المثقف - قضايا

تحرير التفكير الإسلامي من الجهل والتخلف.. ماجد الغرباوي نموذجا

saleh alrazuk2لا أعتقد أن الأستاذ ماجد الغرباوي باحث في الدين ولكنه مفكر إسلامي. وهناك فرق واسع بين الدروس والعظات الدينية وبين تحليل أساليب واتجاهات المعرفة. وهذا لا يعني أنه مفكر محايد. إنه موضوعي.  ويحاول أن يتحرى حقائق الذهن البشري  وطرق الاستجابة للواقع. لكنه يعمل من داخل شبكة علاقات إسلامية.

فهو ليس باحثا في المعرفة وفي أصول التشريعات التي تتحكم بسلوك الإنسان، وبالمسموح له أو بنطاق الحريات الوجودية المتاحة كما هو الحال عند محمد عابد الجابري. ولا هو أيضا باحث لا ديني يتابع مشكلة المعرفة بالانطلاق من وظائفها أو أساليب عملها كما هو شأن طيب تيزيني. وإنما يحمل هم العقيدة نفسها.

ومن المعروف أن قراءة الإسلام تنطوي على تيارين. بالإضافة للمبشرين بالشريعة (بمعنى قوانين تفسير وعينا بمفهوم وهوية الإيمان)، هناك محور تكويني  يتابع ظواهر المعرفة بالمقدس من خلال الوعي بها. وديالكتيكي يطبق نتائج الوعي بالتاريخ على  تطوير أساليب وقوانين المعرفة.

لقد بذل الأستاذ الغرباوي ما بوسعه لينظر إلى الفكرة الإسلامية من داخل همومها. فالتحديات تتكاثر وتتوسع يوما بإثر يوم. ولا سيما بعد اتساع رقعة الاحتكاك مع بقية أرجاء العالم، وما يمثله ذلك من تحديات في تحديد مجال أشياء تبدو متشابهة، لكن لكل منها مساره الخاص كالضمير والوعي والروح والإحساس والعاطفة إلخ...

وهذا يعني أنه اهتم بالسياق والظواهر.

وليكون لكلامنا معنى لا بد من أمثلة.

لقد درس حروب الردة بالانطلاق من الأسئلة والمنغصات التالية:

ما هي الدواعي؟.

ومن أشعل الفتيل؟.

وكيف كانت طبيعة العلاقة بين الأطراف المتنازعة؟.

ووضع هذه المشكلة ضمن إطارين. داخل دورات التاريخ. وفي سياق أساليب التعبير. وهذا يعني أنه أولى عنايته للمدونة وللنص. بتعبير آخر لقد نظر للمشكلة كأزمة طرأت على علاقة الحاكم بالمجتمع، أو المركز بالأطراف. وخلص إلى نتيجة مفادها أنها فتنة عسكرية. والغاية منها أن يفرض الخليفة  أبو بكر سطوته على كل أجزاء شبه الجزيرة العربية. فالحرب كانت حربا للسلطة ضد الشعب، ولإسكات أصوات المعارضة، ولإخضاع الجميع لتوجهات القيادة الجديدة. واستطاع بهذه الطريقة أن يرسي الأساس لحدود أو معرّفات تفرز الإلحاد والكفر من الخلافات السياسية. واختار لهذه الحدود عنوانا عريضا هو (فعلية النص).

مادام ظرف النزول قائما فهو واجب، وبزواله يجب تعطيله، أو اعتباره في عداد المنسوخ بوجوب تبدل الأسباب. وأصلا إن فكرة إبطال الأحكام والأوامر الإلهية التي جاء بها الوحي كانت تهدف إلى الارتفاع بالواقع إلى واقع أفضل منه. وهذا يختلف عن الإلغاء والإزالة وله معنى التكيف والتطوير كما قال أحمد عبدالرازق في كتابه (فلسفة المشروع الحضاري بين الإحياء الإسلامي والتحديث الغربي – ج2). فالنبوة وسيلة وليست غاية، والوحي أسلوب أو طريق كما يقول عبد الرازق أيضا (ص 943)*.

