المثقف - قضايا

الإستعمار الاوربي بغرب إفريقيا: تدمير هوياتي وثقافي

تقديم: يعرف الغرب الإفريقي بكونه منطقة غنية بالديانات والعقائد المختلفة في مظاهرها والمتشابهة أحياناً في جذورها وأصولها، كما تتسم الأعراق بسلطة قبلية فائقة نادراً ما ينعتق الفرد من أعرافها ومعتقداتها. ويتسم الفرد في القبيلة ببساطة شديدة، كمردود طبيعي لنسبة الأمية العالية، وصعوبة التعليم النظامي، وقلة موارد الدعم الحكومي والدولي له. ظلت الكثير من القبائل على وثنيتها وارتباطها العبادي بالطبيعة وأرواح الأجداد. فالدين والعلائق الروحيّة أمر أصيل في المجتمع الإفريقي، وحين جلب المبشرون الأناجيل إلى إفريقـيا قبـل مائتي سنة فقط؛ وجدوا الأفارقة يستخدمون اسم: (الربّ) التي تشير إلى الإله الواحد خالق هذا الكون، ووجدو الإسلام دينا سماويا حاضرا كذلك، لكن منطق التوسع الإستعماري جعل من الدعوات التبشيرية المسيحية مدخلا لنهب الثروات البشرية، في مرحلة أولى ثم طبيعية في مرحلة لاحقة.

لقد كان للوجود الإستعماري بالغرب الإفريقي بالغ الأثر على الدينات المحلية واللغة والهوية الإفريقية هذه العناصر تمازجت مع بعضها ونقلت كثرات ثقافي إلى أمريكا من طرف المهجرين العبيد. وخلقت عناصر ثقافية مختلفة عن ما كان سائد قبل الحقبة الإستعمارية بإفريقيا. لم يراعي الإستعمار أهمية المكون الروحي و الهوياتي، فرسم خرائط حدودية غير منسجمة دينيا ولغويا وإثنيا، فكانت سببا في ما نشهده اليوم من حروب أهلية ونزاعات عرقية بالغرب الإفريقي وباقي القارة.

أولا: السياق التاريخي للحركات التبشيرية وخلفياتها

مع حوالي منتصف القرن الخامس عشر ميلادي بدأت طلائع البرتغاليين في التجوال في السواحل الإفريقية، و بدأت عمليات قنص الافارقة و نقلهم إلى أوربا ليباعوا في أسواقها بعد تعميدهم و تحويلهم إلى المسيحية لإيهاهم أن المسيحية تحرر الروح فيما يبقى الجسد رهينة للرق تكفيرا عن الخطايا التي ارتكبها الرجل الأسود[1]. وبهذه الطريقة تعرض الافارقة المنتسبين للديانات المحلية بمجموع إفريقيا إلى القنص للعمل في مزارع الأوربيين بالعالم الجديد.

كان لتجارة الرقيق بالغ الأثر في تدميرالسكان من الداخل وعلاقاتهم الروحية و الإنسانية، فنتج عن ذلك حالة من الفوضى و القلق وعدم الإطمئنان بين السكان بسب النزاعات القبلية والحروب التي يشنونها بينهم بهدف الحصول على العبيد. وقد أترت تجارة الرقيق على سلوكات الأفارقة الذين ظهرت عليهم علامات الشك و الريبة و الحذر، من الاخر الأجنبي، وكن العداء للأوربي على وجه الخصوص نظرا لأنهم قضوا على ممالكهم و حضاراتهم.[2] كما تطور النظام التعليمي الذي رعته الإرساليات التبشيرية بسب تقديم المعونات لها وكان الهدف هو خلق فئة إدارية بالإضافة إلى خلق جسر ثقافي بين الأجانب وجمهور الأفارقة.[3]

1 - استثمار العامل الديني من طرف الإستعمار لخدمة مساعي رأسمالية امبريالية .

بوصول الأوبيين إلى إفريقيا كان نمط الإنتاج يحتاج فقط إلى العامل البشري، لذلك ثم توظيف طريقة العمودية المسيحية كالية للاستعباد الرقيق، لكن بعد تطور نمط الإنتاج الرأسمالي و تطورت الالات، أصبحت الحاجة ملحة للثروة الطبيعية و المواد الاولية أكثر من الثروة البشرية ، تعالت الحملات الدولية التي قادتها بريطانيا لتجريم الرق وتحريمه، لذلك توجهت الجيوش الأوربية مدججة بالحملات التبشيرية باعتماد اتجاهين:

- القمع المباشر.

