا، كبر حجم المشاريع وتعقدت عمالياتها وتشابكت مصالحها الأمر الذي أدى إلى ظهور البنوك والشركات المساهمة وهي هيئات لها اتصال دائم بالعملاء الذين يحتاجون إلى بيانات موثوق بها، كما أنه لا يمكن تعطيل مصالحهم لإجراء عملية التدقيق في نهاية السنة المالية من طرف المراجع الخارجية، لذلك لجأت تلك الشركات والهيئات إلى التأكد من صحة البيانات المحاسبية والمالية فورا في أوانها حتى لاتشوه سمعتها وتسيء علاقتها مع العملاء، فأصبحت بذلك تدار العمليات من خلال تفويض السلطات وتحديد الواجبات والمسؤوليات المترتبة على إهمالها. نظرا لكبر المشاريع وانتشارها جغرافيا لجأت الإدارة الرئيسية إلى انتهاج أسلوب اللامركزية وذلك بتقسيم المشاريع إلى قطاعات، بحيث أن لكل قطاع إدارة مستقلة مفوضة من طرف الإدارة العليا للقيام بوظائفها الرئيسية، وحتى تضمن الإدارة العليا التزام القطاعات التابعة لها لما وضعته من خطط وسياسات عامة، وجب عليها تقييم أداء تلك الإدارات وذلك بالمعاينة والانتقال الميداني وفحص السجلات والمستندات ومتابعة طريقة انتهاج السياسات ومتابعة العمليات، وذلك عن طريق وضع أشخاص متخصصين . العملية الرقابية هي الأداة الفعالة للحد من الإنحرافات والأخطاء التي يمكن الوقوع فيها أثناء مزاولة نشاط المؤسسة، ولكن ذلك شريطة أن تتخذ في الوقت المناسب وتستعمل الأدوات والطرق المناسبة لذلك، لأنها ترتبط ارتباطا وثيقا بوظيفة الإدارة، فالتخطيط والتنظيم والتوجيه يؤثرون فيها ويتأثرون بها، ولا معنى لوجود خطة ما لم يراقب مدى إنجازها وتنفيذها، ولا معنى للرقابة إذا لم يكن هناك تنظيم جيد ومسؤولين يسهرون على سير هذا النشاط، فالعمل في أي مؤسسة يجب أن يكون متكاملا ومتصلا بعضه ببعض كي ترقى المؤسسة وتحقق ما تصبوا إليه لكي تكون للرقابة معنى وأهمية، ينبغي على الأفراد تفهم ما تسعى الرقابة إلى تحقيقه وكيفية استخدام النتائج المتحصل عليها، وعلى هذا ينبغي أن يتصف النظام الرقابي بسهولة الفهم والإستيعاب من قبل من يقوم بتطبيقه، فالأدوات والوسائل الرقابية المتقدمة أصبحت تعتمد على الأساليب الإحصائية والرياضية المعقدة، ويتطلب ذلك قيام المديرون بالتدريب على استخدام هذه الوسائل وفهمها ومعرفة كيفية الإستفادة من النتائج التي تقدمها في مجال العمل، وبدون تفهم هذه الوسائل يفشل المديرون في الإنتفاع من الأدوات الرقابية والمنافع التي يحققها النظام الرقابي بل وقد يأخذوا اتجاه سلبي متمثلا في مقاومة هذه الأدوات والأساليب الرقابية الحديثة . ضرورة الرفع من المستوى العلمي والتأهيلي للموظفين القائمين بالعملية الرقابية بكل أنواعها هناك ضغوط مختلفة لها تأثير على النظام الرقابي وبالأخص من الخارج، فنجد أن الضغوط السياسية التي تفرضها السلطة الوصية على المؤسسة يؤثر على أهدافها وعلى كل الأنظمة فيها، فالنظام الرقابي يتبع السياسة العامة للدولة ومن جهة أخرى فإن النظام الاقتصادي للدولة يؤثر على المؤسسات وبالأخص العمومية منها، فنجد أن النظام الرقابي في المؤسسات قد يتغير من نمط يتبع النظام الاشتراكي في الاقتصاد إلى نظام يعتمد اقتصاد السوق،كما أن الرقابة تخضع للنظام القانوني للدولة.

مشاركة الافراد داخل المنشأة في وضع الأهداف والتركيز على الرقابة الذاتية من الأفراد أنفسهم على أدائهم، فاشتراك الأفراد في وضع الاهداف ومعايير الاداء يدفعهم إلى وضع معايير عالية للاداء لأنفسهم أكبر مما لو وضعت هذه المعايير من جانب الادارة بالإضافة إلى ذلك فإن الاشتراك للافراد أو ممثلين لهم في وضع الاهداف والمعايير سوف يلقى قبولا والتزاما من جانب جميع العاملين حيث سيشعروا أنهم شاركوا في وضع الاهداف والمعايير وبالتالي فهم مسؤولون عن تحقيقها . أن النظام الرقابي يتأثر بالبيئة الداخلية والخارجية الموجودة فيها سواء بالإيجاب أو السلب مما يؤثر بدوره على أداء المؤسسة الاقتصادية وعلى تطورها وتقدمها. إن العملية الرقابية تعتمد على وسيلة التفتيش والتحريات الإدارية أكثر من الوسائل الأخرى والمتمثلة في الإشراف والمتابعة والمراجعة وهذا يؤثر على مردود وأداء العمال والموظفين.

يقوم النظام الرقابي الفعال على سرعة تسجيل أي انحرافات عن مستوى الأداء المطلوب، وبطبيعة الحال فإن الوضع المثالي هو اكتشاف أي مشاكل قبل حدوثها وقد يتحقق ذلك في الواقع العملي عن طريق بعض الأدوات الرقابية،و لكن في غالبية الأحوال يجب أن يتم تقديم التقارير الخاصة بأية انحرافات بمجرد حدوثها أو بعدها بوقت قصير، ويفيد ذلك بسرعة تصحيح الإنحرافات قبل أن تتفاقم المشاكل وتزيد أثارها السلبية على المنشأة. وكلما كانت الأساليب والوسائل التي تعتمد عليها العملية الرقابية متطورة أدى ذلك إلى تقييم ناجح لأداء المؤسسة الاقتصادية. كما أن العملية الرقابية تعتمد على أنواع من التقارير البسيطة وفق أساليب غير متطورة مثل التقارير الدورية تقارير الفحص وتقارير قياس الكفاءة الخاصة بالعمال والموظفين . كما أن أساليب ووسائل مراقبة المخزون هي تقليدية بسيطة لا تعتمد على المعايير التكنولوجية المتطورة الموجودة في الدول المتقدمة فهي تعتمد على الملاحظة والجرد العام للمواد الأولية فقط . ضرورة إعطاء الاهتمام الكافي للعملية الرقابية في المؤسسة وبالأخص الرقابة على الموارد البشرية والمادية. وتاخذ الأساليب والأدوات الرقابية العديد من الأشكال، بعضها بسيط وأساسي في الرقابة والبعض الأخر أكثر تعقيدا وتشعبا ويعتمد بصفة خاصة على إستخدام الحاسبات الألية المتقدمة في تطبيقه، وتقيس بعض هذه الأساليب عدد من المؤشرات التي تحكم الأداء الكلي للمنشأة وسلامة المركز المالي ومدى تمتع المنشأة بمركز متميز بين منافسيها، بينما يركز البعض الأخر على قياس كفاءة الأداء في الوظائف المختلفة للمنشأة. يتيح إستخدام نظام الرقابة على الإمدادات للادارة المنشأة أن تحدد تأثير التغيرات التي تحدث في أي جزء من النظام على مخرجات النظام بأكمله.

وأما تقدير كفاية نظام الرقابة الداخلية فيتطلب معرفة الإجراءات والأساليب المقررة وتفهمها مع التحقيق إلى درجة معقولة من أن هده الإجراءات والأساليب مطبقة فعلا وحسب الخطة المرسومة لها، ويتعذر في بداية عملية التدقيق أن تحدد بصورة كاملة درجة الثقة التي يمكن وضعها في نظام الرقابة الداخلية عند تقرير مدى الاختبارات التي يجب أن تقتصر عليها إجراءات التدقيق، إذن هده الثقة قد تكون مبنية على فروض لا تؤيدها الاختبارات التي يجريها المدقق الخارجي فيما بعد بل قد تكشف هذه الاختبارات عن أن الحالة تختلف عما وصف له في البداية، وهذا بدوره قد يقتضي إعادة النظر في برامج التدقيق وتنقيحه لان الاختبارات أثبتت عدم صحة الفروض التي بني عليها المدقق برنامجه الأصلي وقد يؤدي هدا التنقيح إلى توسيع نطاق اختبارات التدقيق أو تعديل التركيز في مرحلة من مراحل التدقيق إلى غيرها أو تعديل مواعيد إجراءات التدقيق وهكذا نرى أن دراسة وتقييم نظام الرقابة الداخلية المستعمل لدى المؤسسة موضوع التدقيق يعتبر بحق نقطة البداية التي ينطلق منها عمل المدقق الخارجي، وهي أيضا المرتكزة التي يركن إليها عند إعداده لبرامج التدقيق وفي تحديد نسب الاختبارات والعينات، فكلما كان نظام الرقابة قويا ومتماسكا، كلما زاد اعتماد المدقق على أسلوب العينة في الحصول على أدلة وقرائن الاثباث . وكلما كان ضعيفا، كلما لجأ المدقق إلى زيادة حجم العينة المختارة. جمع قرائن وأدلة تبرر الرأي الفني المحايد الذي توصل إليه في نهاية عملية المراجعة بالاعتماد على جملة من الأدلة أو بعضها كالمستندات، الجرد المادي، المصادقات، الاستفسارات والبيانات المقدمة من طرف أعضاء الإدارة وغيرها.

 

د. ماجد احمد الزاملي

 

 

ميثم الجنابيتوطئة: لسوف انشر على شكل حلقات بعض الكتب التي لم انشرها على صفحات الجرائد والمجلات والمواقع الالكترونية. ومع ان عد من هذه الكتب طبع مرات عديدة الا ان الكتاب المطبوع يبقى بغض النظر عن عدد طبعاته عدد النسخ المطبوعة محدودا جدا في العالم المعاصر. بينما يتحول "الكتاب الالكتروني" الى بديل معولم. وبالتالي سرعة وصوله المجاني للقارئ ايا كان مكان سكنه وعمله. كما انه مجاني.

والكتب التي اخطط لنشرها على شكل حلقات تحتوي على نوعين، الاول وهي الكتب الحوارية (اربعة كتب) واخرى كتب ليست حوارية وهي اربعة ايضا.

وابدأ هنا بكتاب يتناول اشكاليات وقضايا الفكرة التوتاليتارية ونماذجها. والكتاب طبع ثلاث مرات تحت عناوين مختلفة، الطبعة الاولى والثانية تحت عنوان (التوتاليتارية العراقية- تشريح الظاهرة الصدامية)، والطبعة الثالثة تحت عنوان (التوتاليتارية والاستبداد).

وقد اجرى الحوار معي يوسف محسن الصحفي الالمعي والكاتب المتخصص بواقع العراق السياسي والفكري والاجتماعي

تقديم

كشف تاريخ البعث والصدامية في العراق عن ظاهرة معقدة لعل مفارقتها الكبرى تقوم في أنها استطاعت أن تعزل وجود الأشياء والناس والأفعال من تاريخها، أي الزمن عن التاريخ. وفي هذا يكمن سرّ انهيارها السريع وهروبها المريع، واندثارها الخاطف وبقاياها الخربة في كل مكان.

فالتوتاليتارية عادة ما تفرّغ الزمن من التاريخ وذلك بفعل مساعيها "تبرئة" الحاضر من الماضي، وتحويل رغباتها وتصوراتها إلى يقين المستقبل. وعادة ما يضعها هذا التناقض في صراع يتحول من محال إلى مستحيل بحيث يجعل منها بالضرورة قوة عاتية تجعل من كل ما تجهله "عثرة" ينبغي إزالتها. وبما أن جهلها بالتاريخ هو شرط وجودها، لهذا عادة ما تجعل من تغييب وعي الذات التاريخي سلاحها الفعال في مواجهة الحاضر والمستقبل. وفي هذه المواجهة تجرّب كل الصيغ الممكنة للجهل الذاتي لكي تقف في نهاية المطاف أمام نفس هاوية الانحطاط والسقوط المميز للتوتاليتاريات جميعا. غير أن لكل انحطاط وسقوط معناه التاريخي وعبرته السياسية وقيمته الثقافية. فالتوتاليتارية في نهاية المطاف هي تعبير عن النقص التاريخي في وعي الذات القومي وخلل تقاليده السياسية وضعف حصانته الثقافية. وتجربة العراق لا تشذ عن هذه "القانونية" الصارمة، التي جعلت من تاريخ العراق الحديث حلقة في زمن الضياع والتيه السياسي والوطني والثقافي.

يرتبط ظهور التوتاليتارية في الأغلب بحالة الخلل الشامل في بنية الدولة والأمة والثقافة (السياسية بشكل خاص)، أي عندما تغيب إمكانية التأسيس الواقعي والعقلاني للبدائل ضمن سياق الشرعية والعلاقات المدنية. عندها تصبح التوتاليتارية "جوابا شاملا". مما يجعل منها قوة شرسة في مواجهة الإشكاليات التاريخية الكبرى القائمة أمام الدولة والأمة. أما الحصيلة النهائية لها فتقوم في التحكم التام من جانب السلطة في كل شيء وتحويل نفسها إلى اله بلا قلب، لكنه قادر على فعل كل شيء بما في ذلك تغير طبيعة الإنسان. ويؤدي هذا الاعتقاد بالضرورة إلى احتقار الإنسان وجعله مجرد جزء من آلة باردة لا حياة فيها. وهو سلوك واعتقاد مبني على اليقين التام بأن ما تقوله وتفعله هو تجل للمطلق والحقيقة النهائية. مما يجعل من رؤيتها وهواجسها وأهوائها حقائق مطلقة يحق لها تأويل كل فعل وقول وحادثة مهما قرب أو بعد حدوثها، انطلاقا من يقينها بأنها ممثلة المستقبل. الأمر الذي يجعلها على الدوام تحتقر الماضي و"مخلفاته" في كل شيء، وبالتالي تجعل من تحطيم التقاليد أسلوبا لكسر "أصنام" الماضي. ومن ثم إخلاء الكعبة من أصنام الماضي وإحلال سدنتها فيها. كما تجعل من كل ما تقوم به طقوسا وعبادات مبرمجة بحيث يتحول الحماس والابتهاج في القتل والانتقام إلى فصول في مسرحياتها الدموية. وهي "مسرحية" خاتمتها السقوط، لأنها لا تستطيع أن تقتل إلى ما لا نهاية. وفي موتها تمثل أتفه الأدوار لأنها تختتم فعلا دراميا دماءه وقتلاه التاريخ والمجتمع والدولة.

وقد جسدت البعثية الصدامية في العراق نموذجا خاصا للتوتاليتارية ـأنتح أحد أكثر الأشكال رخاوة ورخوية في كل مكونات الدولة والمجتمع. فقد مزقت التوتاليتارية البعثية الصدامية نسيج الوجود العراقي وشوهت مكوناته الطبيعية مما جعل منها مجرد آلة اجترار للزمن وقتل الحياة. بحيث جعل منها كيانا يقف عند حدود الاستجواب البارد في مثال منكر ونكير، أي حارس بوابة القبور اللاهوتية "للبعث"!

لقد كانت الحصيلة النهائية للتوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية على امتداد أربعة عقود هي سيادة الزمن الراديكالي وفقدان التاريخ بوصفه تراكما في المؤسسات والخبرة والتقاليد، وانحطاط شامل في منظومة القيم، وتفكيك كل ما يفترض الوحدة في بنية الدولة والمجتمع والثقافة، أي مقدمة كل الخراب والانحطاط الشامل في العراق.

لقد قدمت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية مثالا غريبا وسبيكة اغرب لجميع تقاليد الاستبداد. من هنا تصبح مهمة تحليلها وتشخيص مقدماتها ومقوماتها على مستوى الرؤية النظرية والممارسة العملية والشخصية المقدمة الضرورية لنقدها الشامل. وذلك لما في هذا النفي من ضرورة بالنسبة لإرساء أسس العقلانية والنزعة الإنسانية في بناء الفرد والجماعة والمجتمع والأمة والنظام السياسي والدولة العربية.

والكتاب الذي بين يدي القارئ يحتوي على قسمين، الأول وهو حوار فكري (بالمراسلة) اجراه معي الصحفي الألمعي يوسف محسن. ومن ثم يمكن النظر إلى الأجوبة على أنها مقالات متخصصة بمختلف جوانب القضايا المطروحة. وفي كل محور يمكن العثور على رؤية نظرية ونقدية متكاملة بوصفها بابا من أبواب الكتاب. ومجموع المحاور هي أبواب الكتاب. وقد اتبعت فيه أسلوبا ييسر للقارئ العام أيضا إمكانية المتابعة الفكرية دون إرهاق، والبقاء أيضا ضمن سياق الفكرة الفلسفية والسياسية النظرية.

أما القسم الثاني فقد جمعت فيه الكثير من الدراسات والأبحاث والمقالات التي كتبتها حول ظاهرة التوتاليتارية والاستبداد بشكل عام. وكانت من حيث حجمها الأول تعادل أو اكبر بقليل من حجم الحوار. لكنني اتجهت في نهاية المطاف إلى إزالة اغلبها والإبقاء فقط على ما له علاقة بالظاهرة التوتاليتارية الصدامية.

ميثم الجنابي

المحور الأول: مفهوم التوتاليتارية وحدوده الفعلية (1)

• نشأت التوتاليتارية في تاريخ أوربا كفلسفة بنائية حيث تكونت من مصادر متعددة فكرية وسياسية واجتماعية وتداخلت عناصر متناثرة غير متسقة لتأخذ شكلها النهائي. ما هي أصول الفلسفة التوتاليتارية؟

من الصعب الحديث عن "أصول فلسفية" مستقلة للتوتاليتارية. بمعنى أن من الصعب الحديث عن "فلسفة توتاليتارية" مستقلة قائمة بذاتها. بما في ذلك عن تلك الفلسفات التي اقترنت بها النظم السياسية التوتاليتارية كالشيوعية (الماركسية واللينينية والستالينية وغيرها) والفاشية والاشتراكية القومية (النازية). فالتوتاليتارية أيديولوجية وحالة ومنظومة فريدة وحديثة لحد ما من التحكم بالدولة والفرد والمجتمع والروح والجسد. وإذا كان بالإمكان العثور على صفات مشتركة بينها وبين الأديان و"مؤسساتها" اللاهوتية، كما هو الحال بالنسبة للكنسية، بما في ذلك في اشد حالاتها انحطاطا ودموية (العصر الوسط ومحاكم التفتيش والحروب الصليبية والدينية)، فان الخلاف يبقى كبيرا ولحد ما جوهريا. وذلك لأن الأديان ومعتنقيها "يؤمنون" بما يفعلون بوصفهم جزء من "إرادة إلهية" باقية في نصوص "مقدسة" (توراة وإنجيل وقرآن). بينما التوتاليتارية تضع "إرادة الحزب" و"القائد" فوق كل اعتبار. مما يفرغها من فكرة القانون والشريعة والنوازع الأخلاقية. كما أن الفكرة الدينية تتمتع بالقدرة على البقاء، بينما النظرية التوتاليتارية جزئية وعابرة.

من هنا عدم دقة الفكرة التي يحاول البعض من خلالها إيجاد الصلة بين الفكرة التوتاليتارية وفلسفة أفلاطون وهيغل ونيتشه وغيرهم. فعندما تناول بوبر هذه القضية في كتابه (المجتمع المفتوح وأعداءه) الصادر عام 1945، أي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية مباشرة، فانه وجد المصدر الفكري للتوتاليتارية في فلسفة أفلاطون السياسية، استنادا إلى انه أول من قال بان العدالة هي ما يفيد الدولة ويستجيب لمصالحها. من هنا استنتاج بوبر القائل، بأن فلسفة أفلاطون اقرب ما تكون إلى هندسة سياسية اجتماعية طوباوية، مع ما يترتب عليه بالضرورة من تصنيع للعقائدية الجزمية. هذا ما توصل إليه بوبر. أما في الواقع، فانه وليس من الصعب نقض هذا النتيجة، وذلك لأنها مجرد تأويل جزئي لبعض آراء أفلاطون.

إن فلسفة أفلاطون، بل كافة الفلسفات والأديان الكبرى تحتوي بالضرورة على ما يمكنه أن يمدّ التوتاليتارية بأفكار معينة، كما تساعدها بصورة عرضية على تشحذ وعيها الخطابي وهمومها الوجدانية، وذلك لأن التوتاليتارية رؤية نفسية ذهنية جمعية ونظام شامل. من هنا إمكانية واحتمال استعمالها لمختلف الأفكار والقيم والشعارات والممارسات التي تخدم فكرة الواحدية.

والواحدية فكرة كبرى. من هنا "كبر" التوتاليتارية وضخامة رؤيتها لنفسها وغاياتها. ومن هنا أيضا حبها للضخامة والتضخيم في كل شيء. بحيث يمكن رؤيته في تسييرها للمظاهرات المنظمة الكبرى واستنفاذ طاقة الضمير والوقت على أمور تافهة، وحب البنايات الضخمة والمشاريع "الكبرى" والتماثيل واللوحات والجداريات الضخمة. ولم يكن ذلك معزولا عن هشاشتها الداخلية وضعفها الذاتي، الذي يمكن العثور عليه في التهامها الفج لقشور القيم والشعارات الرنانة.

إنني أورد هذه الأمثلة من اجل التدليل على أن التوتاليتارية بوصفها نفسية وذهنية خاصة غير قادرة على تمّثل الفكر الفلسفي الكبير. إنها تقدر وتعمل فقط على تطويع القيم الأيديولوجية، كما نراه بجلاء على نماذج البلشفية (اللينينية) والستالينية والموسولينية والهتلرية. فهي جميعها تفتقد إلى إدراك ومعرفة التراث الفلسفي. فقد كانت معارف لينين الفلسفية (بوصفه الأوسع معرفة مقارنة بمن جرى ذكرهم) بسيطة للغاية ومحصورة بالماركسية المسيسة فقط. إذ لم تتعد معارفه بهذا الصدد أكثر من قراءات سريعة لكتب قليلة، كما نعثر عليها فيما يسمى "الدفاتر الفلسفية"، أي في التلخيص الذي لا يتعدى عشر صفحات متعجبة من "اكتشافات" عادية!! إضافة إلى كونها لا تتعدى أكثر من حبيبات الملح الضرورية لطبخة الشهية "الماركسية". وما عداها لا شيء!

وفيما لو تناولت هذه القضية ضمن سياق الرؤية الفلسفية الصارمة، فان من الممكن القول، بان الفلسفة والتفكير الفلسفي العميق يخلون من إمكانية التأسيس النظري للنزعة التوتاليتارية. إذ لا يمكن العثور على منظومة فلسفية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة أسست للمشروع التوتاليتاري. كما يخلو منها الفكر الفلسفي الإغريقي والصيني والهندي والإسلامي.

وإذا كانت الفكرة الجوهرية للتوتاليتارية تتمحور حول الواحدية، وبالتالي تحتوي على عناصر الوحدانية، فأن الخلاف بينها وبين التراث الفلسفي الوحداني (بالمعنى الفلسفي) يبقى جوهريا ولا يمكن ردم الهوة بينهما. فالوحدانية الفلسفية لامبيدوقلس والغزالي وابن عربي وهيغل وأمثالهم هي نفي شامل لمضمون التوتاليتارية.

التوتاليتارية هي منظومة التوليف الخربة للعناصر المتناثرة في المنظومات الأيديولوجية من قيم نفسية وأوهام سياسية وخيال شعبي محكوم بأزمات للقادة والجماهير في مراحل الانعطاف العاصفة للدولة والأمة والثقافة، أي في مراحل "المصير" القومي المتأزم. من هنا ترابط احدهما بالآخر بوصفهما وجهان للأزمة البنيوية الشاملة للدولة والأمة والثقافة من جهة، وللصدفة القاتلة للعقل والضمير التاريخي السليم من جهة أخرى. وليس مصادفة أن تلتقي في خصائص تفكيرها الأسطوري، وغاياتها الكونية الكبرى، وأساليبها العملية رغم تباين شعاراتها الأيديولوجية (القومية والأممية وغيرها). ومن هنا أيضا إمكانية توظيف بعض الأفكار الفلسفية لهيغل ونيتشه في التوتاليتارية الألمانية الهتلرية، وكذلك الانتقاء المتحزب للتراث الفلسفي والتاريخ العالمي ككل في التوتاليتارية السوفيتية. طبعا أن ذلك لا يعني تطابقهما بهذا الصدد، إذ تبقى الخلافات بينهما كبيرة أيضا. لكن الخلاف يبقى هنا محصورا في الوسيلة والغاية المعلنة. أما من حيث الجوهر فإن الهموم واحدة والمضمون واحد، ألا وهو الاستغلال الممكن لكل ما يمكنه أن يخدم "الفكرة الكبرى" الخاصة. بمعنى أولوية وجوهرية التطويع والاستغلال "المفتوح" على كل شيء من اجل وضعه ضمن أغلال "الانغلاق الذاتي". وضمن هذا السياق يمكن الاتفاق مع الفكرة الجوهرية التي وضعها بوبر بهذا الصدد عما دعاه بالمنظومات المغلقة (التوتاليتارية) والمنظومات "المنفتحة" (الليبرالية). فالتوتاليتارية منظومة مغلقة. بينما الفلسفة من حيث كونها رؤية وأسلوب في التفكير وغاية محكومة بحب الحكمة تتضاد مع الانغلاق والتزمت. مع أن ذلك لا يتعارض بدوره مع الادعاء الذاتي ببلوغ "الحقيقة النهائية". لكنه بلوغ لا يتعدى من حيث الإعلان والوسيلة والغاية سوى التعبير الفرح بالاكتشاف الحر والاجتهاد النظري. ومن ثم يحتوي في ذاته على نقيضه. الأمر الذي جعل من الأيديولوجيات الصرف مصدر ومرتع النفسية والذهنية التوتاليتارية، وبالأخص الأيديولوجيات الطوباوية السياسية.

فمن غير الصحيح إدراج الطوباويات جميعا بهذا الصدد، وبالأخص العقلية والأخلاقية منها. وهو الخطأ الذي وقع فيه بوبر وكثير غيره من فلاسفة ومفكري ومؤرخي الغرب الحديث في مجرى تناولهم للظاهرة التوتاليتارية. ومفارقة الظاهرة تقوم في أن هذا الموقف من الطوباويات هو النتاج المناقض لأصول الماركسية وموقفها "النقدي" من الطوباوية نفسها.

فالمساعي العملية والتنظير الفكري للنزعة التوتاليتارية القائمة في العقائدية السياسية تتسم بقدر واضح من الرؤية المباشرة بهذا الصدد. فعلى سبيل المثال، إن المفكر السياسي الايطالي جينتيلي الذي وضع مصطلح التوتاليتارية قد أسس له من خلال الفكرة الأيديولوجية القائلة، بأنه لا حدود لتدخل الدولة، ولا توجد أماكن لا يحق لها التدخل فيها. واستند في مطلبه هذا إلى فكرة أيديولوجية بحت تقول، بأن الدولة التوتاليتارية هي تجسيد للروح الأخلاقي للشعب، وذوبان الفرد في البنية العامة للحركات السياسية. وقد جرى وضع هذه الفكرة الأيديولوجية في الفاشية الايطالية، ولاحقا في النازية الألمانية. وقبلهما جرى تجسيدها النظري في الماركسية وتطبيقها العملي في البلشفية (اللينينية والستالينية). فحقيقة الماركسية أيديولوجية صرف. من هنا انتشارها السريع والمريع بين الأوساط البسيطة والجاهلة أو غير المتعلمة. وليس مصادفة ألا يقرأ رؤساء الأحزاب الشيوعية المؤلفات الأساسية لماركس وأنجلس ولينين وغيرهم من أيديولوجي الشيوعية. إنما اكتفوا كما هي العادة بالنسبة "لقادة الجماهير" بالشعارات وبعض "مختارات الحكم" التي ترصع الإيمان التقليدي للذهنية البائسة للجماهير و"نخبها" البليدة!

لكن الأمر يختلف بالنسبة للطوباويات العقلية الأخلاقية وذلك لأنها محكومة بنوازع معرفية ووجودية وأخلاقية عقلية، إي فلسفية صرف. ومن ثم فان غايتها ليس تنظيم المجتمع بمعايير ومقاييس العقلانية التكنوقراطية الحديثة، بقدر ما كانت تعمل ببواعث الوحدانية الفلسفية المتسامية، وفكرة الخير الأسمى، وحكمة رجل الدولة الفلسفية. وهي مكونات لا علاقة لها بالأيديولوجية الحديثة، كما هو الحال في (جمهورية) أفلاطون و(آراء أهل المدينة الفاضلة) للفارابي. والشيء نفسه يمكن قوله عن مشاريع الطوباويات السياسية الأخلاقية العقلية الكبرى كما نراها على سبيل المثال عند توماس مور في (اليوطوبيا)، وكامبانيلا في (مدينة الشمس). فقد كانت تلك وأمثالها الصيغة الخيالية لجزيرة العقل المحاصرة بواقع فاسد. انها نموذج المجتمع العادل. من هنا اختلافها الجذري عن النماذج الشكلية اللاهوتية المشابهة، كما هو الحال في (مدينة الله) الاكوينية (توما الاكويني) و(شرح كتاب القيامة) ليوحيم الفلوري (ايطالي- القرن 12) وغيرها.

لقد غذّت هذه الطوباويات النزوع الأخلاقي والوجداني الذي عادة ما يلازم الأحلام السياسية الكبرى. وليس مصادفة أن تشتعل في العقل الصغير والوجدان الكبير للحركات السياسية المتطرفة في أوربا القرن الثامن والتاسع عشر مختلف الحركات الطوباوية. وبالتالي يمكن النظر إلى ما يسمى بتحول الطوباوية إلى علم (الاشتراكية الطوباوية إلى اشتراكية علمية) سوى حلقة في مسار "الحتمية" الملازم لزمن الطوباويات وخروجها الفعلي على مسار التاريخ الواقعي. من هنا يمكننا النظر إلى الشخصيات السياسية الكبرى لتيارات الطوباوية مثل ماليه، ومابلي، وموريلي، وبابوف، وسان سيمون وفورييه في فرنسا، ونستينلي وأوين في انجلترا، على أنها حلقات ربطتها الماركسية في "نظرية علمية" برزت أسسها الكبرى في (البيان الشيوعي) بوصفه احد النماذج الكبرى للتسطيح الفكري والتعبير الوجداني، الذي أشعل لهيب القلوب المرهقة في تأمل جنة التاريخ النسبية في البديل الشمولي الكلياني أو التوتاليتاري.

كل ذلك يكشف عما في الطوباويات السياسية من مصدر كبير قادر دوما على تغذية النزوع الوجداني للجمهور. من هنا سيادة وانتشار أنصاف المتعلمين فيها، بوصفهم الحلقة الرابطة والواسطة بينها وبين نماذج الأيديولوجيات الصارمة. وإذا كانت الطوباوية السياسية عادة ما تنطلق من فكرة "القرن الذهبي" والبديل "الاسمي"، فإن ذلك لا علاقة له من حيث الجوهر بما وضعته تقاليد ما قبل الفلسفة الإغريقية (غيسيود – القرن 8-7 قبل الميلاد) والفكرة الأفلاطونية. فالأزمان الذهبية جزء من بقايا الأحجار القديمة للوعي التاريخي وقيمة الثمن الكامن فيها. كما أنها تعكس التحسس المرّ بالواقع المعاش والرغبة في تجاوزه من خلال الرجوع إلى عالم الطفولة "البريء". لكنها براءة محكومة بحنين الجنين إلى أصوله، بوصفها العملية الضرورية الملازمة لطبيعة الأشياء والطبيعة. بينما كانت الفكرة الأفلاطونية سبيكة كبرى للعقل التاريخي والوجدان الثقافي الإغريقي، أي كل ما عمل لاحقا أرسطو على تهذيبه بمعايير المنطق والبحث عن الحقيقة المجردة. ومن ثم لا علاقة للفكرة الأفلاطونية بحد ذاتها بالتوتاليتارية أو الشيوعية. أما الهمسات واللمسات المتناثرة فيها فإنها تتحول إلى "نغم" يدغدغ مشاعر التأويل المتحزب فقط. ومن ثم لا علاقة له بأفلاطون والفكرة الأفلاطونية. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بأن مفارقة الظاهرة تقوم في أن التأويل المتحزب (السلبي والايجابي) للفكرة الطوباوية الأفلاطونية في العرف السياسي يستمد أصوله من التأويل المسطح والعجول الذي أطلقه ماركس عليها عندما وصفها بأنها الصيغة الأثينية المبجلة (المثالية) لنظام الطبقات المصري القديم!!

بعبارة أخرى، إن "المصادر الفلسفية" للتوتاليتارية تكمن أساسا في الأيديولوجية السياسية الطوباوية أو اليوطوبيا السياسية العملية كما هو جلي في الشيوعية والفاشية والنازية، بوصفها النماذج الكبرى لهذا الاستعمال "العقلاني الشكلي" الصارم لتراث الفلسفة المجزأة وتقاليد الطوباويات الوجدانية السياسية.

*****

ا. د. ميثم الجنابي

مجدي ابراهيمرَسَمَ أفلاطون في الكتاب السابع من الجمهوريّة صورة ميتافيزيقية لَما يجب أن تكون عليه حركة التفكير الفلسفي فيما أسمَاه بأسطورة الكهف، أو المغارة. جاء الهدفُ منها يكمن فيما رسمه ببراعة قلم الفيلسوف وفيما رمز إليه، وحينما نقول (رسماً) نفرّق هنا بين (الرسم) و(الرمز) وهذه التفرقة ضرورية عندنا لفهم الدلالة منها بدايةً؛ فالرسم هو شكل الأسطورة الخارجي، والرمز مضمونها الكامن فيها الباقي ببقاء ما توحي إليه؛ إذْ يتلخص الرسم في أنه لم يستطع سكان الكهف أن يخلصوا في التأمل العقلي إخلاصهم الموفور وينصرفوا إلى الحكمة، إلّا عندما خَلّفوا وراء ظهورهم القيود التي كانت تكبّلهم بهذا العالم الحسيّ في صُوَره الجارية التي ترسمها لنا الحواس وتقدّمها لنا العادات والمألوفات والتقاليد الجارية والمعتقدات السائدة.

ذلك أن أفلاطون في هذه الأسطورة قدّم لنا أناساً يعيشون في كهف مُظلم منذ ولادتهم، لكن هذا الكهف له فتحة تطلُّ على الطريق يمرّ عليه البشر حاملين أمتعتهم، ووراء الطريق نارٌ مشتعلة تعكس أشباح هؤلاء المّارة على جدار الكهف المُواجه لفتحته المُطلة على الطريق.

ولمّا كان سجينوا الكهف مقيّدين بسلاسل تمنعهم من الحركة وتجعلهم دائماً شاخصين بأبصارهم إلى جدار الكهف المواجه لفتحته؛ فإنهم لن يروا على هذا الجدار إلا أشباحاً تتراقص للمارّة على الطريق وظلالاً تتمايل لكل الموجودات التي في العالم الخارجي. وسيظنون إذْ ذَاَكَ أن هذه الأشباح والظلال هى الحقيقة، وسيستمرون على حالهم هذه، حتى إذا ما استطاع أحدهم أن يفك أغلاله وينطلق إلى الهواء خارج الكهف؛ فإنه سيذهل ممّا يرى، وسيشاهد الناس الحقيقيّين والموجودات الحقيقية، وستعتاد عيناه على رؤية الضياء كما اعتادت من قبل على رؤية صور الأشباح والظلال، وسيعود إلى أصحاب الكهف يرشدهم إلى أنهم يعيشون في عالم كانوا يظنونه هو عالم الحقيقة، لكنه ليس إلاّ مُجرّد ظلُّ له زائل خداع. هكذا، يبدو العالم الظاهري، وهماً ليس هو، لمن اعتاد البقاء فيه، بالحقيقة.

وهكذا؛ تكون طبيعة التفكير الفلسفي: الباطن فيه أولى وأهم من الظاهر، والجوهر أوفر على الإدراك من المظهر الخارجي، تلتمس الحقيقة من وراء المستور الخفي لا السطح البادي في الظاهر الخارجي.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: هل الدّين يقرُّ هذه الصورة الفلسفيّة أو ينبذها؟ هل العالم الذي نعيش فيه مُجرّد وهم لا حقيقة فيه؟ وإذا كانت هذه الصورة الميتافيزيقيّة القديمة ممّا يقرُّها الدين، فكيف أستطاع أفلاطون أن يتوصّل إليها، وهو وثني، لم يتلق وحياً، ولم يتديّن بدين كتابي يرشده إلى كنه هذه الصورة؟

الإجابة على هذه الأسئلة، تضع اعتباراً لكل من خصائص التفكير الفلسفي وخصائص التفكير الديني؛ إنّ هذه الخصائص في مجملها واحدة، لكن هذه الوحدة مشروطة، وليست مُرسلة بغير شروط؛ فخصائص التفكير الديني لو تجرّدت عن الرمز وعن "التأويل" فقدت قرابتها من التفكير الفلسفي، وبالتالي لا تكون هنالك وحدة بين طبيعة التفكير الديني وطبيعة التفكير الفلسفي؛ لأن الرمز والتأويل هما اللذان يجمعان هذه الوحدة ويسوقاها خالية من التناقض والاضطراب.

وقد يكثر الرمز في الدين والفلسفة والتصوف والحركات السريّة، ويتأوله كل أحد بمرجعيته الثقافية والمعرفية، وبطاقاته العقلية والعرفانيّة على التأويل وفق خلفيات دينية أو أيديولوجيّة.

المُعتاد لدى الباحثين - وأنا منهم - أن هناك خلافاً جوهريّاً بين خصائص الفكر الفلسفي وخصائص الفكر الديني؛ إذْ الفلسفة قائمة على العقل، والدين يقوم على الوحي. وبالتالي؛ مادامت المصادرُ مختلفة فلا لقاء بينهما ولا تقارب، لكن الأمر ليس بهذه البساطة إذا نحن أعطينا حق العقل في أن يفكر، وأن يستنبط، وأن يُدلّ، ثم يتعقّل الإيمان، ولو كان وحياً من عند الله. هذا حقه الذي لا يهضمه عنه سوى من أراد له التعطيل.

لا نستغرب - من ثمَّ - وصف مؤرخي وفلاسفة الإسلام بصفة خاصّة لأفلاطون حينما أطلقوا عليه " أفلاطون الإلهي"، أي أن حكمته تتفق مع الإلهيات كما وردت في الإسلام، ومع تحفظنا على التعميم في مثل هذا الاتفاق، إلّا أننا يمكن أن نقول إن كلام فلاسفة الإسلام ومؤرخيه هذا يبدو صحيحاً إلى حد كبير.

فأفلاطون إلهي بمقدار ما تكشّفت لديه هذه الحكمة التي وردت بها الأديان، في أن الحقيقة قائمة وراء الصورة، وأن المخبر الباطني يتغطي بكثافة المظهر الظاهري وأن الإنسان لا يصل إلى الحقيقة ما لم يتعدّ الصور والأشكال والعناوين، يتعدّاها إلى حيث العمق الداخلي يتكشّف له من وراء الأسطح البادية، وأن حقيقتنا الواقعيّة أمام الظاهر المكشوف ليست هى كل شيء فينا، ولكنها إنْ هى إلاّ مجرّد وهم ليس إلاّ .. وإننا لا نتبيّن في جلاء حقيقتنا إلا إذا داهمنا الموت واغْتالنا الفناء. عند ذلك فقط، نتنبّه إلى وجودنا الحقيقي وإلى حقيقتنا الأصليّة.

ولماذا نذهب بعيداً، ألم يقل رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه :" الناسُ نيامٌ، إذا ماتوا انتبهوا" .. انتبهوا من ماذا؟

انتبهوا من غفلاتهم، وبطلان معتقداتهم، وسوء مسالكهم، وزيف مطالبهم في هذه الدنيا اللاهية .

انتبهوا من أنهم كانوا يعيشون في كهف مظلم يظنون أنه الحقيقة، هو كل شيء بالنسبة لهم، وأن المغارة التي كانوا يسكنوها لا تحتوي سوى الأشباح والظلال، تتمايل أمامهم وتتراقص فتأسرهم بقيودها ثم تقيّدهم بحواسّهم ورذائل عاداتهم فتحجب عنهم الوعي مقدار احتجاب الحقائق.

إنما العادات والمألوفات هى موطن الغفلة التي لا يتجرّد عنها الإنسان إلا بالموت، حتى إذا مات أنتبه !

الانتباه، بمثابة من أستطاع أن يفك أغلاله وينطلق مُحّلقاً بعيداً عن واقعاته الحسيّة خارج الكهف المظلم، كهف الواقع أو كهف البدن أو كهف الظلمات المعرفية والثقافية سواء، هنالك يشهد حقائق الأشياء سواء كانت تلك الحقائق موجودات تتصل برؤية الواقع، أو تتعلق برؤية الناس بما في ذلك رؤية الإنسان لنفسه هو شخصياً، أو كانت ثقافات وأفكار يُفْرِزها العقل تحت ضغط الموروث، فلا يفرّق فيها بين ما هو صالح للحياة في زمنه ممتد البقاء، وبين ما هو مرهون بظروفه التاريخية والزمنية؛ فكما كانت صور الأشباح والظلال في كهفه عائقاً له عن المعرفة الحقيقية ورؤية الأشياء على ما هى عليه، يصبحُ بفعل الانتباه قادراً على رؤية الحقائق الأصليّة، سواء كانت في النفس أو في الوجود الخارجي أو في ميراث العقل البشري. لكن هذا الانتباه لا يتحقّق بالفعل إلا بالموت، حتى إذا ما مات الناس، انتبهوا، كما جاء في الحديث الشريف.

وهنا يقوم التساؤل مرة ثانية ليفرض نفسه بإلحاح :

ألا يوجد طريق ندرك به الحقيقة، ونحن أحياء لا أموات؟ سؤال له وجاهته ويحتاج إلى بحث جهيد .

نعم، هنالك الطريق، غير أنه ليس يتأسس على التنظير، ولا هو بطريق العقل الاستدلالي النظري، بل هو طريق الاستبصار؛ يسلك فيه المرء نفس السبيل الذي يمكن تحصيله بالموت، بمعنى أنه يصل إلى حالة من الوعي من طريق المجاهدات الدائمة يتساوى فيها مع الموت؛ فكما يكون هناك موتٌ طبيعيٌ يُحقق معنى الانتباه، يكون هنالك أيضاً موت إرادي، اختياري، يُحقق نفس المعنى: اليقظةُ الدائمة والتنبّه الموصول. نعم! هو موتٌ عن الغفلات، موتٌ عن أغلال العلائق والأطماع، موتٌ عن رؤية العقل الظلمانيّة المحجوبة دوماً بحجاب المحسوس، موتٌ عن قيود العالم الحسّي وفرائضه المحدودة، موتٌ عن الأوهام السادرة تكبّلنا عن الحماسة الروحيّة والشعورية، حتى إذا ما تكرّر السؤال : ألا يوجد بديلٌ لليقظة الدائمة والتنبّه الموصول إلا عن طريق الموت الطبيعي، أليست هناك طريقة ترشد إلى سُبُل الحقيقة غيره؟!

جاءت الإجابة، نعم ! هنالك طريقة لكنها تشبه الموت في السير إليها؛ فكما تكون أنفاس المرء خطاه إلى أجله تقوده إليه، كذلك يكون هذا الطريق بالموت الإرادي لا الطبيعي. ومن هنا لم يخطئ أفلاطون حين قال عن الفلسفة واصفاً إيّاها بحق إنها " تأمل الموت ".

فلئن كانت نظرته هذه، سُمّيت بأسطورة الكهف؛ فلأنها ليست بالأسطورة كما تبدو من ظاهرها أو ممّا يُفهم المرء عادةً من الأساطير، ولكن لأنها رمزيّة عصيّة على التحقق الفعلي، مُنكرة من قبل العقل النظري كونها ميتافيزيقية، لا يصدقها في الغالب أحد ممَّن لا يقدرون على الخروج عن منطقته، غير أنها موجودة ومُجرّبة من الإنسان في أرفع مطالبه وأرقى عطاياه، وليس يقدحُ في وجودها الإنكار أو عصيان الفهم أو انعدام التصديق.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

 

خديجة ناصريغني عن البيان أنّ الفلسفة عبر أطوارها الزمنية المختلفة قد اهتمت بدراسة الإنسان من مختلف جوانبه الفكرية والنفسية، الأخلاقية والدينية، الاقتصادية والاجتماعية، الثقافية والسياسية، الجمالية والفنية...الخ، في محاولة منها لتقديم تفسيرات منطقية عن العديد من المسائل المصيرية ذات الصلة بالواقع الإنساني والتي عجز العلم عن إيجاد مبررات عقلية تزيل عنها اللبس والغموض وتكشف الستار عن مكنوناتها الحقة، فبدل أن يقوم هذا الأخير بتقليص دائرة المجاهيل أدى إلى توسيع مجالها، وهذا ما أعاد تدفق شريان الحياة في جسد الفلسفة بعدما تم هجرها والتخلي عنها باعتبارها علم نظري ميتافيزيقي عجز عن تقديم حلول عملية إذا ما قورنت بما قدمه العلم من منجزات هائلة في مختلف الميادين، لتفرض الفلسفة نفسها من جديد كمادة معرفية قادرة على تقديم دراسة علمية عملية عن الوجود الإنساني، وتلمس الحقائق المحجوبة عن مدركات العقل العلمي الأصم الذي لا يحسن الاصغاء لأصوات الطبيعة الخافتة الهامسة التي تناشد المطلق وتبتغي التفسير الكلي الأشمل عن الكون.

وقد زادت حدة الاهتمام بالقضايا الإنسانية مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين الذي حمل معه تغييرات جذرية مست الوجود الإنساني من حيث كونه كائن عاقل أخلاقي وذلك راجع للثورة التكنولوجية والمعلوماتية وتقدم العلوم واكتساح التقنية لمختلف ميادين المعرفة، الأمر الذي أدى إلى فرز مشكلات جديدة مستحدثة، أقحمت الفكر الفلسفي للتعاطي مع قضايا إنسانية علمية وأخلاقية شائكة، تتماشى مع المستجدات المعرفية الراهنة برؤية نقدية فاحصة تطال الممارسات العلمية والتكنولوجية الجريئة التي تعدت حدود الطموح المعرفي إلى التهور والجموح في الخيال العلمي وما ترتب عنه من تهديد للوجود البشري بأسره.

هذا الوضع القائم أدى إلى دفع الخطاب الفلسفي لبلورة آفاق معرفية وسبل منهجية جديدة تشتغل بدراسة الجانب الأخلاقي للممارسات العلمية أصطلح على تسميتها "الأخلاقيات التطبيقية" أو ما درج على تسميتها بين الشرائح النخبوية المثقفة ب:"البيو إتيقا" ، وقد ظهرت في بادئ الأمر في الولايات المتحدة الأمريكية ليتسع انتشارها في العالم بأسره لما تعالجه من مسائل حساسة ذات قيمة معرفية تعنى بدراسة النتائج المترتبة عن المنجزات العلمية وانعكاسها على المنظومة القيمية للإنسان، في محاولة لتقديم صيغة أخلاقية بديلة تستوعب الطموح العلمي من جهة وتراعي حرمة وقداسة الحياة الإنسانية من جهة أخرى.

ومن هذا المنطلق يهتم هذا المبحث المعرفي الجديد أي "الأخلاقيات التطبيقية" بوضع جملة من القواعد والمبادئ التي تهدف لتخليق الممارسة الإنسانية داخل الحقول المعرفية المختلفة للحد من سطوة التقنية وفضح الخروقات العلمية وتجاوزاته التي مست الكرامة الإنسانية وآدميتها، مع الحرص على وضع بيان أخلاقي جديد يتعاطى مع الطروحات العلمية بشكل أكثر عقلانية ودينامية، وفق صيرورة جدلية خلاقة تسمح برصد المزالق الكبرى لها وتجترح حلول تشكل أرضية أخلاقية صلدة تبنى عليها الدراسات العلمية المستقبلية، في إطار علمي أخلاقي يكفل عدم التعدي على الكرامة الإنسانية.

في ظل هذا الوضع المتأزم اتجهت معظم الدراسات الفلسفية المعاصرة لمباحثة المشكلة ومساءلتها أخلاقيا، وغالبا ما لاقت المنجزات العلمية المتطرفة استهجانا واستنكار من قبل العديد من المفكرين، الذين دعوا إلى ضرورة الحد من المخيال العلمي مع الحاجة إلى إعادة الوصل بين العلم والقيم بعدما تم فصلهما بشكل تعسفي في الزمن المابعد حداثي، واحداث قطيعة بين العلم والقيم في التصور الذي كرسته المنظومة الابستمولوجية المعاصرة التي خلقت هوة سحيقة يصعب ردمها بين الممارسة العلمية ومنظومتنا القيمية. ومن هنا جاءت البيوإتيقا كمبحث جديد يسعى لمتابعة النتائج المتوصل إليها في الحقل العلمي أخلاقيا، من حيث كونها جملة من الأسئلة العقلية حول التطبيقات العلمية ومدى تأثيرها على المنظومة القيمية من جانبها الأخلاقي والديني والمجتمعي والقانوني...الخ.

ونظرا لهذا المسعى والمطمح العظيم الذي سطرته الأخلاقيات التطبيقية كهدف تناشده وكغاية تروم تحقيقها، فقد فتحت شراع من الآمال لمجابهة سيل العلم المتدفق الذي اقتلع الممارسات الأخلاقية في الحياة العامة من جذورها وكرس لفكر علماني لا يتعامل إلا بمنطق المصالح الشخصية ولا يعترف إلا بالنتائج العملية الربحية النافعة، وقد سعى هذا الطرح الفلسفي المتفائل للحد من تجاوزات العلم، ورد الاعتبار للوجود الإنساني في خضم جدل معرفي يستوعب الطموحات العلمية وقداسة الحياة الإنسانية، بحيث يكفل للعلم رغبته في البحث واستكشاف أسرار الكون من جهة، وتصان من جانب آخر كرامة الإنسان وتحفظ له مركزيته للكون.

