سمير محمد ايوبعشوائيات في الحب – العشوائية 25

فجأة ظهر أمامي وبتلقائية. بسبب وباء الكورونا، كان احد المحجور عليهم. وكنت مديرة الاستقبال المناوبة في واحد من اشهر فنادق البحر الميت، حين وصل مباشرة من مطار عمان الدولي بحافلات الجيش، برفقة العشرات مثله. خلال اجراءات الاستقبال، شعرت بأني اعرفه . إنجذبت اليه بشدة . شعرت دون سبب مقنع، بأن شخصا مهما دخل حياتي و سيغيرها، بطريقة لم استطع ادراكها في حينها . ولكن حدسي أكد لي، بأنها ستكون رائعة، توقظ جوانب كثيرة في نفسي .

كان نصيبه في غرف الفندق،جناحا ارضيا مطلا على البحر . بعد العشاء تمشينا معا لساعات على الشاطئ المضاء . شعورعميق بالالفة تدفق بداخلي، وانا بصراحة واندفاع كنت أحاوره . بدأتُ بعدها بلا وعي، ودون اعتبارات مجتمعية، ألاحِقه . حتى تدفق تجاهي . كنتُ اشعر بسعادة طاغية، كلما ازددنا دراية ببعض .سرعان ما أدركت أنه ليس نصفي الافضل . ولكني تيقنت بأنه النصف المُكمِّل الذي أنتظره .

مع مرور الايام، توالت اللقاءات في الكثير من مرافق الفندق . أخذ قانون الجذب والاندماج وضعه بشدة، ارتفعت كثيرا درجات التخاطر الذهني بيننا . صرتُ اكثر صخبا، منفتحة أمامه بشكل صريح وأمين . أنضجَ ما كنتُ أتجنبُ التحدّثَ عنه مع غَيرِه . فقفزت الكثير من الحواجز رغم اشكالية السن وأنا في منتصف الستين من عمري، لأنصهر دون حذر ولا روية، في حُبٍّ غير مشروط سريع الحركة . كان قد تبلور بيننا، رغم قصر الفترة الزمنية لتعارفنا .

ساعدني بالطريقة التي يفكر بها، على رؤية الأشياء في ضوء مختلف عن ذي قبل . إكتشفتُ أشياء لم أكن أعرفها عن نفسي . بِتُّ أقف أمام نفسي وأقابلها فيه، فأرى في عينيه، إجابات على اسئلة تدور حولي . لم يحدث أن كنتُ مع شخص يؤمن بصحة الكثير من الاشياء التي لدي . ضمَّدَ المكسورَ، عزَّزَني وعزَّزَ الكثير مما كنت اعتقد . أيقظ فيَّ الشعور بالأمان . أطلق العنان لأفكاري ومعتقداتي، بِتُّ أتحدث دون خشية من تعقيد الكلمات وفهمها الخاطئ ، تفاعله معي وتقبله لبعض اختلافاتنا، زودني بشعور أقل من الكمال، ولكنه أكثر كثافة من الحب والتوجس في آن .

تابَعَتْ حديثها معي عن بعد، عبر شاشة حاسوبي، وانا مُنصتٌ صامت، قائلة : لم أكن في أي وقت مضى امرأة تطارد الرجال يا شيخي، قبل أن ألتقيه كنت متميزة بقدر كبير من العقلانيّة . أظنّ نفسي صعبة المِراس، لا يستطيع أحد تحريك عاطفتي . لكن كلما التقيته، أصير اكثر رقة، تستيقظ  لدي عواطفُ صاخبة . وتبدأ الارض بالدوران من تحت قدمي . ولا أعود قادرة على التنبؤ بمسلكي في حضرته .

قلتُ بحذر شديد : مردُّ ذلك يا سيدتي، أنّك كنتِ تقمعين هذه المشاعر والطاقة القويّة التي تميّزها . وأخيرا أتى الشخص المناسب ليُساعدك على ادراكها، والشفاء من الكبت و القمع . إنه يدفعك إلى اكتشاف مزايا كامنة فيك، لم تكوني تعرفينها من قبل . ألا يمكن القول، أنه كاشف لاخفاقك في التعرف على ما تمتلكه نفسك، ولم تكوني ترينه قبل مجيئه ؟! إنه ملهم يا سيدتي، ومحفز للتغيير .

قالت بصوت مكسو بشيء من الحزن : ما تقوله صحيح . ولكن المشكلة أنه جاء في الوقت الخطأ غير المناسب . اقتحم مشاعري وانا غير مستعدة . ما ازال أعيش غمارعاطفتي مع زوجي يرحمه الله . بعد خمس سنين من رحيله، كنت منغلقة عن الحب، غير راغبة فيه . كنت اظن نفسي ناضجة وعلى قدر عال من الاتزان . ولكن تبين لي أني كنت أهجس بشخص يشبهه . وحين جاء شعرت بانجذاب قوي . حرر مشاعري بشدة . صرت اكثر عاطفية . استيقظت حواسي . وصرت غريبة الاطوار . صحيح أنني منبهرة بجنوني، الا ان هناك صوتا في مؤخرة رأسي يحذر من شيء غير صحيح يعترض الطريق .  يستجوب مشاعري باستمرار ويسألها، فيما اذا كان حبنا حقيقيا . فأشعر بارباك يفرض علي أسئلة عديدة : لماذا الآن، لما لم يأت قبل أن تتعقد الامور بهذه الكيفية ؟ ما هي الحكمة في ذلك ؟ اخبرني بالله عليك يا شيخي، كيف أتخلص من هذا الشعور و من هذه الدوامة ؟

قلت : أمرك الى هنا عاديّ يا سيدتي . فاذا ما كان التوقيت خاطئا كما يبدو لك، عليك قبل استشعار ألم، الاختيار سريعا بين الانصياع لعلاقتك الجديدة، او الهرب منها  ومواصلة الاستغراق في علاقتك الهادئة مع المرحوم . رغم مواجع ارتطام هذه المواصلة بالفطرة. ولكن، لا ينبغي الخلط بين الألم هنا، والحب هناك . فالحب في العادة ليس مؤلمًا. و لكن كل ما يقف في طريقه، يمكن أن يكون كذلك. 

قالت : ليس هذا هو أسوأ ما في علاقتنا، ولا السنين العشر التي أكبره فيها، فعلى الرغم من خيوط التشابة بينا،غير المرئية للعامة، فإن علاقتنا ليست وردية وليست دائما سلمية . تحمل في أرحامها شيئا من الاختلاف المؤلم . تمرُّ بأوقات شاقة  من الكر والفر، تنقطع وتعود . رغم عمق الشغف الذي يجمعنا، والعديد من التجارب المشتركة، فإني أشعر بالحيرة وأنا احاور نفسي فيما اذا كان هذا الشخص هو من أريد ان اتابع معه ما تبقى لي من حياة . لا انكرك أني ممتلئة به ، والثقة وعدم الثقة به متشاطئان . كلما فارقته أحاول نسيانه فلا اقدر مهما كانت الاسباب، بل اجد نفسي مطالبة دائما، بتسويات موجعة لارجع اليه، ونلتئم من جديد .

قلت : تمر مثل هكذا علاقة بالكثير مما يرهقها . أشدها، محاولات الانسحاب والخروج، الدخول والاندماج المتكررة . ليس لغياب الحب، وانما عظمة الترابط، تضعكما في علاقة مترددة، يحتاج التخلص منها لجلسات استشفاء مركزة .

وجدير بالذكر،وبغض النظر عن مكان تواجدكما في الحياة، فأنتما لستما مجرد عشاق، تجمعهم علاقة رومانسية او حميمية، بل مُعلِّمان مُستنيران، لمساعدة النفس على النمو . ولكن من المحبط أن تجدان نفسيكما في بعض الاحيان متكاملين وأحيانا مختلفين اكثر مما ترغبان، ومطالبين بتسويات مستمرة لالتئام العلاقة واستدامتها .

قلت متابعا وانا انفث دخان اول لفافة لي : أنتما مثال حي رائع وحقيقي لثنائية الوجود . فعلى الرغم من حقيقة حبكما لبعض، وتفهمكم لظروف الحياة ومتطلباتها، وتقبلكم المرن لما يطرأ على علاقتكما، تضيقون ذرعا بالشريك، لقدرته على كشف اسوأ مخاوفكم ورغباتكم الخاصة، فهو يعرف عنكم اشياء لا تعرفونها، كأنكم روح واحدة في جسدين . بينكم حبل طاقيٌّ قوي تشعرون به وتعرفونه . ينبؤكم بمشاعر بعضكما ويبقي التخاطر الذهني قويا جدا بينكما .

قالت وهي تتناول فنجال قهوتها : كنت أظن أننا بمجرد العثور على توأم الروح، نشعر بالتفاهم معه، وبالراحة والأمان والاستقرار، لانه يطابقنا بشكل مثالي .

قلت مقاطعا وانا اداعب الشيب فوق جبهتي : يرتكب الناس خطأ كبيرا يا سيدتي، حين يعتقدون بأن شريكهم الموازي الصاخب، هو توأم روحهم . هذا خلط وسوء فهم . علامات كل منهما ووظيفته، تختلف اختلافا كبيرا .

توأم الروح انعكاس مثالي لروح متوافق معها حد التطابق . تشتركان في الكثير من النظرات الى الحياة . تشعر بالتفاهم والراحة معهم . ليس شرطا ان تجمع بينهما علاقة عاطفية . ويمكن أن يكون لشخص واحد عدة توائم روح . على عكس التوأم الموازي الصاخب، فهو واحد فقط في كل الحياة . يرتبطان بعلاقة عاطفية غير مشروطة، اساسها الشغف والالم . ومبنية على الكر والفر . يتقبلان الاختلاف بينهما مهما كان غريبا، ولكن هذا الشريك في المحصلة، ملهم لنا في اكتشاف جوانب نجهلها عن أنفسنا . ولعلمك، إنتهاء مثل هذه العلاقة شبه مستحيل .

اطرقت راسها مبحرة في فنجال قهوتها، وسرعان ما رفعته وهي تقول : والساعة تقارب السادسة في منطقة البحر الميت، وقبل ان يعلن بدء الحظر عندكم في عمان، من فضلك، قل لي ما العمل يا شيخنا ؟

قلت وبسمة تتسع فوق وجهي : الحياة والموت يا سيدتي قدر، والسعادة قرار. علينا ان نثق أننا لسنا وحدنا . فينا ومن حولنا ما يستحق العيش من اجله، يتسع لنا وللتوأم معا، يكفينا لنتوافق على اتقان عيشه، بالمشاركة الايجابية الناضجة . فليس بالصراع وحده يحيا الانسان، وبالقطع ليس بالحيرة العدمية ولا بالندية الساذجة .

 

د. سمير محمد ايوب - الاردن

 

 

محسن الاكرمينقد يكون فيروس "كورونا" أشد ذكاء بالتحول والاختفاء عن مجهر العلم والعلماء، قد أفزع الحاكم "كوفيد 19" العالم وأعلن حالة الطوارئ وبسط سلطة التحدي، ونصب نفسه حاكما غازيا آتيا من بلاد "ووهان الصينية". وأسس إمبراطورية ثانية لا يغيب عنها الوباء بتاتا. واستسلمت لقراراته الديكتاتورية "التباعد الجسدي والاجتماعي" كل دول العالم.

حين حضر الحاكم "كوفيد 19" مبعوثا من بلاد "هولاكو خان" القريبة، أحرق الأجساد شرقا بالموت وخنق الأنفاس بالألم، وأقبس على  ألسن المثقفين ضيقا، وأحرق حتى كتبهم المدللة بالإهمال، وحجر على ندواتهم وموائدهم ومنصات أشعارهم ومهرجاناتهم، وحتى على صور بهرجة السنابل الواقفات عند منصات التواصل الاجتماعي، أغار عليهم بأنفاس الفيروسي والرعب والخوف، وأسكنهم عتبات"الحجر الصحي"، ثم أعاد الكرة وألزمهم كمامات أوراق نظافة الأفواه، وتطبيق علامة فعل أمر "صه" المتمثل، لا للكلام في زمن كورونا.

الحاكم بأمر شيطان عتيد "كوفيد 19"، هو المارد الحرون الذي يرفض الانقياد لسلطة الطب والدواء، يحتمي بالجهل ويخاف من الوعي والعلم، كمم الأفواه بالتحدي، وأحدث "فوبيا" الفتك الصحي والجسدي.

الحاكم "كوفيد" سليل حكايات "الغول" الكارتوني عند جداتنا، أمر بنفي غنج الثقافة الرخوة، أمر المثقفون على الإقامة الجبرية المنزلية ضمن " الحجر الصحي" الرضائي، وبدون كلام مباح بعد فجر حضور الوباء. الحاكم " كوفيد 19" راهن على توقعات كل عرافات العالم حين أكدت كل تكهناتهم اختفاء كل أشكال البهرجة الفنية، وكل أنواع الثقافات الرخوة وغير النظيفة، وكل أنواع الفرجة الإلهائية الحاملة لسياسات التيئيس و" التبرهيش".  تعلم الحاكم "كوفيد 19" من الماضي العربي " أن يوم الجد يفتقد البدر" وتغيب منصات مهرجانات الغناء، وحفلات تلك الثقافة الموجهة بالشكلية والغنج، تلك الثقافة التي باتت تحمل أسماء المثقف الخبير، وتلك الصفات الوصفية المترجمة كتابة لا لفظا إلى اللغة العربية، لا اصطلاحا.

الحاكم " كوفيد 19" من جلاله قدره وجبروته، قدر وخمن وثوقا أن الثقافة الرخوة لن تثنيه عن احتلال صدور النشر بالتوقيف في "زمن كورونا". وألزم مثقفي زمن المدح وغنج  المنصات الاحتفالية، والميكروفونات"الحجر الصحي" خوفا وتخفيا، هو يعلم من عرافات التنجيم أن جيل ثقافة البهرجة هم الأشد رعبا على البشرية من تجلياته المميتة، فمادامت صدورهم قد امتلأت بأدخنة مباخر الأيدي الممدودة، فلا خوف على عرشه منهم. الحاكم " كوفيد 19" يعي خوف " المثقفين الجدد" على أفكارهم الباذخة والسمجة الآتية من ياء النداء إلى واو ندبة الجائحة من بعيد، هو يعلم بعلم اليقين أن "الحجر على المثقفين" هو من باب وادي النمل حين دخل النمل بيوتهم خوفا من حوافر جيشه العرمرم بقيادة  فيروس "كورونا".

من حسنات الحاكم "كوفيد 19"، حين علمنا أن الثقافة ليست كتبا برف خزانة المنزل بزاويته القصية، وإنما ما تبقى منها لدينا من معلومات بعقل الرأس، حين علمنا تصالحا بين ثنائية رؤى العلم وتوسلات القيم الأخلاقية للدين بالرحمة والرأفة بالعباد، حين علمنا أن سفينة نوح حقيقة أنقذت الإنسانية من كارثة طبيعية بأمر الرحمان العلي القدير، وهذا لن ينفك أن يكرره التاريخ بهزم الحاكم " كوفيد 19" بقيم التضامن وأخلاق الدين، وقوة العلم.

 

محسن الأكرمين.

 

زينب فخريوغدا مصطلح "الجائحة" هو الأشهر هذه الأيام، وبات متداولاً في مختلف الأوساط كلازمة لفايروس كورونا (COVID-19)؛ بعد أن أعلنت منظمة الصحة العالمية أنَّ هذا فيروس يشكل "جائحة" (pandemic)، مميزةً إيّاه عن الوباء، لقدرته على الانتشار عالمياً متخطياً الحدود المحلية، ومتحدياً جهاز مناعة الإنسان.

ولعلَّ لفظة "جائحة" لم تحظَ في تاريخها بهذه الشهرة مثل ما حظيت به الآن بفضل كورونا ابن عائلة الفيروسات التاجية وليس من غيره!

ولا يخفى أنَّ سماع هذه اللفظة يثير في الأذهان ألفاظاً عربية أخرى قريبة من جرسها، ممَّا حفز قلمي لتتبع سمة التقارب بينها وبين تلك الألفاظ لاسيما المتباينة معها بحرف واحد أينما كان موقعه.

وممَّا لا شكّ فيه ستمسك المعاجم اللغوية بزمام الأمور لتسهيل هذه المقاربة اللغوية، ونشرع في بداية الأمر باللفظة مورد العناية:

جاَئِحة: هي اسم، وجمعها: جائحات وجوائحُ. ومعناها: بَلِيَّةٌ، تَهْلُكَةٌ، دَاهِيَةٌ. وسنة جائحة: أي سنة جَدْبة، غبراء، قاحلة. واجْتَاحَتِ الجائحةُ المالَ: (أي اهلكته). والجائحة: المُصيبة تحُلُّ بالرجُل في ماله فتجتاحُه كلَّه. والجائحة (في اصطلاح الفقهاء): ما أَذهب الثمرَ أَو بعضَه من آفةٍ سماوية.

ثمَّ نأتي على أوَّل لفظة قريبة من جرسها، جَانِحٌة: وهي اسم، وجانح اسم فاعل، جمعها: جَوَانِحُ، جَاِنحَاتٌ. نقول: جَانِحُ البِنَايَةِ: الجَانِبُ مِنْهَا، الْمَائِلُ. ونقول: الوَلَدُ الجَانِحُ: أي الْمُرَاهِقِ الَّذِي يَجْنَحُ إِلَى ارْتِكَابِ الْمُخَالَفَاتِ وَالخُرُوجِ عَنِ القَانوُنِ. والحَدَثُ الجَانِحُ: مَنِ اقْتَرَفَ جَرِيمَةً.

وفي زمن كورونا الجائحة ازداد الجنوح إلى ارتكاب المخالفات وخرق الحظر الصحي.

واللفظة الأخرى القريبة، هي جامحة: مؤنث جامح، اسم فاعل من الفعل جَمَحَ: يَجمَح، جُموحًا وجَمْحًا وجِماحًا، فهو جامِح وجَموح، والمفعول مجموح إليه، والجمع جوامح. وجَمَحَ الفَرَسُ: رَفَضَ السَّيْرَ بالرَّغْمِ مِنْ إِلْحَاحِ صَاحِبِهِ، جَمَح الرجلُ: رَكِبَ هواه فلا يمكن ردُّه، جَمَحَتِ الْمَرْأَةُ عَنْ زَوْجِهَا: خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى أَهْلِهَا. وجمحت السفينةُ: لم يتمكّن الملاّحون من ضبطها، جمَح الغَلاءُ: ارتفع واستمرَّ في الارتفاع دون ضابط، جَمَحَ من الحربِ: انهزم. جَمَحَ فِي سُلُوكِهِ: رَكِبَ هَوَاهُ لاَ يَرُدُّهُ شَيْءٌ.

والأمر المقلق في عهد كورونا هو أن تخرج الأوضاع عن ضبطها وإيقاعها ونهزم في حربنا ضدّ كورونا.

أما اللفظة الأخرى فهي جارحة: من جرَحَ يَجرَح، جَرْحًا، فهو جارِح، والمفعول مَجْروح وجريح. وجرَح جَرْحًا: أحدث شقًّا في الجلد أو البدن. وجرَح الشَّاهدَ: طعن في صدقه، جاء بما يُسقط عدالته ويردّ شهادته، - جرَح شعورَه/ جرَح كبرياءَه: آذاه، أساء إليه، أهانه، جرَح عواطفَه: أساء إليه قولاً أو فعلاً، - جرَح قلبه: سبّب له حُزْنًا وألمًا، - جرَحه بلسانه: سبّه وشتمه. جرَح الشَّيءَ: كسَبه أو فعله، ارتكبه أو اقترفه. وفلانٌ جارحُ أَهلِه: كاسبهم.

وحملت كورونا للبشرية من الأذية والإساءة ما يعجز اللسان عن الوصف، أما الكسبة في بلد لا يجيد إدارة الأزمات فهم أوَّل ضحايا هذه البلية.

ووصلنا للفظة دائحة: من الفعل دَاحَ: يَدُوحُ، مصدر دَوْحٌ. دَاحَ بَطْنُهُ: عَظُمَ وَتَدَلَّى إلَى أَسْفَل. ويقال: داحَت الشجرة تَدُوحُ إِذا عَظُمَتْ، فهي دائحة. دحا اللهُ الأرضَ بَسَطَها ومَدَّها ووَسَّعَها على هيئة بيضة للسُّكنى والإعمار.

