ابراهيم مشارةأمين نخلة (1901/1976) الشاعر اللبناني الذي نفذ إلى جوهر الشعر واللغة معا فزاوج بين التأمل ومحاولة القبض على معاني الوجود في هدوء وسلاسة مع إدراك فطري لموسيقى الألفاظ حتى لتغدو الكلمات في شعره شلالا باهرا من الإيقاع العذب الذي تأنس له النفس .

زاوج بين الرومانسية وبين البرناسية دون أن يذهب في رومانسيته إلى حد تمجيد الألم وتغليب الوحدة والتبرم من الناس والشكوى، ولكنه أحب الطبيعة واندغم فيها فقد عاش راضيا بنصيبه من الحياة محبا للأنس سعيدا بعائلته، تستهويه الطبيعة فتأتي الكلمات طوع قريضه وفيض إلهامه، وحتى الكلمات التي يراها الواحد غير شاعرية تنقلب في أبياته شاعرية ترن في أذن السامع وتهمس وتنفذ إلى وعيه فلا ينفك يستزيد من جمال الإيقاع وعذوبة اللغة وجمالها.وكذلك كان أمين نخلة ناسكا في محراب اللغة والطبيعة معا وتأتت له هذه التراتيل من الجمال والعذوبة والمعاني البكر التي لفها بغلالة من دقيق التشبيهات ولطيف الاستعارات بصورة مذهلة.

لم يكن أمين نخلة يذهب في الحياة مذهب المتشككين ولا يأخذ برأي الجاحدين والساخطين والثائرين على الأرض والسماء معا ففي الكتاب المقدس وجد الدعامة الميتافيزيقية والروحية التي وهبته السكينة وأراحته من نكد التوتر وقلق الوجود فلا يجد القارئ لأشعاره هذه الشكوى من الناس والحياة التي يجدها في شعر الرومنطيقيين في زمنه أمثال الشابي والهمشري وعلي محمود طه وصالح جودت وغيرهم، بل يجد مشاركة لهم في حب الطبيعة والخلود إليها فهو مثلهم يجد الشعر في طائر على فنن، وفي شلال، وفي غروب الشمس،وفي هزيم الرعد لكنه يتفوق عليهم في نزعته البرناسية التي تخلص للفن وتعتدل في المشاعر وتستخلص من تلك الموجودات الطبيعة جمالها ووقائعيتها دون أن يجعل منه منبرا للتنديد بمظاهر النقص الإنساني أو الوعظ الأخلاقي أو الثورة على الظلم كما نجد ذلك عند الرومانسيين الذين ما كان هروبهم إلى الطبيعة إلا هروبا من المجتمع وثورة على قيمه ومظاهر النقص فيه، كما لا نجد في شعر نخلة هذا السخط الوجودي والقلق الميتافيزيقي الذي نجده عند جبران مثلا .

شاعر أحب اللغة وأدرك جمالها وجمال الإيقاع ووجد في الطبيعة مظهرا للتعبير عن ذلك الجمال بجمال موسيقي آخر فجاء شعره بإجماع النقاد علامة فارقة على الجودة والشاعرية معا.

عرف أمين نخلة بروحه المحبة للمتعة في اقتصاد وفي اندغامه وتآلفه مع المحيط الذي عاش فيه فجاء شعره صورة لذلك الرضا وذلك الحبور ولكن يزيد فيه أيضا جمال اللغة وروعة الموسيقى المنبعثة من ألفاظه لكأنه شلال ترن لغته بطيف سمعي تماما مثل الطيف البصري،النبر، الجزالة، السلاسة، التآلف، البعد عن الإغراب والتكلف، إصابة المعنى، الانسيابية هذه هي الخصائص اللغوية والصوتية المشكلة للغته وقد انتبه إلى ذلك كل الذين عنوا بشعره كنقاد أو كقراء معجبين بشعره حتى عد فريدا في فنه.

كيف تأتى له ذلك؟ لقد عاش في فترة تميزت ببلوغ الكلاسيكية الرصينة منتهاها في أشعار البارودي وشوقي وإسماعيل صبري وفي بدء ظهور التيار الرومانسي في الثلث الأول من القرن المنصرم وقد كانت الرومانسية تأخذ بالعقول والقلوب معا - حيث اصطلح على قلب الشاعر هزال الواقع ورهافة الحس - بنزعتها التجديدية ونبذها للتقليد وتمجيدها للذات وكراهيتها للتقليد وللرتابة وللاندغام في الوسط الجمعي لأنه لا يورث إلا البله من فرط التعود وفي الطبيعة منأى لكل من يروم الإبداع والتجديد والنأي بالنفس عن مسالك مألوفة، هذه الكلاسيكية التي عب منها أمين نخلة كقارئ ومتذوق وهو شديد الحساسية اللغوية والباع اللغوي والشعري، فقد كان عارفا بالأدب قديمه وحديثه معرفة الحاذق البصير ولكنه نأى بالممارسة الشعرية على منوال الكلاسيكية الرصينة وفي ذات الوقت لم يذهب مذهب الرومنسيين في الحياة وإن شاركهم في خصيصة الوله بالطبيعة ككل،سواء أكانت في مظاهر طبيعية أم إنسانية أم حيوانية أم انفعالات بشرية نافذا إلى جوهر الشعر من حيث هو تلبس بالحالة الشعرية وقبض على المعنى أو تأمل ومحاولة لفك حجب الغيب وما استعصى على الإدراك وكان عصيا على الإحاطة لعموم الناس ولكنه حتى في هذا المنحى لم يذهب بعيدا فهو يجنح دائما إلى الرضا والاستمساك بموروثاته العقيدية والاجتماعية وما جبل عليه، بعكس الذين جاؤوا من بعده أو كانوا من مجايليه حيث نجد عندهم قلق السؤال وتوتر الوجود وربما حتى الرغبة في الهدم، وهذا ما يقصد حين يصنف كبرناسي المنزع.

هاهو في الحب وقد كان مفتونا بالمرأة وبالجمال على عادة الشعراء ولكنه لم يذهب مذهب المتشككين ولا القانطين ولا المحاولين تعرية مشاعر المرأة المترنحة بين الغيرة وحب الإيذاء والتلذذ به، والتلاعب أو الخيانة كما رماها آخرون لقد أحب المرأة وأخذ بنصيبه منها وشرب من كأس الحب والمتعة في اعتدال وكان راضيا بذلك النصيب شاكرا للمرأة صنيعها معه :

أحبـــــك في القنوط وفي التمني

كأني منك صرت، وصرت مني

أحبـــك فوق ما وسعت ضلوعي

وفــــــوق مدى يدي وبلوغ ظني

هـــــــوى مترنح الأعطاف طلق

على ســـــــهل الشباب المطمئن

ففي النــــــغم العميق إليك أمشي

وأسلك جانب الـــــــــوتر المرن

ولعل في هذا المقطع تظهر بعض خصائصه الشعرية فالألفاظ من المألوف المتداول،بل إن بعضها يبدو منفردا – قبل الصياغة-غير شعري: القنوط،، وسعت، أسلك ولكنها لما أخذت مكانها في القصيدة صارت شاعرية بامتياز وهذه عبقرية أمين نخلة وحسه اللغوي والموسيقى والجمالي، وهكذا يجمع الشاعر بين الأنغام دفعة واحدة في قصيدته فمشيه إلى حبيبته نغم ومسلكه وتر مرن وألفاظه كلها شلال دافق من الموسيقى التي كانت نوتاتها الألفاظ ذاتها ولكنه أحكم تأليفها مما لا يتهيأ إلا للقلة القليلة من أمثاله، ويأتي الرضا بالحبيبة والسعادة بالحب والوفاء فيه مسلكا خاصا بأمين نخلة الذي عاش راضيا سعيدا بحبه ومحبوبه، قانعا بنصيبه من الدنيا لا يسخط ولا يغضب ولا يثور.

وتظهر النزعة البرناسية جليا في قصيدته المعنونة ب"الكحل" حيث يصف بالكلمات ويرسم رسما برناسيا خالصا للعين المكتحلة:

آمتنت بالتدقيق والضبــط

يا واضع الخط على الخط

كحلك هذا أم سواد الدجـى

تحت التماع الغيث والنقط

لما سألنا الكحل هل تبتغي

منصرفا؟ قال لنا.. قــــط

ولا يخفى على كل ناقد للشعر متذوق له عارف بأسراره وباللغة أن قافية الطاء يتحاشاها الشعراء فعهدنا بالشعراء يؤثرون الهمزة والباء والميم والراء بحسب الغرض الشعري والطاء يتحاشاها الشعراء لكأنها قافية غير شعرية وصعبة معا ولكن عند أمين نخلة فالألفاظ التي تبدو غير شعرية يلبسها أكسير الشعر وينفخ فيها من روح عبقر فتصير كعروس المروج ترفل في حلل الشاعرية .

ولأمين نخلة قصائد برناسية رائعة في موضوعات غزلية وطبيعية تكشف عن شاعرية وبراعة لغوية ومهارة برناسية كقصيدة "العقد الطويل" وقصيدة "الوردة الحمراء" و"القصيدة السوداء" و"القميص الأزرق" و"الحبيب الأسمر" و"المعطف" "والبلبل" و"الشلال" وقصيدة في وصف أداء موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب حيث برع الشاعر في بيان معرفته العميقة بالموسيقى وبطبقات الصوت فقال في أداء موسيقار الأجيال:

"محمد" الفن ته علينــــا

قصر عن شأوك القصيد

أشـــــاعر أنت أم مغــن

 يقول باللحن مـا يــريد؟

حنجرة كالـــحرير لانت

ربك في لطفها يزيــــــد

الله! الله !في غنــــــــــاء

ينزل فيه ظــــل مـــديد!

فكيف تهيأ للشاعر أن يجمع بين جمال وإيحاء ملمس الحرير في أناقته ونعومته ووصف صوت الفنان تارة وبالظل المديد تارة أخرى ؟

لا نخال أمين نخلة في وصفه الشاعري هذا لصوت عبد الوهاب قد قصر عن عبقرية ابن الرومي بل طاوله وهو يصف وحيد المغنية في قصيدة المشهورة:

مد في شأو صوتها نَفَسٌ كا

فٍ كأنفاس عاشقيها مَديـــدُ

وأرقَّ الدلالُ والغُنْجُ منــــه

وبَراهُ الشَّجـــــا فكاد يبيــــدُ

فتراه يموت طَوْراً ويحيــــا

مُسْتَلَذّاً بَسِيطُهُ والنَّشِيـــــــــدُ

إن ديوان أمين نخلة يحفل بمختلف الأغراض وإن كان يقتصد وينأى عن شعر المناسبات ويقتصد في المدح وإن تناوله باعتدال وأريحية وشهامة لا تلغي الذات الشاعرة ولا تسف بها ولا تجنح إلى الغلو في الممدوح والتبذل والتفاهة والسفاهة بل هو المدح الإنساني الذي يحفظ كرامة المادح ولا يبذل ماء وجهه في حضرة الممدوح،وله في الرثاء قصائد جميلة مشجية معبرة عن الأسى ولوعة الفقد وخصلة الوفاء فيه وقصيدته في الروائي والكاتب الشيخ سعيد تقي الدين الذي مات وحيدا غريبا في "كولومبيا" مازالت مشهورة ومطلوبة:

جمعت عليك مآتم الأضـــــــداد

بعد اختلاف عقائد ومبـــــــادي

لما انقضى زمن الربيع بكى لـه

في الأرض أهل ربى وأهل وهاد

زعموك حرب الضاد زعم جهالة

أتعق بيتك يا بن بيت الضـــــــاد؟

"كولومبيا" أرض السواد ثوى بها

ما شئت من وضح وبيض أيادي

ومن يقرأ هذه القصيدة ولا يتداعى على خاطره تفجع البارودي على زوجته في رصانة الكلاسيكية وعنفوانها؟

لا لوعتي تدع الفؤاد ولا يدي

تقوى على رد الحبيب الغادي

يــــا دهر فيم فجعتني بحليلة

كانت خلاصة عدتي وعتادي!

أو دالية أبي العلاء في قصيدة رثائه لصديقة أبي حمزة الفقيه ومن يقرأ قول أمين نخلة في الشيخ سعيد الدين:

حفظ التذكر من سعيد صورة

باتت لأيام الفراق عتــــــادي

 ولا يتداعى على خاطره قول المعري في صديقه أبي حمزة:

قصد الدهر من أبي حمزة الفقيــ

ه مولى حجى وخدن اجتهـــــــاد

كل هذا وذاك يعود بنا إلى المخزون اللغوي والشعري لأمين نخلة واتكائه على شعراء كبار في شاعريته ثم عبقرية وحس شاعري وحاسة جمالية تستشعر الموسيقى والجمال والانسيابية في  اللغة وتنتقي من اللغة كلمات بل نوتات موسيقية لا تختلف عليها أذنان .وشعر أمين نخلة هو شعر الأذن والعين معا أي سحره في سماعه وقراءته معا.

من نافلة القول أن أمين نخلة كان متقنا للفرنسية ومطلعا على شعراء الرومنطيقية الكبار كموسيه وهوجو ولامارتين، ولكن عبقريته عربية بحتة لم تتأثر كثيرا بنسائم الثقافة الغربية والشعرية الغربية.

كما شكل أمين نخلة حالة جديرة بالتقدير في موقفه الإنساني من الثقافة الإسلامية التي كان يعتبرها ثقافته – وهو المسيحي القح- وتقديره لنبي الإسلام حتى إنه كتب مقدمة لكتاب "نفسية الرسول العربي"  لإسكندر الرياشي ( 1888/1961)حيث باح بحبه وتوقيره لنبي الإسلام وهذا شأن العروبيين جميعا الذين يعتبرون الثقافة الإسلامية لا تنفصل عن العربية وأنها ثقافتهم وهذه خصيصة تزيد ولاشك في تقديره .

والواقع أن كل شعراء لبنان في الداخل والمهجر اتسموا بهذه الخاصية كجبران ونعيمة وجورج صيدح وإلياس فرحات - على الرغم من أن نخلة ليس مهجريا- وهذا يدل على مبلغ التقبل والتآلف بين العرب في القرن المنصرم بين المسيحيين والمسلمين على خلاف هذه الأيام  حيث تقاتل أبناء الملة الواحدة ناهيك عن أبناء مختلف الملل.

 

إبراهيم مشارة

 

علي الجنابيللغربةِ طَعمٌ مُرٌّ ومذاقُ علقمٌ، ذُقتُهُ في سنينَ دراسةٍ خلت ومازالَ منهُ في النفسِ بَلغَم، لذلكَ لا لومَ لنفرٍ مُليم للوطنِ ومُتَكَلِّم بِذَم، أو مُهاجرٍ مُتألّمٍ، بل ألتماسُ عذرٍ لمَن هجرَ وطنَهُ كمغلوبٍ مُتَظَلٍّم، ما بين "تهديدٍ بقتلٍ" أو "إذلالاً في مهنةٍ" أو "فاقةً في عيشٍ بئيسٍ لا طاقة له بتأقلم" ولكنِ اللّومَ على من يكيلُ اللّومَ ويلقيه في حُضنِ الوطنِ، ويزعمُ أنّهُ (فهيمٌ ومُتَعلِّم)، بل ويَميلُ بيمناهُ رمي جنسيَّةِ الأصلِ في المهملاتٍ مودعاً لتظلّمٍ وتَجَهّم، ويتَرفّهُ بصبيانيةٍ، ويتَفكّهُ في سواحلِ ميامي ويَتَنَعَّم. وها أرانيَ وحيداً في وطني بعدَما هجرهُ خلاني وأستنشقُ هواءَهُ بتَنَسُّم، رغمَ ما في الهوى من فيحِ مُتَسمِّمِ، وقيحِ همومٍ مُتَكَتُّم. أنا أكتمُ آهاتِي في أحشاءِ بيتِ رحمِ الوطن!

كلا، لستُ في وطني وحيداً.. فذي خالتي المُزَخرَفَُ جبينُها بفيروزِ الوشمِ، ولسانُها بطرفةٍ وحيدة مُجتَرّة ذي سأم، وذي عمّتيَ العَجوز ذي النّهمِ واللّهم، تلكَ العَمَّةُ كتلةُ من شّحم، وبدنُها خالٍ من عَظم. عمّتيَ قاهرةُ للهَمِّ والغَّم والنَدَم، وذاكَ جاريَ المستَدينُ منّي دَوماً دِرهماً إثرَ دِرهَم، وحتى فردةٌ من جورابي يستعيرُها على وعودٍ من وَهَم، وهنالك"حجّي مَهدَون" بقّالُنا الضَّحوكُ الأصيلُ الأشَمّ، بيّاعُ البطيخِ والخيار بلا ميزان ولا يُرَوِّجُ لقثّائِهِ بغليظٍ من قَسَم، وهنالك إبريقُ الوضوءِ النّحاسي بقبضةٍ برّاقةٍ وعُرفٍ وفَم، وهنالكا وهناكا..