وقد ناقش الغرباوي باقة من الأحكام التي تندرج في هذا المضمار. بالإضافة لحروب الردة (التي أنكرها في وقت مبكر الشيخ علي عبدالرازق) توقف عند الجزية والفتوحات الإسلامية. ثم  أعاد التأمل في حدين من حدود المذهب الشيعي وهما فريضة الخمس، والإمام الغائب. بالإضافة لدور الشفاعة وكيف انتشرت بين البسطاء حتى أنها سيطرت على أفكارهم، ولعبت دور قيد أو غل بشري يحل محل العناية الإلهية. وبالتالي عطلت الثواب الذي يمكن أن يناله المؤمن من التفكير والاجتهاد. وكأن هؤلاء الوسطاء نسوا أن الإسلام هو دين معرفة وثقافة أولا.  وأن العقيدة في عصر العلم وفلسفة التنوير لا تبنى بالتأويلات ومراكمة الخرافات والاستجارة بالتراث كما ورد بالحرف الواحد في كتابه الإشكالي (مدارات عقائدية ساخنة) (ص 88)** والذي اتصف بقدر لا يستهان به من الشغب والممانعة.

وأعتقد أن هذا الكتاب، الذي أصدره بالاشتراك مع طارق الكناني، مخصص بمعظمه لتفنيد الأساطير والخرافات التي دخلت على المذهب الشيعي، وتسببت له باختناقات اجتماعية. وكانت حجته الأساسية أن الإسلام جاء لينظم علاقة الإنسان بالله أولا (معرفة) ثم علاقة الفرد بالمجتمع (سياسة). والدين لم يأت ويبذل كل تلك التضحيات ليضع الإنسان المسلم في زاوية تمنعه من التفاهم مع واقعه ومع العالم الذي يحيط به.

ويلاحظ على الغرباوي أن أمثلته بمعظمها تهتم بنفي الحدود الوضعية. وبرأيه إن معظم الممارسات في الوقت الحالي لا تكلف نفسها نفض غبار السنوات، من جهة، ولا تحاول التعالي على سياسة التبرير لخدمة مآرب الحكام. ويؤكد أن مبدأ ولاية الفقيه هو مبدأ إيديولوجي وضعي (بمعنى إجرائي)، ونجم عنه انحدار مستوى فهمنا للشورى، وعدم إمكانية تحويلها إلى ديمقراطية متطورة حسب سلم القيم والمعايير الغربية.

 وذهب لأبعد من ذلك ورفض أن يكون لأي إمام ولاية تكوينية (حسب المفهوم الذي استشرى في السنوات الأخيرة)، وذلك لأنها تعني التصرف بالكون. وهذه المهمة ربانية صرف، وإلا دخلنا في الشرك (ص 300)، فالله ليس كمثله شيء، وهو متفرد بالوجود، ولا يقبل أية شراكة أو نيابة (ص 300).

وبرأيي إن ما تعرضت له حركات التنوير والإصلاح، وبلغة أوضح: المذاهب والفرق الباطنية، من دس وتحوير وتحريف وإضافات، يحتاج لعمل شاق في سبيل التنقية وتقريب وجهات النظر. فقد تحولت هذه الاتجاهات إلى حضارة جريحة، ولا سيما بسبب الاستبعاد المقصود من المشاركة في بناء كيان الدولة. وتهمة التكفير والإشراك التي تعرضوا لها في عدة عهود، منذ تأسيس الدولة الأموية وليومنا الحالي، هي المسؤولة عن رابع أزمة عسكرية تعصف حاليا بالخليج (وهي حرب اليمن). ولدي شبهات أن الإبادة الجماعية التي طاردت حركات الإصلاح (كالشيعة والمتصوفة والأدباء المستنيرين)، في غضون حرب المائة عام، لا تختلف بشيء عن المحرقة النازية. ويمكنني أن أرى في عقوبة الصلب والحرق التي اتبعها الأمويون والعباسيون لتصفية خصومهم محرقة يندى لها الجبين.  وقد وصل التشويه ذروته في عصر التنوير والنهضة، واتهم كل صاحب رأي جريء أو مستنير بتهم كاريكاتورية تدعو للهزء.

وبهذا الخصوص تساوى المتنبي والحلاج والنفس الزكية وزرادشت.  وأقرب مثال على ذلك كتاب (العقائد) لعمر عنايت (صدر عن دارالعصور عام 1928). وكتاب (الدعاة) لوجيه فارس الكيلاني (صدر عن دار المطبعة العربية عام 1923). فقد اعتبر الكيلاني أن زرادشت (ص 38) ومسيلمة (ص 50) والحسين (ص 92) وجان دارك (ص 95) كانوا على قدم المساواة، ومن بين الشخصيات التاريخية الشاذة أو المارقة.