وفي أيام كورونا يساورنا الخوف من أن تعظُم وتكبر هذه الأزمة لتزيد من أزمات هذا الوطن الذي بات يئن من شدَّة وطأة أزماته، ولا يفوتني القول أن هذه اللفظة لا صلة لها بلفظة (الدائحة في اللهجة العراقية).

ونقف قليلاً على سواحل لفظة سَائِحٌة: مؤنث سائح، فاعل من ساح، والجمع: سُيَّاحٌ، سَائِحَات. ذَهَبَ سَائِحاً عَلَى وَجْهِ الأرْضِ. وسَاحَ الماء جرى على وجه الأرض، وسَاحَ في الأرض يسيح سَيْحاً وسُيُوحا وسِيَاحَةً والمِسْياحُ بالكسر الذي يسيح في الأرض بالنميمة والشر.

ونجزم أنَّ كورونا تجيد السياحة في بقاع الأرض، ولم تسلم من سياحتها الدول الغربية ولا الشرقية، زارعة الهلع والفزع أينما مرّت.

ونقترب من لفظة زائحة: مؤنث زائح: اسم فاعل من زاحَ، ومعنى زاح عن مكانه: تنحى عنه وابتعد. وزاح مرضه: زال.

والمتداول أن كورونا ستزيح دولاً عن عروشها فضلاً عن إمكانيتها في إزاحة المبتلين من بيوتهم.

أما لفظة فائحة: مؤنث فائح اسم فاعل من فاحَ. فَيْح، مصدر فاحَ. فيَّاح: صيغة مبالغة من فاحَ. والفيح: صوت غليان القدر. وفاحَ المِسْكُ فَوْحاً وفُؤوحاً وفَوَحاناً وفَيْحاً وفَيَحاناً: انْتَشَرَتْ رائِحَتُه. وفَاحَ الشَّجَّةُ: نَفَحَتْ بالدَّمِ. وفاحت رائحة فلان: انتشرت أخباره السَّيِّئة، ظهرت حقيقته. وفاح الحرُّ: اشتدَّ.

والحقّ يقال أنَّ كورونا فاحت أخبارها السَّيِّئة، وظهرت حقيقتها للعالم أجمع.

وبلغنا لفظة نائحة: مؤنث نائح، وهو اسم فاعل من نوح وأنواح ونوح ونوائح ونائحات، ومعنى النائحة باكية نادبة في المآتم.

وأجزم أنَّ المآتم ستلغى بسبب كورونا وسيقلّ عدد النائحات، ولكن ستتولى بلدان عديدة هذه المهمة، وستقوم بدور النائحة وتندب حظّها ونظامها الصحي العاثر.

أما لفظة رائِحة، فهي مؤنث رائح، والجمع روائح. وهو مَا يُسْتَنْشَقُ، مَا يُشَمُّ سواء كان طيبًا أو نتِنًا. وتفوح رائحته: يظهر عدمُ صدقِه، يوحي بالشرِّ والفساد، ونقول: ما في وجهه رائحة دمّ: أي لا يستحيي ولا يقدِّر أو جاءَ فَزِعًا خائفًا.

وممَّا لاشكّ فيه أنَّ كورونا فايروساً لا يحدّه خجلاً ولا حياءً لنعاتبه ونلومه على ما اقترفه ضدّ البشرية ولكن اللوم والتوبيخ يتوجه إلى مَنْ بيده زمام الأمور، وهم يقفون مكتوفي الأيدي أمام محنة أفزعت البشرية جمعاء.

جائرة: من الفعل جارَ على / جارَ عن / جارَ في يَجُور ، جُرْ، جَوْرًا، فهو جائر، والمفعول مجورٌ عليه، جار على أرض أخيه تعدَّى عليها وانتهكها. وجار عن القصد والطَّريق: مال عنه وانحرف. وجار في حُكمِه: ظلَم، مال عن الحقّ وخالف العدلَ: سلطانٌ جائر. وجائر: وحرارة في الصدر أو الحلق من غضب أو جوع.

والبرهان الساطع كالشمس أنَّ كورونا انتهكت حقوقاً باعتدائها على الجهاز التنفسي وإهلاكه، منحرفة عن جادة الفايروسات التاجية، مخلفة غضب وألم في الشعوب المجور عليها، ويفوقها جوراً تلكؤ الحكومات في الإيفاء بالتزاماتها أمام شعوبها وانقاذها من أزماتها.

ولدينا أيضاً لفظة لائِحَةُ: اللائِحَةُ: الظاهرة. والجمع: لوائح. يقال: نظرت إِلى لوائحه، واللائِحَةُ مجموعة من المواد توضع لتنظيم العمل في هيئة أو مؤسَّسة.

ومن الواضح أنَّ هناك لوائح كالحجر المنزلي والنظافة يجب الالتزام بها كإجراء وقائي من هذه البلية كورونا.

ولفظة جَائِعٌة: جمع: جائعون، جائعات. جِيَاعٌ، جُوَّعٌ. فاعل مِن جَاعَ. وجُوعُ: ضِدُّ الشِّبَعِ، والجَوْعُ: المَصْدَرُ، جاعَ جَوْعاً ومَجَاعَةً، فهو جائِعٌ وجَوْعانُ، وهي جائعَةٌ وجَوْعَى، من جِياعٍ وجُوَّعٍ.

وجلّ ما نخشاه أن تقع الفئات المحرومة والفقيرة فريسة للجوع، وان يحدث ما لا يحمد عقباه إذا بقي الأمر مقتصراً على تمديد فترة الحظر دون العمل بجدية إلى وضع آليات تحد من آثار هذه الأزمة.

ونكتفي بهذا القدر من الألفاظ القريبة في الصوت، وكان واضحاً أن معنى "الجائحة" هي البلية والمُصيبة التي تحُلُّ بالإنسان، أما معاني الألفاظ التي تقاربها صوتياً فهي لم تتسم بالفرح والمرح ولم ينبعث منها السرور والحبور،.. ولكننا نأمل أن تكشف هذه الغمّة عن هذه الأمّة، وأن تبقى بهذه الهمّة ولا ينالها حِمّة.

 

زينب فخري

 

احمد بلحاج اية وارهام1 ـ الأوبئة سحابة عارضة لا تقتل الحضارات ولا عزيمة الإنسان:

قد يسطِّر الخوف من وباء ما سطورا في النفوس، مرقونةً بحِبر الأوهام والتوهمات، فتصير قوتها مشلولة، مما يُعرضها لأفانينَ من الوساوس والضعف المهوِل، ويضعها على هامش الحياة الحق، بحيث تتراءى خالية من أي شعاع للمقاومة، ومن ما ينبغي لها من التحدي والاستجابة لنداء زمنها، معتقدةً أن ما حلَّ هو الأكثر خطورة وفظاعة في التاريخ، مع أن الأمر علي غير هذه الصورة.

فكل الحضارات الإنسانية قد مرت بأوبئة فتاكة مخيفة، أثَّرت على الحياة فيها، وحصدت الكثير من أبنائها، ولكن الإنسان الذي هو عقل وإرادةٌ لم يخضع لها، بل جابهَها بكل ما أوتي من معرفة وتآزر.نشير منها إلى الوباء الذي وقع عام 430 ق.م، إبّان الحرب بين أثينا وإسبرطة، والوباء المعروف بوباء جوستينيان الذي حصد ما بين 30 إلى 50 مليون شخص، أي نصف سكان العالم آنذاك، والوباء المعروف بالموت الأسود الذي أتى على أكثر من 25مليون نفس في أوروبا ما بين عامي 1347م و1351م، ووباء الجُدري الذي قضىى في القارتين الأمريكيتين عام 1492م على ما يقرب من 20 مليون، ووباء الكوليرا(= الهَيْضَة) الذي انفجر في الهند ما بين 1817م و1823م وألحق الضرر البالغ بالأغلبية العظمى من البلدان الفقيرة التي انعدمت فيها التنمية الاجتماعية والعدالة الاقتصادية.

وإلى جانب هذه الأوبئة المسطَّرة في جبين التاريخ القديم هناك أوبئة زنَّرت التاريخ المعاصر، كوباء إنفلونزا هونغ كونغ الذي أتى على روح أزيد من مليون فرد في العام 1968م و العام 1970م، ووباء الإنفلونزا الإسبانية الذي ملأ جرابه الأسود بأرواح أكثر من 50 مليونا على مستوى العالم سنة 1918م و 1919م، وما إلى هذا من أوبئة كإنفلونزا الخنازير وإيبولا .

فهل جميع هذه الأوبئة محت الحياة من على الأرض، وأتت على الحضارة؟وهل خنع الإنسان لجبروتها، وامتداداتها المهولة؟إن وباء كورونا المستجد إذا نظرنا إليه بمقياس النفوس التي طواها ؛مقارنة بالأوبئة المشار إليها؛ ليُعدُّ أمراً غير بالغ الخطورة إلى درجة الفزع المُميت منه، فما يمتلكه الإنسان اليوم من علم ومعرفة عالية بالطب وبالأوبئة، و من وسائل هائلة للتدخل السريع أثناء الكوارث، كل هذا كفيل إذا استخدم بعقلانية وتبصر وإنسانية أن يتغلب على هذا الوباء.فالإنسان هو عقل الحياة الأعلى، بمخيلته يحكم فيما يظهر أنه صعب التحكم فيه.

2 ـ المخيلة هي وطن الجميع في المِحن:

وجلي أن وباء كورونا(= Covid 19) في الوقت الراهن لم يُسلم قياده بعدُ، ولم تبرز نقطة السيطرة عليه. فهو من الأوبئة التي تنتشر في العالم كالبرق بصورة مخيفة، غير أننا نرى فيه من جهتنا نافذةَ التخييل التي قد يُطل منها الإنسان عامة على ذاته التي نسيها في غمرة السعي نحو التفوق، والمبدعون على أفق جديد للحياة، وعلى اقتراح سبل الوقاية منه تخييليا.إذ لاشك أن قوة الإبداع هي التي تطوق دائما قوة الموت والظلام والخراب، بما تقدمه للروح من فرائد سردية وشعرية ومسرحية وتشكيلية وسينمائية.فالمخيلة هي وطن كل مبدع، يلتجئ إليه ليرى ؛في ساعات المحن والأزمات؛آفاقا جديدة للحياة لا يسمح الواقع برؤيتها، وليقترح وسط كل التداعيات، وكهوف الخوف، أوطانا جمالية رمزية تسكن فيها النفوس باطمئنان، بعد أن ضاقت الأرض بالأجساد، واكتظاظ الذوات فيها.إذ لا يغيب عن وعي الراصدين لتصاعد حركة التناسل أنه كلمات زاد عدد الأشخاص في مساحة ضيقة ارتفع خطر التعرض لمسببات الأمراض فيها.ويبدو أن فيروس كورونا وعى هذه الحكمة، فنشر أجنحته في العالم بسرعة البرق، محاولا تطبيق الشق السلبي من نظرية (مَالْثُوسْ) في السكَّان.فنحن في هذا الكوكب نعيش بكثافة سكانية عالية تصل إلى 7، 7 مليارات من الأشخاص، وهو رقم ما ينفك يتصاعد، حتى ليخيل إلينا أنه ستأتي لحظة نتلامس فيها بأنوفنا من شدة الازدحام.

إن هذا الفيروس الذي امتطى غصبا ظهر العالم برمته ليست خطورته في كونه معديا وقاتلا فحسب، بل هو مخرب للعلاقات الاجتماعية والإنسانية، ومنسف جسورَ التواصل بين الدول والشعوب، ومتسبب في هزات اقتصادية عنيفة، وعطالة خطيرة على الجسد الاجتماعي، وعلى البنية الأسرية.فهو لا محالة سيغير مجرى التاريخ؛في القادم من الأيام؛وبقوة من كافة الوجوه.ففي مرآته انعكست حقيقة الإنسان الجوانية، وهشاشته الثاوية تحت قشرة القوة الشبيهة بقشرة بيضة. والإبداع هو الذي ساهم في إبراز هذا الجانب.

3 ـ الإبداع هو أول عين رأت الأوبئة:

فعين الخيال هي أقوى عين في الوجود، ترى ما تستحيل رؤيته بالعين الجارحة، ومن هنا كان الإبداع سبّاقا إلى اكتشاف كثير من مجاهيل الوجود، وتقديمها إلى عين العِلم لتتملاَّها.وعينُ الخيال هاته لا توجد إلا في الإبداع، فهو الذي كان أول من حَفر في تربة الأوبئة منذ عقود، وقيمها إلى الناس في إطار تخييلي مدهش وآسر، وكمثال على هذا نذكر في مجال الشعر:قصيدة(الرجل الأخير)النثرية الملحَمية للشاعر الفرنسي جان بابتيست كوزان دي غرانفيل الصادرة عام 1805م، والتي تعد لبنة أولى في مضمار أدب الأوبئة، وفي مجال السرد نشير إلى رواية (الرجل الأخير) لماري شيلي الصادرة سنة 1826م، ورواية(الطاعون) لألبير كامو، والسيرة الذاتية لطه حسين المعروفة ب(الأيام )، ورواية (رجل تحت الصفر) لمصطفى محمود )، ورواية أمير تاج السر المسماة( إيبولا 76)، والصادرة عن دار الساقي سنة2012م، ورواية(العمى)لخوسي ساراماغو، ورواية (الحب في زمن الكوليرا) لغارسيا ماركيز، ورواية (عيون في الظلام ) للأمريكي دين كونز، الصادرة عام 1981م، والمتنبئة بوباء كورونا بصورة لا منها أدق، وبالمدينة التي انطلق منها، وغيرها من الأعمال الإبداعية التي نبهت إلى الأوبئة، وشرَّحت مفاعيلها، وكيفية تطورها، مما أجَّج المخاوف، وأشعل فوبيا الوباء الذي يهدد البشرية.فكلما حلَّ وباء إلا وسارع الإنسان إلى أضابير التاريخ والإبداع للبحث فيهما عن حالات ووقائع مشابهة لما هو فيه، لكي يمسح كُتَل الرعب التي تتحرك في داخله، وليطمئن نفسه بأن ما حدث ليس خاصا بزمنه، وإنما الناس قبله عرفوا حالات رعب وسوء، ومع ذلك تشبثوا بالحياة، واستمروا فيها يبنون، ويتناسلون، ويبدعون.فالوباء ليس نهاية العالم والحياة، ولا آخر نبضة في قلب الوجود.

إن الإبداع المبحر بسفن التخييل في بحار الأوبئة لا يقل سموا وقوة واستشرافا عن أي أدب آخر، بل يُعد محركا قويا للتحدي والمواجهة، وفاتحا للناس ؛كلما تعرضوا لحادثة طاحنة ؛سبلَ مُقارعتها، والتغلب عليها بتبصر عالٍ.وهذا هو ما يحدث الآن، فحالة الطوارئ المفروضة من أجل الحجر الصحي ما هي إلا زمن جديد للأسرة لتحس بدفء أفرادها، ولتكتشف في ظل هذا الظرف الطارئ قيمتهم على المستوى السوسيولوجي.فالعائلة التي كان كل فرد من أفرادها يُغَنِّي هواه، وينشغل بعالمه الخاص، وهمومه الذاتية، وبما في حوزته من آلات تربطه بعوالم افتراضية غير عالمه الواقعي، وتُلهيه عن أقرب الناس إليه، قد أمست في إطار حالة الطوارئ هاته واعيةً بقيمة الاجتماع في المنزل، مُتذوقةً مباهجَه، وقيمةَ إصغاء أفرادها إلى بعضهم البعض.

ونعتقد أن هذه فرصة ثمينة للأسر للعودة إلى جِنان حكايات الجدات والأمهات التي كانت ترفع منسوب الخيال عند الأولاد، وترتفع بمخيالهم إلى سموات البُهر والدهشة الخلاقة.فهي بهذا الاعتبار أرض أخرى للسكن في غير أرض هذه الآلات الإلكترونية التي التصقنا بها حتى تثَلَّجت مُخيلاتنا، وأضحت لا تُنتج إلا ما يُشبه طعاما معلَّبا باردا عديم المذاق.فالمكوث في المنزل يفتح للأولاد نهرا من المودة يسبحون فيه نحو الآباء والأمهات والجدات والجدود بأسئلة مدهشة عن حيوات أصولهم، وشجرة تاريخهم، وسلاليم صعودهم في الحياة، مما يُجَذِّر في نفوسهم معنى العائلة، ومعنى تحمل الحياة من أجلها، وضرورتها في الوجود.

 

احمد بلحاج آية وارهام

 

ضياء نافعالمؤرشفون لا يولدون رأسا. ولادة المؤرشفين أكثر تعقيدا من ولادة الانسان، فالمؤرشف لا ينتظر تسعة أشهر في بطن امه كما الانسان، ولكنه ينتظر سنوات طويلة جدا في بطون الكتب والمصادر الصغيرة والكبيرة ويتعايش معها في السراء والضراء، لانه (وقع في عشقها)، كما وقع قيس بحب ليلى، واحترقت يداه (وما شعر) حسب ما ذكر لنا احمد شوقي، الذي رأى هذه الحادثة بنفسه، عندما كان يراقبهما سرّا، ورواها لنا بعدئذ، وفضحهما، وجاء محمد عبد الوهاب وزاد الطين بلّة .

لقد التقيت مرّة في سبعينيات القرن الماضي بواحد من هؤلاء المؤرشفين (من مدرسة قيس!) في البصرة، اثناء مهرجان المربد، ومن المؤكد ان القراء يعرفونه . انه عبد الرزاق الحسني صاحب تاريخ الوزارات العراقية . كنّا في صالة الفندق ننتظر الباص للذهاب الى جلسات المهرجان، وكان هناك ركن خاص يبيعون فيه الكتب، فتوجه الحسني الى هذا المكان بلهفة، واشترى كتابا، ورجع فرحا الى مكانه، وأخرج قلم الرصاص من جيبه، وبدأ يقرأ ويؤشّر في الكتاب، وقد أثار ذلك اهتمامي (ولا اريد ان اقول فضولي طبعا)، فاقتربت منه لارى عنوان هذا الكتاب الذي استحوذ على اهتمام المؤرشف الكبير، فاذا به أحد كتبه هو، فاقتربت منه وعبرّت عن استغرابي  مما رأيت، فقال لي بثقة، انه لم يراجع هذا الجزء من سلسلة كتبه مراجعة دقيقة وكما يجب، وانه فرح لانه وجده هنا، ويريد ان يستغل دقائق الانتظار هذه لمراجعة بعض صفحات هذا الجزء .

تذكرت اخبار قيس وكيف احترقت يداه وما شعر، وتذكرت كيف فرح الحسني عندما وجد كتابا من تأليفه واشتراه بلهفة، أقول، تذكرت كل ذلك عندما كنت اطالع ما نشره الدكتور منذر ملا كاظم (الاستاذ المساعد في قسم اللغة الروسية بكليّة اللغات في جامعة بغداد) حول غوغول قبل أيام قليلة . لقد نشر د. منذر هذه المادة في الفيسبوك فقط، ولم ينشرها في اي مجلة او جريدة ورقية او الكترونية (وما اكثرها  في هذا الزمان)، والنشر في الفيسبوك (او صفحات التواصل الالكترني هذه) يختفي بعد دقائق او ساعات ليس الا، وذلك لان د. منذر ملا كاظم نسّق واعدّ صورة ممتازة ورائعة ومتنوعة حول مادته تلك يتصدرها غوغول نفسه على اليسار، وجنبه كل تلك المصادر العربية، التي ذكرها حوله، وهي مصادر ومراجع نادرة جدا، ولم يعثر عليها - وبهذه السعة والشمولية - حتى المتخصصون في الادب الروسي من الباحثين العرب، بل حتى لا يحلمون بايجادها والاطلاع عليها، ولا اريد ان اقول ان البعض  منهم لا يعرف اصلا بوجودها.

