احمد الشيخاويإن عوالم هذه المجموعة التي بين أيدينا، في انجذابها إلى أفق الطفولة البعيدة، ومغازلاتها المازجة بين الخطاب السمعي والبصري، تثبت إلى أي حدّ باستطاعة الأنثوي أن يمارس ثورة هادئة خفيضة، كي يقلب بنية مجتمعية بأكملها، ويعلن تمرده المشروع على ثقافة التشكيك في طاقة المرأة الهائلة، عموما، وقدرتها على كسر الأعراف والقيود البالية.

وهي عوالم موازية هامسة بالوجدانيات، ومكثفة لمعاني وألوان الذات والحياة، تنتصر للبعد الإنساني في أعمق تجلياته، وإن اتخذت من المحلي خلفية لها، لتنطلق فيما بعد صوب الأشمل، مفجرة الأحاسيس القومية، ذودا عن أقدس قضايا العروبة وأشدها حساسية وخطورة.

إنه حضور لا محدود للأنثوي، يلون وجود النوع البشري، ويضفي نكهة ترجيح كفة الإستطيقي، على عبورنا الإنساني، المتخفف من أوزار التاريخ وأخطائه وانكساراته.

تحاول الشاعرة المغربية أم دعاء فريدة مزياني، من خلال باكورتها هذه، أن توسّع دوائر التصالح مع الذات والغيرية والكونية، باعتماد نفس نرجسي مخملي، يعتني باللغة والصورة والدال الشعري، تفصح عن هذا التوجه،وتدافع عن هذا المذهب في أكثر من مناسبة، مثلما سنقف على مدلولات ذلك،في التماعات متفرقة من المجموعة.

تقول وهي ترسم صورة للوجع المشبع بسيكولوجية الفقد:

[أيا زمني

احفر قبرا للوجع

وأبعد رفرفة النوارس

عن شطي الحارق الثائر

فهذه أمي

سُرقت

مثلما يُسرق القمر

وأكثر] (1).

كأنها عجالة وجودية، تقترح معطيات معينة،دون أن تبرر جدلية الحياة والفناء، بيد أنها تلمّح إلى دور الشعر ووظيفته الجمالية، وعمق مخزونه ولانهائية أوعيته، المعدة سلفا، في تلافيف اللاوعي البشري، لأجل احتواء وامتصاص أمرّ الصدمات وأقواها، كضرب من امتحان يكابده الكائن،يدلل على فراغات الأمومة ومشاهد فجائعيتها.

إنها تقيس القصيدة بمنسوب، ما يمكن أن يخسره الكائن، ومن ثمّ فهي تكتب بدم،لا بحبر.

كما نقرأ لها في موضع ثان، قولها :

[استهوتني لعبة الصمّ البكم

واضطررت أن أسكن ذاتي

أغترب فيها؛

أن أومن أن الزلاّت

لا تورث الكره

لكنها تسدل السّتار

وتضيع بذلك الفصول والمشاهد

وسط دمار القلوب

والمباني

والقيم] (2).

تنخرط إبداعيا في سرب المناهضين لفكر التطرف والغلو، تنبذ معجم الكراهية بكل ألسنه ولغاته، كي تحط مثل عصفورة لا تجيد سوى الترنم بميكانيزمات الأنثوي المزدان بفوقية نرجسية، تستلم لمثل هذه العفوية والبراءة في إدمان الشعر،ومنحه الرمزية التي يستحقها وأكثر.

تثرثر شاعرتنا بقلب يغوص في بيادر الطفولة البعيدة جدا، لذا نجدها وقد نبست بها هكذا ودون تفكير حتى، في أقصى زوايا عتمة الذات والحياة، بحيث عبّرت أو صاغت فشلها في الحب كمفهوم مطلق، يتسامى عن النسبية، لكنها في المقابل أكدّت تفوقها في إدمان الحرف والانتشاء بثمالة متاهاته.

والأكيد أنه اعتراف يفيد النفي، كون فشلها في الحب،إنما يمرر علينا تجلياته، ويشوكنا بحضوره، على نحو عكسي ومقنّع، يضع القصيدة كتوأم لتيمة الحب في شتى تلاوينه، ما ينعكس بالإيجاب، إن كتابة أو أنوية أو هوية ووجودا.

كما نقتبس لها كذلك :

[لنا عيناك

أيا قدس

وجرح عطر ذكراك

أيا أنس

رتّق فتوق النّياط

ليشهق قلبي

حدّ الصهيل

ويرقص على أنغام خشخشة الورق](3)

إنها حرقة القضية، تدمي القلوب وتدين العالم برمته.

تجرف بكامل هذه اللعنة والسخط، تدق ناقوس الخطر،وتتغلّف بجرأة زائدة، تشير إلى مكمن الخلل، لا تجانبه،باعتبار القضية الفلسطينية أكبر من الشعر والهوية حتى، وبرودة التعامل معها، والتقاعس عن فكّ شفرتها وأسرارها ورموزها، إنما يفوت على الإنسانية وليس فقط العروبة، مكتسبات جمّة ويقود صوب انقراض كلي وقيامة معجلة.

إن شعر القضية يجب ألا تمتطيه الإيديولوجية المكرسة لكل هذا الذل العربي والهوان الكنعاني والتكاسل الإنساني، بشكل مجمل.

مثلما نقطف لصاحبة المجموعة، قولها، أيضا :

[كأن وهج الحرف

رديف حلكة

لا يزهر إلا كلما ادلهمّت الظلم

واستبدّ الهيام

كأنه ذبالة

حملت دفقه

بياضا يبابا

كأنما الليل جمر

ترافقه الأنجم](4).

بمختصر القول، إنها سلطة الشعر، وجبروت الحرف.

الكتابة المغدقة بولادات ثانية وموازية، تنتجها قوالب الأنثوي، مدججا بعنفوان كامل وغير منقوص، يفيض بمثل هذه الغواية.

نقرأ لها في مناسبة أخرى:

[من قال أني بحاجة لأجنحة

كي أطير

أنا القمحية

عاشقة الكروم والتراب

والعبير](5).

هكذا نتبين عبر هذه المجموعة الجميلة، محاولات تلميع صور الذات والحياة، في نطاق ثقافة الذود عن الأنثوي ومعطياته.

وهي كتابة واعدة، مثلما تبرز ذلك آخر محطات الديوان،في فضاء تجربة تراهن على تنويع الخطاب وتوسيع الرؤى، بالاتكاء على المفردة الصافية المبتكرة وإن جاورت قواميس اللفظ القشيب، وجدّفت تبعا لتيارات السجع في عدد من منصات القول الشعري.

ممارسة مفتوحة على مجالات التحول والتطور، عدل ما تراكمه من تجويدات الانغماس في الخطاب الهذياني، أو الكتابة الذهنية، مركّزة على "الحِلمية " كشرط أساسي يرتقي بجنس الشعر، وإن أبحرت الذات في الواقعية وأوغلت في الصميم الإنساني.

 

احمد الشيخاوي

شاعر وناقد مغربي

..........................

هامش:

(1) مقتطف من نص " القدّيسة ".

(2) مقتطف من نص " وشوشات حانية ".

(3) مقتطف من نص " أيا قدس ".

(4) مقتطف من نص " صدى الروح".

(5) مقتطف من نص" مسافرة ".

* مساءات خريفية (شعر)،فريدة مزياني أم دعاء، منشورات جامعة المبدعين المغاربة، طبعة2020.

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – من اجل الاستماع الى نفسك، تحتاج الى أيام من الصمت .

التعليق – مثل فلسفي عميق، فالانسان يجب فعلا ان يتخلص من الضجيج حوله ومن ثرثرة الآخرين كي يتفرغ لنفسه ويستمع اليها . لنتذكر الآية الكريمة –  اني نذرت للرحمن صوما فلن اكلم اليوم انسيا...

**

الترجمة الحرفية – الطفل ضيف في بيتك - اطعمه وعلّمه واطلقه .

التعليق – مثل رائع في التربية، وهو واضح المعالم جدا بالنسبة لطبيعة الحياة عند الهنود الحمر، ولكنه – مع ذلك - يمتلك ابعادا مشتركة مع مسيرة حياة البشر عموما، اذ نتذكر رأسا القول التربوي العظيم في تراثنا – لا تؤدبوا اولادكم باخلاقكم، لانهم خلقوا لزمان غير زمانكم .

**

الترجمة الحرفية – أقوى قوة هي اللين و المرونة.

التعليق – مثل حكيم جدا، يؤكد على الحلول المرنة والتفاهم المتبادل . كم نحتاج الى هذا المثل بعض الاحيان! لا تكن ليّنا فتعصر ولا جافّا فتكسر – هكذا يقول المثل العربي،ولا تكن حلوا فيأكلوك ولا مرّا فيبصقوك – وهكذا يقول المثل الهندي، وتتكرر نفس الفكرة عند الهنود الحمر طبعا، ولكن بشكل  واضح ومباشر وحاسم .

**

اترجمة الحرفية – تذكّر دائما، ان الابتسامة شئ مقدّس، و يجب ان تتقاسمه .

التعليق – الابتسامة علامة التفاؤل في الحياة، والمتفائل يجد طريقة في الحياة بشكل أسهل من المتشائم .  المثل يؤكد على هذا الجانب من الحياة، بل ويعتبره (مقدّسا!)، ويذكرنا طبعا بالحديث الشريف المعروف لدينا عن العلاقة العضوية بين التفاؤل وايجاد الخير، ولكن المثل يذهب أبعد، ويدعو الانسان الى ان يتقاسم) هذا الشئ المقدس مع الناس الآخرين، فما أروع ذلك !

**

الترجمة الحرفية – العدو ليس دائما عدوا، والصديق كذلك.

التعليق – مثل سياسي بامتياز، ومن الواضح ان الهنود الحمر ليسوا مثلما كانت تصورهم الافلام الامريكية، اذ انهم كانوا ينطلقون من هذا المفهوم السياسي والدبلوماسي في علاقاتهم المتشابكة مع بعضهم البعض، و هذا المثل واقعيا يتطابق مع طبيعة العلاقات الانسانية عموما، بما فيها العلاقات الشخصية ايضا...

**

الترجمة الجرفية – احذر من الانسان الذي لا يتكلم، ومن الكلب الذي لا ينبح.

التعليق –  الانسان الذي لا يتكلم عن افكاره ولا يعبّر عنها يبقى مجهولا للآخرين، وبالتالي لا يمكن التكهن بافعاله او ردود افعاله تجاه الامور المطروحة حوله، وطرافة المثل هذا هو التحذير ايضا من الكلب الذي لا ينبح، وربما يريد مثل الهنود الحمر ان يساوي هذا الانسان بذلك الكلب . يوجد مثل ياباني في نفس المعنى وهو – كن حذرا مع الذي يصمت، وهناك مثل مشهور بلهجتنا العراقية يصف نفس الحالة ولكن بشكل مرح جدا، وهو - من السكوتي طكي وموتي ومن الورواري خلي وفوتي، (السكوتي – الصامت،طكي – انفجري، الورواري – الثرثار). 

**

الترجمة الحرفية – اذا عندك ما تقوله، انهض كي يشاهدونك .

التعليق – دعوة واضحة و صريحة ودقيقة للاعلان عن الافكار التي يقتنع بها الانسان .

**

الترجمة الحرفية – تقديم الخدمات عمل روحاني.

التعليق – مثل نبيل بكل معنى الكلمة .

**

الترجمة الحرفية – احكم بقلبك وليس بعقلك .

التعليق – ما أجمل هذا المثل، اذ انه يلغي صرامة العقل عند الحكم ويدعو الى الاستماع الى عواطف القلب ورقته . انها دعوة صادقة للتسامح والعفو عند اتخاذ الاحكام . قال لي صاحبي، ان هذا المثل يذكر بقولنا الشهير – العفو عند المقدرة، فقلت له، أما انا فقد تذكرت قولا آخر وهو – المسامح كريم ...

**

الترجمة الحرفية – ذاك الذي يمتلك كثيرا من السلطة، يجب ان يستخدمها دون ضغط .

التعليق – آه لو كان هؤلاء (الهنود الحمر!!) يحكمون الان في عالمنا المعاصر، هكذا قال لي صاحبي وهو يتحسر أسفا.

**

الترجمة الحرفية – الضفدعة لا تشرب ماء البركة التي تعيش فيها .

التعليق – البركة للضفدعة هي الوطن، ولهذا فانها تحافظ عليه ولا يمكن ان تجففه . الهنود الحمر يلاحظون - و بدقة عميقة - الطبيعة وقوانينها حولهم، ويصيغون امثالهم نتيجة هذه الملاحظات الذكية، ولهذا فان امثالهم تتناسق مع مسيرة الحياة البشرية عموما لأنها ملاحظات صادقة وحقيقية . الضفدعة لا تجفف ماء البحيرة رغم عطشها وحاجتها لشرب الماء، لانه وطنها، الذي يبقى عزيزا عليها.  لنتذكر بيت الشعرالعربي الجميل والمعروف الذي ذهب مثلا عن (بلادي وان جارت عليّ عزيزة ....)  .

