رجاء بكريه(.. ولا يعجبني لأيّ سبب أن أخوض في سياستها الأدبيّة لأنّي أعتبر مسألة حشر السّياسة في معايير الأدب سابقة مهينة لاجتهادات الإبداع في العالم، فحين يُسَيّسُ الأدب بناء على مرجعيّات الطّائفة والعِرق. هويّة الشّعب خارج أو داخل الخط الأحمر أو الأخضر، وملاعب الجغرافيا الّتي تقسّمُ أشواطه وأهدافه، يفقدُ حتما بصيرته ودوائر حلمِه..). رجاء.ب

(1) أنوثة

في صغري عاديتُ كلّ من سمّاني أنثى.  لسبب ما اعتقدتُ أنّها تعني مسبّة أو وصمة عار تُدمَغ بها البنت حين تلعب مع الصّبيان، وترفض ارتداء التّنانير والفساتين. لا أذكر أنّي ارتديتُ فستانا قبل أن أقتنع تماما أنّه مصدر جمال وفتنة. قبل سنوات قليلة بدأت اهتمامي بالفساتين وبمصادر أنوثتها. لماذا؟ ربّما لأنّ المجتمع الّذي جايلتُ نساءه فهمنَ الأنوثة على نحو لا يشبه فهمي وفسّرنهُ في ألبستهنّ بطريقة تخصّ مفاهيمهنّ عن حضور النّساء في الأعراس والمناسبات الاجتماعيّة الأخرى.

ولأنّي لم أحفل بالأعراس، واعتبرتها عبئا على الوقت اتّخذتُ موقفا سلبيّا منها. لم أفهم سبب الزّواج بكلّ تجهيزاته الثّقيلة، ولماذا كي يجتمع رجل بامرأة يجب أن يعلّلوا خمسة أيّام ويقيموا ليلة للحنّاء. سهرة للعروس وأخرى للعريس والأخرى للدّخلة. وكنت أحبّذ تصريف يوم الطّرحة البيضاء على يوم الدّخلة لما فيها من تداعيات روحيّة عالية، واعتبرته كافيا لاختصار مسار العرس كاملا. أسرتني الهالة الّتي أضفتها الطّرحة البيضاء على العروس الجالسة بأدب جمّ بانتظار عريسها. ما لم أفهمه تحديدا كيف يفاجىء العريس عروسه بقبلة أو عناق، وماذا يحدث بعد القبلة حين يخلو واحدهما بالآخر. ماذا يقول لها.؟ كيف تردّ عليه؟ ماذا يفعلان وكلاهما لم يجالس الآخر على انفراد قبل تلك اللّحظة؟ تساءلتُ كثيرا، وكلّما ضجّت رأسي سألتُ خالاتي وكنّ الأقرب إليّ. قُلنَ لي يومَها يتسلّيان! قلبتُ شفتيّ استغرابا، وتخيّلتُ شكل التّسلية ماذا عساها تكون. لكنّي أذكر أنّي منذ تلك اللّحظة بدأتُ أرسمُ أفعال الشّخوص الّتي أصادفها أو أفترضها أبطالا لقصصي. بدأتُ أكتب خيالاتي فوق رؤوس النّاس. حين أقف فوق كرسيّ عال كي أتفرّجَ على لحظة التقاء العريس بعروسهِ إذ يفجّ سترات النّاسّ من حوله، فجيج ملك لمساره بين جماهير غفيرة، وهو يحرّك ذراعيه وسط لمعان أزرار بدلة سوداء يرتديها حينذاك لمرّة أولى باتّجاه ساحة البياض الّتي تحفّ عروسه بالنّجوم. وسط لمعان النّجوم تلمعُ واحدة في عينيّ فوق كرسيّي المهدّد بالانقلاب فوق سيقان من حولي، ألمعُ كلّي لدقائق مع تيّار الهواء الّذي أطير فوقه مع حكاية البطلين قبل أن أجد نفسي تحت الأقدام بسبب هياج النّاس حين يرفع العريس طرحة المرأة الّتي مزّعت لآلئ عينبها قبل أن تصل بيته، من شدّة البكاء.

فالجميع متحفّز للحركة الّتي سيفتعلها العريس ليعادي التّقاليد ولو لمرّة واحدة في حياتهِ، بضمّة، أو قبلة على طرف الشّفة أو حتّى ضربة خفيفة على الكتف يداري فيها انفعاله البالغ. شغَفَتْنِي تلك اللّحظة حدّ أنّي بدأتُ أكتبُ قصصا نزقة تخصّ فلتان مخيّلتي، حتّى عاديتها فجأة كما عاديتُ الفساتين، واعتبرتها مكرّرة ومُعادة، ويجب تجديد تجلّياتها كشرط لمشاركاتي المستقبليّة، فهي مطالبة وفورا برشّ مذاق الخصوصيّة البالغة على إخراجها بين النّاس كي تستعيد زهوّها وشعبيّتها.

لكنّ ما لا أنكر تأثيره البالغ على لمعان عينيّ دبكات الأعراس، غرت منها بلا آخر لكن بقيتُ حائرة أمامها. لماذا للنّساء دبكة تختلف عن دبكات الرّجال، ولم هذه التّفرقة؟ هل أقدام النّساء مُخربَطَة، مثلا حتّى يجري الفصل بين قفزاتها وقفزات الرّجال؟. كانت مسألة غاية في التّعقيد أن أخوض في تصوّرات لا تستقيم ومنطق الصّبا الغضّ، حين هاجمتْ رأسي الباحثة عن إجابات حتّى في مشية النّملة. المصيبة الكبرى وقعت شديدة على رأسي حين عرفتُ أنّ نساء هي جمع امرأة، وأعني المرأة الأنثى. حدث ذلك وأنا على أعتاب الثّالث ابتدائي، بدأت أتأمّل الصّبيان من حولي بكثير من الحقد والبنات بكثير من إيماءات التّحريض، وحزنتُ جدا لأنّي أبليتُ وقتا طويلا في عناء اللّعبِ مع الصّبيان الّذين يعرفون هذه الحقيقة ويخفونها عنّي،. غير أنّ اكتشاف تلك الحقيقة المقلقة لم يخفّف من وطأة عدائيّتي للأنوثة، ولو اختلف لفظُ امرأة عن كلمة نساء. إنجازي الوحيد أنّي توحّشتُ أكثر مع أترابي من الصّبيان، ولاحقا أصدقائي من الرّجال، حدّ أنّ غزل أحدهم في عينيّ كان يلحقه تعديل سريع لعبارته، لستُ "أنثى جميلة" بل "امرأة جميلة". ولا بدّ لي من الاعتراف أنّني قبل الالتحاق بقسم الفنون الجميلة، المساق التّشكيلي على وجه الخصوص لم يستهوِني الاعتراف بأنوثتي بفخر.

  فهل يبدو هذا الإنكار مصدر عُقدِنا كمُجتمع أم خللنا كشعب يفهم الحقائق افتراضيّا بعيدا عن الواقع؟ هل المسألة عُقدة أم إشكاليّة ثقافة وقيم تربويّة؟ ولماذا لا تشرح النّساء لصغار البنات ماذا تعني هذه المفردة الخطيرة الّتي هربتُ أنا وقريناتي من لعنتها، قبل أن نفهم جماليّاتها؟

(1) فساتين وجمال

اكتشافي لجماليّات الأنوثة في دراستي الأكاديميّة للفنّ التّشكيلي دفعتني لإعادة النّظر في تأمّلاتي الذوّاقة لفساتين النّساء اللّواتي يأتينَ إلى ورشات الرّسم، لكنّ تعبيري عن انخلابي لم يؤدّ بي للتألّق بفساتين دورون فرانكفورت خارج مراسم أعراس عائلتي المقرّبة. وما حدث يشبه الخيال حين قصفتني حاجة ملحّة لتغيير طبيعة ظهوري بين أصدقائي وفي المناسبات الّتي أشارك فيها. أدهشني تعلّقي الجديد بفكرة الفساتين كظاهرة حضور وأنوثة بالغة. هل كنت أعرف أنّها ستكون سببا في "التّعليم" على كتاباتي، وتنقية الأدب الّذي أكتبهَ، ثمّ فصل جيّده عن سيّئه، وقصقصةِ جماليّاتهِ؟ وعلى ضوء المسافة الّتي تمشيها العين من بوزِ الحذاء وحتّى تدويرة العنق؟ شخصيّا فضّلتُ الفساتين الضيّقة القصيرة الّتي لا تصل إلى القدمين . تقف في المنتصف لتمنح للسّاقين حريّة تشكيل خطواتها، ونثر زوايا استداراتها ، لكنّها على أيّ حال أصبحت اكتشاف القرن بالنّسبةِ إلي.  ربّما لمتُ أفكاري المسبقة حول ميزة هذه القصّات من الملابس. اكتشفت حتما أنّني أجمل إذ أرفلُ بتلك الأقمشة ذات الصّرعات الغريبة، حتّى ضربتني لعنة تأنيث ما أكتب وتأطيره في خانة لا أحبّها. كان يجب أن أخترع وسائل دفاع عن الوفاء لأكوامِ الفساتين الّتي لن أتخلّى عنها يوما مهما دربكتْ على أكتاف كلماتي نعوتُ الأنوثة وملحقاتها. لقد دخلت مفردة تأنيث ما تكتبهُ المرأة مقابل تذكير ذات المفردة حين يرسلها رجل عبر أزرار ستراتهِ اللّامعة مرحلة لم يستسغها الأدب ذاته، ورغم ذلك لم يتنازل أنصارها عن تفضيلها مذكّرة على غريمتها المؤنّثة، بسهولة أصبحت المفردتان غريمتان، حتّى في منافسات الأدب البريئة العابرة للدّول. بريئة؟ لا أعرف لأيّ مدى. مُتّفق عليها؟ لا أجيد تخمين نسبة الشّراكة بين القيّمين عليها، المنقسمين ضدّها، المتوحّدين فيها. أستطيعُ على الأقل أن أميّزَ ومنذ سنوات أنّ للاتّحاد العام للكتّاب العرب أناسهُ من فلسطين ال 48 ممّا يثير انزعاج مكوّنات عالمي الفكري حول محسوبيّات هذا النّوع من التجمّعات، وفَرقي منها لما يُؤخذ عليها في معاييرها وسياستها، ولا يعجبني لأيّ سبب أن أخوض في سياستها الأدبيّة لأنّي أعتبر مسألة حشر السّياسة في معايير الأدب سابقة مهينة لاجتهادات الإبداع في العالم، فحين يُسَيّسُ الأدب بناء على مرجعيّات الطّائفة والعِرق. هويّة الشّعب خارج أو داخل الخط الأحمر أو الأخضر، وملاعب الجغرافيا الّتي تقسّمُ أشواطه وأهدافه، يفقدُ حتما بصيرته ودوائر حلمِه. وسوف يُحالُ إلى ما يشبه الأشكال الهندسيّة وزواياها المخلوعة أو المتساقطة. عيب على الأدب أن يستظلّ بمبدأ الهويّات الّتي تقتل أصحابها بمجرّد الكشف عن نسب قبائلها، والّتي تُشرِّع مصداقيّة احتكارها المياه الإقليميّة لشواطىء الحُلُم، كلّما جاعت إلى مبادئها..

 

كتابة: رجاء بكريّة

 

703 رشيد اغباريةهذه هي المجموعة القصصية الأولى التي يصدرها الكاتب رشيد اغبارية، ابن قرية مصمص، المقيم في عروس الكرمل حيفا، الذي سبق وان صدر له مجموعة شعرية بعنوان "حلم ليلة خوف".

المجموعة صادرة عن دار النسيم للنشر، واشتملت على 27 قصة قصيرة، تتناول مواضيع متنوعة ومتباينة، وتطرح قضايا وطنية وسياسية واجتماعية وفكرية، وعناوينها مستمدة من واقعنا الفلسطيني الملوث بالاحتلال وغول الاستيطان، وبنار القهر والاضطهاد والتمييز العنصري ومصادرة الأرض وتشويه وتزييف الوعي الوطني .

إنها قصص تحكي عن الحال الفلسطيني ومعاناة الإنسان الفلسطيني الذي يحمل الهوية والجواز الاسرائيلي، وتصور حياة القهر اليومي وتناقضات الحياة التي يعيشها، إضافة إلى قصص أخرى تغوص عميقًا في عالم الخيال العلمي والفانتازيا .

لقد تحوّل رشيد وانتقل من عالم الشعر إلى عالم السرد القصصي، وعكف على تطوير أدواته وأسلوبه وسرده، وتدل قصصه بمضامينها ولغتها وأحداثها على خلفية ثقافية، ومخزون فكري، ورؤية واقعية . وما يميزه سمة الصدق والمصداقية المفعمة، التي تتجلى في أحداث وسير قصصه القصيرة . كيف لا وهو يمارس حياته مع أبناء شعبه، ويرى بأم عينيه التمييز السلطوي المسلط على أعناقهم، ويحسه على جلده .

تتفاوت قصص المجموعة من ناحية السرد والمستوى والمضمون والمونولوج الداخلي، وهذا من طبيعة الأشياء الخاضعة لقانون التطور كأي كائن حي آخر.

أما أسلوبه السردي القصصي السردي فيرضي ذوق القارئ المثقف، ولا يثقل على القارئ العادي . فهو منوّع الصور الحياتية، دافئ كالشمس، والكثير من قصصه مرصعة بالمواقف الإنسانية القريبة من الفانتازيا، ولكنها ممكنة الحدوث .

وفيما يخص الجوانب الفنية في قصص المجموعة، فلا شك أن رشيدًا أظهر مقدرة أدبية ملموسة في استخدامه وتوظيفه لوسائل التكنيك الفني الحديث في القصة القصيرة، واعتماده أسلوب الحكاية مما اتاح له التحرك والتمدد بسهولة والانتقال سريعًا إلى اكثر من لقطة أو حادثة، وافاده في تكديس الحوادث والشخوص واستغلال الحركة في الزمان والمكان . وإننا نجد حشدًا من الصور الفنية والبيانية القياسية التي تعتمد في تقنيتها على المونولوج الداخلي مرة و" التداعي الذهني " من جهة أخرى .

وهو يلجأ إلى العبارات السردية والجمل الوصفية المكثفة التي ساعدت إلى حد ما في تخفيف حدة الإطالة وابعاد الملل والارهاق عن عيون القارئ .

لقد أمتعنا رشيد اغبارية وقدّم لنا قصصًا واقعية وخيالية خفيفة الظل، اتسمت ببساطة أسلوبها، وصدق تعابيرها، وكثافة معانيها .