كلا، لستُ وحيداً أنا، وساهِرٌ أنا مع حُروفي، وسامرٌ مع بُلبُلي نَستَمتِعُ في لحظةِ سباحتِهِ في صَحنِ الوطنِ. وتلكَ ياصاحُ لحظةٌ مُذهلةٌ تجتَثُّ الغَمَّ والوجم:

"لحظةَ أنْ سَبَّحَ البُلبلُ وسَبَحَ في صحنِ الوَطن":

وإيِهٍ ياصاحبَ ميامي!

يا مَن هَجرتَنا، وهجرتَ الوطن ساعةَ ظُلمٍ هَبَطَ، وهَضمٍ سَقَطَ، وقَلبٍ قَنَط. هيَ ذي صورِكَ التي أرسلتَ إليّ، بين يديَّ أتَصَفحُ ومن طَرفٍ خَفيٍّ ألوانَها فقَط. وهوَ ذا وَنِيسِي بالجَنبِ؛ بُلبلُي قد حرَّرتُهُ من قَفصهِ فنَشَط، فحَطَّ بَهيجاً في صَحنِ ماءٍ حَذوَهُ ما بينَ غَوصٍ ونَطَط، مُعلِناً أُفُولَ شتاءٍ وإختِفاءَ مواءٍ لجحافلٍ من قِطَط، وحُلولَ صَيفٍ وإنجِلاءَ شَواءٍ من فَيحِ جهنّمَ مُلتَقَط.

هوَذا بلبلُي، بل هو اللُّبُّ لي، وقد أضحى مُحَدَّثي في بغدادَ، ويُغرِّدُ لي في رَغَدٍ، ومُغَرّدٌ هُوَ لي في أيامِ القَحَط. بلبلُي غافلٌ هوَ عن تَأففٍ أو تَأوّهٍ أو لغَط. أراهُ يُداعِبُني إن رآني في غضبٍ أو خَطْبٍ من سَخَط. حافلٌ يومهُ بِرفرَفةٍ وتَغريدٍ وبصَفصفةٍ وتوحيدٍ، فلا يَعلمُ شِركاً ولا يَعلمُ قولَ الشَطَط. سَلَمٌ هو وسَعيدٌ إن قَبَضَ جناحَهُ، وَعَلَمٌ هوَ وسديدٌ إن بَسَط، فَقَبْضُ الجَناحِ جُنُوحٌ لسَلَمٍ فيهِ هَبِط، ونَبضُ الحَياة وسَعدُها يَنفَلِقُ من جناحِهِ إن بَسَط. يُقَبِّلُ فمي بِمنقارِهِ إن نَزلَ على موضعٍ في كتفي وَسَط، وبِبَسمةٍ أعاتِبُهُ إن فَعَلَها على حاسوبي ف(بالَ أو فعلها بغَلط) .

كِلانا يَقضي صَمتَ شتائهِ بلا وَجَسٍ من إملاقٍ، ولا إعدادٍ لخُطَط، وكلانا يَفضي سَمتَ بَهائهِ لضيفٍ إن طَرَقَ البابَ أو على الجرسِ ضَغَط، وكلانا يَمضي إلى خبتٍ جميلٍ إن أزِفَ الخَوضُ والتقليدُ والنَمَط، فرجاؤنا حين تأَزفُ قطعُ الظلام أن نَضعَ حروفَنا على النُقَط، وكلانا يُضني بضَنى وَطَنِهِ، فإن جَفاهُ مرقَدُهُ فلِضناهُ بحضرةِ وطنهِ ضَبَط، ثمّ إحتَنَكَ الضنى فَكتَمَ فَرَبَط، وكلانا يُضفي على الضنى غِطاءَ بُردتِهِ و ريشِهِ لكيلا يعلمَ الوطنُ، فنحنُ لا نلومُ كما يَلُومُ ولا نحومُ كما يَحُومُ وَيَلمِزُ بعضٌ من رَهَط:

أوَحقاً يَلومُ ويَلمِزُ المرءُ الوطن! وهو المِدادُ للفؤادِ والودادُ للشَجَن. إنّا إن رَمَيناهُ بقميصِ لَومٍ، إنّا إذاً لفي ذيلٍ العَبَط.

أفَحقاً يَلومونَ الغرسَ ويلمِزون تَرسَ الوطن! أَفَنَسَوا أنّهم عَمَدُهُ، وهُمُ الغَرسُ والتَرسُ للوطن!

أفَيَنفُثونَ عليهِ بالشَكوى؟ بَل مِنهُ تُسمَعُ الشَّكوى، ومُطأطؤنَ الهامَ للوطن. إنّهُ عَنُفُ النبضِ وسِرَّهُ، وإنّهُ كنفُ الشّاربِ واللحىً.

أَوَ قد نَسبوهُ لجراحاتِ ومَخاضاتِ الزمن؟ أولم يكُ لهمُ الثديَّ والهَديَ المؤتَمن، والسَعدَ والمَجدَ المُختزن.

إيهٍ يا وطن! ثُمَّ أوّاهُ يا وطن! إنّهم إن هَجَروكَ غرباً قالوا:

بِئسَ الوطنُ ذاك، وطنُ الذُلِّ والمَنبتُ لكلِّ جذرٍ للمِحن!

وإن حَكَمُوكَ هاهنا فبأغلالٍ من جهلٍ وجوعٍ وحَزَن، وترى الملأُ منهم يتَغامزُ:

" إزرعُوا فيهِ كلَّ أسىً، فإنَّ الأسى هو عمادُ حُكْمِكُمُ، وسِرُّهُ، وهو الرَهن".

وقد جَعلوا في جفنيكَ دَمعاً من آهاتٍ ووَاهاتٍ مُحتَقَن؟

وهل لدمعٍ في عينيكَ من فدية؟

هل للدّمعِ ثمنٌ؟

دَعهم يا وطن، دَعهم يَلمِزوكَ وقد إرتَضَوا لأنفُسِهم أن يكونوا قَبصَةً من عَفَن.

دعِ ريحَ الشيبِ تأتيهُمُ فتَرميهُمُ بسَخطٍ ولَعَن، فهم مِلَّةٌ تَختنقُ من بُرعمٍ فيكَ يَزهرُ أو رَضيعٍ يُختَتَن، فذاكَ زَعيمُهمُ مُجرِمٌ طاغٍ أنتَ لهُ عَرشٌ مُؤجَرٌ مُرتَهن، وَذاك وزيرُهمُ مُبرِمٌ صاغٍ أنت له مَغنَمٌ لسُويعاتِ زمن، فدأبُهم أن:

يدَمِّروا جَيشاً ويُشَيِّدوهُ مُجَندَلاً ، مِدادُهُ سُباتٌ وسرابٌ، وعِتادُهُ فتاتٌ وخراب وَوَهَن. ويُخَمِّروا أمنَاً، ويُجَسِّدُوهُ مُهَندَلاً  برعبٍ ما بين لَدغٍ وكَفَن. ويُأمِّروا فَقيهاً، ويُسَيِّدوه مُحَنجِلاً لا يُجيدُ فُتيا إلا بعوراتِ وشهواتِ البَدن. ويُذَمِّروا قاضياً، ويُفنِدُوه فأضحى مُعَندِلاً يَقلِبُ الطُهرَ دَرَن. ويُنَمِّروا طبيَباً، مُتَصَندِلاً بالجُنَيه وبِحَرفٍ أعوَجٍ بلَحَن. ويُعَمِّروا مُهندسَاً مُقَندِلاً  يَغللُ الطوبَ لواذاً وبليلٍ حالكٍ أجَن.

زُرّاعٌ، نَجّارٌ، حَدّادٌ، كلٌّ مُتَأفِّفٌ، وكلٌّ قطيعٌ مُستَضعَفٌ، وكلٌّ يَغفو في قُنٍّ ودَجَن، يُغْذَوْنَ النوم خُبزاً ويُحْسَوْنَ الهواء بصَحَن.

فلا تأسَ يا وطن، لا تأسَ فعسى أن يكونَ قريباً..

يومَ أن تَقلَعَ مَلأً لزعيمٍ، لا يَمِيزُ حَلْقَ عِزَّتِهِ مِن حَلْقِ الذَقَن.

يومَ أن تَخلعَ مُهاجِرَاً، هاجَرَ وإستَلطَفَ حُضنَ خَضراء الدِمن.

يومَ أن تَهلعَ لينهضَ القطيعَ القاطِنَ الذي داؤهُ النومُ، وماؤهُ هواءٌ بصَحن.

أوَحقاً مثلُك يُلامُ ويُهمَزُ ويُلمَز يا وطن!

نِعمَ الوطنُ أنت يا والِدُ الفَضائِلِ، خالِدُ الطَوائِلِ وخَليلُ الشّمسِ وصَهيلُ اللحىً.

(معاني غريب المفردات ؛ مُجَندَلاً: مصروعاً. مُهَندَلاً: الهندول: الضخم مثل به سيبويه. مُحَنجِلاً: راقصاً

مُعَندِلاً: من العندل هو البعير صلب الرأس. مُتَصَندِلاً: متعطراً. مُقَندِلاً: كلمة تقال في معرض السخرية لمَن يأتي أمراً منكراً).

 

علي الجنابي - بغداد

 

يحيى السماويمنذ زمن ليس بالقليل، يتواصل معي عبر صفحتي في " الفيسبوك " أحد القراء.. بهرتني رسائله لما فيها من انزياحات لغوية وبراعة في نسج الجملة، ومخيال شاسع، وابتكار للصور الشعرية.. كان يراسلني أول الأمر بأسماء مستعارة قبل أن يكشف عن اسمه الحقيقي حين عرف أنه أضحى مني بمنزلة الإبن.. رجوته أن ينشر نصوصه، لكنه آثر الإنزواء وكأنّ به لا يريد معرفة أن فيه شاعرا أو ساردا مبدعا  ـ وقد لفت انتباهي أنه اختار لمتصفحه في صفحات التواصل الاجتماعي صورة يظهر فيها من وراء جدار..

 أمس وصلتني منه قصة قصيرة وجدت فيها حجما كبيرا من الشعرية، فقررت نشرها دون استئذانه، رغبة مني في إخراج حمامات نصوصه من قفص بيته لتحلق في فضاء المثقف، وأيضا لأقدّم للأحبة القراء أنموذجا لكثيرين لا يعرفون أنهم أدباء مبدعون..

أدناه القصة ـ أنشرها بدون عنوان لأنه لم يضع عنوانا لها ـ ولكم الحُكم أحبتي أدباء وقراء المثقف:

 

يحيى السماوي

.....................

قصة قصيرة

علي حسين المالكي

علي حسين المالكيسأستأصلني منها: الطرقات، الساحات، ضفاف الأنهار، الحدائق العامة، والجسور، لا أريد أقدام ذاكرتي تخطوها مجدداً.. أسحب من رأسي صدى الناي الذي لا يموت في المسامع العميقة.. سأجعل السطوح تنزل السلالم وتستقر في الغرف المهجورة، كنبضة تسافر بين اللحظة واللحظة، تُجلسها بداخلي، فكلما اشتقتها، سكبُت بعض الندم، ألتهم الضلوع، فرأسي المكتظ بأواني الندم، لن يترك بعد اليوم مقعداً بأسنان الذكرة القاسية، آآآه ليتني أفعى أنزع جلدي، رائحتها باقية تملأ رفوف ذاكرة أنفاسي، سأهطل على أصابع لهفتي، عضاً و أجعل رائحتها تترنح مشنوقةً بحبلٍ خيوطه نُسجت من الضمير الميت، وأدخل في ثلوج الصبر، أقتل دفئها، أنسى ضحكاتها الخادعة.. ضحكاتها تحيط بي كنسيج العناكب في زاويا مسامعي، فلا أسمع غير الصدق الذي في داخله ينام شيطان الخديعة، سأقشّر لونها الذي كان مرآتي ولو أغلقت نافذة عيوني ما بقي من العمر، وأسكب قهوتها مني، وأكنس لونها من أرض عيني، أرمي العصائر التي ما تزال باردة بيدي، أكسر أقدام الكرسي الذي ُيجلسها كلما انطفأت الشمس، وغابت عيون الناس، سأبتلع المركبات، وأرمي من المسجل كل أغاني الحب التي غطتني برداء الخديعة، وما جعلتني أرى الوحش خلف غزلان عيونها، أرى التمساح المتساقط بدموعها التي كنت أقبلها دمعة دمعة، سأمزق ثياب الأغاني، لتشرئب شجرة الحقيقة وأرويها من مياه اليقين، وأبصق على وجه ظني، كلما قال إمنحها فرصة ثانية، سأقذف الهدايا في البحيرة التي وقفنا عندها ذات عناق، ونحن نتبادل الصدمة.. الصدمة على مسافة، بل ونرمي حجارة الخجل التي أثقلتنا، نرمي الماضي الذي لم أتعظ منه، كرمي سيجارة مات نفسها الأخير، الذي قبل قليل كان حياً من فمها لفمي، سأعصب عيون السكين التي كانت تغوص في الفاكهة، وتغرق في الكعكة، لا اريد ذكرى أناملها على خاصرة السكين، تطأ أطراف مائدة خيالي، سأجفف البحر قبل أن تستيقظ كِسَر مجاذيفي وأثقب قاربي، وأغير مسار النهر، أحصد حقول اللمسات، وأقص جذور النظرات، وأطعم القُربَ الصحارى، سفينتها والتلال، والسهول والجبال، فكلما كبر جسد القرب فهو إبتعاد، سأنشر الظلام لكي لا تُحلق فراشات المواعيد، ولا تسقسق عصافير إنتظاري عند نافذتها، ولا ينبت قوس ألوان اللقاء بين غيمة الوصول وضوء شمس قدومها، سأحرق ساعاتنا، أيامنا، شهورنا، والسنوات، وكلما خمدت فالوقود رسائلها وكلمات الوفاء، أنزع الوقت الذي ألبستني إياه في يميني، ولن أتبرع بالثياب، وبزجاجات العطور، والأقلام والتحفيات القديمة والجديدة، والأواني والزهور، لا أتبرع بكل الهدايا، لا أريد لحبها أن ينبت في بيوت الفقراء، سأبعث الرياح العاصفة، لتستأصل من عيني ملايين الصور، وها هو الرحيل يفتح بابه بهدوء، كم تُفتح الشفاه للقُبل..

 

 

ناجي ظاهرتقدم نوفيللا (رواية قصيرة)، "شبح كانترفيل"، لكاتبها الانجليزي المعروف عالميا اوسكار وايلد(1854- 1900)، صورة مختلفة للشبح الذي تعارفنا على صورته منذ الطفولة، لهذا فان من يبحث عن الصورة التقليدية للشبح، لن يجدها في هذه الرواية التي قرأها الناس في معظم لغات العالم.

هذه هي الرواية الاولى لصاحبها، وقد نشرت عام 1887، فلفتت الانظار الى كاتبها الشاب منذ اللحظة الاولى، وقد صدرت بعد نشرها الاول في عدة طبعات، وتحولت إلى عدد من الافلام السينمائية والمسرحية، مشكلة بذلك مصدرًا غنيًا.. تُستمد منه الاعمال الادائية الابداعية، وقد قُيض لهذه الرواية القصيرة، لا يتجاوز عدد صفحاتها الخمسين الا بقليل، إلى لغتنا العربية اكثر من مرة، لعل اشهرها ترجمة الدكتور المرحوم لويس عوض، لها في الاربعينيات، واعيد اصدار هذه الترجمة في كتاب صدر عن دار المدى في سوريا عام 2001، وهذه هي الترجمة التي قرأتها وشكلت اساسًا لهذا الحديث عن الرواية.

تبدأ احداث الرواية بشراء الوزير الامريكي المفوض في البلاط الانجليزي، هيرام ب. اوتيس، لقصر كانترفيل، رغم اعلام صاحبه له بانه قصر مسكون بشبح كانترفيل، الذي قتل زوجته في زمن غابر، وتحول إلى شبح يتسبب بمقتل آخرين. الوزير الامريكي يشتري القصر ويقيم فيه مع عائلته ضاربًا بكلام صاحبه، عن وجود شبح فيه، عرض الحائط، كونه لا يؤمن بالخرافات والاشباح، وتشاركه زوجته وابناؤه افكاره هذه.

بعد ان يرى ابناء العائلة اثر الشبح في بقعة يعتقدون انه بإمكانهم ازالتها، يظهر الشبح في الليل للوزير، الذي يشفق عليه فيحاول ان يقدّم اليه الدواء ليشفي عينيه المرهقتين، ويختفي الشبح بعدها، ليزيل ابناء العائلة البقعة المذكرة، ولتعود لتظهر في صبيحة اليوم التالي وكأنما شيئًا لم يحدث. يظهر الشبح بعدها لأبناء العائلة الأمريكية تباعًا، ويعيش قارئ الرواية لحظات مستطرفة بصحبة الشبح، تكشف عن وجهه الانساني الضعيف، وتنتهي الرواية بأن يصطحب الشبح فرجينيا ابنة الوزير ولتقنعه هذه بدورها، بجانبه الانساني التائه، وهنا يعود الشبح إلى طبيعته على ما يبدو، ليختفي ويموت، وهكذا تعود الحياة إلى القصر لتستأنف سيرورتها المفقودة منذ ردح بعيد من الزمن.