***

أ. د. ضياء نافع

 

ناجي ظاهرعرف الابداع الادبي والفني منذ فجرهما الاول، جانبين، احدهما هو الهامّ والآخر هو الاقل أهمية، هذان الجانبان تمثلا في الابداع الحقيقي الذي دخل الى الذاكرة البشرية، اما الجانب الاخر، فقد تمثل فيما يمكننا ان نطلق عليه الجانب الاجتماعي وكل ما يتعلق بصاحب العمل الابداعي.. لا بالعمل ذاته.

عن الجانب الاول نقول، انه الهدف والمبغى وسدرة المنتهى في الابداع عامة وفي النوعين المذكورين خاصة، فالكاتب او الفنان الحقيقي، انما يبغي من كل عمل ابداعي يقوم به وينفذه، الى مرمى واحد، هو ان يضيف الى ما سبق وقاله آخرون سابقون، ما هو جديد وجدير، لهذا نراه لا ينام الليل، ويصل هذا الأخير بالنهار كي يقدم افضل ما لديه، مستعينا بكل ما يمكنه التوسل به تحقيقا لهذه الغاية سواء كان بالاستزادة من الثقافة والاطلاع، ام بالدراسة والمتابعة لكل ما هو جديد وحتى قديم في المجال. لهذا نلاحظ ان المبدعين الحقيقيين الجديرين بصفتهم هذه، يضعون الابداع ذا المستوى الرفيع في اعلى سلم اولياتهم، غير عابئين بما يمكن ان يستتبعه انتاجهم الابداعي من انتشار وشيوع ذكر، وتحضرني في هذا السياق رؤية مختلفة لتلك التي عرفناها حتى الآن، عن ان الحرمان الفقر والجوع، هما الابوان الشرعيان للإبداع، هذا الرأي هو للمثقف السوري د. سامي الدروبي، المعروف بإثرائه المكتبة العربية بالترجمات الكاملة لكل من الاديبين الروائيين الروسيين البارزين فيودور دوستوفسكي وليو تولتسوي، ومفاده ان الفقر الجوع والحرمان قد يكونان نتيجة للحياة التقشفية التي يعيشها الانسان المبدع، وليس مقدمة لها، كما اشيع دائما، لقد اورد الدروبي رايه الثمين هذا في كتابه القيم عن " علم النفس والادب"، واعتقد ان مرماه البعيد يتمثل في ان الانسان المبدع قد ينسى العالم الا انه لا ينسى ابداعه.. مهما طاله من ظلم وعسف.

اما عن الجانب الآخر للإبداع الادبي، فهو ذاك الذي يتعلق بصاحبه وبذيوع ذكره، اعترف أن هذا الجانب هو الدافع لكتابة هذه الخاطرة، فما اكثر اولئك الذين ينشدون السمعة الادبية الطيبة في عصرنا، عصر انتشار وسائل الاتصال الاجتماعي وهيمنة العولمة/ الامركة، بعد انتهاء الحرب الباردة، اي انتهاء زمن الحروب، هؤلاء لا يهمهم ما يبدعونه وينتجونه، بقدر ما يجذبهم البريق المضلل للشهرة، ومن هؤلاء اشير الى من يدعي انه شاعر اديب او مبدع فنان، دون ان يقدم اي ابداع يُعتدُّ به، ومنهم من يستكتب آخرين وينشر ما يكتبونه له بالأجرة او مجانا، مدعيا انه من بنات ابداعه، ومنهم ايضا من يستقطب بفهلويته الاجتماعية، او موضعيته الوظيفية، عددا من الاصدقاء الذين يداهمونه باللاياكات على الطالع والنازل، غير آخذين بعين الاعتبار المستوى المتدني الذي يقدمه للآخرين، من القراء والمتلقين. في هذا السياق يهمني الاشارة الى فكرة طالما رددها شعراء ومثقفون منهم الشاعر محمود درويش، مفادها ان هناك فرقا كبيرا بين الشهرة والأهمية، فقد ترى مبدعا مشهورا دون وجه حق، فيما ترى آخر مبدعا وغير مشهور، فالشهرة ليست مقياسا للإبداع، وانما مقياس الابداع.. هو الابداع ذاته.

اذا كان لي من كلمة اضيفها في نهاية هذه الكلمة، هي تلك التي تتعلق بالإبداع والتسويق، وقد سبق واشرت اليها في اكثر من كتابة وموقع، لا شك انه من حق المبدع ذاتيا، كما هو الشأن في عالمنا العربي عامة، او مدير اعمال كما هو الامر في الغرب، ان يُسوّق ما يقوم بوضعه من ابداع، شريطة الا ينسى ان الابداع وليس الانتشار المجاني هو الهدف، ومما يمكن ذكره في هذا المجال، ما قاله الكاتب الروائي الايطالي المبدع البرتو مورافيا، صاحب الروايات المشهورة عالميا: السام، امرأة من روما وانا وهو. لقد قال مورافيا ما مفاده انه من حق المبدع ان يسوق عمله بنسبة عشرة بالمائة، لكن من واجبه ان يبدع بالمتبقي اي تسعين بالمائة، وليس العكس كما يحدث لدينا.

 

ناجي ظاهر

 

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية - الكذب شظايا الحقيقة .

التعليق – ونحن نقول - يفوتك من الكذاب صدق كثير، وهناك امثال كثيرة لدى الشعوب تشير الى هذه الظاهرة الاجتماعية المشتركة بين البشر، منها المثل الياباني – وفي الكذب توجد حقيقة .

**

الترجمة الحرفية – الخبز عند الجيران أطيب .

التعليق – توجد امثال كثيرة عند مختلف الشعوب حول حالة الحسد والغيرة هذه عند الانسان، اذ نقول نحن، ان (مرقة الجيران أطيب) و(دجاجة الجيران أسمن)، وهناك مثل جورجي طريف يوضح هذه الحالة ويقول - زهرة الجيران تنغز الحسود مثل الشوك، وكذلك يوجد مثل افغاني طريف ايضا في هذا المعنى، وهو – حمار الغريب يبدو اقوى من حمارك ...

**

الترجمة الحرفية – لا يقدر الفأر ان يفلت من القطة الجائعة .

التعليق – وهناك مثل صيني غريب معاكس له يقول، ان الفأر الجائع مستعد ان يفترس القط . ويوجد مثل روسي في هذا المعنى يقول، الذئب الجوعان اقوى من الكلب الشبعان، وهناك مثل ياباني وفي نفس المعنى ايضا يقول - الكلب الجائع لا يخاف من العصا. كل هذه الامثال – رغم مبالغاتها - تؤكد مثلنا العربي الشهير – الجوع كافر.

**

الترجمة الحرفية – والقمر ليس بلا نواقص .

التعليق – يوجد مثل باللهجة العراقية يكرر هذا المضمون بالضبط، وهو – حتى الكمر بي لوله . (الكمر – القمر، بي - به، لوله – عيب او نقص)، وبشكل عام فان (الكمال لله وحده) .

**

الترجمة الحرفية – عندما يأكل الفقير دجاجة، يعني اما هو مريض او الدجاجة.

التعليق – مثل يثير الابتسام، رغم انه يتحدث عن وضع مأساوي بكل معنى الكلمة، اذ ان هذا يعني، ان الفقير لا يأكل الدجاج في مسيرة حياته الاعتيادية، ولنتذكر المثل الساخر الشهير باللهجة العراقية – ناس تاكل دجاج وناس تتلقى العجاج.

**

الترجمة الحرفية – أفضل شيطان مجرّب من ملاك غير مجرّب.

التعليق – يقول المثل باللهجة العراقية وفي نفس هذا المعنى - الشين التعرفه احسن من الزين المتعرفه، (الشين – السئ، التعرفه – الذي تعرفه، الزين – الجيد) . المثل الارمني يذهب أبعد من المثل العراقي، اذ يتحدث عن (شيطان !) و(ملاك!)...

**

الترجمة الحرفية – كما ينظر الاعمى الى الرب، الرب ينظر الى الاعمى .

التعليق – الايمان كامن في اعماق النفس الانسانية بغض النظر عن كل شئ، ولهذا يشعر الاعمى برعاية الرب له، وانه ينظر اليه .

**

الترجمة الحرفية – لا يغسلون الدم بالدم وانما بالماء.

التعليق – دعوة جميلة ومهمة جدا لمعالجة حالات الانتقام الرهيبة، وهي دعوة ضرورية جدا بالنسبة لكل المجتمعات الانسانية عموما، والشرقية خاصة .

**

الترجمة الحرفية – متى ما تصطاد انت السمكة، فانها طازجة .

التعليق – مثل طريف، وهو واضح المعنى طبعا، ويدعو الانسان الى الاعتماد على نفسه في تدبير كل اموره و متطلباته والاجابة عن تساؤلاته . يقول مثلنا المعروف – ما حك جلدك مثل ظفرك.

**

الترجمة الحرفية – مصيبة تجلب مصيبة .

التعليق – المصائب لا تأتي فرادى، هذا هو المثل العربي المناظر، اما المثل الروسي المناظر فيقول – المصيبة لا تأتي بمفردها ابدا، وهناك مثل روسي آخر في هذا المعنى وهو – جاءت المصيبة – افتح البوابة .

**

الترجمة الحرفية – الذي يعرف أكثر ليس الذي عاش أكثر، وانما الذي ذهب أبعد .

التعليق – معنى المثل واضح جدا، فالذي يختلط ويتفاعل مع الحياة هو الذي يمتلك المعرفة، نتيجة التجربة . نقول نحن – اسأل مجرب ولا تسأل حكيم، (الحكيم باللهجة العراقية هو الطبيب) .

**

الترجمة الحرفية – اليد الكسولة ترقد على معدة فارغة .

التعليق – يقول المثل العربي الذكي جدا – الكسل ما يطعم بصل . الصورة الفنية جميلة في المثل الارمني، الذي هو في نفس المعنى طبعا، رغم انه اكثر شمولية.

***

أ.د. ضياء نافع

 

شاكر فريد حسنتأتي قيمة عميد الادب العربي الدكتور طه حسين في حياتنا الثقافية والفكرية، ليس فقط من كونه مفكرًا ومثقفًا نقديًا ضرب بسهم وافر في إثراء ميادين الانسانيات بأعمال نقدية ومنجزات بحثية ودراسات موسوعية متنوعة النواحي، وإنما تتجلى هذه القيمة باعتباره داعية تنوير، وصاحب رسالة ثقافية وفكرية تروم وضع حياتنا الثقافية برمتها على المسار الصحيح. ومن هذه الزاوية ننظر إليه ونعتبره امتدادًا طبيعيًا أصيلًا ومنطقيًا لرواد التنوير الكبار، من امثال الطهطاوي والكواكبي والافغاني ومحمد عبده وفرح انطوان وشبلي شميل وسواهم.

وبديهي أن تنصرف هموم طه حسين وغيره من رسل التنوير بالدرجة الأولى نحو هدم ركام الابنية الفكرية الرجعية القديمة واشهار عجزها وافلاسها تمهيدًا لبناء دعائم الفكر النهضوي الجديد على أسس علمية معاصرة. وهذه المرحلة الهامة التي يطلق عليها طه حسين مرحلة " هدم الهدم ".

ألف طه حسين عدة مصنفات غطت البعثة النبوية وعصر الراشدين، وقدم صورة واضحة لمسار حركة التاريخ الاسلامي  مصفاة من أكداس الغيبيات والمعجزات والخوارق والأساطير التي تراكمت على مر الزمن، وطمست معالم الحقيقة طمسًا يكون تامًا.

ويتجلى الهدف التنويري لطه حسين بوضوح في كتابه " على هامش السيرة " الذي لا يعد تاريخًا بأي حال من الاحوال بل على حد قوله مجرد " صحف لم تكتب للعلماء ولا للمؤرخين لأني لم أرد بها إلى العلم ولم اقصد بها إلى التاريخ ".

وبهذا العمل والمنجز القيم استهل به بداية ذكية لمرحلة فكرية نضالية ضد الخرافة والتقليد والقداسة، مقدمًا وعارضًا أفكاره بنظرة المؤرخ والباحث الذي يجرد نفسه تجريدًا كاملًا من النزعات والعواطف مهما اختلفت مظاهرها ومصادرها وغاياتها.

وبهذا المنهج طفر طه حسين بأصول البحث في التاريخ الاسلامي طفرة هائلة، وخرج به من نطاق القدسيات والمحظورات والمحرمات إلى موضوع يخضع للبحث والتحليل والاجتماع خضوع المادة لعلم الكيمياء.

