شاكر فريد حسنسميرة فرحات شاعرة أنيقة، مرهفة النبض والاحساس، مجبولة بالشعر، وصوت عذب ياسميني قادم الينا من بقعاتا في أعالي الجولان السوري.

تعمل سميرة في مجال الحسابات، أحبت الكتابة مند الصغر، وشغفت بالشعر. كتبت وتكتب الخواطر والنصوص الأدبية، نثرًا وشعرًا موزونًا وزجلًا. انقطعت عن الكتابة، لكنها عادت من جديد وبقوة الى المشهد ذالشعري والأدبي في العام ٢٠١٥، وسجلت رقمًا مميزًا على درب الابداع الشعري. واستطاعت في فترة وجيزة أن تثيت حضورها  ومكانتها من خلال النشر على صفحتها في الفيسبوك، والمشاركة في الندوات والأمسيات الشعرية .

سميرة فرحات مترعة بالمشاعر والعواطف الانسانية الجياشة، وتملك الحس الشعري والأسلوب الادبي الشفاف، بارعة في التفنن اللفظي، وسبك العبارات ورسم اللوحات.

ومن ناحية السبك والبناء واللغة الشعرية والصور الحسية والاستعارات فهي على مستوى جيد، ونصوصها في منتهي الرقة والشفافية. وتسعى دائمًا الى تطوير نفسها والارتقاء من خلال التجريب والاطلاع على تجارب الآخرين والاستفادة منها وتعميق القراءات، البوابة السحرية للتحليق عاليًا. وتمضي ببساطتها وعفويتها نحو تطوير أدواتها الفنية والفكرية، حيث البساطة والعفوية من أهم الأسس التي يبقوم عليها الشعر..

نصوص سميرة فرحات ذات طابع رومانسي ووجداني، يغلب عليها الحس الانساني والبعد الذاتي ونزعة التأمل والمسحة الروحية. فهي تكتب عن الحب والأنثى، والانسان، والوطن، والطبيعة والارض والجمال والحزن والفرح والحياة والجرح السوري النازف، وتأسى للدماء التي اريقت في السويداء، وترثي شهداء المجزرة الرهيبة.

وتأتي قصائد سميرة فرحات بلغة شعرية تعبيرية تتسم بالتشكيل المتسق والايحاء الشفيف والترميز المدهش.

وتتضح هذه السمات الفنية والاسلوبية في أغلب نصوصها، ونختار منها هذا النص العابق بشذا الياسمين ..حيث تقول :

أخبريني ... كيف يُزهِرُ الحرفُ نبضاً

على أكفِّ السطورْ

وكيفَ تصبحُ الكلماتُ ....براكينَ عزٍّ

ما أن تختبرَها الأقدارُ حتى تتململ وتثورْ

وكيف ينامُ الوعدُ ليلاً

ويباتُ حبّات لؤلؤٍ على وجنةِ صباياكِ

فيزهرُ ورداً على خدِّها المسحور...

أخبريني....

 كيف يتلظى نقاءُ الياسمينِ... ولا يغضبْ

كيف تسهرُ عيونُ الأباةِ .... ولا تتعبْ...

كيف تنبعُ فيكِ ينابيعُ النورِ ... ولا تنضبْ...

كيف يُقدمُ الرجالُ على الموتِ زحاما

وكيف يؤجلُ الأطفالُ بكاءَهُم انتقاما

وكيفَ تشتعلُ كلُّ أطرافِ ثوبِكِ.... وتصمدينْ

يا سيدةَ العِزِّ والرياحينْ

ولدى سميرة فرحات قدرة فنية لماحة في التقاط الفكرة وتشكيلها بصورة ابداعية مدهشة، وتقوم قصيدتها على عنصر التكثيف والاختزال لتقديم صورة فنية تعتمد على المشهدية.

وفي الاجمال، سميرة فرحات ياسمينة جولانية، تمتزج في نصوصها دموع القلب باهازيج الروح، وتعبر من خلالها عما يدور في خلدها، وما يخالج نفسها وما تبثه روحها من أهازيج، وفي أشعارها رونقًا خاصًا من الجمال والبهجة والمتعة الجمالية. ولغتها جميلة وكلماتها بليغة، وموضوعاتها حياتية وانسانية تطرح قضايا روحية ونقسية، والشعر بالنسبة لها نبض الروح ودماء الشرايين.

فللصديقة الشاعرة الجولانية الف تحية، ونتمنى لها مستقبلًا شعريًا زاهرًا مخضوضزًا، ومزيدًا  من التألق والابداع.

بقلم: شاكر فريد حسن

علي المرهجالكتابة فعل ما بعدي يستلزم "مُتعة القراءة"، ولربما فينا من يهوى الكتابة من دون مرور بالتماهي مع "مُتعة القراءة"، ولكنه واهم، لأن كتابته لا تتعدى في هذا الحال سوى التعبير عن خوالج نفسه الداخلية بلغة لا يقبلها العقل، ولا تخترق وجدان الآخر (المُخاطب).

الكتابة فعل ذاتي يتماهى معها كاتبها، ولكنها تبحث عن مُتلق، ولكل مُتلق قُدرات بحسب نشوئه الثقافي، وكلما كانت الكتابة تسير وفق خلجات النفس الداخلية من دون وعي لفيوضات الآخرين الوجدانية من العرفاء، سيرمي بها المُتلقي بعيداً، إن كان مُتلقياً يمتلك بعض من أدوات الوعي اللغوي ومُعجمية الفكر الصوفي والعرفاني.

والكتابة فعل لا يُجانب التعقل حتى في استغراقه الوجداني. وفي الكتابة بُعد برهاني لا يفقهه سوى الحُكماء ومن صاحبهم لأنه مُحب للحكمة، وكل مُحب للحكمة فيلسوف، إن أتقن مفاهيم الفلسفة النظرية بأبعادها التأملية والتجريدية في الغوص في معاني الوجود ومحاولة الكشف عن أسبابه عبر منطق عقلاني للإفادة منها لوضع حلول عملية لواقع مُتردٍ.

الكتابة تفريغ لشحنات وطاقات كامنة في النسق البنائي للكاتب الواعي، إن كان هذا الكاتب له مُتبنيات من عوالم الوجدان، أو من عوالم البرهان.

الكتابة في إمتاعها خرق لجدار الصمت، وصرخة تخترق أفق كل بناءات الوعي الراكد.

الكتابة كشف وتعرية للمسكوت عنه في حياتنا الاجتماعية والثقافية والدينية لتكشف عن زيفه بتحدٍ أو بتغيير بإحسان.

الكتابة وعي القراءة في الما بعد، ووعي الواقع في ما هو فيه، وطرح وعي بديل يجترحه الكاتب (القارئ) لكثير من مدونات الفكر فخبر ما فيها من خلل، ليطرح رؤية للقادم يستقيها من نقديته لحتميات التاريخ ليجعل من نقده أفقاً لبناء تصور لمُستقبل أفضل.

مُتعة الكتابة لا بحث فيها عن شُهرة بقدر ما فيها من مُتعة للزُهد في كل عطايا ومنح السلاطين والجمهور.

في الكتابة مُتعة حينما تخترق المألوف في حياتنا وتنتقد الساكن في ثقافتنا عبر نتاج ابداعي شعري كان أم سردي، ولربما كان في نادر الأحوال مما يُمهر بنتاج إبداعي فلسفي.

الكتابة تلاقح  لفعل ذاتي تُنتجه ذات المؤلف أو الكاتب للتتلاقح مع واقع في مأساة وملهاة، ليكشف الكاتب فيه عن قيمة الملهاة وحضورها الإيجابي أو السلبي في نقد مواطن الخُذلان في صناعة السعادة، أو الكشف عن مواطن الفرح والحُزن في ملهاتنا أو (مأساتنا) اليومية.

في موطني العربي كثيراً ما يلعب المُمثلون أدوراً في كوميديا الواقع ليكشفوا عن تغلغل المأساة في واقع مُتردٍ لا فكاك منه ولا خلاص لنا سوى اللجوء لـ (كوميديا الموقف)، وهي ملهاة وفي ذات الوقت تعبير عن مأساة.

مُتعة الكتابة فيها تعبير عن وجود طامح فيه نزوع فرداني، ولكن في كل فردانية مُضمر و(مسكوت عنه). إنها فردانية لا وجود لها من دون وجود آخر أضمرته أو اعترفت به، فالآخر وجود عيني لا ترغب الذات (الأنوية) بالكشف عن وجوده الضامر في وجودها، أو كما قال ريكور "الذات عينها كآخر".

الكتابة تعريف بهوية، لا هوية الكاتب فحسب، إنما هي تعريف بهوية الجماعة التي شاء الوجود أن يوجد فيها هذا الكاتب، فهي هوية لوجود وتحملٍ لذات مغرورة تظن أن وجودها خارق للمألوف المُجتمعي، وتناست أنها حتى في وجودها المُختلق هذا إنما تحتاج في تحقيقه لأخر يعتر، إلّا أنه وجود لا معنى له من دون هذا الآخر الذي هو في حالات يُشكل معنى الأنا الجماعية، وفي حالات يُشكل معنى الهوية الفردانية التي تبحث عن تفرد بمبعزل عن وجود الآخر.

مُتعة الكتابة فيها توقع لأفق ما سنكون عليه في المُستقبل، وتلك التوقعات لا مصداق لها في عيون أبناء الشرق إلَا بعد وقوع ما لا يُمد عُقباه، ولكن في توقع الكاتب سعي لمُتعة، وهي جوهر ما يبتغيه، ورغبة لبناء وعي ثانياً، وهي عرض في ما يرومه، ولكنها جوهر في بناء وعي جديد للمُجتمع.

الكتابة فيها رجاء وتمني يرغب به الكاتب لأن تكون رؤيته فيها بعض موعظة لمجتمع هو منه، ولكن كتابته تمني، ولا سلطة له يفرضها لتقبلها بين أطياف مُجتمعية لا رباطة وطنية لها.

 

د. علي المرهج

 

مصطفى غالب مهتديالشعر كلام الحقيقة التي مهما حاولنا أن نسترها نجدها تطفر كغزال بري هارب خوف القنص، من أصابع الزيف والتهذيب

كما العصفور الدوري خرج من عمق أحاسيسه كي يكون مرجه الشعري الذي يسرح عليه بخيال الجمال والكلمة الساحرة.. بدأ الكتابة منذ سنوات قليلة بالمعيار الزمني إلا أنه استطاع أن يعمق تجربته بقصيدة النثر فراح يزاوج بين تجربته الحياتية وروحية القصيدة فأمتلك مفاتيح المفردات فدخل إلى عالم الشعر الذي أصبح هاجسه اليومي... مع شاعر الريح والمطر والفضاء الذي لا يتسع إلا للقصيدة الشاعرة

برعم... يخرج من أناقة الوردة ليخزنا بقصائده التي تعرف هويتها واتجاهها ... أتى برحيقه ونحله ... برعم بدء نضوجه يكتمل على شجرة الشعر البرية ... ليتفتح قصائد تخرج من عبِّ اللغة لتأخذنا إلى عالمٍ سحريٍّ يتدفق مع حبر البراءة والصفاء التي تبوح به

كحرف من ربيع.. كنعمة طير هارب خوف القنص، يفتتح اللغة كي يأخذها على جناحيه أشعاراً من اللهفة والتوق للحرية.. التي عمَّر بها بنيان قصائده خفقات من قلب الزمان.. خارجاً من يباس اللحظات الباكية على صدره حنيناً للتألق والطيران في فضاءات الشعر الذي درج معه على مدارج الطفولة العارية حتى الجرح أنه كقندريسة برية تسحرك بروعة ألوانها الخلاقة ولكن إن أردت الاقتراب منها وخزتك بشوكها وخزة ناعمة تذكرك بعشقها للحرية والبرية

شاعر استهوته قصيدة النثر فأمتلك أدواتها بموهبة تضجُّ بقلق وجودي وثقافة متحيزة للإنسان وحقه بالوجود والرغبة بعالم أفضل يفيض على البشرية محبةً وسلاماً وأماناً لا يكسره إلا قلق اللحظة الشعرية التي تُخرج بقصيدة من ضجيج السأم , وبلغة شاعرية لا تستسلم للقارئ بسهولة .... بالرغم من انسيابيتها بشفافية عالية ....

شاعر أخرج درَّ الكلمات من محاراتها ليبيعها عطراً يعلق بجيد الحقيقة التي اختزنتها بمفردات تعبر عن مكنونات النفس البشرية التائقة للطيران بعيداً عن الألم والأسر بأجنحة البكاء واللوعة

من ضباب اللغة الذي يحوم على جبال الصوت والصدى.. تخرج الكلمات حاملة ألق الشعور ونغمة المساءات الراقصة على حواف الربيعات القادمات إلينا نحن الذين نغرق في عتمة الأيام التي تركض هاربة من روحنا الذاهبة إلى لغته الأولى المنتحرة كل لحظة على شفاه طفل يتعتع كلماته الأولى وشاعر يطلق رصاص الإحساس فتموت سجينة على ورق الروح وبياض الحب ليعاود بعثها من رمادها... مثل شطوط لا تغادرها المياه ... والأمطار ومثل لغة أدركت قداسة حروفها فصاغتها رحيلاً ونبوءات وتباشير فرح وعشق لا حدود لضلالته وانبعاثه....