وبالعودة إلى السجل التاريخي نجد أن مصطلح البيوإتيقا سجل حضورا ضمن القاموس التخاطبي العلمي في وقت مبكر، وهذا بدوره يوجه انتباهنا إلى أن الإنسان قد أبدى عناية خاصة لوضع مبادئ ومعايير تضبط الممارسة التطبيقية في حقل الدراسات العلمية خاصة تلك التي تجعل من الجسم البشري مركز اهتمامها، لما تنطوي عليه من مخاطرة ومجازفة وما تتطلبه من دقة وحذر في التعامل معها. ويظهر ذلك بشكل جلي في ميدان الطب الذي يتكفل بمعالجة الاختلالات العضوية في الجسم مما يتطلب منه الدقة في التشخيص والمعالجة. ولأن علم الطب توكل له مسؤولية عظيمة تتمثل في العمل على حفظ حياة الأشخاص وانقاضهم من فكي الموت وقبضة الفناء، تفطن الإنسان منذ القدم إلى ضرورة تقنين هذا الميدان وتسييجه بقواعد أخلاقية، وكان للقوانين التي صاغها "حمورابي" تأثير على هذا المجال من الناحية القانونية، أما من الناحية الأخلاقية فقد ظهرت بوادرها الأولى فيما عرف بقسم "بقراط" الذي يتوعد فيه ممتهن مهنة الطب أن يصون حرمة الجسد البشري ويلتزم بالنزاهة في ممارسته للمهنة. ومن هنا تتضح الأصول التاريخية لمبحث الأخلاقيات التطبيقية على أن الفضل في تسميتها يعود لطبيب السرطان الأمريكي "فان رونسلر بوتر"، ولا يعنينا في هذا المقام الاسهاب في ابراز الصيغة المفهومية للمصطلح، والتأصيل اللغوي له أكثر مما نعنى بتبيان مدلولاته المعرفية وممارساته العينية.

ومن هنا تأتي أهمية هذا المبحث الجديد الذي أسهم في توجيه الاهتمام إلى العديد من المسائل التي تمس الوجود الإنساني ومصيره في هذا الكون الذي يتعرض للتخريب باسم الطموح العلمي والتقدم التكنولوجي، حيث أفرزت الدراسة الأخلاقية للحقول العلمية ونخص بالذكر الدراسات الطبية منها العديد من القضايا الحساسة منها:

الجينوم البشري والتحكم في الهندسة الوراثية:

نظرا للتطور المذهل الذي حققته العلوم البيولوجية على جميع الأصعدة، حيث تمكنت من التدخل في إعادة هيكلة الطبيعة العضوية للأفراد من خلال التحكم في خريطتهم الوراثية وذلك بالرجوع إلى التركيبة الجينية لهم وهي محتواة داخل الخلية ومرتبة على هيئة ثلاثة وعشرين زوجا من الصبغيات أو الكروموسومات كما هو متعارف عليه بحيث تحمل تلك الجينات أو المورثات جميع البروتينات اللازمة للحياة في الكائن الحي وهي المسؤولة عن تحديد شكله وكذا التحكم في تفاعله الحيوي، الأمر الذي يعني أن الحياة البيولوجية للكائن البشري أصبح متيسرا ترميزها وضبطها وفق ما يتماشى مع رغبة الإنسان. وهذا فتح المجال أمام البشرية لصناعة عالم إنساني وفق الإرادة الشخصية للأفراد، على الرغم من كون أن الغاية من البحث في الجينوم البشري كانت في بادئ الأمر محاولة دؤوبة لمعرفة الأسباب المؤدية لبعض الأمراض الوراثية المستعصية لتقديم علاج لها، إلاّ أنّ هذه الأبحاث قد حادت عن هذا المسعى وتبنت مشروع يعمل على تحسين النسل الذي يفترض التدخل المباشر في المسار الطبيعي للوجود البيولوجي البشري، وهو مشروع فتح الباب للنقاش الفلسفي والتساؤل عن مصير البشرية ومستقبلها المجهول. فما بلغه التطور العلمي من قدرة على التدخل في التركيبة العضوية للجسد من خلال التحكم في الجينوم البشري الأمر الذي يسهل عملية إعادة هيكلة التركيبة الجسمية للأفراد وفق رغبتهم الشخصية، يضاعنا أمام تحديات جديدة تنذر بخلق عالم بشري مصطنع يحيد عن مساره الطبيعي، وهذا الوضع يفرز مشاكل قيمية أخلاقية عديدة يتوجب إعادة النظر فيها وتحليلها والبحث عن حلول عملية لها.

الإجهاض بين الدواعي الشخصية والضوابط الأخلاقية:

إنّ التزايد المستمر لعمليات الإجهاض خاصة في الدول المتقدمة نظرا لفتحها باب الحرية في الممارسات الجنسية باعتبارها مساحة شخصية، الشيء الذي ساهم في إقامة علاقات غير مشروعة أفاضت إلى إنجاب أطفال بدون نسب أو التخلص من الجنين في مراحل تشكله الأولى وحرمانه من الحياة، هذا ما يضعنا أمام وضعيات إشكالية تحتاج للدراسة والتحليل وفي هذا السياق يعترضنا موقفين، فنجد من جانب القائلين "بحرية الاختيار" ممن يعتبر أن الإجهاض حق مكفول للمرأة يتحدد بحسب رغبتها الشخصية و مقدار قابليتها للإنجاب إن كان من الناحية النفسية أو الصحية أو المادية و غيرها، وهي تمتلك حق التصرف في جسدها دون قيد أو شرط أو وصاية. وأي محاولة للمساس بهذا الحق يعتبر خرق للحريات الفردية، وفي المقابل نجد أنصار "الحق في الحياة" الذين يعتبرون أن الإجهاض جريمة في حق الجنين الذي يمتلك الحق في خوض تجربة الحياة. ومع ما يشهده العالم اليوم من ارتفاع غير مسبوق لعمليات الإجهاض، خاصة في الدول المتقدمة التي بلغت مستوى عال من الرفاهية والرخاء الأمر الذي انعكس سلبا على التركيبة المجتمعية حيث فتح المجال للممارسات الجنسية العشوائية باعتبارها حرية شخصية، هذا الوضع يلزم علينا إعادة النظر في سلوكياتنا وتشريعاتنا القانونية التي تغظ الطرف عن النتائج الوخيمة المترتبة عن عدم اتخاذ إجراءات ردعية تحد من هذه السلوكيات من طرف الدولة والجهات المعنية، وذلك بتقنين الظاهرة والتدخل الفوري لوقفها بهدف حماية المجتمع من المصير المحتوم وهو الهلاك والتلاشي، وكل هذا يستدعي إعادة بحث الوضع ومساءلة الظاهرة أخلاقيا ودينيا.

مقاربة إتيقية لمسألة الموت الرحيم:

تعتبر مسألة الموت الرحيم من القضايا الشائكة والأكثر تعقيدا في الخطاب الفلسفي المعاصر، لما تحمله من متناقضات يصعب حسمها والانحياز لأحد أطرافها، والموت الرحيم هو تعبير طبي جاء كمحاولة لتهذيب مصطلح القتل الرحيم والذي يعني بحسبهم أي المشتغلين في الحقل الطبي تسهيل موت المريض الميؤوس من حاله بطلب مقدم من قبل طبيبه المعالج أو من الأهل، وذلك بناء على عدم استجابته للعلاج وزيادة تفاقم مشكلاته الصحية وما يصاحبها من أوجاع وآلام تؤدي إلى تدهور البنية الجسمية للمريض لحد الاكتفاء من المعالجة الطبية، إلى جانب النوبات العصبية والإرهاق النفسي لمريض يتواجد في وسط يغذي الروح بشحنات سلبية لما يتردد على مسامعه من تشخيصات تؤكد أنه يحتضر وينتظر لحظة التلاقي مع قدر ليس له منه حولا ولا مفر وما يتجاذبه من أفكار تزيده تعبا وارهاقا بين رغبة مستتيبة للصمود من أجل الحياة وما يفرضه واقع الحال من أوجاع ومعاناة لا يطيق المرء صبرا للتخلص منها والاستسلام لنداء الموت الذي تتباطأ خطواته حينا وتتسارع حينا آخر. الأمر الذي يستدعي التدخل الفوري لتخليص المريض من المعاناة والألم الذي يصحب عملية العلاج الكيميائي والتي لم تعد تجدي نفعا سوى إبقاء النفس يتصاعد في جسم لم تعد تسري فيه الحياة، وذلك بمساعدته للرحيل بسلام وسكينة نحو العالم الآخر وتحقيق الخلاص لروح تسكن جسد منهك فاقد للطاقة والمقدرة لحملها. وعلى الرغم مما يحمله هذا الفعل من غاية نبيلة إلا أنه اصطدم بالمبادئ الدينية والأخلاقية وأعتبر جريمة في حق الكائن الإنساني تعادل القتل بالمعنى المتعارف عليه وهو سلب حياة الإنسان بطريقة عمدية مقصودة وحرمانه من العيش. ولهذا تعتبر مسألة الموت الرحيم من القضايا ذات الأهمية لكونها تتأرجح بين من يعتبرها تصرف نابع من الرحمة والشفقة بالمريض وذلك بالتدخل لإنهاء حياته بطريقة طبية خالية من مضاعفات تسبب الألم للمريض وتساعده للرحيل بسلام من هذا العالم، وما تثيره هذه المسألة من تساؤلات من الوجهة الأخلاقية من حيث كونها حرمان للشخص من الحياة فقد يكتب له الشفاء مستقبلا والعيش في صحة وعافية والتمتع بحياة مريحة، وقرار انهاء حياة الشخص الذي يكون خارج عن إرادته وقد يتنافى مع رغبته، غالبا ما يكون استعجالي مبني على أحكام ليس للعلم نفسه التثبت من درجة يقينيتها. فكم من حالة مرضية وضعت في خانة الحالات الميؤوس منها التي لم يعرف داءها وتعذر إيجاد دوائها، وظهرت إمكانية علاجها مع التطورات التي يشهدها الطب المعاصر.

الجسد بين طموح التطبيب وقداسته:

إن التقدم الذي أحرزه العلم في مختلف ميادينه شجعه على توسيع نطاق تجاربه لينتقل من عالم الظواهر الخارجية إلى حيز الجسد الإنساني الذي جعل منه مجردة مادة قابلة للتجريب مثل باقي الجمادات، ومع استطاعة العلم الدخول لعالم الأجنة والتحكم في الهندسة الوراثية كما أشرنا لذلك سلفا، من خلال التلاعب بالصبغيات أضحى بالإمكان تغيير الجنس البشري من خلال التعديل في الملامح الشكلية الخارجية وكذا تنمية القدرات العقلية بالتدخل في سلوك الدماغ مثل تفعيل مناطق الذكاء، تقوية الذكرة...الخ، ولم يتوقف التدخل في التركيبة العضوية للجسد عند هذا الحد بل تعدى الأمر للقول بالاستنساخ والمتاجرة بالجسد فيما سمي ببنوك الحياة، وكذا عمليات زرع الأعضاء وتأجير الأرحام وعمليات التجميل و التحسين وكلها تتدخل بشكل تعسفي في الجسد وهو ما ينذر بصناعة عالم بشري جديد يخالف عالمنا يتحكم الإنسان في ملامحه وصفاته بما يتماشى مع رغبته في بلوغ الكمال. وهو ما أدخل اضطراب في توازن الحياة الإنسانية وما صاحبه من إثارة لقضايا أخلاقية وفلسفية وقانونية جديدة حول مشروعية اعتبار الجسد شيء وجواز المساس به وانتهاك حرمته وذاك كله ليس إلا اعتداء على كرامة الإنسان التي ترفض التلاعب الطبي بالجسد البشري. وكل ذلك جاء كنتيجة لرغبة الإنسان وهاجسه الدائم لأن يكون في هيئة جمالية تناشد الكمال متناسيا ما قد يترتب عن ذلك من آثار قد تودي بالبشرية جمعاء للدمار، وتماشيا مع أنانيته وغطرسته سعى للبحث عن سبل وتقنيات جديدة تساعده على تحسين الملامح الداخلية (القدرات العقلية...) والخارجية (الشكل الخارجي...)، وكل ذلك يستدعي التدخل المباشر في التركيبة الجسدية كما اتضح لنا قبلا الأمر الذي جعل من الجسد مجرد مادة مثل غيرها من المواد تخضع للدراسة العلمية التجريبية، وهذا ما أعتبر من قبل فلاسفة الأخلاق انتهاك للكرامة الإنسانية من خلال المساواة بين الإنسان باعتباره جسد وروح و بين باقي الجمادات دون أخذ بالاعتبارات الأخلاقية التي تميز بين الإنسان وغيره من الكائنات والأشياء.

هذه المسائل وما شابهها تجعلنا نسلم يقينا لا جدل فيه أن حاجتنا اليوم للخطاب الفلسفي الجاد الذي يتكفل بدراسة العلم نقديا تبرز أكثر من أي وقت مضى، نقصد تلك الدراسة التي لا تكتفي بالطواف حول المشكلة فتزيدها تشبيحا وتلميعا بل تلك التي تمس الأسس وتعري المبادئ وتفضح الغايات وتفصح عن الحقائق المستترة تحت أقنعة مزيفة خادعة تتخذ من خدمة البشرية والصالح العام شعار وتتبع سياسة التمويه والتهويم كآليات لتخدير الوعي بدعوى التقدم والتطور، في حين تضمر هذه المشاريع العلمية من الأهداف و الغايات أكثر مما تظهر، وتزداد أهمية هذه الدراسات وضرورتها مع الثورات العلمية الباهرة وما حققته من تطورات بلغت مدى بعيد تجاوز حدود كل التوقعات، الأمر الذي يضعنا أمام جملة من التناقضات والمفارقات بين ما قدمه العلم من تسهيلات مست كل جوانب الحياة الإنسانية وبين ما تطرحه نتائجه ومنجزاته من أسئلة أخلاقية حساسة تلزم علينا إعادة النظر في العلم وقراءة الوضع الذي خلفته المنجزات العلمية برؤية نقدية جديدة.

 

بقلم: ناصري خديجة

 

 

عبد الرضا حمد جاسمالمقدمة: في كتاب مهزلة العقل البشري/ 1955 كتب الراحل الدكتور علي الوردي له الذكر الطيب التالي:

1.ص181: [ولهذا يصح ان نقول بأن القياس المنطقي أصبح عندهم مطية لأغراضهم وعواطفهم يستخدمونه متى احتاجوا اليه. فتراهم قادرين ان يبرهنوا على صحة شيء في هذا المجلس وعلى خطئه في مجلس اخر. فهم قد يلتقطون مقدماتهم الكبرى من اقوال الشعراء أو الامثال الدارجة أو ما يجدونه في الكتب هنا وهناك من اقوال لا يعلم مبلغ صحتها الا الله. إنهم ينظرون في الراي أولا فان استحسنوه بحثوا عن مقدمة كبرى تصلح لتأييده فان لم يجدوها اختلقوها او تأولوها والقياس المنطقي طوع رغبتهم بعد ذلك] انتهى

2.ص185: [عيبهم الكبير انهم يتبعون مبدا "التناقض" فعليا وينكرونه نظريا فهم يجرون في اقيستهم المنطقية وراء كل امر تميل اليه قلوبهم ثم يدعون انهم يسعون وراء الحقيقة المطلقة] انتهى

و: [وما على الباحث إلا أن يستشف جانب الصواب والخطأ في كل فكرة ثم يدرس أثرها في تطور الحضارة البشرية بوجه عام] انتهى

الوردي والانحراف الجنسي:

في ص59 من كراسة/ شخصية الفرد العراقي/1951 كتب الراحل التالي: [... وفي العراق نجد الانحراف الجنسي منتشراً بسبب هذا الانفصال الفظيع بين الرجل والمرأة ولهذا نجد أغلب أغانينا تخاطب الحبيب بلفظ المذكر الامر الذي يندر ان نلاحظه في البلاد الأخرى، واغلب اشعارنا الغزلية نؤاسية أي هائمة بنفس الحب الذي هام به المنكوب أبو نؤاس ولسوء حظنا ان العراق كان مهد الحجاب لأول انتشاره في الحاضرة الإسلامية وكذلك مهبط الوحي على ابي نؤاس] انتهى

أسمحوا لي أن اُقَّطِعْ هذه العبارة واُناقش كل جزء منها كما يأتي:

الجزء الأول:

[في العراق نجد الانحراف الجنسي منتشراً بسبب هذا الانفصال الفظيع بين الرجل والمرأة] انتهى

أقول:

لا شك في ان الانفصال "الفظيع" بين الرجل والمرأة يؤدي الى مشاكل اجتماعية من صورها بعض الانحراف الجنسي المكتسب... وهذا يقره العلم وتقره نتائج الدراسات الاجتماعية والنفسية وليس على/في ذلك خلاف. لكن اين وجد الوردي هذا الانفصال "الفظيع" بين الرجل والمرأة في العراق وقت اعداده هذه الدراسة او قبلها؟ هل كانت الجامعة او الكلية التي نُّسِبَ للتدريس فيها هذا الانفصال. أليكم ما كتبه الراحل الوردي في ص286 من دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/1965: [زرت المدينة في العام الماضي مع جماعة من الطلاب والطالبات فكانت الزيارة حدثا هاما في تاريخ المدينة لفت اليه الأنظار. الواقع ان اهل المدينة قاموا بواجب الضيافة نحونا حسبما تقتضي تقاليدهم القبلية ولكنهم كانوا في قرارة أنفسهم يستنكرون وجود طالبات سافرات يمشين مع الطلاب جنبا الى جنب...] انتهى

هل وجد الراحل الوردي الانفصال "الفظيع" ذلك في أسواق المحلات الشعبية في المناطق السكنية التي تردد عليها...ألم تكن البيوت في تلك المناطق السكنية تضم أكثر من عائلة في كل بيت وكما ذكر الوردي في ص301 /دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/عنوان فرعي/"ازدحام البيت" كتب الراحل الوردي: "وهذا امر نلاحظه في كثير من البيوت في المدن العراقية حيث تحتشد عدة عائلات في البيت الواحد عادةً وقد تسكن كل عائلة في غرفة او بضع غرف منه...] انتهى

هذا موجود في الكثير من مناطق ومدن العراق يضاف لها في المدن الأخرى البعيدة عن بغداد و ازقتها الناس تعيش بالقرب من بعضها والكثير منهم يشكلون اسرة كبيرة كونهم من الأقارب والانساب وأبناء العم والخال ولا فواصل بين المرأة والرجل وكانت قصص الحب والغرام والهيام على الكثير من الالسن و الأغاني تصدح في البراري و على شواطئ الأنهار او على ظهور المراكب و المشاحيف وكان الكثير من الرجال يستأنسون برأي المرأة في بعض المواقف الصعبة واعرف امرأة كانت تدير "كُتاب" لتحفيض القرآن في قضاء من اقضية العراق على نغمات: (الف لام زبر أل...حين ميم زبر حم دال بش دو... الحمدُ) وتَّخرج من ذلك الكتاب بعض الأشخاص الذين صار لهم دور في الحياة. اذن اين انفصال الرجل عن المرأة ...

وللعلم انه في عام 1923 صدرت في العراق اول مجلة تختص بشؤون المرأة اسمها "ليلى" وكانت اول خريجة لكلية الطب في عام 1939 وبعدها كانت خريجات كلية الحقوق. وساهمت المرأة في انتفاضة 1948 واحداث 1952 حيث اعتقل بعضهن. وكانت اول وزيرة في كل المنطقة او في البلاد العربية هي عراقية... صحيح ان هذه الحالات قليلة لكن لها أساس فهي لم تأتي طافية لتستقر في العراق انما من أصل العراق الثقافي الاجتماعي.

جزم الراحل الوردي هنا بوجود وانتشار الانحراف الجنسي في العراق بذكره "نجد.و.منتشراً" وهو الذي برع في ذم من يجزم ويحسم...وهنا يحق لي كقارئ أن اسأل الراحل الوردي: أين وجدت "نجد"؟ وماهي مظاهر الانتشار "منتشراً"؟

أجاب الراحل الوردي على ذلك بالتالي: [كتب في صفحة 351/دراسة في طبيعة المجتمع العراقي التالي: [ويتضح انتشار اللواط في المقاهي فقد كان من الأمور المألوفة في كثير من المقاهي أن يجلس الرجل فيها ومعه غلامه الخاص به فهو لا يفارقه الا قليلا] انتهى

في ص351 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي كتب الراحل الوردي:[يطلق الباحثون على اللواط اسم "الانحراف الجنسي الإيجابي "اما "الابنة" فيطلقون عليها اسم "الانحراف الجنسي السالب "و الملاحظ ان الانحراف الجنسي بكلا نوعيه الإيجابي و السلبي موجود في جميع المجتمعات البشرية...] انتهى

لم يفكر الوردي لحظة واحدة انه يتجنى على المجتمع العراقي بمثل هذه الاقوال غير المبررة وغير المسنودة وغير الدقيقة...حيث لم يترك صفة سيئة لم يجعل المجتمع العراقي متفرد فيها او متقدم على المجتمعات الأخرى فيها...كما بينتُ ذلك في الراحل علي الوردي في ميزان/61: الرابط

http://www.almothaqaf.com/a/b1d/927593

اكيد الدكتور يعرف معنى اللواط...فكيف سمح لنفسه ان يقول "اللواط" منتشراً على ضوء حالة رجل اصطحب غلامة وجلسا في المقهى...ثم كم رجل من رواد ذلك المقهى له /عنده غُلام؟ ربما بعض ممن قرأ أو يقرأ أو سيقرأ العبارة: "يتضح انتشار اللواط في المقاهي " ويربطها بتفرد المدينة العراقية في عدد مقاهيها الذي زعمه الراحل الوردي...حيث كتب في ص300/دراسة في طبيعة المجتمع العراقي: "اشتهرت المدينة العراقية بأنها من أكثر مدن العالم في عدد مقاهيها بالنسبة الى عدد سكانها" انتهى

قد يتصور بعض هذا البعض وبالذات من غيرالعراقيين ان هناك حفلة كل رجل فيها راكب على ظهرغلامه ويأتيه من دبره علناً وامام الجماهيرالتي تهتف وتزغرد منتشيه.الوردي يصورالحال كأن هناك قوم لوط جدد هم افراد المجتمع العراقي. هل جلوس الرجل مع "غلامه" يعني لواط؟ ...هل مقاهي المدن الأخرى "الكاظمية والنجف وكربلاء" تلك التي زارها الوردي مثل مقاهي بعض ازقة بغداد تلك التي وصفها الوردي؟

كان على الراحل الوردي ان لا يقول ["نجد" ..."منتشراً"] بسبب هذا الانفصال الفظيع بين المرأة والرجل ... فالانتشار له معنى يعرفه الدكتور الوردي وهو لا يناسب الحالة المذكورة...كان عليه ان يقول "يلاحظ" او "يمكن ملاحظته "او "يمكن الاستدلال على وجوده ".ان الموضوع يخص مجتمع متعدد متنوع متباعد .عليه فالدقة في التعبير و اختيار الكلمات والعبارات المناسبة والدقيقة والصالحة مطلوبة .لا أن يستسهل وضع "نجد" و "منتشراً" .

يمكن لأي شخص أن يطرح السؤال التالي: اين وجد الوردي ذلك؟ وكيف عرف او فسر ان ذلك منتشر؟ وهذا يحتاج الى جواب شافي يجعل المجيب وكلامه موضع احترام لا استخفاف.

فالأصح كما اعتقد القول ان الانحراف الجنسي المكتسب ازداد بسبب ذلك الفصل بين الرجل والمرأة وهذا مفهوم علمياً وموجود في كل المجتمعات الحاصل فيها الفصل او السافرة وبدرجات مختلفة...

لماذا اختار الراحل الوردي "منتشراً" وربط ذلك بموضوع المقاهي وانتشارها؟؟

الجواب: انه يفعل كل شيء في سبيل ترسيخ فرضيته عن ازدواج الشخصية في المجتمع العراقي التي تمحور حولها طرح الراحل الوردي عن صراع "البداوة والحضارة" أي تفشي او انتشار او تغلغل الازدواجية في شخصية الفرد العراقي بتلك الحالة الغريبة التي افترضها.

هنا يجب ان أعود مرة أخرى للمقدمة لمعرفة هل انها تنطبق عليه وعلى طروحاته هذه؟ الجواب نعم وبكل دقة.

وللتأكيد اضع هنا ما قاله الراحل الوردي عن العلاقة بين الانحراف الجنسي وازدواج الشخصية حيث كتب في ص60/ شخصية الفرد العراقي التالي: [ان المنحرف جنسيا يزداد فيه دواء ازدواج الشخصية فهو شخص يضمر غير ما يظهر].

أعود للمقدمة (1) أعلاه وأربط او نناقش هذا المقطع في ضوء ما ورد فيها أستطيع ان استنتج ان الراحل الوردي هنا صار ارسطوطاليسياً /من أصحاب المنطق القديم الذي هاجمه كثيرا وبشدة، فهو أوجد له مقدمةً كبرى هي: الانحراف الجنسي منتشر في العراق...ثم صاغ له مقدمة صغرى وهي: ان الانحراف يؤدي الى ازدواج الشخصية فصارت النتيجة "المنطقية "هي: ان ازدواج الشخصية منتشر في العراق.

وأوجد مقدمة كبرى اخرى هي انتشار المقاهي ومقدمة صغرى هي الانحراف الجنسي فيها ملحوظ فكانت النتيجة المنطقية هي انتشار الانحراف الجنسي في المجتمع العراقي!!!!!

والعجيب ان الراحل الوردي اخذ حكاية انتشار المقاهي في العراق عن سائح قال: "بين كل مقهى ومقهى مقهى" وهنا ينطبق على الوردي ما ورد في المقدمة أعلاه (2). انه اخذ بعض المقاهي في بعض ازقة بغداد وضخمها ليظهر له ان كل العراق كذلك دون ان يكلف نفسه التدقيق في ذلك.

الجزء الثاني:

[لهذا نجد اغلب اغانينا تخاطب الحبيب بلفظ المذكر الامر الذي يندر ان نلاحظه في البلاد الأخرى] انتهى

أقول:

هذا الجزء مرتبط بالمقدمة الكبرى أعلاه...علامَ استند الراحل الوردي في الجزم بأن الانحراف الجنسي منتشراً في العراق؟ الجواب هو: استند على ...الرجل يصطحب غلامه الى المقهى فهذا دليل الوردي على انتشار الانحراف الجنسي في العراق وأضاف اليه دليل اخر هو: "اغلب اغانينا تخاطب الحبيب بلفظ المذكر" وحتى يعطيها وقعها الذي يرغب به كعادته أتبعها بقوله " الذي يندر ان نلاحظه في البلاد الأخرى"...

السؤال كيف عرف الراحل الوردي "يندر ان نلاحظه في البلاد الأخرى"؟ البلاد الأخرى تعني كل العالم...هل درس الوردي البلاد الأخرى وعرف ذلك؟

هنا أوجد الراحل الوردي مقدمة كبرى جديدة هي: انتشار الشعر العربي/انتشار مخاطبة الحبيب بلفظ المذكر واوجد لها مقدمة صغرى هي التغزل بالغلمان/مخاطبة الحبيب بلفظ المذكر...انحراف جنسي...اذن وصل الراحل الوردي الى النتيجة "المنطقية" التي يريدها هي انتشار الانحراف الجنسي " في العراق بشكل يندر وجوده في البلاد الاخرى". لآن البلاد الأخرى في اشعارها/شعرها لا تستخدم لفظ المذكر بمخاطبة الحبيب!!!!!!!

ما كان لي ان أتوقف هنا لو لم يتحفنا الوردي ب "يندر" و "نجد" و "منتشراً"... وهنا اسأل الراحل الوردي: هل الموسيقار محمد عبد الوهاب "وهو من محبيه" عندما لحن اغنية "انت عمري" للسيدة ام كلثوم ودندن بها لتحفيظها الاغنية كان عليه ان يقول: "انتِ عمري" حتى لا يُعتبر منحرفاً جنسياً؟ وماذا كان على مطربة او مؤدية مقامات ان تقول عندما تغني " رأيتُ مليحةً كالغصن مالت..."...هل تقول: "رأيتُ مليحاً كالغصن مال" حتى لا تتهم بالانحراف الجنسي؟ وماذا عن"قَدُكِ المياس يا عمري...الخ" أو"قَدُكَ" عندما تٌغنى.

لا اعرف بأي لفظ كانت الأغاني المصرية والخليجية والمغاربية والشامية والفرنسية والإنكليزية والألمانية تذكر الحبيب؟

أعتقد ان هذا الموضوع "مخاطبة الحبيب بلفظ المذكر" موجود في كل لغات العالم بهذا الشكل او ذاك.

في صفحة 350 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي/ 1965كتب الراحل الوردي: [ليس لدينا إحصاء عن مبلغ انتشار اللواط في المدن العراقية في العهد العثماني لكن هناك تخمينا تقريبيا يشير الى ان نسبة انتشاره كانت لا تقل عن 40% من مجموع سكان المدن وهذه نسبة كبيرة جدا ولعلها أكبرمما هي في البلاد الأخرى باستثناء امارات الخليج] انتهى

أقول: من اين اتى الوردي بهذه التخمينات وكيف اقتنع بها؟ وكيف تَّقَبَلَ ذلك مَنْ نشرها وقرأها وسكت عنها؟

انا هنا اُسجل استغرابي من كل من قرأ للراحل الوردي ولم يتوقف عند مثل هذه الأمور المهمة التي تمس مجتمع حتى لو كان من غير هذا المجتمع... ذلك يعني وتعني تلك حالة غريبة عجيبة مرت على المثقفين او المطلعين من كُتاب وصحفيين وأساتذة جامعة. انها غلطة أتمنى ان يهب من يجب عليه ان يعتذر ليعتذر عنها...اتمنى ذلك.

العهد العثماني طويل يصل حتى الى ما بعد ولادة الراحل علي الوردي (1913) و يمكن ان أقول امتد تأثيره الى ما بعد حصول علي الوردي على شهادته الجامعية و حتى الدكتوراه من خلال ما ذكره من مصادر دراسته للمجتمع العراقي و اقصد "المعمرين".

سبق ان تطرقتُ الى هذه العبارة ومن المفيد ان اُعيدها هنا للأهمية..."نسبة لا تقل عن 40% من سكان المدن. "ولمناقشة هذه النسبة لابد ان نستعين بأرقام أخرى للراحل الوردي حيث ذكر الدكتور الفاضل في ص286 دراسة التالي: [لنأخذ على سبيل المثال مدينة (.....) التي تقع الى الشمال من بغداد على بعد زهاء (..........) وهي مدينة صغيرة يبلغ عدد سكانها 1500 نسمة].. اُريد ان اُطَبِقْ على سكان هذه المدينة قول الوردي هذا وسوف أقف عند 40% وليس لا تقل عن 40% [احتراماً للمدينة وتاريخها وأهلها الكرام لم اذكر اسمها]

وقبل التفسير والتحليل اعود الى المقدمة (1) أعلاه حيث ورد: [فهم قد يلتقطون مقدماتهم الكبرى من اقوال الشعراء أو الامثال الدارجة أو ما يجدونه في الكتب هنا وهناك من اقوال لا يعلم مبلغ صحتها الا الله. إنهم ينظرون في الراي أولا فان استحسنوه بحثوا عن مقدمة كبرى تصلح لتأييده فان لم يجدوها اختلقوها او تأولوها والقياس المنطقي طوع رغبتهم بعد ذلك] انتهى

الراحل الوردي التقط الكثير من أمثال هذه النسبة من اقوال الشعراء والمعمرين والسفلة والسقطة وبعض الكتب والامثال الدارجة فيما أطلق عليه دراسة المجتمع العراقي ونظر في الرأي واستحسنه ولم يدقق فيه ويبحث عنه ويحلله وبحث له عن مقدمة كبرى وما أكثر المقدمات الكبرى التي وضعها الراحل الوردي لتأييد تلك الاقوال والامثال والحالات فقبل بهذه النسبة التي لا يمكن ان تمر على غير من استحسنها ويستحسنها مهما كان موقعه وعلمه ورأيه.

ولتحليل وتفسير هذه النسبة وتقريبها للقارئ الكريم وفضحها أقول التالي:

1.اللواط يخص الذكور وهذا معلوم ومفهوم.

2.ال40% من (1500) نسمة تعني ( 600 )انسان/شخص.

3.على فرض ان عدد الذكور في المدينة المذكورة يقترب او يتراوح او في حدود 50% أي عدد الذكور هو (750) من السكان من هؤلاء (600) منحرف جنسياً سالب وموجب. السالب حسب ما نقله لنا الوردي هو بحدود1% أي ما يعادل من (600) "منحرف" هناك ستة اشخاص انحرافهم سالب و الباقي (596) شخص انحرافهم موجب.

4.على فرض ان من بين الذكور هناك 20% من كبار السن "المسنين" والأطفال فيكون عددهم (150) شخص /ذَكَرْ يمكن ان نطلق عليهم انهم خارج "النشاط الجنسي"...فهذا يعني ان كل الذكور في المدينة منحرفين جنسياً وكما أشرنا في (1) اللواط يعني "الذكور"...تبقى نسبة مهمة تلك التي لم يطرحها الوردي واقصد انحراف النساء "سحاق"

حسب هذه النسبة فأن العراقيين الذكور في المدن جميعهم منحرفين جنسياً. هل من قال هذا القول وكتبه ونشره عاقل بل هل من قرأ هذا القول ولم يعترض عليه او يناقشه عاقل؟؟؟؟؟؟؟

..............................

في ص351 من كتاب دراسة في طبيعة المجتمع العراقي كتب الراحل الوردي:[يطلق الباحثون على اللواط اسم "الانحراف الجنسي الإيجابي "اما "الابنة" فيطلقون عليها اسم "الانحراف الجنسي السالب "و الملاحظ ان الانحراف الجنسي بكلا نوعيه الإيجابي و السلبي موجود في جميع المجتمعات البشرية و يعتقد الباحث هافلوك أليس ان(2 %)من سكان العالم في شتى الأقطار مصابون بالانحراف الجنسي بشكل يصعب عليهم التخلص منه فهو انحراف طبيعي فيهم نشاء من جراء خطأ في تكوين اجسامهم فالذكر يميل الى الذكر و الانثى تميل الى الانثى و الفرد منهم قد يكون ذا انحراف سلبي او إيجابي حسب الظروف التي أحاطت به في بداية امره و قد وقف العلم عاجزا عن علاج هؤلاء الا قليلا]انتهى.

مناقشة: ينقل لنا الراحل الوردي راي الباحث (هافلوك أليس) الذي قال ان هناك 2 % من سكان العالم في شتى الأقطار مصابون بالانحراف الجنسي الإيجابي والسلبي وفي كلا الجنسين...

ويأتي الراحل الوردي ليجعل العراق في قمة الدول في الانحراف الجنسي السالب والموجب حيث كانت النسبة فقط عند الرجال في المدن لا تقل عن 40%. حتى لو تَدَّخَلَ من يقول ان الوردي أشار الى ان تلك النسبة هي بخصوص اهل المدن فجوابي عليه نعم وعلى فرض ان سكان المدن في العراق يعادل او يساوي ربع السكان فالنتيجة ستكون ايضاً بحدود (10%) وهو خمسة اضعاف ما ذكره هافلوك أليس.

وقطعاً للطريق على من يحاول التبرير حول الانحراف الطبيعي والمكتسب انقل للقاري الكريم التالي: كتب الراحل الوردي في ص12 مهزلة العقل البشري التالي: [نحن لو درسنا طبيعة الانحراف الجنسي المنتشر في البلاد المتحجبة لوجدنا فيه بعض معالم الاكتساب والميل الى التعويض في الغالب] انتهى

العراق حسب الوردي من البلدان المتشددة بالحجاب وحجر المرأة وهذا القول يعني أن سكان مدن العراق فيهم نسبة اللواط (40%) انحراف جنسي موجب والغالبية العظمى منهم انحرافهم طبيعي أي بالجينات/تركيب اجسامهم وهذا النوع يصعب شفاءه. حيث كتب في ص351 من /دراسة في طبيعة المجتمع العراقي التالي: [معنى هذا ان هناك فرق كبير بين الانحراف الطبيعي والانحراف الاكتسابي فالأول مرض لا يرجى شفاؤه في الغالب اما الثاني فصاحبه ليس منحرفا بطبعه انما هو اكتسب الانحراف من محيطه الاجتماعي وهو يتخذه وسيلة للتعويض عما فقده من معاشرة الجنس الاخر وهو اذن قابل للشفاء

ويتغير في نسبته ونوعه حسب الظروف المحيطة به] انتهى

 

الى اللقاء في الجزء التالي

عبد الرضا حمد جاسم

 

في بداية القرن العشرين، عندما نشر آينشتين نظريته النسبية الخاصة عام 1905 وبعدها بعشر سنوات نشر النسبية العامة سنة 1915، كان مضطراً لمجاراة الاعتقاد السائد آنذاك بأن الكون غير مخلوق، وثابت، وليس له عمر، لا بداية له ولا نهاية، بيد أن معادلاته أثبتت عكس ذلك فاضطر أن يضيف إليها عامل آخر أسماه " الثابت الكوني constante cosmologique"، الذي اعتبره آينشتين فيما بعد أفدح خطأ علمي ارتكبه في حياته. ولكن التقدم والتطور العلمي وعمليات الرصد والمشاهدة والتجارب العلمية المختبرية أثبتت أن للكون تاريخ وبداية تعود إلى 13.8 مليار سنة وتبدأ بحدث الانفجار العظيم وأن هذا الكون" المرئي" في حالة تمدد وتوسع مثلما هو حال المكان والزمن اللذان يتأثران بالكتلة والحركة وبالتالي يتمددان ويتقلصان ويتسارعان ويتباطآن، بل ويتداخلان في وحدة سميت " الزمكان". من هنا نشأت المفارقة الوجودية والفلسفية، فإما أن نتبنى فرضية أن الكون موجود من الأزل وإلى الأبد، وبالتالي فهو ليس مخلوق، أي لايوجد له خالق تسميه الأديان " الله" وهذا يناقض الواقع العلمي الخاضع للتجربة والدليل العملي والمختبري والمشاهدة والرصد والذي يقول العكس، أي أن للكون " المرئي" بداية وتاريخ وستكون له نهاية مفترضة وهناك عدة سيناريوهات لتلك النهاية المتوقعة، ومن هنا ينشأ التساؤول التالي : ماذا كان هناك قبل بداية الكون المرئي؟ أي قبل البغ بانغ أو الانفجار العظيم؟ وما الذي تسبب في حدوث الانفجار العظيم ومن أوجد مادته الأساسية وجوهره؟ وهذا يقودنا بدوره إلى عدم اعتبار الكون المرئي " الكينونة الأولى المطلقة" لأننا صرنا نعرف الآن مراحل نشوئه وتاريخه وتطوره وأن هنالك تاريخاً محدداً للمادة التي تكونه، ومن أهداف الفيزياء هو دراسة ومعرفة تاريخ هذه المادة وتطورها ومكوناتها، ولكن علينا أن نجد تفسيراً لمبدأ حفظ المادة وحفظ الطاقة، الذي يقول : أن المادة " والطاقة" لا تفنى ولا تستحدث من العدم"، وهي المقولة التي تناقض المبدأ الثيولوجي الديني الذي يقول " خلق الله الكون " أي المادة " من العدم. وفي نفس الوقت علينا سبر أغوار سر الحياة ومن الذي خلقها أو أـوجدها؟ وهل يمكن للحياة أن تنشأ من الجماد؟ وهو الأمر الذي اهتمت به علوم البيولوجيا " علم الأحياء" والكيمياء الحيوية أو " البيوشيمي biochimi " ونظرية التطور والانتخاب الطبيعي التي جاء بها تشارلس داروين وعدد آخر من العلماء في زمنه ومن بعده. وأكدتها العديد من الأبحاث والتجارب العلمية في مجال علم الجينات والهندسة الوراثية. والاستنتاج المنطقي الناجم عن ذلك هو أن " الكون المرئي" هو بمثابة " نظام " تتزايد وتتراكم فيه " المعرفة" و " المعلومة"، وهو نظام في طور التكون منذ مليارات السنين وما يزال يتطور، وهو غني بالمعلومات، بل وأكثر غنى مما كان عليه قبل بضعة مليارات من السنين، وهو كينونة لم تكن موجودة منذ الأزل ، أي إنه نظام في طور التكوين المستمر منذ 13.8 مليار سنة، منذ لحظة " الفرادة الكونية singularité cosmique إلى يوم الناس هذا في نهاية العقدين الأولين من القرن الواحد والعشرين. وإذا أردنا أن تدخل في نقاشٍ علميٍ فعلينا نأخذ بالحسبان أن مجرد الرأي ليس بدليلٍ، بل التجارب والدراسات والأبحاث التي أثبتت صحتها هي التي يجب أن تكون الدليل. فلا يمكننا القول مثلاً أننا لا نصدق بأن الطاقة تساوي الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء فلا خيار أمامنا سوى تقبل ذلك لأن التجربة العلمية أثبتت صحتها والتطبيقات عليها أنتجت لنا القنبلة الذرية، استناداً إلى هذه المعادلة التي وضعها آينشتين. وللخروج من مأزق أو مفارقة " من أوجد من ومن كان قبل من"، لا بد من تقبل فرضية علمية أخرى أكثر " ثورية " وميتافيزيقية " ألا وهي فرضية الكون المطلق المتعدد الأكوان، والذي يتكون من عدد لانهائي من الأكوان ، وما كوننا المرئي سوى واحد منها. وإن هذا الكون المطلق هو " الله" الذي دعت إليه الأديان السماوية والوضعية ، فهو الكائن المطلق الوحيد الأزلي والأبدي الذي لم يخلقه أحد وهو حي وبالتالي فإن الحياة صفة ذاتية فيه وكل مكوناته تحمل " في جيناتها" معلومة الحياة الرقمية الافتراضية وهو دائم الحركة والخلق والتجدد الذاتي، وبالتالي فهو الوجود الوحيد الحقيقي و لاوجود غيره وكل الموجودات هي جزء منه ومن مكوناته من أصغر كينونة في اللامتناهي في الصغر إلى أكبر كينونة في اللامتناهي في الكبر، وهذه هي فكرة " وحدة الوجود " الصوفية الموجودة في كافة الأديان، والتي سوف يعمل العلم على إثبات صحتها مع تقدم العلم والتكنولوجيا بعد بضعة ملايين من السنين.

 

د. جواد بشارة

 

ميثم الجنابيتصبح المشاكل معضلات حالما تتعثر وتتعقد وتتراكم في دهاليز مغلقة. والفرق بينهما يقوم في أن المشكلة قابلة للحل عبر حلول واقعية وعقلانية، بينما المعضلة عادة ما تعيد إنتاج نفسها بسبب انغلاق مكوناتها.

فقد كانت "القضية العراقية" في طي الغيب عندما جرت الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن العشرين، وتحولت إلى مشكلة بعد انتهاء الحرب في التسعينيات منه، ثم أصبحت معضلة بعد غزو الكويت. وهي حلقات تكشف عن أنها لم تكن معزولة عن انغلاق النظام السياسي العراقي وأزمته البنيوية الشاملة من جهة، وعن التخطيط الاستراتيجي للسياسة الأمريكية القائمة على مبدأ "التحكم بالأزمة" من جهة أخرى.

وتتمثل السياسة الأمريكية منذ انتصار "الثورة الاسلامية" ولحد الان، نفس عناصرها المكونة في التحضير لغزو العراق، بمعنى الاعتماد على أفكار ثلاثة متغيرة الأشكال. ففي الحالة العراقية كانت ثلاثية "النظام الدكتاتوري" و"دعم الإرهاب" (القاعدة) و"أسلحة الدمار الشامل"، وفي الحالة الإيرانية ثلاثية "محور الشر" و"دعم الإرهاب" (حزب الله) و"المشروع النووي". كما أنها تجري في نفس المنطقة (الخليج) وتحت غطاء واحد هو "الدفاع عن الخليج" من "الخطر العراقي" سابقا، ومن "الخطر الإيراني" الآن.

وهي حلقات لا يمكنها الانتهاء، حتى في حال أسوء التوقعات القائمة في الحرب على إيران، بالوقوف عند هذا الحد. فكما أن العراق لم يكن سوى بداية تنفيذ "الحلم الأمريكي" القديم في السيطرة التامة على الخليج، فان إيران ليست نهايته! بعبارة أخرى، إن السياسة الأمريكية لا تنتهي عند حدود إيران. والقضية هنا ليست فقط في من هو "القادم"، بل وبطابعها المخرب بالنسبة لبنية التراكم الذاتي للمنطقة وقدرتها الذاتية على إدارة شئونها الذاتية بنفسها. وهي حالة تستعيد على مستوى تكنولوجي رفيع وثقافة تلازمها نفسية وذهنية القرن السابع عشر – العشرين الاستعمارية تجاه منطقة الخليج.

لكن إذا كان النجاح المبتور لهذه السياسة الأمريكية في العراق مرتبطا أيضا بصعود "النجم الأمريكي" و"القطب الواحد" و"الدعم المعنوي" الهائل الذي حصلت عليه الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001، فان مساعي تحويل "القضية الإيرانية" إلى مشكلة ومنها إلى معضلة تجعل من الممكن حسمها بالطريقة الأفغانية والعراقية، لم تعد سهلة. ومن الممكن رؤية ملامح هذه الحالة في تشدد الدعاية الأمريكية وسياستها المعلنة تجاه إيران وضعف الأرضية الواقعية لتكرار السيناريو العراقي.

إننا نقف أمام حالة حرجة لم تحسم فيها بعد "مهمة" تحويل "القضية الإيرانية" إلى معضلة لا مفر أمامها من "الحسم النهائي". والسبب يكمن أساسا في تفاعل أربعة عوامل كبرى وهي:

1. إن النظام السياسي الإيراني لا يعاني من أزمة بنيوية. كما انه يتمتع بقوة الترابط الفعال بين فكرة الدولة والقومية والوحدة الثقافية للشعوب الإيرانية.

2. إن الدولة الإيرانية ونظامها السياسي الجديد (الحكومة الإسلامية) لم تقترف أخطاء إستراتيجية في المنطقة.

3. مساعي إيران المتجانسة للدفاع عن مصالحها القومية عبر بناء تحالفات إقليمية ودولية في المنطقة خارج هيمنة الولايات المتحدة.

4. تغير الحالة الدولية عما كان عليه الحال قبل غزو العراق. فقد كان غزو العراق مرتبطا ببداية "القطب الواحد" بينما تأجيج "القضية الإيرانية" يجري في انتهاء مرحلة "القطب الواحد".

إن النظام السياسي الإيراني يتمتع بقدر كبير من القدرة الذاتية على تمثل الكلّ الإيراني بمختلف مكوناته وتنوعاته. بمعنى انه يمتلك من الكفاءة المرنة والمحكومة بتقاليد التراث القومي والإسلامي ما يعينه ويكفيه على تذليل شدة الصراعات القومية والعرقية. من هنا قلة الفتن الداخلية.

بعبارة أخرى، إن النظام الإيراني الإسلامي الحالي يتمتع بقدرة نسبية جيدة على التحكم بالاختلافات الداخلية، ويحّيد إمكانية استعمالها الخارجي، على عكس ما كان عليه الأمر في العراق قبل الغزو الأمريكي. وهي إمكانية ليست معزولة عن طبيعة الأيديولوجية الإسلامية المتسامية (الأممية) والتوحد المذهبي. وكلاهما يمتلكان، إلى جانب تاريخ مديد من وحدة الدولة والقومية، على قدرة كبيرة في مواجهة "الأخطار الخارجية" و"الأعداء". والشيئ نفسه يمكن قوله عما اسميته بتجنب الدولة اقتراف أخطاء إستراتيجية كبرى على الصعيد الداخلي والخارجي. فإذا كان النظام الصدامي قد حول نتائج الحرب العراقية - الإيرانية صوب الكويت وتأزيم أوضاع منطقة الخليج والعالم العربي ككل وشق صفوفه بصورة لا مثيل لها، فان السياسة الإيرانية توجهت صوب توحيد الكلّ الإيراني وإعادة بناء الدولة وقوتها العسكرية والاقتصادية. وهو بناء يتسم بقدر من الرؤية المرنة للعقائدية الصارمة والواقعية السياسية. من هنا تمسكها بقيمها ومبادئها الخاصة، والعمل على إيجاد منافذ لها من محاولات غلق الحدود عليها. وتحملت إيران في مجرى أربعة عقود من الزمن (1980 – 2018) من هذه الحالة الصعبة. لكنها استطاعت في نهاية المطاف من البقاء خارج أهداف النزاع العسكري مع الولايات المتحدة، رغم اندراجها، على عكس العراق آنذاك، ضمن "محور الشر" العالمي. ولم يكن ذلك معزولا عن قوة إيران الذاتية وتماسكها الداخلي، وعن مرونتها الواقعية ودبلوماسيتها الطويلة النفس.

لقد استطاعت إيران تجاوز "العقد القاسي" لمرحلة "القطب الواحد". وعملت في مجراه على تنظيم سياستها الإقليمية بالشكل الذي يجعلها أقرب إلى روسيا والصين، بوصفها القوى المحتملة والقابلة والمستعدة لإيقاف المد الأمريكي على المدى البعيد. بينما كشفت الأحداث التي رافقت تدمير القوات الجورجية في مجرى الحرب الروسية - الجورجية الأخيرة (2008) عن تسارع وبروز الدعوة العلنية والسياسية الصارمة عما يسمى بضرورة إنهاء عالم "القطب الواحد" وظهور عالم "متعدد الأقطاب". وبهذا تكون إيران قد حصلت على منافذ جديدة وتأييد سياسي وعسكري محتمل وقوي في الدفاع عن مصالحها الوطنية والإقليمية.

لقد خرجت إيران من نفق المرحلة القاسية للعقد الأخير من مرحلة "القطب الواحد"، أي مع بداية القرن الحادي والعشرين، دون أن يعني ذلك خروجها من حالة "القضية الإيرانية". إلا أن الأثر الجلي لكل ذلك يقوم في صعوبة تحويل "القضية الإيرانية" إلى معضلة، رغم بقاء حالة المشكلة الإقليمية الحرجة. وفي هذا يكمن احد الأسباب الكبرى لما يسمى "بالخطر الإيراني". إذ "للخطر الإيراني" بعيدين، الأول ويقوم بذاته، كما هو الحال بالنسبة لكل دولة ذات مصالح إقليمية لم تترتب بعد في منظومة معقولة ومقبولة لأطرافها جميعا، وبعد خارجي (إقليمي وعالمي).