لم أتذكر فقط قصص قيس والحسني، بل تذكرت طالبنا الهادئ والذكي منذر، عندما كان طالبا عندنا في قسم اللغة الروسية آنذاك، وكيف كان من بين أبرز الطلبة المتميّزين، لكنه لم يحاول، كما حاول معظم هؤلاء، الحصول على درجات التميّز باي وسيلة، كي يكون في الصدارة، وتذكرت عندما كتب منذر باشرافي اطروحة الماجستير عن غوغول، وكيف انه حصل على كل مصادره بنفسه، وتذكرت، كيف اني (اكتشفت !!) موهبته بجمع المصادر، بما فيها رواية المرحومة حياة شرارة – (اذا الايام أغسقت)، وكيف انه جلبها لي للاطلاع عليها، عندما كانت هذه الرواية من أكبر الممنوعات، وكم كنت ممتنا له على هذا العمل الشجاع والجرئ في ذلك الوقت الصعب والرهيب  الذي كنّا نعيشه، وتذكرت، ان صديقي كامران قره داغي أعلمني قبل فترة في رسالة من لندن حيث يقيم، ان د. منذر اتصل به من بغداد (دون معرفة سابقة) وأخبره، انه يمكن له ان يرسل اليه كتبه المفقودة عن الادب الروسي، التي صدرت في بغداد في حينها، و هذا الشئ لكامران يعتبر لقطة رائعة، والتي لم يكن حتى ان يحلم بها، وتذكرت طبعا، ان جامعة فارونش، التي حصل فيها د. منذر على شهادة الدكتوراه  قد أصدرت له كتابا بالروسية عن غوغول في المشرق العربي، وهو طالب الدكتوراه العراقي الوحيد، الذي حقق هذا النجاح الباهر، والذي لم يتبجح د. منذر بشأنه او يتباهى، لانه لا يعرف هذه المظاهر اصلا، ويمكن لي ان أتصور ماذا كان سيفعل الآخرون لو حققوا مثل هذه النجاح الكبير، وكم اتمنى ان أحصل على نسخة من هذا الكتاب كي اطالعه واكتب عنه للقراء العرب، لانه يستحق ذلك فعلا .

هناك الكثير من النقاط الرائعة الاخرى حول هذا المؤرشف الموهوب للادب الروسي في العراق، ولا مجال حتى للاشارة اليها في مقالتنا هذه، ولكني أود ان اختتم حديثي عنه بما قاله لي المترجم العراقي الكبيرعن الروسية  د. تحسين رزاق عزيز حوله . لقد استطاع د. منذر ان يحصل على مسودات المرحوم  محمد يونس الخاصة باطروحته عن تولستوي، التي ناقشها في جامعة موسكو آنذاك، وهي مسودات مكتوبة بخط رشيق (تميّز به المرحوم محمد) حول تلك المصادر الخاصة بتولستوي، فما أعظم هذه الثروة .

اعلن هنا وبكل فخر ميلاد مؤرشف الادب الروسي في العراق الدكتور منذر ملا كاظم، واشارك مع الجميع بالتصفيق الحاد له، وانتظر  تألّقه اللاحق في هذا المجال الجديد في الساحة الثقافية العراقية، واحلم ان  أرى يوما كتابا ضخما من تأليفه بعنوان – فهرس الادب الروسي  في العراق (على غرار كتاب المرحوم د. عبد الآله أحمد عن فهرس القصة في العراق) كي نباهي به الامم ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

يوسف جزراويلأول مرّة أجدُ البشريّة بأكملها  متوحدة في حربٍ ضروس ضد الفايروس كورونا – الإرهابي (أبو كمامة الكوروني).

الكلُّ محتجزٌ في البيت، خوفٌ مبالغٌ فيه قد غزا العقول وأحتل القلوب، يؤرق حياتنا، وذلك لرغبتنا الجامحة في الحياة.

فهل سيغدو كورونا ذلك الفايروس الخفي الصامت إضطرابًا مزمنًا في عالمنا؟!

فواحدنا يخشى أن يلتفّتُ إلى الوراء ولا يجدُ الحياة التي عرفها مرّة أُخرى فيجهشُ بالبكاء، كرسامٍ بكى كثيرًا حين عجزت ريشتهُ عن رسمِ دمعة!

وكلُّنا يخافُ أنَّ تلكَ الأحلام التي اذخرناها ستمضى معنا إلى العالم الآخر.

إنتظارٌ وترقبٌ على نارٍ هادئةٍ والجميع يتسائل:

متى سنسقط يافطة ممنوع اللمس؟ ممنوع المصافحة وكلا للعناق...؟!!

لكن إنساننا منذ القدم لم يستلم للصعاب ولم يخر راكعًا أمام الأزمات، بل وقف ندًّا صلبًا بوجهها. ففي سعيه للخلود عرفناه أبدًا على شاكلة كلكامش راكبًا بحرًا تتلاطم فيه أقصى الأمواج وفارسَ غابةٍ تكثر  متاهاتُها كلّما أوغل فيها! وهذا هو سرّ الإنسان بل سرّ الحياة ولغز الوجود.

من المؤكد إنَّ لا قيمة للإنسانِ المنعزل - المنغلق، المتقوقع على ذاته والمتكوّر على نفسه، لأن الإنسان ومنذ البدء دُعي للحياة ليكون في شراكةٍ مع الآخرين وألفة معهم، والإنسان الأكمل هو اجتماعي، أمّا المنفرد المنعزل أشبهُ ما يكون بالمتوحش وتواصله البنّاء مع بني جنسه يتيح له أن يصير إنسانًا رغم إنَّ ليس جميع البشر إنسانيين!!

فدعوة الإنسان الحق تكمنُ في أن يظلَّ نافذة مفتوحة على العالم وليس في حجرٍ  بيتي وعزلٍ صحي، لأن المرء متى رغبَ في تحقيق إنسانيّته وتكامل وجوده وجب عليه ألّا يكون منعزلاً إنفراديًا، لأن الحياة فعل جماعي واجتماعي.

تفحصوا ملحمة كلكامش بنظرةٍ ثاقبةٍ تجدوا إمارات الفرح ونشوة الحياة تبقى ناقصة بدون الآخرين؛ فالمباهج الجماعيّة تعقب عودة البطلين (إنكيدو وكلكامش) من الانتصارات.

وتفحصوا الإنجيل المُقدّس تجدوا ولائم الفرح لا تتم بشكلٍ إنفرادي (عرس قانا الجليل، عودة الأبن الضال...) بل على نحوٍ جماعيّ.

فهل سيسمح لنا الفايروس كورونا في تخطّي عتبة ال( أنا) للقاء مع الآخر ال (أنتَ) لتعود ال (نحن) إلى مفاصل الحياة مُجددًا ليتجدد فنّ التواصل مع بعضنا البعض؟!

من المؤكد نعم والف نعم، ولكن متى؟ فالعلم عند الله وحده، فهو الذي يخرج من الشرِّ خيرًا!

منذ القدم إلى جائحة كورونا المُعاصرة والإنسان لا يُعنى بالموت، وإن شغله أمر الفايروس بهلعٍ كبير وأهتم كثيرًا بطرق الوقايّة منه، فهذا أن دلَّ على شيءٍ فيدلُّ على أنه معني بالحياة ومغرم بها خشيه أن تفلت من بين يديه.

كلمتي هذه هي دعوة لنبشّرَ بعضنا البعض بالرجاء، وننشر الفرح وروح الحياة، فأنا من المؤمنين بإنَّ بعد العسرِ يسر، وفي الحياةِ حياةٌ، ولا موت للحياة، بل هي وجودٌ دائم وخالد  لا سيّما للمثمرين.

والحال إن لم يكن الإنسان في الأزمات العصيبة نخلة لن يكون رُطبًا، وإن لم يكن سنبلة لن يكون خبزًا، وإن لم يكن شمعة لن يكون نورًا وعطاءً للآخرين؛ لذا أجدها فرصة مواتية في هذا الزمن العصيب التي تعيشه الإنسانيّة جمعاء لكي يغدو واحدنا لهَبَةَ نورٍ ونارٍ تضيء عتمة أخيه الإنسان مهما تنوع أصله وعرقه، جنسه ودينه، لأن الإنسان الحق في تكوينه هو إنفتاحٌ وعطاءٌ وليس تعصبًا وإنكماشًا.

هذه قراءةٌ مُتشحة بتأمّلات عميقة لمعت في الذات ثمّ أضاءَت في الفكرِ لتشكّل قناعات في صميم الوجدان ومبادئ في أعماق الروح، أسواقها لكَ عزيزي القارئ لتغدو حوارًا. والحوارُ الذي أصبو إليه ليس حوار الطرشان، أو حوار إثنين يصل بهم الحديث إلى حدِ التعارض والخلاف والمحاججة والصراخ، وربّما التقاطع والخصام، بل هو حوار التلاقي تَتلاقَى فيه الرؤى وتتزاوج فيه التطلعات، ليخلق بحبوحة أمل فيها ومضة نور لا تلبث تدلكَ على الطريق وتترك لكَ حريّة السير.

فلعلّي أطيق كلّ شيءٍ، عدا قتل الأمل وخنق الحياة في الآخرين، لذا لا تنصتوا إلى أبوام الشؤم غير الايجابيين، فواحدهم يشيع الإحباط ويبثُ إنطباعات سودايّة ومحاذير لا تُبشر بغدٍ جديد مشرق...فلو كان الجميع متفائلين لمَ أسودت الدنيا في عيون الكثيرين! ألستم معي بهذا التشخيص؟!

 

أخيرًا

إنَّ الرسالة التي أُريدها أن تصل للقارئ هي:

لا تفقد الأمل في جعل الغيوم التي تسبح فوقَ رأسك مطرًا يُبلل اليابس من حياتك، لذا ثقوا بالعنايّة الإلهيّة وصدَّروا الأفكار البيضاء لأن الحياة جميلة وتستحق أن تعاش.

فأنشروا الحياة لان يومًا سينام كلّ مِنّا قرير العين عند من لا تنام عينيه...

لندخل إذًا إلى معبد الأعماق ونرفع صلاةً برائحةِ البخور، لان الصلاة مفتاح الفرج وأفضل من أيّ عقارٍ أو دواء، بل هي طاقة إيجابيّة، تفتح في حجرة الروح نوافذ أمل.

وليتنا لا ننسى بعد الصّلبِ قيامة.

 

الأب يوسف جزراوي

هولندا/ خرونيكن

 

 

مجدي ابراهيمعطرُ الأحبار كعطر الأحباب : جَمالٌ تستنشقه الرّوح، لكنه يعزُّ ..! ليس في المقدور أن ينال في كل حال، ولا في أي حال!

مَنْ ينال عطر الروح يتألم ويعاني. والمعاناة ليست حالاً دائمة وكذلك الألم .. إنّ الصبابة التي تنبعث من الألم هى غُصَّة روحيّة يكابدها من يعانيها، ومَنْ يتذوق الجمال الذي تدركه الروح يتذوق في الوقت نفسه نسمات عطره الفوَّاح برائحة طيبة زكية تتجاوز الأبدان لتنفذ إلى أعماق القلوب.

هذه الرائحة العَطرة الزَّكية هى الرائحة التي يتذوقها من يعاني تجربتها. العطر هنا هبة موهوبة تهبُّ عليك فيضاً من نَسَمَات الروح! فكما أن للعطور المادية أشكالاً وألوناً، فكذلك عطور الروح هى كذلك أصناف وألوان : كلُّ يألف اللون الذي تستقبله روحه وترتضيه، على ديدن التذوق وصبابة العشاق.

فالذي يتذوق شذى نوع ما من العطور، يتنسَّمه ويرتضيه : يتذوَّقهُ؛ لا يلزمك أن تصرفه إلى غيره، فليس في مثل هذا التذوق إلزامُ من خارج، وكذلك عطور الأرواح هى أعلى في الخصوصيّة وأخص في الدلالة؛ لأنها صادرةٌ عن معاناة صاحبها مستمدة من تجربته الخاصة المخصوصة به وحده دوناً عن سواه، فليست من ها هنا مُلزمة لأحدٍ، ولا من حق أحد أن يفرضها على أحد.

فما يَصْدُرُ عن الرُّوح هو عطرها الخاص يميزها فتمتاز به عن غيرها، فلا تتشابه ولا تتشاكل مع هذا الغير لا في رائحة ولا في شذى ولا في لفتة ولا في ملمح ولا في خصلة من خصال التفرُّد والامتياز.

طول التعامل مع الشيء يجعلك تألف أسراره، لا بل قد يكشف لك عن أسراره ما دُمْتَ قد ألفته وألفك، فتلك معرفة بعد الألفة لا قبلها. المعرفة هنا ليست مُتَاحة ولا هى ميسورة بمُجرَّد العبور عليها عبور الكرام، لكن يلزم أنْ تألف طريقها أولاً، ثم بعد الألفة تجيء المعرفة؛ لتأتي على التوالي مرحلة التكشُّف عن السرِّ الكامن فيها. هذه معرفة نوعية؛ خَاصَّة إلى أقصى درجات الخصوصيّة، الشيء الذي تألفه فتدركه قد تُصيبك منه رائحته، تصيبك في روحك، وفي قلبك، وفي أعمق أعماقك؛ لترى عطره الفوَّاح يجود عليك فيما لا يستطيع أن يجود عليك به شيء آخر سواه!

ماذا أقول؟ فهل من حقي أن أقول إنني هكذا أستنشق رائحة الحبر الذي استخدمه وأكتب به على الدوام؛ لتجيء نفَّاذة مليئة بالمعاناة، كرائحة المعاناة نفسها التي يعانيها القلم حين يكتب، وما امتلأت عندي بالمعاناة إلا لأنها ملآنة على الدوام بالمعاني مُتْرَعَة بفيض عجيب يُذَاقُ ويصفو في عالم التجريب.

إنّ المعاناة الحقيقية من أجل فكرة علوية نافعة لا تضيع، وأن مقاساة التجربة على مستوى النظر والتفكير تُشْبِه مقاساتها على صعيد العمل والممارسة؛ وأن فعل الكتابة نفسه هو من صميم التجربة الروحيّة مع المقروء والمكتوب؛ فلئن كانت المُعاناة ذاتها تجربة، وكانت "الكتابة" معاناة صاحبها؛ فلا أقلَّ من أن تأتي آثار تلك المعاناة تعبيراً عن خصوصية الكاتب فيما يمرُّ به من أحوال تماماً كما أن صاحب التجربة الروحيّة تمرُّ به أحواله في الطريق.

إنّ تدوين التفكير من أصعب ما يمكن فيما لو كان التفكير تجربة ومعاناة، وفيما لو كانت الفكرة حياة صاحبها ولا تزيد. هنالك تجد الكاتب في أغلب حالاته مُغيَّباً عن الواقع الذي يعيشه مع وجوده فعلاً في الواقع العملي، تنتابه حالات تشبه الغيبوبة أو هكذا يُخيَّل إلى من يراه، ولا أحد يدري كوامن ما في صدره من مراجل تغلي وتفور، شأن الشاعر فيما يحسُّ به وفيما يشعر، وشأن الموهوب فيما يعمل فيه وفيما يقْدِم عليه، وشأن الأديب في معاناته مع التجربة ومعاناة التجربة له. وبمقدار انفصاله عن واقعه يُبْدع حين يرى ما لا يراه الآخرون ممَّن ينغمسون في الحياة العامة والخاصّة انغماساً لا يتيح لهم ولو للحظة واحدة فرصة التأمل داخل ذواتهم كيما يدركوا منها ما لا يدركه سواهم، يدركوا منها المعنى الكبير لهذه الحياة الإنسانية العامرة بالفعل الإلهي العجيب.

لكن التأمل في الحياة - كما كان أبو تمام يقول - يزيدُ أوجاع الحياة، ومعنى أن تزيد فيك الحياة بأوجاعها لهو هو المعنى نفسه الذي يحيطك منها بكثير ممَّا لم تكن من قبل قد أحطت به علماً ومعرفة من طريق النظر والتأمل، فضلاً عن الإدراك والتحقيق.

بيد أن ضريبة هذه "الإحاطة" قاسية جداً، هى الزيادة في الوجع وفي الألم وفي المعاناة ناهيك عن ضريبة التَّحقُّق ذاتها : سحب النفس بالجملة عن مجراها الطبيعي، وخروجها عن التمحور حول ذاتها أو حول الواقع الذي تعيشه بكل ما فيه ومَنْ فيه، والإلقاء بها في مَرَاجل التأمل التي تَغْلي وتفور لتفعل فيك تجربة الروح والفكر والتأمل فعلها الذي ينتظرك على موعد منه وعلى لقاء!

التجربة في هذه الحالة هى التي تقودك، ولست أنت القائد ولن تكون. التجربة هى التي تفعل، ولست أنت الفاعل ولن تكون. هنالك يكون التخلي عجباً من أعاجيب القدرة: أعني التخلي عن وهم تمثل في الوعي المحفوظ دوماً بالأنانية، واستبداله بمحيط السلامة النفسية بداية حين تتحلى بمجموعة "قيم علوية" تعتقدها وتدين لها بكل الولاء، وشيئاً فشيئاً تصبح عادة التحلي طبعاً لا يقبل الانفطام ولا التخلي عنه بحال.

بَقَاءُكَ مرهون بعقيدتك في هذه الحالة ما في ذلك شك، وَتَقَدُّمُكَ موقوف على الولاء كل الولاء لما تدين ممَّا عَسَاَكَ تحلَّيت به في السابق وتزكيت.

***

سَهْلٌ جداً أن ينطلق لسانك بما تفيض به جوانحك من مشاعر وأحاسيس، لكن هذا كله شيء، والمعاناة شيء آخر. إنّ هذه المعاناة هى في الواقع تاريخ يحمل تجربة، فتحمل التجربة تذوقاً، فيتولدُ عن التذوق شذى يعطي رائحة فلست تعرف أيَّاً منها هو الأعلى أو هو الأدنى هو النافذ بسحره إلى الأعماق أو المتبقي على السطح بلا نفاذ، كلها درجات عالية متساوية في الشعور، وإنْ كانت متباينة في الإدراك.

هذه الرائحة الشَّذيَّة النَّديَّة ليستْ صادرة عن لا شيء، بل صادرة عن التاريخ المُعبَّق بعبق الروح، عن تراكم فكري ومعنوي طويل، عن تجارب قد لا يجود بها الزمن أبداً لمن لا يعرف لها قدراً ولا ينصف لها في معطياته حكماً.

إذا ارتبطت المعاناة بالألم، تصورنا على الفور كيف ترتبط رائحة الحبر الزكية بالنسمة التي تَرف عليك كما ترف عليك نسمات العليل في يوم قائظ ليس فيه نسمة تهفو ولا ترفو!

فكما أن المعاناة مقاساة تندفع عن ألم يعيشه ذلك الذي يُعاني تجربته؛ فكذلك مثل هذه الرائحة الشَّذيَّة المُعَطرة إنْ هى إلا ترياقُ للألم الذي تعاني، حين لا تجد ترياقاً آخر تشفي به غُلَّة الشوق إلى فردوس مفقود : بمجرَّد أن تستنشق عبيره الفوَّاح يتلطف لديك الألم وينزاح.

وإذا كان ألمُ المعاناة همَّاً من هموم الفكر علوياً هو، قد يتسبَّب في آلام بدنيّة ومادية وأوجاع جسديّة، ففي تلك الرائحة التي تنبعث من حبر المحبرة وتتقطر من قطرات القلم كذلك شذي علوياً يَتَسَرَّب إليك من طول الألفة وحنين المعاشرة؛ ليطفئ لديك أوجاع الروح بل يشفيها حين يُرضي عندك القناعة بما تعمل فيه وتعمل لأجله، إذْ تحسُّه في روحك وتدركه في قلبك، وتتلقاه في أعمق أعماقك، وهو مادة، ثم تستشعره شعور الأحياء؛ وهو ميت أو فيما يُشبه الموات، وما من عجب؛ فإن كل شيء تتناوله الروح ويعانيه الفكر وتُبَاشره التجربة، لم يعد في عرف تلك الأقانيم العلوية مادة، ولكنه ينعكس من فوره لتتغلب الروح فيه على الشيء، فيصبح هو نفسه روحاً ولو كان شيئاً مادياً فيما يبدو في الظاهر.

وليس هنالك من عجب؛ إذْ ليس في التجربة عجباً .. كل مُعاناة حقيقية مُخلصة على الأوراق هى حياة، لكنها ليست ككل الحيوات؛ لأنها الحياة العقلية والروحيَّة التي تنحصر في نقطة مُركّزة يتجمَّع فيها كل ما في الإنسان من أعصاب وخلايا ومدارك وأذواق وتجارب ومشاعر وإحساسات ثم معارف وثقافات؛ كل ما في الإنسان على التعميم؛ لا .. بل كل ما في الإنسان على التخصيص.