- ثم اتجاه اخر يعتمد تفريغ الإفريقي من إفريقيته، و روحه ،وهويته عن طريق نقل الثرات الثقافي المسيحي إلى إفريقيا.[4]

وقد علق سيمونز على دور البعثات التنصيرية بقوله:" جاء الرجل الأبيض وبيده الإنجيل لكن بعد أن مرت عقود قليلة أصبحت الأرض للرجل الأبيض و أصبح الإنجيل بيد الزنجي".[5]

يؤكِّد الباحث كراوْديرْ هذه الحقيقة في حقِّ الكنيسة بقوله: «إنَّ المبشِّرين الأوائل بغرب إفريقيا كانت لهم مهمَّةٌ مُزْدَوَجة: التَّرويج للتِّجارة بين إفريقيا وأوروبا، وتحويل الأفارقة إلى المسيحيَّة.[6]

ولعل ما يثبت أن الحملات التبشيرية كانت وسيلة وليست غاية هو أنه ومباشرة بعد نشوب الحرب العالمية الاولى عاملت كل دولة مبشري أعدائها معاملة الأعداء بالأسر والإعتقال و الترحيل وبعد نهاية الحرب العالمية الأولى لم تسمح إنجلترا للمبشرين غير الإنجليز بالدخول مناطق نفوذها. ناهيك عن توقف الإعانات التي كانت تقدمها الحكومة الفرنسية للبعثات التبشيرية مباشرة بعد التحكم في زمام الأمور.

2- سياسة الإدماج وطمس الجانب الهوياتي الديني و اللغوي للإنسان الإفريقي بإفريقيا.

عمد الإستعمار بالغرب الإفريقي على طمس هوية الإنسان الإفريقي وخاصة في المستعمرات الفرنسية حيث اعتمدت سياسة "الإدماج أو الإستعمارالثقافي " ، انطلقت هذه السياسة من اعتبار فرنسا مهد الحضارة و الفكر المستنبط ظاهريا من مبادئ الثورة الفرنسية، حيث أن الثقافة و اللغة الفرنسية و المستويات الروحية التي أتت بها الثورة الفرنسية وحدها القادرة على تحقيق التقدم و الرقي بالشعوب الإفريقية، هذه الفلسفة اعتمدت ظاهريا لنهب خيرات إفريقيا.

أن أول ما قامت به فرنسا في إطار سياسة الإدماج هو تحطيم الزعامات التقليدية وانتزاع السلطة و النفوذ منها،وعملت على جذب أولئك الذين يتمتعون بسلطان قوي على ممالكهم، كما هو الحال بالنسبة لحكام أقاليم موصي في الفولتا العليا،و إمارات الفولاني،في شمال الكامرون، حيث استوعبتهم فرنسا واعتبرتهم بمثابة رؤساء كبار وذوي مكان رفيع[7] وقد عملت على تدمير كل الدلالات الرمزية والروحية التي كانت تمتلكها، هذا إضافة إلى فرض ثقافة الفرنسيين و تقاليدهم ولغتهم و نظمهم الإجتماعية و السياسية على الإفريقيين وكان القصد هوالقضاء التقاليد المحلية. وقد أدت هذه السياسة إلى خلق تفرقة بين أبناء الشعب الواحد هذه التفرقة مبنية على درجة استيعاب هذه الثقافة، حيث التميز للنخبة التي استطاعت اكتساب الثقافة الفرنسية ومجاراة الفرنسيين في ثقافتهم بينما كان مصير الذي لم يتمكنوا من ذلك الإقصاء و التهميش.[8]