 

بقلم الشاعر: مهتدي مصطفى غالب

..........................

هواجس تائهة – مجموعة شعرية للشاعر ماهر هاشم القطريب صدرت عام 2008 عن دار بعل للطباعة والنشر – دمشق - سوريا

 

 

شاكر فريد حسن"رقاع صلاح الدين" هو عنوان الديوان الشعري الذي كان أصدره الشاعر العكي نظير أحمد شمالي، واهداني نسخة منه مشكورًا.

نظير شمالي باحث وشاعر حداثي قدير راق ومميز، يحتل حيزًا في مسيرتنا الشعرية والأدبية، ويتوزع نشاطه الابداعي على الشعر الفصيح والعامي المحكي، والقصص، والبحث التراثي في ذاكرتنا الشعبية الفلسطينية، والدراسة الأدبية، وأدب الأطفال.

وكان قد صدر له : " الفارس الحزين في مدن الموت والغربة، القيء في ظلال المدينة الميتة، طمع ابن عازف الرباب، خليل حسني الأيوبي شاعر في الظل، أنا والناس برحلة عمر في تراب حارتنا، الآخرون في معطف الحزن الأخير، كشكول الناس، والراعي الصغير وثياب العيد ".

وأبرز ما يميز نظير شمالي أنه لا يتصنع الكلام في صياغة تعابيره، فهو قادر على السباحة والغوص في بحر لغتنا الجميلة واصطياد ما يحلو له من مفردات وكلمات تتدفق وتنساب معه كالسيل العارم.

جاء ديوان " رقاع صلاح الدين " في ٦٠ صفحة من الحجم الكبير، وأهداه الى صلاح الدين الأيوبي.. صلاح الدين والدنيا.. والى أمثاله من عظماء النفوس.

وهو يحتوي على ٧ قصائد طويلة وهي: " فاطمة أغنية موقوتة في مخدع السلطان، مراث على عتبات القادسية، صلاح الدين: المراثي والأهازيج، مصرع مصارع الثيران في رقصة العري، ثلج ستائرك هذا المساء، رقاع الى صلاح الدين، وترانيم رمادية في الوله الوحشي الأول".

نظير شمالي يمتلك كل أدواته الابداعية بقوة، ويعرف كيف يقتنص الحروف وينسج العبارة. فهو يقترف قصيدته بجنون وجموح وجمال واناقة ورشاقة ولغة باذخة، ويكتب قصائده بأشكال مختلفة ومتنوعة، نثرًا وتفعيلة وموزونة، وغالبية نصوصه طويلة نسبيًا، محكمة وجميلة نصًا وروحاً، قلبًا وقالبًا، معنى ومبنى، ما يدل على نفس شعري عميق.

انه باختصار مقترف لكل أشكال وأنواع الكتابة الشعرية، وله مخزون ثري من الموضوعات والموتيفات المختلفة.

تحمل قصائد ديوان نظير شمالي " رقاع صلاح الدين " طابع الحدة والغضب، لما آل اليه الواقع العربي، والتدهور في الظروف والأحوال الحياتية والمعيشية والاجتماعية المأساوية.فنجده غاضبًا يائسًا ومحبطًا فاقد الثقة والأمل من أمة العرب، ومن الزعامات العربية المتخاذلة المتواطئة والمهزومة، ويحن الى صلاح الدين ويتمنى لو يعود كي يحرر البلاد من ربقة الاحتلال.

انه يسلط الضوء على الواقع العربي المتردي، ويسقط ورقة التوت عن سودات الحكام والأنظمة العربية، ويعريهم ويكشف حقيقة سقوطهم في مستنقعات العمالة والعهر، مستخدمًا وموظفًا ألفاظًا حادة ومطلقة، واسلوب ناري مشبع بالانفعال والشحن والصخب الايحائي، ويصف الحكام العرب باقذع النعوت والأوصاف الموحية، بلغة مميزة ومتشابكة مع نسيجه الوجداني، فيقول:

زناة العرب كلهم كلهم صفقوا لقرابين الوطن!

لم يستحوا، لم يستحوا، وما شاء زنديقهم فعل!

أمنوا القصاص، قصاص العبيد

وما أدراك ما القصاص العبيد؟! وما أدراك ما قصاصهم؟

عبيد ينام بلدهم فيض جهل وخدر

في عوالم السفلس في المواخير المهربة

وفي قات من الجلل والتحشيش هم غارقون

فمن أمن العواقب في الناس، فيهم أساء كل الأدب

اجل، لم تستحوا، فاصنعوا ما شئتموه

ويخاطب نظير فاطمة، ويسألها عن الوطن النازف المنكوب المشتت والممزق الذي نهشته أنياب الذئاب، وعن الليل المدلهم الحالك الذي نعيش بين جنباته:

يا فاطمة!

أي ليل داهم نحن فيه

والعمر منا قد تهاوى قبل اطلاع الصباح!!

مزقًا مزقًا تشتتنا بعد يأس شديد.

ويذكرني نظير بفاطمة الشاعر ابراهيم مالك وعطرها، ولكن فاطمة نظير تختلف عن فاطمة مالك، في كل شيء.

فعند مالك هي الأنثى التي يعيش معها وينشد لها أغاني الحب بكل احساس وانفعال، بينما فاطمة نظير فهي المرأة المتمردة الغاضبة على واقع البؤس والقهر الانساني، التي تحلم بالغد والمستقبل المشرف.

وحتى في دنيا الحب والعشق، نجد شاعرنا نظير شمالي كئيبًا أدكن، فقنديل العشق انطفأ، ولم يعد في القلب رنات للوتر، وما عاد في الأفق سحر للسحر، ولا رائحة للعطر وعبق الحياة، فيقول:

رمادي كئيب وردك، سيدتي

شمعية رسائله، باهت ثوبك الأزرق

رمادية، قاحلة كل الكلمات...

لمن الغناء، سيدتي، وقنديل العشق انطفأ ؟!

ويكثر نظير من استخدام الألفاظ النابية القوية لتفريغ غضبه المشحون وللتعبير عن سخطه، كالتحشيش، التهديل، التهريج، التدجيل، التصفية، سكين الخدر، نخب الخيانة، سيقان عاج ومرمر، مواخير العروش، وعروش المواخير" وغيرها.

ويمكن القول أن قصائد الديوان ترصد عمق المأساة التي نعيشها، وقد أجاد فيها التعبير عن مكنونات صدره، من مشاعر صادقة النوايا والمعاني، اذ أنه يحمل قلبًا مترعًا بالحسرة، ويسيطر عليه الحزن والاحباط واليأس الشديد.

وغضب نظير هو غضب متحالف ومنساق وراء حلم التغيير للواقع المر المعاش، وفي ديوانه يغلف معانيه بغلاف اللون القاتم المتوائم مع احساس الغضب المتصاعد، ويعلن عبر خطابه الشعري عن أصل الأمر يعود الى خيبات الأمل والأماني وغياب الأمان، بعدما فسدت الذمم، وتلون المداوي بلون الخداع، حيث لم يعد هناك أمل في علاج ولا شفاء، ولا حتى عزاء. فالجرح عميق، والشكوى لا تعزينا.

ويتجلى التوظيف الحقيقي لمفردات نظير شمالي في عمله الرائع المؤثر، حيث تتضافر فيه موجات الشحن الانفعالي الغاضب بموجات الأبنية الشعرية الممتدة والموظفة لخدمة روح المضمون الشعري الصادح بمعاني الرفض لكل ما يجري على أرض العروبة من تدنيس وتخريب ودمار وقهر وسفك دماء وخيانة كبرى وتآمر على قضية وحقوق شعبنا الفلسطيني.

نظير شمالي شاعر ثوري في الفكر والفن والشعر، يحذف الفواصل بين شعره وشخصيته، فهو واقعي الرؤيا، ينفذ الى قلب الانسان، يفجر أخطر القضايا، مؤمن بالتمرد والثورة على الواقع الفاسد والمدجن، منطلقًا من مفاهيم مرتكزة على أصول فكرية وثقافية.

وليس نظير شمالي في شعره الغاضب الرافض الا ثمرة حية من ايمانه العميق بالأدب الصادق، ورسالة الشعر الحقيقية. فالفن الابداعي المؤثر والفاعل الملتزم لا يولد الا اذا كان المبدع أو الفنان حرًا، وكانت حريته هذه عميقة في داخله. وقصيدته تحمل صوت الغضب والثورة والتمرد، وتطرح الموقف الانساني والسياسي والقكري المنحاز للجماهير دون مواربة.

نظير شمالي قامة شعرية متفردة، يستمد وجوده الشعري وحضوره الابداعي من خصوصيته الشعرية على المستويين الموضوعي والفني، انه شعرية تنزع الى الحب والحرية والعدل والجمال الكوني.

وما قصائد ديوانه " رقاع صلاح الدين " الا دليل ساطع على شاعريته الفذة، وعلى غضبه الساطع، وغلبة موضاعات الواقع العربي الراهن، واقع الذل والمهانة والسقوط الأخلاقي.

ويمكن اعتبار هذا الديوان بلغته واسلوبه ومضمونه من أجود وأجمل ما صدر في بلادنا في السنوات الأخيرة من دواوين شعر .

فلنظير شمالي محبتي وتقديري، على أمل أن نلتقي به في اصدار شعري آخر .

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

عبد الخالق الفلاحنهمس في اذان بعضنا البعض مع الصباح بمعنى.. نتحدث معن عن طموحتنا .. قد تكون همسة حب .. همسة عتاب همسة شوق .. همسة ندم، لتصافح اقلامنا البهية بابدعنا الرائع، على جدارية التسامح والعفة والنقاء نكتب قد يكون دعاء .. رجاء .. ألم .. أم قد يكون شعر .. نثر .. حكمة - نصيحة .. توجيه -قد تكون- وردة عشق .. بيضاء -قد تكون - إبتسامة . صادقة،لحظة تأمل توقفنا في هذا الفاصل الحاسم من لحظات الزمن الذي يمضي من حياتنا مسرعا بإحداثه ويومياته وساعاته ولحظاته، ثلوماً، وكلوماً. دروس وعبر.. نطوي صفحات ما مضى .. لنبدأ بعمر جديد، نستقبل يوم ونودع يوم اخر.. بداية ونهاية.. شروق وغروب .. خريف و ربيع .. شتاء وصيف ... لا سبيل إلى السعادة في الحياة إلا إذا عاش الإنسان فيها حرّاً طليقاً من قيود الشهوات وأسر الغرائز والهوى، يوم فما بين أمواتٍ يرحمهم الله ودَّعناهم بالأسى، وقتلى وشهداء شيَّعناهم بالحسرة، داهمتنا نكباتٌ وابتلاءاتٌ قابلنها بالحوقلة والإحتساب، وبعض الفعل، الذي يخفف قليلاً من وطأتها، أو لعلَّه يعذرنا أمام ربِّنا، بأن قدَّمنا ما بوسعنا، وشكونا أمرنا صادقين إلى مولانا وخالقنا .نودع يوم اخر،وقد شهدنا ايام في ظل التوتر والأوضاع الصعبة التي تشهدها الحلبة السياسية المحلية والعالمية التي تمر بأزمات وتحديات عديدة ونهاية مشروع داعش في العراق، وقرب نهايته في سوريّا . مع تقاعس العرب والمسلمين في نصرة قضاياهم المصيرية . المزيد من مشاهد العنف وإراقة الدماء وأعمال الشغب والإرهاب لعل وعسى أن يبزغ فجر جديد يبشر بغد ملؤه الأمل والاستقرار وتحقيق العدالة. مع كل هذا، دعونا نتطلع الى اليوم الجديد بشيء من الأمل. دعونا نأمل ان هذه اليوم يوم للتطورات الايجابية تتعزز في غدنا القادم، وسوف يكون له مردوده وتأثير تطوره الايجابي على جميع الصعد . في كلّ يوم نستقبل يوماً جديداً بفرحةٍ وسعادة ننتظره بفارغ الصبر لكي نتوكل على الله الواحد الاحد، نحدد فيه اوقاتنا ونستثمرحياتنا فيما ينفعنا، ونودّع يوم مضى على أمل أن يكون القادم أفضل، يفيض فيه الخير، وتتحقّق فيه كلّ الأمنيات،الوقت لم يمضي، لكن كل الأوقات جيدة للحب والتسامح وبناء الأخلاق الفاضلة، فلنمد يدنا للأخر، بمحبة وسلام وتضامن لنشارك معا في يوم مميز، مميز بالبهجة، واستقبال يوم جديد، إلا يستحق منا وقفة لتأمل هذا البناء الأخلاقي السليم وكيف نبني أنفسنا بوقفة تأمل،فلا يسعنا سوى الشعور بالامل لانه هو الحياة، والحب شريانه وبالاثنين معاً سنعيش ايامنا القاد مة ولنقف كما يقف المسافر على المحطة ينتظر قطار الحياة دون توقف،ينظر كم قطع من الطريق وكم بقي عليه منه ؟ ولنفتح دفاترنا ونحسب اخطائنا، خسرنا، ربحنا، كما يفتح التاجر دفاتره، لنرى ماذا كسبنا في يومنا الذي مضى وماذا اعطينا فيه ؟ الحوار وسيلة للتفاهم، وعبارة عن مطلب انساني وأسلوب حضاري يصل الانسان من خلاله الي النضج الفكري وقبول التنوع الثقافي الذي يؤدي الي الابتعاد عن الجمود وفتح قنوات التواصل مع المجتمعات الأخرى ...وهو من أهم أدبيات التواصل الفكري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي التي تتطلبها الحياة في مجتمعنا المعاصر لما له من أثر في تنمية قدرة الافراد على التفكير المشترك والتحليل والاستدلال بغية إنهاء خلافاتهم مع الآخرين بروح التسامح والصفاء بعيدا عن العنف والاقصاء. وهو اي ( الحوار) سمة من سمات المجتمعات المتحضرة والأداة الفعالة التي تساعدهم على حل المشكلات الصعبة وتعزيز التماسك الاجتماعي.ويقول ابن خلدون ".إن الإنسان اجتماعي بطبعه". وهذا يعني أن الانسان فطر على العيش مع الجماعة والتعامل مع الآخرين فهو لا يقدر على العيش وحيدا بمعزل عنهم مهما توفرت له سبل الراحة و الرفاهية … لذلك يجب على الانسان حتى يتفادى الأحكام المسبقة التوقف عن سوء الفهم الناتج عن عدم الوعي بمواقف الآخرين وغياب الرؤية الحقيقة لديهم، ومن الصعب أن نجد في هذه الآونة من يقف بضع لحظات يتذكر فيها أناسا كانت لهم بصمات في حياته وواقفين كالأشجار وقوفاً,وشامخين كالنخيل باسقاً,إلى الذين أوفوا بعهودهم وصدقوا في وعودهم وأخلصوا في عملهم وضحوا بزهرة أعمارهم من أجل عدالة قضيتهم وحرية وكرامة شعبهم وان نقترب من بعضنا البعض من خلال حب الإطلاع والمشاركة الوجدانية ونقل المعرفة.ونتذكر مقولة الامام علي عليه واله الصلاة والسلام :