فقد كان البعد الذاتي "للقضية الإيرانية" وما يزال محكوما بهاجس الأمن الذاتي المستقل. وبالتالي ليس "الخطر الإيراني" في الواقع سوى الصيغة المقلوبة للتوتر الإيراني الداخلي، بوصفه جزء من صيرورة تاريخية حديثة لتكامل الدولة والأمة والجغرافيا السياسية.

أما البعد الخارجي، فانه يحفز ويثير حلقات الخلخلة الإقليمية والعالمية. فعلى النطاق الإقليمي هي حلقات لا تخلو من توترات (إيرانية – عربية، وإيرانية - تركية، وإيرانية - أذربيجانية، وإيرانية – أفغانية) أما على النطاق العالمي فهي حلقات الصراع التالية (الإيراني- الأمريكي، والإيراني - الإسرائيلي، والإيراني – الأوربي). وكلاهما مترابطان، إلا أن الخطر الأكبر يكمن في الجزء الأول منه (الإقليمي). وبالتالي، فان ما يسمى "بالخطر الإيراني" ليس إلا الصيغة المقلوبة والفجة لطبيعة الخلل العام في البنية الإقليمية للمنطقة.

وفيما يخص العالم العربي بشكل عام والخليج بشكل خاص، فان المسار الإيراني صوبهما هو جزء من رؤيتها الإستراتيجية. فالعالم العربي يبقى في نهاية المطاف، إضافة إلى العالم الإيراني، الامتداد الأوسع لتنفسها الاقتصادي والثقافي والروحي. وفي هذا تكمن المحددات العميقة لسياستها تجاه العالم العربي. من هنا تدخلها المتنوع، شأن جميع الدول، في الحياة السياسية للعراق وسوريا ولبنان والخليج واليمن. وفي تدخلها تجعل العالم العربي مكونا من مكونات حياتها السياسية الداخلية. وبالتالي لا معنى للحديث عما يسمى بخطر "الهلال الشيعي" الذي ترعاه إيران. فالسياسة الإقليمية لإيران محكومة برؤية إستراتيجية، لا تخلو من المذهبية، لكنه ليس عاملا حاسما. وذلك لان المذهبية في النظام السياسي الإيراني الحالي جزء من أيديولوجية الدولة القومية. ذلك يعني انه يؤدي وظيفة عملية خاضعة وليست محددة وأساسية. وهو أمر جلي حالما ننظر إلى طبيعة ومستوى علاقتها بالدول المجاورة مثل الصين وروسيا وتركيا.

أما البعد الخارجي "للقضية الإيرانية" على المستوى العالمي، فانه محكوم لحد الآن بالموقف الأمريكي والإسرائيلي، وإثارتهما الدائمة لفكرة "الخطر الإيراني". وهي إثارة محكومة، كما كان الحال بالنسبة للعراق ومنطقة الخليج عموما، بمبدأ الأزمة الخاضعة للرقابة! وهو مبدأ يتمثل إستراتيجية التحكم الدائم بالمنطقة من خلال إثارة عقدة الأمن فيها والخوف من "الإخطار الخارجية". بمعنى إثارة المشكلة والتحكم الدائم بها من اجل الاستحكام بالجميع والعمل حسب قاعدة "تنظيم" المشاكل وتفعيلها وقت الضرورة. وهي نفسية وذهنية إسرائيلية بحتة. وليس مصادفة أن تتطابق المواقف الأمريكية والإسرائيلية بنسبة 100% بهذا الصدد.

فقد عملت، ما قبل واثناء سريان قواعد "الاتفاق النووي" وبعده (كما نراه في خروج الولايات المتحدة من هذا الاتفاق)، ما يسمى بمراكز الدراسات الإستراتيجية – (الأمريكية – اليهودية) بصورة دائمة على إثارة قضية "الخطر الإيراني" من خلال الدراسات والأبحاث والمؤتمرات المخصصة لقضايا القدرات العسكرية الإيرانية، والقنبلة النووية الإيرانية، والحرس الثوري، وتصدير الثورة، والعمليات السرية، والهلال الشيعي، ومستلزمات الردع، أي المطالبة بحليف قوي (أمريكي) وما شابه ذلك. ليس ذلك فحسب، بل وبلغ الأمر مرة أن جرى النقاش الحامي "العلمي" والسياسي حول القصة – الخرافة التي أطلقها برنارد لويس وهو في عمر يناهز التسعين عاما عندما كتب يقول، بان إيران سوف تشن هجوما يوم 27 رجب عام 1427 كما لو أنها تستوحي ذلك من يوم الإسراء والمعراج في تحديها لغير المسلمين!

إن الإثارة الدعائية عن "الخطر الإيراني" بالصيغة التي تتناولها الدعاية الأمريكية والإعلام الغربي هو أولا وقبل كل شيء جزء من معترك مصالحها الدولية في منطقة الخليج والمشرق العربي. وهي مصالح تعتقد، بان القضاء على العراق وإيران أو تحييدهما سيجعل من المنطقة صحراء قاحلة من التحدي لمشاريعها الساعية للهيمنة على المنطقة. غير أن التجربة العراقية كشفت عن هشاشة هذه الفكرة. مع أن الأمور تجري في بدايتها. بينما "القضية الإيرانية" اشد تعقيد بما لا يقاس. وليست الدعوات المتكررة واستعراض مختلف سيناريوهات الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران سوى جزء من مخطط الإثارة الدائمة للازمات والتحكم بها من اجل استغلالها وقت الضرورة. لكنها إثارة واقعية وتحتوي أيضا على كوامن فعلية قادرة على الاشتباك. إذ توجد في الخليج بصورة شبه دائمة قوات عسكرية كبيرة أجنبية بشكل عام وأمريكية بشكل خاص. كما تضرب القوات الأمريكية بين فترة وأخرى "طالبان" في باكستان بوصفها رسائل غير مباشرة لإيران. وبالمقابل تقوم إيران بسلسلة من الإجراءات العسكرية للبرهنة على نمو قدرتها الدفاعية واستعدادها لمواجهة أي "خطر خارجي" مهما كان مستواه ومصدره.

إن المواجهة الحادة والعنيفة بين الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية من جهة، وإيران من جهة أخرى، يكشف عن طبيعة البعد الخارجي (الدولي) لقصية الأمن الإيرانية. وهي قضية لها مقدماتها وشواهدها العملية في العراق. ومن تكامل هذين البعدين لقضية الأمن الإيرانية ينبغي النظر إلى ما يسمى "بالخطر الإيراني". وقد يكون الموقف مما يسمى بالمشروع النووي الإيراني احد مظاهره الصارخة.

مما سبق نستطيع القول، بان إيران تقف أمام تهديد متنوع المستويات، داخلي وخارجي بحيث حدد لدرجة كبيرة رؤيتها للأمن. بل يمكننا القول، بان سلوك الدولة الإيرانية الحالية محكوم بفكرة الأمن. لكنه سلوك متنوع ويتسم بالمرونة أيضا. وقد يكون موقفها من المشروع النووي احد النماذج الحية. أنها استطاعت أن تتلافى المصير الذي تعرض له المشروع العراقي وقبله المصري. فقد بدأت مصر مع الهند تجربتها بهذا الصدد قبل خمسين عاما. وتمتلك الهند الآن 30 رأسا نوويا، وقدرة على إنتاج وتركيب محطة نووية بمفردها دون الاعتماد على مساعدات خارجية. أما مصر فلا شيء! كما أنه ليس مصادفة أن يكون "خطر المشروع النووي" الإيراني أكثر من يتحسس منه إسرائيل، التي تمتلك رؤؤسا نووية عديدة.

ومهما تكن النوايا والرؤية السياسية المختلفة بهذا الصدد، فان جوهر الحال يقوم في أن إيران استطاعت لحالها مواجهة الأخطار التي تواجهها الداخلية منها والخارجية، أو على الأقل أنها تتميز بنموذج يتسم بقدر كبير من الجدية والمواظبة في الدفاع عن مصالحها القومية. إضافة إلى قدرتها الخاصة بالدفاع الذاتي عن مصالحها. وهو الدرس الذي لم يتعلمه العالم العربي بعد، ولم يستطع لحد الآن الإجابة عليه بالشكل الذي يجعله قادرا أيضا على تذليل أوهام "الخطر الإيراني".

إن السياسة الإقليمية الإيرانية لها محدداتها الداخلية والخارجية. بمعنى أن إيران تدرك ثقلها الإقليمي، وبالقدر ذاته تسعى لجعله أمرا مقرورا به دون الوقوع في حالة الخضوع للقوى الخارجية. وهو سلوك محكوم بطبيعة التحول الأيديولوجي للنظام السياسي بعد "الثورة الإسلامية"، وتغير معالم رؤيته للأمن بشكل عام والقومي بشكل خاص. وهو الشيء الذي يمكن رؤيته على سبيل المثال في آخر المواقف الإيرانية من دورها الإقليمي في مجرى ردها غير المباشر على المشروع التركي (المدعوم من جانب الولايات المتحدة زمن بوش) فيما يسمى بمشروع الحلف القوقازي من اجل السلام في المنطقة. وهو مشروع لم يذكر إيران بوصفها احد مكوناته. بينما قدمت إيران رؤيتها الخاصة بهذا الصدد من خلال مشروع ما يسمى 3+3 (بلدان جنوب القوقاز الثلاثة جورجيا – أرمينيا - أذربيجان + روسيا – تركيا - إيران). بمعنى دعوتها للأمن من خلال تفعيل العلاقات الإقليمية. وإذا كانت الولايات المتحدة آنذاك تقف بالضد من هذا المشروع، فان الموقف الروسي لم يجر حسمه بصورة نهائية آنذاك (بينما اتخذ بعد دخول المعركة السورية بعدا استراتيجيا في تمتين العلاقة بإيران) الامر الذي يشير الى صواب الرؤية الايرانية وحدسها المستقبلي ايضا. آنذاك كان لكل من الموقف والامريكي والروسي أسبابه الخاصة. وفيما يتعلق بالموقف والرؤية الإيرانية فإنها كانت وما تزال لحد الآن محكومة بالبحث عن نسبة في الأمن والمصالح الإقليمية تستجيب لمصالحها القومية. وهي مصالح أخذت تترسخ أكثر فأكثر في الفترة الأخيرة، وبالأخص بعد الحرب الروسية الجورجية الأخيرة، صوب المحور الروسي الصيني الآسيوي. وهو توجه تشجعه روسيا وتدعمه من الناحية السياسية والدبلوماسية والعسكرية أيضا. ومع انه لم يتحول إلى مشروع حلف مباشر، لكنه اخذ يمتلئ ببعض مكوناته. وهي مكونات قابلة للتوسع والتنظيم في حالة ازدياد الحصار الأطلسي لإيران. وبغض النظر عن وجود موقفين روسيين متناقضتين بهذا الصدد، الأول يقول بان الاتفاق مع إيران خراب لروسيا، والثاني يعتقد بان ذلك سيغير الخارطة الجيو - سياسية في العالم (أو على الأقل في المنطقة).

غير أن القيمة الكبرى والأثر الفعلي لآلية وآفاق السياسية الإقليمية لإيران تبقى مرتبطة ومرهونة بالعالم العربي بشكل عام وبالعراق وسوريا ودول الخليج العربية بشكل خاص، أي بمنطقة الهلال الخصيب والجزيرة. وهو ارتباط محكوم بالتاريخ والجغرافيا والثقافة. فإذا كان التاريخ القديم جزء من معترك الإمبراطوريات والوحدة الثقافية، وبالأخص في مرحلة الخلافة، فان التاريخ الحديث والمعاصر محكوم بصعود الفكرة القومية ومصالح الدولة. وهي مكونات غير متناقضة في حال وضعها ضمن سياقها السليم. لكن التجربة التاريخية للأمم الحديثة جميعا تبرهن على أن بلوغ الحد الضروري لأدراك القواسم المشتركة يفترض المرور بدروب الآلام القومية ومعترك تكاملها الذاتي. ومن ثم لا يمكن بلوغ الوفاق القومي التام بين الدول قبل أن يبلغ أيا منها وفاقها الفعلي مع النفس على مستوى الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة. حينذاك فقط يمكن أن تتراكم وتنتظم قواعد الحالة المثلى للمصالح المتبادلة. وضمن هذا السياق يمكن النظر إلى كمية ونوعية الاختلافات والأزمات الإقليمية بين إيران والعراق ودول الخليج العربية. وهو السبب الذي يفسر تأزم العلاقة أو عدم بلوغها حالة الإدراك العملي للحد الضروري للمصالح المتبادلة، ومن ثم ترتيبها حسب منظومة لها قواعدها الملزمة للجميع. من هنا بقاء المشاكل العالقة كما هي بغض النظر عن اختلاف النظم السياسية. فقد بقيت العلاقة تتسم بالتوتر والخلاف بين العراق وإيران بغض النظر عن اختلاف النظم السياسية الملكية والشاهنشاهية والجمهورية الدنيوية(العلمانية) والدينية (الإسلامية). غير ان الامر اختلف بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية. والشيء نفسه يمكن قوله عن الخلاف مع دولة الإمارات المتحدة حول الجزر الثلاث (أبو موسى، وطنب الكبرى والصغرى). ذلك يعني أن قضايا الخلاف لا ترتبط بوجود صفات لا تتغير عند الطرفين أيا كان شكل الاتهام، بقدر ما انه يشير إلى ضعف تكامل الدولة والقومية بمعايير المعاصرة والحداثة. وهي حالة يمكن العثور عليها في اغلب تجارب الأمم الحديثة، أي أنها لا تخلو من لمحات ومراحل درامية وقاسية، كما كان الحال على سبيل المثال في مجرى الحرب العراقية - الإيرانية وصداها الصدأ لحد الآن في الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب والخطاب الدعائي الصرف.

ذلك يعني أن طبيعة الصراع الإقليمي بين إيران والدول العربية مازال محكوما بعدم تكامل الدولة والقومية عند الجميع. مع ما يترتب عليه من إدراك الحدود الذاتية لكل منهما. وعموما يمكننا القول، بان العالم العربي وإيران لم يرتقيا بعد إلى مصاف البحث عن بدائل في التطور تتجاوز حدود وقيمة "جغرافيا الدولة" إلى عالم التنمية البشرية المشتركة والعلم والتكنولوجيا. فالعراق هو زمن مبعثر ونظم سياسية متخلفة وانعدام مرجعيات. بينما دول الخليج العربية هي زمن متراكم ونظم سياسية مستقرة نسبيا ومرجعيات جزئية (محلية). أما إيران الحالية فهي تاريخ متراكم بمعايير فكرة الدولة والقومية. ذلك يعني إننا نقف أمام اختلاف وتباين في المكونات الجوهرية للدولة والأمة في مثلث العراق – إيران – دول الخليج، الذي جعل من الممكن تحويل الخليج من بحيرة مغلقة إلى بحر هائج أمام التدخل الأجنبي. وبالتالي جعله قابل لأن يكون مادة لتجريب مختلف نماذج "الفوضى الخلاقة" بوصفها الصيغة الأيديولوجية "لإدارة المشاكل الدائمة". وليس مصادفة على سبيل المثال أن تتكلم الولايات المتحدة (حتى زمن بوش) مع كوريا الشمالية وترفض الحديث مع إيران. وهو الشيئ الذي نراه لحد الان في زمن ترامب. طبعا أن لهذه الصدود مقدماتها وأسبابها الخاصة، إلا أنها تعكس أولا وقبل كل شيء استمرار وبقايا الرؤية الكولونيالية (البريطانية) في السياسة الأمريكية، بوصفها مرحلة مكملة لنفسية وذهنية الهيمنة على المنطقة وثرواتها (النفط بالأخص). من هنا فاعلية "الأزمة الدائمة" والتحكم بها، بحيث تصبح مكونات ومقدرات المنطقة أشبه ما تكون بكبش فداء يمكن تقديمه عند الضرورة!

إن التحرر من حالة "كبش الفداء" يفترض بلوغ وتجسيد البدائل العقلانية المتعلقة بادراك واقع وآفاق المصالح العامة والخاصة للدولة في العراق وسوريا والخليج. وهي بدائل يصعب تجسيدها ما لم يجر تحرير المنطقة من منطق العداء والاختلاف اللاعقلاني، بوصفه الصانع المحنك لمختلف عقد الخوف والاتهام وما شابه ذلك من غريزة الجسد المنهك! وهي عقد عادة ما يجري توظيفها في صراع "القوى الكبرى" في منطقة الخليج لما لها من أهمية عالمية.

وفيما لو جرى إنزال هذه العبارة إلى الميدان السياسي، فان ذلك يفترض إعادة النظر النقدية المشتركة بالتجربة التاريخية للمنطقة ككل، وبالأخص في مجال الرؤية والممارسة السياسية. وذلك لأن تاريخ الخلاف والعداء الطويل نسبيا بين إيران والعالم العربي لا يمكن تذليله بسرعة. بل لا يمكن تذليله ما لم تتكامل الدولة والنظام السياسي والمجتمع عند الأطراف جميعا بمعايير الثقافة العقلانية.

فالخلافات ما زالت قوية وعميقة في بعض جوانبها. وهي عموما خلافات لا تخلو من غياب لأبسط مقومات المصلحة القومية والإقليمية المشتركة. وقد يكون الخطاب العربي الدعائي الذي يجد في إيران "العدو رقم واحد" عوضا عن البحث فيها والعمل من اجل أن تكون "الصديق رقم واحد" احد أمثلته النموذجية. وفيه تنعكس ملامح الانحراف الفعلي لانعدام الرؤية الإستراتيجية وكمية ونوعية المغالطات السياسية. لكن ذلك لا ينفي في الوقت نفسه محاولات كسر الجمود والفتور والريبة المتبادلة عبر استعمال مختلف السبل والوسائل والطرق من جانب الطرفين. ومن المكن رؤية ملامح هذه المحاولات من خلال تعمق وتوسع التبادل التجاري، وتوسع وازدياد التبادل السياسي والزيارات الرسمية بينهما وما شابه ذلك. وهي خطوات ضرورية على خلفية الصراع الدامي في مجرى العقود الخمسة الأخيرة، وبالأخص بعد انتصار "الثورة الإسلامية" وما تبعها من تغير في طبيعة النظام السياسي الإيراني والأحداث المريرة مثل الحرب الدامية مع العراق، وغزو الكويت، ثم الحرب الأمريكية على العراق (عاصفة الصحراء) ثم الاحتلال الأمريكي للعراق، والأزمة المستمرة حول المشروع النووي الإيراني، والعلاقة بسوريا ولبنان وفلسطين، أي كل تلك القضايا المثيرة للاختلاف والوفاق أيضا. ومن مجموعها تتراكم، رغم طابعها الدرامي، نمو الهموم المشتركة، ومن ثم المصالح المشتركة. والاهم من ذلك إدراك الحقيقة القائلة، بأن المصالح القومية وحدودها الإقليمية والعالمية لإيران والعراق وسوريا ودول الخليج العربية لا تحلها القوة. لاسيما وان الخليج مصلحة عالمية.

ومن اجل أن يرتقي إدراك قيمة الخليج العالمية، فإن ذلك يفترض الارتقاء بالرؤية الإقليمية إلى مصاف العالمية. وهذا بدوره يفترض جملة أمور لعل أهمها الآن هي:

• الانطلاق من أن الخليج (بالمعنى الواسع للكلمة الذي يدخل فيه الشام كامتداد طبيعي وقومي) ذا قيمة عالمية، مما يحتاج بدوره إلى رؤية "عالمية" عنه مبنية على أسس إستراتيجية.

• إن الأمن الإقليمي للخليج وحدة واحدة لا تتجزأ. وهي مهمة دول المنطقة أولا وقبل كل شيء.

• تنقية الأجواء الداخلية من خلال بناء منظومة الأمن الإقليمي الخليجي من خلال بناء النفس استنادا إلى إمكانياتها وقواها الخاصة.

• البحث عن حلول واقعية وعقلانية مبنية على أساس منظومة المصالح المتبادلة. وذلك عبر إخراج المنطقة بصورة كلية من تأثير "الفوضى الخلاقة" وتصنيع "الأزمات الدائمة".

• إن كل الخلافات المحتملة ينبغي أن توجه صوب إدارة شئون المنطقة والخليج تحديدا بقواها الذاتية بعد حل الخلافات الواقعية والمفتعلة حول "الأرض والحدود".

• إن إضعاف أي طرف هو إضعاف للمنطقة كلها. والتجربة العراقية دليل حي على ذلك.

• تذليل المشاريع السياسية والأيديولوجية العدائية القديمة والاستعاضة عنها بمشاريع التعاون المشترك من خلال التركيز أولا على المشاريع الاقتصادية والثقافية. وبالتالي قلب معادلة التدخل الأجنبي من خلال جعل المصالح الأجنبية الضيقة "كبش فداء" أمام وحدة المصالح المشتركة للمنطقة.

***

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

حاتم حميد محسناصبح من المألوف في الجدل السياسي المعاصر الحديث عن الجانب الصحيح والجانب الخاطئ من التاريخ. انها عبارة استُخدمت من جانب اولئك الذين يعتبرون انفسهم "تنويريين" او "تقدميين" واستعملوا العبارة لإدانة خصومهم السياسيين لكونهم في الجانب الخاطئ من التاريخ، او لأن موقفهم غير سليم تاريخيا.

في البدء لا بد هنا من تعريف المصطلحات. نحن لا نستطيع معالجة السؤال المتعلق بكوننا في الجانب الصحيح من التاريخ ما لم نفهم ماذا نعني بـمفهوم "التاريخ" ذاته.

التاريخ بالنسبة للشخص "التنويري" او "التقدمي"، هو صعود حتمي من الماضي البدائي الى المستقبل التنويري. الماضي هو دائما أقل قيمة و أدنى مرتبة من الحاضر الذي هو بدوره أقل قيمة من المستقبل. هذا الفهم للتاريخ نال التأييد من هيجل (1770-1831) الذي رأى التاريخ كتحرير تدريجي للانسانية من الجهل . ونفس الشيء، بالنسبة لـ اوكست كومت (1798-1857) الذي اعتبر التاريخ تحولا من مرحلة تتميز بالجهل النسبي الى مرحلة اكثر تنويرا . يبدأ التاريخ في العصر الصوفي المتميز بالصوفية و الخرافة ، متقدما نحو العصر الميتافيزيقي الذي تستخدم فيه الفلسفة قدرة العقل في محاولة فهم اسطورية الكون ، ثم الوصول في نهاية المطاف الى العصر العلمي الذي تحطمت فيه الاسطورة وانتصرت المادية. كارل ماركس (1818-1883) استخدم الفهم التقدمي للتاريخ متحفزا بهيجل واوكست كومت. بالنسبة لماركس يرى ضرورة فهم التاريخ في ضوء الحتمية الاقتصادية والسياسية. التاريخ، لدى ماركس، يبدأ بملكية العبيد ثم التحول عبر الاقطاعية والرأسمالية الى مرحلة الاستقرار الاخير في المرحلة الشيوعية التي تزول فيها سلطة الدولة لينتقل الناس الى شكل من الفردوس السياسي والاقتصادي المتميز بالحرية والعدالة للجميع.

اولئك "التقدميون" الذين لا يحترمون خصومهم السياسيين لكونهم في "الجانب الخاطئ من التاريخ" قبلوا واعتنقوا الحتمية التاريخية لهيجل و كومت وماركس، حيث رأوا التاريخ كآلية تحررية تتحرك الى الامام وتسحق اولئك الرجعيين و المحافظين الذين يقفون عقبة في طريقها. بالنسبة لهؤلاء "التقدميون" العملية هي حتمية ولا يمكن تجنبها ولهذا السبب لا يمكن وقفها.

من المفارقة ان النتيجة لهذه الرؤية للتاريخ هي انها تعمي عيوننا عن التاريخ ذاته، تمنعنا دائما من التعلم من دروسه . اذا كان الماضي متخلفا عن الحاضر، ويتميز بالبربرية والجهل فماذا يستطيع تعليمه للحاضر "المتنور"؟ كيف يستطيع الفلاح الجاهل والخرافي في الزمن الماضي تعليم الشخص المدني المتحضر المقيم في مدن حديثة؟ اذاً من غير المدهش ان نرى "التقدميين"يدعون لإزالة الاعمال العظيمة للحضارة الغربية من المناهج الدراسية في المدارس والكليات. ليس فقط الافكار التي جرى التعبير عنها في تلك الاعمال العظيمة تميزت بالجهل فأضرت بالماضي، وانما الخطورة هي ان بعض الناس قد ينظرون الى ذلك بشيء من الاهتمام والجد وبالتالي هم ذاتهم سيغرقون في الجهل والبربرية. هذا التحريم للكتب هو مشابه لحرقها وهي الممارسة التي ميزت كل ثقافة تمكنت فيها الافكار التقدمية من الوصول الى السلطة.

مع كل حديث عن التسامح، نجد حقيقة وهي ان التقدميين هم الأقل تسامحا من بين جميع الناس. الافكار التنويرية او التقدمية التي قادت الى الثورة الفرنسية قادت ايضا الى اختراع المقصلة اثناء فترة الرعب الكبير الذي اعقب الثورة الفرنسية. الافكار التنويرية والتقدمية لكارل ماركس قادت الى طوفان من الثورات في القرنين التاسع عشر والعشرين، جميعها انحدرت نحو العنف والارهاب فقتلت الملايين من الناس على نطاق واسع لم يشهد له الماضي اللامتنور مثيلا. ومع ذلك، كانت لدى اولئك الذين قادوا تلك الثورات نفس الافكارالفلسفية مثلما هم التقدميون اليوم. هم اعتقدوا ان الماضي بربريا والمستقبل هو الجنة الموعودة، كل ذلك بُني على فكرة التنوير. هم كانوا "على الجانب الصحيح من التاريخ" . وكما في الملايين من ضحايا التقدمية مثل الفلاحين الكاثوليك في اقليم فينديه الفرنسي (1) او ضحايا الارثودكسية الروسية (2)، هؤلاء الضحايا ضُحي بهم للضرورة التاريخية لأنهم كانوا "في الجانب الخاطئ من التاريخ". موتهم كان ضرورة وحتمية لأنهم وقفوا حجر عثرة في طريق التقدم.

وهناك رؤية اخرى للتاريخ تراه كصيرورة انسانية وليس فقط آلية. انها ترى التاريخ يبدأ بالعائلة وليس بالعبودية ، تؤمن اننا نستطيع ان نتعلّم دروس غنية من الماضي الذي يمكّننا من فهم الحاضر والمستقبل. انها رؤية ترى الماضي يتسم بكل ما هو انساني، بكل ما هو خيّر وسيء وقبيح في جميع ظروف الانسان. انها تعتقد اننا يمكننا ان نتعلم الكثير من كل ما هو جيد وحقيقي وجميل في الماضي، من الفلاسفة العظام والأعمال العظيمة للفن والادب، ومن اولئك الذين اتسمت حياتهم بالحب المرتبط صميميا بالتضحية الذاتية. انها ايضا تعتقد باننا لدينا الكثير لنتعلمه من الشر والقبح في الماضي، ومن المستبدين الذين رفضوا الاستماع لدعوة الحب مختارين بدلا من ذلك التضحية بالاخرين ، ومن الافكار السيئة التي كانت لها نتائج قبيحة مثل الافكار التي ذكرناها تواً لهيجل و كومت وماركس. هذه الرؤية لا تؤمن ان الماضي بربريا يجب التخلص منه باحتقار، وانما كانسان قديم ، ممتلئ بالتجربة الانسانية ، رؤية تمكّننا ان نتعلم من اخطاء الماضي لكي لا يُحكم علينا بتكرارها في الحاضر او المستقبل، وتبين لنا حياة الابطال الذين ضحوا بحياتهم لأجل الاصدقاء او الاعداء، فيحفزوننا لعمل الشيء ذاته.

لذلك، يمكن القول ان الجانب الصحيح من التاريخ يعتمد على ما نعنيه بالتاريخ ذاته. اذا كان التاريخ مجرد آلية للحتمية التاريخية تسحق الافكار غير التنويرية وغير التقدمية ، فسنكون فقط على "صواب" اذا انحنينا امام الماكنة. ولكن من جهة اخرى، اذا كان التاريخ شاهدا على افراد البشرية وهم يتفاعلون مع بعضهم بمرور الزمن ، يعلّموننا من خلال نتائج افعالهم لنتجنب الشر وآثاره التدميرية، ويحفزوننا لنعيش حياة التضحية بالذات التي تجعل العالم افضل لجيراننا وحتى لأعدائنا عندئذ سنكون في الجانب الصحيح من التاريخ . نحن سنكون فقط في الجانب الصحيح من التاريخ لو اتّبعنا مثال القديسين والابطال.

ولكي نكون صريحين اكثر، اولئك الذين في الجانب الصحيح من التاريخ هم الذين يعيشون حياة الخير والفضيلة في خدمة الحقيقة الموضوعية ولذلك يجعلون العالم أحسن حالا وأجمل مكانا. اما اولئك الذين يتعاملون مع الماضي بازدراء رافضين تعلّم دروسه عابدين الماكنة المتخيلة للتقدم سيكونون ادواتا للاستبداد اليوم مثلما كانوا ادواتا للاستبداد في الماضي. هم ليسوا فقط في الجانب الخاطئ للتاريخ وانما ايضا في الجانب الخاطئ للانسانية.

 

حاتم حميد محسن

..........................

الهوامش

(1) vendee هي منطقة في غرب فرنسا تقع الى الجنوب من نهر اللورين. كانت هذه المنطقة هي الشرارة التي انطلقت منها اكبر انتفاضة ضد الثورة الفرنسية. في مارس 1793 تصدى المواطنون في الاقليم الغير مهتمين بالثورة او بافكارها وقاموا بحمل السلاح ضد المؤتمر الوطني. كانت هناك عدة اسباب للثورة المضادة في مقدمتها الضرائب الثقيلة التي فُرضت على سكان الاقليم ومهاجمة الحكومة للكنيسة وإعدام لويس السادس عشر وفرض نظام التجنيد الالزامي. لقد دفع سكان الاقليم ثمنا باهضا لمقاومتهم تلك، حيث ان الحكومة ردت بسرعة بشن حرب دموية. استمر القتال لأجل السيطرة على الاقليم مدة ثلاث سنوات مخلفا اعدادا كبيرة من القتلى قدّرها البعض بـ 58 ألف شخص، لكن الخسارة الحقيقية في الارواح في الاقليم بين عام 1793- 1796 كانت حوالي 200 ألف شخص.

(2) قام ستالين بحملة تطهير كبرى لخصومه السياسيين تميزت بالقسوة والعنف الشديد، حيث بدأ اكبر حملة للقمع في تاريخ الاتحاد السوفيتي. استمرت حملة التصفية هذه من عام 1936 الى عام 1938 شملت تصفية السجناء السياسيين من جانب الشرطة السرية عام 1941. كان ستالين تعرّض للنقد من زملائه السابقين في الحزب كتروتسكي ونيكولاي بوخارين. استخدم ستالين هؤلاء المعارضين كحجة للتخلص من معارضيه بما فيهم البلاشفة الاصليين الذين ساهموا في الثورة عام 1917. حملات التطهير الستالينية بدأت على مستوى الحزب ثم امتدت الى بقية البلاد. استخدم النظام اعترافات كاذبة ووثائق اتهام مفبركة للايقاع بمعارضيه. الارقام الرسمية تشير الى اعتقال مليون وستمائة الف شخص، منهم 680 ألف سجين اُعدموا رميا بالرصاص، اي بمعدل ألف حالة إعدام باليوم الواحد.

 

 

بعد اتمام إتفاقية وستفاليا التي وضعت حداً للحروب الدينية في أوروبا، إستمر القتال بين هولندا وألمانيا لعام كامل، وهو الوقت المستغرق لوصول خبر الإتفاقية إلى المتحاربين ، مما يشير إلى بطء وصعوبة نقل ونشر المعلومة انذاك . من الطبيعي إذاً -مع ندرة وسائل الإتصال المعرفي- أن تكتسب المعرفة طابعاً نخبوياً، ويكون للثقافة آلهتها التي تتحكم بصناعتها ونشرها، ولما كانت الثقافة السائدة ذات مضامين دينية فإن رجال الدين هم أبرز النخب الثقافية آنذاك، وعامة الناس هم أطفال الرب، وبالطبع لن يبلغ الأطفال سن الرشد طالما لا يكلمهم الرب إلا باللاتينية التي لاقدرة لهم على فك حروفها، وهكذا فرجل ألدين هو المصدر الوحيد للمعرفة والتي هي مصدر للسلطة أيضاً حسب دراسات ميشيل فوكو. قبل الطباعة كانت الذاكرة والإستنساخ اليدوي هما الوسيلتان الوحيدتان لحفظ المعرفة، وكان للذاكرة مكانة هامة لدى الأغريق بحيث أن سقراط يرى الحكمة المكتوبة حكمة ظاهرية على عكس الحكمة المحفوظة بالذاكرة فهي متأصلة بالروح ، كما أن العرب يدينون بحفظ ثقافتهم للموهوبين من حفظة الشعر والأحاديث والحكمه. وكان النساخون ينجزون فقط الأهم من الكتب وخاصة الكتب الدينية وأمهات الفلسفة، فمعدل إنجاز الكتاب يستغرق ثمانية أشهر على الأقل.

جاء إختراع الطباعة على يد الصائغ المبدع يوهان غوتنبرغ ليشكل منعطفاً كبيراً ساهم في دمقرطة المجتمعات، عبر خلخلة النظام النخبوي للمعرفة ونشرها بين العامة. في البداية كانت طباعة الإنجيل وبإعداد كبيرة حتى سميت الطباعة بالفن الإلهي المقدس،ثم بدأ الناشرون -سعياً وراء الربح - بطباعة الإنجيل باللغات المحكية، فلا بد للرب أن يكون متعدد اللغات ليفهمه كل عباده، وهكذا تراجعت أبوية رجل الدين وبلغ أطفال الرب سن الرشد، وقد وجدت حركات الإصلاح الديني ضالتها في الطباعة لتضع العبد وجهاً لوجه مع الرب دون وسيط. إذاً لا غرابة أن تنعت النخب -التي تهالك نظامها الإحتكاري للمعرفة- الطباعة بالسحر الشيطاني، (مثلما تحرك النرجسية بعض مثقفينا فيشيرون بسخرية لما يسمونه ثقافة الإنترنيت) ، وقد كثرت شكاوى رجال الدين ضد الناشرين بسبب أخطاء مطبعية بدعوى أنها تسيء للدين، ومن طرائف ذلك أن طباعاً أسقط سهواً كلمة "لا " من أحدى الوصايا العشرة فأصبحت (على المؤمن أن يزني بجارته) فأنعكس المعنى.حركة النهضة هي الأخرى كانت تعاني قبل الطباعة من محدودية الوسائل لنقل افكارها النهضوية إلى عقول الناس. فلم تخرج عن دائرة النخبة حتى بدأت طباعة الكتب وكانت في معظمها كتب في الفلسفة الإغريقية والملاحم . أما الثورة العلمية فقد تعززت بطباعة الكتب وكان من أوائل الكتب المطبوعة كتاب كوبرنيكوس الذي أحدث صدمةً عنيفةً للكنيسة باكتشافه أن الأرض ليست مركز الكون وما هي إلا تابعاً يدور حول الشمس .كذلك كان للطباعة أثرٌ هائل على الإقتصاد، فقد ازدهرت المكتبات والمطابع وانتعشت التجارة ووفرت عملاً لأعدادٍ كبيرة.

رغم أن الطباعة كان لها دور كبير في كسر الإحتكار النخبوي للمعرفة، إلا أن دورها لم يكن حاسماً بسبب طبيعة النظام الإقتصادي والإجتماعي السائد، فالأمية متفشية وليس بمقدور الكثير من العامة شراء الكتب، علاوةً على رسوخ المفاهيم الإقطاعية والدينية آنذاك ، وعلى عكس الإنتقال السريع للتكنولوجيا الحديثة كالإنترنت، كانت تكنولوجيا الطباعة تعبر الحدود ببطء شديد، فقد دخلت لأول مرة في روسيا مثلاً في عهد ايفان الرهيب ، أي بعد أكثر من مئة عام من اختراعها.

العولمة الإقتصادية وسرعة إنتشار التكنولوجيا الحديثة جعلت معظم أجزاء المعمورة تنعم بالأنترنيت، فأنحسرت المسافات حتى أصبح بالإمكان نقل المعلومة من أقصى المعمورة إلى اقصاها بجزء من الثانية وفي متناول من يسعى إليها، وقد ساهم ذلك في إثراء ديمقراطية الأوساط الثقافية في الدول المتقدمة، إلا أن الوسط الثقافي العربي ظل متشبثاً بهيكليته العمودية ونظامه النخبوي. لطبيعة الأنظمة السياسية والبنية الإجتماعية المثقلة بالإرث الإقطاعي والعشائري انعكاسات جلية على الوسط الثقافي والإعلامي، فقد حظي الكثيرون بمكانةٍ ما في هذا الوسط إما بمحاباة السلطة وإستخدام دعايتها الإعلامية أو بالإعتماد على دعم الماكنة الإعلامية للأحزاب أو بالمحسوبية الشخصية والعائلية، مما أنتج ظاهرة "المثقف السماعي" الذي يكتب أكثر بكثير مما يقرأ، ومصدر حصاده الثقافي أجهزة الإعلام الصوتية وأحاديث المقاهي والمنتديات، ولما فتح الإنترنت أبواباً واسعة للنشر ، شجعت ظاهرة المثقف السماعي إعداداً كبيرة ممن لا يرون في الكتابة أكثر من صياغة انشائية لانفعالات ومواقف شخصية، أو هي تدوين لما تمتلئ به المقاهي والشوارع من جدل ومشاحنات، فبرزت صحافة إلكترونية هي أشبه بمقهى تضج بالهياج الطائفي والعرقي وتتناثر على طاولاتها الشتائم والبذاءات وعدة كتابها لا تتعدى كليشيهات مملة تفتقد إلى أية قيمة معرفية ، إلا أن الإنترنيت قد كشف أيضاً عن مواهب وإمكانات ثقافية -وخاصةً من الشباب- كانت تحجبها بالأمس الرقابة وحواجز النخبة المهيمنة على المشهد الثقافي، ومع ذلك تغافل المثقف النخبوي عما تقدمه صحافة الإنترنت فأصبحت تثير فيه الإستخفاف والتندر، حتى أن مجلةً ثقافية ورقية قد وضعت لنفسها هدفاً صريحاً " إحياء الثقافة الحقيقية التي تحتضر بفعل الإنترنت" (الإنترنت هو السحر الشيطاني هذه المرة). المفارقة أن المثقف النخبوي رغم هجومه وسخريته من صحافة الإنترنت، إلا أنه يبني معبده في صفحته على الفيسبوك ويجمع أطفال الرب فيطرب لتراتيل مديحهم ويستأنس بإطرائهم المبالغ به.

 

قصي الصافي

 

 

محمد كريم الساعديترتكز عملية البناء الفكري والمعرفي في خطابات الرد الثقافي على مغيرة الافعال المستمدة من البنى الايديولوجية التي كانت عليها الكولونيالية سواء كانت في قديمها التي مارستها على الشعوب الواقعة فيما مضى تحت السيطرة بكافة اشكالها (السياسية والاقتصادية والعلمية) وحتى على مستوى البناء السيكولوجي للفرد في المستعمرات البريطانية والفرنسية، أو في جديدها التي تهيمن عليه الآلة التقنية الأميركية وأسلحتها الفتاكة في إخضاع العالم ومنها المستعمرات الغربية السابقة، وفي محورها قلب معادلة الشرق الأوسط بمسمياته المختلفة وحسب ما يرسم له من خارطة جديدة وتقسيمات تقوم على أهداف للمائة عام القادمة، وهنا تأتي أفعال المغايرة للقديم والجديد من الكولونيالية بمختلف أشكالهم، وأهمها الثقافية التي أصبحت أكثر تغلغلاً في الأوساط كافة، وهنا تأتي أفعال المغايرة من أجل دق جرس الإنذار لما يحصل وسيحصل مستقبلاً، لأن الثمن سيكون محو الهوية الثقافية لصالح الآخر الذي يوظف كل شيء لذلك الهدف، على اعتبار إن الإمبريالية الثقافية في أشكالها الأكثر كلاسيكية هي شكل المركزية وعنصرية فاعلة سياسياً. إنها اثنومركزية تحولت الى أيديولوجية تقدم نفسها كطريق لخلاص الجماعات الدنيا والفكرة الأساسية هي أن الشعوب الأخرى أما أن تضع نفسها على الصفحة مع الحضارة الغربية، وإما أن تكون غير جديدة بالإعتبار ككيانات قابلة للاحترام " والتدوين في الصفة الثقافية الغربية، وهذا يعني الكثير من التغيرات والتشكلات الجديدة في الملامح الثقافية للشعوب الطائعة لرؤية الحضارة الغربية ومقاساتها التي تجلب الإحترام، لكن هذا الإحترام يبقى ناقصاً لأنه سيكون من الدرجة الثانية أو على هامش الحضارة، ولأن الغربي على وفق المفهوم الكولونيالي يبقى السيد والآخر الشرقي يبقى هو التابع على وفق المتقابلات التي وضعها العقل الغربي لتصنيف سلم الحضارة وتحويل شعوبها الى أول وثاني وثالث، وسجل الإستعمار حافل بهذه الصور والتصنيفات التي أصبحت علامات فارقة في الخطابات الكولونيالية أو ما يسمى بالعالمية ومركزيتها وهنا يرى الدكتور (جابر عصفور) في (الهوية الثقافية) في ما تعني العالمية وما تلقي بظلالها على البناء السيكولوجي للشعوب التي تكافح من أجل الخروج الى النظام الجديد بكرامة دون أن تقع تحت استجداء العطف من المركزية يقول عصفور : ولذلك ترتبط مفاهيم (العالمية) الغالبة على وعينا، من حيث هي علامة وصول الى محطة التقدم بتوترات قديمة لا تخلو الى اليوم من شعور بالدونية الذي لا يفارق الشعور بالغبن في عالم يخلو من معنى التكافؤ بين الإبداعات القومية والوطنية، أو المحلية وهي تراكمت لتصنع هذه العقد النفسية التي ينطوي عليها المتخلف في علاقته بالمتقدم والتي تؤدي الى أستجابات عصابية في حالات كثيرة ولم تنحل بعد في مرحلة إيجابية تتوازن فيها الدوافع المتناقضة، أو المتعارض اعني استجابات تتقلب ما بين المواقف الحديّة وتنهي إما الى الرفض المطلق أو القبول المطلق للمعايير، أو التمثيلات، أو الصور المفروضة من الأعلى على الادنى، لأنه ما فرض على الأدنى في زمن القوة والسيطرة العسكرية لا يمكن ان يستمر في هذا الزمن، لذلك ينظر لهذه على أنها صراع حضارات، أو صِدام حضارات بحسب (صامويل هنتجتون) في تواصل للرؤى الغربية التي تفرض على المهمش حضارياً .

إن هذا الصراع النفسي الذي تعيشه الشعوب بين العودة والحفاظ عل الهوية الثقافية المحلية والتعايش بسلام مع الثقافات الاخرى ومنها الغربية صاحبة الإمكانات التقنية الهائلة التي يسوق لها في كل أغلب المحافل العالمية، أو التصادم مع المركز العالمي من أجل التنافس معه حضارياً حتى تكون هناك فرص متساوية للحياة، وما هذه الحروب التي تحصل وتملأ الأرض إلا ردات فعل لما هو مفروض على الادنى وما هذا التطرف الحاصل اليوم في العودة الى الاسلاف، ما هو إلا صورة أريد لها ان تكون حاضرة حتى يقال إن الصراع هو بين ثقافة وحضارة متقدمة وأخرى متخلفة، وهذا التوجه مت المركزية الغربية هو ليس موجهة فقط للأخر الذي يقع خارج أسوار الحضارة الغربية ومفاهيمها المتمركزة في اللوغوس الغربي، بل هو ايضاً موجه نحو أفراد المجتمعات الغربية لتأكيد اختلافها عن الآخر الشرقي، وهذه الممارسات لها سياقاتها في تشكيل العقل الغربي بصورة ممنهجة ومستمرة، أي ان هذه الممارسات لا تنطبق السيطرة على الخطاب بوصفها ممارسة اجتماعية فحسب بل تنطبق أيضاً على عقول الذين يتحكم بهم، أي التحكم بمعرفتهم وآرائهم واتجاهاتهم وأيديولوجياتهم وكذلك تمثيلاتهم الشخصية أو الأجتماعية وبصورة عامة قد تكون السيطرة تعني – ايضاً – السيطرة غير المباشرة على الأفعال وهذا ما يجعل عملية البناء المؤسساتي في الأنظمة السياسية والاقتصادية الغربية تقوم على استطلاعات الرأي العام تجاه المواقف المعينة وخصوصاً في العصر الحالي على النظرة للآخر الشرقي وبالأخص الإسلامي، واستغلال ما يحرك من صور كولونيالية قديمة قائمة على أوصاف عدائية متجددة على وفق الحرب على الإرهاب والمعنى القديم المطابق للإرهاب في العقل الغربي هو الإسلام كما هي في ذاكرة الحروب الصليبية، وهذه النظرة وغيرها هي من شّكل الذاكرة الغربية المركزية وخطاباتها الكولونيالية في الثقافة، لذا فأن صورة المركزية العالمية ثقافياً هي قائمة على مشروع بعيد المدى أنتج في مؤسسات متعددة المسميات لكنها مشتركة الأهداف والغايات في ايجاد مساحات معرفية تستطيع أن تمارس من خلالها رغباتها في السيطرة والإخضاع، لأن المركزية الأحادية السياسية والثقافية للمشروع الكولونيالي كانت نتيجة طبيعية لتقاليد العالم الأوربي الفلسفية وأنساق التمثيل التي أضفت عليها تلك التقاليد امتيازاً وقد اسفر ذلك في المقام الأول عن انتاج ممارسات الخضوع الثقافية التي أعتبرها أحد نقاد ما بعد الكولونيالية (انكماشاً ثقافياً) خلفته الأفعال الكولونيالية ضد الشعوب التي وقعت تحت السيطرة والخضوع لها مما جعل في بداية الأمر تتولد صور سلبية قامت بالتركيز عليها في البناء الاجتماعي الاخلاقي لهذه الشعوب وبالتركيز على الجوانب السيكولوجية من خلال توظيف بعض المفاهيم التي أصبحت ملازمة للهوية المحلية ثقافياً، ومن هذه المفاهيم المهمة هي تأكيد معنى الاستلاب والابتعاد عن الذاتية ما يولد إنفصال وإنفصام عن الشخصية وإرثها الثقافي والحضاري الذي يستند عليه الوعي الفردي والجمعي في أي مجتمع قائم على بناء العلاقة الإيجابية مع جذوره، لكن الفكر الكولونيالي عمل على حصول هذا الإنفصال حتى يتمكن من بناء قاعدة فكرية وأخلاقية جديدة تجعل من الوضع الثقافي الأصيل وضع مستلب وخارج عن الأصلانية، من خلال تهديم الصور الأجتماعية والثقافية المرتبطة بأهم الموروثات ودلالاتها في تشكيل الوعي الوطني والقومي، وحتى القيم الإنسانية المشتركة مع المجتمعات الإنسانية الأخرى، لأن مبدأ الاستلاب والابتعاد عن الذاتية تجعل من الفرد يعيش حالة اغتراب ذاتي مع من حوله من المؤسسات الوطنية وقيمها التي قام عليها المجتمع، وبالتالي يتحول هذا الإستلاب الى مرحلة من التشكيك واليأس من الوضع الراهن الذي يعيشه الفرد في هذه المؤسسات ومدى تأثيرها عليه في التواصل المعرفي والاجتماعي والنفسي مع محيطه وبيئته الثقافية، وهذا ما ساعد وسهل عمل التغلغل الثقافي للعالمية ومركزيتها في الثقافات المحلية، وأصبح ما هو ثقافي عالمي مرغوب أكثر من المحلي، مما أدى الى السيطرة الثقافية ممارسة التهميش الذي أخذ صور ثلاث كان للآداب والفنون وغيرها من وسائل التعبير نصيباً مهماً في السيطرة وإخضاع الثقافات الأصلانية ومن أولى هذه صور التهميش الذي يتقلص بالحضور، ويدني به الى حال أقرب الى الغياب، وثانيتها اختيار ما لا يخلف في الوعي الثقافي العام سوى الاوهام التي يراد تثبيتها والإبقاء على شيوعها، وثالثتها رفض دعم ترجمة الآداب المهمشة والأنصراف عن نشر المترجم منها على اوسع نطاق وذلك جنباً الى جنب وتضييق دائرة التعريف بهذه الآداب الى أبعد حد تجعل من الثقافات المهمشة تعيش العزلة المعرفية خارجياً من خلال السيطرة على منافذ الترويج الثقافي، وداخلياً من خلال جعل المنتمين لهذه الثقافات يبتعدون عنها شيئا فشيئاً، مما يولد الأغتراب الداخلي عن الثقافة الأم /الثقافة الأصلانية صاحبة الهوية المحلية التي يهدف الفكر الكولونيالي الى التخلي عنها لصالح الثقافات الاخرى.

