ضياء نافعمتحف تسفيتايفا في موسكو هو الشقة التي عاشت بها الشاعرة وعائلتها الصغيرة منذ عام 1914 الى عام 1922 (هاجرت بعدئذ من الاتحاد السوفيتي مع زوجها) . و الشاعرة مارينا تسفيتايفا (1892-1941) هي ابنة بروفيسور جامعة موسكو  ومؤسس متحف الفنون الجميلة  في موسكو واول مدير له ، ووالدتها عازفة بيانو معروفة في روسيا .

عندما قررت الاوساط الثقافية في روسيا الاتحادية عام  1992 تحويل هذه الشقة الى متحف، تم دمج الشقة المجاورة لها مع المتحف، اي اصبح كل الطابق في تلك البناية متحفا، وأقامت تمثالا رائعا لتسفيتايفا في الشارع امام تلك البناية، وهكذا اصبحت تسمية هذا المكان  – (بيت – متحف تسفيتايفا)، ويعدّ واحدا من المتاحف الحديثة نسبيا في موسكو، ويضم الان 45 الف مادة ترتبط بتسفيتايفا وحياتها من رسائل وصور ولوحات وكتب وحاجات شخصية وأثاث ....الخ . لقد زرت هذا البيت – المتحف قبل فترة (انظر مقالتنا بعنوان – كنت في بيت تسفيتايفا)، وعندما خرجت، طرحوا عليّ سؤالا هو – هل ترغب ان نعلمك بنشاطات متحفنا الثقافية ؟ فأجبت – نعم وبكل سرور، فطلبوا عنواني الالكتروني، وهكذا ابتدأت باستلام برامجهم الثقافية المتنوعة، والمرتبطة طبعا بالادب الروسي ومسيرته. لقد اختتمت مقالتي المشار اليها أعلاه ببرنامج ذلك المتحف عندما زرته آنذاك، وحاولت بعدئذ متابعة نشاطاتهم الثقافية حسب وقتي وظروفي، واليوم استلمت برنامجهم الثقافي لشهر نيسان / ابريل 2019، ويتضمن خلاصة وجيزة لكل فقرة من فقراته، وكم تأسفت لان ظروفي الان لا تسمح لي بالمشاركة معهم وحضور هذه الفعاليات الجميلة والممتعة حول الادب الروسي، ولهذا قررت اطلاع القراء على بعض فقرات هذا البرنامج بشكل وجيز، اذ في الاقل سيعرف القراء طبيعة هذه البرامج الثقافية، التي يقدمها هذا المتحف للجمهور المتابع لاخبار الادب الروسي، وأظن ان  القراء العرب ربما سيجدون في هذا التعريف الوجيز معلومات مفيدة وجديدة عن الادب الروسي و اعلامه وتاريخه ومسيرته.

الفقرة الاولى، التي اتوقف عندها في هذا البرنامج جاءت بعنوان – توتشيف وفيت، وهما شاعران عملاقان في تاريخ الشعر الروسي بمنتصف القرن التاسع عشر (اي بعد بوشكين) . الخلاصة الوجيزة عنهما في ذلك البرنامج تتناول مكانتهما المتميّزة في مسيرة الشعر الروسي، وتأثيرهما بالذات على شعراء العصر الفضي (وهي تسمية لعشرينيات القرن العشرين تمييزا  لها عن تسمية العصر الذهبي للشعر الروسي، وهو زمن بوشكين)، و تنتقل الخلاصة  للحديث عن انعكاس خصائصهما الفنية في الحياة الثقافية الروسية المعاصرة، وهو موضوع جديد بكل معنى الكلمة، و تختتم الخلاصة عرضها لطبيعة هذه الفقرة بجمل تحمل سمات شعر هذين الشاعرين، وهي كما يأتي – (...و كيف كانا يسكبان الهدوء والسكينة على الاصوات وضجيجها، و الليل على النهار، و الاحاسيس على التعقّل...)، و يتساءل كاتب تلك الخلاصة في النهاية  قائلا – هل كانا يمثلان البوذية الروسية العفوية ؟ . وباختصار، فان تلك الكلمات القليلة عن هذه الفقرة في البرنامج الثقافي لمتحف تسفيتايفا تثير القارئ المتابع للظواهر الجديدة في الادب الروسي، وتجعله متلهفا فعلا لحضور هذه المحاضرة العميقة والطريفة في مسيرة الشعر الروسي .

الفقرة الثانية التي نتوقف عندها قليلا في هذا البرنامج ترتبط بتاريخ المسرح الروسي، وقد جاءت تحت عنوان – (من غريبويديف الى استروفسكي) . يشير البرنامج الى ان المحاضرة هذه تتناول المسرحيات الكلاسيكية البارزة في هذه الفترة الزمنية الطويلة نسبيا في تاريخ المسرح الروسي .

الفقرة الثالثة جاءت بعنوان – (مارينا تسفيتايفا عن الكساندر بلوك)، وهذا  موضوع كبير لازال النقاد والباحثون يتناولونه، اذ ان علاقة تسفيتايفا تجاه بلوك كانت غير اعتيادية بتاتا، فهي لم تستطع ان تتقبّل امكانية ان تقابله وتتكلم معه اثناء حياته، لأنها كانت تعدّه ظاهرة استثنائية وخاصة جدا بين البشر، ولهذا كانت تخشى اللقاء معه وتخجل وترتبك. لقد كتبت له القصائد وارسلتها اليه ليس الا، واحتفظت بطبيعة هذه العلاقة الروحية الغريبة طوال حياتها، ويشير بعض الباحثين الى ان هذه العلاقة تكاد ان تكون (الآهية!) .

الفقرة الاخيرة، التي اخترناها من ذلك البرنامج تدور حول الرواية في الادب الروسي، وقد جاءت تحت عنوان – (المشترك بين ابطال روايات تورغينيف وغانجيروف ودستويفسكي)، وهو طرح جديد في عالم النقد الادبي الروسي، اذ  يتناول مجموعة مختلفة من الروائيين الروس الكبار، بعيدين عن بعض كليّا من حيث الافكار والاسلوب والاهداف ومسيرة حياتهم بشكل عام.

لقد تحولت بيوت الادباء الروس الكبار الى متاحف تحافظ على تراث هؤلاء الادباء، وتساهم في نفس الوقت بدراسة تراثهم ، ومكانة هذا التراث واهميته في مجمل مسيرة الادب الروسي، ومتحف تسفيتايفا هو واحد من عشرات المتاحف الاخرى في روسيا.

متى نحقق نحن اقامة متاحف لادبائنا؟ ومتى نرى بيوتهم وقد تحولت الى متاحف تحافظ على تراثهم، وتقوم بدراسته ونشره ؟ في بغداد يدور الحديث منذ سنوات طويلة عن بيت الجواهري ولكن.....

 

ا.د. ضياء نافع

 

رشيدة الركيكتمر بنا السنين ولا نشعر بمحطات العمر، و من كثرة المشاغل والمسؤوليات قد ننسى العد العكسي الذي يشير اقتراب النهاية.

وباعتبارنا آباء نقذف في اتجاه المستقبل حين نعيش حياة أبنائنا، ثم تتماهى أحلامنا مع أحلامهم لنكتشف أننا كنا نعيش أوهاما صادمة، كلما رمت بنا أمواج الحياة العاتية إلى حيث لم يكن في الحسبان.

تقف بنا حافلة عمر الزمن عند آخر محطة يراودنا فيها شبح النهاية، ونعيش كل أحاسيس العجز، فتقل حركتنا وربما فهمنا أو سمعنا أو بصرنا.

يعم الضعف حواسنا، فتكثر معه الشكوى والحساسية المفرطة، لا نملك عندها سوى الإعجاب بماضينا، ونتكلم عن أنفسنا وكأننا فرسان الزمان الجميل.

لم نعد ننتظر إلا الرعاية و الاهتمام لتعود بنا الأيام كما كنا في الصغر، و لكن مع تجعد وجفاف الجلد يتغير معه لون شعرنا،وتترهل عضلاتنا فتضعف مع إحساس تام بالبرودة في حياة باردة .

إنه سن الشيخوخة وما بعد الستين تبدأ حكاية المسن مع عالم العزلة وحكايته مع القلق والاكتئاب والملل .  ومع كثرة المرض يزداد خوفه من مرض منتظر قد يتوهمه عند كل لحظة وفي أي مكان...

لم تعد قدراتنا العقلية تستوعب بنفس السرعة، وتبدأ قصتنا مع نسيان لكل جديد فنقول  ونعيد نفس الكلام مرارا وتكرارا حتى يسأم من يسمعنا، و تبدو ملامح خرف الشيخوخة، خصوصا عند نسيان الأشخاص والأحفاد وأسمائهم...

تكثر صلتنا بالأطباء من كثرة زيارتهم، وتصبح الأدوية متاعا لنا أينما ذهبنا.

ترتفع نسبة الإصابة بالأمراض المزمنة من سكر وضغط الدم ،ومع ذلك يظل عجز مع صمود في وجه الحياة ورغبة في الاستمرار، غير أننا قد ينتابنا الإحساس بالذنب كلما أحسسنا أننا عبء ثقيل على ذوينا.

هكذا سيؤول واقعنا ولسنا أول أو آخر من سيعبر هذا الدرب، هكذا هي الحياة لكن ما تغير اليوم هو ظروف العيش وضغوط الحياة، ومع انشغال الأفراد، لم يعد الأبناء متفرغون لتقديم الرعاية لكبار السن التي يحتاجونها وإعطائهم الوقت الكافي.

في الماضي القريب كان المجتمع ينظر للمسن نظرة احترام ووقار، كانوا مصدر حكمة وتجربة وخبرة حياتية، نسقى من حديثهم ونأخذ العبر من شموخهم.

كانت حكاياتهم حاملة لمعاني الحياة وكانت تسافر بخيال أبنائنا وتقويه، وفي ذلك تناغم بين ثلاث أجيال في نفس البيت، امتزجت عقليات وأزمنة وإن اختلفت تآلفت.

لا زال صوتك أيها الزمن يسقط شعرنا الذي كنا نعجب به ونتباهى بجماله. اليوم هو شهيد على أنه لم يبق إلا القليل.

هي رحلة مع شيخ هرم أصبح اليوم يعيش الصمت التام، وإن اختلفت رسالته  بين حكمة و إحساس بالقهر، أم هو دخول في ضجيج من الكلمات في عالمه الداخلي؟ وكأنه جاء الوقت للإنصات لتاريخه الفردي يجتره من جديد في نوع من الحنين، يهيم في أحداث مضت وترى عيناه قد تلمع في لحظات افتقدها، وقد تعود مرة أخرى للذبول من جديد كلما عاد للحظة الشيخوخة قد يعم صوت من نوع آخر ربما هو انتظار للحظات الوداع.

حياة داخلية يعيشها المسن كما يريدها في ذاكرته، لكنه يفتقد لاختيار حياة خارجية واقعية وقد حكم عليه الزمن الفاعل اليوم في الأحداث بصيغة الأمر، ربما قد يفرض عليه التنقل من بيت لآخر لتقاسم تحمل مسؤولية رعايته، وربما قد يعيش وحدة قاتلة ولن يجد من يذكره بالحياة و دينامكيتها .

لقد  توقف النهر عن الجريان وحان وقت الجمود ليجف شيئا فشيئا. لم تعد الحياة ضوضاء كما كانت أثناء العمل تبشر بعطلة نهاية الأسبوع أو نهاية الشهر أوالسنة... لقد تشابهت عليه الأيام ولا جديد سوى انتظار لأحد الأبناء البار به، فما بالك إذا وضع في دور الرعاية الإجتماعية؟ منتهى القسوة والجمود العاطفي وكأنها دور انتظار للموت المحتوم.

لم تعد الإبتسامة تزورهم ولم يعد الأمل يدق بابهم ،يبدو أنه لم يعد لمنظر الغروب جمال سوى تأمل لظلام حالك مع إحساس مميت بالعجز.

كثر الحديث اليوم عن دور لرعاية المسنين باعتبارها حلا لواقع التغيرات المجتمعية، لكن أية تغيرات تدفع الإبن للتخلص من أبيه في لحظة ضعفه؟ هل فعل هو ذلك في أقوى لحظات قسوة الحياة؟ أليست المسألة تتعلق بالخلل في منظومة القيم، باعتبارها تعاني من خلل نعيشه كأفراد مثلما  تعيشه  الأسر و المجتمع على حد سواء؟

يبدو أننا نعيش اليوم في مجتمع متبرئ من القيم بل مقبر لها في جل اللحظات ومع أقرب الناس حتى من كانوا سبب وجودنا.

هو نوع من الجحود مفضوح ولكن من سيكشف الأمر سوى الأيام، عندما يفعل به ما فعله بآبائه.

جحود قد يتمظهر في التنقيص من قيمة وكرامة الأصول أو استغلال ما يمتلكون أو حرمانهم منه، بحكم أنهم ليست لهم القدرات العقلية الكافية للتصرف، هو تهميش لدرجة الإقصاء. فهل منحونا الحياة لنسلبها منهم بسبب حب جارف للذات؟ يفضل فيه نفسه عن سواه، أو حتى رغبة في الانفرادية تدفع الأفراد للإنعزال والإبتعاد عن العائلة الكبيرة مكتفيا بأسرته الصغيرة، خارقا لكل قيم التماسك الأسري والعائلي.

يبدو أنه كان علينا أن نلبس البذلة الإلكترونية التي صممتها شركة التأمين الأمريكية والتي تزن ثمانية عشر كيلوغراما وتجعل مرتديها يشعر بوهن كبار السن، لعلنا نتفهمهم  لنتعاطف معهم، لأن أحاسيسنا أثلجت بعد سيطرة النزعة الانفرادية في هذا العصر.

هكذا تهدم جسور الثقة بين الأجيال وتعم الأنانية وحب الذات بشكل مفضوح.

لقد تسلمت الإنسانية مفاتيح الشح العاطفي والجحود من خلال فتح دور المسنين لآباء تخلوا عنهم أبناؤهم ليعيشوا حياتهم غير أن وقتهم لا يكفي لمنح جزء منه لمن منحهم حياتهم كلها.

تتنامى الظاهرة خصوصا أمام ارتفاع عدد المسنين مما سيحمل الدولة تكاليف بناء المزيد من دور الرعاية ومن يرعاهم، الشيء الذي سيفقد الناس الثقة في أبناء سيرمونهم في سلة المهملات عندما تنقضي مدة صلاحيتهم في لحظات ضعفهم.

يبدو أن إنسانيتنا اليوم في محنة وأن علاقاتنا الأسرية في أزمة وأن الجفاء والجحود سيغدو من شيمنا وأننا سنقع فريسة للوحدة والإنعزال ، وسنضطر للتخلي عن كرامتنا في زمن حرمان بعضنا من بعضنا، لينتهي بنا المطاف بحياة يسودها الجفاف العاطفي تنتهي بالذبول والندم على من هم سر قوتنا وسند ضعفنا ومن أحبونا أكثر من أنفسهم، فاستيقظوا ونحن نيام، وأعطونا عندما حرموا أنفسهم ودعوا لنا في غيابنا، فحزنوا لحزننا وفرحوا لفرحنا،طالما رفعوا شأننا بينما رميناهم في سلة المهملات، كلمونا ونحن لا نتكلم وحاولوا فهمنا في وقت لم نكن لا نعرف إلا البكاء، ابتسموا ونحن نلطخ المكان بحجة أننا نتعلم، تألموا كلما لم يفهموا لماذا نصرخ بكاء...

ستصبح الحياة صعبة كلما ذهبنا لزيارة الأصول في دور الرعاية مع أبنائنا، ستصبح الحياة مهزلة، خالية من شحنات عاطفية حقيقية تجمع الناس وتخلق الود والوئام وتنشر قيم الحب والعطاء وقيم الإعتراف بالجميل .

هي ربطة عنق تبدو موضة مزركشة أضفت جمالية على صاحبها غير أنها في الحقيقة خنقت أنفاسه وحرمته من حرية الحياة البسيطة وجمالها في روعة التماسك والحب العفوي والتقدير المريح و النظرة الإنسانية التي تحيي المشاعر وتروي القلوب وترحمنا من قسوة الضمير، ومن القلق الوجودي وفوبيا العلاقات الإنسانية الصادمة...

فرفقا بأنفسنا وبأبنائنا وبآبائنا ولنركب مركب النجاة لنا جميعا وإلا ضاع الجميع وضاعت معه قيمنا الإنسانية السامية في شكل واجبات منقذة من أي ضلال.

