ضياء نافعكلاهما، غوركي وماياكوفسكي، يرتبطان في الوعي الاجتماعي العام لدى القراء والمتابعين للادب الروسي بتاريخ روسيا السوفيتية  وايديولوجية  ثورة اكتوبر 1917 بعد انتصارها  وبشكل واضح وساطع، وكلاهما سوفيتيان (حتى نخاع العظام) كما يقولون ويعدّان – بشكل او بآخر -  لسان حال تلك الثورة وافكارها في مسيرة الادب الروسي وتاريخه، رغم ان غوركي ولد عام 1868، وماياكوفسكي ولد عام 1893، ورغم ان غوركي توفي عام 1936، وانتحر ماياكوفسكي عام 1930 . ومع  كل هذه الوقائع  والحقائق الثابتة، فان علاقة غوركي وماياكوفسكي واقعيا كانت متوترة، لدرجة، ان هناك مصدر روسي يتناول هذه العلاقة بينهما جاء بعنوان مثير وغريب وطريف، وهو– (علاقة جيدة لماياكوفسكي بالخيول وسيئة بغوركي)، وهو عنوان ساخر طبعا، الا انه حقيقي فعلا، اذ انه يعبّر بشكل واضح عن واقع تلك العلاقة، وقد تم ايجاز هذه العلاقة المتوترة  ايضا  في عنوان بحث آخر حول ذلك الموضوع، وهو – (غوركي وماياكوفسكي – صداقة عاصفة وقصيرة)، ونود في هذه المقالة القاء الضوء على هذه العلاقة بين اديبين كبيرين في تاريخ الادب الروسي، خصوصا واننا لم نجد انعكاسا لهذا الموضوع في مصادرنا العربية بتاتا، رغم التعاطف الكبير للقراء العرب تجاه هذين الاسمين، ورغم المصادر العربية الكثيرة حولهما .

ابتدأ غوركي طريقه الابداعي في نهاية القرن التاسع عشر، واصبح اسما كبيرا ولامعا في مسيرة الادب الروسي آنذاك، وارتبط بصداقات مع الادباء الروس الكبار البارزين في ذلك الوقت مثل تولستوي وتشيخوف وغيرهم، وكان يراسلهم ويلتقي بهم ويكتب عنهم، وكانت له علاقات ونشاطات ومواقف سياسية مع الحركة الاشتراكية الروسية وقادتها، بما فيهم لينين نفسه، اما ماياكوفسكي، فقد ابتدأ نشاطه الابداعي بعد غوركي (بحكم سنين العمر طبعا، فالفرق بينهما ربع قرن)، وعندما بدأ نجم ماياكوفسكي بالسطوع في دنيا الادب الروسي في بدايات القرن العشرين، كان غوركي الاسم الاكبر والاكثر شهرة وسطوعا في ذلك الادب والفكر خصوصا بعد رحيل تشيخوف وتولستوي، وبالتالي، فقد اصبح غوركي  وكأنه الاب والراعي والوصي على الادباء الشباب . وبالفعل، بدأ غوركي يكتب عن هؤلاء الادباء الجدد، ويراسلهم ويراسلوه، ويقدمهم للصحف والمجلات الادبية ودور النشر...الخ، اي بدأ يؤدي فعلا دور الوصي الامين لرعايتهم واسنادهم، ولكن ماياكوفسكي  كان منذ بداياته متمردا على كل التقاليد السائدة في الثقافة الروسية، واراد ان يخط لنفسه طريقه الخاص به واسلوبه في الادب والفن التشكيلي وحتى في المسرح والسينما . يتحدث بعض الباحثين في تاريخ الادب الروسي عن هذه النقطة بتفصيل، ويرون، ان غوركي بدأ يشعر، ان ماياكوفسكي ربما سيشغل موقعا متقدما وبارزا في مسيرة الادب الروسي، وانه بالتالي يمكن ان ينافسه في صدارة هذا الادب، بل ان بعض الباحثين أشاروا بشكل مباشر الى ان غوركي بدأ (يغار!) من ماياكوفسكي، وهذه كلها آراء ذاتية طبعا، ولا يمكن الاتفاق معها او حتى اخذها  بنظر الاعتبار دون دراسة شاملة ودقيقة ومتأنية ونظرة تحليلية موضوعية وعميقة لها .

بعد انتصار ثورة اكتوبر 1917، ترك غوركي روسيا السوفيتية  ثم عاد اليها، اما ماياكوفسكي فقد بقي في روسيا طوال الوقت، وظهرت على السطح الخلافات بينهما في العشرينات، بما فيها الاقاويل والثرثرة والاشاعات هنا وهناك (و لا نريد التوقف عندها لأنها لا تستحق ذلك)، وقد كتب ماياكوفسكي قصيدة عام 1926 بعنوان – (رسالة من الكاتب فلاديمير فلاديميروفيتش ماياكوفسكي الى الكاتب مكسيم مكسيموفيتش غوركي)، حيث اراد ماياكوفسكي ان يقول في عنوان القصيدة، انه كاتب وغوركي كاتب ايضا، اي انهما متكافئان، وهذا اولا، واراد ثانيا ان يعلن على الملأ انهما متخاصمان، بل وتبتدأ القصيدة هكذا بالضبط –

اليكسي مكسيموفيتش

كما أذكر،

حدث بيننا

شئ ما-

مثل عراك

او خصام

القصيدة طويلة، ومكتوبة باسلوب ماياكوفسكي المباشر والعنيف والمتطرف، ويمكن ان نسميها حسب المفاهيم العربية انها قصيدة هجاء، حيث يسخر ماياكوفسكي من غوركي،ولم يكن مسموحا التكلم عنها في الفترة السوفيتية طبعا، وعندما كنّا طلبة في الجامعات السوفيتية لم نسمع حتى بها . غوركي لم يكتب شيئا مضادا للقصيدة او لماياكوفسكي، الا انه ذكر رأي الآخرين في مقالة عنه، وقال فيها، ان ماياكوفسكي (لم يقدّم لنا شيئا جديدا)، وهو رأي سلبي حول ماياكوفسكي طبعا، رغم انه طرحه باسم الآخرين.

موضوعة غوركي وماياكوفسكي لازالت مطروحة امام الباحثين ونقاد الادب في روسيا، وهي تحتاج الى دراسة  موضوعية معمقة تستند الى نصوص مكتوبة قبل كل شئ من قبلهما، ثم الاطلاع على ما كتبه اناس كانوا يحيطون بهما آنذاك حول ذلك الخلاف، وتحتاج طبعا الى تحديد بدايات هذا الخلاف واسبابه، ونأمل ان تسمح الظروف للعودة الى هذا الموضوع لاحقا .

 

أ.د. ضياء نافع

 

محمد صالح الجبوريالصحافة تنقلني إلى مذكرات صحفي لبناني قرأتها في مجلة (هنالندن) التي تصدرها الإذاعة البريطانية القسم العربي، الصحفي إسمه (جوفر حداد)، يقول في مذكراته انا من عائلة ميسورة الحال، أرسلني والدي إلى مصر للدراسة، وكانت رغبتهُ أن أكون طبيا أو محامياً وهي من المهن المعروفة في ذلك الزمان، لكني خالفت رغبتهِ، وتقدمت إلى الصحافة، وعندما عَلِمَ والدي غضب على تصرفي، لكن محبتي له منعته من معاقبتي، وكنت كلما أشعر بأزمة مالية، ابعث له برسالة من رسائل (الخنساء) التي تجعله يحن علّي ويرسل لي (ضعف المبلغ) المطلوب، ويقول لقد خسرت مستقبلك، وأنا أعلم أن الصحفي لن يكون في ذلك الزمان(مليون دير)، وإنما يكون (مديون دير)، عدت إلى لبنات، والفقر يطاردني في كل مكان، معتمداً على مساعدات والدي الذي يُذكرني انها لن تدوم لي، وأصبحت عدواً لنفسي في الحصول على ألمال، بعد انتهاء الحرب اللبنانية كان الناس يتوسطون بي للحصول على تعويضات مالية،لان الوزير صديقي لن اقدم طلباً للحصول على تعويضات لأصلاح بيتي (المدمر)، كان هدفي في الحياة الحصول على مال قليل يسد رمقي، وليس أن أكون تاجراً أو وزيراً، الصحفي الحقيقي يعيش حياة بسيطة تهمه المباديء، وإعلاء كلمة الحق، يرافقه الفقر الذي هو من أعز أصدقائه، و الديون إلى جانبه حتى مماته، تبقى النزاهة و المصداقية والمبدئية أهم صفات الصحفي الناجح، الف مبارك للصحفيين في عيدهم، و لسان حالهم يقول بأي حال عدت ياعيد، وفق الله الجميع لخدمة العباد والبلاد.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

 

يندهش البعض حتى وانا في أصعب الظروف اعشق الكتابة

وما الفائدة التي ستعود علي من كتاباتي فالقلم هو الصديق الوحيد لي

والكتابة هي همسات بين قلبي و عقلي، هي الأنين بينهما الذي يعجز اللسان عن نطقه، هي الصوت الجريء الذي تتحدث به نفسي من خجلها

هي أصوات ننطقها عبر اقلامنا وكتاباتنا من أعماق قلوبنا وبراءة احاسيسنا

بعض من الكلمات قد تبكيني ليس وجعا

بل لأنها تلامس أشياء نبتت بقلبي وتفرعت

ومعها يصبح الكتمان هو الحل الوحيد عندما لا أجد من يفهمني

وفي كل مرة لا أجد ردا مناسبا أو مقنعا يقلل حماسي تدريجيا نحو الكتابة وأجدني أبتعد عنها شيئا فشيئا، لم أجد من الكلمات ما يصف بدقة ما أكنه للكتابة بشكل صحيح

حسنا سأحاول أن أنتقي الكلمات بعناية هنا لعلي أعثر على الاجابة المرضية لهم

أكتب لأنني وحيدة بعض الشيء فتشعرني الكتابة بأنس يرسم هالة من الهدوء من حولي، أكتب لأنني خذلت أناسا كثر ظننت أنهم باقون الى الأبد لأبحث عنهم فجأة فلا أراهم حولي، أكتب لأنني يوما لم أجد أحدهم تصله مشاعري كما هي مهما حاولت أن أصف له بشكل دقيق، أكتب لأصف لأحدهم كم أنا أحبه ، وأن العالم بكل تناقضاته ومساوئه وصراعاته لا يشكل فارقا بالنسبة لي، أكتب للبحث عن السلام، عن هدفي السامي في الحياة، أكتب لأشعر بالامتنان والسعادة حين أقابل أحدهم صدفة ويخبرني بأنه يقرأ لي وينتظرني دائما وغيرها من الأسباب التي لم أنته منها بعد.

فهي متنفسي الوحيد.

 

بقلم ذكرى البياتي

 

محمد صالح الجبوريالخامس عشر من حزيران من كل عام يحتفل الصحفيون في العراق في عيدهم، وهو يوم صدور اول صحيفة عراقية هي (صحيفة الزوراء)عام ١٨٦٩م، ولعبت الصحافة العراقية دوراً بارزاً في الحراك السياسي الذي تشهده البلاد، وتنقل الاخبار السياسية، ونشاطات البرلمان وتوثف الأحداث التي  تمر بها البلاد، والأخبار الاقتصادية و الاجتماعية والادبية، وتنشر الثقافة، وكان الناس منذ الصباح الباكر يقرأون الصحف في المقاهي التي هي منتدياتهم، وصدرت إعداد كبيرة من الصحف منها الحرية اليقضة الجماهير، الزمان، الأوقات العراقية، الثورة، الثغر، طريق الشعب، القادسية، فتى العراق،النهار، الأخبار،المدى الحدباء، المفيد، نينوى، المشرق وغيرها، وساهمت الصحافة في نشر الافكار والاراء، وطرح الرأي والرأي الأخر، وكانت هناك صحف تملكها أحزاب المعارضة، وصدر قانون المطبوعات، وقوانين إصدار الصحف، وقانون نقابة الصحفيين العراقيين، وقدمت الصحافة مئات الشهداء رحمهم الله من الأسرة الصحفية، والجرحى شافاهم الله، اليوم الصحافة الورقية مهددة بالخطر، بسبب انتشار وسائل التواصل الإجتماعي والصحافة الالكترونية التي سيطرت على المشهد الإعلامي، وعزوف الناس عن القراءة، وغياب الدعم المادي للصحافة الورقية، الصحفيون بحاجة إلى دعم مادي ومعنوي والاهتمام بحقوقهم،نبارك للصحفيين العراقيين في عيدهم، و في مقدهم الاستاذ مؤيد اللامي نقيب الصحفيين العراقيين، والرحمة لشهداء الصحافة، والشفاء للجرحى منهم،وتبقى (صاحبة الجلالة)، المهنة الأقرب إلى قلوبنا رغم المتاعب والمصاعب التي نعيشها، ونعمل من أجل الكلمةالحرة والحرية، ولنا الفخر  بما قدمته الصحافة العراقية في مسيرتها المهنية... تحياتي للجميع.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - كاتب وصحفي

15/6/2019

محسن الاكرمينمرات عديدة تركب غمامة صيف متموجة بتقطع الظل وتوجه دفة حياتي نحو تفكير الثقب الأسود، مرات عديدة ممكن أن أجد نفسي مشدود الرؤية في لوحات طبيعية تعتمر ألوان ظلام ترميد العيون.  هي الحياة التي علمتني أن تعريف الفرح ما هو إلا فترة وجيزة المقاس بين فواجع الأحزان، هي التجارب الصادمة التي ممكن أن نحيى من خلال رمادها ثانية مثل طائر الفنيق.

أصدق لحظات المكاشفة العارية حين أفكر بالسؤال عن أوجه الفرح الزائف والحامل لألوان وصوت حفيف أوراق خريف، حين أقف بعلامة ترقيم استفهام أمام وجه ثوب الحقيقة النقب والأخرق، حين أكتشف أن سر الفرح ممكن أن يشيخ كبرا ويذبل بين أيدينا ونحن شهود.

في كل ليالي الصمت المتتالية بالدفع والتزاحم، تحضر باقة الأجوبة العالقة بالتقطع من ذلك الثقب الأسود الذي لا ينفتح إلا بسر تعويذات آتية من كلمات شبح الصمت، تحضر تلك الوجوه التي عشقناها حبا و ألفنا وجودها أمام مرأى العيون، تحضر تلك الأماني الحالمة، يحضر العطر الطبيعي وتغمض العيون تأملا، تحضر رؤية من هو ممكن الوجود بابتسامة ثغر شفاه الحياة، تحضر الذكريات التي تؤدي الشعور الداخلي والإحساس وهي تلتحف ضمير الأنا الأعلى و مفارقة موت العلاقات الإنسانية وبداية حياة الانزواء.