3- الكنيسة وسياسة التَّفريق الإستعماري

قامت سياسة المستعمر بالمستعمرات على مبدإ عنصري أساسه «فرِّقْ تَسُدْ»، ومن توظيفات ذلك قيام الإستعمار وباحثيه وعلماء السُّلالات بالتَّرويج لنظريَّة: (الفرضيَّة الحامية )، أي الأصل الحامي لبعض المجموعات الإفريقيَّة، وبموجبها تمَّ تصنيف المجموعات الإفريقيَّة إلى: "حامية" و"بانْتُوِيَّة"، والادِّعاء بأنَّ المجموعات ذوات الأصول الحاميَّة هي أذكى وأعلى قدراً من ذوات الأصول البانْتُويَّة.تلقَّت الكنيسة هذا الطَّرح، واتَّفق القساوسةُ مع الإدارة الإستعمارية لتطبيق هذه الفرضيَّة بالمجتمع الرُّوانديِّ، فزعموا أنَّ الأقليَّة التُّوتسي (15%)، هي من الأصل الحاميِّ، وأنَّهم «قادة بالأصالة»، وأنَّ لها الأولويَّة في التَّعليم والوظائف الإداريَّة وتقلُّد سدَّة الحكم، وقاموا بوضع مشروعٍ عُرِف بمشروع: «التَّوازن القبلي والإقليمي» في مدارس الإرساليَّات الكاثوليكيَّة، فحدَّدوا نِسَب قبول الأكثريَّة الهوتو (84%) بالمدارس الكَنَسيَّة بـ (4%) فقط.[9]

وكان من النتائج الدموية لهذه التفرقة العنصرية حرب أهلية من أعنف الحروب الأهلية الدموية في القرن الماضي بين الهوتو و التوتسي التي راح ضحيتها في ظرف وجيز أزيد من مليون ضحية أغلبهم من التوتسي سنة1994.

تانيا: النتيجة الحالية: تشتت ديني لغوي و إثني.

أدى تقسيم القارَّة إلى دُوَلٍ منذ مؤتمر برلين (1885م)؛ بحسب مناطق نفوذ المستعمر، إلى نشوء عواصم جديدةٌ وحكومات، كلُّ ذلك دون اعتبارٍ للمجموعات الإثنيَّة التي أريد لها أن تعيش داخل تلك الحدود المصطَنَعة لها وبتعبير لوردْ سَالْسْبوري: «لطالما ظللنا نَقْتَسمُ الجبال والبحار فيما بيننا، دون أن ندري تماماً مواقع تلك الجبال والبحار» [10] .

بطبيعة الحال؛ فإنَّ هذا التَّقسيم العشوائيَّ، الذي لم يأخذ في الاعتبار إلاَّ مصلحة المستعمروحده، قد كان من أهدافه المباشرة تكريس سياسة التَّمزيق والتَّفتيت بالقارة؛ حيث عمدت إلى إجبار مجموعاتٍ إثنيَّة على العيش ضمن إطارٍ جغرافيٍّ محدَّد، دون اكتراثٍ بالماضي التَّاريخيِّ الذي جمع بين تلك القبائل، ويتفاقَمُ الأمرُ حين تشْعُرُ بعض القبائل بأنَّها قد اجتُثَّتْ من مواقعها التَّاريخيَّة إلى مواقع جديدةٍ.

على سبيل المثال؛ فإنَّ مجموعات (ماندينغْ)، التي عاشتْ – من قبلُ - في ظلِّ إمبراطوريَّة مالي القديمة، قد وجدتْ نفسها مشتَّتة عشيَّة تقسيم غرب إفريقيا بين جميع تلك الدُّول تقريباً، وتمَّ كذلك تقسيم بلاد (هَوْسا ) بين نيجيريا والنِّيجر ، ومثل ذلك في حال مجموعات (الطَّوارق) المُفتَّتة بين: ليبيا، والجزائر، ومالي، والنِّيجر، وبوركينافاسو. وكذلك (مملكة كونغو) القديمة التي فُتِّتَت إلى قِسْمَين كبيرَين: كونْغو الدِّيمقراطيَّة، وكونْغو برازفيل.

بالإضافة إلى هذا التَّقسيم العشوائي، وما نتج عنه من تفتيتٍ اجتماعيٍّ ثقافيٍّ للنَّسيج البشري، فإنَّ شكل الدَّولة الإفريقيَّة الحديثة يكشف عن نشازٍ هندسيٍّ وجغرافيٍّ واضح؛ إذ نجد أطراف دَوْلة داخلةً في دولة كنموذج غامْبيا التي تتوسط دولة السينغال. لا شكَّ أنَّ عدم التَّجانُس والتَّوازُن النِّسبيِّ في خريطة الدَّولة الإفريقيَّة يمثِّل وقوداً نشطاً للكثير من الاضطرابات السِّياسيَّة والاجتماعيَّة، وعدم شعور المواطنين بالانتماء الحقيقيِّ إلى الدَّولة التي قيل لهم إنَّهم مواطنون فيها.