الصورة التي تقدمها هذه الرواية للشبح، كما يرى بعض النقاد، لا تختلف كثيرًا عن تلك التي صورها الكتاب الانجليز في فترة كتابتها، إلا أنها واقعيًا تختلف في الجوهر، فهي تنطلق بالأساس من فكرة فلسفية ارادت على ما يبدو ان تسلّط الضوء على التعارض بين العقلية الامريكية "البرجماتية" للغيب، والرؤية الانجليزية المختلفة. يؤكد هذا ان الرواية تحفل بالحس الساخر، وتناقش قضية الشبح ووجوده بعمق يلامس حفاف الفكر الفلسفي.

كما يؤكد هذا، ان مؤلف هذه الرواية، اوسكار وايلد، عُرف بميوله السياسية الفلسفية، التي ستظهر فيما يلي، في العديد من الاعمال الادبية الروائية والمسرحية التي سينشغل بها العالم والناس منذ بداياتها الاولى حتى ايامنا هذه.

ملاحظة: اود ان الفت النظر إلى انني عندما اتحدث عن اثر اجنبي مترجم، ارمي بالأساس الى امرين، احدهما فتح النافذة على العالم، لنرى ما فيه من ثراء وجمال، والاخرى الاشارة إلى عمل ابداعي تمت ترجمته إلى لغتنا العربية، او وضع باللغة العربية، التي انتمي اليها واعتز بها، وارى انها احد الاسس الهامة في مكونات وجودنا، واشدد على ان معرفة الذات لا تنفي معرفة الآخر بقدر ما تؤكدها.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

 

صادق السامرائيأبو إسحاق عزالدين إبراهيم بن محمود بن ترخان بن السويدي، ويصعد نسبه إلى سعد بن معاذ الأنصاري (600 - 692) هجرية.

نشأ في دمشق وعاش فيها معاصرا وصديقا لإبن أبي أصيبعة، ودرس الحشائش على إبن البيطار، والطب على مهذب الدين بن علي الدخوار.

إشتغل إبن السويدي في بيمارستان باب البريد بدمشق.

وهو طبيب وكاتب، كتب كتبا كثيرة بالطب بخط يده، وله شعر، وقد برع بالأدب، وخاصة الشعر وإلقائه.

مؤلفاته:

التذكرة الهادية والذخيرة الكافية في الطب، الباهر في الجواهر، شرح موجز القانون لإبن النفيس، السمات في أسماء النبات.

إشتهر السويدي بالطب والأدب والكتابة، ولديه ترجمات وإسهامات متنوعة في المعارف الإنسانية والطبية، وهو يقدم مثلا ألمعيا عن الجمع بين الطب والكتابة، فكان مهتما بالشعر وبالكتابة بخط يده الذي صار مشهورا به، وكتب عددا من الكتب بقلمه الرصين.

ويبدو أن هناك علاقة بين الطب والكتابة، فممارسة الطب تفتح أبوابا إنسانية رحبة أمام الطبيب، وتدفع به إلى تدوين ملاحظاته ومشاهداته بأساليب تتوافق وما فيه من ملكات ومواهب، قد تكون شعرا، قصصا أو سرديات متنوعة.

ومن هنا فالعلاقة بين الطب والقلم تكاد تكون وثيقة وذات قيمة معرفية متميزة، لأنها تعبّر عن العلاقة ما بين الحالة الإنسانية والتحديات التي تواجهها في الحياة.

ويبدو أن إبن السويدي من رواد هذه العلاقة الإبداعية، التي ألهمته شعرا متميزا، وكتابات فياضة في العلوم، التي أبحر في ميادينها.

ويمكن القول أنه قدوة لأي طبيب يكتب!!!

 

د. صادق السامرائي

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن الحفاوة المصرية والرومانية القديمة تجاه عيد الحب ، وفي هذا نقول : خلال القرون الثلاثة الأولى للمسيحية مورس على المسيحيين الكثير من أشكال القمع، وعُذبوا بأبشع الطرق، كما دُمرت كتبهم وسجلاتهم التاريخية وكتاباتهم المسيحية، وبالتالي فإنّ تفاصيل حياة القديس فالنتين تعتب قليلة جداً، نظراً لإتلاف الكتب التي تحدّثت عنه، حيث يُعتقد أنّه كان كاهناً في روما أو أسقفاً في مدينة تيرني وسط إيطاليا، وقد دافع أمام الإمبراطور عن الزواج التقليدي، وزوّج الجنود بشكلٍ سري في الكنيسة، وقد رفض هذا القديس التخلي عن معتقداته المسيحية وعبادة الأصناف، وتم إلقاء القبض عليه والحكم عليه بالموت، وبينما كان فالنتين في السجن ينتظر حكم الإعدام طلب منه أحد السجانين الدعاء لابنته الكفيفة حتى يرتد إليها بصرها، وبالفعل فقد استعادت بصرها بأعجوبة مما جعل والدها يتحول إلى المسيحية، إلى جانب مجموعة من الأشخاص الآخرين، وأرسل فالنتين رسالة إلى ابنة السجان التي أحبها ووقعها بكتابة كلمة (عاشقك)، وقد تعرّض للضرب المبرح بالعصي والحجارة ثمّ قطعت رأسه أمام بوابة فلامينيا، وهي إحدى بوابات روما القديمة، وقد كان ذلك في 14 فبراير/شباط 269م، وقد أصبح هذا اليوم في نهاية الأمر أحد أهم التقاليد الإنجليزية التي يتم فيها تبادل الزهور والحلويات وبطاقات المعايدة. آراء حول عيد الحب تنقسم الآراء حول عيد الحب إلى قسم مرّحب بالفكرة ، ويرى بأنّه مظهر من مظاهر تجديد الحب بين الناس والأهل والأقارب مع ضرورة عدم اقتصاره على العاشقين، وبين معارض لهذا العيد على اعتباره بدعة تدعو إلى المجاهرة بالعصيان من خلال اتباع بعض مظاهر الخلاعة وتقليد الغرب في التصرفات غير الأخلاقية والتي لا تعبر عنا كمجتمعات عربية.

وهناك ثانية تتلخص هذه الأسطورة في أن الرومان كانوا أيام وثنيتهم يحتفلون بعيد يدعى (عيد لوبركيليا) وهو العيد الوثني المذكور في الأسطورة السابقة، وكانوا يقدمون فيه القرابين لمعبوداتهم من دون الله تعالى، ويعتقدون أن هذه الأوثان تحميهم من السوء، وتحمي مراعيهم من الذئاب، فلما دخل الرومان في النصرانية بعد ظهورها، وحكم الرومان الإمبراطور الروماني (كلوديوس الثاني) في القرن الثالث الميلادي منع جنوده من الزواج لأن الزواج يشغلهم عن الحروب التي كان يخوضها، فتصدى لهذا القرار (القديس فالنتين) وصار يجري عقود الزواج للجند سرا، فعلم الإمبراطور بذلك فزج به في السجن، وحكم عليه بالإعدام.

أسطورة ثالثة تتلخص هذه الأسطورة في أن الإمبراطور المذكور سابقا كان وثنيا وكان (فالنتين) من دعاة النصرانية وحاول الإمبراطور إخراجه منها ليكون على الدين الوثني الروماني، لكنه ثبت على دينه النصراني وأعدم في سبيل ذلك في عام 270م ليلة العيد الوثني الروماني (لوبركيليا)، فلما دخل الرومان في النصرانية أبقوا على العيد الوثني (لوبركيليا) لكنهم ربطوه بيوم إعدام (فالنتين) إحياء لذكراه، لأنه مات في سبيل الثبات على النصرانية كما في هذه الأسطورة، أو مات في سبيل رعاية المحبين وتزويجهم على ما تقتضيه الأسطورة الثانية.

إن من أعظم شعائر هذا العيد عند الرومان مؤسسيه – أن شبان القرية الواحدة يجتمعون فيكتبون أسماء بنات القرية علي أوراق ويضعونها في صندوق ، ثم يسحب كل شاب منهم ورقة ، فالتي يخرج اسمها تكون عشيقة له طيلة السنة، ثم يرسل لها بطاقة مكتوبا عليها (باسم الآلهة الأم أرسل لك هذه البطاقة) وبعد انتهاء السنة يغير عشيقته ، فلما انتشرت المسيحية في أوربا ، استرعي هذا الأمر أنظار رجال الدين فأحبوا أن يصبغوه بالمسيحية فغيروا العبارة إلي (باسم القسيس فالنتين أرسل لك هذه البطاقة) ولأن الفالنتين رمز نصراني فمن خلاله يتم ربط هؤلاء الشباب بالمسيحية، ولكن رجال الدين المسيحي لما رأوا أن في الأمر مفسدة للأخلاق ومجلبة للرذيلة ثاروا عليه وأبطلوه عدة قرون إلي أن تم إحياؤه، ولا يدرى متي كان إحياؤه ، فهم مختلفون في تحديد تاريخ إحيائه، ولكن بعض الكتب تسمي بـ (كتب الفالنتين) فيها بعض العبارات والأشعار الغرامية ، كانت تباع في فترات ما بين القرن الخامس عشر والثامن عشر .

وفي الوقت الذي يحتفل فيه العالم بـعيد الحب في يوم فبراير من كل عام فإننا في مصر نحتفل به في مثل هذا اليوم 4 نوفمبر من كل عام، وهو اليوم الذي اختاره الكاتب الصحفي مصطفي أمين نزولا على رغبة بعض القراء في عموده الشهير "فكرة" الذي نشر في الرابع من نوفمبر 1988، وهو يوم عيد الحب المصري، وقد لاقى مصطفي أمين الكثير من الهجوم ولم تقابل فكرته بأي حماس وقتها لأن أغلب الناس اعتقدوا أنه يطالب بعيد للعشق والغرام.

يأتي يوم عيد الحب المصري " الفالنتاين " وهو يعتبر مناسبة يقوم الناس في هذا اليوم بالتعبير عن الحب و إظهاره بطرق مختلفة فيما بينهم و تنفرد مصر بهذا الحدث في يوم 4 نوفمبر من كل عام على عكس يوم عبد الحب العالمي والذي يأتي في يوم 14 من شهر فبراير من كل عام .

ويعتقد بأن "مصطفى أمين" كان لا يقصد بـ"عيد الحب المصرى" الحب والعشق بين "الرجل والمرأة" فقط، ولكنه قصد الحب بين أفراد العائلة والأسرة، وحب الوطن، والإخلاص للمعلم، ولم يكن يقصد ما يحدث في يومنا هذا من تقديم الهدايا والمعايدة بـ"عيد الحب المصري"، ولكنه قصد بأنه عيد تقديم شكر للإنسانية وتقديم هدية إنسانية ورساله نبيلة.

وكشفت "صفية مصطفي أمين" ابنة الكاتب الصحفي "مصطفي امين" في مقابلة صحفية، بأن "عيد الحب المصري" الهدف هو إحياء فكرة الحب بين أفراد الأسرة، وليس كما نشهده اليوم من تقديم هدايا ومعايدة بهذا اليوم.

وفي نهاية حديثنا نقول بأن السبق لمن سبق ، حيث تحتفل مصر بهذا العيد مرتين، الأولى في الرابع من نوفمبر ، والثانية في التاريخ المتفق عليه عالميا، والشعب المصري بتكوينه الثقافي والتراثي، هو شعب عاطفي دائم البحث عن سبل للاحتفال بالحب بجميع مظاهره، فليس من الغريب أبدا أن يحتفل سنويا بعيد الحب مرتين؛ حيث إن كل حب يؤدي الى حب آخر، وتعل قاتنا تميل الى ان تكون هرمية، فحب الرجل لنفسه قد يقوده الى التعلق بالمكانة التي يحصل عليها وسط جماعة معينة، ومن ثم يتعلق بهذه الجماعة، فيظهر عاطفة واخلاصًا غير عقلانيين تجاهها.

والمرأة المولعة بنفسها قد تتولد لديها اهتمامات بالمجوهرات والملابس، واذا ما امتلكت الاستعداد وتهيأت لها الفرص فقد تحترف تصميم الازياء. إذن، حالما نقرر النظر إلى الحب بوصفه "تعلقًا" يتأثر بتعليقات سابقة أو أخرى، فستكون لدينا فرضية تساعدنا على فهم ما نشعر به وما نقوم به عندما نحب، فأنواع الناس الذين نختارهم وأنواع الأشياء التي نفعلها مع هؤلاء الناس، وأنواع المشاعر التي تجتاحنا، تميل كلها إلى أن تنبع من تعليقاتنا السابقة. ولا يعني هذا عدم وجود فروق بين تجربة وأخرى، بل بالأحرى هناك تشابهات كافية لاقتراح انماط من السلوك تتيح امكانية معقولة للتنبؤ بما سنقوم به.

فهناك تعليقات تنمو من الرغبة والاختيار، وهناك تعليقات تنمو من الحاجة والخبرة، فالأولى لها خاصية واعية وعقلانية، والثانية لها خاصية حيوانية وغير مقصودة، فنحن لسنا السادة المطلقين لاختياراتنا،  فأجسامنا تسجننا، والحياة نفسها تشدنا دون أن يمكن مقاومتها نحو جهاتها الخاصة. وعندما تنمو التعليقات، فإننا نواصلها لأننا فقط سبق أن ارتبطنا بها. ونصبح عندئذ متعلقين بفكرة، أو بموضوع، أو بملكية، أو بخيال، أو بمثال، أو بأي شيء كان. وبالطبع هناك مشاعر ترتبط بتعليقاتنا، ولكن من غير الصحيح تعريفها بأنها مشاعر طيبة على الدوام.

فالحب بالتأكيد يمكن أن يكون رومانسيًا ونبيلا، ولكنه في الغالب يكون نرجسيًا وانانيًا، وفي مرات أخرى يظهر بشكل شعور متقطع، وبعض أنواع الحب تجعلنا سعداء وإن شعر بالامتلاء، والبعض الآخر تجعلنا نعاني باستمرار ونمتلئ بالألم.  وهكذا من الواضح إن المشاعر التي ترتبط بالحب غير موثوق بها، ذلك إنها تتغاير بقدر الطرائق التي نعبر بها عن الحب .

إن خبرات الحب لها أنواع كثير ة، فحب الوالدين لأطفالهما، وحب الاشقاء، وحب الشقيقات، وحب الاصدقاء، وحب البشرية، وحب ا لله، كلها انواع Care  ويفترض الحب مواقف العناية . Relatedness "  متنوعة من الرابطية والفهم المتبادل، والتي تعد جميعًا أنماطًا Responsibility  والمسؤولية سلوكية بشرية، لا توجد حقيقة الحب بدونها، ويختلف الحب في كل موسم من مواسم الحياة، ولا يمكن لتعبيره أن يظل متشابها، فكل خطوة إلى الأمام في النضج تغير من الشخصية، وكل عام يضيف طابعًا جديدًا إلى الشجر.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

...................

الهوامش

6- نيفين عطية: دعوة لاستعادة الشهامة فى عيد الحب مقال منشور بجريدة الأهرام المصرية بتاريخ الأحد 26 من صفر 1440 هــ 4 نوفمبر 2018 السنة 143 العدد 48180

7- انظر مقال بعنوان موعد عيد حب المصريين يختلف عن فالنتين، ضمن صحيفة العرب ، منشور بتاريخ Nov 5, 2015

8- أمنية خيري : الفلانتين " من روما الى عيد الحب المصري" ياقلبي لا تحزن "، منشور بتاريخ 2018-11-04 13:31:56

9-مقال بعنوان القصة الحقيقية وراء عيد الحب" ، من موقع floraqueen.com

10-مقال بعنوان قصة عيد الحب المظلمة بشكل مدهش" ، من موقع townandcountrymag.com

11- محمد فارس كمال نظمي: الحب الرومانسي بين الفلسفة وعلم النفس ، دار ئاراس للطباعة والنشر، اربيل –كردستان العراق، 2007.

 

رشيدة الركيكلا تأتي تحية الصباح إلا من ملامح إنسان حي يتنفس هواء نقيا يغذي عقله بما يلزم، لعله ينتج من الفكر ما ينطق بإنسانيته ويعبر عنها. 

الواقع أننا اليوم أصبحنا نتنفس الصعداء من جراء تلوث الواقع الاجتماعي من سلوكات تخدش حياءنا وتتوه عنا معها ملامح إنسان.

