المثقف - قضايا

المصير التاريخي لثورة الربيع العربي (13)

mutham aljanabi2إن تاريخ الأمم ليس ألعابا نارية شديدة التوهج سريعة الزوال. على العكس! إن تاريخ الأمم هو تراكم بطيء عميق الثبات في مرجعيات متسامية. وهو الفرق الجوهري بينه بين الزمن. فالزمن دقائق وساعات وأيام وأشهر وسنين، أي تيار سار لا يعني البقاء ضمن معاييره سوى تكرار واجترار ما مضى. بمعنى العيش بمعايير الماضي ومقاييسه. وليس مصادفة أن يواجه الإسلام فكرة الدهر الجاهلي القائلة، بأنه (ليس إلا الدهر ينشئنا ويفنينا) بفكرة الزمن الإلهي، أي بفكرة الالتزام الفردي والجماعي تجاه المستقبل (من ثواب وعقاب). وهي فكرة لم ولن تفقد قيمتها مع مرور الزمن، وذلك لما فيها من مرجعية متسامية في حال وضعها ضمن قيم العصر الحديث.

فالأحداث الكبرى والهزات العنيفة التي ميزت العالم العربي في نهاية القرن العشرين وبداية الحادي العشرين جعلت من التقاء القرنين شيئا اقرب إلى التقاء قرون الثيران في صدامها الدامي. بمعنى تحول التاريخ إلى لحظات منحلة في زمن الغريزة. وتشير هذه الحالة إلى واقع الانحطاط ومستوى الخراب في بنية الدولة والمجتمع والثقافة بشكل عام والسياسية بشكل خاص.

وقد يكون صعود التفسير والتأويل الطائفي للماضي والحاضر من بين أكثرها تخريبا. وذلك لما فيهما من ولع في نبش قبور الموتى من عقائد ومذاهب عتيقة، مع ما يترتب عليه من إثارة التعصب الأعمى في مقاتلة فكرة المستقبل. في حين أن التاريخ الحقيقي وحقيقة التاريخ بالنسبة للأمم الحية هو مستقبل فقط. أما التأويل والتفسير المذهبي والطائفي والحزبي الضيق فهو الأسلوب الملازم للحركات والتيارات الخارجة على حقائق التاريخ الكبرى (القومي والعالمي). وليس مصادفة أن تكون في أولها مذهبية ضيقة وفي آخرها طائفية سياسية، أي أكثر الأشكال تخريبا وتدميرا للعقل النقدي والضمير الاجتماعي والقومي. وذلك لان نهايتها تصب حتما في صنع تيار القتل المجاني للعقل الثقافي والضمير التاريخي للأفراد والجماعات والأمم. مع ما يترتب عليه من تحلل داخلي وانحسار للقوى العقلانية وانهيار لمكونات الأمة، أي كل ما نعثر على انعكاسه العملي في انتهاك فكرة المرجعية العربية وأولويتها في الصراع الداخلي. وقد تكون الحالة العراقية والليبية احد نماذجها الجزئية. لكنها تظهر كامل رداءها الرديء في "الثورة السورية". بحيث يتحول حتى الغلاف الخليجي او دويلات الجزيرة شبه العربية إلى غطاء مثقوب ومهزلة "للحل العربي". أما الأسئلة الكبرى التي تظهر هنا فهي التالية: لماذا يظهر بعد قرن من زمن المعاناة الصعبة والمعقدة للصيرورة العربية من يتجاهل مآثرها ورذائلها لكي يرميها من جديد في أحضان الغرباء؟ ولماذا تندفع "نخبة" المعارضة من ديمقراطية وعقلانية وإسلامية إلى الانغماس في أحضان قوى ليست عقلانية ولا ديمقراطية ولا قومية عربية ولا إسلامية؟ ولماذا تظهر معارضة لا مرجعية كبرى فيها لغير الغرباء من دويلات المال والرشوة ودول الاستعمار القديم والكولونياليات الحديثة؟ إن الإجابة العامة والمباشرة على هذه الأسئلة جميعا تقوم فيما يمكن دعوته بالخروج على منطق التاريخ القومي بشكل عام وتجاربه النظرية والعملية بشكل خاص.

فالتطور والتطوير الفعلي للدولة والأمة يستلزم السير إلى الأمام بمعايير الواقعية والعقلانية والفكرة المستقبلية. وهذه بدورها تفترض وجود حدودها القومية الجلية. إذ ما لم تتكامل القومية في كيان وكينونة مستقلة وديناميكية لا يمكنها حل أية إشكالية كبرى أمام تطورها الحر. وهذا بدوره صراع تاريخي متعلق بكيفية حل إشكالية الدولة والقومية، أي إشكالية النظام السياسي والمجتمع. وما لم يجر حلها بطريقة تستند إلى فكرة المرجعية العربية، بوصفها بديهية سياسية في كل المواقف، فان كل "الاجتهادات" الأخرى تبقى مجرد أوهام مدمرة!

