حاتم جعفر(في هذا المقال سأذهب الى ما هو أبعد مما كتبه الشاعر ابراهيم الخياط، وبإفتراضات ومديات أحسبها لا تخرج كثيرا عمّا كان يجول بخاطره).

1ــ قُبيل الخطوة اﻷولى

تغفو على اكتاف نهرين حانيين. حين يدخلها زائرها ومن أية جهة يشاء، سيفاجئ ومن  مسافات بعيدة لا تدركها العين برائحة الإقحوان والنعنع البري. ستتدلى من بين سياجات منازلها قناديل من البرتقال الندي ومن ثمرات أُخَرْ حباها الله بالحب وبما هو أطيب. ستدفعك الرغبة بقطف إحدى الثمرات الناضجات، غير ان من يشاركك المشي سيقول لك تمهَّل فَكَرمُ المدينة أسخى مما تظن والخير قادم، فما بيننا والمبتغى بضع دقائق.ستأتيك من بين  فيء كرمات أعنابها صوت إرتطام أقداح الشاي ببعضها البعض، مشفوعة بنسيم عليل وأحاديث يصعب تمييزها، حينها ستتذكر إنْ نسيت انكَ في إحدى ساعات النهار، انها ساعة العصر أو بعدها بقليل. أمّا مساءات تلك المدينة فكم هي مباركة، جميلة، وكم ستبدو أبهى لو صادف زائرها تلك الباقة من العاشقين والعاشقات وهم يتجولون شوارعها بخفة وزهو.

من بين أحد الأزقة الواقعة قبالة أقدم قنطرة عرفتها مدينته، سيخرج حسين مردان ذات مساء وهو في عجالة من أمره، حاملا بيده اليسرى مسودة ديوان شعره اﻷول (قصائد عارية)، مُطبقهُ بقوة على جهة القلب، لَمَ لا وهو ابنه البكر. وفي اليمنى حقيبة سفر صغيرة كاد أن يتخلى عنها لولا إلحاح شقيقته الصغرى. عندما سُئِلَ الشاعر عن وجهته ردَّ قائلا: الى عاصمة النور واﻷلق وحوار الندامى ومقابر المتصوفة، فالمساحات  هناك أوسع لممارسة طقوس التمرد، وهناك أيضا سيكون الباب مفتوحا للبوح ولقول ما لا يمكن قوله. أباه لم يستوعب وعلى نحو كاف ما جاء على لسان ولده، فتركه يختار وجهته، ظناً منه بأن غيابه سوف لن يطول أكثر من يومين أو ثلاثة ليعود بعدها نادما، غير ان اﻷمر لم يأتِ كما شاء أباه، فمنذ ذاك التأريخ ما عاد ابن مردان الى مدينته الاّ بعد أن فقدَ جواز سفره وكل متعلقاته في اسطنبول، وذلك أثناء إحدى جولات تسكعه المحببة اليه، طالبا من مختار محلته القديمة وبشهادة إثنين من العدول إستخراج هوية أحوال مدنية جديدة، فكان له ما أراد.

هنا راح متسائلا أحد سكان محلته القديمة ممن لم يسبق له أن التقاه: مَنْ يكون هذا الذي تسمونه إبن مردان؟ في لحظة كهذه ما كان لعارفيه الاّ القول: هو الغائب العائد الى مدينته التي عاش فيها ردحا هانئا من الزمن، وهو القائل في قصيدته المسماة زرع الموت:

إبليس والكأس والماخور أصحابي

نذرت للشبق المحموم أعصابي

من كلِّ ريانة الثديين ضامرة

تجيد فهم الهوى بالظفر والناب

وقع السياط على أردافها نغم

يفجر الهول من أعراقها السود

تكاد ترتجف الجدران صارخة

إذا تعرت أهذا الجسم للدود

كم هي ماجنة هذه القصيدة علَّق ذلك الـ(أحدهم)، لكن لم يلتفت اليه أحد.صفحة كهذه والتي قرأها في كتاب شعراء مدينته، لم يركنها جانبا أو يطويها ابراهيم الخياط على عجل حين اختار من الشعر ناصية ومبتغى له، بل ظلَّ حافظها في ذاكرته، راجعا اليها كلما إستفزه ملكوت الشعر والرغبة بقراءة حلو الكلام وإستحضار نشوة النص وما سيتبعه من تسامٍ، في ذات الوقت سيجد نفسه أمام إمتحان عسير: كيف لي أن أحاكي شاعرية كالتي أنف ذكرها؟

ما فات كان الدرس اﻷول الذي سيتوقف صاحبنا عنده طويلا وما سيستخلصه أيضا من فائدة وجدوى. أمّا الثاني فكان مع الشاعر البعقوبي اﻵخر هادي الربيعي الذي إتخذ في سنواته اﻷخيرة من مدينة كربلاء بجوها الروحاني مستقرا جديدا له، بعدما ضاقت به اﻷرض بما رحبت. فعنه يقول ابراهيم الخياط: لَكَمْ حلمتُ التعرف عليه ﻷقرأ بحضرته ما خطَّته يديَّ شعرا، طبعا هنا يتحدث ابراهيم عن بدايات مشواره الأدبي، والسؤال سيأتيك: هل تحققت أمنيته تلك؟ لست متأكدا من ذلك حتى اللحظة. لكن وهنا ستقع المفاجئة، فما هي الاّ بضع سنين وربما بلغت العشرة وإذا بهما يلتقيان في إحدى اﻷماسي الثقافية. لقاءهما كان عاصفا، فاق حدود الخيال والتصور، بل بلغ ما هو أبعد، وكان لهما أن يستحوذا على أجواءها (اﻷمسية) بتألق مريح.

إبتدأ إبراهيم بقراءة ما يحلو له وبحضرة أحد شعرائه المفضلين، محققا بذلك أمنيته ورغبته التي طال إنتظارها. ثم تلى ذلك أن وقف الربيعي هادي ليشدو على مسامع الحاضرين ما طاب له ولهم من الشعر، انها قصيدة: يوما ما

يوما ما

سأنام عميقا

وسأحلم اني كنت .. أنا

أطلق صرخاتي كيف أشاء

وسأعدو فوق حدود اﻷرض

منتشيا بسعادة قلبي

وأنا أرفع فوق حواجزها الشوكية

رايتي البيضاء

يوما ما

سأنام عميقا

وتنام معي

هذياناتي الحمقاء

القِدرْ لا يستوي ولا يثبت على إثنين كما تقول العرب، فلا بد والحال كذلك من حجر آخر يستعين به ابراهيم الخياط. هنا وفي لحظة كهذه سيبرز دور الشاعر الشهيد خليل المعاضيدي ليكون كما ثالثة اﻷثافي الذي سيرتكز عليه ويستعين به لمواصلة مسيرته ودونه إختلال التوازن. لذا راح ابراهيم متلمسا ذات الدرب الذي سار عليه الشاعر الراحل، حتى بات عنده من الرصيد ما يمكن عدَّهُ خزينا ومنهلا سيعود اليه عند إقتضاء الحال، فأينما حلَّ أو حاول صياغة بيت من الشعر، الاّ وكانت قصائد المعاضيدي حاضرة في مخيلته. وإذا شئنا التذكير بإحداها فستبرز وبقوة تلك القصيدة المسماة كان موسما للكآبة، ولا بأس في مناسبة كهذه من التوقف على أحد مقاطعها:

هنا موسم للكآبة والوحل

باركه الفقر في ألفة الدمع،

يعتاده الفقراء المباعون في صعقة الشاي،

علَّ النساء النحيفات يُفصحنَ عن هاجس،

ها هنا موعد للنواح الجنوبي،

ما بين عينيك سيدتي فارس أعزب

وصديق أباح اشتباك الهواجس،

في شهقة العشب مبتهجا

يستضيف التقوّل عند إشتداد

الفطور المرابط

2ــ جمهورية البرتقال

المهمة ليست سهلة إذن يا إبراهيم، فها انك قد أمسيت أمام إشتراطات سنّها كتاب الشعر وسدنته والحافظون على عهده. وقصيدة الشعر الحر كما تعرف ليست بتلك الخفة والطوع، فهي أيضا محكومة بالتفعيلة والقافية واﻷهم من ذلك بجمال صورتها وكيف ستُحَلِّقْ معها، ولنتذكر سوية تلك الأسس والقواعد التي أرساها وتربَّعَ على عرشها حسين مردان ومَنْ هو بقامته ومَنْ أتى من بعده .

جمهورية البرتقال، هذا هو إسم ديوانه اﻷول ولم يَرِدْ أن يكون اﻷخير، غير أنَّ للأقدار كلمتها وأحكامها. أودعه وأهداه الى بعض من أصدقاءه قبيل رحيله بسنوات قليلة، كانت الغربة الإضطرارية قد غيبتهم لعقود عدة. ربما وجد ابراهيم في تلك النخبة مَنْ كان يعدَّهم أكثر وفاءاً ومقدرة على المسك بالعهد، أوفياء له. وربما أيضاً ضاقت به دائرة علاقاته في وطنه المحتل، فراح يستذكر ما فات من الصداقات، فتجده وبنحت لغوي رائع، صارخاً:

أخالل مَنْ؟

في طاقة للأبابيل المحنطة

ما جاءها الكناري المستهام

ولا السنونوة الرغيبة

ولا جاء الحمام الذي ـ كمثلي ـ أنَّ

انه سؤال كبير حقاً وينم عن وجع وحسرة ظلاّ برفقته حتى آخر لحظات حياته، فاﻷحبة كلهم ذهبوا وتشتت الجمع، وأقْفِرَتْ الدار بعد أن غادرتها طيور الحبارى. وهديل الحمام البري ما عادَ يُسمع عند نافذة البيت، كذلك زقزقة العصافير التي عادة ما تذكره بأخذ قسط من الراحة بعد منتصف الظهيرة، كانت قد اختفت هي اﻷخرى، حتى البساتين ما عادت ملجأ للطيور ولا ملجأ للغناء ولا ملاذا للتخفي حين تضيق الطرق.

ربما يمكن للشاعر أن يستوعب ما فات من ألمٍ وينام عليه على مضض، الاّ ان هناك جرحا ظلَّ ينزف ما دام حيّا، انها أنثاه. هي ليست كما النساء اﻷخريات، انها جمهورية البرتقال ، هكذا أسماها وأشتق منها إسم ديوانه وفيها يتحدث عن نفسه وعن تجربته في العشق:

إنتكس القلب مرة

وإنتكس النهر مرات

فلم يبقَ لقلبي سوى ظل أنثى

في هذا المقطع تحديدا ربما يكون ابراهيم بل أكاد أجزم قد إستحضر زوجته التي رحلت غدرا. ثم يعود ليكمل فكرته أو ما أراد إيصاله وفي ذات القصيدة، ليستذكر نهر مدينته، عاقدا بينه (النهر) وزوجته نوعا من الصلة المحببة، فكلاهما اﻷقرب اليه وكلاهما كان قد فقدهما وإن  بإختلاف الطرق. ثم سيتبعها بشطر آخر، سيعزز من رفضه واحتجاجه على مَنْ بقي بعد رحيل اﻷحبة:

ولم يبق لنهرنا الشقي

سوى حثالة اﻷهل المتسربين

وعلى ذات السياق وﻷنه لم يُشبع بعد رغبته في التخلص من تلك اﻷوجاع، فستجده في قصيدته المسماة مَدمي الشباب، وقد أوغل في وصف عذابته، مستعرضا تلك اﻷماكن الموحشة التي صادرت حلمه وصادرت صداقاته، وفي بعضها وجد فيها مهربا وخلاصا وملاذا:

في زوايا المخافر والمدافن والحانات

وعند إنقلاب الحرائق

أحاور الجثث

لكن ورغم عتمة الصورة وإنعدام الرؤية، فسيظل هناك بصيص أمل وكوة من النور:

أخبئ القمر المستور في لفافة الرمل

ألتصق بالمذياع إلتصاق الجمرة بالجمرة

في السطر اﻷخير اﻵنف، فإبراهيم لا زال منتظرا بزوغ الفجر وساعة الخلاص وإذاعة بيان الحب والذي سيحمل رقم واحد في قاموس العاشقين. وعند ذاك سيعود للغناء من جديد، ويعود الى لقاء مَنْ افتقدهم، وسيتحول مقام المدمي الحزين الى اغنية للفرح والسعادة.

3ــ الرحلة اﻷخيرة

الطيور الراقصة، المحلقة عاليا في السماوات السبعة لا ينبغي صيدها فهي الوديعة والصديقة والحانية، وأكاد أجزم بأني كنت من الداعين الى التآلف معها، بل كلانا كان على موعد مع ذلك السرب لنحلق معا، حتى سألتني في ذلك اليوم يا إبراهيم: ما رأيك لو نحط كما الطير على إحدى قناطر المدينة، فقلتُ لك لا بأس فالندامى لا زالوا هناك ينتظرون وحانة الخمر ليست بالبعيدة، غير انك ترددت في اللحظة اﻷخيرة وأظنك كنت على صواب، فعسس الليل هم ذات العسس، والبطش واحد والقسوة واحدة، ولم يتغير شيئا رغم تبدل الحكم ومجيئ سلطة جديدة، فها هم منتشرون بين درابين المدينة وأزقتها، يبحثون عمَّن أربكهم وأقضى على مضاجعهم، لذا أرجأنا سفرة الروح ومتعتها الى مساءات أخر، وما كان منا الاّ أن نفترق ويمضي كل منا الى غايته، منتظرين لحظة إصطفاء القلوب وهدأة النفوس واﻷهم خلو الشوارع من أعدائها.

لكنك وفي غفلة لم أكن أتوقعها، قررتَ تغيير مسارك فبديت كما الذي أدرك ساعة رحيله رغم  عدم اكتمال شروطها، انه حدسك المبكر. ليلتها ورغم إضطراب الوضع اﻷمني رحت مودعا مدينتك التي أحببتها وأبيت مغادرتها. طرقتَ بيت فلان، لم يرد عليك أحدا، أعدتَ الطرق ثانية وثالثة، حتى قيل لك وبعد إلحاح: لقد سافر ولدنا الى جهة لا يعلم بها حتى الله، ثم أعطيته العذرا فالحال ليس بالمطمئن، وسيفلح مَنْ يشد رحاله قبل طلوع الفجر ويحسن قراءة طالعه، كذلك له القدرة على إكتشاف النوايا الخبيئة والخبيثة. هذا ما علمتنا إياه أنظمة القمع والتسلط، ولعله كان درسا هاما في كيفية مقارعته والوقوف بوجهه.

بعد برهة قصيرة من التفكير توقف ابراهيم فجأة ليعيد النظر فيما سمعه، إذ لم يعجبه ردّا كهذا، فكان على صديقه الاّ يغادر، ثم راح متسائلا في سره: كيف تم ذلك وأنا على مقربة منه، بل اﻷقرب اليه من شريان قلبه؟  إعتصره اﻷلم ليبدو حينها كما الماسك على جرح سينزف بعد قليل. عَبر زقاقين حتى بلغَ بيته. عَلَّقَ رقبته وناظريه بثبات ملفت نحو هدف بعينه، انه مَرْبَعْ طفولته، سيترك هناك أخوة لم يصلوا بعد عمر اليفاعة. تسائل في سره: كيف لي تركهم وحيدين هنا وفي مدينة تضربها الوحشة والغربة.

في لحظات كهذه وبينما كانت إحدى الحافلات تمرق من أمامه، إستعجلها التوقف ليستقلها صوب مكان لا يعرف كنه لكنه يعرف اين تقع  تلك البلاد التي يسمونها نينوى، وأين يسكن آشور بانيبال، ملك الجهات اﻷربعة، حيث المجد والكبرياء والشموخ الذي تباهى به وتباهينا به من بعده. لم يبلغ ابراهيم هدفه ولم يدخل مكتبة آشور العامرة والنابضة بالتأريخ والحضارة العريقة، فقد سقطت الحافلة كما جاء في اﻷخبار في واد سحيق، أو ربما إرتطمت بأخرى بعد أن أغشى الليل سائقها. لا يهم كل ذلك ففي الحالتين انتهت رحلة إبراهيم وحياته، وانتهت معها مسيرته الشعرية ومن قبل أن يُكمل مشوارهما.

 

حاتم جعفر

السويد ــ مالمو

 

 

احمد الشيخاويللكاتبة خيرة جليل

في مجموعتها التي انتقت لها عتبة "سر يعلمه الرجال فقط"، الصادرة حديثا عن جامعة المبدعين المغاربة، طبعة 2019، تطالعنا المبدعة المغربية خيرة جليل، بمنظومة أقاصيص تجود عن هوية الأنثوي، وتحاول الانتصار لوجود المرأة، إجمالا، مسلّطة الضوء على جملة من الأوبئة المعششة في الذاكرة، وكل فصول تلك المغامرة السردية تتم بأسلوبية عالقة مابين المعجم الخفيض الذي يعتمد نبض الشارع ونثاره، وتبصمه لغة البساطة والسلاسة والقريب جدا من الفهم العام، و مستوى الغموض المقبول الذي يمنح شعرية للسرد، ويضخ دماء جديد في شريان النص الحداثي الموقع بإيقاعات المد والجزر والتشاكلات الأجناسية.

نقتطع للناقد العراقي بعضا من تقديمه للمجموعة، إذ يقول: [الاستهلال في القصة بداية محفزة للقارئ وعلامة اصطلاحية يستعان بها في القص، لتوصيل دلالات توضيحية لما يريده القاص في مساعدة القارئ لرسم صورة بينة وواضحة لموضوع القصة.

ولعله من أهم الأشياء التي يمكن أن تجذب القارئ بعد العنوان، للاستمرار في القراءة.كذلك يعتبر الاستهلال البوابة للدخول إلى عالم القصة، وفي الوقت ذاته هو إبداع لنصوص موازية لجسد القصة.وقد صورت لنا المقدمة أو الاستهلال الذي ابتدأت به الكاتبة خيرة جليل لقصتها "سر يعلمه الرجال فقط " مدخلا لطيفا ومحفزا لينفذ من خلاله القارئ إلى تيمة القصة، وكانت إشارة جميلة تعبر عن قدراتها الإبداعية ومهاراتها اللغوية].

حاولت خيرة جليل من خلال مجموعتها التي بين أيدينا، ترتيب زخم الأوراق الحياتية في اختلاطها مابين المجتمعي والعقدي والوجودي، بحيث استطاعت تقديم مقاربات جديدة لمتتالية من الظواهر التي تمس الحضور الأنثوي بشكل مباشر، فأسهبت في جرد فلسفي يدحض كتلة من المفاهيم المغلوطة التي كرّستها الذاكرة الرجولية، إزاء الوجود الأنثوي.

فناورت بالعاطفي موبخة راهن الاغتصاب، وصاغت المواقف الملتزمة المتجذرة في ثقافة الانتماء والذود عن أقدس القضايا العربية والإنسانية، ونهلت من خلفيات التواصل الألسني، ضمن سياقات إنسانية صرفة، كما هو الشأن بالنسبة لقصة تهديها لروح الإيرانية ريحانة التي أعدمت لأنها قتلت مغتصبها، على حد تعبير صاحبة المجموعة.

تقول: [بكت وانهارت لكنها استجمعت قواها وكافحت ونجحت وتخرجت محامية وعزفت عن الزواج لأن ذلك الرجل ما هو إلا ذئب يقتنص لحظات نزواته في نظرها . مرض وانهيار صاحباها طيلة حياتها، لم تستطع التحرر منه لأنها ترى أن قصتها تتكرر كل يوم أما عينيها، والمساطير القانونية معقدة ولا تساير تطور الجرائم . والمغتصبون يجتهدون في اقتناص الثغرات القانونية. عادة ما يكون القناص في هذه الجرائم قد درس خطته لاستدراج الضحية بحبكة وذكاء حتى يضمن لنفسه الخروج من القضية كخروج شعرة من العجين، بكل براءة تامة ويطالب بتعويض مادي لجبر الضرر النفسي والمعنوي له إن جرته الضحية أمام القضاء بالمحاكم](1).

إن ذلك التنويع في المواضيع التي تكتب عالما موازيا، تتنفس من شقوقه الذات المبدعة أفقا للرقي بهوية الأنثوي، وحضور المرأة المختنق براهن أبجديات قوامة النوع الآخر، من زاوية إقصائية، لا تكميلية محققة لأضرب التلاقح والتفاعل والتناغم.

ومثله من ميكانزيمات آثرت خيرة جليل، استحضارها في بث طقوس هذا المنجز، لهو من ابرز ما يُحسب لها بكل تأكيد.

نقتطف لها قولها، أيضا: [إنهم يقتلون الأطفال مثلك لأنهم رمز المستقبل، إنهم يقتلون النساء لأنهم رمز الخصب والعطاء واستمرار المقاومة ، إنهم يقتلون الشباب لأنهم روح المقاومة، إنهم يقتلعون أشجار الزيتون بعد أن قطعوا عنها مياه الري فقررت أن ترتوي بدماء الشهداء وتنتج زيتونا تسيل زيته لتصنع قناديل المقاومة حين يقطعون عنهم الكهرباء، ويصنعون منه مرهمات حين تحرق جلودهم بنار القذائف](2).