خاض طه حسين معارك فكرية وثقافية وأدبية عديدة، دفاعًا عن حرية الفكر وحرية المرأة وحرية مصر واستقلالها، وتعرض ولا يزال حتى بعد موته يتعرض لهجوم شرس من الاصوليين والسلفيين والمتأسلمين، بسبب كتابه " في الشعر الجاهلي " الذي اعتمد به على العلم والعقل، وعلى نظرية الشك المنهجي، وأدى هذا الهجوم بالتالي إلى مصادرة كتابه ما اضطره إلى تعديله واصداره تحت عنوان " في الأدب الجاهلي ".

أبقى طه حسين وراءه إرثًا أدبيًا ثقافيًا فكريًا ونقديًا هائلًا، وهذا الإرث الغني لا يتمثل فقط بالمنجزات والأعمال والدراسات النقدية والبحثية والروائية والسيرة الذاتية، وإنما بالفكر التقدمي الواعي والدعوة للعلم وحرية الفكر والاصلاح الاجتماعي والتنوير والاغتراف من معين تراثنا ونزعاته المادية.

ويمكن القول أن طه حسين استطاع تقديم صورة واضحة لحقيقة تاريخ صدر الاسلام قوامها الروايات المستقيمة من المنطق والعقل.

وفي الاجمال، طه حسين سارق النار، مفكر تنويري ومثقف نقدي تجديدي حداثي معاصر، وجد مناخًا مهيئ لاحتضان فكر التنوير والحداثة وفتح المجال أمام العقل العربي والإنساني للمغامرة والبحث والاكتشاف بحرية. وما احوج أمتنا العودة لتراثه العظيم، وغسل ما في عقولنا وأذهاننا ونفسياتنا من جهل وتخلف وادران وأمراض متأصلة فيها.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – بكل يد من يديه يريد ان يصطاد سمكة .

التعليق – صياد السمك الفيتنامي هذا لن يصطاد شيئا ابدا، لأنه لا يعرف مثلنا العربي الجميل عن الطمع، وكيف يمكن لهذا الطمع ان (يقتله !).

 **

الترجمة الحرفية – الطويل يضحك على العمالقة، والقصير يضحك على الاقزام .

التعليق – لوحة كاريكاتيرية رائعة لعالمنا، وهي (لوحة!!) تجعلنا نضحك على طويلي القامة وقصيري القامة معا، لأنهم لا يعرفون التباين الطبيعي للبشرشكلا ومضمونا، ولا يعترفون بتلك الوقائع الاساسية للحياة الانسانية . ما أعمق هذا المثل الفيتنامي وما ألطفه .

 **

الترجمة الحرفية – البيت يتيم بلا رجل، والمطبخ يتيم بلا امرأة .

التعليق – هذا هو النظام السائد في كل مكان وزمان في مسيرة حياة الانسان، وكم حاول (البعض!!) من الرفاق تغييره هنا وهناك انطلاقا من نظريات يؤمنون بها، ولكنهم فشلوا فشلا ذريعا في التطبيق العملي لنظرياتهم تلك . المثل الفيتنامي هذا يضع النقاط على الحروف بشكل واضح وبسيط و دقيق .

 **

الترجمة الحرفية – الغني يصبح أحد الاقارب، والفقير يبقى غريبا .

التعليق – حقيقة مؤلمة في حياة الناس شرقا وغربا ...

 **

الترجمة الحرفية – المرض يدخل عبر الفم، والمصيبة تخرج من الفم .

التعليق – المعدة بيت الداء، اي ان المرض يدخل فعلا عن طريق الفم، واللسان عدو الانسان، اي ان المصيبة تخرج فعلا من الفم . ما أجمل هذه الخلاصة الواضحة والصحيحة في هذا المثل الفيتنامي الدقيق و الجميل .

 **

الترجمة الحرفية – البطن شبعانة والعيون جوعانة .

التعليق – مثلنا يصف نفس الحالة بالضبط،ويكرر نفس الصورة الفنية تقريبا. لنتذكر هذا المثل - جدره على ناره وعينه على جاره . الافكار بين الشعوب متناسقة، لأن قواعد الحياة الانسانية واحدة في كل مكان بغض النظر عن كل شئ.

 **

الترجمة الحرفية – الخمر يدخل، والكلمات تخرج .

التعليق – المثل الروسي يقول – ما يوجد في عقل الصاحي ينعكس على لسان السكران، والمثل العربي المناظر له يقول – الخمر حلاّل لعقدة اللسان . المثل الفيتنامي مختصر مفيد في وصف هذه الحالة العامة عند الانسان .

 **

الترجمة الحرفية – الماء من السقف يصب دائما الى الاسفل.

التعليق – مثل رمزي واقعي فعلا، اذ ان (عدم انتظام العمل !) في السقف، اي الذين في الاعلى، ينعكس دائما على الذين يكونون تحت السقف، اي في الاسفل . المعادلة الدائمية للعلاقات في المجتمعات الانسانية بين (الناس اللي فوق !) و (الناس اللي تحت!)...

 **

الترجمة الحرفية – دون فيل، يبدو الثور ضخما .

التعليق – كل الامور نسبية في حياتنا...

 **

الترجمة الحرفية – السمكة الكبيرة تبتلع السمكة الصغيرة .

التعليق – وكذلك الحال في (أنهار و بحار!) المجتمعات الانسانية كافة .

 **

الترجمة الحرفية – يعيش الدجاج في قفص واحد ويتعاركون فيما بينهم .

التعليق – ما أجمل هذا المثل الواقعي فعلا، وكم يذكّر بواقع بلدان عالمنا (الثالث !!!)، بما فيها بلداننا العربية طبعا. لقد قال لنا المتنبي قبل أكثر من عشرة قرون، انه (ضحك كالبكا ....) .

 **

أ.د. ضياء نافع

 

حسين ابوسعودبالأمس قتل شمس التبريزي وشارك في قتله علاء الدين ابن جلال الدين الرومي والليلة مات عزيز مؤلف رواية الكفر الحلو بعد صراع مع مرض السرطان في أحد مستشفيات قونية حيث يرقد مولانا جلال الدين الرومي الذي تحول من عالم دين الى عاشق صوفي، اغواه بذلك الدرويش شمس التبريزي.

وغادرت ايلا الامريكية عشيقة عزيز وزوجة ديفيد قونية الى أمستردام بدلا من نورثامبتون حيث زوجها واطفالها الثلاثة بعد ان خسرت كل شيء تلبية لنداءات القلب والجسد.

ذهبت الى فراشي في الثالثة فجرا ولكني لم أستطع النوم، انا لا اشبه شمس التبريزي الا في بعض الأشياء، ولا احمل من صفات الرومي شيئا لكثرة اوزاري وذنوبي، واما عزيز الهولندي المتحول الى الإسلام الصوفي دون ان يجهد نفسه بدراسة المذاهب الإسلامية الأخرى، ارتحل الى كثير من مدن العالم شرقا وغربا، كان يعلم شيئا واحدا حقيقيا وهو انه سيموت قرب معشوقه جلال الدين الرومي، وهذا ما حصل وحضر جنازته الصوفيون وغير الصوفيين، لقد كان مقبولا من الجميع، كيف لا  وقد كان عفيفا حارب شهوات النفس بكل ثبات وتبنى عددا من الايتام ولم يؤذ أحدا في حياته، ماذا يريد الانسان اكثر من هذا كي يكون مقبولا.

انا اختلف عن جلال الدين الرومي لأنه صدق شمس التبريزي بان قواعد العشق اربعون وانا أقول ان قواعد العشق لا تنتهي ابدا وكل العشاق يستطيعون ان يخترعوا قواعد جديدة في كل يوم وكل ارض وكل مناسبة.

كنت أتمنى ان استمر معك رغم الفوارق الكبيرة بيننا لا سيما فارق السن ولكني أخاف ان اٌطرد من حياتك وانا في أرذل العمر ولن أجد حينها ملاذا من الوحدة والخوف والمطر، لن اقوى على مشاركة المشردين والسكارى الشوارع الخلفية للمدينة المرطوبة.

لا اريد ان اشوه علاقتنا يوما او احمل عنك صورة غير التي رسمتها لك في مخيلتي، ها انا قد اعدت لك كل شيء واودعتك كتبي كلها واهديتك مفكرة الجيب الانيقة التي تنظم لك حياتك لمدة عام، ويعطيك إحساسا بأهمية الوقت ويشعرك بان الحياة قصيرة والأيام تجري بسرعة نحو النهاية، وباختصار شديد لن أجد مثلك في الدنيا رغم أنك لست على ما اشتهي تماما.

معذرة مولانا جلال الدين فانا لن ارضخ لصرخات شمس التبريزي طالبا مني ان احرق كتبي على رؤوس الاشهاد وابعثر اوراقي التي كدستها منذ أكثر من نصف قرن في الهواء.

قررت ان أكون قويا ولا افعل ذلك مع علمي بان هذه الأوراق وهذه الكتب سوف تٌلقى بعدي في القمامة كما يتم التخلص من ملابسي واقلامي ونظاراتي وادويتي الباقية، نعم وعدت التبريزي بحرق الكتب والأوراق والتخلص من الملابس ذات الماركات العالمية والاكتفاء بثوب من الصوف الأسود لستر عيوبي ونواقصي ونزواتي، واسير بمفردي في الدروب المظلمة بحثا عن النور والنقاء.

**

العمر ينتهي ولكن الآمال لا تنتهي والاعمال لا تنتهي وقصص الماضين لم تكتمل.

**

ساجئ الى قونية عن قريب لا لكي اخرج جثة شمس التبريزي من البئر ولا لكي اقرأ الفاتحة عند راس مولانا الرومي وانما بحثا عن قبر عزيز الروائي الهولندي في المقبرة الإسلامية القديمة، ساجئ الى قونية عن قريب لا لكي اموت هناك بلا حبيبة لان أجمل الميتات ما كان في حضن حبيبة

**

صغيرتي يقول شمس التبريزي في قاعدة من قواعده: ليس من المتأخر مطلقا ان تسال نفسك هل انا مستعد لتغيير الحياة التي احياها؟ هل انا مستعد لتغيير نفسي من الداخل؟

إذا غادرت المدينة في فجر غد، قد اغادر في فجر يوم من الأيام الا ان اثاري ستظل ماثلة في كل مكان حتى صوتي يظل متحفزا في زوايا البيت يغني المواويل الحزينة.

سترينني في كل مكان بعد ان كنت ترينني في مكان واحد واعلمي انت لست منتصرة وانا لست مهزوما ولكنه القدر وسطوته التي لا تقارع.

رغم المرارات فانا مدين لك بالكثير من لحظات السعادة التي اوهمتيني بها على انها حقيقة، لا قيمة للحياة بلا عشق

قاعدة العشق الخمسون: كل الانتصارات في العشق هي هزائم وكل هزائم العشق هي انتصارات

تهيئي لوداعي.

 

حسين أبو سعود

........................

كان الفراغ من قراءة رواية قواعد العشق الاربعون للكاتبة التركية اليف شفق، ترجمة خالد الجبيلي في اليوم الأخير من عام 2019

 

سمير محمد ايوبعشوائيات في الحب - 15

في باحة جامعة اليرموك الربداوية في شمال الاردن، قبل أيام، تقدم مني حفيدي الدارس لعلوم السياسة فيها. وقال بفرح مقدما لي باقة من زميلاته وزملائه الطلبة، كانوا برفقته: هذه زميلتنا دلال سورية من فلسطين، والعباس هذا أخ عراقي من سورية، أما الياس هذا فهو من جبل العرب في سورية، أما خديجتنا هذه، فهي لبنانية من سورية هي الاخرى، وأنا كما علمتني اردني من بلاد الشام مثلهم . كلنا كما ترى يا جدي، نعتز وبحب، أننا عرب من هنا، من سوريا الكبرى .

قلت وروحي تضمهم باعتزاز: (بلاد الشام حتى في زمن الانحدار العربي العام، ليست دولة او حيزا جغرافيا فقط، بل قصة تعاش ولا تقال أو تروى، تتناقلها الاجيال لا من خلال أعلام أو اناشيد، بل بصمات حضارية منقوشة على وجه الزمان وقلب المكان .

قالت خديجة: ولكن يا شيخنا، أوليس من الشذوذ ان تعشق مكانا محددا أو تاريخا ما، فقط لانه جزء من ذكرى جميلة تغزو روحك؟

قلت: ليس عبيا إن كانت بلاد الشام هي اصل الحكاية . لبلاد الشام كيمياء لا تسمح لأي عاق سياسي، الامعان في العنصرة، او التشظي والتحوصل في قطرية ضيقة مقيتة. سورية الكبرى قصة سرمدية، مليئة بالرموز والسحر والغموض . لا تبوح بكل مكنوناتها مرة واحدة. وكل من حاول مقاربتها، ادرك ان لا بداية لسورية، ولا نهاية لها .