إلا أن الحالة المشوهة الحالية ليست غريبة على تاريخ الأمم جميعا. أما في التاريخ العربي فإننا نستطيع رؤية معالمها الأولية فيما اصطلح عليه حينذاك بعبارة "دول الطوائف"، وما نعثر عليه ويمكن رؤيته الآن من تصنيع خرب لدول الطوائف "الحديثة". وهي حديثة بلا حداثة! لأنها تجتر زمن الانحطاط وتعيش بمعاييره ومقاييسه. بمعنى أنها تحفر قبورها بيدها وتغنّي بحمية مبالغ فيها أغنية الموت البليد!

لقد كان مصطلح "دول الطوائف" يحتوي في أعماقه ورؤيته المستقبلية على حدس تاريخي عميق بآفاق الخراب والزوال. وفيها يمكن رؤية البديل الفكري الهائل الذي بلور معالمه الأولية ابن خلدون في فلسفته الراقية عن قوانين التاريخ والرؤية التاريخية. فقد كانت حقيقة الفكرة الخلدونية عن قانون التاريخ بهذا الصدد تحتوي من حيث بواعثها وغاياتها على محاولة بناء الذهنية التاريخية بمعايير ومقاييس الوعي التاريخي (الواقعي والسياسي). انه قدم إحدى الصيغ النموذجية (على الأقل من الناحية المنهجية) القائلة، بأن وعي الذات القومي والثقافي ممكن فقط ضمن الرؤية التاريخية المجردة عن الأهواء والنوازع الضيقة. بمعنى الانتقال بالفكر التاريخي من حضيض الأهواء والمذاهب الضيقة إلى فضاء العلم والفلسفة المجردة. وليس مصادفة أن يتحول إلى احد مصادر الوعي التاريخي السياسي والقومي والثقافي في العالم العربي الحديث. وهو السرّ الذي يمكننا رؤيته على سبيل المثال في البحث التاريخي الحديث عند خير الدين التونسي، وتكامل الرؤية الإصلاحية وفكرة الحرية القومية والسياسية عند الكواكبي، وانتشارها السريع في الفكر الفلسفي والسياسي العربي الحديث.

بعبارة أخرى، إننا نقف هنا أمام صعود فكرة التحرر من زمن الأسلاف الضيقة إلى تاريخ الثقافة الحرة. وهو انتقال ملازم لصعود الفكرة القومية، يمكن رؤية ملامحها المتراكمة في فكرة أصحاب النهضة عن إصلاح الأمة والرقي المعنوي عبر الرجوع إلى تراث العرب الأدبي، وكذلك في توسع مدى ونوعية الرجوع إلى تاريخ العرب الثقافي مثل البحث عن "مشاهير المسلمين" و"تاريخ التمدن الإسلامي" ورؤية "فجر الإسلام" و"ضحى الإسلام"، أي المزاوجة بين التراث القومي والثقافي (العربي والإسلامي). ويمكن رؤية نتائج هذا التراكم في البحوث والدراسات والمناهج الكبرى المؤسسة لوعي الذات القومي من خلال عي الذات التاريخي، كالبحث عن "تاريخ مفصل" للعرب قبل الإسلام، وفي الإسلام، ثم النظر إلى تاريخه الواقعي الحديث بعيون الرؤية الحالمة (المستقبلية) ورؤية ما فيه من قلوب نابضة، كما نراها في الكتابات المتعلقة ب"ملوك العرب" و"قلب العراق" و"قلب سوريا ولبنان"، لتنتهي بمختلف نماذج وعي الذات التاريخي، بمعنى الانتقال من "تاريخ العرب" إلى "العرب والتاريخ".

وقد تلقفت الحركات الراديكالية السياسية هذا التراكم، بحيث جعلت من الفكرة القومية محل صراع دامي وعنيف. وهو صراع لم يكن معزولا عن "شيوعية الأقليات" في العالم العربي، التي جعلت من محاربة القومية العربية هدفها العقائدي، ومن الدفاع عن "القوميات" الصغيرة هدفها العملي. ويقترب هذا التناقض من حدود الانفصام الذهني والأخلاقي والسياسي. وبالمقابل توجه الفكر القومي السياسي صوب محاربة هذا الخلل العنيف وليس صوب البناء العقلاني للدولة القومية وتكاملها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. مما أدى إلى تصارع واحتراب الحركات السياسية والدول من اجل تمثيل هذا التيار الصاعد للفكرة القومية، وليس توحدها وتكاملها الضروري. والسبب يكمن في أن الحركات الراديكالية السياسية (بما فيها القومية) كانت محكومة برؤيتها وأفعالها بالزمن وليس بالتاريخ. وهو أمر جلي في عدم ارتقائها إلى مصاف المرحلة الضرورية عن تأمل فكرة وإستراتيجية "العرب والمستقبل" من خلال إرساء أسس التاريخ الفعلي للدولة والأمة والثقافة.