خصوصية الإنسانية فيه هى التي تعطي عصارة تفكيره ومداركه وأذواقه ومواجيده خالصة ومُعَبِّرة .. الخلاصة الإنسانية التي يمكن أن تُعَبِّر بدقة عن معنى الإنسان تتركز في هاته "النقطة" ليمضي العقل من فوره في أن يخرجها على الورق حياة رُوحيّة وعقلية وشعورية خالصة ومُعَبِّرة؛ لكنه حين يخرجها لا يخرجها مُجَرَّدَة عن عطرها الفوَّاح، بل يخرجها ممزوجة برائحة علوية كريمة ونبيلة، هى بغير شك رائحة "عَرَق المعاناة"؛ مشهوداً في ذلك المداد الأسود الداكن الكثيف الذي تألفه ويألفك، ويعيشُ معك وتعيش معه كما لو كان طعاماً لك وشراباً، لا بل هو أغلى وأعز وأبقى من كل طعام وشراب؛ ذلك لأنه مداد الروح بأعجب ما تنفردُ به الروح من حيوية خلاقة واتصال بالملأ الأعلى نادرٌ وعجيب !

 

د. مجدي إبراهيم

 

ضياء نافعلم نسمع باسمها عندما كنّا طلبة في بداية الستينيات  بجامعة  موسكو، الا ان الطلبة الروس حولنا كانوا يتهامسون حولها، خصوصا عندما بدأ ايليا ايرنبورغ  بنشر مذكراته (الناس . السنوات .الحياة) في مجلة (نوفي مير / العالم الجديد)، حيث أشار هناك الى اسماء عدد من الادباء الروس، الذين كانوا  ممنوعين من التداول العلني آنذاك، ومنهم تسفيتايفا، وعندما سمعنا باسمها، اعتقدنا، انها شاعرة مضادة للاتحاد السوفيتي وبنيته وآيدولوجيته، مثل كل مهاجر روسي الى الغرب بعد ثورة اكتوبر1917، وكانت هذه الآراء متبلورة وجاهزة عندنا دون ان نقرأ حتى سطرا واحدا من شعرها .

عندما انتقلت الى جامعة باريس في النصف الثاني من الستينيات، اصطدمت (نعم اصطدمت) بواقع آخر يختلف تماما، اذ وجدت، ان جميع الاوساط الروسية هناك يعرفون شعرها، ويتحدثون عن انتحارها التراجيدي بعد سنتين من عودتها الى وطنها روسيا (عادت عام 1939 وانتحرت عام 1941) وكان عمرها 49 سنة ليس الا . وقرأت قصائدها طبعا في باريس، ولم أجد ايّ أثرهناك لذلك التصوّر الساذج الذي كان لدينا ايام الدراسة في موسكو، بل اكتشفت عالما في غاية الروعة والجمال من الشعر الروسي، ولهذا، حرصت – أشدّ الحرص - على تعريف شعرها وحياتها لطلبتي  في جامعة بغداد لاحقا، وقد ذكّرني أحد طلبتي السابقين، عندما التقيته صدفة في موسكو مرّة قبل فترة قصيرة، انه لايزال يحفظ عن ظهر قلب قصيدتها الشهيرة – (يعجبني انك لست مريضا بي)، والتي كانت ضمن منهجنا الدراسي في الصف الثالث بقسم اللغة الروسية لمادة الشعر الروسي، وألقاها هذا الطالب امامي كي يثبت لي انه لازال يحفظ عن ظهر قلب تلك القصيدة  وهو يبتسم، وابتسمت أنا ايضا، وقلت له، ان القصيدة هذه قد تحولت الان الى اغنية روسية شهيرة جدا .

الحديث عن تسفيتايفا (ذو شجون) كما يقولون، لكني اريد ان اتوقف في هذه المقالة عند مجموعة مدهشة الجمال من القصائد، التي ترجمتها تسفيتايفا الى الروسيّة، والتي اطّلعت عليها قبل فترة قصيرة ليس الا، قصائد مختارة بعناية ورشاقة من الشعر الالماني والانكليزي والفرنسي والاسباني والبولوني  والجورجي والبلغاري وغيرها، وهي قصائد تستحق القراءة و التأمل فعلا، اولا، لأن شاعرة رائعة مثل  تسفيتايفا هي التي اختارتها، وهذا يعني انها كانت معجبة بها طبعا، و ثانيا، لان شاعرة عظيمة بمستوى تسفيتايفا هي التي ترجمتها الى الروسية وصاغتها، فما أروع ذلك وما أجمله.

 و نبدأ الحديث قليلا عن مترجمة الشعر الاجنبي الى الروسية، الشاعرة مارينا تسفيتايفا، ونحاول ان نعطي نموذجا من تلك الترجمات .

ترجمت تسفيتايفا من الشعر النمساوي، ومنها قصيدة بعنوان – من قال لكم، ان كل شئ سيختفي، ومن الشعر الانكليزي، ومنها اغنية ستيفانو من المشهد الثاني لمسرحية شكسبير العاصفة، وترجمت من الشعر الالماني، ومنها اغنية شعبية بعنوان – اليوم الابيض لي أكثر سوادا من الليل، ومن الشعر الفرنسي، ومنها اغنية شعبية بعنوان – وأنا اقبّل حبيبتي، اقتطفت وردة، ومن الشعر الاسباني ترجمت تسفيتايفا  مجموعة مختارة من قصائد غارسيا لوركا، واقدم للقراء – ختاما - مقطعا من قصيدة  لوركا بترجمة تسفيتايفا، والقصيدة بعنوان – القيثارة .

القيثارة

=====

..........

يبدأ

  بكاء القيثارة .

آه، لا تنتظر منها

الصمت،

لا تطلب منها

الصمت.

القيثارة تبكي

كما المياه تبكي

في المنحنيات،

كما الرياح  تبكي

فوق الثلوج،

......

كما الغروب يبكي

وهو يودّع الفجر،

كما الطير يبكي

وهو يودّع الحياة

تحت تهديد

لدغات

 الحيّات...

....

.....

تحية حب وتقدير للشاعرة مارينا تسفيتايفا وتصفيق حاد لها، وتحية حب وتقدير للمترجمة  مارينا تسفيتايفا وتصفيق حاد لها....

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

حميد بن خيبش(أدب الفقهاء) كتاب ألفه العلاّمة عبد الله كنون[1326-1410هـ /1908-1989 م] ليحامي عن العطاء الإبداعي للفقيه، ويُثبت أن له قدما راسخة في دنيا الأدب والتعبير الجمالي عن أحوال النفس البشرية. غير أن المطلع على سيرة هذا المفكر والأديب المغربي يشعر أن صاحب (النبوغ المغربي) ينافح عن نفسه، ويدافع عما طرأ من تحول في مسار حياته.

نشأ عبد الله كنون في كنف أسرة تتصف بالعراقة والمكانة العلمية. وتلقى منذ صغره تعليما دينيا حيث حفظ القرآن على يد والده، وتبحر في علوم الشريعة واللغة العربية بحسب المناهج السائدة آنذاك في المغرب. غير أنه أظهر ميلا مبكرا للأدب والتاريخ، وتجاوبا واضحا مع حركة النهضة والتجديد التي كانت طلائعها تلوح من المشرق.

وجّه كنون اهتمامه منذ شبابه للحياة الفكرية والسياسية كتعبير عن نضاله ضد الاحتلال الأجنبي. وسعى لإعادة الألق للأدب المغربي وربطه بالمشرق، من خلال الكشف عن ذخائر العطاء الحضاري للمغرب وأعلامه. والتمكين للغة العربية وآدابها في فضاء يعج بألوان التفرقة وإحياء النعرات، وتفكيك عرى الوحدة الوطنية. ويشهد إنتاجه الذي ناهز مئة كتاب على الدور القيادي الذي اضطلع به كنون كأحد رواد الثقافة العربية، والنموذج الريادي للمثقف المؤمن بمقومات الشخصية المغربية وإسهاماتها في إثراء الفكر الإنساني.

ضمن هذا السياق يَرد مؤلَفه (أدب الفقهاء) الذي سعى من خلاله إلى تحقيق غايتين:

أولاهما هي توجيه الدراسات الأدبية إلى استيعاب العطاء الأدبي للفقهاء، وإبراز قيمته الفنية والجمالية. وهنا يكشف كنون عن تذمره من حالة الانشطار السائد داخل الثقافة العصرية، والأحكام الجاهزة بحق الفقهاء، فيعلل إصداره بالقول:" هذا بحث طريف في موضوع أدبي شائق، طالما أغفله الكتاب وتجنى عليه النقاد، وهو أدب الفقهاء وأعني شعرهم المغموز ظلما بالضعف، والمضروب مثلا لكل شعر ليس بذاك."

والثانية هي تحقيق الصلة بين الأدب المغربي ونظيره المشرقي، ضمن خطوة لإزاحة الستار الكثيف الذي اجتهد الاحتلال الأجنبي في إسداله بين أقطار الأمة العربية. ناهيك عن إصراره الدائم على إدراج أعلام المغرب ضمن السياق الطبيعي لتطور الحركة الأدبية والفكرية بشكل عام.

بداية يؤكد المؤلف على أن معيار النقد الذي يجب أن تسترشد به الدراسات الأدبية في تقييمها للمنجز الإبداعي، بشقيه النثري والشعري، هو التمكن من المادة الأدبية، ومدى توفر المَلَكة بما تعنيه من جمع بين طاقة الإنتاج والذوق. وهذه الموضوعية كفيلة بأن ترد لأهل العلوم الشرعية اعتبارهم، وتُحرر النقد الأدبي من التحيز والفرضيات المسبقة.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى يكشف المؤلف عما تمتع به بعض أعلام الفقه من ثقافة أدبية متينة، وشاعرية تعبر بعمق عن أسمى مظاهر الوجدان الإنساني وتقلبات الروح في عالمها الفسيح؛ دون أن يخدش ذلك مكانتهم العلمية أو وظائفهم الشرعية. ولا ينسى كنون في هذا الصدد أن يبدد التمثل السائد لدى أغلب الكُتاب بكون الشعر الذي ينظمه الفقهاء ليس سوى قالب أدبي لاستعراض الأحكام الفقهية، والمواعظ والاختلافات المذهبية؛ حيث يخصص القسم الثاني من مؤلفه لتناول الموضوعات التي تطرق إليها الفقهاء في إبداعاتهم، وهمّت كل أغراض الشعر دون استثناء.

في القسم الأول الذي يُعنى بالناحية التاريخية، يحشد كنون جملة من الأدلة التي تلغي المسافة القائمة اليوم بين الفقيه والأديب، ففي مدرسة الصحابة تردُ نماذج حية جمعت بين الفقه والشعر كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.

وفي طبقة التابعين يتردد اسم الفقيه المحدث عروة بن أذينة، الذي روى عن ابن عمر وروى عنه مالك بن أنس. وكان له شعر عاطفي رقيق كَلف الناس به، ويكشف فيه عن روح الإسلام والثقافة السمحة التي تمتع بها مجتمع المدينة المنورة آنذاك.

أما بقية الفقهاء وأئمة العلم فلم يشغلهم تفريع المسائل والفتوى في النوازل عن التعبير عن مكنونات صدورهم كسائر الناس، واستلهام أنماط التعبير الأدبي الشائعة في كل عصر لتناول الهموم الاجتماعية، وأحوال النفس وآمالها. كل ذلك بعبارة رشيقة، ولغة رصينة، وإحساس عميق بالجمال.

فالشافعي رحمه الله إلى جانب فقهه وإمامته في العلم كان شاعرا مفلقا. وديوانه في الآداب وأحوال الدنيا أشهر من نار على علم.

ولعبد الله بن المبارك أشعار ذائعة الصيت في إصلاح المجتمع، وانتقاد أهل السياسة المتلاعبين بالدين. ولا يزال صداها يتردد حتى اليوم في ثنايا الدروس والكتيبات التي تُعنى بالإصلاح الديني.

وكان للقاضي عبد الوهاب بن نصر، أحد أعلام مذهب مالك ببغداد، أشعار غاية في الرقة والجمال. وقد أثنى أبو العلاء المعري على شاعريته عند اجتياز القاضي لبلدة المعرة في طريقه إلى مصر، حيث أنشد قائلا:

والمالكي ابن نصر زار في سفر

بلادَنا فحمدنا النأي والسَفرا

إذا تفــقــه أحيـــا مالكــا جدلا

وينشر الملك الضلّيل إن شعرا

فشبهه بالملك الضلّيل، وهو امرؤ القيس، تأكيدا لنبوغه الأدبي.

كذلك أبدى ابن حزم الظاهري باعا طويلا في قول الشعر على البديهة. وخلّف أبو الوليد الباجي والقاضي عياض وأبو علي اليوسي وغيرهم، قصائد تنم عن تمكن من الصنعة الشعرية.

إلى جانب المعطى التاريخي الذي يحتج به كنون على رسوخ قدم الفقيه في القول الأدبي عموما، ينتهج في القسم الثاني من الكتاب سبيلا آخر هو الناحية الموضوعية التي تهتم بأغراض الشعر وفنونه، ومدى تجاوبهم مع تفاصيل الحياة اليومية، وانشغالات الناس التي تدور حول المعاش قبل المعاد؛ فيعرض لنماذج من أدب الفقهاء تغطي المواضيع المتعارف عليها بين الدارسين. ويحدد الخصائص التي تميز القول "الفقهي" كل غرض من أغراض الشعر.

على سبيل المثال يتميز العطاء الفقهي في شعر العاطفة والوجدان بشيء من التحفظ الذي يقتضيه وقار العلم، ولذلك ابتدعوا الأسلوب الرمزي واهتموا بالصفات المعنوية، مما جعل أشعارهم خالية من دواعي التهتك وتحريك الغرائز البشرية. و بالرغم من ذلك لم يسلم بعضهم من التشنيع، مثلما حدث للقاضي أبي حفص بن عمر الذي اشتهرت بين الناسِ مُقطعاته الرائعة في الغزل؛ فسعى به الوشاة إلى الخليفة المنصور الموحدي، وزعموا أنه "غير حافظ للناموس الشرعي "،فنقله من قضاء فاس إلى قضاء إشبيلية.

وفي الشعر الفلسفي عرضوا لبعض المباحث الفلسفية، كالوجود، ومصير الإنسان، وفلسفة الحياة و الموت، دون دخول في التفاصيل أو استدعاء لآراء الفلاسفة؛ كالقصيدة العينية لابن سينا، وقصيدة ابن الشبل البغدادي التي يقول في مطلعها:

بِربكَ أيها الفلك المُدار      أقصدٌ ذا المسيرُ أم اضطرار؟

أما شعر الآداب والحِكم فهم مصدره وواضعوا قواعده؛ لذا احتوت قصائدهم على زبدة ما جاءت به الشريعة وأيدته الحكمة، يقول المؤلف، كما في أدب الشافعي والجرجاني وأبي الفتح البستي و غيرهم.

وفي باب المدح لم يكن معظمهم يمدح رغبة في المال أو جوائز الأمراء، لأن ذلك يتعارض في حالات كثيرة مع واجب التصدي للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحق الرقابة على سياسة الدولة. ومعلوم أن هذين الركنين يقتضيان صراحة وشفافية لا تتحملها قصائد المدح كما هو الشأن لدى بقية الشعراء، ممن يبالغون في مدحهم إلى درجة الاستهتار والكذب. لهذا نجد أن أغلب عطائهم في هذا الباب موّجه لتمجيد الذات الإلهية، ومدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وبعض من يستحقون الثناء من الأمراء والعلماء والصالحين.

ولأن الفقهاء بشر من الناس، وتستفزهم أهواء النفس فيغضبون ويثورون، وتنشأ بينهم أسباب النقد والخصومة، فإن عطاءهم امتد كذلك لغرض الهجاء؛ إلا أنه هجاء لا يحمل صاحبه على الفحش و السباب، بل يلجأ في معظمه إلى التعريض والكناية. ومجمل قولهم الشعري في هذا الباب لا يتعدى أبياتا قليلة.

وكما هو الشأن في المدح فإن مراثيهم كانت تصدر عن عاطفة صادقة بلا مجاملة أو تكلف. بل منهم من اشترط ألا يكون الرثاء إلا في حق خمسة هم: العالم، والإمام العادل، والكريم، والمجاهد، والتقي الزاهد. ويختم بقوله:

فهم خمسة يُبكى عليهم وغيرهم          إلى حيث ألقت رَحلها أمُ قشعم

ويتوقف المؤلف عند نقيصة ألحقها النقاد بالأدب العربي، حين يثيرون مسألة خلوه من الأدب الملحمي الذي حفلت به الآداب الأجنبية. ويستغرب كيف اندفع بعضهم لتأكيد وجود نماذج منه في القصص الشعبية مثل السيرة الهلالية وسيف ابن ذي اليزن، في حين أن الفقهاء تصدوا لهذا اللون بامتياز في المطولات التي تتناول السيرة النبوية، كبردة البوصيري وهمزيته، والوتريات لابن رشيد البغدادي وغيرها. وتكشف الخطوط العريضة لهذه القصائد عن مزاوجة فريدة بين سرد الوقائع والأساليب البيانية، وعرض الحدث ضمن صورة شعرية. لذا يرى المؤلف أن هذه المطولات ليست نظما للسيرة النبوية ولكنها عمل فني ذاتي موضوعه السيرة.

وفي الختام يثير المؤلف مسألة النظم التعليمي، والمتون التي يعتمدها طلاب العلم في دراساتهم؛ منبها إلى أن الأدباء هم أول من تعاطى هذا اللون، حين نظم الأديب العباسي أبان اللاحقي كتاب (كليلة ودمنة) ليسهل حفظه. ورغم أن مراميه تعليمية صرفة إلا أنه يتطلب قدرا من المعاناة في صياغة قواعد العلم، والحرص على المزاوجة بين السهولة التامة وقيود النظم.

لم يُخف عبد الله كنون توجسه من استمرار الفجوة بين الدراسات الأدبية والإنتاج الشعري القيّم المتصل بالدين وعلوم الشريعة. ويرى أن الثقافة الإسلامية تقتضي رأب الصدع المفتعل بين الفقه و سائر الآداب والفنون التي تروم تهذيب الحس الإنساني، وتغذيته بقيم الجمال والخير والحب الصادق. إنه الوضع الأمثل الذي يُحررنا من انشطار مؤلم، عبّر عنه أبو الفضل النحوي بقوله:

أصبحـت فيمـن لهم عـلـم بلا أدب     ومَن لهم أدب عـارٍ عن الديـن

أصبحت فيهم غريب الشكل منفردا    كبيت حسانٍ في ديوان سحنون.

 

حميد بن خيبش

 

 

محمد الزموريبعيدا عن اخبار الموت المتلحف بوشاح اليأس والفقد، وبعيدا عن جائحة "كوفيد 19"، وأخبار الانتقام الطبيعي أو الغزو المخبري البيولوجي، تجتاحنا في عزلتنا الإلزامية العديد من الأفكار ومنها دور الموسيقى في الحياة الإنسانية ففي شتى أنحاء العالم ومنذ ولادتنا، والجميع يسمع للموسيقى، سواء كان غناء مسيحي أو مديح نبوي إسلامي، أو ايقاعات بوذية أو موسيقى عبدة الشيطان، أو شخص مثلي يستمتع بالأهازيج الشعبية، أو رقصة فولكلورية، الموسيقى دائما معنا، ولا يوجد من لا يستمتع بالموسيقى والغناء، لأنه ببساطة جزء من نظام حواسنا، حاسة الذوق للاستمتاع بالأكل والشرب، حاسة البصر لاستمتاع بالجمال الطبيعي والبشري والفني، حاسة الشم للاستمتاع بعطور شانيل أو بتفاعلات ريح اخرجته أثناء اجتماع رسمي ولم يكشفك أحد، وكذلك حاسة السمع للاستمتاع بالجمال الموسيقي، من ايقاع موزون وشعر ملحون وكلام مرصون.

الحواس تعمل بشكل عاطفي للغاية، تتفاعل مع الهرمونات، بل هي ما يؤثر على عقلنا لكي يرسل اشارات للغدد وتطلق هرمونات في اجسادنا، كل شيء له تفسير علمي، وإذا أدركت كيف يعمل جسدك علميا سوف تعيش بشكل مريح.

الموسيقى أحد انواع التسويق، وعبر التاريخ كان التلاعب بالأصوات أكبر تحدي عاشته البشرية في ظل صراعها مع الطبيعة، الرعد مثلا كان يخوف الى حد كبير أجدادنا النياندرتال، كما كان الأسد والذئب يجعلهم يتغوطون مكانهم. الموسيقى هي أحد وسائل التعبير عن القوة والاستعداد للقتال او الاحتفال بالفوز في حرب أو بعد موسم صيد جيد، كما هي زئير الاسود، واصوات الحيوانات الاخرى، وهكذا بدأنا بالطبول ووصلنا لمكبر الصوت Wilson Benesch الذي يطرب مدينة بأكملها.