سال علي: اتشكو مواطن الهلال الخصيب تقصيرا في حبنا لها؟ أسوريانا في ظل ما نعيش من انحدار، بحاجة لمن يحبها اكثر؟

قلت وأنا أرخي ذراعي الايسر على كتفه لادنيه مني، ومتواصلا مع عيونهم: لا يا ولدي، فبلاد الشام قد بلغت من الحظوة درجة، ان كل محب لها انى توجه، سيجدها باقية في قلب الزمان، وفي الواقع ماثلة، وفي الامل حاضرة . لا اعلم بلدا، قد بلغت بالحضارة، ما بلغت بلاد الشام، أوصلتها الى مراقي المجد وذروة الشرف في الارض .

حتى قيل: أن كل محب للطبيعة، سيستوطنه جمالها الصارخ , وهو يطل على جدران المدينة الوردية في البترا، التي نقشت في الصخر قبل 3000 سنة، او في شموخ سور عكا، حيث هزم نابليون، او في بقايا تدمر او بابل او بعلبك وغيرها الكثير .

ومن كان من عشاق الحضارات، سيجد بعض اجزاء هذه القصة في كل حضارة عاشت فيها وعبرتها . وسيعلم ساعتها انها كانت المهد لاول ابجدية وجدت في التاريخ . وفي ثناياها سيجد باقات من العلماء كابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية في عام 1242 .

والفرح يتراقص على قسمات وجهي، وفي نبرات صوتي أكملت: ومن عنده شغف بالايمان، سيعلم مما ترويه له أجراس الكنائس في بيت لحم، وتكبيرات قباب بيت المقدس، اننا في بلاد الشام، مسلمون منذ اكثر من 1440 سنة، ومسيحيون منذ 2020 سنة، ولكن الاهم اننا سوريون منذ حوالي 7000 سنة . قصة سوريا وان لم تبدأ بولادة العديد من الأنبياء الذين عاشوا فيها او عبروها، الا انها في نبوؤة كل نبي، وفي كل صلاة، وكل لحظة قرب من الله سبحانه .

أما الياس، فقد استأذنهم ليسألني باسمهم جميعا: كيف نخرج من سجن قطرياتنا الضيقة والسلبية، الى رحاب هويتنا الوطنية .

قلت: بالخروج الايجابي، مما اقترفه بحقكم سايكس بيكو وبعض تابعيه من المتصهينين، الى غيطان عروبة بلاد الشام،. محوطين بنسائم مشبعة برذاذ أنهر دجلة والفرات، والعاصي والاردن واليرموك، ونهرالعوجا في فلسطين والليطاني في لبنان. اطلقوا العنان لارواحكم، وارقصوا عشقا مع مطر الخير، تحت ضوء القمر، وعلى سحرانغام اول نوتة موسيقية خالدة في التاريخ، وجدت محفورة على لوح طيني في اوغاريت، ابدعها قبل 3400 سنة روح ذاك السوري العظيم، قبل الكثير من عباقرة الموسيقى في العالم).

من اين نبدأ يا جدي؟

أفقلت ونحن نتوجه الى المقصف: وانتم تعملون من اجل مستقبل افضل، لتكن لكم يا شباب، الجرأة على استخدام عقولكم، للتعرف على ما في ارواحكم من الحان لم تؤلف بعد، والكثير من القصائد التي لم تنظم بعد. بلادكم تعج بالكثير من الامنيات التي لم تتحقق، والكثير من الدعوات التي لم تستجب بعد، ولن تستجب الا بتحرير عقولكم من غيبياتها وسلبياتها .

سوريانا العظيمة بوابة العروبة الانسانية، تستحق الحياة وتليق بها . فهي هوية ثانية لكل مثقف إنسان، بالاضافة الى هوية امته الاصلية .

 

كتب الدكتور سمير محمد ايوب

الاردن – 7/1/2020

 

جلسة سمر مسائية ضمت ثلاث صديقات مزمنات من خريجات الجامعات وكلهن موظفات في مؤسسات الدولة ودوائرها الرسمية بعد انفراج للأزمة الكبرى (الحصار الظالم لشعبنا الأبي) ومع (أكواب الشاي والمعجنات) كان بينهن حديث لا نستطيع أن نسميه طيباً قط، لكن هذا الحديث جرى وأصبح ممكناً بفضل الانفراج الاقتصادي الجزئي، أما قبله فقد كانت النفوس قد ابتدعت لها أقفاصاً خاصة من الخجل لا واهية ولا شفافة تحول دون أن تتسرب أسرارها الى خارج صدورها . فللخجل أيضا قوته الخاصة اذ يعتصم المرء بأستاره ويتشبث بها فلا يفضح ما هو فيه حتى - لأقرب أقربائه وأعزّ خلانه - الا ربما بعد أن ينحسر مَدّه وتزول ظلاله فيصبح قصصاً تروى .

وفي معرض حديث وذكر للبيض وتقلب أسعاره قالت صغراهن: كانت ابنتي قد فارقت الرضاعة منذ وقت قصير فهي في عمر بدأت فيه تتناول بعض الطعام من أنصاف السوائل، ومن حسن الحظ كانت لدينا دجاجة تبيض وضعناها في قفص صغير خلف المنزل اذ لولا وجودها ما استطعت أن أكفل لابنتي ما تحتاجه من البيض . غير أن الدجاجة مثلنا لم تكن تحظى من الطعام قط بما يكفيها، ذلك إن الاسرة كانت تلتهم كل ما يوضع أمامها غير اني كنت اسرب للدجاجة كل ما يسقط إجباراً من نفايات الخضر عند تصنيعها وطبخها . لكن الدجاجة بدأت تفضل أن تضيف الى طعامها بيضها لتشبع نفسها بنفسها . لذا اتخذتُ لنفسي مرصداً من شباك غرفة يطل على خلف المنزل فكنت أقضي وقتي في مرصدي كيما اسابق الدجاجة فما ان تبدأ بالنقنقة الخاصة بوضع البيض حتى أسرع بالخروج اليها فما تكاد تضع البيضة الا وجدت يدي تسرع بأخذها منها قبل أن تنقرها .

فأردفت الثانية : وعلى ذكر البيض أيضا فقد حدث معي مثل ذلك  حيث اني ورثت عن امي فيما ورثت بضع دجاجات وضعتها كما كانت سائبة في فسحة كبيرة خلف المنزل . ماتت أغلب دجاجات امي غير اثنتين كانتا تتناوبان التبييض فتسدان حاجتي من البيض إذ لم يكن مرتبي يسمح لي بذلك . وكذلك لم تكن فضلات طعامي تكفيهما فأخذتا تأكلان بيضهما، وذات يوم بلغت بي عصبيتي لما تفعلانه من أكل البيض شأواً بعيداً حتى اني أخذت اراقبهما بالإصغاء، وفيما أنا اراقب إحداهما في انتظار بيضتى.. أسرعت فما وصلت اليها الا وقد كسرتها بمنقارها وبدأت تأكلها فما وجدت نفسي الا وأنا امسك الدجاجة بكلتي يدي وأهزها مؤدبة إيّاها كي لا تفعل ذلك مرة اخرى ويظهر اني نسيت في غمرة غضبي أنها مخلوق رقيق وحين انحسر غضبي كانت الدجاجة تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة فأسرعت بها الى الجيران كي تُذبح لتخليصها من عذابها أولا وكيما تكون طعاماً لهم ثانياً ففعلوا شاكرين الله لأنهم حظوا بالدجاجة  المشاكسة .

وانبرت كبراهن تقول: لم يكن عندي دجاج وكان راتبي كله يكفي فقط لشراء طبقة واحدة من البيض شهريا لي ولاسرة من خمسة أفواه ومع إن لنا جميعاً رواتب فنحن موظفون من خريجي الجامعة غير إن رواتبنا كلها كانت تكفي فقط للمواصلات. الا إننا جميعاً كنا نقوم بأعمال إضافية منزلية للنساء وخارجية للذكور كيما نستطيع أن نأكل لنعيش بانتظار الفرج. وكان ضمن أعمالي الإضافية (المحاضرات) في المدرسة التي أعمل فيها . كنت فرحة بها، غير إن أقصى غاية ما كنت أتمناه أن يكون أجر محاضرة واحدة يكفي لشراء بيضة واحدة اسلك بها حَنجرتي ولم يحصل ذلك أبداً إذ تصاعد سعر البيضة الواحدة الى مائتين وخمسين ديناراً أما أقصى ما تصاعد اليه سعر المحاضرة الواحدة فهو الى ثمانين دينار كركرت صغرى الصديقات قائلة : انظرن معي (ثلاث في ثلاث) (ثلاث نساء في ثلاث بيضات) تلك أيام لا أعادها الله علينا وعلى بلدنا ذي الخير الوفير والناس الطيبين ولا بارك الله في حرب ولا مخمصة .

***

سمية العبيدي

 

سليمة مليزينحكي للزمان حكاية سفر أثقلتنا به الايام وجعلتنا من بين المحظوظين الذين التقطتهم عواصم العالم، واحتضنتهم بقوة عن بقيت البشر، لأننا نتقن فن الابداع، في جمال عواصمها الغريبة المبهجة الفرحة، لأننا نقرأ كل زاوية من شوارعها، ومتاحفها،وحدائقها، بطريقة شاعرية، تحمل الكثير من المفاهيم والصورة البديعة التي تذهلنا، فنحولها الى أدب يؤرخ حقبة معينة من الزمن، كيف لا ونحن في قبل باريس، مدينة الجن والملائكة، المدينة الساحرة التي الهمت الكثير من الفنانين والادباء، وكمسافرة ربما سأكون محترفة ذات يوماً، لأحكي أجمل قصص عن أدب الرحالات ..

أكاديمية السوربون وحديقة لكسمبورغ، حي (سان ميشال) Saint michel

في قلب باريس العتيقة،الزمان الثلاثاء 27 ديسمبر 2016، الأصيل يودع النهار والسماء تتأهب لاستقبال ليلها الليلكي، الغسق ينحت لوحات فنية من الوانهِ القزحية، في أفق سماء تلونه باللون الازرق بعد اختفاق خيوط الشفق، الأضواء تنثر بهجتها  الصاخبة على شوارع المدينة وكأنها تتحدى أرق الليل، كل شيء هنا يوحي بالفرح والآمن.. هنا فقط لا نخافُ من الظلام .. ولا من الإنسان .. ولا من مرور الوقت، ولا من الجن والشياطين، ولا من الكلاب، ولا من نظرات الحساد لنا، ولا من نوافذ موصده ومسيجة بالحديد، هنا الشوارع لا تنام، تشعرك انها تفتح ذراعيها لك، وتقول انهض ايها النائم، لليل حياة اخرى تبدأ مع الغروب ...

في الصباح كعاتي كل يوم اذهب الى الحديقة، واستمتع بجمال ازهارها وورودها، واشجارها الباسقة التي تمنحني الهدود، التقيت بسيدة كبيرة في السن، (هنا في باريس عنما تسلم على احد يرد عليك السلام وهو مبتسم فرح بك) بعدما تبادلنا التحية، رأيت عيناها تتعلق بي وكانه تريد ان تسالني من اين انت، وفعلا الحيث اخذنا على جمال الحديقة، والشوارع التي تشبه كثيرا شوارع الجزائر العاصمة،قلت لها اليوم الجو ربيعي، والشمس تذكرني ببلدي الجزائر: فردت وهي تريد أن تحكي حنينها للجزائر، قالت الاتزال الجزائرالبيضاء Algérie blanche  ابتلعتُ غصة في حلقي وتبسمتُ وقلت لها نعم الجزائر جميلة  وبيضاء.. وتنهدتْ هيا أيضاً وقلت لها: هل تعرفينها؟

قالت: أنا ولدتُ في باب الواد، وبدأت تحكي لي عن طفولتها، وعن الجزائر التي كانت تعتبر من بين أجمل عواصم العالم، قالت كنت أحب الجزائر، بلد البحر والشمس والجمال...

اخفية قهري وحزني على بلدي الجزائر، وقلت في قلبي آهٍ لو ترينها الان كيف أصبحتْ...

متسائلة دائما أين يكمن المشكل في تأخرنا عن عواصم العالم؟ يبقى السؤال مطروحا ...

هناك في الوطن فقط يخيفنا الليل وحلكته.. يخيفنا الإنسان.. الشوارع الخالية من الحياة، يخيفنا الظلام الذي يخيم على الشوارع والقلوب.