وطاردت تهمة مماثلة الإمام الأفغاني، وأدانته بالانحراف عن أصول الدين. ولا تزال كل الأدبيات الإسلامية الكلاسيكية تطعن بتفسيره للقرآن وتشوه أهدافه السياسية، وترى أنه لا يجد فرقا بين مفهوم الوحدة ومفهوم الأمة، أو بين الجامعة الشرقية والجامعة الإسلامية، كما ورد في (الدرر السنية) بتحريرعلوي بن عبدالقادر السقاف.

وبناء على ذلك أصبحت أمام الغرباوي مهمة مزدوجة.

وهي الكشف عن المبالغات الدينية التي يرعاها الوعي الباطن، وإعادتها إلى مكانها في سياق تطور التاريخ والأحداث. وهكذا تطور أسلوبه من مجرد الوصف والتحليل إلى التفكيك وإعادة التركيب. ويتضح ذلك في كتابه (مدارات عقائدية). فقد واتته الجرأة ليقول عن كثير من العتبات الدينية  أنها رواسب من التخلف والجهل وسوء التربية . ثم ليردف إنها منحنيات أسطورية تثقل على وعي الإنسان المسلم وتخنقه وتكبت حرية السلوك والتصرف الإيماني النابع لديه من الفطرة والبديهة.

 

د. صالح الرزوق

................

*المعهد العالمي للفكر الإسلامي. د. محمد أحمد جاد عبدالرازق. فرجينيا. الولايات المتحدة الأمريكية. 1981.

** مدارات عقائدية.. حوار في منحنيات الأسطرة واللامعقول الديني، ماجد الغرباوي وطارق الكناني، دار امل الجديدة، دمشق. 2017.

 

 

 

تعليقات (9)

This comment was minimized by the moderator on the site

تقديري واحترامي للاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق، مقالة تعريفية قيمة بكتاب مدارات عقائدية، حيث أشار الكاتب لبعض معالمه، ولقضايا بالغة الأهمية ، تقع ضمن الممنوع والمحرم واللامفكر فيه. تمنياتي له بمزيد من العطاء

This comment was minimized by the moderator on the site

الكتاب يفرض نفسه لما ورد فيه من مقاربات تتسم بالوعي و لا احب التأكيد على الجرأة فهي تحصيل حاصل، و الفرق بين التهور و الوعي فرق كبير، و الاشارة للشكل الحرابي في الحركات الاسلامية السلفية تقلب القدر على قفاه، القوميون العرب بشكل اساسي اختاروا الحل العسكري و السلام في مصر لم يخفف من دور الجيش في الحياة السياسية، يهمنا الدخول في عصر الدولة المدنية لنتكلم مع انفسنا و مع الاخر بلغة متحضرة تثمر و لا تسبب العقم و البوار، ادعو المهتمين بالشأن الاسلامي لتفكيك كتاب مدارات ففيه جيوب مصمتة لم يتطرق لها احد

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الدكتور صالح الرزوق على هذا المقال الرائع الذي يتناول افكار و طروحات الاخ الفاضل المفكر المبدع الدكتور ماجد الغرباوي. و شكراً الى موقع المثقف الموقر للسماح لنا بتبادل الاراء في هذه الامور المهمة.

بالرغم من انني لست رجل دين او متخصص في امور الدين الاسلامي و لكنني استطيع ان اقول ان كل مقالات الاخ الدكتور الغرباوي ومؤلفاته هي ابداع رائع و ابتكار جديد يقدمه لنا بأسلوب علمي مبسط و واضح. و ان اسلوبه هذا يمتاز بالشجاعة التامة في مناقشة الامور الدينية.

انه يحاول جاهداً دفع حدود المعرفة الدينية للانسان المسلم الى حدود جديدة تتلائم مع رسالة القرآن الكريم.

و بمعنى آخر انه يريدنا ان ننتقل من "ثقافة التلقين" التي دمرتنا و التي نتلقاها من رجال ديننا و من كتب فقه السلف الصالح!! الى ثقافة "التفكير" اي استعمال عقولنا في تمحيص اي شيء نقرأه او يقال لنا ؛ مستنداً على نظرية المسلمين و هو القرآن الكريم.