إنها طاقة التخييل الذي يثري النفس الردي في التحامه بخطاب فروسي حماسي تحريضي، حتّى في غمرة السمو عن الواقعي، هناك ترجمة ما، يدشنها مثل هذا الانخراط في مستويات رمزية للمفارقة، وكأني بالقاصة تحرّض من ينفقون " فحولتهم" في غير محلها، استئسادا على المرأة العربية عموما، عليهم توفير ذلك وتوظيفه في أرض المقاومة ضد السياسة الصهيو/ أمريكية، والوقوف الفعلي في صف الشهداء ومن نذورا حياتهم للدفاع عن قضية العرب الأولى : فلسطين وأرضها وشعبها المضطهد.

نقرأ لها كذلك: [بعد أن قضى وطره منها تمدد بنشوة وحبور في سريره بينما هي قامت واقفة بعد أن كانت جالسة على الطرف الآخر للسرير ..مد يده فأغلق هاتفه النقال وأشعل سيجارة من النوع الممتاز ليمتص دخانه إلى آخر نفسه وينفثه بارتياح نحو سقف الغرفة الفخمة بهذا الفندق المصنف من درجة خمسة نجوم.

التفت نحو عشيقته ليدعوها بغنج ودلال، بينما هي عائدة من الحمام تلف نصف جسدها الأسفل بفوطة بيضاء ناعمة ونصفه الأعلى يتصاعد منه بخار الماء الساخن وقطرات الماء مسترسلة من أعلى وجهها نحو أسفل ذقنها لتسقط على نهديها العاريين](3).

هي ذي حواء في إحدى تجليات الغواية، ما أكملها وأقواها حين تفهم على أنها أبرز العناصر المحققة للتوازن والتكامل والتناغم مابين النوعين، بحيث لا تجنى قطوف ذلك بسوى الطواعية والتراضي ونبذ وصايا الذاكرة المضغوطة بتاريخ الاستبداد والهيمنة الذكورية.

إذ الأولى، وبعض تيمات المجموعة تعانق قضايا العروبة الأولى والمقدسة، نهج إستراتيجية تعيد للمرأة رمزيتها وحريتها وكرامتها وقدرتها على إنجاب الشهداء والأبطال، بدل استنساخ جحافل المتربصين بهوية الأنثوي، وكيف أنهم لا يألون جهدا في تلطيخ حضور النوع الناعم، بفحولة زائفة وفروسية مقنعة، تتغنى بالذاكرة الأصولية التي تهضم المرأة ابسط حقوقها وامتيازاتها.

بذلك تكون المجموعة، إلى حدّ ما، قد فاقمت أسئلة الأنثوي، وهيّجت بعض مفاهيمه في زمن تجاوز القضايا المقدسة المتوقفة على ثقافة الفحولة والفروسية العربية.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

......................

هامش :

(1) مقتطف من قصة " ريحانة " صفحة26/27.

(2) مقتطف من قصة " عائدة إليك يا غزة " صفحة42.

(3) مقتطف من نص " لذة " صفحة 52.

 

تارا ابراهيمترددت في كتابة هذه المقدمة ونشرها في يوم مناهضة العنف ضد المرأة التي في الحقيقة لا تعني لي شيئا كون مناهضة العنف في هذه البقعة من العالم التي تعتبر من أشرسها ضد المراة أمر شبه مستحيل..في هذا اليوم البائس، تزداد فيه الندوات والفعاليات والخطابات لدعم المرأة ..في مجتمع قبلي عشائري يتم فيه إضطهاد المرأة الضعيفة الهشة التي ليس لديها خيار آخر غير الخضوع للعادات والتقاليد البالية وفي الوقت نفسه، تحارب فيها المرأة القوية المتعلمة والمثقفة كون الرجل الشرقي لا يود أن تكون المرأة ندا له..فكيف اذا للمرأة ان تطالب بحقوقها؟ لانها إن فعلت فهي في الحقيقة تثقل من أعبائها وتزيد من مسؤوولياتها، ففي كلتا الحالتين هي الخاسرة...

بعيدا عن الترهات التي ترددها المنظمات المدنية والحركات النسوية والناشطين في حقوق المرأة، هل هنالك شيء تم تحقيقه  في هذا المجال؟ طبعا الموضوع عميق وحساس جدا وله أبعاد مختلفة يجب ان يتم دراستها فعليا وليس فقط نظريا...ولكن السبب الحقيقي الذي دفعني أن أكتب هذا المقال هو سماعي وبالصدفة لاغنية فرنسية لكاتبها ومغنيها (بيير بيريه) الناشط في حقوق الانسان والمرأة بالذات.. فأغاني هذا الفنان مستلهمة من الواقع وكتبت كلها كقصائد تحرك المشاعرالانسانية.. فكرت حينها ما هو دور الفنانين والذين يطلقون على أنفسهم فنانون ملتزمون بقضية المرأة ومعنيون بكل مشكلاتها، فالفن له دور كما السلاح.. اخترت ان أترجم القصيدة الثانية بعد قصيدة "الصغيرة الكوردية" لهذا الفنان التي غناها بشكل رائع.

الى امرأة مضروبة..

حتى الموت بإسم الحب ضُربت

يبدو أنه أمر شائع هذه الايام

وظيفة المرأة ليست بسهلة

عندما تكون زوجة رجل صعب

لكن التي يدينها بتهمة الخيانة

لازالت تحب هذا الحطام

الذي يضربها بكل عنف

*         *          *

في مركز شرطة الحي

امرأة متورمة وزوج

يقفان أمام ضابط

يتنهد الضابط ويقول "أنت مجددا؟!

زوجك الحاضر ، سيدتي العزيزة ،

يدعي أنك تختلقين المشكلات

لماذا تصنعين كل هذه الدراما؟

أنت لا تبدين  امرأة سيئة!"

*         *          *

زوجك يدعي أنك تقتصدين من

النسيج الذي يخفي منحنياتك

في ضربه لك هو فقط تهدئة لاستيائه

ارجعا إلى السرير

كل المشكلات تحل على الوسادة

فالجيران لن يحتجوا

لمعرفتهم سبب صراخك و آهاتك...

*         *          *

لطالما أن الاعتداء حميد

الجروح المفتوحة أو الكدمات ،

بالنسبة لنا نحن الشرطة

التعليمات ليست الا قليلة..

إذا كتم انفاسك تحت اللحاف ،

إذا خنقك بيديه ،

يمكننا فتح التحقيق حينها ،

على الاقل لن تموتي من اجل لا شيء!!

*         *          *

لجميع النساء اللواتي يتعرضن للضرب

ولجميع النساء اللواتي صمتن ويصمتن

اللواتي ضربن حتى الموت من قبل أحمق قذر

أهدي هذه القصيدة

***

د. تارا إبراهيم

 

نجاح العرنجي شاعرة سورية لها حضورها المتميز على المسرح الثقافي والاجتماعي، فهي اضافة لتجربتها الشعرية، فهي ناشطة اجتماعية لها حضورها الفعال في حركةة المجتمع اليومية، من خلال مشاركاتها الثقافية في اكثر من مجال  ثقافي، صحي تعليمي، اجتماعي، ومشاركتها في اكثر من محفل ومهرجان، حيث انها كثيرا ماتركت بصماتها  وتاثيرها في المتلقي، ونحن اليوم  زوار لمشهدها الشعري لنقف على جانب من جوانب تجربتها الشعرية الثرة  وقد وقع اختيارنا على قصيدة زائر الماء والتي عنونتها بعنوان ارى فيه  ثريا قصيدتها وعتبتها الحقيقية اعني بذلك عنوانها (رحلة نحو الغد) وهو بصغته هذه مفتاح النص الذي سيحملنا الى فضائه لنستكشف عالمه الذي خباته الكلمات، وكما نرى ان هذا العنوان قدجاء بقسمه الاول جملة اسمية تدل على الثبات والحقيقةوهذا ما يراه الرازي، فكما ترى فهو مكون من كلمة زائرٌ  نكرة عرف بالاضافة الى ما يمثل زمنا محدودا موصوفا وهو المساء، وهو بصيغته هذه يمثل نصف الحقيقة ويحتاج الى ما يكمله حيث تركت الشاعرة امر ذلك الى المتلقي وما يمكن ان يتحصل عليه من خلال قراءته المفهومية للنص ف(زائرالمساء) في  القراءة النحوية يجوز فيه الوجهان فهويمكن ان يكون مبتدا وعندها علينا بالبحث عن خبره، او ان يكون هو الخر وعلينا ان نجد له عن مبتدا

وبمهارة استطاعت الشاعرة ان تاخذ المتلقي الى الدهشة والبحث عما يكمل العنوان وهو ما يمكن ان نستكشفه اونكون منه على قرب، واما العنوان الذي ارى انه هو العنوان الرئيس، فقد جاء ايضا جملة اسمية  لتاكيد الثبات والاستمرارية  وهو كزائر المساء  يجوز فيه الوجهان وان كان كونه خبرا مبتداه محذوفا قصدا، يستوجب العمل على كشفه واكتشافه من خلال النص، وهو يوحي بان الشاعرة تقدم لنا تجربة ذاتية، تستشرف بها المستقبل من خلال ما تقدمه من من رؤى وافكار وما تنسجه من علاقات فنية وجمالية جعلت من نصها لوحة رائعة من العلاقات الانسانية، فهي تبدا نصها بالضمير _انت_ لتعلن لنا باننا اما م تجربة ذاتية تهنتم بما يجيش في النفس من انفعالات  ودوافع  واحاسيس، وهي ثابتة مستمرة في جريانها نحو المصير عبر الزمن المتاح،رغم ان وجودنا غامض مبهم غير واضح فهوشبح لانعرف كنهه، الاعندما نكون في احبولته وجها لوجه، وهذه الرؤية تمكنت من صياغتها بالاستعانة بخيالها الشاعري الذي انضجته التجربة الفنية، اتي امدت النص بمقومات الجمال الفني، والصورة الشعرية المحملة بالاحاسيس والوجدان، فنرى المقصود شبحا وهومع ذلك ملثما دلالة على عمق الهوة النفسية المركبة التي يعيشها الانسان وهو يسير في حياته نحو مصيرمجهول، سيزوره فيه يوما ما زائر المساء، وهذا مايؤهل النص بان يكون لوحة  تصور الضمير الجمعي، من خلال استدعائها لاسرار الحياة الخفية التي نعبر عنها بانفعالاتنا وما يظهر علينا من علائم الفرح والحزن والضيق والسعادة، وشتى انواع العواطف التي تفرضها المواقف التي نجد انفسنا وسط ساختها   طوعا اوكرها ، وهي في نصها تمارس تجربتها الذاتية من خلال ما تعيشه من تناقض بين الخير والشر اللذان لايد للانسان منهما  بل هما جزء من التكوين الوجودي للكائن  الانساني ( ونفس وما سواها الهمها  فجورها وتقواها) فهي بممارستها للتجربة الشعرية بلغة شعرية جميلة  كلماتها توحي وتشير اكثر مما تعبر، كما يرى اودنيس، أي انها لغة خالقة للاشياء بطريقة جديدة، جمعت بين الجدة والجمال والاندهاش والسؤال، والنص في مكوناته اضافة جديدة لتجربة شعرية لها حضورها الابداعي يستشرف مستقبل الواقع المعاش وما يمكن ان يكون فيه من تغيير، وما ينتج عنه من تاثير في حياة الفرد والمجتمع، فالشاعرة في نصها وبكلماتها المباشرة توحي بخطابها بانها تتحدث عن ذاتها الخاصة بينما قراءة النص تكشف بانها تستبطن بالحديث عن الاخرين بصيغة المفرد أي انها تستشرف مستقبل الجميع،

زائر المساء

 رحلة نحو الغد

***

انت شبح مبهم يتراءى في خاطري

عيناك الشاخصتان

وسفرنا وسط الزحام

الى مركز الكون

في ذاك الجمع المهيب

كنت لي وحدي

كما انا لك وحدك

كنا نتراقص فوق المجرات

وتنحني أغصان الياسمين

لتخفي شغف السنين

يا انت ولست لي

لنا الأفق. وما وسع المدى ذكريات

شبحك يتراءى من بعيد

ربما ملك رحيم

وربما شيطان رجيم

بل ربما سحابة هبت عليها رياح بحريه فبعثرت ذراتها القرمزية

يااا انت ولست لي انت بحر خضم زاجر يعب عبابه

انت صدر مملوء أسرار

انت شبح ملثم بلثام الغيب والابرار

هل ترفع عن وجهك هذا. اللثام في لقاء لنا قبيل المغيب

على صخرة الشاطىء في ايلول

إن لنا آمالا كبار ا

تدركها انت. كما. انا

والوقت إحتضار

وتمضي الايام

نجاح. حسين. العرنجي**

***

رسائل. سريعة

وقبل بداية الطريق

***

أحزم حقائب الحزن

وأحمل سلة اوهامي

اعانق المدى

والحافلة تشق عباب العاصفة

العمر قصير

والطريق طويل

والخيبات في تزايد

.....

قالت لي العرافة

والأصداف المتكسرة

تنثرها برشاقة

إن للغد جمال مختلف

فلا تقلقي..وابتسمي

.....

كيف أبتسم لزعاف عنقائي

يسيل في أحشائي منذ

بداية التكوين..؟..!

...

ألا ايها القدر

إن لم تمهلني ادركني

...

من اين اجيء

بفكرة

تمحوني

وتكتب لي حياة اسيا في قصرها

وعشتار في عشقها

والدرب إلى العاصمةبعيد

وتمضي الأيام

نجاح حسين العرنجي**

***

احمد زكي الانباري

 

عدنان الظاهر (إستئناف الود بعد قطيعة وفراق)

هل أنتِ حزينة؟ لم ترد. كررت بأدبٍ سؤالي فلم أحظَ بجواب. قلتُ طيّب، فلتظلَّ على صمتها فلقد طالما عوّدتُ نفسي على تقبّل وتحمّل أشباهه. سأكتب لها بعد منتصف الليل رسالةً متأنيةً ستذكِّرها حتماً بعالم الرومانس والأحلام الوردية واللازوردية وستجعلها تُعيدُ النظر في مسألة اللون الأسود والملابس السود التي لا تحمل لي إلاّ الحزن ومشتقاته وأخواته. عجيبٌ أمرُ هذه السيدة التي أراها [أعني صورتها... لم أرها ولم نلتقِ بعدُ] تملأ حياتي وبصري وبصيرتي... أراها واقفةً شاخصةً أمامي مثل تمثال آلهة الرومان والإغريق. فعلامَ صدّها وصمتها وإفتعال الغيبات الصوفية؟ لِمَ لا تردُّ على أسئلتي كأنها لا تسمعني بل ولا تراني. يا للعجب! سأكتبُ لها فكتابة الحروف أيسر وأخف وأهون من نطق هذه الحروف. ذلَّ مّن يغبطُ الذليلَ بعيشٍ / للمتنبي، فهل ذليلٌ ذاك الذي يسأل ولا يحظى بجواب؟ أفلم يقلْ الجواهري في إحدى فتيات الجيك في مدينة براغ: ذُلُّ السؤالِ جرعتهُ / فبخلتِ حتى بالجوابِ؟ أجل، تجرعتُ ذلَّ أسئلتي لكنَّ صبري لا حدود له، إنه أقوى من صبرِ أيوبَ صاحبِ بدر السياّب الذي قتله بعض العراقيين على جسر المسيب وألقوا بجثته في ماء نهر الفرات. لاقى قبله ذات المصير كلٌّ من الحسين بن منصور الحلاج ثم عبد الكريم قاسم مع فارقِ أنَّ الماءَ غير الماءِ. جلست لأكتب لها رسالةَ أسئلةٍ ثقيلةِ الوزنِ مع عتبٍ شفاف خفيف فإنها أديبة مبدعة وخيالها خلاّق بجدارة. فلأكتب لها رسالة تليق بمستواها عندي ولدى قرّائها. فتحت جهاز الكومبيوتر فكدتُ أفقد صوابي بل وتماسكتُ حتى لا أسقط على الأرض فتتكسر أصابع كفيَّ كما حصل معي قبل أقل من عامين. ماذا وجدتُ على شاشة الكومبيوتر؟ رسالة قصيرة منها، السيدة الإغريقية صاحبة الرداء الأسود، لم تفارقها عيني حتى حفظتها في صدري كما يحفظُ الأعمى أغانيه أو آيات الذكر الحكيم.

[حبيبي الغالي أنا أبداً لم أنساك أنت دائماً في قلبي..

وأبداً ماعددت علاقتنا انتهت، ولكنني كنت أنتظر حتى تهدأ ويزول غضبك وتشتاق لحبيبتك (سين) كما هي مشتاقة لك دائماً

بحبك كتير

سين ميم].

فارقني ذهولي فعدتُ لسؤالي إياه: هل أنتِ حزينة؟ علام السوادُ فيما ترتدين؟ ظللتُ أسال وتردد الجدرانُ صدى سؤالي: هل أنتِ حزينة هل أنتِ حزينة هل أنتِ حزينة؟ سقط رأسي على منضدة الكومبيوتر وبقيتُ كذلك لفترة قصيرة، وحين رفعتُ رأسي وجدتني أكتب لها (سين ميم) رسالة جوابية لم أضمنّها السؤال الأسود:

[رسالتك يا حبي جعلتني أشعر أني بقيتُ ذاك الرجل الذي كان يقدسك جسداً وروحاً ويطيفُ بك وبكافة أركانك الحبيبة ركناً ركناً وزاويةً فزاوية.

أنت الكريمة وأم الكرم خلقاً ووفاءً وإبداعاً فكيف إرتضيتُ فراقك لسبب غير وجيه وقد ظلمتك يا حبيبة الروح والعقل ووجهتُ إليكِ ضغوطاً لم تكوني لتحتملينها وكنتُ أجهل ظروفك يا حياتي فها أنا أعتذر لك وأحسُّ بخجل أكثر من مُضاعف وأقف أمامك كالمذنب الذليل يا من أحببتُ حبّاً جمّاً وكرست لها الكثير من وقتي وجهدي وأخيلتي وما يفوق التصور من صباباتي وحبي ووجدي وهيامي بها وجهاً وقلماً وروحاً ثم صبراً لم أرَ له شبيهاً في كافة نساء العالمين.

فمن أية طينة جبلك ربك حتى يقاطعك عاشق مثلي يتمناك حلماً فإذا أنتِ أنتِ نعم أنتِ معه تكلمينه وتجاملينه وتبادلينه أشواقه وبعض عرام غرامه وتولهه بك حقاً لا مجازاً.

كيف ظلمكِ مَن أحبّكِ وسعى إليك وللتواصل معكِ بشتى السبل والوسائل في دنياه وفي أحلامه وكنتِ الطفلة لي والحبيبة والسيدة التي كنتُ ولم أزل فخوراً وأفتخرُ بها وكنتِ الطفرة الكبرى في الحياة البايولوجية والإنسانية.

صورك معي وبعض رسائلك فكيف أظلمك يا نبيّة النبيات وكيف أنساكِ يا من قدّستُ إلى أبعد حدود الحب وأحببتُ إلى أقصى درجات التعبد والتقديس يا نور عيوني؟

ما أعظمك وأنت تعودين للرجل الذي يهواك عودة النبية لأحضان خالقها وقد حسبتك ناسية وسالية بما أنتِ فيها من ظروف متقلبة سريعة التبدل والتحول فإذا بك تلك السيدة المتألقة القوية الجميلة الوفية الكثيرة التواضع تواضع القادرات المقتدرات مليكات الرحمة وسيدات العفو.

أحبكِ... هل يكفي أن أقولَ لكِ أحبكِ؟

أكتفي بهذا القدر اليوم لأنَّ البحر الذي طغى وماج حولي وفي صدري يكاد يخنقني بكل ما فيه من ماء وملح تراكم في فترة الغياب

أحبك يا حبيبة.]

ما أنْ أتممتُ كتابة رسالتي الطويلة هذه حتى أطلّت سين ميم على شاشة الكومبيوتر بطلعتها البهيّة ووجهها المشرق الباسم الجليل التعابير... كانت بحجاب رقيق أسود اللون شديد الشفافية يغطي رأسها. لم أرها قبلاً بالسواد. أصابني الذهول ثانيةً فأنا بطبيعتي لا أحتملُ ذهولين في ساعة واحدة. سقط رأسي مرةً أخرى أمام صورتها في الجهاز فسمعتها تقول بنبرة ملائكية لا مثيل لها في عالم النغم: إنهض حبيبي، إرفعْ رأسك عالياً كما عرفتك دوماً وكما عهدتك. إرفع رأسك ولا تحزن فالحزن والذهول لغيرك ليس لك. سأرد غداً على رسالتك الطويلة... سأكتب لك رسالةً قصيرة فالنساء يتكلمن كثيراً لكنهنَّ يكتبن قليلاً... على الضد من حالة الرجال فهم يتكلمون قليلاً لكنهم يكتبون كثيراً. تمتمتُ مع نفسي قائلاً: أحسنتِ... أحسنتِ... هذا أحد الفروق بين الأنثى والذكر.