 

بقلم رشيدة الركيك

 

ضياء نافعكان بيلينسكي (1811-1848) في الاتحاد السوفيتي الناقد الادبي رقم واحد في كل الدراسات والبحوث الادبية، وكان الاستشهاد باقوال بيلينسكي وافكاره يعني صحة اي موقف من المواقف الادبية في اي نقاش او حوار يجري حول اي موضوع من مواضيع الدراسات الادبية تلك بغض النظر عن طبيعتها وتفاصيلها وأغراضها. وعندما كنّا طلبة في كليّة الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) بجامعة موسكو في ستينيات القرن العشرين، كنّا نوصي بعضنا البعض اثناء اداء الامتحانات (وهي شفهية بشكل عام وامام لجان مختصّة) ان (نقحم!) اسم بيلينسكي في اجاباتنا ونذكر اي قول من أقواله ونستشهد بها، كي تبدو هذه الاجابات علمية ومقنعة امام تلك اللجان الامتحانية . لقد كان بيلينسكي رمزا فكريا واضحا لمجتمع الحزب الواحد

 والرأي الواحد، المجتمع الذي انتصرت فيه ايديولوجيا واحدة، ولم تكن تسمح لأيّة ايديولوجيا اخرى حتى بالتعايش معها وبأي شكل من الاشكال، (وتوجد لوحة سوفيتية يقف في يسارها بيلينسكي وفي يمينها رائد الفضاء غاغارين وفوقه العلم السوفيتي يرفرف فوق برلين عندما دخلت القوات السوفيتية منتصرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ويوجد في وسط تلك اللوحة صاروخ سوفيتي ضخم، وتجسّد هذه اللوحة كل المفاهيم السوفيتية حول بيلينسكي وموقعه في الاتحاد السوفيتي)، وقد تم نصب تمثال له وعدة تماثيل نصفية في مدينة بينزا الروسية، وتم حتى تسمية مدينة صغيرة باسمه في محافظة بينزا هذه، وتوجد شوارع وساحات عديدة ومكتبات عامة تحمل اسمه في العديد من المدن الروسية ...الخ .

 انعكس هذا الرأي السوفيتي طبعا على الحركة اليسارية العربية عموما، فقد اصبح بيلينسكي نجما ساطعا في دنيا النقد الادبي العربي، وكذلك بالنسبة لنا نحن العراقيين الذين كنّا ندرس الادب الروسي في موسكو، فقد كتب عنه د. حميل نصيف التكريتي اطروحته في جامعة موسكو، وكان بيلينسكي جزءا من اطروحة المرحوم د. جليل كمال الدين عن النقد الادبي الثوري الديقراطي في نفس تلك الجامعة، وأصدرت المرحومة د. حياة شرارة كتابا في بيروت عن بيلينسكي ضمن سلسلة أعلام الفكر العالمي، وأذكر – مرة- ان جاء المرحوم د . عبد الآله أحمد (الناقد الادبي و الباحث المشهور) الى قسم اللغة الروسية وكان غاضبا وزعلانا على د. جميل نصيف التكريتي الذي كان آنذاك رئيسا لقسم اللغة العربية في كليّة الآداب، حيث كان يعمل د. عبد الآله، وقال بصوت عال وهو يحاول ان ينتقص من علميته – لماذا لا ينشر اطروحته عن بيلينسكي ؟ معتبرا ان ذلك نقيصة في نشاطه العلمي آنذاك، وقد حاولنا جميعا ان نهدّأ من غضبه وزعله بالطبع ونحن نبتسم، ونقول له، ان د. جميل يستشهد بافكار بيلينسكي دائما، وان افكار هذا الناقد الكبير تنعكس تلقائيا على مجمل نشاط التكريتي الادبي حتى دون نشر اطروحتة عنه، الا ان د. عبد الآله (الغاضب على د. جميل نصيف عندها) لم يقتنع بكلامنا ولم يهدأ.

 لكن بيلينسكي لم يكن هكذا عندما ظهر في الساحة الفكرية الروسية في الثلث الاول من القرن التاسع عشر، وانما كان واحدا من مجموعة متنوعة الاتجاهات من النقاد والمفكرين الروس في الثلث الاول من ذلك القرن في روسيا، وكان بيلينسكي ناقدا بارزا وذكيّا وشجاعا، واصبح مشهورا رغم انه كان عليلا بشكل عام و عاش 37 سنة ليس الا (وتوفي بسبب مرض السلّ)، واستطاع – مع ذلك - ان يلعب دورا كبيرا في عالم الادب الروسي آنذاك، وكتب مقالات عميقة في النقد الادبي عن بوشكين وليرمنتوف وغوغول، وكذلك عن ادباء روسيا في القرن الثامن عشر، واصبحت كل تلك المقالات شهيرة في ذلك الزمن بالذات، وأثارت اهتمام الاوساط الادبية في روسيا آنذاك ولازالت تمتلك اهميتها وقيمتها لحد الان ويدرسها الباحثون في تاريخ الادب الروسي، ولكنها – مع ذلك - لم تكن تعني انها الكلمة النقدية الفاصلة والحاسمة، وان اي رأي آخر معاكس او غير مطابق لها او غير متناسق معها هو خاطئ او غير صحيح كليّا او جزئيّا، وانما كان باب الاجتهاد مفتوحا على مصراعيه كما يقولون، وكان هو واحدا من النقاد ليس الا، رغم انه كان ناقدا متميزا بينهم .

 يعدّ بيلينسكي من ضمن اوائل المثقفين والنقاد والادباء الروس، الذين كانوا يؤيدون النزعة الغربية ضد النزعة السلافية، وهو الصراع الفكري الذي سيطر بعدئذ – وبكل وضوح - على مسيرة الادب الروسي لاحقا وعبر كل القرن التاسع عشر، وعندما حلّ القرن العشرون وانتصرت ثورة اكتوبر1917، اصبح الرأي المرتبط بهذه النزعة هو الرأي الصحيح لأنها كانت المضادة للنظام القيصري، النظام الذي أسقطته الثورة، و اصبح الرأي المعاكس له غير صحيحا (اي النزعة السلافية) لانها لم تكن مضادة للقيصرية . ان هذه النظرة (المبنية على الموقف السياسي فقط) في الفكر هي نظرة سطحية بلا شك، لأنها تلغي كل الالوان وتبقي على اللونين الابيض والاسود فقط، دون ان تفهم، انه حتى اللون الابيض (عندما نحلله بعمق) يمتلك العديد من الالوان، وهذا موضوع فلسفي مطروح امام البشرية جمعاء، وكم عانت الشعوب (بما فيها شعوبنا العربية) في مسيرتها من هذه النظرة التبسيطية والساذجة ...

بيلينسكي اليوم في روسيا – ناقد ادبي كبير في تاريخ الادب الروسي، ولكنه ليس الناقد الاوحد . انه جزء مهم وحيوي ورائع ايضا في مسيرة الفن والادب الروسي والفلسفة الروسية، ولكنه ليس كل شئ وفوق كل شئ في هذا البحر الفكري الكبير بامواجه الهائلة والمتلاطمة مع بعض .

 هل تتذكرون شعار – لتتفتح مئة زهرة؟ الشعار الذي كنا نراه معلقا فوقنا، ولكننا لم نراه يمشي حيّا في الشارع معنا وبيننا ... 

 

أ.د. ضياء نافع

 

848 ايرنوالكتابة وسيلة من وسائل التعبير عن الذات ورحلة في أعماق النفس البشرية، هي حاجة وقدرة على الغوص والتأمل في اللاشعور الإنساني والإحساس الكامل بالحياة وجزئياتها المختلفة.

للتعبير عن الذات عبر الكتابة طريقته الخاصة ودوافعه المتعددة، وهذا بالتحديد ما لجأت اليه الكاتبة الفرنسية آني ايرنو عندما اتخذت من الكتابة وسيلة لتعبر بها عن مكنوناتها الذاتية ولتكون الكتابة بالنسبة لها ملاذها الامن ووجهتها الأخيرة.

ولدت آني ايرنو في عام 1940 من أبوين ريفيين في منطقة (ليل بون) في شمال فرنسا. أكملت دراستها لتصبح استاذة جامعية تدرس الأدب الحديث في جامعة  (إنسي). وهي متقاعدة في الوقت الحاضر ولكنها مازالت تمارس عمل الكتابة الأدبية.

بداياتها الادبية كانت مع ثلاث روايات (الدواليب الفارغة، ما يقولون أو لا شيء والمرأة المجمدة) ومن بعدها بدأت تتخذ كتاباتها منحىً أخر وهو كتابة السيرة الذاتية ومن جملة ما كتبته: المكان (اذ حصلت عن هذا الكتاب على جائرةRenaudot عام 1984)، آمرأة، العيب، السنين، الفتاة الاخرى، كتابة الحياة وغيرها).

فالكتابة بالنسبة لها تجربة ذاتية تنقلها في رحلة الى أعماق دواخلها النفسية وذاتها المتمردة على واقعها المليء  بالمتغيرات والفوارق الاجتماعية والطبقية، وهي أيضاً بحثُ متواصل ودؤوب عن الهوية... هويتها الضائعة بين عالمين متناقضين، عالم البساطة والتلقائية وعالم التعقيد والسطحية المقنعة بقناع الأرستقراطية الحديثة.

تعد كتاباتها وثيقة وصفية لمستويات اللغة في المجتمع الفرنسي، اذ ركزت الكاتبة في أعمالها على الواقع المعيش وحوارات أقاربها ومحيطها هذه الفئة المجتمعية – التي تنتمي اليها الكاتبة – تعاني عدم المساواة والتمييز بين الطبقات، طبقة مهيمنة وأخرى خاضعة. فضلاً عن ذلك تعبر أعمال ايرنو عن معاناة وتجارب عاشتها الكاتبة بنفسها بلغة بسيطة بعيدة عن الرومانسية فهي ترفض الأدب التخيلي مركزة على الأدب الواقعي الذي يتناول الحياة والوجود الانساني ومعاناة الناس في كل مكان.

ايرنو بيدين خط عليهما الزمن ملامحه القاسية، تتنقل برشاقة الفراشة من ورقة لأخرى وبين سطورتجربتها الشخصية غير عابئة بسنين العمر سريعة الخطى،  لتنقل واقعاً طالما ارهقها بتناقضاته وأحداثه المتلاحقة ولتصنع تاريخاً مجسداً وموثقاً معلنةً بذلك عن تجربة حياة هي أبرز شخوصها وإنها على الرغم من أعوامها العديدة فهي قادرة على المواصلة  والابداع وإنها بدخولها عالم الأدب اصبحت أسيرة سحر الكتابة.

 

م.م. إيناس جاسم علي

تدريسية في قسم اللغة الفرنسية

 

حسيب شحادةتحت عنوان ”الكتب التي أفادتني“ ردّ خليل السكاكيني على سؤال طرحه عليه جورجي زيدان، محرّر مجلة الهلال الشهيرة، التي أسسها سنة ١٨٩٢، وما زالت حيّة ترزق، ونشرت الإجابة فيها في الأوّل من حزيران عام ١٩٢٧، ص. ٣٩-٤٤، وكانت الرابطة - مجلّة دينية أدبية علمية ثقافية وسياسية، س. ٢٦، آب-أيلول ١٩٧٢، حيفا، رئيس التحرير حنّا فارس مخّول قد أعادت نشر الإجابة.

يدور السؤال حول ما طالعه السكاكيني من كتب في شبابه واستفاد منها، وهل يكفي المطبوع الآن من الكتب العربية لتثقيف الناشئة، وفي إجابته اقتصر على السؤال الأوّل فقط وقبل ذلك كتب:

”من يسمع كلامك هذا يا سيدي لا يشك أني شيخ انضجته السنون، على حين قد تشيخ انت وقراؤك، واولادك واولادهم وانا لا ازال شابًا، بل في غلواء شبابي. وخير لي - على احترامي الشيخوخة - ان اكون شابًا يحتاج الى رأي الشيوخ من ان اكون شيخًا يحتاج الشبان الى رأيه، على أن الرأي قد يوجد في الشبان والشيب.“

أوّل كتاب وقع في يدي السكاكيني وأثّر في حياته هو كتاب ”صحة المتزوّج والعزب“ (هكذا في الأصل والمقصود: تحفة الراغب في صحة المتزوج وزواج العازب، للطبيب والأديب شاكر الخوري، ١٨٤٧-١٩١٣) وقد يكون أوّل كتاب من نوعه في العربية. وبعده قرأ الكثير من الكتب بالعربية والإنجليزية في الموضوع ذاته، إلا أنّ الفضل الأكبر يعود للكتاب الأول.

كان السكاكيني مولعًا بالصيد ببندقيته منذ أن كان دون العاشرة من عمره، ولكنّه قرأ كتابًا أو مقالة لا يفصح عنهما حول الرفق بالطيور والحيوانات وذم الصيد، فهجر بندقيته من فوره.

استحكمت في السكاكيني لأوّل عهده بالحياة فلسفة سوداء كانت زي ذلك الزمان، وعندما طالع فلسفة فريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche, 1844-1900) فيلسوف القوة والحياة بترجمة فرح أنطون (١٨٧٤-١٩٢٢) إلى العربية، تخلّص من تلك الفلسفة والسوداوية. ويضيف السكاكيني بأنّه لا ينسى فضل شاعر العرب الأكبر، شاعر القوة والحياة، أبي الطيّب المتنبي (٩١٥-٩٦٥م.)، الذي أمدّه شعره بالنشاط وتجديد الآمال. ويستشهد بمثل هذه الأبيات ويشير إلى ما يقابلها لدى نيتشه:

إذا غامرتَ في شرفٍ مرومٍ                    فلا تقنع بما دون النجومِ

فمالي وللدنيا؟ طِلابي نجومُها           ومعايَ منها في شدوق الأراقم

دعيني أنَلْ ما لا يُنال من العلى     فصعب العلى في الصعب والسهل في السهل

 

وفي الناس من يرضى بميسور عيشه   ومركوبُه رِجلاه والثوب جلدُه

ولكنّ قلبًا بين جنبيَّ ما له                   مدًى ينتهي بي في مرادٍ أحدُّه

عش عزيزًا أو مت وأنت كريمٌ              بين طعن القنا وخفقِ البنود

واطلب العزّ في لظى ودع الذلَّ              ولو كان في جِنان الخلود

ونيتشه يقول: نحتاج إلى الكبرياء لا إلى التواضع.

ويكتب خليل السكاكيني بعد مقارنة خاطفة بين ما نظم المتنبي وما كتبه نيتشه:

”لو رحت أقابل بين ما قاله المتنبي وما قاله نيتشه لوجدت - مع احترامي لنيتشه واعترافي بفضله - ان المتنبي يضع مئة نيتشه تحت ضبنه“ (أي: إبطه) (ص. ٤٣).

وينهي السكاكيني إجابته متطرقًا إلى الجوّ الخرافي الذي نشأ فيه، فالخرافات كانت سيدة الموقف فهي من مصلحة الحكومات والرئاسات الدينية وقتذاك. ظلت الحال على هذا المنوال حتى صدور مجموعتي الدكتور شبلي شميِّل (١٨٥٠-١٩١٧) الأولى والثانية اللتين امتازتا بالصراحة بلا تردد وبأسلوب جديد لم يعرفه الشرق، وبعد قراء تهما تخلّص السكاكيني من الخرافات التي كانت تعشّش في قلبه وعقله. وكان السكاكيني قد قرأ كتبًا ورسائل كثيرة ردّت على آراء شميّل مثل ما كتبه إبراهيم الحوراني والأب فرج صغير، إلا أنّها لم تقنع السكاكيني. ومن أعلام التفكير الحرّ يذكر السكاكيني سلامة موسى ومنصور فهمي وطه حسين ومحمود عزمي.

ويقول الساكيني في نهاية جوابه، إنّ المدارس آنذاك لم تُعن بالحياة بل كان ديدنها تحضير تلاميذها للآخرة، الخير كل الخير، معناه اعتزال الحياة والشرّ كله كامن في الحياة. الغاية من المدرسة مثلا كانت حفظ الدروس بدون فهم، والكتب التي كانت متداولة في المدرسة لم تكن مستمدة من الحياة.

وأخيرًا يصرح السكاكيني أنّ أوّل كتاب عالج مؤلِّفه مواضيعَ حياتيةً وقرأه ففهم ما تيسّر له آنذاك، هو كتاب الفارياق (المقصود: كتاب الساق على الساق في ما هو الفارياق) لأحمد فارس الشدياق (١٨٠٤-١٨٨٧). ويعلّق السكاكيني (١٨٧٨-١٩٥٣) عليه بقوله:

”ويسوءني ان اقول ان ذلك الجانب الذي فهمته من الحياة من ذلك الكتاب لم يكن لامعًا. وعلى قدم عهد ذلك الكتاب لا يزال أسلوبه جديدًا إلى اليوم!“.

 

إعداد حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

ادركت أننا تائهون فى عالم الخداع وتعلمت أن الثقة لا تهدى وأن الصراحة جرح والمجاملة فن لمن يستطيع التعامل به .