إنَّ هذا التَّرسيم المتعسِّف للدَّولة الإفريقيَّة، وتفتيت المجموعة الإثنيَّة الواحدة بين أكثر من دولةٍ، قد أدَّى ببعض تلك المجموعات إلى كونها أقليَّةً في دولةٍ، وأكثريَّة في دولةٍ أخرى، ومن تبعات ذلك تدخُّلُ الأكثريَّة لصالح الأقليَّة في البلد الآخر، وبذلك فإنَّ بعض النِّزاعات الدَّاخليَّة ضيِّقة النِّطاق سرعان ما تأخذ بُعداً إقليميّاً، ويتعذَّر تطويقها (نزاعات البحيرات العظمى مثلاً).

شكل هذا التقسيم و التشتت اللغوي و الديني و العرقي مجالا خصبا تغذت عليه النزاعات العرقية و الحروب الأهلية التي ثم استثمارها من قبل الإستعمار الجديد لاستمرار الهيمنة على خيرات إفريقيا وثرواتها. ونظرا لما تمثله مسألة الهوية الإفريقية من أهمية، أو الشخصية الإفريقية كما اصطلح عليه من قبل الغاني كوامي نيكورما[11] فإنها لم تنحصر في حدود إفريقيا، بل كانت ضمن المتغيرات المأثرة في الثقافة الأمريكية أيضا، بسب القسمات الثقافية التي حملها العبيد المهجرين إليها.

ثالتا: الأمريكان الأفارقة و التشبث بالأصل الهوياتي و الثقافي

اصطحب السود المجلوبون من غرب إفريقيا إلى أمريكا الشمالية والجنوبية والدومنيكان وجزر البحر الكاريبي قيمهم وعاداتهم وتقاليدهم؛ إسلاميةً كانت (كأفراد قبائل المندنكا المسلمة)، أو وثنية (كأفراد قبائل السواحل الغانية ومملكة داهومي)، وشكلت تلك القيم والمعتقدات والأفكار عقول كثير من الأجيال السوداء التي استوطنت فيما بعد في تلك المناطق.لازالت العديد من الممارسات والقيم والمعتقدات على قيد الحياة، رغم تعديلها بمزجها بثقافات أوربية و أخرى هندية.[12]

استمرت التقاليد الأفريقية الأمريكية بعد التحرر من العبودية في الازدهار، كتقاليد مميزة أو ابتكارات جذرية في الموسيقى، والفن، والأدب، والدين، والطبخ، وتسريحات الشعر والرقص وغيرها من المجالات. إعتقد علماء الاجتماع القرن العشرين، مثل غونار ميردال، أن الأمريكيين من أصل أفريقي قد فقدوا أغلب العلاقات الثقافية المرتبطة مع أفريقيا. إلا أن الأبحاث الميدانية الأنثروبولوجية التي كتبها هيرسكوفيتس وغيرهم أظهرت أن هناك سلسلة متصلة من التقاليد الأفريقية بين الأفارقة في الشتات. [13]

1- تأثير التقاليد الشفوية على الأفارقة بأمريكا

يظهر إرث التقاليد الشفوية من أصل إفريقي في أشكال متنوعة. يميل الدعاة الأميركيين الأفارقة إلى القيام بإدلاء الحديث البسيط في الخطبة، ويتم نقل عاطفة موضوع الحديث من خلال لهجة المتحدث، ودرجة ارتفاع الصوت، والإيقاع، والذروة، والتفاعل التنازلي مع الخطبة. وغالبا ما يتم وضع الغناء، والرقص، والآية، والتوقف المؤقت المنظم طوال الخطبة. الدعوة والرد هي عنصر آخر سائد في التقاليد الشفوية من أصل إفريقي. كما أنها تتجلى في العبادة في ما يشار إليه عادة باسم "ركن آمين"، في تناقض مباشر مع التقاليد الحديثة في الثقافات الأمريكية والغربية الأخرى، إذ من غيرالمقبول والمتعارف عليه في رد فعل الجمهور لمقاطعة المتحدث .وهذا النمط من التفاعل هو أيضا يتجلى في الموسيقى، وخاصة في أشكال موسيقى البلوز والجاز. هنالك جانب آخر من التقاليد الشفوية المتمثل في الإطناب المغالى فيه والاستفزازي، وحتى التحريضي في لغة وبيان الأميركيين الأفارقة.تشمل جوانب أخرى من التقاليد الشفوية للأميركيين الأفارقة العشرات، مما هو ذي دلالة، والحديث الهابط، والقافية، والانعكاس الدلالي والتلاعب بالألفاظ، وكثير منها قد وجدت طريقها إلى تعميم الثقافة الشعبية الأميركية وأصبحت ظواهر دولية.

