المثقف - قضايا

التوتاليتارية والاستبداد في العراق (13)

ميثم الجنابيالمحور الرابع: الأسس الاجتماعية والسياسية للظاهرة الصدامية (2)

• تكشف القراءة الفاحصة للتاريخ الاجتماعي والسياسي العراقي عن أخفاق النخبة العراقية السياسية منذ أربعينيات القرن العشرين في طرح برنامج إصلاحي. بعدها ساد الخمول الفكري إزاء مشكلات ضخمة كانت التوتاليتارية الصدامية إحدى ثمراتها. ما هو السبب في عدم وجود تصورات فكرية متماسكة لمعالجة الظواهر الكبرى في المجتمع العراقي مثل النخبة والثقافة والإصلاح والتقاليد الإصلاحية؟

إن السبب الجوهري القائم وراء انعدام أو ضعف التصورات الفكرية المتجانسة في رؤيتها لإشكاليات الواقع العراقي ووضع الحلول لها يقوم أولا وقبل كل شيء في غياب مرجعيات نظرية ومنظومات فلسفية متراكمة في مجرى تأمل التجارب الذاتية للمجتمع والأمة والدولة. بعبارة أخرى، إن سبب الخلل يقوم ليس في غياب تصورات ونظريات فكرية. فالعالم العربي والعراق يعج بها في مجرى القرنين الأخيرين. إلا أنها نظريات تعكس أولا وقبل كل شيء تجارب الأمم الأوربية. ومن ثم فإن رؤيتها وحلولها تراكمت في مجرى معاناة الأمم الأوربية حل إشكاليات وجودها التاريخي. من هنا تجانسها في الرؤية والحلول وتغلغلها في نسيج الوعي الاجتماعي والثقافي الأوربي العام. أما في العالم العربي (العراق أيضا) فإن الانقطاع التاريخي الذي حدث بعد الحرب العالمية الأولى وسيادة الفكرة السياسية بشكل عام والراديكالية بشكل خاص قد أدى إلى إحداث احد النماذج الحادة للقطيعة مع النفس والتاريخ. مع ما ترتب عليه من جهل بالتاريخ الذاتي وفقدان وعي الذات القومي الثقافي.

فقد أدى هذا الانقطاع أو التحول الراديكالي في الوعي النظري والمزاج العملي إلى تغليب مرجعيات الرؤية الأوربية عند النخب الجديدة. وإذا كانت أربعينيات القرن العشرين قد بدأت تكشف عن هذه الحالة، فلأن ثلاثة عقود من الزمن التي سبقتها قد كانت تعيش على بقايا مرحلة عصر النهضة والإصلاح. وهي تيارات وشخصيات كانت تتعامل مع التراث الأوربي بمعايير الرؤية الحضارية وليس السياسية. بينما انقلب الأمر رأسا على عقب بعد الحرب العالمية الأولى وتقسم العالم العربي واحتلاله المباشر وغير المباشر عبر "الانتداب". لقد أدى ذلك إلى دوران العالم العربي (العراق) ضمن فلك التاريخ البريطاني والأوربي. من هنا التقاء "اليسار" و"اليمين" في موجة الاغتراب المتزايد عن أصول الرؤية التاريخية الثقافية الذاتية. والانهماك المتزايد في تلقي وأخذ فتات الأفكار المسطحة، والمباراة في إبراز حسناتها ونموذجيتها مع كل اكتشاف سريع ومباغت للنظريات الأوربية. من هنا افتخار هذه النخب الطارئة بكل ما تعثر عليه. بمعنى افتخارها بكل ما تعثر عليه بوصفه "اكتشافا". من هنا اعتزازهم بكل ما يجري العثور عليه وتقديمه على انه "آخر الاكتشافات" و"آخر الحقائق". ومن هنا أيضا تساويهم في نفسية وذهنية الإتباع واختلافهم في "اختيار" التقليد للمدارس والتيارات المتنوعة. من هنا تباهي كل واحد منهم بتيار أو مدرسة الفابية والدارونية والوضعية والفرويدية والوجودية والماركسية وعشرات المدارس الأخرى العامة والفرعية. بمعنى انك تستطيع العثور على متحمسين ومتنافسين في إبراز وإعلان التبعية التامة والإخلاص لها. من هنا اختلاف ودموية "الماركسي" عن "الماركسي – اللينيني"، وهذا بدوره عن "الستاليني" و"التروتسكي" و"الماوي" وغيرها.