 ومن هول ما حدث نضطر للخروج عن صمتنا، وعن تغافلنا بنوع من التحدي لشعار: كم من أشياء قضيناها بتركها، ليصبح الأصح كم من أشياء تركناها لتكبس أنفاسنا وتتسبب في اختناقنا.

وإن كانت قناعاتنا بالحرية الشخصية تتأرجح بين متشبث و معارض، غير أننا لن نختلف  في الرأي أن العيش بكرامة واحترام، استحقاقا كونيا لأننا نتميز بإنسانيتنا ومن حقنا القبول مثلما أن الرفض من شيمنا، لذلك وجب على كل فرد أن يعطي لباقي أفراد مجتمعه على الأقل حقهم في العيش الكريم حتى يفرضه عليهم.

 حقيقة منذ أزمنة خلت أهينت المرأة لأنها اعتبرت شيئا يمتلك ويباع ويشترى، لقد كانت تلك نظرة مجتمعية عامة استأنست بها لعقود إلى مجيء الإسلام في صيغة ملخصة: لا يكرمهن إلا كريم.

لسنا بصدد الدفاع عن المرأة بقدر ما ندافع عن كرامة إنسان خطاء بطبعه متهور في الكثيرمن سلوكاته، لكننا لا نصل إلى حد المساس بلباسه وخدش حيائه في الشارع العام (واقعة فتاة طنجة­­).

لسنا بصدد تحديد من أخطأ ومن أي زاوية، ولكن لا حق لأحد أن ينصب نفسه قاضي القضاة ويحكم لينفذ حسب هواه ويوثق الحدث للنشر وبكل وقاحة.

وإن كانت فئة عريضة في جدال حاد مع دعاة الحرية الشخصية، فإننا جميعا نتمسك بكرامة إنسان أهدر حقه في إنسانيته أمام الجماهير وترك كل واحد يلغي بلغوه.

والحقيقة أننا نحلل على أنفسنا ما نحرمه على غيرنا بجرة قلم، نحكم على بعضنا البعض، وهنا العبث كل العبث بإنسانيتنا.

الواقع أن لا أحد يريد أن يضع نفسه مكان أم للفتاة أو الفتى لواقعة طنجة، لأننا لن نحاكم أشخاصا بقدر ما كشفت الصورة و جسدت بالواضح واقعا اجتماعيا وعلائقيا قيميا مترديا ، وهو ما وجب محاكمته في المجلس الأعلى للقيم الإنسانية.

ونحن لا زلنا في استحقاقات انتخابية وزوبعة الأزمات الاقتصادية وغيرها، تصدمنا مواقع التواصل الاجتماعي بإنسان أصبح كتلة لحم نيئة ميتة تمشي وتتكلم وأينما حلت تفوح رائحة الجيفة لتذكرنا أنها ميتة فعلا.

هذا هو حال إنسان اليوم فقد معاييرا توجه سلوكه: عيب، حرام، حشومة، أش غادي يقولوا الناس... من المفاهيم التي تربينا عليها وكان وجه الشخص يحمر خجلا قبل أن يبدي السلوك. أما اليوم على مرآى من العالم لم يعد يهمه حتى صورته داخل المجتمع.

ما حصل يجعلنا نعيد ترتيب أولوياتنا ورؤيتنا للواقع الاجتماعي من خلال واقع إنسان صادم مهزوز روحيا، منفور اجتماعيا ومضطرب نفسيا. 

إنسان غريب عن نفسه يحتاج للعودة إلى ذاته أولا، ومعرفتها وتغذيته بحاجات لا تقل أهمية عن الخبز. حاجيات تعيد إليه ملامح إنسان يعرف معنى الخجل من نفسه أولا قبل الخجل من الوقوع في صورة تسيء إليه ككائن محط احترام وتقدير من نفسه قبل الآخرين.

 

بقلم: رشيدة الركيك

 

 

ناجي ظاهرهذه الرواية التي اتحدث عنها فيما يلي، هي واحدة من 450 رواية كتبها والفها الكاتب جورج سيمنون(1903-1989)، إضافة الى مائة الف قصص قصيرة، وسيرة ذاتية وقعت في عشرين كتابًا. لقد قُرئ سيمنون في العديد من لغات العالم، بما فيها لغتُنا العربية، واعتبر من اسرع الكتاب تأليفًا ومن اغزرهم انتاجًا. ومن طريف ما يُذكر عن سرعته في الكتابة (كان يكتب خمس روايات في الشهر احيانًا)، أن صديقه الفريد هتشكوك، مخرج افلام الرعب الشهير، سأل سكرتيرته ذات زيارة لمكتبه عنه فأجابته إنه دخل لتأليف رواية، فما كان منه إلا أن نظر إلى ساعته وقال انه بإمكاني ان انتظر.. وجلس ينتظره.

عرفتُ روايات سيمنون، وهو بلجيكي المولد، فرنسي القلم، امريكي المهجر، عالمي الوطن، منذ سنوات السبعينيات عندما قرأت عددًا من رواياته اذكر منها "الساحر"، وقرأت له فيما بعد عددًا وفيرًا من الروايات لعلّ اهمها " هذه المرأة لي"، التي تسببت في ترشيحه لجائزة نوبل الادبية، فأخطأته الجائزة، واكسبته الرواية محبة القراء في انحاء مختلفة من العالم".

رواية "الابن" تعتبر رسالة طويلة منذ بدايتها حتى نهايتها، يوجهها والد إلى ابنه، ويسرد عليه تاريخه العائلي، المتذبذب بين الفرح والحزن، ابتداءً من جدته وجده، اللذين تبدأ الرواية بتصوير رحيلهما واحدًا وراء الآخر، ثم تنتقل إلى الوالدين، وهناك صفحات رائعات في الرواية حول تعرّف كل منهما على الآخر، بعد إصابة الاب بنزلة رئوية وانتقاله لتلقي العلاج، منتقلًا من جبهة القتال، إلى المستشفى، وهناك يتحدث الاب، في رسالته الطويلة إلى ابنه، عن تعرفه على والدته وارتباطه بها.. بعد ان يقع في غلالة حبها.

الرواية تتحدث عن جيل الحرب، ذلك الجيل الذي شهد اهوالًا مرعبة، ويرصد التحولات التي عاشها الآباء، وتلك التي عاشها الابناء، ويتوقف عند معنى الابوة، مازجًا بينها في اطاريها العام والخاص:" انها قصة قديمة تتكرر كل جيل، الابناء يرقبون الآباء، كما كان هؤلاء يرقبون الاجداد، قرأت ذات مرة عبارة لاحد الكتاب: ان ابناءنا صورة منا وارواحنا تتحدث على السنتهم! " ثم يقول:" اظنه يؤمن بقضية تناسخ الارواح القديمة ويعتقد أن ارواحنا تنتقل في مدى مائة عام، من الاب إلى الابن.. إلى الحفيد، تؤثر فيهم إلى اعماق نفوسهم، يظل الحفيد يذكر ما يقوله الاب عن الجد ويراه بعين الخيال يتحرّك امام بصره حتى إذا ما صار الحفيد أبًا اندثرت ذكرى الجد اختفت بين طيات النسيان واصبح اسطورة قديمة بين الحكايات والاساطير، وهكذا تمضي الاجيال موجةً بعد موجة كأمواج البحر الذاهبة وتعطي تاليتها الصاعدة ما يجيء بعدها إلى آخر الزمان".

تكشف هذه الرواية عن الوجه البريء للطفولة واليفاعة، ذلك الوجه الذي يريد أن يعرف كل شيء وأن يكتشف كل شيء، وفي المقابل تكشف عن الوجه المختلف، بطبيعة الحال، للاب والام، وما يمكن أن يدور بين الطرفين من مشاعر واحاسيس متناقضة. والطريف في هذه الرواية أنها تركز على المشاعر والاحاسيس، مبتعدة عن الحبكة التقليدية، وتكتفي بسرد احداث تقدم الابوة في أطرف حالاتها واجلى معانيها.

ترجم الراوية إلى العربية بأسلوب رشيق الكاتب حسن محمد احمد، وصدرت ضمن سلسلة روايات عالمية، حاملة رقم 267، احدى السلاسل التي تصدر عن وزارة الثقافة والارشاد القومي- الدار القومية للطباعة والنشر في ارض الكنانة.. مصر العربية.

 

تقديم: ناجي ظاهر

 

 

عمار عبدالكريم البغداديشهرزاد: ألا ترى أننا نجهل في كثير من الأحيان ما يفكر به الآخرون، فكيف لنا أن نغيّر تصوراتنا عنهم ونحن غير واعين لأفكارهم؟.

شهريار: إنْ كانت الإبتسامة العفوية والكلمة الطيبة كفيلة بمد جسور أولية للثقة مع الآخرين فالأمر لا يحتاج الى وقت طويل حتى ندرك الطريقة التي يفكرون بها، ومن ثم نكون قادرين على تحسينها بالفعل والقول، أو الإحساس بالرضا، نحن نتعلم في كل يوم شئنا أم أبينا، فالحوار والسلوك بكل تفاصيله يكشف لنا خفايا الآخرين وخفايا أنفسنا، ومن هنا يبدا العمل لتغيير القناعات .

يقول ديل كارنجي: (إن أهم درس تعلمته هو أهمية ما نفكر به، فإن عرفتُ ماتفكر به فقد أعرف من تكون، لأن أفكارنا تجعلنا ما نحن عليه).

ولا أنكر يا شهرزاد أننا بحاجة الى حافز لأفكار التغيير، لاسيما وأننا نخوض حربا مع الأفكار السلبية في ذواتنا، فالنفس البشرية عامة توّاقة لبناء صورة سلبية عن الآخرين، وإن للقناعات الشريرة التي أُقْحِمت في ذواتنا قديما دورا فاعلا في هذه النزعة، وقلما نجد من يقول بعد اللقاء الأول او الثاني: "يبدو فلان طيب المعشر،وأظنه سيكون صديقا مميزا لي" .

إن (الأنا ) المتعالية بكل غرورها ترفض أن تقبل التميز في الآخرين، من الوهلة الأولى، لهذا نجدها تمنعنا من الإقتراب قدر ما تستطيع، وتصور لنا ذلك التميز والثقة البناءة غرورا واعتزازا أحمق بالنفس، وتكاد تنسينا إنها تدافع عن حماقتها وغرورها ليس إلا .

نحن ياشهرزاد في معركة دائما مع أحوالنا النفسية، فـ(الأنا) بكل أشكالها الدنيوية، والنفس ورغباتها الشهوانية، والقناعات القديمة وآثارها السلبية، رماح تطعن منابع الخير فينا مرة بعد مرة، والحمد لله الذي جعل الخير منابع كلما طُعِنَتْ إتسعت مكامنها وزادت محبة وعطاءً.

والتحفيز نحو الأفكار النورانية لا يحتاج إلا للحظات مصارحة مع الذات، فكل واحد منا يدرك، في قرارة نفسه، هذه الحقائق لكنه يرفض المواجهة، ويَركن الى الإستسلام، طبيعيٌّ أن نحب الانا المتعجرفة لأنها لا تكلفنا مزيدا من الجهد والعطاء، وننسى أو نتناسى أنها لن تصل بنا الى بر الآمان أبدا .

شهرزاد: أجده حديثا صعبا ذلك الذي نخوضه مع ذاتنا لنعيد لها بريق الأمل والحياة السعيدة؟

- لا أختلف معك كثيرا، الأمر بحاجة الى شجاعة وإقرارٍ بالأخطاء، واعترافٍ بالذنوب، ومكاشفة على أعلى المستويات، لكن بالنتيجة هو حديث لا يعلمه إلا الله فلما نخافه؟!، نحن نركن الى مااعتدنا عليه، أوفرضته علينا الأزمان لنضمن سلامة وهمية تتصدع أركانها مع أول صدمة على الطريق،وأجد الشجاعة التي نحتاجها لحديث صريح مع الذات أقل صعوبة من التي نبحث عنها لمواجهة مواقف عصيبة وضعنا أنفسنا فيها حينما تهاونّا بالمصارحة، ولا يخفى على عاقل أن أحدنا في حديث دائم مع الذات، فكل فكرة تجول في خواطرنا هي حديث من ذلك النوع، فإن خرجت تلك الفكرة الى العيان صارت حديثا مع الآخرين، والعجيب أننا نترجم في لحظات فكرة شريرة نتداولها مع الذات الى عبارة منمقة ذات مغزىً تهكمي، أو استفزازي، أو دفاعي عن (الأنا المجروحة)، لا ليشئ فقط لانها (الانا)، فيكشف ذلك مايدور في أذهاننا للمتلقي من خلال رد فعلنا المنطوق.

يقول دونالد ميخومبوم " الكلام مع الذات يوجه العواطف والسلوك ويحددها ".

إذا نحن أمام خيارين لا ثالث لهما: أن نحدث النفس بالطيب فتفوح عطرا ينعش أحوالنا ويغدق العطاء على من حولنا، أو أن نحدثها بالخبيث فلا يصدر عنها إلا شرار يحرق الأخضر واليابس .

يقول الهادي البشير (ص) (إِنَّما مثَلُ الجلِيس الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ: كَحَامِلِ المِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ ريحًا طيِّبةً، ونَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَن يَحْرِقَ ثِيابَكَ، وإمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا مُنْتِنَةً ) .

وقد يكون ظاهر الأمر أنه ليس كل حديث سيء مع النفس يصيب الآخرين بالضرر، لكن سر التعاسة المنتشرة في أيامنا هذه أنّ الغالبية العظمى من الناس يفكرون بما يقلل من شأن ذواتهم،ويقلل من توقيرهم لأنفسهم، الأمر لا يتعلق بأحوال معيشية أو إخفاقات آنية،إنما بما أشرنا اليه سابقا من ركون الى ما اعتدنا عليه، ومافرضته علينا مراحل الطفولة وأحوال التربية السيئة، مفردات كـ(لاأستطيع، سأفشل في المهمة، أنا قليل الذكاء كما كان يقول ابي او معلمي) تهيمن على حديث السواد الأعظم من الناس مع ذواتهم، فتنعكس على سلوكياتهم وأفعالهم، وتتسبب بإخفاقات أخرى للذات، وتعلو (الأنا المتعجرفة) من جديد لتسيء الى الناس، وإنْ كنّا لا نفكر بالإساءة اليهم، لا من قريب ولا من بعيد، في وقت الحديث المحبط مع ذاتنا .

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

.............................

* من وحي شهريار وشهرزاد (27)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

محمود محمد عليلا نبالغ إذا قلنا أن تاريخ البشرية يعد من إحدى زوايا النظر إليه بانوراما للصراعات والحروب والعن ف، وبالرغم من ذلك، لو أجرينا مسحاً أوليًا لأنماط المفردات الرئيسة التي تكررت اكثر من غيرها عبر هذه العصور المضطربة لدى مختلف الأجناس في حياتهم اليومية وفي آثارهم المكتوبة، لوجدنا أن مفردة "الحب "، تقف على رأس قائمة هذه المفردات إلى جانب مفردة "الحرب" في تزاوج دراماتيكي محير يبرهن على سمو الإنسان وحماقته في الوقت ذاته . ومن هنا تنبع أهمية موضوع  "الحب" في إطارها العام، بوصفه ظاهرة مشتركة في كل العصور، وبين كل البشر : الأقوياء والمستضعفين، الأغنياء والفقراء، الأميين والعلماء، المحاربين والشعراء.

قصدت هذه المقدمة لأقول بأنه في الرابع عشر من شهر نوفمبر من كل عام، كان المصريون القدماء يحتفلون بعيد الحب في يوم مثل هذا اليوم، وكان يسمي هذا العيد بعيد العشاق، بينما كان يسمي عند الغربيين بعيد الفالنتين Valentine Day، ويعني عيد المودة والرحمة ومشاعر الحب بين الأبناء والآباء والأصدقاء والود بين الناس؛ وهو العيد الذي تحتفل فيه كافة بلدان العالم، حيث يتم فيه تبادل الهدايا المختلفة بما في ذلك الورود والشوكولاتة بأنواعها المختلفة بين المحبين والأهل والأصدقاء، وتتزين الشوارع باللون الأحمر وجميع المحال تقوم ببيع الهدايا الخاصة بعيد الفالنتاين ويخرج المحبين والعشاق إلى الشوارع للاحتفال بهذا اليوم، وأيضاً يقوم المحبون بالتعبير عن حبهم في هذا اليوم عن طريق إرسال بطاقات الحب لبعضهم البعض، أو إرسال الرسائل، والعبارات الجميلة، أو إرسال الحلوى وغيرها من الهدايا للتعبير عن حبهم . وفى يوم عيد الحب، تزدهر تجارة وبيع الزهور والورود في الأقصر، كما تزدحم محال بيع الهدايا بزبائنها من الشباب والزوجات والأزواج أيضا.