الكلمة الفنية المحكية هي مثال آخر على كيفية تأثير التقاليد الشفوية للأميركيين الأفارقة على الثقافة الشعبية الحديثة. يوظف فنانين الكلمة الفنية المحكية نفس التقنيات التي يوظفها الدعاة الأميركيين الأفارقة بما في ذلك الحركة، والإيقاع، ومشاركة الجمهور وقد شوهدت موسيقى الراب في ثمانينيات القرن الماضي وما بعدها كامتدادا للثقافة الشفوية.

أن ما يبرز وجود هوية إفريقية بأمريكا وجود متاحف للحفاظ على تراث التجربة الأفريقية الأمريكية ولضمان ترجمتها وتفسيرها الصحيح في التاريخ الأمريكي. وغالبا ما توجد المتاحف المتخصصة بالتاريخ الأمريكي الأفريقي في أحياء السود. ولقد اسس العديد من الأمريكيون الأفارقة منذ خمسينيات وستينيات القرن الماضي عددا من المؤسسات مثل المتحف والمكتبة الأمريكية الأفريقية في اوكلاند و المتحف الأفريقي الأمريكي في كليفلاند ومتحف ناتشز للتاريخ والثقافة الأفريقية الأمريكية، وذلك لهدف التعليم والبحث عن التاريخ الثقافي .

رابعا: ظهورقيم جديدة في الوقت الراهن

ظهر إلى جانب الديانات المحلية بفضل الإرساليات التبشيرية في ريف غرب إفريقيا عقيدة ذات نظرة كونية ، هذه العقيدة لم يكن لها وجود عند الأسلاف، ويتناقض مع الطبيعة المحلية المخلصة للعقائد و العبادات المحلية. وقد كان للإعتناق المسيحية في عدد من مجتمعات غرب إفريقيا انتهاكا فاضحا لمحارم المجتمع ككل، فوقع صدام روحي بين الطقوس المحلية لشغل المناصب، و الطقوس المسيحية. هذا الصدام جعل المعتنقين للمسيحية يرفضون مناصب الرئاسة و الألقاب لأنها تضمر طقوسا تتعارض مع دينهم، كما رفض الرؤساء و الزعماء المحليون بدورهم تعديل الطقوس وتكييفها مع الدين الحديث.[14]

ونظرا لأن المسيحية بالنسبة لغالبية الشباب خاصة في نيجيريا وغانا باتت تشكل دين الحضارة و المجتمعات المتقدمة، تسارعت وثيرة التحول الديني واتساع رقعة الدين الجديد خاصة في هذه المناطق، حيث باتو يشكلون الان ثلاتة أرباع فاضطر الرؤساء المحليون قبول طقوس معدلة، بحيث يتم الترشح لشغل المناصب بناء على مكانة اجتماعية كالعرق و الثروة وأوكفاءات تعليمية. لهذا نجد مراسم التنصيب عند شعب اليوربا[15] تعقبها صلاة شكر الكنائس و المساجد.[16]

و بالإضافة إلى المسيحيين هناك مسلمين في اليوربا، لكن الإسلام هنا يعد بمثابة عقيدة شخصية، وليست قانونا حلت محل القانون العرفي في يوربا، ماعدا ما يتعلق بأمور الزواج و حيازة الأرض. ومقارنة بالمسيحيين فإن المسلمين هم أكثر معارضة من المسيحيين للمشاركة في الطقوس و الشعائر التقليدية أو في الإتحادات السرية.[17]

1- لغات هجينة

"اللغات الإفريقية تتجاوز الألف لغة لكن الوجود الإستعماري ادى إلى إقصاء بعضها، و اندثار بعضها فيما ثم تهجين ماتبقى، ومن اللغات الهجينة لغة «اللينگالا» التي هي نمط هجين للغة «الزولو» ممزوجة بالإنكليزية و«الإفريكانية»،. فالإنكليزية الهجينة تستعمل في الكاميرون وغربي إفريقيا، ولغة «كريو»، وهي نمط من الإنكليزية الهجينة، تستعمل في فريتاونفي سيراليون. وهناك أنماط مختلفة للبرتغالية الهجينة تنتشر في جزر الرأس الأخضر وغينيا البرتغالية، كما تستعمل اللغة «الإفريكانية»، وهي لهجة هولندية مبسطة، في جنوب إفريقيا."