وجدت الموسيقى لكي توقظ فينا التيستوستيرون وأحاسيس أخرى، وتلاعب انفعالاتنا، بالأول كانت مرتبطة بالحرب، حتى وصلت اليوم الى الموسيقى التصويرية والرومنسية وموسيقى الرعب، فهناك بالفعل بعض الألحان بفعل التدريب الهوليودي للمتلقي تدل على أشياء معينة ورسائل مشفرة.

كل شيء بدأ مع القبائل الأولى في تاريخنا البشري، متمثلين في خمس تفرعات أساسية كبرى، ظهر الفن الغربي في البحر الأبيض المتوسط، وفي افريقيا مع القبائل الزنجية، وفي أمريكا اللاتينية مع قبائل المايا والأنكا والأزتيك، وفي أوروبا الشمالية ظهرت الموسيقى السلتية مع الشعوب الجرمانية والساكسونية، وفي اسيا مع الشعوب الهندية والصينية، كل تلك الموسيقات هي من اشتقاقات الطبول. وبفعل التلاقح الثقافي والحضاري والحروب والتوسعات الامبريالية والتصاهر الفكري والمعرفي تعددت المدارس الموسيقية.

اذا تتبعنا هذه الموسيقات كلها انثروبولوجيا سوف نجدهم يتشابهون، الحرب والقتال والتيستوستيرون، البشرية كانت مسعورة للحروب، باستثناء الأمريكيين الأصليين الذين كانوا يعيشون في أراضي شاسعة ومليئة بالموارد، لذلك فموسيقاهم كانت أكثر هدوء، وتخاطب الباطن النفسي والتناغم المتوازن مع الطبيعة، بعدها بدأنا التخبط، فتناسلت موسيقا متعددة، وبدأت الموسيقى توظف في الاحتفال وأشياء أخرى، وهذا التلاقح هو ما ولد لدينا تعدد الأذواق، بشكل او بآخر كل تركيبة جينية تتفاعل مع موسيقى معينة، وغالبا الانسان الذي لا يتمتع بمستوى ذكاء مرتفع يستمتع بأي كان، ويقتنع بأي تفاهة، لان دماغه لا يتمتع بمهارة حب الحفر والتنقيب على التموجات والابداعات الموسيقية، دماغ غير مدرب وفارغ، على عكس الناس بمستويات ذكاء مرتفع، الموسيقى ان لم تكن معقدة فلن يسمعوها، وهناك قاعدة تقول: بقدر ما انتشرت الموسيقى وكان عدد مشاهداتها على اليوتيوب كبير، بقدر ما تكون سوقية وبليدة وتساهم في استغبائك، فكل موسيقى منتشرة بشكل كبير بين الناس ابتعد عنها فقط وركز على التعقيد، حيث الموسيقى تدريب لاذنيك وعقلك.

الموسيقى المعقدة تحتاج الرياضيات والعلم والتمعن والانصات العميق، مثل باخ وموزارت وبيتهوفن، لذلك موسيقاهم ارتبطت بالعلماء والطبقة الراقية من هرم القوة المجتمعي. الموسيقى كلما كانت مركبة كلما ارتفعت جودتها وكلما ساهمت في ارتقاء ذكائك.

موسيقى باخ جد معقدة، لأنه جد ذكي، وهناك العديد مثله فهم مثل الفلاسفة والعلماء العظام ويستحيل أن تستوعب جمال الموسيقى من اول مرة، لذلك فبيتهوفن مشهور، بالرغم من انه لا يقارن بباخ او موزارت، لكنه يبقى مع العظماء، بالرغم من أن سمفونياته غير معقدة كفاية. والتعقيد هو عملية علمية وزمنية، وليس ابداع لحضي طارئ، لذلك الأوبرا وغيرها من الأنواع الموسيقية الراقية يصل ثمن تذكرة مقعد حقير في الصفوف الأخيرة الى أكثر من ألف يورو، لأنها الموسيقى الحقيقية، والباقي هو تعوق ذوقي مزمن.

الموسيقى عرفت قمتها في القرون الوسطى، لأن الملوك الفيوداليين الاقطاعيين كانوا يهتمون بالفن، كما وقع نسبيا عند المسلمين مع زرياب، وكان الملوك والسلاطين الكبار مثل هارون الرشيد يدركون جيدا قيمة الفن والثقافة في الارتقاء بالذوق البشري، وعرفت الموسيقى قمتها في العهد الاسلامي في الشرق، والعهد الفيودالي في الغرب، من بعد هذا التاريخ اصبح التخبط هو السمة البارزة، بسبب السياسة، ولم ترجع الأمور الى التطور الا في القرن العشرين بسبب الاستقرار السياسي أولا، وبسبب التطور التكنولوجي ثانيا، من راديو وآلات موسيقية، وكل شيء سوف يبدأ مع أحد اهم الابتكارات في التاريخ البشري: المايك، وطاولة التنسيق والدمج الصوتي والقيثارة الالكترونية.

صودف هذه الابتكارات تطور النزعة التحررية التي نمت بعد الحرب العالمية الثانية، والتي جعلت الناس تثور على قواعد التعقيد، وبدأ الهمج في الصعود، ولكن بسبب الاوليغارشية التي كانت تسود، لم تكن هناك إمكانية أن تعرف تلك الموسيقى طريقها الى المذياع والتلفاز، وهذا ما عزز موقف ظهور الأساطير، واولهم "تشوك بيري"، ثم "جيمي هندريكس". لكن الموسيقى تنحوا نحو أيقاظ التيستوستيرون والرقص، ولم يعد الرقص حكرا على الفلكلور، وهذا بسبب أن الناس تأثروا كثيرا بالحروب، فحاربوها بالرقص، عكس شمال افريقيا الذي لم تتطور مفاهيمه الموسيقية وتجمدت مع الشيخات.

وخلال تطور نزعة الرقص والتعبير عن المعاناة ظهر "البلوز" و"الجاز"، فبرز "ذادورز" ومن بعده "الپينك فلويد"، وأصبح الاتجاه السائد هو لتفريغ التيستوستيرون.

خلال فترة السبعينات سوف ترتفع أصوات عديدة عبر العالم لتنادي بموسيقى أكثر شراسة، لتلبية الرغبات التيستوستيرونية، وسوف يظهر نوع من الموسيقى أميل إليه شخصيا، وهو موسيقى الميتال، لأنها تجمع بين عمق التلحين الموسيقي والسرعة التيستوستيرونية في الاداء وقوته الواقعية. وهاد النوع الموسيقي شكل ثورة ثالثة بعد الحرب العالمية الثانية، لأنه بدء يرجع الامجاد الموسيقية لباخ، ولكن بسرعة أكبر بكثير، وتركيز موسيقي رائع. هاد النوع الموسيقي سوف ينتشر في مناطق متفرقة في العالم، في وقت واحد، بل في سنة واحدة، وهذا ما حير علماء التاريخ الموسيقي المعاصر، وتطور الوضع مع فرق موسيقية مثل "ميتاليكا" و"ميڭاديث" و"السيپولتورا" و"السلاير".

وخلال الثمانينيات قاومت الميتال الوضع واستمرت في الانتشار والاكتساح الى جانبها كانت الموسيقى اللاتينية تمثل رافدا قويا للانتعاش في اللحن والكلمة، ومع نهاية التسعينات أصاب الموسيقى الركود، واقتصرت على تقليد كل ما سبق في إطار من الركاكة والتشوه. حيث ظهر خلال هذه الفترة الراب وهو ليس بموسيقى، ولكن تعبير فني شاعري بذيء، كردة فعل سياسية للجهل الذي يقبع فيه السود الأمريكيين، ولا أنكر اعجابي بهذا النوع الفني، لكن فقط أغاني "دي ام اكس"، "ان دبليو أي" وتوباك"، "ايمينيم"، أما الراب العربي فلا يزال غير مصنف.

واخيرا، كنصيحة حاولوا ان تنقوا آذانكم، اسمعوا لموسيقى راقية، امنحوا لهرموناتكم القدر الكافي من الغضب ولخلاياكم العصبية القدر الكافي من التعقيد لعل وعسى أن يتطور لديكم مستوى الذكاء. فالذكاء والتيستوستيرون هي أهم العناصر اللازمة لتحقيق الاهداف والانجاز بصفة عامة.

 

ذ. محمد إبراهيم الزموري

باحث في الشئون القانونية والإنسانية. 

 

 

نايف عبوشمتلازمة فرط استذكار أم تواصل عضوي مع جذور النشأة

توصف الثقافة العربية التقليدية بأنها ثقافة طللية من الجاهلية إلى اليوم.ولكن ذلك قد لا يعني أنها ثقافة متبلدة،وانها ليست سوى بكائيات جافة لا جدوى منها، لاسيما وأن حرارة الانتماء إلى المكان، والالتصاق العضوي الأصيل بعناصر بيئة النشأة، يمكن تلمسها فيها بسهولة. فالإنسان العربي مجبول طبعه ابتداءً، بطين بيئة ما سكن من الديار، وبود من عاشر من القوم.

ففي الشعر الفصيح قال امرؤ القيس في معلقته قديماً في هذا الصدد:

قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل...... بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ

فتوضح فالمقراة لم يَعفُ رسمهاَ......... لما نسجتْها من جَنُوب وَشَمْأَلِ

وفي الشعر الشعبي المعاصر يقول أديب البادية سهيل الجغيفي في التغني بالديار :

يادار من غيرج فلاكو طرايف....... ياكن تربانج على الروح نوار

وشعاد لو نسكن كصورن نظيفة....تبقى تراسيمج على البال تذكار

بينما نجد الشاعر أحمد العلي السالم ابوكوثر يقول في زهيري جميل له، يتوجد فيه بالماضي، ويتأوه عليه:

راحن ليالي السعادة ياحمد مايجن

رمدن عيوني وعكب كت الدما مايجن

افطن عليهم ويوجعني الجرح مايجن

ليلي علي، وأدور للجرالي طب

والسكم هدم اركاني وعلى عظامي طب

راحو الجانو طبعهم يزرعون الطيب

عفية علعكل صاحي ياحمد وما يجن..

هكذا إذن يبقى الحنين والانتماء إلى المكان، إلى الوطن، جدلية متواصلة عبر الزمن، ولا انفصام لها، لدى الإنسان العربي، ولاسيما لدى إبن الريف، وابن البادية على نحو خاص،فلعل جيناتهم التراثية، إذا جاز التعبير، عصية على التهجين، فهي لا تتقبل التهرمن بضغط تداعيات العصرنة الجارفة، مهما تم حقنها بجرعات من إيجابيات منجزاتها المتتالية، وذلك لأن اصالتها متجذرة في أعماق الوجدان الشعبي ، وغائرة في صلب المخيال الجمعي للأجيال.

ولذلك نجد أنفسنا، وفي زحمة ضجيج عصرنة صاخبة، نشعر وكأننا نعتاش اليوم، على ما يختزنه عقلنا الباطن، وما تحمله مخيلتنا من ذكريات الماضي، حتى وان كان بعضها مؤلما، وذلك استشعارا منا لسعادة وجدانية تلقائية خلت ، نتجاوز بها تعاسة استلاب الحاضر، وصخب الحياة الراهنة، بعد رحلة متواصلة من المعاناة الشاقة، والمرهقة، نفسياً، على كل ما في حياتنا المعاصرة من مغريات تفوق الخيال ،حيث يبدو أن تعدد مفردات الحياة الراهنة، وسرعة ايقاعات حركتها، قد افرزت هموما تفوق بعبئها، حجم قدرة التحمل المتاحة لإنسان العصر الراهن، مما يفوت عليه في نفس الوقت، فرصة تذوق نكهة تلك المغريات، ويدفع به إلى الانكفاء نحو الماضي، ليتلذذ باستذكار سعادة مضت، من سالف تلك الأيام الخالية.

ولعل المدهش حقا، هو انثيال عاطفتنا الجياشة، وطريقة تعبيرنا عنها بهذه التلقائية الوجدانية الخالصة ، عما يجول في خاطرنا، وما نكابده من معاناة تلك الهموم، والعزلة، بفجوة الجيل، في حياتنا الراهنة، هو ما يدفعنا للسعي لتجاوز مرارتها، بلجوئنا لإعادة إنتاج صور الماضي،واستيلادها بذهننا، بطريقة وردية، لنشاطر زملاءنا الآخرين، الإحساس بوحدة المعاناة، ونشاركهم الحنين الى تلك الذكريات، رغم كل الفوارق الشخصية في معايشتها. إذ لا شك أن البعض منا يكون قد عاشها في سعادة، في حين عاشها البعض الآخر في تعاسة.

وبغض النظر عن التفسيرات الأكاديمية البحتة ، لمثل هذه الظاهرة من الحنين الى الماضي، بهذه الطريقة الوجدانية المؤثرة، فإن وصفها ب(هايبرثيميسيا) أو ( متلازمة فرط التذكر) باعتبارها حالة مرضية،تجعل الشخص المصاب بها، يتذكر كل لحظة مرت في حياته بكافة تفاصيلها، ولا ينسى منها شيئا،ومن دون الحاجة للدخول في تفاصيل تلك التأويلات العلمية البحتة لها، والتي غالبا ما تختزلها في تفسيرات مهنية صرفة، قد تبدو بعيدة عن سبر كنه هذه الظاهرة، بمدلولاتها التراثية، والاجتماعية، المرتبطة ببيئة النشأة الأولى ، فإنها تظل حقيقة انسانية، ماثلة بيننا، نعيشها بعفوية في وجداننا، بين الحين والآخر، ولطالما شعرنا اننا نقتات فعلا على تخوم حافات ذكرياتنا،كلما سنحت لنا الفرصة بخلواتنا الفردية، بالعودة الى دهاليز ذاكرة الماضي، والتسكع في وهادها السحيقة، تلمسا لبصمات وردية حياة ماضينا الجميل،التي نلفيها تغمرنا بجرعة سعادة معنوية، كلما هربنا اليها من صخب ضجيج حياتنا المعاصرة، حتى وان بدت لنا سعيدة، وممتعة ، وطافحة بالرفاهية في كثير من جوانبها.

 ولعل استذكارات مرابع الصبا، وفضاءات فلاة أيام زمان، وانين الناي، وثغاء الأغنام، ونهيق الحمير، وصرير الجرجر، وزقزفة العصافير، وطقطقة صوت اللقالق في أعشاشها في أعلى خرائب الطين، وهي تزق فراخها بما جلبته لها من غذاء ، وقهوة العصر وشبة الضحى،تمنحنا فرصة استرجاع تفاصيل مفردات حياة عشناها، لتفيض علينا سعادة وجدانية،تفوق في تأثيرها النفسي ما تمنحه وصفات عقاقير مكافحة الاكتئاب، من سعادة مصطنعة، سرعان ما تنكفيء بمجرد زوال تأثير العقار .

 

نايف عبوش

 

عقيل العبودالاناقة بحسب المعنى الوارد في قاموس المعاني، من التأنق وهو من الفعل يتأنق، أي ما يسعى اليه الإنسان لأن يكون أنيقاً في مظهره، ولسانه، وعمله، وذلك يحتاج الى وقت ومجهود ودقة وتأن.

وبيت القصيد هو انني صرت ابحث عن طريقة أستبدلُ فيها ما تم التعارف عليه عن ذات المعنى، خاصة ونحن نخوض عصرا تسود فيه لغة المظاهر الفارغة، والأزمات لتكون بديلا عن القيم والأخلاق والرقي.

ذلك عبر سؤال مفاده كيف يصبح الإنسان أنيقاً كالنجم اللامع، اوكالشجرة المثمرة، كيف يصون بريق ذاته في فضاء هذا العالم الملئ بالمنافسات، والمتناقضات، كيف لهذا الكائن ان ينتزع شرور نفسه، ليحل رموز هذا الكون الملئ بالألغاز؟

لذلك توقفت قليلا عند فكرة ادلني اليها احد فلاسفة القرن العشرين الأستاذ الدكتور G، الذي يعمل استاذا محاضرا في احدى جامعات ساندياكو في قسم الفلسفة، حيث قال لي بالحرف الواحد: عقيل اذهب الى برنامج TED، وهو برنامج علمي وثقافي يمكن متابعته عن طريق ال YouTube.

انذاك لم اكن متابعا جيدا لهذا البرنامج، لكنني بعد حين وجدت نفسي منغمسا بتتبع محاضرات اولئك الذين يقفون امام ذلك الكم الهائل من الجمهور، وديدنهم إيصال ما يريدون قوله عبر أبحاثهم العلمية بتأنق مؤثر.

فالمحاضر بطريقة إلقائه وحرصه يصل بسرعة الى عقول مستمعيه عبر قلوبهم وهو بدقة متناهية وأسلوب جذاب يسعى لإستعراض ذلك الكم الهائل من المعلومات الى الجمهور من خلال استخدام وسائل التكنولوجبا المتطورة.

الصالة التي يرتادها اولئك الناس ليست على نمط صالات الطرب والأغاني التي ما زال بعض العامة من اصحاب الدخول العالية يتبارون للوصول اليها، بل هي قاعات كبيرة تستوعب جميع من يهمهم امر الإبداع والبحث بغية استكشاف لغة العلم واسرار المعرفة.

النقطة الأساسية هي كيف ان المحاضر يحظى باحترام وانصات الجالسين، وتلك في تقدير المعنيين، أسمى خاصية لمعنى الاناقة، كونها من خلالها يستدرك المظهر الجمالي للمعرفة، حيث بها تتجلى القيمة الحقيقة للعلم والعالم، وبها يصبح للحياة معنى، وللإنسان معنى وللكلام معنى.

لذلك ومن باب المقارنة عدت منكفئا حاملا حقيبة غربتي الى بلدي الذي انهكته جيوب المنتفعين، وسرقات البطالين ممن تظهرهم شاشات التلفاز بتلك البدلات الأنيقة واللقطات الزائفة.

فلم اجد للأناقة محلاً، الا مخلفات هذا الركام الهائل من البؤس، والأمراض والفقر والفوضى، والخطابات الفارغة، وتلك صور أفرزتها موائد المتخمين من الساسة، ومؤتمرات احزابهم الفارغة.

 

عقيل العبود

 

صالح الرزوقبقلم: سكوت هايمس

ترجمة: صالح الرزوق


شيء له معنى أن يقول كيلمان عن قصته المعروفة “شيء رائع أن تكون رائعا” إنها “محاولة مبكرة لتدوين صوت المتكلم بلغة أدبية أو صوتية”.  ولتكون القصة ناجحة احتاج لعدة مسودات، لكن الدقة الألسنية لم تكن هدفه النهائي، أو أنه لم يتعامل معها على أنها بحد ذاتها هي الغاية وخاتمة المطاف، فالاستثمار الذي يقصده كان أدبيا قبل أن يكون صوتيا.  وقد أكد كيلمان عن تحسسه من النقد الذي يعتقد أنه وضع “أدوات التعبير” في “رأس أولوياته”، بينما “الشيء المعبر عنه لم يحصل على ما يستحق من عناية”. اللغة وسيط فني وبه حاول أن يصنع شيئا. أن يكون الوسيط “صالحا” ضرورة من الضرورات، ولكن هذا ليس كل شيء. إنها نقطة جوهرية أن تفهم روح الجانب الإستاطيقي في مقاربة كيلمان لما هو شفوي.. اللهجة وصوت المتكلم.  كيلمان فنان واقعي، وهو لا يستلهم لفظيا “الثقافة الشفوية” دون تعمد (دون وعي بذاته). فهي ثقافة مرتبطة بنشاط اللفظ “الطبيعي”. علاوة على ذلك لم تكن إضافة كيلمان على المستوى الألسني “فجة” - بمعنى أنه لم يحاول تجاوز تقاليد “شكل الأدب الإنكليزي الرسمي”، وفي ذهنه هدف واحد هو كتابة “المضمون الاجتماعي” مباشرة في داخل النص، كي يؤسس لأسلوب أصيل دون وسيط. إن ما تجده في محكيات كيلمان، يبدو “مادة خاما”، وبلا مواصفات فنية،لكنه في الحقيقة أسلوب مقصود بحد ذاته، ووراءه عمل حرفي متعمد. لنأخذ هذه الفقرة من رواية “عليك أن تكون حذرا في أرض الأحرار”، وفيها يقوم البطل جيريمياه براون بمتابعة حوار بين متشردين يتسكعان حول المطار حيث يعمل بصفة حارس: 

سحبني الموضوع إلى أعماقه، وكلما طلع اهتمام هومير وجيثرو، طلع في دماغ كل منهما حكايات مسحورة وفوق طبيعية عن عالم الفضاء الخارجي وألغازه وعمالقته. وهل هيك عجيب بحضور ويسكي 147 روتغات المركز الذي يشربانه. الزلمتان مغرم بالكتب المسلية التي تتكلم عن عجائب الحياة في  باطن الأرض ومخلوقاتها وعن الأولاد الزغار الذين يسبقون بذكائهم المشعوذين والعرافين الخطرين.  كانا يعتقدان أن “العالم كما نعرفه” لن يتحسن حتى نعود إلى أخلاق وآداب عصر لانسلوت وجوينيفير وفرسان المائدة المستديرة. 