إن خطابات الرد الثقافي مارست افعال المغايرة ضد التهميش الثقافي وتغييب الهوية الأصلانية، لأن المهمة التي وجت من أجلها هذه الخطابات هي إعادة بعث الحياة في هكذا أنواع ثقافية وأدبية وفنية، كان لها الأولوية في تأكيد الهوية الوطنية وإعادة الثقة للمواطن الأصلاني بمثل هكذا ممارسات تعيد اليه روح الانتماء الى تراثه ولغاته التي تعيد بمثابة حلقة الوصل مع الجذور الثقافية لمثل هكذا ممارسات، حتى تجعل من التهميش الثقافي لها داخلياً وخارجياً يقل في ضغوطه وممارساته على الهويات الوطنية، وهنا يأتي دور الخطابات الرد الثقافي لنظرية ما بعد الكولونيالية والذي يهتم بتقصي وتطور إقتراحات حول الأثر الثقافي للغزو الأوربي على المجتمعات المستعمرة وطبيعة استجابات تلك المجتمعات وتتعلق نظرية ما بعد الكولونيالية بمدى أوسع من الإنشغالات الثقافية : اثر اللغات الإمبريالية على المجتمعات المستعمَرة، تأثير (الخطابات الكبرى) الأوربية كالتاريخ والفلسفة، طبيعة وسياقات التعليم الكولونيالي والروابط بين المعرفة الغربية والسلطة إنها تتعلق بالتحديد باستجابات المستعمرين : والصراع للسيطرة على التمثيل الذاتي للشعوب المهمشة في ساحة الحضارة العالمية، إذ سعت ما بعد الكولونيالية من خلال خطاباتها الى البحث والتفتيش بين ثنايا الخطابات الكبرى الكولونيالية من أجل زعزعت وتحريك تمركزها وتموضعاتها حول المبادئ الأساسية التي قام عليها اللوغوس الغربي في تدوين الصور النمطية للآخر المغاير لها على صفحات هذه الخطابات ومدى أهليته في تمثيل نفسه ذاتياً ووصف عجزه عن أداء أدواره الثقافية للبحث عن هذه الأوصاف النمطية التي عملت خطابات الرد المغايرة فيما بعد الكولونيالية على متقابلات يستطيع الأصلاني أن يعيد انتاج هويته الأصلانية ومعرفة مدى حركة التهميش التي وقعت عليه وبدأت حركة أخرى هي البحث في الفضاءات المهجنة التي عملت الثقافة الأعلى على إنتاجها وتذويب ما هو ذاتي ومحلي فيها لصالح الثقافة الأعلى المسيطرة .

إن العمل على إعادة انتاج الهوية الثقافية يأتي من خلال البحث والتقصي للامساك بناصية التهميش المفروض عليه، ويجعل من التهجين والتوفيقية مصدراً لإعادة التعريف الأدبي والثقافي. ان نصوص ما بعد الكولونيالية بإفراطها في تدوين ظرف (الآخرية) إنما تؤكد مدى تعقيد (الاطراف) المتقاطعة بوصفها المادة الفعلية للخبرة لكن النضال الذي يقتضيه ضمناً هذا التأكيد – (إعادة تعيين موضع) نص ما بعد كولونيالية – يتمركز على محاولة الأطراف السيطرة على عمليات الكتابة التي يمكن أن تعيد صياغة الخطابات الكبرى، وهنا الكتابة لا تقتصر على التدوين في الصفحات والنقش على المطويات، بل تأخذ الكتابة بعداً أخر بحسب مفهوم (جاك دريدا) لها فهي تدخل في أشكال الحياة الابداعية ومنها السينما والمسرح والتلفزيون وغيرها، لأن معنى الكتابة هو ما يسطره المبدع من أعمال يريد بها أعادة كتابة تاريخ الاشياء، فالكتابة اخذت بعداً أكبر من بعدها التدويني في الصفحات .

إنَّ مجالات ما بعد الكولونيالية متعددة ومتنوعة البحث في الآثار الكولونيالية على الشعوب، وهذا التعدد في المجالات جعل من خطابات المغايرة تأخذ أبعاد أوسع في مناقشة الظاهرة الكولونيالية، وهنا يرصد(دوغلاس روبنسون) هذه المجالات في كتابه (الترجمة والإمبراطورية) وكما يأتي :

1. دراسة مستعمرات أوربا السابقة منذ استقلالها، أي كيفية استجابات شعوبها للإرث الكولونيالي ثقافياً .

2. دراسة مستعمرات أوربا السابقة منذ أستعمرها، أي الكيفية التي استجابت بها الشعوب المستعمرة للإرث الكولونيالية ثقافياً .

3. دراسة جميع الثقافات / المجتمعات / البلدان / الأمم من حيث علاقات القوة التي تربطها بسواها من الثقافات، أي الكيفية التي أخضعت لها الثقافات المفتوحة لمشيئتها .

ومن خلال هذه المجالات الثلاثة يصف (دوغلاس) حقول العمل فيها بحسب رأي المشتغلين فيها الى ثلاثة أنواع من الدراسات ما بعد الكولونيالية وهي : (دراسات ما بعد الأستقلال) من خلال دراسة التاريخ القريب لثقافات ما بعد الكولونيالية معينة، و(دراسات ما بعد الاستعمار الاوربي) من خلال مقاربة تفيد الأوربيين المناهضين للهيمنة، و(دراسات علاقة القوة) من خلال دراسة رأي المنظرين الثقافيين الذين يتركز اهتمامهم على إبراز علاقات القوة بين المستعمِر والمستعمَر .

إنَّ هذه الأنواع الثلاثة من الدراسات ما بعد الكولونيالية شكلت القاعدة الفكرية لخطابات المغايرة ضد الأفعال والممارسات التي قامت بها السلطات الكولونيالية ؛إذ أخذت هذه الخطابات بالبحث في أغلب مجالات المواجهة والمجابهة الثقافية، ومن هذه المجالات التي نركز عليها في هذا كتابنا هي الفنون، وخاصة الفنون الأدائية التي لها مدخليه مهمة في نقد الفكر الغربي بصورة عامة والفكر الثقافي الكولونيالي بصورة خاصة، من خلال مقاومة الأفكار التي أتجهت في جوانب مهمة من العمل الفني على التمركز الغربي ثقافياً وفنياً، وهنا يرى (سعد البازغي) في كتابه (الأختلاف الثقافي) أن التيارات الثقافية في العالم التي استهدفت التمركز الثقافي الغربي إنصب أهتمامها على ثلاثة محاور هي :

1. التمركز الأوربي (الغربي) في مفاهيم مثل التنوير وغيرها التي ساهمت في توسع التغلغل الثقافي، وهذا النقد أتى من مفكري مدرسة فرانكفورت (أدورنو وهوركهايمر).

2. فكر ما بعد الحداثة ونقد للحداثة التي أوجدت مشكلات عدة على المستويات الأقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها .

3. النقد ما بعد الكولونيالي والذي صدر من مفكري ونقاد الحركات الثورية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وبعض الدارسين في اوربا من هذه اصول.

وفي النقطة ثالثاً يبرز دور المفكر الأمريكي ذو الأصول العربية (فلسطينية) (أدوارد سعيد) وما قدمه من مجموعة من المؤلفات التي ساهمت في نقد الفكر الثقافي الكولونيالي ومنها كتاب (الإستشراق) وكتاب (الثقافة والإمبريالية) وكتاب (السلطة والسياسة والثقافة) وغيرها من المؤلفات التي حملت معها قضية الفكر الكولونيالي وأثره على الثقافات المهمشة ومنها (الشرق الاوسط) . و(سعيد) في مؤلفاته تناول جوانب النقد الفني لعدد من الاعمال الغربية التي كان لها دور في الترويج لثقافة التمركز الغربي، ومن بين هذه الاعمال (الكوميديا الالهية - دانتي) ورواية (توقعات عظيمة – لتشارلز ديكنز) و(روبنسون كروزو- لدانيال ديفو) وأعمال مسرحية مثل مسرحية (الفرس - اسخيلوس) ومسرحية (عطيل - شكسبير) .

إنَّ الفنون بمختلف أنواعها ساهمت ايضاً في حركة النقد للإرث الكولونيالي وكشف ما هو مؤثر في الحركة الثقافية الغربية على البيئات الثقافية المحلية، ومن بين الفنون المسرح الذي استخدم من قبل المبدعين في نقد الثقافة الكولونيالية، والشواهد في هذا المجال عديدة ومنها ما استخدم في داخل الفضاءات الثقافية الغربية ذاتها، ومنها ما استخدام في إخراجها وقد ذكرنا في كتابنا - الذي يحمل عنوان (الإشكالية الثقافية لخطاب ما بعد الكولونيالية / المسرح انموذجاً)- العديد من هذه المسرحيات، ففي الداخل الغربي قدمت مسرحيات لـ(جان بول سارتر) مثل مسرحية(الشيخ والغانية) التي تنتقد التعامل مع (الزنوج) ومسرحية (أنشودة انغولا) لـ(بيتر فايس)، ومسرحية (أنظر خلفك في غضب) لـ (جون ازبورن) ومسرحية (كل أبناء الرب لهم اجنة) لـ (يوجين أونيل) . أما في خارج الفضاءات الغربية فقد قدمت مسرحية (Vincent O. Sullivan) وتتناول موضوع السكان أصلانيين في أستراليا ومعاناتهم مع المستعمرين، ومسرحية (ساندي لي) وتتناول صورة الأبتزاز الجنسي ممثلاً بصورة آمرأة تمثل قارة (آسيا) وتخضع للرجل الغربي الأبيض.

إنَّ هذه الأعمال المسرحية وغيرها كان هدفها الرد الثقافي بالضد من الخطابات الكولونيالية، والهدف الأساسي لهذا الرد هو المغايرة الأفعال الكولونيالية وتفكيك ما هو مخفي حتى تتضح النوايا من وراء الإستغلال الثقافي للإنسان المهمش والذي وقع تحت تأثير ثقافة مؤدلجة تعمل من أجل جعل الشعوب تغادر كلما هو أصيل ثقافياً لصالح البديل الثقافي، وما ينتجه من هيمنة تشوه المحلي لصالح العالمي وإخضاعه تحت سلطة المركزية الثقافية، لذلك فالهدف الأسمى للمسرحيات ما بعد الكولونيالية هو كشف التعمية الثقافية التي تمارس ضد الثقافات الرافضة للمرويات الكبرى للخطاب الغربي ومركزيته، فالمسرح كفعل درامي هدفه أيضاً إعادة هذه المرويات الكبرى ولكن بصورة مغايرة للرواية الرسمية، أي إعادة رواية " الجانب الآخر من قصة البيض الغزاة وذلك بغية مناهضة الرواية الرسمية للتاريخ والمحفوظة في النصوص الإمبريالية وكما هو الحال مع الرواية التي قدمها المستعمر Coloniser للتاريخ فان لغته ايضاً شغلت وضع السيادة وهو الوضع الذي يجب مسائلته وتفكيكه كجزء من مشروع تفكيك الاستعمار وفكر الكولونيالي ثقافياً وفنياً .

 

بقلم الاستاذ الدكتور محمد كريم الساعدي

 

 

ماجد احمد الزامليحكم القانون ليست الشعارات، وانما الممارسات العملية ؛ التى يمارسها الانسان فى حياته اليومية، كحصول على حقه، ولا يعتدى عليه احد، ولا يظلمه احد، ولا يهدر كرامته احد، ولا يتم التمييز ضده، ولا يكون ضحية للفساد والمحسوبية والمنسوبية، أي حصوله على إستحقاقه الذي يحدده القانون. لذا في زمن الانفتاح والمنافسة المشروعة، أصبح هذا المفهوم شديد التداول وطنيا ودوليا. سيادة القانون تعني أن كل مواطن يخضع للقانون، بما في ذلك صانعو القانون أنفسهم، وأنه لا أحد فوق القانون، وهذا كله صحيح مع إدراك وتحقيق مفهوم القانون النابع عن إرادة مشتركة تراعي مصالح جميع مكونات المجتمع بصورة عادلة أو مقبولة. فإضافة إلى اعتباره أسلوبا لصنع السياسة على أساس القواعد الأساسية المألوفة في الديمقراطيات الحديثة، مثل سيادة القانون، التعددية السياسية والاجتماعية، والتسامح، والتعبير الحر، وحريات وحقوق المواطنة،... فهو عنوان لمنظومة أساليب وخطوات الإصلاح السياسي والاجتماعي ككل، مثل اعتماد المحاسبة في مواجهة السلطات العامة، والمطالبة بتوفير مظاهر الشفافية في مؤسسات صنع القرار، وتقييم نوعية الحكم من زاوية الالتزام بالبرامج وسيادة القانون وقدرته على تعزيز الفرص والميل إلى المشاركة، واحترام حقوق الإنسان، ومكافحة الفساد، وضمان المساواة في تكافؤ الفرص. فإن أهلية الحكم الديمقراطي العادل تبقى مرهونة بمدى توفر هذه المحددات مجتمعة وبصورة عملية وليس كنصوص جامدة في الدستور أو في القوانين الجاري العمل بها وتنتظر التفعيل. المطلوب هو أن تكون هذه المحددات فاعلة في الواقعين القانوني والسياسي من خلال توضيح علاقة السلطة السياسية بالقانون، وضمان الفعالية القانونية للمؤسسات التشريعية، والتنفيذية، وتقوية النظام القضائي وتعزيز استقلاليته كسلطة دستورية، وتمكين الصحافة من لعب أدوارها كسلطة رابعة، لإنجاح عملية الإصلاح، يجب أن تستند علاقة السلطة بالقانون إلى مبدأ سيادة القانون القابل للتفعيل والتطبيق وليس سيادة السلطة على حساب القانون. سمو القانون بوصفه نظام يتضمن قواعد ملزمة، ووسيلة لضمان الأمن والعدالة، وتجنب الممارسات الإعتباطية للسلطة. لذلك ينبغي أن تكون القواعد واضحة وملزمة للجميع. وينبغي التصدي لخطر ظهور سلطة تنفيذية مهيمنة تسيء استخدام القانون من خلال استخدام مجموعة من الضوابط والتوازنات، خاصة النظام القضائي المستقل، والحدود الموضوعية، واحترام حقوق الإنسان على وجه التحديد. ينبغي أن يكون الإلتزام بالإصلاح القانوني الجدي شرطا لأي تحول سياسي ديمقراطي ولأي انتخابات ذات مصداقية تتطلب بيئة مواتية يكون فيها لعملية الإصلاح القانوني بعض الأثر. عندما ينطلق هذا الإنتقال، ينبغي إنشاء هيئة (مع ضمان استقلال أعضائها) لإجراء مراجعة شاملة واقتراح إصلاحات مفصلة . وحكم القانون هو اساس بناء المجتمعات والدول، فالنظام الاجتماعى يبدأ عندما يكون هناك قانون تشريعي، او عرفي؛ يخضع له الجميع، الغنى والفقير، القوى والضعيف، الحاكم والمحكوم أي بناء نظام قضائي عادل.

قامت الثورات في أوروبا في الأزمنة الحديثة لإسقاط الاستبداد، وإقامة أنظمة أكثر إنسانيةً وعدالة؛ وأكثر تمثيلا. وقد تلاقى على ذلك تياران في الفكر والعمل السياسي: تيار فصل السلطات؛ وتيار الاقتراع العام. ويرمي تيار الفصل بين السلطات إلى الحدّ من تعدي السلطة التنفيذية على المجتمع وقواه، والسلطة القضائية. ثم تجاوزت الثورة الفرنسية النزوع الإصلاحي والتدرجي لتقييد سلطة الحاكم إلى قول وممارسة (سلطة الشعب) عن طريق الاقتراع العام، وتضمَّن ذلك تقدما على مسار الفردية باعتبار أنّ لكل مواطنٍ صوتا. في النصف الثاني من القرن التاسع عشر تقدم بوضوحٍ مبدأ الفصل بين السلطات، وإحداث توازُنٍ دقيقٍ ليس بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية للبرلمانات بمجلسيها فقط (بحسب الأنظمة رئاسية أو برلمانية)، بل وبين سلطة التشريع والسلطة القضائية. ثم تقدمت استقلالية القضاء أكثر رغم صعود قوة البرلمان عندما صار القضاء يمارس سلطةً رقابيةً على السلطتين الأخرتين لصالح المواطن، من خلال المحاكم الإدارية العليا، والمحاكم أو المجالس الدستورية. وتأتي قوة المؤسسة القضائية من ولايتها على إنفاذ القوانين، أي أنها مؤسسةُ إحقاق الحقّ، وإقرار العدالة. وعندما كانت القوانين والتشريعات ذات صبغةٍ دينيةٍ، كان معنى تجاوزها أو الاعتداء عليها اعتداء على حقّ الله، وعندما صارت مدنية، صار معنى الاعتداء عليها الانتهاك للحقوق الطبيعية المجبولة في طبيعة الإنسان.

من خلال الواقع القانوني، يمكن تقسيم سلطات الدولة إلى ثلاث سلطات رئيسة هي التشريعية والتنفيذية والقضائية وتقوم العلاقة بين السلطات الثلاث على أساس التعاون ومبدأ الفصل بينهما وعدم التداخل والتقاطع في أعمال هذه السلطات مع بعضها البعض مما يترك مساحة واسعة من التطورات القانونية لتأخذ نصيبها من خلال العمل المستقل بدون تأثير سياسي أو اقتصادي ، ومن خلال القراءة ألاولية لعمل هذه السلطات نجد أن السلطة ألاولى في الدولة وهي السلطة التشريعية تتمتع بدور فاعل وأساسي في عملية صنع القرار السياسي وعملية البناء القانوني للتشريع ووضع الدستور أحيانا ومراقبة أعمال السلطة التنفيذية وصولا إلى إجراءات المسائلة والاستجواب وحل الوزارة أذا لزم ألامر ووفق الصيغ الدستورية. ان العلاقة بين السلطات يحكمها الدستور النافذ في الدولة سواء كانت دولة تطبق القانون ام لا ، لذلك فان المرجع الحقيقي في تطبيق هذه العلاقة وبيان أساس الترابط والتقارب بينها وبين السلطات الاخرى هي الدستور ، وهذا يعني أن العلاقة بين السلطات هي أمر نسبي يختلف من دولة إلى أخرى ومن نظام إلى أخر في الدولة الواحدة حسب التوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والايدولوجية داخل الدولة ولكنها تبقي الدستور أساسا لاي علاقة تحكم السلطات وتنظمه من اجل تطبيق القانون بصورة أفضل حتى يمكن أن يكون للحكم العادل الديمقراطي الحقيقي النصيب الأكبر في تحقيق ثوابته ومحدداته استنادا إلى تلك العلاقة. حكم القانون واحترام حقوق الانسان من أهم عوامل التغيير الأساسي، فإذا لم يتمتع الناس بحقوقهم وكرامتهم الانسانية لن ينشطوا في المساهمة في بناء بلادهم. كذلك فإن المجتمع الذي يسوده الكبت والعنف لن يحقق تغييراً أساسياً. المقهورون والمقموعون لن يشاركوا في شيء يتعلق ببلادهم بنشاط. فمع مرور الوقت، اثبت الدستور الامريكي انه ميال للغاية نحو التكيف مع سياسات الجماعة التوزيعية، ومع الليبرالية الامريكية الحديثة المتسمة بالنفاق، والمبالغة بالنصوص القانونية، والتدخل فيما لا يعنيها، مبتعدا عن حماية الملكية حسب مذهب جون لوك الذي استلهم نصوصه منه. تمثل الدساتير ركيزة لأي نظام قانوني؛ وبالتالي فعدم احترام الدساتير يعكس عدم الاعتبار الواسع لحكم القانون وعدم إحترامه. ويكون الدستور موقعاً مهماً للتعبير عن رؤى ومبادئ وطرائق حكم القانون . ولا يقتصر هذا التعبير على إدارة العدالة، وإنما يشمل أيضاً عملية تشريع القانون، بما في ذلك مسائل مثل صلاحيات الرئيس، والفيدرالية والحكم المحلي، فضلا عن وضعية ودور وصلاحيات المؤسسات المختلفة. و عملية مراجعة الدستور فرصة مهمة لمناقشة طيف من المسائل الدستورية وقياس تفضيلات الرأي العام بشأن كيفية معالجة المسائل الأساسية المتعلقة بطبيعة الدولة والنظام القانوني. و عملية المراجعة ينبغي ان تحظى بالشمول الكافي و تجري في ظروف تتيح الحرية الكاملة للنقاش (مثل حرية الإعلام، وحرية التجمع والحرية من الاعتقال التعسفي و سوء المعاملة). وينبغي ان يسير الإصلاح الدستوري جنباً إلى جنب مع الإصلاح المؤسسي؛ فالاتفاق على المعايير “الموضوعية” للدستور لا تكفي لضمان الحماية الفعالة للحقوق المدنية والسياسية.

حددت الهيئات الإقليمية والدولية لحقوق الإنسان عددا من أوجه القصور في القانون وعملية صنع القانون، ومع ذلك تجاهلت بعض الانظمة إلى حد كبير تلك التوصيات، عدا التوصيات التي تراها الحكومات مستساغة سياسيا (الأشخاص ذوي الإعاقة، والأطفال، والاتجار بالبشر). وواحد من المجالات التي تستحق الاستكشاف هي مسألة الحاجة إلى حشد الدعم من طائفة واسعة من الدول لكي تدفع بإتجاه التوصية بالاصلاحات ومتابعتها. ولا عجب أن يحتل القانون والقانونيون مساحة واسعة فيما يدور من نقاشات، فقد برز من بين المطالب التي رفعتها الانتفاضات الشعبية إرساء حكم القانون، وانطوى هذا المطلب على طيف من الأمور، مثل: استقلال القضاء، وترويض الأجهزة التنفيذية، ولجم صلاحيات المسؤولين التنفيذيين، وحماية الحريات والممتلكات من نظم حكم جعلت القانون وسيلة للبطش، أو لتعزيز مصالح المقربين أو كليهما. هذه المخالفات يقوم بها شخص يشغل منصب في السلطة أو أن القانون خوله صلاحيات للقيام بعمله لكنه يستغل صلاحياته بشكل غير قانوني ليس بهدف المصلحة الشخصية وإنما لمصلحة جمهور مؤيديه أو اتباع حزبه بحجة الدفاع عن أمن الدولة أو المصلحة العامة أو النظام العام.

 

د. ماجد احمد الزاملي

 

 

التوتر اهم سبب للتقليل من الشعور بالسعادة والرضى في حياتنا الحالية .يسمي الدكتور احمد عكاشة رئيس الجمعية العالمية للطب النفسي سابقا الشعور بالسعادة والرضا ب(جودة الحياة). يمنع التوتر الانسان في زماننا المعاصر من ان يعيش حياته ويستمتع بها فيومه واسبوعه مليء بالمنغصات التي تعكر مزاجه من ازدحام و وسائط نقل وانتظار ومراجعات وامتحانات له او لاولاده وانقطاع الكهرباء في الحر وانقطاع الماء ورداءة النت والجو السيء والطعام المصنع ومضافاته الكيمياوية والضجيج الذي يمليء المدينة وطرقها، والغش وفقدان الثقة بين الناس، كل ذلك يفقدك الاحساس بما تملك، فلا يعود الانسان يشعر بما يمتلكه من مميزات فهو يأكل ولكنه لا يشعر بطعم الاكل ويخرج للنزهة ولا يتعدل مزاجه بل ربما يزداد تعكيرا .تصادفني ايام اخرج صباحا الى العمل وانا اشعر ان عضلات وجهي مشدودة متقلصة من التوتر وانا لا استطيع تحريرها من تقلصها .

ما الذي يستطيع ان يفعله الانسان للتقليل من التوتر الذي يعاني منه ؟

هناك اسباب للتوتر وهناك بعض الطرق لمواجهته، اذكر لكم بعضا منها ويمكنكم تجربتها لعلها تنجح معكم :

- يحتاج الانسان الى مساحات خضراء تحيط به وان يرى بكثرة يوميا اشجار وحشائش خضراء وزهور ملونة ليقلل التوتر وربما يستعيد بعض الشعور بالسعادة (الماء والخضراء والوجه الحسن) .

-مناخ معتدل طبيعي مائل للبرودة .المناخ الحار سبب مهم من اسباب تعكر المزاج والشعور بالتوتر وسهولة الغضب..

- اكثر اسباب التوتر هي العلاقة بين البشر اي اكثر ما يثير التوتر في نفسك هم الاخرون فحاول أن تتجنبهم خصوصا المزعجين.

-من اسباب التوتر تعقيدات الحياة، و الاخبار والاعلام الذي يوصل لنا الاخبار البائسة ويثير التوتر في نفوسنا فحاول التقليل من استماعك الى الاخبار وقلل من متابعة نشرات الاخبار .

- من اسباب التوتر الخوف من المستقبل وبما ان المستقبل ليس بيدك ولا تعرف عنه شيئا فاترك المستقبل للمستقبل.

- الابناء ومشاكلهم والخوف عليهم حاول أن توطن نفسك على أن ابنك هو شخص لديه امكانيات محددة ولا يمكنك أن تختار انت مواصفاته وامكانياته حاول أن تعلمه وتوسع مهاراته ولكنك بالتأكيد لن تستطيع ان تخلق شخصية اخرى كما تريدها.تعود ان تترك الخلق للخالق.

- الطعام المصنع سبب من اسباب التوتر حاول ان تعتمد على الطعام الطازج، الفواكه والخضراوات الطازجة وليس المعلبة قد لا تستطيع اقناع زوجتك بذلك لكونها موظفة وتفضل استخدام المعلبات لتقليل الوقت المخصص للطبخ ولكن يمكنك ان تخوفها بان المعلبات تزيد نسب تعرض الناس الى السرطان.

- المشروبات الصناعية كالمشروبات الغازية والعصير المليء بالسكريات والمواد المضافة سبب من اسباب رداءة المزاج، وحتى الشاي الذي كنا نستمتع بمذاقه حولوه الى مسحوق مخزون في اكياس من البلاستك تتدلى من خيط توضع في الماء الساخن وذهبت ايام القوري على الفحم، والشاي الذي يخدر بهدوء على نار الفحم او الجولة الهادئة.وحتى اغنية (خدري الجاي خدريه) فقدت طعمها بسبب الشاي المسلوق على الغاز وليس الشاي المخدر على الفحم او الجولة وكلمة (خدر) من الخدر اي الدلال فيجب ان تدلل الشاي كي يمنحك المزاج المطلوب لا أن تسلقه على عجل.

- العودة الى الطبيعة وترك مخرجات الصناعة، اصبح كل ما نستخدمه مصنوع من البلاستك، البلاستك الذي اصبح اكبر (غازي) وملوث في التاريخ لحياتنا وفاق في عدوانه هولاكو.

-المشي او الهرولة: اكبر مضاد للتوتر المشي والهرولة لانها تسبب زيادة افراز الاندورفين وهذا يعمل ضد الادرينالين الذي يزداد افرازه هو والكورتيزونات في اوقات التوتر.

- التخلص ما امكن من ركوب السيارات وتجنب السياقة ما امكن اوتقليل فترات السياقة لانها اكبر سبب من اسباب التوتر في حياتنا الحالية.

- الدوام الرتيب: كيف تستطيع ان تغير حياتك من خلال تغيير رتابة الدوام حاول ان تتمشى قبل الذهاب الى العمل او بعده حاول ان تقطع فترات العمل المكتبي بدقائق من المشي.

- التلوث في الهواء والماء والتربة والطعام: التلوث يدمر حياتنا فكل ما حولنا ملوث .قبل ثلاثين عاما كانت المياه اقل تلوثا بكثير واقل ترسبات، كان الهواء اكثر نقاءا وكانت الارض اكثر نظافة، وكان الناس اقل انتاجا للنفايات، كانت النفايات لا تحتوي العدد الكبيرالحالي من القناني البلاستيكية والمعدنية والكارتونية، كانت المشروبات الغازية يتم تناولها في قناني تستبدل ولا ترمى في النفايات .كان الماء يشرب بالطاسة او القدح ولا يترك مخلفات واليوم اصبح الماء يخلف الاف القناني من البلاستك، كانت الالبان محلية تأتي من الريف والان الالبان مصنعة وتترك علبا، كانت الامهات تجفف الخضراوات للمواسم الاخرى الان نشتريها معلبة او مجمدة وتترك علبا فارغة تذهب الى النفايات لتزيد من تلوث البيئة.قلل من تلويثك للبيئة بتقليل استخدام العلب والقناني.

- تعقيدات دوائر الحكومة ومراجعاتها ومعاملاتها المزعجة :اذا كانت لديك معاملة في دائرة حكومية سيغزو جسمك ودماغك التوتر والشد العصبي ولن تهدأ حتى تتأكد من اكمالها.

- ممارسة هواية مهما تكن بسيطة كالقراءة او الاستماع الى الموسيقى او المشي بشكل دوري اوتسجيل مذكراتك، اي هواية ستكون معينا لك على التخلص من التوتر.

 

د.احمد مغير - طبيب اختصاص وباحث

 

 

حسن العاصيمند تأسيسها، ساهمت الصحافة الفلسطينية والصحافيون الفلسطينيون في تطوير الحركة الصحافية العربية وإنضاج تجربتها، كما ساهم الأدب الفلسطيني والأدباء الفلسطينيون كذلك بفعالية في إغناء الحياة الثقافية العربية وجعلها أكثر إبداعاً وجمالاً.

وكان لبواكير الأعمال في فن القصة مثل أعمال الأدباء الفلسطينيين غسان كنفاني، وجبرا إبراهيم جبرا، وإميل حبيبي، وأيضاً إبراهيم نصر الله، كان لها دور طليعي في رفد الأدب العربي بأعمال مهمة لعبت دوراً في تبلور وتطور فن القصة العربي، بل إن الأدب الفلسطيني أظهر قدرة على معالجات متميزة ومتفردة عربياً، مثل رواية “الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل” للأديب إميل حبيبي.

وبالرغم من أن الشعر هو نوع الأدب الذي يفيض به النشاط الثقافي الفلسطيني أكثر من غيره من الأصناف الأدبية، وهو أمر يتميز فيه الفلسطينيون في سياق الحركة المتطورة في الأدب العربي، إلا أن المتابع للإنتاج الأدبي الفلسطيني يلاحظ تطور هذا الأدب في الرواية والقصة والنقد كما هو حال الشعر.

ومما لا شك فيه أن النكبات المتتالية التي عانى منها الشعب الفلسطيني، كان لها الأثر الواضح في مجمل الأعمال الأدبية وخاصة في مجال الشعر، الذي صوّر معاناة الفلسطينيين، وعبّر عن الذاكرة الشخصية والجماعية التي تضمنت كافة المنعطفات السياسية والاجتماعية التي تعرضوا لها، منذ نهاية القرن التاسع عشر.

كل هذا الوجع الفلسطيني شكل مادة دسمة للأدب الفلسطيني الذي تميز بكونه أدباً يحض على الشجاعة والإقدام، أدباً يدعو إلى حب الوطن وإلى مواجهة الظلم، وأدباً يفيض معاناة ويمتلئ بالأحاسيس التي تلامس مشاعر وأذواق القراء الذين يتفاعلون مع الأدب الفلسطيني ومع قضيته.

لقد ظهرت الصحافة والعمل الصحافي في فلسطين كخامس دولة عربية بعد مصر ولبنان وسورية والعراق، وهذا يمنح الصحافة الفلسطينية عراقة تاريخية ما زالت تراكم تجربتها حتى يومنا.

بالرغم من أن الصحافة الفلسطينية منذ انطلاقتها واجهت مضايقات رقابية وحصاراً من قبل السلطات العثمانية التي كانت تحكم فلسطين، حيث كانت الصحف تعتبر ناطقاً رسمياً باسم الحكومات القائمة، لذلك اعتبرت السلطات العثمانية ما تتضمنه الصحف أمراً خاصاً بها، هي وحدها تجيز وتمنع وفق أهوائها.

يعد الانتداب الذي فرضته بريطانيا على فلسطين، مرحلة جديدة للصحافة الفلسطينية التي دخلت في كوارث متتابعة من المعاناة، إذ أقدمت السلطات البريطانية على اعتماد سياسة إغلاق الصحف والتضييق عليها، والقيام باعتقال الصحافيين، والتكتم على المعلومات ومحاولة حجبها عن الصحافة، كما عانت الصحف من الرقابة الشديدة على محتوياتها، وقد استمرت هذه المعاناة طوال فترة الانتداب البريطاني على فلسطين التي استمرت ما يقارب الثلاثة عقود.

إن حال الصحافة الفلسطينية بعد النكبة لم يكن في وضع أفضل، فعلى سبيل المثال عانت هذه الصحافة من الإجراءات المتشددة والرقابة المسبقة في ظل حكم الإدارة المدنية الأردنية للضفة الغربية، بالرغم من أن هذه الفترة شهدت تأسيس عدد من الصحف والمجلات الجديدة.

ورغم التوسع الذي حصل إلا أن الرقابة الحكومية فرضت على الصحف خطاً تحريرياً لا يخرج عن السياسات الحكومية، وكان مقص الرقيب يتدخل في أية مادة صحافية منشورة لا تنسجم مع الموقف الرسمي الأردني.

ولا يختلف حال الحياة الصحافية كثيراً في قطاع غزة الذي وقع تحت الحكم المصري، إذ عانت الصحافة من مشكلات كثيرة أهمها مقص الرقيب وغياب الخبرة، وعدم وجود مؤسسات إعلامية، إضافة إلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي الصعب والمعقد الذي كان يعاني منه قطاع غزة.

يلاحظ في تلك الفترة وما تلاها، أن الصحافة الفلسطينية انغمست كثيراً في القضايا السياسية وقضايا التحرير، ومواجهة الخطر الصهيوني، بالإضافة إلى ذلك فقد طرأ عنصر جديد على هذه الصحف في تلك المرحلة أيضاً هو أن معظم الصحف والمجلات الفلسطينية بدأت في تخصيص قسم للثقافة فيها، حيث بدأت هذه الصحف تنشر الأعمال الشعرية والقصصية والمقالات الثقافية.

وفي فترة الاحتلال الإسرائيلي بعد العام 1967 ظلت الصحف الفلسطينية تعاني من الرقابة والتضييق، حيث قامت إسرائيل بممارسة مزيد من الضغوط النوعية التي لم تشهدها هذه الصحف، خاصة في ظل الرقابة العسكرية التي أجبرت الصحف بالحصول على موافقة مسبقة على كافة المواد المنشورة، وفي ذات الوقت استمرت هذه الصحف في مواجهة هذه الضغوط بكافة وسائلها، واستطاعت أكثر من عشرين صحيفة جديدة الحصول على تراخيص للإصدار في تلك المرحلة.

أبرز ما ميز الصحافة الفلسطينية في فترة الاحتلال الإسرائيلي، أنها صحافة ثبات ومحافظة على الوجود، ولم تكن صحافة مجابهة ومقاومة، إذ أنها انشغلت في الحفاظ على المكونات التي تحمي هوية الشعب الفلسطيني من الضياع، وعملت على تعزيز مفهوم الحقوق الوطنية في نفوس الفلسطينيين، كما أنها لعبت دوراً هاماً في فضح تصرفات الاحتلال الإسرائيلي.

التطور اللافت والمنعطف الهام الذي حصل في القضية الفلسطينية العام 1994 حين تم الإعلان عن قيام السلطة الوطنية الفلسطينية، هذا العنصر المستجد أوجد وقائع جديدة في الضفة الغربية وقطاع غزة، من أهم ملامح هذا الواقع هو انتقال سلطة الحكم الإداري من إسرائيل إلى الطرف الفلسطيني، وبقاء السيادة السياسية لإسرائيل.

حاولت السلطة الفلسطينية استثمار هذا العامل الجديد، واتخذت إجراءات تمهد لبناء نواة دولة فلسطينية قادمة، فقامت بإصدار قانون المطبوعات والنشر الفلسطيني في العام 1995 وكان هذا الأمر دليلاً واضحاً على اهتمام السلطة الفلسطينية بقضايا الصحف والإعلام والأدب والنشر، وتنظيم العلاقة بينهما من جهة، وبين وسائل الإعلام والمجتمع من جهة أخرى.

وقد تميزت هذه المرحلة بنشاط زاخر وحركة صحافية وعمل ثقافي واسع بهدف إحداث تطور ونقلة مهمة للحياة الصحافية والثقافية بشكل عام، بالرغم من قلة الإمكانيات لدى الفلسطينيين قياساً بالأشقاء العرب، إلا أن حراكاً إعلامياً كان قد بدأ بتفاعل كافة القوى السياسية الفلسطينية، وكانت الصحف هي الوسيلة التي تعكس هذا التفاعل.

انتشرت الصحف والمجلات الفلسطينية في عهد السلطة، وكانت تعكس التنوع السياسي والمزيج الفكري للشعب الفلسطيني وقواه السياسية. وهنا ظهر عامل جديد، إذ أصبحت الصحف أيضاً تخضع لقوانين السلطة إضافة لخضوعها إلى نفوذ إسرائيل.

كما أن إسرائيل بقيت مستمرة في اعتماد سياسة استهداف الإعلام الفلسطيني الذي أصبح خاضعاً للسلطة الفلسطينية، لكن إسرائيل تستهدفه كما تستهدف كافة مناحي حياة الفلسطينيين.

الأبرز هو استمرار القيود الإسرائيلية التي كانت مفروضة على الصحف والصحافيين الفلسطينيين، مثل القيود على حرية الحركة، واعتقال الصحافيين وضربهم أثناء تغطية الأحداث، ومنهم من قامت إسرائيل بقتله.

فيما يرتبط بالحياة الأدبية الفلسطينية، كان الأدباء الفلسطينيون يكتبون أعمالاً لأنفسهم، ولم تكن تشغلهم في فترة بداية القرن العشرين وما قبلها، فكرة عرض أعمالهم على القراء.

ويتفق الباحثون على أن الأديب الفلسطيني يوسف الخالدي هو الوحيد بين أقرانه في تلك المرحلة من حاول نشر أعماله الأدبية، لكنه لم يتمكن من ذلك لأسباب تتعلق بظروف عمله.

بينما تمكن الأديب روحي الخالدي الذي كان ديبلوماسياً في باريس، من نشر كتابه “تاريخ علم الأدب عند العرب والافرنج” في مجلة الهلال المصرية على حلقات، بعد أن أقام علاقات صداقة مع صحافيين مصريين، الأمر الذي فتح له باب الشهرة.

وفيما بعد تمكن روحي الخالدي من نقل جزء من الثقافة الغربية إلى القارئ العربي عبر ترجمة عدد من النصوص والأعمال الغربية ونشرها في الصحف المصرية بداية ثم في صحف أخرى.

وكان روحي الخالدي من الأدباء الذين يصوغون أعمالهم بطريقة تصل إلى المتلقي بسهولة كما أن أعماله تضمنت الكثير من قيم الأصالة، ويعتبر من رواد الأدب الواقعي.

وكان لأعماله التي نشرت الأثر الواضح في صياغة مفاهيم لغوية جديدة لدى عدد كبير من الكتاب والأدباء العرب والفلسطينيين، وبدأ الأدباء يميزون بين الأصناف الأدبية الغربية بفعل جهود روحي الخالدي.

نحن نتحدث هنا عن فترة بداية القرن العشرين، حيث بدأ الأدب الفلسطيني يحبو وينمو ويتطور بشكل بطيء. ولا يمكن الحديث عن تلك الفترة دون ذكر أسماء الأدباء الرواد، وأبرزهم الشيخ يوسف النبهاني، ونخلة زريق، وخليل السكاكيني، ومحمود حمدي.

وظهر في تلك المرحلة تيار من الأدباء لم يكن معروفاً من قبل، اعتمد الشعر والنثر الذي يعالج قضايا اجتماعية واقعية، أو ما يعرف بالشعر القصصي، ولعل ديوان الشاعر “إسكندر الخوري البيتجالي” الذي أصدره العام 1919 باسم “الــزفرات” خيــر دلــيل علــى ما ذكرت.[1]

إن الشاعر البيتجالي نسبة إلى “بيت جالا” القرية التي ولد فيها، كان سبّاقاً في الدعوة إلى الشاعرية الاجتماعية، حيث قدم الشاعر نفسه العديد من الأعمال الأدبية التي عالجت بالشعر قضايا اجتماعية، وهو بذلك مهّد الطريق أمام هذا النوع من الأدب الذي بدأ يعكس المفاهيم الاجتماعية السائدة، وقيم المحبة والخير بأسلوب مختلف عما كان سائداً.

ورغم هذا فإن الإنتاج الأدبي في فلسطين كان محدوداً، لكن قيام السلطات العثمانية بإصدار دستور عام 1908 كان له أثر في تطور اللغة العربية حيث دخلت مصطلحات جديدة لم يعهدها الناس من قبل، مثل الدستور، والحرية، والقومية، والأمة، ترافق ذلك مع تبلور الطبقة الوسطى في المجتمع التي اهتمت بإصدار الصحف السياسية، وحرص بعض شرائحها الاجتماعية على تملك هذه الصحف، واتسعت دائرة القراءة وانتقلت من النخبة إلى الجمهور.

كما قامت الطبقة الوسطى بتأسيس الأندية الثقافية والاجتماعية، ما أنعش بشكل متدرج الحياة الثقافية الفلسطينية، حيث كانت هذه الصحف والأندية تعبر عن هذه الطبقة ومصالحها، عبر المقالة السياسية والأدبية، وعبر كتابة المذكرات، والمواضيع اليومية، بحيث تماهت الصحف مع واقع وتطلعات الطبقة البرجوازية.

يمكن أن نلاحظ هذا التماهي من خلال مطالعة عناوين صحف تلك الفترة، والتي تعج بمفردات من نوع: الحرب والسلم، والاقتصاد والسياسة، والبناء الاجتماعي، والإصلاح، والنهضة ودور الشعوب.. الخ، وجميعها قضايا تمثل واقع حال الطبقة الوسطى ومشاكلها.

وهكذا أصبحت هذه الطبقة تمتلك أدباء وكتّاباً يعبرون عنها، مما شجع على زيادة أعداد الصحف وبالتالي زيادة عدد المطابع، هذا من جهة، الأمر الذي أسهم في ازدياد أعداد الكتاب من جهة أخرى، ومن أبرز هؤلاء الأدباء والكتاب في تلك المرحلة العثمانية نذكر: خليل السكاكيني، وخليل بيدس.

من المعروف أن اللغة العربية تأثرت على مر التاريخ بلغات أخرى منها اليونانية والفارسية، إلا أن تأثير اللغة التركية أيام العهد العثماني ظل محدوداً ويقتصر على اللهجة المحكية بين الناس، لكن الفصحى لم تتأثر، وفي سياق الأدب الذي نتحدث عنه هنا، لم نجد أي نص باللغة التركية لأي أديب فلسطيني، ولا حتى نصاً منقولاً من التركية إلى العربية، بالرغم من أن العديد من الأدباء الفلسطينيين في تلك الفترة كانوا يجيدون اللغة التركية.

لقد عرف الأدب العربي الشعر المترجم وأنواعاً مختلفة وحديثة من النثر الأدبي، وكذلك فن المقالة، والرواية والنقد، من خلال انفتاحه على الأدب الغربي الذي رفد الأدب العربي بأنواع لم يكن يعرفها العرب. وكانت الصحف والمجلات هي الوسيلة الشعبية الوحيدة لنشر الإنتاج الأدبي، وهكذا بدأ عامة الناس يتعرفون على أنماط جديدة من الأدب ومن أساليب الحياة لم تكن معروفة من قبل.

إن ظهور هذه المفاهيم الجديدة في منطقتنا قادمة من الغرب وما حملته من مفردات ألهمت الكثيرين ومن ضمنهم الأدباء، مثل التربية والتعليم، وإنشاء المدارس، وتعليم المرأة وتحررها، والحجاب والحياة المدنية، إلى ما هنالك من الشعارات والمواضيع التي كانت تزخر بها المجتمعات الغربية وصحافتها وأدبها.

اجتمعت عناصر تأسيس وانتشار الصحف، وتحسن مستوى التعليم، والتواصل والانفتاح مع الغرب، وإقامة أندية ثقافية واجتماعية، لتشكل بداية لظهور علاقات جديدة في فلسطين. فالأدباء الفلسطينيون الأوائل كانوا أناساً أكاديميين يمتلكون العلوم الأدبية وأصحاب ثقافة كبيرة، وسافروا إلى بلدان متعددة، ويتحدثون لغات أجنبية.

إن ما سبق ذكره مهّد الطريق أمام بداية تأسيس الثقافة الفلسطينية، التي شكل عمودها الفقري نشوء الصحف وانتشارها، وفتح نافذة للتبادل الثقافي والمعرفي مع الدول الغربية، ساهم في مد هذه الجسور الطلاب الفلسطينيون الذين تخرجوا من مدارس الإرساليات، أو ممن تم إيفادهم للتحصيل العلمي في الجامعات الغربية، الأمر الذي أثرى الثقافة الفلسطينية من منابع معرفية متعددة.

وتعرفت الثقافة الفلسطينية والأدباء الفلسطينيون على فنون إبداعية لم يكونوا يعرفونها مثل السينما والمسرح والتمثيل والديكور وما شابه من مفردات حديثة. كما جرت عملية بلورة للاتجاهات الأدبية السائدة بشقيها الكلاسيكية والرومانسية، وتنوع أشكال الكتابة ومناهج النقد الأدبي.

طبعا كانت الصحف هي الحاضن الطبيعي لولادة هذه الأفكار والمفاهيم الثقافية الجديدة، وكذلك كانت الصحف الجسر الذي عبرت خلاله الكثير من المصطلحات والمفردات اللغوية والأدبية والسياسية الجديدة إلى شرائح واسعة من الناس، من خلال استخدامها من قبل الأدباء والكتاب في المقالات والأبحاث والنصوص التي كانوا يكتبونها وتنشرها الصحف.

ليس هذا فقط، بل قامت الصحف والمجلات الفلسطينية بدور فعال في إحداث تغييرات في السلوك والحياة اليومية للفلسطينيين عبر ما تنشره من قصص وروايات مترجمة، وهي بذلك أسهمت في صياغة مقاربات معيارية للحداثة وللذائقة على المستويين الشخصي والعام.

أيضاً، كان للصحف الدور الهام في فتح الأبواب أمام ترجمة الأدب العالمي إلى اللغة العربية، واعتبر الأدب المترجم عنصراً من عناصر الثقافة، وواحداً من الأنماط الأدبية الحديثة التي كان لها تأثير على اللغة العربية وتطورها وعلى الحياة الأدبية الفلسطينية بشكل عام من خلال التعابير والمفردات التي جلبتها الصحف والمجلات للأدب العربي، وأدخلت هذا الأدب في طريق الحداثة.

من أهم الصحف والمجلات الفلسطينية التي قامت بهذا الدور التنويري نذكر مجلة “النفائس العصرية” لصاحبها خليل بيدس التي كانت تصدر في مدينة القدس، وكذلك مجلة “الزهرة” لمؤسسها جميل البحيري وكانت تصدر في مدينة حيفا. ([2])

ولا بد من الإشادة بالدور النشط الذي لعبه النقد الأدبي في تعزيز هذه المفاهيم الجديدة، من خلال الاستخدام المتكرر للعديد من العبارات والمفردات العربية الحديثة التي استحسنها المتلقي فأخذت تحتل مكاناً في الحياة اليومية للناس.

وقد كتب بهذا الشأن عدد من النقاد والأدباء ومنهم خليل السكاكيني، الذي دافع عن أهمية تطور اللغة، والضرورات التي تمليها المتغيرات التي تحصل في المجتمع لهذا التطور، وأشار إلى أن اللغة تحاكي التاريخ من حيث أن مفرداتها وتراكيبها تشير إلى الفترة الزمنية التي استخدمت فيها هذه التعابير، وهذا يجعل من اللغة كائناً حياً يتطور وينمو.

وكما أسلفنا فإن انعكاس هذا التطور والنمو نلمسه في الصحف الفلسطينية التي ساهمت بنشر ما هو حديث في اللغة عبر المقالات والنصوص، وبهذا ساهمت الصحافة في تطور وعي البشر أيضاً وتطور تفكيرهم ومعارفهم ونظرتهم للأشياء.

ومن أهم المجلات والصحف التي شكلت حاملاً لهذه الحداثة وتقديمها للعامة، مجلة الكرمل، والإنصاف، والترقي، والأصمعي وغيرهم.

ولعل أبرز التعابير الحديثة التي دخلت إلى عالم الصحافة حينذاك، والتي كانت تحاكي الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية في تلك الفترة، القومية، والنهضة، والاستقلال، والاستبداد، والفكر الاشتراكي، والعقيدة، وحقوق الإنسان، والمساواة، والتجديد، والعديد من المفردات الأخرى التي أصبحت تستعمل في مجال الفنون الأدبية والمسرحية والإذاعية، ومصطلحات فلسفية وسياسية وحقوقية واجتماعية.

والصحف التي نشرت هذه المصطلحات منحتها أيضاً معانيها الحقيقية من خلال ربطها بالواقع المعيش، وعبر ذكر أمثلة محددة، وكذلك عبر الحرص الذي أصبح يوليه الصحافيون الفلسطينيون في استعمال هذه التراكيب الجديدة في مقالاتهم، وحرص الأدباء على استعمالها في نصوصهم وإنتاجهم الأدبي، وبهذا نستطيع القول إن الصحافة الفلسطينية ساهمت بشكل فعال في تشكيل وتبلور ما يمكن أن نسميه الثقافة الوطنية الفلسطينية، من خلال الدور الكبير الذي قامت به الصحف في نشر المعرفة، وحماية مكونات الشخصية الفلسطينية من الاندثار، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الصحافة بلا شك قد احتلت موقعاً مهماً في سياق تطور اللغة العربية ورفدتها بعوامل استمرارها وتجددها كي تظل لغة نشيطة ومواكبة للتطورات المختلفة في المجتمع.

في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، اعتبرت سلطات الانتداب أن اللغة العربية هي اللغة الثالثة في فلسطين، بعد الإنجليزية والعبرية، وسخروا من العربية التي اعتبروها لغة لا تناسب المجتمعات المتطورة، وهذا ما وضع اللغة العربية في مواجهة خطر اضمحلالها وتراجعها، ومن أجل الضغط أكثر على العربية، أصدر الانتداب قراراً بضرورة المعرفة الجدية للغة الإنجليزية لكل من يرغب في تولي وظيفة من العرب.

وهنا مرة أخرى قامت الصحافة الفلسطينية بدورها في حماية اللغة العربية سواء من جانب الخطابات والمراسلات الحكومية، أو من جانب ما يمكن أن يسيء إلى اللغة العربية عبر الترجمة السيئة لكتب أو أعمال أدبية من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية.

وقد تصدى لمهمة الدفاع عن اللغة العربية مجموعة من الأدباء والكتاب الفلسطينيين، من خلال النقد المباشر أو تقديم نموذج للآخرين عبر الاستخدام الأمثل للعربية وكيفية توظيف اللغة في المقالات والتقارير والنصوص الأدبية.

أيضاً اهتمت الصحف الفلسطينية بنشر الأبحاث والدراسات التي قام بإعدادها عدد من الكتاب مثل السكاكيني والنشاشيبي، اللذين كانا يسافران خارج فلسطين لإلقاء المحاضرات حول اللغة العربية.

ختاماً، نستخلص من كل ما تقدم أن الصحافة الفلسطينية نشرت جميع الإنتاجات الأدبية، ووقفت إلى جانب المبدعين والأدباء والكتاب، وأسهمت بشكل قوي في نشر المفاهيم الحداثية فيما يتعلق باللغة أو بالحياة عموماً، ولها الفضل في نقل الأدب الغربي للقارئ العربي، ودورها المهم في بقاء واستمرار اللغة العربية وحمايتها وكذلك تطورها في مختلف المراحل التي مر بها الشعب الفلسطيني وصحافته وأدبه.