كنت أعلم أنني أكره الصمت لزوما باعتباره استبدادا تحكميا، ويمارس علي خنق أفكار الأنا الولود، كنت أكره فراغ الأمكنة من الشغب الضاحك والتي يخيل لي أنها ممكن أن تحتلها الأشباح الآتية من الحياة السفلية، كنت أكره فراغ القلب من الحب لأنه كان يضيق اتساعا ولا يوزع طاقة الحياة نحو عقل التفكير.

حين يتم استحضار كل الأجوبة الممكنة والموقوفة التنفيذ من زمن الماضي بالفرز والإفتحاص، وجدتها حقيقة أنها تهرب من رؤية عيوني ومن لمسة أصابعي السمحة. وجدتها أنها تتستر وراء آهات، ثم آهات مميتة وليست مفرحة بالبتة، وجدتها لا تعرف معنى حقيقة الصدق و الوفاء ولما حتى أحلام رؤية ساطعة.

ضمن متغيرات صمت الليل الساكن بهدوء تمدد أطراف الحياة، أحس بظل خطواتها مرات عديدة تهرب من ملمج عيوني، أحس بأنها دائمة الحضور بقلبي وتستبيح حضور تفكيري. من محاسن صمت تفكيري أريج عطرها الوافد من لمسات خطواتها بامتداد دقات أرض مرتجة. من مساوئ صمت التفكير أن كلماتي باتت تأتيني من بذاءة هجاء الحطيئة و نقد الفرزدق اللاذع. من مساوئ صمت التفكير أن مفردات الفرح باتت تسقط مثل أوراق شجرة غير نافضة.

ما أصعب خوض تجربة كشف المستور عن ثقب تلك الذاكرة السوداء، ما أسلم التفكير في استعمال السؤال في رحم ولود لا صمت فيها، هي التجارب التي علمتنا أن من السؤال تبدأ الحياة. 

 

ذ. محسن الأكرمين.

 

صالح الطائيتعامل العمامة مع الشعر عموما يبدو محدودا ومقتصرا على أغراض معينة محدودة، منها ما له مساس بالعمل التعليمي الحوزوي مثل شعر الأرجوزة التعليمية التي تسهل الحفظ، وشعر المناسبات وهو شعر يقترن عادة بمناسبة دينية أو وطنية وشعر الرثاء، وأرخنة بعض الحوادث والمناسبات شعرا، أي كتابة تاريخ مناسبة ما شعرا وفق حساب الجمل. وبالتالي بدا شعر العمامة بعيدا عن كل نواحي وأغراض الشعر الأخرى.

فضلا عن ذلك تنظر الحوزة العلمية إلى الشعرـ وهذه حقيقة قد تزعج البعض، فلا يرضون عنها ـ نظرة دونية أو في الأقل تعطيه هامشا صغيرا من اهتماماتها، يبدو أصغر كثيرا مما يستحقه، ربما لأن أغراض الشعر ولاسيما الغزل والخمريات النصية وليست الاستهلالية تتعارض مع خط الحوزة الديني.

وفق تلك الرؤى يبدو مستعصيا على العمامة أن تكون شاعرة بالمعنى الحقيقي للكلمة، وقد أفردت هذه الحالة المتناقضة، حالة الشاعر والعمامة ثلاثة اتجاهات متناقضة تخص ثلاثة رموز شعرية لازال التاريخ يشهد ببراعتهم وحنكتهم وإجادتهم فن الشعر وهم: الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري، والعلامة الكبير محمد سعيد ألحبوبي، والدكتور الشاعر الكبير مصطفى جمال الدين. فهؤلاء الرموز الشوامخ كانوا جميعهم قد بدأوا حياتهم بالدراسات الدينية الحوزوية، وكانوا ثلاثتهم قد لبسوا العمامة في مراحل متقدمة من أعمارهم، تعود إلى مرحلة الطفولة تحديدا.

والمعروف أن لبس العمامة، وتحمل تبعات تقاليدها في مرحلة الطفولة، مرحلة بدايات تكون الوعي، فضلا عن أجواء المجتمع ألنجفي المغلق والمتشبع بالعلوم الدينية وبحوثها، ثم العيش مع رجال جل همهم معرفة المسائل الفقهية وحلولها، مع انشغال الجميع بهم مشترك واحد بعيدا كل البعد عن كل الهموم الهامشية الأخرى، يترك أثرا واضحا على بناء وتكون شخصية ذلك الطفل. فضلا عن أن أجواء الحوزة العلمية وتلك الجدية والصرامة التي تسيطر عليها، تبدو وكأنها تضع قيودا ثقيلة على مجرد سماع بيت من الشعر، بله نظمه وتقفيته والتغني فيه، هذا في وقت كانت شياطين الشعر تتقافز في داخل هؤلاء الرجال الثلاثة وتثير في نفوسهم صراعا فوضويا عارما معربدا يبغي التحرر والتمرد والتخلص من قيود البيئة والملبس والموروث والمحيط، والحفاظ على هيبة وقدسية وصرامة العمامة، أي الجمع بين النقيضين!.

في هذه المرحلة عاش كل واحد من الرجال الثلاثة صراعا فكريا صعبا وشرسا وضعهم في نهاية المطاف أمام أحد خيارين: إما أن يبعدوا صنعة الشعر عن بالهم ويتفرغوا إلى دراسة الفقه والعلوم الدينية وحدها، لأنهم يعلمون أن العمر مهما امتد لا يغطي حقول المعارف الفقهية، بما لا يسمح بالانشغال بأي موضوع آخر سواه لمن يريد أن يختط خطه. وإما السير خلف دلال القوافي وسحرها وغنجها، وترك دراسة الفقه لمن لا يشغله الشغف بالشعر. الجميل في هذا الموضوع أن كل واحد منهم حسم هذا الصراع بطريقته الخاصة، وهو  حسم كان يحتاج إلى كثير من الشجاعة والجرأة، حيث:

خلع الجواهري عمامته ساعة أدرك أنها تعيق انطلاقته الشعرية، وتُحدُ من أفق طيرانه في دنيا القوافي.

وقبالته بادر محمد سعيد ألحبوبي إلى خلع هوس الشعر من باله، والابتعاد عن دنيا القوافي والاحتفاظ بالعمامة، يوم وجد أن الشعر يبعده عن دنيا العلوم الدينية التي يرى في نفسه ميلا إليها.

أما السيد مصطفى جمال الدين فقد عاش تجربة تحد أخرى، حيث أحتفظ بالشعر وبالعمامة كلاهما، يوم وجد في نفسه قدرة على الموازنة بين مطالب العمامة واستحقاقاتها وبين مطالب الشعر وأجوائه، بحيث يتقاسمان الحياة والعيش في حياته وعيشه، فلا يتعدى الشعر حدوده ليسلب العمامة حقها، ولا تأخذ العمامة من الشعر حقا يقيد إبداعه ويحد من حراكه.

ومن خلال هذه الموازنة الفريدة أصبح مصطفى جمال الدين فقيها شاعرا، وشاعرا فقيها، يجمع بين العمامة والشعر، ولهذا قال: "هذه صحائف شاعر يقدس الشعر ويقدس الشرع"، فكانت عمامته عمامة شاعرة كما هي عمامة فقيهة مجددة، وهذا الأمر من النوادر التي قل حدوثها في المجتمع الحوزوي عبر التاريخ، رغم أن أغلب الحوزويين كانوا يجيدون نظم القوافي ويحسنون صنعة الشعر.

رحم الله الجواهري والحبوبي وجمال الدين فقد أغنوا ذاكرتنا بجمال كثير، واعطوا مثالا تاريخيا على أن للإنسان قدرة التحكم بالاتجاهات وفق رؤى الروح وما تعشق، فالجمال قد يكون في العمامة أو في القصيدة أو فيهما كليهما.

 

صالح الطائي

 

959 ناثينالتخطف السيارات من جانبه مسرعة، ومن فوقه تهدر الطائرات مدمدمة، وهو يمسك بعناد كمانه المكسر محاولاً عزف لحن كلاسيكي جاد هو بالكاد مسموع في مدينة لوس أنجلس الصاخبة تلك. يمر به (ستيف لوبيز) الصحفي العامل في أهم جريدة في الولاية، الـ(لوس أنجلس تايمز)، والذي يبحث عن موضوع  يكتب عنه مقالاً، فالإقبال على النسخة الورقية للصحيفة في انحدار دائم والعاملون باتوا مهددين بالإقالة تباعاً وهو غير مستبعد من ذلك. يمر به سريعاً بعض الشيء لكن منظر (ناثنيال)، هو وكمانه، يجذب النظر. يبادله بعض الكلمات فيكتب عنه مقالة تلاقي نجاحاً منقطع النظير من القراء وتفاعلاتهم.

يتفاجئ ستيف بنجاح المقالة فيرجع يبحث عن ناثنيال ويجد أنه ضليع بنظريات الموسيقى وتاريخها فيصغي له، لكن كلام ناثنيال غير مترابط في بعض الأحيان. من الواضح أنه مريض نفسي. يحدثه عن مدرسة (جوليارد) للموسيقى في نيويورك، تلك التي درس فيها. تتكرر اللقاءات ويتورط ستيف بناثنيال ويحاول أن يلملم أطراف قصته. يكتب مقالات متتابعة عنه ليجمع قصة كل تلك المقالات في كتاب.

إن الأسلوب اللغوي للكتاب أمريكي حقاً، فالقصة غير منمقة، وخامة حتى في أسلوبها. الجمل قصيرة ومباشرة  وهو يستخدم صيغة المضارع حتى وهو يتكلم عن الماضي وذلك يعطي إحساساً واقعياً يجعلك تعيش الحدث معه وقت القراءة وكأن ما حصل يحصل الآن. أليست أمريكا من الدول الحديثة نسبياً والمركزة على الحاضر؟ وتلك الجمل القصيرة السريعة الوقع الخالية من التزويق ألا تشبه وصفات الهامبرغر والأكل السريع؟ يصرح كاتبها بانه حتى في عمله الخير لناثينال المشرد هو يحاول الحصول على فائدة مادية فكل ذلك جعل مقالاته تلاقي استحسان القراء وبالتالي نجاح الجريدة وحفاظه على عمله. نعم إنها قصة من أمريكا المادية!

لكن ذلك الميل بالتركيز على الحاضر وتسطيح التاريخ، سيعمقها ناثنيال بتاريخه الخاص، وتلك النزعة البرغماتية المقيتة ستحيلها تلك الصداقة الفريدة بين ستيف وناثنيال الى عواطف ودموع، وتلك البرودة المادية ستتسامى عن نفسها بتلك الألحان التي يعزفها ناثنيال ليهبها تلك الروح التي فقدتها وذلك الدفئ.

صدر الكتاب بعنوان (العازف المنفرد The Soloist) عام ٢٠٠٨، وسرعان ما ترجم للبرتغالية وللألمانية وللإسبانية وللپولونية، وفي عام ٢٠١٠ للتركية وللغة الليتوانية. تحول إلى فلم وهو ربما الشيء الذي ساهم في إنتشاره أكثر، رغم الإختلاف الواضح بين سيناريو الفلم وبين نص الكتاب نفسه، إلا أن الفلم نقل الرسالة العامة للكتاب بلا تفاصيل، وأضيف على السيناريو تفاصيل سينمائية أمريكية لتسرع من إيقاعه.

أما الكتاب نفسه فهو بمثابة درس في الصحافة وفي الطب النفسي، وفي الموسيقى كذلك. فسيأخذنا الكاتب معه في يومياته في الصحفية الشهيرة التي يعمل بها، وسنعيش معه تلك الأزمة التي تعاني منها الصحافة الورقية في كل العالم على ما يبدو. وسنحير مع تفاصيل الكتاب في إيجاد حل لتسول ناثنيال المريض بالفصام والذي يرفض مراجعة الطبيب النفسي، فكيف سيكون الحل؟

يعلم ستيف أنه لن يستطيع إلى شفاء ناثنيال سبيلا، لكن ذلك لا يعني أن يقف مكتوف اليدين. عليه أولاً أن يفهم هذا المرض. سيأخذنا معه في محاولاته لتبسيط فهم مرض معقد مثل مرض الفصام. أعراضه، والأدوية التي ينبغي إستخدامها، وطرق التعامل مع المريض. بعد كل ذلك، وحين يتأكد من أن الأمل في الشفاء ضعيف، يبدأ بالإنتقال شيئا فيشئاً لمناقشة مواضيع (الطب النفسي الإجتماعي)، وهو ذلك التخصص المعني بالحلول الإجتماعية للمرض النفسي، وهو لا يقدم كل تلك المعلومات بشكل نظري، وانما يذكر تفاصيل ذلك من خلال قصة ناثنيال، إنه يجعلنا نعيش مع ناثنيال مأزق الطب النفسي، فردياً وإجتماعياً.

حين يلجئ ستيف لـ(ستيلا مارش)، وهي أم لمريض نفسي وناشطة إجتماعية من أجل تنوير الناس بشأن المرض النفسي، يحكي لها عن صعوبة ما يواجهه مع ناثنيال طالباً نصحهها، تجيبه بأن ناثنيال لم يكن له صديق من قبل. ربما كان ستيف يبحث عن نصيحة أكثر وضوحاً من تلك. إلا أنه وبعد صفحات كثيرة من الكتاب، وحيرة وتقلب في القرارات، يرجع ويسمع نفس الكلمة من طبيب نفسي ينصحه بأن يرافق ناثنيال ويقول له (كن صديقه).

يدرك ستيف أن عليه أن يكون واقعياً في مسعاه، وحذراً. لا يمنعه ذلك من الخروج في الشارع ليلاً والمبيت مع ناثنيال المشرد على الرصيف. يكتب لنا من هناك عن يوميات الأحياء الفقيرة لمدينة لوس أنجلس حيث محاربي حرب فيتنام السابقين ومدمني الكحول وممارسي الدعارة، ومحاولات البلدية والشرطة وعمال الصحة أداء واجبهم في تقديم المساعدة، وهي مهمة صعبة تكتنفها الكثير من الإخفاقات، والقليل من النجاحات، ويبقى ستيف واقعياً، وغير مجاملاً، ليكسب عداء البعض، خصوصاً من المسؤولين، وحب الكثيرين، من الناس العاديين خصوصاً.

