المثقف - قضايا

صَبَاحُ "دِيَالَا" بِلَا عَدْلِ عَادِلٍ

محمد طلعت الجنديصباح بلا خير، على أفاقي الحرف واللون والكلم والحرية، والحكاية تكمن في رغبة استبدادية في التلهي الغرائزي تحت مسميات مزيفة عن وعود الحب والزواج. وعندما يسفر هذا عن ثمرة لا ذنب لها غير كونها أرادت الحياة؛ فخرجت إلى النور تتحدى ظلمة الفلاح الخبيث والأرض الخصبة، هكذا هي خلاصة حدوتة كل"ديالا" جاءت وسوف تأتي من رحم العته السلطوي المجتمعي المتسيد باسم الفحولة التي تنكح من تريد، وتتبرأ وقتما تريد!

قضية نسب الطفلة "ديالا" للفنان التشكيلي العالمي المصري عادل السيوي والتي رفعتها الأم "سماح إبراهيم عبدالسلام" صحفية في جريدة الأهرام المصرية. قضية تتكرر بحذافيرها، وفي الواقع لا تعنيني هنا في الحدوتة ذكر أسماء الجناة وهم كُثُر على مر تاريخ النخبة العربية وصفوتها من كل طوائفها، إنما يعنيني هنا الوقوف وتحليل تلك الخسة المتكررة في الإنكار والتنصل من الثمرة وكأنهم مصرون على احتقار الناس لهم.

السينما المصرية في أفلامها القديمة عرت وفضحت النخبة من أبناء الباشوات والمتعلمين، ورسمت مشاهد الذئب النخبوي ابن الباشا العبيط الخائف من أسرته، وهو ينكر المولود بغباء لا نظير له. ودائما يتكرر نفس السيناريو، ولكن بالعدل الألهي يتم فضح الأمر مهما تجبرت أسرة الباشا النخبوي وأنكر ابنها المدلل الفاسد والمفسد ثمرة فساده.

رصدت الصحافة المصرية أيضا في تحقيقات وصور وأخبار واقع حضيض الخسة النخبوية في إنكار فعلتها، وكذلك قاعات المحاكم المصرية نُقش على جدرانها معاناة وتفاصيل جلسات المحاكم وأحكام القضاة في قضايا النسب.

لا أحد يتعلم، والكل يمضى في طريقه مفضوحا. وهذا التصحر العقلي والتوحش الجنسي مغلفان بتوابل السلطة المجتمعية والوقار والمكانة. تلك التوابل التي فسدت وأزكمت روائحها المجتمع. أولئك الذين لا يتعلمون أبدا، فُحق عليهم التجريس والركوب على الحمار بالمقلوب. ولكنهم لا يستشعرون الحرج من الفضيحة، وكان في الإمكان التستر بتحصين أنفسهم بفضيلة الاعتراف.

الكارثة أننا ملتزمون بقشرة التنوير والاستنارة والانفتاح العقلي حين نظهر على الملأ "اضحك الصورة تطلع حلوة.. مثّل تشقط صبية أحلى"، وفي دواخلنا يتفرطح النعل العقلي المصحوب بـ"العلوقية" الأخلاقية. وهذا التوصيف هو ما نراه بشدة في ثمرة "ديالا".!

والحقيقة كلنا فاسدون، أنا وأنت وهن ونحن تجار نلوك بضاعتنا ونعرضها ونزينها للعرض بهدف خطف العيون وسلب عقول الناس والعبث بفروج الحسان. نحن قبور بيضاء من الخارج وديعة ترفرف فوقها وريقات الزهور وأجنحة الطيور، وفي الداخل ثعبان أقرع ومطبات من جمر وفحيح نصب ومطارق غدر. للأسف هذا واقع الكائن النخبوي المصري في أَرْدَإِ صوره، سلفية الداخل وعلمانية الخارج. تناقضية!

حقيقة قذرة في الجينات الميراثية السلفية المسرطنة في عقول صفوة تجار الفن والكلم. تسمع منهم تقول الله، وترى المستخبي في حياتهم تقول فجرة ملاعين ، فبلا شك هي حالات نقص أو خلل أو احتياج جنسي صريح في أحط ساديته المستغلة والمتقنعة تحت أوهام الزواج. وفي الأصل ما هي إلا لحظة ريالة على كبر أو هطل لصغر السن.

ومن غير الممكن أن يتم التعاطف المجتمعي مع الناكر، فما جدوى التعاطف أمام واقع لا ذنب له يمثله وجود طفلة. التعاطف المعكوس هنا يشير إلى مرض المجتمع الذي يشجع فخ الصياد ويعصب عين الفريسة كي تقع مرة أخرى وثالثة وألف.

قضية الطفلة "ديالا" ترتقى لمسألة الظاهرة التي تقترب حد الكارثة. تخبرنا باختصار أن المجتمع يموج بنطح ذكري بلا عقل. وهنا تكمن خطورة التأييد المتأسلم، وفقا لشرائع فقهاء الغلفة الذين يتخذون موقف زميلهم الذكري في تحليل الإنكار وذبح مائة ناقة. انتبهوا! وعلى ذكر أولاد المائة ناقة، فسيكون المجتمع قطيعا من النياق، المهووس بالأمراض الجنسية التي يحلل أفعالها آراء فقهاء المنتسبين للشرع.