ان الله اكد على "العلم" في القرآن الكريم "هل يستولي الذين يعلمون و الذين الا يعلمون—".
"--- لا يعرف تأويله الاّ الله و الراسخون في العلم----الخ من الايات.

و نحن نعرف ان العقل الانساني هو ركيزة العلم و سيد الموقف في كل امور حياتنا.

ان الدكتور الغرباوي اكد على نقطتين مهمتين و هما:

1- ان الدين الاسلامي اهمل الجانب السياسي للانسان و اكد على القيم الروحية و الايمانية للفرد؛ اي انه اهمل نظام الحكم. لان الدعامات الاساسية للدين نابعة من الدين و هي ثابتة و قد يتطور معنى فهمها مع مراحل التطور البشري.
بينما السياسة هي من خلق البشر و قد تتغير من زمن الى آخر حسب اجتهادات البشر.

2- ان الدين الاسلامي لم يؤكد على الجانب الاقتصادي لانه دين روحي ايماني.

و حتى الجانب العلمي ان الدين الاسلامي ليس دين نظريات علمية و ان الايات الواردة فيه المتعلقة بالخلق و الشمس و القمر و النجوم هي امثلة تدل على قدرة الخالق.

لو وضعنا مشكالنا تحت المايكروسكوب للبحث عن مسسببات دمارنا و تخلفنا مقارنة مع شعوب المعمورة لوجدنا ما يلي:

1- ان المذاهب هي السبب الاساسي في تخلفنا. علماً ان هذه المذاهب هي آراء بشر مثلنا قابلة للخطأ و الصواب ؛ اذاً لماذا نمنحها القدسية و نرفض الخوض في نقاشها؟؟؟.
و الشيء المهم جداً ان رجال ديننا دائماً يبحثون عن الفروقات و الامور التي تفرقنا في هذه المذاهب بدلاً من المشتركات التي تجمعنا حتى لو كان فيها التزوير و الكذب واضحاً و تتنافى مع العقل البشري.

2- المجتمع الجاهل الذي يحب ان يعيش في الموروث من فقه السلف الصالح مدى حياته!!! و يرفض مغادرته. انه يحارب اي انسان يحاول ان ينتشل هذه الامة من الجهل و الغرق في كهوف الماضي.
و المجتمع الجاهل لا يشمل الناس البسطاء فقط و انما يشمل الكثير من خريجي الجامعات و حتى من حملة شهادة الماجستير و الدكتوراه في مجتمعاتنا!!. و هذا واضح للعيان.

لو فرضنا اننا رفعنا المذاهب ( و ليس الدين) من المجتمع و هذا طبعاً (شيء افتراضي) و نترك الحرية للانسان في اختيار ما يلائمه من معتقد (سواء اراد ان يعبد الله او الحجر او البقر او لا يؤمن بأي شيء) . "لا اكراه في الدين".
و توجد قوانين تحمي الجميع.
هل نستقر و نتطور؟؟؟. اعتقد نعم؟؟.

و علينا ان نفهم ان هذا الافتراض اعلاه هو صحيح 100% لان الدين الاسلامي لا توجد به مذاهب اطلاقاً كان شعاره "لا الاه الاّ الله محمد رسول الله".

"الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعاً --- و كل حزب بما لديه فرحون " و "اعتصموا بحبل الله جميعاً و لا تفرقوا---الخ".

في هذه الحالة يمكن ان ننهي التجارة و المزايدات في امور الدين التي اضاقتنا المر من قتل و تهجير و تكفير و تخلف و فساد في كل نواحي الحياة.
مرة اخرى اشكر الاخ الغرباوي على هذا الابداع الذي يضيء الطريق امامنا و يعطينا امل في الحياة .

ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

انك ايها الاخ الكريم تكتب في موضوع (( تحرير التفكير الإسلامي من الجهل والتخلف )) وسأكون شاكراً لو تفضلت واقنعتني : لماذا قام الله بخلق الشيطان الذي اختص في نشر الشر؟ اليس الله مسؤول عن كل ما يعمله الشيطان؟ ثم لماذا لا يقوم الله بقتل الشيطان لكي ينقذ البشرية من شروره؟ مع التقدير
كمال مجيد

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا للاستاذ ثاؤر و الأخ الفاضل البروفيسور كمال
هذه قراءة متواضعة في تجربة اجمالية و تستند على جوانب المعرفة و الثقافة اكثر من استنادها على الدين، لا يمكنني ان ادخل في التشريعات فهي من خصوصيات غيري،
و بالنسبة للشيطان،
و الخير و الشر،
لدي افكار و تصورات عن الموضوع وبوجيز العبارة ان الاختيار و المسؤولية و الالتزام و الايمان كلها عوالم مترادفة و تنفي بعضها بعضا،
بالمنطق انها رموز عن طبيعة بشرية تواجه كل يوم العوائق اكثر من التسهيلات، و الاختيار في اللاهوت كان مباحا مع توقع للعقولة و كانت اول عقوبة رادعة و ليس لها حل هو السقوط من الجنة،
فعلا ارجو ان تعذروني من الدخول في اعماق هذه المسائل و ربما للاستاذ الغرباوي وجهة نظر افضل مني.
و شكرا

This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى البروفسور كمال مجيد على هذا السؤال المهم و شكراً الى الاخ الدكتور صالح الرزوق على الاجابة لهذا السؤال. و لو يسمح لي الدكتور الرزوق ان ابين تصوري الخاص في هذا الامر. و شكراً الى موقع المثقف للسماح لنا بتبادل الاراء في هذه الامور المهمة.

بالرغم من انني لست رجل دين او متخصص في امور الدين؛ و لكن احببت ان ادون تصوري بشكل مختصر جداً لجواب هذا السؤال:

اعتقد ان جواب السؤال لا يمكن ان يكون مادياً لانه سؤال يتعلق بغيبيات الدين و الايمان به و هو خارج ادراك مقدرتنا العقلية. و لذلك من الصعب تقديم ادلة مادية ملموسة .

حسب فهمي (الخاص) للدين انه يوجد عالمان عالمنا الذي نعيشه ؛ عالم الانس و هو يشمل (عالم الانسان) و العالم الاخر هو العالم الغيبي (عالم الملائكة). و عالم الملائكة لا يمكننا ان نراه و لكن يمكن ان نتصوره على ضوء مفهوم الدين و ان الشيطان هو جزء من هذا العالم.

اعتقد ان كل امور الشر (من البغض والكراهية و القتل و الحروب ---الخ) التي تسيطر على سلوك الانسان منبعها عاملان اساسيان و هما:

1- العامل الذاتي (الداخلي) للانسان: اعتقد ان كل انسان يخلق فأنه يحمل صفات كأن يكون مصدرها "جينات وراثية" او صفات يكتسبها من المجتمع الذي يولد به؛ تولد لديه نوعين من الصفات المتضادة هي " صفات الخير" و صفات "الشر".

اذا تعادلت هذه الصفات في تأثيرها على الانسان فأن الانسان يكون تصرفه وسط اي انه "لا يدعو للخير و لا يدعو للشر".

امّا اذا تفوقت صفات "الخير" على صفات "الشر" فأن الانسان يكون اكثر تسامحاً و يحب الخير للناس جميعاً و يكون هدفه اسعاد الانسانية.

و العكس صحيح ؛ اي اذا ازدادت صفات "الشر" عن صفات "الخير" فأن الانسان يكون اكثر عدوانية و يميل الى اذية الاخرين. و هنا يكمن مصدر الحقد و الكراهية و الحروب في هذا النوع من البشر. هذا العامل اذا توفر في ذات الانسان فأننا نتوقع منه كل الشر و الدمار.
و ان خلق الانسان حسب مفهوم الدين الاسلامي "اكثر جدلاً " من بقية المخلوقات.

ان الطبيعة كذلك خلقت على مبدأ التضادد؛ حيث لو نظرنا الى الطبيعة لوجدنا فيها لكل شيء مضاده.
الليل و النهار
الماء و الارض
القوى السالبة و القوى الموجبة
الشحنات الكهربائية السالبة و الشحنات الموجبة
الخ.
اذا اختل التوازن بين هذه القوى قد يحدث الخلل و الكوارث .

