المثقف - أقلام ثقافية

مارش سلاف

نوميديا جروفيمؤلّفه: بيتر إليتش تشايكوفسكي.

أهمّ المميزات الفنيّة في القرن التاسع عشر أنّه قد اتّسم بالموسيقى القومية التي ظهرت في مختلف البلاد الأوربية، وبرزت مظاهرها في الدّول الكبيرة كافّة، وذلك بفضل التيارات القوميّة التي كانت تعصف بنفوس الأوربيين حينذاك، وتجتاح كلّ ميادين الحياة الاجتماعية، والتي استطاعت أن تتسرّب أيضا إلى الميدان الفنّي لتوجد موسيقى وطنية قومية، وقد ظهرتْ نزعة القوميّة واضحة في المدرسة الروسية حيث تألّقت جمعية من خمسة موسيقيين هم:

سيزاركوي، بلاكيريف، ورودين، موسورغسكي ورمسكي كورساكوف.

الذين أخذوا يضعون الألحان الموسيقية مستمدّين عناصرها من الأناشيد الوطنية القومية، وبذلك ظهرت المدرسة الروسية الحديثة واتّسمت بالطابع الروسي، بعد أن كانت خاضعة في موسيقاها للموسيقى الألمانية والإيطالية قبل ذلك.

أمّا تشايكوفسكي فلمْ يتأثّر بالطابع القومي السّائد آنئذ، على الرغم من أنّه كان معاصرا لفنّاني المدرسة القومية، لأنّ الموسيقى الأوربية ما برحتْ قويّة الجذور في النّفوس فلمْ يكنْ تشايكوفسكي رجل ثورة فنيّة، ولم ينتسبْ لتلك المدرسة الحديثة التي تُعتبر في نظره ثورية، وإنّما يُعتبر على الرّغم من ذلك علَمًا من كبار أعلام الموسيقى في العالم أجمع، وقد قال أحد النّقاد: إنّه ليس فنّانا روسيا وإنّما هو روسي فنّان.

و هو يعني بذلك أنّ موسيقاه لا تتّسم بالطّابع الروسي لأنّها موسيقى لا يحدّها زمان ولا مكان.

ولد في مدينة وتكنسك في 07 ماي 1840، وبدتْ مواهبه الموسيقية منذ طفولته، فانصرف إلى تنميتها بالدراسة وتغذيتها بالمران.

نال شهادة الباكالوريا، ودرس الحقوق وعُيّن في وزارة العدل، ولكنْ غلب عليه فنّه وعشقه للموسيقى فاستقال من الوظيفة وانتسب إلى معهد سان بطرسبرغ الموسيقي، وقضى فيه مدّة أربع سنوات وتخرّج منه بزادٍ وافرٍ من المعلومات الفنيّة.

اتّجه إلى تألف الموسيقى وتفرّغ لها، وأخذت عبقريّته ونبوغه يتجلّيان، فاشتهر في سائر أنحاء روسيا، ثمّ عُيّن مُدرّسا في المعهد الموسيقي، وتركه ليقوم بجولات فنيّة في أنحاء أوربا، فنال درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة لمبردج في إنكلترا تقديرا لنبوغه وفنّه، ثمّ عاد إلى مدينة سان بطرسبرغ حيث تُرفيّ فيها في 06 نوفمبر 1893.

و قد ألّف تشايكوفسكي الكثير من الألحان الغنائية والمقطوعات الموسيقية منها مارش سلاف، وتمتاز موسيقاه بقوّة التعابير العاطفية، وروعة النظام الآلي (التوزيع) للمقطوعات الموسيقية.

مارش سلاف:

يبدأ المارش بدقّات مكتومة من الطّبول ووقع أقدام ثقيلة تتبعها الآلات النحاسية والوترية بالنغمة الرئيسية للمارش، ويُقال أنّها نغمة سلافية شعبية قديمة، وهي تُصوّر في وضوح كما لا تستطيع نغمة أخرى شعب مضطهد يائس لا يستطيع أن يرفع رأسه، وتتناول هذه النّغمة أصوات الأوركسترا المختلفة فتستحيل إلى استغاثة صارخة، ورجاء يائس، فإذا انتهت هذه النّغمة سمعنا نغمة أخرى توحي بالاستعدادات القائمة للحرب، وتعود بعدها النّغمة اليائسة المتوسّلة، ولكنّها في هذه المدّة مُلحّة شديدة الإلحاح إذ تعزفها الأوركسترا كلّها فتستجيب لها نغمة أخرى في خطوات سريعة تُمثّل الكتائب الروسية وهي تُسارع إلى الصربيين، وهي نجدة مرحلة فيها الكثير من الحماسة، وكلّما تقدّم اللّحن تصوّر المستمع جماعات يتلو بعضها بعضا في حال عسكرية زاهية وفي روح معنوية، وكانت الجموع تُحيّيها، وتسود هذه الجيوش وعظمة الدّولة   وقوّتها وشدّة بأسها، فهي أبعد ما تكون عن النّغمة اليائسة الأولى التي تُصوّر الشّعب الصربي مُستنجدا مستغيثا.

و ينتهي المارش بنغمة سريعة متلاحقة يصحبها السّلام الوطني، وكأنّه نبوءة النّصر.

 

نوميديا جرّوفي، شاعرة، كاتبة، باحثة وناقدة (عراق)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4356 المصادف: 2018-08-09 13:28:12