 أقلام ثقافية

هل الثقافة الحقة في خطر الغرق؟

لست أشك، ولا حتى لبرهة، بأن الثقافة الرصينة “العالية”، إنما تمر الآن بمأزق “حياة أو موت”، بسبب ما تتعرض له من اختلاط مفهومي، ومن تجاوزات الإعلام وآليات النزعة التجارية، زد على ذلك الأخطر، وأقصد به قنوات التواصل الاجتماعي، أي تلك القنوات التي تأبطت فكرة التواصل والتحاور كي تفتح الأبواب على مصراعيها للابتذال وللمتدني والمنحرف، أحيانًا، من الثقافة الشائعة.

وإذا كان هناك ما يسر المرء من الطرائف أو من معطيات الثقافة الشائعة من آن لآخر، فإن هذا لا يمكن أن يغمر قنوات الاطلاع والتفاعل مع الثقافات الرفيعة، كما كنا نفعل يافعين، مجبرين أنفسنا، على قراءة الكتاب المطبوع والسطر المكتوب، حسب توجهات “عصر العصملّي” (أي العثماني كما يقال في بعض الدول العربية). وإذا ما كنا نعد قراءة عيون الكتب من الواجبات التي لا بد من إنجازها (أن نقرأ نصًّا لأفلاطون عن الوجود، وآخر لأرسطو عن “علم الأخلاق”، وثالثًا لألبير كامو عن “اللاجدوى”، من بين سواها من الأعمال الثقافية والأدبية العالية الشأن)، فإن الأجيال الصاعدة الآن وقبل بضع سنوات، لا يمكن لها أن تقسر الشاب على “التصارع” مع صفحة واحدة من كتاب فلسفي حقيقي: “فلمَ وجع الرأس؟!” كما يقول هؤلاء من الناشئة والمقبلين على العشرينات من سني أعمارهم.

أما إذا ما حاول المرء الإجابة على غياب “الجنس الجاد” من القراء والمتابعين والنقاد، ذلك الجنس الذي يتراجع وجوده بسرعة مذهلة، ربما نحو الانقراض في وقت قريب، بالادعاء بأن الصحافة والإعلام يكفيان لحد أدنى من تجهيز المعارف والثروة الثقافية؛ فإن هذا رأي مردود، لأن الإعلام إعلام، والثقافة الحقة، ثقافة، لا أخبار ولا أعمدة قصيرة. والحق، فإن هذه الظاهرة قد حاولت النيل مني واستدراجي “للتجاري” من الثقافة، بديلًا عن الرفيع منها: وذلك عندما أعلمني محرر صفحة ثقافية عربية قبل بضعة أيام بأنه إنما يرنو لـ”مقالات” طويلة للغاية، كي يملأ الصفحات المسؤول هو عن “تعبئتها”، فما هذا الجهل المركب الذي يخطئ الأعمال الثقافية بالأنباء والفلسفة بأخبار الراقصات وعارضات الأزياء.

وإذا لم أكن أقصد أن أتعرض لصاحبي هذا بالنقد أو التجريح، فإن علينا أن نتفق جميعًا على أن الآنية الإعلامية قد توسعت بشكل كبير للغاية، درجة تمكنها من إغراق الثقافة والمثقفين، بعد تخييرهم بين القبول بخيار التجارية، من ناحية، وبين البقاء وحيدين في معتكفاتهم وصومعاتهم، أي خارج تيار الحياة الحضارية المعاصرة، تفصلهم عنها وعن أهلها عشرات الجدران المرتفعة والفجوات الفكرية والذوقية والاجتماعية. للمرء أن يلاحظ ذلك، وهو يستذكر أنماط الثقافة الفكتورية في بريطانيا، تلك الثقافة التي تمكنت من فرض نفسها على الصحافة مذ بدايات الأخيرة في العصر الحديث. لقد أذعنت الصحافة لجبروت الفكر عندما سمحت لعمالقة من أمثال “جون رسكن” Ruskin وتشارلس ديكنز Dickens وجون ستيوارت ميل Mill، من بين آخرين، بنشر كتبهم العملاقة، على نحو متسلسل، على صفحات الجرائد، وذلك قبل أن تغمر التجارة الأذهان المتوقدة لتغرقها، الآن وإلى الأبد.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3826 المصادف: 2017-02-25 02:29:18