 

حسن العاصي

كاتب وصحافي فلسطيني مقيم في الدنمرك

......................

الهوامش:

[1] انظر: ديوان العرب، قسم الأدباء والكتاب الفلسطينيين، http://cutt.us/tebf4).

[2] انظر: مركز المخطوطات والوثائق الفلسطينية، http://cutt.us/nJCHi).

 

 

ميثم الجنابياللحظة التأسيسية للتاريخ العراقي الجديد: إن العبارة المندهشة عما يسمى ب"لحظة العمر" تعكس بقدر واحد جلاء الحقيقة وغموضها، أي كل ما يجعل من الواقع والرغبة والحقيقة شيئا واحدا. وبالتالي يعطي للعقل إمكانية التفسير والتأويل باعتبارهما شيئا واحدا. وإذا كانت هذه الحالة نادرة في حياة المرء، فإنها أكثر ندرة في تاريخ الأمم والدول. لكنها حالما تحصل، فإنها تتحول إلى حصاد منعش ومرهق بقدر واحد، شأن كل ما في الحياة الفعلية من تناقضات هي عين الوجود ومصدر المعنى ودليل العارفين! من هنا إثارتها لهياج الجدل وإلهام اليقين، وشكوك العارفين والجاهلين في أسئلة وتساؤلات تتراوح ما بين التفاؤل المغري واليأس القاتل، والتأييد العارم والمعارضة الشامتة. باختصار كل ما يميز حالات الوجود الفردي والاجتماعي زمن الانقلابات الكبرى، والتحولات العاصفة، والوقوف أما "مفترق الطرق" المجهولة. وذلك لأنها حالات تندرج أما ضمن سياق الزمن ومروره العابر، او تتغلغل في طبقات الوجود الفعلي لتاريخ الأفراد والجماعات والأمم.

وقد كان انهيار الدكتاتورية الصدامية والتوتاليتارية البعثية في العراق عام 2003 الحالة النموذجية لهذا النوع من "لحظة العمر" المغرية والقاتلة! من هنا إثارتها واستثارتها لجدل سوف لن ينتهي ما لم تنتهي إشكالية التعارض المستعصي بين نفسية الزمن وفكرة التاريخ في الوعي والوجود العراقي. فالزمن لا يعرف العقود والقرون. إنها لحظات في تاريخ الوجود. من هنا قيمتها بالنسبة للتأمل والاعتبار العقليين، أي للحاضر والمستقبل. ولهذا عادة ما تمر عشر سنوات في تاريخ الأفراد الجماعات والأمم والدول بوصفها زمنا عابرا، بينما تتحول لحظات او أيام إلى "محطات" كبرى في تاريخها الذاتي. من هنا إمكانية أن تهز بضعة أيام العالم، بينما ينام العالم غافلا ذليلا قرونا من الزمن في سبات هو عين اللذة المخدوعة!

وليس مصادفة أن تثير "عشر سنوات" بعد انهيار الدكتاتورية في العراق جدلا في العراق والعالم العربي والعالم أيضا بمستويات مختلفة. ولكل منه مقدماته وغاياته، أسبابه ونتائجه. أما بالنسبة لنا، فان ما جرى هو "لحظة التاريخ الكبرى". وذلك لأنه وضع للمرة الأولى إشكالية الزمن والتاريخ في الوجود العراقي بوصفها قضية وجودية ومعنوية بقدر واحد. إذ لا تعني ولا تعادل عشر سنوات بمعايير العد العادي سوى 10 سنوات من الزمن. أما بمعايير التاريخ، فأنها تعني تذليل تركة 700 سنة ما بعد سقوط بغداد عام 1258 حتى انقلاب تموز 1958، وحطام 400 سنة من الاحتلال العثماني، وخراب 40 سنة من دكتاتورية فجة، وتركة 10 سنوات من الاحتلال والاحتراب والتشرذم والاقتتال الدموي والسرقة والنهب والاحتيال وغيرها من الرذائل. ذلك يعني أن عشر سنوات (2003-2013) هي العقد الأول من التاريخ الفعلي للولادة الجديدة للعراق الحديث. وذلك لأنها تضع للمرة الأولى بعد قرون وعقود وسنوات من الزمن مهمة التأسيس الفعلي للتاريخ الذاتي.

إن التأسيس الذاتي للدولة والأمة هو على الدوام المهمة الأكثر تعقيدا، ومن ثم الأكثر عذابا وعذوبة في الوقت نفسه. وذلك لأنها اللحظة الأكثر اضطرابا وإثارة للمواجهة والتحدي والصراع والاقتتال بمختلف أشكاله ومستوياته. الأمر الذي جعل ويجعل منها على الدوام اللحظات الخاطفة في تاريخ الأمم. وذلك لأنها اللحظات التي ترتقي فيها الأحداث والإرادة إلى مستوى الإدراك الواعي للمستقبل. بمعنى العمل والفعل بمعايير التطور التلقائي وليس بردود الفعل المباشر على ما هو خارجي. بعبارة أخرى، إن الأحداث التاريخية الكبرى هي التي توجه قواها النقدية والفعلية أولا وقبل كل شيء تجاه النفس من اجل إرساء أسس تطورها الذاتي. وهي الحالة التي تحسسها العراق وتلمسها وتذوقها وآخذ بإدراكها بمعايير الجسد والروح للمرة الأولى بعد قرون من الزمن. فإذا كان اغلب النصف الأول للقرن العشرين، بوصفه بداية الدولة الحديثة، يدور في فلك رد الفعل على السيطرة الأجنبية (من انتداب وهيمنة وسطوة بريطانية)، فان النصف الثاني منه تراكم بمعايير الزمن القاتل للراديكاليات السياسية والبنية التقليدية للنظم السياسية. ومن خلال هذه العملية المتناقضة كان تراكم وعي الذات الاجتماعي والوطني والقومي يشق لنفسه الطريق، شأن مياه الحياة المضغوطة تحت أحجار صماء. وإذا كان مخرجها الهائل قد بدأ مع بدايات القرن الحادي والعشرين، فان ذلك يعني بالنسبة لنا بداية القرن الجديد. وهو ما يشكل مضمون اللحظة التأسيسية الجديدة بالنسبة للعراق.

إن اللحظة الكبرى في تاريخ الأمم هي التي تشق لنفسها الطريق إلى الكلمة والعبارة والمعنى. ومن ثم تجبر الجميع، كل على مقدار ما فيه من طاقة واستعداد، لتأمل ما فيها والانهماك بأشكال ومستويات مختلفة للمساهمة أما برصف الكلمات وأما بسبك العبارات وأما بتحقيق المعاني. ووراء كل منها قدر من المعاناة هو الصدى العلني أو المستتر لما في هذه اللحظة من اثر واقعي مباشر على الحياة والوعي، أو احتمال كامن فيما أطلقت عليه تقاليد الثقافة العربية عبارة "سر الغيب"، أي الاحتمال غير المتناهي لكمون المستقبل.

من هنا عادة ما تبدو اللحظة التاريخية التأسيسية مفاجأة كبرى، وذلك لأنها تعيد إنتاج حقيقة المفاهيم وإعادة دمجها وتنشيطها في نسيج الوعي الاجتماعي والقومي. وليس هذا في الواقع سوى المقدمة الروحية (العقلية والوجدانية) لنقد الذات الفعلي، أي نقد التاريخ الواقعي من اجل تصحيح مساره المستقبلي. وبالتالي، ليست اللحظة التأسيسية سوى مقدمة صنع التاريخ الطبيعي. والتاريخ الطبيعي هو تاريخ المستقبل. وليس المقصود بتاريخ المستقبل سوى التطور التلقائي عبر تكامل الدولة والنظام السياسي بالقضاء على زمن السلطة. أما مضمون التكامل هنا فهو التطور والتقدم والارتقاء بمعايير المعاصرة والحداثة، أي المؤسسة على جوهرية العلم وديناميكية التطور الاقتصادي ووحدة الحرية والنظام وقيم العدل والمساواة.

فقد كان القرن العشرين رقما لا علاقة له بالعراق. أو أنه عاش قرنا من الزمن لا علاقة له بالتاريخ العالمي. انه قرن الانغلاق والتقوقع والتخلف والرجوع إلى الوراء. انه قرن التضحيات الكبرى والهزائم الكبرى. وذلك لأنه لم يرس أسس المنظومة الضرورية للتقدم الفعلي. كما أن معاناته لم ترتق إلى مصاف الإدراك العقلي والعقلاني لقيمة وأهمية وكيفية تحقيق اللحظة التأسيسية بالنسبة للتاريخ القومي، أي إرساء أسس التاريخ الطبيعي والعقلي للدولة والمجتمع والثقافة. ولا يمكن بلوغ ذلك وتحقيقه دون إرساء أسس النظام السياسي الاجتماعي والعقلاني واستكمال مقوماته الحية وتجاربه الدائمة.

وشأن كل عملية تاريخية كبرى عادة ما يتداخل فيها الوهم والخيال مع الرزانة والحصافة والتعقل الرزين. ولا غرابة في الأمر. فالحياة خليط هائل لا ينتظم إلا بمتناقضاته! وينطبق ذلك بالقدر نفسه على حياة الأمم. إذ لا تنتظم متناقضاتها إلا عبر إرجاعها إلى حقائقها الأولية، أي أولوية الحياة العاقلة، أي المحكومة بما كان أسلافنا يدعوه بالعقل الفعال. فهي المقدمة الضرورية لجعل فكرة الاحتمال الواقعي والعقلاني أسلوب الحياة نفسها. وبالتالي، فان حقيقة اللحظة التأسيسية الحالية بالنسبة للعراق تعادل من حيث الأسلوب والمعنى مضمون العقل الفعال، أي العقل التاريخي للأمة من اجل تذليل مختلف أوهام زمن الخراب والضياع والتخلف!

ذلك يعني أن اللحظة التأسيسية او "لحظة العمر" هي بداية كل وجود فيه. وبما أن الوجود غير متناه، من هنا سوف اكتفي بالقضية الأكثر جوهرية للوجود التاريخي للأمة، أي قضية الدولة والنظام السياسي. فهي القاطرة التي يمكنها أن تسحب عربات الوجود صوب الغاية (المستقبل) او تسقطها في هاوية الضياع أو الموت.

فالإشكالية العصية لوحدة وديناميكية الزمن والتاريخ في العراق هي أولا وقبل كل شيء إشكالية النظام السياسي والدولة. وسوف لن ينتهي عصيانها "المنطقي" والواقعي ما لم يجر تذليل زمن الاغتراب عن حقيقة التاريخ العراقي. وفيما لو جرى تكثيف مسار الدولة العراقية الحديثة ونظمها السياسية من ملكية وجمهورية، ديمقراطية نسبية ودكتاتورية تامة، فإننا نقف أمام حقيقة مرة المذاق والطعم ألا وهي فشل الدولة العراقية الحديثة وتحلل نظامها السياسي. إذ لم يكن الاحتلال الأمريكي للعراق وطبيعة ونوعية المهانة الوطنية والقومية للعراق سوى النتيجة "المنطقية" لواقعية الفشل الفعلي للدولة والنظام السياسي فيه. وبما أن النظام السياسي هو قلب وروح الدولة، من هنا دوره الحاسم بالنسبة للأمة وكينونتها الذاتية، والتاريخ ووعيه الذاتي، والمستقبل وآفاقه، وديناميكية الاقتصاد والعلم والثقافة، ونوعية العلاقات الاجتماعية والقيم.

فقد كان الاحتلال الأمريكي للعراق خاتمة الانحلال الذاتي للدولة العراقية الحديثة ونظامها السياسي. ومفارقة الاحتلال تقوم في انه أنهى الاحتلال أيضا. بمعنى أن ما جرى بعده هو نفي لما كان يسعى إليه، وما يجري الآن هو نفي لزمن الاحتلال والانحلال بقدر واحد. بمعنى أنها بداية التحرر الذاتي الفعلي للعراق الحديث. وهو تحرر معارض وناف "للتحرير الأمريكي" من حيث قواه وآفاقه وغاياته، وذلك لأنه يرسي للمرة الأولى منظومة مرجعياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والقيميية والوطنية الخاصة. وليس الاحتراب الدموي ومختلف أشكال ومستويات اللاعقلانية فيه سوى الوجه الظاهري لهذا التحول الكبير. وذلك لان ما يجري ليس إعادة بناء او ترميم للدولة والنظام السياسي والقيم، بل تأسيس جديد ونوعي لهما.من هنا تعقيده الشديد ومرارته الفائقة بسبب ضعف القوى الاجتماعية وتمزقها الداخلي وتراكم أمراضها الهائلة وخرابها المعنوي وتحلل القيم وشبه غياب للنخب الاجتماعية العقلانية بشكل عام والسياسية بشكل خاص. بمعنى أن العراق مازال ركيكا وهشا. وقد يكون عدم نضوج قواه السياسية بشكل خاص احد المؤشرات الجلية بهذا الصدد. بمعنى أن اغلبها ما زال يعيش بمعايير الزمن والغريزة. من هنا هموم السلطة وليس الدولة، والطائفة وليس المجتمع، والجهة وليس الوطن، والأنا وليس نحن. وقد تكون هذه الحالة هي إحدى أقسى العقوبات التي يمكن أن تتعرض لها الأمم عندما تبقى قواها السياسية محكومة بالغريزة والزمن. بمعنى عدم ارتقاءها إلى مصاف التاريخ والرؤية التاريخية. فقد عاش العراق قرنا من الزمن هو "تاريخ" ضائع! وقد تكون هي أحدى أقسى العقوبات التي يمكن أن تتعرض لها الأمة والدولة والثقافة. لأننا نعثر فيها على جهل وتجهيل بقيمة التجارب التاريخية. وهي صفة أقرب ما تكون إلى ذاكرة الحيوان منها إلى عقلية الإنسان. وذلك لما فيها من استعداد على النسيان وتكرار نفس الأخطاء والخطيئة.

الخروج من مأزق الفشل التاريخي

إن الحالة المثيرة للتقزز والغثيان الحالية هي حالة العراق الفعلية، كما أنها حالة اغلب قواه الاجتماعية والسياسية. أنها اقرب إلى حالة الحثالة والهامشية والأطراف. من هنا ضحالة قواه الذاتية الحالية أيضا. الأمر الذي جعل من كل ما فيه مشكلة وإشكالية. بل أن العراق هو إشكالية أيضا. إذ نقف أمام إشكالية الهوية والمجتمع والوطنية والنخبة، أي أمام الإشكاليات التي لا يمكن حل أزمة الفشل التاريخي للدولة والأمة ما لم يجر استنادها جميعا إلى مرجعيات متوحدة كبرى.

فعندما نقارن حالة العراق الحالية بحالة دولا أخرى كألمانيا واليابان بعد هزائم الحرب الشنيعة واحتلالها من قبل قوى خارجية، فإننا نقف أمام ظاهرة استعادتهما السريعة لقوتهما الذاتية وبصورة لا تقل عما كان بل وتفوقت عليها أيضا. وعندما نتأمل حيثيات وأسباب هذا النجاح، فإننا نتوصل إلى أهمية وفاعلية خمس منها وهي وجود مجتمع ونخب، وتاريخ ثقافي، ووعي قومي له مرجعياته الراسخة والمتكاملة نسبيا، وارث علمي وتكنولوجي، وطاقة ذاتية. فقد اثبت نجاح التجربة الألمانية (الغربية) واليابانية، بان التأسيس الناجح للدولة يجري من خلال ربط هذه المكونات بالنظام السياسي. لهذا نرى نجاحه في ألمانيا الغربية وفشله في ألمانيا الشرقية، مع إنهما كلاهما ألمانيتان، والشرقية كانت مركزها الموحد.

أما عراق ما بعد الاحتلال، فانه لا يحتوي من حيث الجوهر إلا على "تاريخ ثقافي" لكنه كامن، وطاقة ذاتية لكنها ليست مؤهلة بعد. أما البقية الباقية فهي إما بدائية وإما مبعثرة. وبالتالي، فان هذه المكونات "موجودة" ولكنها هشة او مفككة او ضعيفة او بدائية. ومن ثم لا يمكنها العمل بآلية منظومة نشطة. ذلك يعني، انه لم يكن في عراق ما بعد الاحتلال قوة او مقدمة قادرة على سحب البقية الباقية، أي انه يفتقد إلى قاطرة قادرة على سحب المكونات الأخرى. وفي هذا تكمن خصوصية مرحلته الانتقالية، كما نراها جلية في شراسة الزمن وشراكة السلطة وشركة الأحزاب والعائلات. لكنها شأن كل شراسة عابرة وشراكة سلطة عرضة للتحلل السريع في ظل ديناميكية تحول خفية ولكنها قوية. والمقصود بذلك ديناميكية التأسيس الجديد للدولة بشكل عام ومركزيتها السياسية وكينونتها الاجتماعية الثقافية. الأمر الذي يجعل من كل رذائلها الحالية فضائل المرحلة الدكتاتورية!

فقد كشف التحول العاصف الذي لف العراق بأثر سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية وآثاره المستمرة لحد الآن عن حقيقة تاريخية يقوم فحواها في تعقيد ودموية الانتقال من منظومة سياسية إلى أخرى. وهي ظاهرة "طبيعية"، بمعنى أنها تجري بفعل تصارع مكوناتها. إذ إننا لا نعثر في تاريخ الأمم والتاريخ العالمي ككل على تحول جذري في بنية الدولة دون أن يرافقه بالضرورة استثارة للعنف. فالقديم لا يتنازل بسهولة والجديد بحاجة للنمو والقوة. ومن معترك هذين التيارين تتطاير شرارة الاقتتال. وعادة ما ينتهي بفوز من يتحلى بقدر اكبر من الصبر والعقل. بمعنى الصبر على مواجهة قوى القديم، والعقل في صنع البدائل. وهي فرضية لم تتضح ملامحها للأغلبية بعد، لكنها تبقى من حيث المنطق والواقع اقرب إلى البديهة! إذ أننا نرى ملامحها العامة في تذليل تقاليد الراديكالية السياسية، ونمو الرؤية الواقعية والعقلانية تجاه الإشكاليات الكبرى التي يواجهها في ميدان بناء الدولة والمجتمع والثقافة، وتراكم فكرة ونماذج وأساليب الحداثة، والعمل من اجل استمداد مقوماتها من واقع العراق الحديث وبمعايير المستقبل، وأخيرا التحرر المتزايد من ثقل الأيديولوجيات العقائدية. وهي عملية معقدة وشائكة لكنها جلية فيما يتعلق بمسار الانتقال النوعي في الموقف من فكرة الدولة والنظام السياسي والمجتمع والثقافة والقيم. وبالتالي، فإننا نقف للمرة الأولى في تاريخ العراق الحديث أمام "منظومة" أولية في تذليل نفسية وذهنية الزمن (الفارغ) والانتقال صوب التاريخ الفعلي. وهذه بدورها مازالت تجري ضمن حالة "المرحلة الانتقالية". وهي مرحلة او حالة تتسم بقدر كبير من التعقيد، بسبب تداخل وتشابك مقدماتها ونتائجها، إضافة إلى كونها حالة لم تتحدد معالمها بصورة واضحة بعد، بسبب ضعف تراكم المقومات الجوهرية للتطور التلقائي والديناميكي. مما جعل ويجعل من الواقع العراقي كيانا مازال مراوحا ضمن تقاليد وقيم الزمن الضائع، أي الزمن الذي لم يتحول بعد إلى تاريخ إرساء أسس الدولة الشرعية والنظام السياسي الديمقراطي والعلاقات المدنية والدخول والمساهمة الفعالة في تطوير العلم والتكنولوجيا والثقافة. وفيما لو حاولنا اختصار وتكثيف هذه الحالة بصورة اقرب إلى تصورات الحياة العادية، فإنها أشبه ما تكون بحالة المقامرة والمغامرة.

إن حالة العراق اليوم مازالت أسيرة زمن المقامرة والمغامرة، التي سادت وانتشرت وتغلغلت في كل مرافق وجوده الاجتماعي والسياسي الحديث والمعاصر. وهي الظاهرة التي شكلت التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية نموذجها التام! ومن دون الخوض في مقدمات هذه الظاهرة وأسبابها، أصولها وجذورها المتشابكة في التاريخ العراقي الحديث، وبالأخص بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958، فان نتائجها المباشرة كانت جلية في استفحال وهيمنة النفسية الراديكالية للحثالة الاجتماعية والأطراف. الأمر الذي جعل من فكرة الدولة لعبة أطفال أو في أفضل الأحوال جرى مطابقتها مع فكرة السلطة التقليدية. من هنا تراكم نفسية وذهنية التعامل الخشن والبليد مع مؤسساتها التي لم تعد في نهاية المرحلة الصدامية أكثر من "مؤسسة" عصابة عائلية جهوية فئوية طائفية مغلفة بغلاف أيديولوجي لا علاقة له بالواقع والمستقبل. وليس مصادفة أن تنتهي هذه الحالة بعد سقوط الدكتاتورية الصدامية وانهيار البعث كحزب وأيديولوجية إلى صعود مختلف نماذج الانحطاط المادي والمعنوي، أي كل ذلك المخزون المتهرئ والمتآكل والمضغوط بغطاء القهر والإرهاب المنظم! أما الدولة، بوصفها الحاضنة الضرورية للعلاقات الاجتماعية والسياسية فإنها تحولت إلى مجرد حدود وهمية وارض جغرافية مملوكة لرغبات أفراد وعائلات. وقد ترتب على ذلك صنع احد أتعس وأرذل نماذج "الزمن السياسي" الفارغ، أي الضائع بالنسبة لتاريخ العراق الحديث والمعاصر.

لقد أدى هذا الزمن السياسي الضائع إلى تضييع إمكانية التراكم الطبيعي بالنسبة لإنتاج النخب الاجتماعية بشكل عام والسياسية بشكل خاص. كما كان وما يزال احد المصادر "الطبيعية" لتعقيد مرحلة الانتقال صوب النظام الديمقراطي الفعلي والدولة الشرعية، أي كل ما وجد ويجد طريقه إلى استفحال الطائفية السياسية والعرقية والجهوية والتقليدية للأحزاب و"توافقها" والاستماتة من اجل "حصتها" (المحاصصة) في السلطة وسلوكها العلني والمستتر تجاه القضايا العامة والخاصة. غير أن هذه العملية التاريخية المرة والمريرة تبقى في نهاية المطاف الصيرورة الضرورية لتراكم القوى الاجتماعية السياسية العراقية، أي صعود القوى العراقية الفعلية من رحم المعاناة القاسية للولادة الطبيعية. ومن الممكن أن نطلق على هذه الحالة عبارة الوقوف المرتقب الأول والأكبر أمام النفس. انه وقوف الارتقاب أمام مفترق تكرار الزمن الضائع، أي زمن السلطة ومغامرات ومقامرات الأحزاب والنخب المؤقتة، أو الانتقال إلى تاريخ الدولة، أي دولة القانون والشرعية.

إن هذا الوقوف المترقب هو التعبير المرهف عما يمكن دعوته بدراما المستقبل، أي حالة الافتراق المعقدة والمثيرة بين إمكانية التطور الذاتي المستقل للعراق وبين إمكانية انغلاقه وانكفائه وتعميق "منظومة" التفكك الوطني والاجتماعي. وهو بالقدر ذاته مفترق الانغلاق والانحطاط أو الانفتاح والتطور الذي وقف ويقف أمامه العراق في تجربته الديمقراطية والحقوقية الأولية، أي تعلم انتخاب واختيار القوى السياسية والأفراد من اجل إدارة شئونه بنفسه. لكنه اختيار ما زال يعاني من ثغرات كبرى بسبب المواجهة الخفية بين اتجاه تقوية مركزية الدولة ومنظومة الحقوق وحكم القانون وبين قوى و"مؤسسات" وتقاليد "المحاصصة" في السلطة، و"التوافق" في "الديمقراطية" و"الشراكة" في المال المسروق!

نهاية الزمن الفارغ وبداية التاريخ الفعلي

من بين البديهيات السياسية الكبرى التي يتوقف عليها مسار العملية السياسية المستقبلية في العراق هي استحالة تمثيل الفكرة العامة والبقاء ضمن حدود المكونات الجزئية. وهو سر الخلل الفعال في بقاء "العملية السياسية" العراقية تتراوح في محلها. فعندما نطبق ذلك، على سبيل المثال على فكرة الوطنية العراقية العامة والديمقراطية الشرعية، فإننا نقف أمام إشكالاتها النظرية والعملية. بمعنى كيفية ومستوى فهم المضمون الحالي والمستقبلي للفكرة العامة، ومن هي القوة الاجتماعية والسياسية القادرة على تمثلها وتطبيقها بمعايير الرؤية الوطنية والديمقراطية والشرعية.

فالفكرة الكبرى حالما تصبح جزء من برنامج القوى الجزئية، فإنها تؤدي بالضرورة إلى طريق مسدود. وهو أمر جلي في مجرى الصراع العنيف، الظاهر والمستتر حول "الوطنية العراقية" من جانب مختلف القوى السياسية. وظهر ذلك بوضوح أيضا من خلال مطابقة فكرة "الوطنية العراقية" و"الإجماع الوطني" مع فكرة استبدال "الاستحقاق الانتخابي" "بالاستحقاق الوطني". ويكشف هذا الاستبدال عن طبيعة القوى الجزئية وليس الفكرة. أما القوى التي جعلت من "المقاومة ضد المحتل" من اجل "تحرير العراق وعروبته"، فقد كشفت عن استحالة تحقيقها بفعل طابعها الجزئي، أي طائفيتها السياسية (السنية). ومن ثم لم تكن فكرة التحرير تعادل فكرة الحرية، كما أن شعار عروبة العراق لم يكن أكثر من عرابة السلطة! والشيء نفسه يمكن قوله عن القوى القومية الكردية بهذا الصدد. إذ لم يكن دفاعها عن "الديمقراطية" و"محاربة الطائفية" و"الاستحقاق الوطني" سوى الصيغة الظاهرية للعرقية المتآكلة في مجرى التغيرات الاجتماعية السياسية التي أعقبت فوزها الأول في ظل غياب "العرب السنة" في اقتسام السلطة. وذلك لأن القوى القومية الكردية قوى عرقية بالنسبة للعراق. إذ لا تمثل الوطنية العراقية بالنسبة لها أكثر من 9% والبقية الباقية "كردستانية". وحتى حالما تزيد هذا الرقم إلى 17% أو عشرين أو أكثر، فإنه ليس من اجل تأكيد العراقية بل للحصول على امتيازات عرقية. أما القوى التي تمثل الطيف الشيعي، فإنها القوة الوحيدة التي تحتوي في أعماقها على إرهاصات توسيع المدى الاجتماعي للفكرة الوطنية العراقية. وهي إرهاصات قائمة في صلب وتاريخ التشيع العراقي باعتباره تشيعا للعراق. أما "التكتل السياسي الشيعي" المعاصر فانه مجرد صيغة مؤقتة لاستعادة الفكرة الوطنية العراقية والقومية العربية الثقافية (وليست العرقية أو العنصرية). والسبب والمقدمة الواقعية لذلك يقومان في انه إذا كان منطق الديمقراطية الملازم لفوز الأغلبية يقضي في مجراه على شعور الغلبة، فإن القضاء على شعور الغلبة يفضي إلى سيادة فكرة المسئولية المشتركة والحقوق العامة. وهي عملية معقدة وطويلة نسبيا سوف تسحب الجميع إلى الاشتراك الفعال في تنظيمها بوصفه أسلوب تذليل فاعلية "النسبة" العرضية (من عرقية وطائفية وجهوية وأمثالها) بالنسبة لفكرة الدولة الشرعية والنظام الديمقراطي. وفي هذا تكمن ضمانة التطور التدريجي للنظام الديمقراطي والدولة الشرعية والمجتمع المدني بوصفها منظومة مترابطة. لاسيما وأنها العملية الوحيدة القادرة على تحرير المجتمع والفكر من مختلف الأوهام. وقد تكون أوهام الزمن الطائفي والعرقي من بين أكثرها أهمية بالنسبة لتأسيس الدولة الجديدة وآفاقها المستقبلية.

فالطائفية بشكل عام والسياسية بشكل خاص الواسعة الانتشار في ظروف العراق الحالية ليست إلا الوجه الآخر للانحطاط الثقافي العام وبؤس الحاضر. مما جعل منها على امتداد الصراع المتنامي ما بعد الصدامية الوتر الوحيد لعزف القوى "السياسية" الحزبية الضيقة. ويعكس هذا العزف أولا وقبل كل شيء بؤس الحياة والفكر والثقافة والمستقبل. لكنه بؤس له مقدماته الفعلية في مجرى تراكم التقاليد الراديكالية والإرهاب الشامل الذي ميز النظام الجمهوري في مراحله المختلفة.

فقد فاجئ سقوط التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية المفاجئ الجميع بإمكانية احترابهم الهمجي. بمعنى أنه أفرز للمرة الأولى إمكانية إعادة ترتيب الأمور بطريقة تكسر هيمنة الرتابة الطائفية السياسية السابقة. ولا يمكن لهذا الكسر أن يكون شيئا آخرا غير توسيع وتعميق وتشديد الرؤية الطائفية السياسية ودفعها إلى النهاية، من اجل اكتشاف حدودها، بوصفها بنية تقليدية متخلفة ومن ثم غير قادرة على العيش والانتعاش طويلا في ظروف المعاصرة.  

وهي ظاهرة برزت ملامحها الجلية في اشتداد الاختلاف على مستوى "التمثيل الطائفي"، والمتشابه على مستوى "المنهجية" والرؤية والقيم. وهي نتيجة طبيعية. وذلك لان الطائفية من حيث مقدماتها وآلية فعلها واحدة، بوصفها بنية تقليدية مغلقة، أسلوبها الأمثل للسيادة هو الإبقاء على ثنائية السادة والعبيد، أو القادة والطائفة عبر مصادرة العقل وحرية الفكر. وقد أدى الغزو والاحتلال إلى تفجير وتعميق وتوسيع حالة التشوه الكامنة فيه، ومن ثم تخلخل القيم والمفاهيم والمبادئ والشخصية الوطنية. وحاصر هذا التحول التاريخي والانعطاف الراديكالي الجميع في بدايته كما هو جلي في ظهور تكتلات وأحزاب و"شخصيات" طائفية خاطفة! ثم إلى تشرذم طائفي سياسي. مع ما لازمه بالضرورة من احتراب داخلي وتنافس دموي، أي كل ما يعكس خلله الذاتي وانحساره الطبيعي.

والشيء نفسه يمكن قوله عن نهاية أوهام الزمن العرقي (الكردي). ومن الممكن تتبع هذه الحالة من خلال تحليل السلوك العملي والخطاب السياسي للنخب الكردية "القومية" السياسية والمثقفة، أي القيادات التقليدية والمتعلمين، وبالأخص في مجرى "الاندماج" التعيس بمخطط الاحتلال الأمريكي للعراق والتماهي معه، بحيث لم يبق في العراق قوة تتحدث عن "التحرير" غيرها! ولم يكن هذا "التوافق" مع الاحتلال معزولا عن تراكم النزعة العرقية التي لا تصنع في مجرى "كفاحها" غير مختلف عناصر اللاعقلانية والانحطاط. وتراكمت هذه العناصر في مجرى "النضال القومي" للحركات والأحزاب الكردية في العراق من خلال انعزالها التدريجي عنه وانفصامها عن مستقبل الاندماج التاريخي والطبيعي به من جهة، والتكامل مع مختلف القوى التي ناصبته العداء من جهة أخرى.

ولم تكن هذه الظاهرة معزولة عن طبيعة الصراع العالمي الإقليمي الذي لف المنطقة، وبالأخص بعد انهيار الحكم الملكي وحلف بغداد وصعود الراديكالية السياسية. لكنها ظاهرة تعكس من حيث مقدماتها الذاتية طبيعة الضعف الذاتي للحركات القومية الكردية و"القومية" الكردية ككل. ومن الممكن رؤية ملامح هذه الظاهرة في "الرجوع" إلى العراق بعد انهيار الصدامية، أي في تناقض "التخلي عن الاستقلال" السابق للغزو الأمريكي والنضال من اجل "الفيدرالية". وتتعارض هذه الخطوة مع فكرة "التحرر القومي" وتشكل رجوعا إلى الوراء مقارنة بما كان من "استقلال"، لكنها نموذجية فيما يتعلق بكشفها لطبيعة النفسية والذهنية الملازمة للحركات القومية الكردية التي بلغت في مجرى "استقلالها" المحكوم بالغطاء الجوي الأمريكي البريطاني الفرنسي، درجة التقوقع العرقي. ويتمثل هذا التقوقع من حيث آليته وغاياته النموذج الصهيوني، أي "الاحتلال البشري للأرض!"، مع انه لا ارض كردية في العراق بل أكراد فقط.

لقد كان "سر" الرجوع الطوعي إلى بغداد جزء من إستراتيجية السرقة والتأثير "على المركز". ولم يكن المركز في الواقع سوى قوات الاحتلال. بمعنى العمل معها عن قرب من اجل التحضير والتأسيس لفكرة الانفصال. فقد كانت تتوازى هذه الفكرة مع كل الأفعال الظاهرة والمستترة "لقوى التحالف الكردستاني". بحيث نعثر عليها في نمط السرقة والابتزاز العنيف الذي ميز هجوم الميليشيات الكردية بعد سقوط السلطة الصدامية، وفي سلوكها تجاه فكرة ونمط "الفيدرالية"، التي لم تكن في الواقع أكثر من تنظيم يحدد نمط السرقة والابتزاز للمركز، وفي عملها تجاه ترسيخ مبدأ المحاصصة في كل شيء، وفي محاولات ابتزاز الثقافة والمثقفين من خلال "بيوت الثقافة" المأجورة ومهرجاناتها الركيكة، و"علاج" المثقفين المرضى، أي مختلف نماذج الرشوة المبطنة، والقيام بكل "المآثر" الممكنة من اجل تقويض فكرة مركزية الدولة والفكرة الوطنية العراقية.

غير أن النتيجة الجلية الآن هي بداية انهيار المشروع العرقي الكردي في العراق. وهي نتيجة حتمية! إذ يعكس هذا الصعود والهبوط بصورة نموذجية خلل الوعي "الوطني" و"القومي" الكردي، بدأ من الصراع من اجل "الحكم الذاتي" وانتهاء بمغامرة "الفيدرالية العرقية". فقد كان في مجرى تاريخه الكلي والجزئي مجرد عنصر من عناصر الصراعات الإقليمية والأجنبية في المنطقة بشكل عام وفي العراق بشكل خاص. أما "التحالف الكردستاني" فقد كان الصيغة السياسية العملية التي فرضتها الولايات المتحدة في أول الأمر من اجل توظيفه في إستراتيجية "إعادة ترتيب" أوضاع العراق، ومن خلاله "الشرق الأوسط". بينما الآن هو استمرار عادي لصراعات تقليدية وبينية. لكن النتيجة واحدة وهي انه جزء من لعبة عقيمة بالأصل لأنها جزء من مشروع أجنبي وغريب. وفي هذا تكمن حتمية ما أدعوه بنهاية الزمن العرقي.

داعش والورقة الكردية – "جوكر" الخداع الاستراتيجي

للأحداث التاريخية الجسام اثرها في صيرورة الوجود والعدم، او الحياة والموت، والتحدي والاستجابة لإشكاليات الوجود على مستوى الفرد والجماعة والشعب والامة والدولة والثقافة. وبالتالي، فان مصير الشعوب والامم هو من حيث الجوهر انعكاس لما فيها من استعداد للفعل والعمل. وينطبق هذا على الجميع، الامم الكبيرة، والاقوام الصغيرة، والحركات الاجتماعية السياسية والاحزاب ايضا.

وعندما نتأمل حالة العراق ما قبل الغزو الامريكي وبعده منذ عام 2003، فان حصيلته الجلية تقوم في كونها حالة زمنية وليست تاريخية، بمعنى ان العراق عاش ويعيش بمعايير الزمن العابر وليس بمعايير المرجعيات التاريخية الثابتة. والمقصود بالثابتة هنا هو انبثاقها وتراكمها بمعايير التجربة الذاتية الحرة. بينما لم يعش العراق لحد الان بمعايير تجاربه الذاتية، من هنا كثرة ما ادعوه بالعابرين الجدد ما بعد عام 2003، وما قبلها عابرون هامشيون، والتي جسدت الصدامية احد نماذجها الرقيعة وليست الرفيعة. بعبارة اخرى، يكشف المسار العراقي على كامل امتداد القرن العشرين وبدايته القرن الحادي والعشرين عن انه لا وجود تاريخي فيه بل زمن عابر. من هنا سرعة تهشم ما فيه مع كل انقلاب فيه، ومع كل مواجهة جديدة لإشكاليات وجوده السياسي والاجتماعي. ومن هنا هشاشته الداخلية كما نراه بصورة دقيقة سواء على مستوى العامة (الجماهير) او الخاصة (النخب). فكلاهما اقرب الى الحثالة الاجتماعية والسياسية. ولعل الانتخابات الاخيرة (لعام 2018) احد المؤشرات الحية بهذا الصدد. فقد حصلت "سائرون" على اعلى النسب، رغم ان المرء لا يعرف الى اين هم سائرون، وكيفية سيرهم والغاية من السير. فالعراقيون الان يتمتعون بالمشي على الاقدام مئات الكيلومترات الى "الاماكن المقدسة" ولا يمشي أي منهم نصف متر من اجل تنظيف شارعه وجوار مسكنه. من هنا فيما يبدو الاثر الباطني لشعار "سائرون". المهم ان يمشي استنادا الى شعار "الحركة بركة". ولكنها في الواقع ليست بَركة الابداع والحق والرؤية العقلية بل بركة المستنقع الآسن! وفيها وامثالها نعثر على العينات النموذجية لما ادعوه بهيمنة فكرة الزمن العابر. فالسائر عابر! او كما نراها في شعارات "موصل هويتنا" و"ديالى هويتنا" و"الرمادي هويتنا" وما شابه ذلك. بمعنى تمثل الفكرة الجزئية الضيقة وليس الوطنية العراقية. مع ان المنطق يقول بانه لا موصل ولا ديالى ولا البصرة ولا حتى بغداد شيئا بدون العراق. والشعارات الكردية اسخف واتم في سخافتها بهذا الصدد، بوصفها التعبير الضيق والساذج والعرقي، رغم ان حقيقة العراق هو ليس تجمع اعراق بل هوية وطنية خالصة. وكل من ينفيها او يقتطعها فهو عابر ايضا لا علاقة له بالعراق، ومن ثم لا حقوق له فيه. كما انها غربة الاغبياء. كل ذلك يشير الى ان هيمنة الزمن وانعدام التاريخ عادة ما يؤدي الى الهاوية او الهباء.

كل هذا بدوره لم يكن معزولا من ناحية التقويم الزمني عن طبيعة التحول الراديكالي العاصف الذي حدث بعد انقلاب الرابع عشر من تموز 1958. فما قبل ذلك كان العراق يخطو بمعايير التراكم التاريخي والمؤسسات رغم كثرة المآخذ عليها. وذلك لأنها كانت مرحلة تأسيسية في ظروف الصيرورة الاولية للدولة والمجتمع والثقافة والاقتصاد، أي مرحلة الخروج من تحت رماد العثمانية الى رحاب الاراضي السخية لوادي الرافدين.

لقد ادى هذا الانقلاب الى صعود وهيمنة الراديكالية السياسية، والتحزب المغلق، والصراع الاجتماعي السياسي والمناطقي والقومي في العراق، أي كل ما ادى في مرحلة التوتاليتارية البعثية (بعد عام 1963) حتى عام الاحتلال الامريكي للعراق (عام 2003) مرورا بالدكتاتورية الصدامية الى تخريب الجميع. ولعل اهم نتائج هذه المرحلة (الجمهورية الثانية والثالثة) هو فقدان الهوية الاجتماعية والوطنية للفرد والجماعة والشعب العراقي ككل؛ وظاهرة التحلل الوطني؛ وظاهرة الاجتماع بالإكراه والعنف. وبعد الغزو الامريكي انهارت آلة القمع والاكراه ومن ثم هيكل "الوطنية" و"العراقية" كما لو انها لم تكن. وتحول احتراب الجميع فيما بينهم الى الصيغة الواقعية "للوجود العراقي". وتلاشت كل قيم الوحدة والاخوة والتكافل والثقة المتبادلة، باختصار كل القيم الضرورية بالنسبة لوجود الدولة والمجتمع والشعب. وعوضا عنها اندفعت القوى السياسية المتحزبة، باثر الفراغ الناتج عن الاحتلال كما لو انها قشة لا وزن لها ولا قيمة. واصبح انعدام الوزن والقيمة السمات الملازمة للجميع. وبالمقابل اصبحت السلطة بوصفها اداة الجاه والمال والثروة الغبية، الى العروة الوحيدة والمعصومة من الغرق في هذه المنافسة القذرة.

فقد وقفت القوى الشيعية امام حالة استثنائية نوعية باثر تغييبها من السلطة لقرون رغم كونها القوة الحاملة للعراق بكافة المعاني. فتاريخ العراق منذ المرحلة السومرية ولحد الان هي عالم الشيعة الحالي.

بينما اصيب "اهل السنة والجماعة" بانهيار معنوي شديد. وذلك لا "قوتهم التاريخية" كانت على الدوام مرتبطة بالسلطة على اساس القاعدة القائلة بضرورة الصلاة وراء الامام برا كان ام فاجرا. وبما ان السلطة كانت على الدوام اقرب الى الفجور، من هنا تراكم هذ الشخصية بمعايير الانغماس فيها والتلذذ بنتائجها. بعبارة اخرى، لقد كانت سنّة العراق محكومة بهوس السلطة. واغلب تاريخها هو زمن السرقة والعنف الهمجي. من هنا ولعها بالانقلابات التي هو الوجه الاخر لنفسية الغنيمة. فقد كانت وما تزال هويتها الذاتية وطبيعتها المتراكمة باثر الجغرافية الطائفية والمذهبية اقرب الى القوة الهامشية والاطرافية.

اما الاكراد، فانهم يقتربون من "السنّة" بوصفهم قوة هامشية واطرافية مع ضعف ذاتي جوهري. الامر الذي جعل من هذه القوى باثر طبيعتها وتطبعها، على خلاف فيما بينها. وهو خلاف متحدد بالاقتراب من السلطة والثروة والجاه، أي اسخف واتفه انواع الخلاف. اذ لم يكن هذا الخلاف على برامج ومشاريع انتشال العراق من الورطة التاريخية وانسداد افق تطوره الذاتي باثر التخريب الهائل والشامل للدكتاتورية الصدامية، بل على العكس، انه كان يهدف الى تخريب بؤرة التوحيد الضروري لاستمرارية وتراكم فكرة الدولة والمجتمع المدني. الامر الذي اثار حمية التنافس والصراع والمؤامرة والمغامرة. بحيث اصبح الصراع حول كل شيء. وكل طرف يريد سحب البساط من تحت اقدام الاخرين، أي ان المؤامرة والمغامرة اصبحتا القوة الوحيدة الفاعلة في الذهنية "السياسية"، والتي وجد تعبيرها "المؤسساتي" في افكار وقواعد "التوافق" و"المحاصصة" و"الشراكة"، كما لو ان العراق اقطاعيات وعوائل وشركات.

الامر الذي ادى الى نتائج اقل ما يقال فيها غربتها عن العراق والنزعة الطردية عن المركز، والانهماك بكل الرذائل الممكنة والمحتملة، أي كل ما يتعارض مع حقيقة العراق التاريخية وهويته الذاتية. بحيث اصبح العراق اشبه ما يكون بقطع خردوات في مزاد شعبي! بحيث اتخذ التمدد الكردي طابعا مفرطا، واصبح العراق بالنسبة للأكراد غنيمة ينبغي افتراسها، وتحولوا من قوة هامشية الى قوة مركزية. بينما تحول السنّة من قوة مركزية الى قوة هامشية. الاولى تخرّب بمعايير السرقة الشاملة بفعل جوعها التاريخي، والثانية مخربة بمعايير نفسية السلطة المفقودة. من هنا التقاءهما في الوسائل والغايات، أي التقاء المصالح. الاكراد كانوا يسعون لتخريب الدولة وتدمير مركزيتها، والسنّة يفعلون بنفسية الانتقام. من هنا تلاقيهما بوصفهما قوى تخريبية لا وطنية ولا اجتماعية.

اما بالنسبة للشيعة فقد تاهوا بين مصادر القوة واستراتيجية الخطأ والخطيئة. فقد ساهموا في توسيع مدى الطائفية السياسية عوضا عن سحقها بقوة القانون والقوة. ورفعوا شعار "الطائفة المغبونة" و"المقهورة" و"المظلومة" عوضا عن نفيها بمعايير الفكرة الوطنية ومركزية الدولة. فالطائفة الكبرى حالما تنزل الى مستنقع الطائفية فانها تتصّغر وتتصاغر بمعايير الفكرة الاجتماعية وفكرة الدولة. ورافق ذلك احترابها الحزبي الداخلي، الذي ضاعت بأثره كل مآثر الشيعة التاريخية والروحية. وتحول الامام علي والحسين وغيرهما الى اداة للاغتراب والسرقة والغش ومختلف اشكال الرذيلة الاخرى. بحيث تحولت العبارة الشهيرة "يا ليتنا كنا معكم لنفوز فوزا عظيما" الى قاعدة الفوز العظيم بالسرقة والنهب، وليس البناء والحرية الفعلية. ومع ذلك كانت القوى الشيعية السياسية، رغم كل خرابها النسبي، هي حاملة فكرة الدولة ومركزتها ووحدة المجتمع المدني بمقاييس التجربة الواقعية للعراق. وقد تجلى ذلك بأتم اشكاله في مجرى الصراع ضد داعش عبر تشكيل قوى الحشد الشعبي، بوصفه القوة الوطنية الهجومية وليس الدفاعية، العراقية وليس العرقية والطائفية. وبهذا يكون قد ارسى بشكل واضح وجلي ما كان يتراكم بعد سقوط الدكتاتورية البعثية الصدامية للانتقال الذاتي من نفسية "الشهادة والتضحية" الخاملة الى نفسية وذهنية التحدي والهموم الوطنية وبناء مركزية الدولة وحدودها الموحدة. الامر الذي تجلى في الاستعادة السريعة والخاطفة للشمال العراقي، ومن ثم رمي قوى الارتزاق الكردية الى حدود "الخط الازرق". وقد كانت تلك هي الخطوة التي لم تكتمل بعد، بمعنى ازالة الخطوط بجميع الوانها ومن ثم اعادة دمج الشمال العراقي بوسطه وجنوبه، وتصفية اية قوة تعارض او تعترض على ذلك. وبغير ذلك سيبقى العراق مليئا بالثغرات، خصوصا اذا اخذنا بنظر الاعتبار فقدان الاغلبية الكردية للمشاعر الوطنية العراقية، واغترابهم عن تاريخه. الامر الذي يشير الى غربتهم عنه واغترابهم عن مصيره. من هنا نفسية التخريب والسرقة والاستعداد الدام للخيانة الوطنية، وبالأخص في التيار البارزاني. ويقترب منه بهذا الصدد اغلب التيارات السنيّة. اذ تحولت دول الخليج والسعودية، بوصفها القوة المعادية للعراق بالغريزة والتاريخ والثقافة والمذهب والدين والمصالح والتوجه، الى "مكة" الموائد والرشوة.

كل ذلك جعل من العراق لحد الان قوة رخوية بمعايير الجسد، وهشة بمعايير الروح. وكشفت الانتخابات الاخير لعام 2018 عن هذه الحالة. بمعنى امتلاء الصراع من جديد بالقبح الاخلاقي والمعنوي والسياسي كما هو جلي في تزوير الانتخابات ونتائجها، والسرقة والتهديد، بمعنى ان نفسية العصابة والسرقة ما زالت تتحكم في نفسية وذهنية الاغلبية الساحقة من القوى السياسية. ومن جديد اخذت بالنتوء المؤامرات وراء الكواليس من اجل مناصب السرقة والابتزاز.

غير ان هذه الحالة المزرية التي تكشف عن دناءة اغلب القوى السياسية وشبه الانعدام الفعلي للروح الوطنية والدولة، اظهرت ايضا القدر الضئيل من مساعي التجديد واخراج الرعيل القديم من البرلمان، ولاحقا السلطة ومؤسساتها. الا ان كل هذه التحولات مازالت زهيدة وغير ثابتة لأنها تفتقد الى المؤسسات، وقواعد الكفاءة، والاحتراف، والمسئولية، والرقابة القانونية والاجتماعية، وتطبيق القانون كما هو، وكثير غيرها. الامر الذي يشير الى امكانية المراوحة في مستنقع الخراب والتخريب.

ان تجربة خمسة عشر عاما تكشف عن ان الدولة والعراقية وافاق تطورها مازال هشا. اذ لا ثبات فيها لحد الان لغير السرقة والنهب. وهذه من المفارقات التي يصعب حلها احيانا بالعقل والمنطق. ولا يبقى من حيث الجوهر الا الاسلوب المجرب الا وهو استعمال القوة للتوحيد القسري على الطريقة البيسماركية، بوصفها طريق التوحيد ومن ثم بلورة استراتيجية البدائل عبر الرجوع الى النفس وارساء الاسس السليمة "للجمهورية الرابعة". واستكمال ذلك او بالترافق معه الاشتراك الفعال في بناء التحالف الاقليمي العراقي الايراني السوري اللبناني، بوصفه محور المقاومة من جهة، واعادة ترتيب المثلث العربي(العراقي السوري اللبناني) - الايراني – التركي من جهة اخرى. وبالتزامن مع ذلك العمل من اجل الاخراج النهائي والتام للقوى الاجنبية وبالأخص الامريكية من العراق والمشرق العربي. انها مهمة المستقبل الضروري للعراق من اجل انتشاله من المأزق التاريخي الفعلي الذي ادت اليه الدكتاتورية الصدامية والاحتلال الامريكي. وبالتالي اعادة الهيبة الفعلية للدولة العراقية والعراق، ومن ثم تفعيل دوره الذاتي والاقليمي.

الجمهورية الرابعة – "جمهورية الاحتمالات" و مرجعية الرجوع إلى النفس.

