يتحدث ساراماغو في روايته التي نالت جائزة نوبل للاداب عن وباء يصيب السكان يعميهم فجأة ويخوض اول العميان وطبيبه ومجموعة من مرضاه و زوجة الطبيب الوحيدة التي لا تصاب بهذا الوباء مغامرات في اماكن الحجر الصحي و نزاعات يسلط فيها الكاتب ضوءا ساطعاً على الرغبة في التسلط و التحكم و ولادة الانظمة المستبدة و الاستضعاف و كذلك ينجح في تصوير مشهد الانتفاض ضد الظلم و ضعف المجتمعات تجاه الظلم وانخراطها في انانايتها التي تجعلها ضعيفة امام المتسلطين.

ثم يرسم ساراماغو مشهداً سينمائياً مؤثراً عن حالة الفوضى التي تصيب المدينة بعد اصابة كل سكانها بالعمى و كيف يصبح العيش صعباً في خضم تلك الفوضى التي يصورها بعيون الناجية الوحيدة من الوباء وهي زوجة الطبيب التي يصور من خلالها المشاهد التي تراها ويصور كيف تتبلور جماعات من العميان يتوكأون على مجموعاتهم ليتمكنوا من العيش والعثور على اماكن تأويهم وابتكار اساليب لمعايشة العمى كما يصور اولئك الذين يعيشون على الحكاوى الفارغة و لا هم لهم سوى التبشير بالقيامة ونهاية البشرية والجحيم والهلاك و الخ .

من المؤكد ان ساراماغو كان مبدعاً ليس في تشكيل منحوتته الروائية بل في ابتكار الموضوع والخيال الثري الذي صور من خلاله البشرية دون عيون ولعله اراد من وراء ذلك ان يقول ايضاً اننا مع اننا نمتلك عيون ونستطيع ان نرى الا ان هناك عالماً ربما خفي عنا نحتاج الى حاسة خاصة لادراكه و لربما نحتاج الى تطور خاص في عقولنا لكي ندركه.

لقد تغير العالم من حول العميان لمجرد انهم فقدوا نظرهم فأصبحوا يرونه من خلال ذاكرتهم ويتخيلونه عبر خيالاتهم

والسؤال هو ماذا لو كان في هذا العالم الوسيع جوانب خفية عنا؟

ماذا لو كنا عميان ولا نرى سوى تخيلات؟

ماذا لو كان ما ندركه لا يساوي شيئاً امام ما خفي عنا؟

هل هذه الاسئلة مشروعة و لها ما يبررها؟

ادرك تماماً ان تلك الاسئلة بحاجة لاجابات وان ساراماغو فتح كوة بأتجاه ما و لربما من الصحيح القول ان عالمنا حقاً عالم العميان.

 

 اياد نجم الجيزاني

 

مالكة عسال1- تقديم: هكذا شئت أن أعنون تقديمي لرواية (الجمجمة والزورق) للمبدع التونسي فوزي الديماسي ...

إنه فوزي الديماسي المشتعل بالإنسانية والحب، يركض في جيوب مرافق الطبيعة النقية، كما بعثها الله إلى الوجود بصفاء الأحجار الكريمة باحثا في مغاراتها بخيوله الجامحة، عن جواب مقنع لسؤال مؤرق، ظل ضوؤه الشارد يلكز وجدان مبدعنا، يستجدي قيمة الإنسانية، التي دهستها حوافر الأزمنة المظلمة.. فمبدعنا تسلح بثلاثة أشياء كعدة قائمة بذاتها :

1ــ الرقع الطبيعية التي اتخذها ميادين يركض فيها دون توقف،

2ــ لغته التي امتطى عرشها يراوغها ويبوح لها وبها،

3ــ أحباره يسيل دمعها ..

أشياء ثلاثة أسرجها وتسلق تلالها بحثا عن الفجر، عن أيامه المضيئة، عن حقوله المزروعة بالعشب الأخضر، عن ظل يحمي تحت أجنحته الفقراء من رعب الزمن الجاحف ..

حين انحدرت مع الشلال الروائي لرواية مبدعنا فوزي الديماسي (الجمجمة والزورق)، استوقفتني عدة أشياء، من بينها

ــ الغرابة في السرد،

ــ جعبة الذات المبدعة الممتلئة بالحزن والأمل معا،

ــ التنوع اللغوي الذي أضفى سحرا فنيا ملفتا..

الحزن والألم والغرابة في السرد

أمسكت بخيط السرد، تستفزني معانيه السلسة، منجذبة بحياكة اللغة، وفنية التراكيب، والحذلقة في تتابع الجمل والفقرات، إذا بي أهوي في قعر الغرابة، حيث شاء مبدعنا أن ينحرف عن السرد بلغة المباشرة، لينغمس في لغة خيالية ترفل في كيد الغرابة واللامعقول، مما يجعل القارئ في حيرة من أمره، متسائلا عما يريد السارد قوله من وراء هذه الحكاية، وماهو المعنى المطلوب الذي يهدف إليه..

(شدّني الخوف إلى جذع ذعري . تقيّأت الجبّانة سكّانها، وانتشرت الجماجم، والعظام في الفضاء، تحلّق الموتى حولها، وراحوا جميعا يراقصون العويل، ارتفع نشيج الأرض تحت أقدامهم، وامتدّت ألسنة الغبار تخدش وجه الفجر. انتشر)

وهذا الغلو في الخيال لم يأت من باب السماء، ولا هطل به غيث مباغت، وإنما من ذعر الذات المبدعة، وما تعيشه من تشرذم وتيه وذهول، من هول أزمة الأوضاع الإنسانية، وانتظاراتها المعلقة، وأحلامها المغتالة في مساحات قاحلة تعج بالوباء، وميادين متلبّسة بضباب عتيق، تتخللها جبال كرسم دمعة قديمة على وجنتي الوجود، تتابع اضطرابها في صمت؛ واقع ملتبس، طافح بالكبت والإحباط، يطفو بأشلاء القتلى، منهمر بالدمع ودماء ضحايا الحروب والقتل، لا يسمع فيه إلا النشيج، يمزّق صمت المكان، ويبعث في أرجاء السكون صدى بكاء، جعل الذات المبدعة تعيش أجواء عصيبة في مرامي متاهات لانهائية..، ودروب مقفلة تفضي إلى طريق مسدود ..

اللحظات المشرقة باعثة على الأمل

وأحيانا أخرى، حين تصادف الذات المبدعة، لحظة فرح، أو تعيش أجواء سارة، تتدفق بالآمال، وتتورد فيها الأحلام، ترسم واقعها المنشود كما تشتهيه، مزهرا بصهيل الفجر على حافة حلم يؤذن في الناس، (موجها بوصلته نحو واحات من بياض، تدفع الناس نحو فلك الحياة، وألسنتهم ترمّم بالذكر في بساتين النجوى طيورا ونخيلا وماء، وعلى جبين الأفق البعيد ترفرف الزغاريد).. هكذا المبدع يصارع الخبث ليحوله واحاتٍ من النخيل، وبساتينَ من رحيق السوسن، أوهام وأحلام وآمال تتدافع زمرة واحدة في ذاكرة الذات المبدعة، لتتحول بقدرة قادر إلى نور يضيء السراديب المعتمة، وما تلك إلا رغبة ملحة في نفسية الشاعر يريد تحقيقها، رغم العسر وغير الممكن؛ فيصوغ الأمل في قصيدة أو شذرة أو نص فني يثير شهية القراء ..

الكدح والتعب من أسرار البقاء

فالذات المبدعة تناجي حيرتها، منغمسة في ذهول الحياة الملتبسة، تحاول تحقيق طموحها في خلق أفق مشرق، ينهمر بتباشير الصباحات السعيدة، لكن القمم العاثرة تحـول دون تحقيق ذلك، وفعلا في غياب آليات التغيير، وفي ظل السياسات الفاشلة المسطرة، والخطط المحبطة، ليس بيد المبدع أية أداة لتحقيق ذلك، لكن إصراره الملح سيمكنه من ركوب صهوة التحدي، للكدح في مناكب الحياة وبعث الحياة في الموت، وإضرام النار في اللّيل البهيم، والحفر في صخب الصخر لبلوغ الزيت، (فما خاب من جعل السّعي دينه، وديدنه التّراب إقبالا ما بعده إدبار، فالصبح بين ظهر انينا قريب)..عناق الحياة بأمل كبير وابتسامة مطلقة، وركوب موجة التجاوز والتحدي، أي النضال في أوسع نطاقه ، والكد بأوفى أسلحته لتمزيق ليل القعود، وتكسير للعجز القيود، لأن تحقيق الأحلام لا ينال بالتمني، وإنما بمواصلة الكفاح، وشحذ السواعد، وبناء الأفكار، لهدم خيام الليل المطنبة، واستقبال خيوط الصّباح المشرقة ...

(ثمّ أخذنا بعد وقت من الانتظار رماده، وانطلقنا بعزم ننثر رماده على رؤوس الجبال، وعلى رؤوس القبور، كنّا منطلقين نحثّ في روحينا لغة التدفّق والحركة، نثرنا رماده في كلّ درب، وفي كلّ قفر، وعلى قمّة كلّ جبل، ثمّ توجّهنا بعد كدّ جنونيّ نحو البحر لنعلّم موجه فتنة الحياة وشوقها، مرحنا، كدحنا، سعينا، وكان الأمل في زرع آيات الفجر في الآفاق أقصى غايات عملنا)

رفيقة مبدعنا في حنايا الكون

لم تكن رفيقة مبدعنا إلا الذات الشاعرة، التي يقتفي أثرها، بين الصخور، والكتبان الرملية، والشواطئ، يتابع شطحاتها، ورقصاتها العفوية، بين مفازات الكون، بكهوفه ومغاراته، وشساعة صحاريه، وتلاطم أمواج بحره، وصخب لياليه، ووجع أزمنته، وسدوم ظلمته ، أشياء تعتمل بمطارقها في رأس المبدع، فساحَ في رحاب الكون يحاور ذاته المبدعة، وما سلاحه غير لغته، يشحذها في زواياه الفسيحة، لتجيبه عن أسئلته الملحة، هو ركض لانهائي بحثا عن الجمال لما هو ذميم، وعن فتق أسرار مبهمة، لفهمها، وعما يريح النفس من أثقال هذا الزمن الجاحف ..بل وقد تكون رفيقة مبدعنا تلك القصيدة الغائبة الحاضرة، ينتظرها تأتي مكتملة ممطرة بحلول، للشائك من هذا المعقد ..لعمري لهذا هو حال المبدع الصادق مع نفسه وإبداعه، ومع ما يعيشه من هموم إنسانية تنهش أحشاءه، وتدمي روحه، وتصيب مشاعره بعسر هضمي، فيلجأ إلى الإبداع عله يجد بلسمه الشافي ، هواجس متعاقبة، فبمجرد ما ينزل المبدع منجزه في مخطوط، حتى يركض مهرولا وراء حدوس مشرقة، يشحذ على شفرتها ذاكرته ولغته من جديد، ليأتي بالمكتمل ...

(سألت الأفق، وكذا الرّمل، وزبد البحر، سألت دمعتها، لا جواب يطفئ لهيب البحث في فؤادها، فتّشت بين الصخور، بين ثنايا الموج الهادر، في شعاب الملح، في حمرة الأفق المتثائب، في رحم الوجود)

الجانب الفني والتنوع اللغوي

لغة مبدعنا فوزي الديماسي تبدو سهلة المنال، لكنها تضرب السهل الممتنع بتنوعها الهائل، فهي تمتص من شهد القرآن الكريم بكل تجلياته، وترفل في لبوس شعري بامتياز، وهذا يبين بالكاد أنواع المشارب اللغوية التي نهل منها مبدعنا، ومدى تمكنه من الأدوات الفنية في الصياغة والتركيب....

بلاغة الأسلوب بالتناص مع القرآن الكريم

لقد اعتمد مبدعنا السيد فوزي الديماسي اللغة القرآنية، فتناول الصور والرموز من كتاب الله، بتوظيف المعاني القرآنية بنجاح، حيث لوحظ ذلك في أكثر من عبارة، (.. في صحف الأوّلين، وقليل من الآخرين)

هذه العبارة التي تتناص مع آيات من الذكر الحكيم، وبالضبط من سورة الواقعة، التي يقول فيها عز وجل (ثلة من الأولين وقليل من الآخرين). (وفوق رؤوسهنّ سرب من الولدان يرتّلون) التي تناص فيها أديبنا مع الآية الكريمة (وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا) من نفس السورة.. (وفجأة زلزلت الأرض زلزالها) من سورة (الزلزلة)، ليس ضعفا من المبدع، ولا تعويضا لعبارة غائبة، وإنما إثراء لغوي، نتج عن تنوع مشارب القراءة والاطلاع، مما أحكم لغة مبدعنا فوزي الديماسي، وأثراها، وجعلها متنوعة ومتينة. واتخذ التناص كشكل من أشكال الإيجاز اللغوي بأسلوبه البليغ، الذي يعتمد التكثيف وفي ذات الوقت، يعبر عن معاني عميقة، أي طريقة تعبيرية بليغة تعكس الإيحاء بالمعنى، والعمل على تمكينه في نفس المتلقي، كضرب من الوصف تخيّره مبدعنا للإفصاح عن أملاءات غائرة في نفسه؛ وليس بمفرده من سار في هذا النهج، بل نجد ثلة من المبدعين، قد جنحوا إلى هذا اللون من التعبير اللغوي في تلابيب قرآنية، سواء في نثرهم أو أشعارهم، باعتبارها صيغا مبالغة، تضفي على اللغة متنا وفصاحة في التعبير بأسلوب بليغ ..

الشعر كلون ساحر ينمق الأسلوب بالجمال

فالرواية منذ بدايتها حتى النهاية، صيغت بأسلوب شعري بكل ما تعنيه الصور الشعرية من معنى، حيث تلبست اللغة بعدة لبوس مجازية وإيحائية، وترميزية، تختبر الجانب التخييلي الترميزي في القارئ، عنى ذلك الشاعر عن قصد أو بغيره ..

وأحيانا تتدفق القصائد بكل مقوماتها الشعرية التي تضرب مهجة الحداثة حد الشهيق، بأسراب صورها، وصياغات أسلوبها، وانتقاء ألفاظها وإيقاعها، الذي يخلق نوعا من الدهشة لدى القارئ .. ولم يكتف أديبنا بأسلوبه الشعري، بل أحيانا ينمق روايته بقصائد شعرية، زادت من توهجها، وإشراقتها، وهذا يبين مدى تكسير الحاجز الشاهق بين السرد الروائي والصياغة الشعرية، رغم خصوصيات كل من الجنسين...

على سبيل الختم

أديبنا فوزي الديماسي، قلم ذو نبوغ لغوي، سيال في العديد من الأجناس الأدبية، له حنكة ومراس في تناول المواضيع الاجتماعية، ودراية في الصياغات الأدبية الممتعة بمهارة، لي شرف متابعته عن قرب ..