وبين أزمة الصحافة وتسول ناثنيال وتخبّطه أحياناً في جمل غير مفهومة، وتلك الدروس عن تاريخ الموسيقى ونظرياتها التي يتفهوه بها لستيف، بين كل تلك الأمور تنشأ صداقة فريدة، فيتعرف كل منهما على عائلة الآخر. كان ستيف دائماً ما يحكي لناثنيال عن المقالات التي يكتبها وعن تعليقات القراء، ويعطيه نسخاً منها ويحكي له عن نيته في أن يكتب كتاب عن قصتهما. يوافق ناثنيال على كل ذلك ويصيران شريكين في هذا الكتاب، كتابهما، كتاب كل من يهمه أمر الصحافة والمرض النفسي والموسيقى، لكن أيضاً من يريد أن يحاول فهم  معنى من معاني الصداقة العميقة في عصرنا المسطح السريع هذا.

 

سامي عادل البدري

 

احمد الشيخاوييستأنف الشاعر المصري احمد مصطفى سعيد مغامرته الإبداعية، مع الحرص على تطوير تقنيات الكتابة وعدم السقوط في الديدن الاستنساخي للتجربة، كأنما يعيش حيوات موازية، تمده بكامل هذه الطاقة والقدرة على التكيف مع عزلته الرمزية، بالطبع، كمبدع، يكابد من التحديات والأوجاع والاختلال الهوياتي، الشيء الكثير.

عزلة طوعية يؤسس لها طور ما بعد تعطيل الذاكرة، مثلما تشي بذلك عتبة المجموعة، ومن ثم غدو الوطن مجرّد ذكرى.

حياة بعدية بمنظومة أسئلتها الشائكة، وجملة محاكمات الأجيال لذات توسمت في الشعر ومعتنقيه، نبوءة وخلاصا، ليس تجود بهما رهانا أخرى، غير هذه العزلة التي تشذب القصائد وترعاها بصدق وحس انتماء وإنسانية فياضة، لحين إشراقة الغد وترسّل مواويله، ليس ليقال للشعر غائية، وإنما لتحفظ صفحات تقديس العزلة حين يكون الشعر هو الوهم المتاح، قد يفيد الهروب أو تفادي المواجهة والاصطدامات، كونها لن تخلد بالنهاية سوى هشاشة ومخملية وملائكية الكائن، قاتلا ومقتولا، بانيا وهدّاما، منتصرا ومنهزما، غائبا وحاضرا.

وأنا أقلّب فصول هذه المسودة المزمع إصدارها قريبا، اهتديت إلى بضع من خطوط او خيوط مرجانية، تغمز بما يفيد تشبع شعر احمد مصطفى بروح الانعزالية، بحيث نقتبس له المقطع التالي، الأشبه بدندنة منفلتة من ذات مكابرة، يُخجلها تبرير فشلها للأجيال، يقول :

 [لا تحقدي علي صغيرتي

فلست بنبي

لتفشي لي الأيام بسرها

وما أخفاه عني غدي

وما كنت للغيب بقارئ

خانتني فراستي

فاتبعت زخرف الحلم

معصوب القلب ](1).

موقف نفي النبوءة هذا، مقابل التشبث بعوالم العزلة التي قد تصنع الفارق، وتضغط باتجاهات إنسانية متماهية مع طقوسيات الوهم التي يُغدق بها واقع إدمان الشعر.

هي التبعية للحلم الذي تقف عند الأزمنة، وتقاس الأعمار لديه بتكعيبية الوجع وتركيبية المعاناة.

هذا الحلم الذي يذيل الأوهام الإبداعية إجمالا، على نحو تنرسم له ملامح أنصاف الكائن الأخرى والمفقودة، جراء جور الانتماء العالمي عليه، وسيادة منطق "الهيمنة للأقوى"، بما يتيح لإيديولوجية الاصطدام الحضاري تفريخا معمقا لكامل هذه الهستيريا والجنون المنذر بانقراض النسل والأنواع.

ننتقل إلى هذه الومضة، لنستجلي ما وراء باب عزلة شاعرنا، ومابعد حرائق الشعر الذي يوبّخ الوطن ويلعن عقوقه كما يعاتب الحبيبة بصفتها شريكة في مثل هذه المجزرة الوجودية البغي والباغية.

[الدخانُ الأزرقُ

أولُ مَنْ يصافحُنا

ما إنْ يفتح لنا صديقُنا

بابَ عزلتِهِ

ونتعثرُ في أعقابِ السجائرِ

فمذ هجرتهُ البهجة حبيبته

طلقَ صخب الحياةِ

وارتضى

بطيفِها

واجترار الهمساتِ

وسبّ العجز العوزَ

والوطنَ العاقَ

للطيبينَ

خاوي الوفاضِ](2).

كأنما ذنب الطيّبين، أسراب الشعراء، تحديدا، هذا النشوز الذي يميّزهم عن بقية جنسهم العادي جدا، ما جعلهم بشكل أو بآخر يُصعقون بكهذا عقوقا، يؤجج صعلكتهم وثورتهم النبيلة على عالم يخلو من حماقاتهم وأوهامهم ، ويؤازر النظرية الأفلاطونية ومعها أيقونة المفاهيم الإيديولوجية الحاقدة على الشعر والمشككة في وظائفه النفسية والجمالية والروحية.

نقرأ له أيضا:

[أما زال قلبها رابطاً على العشق

أم البعاد كسر الأصفاد

ومنتظر

أول طارق

ليقول له لبيك

أيا رسول العشاق

هل أخبرتها

مذ خطونا في درب المحبة

لم نخن للرياحينِ عهداً

ولم نجرحْ بهجر

خدود الورد

أخبرها

اسمها

على اللسان ورد

وفي الغد

سترمي على مهدك النجوم

دثاراً من الوجد أبيض

وطرحة

علاها الفل](3).

تلكم عزلة اختارها شاعرنا وارتضها، للفكاك من تداعيات عالم بدّل ثقافة الانتماء، رابطا إياها بعولة متوحّشة جنت كثيرا على إنسانية الكائن، كما جرّدته من فلسفته الروحية، وأججت جوانب الشيطنة والشرور في كينونته، ليقبع الشعر وحده الحامل لمشاتل البراءة، المحمول على روح انكسار سدنته.

شعر العزلة، أو هذه الكوة إذا تُجترح في المحرّم الأفلاطوني والإيديولوجي، لتم تنفّس معاني الوجود عبرها، والحلم بغد إنساني مشرق، وإن كذبا على الذات المختنقة بتوجهها الواقعي المغلّف بذبول مشاهده وجفاف فصوله.

 

احمد الشيخاوي

....................

هامش:

(1) من نص "آسف صغيرتي" صفحة 23.

(2) من نص "متتاليات الوجع " صفحة 39.

(3) من نص " حديث مرسل بطعم العشق صفحة115.

*شاعر وناقد مغربي

 

بكر السباتينالتقيتها صدفة قبل يومين في مؤسسة الضمان الاجتماعي.. كأنها من بنات المدن الساحلية (يافا، عكا، بيروت) من حيث حركاتها ولهجتها ولباسها وتنورتها وبنطالها الضيق الممزق وفق الموضة الشبابية، وشعرها المنسدل على كتفيها فبدت متصابية كنجمات السينما بما لا يليق بعمرها أو مكانتها بين الناس.. فقلت في نفسي وكأنني أخاطب هذه المغبونة البلهاء:

جمال البدوية يا سيدة المجتمع!! ليس بلباسها العصري وحديثها المتمدن المتأنق إلى حد المبالغة ولبس الأقنعة الزائفة والكذب على النفس وتسويق شخصيتها الزائفة إلى الآخرين ومن ثم أنخراطها في العمل الاجتماعي وهي مقنعة بالزيف والرياء؛ بل هي أجمل وأكثر بهاءً بأصالتها ونقاء سريرتها حتى لو كانت ترتدي اللباس البدوي التراثي الجميل، وهي تسوق قطعان الماشية وتغني شعراً نبطياً أصيلا في قلب المدينة ثم تحيّي صاحبتها بلهجة بدوية أصيلة مشبعة الأحرف "كيف حالك يا خيتي".. بطبيعتها الفطرية الممتلئة بالحكمة والرشاد .. أنا أقول بأن الرقي لا يعني التجرد من الأصل بل هو سلوك وأخلاق.. فما قولكم!(عجبي)

***

سيدتي أكملي عيدك مع الأولاد

الأرواح الهائمة لا توصد أمامها النوافذ سيدتي صبيحة هذا العيد.. لأنها تستيقظ فينا مع تكبيرات العيد وضوء الشمس.. وتذوب كفطعة السكر في ابتسامات المحتفين بطقوس العيد من العائدين من الصلاة حتى وأنت تتلمظين قهوة الذاكرة أثناء التكبيرات التي تغمر بيوت الحي.. تنتظرين من طواهم الغياب فلا تجدين إلا ترانيم العيد وأنفاس من فقدناهم تغمرنا بأريج ألبخور ألفواح، وهي ترسم البهجة في وجوه أطفالك ألمتوسدين ملابس الجديدة المصفطة تحت المخدات، ورغم ذلك تستطعمين مرارة الهيل وقُبَلَ الأهل وعيدية الأب أو الأخ الكبير وهي تطوى في قبضة يدك النابضة بالمحبة والرضى.. وتظلين في اشتياق للتلاقي مع الأحبة والخلان.. ثم يأخذك ألحنين إلى بيت العائلة الكبير.. تتوضئين بالدعاء.. تلثمين أياديهم الطاهرة تعانقين قاماتهم التي تطول السحاب ثم تتسللين إلى قلبيهما وتنامين حتى امتلاء البيت الكبير بضجيج الأسرة بمن فيهم الأحفاد، وقبل مغيب الشمس تعرجين إلى الحديقة وتقطفين ضمة من الورود بتأني وكأنك تطرزين قصتك مع الحبيب الغائب الموجود وقد أمست كل تفاصيلها في جعبة الأقدار، نعم.. رحل أبو الأولاد عن هذه الدنيا الفانية.. أوشكت دمعة على السقوط.. لكنها خجلت من طيف الحبيب الذي كفكفها حتى انحجبت داخل حدقة العين وقد حيرها الوجد وأرخى رموشها الحنين .. ها أنت تستجمعين طاقة الحياة والفرح.. تتسللين وحيدة وفي يدك ضمة الورد التي أضفتي إليها بعض الزهور الملونة، إلى المقبرة المجاورة؛ لقراءة الفاتحة على أرواح من غادروا مشهد العيد من جديد.. تخاطبين طيف الحبيب :"إلى الفردوس يا غالي..!" وقلبك يتصفح وجوه الثكالى من حولك في المقبرة التي تعج بالزوار قبل أن يداهمها الظلام .. تقولين لهن وقد توشحن السواد : كل عام وأنتن بخير .. ثم ترحلين لاستكمال فرحة العيد مع الأولاد.. ألا يذكرك صغيرهم بالمرحوم!! نعم.. ها أنت تبتسمين..

كل عام وأنتم بخير أصدقائي

***

كل الشكر للأستاذ محمد المشايخ على الهدية القيمة التي قدمها لي بالأمس في مقر رابطة الكتاب الأردنيين.. وهي عبارة عن نسخة من كتابه الذي صدر حديثا بعنوان «معجم القاصين والروائيين الأردنيين» للناقد محمد المشايخ، مشتملا على مقدمة كتبها أ.مفلح العدوان رئيس مختبر السرديات الأردني، وعلى تراجم لـ525 قاصا وروائيا أردنيا، ظهروا منذ تأسيس الإمارة عام 1921وحتى العام 2019، (من ضمنها سيرتي الأدبية مشكوراً ).

ويذكر أن المشايخ (أمين سر رابطة الكتاب الأردنيين سابقا) كان أصدر عددا من الكتب المتخصصة بتراجم أدباء الأردن، ومنها(دليل الكاتب الأردني)، و(كـُتـّاب من الأردن)، و(الأدب والأدباء والكتاب المعاصرون في الأردن)، كما أصدر عددا من الكتب الخاصة بتراجم أدباء المدن والمحافظات الأردنية ومنها: (أنطولوجيا عمان الأدبية)، و(أنطولوجيا الزرقاء الإبداعية)، و(من أدباء مادبا وكتابها)،

وجاء في مقدمة الأديب مفلح العدوان: يشكل هذا المعجم إضافة نوعية أخرى إلى ما قدمه محمد المشايخ في سياق توثيق المنجز السردي، ذلك أنه على مدار عقود السنوات الأخيرة، تراكم في الأردن منجز لافت من ناحية النوع والكم في كتابة ونشر القصة القصيرة والرواية، مما انتج مدونة سردية مهمة ولافتة على الصعيد المحلي، ولاقت حضورا وقبولا في الفضاء العربي، ولذا كان لا بد من توثيقها وتدوينها، والإشارة إلى هؤلاء الكتاب السرديين بتقديم سيرهم الذاتية، ومنتجاتهم الإبداعية، لتكون في متناول الجمهور من المتابعين من قراء وكتاب ونقاد وإعلاميين ودارسين).

كل الشكر والتقدير للناقد الأستاذ محمد المشايخ على هذا الجهد التوثيقي المهم في المسيرة السردية للأدب الأردني منذ منتصف القرن الماضي إلى يومنا هذا، إذ يضاف هذا المنجز إلى سجله الثقافي الحافل بالعطاء وخاصة أن المشايخ يتمتع بشخصية توافقية في المشهد الثقافي الأردني وذات حضور خاص من حيث الحيوية والقبول. فإلى مريد من العطاء .

***

أخرج الشقي نصلَ الفريةِ

من غمد قصيدة ليس قائلها..

وأعمل في حنجرة السنونو تقطيعاً

كي يعزفَ على أوتاره الصوتية..

فتلوى الطائر ألماً

على اغتيال اللحن

وموت المغني..

إلى أن باتت بقاياه

طعاماً للديدان في اليباب..

***

في قصيدتها أدناه الشاعرة مريم الصيفي تتألق كدأبها دائماً..فهي شاعرة تمتلك أدواتها وتعزف جيداً على المعنى الذي يتماهى مع الموسيقى الجوانية.. والقصيدة التالية المنشورة على صفحتها من أجمل ما قرأت عن تمازج وجدان الشاعر مع روح القصيدة من خلال هذا الإنثيال للصور المدهشة المغموسة بالروحانية الدافئة.. أتخيل الشاعرة كأم رؤوم تغمر ابنها بنظرات الحبور وهي تستكشف نضوجه الروحي لتوقظ طاقاته في الحكمة والحب ..