ليس البلية في أيامنا عجبا، بل السلامة فيها أعجب العجب، ليس الجمال بأثواب تزيننا، إن الجمال جمال العقل والأدب، ليس اليتيم الذي قد مات والده، إن اليتيم يتيم العلم والأدب

 

عبد الخالق الفلاح –كاتب واعلامي

 

 

مادونا عسكر"من أنت يا سيّد؟"

السّؤال الّذي نقل القدّيس بولس من الموت إلى الحياة في لحظة تدفّق النّور الإلهيّ. وبولس الّذي كان يُدعى شاوول، ذاك المتطرّف المتعصّب الّذي بلغ ما بلغه من قسوة وشراسة ضدّ المسيحيّين في ذلك الوقت حاربهم واضطهدهم باسم الدّفاع عن الشّريعة، عن الله (أعمال الرّسل 22).

لا يمكن فهم انقلاب بولس من النّقيض إلى النّقيض بمعزل عن العشق الإلهيّ الّذي بادر فأحبّ فولد بولس من جديد. وكلّ ما يُحكى عن القدّيس بولس وعن تحوّله غير المفهوم وعن تأسيسه للمسيحيّة نتج عن تفكيك لشخصيّة بولس بمعزل عن العشق الإلهيّ. والأمر غير ممكن، لأنّه من العسير بل من المستحيل أن يتحوّل شخص من مجرم بحجّة الدّفاع عن الله إلى عاشق قرّر أن يخسر كيانه من أجل الله. "ما كان لي ربحاً، فهذا قد حسبته من أجل المسيح خسارة. بل إنًي أحسب كلً شيء أيضاً خسارة من أجل فضل معرفة المسيح يسوع ربّي، الّذي من أجله خسرت كلّ الأشياء، وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح، وأوجد فيه" (الرّسالة إلى فيليبي 9،8،7:3).

الخسارة في مبدأ بولس ترادف الموت، أي أنّ بولس دخل الموت بالمعنى المجازيّ ليعتنق "الحياة" بمفهومها الوجوديّ والنّهيويّ. تخلّى بولس عن كينونته من أجل ربحها في الله فاستنار عقليّاً ومعرفيّاً وعشقيّاً. ولو طالعنا رسائله الأربع عشر بدقّة تلمّسنا عمق المعرفة النّورانيّة الّتي من خلالها يذهب بولس إلى ما هو أعمق وأبعد من تأسيس لديانة، وأرفع من بناء الدّولة المسيحيّة كما يقال. إنّ بولس في اللّحظة الّتي عاين فيها مجد الله انتهى العالم بالنسبة له. "حدث لي وأنا ذاهب ومتقرّب إلى دمشق أنّه نحو نصف النّهار، بغتة أبرق حولي من السّماء نور عظيم. سقطتّ على الأرض، وسمعت صوتاً قائلاً لي: شاول، شاول! لماذا تضطهدني؟ فأجبت: من أنت يا سيّد؟ فقال لي: أنا يسوع النّاصريّ الّذي أنت تضطهده." (أعمال الرّسل 8،7،6:22) تشير العبارة (نحو نصف النّهار) المترافقة وعبارة (أبرق نور عظيم) إلى حدث غير عاديّ أسقط بولس أرضاً. ولا بدّ من أنّ لفظ السقوط هنا دلالة على زلزال أحسّه بولس في كيانه كلّه. هذا النّور العظيم الّذي تدفّق وسط النّهار أسر بولس في لحظة تدفّق العشق الإلهيّ. في هذه اللّحظة النّورانيّة حصل الفعل النّورانيّ وردّ الفعل المباشر، لأنّ بولس أعاد وسأل: "ماذا أفعل يا ربّ؟". بولس عاين النّور، دخله وتفاعل معه وكأنّي به تدرّج في العشق دفعة واحدة. فالسّؤال (ماذا أفعل يأ ربّ) سؤال إراديّ يطلق بولس في رحاب النّور من النّور وإليه. هذا الاختبار الرّوحيّ العميق أسقط بولس أرضاً ليرفعه إلى مقام العشق حيث الاستنارة الفكريّة والقلبيّة.

- بولس المفكّر:

عندما نقرأ بولس ينبغي أن نفهم رسائله إنسانيّاً قبل الشّروع في فهمها ضمن الإطار الدّينيّ. فبولس المستنير عقليّاً انطلق من الفكر الإلهيّ لا من فكره الشّخصيّ، وهنا تكمن صعوبة الغوص في رسائله والتّدقيق في المعنى الّذي يريد إبلاغه. بولس الفرّيسيّ المتزّمت والمتعصّب، الّذي اضطهد بعنف المسيحيّين وأسلمهم إلى الموت وشهد على موت بعضهم استحال إلى مفكّر إنسانيّ يسعى جاهداً إلى زرع الحبّ الإلهيّ في العالم ونشهد في قوله في رسالته إلى الأولى إلى ثيموتاوس (4:2): "الله يريد أن جميع النّاس يخلصون، وإلى معرفة الحقّ يقبلون." والإشارة إلى جميع النّاس تمنح فكر بولس سمة شموليّة سامية تتجلّى فوق التّعصّب والتّقوقع. وعبارة (الله يريد) تؤكّد الاصغاء التّام والعميق إلى صوت الله في داخله. ما يشير إلى الفكر الإلهيّ الّذي انتهجه القدّيس بولس. وفي رسالته إلى غلاطية (28:3) يلغي كلّ تمييز عرقي أو جنسيّ أو طبقيّ أو ثقافيّ ليجعل من الإنسان قيمة بحدّ ذاتها انطلاقاً من المحبّة الإلهيّة الّتي يتساوى أمامها الجميع: "ليس يهوديّ ولا يونانيّ. ليس عبد ولا حرّ. ليس ذكر وأنثى، لأنّكم جميعاً واحد في المسيح يسوع." الكلّ واحد أمام عرش المحبّة الإلهيّة، وبهذا تنتفي كلّ تفرقة واختلاف عنصريّ مع الحفاظ على المواهب الخاصّة بكلّ شخص. ويشرح بدقّة هذا الأمر في رسالته الأولى إلى الكورنثيّين (7،6،5:12) قائلاً: "فأنواع مواهب موجودة، ولكنّ الرّوح واحد. وأنواع خدم موجودة، ولكن الرّبّ واحد. وأنواع أعمال موجودة، ولكنّ الله واحد، الّذي يعمل الكلّ في الكلّ. ولكنّه لكلّ واحد يعطي إظهار الرّوح للمنفعة."

لقد اشتغل بولس على الفكر الإنسانيّ الّذي مصدره إلهيّ فولج الفكر والنّفس وتأمّلها على ضوء الله وتأمّلها في ذاته أوّلاً فبلغ المعرفة الذّاتيّة الّتي أسهمت في كيفيّة معرفة الإنسان لذاته. في حين أنّ سقراط يقول: "اعرف نفسك بنفسك"، يقول بولس:"اعرف نفسك في الله المحبّة". لقد عرف بولس ذاته عندما استنار فانكشفت له تناقضاته، وجوانبه المظلمة وتحرّر منها بالعشق لله. ويشرح الصّراع الإنسانيّ في رسالته إلى روما (20،19،18:7) الّذي يردّه إلى الخطيئة قائلاً: "فإنّي أعلم أنّه ليس ساكن فيّ، أي في جسدي، شيء صالح. لأنّ الإرادة حاضرة عندي، وأمّا أن أفعل الحسنى فلست أجد لأنّي لست أفعل الصّالح الّذي أريده، بل الشّرّ الّذي لست أريده فإيّاه أفعل. فإن كنت ما لست أريده إيّاه أفعل، فلست بعد أفعله أنا، بل الخطيئة السّاكنة فيّ". والخطيئة ليست سوى الانفصال عن الله ورفضه، فالانفصال عن الحبّ شرّ والاتّحاد به كمال. كما أنّ بولس يمنح الجسد معنى منفصلاً عن اللّحم والدّم، ونلاحظ في قوله (ليس ساكن فيّ، أي في جسدي) ترادف بين الأنا والجسد. فالجسد هو الكيان الإنسانيّ الّذي إذا ما رفض الحبّ الإلهيّ تخبّط في شروره. ولا يتّجه بولس إلى تحقير الجسد بل إلى البحث في كيفيّة الارتقاء به إلى مستوى القيمة. فالمسيحيّة الّتي تؤمن بالتّجسّد الإلهيّ لا يمكن أن تحتقر الجسد بالمعنى الّذي يروّج له، حتّى وإن غالى البعض في تحقيره. وذلك يعود إلى طبيعة الفهم الإنسانيّ للموضوع. لكن الجسد عند بولس هو الإنسان كلّه. كما أنّه لا يتكلّم عن الجسد بتجرّد، وإنّما عن الجسد/ الإنسان المخلوق من التّراب الضّعيف النّاقص السّريع العطب. "إنّ إنساننا العتيق قد صلب معه ليبطل جسد الخطيئة، كي لا نعود نستعبد أيضاً للخطيئة." لقد أوضح لنا الفكر البولسيّ معنى الحرّيّة الحقيقيّة المرتبطة بالولادة الجديدة بالعشق الإلهيّ فأعطانا المعنى الإنسانيّ المتفلّت من كلّ دخيل عليه.

- بولس العاشق:

عندما يتدفّق النّور الإلهيّ في قلب الإنسان يأسره بالكامل. ينتزع منه قلبه المتصلّب ويزرع فيه قلباً إلهيّاً. فتستحيل العلاقة عشقاً لله وعشقاً للإنسان. فليس من علاقة مع الله بمعزل عن الإنسان.