 

مالكة عسال

بتاريخ 15/01/2019

 

محمد صالح الجبوريصدر عن دار المتن (بوح الدخان) حكايات من مدينتي الجزء الثاني للكاتبة ميادة الحسيني، رقم الإيداع 2037 لعام 2019م، قام بتصميم غلاف الكتاب الفنان السوري (ديلاور عمر)، الكتاب يحتوي على (36) حكاية، من حكايات مدينة الموصل التي تعرضت إلى الدمار والخراب والحصار والقتل والتهجير، والرعب، من قبل عصابات داعش، ظروف قاسية مرت بها المدينة، الوضع مؤلم، محبة المدينة و تاريخها دفعت الكاتبة لكتابة حكايتها الواقعية من أرض الحدث، كتب المقدمة الناقد سعد الساعدي، تحدث عن إسلوب الكاتبة والواقعية والسرد الجميل، الكتاب يحتوي على قصص وهي (إحتضار، جسر الأمل، بوح أرض رافدين، بقايا رماد، واحد من أبناء الوطن، لمصر في مدينتي حكاية، خلود حزن، قائد وطفلة، دقائق معدودة، وأخيراً وصلت عبير، صولجان الأميرة أحلام طفلة، العيون اوصدت، صوت من بعيد، حلم الحرية، رضا، حين غادرت الرياح، سحر دجلة، قطعة الحلوى، مالك والعلم، رحلة يمامة، حداد الفراشات، مكتبة وشيخ كبير، لص عاشق، معلم وطفل، الأسد، أمي إليك أكتب، عروس العبارة  سوار في النهر رانيا، تيم، محمد والعبارة، أيها النهر ما بالك تؤلمني، و للكاتبة اهداء، ومقالة للأستاذ الدكتور ابراهيم العلاف، وكذلك رؤية للإعلامي هشام الكيلاني، الكاتبة وثقت تاريخ المدينة لفترة من الزمن من خلال قصصها الواقعية، بإسلوب وسرد جميل، ولا أريد الإطالة في الشرح، اترك القاريء هو الذي يعطي رأية، وانا مجرد عرضت الحكايات للاطلاع عليها.. الجهود التي بذلتها القاصة ميادة الحسيني جهوداً كبيرة، اتمنى لها النجاح والموفقية.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

 

ضياء نافعيقولون انه النصب الوحيد في العالم لمذيع في الاذاعة، وبالنسبة لي شخصيا وحسب معلوماتي المتواضعة، فانا لا اعرف فعلا اي شئ مماثل لهذا الذي شاهدته اليوم في احدى ساحات مدينة فلاديمر الروسية، مسقط رأس المذيع السوفيتي الشهير ليفيتان، وهي المدينة التي تبعد في حدود 200 كيلومترا عن العاصمة الروسية موسكو، والتي كانت في غابر الازمان واحدة من مراكز روسيا القديمة.

 ولد المذيع يوري بوريسوفيتش ليفيتان في مدينة فلاديمر العام 1914، واصبح المذيع الاول في الاتحاد السوفيتي، وهو الذي أذاع يوم التاسع من مايس / مايو العام 1945 بيان الدولة السوفيتية عن استسلام المانيا الهتلرية وانتهاء الحرب واعلان النصر، وهناك احصائية طريفة تشير، الى ان المذيع ليفيتان قرأ اكثر من (2000) نشرة أخبار عن مسيرة واحداث تلك الحرب، والتي يسميها الروس – (الحرب الوطنية العظمى)، وهكذا ارتبط اسم ليفيتان بيوم النصر في تاريخ روسيا . لقد سمعنا عندما كنّا طلبة في الاتحاد السوفيتي في ستينات القرن العشرين، ان الالمان قرروا ان يعدموه بعد ستالين رأسا، ولكن المصادر الروسية الرسمية الحديثة اعتبرت هذا القول مجرد اشاعة تداولها الناس - ليس الا- انطلاقا من شهرته وسعة شعبيته بين المستمعين آنذاك، وأشارت تلك المصادر الى ان هناك وثيقة ألمانية تعلن مكافأة قدرها(250)الف مارك الماني لمن يقبض عليه او لمن يقتله، وهو مبلغ ضخم وكبير جدا بالنسبة لتلك الايام، ولهذا فقد كان ليفيتان محاطا دائما برجال الحماية ايام تلك الحرب، وكان مكانه سريّا . وللعلم، نود ان نضيف هنا، ان ليفيتان هو الذي أذاع خبر انطلاق اول انسان سوفيتي الى الفضاء يوم الثاني عشر من نيسان / ابريل العام 1961، عندما طار غاغارين الى الفضاء وعاد سالما، وهو حدث تاريخي عالمي طبعا، لهذا يطلقون على ليفيتان الان تسمية – (صوت التاريخ وصوت النصر).

امتدت حياة ليفيتان من العام 1914 الى العام 1983، وقد اتخذت ادارة مدينة فلاديمر (مسقط رأسه) توصية بشأن ضرورة الاحتفال بالذكرى المئوية لولادته العام 2014 وذلك باعتباره الابن البار للمدينة التي تفخر باسمه، وقررت تلك الادارة اقامة نصب خاص به في مدينة فلاديمر تخليدا له، وهكذا تم اعلان المسابقة بين النحاتين الروس، وشارك في المسابقة (36) نحّاتا روسيّا من كل انحاء روسيا، وفاز بها النّحات الذي قدّم فكرة لاقامة نصب يتميز بالابتكار(وبكل ما تعني كلمة الابتكار فعلا)، اذ ان النصب ركّز على الصوت وكيف كان الناس ينتظرونه ويصغون اليه عن طريق المذياع بكل لهفة وتعاطف، اي ان النّحات جسّد مهنة المذيع وطبيعتها، ولم يجسّد شكل المذيع او جسمه كما جرت العادة في التماثيل والنصب الاخرى، وهكذا تم تنفيذ تلك الفكرة، وتم تدشين النصب العام 2015 (في يوم الراديو الذي يصادف 7/5، وعندما كانت روسيا تحتفل بالذكرى السبعين للنصر). وضع النصب في ساحة وسط مدينة فلاديمر اطلق عليها اسم ساحة ليفيتان. نرى هناك شخصيتين في ذلك النصب هما الجد وحفيده، ينظران ويستمعان بكل انتباه الى ميكروفون معلّق امامهما على عمود به مصباح لاضاءة الشارع، وعلى هذا العمود توجد لوحة حديدية صغيرة، فيها صورة للمذيع ليفيتان مع الاشارة الى سنين حياته . لقد اراد الفنان ان يقول، ان الجد العجوز (وهو يتوكأ على عصا بيده) مع حفيده الصبي كانا يستمعان الى بيان النصر، اما الابن (والد الصبي) فقد كان يحارب آنذاك في جبهات القتال .

الساحة التي يقف فيها النصب معبّدة بالحجر بشكل جميل وانيق، وتحيطها الاشجار الباسقة، وفي اطراف الساحة توجد المصاطب المنسقة الجميلة . لقد جلست انا على احدى هذه المصاطب، وتأملت النصب الطريف هذا بدقة، واكتشفت ان الجد وحفيده يرتدون ملابس بسيطة سوفيتية الصنع ومن طراز ذلك الزمان بالذات، وشاهدت اسراب الحمام تتطاير حول النصب وتتمشى حوله بسلام ووئام، وجاءت امرأة مسنّة، وأخذت ترمي الحبوب لتلك الطيور، وكانت الطيور تتزاحم على هذه المرأة كي تحظى بالطعام ... وكان هناك اناس بمختلف الاعمار يسيرون – ذهابا وايابا - حولنا بهدوء دون ان ينظروا الى النصب او الى تزاحم الطيور حول تلك المرأة....

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

ناهز صمتي ما يتجادل به عشرة شعراء في امرأة نست رائحتها عند اول عاشق

لم أكمل هيأتي لكثر ما تكدس في المرايا من ايامي المصابة بالتشابه والانتظار والمقاهي التي يعجبك دخانها الخالي من النساء والأمراض التي تتوعدك خيرا ً!

لعل في القصيدة متسع من الهواء المتفق عليه كي اصرّح جيدا ان ام كلثوم كانت خاطئة جدا وهي تربي الحب كمنتج لا يهرم فلم نصرّ على سؤالها حية وميتة ولنسئلن الذين تماثلت قلوبهم للصباح. أليس الحب تعديل في الفطرة المدهونة بكلام الورد؟ تعديل في فطرة الذين لم يكتشفوا في المرآة وجوههم أليس هو جرأة منظمة على قطع الحوار بيني وبين هؤلاء الجالسين في القران يأكلون ويشربون يلقون عليّ التحية والمحبة والوصايا كلما تبلج صبح وفي البلاء إذا تجلى. أليس أنا من تحرّش بهذه الجرأة المطرودة من لساني حتى ناولته السر أنثى إثر أنثى وحرب تلو حرب فلما مددت يدي الى جيبي أخرجت تاريخا من السوء والخيبات طششتها في جمع من أشباهي. قلت لا تقربوها ولكن انظروا اليها فالنظر اليها يذكر بالحياة والحمد لي بان اسماءكم لم تغادر أعشاشها ولم يفصل بينكم وبينها الرصاص المتاخم لهوائنا المخضب بغبار المفاجآت والشعر

لم اعد ادراجي حينما قرروا ان الحروب ضرورة معرفية فـــــــــــي نص الوجود

وان الحياة بوصفها مغامرة لا بوصفها حمامة هي خيول تجر التأويل ولا تفلح الى أطفال يصاهرون بين الرصاصة والعصفورة ويتسللون الى رؤيا الملك ليخطفوا سبع سنبلات وأخر يمتن منهن حسدا وينهض الملك في صباح خائن فيقول ان رؤياي محرّفة ولا يندهش وماهي بمحرفة ولكن الملك لــم يكمل هيأته ولا يثق بالفقه العابر للأجناس ولا الديمقراطية التي نست عورتها عند بوابة التاريخ

الثورات ممتلكات غادرها الأنبياء ... هم لم يتركوا ارثا غير أسمائهم والتواصي بهذه الثورات.. قالوا هذه أمانات فردّوها الى أهلها وتوقعونا في الحوادث المعبرة.. ولتعلموا ان الوصايا ليست بيوضا حتى تفقس الثوار عنها ان الوصايا هي انقضاض التجربة على أخطأها فتوضأوا بأسمائنا وتوكلوا على التجارب ستنطق اكفكم بالأوطان.. فاذا ازدادت الارحام بمثل ذلك فقد حضرنا

ليست الثورات اكتشافا في النوايا ولا عبورا الى الاشكال الكاملة وليست من منتجات الصبر كما توهم العالقون بصدأ التواريخ ...انها عين لا نريد ان نبصر بها أو أنها قابلية التاريخ للانتباه من النوم ..... قابلية التاريخ على تحمل العطش وهو يقرأ بصوت عال ... قابليتي على عشق الهاء في (انا انزلناه) الهاء التي حسمت عين ابن عربي بالعمى واشرق بها رجال لا تلهيهم سياسة ولا بحث خارج

التواريخ تؤكد شهيتها وتنسى جملها الفعلية، وهكذا تداولوا النخلة وتركوا مريم تربي وليدها في اشباه الأسئلة. تداولوا القميص وتركوا يوسف في أحسن القصص يحرس رؤيا الملك من التسوس يحرس ذكريات البئر من نسيان اخوته

لذلك لم أكمل هيأتي وركنت الى نيتشه وهيجل وماركس والذين من بعدهم شيئا قليلا ولم اعد ادراجي كان الطريق طويلا وانا على عجلة من فهمي وكنت خائفا من الله جدا وكنت من الأفعال الناقصة وكنت من الأعياد التي نست ميعادها وكنت آتي البيوت من ظهورها وكنت اسمي سنابلي في اليقظة وانساها في الرؤيا وسقط الوقت من يدي فاستحالت الازهار اقفالا وكنت أرى في وجوه الفقراء فلسفة متروكة

في رغوة الضلالة فنسيت اسمي ومكثت أضمد نسياني زهاء مطر مصّر على دلالته فلما سكت المطر ترددت على الذاكرين اسمي كثيرا فقالوا ما اسمك نكاية بي قلت انا سبيل منقطع ويتهيأ لي أني وردة في طور الاستعارة وأحيانا دمعة عاشق توارت في وحل العمر ...قالو بل انت فكرة وصياد تربّى على صور الفرائس ... وقت أتلفه النعاس.. قلت هاتوا برهانكم- هاتوا قمصانكم كي اختبر بصيرتي - قالوا كل تفاحة هي حبلى بالندم وكل امرأة عاقر لا رائحة لها فلا تحل لك الاناث حتى تتذكر ندمك

ثم ان التفاحة التي تدلت على قلبي كان نصفها خطأً ونصفها صوابا، فالذين عبروا أسمائهم وتوارثوا قلوبهم وتواصوا بالنصف الثمين كانوا انبياء، ذهبوا قمرا إثر قمر يصححون يسار التفاحة، والذين تلقفوا الخطأ واختلفوا في تأويله كانوا شعراء، لعب المجاز في انسابهم ولا زالوا يشبهون صوابها، حتى شبت الأوثان في ملامحهم، ووقفت فيهم اشتهي نصفا وأتمنى الاخر. شاخت اصابعي وهي تؤدي الأمانات الى غير صباحاتها واركض في الثورات اجدد وجوه الأنبياء في المرايا التي تطايرت تطاير الرؤوس

ناهز كلامي ما تفعل رائحة امرأة في عشرة شعراء أتلفوا العمر في حيازتها

 

حيدر الاديب

العراق

محمد عرفات حجازيالكتاب اسمٌ لما كُتِب مجموعًا، ويعني ما كُتِب فيه، ويعني الصحيفة، كما يعني الفَرْضُ والحُكْمُ والقَدَرُ، والجمع كُتُب. والكتاب الالكترونيّ E-Boo  هو نشرٌ الكترونيّ يُنْتَج ويُنْشَر ويُقْرَأ على أجهزة الحاسوب أو أجهزة الكترونيّة أخرى، وقد يكون الكتاب الالكترونيّ مُقابلًا لكتاب ورقيّ مطبوع، وقد يكون قد أُلِّف بصورة الكترونية من البداية.

يتميّز الكتاب الالكترونيّ بسهولة النقل والتحميل والتخزين، كما يُوفّر إمكانية استخدام الأقلام والتعليق ووضع إشارات أثناء القراءة، كذلك يُمكن تغيير حجم الخط، والبحث عن كلمات، بالإضافة إلى سهولة الترجمة إلى عدّة لغات أخرى غير التي تمّ تأليفه بها، ناهيك عن إمكانية عرضه على الطلاب في قاعات الدراسة باستخدام وحدة عرض البيانات LC  أو جهاز العارض الجداري، والكتب الالكترونيّة أسهل وأسرع في النشر من الكتب المطبوعة.

