المثقف - قضايا

الوهّابية بين الأصولية والحداثة

علجية عيش(سلفيات الجزائر من التبديع إلى التكفير)

الأصوليون هم جماعة لهم قناعات دينية مطلقة، ونظموا أنفسهم في حركات اجتماعية، ويتعاملون مع قضايا معينة لها أهميتها بالنسبة لهم، ويسعون إلى إخضاع الحياة الخاصة والعامة لإملاءات قناعتهم الدينية، وتشكل "الحداثة" بالنسبة لهم المشكلة الأساسية التي وجب محاربتها، وقد ذهب مفكرون في اتجاهات مختلفة لتحديد مفهوم الأصولية وما جاءت به الكتب المقدسة، غير أن الأغلبية تجمع على أن الأصوليون جماعات مغلقة، تريد أن تفرض مفاهيم مطلقة على الرأي العام، وقد تستخدم العنف لتحقيق غرضها، وهو الترويج لمرشح رئاسة ديني

يتميز الأصوليون بآراء جامدة، ويقدم الباحثون أحسن مثال على حركتين دينيتين هما الحركة الخمسينية في أمريكا، والإسلام الوهابي، الذي يرى أنه لا يجب انتظار قدوم المهدي، في الوقت الذي كان وهابيون متحمسون احتلوا الحرم المكي عام 1979 وأعلن أحدهم ليكون ببساطة المهدي، فالأصولية حسب المحللين تتخصص في تصعيد الصراعات من خلال التسويق لها أنها صراعات "هوية"، فيما يذهب البعض إلى الحديث عن "الإسلاموية" وانقسم المحللون إلى فرق، ففيما يذهب الفريق الأول إلى القول أن "مصر" الدولة الأولى التي نشأ فيها التيار الإسلاموي عن طريق أبو الأعلى المودودي الذي أسس الجماعة الإسلامية، وهي تعتبر واحدة من أكبر منظمات الإسلام السياسي، وذلك بهدف إعادة إحياء الإسلام بهدف تحقيق سيادة الشعوب، ورغم محاولات الأفغاني ومحمد عبده إلى أنها باءت بالفشل وعجزت عن مواجهة العلماء التراثيين الذين قاموا بتعطيل الإصلاح الإسلامي، كما فشلت أمام النخب العلمانية التي عملت على تعظيم التكنوقراطية، وظلت حركتهما عبارة عن حركة ثقافية، كما فشل الإخوان المسلمون بقيادة حسن البنا في تحقيق الإشتراكية الإسلامية، والإصلاح الإسلامي رغم أنها تعد أكبر منظمة أم للإسلام السياسي.

أما الفريق الثاني يرى أن الأمر يختلف عند " الوهابية " التي تمثل ثالث حركة نبعت منها الأصولية الحديثة، والوهابية ترجع إلى محمد بن عبد الوهاب، الذي عمل على القضاء على ايّ فهم آخر للإسلام، وقد حددت الوهابية لنفسها عدوا قريبا وسجلت عزمها على محاربته من خلال أعمال عسكرية ضد العثمانيين والشيعة، في ذلك الوقت عقد محمد بن عبد الوهاب اتفاقا مع محمد بن سعود، حسب الكتابات كان الاتفاق أن يقوم سعود بالجهاد ويصبح مقابل ذلك قائدا للمسلمين، على أن يكون محمد بن عبد الوهاب المسؤول عن شؤونهم الدينية، والوهابية اليوم هي مذهب الدولة في المملكة العربية السعودية وتعمل من خلال شرطة دينية، حيث تدعو الى اتباع تعاليم القرآن والسنة بصورة ضيقة جدا، ولا تفتح مجالا لي حوار (ثقافي، ديني، سياسي)، أي أنها تمارس ثقافة الإنغلاق، و تعمل على عزل المسلمين عن العالم الخارجي مع الالتزام بزيّ موحد (شوارب مقصوصة ولحي مطلقة وجلاليب تصل إلى الكاحل، تقول التقارير أن الوهابية استفادت من أموال السعوديين ومن تأسيس رابطة العالم الإسلامي عام 1962، وسعت للسيطرة والتأثير على الحركات الإسلامية والجماعات في باكستان وحماس والجهاد الإسلامي وصولا إلى القاعدة، باستخدام إحدى الوسائل الخاصة بالحداثة فيما يسمى بالتحويل اليوتوبي الثوري.

فمن هو محمد عبد الوهاب؟ وهل هو طاغية كما قيل عنه؟

هو من مواليد 1111 هجرية وتوفي سنة 1207، وكان يتردد على مكة والمدينة المنورة، وأخذ العلم من علماء الشافعية (سليمان الكردي) وعلماء الحنفية (محمد حياة السندي)، وكانا يحذران الناس من دسائسه وكذا أخوه الشيخ سليمان بن عبد الوهاب، وكان يضمر في نفسه النبوة إلا أنه لم يتمكن من إظهارها، هي حقائق مثيرة كشفها الشيخ عبد القادر الاسكندراني الذي وصفه بالطاغية، وهذا في كتاب له من الحجم الصغير تحت عنوان: "النفحة الزكية في الرد على شبه الفرقة الوهابية" عن المكتبة الفلسفية الصوفية، وحسبما جاء في مخطوطة الإسكندراني، فقد كان شيخ الوهابية يكفر كل من لا يتبعه وإن كان من أتقى الناس، وكان يبيح دمهم، كما أن محمد بن عبد الوهاب ابتدع دينا جديدا وصنف رسالة سماها " كشف الشبهات" وقدمها لإبن مسعود وكفر فيها جميع المسلمين، وقد أعانه ابن مسعود على ضلاله لدرج وان بن عبد الوهاب كان بامر بحلق رؤوس النساء، يذكر الإسكندراني في كتابه السالف الذكر أن العقيدة الوهابية شملت عشرة أشياء، أهمها تقديم النقل على العقل، إنكار الإجماع، عدم تقليد المجتهدين، وغيرها، وبداية من 1979 احتل وهابيون متطرفون المسجد الحرام في مكة، وقامت الحكومة السعودية بتحريره، في هذه الفترة ظهر ابن لادن، وقد استفاد هذا الأخير من مساعدات عسكرية قدمتها له الولايات المتحدة الأمريكية ، فأمريكا إذن هي من وضع أسس تنظيم القاعدة، وقد دخل بن لادن في صراعات مع الحكام السعوديين واضطر إلى الخروج إلى السودان الإسلامية، إلا أنه وبالرغم من مساعدة أمريكا له وقف ضدها عندما احتل الأمريكان بلد الحرمين الشريفين.