في غمرة العشق كتب بولس قصيدة عشق إلهيّ في رسالته الأولى إلى كورنثس، بلّغ فيها الطّريق الأبلغ كمالاً، طريق المحبّة الّتي لا تسقط أبداً. المحبّة الشّخص الّتي من دونها لا يبلغ أحداً الكمال. المحبّة جوهر الإنسان المخلوق على صورة الله، السّبيل إلى المعرفة الإلهيّة والإنسانيّة. ذاك العشق الّذي به خُلق الإنسان وإليه يصبو. "إنّنا ننظر الآن في مرآة، في لغز، لكن حينئذ وجهاً لوجه. الآن أعرف بعض المعرفة، لكن حينئذ سأعرف كما عرفت. أمّا الآن فيثبت: الإيمان والرّجاء والمحبّة، هذه الثلاثة ولكنّ أعظمها المحبّة."

لا يتحدّث بولس عن المحبّة نظريّاً وإنّما أبصرها بحقّ، وشهد لها وتفاعل معها وجاهد من أجلها وبلّغها للنّاس. لقد عاش بولس تفاصيل المحبّة بكلّ معنى الكلمة وعانى ما عاناه وسلّم حياته مواجهاً الموت من أجلها. "إن كنت أتكلّم بألسنة النّاس والملائكة ولكن ليس لي محبّة، فقد صرت نحاساً يطنّ أو صنجاً يرنّ. وإن كانت لي نبوّة، وأعلم جميع الأسرار وكلّ علم، وإن كان لي كلّ الإيمان حتّى أنقل الجبال، ولكن ليس لي محبّة، فلست شيئاً. وإن أطعمت كلّ أموالي، وإن سلّمت جسدي حتّى أحترق، ولكن ليس لي محبّة، فلا أنتفع شيئاً."

كلّ ما يفعله الإنسان وكلّ ما يبلغه من مجد ورفعة وتقوى، إن كان من علم أو معرفة، من خدمة أو مساندة، من صلوات وأصوام وطقوس، تسقط كلّها ما لم تلتحم بالعشق الإلهيّ. فالعشق أصل وغاية، منه ننطلق وإليه نخلص، لأنّ المحبّة لا تسقط أبداً.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

نايف عبوشلا شك أن فضاء الواقع الافتراضي، بما هو من بين ابرز تقنيات معطيات العصرنة سعة في التواصل، والإستخدام ،قد فتح أبواب المعرفة، والثقافة العامة للجميع، على مصراعيها، ليدلو كل من شاء بالمشاركة في التفاعل مع معطيات هذا الفضاء بدلوه، على هواه، دون قيود تذكر، سوى مستوى وعيه المعرفي، وحسه الثقافي .

لكن الملاحظ، مع كل ذلك، أن ثقافة الكتاب الورقي أيام زمان، كانت حقاً، اعمق، واكثف، وارصن، سواء من حيث معايير وأسلوب التعاطي معها، بصيغة النخبة المهنية المختصة، او بطريقة الهواية الذاتية، التواقة للتحصيل المعرفي الجاد. ولذلك كان التحصيل العلمي، والعطاء المعرفي بتلك الوسيلة، يوم ذاك، راقياً،لغة، وثقافة، وتعاطيا، وتداولا.

في حين تجدر الإشارة إلى أن ظاهرة الثقافة الرقمية، في فضاء الواقع الافتراضي،اليوم، تبدو مشوشة، وتفتقر إلى الإلمام المعياري ، تحصيلا، وعطاء، حيث يلاحظ أن أغلب الكتابات المتداولة في هذا الفضاء، ركيكة اللغة، أسلوباً، واملاءا، ونصا، وذلك لسهولة ولوج هذا المعترك، بسبب حرية التعاطي، والافتقار إلى المعايير المهنية، سواءً في مجال التحصيل، او العطاء، مما أدى إلى تداول نتاجات ، ومنشورات، ذات محتوى متدني مضمونا، وشكلا، الأمر الذي أنتج ثقافة مشوشة، تعوزها الرصانة، وتفتقر إلى الجاذبية، وينقصها التأثير في الجمهور المتلقي، لاسيما أولئك الذين يمتلكون منهم خلفية معرفية جيدة، ويتميزون بذائقة أدبية عالية، تؤهلهم لفرز الغث من النتاجات، مما هو سمين منها.

ومن هنا فإن الأمر يتطلب من الطاقات الواعدة، الإنتباه الجدي لتجاوز هذا الحال ، والعمل على الإرتقاء بقدراتهم المعرفية، لغة واملاءا، وتحصيلا، على نحو مسؤول، لكي تأتي منشوراتهم بنتاجاتهم، رصينة، وممتعة، ومفيدة، بعد أن يتجاوزوا حس الهوس بعصرية الثقافة الرقمية، الذي يدفع بالبعض، للتطلع إلى النجومية السريعة الخاوية،دون أن يتحسبوا إلى مآل السقوط العاجل بنفس السرعة، ما لم يرتقوا بامكاناتهم المعرفية، والثقافية إلى الحد المعقول مهنياً .  

 

نايف عبوش

 

شاكر فريد حسنلعل المصادفة وحدها قادتني الى نصوص الشاعرة السورية الناعمة الرقيقة، ابنة السويداء عبير الزاقوت، في صفحتها على الفيسبوك، وفي المواقع الالكترونية السورية والعربية، خصوصًا "منبر العراق الحر".

عبير الزقوت شاعرة واعدة تحمل هموم الأنثى والوطن السوري الجريح، وتختزل مشاعرها وعواطفها ووجدانها حروفًا وكلمات، وتأسرنا ببوحها الشفاف ونصوصها التي تبدأها فلا تشفى منها رغم انتهائك منها.

انها تتجرع كؤوس الحب والعشق والحزن والحنين، وتغزل صوءًا من بريق، وترسم بلؤلؤ القلب، وعبير الوصال، والغيم الأبيض قمرًا ونجمة مشبعة بالارتواء، تتقاسم الشوق في معابد الضياء، وتملأ جيوبها بالفرح على فوارس القلب في مواسم اليباب.

عبير الزاقوت تحلق في عالم الخيال الشعري، وتحمل بذور تناميها الفني عبر لغة جميلة وصور شعرية مبتكرة ومبهرة قادرة على ابراز القيم الوجدانية المرهفة العذبة، والتحليق في فضاء الجمالية الشعرية الرحبة، وما يميزها التواصل الحميمي بينها وبين القصيدة، ولجوئها الى استخدام المعاني والألفاظ الواضحة القريبة من القلب، مما يثري تجربتها الشعرية الخاصة، التي تغرف القصيدة من معينها.

وثمة خصوصية جلية نتلمسها لدى الزاقوت، اللغة النقيةً المشذبة بروية واتقان. ولعل ما يسم قصيدتها ألق الجملة وأناقة الحروف ونبض الاحساس وعمق الشعور واختيار المفردة والاستعارة، ناهيك عن التكثيف الشديد، ما يمهد لتجربة غنية مترجمة الى حساسية شعرية بانسيابية مدهشة، فلنسمعها تقول في قصيدتها " ليس في الحلم الا لك ":

قمرا شهيا

لأحج لعينيك

حين يستوي النبض

على أجنحة النعاس

أمد ذراع روحي

لامسد شعر نجمة

هوت

لتستظل في صدر مشتاق

وكلما بلغنا ألف همسة

على شفاه قبلة

يتهادى حلم

في مدى الخافق

ليملأ كؤوس يقيني

بخمزة الضياء

عبير الزاقوت تلون النسق الشعري بالتكثيف الايحائي من دلالة الى أخرى، بخلق الجملة المثيرة أو الصور المدهشة التي تحمل بكارتها من دهشتها الاسنادية محققة من خلالها قفزة جمالية على مستوى التخييل وكثافة الايحاء وعمق الارتداد الشعوري الحسي التأملي.

عبير الزاقوت تكتب ما تشعر به من نبض وخفق قلب وارتعاشات روح وجسد، ومن مشاعر وأحاسيس، وما يهمها بالاساس هو الرضى عما تكتب، باسلوب شعري جميل سهل ممتتع في التعبير. وكتابة الشعر عندها هو اشباع رغبة وتحقيق نشوة تتوق ايصالها للقارىء وللمتلقي، والبوح باسرار ذاتها الداخلية وعواطفها الملتهبة الجياشة.

وهي تنجح في الافصاح عن مكنوناتها، وايصال الصور بشكل سلس تأملي لا يخلو من الجمال والروعة.

عبير الزاقوت تعانق أوتار الأمل، وتبلل وسائدها بالحب، وتتبادل همومها مع همس الندى وسقسقة العنادل ، وتتقش أحلامها فوق الشمس والنجوم، وتنثر كلمات العشق والهوى بكل رقة على ضفائر الفجر.

فالتحية للصديقة الشاعرة عيير الزقوت، متمنيًا لها مزيدًا من الابداع والتألق والشموخ، فقد بدأت الدرب فاستمري في حمل الصليب ومواصلة العزف والجلجلة، واننا بانتظار قصائد بلون الورد وعبير العبير.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

محمد صالح الجبوريالقسم العربي في الإذاعة اابريطانية قدم برنامجا متميزا (ندوة المستمعين)، يعتمد على مساهمات المستمعين ومشاركاتهم، كنت أتابع البرنامج، وارسل رسائلي المتواضعة اليه، وكم أكون سعيدا عندما تذاع من الاذاعة، كان ذلك في السبعينات، ومطلع الثمانينات كان البرنامج المفضل الذي أجد فيه المتعة والمحبة والشوق، برنامج ترك الأثر الطيب في حياتي، ومن الذين قدموا البرنامج، الذين لديهم الخبرة والكفاءة في العمل الإذاعي (عاطف عبد الجواد، رشاد رمضان، عبلة الخماش، سلوى الجراح)، وغيرهم، ربما كانت هناك كلمات تذكرنا ب (ندوة المستمعين)، تلك الكلمات التي تردد في ألبرنامج (اسمع لندن في اوقات ندوة المستمعين)، وكانت تجرى قرعة في نهاية البرنامج للفوز(بقميص تي شيرت) مكتوب عليه العبارة (بي بي سي القسم العربي ندوة المستمعين)، ويتم نشر الفائز في القرعة في مجلة (هنآ لندن)، التي كانت توزع مجانا على المستمعين، وقد فزت بقميص (تي شيرت) لكني لم أنشر صورتي في المجلة، كان البرنامج يذاع (٣) مرات في الاسبوع، وتعاد اذاعته، مشاعر الفرح والسرور تراودني عند سماع البرنامج، والحزن يخيم علي عند فوات حلقة من البرنامج ولم أسمعها، محبتي للبرنامج كبيرة، تلك ألايام الجميلة، كانت من الماضي، تحمل ثقافتي، وهوايتي، ومتابعتي، اليوم نتذكر الماضي الذي أجد فيه اشياء جميلة غابت عن العالم في الوقت الحاضر، تحية لمستمعي القسم العربي في كل مكان.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - كاتب وصحفي

العراق

 

شاكر فريد حسنمنال سركيس شاعرة سورية من قرية اسمها صدد في محافظة حمص، عاشت وتنقلت بين حمص وحلب والشام. شغفت بالأدب، قرأت الكثير، استهواها الشعر، فحلقت بأجنحة القصيدة، وراحت تكتب الخواطر الشعرية والنثرية الوجدانية مع انتشار مواقع

التواصل الاجتماعي، فتفاعل معها القراء ما شجعها على الاستمرار، وها هي تنشر ما تكتبه في عدد من مواقع الشبكة العنكبوتية، وطموحها أن يكون لديها ديوان شعر مطبوع .

منال سركيس صريحة الى حد الشفافية، تميل الى الومضة الشعرية الخاطفة، تترجم همساتها وتنفث مشاعرها وتفرغ أحاسيسها ومكنوناتها في نصوص مبعثرة تحمل احساسها الدافىء، بلغة واضحة ومفهومة، واسلوب معبر لافت ومكثف جدًا.

انها تكتب عن الحب وبالحب وللحب، وتعبر عن خلجات النفس، ونبض القلب وارتعاشات الروح، وتتميز بمقدرتها على المزج بين الاحساس والفكرة .

نصوصها مركبة، وموضوعاتها مضمخة بالعطر والحب والالم والوجع الذاتي والقلق الوجودي والانساني، وتطغى الرومانسية على كتاباتها، والايمان بالحب دينًا، وهو جوهر رسالة الشعر والأدب.

تقول منال في مقطع شعري تصف فيه الحب، في بوح رهيف:

الحب دهشة دائمة

وابتسامة مسروقة

من شفاه الحزن

هروب من دهاليز الكلام

وارتباك مراهق

حين التعثر ببوح

حبك.

منال سركيس رقيقة الحس، مرهفة المشاعر بيراعها ومدادها، تعنى بانضاج الفكرة، نلمس في خواطرها الرقة والحلم والدفء وصدق المشاعر والخيال المتمثل في الدلالات والاشارات، ولغتها حية نابضة وهادئة.