ومن عيوبه: أنّ أنواع وصيغ الكتب الالكترونيّة مُستمرّة في التغيّر والتطوّر بمرور الوقت مع تطوّر التقنيات، كذلك ليست كلّ الكتب مُتاحة في صورة الكترونية.

والقيم جمع قيمة، وشيء ما ذي قيمة أي كونه مُفضّلًا عند الآخرين؛ وذلك لاعتبارات نفسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أخلاقية أو جمالية. وتختلف القيم عن الأخلاق في كون القيم تُعدّ بمثابة قواعد ومعايير، أما الأخلاق فتُطلق على الأفعال والسلوكيات، ما يعني أنّ القيم ميزانٌ للأخلاق.

إنّ محتوى الكتاب مرآة للاحتياجات الاجتماعية والثقافية للمجتمعات، والتشابهات بين أشكالها عبر الثقافات والزمن تُظهر نزوع عقول البشر، في مراحل مُعيّنة من تحضّرها، إلى إنشاء مؤسّسات وأنماط اجتماعية وحضارات مُتشابهة.

وبالإضافة إلى ما تتّسم به الكُتب من حيوية لصيقة بجوهرها، فهي تنفُخ في المجتمعات الروح؛ فتساعد الأفراد والثقافات على تحديد وجهاتهم ومعرفة ذواتهم، ليتواصل بعضهم ببعض، وترتبط نفسٌ بنفس، وماضٍ بمستقبل، ومستقبل بماضٍ. وتقول المُؤرّخة بابرا تشومان في كلمتها أمام مكتبة الكونغرس عام 1980م أنّ: الكُتب حَمَلةُ الحضارة. من دون كُتُب يُصبح التاريخ معقود اللسان، والأدب أخرس، والعلم مُعوَّقًا، والفكر والتأمّل في ركود تام. من دون كتب، ما كان للحضارة أن تشهد تطوّرًا؛ فالكُتب مُحرّكات التغيير، ونوافذ مفتوحة على العالم. الكتاب مُعلّم وساحر ومصرفيٌّ عُهِد إليه بحفظ كنوز العقل.. الكُتب هي الإنسانية بحروف مطبوعة، وهذا التصوّر من قِبل تشومان يمكن اعتباره ركنًا أساسيًّا في النزعة الإنسيّة في القرن العشرين.

وتُتيح الكتب إمكانية الوصول الحُرّ إلى المعلومات، وهو مبدأ هام في المواطنة الديمقراطية المستنيرة. هذا، واكتسبت الكتب أهمية رمزية في أوساط الجماعات الدينية الرئيسية كلّها، ويُشار إليهم أحيانًا بعبارة "أهل الكتاب"، بل إنّ الأهمية الرمزية للكتاب شأنها عظيم في أوساط الخارجين عن تعاليم الدين.

وبغضّ النظر عن الأجندة التي يُروّج لها كلّ كتاب على حدة، فإنّ الكُتب في النهاية ـ بمحض وجودها في ذاتها وتعايشها مع مُجمل أدبيّات العالم المطبوعة أو الالكترونية ـ تدعم النزعة الفردية، والتعددية، والنزعة الإبداعية والعقلانية، وحرية انتقال المعلومات، والتفكير النقدي، والحرية الفكرية.

ومع انتشار الكتب الالكترونية بصورة مُكثّفة في السنوات الأخيرة، وتداولها على مواقع التواصل الاجتماعي، ثارت ثائرة أصحاب دور النشر الورقي، وبعض الكُتّاب الذين ينشرون أعمالهم على نفقتهم الخاصة، إلى جانب بعض أعضاء مجلس إدارة اتحاد الناشرين العرب، ويُجادل هؤلاء بأنّ عملية تصوير الكُتب الورقية ونشرها الكترونيًّا عملٌ غير أخلاقي، كونه اختراقًا لحقوق الملكيّة الفكرية، إلى جانب أنّه يضرُّ بمصالحهم وأرباحهم المادية.. في المُقابل، يُحاجج ملايين الأفراد بأنّ تلك العملية إنسانية بامتياز، وتهدف لنشر الفكر والثقافة، ومُساعدة ذوي الدخل المحدود لاستكمال حياتهم البحثية والعلمية في مُقابل جشع دور النشر.

إنّ دور النشر تُمارس هنا نوعًا من الإرهاب الفكري، ويحاولون مصّ دماء الفكر.. وما هذه إلا محاولة، من أعداء الإنسانية، لجعل إمكانية الوصول إلى رأس المال الفكري مُتعذّرة أو معدومة.. وهذا التوجّه تعبيرٌ عن نبذ عميق للإنسانية، يُسهّل انزلاق البشر إلى هاوية أخلاقية بعيدة الغور.

إنّ الكتاب الالكتروني يُثير قضايا الأمن الثقافي بالنسبة لمن لديهم وعي بالخطر الذي تُشكّله الأسلحة الحديثة.. هل يمكن النظر إلى الكتاب الالكتروني بوصفه ناجمًا عن ردود فعل لظروف اجتماعية هدامة، بما فيها الاعتناق الهستيري لأفكار تُغازل قيمًا محلية وتُزيّن وهم الخلاص لمُعتنقيها، وتُشكّل هذه الأفكار الأساس الذي تنهض عليه رؤى يوتوبية يمكن في سبيل تحقيقها تبرير أي أفعال؟

إنّ الذين يتمسّكون بتوجّهات مُرتبطة بالحداثة والنزعة الإنسيّة يرون أنّ الكتاب الالكترونيّ عملٌ خيّر، أما المتطرفين فيرون ذلك وسيلة أساسية وفعلًا تحريريًا وخلاصيًا من أجل البشرية.. إنّ عملية النشر الالكترونيّ تؤكّد بوضوح قوة القيم المشتركة لحقوق الإنسان أو الديمقراطية على سبيل المثال، وأثر نشر المعلومات وتقارب الأفكار في التقدّم الثقافي، كما يُتيح الاستغلال الفعال للكتب مُواءمة الذكاء الاجتماعي اللازم لمُواجهة مُشكلات عالمية.. وبالنسبة لأصحاب النزعة الإنسانية، فإنّ رفاهة الإنسان هي المقياس، فهم يُعزّزون قيمة الإنسان، ويُشجّعون تنمية الفرد لإيمانهم بأنّ التنمية الفكرية والروحية والأخلاقية لكلّ إنسان تُثري المجتمع، وبالجملة، هم فئة أبعد ما تكون عن أن تغفل القضايا المجتمعية.

وختامًا نقول: إذا كان الإرث الثقافي للمجتمع الدولي هو حصيلة الإرث الوطني لكلّ الأمم، وكانت الإنسانية هي الطرف ذا المصلحة ـ مُستقلّة عن التنظيمات الوطنية؛ إذن فالآثار الثقافية (الكتب) تنتمي، نظريًّا، لكافة البشر. ومن جهة أخرى، فإنّ تطابق هويّة الأجناس البشرية يُبطل التصنيفات القائمة على التقسيمات الجغرافية أو الدينية أو الاجتماعية، لذا، فالأشخاص الذين يُحاولون حجب ثقافة معينة إنما يُرهبون ـ إن لم يكن يُدمّرون الإرث الثقافي لجميع البشر.

 

محمد عرفات حجازي

باحث في الفلسفة والأخلاق التطبيقية ـ مصر

 

1073 عندما تكون من هناؤوجدتُ في صندوق البريد "اشعارا" يخبرني بالحضور الى دائرة البريد لإستلام طردا مسجلا باسمي

الحقيقة أنا اخشى من هذه الاشعارات ورسومها المسجلة! لا اعرف لماذا هذه الخشية؟ لكنها بشكل عام تقلقني! ربما هو شعور قديم متأصل في داخلي نتيجة عدم ثقتي بالانظمة وحكوماتها القاهرة، عموما..

 ذهبت الى هناك، قدمت بطاقتي الشخصية، فسلمتني موظفة البريد الجميلة مظروفا كبيرا

هنا اِطمئنّتْ روحي، وفرحت أساريري، لأنّ المظروف يوحي بكتاب في داخله!

وفعلا حين فتحت المظروف وجدت مفاجأة جميلة، أنّها تحفةٌ مرسلة من العراق بتوقيع الشاعر العراقي "رشيد مؤمن" وديوانه الأخير المعنون:  "عندما تكون من هنا"

الكتاب بغلاف أنيق يغلب عليه اللون الأسود المتدرج نحو الاعلى وصولا الى اللون الرمادي الداكن،

الذي يتشبه بسماء غائمة. اكتفى اللون الاسود بلوحةٍ لقارب محطم في وسط أهوار تحيلك الى جنوب العراق

لوحة الغلاف جميلة ومعبرة بطريقة حسية الى معاناة أهلنا في جنوب العراق ..

هذه اللوحة حملت توقيع "احسان الجيزاني" هناك تحت القارب كُتبت كلمة "شعر" باللون الأحمر

فيما أخذ اسم الشاعر "رشيد مؤمن" اللون الأبيض الناصع، تناغما مع الخطوط البيضاء تلك التي خططت

القارب الساكن في الهور، التصميم جميل جدا حملَ توقيع "نور الدين الوادي"

" عندما تكون من هنا"

هذه الجملة الشعرية تدعوك للانتباه وتجبرك على التوقف والتفكر في صياغتها ومدلولها لذلك اختارها

الشاعر بذكاء شديد لتكون"عنوانا موحيا" لمجموعته، ومما زادها ايحاءً انها كُتبت باللون الأسود المتموج

في سماء اللوحة الرمادي! أما الجهة الأخرى من الغلاف فجاءت بيضاء وفي قمتها صورة شخصية للشاعر

وهو يتأمل في الفراغ بوجه حزين وتحت الصورة أختيرت مقاطع من نصوص المجموعة :

 

لم يكن علي أن اموت اليوم

فصلتي به قديمة

ولا أحد يعلم أن رأسي مأواه.

-

قبل يومين إبن جارتي الوقحة ضرب

ابني

فانفجرت غضبا

ورحت أوبخ جارا آخر

-

حاوية البضائع تصل غدا

تحمل دمى جنسية وألعاب نارية

وفيه طلبية تخصني

صديق ..

صنع في الصين.

 

تحت هذه المقاطع في اقصى اليمين وجد شعار الدار التي تبنت طباعة هذه المجموعة

وهي دار "دراويش للنشر والترجمة" مع رقمها الدولي وموقعها الالكتروني ..

جاءت هذه المجموعة ب " 206" صفحات من القطع المتوسط وحملت هذه الصفحات " 102"

نصا شعريا أي بمعدل "نص لكل صفحة"

 

 

 

المجموعة بمجملها أنيقة وفخمة كما أنّها تحمل الكثير من الشعر والجمال

وبالتالي فهي تستحق وبجدارة أن تقتنى، وأن تقرأ فلغتها سهلة، رشيقة، وعميقة تحكي ألم التفاصيل

 مدلولها واضح بدلالاته لا يحتاج الى الكثير من الجهد للوصول الى المعنى الذي اراده الشاعر

والذي يخص تفاصيل الحياة ومعاناتها..

في النهاية تبقى لغة هذه المجموعة بتراكيبها السلسة هي "خاصية" يمتاز بها الشاعر الصديق

"رشيد مؤمن" هذا الانسان النبيل ..

المعروف من خلال نشره الدئوب على صفحته الشخصية باسلوبه السلس، الممتع، الذكي،

والراصد لأدقّ التفاصيل.. انها بشكل عام نصوص حياة تحاكي ابعد النقاط في دواخلنا..

شكرا جزيلا للشاعر الصديق "رشيد مؤمن" على حرصه الشديد على وصول المجموعة لي

وهذا جمال يضاف الى جمال المجموعة متعة قراءتها. انها هدية جاءت لتمنحني تواصلا جميلا

مع الشعر العراقي والجيل الجديد الذي يعوّل عليه كثيرا ..

امنياتي لك يا رشيد بالتوفيق والنجاح على طريق طويل من الشعر والعطاء

اخيرا وددت أن انقل بعضا من أجواء هذه المجموعة الجميلة :

لو أنك لم تولد في العراق

لربّما كنت فرنسيا

حينها لن تضحك

على نكتة المترجمة العجوز

.

أو هنديا

لا يكره أميتاب

لأنّه طويل كافلامه

 

لربّما امريكيا افتقر

بسبب الانهيار العظيم

.

لا تشغل نفسك

فالاحداث متشابهة

وأنت هو المختلف

.

ما لا تطيقه هو الضوء

فكل ما يهمك لون الذيل بعد الغروب

.

لكنك انت .. ولم تنتبه

فحياتك أطول نكتة

واخترت أن تحير العالم

بمدى موتك

***

ماجد مطرود/ بلجيكا

 

 

زيد الحلياعرف شغف د. طه جزاع في القراءة، لاسيما عالم الروايات، وهو شغف لا يعادله شيء، سوى حبه لقراءاته في الفلسفة، باعتبارها تخصصه الاكاديمي، ووجدت ان قراءاته المكثفة، كونت شخصيته، وحددت اختياراته في انحيازه لهذا الفكر أو ذاك، وعززت نزعته الإنسانية وانفتاحه على ثقافات وحضارات أخرى، وعلى مختلف جوانب الفكر الإنساني.. فالقراءة عنده كما أراها، هي لذة القلق، سمو الروح، ونبل الغايات، وفعل حي للتفاعل والحوار والجدال المستمر، وتربية للحس النقدي، وهي ايضا فعل تطهر، وتطهير وسمو وتسامي بأرواحنا .. وحين اهداني مؤلفه الاخير (كابوس ليلة صيف) ظننت ان الكتاب دراسة في الفلسفة او بحثا فيها، او مجموعة من مقالاته جمعها في كتاب، غير اني فوجئت بعد قراءتي الممتعة للكتاب، عدم استطاعتي تصنيفه، وفي اية خانه اضعه، فهو ليس بكتاب خواطر، ولا فلسفة، بل هو يتجه صوب المكتبة القصصية بقوة، ثم اغير رأيي لاحقاَ، بالقول انه كتاب فلسفي بامتياز، او مقتطفات من سيرة ذاتية .. انه كتاب مثل قطعة فسيفساء فكرية، لكن بأسلوب مرن قابل للتداول والنقاش والاستيعاب.

لقد خرجت بانطباع راسخ، ان مضمون الكتاب، ومساراته الفكرية والفلسفية، يقصده المؤلف، ويهدف اليه، وربما هذا الانطباع يعكر مزاج د. جزاع، كونه بالضد تماما من ما اشارت اليه مقدمة الكتاب التي سماها المؤلف (تنبيه) وهي بثلاث كلمات، لكنها بمعنى واحد، انشرها نصا: (اعلنُ هنا بكل صراحة وشفافية ووضوح ان المقصود في هذا الكتاب ومحتوياته، هو ذلك الحيوان الخدوم الصابر الاليف، كبير الرأس، قصير الذيل، طويل الاذنين، شارد العينين، الذي يُسمى حمارا .. وان اي تشابه بينه وبين اي فرد من ابناء البشر، امر غير مقصود، ومحض مصادفة، إلا اذا كان الشبيهُ مؤهلاً لذلك)

حمار مثقف !

