 أقلام ثقافية

الحزن مجاديف الوعي

ماذا لو تماسكنا لحظة فقد عزيز واعتبرنا أنّ الفقد حالة طبيعية كباقي حالات الحياة العابرة والتي نتأقلم بمرور الوقت معها، وبدل أن تتلبسنا حالة مضنيّة من الحزن ساحبة أرواحنا نحو متاهات من الألم حولنا تلك الطّاقة المهدرة إلى نافذة نطلّ منها على ذواتنا المكسورة بعين الرّحمة.

أن نحاول فهم حالة عصيّة على الشّرح للمحيطين بنا وأن نتقبل الفقدان كنهاية قاسية لا يعني أن نتجاوز الحزن كردّ فعل طبيعي ضد حالة عنيفة من الأسى لكن أن نتعلم فلسفة جديدة في الحزن وأن نستدعي لذلك أدوات غير تقليدية كنوع من محاربة رتابة التّوحّد في الألم، مالذي كنّا سنجنيه فكريًا وروحياً لو نبكي دون مساءلة أنفسنا وإعادة ترتيب دواخلنا أو أنْ نختار العزلة دون أن نمنحنا للحظات صافية من التّأمل أو أن نذوب كشمعة بسبب الألم المهدور دون أن ندرك غاياته بوعيّ، ماذا لو قررنا أن نتخلص من هذه العادات السّلبية واستبدلناها بعادات أقل قسوة تدفعنا لتعرف علينا من جديد كأن نرقص بدل البكاء مثلما فعل زوربا حين مات إبنه في لحظة مفعمة بالدهشة تتزاوج فيها انكسارات الروح مع انحناءات الجسد، أو اقبلنا على ذاكرتنا نتصفّحها بينهمٍ شديد كما يفعل عاشق الكتب مع كتبه ومع كل تصفّح لها نتصالح مع ما كنّاه وبدل أن نهر ب من تلك التّفاصيل التي صنعت يومًا سعادتنا تعايشنا معها، ماذا لو دخلنا في نوبة ضحك هسترية كمضاد للبشاعة، ومقاومة سليمة لعدوّ تستهويه الأنّفس الضّعيفة

يتشّبه الفقد بحالة مؤلمة من الإنسلاخ إذ نغادر ذاتًا كانت تسكننا كنا نضّبط مواعيد الحياة على إيقاع حركاتها وأنفاسها ثم دون سابق إنذار تخلف عالمنا فارغا منها، هذه اللّحظة المفصلية تدّفعنا للوقوع في حالة موجعة من الفراغ كموت بطيء تستسلم فيه أرواحنا لألم مجهول غير مفهوم، صحيح أنّ حالة الحزن هي حالة معقدة كتفاعل كيميائي صعبٌ على التّفكيك تتداخل فيه مشاعر غريبة ومتناقضة، وصحيح أن اللّحظات الأولى التي نتلقى فيها نبأ فقدان أحد أحبتنا تشبه الذّبح الذي يجعل الشّاه تتخبط دون أن تتمكن من تخليص نفسها أو كمن يحاول المشي حافياً على طريق كله أشواك دون أن يتمكن من تجفيف دمّه لكن العقل المدّرك يعي أنّ لا مجال للهرب نحو حلول تُطيل أمد الوجع دون الإستفادة من تلك اللّحظات بالغة الألم، يبدو الأمر شيزوفرنياً لكن يمكننا أن نرى الأمور من زاوية أخرى تجعلها أكثر بساطة رغم عمقها فمادمنا مجبرين على المشي في طريق محفوفة بالوجع لم لا نكون نداً لأحزاننا وجنوداً شجعاناً في معركتنا ضد النّسيان كأن نقبل على هذا التّغير الطّارئ في حياتنا كما يقبل العابد على إلهه، ثمة تكمن اللّذّة، لذّة الوعيّ بالذات والأشياء.