منذ صغري وأنا أعاني من مشكلة في ردات الفعل التي تنتابني كأن أبكي في قمة السعادة لأنني أخاف من انقضائها أو أدفع ضريبتها الحتمية بالكثير من الحزن أو أن أبتعد عن أمي في خضم حاجتي لحضنها لأنني أريدها أن تحتضنني لأتكور في حظنها كجنين من جديد، أو أن أنزوي وحيدة في ساحة المدرسة حين تحصل صديقتي المقربة على صديقة جديدة بدلا من أن أملأ مكاني وأبقى جوارها حتى لا يتسع لغيري مطلقا ..هذه أنا منذ الطفولة وحتى الشباب لا أعرف كيف تقال كلمة لا تذهب لأي راحل لا أشعر أن بمقدورها تغيير مجرى الأحداث ولا أستطيع التعبير عن حبي بالتوسل أشعر أن الحب لا يشحذ أو يؤخذ كرها ولا حتى رفعا للعتب وها أنا أعاود الإحساس بمشاعر الطفولة ذاتها، أحبك فأقرر الابتعاد خوفا من أن تتضخم في قلبي أكثر رغم معرفتي أن للأشياء ذروة ما إن بلغناها لا شيء قادر على جعلنا نعود كما كنا بعدها ورغم معرفتي أنني استهلكت كل شموع قلبي كي أوقد حبك وأنني لا أملك إلا شمعة وحيدة أستطيع استخدامها لحرق روح لا تقدر على فراقك بعد الآن حدث ماخشيته لم يعد الفراق أمرا قدريا أستطيع أن أطيقه لم يعد بأمكاني الدعاء لله أن يهبني خيراً ليس فيه أنت، فيبقى الأمل هو ذلك الشعور الداخلي بأنه هناك دائما من يرعاني ويأخذ بيدي هو ذلك الصوت الذي اسمعه مناسبا بداخلي عندما ترفض روحك الإنصات الي ّ كل شيء زائف في هذا العالم ..الأمل هو هدية الله لنا، هو لطفه علينا، هو عربون محبته لنا وأنه لن يتركنا وحدنا مهما حصل وبأننا تحت رقابته ورعايته ...

 

بقلم :ذكرى البياتي

ضياء نافعغوغول هو احد الادباء الروس الكبار الذين دخلوا في تاريخ الفلسفة الروسية (انظر مقالتنا بعنوان – الادباء الروس في تاريخ الفلسفة الروسية)، وتوجد الكثير من المصادر الروسية (من كتب وبحوث ومقالات ... الخ) تتناول طبيعة فلسفتة وتحلل خصائصها وتدرسها، وتطلق تلك المصادر عليه بشكل مباشر وواضح وصريح تسمية - (الفيلسوف غوغول)، لكن غوغول يرتبط ايضا بتسمية اخرى (و موجودة ايضا في العديد من المصادر الروسية)، وهذه التسمية هي – (المفكّر غوغول) . لا يوجد بالطبع تناقض او تنافر بين التسميتين، بل انهما ينسجمان ويتناغمان في الواقع معا، فالفيلسوف هو مفكّر، والمفكّر - فيلسوف، ولكن هذه الحالة (اي ثنائية التسمية) لا تبدو بمثل هذا الوضوح مع دستويفسكي وتولستوي ولا تظهر متلازمة مع اسميهما في المصادرالروسية، وهما – كما هو معروف - الاسمان الاكثر سطوعا بين الادباء الروس في تاريخ الفلسفة الروسية ومسيرتها . مقالتنا هذه تتوقف قليلا عند هاتين التسميتين حول غوغول، وتحاول تعريف القارئ العربي بهذا الموضوع الطريف والكبير والمهم ايضا في تاريخ الادب الروسي (التعريف ليس اكثر، لأن الموضوع اكبرمن سطور مقالة محدودة)، وذلك لان غوغول هو احد الاسماء المشهورة والمعروفة لهذا القارئ، بل وحتى يمكن القول، انه من جملة الادباء الاجانب (وليس فقط الروس) الذين يتعامل القارئ العربي والمبدع العربي ايضا معهم بحب وتعاطف وابداع، ويحوّر نتاجاته الى اعمال ادبية وفنيّة تعكس مشاكل العالم العربي نفسه، ولنتذكّر فقط مسرحيته الشهيرة (المفتش العام) كمثال على ذلك، والتي تحوّلت الى اعمال مسرحية وتلفزيونية في عالمنا العربي، او كانت تتمحور حول الفكرة الرئيسية في تلك المسرحية او تقتبس منها وتتم عملية تحويلها وتوليفها، وبالتالي جعلها ذات طابع عربي يرتبط بالواقع العربي ويعالجه من وجهة نظر محددة ودقيقة، ومازلت اتذكر، كيف ان المرحومة أ.د. حياة شرارة كتبت مقالة طريفة وعميقة ونشرتها في جريدة الجمهورية آنذاك حول مسلسلة تلفزيونية مصرية بثّها في حينها تلفزيون بغداد مقتبسة من مسرحية غوغول – (المفتش العام)، وقد دخلت هذه المقالة الان ضمن تراث المرحومة حياة شرارة.

لم يكن غوغول - منذ بداياته الادبية – يكتفي بنشر النتاجات الادبية البحتة فقط (ان صحّت صفة البحتة هنا)، بل كان يحاول ايضا ان ينشر ويطرح افكاره النظرية العامة، وهي افكار مرتبطة بدور الادب والفن عموما بمسيرة الحياة الاجتماعية، وهو جوهر البحث الفلسفي لغوغول، ولهذا، فان النقاد يرون (وهم على حق)، ان هناك جانبان او نشاطان يسيران معا في نتاجات غوغول – جانب ادبي يكمن في السرد الفنّي (نتاجاته النثرية العملاقة وابداعه المتميّز فيها)، وجانب آخر يكمن في الفلسفة (نتاجاته التأملية حول دور الادب والفن عموما في جوهر الحياة الاجتماعية وافكاره الدينية والاستيتيكية عن هذا الدور) . لقد أدى هذا الانشطار (ان صحّ هذا التعبير) في مسيرة غوغول الابداعية الى التصادم بين الجانبين في نهاية المطاف، بل والى تناقض صارخ بينهما في اعماق روحه، بحيث ان غوغول وصل الى قرار فكري خطير(لم يتكرر في تاريخ الادب الروسي)، وهو ان يحرق الجزء الثاني باكمله من روايته الارواح الميتة قبل رحيله الابدي، الجزء الذي كتبه طوال سنوات مكوثه في ايطاليا، والذي كانت كل روسيا المثقفة تنتظره واقعيا، اي حدث في اعماق روحه انتصار الجانب الفلسفي على الجانب الفني في مسيرة ابداعه، اي انتصر غوغول الفيلسوف والمفكّر على غوغول الاديب والفنان في عملية الانشطار الفكري الذي كان يعاني منه غوغول، والذي كان واضحا جدا عندما أصدر كتابه الاخير( مختارات من مراسلات مع الاصدقاء)، وهو الموقف الذي شجبه بيلينسكي في رسالته المشهورة له آنذاك – (انظر مقالتنا بعنوان -حول بيلينسكي ورسالته الى غوغول) . وتشير المصادر الروسية الحديثة والمعاصرة الآن، الى ان بيلينسكي لم يستوعب ولم يفهم هذه الظاهرة الفكرية الفلسفية العميقة، التي حدثت في مسيرة غوغول (وهو عكس الموقف الفكري السوفيتي تماما من هذا الحدث، ولا مجال للتوسع أكثر حول ذلك في اطار مقالتنا هذه)، وان رساله بيلينسكي تلك الى غوغول هي دليل واضح على ذلك (اي عدم استيعاب بيلينسكي لتلك الظاهرة المرتبطة بغوغول وعدم فهمها) . ان هذه الرسالة في نهاية المطاف هي تأكيد على ان غوغول وليس بيلينسكي هوالذي انتصر في تلك المعركة الفكرية التي حدثت بينهما، والتي بدأها بيلينسكي نفسه، وكان غوغول مدافعا عن نفسه ليس الا ضد هذا الهجوم .

المفكّر والفيلسوف غوغول لايزال حيّا في أجواء الفكر والفلسفة الروسية، مثلما لايزال حيّا في مسيرة الادب الروسي، وكم نحن بحاجة الى الدراسة المعمّقة في ابداع هذا المفكّر والفيلسوف والاديب ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

جودت هوشياربعد مرور أكثر من ستة عقود على نشر رواية "لوليتا" للكاتب الروسي- الأميركي فلاديمير نابوكوف (1977-1889) ما يزال الإهتمام كبيراً بهذه الرواية، حيث تصدر بين حين وآخر طبعات جديدة منها بشتى لغات العالم، وكأن نابوكوف لم يكتب (16) رواية أخرى، والعديد من المجاميع القصصية، والدواوين الشعرية، والمسرحيات، والدراسات الأدبية، فقد كان كاتبا وشاعرا غزير الإنتاج .

كتب نابوكوف رواية “لوليتا”في اثناء قيامه برحلات الى بعض انحاء الولايات المتحدة الاميركية، خلال العطلات في أواخر الأربعينات، عندما كان استاذا في جامعة هارفارد، يحاضرعن النماذج العالمية في الأدبين الروسي والأميركي .

و"لوليتا" هي الرواية الثانية عشر لنابوكوف، والثالثة التي يكتبها بالإنجليزية. وكان حتى ذلك الحين، كاتبا معروفا في الأوساط الأدبية الروسية في المهجر، دون أن يحظى بإهتمام كبير من جانب دور النشر والصحافة الأدبية الغربية. وكانت أعماله الأدبية محظورة في الإتحاد السوفيتي، شأنه في ذلك شأن كل الكتّاب والشعراء الروس المهاجرين الى الدول الغربية هربا من النظام البلشفي .

ولم يتوقع نابوكوف أبداً، ان “لوليتا”ستحتل صدارة لائحة الروايات العالمية الى جانب ” مدام بوفاري ” و ” أوليسيس “، “عشيق الليدي تشاترلي ” و ” مدار السرطان ” . وأن الرواية ستجابه فور نشرها بالشجب والأدانة، ثم الحظر، الذي سيؤدي الى الرغبة المتزايدة في قراءتها واترجمتها الى اللغات الاخرى وذيوعها في انحاء العالم .

كانت فكرة الحب المحرم بين رجل في منتصف العمر وصبية على مشارف المراهقة، لا تفارق خيال نابوكوف لسنوات طويلة، ويعود اليها بين حين وآخر في قصائده ورواياته .

تظهر صورة فتاة جذابة جنسيا لأول مرة في قصيدة نابوكوف ” ليليث ”، التي كتبها في برلين عام 1928

صبية عارية وقفت بالباب فجأة

مع زنابق نهرية في ضفائرها

لمعت شقرة ابطها

وهي تحجب اشعة الشمس بيدها

رشيقة كإمرأة، ونهداها يزهران بلطف

وتذكرتُ ربيع الوجود الدنيوي

كما نجد فكرة الرواية في الفصل الثالث من رواية نابوكوف المعنونة ” الهدية” – الصادرة في عام 1937 – ضمن قصة مثيرة يسردها (شيغوليف) أحد ابطال الرواية:

” تخيّل القصة التالية: كلب قديم، ولكنه لا يزال قويا، متقد العاطفة، ويتلهف للسعادة . يتعرّف على أرملة لديها طفلة، لم تظهر ملامح الأنوثة عليها بعد، لكنها تمشي بطريقة تصيبك بالجنون . شاحبة الوجه، خفيفة الحركة، مع هالات زرقاء تحت عينيها . وهكذا لم يتردد في الزواج من الأرملة . وعاش ثلاثتهم معا . وبطبيعة الحال لم تكن الصبية تعير الرجل أي اهتمام .. ما العمل اذن ؟

هنا يمكنك أن تصف الى ما لا نهاية: الاغواء، والتعذيب الأبدي، والحكة، والأمل المجنون، وكل هذا سؤ تقدير . الزمن يمر سريعا، وهو يتقدم في العمر، وهي تزداد جمالاً . أحيانا تمر بقربه وتلقي عليه نظرة ازدراء . آه ! هل تشمّ هنا رائحة مأساة دوستويفسكي ؟

لم يكن نابوكوف يطيق دوستويفسكي، وفي كل فرصة سعى إلى وخزه – وخاصة بسبب ” دموع الطفل” و “الجمال الذي سينقذ العالم”. وفعل ذلك عن طريق كتابة قصة حب لرجل في العقد الرابع من عمره وفتاة حديثة السن .

وفي عام 1939 كتب قصة “الساحر”، وهي ذات حبكة مماثلة لحبكة رواية ” لوليتا “. ولكن الدافع المباشر لكتابة ” لوليتا”، كانت أعمال الطبيب الإنجليزي(هنري هافلوك اليس) الذي يعد الرائد المؤسس للسيكسولوجيا (علم الجنس) حيث نشر موسوعة من سبعة مجلدات عن هذا العلم . ويتضمن المجلد السادس من الطبعة الفرنسية للموسوعة ملحقا عن اعترافات فيكتور ايكس″ وهو رجل من نبلاء اوكرانيا يعيش في الغرب، ويتحدث بصراحة عن حياته الجنسية، بما في ذلك مجموعة متنوعة من الممارسات، بضمنها العلاقة الحميمة مع فتيات يافعات .

ومن المعروف أن نابوكوف عندما كان منهمكا في كتابة “لوليتا”في عام 1948، طلب من صديقه، الكاتب الأمريكي إدموند ويلسون، أن يرسل له كتاب إليس، واستجاب ويلسون لطلبه، وارسل الى نابوكوف المجلدات السبعة مع الملحق .

ومن يقارن اعترافات فيكتور مع نص رواية لوليتا سيكتشف تشابها كبيرا بينهما من حيث الحبكة والمضمون .

بعد الانتهاء من كتابة رواية ” لوليتا” انتاب نابوكوف احساس بالرهبة والرعب من احداثها. وظل فترة من الزمن يفكر في ما ينبغي عمله بصدد الرواية . هل يحرق المخطوطة، أم ينشرها بإسم مستعار؟. وبعد تردد طويل، كتب رسالة الى مؤسس دار نشر “نيو دايريكشنس″ جيمس لافلين، يقول فيها: ” هل انت مهتم بالقنبلة الموقوتة التي انتهيت للتو من كتابتها؟ ولكن الناشر اصيب بصدمة منذ الصفحات الاولى للرواية .ورقض على نحو قاطع نشرها .

كما تم رفض المخطوطة من قبل العديد من دور النشر الأميركية، االتي اعتبرت “لوليتا”رواية إباحية،. وكما قال صاحب دار نشر ” فايكنغ بريس ” باسكال كوفيشي: ” فإن نشرها سيؤدي بنا جميعا الى السجن .

وعندما يأس نابوكوف من نشر الرواية في امريكا، قام بإرسالها إلى دار نشر “أوليمبيا بريس” الفرنسية، التي كانت متخصصة في نشرالكتب الإيروتيكية الخفيفة.

صدر الكتاب في السادس من حزيران عام 1955 في طبعتين منفصلتين – الإنجليزية والفرنسية – في آن واحد . أثارت الرواية ضجة كبيرة، وقال غراهام غرين في مقابلة صحفية انها أفضل رواية نشرت خلال تلك السنة .

ومع ذلك، سرعان ما تم حظر الرواية في فرنسا ودول عديدة . ووصل الأمر في النمسا الى حرقها علناً .. ولكن لم يكن ثمة شيء يمكن أن يوقفها عن الانتشار في جميع أنحاء العالم – فالثمرة المحرمة حلوة المذاق .

اثار احد النواب في مجلس العموم البريطاني مسالة حظر الرواية في انجلترا. وعندما كان يتحدث عن هذا الموضوع قال له نائب آخر باستحياء:

– أردنا أن نتحدث عن أزمة السويس

رد النائب الأول بغضب:

-لا تقاطعني من اجل هذا الهراء !

ولم تنشر الرواية في أميركا، إلّا بعد ثلاث سنوات من نشرها في فرنسا، حيث قامت دار نشر “بوتنام” الأميركية بطباعة ونشر الدفعة الأولى من الرواية بمائة الف نسخة في 12 حزيران/ يونيو عام 1958، وسرعان ما نفد الكتاب من السوق .

وفرك الناشر يديه فرحاً، ولكن أعضاء المجالس المدرسية والكهنة اصيبوا بالهستريا . وكان العنوان الرئيسي لإحدى المقالات النقدية عن الرواية: ” القارة العجوز الفاجرة تفسد أمريكا الشابة النقية “.

احتلت لوليتا صدارة الكتب الأكثر مبيعا حتى نهاية عام 1958. وازاحت جانبا رواية ” ذهب مع الريح ” التي كانت تتصدر لائحة ” بيست سيليرز ” في ذلك الوقت . وظلت “لوليتا”في الصدارة حتى نهاية العام أي لمدة خمس وعشرين اسبوعا .

ومن المفارقات، أنه تم دفع لوليتا إلى المركز الثاني، حيث تصدرت رواية بوريس باسترناك ” دكتور زيفاغو ” لائحة الكتب الأكثر رواجاً في الولايات المتحدة الأميركية وفي العديد من دول العالم، اثر الضجة العالمية التي أثيرت حول قيام النظام السوفيتي بإرغام باسترناك على رفض جائزة نوبل في الآداب لعام 1958.