حين أفقتُ من حالة ذهولي ـ حسب طلبها ـ صرتُ أتساءلُ: ومتى يأتي هذا الغدُ الموعود، متى؟

يا ليلُ الصبُّ متى غدهُ

أقيامُ الساعةِ موعدهُ؟

وبالفعل، وفت حبيبتي بالذي وعدت ولم تخلفْ هذه المرة ولم تمطلْ. لقد تغيّرت... غيرها الفراق والغضب وتعلمت منهما درساً سوف لن تحيد عنه. وجدتُ رسالتها في أجهزتي بعد يومين كما قالت. كتبتها بعد منتصف الليل فمتى تنام حمامتي ذات الرداء الأسود، متى؟ كتبت كعادتها بإختصار:

[مساء المحبة وجمالك أيها الغالي...

اعترف أنّ غيابك الطويل وغضبك الشديد أحزنني بحق،ولكنني كنت أحترم مشاعرك وغضبك،وبقيت أنتظر أن تصفو لي من جديد،فأنت غال عزيزي على قلبي،ولاشك عندي في أنّ علاقتنا سوف تعود في أقرب فرصة؛لانها قائمة على المودة والمحبة،وليس بيننا إلا كل محبة

وقضية اللقاء التي أفسدت علاقتنا أحزنتني بحق

ولكنني لا ازال أحلم بأن أقابلك في القريب...

يبدو أن عيناً من العيون اللئيمة التي تحسدنا على مودتنا هي من أصابتنا بالحسد،ولكن لا مشكلة محبتنا انتصرت حتى على العين..

بحق منذ زمن لم اعرف أخبارك.

أرجو أن تخبرني عن جديدك وظروفك وصحتك بالتفصيل..

لقد اشتقت بحق أن تكتب شيئاً جديداً عني تغيظ به الكارهين والذين يتمنون انقطاع علاقتنا

بحبك كتير

سين ميم]]

صرختُ من أعماق أعماقي: الله ! الله ! ما أروع هذه الفتاة التي يفتت كلامها الصخرَ وما في الصخر وما تحته. من أي معدن جبلها ربّها هذه المليكة نبلاً وطهراً وجمالاً وفتنةً في تواضع وسحراً دون دلال وغنج؟ تحفظكِ الأقدارُ والسماواتُ والأنوارُ يا (سين ميم). تحفظك من عين كل حسود وحسودة ومن شرِّ النفّاثات في العقد والنفّاثين وترعاك آلهةُ الإغريق أجدادك والرومان. هل أشكرها على هذا الكرم الخلقي والتصرف السامي؟ أجلْ، تركتُ لها رسالة قصيرة مع سؤال: هل تسمح لي بإجراء مقابلة معها وتوجيه سؤال محدد واحد لها؟ كتبت على الفور: لا مانعَ لديَّ.

يا ملاكاً يفيض فيه وحوله فضاءٌ بلونٍ أسودَ حزين إسمه رداء: ماذا عن الحب في حياتكِ الشخصية؟

[أنّا مخلوقة من الحبّ، وهو حلمي الملحّ. فكرت في العشق ألف مرّة، وحضّرت له الهدايا وأطواق الياسمين، وبحثتُ عنه طويلاً، وصرّحت للأهل والأصدقاء بأنّني أبحث عنه، وانتظرته، وتخيّلته يأتي من الجهات كافة، وتساءلت طويلاً كيف سيكون من سأحبّ؟! لكنّه ما جاء بعد، على رغم أنّني ادخرتُ له أشواق العمر وحكايات العشق ولحظات التمنّي]. هكذا أجابت سين ميم... أجابت بكل صراحة ونقاء دون مداراة أو إلتواءات فما أعظمها من سيدة مبدعة في عالم القص والأدب وما أروعها إنسانةً تواجه الناس والكائنات بتلقائية طفلة وبراءة نبية. هل من سبيل إذاً إلى التنازل عن سواد ما ترتدين يا صبيّة النبيات ومليكة المليكات؟ أرجوكِ حاولي. السوادُ حزنٌ وإنْ سبى العبادَ كما قيل قديماً فيه. لم تردَّ ولم تُعلّقْ سيدة البهاء المطلق.

ومرَّ أسبوع هو الدهرُ بعينه وعيانه جاءتني بعده رسالةٌ منها تطلبُ فيها مني أنْ أصف لها زيارتي الأخيرة لبريطانيا. ماذا أكتب لها عن هذه الزيارة وقد كانت طويلة متشعبة معقّدة التفاصيل والبرامج؟ سألتها متى تود إستلام جوابي؟ قالت سريعاً قدرَ المستطاع. فكّرت طويلاً وفكّرتُ عميقاً: ما هي حدود هذا المستطاع وماذا يعني بالنسبة لرجل مثلي وفي مثل أحوالي وأوضاعي؟ ما هي حدود إستطاعتي ووزن إمكاناتي ونوعية قدراتي؟ على كل حال، سأحاول، سأبدأ

[طاب نهارك عزيزتي / كوني بخير وعافية وصحة...

أسعدتني رسالتك الأخيرة التي قرأتها حين كنتُ في بريطانيا حيث قضيت أسبوعين متميزين وكم كنتُ أتمناك وأتمنى أنْ لو كنت هناك معي وخاصةً حين زرت المعرض المُقام في الصالة العليا لمبنى مكتبة مدينة شفيلد الحكومية حيث المنحوتات الرخامية المنوّعة المنحوتة حسب مختلف نظريات فن النحت... فضلاً عن اللوحات الزيتية والمائية قديمة وحديثة. دخول المعرض مجاني وكنت أزور هذه المكتبة يومياً تقريباً لا لأقرأ الكتب والجرائد فيها ولكن لأتمتع مع أحد أجهزة الكومبيوتر التي توفرها المكتبة لزائريها مجاناً... يُمنح الراغب بإستخدام الكومبيوتر فترة ساعة واحدة قابلة للتمديد ربع ساعة عند الضرورة وحسب إزدحام أوقلة الراغبين. لم أرَ في مكتبات أوربا مثل هذا الترتيب أبداً ولا أعرف وضع المكتبة المركزية في برلين.

ثم تمنيتك لو كنتِ معي في زيارة عائلة عراقية في مدينة مانجستر في وسط إنكلاند التي تبعد عن مدينة شفيلد بمسافة تقطعها الحافلة بساعة

وعشر دقائق فقط.

إتفقنا على يوم وساعة وصولي قادماً إليهم من

شفيلد ـ حيث مقر إقامتي ـ لكنَّ صديقي فتح موضوع ماذا أريد من طعام للغداء؟ سؤال حرج يزعجني ولا أريد سماعه أصلاً.

رفضت الإجابة عن سؤاله لكنه ظلَّ يُلح فأُضطررت أنْ أقول له: أحب السمك المشوي !

قال تدلل... كعادة العراقيين. قال سيكون هذا خيارك أما نحن فسنهئ أكل باجة عراقية...

أي روؤس وكراعين والسنة الخراف. قلت له هذا كثير... ستبور إحدى الأكلتين.

قال لا عليك. كلْ ما يعجبك واترك الباقي لنا. وبالفعل جاء الطعامُ وليتكِ كنتِ الحاضرة بيننا تُضيئين المكانَ بسحرِ نورِ عينيك وشخصيتك الجذابة وذهب سنابل شعر رأسك ولكنتِ مثلي أحببتِ طفلتهم عائشة بنت العامين. بعد الغداء جاءت الحلوى: بقلاوة تركية لم تعجبني ثم التمور والبودنك وأشياء أخرى كثيرة. طلبت الشاي العراقي الثقيل فجاء ثقيلاً فعلاً فعببت منه كوبين كبيرين. كان نهاراً رائعاً متميزاً طلبوا مني المبيت لديهم على أن يأخذوني بسيارتهم الخاصة إلى مدينتي شفيلد فاعتذرت وأصررتُ على الرجوع إلى شفيلد مساء.

قبل تلك السفرة قضيت أمسية جميلة في بيت الدكتور كولن وايت الأستاذ البريطاني الذي كنتُ قد أجريتُ معه ابحاثاً في حقل الكيمياء لمدة ثلاث سنوات في جامعة شفيلد. كانت زوجته (جين) نجمة الأمسية بشخصيتها الظريفة وما أعدت لنا من طعام وكنت قدمت لها زجاجة عطر فاخر من نوع   Estee Lauder وهو عطري المُفضّل. في نهاية اللقاء أخذني وايت بسيارته إلى مكان إقامتي في الفندق.

ثم زرت جامعة شفيلد حيث لي ما زال فيها العديد من الزملاء والأصدقاء من أساتذة وفنيين وفنيات فضحكنا وتبادلنا النكات والذكريات وتناولنا الكثير من أقداح القهوة.

كما قمت بزيارة مدينة ليدز الجميلة وهي أقرب لشفيلد من مدينة مانجستر لكنَّ حرارة الجو يومذاك عكّرت عليَّ زيارتي فعدتُ إلى شفيلد قبل الموعد المقرر.

كما قضيت اوقاتاً طويلة في أحاديث تلفونية مع صديق قديم يعيش في شمال مقاطعة ويلز مع زوجته الإنكليزية سوزان [عادا إلى هناك من أمريكا قبل بضعة شهور بعد أنْ أمضيا هناك 15 عاماً]. لديهم بيت في شمال ويلز وحديقة واسعة وكراج يصلح أن يكون داراً للسكن لذلك ألحَّ عليَّ صديقي دكتور إبراهيم الخطّاط لأن أزورهم وأبقى معهم لأي فترة أشاء فاعتذرتُ. سأزورهم لا محالة في وقت آخر. أما المتعة الكبيرة الأخرى فكانت من حصة صديق وزميل قديم آخر من أيام التدريس في جامعة بغداد... إلتقينا في مركز المدينة واتفقنا أنْ أزوره وزوجته الإنكليزية فاليري في يوم محدد فزرتهما وكان ولدهم الأكبر وعائلته هناك ليساهم في الترحيب بي. صديقي دكتور نوري هذا مريض للأسف الشديد لذا رفضت عرضه في أنْ أترك الفندق وأُقيم معهم في بيتهم الكبير خاصةً وإنهما وحدهما منذ زمن طويل فكل أولادهم تزوجوا وانفصلوا. لقد دأبتُ في السابق على أنْ أزورهما وأقضي معهما شهراً كاملاً كل عام ولفترة عشرة أعوام متصلة.

الجو هناك أكثر برودة من المانيا لذا لم أخلع عني سترتي أبداً. نعم، أمطرت السماء مطراً خفيفاً مرتين ولم يدم المطرُ إلاّ لبضعة دقائق.

في أيامي الأخيرة هناك كنتُ كثير الشوق للعودة إلى ميونيخ لذا كنتُ كمن يعدُّ الدقائق والثواني.

السفرة بالحافلة من شفيلد إلى مطار هيثرو إستغرقت خمس ساعات ثم تلتها فترة إنتظار إقلاع الطائرة خمس ساعات أخرى لذا كدتُ أنفجر من الضجر وساعات الإنتظار.

فوجئتُ ونحن نستعد لدخول الطائرة أنَّ علينا خلع ما علينا من سترات وما في أقدامنا من أحذية بل وحتى أحزمة البناطيل !!! فتشوا الحقائب الصغيرة التي تُحملُ على الأكتاف وصادروا بعض الحاجيات الصغيرة قليلة الأهمية وخاصة الدهون والسبراي وكل سائل فيه غاز حتى مليّنات الوجه واليدين !!

هكذا هي الحياة عزيزتي سين: حلوة ومرّة. بيضاء وسوداء. مَسرّة وكآبة...نضجرُ من السفر لكننا سَرعانَ ما نحنُّ إليه بعد حين... ولسوف نرى متى وإلى إين ستكون سفرتي القادمة.

أشعر بالأسف أني لم أسمع صوتك فأود أنْ أقولَ لك بإمكانك الآنَ مكالمتي نهاراً ومساءً... صبحاً ومساءً... وفي أي وقت تشاءين حتى لو كان الوقتُ فجراً.

أكتبي لي عن حياتك وعما أنجزتِ من أعمال أدبية وأين صورك الجديدة التي وعدتيني بها؟

أنتظر منك سماع أخبارك]].

ملاحظة: أخبار هذه الزيارة كنتُ قد أرسلتها إلى عدد من المعارف والأصدقاء.

 

عدنان الظاهر

20.10.2009

 

 

 

جودت هوشيارفي 15 سبتمبر 1955 صدرت عن دار نشر "اولومبيا برس" الفرنسية رواية "لوليتا" لفلاديمير نابوكوف باللغة الانجليزية، ولكن سرعان ما تم حظرها في انجلترا والولايات المتحدة، ثمّ في فرنسا. وكانت عدة دور نشر اميركية قد رفضت نشر الرواية بسبب موضوعها الشاذ والشائك، الذي اعتبرته انتهاكا صارخا لبراءة الطفولة.

ان اقل ما يقال عن هذه الرواية انها ايروتيكية. وربما كان مصيرها النسيان السريع، على غرار الروايات العاطفية المثيرة التي تخصصت "اولومبيا" في نشرها، لولا ان نسخة من الرواية وقعت بيد الكاتب الانجليزي غراهام غرين (1904- 1991) الذي نشر مراجعة لروايات عام 1955 الصادرة باللغة الانجليزية، وقال ان "لوليتا" واحدة من افضل ثلاث روايات صدرت خلال ذلك العام،مما أثار غضب الكثيرين ومنهم الصحفي البريطاني جون غوردن الذي نشر ردا شديد اللهجة على غرين، واصفا "لوليتا" بانها رواية قذرة.

وعلى اثر ذلك اشتد الجدل حول الرواية في الاوساط الأدبية الانجليزية والفرنسية، وربحت دار نشر "اولومبيا" دعوى قضائية اقامتها ضد حظر الرواية في فرنسا، مما مهد الطريق لرفع الحظر عنها في انجلترا والولايات المتحدة. وكان كل ذلك اشهارا واسعا لرواية مثيرة للجدل عن الحب المحرم. وعند نشر الرواية في الولايات المتحدة عام 1958 تصدرت على الفور لائحة افضل الكتب مبيعا . واصبح اسم كاتبها على كل لسان،بعد ان كان معروفا فقط في اوساط المثقفين الروس المهاجرين، ولدى الباحثين في الأدب الروسي . وكانت "لوليتا" الرواية الثانية عشر لنابوكوف والثالثة التي يكتبها بالانجليزية . وربما هنا يتبادر إلى الذهن تساؤل مهم، هل كان الكاتب الروسي شبه المغمور سينال الشهرة العالمية لو لم يكتب هذه الرواية . وكان نابوكوف نفسه يردد دائما: "لست شهيراً، لوليتا هي الشهيرة".

تشابه مثير

رجل مثقف في منتصف يتذكر قصة حبه الجارف لصبية تبلغ الثانية عشرة من عمرها، تحمل علامات واضحة وجذابة لمراهقة مبكرة . كل شيء يبدأ عندما يسافر البطل – راوي القصة – الى الخارج، ويستأجر غرفة في منزل احدى السيدات . وفي اللحظة التي يقع فيها بصره على ابنة صاحبة المنزل يتعلق يها، ويستعبده سحرها، دون ان يعير اهتماما لفارق العمر بينهما . وتنتهي القصة بموت الفتاة الصغيرة. ولكن الرجل يظل يتذكرها الى آخر يوم في حياته .

نحن نعرف ان اسم هذه الفتاة "لوليتا" ونعرف قصتها . ولكن المؤلف ليس نابوكوف، بل الكاتب والصحفي الألماني هاينز فون ليشبرغ (1890-1951) .

مقال مثير

في مارس 2004 نشر الباحث الأدبي الألماني البارز ميكائيل مار– المتخصص في ادب نابوكوف - مقالاً في صحيفة "فرانكفورت الجماين" تحت عنوان " ماذا عرف نابوكوف؟  "سرعان ما ترجم الى الانجليزية ونشر في ملحق التايمز الادبي، أشار فيه الى ان نابوكوف استعار فكرة رواية "لوليتا"، وحبكتها، وحتى اسم بطلتها الرئيسية، من قصة قصيرة للكاتب الألماني " هاينز فون ليشبرغ، الذي اصدر عام 1916 مجموعة قصصية تتألف من خمس عشرة قصة تحت عنوان "جوكوندا اللعينة " بضمنها قصة بعنوان "لوليتا".

وثمة اوجه تشابه عديدة بين العناصر الاساسية لرواية نابوكوف وقصة ليشبرغ : غرفة مستأجرة في الخارج، رجل في منتصف العمر مهووس بصبية متقلبة المزاج، في الثانية عشرة من عمرها، ويقيم علاقة حميمية معها، وتنتهي القصتان بموت " لوليتا" .

اثار مقال ميكائيل مار ضجة في الاوساط الادبية الاوروبية والاميركية . وادعى بعض الباحثين المتخصصين في ادب نابوكوف، ان كل هذه العناصر المتشابهة مجرد مصادفات، وهذا امر قد يحدث احيانا في العديد من الاعمال الأدبية . وكان نابوكوف يقول انه لا يعرف اللغة الالمانية .

The Two Lolitas - اللوليتان

وفي عام 2005 أصدر ميكائيل مار كتابا صغيرا باللغة الالمانية تحت عنوان "اللوليتان"

ويقصد بذلك لوليتا نابوكوف ولوليتا ليشيرغ، أورد فيه معلومات جديدة عن العلاقة بين الكاتبين الروسي والالماني، ومدى تأثر نابوكوف بقصص زميله الالماني. وقد ترجم الكتاب فور صدوره الى الانجليزية والفرنسية ولغات أخرى .

ومنذ ذلك الحين لم يهدأ الجدل حول هذا الموضوع، وان كان يخفت لبعض الوقت، ويشتد من جديد مع اكتشاف معلومات جديدة عن علاقة نابوكوف المباشرة وغير المباشرة بليشبرغ وعائلته.

اكتشافات مار الجديدة

لم يكتف مار بتحليل "اللوليتين"، بل قام باستقصاء واسع وبحث طويل في الأرشيفات الالمانية، للوقوف على مدى معرفة نابوكوف للغة الالمانية وعلاقته بأسرة ليشبرج، والقى المزيد من الاضواء على هذه المسالة في الحوار المطول، بينه وبين الكاتب الروائي والمسرحي الالماني المعروف "دانييل كيلمان" الذي نشر نص المقابلة في مجلة " شيشرو " الالمانية، ثم في مجلة " باريس ريفيو " الشهيرة عام 1916 .

وقد اكد الباحث الالماني ان نابوكوف كان يعرف الالمانية جيدا، ولكنه لم يكن يعترف بذلك . وهذا امر في غاية الغرابة، إذا علمنا ان نابوكوف قد ترجم بعض مؤلفات يوهان غوته و هاينرش هاينه من الالمانية الى الروسية. كما قام بمراجعة وتدقيق الترجمة الالمانية لاحدى رواياته، وتصحيح الأخطاء اللغوية والاسلوبية فيها

واعترف نابوكوف في مذكراته المعنونة "تكلمي ايتها الذكريات" بأنه قرأ اعمال توماس مان وفرويد بالالمانية . ان من يترجم من الالمانية، أو يصحح النصوص المترجمة الى هذه اللغة، لن يجد صعوبة في قراءة مجموعة قصصية المانية.

من المعروف ان نابوكوف قضى خمسة عشر عاما في المانيا بين عامي ( 1922-1937). وتوصل الباحث الى ان نابوكوف وليشبرغ كانا يقيمان في الحي نفسه في برلين، وان نابوكوف كان يستأجر غرفة في منزل سيدة تمت بصلة القرابة الى ليشبرغ، الذي ربما كان يزور قريبته . ويكاد الباحث يجزم بأن نابوكوف قد قرأ مجموعة قصص "جوكوندا اللعينة ". وكان ليشبرغ كاتبا على هامش الأدب الالماني، وصحفيا برز خلال العهد النازي بعد

وصول هتلر الى السلطة . ثم طواه النسيان تماما، قبل اكتشافات مار المثيرة .

في عام 1937 كتب نابوكوف رسالة الى زوجته فيرا يتحدث فيها عن صاحبة المنزل الذي اقاما فيه من عام 1929 الى 1932 . وهذا يشير الى ان علاقة نابوكوف لم تنقطع بصاحبة المنزل خلال السنوات الخمس التالية .

هل يمكن القول اننا امام عملية انتحال؟. من الصعب تأكيد ذلك، حتى لو افترضنا ان نابوكوف كان على دراية بقصص ليشبرغ، لأننا لو تتبعنا اعمال نابوكوف الادبية لوجدنا ان صورة الحورية الصغيرة لم تكن تغادر خياله. وقد رافقته لفترة زمنية طويلة، وكان يعود اليها بين حين وآخر .