من أجمل ما قرأت من نصوص منال سركيس "في التباس الحب"، وهو نص رقيق وجميل وعذب مشرق بالمشاعر الانسانية، مترع بالدفء والاشراق والجمال الفني، يجتمع فيه الالم والقسوة والأسى والشجن والغربة والأمل، فلنسمها تقول:

لم أبلغ بعد عمر القناع

لأعرف كيف أبقيك

ما زلت ألوح بحزنيالوفي

خوف اختناقي

وما زلت تتقن صمتك

ويتقن الحب

موته البطيء في اللامبالاة

أنت عمر الهواء في الأنفاس

وأنا بضع حروف في شفتيك

غريبة عنك

كغربة الحب في قبلة يهوذا

قريب

كقرب الصلب في جسد المسيح

أكمل بالموت

مراسم الدين الجديد

منال سركيس قادرة على رسم اللوحات، وترجمة المشاعر، والتعبير عن ثورة القلب بما يحويه من حب وغضب وفرح وألم وحزن. ويمكننا القول أن نصوصها هي ترنيمات عشق وهمسات من جوف الروح.

منال سركيس تحمل صليبها على صهوة الشعر وتواصل الجلجلة، بعد أن رسخت أقدامها في المشهد الشعري النسوي السوري الحديث، ولكن عليها انضاج تجربتها، وتجديد خطابها وأفكارها وموضوعاتها، والعمل أكثر على موسيقى نصوصها.

فللصديقة الشاعرة منال سركيس خالص التحيات والتمنيات لها بالمزيد من العطاء والابداع المتجدد، والى أمام.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

سلس نجيب ياسينالنجاح عملية يمكن تمثيلها بذلك الطفل الصغير الذي يتعلم من الحياة لما يسقط من الدراجة الهوائية مثلا او يغدر به احد الاطفال لاكما اياه وهاربا حيث انه يتعلم اكثر وتدريجيا سياقة الدراجة الهوائية ويسعى الى اخد الحذر اكثر من الرفاق الغداريين مثلا. ومن هنا نعلم انه لا ينفع الوصو ل اليه وتحقيقه دون تعلم وتدرج واحتكاك مستمر ودائم مع الاخرين. وصبر على الحماقات والتفاهات التي قد تسمعا او تتلقاها من هنا او هناك ريثما تحقق المهم مما تريد وايضا يجب ان يكون الملل والياس عدوين رئيسيين لك طالما انهما لن ينفعا في اي شيئ وايضا فلا بد من الاقتناع التام والكامل ان تلك الخطوات البسيطة نحو الهدف والتعلم من الاخطاء والتعديل والتقييم سيوصلان مهما طال الامر شرط البحث عن الفرص والنظر الى الامام بشكل دائم ومستمر

 

بقلم الكاتب: سلس نجيب ياسين

على بساط الأدب، قعد ذلك الواسعُ العينين طويلُ الرموش، تحت شجرة جوز تعرفه مذْ كان طفلا، مسندا ظهره الى جذع ذكرياتها المنقوش، حرف هنا ورقم هناك، قلبٌ أحَبَّ وسهمٌ رماك، ورموزٌ لم يستطع فك طلاسمها ذكّـرته بقصة حفيف أجنحة جبرائيل لشهاب الدين السهروردي الشهيد، بنصها العجيب الفريد، وفكرتها شديدة التعـقيـد.

على جانب الشجرة، نبعٌ تفجّـرَ من قلب صخرة، رغم جماله ومذاقه الذي يُـقسم سكان القرية أنّ له طعم الجوز، كان قد أرسل في نفس الفتى حسرة، أرأيتَ لو أخذتـك الى البصرة؟

أرأيت لو حُمِلـتَ بأيدي سَفَرَة، كرامٍ بررة، لتُعـمّد وجوها عزيزة عليها غَـبَرَة، فتعود ضاحكة مستبشرة؟

سألت صديقي الفارسي يوما عن مقطوعة اُحبّها للموسيقار الإيراني حسين علي زاده اسمها   "نينوى" تكتب بالفارسية هكذا "ني نوا"، قال بأنّ هناك ثلاثة أوجه للمعنى، أمّا الأول فهو اسم المدينة العظمى، والثاني يقال عند المصيبة والبلوى، وأمّا الثالث فهو صوت أنينِ نايٍ معتقٍ بالهوى.

كأنّ الفتى سمع البصرة تصرخ: نينوى.. نينوى، وربما الكل يصرخ الصرخة نفسها دون أي يدري. أي زمان هذا الذي نعيشه؟ سؤالٌ أكاد اجزم أنّه سُئل في كل زمان ومكان، وربما سأله أحد أجداد الفتى في بستان الجوز نفسه أو تحت الشجرة نفسها. وتضحك شجرة الجوز ضحكة على شكل ثمرة أكلها القاتل والمقتول والسائل والمسؤول. فكرتها ثمرتها.

ما ثمرتك انت؟

دعا ريتشارد دوكنز في الفصل الأخير من كتابه وهم الإله والذي سماه ما ترجمته " أم البراقع" المؤمنين بأن يخلعوا ما يعيق رؤيتهم للحقيقة. والحقيقة عنده أنْ لا إله، وإنْ كان ولابد، فالطبيعة ربتنا ودارون عليه السلام نبينا، وكتابنا "في أصل الأنواع" الذي تطرب له الأسماع ولا يمسه الا المحبون للإطلاع. ولكننا، والكلام لدوكنز، يجب أن نبقي احتمالاتنا مفتوحة، فالمستقبل قد يجود بحقائق ربما نسفت قصدنا المنشود.

هل خلع دوكنز البرقع؟ أم تخلى عن ثمرته؟

لا أدري لم تذكرت تحالفات القوائم الانتخابية في العراق. يدافع أحدهم عن قائمةٍ دفاع الصحابة وبعدها تتحالف قائمته مع نقيضها. هل هما متناقضان أصلا؟ هل رأيت شجرة جوز تتخلى عن فكرتها لتعطي باذنجانا أو بصلا؟ فلماذا اذن ننتظر من عملية سياسية أسسها الحاج بريمر أن تُنبتَ ريحانا؟

مصيبتنا برقع كبير غطى بلدا بأكمله من أعلى جباله الى جنوبه المتشقق كأرض عطشى تذكر عطش الحسين ولا تذكر عطش البصرة. قُــتـِلَ الأنسانُ ما أكْـفَرَه.

الصوت الذي لا يستخدم الكلمات أنصتْ اليه، قالها مولانا جلال الدين قبل سنين، أهذه دعوة الى الهروب؟

قرر الفتى أن يعلن تحت شجرة الجوز دولةً لا برقع عليها ولا غطاء، يكثر فيها العطاء، ومنفذها البحري نبع ماء، أمّا عن قوت شعبها فهو جوز مخلوط بالمحبة وبعض الكستناء، لا أحزاب فيها ولا فرقاء، أمّا عن الوزراء فوزيرة واحدة هي المرآة، فالمرآة لا تكذب وتصور لك الأشياء على حقيقتها، القاضي فيها ميزان وشعارها هل جزاء الإحسان إلا الإحسان.

استحسن الفتى فكرته وقرر أن يدعو اليها من يصافه، فالتفت عن يمينه فرأى زهرة، دعاها ففاح عبيرها فاعتبر ذلك قبولا، لم يعلم ذلك الغافل بأنّ الزهرة لا تغير فكرتها بتغير ما حولها.

سلامٌ على من أقتدى بزهرة.

وفعل الأمر نفسه مع عنزة كانت تأكل العشب، فسمع ثغاءها ـ صوتهاـ وفسره قبولا أيضا، كانت قصد العنزة، التي يعود نسبها الى تلك العنزة العرجاء التي حضرت جنازة الحلاج بعد أن قتله من لم يفهمه من البشر، أن تقول: لا تقاطعني وأنا استمتع بطعامي.

أذكر في غير مرة أني قلت للمريض أمرا ففهم عكسه تماما. فتعلمت أن اطلب من مرضاي أنْ يعيدوا ما ذكرته لهم. خطأ من؟ لا أدري.

خرج الفتى من بستان الجوز ماضيا في طريق دعوته بعد أن ظنّ أنه قد كسب زهرة وعنزة، فلما جنّ عليه الليل سمع همهمةً طَرِبَ لها، فالأذن تعشق قبل العين أحيانا، فلما اقترب وجد صومعة فيها قوم تتمايل رؤوسُهم كسنابل القمح قبل موسم الحصاد، هُمْ مصدرُ الإنشاد:

أهلَ حزبِ الديّـان حارَ العقلُ مني ... إنّي هائـم ولهـان غائـبٌ عن أيني

كُنّـا وأمّـا الآن تُـهـنا عـن الـكـونِ ... لا جهةٌ لا مكان ندري فيها وطني

فصاح الفتى: سأدعو هؤلاء الحيارى الى دولتي.

يقول البروفيسور الإسرائيلي هراري في كتابه الذي ترجمته (٢١ درس للقرن ٢١) الذي صدر قبل أيام قليلة بأنّ خمسين بالمائة من اليهود الأرثوذوكس المتشددين في إسرائيل اختاروا أنْ لا يعملون، ويقضون وقتهم في العبادة وتعلّم التلمود وتوفر الحكومة الإسرائيلية معاشاتهم، وتحمي الحكومة الأمريكية طائفة الآميش ولا يُسمح لقوانين الدولة التي تحكم الجميع بأن تنال من خصوصيتهم رغم أن طريقة عيش أتباع الطائفة تعود الى القرون الوسطى. وهنا أسأل: لماذا يُفرض علينا أسلوب حياة غيرنا ونوصف بما فينا وما ليس فينا وفي الوقت نفسه لا يتدخل أحد بأسلوب حياة مواطني الدول القوية التي تستطيع أن تحمي نفسها حتى من شر حاسد إذا حسد؟ ويتعدى الأمر بأن ينكر بعضٌ من بني جلدتنا حالنا ونكون عندهم من المتخلفين. لم تكون مرقة الجيران أطيب مذاقا من مرقتنا؟

لماذا تكون الأعذار حاضرة ومقنعة عندما يصدر الخطأ من دولة قوية، وفي الوقت نفسه تقوم الدنيا ولا تقعد إن عثرت بغلة في أرض العراق أو الشام؟

من حسنت لغته ارتقت أفكاره ومن ارتقت أفكاره حسن تدبيره. هل تَرَكَـنا أهل حقوق الانسان الذين تفتعل دولُهم الحروبَ لكي يتسنى لشركات الأسلحة أن تصرف بضاعتها بحالنا لنفكر كما يفكر خلق الله على هذا الكوكب؟

لماذا يُطلب من أهل البصرة أن يتصرفوا كما يفعل سكان الدول الأسكندنافية وتعاملهم حكومتهم التي حرمتهم مصادر الحياة كمساجين في أكثر الدول تخلفا وفسادا؟

هل تحققت العدالة في قضية بلاك ووتر المعروفة التي صدر الحكم فيها قبل أيام؟

هل نجح صديقي السمين أن ينقص من وزنه؟ أجابني صديق آخر يخاف زوجته: يا أحمق! ألم تعلم بأنّ الكرش هيبة.

الأسئلة تفور كما تفعل النار بالتنور، ولأنّـنا حطبُ هذا الزمان وذنوبُه، فلا نهاية لها، لنعد يا صاحبي الى قصة الفتى مع رجال الصومعة، فلما أراد الفتى أنْ يدعو رجال الطريقة الى دولته، قصَّ على كبيرهم خبرَ شجرة الجوز وحاله مع الزهرة والعنزة، فقال كبيرهم الذي أشرقت من وجهه مظاهرُ الوقار الرائعة: دع عنك يا ولدي هذه الجعجعة، ولتخلع البرقع عن قلبك وعقلك واخرج من القوقعة، فلمـّا أنكر الفتى قول الشيخ وأحسّ أنّ المسافة بينهما شاسعة، قال الشيخ:

يا عذولي لا تلمني ما على العاشق ملام ... ادنو مني واروي عني أنا في العشق إمام

تبدل حال الفتى من مقام الخيبة الى مقام الهيبة مما سمع، ولأنّ الطيورَ على أشكالها تقع، أصبح واحدا من رجال الصومعة لمّا بارق العشق في قلبه لمع، شرب كأس المحبة جهارا ولم يرَ في الحب عارا، وصار الجميع ينشدون:

يا سعدَ قومٍ بالله فازوا ... ولم يروا في الورى سواه

قرّبهم منه واجتباهم ... فنزهوا الفكر في علاه

هذا بعضٌ من حديث أسئلة القلوب. من الغالب؟ من المغلوب؟ ضَعُفَ الطالبُ والمطلوب، وقد فاز من دخل حمى علّام الغيوب.