وبمجموعته " الغريب في شارع صهيون " يضع رشيد اغبارية خطواته الأولى وأقدامه على بساط السرد القصصي، فليواصل مشواره، والمستقبل أمامه ليثبت نفسه وحضوره في هذا المضمار، وبدوري أتمنى له المزيد من النجاح والتوفيق والعطاء والتألق، وله خالص التحيات .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

مادونا عسكر"من لا يحبّ لا يعرف الله، لأنّ الله محبّة"

تقول العبارات الصّوفيّة إنّ المحبّة هي آخر درجات العلم وأوّل درجات المعرفة. وبين العلم والمعرفة فرق من حيث أنّ العلم مرتبط بالعقل، وأمّا المعرفة فبالقلب. ولعلّ القدّيس يوحنّا الإنجيليّ في رسالته الأولى أراد أن يعطي تعريفاً نهائيّاً للمعرفة المرتبطة بالله المحبّة أو بقول آخر إنّ المعرفة لا تكون إلّا بالمحبّة، طريق الخلاص. ويمهّد القدّيس يوحنّا لهذا التّعريف بقوله: "أيّها الأحبّاء، لنحبّ بعضنا بعضاً، لأنّ المحبّة هي من الله، وكلّ من يحبّ فقد ولد من الله ويعرف الله". (1يوحنا 7:4) وبذلك يرسم دائرة الحبّ الإلهيّ الّتي يدور في فلكها الإنسان بل الجماعة المُحبّة. فتأتي عبارة (لنحبّ بعضنا بعضاً) مرآة تعكس الحبّ الإلهيّ (لأنّ المحبّة هي من الله). فيكون الحبّ بذلك فعلاً إلهيّاً يبلّغ الإنسان أخيه الإنسان من جهة، ويبلّغه الله من جهة أخرى. إذاً فالمعرفة لله لا يمكن أن تكون خارج معرفة الإنسان للإنسان استناداً إلى قول القدّيس يوحنّا (لنحبّ بعضنا بعضاً).  ولمّا كانت المحبّة من الله، ولمّا كانت المحبّة هي الله أتى الحبّ فعلاً إراديّاً (لنحبّ) لا شعوراً عفويّاً أو عاطفة متناقضة بل إنّه قرار واضح يتّخذه الإنسان ليعرف الله. وبهذا القرار الفاعل، أيّ المحبّة، يولد الإنسان من الله، أي أنّه يصبح شريكاً في دائرة الحبّ الإلهيّ. ومتى كان شريكاً فسيعرف الله.

ليس المراد بالمعرفة هنا المعرفة التّامّة، لأنّ إدراك الله عمليّة اكتشاف مستمرّة لتدفّق النّور والحبّ الإلهيّين. وإنّما مراد القول إنّ المعرفة المرادفة للمحبّة سبيل لمعرفة الله. وبهذا يكشف القدّيس يوحنّا عن اختبار عميق وخاصّ مفاده أنّ الله محبّة وبالمحبّة يُعرف. والمحبّة وإن كانت معرفة قلبيّة فهي لا تُلغي العقل. وإنّما هي المحبّة الّتي تشمل الكلّ. ما كتبه القدّيس يوحنّا ينمّ عن إدراك عقليّ بالغ الوعي لكنّه إدراك العقل المستنير بفعل المحبّة. كما أنّه ينمّ عن إدراك قلبيّ شديد الصّفاء بفعل الانفتاح على هذه المحبّة. وبالتّالي فالمحبّة نور يتدفّق، فإذا ما انفتح عليه الإنسان أحبَّ فَعرفَ. وكلّ معرفة خارج إطار المحبّة تبقى ناقصة ومحدودة وغير دالّة على السّبيل إلى الله. وكلّ معرفة ترتكز على العقل وحده تخلو من الطّمأنينة وتبقى معرفة مربكة لأنّها خلت من المحبّة.  بمعنى آخر، إنّ الاستدلال بالماديّات للوصول إلى أدلّة قاطعة تمكّن الإنسان من معرفة الله غير مجدية. ليس لأنّ الله غير ماديّ وحسب، وليس لأنّ الطّبيعة الإلهيّة مختلفة عن الطّبيعة الإنسانيّة فقط، بل لأنّ المحبّة تُعرف بالمحبّة. المنظور يُدرك المنظور وأمّا اللّامنظور فيُدرك باللّامنظور. واللّامنظور من الإنسان هو قلبه، أي النّفخة الإلهيّة الكامنة فيه (ونفخ فيه نسمة حياة) (تكوين 7:2). وتلك هي المعرفة القلبيّة، وهي الأنفاس الإلهيّة في الإنسان وبهذه الأنفاس يدرك الله. ويذهب القدّيس يوحنّا بتعريف المعرفة إلى أنّها رؤية الله فيقول: "الله لم ينظره أحد قط. إن أحبّ بعضنا بعضاً، فالله يثبت فينا، ومحبّته كمُلت فينا." (1 يوحنّا 12:4) من يحبّ يعرف الله ويراه، وبهذا نفهم سيرة حياة المُحبّين، الغرباء في العالم، المتجذّرين في وطنهم الأمّ، القلب الإلهيّ. ونعي سبب ترفّعهم عن كلّ شيء، ونظرتهم المختلفة للأمور.

المُحبّون يرون أنفسهم في السّماء، في قلب الله وعلى هذا الأساس يحيون. لقد بلغوا ما بلغوه من معرفة بالمحبّة فاستحالت حياتهم رحلة حبّ يتمدّد أفقيّاً ليملأ الأرض ويرتقي عموديّاً نحو السّماء. هم الّذين أحبّوا فعرفوا، واستناروا فأناروا، وعكسوا صورة الله مؤثّرين في العالم فكريّاً وروحيّاً. من قال إنّه يعرف الله وهو لا يُحبّ فهو لم يعرفه قط، فلا يوثق بمعرفة من لم يحبّ.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

حسيب شحادةاستوقفتْني خلال مطالعاتي الدؤوبة حِكم وأقوال وأمثال وآراء وطرائفُ كثيرة جدّا، وارتأيت أن أنشرها، علّها تعود ببعض الفائدة الفكرية والروحية، إضافة إلى ما في بعضها، على الأقلّ، من التسلية وروح الدُّعابة ومدعاة لشحذ الذهن. إذ أنّنا نعتقد أن إشاعة الثقافة الجادّة وتقديمَ كلّ جديد ومفيد وممتع، هما مَهمّة شِبه مقدّسة ملقاة عـلى كاهل كلّ مثقّف ملتزِم. كنت قد نشرت نُتَفًا من هذه الجُمل في منابرَ مختلفة على الشبكة العنكبوتية، كما أن زُهاء  عشرين حلقةً منها كانت قد أُذيعت عبرَ مِذياع صوت ابن فضلان في هلسنكي، في ركن الثقافة والفكر، في أواخر القرن الماضي وبدايات القرن الحالي.

 

- نحن العربُ، نكتُب دون أن نقرأ.

- الجَمال يأسِر العُيون، والتَّقوى تأسِر القُلوب.

- لا تطلُبُ الفتاةُ من الدنيا إلا زوجًا، فإذا جاء طلبتْ منه كلَّ شيء.

- إنّ الجمالَ بلا فضيلة، ليس سوى زهرةٍ بلا رائحة.

- إنّ المرأةَ منَ الأمّةِ، بمنزلةِ الشُّعاعِ منَ السِّراجِ.

- في مُعْظم الأحداث التاريخيّةِ، كان المجهولُ ٱمرأة.

- إنّ الرجال تهُدّ الجبال، وإنّ النساء تهُدّ الرجال.

- لا تطعَن في ذوْق زوجتك، فقدِ اختارتْك أوّلا.

- إنّ الطائر والغابةَ، مثلُ الرجُل وزوجتِه.

- الرجُّل يُريد المرأةَ، ولو أقْعدهُ الكُساح.

- لنْ يتزوَّجَ: نصح بعضُهم أحدَ الآباءِ أن ينتظرَ، حتّى يُصبحَ ولدُه عاقلاً ثمّ يزوِّجَه، فأجاب الوالدُ: لن أتْبعَ نصيحَتَك، فإنّ ولدي إذا أصبح عاقِلا لن يتزوّج.

- مَن تزوّج بالديْن، باع أولادَه بالفائدة.

- إنّ المرأة العاقلةَ، ميراثٌ من الرَّبّ.

- ينبُع/ينبَع/ينبِع الجمالُ من مصدرَين: المرأة والطبيعة.

- في فترة الخِطبة، يتكلّمُ الشابُّ وتُصغي الفتاةُ، وعند الزواجِ تتكلّم العروسُ ويُصغي العريسُ، أمّا بعد ذلك، فيتكلّمُ الزوجُ والزوجةُ، ويُصغي الجيران.

- اللومُ جحيمُ الحياة الزوجيّة.

- أكثرُ الطُّرُق نجاعةً لتذكّر يومِ ميلاد زوجتِك، هو أنْ تنساه مرّة.

- جِهادُ المرأة، حُسنُ التبعّل لزوجِها.

- كأنّ حَوّاءَ التي زوجُها                       أدَمُ لمْ تُلَقّحْ بشخصٍ أريبْ

    قد كثُرتْ في الأرض جُهّالُنا               والعاقِلُ الحازمُ غريبْ

- أحْسنُ زوجٍ هو عالِمُ الآثار، كلَّما شاختِ الزوجة، كلَّما زاد اهتمامُ الزوجِ بها.

- شيئان يُضعِفانِ الثقةَ بين الزوجين، الكَذِب ونقْل الخُصوصيات.

- ما يجعَل الزواجَ غيرَ سعيد، ليس عدمُ الحبّ، بل عدم الصداقة.

- الزواجُ والطلاقُ: سُئل مرّةً الكاتبُ الفرنسيُّ أندريه موروا (André Maurois 1885-1967) : "لماذا يتِمُّ الطلاقُ الآنَ لأتفهِ الأسباب؟ فأجاب: لأنَّ الزواجَ يتمُّ لأتفهِ الأسباب".

- يُقال إنّ أفضلَ زواج، هو بين عمياءَ وأصمَ.

- المرأة تحبُّ ما تعتّق في الرَّجل.

- الرجل رأسُ العائلة والمرأة الرقبة، فهي تحرِّك الرأسَ كما تشاء.

- مثلكم مثلُ الرجل الذي أراد أن يُغيظ امرأتَه، فخَصى نفسَه!

- حين تخجَل المرأة، تفوح عِطرًا جميلًا، لا يُخطئه أنفُ رجُل.

- العُنوسة عند المرأة، أرهبُ من الموت.

- يكون عُمْر الرجل، بقدْر عمر المرأة التي يُحبُّها.

- الرجل القوي يعمل، والضعيف يتمنّى.

- لا تبحَث عن الجمال، لأنّك عندما تجِدُه، تكون قد شوّهت نفسَك.

- أوضوحُ الشِّعر يُفقِده جمالَه؟

- المرأةُ أهمُّ رابطة تربُِطُنا بالحياة.

- الرجلُ الشرقيُّ، يبالغ في حِرْصه على المرأة، حتى ليسجنها.

- الجمالُ، لا يستقيم إلا إذا جاوره القُبحُ، والنعيمُ لا يكمُل، إلا إذا جاوره الجَحيم.

- يُمكنُك أن تصنعَ الجَمالَ من الحجارة التي تُوضع لك عَثْرة في الطريق.

- حُدودُ لغتي، تَعني حدودَ عالمي.

- نصفُ ما أقولُه لك لا معنى له، ولكنّني أقولُه، ليتِمَّ معنى النصفِ الآخر.

- إذا أردتَ أن تعرِفَ ما يحدُث في بلدِك، فارحلْ بعيدًا عنه.

- قولٌ سديد: إملِكْ زِمامَ نفسِك حين تُزعِجُك صغائرُ الأمور، واحتفظ بقِواك لعظائمها، فما يُضنيك الجبلُ الذي تستقبلُه، بلِ الحصاةُ تكونُ في نعلِك. إنّما تنتصرُ المرأةُ بالتشبّث، لا بالكفاح ولا بالشجاعة، إنّها كالإعلانِ، تنالُ ما تريدُ بالتكرار.

- الدنيا كأسٌ، والفَلَك هو الساقي، والأجَلُ هو الشراب.

- هناك من يصنَع القِّصصَ، وهناك آخرون يحْكوها.

- نـَحْنُ فِي المُـؤَخـَّرَة، وَهَـمّـُـنـا المُـؤَخـَّرَة.

- أَيّةُ لغة يهجُرها اللسان، مصيرُها الأفولُ والنسيان.

 إنّ الإنسانَ، في حاجة إلى عامين ليتعلّمَ الكلام، وإلى ستّين عامًا ليتعلمَ الصمْت.

- الشمس حارّة كالخمرة، والقمر باردٌ كالكأس، فاسكُب لنا الشمسَ في القمر.

 - الحكي هو فرْشة الحبّ التي ينام فوقَها العشّاق.

- الأكثرية الصامتة، لا تصنَع ضجيجًا، ولكنّها تصنعُ التاريخ.

- إنَّ المنظورَ أفصحُ منَ المنقول.

- يتخفّى الإنسانُ تحت لسانه.

- إنّ الإنسانَ يفتقر ويُستعبد عندما يُسلَب اللسان.

- صحِّةُ الجسم في قلّة الطعام، وصحِّة القلب في قلّة الذُّنوب والآثام، وصِحِّةُ النفْس في قلّة الكلام.

- اللغةُ لا تُقدّم بديلًا عنِ الواقع.

- يستحيلُ أن أقول ما أعنيهِ بالضّبط.

- لا هُويّةَ بدون تعريب، ولا تعريب بدون استقلال، ولا استقلال بدون ديمقراطية، ولا ديمقراطية بدون حرية.

- الوَحْدة الحقيقيّة القائمةُ بين العرب هي وَحْدةُ الألم والدموع.

- العربٌ ظاهرةٌ صوتية.

 

إعداد أ. .د. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

احمد الكنانيجلال الدين الرومي كعارف صوفي لا يعتني بالزمان كثيرا، اذ لا معنى للماضي عنده ولا للمستقبل، فالماضي ماض وغد بظهر الغيب واليوم لي، وهي حالة يعيشها من ركن ذاته جانبا وتسلَق سلَم السمو، وتحرر من الذات وما يحيط بها من فوضى عارمة تفسد الاستمتاع بحلاوة الأشياء، والمثنوي حكاية تجربة رائدة يعيشها الافذاذ حال تجردهم عن ذواتهم، والرومي انسان آني يعيش اللحظة الانية، فعمق الوجود الإنساني يكمن في هذه اللحظة .

التفكير حالة فوضوية

الكفر بالفكر..والايمان بالسكون

السكون ينتج الوعي

ومنه نتاج الحكمة

فهو كالناي مسلكاَ للوحي وللنبؤات

بشنو اين نی چون شکایت می‌کند

الزمن متوقف عند الرومي فلا يوجد ماض ولا مستقبل. وفي تقسيمات الزمان يكمن سر الفوضى التي يعيشها الانسان.

تدبَر وانت جالس في هذه اللحظة الحاضرة لكنك تفكر بما ستفعله بعد حين...اذن الموجود هو المستقبل وان كانت اللحظة آنية.

من هنا يدعو الرومي الى العيش في اللحظة الانية وقطع التفكير بالمستقبل، كما يدعو الى تناسي الماضي وعدم العيش في متاهاته.

ومن هنا تُعرف حقيقة النفس، ومن خلالها تعرف حقيقة الاله، فالآلهه تصاغ من نسج المخيلات.

اله الأديان يدعو الى تفضيل بني دينه وبغض غيرهم

واله العارفين يدعو الى العشق، ولا شيء سواه

اما النظر الى الماضي ومراجعة الأخطاء والاعتراف بالخطيئة والتوبة منها فهي عند الرومي خطيئة أخرى، وحقيقة التوبة من الخطايا هي نسيانها وعدم التفكير بالرجوع اليها :

هست هشیاری ز یاد ما مضی

ماضی ومستقبلت پردهٔ خدا

آتش اندر زن بهر دو تا بکی

پر گره باشی ازین هر دو چو نی

ای خبرهات از خبرده بی‌خبر

توبهٔ تو از گناه تو بتر

ای تو از حال گذشته توبه‌جو

کی کنی توبه ازین توبه بگو

ان كان ذكر ما مضى من قبيل الانتباه

فالماضي والمستقبل كلاهما حجاب الله

فلتضرم النار في  كليهما معا ... فانت ملئ بالعقد كأنك الناي

يا من اخبارك تدل على جهلك بالمخبر

ان توبتك اقبح من الذنب

ويا باحثا عن التوبة عن حالك الماضي ...