أدى سقوط التوتاليتارية البعثية في العراق في نيسان عام 2003 إلى انتهاء فترة طويلة من تاريخ الجمهوريات الدموية الخارجة على القانون. وللمرة الأولى بعد أربعة عقود من الزمن ظهرت إمكانيات متنوعة للاحتمالات في التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي. فقد شكل سقوطها في عام 2003 مرور أربعين عاما بالضبط بعد استيلاء حزب البعث على السلطة في الانقلاب الغادر عام 1963. ويرتقي هذا الزمن من حيث رمزيته وفاعليته في تكون الأفراد والشخصيات إلى مستوى النضج الكامل و"سن الحكمة" و"النبوة". وفيه يتولى الناس أيضا شئون موتاهم بطريقة توحي بان أمرا ما قد انجز وبلغ التمام. ويواجه العراق هذه الحالة الفعلية في وقوفه أمام احتمالات هائلة في مختلف الميادين للبرهنة على نضوجه المادي والمعنوي. تماما بالقدر الذي تشكل معيارا على نضجه السياسي والاجتماعي في مواجهة الإشكاليات الكبرى لإعادة بناء الدولة والمجتمع.

إن انتهاء الديكتاتورية البعثية الصدامية يعني في الوقت نفسه انتهاء واحدية "الاحتمال". مع أن الاحتمال يفترض بحد ذاته التنوع. غير أن التوتاليتارية ضيقت على كل شيء بما في ذلك مفهوم الاحتمال، الذي يشكل من حيث الجوهر نقيضها المادي والمعنوي. إذ قضت على كل الاحتمالات، وأبقت على يقين واحد يقول، بان المستقبل هو الموت فقط. ومنه صنعت فكرة ونموذج الوحدة التي يشترك في اصفرارها وخمولها وفسادها الموتى جميعا! من هنا فإن التحول العاصف الذي لف العراق بعد عام الغزو الامريكي لا يقوم في انتهاء مرحلة "الجمهورية الثالثة" فحسب، بل وفي تنوع الاحتمالات العديدة لتطوره اللاحق. الأمر الذي يجعلنا نضع فكرة الاحتمال بوصفها العنصر الأكثر جوهرية في تحديد ماهية "الجمهورية الرابعة".

ليست "الجمهورية الرابعة" التي ما زالت إمكانية أكثر منها واقعا سوى المشروع السياسي والثقافي المحتمل للدولة العراقية المقبلة. وفي الإطار العام ليست "الجمهورية الرابعة" في الواقع سوى الفرضية الكبرى التي يمكنها (وينبغي أيضا) تمثل تجارب العراق في مختلف الميادين منذ نشوئه وحتى الآن عبر اختزالها التام في مشروع اشمل وأتم لبناء الدولة الشرعية والمجتمع المدني والثقافية الإنسانية المتفتحة. وبالتالي ليست هناك من مهمة كبرى ينبغي البرهنة عليها أكثر من تحقيقها بأساليب ديمقراطية. ولا يمكن تنفيذ هذه المهمة دون تقييم التجارب السابقة بشكل عام وتجربة العقود الأربعة بشكل خاص لما لها من آثار مازالت سارية المفعول في استمرار الخلل البنيوي الشامل في الدولة والمجتمع والاقتصاد والثقافة والقيم. ولعل المرجعية الكبرى الآخذة بالنمو بهذا الصدد، رغم تناقضاتها الفجة أحيانا، تقوم فيما يمكن دعوته بادراك أهمية وجوهرية الرجوع إلى النفس، باعتبارها مهمة تأسيس الدولة الحديثة.

فإذا كان ضلال الأفراد، أيا كان نوعه ومستواه، هو جزء من حياتهم الشخصية، فإن ضلال الأمم هو عين السقوط في هاوية الأوهام والرذيلة. فالأول جزء من دراما الحياة ومن ثم يحتوي على إمكانيات متنوعة النتائج، بينما لا يحتوي الثاني إلا على قدر محتوم هو ضياع الأمل وانحطاط الوجود. فالابن الضال يعود وفي انتظاره عيون حنونة، بينما ضلال الأمم هو ضياع الروح وتيه الجسد! وهي حالة مأساوية نادرة الحدوث، لكنها تحتوي مع ذلك على إمكانية واحتمال صنع مأثرة تستحق الغناء والتمجيد أو مسخرة لا قيمة لها. وفي كلتا الحالتين ليس أمام العراق مهمة المفاضلة بينهما مازال يقف أمامهما بوصفهما جزء من مصيره الفردي والوجودي. بمعنى وقوفه أمام حالة فريدة ونادرة في تاريخه العريق، كما لو انه يريد البرهنة من جديد على بديهة قد يكون هو أول من عانى من اجلها وأسس لها بمعايير الحس والعقل والحدس، ألا وهي أن رؤية الظلال في الضلال هي بداية الصعود الفعلي لأشعة الوعي الذاتي. ولا يمكن لهذا الوعي أن يتكامل إلا بعد تأسيسه لفكرة "الرجوع إلى النفس" بوصفها مرجعية متسامية.

وليست هذه "الاظلة" سوى الصيغة الأولية لحركة الوعي الاجتماعي والسياسي باتجاه إدراك قيمة الرجوع إلى النفس. وسوف تستغرق هذه العملية فترة طويلة نسبيا، بسبب كمية ونوعية الانحطاط المادي والمعنوي الذي تعرضت له بنية الدولة والمجتمع والثقافة بشكل عام والسياسية منها بالأخص. وما لم ترتقي النخب الاجتماعية والسياسية إلى مستوى تمثل إشكاليات العراق باعتبارها إشكالاتهم الخاصة، وتمثلها في الأقوال والأعمال والرؤية الإستراتيجية للبدائل، فإن الضياع يبقى ملازما لحالة العراق.

فالإسقاطات التاريخية مثل التعميم السريع هي الصيغة الخربة للاجتزاء والتطويع الأيديولوجي. وعادة ما تلازم هذه الصفة الوعي السياسي المبتذل، كما أنها عادة ما ترافق نشوة المنتصر ومرارة الحسرة القابعة في أعمق أعماق النفس الغضبية حالما تتعرض للهزيمة والانكسار. ومن الممكن رؤية ملامح هذه الحالة في الخطاب السياسي للقوى "المنتصرة" و"الخاسرة" في ظروف العراق الحالية. مع ما يرافقها من بروز لمختلف نماذج الخطاب الطائفي. وهو خطاب لا عقلانية فيه ولا واقعية. ومساهمته الوحيدة تقوم في إذكاء نفسية العداء والانغلاق، وتجميد العقل والبصيرة، وإجبار الضمير على قبول الرذيلة والانهماك في تبريرها وتجميلها و"تقدسيها". وفي نهاية المطاف تحويل طبيعة الإنسان الاجتماعية إلى تطبع على احتقار قواعد العيش المشترك. ولا يتفنن في تصنيع وتهذيب هذه الهمجية وقدرتها على القتل والفتك شيء أكثر من النزعة الطائفية والعرقية، بوصفها الحلقة التي تقفل على المرء والجماعة إمكانية التحرر من ثقل الماضي. بمعنى العيش والبقاء بما فيه من قيم ومفاهيم. وبالتالي إخضاع الحياة إلى أصنام ميتة.

ومفارقة الظاهرة تقوم في أن الأصنام الميتة اشد فاعلية من غيرها على تمويت العقل والروح والضمير. ويمكن رؤية ملامح هذه الحالة في طبيعة وحجم التمويت السياسي للعقل النقدي والروح الاجتماعي والضمير الوطني. وتشير هذه الظاهرة بحد ذاتها إلى نوعية العقوبة العقلية والأخلاقية والروحية التي يتعرض لها العراق حاليا. لكنها "عقوبة" تاريخية سياسية ثقافية هي الثمرة الخربة لزمن الراديكالية السياسية ونموذجها "الأرقى" في التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية.

إن صعود مختلف مظاهر اللاعقلانية في العراق كان نتيجة مترتبة على تراث هائل من تقاليد الاستبداد والقهر والاغتراب عن حقيقة العراق ومكوناته التاريخية الجوهرية، ومرجعيات ثقافته الذاتية. ونعثر على هذه الصورة ونموذجها التاريخي في كيفية صعود الأموية وممارستها الخاصة تجاه العراق. فقد كان التاريخ الأموي فيما يتعلق بالعراق هو حلقات متراكمة من الإرهاب والقتل العنيف لسلسلة ولاة قساة، بدأ من عبيد الله بن زياد ومرورا بالحجاج الثقفي وخالد القسري وانتهاء بيوسف الثقفي. فقد صنع هذا التاريخ بدوره حلقات لا تنتهي من الاحتجاج والانتفاض والتمرد أدت في نهاية المطاف إلى انهيار الأموية واندثارها التاريخي، بوصفها قوة لا علاقة جوهرية لها بالعراق، ولا رابط يربطها به غير استخراج الخراج وسرقة ثرواته وانتهاك حرماته.

ومثلت الصدامية في الواقع الصيغة "الحديثة" للأموية القديمة. بمعنى أنها جسّدت بصورة نموذجية تقاليد الاستبداد والقهر والاغتراب عن حقيقة العراق. فتاريخها هو زمن القتل والتهجير والحرب والإبادة، ووجودها هو اغتراب دائم عن كل مرجعياته الثقافية الذاتية. فقد جعل من دار السلام دار الحرب والقبيلة والعائلة، وتلاشت قيمة العلماء والأدباء والفنانين والمفكرين، وأصبحت مرتعا لمرتزقة العسكر والإعلام المؤدلج والأذواق الرخيصة. واندثرت فيه كل معالم التطور والتقدم والرقي، بحيث تحول العراق إلى كابوس يجثم بثقله على كاهل الأحياء. ولم يعد العراق غير كمية من الثروات المصدرة والآثار المهربة للبيع في مزاد الانحطاط الذي أشرك في ولائمه كل من هب ودب! وقد أدت هذه العملية بعد عقود مريرة إلى تفريغ كامل للعراق من مكوناته التاريخية الجوهرية. وليس مصادفة أن يستعيض العراقيون البسطاء في نطقهم لاسم صدام بكلمة هدام! وهو "السجع" الوحيد الذي يمكن أن يصنعه زمن الاستبداد والانحطاط. لكنه سجع يحتوي في أعماقه على الصدى التاريخي لأرث عريق من طلب الثأر والانتقام من كل ما هو مغترب ويسعى لتغريب العراق عن مرجعياته الثقافية الذاتية.

ذلك يعني، أن التجربة التاريخية المتكررة لانتقام السلطة المضاد تكشف عن نمو يفوق كل التصورات المحتملة في نوعية وكمية انتقامها. فإذا كانت المعارضة العراقية تعادي السلطة بقيم الحق والشرعية والعدالة، فإن السلطة كانت تنتقم من المجتمع وقواه الحية. وهي العبرة التي استطاع العباسيون فيما مضى تمثلها والاستفادة منها من خلال إلغاء فكرة الأموية ونموذجها ومكوناتها وقواها الذاتية. كما كانت المقدمة التي أدت في الواقع إلى نشوء وتطور الحضارة العربية الإسلامية بوصفها ثقافة كونية. ومن ثم فهي "النموذج" القابل للإحياء بالنسبة للدولة العراقية الحديثة. من هنا فان السؤال الجوهري والعملي الأكبر يقوم في كيفية الانتقال من أموية مغتربة عن العراق إلى "عباسية" عراقية. إن ملامحها تتراكم أمام العيان، رغم تباين المرحلة واختلاف القوى المشتركة في الانتصار عليها. ففي الماضي أدت الأموية بفعل تشريدها للقوى العراقية والانتقام من كل عراقي، إلى أن جعلت "الداخل" و"الخارج" يحتمي فقط برغبة الانتقام والتشفي منها. وفي الماضي ظهر أبو مسلم الخراساني، والآن من تدعوهم بقايا الأموية "بالصفويين". أما في الواقع، فإن كل "السلطة" الحالية هي من "الخارج". أنها قوى مهجرة ومغرّبة من جانب الأموية الصدامية وليست مغتربة بذاتها. إن كل القوى المعارضة هي من "الخارج" (المجلس الأعلى، والدعوة، والأحزاب الكردية، والليبراليون، والشيوعيون، والمستقلون وغيرهم). إنها القوى التي تكتلت من خلال تفاعل إشكاليات صراعها مع الصدامية، لكنها كانت جميعا محكومة بقوة المواجهة العنيفة ضد القهر والاستبداد والتهجير. والاستثناء الكبير الوحيد هو للحركة الصدرية، بوصفها حركة "الداخل" المهمش والمهان والمبعد والمحتقر! ومن تلاقي وتواجه وتصارع قوى "الخارج" و"الداخل" العراقي ظهرت إشكاليات سوء الفهم، المحكومة في اغلبها بسبب الاحتلال الأمريكي. ومهما يكن من أمر القوة التي أسقطت الصدامية، فإن الواقع يشير إلى أن سقوط الأموية الصدامية هو بداية الاحتمالات المتنوعة للبدائل. وإذا كان من الصعب تحديد آفاقها بصورة دقيقة، فإن مما لا شك فيه هو حتمية اشتداد الصراع لكي تتم عملية ما يمكن دعوته بالتطهير الذاتي. وهي عملية أشبه ما تكون بالطوفان، لا يقف إلا حيث تقف قوة اندفاعه الذاتي. وكما حدث بعد سقوط الأموية الأولى من تصفية وتطهير لها واستكمالها بظهور الخليفة "السفاح"، فإننا نقف أمام ظهور سفاحين صغار وكبار. وهي عملية لا يمكنها الهدوء ما لم تبلغ نهايتها. كما أنها العملية المؤلمة التي تتصف بقدر كبير من الدموية والعنف. وبالتالي ليست الطائفية السياسية والعرقية والجهوية وغيرها سوى بعض مظاهرها. وسوف تجبر هذه المظاهرة الجميع على إدراك حدودهم الذاتية، ومن ثم البحث عن "مساومة" تاريخية جديدة تعيد للعراق إمكانية بناءه الذاتي. بمعنى التوصل إلى أن إعادة بناء العراق تفترض الانطلاق من مشروع عراقي خالص، بوصفه مشروع المستقبل. ولا يمكن تحقيق هذه المشروع دون صنع وحدة ديناميكية بين فكرة وآلية عمل النظام السياسي والدولة. ولعل أفضل صيغة واقعية لها في ظروف العراق الحالية هي فكرة مركزية الدولة ودولة القانون من خلال تنشيط وتوسيع مدى فكرة الأغلبية السياسية والقضاء على كل نماذج التجزئة التي شكل "نظام المحاصصة والشراكة والتوافق" نموذجها العملي.

والمقصود بمركزية الدولة هنا هو شرعية سلوكها المحكوم بالقانون، بوصفه أساس ومصدر الإرادة الوطنية القادرة على الفوز في معركة المستقبل. وهو الرهان التاريخي الذي ينتظره العراق كدولة ونظام سياسي ومنظومة اجتماعية واقتصادية وعلمية وثقافية تلامس كل هموم الأفراد والجماعات والمجتمع.

مما يضع أمام جميع الحركات السياسية والاجتماعية العراقية المعاصرة بغض النظر عن عقائدها مهمة إدراك العبرة التاريخية والسياسية والأخلاقية من تجربة التخريب الشامل التي لازمت زمن التوتاليتارية البعثية والدكتاتورية الصدامية ومرحلة "الحكم المؤقت" و"نظام المحاصصة". أما فكرة دولة القانون، فان المقصود بها هو الصيغة المثلى لتمثل حقائق التاريخ العراقي الحديث. وهي المهمة الأعقد بسبب انعدام تقاليد الدولة ومؤسساتها. من هنا شراسة المواجهة العلنية والمستترة من قبل البنية التقليدية للأحزاب بشكل خاص. وفي الوقت نفسه هي مهمة وطنية كبرى، لأنها تضع احد اخطر الشعارات الدقيقة أمام اختبار فعلي وتاريخي كبير، يرتبط نجاحه بنجاح بناء الدولة الحقيقية. وهذا أمر مستحيل دون الربط الفعال بين مركزية الدولة وبناءها على أسس الاحتراف المهني والعلم الحديث، وليس على أساس الانتماء الحزبي والعقائدي. فالأخير عاجز عن تمثل حقائق التاريخ والعلم. بينما دولة القانون هي تاريخ فعلي وعلم دقيق مفتوح على كل الاحتمالات العقلانية والإنسانية.

***

ا. د. ميثم الجنابي  - باحث ومفكر 

 

 

هل بإمكان العقل البشري، وتركيبة الدماغ فيه، أن يتوصل وحده، بالتأمل والتساؤل، الوصول إلى الحقيقة وإثبات وجود أو عدم وجود " الله" ؟ الاتجاه الوحيد في الإسلام الذي أضفى السمو على العقل ووضعه في مرتبة أعلى من النص هو " المعتزلة أيام المأمون العباسي. عدا ذلك كان العقل في موضع الشك والاتهام بالقصور في كل الديانات. المسيحية الأورثوذوكسية، والكاثوليكية، قالت أن التعرف على الله يتم من خلال العقل والذكاء البشري من خلال التأمل في تجليات وإبداعات الخالق والنظر في خلقه، أي بالتأمل في الطبيعة وأسرارها وعظمتها واكتشاف حقائق العالم الفيزيائي وقوانينه. بعبارة أخرى التأمل في الكون وعملية خلقه، ولكن كيف؟ هل من خلال أسطورة الخلق الرباني على طريقة كن فيكون، كما وردت في سفر التكوين في العهد القديم وكررتها بقية الأديان التوحيدية؟أي قصة خلق الكون في سبعة ايام ومن ثم خلق آدم ومن ضلعه حواء وطرهما من الجنة بعد ارتكابهما فعل الخطيئة الأولى وأكلهما من ثمار الشجرة المحرمة؟ في الفكر المسيحي الطبيعة مخلوقة لكن خالقها غير مخلوق، وهو التراث العبري والمسيحي والإسلامي الذي توافق على هذه المسلمة ويمكن للعقل البشري التوصل إلى هذه المسلمة وتقبلها كحقيقة ثابتة لا تقبل الجدل والنقاش والدحض. هنلك طائفة مسيحية عارضت هذه المسلمة في القرن الرابع عشر على يد الفقيه الثيولوجي الفرانسيسكاني غيوم دأوكام Gillaume d’Occam، الذي قال بأن وجود الله يعزى فقط للإيمان بذلك الوجود إيماناً أعمى ولا دخل للعقل في معرفة العاقل لأن العقل يمكن أن يقود إلى مايخالف ذلك تماماً. أو يفضي إلى نتيجة عكسية كلياً. فليس بوسع العقل البشري بلوغ هذه الدرجة اليقينية المتعلقة بوجود الله فقط من خلال التمعن بالعالم الفيزيائي وتأمل الطبيعة . وهو الموقف الذي تبناه أيضاً مارتن لوثر كينغ عبر معلمه الفيلسوف غابرييل بيل وفيما بعد الفيلسوف إيمانويل كانت. وذريعة هذا التيار هو أن الخطيئة الأولى مست العقل البشري وشوهته وجعلته غير قادر على التفكير السليم في هذه المسألة العويصة والتوصل إلى الحقيقة المطلقة. ولقد لخص مارتن لوثر كينغ هذه الحالة " أن العقل هو بمثابة غانية الشيطان" لأن العقل يعتبر العقيدة والإيمان حالة عبثية غير عقلانية على نحو كلي. وهو موقف مضاد ومناهض لموقف الكنيسة الكاثوليكية التي تمتلك نظريتها الخاصة بخصوص العقل البشري وتثقف أتباعها بأن العقل يوصل حتماً لإثبات وجود الله. وهذا يعني أن الميتافيزيقيا في نظر الكنيسة هي نوع من العلوم كما تحدث بذلك بعض مفكري القرون الوسطى، من أمثال الثيولوجي الدومنيكاني توماس الأكويني والفرانسيسكاني جون دون سكوت وغيرهم. وهم يعتقدون أن العقل البشري صنع بطريقة تجعله يتعرف على الحقيقة وهو قادر على بلوغ هذه الغاية التي هي سبب طبيعي لتكوينه. بعبارة أخرى أن الكنيسة الكاثوليكية بشرت وثقفت بنوع خاص من " العقلانية" المسيحية، إذ مالذي يتبقى من المسيحية بدون الثيولوجيا، أي بدون التفكير بتجليات الخالق ؟. فوجود الله ليس مسألة " إيمان محض" فقط بالمعنى المعاصر لمفهوم الإيمان، وليس فقط مجرد اعتقاد، بل ترتبط بمفهوم المعرفة التي يحيكها ويتوصل إليها العقل والذكاء البشري. فوجود الله يفترض به أن يكون مسألة بديهية بمجرد النظر بآثاره الطبيعية فهي وحدها كافية لإثبات وجوده، فالإيمان لا يتعلق بوجود الله، الذي هو أمر بديهي، بل بمدى مصداقية وحقيقة " كلام الله" الذي يبثه الأنبياء والحكماء. وإن المسيحية تريد أن تعلمنا بأصل الكون وغاية خلقه القصوى وليس الغرق بما يسمى " اللغز الدائم le mystère لأن هذه الكلمة لها معنى في الإنجيل يختلف عن معناها المعاصر الذي يعني الشيء الغامض الذي يتعذر على العقل البشري فهمه واستيعابه أو إدراكه ومغلق على الذكاء البشري في حين تعني في الإنجيل " السر" والسر ليس مغلقاً على العقل والذكاء البشري أو يتعذر خرقه، بل بالعكس يعمل الخالق على إرشاد عقول مخلوقاته على كشف أسراره كما تقول المسيحية الكاثوليكية. ما يعني أن المسيحية تقدم نفسها على أنها نظرية عامة عن الواقع كما صنعه مبدعه أي الله. مقابل ذلك هناك الطرح المادي العقلاني التجريبي العلمي الذي يمكنه أن يدلي بدلوه في مسألة وجود " الله" ومن جراء ذلك ظهرت الحركة الإلحادية في التاريخي البشري والتي قالت بعدم ضرورية فرضية الله، وهذا يعني من الناحية الفلسفية أنه لو كانت الأطروحة الإلحادية صحيحة فهذا يعني أن الكون هو الكائن المطلق الكلي الذي لا توجد لديه علاقات تبعية أو اعتمادية، أي يكون معتمداً على كينونات جانبية أخرى مجاورة له وبالتالي يجب أن يكون وحده، وحيداً لم يخلقه أحد ولم ينبثق من " العدم " السابق لوجوده. ولقد اتفق الميتافيزيقيون حول هذه النقطة، سواء الماديون منهم أو الميثاليون أو التوحيديون . فالكينونة الكلية العليا المطلقة لا يمكن أن تنشأ من العدم المطلق وبالتالي لابداية لها ولا نهاية . إلا أن الفروقات بين مختلف الرؤى تمحورت حول التعريف. فالميتافيزيقيون الماديون ـــ الماركسيون على وجه التحديد ــ يقولون أن هذه اليكنونة الضرورية للوجود، بما أنه موجود، هي المادة البدية الأزلية التي لم تخلق ولا تستهلك ولا تفنى ــ وفق قانون حفظ المادة والطاقة ــ أما الميتافيزيقيون المثاليون أن الكينونة الألى يجب أن تكون ذات طبيعة " روحانية " والتوحيديون يقولون أن هذه الكينون المطلقة هي " الله" الواحد الأحد" قل هو اله أحد الله الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد" كما ورد في القرآن. وفي كل الأحوال أن هذه " الكينونة المطلقة" ليس لها امتداد زمني أو مكاني، لا في الماضي ولا في المستقبل.

هذا ما علم به الفيلسوف الإغريقي بارمنيد حوالي 500 قبل الميلاد كما قلنا أعلاه، ما ينتج عن ذلك أن العدم غير موجود وحتى في علم الكونيات لايوجد شيء إسمه العدم لأنه يعني نفي الوجود كما حلل الفيلسوف بيرغسون عام 1907. وبما أن الكون موجود فلا بد من كينون ضرورية توجد، إما سابقة له أو خالقة له أو خارجه وعلى علاقة ما به، لأن الكون المرئي مخلوق إذ بطريقة ما، في نقطة زمنية معينة تحددت بالفرادة الكونية التي أوجدت الانفجار العظيم، أي أن للكون المرئي تاريخ وامتداد زماني ومكاني، وهو لم ينبث من العدم بل من " معلومة حاسوبية رقمية " سابقة له. وهذا ما أحرج الميتافيزيقية المادية التي تقول بابدية وأزلية المادة وفق ماركس وأنجلز ولينين وقبلهم فلاسفة ومفكرون ماديون قالوا بذلك منذ خمسة وعشرون قرناً مضت، منذ الفلاسفة الذريون في العهد الإغريقي، وأطروحة العظيم بارمنيد. فعلم الفلك والفيزياء الفلكية وعلم الكونيات أثبتت أن للكون المرئي بداية تعود إلى 13.8 مليار سنة. وهو الأمر الذي تشبث به الميتافيزيقيون المثاليون والتوحيديون لإثبات أطروحتهم بخصوص " ضرورة وجود كينونة مطلقة خالقة لهذا الكون المرئي. وللخروج من هذا المأزق الفلسفي وجد العلماء مخرجاً علمياً لكنه يحتاج إلى الإثبات والبرهان والدليل التجريبي، ألا وهو فرضية تعدد الأكوان، وإن " الكون المطلق" الذي يضم عدد لانهائي من الأكوان"، ومن بينها كوننا المرئي الذي نعيش فيه ونعرفه وندرسه، هي بمثابة جسيمات أولية على غرار الجسيمات الأولية التكوينية المكونة للكون المرئي، هو " الكينونة المطلقة" الأبدية الأزلية السرمدية الحية المتطورة دوماً وكل شيء حي وغير حي هو جزء منها ومن مكوناتها.

 

د. جواد بشارة

 

 

علي رسول الربيعيماذا يعني التفكير في الخطاب السياسي للحداثة في أوضاع تاريخية يمر بها العالم العربي تقع خارج تاريخ ومنطق هذه الحداثة، وأن الحداثة عموما والسياسية في أحد أوجهها مسالة تختص بالسياق الحضاري الغربي. لقد أقتضت الحداثة السياسية - كما حددها روبرتس وهايت (من الحداثة الى العولمة) - بعـقلنة السلطة واستبدال السلطات الدينية والعرقية بسلطة سياسية وطنية مفردة، واصرار على السيادة العليا الظاهرية للدولة الوطنية مقابل القوى المحلية، أنها تعني انسجاما وطنيا، ومركزة أو تجمع القوة في مؤسسات التشريع الوطنية المعترف بها. ويتطلب التحديث السياسي تمايزا في وظائف سياسية جديدة، وتطور بنى متخصصة لأنجاز هذه الوظائف. وتصبح مجالات الكفاءات الخاصة مفصولة عن عالم السياسة، ويتم توزيع الأدارة والسلطة حسب الكفاءة والأهلية لا حسب العلاقات القرابية والولائية. وكل هذا يمكن استلهامه نظريا وتبنيه تاريخيا رغم ماتبدو عليه العقلانية والأندماج والتمايزات طبقا للكفاءات ذات علاقة معتمة بالكامل مع الواقع .

نعم أن الحداثة نشأة في سياق غربي أذا ما نظرنا اليها بوصفها تعبير عن مرحلة تاريخية مرً بها الغرب ولكنها تمثل أيضا وفقا لتعريف "محمد أركون" أنفتاحا للروح البشرية تجاه مشكلات المعرفة والوجود. وفيها حتى الكلام الإلهي يتخلص من أشكال الهيمنة المُستندة على التقليد اكثر من أستنادها على التاريخ والتي تنشر الظلمات التي يتعين على الأنوار أن تقشعها أيضا، طبقا لتورين . فهي التي أنتجت على مستوى الوعي السياسي مفهوم الدول/الأمة، ودولة القانون، والنظام البروقراطي، والعلمنة، وأستقلال المجال السياسي، ومفهوم الديمقراطية، ومفهم المواطنة، والمجتمع المدني، وحقوق الأنسان؛ بالإضافة الى التفسير العقلاني والعلمي للطبيعة وأنجزت التكنولوجيا. لقد مرت الحداثة الغربية في سياق تاريخي طويل ملئ بالتحولات. وقد ميًز ليو ستروس ثلاث موجات متلاحقة للحداثة في الفلسفة السياسية : الاولى، تعد المؤسسة للتمثلات " الليبرالية " في الفكر والممارسة السياسية، وتبرز في مضادتها للفكر السياسي اللاهوتي والمشخصة في العمال الفكرية مكيافيللي. أما الثانية، فتحملها الأنوار أو عقل عصر التنوير الذي يضع الأيمان خارج نطاق هذا العقل؛ اي في خانة القداسة السحرية، وتضع لنفسها هدفا واضحا ومحددا الا وهو جعل العلم معتقدا شعبيا شائعا على نطاق واسع ، وتحمل في تعبيراتها موقفا نقديا اساسيا يلازم تطورها متجليا في فلسفة روسو. والثالثة ، متولدة عن النزعة الوضعية العلمية وعن النزعة التاريخانية المتجلية في خط هيجل وأوغست كونت .

أنً السؤال المطابق، لايتعلق في ما قيمة التفكير في مفاهيم الحداثة وقيًمها في الوقت الذي تغيب فيه عن المجال الحضاري العربي، أنما السؤال عن الأسباب التي منعت تطور الأوضاع التاريخية لقيام الحداثة السياسية هنا تحديدا. وأن القول بأننا لانزال في مرحلة ماقبل الحداثة والعقلانية، أيً في عصر الأستبداد، والمجتمع الذي تتحكم به الذهنية الطائفية والقبلية والفئوية، والنظرة السحرية والغيبية للوجود، وعدم الفصل بين المجتمع والدولة والسلطة، لايلغي أن نتأمل تجارب الأمم الأخرى أولا ونستلهم قيمها ونقوم بفعل التبني التاريخي لمنجزاتها ذات الصلاحيًة والفاعلية لأوضاعنا الأجتماعية، أي أن نستفيد منها وأن نتطلع لأن نحقق حداثتنا مستقبلا، طبعا لايعني ذالك أننا عندما نتفكر في سياقات تشكًل الحداثة الغربية بأننا نحتاج أن نعيد المسار نفسه، أي نرجع الى نقطة في التاريخ الغربي تعود الى أكثر من ثلاثمائة عام ولكن التفكير في ممكنات الدخول في الحداثة فورا. نعم هناك أستبداد متجذر وممتد طويلا في العالم العربي ولكنه مسألة تاريخية وليست حالة جوهرية قارة ؛ أيً أنها ليست ظاهرة ثابته وقدر محتوم لايمكن تغييره على كل حال.

صحيح لاتزال تجاربنا متعثرة منذ أواسط القرن التاسع عشر وحتى اليوم، وصحيح أخفقت مشاريع النهضة العربية، وفشلت الأيديولوجيات القومية، والأسلامية ، والماركسية، والليبرالية كافة؛ وفشلت الدعوات الوطنية والديمقراطية كافة، كما فشلنا في بناء الدولة الوطنية ذات السيادة الحقيقية، وفي تحقيق التنمية الأقتصادية، و العدالة والمساواة الأجتماعية والأقتصادية والحرية السياسية، ونكصنا عن بناء المواطنة القائمة على أساس القيم المشتركة والمصالح المشتركة واعتبرناها من باب تحصيل الحاصل، ومكر بنا التاريخ الذي تحدث عنه هيجل، فلم يتم الأنتقال من الفرد الطائفي الى الفرد المواطن. المشـكلة ان هـذه المجتمعات تجـد نفسها دائمـاً مشـدود دائما إلـى الخلف وتعاني مـن ظاهـرة الفشـل والإخفـاق بفعـل هيمنـة التسلطيـة السيـاسيـة سابقا والطائفية لاحقا. أن النظر في العوامـل الاجتماعية للاحتجاجات السيـاسيـة يكشف أنها ناتجـة عـن فشـل نمـوذج التحـديث الـذي توعـد بـه أنظمـة الحكـم منـذ أكثـر مـن نصـف قـرن وعـن إخفـاق هذه الأنظمـة فـي إدارة حيـاة سيـاسيـة سلميـة فقـد مارسـت تلك الأنظمة وهذه الحكم بطريقـة تسلطيًة عنيفة لاعقـلانيـة ومسـدودة الآفـاق.

إن هـذه الاحتجاجات العنيفـة والمتطرفـة التي يمر بها المجتمع لا يمكـن أن تعـزى إلـى عامـل وحيـد ولكنهـا تعـود إلـى عمـق المتناقضـات والتوتـرات الاجتماعية والسيـاسيـة التـي تنشـأ وتنمـو فـي جـو الأزمـة الشاملـة التـي تفتـك بالمواطنيـن والاقتصاد والـدولـة نتيجة سياسات فاشلة؛ أي جـو أزمـة النظـام الاجتماع,والأقتصادي والسياسي . إن هذه الحـركات تشـكل كمـا هائـلاً مـن المطـالب والتركيبات الأيديـولوجيـة التـي تحيلنـا إلـى مقـدرة الأيدولوجيا علـى تغذية المتخيـل الاجتماعي وإشعـال لهيبـه وعلـى الآليـة الوظائفيـة التـي يتجلـى بهـا هـذا المتخيـًل. همً النخبُ السياسيةُ الوحيد، عندنا، هو الصراع على السلطةِ بدون الأهتمام الجدي بتأسيس شكل للحكم يكون معيارا لشرعية السلطة ، فهيً فئات تُفكرُ في بناءِ تسلطيتها السياسية والدينية و شتان بين من يريد أن يؤسس لمنطق الدولة الحديثة ومن يريد ترسيخ تسلطيته وتأبيدها .

من مشكلاتنا، ايضاً، التعامل مع منجزات الحداثة بطريقة تسطيحية وهشة ولا تعبر عن خيارات فعليًة من أجلِ فتحِ تاريخ آخر ومختلف لمجتمعاتنا، والمثال الفاقع على ذلك تجربة العراق مع آليًات الديمقراطية ، لقد تمت أنتخابات كانت أشبه ببيعة طائفية ومزورة، وتم تشكيل حكومة المحاصصة "الوحدة الوطنية" وتشكيل "برلمان " و سنً " دستور" و" فصل بين السلطات " ولكن كل هذه الآليات والأجراءات الديمقراطية لم تخلًص المجتمع العراقي من الأستبداد .

المشكلة، أذن، لاتتعلق بالحداثة وسياقتها عموما ولكن تتعلق في طريقة تعاملنا مع هذه الحداثة، وطريقة تلقيها، وكيفية الأستفادة من منجزاتها، فليس من الممكن تعقله مثلا ان الغرب ينتقل الى مابعد الدولة/ الأمة ومجتمعاتنا تتراجع حتى عن المكتسبات التي حققتها على الأقل في المئة سنة الماضية، فتعود الى عصر ماقبل الدولة وهو تعبير عن غياب العقل الموضوعي أوالعقلانية؛ أي تعود الى دولة الفئات المتناحر والمجموعات الطائفية والعرقية فيما قبل تشكيل الدولة الوطنية.

 

الدّكتور عليّ رسول الرّبيعيّ

 

عبد الكريم نوارلقد ظل التفكير البشري مند بزوغه مهووسا بالتفكير في الشروط التي يعيش ويحيا فيها، محاولا الرقي بها إلى الأفضل، متجاوزا كل ما هو قديم وغير صالح، طامحا لبناء الجديد الذي لا يمكن أن يكون إلا خيرا وصالحا للمجتمع، وقد كان هدف الانسان عبر تطور العصور هو تحقيق العدالة الاجتماعية التي طالما شكلت حلما لكل البشر، فلو لا غياب العدالة لما سعت الممالك القديمة كأشور، وأكد، وبابل وسومر ...إلى تحقيقها، ولولا غياب العدالة لما ظهر حمو رابي بقانونه الذي أرسلته الألهة ليرسها ويجسدها واقعيا. يحكي لنا حمو رابي بان الإلهين أنمول"المرشد الأعلى" وأيليل هما اللذان: "هتفا باسمي يا حمو رابي،أيها الأمير المبجّل الذي يخاف الآلهة، أن أجعل العدالة تعم رحاب الأرض، وأقضي على الأشرار، حتى أمنع الأقوياء من اضطهاد الضعفاء، وأشرق كالشمس على التعساء والمظلومين".

يمكن أن نقول أن الغرض من العدالة حسب تصور حمو رابي هو حماية الضعفاء من بطش الأقوياء، في الدولة القديمة التي كان جهاز السلطة فيها يتميز بالمركزية إلى درجة عالية .

هوميروس هو الآخر كان نبيا هدفه الدفاع عن العدالة وتجسديها، إذ ذهب في "الإلياذة" التي اتخذت ملامح بارزة مند أكثر من ألف عام بعد حكم "حمورابي" . فلا تعتبر في" الإلياذة " العدالة بمنزلة الفضيلة و إنما تربطها بالانتقام .

تأخذ العدالة أهمية عظيمة و استثنائية بالنسبة للأفراد و الشعوب على حد سواء إذ تعد معيارا أساسيا لقياس مدى تقدم المجتمعات وحسن تنظيمها، فكم هي الشعوب التي ضحت من أجل العدالة، وكم هي الحضارات التي دمرت، وكم هم الأفراد الذين يموتون كل دقيقة وكل ثانية، كم هي الأنظمة السياسية والاقتصادية التي تم هدمها بسبب غياب العدالة... فكلما تم الإعلاء من شأن العدل والإنزال من شأن الظلم إلاّ وإستقام أمر الناس وصلحت أحولهم، وكل ما تم الإنزال من شأن العدل والإعلاء من شأن الظلم الا وقل شأن الموطنين وتدهورت قيمتهم، أن العالم بهذا المعني لا يمكن أن يعمه الفراغ فإما أن يسوده العدل وإما أن يسوده الظلم . لهذا السبب كان هدف الشعوب على مر التاريخ هو تحقيق العدالة الشيء الذي دفع الفلاسفة إلى أن يجعلوا منها مركزا لنقشاتهم و يدافعوا عنها بقوة واستماتة ففي اليونان نجد لأفلاطون طموح بناء جمهورية عادلة برئاسة الفلاسفة كقوة عاقلة داخل المجتمع، ونجد الفيلسوف أرسطو قد ترك لنا أثرا عظيما منقطع النظير في العدالة. وبعده في المراحل الوسطى وبالضبط في الحضارة العربية الإسلامية نجد الفارابي دافع على الجمهورية الفاضلة، وفي المرحلة الحديثة نجد كارل ماركس ينظر لمجتمع خالي من الطبقية وهو الذي سماه المجتمع الشيوعي الذي يتحقق فيه التوزيع العادل للثروة...

إن الجميع يطالب بالعدالة، لكن لم يختلف الناس حول شيء أكثر من مسماها . فإذا كانت قيمة الأشياء لا تعرف إلا من خلال نقيضها، أفلا يصح القول، بناءا عليه بأن الشعور بالظلم مقدم على إدراك العدل ؟؟ وهذا ما سبق أن أشار إليه هيراقليطس حينما قال :" لولا وجود الجور لما عرفنا معنى العدالة " و يتفق معه شارل ديكنز في روايته " الآمال الكبرى " عند ما يعتبر أن هناك ما هو أكثر وضوحا من إدراك الظلم والشعور به ويخلص أمارتياصن من خلال دراسته المعمقة والمستفيضة للعدالة، إلى نفس الفكرة حينما يقول إن الذي يحركنا ليس هو إدراكنا أن العالم يفتقر إلى العدل الكامل بل لأننا نود رفع مظالم لا يختلف اثنان على إمكانية رفعها.

فالعالم الانكلو سكسوني لم يشكل استثناءا بطرح أيضا نقاش العدالة؛ وبقول أكثر محدد ومضبوط أعاد طرح نقاش العدالة إلى بساط الفلسفة السياسية فبالرغم من أنه الى غاية 1971 كانت الفلسفة الأنجلو سكسونة متأثرة بالفكر التحليلي ومكرسة بشكل جوهري للمنطق الفلسفي، و الإبستمولوجيا وفلسفة اللغة والتعبير. فإن الفلسفة السياسية ليس لها أثر على الفلسفة الأنكلو ــ سكسونية إذ بقي "المذهب النفعي" الأكثر تأثيرا من الناحية الأخلاقية والسياسية هو المهيمن، بالرغم من أنه بدأ في هذه الفترة ينهار ويفقد هيمنته أما بالنسبة للفلسفة التحليلية التي ظهرت عمليا وتاريخيا ما بعد الفيلسوف الألماني فريكو حيث أسست بهدف التحليل المنطقي للغة وبشكل أشمل أعطت للغة وضعية سامية، أما في جيلها الثاني والثالث فقد فضلت المحور الدلالي، فالفلسفة التحليلية ترفض إمكانية علم للأخلاق أو خطاب عقلاني حول القيم، على عكس ما دهب اليه جون رولز في نظرية العدالة إذ أعاد طرح العقلانية الأخلاقية والسياسية ضمن شروط ومتغيرات واقعية ومحددة وجديدة التي عرفتها الفلسفة عموما والفلسفية السياسية في المجتمع الأمريكي على وجه الخصوص وعمل ذلك بوعي مبني على أن نظرية العدالة هي الجزء الأكثر أهمية من نظرية الإختيار العقلاني هذا يعني أنه يمكن التعاطي بالدراسة مع العدالة بشكل عقلاني وعلى هذا الأساس يمكن بناء مؤسستنا، ومفاهيمنا وأخلاقنا،لكن هل يعني هذا أن الاسئلة الأخلاقية لم تكن مطروحة قبل رولز في الفلسفة السياسية الأمريكية ؟ قبل ذلك فيجب أن نشير إلي أن بزوغ نظرية العدالة وصياغتها جاءت في سياق عام اتسم بالثنائية القطبية حيث طرحت النظريات الماركسية تحديا وصراعا ضد جملة من المفاهيم والنظريات و حتى الاراء التي تطرحها الليبرالية أخص بالذكر هنا مفهوم الحرية ومفهوم المساواة،كما إنتشرت مفاهيم أخرى كمحاربة الاستعمار، موجهة الاغتراب ... بالإضافة إلى هذه الشروط نجد شروط داخلية تميزت بالصراع العرقي بين السود من جهة والبيض من جهة ثانية وما أفرزه من نقاش حول حقوق السود و النضال الاجتماعي على أرضية العدالة والمساواة وتجاوز التمييز العنصري . وكذلك النقاش المطروح وسط الفئة المثقفة داخل المجتمع الامركي حول عدالة حرب الفيتنام وعدم عدالتها وما ترتب عن ذلك من أشكال الاحتجاج وقلق المثقفين من السياسات التي تنهجها الدولة . ظهور مشكلات نظرية على مستوى الدستوري فرزت إشكالات وتساءلات في العقل الليبرالي الأمريكي ونظرا للسياق العام إنطرحت الثنائية القديمة الفردي ــ الجماعي بشكل كبير ما تجاوز فهم و استيعاب العقل النفعي الأمريكي .

1ـ العدالة كإنصاف

إن دراسة "نظرية العدالة كإنصاف" تستدعي الوقوف على المفاهيم المكونة لهذا العنوان لمعرفتها، لأنّ المعرفة هي مسألة علم، ولا يجوز معها أدنى شيء من الكذب و الخيلاء، بل المطلوب هو العكس بكلّ تأكيد وهو الصدق و التواضع لذلك سنستعين بمجموعة من الموسوعات والمعاجم حتى تكون معرفتنا ولو نسبيا دقيقة. وفي هذا المستوى نجد في البداية تعريف للإنصاف بمعجم بيت الحكمة " نصف الشيء أخذ نصفه. و أنصف بين خصمين: سوى بينهما و عاملهما بالعدل.و الإنصاف اصطلاحا هو الشعور التلقائي الصادق بما هو عدل أو جور... و الإنصاف حقوقيا، التقيد بنص القانون لأنه عدل طبيعي، لا عدل شرعي، و هو أسمى من القانون الوضعي و أكثر مرونة منه "[1]" هذا التعريف نفسه الذي نصادفه في معجم جميل صليبا "[2]"،أما في موسوعة لالاند الفلسفية فهي تقدم تعريفا لمفهوم الإنصاف على الشكل التالي :" الإنصاف شعور يقيني وعفوي للعادل وللظالم ؛ ولاسيما ما يتجلى في تقويم حالة عينية وخاصة ... وفي حقل الحقوق بنحو خاص يتعارض الإنصاف مع حرفية القانون "ويذهب أندريه لالاند إلى توضيح مفاده أن هناك تعديل لهذا المفهوم وفقا لتعليقات غوبلو، لابي، ورويسن الذي يقترح أيضا هذه الصيغة :"أمان الحكم في تقويم كل ما هو عائد لكل فرد " [3] " وقد قال كوندياك :" الفرق بين الإنصاف والعدل يوجب الحكم على الأشياء بحسب روح القانون، وعلى حين أن العدل يوجب الحكم عليها بحسب نص القانون " "[4]" وبناءا على ما سبق يمكننا أن نلاحظ أن كل الموسوعات خلال تحديدها لمفهوم الإنصاف تحاول أن تزيل عن سبيلها نص القانون فموسوعة بيت الحكمة تذهب حقوقيا إلى أن الإنصاف يضمنه نص القانون لأنه "عدل طبيعي" وليس "شرعي" كون هذا الأخير أسمى من الأول .

ويمكن القول بأن العدالة إن ظهرت وكأنها المبدأ الأساسي لجميع المجتمعات والمقياس الذي تحاكم بمقتضياته جميع الشؤون الإنسانية والحكم الأخير الذي ترجع إليه جميع الخلافات، فإنها قد تطورت تطبيقاتها وإذا كانت القوانين قد تضمنت جملة من القواعد يفترض فيها التعبير عن العدالة فإن هذه القواعد في حالة تاريخية معينة استبعدت من التطبيق استنادا إلى مبادئ عدت أسمى من القانون هي مبادئ العدالة، وقد تقبل ذلك الرأي العام لدعم ما يبدو هنالك من تناقض يوحي بالطابع اللغو في تطبيق القانون حرفيا يؤدي إلى الظلم وهذا ما عبر عنه القانون الروماني من خلال القاعدة التي تقول:" اللغو في الحق غلو في الظلم" .

وعلى هذا الأساس فإن لمفهوم العدالة قيمة أخلاقية في منظومة القيم العامة تحفظ حقوق المجتمع لكنها تبقى مفهوما نسبيا لا يمكن القطع بقيمتها المتوارثة والمكتسبة عبر الزمان لأنها عرضة للتفكير ولا يمكنها أن تعد قيمة تصلح لكل المجتمعات، فمنظومة القيم العامة تعد نتاجا للعقد الاجتماعي بين مجموعة البشر تشترك بمصالح، ولعلة تتواصل من خلالها لخلق ثقافة مشتركة تحكمها عادات وتقاليد اجتماعية ودينية تشكل منظومة قيمهم الأخلاقية ليكتسب مفهوم العدالة المصداقية مع الجميع ويعده عرسا تربويا في اللاوعي الاجتماعي له ارتباط وثيق بالقيم الأخلاقية العامة .

يمثل مفهوم الإنصاف القطب الروحي في فلسفة رولز السياسية فهو يختلف عمن تقدمه من فلاسفة العقد الاجتماعي (هوبس، روسو، و كانط ...)، بحيث أن عــقدهم الاجتماعي هو عقد تاريخي، في حين أن عقد رولز هو عقد افتراضي وهو يسميه " بالإنصاف" يقول رولز " إن هدفي هو تقديم تصورللعدالة يمكن من خلاله رفع مستوى التجريد لنظرية العقد الاجتماعي الشهيرة كما وجدت في أعمال لوك وروسو و كانط ".

فهل استطاع رولز أن يحقق هدفه ؟؟ ينطلق جون رولز في كتابه "نظرية في العدالة" من تعريفه للعدالة ويعتبرها "الفضيلة الأولى للمؤسسات الاجتماعية [5]"معنى ذلك أن العدالة هي أساس الهيكل الاجتماعي وعمودها الفقري حيث لا يمكننا الحديث عن بنية مؤسساتية جيدة التنظيم دون الحديث عن كونها تطبيق للعدالة، وشرع جون رولز إلى ضرورة رفض البنية المؤسساتية ورفض جميع القوانين إن لم تكن صالحة، وهذا ما نجد له تصريحا من داخل كتابه إذ نجده يقول بوضوح تام : " مهما كانت النظرية أنيقة لا بد من رفضها إذا لم تكن غير صادقة، كذالك الأمر بالنسبة إلى القوانين والمؤسسات مهما كانت كفاءتها لا بد من إصلاحها أو إبطالها إذا كانت غير عادلة "[6] وهنا نجد جون رولز يعطي أولوية كبرى للعدالة بحيث يرى أنه لا يمكن لأي كان أن يتجاوز حرمته نحو حرمة الآخرين، لأن كل شخص يمتلك حرمة غير قابلة للانتهاك وهذا ما لا يمكن تجاهله أو تجاوزه على حد تعبيره، وأن كل ذلك لمصلحة المجتمع، ومن هنا نلاحظ بوضوح أن ولاء ودفاع جون رولز عن الديمقراطية الليبرالية راجع إلى كون الحقوق المصانة بواسطة العدالة الغير الخاضعة للمقتضيات السياسية وللحسابات التفاضلية الاجتماعية، من هنا يمكن أن نبحث في العدة المفاهيم النظرية التي اعتمدها جون رولز لبناء نظريته في العدالة.

2ـ البنية الأساسية للمجتمع .

ينطلق جون رولز خلال حديثه عن الفكرة الأساسية للمجتمع من كونها موضوعا رئيسيا للعدالة التي يبحث عنها في مجتمع ديمقراطي، بما لها من أثار على أهداف المواطنين وطموحاتهم ومنظومة أخلاقهم وفي قدرتهم على الاستفادة منها، الأمر الذي سبق أن أشار إليه جون جاك روسو والذي أغفله جون لوك، حيث أشار روسو إلى أن ترتيبات المجتمع والمؤسسات لها أثر كبير في تكريس الحالات اللاحقة المرتبطة بالتفاوت وغيره من مظاهر الظلم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وهو ما فات لوك عندما انطلق من حالة أصلية أولى عادلة حاز فيها الناس ممتلكاتهم بصورة عادلة، من دون الاكتراث بالحالة الظالمة اللاحقة التي من شأن مؤسسات المجتمع تكريسها إن لم يكن خلقها [7]

وفي حديث جون رولز عن دور العدالة يشير قائلا :"لا تنطبق مباشرة على المؤسسات ولا تنظم مؤسسات المجتمع والجمعيات من الداخل فالشريكات ونقابات العمال والكنائس والجامعات والأسرة كلها بمانع ناشئة من مبادئ العدالة . " هذا ما يعني أن رولز يبحث عن الصيغة التي من خلالها سيجعل من فكرة البنية الأساسية عمودا فقريا للعدالة لذلك عمد إلى أن المقصود منها من حيث وضيفتها بقوله أنها تمثل "الطريقة التي تتلاءم بحسبها المؤسسات السياسية والاجتماعية الرئيسة،فتدخل في نظام تعون اجتماعي، وطريقة تعينها الحقوق والواجبات الأساسية، و تنظيمها لتقسيم الفوائد التي تنتج من التعاون الاجتماعي عبر الزمن [8] أما من حيث المحتوى فهي وعلى حد تحديده :" تشمل القانون السياسي ذا القضاء المستقل، وصورا من الملكية المعترف بها قانونيا وبنية الاقتصاد (مثلا، نظام أسواق متنافسة،وملكية خاصة لوسائل الإنتاج ) ...والأسرة في صورة من صورها " [9]

بناءا على ما سلف ذكره فإن جون رولزيدد وضيفة البينية الاساسية في مستويين الأول هو ضمان صيرورة وديمومة المؤسسات السياسية بغية ضمان تضامن وتكافل اجتماعي هذا من جهة،أما من الجهة الثانية فهدفه هو ضمان نصيب الأقل حظا في المنظومة الاجتماعية الجيدة التنظيم .