وقد انتهت هذه المرحلة الراديكالية بانتكاسة الفكرة القومية الأولية. من هنا ظهور نقد "العقل التاريخي" بمختلف مظاهره. وهي حالة نقدية ضرورية بوصفها مقدمة الانطلاق صوب المرحلة القادمة، أي التأسيس للمستقبل. لكنها مازالت تعاني من ثقل الإرث الخرب والهائل لتقاليد الراديكالية السياسية، التي تشكل حالة الرجوع إلى زمن الأسلاف احد نماذجها الفعالة! إلا أنها تعكس مع كل انحرافاتها منطق المسار المستقيم والقويم في توسيع وتعميق وعي الذات القومي. بحيث يمكن العثور عليها في ابسط المظاهر أيضا. فعوضا عن أشعار الحب والغرام ودعاوي التغلب على الحسد والحسود والعدو اللدود على شاحنات النقل العتيقة، كان يمكن قراءة شعار "امتنا امة واحدة" المكتوبة بخط اليد على قافلات النقل بين ليبيا وتونس، بأثر العصيان الاجتماعي في مواجهة الدكتاتوريات في تونس وليبيا. إذ لم تكن اليد التي كتبت هذا الشعار وأمثاله سوى اليد الروحية الجديدة. وفيه نعثر بقدر واحد على شعار الرجوع للفكرة القومية، بوصفها فكرة اجتماعية وحيوية وإنسانية، أي أنها لم تعد جزء من مغامرات أزلام السلطة.

بعبارة أخرى، إننا نعثر في هذه الصيغ الأولية والبدائية على بلورة مقدمات الرؤية التاريخية والسياسية السليمة عن ماهية الفكرة العربية بوصفها فكرة تقع ما وراء سياسية "الدولة" أيا كانت. بمعنى إرساء أسس استقلالها بوصفها فكرة مستقبلية. كما أنها تشير إلى حقيقة مرجعية جرى تفتيتها وسحقها في ظل صعود القوى الرخوية، التي تحولت مصر،على سبيل المثال، بأثرها من قاطرة الكينونة لعربية الحديثة إلى آخر عربة فيها قابلة للابتزاز من رشوة دول الخليج شبه العربية!

ذلك يعني أن زمن الخروج عن مرجعية الفكرة العربية في مصر مبارك وقبله السادات قد أدى إلى إسقاط مصر إلى الحضيض، لأنهم أرادوا اقتلاعها من جذرها الحي الناطق، بحيث تحولت إلى خرساء شأن مومياء حسني مبارك! والشيء نفسه يمكن قوله عن العراق وغيره من مراكز الصيرورة العربية وكينونتها الثقافية. الأمر الذي يعطي لنا إمكانية القول، بان اندلاع الثورة المصرية ونجاحها الأولي، كان بفعل كينونتها العربية. فقد أشعلت فيها الشرارة التونسية لهيب التاريخ الذاتي. مما يبرهن بدوره على أن التاريخ العربي المعاصر واحد وموحد من حيث الجذور والرؤية والهموم. وانه محكوم كله بوعي أو دون وعي بفكرة البدائل، بوصفه حركة تلقائية من حيث مقدماته وأدواته وأساليبه وقواه وغاياته، أي كل ما يبغي أن يؤدي إلى صيرورة وانتظام ما ادعوه بالمرجعيات المتسامية في الوعي الفردي والاجتماعي والوطني والقومي. وذلك لأن احدى الإشكاليات المثيرة للعقل والضمير العربي تكمن في انعدام فكرة المرجعية العربية بوصفها مرجعية ما فوق سياسية وما فوق عقائدية وما فوق أيديولوجية.

بمعنى ضرورة ارتقاء هذه المرجعية فوق الصراع السياسي والعقائدي والأيديولوجي، بوصفها بوصلة الرؤية العملية. بينما كشفت أحداث الثورة العربية عن أنها لم تصبح لحد الآن مرجعية جوهرية للرؤية السياسية والعملية. وقد تكون التجربة العراقية والليبية من بين أكثرها بروزا. وإذا كانت من حيث طابعها الدموي ونتائجها التخريبية الهائلة هي الوجه العملي لزمن الانحطاط السياسي وخلل البنية الاجتماعية والوطنية والقومية بأثر هيمنة دكتاتوريات فجة ومتخلفة، فان محاولة تكرارها في سوريا مؤشر على خراب الرؤية العملية والسياسية والمستقبلية والقومية للمعارضة أولا وقبل كل شيء. بمعنى أن محاولة استقدام الأجنبي من اجل "حل المشكلة الوطنية" و"القضية السورية" و"النظام الديمقراطي" و"الشرعية" هو خروج شامل على مرجعية الفكرة العربية وأولويتها بالنسبة لحل الإشكاليات العالقة والمأساوية أحيانا للدولة والأمة. (يتبع...)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4179 المصادف: 2018-02-13 02:28:45