باختصار إننا نقف أمام حالة أشبه بحالة القرود المتبجحة في كشف عوراتها في المعابد الهندية المهجورة! فكل منهم يتبجح بعرض اكتشافاته "المذهلة"، أي عورات تقليديته الفجة. ومن الممكن رؤية ملامح هذه الحالة لحد الآن فيما يسمى بالاتجاهات الداعية "للتحرر" من "أيديولوجيات" الماضي والانخراط في أنواعها الجديدة من بنيوية وحداثية وما بعد حداثية وتفكيكية وما شابه ذلك. أما في الواقع فإنها جميعا مجرد صيغ مختلفة لنزوع أيديولوجي يمتثل لباطن الاغتراب والتقليد.

فالفكرة الأوربية الفلسفية حالما تصبح "فلسفة" في العالم العربي أو العراق فإنها تكف عن أن تكون فلسفة. إنها يمكن أن تكون جزء من نمو الرؤية المنهجية ولكن فقط في حال تفاعلها ضمن إطار نمو وتكامل وعي الذات الفلسفي القومي. وهو ما لم يحدث لحد الآن في العالم العربي. ولنأخذ مثال التفكيكية. فمن الناحية المجردة تبدو كما لو أنها خارج نطاق وتقاليد الأيديولوجيات التقليدية. رغم أن ذلك لا يحررها أو يخلصها من إنتاج قواعد للرؤية في الوعي الاجتماعي قادرة على تصنيع كليشات جديدة وأحكام نمطية. غير أن جوهر القضية ليس هنا، بل في طبيعة تحولها إلى أيديولوجية مقلوبة حالما تصبح جزء من رؤية المثقف في التعامل مع نصوص التراث القومي (العربي والإسلامي). وذلك لأن الانهماك بها هو تفعيل لهدم إمكانية نمو الفكر المنظومي ومنظومات الفكر المحتملة. فإذا كانت التفكيكية في العالم الأوربي وفرنسا بشكل خاص هي جزء عضوي وتلقائي في نمو فكرة الحرية والنظام، بعد أن استطاعت الأمم الأوربية انجاز منظوماتها الخاصة في بناء الدولة والأمة والثقافة و"تشبعها" بفكرة النظام، أصبح تفكيك هذه "المنظومات" جزء من إعادة بناءها الحر، أي جزء من نمو منظومة الحرية في الوعي والسلوك والمواقف. أما في العالم العربي والعراق بشكل خاص، فإن كل شيء فيه مفكك: الدولة والأمة والمجتمع والفرد والثقافة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية والطرق ومجاري المياه وعوالم الشخصية، باختصار كل شيء! إنه مشتت في رؤيته الخاصة وبنية وعيه الثقافي. كما أنه لم يتعلم ولم يتكامل في أي مجال أو ميدان أو مستوى من مجالات وميادين ومستويات الحياة والمعرفة. من هنا فإن توجيه ذهنه صوب تعميق وتأسيس "التحرر" من ثقل نصوص الماضي قبل أن يتعلم الحرية الفعلية في ابسط مظاهرها، هو من حيث الجوهر خروج على منطق وغاية الفكرة التفكيكية. بمعنى انه لا يعمل على تعميق بنية الثقافة الحرة.

فالثقافة منظومة وبنية تاريخية. والمقصود بالتفكيك هو إعادة تأسيسها وتعميقها وليس بالعكس. وهو المقصود من كلامي بأن الفلسفة الأوربية حالما تصبح جزء من التقليد، فإنها تؤدي بالضرورة إلى أيديولوجية رعناء أو صماء. والنتيجة واحدة في كلتا الحالتين! طبعا ليس المقصود من وراء ذلك إبراز قيمة التفكيكية. وذلك لأنها تبقى في نهاية المطاف جزء من التجربة الأوربية وذهنية النقد المعرفي من جهة، وطابعها الجزئي من جهة أخرى. إن المقصود بذلك هو أن هذه التقاليد الخربة والنزعة التقليدية قد أدت إلى تخدير وتخريب النخبة. أو بالأحرى إننا نقف أمام نخبة ونخب سقيمة رغم مظاهرها الأنيقة الظاهرية. الأمر الذي يجعل من هذه الظاهرة سريالية بلا واقع ينتجها أو تتمثل ما فيه! وهذا من غرائب الأمور! غير أن الانحطاط لا يعرف ولا يفقه ولا يتحسس الغرائب لأنه غربة غريبة! أي كل ما نعثر عليه في ظاهرة صعود التوتاليتارية البعثية والظاهرة الصدامية. بل و"تمجيدها" من جانب "النخبة الثقافية" والانغماس في ملذاتها الزهيدة!