قل لي : متى تتوب عن هذه التوبة ؟

*

تا زمین وآسمان خندان شود

عقل وروح ودیده صد چندان شود

لا تکلفنی فانی فی الفنا

کلَت افهامی فلا احصی ثنا

کل شیء قاله غیرالمفیق

ان تکلف او تصلف لا یلیق

*

من چه گویم یک رگم هشیار نیست

شرح آن یاری که او را یار نیست

شرح این هجران واین خون جگر

این زمان بگذار تا وقت دگر

قال اطعمنی فانی جائع

واعتجل فالوقت سیف قاطع

*

صوفی ابن الوقت باشد ای رفیق

نیست فردا گفتن از شرط طریق

تو مگر خود مرد صوفی نیستی

هست را از نسیه خیزد نیستی

حتى تصبح السماء والأرض ضاحكتان

حتى يكون العقل والروح والنظر مائة ضعف

لا تکلفني فانی فی الفنا ... کلَت افهامی فلا احصی ثنا

کل شیء قاله غیر المفیق ...ان تکلف او تصلف لا یلیق

ماذا أقول ؟ وليس فيَ عرق منتبه

لحبيب ليس له شبيه

شرح ذلك الهجر المدمي للقلب

دعه هذا الوقت لوقت اخر

قال اطعمنی فانی جائع ...  واعتجل فالوقت سیف قاطع

والصوفي ابن الوقت هو كذلك يا صديق

غير صادق من يقل غدا شرط الطريق

الست انت نفسك رجلا صوفيا ؟

فاعلم اذن انت لست قادما من النسيئة

حالة السكون والركون الى الآن حالة روحانية عاشها الصوفيون ويعيشها الروحانيون اليوم، واشعار الصوفية في اغلبها تعكس تلكم الحالة، رباعيات الخيام لا تخلو من الدعوة الى اللحظة الانية ونسيان الماضي وتجاهل المستقبل . لكن الخيام رغم فلسفته التشائمية الا انه من الداعين الى اغتنام اللحظة الحالية والتمتع بها لأنها المملوكة بالفعل، فالماضي ماض وغد بظهر الغيب، وكما انشدت أم كلثوم بعذوبة  ذاك البيت الذي رسمه بأتقان احمد رامي من الرباعيات :

غد بظـــهر الغـــيب والــــيوم لــى    وكم يخيب الظـن فى المقــــبل

ولســــــت بالغافـــل حـــــتى أرى     جمال دنـــــــياى ولا أجتـــــلى

فأمتلاك يومك واغتنام لحظاته هو الحل الامثل لهذه الدنيا المليئة بالبؤس والشقاء ولو ادرك القادمون اليها ما عانيناه لما أتوا :

فلاک که جز غم نفزایند دگر

ننهند بجا تا نربایند دگر

ناآمدگان اگر بدانند که ما

از دهر چه میکشیم نایند دگر

وقد اجاد الصافي النجفي في صياغة بعض ابيات الرباعيات وبذات المضمون المتقدم :

إن لم يكن حظ الفتى في دهره ..

إلا الردى ومرارة العيش الردي ..

سعد الذي لم يحيَ فيه لحظة ..

حقا وأسعد منه من لم يولد ..

من هنا يدعو الخيًام الى اغتنام فرصة اللحظة الانية والتمتع بها، فالماضي زائل وفان والمستقبل مستتر وراء ظهر الغيب لا يربح فيه رهان، والباقي هو الحال ولا شئ سواه، الوجود لا وجود له والحياة في الرباعيات لا بداية لها ولانهاية وانها تكرار واجترار .

وُجُودُ ذَا الْكَوْنِ مِنْ بَحْرِ الْخَفَاءِ بَدَا

وَسِرُّهُ لَمْ يَبِنْ يَوْماً لَدَى الأُمَمِ

كُلُّ امْرِئٍ قَالَ وَهْماً عَنْ حَقِيقَتِهِ

وَالْحَقُّ مَا فَاهَ فِيهِ وَاحِدٌ بِفَمِ

تَسَاقَطْنَا كَطَيْرٍ فِي شِبَاكٍ

تُعَانِي مِنْ أَذَى الدَّهْرِ اهْتِضَامَا

وَنَخْبِطُ فِي فَضَاءٍ لَيْسَ يَبْدُوْ لَهُ

حَدٌّ وَلَمْ نَبْلُغْ مَرَامَا

هذه شذرات لطيفة اقتطفتها من درر ما ورثناه من كنوز مولانا جلال الدين الرومي وعمر الخيام ودعوتهم لنا للعيش بسكون وهدوء دون صخب ما مضى وفوضى ما يأت، لتكون براعة استهلال للولوج رويدا رويدا في ساحل بحر المثنوي

 

احمد الكناني

 

حسين علي خضيريسلط الكاتب علي بدر في قصته (حفلة القتلة) الضوء على الحقبة الصدامية التي كانت مليئة بالتصفيات الجسدية والقتل الجماعي. فقد كان بارعاً في وصف هذه الحقبة، إذ يجعلك تعيش هذه اللحظات وتتألم في الوقت نفسه، لاسيما لمن عاش هذه الحقبة المظلمة التي بسببها عانى ما عانى البلد من ظلم وحروب مستمرة أكلت الأخضر واليابس كما يقال، وربما بعض من هذه الاجيال لا تعرف شئياً عنها او ربما سمعت او قرات  بعض الشيء عنها، والتي عبر عنها بطل علي بدر قائلاً: " حيث يتم توزيعهم على غرف الصعق الكهربائي، الشوايات، أدوات سلخ الجلد، ماكنة تكسير العظام، ومن ثم وضعهم في أكياس وتحميلها في سيارات لإلقائها في نهر او حفر عميقة في الصحراء ودفنهم بقبور جماعية "(1)، واللافتُ النظر في هذه القصة، اولاً، مسألة الموت والجمال حيث يقول بطله " كان الموت والجمال في هذا المكان متجانساً " (2)، وهنا كأنّنا بعلي بدر يُوحي للقارئ بأننا نحن جنس البشر من يتلاعب بهذا الجمال، وبإمكاننا أن نجعل منه جحيماً، لمن يخالفنا الرأي، ثانياً، ظاهرياً، يبدو هذا المكان لتسلية، إذ يقول بطلهُ: " في اليوم الاول عرفت أنه مكان لتسلية عائلات الضباط الكبار في شعبة التحريات السياسية، ولكن فيما بعد عرفت أن الطابق الأول والسرداب والكراج الداخلي هو مكان التحقيق والسجن وتنفيذ العمليات " (3)، ثالثاً، يركز الكاتب على مسألة المكان، إذ انَ الشيء المُحزن في هذا المكان هو أنَ عوائل الضباط تمارس الرقص والسباحة بالمايوهات، وبالقرب منهن في السراديب يتم سلخ جلود الناس " وفي زيارتي الأولى فهمت ان القسم السفلي هو الجحيم بعينه، حيث تشوى أجساد المشكوك فيهم وهم أحياء، ويقوم ذلك ضباط التحريات بينما عائلاتهم ترقص في الأعلى، وبناتهم بالمايوهات في برك السباحة، وزوجاتهم يأكلن الباربكيو، ويتحدثن عن الموضة (4)، اما المدعو ج.ع هو مدير شعبة التحريات، كان كل همهُ ان ينال رضا مسؤوله أو أن يحصل على منصبٍ أعلى كما نوه بطل علي بدر، تدور أحداث هذه القصة حول ج. ع وهو النموذج الصدامي الذي لا يعرف الرحمة، والذي يُمكن أن نُطلق عليه تسمية (آلة الموت المستمرة في تعذيب الآخرين)، ولكن المضحك في أمر هذه الشخصية هو أن مصيرها سيكون المصير الذي كان يعذب به الناس؛ لذلك يبدو لي أنَ علي بدر أراد ان يوجه رسالة واضحة للقارئ ان الجميع في هذه الدولة البوليسية كان تحت دائرة الاتهام او الشك، ولن ينُجو أحد اذا ما وقع في هذه الدائرة.

 

حسين علي خضير

........................

المصدر

1 - حفلة القتلة / تأليف علي بدر؛ دار ألكا - بلجيكا، الطبعة الأولى: 2018.ص35.

2 - نفس المصدر، ص 27.

3 -نفس المصدر، ص 23.

4 - نفس المصدر، ص 24.

 

699 جلال امينعاشق في بؤبؤ العينين يبتهل بصلاة الوجد

شعر حر على تفعيلة الخبب

(صلاة الوجد)

عيناكِ

صلاة الوجد.

ومحرابٌ الأنفالِ سُجودي

فردوس الحب

ونبض الخلد الموعود

العشق حين يعانق الأرواح النقية يجعلها تفترش بساط الوجد فيسمو بها إلى علياء السماء لتسكن فردوس المحبة فتشاهد كل ما حولها رائع وجميل وتتنفس عطر الحياة كي تبتهل في محراب المشاعر وتغرد بأعذب الألحان ويجعل من مدارات العيون محراب للصلاة ومن ورد الخلود سجادة لأداء نافلة الشوق وتهجد نبضات الحنين.

عيناكِ

دليلٌ حلَّ على البرهان

ودقًت

اجراس كنيسة عيسى

 تعلن في نبأ التوحيد

فَرتل في احقاب جفونك

رهبانٌ نغمَ التشهيد

أسرار العشق والعشاق تكمن دائما في أفلاك العيون فهي المنظار المرئي لخلجات القلوب وهي شاشة العرض لما يدور بداخلنا من أفكار وحوارات . ما أروع وأجمل تعبير الشاعرة هنا بوصف تلك العيون بأنها دليل جعلها تتيقن من حقيقة التوحد العشقي فكان الترتيل رهبان يردد نغم التشهيد . وبرغم أن للعيون جفون ورموش وحواجب تسترها إلا أنها في لحظات العشق تكون فضاحة ونشاهد كل شيء من خلالها .

عيناكِ

تموج  بقارب سفّانٍ

ضيّعَ  أشرِعَة التجديف

ببحرهما المسحور

فهام  يناجي بؤبؤ لحظك

في صلوات التسهيد

نظرات العين تداهم القلوب كالقارب الذي يبحر دون مجداف أو أشرعة يحاول الوصول إلى بر الأمان وهكذا الحال حين تداهمنا نظرات العيون نحاول التشبث بها لأنها طوق النجاة ومرساة الروح حين نبحر في محيطات العشق . حالة فريدة من حالات الشوق العذري تفردت بها الشاعرة بالتوظيف الدقيق والتعبير عما يحدث للعاشق من تأثير تلك النظرات ولقد راقت لي جدا جملة (بؤبؤ لحظك) وما أروعها حين أكملت وصفها بالمناجاة . نحن أمام شاعرة متميزة تعرف جيدا كيف تشاكس قلمها وتداعب حروف الهجاء فتقطف من ثمارها أجود ما تحمل أغصانها .

عيناكِ

رموش كالوتر الشادي 

وانين الناي المبحوح

بصحراءِ تناهيدي

في قلبي يعزف لي

لحن الأسحار المنشود

والنجم

تمايل في احداقك

يجذبني طوفان

في بحر الهذيان فيغرقني

كبساط من عمق البهتةِ

يحملني

لجنان العشق المحسود

وسكنت

جحيم عيونكٖ

أطلب لذةَ تعذيبي

أَوَليسَ

لهيب الاحداق الفتان

كفردوس  الخلد المرغوب

 وسكرة خمر يقطر

من عنقود الاعناب الممدود

سلسلة متواصلة ومتلاحقة كجبال الألب تحمل بين طياتها إبداع متطور وصور شعرية جديدة وكل صورة من تلك الصور لها رونقها الخاص لأنها رسمت بريشة عبقرية وألوان الطبيعة الذاخرة بزهور الفردوس . العيون تعزف ألحانها على وتر الرموش الذي يشبه الناي النابض بحلاوة الصوت والقلب يعزف لحن الأسحار المنشود الذي تشتاق وترتاح إليه الروح حالة من المد والجزر وأصوات برق ورعد تموج هنا وهناك من خلال نغم الحروف التي تأخذنا لنعايش حالة عشق نادرة . عمق فلسفي ونمط جديد للحداثة الشعرية وعناقيد من أغصان البلاغة والإتقان اللغوي .

عيناكِ

مِزاج الكافور

ونبعٌ يسقي احلامي

فنعيم الحب بوجداني

قد أنعشَ قلبي المسعودِ

آهٌ  من وجدك حبي

 هزّ عروش جلاميدي

وجهلت دعاء تعاويذي

فركعت هويتُ سجوداً

في بحر عيونك

رمت رضاك المحمود

ينتهي بنا المطاف وتصل الرحلة إلى مرافئ الفردوس وجنات النعيم الأبدي للأرواح الهائمة ومازلنا نطوف مع العيون الساحرة لنشاهد ما فعلته بالقلوب . تلك العيون صارت النبع الساقي لخمرة الشوق وصارت طلاسم السعادة والبهجة وبساتين وحدائق النعيم الأزلي للعشاق . فالوجد الذي هز العروش وجعل الأفئدة تهجر كل ما لذ وطاب من أجل لحظة عشق واحدة وجعلها تركع وتهوي لتسجد في بحر تلك العيون وتنسى وتجهل التعاويذ من أجل نيل الرضا فما أجمل وأروع ذائقة الشوق وتمتمات الحنين ودندنات الأوردة والشرايين للإحتفاء بمعشوقها بألحان الغرام السرمدية.. تحية تقدير للشاعرة المبدعة الأستاذة ليان عامر. على هذا النص البديع والراقي والمدجج بالصور الشعرية وجواهر البلاغة .

 

تحليل الناقد المصري جلال أمين

 

 

علاء الخطيبفليم روائي قصير. يحمل عنوان تبولة وباي هو جديد المخرج العراقي جعفر عبد الحميد

يناقش الفيلم التواصل الإنساني بين ثقافتين، قصة شيقة تتحدث عن المخرجة المسرحية العراقية فاتن ذات الروح المرحة التي تنتقل حديثاً إلى شقتها الجديدة وتمد جسورها بكل محبة وطيبة مع جيرانها غير عابئة باختلاف الثقافات لتنشر الدفء والفرح بينهم.

تلتقي برجل إنجليزي متقاعد يسكن بنفس العمارة. مقابل شقتها، هذا الرجل الذي تأقلم مع حياته بعد الوظيفة  فقد روّض نفسه على نمط يومي للحياة، يخروج من المنزل بموعد يومي محدد لإستنشاق الهواء، ويعود بصحبة جريدة اليوم، يتناول الشاي، يستمع للمذياع، في محاولة لقضاء الوقت والانتصار على الساعات الطويلة من الفراغ، بعد أن إنتهت حياته الوظيفية.

تنشأ بين فاتن والرحل المتقاعد علاقة إنسانية جميلة، فتذوب المسافة الكبيرة على صعيد الطِباع عند الإثنين و تبدأ الهوة بالتقلص لتصبح ربما بطول الممر بين شقة الفنانة العراقية وشقة الرجل المتقاعد.

692 فلم

في هذا الإطار الدرامي الخفيف الظل، يسعى المخرج وكاتب السيناريو الدكتور جعفر عبد الحميد الى خلق فضاء من التعايش وقبول الاخر من خلال تجسيد جانب من اليوميات التي يمر بها كل من المهاجرين وأيضاً أهل البلاد القدامى، وهم يعيشون مراحل التعرف، والرفض والقبول للآخر، والتعايش أو عدمه بين الإثنين.