ثمة اشارات في العديد من اعمال نابوكوف الشعرية والنثرية، الى الحورية الصغيرة، منها على سبيل المثال لا الحصر قصيدة (ليليث) التي كتبها عام 1928 عندما كان يعيش في برلين، وهي تتناول قصة حب متخيلة بين الراوي وبنت على عتبة المراهقة ..

وفي عام 1933 نشر تابوكوف رواية " الكاميرا الغامضة" عن قصة حب مؤلمة لرجل بالغ لصبية صغيرة، وكذلك رواية " ادا" التي تتناول قصة حب مماثلة حيث تستسلم صبية صغيرة في الثانية عشرة من عمرها لزميلها (فان)، الذي يكبرها بعامين. ولنابوكوف رواية قصيرة بعنوان " الساحر " كتبها في باريس عام 1938، ولم تنشر خلال حياته . وكانت آخر رواية كتبها باللغة الروسية . وقد قام ابنه ديميتري بترجمتها الى اللغة الانجليزية في عام 1986 ونشرت في العام التالي، وهي ذات حبكة مشابهة لرواية "لوليتا" . ومن حقنا ان نتساءل هل كان نابوكوف نفسه مهووسا بالحوريات الصغيرات؟

اوجه التشابه العديدة بين اللوليتين لا يمكن أن تكون محض مصادفات . ومع ذلك لا يمكن اتهام نابوكوف بالانتحال المتعمد، بل اننا امام عملية اعادة صياغة لحبكة قصة ليشبرغ، وتحويلها الى عمل فني كبير وممتع. وهذا هو التفسير الأكثر ترجيحا للتشابه المدهش بين (اللوليتين).

 

د. جودت هوشيار

 

 

محمد غانيفي حياتنا اليومية وفي سفرنا الوجودي نلتقي أناسا كُثُر، منهم من نوطد علاقاتنا بهم بحكم العلاقات الاجتماعية المتفاوتة رُتبا، تفاوتا كبيرا، ومنهم تبقى علاقاتنا بهم باردة لاننا لا نعرف عنهم الكثير او لاننا لا نلتقي بهم بالضرورة الا نادرا.

لا شك ان هاته العلاقات البشرية ثروة ولاشك، ان هي استثمرت من كلا الجانبين، وذلك بالحفاظ على المشترك، والبحث عن الابعاد الانسانية التي يمكن ان تتقوى، فنقويها ونجعلها تشتد لتصبح اكثر صلابة، لكن مع الانتباه الى ان الاناس الكُثر الذين نلتقيهم في طريقنا اصناف تتباين درجاتهم في الغباء والذكاء، كما في الانانية والايثار،و تختلف رتبهم في الاعتراف والجحود، كما في الرجولة والخذلان، الى غير ذلك من المتقابلات الاخلاقية التي يمكن ان يتحلى بها بنو آدم حُلا اخلاقية.

يعبر عن بعض ذلك الاديب الانجليزي ويليم شيكسبير في حكمة بليغة قائلا: "ستواجه صنفا لا يفكر الا بنفسه، وآخر يخذلك في منتصف الطريق، وآخر  ينكر معروفا لك وكأنه لم تعرفك يوما" ومن خلال المواقف التي يتخذونها، يمكن ان تعرف مكانتهم لديك ومكانتك لديهم، فمن المواقف من يترك اثرا نفسيا جميلا في نفسيتك لا ينسى أو العكس، لذلك يعبر نفس الاديب الانجليزي عن هذا المعنى فيذكر أن موقفا واحدا يمكن ان يختزل آلاف الكلمات.

التعامل مع الآخر له قواعد ينبغي في النهاية ان لا تلهيك عن هدف السفر الوجودي لذلك ينصحك ويليم شيكسبير بأن لا تسمح لأي مخلوق ان يحبطك لا فكريا ولا عمليا ولا عاطفيا، لا تسمح لهم ان يأخذوك الى زاوية التعساء، لان الاقتباس وصف انساني لاصق، كل يبحث عمن يقتبس المزيد لكن ينبغي التركيز على أي مدد نود اقتباسه، فالاحبة يسقون بعضهم بعضا مدد المحبة، والتعساء يسقون بعضهم مدد اليأس والتعاسة، لذلك فلينظر كل أحد من يخالل.

ان السعي من اجل اقتباس المزيد من الطاقة الروحية للسير قدما في طريق الحياة ينبغي ان يكون سعيا واعيا بالهدف والمقصد منه، والا اصبح سعيا حثيثا للامتلاء من اجل مجرد الافراغ دون تحقيق للاهداف، انها فلسفة الزاد والرحلة والرفقة والطريق، والتي يخبرها المسافرون من دربتهم في الميدان.

رجال خبروا سير الحياة لا بد من الاقتباس من اناراتهم، التي تركوها علامات تشوير على درب الحياة، يعلن الحكيم الانجليزي وليم شيكسبير عن اهمية الصبر في مسيرة الحياة قائلا "مساكين من لا يتحلون بالصبر، فأي جرح هذا الذي لا يلتئما لا بشكل تدريجي".

يبقى النهوض بعد السقوط من اهم مبادئ السير على الطريق والذي تعلمناه منذ نعومة اظفارنا، ذلك انه لولاه لما كنا نمشي في يوم الناس هذا، فلولا اننا تعلمنا المشي قبل الوعي بخطورة السقوط الذي كنا نسقطه من ذي قبل، خلال تعلمنا للمشي لما استطعنا المشي أبدا، لكن سنة الحياة هي ضرورة النهوض بعض السقوط، هذا المبدأ جعله شكسبير اول سمات الرجال حيث عبر عنه قائلا"معاودة الكفاح بعد الفشل يشير الى معدن الرجال".

 

د. محمد غاني، كاتب- المغرب

 

محمد ايت علوعُزلَةٌ في الدَّاخل وأخرى في الخارج، وكأنَّني مِنَ العابرين السُّراة ليلا، وقد اختَفواْ في أوَّل جُنْحِ الظَّلام مع المَطرِ والضَّبَـابِ الـكَثيفِ، إغترابٌ مُـتَعدِّد، وكَم تُؤَرِّقُني هذه الوحدة والـغُربة الـتي تَـجْتاحُـنِي وأَحْيَـاها، وكـأنَّهُ ليس لي عَنْها مهرب! وأصرخُ في عزلتي، ربما ضاقت الأرض، غريب أينما حَلَـلْتُ، أَدورُ في صَـخبِ الـذَّهاب السَّريع من مكان إلى مكان، غربة إعتدتها منذُ صغري، تنقلات تِلْوَ أُخْرى، وقد ضاقت مَلاعِـبي في آمَـالٍ مُـشَرَّدَة، سفـرٌ في كلِّ حين، ووجوهٌ بلا عدد، ومدن لا تنْتَهي، وضَجر ملازم، وجمر واحتراق، وسلام بلا أحباب، وحاضر فـي الغِـياب، ثم كأنك بلا أثر أو خبر مضخماً بقَـلقٍ بَـال، يأكلني الإغْـتراب حتى أَقْـسى الـتِّيه، يُؤلِمني الإجتـرارُ، فَـأَجـرُّ أَقْـدامي، وحيداً بِـلا أصحاب، وحيداً بلا أحباب، غَـريباً بِـلا أَهْـل، فَـمَا أَضْيَعَني....! ثم تَطول بي الطريق، نحْـوَ الآمال التي قطعتْ أعناق الرِّجال، كالسَّراب خانَ من رآه، وأخْـلَـفَ من رَجاه... ثم أجُرُّ أقدامي مرَّةً أُخْرى مـن سفَـر إلى سفـرٍ، سفر في الحنين، سفر في الأنين، وفي طول الغياب، يأخذني ببهْـجتي يُؤنِسُـني، يُناجِيني، يَهْمِسُ لي: طوبَى للغريب ومَرحى، ثم يَتَسرْبَلُ بي غيابي في هذه الحياة الغَريبة، منذُ حَمَلتْـنا في العربة من بين حقائب ماضيها..فأغيبُ....

أنا الضَّيفُ، أنا الطَّيْفُ، أنَا الغريبُ، أخرجُ كاليتيم ولم أتخيَّرْ واحداً من الأصحاب كيْ يُؤْنِسُني في رِحْلتي، لأبدأَ مِنْ جَديد، فَأُحَاوِرُني: مَنْ أَنْتَ؟ وما تُريد؟ كَمَن يبحَـثُ عن شيءٍ ضائعٍ أولاَ وُجودَ له، أو كمن يبحَثُ عن إِبْرَة داخِـل كَـوْمَة قَـش! داخِلِي يَـرْتَجِفُ بشكْلٍ بارد، أتساءلُ: مَا آخرالطريق؟ وهل عَـرفْتَ أَوَّلَـهُ؟ وفي الأخِير بقايا ذكريات لاَ تبكي ولا تبتسم! سنوات وسنوات بلا عَـدد ولا حِساب، والعمْرُ يمضي مثل السحاب، ولم أُعد أي جواب، فما أَضْيَعَنِي....

وكارْتِـجاجِ صَـدى في بئر، تتلاحقُ المَوْجات داخل جسدك، لترتَديَ إغترابَك منْ جَديد!

أنا الغريبُ، أسألُ نفسي ماذا أفعلُ هنا؟ أحياناً تُوَشوشُ في صَـدْرِي قـصص العابِرين في صَمت، وقد مَرُّوا مـن هُـنا دون أن يَـقولوا كَلاما، أو يصدروا سلاما، أو يَتْركوا وصايا، لكنَّهم كانوا يَـحلمون بحياةٍ جَـميلة، وبمطر دفَّاق، وبالخبـز والـورود، وكانوا يـتمَنَّون، ويودون أن يفضل الناس أطفالاً ضاحكِين للأبد...!لكن، ها نحن مازلنا نموت على الكآبة، ونحيا على الغِلِّ والحِقْـدِ وسوءِ الطَّـوايَا  والنَّوايا...!

أنا الغريب، أسألُ نفسي ومن جديد، ماذا أفعل الآن هنا؟

وما آخرُ التِّرْحال؟ وكلُّ شيءٍ ينهارُ، يذوبُ، يزول، وكأنه لم يكن...! كأنَّـهُ رَسْـمٌ على الـماء، أو نَقْشٌ على الرمال، وهمٌ محْـضُ سَـراب، مُتَـعٌ وحياةٌ مليئةٌ بالتعاسة، والعزلة، ممزوجةٌ بالكدر، وراحَتُها مَقْرونة بعناء، شدة ورخاء، نعمة وبلاء، ولا يدوم نعـيم ولاَ رخَـاء، ثُم هي تَـنْتَهي بسرعة البَـرق، متع مآلها الزَّوال... فمَـا آخرُ التِّـرحال، هذا هُو السُّؤال؟ هذا هُو السُّؤَال؟

أَحْفِرُ في ذاكِرتي...أنفضُ عنها غُبار الأسْفَار الطويلة..ومرَّةً أُخْـرى أَحُـطُ رحالي بشَطِّ الـغُرباء، ولم يكن هناك من وجه لِيُودِّعني يـوم رحلت، حتى يكون هُـنا وجه ليلقاني، ولا منديل يلوح لي...وكأنني سـندباد هذا الزمان، وكأني أكملت الرحلات السبع، وهاهي العـشر على الأبـواب، وكم أريد ...، وما عدتُ أخافُ الطريق، فأنا الغَريبُ...ثم نلتقي بعد سنين، فهل سيكون في العيون وجدها، أم نلتقي كالأصدقاء القُدامى يُودِّعون أو يسلمون في فتور؟!

أشعرُ بانقباضٍ لا أدري له سبباً عند كل رحيلٍ، وفي كل مرَّةٍ يتضاعفُ أكثر، وأشْعُر كأنه الوداع الأخير...! ثم أسأل نفسي: - ما دمت قد اعتدت وألفت الفراق، فلم الحزن...؟!

ها هو ذا هيكلي! فيا وحشة الغربة! ثم هُم قد يسألون: ترى هَلْ عاد من غربته؟ يا طولها من غربة! يا طولها شَوقُهُم المضطرب والألم، رعْشَـة مِـنْ وَهَجِ الجَلالِ، يتساءلون متى افترقنا؟ متى التقينا؟ أَذْكُـرُ ذاتـي، حـينَ أزورها تبعدني في خصام! فأجُـرُّ اغْـترابي، طَـريداً وحـيداً غريـباً ، ثم يطول بي الطريق، من سفر إلى سفر، سفـر في الحنين، سفر في الغياب، يأخذني ببهجتي، يتسربل بي، وقد أغيبُ عنه للأبد...

هذا أنا وهـذه متاعبي، كـما اليوم، كما الأمس، وأنت كما أنت، كـل شيء جاثمٌ مثل وحْـشٍ كاسرٍ حَطَّ على السَّفْح يترقَّبُ نهايته، فيعود للقمـة، ليستريح هناك! كِلانَا شيءٌ من الإحتمال...، قد نَنْزاحُ في هدوء...! وقد حل الأمس محل الغد، والسماءُ رمادية، وهذه الريح العاتية تُدوي بالشتات، تُوَزِّعُني بين مساءات باردة، هي قادمـة لا مـحالة. وما عـلي إلاَّ أن أستبشر...فقد يتناهى الغيث المدرارُ، وتنحث غمامها عند الوقوع على شبابيك النوافذ.

عُزلةٌ في الداخل وأخرى في الخارج، وكأنني من العابرين السُّراة ليلا، وقد اختفوا في أوَّل جُنْحِ الظلام مع المطر والضبابِ الكثيفِ، إغـتراب متعدد، وكم تؤرقني هذه الوحدة والغربة التي تجتاحُـني وأحياها، وكأني ليس لي عنها مهْـرب! وأصرخ في عزلتي، ربما ضاقت الأرض، غريب أينما حللت، أدور في صخب الذَّهابِ السَّريعِ من مكان إلى مكان، غربة تِلْوَ أُخرى، وقد ضاقت أبوابي ودروبي وملاعبي في آمال وأحلام مشردة...وهاهي الأدعيةُ المرضيةُ وها مَدَدُ الصَّبْر، وها هي ذي الإشراقاتُ تكتَنِفُني...

غيرذاك الباب،

مُحاولتي الأخيرة لأن أكون سعيداً!

وقد هيأت للتِّرْحالِ ــ من وجع الفؤاد ــ مراكب،

أَشُمُّ رائحةَ الاخْضِرار،يتَّسِعُ القلبُ،

يسكُنُني النُّورُمن بدايته!

أراه بروحي،وبقلبي أراه ويأْسِرُني!

يَحْملُني إلى آفـاقِـهِ الرَّحْبَـهْ،

ولن أخيب، هو البابُ الحَقُّ، حين تُسَدُّ كلُّ الأبْـوَاب...!

***

محمد آيت علو

 

ابو الخير الناصريمن الكلمات التي انحرف بها المنحرفون عن حقيقة معناها في لغتنا الجميلة كلمة "النضال" التي لم تعد عظيمة القدْر رفيعة الشأن كما كانت في أزمنة مضت، وصار مَنْ شاء يُطلقها على مَنْ شاء دونما تدقيق أو تحقيق، حتى لقد صار بعضُ الناس لا يستحيون أن يَصفوا أنفسَهم بالمناضلين وقد عهدنا المناضلين حقا يشتغلون بالعمل وبذل الجهد، لا بالصفة التي تشتهي أنفسهم أن يُحَلَّوْا بها.

لذلك رأيت أن أكتب هذه الكلمات في بيان معنى هذا اللفظ، لعل قارئا كريما يستفيد من هذا البيان فيَدعو لي بِظَهْر الغَيْبِ دُعاءً أنتفع به إن شاء الله عز وجل.

وردَ "النضال" في معجم الدوحة التاريخي للغة العربية بثلاثة معان:

- النِّضالُ: المسابقةُ في الرَّمْي.

- النضالُ: المباراةُ في الشِّعْر ونَحْوِه.

- النضالُ عنِ الشيء: الدفاعُ عنه.

وإلى هذا المعنى الثالث أشار صاحب "لسان العَرَب" في قوله: "ناضلت عنه نضالا: دافعت"، وهو معنى مستنبَط – وَفْقاً لمعجم الدوحة التاريخي – من قول كثيّر عزة مادحا عبدَ الملك بنَ مروان:

فلِلَّه عَيْنا مَنْ رأى مِنْ عِصابَةٍ    تُناضلُ عن أحْساب قَوْمٍ نِضالَها

انطلاقاً من هذا يمكن القول إن النضال هو الدفاعُ عن شيء أو أمر. إنه نوعٌ من النُّصْرة وبذل الجهد لتحقيق مقصد من المقاصد الشريفة، وفي بيت كثيّر إشارةٌ إلى ذلك؛ لأنه تحدث عن جماعة تُناضلُ عن الحَسَب، وهو من مناقب الإنسان ومفاخره.

وقد كانت العرب قديما تُناضل عن أعراضها شِعْرا، وكانت القبيلة تفرح بنبوغ شاعر من أبنائها «لأنه حمايةٌ لأعراضهم، وذَبٌّ عن أحْسابهم، وتخليدٌ لمآثرهم، وإشادةٌ بذِكْرهم» كما قال ابن رشيق في كتابه "العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده".

كان الشاعر الجاهلي مناضلا لأنه يدافع بأشعاره عن قبيلته، فيَحْمي عِرْضها، ويُشيد بذكرها في مواجهة غيرها من القبائل، وهو معنى جميل وجليل في السياق التاريخي الذي كانت القبيلة العربية فيه محتاجة إلى مَنْ يَدْفَعُ عنها العار بالشعر كحاجتها إلى من يدفعه عنها بالسيف. ولم يكن الشاعرُ يَسْأل حينئذ أسكان قبيلته على حق أم على باطل، فقد كان من حِكَم الجاهلية أن تنصر أخاك ظالما ومظلوما.

غير أن الأمر لم يستمر بهذا الإطلاق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، خصوصا بعدما قدم خاتم النبيئين معنى جديداً للنُّصْرة والدفاع عن الإخوان، فدعا إلى الدفاع عن الأخ إنْ كان مظلوما، وإلى زجره ومَنْعه من الظلم إن كان ظالما.

هكذا صار المراد بالنضال الدفاعَ عن المظلوم الذي حُرمَ حقا من حقوقه، كما صار من النضال أيضا بذل الجهد لزجر الظالم ومنعه من التمادي في الظلم، وهذا معنى ثانٍ للنضال لا ينتبه إليه الكثيرون.

والحق أن هذا المعنى المستفادَ من البيان النبوي لمفهوم نُصرة الإخوان هو المعنى الصحيح الذي استقر في أفهام الناس قرونا عديدة، لذلك عَدُّوا مناضلا مَنْ يدافع عن المظلوم المُعْتَدى عليه؛ فالمناضل مَنْ دافع عمّن سُرق مالُه، ومن سُلبَ حريتَه، ومن اعتُديَ على شرفه، أو اغتُصبتْ أرضُه...وليس مناضلا مَنْ دافع عن السارق، ومن استعبد غيره، واعتدى واغتصب...فالقضية التي يتجرد الشخصُ للدفاع عنها هي ما يحدد كَوْنَه مناضلا أم لا، فإن دافع عن الحق فقد ناضلَ، وإلا فلا.

هذا، ولا بد أن يصاحبَ الدفاعَ عن الحق تجردٌ له وتنزُّه عن تسخير هذا الدفاع سبيلا لتحقيق مصلحة شخصية، وإلا كان هذا المدافِع انتهازيا واستغلاليا؛ وذلك لأنه لم يقصد النضالَ، وإنما قصد ما وراءه من مصلحة خاصة.

ومن المؤسف حقا أن كثيراً من الناس في زماننا يرددون "النضال" و"المناضل" في غير المعنى الجليل الذي تقدم بيانُه، فصرتَ ترى كلَّ مَنْ خرج إلى الشارع حاملا لافتة وطالباً شيئا يَصِفُ نفسَه ويصفه أنصارُه بالمناضل، وكلّ من نظم مسيرة ورفع الصوت بالشعارات يوصف بالمناضل، مع أنه قد لا يكون له من النضال سوى الادعاء وانتحال الصفة.

وكم من مسيرةٍ نُظمتْ لم يكن القصد من ورائها الدفاع عن الحق وذويه، وكم من أصواتٍ رُفعتْ كان الداعي لرفعها قلة الحياء التي تمنح صاحبها جرأة على المطالبة بما يعلم يقيناً أنه ليس من حقوقه المشروعة.

 ولستُ أعجب لشيء كما أعجب للذين يُصفقون لهذه الأصوات وتلك المسيرات وهم يَعْلمونَ عِلْمَ اليقين أنها ليست من النضال في شيء.

ألا فلتعلموا أنكم بهذا الصنيع لا تُحرفون كلمة "النضال" عن موضعها ومعناها فحسب، ولكنكم تسهمون في إتلاف ما بقيَ في حياتنا من مَعانٍ جليلة، وشَرُّ العيش أن يعيشَ الإنسان بلا معنى !