اذن، الكتاب يسبر غور حيوان، دائما يتحمل اذى الانسان، لكني في ثنايا قراءاتي للكتاب، اشفقت على الحمار، الذي حمله الكاتب كل وزر ورؤى الانسان، واصبحت افكار الحمار والانسان، صنوان في المعنى، متغيران في الفهم .. فعلى مدى ست ليال، يُضرب الانسان (ابو صماخ) الذي البسه المؤلف، ثوب الحمار، بسوط الفلسفة وتنوع الافكار، وهو سوط من حرير، ومنها نعرف ان الحمار ليس سهلا، بل هو مثقف، فرحلته مع الحرف والكلمة والفكرة، رحلة مكنته من عبور الأمصار ومن التعرف على ثقافات وحضارات وآداب مختلفة، دون جواز سفر أو حتى تذكرة، وجعلته هذه الرحلة في تعطش دائم للمعرفة والثقافة دون أن يعرف أن الأمر سيشكل إدمانا لذيذا سيرافقه مدى الحياة...

كنت اظن، ان الكونتيسة دي سيجور"،الاديبة والقاصة الشهيرة، روسية المولد، فرنسية الثقافة، هي الاهم، التي تشد القارئ بأسلوبها المتميز، حين تجعل الافكار الفلسفية والحكم الحياتية على لسان الحمير، لكني للأمانة وجدتُ حمار الفيلسوف د. طه جزاع اعمق، واقرب في توصيف واقعنا ... نفهم، من (ابو صماخ) ان الحياة البسيطة، هي خير ما توصل إليه عمالقة الفلسفة والفكر بعد كم كبير من البحث والاستنتاج والاستدلال على مدار التاريخ بُمختلف عصوره، وان التعقيد في الحياة تم رفضه من قبل عدد ضخم من المُفكرين والفلاسفة والعلماء، ويُمكن القول أيضاً، أنه على مدار التاريخ البشري الطويل لم تكن البساطة في الحياة خياراً كما يراه البعض بل كانت ضرورة مُلحّة وقصوى، لكن الحمار في (كابوس ليلة صيف) يؤكد من جانب آخر ان الحياة عند من يمثلهم، بدأت بالتعقّد والتشعّب، فأصبحوا في ظل هذه الموجة الشرسة من العنف هو الذي يُطلق عليهم بالإجماع لقب " ابو صابر" الذي يتحمل الاسى دون ردة فعل !

كتاب د. جزاع، يحتوي على جوانب فلسفية و فكرية خاصة كثيرة، لها دلالاتها المجتمعية، ويضم بين طياته، حكايات (الحمار وجحشه الابيض الصغير) وهي حكايات عديدة، تحفل بالمعاني المعاشة في درابين حياتنا اليومية، نلمس فيها بوضوح لمسات الفيلسوف والمفكر.

واختتم سطوري، بالقول، يخطئ كثير من النّاس حين يتوهّمون أنّ قراءةَ مثل هذا الكتاب، الذي تجري فحواه على لسان حيوان، مثل (الحمار) هو ضربٌ من ضروبِ العبث، وشكل من أشكال الترف الفكري، ولون من ألوان تزجية الوقت فيما لا يعود على القارئ الواعي بالنّفع.. بل هو لون ونهج، يستطيع من خلاله الكاتب أن يمرّر رسائلَه وتوجيهاته، وبثّ أفكاره التي يؤمن بها، وقد نجح زميلنا العزيز بهذا المنحى .. ونأمل منه المزيد .

ان كتاب (كابوس ليلة صيف) يشبه الموسيقى نسمعها، ونعيد الاستماع إليها حسب المزاج، وأحيانا لتغيير المزاج.. غير انني اقول بثقة: أهلا بالفيلسوف الكبير، المتواضع د. طه جزاع ..

 

 زيد الحلّي

 

 

 

 

عمار حميديعد الألماني بيرتولد بريشت احد اهم الكتّاب المسرحيين العالميين الذي كتب اعمالا مسرحية استمدت شهرتها وتأثيرها من خلال الحقبة التاريخية التي مرت بها المانيا في العهد النازي وكذلك معارضته لحكم هتلر من خلال هروبه وكتابة اعماله خارج المانيا في ذلك الوقت مستعرضا القمع والطغيان ومنتقدا له، وبعيدا عن التقديم لأعماله والتي من الممكن ان يطلع عليها القارئ فأن تميزه ونجاحه في اعماله تركز على عنصر هام اختص به وهو أن المتلقي يعتبر المحور الأهم في تأليف العمل المسرحي، فمن اجله تكتب المسرحية، كي تثير لديه التأمل والتفكير في الواقع والدفع لتغييره من خلال اتخاذ موقف ورأي من القضية المتناولة في العمل المسرحي. ومن أهم أساليبه التي أوجدها في كتابة المسرحية:

هدم الجدار الرابع: ويقصد به جعل المشاهد مشاركا في العمل المسرحي، واعتباره العنصر الأهم في كتابة المسرحية. والجدار الرابع معناه أن خشبة المسرح التي يقف عليها الممثلون، ويقومون بأدوارهم، بمثابة غرفة من ثلاثة جدران، والجدار الرابع هو جدار لامرئي وهو الذي يقابل الجمهور.

التغريب: ويقصد به تغريب الأحداث اليومية العادية، أي جعلها غريبة ومثيرة للدهشة، وباعثة على التأمل والتفكير.

المزج بين الوعظ والتسلية، أو بين التحريض السياسي وبين السخرية الكوميدية.

استخدام مشاهد متفرقة: فبعض مسرحياته تتكون من مشاهد متفرقة، تقع أحداثها في أزمنة مختلفة، ولا يربط بينها غير النسق العام لأحداث المسرحية.

تقديم استعراضات غنائية خلال مسار الاحداث في المسرحية وذلك كنوع من المزج بين التحريض والتسلية.

ومن هذا المنطلق فأن البنية المسرحية العراقية الان لديها مصدر ثري للأغتناء والاستفادة من عناصر بريشت المسرحية تلك عبر التحولات والتغيرات التي شهدها المجتمع العراقي ولازال ، فأذا استغل المسرح العراقي بشكل فاعل ومؤثر هذه العناصر الاساسية في مذهب بريشت المسرحي وخاصة مفهوم هدم الجدار الرابع فأنه بذلك سيكون عنصرا هاما في اثارة المجتمع العراقي وتمرده على واقعه الحالي كما سيحقق المسرح ذلك الشعار الذي يقول (أعطني خبزا ومسرحا أعطيك شعبا مثقفا) ، فالمجتمع العراقي بحاجة ماسة الان لدفعه نحو التحريض والتغيير ولن يكون المسرح الا احد أهم وسائل هذا التغيير.

ولن يكون العنصر الثاني (اي التغريب) غريبا من الاساس على واقع المجتمع العراقي وتقديمه من خلال المسرح عبر مزجه مع عناصر مستمدة من خيال المؤلف المسرحي وخلق العناصر الجاذبة للمتلقي والتفاعل مع الموضوع المسرحي.

اما بقية العناصر التي يتبعها بريشت في اعماله المسرحية فأن المشهد العراقي على ارض الواقع زاخر بها ، فالمجتمع في العراق يقابل مشاكله بالسخرية تارة وبالغضب والحزن تارة اخرى كذلك يعود بالذاكرة الى ازمان ماضية يحن اليها لكنه يفتقر الى النظر نحو المستقبل ورسم الخطط له وهذا مايمكن ان يقدمه المسرح وتحريك المجتمع نحو ذلك الاتجاه من خلال اساليب بريشت.

في هذه المرحلة الراهنة فأن المجتمع العراقي بحاجة ماسة الى المسرح لتغيير واقعه ونجاح المسرح العراقي في هذه المهمة سيكون كبيرا اذا ركز على اساليب بريشت وكذلك مخيلة المؤلف العراقي المسرحي الغنية والمبدعة.

 

عمار حميد مهدي

 

المسرح من أهم الوسائل التي تبث كثيرا من الجمال وتسهم في تثقيف المجتمع على الحالات السلبية وقد كان محل اهتمام الناس به ورغبتهم الشديدة في الحفاظ على المسرح واستمراره و من هنا جاء اهتمام الدولة في شؤون المسارح لما له من اثر عميق في الجوانب: (الثقافية والاجتماعية والسياسية).

فقد كان وراء ظهور المسرح كوكبة من العباقرة والكتاب العظماء الذين أفاضوا بعلمهم وقدرتهم المميزة على المسرح مما جعله من أبرز الفنون. وقاموا بدمج كثير من الفنون داخله مما أعطاه بريقا خاصا وتفرد به وتميز عن باقي الفنون بل جعله من أكثرها قدرة على إيصال الرسائل الجمالية والفكرية التي تصب في مصلحة المجتمع .

الظروف الاجتماعية لظهور المسرح :

وتقام المسرحيات في أثينا أبان حفلات ديونيسوس" إله الخصب والنماء" وقد اعتاد اليونانيون أن يقيموا للآلهة حفلين: حفل في الشتاء بعد جني العنب وعصر الخمور فتكثر لذلك الأفراح وتعقد حفلات الرقص وتنشد الأغاني ومن هنا نشأت الكوميديات. وفي فصل الربيع إذ تكون الكروم قد جفت وعبست الطبيعة وتجهمت بأحزانها مما أفرز فن التراجيديا.

وشهدت الكوميديا تطورا كبيرا منذ منتصف القرن الخامس قبل الميلاد. ومن أهم الكوميديين نجد أريستوفانوس في مسرحيته الرائعة (الضفادع). وانتشرت الثقافة الهيلينية في أصقاع العالم بفضل غزوات الإسكندر الأكبر، وذاع صيت المسرح اليوناني بكل أنواعه وقضاياه وأبنيته الفنية.

وإذا تأملنا معمارية المسرح اليوناني وجدنا العروض المسرحية تقدم في الهواء الطلق في فضاء مسرحي دائري محاط بمقاعد متدرجة من الأسفل إلى الأعلى على سفح الهضبة في شكل نصف دائرة (المدرج)، ويحضره ما بين 15000و20000 من المشاهدين الذين كانوا يدخلون المسرح مجانا؛ لأن المسرح من أهم المقاطعات العمومية التي كانت تشرف عليها الدولة- المدينة ووسيلة للتثقيف والتهذيب الديني والتطهير الأخلاقي.

فنستطيع القول هنا إن المسرح كان من أهم الوسائل لبث كثير من الاغراض الجديدة وتثقيف المجتمع على الحالات السلبية ونرى أيضا رغبة الشعب في الحفاظ على المسرح واستمراره واهتمام الدولة في شؤون المسارح والاهتمام بها ؛ لأنه يعد وسيلة لتثقيف الشعب ونشر الثقافة الهادفة للمجتمع.

أبرز الأسماء الذين قاموا بالبذرات الاولى لإنشاء المسرح:

 وقد كان أعظم الكتاب المسرحيين في تاريخ المسرح، هم أولئك الكتاب الذين شبوا في كنف المسرح، وتربوا في أحضانه، ونهلوا من موارده مباشرة. كان أولئك يكتبون وفي بالهم ظروف مسارحهم وإمكاناتها وفي حسبانهم كل صغيرة وكبيرة، مما يمكن تنفيذه لما يدور في أذهانهم، وتخطه أقلامهم.

ونجد أن واحدا من أعظم كتاب المسرح في التاريخ وهو الشاعر المسرحي شكسبير الذي درس أدب الإغريق وخاصة الثلاثة العظام منهم وهم: (اسخيلوس، سفوكليز، يوربي). واستخرج كثير من القواعد في هذا الفن.

أيضا جاء أريستوفانوس الذي يعد اشهر كتاب الملهاة الإغريق وقد عاش مابين448-380ق-مإذ كتب ما يزيد على أربعين مسرحية لم يصل إلينا منها ؛ إلا احدى عشرة مسرحية كانت من أشهرها مسرحية : (السحب و الضفادع) .

وحديثا جاء بريخت:1898-1956م وهو كاتب وشاعر ومخرج مسرحي ألماني اشتهر بما يسمى "المسرح الملحمي" إذ يواجه الإنسان برؤية نقدية، ومسرحياته توجه للعمل، وأهم مسرحياته:"اوبرا البنسات الثلاثه""حياة جاليلو""دائرة الطباشير" أما مسرحيته السيدة الطيبة فأرى أنها امتداد للمسرحية الأولى.

ثم جاء أيضا تشيخوف1860-1904مالقصاص والمسرحي الروسي إذ اشتهر بكتابة المأساة الطويلة، وربما البعض تسأل ما الفرق بين المأساة، والملهاة وباختصار فنهاية الرواية إذا كانت مفرحة سميت ملهاة واذا كانت حزينة اطلق عليها مأساة .

ابرز التطورات في المسرح العالمي :

شهد المسرح الحديث في العقود الأخيرة تطورا كبيرا في مجال التكنولوجيا، وقد شمل هذا التطور ميادين معمار المسرح والسينيوغرافيا (الفضاء والمناظر والمسرحية) والضوء والصوت والأزياء. Nbsp

ومما لاشك فيه إن هذا التطور أدى بشكل مباشر إلى خلق آفاق جديدة أمام المخرجين والمؤلفين والممثلين باكتشاف سبل وأدوات وإمكانيات جديدة في التجسيد الإبداعي والخلق الفني، ناهيك عن تحسين ظروف التلقي، إذ أصبح بإمكان المتلقي أن يشاهد العرض في ظروف إنسانية أفضل في ظل إمكانيات وتجهيزات حديثه على كل الأصعدة : (الصوت، والصورة، والمسافة، والراحة)، مما يتناسب معروح العصر. فنستطيع القول ان كثيرا من التطورات أحدثت المسرح العالمي ولكنه لم تثر على مضمونه، ولا على جوهر العمل الفني وإنما أسهمت بالارتقاء في العمل الفني وظهور أعمال أكثر واقعية ودقة و ديمومة من أجل تطوير العمل المسرحي اذ تقع على عاتق الشعوب فهم من يعملون على تطوره وعطاء روحية جديدة .

ختاما نستطيع القول إن المسرح ظهر في العصور القديمة مرتبطا بالطقوس الدينية التي تقدم إلى الآلهة، وهو شبيه بما نجده اليوم في الطقوس الدينية المسيحية . كانت تلك هي البذرة التي انبثق عنها المسرح الأول . وبعد ذلك ظهرت الفرق الإنشادية في المسرح، وكان المسرح يعتمد على كثير من الفنون المتداخلة فيه.

 

غزوان العيسى

 

المقدمة: تعرف الوحشية بعدها مدرسة من مدارس الفن التشكيلي، على أنها اتجاه فني يقوم على التقاليد التي سبقته مع مطلع القرن العشرين، إذ اهتم مرتادوها بالضوء المتجانس والبناء المسطح فكانت سطوح ألوانهم تتألف من دون استعمال الظل والنور، أي من دون استعمال القيم اللونية، فقد اعتمدوا على الشدة اللونية بطبقة واحدة فقط.