العمل من بطولة الفنانة العراقية الرائدة أحلام عرب، وهو جزء من منجزها الهام في بريطانيا، من أعمال سينمائية ومسرحية، بعد أعمالها المسرحية والتلفزيونية في العراق، التي بدأت من مراحل دراستها بمعهد الفنون الجميلة ببغداد في أواسط السبعينات.

يشارك الفنانة أحلام عرب البطولة الممثل البريطاني المخضرم بوول ريدلي، الذي يمتلك تاريخاً حافلاً بالسينما والمسرح في المملكة المتحدة.

“تبولة وباي” من إنتاج أريج السلطان، المنتجة والمخرجة العراقية - البريطانية، التي لها تجربة هامة من العمل مع كبريات المؤسسات البريطانية الإعلامية، مثل الـ بي بي سي والقناة الرابعة. وكان لها مؤخراً شريطاً تسجيلياً عن شيوع الثقافة الكورية الجنوبية في العراق؛ كان قد بُثّ فيلمها الوثائقي على قناة الجزيرة الإنجليزية.

مؤلف ومخرج “تبولة وباي” هو جعفر عبدالحميد، الذي كان أخرج عام ٢٠١١ الشريط الروائي الطويل الناطق بالإنجليزية، “مسوكافيه”، من بطولة أحلام عرب. وقد عُرض “مسوكافيه” ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان “رين دانس” السينمائي بلندن، وكذلك بمهرجان الخليج السينمائي بدبي. وكان جعفر عبدالحميد قد أكمل رسالتي الماجستير والدكتوراه في بريطانيا، مختصاً في أطروحة الدكتوراه بالإقتباس الأدبي في السينما.

 

علاء الخطيب – لندن

 

شاكر فريد حسنالراحل أحمد حسين شاعر مشاكس استثنائي مميز، ومتفرد بفكره وشعره ومواقفه، ومن الاصوات الشعرية الفلسطينية الجميلة . له قصائد في غاية الشفافية والروعة والجمال. وما يميزه تجليه وتوهجه الشعري، وعنف انفعاله وحرارة العاطفة، وذراه المجازية والتعبيرية، وقوة تراكيبه ومتانة صياغته اللفظية، وأناقة الصور الفنية والمجازات والاستعارات البلاغية، وكثافة لغته الفريدة .

إنه نبي الغضب والرفض والتحدي، وشاعر المقاومة والوطن والتراب، وشاعر الحزن الجميل. أشعاره تتدفق وتنبض بالإحساس الوطني والنزعة القومية العروبية والروح الانسانية، وخياله خصب شاسع وواسع .

أحمد حسين آمن على طوال حياته بأنه يجب على القارئ الارتفاع والسمو والرقي إلى مستوى الشاعر ونصه، وليس هبوط ونزول الشاعر إلى ذائقة العامة ومستوى ثقافتهم ومعرفتهم ووعيهم الشعبي . ولذلك ظل شاعرًا نخبويًا يكتب ما يمليه عليه فكره وعقله وإحساسه وعواطفه ومزاجه وضميره الوطني.

وأحمد، كما يقول صديقه وصنوه الأديب والمثقف الراحل نواف عبد حسن في معرض حديثه عن ديوانه " زمن الخوف " : " ليس كشعراء " الاعلام " الذين استمرأوا " الطبطبة على الظهر " والابتسام لأنفسهم امام موجات الاثير، والذين يستظلون تحت لحية الشهرة، ان احمد يحزم اعصابه ويوقدها على نار الفجيعة، يتنفس المأساة  ملء الرئتين، فيروعننا في قدرته على صياغة ما يقتنصه من صور، وما يرتعش في رحم الغد، فالنبوءة مجسدة بصورة او بأخرى، في نهاية كل القصائد، والرعب بحجم الدهشة ".

ورغم مكانته الادبية البارزة تعرض المرحوم احمد حسين للتعتيم والتغييب والتهميش، نتيجة مواقفه المغايرة المختلفة النوعية والجذرية، وحوصر من قبل المؤسسة الفلسطينية الرسمية. وصدق الكاتب الفلسطيني/ الاردني موسى حوامدة بقوله : " الشهرة لم تكن هدف أحمد حسين بل كانت الحقيقة غايته ووسيلته وظلّت واضحة جليّة في كل ما يكتب ويفعل، لذا خسر وظيفته وكثر أعداؤه، وخاف من التقرّب منه كثيرون ونفر من مواقفه وحدتّه النقديّة والسياسيّة عديدون ".

أحمد حسين كان رافضًا للخطاب السياسي الفلسطيني السائد، وتجلى ذلك في كتاباته السياسية والفكرية وفي قصائده.

كان يغني بالبكاء، وبالحزن يفرح من جديد، وكانت حياته وطبيعته ثائرة متمردة، شغوفَا بخوض البحار الهائجة.

ومن جميل ما كتبه احمد حسين هذه القصيدة الهفهافة الشفافة الطلية الجميلة كالحسناء، ذات الايقاع والنغم الموسيقي والمضمون الواضح، كان قد نشرها في مجلة " البيادر " المقدسية، التي كان يصدرها الصحفي جاك خزمو، في عددها الصادر في ايلول العام 1977، ويقول فيها :

غنائي لعينيكِ يعني البكاءَ

غنائي لوجهكِ يعني السفَرْ

وجدْتكِ في الحزنِ

لا تبرحيهِ

فمنه المواعيدُ

منه السحابُ

ومنه المطرْ

ومنه الترابُ الذي صار دمعأَ

بعينيّ ...

خبّأت أين الشجرْ؟

وجدتكِ في الحزنِ

طال اللقاء ُ

ثلاثين بُعدَا

ثلاثين سبْيَا

ثلاثين عارْ

وجدتكِ بين انصرافي ووجهي :

أمامي انتظارُ

وخلفي انتظارْ

تعلّقتُ من نظرتيّ، التَفَفْتُ

على غصن لوز كشعَر امرأه

متى تُطْلقني أصرْ منكِ شيئاً

فسبحانَ وجهكِ

سبحان صدركِ

سبحانَ حِضنكِ، ما أدفأه ْ

تعلمّتِني ! كيف دار الزمانُ

فصِرتُ انا النقشُ، انتِ الحجرْ

وكنتُ كما تعلمين – المُغنّي

وكنتُ ....

ولكن لماذا تظنين أني بكيت ُ

قديمَا .. قديمَا

فهل تسبق الكلمات الصور ْ

إذن فاسمعيني، اسمعيني

غناءَ يُعرّشُ فوق الدروبِ

اذا ما تَذكرتِ صوتي ... انهمرْ

أنا الحبُّ، لن تفقديني

وفيكِ ترابٌ

وحول اريحا شجرْ!

يبقى القول، أحمد حسين ظاهرة شعرية وقريحة شاعرية ممتزجة بعاطفة حساسة قوية، وأسلوبه الرشيق الرصين يدل على اطلاع ومعرفة عميقة وذوق في اللفظ والمعنى والمبنى . والاهم في نصوصه عمق التجربة وصدق الشعور واصالة الاحساس . فسلامًا لروحه وله دفء القلب .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

احمد الشيخاوينجد هذه المجموعة ثرية بصورها الشعرية، تؤرّخ للحظة خواء، ببصيرة تكتب أزمة الذات ومكابداتها، خارج دائرة الضوء، أي داخل حدود جغرافية السّواد، من هنا تبدأ رحلة الشاعر المغربي محمد اللغافي ، منهكا بوصايا الأمومة وتعاليمها كزاد، لسفر حياتي وإبداعي سرمدي ، يتحسس المفقود ويطارد خيوط الضوء.

بذا نهتدي إلى كون الشعر ، في الغالب، لا يفسّرُ بسوى حجم صمود الكائن ونضاله داخل دهاليز حياة صادمة بفجائعيتها وعتمتها وشحّ أعيادها.

إرسالية بنصوص شبه مغلقة، ليس يفكّ شفرتها سوى طقس الإنصات عميقا، لأصوات الهامشي والبعيد جدا.

[قالَتْ

أخْجَلُ وَالنّجومُ تَرانا

أسْدلِ السّحابَةَ وَاقْتَرِبْ

أسْدَلْتُ السّحابَةَ

فانْكَسَفْنا].

هي خطى الحرف، حين تنرسم على خرائط البحث الشاقّ عن معنى للذات، في أفق حياة موازية، سانحة لتصيّد أدنى صور الطمأنينة والخلاص.

[رَبّتْ عَلى كَتِفي يا ألله

أحْسِسْني

 بِالْاطْمِئْنانِ].

هذا الأمل القابع مشتعلا في عينيْ المشوقة، وحده وحده يهب معنى لهذه الذات المسافرة بترهّل، في جيوب الفراغ .

المشوقة في زئبقية تجلّياتها، كأنّما تضمّد المعاناة بحضور رمزي، غير مستساغ.

[هَلْ تَعْلَمينَ

ماذا

أفْعَلُ الآنَ ؟

اللّيْلُ ماطِرٌ هُنا ..

غائِمٌ مِثْلَ قَلْبي

الْفَراغُ مُكْتَظٌّ بي

 وَحْدي

في مِعْطَفيَ الطّويلِ أجْمَعٌ شَتاتَ ظِلّي

وَأصَفِّرُ

عَلى إيقاعِ خَطْوي الْمُتَرَهّل

أرْقُبُ

عَسَى أنْ يَتَدَلّى بِهُدوءٍ

بَريقُ

عَيْنَيكِ لِأطْمَئِن].

مجرّد فوقية أو تسام نرجسي، لمناطحة إسمنتية الواقع، وإبراز كم هو موقف القصيدة ممّا سواها، هشّ للغاية، وغنائي، يناغي بالعاطفة، ويعزف على أوتار القلب، وإن رصد بجبن وخجل مشهدية الكائن في رقصته المشوّهة، على جمر الآخر والحياة.

[أَعِدُكِ

لَنْ أجْرَحَ الْبابَ الْإسْمَنْتي

بأصابِعي الْهَشّةِ

لَنْ أحْدِثَ خَدْشاً

في صِباغَةِ اللّيْلِ

سأغْفو عَلى شَطِّكِ

مَع الْمَلْفوظات

 

 

هَل أُصَدّق الرّؤيا

وأذبحُ أصابعي واحِدا واحِدا

قٌرْباناً لًكِ].

هذا الليل، ليل الأحجية المنفلتة، السابح في آدميتنا، يقتضي ترتيبا وإن على سبيل الارتجال والتسلية ، لكن...بلغة وصْد باب وفتح أخرى.

[جُبِلْنا مِنْ تَعَبٍ

رَفيقَتي

تَعالي نُغْلِقُ باباً

وَنَفْتَحُ أخْرى

نَحْنُ مُجَرّدَ

قِشّة في مَهَبِّ الْحُبِّ

تَعالي نَهُشّ عَلى هَذا الْفَراغ

 يَنْفَلِقُ لَنا الْمَدى

فَتَطيرُ

مِنْ بَيْنِ أصابِعِنا فِراخُ اللّيْلِ

 وَنُعِدُّ قُهْوَتَنا

بَعْدَ

 أنْ

 نَكْنِسُ حَطْبَ الّذينَ تَنَكّروا لِعُشْبِنا الْأخْضَر].

الليل السرمدي بوصفه منصّة للحلم الذي يجود على الذات بشتى معاني الوجود والتواجد الإيجابي، علاوة على كونه متّهما هو مسروق أيضا، ما يضعنا إزاء موقف إرباكي، تدبّجه صياغة فلسفية تحاول تبرير هذا الضياع.

[كَمْ مَرّة بُعِثْتُ فيكِ

وَأعْدَمَني حُرّاسُكِ

ما عُدْتُ حَذِراً

وَلا أهابُ

حُرّاسَكِ 

طَيّعَةٌ أوْتارُكِ قيثارَتي الْحَزينَةِ

مُتَوَتِرَةٌ أصابِعي

تَدُكُّ الْأنْغامَ

تَتَمَزّقُ الْأغْنِياتُ سَريعاً

في بالوناتِ ثَلْجٍ

تَتَبَخّرُ الشّمْسُ

لِتَشْرُقَ ابْتِسامَةٌ طازَجَة

تَتَقَمّصُني مُبْهَماً

مُتَقَلّباً كَخَريفٍ تاهَ عَنْ فَصْلِهِ].

وإذن... منذ الولادة ، يسترسل الليل منفتحا على جملة من المعادلات الإنسانية الصعبة، كي يختبر وجود الكائن، وما أسرع تهشمّ المرايا الروحية ، عند عتبات الكسوف الذاكراتي في تأجيجه لمآسينا.

يكون هذا الليل، ليل البوح الممسوس بتشظيات الذات، جدّ ثقيل .

هذا الليل إذ يغزو مغلّفا بما يستعير منّا من أقنعة، ننتشي بأحلامه المخففة من أوجاع ارتطامنا بالواقع الموبوء، ونحن نتلمّظ عناقيدها على نحو برزخي، يتهجّى أبجديات غيبوبتنا المختارة، حدّ الثمالة.

الليل كمعلّم أكبر، ليس يزدان بسوى ملح الأمومة وهي تمارس على تجاربنا فعل الوصاية ، دونما بخل بمعجم تعاليم الحنو والخبرة والنضج.

هامش:

أنظر كتاب " مكتظ بك أيها الفراغ، شعر طبعة أولى2017، محمد اللغافي، ردمك.

 

احمد الشيخاوي

 

  

 

 

ضياء نافعآخر عمل ابداعي قام به دستويفسكي في حياته هو القاء خطابه عن بوشكين، عندما شارك في حفل تدشين تمثال بوشكين بموسكو في حزيران / يونيو 1880 (انظر مقالتنا بعنوان – حول خطاب دستويفسكي عن بوشكين)، ولهذا يسمّي نقاد الادب هذا الخطاب ب (وصيّة) دستويفسكي قبل رحيله الابدي، اذ حدد دستويفسكي في ذلك الخطاب كل مفاهيمه عن الادب ودوره في المجتمع، وعن قيمة بوشكين واهميته لروسيا وشعبها وتاريخ ادبها من وجهة نظره، وليس من باب الصدفة ابدا، ان هتف بعض الشباب الذين كانوا يحيطون به في تلك الاحتفالية ويستمعون اليه وهو يلقي خطابه ذاك قائلين – (ان دستويفسكي نبيّ !)، وهو التعبير المتحمس والمتطرف عند الشباب في الكثير من بقاع العالم .

 الا ان الوقائع في حياة دستويفسكي لا تشير الى انه كان يستشهد بنتاجات بوشكين او افكاره ومكانته اثناء مسيرته الابداعية او رسائله الى الآخرين، كما نرى ذلك بوضوح وصراحة عند بعض الادباء الروس الكبار مثل غوغول او تورغينيف او تولستوي ...الخ، رغم ان دستويفسكي قد تقبّل خبر مقتل بوشكين في مبارزته الشهيرة برعب وحزن شديدين، وكان عمره آنذاك 16 سنة ليس الا، وتشير بعض المصادر الروسية، الى انه اراد حتى ان يعلن الحداد مع اخوته نتيجة هذا الحدث التراجيدي بالنسبة لهم، وعندما انتقلت عائلة دستويفسكي بعد فترة قصيرة من موسكو الى بطرسبورغ للعيش هناك، فانه كان يتحدث و يرغب فعلا بزيارة تلك الغرفة، التي فارق فيها بوشكين الحياة في تلك المدينة .