كما برز في الساحة العربية اسم الظواهري كقائد لحركة الجهاد المصرية وكواحد من قيادات القاعدة، من الكتب التي أصدرها الظواهري كتاب تحت عنوان: " فرسان تحت راية النبيّ" سنة 2001، ساهمت هذه الصراعات والانقسامات بين الحركات الإسلامية في تدمير وحدة الأمة، خاصة وأن إسرائيل كما تقول التقارير أصبحت موجودة بصورة دائمة في فلسطين منذ 1948، وهي تتوسع يوما بعد يوم في ظل قانون العودة الإسرائيلي، في وقت ظل الفكر الوهابي جامدا فكريا ولم ينزع عنه عباءته القديمة، فما تزال السلفية الحالية المنحدرة من التراث الوهابي تدّعي محاولة إحياء العصر الذهبي للنبيّ والخلفاء الراشدين، إلا أنها انقسمت بدورها إلى جناحين، المحافظ مرتبط بالعائلة المالكة في السعودية والجناح الثوري، له تأثير دولي بعدما أعلن الحرب المقدسة على قوى الإلحاد والغطرسة التي تقوم بحملة صليبية ضد الأمة، ما دفع بالظواهري إلى إعادة إحياء نظرية "الولاء والبراء" وهي نظرية ترجع جذورها إلى التراث الوهّابي، تم تطويرها في القرن التاسع عشر إثر الصراع مع العثمانيين، بحيث يتم التبرؤ من الكفار ليس لغير المسلمين فحسب، بل حتى المسلمين الذين في نظر الوهابية كفار، وكل من يتعامل مع الكفار من غير المسلمين و بشكل متطرف.

مساعي الوهابية في "وهبنة" التراث السنّي

كانت النتيجة خروج فرق إسلامية جديدة من سقف السلفية، وتشكيل سلفيات تختلف كلية عن السلفية الأم التي تعتبر المنبع، لقد حاولت الوهابية منذ نشأتها "وهبنة" التراث السنّي بطريقة لا تستجيب للتطورات الإجتماعية والسياسية، بحيث تبنت الفكر التكفيري، عكس ما جاء في متن العقيدة الطحاوية، التي تدعوا إلى عدم تكفير أحد من أهل القِبلة (بكسر القاف)، وتؤكد التقارير ان السلفية اليوم تعيش صراعات وهي فر حرب فتاوى وأحكام على منابر إعلامية ومواقع إلكترونية، كمسألة التعاون مع السلطة والجهاد ومن تجاهد، كذلك موقفها من قضايا الإرجاء والتكفير، وقضية الإستعانة بالكفار، وهو ما ذهبت إليه "الجامية"، وهي حركة تنسب إلى الشيخ محمد أمان الجامي، فكانت النتيجة أن انقسم الإسلام في دار الإسلام إلى إسلام سني وإسلام شيعي، الذي يقوم على الطقس وليس المعتقد، يقوم فيها الشيعة بنوع من المحاكاة الفردية لمقتل الحسين في موقعة كربلاء، كانت حربا مسلحة بين صدام حسين وإيران بعدما زودته أمريكا بالأسلحة، ونهتنا يلاحظ أن الولايات المتحدة دائما تكون طرفا في النزاعات العربية الإسلامية، رغم الحصار الذي يلقاه الشيعة والعدائية ضد أنصار الحسين ابن علي سلام الله عليه، ما زال الشيعة يعيشون على أمل عودة الإمام محمد المهدي لينتقم لهزيمة كربلاء ويشيد مملكة العدل.

لقد تطرق العديد من الباحثين في كتاباتهم حول الحركات الإسلامية ومنهم الدكتور بومدين بوزيد إلى أن السلفية الوهابية كانت في الأصل اجتهادا نهضويا عربيا وإسلاميا في الحجاز والجزيرة العربية، ثم انتهت عندنا اليوم إلى تكفير وسفك للدماء، وتحولت إلى سلفيات تنويعية، ومها السلفية الجهادية التي لها اتباع كثر اليوم في الجزائر، وحتى السلفيات الوهابية المسماة علمية في الجزائر قد تقول بالجهاد مستقبلا مادامت تقول اليوم بالتكفير والتبديع للمجتمع الجزائري، لقد كانت السلفية الجهادية التطور الفكري الجديد الحاصل في تاريخ الإيديولوجية التكفيرية المعاصرة، بفضل الوهابية الجديدة التي تجسدت عسكريا في القاعدة وخلاياها عبر العالم، لأنها مشحونة ضمن ثنائية للعالم " كفر/إيمان"، وبالتالي فهي تعلن الجهاد على الكل.

 

علجية عيش ( للمقال مراجع)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4328 المصادف: 2018-07-12 02:04:10