 

د. تميم أمجد توفيق

 

 

ضياء نافععندما كنت طالبا في موسكو قبل اكثر من خمسين سنة، كانت هناك محطة مترو نعرفها جميعا اسمها ماياكوفسكايا، ولا زالت هذه المحطة موجودة لحد الان، وتقع طبعا عند تمثال ماياكوفسكي العملاق في الساحة التي تحمل اسمه في قلب موسكو. تعد هذه المحطة من المحطات المتميّزة برشاقتها وجمالها وعمقها، وقد تأسست العام 1938، ولازالت عالقة في ذهني صورة لهذه المحطة شاهدتها مرّة، وقد اجتمعت فيها القيادة السوفيتية اثناء الحرب العالمية الثانية بقيادة ستالين . تذكرت ذلك عندما كنت قبل ايام في مترو موسكو وانا استمع الى تسميات محطات تحمل اسماء ادباء آخرين، وهي ظاهرة لم تكن واسعة عندما كنت طالبا في تلك الايام الخوالي، وهو ما اود الان ان اكتب عنه، استمرارا لروحية مقالتي السابقة عن تسميات شوارع موسكو التي تحمل اسماء الادباء الروس تقديرا لهم واحتراما لمكانتهم في ضمائر الشعب الروسي، (انظر مقالتنا بعنوان –   شوارع موسكو باسماء الادباء الروس) .

من المحطات التي لم تكن موجودة آنذاك محطة اسمها (بوشكينسكايا)، وتقع طبعا عند تمثال بوشكين في ساحة بوشكين امام سينما (راسيّا) اي (روسيا)، فيا لها من تسميات تكاد ان تكون مترادفة تدخل الى قلب الانسان الروسي بلا اسئذان . وعندما كنت جالسا في عربة المترو، اعلنوا بالميكروفون، انه يمكن للركاب ان ينتقلوا من محطة بوشكينسكايا الى محطة تشيخوفسكايا، فابتسمت وقلت بيني وبين نفسي، ان الذي أطلق هذه التسميات هو متخصص في الادب الروسي حتما، اذ انه يعرف بدقة الوشائج الابداعية التي تربط تشيخوف ببوشكين، بحيث جعل محطتي بوشكينسكايا وتشيخوفسكايا مترابطتين هكذا، مثل حال تشيخوف وبوشكين في مسيرة الادب الروسي (انظر مقالتنا بعنوان – تشيخوف وبوشكين) . لقد توجهت خصيصا الى محطة تشيخوفسكايا للاطلاع عليها بدقة كي اعرف لماذا اطلقوا عليها اسم تشيخوف، فوجدت هناك لوحات   جدارية تجسّد بعض نتاجات تشيخوف الفنية منقوشة على الجدران بشكل رائع، ولكني فوجئت بتمثال ضخم لغوركي يقف في احدى الممرات المؤدية الى تلك المحطة، وقد استفسرت عن ذلك طبعا، وعلمت ان المدخل الى هذه المحطة كان يقع في شارع غوركي، ولكن عندما أعادوا لهذا الشارع اسمه القديم وهو تفارسكايا (انظر مقالتنا بعنوان – شوارع موسكو باسماء الادباء الروس) اطلقوا عليها تسمية – تشيخوفسكايا بعد عملية توسيع شبكة المترو، وتركوا تمثال غوركي في مكانه هناك بذلك المدخل دون تغيير، وهو قرار صائب، اذ ان التمثال هذا جميل وفخم ولا يتعارض مع هارمونية المدخل هذا ابدا، ولهذا أبقوه على حاله رغم تبديل اسم المحطة، ولكني قرأت بعض التعليقات الروسية الساخرة حول ذلك التمثال تنتقد ذلك القرار، منها التعليق الآتي – (انه تشيخوف ولكن طعمه غوركي !) والتعليق هذا هو لعب بالكلمات الروسية، اذ ان كلمة (غوركي) بالروسية معناها (المرّ).، اي انه تشيخوف ولكن طعمه مرّ.

وعندما كان قطار المترو يسير وبضجيج كالعادة اعلن الميكروفون ان المحطة القادمة ستكون- دستويفسكايا، وهي محطة جديدة نسبيّا تأسست العام 2010 ليس الا، وعلى الرغم من انني كنت متوجّها الى مكان آخر، الا اني قررت ان اخرج من عربة القطار في محطة دستويفسكايا للاطلاع عليها لان التسمية (الجديدة بالنسبة لي) اثارت فضولي، واردت ان اعرف وارى بامّ عيني، هل توجد هناك ملامح دستويفسكية هناك، وخرجت فعلا من عربة القطار وأخذت أتأمل تلك المحطة، ففوجئت بصورة هائلة لدستويفسكي في غاية الاتقان والجمال تتصدر جدار المحطة، وهي لوحة مرسومة بالموزاييك تصّور دستويفسكي وهو في حالة تأمل وحزن، وهكذا اقتنعت بصحة التسمية ودقتها، وعدت ادراجي الى عربة القطار القادم الذي وصل بعد ان غادر القطار الذي تركته .

ختاما لهذه النظرة السريعة لتسميات محطات مترو موسكو،اريد ان أشير الى محطة تحمل اسم تورغينيف لم تكن في زماننا (الستينات) وهي محطة تورغينيفسكايا (أرتباطا بساحة تورغينيف)، وقد تأسست العام 1972، وهناك محطة جديدة نسبيا تحمل اسم الكاتب المسرحي الروسي في القرن الثامن عشر وهو فانفيزين واسمها – فانفيزنسكايا، وقد تم افتتاحها العام 2016 ليس الا (ارتباطا بشارع فانفيزين) . واخيرا، اود ان اذكر، انه كانت في زماننا محطة – ليرمنتوفسكايا، والتي كانت تسمى (كراسنويي فاروتا) اي (البوابات الحمر)، وقد تم تبديل التسمية عندما افتتحوا تمثال ليرمنتوف قربها في الستينات (انظر مقالتنا بعنوان – سبع نقاط من الذاكرة حول ليرمنتوف)، ولكن بعد التغييرالجذري الذي حدث في روسيا و(موجة!) العودة الى الاسماء القديمة، تم تغيير تلك التسمية ايضا، وهكذا عادت محطة مترو ليرمنتوفسكايا هذه الى - كراسنويي فاروتا، رغم ان تمثال ليرمنتوف لا زال قائما عند مدخلها .

 

ا. د. ضياء نافع

 

 

لطيف عبد سالملَعَلَّنا لا نبعد عن الواقع أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّنا اليوم أشد منا في أيِّ عهدٍ آخر حاجة إلى العناية بتنظيم مدننا، وما أظننا كذلك لا نغالي إذا قلنا إنَّ عاصمتنا الحبيبة بَغْدَاد تُعَدُّ أكثر مدن البلاد حاجة إلى بذل الجهود من أجل ترسيخ أصالتها وإعادة الهيبة لها، بوصفها المدينة التاريخية التي سبقت أغلب نظيراتها من عواصمِ بلدان المنطقة في ركوبِ موجة المعاصرة التي طرقت أسوار هذه المجتمعاتِ بنسبٍ متفاوتة على خلفيةِ حصول بلدانها على الاستقلال بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.

ليس خافيًا أنَّ عاصمة الخلافة الإسلامية، وحاضرة الدنيا في سالفِ الزمان، كانت الأمم والبلدان تستنير بعلومها؛ لأنَّ ما عرف عنها بحسب الوثائق التاريخية هو أنَّ تمدنَها يتجددُ عبر العصور. وعلى الرغمِ من شدةِ وطأة جراحات مدينة السلام وعظمة ما تحمله أهلها من مكابدات، فإنَّ أبناءها في سعي دائم إلى إدراك ركــب المدنية الحديثة واللحاق بها، فما يزال عبقَ ماضيها يوشح حاضرها بمعالمِ الرقي والمدنية والإبداع؛ إذ أنَّها تتفرد عن كثيرٍ غيرها من العواصمِ والمدن بسعةِ إرثها الحضاري والعلمي والثقافي، فضلًا عن عمقِ امتدادها التاريخي. يضاف إلى ذلك تأريخ أمسها القريب الذي يتجسد بآثارٍ وشواخص وبقايا عمران تشكل بمجموعِها وثائق مادية لو قدر لها أن تكونَ في إحدى مدن بلدان العالم المتقدم، لكان لها شأن آخر، بالإضافة إلى إمكانيةِ توظيفها على وفقِ برامج منظمة في تعزيز موارد بناء الدخل الذي بمقدوره المساهمة بشكلٍ فاعل في تدعيمِ الاقتصاد الوطني.

لا رَيْبَ أَنَّ الدورَ والمباني والأسواق والخانات والحمامات الشعبية وغير ذلك من الشواخصِ التراثية التي جرت إقامتها بفضاءاتِ مدينة بَغْدَاد فيما تعاقب من العهود القريبة، تشكل جزءاً من موروثِها الإنساني والحضاري والثقافي الذي ما يزال بعضه حاضراً في حياتِها العامة، إذ إن كثيرا من هذه المعالم التاريخية التي يعود تأريخ إنشائها إلى بداياتِ القرن الماضي ما تزال قائمة تواجه عاديات الزمن من دونِ الحاجة إلى أعمالِ صيانة توجبها مهمة إعادة تأهيلها، إلى جانبِ دقة فعاليات إنجازها وجمال تصاميم واجهاتها التي تسحر الناظر بسببِ تفوقها في كثيرٍ من الجزئياتِ الحرفية المعتمدة في أسلوبِ العمارة المستخدمة حاليًا بإعمالِ البناء.

يمكن القول إنَّ شواخصَ العاصمة بَغْدَاد العمرانية التي تحكي للأجيال عظمة دوافع التطلع إلى النهوض والتجدد في مدينة طالما ابتليت بالغزوِ والاحتلال وهي تتشبث بالحياةِ وتتطلع إلى آفاقِها الرحبة، وقعت أسيرة الإهمال الذي اضر كثيرا ببعضها، إلى جانب ما أزيل منها لإقامةِ محال تجارية وصناعية على وفقِ الطراز المعماري الحديث السائد حاليا في البلاد، ما يعني أن استمرارَ الإهمال بتلك المواقع سيفضي إلى تعريض المدينة من دون أدنى شك إلى فقدانِ هويتها المعمارية والحضارية والثقافية.

 

لطيف عبد سالم

 

 

نايف عبوشذكرني أحد الزملاء، بطائر السنونو ، والذي يعرف بالخشاف، في بعض مناطقنا الريفية . إنه حقاً جزء من ذاكرة جيل، تعايش معه في نفس الدار أيام زمان. كان يأتي مهاجرا بأسراب إلى ربوع الديرة، في أوائل فصل الربيع من كل عام، حاملا على جناحيه بشائر موسم الربيع، وبوادر الصيف، واسدال الستار على برد الشتاء .

ولأنه طائر مسالم (لايذ بالبخت)، كما كانت الختيارات تلقننا يوم ذاك، لتحذرنا من المساس به، أو صيده، او ايذائه. لذلك كان الصبيان ينظرون إليه بعين الشفقة تماماً. فلا يسئ إليه أحد منهم ابدا، ولا يتعرض له بأذى، ولا يقدم على هدم عشه، ولا يصطاده.

لقد اعتاد هذا الطائر الوديع، أن يعشعش في سقف غرف بيت الطين، ويبني عشه معلقا بأعمدة السقف، من القش المخلوط بالطين، بطريقه جميلة في زوايا بيوتنا. وقد تفنن اهلنا في الشفقة به، وذلك بوضع صفيحة، او لوحة خشب اسفل العش، لحماية الفراخ من السقوط، وكذلك منع تساقط الفضلات علي أرضية الغرفة.

ولقد اعتاد السنونو أن يزقزق في الصباح الباكر بصوت رخيم، كأنه يرتل لحن التفاؤل بحلول يوم جديد، فكنا نستيقظ على وقع نغم زقزقته، ونستلقي على ظهورنا لنتطلع بشغف إلى حركة منقاره وهو يفغر فاه بتلك الزقزقة الجميلة .

وكان السنونو دائم التحليق في سمائنا، وفي باحات بيوتنا، بحركات بهلوانية مدهشة، حيث يعمد إلى الرحيل في نهاية موسم الربيع، عائداً الى موطنه من حيث أتى، ليعود إلينا ضيفاً عزيزاً في مطلع الربيع القادم .

لكننا اليوم افتقدناه مع سكننا في البيوت الأسمنتية العصرية، المغلقة الأبواب، إذ بات يتعذر عليه الدخول إليها ، ويصعب عليه تثبيت عشه في سقوفها الأسمنتية، حيث لا أعمدة خشبية لها ليلصق عشه عليها. وبذلك لم نعد نسمع زقزقته الرقيقة، وخسرنا الاستمتاع بانغام تلك السيمفونية الساحرة، وغاب عنا مشهد حركة طيرانه الحلزونية الممتعة، ليبقى مشهد السنونو مجرد ذكرى عالقة في أذهاننا، نستذكرها، ونحن إليها، كلما عدنا بالذاكرة إلى أيام زمان

 

نايف عبوش

 

شاكر فريد حسنهدى الجلاب كاتبة وشاعرة سورية، تكتب القصة القصيرة والنصوص الشعرية والنثرية، وتركز في كتاباتها على طرح وتصوير هموم الانسان وتحولاته الاجتماعية والعاطفية.