تقول الشاعرة مريم الصيفي:

"هذا التصوفُ في المِحْراب يدنيني

من همسةِ الحرفِ يسري في شراييني

فأستضيءُ بنورٍ خافتٍ بسمتْ

ثمارُهُ وتراءتْ في بساتيني

لأنتقي ما اشتهتْ روحي وأقطفها

قصيدةً نبعُها دفقُ التلاحينِ"

فيومضُ الحرفُ زهوًا في ارتجافِ يدي

من فرحةٍ أورقتْ في زرعِ تكويني"

كل عام وأشعرتنا بخير

7 يوليه 2019

 

بقلم بكر السباتين

 

 

 

ضياء نافعاكتب هذه السطور في اليوم السادس من حزيران / يونيو عام 2019، والذي تحتفل فيه روسيا بميلاد بوشكين، والذي وحّدت معه يوم اللغة الروسية ايضا، لأن بوشكين واللغة الروسية الادبية المعاصرة صنوان . ولد بوشكين في هذا اليوم قبل 220 سنة، وعندما ذهبت اليوم لشراء الصحف الروسية كالعادة، شاهدت صور بوشكين على الصفحات الاولى وهي معلقة على واجهات الاكشاك . ها هي صحيفة (ليتيراتورنايا غازيتا) وعليها بورتريت بوشكين بشعره المجعّد، او (المكعكل!) كما نقول بلهجتنا العراقية الحلوة، والمانشيت الكبير فوق تلك اللوحة الجميلة هو – (نطير مع بوشكين)، وهي جملة غريبة جدا وغير مفهومة للقارئ بتاتا، ولكن الجملة الاصغر تحتها توضحها، اذ نقرأ ما يأتي – (الان مطار شيرميتوفو الموسكوفي يحمل اسم الكلاسيكي الروسي)، اي ان روسيا قررت في عيد ميلاد بوشكين ان تطلق اسمه على واحد من اكبر مطارات العاصمة الروسية، وهكذا تتوضح جملة المانشيت، اذ ستقلع مئات الطائرات الان من (مطار بوشكين) وستهبط مئات الطائرات في (مطار بوشكين) ...، وذلك بعد ان وقّع الرئيس الروسي الامر الاداري الخاص باطلاق تلك التسمية نتيجة لفوز اسم بوشكين في مسابقة (الاسماء العظيمة لروسيا) في التصويت الشعبي الواسع حول تلك الاسماء التي كانت مرشحة لتسمية ذلك المطار الدولي الكبير، وارتباطا بهذه الذكرى يفتتح تمثال لبوشكين في المطار وهو يقف بحجمه الطبيعي يلقي القصائد ويمسك بيده كتابا مفتوحا، والتمثال من ابداع النحات الروسي المعاصر بورغانوف، والذي سبق له ان عمل التمثال الشهير لبوشكين وزوجته في موسكو، وكذلك تمثال بوشكين في واشنطن . يتضمن هذا العدد من صحيفة (ليتراتورنايا غازيتا) ايضا مقالتين تشغل كل واحدة منهما صفحة كاملة، الاولى بعنوان – (الشاعر)، وهي مقاطع من مقالة منشورة في نفس تلك الصحيفة عام 1937، اي عندما احتفلت روسيا السوفيتية بالذكرى المئوية لميلاد بوشكين، وتستعرض المقالة بعض نتاجات بوشكين باسلوب شاعري رقراق، وتقول مثلا عن الحكايات الشعبية له – (... انها حلمه عن مستقبل الانسانية، حيث البحر يجب ان يكون أزرقا، والاسماك والطيور يجب ان يكونوا من ذهب، وخدود الفتيات يجب ان تكون متوردة ....) . اما المقالة الثانية فقد كتبها باحث من القوقاز حول ملحمة شعرية عن حوادث وشخوص من تلك المناطق الجبلية بدأ بوشكين بكتابتها عام 1829، ولكنه لم يكملها، ووجدوها ضمن مسوداته الكثيرة، والتي يقول عنها هذا الباحث، انها ذات اهمية رغم ان بوشكين لم يكملها، لانها لازالت تمتلك ارتباطها بواقع القوقاز لحد الان، ولا مجال هنا للتوسع في الكلام عن ذلك اكثر.

اما صحيفة (ليتيراتورنايا راسيّا) فقد نشرت على صفحتها الاولى ايضا لوحة جميلة لبوشكين على خلفية منظر للريف الروسي النموذجي بسعته واشجاره وانهاره، وتحت تلك اللوحة مانشيت كبير يقول – (لقد حكى لروسيا عن روسيا)، وهذا هوعنوان مقالة تشغل حوالي صفحة ونصف من العدد المذكور في تلك الصحيفة، وتتناول موقف بوشكين الفكري العميق من قضية كانت ولازالت ملتهبة – ان جاز التعبير – في روسيا، وتكمن في تحديد موقع روسيا في العالم ومسيرتها اللاحقة، وهل هي اوربية بحتة، ويجب عليها الالتحاق بالركب الاوربي، ام انها تمتلك خصائصها القومية المحددة، والتي تقتضي التركيز على تلك الخصائص وتطوير مسيرتها الخاصة بها، وهي مسألة شطرت الفكر الروسي على مدى اكثر من قرنين من الزمان بين مؤيد للنزعة الاوربية الغربية وآخر يؤيد النزعة السلافية، والمقالة تؤكد طبعا، ان بوشكين كان أقرب (واؤكد على كلمة أقرب هذه) الى افكار النزعة السلافية الخاصة بروسيا، لان بوشكين كان يعبّر عن الروح الروسيّة حسب بيت الشعر البوشكيني الشهير،و الذي ذهب مثلا –

 الروح الروسية هناك..

 وعبق الروسيا هناك..

ختاما لهذه الملاحظات السريعة عن احتفالات روسيا بميلاد بوشكين، اود ان اشير- ليس الا - الى البرامج الحافلة والمتنوعة في قنوات التلفزيون الروسية العديدة حول بوشكين من علاقته الصعبة والمعقدة مع السلطة (بما فيهم القيصر الروسي وزوجته)، والى عشقه للنساء من حوله ومغامراته معهنّ، والتي انعكست طبعا في قصائده، والى مبارزته مع دانتيس ومقتله، والى احفاده واحفادهم، والى قصائده المغناة، والى طبعات مؤلفاته المختلفة، والى ترجمات نتاجاته، والى آراء الناس البسطاء حول شعره، والى الافلام السينمائية التي انتجتها روسيا، المقتبسة من نتاجاته الادبية، والى والى والى ....

بوشكين في روسيا اكثر من شاعر، انه ظاهرة فذّة في تاريخ الفكر والادب الروسي، وقد تحوّل اسمه الى رمز خالد من رموز روسيا، وبوشكين هو الذي يوحّد الروس جميعا، بغض النظر عن اختلافاتهم وتناقضاتهم ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

كاظم شمهودللشاعر والكاتب الفلسطيني سعيد العلمي

مع كل التقدم الذي احرزه الانسان اليوم من مظاهر الحرية والانطلاق نحوا مختلف الاتجاهات من علمية وفلسفية وادبية وفنية وتشعبها , لازال الصراع قائما في الآراء والافكار والتشتت وضياع العديد من الحقوق والقيم التي اوجدها الانسان ودافع عنها منذ زمن الاغريق مرورا بعصر الاحياء وثورة جان جاك روسو وعقده الاجتماعي والثورة الفرنسية والثورة العربية الاصلاحية وغيرها . وقد يكون من اكثر الناس دفاعا وتضحية عن المظطهدين والمحرومين والمسلوبين هم اصحاب الاقلام النيره والكريمة من الادباء والشعراء واصحاب الفرش العذبة الغنائه الشريفة الذين اوصلوا مجتمعاتهم في سيرها التصاعدي الى الرقي والتطور .. هؤلاء بمبادئهم وآرائهم الانسانية النبيله يعبرون تعبيرا حيا لما يهدف اليه كثير من الاحرار والمناضلين الذين يدافعون عن حقوق البشر ورفض الهيمنة الاجنبية والتحكم بمقدرات الشعوب وحقها في العيش والتعايش بسلام وامان بارضها ووطنها بحرية وكرامة ..

ومن هؤلاء الاحرار والمناضلين الذين شهدت لهم الساحة الاسبانية والفلسطينية حركة دؤبة غير مسبوقة هو الكاتب والروائي والشاعر الفلسطيني سعيد العلمي الذي يعتبر من ابرز المثقفين العرب في اسبانيا ... وسعيد العلمي تتمثل فيه القضية الفلسطينية بعينها ومأساتها وهو ليث كاسر في دفاعه عنها مهما كانت الظروف .

سعيد العلمي

بدا العلمي مشواره في الادب والقصة والشعر منذ منتصف الستينات ونشر في الصحف والمجلات الكويتية مثل – الطليعة – والرسالة – والنهضة وصدرت مجموعته القصصية الاولى – المؤتمر – في مدريد عام 1992 . عمل في مدريد مراسل لعدد من وسائل الاعلام العربية مثل صحيفة - القبس – والمستقبل – وشبكة تلفزيون ABC كما عمل صحفيا في الاذاعة الاسبانية ومراسلا لوكالة الانباء الكويتية وبعض القنوات التلفزيونية العربية الاخرى . وكان هو اول من اصدر صحيفة عربية في اسبانيا اسمها – النوارس – ثم اصدر مجموعة قصصية اخرى اسمها – مريم – عام 1995 وثلاثة كتب شعرية اخرى هي – سنابل الندى 2008– سنابل الحياة 2007 – سنابل الشرار 2009 – وغيرها , يضاف الى ذلك اشتراكه في التجمعات والمؤتمرات والنشاطات الثقافية والدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في كل المحافل الدولية داخل وخارج اسبانيا ...

التقيته عام 1977 عندما حطيت لتوي في اسبانيا واجرى معي لقاءا للاذاعة الاسبانية التي تبث في العربي في مدريد يومذاك , ومنذ ذلك الحين نشأت بيننا علاقة اخوية صادقة حميمة تجمعنا هموم الغربة وطموحات المستقبل , وكان سعيد دائما يقوم بتغطية نشاطاتنا الفنية , وآخر ما قام به معي هو لقاء تلفزيوني للحديث عن تاريخ طليطلة العربي وكان معي مدير المركز الثقافي المصري اسمه على ما اضن عبد الكريم وبث اللقاء على قناة العالم الايرانية..

يعتبر سعيد من شعراء وادباء الثورة الذين يؤمنون بتحرير فلسطين وعودة اهلها الذين شردوا من ديارهم وارضهم منذ عام 1948 اي التحرير الكامل للوطن والارض المغتصبة والمقدسة وعلى هذا الخط يوجد هناك عشرات الادباء والشعراء والمفكرين منهم عز الدين الناصرة ومريد البرغوثي واحمد دحبور ومعين بسيسو الذي كان يردد اشعاره دائما ياسر عرفات :

انا ان سقطت فخذ مكاني يا رفيقي في الكفاح

واحمل سلاحي لا يخفك دمي يسيل من السلاح .

وهناك نوع آخر من الشعراء والادباء الفلسطينيين وهم اصحاب الاديولوجيات اليسارية والذين يعترفون بدولة اسرائيل وباقامة دولة فلسطينية في حدود 1967 مثل الشاعر محمود درويش الذي كانت له صديقة اسرائيلية مجندة اسمها ريتا، وفي هذا الصدد يقول: (بين ريتا وعيوني بندقية) وغيره من الشعرا اليساريين مثل سميع القاسم وتوفيق زياد و..

و تعتبر قصص واشعار سعيد العلمي نابعة من موضوع الوطن والغربة ومنتزعة من واقع الحياة ومرارتها التي عاشها ويعيشها الشعب الفلسطيني ونكبته وتشرده منذ عام 1948 وقد اطر سعيد شعره وقصصه باطار عاطفي مقاوم ثوري ونلمس ذلك في عدد كبير من قصائده الشعرية مثل :

احبابنا في الغربة السوداء .. طال المقام بمجلس ولقاء

لم ننس يوما قدسنا وجوارها .. والقلب تاق لوجهها الوضاء

جرزيمنا وجليلنا وقطاعنا .. واديم تربتها من الآباء

..........................

اليوم ما بقيت لنا احلام .. عاث البغات بقدسنا واقاموا

اليوم امة احمد قد عريت .. حتى تبدت عورة وسقام

والمسلمون كما النعاج تخاذلوا .. عن مسجد اقصى ثراه حرام

والله لو عاث العدو بمكة .. لوجمتمو ذلا كما الانعام

 ......................

طليطلة الجدود الاعظمينا .. اتيتك صادحا حبا دفينا

فانت لدرة الامصار غربا .. وانت منارة للاكرمينا

باندلس لاربع آسرات .. بنات العرب يرفعنا الجبينا

بحمراء وقرطبة وحمصا .. ثلاثتهن عندك ينحنينا

***

د. كاظم شمهود

 

سوف عبيدأنا من جيل فتح وعيه على الأسئلة الكبرى في الثّقافة والأدب وفي الشعر خاصّة مثل سؤال بأيّ لغة نكتب؟ أَبِالعربية، الفصحى أم بالعامية أم بالفرنسيّة ففي المرحلة الّتي عقبت سنة 1967 اِعترى الثّقافة في تونس وفي أغلب البلدان العربية وحتّى في الشّرق الأقصى وأوروبا وأمريكا حيرة حادّة اِستطاعت أن ترُجَّ كثيرا من الثّوابت بسبب التّأثير المباشر والحادّ للأزمات الّتي وقعت وقتذاك: فمِن حرب

جوان 1967 إلى حرب فيتنام ومن أصداء الثّورة الثقافيّة في الصّين إلى أحداث ماي 1968 في فرنسا، وإلى حركات التحرّر العارمة في أمريكا وإفريقيا تلك الّتي كانت كالسّيل العارم أو كالنّار تشبّ في اليابس من الأغصان وفي ما تهاوى من الجذوع واِنشرخ من الأغصان وفي ما تناثر من الأوراق

*

كان من الممكن أن أنخرط في سياق السائد من الشعر الّذي كان يتراوح بين معاني الغزل والمديح والعنتريّات وبين معاني الرثاء والبكاء وجلد الذات،  وكان من الممكن أن أباشر الكتابة بالعامّية مُتمثّلا مقولة أنّها أقرب إلى الجماهير وأسهل في التّداول والاِنتشار، بل كان بوسعي أن أنخرط حتى في الكتابة باللّغة الفرنسية باِعتبار أنّها اللّغة الثانية في تونس والّتي يمكن بها أن أتواصل مع مدى أوسع في العالم.