المجتمعات كلها تتقدم وتضع حلولا غايتها الاعتراف وتحمل المسؤولية، فعلى سبيل المثال المجتمع الكوري الجنوبي وهو مجتمع قريب الصلة بالعادات الشرقية العربية المنغلقة في التشدد والمحافظة مع التسهل في تعدد العلاقات النسائية في حياة الرجل، ولكن نخبته الحقيقية قطعت شوطا كبيرا في تنوير المجتمع وتثقيف شعبها بفضيلة الاعتراف وتحمل مسؤولية الفعل الذي قام به. صحيح هناك من ينكر، ولكن في المقابل تجده وقع تحت محاكمات الضمير من قبل أطياف الشعب المختلفة.

ففي فصل الشتاء الفائت ظهرت حركة"Me Too "، بقوة في المجتمع الكوري تدعو الفتيات والنساء وطالبات المدارس والجامعات والعاملات أن يتحدثن عن من تحرش بها، وكانت هناك ثلاث حوادث أعرف أصحابهم جيدا بحكم عملي الأكاديمي والثقافي في الواقع الكوري.

الأول كان أستاذا جامعيا مرموقا ورهيب المكانة. كتبت طالبة في الدارسات العليا أنه كان يتحرش بها لفظيا داخل المحاضرة منتقدا طريقة لبسها، وأخرى أكدت هذا، وثالثة دعمت، فما كان من الأستاذ إلا التزام الصمت بعد توبيخ رئيس الجامعة له وتهديده بالفصل من الجامعة إن لم يحسم هذا الأمر. ولم تمر أيام حتى سمعنا عن خبر انتحاره "الأستاذ" عقابا لنفسه.

والثاني ، أيضا أستاذ جامعي مشهور وكثير الظهور على شاشات التلفزة الكورية، كتبت إحدى زميلاته أنه ساومها على قضاء ليلة، فما كان منه إلا أنه خرج واعتذر في العلن، وذكر في بيانه أنه أخطأ، ولذلك قدم استقالته من الجامعة، وهو الآن شيء لا يذكر، منبوذ.

والثالث، وهو شاعر كوري كبير وطالما رشح لنوبل وترجمت أعماله لكثير من اللغات منها العربية، حيث قالت إحدى الشاعرات الصغيرات أنه راودها ذات يوم على طاولة الندوات وأخرج لها من أسفل الطاولة ذكره متباهيا بأنه هو الآخر يقول شعرا أفضل منها. ولكن هذا الشاعر أنكر هذه الواقعة ورفضها بشدة ودعمته زوجته، فما كان من المترجمين الذين يترجمون له أعماله إلا أنهم أوقفوا الترجمة، وأرسلوا له رسالة على الموبايل بعدم احترامهم له، لأنه مخادع ولم يحترم مكانته، فكيف يترجمون عنه وهو على النقيض من القيم التي ينادي بها. وكذلك تخلت عنه كل المؤسسات التى كانت تروج له وتدعمه عالميا.

نماذج ثلاثة لهم مغزى ضمني في مواقفهم وموقف المجتمع ومؤسساته منهم، كما يشيرون إلى صحة المجتمع الكوري، وصحوة ضميره والتمسك بالقيم العليا المطلقة سواء في الفعل أو في القول.

وعلى الصعيد المصري في مسألة "ديالا" نلحظ اتفاقا علنيا بين النخبة الصامتة المؤيدة حق السيوي الفنان العالمي(!) في النكران وإلقاء الشكوك في سمعة أم "ديالا"، وبالتالي في صحة نسب الطفلة، وهذا لأن المجتمع ونخبته لا يعرفون فضيلة الاعتراف والمحاسبة الفورية للذات من قبل الفرد ومجتمعه. وهي علامة من علامات التقدم الفردي والمجتمعي، لذلك كان أحرى على الفرد، بل وعلى المجتمع المصري أن يعترف بالخطأ، ويعلن مسؤوليته عنه ويعاقب نفسه بنفسه.

ومن هنا وجب الاعتراف والإقرار بأن ضمير هذا العادل لا يستقيم طالما يعيش العدل في ضمائرنا مواسم رياء متكررة وندعم بها قهر المجتمع أكثر. ومتى نتعلم من أدم رقي طلب العفو والسماح حين ارتكب الخطأ، وفي شجاعة اعترف به، وأعلن توبته وتحمل مسؤولية فعله بإصلاح حال الثمرة لا بتركها للثعابين تلتف حولها.

ويا كل عادل، قم وحقق العدل باعترافك؛ كي يستقيم الضمير فينا بلا عرج؟! وأعتقد لن يستقيم، طبقا للسوابق الأخلاقية التي شهدها مجتمعنا المصري المريض بصفوته.

للأسف كلنا عادل وكلنا سماح. وبين الصفتين كم سقطت "ديالا"..!

 

د. محمد طلعت الجندي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4329 المصادف: 2018-07-13 03:42:34