مما جعل من خصائصها كمدرسة أو مذهب فني ، يكمن في " عنف التباينات، والثورة اللونية، وانفجار الألوان، وأسبقية اللون على الرسم وسرعة الإنجاز" وهذا التحول بمثابة قطيعة عما كان يشغل فيه الضوء والظل من أساسيات الرسم التي يبدأ من خلالها الشخص الولوج إلى فن الرسم، ؛ لكن فنانِين مشهورين في أوروبا خالفوا هذه القاعدة في مطلع القرن الماضي، مستعملين أسلوباً يعتمد على اللون بشكل أساسي، وهو ما جعل الرسوم تظهر كأنها تعبر عن الخوف والرعب.

والوحشية مدرسة في فن التصوير ظهرت في أوائل القرن العشرين في مدينة باريس، وتمثل المرحلة الفرنسية للمدرسة التعبيريةExpressionnisme التي ظهرت نتيجة الثورات الفنية المتلاحقة التي بشر بها منذ حقب سابقة كل من الفنانين جويا Goyaودولاكروا Delacroix وتورنر Turner، وتفجرت رسمياً في المدرسة الانطباعية Impressionnisme بريادة الفنان مونيه Monet ورفاقه، ووصلت قمتها بأعمال الفنانين الكبار الثلاثة فان غوغ van Gogh، وجوجان Gauguin، وسيزان Cézanne، وكانت المدرسة الوحشية قمة هذه التطورات و الانتقالات الفنية في أكثر من مجال .

اذ بدأ مؤسسوها في نحو عام 1904م بالرسم وكان لها ثلاثة مَعارض، وكان قادة الحركة كل من أندريه ديرين وهنري ماتيس. في عام 1906م ، فلما شاهدها الناقد لويس فوكسيل، وشاهد تمثالاً للنحات دوناتللو قال لدوناتللو إنه وحش من الوحوش. تلك التسمية التي أطلقها فوكسيل على التمثال تحولت لاحقاً إلى اسم لهذه المجموعة، وأصبح أسلوبهم الجديد له تسمية هي "الوحشية". فنقول هنا إنه أبرز التغيرات التي أحدثها رواد أو أعلام هذه المدرسة هي عدم استعمال الظل والضوء أو بمعنى أدق الابتعاد عنه والميول نحو المصطلحات اللونية والألوان البارزة والمثيرة ، وهذا ما يخص التغيرات .

إما التسمية الوحشية فقد جاءت من استعمال اللون بكيفية معينة وجعله المركز في التأثير في الرسومات ، فضلا عما جاء من تسميتها من قبل احد كبار الناقدين الفنيين باسم " الوحش " على أحد الأعمال النحتية فقاموا باشتقاق هذا الاسم من كلمة الوحش وأيضا هذا يعكس قوة تأثير اللوحة أو النحت .

أبرز أسماء المدرسة الوحشية ، الرسام الفرنسي هنري ماتيس (1869-1954م )، إذ يعد زعيما " للوحشية ويعد أيضاً من كبار أساتذة المدرسة الوحشية، ومن أبرز الفنانين التشكيليين في القرن العشرين.

وأيضا الرسام والمصور الفرنسي جورج رووه (1871ـ1958م )، كان في بداية عهده وحشيا في الأسلوب، ثم اقترب بعد ذلك من التعبيرية.

وقد جاء بعده الفنان الفرنسي راؤول دوفي الذي ارتبط اسمه بهذا الأسلوب ، الذي يشار إليه بصفته أحد أساتذة المدرسة الوحشية، بالمنسوجات وارتبطت شهرة دوفي بأبرز أعماله الفنية، وهو التصوير الجداري العملاق المنجَز بالألوان الزيتية، والذي كلَّفته إياه شركة كهرباء فرنسا، لعرضه في سرادق الكهرباء في المعرض العالمي ألذي أقيم في عام 1937م .

ومن الفنانين الذين تسلسلوا من ضمن هذه المدرسة الفنان الفرنسي موريس فلامنك (1876 -1958م )، أحد رواد الوحشية، وهو من الفنانين المنسيِّين؛ إذ لم يقدَّم له سوى معرضين: الأول برواق شاربنتييه في باريس عام 1956م ، أي قبل سنتين من وفاته، والثاني في متحف الفنون الجميلة في مدينة شارتر عام 1987م . فنقول هنا انه من ابرز الفنانين العالميين ، لقد كان الرواد المؤسسون لهذه المدرسة التي تميزت عن باقي المدارس بأسلوبها الفريد وقوة الوحات والبساطة في الأعمال الفنية والابتعاد عن الدقة ؛ لأنهم يرون إن الدقة تظل العمل الفني وتسبب له الضعف .وقد نالت هذه المدرسة شهرة عالمية واسعة في الوسط الفني

من خلال هذه الخاتمة نستطيع القول هنا ان المدرسة الوحشية حصلت على تسميتها من أسلوبها المتميز والمخيف إلى حد ما وهي أيضا من المدارس التي حصلت بها كثير من التطورات والانفتاحات على افاق جديده في الفن وايضا فهنالك كثير من المعارض الفنية في أبرز المتاحف العالمية التي تخص المدرسة الوحشية فمثلا على هذه متحف الفن الحديث في سان فرانسيسكو ومتحف الفنون الجميلة في فرنسا؛ وبعض الأعمال لعلم من أعلام هذه المدرسة وهو الفنان هنري ماتيس رائداً وعلماً من أعلام هذه المدرسة.

 

غزوان العيسى

 

احمد الكنانيمما طاله النقد في أسطورة الأدب الرفيع للوردي المديح من الشعر والتفاخر بالقبيلة والأنساب؛ ذلك لان هذا النوع من الشعر فيه ما فيه من شحذ الهمم والتذكير بالأمجاد وبالتالي الدعوة للتناحر والاقتتال وهو عكس المرجو من الشعر من الدعوة للسلام والوئام .

 ويتعدى ذلك هذا اللون من الشعر الى مديح الشعب هذه الأيام والتمجيد بالأوطان فهو تفاخر ودعوة للتناحر أيضا...

الوردي ينظر الى الشعر كقطعة فنية وظاهرة اجتماعية، وله الحق في ان يدلو بدلوه وينتقد ما شاء له من النقد للشعر كظواهر اجتماعية اتسمت بها البيئة الشعرية العربية وأدت الى كوارث بشرية من صراعات وحروب نتيجة لذلك ..

الشعراء مجموعة من الشحاذين المنافقين بنظر الوردي .

 وبناءً عليه فالشعر فتنة عرقية وعصبية بغيضة ودعوة للاقتتال . .

وللإنصاف ان شعراء المديح بل حتى الشعر المغنى الممنتج من مطربي المديح هذه الأيام حولوا الشعر الى بضاعة مسجاة تباع وتشترى من دون الالتفات الى شخص الممدوح بعدل او ظلم هو كالزبون يدفع إزاء بضاعة ولا ينظر الى شخص الزبون بل الى أمواله

الشعراء الكبار يترفعون عن الخوض في المديح والهجاء لانها وضاعة لا تناسب الافذاذ .

هذا اللون من الشعر هو احد فنون الشعر وله مبدعيه ونجومه الامعة التي أغنت الشعر وجعلته اكثر ثراءاً و من الناحية الفنية طَرَزَ الأدب العربي بأروع ما يكون من لآلئ البيان وأصفى من رحيق شقائق النعمان، خصوصا في فترته الأموية، وصراع الهجاء الذي وصل الى أوج عظمته على يد جرير والفرزدق ..

نقرأ ونستمتع بالصور البلاغية النادرة من شعر جرير وهو يهجو بني نمير، سحر من الشعر لاحق هذه القبيلة كاللعنة الدائمة:

أَتَلتَمِسُ السِبابَ بَنو نُمَيرٍ 

         فَقَد وَأَبيهِمُ لاقوا سِباب

أَنا البازي المُدِلُّ عَلى نُمَير

    أُتِحتُ مِنَ السَماءِ لَها اِنصِبابا

إِذا عَلِقَت مَخالِبُهُ بِقَرنٍ    

    أَصابَ القَلبَ أَو هَتَكَ الحِجابا

تَرى الطَيرَ العِتاقَ تَظَلُّ مِنهُ  

       جَوانِحَ لِلكَلاكِلِ أَن تُصابا

فَلا صَلّى الإِلَهُ عَلى نُمَيرٍ        

      وَلا سُقِيَت قُبورُهُمُ السَحابا

ونقرأ التفاخر بأعلى صوره هي هذا البيت:

إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً

             دعائــــــــمهُ أعزُ وأطولُ

الالتفات الى الوجوه البلاغية الساحرة في هذا البيت من الايماء الى وجه بناء الخبر، والتعريض لتعظيم الشأن، وما الى ذلك من الوجوه، تعني الكثير لرواد الأدب والبلاغة، وهذا هو مبتغاهم من دون النظر الى سوءات هذا النمط من الشعر من النواحي الأخرى غير البلاغية .

الوجوه البلاغية في هذا البيت تحاكي في بيانها وفصاحتها الآية القرآنية: "ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين" كما أشار اليه السعد التفتازاني، بل أسهب في توضيحه في شرح المطول .

وأريد هنا ان اكمل ماتوصل اليه الوردي في بيان شعر المديح لكن بنسخته الفارسية، وهي لا تقل خطورة عن اختها العربية ...

وبالالتفات الى الشعر الفارسي وهم ابطال الميدان في التفاخر بعرقهم وبطوالاتهم مثلهم مثل الاخوة الأعداء من الأدباء العرب... يظهر في المقدمة الفردوسي والشاهنامة التي كتبها او في الأصح أكملها نزولاً عند رغبة الشاه الساماني، وهي ملحمة تفاخر بالعرق الفارسي وأفضليته على بقية الاجناس والأعراق حيث أرخ فيها الفردوسي الرموز الفارسية وأشاد ببطولاتهم بطريقة أسطورية في الفترة الساسانية الى فترة السقوط المدوّي لإمبراطوريتم العتيدة على يد العرب المسلمين

 نظم الفردوسي الشاهنامة بما يقرب الستين الف بيت من الشعر تفوح من بين جنبي بعض تلك الابيات رائحة نتنه تزكم النفوس

اسمع لهذه الابيات:

عرب ﺭﺍ ﺑﻪ ﺟﺎﯾﯽ ﺭﺳﯿﺪﻩ ﺍﺳﺖ ﮐﺎر

ﮐﻪ ﺗﺎﺝ ﮐﯿﺎﻧﯽ ﮐﻨﺪ ﺁﺭﺯﻭ

ﺗﻔﻮ ﺑﺮﺗﻮ ﺍﯼ ﭼﺮﺥ ﮔﺮﺩﻭﻥ ﺗﻔﻮ

ﺩﺭﯾﻎ ﺍﺳﺖ ﺍﯾﺮﺍﻥ ﮐﻪ ﻭﯾﺮﺍﻥ ﺷﻮﺩ

ﮐﻨﺎﻡ ﭘﻠﻨﮕﺎﻥ ﻭ ﺷﯿﺮﺍﻥ ﺷﻮﺩ

فهو يبصق على الزمن الذي ساد فيه العرب على الفرس " تفو برتو چرخ گردون تفو "

تلك القصيدة تبتدء بسموم عنصرية عرقية مقيته من شاعر يتوسط تمثاله طهران، ويعتبر محلاً للفخر والاعتزار من قبل دعاة القومية الفارسية وغيرهم ممن يتستر وراء قوميته بلباس ديني مذهبي:

ﻋﺮﺏ ﻫﺮ ﭼﻪ ﺑﺎﺷﺪ ﻣﺮﺍ ﺩﺷﻤﻦ ﺍﺳﺖ

ﮐﺞ ﺍﻧﺪﯾﺶ ﻭ ﺑﺪ ﺧﻮﯼ ﻭ ﺍﻫﺮﯾﻤﻦ ﺍﺳﺖ

ﭼﻮ ﺑﺨﺖ ﻋﺮﺏ ﺑﺮ ﻋﺠﻢ ﭼﯿﺮﻩ ﮔﺸﺖ

هو يعتبر العرب أعداء أينما حلّوا واينما ذهبوا، أعداء في كل الأحوال " عرب دشمن است "

في الضفة الآخرى نجد ذوي الهمم العالية من الشعراء تختلف نظرتهم الى شعر المديح والتفاخر

جلال الدين الرومي يفرق بين مديح السلاطين الجبابره الاشقياء والعدول المتقين منهم:

مي بلرزد عرش أز مدح شقي

بدگمان گردد ز مدحت متقي

اذن عرش الرحمان يهتز اذا مدحت شقيأ

وعكسه مدح المتقي

ناصر خسرو له رأي آخر في المديح هو الأشد وطأة وأعظم قيلا:

من آنم که در پای خوکان نریزم

مر این گوهری دُرّ لفظ دری را

هو يصور شعر المديح بنثر الجواهر تحت اقدام الخنازير فيترفّع عن ممارسة هذا اللون من الشعر، فيقول:

أنا لا انثر الجواهر و الدرر تحت ارجل الخنازير

وبالفعل لم يعرف عن هذا الشاعر الكبير قولا مادحا لمن يعتبرهم خنازير بعيدين عن الطهر والفضيلة وهو وجه الشبه بينهم وبينه.

 

احمد الكناني

 

احمد ختاويرغيف الله ومسغبة الحرف والايمان

لعل هذه الصورة التي جمعتنا بفندق الحراكته المتواضع بعين البيضاء، ولاية أم البواقي /، ذات ملتقى مغاربي للقصة القصيرة جدا رفقة الاديبين، الناقد محمد محق، والاديبة، الشاعرة والقاصة مليكة الماوردي من المغرب الشقيق، رفقة المرحوم، الورع طبعا، الاديب ميلس بوحفض، حول عشاء بسيط بساطة هذا المجمع، أقتسمنا خلاله رغيف البساطة والمحبة والإخاء وناقدنا الكبير محمد محقق يقضم بهذا التواضع " كسرة الله " كانت هذه الكسرة، وهذا الرغيف عنوان ومركزية التواصل في تلك الاثناء، وصديقنا المرحوم، الاديب ميلس بوحفض، يمطرنا " رغيفا من المحبة و التواضع، يقضم معنا ما كتب الله من " قوت " في أجواء أخوية .

لم يقضم المرحوم رحمة الله خزائن الناس، ولا صناديق " النيمية ولا الغيبة، كان يقضم معنا " رغيف الله " وها هو اليوم يرحل عنا، مشفوعا يهذا " الرغيف الرباني " وقد اصطفاه الله أن يكون بجواره في ليلة يوم أغر، ومن أعز أيام الله " الوقوف بعرفات " .