2- العامل الخارجي ( اغراء الشيطان للبشر و دفعهم للاعمال الشريرة) : حسب ما بينت اعلاه ان الملائكة تعيش في عالم ثان غير مرئي؛ و الشيطان هو احد الملائكة الذين يغرون الناس و يدفعونهم الى عمل كل الموبقات و الفساد و التحريض على القتل و الكراهية و على شن الحروب!!!.ان هذا العامل يعيش خارج كيان الانسان و يؤثر عليه من الخارج سلبياً.
يمكن ان نتصور هذا في ضوء مفهوم الدين و لكن لا يمكن ان نرى التأثير بعيوننا المجردة.
قد "نقول ان الشيطان قد دفع فلان لعمل كذا و كذا".

و مثال مشابه: اننا لا يمكن ان نرى تأثير القوى المغناطيسية او التيار الكهربائي الاّ اذا استعملنا الاجهزة المناسبة لذلك. و هذا قد ينطبق على عالم الملائكة و الشيطان ؛ و قد نتمكن في يوم ما و في سنة ما ان نتحسس تأثير هذا العالم المخفي و الذي يقلقنا كثيراً.
امّا لماذا خلق الله الشيطان اذا كانت كل افعاله هي الشر و اغراء الناس على الموبقات و الفساد و الدمار؟؟ ؛ فأعتقد انه قد يكون لقياس قابلية النفس البشرية في التصدي لهذه المغريات و الاعمال التي نبهنا عنها الله في القرآن الكريم. انه اختبار للانسان .!!!
آسف على الاطالة
هذا مجر رأي قابل للخطأ و الصواب. مع الشكر مرة اخرى للكاتب الدكتور صالح الرزوق و للبروفسور كمال مجيد
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا، لدى فرويد تصور عن ابليس و الشيطان، يعتقد انه من مخيلة المجتمع البطريركي الذي يهدد ابناءه الطيبين بعقدة الخصاء، و الشيطان احد بدائل الاب و رمز من رموز الغريزة السلبية عند الانسان، التوازن يعطي انسانا طبيعيا في ظاهره و لكنه مختل في الحقيقة بسبب تنوع الاعصبة،
هذا اختزال سريع لتفكير فرويدالذي طرأت عليه تعديلات معرفية و بنيوية على ايدي لاكان و ادلر لاحقا،
و كل الشكر لاهتمامك،
في الواقع الاستاذ الغرباوي بريء من اي شبهة فرويدية و يميل لنظام الخطاب الجديد الذي يفكك و يعمل بدافع التأويل مع القياس و الاجتهاد و المقارنة،

This comment was minimized by the moderator on the site

السادة الكرام: د. صالح الرزوق، د. ثائر عبد الكريم. د. كمال مجيد، شكرا لمشاركتكم واهتمامكم، لكم جميعا خالص الاحترام. ما ذكره د. كمال سببه الجمود على حرفية النص القرآني، فانتج هذا الفهم جملة شكوك واستفهامات، وهذا طبيعي. لكن ثمة تفسير آخر لهذه المفاهيم، قد قاربها الاخوة صالح الرزوق وثائر عبد الكريم. وساتناولها تفصيلا ضمن السؤال المخصص لها في هذا الحوار. لكنها رؤية ترتكز لرمزية النص، ضمن سياق الخلق بشكل عام وخلق الانسان ودوره في الحياة بشكل خاص. اكرر شكري

This comment was minimized by the moderator on the site

بلا تمهيد، ارى في مقالة منشورة هنا في المثقف للدكتور عبدالجبار الرفاعي عن نظام الكلام الجديد خير جواب على الأسئلة و القلق و الهواجس الايمانية التي نتشارك بها جميعا،
ان الوحي معنى و ليس بالضرورة حرف.
و لو سلمنا انه معنى و مبنى كما يقول المناطقة، اجد في علم النفس و الوعي الباطن اشارة تدل على الطريق،
فالشيطان هو جزء من صراع البشرية و الحياة مع الموت و جزء من اختبار الحقيقة ، او النور الإلهي الذي انبلج و تابع في سياقه و على عدة محاور، و السادية و المازوشية هما المرادف لابليس و الشيطان و الجن، اذا قسمناها و سلمنا براي اهل الجماعة حولها،
فالمازوشية هي شيطان الذات و السادية هي شيطان الآخر، و كل منهما طريقة من طرق الدفاع او آليات الغاء الاعصبة،
الجانب الشرعي و الفقهي نتركه للاستاذ الغرباوي و حواره الشيق و الثمين و الذي يختزل به خلاصة تفكيره،

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4143 المصادف: 2018-01-08 13:10:55