طبعا أن لهذه الظاهرة المتعلقة بالنخبة الثقافية وإشكالاتها وعلاقتها بصعود التوتاليتارية مقدمات خاصة بها ما قبل نشوء الدولة العراقية الحديثة، واستمرارها النسبي في المرحلة الملكية وتفجرها المريع بعد انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958. وفي مجرى هذا التاريخ المحزن والدموي والمأساوي تتحمل النخبة الثقافية وزرها الكبير. رغم أنها لحد ما ضحية الانحراف التاريخي والانقطاع الراديكالي الذي جرت الإشارة إليه أعلاه.

غير أن المسألة تختلف بالنسبة للنخبة السياسية. فقد كانت هي وما تزال من حيث الجوهر صانعة الخراب الفعلي للعراق. وهذا بدوره لم يكن معزولا عن خراب النخبة العامة والفكرية منها بشكل خاص. فقد كان من الصعب عليها آنذاك التبلور في فئة خاصة ومتميزة وفاعلة ومستقلة، بسبب المقدمات التي جرت الإشارة إليها. لكنها كانت مع ذلك تتراكم في مجرى تراكم بنية الدولة ومؤسساتها. غير أن الانقطاع التاريخي الذي قامت به الراديكالية السياسية قد جعل من تاريخها مجرد عقدين من الزمن، أي منذ عشرينيات القرن العشرين حتى الأربعينيات. وليس مصادفة أن تغيب فكرة الإصلاح والفكر الإصلاحي بشكل عام منذ أربعينيات القرن العشرين. فانتشار الفكرة الراديكالية وهيمنتها القاهرة على الوعي الاجتماعي واحتمائها بهوس "الجماهير الشعبية" قد اقفل من حيث الجوهر إمكانية الفكر الحر والإبداع المستقل. الأمر الذي جعل من الفكرة الإصلاحية مقارنة بفكرة الثورة والانقلاب مضحكة ومثيرة للريب والشكوك! وذلك لأن الفكرة الراديكالية تؤمن وتريد وترغب بأمور وشعارات "واضحة" و"جلية" و"بسيطة" و"مفهومة". بل إنها تحتقر "التعقيد" و"الصعوبة". فهي تريد وترغب وتخضع فقط للأمور البينة والحسية الفجة، أي لكل ما يستثير خمولها الذهني. من هنا ولعها بالتقليد والاندفاع العارم وراء الصيغة البيانية المغرية للحس البليد.

إن الخمول الذهني وليس الفكري كان النتيجة المترتبة عل صعود الأيديولوجية السياسية الراديكالية. وفي الواقع ليس هناك شيئا اشد تخريبا للعقل والضمير ومنتجا لعمى البصر والبصيرة أكثر من الأيديولوجية الراديكالية السياسية. أما صعود التوتاليتارية فقد كان الثمرة المرّة لهذا الانقطاع الراديكالي في تاريخ الفكر والمجتمع والدولة والثقافة السياسية، أي كل ما أدى إلى ما ادعوه بالخروج التاريخي على التاريخ. مع ما ترتب عليه من إضعاف مستمر للنخب العامة والخاصة وتلاشيها الفعلي في ظل السيطرة الصدامية. وفي ظل هكذا واقع يصبح من الصعب صيرورة الفكرة الإصلاحية، كما أن من المستحيل توقع ظهور منظومات فكرية متماسكة.

• التوتاليتارية مشكل سياسي – معرفي ذو أهمية كبرى على صعيد العلم السياسي، وذلك لانعدام أو صعوبة تعميمها بتعريف كما يقال جامع مانع. وليس ذلك معزولا بدوره عن كونها نتاج سياق اجتماعي تاريخي متباين ومرجعات أيديولوجية مختلفة. ما هي الخصائص التي تميز التوتاليتارية العراقية (الصدامية)؟

إن التوتاليتارية عموما نتاج خاص للمسار التاريخي المأزوم للأمم. إنها تعبير وتجسيد ومحاولة الخروج من أزمة بنيوية كبرى تمس الدولة والأمة والثقافة. لكنه خروج محكوم ومؤسس بمعايير الرؤية الراديكالية. من هنا تمثل التوتاليتارية احد النماذج القاسية والمدمرة للانقطاع الراديكالي في تاريخ الأمم والثقافة. وفي هذا تكمن إشكالاتها. فهي نتيجة أزمة بنيوية ومنظومية كبرى ومحاولة للخروج منها ولكن بمعايير الرؤية الأيديولوجية الصرف، أي الطوباوية. من هنا تناقضها الذي عادة ما يجد انعكاسه في صراعها العنيف الدائم من اجل تذليل "المأزق التاريخي" للدولة والأمة ولكن عبر إعادة إنتاجه الدائم. فهي تسعى إلى الوحدانية من خلال تحويلها إلى واحدية شاملة لوجود كل شيء. وبالمقابل لا تنتج غير تفرقة الأشياء كلها. بمعنى أن سعيها للوحدة عادة ما ينتج التجزئة الشاملة. وفي هذا تكمن إحدى المفارقات الكبرى للتوتاليتارية بشكل عام والبعثية الصدامية بشكل خاص.