وبطبيعة الحال كان من العسير ترجمة ونشر الرواية في الإتحاد السوفيتي لسببين:

اولهما: ان نابوكوف كان هاربا من بلاده ولاجئا في المانيا (1922- 1937 )، وفي فرنسا ( 1937 – 1940 ) ثمّ في أميركا (1940- 1962) وأخيراً في سويسرا ( 1962 الى وفاته في عام 1977).

وثانيهما: أن النظام السوفيتي كان متزمتا جداً . لم تكن ثمة مشاهد ساخنة في الأفلام، ولا أي وصف صريح للعلاقات الحميمة بين الجنسين في الروايات، فكيف برواية عن العلاقة الحميمة بين رجل أربعيني وفتاة صغيرة في بداية سن المراهقة !.

ويبدو ان نابوكوف ادرك بنظرته الثاقبة، أن الرواية ستترجم الى اللغة الروسية يوماً ما، وسيتلاعب بها مترجم مطيع حسب تعليمات الرقيب، لذا فقد احتاط للأمر مسبقا، وترجم الرواية بنفسه إلى الروسية في منتصف الستينات، وصدرت عن دار نشر ” فيدرا” في نيويورك في عام 1967. ولم تكن النسخة الروسية ترجمة للأصل الأنجليزي، بل صياغة جديدة للرواية، يبلغ حجمها ضعف حجم النص الأنجليزي . ولم تنشر الرواية في الإتحاد السوفيتي الا في عام 1989 . ويكاد يجمع النقاد والباحثون على ان “لوليتا”هي أفضل روايات نابوكوف واحدى الروائع الأدبية في القرن العشرين .

 

جودت هوشيار

 

فاتن عبد السلام بلانإلى كل الأدباء/ت في الوطن العربي، الذين قدّموا ثمار إبداعاتهم للإنسان ولم يُنصَفوا في حياتهم ولم يكرّموا إلا بعد رحيلهم، عليكم وعلى الدنيا السلام .

**

الأدباء أنبياءُ الحروف على الأرض، حاملو رسائل إنسانية منوّعة، مبتكرو البسمة على الوجوه، والنوافذ التي تحرّر القارئ من همومه وقضاياه بل وتُفضي به إلى دائرة الأمل والشمس، وبطرق مختلفة من فنون الأدب "رواية، مقامة، شعر، نثر، قصة، هايكو، إلخ " .

هذي اللُحمة المُتجانسة بين الأديب والمُتلقّي تقرّب الخواطر، توحّد الأفكار وتنقل الأحاسيس التي يشعر بها الكثير منّا ولم يستطع التعبير عنها بلغته .

في حياتنا يتقن الأديب دوره كالمعلم، و الطبيب، و المهندس، أو أي مهنة أخرى شريفة وبسيطة، فالأدب موهبة قبل أن يكون حرفة، نية قبل أن يكون فعل .

فالأديب ناطق رسمي باسم الإنسان والشارع والوطن والوجع والفرح، صوته يتجلّي مسموعًا في أعماله ومنجزاته، ويقع على عاتقه مسؤولية إنشاء جيل مثقف متنوّر يتحدّى الصعوبات ويُقاوم تيارات الجهل، جيل نقي خالص من العيوب النفسية، ناجح، عصامي، يعتمد على قدراته وذاته .

في وطننا العربي أسماء لامعة لأدباء/ت خدموا القارئ العربي ومازالوا، بإرضاء ذوقه وتطلعاته وعلى كافة الأصعدة، منهم من حالفهم الحظ وساندتهم الهيئات الثقافية والدولة، وكانت لهم الجدار المنيع، واليد الحانية عليهم وعلى نتاجاتهم الفكرية والأدبية، وفي المقابل الكثير من الأدباء/ت لم يقف الحظ إلى جانبهم، ولم تُقدَّم لهم اليد المُشجّعة، ولم يسندهم الجدار المُحفّز، فارتقوا بانسانيتهم وجهودهم حتى السحاب .

موضوعي هذا يصبّ في خانة واحدة (تكريم الأديب العربي) في بلده أولاً _ وهذا الأهم _ وفي الوطن العربي ثانيًا، تكريمًا له، لعطائه، لجهوده، لإنجازاته، لرسالته المُهمّة التي يرسّخها لمن حوله ولمن بعده .

الكثير من أدبائنا العرب كُرّموا من قبل وزارات الثقافة واتحاد الكتّاب والجهات المسؤولة والمهرجانات الأدبية وهم على قيد الحياة، وقُلّدوا أوسمة وشهادات شُكر، على مابذلوه من مساعٍ في نهضة الأدب والبلاد والمُتلقّي العربي، والكثير من أدبائنا الذين أثروا مكتبة الأدب العربي بنتاجاتهم المختلفة _ فكانت لهم علامات فارقة وتحديثات وأرقام يصعُب عدّها أو تقليدها _ لم يحظوا بتكريم، بل رحلوا عن عالمنا المادي وحياتنا هذي دون الإحساس بإمتنان واحد من قِبل الجهات المسؤولة و رؤية مرضية لردّ الجميل بالجميل .

هؤلاء هم المهضومة المسحوقة حقوقهم، الغير مُلتفت إليهم وإلى مشوارهم الثري الغني في حياتهم .

هذي الفئة من العمالقة الأدباء، التي نستهم بل تناستهم الجهات الثقافية المعنية، ما ذنبهم؟ أين دور هذي الجهات أمام دور الأديب المبرِّز؟ أين تقديرهم لنضاله بحرفه ووقته وجُهده من أجل الإنسان والمجتمع؟ أين أدمغتهم وقلوبهم وعدالتهم؟

وهل في عالم الأدب تفضيل أديب عن أديب؟ هل تلعب الواسطات والمحسوبيات دورها في عالم الأدب أيضًا؟؟ وهل تنحاز هذي الجهات إلى البعض وتهمل البعض؟؟

للأسف في مجتمعاتنا العربية وتحديدًا في عالم الأدب والكتابة، كل ما ذكرته سابقًا هو الصحيح، بل ويتعدّاه في محاربة الأديب نفسيًا ومجتمعيًا، بل ويتضاعف بنسيانه والتعتيم عليه، أهكذا يُكافأ بعض أدبائنا في أوطاننا ؟!!

جُلَّ ما أثروا به الأدب العربي والإنساني، وجُلّ ما تناسوهم في حياتهم، وكأن التكريم مقرون فقط بلحظة رحيلهم !!

أولئك الأدباء اللامعون، لم تشفع لهم منجزاتهم، بل لم ينصفهم المعنيون بالشؤون الثقافية، في حين نشاهد عن طريق الإعلام العالمي تكريمًا لأدباء شباب لم يلمع نجمهم كثيرًا، ولم تمتلئ حقائبهم بإنجازات كإنجازات بعض أدبائنا العرب الذين سخّروا حياتهم في خدمة الإنسانية .

هل نزيح هذا اللا اهتمام عن عاتق المسؤولين ونرميه على كاهل الحظ؟؟ ونتناسى دور من له كل الدور في توسيم الأديب بوسام وشهادة تقدير؟ مع العلم أن الكثير من أدبائنا نذروا أنفسهم لإنارة الطريق لمن بعدهم دون المطالبة بتقدير أو تكريم .

بكل إنسانية وتقدير منّا، يجب علينا كقرّاء وجهات معينة مسؤولة، تكريم الأديب في حياته لا بعد وفاته، هل تستحق مبادرة التكريم كل الجهد الذي يقوم به المعنيون بعد وفاة الأديب؟ مَن سيُكرّم في هذي الحالة، روحة التي رحلت أم مَن؟ وهل سينفع التكريم بعد رحيله؟ لا فلن تقرّ به عينه ولن تفرح روحه !

للأسف تلك الفئة من أدبائنا في دائرة الظلم دائرة (النسيان)، لا يلتفتون إليهم إلا بعد وفاتهم، هم المنسيون في حياتهم والمكرّمون بعد رحيلهم !!، فأينكم أيُّها المنصفون؟

(كرّموني قبل أن تفقدوني)

هذي الجُملة أمنية وحلم وشِعار، "قبل الانجاز الأدبي وبعده"، لكل أديب رسول أبدع وجاد وأثرى وخدم عالمنا الإنساني .

لفتة جميلة منكم أيُّها المعنيّون المثقّفون : كرّموهم في حياتهم قبل أن تفقدوهم بعد رحيلهم .

بعد رحيلك

روحك تضحك

تكريم .. !!

 

فاتن عبدالسلام بلان

 

محمد صالح الجبوريالمهمة الأساسية لمعارض الكتب هي توفير الكتب المنوعة، وبمختلف اختصاصاتها الادبية والعلمية والثقافية للقراء، ومن شركات تتميز برصانتها العلمية وبطباعتها الجيدة، وان تكون الكتب باسعارمناسبة او زهيدة، ونشر الثقافة، وهذه رسالتها إلى المثقفين، الجميع يعلم ان الكتاب لا يقدر بثمن، لما يحمل من معلومات، ومن التحديات التي تواجه معارض الكتب انتشار الكتب الالكترونية، والمواقع الإلكترونية،التي تعرض الكتب مجانيا، ولابد من أن تقوم شركات الكتب بطرح كتب مجانية في المعارض لتشجيع القراء لزيارة هذه المعارض، وينبغي ان لايقتصر اقامة المعارض في المدن الكبيرة، بل يكون في المدن الصغيرة ايضا، ان مسالة الثقافة تهم الجميع، و انتشارها يفيد الجميع،وخاصة عندما تكون رصينة، تتناسب مع القيم العليا، والعادات والتقاليد الاصيلة، وترفض المفاهيم التي تتعارض مع الاخلاق والقيم الراقية للمجتمع، ان الافكار التي تطرح في الكتب ينبغي ان تتناسب مع خصوصية المجتمع، وان تكون ضد الافكار السيئة الدخيلة على المجتمع،ان قيمة الكتاب بما يحتويه من معلومات،وتبقى اسعار الكتب عاملا مهما في نجاح المعارض، اذا كانت مناسبة السعر يكون الإقبال على الشراء أكثر، ولايعرف قيمة الكتاب الامحبيه هم (العاشقون) للحرف الجميل، الذين احبوا الكتاب، وهو صديقهم ورفيقهم في حلهم وترحالهم، ويبقى الكتاب عزيزا على القلوب، وخاصة (المثقفين) الذين يعرفون قيمته. وتوجد هناك إحصائيات لعدد الزوار، وعددالكتب المباعة في كل معرض، الكتاب يمثل الثقافة والادب والعلم، مع الاماني لكم بالموفقية والنجاح.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

تارا ابراهيمبعد عودتهم من الغربة الى بلدهم بعد سنوات، اصبح هاجسهم بل وكابوسهم الوحيد هو التأقلم مع مجتمعهم من جديد على الرغم من انهم ليسوا بالغريبين عن مجتمعهم الام بل هم ولدوا وترعرعوا فيه الى ان أتى ذلك اليوم الذي تركوا فيه وطنهم لسبب او لاخر..الغريب انهم عندما يعودون يبدأون بالتذمر بحجة ان المجتمع تغير وانه لم يعد شيء كسابق عهده وان الناس تغيروا وليسوا هؤلاء الذي كان رسمهم في مخيلته قبل الرحيل.

يقال ان التأقلم مع مجتمع جديد هو صعب ولكن العودة والتأقلم مع المجتمع الام هوأصعب كون المغترب يعود متغيرا بل ومعتنقا  أفكارا  جديدة ونظام حياة جديد فلدى العودة تبدأ المحنة الحقيقية في التأقلم بكل جوانبه المادية والمعنوية، ويبات محتارا ما بين مبادئة القديمة والمبادئ الجديدة التي اعتنقها في الغربة، ويعيش في عالمين متوازيين مختلفين لايتداخلان. والمغترب هو انسان غريب على مجتمعه الام والمجتمع الذي تبناه، غريب على مجتمعه الام كونه تخلى عن كثيرمن الاخلاقيات والقيم التي تربى عليها، وفي الوقت نفسه في المجتمع الاخر هو إنسان لاينتمي اليه بل يحاول التاقلم فيه بتبني قيم جديدة وإلا عليه ان يعيش في قوقعة يحيط نفسه بها كي لا يتأثر بالمجتمع الجديد.

مؤخرا باتت وسائل الاعلام الفرنسية تسهب التكلم عن هؤلاء الذين يعودون الى فرنسا بعد سنوات من التغرب كي تواجههم مشكلات متعددة لدى الوصول الى الوطن الام الذي عادة يجب ان تحيطهم بحنانها وعطفها ولكن العكس ان هذا الوطن ذو احضان باردة غيرمرفق بابنائه المحتاجين اليه، فالفرنسي عندما يعود الى بلاده يجب اولا ان يبحث عن مكان للاقامة بها ان لم يكن له عائلة او اصدقاء، وغالبا ما ينتهي به الامر الى الاقامة في فندق أوما شابه، لتأتي بعد ذلك مرحلة البحث عن العمل، حيث لايستطيع ان يأجرشقة  ان لم يكن له عمل ليأمن دفع الايجار، كما يجب عليه ان يسجل الاطفال في المدارس وهي ايضا تعتمد على مكان سكن دائم وليس مؤقت، وهنا تبدا المحنة الثانية...وبما ان كل شيء في فرنسا منوط بحساب بنكي جاري، فاي شخص لايستطيع ان يفتح حسابا اذا لم يكن له محل اقامة دائمة وهنا تأتي محنة أخرى... وهذا ما يسميه الفرنسيون تأثيركرة الثلج المتدحرجة حيث يصبح حجمها كبيرا وبالتالي تكبر المشكلات وتدخل في دائرة متشابكة من الصعوبة بمكان حلها بسهولة...في بعض الاحيان يترك الفرنسيون البلد بعد مدة قصيرة من الوصول كونهم لايتحملون بيروقراطية الدوائر الرسمية من البنك والمدارس والتأمين الصحي..الخ والبعض الآخر يبقى صامدا كي يجتازالصعوبات وبالتالي يتاقلم شيئا فشيئا...

وفي الحقيقة عودة الـتأقلم من جديد هي صعبة ومسألة نفسية اكثر من ان تكون مادية، كون هذه العراقيل قد تكون مسبب الاحباط ولكنها ستزول مع الزمن..ولكن الجانب المعنوي من التأقلم هوالاصعب، لذا يحاول المغتربون البحث عن الاشياء الايجابية في المجتمع الفرنسي مثل الثقافة والفن التي تشتهر بهما والتمتع بالأكل وبفنه في بلد يتصدرالمرتبة الاولى في تنوع ورقي مأكولاته ولذتها، الخ من الامور التي تريح المغترب في بلده.. ويكتشف الفرنسي لدى عودته ان الفرنسيين اناس انطوائيون غيرمتفتحين للثقافات الاخرى.. ويبدأ بالبحث عن اشخاص مثله، اشخاص عادوا من الغربة ولايستطيعون التأقلم مع مجتمعهم ..فهناك الكثيرمن المواقع الاجتماعية التي خصصت للتعارف ما بين المغتربين في بلدهم..لانهن يعتقدون انهم يفهمون بعضهم البعض..وفي النهاية هؤلاء يعيشون في وطن داخل وطن، اي وطن خيالي او تجريدي يضم اشخاص مغتربين في بلدهم ..وبالتالي تنتهي الرحلة بالعزلة والعيش في نطاق صغيرمع بعض التفاعل مع المجتمع الام.

 

د. تارا إبراهيم

 

علي المرهجيملأ القصب أهوار العراق، وهو نبات ينتعش بسُقيا الماء الذي وصفته الكُتب القديمة والفلسفات والديانات على أنه "أصل الحياة"وجعلنا من الماء كُل شيء حيَ" وقال طاليس أبو الفلسفة "أن أصل الوجود هو الماء".

للقصبة عند السومريين صفات عجيبة توحي بالدهشة والمهابة كما يقول هنري فرانكفورت في كتابه (ما قبل الفلسفة)، "ففي نموها المُمرع في الأهوار قوة غامضة، وللقصب قُدرة إتيان العجب، كالموسيقى الصادحة في ناي الراعي، أو العلامات المليئة بالمعاني التي تتركها قصبة الكاتب فتتحول إلى أقاصيص وقصائد"

لذلك اعتقد العراقيون القدامى بـ "آلهة القصب، ورسّمها بشكل إنساني كسيدة مُحترمة، ولأقصاب مرسومة معها: فهي تنمو من كتفيها وتستمد حياتها منها مُباشرة".