 ومع ذلك كله، فان موضوعة (دستويفسكي و بوشكين) لازالت تعدّ ولحد الان واحدة من الموضوعات المثيرة والمهمة امام الباحثين في مجال تاريخ الادب الروسي من الروس ومن غير الروس ايضا، اذ لم يسبق لأحد قبل دستويفسكي ان (اكتشف!) مكانة بوشكين وقيمته واهميته في تاريخ الادب الروسي، ولم تتكرر ظاهرة (الاكتشاف) هذه بعد دستويفسكي ايضا في مسيرة الادب الروسي، وفي هذه النقطة بالذات تكمن اهمية هذه الموضوعة وطرافتها، اذ نجح دستويفسكي بتقريب بوشكين (ان صحّ هذا التعبير) نحو الاتجاهات الفكرية، التي يؤمن بها دستويفسكي نفسه، بما فيها حتى محاولة اثبات ان بوشكين أقرب للنزعة السلافية من النزعة الغربية، حيث كان الصراع وطيسا في الفكر الروسي آنذاك بين النزعتين (وكان دستويفسكي طبعا الى جانب النزعة السلافية) . ومن الطريف ان نذكر هنا ما قاله غوركي مرة حول دستويفسكي وبوشكين، اذ أشار غوركي، الى ان دستويفسكي يجسّد (العبقرية الروسية المريضة) أما بوشكين فانه (عبقريتنا السليمة)، وكلمات غوركي تلخّص – بدقّة واضحة جدا - كل الموقف الفكري السوفيتي تجاه موضوعة (دستويفسكي وبوشكين)، وهو الموقف الذي استمر طوال كل الفترة السوفيتية كما هو معروف. هذا، وقد كتب أحد المعلقين حول قول غوركي ما يأتي – نعم، دستويفسكي عبقرية روسيّة مريضة، ولكنه كان يحب بوشكين بصدق واخلاص، لهذا استطاع ان يثبت ما اكتشفه في نتاجات بوشكين بانه مفكّر روسي أصيل وكبير، وانه يجسّد الفكرة الروسية والنموذج الاخلاقي للشعب الروسي كما حددت تلك (العبقرية الروسية المريضة).

 ان افكار دستويفسكي حول بوشكين (والتي جاءت في خطابه المذكور) هي الخلاصة النهائية لكل تأملاته حول الادب الروسي والشعب الروسي والفلسفة التي يجب – من وجهة نظره – ان تنطلق و تسود في الحياة الفكرية الروسية (وحقق دستويفسكي كل ذلك ارتباطا ببوشكين واستنادا اليه)، وعلى الرغم من انه انطلق من بعض الافكار التي جاءت عن بوشكين عند بعض الادباء و النقاد الروس قبله مثل بيلينسكي وغوغول (خصوصا عند غوغول، الذي يستشهد في بداية خطابه بكلماته عن بوشكين وكما يأتي – بوشكين هو ظاهرة استثنائية، ومن الممكن ايضا الوحيدة للروح الروسية، واضيف أنا من عندي - تنبؤية)، الا ان دستويفسكي استطاع في خطابه ذاك بلورة افكار جديدة ومتكاملة عن بوشكين، وان يقول كلمة جديدة بكل معنى الكلمة لم يسبقه أحد في اعلانها، ولهذا يشير الباحثون الى ان دستويفسكي (اكتشف) بوشكين، وقد أشار الاديب الروسي أكساكوف بعد ان أنهى دستويفسكي كلمته تلك الى ذلك قائلا، ان هذه الكلمة قد حددت – وبحسم – المكانة الحقيقية لبوشكين في التاريخ الروسي .

 ختاما اريد ان اتوقف هنا – وبايجاز - عند موقف شخصي طريف حدث معي مرة حول علاقة دستويفسكي وبوشكين، وذلك في الايام الاولى بعد وصولي الى جامعة باريس لاكمال دراستي العليا هناك في النصف الثاني من ستينات القرن الماضي، اذ كنت واقفا في ممر القسم الروسي مع مجموعة من الطلبة الفرنسيين، وكانت هناك مدرّسة سوفيتية تقف معهم ايضا، وقد سألها أحد الطلبة السؤال الآتي – من هو الكاتب الروسي الذي كتب رواية بالرسائل ؟ فقالت انها لا تعرف، وان ذلك يقتضي البحث في المصادر الروسية، ثم توجهت اليّ قائلة – هل يمكن لك ان تساهم معنا في الحديث هذا، فقلت لها مبتسما – عندما كنّا ندرس في روسيا، فاننا كنّا نوصي بعضنا ان نجيب عن اي سؤال لا نعرف الاجابة عنه بدقة، انه على الاغلب بوشكين، ولكني اود هنا ان اقول بدقة، ان دستويفسكي قد كتب رواية بالرسائل، وهي روايته القصيرة (المساكين)، ولكن هناك في مسودات بوشكين توجد ورقة تحمل عنوان - رواية في رسائل، اي ان بوشكين فعلا خطط لذلك، ولكنه لم يحقق خطته . فسألني الطالب الفرنسي – وهل كان دستويفسكي يعرف بذلك ولهذا كتب روايته تلك؟ فقلت له مبتسما – استخدم نفس جملة المدرّسة السوفيتية – لا اعرف، وان ذلك يقتضي البحث في المصادر الروسية .

 

أ. د. ضياء نافع

 

زرياب هو لقب الفنان علي بن نافع، الذي له اثر بارز ومهم في تطور المجتمع الأندلسي فنياً واجتماعياً، وقد أثرت أعماله وكل نصائحه في المجتمع الاسباني، الموصلي الذي قدم للخدمة في بلاط الخليفة العباسي هارون الرشيد، وقد غنى زرياب في أحدى جلسات الخليفة وأعجب به، وجراء الحسد والمنافسة بسبب عشق الخليفة لغناء زرياب وأسلوبه الفني الراقي والرفيع تمت مطاردته من قبل حساده فهرب الى مكان بعيد وهي الأندلس.

683 زرياب

جلب زرياب الى الأندلس  ثقافة اجتماعية وفنية وذلك من خلال زيادة الأوتار في العود وترا خامسا براعة منه، كما قام بجعل مضارب العود من قوادم النسور، وكان بالإضافة الى ذلك عالما بالنجوم، واهتم بتقديم النصائح لأهل الأندلس، ومن تلك النصائح وجوب ترتيب وتمشيط شعورهم واستخدام العطور وأواني الزجاج على الموائد وطريقة تناول الطعام، وفن الطبخ، ولبس الألوان البيضاء في الصيف والألوان الداكنة في الأيام  الباردة. وذكر في فضل الأندلس "أسماء الآلات الموسيقية في اشبيلية وربما التي ادخلها زرياب، وما في هذا البلد من أصناف أدوات الطرب كالخيال، والكريبج، والعود، والروطة، والرباب، والقانون المؤسس، والكتيرة، والقار، والزلامي، والشقرة، والنورة، وهما مزماران الواحد غليظ الصوت والآخر رقيقة، والبوق، وان كان جميع هذا موجود في غيرها من بلاد الأندلس فانه فيها أكثر، وليس في بر العدوة من هذا شيء إلا ما جلب إليه من الأندلس.

من الآثار العربية الأندلسية هي الغناء المعروف اليوم بالفلامنكو، يؤكد ذلك المستشرق الاسباني (خوليان ريبيرا) وأصبح الفالامنكو رقصة مصاحبة للغناء والتي يرقصها كل أفراد الشعب الاسباني ويستعمل فيها الصاجات الخشبية، وتعتمد الرقصة على عضلات الساقين والحركات التعبيرية ويتعلمها الأطفال من الآباء والأمهات وتشبه تقريبا رقصة (الجوبي) في الريف العراقي.

بالنسبة الى مراسيم الأعياد والمناسبات الدينية والدنيوية في المجتمع الأندلسي فلابد من الإشارة الى أن العرب المسلمين والأسبان النصارى قد اشتركوا في تقاليد الاحتفالات والمشاركة في مراسيمها مما يؤكد روح الامتزاج الحضاري والتعايش والتفاعل بين العادات والتقاليد لكلا الشعبين والديانتين، اذ قلد أهل الأندلس جيرانهم النصارى والأسبان في المشاركة بأعيادهم وأفراحهم وهذا دليل واضح على الامتزاج. ومن الأعياد الدينية عند الأسبان ميلاد السيد المسيح عليه السلام في 25 كانون الأول الليلة اللطيفة والليلة القديمة التي هي آخر ليلة في السنة الميلادية. وكلها تعرف بالنابيدادس.

 

ترجمة واعداد:

الاستاذ المساعد لقاء محمد بشير حسن

جامعة بغداد/ كلية اللغات/ قسم اللغة الاسبانية

 

ابراهيم يوسفعندما نَشْتُم العجلة يا صديقي*؟ فينبغي أن نَلعن معها الشيطان، توخيا لمزيد من الحسنات، وإمعانا في طلب التوبة والرحمة والرجاء. ولئن أطعتني ولعنت الشيطان معي، ونالتك المغفرة وعفو رب السماء؟ فكفكف دموعك وهوِّن عليك وتعال معي فاسمع للمرة الثانية، حكاية عائشة بنتُ سعدٍ بن أبي وقاص، وقد أرسلتْ مولاها "فنداً" يأتيها بنار. كان في الطريق ليلبي حاجة سيدة الدار، حينما أبصرَ قافلة تتأهبُ في رحلةٍ من المدينةِ إلى الشام.

وهكذا سار مع القافلة وعاد معها بعد عام من الغياب، ليتذكّرَ مولاته من جديد وحاجتها إلى النار! فراحَ يجري مندفعا ملهوفاً يحملُ لمولاتِه ما طلبته من الجمر منذ عام. لكنه من فرطِ سرعته تعثرَ فهوى وتبدَّدَ الجمرُ على الأرض. فنهضَ من زَلتة ممتعضاً وهو ينفضُ الرماد عن ثيابه ويلعنُ العجلة ويقول: تَبَّا لسرعتي.. لولا العجلة لما ضاعتِ النار! وهكذا يا صديقي لولا عجلة الدنيا لما توقفت المجلة؟ ولا تأخَّرَتْ حسرتُك على غياب "الآداب".

هذه حضارة مربِكة وفترة مفصلية صعبة، لمن عاشوا وعانوا وتألموا مثلنا، فالعالم يتسابق بفائض من العجلة والقوة المفرطة.. والفنتازيا أيضا. والنزاع على المكاسب والأمتيازات قائم منذ الأزل، لينال كلٌ ما يفيض عن حصته للبقاء. لكن الماضي لم يخلُ من الحب والفرح والأمل، والحاضر مقلق ومعقد، والمستقبل إلى سؤال.

وما يجري بفعل النسبيَّة والتئام الطاقة والكتلة وسرعة النور؟ فلا يدركُ من كان في مثل بساطتي ما تمخضت عنه عبقرية أينشتاين، وكيف تكون معادلة الطاقة ومواكبة الكتلة وسرعة الضوء؟ أو هي "كارثة" نيوتن "المتعصب" ممن أمعنوا في "خراب" الكون.. في حساب الفعل وردة الفعل، وقدرة الكتلة في التسارع والعزم.

حمدا لله يا مهند أن أهلي وأهلك ماتوا قبل العولمة، فلم يدركوا المحمول والنانو وخصائص سرعة الحاسوب، فأبي على لسان محمود درويش؟ كانَ من أسرةِ المحراثْ لا من سادةٍ نُجُبِ – وجدّي كان فلاحاً بلا حَسَبٍ ولا نَسَبِ"، مات مغمورا فلم يذكروا شيئا في "كتاب البلدية" عن آدميته، ولا حتى عن مآثر محراثِه ونشاطِ ثوريه.

دع عنك لومي فإن اللوم إغراء وداوني بالتي كانت هي الداء؟ هكذا تحولت المعرفة إلى داء، على حساب الحسن بن هانىء طيب الله مثواه، للتحري عما خفيَ من العلل والأمراض. وهكذا تحولنا بقسوة وتصميم إلى تقنين المياه وتعليب الطعام، واكتشاف ڤيروس نقص المناعة وترقق العظام والسرطان. ثم اختزال الزمن بطائراتٍ أعدت للسفر وليست للحرب، فبلغت سرعتها أعلى من الصوت بأضعاف. "وأليكسا" الآلة العمياء تأمرها فتستجيب بسرعة الخاطر لتفعل لك ما تشاء، بدلا من السير على الأقدام والدراجة الهوائية، ومن الحبر والورق والكتابة بريش الطّير والغزَّار، والحنين إلى ساعي البريد يطرق أبوابنا، يحمل إلينا حنين المسافرين بين يديه.

هذا زمن التوتر والقسوة ومتاهة المحمول والحاسوب. وفائض من الوقت يبدده كل واحد على هواه، في حكاية "الأمير الصغير رائعة دو سانت إكزوبيري"، وعطش الأمير رائد الفضاء الآتي من كوكب آخر؟ وكيف بدا لنا يتقصّى أحوال أهل الأرض هادئا مطمئن البال مرتاح الأعصاب، وهو يمشي الهوينى في الطريق إلى الغدير، ليشرب ويعود هادئا هانئا كما جاء! فتبا يا صديقي للانجازات والمعرفة العلمية في فكر الإنكليز وعبقرية الألمان.

كتبت نصا بهذا المعنى بعد غياب  جريدة "السفير" عنوانه: عندما يقتلك الحنين..؟ نشرتِ النص مواقع عديدة، ستجده "بفضل النت" والسرعة وعجلة العصر ونيوتن وأنشتاين، وعباس بن فرناس عالم الرياضيات والفلسفة والفلك والكيمياء، ممن اشتغلوا أيضاً بالموسيقى والضرب على آلة العود، نكاية فحسب بأوروبا والأميركان.

مهما يكن الأمر يا صديقي..؟ فهذا الكائن البشري المنكود، سيصحو عقله يوما ويندم على ما ارتكبت يداه، لينبذ التسلط والأذى، ويحطم بنفسه آلة السرعة وأدوات الحرب والموت. وهكذا تبدأ رحلة بناء الإنسان على أساس أسلم وأمتن. ولئن كانت النتيجة على خلاف ما نرجو أو نتكهن..؟ فتكون إرادة الباري عزَّ وجلّ هي السبب.

بالعودة إلى "الآداب" وصلب المقصود من موضوع المقال؟ فالدكتور سهيل إدريس أحسن الله إليه وطيَّب مثواه، وهو المؤسس الأول لمجلة - ودار الآدآب.. كان قد درس الشريعة وتخرَّج شيخا بعمامة ولحية وقفطان.

لكنه سرعان ما تخلى عن زيِّه الديني، لينصرف إلى الحيّ اللاتيني، ويتابع دراسته العليا بالقرب من "البانتيون وحديقة اللوكسنبورغ وجان فالجان"، وينال الدكتورا في الأدب العربي من السربون إحدى أعرق الجامعات. وفي هذا الحي ومن غرفة فندق تطل على "مقبرة العظماء" ظهرت حكايتي: "على كرسي لويس الرابع عشر".

هكذا استوعب الرجل الفكر الغربي عن طريق القراءة والترجمة والتفاعل مع المحيط، ليرفد جيلا كاملا بفيض من الثقافة والمعرفة المشهودة. وحسنا فعل عندما لجأ إلى الآداب والترجمة، وتخلى عن المشيخة والتبشير بالموت وعذاب القبر، ونأى بنا عن الرايات الحزينة الخفَّاقة فوق المساجد، لا ترتاح ولو يوما واحدا في العام.