لينتقل جون رولز إلى أن يستنتج أن البنية الأساسية لما لها من أهمية عظيمة فإنها "الإطار الاجتماعي الخلفي " الذي تجري من داخله جمع النشطات التي يقوم بها الأفراد الشيء الذي يفرض علينا ضبط بنية هذه العدالة وآلياتها ومبادئها لان كل هذا سيحقق حسب تصور رولز "العدالة الخلفية"[10]باعتبارها الضامنة لحرية الأفراد والجمعيات حريتهم في تحقيق غايتهم .

لذلك يمكننا أن نقر أن جون رولز جعل من البنية الأساسية عمودا فقريا، ومرتكزا رئيسا للنظرية العدالة غير أن هذه البنية بجب عليها أن تنضبط لمبادئ العدالة التي أرسها جون رولز الأمر الذي يبقيها في نطاق المبادئ السياسية بحدود واضحة مما يجعها كلا متكاملا له قيمة عظيمة من داخل نظرية العدالة .

3ـ فكرة الوضع الأصلي وحجاب الجهل

فمنذ البداية يجب التسليم بان الوضعية الأصلية هي وضعية افتراضية فقط، وتسمح بتكوين نظرية في العدالة الاجتماعية القائمة على المساواة والحرية، إذن كيف تم التوصل إلى هذه الوضعية الأصلية ؟ هل بواسطة القانون الوضعي ؟ أم بواسطة القانون الإلهي ؟ أم انه سيتم التوصل إليها عن طريق اتفاق يصل إليه الأشخاص الأحرار المتساوين ؟ . في محاولتنا للإجابة عن هذه الاسئلة نجد راولز يشدد على الاختيار الثالث، أي على أن اتفاق الأشخاص الأحرار المتساوين هو الذي سيمكننا من التوصل إلى الوضعية الأصلي بحجة " أن المواطنين استنادا على فرضية وجود تعددية معقولة لا يتمكنون من الاتفاق على أي سلطة أخلاقية : مثلا نص مقدس أو مؤسسة دينية أو تقليد من التقاليد، ولا يمكنهم الاتفاق على نظام من القيم الأخلاقية أو ما يأمر به قانون طبيعي وفق ما يراه البعض[11]

تأسيسا على ما سبق، إن مفهوم الوضعية الأصلية(Original Position ) مقابل للحالة الابتدائية في نظرية العقد الاجتماعي وهذه الوضعية تستهدف وصف الحالة الابتدائية للإنصاف، و أيضا تعريف المبادئ التي سيتفق عليها الأشخاص الأحرار المتساوين . غير إن الاتفاق على هذه المبادئ سيتم خلف ما اسماه رولز "حجاب الجهل " إذن فما معناه ؟ كيف حدده رولز ؟

يشدد راولز على مفهوم حجاب الجهل في نظريته، بحيث أن الأشخاص يحجبون عن معرفة مكانتهم في المجتمع، و لا يعرفون أيضا عرقهم ولا جنسهم ولا ذكائهم ولا حتى قوتهم، فكل ما يعرفونه هي معلومات عن هويتهم مثل : اسمه، وعمره وجنسه . "فمن وراء حجاب الجهل سنتمكن من اتباث المبادئ التي تحكم مؤسساتنا التي سنوافق على العيش في ظلها، كما يجب علينا تصور أننا من سنكون في المجتمع الذي سوف تحكمه هذه المبادئ ".

إن ما توخاه رولز من إضافة هذا المفهوم " حجاب الجهل (The veil of ignorance)" هو أن عملية تفاوض الأطراف على المبادئ العدالة الاجتماعية من داخل الوضعية الأصلية ستتم في جو محايد، قائم على المساواة والحرية بين الأطراف المشاركة بحيث أن الأطراف لا علم لها بمصالحها الشخصية ولا بمستواها المعرفي أو قدراتها البدنية، وهذا ما سيضمن الاتفاق على مبادئ عادلة قائمة على المساواة، وتكافئ الفرص، وعدم تفضيل احدهم على الآخر، وبالتالي ستكون الاتفاقية في الوضع الأصلي منصفة .

إن التفاوض خلف حجاب لجهل يقتضي من كل متعاقد، بعد أن يكون قد جرد من مصالحه وانتماءاته ومعتقداته، أن يزين بميزان النظر ومعايره، وميزان العمل ومعايره وأن يزدوج شعوره بذاته بشعوره بغيره،فيخلص من ذلك إلى بلورة مبادئ يوافق الجميع ومن منطلقات مختلفة و يعترف على مصلحته فيها المهم هنا حسب جون رولز ــ هو ما سيساعد على تلك المبادئ ــ هو أنه افترض انه لا احد في "الوضع الاصلي " يعلم مسبقا لا المكانة التي يحتلها في المجتمع ولا الحالة التي سيؤول إليها وضعه في المستقبل .

بهذه الكيفية يسهل علينا أن نتخيل حسب رولز أن وجود الشركاء الاجتماعيين، في تلك الوضعية الأصلية،خلف حجاب الجهل سيدفع كل واحد منهم عندما يزدوج شعوره بذاته وشعوره بغيره، إلى أن يقول في نفسه :" لو ولدت في هذا المجتمع غنيا، سأرغب في أكبر قدر من الحرية الفردية، ولكنني لو ولدت فقيرا سأطالب بأكبر قدر ممكن من المساواة في الفرص ".[12]

بناءا على ما تم تداوله وجب أن نتساءل مع السيد رولز، ما هي المبررات التي قادته إلى الاعتقاد بأن الأفراد، الذين وضعوا وراء حجاب الجهل وسيتواطئون بسير وطواعية، على اختيار المبادئ التي تكفل مصلحة الفئات الغير المحضوضة؟؟ وثانيا: لماذا سيقبل الأفراد الأقل حضا بالتفاوت الاقتصادي والاجتماعي ويساهمون في بناء المجتمع الذي يحتضن اللامساواة بدلا من سعيهم إلى إيجاد مجتمع تنعدم فيه

الفوارق الاقتصادية والاجتماعية ؟ بعبارة أخرى : إذا كان على الأشخاص أن يقرروا، بكيفية تعاقدية، توزيع " الكعكة الاجتماعية "، ألن يتفقوا على قسمة موزعة بالتساوي ؟ ألن تملي عليك المصلحة ويلزمك المنطق، إذا ما طلب منك، افتراضا أن تقسم خيرا ما وأنت لا تعرف مقدما ما هو النصيب الذي سيعود إليك بعد أن تقسم ذلك الخير بالتساوي ؟؟ [13]

لقد حدد رولز نظرته للأشخاص باعتبارهم، كائنات عاقلة وأخلاقية، وهي كما يدعي نظرة تستندي على فلسفة كانط العملية وهذا يعني التخلص من كل ميل و التجريد من المصلحة الشخصية تبقى أمرا ضروريا اتفاق علة مبادئ العدالة الخالصة التي نطمح إليها، وما ستار الجهل إلا صيغة تمثيلية وكناية عن الشخص الذي يتصرف وفق الواجب الأخلاقي .

إن حجاب الجهل حسب رولز،هو في الحقيقة التي تمثل الشخص كما حدده كانط، إذ أن كل من يتمكن من التحلل من انتمائه والتحرر من مصلحته الضيقة هو وحده القادر على أن يجعل من ذاته فعلا شخصا بمعنى الكلمة ولا يعد فعلا ذاتا أخلاقية إلا حين يكون فعله منزها عن الغرض والغاية وغير مستجيب سوى لما يمليه ضميره ولما يأمر به القانون الأخلاقي . [14]لذلك فإن سر الوضع الأصلي ــ ومفتاح فهم قوته التبريرية ــ لا يكمن فيما تقوم به الأطراف هنالك، بل فيما تدركه بحيث إذا ما تفحصنا نهاية كتابه سنستشف أن لغة الاختيار والإرادة قد حلت محلها لغة الرؤية والإدراك . هكذا أخلت الصورة الإرادية كما هي عند كانط المكان للصورة المعرفية كما هي عند سبينوزا . وما يهم فيه ليس ما تختاره هذه الأطراف وإنما ما تراه وليس ما ما تقرره بل ما تكتشفه. على أي حال فإن ما يجري في الوضع الأصلي ليس عقدا بل هو بروز وعي بالذات لذا الكائن من حيث علاقته مع غيره .

4 ـ مبــــــادئ العـــــدالـــــة وحدودها

يسعى رولز من خلال أطروحته " العدالة كإنصاف " إلى وضع تصور جديد لمفهوم العدالة، يتسنى من خلاله وضع مبادئ أخلاقية وسياسية، بل إن العدالة كإنصاف هي التي ستضمن التوزيع العادل للخيرات بين جميع الأطراف،وذلك من خلال مبادئ العدالة الاجتماعية كما بلورها جون راولز، وهذه المبادئ سيتم صياغتها انطلاقا من فرضية أساسية وهي "فرضية الوضع الأصلي "، أي أن الناس يولدون ضمن مواقع مختلفة للحياة تتحدد في جزء كبير منها بالظروف السياسية والظروف الاقتصادية، هذا ما يعني أننا أمام اختلافات متباينة وعميقة حاضرة في كل مكان، وانطلاقا من هذه الاختلافات بين الأشخاص وقد اقترح رولز تطبيق مبادئ العدالة من اجل حل الصراعات والنزاعات الاجتماعية سواء الدينية او السياسية .... او غيرها، وبالتالي توحيد لحمة المجتمع الذي يتأسس على التعددية الثقافية والسياسية، فالفرد يعلم أن هناك قويا ـ ضعيفا، فقيرا ـ غنيا، مؤمن باديان مختلفة، وغير مؤمن، وبناءا على هذه المواقف يراهن راولز على وضع مبادئ تجعل حياتهم عادلة، يقول المحرر " في كتابه نظرية في العدالة، وطبقا للعدالة كإنصاف تكون مبادئ العدالة الأكثر معقولية تلك المبادئ الحاصلة على اتفاق متبادل يتم بين أشخاص في شروط تتصف بالإنصاف، لدى فان العدالة كإنصاف نظرية في العدالة ناشئة عن فكرة العقد الاجتماعي والمبادئ التي تصوغها تؤكد مفهوما ليبراليا واسعا للحقوق والحريات الأساسي"ويضيف امارتيا سن في كتابه" فكرة العدالة " يختلف الأشخاص في معتقداتهم الدينية وأرائهم العامة لماهية الحياة الطبيعية التي تستحق أن تعايش، ولكن تحددهم في مداولاتهم الرغبة في التوافق بتقدير راولز على كيفية تفهم ما بينهم من اختلافات والتوصل إلى مجموعة واحدة من مبادئ العدالة تنصفهم جميعا" فمبادئ العدالة يتم اختيارها من طرف الأشخاص الأحرار العقلانيين ضمن الوضع الأصلي وبشكل جمـاعي، وهذه المبادئ هي التـي تحدد الحـقوق والواجبات الأساسية للأفراد

والتي من خلالها يصوغون قوانين تنظم حياتهم ومطالبهم من داخل المجتمع . وفي هذا الوضع الأصلي يتم اختيار المبادئ خلف ما اسماه بحجاب الجهل، أي أن الأطراف لا احد منهم يعرف موقعه الاجتماعي ولا قدراته العقلية أو البدنية، وبصيغة أخرى لا احد يمكنه أن يكون في وضعية أفضل من وضعية الأخر عند اختيار هذه المبادئ، إذن فطالما أن كل الأشخاص داخل الوضع الأصلي يجهلون أوضاعهم الخاصة فمن المؤكد انه لا يوجد شخص يمكنه طرح مبادئ تناسب وضعه الخاصة وتمس بمصالح الخاصة .

انطلاقا من ما سبق يمكن القول على أن الأطراف في الوضع الأصلي عليها أن تتمتع بالعقلانية، وان لا يحكمها حب الذات والأنانية، ولضمان عقلانيتها يطلب منا رولز أن نتخيل الأطراف ضمن الوضع الأصلي تضع ما يسميه بحجاب الجهل .

إن العدالة تبدأ أولا باختبار المبادئ، وانطلاقا من هذه الأخيرة يتم تقديم مجموعة من الانتقادات والإصلاحات المتعلقة بالمؤسسات ثم بعد ذلك يكون من الضروري اختيار دستور من اجل وضع قوانين تتوافق مع هذه المبادئ، "تبنى مبادئ العدالة وتطلق في سلسلة رباعية المراحل، تنبني الأطراف في المرحلة الأولى مبادئ العدالة خلف حجاب الجهل والقيود على المعرفة التي يمكن أن تحصل عليها الأطراف تخفف بصورة متزايدة في المراحل الثلاثة الآتية : مرحلة المؤتمر الدستوري والمرحلة التشريعية التي تسن فيها القوانين ... ثم المرحلة الأخيرة التي تطبق فيها القواعد من طرف الإداريين"

وعليه فان المبادئ التي يتم اختيارها في الوضع الأصلي سيتم تطبيقها بالأساس على البنية الأساسية للمجتمع ( المؤسسات )، ومن هنا فكرته بان "المادة الأولية لمبادئ العدالة الاجتماعية هي البنية الأساسية للمجتمع" ـ هذه الأخيرة هي التي ستحدد المناصب ومواقع الأشخاص وستعمل أيضا على تحديد حقوقهم وواجباتهم، وهي التي ستضمن التقسيم العادل للخيرات على أفراد المجتمع، ويطرح راولز مبادئ العدالة على الشكل التالي :

v 1_ لكل شخص الحق ذاته والذي لا يمكن إلغاءه في ترسيمة من الحريات الأساسية المتساوية الكافية، وهذه الترسيمة متسقة مع نظام الحريات للجميع ذاته .

v 2 _ يجب أن تتحقق ظواهر اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية شرطين، أولهما : يفيد أن اللامساواة يجب أن تتعلق بالوظائف والمراكز التي تكون مفتوحة للجميع في شروط مساواة منصفة بالفرص، وثانيهما يقتضي أن تكون ظواهر اللامساواة محققة اكبر مصلحة لأعضاء المجتمع الذي هم اقل مركزا (وهذا هو مبدأ الفرق)"

يؤكد جون راولز منذ البداية على ضرورة احترام التسلسل كما هو موجود في هذه المبادئ، بحيث تكون الأولوية للمبدأ الأول على المبدأ الثاني، وقد أطلق على المبدأ الأول" مبدأ الحريات الأساسية" في حين أطلق على المبدأ الثاني " مبدأ الاختلاف"، ومادام هذا المبدأ الأخير يتكون من قسمين فانه أطلق على القسم الأول " مبدأ تكافئ الفرص" وعلى القسم الثاني "مبدأ الفرق"، إذن كيف يمكن الجمع بين مبدأين يدافع الأول منهما على المساواة والحرية في حين يدافع الثاني على اللامساواة ؟ بعدما اشرنا بشكل سطحي إلى هذه المبادئ سنحاول أن نقوم بشرحها وتفسيرها

ينطلق رولز عند اقتراحه مبادئ العدالة، من السؤال التالي:"ما...مبادئ العدالة الأكثر ملائمة لتعيين الحقوق الأساسية والحريات، وتنظيم ظواهر اللامساواة...؟"[15] مؤكدا أن همه الأول في هذا السياق، هو الاتفاق على الاعتقادات الأكثر رسوخا في المجتمعات الديمقراطية بشأن الحقوق والحريات الأساسية والمساواة في الفرص بتمثيل جوهري منها في الوضع الأصليوفي ضوء ذلك يحدد مبدأين عامين يشكلان كلا متكاملا يكون أولهـما أولـوية تحـقق كاملة على الثـاني الذي يكتسب شقـه الأول الأولوية ذاتها على الشق الثاني ولهما : " لكل شخص الحق ذاته والذي لا يمكن الغاؤه في ترسيمة من الحريات الأساسية المتساوية الكافية، وهذه الترسيمة متسقة مع نظام الحريات للجميع ذاته.

ثانيا يجب أن تتحقق ظواهر اللامساواة الاجتماعية والاقتصادية شرطين، أولهما : يفيد أن اللامساواة يجب أن تتعلق بالوظائف والمراكز التي تكون مفتوحة للجميع في شروط مساواة منصفة بالفرص، وثانيهما يقتضي أن تكون ظواهر اللامساواة محققة اكبر مصلحة لأعضاء المجتمع الذي هم اقل مركزا وهذا هو" مبدأ الفرق."

أما الحريات والحقوق الأساسية التي يؤكدها المبدأ الأول فهي [16] "حرية التفكير حرية الضمير، والحريات السياسية ( حق التصويت والمشاركة الساسية ) حق انشاء الجمعيات، وذلك الحقوق والحريات المحددة بحرية وكرامة الشحص (الجسدية والنفسية )، وأخيرا الحقوق والحريات التي يعطيها حكم القانون " الحق أن التعيين للحريات والحقوق الأساسية يعني عدم إطلاقها، كما يعني وجوب قدر

من التدخل،بخلافما تقول به (الليبرالية الجديدة) .

تأسيسا على ما سبق فان جون راولز- من خلال هذا المبدأ الأول- يركز على مفهومي الحرية والمساواة باعتبارهما يشكلان ركيزة أساسية لكل نظرية سياسية، ويشدد على أن كل شخص عليه أن يتمتع بهذه الحريات من اجل خلق نوع من المساواة في المجتمع .

مبدأ الحريات الأساسية : Principle of fundamental freedoms وهو الذي يعمل على منح الحرية والمساواة للجميع بدون استثناء كحرية التعبير وحرية إنشاء الجمعيات وحرية التصويت ... الخ

مبدأ الاختلاف: The principle of difference ويتضمن مبدأين أساسيين وهما :

مبدأ الكفاءة : الذي يسعى إلى توزيع الثروات والخيرات والسلع الأولية على المواطنين بالتساوي .

مبدأ الفرق : الذي يعطي الأولوية للدفاع عن مصالح الفئات الأقل حظا في المجتمع، مؤكدا على ضرورة تحسين وضعية الفئات الاسوء حالات .

ولقد جاءت هذه المبادئ على شكل بناء هرمي، حيث يسبق المبدأ الأول الثاني، وهذا الترتيب ليس عفويا وإنما هو أساسي حسب راولز لأنه لا يمكن تبرير انتهاكات الحريات الأساسية المتساوية كما جاءت في (المبدأ الأول ) أو التعويض عنها من خلال منافع اقتصادية واجتماعية،وبالتالي فهو يمنح الأولوية للحريات على حساب المنافع المادية الأخرى ويمكن تبرير هذه الأولوية من خلال قوله "إن الأولويات تلغي المبادلة "المقايضة" كما يقول الاقتصاديون بين الحقوقالأساسية والحريات التي يغطيها المبدأ الأول مع المنافع الاجتماعية والاقتصادية التي يغطيها مبدأالفرق"[17] .وبالتالي فانالخضوع لمثل هذه المبادئ حسب راولز من شأنها أن تساهم في حل الصراعات الاجتماعية،و التفاوتات الطبقية بين جميع البشر، كما أنها ستعمل على تعزيز لحمة المجتمع المبني على التعددية الثقافية والسياسية .

5 ـ مناقشة مبادئ العدالة الراولزية

إذا ما أخذنا مفاهمية جون رولز التي يقول فيها عن مفهوم العدالة أنها تقوم على مبدأين أساسيين هما: الحرية، والمساواة، وهو قول مغري وجميل بكل صراحة لما فيه من تناقضات بحيث إذا تساءلنا مباشرة عن هذه الحرية والمساواة :

هي حرية من ؟؟ ومساواة من ومع من؟؟، هنا يبدأ الإشكال كله وهنا تختبئ كل المصائب .

سنستحضر مفهومين للحرية :

التعريف الأول :مفهوم يقول به مونتسكيو(Montesquieu) وهو أن " الحرية هي حق في عمل كل ما لا يضر بالآخرين" [18] وهذا قول في الحقيقة لا يعطي تعريفا لمفهوم الحرية بل يعطي لها القيمة وفقط ولذلك يأتي ميزان دقيق جدا : أن تفعل ما لا يضر غيرك كأنه يقول لك كن حرا مع الأحرار،وينفي إمكانية أن تكون حرا مع اللاّ أحرار، وهذا الذي يحكم بنظام وجودك حيث تضبط ساعة حريتك بساعات الآخرين،وتتحرك معهم في ضبط حركي متسق حيث تصبح حرا فقط إذا صار غيرك حرا . هنا بالنسبة لمونتسكيو يرى أنك تتنازل على بعضك من أجل غيرك، وهم يفعلون نفس الشيء هكذا في تنازلات متبادلة كما يقول جون كاريه لقد تنازلنا عن حريات كثيرة كي نكون أحرارا (ويلسون 412) وهو قول جميل لو تحقق واقعيا .

العريف الثاني : وهو تعريف صاغته الثورة الفرنسية حيث طرحت شعارها "لا حرية لأعداء الحرية" وهذه المقولة تصطنع مأزقا كبير جدا وهو أنه يجب على الإنسان أن يعرف الحرية حتى يستطيع معرفة من هم أعدائها و بهذا سيكونوا أعداء الحرية كل من لا يقول بما أقوله أنا عن مفهوم الحرية،وبالتالي أنت تستعمل صيغة واحدة وعلى هذا المقياس :

من هم أصدقاء الحرية ...؟هم الدين يقولون قولي .

من هم أعداء الحرية ...؟هم الذين لا يقولون قولي .

إنها مقولة تسير مع الأخرى كانت أيضا من مقومات الثورة الفرنسية وهي: " لابد من إجبار الناس أن يكونوا أحرارا "[19]. وقد استمدوا هذا الشعار من جون ستيوارت ميل وإذا نحن سندنا أنفسنا مهمة أن نرشد الناس على الحرية التي أنا أسميها حرية،أ ما التي يسمونها هم الحرية لا تتفق مع ما أسميه أنا حرية فهي منفية وملغاة ويلزمني حسب هذه المقولة أن أجبرهم على تركها لأنني لا أراها حرية، هذه هي فكرة الاندماج التي تعاني منها التفافة الفرنسية.

هنا تأتي مقولة جون ستيوارت ميل حول "الاستبداد النير"، حيث يبيح الاستبداد وفي الوقت نفسه يسميه استبدادا نيرا وهذه المقولة لا شك أن مجموعة من الدكتاتورين مثلوها ولازالوا يمثلنها واقعيا فلو أن أحد تمكن من مسألة أحد هؤلاء الدكتاتوريين عن ماهية استبداده أهو إجرامي أم نير ...؟ فسيقولون وسيؤكدون بأنه نير ومشروع ولن تجد دكتاتور واحد في العالم يقول أن عمله قبيح و إسبدادي إذ كل واحد منهم يرى أن ما يفعله سليم وصالح وهذا ما نسمعه وما نقرأه في القنوات الإعلامية بشكل يومي وبالخصوص فيما وقع وما يقع في شمال إفريقيا والشرق الأوسط في المرحلة الراهنة .[20]وهذا مأزق أخر يصنع جملة من الإشكالات التي تثيرها مفاهمية الحرية هي تجنب راسل الليبرالية السياسية وحصر حديثة في الليبرالية الفلسفية لأسباب جديدة منها استصغاره للتطبيقات السياسية للنظرية وملاحظته لتشويه المفاهيم على يد التكتلات السياسية الرأسمالية .

سوف سيتمركز الحديث في هذا الجانب على أهم الانتقادات التي وجهت لمبادئ العدالة عند راولز، وسنركز بالضبط على الانتقادات التي وجهها امارتيا سن من خلال كتابه "فكرة العدالة" .

لكن قبل الحديث عن أهم الانتقادات التي وجهها امارتيا سن لمبادئ العدالة، لابد أولا من التنويه إلى الأهمية والمكانة التي أعطاها سن لنظرية العدالة الاجتماعية لرولز، وخير دليل على ذلك إهدائه كتاب فكرة العدالة لراولز، يقول سن في فقرة التشكرات "لابد لي أولا من تسجيل عظيم امتناني لجون راولز الذي دفعني للعمل في هذا المجال، وكان كذلك أستاذا رائعا لعقود عدة وما تزال أفكاره تؤثر في حتى عندما اختلف وإياه حول بعض استنتاجاته، واني اهدي هذا الكتاب لذكراه"[21] .

يبدو أن امارتيا سن على أنه قد تأثر بشكل كبير في البداية بنظرية العدالة عند راولز، سيما وان هذا الأخير،_ وباعتراف سن _ قد ضخ في الفكر السياسي مجموعة من المفاهيم من قبيل مفهوم البنية الأساسية، مفهوم الأشخاص الأحرار المتساوين، الوضعية الأصلية وحجاب الجهل ... ثم مفهوم الإنصاف الذي أعاد ترتيب أوضاع العدالة، غير أن سن سرعان ما قدم انتقادا لنظرية العدالة وبين بعض عيوبها، بحيث نجده يجمع بين الانتقاد والإعجاب قائلا" إني استهل هذا النقد أولا بتذكر فرحتي و انأ أراه يحول الفلسفة السياسية المعاصرة تحولا جذريا بحق" [22]، من الواضح أن جون راولز عندما قام بتفسير المبدأ الأول ( مبدأ الحريات الأساسية ) فهو يمنح مكانة مرموقة للحرية، على اعتبار أن كل شخص عليه أن يتمتع بها بدون قيد أو شرط، "كما أن ممارسة شيء اسمه الحرية له قيمة متفوقة،وانه الغاية الأساسية هذا وان لم تكن الوحيدة للعدالة السياسية والاجتماعية" .[23]

بما أن راولز قد منح الأولوية لمبدأ الحريات الأساسية فان امارتيا سن قد وجه له انتقادا في هذه النقطة بالذات، وقال بان هذه الأولوية مبالغ فيها، مبررا هذا القول بان هناك أمور أخرى تستحق أن نمنحها الأولوية مثل " الجوع" و " سوء التغذية" و "الإهمال الطبي"...، كما أن هذه الأولوية التي منحها راولز لمبدأ الحرية وجَعلها فوق كل الاعتبارات الأخرى سوف يسقطها في نوع من الغلو، الأمر الذي سيجعلها مجرد وسيلة،(وهذا الأمر لا يتماشى مع الحرية ومقامها) .

فيما يتعلق بالانتقاد الثاني فسيكون منصبا على دور المؤسسات التي اعلى راولز من شانها في نظريته، بحيث أن المبادئ التي يتم صياغتها في الوضعية الأصلية ستطبق على المؤسسات، ومن هنا قوله "أن العدالة هي الفضيلة الأولى للمؤسسات"،[24] غير أن امارتيا سن قدم انتقادا شديد اللهجة لمغالاة راولز في الإعلاء من شأن المؤسسات، لان هذه الأولوية تحجب عنا الدور الفعال الذي يقوم به الأفراد من داخل المجتمع، بالإضافة إلى أن اختيار المبادئ حسب راولز يتم بواسطة الإجماع بين الأفراد، إلا أن هذا الاختيار حسب سن : "ليس كافيا لجعل هذه المبادئ "مفهوما سياسيا" للعدالة يقبله الجميع، لكن هذا القبول يظل بعيدا جدا عن أنماط السلوك الفعلي التي يمكن ان تنشا في المجتمع الفعلي المكون من تلك المؤسسات" أي أن السعي وراء وضع مبادئ العدالة لا يعني أبدا وضع اليد على وجودها الواقعي .

 

الباحث : نوار عبد الكريم

..................................

ـ http://baitalhikma.forumactif.com/t37-topic ـ [1]

ـ جميل صليبا المعجم الفلسفي ص 164[2]

ـ أندريه لالاند " الموسوعة الفلسفية " ص 392 [3]

ـ جميل صليبا " المعجم الفلسفي   [4]

ـ جون رولز كتاب :" نطرية في العدالة " 1971 . ص 29[5]

ـ جون رولز كتاب :" نظرية في العدالة " 1971 ص 30 [6]

7 ـ تمت مناقشة هذه المسائل في كتاب " الملكية أصل التفاوت روسو"

ـ جون رولز كتاب العدالة بوصفها إنصاف ص 98 ــ 99 [8]

ـ نفس المصدر [9]

10 ـ رولز العدالة كإنصاف ص 99

ـ نفس المصدر [11]

ـ نفس المصدر [12]

13 ـ أنظر سلسلة في تقريب الفلسفة، محاورة العدالة الاجتماعية رولز / نوزاييك لصاحبه بلعيد سكحال ص 65 الصادرة سنة 2016

ـ نفس المرجع [14]

[15] ـ جون رولز، العدالة كإنصاف : إعادة الصياغة، ترجمة حيدر حاج إسماعيل ص 146ـ146 .

18ــ كتاب "العدالة كإنصاف إعادة الصياغة"" جون رولز" القسم المختص بمبادئ العدالة سوف نقوم بدراسة هذا الجزء في بحثنا حيث سنتوقف عليها بدقة أكثر .

18ـ المعجم النقدي علم الاجتماع، بودون، وبرويلو ص 468

19ـ هذه المقولة ظهرت خلال الثورة الفرنسية لكنها تحمل في طياتها معنى كبير كما تطرح إشكالات عظيمة من بينها من هم أعداء الحرية ومن هم أصدقاء الحرية

20ــ إن استحضاري لما يقع في شمال افرقيا والشرق الأوسط خلال المرحلة الراهنة ليس من باب المثال وفقط بل أكثر من ذلك من باب البرهان على وقع الازمات التي يتخبط فها الدول التبعية لدولب الامبريالية وجعل منها بؤرا للحرب الذي يعني ضميا أسواقا لبيع وشراء الاسلحة

21ـ كتاب " فكرة العدالة " أمارتياسن فقرة التشكيرات ص 26

22ـ نفس المرجع

23ـ أمارتياصن ـ فكرة العدالة ــ رولز وما بعده ـ نقد نظرية رولز في العدالة

24ـ نفس المرجع

 

مهدي الصافيالمقدمة: ليس معروفا ان تقود الشعوب الثورات وصولا الى سدة الحكم، فقد كانت التجارب الاكثر ثورية في العالم، هي تجربة الثورات الشيوعية الدموية، حيث طرحت فكرة ان الشعب بطبقاته العاملة هي من يحكم الانظمة السياسية بدلا من البرجوازية الفاسدة، الا انها وصلت في اواخر القرن الماضي الى طريق مسدود، بعد ان عجزت عن اقناع شعوبها من ان دكتاتورية الطبقة العاملة هي المثال النموذجي للحكم بدلا من الديمقراطية الرأسمالية الامريكية-الاوربية، حتى بدأت دول المعسكر الاشتراكي تنسلخ عن المبادئ والاسس الماركسية المتبعة في بلدانها، مرتمية في احضان الاتحاد الاوربي، كالطفل الظمأ لحليب الرأسمالية التكنولوجية، ثم بدات تظهر المصاعب والعثرات والازمات الاقتصادية الغير متكافئة بين بلدانهم وبقية دول اوربا الغربية..

نعتقد اننا في هذا البحث المختصر نطرح خطوط ثورية عريضة تختلف عن نظريات الحكم السائدة، بعد ان ثبت فشل الديمقراطية الرأسمالية مع ازدياد عدد الاثرياء في العالم، وبات من الممكن شراء الاصوات واغلب السلطات الدستورية بغية الامساك بزمام الدولة الرأسمالية..

نظرية ديمقراطية النخب العامة التي تشمل جميع طبقات الشعب دون استثناء، لكنها لن تجعل للمال دورا في رسم النموذج او النمط السياسي في الحكم، انما اصوات النخب المفكرة والمثقفة والمتعلمة مع بقية طبقات المجتمع..

كان دائما مايتم تغييب اصوات الشعوب الثورية، وسرعان مايتم مصادرتها وازاحتها عن المشهد السياسي الرسمي، بعد نجاح الثورات او الانقلابات العسكرية المؤيدة من قبل الشعب، الا اننا نطرح في عصر الالكترون النموذج الثوري الديمقراطي الشعبي النخبوي، والذي سيتم من خلاله اعطاء اولوية اختيار انظمة الادارة والحكم للنخب الاكاديمية والعلمية والثقافية والاجتماعية، بدلا من ان يصبح امر ادارة الدولة بيد عوام الشعب او اصحاب رأس المال السياسي، هذه المحاولات الجادة لابد لها ان تهيأ الارضية المناسبة قبل التطبيق المباشر لها، عبر توعية الشارع وحث النخب على اخذ زمام المبادرة وعدم الابتعاد او الوقوف على مسافات الحياد والتراجع او الانطواء والانغلاق لصعوبة المهمة وهي كذلك، لكن الامر سيصبح كارثيا ان ترك المجتمع والدولة للشارع المتخلف، اذ لابد من ايجاد صيغ وادوات علمية ومنطقية لتغيير الواقع، واعطاء رسائل مهمة للشعب من ان نتائج تلك المحاولات هي تصب في نهاية المطاف بمصلحة الجميع دون استثناء .....

الباب الاول: السلطات الدستورية الاربع في الدولة

السلطة القضائية

السلطة التشريعية (العليا) الاولى

السلطة التشريعية (الرئيسية) الثانية

السلطة التنفيذية

كما هو معروف ان الانظمة السياسية الديمقراطية في مختلف دول العالم تعتمد في سلطاتها الدستورية على الثالوث (السلطة القضائية والسلطة التشريعية والسلطة التنفيذية) ، الا بعض الدول المتقدمة كالولايات المتحدة الامريكية لديها سلطة تشريع عليا مهمتها المصادقة وقبول التشريعات التي تصدر عن البرلمان ( الكونكرس) او رئيس الجمهورية، هذا ما نطلق عليه هنا في هذا البحث او التقرير السياسي التأسيس لقيادة الشعب للثورة الاصلاحية"بالسلطة التشريعية العليا الاولى، من الطبيعي ان تطبيق الانظمة الديمقراطية تختلف من بلد لاخر، ومن شعب او بيئة لاخرى، حيث تلعب بعض العوامل الثقافية والتراثية والدينية المهمة تأثيرا مباشرا في صيغ وانماط وممارسات الافراد لتلك التجارب السياسية المدنية الحديثة، مما تجعلها عرضة غالبا للفشل والعودة الى مربع الولاءات الدينية او القبلية والعشائرية او الاثنية، وهي غير قادرة كذلك على ضبط مسألة ادارة موارد الدولة المالية بشكل نزيه، وبالاخص انها دول ريعية غير منظمة اقتصاديا اوتجاريا او ماليا، مسجلة تراجعا ملحوظا حتى في اهم قطاع حيوي مهم كقطاع الزراعة والصناعة النفطية (كالدول العربية)، لسنا بحاجة ان نتوقف في هذا البحث عند تلك المسلمات الدستورية للانظمة الديمقراطية، انما اردنا الاشارة اليها كمدخل مباشر لنظرية قيادة الشعب للثورة الاصلاحية الديمقراطية، والتي لن تكون فيه بحاجة الى احزاب او تيارات او كتل سياسية او جماعات قبلية او عشائرية من اجل التغيير، لكنها بالطبع ستسلم الامانة المحكمة التنظيم الى اصحابها، فأن فشل هؤلاء في اداء الامانة والمهمة، فعليهم ان ينظروا الى نظريات سياسية ثورية اخرى، يمكن لها ان تصلح الاوضاع وتصحح اوتتجاوز الاخطاء بشكل منظم، بعيدا عن الفوضى والتخريب.

اطلاق مصطلح الثورة بدلا من استخدام مصطلحات اقل شمولية او شعبية، جاء من اجل ان تقتلع الشعوب النموذج السياسي الفاسد للانظمة الشمولية (مع انها اصبحت قليلة في العالم) او لتغيير اساليب وممارسات الديمقراطية الرأسمالية، التي ثبت عبثها ونزعاتها الفردية او الراسمالية (البرجوازية الحديثة) المتوحشة في قيادة الشعوب والمهيمنة على موارد بلدانها الطبيعية، فبعد نهاية الحرب الباردة الاولى، تحولت النماذج الديمقراطية المتقدمة"امريكا واوربا"الى سلطات مركزية متوارثة بشعة، ليس لها هم الا احكام القبضة الحديدية على فقراء المجتمع والطبقة المتوسطة فيه، من اجل رفع الارباح وثروات الرأسماليين واحكام السيطرة على الشارع ونخبه المثقفة، وعزلها تماما عن الاعلام ومؤسسات الدولة، بالتزامن مع تقليل الخدمات الحكومية المجانية (كالصحة والتعليم) المقدمة لتلك الطبقات المضطهدة ماليا، وقطع الكثير من المعونات والمساعدات الحكومية المقدمة للعاطلين او كبار السن او الفقراء عموما، تحولت حياة المجتمعات الحديثة الى تكنولوجيا باردة بلا عواطف او احساسي او مشاعر انسانية روحية تعشق التمتع برفاهية العيش، ترى فيها العمر يجري بسرعة الالكترون، لا شعر ولا ادب ولا فن ولا ابداع اجتماعي انما مجرد محاولات فردية مقموعة، يخرج منها ماهو قريب من الايديولوجيا الرأسمالية وسياسة البقاء للاقوى...

الباب الثاني: نظرية ديمقراطية النخب: الاسباب والدوافع

هناك بالفعل اسباب منطقية لابد ان تعرفها المجتمعات المغلقة على النموذج السياسي الرسمي الاحادي، بضرورة مناقشة ودراسة الدوافع الانسانية والاخلاقية الواقعية، وكذلك الحاجة بالنظر في النماذج السياسية المتقدمة، كي يتسنى لها العمل على تعديل المسارات السياسية المنحرفة بشكل كبير عن المبادى والاسس والاعراف الديمقراطية السليمة،

هذه الخطوات عليها ان لاتهمل مايحصل في الولايات المتحدة الامريكية من تراجع كبير في النظام الديمقراطي الواقعي هناك، حيث شكل صعود بوش الابن لقمة هرم السلطة في الولايات المتحدة الامريكية، وانتخاب الصدمة ترامب لرئاسة البيت الابيض، تؤكد الحاجة الجذرية نحو الاصلاح والتغيير السياسي الديمقراطي العالمي، بحيث تغلق ابواب رأس المال واحتمالية تصاعد او ترجيح كفة اصوات الطبقات المتدنية المستوى (الثقافي والعلمي) في التحكم بمصير الامة ومسارات او مجالات حياتها، فقد تحولت او دخلت حياة الشعوب المرفهة تكنولوجيا وماديا مرحلة الروتين ورتابة الحياة، وحالة من الجمود الفكري امام الابداع الالكتروني المتقدم، فقد تحولت حالة التطور تلك الى نقمة عصرية، فتحت افاق سيطرة الدولة على الخصوصيات الفردية والاجتماعية للمواطنين، تارة بحجة حماية الخصوصيات من الاختراقات المتطفلة المزعجة، وتارة اخرى الى ضمان حماية الامن القومي للدولة من الانظمة الالكترونية من الهجمات التخريبة، بحيث نجد ان الحريات بدأت تتقلص وتقيد رسميا، دون ان يسمع راي الشارع في كل تلك المتغيرات الامنية وكذلك بقية المجالات الاقتصادية والتجارية الخ.

من خلال تلك النافذة نحاول ان نذكر الاسباب والدوافع المتعلقة بهذه الاطروحة او النظرية السياسية الحديثة من هذه الاسباب..

اولا: حالة الصعود التاريخي لحجم الثروات للاثرياء على حساب زيادة نسبة الفقر وانتشار الاوبئة والامراض في مختلف دول العالم بما فيها الديمقراطيات المتقدمة

ثانيا: زيادة عزل المجتمعات وتجاهل الرأي العام عبر صناعة رأي عام كاذب عبر وسائل الاعلام الخاصة

ثالثا: زيادة حالات الشذوذ الجنسي والانحراف الاخلاقي وزيادة العنف المتأثر بثقافة العنف الالكتروني للالعاب الالكترونية

رابعا: استحواذ الرأسماليين على القرار السياسي والاقتصادي والعسكري والاعلامي للانظمة الديمقراطية

اما بخصوص الدوافع نذكر منها:

اولا: فشل الانظمة الديمقراطية الرأسمالية التي اوصلت العالم بعد نهاية الحرب الباردة١٩٩٠ وبداية مشروع الشرق الاوسط الجديد بعد عام٢٠٠٣الى حافة الهاوية، فما يحصل في سوريا يمثل قمة المهزلة السياسية الدولية، حرب عبثية من اجل بسط النفوذ والهيمنة في المنطقة، ومواجهة مايسمى بالهلال الشيعي الروسي الصيني، اي كلا من ايران وسوريا والعراق مع القوتين الصاعدتين عالميا (روسيا والصين مع تركيا التي لازالت متأرجحة في قراراتها)

ثانيا: فشل النظام الديمقراطي المشروط، اي الذي تهيمن عليه الاحزاب والنخب السياسية القديمة او الامنية او العائلية او العسكرية

ثالثا: عجز النظام الراسمالية عن الحفاظ على الطبقة المتوسطة الدخل في المجتمع، فنظرية رأس المال تعني زيادة الارباح في قبال الخدمات والكفاءة والاداء المقدم للمواطنين، تحت حجة اننا نعيش في عصر السرعة، وهذا الامر يتطلب ان تتحول جميع الصناعات والابداعات والابتكارات والحاجات الى الظرف الاستهلاكي اليومي او المحدود وفق جدول زمني مدروس بعناية حتى لايصطدم مع فلسفة زيادة نسبة الارباح...

لقد ناضلت البشرية منذ فجر الحضارات الاولى من اجل الهدف الاسمى للحياة، وهو العيش من اجل تحقيق هدف بناء الدول والانظمة للمدن الفاضلة، اذ لايعد سرابا وحلما بعيدا عن ان تفكر البشرية بعد مرور كل هذه الازمنة والعصور بالرفاهية الانسانية، وان ترى ثمارممارسة البشرية لمختلف النشاطات الاجتماعية والسياسية والتجارية عبر تاريخها الطويل، ودخولها في مراحل وتجارب حضارية بدائية متواصل، ثم تطورت بالتدريج بعد مجيء الانبياء والرسل والمصلحين لجميع الامم والشعوب، وزيادة الوعي الانساني بالابتكار والتصنيع وتكوين الاسس الطبيعية للحياة الاجتماعية المنظمة، فقد ظهرت التشريعات والقوانين والصناعات والمدن البدائية بعد ان كانت قرى متخلفة متناحرة او متناثرة، كل هذه التحولات والمتغيرات جاءت كحصيلة فطرية لصيرورة التكوين والتكاثر والانتشار البشري عبر العالم الارضي، سرعان ماتصاعد الوعي الانساني في التفكر والتحليل والاكتشاف والابداع، حتى وصلت البشرية الى مستويات انسانية متقدمة، في الحياة المتحضرة التي سخرت كل ماتجود به الارض لخدمة الانسان ورفاهيته، وبعد ان اقتربت من حدود المدينة الفاضلة، ظهر شياطين راس المال وبرزت قوتهم وقدرتهم على التحكم بأكثر الانظمة السياسية تطورا في العالم منذ خلق البشرية، الا ان ذلك النموذج السياسي الذي اتبعته اغلب دول اوربا، فشل في زيادة نسبة الرفاهية للمجتمعات امام زيادة ثروات الاثرياء بشكل خرافي، حتى باتت ثروات احدهم قادرة ان تشتري ولايات او جزر او دول صغيرة بالكامل، هذه الحالة تمثل تراجعا كارثيا لثقافة ووعي المجتمعات الانسانية، وبالاخص انها بدات تؤمن ان الدين او الاخلاق او القيم الانسانية الموروثة ليس له اي تأثير في حياة الشعوب كتأثير رأس المال، ازدادت حالات التدني الاخلاقي الرسمي بزيادة مجالات المغامرات في اللهو واللعب الالكتروني والمراهنات، انتشرت صالات القمار في كل انحاء الحضارة الغربية، وصارت وباء خطير،

كالمخدرات المنتشرة هي ايضا بشكل مخيف بين فئة الشباب، وتعد تلك الاماكن جزء حيوي من روافد الرأسماليين المالية، ولم يعد هم النخب السياسية من كل تلك الانحرافات غير الاموال، التي تدخل خزينة الدولة من ضرائب النوادي الليلية والكازينوهات وصالات القمار، فهي تصب في مصالحهم ومصالح الوظائف المحتكرة المتوارثة لابناءهم واحفادهم، مع كل هذا تجد ان الدول الرأسمالية الكبرى لاتهتم كثيرا لانتشار الفقر والجريمة في مجتمعاتها، معتبرة ذلك تغيرا طبيعيا في سلوك المجتمعات الالكترونية، الا ان الحقيقة انهم يتعمدون زيادة نسبة التخلف والجريمة في المجتمعات لمحاربة رسالة الثقافة والوعي التي تهتم بها النخب المفكرة والاكاديمية في بلدانهم، بل قل الاهتمام ايضا بالدراسة الجامعية مع زيادة اعداد المعاهد الفنية والتقنية والتكنولوجية، وذلك لتحويل الطبقات الاجتماعية المختلفة الى طبقة مجتمع عمالي، يسهل السيطرة والتحكم به من خلال رأس المال، بينما احتكرت الشركات العملاقة وحتى المتوسطة لبعض الاختصاصات المهمة، واصبحت لديها جامعات واكاديميات ومعاهد خاصة لهذه الاختصاصات الاستراتيجية المهمة، هذه النظرية لاتتحدث ولاتقارن بين الرأسمالية والنظريات الاخرى كالاشتراكية على سبيل المثال، انما هي انطلقت من المبدا السياسي الديمقراطي الرافض لسيطرة او هيمنة راس المال على الاصوات الانتخابية، ومصادرة حقوق المواطنين بمجرد خداعهم عبر الماكنة الاعلامية التي تم الاستيلاء عليها من قبل هؤلاء الثرياء الجشعين، ومع اننا نؤمن بماطرحناه ايضا عبر نظرية تحديد الثروات للاغنياء او الاثرياء عبر تحديد نسب رسمية لزيادة الثروة نسبة للدخل العام للدولة والمواطن، بمعنى اخر ان كانت موازنة الدولة السنوية خمسين مليار دولار لايحق للاثرياء ان تزداد ثرواتهم عن عشرة مليارات اي على سبيل المثال ثروة الاثرياء لاتزيد عن ربع موازنة الدولة السنوية، اضافة الى النظر الى مستوى دخل الفرد للطبقة المتوسطة، وبالتالي ستكون هناك انظمة رقابية خاصة تراقب نسبة الارباح مقارنة بالكفاءة والخدمة والانتاج المقدم

المستهلك او المواطتين بصورة عامة، نحن ننظر بطريقة فلسفية رياضية الى مكامن الخطا الكارثي الذي بات واضحا للجميع، حول تراجع الحالة الروحية والانسانية للمجتمعات الراسمالية، فهي تعد نظام الضريبة الجهاز الامني المالي الرقابي الاول في الدولة، لكنه تجد ان عمله الدؤوب ملاحقة الفقراء وابناء الطبقة الاقتصادية المتوسطة، ولايعد غريبا ان تسمع من المواطن الغربي مرددا القول ان الاثرياء لايدفعون الضراىب مثلنا، في تعبير واقعي عن حالة عدم الرضا عن الحالة الحديدية المقيدة لحركتهم لمثل هذه الانظمة الضريبية الصارمة، التي تجعل المواطن مشدود ليل نهار لشروط المؤسسة الضريبية، يحذر من الاخطاء المقصودة وغير المقصودة، فالعقوبات الصارمة التي تجعل من صاحب الاعمال والمصالح التجارية الصغيرة والمتوسطة قلقا من اية اخطاء تجعل منه مدانا لهم بكمية عرق الجبين المتساقطة فوق جسده، وهذا الاسفاف والاستخفاف بعقول الناس، وصل حد تشريع ضريبة غريبة انتشرت في مختلف دول العالم، بعد ان ابتدعها طواغيت الرأسمالية، وهي ضريبة السلع والخدمات والبضاىع، بحيث ان هناك نسب ضرائب مختلفة لكل دولة على حجم المال الذي يخسره الفقير او اصحاب الدخل المتوسط، فكلما ازدادت المشتريات بسبب عدد افراد الاسرة او العائلة تزداد نسبة الضريبة بينما من المفترض ان يحصل العكس، او مثلا انك تدفع كثيرا لخدمات البلدية والماء والكهرباء مع زيادة نسبة هذه الضريبة الغريبة، او تذهب لاصلاح عطل ما في سيارتك فتجد ان العطل لو كان كبيرا ستدفع ضريبة اكبر الخ.

لايمكن القبول بفلسفة التأويل الشيطاني لطواغيت راس المال، والاستعداد لقبوله على انه امر واقع مفروغ منه، ولايجوز تعديله او تغييره او حتى اصلاحه، فبعد الازمة العالمية التي عصفت بالطبقة المتوسطة للمجتمع الامريكي قبل عدة سنوات، بعد ان عجزالملايين عن مواصلة دفع ديون المنازل للمصارف والبنوك، اتضحت صورة الكارثة الاخرى من حياة تلك المجتمعات، فحتى ارض الوطن تم السيطرة عليها من قبل الاثرياء سابقا، ومن ثم بات سوق العقارات والاراضي حكرا عليهم، ثم قامت الحكومات والراسماليين بفتح نافذة القروض المنزلية التي ترهن حياتهم لاكثر من عقدين او ثلاثة حتى يتمكنوا من سداد تكلفة البيت المنزلي الاول، وعند اكمال سداد القرض ستجد انك دفعت لهم ضعف المبلغ الذي اقترضته منهم لشراء هذا الوطن الصغير اي المنزل الاول، مع ان هذه الفئات تبقى طيلة هذه السنين مقيدة بشروط سداد القرض مع فوائده، هو بنفس الوقت يدفع سنويا ضرائب للدولة بينما من المفترض ان عليه قرضا كبيرا يثقل كاهله امام غلاء المعيشة ومتطلبات الحياة العصرية، يعامل معاملة الاثرياء في قوانين دفع الضرائب،، صحيح ان احد مصادر دخل الدولة هي الضرائب، لكن لينظر العالم للفقراء والمشردين في الولايات المتحدة الامريكية، وحجم الاموال المصروفة في الانفاق العسكري والحروب الامبريالية الخارجية، سيجد ان الدولة ليست بحاجة لضرائب اصحاب الدخل المتوسط ان كان نظامها المالي والاجتماعي والضريبي عادلا واكثر واقعية.