القصب بيت ومضيف ولقاءات حميمية بين الأحبة، فالمضيف "كوخ قصبي بالغ السعة يُشاد من أعمدة ضخمة من قصب قوي، وحِصر قَصبية كبيرة من (البواري) وهي أيضاً مصنوعة من القصب، ومن جدارين جانبيين يُقامان من قصب وحِصر أيضاً" كما يروي د.شاكر مُصطفى سليم في كتابه الأهم (الجبايش). لا اعتبار اجتماعي كبير لمن لا قُدرة له على بناء وإدامة المضيف، فمن لا يملك مضيفاً كبيراً مصنوعاً من القصب لا يُعدَ من (الأجاويد).

وكلكامش في ملحمته ينقل كلام الآلهة للكوخ ليقول له مُخاطباً:

"إسمع يا كوخ القصب وافهم يا حائط

أيها الرجل "الشروباكي" يا ابن "أوبار ـ توتو"

قوض البيت وإبنَ لك فلكاً (سفينة)

تخلَ عن مالِك وانشد النجاة

انبذ المُلك وخلص حياتك"

والآلهة لها بيوت من قصب، وسومر من معانيها "أرض سيد القصب" الإله "أنكي" إله الماء.

وقدَ كتب د.زهير صاحب كتاباً بعنوان "أغنية القصب" عن تاريخ الحضارة السومرية وفنونها..

في نمو القصب وطوله بهاءٌ وحياة، فهو ممشوق القوام في خضرته حياته لأهل الأهوار الذين بنوا حضارتهم الأولى من معين القصب والطين.

كان الصابئة في جنوب العراق هُم من يُجيدون منح الحياة للقصب كما يذكر د.شاكر مُصطفى سليم عبر تحويله لأدوات مُصنّعة تُساعد أهل الهور في الإفادة منه، فهُم من يُتقنون صناعة "الفالة" أداة للصيد منه، وهم من يُجيدون "تفشيق القصب" وحياكة "الحصر" كالبساط مصنوع من القصب للجلوس، وحياكة القصب كي يكون بمثابة السقف للمنازل والبيوت.

من القصب تُصنع الآثاث وتُبنى البيوت وتُحاط بالأسيجة المصنوعة من القصب أيضاً، وهو وقود أهل سومر لسهولة اشتعاله بعد تيبسه.

القصبُ إمارة وتجارة وحياة مكسب ليس فيها خسارة، فهو تجارة يُقايض أهله ومالكوه به ما يحتاجونه من مواد مع المناطق المُجاورة، وهو مكسب لأنه نبت ماء يستمر وجوده باستمرار صيرورة الماء، لذا فهو تجارة لا تبور، ومكسب دائم ليس فيه فتور...

كسب السومريون بفضله حياة وحضارة، وكسبنا نحن العراقيين بفضله تباهياً بين الأمم بأننا أمة كلما دار بنا الزمان ودالت الدول نستكين قليلاً ولكننا لا نهجعُ لأننا نستمد من حضارة القصب وشموخه بعض من "أنويتنا" واعجابنا بذواتنا وإن لم يكن لنا اليوم تأثير في حاضر الأمم يُذكر...

 

ا. د. علي المرهج

 

شاكر الساعديI am Iraqi - I read

مذ كنت شاباً يافعاً منتصف السبعينات من القرن الماضي،كنت أتردد على شارع المتنبي لأشاهد الكتب التي تباع هناك في مكتباته المعروفة آنذاك، وبالخصوص يوم الجمعة يصبح مكتظاً بالناس كما هو اليوم ،ومتنفساً للمثقفين العراقيين البغداديين وأبناء المحافظات، وأول رواية أشتريها من هذا الشارع القديم المتجدد كانت رواية الشك للكاتب الانكليزي (كولن ولسن) 1932- 2013بسعر 50 فلساً، لازلت أحتفظ بها إلى ألان مع مجموعة من إصدارات الموسوعة الصغير التي تصدرها وزارة الثقافة العراقية آنذاك .

العراق بلد الأفكار

لقد شهد العراق خلال فترة سبعينات القرن العشرين موجه من النشاطات الفكرية تبعث على الارتياح من وجهة النظر الثقافية الصرفة، قبل وصول أبن العوجة (2003- 1980) إلى دفة الحكم في العراق، فمئات الصحف والمجلات والمطبوعات تتدفق شهرياً على المكتبات في عموم البلاد.. احتفالات ومهرجانات وخطب وقصائد في القاعات والمساجد على مدار السنة.. نقاشات وحوارات على الهواء.. مؤلفات ذات قيمة فكرية عالية تطبع عدة مرات، ودائماً هناك استجابة ورواج لا مثيل له.

إن حياتي العملية شديدة التداخل مع محبتي للقراءة لدرجة أنني لا أستطيع الفصل بين الاثنتين، وشخصيتي هي نتاج الجمع بين كل شخصيات الكتب التي أحببتها وأصبحت جزءا من ذاكرتي، فأنا عشت في العراق وسوف أموت فيه، لم أذهب إلي مدينة بطرسبرغ والتي كانت تسمى لينين غراد الروسية، لكني أحفظ أبرز معالمها التي أخذني فيها دستويفسكي وتولستوي ذات يوم، ولم أشاهد ماذا حدث لباريس العاصمة الفرنسية أثناء الحرب العالمية الثانية (1939- 1945)، فتطوع الكاتب الأمريكي أرنست همنغواي ليخبرني بكل التفاصيل، ولم أزر مدينة براغ عاصمة التشيك، إلا أن الروائي ميلان كونديرا قدم لي وصفا ممتعًا لما يدور في شوارعها، ولم أسافر إلى مدينة سدني عاصمة أستراليا لأطلع على معالمهما السياحية والثقافية، لكني أطلع يومياُ على صحيفة المثقف الصادرة فيها لازداد معرفة وثقافة ووعياً .. وأصبحت أعرف من خلال خبرتي في الكتب، إن القُراء يعيشون أكثر من حياة في عصر العولمة والانترنت .

كان القارئ النهم ومنهم أنا يمتاز عن غيره بأنه صاحب فكرٍ وهدفٍ وهُوية، تدفعه الأفكار التحررية التي يحملها في عقله المكتنز بحلو الثمر، وجميل الدرر، مع كتابه يجد الأنس، وحسن الرفقة معه، كما قال الشاعر العراقي الكبير المتنبي915  –965 م (وخيرُ جليسٍ في الزمان كتاب).

بينما الغالبية من الناس اليوم غارقة في أطروحات التراث الديني وحروب المسلمين الأوائل، وفي الأزمات، والفتن الطائفية، وقصص التاريخ المشكوك بمصداقيتها، لا هّم عندهم غير الإعمال والأفعال والممارسات والجلسات الدينية أو الطائفية، وكأن الحياة لا طريق فيها غير طريق البكاء على الماضي والتحدث المفرط بالمحرمات والمستحبات، والاساطيراللامعقولة والأمنيات البعيدة عن الواقع.

مفهوم القراءة

مفهوم القراءة الذي نعرفه الآن لم يصل إلى معناه الشامل إلا بعد أن ظهرت الكتب بشكلها المعروف وازدياد إعدادها وإشكالها من حيث الكتاب الكبير أو الكُتيب الصغير والفضل يعود في ذلك إلى اختراع المطابع وتطورها، والتي جعلت من الحصول على الكتاب أمراً ميسراً لكل الطبقات الاجتماعية خاصة المتوسطة والفقيرة، وأصبحت القراءة مع نهايات القرن التاسع عشر إلى ما بعد منتصف القرن العشرين نشاطاً منتشراً وشائعاً ساهم بشكل عظيم في تقدم الأمم ورُقيها،إلا إن هذا النشاط المعرفي بدأ بالتراجع تدريجيا مع ظهور التلفاز والسينما ثم الكمبيوتر حتى انتشار الانترنت وصولاً إلى مواقع التواصل الاجتماعي حالياً.

العزوف عن القراءة

لا شك أن ظاهرة العزوف عن القراءة لدى الشباب تثير القلق لدى مختلف فئات المجتمع، ويسعى المثقفون لمحاولة إعادة الثقافة إلى مجاريها الحقيقية، من خلال أساليب علمية وواقعية وجمالية جاذبة، فواقع التواصل الاجتماعي المختلفة سرقت منهم الجمال الحقيقي والقيمة والفائدة، فلا يعقل أن تكون الصور الثابتة والمتحرّكة التي يتلقاها الطفل بشكل عشوائي في مواقع التواصل الاجتماعي بشتى صورها أساس الثقافة العامة والتعلمّ العرضي الذي يخضع له الأبناء، ويصبح التواصل بين الأسر وأبنائها أو بين الأجيال شبه معدوم بل يستثير الخوف والقلق على حاضر ومستقبل الأجيال.

فلو أردنا اليوم شراء هاتف جديد من شارع الربيعي وسط بغداد مثلاً، ولكم أن تتصوروا كم موديلات حديثة من الهواتف الذكية والخارقة الذكاء هناك، تفوق أسعارها أسعار الكتب المباعة .. هذا هاتف فيه كاميرا أمامية وهذا فيه أكثر من كاميرا.. هذا بذاكرة وسرعة تفوق كل الأنواع الأخرى، لكن هذا يخزن عددٌ أكبر من المسجاة والصور.. هذا ضد الماء وهذا ضد الخدش وهذا ضد الكسر وذاك فيه مميزات الحماية ضد الضياع والسرقة.. هذا الهاتف يأتي بألوان عدة وهذا الهاتف يحتوي على بطارية تدوم عدة أيام ويمكن شحنها بسرعات خارقة.. هذا الهاتف المشهور قد تم تجميعه في اليابان وهذا في كوريا وهذا من ألمانيا.. كالكتاب هذا مطبوع في العراق وهذا في لبنان ومصر وبلدان الخليج العربي.. لكن الفرق بين شراء الهواتف وشراء الكتب كالفرق بين الخير والشر وبين الفاكهة المرة والفاكهة الحلوة، والمرأة الجميلة والأخرى القبيحة، كلها مستساغة، ولكن أغلب الناس (فيما يعشقون مذاهب).

أذن لماذا لا نقيم معارض للهواتف النقالة (الموبايلات) المستوردة بدلاً من معارض الكتب المطبوعة وطنياً ؟ وما فائدة معارض الكتب وهي تفتتح وتقام من قبل حكومة فاسدة ؟، فالثقافة ليست رداء خارجي مزركش تلبسه الدولة، أنما هو واقع عملي يراه الناس في أداء أجهزة ومؤسسات الدولة، وسلوك يلمسه الناس في وسائل الإعلام وفي المؤسسات التربوية والتعليمية وكذلك في الشارع.

معارض الكتب

والسؤال الذي يطرح نفسه .. هل هناك فائدة من إقامة معارض الكتب في العراق التي تقام سنوياً في بغداد وأربيل والبصرة وغيرها ؟، والجواب : لابد أن تتحمل الطبقة المثقفة العراقية أعباء المهمة بعيداً عن سلطة الدولة، وان تفرض شخصيتها المعنوية المستقلة في أدارة تلك الفعاليات الثقافية الوطنية المهمة، وعليها أن تبعد سلطة وتدخلات الرقيب الحكومي..لأن الثقافة الحقيقية هي التي تقف مع الشعب دائماً،  لدعم الجوانب الايجابية، وتخليص المجتمع من الآثار والجوانب السلبية .

اجعل الكتاب صديقك الدائم الذي لا يفارقك، ولا تجعله حبيس المنزل، ضع كتاباً في السيارة، واقرأه كلما سنحت لك الفرصة، في أي مكان وكل مكان، ألا ترى الشعوب الأخرى يقرؤون في الأماكن العامة، والمتنزهات، والمطاعم، وحتى في المستشفيات كبارهم وصغارهم؟ ونحن شعب (أقرء باسم ربك الذي خلق).. والقراءة ليست محصورة بمكان معين كالمكتبة أو المنزل فقط.

فأظهر كتابك أمام عامة الناس كما تظهر هاتفك النقال وتتباهى به، وأنهل من المعرفة والثقافة العامة، ولا تلتفت لمن يقول : يتظاهر بأنه مثقف، لا تخجل من التباهي بصديقك الحقيقي الذي يفيدك دون مقابل، لأن الإكثار من الغذاء مضر، إلا غذاء العقل لا ضرر من الإكثار منه.

لعبة البوبجي بديل الكتاب

لعبة «البوبجي»، اليوم حققت شهرة واسعة بين الشباب، ليس على نطاق الوطن العربي فحسب، بل في جميع أنحاء العالم، ففيها ترى مشاركين من كل الجنسيات، واستطاعت هذه اللعبة النووية أن تسيطر بقوة على ساحة الألعاب في العالم، وكانت سبباً أساسياً لعزلة كثير من الناس والعائلات في البيت الواحد، ومن أسباب انتشار هذه اللعبة هو عامل التسلية، وأوقات الفراغ لدى معظم الشباب، كذلك الملل وعدم وجود عمل للانشغال به، مشاكل اجتماعية، والعامل الأساسي للجوء الأفراد أليها هي النشوة النفسية التي يحصل عليها اللاعب من خلال هذه اللعبة، المشاكل الأسرية والزوجية على حد سواء، أيضاً جو يفرضه الأصدقاء، والهروب من عالم الواقع إلى العالم الافتراضي .

يوم وطني للقراءة

ألان أصبح لدى العالم يوماً خاصاً لكل شيء تقريباً، لكل فرد من أفراد الأسرة، للأصدقاء، للمياه والكهرباء، للمعلومات والصحة والمرض، نعم حتى إن الأمراض لها أيامً مخصصة في جدول العام، فهناك اليوم العالمي للسكري، والتوحد، والسرطان، والقولون، والزهايمر، والصداع، والتوتر، واضطراب نبضات القلب.. واليوم العالمي للغة العربية، والإنجليزية، والإسبانية، وماذا عن الموسيقى؟ نعم اليوم العالمي للجاز، والروك، وموسيقى الأشجار والعصافير والشلالات.

نعم هناك مناسبات لها أهدافها الجيدة فعلًا، فمثلًا إنه لأمر مستحسن أن يكون هناك يومًا وطنياً للربيع يوحد العراقيين، لكي نحتفل به جميعاً، ويوم وطني لتحرير العراق من البعث، ومن داعش، ومن المحتمل نحتفل بيوم تحرير العراق من الفاسدين، بعد أعادة أموال العراق المنهوبة .. وربما نخصص يوم للقراءة يحتفل فيه العراقيون في مهرجانات شعبية من شماله إلى جنوبه وكل واحد فيهم يمسك كتاب بيده اليمنى يهنئ بعضهم بعضاً في هذا اليوم المجيد، ينثرون الورود والزغاريد ويوزعون الحلوى في الشوارع والمهرجانات بهذه المناسبة السعيدة، بدل من توزيعها في المأتم الشخصية وشبه الرسمية... كيف لا والعالم يحتفل كل عام بعيد الحب و بمرض ألزهايمر، وبعيد الطفولة، وبالأسرة، نعم لأن الأسرة اللبنة الأولى للمجتمع ويحتاج أن تتذكرها، كما تتذكر أمك، وتتذكر الماء الذي تشربه، والأشجار التي تحيط بك، والشعر الذي تقرؤه، واللغة التي تتحدث بها، ولكن .............. متى نقرأ ؟

 

 شاكر عبد موسى الساعدي/ العراق/ ميسان

 

823 لورنس (1885 – 1930) D.H. Lawrence

اختارها وترجمها عن الإنگليزية بتصرف

مصدق الحبيب

***

- الروح الإنسانية تحتاج الجمال أكثر مما تحتاج الخبز.

- ليس هناك تواضع وجمال أكثر ما في الوردة رغم ان جذورها تمتد في الوحل وغذائها من روث الحيوانات.

- ما لجمال إلا شعور وتجربة اذ انه لا يتقرر بقالب ثابت ولا بملامح محددة، بل هو الوهج وحرارة الإحساس بالنقاء والصفاء والرقة.

- الذي يبحث عن الحب يثبت لنفسه انه غير قادر على الحب، وإلا فاذا كان محبا ومحبوبا فلا حاجة له في البحث عن الحب.

- اذا لم تمتلك المرأة لمسة خفيفة من الدلع، فإنها ستصبح جافة كالعصا.

- كلما اشتد لهيب نار الحب بين حبيبين كلما تعمقت الثقة بينهما وكلما ازداد الخطر، ذلك ان منح الثقة الكاملة لأي طرف هي المشكلة لان كل منهما يبحر بسفينته الخاصة حتى لو أبحرا في نفس البحر ونفس الاتجاه. ومع ذلك يبقى الحب الموثوق أعظم التجارب الإنسانية.

- المال يفسدك إذا ملكته ويذلك إذا فقدته.

- الاخلاق والقيم والعدالة والحق مبادئ لا تتغير مع الطقس ولا تختلف مع أيام التقويم.

- ثق بالقصة ولا تثق بالقاص ذلك ان مهمة الناقد اللائقة هي انقاذ القصة من القاص الذي اختلقها.