1- السحر متغير ثقافي واصل استمراره

كان السحر شائعا بالمجتمعات التقليدية لكن مع الإستعمار ودخول المكننة تبين ان الإنسان يمتلك مهارة فائقة في تقديم خصوبة الثربة، فزعزع هذا الموروث نسبيا دون اختفائه، إذ لا زال أكثر أبناء الغرب الإفريقي تعلما يؤمنون بالقوى الخارقة بالرغم من انهم ينشدون سبلا جديدة لمواكبة العالم الحديث، فنجد ان الطالب يشري تعاويذه ولكنه يواصل الدراسة طوال اليوم لتيسير الجهد و تحقيق النجاح. ومنهم من يعزي فشله إلى إهمال الهته التقليدين، وإغفالهم تقديم القرابين أو انتهاكهم للمقدسات وثمة من يعزي زيادة الإنحلال الخلقي للأنتشار المسيحية.[18]

ومن اثار الإستعمار كذلك هو تخلي الناس عن مجموعة من الأساليب التقليدية التي كانت متبعة واستبدالها بالسحر وأحد أهم هذه الأساليب في جنوب غانا ودلتا النيجر هي: حمل جثت على تقالة و التجول بها في الطرقات وسوف يوجه الميت حاملوه نحو بيت الشخص الذي قتله. ولم يعد كثير من الناس يلتجؤون إلى أنواع كثيرة من القسم بسب الخوف، وهو ما كانت تلجأ إليه المحاكم العرفية في مطلع القرن ثم حظرته الحكومات الإستعمارية، حيث كانت الأطراف المتنازعة يدعون للمثول أمام الإله المحلي ليقسموا على صدق دعواتهم، إذ يقتضي الإعتقاد السائد وقت ذاك بأن الكاذب سيقع ميتا في الحال. كما منعت الحكومات المحاكمات الإستعمارية المحاكمات عن طريق الإبتلاء حيث يتعين على المتخاصمين أن يتناولوا جرعات سامة من نبات الساس، وهنا كان يلقى المذنب حتفه وينجو البريء الذي يتقيأ السم كما يعتقدون. [19]                                                                                                        

خلاصة عامة

تداخلت مجموعة من المتغيرات التي لا يمكنها ان تنفصل عن ماهو ديني و روحي نظرا لأهميتها بالنسبة للمستعمر، إذ عملت على توظيفها لبلوغ غايات استعمارية معلومة. فكانت المتغيرات الهوياتية المتعلقة باللغة و العرق بالإضافة إلى الدين إحدى أهم الركائز الأساسية التي استثمرها الإستعمارلنهب خيرات الغرب الإفريقي ومعه كل إفريقيا، مخلفا نذوبا وجروحا لازالت إفريقيا تعاني ويلاتها إلى يومنا هذا، ولعل ما نسمعه اليوم من نزاعات عرقية وحروب أهلية بالإضافة إلى الإنقلابات العسكرية، هي من مخلفات الحقبة الأستعمارية، إذ أبى الإستعمار أن يغادر القارة السمراء قبل أن تنعش برك التطاحن، وتهيئ الأرضية الخصبة لمزيد من نهب خيرات إفريقيا في إطار مابات يعرف بالإستعمار الجديد.

 

بقلم: ربيعة الهواري.

باحثة في علم الإجتماع

.......................

[1] - مرسوم 1455 البابوي اعتبر غير النصارى كفارا.

[2] -د شوقي الجمل و دعبد الرزاق إبراهيم " دراسات في تاريخ غرب إفريقيا الحديث و المعاصر" ص:38 صدرت الطبعة بالقاهرة سنة 1998.