ومجلة الآداب لم تتردد يوما، في نشر نتاج ألمع الكتاب والشعراء على مساحة "الوطن" العربي من المحيط إلى الخليج، ممن يثيرون الضحك بصوت يخدش الآذان وهم ينادون ذات يوم: بترول العرب للعرب..! أولئك المفكرون من الكتاب والشعراء، ممن واجهوا في بلدانهم الاضطهاد، والتعسف والتنكيل بفعل نواياهم وحسب.

لكن هذه الدار الثقافية العريقة توقفت للأسف، بعد مجالدة مستحيلة بفعل الخسائر المالية، الناتجة عن تراجع عدد مشتري الصحف الرافد المالي الوحيد، بالإضافة إلى حظرها من الدخول إلى كثير من بلدان الجوار، دون أن تترك فرصة التدخل لمن أبدوا رغبة بالمساعدة في التمويل، ممن أرادوها ربما فرصة مناسبة لمصالحهم.

"وخطـطنا في نــقى الرَّملِ * فلم تحفظِ الريحُ ولا الرملُ وعَى". هكذا توقفت "الآداب" عن الصدور حالها حال "السفير".. إحدى ضحايا فترة تحوّل العصر نحو متاهة  بلا حدود. وهكذا طوت برمشة عين في رأس السنة عهدا من النضال المجيد، فانتهى أمرها وأقفلت أبوابها ولتخبز بالأفراح في الأردن وسائر الديار العامرة.

فسماح إدريس تولى الإشراف على "مِحْرَدِ" الآداب، وقد رأيته مرة أو مرتين يظهر على إحدى وسائل الأعلام، وطلال سلمان أطفأ النور وأغلق أبواب "السفير"، وراح يناكد الزمن "ويتسكع مشرداً" "على الطريق".

ولو عدت معي إلى بهيَّة وبدايات السينما المصريّة، وكيف ضاع العمر يا ولدي في متاهة العمر الأخير، وشهدتَ ما شهدتُه في مراهقتي على الشاشات؟ وما سمعتُه من القارئة وسوء الطالع في الفنجان..؟

لسمعتني بفعل الحسرة على الماضي، أردد ما علق في ذاكرتي المنهَكة: "غنِّ وقولْ عالنّاي.. عيشة الغريب الزّاي.."!؟ من بقايا فيلم مغرق في القدم. شاهدته على أطراف الماضي البعيد، ولعله كان في عالم اليوم سخيفا لا يستحق الاهتمام؟ لكنه لا زال حيّاً في وعيِ عبر طيات الزمن، بفعل حاسات الجسد ونشاط الخيال والروح. لا سيما وأنت الناقد السينمائي وصاحب الخيال العلمي الخصيب. ولو أنني لا أتذكر تفاصيل الفيلم أو مراميه؟ إلاّ أنه يتحدث عن انتفاضة ورعشة الحب الأخير. ذكريات تدور في فلك الخيبة والمرارة وحزن القلب العميق.

دارة دوري فينا.. ضلي دوري فينا، تينسوا أساميهن.. وننسى أسامينا. لا علامة فارقة للوجع كالنقطة والفاصلة أنهي بها رسالتي إليك.. لكنها نقلة البيَّات البالغة في الرِّقة والشجن، لا تدانيها كل الفواصل والحدود.

ولا أدري والله يا صديقي، من أين تأتيني هذه الدموع المستنفَرة البغيَّة، لتنال مني وتقهرني..؟ غادرتْ كل القوافل، ولا زلتُ أنتظر"رحلة إبن فطومة" في محطة علم الغيب، نحو دار الأمان محطتي ومأواي الأخير.

 

إبراهيم يوسف - لبنان

......................

* في التعقيب على: لماذا اختفت "الآداب" المنشور.. في موقع السنابل

للأخ الصديق مهند النابلسي

"تعا تا نتخبّى من دربِ الأعمارْ

وإذا هنِّي كبروا ونحنا بقينا صغارْ

وسألونا وين كنتوا .. وليش ما كبرتوا أنتو .. منقلن نسينا

واللي نادى الناس .. تيكبروا الناس .. راح و نسي ينادينا"

https://www.youtube.com/watch?v=rTts79RsEBE

 

ليس غريبا ان تسمع ان فلانا عاقا لوالديه فذلك يندرج تحت بند عقوق الوالدين وتلك باتت ظاهرة وللاسف يعاني منها المجتمع، بل الاغرب ان تسمع ان ابا عاقا لاولاده وتلك كارثة لايحمد عقباها..

نعم هذه الحقيقة المرة التي اتت ا’كلها مؤخرا تحت اي نوع من المسميات، فقد تعدد العقوق واتخذ اشكالا مختلفة، فمن الاباء من يترك زوجته الحامل غير آبهٍ بالمولود البرئ الذي سياتي الى هذه الحياة ولايهمه ان كان ذكرا او انثى او ماذا سيكون اسمه..

ومن الاباء من يترك اطفاله الصغار ويهاجر الى بلاد العم سام حيث الخضرة والماء والوجه الحسن والخدمات غير مكترث ماذا سياكل الصغار!ماذا سيشربون!مالذي ستفعله زوجته بغيابه خصوصا ان كانت ربة بيت في ظل ظروف قاسية تعيش عبئا على اهلها الفقراء اصلا او من ذوي الدخل المحدود من الذين بالكاد يدبرون امرهم او بوجود زوجات اخوانها اللائي اعتدن العيش بطريقة ما، فتجد هذه الزوجة تحمل اعباءًا تنوء الجبال لحملها لالشئ سوى انها وجدت نفسها مسؤولة عن اطفال بلا معيل لاحول ولاقوة لهم، وبحكم تربيتها تستبسل هذه الام لتوفر لقمة العيش لصغارها مضحيّة بكل شئ راحتها، سعادتها، كرامتها تزاول اي مهنة خياطة، عاملة، طباخة، او انها تقوم بالطبخ حسب الطلب وفي احسن حالاتها اذاكانت موظفة فالامر اهون، فيما يلهو الاب ويلعب باحضان الطبيعة مؤسسا حياة اخرى بعيدا عن الضحايا الذين تركهم بلا ماوى دون ان يرف له جفن، واب اخر تجده قد انزل اطفاله الى سوق العمل ليبيعوا مختلف الاشياءاكياس نايلون(علاكة) مناديل ورقية في التقاطعات بين العجلات والشاحنات الكبيرة تحت وطأة الخطر والزجر والنهر ليحصلوا على قوت يومهم الذي سينتهي بعد عناء طويل بعد ان ياخذ الاب منهم المال بحجة انه مسؤول ويصرف على بيته وهو نائم في فراشه او جالس بكرسيه امام باب المنزل يطالع هذا وذاك او يقضي وقته باحد المقاهي منتظرا الصغار الذين منعهم من المدرسة ليعملوا بدله في ورشات الحدادة او النجارة اوبدفع العربات اواي نوع من الاعمال المضنية وقد دفع العديد من الاطفال حياتهم ثمن ذلك اما بالتغرير بهم اوخطفهم اوالمتاجرة باعضاءهم البشرية او الانجراف بطرق غير مشروعة، كل ذلك بسبب تخلي او عدم وعي ومسؤولية الاباء عن اداء مهامهم فهؤلاء هم بحق اباء عاقون..

 

مريم لطفي

 

عمار حميديشكّل الحدث العامل الاساسي والرئيسي في عملية السرد، فهو الذي يعطي الصورة المتفاعلة للمكان من خلال الاحداث الجارية فيه، ولكن ماذا عن السكون؟ ماهي البُنى الصورية التي يستعين بها السرد عندما ينعدم الحدث في المكان ويملأه السُكون وماهي تفاعلاته وتأثيراته في المكان وهو الأمر المختلف تماما لحالة التفاعل مع الحدث في المكان؟

ان الحالة المناسبة لتصوير الاحساس بالسكون والتفاعل معه في المكان سرديا هو الأيحاء بأن لاتحرك ساكنا فيتولد الأحساس أن (السكون عمَّ ارجاء المكان) حسبما توحيه التعبيرات السردية.

للسكون احساس له مميزاته، وأول هذه المميزات هي انعدام الاحساس بمرور الزمن مقارنة مع الحدث (في حالة تسارعه مثلا) كما انه قد يعطي اشارة ايجابية للتفاعل وهو (الشعور بالهدوء) او تفاعلا سلبيا (الشعور بالعزلة والابتعاد) كما ان السكون يمكن ان  يمنح للأشياء الموجودة في المكان الخالي من الحدث قيمة أكبر لتأكيد وجودها بالمقارنة مع حالة طغيان الحدث الذي يجعل الموجودات ثانوية في المكان عبر عملية السرد.

كذلك تستعين عملية السرد في بعض الاحيان بالتصويرات المبنية على الحدث لأعطاء احساسا اعمق للشعور بالسكون مثل صوت دقات القلب او دقات عقارب الساعة في المكان الساكن او صوت الرياح القادمة من البعيد، اي انها تأثيرات حسّية تزيد من قيمة السكون وحجمه في المكان.

كما تستعين عملية السرد بأسلوب آخر يجعل من السكون امرا لاتُعرف قيمته الحسية الا بعد أنتفاءه عن طريق ادخال حدث قوي ومفاجئ الى المكان الذي يسيطر عليه السكون كأن يقال (شق الصراخ السكون الذي كان قائما) او (دخل الشخص واقتحم هدوء المكان)، وهذه الاحداث تنبه القارئ الى ان السكون كان ذا تأثير قوي في المكان قبل ان يدخل حدث أقوى في الصورة التي يقدمها السرد.

وبالعودة الى البداية في أن الحدث هو العامل الرئيسي في السرد وان السكون او انتفاء الاحداث يأخذ الحيز الأقل الا انه يبقى ذو تأثير مهم على القارئ وبدونه لاتوجد قيمة ذات معنى لتوالي الاحداث من خلال ربطها بالسرديات التي تتناول السكون وتوقف الحدث، بل ويمكن ان يكون السكون في عملية السرد حجر زاوية لنهاية احداث وبدء احداث اخرى من خلال احتواءه لعنصر التهيأة للحدث القادم.

 

عمار حميد مهدي.

 

674 تصير شمة 1فسحة مع الفنان وخبير الآلات الموسيقية الأستاذ ماهر الشريف:

الأمكنة بعطورها النادرة وتواريخها حيث الذاكرة تنبش في خرائط المسرات ..و هل ثمة مسرات زمن العولمة حيث محو الأنماط والسير بالكائن الى رقم متروك والأمكنة المفعمة بالوجدان الى متحف مهجور..يحضرني هذا وأنا في قلب المدينة التونسية العتيقة وتحديدا بحي باب سويقة العتيق وفي غفلة من الضجيج والأفتعال والكذب والوهم أمنح النفس الأمارة بالجميل والمحبذ والمطمئن شيئا من غفوات الذاكرة الخصبة..الأزة والأنهج والحوانيت وما تراكم في الذاكرة من تواريخ وأحداث ووجدانيات حيث البهاء سيد المكان والزمان..من ذلك وأنا أهم بفتح الباب والولوج الى حيز آخر من ذاكرة باب سويقة..تذكرت القصيدة الرائعة (أبعاد) للشاعر العراقي الكبير سركون بولص ومنها بالخصوص :

 " العازف في ركنه

يعانق عوده بوداعة كأنه يصغي

إلى بطن حبلى بينما أصابعه تعذّب الأوتار..."

نعم حدث ذلك وأنا أجلس الى رجل ذاكرة وفنان وحكاء من طينة أخرى ...حدثني عن المكان..باب سويقة عن أحواله بن الأمس واليوم وبحسرة الفنان والحرفي والموجوع بالآه تزحف على الأحاسيس تكشف شيئا من شجن الذات..يحنو على آلاته التي يصنعها ويتعهدها يحاورها ويسمع أناتها العالية...هي موسيقى من نهوند وصبا..

كان يحدثني عن حي باب سويقة بأدق التفاصيل ومن عقود طويلة الى يومنا هذا عن الثراء الثقافي والديني والمعماري والتقاليد والأسواق واللباس وعادات الناس وغير ذلك كثير فكان بمثابة حارس ذاكرة وحكاء ماهر...كيف لا وهو السيد ماهر الشريف الذي جعل من محله لبيع وصنع وتعهد الآلات الموسيقية المكان الهادئ الشبيه ببيت الحكماء بمثابة بيت الذاكرة أيضا ...فنانون من المرق والمغرب ومن العالم وفدوا عليه كخبير آلات موسيقية ..صور وذكريات ولقاءات الود والفن والصداقة لنذكر الفنان العراقي نصير شمة والفنان التونسي لطفي بوشناق ...مثلا..

خفة أنامله وهو يعزف أويصون الآلات وكذلك وهو يحدثك بحرقة الانسان المحب لبلاده والمكتوي ببعض أحوالها في أيام الخواء الاعلامي والتفاهات المتلفزة والسقوط القيمي وانحسار الثقافي والحضاري في البرامج والمنوعات وسط هيجان للرداءة ومشتقاتها في الفنون والآداب...يا حسرة على روعة وجمال باب سويقة..قالها وفي القلب لوعة وآه..

الحانوت بمثابة التحفة الفنية ما ان تدخل وتجلس ينتابك شعور بأنك في عزلة عن العالم الخارج ويالها من عزلة رائقة فيها السفر مع الجميل والثري والمفيد والمطرب والأخاذ..فسحة مع الذكريات حيث الذاكرة رواية مفتوحة على المدهش ...

674 تصير شمة 2

باب سويقة المكان والمكانة كنا نتحدث وتذكرت كلام المسرحي الراحل المنصف السويسي ذات لقاء معه بدار الثقافة بباب سويقة بنادي الأدب والفنون الذي كنت أديره في تلك السنوات من تسعينات القرن الماضي "...انا أجل منطقة باب سويقة فهي معقل من معاقل النضال الوطني وقديما منذ العهد الاسباني كانت هذه الجهة من مدينة تونس خلاصة هذا الانتماء التونسي ففيها كل الشرائح والرؤي والقيم ومنها التواضع ونبذ الوصولية فزعماء تونس وغيرهم من رجالاتها ونخبها من هذه البيئة ومنهم والدي عزالدين السويسي، فهناك بطحاء العجائب وأدباء تونس مثل جماعة تحت السور والمقاهي الغنائية كما في "الكافي شانطة" ومن الأسماء نذكر كرباكة وخليفة الاسطمبولي والهادي الجويني وشافية رشدي ومنور صمادح والصادق ثريا وغيرهم من الادباء والشعراء، حيث أسس بيرم التونسي جريدة المسلة، كما شهدت هذه الجهة من تونس الفداوي وهو الحكّاء المتجول أو ما يعرف بالمسرح السردي وصندوق العجائب والكراكوز ومسرح الدمي... كانت هناك انماط واشكال من الفرجة وقد امتزج ذلك بالنضال وبالمدرسة العرفانية والكتاتيب وهو ما جعل الروح الوطنية تنطلق منذ الطفولة. والدي عزالدين السويسي كان ينتمي لأسرة المسرح والصحافة، حيث كان هناك تداخل مهم بين الفنون والاعلام والأدب والنضال وقد اسس صحيفة الاخبار وفيها مواقف لا تروق للاستعمار آنذاك واسس ايضا اول فرقة محترفة وهي الفرقة البلدية للتمثيل العربي وهي الان فرقة مدينة تونس حيث كانت كلمة العربي في التسمية في ابعادها المعادية للاستعمار وقد لعب الاسلام دورا حضاريا رائدا في بعث الروح النضالية ضد الاستعمار وهذا كله ساهم في نسج كياني آنذاك..." .