ولقد بدأتُ فعلا في الكتابة بتلك اللّغة ولكنّني اِكتشفت أنّ في العملية

اِنسلاخًا واِنبتاتا فتراجعت ولم أنخرط في الكتابة بالعامّية التونسيّة عند تلك المرحلة وذلك لسببين اثنين أوّلهما

أنّني علمت أنّها كانت ضمن سياق الدعوة إلى القضاء على الهويّة الوطنيّة ذات الأبعاد العربية، وثانيهما عدم اِمتلاكي لمفردات قاموسها الكبير وبالتالي عدم قدرتي على الإحاطة بها والتّعبير عمّا كان يخالج نفسي من المعاني الغزيرة والعميقة بتلك اللغة

 ورغم ذلك فإنّي أعتقد أن الأدب العامّي بما يشمله من أمثال وحِكم وأزجال وأغان وحكايات وخرافات ونوادر إنّما هو إثراء للأدب العربيّ بل هو رافد مهمّ من روافد تجديده وتنوّعه. وقد لاحظت أنّه عندما تصبح الدعوة إلى ترك الفصحى وإبدالها بالدّارجة كتابة وتداولا فإنّ الأمر عندئذ ينقلب إلى قضايا تتعلّق بمكوّنات الشخصيّة الوطنيّة الّتي  أعتبر أنّ اللغة العربيّة هي اللّبنة الأساسية في بنائها وتماسكها وأنا لست مستعدا للمساهمة في هذا المشروع الخطير على الكيان الوطني الذي تمتدّ جذوره الثقافية والحضارية عميقا في التاريخ إلى ما قبل القيروان وقرطاج...

في قصيدتي ـ الجازية ـ  راوحت فيها بين مستويات عديدة من اللّغة ، فرسمتُ صورة للجازية وجعلت من سيرتها مشاهد ولوحات ومواقف فيها الكثير من تقنيات الفنون الأخرى بالإضافة إلى فنّيات السّرد وغيره من ضروب الكتابة والشّعر بمختلف أنواعه

*

إن مرجعيّة الشّاعر الحديث اليوم ما عادت تقتصر كما كانت على الشّعر القديم المبثوث في المتون والمختارات والمصنّفات من الدواوين تلك الّتي يقتصر الإبداع الحقيقيّ فيها على بعض القصائد فحسب، بل صارت تلك المرجعيّة تستند

أيضا إلى عديد النّصوص الأخرى في الآداب القديمة والمعاصرة تلك الّتي اِطّلعنا عليها فاِكتشفنا فيها آفاقا وأنماطا أخرى من الإبداع فحاولنا أن نقتبس من تلك المعالم الإنسانيّة إلى شعرنا الحديث من دون نسخ أو نقل مباشر فالآداب تتلاقح وتتمازج وتتحاكى وتتطوّر ليس بفعل التّرجمة والاِطّلاع فقط وإنّما بسبب العوامل الاِجتماعيّة والحضاريّة أيضا. فالجيل الّذي كتب قصائده على نمط التّفعيلة ـ الشّعر الحرّ ـ وخرج على نمطيّة البحور والقوافي عند منتصف القرن العشرين قد عبّر بذلك عن خروجه على نسق المجتمع العربيّ القائم على التّقاليد والقيم تلك الّتي تزحزحت بسبب التطوّر الكبير في حياتها الّذي ِاستطاع أن يؤثّر في كلّ شيء فيها من تخطيط المدينة ومعمارها، إلى فضاء البيت ومختلف العلاقات بين ذويه، ومن أدوات الكتابة والقراءة، إلى أدوات الفلاحة والطبخ، ومن الأثاث واللّباس، إلى الأفكار والإحساس...

إنّ قصيدة جيل النصف الثاني من القرن العشرين عبّرت عن ذلك التغيير والشّرخ الكبير الّذي تمرّ به المجتمعات العربيّة بفعل دوافعه الاِجتماعيّة والتاريخيةّ العديدة.

*

أمّا الجيل الموالي الّذي تشكّل وعيُه في سنوات الثّلث الأخير من القرن العشرين فقد عاش فترة الِانهيار والانكسار والدّمار على المستوى المحلّي والقومي والعالمي وعلى مستوى الإديولوجيات والأحزاب السياسية خاصة فأراد أن يبني وأن يؤسّس على غير ما وجد لعلّه يجد الخلاص فرأيناه يَنشُد الجديد والغريب أحيانا ليس في

الشّعر والآداب فحسب وإنّما في شتّى الفنون وقد اِستند على شرعية التّجديد والبحث والتجريب تلك الّتي ترنو إلى إنجاز إبداع يمثّل هواجسها ويعبّر عن همومها وأحلامها فذلك هو الأمل والمبتغى، فحسب كلّ جيل أن يثبت بصماته

*

 لقد قلت مرّة إنّ المحاولة في التّجديد أفضل من النّجاح في التّقليد وإنّ إيماني بهذه المقولة كان نتيجة المناخ الثّقافي الّذي كان سائدا سنة 1970 تلك السنة الّتي بدأت فيها النّشر بصفة جديّة. من قصائدي الأولى الّتي صوّرت فيها ذلك البحث وذلك الهاجس الجميل في تجاوز السّائد قصيدة ـ الحذاء ـ

جاء الرّبيع

سيشتري حذاء

جاء الصّيف

سيشتري حذاء

جاء الخريف

سيشتري حذاء

اِنقضى الشّتاء

فتعلّم المشي حافيا

*

وإلى اليوم ـ أوائل سنة 2000 ـ و بعد مرور أكثر من ثلث قرن على هذه القصيدة مازلت أحاول وأبحث.

 ومن تلك القصائد أيضا قصيدة المحطّة الّتي عبّرت فيها عن حيرتي المتأجّجة بين الأطروحات الّتي كانت قائمة وقتذاك والّتي كانت تتجاذبني مرّة نحو اليسار ومرّة نحو اليمين فجعلت من المحطّة مشهدا يصوّر تلك المرحلة فقلت

في قصيدة ـ المحطة ـ

وقف المسافر وسط الميدان

يسأل عن العنوان :

ـ إلى اليمين... ثمّ رويدا رويدا

إلى اليسار

- شكرا.

ـ إلى اليسار... ثمّ رُويدا رُويدا

إلى اليمين

- شكرا.

أخذ المسافر حقيبته

و مضى إلى الأمام...!

*

هكذا صوّرتُ التّناقض الّذي عاشته الذهنيّات في تلك السّنوات المتأجّجة بالأسئلة وقد كانت الحركات الفكريّة والسياسيّة قائمة على قدم وساق سواء في الجامعة أو في الشارع والمجتمع أو في الأحداث العربيّة والعالميّة حيث كنت متابعا لها و قارئا نهما لمختلف أطروحاتها وأدبيّاتها وكنت أرفض فيها الاِنضباط والتسلّط إِذْ  رأيت أنّ التنوّع والاِختلاف ثراء في المعرفة وزاد لملء الوطاب وغِنًى للفكر والفنّ وفُسحة للرّوح فلقد كنت أحبّ أبا ذر الغفاري وشيغيفارا معًا وكنت معجبا بغاندي وحنّبعل كِليْهما

أنا لست منظّرا في الفكر والإديولوجيا ولا محترفا في السياسة ولكنّني وجدت أنّ التاريخ الإنسانيّ أكبر وأشمل من كلّ النّظريّات، و بالتّالي فإن الشّعر عندي لا يحدّه معنى ولا شكل  وهو أوسعُ من التفعيلات والبحور وأشمل من البلاغة والبيان وما اللغة إلا تعبيرة من تعبيراته العديدة والمتنوعة وقد تضيق به أحيانا...

 ثمّة قصائد عندي ما مسكتُها بحرف ولا أسكنتها ورقةً فلا عجب أن كتبتُ في السّنوات الأخيرة بعض الأشعار العموديّة ربّما بسبب الحنين إلى الماضي أو بحثا عن طرافة القديم في خضمّ الجديد لِمَ لا ؟؟ ذلك أنّ الشّعر عندي :لا يُحدّ بشكل ولا يُعدّ بنوع ولا يقتصر على موضوع بل القصيدة يكتبها قارئها وسامعها أيضا...!؟

 

سُوف عبيد

جانفي 2000

 

شاكر فريد حسنكانت الصديقة الكاتبة حوّا بطواش المنحدرة من أصول شركسية، قد أهدتني مشكورة روايتها الأولى "حب في العاصفة " الصادرة هذا العام 2019، عن دار الهدى ع . زحالقة في كفر قرع .

وحوّا بطواش المقيمة في قرية كفر كما في الجليل الأسفل، خريجة جامعة حيفا، وحاصلة على لقب أول في علم الاجتماع، تكتب القصة والرواية والمقال الأدبي، وقد نشرت كتاباتها في عدد من الدوريات الأدبية والثقافية المحلية وفي مواقع الشبكة الالكترونية، وعلى صفحتها الشخصية في الفيسبوك . وكان قد صدر لها العام 2013 مجموعة قصصية بعنوان " الرجل الخطأ " .

تقع رواية " حب في العاصفة " في 147 صفحة من الحجم المتوسط، وتطرح مسألة اجتماعية في غاية الأهمية، تعاني منها المجتمعات العربية الشرقية، وهي اختيار الفتاة العربية لشريك الحياة .

وملخص الرواية قصة حب تجمع بين هنادي ابنة التاسعة عشرة وبين سامر ابن قاتل أبيها الذي يقبع وراء قضبان السجن، وكانت أسرته قد تركت البلاد وهاجرت إلى أمريكا، لتعود بعد عشر سنوات من حادثة القتل، ويشاء القدر أن يتعرف سامر على هنادي في الجامعة وتربط بينهما علاقة عشق، ولكن هنادي كانت " معطية " لابن عمها رامز باتفاق بين أبيها قبل مصرعه وعمها . وقد عارض وليد وفاديه شقيقا هنادي هذه العلاقة ورفضاها بشدة، ويرغماها على القبول بابن عمها، ما دفعها إلى التضحية في سبيل حبيبها سامر، وقررت الهرب معه إلى أمريكا، وقد خططا ورتبا الأمر مع صديق لسامر يعيش خارج البلاد.

لا مكان ولا زمان للرواية، ومن الممكن أن تجري وتحدث في كل الأزمنة والأمكنة، وهي بتسلسل أحداثها مشوقة، تغلفها متعة ودهشة السرد، الذي يشد القارئ لمتابعة مشاهدها التفصيلية الدقيقة .

وحوّا بطواش تنسج روايتها بلغة أدبية سردية ماتعة، وتستخدم اسلوبًا قصصيًا سرديًا هادئًا وسلسًا لا يرهق القارئ .

وفي الوقت نفسه فإن حوّا لم تكن موفقة باختيار عنوان روايتها، فقد كشفت للقراء عن مضمونها، ولم تترك له اكتشاف ذلك بنفسه من خلال متابعة الاحداث .

ومجمل القول، رواية " حب في العاصفة " لحوا بطواش تحمل ميزات تدل على خصب خيال ورؤيا وامتاع في الاسلوب وحرص شديد على الواقعية ومعايشة الاحداث، والتجارب تم نقلها بإمتاع وسلاسة، وتبتعد لغتها قدر الإمكان عن التعقيد واصطناع الصور البيانية، منسابة انسيابًا عذبًا أخاذًا، يأخذ بالأنفاس وبمجامع القلوب، وتعبّر عن احساس الكاتبة بالعالم والواقع الاجتماعي المعيش المحيط بها في صورية تجسيد وتصوير الحلم بالتوازي مع الواقع وتجعل للاثنين بعدًا منسجمًا في إطار واقع الفن الروائي المعاصر .

فأجمل التحيات للصديقة الكاتبة حوّا بطواش التي أثبتت حضورها في المشهد القصصي الإبداعي المحلي بأعمالها ذات الطابع الواقعي الاجتماعي التسجيلي التصويري، مع التمنيات لها بالمزيد من العطاء والتألق والاستفادة من كتاباتها السابقة لإغناء وتطوير تجربتها الإبداعية أكثر .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

نور الدين صمودعرفنا في بداية تكويننا الثقافي والعلمي اسم العالم الموسوعي الكبير فؤاد أفرام البستاني عن طريق سلسلة "الروائع" التي كان يُعَرِّفُ فيها بالشعراء والكتاب والعلماء والأدباء العرب من الجاهلية إلى العصر الحديث، ثم عرفته شخصيا بعد ذلك عن كثب في الجامعة اللبنانية ببيروت، [1958/59]عندما كان رئيسا لها، وكانت له فيها محاضرات ودروس يلقيها على طلبته، وغالبا ما لم يكن يتقيد فيها بموضوعها الأساسي بل يتوسع فيها توسعا محمودا ويفتح فيها أقواسا تفضي إلى أقواس، وقد بقي منها في الذاكرة الشيء الكثير في شتى المواضيع الخارجة من عناوينها الأساسية، من ذلك أنه تعرض مرة إلى (البهائية) تعرضا علميا يمكن أن يجده من يريد أن يعرفه في كتب الأعلام وفي دوائر المعارف، ويهمني هنا أن أذكر أنه ذات مرة، بعدما تحدث عن هذا النِّحلة المزعومة، تعرَّضَ تعرُّضا طريفا إلى زعيمها عبد البهاء، وما زلتُ أذكر أنه قد قال عنه، (إن جبران خليل جبران كان سبب شهرته في أمريكا، وذلك أنه رسمه رسما جميلا، فتعلقت به كثير من النساء الأمريكيات واعتنقن دعوته أو ما دعاه دينا).

ولعل هذه الكلمة من أستاذنا البستاني لم تكن لِتعلقَ بذاكرتي لو لم أكن قد عرفت في تونس من أتباعه اثنين التحق به اثنان: أخ وشقيقته من مصر في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، ولم تكن لي صلة إلا بواحد من التونسييْن لإشرافه على حصة أدبية كان يذيع فيها ما يصله من محاولات (الأدباء الهواة) بالإذاعة التونسية آنذاك عندما كنت في بداية الطريق، ثم توطدت علاقتي به بعد ذلك وعرفته معرفة ثقافية، ورغم ذلك فإنه، للحقيقة والتاريخ، لم يحدثني عن هذا المذهب، ولم يحاول جذبي إليه، وقد صار يفخر، عندما أصبحت معروفا في عالم الأدب، بأنه أول من قدم شعري إلى المستمعين في الإذاعة التونسية.

ثم مرت على ملاحظة البستاني المتعلقة برسم جبران الذي كان سببا في شهرة زعيم البهائية عقود كثيرة كادت تنسينيها، وقد قفزت إلى ذاكرتي تلك الملاحظة، عندما كنت أقرأ رسالة كتبها جبران إلى صديقته الأمريكية (ماري هسكل) منشورة في كتاب (من وحي رسائل جبران) المجموعة الأولى اختارها وترجمها بتصرف إميل خليل بيدس) وهي مؤرخة في 19 نيسان (أفريل) 1912.