كذلك فإن عيد الحب يُعد عيد الحب يوماً يُعبِّر فيه المحبون عن عاطفتهم تجاه بعضهم، ويُعرف عيد الحب باسم عيد القديس فالنتاين، الذي يُصادف تاريخ الرابع عشر من شباط، وتأتي الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا على قائمة الدول التي تحتفل بهذا اليوم بالإضافة إلى دول أخرى مثل كوريا الجنوبية والمكسيك والأرجنتين، وفي دولة الفلبين أيضاً التي تتجسد فيها ذكرى عيد الحب بين الأزواج والأحبة والأقارب والأصدقاء

أما عن قصة عيد الحب فيقول البعض بأن الحضارة المصرية لم تكن حضارة حرب وتشييد وبناء الأهرامات فقط بل كانت حضارة إنسانية عرف ملوكها قصص عشق وحب جارف كتبوا فيها قصائد ونصوصا شعرية ونحتوا تماثيل تخليدا لها.

ولعيد الحب طابع خاص عند قدماء المصريين، إذ تسجل النقوش والرسوم على جدران معابدها ومقابرها وآثارها الفرعونية، الكثير من تفاصيل قصص الحب التي جمعت بين ملوك وملكات ونبلاء وأميرات، وآخرين من عامة الشعب في مصر القديمة.

ويتزامن عيد الحب هذا العام مع يوم الرابع من شهر فبراير في كل عام عيدا للحب، وذلك إحياء لذكرى اكتشاف مقبرة وكنوز الفرعون الذهبي الملك توت عنخ آمون، وهو الاكتشاف الذي جرى في يوم الرابع من نوفمبر من عام 1922 على يد الباحث الإنكليزي هوارد كارتر الذي صرخ بمجرد أن شاهد المقبرة الملكية قائلا “أجل، أشياء رائعة.. كل ما علينا فعله الآن هو أن نقّشر المقابر الملكية كما نقّشر البصلة، وسنكون بعد ذلك مع الملك نفسه.

وفي مدينة الأقصر توجد مقبرة الملكة نفرتاري التي شيدها لها محبوبها الملك رمسيس الثاني، وهي المقبرة التي تتجه لها القلوب، كونها تعد شاهدا على أجمل قصة حب ربطت بين قلبي رمسيس الثاني وزوجته نفرتاري في واحدة من أقدم قصص الحب التي خلدها التاريخ قبل أكثر من ثلاثة آلاف سنة، حيث أقام الملك رمسيس تلك المقبرة لمحبوبته وزوجته بعد وفاتها ليؤكد إخلاصه وحبه الأبدي لجميلة الجميلات كما يطلق عليها حتى اليوم، ومعنى اسم نفرتاري “الصاحبة الجميلة” أو “جميلة جميلات الدنيا” أو “المحبوبة التي ليس لها مثيل”، أو إنها تشبه النجمة، تلك التي تظهر عند مطلع عام جديد. هي واحدة من أكثر الملكات المصريات شهرة ككليوباترا، وتزوجت رمسيس وكان عمرها 13 سنة.

وفي مدينة الأقصر أيضا توجد معالم معبد الملك امنحتب الثالث، الذي تحكي نقوشه تفاصيل قصة الحب التي جمعت الملك امنحتب الثالث بمحبوبته الملكة “تي” التي لم تكن تحمل دماء ملكية، ما دفع أمنحتب الثالث إلى اللجوء إلى كهنة الإله آمون الذين قدموا له العون الذي مكنه من الزواج من محبوبته عبر إقامة معبد لأمون إله طيبة وهو المعروف الآن بمعبد الأقصر، وبداخل هذا المعبد أقام حجرة للولادة الإلهية٬ وهنا جاءت رواية الكهنة بأن أمنحتب الثالث هو نتاج لمعاشرة أمون لأمه فصار ابن الإله٬ وتخطى عقبة أن أمه محظية لوالده ولم تكن سليلة العائلة الملكية، وأن عليه الزواج من أميرة تنتمي للعائلة الملكية. ولأنه صار ابن الإله فقد صار من حقه الزواج بمن يريد دون أن يهدد هذا الزواج عرشه الملكي.

وفي الأقصر أيضا لا تزال هناك الكثير من الشواهد التاريخية التي تحكي بعضا من تفاصيل قصة الحب التي جمعت بين قلبي الملك أمنحتب الرابع “إخناتون” وزوجته الملكة نفرتيتي بين ربوع الأقصر قبل آلاف السنين.

وفى مقابر “نخت” و”نفر” وغيرها من مقابر نبلاء وأشراف الفراعنة في جبل القرنة التاريخي بغرب مدينة الأقصر، لا يخلو جدار من مشاهد تجمع بين محبوبين أو زوجين، مثل سيدة تضع رأسها على كتف زوجها، وزوج يضع يده على كتف زوجته، وأخرى تضع يدها على ساق زوجها ويحيط بهما أفراد أسرتهما وهم يخرجون في رحلة صيد على ظهر مركب في وسط نهر النيل الخالد.

أما أغلب المؤرخين فيرجعون عيد الحب إلي الرومان، حيث يرون أنه بدأ في القرن الثاني الميلادي، حيث قام الإمبراطور الروماني أوريليان بسجن القديس "فالنتاين" بمدينة تورني في روما، لكنه وقع في غرام ابنة سجانه فأمر الإمبراطور بإعدامه في 14 فبراير.

وفي رواية أخرى قيل إن الإمبراطور منع الزواج في هذه الفترة ليتفرغ الشباب  للجيش ويدخرون طاقاتهم البدنية للقتال فسجن "فالنتاين" لمخالفته أمر الإمبراطور بتزويج المحبين سراً.

وعيد الحب يعود إلى أسطورة رومانية حدثت في قديم الزمان، وبالذات في القرن الثالث الميلادي، حيث تعرضت الإمبراطورية الرومانية للغزو من قبل القوط، وقد كان ذلك إلى جانب انتشار مرض الطاعون أو الجدري بين الناس مما أسفر عن وفاة 5 آلاف شخص يومياً، وقد كان من بينهم الجنود، وكان الاعتقاد أنّ أفضل من يدافع عن الإمبراطورية من القوط هم الجنود العزّاب، فما كان من الإمبراطور كلوديوس الثاني إلا أن حظر الزواج التقليدي على الجنود، وفي أثناء ذلك الوقت عمل هذا الإمبراطور على تأليه مجلس الشيوخ الروماني للإمبراطور غالينوس وجعله من المعابد التي تُعبد إلى جانب الآلهة الرومانية الأخرى، واعتبر الأشخاص الذين يرفضون هذه العبادة هم آلهة غير وطنيين، وتم استهداف المسيحيين على وجه الخصوص وإجبارهم بالتخلي عن معتقداتهم أو مواجهة الموت... وللحديث بقية..

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..................

الهوامش

1- علاوي، أبو الحجاج يوسف بن أحمد: عيد الحب الفالنتاين : أصله، شعائره، حكمه، صوت الأمة، الجامعة السلفية - دار التأليف والترجمة، مج46 ,ع2، 2014.

2- عيد، علي: الحب، التوحيد، جماعة أنصار السنة المحمدية، س 14 ,ع 3، 1986.

3- بن حليمه، إبراهيم: كلمة في عيد الحب، مجلة الإصلاح، دار الفضيلة للنشر والتوزيع، مج 5 ,ع 2، 2011.

4- إسلام جمال: قصة احتفال المصريين بعيد الحب 4 نوفمبر، مقال منشور بتاريخ الأحد، 04 نوفمبر 2018 09:17 ص.

 

 

ابو الخير الناصريالخميس 26 غشت 2021

عدد الناس في شاطئ سيدي أحمد الزواق هذا اليوم أقلُّ منه منذ ثلاثة أيام.

إنها العَشْر الأواخر من أغسطس الجميل. ودّعَ المدينةَ كثيرٌ من أبنائها وزائريها بعد قضاء أوطار الاستجمام، والراحة، وصلة الرحم...

بضعُ عائلات، وصديقات، ورفاق يشغلون طاولات قليلة من طاولات مقهيين. فيهم من يتناول وجبة غداء، وفيهم من يشرب شايا أو مشروبات غازية..

أجلس وحدي محاطا بذكرياتي في الشاطئ هذا الصيف. أستحضر جلساتي هنا مع الأصدقاء جمال بوليفة، ومحمد البوعناني، وعبد المالك عليوي وما كان بيننا من احاديث عن الشأن المحلي وشؤون الثقافة ببلادنا.

أستحضر الأصدقاء عبد السلام الشويخ، وأسامة الزكاري، وأحمد بومقاصر، ومحمد بنعبود، وأنور الترفاس، وحسام الراجي، وحكيم غيلان وآخرين كثيرين ممن جالستهم أو حادثتهم أو سلمت عليهم وبادلتهم السؤال عن الصحة والأحوال في موضع من هذا الشاطئ الممتد.

لم ألق أحدا منهم اليوم وأنا أمشي من أول الشاطئ البلدي حتى "سيدي أحمد الزواق". مضى أغلبُهم إلى حال سبيله..إلى أعماله وأشغاله والإعداد لبرامج حياته بعد الصيف.

هي الحياة تجمع الناس في مكان واحد، ثم تذهب بكل فرد منهم في طريق! يتكرر هذا كلَّ صيف، بل كلَّ مناسبة يلتئم الناسُ فيها بمكان واحد قبل الفراق.

أهو تذكيرٌ للإنسان بوحدته في عالم مليء بالناس؟

أهو تذكيرٌ له أنه يولد وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده!؟

الوحدة هي المبتدأ والمنتهى. هي الأصل الذي يهرب منه كثير من الناس أغلبَ الوقت فرارا من الحقيقة التي لا تحتملها نفوسُهم الهشة اللاهية اللاهثة.

أرفع بصري عن شاشة الهاتف قليلا. أنقّل عينيَّ بين الناس من حولي. أكفُّ عن ربط الصلة بين فكري وبين يدي التي ترقن "الكلام النفسي" على شاشة الهاتف. أمد يدي إلى كأس الشاي على الطاولة لأغنم بعضا من متعة الصيف قبل انقضائه. وأقول لنفسي: "توقف عن التفكير فيما مضى، وفي وحدة الفرد المحاط بالغير. تمتع بكأس الشاي. تفضل اشرب".

الأربعاء الفاتح من سبتمبر

في السابعة مساء تحلقنا نحن الأبعة حول مائدة في مقهى La Luna: الشاعر العماني أحمد الوهيبي، والكاتب المسرحي مصطفى البعليش، والقاص عبد الصمد مرون، وكاتب هذي الكلمات.

هي مبادرة لطيفة مشكورة للصديق مصطفى من أجل ربط الصلة بيني وبين الشاعر العماني الإنسان الوديع صاحب ديوان "رداء الديك" الذي جاورني في الحي أربعة أعوام دون أن أتشرف بمعرفته!!

وكأنما أجرينا اقتراعا صامتا بيننا نحن الأبعة لانتقاء موضوعات الحديث، فكان الحضور الأبرز للمغرب وأعلامه ما دمنا ثلاثة مغاربة في حضرة عُماني واحد!!

تحدث مصطفى عن قلة احتفاء الأديب المغربي بأخيه المغربي، فاستحضرت قول صاحب "مرآة المحاسن" إن المغاربة وُسِموا بالإهمال ودَفنِهم فُضَلاءهم في قبرَيْ تُراب وإخمال"، ثم استدركت بالقول إن الأمر يتجاوز المغرب إلى كثير من بلاد العرب، وسردتُ حكاية في الموضوع أوردها محمود حمدي زقزوق في كتابه "الاستشراق والخلفية الفكرية للصراع الحضاري".

طُرحت قضية موسوعية المثقفين المغاربة المعاصرين، وذُكر اسم عبد الكريم غلاب القاص والروائي والصحافي والمؤرخ وكاتب السيرة الذاتية.....

قال أحمد إن أمثال غلاب لا يَخلفهم خلَفٌ لإيثار الناس التخصصَ في هذا الزمان، ووافقناه الرأي جميعا، آسفين على ندرة أمثال غلاب الموسوعي.

استطردنا للحديث في منجز غلاب، فاستحضرت بالتذاذ بعض ما قرأت له وعنه لإعجابي الكبير بمنجزه المشرّف.

وسررنا جميعا بإحداث حديقة باسمه داخل أصيلا.

لم تَخْلُ مائدة الحديث من انعطافة إلى رفيق غلاب في "العَلَم" الأستاذ عبد الجبار السحيمي رحمه الله. حدثنا مصطفى عن زيارات الراحل للمحروسة وممارسته هواية الصيد بها، كما تحدث عن مجموعته "الممكن من المستحيل"، وأبديت إعجابي بفن المقالة عند الرجل استنادا إلى عموده المتميز "بخط اليد".

أحاديث رائقة جعلت الجلسة ماتعة لم يَشِنها شيءٌ سوى اقتراب التاسعة مساء موعد إغلاق المقاهي والمطاعم.. واضطرار الصديق أحمد للانصراف قبل أن نغادر نحن أيضا بعد وقت قصير آميلن تجديدَ اللقاء، وتعميق النقاش، وتنويع موضوعاته وقضاياه.

الأحد 05 من سبتمبر

-"سأتفرّغ هذا الصباح لكتابة قصة".

بهذا حدثتُ نفسي وأنا أغادر المنزل متجها إلى مقهى الضاية حيث أشرف على طفولتي بحي للا رحمة. في الكيس هاتفي المحمول ودفتر وقلم ورواية لهدى بركات نالت عنها جائزة نجيب محفوظ للرواية.

القراءة والكتابة توأمان. سأكتب ما يفتح الله به عليّ، ثم أقرأ صفحات من هذا العمل الروائي.

أشرت إلي النادل إشارة متفقا عليها بيننا تفيد أن الطلب قهوة بالحليب، وصعدت الدرج في اتجاه مقعدي المعتاد بالطابق العلوي للمقهى.

لا أحد هنا غير رجل وامرأة في أقصى اليسار يتناولان فطورا ونظرات لم أفلح في تبين طبيعتها لبعدهما عن مجلسي في أقصى اليمين. أشرف على الضاية الكبيرة حيث قِلّةٌ من السابحين يصرون على اغتنام ما تبقى من لحظات الصيف الهادئة.

ساحة المقهى في الأسفل غاصة. لا كرسي شاغر في مقدمتها حيث لا حاجز بين الجالس وبين رؤية البحر. إنه يوم الأحد، وهو أحد يومين تعرف فيهما المدينة بعضا من رواج طوال العام.

هل أشرع في الكتابة أم أنتظر ريثما يأتيني النادل بالقهوة؟

سأنتظر قدوم النادل لئلا يقطع عليَّ حبل التفكير والكتابة. أخرجت هاتفي المحمول من الكيس. بسم الله نرى أي جديد في هذه "الصحيفة الزرقاء".

زرت صفحات لأسماء مفضلة عندي. كتاب وأساتذة أجلاء أحرص على النهل من كتاباتهم وملاحظاتهم. ثم انتقلت للصفحة الرئيسة حيث أخلاط من أخبار ومدونات.

سرني خبر صدور كتاب منشورا على صفحة رئيس جمعية قصرية عتيدة. كتاب جديد لعزيزي الأستاذ محمد العربي العسري. هو كتابه الثاني عن صديقه محمد الخمار الكنوني. تساءلت في إعجاب: أي نفس وفية هذه التي بين جنبي هذا الرجل؟ ثلاثون عاما مرت على وفاة صديقه وما زال يفكر فيه ويفرده بالتأليف بعدما كتب عنه ضمن سِفره عن أعلام القصر الكبير في العصر الحديث؟ إنه درس في الصداقة والوفاء والكتابة المنزهة عن الغايات الشخصية والمطامع الذاتية. لله درك أيها الشريف العسري!

انثالت على ذهني صورة غلاف كتاب سابق للرجل عن الشاعر الخمار، فشرعت أبحث عنها في صفحة أحد الأصدقاء.

فكرت قليلا في إخلاص العسري لصديقه، فبَدا لي أن أكتب في هذا الموضوع. لا شك في فائدة ذلك وأهميته.

نقلت الصورتين إلى صفحتي الزرقاء، وشرعت في كتابة كلمات مفتتحا إياها بما قاله صاحب "مرآة المحاسن" عن جحود المغاربة أفضال علمائهم. وانطلقت أدوّن ما عنَّ لي من أفكار، مركزا على وفاء العسري، وإخلاصه، وبرّه ببعض علماء المغرب المعاصرين وأدبائه.

بعد الفراغ من الكتابة على شاشة الهاتف خصصت دقائق للتنقيح والاختصار.

هل أتصل بالعسري وأقرأ له ما كتبته؟ "إذا أحبّ أحدكم أخاه فليُخبره بذلك". فليكن هذا الاتصال طريقة في الإخبار بالمحبة!

حين وضع النادل كوب القهوة على الطاولة كان الشريف العسري يشكرني على ما كتبت. بادلته الشكر، وتوادعنا، ثم عدت للتفكير في القصة التي جئت لكتابتها هذا الصباح.