[3] - بيتر.س. لويد، الأنثروبولوجي الإنجليزي المختص في الدراسات الاجتماعية الأنثروبولجية عن أفريقيا ومؤسس قسم الاجتماع بجامعة ابيدان بنيجيريا:"إفريقيا في عصر التحولات الإجتماعية" ترجمة: شوقي جلال، إصدار: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، سلسلة عالم المعرفة، العدد رقم 28، سنة 1980م.ص:84

[4] - عبد العزيز الكحلوت" التنصير و الإستعمار في إفريقيا السوداء" منشورات كلية الدعوة الإسلامية بطرابلس الطبعة الثانية لسنة 1992

-نفس المرجع السابق[5]

[6] - دادم بامبا، صراع الهوية في إفريقيا التأرجح بين القبيلة و الدولة، بتاريخ 22/08/2016 بموقع http://www.qiraatafrican.com

[7] - بيتر.س. لويد، الأنثروبولوجي الإنجليزي المختص في الدراسات الاجتماعية الأنثروبولجية عن أفريقيا ومؤسس قسم الاجتماع بجامعة ابيدان بنيجيريا:"إفريقيا في عصر التحولات الإجتماعية" ترجمة: شوقي جلال، إصدار: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، سلسلة عالم المعرفة، العدد رقم 28، سنة 1980م.ص:71

[8] -د شوقي الجمل و دعبد الرزاق إبراهيم " دراسات في تاريخ غرب إفريقيا الحديث و المعاصر" ص:98 صدرت الطبعة بالقاهرة سنة 1998.

[9] - دادم بامبا، صراع الهوية في إفريقيا التأرجح بين القبيلة و الدولة، بتاريخ 22/08/2016 بموقع http://www.qiraatafrican.com

[10] - نفس المرجع السابق.

[11] - كوامي نكروما "21 سبتمبر 1909 - 27 أبريل 1972"من المناضلين الأفارقة الأوائل ضد الاستعمار، وكان أول رئيس لغانا المستقلة (1 يوليو 1960 - 24 فبراير 1966) ورئيس الوزراء الأول (6 مارس 1957 - 1 يوليو 1960)، وأبرز دعاة الوحدة الأفريقية وواحدا من مؤسسي منظمة الوحدة الإفريقية قبل إسدال الستار عنها في يوليو 2002.

[12] -عاصم محمد حسن محمد، الديانات التقليدية في غرب إفريقيا: مدخل دراسي نشر بتاريخ 10/05/2016 بموقع http://www.qiraatafrican.com

[13] - الثقافة الإفريقية الأمريكية ar.wikipedia.org/wiki.

[14] -بيتر.س. لويد، الأنثروبولوجي الإنجليزي المختص في الدراسات الاجتماعية الأنثروبولجية عن أفريقيا ومؤسس قسم الاجتماع بجامعة ابيدان بنيجيريا:"إفريقيا في عصر التحولات الإجتماعية" ترجمة: شوقي جلال، إصدار: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، سلسلة عالم المعرفة، العدد رقم 28، سنة 1980م ص:110

[15] -اليوروبا (بالإنجليزية: Yoruba) هي أكبر المجموعات العرقية في نيجيريا، ويمثلون 26 % من سكانها. يوجد حوالي 30 مليون يوروبي في غرب أفريقيا، غالبيتهم يعيشون في نيجيريا، والبقية متوزعون في بنين، وتوغو، وسيراليون، وكوبا، والبرازيل. في نيجيريا، يتواجد اليوروبيون غالبًا في ولاية إكيتي، وولاية كوارة، وولاية لاغوس، وولاية أوغون،وولاية أوشون، وولاية أوندو، وولاية كوجي، وولاية إدو، وولاية أويو.دين أغلب اليوروبيين الإسلام، و الباقي منهم المسيحية، وأوريشا.

[16] - بيتر.س. لويد، الأنثروبولوجي الإنجليزي المختص في الدراسات الاجتماعية الأنثروبولجية عن أفريقيا ومؤسس قسم الاجتماع بجامعة ابيدان بنيجيريا:"إفريقيا في عصر التحولات الإجتماعية" ترجمة: شوقي جلال، إصدار: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب- الكويت، سلسلة عالم المعرفة، العدد رقم 28، سنة 1980م ص:110

[17] -نفس المرجع السابق

[18] -نفس المرجع السابق.

[19] - نفس المرجع السابق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4270 المصادف: 2018-05-15 13:04:29