بجاه " هذا " الرغيف الرباني " نرفع أكف الضراعة الى الذي اصطفاه إلى جواره، الرؤوف، الرحيم، أن يعوضه هذا " العشاء المتواضع بما تشتهيه نفسه والأنفس بجنة الخلد، يا أكرم الاكرمين .

أكرمنا الله نحن الثلاثة وغيرنا بهذا الشهم الذي كان " صاحبنا " على منوال الاخيار، والصحبة مع الاخيار، هذه إلا جزء من " صحبة " إن شاء الله في جنة الخلد، أجمين لنا ولكم،

فلندعو له بواسع الرحمة والغفران، و اللهم " ارزقنا من بساطة " الرغيف والصحبة في الدنيا والاخرة، وأحسن وفادته ووفادتنا، لنتقاسم هذه " الصحبة الميمونة " المتواضعة مع أعز أنسان رحل عنا ومآقينا لم تجف من دمعها بعد، وإن كان قضاء الله وقدره، لكن للمشاعر دمع وتأثر آخر .

رحمة الله عليه، ولي أوبة إلى خصال وفضائل هذا الشهم الابي : الاديب المرحوم ميسلس بوحفص في ورقة لاحقة بإذن الله.

 

كتب : أحمد ختاوي

 

 

بكر السباتينما يميز نجيب محفوظ أنه ابن البيئة المصرية التي عبر عنها من خلال مشروعه الروائي الضخم متنقلاً في تعاطيه للمجتمع المصري ما بين الرواية الرمزية والواقعية والاجتماعية والتاريخية، ساعده في ذلك قدرة مجسّاته الفنية على سبر أغوار المجتمع وتشريحه ومن ثم إعادة تجميعه وفق رؤية فلسفية محفوظية يمكن إسقاطها على المشهد المصري في كل زمان ومكان فتتبدى لنا الحارة بكل عناصرها كأنها لا تتجدد إلا في حاضنتها التاريخية المتراكمة زمانياً بينما تحافظ البيئة على شكلها ونبضها وظروفها المتردية حيث السلطة التي تحاصر الروح المصرية وتمنعها من التحليق، فينشغل الناس ببعضهم، وتجأر أصواتهم عالياً بملء ما في أعماقهم من أسقام، وهم يكابدون مشقة الحياة في الدكاكين والمقاهي والجمعيات التموينية والمقاهي والخمارات والمواخير والدوائر الحكومية ومحطات الباصات ومراكز الشرطة.. ينفسون عن الكبت الرابض في أعماقهم من خلال الضجيج الذي عبر عنه محفوظ بواقعية صادمة حتى لا يجني القهر رؤوسهم المسلوبة الحجا، التي تونع كلما يغشاها الوعي فيحين قطافها وتنهزم أمام الأضاليل.. فضلاً عن تكرار المشهد السياسي المصري ومخرجاته من فقر وتشرذم وقهر وثورات تقمع وحكم عسكري يستحوذ على الإنسان المصري وإعلام هجين.. وتعتبر رواية "بداية ونهاية " لنجيب محفوظ من أهم أعماله الواقعية.

لقد تجلت واقعية أدب نجيب محفوظ بأدق سماتها في رواية" بداية ونهاية".. فالراوي العالم كان يتمتع بأسلوبه السردي الذي تعامل مع الجملة الخبرية متضمنة في سياقها تيار الشعور المتدفق، في رصد التوترات النفسية، والحوارات الجوّانية، مع تقديم الوصف الوافي للأمكنة، في إطار زمن تراكمي حُجِّمَتْ في سياقه الذاكرة البعيدة المتشرذمة.

أما الوصف فقد كان سمة بارزة في أسلوب كتابة هذه الرواية، سواء كان وصفاً بيئياً للشخوص والأمكنة، أو تحليلياً للأعماق البشرية في سياق مواجهة الشخوص للأزمات الداخلية والخارجية.

والبوح الذاتي مفتوحاً على المتلقي ضمن الجمل الخبرية في السرد، بينما كان منغلقاً في كثير من الأحيان بداخل الشخوص؛ ما جعل الأزمات أثناء حل العقدة التي جاءت في ذروة الحدث، تعتمل داخل الشخوص، فتتحول إلى دوافع باتجاه الموت انتحاراً. وكأن الكاتب يتنبأ للمجتمع بذات النهاية؛ إزاء الظروف التي كانت تعانيها الطبقة المتوسطة في مصر آنذاك، والتي هبطت بها الظروف إلى الطبقة الفقيرة الكادحة. وكأنه إعلان يحرض على رفض هذه النهاية بالمواجهة الفاعلة والتغيير.

لقد عالجت الرواية الفترة الزمنية ما بين عام 1935 م حتى 1939 م من تاريخ مصر. وحاول نجيب محفوظ أن يصور حياة الطبقات الثلاث في القاهرة وصراعاتها عن طريق رسم حياة أسرة فقيرة في هذه الرواية. فالكاتب يصور تطلعات کلٍّ من الطبقة الشعبية والمتوسطة والأرستقراطية من خلال صراع ملحمي في مجتمع تشاركي يقوم على البقاء للأقوى وقد تفشت في الطبقة التي تنتمي إليها هذه الأسرة عدة ظواهر موضوعية مثل: الفقر، الظلم، الدعارة، الأمية، العمل الشاق، ورفض الواقع المتأزم أو قبوله كأمر محتوم. وهذا التصوير في الواقع يعبر عن نقد الكاتب للمجتمع المصري آنذاك.

* ملخص رواية “نهاية وبداية”

الخط الدرامي في الرواية يقوم على صراع أسرة "کامل علي" مع الفقر بعد موت عائلها مخلفاً وراءه زوجته وابنته الشابة(نفيسة) وولدين في سن الدراسة (حسين وحسنين) وولد ثالث (حسن)عاطل عن العمل بعد فشله في التعليم. وترك للأسرة معاشاً محدوداً لا يتجاوز خمسة جنيهات مصرية في الشهر.

وتدور أحداث الرواية حول کفاح الأم وأبنائها في سبيل الحياة في وقت لا تتعدى فيه ميزانية الأسرة کلها شهرياً مبلغ الجنيهات الخمسة هذه. وفي غيبة التأمينات الاجتماعية وبسبب انتشار الفساد والاستغلال تتعقد الأمور أمام هذه الأسرة ويعاني أفرادها الکثير تحت وطأة الحرمان وأوضاع المجتمع القاسية.

وينتهي حسن الابن الأكبر إلى الحياة في حي الرذيلة تاجر للمخدرات والنساء، أما حسين الأوسط فيقبل العمل بشهادته المتوسطة، حتى يتيح الفرصة لأخيه حسنين ليكمل دراسته ويلتحق بالكلية الحربية. أما الابنة نفيسة فاقدة الجمال فيطردها سليمان البقال من حياته بعد أن زلت معه ثم تستمرئ السير في طريق الرذيلة دون أن يعرف أحد، وتساعد أخاها حسنين وأمها بالمبالغ القليلة التي تحصل عليها.

يتخرج حسنين ضابطا. فيتنكر لأسرته وخطيبته ووسطه الاجتماعي ويتطلع إلى الارتباط بالطبقة الثرية، عن طريق الزواج منها.

يعود حسن جريحا مطاردا من البوليس إلى أسرته، ويستدعى حسنين في نفس الوقت إلى قسم البوليس ليجد أخته متهمة بالدعارة. يدفع حسنين أخته للانتحار غرقا تخلصا من الفضيحة، ويتذكر حياته ويجد عالمه ينهار فيلقى بنفسه في النيل وراءها.

لقد حلل نجيب محفوظ المجتمع المصري بموضوعية تلقائية غير زائفة أو متكلفة.. من خلال صراع الطبقة المتوسطة مع الطبقات الأخرى.. راصداً بمجساته الفنية الصراع من خلال مقاومة أسرة (كامل علي) السقوط في طبقة الفقراء.. والتطلع نحو الطبقة الغنية.. موضحاً تداعيات الأزمة المتفاقمة التي تعتمل في كل شخصية حسب طبيعتها لرصد ردود الأفعال المتشابكة في سياق الحدث الرئيس، خلال زمن تراكمي؛ كي تصل التوترات التي ألمت بالشخصيات إلى ذروة الحدث بما فيه من تشنجات رافقت بعض الشخصيات المتقاطعة والمتنافرة، وصولاً إلى فاجعة النهاية وطرح الأسئلة الكبرى عن مصير الطبقة المعنية برمتها.

وكدأبه فقد حقق أدب نجيب محفوظ اندماجاً غير مسبوق في نسيج وطنه الاجتماعي والثقافي، وأصبح الإنسان المصري يدرك تاريخه في القرن العشرين من خلال عدسة نجيب محفوظ الثاقبة المنقبة، الجريئة المحايدة، بعيداً عن مدوني التاريخ الرسمي ومؤرخي الملوك، وباتت شخصياته الخالدة نماذج يحتذى بها أو يتعين تجنب سلوكها، ورصدت أعماله التي غطت مساحة عريضة من الوجدان العام محنة الإنسان وعظمته في كل مكان ما استحق جائزة نوبل عن مجمل أعماله الروائية.

وختاماً فإن رواية "بداية ونهاية" تعد تحفة فنية من روائع الأدب العالمي و هى تنذر العقلاء بأن الثورة الجامحة آتيه لا ريب لو لم تتحسن أوضاع المجتمع، وربما كانت نبوءة محفوظية بانهيار النظام الملكي بمصر وقيام ثورة 23 يوليو لأنه كان من المستحيل أن يستمر مجتمعا بهذه الآفات الاجتماعية الخطيرة و السوس ينخر في عظامه بكل هذه الشراسة

وهي أيضاً واقعية صادمة وأسئلة متشائمة تنبأ من خلالها نجيب محفوظ بالربيع العربي حينما خرجت الإجابات من معاقلها لتنفجر في وجه الطغيان.. فنجيب محفوظ روائي لكل الأجيال ورواياته لا تشيخ في وجه الزمن الذي مهما ابتعد بالحياة المصرية فلن يخرج من إطار التوقعات المحفوظية لكاتب يُعد ابن بيئته المصرية بكل أبعادها.

10 أغسطس 2019

***

بقلم بكر السباتين..

 

 

مادونا عسكرعقد الخلائقُ في الإله عقائدا *** وأنا اعتقدتُ جميع ما اعتقدوه

(محيي الدّين ابن عربي)

في هذا القول لابن عربي يتجلّى جوهر العلاقة مع الله وترتسم ملامح الإنسانيّة الرّفيعة الّتي بلغت رتبة الإيمان الكامل. فالإيمان تدرّج اختباريّ وانتقال من الفكر الدّينيّ إلى الفكر الإيمانيّ. أي من الفكر المنغلق في دين محدّد إلى الفكر الّذي يحاكي العلاقة مع الله أو بمعنى أصح لا يعد الإنسان يرى إلّا الله، الله فقط. وتتّسع هذه الرّؤية كلّما ضاق الفكر التديّنيّ، لأنّ هذه الحالة هي حالة ارتقاء فوق الحرف، والنّصّ، والتّصوّر. إنّها المرحلة الّتي يكتمل فيها الوعي الإيمانيّ فيعي جوهر الدّين وقوّة الإيمان. فيرى الجمال الإلهيّ في كلّ ذرّة من هذا الكون ويراه فيه بالدّرجة الأولى. والانتقال من الفكر التّديّنيّ إلى الفكر الإيمانيّ لا يعني بالضّرورة التّخلّي عن الدّين أو الخروج عنه، وإنّما هو تخطٍّ للنّمط الدّينيّ وميكانيسم التّفكير الدّينيّ الّذي يرى الإنسان في إطار ضيّق ومحدود ولا يتطلّع إلى البعد الإلهيّ في الإنسان. إنّها الحالة المتجرّدة المتماهية مع النّفخة الإلهيّة في الإنسان، وارتقاء فوق مادّيّة الدّين وعنصريّة الفكر الدّينيّ وتشدّده في ادّعاء امتلاك الحقيقة.

كما أنّ هذه المرحلة الإيمانيّة الّتي بلغت ما بلغته من الوعيّ والإدراك وانفتاح على النّور الإلهيّ والمحبّة الإلهيّة تتخطّى مفهوم التّسامح أو ادّعائه بين المتديّنين. فالقول بالتّسامح بين الأديان فيه شيء من التّعالي، وربّما التّكبر وكأنّي بالمتديّن يحسن إلى المختلف معه عقائديّاً أو يمنّ عليه بالتّسامح. الوعي الإيمانيّ والوعي والإحساس اليقين بالحضور الإلهيّ وغمر الحبّ المتدفّق في الأعماق الإنسانيّة وفي الكون وفي الوجود يحيي في الإنسان إنسانيّته المتفاعلة مع الخليقة كلّها.

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي

                     إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

لقد صارَ قلبي قابلاً كلَ صُورةٍ

                       فمرعىً لغزلانٍ ودَيرٌ لرُهبانِ

وبيتٌ لأوثانٍ وكعبةُ طائفٍ

                    وألواحُ توراةٍ ومصحفُ قرآن

أدينُ بدينِ الحبِّ أنّى توههتْ

                    ركائبهُ، فالحبُّ ديني وإيمَاني

(محيي الدين بن عربي، ترجمان الأشواق)

تتّضح لقارئ هذه الأبيات عمق الفكر الإيمانيّ، كما يتبيّن الانتقال من الفكر المنغمس بقشور الدّين إلى الفكر الإيمانيّ المنغمس بالعشق. ولئن انغمس بالعشق اتّسعت دائرة الإيمان وتفتّح العمق الإنسانيّ المشار إليه بالقلب (لقد صارَ قلـبي قابلاً كلَ صُـورةٍ). فالقبول القلبيّ دلالة على انصهار القلب الإنسانيّ بالقلب الإلهيّ ودلالة على عقل تمنطق بالفكر الإلهيّ. ويمسي الحبّ هو الدّين والإيمان، ما يعني التئام الدّين بالإيمان. وذاك هو الجوهر الحقيقيّ للدّين. هذه الحالة الإيمانيّة السّامية تجرّد الإنسان من الشّعور بالحبّ أو الكره، من قرار القبول أو الرّفض للآخر. إنّها حالة الحبّ وحسب؛ وكأنّي بالعمق الإنسانيّ يصبح شبيهاً بمياه البحار، لا ثغرات فيها بل نسيج واحد. ولا تناقضات عاطفيّة بل إرادة عشقيّة، ولا صراعات داخليّة باحثة عن الحقيقة بل تجلّ إلهيّ يتوهّج في الفكر الإنسانيّ، ولا صلوات لله الفكرة، بل مناجاة لله الشّخص. ولا حاجة بعد للبحث عن حقيقة وهي النّور المتدفّق بتجدّد لا نهائيّ والفيض الّذي لا ينقطع واليقين الّذي ينمّي الإحساس بالله. الإيمان الكامل هو لحظة الإحساس بالحضور الإلهيّ، ويقول فيه القدّيس يوحنّا في رسالته الأولى: "ونحن قد عرفنا وصدّقنا المحبّة الّتي لله فينا. الله محبّة، ومن يثبت في المحبّة، يثبت في الله والله فيه." الإيمان الكامل هو الثّبات في الحبّ الإلهيّ، حيث تجتمع المعرفة باليقين (عرفنا وصدّقنا) فيتجاوز الإنسان التّسميات والدّلالات اللّفظيّة والمعاني الظّاهريّة واللّغة الجامدة. فالمحبوب هو في الحقيقة الحبّ عينه بغضّ النّظر عن كلّ التّسميات لهذا الكائن الأعلى المتسامي الّذي ستهيم به الأنظار يوماً عندما تسقط جميع الأديان، فينجذب النّظر إليه وحده، الـ "هو الّذي هو".