 

أبو الخير الناصري

 

صادق السامرائيمحمد بن أسلم الغافقي، طبيب عيون وعالم نبات وصيدلي أندلسي، عاش في القرن الثاني عشر الميلادي.

ولد في بلدة (بلكازار) في قرطبة، وكان والده طبيبا مشهورا في الأندلس، وله مؤلفات في الأدوية المفردة

مؤلفاته:

المرشد في الكحل، الأدوية المفردة .

برع في عمليات إزالة المياه البيضاء من العين، (الساد)، أو (كتاراكت)، وتناول وشخص أسباب ضعف البصر، وقد شيدت له قرطبة تمثالا في إحدى ساحاتها الرئيسية عام (1956).

قالوا عنه: "الغافقي أعلم أطباء المسلمين في العصور الوسطى بالأدوية والأعشاب"

ومارس الطب بعد أن درس كتب إسحاق بن حنين، وعلي بن عيسى، والزهراوي وغيرهم.

وعرّفنا بالغافقي العالم الفرنسي (لوديرك)، في كتابه (تأريخ الطب العربي)، ومن ثم العالم (هرجبيك) في كتابه (أطباء العين عند العرب)، وترجم مخطوطاته العالم (ماكس مايرهوف)، أما إبن أصيبعة فلم يذكره في كتابه (طبقات الأطباء)، لكن إبن البيطار ذكره أكثر من (200) مرة في كتبه.

وهو يقدم لنا مثلا عن إهمالنا لعلمائنا ومخطوطاتهم وإسهاماتهم في ميادين المعرفة الإنسانية، فنجهلهم ويعرفهم غيرنا من الأجانب، ويدلونا على تراثنا العلمي ورموزه، ونحن في غفلة عن خزائن تراثنا المنير.

ولا تزال عشرات الآلاف من المخطوطات العربية قابعة في خزائن ظلماء، لم يجتهد أبناء الأمة في تحقيقها وإخراجها للنور.

ويقع على عاتق المختصين مسؤولية الإهتمام بتراث الأمة المعرفي، الذي على هديه مضت البشرية وإنطلقت في ثوراتها العلمية.

والذين يتوهمون بأن تحقيق المخطوطات العربية لا جدوى منه في هذا العصر، ينابزون أمتهم العداء، ولا يفقهون في معنى وجوهر الحياة والتقدم والرقاء.

فلا بد من حركة تبصيرية تنويرية جادة لإبراز التراث المعرفي العربي الساطع.

فهل من إرادة ذات أنوار؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

علي الجنابيهَمَستُ في أُذُنِ صَغيري إِذ نحنُ منبَطِحونَ على سَاحِلٍ، ونَتَأَمَّلُ المَوجَ بِإحساس، وإذ نحنُ نَلُوكُ حَلوىً حَمَلْنَاها ونَتَمَزْمَزُ بِعَصائِر مِن أنَاناس، وإذ حالُنا كحالِ قِردينِ مُستَرخِيينِ يُفَلّيَ أحدُهما الآخرَ بإستِئناس؛

" سَترى يا صَغيري لَوحةً لِنَورسٍ يَهبِطُ من السَّماءِ فَيَغطُسُ في مَوجِنا، لوحةً خلّابةً وتُقَطِّعُ الأنفاس"،

فهَبَطَ النّورسُ فَلَبَطَ صَغيري؛

 "لولا أنتَ عَلّامٌ للغيبِ أبَتَاهُ، لَمَا أبَنتَ خَباياهُ بيقينٍ وإيناس، أنتَ إذاً أبي وربِّي ولكَ فُؤادي أسلَمَ وَالحَواس!"

 رَدَدتُهُ؛ " كَلّا بُنَيَّ، وإنَّما هيَ نظرةٌ في الفَضاءِ عَلِمتُ مِنها ما في النّوارسِ مِن إنعِكاس، وإنّما رَبّي وَرَبُّكَ اللهُ الذي بيدهِ القلمُ والقِرطاسُ والمقياسُ بالقِسطاس، وهاكَ الثَّانيةُ، فَإرتقِبْ معيَ إذ يَنفَلِقُ مُوجُنا عن حوتٍ مُحَلِّقٍ في الفضاءِ فَإنتِكاس".

وإن هيَ إلّا هُنَيهاتٍ حتّى حَلَّقَ الحُوتُ في الهواءِ بِبهجةٍ وحَماس. فقَالَ صغيري؛

" بل أنت رَبِّي وأبي وإستَسلَمَ لكَ فؤادي والحَواس، فإن كانتِ الأولى نَظرةً فما قولُكَ في الثّانيةِ إذ الحُوتُ تحتَ الماءِ بإنغِماس"؟

أجبتُهُ بإحتباس؛ "كَلّا بُنَيَّ! إنَّما هيَ نظرةُ تَصَفُحٍ في سِجلّاتِ الأجناس، عَلِمتُ مِنها لِمَ الحُوتُ تارةً يَقفِزُ رغمَ أنّه غطّاس"، وأيَّ بُنَيَّ، إنَّما أبنُ آدمَ كائِنٌ مُتَنَفِّسٌ مُتَجنِسٌ، ولهُ عيونٌ مِن تَحَسُّسٍ وتَعَسُّسٍ، تَتَفَرَّسُ فيما حولها بإقتِباسٍ وإستِئناس، وما أبنُ آدمَ بكائِنٍ مُتَنَفِّسٍ مُتَخَنَفِّسٍ، ولهُ جفونٌ مِن تَكَلُّسٍ و تَغَطرُسٍ على ما حولها بإبلاسٍ وإختِلاس، وإعلَمْ بُنَيَّ، أنّكَ فريدٌ على ساحلِ بحرِ الحَياةِ، ووحيدٌ وهائمٌ فيما بينَ إلتماسٍ لإِينَاس، وَوِسواسٍ مِن خَنّاس، وقد أَحَلَّ ربُّكَ لكَ صيدَ ما تَحتَ البَحرِ، وأَذَلَّ لكَ ما على ظَهرِها مِن ضَوَارٍ بِإفتِراسٍ، ولكَ فيها من الغِراسِ ما تَأكلُ مِنهُ وبهِ تَشفى ومنهُ اللّباس، وأَهَلَّ لكَ بالأَهِلَّةِ، وأَطَلَّ عليكَ بأنعُمِ الشِّماس. أمَا وقد خَلَقَكَ نَفسَاً بينَ كثيرٍ مِن مثلِكَ مِن أنفاس، وكُلٌّ نَفسٍ تَراها تَدُّبُ فيما بينَ إلتِماسٍ لإِينَاسٍ ووِسواسٍ من خَنّاس، فَإيّاكَ أن تَتَنافَسَ معَ أنفاسٍ لكثيرٍ مِن أُناس أرجاس، فَتَجعَلَ لكَ أرباباً من دونِ اللهِ وذلكَ رَبُّ وإلهُ النَّاس، فيُوحِي بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً عن بُعدٍ أو بِتَماس، فَتَهوى في ظُلُماتٍ شتّى لشَيَاطِينٍ مِنَ الْجِنَّةِ والنَّاسِ، فتَتَعبَّدُ وتَتَنَسَّكُ بمَناسِكِ السفيهِ الخَنّاس، فتَغْشَىٰ وُجهَك النَّارُ وتَتَسربَلَ بسَرَابِيلَ مِنْ نِحاس. وما الوسواسُ إلّا شيطانٌ يُصَيِّرُ لكَ من أحجارٍ ومن أشرارٍ وحتى من أبقارٍ أستاراً تَلُوذُ بها إذ تَدُقُّ نوائبُ الدّهرِ بالأجراس، وَيُغَيِّرُ شِرعَةَ اللهِ ل(عَولَمَةٍ) تَعُوذُ بها مِن كُلِّ إنتِكاسٍ وإرتكاس، والحقُّ أنَّها أرجاسُ عولمةٍ تُبارِكُها عمائِمٌ مُكَدَّسَةٌ في أكداسٍ، لتَدليسِ قانونِ الغَوغاءِ خِلالَ ضَوضاءِ الأعرَاس، ولتَلبيسِ مَكنونِ المَكرِ بإبلاس. عمائِمٌ أنجاسٌ تُزَيِّنُ لكَ رِمَماً في أجداثِ  أو عِجلَاً فتَجعَلُهُم لكَ قدسِ الأقداس، وحَتَّامَ تَستَغِيثُ بعدَما يَختِمُ على فؤادِكَ مَلِكُ وإلهُ النَّاس، فلا مُجيبَ لغوثِكَ مِن بني عَولَمَتِكَ وعَمائِمِها الأنجاس، ولاتَ ساعةَ مَندَمٍ يا بُنَيَّ، ولن يَنفعَكَ يومئذٍ ضربَ أخمَاسٍ بأسدَاس.

وإذاً بُنَيَّ...

عليكَ بِنظرتينِ، فنظرةٌ الى الفضاءِ لِتَعلَمَ مِنها ما في النّوارسِ من إنعِكاس، ونظرةٌ مثلُها فيما في سِجلٍّ وقرطاسِ ، لِتَعلَمَ لِمَ الحُوتُ تارةً تَراهُ يَقفِزُ رغمَ أنّه غَطّاس.

إنتخبْ يا بُنَيَّ لكَ منَ الصّفوَةِ صِنْوةً، ومِنَ العُزْوَة عُرْوَةً، وإجعَلْ من الكَبوَةٍ رَبْوَةً، وتمَترَسْ في ذُراها بمِتْرَاس، وإِحذرْ أن تَتَّخِذَ الوَكْسَةَ كسوَةً، والسَّهوَةَ سَلوَةً، والغَفوَةَ غُنوَةً تَشدو بها بينَ جُلَاَّس، وإيّاكَ أن تَسألَ غيرَكَ بِنُعاسٍ وبإفلاسٍ ليَنظرَ بِعينَيكَ ليُخبِرَكَ عمَّا في الحياةِ من زبرٍ ومن بنيانٍ وأساسٍ، وعَمّا في الآفاقِ مِن غيثٍ ومن ألوانِ تَقَزّحٍ وأقوَاس، ولئن فعلتَ فلن تَتَصَدَّرَ صَدرَ فُسْطَاطَ، بل ستنوءُ بنُوءِ أنجَاس، وسَتَبوءُ بذلك بينَ النَّسَانِيس بمقعدِ النِسناس، وإعلَمْ بُنَيَّ إن كلُّ مَن عَليها نِسناسٌ، نسناسٌ للفضائلِ كنّاسٌ، ولرايتِها نَكّاسٌ، وللرذائِلِ أحْلاسٌ، ولها لَحَّاسٌ، إلّا مَن ارتَضى عن طِيبِ نَفسٍ بمَحجَّةٍ  بَيْضَاءَ لسَيِّدِ الثَّقَلَينِ مِن جِنٍّ ومِن أُنَاس.

(حِلْسُ وحَلَسُ؛ مرشَحة على ظهر الدّواب، أو كساء رقيق يكون تحت البرذعة، والجمع أَحْلاس وحُلُوسٌ).

 

علي الجنابي

 

 

نبيل عرابيإلى الشاعر الفلسطيني: مروان محمّد الخطيب


 

تأمّل لونَ البُرتُقال، واصرخ بأعلى صوتِكَ: يافا..

ولا تنتظر صدًى عربياً هادراً، يحقّق وتيرةً أعلى من صوتٍ صدّاح يحطّمُ بتردّداته ألواحاً رقيقةً من الزجاج القديم البائس...

تعلّم لغةَ البُرتُقال، وانشد بمفرداتها لحناً يافاويَّ المقام، لا يأنس لنوتاته الموسيقية إلا مَن عرفَ قيمةَ حفنةٍ من تُراب، يعبقُ عبيرها في الذاكرة، وفي كل شمعة أمل معطّرة، تشتعلُ شوقاً لغدٍ آتٍ لا محال...

تزوّد بباقة ورد جوريّ دمويّ اللون، وقد قطعتَ على نفسِكَ عهداً، بأن تجمعها بأخوات لها نبتت في عكّا، فتزيّن بها ما بين أناملك، دون أن تشعر بأشواكها، لأنها ستبقى باقة ورد .. وإن ذبلت...

رافق بواسق النخل والصفصاف، توسّم بأفياء جذوعها خيراً، تغزّل بأعمارها وعمق أسرارها، ولا تنسَ أن تأخذ العبرة من شجرة صبّار تطلّ عليك كلما نفثت أفاعي الغدر حممها الزئبقية...

وامسح جبينك، المتصبب بحبات من الحنطة، بيدِكَ التي تُمسك بها القلم، فسرعان ما ستتحوّل إلى سنابل حبلى بجود العطاء، يتألّق شِعراً ونثراً، ينضحُ من أبارق فخارية، يعانقها زهر البنفسج كلّما همّت لتروي شيئاً من ظمأ طال أمده في الروح والعين والفؤاد...

سِرْ قُدُماً.. فاللوز شجراً وزهراً وعبقاً ينتظرُكَ في حيفا، والقرنفل بألوانه الزاهية يُعدُّ العدّة لاستقبالك، وقد احتلّ البرقوق أكبر مساحة من محيّاك وهجاً، ومن لهيب حلقِكَ حرقة...

أسلُكْ درب الصنوبر الصامت خشوعاً، وردّد تسابيح فجرٍ يُرفَعُ أذانُهُ في غزّة، وتُقامُ صلاتُهُ في القدس، واقترابَ صُبح تُتْلى آياتُ قرآنه في أريحا، وصداها يُسمَعُ في رحاب الأقصى، وإصرارَ نشيج لحناجر دعاء تُرفعُ لهُ الأيدي في امتداد شقائق النعمان والسوسن والعوسج والبيلسان، وفي فيء التفاح والرمان .. ليفيض بعدها دمعُ الياسمين، ويقوى نبض الفؤاد مهللاً:

ها قد عدتُ إليكِ يا فلسطين.. ها قد عُدتُ إليك يا فلسطين...

 

نبيل عرابي

...................

الشاعر الفلسطيني مروان محمد الخطيب: من مواليد العام 1965، مخيم نهر البارد، شمال لبنان. صدر له العديد من الأعمال منها:

- وانشقّ القمر / شعر.

- صهيل الأرجوان / شعر.

- المتنبّي.. متوجّعاً / شعر.

- وجع الذاكرة / نصوص.

- رحيق المداد / دراسات في الأدب.

- الصعود إلى بلقيس / شعر.

 

صادق السامرائيمن كبار الفلكيين الذين عاشوا في زمن المأمون وكان من المقربين إليه، وقد إشتهربإتقانه الأزياح الفلكية، وأبناؤه (محمد وأحمد وحسن)، إشتهروا في علوم الرياضيات والهندسة والميكانيكا.

لم تحدد سنة ولادته، لكنه نشأ وتعلم في بغداد، ولديه محاولات في قياس مدار الأرض ومحيطها.

ومات مبكرا في زمن المأمون، وعهد إليه بأولاده الثلاثة الذين كانوا أطفالا، فرعاهم المأمون وكلف إسحاق بن إبراهيم المصعبي بالعناية بهم، فأدخلهم بيت الحكمة فترعرعوا فيه، فصار محمد عالما بالهندسة والنجوم وأحمد متعمقا بصناعة الحيل (الميكانيكا)، وحسن بالهندسة.

مؤلفاتهم:

"كتاب الحيل، كتاب مساحة الأكر، كتاب قسمة الزوايا إلى ثلاثة أقسام متساوية، كتاب الشكل المدور والمستطيل، كتاب الشكل الهندسي، كتاب حركة الفلك الأولى، وغيرها"

وقد تعاونوا فيما بينهم، مما يصعب التمييز بين أعمالهم على إنفراد، لكنهم أثروا في تطوير علوم الفلك والرياضيات والهندسة في عصرهم، وبنت أوربا علومها على علومهم.

ومن أشهر كتبهم كتاب الحيل  ويحتوي على مائة تركيب ميكانيكي، كما كتبوا في فن الآلات الروحية، كقدحي العدل والجور.

يُذكر أن موسى بن شاكر كان من قطاع الطرق ثم تاب وإنضم إلى بلاد المأمون، وإهتم بالفلك والهندسة والرياضيات وبرع بهما لكنه مات مبكرا.

وهذه الظاهرة تثير أسئلة، فهل كان موسى بن شاكر يتوسم النبوغ بأبنائه؟

وهل أن المأمون قد حدس ذلك النبوغ؟

وهل أن تنشأتهم في بيت الحكمة قد صنع منهم علماء أفذاذ؟

من الواضح أن موسى بن شاكر كان موهوبا وفي أعماقه نداء العلم الذي أثناه عن سوء السلوك، وشد إنتباه المأمون إليه فقربه ورعاه، فإنطلق ما فيه من العلم والمعارف الكامنة.