- ليس النقد الادبي سوى سجل لمشاعر الناقد، ذلك ان النقد ليس بعلم، انما هو مبني على قاعدة من القيم التي يرفضها العلم اصلاً. فالنص الادبي يحاكم وفقا للعواطف، وما نراه حول الشكل والمحتوى والصيغة والنمط قد لا يكون سوى رطانة عقيمة.

 

 

سوف عبيدتمتاز الحركة الشعرية في تونس بالتنوّع سواء في مستوى لغة القصائد أو في الأشكال الفنيّة وكذلك في تعدّد المضامبن وهذا ما يجعل المدوّنة الشعرية التونسية مختلفة المباني ومتعدّدة المعاني وقد لاحظنا ذلك بمناسبة الأمسية الشعرية التي نظّمها نادي الأدب بجمعية اِبن عرفة الثقافية يوم الجمعة 29 مارس 2019 والتي جمعت أصواتا شعرية متنوعة  لعلها تشبه الباقة التي تتشكل فيها شتّى الورود والزهور أو كالسنفونية التي تنضمّ فيها عديد الأصوات والأنغام في تآلف وانسجام وهذا ما يؤكد المسار الذي دأبت عليه الحركة الشعرية في تونس وهو مسار يمتاز يالتعدد والاختلاف بحيث أنّ كل تجربة شعرية تكاد لا تشبه أخرى قالشعر التونسي  شجرة محتلفة الأغصان متعددة الثّمار

***

الشّاعر عبد الحكيم زريّر

814 عبد الحكيم ريرهو شاعر زَجل نشر عدبد الدواوين وكتب في مواضيع الجدّ والهزل من النّقد الاجتماعي والسياسي إلى الغزل وحتى استعراض أصناف الطعام

فقد تمكن من الإحاطة بمختلف المواضيع بفضل قدرته على اللسان اليومي التونسي الأصيل وإضافة إلى ذلك فق أصدر كتبا تعليمية في اللغة العربية وكتب أبضا بعض القصائد العمودية بالفصحى وحتى باللغة الفرنسية والإنقليزية

 قصيد ـ الزِّينْ يْفَرَّقْ

الزِّينْ يْفَرَّقْ

فِيهْ الِّي نِيرَانُو تْحَرَّقْ

وْفِيهْ الِّي وِدْيَانُو تْغَرَّقْ

مْلَوَّنْ مَا عَنْدُو هَوِيَّة

زِينْ جْبَالِي

فَرْفَشْنِي وْبَهْذِلْ بْحَالِي

تْمَلَّكْ وَاقْعِي وْخْيَالِي

شْرَبْنِي وْشَيْ مَا خَلَّى فِيَّ

زِينْ حْمَايِدْ

مِتْفَوَّقْ مِنْ غِيرْ شْهَايِدْ

لاَ لْبِسْ مْڤايِسْ لاَ حْدَايِدْ

وَهْرَة وْهِيبَة وْ فَنْطَازِيَّة

زِينْ سْبَاسِبْ

حُبُّو فِي مَكْنُونِي رَاسِبْ

مْعَذَّبْنِي وْمَا نِيشْ مْحَاسِبْ

نَعْمِلْ نَاسِي يْفَكَّرْ فِيَّ

زِينْ سْهُولْ

مِتْمَوِّجْ كِي بْحَرْ سْبُولْ

خَلاَّنِي مْرَهْوِجْ مَزْطُولْ

نَاسِي أَهْلِي وِامَّالِيَّة

زِينْ سْوَانِي

بْعِطْرْ زْهُورُو مْلِكْنِي سْبَانِي

مَقْوَى خْمُورُو يَا وْخَيّانِي

سْكِرْتْ مْضَيَّعْ كُلْ ثْنِيَّة

زِينْ حْدُودْ

لَحْظُو بْرَقْ بْلاَشْ رْعُودْ

صَايِدْ حَبْ بْلاَشْ بَارُودْ

صَادْنِي وْمَا جْهِزْ عْلِيَّ

الزّينْ البَحْرِي

نْسَايْمُو سِكْنِتْ فِي نَحْرِي

مْبَدَّعْ مِتْفَنِّنْ فِي سِحْرِي

غْرُفْنِي وْمَا رَسَّاشِي بِيَّ

الزِّينْ الـﭭِبْلِي

مْحَذَّرْنِي مِنُّو الِّي قَبْلِي

وَانَا مْحَذِرْ مِنُّو شِبْلِي

رْيَاحُو عَاتِيَة وْقْوِيَّة

وِالْجَنُوبِي

مْعَرَّضْلِي فِي كُلْ دْرُوبِي

آسِرْنِي بْكِلْمِةْ مَحْبُوبِي

بْنَظْرَة يِتْحَكَّمْ فِيَّ

زِينْ صْحَارِي

وَهْجُو حْرَقْنِي شَعْلِلْ نَارِي

مَهْمَا عْمَلْتْ نْحِبْ نْدَارِي

يِغْلِبْنِي وْيُظْهُرْ عْلِيَّ

زِينْ الصُّوَّة

شْرَفْ وْهِمَّة وْصَبْرْ وْقُوَّة

فِي كِلْمَة، مُولاَتُو حْلُوَّة

عَسْلَة صَافِيَة بَرِّيَّة

زِينْ سْوَاحِلْ

بْخُلْخَالُو الْمَايِلْ عَالْكَاحِلْ

مْغَرَّقْنِي وْلْتَوَّة وَاحِلْ

فِي رْمَالُو الِّي غَرِّتْ بِيَّ

زِينْ زْنُوجْ

رَهْوَجْنِي خَلاَّنِي نْمُوجْ

مْدَوَّخْنِي لْتَوَّة مَخْلُوجْ

ﭭلْبِي دَڨ وْصُلْ الْمِيَّة

زِينْ قْصُورْ

فِيهْ شْمُوسْ وْفِيهْ بْدُورْ

وْفِيهْ نْجُومْ فِي فْلَكْ تْدُورْ

شُفْتْ خْيَالُو بَدَّعْ بِيَّ

الزّينْ الْبَلْدِي

نَبْقَى نَحْكِي عْلِيهْ لْوِلْدِي

لاَهُو سِنْدِي لاَهُو هِنْدِي

مَعْرُوفَة بِيهْ الْبَلْدِيَّة

زِينْ عْرَبْ

خُنَّارُو آشْ عَبَّا كْتُبْ

مَنْقُوشْ وبِحْرُوفْ ذْهَبْ

زْرَعْ الْغِيرَة فِي الْغَرْبِيّة

التُّونْسِيَّة

كَامْلَة حُرَّة وْذْكِيَّة

عِلْمْ وْفَنْ وْمَفْهُومِيَّة

بِنْتْ بْلاَدِي فِي عِينَيَّ

***

الشّاعرة سونيا عبد اللطيف

815 سونيا عبداللطيفأصدرت مجموعتين شعريتين وفي قصائدها انتصار للحرية وتصوير لملامح الحياة اليومية وفي نصوصها بحث عن الأشكال الجديدة من بينها شكل قصيد الومضة وفي هذه القصيدة تعبر بوضوح عن تبنيها للقضية الفلسطينية وتشهر بالمواقف العربية التي تقف عائقا دون تحرير فلسطين

قصيدة ـ القدس

والشّمسِ التي سعّرتْ

ومُهجتِها التي اشتعلتّ

وسياطِها التي توهّجتْ

والبسمةِ التي اغتصبتْ

وفلسطينَ التي ذبّحتْ

وشعبِها الأبيّ العنيد

عصافيرُ الحجارة العتيدة

لم تنتهِ

أقسمتْ بالجنّةِ لا ولن تنحيَ

ستظلُّ تحاربُ الظّلم  إلى  آخرِ الرّمن

إلى الأبدِ

الظّلامُ يا نسورُ حتما سينجلي

وتحيا مغارسُ التّينِ و الزّيتونِ

لترى العزّ من جديد

كما كانتّ في الأزلِ

وهذه الحلازينُ فوق الرؤوس

مازالتْ ترتشي وتنتشي

بمدّ حزمِ الدّولارات

وقلائدِ الذّهب

تحت السرّة أو تحت الإبط

وأياديهم ملطّخةٌ بذاك السّائل الأحمر

ويْحها ! مازالت تتصافحُ ولم تستحِ

كاللّقلق الذي قضّى الدّهرَ يلحس الصّحون

ولم يحتسِ

وبالذّلِّ مازال يرتضي

ثمّ يقسمُ بسمكة أفريل ويختفي

وبالخسارة ورجمِ الأبرياء يحتفي

فلسطينُ...

بيييييعتْ... بيعتْ يا عصافير

منذ صفقة بعقود بيع الذمّة

ويا للحسرة

عُمْيٌ... بُكْمً... صُمٌّ

كلُّ العرب

من سيعيد القدسَ

ويعيد لها قبابها العسجد ؟

وحدها النّوارس الفتيّة

على العهد وفيّة

تُقاوم العدوّ بشتّى السّبل

تزرع الشّوك في حناجر آكل الجماجم

يسقونهم خمرا من عصير العلقم والحنظل

القدس يا....

القدس يا .......

تفدى بالرّوح و الدّم

ولا تباع بمال او بالذّهبـ

***

الشّاعر محمد القماطي

816 محمد القماطيوهو فنّان تشكيلي أيضا يكتب نصوص الشعرية باللغة الفصحى والعامية وبالفرنسية وفي قصائده ينحُو إلى نقد الواقع السّياسي والاِجتماعي سواء المحلّي أو العربي لكنّ ذلك الإلتزام لا يمنعه من البوح بوجدانه الغزلي حينا ومن التعبير عن حنينه إلى مرابع طفولته بما تزخر به من شجون وذكريات ونلمح ذلك بوضوح في قصيدته ـ الحُوش ـ وهي باللسان العامي التّونسي إذْ يستحضر فيها الأشخاص والوقائع والتفاصيل التي عاشها في أركانه سنوات الصّبا كأنّه يقف على الأطلال

قصيد ـ ياحوش أمّي ـ

يا حوش ما فيك امي

بلا ريح داير عجاجة

لا نشكي فيك همي

ولا تنقضى فيك حاجة

يا حوش امي

كل تركينة فيها انفاسك

غاد الطبونة دخنها عجعاجي

و منا السقيفة تملأ و اتفرغ

ماشين جايين من أضيافك

شكون قال اليوم باش تتبلج

يا حوش امي

براد اتاي المكشكش

و الكانون نار وجاجة

المنسج و الخلالة و الوشوش

وزغاريد النساجة

والبخور ريحته اترهوج

إتخلي الرجالة في حالة

يا حوش امي

وينهي ارانب و دجاجه

وينهي قطاطسة و كلابة

وينهي عبايتو بجرانة

فاطمة و زهرة و دادة الحنانة

يا حسرة كيف كانت مليانة

ياحوش امي

وينهي ريحة الماكلة الفائحة

الكسكسي و الكسرة المغلوقة

والعصيدة بالوزفة الشائحة

والبسيسة بالاقمي اتزهي لخلوقة

يا حوش امي

محلى حركت امي في حوشها

محلى مشيتها والحنة في كفوفها

ومحلى ضحكتها على فمها سواكها

وينهي تكللتها و اخراصها

وينهي فوطتها و ثوبها و احوالها

ياحسرة على زين امي و خيالها

ياحوش امي

وينهي هاك اللمة

وينهي السهرية

معى الخالة و العمة

وبابا و سيدي وصحن الغلة

شوي تاي و ضحكة و كلمة حلوة

محلاها سهرية بلي فمة

يا حوش امي

اليوم يا حوش امي وينك

ما قعد فيك كان الحجر

لا عاد لمة ولا عيد عيدك

خالي و بابك امسكر

لا زائر ولا اشكون اريدك

انا بعيد خرشي متنكر

ما عاد اتفيدني ولا نفيدك

خليك انت امسكر….

وخليني غريب و بهمي ما انزيدك..

يا حوش امي….

***

الشّاعرة زهرة الحواشي

817 ليلى الحواشيأصدرت ثلاث مجموعات شعرية وكل مجموعة تضم ثلاثة أقسام هي قصائد بالفصحى والعامية التونسية وبالفرنسية وفي نصوص الشاعرة تعبير واضح عن إدانة الاستبداد والظلم الاجتماعي مع تصوير لشجونها الذاتية

 

Si un jour je t'aimais

 

..... Mes rêves deviendraient réalité

.....Que de lettres je t'écrirais

....Comme nos ancêtres se faisaient

......Dans le grand azur

.....Nous nous embrasserions

....... Et dans sa douce fraicheur

.... Ensemble nous fondrions

.... Vers les étoiles l'eau nous empoterait

.....Tels deux anges

.....Sans soucis sans patrie

.... Sans toi

.... Sans moi

.... Sans toit

..... Sans poids

.... Seule notre flamme d'amour

.... Nous bénirait nous entourerait

....Nous ferions l'ombre des dieux sur terre

...... Vers les cieux envolés

..... A chaque aurore .aux humains retournés

.....Leur apprenant à aimer

... A chanter l'amour en fidelité

....Aprés s' être tendrement égarés

.... Dans ce merveilleux rêve qui brillait

.... En emblème nous envahissait

... Célébrant la gloire du frémissement

..... Et d'orgasme jusqu'à l'évanuissement  .

***

الشّاعرة منية جلال

818 منية جلالشاعرة قررت بعد تردد أن تخرج من صمتها وتتهيأ لإصدار ديوانها الأول وفي هذه القصيدة استحضار لأسطورة شهرزاد وشهريار حيث جعلت منهما رمزا للتعبير عن موقفها المنطلق من الحرية والاعتزاز بالذات وفي القصيدة إدانة واضحة لجبروت النزعة الذكورية المهيمنة في التاريخ

قصيدة ـ  ليست النّساء سواء

قال ذات مساء

" أنت حواء....و أنثى حواء !....

و كل حواء ليست إلا خدر عشق و هواء "

عذرا يا شهريار النساء

أقم ولائمك عند العشاء و بعد العشاء

أذب هواك و ذب مع كل الأهواء

و غازل ما طاب لك من النساء....و الأسماء.

بدء من الألف وصولا إلى الياء

عذرا يا شهريار النساء:

أنا حواء....و أنثى حواء...

و لكن تذكر: ليست النساء سواء

و أنني لست ككل النساء

و أن اسمي وحده كاف و رب السماء

فأنا الميم:

و الميم حرف....حرف المدى....

فالأرض مدى....و الأفق مدى

و أصل المدى ميزان الحياة

و أنا النون:

و النون حرف....حرف الندى

فالشم ندى....و السمع ندى....و البصر ندى....

نور الضياء....نور السناء

و لو لا الضياء ما ازدان المدى....

و أنا الياء:

و الياء حرف....حرف اليقين....يقين الشعراء....

بأن الحب انتماء....و جنة عدن الحياة

عرضها الأرض و السماء

جنة رواء و ارتواء

تختصر المدى....و تختصر الصّدى

عطاء موفورا....و حسن جزاء....

لأهل الهوى....

و أما التاء....و أنا التاء

و التاء حرف....حرف الترتيل....حرف التبتل

حرف المبتدئ و المنتهي....

حرف التجلي....تجلي الأصفياء

كما المعراج و الإسراء....

هذه مفاخر اسمي يا شهريار النساء

فكيف بي ؟....و بروحي اللتي تضارع الضياء

تصافح نجوم السماء؟

و بروحي القدسي الذي ينير الفضاء يعانق الشهب و السنا؟

عذرا يا شهريار النساء....

فبيننا فواصل و نقاط و حروف ليست سواء

و قدحي و قدحك كأسان:

كما الجنة و اللّظى....

كما الداء و الدّواء

كما البقاء و الفناء

***

819 ليلى حمديالشّاعرة ليلى حمدي

صدرت لها مجموعة شعرية أولى بعنوان ـ اِمرأة ...أحيانا ـ وهي ذات أبعاد   وجدانية زاخرة بمعاناة المرأة المعاصرة التي تعبّر عن آلامها وآمالها مستحضرة الطفولة باِعتبارها الجنّة الضّائعة وفي شعرها تعبير عن وضع الإنسان المأزوم في عصر التناقضات والتحدّيات

قصيد ـ تقيم خيامك في الغيم

لا أراك ...

تنهش ارتياب الذاكرة

لا أراك ...

بؤر تستتر بحدقة طفل

تكبله خطاك

كيف

كيف..... اراك !!!

كن شاعرا ايها القلب

ومرر عقارب ذهول الزمن

كن شاعرا

لينشغل عنك المستحيل

كن شاعرا واصقل بيديك النزيف

واعتصر من غمامك

مطرا..

لتمطر

كن شاعرا ايها القلب

كطيف مسافر

كذريعة المجاز في خمر الكلام

كحلم يسل من حلم

كن

شاغرا ...