نعم ان علاقة الفنانين بالمدينة متينة باعتبارها حاضنة ثقافة وتاريخ وعادات وتقاليد ولعل ذلك يشير الى ضرورة المحافظة على المدينة ومعمارها حيث تشهد في محيطها القريب بالخصوص نوعا من التشويه والسلخ عبر الفضاءات الفوضوية وخصوصا مشاهد التهرئة والانحسار وخاصة أمام البضائع المختلفة والكاملوت على عبارة الكاتبة سلوى الراشدي التي نشرت منذ سنوات مجموعة قصصية بعنوان " باب الذاكرة " بسطت فيه ما يتهدد المدينة العتيقة من اهمال وضياع واندثار ثقافي من ذلك ما يرد في الصفحة 27 من هذه المجموعة "...قد تتعثّر أحيانا في بضاعة مصنوعة بتايوان أو باليابان أو إيطاليا فتحثّ الخطى كأنّما تنشد المدينة العتيقة التي لم نبلغها بعد... ".. هذه المجموعة التي نعني " باب الذاكرة " على غلافها لوحة للرسامة سهير الراشدي ابنة الكاتبة وقد نشرت في 136 صفحة وفي طياتها 13 قصة : اغتراب حكاية ووشم ومن ذاكرة النسيان وبائع الكعك وهل وصل الساعي ومن ذاكرة عجوز دينا معمر ودع الباب مفتوحا وهل نلتقي وانسلاخ وحديث الحجارة وباب الذاكرة ومحطات وفي بلاد فولتار...

في هذا المكان الواقع بباب سويقة يمضي الفنان والخبير ماهر الشريف في شؤونه وشجونه لا يلوي على غير القول بالقيمة والعلو بعيدا عن السقوط والتداعيات المريبة والمربكة التي نشهدها اليوم في الحياة اليومية

 

شمس الدين العوني

 

"الرجل الذي يعامل المراة على انها ملكة دليل على انه تربى على يد ملكة اخرى"..شكسبير

تسعى المجتمعات الشرقية الى تقييد وتحجيم دور المراة واعادتها الى عهود موغلة في القدم تبيع وتشتري بحرية وكرامة المراة ،رغم ان الاسلام كرمها واغدق عليها الحقوق لتكون مصدر اشعاع والهام في الاسرة اولا والمجتمع ثانيا،لكن للاسف الشديد فما زالت هناك ترسبات من عهود خلت تحمّل المراة-الزوجة-اعباءا واحمالا لاتطاق تحت عدة ذرائع الغرض منها هو اذلال المراة ثم سد النقص عن طريق اذلالها..

ومن هذه العادات تسلط "الحماة" على الكنة واعتبارها ملكا صرفا مما ملكت يمينها ويمين ابنها،فتبدا بممارسة كل انواع القهر بكل مااوتيت من قوة لتسد نقصها وتصل حد الاشباع-هذا ان وصلته-،فلاتفتأ ان تتداول الالفاظ النابية من شتم وسب ولعن مستغلة ان "الكنة"لن تجيبها اما لان اخلاقها تمنعها من ذلك او لخوفها من الزوج الذي يفتك بها،خدمات على مدار اليوم،حرمانها من حقوقها الزوجية والانسانية تصل الى حرمانها من الدراسة والعمل والخروج وقد تصل الى منعها من زيارة اهلها،عد الانفاس عليها ومنعها حتى من الادلاء برايها ،اضف الى ذلك التعنيف الجسدي الذي تتلقاه من زوجها الذي لم يرمش له جفن وهو يرى كرامة زوجته تهدر بهذا الشكل..

هذه المخلوقة المغلوبة على امرها المستسلمة لقدرها في سبيل تربية ابنائها،تجد نفسها فريسة من قبل زوج لايحترم الحياة الزوجية وقدسيتها وحماة تكيل لها الكيل بمكيالين، وقد نسيت تماما انها كانت في يوم من الايام كنةً ايضا وربما كانت تطبق عليها نفس الاحكام او شيئا منها،وبدلا من ان تستوعب هذه الكنة كإبنة لها تبدا باستخدامها كأي مستخدم وبلا رحمة لانها تحمل لقب"كنّة"،فمالاترضاه على ابنتها بل وتقاتل من اجل اسعادها وتذليل الصعاب من اجل تيسير حياتها،ترضاه وبكل الرضى لكنّتها مبررة ذلك بالعادات والتقاليد البالية التي ورثتها..

اذا نظرنا نظرة تفحصية لكل شرائح المجتمع سنصل الى حقيقة مفادها ان الثقافة تلعب دورا في حياة الافراد والمجتمعات ،وان ثقافة المراة هي الوتد الذي تقوم عليه الحياة،فلو كانت الام-الحماة- على مستوىً من الثقافة وان كان بسيطا ومستوىً من التدين الذي ينهى عن اذلال الانسان لان "الدين معاملة وليس طقوس"لما وقعت ببراثن السوء والاساءة لهذه الانسانة التي انيطت اليها مسؤولية ادارة اسرة من زوج واولاد،كيف تديرها وهي تتعرض بكل لحظة لكل انواع العنف المادي والمعنوي من قبل الزوج والحماة،وقد يشاركها افراداُخر مثل بناتها اللائي يمارسن نفس الدور وابناءها وزوجها-اب الزوج- ،فتجد الزوجة نفسها فريسة والكل يتحكم بها دون استثناء،بل انها تعجزان تجد الجهة المركزية التي تكون تابعة لها لتاخذ اوامرها منها،هذه الازدواجية بالتعامل والتشرذم في ممارسة الادوار يخلق افات اجتماعية لاحصر لها وعقدا وشروخا في نفس الزوجة واطفالها فيما بعد،بل وان احد اسباب الطلاق والتي بدات تنشط في الاونة الاخيرة في مجتمعاتنا هو تسلط الحماة واهل الزوج وتحكمهم بكل تفاصيل الحياة خصوصا اذا كان الابن-الزوج-مطيعا الى حد الثمالة ملبيا رغباتهم"الجائرة" دون قيد اوشرط متناسيا كل حقوق السماء تجاه زوجته وأم اطفاله،هذه الخروق والعادات الغير سوية تؤدي الى خروقات نفسية ومجتمعية لاتحمد عقباها،وتشير الاحصائيات الى ارتفاع حالات انتحار النساء بسبب العنف الاسري الذي يسببه الجور والقهر من قبل الزوج واهله..

لابد من وضع حد لانتهاكات حقوق المراة من خلال جمعيات المجتمع المدني وسن قوانين تمنع الاساءة الى المراة وايقاف تعنيفها واخذ اجراءات رادعة لذلك،وتوفير ملاذا امنا لها ولاطفالها في حال تعذرت حياتها في بيت الزوجية،وللدول المتقدمة باع طويل في ذلك..

ولتكن لنا في رسول الله اسوة حسنة حيث قال"انما النساء شقائق الرجال مااكرمهن الاكريم ولا اهانهن الالئيم"..

 

مريم لطفي

 

قربه عدد من النقاد والمتابعين ومتذوقي الادب والشعر بالشاعر العربي الكبير نزار قباني لشعره ورهافته حول المرأة والحب والغزل والحرية والجمال، ولتمرده على القييم البالية لتقييد حرية المرأة وأبداعها.

ولد يوم ٣ أكتوبر العام ١٨٩٥ في بلدة ريفية (قسطنطينوفو) تقع على ضفة نهر (أوكا) في ناحية (ريازان) وسط روسيا، وأنتحر يوم ٢٨ ديسمبر العام ١٩٢٥في فندق (إنغليتير)، وفي أحد غرفه عثر عليه متدلياً بحزام حقيبة على عمود للتدفئة الكهربائية، الهوتيل الذي هدم لاحقاً عام ١٩٨٧ في العاصمة القيصرية (بطرسبورغ). والذي شهد مشهداً تراجيدياً بأنتحار شاعر جميل وشفاف ورقيق عن عمر ناهز ثلاثون عاماً في قمة فتوته وأبداعه وعطائه، ويعتبر من ألمع شعراء روسيا، لكن هناك من يعتقد أنه قد قتل في زحمة الصراعات السياسية أنذاك، حيث التحولات السياسية الكبرى على أرض روسيا تمخضت عنها ثورة أكتوبر العظمى، والذي كان من الداعيين لها ومؤيديها لكن سرعان لم يجد لنفسه مكاناً بها، ولم يرى فرقاً بينها وبين سلطة القياصرة، وهذه تركت تداعياتها السلبية على مجمل حياته. تزوج في وقت مبكر من أمرأة في فوران شبابه وأنجبت له ولد وبنت وبسبب هذياناته وسكره وعربدته هجرها في ظروف صعبة جداً رغم ميله الديني والأيمان بالخالق عكس أقرانه من الادباء والشعراء وعلاقتهم بالجمال، أعتبر من شعراء الطبيعة الروسية بما تتميز به أشعاره من صفاء وجمال. تعرف وأتخذ منها كزوجة الراقصة والفنانة الامريكية (إيسدورا دونيكان) وهاجر معها الى أوربا وأمريكيا، لكنها لم تتحمل فوضويته رغم أنها تكبره ب ١٨ عاماً. فعاد الى روسيا رغم تمرده على الوضع السياسي القائم وموقفه المسبق من ثورة البلاشفة ربما أعتقاده الديني هو الدافع النفسي والفكري والسياسي، حتى في موته حضرت أمه مراسيم التشييع والدفن وطلبت أن يدفن على أساسيات ومعتقدات الديانة المسيحية، لكن لم تجري الأمور مثل ما أرادت وتمنت . عاد الى الاتحاد السوفيتي بعد أن هجرته زوجته الامريكية. عاد وفي داخله ندم ورغبة بالعودة الى زوجته الروسية أم أولاده فاصطدم بالواقع حيث وجدها متزوجة من رجل أخر، فلم يبقى أمامه خيار الا توديع أطفاله وبعد يومين شيع نبأ أنتحاره. رغم قصر حياته، لكنه تعرض الى ثلاثة زيجات فاشلة، قد تكون واحدة من الاسباب كما تعزى له هو أدمانه على الكحول.

من أشعاره

غدًا أيقظينى ساعة الفجر

يا أمى الصابرة

علىّ أن أغدو عبر تلال الطريق

لألقى ضيفا عزيزا

فى الأجمة الكثيفة اليوم

أبصرت آثار عجلات عريضة على المرج

وتحت الغيوم المتشتتة

كانت الريح تهز قوسها الذهبى

غدا يسرع مندفعا مع الفجر

مميلا القمر قبعة تحت الشجيرات

وعلى السهل المنبسط

لعوبا يتأرجح ذيل مهرته الأحمر

 *

أيقظينى غدا ساعة الفجر

وأوقدى فى الغرفة الضوء

يقولون أنى سأصبح قريبا

شاعر روسيا ذائع الصيت

 *

أتغنى بك أنت...أتغنى بالضيف

بالديك والموقد والمأوى..

وعلى أغنيتى

يندلق حليب بقراتك الشقراء

 *

هى ذى السعادة الحمقاء

نوافذ بيضاء تطل على حديقة

وفوق البركة ينحدر المساء الهادئ

بجعة قانية

طاب مساؤك أيتها السكينة الذهبية

حيث تنطرح ظلال البتولا على الماء

وجمع من الزاغ فوق السقف

يتلو صلاته المسائية على مسمع النجوم

*

وفى مكان ما، عبر الحديقة

حيث تزهر شجيرة الكالينا

فى ردائها الأبيض تتغنى صبية رقيقة خجلى

بأغنية ناعمة

 *

وعلى الحقول تنبسط برودة الليل

مسوح رهبان زرقاء

أيتها السعادة العزيزة الحمقاء

يا وردة الخدود الغضة .

*

الشاعر يسينين رغم قصر حياته الادبية (الشعرية)، لكنه ترك نتاجاً ثراً في تاريخ الشعر الروسي والعالمي، وما زالت محط أهتمام أدباء العالم. تعرفت عليه لأول مرة في مطلع الثمانينيات في العاصمة بغداد من خلال نتاجاته وحول ما نشر عنه وعن حياته وأشعاره في العاصمة بغداد في مطلع الثمانينيات في مجلة الثقافة للمرحوم صلاح خالص، وكان الفضل الأكبر في تعريف القراء العراقيين والعرب عليه، هو الاستاذ حسب الشيخ جعفر الذي تناول حياته وشعره.

ولد ونشأ في عائلة ريفية فقيرة، وقد تفرد بموهبته الشعرية منذ الصغر وسط أحضان الطبيعة وبين جداول الحقول وصهيل الخيول ورائحة الأرض ظل طيلة حياته يتغنى ويكتب ويحن الى ضيعته الريفية والتي أصبحت جزء من نتاجاته الادبية وأبداعه، والتي لم تفارقه في جملة تفاصيل حياته، وما زالت تقام على تلك الأرض مهرجاناً شعرياً سنوياً أعتزازاً بأنتمائها الى الشاعر يسينين. وهناك جائزة سنويه بأسمه تمنح للادباء المبدعيين. وقد أقيم تمثالاً له وسط مدينته. في بداية حياته حاول والده والذي يعاني من ضنك العيش أن يبعده عن موهبة الشعر، فأخذه وأنتقل به وبالعائلة الى العاصمة ووجد له مكاناً للعمل في متجر للحوم، لكنه سرعان ما تركه رغم العوز المادي، لانه موهبة الشعر كانت طاغية على شخصيته، ففي هذه الاثناء تعرف على الاديب والشاعر الكبير (ألكسندر بلوك)، الذي كان شاغل الصحف والنقاد بشعره، فرحب ألكسندر به أشد ترحيباً وساعده في نشر أشعاره بأهم الصحف والمجلات الواسعة الانتشار، مما درت عليه أموالاً، أنقذت نوع عما أزمته المادية.

وقد قال عنه الاديب الكبير (بوريس باسترناك) ” لم تلد الأرض الروسية مَن هو أكثر محلّية وأكثر عفوية،

مَن هو أكثر وطنية وأفضل توقيتاً ممّا هو سيرغي يسينين…

وفي ذات الوقت، لقد كان يسينين مثالاً حياً ينبض بالأدب، الذي

يواصل تقاليد بوشكين، الأدب الذي ندعوه ذروة المبدأ الموزارتي.. ”

شهد الاتحاد السوفيتي بعد موت قائد ثورة أكتوبر الزعيم لينين ١٩٢٤صراعات حادة بين قطبين بحزب البلاشفة تروتسكي الذي كان من قادة ومنظري حزب المناشفة، لكنه أنضم الى البلاشفة قبل ثورة أكتوبر، وبات أحد قادتها ولاقى أهتماماً كبيراً من القائد لينين فوصفه من أنظف العقول في قيادة الحزب، وستالين الذي فتح أبواب الحزب الغير متعلمين بين صفوفه على حساب مباديء الحزب الاصيلة، وأنتهى هذا الصراع الى الافتراق السلطوي في الحزب، ختمها ستالين بقتل رفيقه تروتسكي شر قتله في ألة (الفأس) بعد أن لاحقه وهو خارج البلد الى المكسيك، والبلد الذي ختم مسيرة حياة مفكر وسياسي، قتل على يد الشيوعي الاسباني (رامون ميركادير)، والذي كان يحظى بثقة عائلة ليون تروتسكي، والذي تبينت لاحقاً علاقته مع المخابرات السوفيتية، وقام بفعلته بتوجيه من الرئيس ستالين، وقد حكم عليه عشرون عاماً وهي أقصى عقوبة يسمح بها قانون البلد (المكسيك) وبعد خمسة عشر عاماً خرج من السجن ووصل الى موسكو وتم تكريمه ومنحه وسام لينين، وقال قبل مماته ” ما زالت صرخة تروتسكي يرن صداها في ذهني طالما حييت، عندما فج رأسه بالفأس. لم يكن هذا الصراع بمعزل عن الحياة العامة في روسيا وتحديداً الادباء والشعراء والتي تركت ظلالها التراجيدية على مسرح حياة الشاعر يليسين كغيره من الادباء والشعراء. الذي كسر نفوس الكثير من الحالمين بمبادئ الثورة والعدالة. في تلك الفترة سقط العديد من أصدقائه الشعراء ضحية المناخ الشرس، وسقط هو في دوامة من التوجس والخبال النفسي شدته إلى حافة الجنون. كانت روح الشاعر سيرغي يسينين تنبض بشعر وروح بوشكين / باسترناك / ليرمنتوف. ونثر وأدب تشيخوف / تورغنيف / دستوفيسكي. من يقرأ حياة ستالين وقيادته للبلد والحزب فعلاً الرئيس العراقي صدام حسين مستفاد من تجربته في الحكم بقتل رفاقه على فرضية الشكوك والتميز. كما كان يروى.