ومن خلالها نفهم أن جبران قد نام مهموما ليلة ذلك اليوم تحت كابوس من جراء ما حل بسفينة "تيتانيك" التي غاصت في البحر قُبيل كتابة تلك الرسالة بخمسة أيام، واستفاق على ذلك الكابوس الذي سماه المترجم ضاغوطا.

وهذه هي الرسالة بتارخ 19 نيسان "أفريل" 1912 (قبيل الفجر، داعب جفني الوسنُ. الهواء متشرِّبٌ برائحة المأساة. "التيتانيك" التي غاصت في اليَمِّ بما تحمله من بشر..نغّصني الفِكرُ، ورمضتني الكارثة – هؤلاء الأبرياء – ذرفتُ الدمع الهتون.

نهضت في السادسة وضاغوط الكارثة لا يفارقني..ولكن الاغتسال بالماء البارد، ثم فنجان القهوة فرّجا عن مخنقي).

وانتقل جبران في تلك الرسالة إلى الحديث عن رسمه لعبد البهاء، فذكر الوقت الذي بدأ فيه رسمه والوقت الذي انتهى فيه منه، وإلى الحاضرين والحاضرات بصفة خاصة، وذكر الانطباع الذي خلفه رسمه في نفس صاحبه ونفوس أتباعه وفي نفس جبران أيضا فقال:

(في السابعة والنصف كنت مع عبد البهاء، رئيس البهائيين في بلاد فارس. في الثامنة بدأنا العمل. وتوافد الناس وجُلّهم من النساء. جلسوا خاشعين ينظرون بعيونٍ لا تَطْرِفُ. في التاسعة اكتمل الرسم وابتسم عبد البهاء. ما هي إلا كفتحة عينٍ وغمْضتِها حتى أقبل عليَّ الحاضرون باندفاع عجيب، هذا يهنِّئُني، وهذا يشد على يدي – كأنني أسديتُ لكل واحد خدمة – وهذا يقول: معجزة! هبط الوحْيُ عليك! وذاك يقول: اكتشفتَ روحَ المعلم! كلٌّ قال كلمته..وقال هو باللسان العربي: "الذي يعمل مع الروح لا يفشل، فيكَ قوَّةٌ مستمَدّةٌ من الله!" واستدرَك: "الأنبياء والشعراء يرتوون من نور الله!" وتبسّم ثانية – وكانت في بسمته قصة عاصفة، قصة سوريا وبلاد العرب وبلاد فارس.

أتباعه أحبّوا الرسم لأنه صورة كالأصل..وأنا أحببته لأنه تعبير عن الناحية الأفضل مني.

جفوني ثقيلة، الكرى أثقلها. أتكفيني ساعاتٌ ثلاث؟ أنام فيها وأستعيد القوة المبددة؟! [الإمضاء] "خليل" ) ومن خلال هذه الرسالة تأكدتُ أن أستاذنا البستاني قد كان على علم بهذا الرسم الذي رسمه جبران لعبد البهاء، وأن ما قاله لنا مطابق لما وقع في أوائل القرن الماضي، أما أنه كان سببا في شهرته فهذا يحتاج إلى ما يؤكده.

وقد كتب جبران رسالة أخرى إلى ماري هسكل في 16 أياّر(ماي) 1912 أي بعد أقل من شهر من الرسالة السابقة، تحدث فيها مرة أخرى عن عبد البهاء فقال: (عاد عبد البهاء إلى نيويورك منذ أيام قليلة. أقامت له لجنة السلام النسائية حفلة كبرى في فندق أستور، تكلم عدد من الخطباء، وكان السلامُ موضوعَ الحديث الذي هطلت به الألسنُ. السلام...السلام... السلام الدولي..العالَمي. شيء مملٌّ، إعادة متعبة، بلا طعم، بلا نكهة، السلام...السلام...ترديد وإعادة.. جرس على وتيرة واحدة. السلام منية الدهور، والدنيا أصغر من أن تبلغ الوطر. أنا أقول: ليكنْ هناك حربٌ! ليستعرِ الأوارُ! ليقتتل أبناء الوطن إلى أن تُسفكَ آخرُ قطرة من الدّم الملوّث! لماذا يهجس الإنسان بالسلام وهو محروم من راحة النفس في نظام يستحق الزوال، بلْهَ محكوم عليه بالزوال). "خليل"

وهي رسالة تستحق التأمل والتمعُّن والتحليل، نفهم منها أن جبران لم يكن متأثرا بما يَدَّعيه البهاء وأتباعه في أمريكا خاصة، ويبدو أن أتباعه كانوا مبهورين بهيأته ومظهره وأُبَّهَتِهِ وببهجته وبالرسم الذي وضعه له جبران أكثر من إعجابهم بما يدعو إليه من نِحلة، وأما دعوته إلى السلام فهو شعار خلاب يجلب الجميع، لكن الكلام الذي كانوا يرددونه في ذلك الاحتفال، كان اجترارا باردا غير مقنع أو مؤثِّر.

وقد أبدى جبران في رسالته لصديقته الأمريكية رأيا غريبا حول الحرب والسلام يحتاج إلى نقد ومناقشة وَرَدٍّ لمعرفة أسبابه ودواعيه.

وقد بحثت عن ذلك الرسم الذي رسمه جبران للبهاء فلم أجد فيه الأبهة الفاخرة والروعة الباهرة التي تخيلتها من خلال وصف أستاذنا صاحب الروائع لصاحب الدين البهائي الذي يتخذ أتباعه من يافا بفلسطين المحتلة مستقرا ومحجا يجمع شمل أتباعه، وأكتفي بهذه الكلمة التي لم أكن لأكتب عنها لو لم يبعثها في ذاكرتي ما قاله أستاذنا البستاني رحمه الله.

 

أ. د: نورالدين صمود

 

علي المرهجفي سنوات الحرب العراقية ـ الإيرانية أنتجت دائرة السينما العراقية فيلماً سينمائياً بعنوان "الحدود المُلتهبة" وهو تسجيل لبعض من آلام الجنود العراقيين أيام هذه الحرب ودعم لمعنوياتهم شارك في انتاجه ما يُسمى حينذاك (مُديرية التوجيه السياسي) التي تم تعديل الإسم فيما بعد لتكون (مُديرية التوجيه المعنوي)، وهي مُديرية نشطة مهمتها رفع معنويات المقاتلين أيام الحرب سواء بانتاج أغان وطنية، وهي في الأغلب الأعم تتغنى لا بحب الوطن بقدر ما يتغنى شاعرها وملحنها ومؤدوها بشجاعة "القائد الضرورة"، وعلى ما يُوجه لهذه المديرية من نقد إلَا أن العارفين في مُتطلبات الانتصار في الحرب هو دور الإعلام فيها أو ما سماه (صلاح نصر) مُدير المخابرات أيام عبد الناصر بمصر (الحرب النفسية) التي من متطلباتها رفع معنويات المقاتلين وصناعة الخبر بما يخدم قادة الحرب ويُحسن من صورتهم بوصفهم القادة الأمثل في هذه المرحلة وبما يجعل الجنود أكثر وثوقية بقدرة هؤلاء القادة على تحقيق النصر وبمعنويات عالية، ولا مكان لرفع معنويات الجنود (المقاتلين) في الحرب في رؤى الفلاسفة والمفكرين التأمليين الحالمين بمعرفة الحقيقة، لأن إحدى أهم وسائل تحقيق الانتصار هي ايهام العدو بأنه على باطل في حربه، وايهام الموالي بأنه إن كان هُناك ما يقتضي الإيهام بأن حربه مع العدو هي حرب مُقدسة، وأظن أن كلا طرفي النظام: العراقي والإيراني استخدم لغة (الحرب النفسية) هذه بتوصيف حربه مع الطرف الآخر على أنها (حرب مُقدسة)، وهي حرب على (الباطل) كي ينتصر (الحق)!!، وبالضرورة كل طرف في الحرب يصنع حقيقته أو قُلَ (وهمه)، ففي الحرب الغاية النصر، والوسيلة تختلف بحسب أيديولوجيا كل طرف في الحرب، ولكن لا يوجد طرف في الحرب يُصرح قادته وحاكموه أنهم يقودون الشباب ليجعلوا منهم وقوداً لنزواتهم ورغباتهم في البقاء في السلطة، وكلما زاد دعم طرف من جهات مُستفيدة زاد النظام في غيَه، فظنَ أنه هو المخلص وأن تصحيح حركة التاريخ مهمة أناطتها له السماء...

في فيلم (الحدود الملتهبة) العراقي الذي أخرجه صاحب حداد (1983) ومثَل فيه: طعمة التميمي، وقاسم الملَاك، وهند كامل، وسامي قفطان، وهاني هاني، وكنعان علي، ومقداد عبدالرضا، تأكيد على بعد يشحذ الهمم في المعركة، ألا وهو البُعد القومي، بُحكم العداء التاريخي بين العرب والفرس، فالفيلم يُجسد فيه المُمثلون حرصهم على الدفاع عن قوميتهم (العروبية) واظهار عدوهم (الإيراني) على أنه (مجوسي) لم يؤثر في الإسلام (العروبي) في تبديل نزوعه التاريخي للزرادشتية، ولم يؤثر الإسلام فيه إلَا على مستوى الادَعاء شكلياً للإسلام لا الصدق في الانتماء.

انتهت الحرب العراقية ـ الإيرانية، ولم ينته الصراع بين الطرفين، وكان لإيران فرصة تاريخية في الاستفادة من غباء نظام صدام حسين حينما دخل الكويت وأعلن بأنها (المحافظة التاسة عشر)، وأظن أنه "هي القشة التي قصمت ظهر البعير" (صدام) الذي خرج مزهواً بنفسه راكباً حصاناً أبيضاً في ساحة (الاحتفالات الكبرى) ببغداد وقادة برتب عالية يمشون أمام الحصان وخلفه، يُحيطون به من كل جانب، فلم يتحمل الحُصان تلك الحفاوة فوقع في (الخيَة).

فكانت الكويت مقبرة جنود صدَقوا حماقة (النظام) وفصلوا بين الفارس والحصان، فصدقوا أن الفارس الذي يقود حصاناً يُمكن أن يقود شعباً، ولم يجلَ بخاطرهم أن قيادة الحصان تقتضي اتقان دراية بحركات جسدية فيها بعض اعمال للعقل، فيرتضي بك الحصان صديقاً له أو راكباً، ولكن قيادة شعب ومجتمع تحتاج لاعمال العقل أكثر من اتقان حركات الجسد، فسقط الفارس، وبقي الشعب.

لنعود لمفهوم الحدود، فبعد أن أدخل نظام صدام الجيش العراقي المُنهك من حربه الأولى مع إيران، شعر صداماً أنه بالفعل قائد تاريخي لأنه انتصر وإن يكن بدعم على امبراطورية كُبرى مثل بلاد فارس، فلا بُدَ أن تكون مهمته يسيرة في القضاء على إمارت ومشايخ لا تاريخ لها خارج تاريخ العراق قديماً وحديثاً!!.

دخلنا الحرب برغبة سلطان (أهوج) (أرعن) وخرجنا منها بنكسة (خيمة صفوان) بعد انتصار قوات التحالف الدولي وما يُمكن تسميته (حرب الإبادة الجماعية) للجيش العراقي الذي أمره (القائد الضرورة) بأن لا ينسحب حتى وإن سمع تسجيلاً صوتياً منه بأنه يطلب منه الإنسحاب، وبعض الفرق العسكرية آمنت بما تعهد به النظام بأنه لا يتخاذل ولا ينسحب، فبقيَ الأشداء المحاربون الصادقون في ثكناتهم العسكرية، ولكن (القائد الضرورة) هادن وتخاذل، فخُدع المؤمنون الصادقون كالعادة على طول التاريخ.

لا أخوض في مهانة (اتفاقية خيمة صفوان)، ولكن الذي وجدته بعد تغيَر الحال وتبدل النظام أن الأخوة الكويتيين لم يتخلصوا إلى يومنا هذا من سقاطات نظام أشِر هو نظام (صدام حسين)، وبعد أن حاول ساسة النظام الجديد أن يُظهروا لهم حُسن النية في كثير من اللقاءات والحوارات والتضحيات بأراض عراقية إلَا أن ما وجدته في مسلسل (حدود الشر) الكويتي من تورية ورمزية ليست خافية على المُتلقي والمُشاهد اللبيب أن الجرح لا زال لم يندمل بعد، وربما من حقهم ذلك، وعلى ساستنا تحسين الصورة، ولكن ليس من حق كُتَاب الدراما الكويتية والقيّمين عليها من مُممثلين ومُخرجين أن يُظهروا الشخصية العراقية في هذا المُسلسل على أنها شخصية انتهازية، شريرة، فاسدة، لا اعتبار لها لقيمة أخلاقية أو إنسانية.

ليُمعن النظر كل مشاهد حصيف بمشاهد حول الصراع بين (الخدَامة العراقية) التي تؤدي دورها (ميس كمر) والتي أُحسن الظن بها فأقول أنها لم تُدرك القصد أو (المسكوت عنه) في السيناريو، ولكن شخصيتها في المسلسل شخصية رئيسة، ولكنها لم تظهر في (أفيش) المسلسل او دعايته!!، اعتقد أنها تبحث عن قيمة (الأجر) الذي تتقاضاه وعن ديمونة عمل لها في الخليج الغني!!.

هي خدّانة تزوجها زوج (حياة الفهد) الفنانة الكويتية التي يُحبها أهل العراق، ولكنها لم تكن موفقة في اختيارها لهذا الدور إن لم تكن تدري، وإن كانت تدري فالمصيبة أعظمُ.

حكاية المُسلسل أن هناك عائلةً كويتيةً فيها مشاكل بين الزوج والزوجة، وللزوج مزرعة في (البصرة) يُديرها فلَاحون عراقيون، ولأن البصرة حدودية، لذا أظن أن كاتب المسلسل وضع بقصد عنوان المسلسل (حدود الشر)، والمقصود به أن (حدود الشر) هذه هي حدود العراق التي تُحيط بالكويت!، وبعد تردد يتزوج التاجر الكويتي من ابنة الفلَاح العراقي التي جُلَ همَها كيفية تخريب حال هذه العائلة ونهب ممتلكاتها!!، وبعد زواجها تجلب معها أختها وأخيها باشارة رمزية على أن العراقيين رجالاً ونساءً، أخوة وأخوات، إنما هُم نهابون سلَابون، لتجد (حياة الفهد) تستخدم أقذع الألفاظ النابية في توصيف الوافدين العراقيين!!.