كحرف مكسور

كزنبقة يقصر وصفها او يطول

كالظلال تمتد من عطر الذاكرة

الى اتقاد العناصر

الى ..هشاشة الفصول

كن شاغرا ايها القلب

بعيدا

كتجاوزات الخيال

من هنا ...مروا

وكنت الممر

من هنا عبروا.. وسحبوا مراكبهم

وتركوا الصور

كن شاعرا ايها القلب

او شاغرا

كي لا تعلو فوق البحار أحزانك

ولا تتساقط داخلي موجا

فتنكسر

***

820 سمير مجيد الباتيالشّاعر سمير مجيد البياتي

هو شاعر وفنان تشكيلي أصدر مجموعتين شعريتين وكتابا عن الفن التشكيلي التونسي وأقام عديد المعارض في تونس والأستاذ سمير مجيد البياتي عراقي متخرّج من كليّة الفنون الجميلة ببغداد وهو مقيم بتونس منذ سنوات عديدة وهو عضو في عديد الجمعيات الثقافية التونسية ومساهم في الحركة الثقافية ويمتاز شعره بالإيجاز واللّمح والدّهشة والحنين إلى العراق وقصيدته الأخيرة هذه كتبها بمناسبة غرق 100 شخص في عبارة بالموصل في شهر مارس 2019

قصيد ـ العبّارة

كلُّ شيءٍ في العراق قد تغيّر

أولها:

الإنسانُ الذي يكره الإنسانَ حدَّ القتل.

وثانيها:

الطبيعةُ.. التي ودّعت وانتحبت وندبت نخيلَها وثمارَها بقبورٍ جماعية

وثالثها:

النهرُ.. الله يا نهرَيْ دجلةَ والفرات

كم تغنّينا بكما

يا دجلةَ الخير

كم عشقنا عذوبةَ مائِك

كم اطعمتَنا بألذِّ الأسماك

وخلقت لنا أجمل الضحكات

أنت أيها النهرُ الحنون

لماذا.. لماذا كلُّ هذا الغضب

نحن لم نسمِّمْ ماءَك وأنت تعرف

ولم نقتلْ أسماكَك.

تعاتبُنا وتغضبُ كلَّ هذا الغضب

لماذا تنسى..

هل فقدتَ ذاكرتك

لماذا كلُّ هذا الجنون

هل تبحث لك عن موطنٍ آخر

لماذا بتَّ تكرهُنا كلَّ هذا الكره

نحن معك.. وأنت على حق

كلُّ شيءٍ قد تلوَّث

كل شيء قد تدمَّر

النهرُ يا إخوتي قد تسمَّم

حتى باتت الأسماكُ لا تحبُّ النهر

والنهرُ لا يحب الأسماكَ ولا البشر.

 

سُوف عبيد

 

ضياء نافعكان يمكن لعنوان هذه المقالة ان يكون – شبّر/ عارف / القرة داغي، اي حكمت شبّر ومحمد عارف وكامران القرة داغي، وكان يمكن ايضا ان يكون –  ثلاثي لينينغراد العراقي ومصيره، وكان يمكن ان يكون ايضا - و ببساطة - حلقة جديدة برقم جديد ليس الا في سلسلة مقالاتي عن (عراقيين مرّوا بموسكو)، والتي احاول ان اسجّل فيها تاريخ العراقيين، الذين درسوا بروسيا في النصف الثاني من القرن العشرين فصاعدا، والذين لم يكتبوا هم انفسهم – وكما ينبغي ان يكتبوا - عن تجربتهم و تاريخهم الممتع والجديد في مسيرة المجتمع العراقي، وكذلك لم يكتب عنهم – مع الاسف – الآخرون ايضا بشكل عام، ولا عن دورهم اللاحق (والمبدع) في مسيرة الحياة العراقية بعد تخرّجهم، والذين (طمغتّهم! رسميّا وشعبيّا) النظرة العراقية الساذجة جدا ب (الطمّغة) (والطمّغة باللهجة العراقية تعني الختم) الماركسية – اللينينية – الستالينية - السوفيتية، وهي نظرة، أقل ما يمكن وصفها، انها بليدة بكل معنى الكلمة، والتي لازالت الى حد ما قائمة (وبشكل من الاشكال) رغم انف كل الحقائق الموضوعية (وغير الموضوعية ايضا) مع الاسف الشديد .

ثلاثي لينينغراد تبلور صدفة وفي اطار جامعة لينينغراد العريقة اوائل الستينات من القرن العشرين، اذ تم ارسال هؤلاء العراقيين الثلاثة للدراسة في تلك الجامعة، وهم حكمت شبّر- للدراسة في كليّة القانون (قسم الدراسات العليا)، ومحمد كامل عارف للدراسة الاولية في كليّة الصحافة، وكامران قرة داغي للدراسة الاولية في كليّة الفيلولوجيا (اللغات وآدابها). جمعتهم قبل كل شئ عراقيتهم طبعا واختصاصاتهم في العلوم الانسانية عامة والسكن في نفس الاقسام الداخلية للجامعة، و لكنهم – مع كل تلك العوامل - اصبحوا قريبين الى بعض بعد ان اكتشفوا ان افكارهم (واحلامهم الفكرية ايضا) توحّدهم . يقول البعض انهم جميعا كانوا يساريين، ولهذا اصبحوا قريبين الى بعض، ولكن معظم الطلبة العراقيين آنذاك كانوا يساريين بشكل او بآخر، فلماذا برز هذا الثلاثي اللينينغرادي بالذات؟ . لقد وحدّتهم بذرة الابداع، التي كانت كامنة في اعماقهم، فمحمد كامل عارف كان قاصا عراقيا واعدا وصحافيا حتى قبل ان يصل الى الاتحاد السوفيتي، وحكمت شبر كان يحلم (في اعماقه) ان يكون شاعرا، رغم انه كان خريج كلية الحقوق (هكذا كان اسمها آنذاك) من جامعة بغداد ويملك الحق ان يكون محاميا في العراق، وكامران قرة داغي كان مشروعا لكاتب في مجال الترجمة و الصحافة، حيث يمكن ان يستخدم عدة لغات كان يتقنها آنذاك بشكل رائع، وهي الكردية (لأنه كردي) والعربية (لأنه عراقي) والانكليزية (لأنه درس في كلية بغداد الشهيرة)، وأضاف الى تلك اللغات عندئذ اللغة الروسية. وساهمت الاحداث التي كانت تحيطهم في الاتحاد السوفيتي بتقريب بعضهم الى البعض ايضا، فبعد انقلاب 8 شباط 1963 تأسست لجنة الدفاع عن الشعب العراقي برئاسة الجواهري الكبير خارج الوطن، واصبح هذا (الثلاثي!) نواة هذه اللجنة في لينينغراد، ولم يكن ذلك عفويا بالطبع .

بعد انهاء الدراسة، عاد الثلاثي الى بغداد، واصبح الدكتور حكمت شبّر استاذا جامعيا في كلية القانون وصدرت اطروحته بالعربية ضمن كتب وزارة الثقافة والاعلام، واصبح محمد كامل عارف صحافيا بارزا وارتبطت باسمه صفحة (آفاق) التي أسسّها في جريدة الجمهورية البغدادية، والتي لعبت دورا متميّزا ورائدا في مسيرة الصحافة العراقية والثقافة العراقية آنذاك ، واصبح كامران قرة داغي مترجما حرّا في الصحف والمجلات والاذاعة والتلفزيون والمركز الثقافي السوفيتي، مترجما يشار اليه بالبنان، كما يقول التعبير العربي الجميل، اذ ارتبط باسمه عمله الابداعي المستقل كمترجم، اي خارج التعيين الرسمي في الدوائر الحكومية كما كان يسعى الجميع، وهو موقع جديد ومبتكر خلقه كامران نفسه لحاضره ومستقبله . واستمرّت علاقات الصداقة والودّ و التواصل بين ذلك الثلاثي اللينينغرادي في بغداد مثلما كانت في لينينغراد، وكنت شاهدا - من بعيد - على ذلك التواصل الجميل بينهم في بداية السبعينيات ببغداد ، رغم اني لم اكن قريبا جدا – نسبيا- من ثلاثي لينينغراد ذاك .

 لكن الرياح العراقية تجري عكس ما تشتهي سفن العراق المحمّلة بثروات وادي الرافدين، اذ ان مقود تلك الرياح بايدي مراقبين خارج الحدود الجغرافية لدجلة والفرات، وهم الذين يوجّهون اتجاهاتها حسب رغباتهم ومصالحهم، و هبّت تلك الرياح – وبقوّة شديدة - من خارج الحدود و(طشّرت) الثلاثي اللينينغرادي العتيد، وليس فقط الثلاثي ...

لازال (أقطاب!) هذا الثلاثي يتفاعلون مع الحياة بحيوية وابداع كل من موقعه الجديد، ولازالوا يتواصلون مع بعض من بعيد ومن قريب ايضا، رغم ان عواصف تلك الرياح اللعينية فرّقتهم عن بعض ...

كم اتمنى ان أقرأ يوما ما  ذكرياتهم عن مسيرتهم باقلامهم هم، اذ ان هذا يعني، اننا سوف نقرأ  صفحة في غاية الاهمية في تاريخ العراق المعاصر، وصفحة رائعة الجمال في تاريخ المذكرات...

 

أ. د. ضياء نافع

 

رحيم زاير الغانمفي ظلِّ الحراك الثقافي الذي نشط في فترة ما بعد التغيير برزت للعلن أسماء وعناوين لفتت لها أنظار الجميع، وبدأت تتصدر المشهد برمته، حتى بات المتتبع العادي أو المختص، يهدر من وقته الكثير لمتابعة ما ينتج عنها، لكن المتتبع فوجئ بانهيال كم هائل كنتاج مرحلة ما بعد التغيير، أصبح من الصعوبة مجاراتها قرائيا وفرز غثّها من سمينها، كيف به ان احتاج الأمر بالمتتبع ان اراد فرز النوع الفاعل من هذا (الكم) الذي صار عامل من عوامل صرف ذهن المتلقي عمَّا تجود به الطاقات الحقَّة على اعتبار أنها تمثل النوعي المائز، لكن ما تم كشفه من تشاكل النتاجات وتعالقها  أربكت  المشهد الثقافي برمته، ليتبلور توجه جديد كردة فعل تجاه ما أفرزته المرحلة.

في الحقيقة الوهن الذي أصاب المنظومة الثقافية وأن أشرنا إلى أسباب تناميه في مقال سابق، ولا بأس في التذكير ببعضها لصلتها بجوهر ما سيتم طرحه، فمن جملة الأسباب غياب المؤسسة الرصينة التي ترعى النتاجات الثقافية بمختلف توجهاتها، (أدب، فكر، فنون، علوم حديثة، نظريات اقتصادية.....الخ)، ليس من المستبعد انحطاط ثقافي يضرب اطناب الوسط النوعي، لمزاحمة الكمي / الرديء،  من خلال تصدي بعض الإفراد للحراك الثقافي في فترة ما بعد التغيير بخلفيات ثقافية بسيطة جنبا إلى جنب مع الطاقات المتنورة/ ظاهرا ومضمونا، عدا ذلك تصدرها المشهد، التي لا تنم عن عدم إدراك ووعي لخطورة التحديات من قبلها فحسب، بل خطورة عزوف النوعي عن مجاراة الآخر/ التحدي وما ينتج عنه، من مواجهة مستقبلا، ولا نجامل من تقاعس المثقف الحقيقي وانكفاءه على نفسه وترك دفة الثقافة لتديرها فزاعات برداء وعصا تبيض على عصفورة أم رأسها الطير ولا ردة فعل غير الزعيق والنعيق، من دون شعور بالمسؤولية الأخلاقية اتجاه طرح الأفضل للساحة الثقافية، وما دمنا لا نقدم النموذج الحقيقي لقيادة المؤسسة مفترض الفاعلية بمواصفة رأس الهرم، صاحب الرؤية والفكر النيِّر، قد لا نمتلك القدرة على إحقاق النوع الثقافي الأصيل، على قاعدة، (فاقد الشيء لا يعطيه)، ان الخوض في هكذا موضوعات فيه دعوة للجميع إلى  مراجعة الذات، وخلق الأجواء الثقافية الملائمة، لكي نستعيد ثقة المتلقي بنا مجددا ما دامت الورش في مختلف المحافظات العراقية تتبنى عزوف مختلف الفئات عن تلقي المعرفة، ممثلة بقطيعة دائمة مع القراءة والاطلاع، إذ عُدَّ الكتاب آخر الهم، وهنا يأتي الدور التنويري للمثقف النوعي، فالنوع لا يقف عند حدّ النتاج فقط، بل ان من واجباته التصدي، عبر إبراز أهمية العقل، ان القراءة لا تتجمد عند حقل من دون حقل ثانٍ،  لكي تتسع المدارك العقلية والمعرفية التي نتأسف لتقويض فعلها في أذهان فئة الشباب، هذه الفئة المهمة والفاعلة في بناء الوطن والإنسان وما قد يناط  بها من حمل راية التنوير في الميادين كافة.

ولا نبغي دورا للشباب في نطاق الحقل الأدبي أو الفني، وإنما مطلبنا يتعداه إلى حقول  في، (العلوم والاقتصاد والتقنيات الحديثة) التي أصبحت عصب الحياة، وفضاء رحب لتقدم الأمم، الذي يمكننا من خلاله رفع قدراتنا المعيشية والانتعاش الاقتصادي.

قد يتبادر إلى ذهن البعض ان خطابنا  موجها الى مؤسسة بعينها، أو انه يخص في بعضه مؤسسة من دون غيرها، ان عجلة الثقافة لا تقف عند عتبة أو تتجاوز شريحة ما ، بل تتعداها إلى مختلف التوجهات، من اجل خلق فهم جديد عن الثقافة، الثقافة ليست كلمة تطلق جزافاً فهي ليست عنوانا مؤسسي خامل، او وظيفي ينتهي دوره بمجرد اكتمال تحققه، الثقافة فعل، ولكل فعل نتائجه، الثقافة منجز، يمكننا تطبيقه على ارض الواقع، الثقافة بحث علمي لا يافطات تعلق على الجدران، الثقافة إنعاش لفتور الكساد العقلي والعلمي والاقتصادي والمعرفي، الثقافة حياة، فلا سبيل لتوقفها.

مما تقدم يجب التنبه إلى الكم  بمقدار التنبه للنوع، مع مراعاة الكم/ الفائض، عن الثقافة، إي ما يطرح من نتاج ثقافي، والكم الهائل/ الفائض، البشري المستشري في مفاصل المؤسسات الحيوية، الذي ان تمكنا من تدويره لخلصنا إلى حلول سريعة من شأنها بث ثقافة الحياة، في مفاصل هامة ذات جدوى، ويأتي هذا من تمكن  النوعي الثقافي/ الطاقة البشرية الخلاقة، إدارة وفق رؤية واضحة غير مشتتة، في اقتصاد للموارد والطاقات، وبهذا نكون قد وصلنا للمبتغى، مع مراعاة تقويم وتنمية الكم/ الفائض، من اجل دفع عجلة الحياة، فليس الهدف إقصاء الآخر بقدر توفير فرصة حقيقة له ليعرف نفسه ومستوى إمكاناته، ولنعمل معه لتنميتها، وليس بغريب فقد نجده في يوم ما يتصدى بفهمه الجديد وفق منهج علمي الذي سيمنحه الكفاءة المرجوة.

 

رحيم زاير الغانم

 

شاكر فريد حسنيافا عروس زهت، وحضارة سطعت في فضاء فلسطين، واعتبرت عاصمة ثقافية لها بدون منازع . وقد شكلت مركزًا ثقافيًا وفنيًا هامًا، ففيها أقيمت دور السينما والمسارح والأندية الثقافية والأمسيات والأنشطة الثقافية والفنية المتنوعة، وفيها صدرت الصحف والمجلات الأدبية والفكرية، كالجهاد والدفاع وفلسطين والكفاح والحوادث والحرية والجبل والحرية والحقوق والجريدة والمستقبل والأخبار والاقدام ونداء الارض والصراط المستقيم وصوت الحق وغير ذلك .

وزارها الكثير من الفنانين الكتاب والشعراء والمثقفين العرب، وغنت فيها كوكب الشرق الراحلة أم كلثوم، وأحيت عدة حفلات فيها، بعد ان وصلت ميناءها في شراعها الخاص، وصدح صوتها في أروقتها بحفلة ساهرة بقاعة " أبولو " التي ازدانت واجهتها المركزية بتمثال لها .

ومن الذين زارها من الفنانين كان محمد عبد الوهاب وفريد الاطرش وأسمهان ويوسف وهبي، ومن الشعراء والكتاب : توفيق الحكيم وعباس محمود العقاد وميخائيل نعيمة وبشارة الخوري  والجواهري وغيرهم .