 

محمد السعدي - مالمو

 

محمد العباسيكثيرا ما تصورت أن تأتينا جارة أو قريبة لنا طلباً في أن نقبل بتزويج أبنتنا الوحيدة لابنهم.. وتأتي الأم في سرد مناقب الفارس المرتقب بقول صفات كالتالي: من المسجد للبيت.. ومن البيت للمسجد.. "ما عنده أصحاب.. لا يطلع ولا يسهر" .. كل يوم "يحّن" ويقوم من النوم "يوّن".. يبغي "مرة" .. يقول زوجوني.. وإحنا "عاد" ما "بنلقى" أحلى ولا أحسن من بنتكم المصون.. بنت الحسب والنسب.. إلخ "!!

يا أختاه.. جارتنا أو قريبتنا الكريمة.. ابنك الكريم ليس مستعدا لبناء حياة زوجية وتحمل المسئوليات والتبعات.. هو إنما بحاجة ماسة إلى أنثى (تلطيفاً للوصف)!  فهل من مقومات الزواج أن يكون الزوج بلا أصحاب؟  بلا علاقات اجتماعية؟  بلا خبرة في متطلبات الحياة؟  هل مؤهلات تبعات الزواج وإدارة الحياة الزوجية الصلاة فقط؟  وهل سنحكم على فتاة في عمر الزهور بقضاء حكم مؤبد مع "الأعمال الشاقة" دون وازع من ضمير مع رجل متعطش لإشباع نزعاته الجنسية المكبوتة؟!

قد تقبل فتاة ما بمثل هذه المواصفات كنوع من الجهاد في سبيل الله.. كفاح ترجو من وراءه كسب الآخرة.. ونبذ للحياة الدنيا.. مثلها مثل الفتيات والنساء اللاتي أغواهن "الدواعش" للانضمام إليهم تحت مسمى "جهاد النكاح"!  أو فتاة صغيرة لا حول لها ولا قوة يزوجها أهلها ضحية لكهل (بل ذئب بشري) كي ينفق ويغدق عليهم.. طبعا قد تختلف الآراء كل حسب معتقداته وتربيته.. لكن ليست هكذا هي التوقعات والأمنيات عند عامة الناس.. فللحياة الزوجية تبعات ومتطلبات وتكاليف ومسئوليات لها بداية وليس لها نهاية.. وللعيش سوياً وبناء عش الزوجية انعكاسات قد تكون بعضها حساسة وقد تؤدي إلى خلافات واختلافات في وجهات النظر وتتعارض فيها الآراء والمصالح والأذواق.. وبسببها قد تتفاقم بعض الأوضاع لتشمل كافة أفراد الأسرتين وتتعقد الأمور وتتداخل وتؤدي إلى ما لا يُحمد عقباها!!

بعض الزيجات في عصرنا هذا تقع ضحية للظروف المادية.. التي معها قد يضطر الزوج للدخول في معضلة الاقتراض من أجل توفير التكاليف.. مهر مبالغ فيه.. تأسيس عش الزوجية من سكن لائق وتأثيث مناسب ومصاريف حفلة الخطوبة و"العرس".. ربما أيضاً تكاليف باهظة لقضاء شهر العسل.. ومثل هذه الأعباء قد تترك ندبة غائرة على الحياة الزوجية لسنوات لاحقة.. ولمثل هذه الضغوط تبعات نفسية قد لا تندمل.. حتى بات البعض في اختياره لشريكة حياته يضع في حسبانه وظيفة الزوجة.. معاشها.. وهل تمتلك سيارتها الخاصة (حتى لا يضطر لشراء سيارة لها!!).. بل هنالك من يحسبها من كافة الجوانب "بالمسطرة والقلم والآلة الحاسبة".. مثلاً يضع في حساباته حتى الوضع المادي لأسرتها وعدد أخوتها (الذكور بالذات) ليرى كم ستكون نسبتها من "إرث" أبيها !!

بعض الزيجات تكون خاطئة منذ وهلتها الأولى.. بالذات تلك المبنية على أوهام الحب والغراميات بين أروقة المدرجات الجامعية وتلك الطرقات المعروفة في كل مدينة باسم "شارع الحب".. أو بعد ابتسامة عابرة في مجمع تجاري وتبادل لأرقام الهواتف.. وحوارات "ماراثونية" في عتمة الليل.. واتصالات بالصوت والصورة عبر تطبيقات الهواتف الذكية.. ومواضيع على شاكلة "إنتي أحلى وحدة آرقمها" وإن نجحت في صده وتمنعها عن الخروج معه يزداد لها شوقاً وهياماً.. فيتزوجها من أجل نيل مراده منها.. ولن يكف أبداً عن مغامراته الرعناء، ولن يمسح من هواتفه الأرقام الكثيرة التي لملمها يمنة ويسرة.. فيقعان كلاهما ضحايا لبعضهما البعض.. ويعودان من جديد مع كل مشكلة مهما كانت تافهة للبحث عن أمل زائف وقصة حب ملتهب كـما "قيس وليلى".. ولطالما قلت فيهما: لو أن "قيس" كان قد نال مراده من "ليلى" لما كتب فيها القصائد !!

لكن لنقل أننا من باب حسن النوايا نتزوج أملاً في بناء أسرة سعيدة.. غير أن البعض قد يقضي على أحلى فترات الزواج وهي فترة الخطوبة بقتلها في مهدها.. ويقضى على أجمل أيام الحياة الزوجية في السنة أو السنتين الأولى بحمل سريع لإرضاء الأهل من الطرفين.. لتنتهي الحالة الزوجية ويتحول الزوجين الجديدين إلى أبوين.. ومع أول طفل تتضاعف المتطلبات وتتكالب المسئوليات والضغوط.. ليتحملا معاً مسئولية نشأة إنسان جديد.. مولود مظلوم من لحظة ولوجه للدنيا.. ومعه تأتي كافة صنوف الالتزامات المادية والمعنوية من رعاية خاصة وحليب خاص وطعام خاص لا يباع إلا في الصيدليات بتكاليف باهظة.. و"حفاضات" ورضاعة.. وزيارات مكوكية مكلفة لعيادات الأطفال.. ومن ثم الحضانة فالروضة وصولاً إلى المراحل الدراسية.. ويكبر الطفل ومعه ينطلق وابل من المشكلات والمتطلبات من كل صوب وحدب.. وهكذا !!

فجأة.. "المعاش" لا يكاد يكفي.. الزوجة لم تعد بالفراش.. العواطف الجياشة تذبل والغراميات تضمحل.. فالرضيع (الضحية) يبكي طوال الليل لسبب مجهول.. وأخوه الأكبر بسنة أو سنتين قد (بلل) الفراش.. والأم (الشابة) يقظة بين هذا وذاك.. وورائها "دوام عمل" في الصباح حالها حال الزوج.. لكنها هي المُطالبة برعاية الأطفال والسهر على راحتهم على حساب راحتها هي، كعادة النساء عندنا.. الحياة الزوجية الهانئة تبخرت قبل أوانها..عواطفها قد تبعثرت بين حاجات الزوج والأطفال.. أصبحت مُتهمة بأنها لم تعد تبالي بالزوج.. فقط لأن الزوج والزوجة معاً لم يمعنا النظر في المستقبل القريب ولا البعيد.. لم يستمتعا بالحياة الزوجية الهادئة السعيدة في أحضان بعضهما البعض لأطول فترة ممكنة.. بل تعجلا.. واستعجلا.. ولم يتأملا !!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

بكر السباتينصحيح أن التاريخ يكتبه المنتصرون ولكن نقاط التلاقي في السرد التاريخي بين المتنازعين تتحول إلى مرتكزات لتأويل نقاط الخلاف والخروج تالياً بالرواية التاريخية المقبولة.. كتابة التاريخ لا تتم في ليلة وضحاها لأن الرواية التاريخية تفاعلية وغير مكتملة إذْ تتعدد التأويلات والحكاية واحدة.. وهذا ينطبق على الحكايتين التاليتين للخروج بخلاصة القول بعيداً عن السرد التاريخي كي نُخْرِجَ النص من مأزق التجاذبات التي تحول الرواية إلى سلاح إعلامي في يد القادة إبان إي صراع ينشأ على الأرض.. هذه مقاربة بين الخيال والواقع وكلاهما يعتبران من نتاج العقل البشري في سياقي الفكر والفعل.

تقول الحكاية الأولى على لسان راوي الملك الذي يمثل سلطة الأقوى بأن أهل مملكة ما اعتادوا على تقديم الهدايا لملكهم في كل عام.

وفي اليوم الموعود احتار الفلاح الفقير فيما سيهدي للملك، فلا يوجد لديه الكثير ليقدمه.

ذهب الفلاح الفقير إلى قصر الملك، حيث احتشد الجميع، كلٌ أتى بالغالي والنفيس ليقدمه هدية.

وقف الناس خارج أسوار القصر، وكلٌ يتباهى بما لديه، وبهديته.

فُتحت أبواب القصر لعامة الناس لتقديم هداياهم، وبعد ساعاتٍ طوال جاء الدور على الفلاح الفقير، فسأله الملك: ماذا لديك لتقدمه لنا أيها الرجل؟ فأجابه الفلاح: سأقدم إليكم يا مولاي "أغلى ما عندي". فسأله الملك: وما هو أغلى ما عندك؟ فأجابه الفلاح: انه هذا الطائر «القونو». فتعجب الملك، وسأله وما الذي يميز هذا الطائر ليكون أغلى ما عندك؟ فرد الفلاح: يساعدني في الصيد، فهو يغرد وينادي على الطيور من أبناء فصيلته وجنسه، فيأتون مسرعين لنجدته أو لتلبية دعوته فيقعون في الشراك التي أنصبها لهم في الحقل.

إلى هنا يتفق الرواة على التفاصيل والتداعيات التي أخذت مجرى النهر إلى الشلال.. ويأتي الخلاف بين سلطة الرواية التي يسردها راوي الملك والراوي المحنك المتردد الخائف من بطش الملك الذي أخذه التأويل إلى نهاية أخري قد تنصف الطائر ومالكه من بطش الملك.

الرواية الأولى سردها راوي البلاط الملكي الشاهد على الحدث منوهاً إلى أن الملك قام غاضباً، وأمسك برأس الطائر وقطعه قائلاً: هذا طائر خائن وكذاب، ولا يمكننا قبول الخونة والكاذبين في مملكتنا، فهو لا يستحق العيش ها هنا، ونحن لا نريد في المملكة من يخون قومه حتى لو كان حيواناً!

من هنا تسوق الخاتمة إعلامياً لتثبيت حكم الملك من خلال بث الرعب في قلوب الرعية.

طبعاً الحكاية تنتهي عند موقف الملك إزاء الطائر.. لكنها من جهة ثانية لا يجب أن تمر دون تأويلات أخرى، ربما لو طُرِحَتْ في حينه؛ ستخرج الطائر من المأزق وتجعله محظياً عنده.. فلو قال أحد رجال البلاط الذين يؤمنون بسياسة التسامح بأن الطائر كان يحذر بقية الطيور من جنسه كي تحتاط للأمر فلا تقع في الفخ من باب الشهامة والإباء، فلم تستجب تلك الطيور لندائه فهبت لنجدته رغم أنها تعلم بأن الفخ ينتظرها..  ربما لاحتسبها الملك حينها شهامة من الطير فيكافئ صاحبه ويتقبل الهدية وربما يعمم حكايته ليجعله رمزاً للتضحية لأجل الملك نفسه.. هنا التأويل سلاح ذو حدين.

وفي سياق المفهوم ذاته سنأخذكم إلى حكاية أخرى مشهورة.

تقول الحكاية الثانية بأن الملك الجبار عزم على قتل كلّ من يشك بنواياه، وأخضع المقربين منه للاختبار، حتى سقط فيه أحدهم فأمر بمعاقبته بطريقة مبتكرة، إذ جوَّعَ مجموعة من كلابه التي يثق بها، وأمرها بالانقضاض على رجل الحاشية المُدان في ساحة مكشوفة محاطة بالجمهور وهو جالس في المقدمة كي يتشفى بالضحية التي وقفت والأغلال بيدها في حضرته، وأخذت تستدرّ عطفه مذكرة إيّاه قائلة:

هل هذا جزاء من أخلص في خدمتك وخضع لأمرك طوال عشرة أعوام يا مولاي!

 لكن الملك أصر على موقفه دون أن يستجيب لدموع الضحية "فكيف يتراجع ملك عن قراره".. وبعد إلحاح استجاب الملك لطلبه في منحه مهلة عشرة أيام يقضيها مع الكلاب قبل أن يرضخ لها فتنهش لحمه. خلال هذه الفترة كان الرجل المدان يعامل الكلاب بالحسنى ويطعمها بيده حتى كسب ودها ووفائها.. لذلك حينما آن موعد القصاص رفضت الكلاب الاستجابة لأوامر الملك.. فما كان منه إلا أن أمر بقطع رأسه بعدما اكتشف حيلته.. من هنا انقضت الكلاب على الملك انتقاماً لسيدها الجديد الذي اعتنى بها خلال الأيام العشر وفاءً له.. إلى هنا لم تكتمل الحكاية، فسارع راوي السلطة يثني على موقف الملك ويحرض على قطع رؤوس من دربوا هذه الكلاب الخائنة للعهد. لكن خاتمة الحكاية أخذت التأويلات إلى جهة النقيض، حينما علم الراوي بأن الكلاب ماتت بالسم الذي كان يملأ جسم الملك المحاط بالخونة فانقلبت تأويلات الرواية رأساً على عقب..

فلاحظوا بأن التأويل الأول يعتمد على بقاء الملك حياً وفي يده الصولجان، على اعتبار أن الخائن ومعه كلابه لا بد من القصاص منهم، ولكن في التأويل الثاني المعتمد على نهاية الملك وموته بالسم يتبين كيف أن الكلاب التي يرعاها الإنسان أكثر وفاءً من الخلِّ والرفيق والحاكم، فيما يذهب التأويل إلى أنه كلما زاد البطش اقتربت نهاية الظالم.

 

بقلم بكر السباتين