ويبدو أن أبناءه الثلاثة كانت لديهم الموهبة والأهلية العلمية الموروثة، التي وجدت الرعاية الكفيلة بإنضاجها فانطلقوا بإبداعهم الأصيل، وبتفاعل عقولهم الثلاثة قدموا للبشرية منطلقات علمية أرست دعائم التقدم الحضاري الكبير.

هذه العقول الأربعة بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتحقيق .وإبراز إنجازاتهم العلمية الفائقة التأثير على الحياة الإنسانية.

 

د. صادق السامرائي

 

 

ضياء نافععندما التقي جارتي الروسيّة صباحا، ادردش معها دائما عن اخبار الادب والادباء، لأني أعرف، انها عاشقة للادب الروسي ومتابعة جيّدة لاحداثه، وقد سألتها في ذلك الصباح عن أخبار الذكرى المئوية الثانية (1821 – 2021) لميلاد الكاتب الروسي دستويفسكي في أوساطها، فقالت انها لا تعرف اي شئ عن ذلك، و انها أعادت قراءة رواية دستويفسكي القصيرة (المساكين) آخر مرة قبل اكثر من ثلاثين سنة، لأن هذه الرواية القصيرة (جميلة وساحرة جدا كما قالت !)، وأصبح دستويفسكي الآن بالنسبة لها شيئا من الماضي البعيد جدا جدا، وقالت وهي تضحك – لقد كنّا نتحدث عنه كثيرا أيام الاتحاد السوفيتي باعتباره (سياسيّا!!!)، كي (ننغز!!!) الحزبيين السوفييت حولنا ونستفزهم، ونذكّرهم ان دستويفسكي كان كاتبا عظيما ومبدعا متميّزا، رغم انه لم يكن ماركسيا، بل و حتى كان معاديا للماركسية أصلا، ولم يعرف الحزبيون السوفييت آنذاك كيف يجيبوننا بشأن تعليقاتنا حول فلسفته، ولا كيف يوضّحون الموقف الرسمي تجاه دستويفسكي في الاتحاد السوفيتي، أما في روسيا الحديثة بوقتنا الحاضر، فلا أحد حولي يتذكّر جريمة الشاب راسكولنيكوف حول قتله الوحشي لتلك المرأة المسنّة ولا عقابه على تلك الجريمة الرهيبة، ولا خطابات حبيبه سونيا وكلامها الاخلاقي الطويل والعريض (رغم ان القراء يعرفون من هي!!!)، ولا كل هذا الوعظ الديني المطوّل (الذي صبّه دستويفسكي على رؤوسنا !!!)، ثم أضافت جارتي بعد لحظة صمت (عندما لاحظت عدم ارتياحي لكلامها بشكل عام)، انها – مع ذلك - سترى حفيدتها اليوم وسوف تسألها حول اخبار مئويه دستويفسكي الثانية في اوساط الشباب عندهم (... و من المؤكد انها ستحكي لي شيئا - ما عن ذلك، وسأخبرك حتما بما ستقوله حفيدتي لي في المرّة القادمة) . وهكذا اتفقنا، ثم ودّعنا بعضنا البعض.

وعندما التقينا مرة اخرى، فهي التي بادرت بالكلام رأسا عن موضوع دستويفسكي، وقالت لي، ان حفيدتها أخبرتها، ان الشباب حولها نادرا ما يتحدثون عن دستويفسكي و مئويته الثانية، ولا يعودون الان لقراءة رواياته (الطويلة جدا!)، ثم أضافت جارتي، ان الروس احتفلوا فعلا (وبصدق ومن أعماق قلوبهم) بالمئوية الثانية لبوشكين عام 1999، ولكن هذه الظاهرة لا تتكرر مع المئوية الثانية لدستويفسكي، وقالت، ان حفيدتها تقرأ الان (للمرة العشرين !!!) رواية بوشكين الشعرية (يفغيني اونيغين)، وتتمتّع برشاقة تلك الرواية وذكاء صياغتها وجماليات كلماتها البسيطة العميقة وحلاوتها ومضمونها الانساني الخالد . قلت لها، ان حب بوشكين لا يتعارض مع حب دستويفسكي، وان (طعم !) دستويفسكي وبوشكين يكمن في قلوب وعقول الروس دائما، فاعترضت رأسا على استنتاجي هذا، وقالت بحزم – كلا، كلا، كلا، طعم بوشكين يختلف تماما، وبوشكين هو دائما الاقرب الى عقولنا وقلوبنا . حاولت أنا الابتعاد عن الكلام حول بوشكين (لأني أعرف، ان الكلام عن بوشكين مع الروس له بداية، لكن ليست له نهاية)، وقلت لها، ان الدولة الروسية بأسرها تتحدث عن المئوية الثانية لدستويفسكي، ويوجد حتى بيان رسمي حول ذلك بتوقيع الرئيس بوتين نفسه، فقالت، ان هذه البيانات والاعلانات لا تعني اننا سنحتفل (من كل قلوبنا !!!) بذلك الحدث، مثلما احتفلنا فعلا بالمئوية الثانية لبوشكين، فقلت لها، حتى منظمة اليونسكو دعت الى الاحتفال عالميا بهذه الذكرى، فسألتني فجأة، اذا كان هذا الشئ يجري عالميا، فهل احتفلتم انتم في العراق بالذكرى المئوية الثانية لدستويفسكي؟ كان هذا السؤال بالنسبة لي مفاجأة غير متوقعة بتاتا، ولم استطع طبعا الاجابة عن هذا السؤال رأسا، وقلت لها (من أجل كسب الوقت للتفكير!!!)، ان الوضع في العراق خاص جدا وفي غاية التعقيد، ولا يسمح بمثل هذه النشاطات الفكرية في الوقت الحاضر، فأجابتني بسؤال آخر قائلة، وهل تعتقد ان الوضع في روسيا ليس خاصا جدا وفي غاية التعقيد، وانه يسمح بذلك، (كررت هذه الجملة وهي تحاول ان تلفظها مثلما لفظتها انا وبنفس اللكنة تهكّما طبعا !!!)، قلت لها وأنا احاول – وبصعوبة - ان أكتم ضحكي، باني أعرف طبعا صعوبات ومشاكل الحياة عندكم، ولكن مهما يكن الوضع في روسيا، فلا يمكن مقارنته ابدا بالوضع الصعب جدا في العراق، فقالت، ولكنك ذكرت لي مرة، انكم احتفلتم في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد بالذكرى المئوية الثانية لبوشكين عام 1999، فلماذا لا يحتفل قسم اللغة الروسية عندكم بالذكرى المئوية الثانية لميلاد دستويفسكي ؟ قلت لها، انني بعيد الان عن هذا القسم (الحبيب الى قلبي لاني عملت فيه اكثر من ثلاثين سنة)، وبالتالي لا استطيع الاجابة عن سؤالك، و مع ذلك يمكن لي طبعا ان اطرح هذا السؤال عليهم الان، ولكني، يا جارتي العزيزة، أردت ان اعرف منك كيف يتقبّل الناس في روسيا هذه المناسبة، ورغم انك لم تجيبي عن سؤالي بشكل مباشر ودقيق، الا انك – مع ذلك - رسمت لي صورة واضحة بما فيها الكفاية عن هذا الموضوع، فضحكت جارتي، وقالت - لقد اخبرتك بالحقيقة كما أراها أمامي وكما أعرفها فعلا وكما أتحسّسها، اذ انتهى في روسيا - ومنذ زمان بعيد - عصر اطلاق الكلمات الطنانة والرنانة، وعصر صياغة الشعارات من تلك الكلمات.

 

أ. د. ضياء نافع 

 

 

صادق السامرائيشاعرٌ نادى حشود الزمنِ، كيفَ أحْيا في حَميمِ الفِتنِ، فاسْتغاثَ الجرحً فيها، من وحوش الحَجَرِ، يصنعُ الأمواتَ جندٌ، من فصيلِ الخَطر، والظلام صار نورا، والحياة دون ضوءٍ، فاسْكبِ الأحلامَ فيضا، كيف تنسى، ثم تدري، مثل موتٍ، جاء يسعى، نحو قومٍ بلباس القدر...!

ألف أنتَ في بقاعٍ تتهاوى، غادرت مجد العصور، يدفعوه، يضربوه، يأمروه، ثم يعدو، قلبه قلبٌ الطريد، روحه روح الوعيد، أطلقوا النار عليه، إصرخوا أنتَ القتيل، إستحموا بالدماء، إستعينوا بالغباء ...

أغفلوا كل نداء، أغضبوا ربَّ السماء، ثم طوفوا بين أبناء العناء، مثل شيخٍ يتمادى بالرياء، مثل جمع يتبارى بالشقاء، هذه الأموات من طقس النقاء، مأزقا صار الصباح، في مسارات التماحي والهلاك، أطفئوا الأنوار وامشوا بالعماء، هكذا يعني القضاء...!

لا رجاء، لا رجاء، إنه الوعد يحين، فتعال يا نديم الويل، قد جاء النداء...، قلتها أنت بصوت الإنتهاء، أخذوك ذات ليلٍ، لا يريدوا مَن ينادي، بكلام الحب شيئا أو يزيد، دينهم دين الدماء، نهجهم نهج البلاء، يستلذون قتيلا يجعل النورَ وباءً، يتباهون كوحشٍ بقتال الأنبياء، مثل شيطان المآسي، إشربوا الشر بكأس، من جلود وجماجم، إستبيحوا الحي ليلا، إحملوا السوء كدين، ثم صولوا في جموع الخائفين، أيها الذئب الأمين، تأكل الحمل الحزين، وتغني بعواءٍ فوق أشلاء الجنين...!

تبحث الأيام عن بعض الحنين، تسأل الأقمار عن معنى الأنين، مثل حفار القبور في بطون الجائعين، والحياة دمعة تشكو الحزين، والنساء كسبايا الغائبين، وزِّعوا حلوى التداعي، واحصدوا زرع الهوان، واقلقوا عش المساء، يستعين الليل بالصبح الضنين...!

بشر فيها يساوي بعض شيءٍ، بين أنياب السنين، لا حياة، بل تعازي وانطلاق نحو جزارٍ مَكين، كل عشقٍ يستحم بدماء العاشقين، يتعاطى الحب خمرا بأكف الضائعين، تلك أحلام الحياة محض طين، إن أصوات الجموع لا تدين، فجَّرَ المسعور أفعال الضغين، أطلقَ السجان أوجاع السجين، وبنى المحذور بيتا، فوق أشلاء البنات والبنين، طير شر دام خفاقا ويعلو، طير حب يستغيث، يأكل الصبح لحوم البائسين، للغراب كل يوم بين أجفان الرصيف، جثثا كم يشتهيها طائر الجرم المبين...!

يصنع الجور عجيبا، صار للموت جنودا، وجموعا تتبارى كالرهين، تتربى فوق آهات الضحايا، تحتسي خمر المنايا، لذةٌ تنمو وتغدو قوةً، يدمن القتّال في أفعالها، أخرجوا نحو القبور، أنثروا الخوف بكونٍ، أدفنوا كل مفيد، إزرعوا سمّ الأفاعي، في صدور الحائرين، أطعموا الناس جراحا، إسكبوا زيت التلاحي فوق أهوال الصراع، إفعلوا كل المعاصي، ألبسوها ثوب خيرٍ، إرفعوها لسماء مالها فيها رجاء، كيف عاشت أمنيات مثل ريح في هياج العاصفات، قالت الأحزان تبكي، ظالم هذا البشر، جاهل هذا البشر، قد طغى فيها فساد المبتكر، فتعالى يا نداء الجائرين...!

أين أنت، تحت أقدام الشجر، قرب ساق، ترتدي بعض الثرى، قرب نجم، بين أكوام الورى، تشرب الماء رمالا، تحتسي الآلام نارا، كيف للقلب يجوع لضياء، وشراب من رحيق المنتهى، كيف للروح يكون مثل طير في براثين الأذى، يأكل الطير طيورا، يقتل الإنسان أحلام أخيه، يشتهي الإنسان أسماك الظنون، والترائي والنفاق في بحيرات الجنون، ويسير كملاكٍ بين جمع الغافلين، نحو حتف في مدارات الكدر، برر البهتان شأوا، شائنا دوما ويبغي ما نظر، يسكب الخير بكهفٍ، من عظام الذاهبين، كأسه قحف الرؤوس، عندما صاد البشر، يتنادى نحو همٍّ من ترابٍ، فيه بغضاء المعاصي، وعناء المحتضر.

هكذا يبدو بباء، غير ما يدعو السفر، فنداء الأرض قتال البشر، ووحوش الكون تستعدي البشر، إنه الخوف الرهيب، يفعل الفعل الغريب، كوكب تاه بكون رعبه رعب عجيب، في متاهات الخدر وصراخات الخليق بين أشلاء الرنين...!

أنت صوت هز أعماق الوتر، أنت قطر ذاب في جسم الشجر، أنت أحلام تنامت بين حبات المطر، أنت سيل من عروش الفيض يجري مثل شلال القدر، أنت محمول بقلب، من ضياء الكون، من نسل الظفر، أنت بحر فيه أحياء تنادي يا إلهي لسجين الماء لا يحلو المفر، أنت معجون بلحمٍ، أنت منثور بريح، أنت في خمر الوجود، فوق أكوان السهر، أنتَ سلاف الرحيق، أنت جذر يمنح الأشجار روحا، يطعم الأوراق أنقى ما تريد من غذاء، ثم تربو لسموق تشتهي ضوء القمر، أنت فنجان الأماني، أنت أوهام الرجاء، أنت صرْخات الأمل، سوف تبقى كضياء، ظلمة فاقت سوادا إستعر، قرب قلب الواعدين...!

قاتلٌ دون التراب عاش مهموما يعاني، من عذابٍ هزّ أهوال الجحيم، حينما أردى وجودا لا يموت، قاتلٌ مقتولُ قتلٍ، غادر محكوم غدر، جائر في بؤس جور، جاهل يزهو بسوءٍ، ومضى يرثي زمانا، ووجودا بين أقدام الضمير، يحسب الموت حياة، والحياة مثل جرم أو تزيد، يشتهي نار السعير، يرتضي قتلا عنيفا، كيف ينجو من عذاب فاق أوجاع العذاب، قد تخطاه بجرح ينزف الروح صديدا، ويئن مثل مطعون الحنايا، والهواء كل ما يدري يريد، ذلك الكف يلوم، إصبعا يبكي لجرمٍ، كيف صار الكف حفار الوعيد، كيف صار الجسم قبرا لنفوس القاتلين، صرت مسجونا بجسم وتنادي من يعين، إنها حمراء تأتي، أنت مسجور بذات، والسجير أنت فيها، واللهيب والدخان، والرماد لن يكون، بل سعيرا سوف يبقى يتولاه السعير، مثل أحطاب الضياع في نواعير الوطين...!

إنها حمى الضلال ومسيئات النفوس، تأمر الذات بقبحٍ، تشتهي طعم الحقير، تركب الأشجان تمضي بين قطعان الغدير، فترى فيها عديدا من جنون البطش، يحدوها النذير، صرت عبئا، صرت مأكولا، بين أسنان الضحايا، فالوحوش لا تجاري، بل تراها في صراع السابغين، يا حبيب الإنتهاء، وملاذ الإبتداء، وصراط الإعتلاء، ومدير الفيض في كون الضياء، أنت لا تسعى إليها، إنها جاءت كطيف إرتأت فيك مناها، ثم غابت، ذلك الوحش يراها، قد سعت نحو عُلاها، ما لها ميناء حبٍ، ما لها في البحر شأن، قد تدانت من عيون الوجد أو فوق ثراها، فاستفاقت من ثقيلات السنين...!

أين أنت، حالمٌ قبل الصباح، بليالٍ من نجوم باكياتٍ في مدارات الخراب، نورها دمع هطيل، لونها لون الأماني، في مكان من مياه وطوابير احتضارٍ، يشتهيها النفط في غار الوقيد، يشرب الأجسام عنفٌ، ينفث الأوجاع بترولا ونارا، إن جوف الأرض بئر يبلع الناس ويلقي، من عصير الحشد أنواع الوقود، نحن نفط وتراب، وبنا الأرض تدور، دون نفط لا تدور، وبقتل ستدور في مدارات الثبور، نستعين في خطانا بالمعاني والنذور، وإذا سفك الدماء مثل قربان السرور، كلنا وهمٌ يطوف في حجيرات الجهول، علمنا علم قليل، جهلنا جهل وفير، رأينا رأي صغير، مالنا بد ولكن سوف نمضي، والجراح مثل أبواب الجحيم، والدماء لونها لون المياه، والسماء ما بدت فيها نجوم، أشقت الأحقاد أطياف الوفاء، فامطري أجساد خلقٍ، ماء روح، فوق صخر اللاهبات بسخاء، غابت الأشياء في جحر التناهي، ومضى صوت البقاء، يتغنى بعطاء الأنبياء، أزلي، أبدي، رغم أوجاع البرايا، سوف يبقى، شعلة فيها رجاء، من دموع الراحلين...!