"ألا فتّشوا مذاهبكم بإخلاص، فتِّشوها بلهفة العاشق، فتّشوها بطهارة الطّفل، وحرقة التّائه، وإيمان المحتضر، تجدوا فيها السّلامَ الّذي إليه تطمحون، والطّمأنينةَ الّتي بها تحلمون، والحريةَ الّتي باسمها تترنَّمون. (ميخائيل نعيمة)

مادونا عسكر

 

ضياء نافعتورغينيف كان المسؤول الاول لتدشين تمثال بوشكين في موسكو العام 1880، التمثال الذي لازال يعدّ النصب الاول لبوشكين في روسيا لحد الان، ولازال يقف شامخا في ساحة بوشكين في مركز موسكو (انظر مقالتنا بعنوان – تماثيل بوشكين في موسكو) . لقد ألقى تورغينيف خطابا حول بوشكين اثناء الاحتفال بتدشين ذلك التمثال لا يقل اهمية في تاريخ الادب الروسي عن خطاب دستويفسكي في تلك المناسبة (انظر مقالتنا بعنوان – خطاب دستويفسكي عن بوشكين)، ولازالت المصادر الروسية عن بوشكين تستشهد ببعض المقاطع من هذا الخطاب التاريخي لتورغينيف .

 يرى بعض الباحثين، ان عمل تورغينيف ونشاطه الكبير في تنظيم تمثال بوشكين يعدّ رمزا فريدا في تاريخ الادب الروسي، اذ ان تورغينيف توفي عام 1883، اي ان تمثال بوشكين هو آخر عمل كبير قام به، والرمزية في ذلك تكمن، في انه اختتم حياته بعمل يرتبط باسم بوشكين وتخليده بهذه الصورة. والحديث عن رمزية تخليد بوشكين من قبل تورغينيف يرتبط بقصة طريفة جدا (لا يعرفها القارئ العربي على ما نظن ولم يسمع بها بتاتا)، وتدور حول خاتم كان بيد بوشكين عندما توفى، وقد نزعه من يده في تلك اللحظة الشاعر الروسي جوكوفسكي (الذي كان يقف مع مجموعة من أقرب اصدقاء بوشكين حوله وهو يموت) ووضعه في اصبعه، وبقي هذا الخاتم في اصبع جوكوفسكي الى لحظة وفاته، وبعد وفاة جوكوفسكي قرر ابنه ان يهديه الى تورغينيف (لا نعرف لماذا، ولكن على الاغلب ان ذلك كان بتوصية من أبيه، وذلك لان تورغينيف كان آنذاك واحدا من الادباء الروس الكبار)، وقد وضع تورغينيف خاتم بوشكين في اصبعه عندما استلمه من ابن جوكوفسكي، وبعدئذ، اوصى تورغينيف ان يمنحوه بعد وفاته الى تولستوي (.. باعتباره أعلى من يمثّل الادب الروسي .. وليقرر تولستوي نفسه لمن يمنحه عندما تحلّ نهايته ...) . عندما توفي تورغينيف في فرنسا، قدّمت بولينا فياردو (حبيبته الفرنسية، والمشهورة قصة حبهما الغريبة!) الخاتم المذكور الى المتحف التابع لمدرسة (الليتسيه)، التي درس فيها بوشكين، وقد تم – مع الاسف الشديد - سرقة الخاتم المذكور عام 1917، عندما حدثت ثورة اكتوبر. وهكذا ضاع خاتم بوشكين، ولم تتحقق وصية تورغينف بشأن ذلك الخاتم . لهذا نعود ونقول، ان تمثال بوشكين (الذي كان تورغينيف على رأس لجنة تنظيمه) هو الشاهد الوحيد الآن، الذي لازال قائما على الارض الروسيّة ويؤكد على حب تورغينيف لبوشكين وارتباطه الروحي والفكري به .

قصة الدور الكبير الذي لعبه تورغينيف باقامة تمثال بوشكين في موسكو، وقصة الخاتم الذي كان في يد بوشكين ثم انتقل الى يد تورغينيف، هي في الواقع احداث (خارجية) ان صح التعبير، وبالتالي، فانها لا تمتلك ارتباطا بصلب الموضوع الاساسي حول تورغينيف وبوشكين، اذ ان جوهر الموضوع يكمن بالطبع في الحديث عن جوانب انعكاس ابداع بوشكين في مسيرة ابداع تورغينيف، والجواب عن سؤال كبير وهو - هل توجد ملامح بوشكينية او (أنفاس بوشكين!) في نتاجات تورغينيف، وهل يمكن القول ان تورغينيف هو استمرار لخط بوشكين الابداعي في مسيرة الادب الروسي؟ وكيف يمكن اثبات ذلك ؟ وتلك هي القضية كما يقولون . يتذكر الباحثون الروس قول غانجيروف عن بوشكين عندما يتناولون موضوع تورغينيف وبوشكين، اذ قال غانجيروف – (.. ان بوشكين هو الأب بالنسبة للفن الروسي، مثل لامانوسوف، الذي هو الأب بالنسبة للعلم في روسيا ...)، ويتذكرون ما كتبه تورغينيف الى ابنة بوشكين،عندما اختارته لاعداد رسائل والدها الى والدتها، اذ وافق تورغينيف على تنفيذ تلك المهمة بكل سرور وفخر، وكتب اليها يقول، انه يعتبر نفسه (...منذ نعومة أظفاره تلميذا عند والدها.. وانه لازال يعتبر نفسه هكذا لحد الان ...) .

تناول النقد الادبي الروسي منذ القرن التاسع عشر موضوعة تورغينيف وبوشكين، وكتب حتى بيلينسكي (الذي توفي العام 1848) حول نتاجات تورغينيف المبكرة جدا قائلا - (... يجد الكثيرون فيها.. محاكاة بوشكين ...)، ومن الطريف ان نذكر هنا، ان الباحثة الروسية المعاصرة دوبينينا قد ناقشت اطروحة دكتوراه فلسفة العام 2011 في جامعة موسكو التربوية بعنوان – (التقاليد البوشكينية في ابداع تورغينيف 1840 – بداية 1850)، وما بين بيلينسكي في النصف الاول من القرن التاسع عشر الى دوبينينا في العقد الاول من القرن الحادي والعشرين توجد عشرات من الكتب والدراسات والبحوث والمقالات والملاحظات، التي تتناول موضوعة تورغينيف وبوشكين، ونختتم مقالتنا بجملة (كنموذج لذلك) وردت في خطاب دستويفسكي التاريخي عن بوشكين، عندما قال عن تتيانا لارينا (بطلة رواية بوشكين الشعرية يفغيني اونيغين)، انها رمز لشخصية المرأة الروسية لم يتكرر بعد بوشكين في مسيرة الادب الروسي عدا ليزا في رواية عش النبلاء لتورغينيف ... 

 

أ.د. ضياء نافع

 

إنَّ الزمنَ لَيْخطُو، وبخطوِه يُعْدي على الأشياء عَدْواً قاسياً يُطْمِسُها خَلا تِلْكَ الأفَكار الأصيلة والمآثِر الرفيعة الرابية على تاريخِ الأُمم وأمجادِ الأقوامِ، تُقاوِمُ الأممُ ذات الصدى الحضاري عُتُوَ النسيان، وتدرأ عن مفاخِرها صليلَ الذوبان. وزعمُنا أيَّها القارئ الكريم أنَّ أسطورةَ المستقبل المُشْرقِ قد استطابت نَفحَ الماضي السحيق، ووَصلَتْهُ بالحاضِرِ كَيْما تَتَقهقر الحضارة أمام سيلانِ الزَّمن. وليس مِن ضَعفٍ بِنا إذا اعترفنا نحن أهل الرافدينِ بمعاونةِ سلطةِ الزمن على إمِّحاء شريعةِ الطِّين والحَجَر حيث بابِل، وعلى عَرْشِها تربّع المَلِكُ حَمُورَابِي سنة 1794 ق. م _ ويعني اسمُه: إله الشَّمسِ العظيم _ حاكِماً قوياً ضمَّ الدويلات المجاورةَ التي تنازِعُه على مملكتِهِ، وذا عَزْمٍ على توحيدِ أَشْتات الناسِ وقُوّادِها حتى جعلَ الآموريين _ بلاد الشام _ وسُومَر وأَكَد، بَل جهات العالم الأربع متحدة تحت رايتِهِ ؛ وَحَكَيماً ساسَ مملكتَهُ بِوَضْعِ تشريعات إدارية واقتصادية واجتماعية وأخلاقية تهذيبية، وعَسكرية تنظيمية بَلَغَت مئتين واثنتين وثمانين شَريعةً ، وَنُقِشَتْ على حجِرِ ذي تَشَكُّلٍ مستطيلٍ، فَسُمِيّت مِسَلَّة حَمورابي. كانت قَد دُوِّنت باللغةِ البابليةِ القديمةِ، وبأسلوبٍ شعري معهودٍ يومئذٍ لدى الناسِ. ابتغى بها واضِعُها توثيقَ تجربته الفريدة في حُكمِهِ، وتحرّي المَنْطِق في عَمَلِهِ، فألَّفَها من مُقَدِّمَةٍ شارحةٍ أسباب تشريعه هذه الأحكامِ، ومن مُتونٍ تحوي المواد التشريعية الشاملة لكلِّ ما يلزمُ الفرد ومجتمعه في حياتِهِ، ومِن خُلاصَةٍ رَجا بها حمورابي أن تعاقِبَ الآلهةُ كلَّ ذي نفسٍ تأبى الامتثال لأحكامِهِ. وكأنِّي بذلكَ العاهلِ العظيم يرجو أحفادَهَ الذينَ يتنشَّقونَ نسيمَ آفاقِهِ، ويفترشونَ أديمَ مَهدِهِ؛ أَن يَقْسِطوا عدلاً في رَعِيتِهِ بدلاً من التغنّي بمجدِ شريعتِهِ، ويخشوا عاراً بين التواريخ على سُلالتِهِ إذا كانَوا خُلَفَاء سُرّاقاً على دولتِهِ، ويوتروا الساعدَ الدَّنِفِ بمُدُاهِمُ نَفْسِها، حتَّى يَحقَّ لهم القولُ: إنَّنا أبناءُ أولِّ وُضّاعِ القوانين في العالم، إنَّنا أبناءُ حَمُورابي. وهل تُنْكِرُ _ أيها القارئ الآخر الكريم _ قِصةَ بنائنا الحضارة الزاخِرة بالآداب والعلومِ في غابِرٍ مؤتلقٍ وَلَّى، وَقِصةَ هدمِنا إياها في حاضِرٍ مُظلمٍ متصلٍ بِعقمِ الإشراقِ في مستقبلِنا؟!

 

سَحَر شُبّر

 

ضياء نافعتشيخوف في النقد الادبي الروسي قبل ثورة اكتوبر 1917 -  مصطلح سوفيتي بحت كان سائدا في ستينيات القرن العشرين، عندما كنت طالبا آنذاك في القسم الروسي لكلية الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) بجامعة موسكو . وكانت هناك خلاصة عامة مستقرّة حول هذا المصطلح تقول، ان كل هؤلاء النقاد قبل الثورة لم يفهموا بشكل صحيح ومتكامل خصائص الاديب الكبير تشيخوف وابداعه، وان هذا الفهم العلمي والحقيقي لنتاجاته على اسس فكرية ماركسية حدث فقط بعد ثورة اكتوبر1917. لم نسمع باسماء النقاد والباحثين هؤلاء، و لم نطلع على كتاباتهم حول تشيخوف، وانما كنّا، نحن الطلبة، نكرر ما يقول الاساتذة لنا حول ذلك ليس الا .

اثناء الدراسات العليا في جامعة باريس شعرت بضرورة الاطلاع على هذا النقد الادبي بشكل موضوعي معمق، اذ ان التحدث عن  ذلك الرأي السوفيتي حول النقد الادبي عن تشيخوف في مرحلة باكملها دون الاطلاع المتكامل عليه هو موقف غير علمي بتاتا، ولكني اصطدمت بعدم وجود المصادر الاساسية له في المكتبات الفرنسية، اذ ان معظم هؤلاء النقاد كانوا ينشرون كتاباتهم في مجلات روسية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وهي محفوظة في المكتبات الروسية فقط بالاساس . وهكذا كنت انتظر العطلة الصيفية، واسافر الى موسكو (من اواسط حزيران الى اواسط ايلول) للاطلاع على تلك المصادر في مكتبة لينين بالاساس، وبعد الاطلاع على تلك المصادر اصبح لديّ – بشكل عام ليس الا - تصوّر متكامل على معالم ذلك النقد  الغني فعلا بافكار متنوعة عن تشيخوف، وأذكر من بينها دراسة ليف شيستوف المشهورة بعنوان – (ابداع من لاشئ) (انظر مقالتنا بعنوان – تشيخوف والفيلسوف شيستوف) .