من المعروف أنه طالما كان الحوار في الأدب الواقعي  يميل لتوظيف مثل هذه اللغة المنطوقة في كلام الشخصيات الهامشية والغريبة - شخصيات من نوع هومير وهيثرو. ولكن الصيغ السردية هنا - الصوت “المرافق” الذي يخبرنا بالحكاية، عوضا عن أن نراه بميتا لغة سردية -  كان مشبعا بـ “المحلية” والطرافة والغرابة. لقد فرضت الصيغ الإسكوتلاندية هوية سردية “عميقة” (مثل كلمة طلع mair بمعنى زاد، هل هيك nay  بمعنى لا.  الزلمتان  baith بمعنى كلاهما). ويبدو أنها كلمات تؤصل هذا الصوت كما هو مبين أعلاه. ولكن كانت نبرة الصيغ السردية، كما يبدو، تخفف من تأصيل صوت الراوي، وتقدمه  بشكل صناعي ومتعمد (مثلا: تراكيب الأفعال ومنها قوله “حتى نعود إلى”). والسخرية من التوظيف الاحتفالي للمفردات والعبارات الرسمية والأدبية “المفخمة” في اللغة الإنكليزية من الأدوات المتكررة  في كتابات كيلمان، غير أن الهدف أو اتجاه السخرية الذي نلاحظه هنا (المشعوذين الخطرين) غير واضح..  قوالب السرد الفانتازي تصنف بشكل عابر في فئة “الكتب العجيبة”، يعني: الكتب المليئة بالغرائب و“ما فوق الطبيعي”، ولكنها “عجيبة” بنظر أبناء الطبقة التوسطة. ومثلما أن “الحركة إلى الأمام” تتحقق بالعودة إلى الرومنس القروسطي، تجرنا المستويات المختلفة لهذا العبور بعدة اتجاهات. وإذا تكلمنا بمصطلحات سردية،  النتيجة غريبة ومقلقة بدرجة أكبر مما هو عليه الحال في هاري بوتر. إن العالم “كما نعرفه” عبارة تترك لدينا انطباعا بالابتعاد والانفصال. نحن مستغرقون في كون متخيل أسلوبه شديد القصدية لدرجة كبيرة (إن لم يكن على درجات غير متفاوتة)، وهو أسلوب يعاني من الاستلاب لدرجة الغربة عن بروتوكول الواقعية “المباشرة” والتي تتبلور بالعادة بتوظيف الكتابة المحكية باعتبار أنها “خطاب موضوع” (ترعاها “ا ل ذ ا ت = الذات”). وليس هناك إشارة مرجعية يمكن لنا بها تصوير “الحقيقة” أو “الآثار الحقيقية”. وليس هناك واقع ملموس ومحسوس  للـ “أصوات” لنتمكن من قياس ومعاير إخلاصها.  وبكل تأكيد كيلمان معروف على نحو شائع أنه يوظف الأسلبة الفنية والأدوات الناطقة ليزيد من حضور، وليس من فوضى، الوصف الواقعي:

ربما ترغب أن تبتسم ولكن اللعنة على كل  ما تبتسم له، هذا هو الواقع، وعليك أن تكون حاضرا من أجله، تعلم ماذا أعني إن لم يكن لديك مجال لتختار يا رجل، هذا وضع مقلوب يقف على رأسه. يا للمسيح إنه يرتعش، يرتعش. توقف عن ذلك. ولكنه لم يتمكن من التوقف. إي يمكنه. نهض عن السرير وتقدم للأمام بأربع خطوات صبيانية، ثم أربع خطوات صبيانية إلى الخلف. أتعب نفسه وبدأ يتنفس، يتنفس فقط، حسنا، ثم إلى الجينز، ارتداه، وتوازن بيد واحدة اتكأ بها على الجدار، ثم القميص الرقيق الذي بلا ياقة.

يستعمل كيلمان هنا الكلام وتأثيراته ليمنح حياة سامي مسحة درامية: إيقاع هذه الفقرة من روايته “كما تأخر الوقت، كم تأخر” تصور قلق الشخصية وجهده الفيزيائي والعاطفي لضبط ومعايرة تدفق “تنفسه” الذهني، ويقودنا في النهاية لنكون في حالة انسجام عبثي مع ظروف سامي. حتى أصبحنا جاهزين لنشعر بما يصوره. إن المؤلف يستعمل، برؤية خاصة، اللغة كمادة مرنة يمكنه قولبتها ليحقق بها أثرا نوعيا.  غير أن  كيلمان ينأى بنفسه عن الاستعمال السلبي للغة والتي يجب على “أصالتها” النقية أن تكسب أكبر قدر من اهتمامنا، ولذلك يركز، من أخمص قدمه لمفرق شعره، على تشكيل وتطوير الانطباعات الألسنية التي يعتقد أنها طريقه للتأثير بالقراء. وغالبا ما يحاصر سبلنا الروتينية التي نحلل بها الأصوات ” أو شكل الألفاظ”.

وهذا يذكرنا أن اللغة موجودة لتستعملها لا لتعيشها، وهي ليست ببساطة “تجسيدا” للهوية الثقافية أو التجربة. وهناك شيء محير جدا بخصوص الافتراض الذي يقول: إن هويتنا الثقافية “محبوسة بطريقة ما داخل لغتنا. وأن هناك علاقة عضوية وطبيعية بين اللغة والثقافة” كما ذكر بيل أشكروفت. بالعكس من ذلك “اللغة ليست ببساطة موضعا أو مخزنا للمضمون الثقافي، ولكنها أداة، وغالبا سلاح”، ويمكن استعماله لأغراض متعددة، أداة هي بذاتها جزء من التجربة الثقافية التي نستعملها”. وكما سنرى لاحقا، إن صعوبة تجريد اللغة من الواقع الاجتماعي الذي يستعملها يشكل تحديا لأية محاولة تراكم المقاربة الجمالية فوق الأشكال المحكية. لكن حاليا، يكفينا أن نلاحظ أن اللغة هي وسيط وذات في الجانب الفني من أدب كيلمان. وهكذا نحن لا نتلاعب باللغة الإنكليزية، ولكن أيضا بعادات القارئ الألسنية في الاستقبال والفهم، وذلك  لفرض أسلوب يصنع فرقا  أو أثرا.  غير أنه غالبا ما يتم تجاهل نطاق هذه الآثار اللفظية. على سبيل المثال، معظم المونولوج الداخلي المومأ إليه أعلاه يكون “مقنعا” لما ينطوي عليه من محاكاة، ويمكننا بسهولة تخيل سامي (صاموئيل) وهو يفكر بهذه الأفكار.  ولكن بمكان آخر من الرواية تلعب المشابهة دورا مختلفا جدا.

يركع على ركبتيه حتى يلامس الأرض، باردة ولكن صلبة. بسط راحتي يديه على الأرض. وانتابه هذا الإحساس أنه بمكان آخر من العالم. وبدأت موسيقا تعزف في رأسه، موسيقا حقيقية جدا،  نومته مغناطيسيا، وها هي الآلات الموسيقية تقرع تم تم تم تي، تم تم تم تي، تم، تم، تم تي تم، تم تم، تم تي، تم، تم تم تم تي، تم تم تم تي، بونغ بونغ بونغ بونغ بونغ بونغ بونغ بونغ بونغ بونغ بونغ بونغ.  والآن هو في الأسفل يستدير ليستلقي على ظهره، يستلقي هناك مبتسما، ثم يبرز وجهه المتقلص والمتجهم، وهو يتألق بالألم. 

هذه “الموسيقا الحقيقية جدا” تعمل بواسطة إعادة تشكيل اللغة السردية، وتبدو على أساس أنها ألفاظ خام. وعوضا عن أن تكون نافذة على الكون السردي، أصبحت اللغة في حكاية سامي هي الحكاية، “أداة” تنجز ولا تصف إدراكاته فقط. إن الطلاء اللفظي يترسب بطبقات سميكة وداكنة،  فكيلمان يعمل على “تغريب” الإطار الذي نستغله لتحديد موضعنا من النص وبروتوكول تمثيله. لقد أصبحنا واعين تماما باللغة، فهي عامل يعمل بذاته و بمنطقه، ويكون وسطا تمر منه خبراتنا عن شخصيات من الواقع. يمكن القول أنه أصبحنا متأقلمين مع وجه المحكاة غير اللفظي للغة نفسها: بضجيجها الفيزيائي والمادي الملموس. سامي لا يفكر ولكنه يسمع، وفي هذا المشهد نحن مستمعون مثله.

هذه “الموسيقا حقيقية جدا” لأنها تعلق في فراغ الميتا خطاب الواقعي، وفيه لا يكون للغة السرد مادة، بل تكون نتاجا لغير الملفوظ.

هل ما يجري هو تعميق وتصعيد للواقعية، أو أنه انفصال ونأي عنه؟. هنا يوجد أثر مشابهة وتطابق - نوع من الاتكال على الصوت “الحقيقي” الذي يصخب في رأس سامي، على افتراض أنه مرتبط “بالألم المبرح المتفجر” - ولكنه ألم يستمد معناه من التعاطف التخيلي “لأذن القارئ الداخلية”، وليس لأي سيناريو “موضوعي” مسجل وممكن. عليه نحن قريبون من “الحلم الرومنسي للكلمات التي تفضح عالم الإنسان الداخلي”. إن أدوات كيلمان تركز على دراما اللحظة للعالم الداخلي وتركز على الإرث الرومنسي (وبالأخص في روايته “نفور”). وهذا يتضمن سعي ووردزورث من أجل صياغة أشعاره “بلغة بشرية حقيقية”. ويقتبس ديريك أتريدج نبوءة ووردزورث في “مقدمة” الحكايات الشعرية Lyrical Ballads” ، أشهر مقولة عن فن الكلام باللغة الإنكليزية، فيقول: 

على قراء الشعر أن “يكافحوا شعورهم بالاغتراب والغرابة”. والمعنى واضح  إن عبرت عنه بلغة مجازية:  ما نعرفه عن الشعر في عصر ووردزورث لا يعكس لغة البشر “الحقيقية”، ولكنه اجتهاد وجد الفرصة للانتشار..  وإن موقفهم من شعره المختلف - والذي تشع منه تلك اللغة “الحقيقية” وتضيء - يعبر عن حيرة واستنكار”.

وأحد مفاهيم غرابة “الحقيقي”، أن التقاليد المألوفة منفصلة تماما عن الواقع، ولكنها أيضا تحدد إدراكنا، فيبدو الواقع غريبا. وهذه مقاربة للكتابة بالمحكية والتي كان كيلمان، أحيانا، يدعمها كما يبدو. فهو يؤكد “أن الكتابة بالطريقة التي يعيش بها الناس” تظهر غريبة فقط بسبب الفرض القاسي للمعارضة المصموت عنها والتي تواجهها”.  أيضا يمكننا ملاحظة كيلمان من زاوية معاكسة، زاوية تحدد دورا مختلفا للغريب الألسني، من أجل تمكين رؤيا تحررية أوسع تفتح الباب على وسعه للإستاطيقا المحكية “جماليات اللهجات المحلية”. وعوضا عن رؤية مشروع كيلمان وفق سياق بارادايم رومنسي، و“يتضمن” اللغة الحقيقية للناس في إطار شكل أدبي نخبوي (أو أنه يولد أشكالا أدبية جديدة لتستوعب اللغة الحقيقية التي يتكلم بها الناس)، وهو ما يمكن أن نعتبر أنه أداة للاستيعاب، أو أسلبة، الغاية منها الاكتشاف والريادة: إن هذا ألأسلوب مقاربة “للغة” الفن “الغريبة”، ومن مسافة تفصلها عن وحل الواقع.

 

......................

* جيمس كيلمان James Kelamn: روائي اسكوتلاندي من أنصار اللامركزية السياسية.

* سكوت هايمس Scott Hames: أستاذ الأدب الإنكليزي الحديث في جامعة استرلنغ البريطانية. والترجمة مقتطفات من كتاب صدر عن جامعة إدنبرة حول شخصية وكتابات كيلمان.

         

 

 

ضياء نافعمن التماثيل الجديدة التي اقيمت في موسكو في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين تمثال لرئيس وزراء روسيا القيصرية ستوليبين، الذي تم تدشينه عام 2012 في مركز موسكو (حيث تقع بناية مجلس الوزراء او البيت الابيض الروسي كما يسميه البعض)، وبحضور الرئيس مدفيديف (في حينه) ورئيس الوزراء بوتين آنذاك . ستوليبين هو واحد  من الشخصيات السياسية البارزة جدا في الامبراطورية الروسية القيصرية، وقد شغل عدة  مناصب كبيرة في حينه مثل منصب رئيس الوزراء، ووزير الداخلية ...الخ، وتم اغتياله عام 1911 في مدينة كييف الاوكرانية، حيث سافر للمشاركة بافتتاح تمثال للقيصر الكساندر الثاني (القيصر المحرر كما يسمونه لانه ألغى حق القنانة، اي عبودية الفلاحين الروس. لقد كان الجميع موجودين (بما فيهم القيصر نيقولاي الثاني وعائلته) في قاعة مسرح، وهناك أطلق احدهم اطلاقات نار من مسدسه على ستوليبين، وتوفى متأثرا بجراحه بعد فترة قصيرة في المستشفى، وتقول المصادر الروسية، ان ستوليبين توجه الى  ناحية القيصربعد اصابته وقال انه سعيد بالموت في سبيل القيصر .

اقامت روسيا القيصرية تمثالا ضخما لستوليبين في مدينة كييف بعد اغتياله، الا ان البلاشفة ازالوا هذا التمثال عندما انتصرت ثورة اكتوبر 1917، وكان اسم ستوليبين في العهد السوفيتي رمزا للفكر الرجعي المعادي للثورة . واتذكر الان الحوار الذي حدث مرة

    بين مجموعة من العراقيين اليساريين في موسكو بالستينيات حول نوري السعيد العراقي، وكيف قارنوه بشخصية ستوليبين الروسي، اذ ان كلاهما – حسب ذلك الحوار - لعبا دورا كبيرا في مسيرة الاحداث السياسية، وكلاهما حاولا – وبكل قواهما - تثبيت النظام الملكي الذي كان سائدا في بلاديهما، وكلاهما حاولا ايقاف وعرقلة المد الثوري الجماهيري بمختلف الوسائل، ولهذا، فان المتحاورين وصلوا الى استنتاج مفاده، ان مقتل ستوليبين ساعد على انتصار ثورة اكتوبر الروسية عام 1917، مثل مقتل نوري السعيد، الذي ساعد على انتصار ثورة 14 تموز في العراق .

الامور تغيّرت طبعا بعد انهيار الدولة السوفيتية عام 1991، وحاولت بعض العناصر القومية المتطرفة الروسية ازالة تماثيل الحقبة السوفيتية هنا وهناك، كما حدث بعد ثورة اكتوبر آنذاك، ولكن اغلبية الشعب الروسي كانت ضد تكرار هذه العمليات غير الحضارية في تاريخ الشعوب، وقد كنت شاهدا اثناء زيارة لموسكو في اواسط التسعينيات لنقاش جرى في جامعة موسكو التربوية (وهي الجهة التي دعتنا واستقبلتنا آنذاك) بين رئيس الجامعة ومساعده ومجموعة من عمداء كليات تلك الجامعة، وكان من الواضح وجود اختلافات كثيرة وعميقة  بينهم بشأن ما كان يحدث في روسيا من احداث عاصفة، الا انهم كانوا جميعا – رغم اختلافاتهم الشديدة تلك حد التناقض - متفقين تماما على ضرورة ابقاء كل المعالم العمرانية في موسكو وبقية المدن الروسيّة كما هي، لأن هذه المعالم تعكس (تعبيرا لعصرها وخصائصه الدقيقة بغض النظر عن الافكار السياسية التي كانت سائدة عندها)، وكانوا يستشهدون بالمدن الاوربية العتيدة وكيف احتفظت بمعالمها رغم الاحداث الهائلة التي جرت هناك، وهو الرأي الذي انتصر فعلا رغم كل الخروقات التي حدثت هنا وهناك، وهكذا نرى الان تماثيل لينين لازالت في مختلف المدن الروسية، ومنها طبعا موسكو، ولا زال جثمانه مسجّى في مرقده الخاص الشهير وسط الساحة الحمراء بموسكو. 

 تغيّر الامور في روسيا الاتحادية قد انعكس ايضا باعادة النظر في بعض الافكار السوفيتية السابقة، وهناك نماذج كثيرة جدا حول ذلك، ومنها مثلا، الموقف تجاه ستوليبين، اذ ان هذه الشخصية السياسية دخلت التاريخ الروسي لانها ترتبط بمقترحات اصلاحية هائلة تقدّم بها ستوليبين في مختلف الامور، وخصوصا بشأن المسألة الفلاحية وتوزيع الارض على الفلاحين، وهي مسألة حسّاسة جدا في مسيرة روسيا، اذ ان المجتمع الروسي فلاحيّ بالاساس . الموقف من ستوليبين ابتدأ في برنامج تلفزيوني حاول ان يحدد اسماء شخصيات روسية بارزة في تاريخها، وقد شارك حوالي نصف مليون مشاهد بالتصويت، وكانت النتيجة تحديد ثلاثة اسماء هي - نيفسكي وستوليبين وستالين (وجاء بوشكين الرابع) . اما اقامة تمثاله، فقد تم طرح المقترح في مجلس وزراء روسيا الاتحادية، وكان رئيس الوزراء بوتين آنذاك، والذي اقترح جمع تبرعات لاقامة هذا التمثال وافتتاحه في الذكرى ال150 سنة على ميلاده، وتبرع بوتين نفسه براتبه لذلك الشهر، وساهم الكثيرون بحملة التبرع تلك .

ختاما لهذه المقالة، نود ان نشير، الى ان وزير الخارجية الروسي لافروف احتفل في مايس 2020 بالذكرى السبعين لميلاده، وقد جرى تكريمه من قبل الحكومة الروسية بمنحه ميدالية ستوليبين (صدر الامر باقامتها عام 2008)، اي ان الدولة الروسية لم تكتف بتدشين تمثال له، وانما قامت بتأسيس ميدالية تحمل اسمه، ومنح هذه الميدالية الى لافروف تعني، ان الدولة الروسية تقرن اسم ستوليبين بالخدمة الوطنية المتميّزة لروسيا، فما أعظم هذا الاعتراف بهذه الشخصية الكبيرة، وما أعظم هذا الاعتذار امامه ... 

 

 أ.د. ضياء نافع

 

1428 اغتارب امراةفي رواية: اغتراب امرأة، للروائية الاردنية هدى رواشدة

عندما يضع الشاعر شاعريته الايجابية، في عمل تسريدي، يعرج - حتما - إلى مباني التعاضدية فتكسن كفاءة السلاسة التبيين والبيان واستنباط الرؤى في تعاضديتها وفي عمليات إسقاط متراصة، تتصاهر مع معابر الفلاش باك

هذا ما اجتليته في قراءة أولى لرواية اغتراب امرأة ، للشاعرة والروائية الأردنية هدى رواشدة، وقد أهدتني مشكورة الرواية ممهمورة بإمضائها .

فتيحة من المغرب تحط وجدا بالكويت، فتحمل معها أنفاس بني ملال وتيفلت ، و ندى الأردنية التي درست بالمدرسة الابتدائية بذات المدينة، تستحضر وجدا حقائب الاثرياء والعوزين، في جوى التجنح كسلوك نمطي ارتدادي في تسريد المباني بارتدادية القوافل البنائية الكامنة في غور المخيال، كالصورة بذات الارتدادية ، والمنتظرة من الخالة بالمغرب كنبض تشويقي بنائي محكم: طردا وجانيا وهدية قدرية وحالة شعورية، حسية، مفعمة بالنوستالجيا.