 

سليمة ملّيزي

من أدب الرحالات 2016

 

شاكر فريد حسنيعد جبران خليل جبران من كبار شعراء وأدباء المهجر، ومن أوسعهم حضورًا في ضمير عصره، حيث يستطلع حقائق الوجود ويقررها ببعض الحدة والانفعال. ويتسم أدبه بالروحانية الشاملة، وعانق خياله الرومانتيكي في الطبيعة أسرارًا عميقة، ونظر للوجود نظرة واجمة سوداء، وهو بهذا يمثل الحكمة التأملية الصوفية.

وجغرافية الروح ومعالمها تتجلى لنا واضحة في أدب جبران، وغالبًا ما يعبر عن النشوة والانفعال بالطبيعة وجمادها معبرًا عن موقفه من الحياة.

وحب الطبيعة كان له أثر كبير في شخصية جبران، وهي ينبوع شعره والهامه. وقد نفذ أدبه إلى صميم الحياة وذلك بفضل تأمله الدائم في الطبيعة، وملاحظته الدقيقة للحياة، وكان يظل الساعات الطويلة يحلم بين مناظر الطبيعة ويتفهم أسرار جمالها. وهذا ما نلمسه في قصيدته الخالدة " المواكب "، التي تجسدت فيها كل المعاني الخالدة والخلجات الصادقة البريئة الدافئة.

فهي قصيدة الحياة، وفيها نظرة مقدسة، ففي الغاب انعتاق من عالم الهموم والأحزان، ومعانقة لعالم سحري جميل. وقد أحب جبران الليل لأنه مليء بالأسرار التي لا تدرك، ولأنه مثار أحلام، وأفرط بوصفه، وتثور خواطره في هدأة الكون حين تبدو الظلمات مشوبة بأضواء شاحبة في طريقها إلى الفناء. وهذا الفناء هو من يذكي الشعور بالموت، ويفتح أمام الشاعر نوافذ الأحلام لأن الحقائق تتجلى على مسارح الأحلام. لنسمعه يقول في قصيدة " سكن الليل " التي تشدو بها سفيرتنا إلى النجوم السيدة " فيروز " :

سكن الليل وفي ثوب السكون تنتشي الأحلام

وسعى البدر وللبدر عيون ترصد الأيام

إن الليل عند الشعراء الصوفيين يوحي بالانطلاق والتحرر لأن النهار يتجلى فيه الموجودات المحددة المعالم، في حين أن الليل يمحو هذه الحدود فيرتفع ستار الأسرار عن النفس بالإشراق الروحي والأحلام.

وجبران هو من أكبر الشعراء الذين وضعوا أساس الرومانسية الجديدة في الأدب العربي، وصوره الجمالية الفنية أكثرها مشتقة ومستمدة من الجو الذي كان يعيش فيه بالفعل والوجدان. فأدبه حافل بالجزر والغابات والبحار والملاحين، وشعره ينبض بالخمرة، ليس التي نعرفها، بل الخمرة الصوفية التي تغنى بها ابن الفارض من قبله، وهذا ما نلمحه ونجده بوضوح في كتابه " النبي ".

وفي هذا الكتاب يخاطب جبران الضباب والريح وعناصر الطبيعة، ونحن نقرأه نحس باننا اقتربنا من هذا الأسلوب النبوي الذي يتقمص فيه صاحبه شخص الموحى إليه بأسرار الحياة. فهو يرمز في الشعر المنثور ببدائع الخيال والوجدان عن القيم الروحية العليا.

وجبران في هذا الكتاب تأثر بالتراث الغربي، وخاصة بالفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، وهذا ما أكده صديقه الراحل ميخائيل نعيمة.

والحب الرومانتيكي عند جبران هو عاطفة من وحي الطبيعة الصادقة، التي تعتبر مبعث السعادة والسرور في القلوب، وهذا الحب ليس مجرد فضيلة وإنما هو على رأس الفضائل، ووسيلة لتطهير النفس وصفائها.

وقد ثار جبران على مجتمعه وتمرد عليه، ذلك المجتمع المزيف الذي سلب منه أعز ما لديه في الدنيا. سلب منه حبيبته " سلمى " التي شغفها قلبه حبًا وهو في فجر شبابه، حيث تزوجها ابن اخ المطران منصور بك. وهذا ما يتجلى لنا في كتابه " الأجنحة المتكسرة "، اجنحته التي تكسرت على رصيف الزمن، وتقاذفتها الليالي والعواصف، وعصفت بها يد القدر.

لقد فجّر الحب قلب جبران فضاقت بحور الكلمات عن التعبير عن هذا الحب المقدس الذي تنشقت أعماقه من أريج رياحينه. ولعل حبه لسلمى، ذلك الحب الضائع، هو الذي غرس في أعماقه  قبسان من هذه التأملات السوداوية نحو الحياة، فبقي غارقًا في يوتوبيا أحلامه، ناثرًا أشلاء حبه الجريح على دروب وارصفة الحياة.

وقد غدت همساته كالصلاة التي تقرع على جدران القصيدة والنفس، وهكذا اطلق جبران لنفسه العنان في دنيا الأحلام ووجد في هذا الانطلاق إشباعًا لآماله غير المحدودة، فصار عالم الخيال أحب إليه من عالم الحقيقة. وعليه، يمكننا القول أن أدب جبران خليل جبران هو مناخ صوفي يحول الشعر إلى عالم يرقده الوجد والشوق والحنين.

لقد فتح جبران في الشعر أفقًا جديدًا يتيح للشاعر أن يشده الشوق لمعرفة الأسرار، وأن يبدع شكلًا جديدًا لما يحيط به.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – عندما ستكون هناك سلطة، سيكون المناصرون لها جاهزين .

التعليق – ينطبق هذا المثل على ما يجري في العديد من بلدان العالم بشكل واضح، بما فيها طبعا عالمنا العربي، حيث يفدي المناصرون هؤلاء حكامهم (بالروح والدم !!!) .

**

الترجمة الحرفية – الكلمة بلا أرجل، لكنها تسير آلآف الاميال.

التعليق –  في البدء كانت الكلمة، وستبقى هكذا ابدا في حياة المجتمعات الانسانية. المثل الكوري رشيق وواسع الخيال والجمال . هناك اشارة الى هذا المثل الكوري بترجمة اخرى، تجعل الكلمة ( بلا اجنحة ) و( تطير ) آلآف الاميال، ويبقى المعنى نفسه طبعا رغم هذا التباين .

**

الترجمة الحرفية – لا يمكن دقّ المسامير في الرماد .

التعليق – الصورة الفنية لهذا المثل الكوري جميلة جدا وغير اعتيادية بكل معنى الكلمة . مضمون هذا المثل واضح، وهو يؤكد بالطبع على ضرورة التفكير الواقعي والسليم للانسان ...

**

الترجمة الحرفية – لا توجد شجرة لن تسقط بعد مئة ضربة بالطبر.

التعليق – مثل عميق المعنى يؤكد على ان الاستمرار بالعمل يوصل الانسان الى هدفه مهما كان هذا الهدف صعبا او بعيدا . يوجد مثل روسي يقول – الصبر والعمل يمحوان كل شئ، والمثل العربي المناظر لهذه الحالة هو – من صبر ظفر، ولكن المثل الكوري يبقى متميّزا بصياغته وصورته الفنية الفريدة والجميلة.

**

الترجمة الحرفية – والجانب الظليل يصبح مشمسا .

التعليق –  ونحن نقول في هذا المعنى - كل حال يزول، ونقول ايضا – يوم لك ويوم عليك، ولكن بنية المثل الكوري شاعرية ورومانسية اكثر بلا شك.

**

الترجمة الحرفية – المنظر الخارجي لبوذا يتوقف على النحّات .

التعليق –  ونحن، في بلداننا المبتلية بهذا (الداء !!!)،  نعرف ايضا ان  المنظر الخارجي ( لبوذانا !!!) يرتبط برغبات وارادة و أيادي ( نحاتينا !!!) وخططهم .....

**

الترجمة الحرفية – وعند التوأم الاصابع مختلفة .

التعليق – توجد لدينا امثال مناظرة جدا لهذا المثل الكوري، وربما  المثل الاقرب  باللهجة العراقية هو-  (مو كل اصابعك سوه) .

**

الترجمة الحرفية – حتى الجبال والانهار تتغيّر بعد عشر سنوات .

التعليق – مثل رائع، وما أحوجنا ان نتفهم عمقه الفلسفي، ونأخذ مضمونه بنظر الاعتبار في مسيرة حياتنا، ولا نطلق تعابير (الخيانة !!!) لهذه الجبال والانهار.... 

**

الترجمة الحرفية – اي شئ يقوله المدير هو صحيح .

التعليق –  مثل في غاية المرح وفي غاية الدقة ايضا، رغم ان صاحبي قال لي، انه مثل حزين وتراجيدي جدا، وانه دليل لا يقيل الشك على تخلّف المجتمع الذي يردده، وأضاف مبتسما، الا يذكرك بمثلنا باللهجة العراقية – منو يكدر يكول للسبع حلكك جايف ( من يقدر ان يقول للاسد ان فمك نتن الرائحة )، فضحكت انا وقلت له نعم، وانه يذكرني ايضا بمثل آخر وهو – اذا حاجتك يمّ الجلب سميّ حجي جليب (يم – عند / الجلب – الكلب / سميّ – اطلق عليه تسمية / حجي - الحاج ).

**

الترجمة الحرفية – لا يمكن للانسان ارجاع شعرة واحدة الى مكانها بعد اقتلاعها.

التعليق – يضرب هذا المثل الطريف جدا لبيان ضعف الانسان امام حالات صغيرة في مسيرة الحياة اليومية الاعتيادية، فكيف يكون  موقف الانسان امام الحالات الصعبة والمعقدة . 

**

الترجمة الحرفية – القدور سوداء، لكن العصيدة فيها ليست سوداء .

التعليق –  يوجد مثل افغاني جميل في هذا المعنى يقول - البقرة سوداء لكن حليبها ابيض . المثل الافغاني أجمل، لكن المثل الكوري أكثر واقعية وأقرب للحياة اليومية...

**

الترجمة الحرفية – عبقرية الانسان لا يلاحظها القريبون منه .

التعليق – لأن (مطربة الحي لا تطرب) كما يقول مثلنا الشهير.

***

أ.د. ضياء نافع

 

بكر السباتينللمخرج الفلسطيني رائد دزدار الحاصل على النخلة الذهبية...

تم مؤخراً عرض الفلم الفلسطيني الوثائقي الحاصل على السنبلة الذهبية في مهرجان القدس الدولي، "يافا أم الغريب" للمخرج الفلسطيني رائد دزدار في سينما الريمبو بجبل عمان حضره جمهور غفير من المثقفين والمهتمين..

ويتناول الفلم المظاهر الحضارية المتفردة لمدينة يافا المحتلة ما قبل عام 1948في إطار ذاكرة فلسطينية حية لا تبور.. وأعقب العرض حوار تفاعلي مفتوح مع الجمهور الذي أبدى تفاعله الإيجابي مع تفاصيل الوجع الفلسطيني من خلال أسئلة حميمة وعاطفة جياشة.. قدم للفلم وأدار الحوار الكاتب بكر السباتين، حيث أجاب مخرج الفلم دزدار على الأسئلة التي عكست مدى تفاعل الحضور مع تفاصيل الذاكرة الفلسطينية التي أحياها المخرج بصرياً وفق رؤية تاريخية إعلامية لتزهر الدهشة في عقول الأجيال الفلسطينية المتعاقبة، فغاص الجمهور بكل ما لديه من وعي، في تفاصيل مدينة يافا "أم الغريب" لمدة ساعة وربع دون كلل أو ملل، فقد نال هذا الفلم التوثيقي والمرجعي من حصاد الرضى ما جعل البعض يطالب بجزء تكميلي له..

وتكمن أهمية فلم "يافا أم الغريب" في أنه جاء تحديداً ليكذب الدعاية الصهيونية المتمركزة في سياقها التضليلي على فكرة أن الصهاينة دخلوا فلسطين فوجدوها أرضاً يباباً دون شعب، يعيش على يباس عشبها البدو الرحل، ليثبت هذا الفلم الرائع بأن فلسطين كانت ذات حضارة بهية ومزدهرة في كل المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية والصناعية والاقتصادية، فاعتبرت درة شرق المتوسط.

وكانت يافا كما صورها الفلم تتفوق أو تضاهي في رقيها بعض المدن الأوربية التي قدم منها اليهود الصهاينة، ليقيموا دولتهم على أنقاض فلسطين بعد تشريد أهلها الذين قاوموا المحتل بإمكانياتهم البسيطة بعدما منعوا من امتلاك حتى السكاكين.. فالفلم جاء ليفحم الرواية الصهيونية الكاذبة القائمة على الأساطير اليهودية والدعاية الصهيونية المضللة. صحيح أن الاحتلال طمس معالم المدن الفلسطينية المحتلة؛ لكن تفاصيلها أبت أن تغادر ذاكرة الأجيال المتعاقبة من اللاجئين الفلسطينيين حتى وهم في المنافي لأنها لا تبور.