وهي تميل الى القصة كجنس أدبي قادر على رسم ونقل الواقع الحياتي المعاش، ولأنها تستطيع من خلالها تقديم أكثر الشرائح والهموم والمسائل الاجتماعية والوطنية.

صدر لهدى الجلاب حتى الأن: "قصر الجان" و"عبق الزهور"، بالاضافة الى مجموعتها القصصية "خارج المدار"، التي تحتوي على ١٧ قصة قصيرة، ذات مضامين وموضوعات اجتماعية ورومانسية ووطنية.

وتطل هدى الجلاب على نافذة الجرح السوري، وتستوحي عناوينها وموتيفاتها من الحياة الاجتماعية والواقع المعيش.

وتمتلك نصوصها لغة جميلة وتعابير موظفة بمشهدية وباتقان، ولا سيما في المونولج الداخلي. وهي تلجأ الى الأسلوب السردي المبسط الذي يقترب من القصة الكلاسيكية، ومن أسلوب الرواية بهدف الانسجام والاندماج بالمجتمع الانساني.

والصفة الغالبة على قصص الغلاب أنها تتحدث وتحكي عن أناس سوريين يعيشون على الأرض، وأكثر هؤلاء الناس من العامة الذين نلتقي بهم في الشوارع والأزقة والحارات والسوق والحقل والمصنع، ولم يكن الحديث عنهم لمجرد الحديث، لان هؤلاء عادة من الطبقات الشعبية الكادحة والمسحوقة.

وجوهر الواقعية في كتابات هدى الجلاب القصصية الكشف عن الدلالة الكبرى لما يحدث، وليس تصويرًا فوتغرافيًا، بل التصوير الممكن والصدق الفني.

هدى الجلاب نجحت في تقديم قصص ذات أبعاد اجتماعية، وتعبر عن القضايا والهموم الانسانية، ومعالجة الهم الذاتي والعام، وتجسيد الوجع السوري الكبير ورقي الانسان، مستمدة قوتها من قوة الحدث.

وهي تحتفظ بحرارة التشويق، وتحمل في قصصها ألفاظًا ومفردات كثيرة من الرشاقة والتعبير عن الحالات الانسانية في تجارب مختلفة.

ويمكن تلخيص خصائص الكتابة القصصية عند هدى الجلاب بما يلي:

• التركيز على قصص واقعية بسيطة، مشوقة، خالية من التعقيد.

• اللجوء الى لغة واضحة أنيقة تعتمد على التصوير والحفر في التجربة الانسانية.

• اعتماد البناء الكلاسيكي لقصتها، بداية وعقدة ونهاية.

• اعتماد الوصف والسرد والحوار الداخلي.

قصة هدى الجلاب تحفر في اتجاه تعميق مفهوم الانسان، وعلاقته بالحياة، في قضاياها الكبرى، وفي تفاصيلها اليومية، بعيدًا عن الظلم والجور والشقاء والعذاب اليومي، لأن الانسان أهم شيء في الوجود.

ومن نافلة القول، هدى الجلاب كاتبة قصصية تعي ماذا يعني تقديم رواية مطرزة في عالم اللغة والدهشة والتالق الابداعي، الذي يجعلنا نطالع نصوصها القصصية من خلال ميزان المعنى والقيمة الانسانية المتماسكة في اطار بنية الحكاية أو الرواية.

كل هذا يضعنا أمام تجربة ابداعية متعددة في التصاقها بهموم وقضايا البشرية.. تجربة فنية وانسانية، وموهبة ابداعية رائدة وأصيلة، تجمع اللغة المدهشة، والفكر الطبقي والانساني العميق، موصولًا باتساع الأفق والنزعة الانسانية الخالصة التي لا ترتبط بايديولوجيات تقتل تحركها الابداعي، ومتميزة في عطائها وعمق احساسها الأصيل، بمبادىء الانسانية. فلهدى الجلاب خالص التحايا واسمى معاني التقدير، وتمنياتي لها بالمزيد من التالق والابداع.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

محمد صالح الجبوريالقسم العربي لهياة الإذاعة البريطانية قدم برامج منوعة،ومن تلك البرامج التي لازالت عالقة في الذاكرة برنامج (لكل سؤال جواب)، فهو برنامج يقدم معلومات مفيدة ومتنوعة لمستمعيه في مختلف أنحاء العالم، ويحظى بأهتمام المستمعين الذي يتابعون البث الإذاعي، رغم (الشوشرة)، وتداخل الاصوات والموجات، وعدم توفر التقنيات والبث الرقمي، ومع كل المعوقات يجد المستمع متعة في الاستماع ووفرة في المعلومات، يختار القسم العربي المذيعين من أجود الاصوات وأعذبها في تقديم البرامج، برنامج (لكل سؤال جواب) من البرنامج التي أصبح لها صدى وشهرة بين المستمعين،يعتمد القسم العربي في الإجابة على الأسئلة على مجموعة من الخبراء في مختلف الاختصاصات الذين لهم القدرة والقابلية على تزويد المستمعين بمعلومات دقيقة وموثوقة، وأهم ما يميز هذه البرامج أنها تتفاعل مع المستمعين الذين ينظرون أوقات عرض البرامج ومتابعتها، ووقد نجح هذا البرنامج واستمر لسنوات طويلة،لأنه اكتسب أسباب البقاء والاستمرار، بفعل التخطيط والمتابعة وإعادة بث البرامج، وعمل استبيان يشمل اسئلة متنوعة، تخص البرنامج، وعمل تحليل للمعلومات عن البرامج، ويبقى الاستماع إلى القسم العربي فيه متعة ونكهة، والحصول على المعلومات وبناء ثقافة شخصية، كانت تلك الأيام من أعمارنا ومن ثقافتنا واهتمامنا، وشتان بين الأمس واليوم.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - كاتب وصحفي

ضياء نافعبدعوة كريمة من معهد الترجمة في موسكو شاركت باعمال المؤتمر العالمي الخامس لمترجمي الادب، الذي انعقد من 6 الى 9 ايلول/ سبتمبر2018 في مكتبة الادب الاجنبي بموسكو، وقد ساهم في هذا المؤتمر مترجمون وباحثون في مجال الترجمة من (57) بلدا من بلدان العالم، وكان الوفد الروسي طبعا أكبر الوفود (عددا وعدة !)، اذ كان يضم (107) عضوا بين باحث ومترجم واداري، اما البلدان العربية التي شاركت في اعمال المؤتمر   فكانت ثلاثة بلدان فقط مع الاسف، وهي (حسب حروف الهجاء) كل من – سوريا والعراق ومصر، اذ لا تتابع بلداننا العربية - بحكوماتها ومنظماتها - حركة المؤتمرات الثقافية والفكرية في العالم ولا تعرف اهميتها وقيمتها .

انعقد المؤتمر تحت شعار – (الترجمة الادبية - وسيلة الدبلوماسية الثقافية)، وعلى الرغم من تسمية المؤتمر وشعاره، فان اعماله ترتبط طبعا باللغة الروسية وآدابها والترجمة عنها واليها بالاساس، وهذا أمر طبيعي جدا، اذ لا يمكن لاي مؤتمر ان يبحث شؤون الترجمة الادبية بشكل عام وفي كل اللغات، ولهذا، فقد اختتم المؤتمر اعماله باعلان الجوائز لاربعة مترجمين اجانب، الذين ترجموا الى لغاتهم القومية الادب الروسي في القرن التاسع عشر و الادب الروسي في القرن العشرين والادب الروسي المعاصر، واخيرا الشعر الروسي . لقد نادوا للصعود الى منصة المسرح اربعة مرشحين لكل جائزة، ثم تم الاعلان عن فائز واحد منهم للجائزة، اما الاخرون فقد استلموا شهادة تكريمية فقط، وقد سررت جدا، عندما نادوا على زميلنا المترجم المبدع عبد الله حبه ضمن مترجمي الادب الروسي في القرن العشرين باعتباره قد ترجم الى العربية رواية بولغاكوف الحرس الابيض (انظر مقالتنا بعنوان – رواية بولغاكوف الحرس الابيض بالعربية) . وعلى الرغم من عدم حصول المترجم الكبير عبد الله حبه على الجائزة تلك، الا ان وقوفه ضمن المرشحين الاربعة وحصوله على شهادة التكريم من لجنة التحكيم تعتبر بحد ذاتها عملا يثير الفخر و الاعتزاز لكل العراقيين والعرب جميعا، اذ انه كان قاب قوسين من نيل الجائزة .  

   تم افتتاح اعمال المؤتمر بجلسة عامة في القاعة الكبرى لمكتبة الادب الاجنبي، حيث تحدّث اربعة من اعضاء الوفد الروسي وواحدة من اعضاء الوفد الفرنسي، وتوقف المحاضرون الروس عند شعار المؤتمر (الترجمة الادبية باعتبارها وسيلة الدبلوماسية الثقافية)، وعند عام 2018 باعتباره عام وحدة الادب الروسي الكلاسيكي، وذلك لان روسيا في هذا العام بالذات تحتفل بذكرى الميلاد اليوبيلي لكل من تورغينيف وتولستوي وغوركي وماياكوفسكي وسولجينيتسن (انظر مقالتنا بعنوان – روسيا تحتفل بذكرى سولجينيتسن وغوركي وتورغينيف) حيث تحدث المحاضر قليلا عن كل واحد من هؤلاء الادباء الكبار واعتبر هذه الاحتفالات اعلانا لوحدة الادب الكلاسيكي الروسي بغض النظر عن موقع واهمية كل اسم من تلك الاسماء، و كذلك تحدثوا بعدئذ عن موقع ومكانة اللغة الروسية في عالم اليوم، واخيرا عن الاسماء والظواهر الجديدة في الادب الروسي بروسيا اليوم، اما المندوبة الفرنسية فقد تحدثت عن حركة ترجمة الادب الروسي في فرنسا وصولا الى ما يمكن ان نسميه – (المكتبة الفرنسية للادب الروسي)، وهو مصطلح بدأ يطرق اسماعنا في الفترة الاخيرة ويرتبط طبعا بحركة ترجمة الادب الروسي الى لغات العالم الرئيسية، ومن الطريف ان نشير هنا، الى ان عنوان كلمتها كان كما يأتي – (المترجم يجب ان يعرف كل شئ). ثم توزعت اعمال المؤتمر بعد جلسة الافتتاح تلك الى ثمانية أقسام، وكانت هناك طبعا قاعة خاصة لكل قسم، وذلك حسب طبيعة البحوث التي يقدمها كل مشارك، وهذا أمر طبيعي جدا في مؤتمر عالمي يشارك فيه (277) مندوبا . ان هذا التنوع في طبيعة البحوث قد حرمني طبعا من الاستماع الى العديد من تلك الكلمات، التي رغبت بالاستماع اليها عندما اطلعت على عناوين البحوث في دليل المؤتمر، فقد وضعت اشارة عند تلك البحوث، منها على سبيل المثال وليس الحصر، بحوث الزملاء العرب د. مكارم الغمري (من مصر) التي تحدثت عن دور الترجمة في بلورة الاجناس الادبية في المسرح العربي بمصر نموذجا، ود.محمد الجبالي (من مصر) الذي تحدث عن صعوبات الترجمة الادبية من اللغة الروسية الى العربية ومن العربية الى الروسية، و د. ثائر زين الدين (من سوريا) الذي تحدث عن وزارة الثقافة في سوريا وتجربتها بتنظيم ترجمات الادب الروسي باللغة العربية، وهو موضوع كبير يقف منذ زمن طويل امام كل مترجمي الادب الروسي في العالم العربي . هناك طبعا الكثير من البحوث الاخرى الطريفة والمهمة، وأشير الى بعضها ليس الا، اذ أثار اهتمامي البحث الموسوم – (بوشكين الفارسي – شاعر ام ناثر؟) لباحث ايراني، ويتناول صعوبات ترجمة شعر بوشكين الى الفارسية، او، (الترجمة الى نفس اللغة ولكن في بلدين اثنين) لباحثة فنلندية، وهي مشكلة تقف امام المترجمين العرب، او، (مشاكل ترجمة عناوين الكتب) لباحثة بريطانية، او، (فلسفة النص والتعبير عنها في الترجمة / الشعر الغزلي عند حافظ في الترجمة الى الروسية نموذجا) لباحث أذربيجاني، او، (ترجمة حكايات تولستوي لاطفال المكسيك) لباحثة مكسيكية، وغيرها من البحوث المهمة والمرتبطة بواقع الترجمة ومشاكلها . وباختصار، فقد كان هذا المؤتمر فرصة رائعة للاطلاع على قضايا الترجمة من الروسية الى اللغات الاخرى وبالعكس، وقد كانت الادارة وتنظيمها للمؤتمر ناجحة جدا، ودقيقة   جدا، وكم اتمنى ان نتعلم من ذلك التنظيم في مؤتمراتنا العربية .