 وسوف أتوقف هنا مع الشاعر العراقي الكبير الراحل محمد مهدي الجواهري، الذي جاءها زائرًا وفي قلبه حبًا وشوقًا كبيرًا لها ولبحرها وبرتقالها وأزقتها . وهو شاعر معاصر من أهم وأبرز شعراء العرب في العصر الحديث، من مواليد العام 1899، وتوفي في دمشق العام 1997 . وقد انخرط في العمل السياسي وكان من مؤسسي الحزب الوطني العراقي . وقد صدرت مجموعته الشعرية الأولى وهو في الخامسة والعشرين من عمره بعنوان " خواطر الشعر في الحب والوطن والمديح "، وتبع ذلك " بين الشعور والعاطفة "، و" ديوان الجواهري " و" بريد الغربة "، و" بريد العودة " و" أيها الألق " و" خلجاتي " وكتاب " ذكرياتي " .

واشتهر بقصيدته "يا دجلة الخير" التي قالها في الحنين إلى الوطن والاشتياق له بعد ان غادره، وإلى دجلته وضفافها واصطفاق أمواجها.

وكان الجواهري قد أتى إلى يافا زائرًا، بعد ان كلفته هيئة الاذاعة البريطانية في النصف الأول من الأربعينات، لإحياء أمسية أدبية وشعرية فيها، ولما وصلها بالطائرة، استقبل بالترحاب، وأقيم له حفل فخم وجميل في " النادي العربي "، حضرته وجوه فلسطينية بارزة وشخصيات ثقافية وأدبية وسياسية واجتماعية اعتبارية، وألقى قصيدته الرائعة " يافا الجميلة " قوبلت بالتصفيق والعيون الدامعة . ونشرت القصيدة في حينه بجريدة " الرأي العام " الصادرة في السادس عشر من آذار العام 1945، ويقول فيها :

بـ " يافا " يومَ حُطّ بها الركابُ

                 تَمَطّرَ عارضٌ ودجا سَحابُ

ولفّ العادةَ الحسناءَ ليلٌ

                مُريبُ الخطو ليسَ به شِهابُ

وأوسعها الرَذاذُ السَحّ لَثْمًا

                فَفيها مِنْ تحرّشَهِ اضطرابُ

و " يافا " والغُيومُ تَطوفُ فيها

                 كحالِمةٍ   يُجلّلُها    اكتئابُ

وعاريَةُ المحاسن مُغْرياتٍ

               بكفّ  الغَيمِ خِيطِ  لها  ثيابُ

كأنّ الجوّ بينَ الشمس تُزْهَى

              وبينَ الشمس  غَطَّاها  نِقابُ

فؤادٌ عامَرُ الإَيمانِ هاجَتْ

             وساوسُهُ   فخامَرَهُ    ارتيابُ

وقفتُ مُوزّعَ النّظراتِ فيها

              لِطَرفي في  مَغَانيها  انْسيابُ

وموجُ البحر يَغسِلُ أخْمَصَيْها

                 وبالأنواءِ تغتسلُ   القِبابُ

و " بيّاراتُها " ضَربَتْ نِطاقًا

                يُخطّطُها كما رُسِمَ  الكتابُ

فقلت وقد أخذتُ بِسِحر " يافا "

                    وأترابٍ ليافا  تُستطابُ

" فلسطينُ " ونعْمَ الأمُّ، هذي

                     بَناتُكِ كلُّها خَوْدٌ كَعابُ

أقلّتني من الزوراءِ ريحٌ

                إلى " يافا " وحلّقَ بي عُقابُ

فيا لَكَ " طائرًا " مَرحًا عليه

                طيورُ الجوّ من حَنَقِ غِضابُ

كأنّ الشوقَ الأرَجُ الثنايا

                 وفُتِّح مِنْ جِنانِ الخُّلدِ بابُ

ولاحَ " اللُّدَّ " مُنبسِطَا عليه

                مِن الزَهَراتِ يانِعة خِضابُ

نظرْتُ بمُقْلةٍ غطَّى عليها

                مِن الدمعِ الضّليل بها حِجابُ

وقلتُ وما أحيرُ سوى عِتابٍ

                   ولستُ بعارفٍ لِمَن العتابُ

أحقّاً بينَنا اختلَفَتْ حدودٌ

              وما اختلَفَ الطريقُ ولا الترابُ

ولا افترقًتْ وجوهٌ عن وجوهٍ

               ولا الَضّادُّ الفصيحُ ولا الكِتابُ

فيا داري إذا ضاقَت ديارٌ

               ويا صَحبيْ إذا قلَّ   الصحابُ

ويا مُتسابِقينَ إلى احضاني

               شَفيعي  عِندهم  أدبٌ    لُباب ُ

ويا غُرّ السجايا لم يَمُنُّوا

               بِما لَطُفوا عليَّ  ولم   يُحابوا

ثِقوا أنّا تُوَحِّدُنا همومٌ

                مٌشاركةٌ  ويجمعُنا   مُصاب

تَشِعُّ كريمةً في كل طَرَفٍ

                عراقيٍّ  جُروحُكُمُ   الرغاب

يُزَكينا من الماضي تُراثٌ

                 وفي مُستَقْبَل جَذِلٍ نِصاب

قَوافيَّ التي ذوَّبتُ قامَتْ

                  بِعُذري إنها قلبٌ   مُذابٌ 

وما ضاقَ القريضُ به ستمحو

                 عواثِرَه صدورُكم الرّحاب

لئن حُمَّ الوَداعُ فضِقتُ ذَرعًا

                 بِهِ، واشتفّ مُهجَتيَ الذَّهاب

فمن أهلي إلى أهلي رجوعٌ

                  وعنْ وطني إلى وطني إياب

وكتب الجواهري في مذكراته قائلًا عن هذه الزيارة : " لقد كانت رحلة من رحلات العمر لا تنسى، مع هذا – وسامحوني – ان أقول، يا ليتني لم أرَ (فلسطين الجنة)، ولو أن وشيجتي بها كانت وشيجة (بشار بن برد) بالأشياء والعوالم، بالأذن لا بالعين، فلكان ذلك أفضل ولكان وقع الفاجعة عليَّ أقل " .

مات الجواهري وبقيت يافا شامخة صامدة، وسيظل هو ويافا القصيدة، الغافية على البحر، في الذاكرة الجمعية والتاريخ الثقافي والأدبي وروايتنا الفلسطينية .

                

بقلم: شاكر فريد حسن     

 

حسام محي الدينإستطاع "سالم بخشي" الروائي العراقي المتألّق في روايته "إنانا ونبّاش القبور" الصادرة عن دار ضفاف في بغداد عام  2018  أن يضعنا على منصّةِ معاناته المجتمعية العفوية، التي تتأتّى من مأساوية المشهد العراقي بين الحرب والموت والظلم والتهجير، في حيرة الرؤيا الوجودية النابعة من أسئلة المصير الانساني التي تحضر في تاريخ كل أمة من الامم، والتي تقدم لنا المعادل الموضوعي لذلك الواقع الذي لا يفتأ يطارد شخصياته في ذواتهم المتشظية بين مشاعر مختلفة من حب الولد والزوج الى حب الوطن والارض، إلى اظهار وحشية الحكام في فترات محددة، وهو – أي الكاتب – في كل ذلك لا يحاولُ اخفاء شخصيته وموقفه الروائي بشكل تام، وانما يظهر بين الحين والآخر كراوٍ عليم داخل كَوْنِ القصّ في اللحظة التي لا تعود الحاجة ماسّة الى سرد الشخصية الروائية بعد أن تستنفد ما يجب ان تقوله . وبمعنى آخر فإن تبادلاً لوظيفة الراوي العليم تنتقل بين مشاهد الرواية بين الكاتب وشخصياته كل على حِدَة، بسلاسة ابداعية لا يكادُ يحسُّ معها القارىء بتبدُّل ضمير الغائب (الكاتب)  بضمير المتكلم (الشخصية) وذلك لانغماسه في تقصي التفاصيل المتسلسلة مع تصاعد الحدث الروائي . واذا ما اشتعلت الرواية بالصور الرمزية بين إنانا والشيطان والخضر وغيرهم والتي تحاول التعبيرعن دلالات مأساوية الواقع العراقي في فترة ما،  فإن  تقنيات الرواية الجديدة قد حضرت بقوة في بِنى النص السردي، فمن ثبات المكان وتماهي الازمنة، الى الانحرافات السردية المتكررة، الى حلقات سردية متداخلة، فضلاً عن كسر النمط الكلاسيكي لصورة البطل الروائي المعروفة، حيث جعل الكاتب شخصيات روايته متساوين في البطولة، ولكلٍّ منهم دوره المؤثر في مجريات احداثها، بما يخدم غاياته الفنية، ويجسدُ كينونة تلك الغاية أصدق تجسيد . وغير ذلك فإن "سالم بخشي" لمس معاناة الانسان العراقي بمطاردته تفاصيل حياته اليومية المُرهقة، والامساك بتلابيبها وتوليفها في سردية طرية العود أطلقها بعدئذٍ إلينا - الى المتلقي او الجمهور – مقتفياً سمات تاريخ المجتمع العراقي عبر سنواتٍ طويلة سابقة ولاحقة لروايته بحيث تصلح لأن تتكلم بإسم العراقي المؤمن الصالح المسالم المقهور في كل حين ومكان من تاريخ العراق الحديث . فمن "رغد" التي تعاني في دفن أبيها، الى الأم (أم حكيم) التي مات أبناؤها وحفيدها في تفجير انتحاري، كما واستشهد زوجها في حرب 1973، الى " ام ثامر " التي ايضاً توفي ولدها، إلى حادثة جسر الكاظم التي أيضاً راح ضحيتها المئات من الشهداء، كان كلُّ ذلك التاريخ والحاضر - وربما لاحقاً المستقبل - المأساوي من الموت سائداً في ثنايا النص السردي للكاتب، الذي كان صوت المعاناة لذلك المواطن العراقي المطحون معنوياً وعضوياً  تحت عباءة الانظمة او السياسات التي تتوالى على التحكم بالبلاد والعباد، والذي - أي الكاتب - نجح  في ايصال موقف وجودي متقدم مما يعتري العالم من حوله .  إنّ قراءةً نقدية وافية لرواية " إنانا ونباش القبور " في عُجالة، لا تحيط بمجملِ سماتها الروائية في اسئلة الدِّين والمحبة والحرب والموت ولكنها بالتأكيد أرضية صلبة لتأسيس وانطلاق إرادة الوصول الى تحديد المصير الانساني والاجابة عن أسئلته التي تُطرح في كل مكان وزمان عبر التاريخ .

 

حسام محيي الدين  / لبنان

 

تعتبر مكتبة الأسكوريال مقصداً لكثير من الباحثين، لاحتوائها على ثروة من الكتب المطبوعة والمخطوطة. وقد بلغت مخطوطاتها نحو عشر آلاف بلغات متعددة. منها حوالي ألفين باللغة العربية. وهو أكبر عدد تضمنته المكتبات في إسبانيا. وليس هذا كل ما تجمّع في أقبية الاسكوريال من المخطوطات العربية مؤخراً حتى اليوم، فبعد بناء الاسكوريال جمعت بعض المخطوطات من القواعد الأندلسية واستمر هذا الجمع حتى أضيفت إليه سنة 1612م ثلاثة آلاف مخطوطة، وبذلك بلغ عدد المخطوطات العربية وحدها في قصر الأسكوريال نحو عشرة آلاف مخطوطة، ولكن سنة 1671م شب حريق أكل أكثر هذه المخطوطات ولم يفلت منها غير ألفين هي المتبقية اليوم.

لقد كانت المخطوطات العربية التي احتوتها مكتبة الاوسكوريال هي صورة ناطقة عن عظمة الحضارة العربية في القرون الوسطى ودليل على دور العرب في الحضارة النسانية .

من هنا لابد من وقفة تامل في قصة المخطوط العربي في اسبانيا وضرورة العناية بالمخطوطات العربية في كل مكان لدراستها والاهتمام بها لما لها من اهمية في تاريخ التراث العربي وتوضيح ابعاد الحضارة العربية . وفي الاندلس ارتبط الكتاب العربي بوجود العرب والقائمين على الحضارة العربية هناك ولكنه لم يخرج بخروجهم وبقى رغم كل الظروف التي مرت .

حيث ان الوجود العربي في اسبانيا استمر لاكثر من ثمانية قرون فان سقوط غرناطة لم يكن نهاية الوجود البشري العربي ولا نهاية التاثير العلمي والثقافي والحضاري العربي في اسبانيا .

قد بدأت قصة المخطوط العربي في الاندلس منذ الفتح العربي مع نهاية القرن الاول الهجري واستقرت باستقرار العرب حتى غدت الاندلس مركزا جديدا من مراكز الفكر والحضارة في تلك الحقبة من الزمن واصبحت قرطبة وغرناطة وطليطلة في حركتها العلمية الثقافية ندا لبغداد ودمشق والفسطاط على ان التفاعل الحضاري والتبادل بينهما كان يسير بشكل منظم، فكانت الرحلات من الاندلس الى المشرق وبالعكس مستمرة، وكانت الصلات التجارية والثقافية متشابكة ومبيرة، ومن خلال هذه العلاقات ولثناء الرحلات انتقل الكتاب العربي وتقاربت المعارف، ومن يتطلع الى نمو الثقافة العربية في الاندلس وخلال فترة زمنية قصيرة يدرك سرعة انتقال الكتاب العربي والجهود الكبيرة التي بذلت في استنساخ المخطوطات التي ظهرت في المشرق العربي، بل ان جهود الامراء العرب في قرطبة كانت كبيرة باتجاه بناء صرح حضاري في الاندلس من خلال:-

اولا:- تشجيع حركة التاليف والترجمة والبحث.

ثانيا:- تشجيع العلماء في المشرق العربي للانتقال الى الاندلس ورعاية اهل العلم والفن للاسراع في هجرة العلماء والمبدعين اللى الاندلس.

ثالثا:- نقل الكتاب العربي واستنساخ المخطوطات العربية التي تصدر في المشرق العربي.

وقد ادى هذا كله الى نشاط ثقافي شامل، ساعد في شيوع الكتاب العربي وانتشاره في دور العلم و المساجد التي كانت جامعات حقيقية . وقد كان عصر الحكم المستنصر عصرا ذهبيا في الاندلس حيث انشئت دور خاصة للاستنساخ فقد جاء في كتاب " المعجب في تلخيص اخبار العرب " لعبد الواحد المراكشي نقلا من كتاب عن اخبار قرطبة (كان بالربض الشرقي من قرطبة) (أي الضاحية الشرقية  -  مئة وسبعون امرأة، كلهن يكتبن المصاحف بالخط الكوفي ...) هذا في ناحية من نواحي قرطبة فكيف بجميع اطراف الاندلس.

كما كان لحكم المستنصر 250- 266 هجري (961- 976 م) عمالا مكلفون باستنساخ الكتب القديمة ام الحديثة في كل من بغداد ودمشق والاسكندرية، ومن قصص اهتمامة بالكتب انه سمع بتاليف الصفهاني كتابه (الاغاني) فارسل اليه الف دينار من الذهب فبعث الاصفهاني بنسخة من كتابه قبل اخراجه الى العراق .

ان كتابات الباحثين والمستشرقين امثال الدوميلي وتوماس ارنولد وجاك ريسلر تؤكد ان الكتب والمخطوطات العربية في اسبانيا هي اساس بدء النهضة في اوربا كما انها النتاج الحضاري العربي الممتد من بغداد الى قرطبة .

واعتبر قصر الاوسكوريال من اعظم الصروح الملكية في اوربا في ذلك الوقت، فقد اهتم الملك فيليب الثاني شخصيا بببانئه عام 1557م وامر بتزويده بكل زخرفة متميزة ومواد البناء من رخام واحجار واخشاب واهتم بالمكتبة التي احتلت الجناح الايمن من القصر والتي اشتملت ليس فقط على الكتب والمخطوطات المهمه بل الرسوم والتحف النفيسة وكان الملك فليب قد اصدر امرا بايداع أي مخطوطة او كتاب يعثر عليه في جميع انحاء اسبانيا الى هذه المكتبة غير ان عدد الكتب والمخطوطات العربية خصوصا قد زادت بشكل مفاجئ حين استولت سفن الملك فيليب الثالث سنه 1612 م على المنطقة الساحلية من المغرب مابين اسفي واغادير حيث تم الاستيلاء على مكتبة مولاي زيدان سلطان المغرب والتي كانت تظم اكثر من ثلاثة الاف مجلد نفيس.

هذا وان الهجرة المعاكسة من الندلس الى بلاد المغرب العربي حيث حمل المهاجرون ماتيسر لهم من الكتب والمخطوطات تؤكد ان التراث الاندلسي قد تشتت بسبب تلك الهجرة وبسبب التعصب ومارافق مطاردة العرب من حملات احراق الكتب والمخطوطات العربية في ساحات المدن الكبرى كغرناطة وقرطبة واشبليا وطليطلة وغيرها .

وفي عام 1671 م حيث شب حريق هائل في قصر الاسكوريال التهم الكثير من الكتب ولم يبق من المخطوطات والمتب العربية الا ما يقدر بثلاثة  الاف كتاب ومخطوطة.

 

ا. م. هديل عادل كمال