وفيما لو جرى اختصار مضمون السياق التاريخي والاجتماعي للتوتاليتارية في العراق، فمن الممكن القول، بأن خصوصية الظاهرة التوتاليتارية الصدامية تقوم في تجسيدها التام لتجريد وجود الأشياء والناس والأفعال من تاريخهم الذاتي، مع ما يترتب عليه من تصنيع زمن بلا تاريخ. من هنا اندثارها الخاطف وبقاياها الخربة في كل مكان. وتشير هذه النتيجة في الإطار العام إلى افتقار هذه التوتاليتارية إلى جذور طبيعية لها في العراق، وأنها مجرد ظاهرة عرضية ومرضية تمثلت العناصر الرخوية المميزة للهامشية الاجتماعية والسياسية في عراق القرن العشرين. كما أنها حالة فريدة من نوعها في تاريخ التوتاليتاريات الحديثة. بحيث يمكننا القول بأنها كانت أتعس وأرذل أنواع التوتاليتارية، رغم أن التقييم لا يحتوي بذاته على معنى المفاضلة!

فالتوتاليتارية البعثية الصدامية نموذج من نماذج التوتاليتارية عموماً. أما خصوصيتها فتقوم فيما أشرت إليه أعلاه، أي في طبيعة تراكمها وتمثلها للعناصر الرخوية المميزة للهامشية الاجتماعية والسياسية في عراق القرن العشرين.

فإذا كانت التوتاليتارية ترتبط أساسا بفقدان الحدود العقلانية في العلم والعمل، وفقدان الاعتدال العقلي – الأخلاقي، وخلل التوازن الداخلي، الذي عادة ما يجد انعكاسه في سيادة الغلوّ والتطرف العملي، فإن خصوصيتها في البعثية الصدامية تقوم في تمثلها وتجسيدها "الحرفي" لهذه العناصر الرذيلة. فقد كانت في ممارساتها تجسيدا لفقدان الحدود العقلانية في العلم والعمل، وفقدان الاعتدال العقلي – الأخلاقي، وخلل التوازن الداخلي. أما النتيجة فهي "تنظيم" دكتاتورية بلا حدود ولا قيود، "نظامها" الوحيد هو تقنين العنف والإرهاب. بحيث جعلت "مشروعها" لبناء العراق عقدا أبديا لا علاقة له بالتاريخ والمجتمع، وتطاولت إلى درجة لم تسمح بأي قدر من البدائل، بما في ذلك من جانب "الحزب" الذي تمثله. وأكملت ذلك بيقينها القاطع لأية احتمالات من جانب الفرد والجماعة والمنطقة والطائفة والحزب والقومية، باختصار أنها وجدت في كل "احتمال" مهما صغر، جريمة ومؤامرة وتخريبا للحق والحقيقة. مما جعلها تمارس أقسى أنواع القهر والإكراه. وأعطت لكل أفعالها المنافية للقانون والأعراف والأخلاق والحق والحقيقة صفة "الإرادة الثورية". بحيث افقدها ذلك تدريجيا من كل رادع عقلي وأخلاقي، ودفعها في نهاية المطاف إلى أن تلتهم نفسها بنفسها بعد إفراغ مستمر للمجتمع من كل قواه الحية.

ويقف العراق الآن أمام هذه الحالة. وهذا أيضا من خصائصها المميزة! بمعنى إنها مازالت تحكم العراق من خلال بعث سمومها في نسيج البنية المتخلفة التي صنعتها، أي "إجبار" الجميع على العيش بمعايير مقلوبة في كل شي وتجاه كل شيء. من هنا دوامة الصراع والدموية والتجزئة والانحطاط والتخلف وانعدام القيم في المواجهات الخفية والعلنية للنخب السياسية الحالية، إضافة إلى الصعوبة الهائلة أمام المجتمع للنهوض بنفسه بسبب قتل الفردية والحرية فيه. غير أن مفارقة هذه الظاهرة الدموية العنيفة، بل وفضيلتها النسبية تقوم في حرقها لبقايا ومخلفات التوتاليتارية البعثية الصدامية.

 

ميثم الجنابي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4328 المصادف: 2018-07-12 09:28:26