 

أبو الخير الناصري

 

فيصل عبدالوهابجرت في جامعة تكريت\ كلية التربية للبنات في 20\11\2019 مناقشة أطروحة الماجستير عن التعالق النصي في شعر فاضل العزاوي للباحث عبدالخالق فياض علي حيث أورد في مقدمته تعريفات متعددة للمصطلح ومرادفاته وأوضح أن الناقد محمد مفتاح هو أول من استعمل مصطلح "التعالق النصي" بدلا من المصطلح الشائع "التناص"، ويبدو أن الباحث قد اعتمده في أطروحته كأساس دون غيره من المصطلحات وهو ما تساءلت عنه عضوة لجنة المناقشة د. نفلة حسن وعن السبب الكامن خلف ذلك. كما أورد الباحث ما اصطلح عليه في هذا الصدد في النقد العربي القديم ومنها "السرقات الأدبية" و"الأخذ" و"الإشتراك في المعنى" وغيرها. وقد انتقدت د. نفلة الباحث في ان تحليلات النصوص التي تناولها لم تظهر الجمالية فيها. كذلك نبهت الباحث إلى ما ذكره في المقدمة بأن فاضل العزاوي يعد في طليعة شعراء العصر الحديث وقالت يحسن أن يكون في طليعة الشعراء المعاصرين لأن الشاعر ينتمي إلى عصر ما بعد الحداثة كما نبهته إلى إهماله لناقدة عربية كبيرة هي سلمى الخضراء الجيوسي التي أطلقت على التعالق النصي "التضمين" أو "الإشارة". ثم أشارت د. نفلة إلى أنه بالإمكان وضع الموروث الديني ضمن الموروث الأدبي ولا حاجة للفصل بينهما مثلما قام به الباحث حيث يقول طه حسين أن الكلام يقسم إلى ثلاثة أقسام: شعر ونثر وقرآن، لأن القرآن أرقى أنواع الأدب. أما عن استخدام القناع فقالت الأستاذة أن القناع مرتبط بالرمز وبينما توجد مرجعية في التعالق لا توجد مرجعية في الرمز. كما انتقدت الأستاذة الباحث في اعتماده على كلمة "أنا" في ربط تعالق بين نص فاضل العزاوي ونص المتنبي: أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي.. وقد لاحظت الأستاذة أن الشاعر يتجاوز في شعره على الذات الإلهية لذلك انتقدت الباحث في مدحه للشاعر في هذا السياق، كما لا ينبغي دراسة شخصية النبي نوح ضمن الموروث الأسطوري لأنه حقيقة وليس أسطورة. كما أن سيف بن ذي يزن ليس شخصية أسطورية لذلك لا يمكن دراسته وفق هذا السياق. ثم أشارت الأستاذة إلى أن الفصل الأخير من الأطروحة لم يكن متكاملا وليس له علاقة بالتعالق النصي وكأن الباحث قد كتبه على عجل.

وأيدت أ. م. أحلام عامل هزاع زميلتها في أن الأطروحة تخلو من الدراسة الجمالية وقالت ينبغي أن يكون عنوان الأطروحة: التعالق النصي في شعر فاضل العزاوي فقط وبدون دراسة جمالية. كما قالت أنها تفضل مصطلح التناص على مصطلح التعالق النصي. كما وافقت زميلتها بأن الفصل الثاني من الأطروحة وهو عن الموروث الديني ينبغي أن يكون قبل الموروث الأدبي باعتبار أسبقية القداسة. وانتقدت الأستاذة الباحث في أنه لم يوضح الحدود العامة للسرقات الأدبية. كما أشارت الأستاذة إلى وجود مقاييس عامة للجمال ينبغي اعتمادها بالاضافة إلى الذائقة. ثم اتفقت مع زميلتها بضرورة استبدال النصوص الشعرية التي تتجاوز على الذات الإلهية في شعر الشاعر الذي يدرسه الباحث. واختتمت الأستاذة نقاشها بالقول أن الباحث قد نجح في الكثير من المواضع في الأطروحة.

ثم شرع أ. م. د. عبدالله حسن جميل رئيس اللجنة في نقاشه بالقول أن على الباحث أن يلتزم بالمنهجية العلمية في الرسالة من بدايتها إلى نهايتها وأن يجتاز النصوص التي تتجاوز على الذات الإلهية فضلا عن ذكر كلمة "خلق" فهي من صفات الله تعالى. وقال كذلك ينبغي على الباحث أن يكتب الترجمات ويشمل الجميع لا أن يذكر البعض ويهمل البعض الآخر. وانتقد الأستاذ الباحث في اعتماده الواسع على موسوعة ويكيبيديا وإنما ينبغي أن يشير إلى المصادر المعتمدة. وقال أيضا على الباحث أن يهتم بتخريج النصوص من مصادرها الأصلية وأهاب الأستاذ بالطلبة بالتأني وعدم الاستعجال في كتابة رسائلهم الجامعية لتلافي كثرة الأخطاء. كما فضل الأستاذ استخدام مفردة "طالب" على مفردة "باحث" لأن شروط الباحث صعبة ولا يمكن حيازتها بسهولة حتى لطالب الدكتوراه فالمسيرة طويلة وشاقة. كما أنه قال أن مصطلح "طالب" ليس بالشيء الهين وإنما تحمل دلالات كبيرة.

وقد سأل د. عبدالله الباحث عن مغزى استخدام القناع في شعر فاضل العزاوي فأجاب الباحث بأن سجن الشاعر في بغداد قد فرض عليه أن يتقنع بقناع لمواجهة الوضع السياسي السائد آنذاك ، لكن د. عبدالله وجد تفسيرا آخر للموضوع بالقول هل هو مجرد الهروب من السلطة أو من نقد الآخرين أو أنه أراد أن يشحن النص بتقنيات وادوات فنية تجعل القاريء يبذل جهدا في سبيل الوصول للمعنى والتخلص من فجاجة المباشرة. كذلك سأل د. عبدالله الباحث عن الفرق بين التناص والتعالق فأجاب الباحث أن التناص يعني اقتباس النص نفسه دون تغيير لذلك فالتعالق أشمل من التناص، فقال د. عبدالله أنه قد وجد تناصا وليس تعالقا في الأطروحة فالأولى أن يكون عنوان الأطروحة "التناص" وليس "التعالق". كذلك انتقد د. عبدالله الباحث لاستعراضه تعريفات للنص دون أن يتمكن من استخلاص تعريف خاص به تظهر شخصيته فيه كباحث وقال ينبغي أن تكون له شخصية واضحة في الأطروحة في التعريفات واختيار النصوص وتحليلها. وقد اختلف د. عبدالله في رأيه بخصوص تقديم الموروث الديني على الموروث الأدبي الذي قالت به زميلتاه بأن عد القداسة ليست هي الموضوع في التقديم والتأخير وإنما الكثرة والقلة فيقدم الذي توفرت فيه تناصات أكثر وهو الموروث الأدبي.

كما لم يشر أي من الأساتذة المناقشين إلى قصر سيرة الشاعر في الأطروحة حيث لم يتاولها الباحث بشيء من التفصيل كي تضيء النصوص التي تم تحليلها وكان من المفترض التوسع فيها لما لها من أثر كبير في شعره وتوجهاته.

وفي نهاية المناقشة أثنى الأساتذة على الجهد الكبير الذي بذله الباحث في أطروحته المميزة وكذلك جهد المشرفة أ. د. لقاء نزهت سليمان في إدارة الأطروحة.

 

د. فيصل عبد الوهاب

 

محمد جهاد اسماعيلقمرٌ على بيروت، هو اسم المجموعة القصصية الكئيبة الجميلة، التي كتبها زياد عبد الفتاح إبان العدوان الإسرائيلي على لبنان ومنظمة التحرير في 1982. شعرت أثناء قراءتي هذه المجموعة القصصية أنني أتواجد في بيروت الغربية، وأنني أعايش مع أهلها تفاصيل الحرب. فإذ بأنفي يشتم رائحة البارود والموت، وعيني تفجعهما رؤية الدماء والأشلاء، وقدمي تبرطعان في الشوارع على غير هدى، هرباً من السيارات المفخخة والغارات الغادرة المجنونة.

شعرت بهذا الاندماج الرهيب مع بيروت ومأساتها، لأن المؤلف أخذني في تطواف مؤثر، على يوميات الحرب ومشاهداتها. لأجد أمامي تفاصيلاً مثيرة، حول الحياة الاستثنائية الغير طبيعية، التي عاشها المدنيون والمقاتلون والمسعفون والباعة والعشاق والأطفال طيلة ثمانين يوماً أو أكثر. لقد أذهلني كفاح البشر في بيروت، وإصرارهم على افتكاك البقاء، من قلب قبضة الموت.

وجدت أثناء قراءتي هذه المجموعة القصصية أن عملية السرد أو القص تدور كثيراً، حول الملاجئ والملتجئين إليها. فكثير من القصص التي قرأتها تتخذ من الملاجئ مسرحاً لأحداثها. وقد شعرت مع ذلك أنني أمام جنس أدبي فريد، يجوز لنا أن نسميه أدب الملاجئ. 

رغم قتامة الملجأ ودلالته المحبطة، كونه ذاك الركن السفلي المشحون بالخوف والترقب والنوستالجيا. إلا أن المؤلف صنع منه مكاناً اعتيادياً ينبض بالحياة. ففي أحد القصص كانت هناك حفلة عرس بداخل ملجأ، حيث العروس تزف إلى عريسها، والمغني يغني، ونزلاء الملجأ يتقمصون الفرحة.

في قصة ثانية كان الملجأ هو السكن الدائم لموريس الأرمني، الذي بدا أمثولة في الإنسانية والفداء. لقد كان موريس ينبت دوماً من الملجأ كالأبطال الخارقين، ليغيث الملهوفين من ضحايا الحرب، ويسجل مواقفه الإنسانية النبيلة.

في قصة ثالثة رفض البطل أن يرافق حبيبته إلى الملجأ، فتركها تذهب وحدها. وبعد أن جاءت الطائرات ودكت الملجأ، اكتشف أن القنابل أذابت حبيبته وأفنت وجودها. فندم ندماً شديداً أنه فارقها، ولم يشاركها مصيرها.

في قصة أخرى قصد الفدائيون أحد الملاجئ، ليبحثوا فيه عن طرف خيط، يقودهم لمعرفة من يقف وراء السيارات الملغومة، التي تنثر الحتف في كل أنحاء بيروت الغربية. ثمة جاسوس كان في قبضة الفدائيين، وكانوا يتولون مهمتي تطبيبه والتحقيق معه في داخل الملجأ.

تتبدى لنا في القصص السالفة - بل في سائر المجموعة القصصية - الكثير من ملامح أدب اللجوء والملاجئ. لكن يبقى أعظم أثر للمؤلف هو قيامه بأنسنة الملجأ، من خلال تقديمه إياه في سياق سوسيولوجي مشوق. لقد أبدع المؤلف في أنسنة الملجأ، ونجح في تفعيله ونسج الحكايات حوله، رغم ما للملجأ من كينونة كهفية ستاتيكية، وإيحاءات مزعجة منفرة، يفر منها الكثيرون.

 

محمد جهاد إسماعيل

كاتب فلسطيني

 

محمد صالح الجبوريوسائط النقل كانت قليلة، وخاصة في القرى والأرياف، في فترة الستينات، كان الباص الخشبي هو الواسطة الوحيدة في ذلك الوقت، وعندما يقترب موسم الحج يقوم الأهالي الراغبين بالحج بتسجيل أسمائهم، وشراء مستلزمات الحج، والتحضير للرحلة التي تستغرق عدة أشهر، تمر عبر الأردن وفلسطين والتوجه إلى الديار المقدسة، وخلال الرحلة يقومون بطبخ الطعام وغسل ملابسهم، الرحلة تنطلق بتوديع الأهالي والدعاء لهم أن يذهبوا سالمين ويعودوا غانمين، الرحلة البرية طويلة، وهذه كانت قبل نكسة حزيران عام ١٩٦٧م، كان جدي أحد الحجاج الذين كانوا في الرحلة، وقد بعث برسائل ورقية عن طريق البريد، كانت ترافق الحجاج بعثة صحية لتقديم العلاج لهم، وبعثة إعلامية لنقل رسالة الحج اليومية عبر الإذاعة تتضمن مقابلات وأخبار الحجاج، في هذه الأيام يقوم الحجاج بالعبادة والدعاء في هذه الأجواء الإيمانية، عند عودتهم يُستقبلون بالحفاوة والتكريم  من قبل الأهالي، عودتهم ميمونة ومباركة، ويقوم الناس بالسلام عليهم والدعاءلهم بالحج المبرور والسعي المشكور والتجارة التي لاتبور، يجلبون معهم الهدايا، ويقدمونها للزوار، وتنحر الذبائح بقدومهم، وتقام الولائم، ويُعم الفرح والسرور  ابتهاجاً بسلامتهم من كل مكروه. والحج فريضة وركن من أركان الإسلام، وحج مبرور وسعي مشكور للجميع، تحياتي لكم.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

قاسم ماضيللشاعر حامد حسن الياسري

ماء نهريك شهد

وقلبك نبض الوجود ص82

في نصوص الشاعر العراقي "حامد حسن الياسري" وهو الشاعر الحالم، والناقد والمثقف الكبير، والقائل وهو يلامس أبناء انتفاضة تشرين التي يعيشها أبناء الشعب العراقي الأن. وهو عاشق يعيش الحب والأمل .

تجاوزت حد التوقف

تقربت

صار مداري وطن لليتامى

اعتنقت النضال

وحدقت في وطني

ساعة الموت

والمنايا تدور عليها الأماني ص26

وقد عرفته عن قرب في مدينتي "الثورة" تلك المدينة التي ولدت ُ وترعرعتُ فيها، وهي مدينة لا تشبه المدن، ففيها الكثير من الفنانين والأدباء والفقراء وهو القائل " على الأغلب لم تتوفر الإمكانية المادية التي تساعد على الطباعة والنشر " ص3

هكذا كانت حياته، وكان دؤوبا في حركته بعيدا عن الأضواء، وهو من الذين رسموا معالم الدرب للأجيال السائرة في نفس الإتجاه الشعري والأدبي، عبر مخالطتهم وتوجيههم بالطرق الصحيحة .

لقد جاء يوم التوحد

والزحف

نحو المدى

والسماء ص26

والشاعر "الياسري" يكبرني بسنوات، وهو يعمل ليلأ ونهارا من آجل مناصرة المظلومين والفقراء وهو يعمل بصمت، كانه ملاكأ وطائرا يغرد من بين جيله الذي عاصره، الذي يطلق عليه جيل السبعينيات، له مشاركات في الصحف والمجلات، بالإضافة إلى مشاركاته العديدة في معظم المحافل الأدبية التي كانت تقام هنا أو هناك، وله صولات وجولات في عالم الإبداع الأدبي منذ نعومة أظفاره، ومنها الشعري الذي بصدد الكتابة عنها وإيصالها إلى القارئ، وبالذات عن ديوانه الصادر حديثا "وطني أي هذا الجنوب" الصادر عن دار زاكي للطباعة – بغداد ويقع في 95 صفحة من القطع المتوسط

.وانطلاقا من فلسفة "ما لارميه" والتي تقول أن تسمية موضوع القصيدة يحكم ثلاثة أرباع الاستمتاع بها "وبهذا رفض شاعرنا" الياسري " هذه الفلسفة وجسدها بإلتصاقه مع الواقع، لأن الموضوع يشكل سياقا تفهم القصيدة من خلاله، وان غياب الدلالة يكون مرتبطا بغياب الموضوع، ولهذا ظل الياسري وفي جميع قصائده مرتبطا بالواقع ومناصرا قضايا العالم، وهو الذي رسم قصائده المعبرة والتي تحمل الكثير من الدلالات، منطلقا من معنى كلمة قصيدة وهي قصيد وقصائد، وهي ضرب من ضروب الأدب العربي الذي طالما قسم إلى شعر ونثر .

وتخضر هذي السهول

وأن هواك هواء العراق

وجرحك جرح العراق ص84

والشاعر له تجارب عديدة في هذا العالم التنبؤي الذي يرسمه بدقة عبر صوره الشعرية التي تحمل الكثير من المقاربات في التشبيه والمعاني العميقة وكذلك الاستعارات،وان جراحة مستمرة لما يعانيه هذا الكون من ازمات، ويظل ينزف شعرا ًبلا ضجيج أو ادعاء، ويدور في فلك القصيدة سواءا كانت قصيدة عمودية أو تفعيلية، وهو الذي يعبر عن خلجات روحه الملتهبة بأنين ما يدور من حوله عبر قصائده الكثيرة التي تحمل الأنين والشجن والحنين .

يتفيأ فيه الشعب،

ويرقص فيه الأطفال ص33

والتي لا زالت عالقة في عقول محبيه ومتابعيه، وحين تتدفق كلمات أي شاعر ومنهم "الياسري" في هذا الكون المترامي الأطراف، لتعبرعن انتمائه لهذا الوطن المجروح، الذي لا يتخلى عنه ومهما كانت الأسباب، وهو وسيلة لنقل تراث أمته وثقافتها، والشاعر لصيق حالة ويؤرخ لمرحلة من مراحل البشرية من خلال إحساسه المرهف والمولع بحب الوطن،وحتى لا تغيب عن أذهاننا وحسب ما كتبه من سبقونا، بإن الوطن يسكن معظم الشعراء الذين تغنوا به ورسموا صوره في أذهان الآخرين .

" يكبر في أعماق الناس الفقراء

على مر الأزمان

نشيداَ يصدح للوطنية " ص38

والشاعر " الياسري " يبقى متواضعا كالأرض، مشرقا كالشمس، ولا يزال يعبر عن أساه، فهو إنسان مبدئي، لم تسجل في تاريخه إساءة لأحد رغم كونه واسع العلاقات، وفي بداية الديوان يقول الياسري في مقدمته " هذا الديوان يحتوي على عدة قصائد بعضها كتبت ونشرت في الصحف والمجلات في السبعينيات والبعض الآخر نشر تباعا ولم تطبع سابقا في ديوان لأن الوضع الثقافي آنذاك لا يسمح بالنشر " ص3

وانصب جسرا ً من الماء

فوق المحن ص83

ويبدو أنه تأثر بالعديد من الشعراء العرب، حيث كتب عدة قصائد عن قضية فلسطين في بداياته الشعرية التي وأكبت الكثير من الأحداث، وهذا يدل على قراءته الفلسفية التي شكلت لديه الكثير من الصور المختزنة في ذاكرته المتوقدة، ولا ننسى لم تكن الحياة الأدبية بعامة والحركة الشعرية بخاصة بمعزل عن الظروف، بل كان دورها الفاعل والمتواصل في رصد تلك الأحداث والتفاعل معهم، وخاصة جيل " الياسري " الذي كتب قصيدته الشهيرة المعنونة " قيامة الأقصى " ص67

سمعت صوتك في الأقصى وفي بلدي

وشفت جرحك مدمى واللظى بيدي

ايا فلسطين يا آلام أمتنا

ويا حجارة أهل القدس فاتحدي

وحتى لا يغيب عن بالنا أن مجمل قصائده التي كتبها في هذا الديوان هي بمثابة تحريك لذاكرة هذه الأجيال حيث ينحى في معظمها بإشارات قصيرة إلى فلسفته التي طوعها في مسيرة حياته التي رسم صورها الشعرية بصورة متقنة دفعتنا إلى رسم تصورات عدة في هذا الديوان، ومنها دقة الصنعة وتواصل المعنى وكذلك بإعتقادي تفسير المبهم، ولا ننسى النسق الموسيقي، فالصورة الشعرية اصبحت تقوم على حدود مغايرة تماما .

احلف " ببراءة يوسف "

عن ذنب لم يعرفه الناس

إذ اشتد الأمر ص36

والشاعر مارس الكتابة الأدبية منذ الستينات فنشر العديد من القصائد والمقالات في الصحف والمجلات العراقية، الراصد، العراق، المرفأ البصرية، أعد ملفا لمثقفي وأدباء ميسان لجريدة المرفأ البصرية عام 1978 .وله دواوين مطبوعة منها أقبال والذكريات عام 1972، جبل الزيتون عام 1988، مقتل الزمن الثالث، أحبك أيتها المجهولة 2002، كتب عنه مجموعة من النقاد والأدباء عن أعماله الشعرية ودواوينه المطبوعة، أعدت عنه ترجمة مستفيضة في معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين في دولة الإمارات العربية المتحدة والذي يقع في ستة مجلدات ويضم تراجم إلى 1645 شاعرا عربيا .

 

قاسم ماضي - ديترويت

 

محسن الاكرمينمنذ زمن غير بعيد لم تطأ رجلايا دروب مسالك "باب الجديد" بمكناس، لم أتجول بفضولي المعرفي بين مفروشات "جوطية الكتب". منذ أن تخلصت من ساعة معصمي اليدوية والتي كانت تنظم وقتي باتزان لم أنل من حريتي في مدينتي إلا ذلك القسط الذري غير المرئي بتشتت السراب. اليوم رائحة الكتب الصفراء في لون الورق لا في محمولاتها الثقافية أثارت شهيتي القرائية للبحث عن كتاب من زمن ألف ليلة وليلة.