والمخرج الفلسطيني رائد دزدار يقيم في القدس المحتلة وهو متخصص بالتراث الشعبي الفلسطيني الشفوي وخاصة ما قبل عام 1948.

وذكر لي المخرج رائد دزدار على هامش العرض كيف أنه اختيار يافا لعدة أسباب موضوعية، أهمها:

أن يافا كانت بوابة فلسطين إلى العالم، فيقصدها الحجاج كي يرتحلوا بواسطة القطارات إلى القدس وبيت لحم في حركة دؤوبة لا تنتهي.. أما السفن التجارية فتحمل في جوفها صناديق البرتقال اليافي كما جاء في هذا الفلم الرائع؛ ليباع في الأسواق العالمية حتى تحول اسم يافا إلى ماركة تجارية يعرفها العالم، وتبشر الأسواق بنكهة يافا وأريج برتقالها.. واليوم باتت ماركة (يافا) تذكرهم بتفاصيل نكبة فلسطين.

يافا أيضاً بلد السلم الاجتماعي والديني والانفتاح على الآخر، حيث شهدت المدينة نهضة تنموية شاملة (ثقافية وصناعية واقتصادية) لا مثيل لها آنذاك على نطاق عربي وبأيدي أبناء المدينة وعقولهم المنفتحة على تجارب العالم المتنوعة، حتى أنها استقطبت الأيدي العاملة العربية من المحيط إلى الخليج دون استثناء، فأطلق عليها اسم أم الغريب.. فيافا باتت تمثل القضية الفلسطينية بكل أبعادها، كونها كذّبت الرواية الصهيونية التي ادعت بأن فلسطين كانت أرضاً يباباً، يقطنها البدو الرحل؛ لتقلب الذاكرة الفلسطينية الموثقة على رؤوسهم الطاولة، فيافا هي فلسطين بكل تفاصيل الوجع الفلسطيني، حتى أن فتيل ثورة عام 1932 اشتعل بداية في ميدان الساعة بيافا انطلاقاً من مسجد المحمودية الكبير، لذلك قامت العصابات الصهيونية بالتواطؤ من حكومة الانتداب البريطاني بارتكاب المجازر في أرجاء المدينة كما حصل في عموم فلسطين، بعد مقاومة يائسة حيث تم تجميع من تبقى من أهل يافا الصابرين على الضيم وحشرهم في حي العجمي لدفعهم إلى الرحيل ولكن دون جدوى.

وقد اختار المخرج رائد دزدار اللغة البصرية لنقل الحقيقة إلى العالم دون رتوش..

لقد أبدع المخرج في التنقل بين المادة التوثيقة التي قدّم فيها للمحتوى؛ لتعزز الروايات الشفوية حتى يثق المشاهد بالمضمون.. من أجل أن يغوص بعدسته في ذاكرة يافا العميقة اعتماداً على الرواية الشفوية لشخصيات يافيّة عاصرت تفاصل النكبة وشهدت مظاهر يافا المزدهرة قبل عام 1948.. وقد عزّزها بوثائق إثباتية حصل عليها من عدة مصادر أهمها مكتبة الكونغريس؛ لتخرج الرواية الشفوية والوثيقة في سياق لقطة بصرية توثيقية مشتركة وأكثر فاعلية، بحيث يُحْتَرَمُ من خلالها عقلُ المشاهد فيحقق الفلم أهدافه.

تناول فلم "يافا أم الغريب" عدة محاور جاءت على النحو التالي:

- المحور التاريخي من خلال المقدمة التوثيقية

- المحور الاجتماعي فأظهر مدى التواؤم الاجتماعي بين الناس، حيث تتعانق المساجد مع الكنائس في ظاهرة مألوفة شهدتها فلسطين عبر تاريخها الطويل.. ناهيك عن التنوع الثقافي من حيث المأكل والمشرب واللباس بطابعيه الشرقي والغربي، وانتشار المقاهي والنوادي الليلية والشواطئ المنفتحة دون قيود في اللباس، ثم المُكَوِّنُ الفسيفسائي لسكان يافا ما بين السكان الأصليين والعرب الوافدين للعمل والإقامة في المدينة كما يحدث اليوم في المدن الأوربية، لذلك سميت "أم الغريب"..

- المحور الاقتصادي والسياحي، فكانت يافا مركزاً صناعياً وسياحياً بارزاً في فلسطين، من خلال ممارسة السياحة الدينية حيث نشطت وسائط النقل البرية والبحرية، لنقل السياح والحجاج إلى مدينتي القدس وبيت لحم، ناهيك عن وجود كنيسة القديس بطرس في جبل القلعة ومقام القديس سمعان بجوار المنارة القديمة بيافا.. كذلك اشتهرت يافا بتصدير برتقالها المتفرد إلى دول العالم كما ذكرنا آنفاً، كذلك اشتهرت المدينة بالصيد.. ناهيك عمّا شهدته المدينة من نهضة صناعية في قطاعات الصلب والحديد والنسيج وصناعة الباصات (مصنع السروجي) والعطور ومطاحن الحبوب وغيرها.. ثم هناك ميناء يافا الشهير بعنابره الضخمة. ولا يفوتنا أن نذكر بأن يافا كانت تمتلك قاعدة مصرفية متينة من خلال وجود أهم البنوك الفلسطينية مثل: البنك العربي وبنك الأمة وجريلندز وغيرها.. وانتشرت الفنادق في أحياء يافا كما واستثمرت البلدية الرياضة من خلال امتلاكها لملعب البصة الشهير والقريب من شارع جمال باشا الراقي بحدائقه المدهشة.

- المحور الثقافي والاجتماعي والتعليمي: وقد شهدت يافا تطوراً لافتاً في هذا القطاع، بدءاً من النشاط النقابي في المدينة وانتشار عشرات الجمعيات الخيرية التطوعية فيها بالإضافة إلى المدارس العربية أو التابعة للإرساليات المسيحية، والمستشفيات، والصحف الكبرى مثل الدفاع وفلسطين وغيرهما،، وعشرات دور السينما مثل الرشيد ونبيل والشرق ولعل أهمها مسرح وسينما الحمراء التي بنيت بمقاييس عالمية فريدة، وكانت توجد في حي العجمي إذاعة الشرق الأدنى الشهيرة التي زارها كبار النجوم المصريين من أمثال يوسف بيك وهبي ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم ومحمود عباس العقاد وغيرهم. وتجدر الإشارة إلى أن أحد أقطاب إذاعة الشرق الأدنى ورئيس القسم الموسيقى فيها، صبري الشريف، يسجل له الفضل في تطوير الأغنية اللبنانية من خلال تأسيسه لمهرجان بعلبك واكتشافه للأخوين رحباني وإسهامه في تطوير أداء فيروز التقني في الغناء باللغة العربية وضبط مخارج الحروف صوتياً.. وقيامه بعد نكبة فلسطين بنقل إذاعة الشرق الأدنى إلى بيروت.

والمخرج الفلسطيني رائد دزدار صاحب تجربة ثرية في مجال إخراج الأفلام الوثائقية الجادة. حيث قام بإخراج ثلاثة أفلام وثائقية، وهي:

أولاً: فلم "هنا القدس" تحدث فيه دزدار عن التجربة الفلسطينية الإذاعية انطلاقا من إذاعة "هنا القدس" والتي تأسست في 30-3-1936وترافق تأسيسها مع تزايد الغليان الشعبي وانفجار الثورة المسلحة ضد المشروع الصهيوني بكل مراحله. وترأسها الشاعر إبراهيم طوقان الذي رسخ في خطابها الإعلامي البعد التراثي الفلكلوري الفلسطيني، وتطورت الإذاعة في عهد عزمي النشاشيبي.. وأعيد افتتاحها بعد نكبة فلسطين في رام الله ثم استقرت أخيراً في عمان باسم إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية..

ثانياً: فلم "السامريون على خطا موسى".. تناول فيه حياة اليهود السامريين في نابلس كجزء من الشعب الفلسطيني المضطهد.

ثالثاً: فلم "الأخوان لاما" رائدا السينما العربية في فلسطين ومصر. وهما فلسطينيان قدما من تشيلي وأخرجا أول فلم مصري صامت عام 1947 بطولة بدر لاما، وأسهما في تأسيس السينما في مصر.. لا بل أنهما قاما بإنتاج وإخراج أول فلم سينمائي فلسطيني في بيت لحم عام 1936 "الهارب" بطولة بدر لاما وعبد السلام النابلسي وفاطمة رشدي من إخراج إبراهيم لاما ووزع الفلم في عدة مدن عربية وخاصة القاهرة. وتطرق المخرج درزار في هذا الفلم إلى حقيقة أن أهم المنتجين في تاريخ السينما المصرية كانوا من فلسطين بدءاً من الأخوين لاما والأخوين تلحمي وصولاً الخواجة الذي اشترى أصول السينما المصرية، والعريان في السينما المصرية الحديثة.

رابعاً: فلم "يافا أم الغريب" مدار البحث في هذا المقال.

من هنا فإن اختيار المخرج رائد دزدار لتوثيق الذاكرة الفلسطينية البصرية من خلال حديثه عن مظاهر ازدهار يافا، والتركيز على الطابع الحضاري لهذه المدينة التي كانت تمثل درة شرق المتوسط، إنما جاء للرد على الدعاية الصهيونية التي ما زال يرددها الاحتلال في خطابه المتعفن في أنه احتل أرضاً قاحلة تقطنها بعض القبائل البدوية، فوهبها المهاجرون الصهاينة الحياة؛ لذلك ركز الفلم على ازدهار درة شرق المتوسط (يافا) التي حاول الاحتلال طمس بريقها الحضاري فباء بالخيبة والفشل الذريع.

 

بقلم بكر السباتين.

4 يناير 2020

 

 

 

شاكر فريد حسنمجتمعاتنا العربية ما زالت مجتمعات عرقية، عشائرية، قبلية، وطائفية، متمسكة بالعادات والتقاليد المتوارثة، غارقة في مستنقعات التخلف والجهل المقدس، عالقة وسط ركام الماضي، وغير قادرة على تجاوز مشكلات العصر.

والواقع أننا نحتاج لمجتمعات حضارية عصرية متحررة من المسلمات وثقافة المقدس وعتمة الفكر، واعتماد المعرفة وحرية التعبير، وتحقيق الحرية والانفتاح على ثقافة الآخر، وفصل الدين عن السياسة، ونشر ثقافة حقوق الإنسان، والقضاء على التعصب. وهذا لا يتحقق سوى في المجتمع المدني العلماني التعددي، مجتمع الديمقراطية والتقدم العصري.

ويبقى السؤال: متى نتغير..؟! فالتغيير ليس سهلًا، ولكي يكون تغييرًا ايجابيًا وشاملًا، فيجب إعادة بناء وصياغة العقل العربي وتحريره، وبناء الأسس بالتفكير الحر، والايمان بحرية الاختلاف والتعايش والابداع ، والتخلص من التبعية، والاعتماد على الذات في إنشاء الحضارة، وإلغاء الفوارق الطبقية من خلال القضاء على مسببات الفاقة والجوع والفقر، وتحقيق الحرية والعدالة.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

شاكر فريد حسنلا شك أن هنالك متغيرات شاسعة ضربت فكرة العروبة وسياساتها، ووصل الحد إلى اختفائها من الأفكار والسياسات، خصوصًا بعد رحيل الزعيم القومي العربي الخالد جمال عبد الناصر.

وكانت العروبة ظهرت كفكر ثم حركة جماهيرية عريضة دفعت إلى تأسيس الجامعة العربية، التي فقدت مصداقيتها في أيامنا هذه. وسرعان ما تحولت العروبة إلى استراتيجية وسياسات دول، وبفضلها تحققت الوحدة بين مصر وسوريا، وغدت مركز الثقل في الصراع مع المؤسسة الصهيونية والامبريالية الأمريكية.

وفي ظل الحرب الثقافية البارزة بدأ توظيف الاسلام السياسي في محاربة فكر العروبة القومي وسياستها، ومواجهة القوميين المندفعين باتجاه الفكر الماركسي الاشتراكي العلماني. وفي أواسط الستينات من القرن المنصرم اندلع الصراع الثقافي والايديولوجي الذي أضر بالفكرة العروبية كثيرًا، وشكل الانفصال في العام 1961 ضربة قاسية في صميم استراتيجيات العروبة.