وأنا أقرأ الان في ظل الحجر ا لكلي بالبليدة هذه الرواية، رحلت مع معارج الزيتون الاردني، وقوارير المتجر الذي لامس أصداء يد ندى وهي تغمض عينيها لتنتقي قارورة زيت الزيتون، وتمنت لو كانت تتوفر على قليل من المال، فتقتني قارورة أخرى رفيقة، كما جاء في مبناها التراجيدي السلس، الشاعري الفعال، جارتها القرورة على الرفوف، هذا مثل بسيط من عديد الامثلة في المبنى الهندسي التعاضدي، بين بني ملال، والعباءة الفاسية للمغربية العزيزة فتيحة القادم المنتظر للتدريس بالكويت.

كما قال الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، أو في ما معناه أشرب الماء من الماء إلى الماء، هكذا الشاعرة، والروائية هدى رواشدة، تشرب التسريد المحكم من الماء الى الماء، من طنجة / فاس / بني ملال الى الغرفة 23 بالكويت مقر إقامة فتيحة المغربية،

الرواية اغتراب امرأة إغتراب أسلوب بالتقسيط الواعي، وحكايا الحكّاء في الوجد النوستالجي الآسر مرورا بتقميط ولف التسريد في خرقة بالية في وجدان الشاعرة هدى رواشدة التي استطاعت في هذه المباني، أن تقمط هذه الاطمارالبنائية بوعي تسريد محكم جعل منه بدلة وفستانا للفرح، للقول، لترويض الصور الايحائية في تجليات مسالك لم تخل بتعاضديته في تحكيم السرد كمعطى وكمنعطف للحفاظ على فصول وفصوص اغتراب امرأة، مكلللا بأدب الرحلة في ذات الأوان كهامش مشهدي أدبي .

أتوقف هنا، حتى لا أكشف فعاليات أجل فعاليات هذه المحفلية الشاعرية، و هذا السلوك الاستنباطي في عمل متكامل: مبنى / هندسة: تشويقا: تبني المأمول في تسريد مأمول، أترك للقاريء اكتشاف باقي المباني، ولي أوبة عند انهائي مبان أخرى جديرة بالقراءة واقتفاء السرد فارسا شاعريا بألف معنى، بألف مبنى .

 

أومض: من البليدة أحمد ختاوي

 

احمد الشيخاويصحيح أن أي ممارسة إبداعية تتسم بالبساطة والسلاسة اللغوية، مع الحرص على عمق الرسالة،وحيازتها للمتون التي يغذيها الحس الإنساني، يكون لها بالغ الأثر في نفسية المتلقي، وأكثر استحواذا على جوارحه على امتداد العملية التواصلية وطيلة طقس التلقي، المنذور لولادات ثانية للنص، بوصف هذا الفعل الاستقرائي أو التأملي انعكاسا لمرايا إدراكنا المتجاوب مع منظومة ما هو بسيط وموغل في صميم المأساة الإنسانية.

في روايته المعنونة " كثير من الوجع " الصادرة سنة 2018، عن دار المها للطباعة والنشر وتوزيع الكتب والترجمة، والواقعة في 280صفحة، نلفي الكاتب يونس البوتكمانتي، حققّ بعضا مما رمينا إليه، في هذا الاستهلال ضمن هذه الورقة التي نحاول من خلالها وضع تجربته الروائية، داخل دائرة الضوء، ولو أن عتبة هذا المنجز خانته، على اعتبار عناوين الكتب، إنما تمثل نصوصا موازية وضمنية، يجب مراعاتها،وانتقاؤها بدقة وعناية، فأن تكون العتبة جاذبة، لهو أمر مطلوب، حتّى لا يتم الجور على المنجز بأكمله مع أنه يحمل من العمق ودوالّ المجتمعي والإنساني، وفرة وغزارة قد يغفل عنها كثيرون ممن ينخدعون بالعناوين، فيزهدون، بالتالي في كنز معرفي وجمالي، دون قصد .

من تمّ أجد الروائي وقد بسّط عتبة الولوج إلى عوالم سرديته  هذه، والمثخنة بجراحات الكائن،والمغرقة في رصد الأوبئة المجتمعية، على نحو من الإسراف في النهل من أدقّ تفاصيل اليومي، والإصغاء إلى نبض الشارع، وكله صبّ في نجاح العملية التواصلية، وقاد إلى توأمة حقيقة ما بين النص ومتلقيه.

[بديعة أحزن مني بكثير . البيت يبدو مهجورا رغم أنه مرّ على زواجنا سبع سنوات . لم نصل بعد إلى سماع بكاء طفل أو طفلين .لم يكتب النجاة بعد لمن يكسر صمت المكان، ويلطف برود الطقس .لم نصل بعد إلى ما يجعل لعلاقتنا معنى...'](1).

إنها سردية تجسّم واقع الأحياء الأموات، وتغذيها معانيه، بحيث يبدو أن الذات الساردة،وهي تمعن في تنويع الأمكنة والشخوص والأحداث، بحيث تجري في سياقات ذاكراتية ونفسية، كي تدور دورة كاملة، تُختزل بعدها في الحضور الرمزي لبطل الرواية الأول، خالد ولد احمد، الطفل الذي لا يعرف شيئا، حسب تعبير السارد، مما يدلل على خلل وجودي كبير، الجيل القادم،معني به، ونحن بأخطائنا التاريخية، سواء المقصودة أم لا، إنما نربي قيامة سوف نحترق بها، ما لم يتم الإلتفات إلى بؤرها، بكل أمانة ومسؤولية، ومحاولة اجتثاثها من الجذور.

[كنت أتسلى بإخراج المخاط من أنفي،وأستمع إلى أنين معدتي التي لم تذق الطعام منذ ساعات، حين وقف على رأسي رجل بدين نوعا ما؛ لباسه أنيق ومهاب، حذاؤه ملمّع للدرجة التي أستطيع أن أرى على سطحه الغبار الذي علق بشعري الأشعث . تبدو عليه آثار النعمة، وهذا ما أعجبني فيه. حين وقف تلك الوقفة، تذكرت عمي احمد،الحارس بمركز رعاية الطفولة بالناظور،نفس الوقفة،ونفس المشهد، ونفس الإحساس. أطال الله في عمرك يا عمي احمد . كم أنت رحيم مشفق عطوف .' رفعت رأسي بثقل لأتفحص محيا الواقف . لم يعد يخيفني شيء، لص، أو متشرد، أو شرطي، أو مغتصِب، أو نشال، لا يهم. حدثني بكلمات لم أفهم منها شيئا . ربما كررها مرات عديدة،لكني لم ألتقط مما كان يتفوه به شيئا.فهم الأمر، فسألني بإشارة إن كنت أريد أكلا،أوليس ذاك ما أبغيه؟] (2).

بتأمل هذه السردية نخلص إلى جملة من الأغراض، والعديد من المفارقات الموجعة، فهي بمعنى ما تصنع مشهدية للعودة أو الغوص في طفولة بعيد جدا، كما أنها تحاكم واقعا للطبقية والتمايز، ضمن خرائطية لتجاوز التابو،وإنتاج جديد ومغاير للمأساة، بما يتناغم وروح الحكاية الشفافة المنتصرة لإيقاعات التفاؤل والإيجابية، والمزيد من النضال والإبداع الحياة والنفسي والمجتمعي، والاستعصاء على الرؤية الانهزامية.

سردية تنزف بالرسائل العارية، من جوانية وبرزخية ذاتية، لتوسل صور الحياة الحاملة لألوان ما ومعاني ما، قد تبرر حضور الكائن الهشّ والمهمّش والمحاصر بهزائمه وانكساراته ومعاناته المركّبة،وتبصم هوية وجودية تليق بملائكية صلصاله.

يقول الراوي في كلمة أخيرة :

[هذه الكلمات كتبتها نصف سنة بعد الخروج من مليلية، والهروب من كنيسة سينيور خوان فابريغاس .كتبتها في رحاب مسجد قروي عتيق بإحدى دواوير بني ورياغل، ضواحي بلدة آيت عبد الله . كتبتها وكأني أكتبها في الحين الذي حدثت فيه تقريبا .كتبتها لأحس قدر ما استطعت أني أعيش تلك اللحظة . في الشهور التي كتبتها، كنت قد تعلمت حروف العربية،وصرت أكتب بها شيئا ما . وكنت قد حفظت حزبي " سبح " و " عم " من القرآن] (3).

بهذه الواقعية إذن، تتم تعرية راهن من الأوبئة المجتمعية،ويحصل فضح زمن للانتحار النفسي، بكثير من الثقة التي تجود بها بساطة وبراءة الخلفية، في تلوين بياضات اللامعنى الذي تولّده حياة البرزخية،وتفتي به أبجديات الضياع .

 

احمد الشيخاوي

شاعر وناقد مغربي

......................

هامش

* كثير من الوجع (رواية)،يونس البوتكمانتي، إصدارات دار المها للطباعة والنشر وتوزيع الكتب والترجمة، طبعة 2018.

 (1) مقتطف من نص "إلى الأقمار الثلاثة .. رواية عزيز"، صفحة 10.

(2) مقتطف من نص" مليلية / النور ــــ الفصل الثاني "، صفحة269.

(3) مقتطف من نص " كلمة أخيرة "، صفحة276.

 

علي ناصر الركابيلأجل ان نخوض في صلب الموضوع والدخول في رومانسيات الحب بمفهومه الصحيح، دعونا نتفق على مبدأ قد يجده الكثيرون بأنه صائب ويدخل في حياة الإنسان، مفاده: بأن الرضى والقناعة هما سبب السعادة.

أبتداءاً يمكن بيان الفرق بين مفهوم الحظ والقدر والصدفة التي تقع في حياة الإنسان سواء سلباً أم إيجاباً وكيفية ايمانه بها، من عدمه.

حيث أن المشاعرلا تكفي أحياناً، فهناك الكثير من العوامل التي تفرض نفسها وتحدد مستقبلها. فالحظ يلعب دوره هنا، أو بعبارة أخرى بأننا نسمع دائما عن الحظ، فإما أن يكون سعيدا أو تعيسا، فيقال عن فلان محظوظ، وفلان حظه سيء، لذلك يربط الكثيرمن الناس مصير حياته بالحظ، ويعتمد عليه في كل أمور حياته، فليس معنى سوء الحظ الفشل، لأن الإنسان من الممكن أن يبذل كل ما في وسعه وتكون النتيجة غير موفقة. كالزوج الذي سعى وحاول وصبر على أن يرضي زوجته بكل الأساليب من أجل أستمرار الحياة الزوجية معها، أو العكس أي سعي الزوجة لزوجها، إلا أن النتيجة ترجمت بالطلاق، وهنا هو موضع الفشل. أو حال الخطيب، أو المخطوبة التي أودعت كامل الثقة بخطيبها وأمنته على حياتها وصبرت عليه وتحملت على أن تكون محظوظه بإختيارها كزوج مستقبلي لها، إلا إنه خطيب فاشل بمعنى الكلمة، بعد أن كشفته بخيانته مع الأخريات، حينها قالت للجميع بلا ندم وبدون تردد بانه : لايشرفني البقاء مع رجل سهل الوصول إليه... تتهافت عليه العابثات من النساء. 

أمثلة الحظوظ كثيرة:

فالمال حظ والأولاد حظ والصحة حظ والزواج حظ.. فهناك زواج ناجح وهناك زواج فاشل.. وهناك زوج صالح وهناك زوج سَيئ.. وهناك ولد صالح.. وهناك ولد عاق.

وكما يقول البعض بأن هذه الحظوظ وُزِّعت في الدنيا توزيع ابتلاء ولابد أن توزع ثانية في يوم آخر توزيع جزاء. فالذي نِلْتَه في الدنيا، إنما نلته لكي تُمتحن به وسيأتي يوم تجازى على عملك، إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر، قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) (44)- يونس.

فالإنسان المؤمن القوي في إيمانه، يعلم بأن هناك أسباباً تتلوا مسببات... حيث نعتقد ان الله تعالى قسم الارزاق وقَدر لكل مخلوق رزقه وما يجري عليه من ولادته الى مماته

يقال في الحظ بانه اذا أتاك فتمسك به جيداً وعندما يدخل دارك دعه يجلس. وبقدر حظك من الدنيا تقسوعليك القلوب، وبقدرعلوك تنظر اليك العيون حسدٌ وغيره.

الحظ يكون دائماً من نصيب من لا يحسب حسابه لأنه يختار الحمقى ويكون الى جانبهم، والكارثة عندما يضعهم في غير موضعهم المناسب، فعكس المبدأ هو: (الرجل الغير المناسب في المكان المناسب).

هل الحب قدر؟

أولاً يجب ان نعترف بثبوتية القدر أوالقدر الثابت، وهو الثابت في اللوح المحفوظ عند المولى عز وجل والمكتوب فيه الميلاد والموت والعمر والرزق... ولا يمكن تغيير المكتوب والمعلوم بعلمه سبحانه وتعالى.

أما القدر في الحب أمراً لا يمكن تغييره، فهو يحدث دون تخطيط ودون معرفة أو إدراك من المحب، حيث

 يرى الكثيرون بأن كل أمور حياتنا تبدأ بالقدر، والحب من أمور الحياة، ولكن نتحمل ألم البعد لسبب او لأخر ونتخيل قرب الحبيب وننظر إلى الأطلال ونسهر ونبكي ليلاً ولا ننام، وحيناً نشعر أن ما نفعله ما هو إلا تخيل وشعاع من نور سرعان ما يختفي، وان كل البيوت ما هي إلا رمال على شاطئ البحر ولا تتعدى الأوهام، كل هذا يحدث بسبب الحب وبعد الحبيب ولكن هل فعلاً الحب قدر؟

أن تجاهل الحب يساوي تجاهل الإنسانية، كونه يعد ضرورة من ضرورات الإنسانية وهو القوة المحيطة بالمحبين من خلال التفاني والتوحد مع الحبيب، وهوعلاقة فطرية جميلة بين الرجل والمرأة، تحمل هذه العلاقة التوافق والمشاعر والتفاهم والانسجام والحنان واللقاء الروحي والفكري، وكل من المحبين يريد إسعاد الأخر وتذليل كل سبل الراحة والطمأنينة أمامه، ويريد كل من الطرفين التضحية بسعادته وبذاته في سبيل إسعاد الحبيب مهما كانت الظروف ومهما بعدت المسافات ومهما طال الانتظار للقاء مجدداً.

فيما يتعلق بالصدفة، فبعد البحث المستفيض عن مفهومها ومن وجهة نظر الشرع، وجدنا وفقاً لذلك بأن المصادفة والصدفة بالنسبة لفعل الإنسان أمر واقع، لأن الإنسان لا يعلم الغيب، فقد يصادفه الشيء من غير شعور به ومن غير مقدمات له ولا توقع له، لان كل شئ عند الله عز وجل معلوم وكل شئ عنده بمقدار، وهو – سبحانه وتعالى – لا تقع الأشياء بالنسبة إليه صدفة أبدا، ولكن بالنسبة لي أنا وأنت نتقابل بدون ميعاد وبدون شعور وبدون مقدمات فهذا يقال له صدفة. مثلاً شخص ما يقول رأيت فلان صدفه، كان مقدر له ذلك ان يراه في هذا المكان أو في ذلك الوقت.

الصدفة كلمة ومفهوم يستعمل بصورة شائعة، فنجد أشعار حب وقصائد وقصص وأغاني تحمل كلمة "صدفة" اي حدث يحصل بصورة غير متوقعة.

أنَّ الحب وليد الفرصة والمصادفة، أي أنَّه متعلَّق بالحظ والقدر الذي يجلب الشخص المناسب في الوقت المناسب والمكان المناسب، لتتلاقى الأنفس وتتآلف وتنشأ عاطفةٌ سريعة تولِّد السعادة والسرور في قلوب المتحابين دون جهد منهما أو تعب أو مبادرة.

لو سأل سائل : هل تصدق عن ما يقال بان الحب ياتي نتيجة العشرة ؟

من وجهة نظري المتواضعة أقول بانها اضحوكة يعبر عنها العاجزون عن الحب الحقيقي، كون الحب يأتي عفوياً، دون إستأذان أو موافقة، دون أسباب أو سبق أصرار، دون تخطيط مسبق أو وعد أو نتيجة تفكير، لا يحمله رحم ولا تنجبه العشرة...

الحب هو صدفة لقاء في زحمة العالمين

نعم هي الصدفة التي جمعت بين شخصين من كوكبين جميلين، جمعتهما سماءُ صافية، مرصعة بنجوم الحب الفضية، وأقمار زاهية تعلو بحرٌعذب وساحل جذاب وحدائق بهيه وورود عطره. صدفة لم تكن بالحسبان.. فالحبيبة قالت لحبيبها: احببتني.. وعشقتني.. وملكتني صدفة.. وصدفة اخرى لي انك تركتني أبكي عند رحيلك الهادئ.. صدفة المواقف والذكريات حقيقة الواقع ووعودك بالحب الابدي.. صدفة بكائي في غرفتي المظلمة بدونك وخفية عن أمي، وخلف قوتي الضعيفة وراء ظلم الزمان بجفاء الاحبة، في زمن قلة الاصدقاء للفضفضة في يوم الضيق القاهر في لحظات الانهزام، خلف الدموع المشتاقة لحضن محبه صادقة بعيداً عن الظروف والبشر.. بعيداً عن الرجولة الشرقية.. بعيدا عن التسلط الذكوري، بعيداً عني وعنك كل

على عدم وجودك المادي بقربي مرت أشهر... وسيمرنصف عام على ذلك، فكيف حياتي ستكون بدونك ؟

فكان رد الحبيب لها: أنا لم أحبك لأن الاجمل رغم أنك الاجمل.. ولم أعشقك لأنك الأوفى رغم أنك الاوفى.. إنما أحببتك لأنك نصف الروح ونصف العقل وكل القلب.

لا يمكن أن يكون عثوري على شخصٍ مثلك مجرّد صدفة، بل ترتيب إلهي، هذه رحمة الله، رحمته سبحانه وتعالى وسعت كل شي.

الحب جمعنا أنا وأنت بالصدفه وما أحلاها من صدفه، جمعتنا باشياء ثمينة لم نكن نحلم بها حتى في عالم الخيال.. والأجمل ان تكون تلك الصدفة بداية علاقة ذات هدف نبيل. واعدت نفسي عندما يتحدثون عن جمال الصدف، سأتحدث عن يوم جميل جمعني بك، وأضف لهم بانني أنام الليل ولكن عقلي مستيقظ يبحث سبب تعلقي بها!

فما أجمل أن تجد قلبا يحبك دون أن يطالبك بأي شئ سوى أن تكون بخير. فخلف الإهتمام تختبئ كل معانيِ الحٌب، ليس كل من قال: أحبك يهتمٌ لأمرك، بل كٌل مهتم بك ثق تماماً بأنه يحبك.

فمهما كان حظ أم قدرأم صدفه كلها معاني جميلة، أشكرهم جميعاً لأنهم جمعوني بك...

وسأحبك أكثر رغماً عني وعنك...

 

الدكتور علي ناصر الركابي

 

  

رحمن خضير عباس"لكي تجود قريحتك كفنان بالإبداع، عليك أن تتذوق الفناء عدة مرات"

ينتهي فيلم الرسام رامبرانت بهذه العبارة، التي تترجم حجم ما كابده في حياته، والظروف الحياتية التي مرّت به، والتي حوّلته من فنان يسيل الذهبُ والمال من ريشته الماهرة، إلى شخص مفلس ومريض، فيموت وهو ممسكٌ بريشة الرسم، ثمّ يُدفن بدون ما تقتضيه طقوسُ الموت في مقبرة الفقراء والمُعدمين. هذا ما طرحه الفلم الفرنسي (الرسام رامبرانت) الذي تناول جزءاً من حياة هذا الفنان الكبير، والذي ولد في بداية القرن السابع عشر، وتوفي عن عمر يناهز الثالثة والستين، بعد أن فقد كلّ أحبائه، وآخرهم ابنه الوحيد تيتوس، الذي مات بداء الطاعون عن عمر لا يتجاوز السابعة والعشرين . ذلك الطاعون الذي تفشى في تلك الفترة من أواسط القرن السابع عشر وحصد الملايين من البشر، واكثرهم من الطبقات الفقيرة،لكثرة القذارة التي تجلب الجرذان التي ملأت البيوت والأسواق والحانات ومجازر المواشي. بينما كان أغنياء أمستردام  في منأى عن العدوى.