الكلام يطول، ولكنني أظن أن مثل هكذا تشجيع لدعم عمل فني يُسيء رمزياً لشعب وتاريخ عمقه الثقافي وسع الكويت وكثير من أرضي الخليج أرضاً وحضارة لهو اساءة ضمنية للتاريخ مجتمع الخليج بأكمله...

لنسعى جاهدين حكومات وشعوباً للعمل على ترطيب أجواء (الحدود) كي لا تكون (مُلتهبة)، وعلى تقليل نزعة الشر الكامنة في نفوسنا بفعل سياسات ماضي لنجعل من (حدود الشر) حدود خير تلتقي فيها الأطراف بمحبة لتنثر تعالقها العشائري والثقافي بين شعبين في تاريخهما من المشتركات الثقافية والحضارية (إيران والعراق) و (الكويت والعراق) ما يُمكن أبناء هذه الشعوب وساستها من اقامة جسور للتواصل لا للقطيعة.

 

ا. د. علي المرهج

 

عبد الله الفيفيتَكثُر المساءلاتُ الجدليَّة المعاصرة حول بعض الاستعمالات اللغويَّة، فإذا رأيتَ ثَمَّ، رأيتَ أنه لا يمكن القطع بتخطيء هذا التعبير أو ذاك؛ لأن الدلالة، لا بُدَّ، خاضعةٌ لمقصود القائل. لذلك تجد مَن يصوِّب أحد الاستعمالات ويخطِّئ الآخر، ليأتي غيره فيرى نقيض مذهبه؛ من حيث إن كلًّا ينظر إلى الدلالة من زاويةٍ تعبيريَّة.

في هذا المقال أعرض نماذج، من ذكريات عملي في مجلس الشورى، ممَّا كان يحتدم به الجدال اللغوي مع بعض الزملاء أحيانًا، بين متشدِّد منهم ومتسهِّل ومحتكم إلى سعة اللغة، وأن الأصل فيها أنها وسيلة إفضاءٍ عمَّا في الأذهان والنفوس، تتلوَّن صيغها بتلوُّن المقاصد.

نبدأ بالخلاف حول قول مَن يقول: «اعتذرَ عن الحضور»، أو «اعتذرَ عن عدم الحضور»، وأيهما الصحيح؟ وهاهنا يمكن القول إن «اعتذرَ عن الحضور» عبارةٌ بمعنى وجدَ الحضورَ متعذِّرًا عليه؛ فهو من ذوي الأعذار، أي الموانع. أمَّا «اعتذرَ عن عدم الحضور» فتعني تأسَّف لعدم تمكُّنه من الحضور. وهكذا فإن «اعتذرَ» في العبارة الأولى بمعنى: امتنعَ عن الحضور، وحالَ دونه حائل، وحبسه حابس، هو به معذور. و«عن» هنا تفيد البُعد، أي صار له عذرٌ أبعده عن الحضور، لا عن عدم الحضور. على حين أن «اعتذرَ» في العبارة الأخرى بمعنى: تأسَّف لعدم الحضور، أو قدَّم عذرًا بشأن عدم حضوره. ويتبيَّن، إذن، أن صحَّة المبنى رهن المراد في المعنى؛ وليست صياغة جاهزة بصالحةٍ في كلِّ سياق.

-2-

وطلعَ علينا ذات يوم، ونحن في أمان الله، من أثار شُبهةً أخرى، حول استعمال بعض الأُسَر كنية «العبدالله» ونحوها من الكُنى المعاصرة- بزعمه. ولا تثريب، فثمَّة حساسيَّةٌ ثقافيَّة عربيَّة مزمنة من كلِّ جديد، في اللغة وغير اللغة، وحنينٌ مَرَضِيٌّ إلى كلِّ قديم! بل تخطَّى صاحبنا الجانب اللغوي إلى الجانب العقدي. على الرغم من أن الناس لا يقصدون المعنى المستنتَج في ذهنه، ولا يخطُر لهم على بال. وإنما الأعمال بالنيات، فكيف بالأقوال؟! على أن «العبد الله»، قد تعني: «آل عبدالله»، وإنْ كُتِبت أو نُطِقت «العبد الله». ثمَّ إن قولنا: «محمَّد العبد الله»، مثلًا، هي في الحقيقة: «محمدٌ العبدُ اللهِ»، بإضافة «العبد» إلى «الله»، وليس «العبدُ اللهُ»، كما توهَّم صاحبنا، حتى يمكنه القول إن المعنى قد انحرف إلى دلالةٍ لا تليق بالله تعالى. وعلى الرغم من عدم ظهور الحركات الإعرابيَّة في عاميَّاتنا غالبًا، فإن ضمَّ كلمة «الله»- وهو ما يحسم الارتياب في الدلالة- غير وارد في الاستعمال اللهجي على الإطلاق، بل إن لفظ الجلالة، إنْ لم يأت آخِرُه بالسكون هاهنا، سمعناه أقرب إلى الكسر. وعندئذٍ تنتفي الشبهة. أضف إلى هذا أن استعمال (أل) مع الأعلام أمرٌ قديمٌ في العربيَّة، وهو يأتي للتعظيم، كقول العرب: الحسن، والحسين، والعباس.(1)

-3-

وممَّا يتوقَّف عنده الموسوسون أحيانًا تعبير «تشكَّلت الهيئة». وبدهي أن هذه التعبيرات الحديثة من طبيعة اللغة وضرورات تطوُّرها. ومعظم اللغة قائمٌ على المجاز، كما كان (ابن جني) يقول. فـ«تشكَّلت» بمعنى: اتخذت هيئةً، وشكلًا، وبناءً مكوّنًا من جملة أعضاء، وكأنها قد اتخذت صورةً بنائيَّة قائمة، إشارة إلى تكاملها وتعاضدها. ويلحظ القارئ أن هذه التعبيرات- كـ«لجنة»، «عضو»، «هيئة»- ذات دلالات حديثة. ولو ظللنا نفكِّر في دلالاتها العتيقة وتمسكنا بها وحدها، لحكمنا على أنفسنا وعلى لغتنا بالعجز عن مجاراة المعاني في الحياة. وليس تعبير «تشكَّلَ» بمختلِفٍ في هذا عن: «تألَّفَ»، أو «تكوَّنَ»، في أن له دلالة أخرى قديمة. بيدَ أن من طبيعة اللغات الانزياح، لكسب دلالات جديدة، أو تضمين إيحاءات تصويريَّة حديثة. ولولا ذلك لجمدت اللغة، وماتت البلاغة، أو في الأقل لأُلغيت عبقريَّة اللغة في تصوير الدلالات الذهنيَّة المتجدِّدة.

-4-

لَـهِجَتْ  بِصَوْتٍ  وَاحِـدٍ        **      لا صَـوْتَ  فِيْـهِ  ولا  فَـما

رَضِعَتْ  حَلِـيْبَ نِـيَاقِهـا       **      الأُوْلَى بِـأُخْـرَى  بِـئْـسَـما

فصَبَاحُـهـا  لا  تَـشْتَرِيْـهِ      **      بِـلَـيْـلَــةٍ   بِـيَـلَـمْـلَـمـا

وتَـدُوْرُ   في الثَّـقَـلَـيْنِ  لا     **      تَـلْـوِيْ  على : «يـا رُبَّـما»

ضَاعَ السَّـبِـيْلُ بِهـا  وأَنـْـ      **      ــهَجَ بُـرْدُهُ  فـتَـخَـرَّمـا!

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيفي

........................

 (1)  يُنظر مثلًا: البستي، حمد بن محمَّد الخطابي (-388)، (1982)، غريب الحديث، تحقيق: عبد الكريم إبراهيم العزباوي (مكَّة: جامعة أُمِّ القُرَى)، 1: 694. 

 

عبد الجبار نوري"الحياة أعزُ شيء للأنسان، أنّها توهب لهُ مرّة واحدة، فيجب أن يعيشها عيشة لا يشعر معها بندم ومعاناة لسع الجلد الذاتي، وندم مرعب على السنين التي عاشها، ولا بلسعة العارعلى ماضٍ رذل تافه، وليستطع أن يقول وهو يحتضر : كانت حياتي وكل قواي موهوبة لأروع شيء في العالم : النضال في سبيل تحرير الأنسان "---هذا ما قاله الروائي والكاتب (نيكولاي أوستروفيسكي) وهو على فراش الموت بعمر مبكر وهو سعيد لا يشعر بندم ولسع الذات طالما هو شارك الجموع الغفيرة في تحقيق الأمنية الغالية (النضال في سبيل تحرير الأنسان).

 في موسكو تجد متحف في وسط المدينة أسمهُ " متحف نيكولاي أستروفيسكي" وأن أول ما يلفت النظر في المتحف هو قول نيكولاي على لسان بطل الرواية الطفل (بافل) والذي نُقش على قاعدة تمثالهِ "تعلّمْ أن تعيش حتى ولو أصبحت حياتك لا تطاق " ويأتي أليهِ طلاب المدارس والجامعات ليتعلموا الصبر والشجاعة والصمود، رواية "كيف سقينا الفولاذ How The Steel Was Tempered "للروائي نيكولاي أستروفسكي 1904 -1936 الأوكراني الروسي، كتابهُ هذا أصبح سلاحاً متعادلاً مع جميع أساليب الكفاح للحصول على الحرية، وأصبح الكتاب فعلاً سلاحاً مؤثراً أيام الحرب ضد الفاشية حينها وضع الجيش الأحمر صور بافل وأسترفيسكي على دروعها في أقتحام الدبابات شوارع برلين الهتلرية، ويقول حقًاً أننا سقينا الفولاذ بصمودنا الأسطوري، وكذلك سارت مفاهيم الكتاب الكفاحية مع تقدم الجيش السوفييتي عام 42 لحماية سقوط مدينة الصمود (لينينغراد) لسكانها 4-2 مليون نسمة لها الحق أن تفتخروتقول : حقاً أننا سقينا الفولاذ بصمودنا الأسطوري 872يوماً معاناة مرعبة في نقص الغذاء والدواء والوقود والحليب ل 400 ألف طفل، والعامل الذي ساعد على الحفاظ على الأرواح من الموت الجماعي هو وجود بحيرة (لادوغا) في الحدود الجنوبية للمدينة الشريان الوحيد في توصيل بعض المؤن والذي أطلق عليه (طريق الحياة)، والتأريخ يحكي لنا مأثرة أخرى للشعب السوفيتي في حرب الشتاء السوفييتي في تصدي الجيش الأحمر ببطولاتٍ خارقة لمعارك ضارية ضد الغزاة خلال شتاء قارص البرد من عدة جبهات مكللين العدو الشوفيني ألآلااف من القتلى وأضعاف الجرحى وأضعاف أضعاف أسرى محققين ذلك الأنتصار التأريخي ويبتسم حينها نيكولاي ويردد : --- وسقينا الفولاذ .

الأفكار الرئيسة التي وردت في الرواية:

- البحث عن المثل العليا كفاتورة للمحن القاسية عبر التضحيات من أجل العدالة الأجتماعية وحرية الأنسان .

- قوّة لتحريك لروح الأرادة في الأنسان .

- من الأعمال الأدبية التي روجت لبناء الأشتراكية في الأتحاد السوفيتي، حين أعطى نيكولاي دفعة عظيمة للأدب الأشتراكي والتي تتصف بالمدرسة لواقعية .

- تتميز أبواب الكتاب بالشكل والمضمون بأختلافٍ عن الأدب البورجوازي وحتى أدباء عصره من الأشتراكيين لكون روايتهُ " كيف سقينا الفولاذ " أحداثها تسير بعدة أتجاهات حيث تسير على أكثر من جبهة من النضال النقابي فالنضال الفكري الأيديولوجي وثم إلى الحروب والقتال وفضح أعداء المسيرة السريين والعلنيين داخل السلطة السوفيتية والحزب ودول الجوار والعالم مثل بولندا وألمانيا .

- يطرح أفكار فلسفية في العديد من القضايا التي تهم الأنسان عموما والأشتراكية السوفيتية بشكل خاص .

- تفضح الرواية مستلبات الدكتاتورية القيصرية الأقطاعية والكنيسة ورهبانها .

- ويرسم خارطة النموذج الأشتراكي العلمي بهذه الركائز{العمل الجماعي –العقيدة – الأخلاق – فلسفة العمل – فلسفة الحرب – الصراع الطبقي} .

- المزج بين الثورة والحب بعفوية مطلقة هو تجسيد وترجمة حرفية لتقديس الحياة والتضحية لديمومتها .

- بأعتقادي الرواية تحكي الكفاح المسلح أيام الثورة البلشفية كما هو واضح في الجزأ الأخير الثالث من الرواية .

- وينقلنا الكاتب إلى أوكرانيا عام 1918 وثم الحب الرومانسي الشفاف وسط نيران الحرب وإلى التفاني والأمومة ويسدل الستار بمأساة الفلاسفة (لحتمية الموت) .

- فكانت الرواية شهادة أبداعية عن معنى الحب والحرب والشجاعة والصبر والصمود والكفاح في سبيل الحياة الجديدة .

كلمتي الأخيرة "أن نيكولاي أوستروفيسكي تقارب فلسفياً مع أرنست همنغواي في مفهوم البطولة والتضحية والشجاعة وحب الحياة فالأجراس تدق (لبافل) بطل رواية كيف سقينا الفولاذ، و(لروبرت جوردن) بطل رواية لمن تدق الأجراس .

 

عبد الجبارنوري

 

924 ألبيركامو(من اصل جزائري) 1913-1960

الحائز على جائزة نوبل في الاداب عام 1957.

اختارها وترجمها عن الإنگليزية بتصرف مصدق الحبيب

***

- ليس الحرية إلا فرصتنا أن نكون أفضل مما نحن عليه.

- لا تتبعني لأنني قد لا أجيد القيادة، ولا تتقدمني في المسير لأنني لا اريد ان اتبع أي احد. يكفي ان تبقى بجانبي وليأخذ كل منا طريقه.

- الطريقة المثلى للتعامل مع المجتمع الذي لا يسمح بالحرية هي ان تتصرف بحرية مطلقة وليكن وجودك في هذا العالم وجودا متمردا على ما من حولك.

- لابد لكل تمرد ان يحمل بين ثناياه توقا للبراءة واحتكاما للذات.

- المرء بدون اخلاق عبارة عن وحش أُطلق لتخريب كل ما من حوله.