وتقطر قلوبنا مرارة وألمًا مما آلت إليه التطورات في مصر بانتهاج حكامها سياسة خنوعة متساوقة مع المشاريع الاستعمارية الامبريالية، وصلت أسفل حضيض لها في صفقة كامب ديفيد، التي حيدتها وفصلتها وألغت وصَفَّت الدور الطليعي والسياسي البارز لمصر في حركة النضال القومي العربي وجعلتها فريسة سهلة للإمبريالية العالمية وحكام اسرائيل، وخدمة مشاريعهم التصفوية للقضية الفلسطينية.

ومنذ سنوات نلحظ في مرحلة المحنة والردة، وبعد غياب عبد الناصر، انتعاشًا للإقليمية الانعزالية، ونمو التيارات الدينية الاصولية والسلفية المتطرفة بما يعرف بالاسلاموفيا، أو الاسلام السياسي، فضلًا عن التمزق الحاصل بين الأقطار العربية، واشتداد الصراع الطبقي الاجتماعي، والارتماء في أحضان أمريكا والتهافت نحو التطبيع مع دولة الاحتلال والعدوان.

إن الاوضاع العربية الراهنة والتطورات السياسية المتلاحقة، تقتضي العودة إلى فكرة العروبة والعمل المشترك على كل المستويات وفي كل المجالات، ويحتم ثورات حقيقية ذات أبعاد عميقة وثورية واجتماعية وطبقية ذات توجه ديمقراطي يعطي الجماهير امكانية الممارسة الحقيقية للعمل السياسي والنقابي، وزيادة الوزن النوعي للعمال والفلاحين وكل الكادحين والمسحوقين في اصطفاف القوى الطبقية، صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير، الذي سيكون له التأثير العميق في المرحلة المقبلة من التطور القومي العربي. وها نحن نشهد بوادره في العراق ولبنان، من خلال ثورات الجياع التي تفجرت في البلدين منذ شهور عدة وما زالت تتواصل في الشوارع والميادين والساحات العامة.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

شاكر فريد حسنرغم أن هذه المسرحية كتبت في العام 1952 إلا أنها ما زالت مثار الانتباه والجدل حتى أيامنا هذه.

وكان الأديب الفلسطيني الراحل نواف عبد حسن ترجم هذه المسرحية للعربية في سبعينات القرن الماضي، ونشرها على حلقات بمجلة " الشرق " المحتجبة، التي كان يرأس تحريرها الدكتور محمود عباسي.

وتعتبر هذه المسرحية أفضل اعمال الكاتب المسرحي الايرلندي صموئيل بيكيت على الاطلاق وأشهرها على المستوى العالمي.

وهي مسرحية اللامنطق في عالم يتظاهر بالمنطق وفي داخله فوضى مرعبة، وتدور حول شخصيات معدمة، مهمشة، مسحوقة، منعزلة، تنتظر غودو ليغير حياتها جذريًا نحو الافضل والأجمل، وتكتنفها نزعة سوداوية وسخرية لامتناهية تتمثل بالتلاعب بالألفاظ وأحداث التوتر ومغرقة بالرمزية التي تغلف كل شيء فيها، إنها قصة الانتظار التي تتكرر عبر الازمنة والامكنة، وفي النهاية غودو لا يأتي ويظل هو المشكلة التي تظل بدون حلول.

ويتفق جميع النقاد والكتاب أن الشيء في هذه المسرحية التي تمثل عبثية الوجود وفوضوية الواقع، وتدخل في إطار ما يسمى مسرح العبث أو المسرح اللامعقول، هو عنصر " الانتظار "، الذي من خلاله يحاول بيكيت أن يصل إلى نتيجة وهي أن الانتظار يستطيع أن يبعد اليأس عنا لا بل قد يكون بمثابة وسيلة للوصول إلى هدف منشود صعب المنال.

وفي غمرة هذا الانتظار المفزع والمتمزق، في هذا الجو النفسي المثقل بالخوف والرهبة والضياع والقلق، يجد القارئ نفسه في جو مماثل، في مسرحية، يتساءل كاستراجون وفلاديمير هل سيأتي من يمثلنا التمثيل الصحيح المشرّف ومتى؟ متى سيجيئ الممثل الذي يعرف واجبه تجاه بلده ومجتمعه، وهل سيجيئ الرجل البناء البعيد عن التصريحات والأقوال الجوفاء؟ اسئلة تتكرر في كل دورة من دورات الطبيعة، وكل تغيير يطرأ، نرحب به ونأمل أن يكون الخلف خير من السلف، ويقلب الممثل ظهر المجن لنعود إلى ترسانة الانتظار، لنبحث عن منفذ، نتغلب به على ثقل التمزق والضياع، فالأمل قوي والعزيمة اقوى لأن الليل سينجلي، والفجر آتٍ لا محالة.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

محمد تقي جونمثلما تأثرت الفيلية بالعربية والعراقية الدارجة، فانها أثرت بالمقابل في العامية العراقية في مفردات مثل: (مردانه) بمعنى (مرجلة)، وهي من (مه‌رد) الفيلية بمعنى رجل. و(صرماية) بمعنى رأس المال، من (سه‌رمايه) الفيلية بالمعنى نفسه. و(طرشي) من (تورش) التي تعني بالفيلية الحامض. و(بقچة) للبستان الصغير، وهي بالفيلية (باخچة) بمعنى البستان الصغير، و(چمچة) بمعنى مغرفة الطعام، وأصلها فيلي هو (كه‌مچه) وتعني مغرفة الطعام الصغيرة، وكلمة (خۆش) المستعملة بكثرة أصلها فيلي في المعنى نفسه (زين) وتأتي ايضاً بمعنى الفرح والسعادة.

ويقولون وفي العامية العراقية (عايشين بصايتك) فـ(صاية) أصلها فيلي هو (سايه) بمعنى ظل كقولهم (ده سايه‌ي خۆت بژيمن = عايشين في ظلك).  ويصيحون على القط (پشت) وهي مأخوذة من (پشيا) (قط) بالفيلية. ويقولون للتحفيز (عفية او عافرم) وهي مأخوذة من الكلمة الفيلية (ئافه‌رم). ويقولون (عنده تنگ) واللفظ العربي الصحيح (عنده ضيق)، وهي مأخوذة من الفيلية (تنگ) وتعني ضيّق. ويقولون في العامية العراقية للبنت النادرة والشاطرة (چيوانية) والكلمة منقولة من الفيلية في وصف البنت التي تحمل على عاتقها واجبات البيت، فيقال لها (كه‌يوانو، كێنو)، و(كێنو باوگي) أي شاطرة أبيها. ويقولون عامياً (الكروة) وهي كلمة فيلية (كرا) وعربياً الاجرة. ويضيفون لصاحب المهنة مقطع (چي)، فيقولون: (فيترچي)، (عبايچي)، (أوتچي). وهو اقتراض من الفيلية مثل: شكارچي: صياد، كه‌موته‌رچي: مطير الطيور، چايچي: صاحب القهوة. واللغة العربية الفصيحة تضيف لصاحب المهنة (الياء) مثل: حمامي، ساعاتي، بستاني.

كما أخذت العراقية الدارجة من الفيلية عبارات كثيرة منها: (طحت وراه) أي تعقبته، مأخوذة من الفيلية (كه‌فتمه دمۆي) أو (كه‌فتمه ديماي) بمعنى تعقبته وحرفيا (سقطت وراءه = طحت وراه). وعبارة (لا تاكل قهر) والعربية الصحيحة تقول (لا تحزن)، وهي مأخوذة من الفيلية (خوسه‌ نه‌ خور) بمعنى لا تحزن، وحرفياً (قهر لا تأكل). ونقول بالعامية العراقية (بطنه تمشي)، واللفظ العربي لهذه الحالة هو (إسهال)، و(بطنه تمشي) ترجمة حرفية لـ(زگي دچي) الفيلية التي تعني الإسهال. وغير ذلك كثير.

 

البروفيسور الدكتور محمد تقي جون

 

جواد غلوم"شيء من أفاعيل الشعر حينما يصدق"

يتبادل كل من الرجل والمرأة الاتهامات بشأن الوفاء بعهد علاقة الحبّ الحميمية بينهما فنلحظ الرجل يتّهم محبوبته بأنها أقلّ وفاءً وتضحيةً؛ إذ تقول قصة شائعة ان حبيبين اتفقا على إنهاء حياتهما انتحاراً بعد ان سُدّت كل أبواب الأمل بينهما للاقتران فوقفا على احد الجسور ليرميا نفسيهما في الماء غرقا وكان الرجل هو الأسبق فرمى بنفسه وغرق؛ لكن المرأة لم تفعل ما فعله حبيبها فتراجعت وعادت الى بيتها سالمة غير عابئة برحيل حبيبها، لهذا شاعت المقولة الساخرة المعبّرة والواخزة: النساء أولا، ولا يخفى على ما في هذه الجملة من هزّة مؤلمة تفوق التندّر والسخرية المرّة . 

لكن المرأة هي الاخرى تتهم الرجل بانعدام وفائه وكثيرا ما كان يتنقل حبيبها من قلب امرأة إلى أخرى وقصة الفتاة الصربية المعلمة الجميلة "نَدي" مع حبيبها الضابط " ريليا " ليست قصة أسطورية، اذ كانا يلتقيان على الجسر القائم في ضواحي مدينتهما الصغيرة " فرنياتشكا " بشكلٍ دائم ويقضيان مشوارهما ويتناجيان همسا وعشقاً هناك، لكن الحرب العالمية الاولى -- ومااقساها – قد اندلعت حيث استدعي الضابط الشاب العاشق " ريليا " للمرابطة  في احدى الجزر اليونانية تاركا عشيقته تهيم كل يوم على الجسر وحدها وتذرعه طولا وعرضا انتظارا لحبيبها دون ان تيأس لكن العاشق المارق خذلَها وأحبّ فتاة يونانية وأرسل الى حبيبته الاولى بلاغا بفسخ الخطوبة ؛ وما ان صدمت بهذا الخبر حتى امتلأت بالحسرة والأسى وأخذت تذبل وتنحل تدريجيا الى ان ماتت حزنا وكمَدا .

بعد هذه  المأساة  التي حلّت بالعاشقة "ندي" ومرور سنوات حتى كادت ان تُنسى؛ كتبت الشاعرة الصربية "ديسانكا"  قصيدة (صلاة من اجل الحبّ)  للتذكير بحادثة العاشقَين "ندي و ريليا" وفيها مقطع مؤثر تقول فيه:

تعالا ؛ ايها العاشقان

أقيما برهةً في هذا المكان

قفا على الجسر

انه مرتع الهوى المذبوح

هنا نحبتْ مشاويرُ الحب

ارميا مفتاح الحب في الماء ليخلد في قعر النهر

ديسانكا الشاعرة هي وحدها من خلّدت هذه المأساة التي حاقت بالحبيبين، وعلى اثر هذه الحادثة المؤسفة توسعت عادة غلق الأقفال على مفاصل الجسور ورمي مفاتيحها في النهر كما تفعل الفتيات والفتيان حاليا على جسر الفنون في باريس  الأشهر عالميا في رصف الأقفال وتراكمها باعتبارها عاصمة للرومانسية والحب ومدينة النور والأضواء الدائمة، رغم توجيهات بلدية مدينة النور بالتخفيف منها خوفا من ثقل الأقفال الحديدية والتي قد يصل الى حوالي مليون قطعة، ولم تنفع توسلات البلدية للحدّ من هذه الظاهرة والتعبير بطريقة اخرى وأساليب متنوعة لإبراز الحب بتقليعة جديدة غير الأقفال وذلك من خلال اللافتات التي تمنع وضع القفل ولكن بطريقة مهذّبة كأن تقول (باريس تشكركم لو امتنعتم عن وضع الاقفال) أو (هلاّ عبّرتم عن حبكم بطرائق اخرى دون ان ترهقوا الجسر) وتلجأ الحكومة الى قطعها بمناشير حديدية بين آونة وأخرى، فهذه العادة ليست فرنسية أصلا كما يخيّل الى البعض مع انه الجسر الأشهر في إحكام الأقفال ورمي مفاتيحها في نهر السين انما هي مستوحاة من الإرث الصربي مثلما هي خالدة عندنا في قصة قيس وليلى عند العرب وروميو وجوليت لدى الانجليز وقصة شيرين وفرهاد في التراث التركي .