في زاوية انغلاق الرؤية الكلية يجلس "فراش" الكتب "الجوطية" بالجملة والتقسيط، وهو غير عابئ بما أفعله من تقليب في كتبه المرمية أرضا وتفتيش ممل في محتوياتها المعرفية بلا رفق ولا حنان. كان يحمل سيجارة رخيصة بلا مصفاة، حتى أن كل كتبه تعفنت بالدخان الأسود الذي ينفثه بلا توقف، و أصبحت تحمل حتى نوعية علبة سيجارته السوداء.

حين عينت اختياري بكتاب من بين ركام " جوطية المعرفة بمكناس " سألت عن ثمنه وقيمته المادية، صاحبنا "الكتبي الفراش" لم يعر اهتماما بالغا لسؤالي، فما دمت قد حملت كتابا واحدا يتيما، لكن صوته أتى إلى مسامعي كتاب بدرهمينّ، وعشرة بعشرة دراهم، "تخير واعزل، وفوق العشرين عند خمسة كتب فابور".

تألمت قيمة الكتاب من جراء بخس مورد المعرفة الآتي من صفحات كتب "الفابور المعرفي"، تألمت الماضي المنفك بجودتها وصالوناتها الثقافية ومجالسها الأدبية. هي حسرة أصابتني من حاضر الثورة المعلوماتية التي أصبح العالم كله في شاشة هاتف صغير. تساءلت، كيف باتت المعرفة والثقافة ثمنها بخس في سوق "الفراشة و الفابور" بجوطية باب الجديد؟ كيف تقاعس الطلب على شراء الكتب مثل بائعها "الفراش" الخارج عن نقط تحول زمن الحداثة والتجديد؟.

اشتريت كتابا فريدا وأديت ثمنه بزيادة الرفق بالثقافة والمثقفين بمدينة مكناس، حين نظر إلي "البائع الفراش" بمتسع دوائر دخان سيجارته المنتشر بتلويث مكان وزمن الثقافة، علمت من عينيه أنهما تذكراني شبابا في المداومة على مكتبته القديمة غير المرتبة، نظر إلي وأنا ألوذ بترك "جوطية المعرفة بمكناس غير المهيكلة" وهو يعلم أن الرأس قد اشتعل شيبا ويزيد ألما من مدينة تحمل ثقل أسفار الثقافة كرها، علمت منه أخيرا أسفه ولعنته على زمن التحولات السريعة المفزعة، ومن الماضي الذي ما انفك يمضي بقوة كتب قلم الرصاص والممحاة.

حين تصفحت الكتاب رويا وجدت بداخله حملا ثقيلا مثل كنز سندباد، كان عبارة عن رسالة ورقية من زمن الكتابة بحبر المداد المائي، وجدتها مدفونة في غلافه السميك باسم علوي ظاهر على الرسالة "زينة"، وكأن صاحبتها كانت تحمل زينة الخوف من التعبير الفاضح عن مشاعرها العلنية، وجدتها وهي لازالت تحمل لونها الأبيض البراق، لازالت مفعمة بحيوية الكلمة وعبق نسيم الحبر. حقيقة أضحت الرسالة أكثر شغفا لي من مورد معرفة الكتاب، رسالة كانت تبحث أن تكسر مثلي جمود حياتها الروتيني بدون ساعة معصم لتدقيق الزمان ومكان التواجد، كانت تريد القفز مثل جني علي بابا من فانوسه السحري. لم أنل منها قراءة  بالسرعة وأنا بسيارة عودتي، لكن فكري انشغل بسرها وخواتم مخارجها.

حين وضعت تلك الرسالة أمامي دون افتضاض لعوالم كلمات وجمل مخارج مشاعرها الداخلية، فكرت في البوح إليها بالصدق قبل فتح معالمها، قررت أن أحكي لها عن زمن الكلمة الصادقة وعن الحب ونزق الشباب، قررت ألا أحاكم ما تحتويه من مشاعر وعواطف، ولا في لزوميات الصمت بلا بوح بالعشق غير الممنوع.

لذة اكتشاف ما تحتويه الرسالة جعلت مني أدخل في خلوة نفسانية طوعية، جعلت مني أستجمع كل قوايا العاطفية و الشعورية لأجل عيش لحظة الكتابة ونسج خيوط التعبير التواصلي ولو في بعده الزماني والمكاني. لم تكن بداية الرسالة إلا تفاؤلا بينا يحمل بسمة ورعشة قلب محب للحرية و الانعتاق من الألم، لم تكن بدايتها إلا ذلك القدر الحتمي الذي "يجمعنا بأناس وكأننا نعرفهم حق المعرفة". حين فتحت الرسالة، كان فصل بداية اللقاء الأول من خلال عمق الرؤية، من تلك" الأحاسيس المشتركة ...هي رسالات سريعة تبادلتها العيون في صمت لينتهي اللقاء...". من كبح البوح، أصبحت الرسالة تسير بالسير الحثيث نحو الاعتراف حتى وإن علا الإكراه الاجتماعي ولواحق الحياة الممتدة بالمشاكل، بدت كلمات الرسالة تثور على المألوف "ليصبح ذكر الاسم، أو لمح الصورة يشعرها بالدفء والسعادة".

توقفت بالتمام عند صفحة الرسالة الأولى بالتأمل في المواقف غير المعتدلة، فلم أرغب في سرعة قلب الصفحة الثانية قراءة. فكرت وقررت في استحضار أدوات مرسمي الخاملة لأجل رسم بيًنة تلك العيون الوقادة من خلال الوصف والملمح، رفعت ريشتي لأجل إحياء حياة تلك العيون الوافدة من حروف رسالة من زمن الحرف النظيف والخوف. حين انتهيت منها بدون ألوان وجدت أن تلك العيون تحمل ألما دفينا، وحزنا غير مستقيم، وجدتها في رسمي تسيل منها دمعات عالقة على خدها الأيمن، وجدت لوحتي تنادني ليس باسمي بل بصفتي العائلية.

للصدف حكايات، ومنها كانت شهرزاد تتقن حكي نوم شهريار وهي تريحه عاطفيا ونفسيا. للحكايات بداية لا نعلم مطالعها ولا نهاياتها الحتمية. حين طويت الصفحة وجدت زينة تعترف أن " لقاءات الأرواح يتم دون حواجز... لقاءات جعلتها تبحث عن نفسها التي أضاعتها في حياة مليئة بالصعاب و الهموم". إنه مبدأ التوازن والتواصل الذاتي. إنها المواءمة الصريحة في بعديها الزماني والمكاني، حين تتحقق عند النظر في العيون الدامعة بهمً مشكلات حياة آتية. إنها الرسالة التي عمرت ثلاث أرباع عمر  زينة وهي في غلاف كتاب مدفونة دون التعبير عن آهاتها الداخلية ولا الثورة على مسالك حياة.

اليوم قررت عدم النوم أمام تلك العيون التي أحبت بخوف البعد، تلك العيون التي تعيش ألم حزن دفين، تلك العيون التي تخاف من الحاضر وحتى من المستقبل الخفي، تلك العيون التي لا تمتطي سفينة الإفصاح والهروب المرئي. في اللوحة قررت لأول مرة استعمال الألوان الحياتية، قررت أن أزين الصورة وأرش عليها عطر نكه الحياة، في الصباح وجدت أن اللوحة قد أتممتها وهي تحمل التفتح الندي. 

 

محسن الأكرمين.

 

1238 ميساء الصححمل إلي البريد هدية جميلة من الصديقة الشاعرة ابنة عرابة البطوف الجليلية، ميساء الصِّح، وهي ديوانها الأخير الصادر عن دار يافا العلمية للنشر والتوزيع في عمان، ويقع في 120 صفحة من الحجم المتوسط والورق الصقيل وبغلاف مقوى، ويحتوي على تشكيلة من الازاهير الفواحة من بستان الشعر والإبداع.

ويأتي هذا الديوان بعد ثلاث دواوين لها، وهي: سر الحياة، ترانيم الفجر، وفيض الروح ".

والديوان قطرات ندى على ورق الورد، يبشر بموسم عطاء وفير وزاخر، يحمل في ثناياه رسالة وطنية ملتزمة، وتعكس نصوصه روح الانتماء الوطنية والقومية والعروبية الكامنة في نفس الشاعرة ونبضها الوجداني، وملامح الثورة القادمة على الظلم والقهر والاضطهاد والاستعباد واغتصاب الأرض واحتلال الوطن، وتبرز فيه قضية الهوية ومشاعر الحب الصادقة للتراب والوطن والشعب والانسان الفلسطيني المعذب المقهور الطامح بالحياة الاجمل.

نصوصه هتافات في العشق والبوح والوجد الانساني الذي يملأ قلبها وروحها ووجدانها ودواخلها، وألحان شعرية حزينة مشبعة بحرارة العاطفة، وصدق الإحساس، وبطقوس الحب والوطنية الصادقة، وتدل على تجربة شعرية لإنسانة مبدعة مرهفة صاحبة مواقف فكرية وإنسانية تحاول توظيف أدواتها الفنية والجمالية وصورها الشعرية في بناء فني متناسق يحفظ للموقف الفني نصوعه وللمعايير الجمالية مقاييسها.

وفي ديوانها تتنقل ميساء من قصيدة إلى أخرى بذائقة وشغف وبوح في بث الأشواق ودفء الكلمات وعطر الحروف في لحظات التجلي الشعري، وبشعور وجداني عفوي مرهف، بعيدًا عن اللغط والحشو اللغوي والتكلف المصطنع.

وتفيض قصائدها بالرقة والجمالية الفنية والشفافية والسلاسة الآتية من عواطف حسية وروحية مرهفة تجاه الوطن والانسان والقضية والمسائل العروبية والقومية، بالإضافة إلى التناغم بين انتقاء واختيار الكلمات والمفردات البسيطة والتعبير بالغ التأثير الذي يلامس شغاف المتلقي، والأفكار الدالة على عناصر الجمال وسعة الخيال.

فلنسمعها تقول وتهتف في قصيدتها "عَرَبيَّةٌ هذي أنا" التي حملت اسم الديوان، وتطفح بالمشاعر القومية، ومن خلالها يصبح الوطن في عيونها وجهًا دائم السطوع والاشراق، تصبو إليه بحرقة ودموع وآلام وآمال :

 عربية هذي أنا 

وملامحُ الفلاحِ تعجنُ وَجنتَي

عربية هذي أنا

والأرضُ تاجي والسماءُ وسادَتي

 والشرقُ داري والحروف هويتي

عربية هذي أنا

والنيلُ نهري قد حَفَرتُ بسدِّهِ التاريخَ من عمرٍ مَضى

بيتي من الأحجار خيرُ مقاومِ

ضدَّ الذينَ يفكرونَ لوهلةٍ أن الكرامةَ تُشترى

أو أنهُ طفلُ العروبةِ يُستبى

 بيتي بنتهُ كفَ عمي مُصطفى

هو دفتري سورٌ من الإسفلتِ يقرأهُ المشاةُ

عربية هذي أنا

وعشقتُ أرضي من ربيعٍ للممات

عربيّةٌ وإرادتي كالنهرِ يجري واثقاً

لا لا يُبالي أي شوكٍ عالقٍ أو يستبي جوفَ البحار

إذ يقطفُ الصبرَ المغلفَ بالقنابلِ من عرينٍ للأسودِ وفي الشتاتْ

عربية هذي أنا

وحزمتُ أغراضي بصبحٍ نحو عزمٍ والثباتْ

عربيةٌ وأقولُها ما العمرُ ما؟!

 لا الشيبُ عيبٌ لا ولا حتى إذا مرَ الخريفُ فغيرَ الألوانَ بي

ديوان "عَربيَّةٌ هذي أنا" قراءة لمرايا الروح واستشفاف للقلب الهائم، متنوع المواضيع والأغراض والمضامين، وموزع بين الحب والوطن والإنسان والعروبة والتسامح والقضايا الوطنية والعروبية والهموم الإنسانية، يحمل أسمى المعاني الوجدانية والعاطفية والمشاعر الجياشة الصادقة، والتجربة الشعرية المكثفة، والصور الشعرية الرقيقة الناعمة الهادئة، ويقول لنا أن الشعر الحقيقي إذا لم يكن يحمل موقفًا ملتزمًا ورسالة تهدف إلى خير ومستقبل الإنسان ليس شعرًا..!.

ميساء الصِّح شاعرة قضية، تعيش الهم الفلسطيني والإنساني وطقوس العشق والوجع والترحال والسفر بكل خلجة ونبضة في قلبها، عبر نماذج شعرية ناضجة دافئة شفيفة سلسة التعابير وعذبة الكلمات، تستلها من دنيا العشق والالتياع.

أجمل التبريكات والتحيات للصديقة الشاعرة المتأنقة المتألقة شعرًا وحضورًا وابداعًا، ميساء الصِّح، مع التمنيات لها بالمزيد من العطاء والنجاح في مشوارها مع الكلمة الجميلة والتألق أكثر وبلوغ الهدف المرتجى.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

ـ إشكالية الوطن موقفا، والإنسان جوهرا عند الشاعر، وأوضح أن الوطن ورطة عقل الشاعر، صورته المادية من حيث قوة الموقف، يعرض التورط شرحه قصيدة من جنس القوى المنفعلة، وأنه من جهة أخرى، لا ينفعل عندما يقبل، لأنه ليس جوهرا لجسما وقوة في خارطة التوريط، إنه النفس، إن جاء تولدها نزعت في عدة مناسبات، منها قوله، كاشفة حدسه ومحسوساته، وبالضرورة لا يوجد جوهرا شارحا بالأتفاق، فإنه أصالة الشيء، في الوطن المنسوب لشارحة رؤية العقل التوريطي موقفا، ناظرة مقالة بإنسان، باحثة جوهرا في المجال الفلسفي للفناء والوفاق الجلد في غشاء تجلي توفره رشيدا متعاليا. والعقل التوريطي للشاعر ليست "سبة" بل ميزة ندرة يتحصنها وتحصده في قوة كمالاتها الغائبة عن مكونته المعرفية.

ويعارض سعدي يوسف النزعة الآلية في المواقف في عدة مناسبات منها في الوطن والإنسان، فينظر للوطن بسيط ـ غني الثقة وغير منفعل، لسبب يصوره على أنه ليس أي شيء مشترك مع المادة؛ هذا ما يستدل به أيضا على ان الوطن الصوري ليس ترابا ولا خارطة في جسم الشاعر منه، بل لأن الرمز الأهم من هذا، إنه المضمار في هجومه على مستباح المزج في جوهره، أي هو مضمار خوض صراع على أطروحة التدافع والمزايدات بالمزج والمزاج، هو، إبرازه لمحالين تقود إليهما، إشكالية الموقف من جهة، وجوهرا قوليا في الحس والمحسوس والحدس الذي يوجده جوهرا بالأتفاق حين يبنيه في قصيدة، قصيدة تطهره من التقطيم والفساد، يطهره من حدوث أجزاءد الإسقاطات، وتغير بعضها إلى بعض بالأتفاق، بل هو مرتب محفوظ، منتظم من قبل مقولة العقل المنسوبة للنفس في مجالها الفلسفي، للوفاء الجلد، والواضح في الحدوث والإبرار القابل من القوى المنفعلة في القصيدة، وما يتعلقان بموضوع المعرفة الإبداعية للقصيدة، موضوع المعرفة الإشكالية وبفعلها في مضمار الموقف والإنسان؛ فالتصور بصحة كونيته الشعرية مزيجا متهافتا في موقفه الوطني بالقومي الشاذ والمنهزم وطنيا، التي يقود إليها بعض المهرجين، سيؤدي بالضرورة إلي نفيه سعة امكانية وجود موضوع للوطن، المعرفة الوطنية الكامنة في هجومه على أطروحة الخليط هو تميزه لرؤيته الثاقبة  بموضوعاته الحسية البصيرة بصحة كونها عقل القصيدة، أي معقل أمكانية لوجود معقول نظري لها، بأعتباره يمثلها خارجا القوة العقلية للوطن.

وصورته في الوطن موقفا كماليا أوليا ـ مكونا من العناصر الأساسية لصوته فيه من خلال الإنسان جوهرا للقصيدة، وبالأتفاق في غياب عن فعل دافع محركه الخارجي، بمعنى، مسكونية موضوعها للمعرفة الجمالية كمالا في المعقولات، بمثابة جوهر كمالات شيوعيته الأخير، مركب مكنون ة بالضرورة، الشيوعية الإنسانية، هي الأخرى، من طبيعة هذه الأممية الأخلاقية ذاتها، بأعتبارها وبأبداعية التفكير في مضمار النفس محدثة بنفس الكيفية، مما سيجعل لها بناء متجددا في المعقولات النظرية للقصيدة، تعصف وتتصف به الألوان والطعوم من كيفيات الملمس الشعري، ذائقته المادية كاتزان الرأي ودقة الاتجاه واللهفة والرقة الشعرية الدافئة بحميمية، وهذا أمر ربما يشكل إشكالية غير مقبول لها في فهمها منطقيا وواقعيا، ما يعتقد فيه "الناقد الأدبي المهرج" أن مواقفه تدل على تذبذب وتبدد في الشاعر هولانيته الملتزمة ليس وطنيا ولامحقا صاحيا حاسما في وحدته، وهذا خلاف الأمر قطعا، ولا حتى قبول أنفعاله عندما يقبل إيضاحه.إن شأتم.

 

إشبيليا الجبوري

 

يصاف اليوم21 تشرين الثاني/نوفمبر ذكرى ولادة السيدة فيروز عام 1935. لتشرين ولدت فيروز، زهرة لمدائن الثورة، المقاومة، والحب والجمال. ولدت عنوان وقضية، مهدت ووحدت، أستطاعت وحققت في الإنسان صوت الحرية الفاعل، لغة المحبة والموسيقى، لغة الذائقة والنغمة والدبكة للقلب، أنها فيروز.. وما أدراك ما فيروز.!

في ذكرى ميلاد أيقونة النفس الهانئة، ودبكة الإنسان الثائر لثورته، حث إحياء الإرادة، ثقة الإستطاعة والعزم المنير. صوت ميلاد تصحيح قوام العامة في هيئة هشيم عازم، يعترف بوقع في إعلان نفسه، يتسيد إقامته اليوم، الحرية للأجيال. جاء ميلادها مواكبة للشعب هذه المرة مشتركا للصوت العربي المنتفض في العراق ولبنان والسودان و.. . جاء ميلاد مطربة الشعب بين إرادة سيادة الشعب على أفتتاح قاعة نغم "بغداد والشعراء، وبحبك يا لبنان، وزهرة المدائن...، تواكب الإنسان العربي مسرحا أوبراليا فيه ما رحل يولد من جديد ليتبقى عليها الضمير صاحيا، لأن ميلاها شجرة  كانت ولازالت المحبة قائمة، كلمة تنمو على ثورة حب وجمال في وقع إعلائها، من الأبتهاج بالانتفاضة لساحات وميادين الشعوب أعلائها لذاتها وحدة، فيروز أطربت فيها محبيها وثوقية تحقيق إعلان وحدتهم: كلمة. وما أدراك ما الكلمة.! 

من منا لا يصدح شغفها بدار المسارح، وما تحدثه من جديد على النفس من انفراج الاسارير، تدروشها يتناثر عليها وعلينا سحنة وتعديل الوفاء لأنفسنا ولها والحرية. تصحح حيث أن لصوتها وقع الرعد يتبقى فوات ميلاه وميلادها إلينا، فينا يوثق الحدث، يولد ما يجري تناغم رقة ما أخرت الأحتفال بسعادات نحتفل فيها رؤية القليل الأنسب والأجمل والأقوى؛ رؤية لعالم الموسيقى الوامض، وتسجل الكلمة الخاطفة برشاقتها وندرتها الاحتفالية، عن حياة وأعمال الجملة الموسقية الهادفة.

أشتملت أعمال فيروز، ما قدمته، أحتفالات وندوات فنية وبدأ برامج ومقالات، كتب ووثائق وطنية وقومية، تدور حول هذا الابداع المتنقل، جمال الجبل، ميلاد لحظات الصوان في ميلات نماء الفن في الأفلام عن حياة الدفء للحقل والقرى والمدينة.. وهي تهيأ جمل عن حياة وأعمال أبناء جلدتها تالية عليهم جديد أجمل الكلمات القليلة أعذب الجمل اللحننية وأترفها دهشة وغبطة أزينها نقدا للذات الفاتنة بالموسيقى والشجن الصوت الإذاعي التعليمي والإعلامي ولاءا للأنوار والمحبة.