- كل شرور العالم تنبثق من الجهل، والنوايا البريئة دون الادراك الكافي قد تكون كالحقد والضغينة في دورهما في إحلال الخراب.

- لا شيء أكثر وضاعة من الاحترام الناجم عن الخوف.

- الرجال يستطيعون منح الحنان ورقة القلب من دون الوقوع في الحب وهذا ما لا تطيقه النساء ابدا، رغم ان الرجال يعتبرونه مجرد تجربة يقبلونها بحلاوتها ومرارتها.

- سوف لن تكون سعيدا ان كنت تبحث عن السعادة، وسوف لن تعيش الحياة ان كنت تلهث وراء معرفة معناها.

- من يسارع في الحكم على الاخرين انما يروم عدم حكمهم عليه.

- حين يبتلي المرء بالهزيمة سيشعر بالهوان وقد يتفجر غضبا في اعماقه ولكن كلما طال زمن النكبة كلما فقد تدريجيا قابليته حتى على الغضب الصامت.

 

سوف عبيد- بنات كلام - هي مبادرة ثقافية جديدة تهدف إلى تطوير المشهد الأدبي عامة والشعري خاصة في تونس تتمثل في البحث عن طرق جديدة لإبلاغ النص الشعري والأدبي إلى الجمهور غير القراءة وغير تلك التي يقف أو أن يجلس الساعر أو الأديب ليلقي نصه من على المنصة بدون تعبيرات ركحية متنوعة تساعد على إثراء الرسالة الإبداعبة ليتقبلها الجمهور بمتعة أكثر وذلك بالاستفادة من بقية الفنون الملائمة للنص مثل الحركات المسرحية والتأثيرات الموسيقبة وحتى الاستعانة بالفنون التشكيلية والرقص مما يثري المجال الأدبي بغيره من شتى الفنون كي يتجلى العرض الأدبي زاخرا بالأنواع الفنية المتعددة فتضفي مشهدا إبداعيا متنوعا يساعد على إبراز نص القصيدة أو القصة أو غيرهما من بقية أشكال الكتابة .

 في هذا السياق ظهرت في تونس تعبيرة جديدة  في إطار ناد أدبي يعالج النصوص المكتوبة شعرا ونثرا بشكل مسرحي في مراوحة فنية بين الكلمة والحركة مع استحضار الموسيقى كخلفيّة والرقص كتعبير وتهدف إلى إحداث النقلة النوعية في المجال الأدبي والخروج من الدائرة الكلاسيكية التي حصرت عملية إلقاء القصيد في وقوف الخطيب ليقول نصّه في جمود يفتقر الحسّ والتبليغ  وفي سبيل تحقيق هذا الهدف يُقدّم النادي لرواده ورشات تكوين في مجالات الرقص ، المسرح، فن الإلقاء والارتجال، مخارج الحروف ، الموسيقى ....

ويهتم المنتدى بالأنشطة الثقافية مشاركةً وتنظيما، كما يسعى إلى تطوير مواهب رواده في الكتابة بتشريكهم في الحياة الأدبية عبر دعوة شعراء وكُتاب لإفادتهم بتجاربهم وتقديم النصح لهم بعد الاستماع لمحاولاتهم . وقد احتضن الفضاء الثقافي - الفابريكا - لصاحبه الأستاذ محمد بن سلامة الذي شجع هذه البادرة برعايتها وتوفير روزنامة لتمارينها .

وقد استهل المنتدى نشاصه بسهرة رمضانية تحت عنوان "حديث بنات" تهدف إلى التعريف بالمجموعة وإطلاق نشاطها الفعلي بتقديم ومضة شعرية مسرحية قدمتها العضوات أمام جمعٍ من الضيوف شعراء  وممثلين وصحافيين وأصدقاء ، لترصد ردة أفعالهم وتلتقط مدى استعداد الجمهور لمثل هذا اللون الفني الجديد .

 لابد من ذكر صاحبة هذه المبادة الرائدة التي سعت لإنجازها ألا وهى الأديبة والمسرحية - حنان عباسي فنرجو أن تكون إضافة نوعية في الحياة الثقافية التونسية والعربية ومن سار على الدرب وصل ومسافة الألف ميل تبدأ بالخطوة الأولى .

 

سوف عبيد

 

بكر السباتين

البجع الذي يرقص على سطح الماء في البحيرة؛ كي يعتاش على ما يجود به البحر لا يرقص البالية على أنغام موسيقى بحيرة البجع ولا يعرف أن تشايكوفسكي اختطف من بينها أميرتهم المسحورة كي يقفل على الرواية التفاصيل عند الخاتمة.

تفتح الستارة.. ويدوي التصفيق في القاعة.. حيث يتعين على الأمير "سيغفرايد" أن يختار زوجة المستقبل من بين أجمل الفتيات الموجودات الراقيات.. فيخيم الليل، ويسمع الأمير صوت أجنحة ترفرف فوق رأسه، فيرفع ناظريه ليرى سرباً كاملاً من البجع البري الجميل في السماء، وفي مقابل صوت آلة الهاربو الساحرة الوترية، ينطلق صوت المزمار بنعومة معبراً عن اللحن الخاص بهذه الطيور الساحرة، ويقترح أحد أصدقائه ويدعى بينو على الأمير ان يكوّن فريقاً لصيد البجع والذهاب بعيداً.

النية كانت تأخذهم إلى ممارسة الصيد ومن ثم التهام الضحية وليس للتأمل في حركة البجع على سطح الماء ورصد همومها وقد هبطت بعد رحلة طويلة في اقتفاء أثر الربيع كي تنعم بالأمان.. ربما هنا الصورة ستكون أقرب إلى واقع البجع الذي لم يتعرف على أوبرا بحيرة البجع التي فاضت بها مشاعر تشايكوفسكي..

 وعلى نية الصيد المبيتة تفتح الستارة، يدخل فريق الصيد بقيادة بينو وهم يحملون جميعاً النبال وليس الورود الفواحة بطيب المحبة والحنين إلى الجمال.. وينظر الرجال إلى أعلى من خلال الأشجار وبحثاً عن البجع، فيصابون بالدهشة عندما يرون أن البجع قد استقر على البحيرة الموجودة على بعد عدة أقدام قليلة، وحيث يوجد هناك طائر أبيض جميل يقود مجموعة البجع، وتبدو البحيرة وكأنها مملكة تضج بالحياة في خيال تشاوسوفسكي بينما يقوم البجع في الواقع بالبحث عن الأسماك ليقتات عليها حتى تستمر حياته في أمان بعيداً عن نبال أبناء الذوات وحاشية الأمير.. وكان الأخير يقوم بتوجيه الرجال إلى الإسراع قي اقتناص الضحية كي يشبع غروره.. ولكن غيبوبة الخيال لدى المبدع تشاوسوفسكي تحوّر المشهد وتأخذه إلى بحيرة البجع الخيالية ليمطرها خياله الخصب بزخات موسيقى على وجدان المتلقي، مجرد بجع بتراقص على سطح البحيرة، دون الإشارة إلى عمق المشهد الذي يوضح حالة البجع وهو يلقم صغاره أسماك الساردينا كي يسد جوعها الكافر.

وتتوالى المشاهد.. فبينما الأمير على وشك ان يتبع سرب البجع لذي انتشر على سطح البحيرة، يرى شيئاً عن بعد يجعله يتوقف على مقربة من جانب البحيرة، ثم يتراجع مسرعاً عبر الأرض والفضاء ليخفي نفسه، فقد رأى شيئا شديد الغرابة لدرجة انه ظل يراقبه عن كثب سراً.

هذا ما تمخض عنه خيال الراوي وهو يرسم حفيف أفكاره بأمواج الموسيقى المتهادية على إيقاعات طيور البجع التي استوحاها تشايكوفسكي.. دون أن يرى بأم عينه البجعات وهي تبحث في البحيرة عن أسباب البقاء.. فيأخذه الوهم إلى صورة فتاة مثالية خرجت إليه من أعماق بجعة مسلوبة الحجا.. عائمة في شيء تريده.. ربما تنتظر منقذاً يمنحها قبلة الحياة.. كانت الموسيقى تحركها في دائرة قدر صنعه المؤلف الملهم.. فبمجرد ان اختبأ الأمير، تدخل المشهد المحفوف بالضباب أجمل فتاة رآها من قبل ولا يستطيع ان يصدق عينيه، فالفتاة تبدو وكأنها بجعة وفتاة في نفس الوقت، فوجهها الجميل محاط بريش البجع الأبيض الملتصق بشعرها تماما، وتعتقد الفتاة الشابة أنها بمفردها.. وينبهر الأمير بهذا المخلوق الساحر الجميل، يطاردها بعينيه.. يتعقبها في الأرض الفضاء.. لا شيء إلا الموسيقى وجمهور أكلت رأسه الدهشة.. وفتاة استلهمها الراوي وورطها في صراع وجودي بعد أن اختطفها من بين أسراب البجع وهمومه.. يقترب الأمير بهدوء خشية أن يسبب لها إزعاجاً.

ويخرج المؤلف الأمير ومعشوقته من بحيرة الحياة إلى مسرح الخيال كي يشعل النهار على تمثيلية صاغها من وحي رقصات البجع على سطح بحيرة الموسيقى التي خرجت تغمر الجمهور بإيقاعها الساحر فتتقافز القلوب راقصة على أنغام الموسيقى وتوليفاتها مع حركة الراقصات وأداء المغنين.. بينما ينام مشهد البجع المنهك بهمومه خلف المشهد بعيداً عن أعين الجمهور.

تصاب الفتاة الجميلة بالذعر، وترتجف أوصالها، وتضم ذراعيها إلى صدرها في محاولة ضعيفة للدفاع عن نفسها، وتتراجع إلى الخلف مبتعدة عن الأمير، تخيلته وحاشيته يصوبون إليها النبال.. يلتقط الجمهور أنفاسه.. تأخذه الموسيقى إلى منطقة الدهشة.. وتتحرك البجعة المعشوقة في اضطراب شديد ومحاولة يائسة للاندفاع بعيداً عن الأرض، وهنا يرجوها الأمير ألا تبتعد، ولا تذهب، فقد وقع في غرامها وأعجب بها وأحبها، وعليها ألا تطير بعيداً إذ لا يضمر لها في قلبه شراً.

تنظر الفتاة إليه معبرة عن خوفها، ويحاول من جانبه أن يزيل عنها هذا الخوف ليبعث الاطمئنان في قلبها، ولكنها تشير إلى القوس الذي يحمله، وتنكمش من الخوف، وهنا يعدها الأمير بأنه لن يؤذيها أو يطلق سهامه عليها؛ لأنه أحبها.. وأن سهامها هي التي أصابت قلبه منذ الوهلة الأولى التي وقع فيه بصره عليها.

كانت التداعيات تشد انتباه الجمهور ما بين انطلاق السهم.. تداعيات العشق.. لون الدم.. صراع البقاء.. خروج الفتاة وحيدة من السرب بإرادة المؤلف.. ثم الارتماء في غياهب المجهول حيث لا يسمع العاشقان إلا دقات قلبيهما ولهفتهما على الاحتضان، إنه الذوبان في الحب حتى الثمالة.

يستمر الأمير سيغفرايد في محاولاته التقرب إلى الفتاة، ويحاول أن يتعرف عليها. من تراها تكون؟ ولماذا هي موجودة في هذا المكان؟ ويعرف أخيراً أنها "أوديت" ملكة البجع، فيحبها ويخبرها أنه سيعاملها باحترام وحب، ويسألها:

 كيف أصبحت ملكة للبجع؟

 وهنا يبدأ الخيال عربدته بعيداً عن طعم الواقع الذي يعيشه البجع المطارد منذ الأزل من قبل الصيادين.. ويشطح خيال تشاوسوفسكي بعيداً، فها هي المعشوقة إذْ تبوح من خلال إيماءات جسدها الراقص ما استلهمته الموسيقى وحلقت به عالياً في سماء أبعد من الأفق الذي يطوق واقع البجع في البحيرة.. حيث وجد ملاذه الموسمي.

وها هي البجعة المعشوقة (الملكة المسحورة) تشير إلى البحيرة التي تكونت من دموع والدتها التي أمعنت في بكائها بسبب الساحر الشرير "فون روتبارت" الذي نجح في تحويل ابنتها إلى ملكة للبجع، وأنها ستظل بجعة إلى الأبد ما عدا الفترة الواقعة ما بين منتصف الليل وطلوع الفجر، حتى يحبها رجل ويتزوجها، ولا يحب غيرها على الإطلاق، عندئذ يتحمس الأمير العاشق لإنقاذها ويؤكد لها أنها لن تصبح بجعة بعد ذلك.

ينتصر الخيال على الواقع وتموت الرواية الواقعية في فم المغني كي يستيقظ النهار على إيقاعات الموسيقة التي خرجت بالحكاية المؤولة من وجدان تشايكوفسكي.

يضم سيكفريد كلتا يديه إلى قلبه، ويؤكد حبه وعشقه لها، وأنه لن يستطيع العيش بدونها، لا بل سوف يتزوجها، ولن يحب غيرها على الإطلاق ويقسم على اخلاصه لها ويطلب معرفة مكان الساحر الشرير "فون روتبات"، وفي نفس اللحظة يظهر الساحر على جانب من البحيرة مرتدياً قناع البومة، ويمد مخالبه آمراً البجعة "أوديت" بالعودة اليه، ويأخذ في تهديد ووعيد الأمير العاشق، وتتحرك أوديت بينهما، وترجو من الساحر الرحمة، فيمسك الأمير بقوسه الذي كان قد أتى به ليصطاد البجع ويجلس على ركبتيه وينال من الساحر الشرير، ويلجم بذلك سحره؛ لينال ويفوز في النهاية بقلب معشوقته الجميلة "أوديت" لينتصر الحب ويقهر السحر في النهاية.. ويدوّي التصفيق في قاعة المسرح.. ثم تتوقف الموسيقى وقد انحنى الممثلون أما الجمهور الذي أصيب بالغبطة والحبور.

ويخرج بعد ذلك الجمهور من المسرح.. وقد غادر بحيرة الخيال التي شهدت مصرع الساحر.. ثم يهاجر البجع البحيرة الواقعية حاملاً همومه نحو مصدر رزق جديد.. وتنام الحكاية محفوفة بالموسيقى في رأس المتلقي الذي لا يرى فيها إلا الأمير وهو يقبل معشوقته وتموت باقي التفاصيل في جعبة الراوي الذي أقفل ستارة المسرح حتى ينهضَ على خشبتِهِ المتعبةِ النهارُ في الحفلةِ المقبلة.

 

بقلم بكر السباتين