تعد ثلاث ركأئز اساسية او ثوابت وطنية عليا للطبقات الفقيرة والمتوسطة عليهم المحافظة عليها واعتبرها خط احمر لايسمح بتجاوزها مهما كانت الظروف والاسباب، وهي اولا الخدمات العامة المجانية المتمثلة بالضمان الاجتماعي والصحي والتعليمي، ثانيا التوظيف الحكومي، وثالثا: توفير المساكن الشعبية ومنح قطع الاراضي المجانية او الرخيصة الثمن مع منح مالية للبناء،

ورابعا: ضمان عدم زيادة الضرائب والرسوم بشكل مضاعف او غير مقنع او مقبول، هذه الثوابت وجدناها تحصل حتى في بعض دول العالم الثالث عندما تقرر بعض الدول رفع الدعم بشكل جزئي بسيط عن عدد من المواد الغذائية (مادة الطحين) والاستهلاكية، وكذلك مختلف انواع الوقود، تخرج الجماهير معترضة على تلك الخطوات المؤثرة في ميزانيتها الشهرية...

الفكر السياسي الشامل:

لكل امة او شعب او حضارة خصوصية تاريخية وثقافية واجتماعية ودينية، بالرغم من ان عصر الحضارة الالكترونية لم يعد بحاجة الى تلك المقومات الاجتماعية المهمة، على اعتبار ان العلم والمعرفة وحاجة الناس هي من يحدد الضرورات الحياتية اليومية والمستقبلية المهمة، وبالتالي فالمجتمعات البشرية تجاوزت تلك المفاهيم والمبادئ التاريخية المتعلقة بالهويات والعادات والتقاليد والمعتقدات الكوروثة، الا اننا نؤكد ان الحضارات ليست جميعها قائمة على اسس ومبادئ متقاربة، بل هناك عدة عوامل رئيسية تلعب دورا مباشرا

في صياغة ثقافة وشخصية المجتمع والافراد، فالدين والقومية والطائفة والمبادئ الاشتراكية والرأسمالية هي التجارب المتناقضة التي عاشتها اغلب المجتمعات الانسانية، الا ان بعض الانظمة والدول العلمانية غادرت معظم تلك الازمات، وبقيت ثابتة نسبيا في اغلب دول العالم الثالث والدول النامية او الناشئة (وكذلك في روسيا والصين) ، ومع ان العلمانية غيبت تلك المفاهيم او القيم الاجتماعية

في قمة هرم السلطة او القرار السياسي الرسمي، الا انها اعطت مساحات واسعة لممارسة كل انواع المعتقدات والثقافات والفعاليات التراثية او الفلكلورية، لكننا ننظر الى تأسيس قاعدة ثقافية تراثية لاتمارس عمليات تغييب او انقطاع تاريخي شامل عن الموروث الانساني المشترك، لهذا لابد ان تحترم جميع تجارب المجتمعات وموروثها الاخلاقي، تحت مظلة غربلة التراث بطريقة علمية اخلاقية تاخذ مايفيد الحضارة الانسانية المدنية وتعديل او اصلاح مايضر بالمعنويات الشخصية للافراد والمجتمعات عموما،

نعتقد ايضا ان نظرية ديمقراطية النخب لايمكنها تجاوز الخصوصيات التراثية لاي بيئة او تجمعات سكانية، انما تمارس عملية الاحتواء الشامل وفق مبدا احترام حرية الرأي ومبادئ تكوين المجتمعات المتعددة الثقافات الحديثة، بأن تعطى مساحة دستورية كافية لجميع الاديان والاثنيات والثقافات والمعتقدات، وفق مبدا احترام وتقديس الخصوصيات الفردية او الاجتماعية،

لكنها يجب ان تعامل بنفس الطريقة التي تعاملت معها الانظمة العلمانية المتقدمة، اي انها لاتمثل الصفة او الحالة او الشكل الرسمي للقرار السياسي لنظام الدولة، تحت مبدأ فصل الدين والاثنيات والاعراق والقوميات والمعتقدات عن الدولة، ليس بطريقة الحجر او العزل او المنع، انما من باب ان القرار والنظام السياسي الاداري الرسمي ليست من صلاحياته التدخل في تلك القضايا والحاجات الاجتماعية الضرورية، فقد اشرنا الى ان هذه الجوانب تدخل في المبادئ الاساسية للدستور، من هنا تصبح جميع الحقوق والواجبات والممارسات والاراء مصانة دستوريا، فعندما اعترضنا على اداء بعض الانظمة السياسية العربية او الاسلامية التي حاربت النظام الاقتصادي الاشتراكي، منتقلة عبر فهمها الخاطئ للفقه والتشريعات بأن الراسمالية هي الاقرب لهم من المفهوم الاشتراكي،

لعدة اعتبارات ومعتقدات خاطئة اعتمدت على تأويل بعض الايات القرانية التي جعلت الرزق مقسم مسبقا من قبل الله وحده سبحانه وتعالى، بينما نحن ننظر الى ان اي تجربة انسانية متقدمة وناجحة هي النموذج الفطري الصحيح، الذي يجب ان تتبعه البشرية جميعا، فكل شيء على هذه الارض وفي الكون عموما يتحرك ويتطور ويتقدم بأرادة الله عزوجل وليست ارادة البشر او الطبيعة او اية قوى اخرى، وهذا يجعلنا امام مسؤولية النظر الى الحجة الالهية الظاهرة للانسان، على سبيل المثال ان نظام الضمان الاجتماعي والصحي والتعليمي الغربي هو المثال الواقعي الذي يرد على من يدعي ان المجتمع والدولة ليست مسؤولة مسؤولية مباشرة عن الحالة المعاشية للفرد والمجتمع ككل،

الباب الثالث: اسس تطبيق نظرية ديمقراطية النخب:

الحياة السياسية الحزبية هي عماد واساس النظام الديمقراطي الرأسمالي، حيث تتنافس بعض الاحزاب الكبيرة في الفوز بنتاىج الانتخابات ومن ثم تشكيل الحكومات، وقد تكون حكومات الحزب الواحد او عبارة عن حكومة ائتلافات حزبية، هذه الاليات الروتينية المكررة، سيطر عليها رأس المال، وتحولت بشكل مباشر الى ديمقراطية رأسمالية، تتحكم بقوة في المجتمع وارادته الفكرية والثقافية والاجتماعية، عبر تسيس الاعلام وتجييره لصالح تلك المؤسسات المالية الكبيرة، وبات الناخب لاينظر الى شيء غير الوعود الاقتصادية والتجارية ومشاريع خلق فرص العمل، مع ان كل شيء في الدولة مترابط ومتداخل، اذ لايمكن فقط النظر للدولة على انها بنك او مؤسسة رأسمالية او شركة عملاقة يعمل فيها المواطنين، بل دولة شاملة ومسؤولة اخلاقيا ودستوريا عن كل المجالات والقضايا والحاجات والضروريات الوطنية العامة، لايعامل المواطن فيها على انه مجرد مادة مرقمة الكترونيا لاحياة او روح فيها.

البحث عن نظام ديمقراطي متقدم لابد ان تفكر المجتمعات برفض النهج الحزبي او الحركي في ممارسة التجربة الديمقراطية، تحت مبدأ طرحناه سابقا في عدة مقالات دولة بلا رئيس، ليس المقصود ان لايكون هناك رئيسا مسؤول عن الادارة المباشرة للدولة او الوزارة او المؤسسات والاجهزة الحكومية الرسمية، الا اننا نؤمن بالقرار الجماعي وفق مبدأ اختيار الاراء من قبل لجان الرأي المنتخبة بعناية، وهذه الحالة اطلقنا عليه الشعب قائد الثورة الاصلاحية بدلا من الانغماس في تكرار التجارب الحزبية الرأسمالية الفاشلة، التي ظهرت بشاعتها ووحشيتها في محاربة الفقراء والطبقة المتوسطة، عبر الاستمرار بالهيمنة على مقاليد الحكم والسيطرة على مصادر الثروات والاقتصاد والتجارة ودوائر الرسوم والضرائب..

اليات تطبيق النظام الديمقراطي النخبوي:

والذي سيكون على مرحلتين كما نعتقد

المرحلة الاولى: هي المرحلة التي تسمح للكفاءات الفكرية والعلمية والبحثية والاكاديمية والقضائية والقانونية بالحصول على النسبة الذهبية من الاصوات والتي تعتمد على عدد السكان وبنسبة التمثيل الخاصة بالمقاعد البرلمانية، وتنبثق في هذه المرحلة مايسمى بالمجلس الاستشاري الدستوري بحيث يتم تعيين في كل تلك المناصب المتقدمة في الدولة منصب فخري للمستشار الدستوري، اي عندما يتفق الجميع على منهج محدد لاعادة طرح فكرة تعديل مواد الدستور او اضافة مواد اخرى كل ثلاث او اربع دورات برلمانية من اجل الاستمرار بالاستماع لصوت العقل والعلم ونتائج التجارب السابقة، فما يعاني منه على سبيل المثال الشعب الامريكي العجز الكبيرعن ايقاف جرائم استخدام السلاح الناري في قتل الابرياء عشواىيا (كظاهرة القتل في المدارس مثلا) سببه القيود المتوارثة التي تمنعهم من ايجاد اليات قانونية لتعديل الدستور، من اجل رفع مادة حيازة السلاح ومنع السماح ببيعه واقتناءه من قبل اي مواطن، في حين لو كانت هناك مادة دستورية تسمح بتشكيل مجلس دستوري اعلى يراقب عمل الدولة وفقا للدستور، ورصد او ايقاف اية مخالفات دستورية، ليس على غرار مايحصل في العراق حيث ترسل الاعتراضات الى المحاكم الاتحادية، والتي غالبا ماتأتي التفسيرات مقاربة او متوافقة لماتطرحه الكتل المعترضة، لانها لاتملك اليات تفكيك المعاني الدستورية وفقا للخبرات الاستشارية المختصة بهكذا امور وقضايا مهمة،

المرحلة الثانية: اي الدورة الانتخابية الثانية يتم اضافة النسبة الذهبية للاصوات الانتخابية للمناصب الحكومية العليا بدا من مدير عام فما فوق، اضافة الى رؤساء المؤسسات والجمعيات الاعلامية والاجتماعية والثقافية والمدنية المسجلة رسميا، كي لايشعر المواطن انه يسلم نصف القرار الانتخابي او اكثر للنخب الفوقية في المجتمع، والتي من المحتمل انها تتحول تدريجيا الى طبقات ارستقراطية او برجوازية او راسمالية صغيرة تتحكم بمصير الفقراء واحتياجاتهم، على العكس تماما ان هذا الطرح هو ياتي في سياق علمي لابعاد سلطة راس المال عن القرار السياسي واستبداله بلغة العقل والعلم والمعرفة، والتي لايمكن لها ان تكون مستبدة او منحرفة عن انسانيتها واخلاقياتها المعرفية.

نظرية تعديل الدستور

يعد امر تعديل الدستور في اغلب الديمقراطيات المتحضرة من الامور المعقدة او الشبه مغلقة بالكامل، الا ان الحضارة الانسانية اثبتت فطرة التغير والتطور والاختلاف، وهذا يحتم على الخبرات والعقليات الدستورية والمفكرين النظر كل ثلاث او اربع دورات برلمانية كما ذكرنا سابقا الى فكرة وحاجة او ضرورة تعديل الدستور، اذ لايعد مقبولا ان تصبح اراء السابقين هي المعيار والاساس الواقعي الملزم للاجيال القادمة بضرورة الاخذ والعمل به، فالعلم والمعرفة والتجارب والخبرات والكفاءات تتراكم وتتطور، وعليه لايعد الامر طبيعيا ان يتبع الاحفاد ماقرره الاجداد قبل عقود، من هنا يتم طرح فكرة التعديل وليس الالغاء، على ان يتم تغييره كل نصف قرن تقريبا، بمعنى اخر التعديل سوف لاتشمل جميع مواد الدستور انما من الممكن اضافة مادة جديدة او تعديل اخرى او حذفها، عبر الاستفتاء الشعبي العام، صحيح ان اغلب المجتمعات والشعوب ترفض المساس بالدستور خوفا من ان يخترق من قبل جماعات او احزاب او قوى سياسية متطرفة او مستبدة، الا ان الثوابت الدستورية ستبقى كما هي (الانتخابات والتصويت الحر، حرية الفكر والتعبير والرأي والمعتقد والدين، التداول السلمي للسلطة، رفض الانقلابات العسكرية، واحترام وتقديس الحقوق العامة والشخصية)

كما يجب ان لايسمح الدستور بتكرار منح المناصب السيادية العليا في الدولة لاكثر من دورتين، مع التأكيد على ان الدورة البرلمانية المخصصة بأربع سنوات تعد طويلة نسبيا في عصر السرعة الالكترونية او التكنولوجية، اذ من الممكن تحويل فترة الدورات البرلمانية او الرئاسية او الحكومية لثلاث سنوات، وبالتالي يمكن تشريع مادة دستورية لاتسمح بالبقاء في المناصب الوزارية او الرئاسات الدستورية الثلاث (السلطة التنفيذية والبرلمانية والقضائية) السفارات والقنصليات لاكثر من ثلاث دورات انتخابية (اي يصبح تسع سنوات بدلا من ثمانية) ، بغية اعطاء الفرصة للشعب من اجل التفاعل مع السلطات الدستورية، والمساهمة في الاصلاح سريعا بدلا من حالة الخدر والياس الذي يصيب المجتمعات احيانا لطول فترة الحكم (اربع سنوات)، الغاية من تلك الاليات العلمية والنفسية في تبادل وتداول المناصب بين النخب والكفاءات العلمية والادارية في مؤسسات الدولة كافة، هي لتحريك المجتمع وجعله عنصر فعال في صناعة القرار

الحكومي، على ان يتم استيعاب كل الطاقات والخبرات السابقة في مراكز الاستشارة والبحوث الحكومية والمدنية، فقد تقدمت الحضارة الغربية عبر مراكز البحوث والاستشارة الاستراتيجية وماطرحه الفلاسفة والمفكرين والمبدعين عبر قرون، ففي كل وزارة او سفارة اومؤسسة حكومية عليا لابد ان يخصص مكتب استشاري حكومي اعلى، يمكن ان يشغله اي موظف حكومي لازال داخل الخدمة او ممن احيل على التقاعد بضمان تعيينه بعقد رسمي لكنه شرفي (اي من الممكن ان يكون مجاني وليس مقابل المال خدمة للصالح الوطني العام) الخ.

هناك حاجة الى ادخال سلطة الشعب الى السلطات الدستورية الثلاث لمتابعة اي حالات خرق تحصل من قبل السلطات الدستورية الثلاث للدستور نفسه، بأن تضاف مادة ستورية تجعل من حق نسبة معينة من المواطنين بالتقدم بشكوى رسمية ضد الحكومة في اي محكمة من محاكم الدولة (كان يكون الف او خمسة الاف مواطن) ، تحت دعوى او شكوى او الاتهام بوجود خرق دستوري من قبل الحكومة، تتحمل الدولة تكاليف تلك الدعاوى ان قبلت او اقرت المحاكم بشرعية الشكوى او الطعن الشعبي العام بالحكومة، بغية اسقاط الشرعية عنها وتحويلها لحكومة تصريف اعمال، والدعوة لاجراء انتخابات مبكرة، هكذا يمكن ضمان ان يكون الشعب والقضاء الرقيب الرسمي المباشر على النظام السياسي الديمقراطي الرسمي، والا يمكن لاي برلمان ان يتفق اعضاءه على مصادرة حقوق السشعب، والعمل على تقاسم الثروات والوظاىف والاموال فيما بينهم، اذ لايمكن اعتبار ان الرادع او الوازع الاخلاقي او الشرعي هو القوة الملزمة لهذه الطبقة الحاكمة ان تكون حكومات وسلطات دستورية نزيهة، غير سلطة القضاء والشعب، ولماذا نضع الشعب شريك للقضاء في متابعة تطبيق الدستور من قبل النظام السياسي، لاننا وجدنا حالات كثيرة يتم فيها ادخال السلطة القضائية كطرف محايد او فاسد في عملية التقاسم والمحاصصة، من هنا اعتبرنا ان سلطة الشعب هي المسؤول والرقيب الاول والاخير على مجمل العملية الدستورية في البلاد ....

التطبيق النسبي للديمقراطية النخبوية

ان الاساس الذي اعتمد في طرح تلك النظرية السياسية الحديثة، هو فشل النظام الديمقراطي الرأسمالي في حماية الطبقات المتوسطة والفقيرة والنخب والكفاءات، مما جعل هناك حاجة وضرورة ملحة لطرح البدائل العقلانية العلمية، وذلك عن طريق احتساب النسب المتفاوتة بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، كالطبقات المثقفة والاكاديمية (التي باتت تشكل نسبة كبيرة من الطبقة المتوسطة) وبقية طبقات الشعب العامة، بحيث تصبح اما نسبة الثلث الى بقية طبقات المجتمع او مناصفة، وتكون على سبيل المثال لا الحصر

وفقا للتقسيم او الجدول الاتي:

{في البدء وقبل ان نطرح مسألة الترتيب النخبوي لاصوات الناخبين، نود ان نركز على ان الاستخدام الامثل لهذه النظرية ليست الغاية منها خلق طبقات اجتماعية متسلطة او فوقية، انما جعل مهمة بناء الدولة ووضع اسس التطورات التنموية والبرامج المستقبلية على عاتق علماء ومفكري ونخب المجتمع او الدولة، وبالتالي تختفي اية مخاوف من ان يتم تجاهل وتهميش او اضطهاد الطبقات الفقيرة او العاملة في المجتمع، بل ان هذه النظرية هي تقدم حلولا جوهرية للتفاوت الطبقي بين الاثرياء او الراسماليين وبقية طبقات المجتمع، لهذا نود ان نطرح تلك النظرية وفق ثوابت دستورية وحكومية ثابتة لايمكن تغييرها مطلقا وهي مجانية التعليم والصحة مع وجود مؤسسات الضمان الاجتماعي وحماية الطفولة وتوفير السكن الحكومي او قطعة ارض مجانية للفقراء والطبقة المتوسطة، اضافة الى دعم بعض المواد والاحتياجات الاستهلاكية الضرورية}

اولا: تحسب اصوات الناخب الاكاديمي من حملة الشهادات العليا البروفسور والدكتوراه والماجستير ورؤساء الاحزاب والكتل السياسية والجمعيات والمؤسسات المدنية والصحفية والثقافية والاعلامية المسجلة رسميا (من حملة الشهادات العليا) وفق نسبة الاصوات الذهبية كأن تكون القائمة التي يتم التصويت فيها بلون وبهيئة خاصة او عبر اعتماد التصويت الالكتروني الحصري لهم او العام، ويكون الصوت بمعدل سبعة (اكثر او اقل تعتمد على النسب السكانية ونسبة النخب المثقفة والاكاديمية فيه) اصوات الناخبيين الاخرين من الطبقة العاملة او الامية، وبعد اتمام المرحلة الاولى من التطبيق الناجح لهذا النظام، يتم الاضافة تلقائيا لبقية المناصب المهمة، اي مدير عام فما فوق في المرحلة الثانية للقائمة الذهبية، على اعتبار ان المرحلة الاولى هي ستكون بمثابة معيار تقييم واختبار نجاح الحكومة النخبوية، التي يمكنها ان تستمر بتطوير هذا النموذج الديمقراطي المتقدم وعليه يمكن ان تختار لتلك المناصب شخصيات وطنية من اهل الخبرة والكفاءة والنزاهة، قد يطرح تساؤل حول امكانية استغلال تلك المناصب بشكل دوري بغية اضافة العديد من الاصوات الانتخابية الى القائمة الذهبية، نعتقد ان الاساس هو احترام تلك المراكز والمواقع الادارية والحكومية المهمة، ولكن يمكن ان تقيد بشروط خاصة، تمنع التلاعب بتلك المناصب، بحيث تكون لمن مضى عليه في منصبه اكثر من دورتين او ثلاث دورات برلمانية او ادارية حكومية او مدنية...

ثانيا: تحسب نسب الاصوات في القائمة الفضية بنسبة ثلاث اصوات للشخص الواحد لمن يحمل شهادة البكلوريوس والدبلوم وشهادات الاعدادية او مايعادلها

ثالثا: صوت واحد لكل ناخب من بقية مكونات وطبقات المجتمع (العمال والفلاحين ومن لايقرأ ولايكتب ) .

الممارسة الديمقراطية في الشارع

تعد تجربة تخصيص ساحات عامة

مفتوحة في مراكز المدن والمحافظات للممارسة الديمقراطية العلنية المباشرة، كالحالة المعروفة منذ عقود في ساحة الهايد بارك في لندن، هي المجال المناسب لحث المثقفين من الادباء والفنانين والاعلاميين والمواطنين عموما للمشاركة الفعالة في توعية الشارع، واضافة عرف ديمقراطي عام لاي تجربة سياسية حديثة في البلدان التي تعرضت لحقب استبدادية وانظمة شمولية دموية مظلمة، كان يكون على سبيل المثال لا الحصر يوم الجمعة يوم الوعي والثقافة والفن والسياسة والاحتجاج والنقد البناء في المجتمع، كما تخصص ايضا مساحات ثقافية توعوية في المدارس والمعاهد والجامعات لطرح الاراء والمشاكل والقضايا الوطنية العامة، واعتماد اسس جديدة في سماع رأي الشارع، وقبول او التجاوب مع بعض مايطرح من قبل جميع فئات الشعب على اعتبار انهم ادرى بشعاب مدنهم ومشاكلهم واحتياجاتهم، اذ ليس من المعقول ان تكون الديمقراطية عبارة عن نظام روتيني جامد، لايجوز ان تتحرك فيه ومن خلاله العقول الواعية بحرية بغية اصلاحه او تحريك مواده والياته الراكدة، اغلب شعوب العالم تعاني من حالات تراجع كبيرة في المسار الديمقراطي الحاضاري لبلدانهم ومؤسساتهم الحكومية، وهناك عزوف واضح عن المشاركة في تلك الممارسات كالانتخابات، وانتشار ثقافة الاحباط وانعدام الثقة بين المواطن والنظام الديمقراطي، الذي بدى عاجزا عن ايقاف عجلات الجشع والاستحواذ البشع للرأسمالية الرسمية على ثرواتهم ومؤسسات بلدانهم المالية والتجارية العابرة فوق حقوقهم ومبدأ التكافل الاجتماعي وعدالة توزيع فرص العمل والوظاىف المهمة بحيادية...

قوة الشعب الثورية

من المعروف او المشهور في الاوساط الاجتماعية قول ان الشعب او الفقراء هم وقود الثورات، وذلك لانها قوة عظيمة لكنها مشتتة وغيرمنظمة، ولاتملك قوة تنظيم الاحزاب او الحركات السياسية او الفكرية، انما هي عادة ماتكون قوة كامنة لاتنطلق او تندفع الى الشارع الا بعد ان تصل الى مرحلة الانفجار النفسي والمادي الداخلي، اي بعد ان يشعر المواطن بضنك العيش وصعوبة ايجاد قوت يومه، اضافة الى زيادة حالة الظلم الرسمي والتفاوت الطبقي الذي يشعر به بشكل متدرج، لهذا نحن نود ان نطرح او نناقش الاليات التي تساعد الشعب من ايجاد قوة داخلية تسبق الانفجار الثوري، تجعل من قوته الهائلة سببا لاعادة البناء والاعمار وتوزيع الثروات بطريقة عادلة بين الجميع، بدلا من ان تصبح قوة تدمير واشاعة للفوضى، بحيث تكون هناك خطوط حمراء، هي تعد بمثابة الحد الفاصل بين مهادنة السلطات الرسمية وغض الطرف عن التجاوزات والاخفاقات و، وبين ضرورة النزول للشارع من اجل ازالة الفساد والفشل والانتهاك الحكومي للدستور والشعب، وهذه العملية لابد ان تكون فيها ثوابت اخلاقية وشرعية ووطنية، اذ يعد اختراق الدستور سببا كافيا للخروج الى الميادين العامة للاعتصام والثورة، فمع المحرمات الثلاث التي يجب ان لايتم التجاوز عليها، مجانية التعليم والصحة والخدمات الحكومية العامة والحريات الشخصية، يأتي الدستور ليكون الغطاء الشرعي الذي يتحرك من خلاله الشعب لايقاف مهازل التجاوزات والاختراقات والتلاعبات بمصير الوطن والمواطن، فهي خط احمر للامن القومي والوطني والاجتماعي، اي عندما يحترم الدستور اي المرجع القانوني الوحيد لعمل الدولة والشعب، يحصل اطمئنان شعبي عام بأن ديمقراطية النخب لايمكنها ان تتحول بالتدريج الى نموذج دكتاتوري متطور (دكتاتورية النخبة) ،

فلابد ان يحترم الدستور على انه الكتاب المقدس الارضي، هو المرجع الوطني الذي يصون ويحمي الممتلكات والثروات والعائدات والاموال والارواح والانفس والحقوق العامة والحياة الخاصة للافراد الخ.

متى ماشعر المواطنين ان تحديد نقطة الصفر في ساعة انطلاق الثورة اصبحت شبه موحدة لجميع المدن والمحافظات والاقضة والنواحي، اي جميع ابناء الوطن دون استثناء، عليه ان يتحرك سلميا لانهاء الفوضى والتخريب المتعمد للدولة ومؤسساتها وهيئاتها المسنتقلة، على ان يعطي الجميع ووفقا للدستور احقية التحرك الاولي للسلطة القضائية بالتعاون مع الشعب في حال ثبت وجود شبه تجاوز او خرق دستوري كبير، بأن يطلب مجموعة من القضاة او اي قاض لوحده من المحاكم الاتحادية او الدستورية العليا بالنظر في بالطعون المقدمة من قبل الشعب او مجموعة مواطنين (يمكن تحديد اعداد المواطنين الذين يجبرون القضاء على فتح تحقيق عالي المستوى بالنظر في دعوى الخرق الدستوري كأن يكون الف مواطن او خمسة الاف الخ.)

بوجود خرق دستوري من قبل الحكومة او اي مسؤول اخر بما فيه رئيس الجمهورية، من هنا نقول ان الاعداد للمرحلة الديمقراطية النخبوية تحتاج الى عدة مراحل ومقدمات دستورية، اذ ان الاعتماد على قوة النخبة المستقلة المنتخبة من الشعب والفاعلة في المؤسسات ومنظمات المجتمع المدني يمكن ان تشكل صمان امان مع السلطة القضائية لحماية الدستور من التجاوزات الحكومية، ولضمان حيادية الحكومة والسلطات الدستورية وبقاء اداء المسؤولين فيها خاضعا لسلطة نخب الشعب، ومؤسسات مراقبة نزاهة موظفي الدولة، تجربة العراق بحق تعد مثال لاية دولة يراد لها ان تقوم بأصلاحات جذرية للنظام الديمقراطي المتعثر فيها، اذ لم يعد ممكنا البقاء داخل حدود الديمقراطية الراسمالية المتراجعة كثيرا امام التطور التكنولوجي والثقافي والانساني العالمي، ثم ان الامم والشعوب بحاجة كل عدة عقود الى عملية مراجعة شاملة للاوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية العامة، وكأنها مران فكري مفتوح لحماية المنجزات الانسانية، العلمية والثقافية والابداعية، والتمييز بينها وبين الجوانب السلبية التي ترافق عمليات التغيير الاجتماعي المتسارع .

لايمكن ان يبقى مفاهيم وادوات الثورة والاصلاح مغلقة على حث عوام الشعب للقيام بها، انما يمكن ان تكون اداة نخبوية للثورة السلمية من اجل التغيير واحداث طفرة نوعية في الاداء السياسي الديمقراطي...

 

مهدي الصافي

 

 

حاتم حميد محسناشتُق مصطلح الاصولية (fundamentalism) من عدد من المطبوعات المتعلقة بـ "اساسيات" الايمان المسيحي (1910-1915)، حيث اعتُمد المصطلح كنقطة مرجعية لجماعات المحافظين من الامريكيين البروتستانت في بدايات القرن العشرين. حاليا يُستخدم المصطلح بشكل عام ليصف المحاولات المستندة على رؤية دينية اونص مقدس في مقاومة الميول العلمانية والليبرالية في مجالات الثيولوجي والثقافة والمجتمع بصرف النظر عن الاصل الديني – الثقاتاريخي، وهو ما أثار انتباه المزيد من الدارسين والجمهور في اواخر القرن العشرين في محاولة لفهم الجماعات التي تتراوح من اليمين المسيحي الامريكي وحتى الاصولية الاسلامية.

تعريفات

تسود في النقاشات الاكاديمية ثلاثة انواع من التعاريف:

اولا التعريف الذاتي subjective وهو يعتمد على ما يقصده المعتقدون او المشاركون في الحركة ذاتهم في المصطلح. في السياق الامريكي، يشير هذا المصطلح اما الى الاصولي في نطاق ضيق كالافراد الذين يعتبرون انفسهم اصوليين او على نطاق اوسع ليشمل الناس الذين اعلنوا عن اتّباعهم لإصول معينة للمسيحية البروتستانتية، مثل عصمة الانجيل .هذا الاتجاه يسهّل ايجاد فروقات مفيدة بين الاصوليين والانجيليين في الحالة الامريكية، لكنه يحصر التحليلات بالمجتمعات التي استُعمل فيها المصطلح وبالجماعات التي استعملته، متجاهلا العوامل التي تؤثر في الانطباع الذاتي للجماعات وتلك الرافضة لإستعمال التسمية.

التعريف الثاني وفيه تكون المعاني التاريخية المتغيرة والمحتوى السياسي للاصولية هما محل اهتمام اولئك الذين يفضلون الاتجاه السوسيوتاريخي والذين يهتمون في الاستخدام المتجدد للرموز الدينية لأجل اغراض سياسية محافظة. هم بتركيزهم على الفعل الجماهيري وعلى نتائج الدين يكون لديهم اساسا سليما للتحليل المقارن لكنه يختزل التجربة الحقيقية للجماعات المتحمسة دينيا.

النوع الثالث من التعاريف التحليلية يأتي من الاهتمام النظري بالاصولية كنوع من مضادات العصرنة المتميزة بقبول الافراد لضياع التمايز في الاشكال والوظائف. الاصولية هنا تشير الى اولئك المنشغلين في اعادة تكامل النظام الاجتماعي تحت مظلة شاملة لجميع التقاليد الدينية. هذا الاتجاه يسهّل التوضيح المنهجي للاصولية كحركة متميزة ويؤكد على اهميتها في سياق التحديث لكنه يهتم فقط في اعادة تفسير المصطلحات والرموز المُدركة ذاتيا ولا يستطيع تفسير الاستخدامات المتغيرة لمفهوم الاصولية. هذه الطرق الثلاثة في دراسة الاصولية تخدم اغراضا مختلفة وهي عادة تلتقي في عمل الاكاديميين كما يتضح ذلك في كتاب (مشروع الاصولية) الذي هو ذاته يسترشد بتعريف استقرائي يؤكد على التشابه العائلي بين مختلف الجماعات الدينية المحافظة ذات الاهداف المتضادة جزئيا.

الأصل والمعنى

ان الاتجاه الرئيسي في التحليلات الاجتماعية للاصولية هو بروز تفسير للنهضة ولدور الاصولية في فضح المفاهيم الخاطئة خاصة رؤية الاصولية كشكل قديم من التديّن المتخلف ثقافيا التي تسعى لتحقيق النقاء الاخلاقي للمجتمعات التي فقدت معانيها التقليدية. وفق هذه الرؤية، تقدم الاصولية اليقين في فترات الازمات الاجتماعية عبر وسائل واهداف مضادة للحداثة، وبهذا تمثل تهديدا حقيقيا للمحدثن الليبراليين.

ربما تبدو الاصولية قديمة لمن يؤمن بان اليقين هو شيء لن يتحقق في هذا العالم. غير ان العديد من افكار الاصولية يُعتقد انها اشتُقت من التطورات الفكرية الحديثة، مثل افتراضات الفرديين وفلسفة ما بعد المنطقية النيوتنية التي اشترك بها الامريكيون الانجيليون مع جماعات دينية اخرى. وعلاوة على ذلك، فان اتّباع التقاليد يختلف عن التقليدية، او الجهد الموجّه لإعادة احياء التقاليد لتصبح مرة اخرى ذات اهمية اجتماعية. الاخيرة هي شكل من المشاركة مع العلم الحديث.

في الواقع، ان الإقحام النشط لبعض الاصوليين يستلزم تغيرات هامة في التقاليد التي يدّعون تمثيلها، تقليديتهم هي بطريقة ما ملزمة لتكون ثورية، كما اتضح في الخطوات التي اتخذها قائد الثورة الايرانية بدمج القيادتين السياسية والدينية. هل الاصولية نشاط ديني لرجعية ثقافية؟ القليل من الاصوليين الحاليين يدّعون مرتبة الصفوة. من الواضح جدا اليوم ان قادة الاصوليين الامريكيين الاوائل كانوا من المتحضرين ذوي التعليم العالي، العديد منهم من مؤسسات النخبة، وان الطلبة الايرانيين والتجار لعبوا دورا حاسما في الثورة الاسلامية عام 1979.

وفي معظم الحالات وجدنا اولئك الذين يمارسون نوعا من التحول الاجتماعي والمنخرطين باتصالات وثيقة مع الحداثة هم يحتمل جدا ان يستجيبوا لهذا التحول بطراز اصولي. هل الاصوليون هم ضد الحداثة في رؤيتهم للعالم؟ ان توجهات الاصوليين العاديين تتفق جزئيا مع هذا الفهم وفق العديد من الاتجاهات الاكاديمية. معارضة شياطين الحداثة هي معارضة حقيقية، عالمها الشمولي والتعددي يجب استبداله بآخر اكثر تكاملا وترابطا. غير ان الاصولية المضادة للحداثة هي شديدة الاشكالية بسبب الطرق التي يتم استخدامها في ثقافة الحداثة حتى من جانب الاصوليين ذوي الخصوصية الفردية. الاصوليون الامريكيون مثلا، يأتون من تقاليد اعتادت على تقييم التعددية الدينية وفصل الكنيسة عن الدولة وبهذا فان تمييز عقلانية زمن الحداثة لم يكن غريبا عليهم.

ان المأزق الاصولي ينبع وبشكل حاد من الضغوط التي يتعرض لها اي نوع من مضادات الحداثة في ادنى حدود البيئة الليبرالية. الحداثة هي قوة تآكلية تجعل التقاليد الدينية اقل واقل اهمية في الشؤون الاجتماعية، وتجعل فكرة العودة الى اليقين والتجانس غير ممكنة. مع قليل من الاستثناءات، الاصوليون الذين يريدون حالة التغيير يجب ان يستنجدوا بالمبادئ الحديثة لأجل الشرعية، وهي العملية التي يجري فيها تحديث الاقتراحات الراديكالية للموقف الاصولي. هذا يعني ان ما يقدمه القادة الاصوليون من يقين هو في افضل الاحوال حلا مؤقتا. ان للاصولية جذورها في التقاليد تحت الحصار، وهي ايضا لا يمكنها الاحتفاظ بجوهر المُتصور.

ان تطبيق ما يُفترض تقاليد قديمة على مشاكل جديدة بطرق متغيرة سيفتح معضلات شائكة سعى المشروع الاصولي سلفا الى حلها، وبالتالي يمكن المبالغة بسهولة في تأثير الاصولية. في اي شكل تام الاهلية، تبقى هناك ظاهرة نادرة. ان عدد النشطاء المنخرطين في الفعل العام هو قليل جدا حتى عندما تتوفر الظروف المواتية لهم وان تأثير الاصولية هو مقيد، على اقل تقدير بالمساومة المعرفية مع الحداثة التي يجب ان يشترك فيها الاصوليون. ما وراء هذا القيد العام هناك عدة ظروف محلية تقرر مدى نجاح جهود الاصولي. فقط في حالات نادرة تساعد مثل هذه الظروف في جعل الاصوليين لامعين وذوي تأثير كبير. الجمهورية الاسلامية في ايران عام 1980 كانت نموذجا اصليا لكنها لازالت نموذجا استثنائيا.

التفسيرات

لو ابتعدنا عن الاعمال المتصلة بالاصولية اللااسلامية في اسيا فان معظم التحليلات الاكاديمية ركزت على عدد محدود من التجليات الاصولية للتقاليد المسيحية والاسلامية واليهودية المتعلقة بتشكيل العالم طبقا للرؤية الدينية المرتكزة على اساسيات نصية.

ينظر (لورنس) 1989 الى الاصولية في سياقات من الصراع مع الحداثة والعصرنة. عند تفسير الاصولية، اول ما يأتي الى الذهن هو تأثير التحولات الغربية العظيمة. رغم ان القوة المختلفة لهذا التأثير توضح ظهور الاصولية على شكل جماعات واعية بذاتها، الا ان ذلك شرطا ضروريا ليس كافيا. لكي يوضح الدفاع الفعال عن الله من الداخل، يفحص لورنس الكيفية التي يوظف بها الفاعلون مصادر تقاليدهم لمعالجة المشاكل التي يواجهونها. عندما تشتمل تلك المصادر على السوابق للفعل الطائفي وكتاب مقدس يعمل كمخطوطة للفعل، فان ذلك سيزيد من احتمال استخدام الاصولية في التعامل مع الازمات الاجتماعية. في حالات معينة، تستمد الاصولية مدادها ايضا من النقاشات المذهبية التي لها القليل من الصلة المجتمعية(كتلك التي في امريكا حول الالفية والثورية). عندما يمتزج هذا الوقود الرمزي مع التفاوت الهيكلي السائد في دول تمارس التحديث كشيء مفروض وغريب نسبيا، فان الاصولية تصبح وسيلة معقولة للمقاومة. في عام 1993 سعى (Riesebrodt) الى عرض مفهوم للاصولية كنوع من الحركات التقليدية الثورية التي ليست لها جذور كبيرة في الصراع الايديولوجي الكبير بين الحداثة والتقاليد وانما، بدلا من ذلك، في العجز المتزايد للاوساط الثقافية التقليدية في اعادة انتاج ذواتها في ظل ظروف الحداثة. ما هو جوهري في اعادة الانتاج هذه هو الاهتمام المفرط بالمحافظة او صيانة الهيكل البطرياركي. العثور على اختلافات في هذه الثيمة العامة يصبح مسألة تحديد العوامل المساعدة في تعبئة حركات الاحتجاج التي تنتمي في ماضيها الى جماعة اصلية، وان كان ذلك لأغراض شديدة المعاصرة. وبالنسبة الى بداية ونهاية قرن الاصولية الامريكية يؤكد رزبرودت على كل من الدوافع الداخلية مثل المقاومة ضد بيروقراطية الكنيسة، والظروف الخارجية مثل الاختلافات السوسيوثقافية للمدن الكبيرة. وبالنسبة الى ايران، هو يؤكد ليس فقط على تأثير التغيرات الهيكلية التحديثية في عموم المجتمع الايراني وانما ايضا على عوامل اخرى مثل الخطر الحقيقي لسلوك الدولة الممارس من جانب الوسط التقليدي والتأثير الواسع للتصورات الثقافية الغربية الجديدة. اما (Lechner) 1985 فهو قام بدمج المتغيرات التي استخدمها لورنس و رزبرونت لكنه يركز مقارناته اكثر على سؤال مشتق تحليليا. هو يعامل الاصولية كما لورنس، كشكل من مضادات الحداثة باسلوب تحليلي، اما العصرنة عموما هي كشكل حديث نسبيا للنظام الاجتماعي المتميز بالاختلافات الهيكلية والتعددية الثقافية والاندماج الاجتماعي والسيطرة العالمية.

نموذج ليشنر

التأكيد على مقاومة الحداثة يساعد في تبيان العديد من الطرق التي استُخدمت للتعبير عن الاصولية، وجرى في نفس الوقت استقطابها من جانب الثقافة التي تعارضها. في تعامل ليشنر مع المتغيرات الملائمة بكثير من التجريد واعتبار التوجّه البطرياركي لبعض الحركات الاصولية كجزء من عملية اكبر، هو يقترح النموذج التالي : ان الحركات الدينية يُحتمل جدا ان تصبح قوة اصولية هامة في مجتمع معين لو كانت في حوزتها تقاليد يمكن تفسيرها بسهولة كشرعية تبرر اذابة الاختلافات وحينما تتحقق الشروط التالية:

1- اذا كان تحديث التغيير يمثل مشكلة خاصة للجماعات المشكّلة دينيا.

2- ان يكون البرنامج الاصولي هو الطريقة الاكثر فاعلية ومعقولية في تعريف وحل حالات السخط العديدة.

3- ان تكون هناك سوابق تاريخية في المجتمع حول المحاولات الدينية في التغيير الاجتماعي الهام.

4- ان يكون المجتمع قيد الدرس ليس بطبيعته متعدد ثقافيا او متميز اجتماعيا.

5- عندما لا يمكن توجيه او حرف الاهتمامات الرئيسية للحركة الاصولية الناشئة من جانب المؤسسات القائمة. ان تعقّب هذا النموذج في اوقات واماكن مختلفة يبيّن ليس فقط كيفية بروز الحركات الاصولية وانما ايضا لماذا في معظم الحالات يكون تأثيرها محدودا جدا.

ان المساهمات النظرية لـ "مشروع الاصولية" قامت على مثل هذا التحليل الرابط بين ديناميكية وايديولوجية الحركات وسياقها ومؤكدة على القيود المحتملة لتلك الحركات.

الاصولية كظاهرة عالمية

العديد من طلبة الاصولية اعترفوا ان الظاهرة لم تعد تؤثر فقط على بعض المجتمعات وانما اكتسبت معنى عالميا جديدا. المأزق الذي عالجته الحركات الاصولية هو مأزق عالمي. الحداثة لم تعد ظاهرة مجتمعية ان كانت كذلك يوم ما. ولذلك فان ردود الفعل تجاه الحداثة هي بالضرورة ذات انعكاسات عالمية. انها تستلزم رؤية عالمية لإثارة تصور متميز للعالم. بالنسبة للاصوليين الاسلاميين هذا يتضمن التزامات بنشر الثورة الاسلامية وهزيمة الشيطان الغربي. الثقافة العالمية تصبح هدفا للحركات الاصولية، والمدافعون عن الله يطمحون لجلب مملكة الله على الارض كلها، وفي هذا المعنى، هم يصبحون جهات فاعلة مهمة على المسرح العالمي وباعتبارهم حركات عالمية ضد النظامية، يحاولون حل المشاكل العالمية بطراز عالمي بتغيير كل من ميزان القوى الفعلي في العالم والمصطلحات الثقافية التي يعمل بها اللاعبون الدوليون.

ان تغيير الظرف العالمي لا يصبح فقط حجة وهدفا للاصولية وانما يفيد كعامل معجّل للاطاحة بها. ولو تركنا جانبا التباينات على النطاق العالمي في قوة الاصولية، فان مجرد محاولة الحفاظ على التقاليد المقدسة كأساس لنظام اجتماعي هادف هو مهم عالميا، باعتباره جهدا من بين الجهود الاخرى للحفاظ او تحقيق اصالة ثقافية معينة بوجه ثقافة عالمية جشعة. انها شكل خاص من الكفاح الثوري الشائك لأجل هوية جماعية سوسيوثقافية تحت ظروف تجعل مثل هذا التماهي المقصود توقعا عالميا. في الواقع، ان الاصولية ذاتها اصبحت صنفا عالميا، وجزءا من مرجعية عالمية لفعل جماعي متاح للجماعات الساخطة ولكنه ايضا رمز ضمن الخطاب العالمي حول شكل العالم.

هذه العملية، اصبح فيها المصطلح مثارا للخلاف في كل مكان، الامر الذي قاد للخوف من استخدامها كطريقة للحط من طموحات بعض الحركات. غير ان رؤية الاصوليين متورطين في صراع حول شكل العالم هو إقرار بجزء من مأزقهم الحقيقي، دون إنكار خصوصيتهم ذات الطراز الامبريالي. دراسة مثل هذه الخصوصية اصبحت صعبة للاصولية في كل الاحوال وهي بالتأكيد تلوثت بالثقافة التي تعارضها. لا يوجد هناك اصولي يستطيع ببساطة إعادة تعريف المقدس والعيش بجانب نوره الديني. مجرد اعادة التعريف هذه هي حداثة وظاهرة عالمية.

التأثير والمستقبل

ان التحول العالمي في دراسة الاصولية ظهر جزئيا بفعل القلق الواسع من التأثيرات العامة المحتملة لها. هناك التقاء بين الاهتمام العام واهتمام الدارسين حول السؤال عن المدى المحتمل لهذا التأثير. هناك اسس للحكم بان مثل هذا التأثير هو ثانوي وهامشي وان هناك شكوكا حول المستقبل النهائي والشمولي للاصولية التي هي من حيث الجوهر ظاهرة حديثة . هي تكافح بقوة لإعادة تنظيم المجتمع كونها تعيد التأكيد على صلاحية التقاليد وتستعملها بطرق جديدة، انها تعمل في سياق يرسم المستويات اللاتقليدية وحيث لا تأخذ دورا حاسما، انها تعيد انتاج المأزق الذي ارادت له الحل. وبما انها قوة واحدة فعالة بين العديد من القوى، فهي تؤكد على عمق التنوع او التعددية الحديثة، انها تنخرط في التوتر الناجم عن التصادم بين تعميم الثقافة العالمية والظروف المحلية المحددة، هي تعبّر عن شك اساسي في تحديد الازمة، وليس عن الثقة التقليدية في الحقائق المسلم بها، عبر الدفاع عن الله الذي هو سلفا لا يحتاج الى دفاع. انها تخلق وتعيد خلق الاختلاف كجزء من صراع الثقافة العالمية، وهكذا تصبح الاصولية التوافقية جزءا من نسيج الحداثة.

هذه التوافقية من شأنها ان تنذر بمستقبل شائك للاصولية من وجهة نظر الاصولي. انها تشير الى احدى الطرق التي تشارك بها الاصولية ويجب ان تشارك كأي من الحركات الثقافية الاخرى في تحويل ودمج ما يبدو غريبا واصليا الى رؤية عالمية وهوية تضم الاثنين في مركب سلس وهادئ. هذا المركب سيصبح سمة عادية للعولمة التي تجرد الثقافات من الاصالة السهلة بينما تجعل البحث عن الاصيل التزاما افتراضيا. اذا كانت الغاية من الاصولية هي الحفاظ على التقاليد المقدسة الاصلية، هذا يعني ان الاصولية يجب ان تفشل. هذا الفشل يتفاقم بالظروف الحديثة التي يجب ان تواجهها الاصولية. في حالات معينة تعمل الحداثة فعلا كمذيب يقوض توجهات الحركات الاصولية. وبقدر ما يصبح المجتمع متمايزا هيكليا فان الاصولي سيواجه صعوبة في الحفاظ على اهميته الاجتماعية، وعندئذ ستصبح الاستعادة او الإحياء مسألة صعبة ان لم تكن مستحيلة.

ومع وجود المؤسسات المتمايزة المتخصصة والمنشغلة في السيطرة التقنية على العالم، يصبح للفروقات الدينية دورا ضئيلا . وحينما تصبح الثقافة تعددية وتمزق جلبابها المقدس، سيكون اولئك الذين يحافظون عليها هم ذاتهم مجرد جماعة بين الجماعات الاخرى. ان عمل الادّعاءات للمشروع الاصولي يتطلب شرعية اوسع ما لم يتوفر له دعما شعبيا ساحقا، هذه الشرعية الاوسع تستلزم تمييع وإضعاف رسالة الاصولي. ان محاولة الفعل عالميا وبشيء من الفاعلية يفترض استعمال الوسائل العالمية - تكنلوجية ومؤسساتية - ولكن أطباق الستلايت والدول القومية سيجر المعارضة اكثر نحو الثقافة التي تزعم ازدرائها. ورغم ان نجاحها النسبي يختلف طبقا للظروف المذكورة اعلاه، فان الاصولية سيتم استقطابها حتما. وبما انها حديثة ومستقطبة ذلك يفترض ان هناك نظاما حديثا حيويا يتم استقطابها له. ولهذا فان مستقبل الاصولية سيكون مرتبطا وبقوة بمستقبل الحداثة الليبرالية.

 

حاتم حميد محسن

.......................

المصدر: الاصولية، انسكلوبيديا الدين والمجتمع للكاتب Frank J. Lechner. الكاتب بروفيسور في السوسيولجيا في جامعة Emory، ركز في بحوثه على التغيير العالمي والثقافة والدين والنظرية. صدرت له عدة مؤلفات اهمها كتاب The Globalization reader عام 1999.

مصادر البحث:

1- N.T.Ammerman، المؤمنون بالانجيل (مطبوعات جامعة روتجيرس، 1987).

2-S.A.Arjomand,the Turban for the crown(اكسفورد، مطبوعات جامعة اكسفورد، 1988).

3- S.Bruce، صعود وسقوط اليمين المسيحي (اكسفورد، كلاريندون 1988).

4- J.D.Hunter، البروتستانتية الامريكية (نيوبرونك، مطبوعات جامعة روتجيرس، 1983).

5- G.Kepel، التطرف الاسلامي في مصر (بيركلي: مطبوعات جامعة كاليفورنيا 1985).

6- B.Lwrence، المدافعون عن الله (سان فرانسيسكو: هاربر، 1989).

7- F. Lechner، الاصولية والتجديد السوسيوثقافي، تحليل سوسيولوجي 46 (1985).

8- G. Marsden، الاصولية والثقافة الامريكية (نيويورك: مطبوعات جامعة اكسفورد 1980).

9- M.E.Marty and R.S.Appleby، المشروع الاصولي (شيكاغو: مطبوعات جامعة شيكاغو 1991-1995).

10- M.Watt، الاصولية الاسلامية والعصرنة (لندن، روتلج، 1988).