ولازال ميلادها يجدد حفلات الأنفاس الفنية للمتابعين والمختصيين وهي تحييه فرق أهتمام وعناية يتخلل مقامها كلمات لمقطوعات من زجل سعيد عقل وجبران و..و.. إلخ ومقطوعات من التراث الغني للأمة بإبداع ملهمها  ومزينيها: الأخوان الرحباني وأبنها زياد الذي قام بتلحين أعمالها الشجية النادرة أيضا. وتعتبر من أجمل ما تخللته وتقدم لمرته الأولى بصوت فيروز من مقتنياتها الموسيقية النادرة بل والمهمة للدرس الموسيقي.

وبهذه المناسبة نسطع فرحنا بميلادها متألقين بسطوع ميلادها مع صوت الجماهير في ميادين التحرير، نتقن معها أصول العزف على شغلته مع الفرق الموسيقية، لنوفق ونحن نحتفل بأفراح الشعب العربي بأنتفاضاعته الجليلة، ليشتغل بناء الوحدة الجماهيري حتى يصير مسؤولا عن صوته من خلال رفع صوته بالغناء، كثيرا إعجاب العمل الموسيقي ثقافة ذائقته لنداء التغيير، والعمل بتفعيل وأصطحاب الإرادة المشتركة وجودها أخوة بالوطن والمساواة والعدالة، وأمناء على سلامة الحرية في عطاء الخير والمحبة في الحياة والعمل، في الفن والجمال لثقافة الجميع القريب والبعيد من الموقع الذي يعمل به الإنسان ، ويثبت نجاح هدفه وهو يسترعي أنتباها ما في صوت الجدية في الأبداع من أثر أحتفالي ناجح للمثابرة من قدرة وجمال، ونحن نرافق أبناءنا العراق من المبدعين في رحلة المثابرة فنانا وعلما إلى عمق حضارة العراق وثقافته الشامخة العصية حتى في الغناء والتحاقها سلامة للوطن ومكوناته في أوبريت عراقي شامل، في الموسيقى والمسرح والرواية وفنون الأدب، والجميع يحمل قوام الكلمة التي قامت ودفعت إدخال البهجة للجميع. 

وما بلغ انتاج الفرحة للجماهير في حياة فيروز من قوالب مختلفة من الشذرات والموشحات الجميلة مسرحا أخلاقيا، شهرزاد لشهريار وأنغام الاوبريت الجامع نأمبه أن ينعكس خير الدرس في وحدة ما أنجبته هذا الأمة من وتفان وجكال ومحبة.

 

أكد الجبوري

 

شكل النتاج الادبي خطاباً ذا حدين: الأول يرتبط بالمجتمع، والآخر: يرتبط بذات الشاعر ومداخلاته النفسية؛ لأن الخطاب سلاح مجاني، وعن طريقه تتحقق السيادة المطلقة لموظفه بشرط الحكمة، والعقل الصائب في طريقة توظيفه؛ لأنه سلاح الاقناع والمحاججة.

وعند التعمق في ابداعية (الجواهري) نتلمس النفس الوطني، والانتماء، والهوية المعلنة لعراقيته، وهذا ما جعل قصائده ارثاً حضارياً ابدياً، وهذا ماحققه النتاج الادبي العراقي بصورة عامة، والنتاج الجواهري بصورة خاصة.

إذ جاءت اشعاره بصورة هيئة ترابطية تستقر في الاذهان، ولاتخرج منها، لنجد ذاتنا امام علاقة ترابطية بيننا وبين النص الشعري؛ لأن التجربة الشعرية هي تجربة كتابية، وتجربة لغة، وتأتي لتتحول إلى المادة الأساس للوجود الثقافي، لذلك فإن لكل اديب طريقة خاصة في توظيف لغة قصائده.

إِنَّ توظيف التورية في قصائده هي الثيمة البارزة في اشعاره اغلبها، وجاءت باوجه عدّة، وهي ثورة على الممنوع، وثورة على السلطة التي تكتم على الأشياء، مما مهد لأخذ مساحة كبيرة في أشعاره، إذ تجاوزت أشعاره الممنوعات، ولامست موضوع المواربة ملامسة مباشرة حيناً، وقاربته مقاربات مبطنة حيناً آخر . 

يقول:

خذي نفسَ الصبا " بغداد " إني

بعثتُ لكِ الهوى عرضاً وطولا

يذكّرُني أريجٌ بات يُهدي

إليَّ لطيمُه الريحَ البليلا

هواءك إذ نهشُّ له شَمالاً

وماءك إذ نصّفِقه شَمولا

ودجلةَ حين تَصقُلها النُعامى

كما مَسَحتْ يدٌ خداً صقيلا

وما أحلى الغصونَ إذا تهادت

عليها نُكَّسَ الأطراف مِيلا

يُلاعبها الصِّبا فتخال كفّاً

هناك ترقِّصُ الظلَّ الظليلا

ربوعُ مسرَّةٍ طابت مُناخاً

وراقت مَربعاً، وحلَتْ مَقيلا

ذكرتُ نميرها فذكرتُ شعراً

"لأحمدَ" كاد لطفاً أن يسيلا "

وردنا ماءَ دجلةَ خيرَ ماءٍ

وزرنا أشرفَ الشجر النخيلا

" "أبغدادُ" أذكري كم من دموع

أزارتكِ الصبابةَ والغليلا

جرينَ ودجلةً لكن أجاجاً

أعدن بها الفراتَ السلسبيلا

"ولولا كثرةُ الواشينَ حولي

" أثرتُ بشعريَ الداءَ الدخيلا إ

في مثل هذا النص، يمكن أنَّ نرى الأفصاح المباشر، إذ ارتبط الحب بالسياسة، ليفاجئنا الشاعر في نصه هذا بتوظيف (بغداد)، متوارية و متداخلة مع الفعل الإيروتيكي نفسَ الصبا " بغداد " إني

بعثتُ لكِ الهوى عرضاً وطولا).

إذ تظهر لنا قدرة الشاعر في السيطرة على فضاء المعنى، وفي القدرة على توظيف الفعل ؛ وذلك حين يقول: (يذكّرُني أريجٌ بات يُهدي)، إذ كسر الحاجز بمعادلة رياضية، وهي معادلة تشي بالاستمرار أمام صورة تشي بالقسوة، في تصويره (هواءك إذ نهشُّ له شَمالاً

وماءك إذ نصّفِقه شَمول)، والأفعال الواردة في النص (يذكرني، تصقلها،تهادت، يلاعبها، ترقص، يسيلا) دلالة للحدوث والتجدد والاستمرار، فالنص أمام مخاتلة لنقد السلطة، حيث تبدأ ذات الشاعر في احتلال موقعها داخل النص الشعري بعيداً عن المخاتلة، فنجد الشاعر يهدف إِلى الكشف عن الممارسات السياسية، عن طريق توظيفه لفظة (يذكّرُني أريجٌ بات يُهدي)، لتسرد النص، ولعل هذا الكشف بدوره يكشف حقيقة مواربة الشاعر لحدود الحب، والنقد المعلن للفعل السياسي الضاغط ؛ لأن الحب والعشق في النص، جاء ليبين هوس الشاعر ببغداد، التي قد تكون حبيبته،أو بغداد الوطن، والهوية، وسواء كان الاحتمال الاول، أو الثاني، فكليهما يحققان نصاً شعرياً يلامس المكنونات الحسية لذات الشاعر، وذاتنا القارئة، فالمتتبع لأشعار الشاعر يجده لم ينفرد بأمرأة واحدة، بل ذهب ليطلق العنان لأحاسيسه، وقصيدة ( يادجلة الخير) واحدة من هذه القصائد .

المترادفات ( خذي/ بعثت، وردنا/ زرنا، عرضاً/ طولاً، شمالاً / شمولاً، الظل/ الظليلا... الخ).

فالنص يحاكي الواقع العراقي بالدرجة الأولى و العربي بالدرجة الثانية .

أضيف، أن الجواهري قد اسس لذاته ثيمة شعرية خالدة، ناطقة للمنوع، شامخة في الوجود، ناطقة لكل مالم ينطق به في زمانه، فضلاً عن ذكائه في توظيف كلمة (بغداد)، التي تجمع بين الحبيبة، والبلاد، ونحن لانعلم ماذا يقثصد، وهذا مايحقق للنتاج الشعري حظوره

 

بقلم: د. وسن مرشد

 

جودت هوشيار

في منزل باسترناك: قبل عدة اسابيع، زرت منزل (الآن متحف) الشاعر بوريس باسترناك في (بريديلكينا)، بلدة الكتّاب في العهد السوفيتي، الواقعة في ضاحية موسكو الشمالية. هنا عاش الشاعر بين عامي 1939-1960 . وهنا تلقى نبأ فوزه بجائزة نوبل في الأدب لعام 1958 . وهنا توفي في 30 مايو 1960.

منزل خشبي من طابقين مثل كل منازل البلدة . غرفة نوم، ومكتب الشاعر ومكتبته الشخصية الثمينة في الطابق الثاني . اثاث البيت متواضع، ولكن البيانو الأسود العائد لوالدته، روزاليا باسترناك، واللوحات الفنية الرائعة، والصورالمعلقة على جدران غرفة المكتب والصالة – وهي من ابداع والده الفنان الشهير ليونيد باسترناك - تدل على ان الشاعر نَشَأَ وَشَبَّ في اجواء فنية راقية، حيث كان يتردد على منزل العائلة العديد من كبار الفنانين والادباء وبضمنهم الكساندر سكريابين وليف تولستوي.

جلستُ في المكتب الذي كتب فيه الشاعر قصائده الرائعة، ورواية "دكتور زيفاغو" وغرقت في الحزن والأسى. يا الهي، كم تعذّب الشاعر، وكيف سممت السلطة حياته بعد فوزه بجائزة نوبل؟. وكم نشر في الدول الغربية من أساطير وأكاذيب حول ما سمي بقضية باسترناك؟، وكيف تم تسييس القضية خلال الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والإشتراكي؟. وكم كتب في العالم العربي من مقالات وتعليقات عن باسترناك وروايته إستناداً الى مصادر غربية متحيزة ؟.

أعتقد أنه قد آن الأوان لألقاء الضؤ على قضية باسترناك - بعيداً عن الأوهام، والإثارة الاعلامية - أستنادا الى الوثائق الرسمية الروسية، ووثائق الأكاديمية السويدية – مانحة الجائزة - التي كشف النقاب عنها في السنوات الأخيرة .

طريق باسترناك الشائك الى جائزة نوبل

يخطيء من يظن أن منح جائزة نوبل في الادب لعام 1958 الى بوريس باسترناك، كان فقط بفضل رواية " دكتور زيفاغو " التي أثارت فور نشرها في ايطاليا عام 1957 ومن ثم ترجمتها في الأشهر اللاحقة الى اكثر من عشرين لغة، ضجة أدبية وسياسية في روسيا والعالم، لم يسبق لها مثيل .

باسترناك واحد من أعظم شعراء القرن العشرين، واحتل مكانة راسخة في الأدب العالمي قبل كتابة هذه الرواية بسنوات طويلة . وكما يظهر من وثائق لجنة نوبل، التي نشرت عام 2008 بعد مرور خمسين عاما على منح الجائزة، أن باسترناك كان، مرشحا بارزاَ لنيل هذه الجائزة المرموقة في عام 1946 أي قبل أحد عشر عاما من نشر رواية "دكتور زيفا غو". وقد قام بترشيحه سيسيل موريس باور، وهو عالم انجليزي ضليع في اللغات السلافية، وباحث بارز في الشعر الروسي . ولكن الجائزة ذهبت في تلك السنة الى الكاتب الألماني هيرمان هيسه . ولم يختف إسم باسترناك من لائحة المرشحين للجائزة خلال اعوام (1947، 1948، 1949).

ثمة تقليد درجت عليه اكاديمية العلوم السويدية (مانحة الجائزة) وهو أن يوم 31 يناير من كل عام، هو آخر موعد لقبول الترشيحات . وفي هذا اليوم يحق لكل عضو في الأكاديمية تقديم مرشحه لنيل الجائزة . وكان عضو الأكاديمية الناقد الأدبي (مارتن لام) قد رشح باسترناك للجائزة عام 1948، وكرر ترشيحه عام 1950 .

توقفت محاولات ترشيح باسترناك للجائزة عندما أصبح من الواضح الخطر الذي قد يهدده في بلاده، بعد ان تعرض الى نقد لاذع بسبب حفاظه على حريته الابداعية بعيدا عن شعار حزبية الأدب . وظهر اسمه مجددا ضمن قوائم المرشحين بعد وفاة ستالين . ففي عام 1954، تردد اسم باسترناك كمرشح لنيل الجائزة، ولكن لجنة نوبل قررت منحها الى ارنست همنغواي .

رواية "دكتور زيفاغو"

بعد انتصار الجيش الاحمر في الحرب الألمانية السوفيتية (1941- 1945)، التي يطلق عليها الروس إسم " الحرب الوطنية العظمى " كانت الآمال تراود الشعب السوفيتي بفتح آفاق جديدة للتطور وحرية التعبير. وفي هذا المناخ الذي كان يوحي بالتفاؤل، شرع باسترناك في خريف عام 1946 بكتابة الفصول الأولى من رواية "دكتور زيفا غو" والتي لم تكتمل الا في عام 1855 .وكان باسترناك نفسه يعتبر هذه الرواية ذروة ابداعه النثري .

ترسم الرواية لوحة عريضة لحياة المثقفين الروس على خلفية الفترة الممتدة من اوائل القرن العشرين وحتى الحرب الوطنية العظمى . وتتسم الرواية بشعرية رفيعة، وتتناول مصير المثقفين في الثورة، وتتضمن قصائد باسترناك الرائعة المنسوبة الى البطل الرئيسي للرواية، يوري زيفاغو، وهو شخص مبدع يفسر الواقع المحيط به فلسفياً .

كان لتقرير خروتشوف في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفيتي عام 1956، الذي أدان فيه الستالينية تأثير كبيرفي الرأي العام السوفيتي. وظهرت امام باسترناك فرص جديدة، وكان قد انتهى قبل ذلك بفترة وجيزة من كتابة رواية "دكتور زيفاغو"، فقدّم بعض النسخ منها لأدباء من أصدقاءه، وعرضها على مجلتين ادبيتين مرموقتين هما " نوفي مير - العالم الجديد و" زناميا - الراية ". وكان هناك أمل حقيقي في نشرها . -

أثار تقرير خروتشوف اهتمام العالم بما يحدث في موسكو، وأدى الى تعزيز الإتصال الثقافي بين الاتحاد السوفيتي والعالم الخارجي . وفي هذا الاطار زارت وفود أدبية من بولندا وتشيكوسلوفاكيا بلدة الكتّاب في " بيريدلكينا " والتقت باسترناك . وقد تمكن رئيس اتحاد الكتّاب البولندين، زيموفيت فيديتسكي من الحصول على نسخة من رواية "دكتور زيفا غو" لنشر ترجمتها البولتدية في مجلة " اوبينين " الأدبية التي كان الإتحاد يتهيأ لإصدارها قريباً . وبحث باسترناك أيضاً امكانية نشر الترجمة الجيكية للرواية.

في مايو 1956، قدم باسترناك نسخة من " دكتور زيفاغو" للصحافي الإيطالي سيرجيو أنجيلو، الذي وصل بناء على طلب دار نشر فيلترينيللي الى بلدة بيرديلكينا مع زميله في إذاعة موسكو ف. فلاديميرسكي. وقالا لباسترناك : " إذا كانت الرواية ستنشر في موسكو، فلماذا لا نسرع في اتخاذ قرار بشأن نشرها في دول أخرى؟"

واكد باسترناك اكثر من مرة، أن يعض نسخ الرواية، كانت تنتقل علانية بين أصدقائه الأدباء، وان كانت ثمة شكوك حول ردود فعل المجلات السوفيتية، التي تماطلت على نحو مثير للريبة في نشر الرواية، وافصح باسترناك عن هذا الأمر صراحةً لانجيلو، ملمحاً الى المخاطر التي سيواجهها إذا رفضت المجلات السوفيتية نشر روايته . وقال لأنجليو مودعاً :" سأدعوك إلى عملية إعدامي ."

في سبتمبر 1956، أرسل باسترناك الرواية إلى إنجلترا، وفي فبراير 1957، إلى فرنسا. واثار ذلك، قلق قسم الثقافة في اللجنة المركزية للحزب الحاكم، والذي حاول بشتى الطرق عرقلة نشر الرواية في البلدين، واصفا رواية باسترناك بأنها "معادية للسوفيت". وصدر توجيه حزبي الى مجلة "نوفي مير" برفض نشرها. بذريعة عدم ادراك المؤلف لدور ثورة أكتوبر ومشاركة المثقفين فيها .

باسترناك يتصدر لوائح الترشيح لجائزة نوبل من جديد

في 31 يناير عام 1957، تكررالأمر نفسه، حيث، اقترح عضو آخر في الأكاديمية السويدية، وهو الشاعر السويدي هاري مارتينسون، ترشيح باسترناك للجائزة . وكان هذا الشاعر قد التقى باسترناك عام 1934 في موسكو في المؤتمر التأسيسي لاتحاد الكتّاب السوفييت.

وذكر لويس مارتينيز مترجم دكتور زيفاغو الى الفرنسية، انه عندما كان يعيش مع البير كامو في قرية صغيرة، يقوم باطلاعه على فصول الرواية المترجمة اولا باول . وفي 8 فبراير عندما اكتملت ترجمة الرواية ناقش مع كامو امكانية ترشيح باسترناك لجائزة نوبل . وقام بريس لويس من دار نشر غاليمار بتشجيع كامو على ترشيح باسترناك للجائزة، وان ذلك سيكون افضل حماية يقدمها الغرب الى الشاعر المضطهد .

وقد وصف البير كامو – في الخطاب الذي القاه في حفل استلام جائزة نوبل في الادب لعام 1957 – باسترناك بالشاعر العظيم، وانه مثال الشجاعة والشرف، وان الفن في بعض البلدان مسألة خطرة وعمل بطولي .

في عام 1958، تم ترشيح باسترناك للجائزة من قبل خمسة أساتذة أكاديميين في آن واحد: إرنست سيمونز (جامعة كولومبيا)، هاري ليفين، ريناتو بوجيولي، رومان جاكوبسون (جامعة هارفارد) وديمتري أوبولينسكي (جامعة أكسفورد) . واخيرا وقع اختيار لجنة نوبل على بوريس باسترناك، وكان ضمن المرشحين الأقوياء في هذا العام (ازرا باوتد، البرتو مورافيا) اضافة الى مرشح الدولة السوفيتية ميخائيل شولوحوف .

في 23 أكتوبر 1958، أعلن أندريس أوستيرلينغ، السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية، منح جائزة نوبل في الأدب لذلك العام الى بوريس باسترناك " لإنجازاته الكبيرة في الشعر الغنائي الحديث، ومواصلته لتقاليد الرواية الملحمية الروسية العظيمة " .

وفي اليوم نفسه بعث باسترناك برفية جوابية الى أندريس أوستيرلينغ يقول فيها : " ممتن للغاية، متأثر، فخور، مندهش، مرتبك " .

توجه عدد كبير من مراسلي الصحف ووكالات الأنباء العالمية الى بلدة الكتّاب " بريديلكينا " لمقابلة باسترناك . وجاء الكاتب كورني جوكوفسكي جار باسترناك وصديقه وقدّم له التهاني الحارة لهذه المناسبة . وشرب الجميع نخب الكاتب، متمنين له المزيد من النجاح . ولكن لم يمض سوى اقل من نصف ساعة حتى ساد الوجوم وجه الكاتب الفائز بأرفع جائزة أدبية . فقد جاء أحد جيرانه، وكان من الكتّاب السوفيت المشهورين في ذلك الحين (والمنسي تماما حالياً) وهو كونستانتين فيدين، وقال لباسترناك بلهجة صارمة - دون ان يهنئه بفوزه بالجائزة – وكأنه قد ضبطه بالجرم المشهود :" من اجل تجنب العواقب الوخيمة، يجب عليك رفض الجائزة طوعاً، وان (بوليكاربوف) مسؤول القسم الثقافي في اللجنة المركزية للحزب موجود الآن في منزلي ينتظر جوابك" . ولكن باسترناك رفض الحديث مع فيدين، ولم يذهب معه لمقابلة بوليكاربوف .

تظاهرة إجبارية !

وفي مساء اليوم نفسه أسرع بعض الطلاب الدارسين في معهد الأدب العالمي في موسكو – من عشاق شعر باسترناك – الى إبلاغه بأن إدارة المعهد تعد تظاهرة معادية له تخرج غدا وترفع شعارات تطالب بطرده من الاتحاد السوفيتي، ورسوم كاريكاتيرية تسخر منه . وقد ابلغتهم ادارة المعهد، إن من يتخلف عن الحضور سيجري فصله من المعهد على الفور.،وعلى جميع الطلبة التوقيع على رسالة موجهة الى الصحيفة الأدبية " ليتراتورنايا غازيتا" - وهي أهم صحيفة أدبية مركزية في البلاد - تتضمن إستنكار الطلاب للعمل (المشين) الذي قام به باسترناك . معظم الطلبة اختبأوا في دورات المياه، ولم يذهب الى التظاهرة الا حوالي مائة طالب اي اقل من ربع العدد الاجمالي لطلبة المعهد .وكان الشعار الرئيسي للتظاهرة : " نطالب بطرد يهوذا باسترناك من البلاد ".