 اصطدمت خططي العلمية هذه بصعوبة الحصول على سمة الدخول (الفيزا) الى الاتحاد السوفيتي وانا طالب الدراسات العليا في باريس، وكذلك السكن في موسكو نفسها، اذ كان كل ذلك يخضع لروتين سوفيتي محدد حسب قوانين صارمة جدا، وقد قررت (حلّا لكل هذه الصعوبات) ان احاول الالتحاق بقسم الدراسات العليا بجامعة موسكو (عن بعد)، او ما يسمى في العراق (الدراسة بالمراسلة) . وهكذا ارسلت وثائقي من باريس بالبريد المسجّل الى جامعة موسكو، ومضت فترة ليست بالقصيرة (كدت انسى الموضوع برمته)، وفجأة استلمت رسالة بالبريد المسجّل ايضا من جامعة موسكو يعلمونني فيها بالموافقة على قبولي بالدراسة العليا عن بعد، وكان هذا يعني بالنسبة لي الحصول على الفيزا السوفيتية والسكن الرسمي في القسم الداخلي بجامعة موسكو طوال أشهر الصيف، وهذا ما تمّ فعلا . طلبت مني الجامعة ان احدد موضوع الاطروحة وموافقة المشرف العلمي كخطوة اولى لهذه الدراسة، وحددت لي موعدا مع البروفيسور كوليشوف رئيس قسم (تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر) من اجل ذلك. قابلت البروفيسور كوليشوف طبعا، وقال لي انه يتذكرني بالشكل ولكن لا يعرف اسمي، وحدثني عن انطباعاته الجيدة حول جميل نصيف التكريتي وجليل كمال الدين، ثم سألني عن الكاتب الروسي الذي اود كتابة اطروحتي عنه، فقلت له – تشيخوف، فقال لي رأسا – (لا تقترح تشيخوف في العراق، فانا لا اوافق بتاتا على مثل هذه المواضيع، ليس لانها غير علمية، ولكن مكانها ليس هنا في قسمنا، اذ ان المشرف العلمي يجب ان يعرف اللغة العربية ايضا، وهذا اختصاص آخر لا يتوفر في قسمنا)، فقلت له، انني اقترح موضوعا آخر وهو – (تشيخوف في النقد الادبي الروسي ما قبل الثورة). اندهش البروفيسور كوليشوف بشكل واضح جدا وسألني اذا كنت اعرف ولو اوليات هذا الموضوع، فحكيت له قصتي، وانني اكتب اطروحة في جامعة باريس وكيف بدأت بالاطلاع على الموضوع، فطلب منّي ان احدثه بتفصيل اكثر عن ذلك، وبعد ان استمع بانتباه الى كلامي، قال لي رأسا، انه موافق على ذلك، ولكن هذا الموضوع (الحسّاس!) يتطلب موافقة مجلس القسم، ودعاني لحضور جلسة المجلس، وقد حضرت طبعا وشاهدت النقاش الحاد حول موضوع الاطروحة تلك، وكيف دافع كوليشوف بحرارة عن تلك الفكرة ضد هؤلاء الذين عارضوها وهو يقول – آن الاوان ان ندرس هذا النقد عن تشيخوف بتفصيل وموضوعية، وقد تمّت الموافقة على الموضوع بصعوبة وبعد التصويت .

رجعت في السنة التالية الى جامعة موسكو واضطررت ان اؤدي امتحانين، الاول في اللغة الروسية المعاصرة والثاني في تاريخ الادب الروسي في القرن التاسع عشر، والتقيت عدة مرات بالمشرف العلمي وهو البروفيسور ألباتوف، ولكني عدت الى العراق بعد انهاء دراستي في باريس، وكتبت لجامعة موسكو اعتذارا حول عدم امكانية اكمال الدراسة نتيجة لظروف عملي في العراق، وقد أخبرتني السيدة ناديجدا اوكتابرسكايا مسؤولة الاجانب في الكلية بعد عدة سنوات اثناء لقاء معها، انهم تأسفوا لعدم اكمالي تلك الدراسة، خصوصا وانني قطعت مرحلة مهمة في مسيرة متطلباتها (هكذا قالت لي)، فاعتذرت مرة اخرى .

تشيخوف في النقد الادبي قبل الثورة يعدّ الان موضوعا طبيعيا في روسيا الاتحادية، وغالبا ما يستشهدون بافكار وملاحظات وردت في تلك المصادر، اما بالنسبة لي فهو موضوع اطروحة لم تتحقق ..

 

أ. د. ضياء نافع

 

ضياء نافعنشرت صحيفة (ليتيراتورنايا غازيتا) الادبية الاسبوعية بتاريخ 17 – 23 تموز/ يوليو 2019 صورة كبيرة على صفحتها الاولى للكاتب الامريكي آرنست همنغواي تحت مانشيت بحروف كبيرة لمناسبة الذكرى 120 على ميلاده، وقد أطلقت عليه الصحيفة اسم – (القاهر)، وجاءت على الصفحات (1) و(8) و(9) من الصحيفة المذكورة آراء مجموعة كبيرة من الادباء الروس المعاصرين حول همنغواي في هذه الذكرى، وذلك جوابا على سؤال وجّهته هيئة تحرير الصحيفة لهم، وهو – (ماذا يعني آرنست همنغواي لك شخصيا، ولماذا ظهر هذا الاهتمام الكبير تجاهه في بلدنا؟). نقدم للقراء العرب ملخصا وجيزا جدا (رؤوس أقلام ليس الا) لبعض ما ورد في هذه الصفحات من آراء طريفة تعكس الدور الذي لعبه همنغواي في وعي الكاتب الروسي في النصف الثاني من القرن العشرين، وهو دور متميّز فعلا، ليس فقط للكاتب، وانما للقارئ الروسي عموما، ونظن، ان هذه الآراء ستكون طريفة ومفيدة للقارئ العربي ايضا، وذلك لان همنغواي قد دخل الى قلوب القراء العرب منذ اواسط ذلك القرن .

تبدأ الصحيفة بعرض رأي للكاتب يوري كازاكوف، جاء فيه – (..كنّا نفتخر به وكأنه كاتب روسيّ.. لقد كانت تسعدنا فكرة ان همنغواي يحيا ويمارس الصيد والسباحة، وانه يكتب عدة آلاف من الكلمات الرائعة في اليوم، كما وكأنه واحدا من أقاربنا الذين نحبهم.....). أما الكاتب يوري أليوشا فيقول – (...همنغواي فنان شريف جدا . هو لا يستطيع ان يكذب .) ويضيف لاحقا – (.. انه واقعي قبل كل شئ. واقعي بارع. لاشئ ضبابي، لاشئ غير مترابط في اسلوبه ..). الكاتب يوري دومبروفسكي يشير، الى ان همنغواي – (.. فتح لي فعلا الآفاق الجديدة ..) . ويوضح هذه الافاق ويقول، انه بعد تولستوي ودستويفسكي وتشيخوف كان يعتقد باكتمال الواقعية ذات التحليل النفسي، وانه لا يمكن الذهاب أبعد منهم، ولكن جاء همنغواي واثبت ان هناك جوانب اخرى في النص لا يكتبها الكاتب ولكن – مع ذلك - يجدها القارئ، جوانب مخفية ما بين سطور النص او حتى تحته، أي – المعنى الخفي او الكلام الذي يتضمن معاني غير مباشرة و يصل اليها القارئ نفسه في بحثه المعمق في ثنايا ذلك النص . الكاتب ميخائيل ميلر تحدّث عن عام 1959 في الاتحاد السوفيتي، عندما صدر لاول مرة كتاب همنغواي، الذي يعتبره ميلر (...مثل هزّة أرضية .. غيّرت الصورة الادبية السائدة آنذاك ..)، ويربط الكاتب بين تلك (.. اللحظة من ذوبان الجليد زمن خروشوف... وظهور همنغواي ..الذي لم يكن يجسّد فقط اسلوبا أدبيّا ... وانما تحوّل الى ايديولوجيّة متكاملة.... تكمن في الحقيقة، كل الحقيقة، ولاشئ آخر عدا الحقيقة.. وان الكاتب يكون مسؤولا عن كل كلمة يكتبها، كل كلمة ...) . يشارك رئيس تحرير مجلة (الادب الاجنبي) الروسية الكساندر ليفيرغانت في هذا الاستيبيان حول همنغواي، ويقول – (همنغواي بالنسبة لي ليس كاتبا بالغ الشأن جدا، رغم انه من غير الممكن عدم تقدير اهميته ومهارته ... وانا لا اعيد قراءة نتاجاته ولا اظن باني سأقوم بذلك مستقبلا، على الرغم من ان (لمن تقرع الاجراس) او (الشيخ والبحر) يستحقان ذلك..)، ويتوقف ليفيرغانت عند الاسباب التي جعلت القراء السوفيت يهتمون به، ويشير الى انه (.. كان غير اعتيادي بالنسبة لهم، ولا يشبه الادباء السوفيت الذين كانوا يحيطون بهم .... اذ انه يعطي للقراء الحرية الكاملة لتأويل ما يكتبه ...والقراء يحبون ذلك ...). الكاتب دينيس دراغونسكي أشار الى ثلاثة اسباب في الاتحاد السوفيتي لحب همنغواي والاهتمام به – (..قبل كل شئ لأن همنغواي كاتب رائع ...استمر بتقاليد تشيخوف ... وثانيا، لأنه كان في الاتحاد السوفيتي نوعا من الجيل الضائع بعد الحرب، والذي توقع حياة اخرى بعد الانتصار ولكنه لم يعثر عليها... واخيرا لأن همنغواي كان مرتبطا بكوبا وبالحرب الاهلية في اسبانيا، اي بكل هذه الرومانتيكا التي كانت عزيزة بشكل خاص على قلب الانسان السوفيتي آنذاك...) . الكاتب رومان سينجين لا يرى ان روسيا وحدها كانت مهتمة به (.. اذ ان همنغواي كان واحدا من أكثر الادباء انتشارا في العالم .. ربما لانه خلق ابطالا يتميزون بالرجولة....)، ويتوقف سينجين عند (الشيخ والبحر) ويقول عنها – (..انها عمل فني عظيم ...تفاصيل دقيقة وصغيرة ...تحليل نفسي عميق...والرجل العجوز لم ينقذ صيده، لكنه مع ذلك اصبح منتصرا ...ولو جاء بالسمكة كاملة ووضعها على الشاطئ لكان قد جسّد الحلم الامريكي، اما هو فقد جاء فقط بالعظام .... همنغواي فنان حقيقي..) .

 

 أ.د. ضياء نافع

 

محمد فتحي عبدالعالحينما تشاهد كتابا ثم يدفعك عنوانه أو محتواه أو الاعلان عنه الي اقتناءه فهذا أمر طبيعي .الا أن شريحة من الناس قد يتجاوز لديهم هذا الامر الي حد الهوس بالكتب فلديه شراهة اقتناء مجموعة ضخمة من الكتب بنية قراءتها عند توافر الوقت وهو ما لا يحدث في غالب الاحيان فالاستحواذ لديهم في حد ذاته يخلق حالة من النشوة كما تولد لديهم روح الاقتناء بلوغا للانهاية ...-وقد يصل جنون الكتب لديهم  حد التعرف علي الكتب عبر ملامسة ورقه وهناك من يسرق الكتب دون أدني شعور بالذنب وهناك من يصنع حساءا من الاوراق المغلية وهذا هو داء العباقرة ومرض المثقفين الذين يعتبرون رصيدهم في الحياة ليس مالا بل ما جمعوه من كتب وهو ما يعرف بالانجليزية بالبيبليومانيا (Bibliomania) وباليابانيه تسوندوكو(tsundoku) وتنقسم التسمية اليابانية الي (دوكو) وتعني القراءة و(تسن) وتعني مراكمة الاشياء -وقد ظهر لاول مرة في الكتابات اليابانية في القرن التاسع عشر بشكل ساخر لوصف مدرسا كان يقتني من الكتب الكثير لكنه لم يكن يقرأها ..وبحسب علماء الطب النفسي هو نوع من أنواع الوسواس القهري (OCD).

ومن أشهر من أصيب بهذا الداء من المثقفين: الشاعر اليوناني يوربيديس في القرن الخامس قبل الميلاد والمحدث الفقيه ابن الملقن والذي أصيب بالذهول ومات كمدا حينما احترقت مكتبته وفيها كتابه الاثير جمع الجوامع.. اما السير توماس فيليبس فقد وصل عدد الكتب والمخطوطات لديه علي ما يزيد عن المائة ألف...

وعلي غرار قول أبو نواس: (دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء ) فكما أن الكتب أحيانا تكون داءا ففي أحيان أخري تكون هي الدواء بما يعرف بالبيبلوثيرابي (bibliotherapy) أو التداوي بالكتب -وقد ظهر هذا المصطلح لاول مرة عام ١٩٢٠ في رواية  (المكتبة المسكونة ) لكريستوفر مورلي حيث كان بطلها (ميفلن) ممارسا للتداوي بالقراءة ..وعبر الحضارات المختلفة فاليونانيين القدماء وضعوا لافتات علي المكتبات لاخبار روادها أنهم علي موعد مع شفاء الروح  وكان العلاج بالقرآن الكريم خير مثال في الحضارة الاسلامية ومن التجارب في العصر الحديث كانت تجربة (بينجامين راش) في استخدام القراءة في علاج المرضي عام ١٨٠٢ وتلاها (كاتلين جونز) وهي أمينة مكتبة مستشفي ماكلين في ويفرلي ماساشوستس والتي قامت ببرامج ناجحة في علاج المرضي المصابين عقليا عبر القراءة عام ١٩٠٤..

وفي كتاب مثير للباحثتين (إلا برثود) و(سوزان الدركن) من جامعة كامبريدج استغرق ربع قرن من البحث والكتابة  حمل أسم (العلاج بالرواية من الهجر إلي فقدان الشهية ٧٥١ كتابا لعلاج كل ما تشكو منه) في طبعته الامريكية فيما كان اسمه في طبعته الانجليزية  (العلاج بالرواية :العلاج الأدبي من الألف إلي الياء)عام ٢٠١٣ -وقد تضمن الكتاب قائمة طويلة من الروايات وكل رواية بإمكانها علاج مرض من خلال قراءتها ومن

امثلة هذة الروايات والامراض التي تعالجها:

إن كنت مصابا بالسمنة ؛ فعليك بقراءة رواية «الصرخة الآتية من بعيد» لـ ريتشارد شريدان.

أما علاج الاشتياق واللهفة الشديدة ففي مطالعة «الحرير» لـ ليساندرو باريكو.

بينما يقبع العلاج من الغضب الشديد في رواية «اصرخ يا بلدي الحبيب» لستيورات باتون.

أما  آلام الأسنان؛ ففي رواية «آنا كارنينا» لتولستوي الشفاء منها .

أما مشاكل الأرق فينصح المصابين بقراءة «اللاطمأنينة» لـ فيرناندو بيسوا

ويمكن التغلب على مشكلة الفوبيا (الخوف)  برواية «مئة عام من العزلة» لـ ماركيز،

ولكبح جماح التكبر والخيلاء يمكن الاعتماد على رواية «ذهب مع الريح» لمارغريت ميتشل ..وفي رائعة (البؤساء) لفيكتور هوغو يوجد العلاج الفعال من الانفلونزا الحادة !!!!

لقد أصبح العلاج بالكتب العصا السحرية في السنوات الاخيرة فالكتب الجيدة ليس محلها ان تبقي مكتظة  علي أرفف متوازية بل أن نبحث في جنبات صفحاتها عن أنفسنا فالقراءة تنمي لدينا مهارات عدة  وتثقل خبراتنا بأرث القدماء وتجارب المعاصرين وخيال المفكرين مما يمكننا من قراءة حياتنا والتخطيط لمستقبلنا بشكل أفضل فضلا عن أنها تبعث في الانسان قدرة علي التحليل و الفهم لعواطف ومشاعر وسلوكيات الاخرين كما أن القراءة هي الوسيلة الفعالة للخروج من دائرة التوتر التي تقف كسبب خلف كل مرض فليس هناك ما يعدل تمضية الوقت مع خير جليس في الزمان .

 

د. محمد فتحي عبد العال

كاتب وباحث مصري