وقد امتدت هذه التقليعة الى مدن اخرى تقليدا لعادة العشّاق الصرب كما في روما وبرلين وكولن في ألمانيا وبروكسل ووصلت الى موسكو ايضا ولم تسلم جسور المدن الصغيرة من إثقالها بالأقفال في معظم الأمكنة حتى وصلت هذه التقليعة الى كوبري قصر النيل في العاصمة المصرية القاهرة وفي جسر ستانلي الواقع في الاسكندرية  وامتدّت هذه التقليعة الى جسر " تيلي ميلي في العاصمة الجزائرية "  مثلما وصلت الى بصرتنا الفيحاء في العراق قبل بضع سنوات وقام عشّاقها بإحكام الأقفال على احد جسورها لكنها لم تستمر عندنا بسبب القيود المانعة المشددة التي فرضها احد الأحزاب النافذة المحسوبة على التيارات الإسلامية في البصرة . 

هكذا يفعل الشعر فعله لو صدق وخرج من لوعة المعاناة، فما أجمله لو جسّد الحب الحقيقي بمراراته وشقائه مثلما يمثّله بروعته وجمال لقاءاته ولمّ شمل الحبيبين .

 

جواد غلوم

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – البارود والنيران لا يتصادقان.

التعليق – ويقول المثل الروسي في هذا المعنى – القش والنار لا يتصادقان . المثل الاذربيجاني يعكس نفس تلك الحالة ولكن بشكل دراماتيكي واضح . تضرب هذه الامثال ايضا لتصوير حالة عدم الانسجام التام - ولحد التنافر- في العلاقات الشخصية بين البشر .

***

الترجمة الحرفية – اللسان أشدّ حدّة من السيف .

التعليق – يقول المثل الاندونوسي- لا يوجد مقص او طبر اكثر حدة من لسان البشر، وامثالنا العربية تؤكد هذه الحقيقة، ومنها (الجرح يطيب والكلمة ما تطيب)، ومنها ايضا بيت الشعر الذي ذهب مثلا، وهو –

وقد يرجى لجرح السيف برء  ولا برء لما جرح اللسان

***

الترجمة الحرفية – ابوك البصل وامك الثوم، فكيف تكونين انت وردة.

التعليق – مثل طريف ومرح جدا، ومن الواضح انه يضرب للشخص الذي يتنصل عن جذوره واصوله، وما أكثرهم حولنا !

***

الترجمة الحرفية – من لا يعرف الغربة، لا يعرف قيمة الوطن.

التعليق – يوجد مثل كوري يقول – انسان بلا وطن اسوأ من كلب بلا بيت . هناك أمثال كثيرة عند الشعوب الاخرى حول الغربة والوطن، بما فيها طبعا شعوبنا العربية، الشعوب التي عانت ولازالت تعاني من ظروف الحياة الصعبة، والتي تؤدي الى الهجرة والغربة والحنين الخانق للوطن ...

***

الترجمة الحرفية – العيون تتحدث عن الحب .

التعليق – هذا المثل الاذربيجاني مفهوم جدا لنا، نحن العرب، اذ اننا جميعا نعرف لغة العيون و (نتحدّث بها !!!)، والتي هي لغة الشرقيين عموما، وتوجد في تراثنا وامثالنا الصورالفنيّة العديدة حولها، و يكفي ان تنذكر فقط شاعرنا المعاصر احمد شوقي وهو يقول- وتعطلت لغة الكلام وخاطبت  عيني في لغة الهوى عيناك ...

***

الترجمة الحرفية – بقي اللص حرّا، واصبح الشاهد سجينا .

التعليق – ما أكثر هذه الحالات في مجتمعاتنا، لدرجة، ان الشاهد أخذ يخاف من المشاركة بفضح الجريمة التي شاهدها بام عينيه ليتجنب هذا المصير. ما أفظع الحياة عندما تفقد العدالة و الانظمة مكانتها في المجتمع !

***

الترجمة الحرفية – سيكون الغريق سعيدا حتى لو يمسك بثعبان .

التعليق – ونحن نقول بلهجتنا العراقية – (الغركان يجلّب بكشّاية) (الغركان – الغريق، يجلّب – يمسك، يتشبّث، كشّاية – قشة) . المثل الاذربيجاني أكثر دقّة من مثلنا في التعبير عن حالة اليأس، فالقشة لن تنقذ الغريق من الغرق، لكن الثعبان قد يقتل الغريق قبل الغرق، ومع ذلك فانه يحاول ان يمسك به.

***

الترجمة الحرفية – قل كلمة (حلوى) قدر ما تقدر، فلن يحس فمك بطعم الحلوى.

التعليق – هناك مثل اغريقي قديم يقول - النظرية دون تطبيق ميّتة، وهو مثل فلسفي عميق . المثل الاذربيجاني هذا في نفس المعنى، الا ان صيغته واضحة وبسيطة ومرحة .

 

أ.د. ضياء نافع

 

محمد الورداشيتفيد كلمة عاطل، من جدر "عَطَلَ"، في اللغة العربية معانٍ عدةً. إذ نقول امرأة عاطل؛ أي أنها لا تتوفر على حلي. وشخص عاطلٌ، بمعنى أنه لا يتوفر على عمل رغم كونه أقدر عليه. ولعل كون كلمة "عاطل" من الصفات التي يشترك فيها المذكر والمؤنثُ، هي ما يجعلنا نقول إن امرأة عاطل من الحلي معناه أنها خالية منه، فتبحث عنه وتسعى إلى الحصول عليه، بل تتمناه كما يتمنى الشخص العاطل الحصول على عمل. فهل يمكننا أن نضيف كلمة "أدب" إلى "المعطلين"؟ وهل هناك أدب عاطلين/معطلين؟ ولئن كان موجودا، وهو كذلك لأننا نقرأه في كتابات عديدة، فهل حظي باهتمام من لدن الدارسين والنقاد، كما بتنا نقرأ، منذ سنوات متأخرة، دراساتٍ نقديةً عن أدب السجون، والأدب النسائي، علما أن هذين الأدبين يشتركان مع "أدب العاطلين" في معاناة النسيان والإهمال والإقحام قسرا وجبرا في قائمة الطابو؟ ما خصائص "أدب العاطلين"؟. هذه أسئلة قليلة تواجه كلَّ من سمع أو قرأ عن أدب المعطلين. نطرحها باحثين راغبين عن/في دراسات نقدية تهتم بهذا اللون من الأدب درسا ونقدا وتحليلا؛ لأنه يحمل بين ثنايا لغته، قيما اجتماعيةً وحضاريةً وجماليةً. ففي هذا المجال، نرى أن نصوص مؤلَّفِ "صهيل الذاكرة" للكاتب والشاعر المغربي عبد السلام فزازي، الغني عن كل تعريف لأننا لا يمكن أن نعرف المعرف أصلا، وإنما نترك المهمة للساحة الفكرية والأدبية التي له قسطٌ وافر فيها نقدا وتأليفا وترجمة، جزءا لا يتجزأ مما يسمى أدب المعطلين. حيث المعطل يعيش غربةً وضياعا في زمن باتت فيه الوظيفةُ وليمةً وقسمةً ضيزى، يتقاسمها ورثة غير شرعيين. على أن المعطل لم يكن دوما شخصا أعزل خاوي الوفاض، بقدر ما أنه كائنٌ مثقف ثقافةً واسعةً في زمن أضحت فيه الثقافة عبئا ثقيلا على المثقف، يتوارى به أحيانا ويشهره سيفا أحيانا أخرى. إن الكلمة رصاصةٌ طائشةٌ، بيد أنها لا تخطئ هدفها بشكل من الأشكال، وإنما تغدو سلاحا لمثقف معطل أفنى زهرة عمره في تقليب الصفحات، بحثا عن التحصيل المعرفي داخل وطنه وخارجه. ليجد نفسه في نهاية المطاف غريبا في وطنه الذي بات غربة. ثم يهتف بقيم كونية؛ كالعدالة الاجتماعية والديمقراطية والحرية. حاملا همَّ كل المعطلين وأبناء وطنه الجريح الذي باتوا يعصرون زيتا، على حساب زناة الليل، ومصاصي الدماء الذين يخدمون أخا لم تلده أمهم. إذ يتفننون في تنفيذ القرارات على حساب الذين يحملون فكرَ وثقافةَ حضارةٍ يتجاذبها ماض ذهبي، وحاضر سقيم مختل الموازين، وغد مجهول حِيكَ بلغة التسويف والتأجيل. ونحن نقرأ نصوص "صهيل الذاكرة"، نستشف أن المثقفَ العاطلَ أضحى نبيا وشمعةً تحاول بكل ما أوتيت من قوة، ولا قوة لها سوى قلم جريء وصوت مبحوح وثقافة أصيلة، أن تضيءَ ليل المعذبين في الأرض، وتنشرَ الوعيَ والأملَ فيهم. بداية من أبناء مسقط الرأس، مرورا بالمعطلين/حاملي الشهادات العليا، وصولا إلى معطلي العالم. وذلك لأن الكاتب يعي جيدا المهمة الثقيلةَ التي ألقيت على عاتقه؛ لأن الذي يسكت على الجريمة يعدُّ مشاركا الجلاوزة والطغاةَ فيها. في حقيقة الأمر، ونحن نقرأ هذه النصوص، لم نستطع وقف مشاعرنا التي تهتز، وعقولنا التي تغرق في حيرة السؤال في زمن بات يرفض الأسئلة. فضلا عن أن تعبان بن تعبان، ليس ابن لحظة زمنية محددة، بل يتخطى حدود الزمان والمكان لينقلنا عبر ذاكرته الأبية، من جبال الريف وتضاريسه وأشجاره المتجلدة في وجه الشامتين، إلى الطالب المغترب عن وطن أحبه دون وسيط، طلبا للعلم والمعرفة. لتأتي العودة التي يكتشف فيها أن الأرض والإنسان قد تغيرا، بل كل شيء تغير بفعل فاعل. إننا لا نزعم إحاطتَنا بما يحفل به الكتاب كله، وهذا ما لا نستطيعه، ولا نطمح إلى إعادة سرد كلماته العميقة. وإنما نحاول الإشارة إلى الرموز الثقافية والتاريخية، والقضايا الإنسانية الكبرى التي تقض مضجع تعبان بن تعبان في رحلته السندبادية/ المكوكية. ثم الهموم الثقال التي كان مصدرها حبه لوطنه، وخوفه على شبابه وثقافته وحضارته التي باتت بضاعة تباع في سوق النخاسة من قبل ذئاب الفلوات، مصاصي الدماء، متسلقي السلالم؛ هؤلاء الذين لا يخلو منهم زمان ومكان. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يطلعنا تعبان بن تعبان عن هموم العربي الذي فقد هويته في مزايدات وأطماع خسيسة. ولعله لا يعترف بالحدود الجغرافية ولا الانتماءات العرقية الضيقة، بقدر ما يرى نفسه ابنا من أبناء الوطن العربي الذي عانى ولا يزال طعنات الأخ الذي لم تلده أمنا، حتى أثخن جراحا لا نعتقد أن هنالك طبيبا حاذقا يقدر على تضميدها. فهكذا، يأتي "صهيل الذاكرة" صرخات وآهات مثقف معطل خبر مكر أعداء الوطن، وتذوق من علقمه الكثير، ما جعله يكشف عن الوعود الزائفة، ولازمة سياسي البلد وتسويفهم وتأجيلهم الذي لم نسلم منه حتى يومنا هذا، مشهرا قلمه سيفا في وجوههم دون أن يخشى لومة لائم. وماذا يملك المثقف العربي عامة، والمغربي خاصة غير ثقافة عريقة أصيلة، وقيم إنسانية كونية، ومبادئَ لا تساوم. إنه قلم يرفض الخنوع والخضوع، ويفض بكارة الصمت والأفواه المكممة الموشومة بخط أحمر، ليصرخ بالحقيقة شفافة دون مواربة ولا محاباة. "فأن تكون رافضا ومرفوضا، معناه أنك حقيقة". هكذا يعلمنا صاحب "صهيل الذاكرة" القيمَ والمبادئَ النبيلةَ التي لا تُبتذل مهما عصفت بها رياح الواقع المرير؛ لأنها لم تكن وليدةَ الفراغِ، وإنما كان مصدرها قاموسَ الحركة الوطنية التي ينتسب إليها تعبان بن تعبان، فخرا بحبه لوطنه، واستحضارا لمنبع هذا الحب من خلال شخصيات المقاومة البطولية في الريف، والتي حاربت المستعمِر في الجبال والسهول، لا لحاجة ذاتية، وإنما لصيانة وطن متمنع عن اللواط، وعن مطامع أخ لم تلده أمنا. ختاما، نقول إن المثقف هو صاحب رسالة نبيلة، إذ يقف في وجه مطامع الاستبداد ومناهضة الاستعباد مهما كلفه الثمن، ربما لأنه لا يملك ما يخسره غير تلك النتائج التي سيحصل عليها عاجلا أو آجلا. فلا تغيير حقيقيا بدون مثقفين يزرعون بذرة العلم والوعي في العقول، وهذا ما تعلمناه من تعبان بن تعبان الكوني.

 

محمد الورداشي