 أقلام ثقافية

ظلال على شواطيء المنفى.. جولة تفقدية روحية

لا أظنها ظلالاً وان كانت الرغبة كبيرة في توصيف هذا الحنين وشحنه بنوستالجيا إلى حد بعيد. لكنه الفقد هنا مختبئاً، تفصح عنه السطور، إبتداءاً من الإهداء الذي يوجهه هنا إلى أخٍ غائب يضفر وجهه بذكريات الطفولة ويعدّ سنوات العمر التي كان سيعيشها معه، سوية لو كان بانتظاره!

تجبرك الأجواء على مصالحة نفسك وإقصاء كل ماهو قاتم مخيم فوق الرؤوس، رغم ان المجموعة تدور حصراً حول العراق، مدنه والفترات العصيبة التي مرت به ولازالت حتى اللحظة، حيث المخبر والسلطة المهددة لأمن الفرد والسلابة وقطاع الطرق والمتصيدين في الظلمة والنسوة المتشحات بالسواد. قلة من الكتّاب من تجدهم أبقوا على الذاكرة سليمة لم تصب بأذى، ولكنها أيضا ذاكرة مسالمة، رحيمة بما تمر عليه، تمسّه أو تحييه. مثل نهر يتهادى مجراه بهدوء، يتعرج، ينعطف، ينحف ولكنه يواصل بوفاء، من دون نهايات حادة، بلا انفعالات ولا نتوءات نافرة. هكذا بدت لي نصوص " ظلال على شواطيء المنفى"، خزين حي يجمع بين أناة الشيخ واندفاع الشباب، عبر انتقاء الكلمة، الطرفة، التعابير العامية القديمة، المفارقات العراقية هنا وهناك.

الحس الساخر يرافقه منذ بدء رحلته الشاقة الأولى من المكان الأول، من الناصرية الى بغداد محصناً بتوصيات الأهل ودعمهم تحذيراتهم، وحيث يضطره الدرهم الأخير إلى إكمال المسيرة على الأقدام في تلك الظهيرة اللاهبة بعد أن أنهى اجراءات معاملة سفره لمغادرة العراق. لم يتمكن من شراء بطاقة باص ليكتشف فور وصوله المكان الذي يقيم فيه أن الدرهم انما كان عالقاً بملابسه من الداخل. هل سيتعين عليه أن يدور من محطة إلى أخرى وبلد إلى آخر ليؤكد لنفسه بعد مطافه أن الحب للمكان الأول، لناسه، لأبطال عالم الطفولة والشباب، لنظرات البنات والإشارات، إن كل ذلك باق كما هو، مخبّأ او عالقٌ في الثنايا مثل ذاك الدرهم الذي ظن انه قد أضاعه! يخال لنا ان من كل هذا انبثقت هذه المجموعة!

 

* "ظلال على شواطيء المنفى". طالب عبد الأمير. نصوص قصصية. دار أوروك ميديا- السويد. 2017 

                                             

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3832 المصادف: 2017-03-03 04:18:29