هكذا أنت وأنت راحلٌ، فامسك النار بكف الزمن...!

أطردوا أهل الأماني، واصنعوا مجد الفساد، أنقذوا كل بعيد من عسيرات الولاء، قطرة تبقى ونهر ينضب، بعضها يطغى وكل يقهر، يا صخور الإمتثال، وحديد الإبتذال، ومتاريس الجحود، في دروب الإعتزال، والنجوم دون ضوءٍ، تشتكي ليلا أليما، في مسيرات اختزال، وإذا الأوطان في الأرض افتعال، والشعوب تتردى من حميمات القتال، لا حياة بل نزال وأعاصير انفعال، هكذا الأجيال تشقى بشعارات النضال، وتهاويل المقال، وإذا الأجداث نادت، ستلبي كل هامات الفناء، وتساق لانجدال ...!

 

د-صادق السامرائي

............................

*هذه الكلمات مكتوبة بتأريخ 18\10\2006 في المكان الذي يُذكر أن الشاعر الإسباني لوركا قد قتلوه فيه، وما بين الأشجار التي يُقال ربما قد دفن قربها، وعند شجرةٍ شهدت ما فعله الجناة بصوت الحب والحرية والحياة، وقد ذكرني بها أخ عزيز وأوتار عوده تسامرنا، وطلب مني إعادة نشرها، ونشرت في حينها كقصيدة نثرية.

 

 

سوف عبيدخمس مجموعات شعرية دفعة واحدة هديّة سَنيّة فاجأني بها صديقي الشّاعر والأديب جلال المخ وقد أصدرها أخيرا دُفعة واحدة كأنه يتحدّى أزمة النشر والتوزيع وأزمة القراءة ويقول للعالم ها أنا رغم كل هذه العوائق أنشر وأواصل الحضور وهذه الدواوين الخمسة الأخيرة هي:

ـ اُكتب ما أنا بكاتب

ـ كان ما كاد يكون

ـ من سفر التكوين

ـ البارحة بتّ بلا قصيد

ـ جراحي تسمع صوتي

 tجلال المخ يُعتبر من أغزر الأدباء التونسيين إنتاجًا إذ في رصيده أكثر من ثلاثين عنوانا شعرًا وقصةً ودراساتٍ وترجمةً باللغتين العربية والفرنسية وبهذه المناسبة أتساءل أين المتابعة الإعلامية وأين الدّراسات النقدية في الصحف والمجلات وأين الأطروحات الجامعية في مختلف الكليات التونسية التي من المفروض أن تهتمّ بالأدب التونسي وتواكب أدباءه الذين ترسخت مسيرتهم لتقف على خصائصهم وإضافتهم ولكن مع الأسف كأن الدراسات النقدية والجامعية تدير ظهرها للأدب التونسي إلا بعض الاِستثناءات التي لا تجد متابعة ولا اِهتمامًا فكيف لا تهتم كليات الآداب المنتشرة في البلاد بآثار أدباء تونسيين أفذاذ مثل محمد العروسي المطوي ومحمد المرزوقي ومنوّر صمادح و الميداني بن صالح ومُحي الدّين خريف والطاهر الهمامي ومحمد المختار جنّات وعبد الله مالك القاسمي وغيرهم من الذين فارقونا وأتمّوا مسيرتهم الأدبية هؤلاء وغيرهم لماذا لا نجد آثارهم في دروس تلك الكليّات وأطروحاتها وبحوثها في مختلف المستويات ناهيك عن الأدباء الأحياء الذين مضوا في مسيرتهم مسافات طويلة مثل حسن نصر وعز الدين المدني و محمد الحبيب الزناد وفضيلة الشابي وجميلة الماجري ومحمد علي اليوسفي ويوسف رزوقة ونافلة ذهب ومسعودة أبو بكر ومحمد عمار شعابنية وعبد المجيد يوسف وجلال المخ وسالم اللبان ومنير الوسلاتي وغيرهم كثير ؟ الجواب بسيط فهو يتمثّل في غياب اِستراتيجية ثقافية وطنية عامة تعتمد على الاِعتزاز بإسهامات الأدباء التونسيين الذين يواجهون جبهتين كبيرتين متنفّذتين في الدّواليب الإعلامية والثقافية وفي التعليم بمختلف مستوياته فأمّا الجبهة الأولى فإنها تعتبر أن المشرق العربيّ هو الأصل الذي لا ينبغي للتونسيين أن يخرجوا عن فلكه كي يظلّوا دائما تابعين له فالأدب التونسي يعتبرونه هامشا وظلا للمشرق لا غير ...أمّا الجبهة الثانية فإنّها تعتقد أن الغرب ممثّلا في الثقافة الفرنسية يجب أن يكون هو الوجهة وهو المثل الأعلى الذي لابدّ أن يُحتذى والرّأي عندنا أنّ تونس تظل لا شرقية ولا غربية بالرّغم من أن تاريخها عرف حضارات عديدة متلاحقة والحقيقة الدّامغة أن التونسيين كان لهم دائما عبر التاريخ التميّز والإضافة في خضمّ هذه الحضارات بداية من رواية ـ الحمار الذهبي ـ لأبوليوس إلى ـ اِعترافات ـ أوغسطين في العصر الرّوماني إلى إسهامات اِبن رشيق وعلي الحصري واِبن خلدون وابن عرفة  قديما إلى تفرّد ـ تفسيرالتحرير والتنوير للشيخ ابن عاشور ـ وديوان أغاني الحياة للشابي ـ وكتاب اِمراتنا في الشريعة والمجتمع للحداد ـ ورواية السّد وفصول حدّث أبو هريرة للمسعدي  ـ ورواية الدقلة في عراجينها ـ وغيرها من الإبداعات المتميّزة.. ولكن ـ في بني عمّك رماح....وقنديل باب المنارة الذي لا يضيء إلا للغرباء....مثلما يقول المثل التونسي...

في هذه الأسلاك الشائكة تظهر الخمسة دواوين هذه التي جاءت كأنها سلسلة متشابهة الشكل واللّون والرسوم ممّا يجعلها تحفة فنّية بديعة حسنة الإخراح والتنسيق فبدأت بديوان ـ جراحي تسمع صوتي ـ التي اِستهلّها الشاعر بقصيدة ـ اِنتحار شياطين الشعر ـ فإذا القصيدة تبدو كأنها رحلة عجيبة في وادي عبقر من جرّاء اِقتفائه آثار السندباد ليخلص إلى أن الشعر الجديد المنتشر في هذا العصر لا يمتّ بصلة إلى الشعر الذي عرفته شياطين الشعر في وادي عبقر حيث يقول :

لا تنسبوا كلامكنّ إلى إلهامنا

جورا وباطلا

فنحن اِنقرضنا بعد عصور من العطاء

وهذا الزمن لم يعد زماننا

ولكن بقية القصائد في هذا الديوان أثبتت لي أن الشاعر جلال المخ نسيجُ وحده في ما قرأت له من قصائد بما فيها من شجون وجودية ضمّنها إيحاءات من مختلف الثقافات والسياقات لذلك تمنّيت أن تكون بعض الكلمات مشكولة شكلا تاما لتتيسّر قراءتُها أو عليها إحالة لشرحها على الهامش

إنّ مثل هذا الشّعر يتطلّب قارئا مُلمّا بكثير من المٌتون العربية والعالمية فليس سهلا أن تقرأ لجلال المخ....

 

سُوف عبيد

 

شاكر فريد حسنوصلتني من الصديقة القاصة والروائية ميسون أسدي، المقيمة في حيفا، روايتها الجديدة "الراعي وفاكهة النساء" الصادرة عن دار الرعاة في رام اللـه، وجسور في عمان. وقد أحسنت ميسون صنعًا في اختيار العنوان لروايتها لأن اللـه جبل في خلقها جميع أنواع الفواكه.

لا تكفي قراءة هذه الرواية مرة واحدة، بل يلزمها أكثر من مرة، ليس لصعوبة لغتها التي جاءت رصينة وبسيطة ورشيقة، بل لأن كاتبتها تمتلك من الجرأة والشجاعة ما جعلها تتناول مسائل وقضايا من الممنوعات والمحرمات، وتطرح عيوب كثيرة في مجتمعنا العربي الذي تسوده الثقافة الدونية الذكورية، وينتشر فيه النفاق والرياء المجتمعي، وإنها تنجح بملامسة الواقع، وتحريك الشخصيات كل حسب دوره.

رواية ميسون أسدي تعري مجتمعات التابوهات وتداعيات ذلك على التركيبة الاجتماعية، وتسلط الضوء على إشكالية الشرخ في الهوية والاغتراب الذي يعيشه الإنسان العربي في هذه البلاد، وتكشف علل وعقد الكبت النفسي والجنسي للتخلص منها. فتفرد مساحة لا بأس بها لتعرض لنا ما تعانيه المرأة من ممارسات قهرية تسلطية ظالمة داخل الأسرة وصولًا إلى نظرة المجتمع الدونية لها، وللأسف أن مجتمعاتنا العربية ما زالت ذكورية بامتياز، بالرغم من المحاولات الخجولة لرفع هذه التهمة. فالسلطة الأبوية الذكورية تنتقل توريثًا أو تفويضًا، وهنا مكمن الخلل والخطر.

2798 ميسون اسدي

وتكرس ميسون جزءًا من روايتها لتصور لنا الحياة الأسرية والعشائرية والدفء العائلي في المجتمع البدوي، وتطرح مسألة تعدد الزوجات وأثر ذلك على الأسرة، وتنتقد الحال الاجتماعي القائم على النفاق والتلون، وتوجه النقد أيضًا للمؤسسات والمنظمات النسوية، وتتطرق للإشكال والتناقض الذي يقع فيه أشباه المثقفين في ممارساتهم ومسلكياتهم، واستخدامهم التسويق الرخيص المبتذل في مجتمع مهزوز ومأزوم.

وتتناول ميسون في روايتها موضوع الجنس والعلاقات الجنسية والخيانات الزوجية، وهذه الموضوعات كالدين والسياسة، من التابوهات والممنوعات والمحرمات غير المتداولة في مجتمعاتنا التقليدية المحافظة. 

تدور أحداث الرواية ودور شخصياتها في مجتمعين مغايرين، في مكان واحد، وزمان واحد، في قرية بدوية ومدينة تل أبيب اليهودية، والفروق بينهما شاسعة. فممارسة الجنس في القرية مختلفة، وهي عن طريق الزواج، وممارسة الجنس خارج دائرة الزواج تختلف، فالخيانة الزوجية واردة وقائمة، بينما في المجتمع اليهودي، الحرية الجنسية موجودة ويمكن لأي فتاة في المرحلة الثانوية ممارسة الجنس مع صديقها بإرادتها، وفي العشرين من عمرها تترك بيت الأهل وتسكن أي مكان تختاره.

وتستخدم ميسون أسدي في روايتها لغة فصيحة بليغة ورشيقة مفهومة بعيدة عن التكلف والفذلكة التي تنتشر في الكثير من الأعمال الروائية، وتوفر أحداثًا متماسكة تتسم بالواقعية والمنطقية والعقلانية. ومن أهم أهداف الأدب القصصي والروائي هو عنصر الامتاع، وبرأيي أنه تحقق في الرواية بشكل واضح. 

ورغم بعض الهفوات اللغوية والنحوية، يمكن القول ان "الراعي وفاكهة النساء" رواية اجتماعية لافتة، ذات أبعاد فكرية، ناجحة بكل المقاييس النقدية، ومواضيعها جديدة لم تطرح كثيرًا في روايات فلسطينية أخرى، وتحمل أبعادًا متميزة من ناحية أسلوبها التشويقي السردي، والمضامين، والمبنى العام، والجمالية الفنية.

نحيي الصديقة الكاتبة ميسون أسدي ونبارك لها بصدور هذه الرواية الماتعة والمدهشة، ونرجو لها مزيدًا من النجاح والتألق والحضور في المشهد الروائي والقصصي الفلسطيني.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

جواد غلوماعتاد الانسان منذ أول ظهوره على هذه الارض البسيطة ان يتكئ على الحيوان عائنا له في تلبية متطلبات بقائه خاصة اذا كان هذا الحيوان بكامل عنفوانه وقوته في اول حياته، وحالما يعجز هذا الحيوان الذي يشاركنا العيش ؛ يطمع البشر في أخذ ماتبقى من عمره ليتوق البقاء في الحياة على شدة انهاكها وويلاتها في مراحل العمر الاخيرة.

ومن حكايا آبائنا وأجدادنا؛ فقد قيل لصديق الإنسان الكلبِ الوفيّ: ستحرس منازل بني البشر بأمانةٍ ووفاء دون مقابل سوى فضلة طعام يتركها لك مع وعاء ماء بجانبك، وستكون أفضل صديق للإنسان، وسنعطيك حياة طولها ثلاثون عاماً.

قال الكلب رافضا:

ثلاثون سنة كثيرة عليَّ، يكفيني فقط خمسة عشر عاما... وهكذا عمّر هذا الوفيّ خمس عشرة سنة وفق ما تمنّى.

وقيل للقرد الشبيه الأقرب للإنسان: ستتأرجح من غصن لغصن تضاهي حركات البهلوان، وتقوم بعمل الخدع لإضحاك الآخرين، وسوف تعيش حياة طولها عشرين سنة بالتمام والكمال.

قال القرد متعجبا:

عشرون سنة كثيرة، أريد فقط عشر سنوات... فتمّ تلبية طلبهِ.

وقيل للحمار عائن الانسان بحمله وثقاله:

ستعمل دون تذمّر من طلوع الشمس لمغربها وستحمل فوق ظهرك أحمالاً ثقيلة، وستأكل الشعير وما بقي من فضلات الموائد وقشور فواكه الطعام، ولن تتمتع بأي ذكاء سوى معرفة طريق الذهاب والإياب بمهارة، وستعيش حياة طولها خمسين سنة.

قال الحمار: سأكون حماراً لا أتعب من حمل كل ما يريده مالكي الانسان، ولكن خمسين سنة كثيرٌ جداً، أريد فقط عشرين سنة... فكان له ما يريد من سنيّ الحياة وفق ما رغب.

وقيل للإنسان الشّرِه الطامع بعمر الحياة مهما تفاقمت شرورها وقلّت مسرّاتها:

أنت المخلوق الأكثر ذكاءً على وجه الأرض وستستعمل ذكاءك لتجعل منك سيداً على باقي المخلوقات، وتعيش حياةً جميلة لعمارة الأرض وسوف تعيش حياة طولها عشرين سنة كلها طفولة مدللة وفتوّة وشباب يانع بلا مسؤوليات وأشغال شاقّة.

فقال الإنسان محتجّا وطامعاً بسنوات أخر:

هل سأكون إنساناً لأعيش عشرين سنة فقط ؟ ولمَ الاجحاف بي وتقصير عمري الى هذا الحدّ، هذا قليل جداً !! أريد الثلاثين سنة التي لم يرغب بها الحمار، والخمسة عشر سنة التي رفضَها الكلب، والعشر سنوات التي عزف عنها القرد.

فتمّ تلبية طلبه، وكان له ما أراد.

ومنذ ذلك الزمان والإنسان يعيش عشرين سنة كإنسان طليق وسعيد في طفولته وصباه وفتوته وقبيل زواجه.... حتى يتزوج بعدها... يعيش ثلاثين سنة كالحمار... يكدّ و يعمل من طلوع الشمس لمغربها ويحمل الأثقال على ظهره.

وعندما يكبر الأبناء يعيش خمسة عشر عاماً كالكلب؛ يحرس المنزل ويغلق الأبواب ويراقب الكهرباء ويأكل أقل الطعام أو من الفضلات التي يتركها أبناؤه بعدها؛ وعندما يشيخ ويتقاعد يعيش عشر سنوات كالقرد؛ يتنقل من بيت لبيت ومن إبن لآخر أو من بنت لأخرى ويتحيّن الفرص القليلة ليزور صديقته الوحيدة الجميلة ببدانتها المحببة العائشة بمفردها بعد ان تركها نسلها واقترنوا بعوائلهم.

 وحينما يتحلق نسل أولاده حوله تراه يعمل الخدع ويسرد الحكايات لإضحاك أحفاده وحفيداته ويلاعبهم بعد ان تغيب عنه رفيقة العمر الى مثواها الاخير بانتظار ان يلحقها بعد فترة وجيزة.

تلك هي سيرة حياة الرجل في حياته وأولهم انا الذي اكتب هذه الحالات والظواهر التي مررت بها.

هو ذا عمري الطويل الان الذي تمنيته وقد سلبتُه من تلك الحيوانات التي تشاركني الحياة، فهي رحلت عني وودّعت هذا الشيخ العجوز الذي يكتب سيرته الذاتية في أذيال العمر الأخيرة.

 

جواد غلوم