الفيلم من إخراج وسيناريو شارل ماتو،ومن بطولة الممثل الفرنسي كلوز براندوير.  يتناول حياة الفنان الهولندي الكبير رامبرانت،وهو يعيش في خضمّ حياة العاصمة أمستردام،حيث فوضى الحياة التي تتجاذبها خطوط الفقر المُدقع والغنى الفاحش، وحيث الفروقات الطبقية التي تنخر المجتمع، والتي عبّر عنها أحد المختلين عقليا، والذي كان يخطب بين الناس في أحد الشوارع العامة، ويتكلم عن الأمراض الاجتماعية، ومنها ممارسة العهر وارتكاب الموبقات في تلك المدينة الصاخبة، محذّرا الفنان رامبرانت أثناء مروره بقوله:

" إيّاك من المكفوفين فهم يحقدون على الذين يَرَون الضوء "

وكأنّ هذا الرجل المُختل عقليا قد تنبأ بالمخاض الذي سوف يتعرض له  رامبرانت،في مجتمع لا يعرف قيمة إبداعه.

يبدأ رامبرانت أعماله في بيته الكبير الذي يضمّ الكثير من الخدم . يضجّ بالحيوية والإبداع وهو يرسم الوجوه بشكل مُتقن وساحر، وكأنّه يغور في عمق الشخصية، وقد اشتهر برسم نفسه مرات عديدة، قد تربو على المائة، ليس بدافع الغرور، وانما كان يسجل مذكرات ملامحه بواسطة الريشة.وقد فسّر ذلك في يومياته التي يقول فيها:

"أقول إنّ وجهي تغيّر كثيرا،صار بمرور العمر أكثر بروزاً ويأساً وغربة.حينما أرسم نفسي فأنا أبحث عن نفسي"

كان رامبرانت يعشق النساء والفن والحياة، لذلك فهو بارع في جذب المرأة التي لا يستغني عنها، ومن خلال هذه النظرة الشبقية، فقد عشق الشابة ساسكيا حينما كان يُنَفّذ بورتريتا لها،وهي بنت عم صديقه تاجر اللوحات الفنية ، وكانت من عائلة ثرية،فأصبحت زوجته، وعاش معها سبعة أعوام حافلة بالحب والعطاء،وقد انتقلا إلى بيت كبير، وقد نجح في بيع لوحاته، وتنفيذ العديد من البورتريهات لوجهاء المدينة، والتي كانت تدرّ عليه دخلا كبيرا . ولكنّه كان مبذرا في نفقاته، كما كان يشتري الكثير من الأنتيكا الغالية كي تكون اكسسوارات للأشخاص الذي يقوم برسمهم.

ولكنّ ساسكيا كانت تُفجع بالأطفال التي تنجبهم بعد شهر أو شهرين، وبعد ثلاثة أطفال أنجبت ابنها تيتوس الذي عاش، ولكنها تعرضت إلى داء السل الذي جعلها تذوي وتموت،دون أن تتمتع بالفرح مع رامبرانت  وابنها الصغير .

بقي تيتوس الرضيع يتيما بين أحضان رامبرانت. ولكنّ السيدة ديركسن والتي كانت ممرضة لساسكيا تتكفل بتربية الصغير ، وبعد فترة من الزمن مال رامبرانت إليها، فتزوجها، فكانت البديل لزوجته الأولى.  وبعد فترة طويلة تعرف بفتاة جميلة، تدعى (هنريكشة) التي أحبها بصدق وكأنها تعيد له ذكرياته مع زوجته الأولى، مما أثار غيرة الممرضة التي أقامت عليه دعوى (انتهاك العهد) وقامت بحرق اللوحة التي رسمها لغريمتها.

كان رامبرانت محبوبا من النساء، وعاشق لهنّ، حتى أنّ الأخيرة هندريكشة قد أحبته بعمق وحاولت أن تتشبث به، وأن تعوضه السعادة التي افتقدها. لكنّ الزواج منها يعني حرمان رامبرانت من ثروة زوجته التي كتبتها لابنها تيتوس وجعلت زوجها وصيا.ورغم أن الكنيسة هددتها وخيّرتها بين هجرانها لرامبرانت أو اتهامها بالزنا. ولكنها ضحّت بكل شيء من أجل أن يقف رامبرانت ضد قوى المجتمع وسلطة المدينة التي وقفت ضدّه وقد وصفها  في يومياته :

"هندريكشة تحبني بعمق وصدق وبلا تذمّر، ومن أجلي وبّخها رجال الدين وطردوها من الكنيسة، لقد تقبلت أن تعيش معي وتقترف الخطيئة"

كان رامبرانت يقضي بعض أوقاته في الحانات لرسم بعض الوجوه. وفي أحد الأمسيات راق له أن يرسم رجلين إفريقيين كانا يجلسان في الحانة أيضا. وكان أحد الأثرياء من الهولنديين يـحطّ من شأنهما، ويسخر منهما بعبارات عنصرية، تنمّ عن فكرة التفوّق للبيض على السود ، مما أغضبَ رامبرانت الذي دافع عنهما  بقوله:

"أفضّلُ بَشَرَتهما السوداء على جلدك الأحمر المترهل"

وقد أهدى رامبرانت البورتريت لهما، فشكراه وأهديا له قردهم الجميل، والذي جلبه إلى المنزل وأحبه. وأصبح القرد أنيسا للعائلة.  وحينما قُتل القرد في الشارع من قِبَل مجهولين، تألم رامبرانت لموت القرد واحتضنه، وإراد أن يخلد لحظات موته على قماش الكنفاس، ولكنه لم يجد قطعة قماش فارغة، فلجأ إلى نفس اللوحة للسيدة التي كان منهمكا برسمها والتي منحته مبلغا كبيرا. لكنها رفضت أن تتقاسم قماش اللوحة مع الحيوان ، مما جعله يطردها بغضب رغم حاجته القصوى إلى المبلغ الذي دفعته. كان غير مكترث للمال، بل لكرامته الفنية التي كانت مهدورة في هولندا آنذاك.

كانت لوحته الشهيرة (حراس الليل) سببا في إفلاسه ودمار حياته الفنية والشخصية، فقد تعاقد مع مجموعة من كبار الضباط السامين في ستوكهولم لرسمهم في لوحة كبيرة، وقد دفعوا عنها مبلغا كبيرا. وحينما انتهى منها، أصيبوا بخيبة أمل،لأن وجوههم تغرق في مزيج من الظلّ والضوء،وذلك لأن رامبرانت يوزع الظل والضوء على تضاريس الوجوه والأشياء والملابس والملامح، بحيث يتعمق الفنان في مكوّنات الشخوص، وكأنه يُبرز مشاعرهم الدفينة. ولكنّ هذا الأسلوب الفلسفي في الرسم لم يرق لهؤلاء الضباط، لجهل منهم واعتقادهم بأنه يسخر منهم ويسيء إليهم .  فشنوا عليه حربا شعواء،وحالوا بينه وبين العمل في كافة المجالات الفنية، وجعلوا الجميع يقاطع أعماله، ولم يسمحوا له بالاشتراك بالمعارض الفنية. ولم يعلموا بأنّ هذه اللوحة التي حاربوه بسببها ستخلدهم إلى الأبد، وتجعل منها واحدة من أهم الأعمال الفنية  في مختلف العصور.

وهكذا وجد رمبرانت نفسه مفلسا ومحبطا وغير قادر على سداد ديونه، لأن طبقة النبلاء والارستقراطيين قد عزموا على تدميره، تساعدهم نقابة الفنانين التي منعته من ممارسة الرسم وبيع اللوحات،وحينما عجز عن تسديد المستحقات قاموا ببيع بيته ووأعماله وآثاثه بمبلغ بخس، متعمدين إيذاءه. ولكنّه بقي على نفس كبريائه، ينظر إليهم باحتقار  .

انتقل رامبرانت إلى بيت صغير في مكان بعيد عن مركز المدينة، وبقي معزولا وحزينا،غير قادر على تدبير تكاليف الحياة. ومع ذلك لم تتوقف فرشاته عن إبداع أجمل اللوحات. وقد فقد زوجته وحبيبته هنريكشة، والتي ماتت بعد صراع مع المرض، ولكنها تركت له طفلته الجميلة كورنيليا.

وبعدها بفترة وجيزة توفي ابنه تيتوس بوباء الطاعون الذي اجتاح هولندا.

لكنّه أحس باليأس والمرض حينما فقد ولده الوحيد، فبقي يعاني من الحاجة والوحدة والعزلة، ومات وهو يحاول رسم بورتريت لولده الراحل.

وهكذا تنتهي حياة هذا العبقري الذي شكّل منعطفا في تقنيات الفن الكلاسيكي.

لقد تناول هذا الفلم إنسانية رامبرانت، وشخصيته المتواضعة، وصراعه مع الطبقات الارستقراطية المتنفذة التي تبتز الطبقات الاجتماعية الفقيرة، ومع أنّه ينتمي إلى هذه الطبقة الثرية، ولكنّه رفضها وحاول تعريتها. ووقف ضدها وحيدا لا يمتلك سوى مبادئه وعبقرية فنّه التي لم تُكتشف الا بعد موته . تلك العبقرية التي عبّر عنها النحات الفرنسي الكبير رودان بقوله:

"مقارنتي مع رامبرانت تُعَد بمثابة تدنيس للمقدسات،يجب أن ننحني لرامبرانت ولا نقارن أي شخصٍ معه"

 

رحمن خضير عباس

 

ضياء نافعهذه المقالة حول شخص روسي مجهول تماما للقارئ العربي اسمه فلاديمير ياكوفليفتش لاكشين، والذي اريد تقديمه للقارئ العربي، لانه يستحق ذلك فعلا، اذ انه متخصص بارز في تاريح الادب الروسي، بل يمكن القول انه عاشق متحمّس للادباء الروس الكبار ابتداء من بوشكين الى دستويفسكي وتولستوي وتشيخوف وانتهاء بسولجينيتسن، ولازالت هذه الظاهرة واضحة المعالم لحد الان في مؤلفاته العديدة من كتب ومقالات ودراسات عن هؤلاء الادباء، والتي يتداولها القراء الروس في المكتبات العامة والخاصة او في مخازن بيع الكتب، او يطلعون عليها في المواقع الالكترونية المفتوحة للجميع، رغم ان لاكشين قد رحل مع الاسف الشديد عن الحياة منذ اكثر من ربع قرن، وكان آنذاك في الستين من عمره .

ولد لاكشين في موسكو عام 1933، وعاصرفي طفولته الحرب العالمية الثانية، والتي يسميها الروس الحرب الوطنية العظمى (1941 – 1945) وسنواتها المرعبة الرهيبة، ثم عاصر اواخر زمن الستالينية الصارمة الصعىة، ثم (وبعد وفاة ستالين عام 1953) عاصر بدايات مرحلة (ذوبان الجليد !) زمن خروشوف فصاعدا، ثم شاهد بعد ذلك كل التغييرات التي حدثت في الاتحاد السوفيتي، وشاهد ايضا انهيار الدولة السوفيتة عام 1991، اذ انه توفي عام 1993، وكان دائما في قلب كل هذه الاحداث الكبيرة في مصير روسيا، وكانت له مواقف محددة وواضحة تجاه كل ما حدث في وطنه، لانه كان الابن المثقف الروسي الحقيقي لبلده، وقد انعكس موقفه هذا في نشاطاته الفكرية تلك في الصحف والمجلات الادبية، التي كان يعمل فيها، او في الكتب العديدة التي اصدرها .

اصبح لاكشين في بداية الخمسينيات طالبا في كليّة الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) بجامعة موسكو وتخرّج عام 1955، ثم التحق بقسم الدراسات العليا في الكليّة التي تخرّج فيها، وحصل على شهادة الكانديدات في العلوم الفيلولوجية (دكتوراه فلسفة)عام 1962، وكان موضوع اطروحته حول تولستوي وتشيخوف، هذه الاطروحة التي بلورّها بعدئذ واصدرها في كتاب، وهكذا ظهر كتاب لاكشين الاول عام 1963، وكان بعنوان – تولستوي وتشيخوف . جلب هذا الكتاب انتباه الباحثين و القراء رأسا بموضوعيته وعلميته وابتعاده عن الكلمات الطنانة والرنانة الجاهزة، والتي كانت سائدة بشكل او بآخر، اذ كان هذا الكتاب تعبيرا حقيقيا عن طبيعة المرحلة الجديدة في البحث العلمي السوفيتي، الذي كان يسعى الى تثبيت المفاهيم الحياتية (ان صح التعبير) كما هي، وليس كما تريد الايديولوجية السائدة آنذاك، ولهذا، يعدّ هذا الكتاب ولحد الان واحدا من المراجع المهمة في موضوعة علم الادب المقارن بين علميين من أعلام الادب الروسي هما تولستوي وتشيخوف . لم يصدر لاكشين اي كتاب جديد منذ عام 1963 والى عام 1975، اذ كان يعمل في الصحف والمجلات الادبية، وكان ايضا يحضّر اطروحة للحصول على شهادة دكتوراه العلوم (دوكتور ناووك)، وهي أعلى شهادة اكاديمية في روسيا، وقد حصل عليها لاكشين فعلا عام 1975، وكانت اطروحته عن الكاتب المسرحي الروسي الكبير أستروفسكي (انظر مقالتنا بعنوان – أستروفسكي شكسبير روسيا). وهكذا بدأ لاكشين باصدار سلسلة كتبه بعد ذلك، اذ أصدر الطبعة الثانية المزيدة من كتابه الاول (تولستوي و تشيخوف) عام 1975، ثم أصدر عام 1976 كتابه الثاني – (أستروفسكي)، ثم (اللقاء الثاني)، ثم (مسرح أستروفسكي)، ثم (خمسة أسماء عظيمة)، ثم (الباب المفتوح)، ثم (طرق صحفية)، ثم (نوفي مير في زمن خروشوف)، ثم (شواطئ الثقافة)، وغيرها ...اما نشاطه في الصحافة، فقد نشر اكثر من 300 مقالة متنوعة عن الادباء الروس، اذ انه عمل بعد تخرجه في اواسط الخمسينيات في صحيفة (ليتيراتورنايا غازيتا) ثم في مجلة (نوفي مير / العالم الجديد) عندما كان الشاعر الروسي السوفيتي تفاردوفسكي رئيسا لتحريرها، واصبح لاكشين نائبه الاول، وبالذات عندما نشرت هذه المجلة رواية سولجينيتسن القصيرة – (يوم واحد من حياة ايفان دينيسيفتش)، هذا النشر الذي فتح الطريق امام سولجينيتسن في الاتحاد السوفيتي والعالم، وهي مسألة معروفة طبعا، ولا ضرورة لاعادتها هنا . لقد كتب لاكشين عن موقف سولجينيتسن ودافع عنه، الا انه اختلف معه سياسيا عندما سافر الى الغرب، وهو موقف يحتاج الى دراسة موضوعية هادئة الان، اذ ان لاكشين لم يتقبل الهجوم الحاد على روسيا آنذاك، وكانت آخر مقالة له عام 1993 تدافع عن اسم روسيا والروس، اما آخر منصب في الصحافة الادبية، فقد كان لاكشين رئيسا لتحرير مجلة الادب الاجنبي، اضافة الى ان لاكشين عمل في مجال التلفزيون، وقدّم برامج تلفزيونية مشهورة جدا عن الادباء الروس الكبار، وهو الذي ارشف الافلام الروسية عنهم .

الصورة القلمية التخطيطية لهذا الناقد الادبي تعني، اننا يجب ان نتوسع بدراسة آثاره الفكرية، وان نتعمق في تحليلها . لاكشين هو الارض البكر، التي تنتظر جهود الباحثين العرب لحراثتها ....

 

أ. د. ضياء نافع

 

سوف عبيدكُنّا بدوًا نسير طويلا تحت الشّمس ونتأبّط البَلغة لنحافظ على لمعان جلدها المدبوغ وللأقدام أن تتحمّل عِوضًا عنها العثرةَ والشّوكة ولسعةَ العقرب. نعم كنّا بدوًا نأكل ما حضر ونلبس ما ستر ونصبر على الجدب أعواما ونتحمّل العطش أيّاما ننزل ونرحل في أرض اللّه الواسعة ولا نَحْنِي رؤوسنا لأحد من البشر وقد يهلك الرّجل منّا ودونه قطرة الماء الأخيرة يُؤثر بها رفيق الطريق!

(2)

نعم .. كنّا بدوا إذا تكّلمنا صدقنا فالكلمة عندنا – وما أدراك ما الكلمة – نقول إنها تخرج من الحلق كالرّوح تماما فإذا وعدنا أنجزنا وإذا توعّدنا فخذ حذرك !

ولكن لا خوف عليك ولا أنتَ تحزن إذا مررت على البدويّ ضيفا فهو سيرحّب بك وسيهتف لك من بعيد على المدى ومن النظرة الأولى أهلا وسهلا ومرحبا

والجود بأحسن الموجود طيلة ثلاثة أيام

(3)

أجدادُنا البدوُ

كانوا يعرفون السّاعةَ باِنكسار الظلّ

يعرفون الأرض المِعطاءَ بقبضة التّراب

وباِتجاهِ البرق يعرفون المطرْ

وباِقتفاء الأثرْ

يعرفُون الذي مَرّْ

أجدادنا البدوُ

كانوا يُؤرّخون بعام الصّابة

أو بعام الجراد

أو بعام الوباءْ

مُحمّدٌ وعليٌّ وعائشةُ

عندهم أحسنُ الأسماءْ

وليس في الدّنيا عندهم أحبٌّ

من الأولاد

والخيل

والنّساءْ

(4)

كُنّا بدوًا نشتاق الى البحر فنتخيّل الأمواج والماء والأسماك بالوصف فنتصوّر الرّمال مياها زرقاء كالسّماء تماما لكنّنا تقف حائرين عند تصور السّفينة والسّمك وحدث مرّة أن سافر جماعة من الأقارب الى البحر فحملوا معهم إلينا ماء البحر في بعض الزّجاجات. كانت أعجب شيء عرفناه في صبانا فجعلنا نتذوّق المُلوحة ـ العذبة ـ ذلك أن البدويّ لا يشتاق الى ماء زمزم كاشتياقه الى ماء البحر فماء زَمزم عنده بَركة وشِفاء أمّا ماء البحر فهو شيء آخر يُثير الخيال والمستحيل!

(5)

نخلةٌ في الشّموخ

وجَمَلُ في الجَلَدِ

ذلك هو البدويُّ

(6)

كُنّا بدوًا…

في الأرض نصُول ونجُول

السّماءُ السّابعة لم تكن أطول من أنف أقصرنا قامةً ولكنّه الزّمان يمضي ويأتي زمانُ العماراتِ الشّاهقةِ التي لا نملك فيها أرضا ولا سماءً

إنّه زمان المُدن القصديرية وزمان المخيّمات إنه زمان الهزائم والمسلسلات: مسلسل التلفزات ومسلسل الاِنشقاقات والخلافات العربية. نعم كُنّا في زمن البداوة حيث الشّهامة والعزّة فدخلْنا في زمن سجائر رُعاة البقر حيث التبعيّة والمَذلّة... إنّه زمن التَشيُّءِ فلا شيءَ كما هو وكلّ شيء في محلّ نظر الى أن يأتي ما يُخالف ذلك !

في زَمن بَوادينا القديم

يُسمَّي العريسُ

سُلطانا

يختارُ له وزيرًا

هُو الآمرُ النّاهِي

العارفُ بدقائق الأمور

*

نحنُ الصّغارُ

نُهيِّئُ الخيمةَ

نَفرُشُ الزّرابيَ والنّمارقَ

ونَهُبُّ بِقِصَاع الكُسكسِي

في نشاطٍ وحُبور

ثمّ نمضي بمَخالي الشّعير إلى الخَيْل

الخيلُ أيضًا

لابدّ لها مِنَ وليمةٍ قبل الغُروبِ

*

في زَمن بَوادينا القديم

نترقّب لحظةَ يُطلّ السّلطانُ من خيمتهِ

بالمِنديل الأحمر

إنّه ـ الفَتحُ المُبين ـ

إِذْ تَتَسارعُ طلقاتُ البَارودِ

مع قَرع الطّبول

والزّغاريدِ

فَتمتلئُ جيُوبُنا بالحلوى

نحنُ السّلاطينُ الصّغار

***

* سُوف عبيد ـ تونس