دموع الوعيّ أو ردّات فعل

لم تكن تجارب البشر نحو نسيان آلامهم وأوجاعهم إلّا رحلة مجهدة وفارقة في مسيراتهم الحياتية لكنها ضرورة للاستمرار بالوهج ذاته أو ربّما أكثر،في هذه الرّحلة يصبح الحزن على من خسرناهم مهما كان شكل الخسارة أو أي نوع أخر من الألم الروحي هو ملح الحياة، ولأن الدّموع شكل من أشكال التّعبير عن الإنكسار الذي تعيشه النفس المتألمة فأول ما تلجأ إليه لتنفيس عن وجعها هو البكاء كحالة بافلوفية عادية وأمام هذا ا المنعكس الشّرطي علينا أن نتساءل إن كنّنا نعي

أي حاجة توفرها لنا الدموع فثمّة دموع تمنح النفس راحة وأخرى تمنح النفس معرفة بأغوارها فيتحول البكاء من عملية تنفيس إلى

لحظة ينطلق فيها العقل بالتفكير العميق متجاوزا مسكنات البكاء الاولى، في هده اللّحظة سنتعلم أن تعامل مع البكاء على أنه خلاصنا النفسي صلاة تطهرنا من الأعماق وتسديد للذنوب الروح، فالدموع هي المطر الذي يغسل ذواتنا المتعبة بالخدلان والخيبات والخيانات والانكسارات وقلة الحيلة ... ومع كل عملية تنظيف لجراحنا تنار ظلمة قلوبنا على راي جبران خليل جبران.

نحن نبكي في لحظات مماثلة لأننا ندرك ما يبكينا ولكن قد تواصل أرواحنا البكاء دون سبب واضح، وقد نشك للحظة أننا متعبين فقط وأن كل ما يحيط بنا يتألم لسبب واحد ولأن الدموع هذه الحالة المتعلقة بمزاج القلب والتي لازال الإنسان ضعيف أمام قوتها، هي انعكاس خفي ينبعث من أعماقنا كلما بكينا أصبحنا أكثر حقيقة وأكثر شفافية ومعرفة بمواضع جراحنا لأ ن الإنسان يمكن أن يخفي حزنه حين يبتسم وهذه حالة مضللّة لكنه لا يمكن أن يكون سعيداً وهو يبكي حزناً حتى لو ادعى ذلك، في تلك اللحظة التي تبدأ أمطار قلوبنا بالهطول دون سبب مفهوم يبدأ تشكيل الوعي والإقتراب من النّفس دون حجاب لحظة الوعيّ هذه هي لحظة المعرفة المقدسة التي تمكننا من فهم ما يحدث داخلنا على حقيقته لهذا أجدني أميل لإميل سيوران حين أعتبر أنّ البكاء دون سبب واضح هو لحظة فهم كل شيء هذه اللحظة المقدسة من معرفة الذات تدفّعنا

أن نتعرف على الحياة بمنظور آخر ونقترب للإنسان ولأنفسنا بشكل أفضل ذاك أن المعاناة والألم ليستا في الحقيقة الّا طريقنا نحو معرفة الحياة وطريقنا نحو النّضج

حسب نيتشه إذ أنه ينفي نضْجاً دون ألم ومعاناة بل أنّه يعتقد أنّ سعادتنا تجاور ألما.

تقبل المحنة والتصالح مع فكرة أن نحب ألمنا مهما اختلفت أسبابه هو عمق الوعي بالذات، فالذات الواعية تفهم أن الأشياء تعرف بنقيضها بل أن متعتها مرتبطة ارتباطاً قوياً بنقيضها هذه المتلازمة بين الألم والمتعة هي من تجعلنا ننظر لأنفسنا بعين الرضى ذلك أن لا متعة في الحياة دون ألم على راي نيتشه ومن أراد كمية من المتعة عليه أن يتقبل أيضا كمية من الألم تقبلنا للألم يعني أن نقبل على الحياة وأسرارها.

الحزن ولادة قيصرية..

في رحلة الإنتصار على الحزن نحن نأمل أن نخلق من جديد متخلصين من أعباء آلام الماضي

نحن إذن أمام عملية قتل ذاتٍ منهزمة لنخلق أخرى منتصرة تقبل على الحياة بمفاهيم جديدة واعية ولأنّ الحياة ترتكز على مبدأ الاضمحلال فنحن بكلّ ما نعيشه لا نشذّ عن هذه القاعدة يبدأ ألمنا كبيراً ثم يتناقص ونحن نشيعه لمثواه الأخير نكون قد ولدنا من جديد وسندفع ورءانا تلك الأوجاع كذكرى بعيدة والتي لم تكن في الحقيقة إلّا آلام مخاض لولادة جديدة.

 

سماعلي كريمة الجزائر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4362 المصادف: 2018-08-15 02:13:41