وفي يوم السبت، 25 أكتوبر صدرت " الصحيفة الأدبية "، وتصدرها مقال افتتاحي طويل، ورسالة من اعضاء هيئة التحرير وعشرات الرسائل الغاضبة، التي زعمت الصحيفة أنها تلقتها من أنحاء الإتحاد السوفيتي . وهي كلها تندد بباسترناك،وتصفه بأشنع النعوت (خائن الوطن، عميل الغرب، عدو الشعب الروسي، انسان تافه، كاتب شرير) وما الى ذلك من أوصاف وشتائم تزخر بها اللغة الروسية أكثر من أي لغة أخرى في العالم .

وفي اليوم التالي اعادت كل الصحف السوفيتية نشر ما جاء في " الصحيفة الادبية " من مواد معادية لباسترناك . ومن حسن الحظ ان باسترناك لم يكن يقرأ الصحف في تلك الأيام، ولم يطلع على ما نشرته من مقالات تحريضية بحقه .

محاكمة ادبية

في السابع والعشرين من اكتوبر 1958 تقررعقد اجتماع موسع للكتّاب السوفيت في مبنى نادي السينما حضره أبرز الكتاب السوفيت المعروفين، وذلك للنظر في قضية باسترناك . كان كل شيء معدا على نحو دقيق: من يتحدث في الاجتماع ؟ وماذا يقول في اطار ادانة باسترناك. وقد وجهت الدعوة الى باسترناك نفسه لحضور الاجتماع، ولكنه علم ان الغرض من عقده هو اصدارقرار بفصله من اتحاد الكتاب . وهذا يعني حرمانه من السكن في منزله الذي تعود ملكيته الى الاتحاد، ومنعه من النشر، وحظر كتبه، أي قطع مورد رزقه، حيث كان يعيش هو وعائلته على ما يستلمه من مكافآت لقاء أعماله .

في الصباح الباكر لذلك اليوم غادر باسترناك منزله الريفي، وتوجه الى موسكو للتشاور مع ملهمته (اولغا ايفينسكايا) وصديق مقرب منهما هو الأديب والعالم الفيلولوجي فيجيسلاف ايفانوف، حول اجتماع اتحاد الكتاب، وهل ينبغي لباسترناك حضور هذا (الاجتماع – المحاكمة) وتعريض نفسه الى سيل من الاتهامات والاهانات والتهديدات، أم الامتناع عن الحضور؟ وكان ايفانوف اول من قال انه لا يجوز حضور باسترناك هذه المحاكمة الأدبية بأي حال من الأحوال . وكان هذا رأي ايفينسكايا أيضاً .وافق باسترناك على هذا الرأي وتوجه الى غرفة اخرى في الشقة ليكتب رسالة الى سكرتير اتحاد الكتّاب السوفيت كونستانتين فورونكوف . وبعد فترة وجيزة خرج باسترناك من الغرفة وبيده رسالة موجهة الى اتحاد الكتاب السوفيت، وطلب من ايفانوف الاتصال هاتفيا بفورونكوف لأبلاغه بأن باسترناك مريض ولن يحضر الاجتماع , وانه قد كتب رسالة الى الاتحاد سيتم ايصالها اليه في الحال .وجاء في الرسالة: "تلقيت دعوتكم وكنت عازما على الحضور، ولكنني عرفت أنه ستكون هناك تظاهرة شنيعة لذا ارفض الحضور، ولن يجبرني اي شيء على رفض شرف ان اكون الفائز بجائزة نوبل، لكنني مستعد ان اتبرع بمبلغ الجائزة الى مجلس السلم العالمي . انني لا اتوقع منكم عدلاً. يمكنكم اعدامي، او ابعادي الى الخارج، او اتخاذ اي اجراء آخر بحقي . ولكن من فضلكم لا تتسرعوا . لأن ذلك لن يضيف اليكم لا سعادةً، ولا مجداً ". وقام ايفانوف بايصال الرسالة الى الاتحاد قبل بدأ الاجتماع .

تحدّث في الاجتماع عدد كبير من الأسماء المشهورة في عالم الفن والأدب، واتهموا باسترناك بأسوأ الخطايا البشرية، وبين من اتهموا باسترناك أصدقاءه بالامس، والذي حز في نفس الشاعر كثيرا. وقد برر هؤلاء، في ما بعد، موقفهم المتخاذل هذا بأن الامتناع عن انتقاد باسترناك، كان يعني فصلهم من عضوية اتحاد الكتّاب السوفيت،او حتى اعتقالهم بتهمة التضامن مع كاتب مغضوب عليه من قبل السلطة، لذا لم يجرؤ أي كاتب على التصويت ضد قرار الفصل . الكاتب الوحيد الذي رفض حضور الاجتماع هو ايليا ايرنبورغ . ففي تلك الايام، وكلما اتصل به احد، اسرع ايرنبورغ بنفسه للرد فائلا : " ايليا غريغوريفيتش "خارج البيت ولن يعود قريبا " ثم يغلق الهاتف .كان هذا موقفا جريئا للغاية في ذلك الوقت.

أنا لم قرأها، ولكنني ادينها

في اليوم التالي 28 اكتوبر 1958 ظهرت "الجريدة الادبية" وعلى صدر صفحتها الاولى مانشيت ضخم: "تصرف عضو اتحاد الكتاب السوفيت بوريس باسترناك لا يتفق مع لقب الكاتب السوفيتي " وتحت المانشيت بحروف اصغر نص قرار فصل باسترناك من عضوية الاتحاد .

ثمّ عقدت اجتماعات لفروع اتحاد الكتاب في جميع انحاء البلاد، حيث ادان الكتاب باسترناك بسبب سلوكه (الغادر) الذي وضعه خارج الأدب السوفيتي وخارج المجتمع السوفيتي، رغم أن اياً منهم لم يقرأ رواية " دكتور زيفاغو"

وجرت اجتماعات الاتهام والادانة في اماكن العمل : في المصانع والمزارع، والأدارات الحكومية، والمنظمات الجماهيرية، والمعاهد والجامعات، تم خلالها رفع رسالة باسم الحاضرين موجهة الى الجهات العليا تطالب بمعاقية الشاعر. وكان المثقفون يسخرون من هذه الحملة بترديد عبارة تقول :" أنا ألم قرأها، ولكنني ادينها . "

و ازاء هذه الحملة الشرسة والتهديد بطرده الى خارج البلاد واسقاط الجنسية السوفيتية عنه اضطر باسترناك – وهو الذي كان يعتبر نفيه الى الخارج أسوأ من الموت - إلى رفض الجائزة، وابرق الى الاكاديمية السويدية قائلاً : « أراني مضطراً إلى رفض الجائزة التي منحت لي بسبب المعنى الذي فهم من هذا المنح في المجتمع الذي أعيش فيه، أرجو ألا تحملوا رفضي على ملمح سيئ . "

ايفينسكايا تمنع باسترناك من الإنتحار

ثمّ اسرع باسترناك الى مقابلة اولغا ايفينسكايا، وهو يحمل في جيبه قارورة تحوي كمية من مادة (سيانيد البوتاسيوم) تكفي لقتل شخصين، واقترح عليها الانتحار معا، وان هذا سيكون ابلغ رد على القرار المجحف لاتحاد الكتّاب، ولكن اولغا – وهي لارا بطلة رواية دكتور زيفاغو- عارضت ذلك بشدة، قائلة ان ذلك يعد هروبا لا يليق به . واستطاعت اقناعه بوجهة نظرها . ونجد اليوم العديد من الباحثين المتخصصين في ابداع باسترناك يثنون عليها، لأنها انقذت شاعرا عظيما من موت محقق . حدث كل هذا في اوج ما يسمى بفترة ذوبان الجليد ومحاربة عبادة الفرد، الا ان اساليب الأمن السري في تجنيد المخبرين للتجسس على المواطنين السوفيت وخاصة المثقفين منهم لم تتغير . كان قسطنطين فيدين – كما اسلفنا - كاتبا شهيرا وجارا لباسترناك في (بريديلكينا)، ولكن هذا لم يمنعه من رفع تقرير سري الى جهاز الأمن السري حول نية باسترناك الانتحار، مما سيؤدي الى اثارة ضجة في الغرب والحاق ضرر كبير بسمعة الاتحاد السوفيتي في الخارج .

ورغم فصل باسترناك من اتحاد الكتّاب السوفيت، الا انه ظل عضوا في صندوق التكافل التابع للاتحاد . وعلى الفور ارسل جهاز الأمن السري طبيبة متخصصة بمعالجة حالات التسمم مع كمية من الأدوية الى منزل باسترناك، وزعمت الطبيبة انها جاءت بناء على تكليف صندوق التكافل للاعتناء بصحة باسترناك . وقد صدّق الشاعر كلام الطبيبة، لأنه سبق له ابلاغ قيادة الاتحاد بأنه مريض .

شغلت الطبيبة غرفة صغيرة في المنزل، ونشأت شكوك قوية لدى افراد عائلة باسترناك حول المهمة الحقيقية للطبيبة، وهي منع الشاعر من الانتحار واسعافه عند الحاجة، وكذلك مراقبة ما يدور من احاديث داخل المنزل، وربما كانت تحمل معها جهاز تسجيل .

وكان عدد من رجال الامن السري بملابس مدنية يحيطون بالمنزل ويراقبون كل صغيرة وكبيرة وخاصة من يتردد على الشاعر من الأدباء والاصدقاء .

باسترناك ضحية الصراع الحزبي

تشير الوثائق المنشورة في روسيا مؤخرا الى ان باسترناك كان في خضم هذه الاحداث ضحية الصراع الداخلي في قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي . فقد كان الحرس القديم في الحزب يحاول حرف خروتشوف بعيداً عن النهج الليبرالي . وبايعاز من منظر الحزب ميخائيل سوسلوف - عضو المكتب السياسي - أعد القسم الايديولوجي تقريرا من 35 صفحة تتضمن اقتباسات معادية للثورة من رواية " دكتور زيفاغو " تم اختيارها بمهارة، وقد تم تقديم هذا التقرير الى اعضاء المكتب السياسي للحزب .كما نجحوا في تنظيم حملة اعلامية صاخبة تحت مسمى "السخط الشعبي" على الرواية ومؤلفها، مع ان احدا سواء داخل الحزب او خارجه لم يقرأ الرواية . وعلى هذا النحو تم جعل باسترناك وروايته لعبة سياسية داخل البلاد وخارجها . كان الغرب اكثر ذكاءً من النظام السوفيتي، لانه بدا اكثر انسانية كمدافع عن الشاعر المضطهد . اما النظام الذي حظر الرواية فقد كان اشبه بمحاكم التفتيش في القرون الوسطى . ولكن البيروقراطية الحزبية لم تهتم بما تبدو عليه البلاد في نظر الراي العام العالمي، فقد كانت بأمس الحاجة الى البقاء في السلطة .وكان هذا ممكنا مع الاختلاق المستمر لاعداء السلطة السوفيتية .

حملة عالمية دفاعا عن باسترناك

بينما كان باسترناك هدفا لحملة شرسة وواسعه تستهدف النيل منه وتشويه سمعته تمهيدا لأسقاط الجنسية السوفيتية عنه ونفيه الى خارج البلاد، كان ابرز الأدباء في العالم يشيدون به وبمنجزه الابداعي وشجاعته، بينهم عدد كبير من الحاصلين على جائزة نوبل في الأدب (برتراند راسل، فرانسوا مورياك، البير كامو، اندريه موروا، جون شتاينبك، بيرل باك، بابلو نيرودا، توماس اليوت) ومئات الكتّاب والشعراء والفلاسفة المعروفين الآخرين، منهم (سومرست موم، غراهام جرين، ألدوس هكسلي، جارلز سنو، هوارد فاست)

وقد انضم لحملة الدفاع عن باسترناك رئيس الوزراء الهندي، جواهر لال نهرو، حيث اتصل هاتفيا بالزعيم السوفيتي نيكيتا خروتشوف طالبا منه ايقاف الحملة على باسترناك وعدم اسقاط الجنسية السوفيتية عنه، كما كلّف السفير الهندي في موسكو بالاتصال بالسلطات السوفيتية وابلاغها، ان الحملة على باسترناك تسيء الى سمعة الاتحاد السوفيتي . وكان لموقف الزعيم الهندي – الذي كان يحظى بإحترام كبير لدى خروتشوف - الأثر الحاسم في تخلي النظام السوفيتي عن فكرة طرد باسترناك الى خارج البلاد .

عودة "دكتور زيفاغو " الى القاريء الروسي 

بعد ثلاثين عاما من الحظر، نشرت رواية " دكتور زيفاغو" عام 1988 في أهم مجلة أدبية روسية وهي مجلة " نوفي مير – العالم الجديد "، مما سمح للجنة نوبل بأن تعتبر رفض باسترناك للجائزة قسريا وباطلاً . وفي صيف ذلك العام ارسلت اكاديمية العلوم السويدية دبلوم جائزة بوريس باسترناك الى موسكو عن طريق الشاعر اندريه فوزنيسينسكي - الذي كان مدعوا الى السويد لالقاء قصائده امام عشاق الأدب - كما تم تسليم الميدالية الى الابن الأكبر لباسترناك، يفغيني باسترناك، في احتفال مهيب جرى في ستوكهولم عام 1889

واليوم يحتل باسترناك مكانة رفيعة في الأدب الروسي، حيث تصدر طبعات جديدة من مؤلفاته الكاملة، وتقام له تماثيل، وتنشأ متاحف في الأماكن التي عاش فيها، وتنشر عشرات الكتب عن سيرته الحياتية والأبداعية، وعن ذكريات المقربين منه، وثمة عشرات الباحثين المتخصصين في ادب باسترناك في الجامعات الروسية . لقدعاد الشاعر العظيم الى القاريء الروسي مكللا بالمجد الأدبي والأخلاقي، ومثالا للصمود امام عواصف الزمن الرديء .

 

د. جودت هوشيار

 

 

محمد غانيللدكتور فاتح عبد السلام.

من الروايات القليلة التي تركت صداها مدويا في خاطري لعذوبة تعابيرها العميقة ولسلاسة تداعي أفكارها المرتبة نحو وجهة تحقيق الرؤية الفلسفية العميقة لمجموعة من القضايا الانسانية الآنية نجد رواية "قطارات تصعد نحو السماء" التي صدرت عن الدار العربية للعلوم ناشرون بلبنان في طبعتها الأولى تموز/يوليو 2019م / 1440 هـ.

اطلعت عليها بشغف كبير لانني أعرف الرجل كاتب الرواية من افتتاحياته الأنيقة بجريدة الزمان الصادرة من لندن وأختها جريدة قريش التي تصدر من نفس المدينة غير أن الأولى ورقية والثانية الكترونية وكلتاهما من الجرائد الهادفة الناجحة بالوطن العربي، وهو في نفس الآن دكتور في الادب العربي وروائي وقاص وأستاذ جامعي عراقي مقيم بلندن، نال شهرته الأدبية حين حاز جائزة الدولة للرواية في العراق سنة 1993 عن روايته"عندما يسخن ظهر الحوت".

كتب الدكتور فاتح الرواية من وجهة نظري في هذا الزمن الذي يعاني منه المواطن العربي بصفة عامة والعراقي بصفة خاصة (العراق هو الموطن الاصل لكاتب الرواية) من ويلات التقسيم والنزوح والهجرة القسرية، لذلك عبرت مختلف القصص القصيرة المكونة لفصول الرواية عن القضايا نفسها لكن في ابداع كبير في الرؤية الفلسفية العميقة.

قبعات بدون رأس

قضية اللجوء قضية انسانية آنية تشغل مختلف الكتاب، وقد شغلت الدكتور فاتح أيضا لانها قضية وطن بالنسبة له، وحسب ما قرأته من روايته، ويبقى لقارئ آخر، اعطاء تأويلات أخرى لنفس النص، وهذا حال النصوص المتينة تبقى قابلة لتأويلات عدة ولتفسرات متنوعة، فإنه قد عبر عنها في ابداع خلاق وباسلوب غير ممتنع على الفهم، لكنه يبقى راقيا في تعبيراته وتصويراته. قبعة بدون رأس هو التصوير الذي أبدعه لتمثيل حال مواطن بهوية أصلية تركها في بلاده ليحمل قبعة هوية جديدة ألبسها له البلد المستقبل.

معاناة بين وطن مكلوم وخوف من الترحيل

من القضايا الجميلة والأليمة في الآن نفسه والتي طرحتها الرواية الأنيقة للدكتور فاتح عبد السلام، قضية الخوف من الترحيل التي يعانيها كل لاجئ، حيث يخضع المشكوك فيه كل لحظة في بلدان الاستقبال لتفتيش أوراق ثبوت هويته، ومن مثله هم في غالب الاحيان بدون هوية مما يجعلهم يعانون ألما نفسيا لا متناهيا، لكن يصادفون في مسيرتهم الثبوتية من بلد الانطلاق والى بلد الاستقبال اشخاصا لطفاء يساعدونهم على الافلات من الرقابة لحين وقت الفرج، فباب الأمل دوما مفتوح في قلم كاتب يُستمد الفتح من اسمه "فاتح".

حنين لا متناه الى الوطن

يصور الدكتور فاتح عبد السلام في روايته هذه، حنين العائد الى وطنه في تعابير جميلة تجعل القارئ مشدوها متتبعا لاحداث القصة غير رافع عينيه عن الورقة من انجذابه لاحداثها وشعوره بمشاعر حقيقية كأنه يعيش فصولها، لا لشيء غير تصويراته الدقيقة لمشاهد القصة وكأن القارئ بطل من أبطالها يعود الى بلدته، ويشم رائحة فرن حيه، ويذوق شاي أيام طفولته، ويتألم حين يمر أمام بيت فُقِد أصحابه بسبب الحروب والارهاب، ألم لا متناه يشعر به حين يمر امام حديقة يابس نباتها بعد ان كانت يوما مخضرة.

بين رشوة وتحرش

تعاني المرأة والرجل في المجتمعات المتخلفة من ويلات الرشوة حيث لا تقضى أمورهم بدون دفع رشاوى كما أن الأرملة في بلدان الحروب دوما تحصل على ما تريد ظانة ان زوجها السابق كان هناك من يكن له الاحترام، فتقدم لها من اجله المساعدات، في حين ان الطمع وحده من حرك القلوب لأجلها في وطن أكلمته الحروب ردحا من الزمن كالعراق حيث انتهت اعمار مواطنيه ولم تنته الحرب.

أيهما يسبق الآخر المحطة أم القطار؟

لا شك أن محطات الرواية عبارة عن فضاءات قصصية متعددة لقطار روائي واحد يركبه أبطال تائهون وسط ويلات الحروب والاحداث الارهابية وبحث عن الهوية وسط عوالم التيه والألم وظلم المضطهد.

انهم ركاب من طراز فريد، في قطار حصري يسافر الى سماء الأمل فطريقه عمودي يصعد الى الأعلى وسِكته هوائية عوض ان تكون حديدية، يهرب مسافروه من تعسف اهل الارض على كل صاحب وطن هجره قسرا الى سماء وطن مستقبل أرحب.

من هذا الحبك الروائي النادر داخل مجموعة قصصية رائعة تحاول اثارة فضول اصحاب القريحة النقدية لفتح باب القراءات المتعددة والاستمتاع بالتأويلات المتعددة التي قد تظهر لقارئها، نضرب مثالا على ذلك ثنائية القطار والمحطة التي تتكرر في مجموع محطات الرواية القصصية والتي تفتح التساؤل كبيرا في ذهني، يا ترى من يسبق الآخر، القطار أم المحطة؟

كل راكب يظن محطته القصصية بداية الرحلة لكنه حين يركب قطار الرواية يجد ركابا سبقوه في سفر القدر لذلك كانت هي في الحقيقة قطارات لأزمنة متعددة كسيناريوهات الحياة البشرية يظن كل فرد في مسرح الدنيا الكبير أنه بطل قصته الرئيس لكنه حين يركب قطار الحياة يجد نفسه مجرد رقم بسيط في معادلتها، لكن ارقام المعادلة ليست مجردة من المشاعر حيث يمكن أن يلحظ القارئ لرواية الدكتور فاتح عبد السلام لدى أحد ابطال الرواية خوفا عميقا يخالجه وَجَلا من الوصول الى المحطة، كما في قصة "لو لم تكن المحطة الاخيرة قريبة"، أو في قصة "المرأة القطة والرجل القنفذ"، حيث الوصول الى المحطة في القصة الاولى يعني ايذاناً بنهاية رحلة حب، وفي الثانية الوصول محفوف بمخاطر المجهول في زمن حرب، لاسيما لجندي هارب من الجبهة.

 

د محمد غاني، كاتب- المغرب