 

أ. د. ضياء نافع

 

رشيدة الركيككل بداية لها نهاية، وكل نهاية تعلن بداية لشيء جديد مختلف. نتنفس لنعيش من حيث لا نشعر، وتستمر الحياة بعد كل تنهيدة تكدر الجو معلنة عصيانه.

قد ننظر أو ننتظر بلهفة العاشق المشتاق لقدر لعله يغير من الأحوال، مع أننا لا نملك سوى الاستسلام له لنترك أمواج الحياة تأخذنا إلى حيث تريد وينتهي بنا المطاف لشط الأمان ربما أحياء أو أموات...

تسوقنا أحداث الحياة ولا ندري من أين استمدت هذه القوة وهذا الحق الظالم لكل القدرات الإنسانية، لذلك قد لا نملك أمام جبروتها إلا التحسر والنقد والسخط على الظروف والقدر.

يعيش كل مجتمع وقد يتألم ويئن من جراء المرض، ومع اختلاف الأمراض الإجتماعية وتكاثرها، يكاد الفرد لا يجد بدا سوى البحث عن مواطن الألم وموعد نوبات الصرع المجتمعي ... ليتصدع الفرد ويبدو كمن فقد صوابه، ومع ذلك هو مطالب بالحفاظ على كل ما هو مجتمعي.

لم يعد يتألم المجتمع في صمت الخشوع كما كان فيما مضى، ولكن يبدو ذلك واضحا في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل من المواساة وربما يسمح بالتهكم الجماعي على الواقع بصور شتى.

استضعف الإنسان بعد اهتزاز المجتمع وإعلان انهزامه أمام صور متشائمة تستنزف أوكسجين الحياة.

قيل عن الأسرة أنها لم تعد شاطئ الأمان للأطفال لأنها تخلت عن وظائفها وانشغلت بالكماليات والمظاهر وربما أصبح مغلوبا على أمرها،ومع انشغال الإنسان بالهاتف قل التواصل الإجتماعي وحرمنا من قوة التماسك داخله ليصبح الإنسان عرضة للأمراض النفسية الإجماعية مع استنزاف الأوكسجين الأسري...

قيل عن شباب اليوم مستهترا ضائعا وفاقدا لكل عزيمة وحياة. شبان بلباس مستور مكشوف معلنين تمردهم عن كل القيم الاجتماعية السائدة ليخلقوا عالما مثيرا للجدل .

شابات قيل عنهن إما مترجلات يفتقدن للذوق الجمالي، أو مميعات تكشفن عن أنوثتهن بشكل مفضوح...

قيل عن كل مجالات الحياة ما يجعلنا ربما نهمس في دواخلنا أو في آذان بعضنا البعض لماذا الاستمرار؟ مما ينتج أمراضا اجتماعية أخرى دون أية محاولة للتشخيص و البحث عن العلاج.

وكأنها حياة فاقدة لكل جميل، قد ندعو أنفسنا للتصوف والإعتكاف بدعوى العبادة بدل العيش في حياة سنحاسب عليها وإن لم تعد تستهوينا...

وتسير عجلة الحياة بشكل مسرع لا نكاد نأخذ أنفاسنا ليضيع كل توازن ممكن مع الكثير من الزحمة لنعيش في نوع من التيه الإجتماعي.

كل فرد يبحث عن نفسه في الذات الجماعية بشكل تشاركي، ربما يجد شيئا ما بعدما تعب من البحث عن كينونته...

الإتجاه إلى الذات الجماعية بات مشروعا بعد تيهان الفرد عن نفسه و ربما كانت سببا له والنتيجة واحدة، أصبحنا نتحسس ما تعانيه الجماعة لا لشيء إلا لأنه لم يعد يستطيع تحسس مواطن آلامه الفردية في نوع من البحث عن الذات ...

والحقيقة أنه يعيش نوعا من التيه المجتمعي يتجسد في عدم القدرة على الفصل بين الذات الفردية والجماعية، هو تيه عن مقومات الذات الهادفة لخلق الإنسان.

وهكذا يبدو أننا انشغلنا بالكل (المجتمع) وأهملنا الجزء(الأفراد)، وكأنه مزجت الأجزاء في خلاط كهربائي لتضيع فردانيتها وتميزها وجمال تنوعها.

وإن كنا نؤمن أن الكل يتكون من الأجزاء، لكن هذا لا يلغي حضور الأجزاء وبروزها معلنة عن نفسها وتفردها واختلافها.

ومع أن لكل فرد قدرات وفي ذلك تكامل بين الأفراد وانسجام وتعاون، لكن في إلغاء التميز يضيع طعم الوجود ويضيع معه كل تذوق للجميل.

حقيقة يبهرنا الإحساس بالانتماء في المجتمع الإنساني ولكن يظل ذروة الجمال في التنوع باختلاف ألوانه، مثل باقة الورد كل وردة تمتع النظر باختلافها وتمس فينا أشياء معينة، لكن في النهاية عبرت عن مشموم رائع المنظر وفي تناسق الكثرة بالكثير من التميز كل واحدة بلونها الخاص ورائحتها تراعي اختلاف الأذواق ولعل من أسرار جمالها.

والأمر سيان داخل المجتمع، يسرنا أن نرى بروز الإختلاف والتمايز الفردي في مشموم جماعي.

لكن ما حصل حرمان، حين قذفت الأفراد بنفسها في ما هو جماعي،باعتباره المشترك رغبة منها أن تتقاسم الهموم والمشاكل لتخفف عن نفسها، لكن ما يفرض نفسه هزيمة الذوات الفردية وتحطم قدراتها، لينتهي الأمر بالإنسان في حالة من التيه المجتمعي كلما يفرض عليه أن يكون حيث يوجد المجموع.

وينتهي به آخر المطاف وسط الكل دون معرفة أين هو؟وأي طريق يسلك؟ ولماذا؟...بل الأكثر من ذلك لن يكلف نفسه عناء طرح السؤال حتى لا يحدث قلقا فكريا يدفعه لتكبل عناء فك الرموز بالكثير من التحليل والاستدلال...

هكذا سهل على الأفراد أن تتخذ المواقف الجماعية موقفا لها في نوع من الإنسياق خصوصا بعد نشاط مواقع التواصل الاجتماعي...

تنتشر الأحداث كالنار على الهشيم محدثة ضجة من الخطابات الشفوية المتغيرة لاعتمادها على أسلوب الحكي وبراعته في التأثير بدل الإقناع الذي يضمن الوصول للحقائق...

وتتجند الجماهير في هذا الاتجاه مستغلة قدراتها الإبداعية لا غير، معلنة الفهم والتعقل والحرص، والحقيقة أنه لن يخرج عن نطاق التيه المجتمعي وربما قد يصبح في مرحلة لاحقة التيه الوجودي في درجة كبرى من الخطورة...

هكذا تضيع الحقائق ونتمسك بما هو جاهز وكأنها أحكام مسبقة جماعية جاهزة مرسخة بفعل التكرار الجماعي، تسجن الذوات الفردية داخل إطار للتفكير مفروض بنوع من الإلزامية.

هو نوع من الإيحاء العقلي الجماعي ينير قدرات الإنسان لتركيب الصور والأحداث لتحدث قصصا مستدعية ما مضى في الذاكرة الجماعية وتبنى من خلالها مواقف جماعية ، كل من خالف يلقب بالعصيان الجماعي وبالتالي مشروعية الهجوم والقذف..

لكن خطورة هذا التيه تتجلى في انحباس العقول وقتل العبقرية فينا باعتبارها دائما خروج عن المألوف.

جميل أن تكون لنا ذاتا جماعية نتحسس من خلالها همومنا المشتركة، لكن الأجمل أن تحافظ على تفرد وتميز بعضنا البعض من شأنه أن يتكلم كل واحد عن توجهه حاملا بوصلته معبرا عن فكره دون ضغط الجماعة على الأفراد بفعل الدخول في دوامة التكرار...

ربما نصبح ببغاوات تردد ما قيل لها في كثير من المواقف الحياتية، لتنشط الذاكرة الفردية وتتماهى مع الذاكرة الجماعية، عوض تنشيط العقل وقتل قدراته على ممارسة التحليل من شأنه أن يطرح السِؤال:لماذا؟ كيف؟ هل؟

إنها مهارة السؤال ما يحدث القلق الفكري للخروج عن المألوف، بينما مهارة التكرار من يشحن الإنسان بالمواقف الجاهزة وبالتالي السلوكات النمطية التي تقتل في الذات العاقلة روح الإبداع وروعته كلما ارتبط الخيال بالفكر أعطى الكثير وحقق المعجزات، بينما ارتباط الخيال بالذاكرة يجعلنا نتوه معتقدين أنه نوع من الإنجاز...

إن خيال الذاكرة يعمل على افتعال الأحداث في تصوير جميل، وإثارة للانفعالات لن تنتج إلا شحنات عاطفية توقف كل نقاش فعال مبتكر للحلول ومعالج للأحداث بدل السخط عليها بالانتقادات اللاذعة

والتهكمات المستفزة تفتح الأبواب لظلم بعضنا للبعض.

عموما أمام كثرة الأمراض الاجتماعية وكثرة مخاوف الإنسان ، رمت الأفراد نفسها في أحضان الذات الجماعية لأن المواضيع والمشاكل والهموم مشتركة، راجية الشعور بالتقاسم وتخفيف الأعباء من خلال مواقع التواصل الاجتماعي لكن ما نخشاه أن نضيع الذوات الفردية وقدراتها الجبارة في حالة من التيه المجتمعي يلغي كل نظرة جميلة أو عطر للحياة، ويبقى السخط من يؤجج الأوضاع ويلقي نظرة تشاؤمية على الأحداث .

لكن ربما أمام سرعة انتشار المعلومات كان علينا أن نوقظ قدرات بعضنا البعض من أجل التحري والكشف والتحليل عوض السب والقذف باسم الجماعة...

هكذا تصبح الأفراد كالدمى الكراكيزية تتحكم باسم الجماعة وتتناسى الأجزاء التي يمكن تحريك قدراتها لتعمل بنوع من التحفيز على الرغبة في التغيير لاسيما أن التغيير يأتي من الداخل أي من الجزء(الفرد) إلى الكل (المجتمع)...

 

بقلم رشيدة الركيك

 

نايف عبوشلا شك أن الإبداع موهبة فطرية، ومن ثم فإن من حق المبدع أن يستولد نصه، بالاسلوبية التعبيرية التي يراها، عند لحظة الومضة، وبالتالي فإن من حقه أن يرفض الوصاية المتعسفة من المتلقي، على طريقة إبداعه لنصه، خاصة وأن اغلب المتلقين يريدون حشر المبدع في إطار فضاء ما ألفوه من تلقيات، بمضامين تقليدية، سافرة الفهم، ومباشرة التصور،الأمر الذي يحد من حجم، وحركة مساحة إبداعه، وبالتالي مراوحته في إطار مقبولية تلك التلقيات المعهودة ليس إلا.

ومع أن الإبداع موهبة فطرية، فإن المطلوب ان لا يبتعد المبدع في إنتاج نصوصه، عن نبض الواقع الذي يعيشه، وهموم المجتمع التي يحياها، بحجة مماشاة الحداثة، ليتعكز على أساليب تعبيرية جافة، ومشوشة،باستخدام رمزية تجريدية، وأسطرة فوقية، مبالغ فيها، بحيث يأتي نصه منعزلا عن إدراك المتلقي، بما يكتنفه من الغموض، وما يحيط به من الإبهام، وهو ما يضطر المتلقي للعزوف عن تقبل النص، ويدفعه للتشبث بتقاليد التلقي المألوفة، حيث يجد فيها نفسه، على أفضل حال من التفاعل .

ولذلك فإنه لاضير على الأديب في عملية إبداع نصه، من أن يجدد، ويتجرد في التصور، والتعبير،كلما أمكن ذلك، ولكن دون أن يتوغل بعيداً في متاهات التجريد الجاف، المؤدي إلى التعمية، والغموض، والإبهام، ومن دون أن ينحدر في نفس الوقت، إلى قاع المباشرة، والوضوح السافر، الذي يُفقِد النص جمالية الإبداع .

ومن هنا فإن المطلوب من الشعراء، والأدباء الذين يستهويهم بريق الحداثة، ويتهافتون على التجريد المتمادي في الرمزية، ان يعيروا اهتماماً أكبر لذائقة للمتلقي، خاصة وأنهم لايبدعون لأنفسهم فحسب، ولا لكائنات افتراضية صماء، تتقبل كل ما تتلقى.

 

نايف عبوش