 أقلام ثقافية

قراءة في رواية المسرات والأوجاع لفؤاد التكرلي

 انور الموسوي(أمسك بها تحت شجرة نارنج وارفة الأغصان، فاحتضنها بقوة وقبلها قبلة لا تنتهي. كان مشوقاً إليها بجنون شبابه وحرارته. ضمته هي الأخرى إليها وضغطت جسده بجسدها.. المسرات والأوجاع). 

هذه الرواية تتسم بالحدث الابرز في سردياتها وهو حدث الجنس، فبطل الرواية توفيق هو رجل جنس بإمتياز،كأن الكاتب أراد أن يسقط حدثين في آن واحد علىٰ معطيات روايته، إذ نجح الكاتب نوعاً ما في اعطاء صورة معينة عن حقبة الستينات والسبعينات وبعض الثمانينات، بما كانت تتسم به العائلة العراقية بشكلها الخاص، وهنا كان الكاتب بعيداً كل البعد عن الإشارة في احداثه عن العوائل المحافظة جداً او التي تتسم ببعدٍ ديني، هو أشار الى ظروف العوائل التي يراها الكاتب هو، ومن وجهة نظره هو، لذلك ليس هناك تعميم كامل ومنطقي بما اراد ان يصل به الكاتب من ظروف تلك العوائل والاختلاط الجنسي، والسكر، القمار، وغيرها، ويبقى الأمر هذا منقوص لا يشمل التعميم على الجميع، والحدث الثاني الذي اضافه إلى النص، هي شخصية توفيق، لم يرسمها الكاتب كشخصية مرتبكة، مطلقاً لم يكن توفيق شخصية مرتبكة، ولم تكن شخصيته بالية او ساخرة او مبتذلة، بل كانت شخصية بطل روايته شخصية طبيعية عاقلة متحركة بهدوء في ثنايا الحدث الروائي، لكن البناء السردي ركز بصورة فضيعة على الهوس والانفعال الجنسي لدى توفيق، فضلاً عن العلاقات المتكررة  مع زوجته السابقة او مع النساء او مع النساء المتزوجات! مما يزيد الامر دهشة حجم التبادل والرغبة بين الطرفين (البطل، ونسائه في اغلب الاحيان). لم يعطي الكاتب اي دلالة وان كانت رمزية علىٰ الشعور بالخطأ من قبل بطل روايته، بل تركه يتعامل مع الجنس في مختلف الظروف والأحوال والأوضاع على انه أمر طبيعي، يجري بهذه السهولة، وتحت اي ظرف وبلا اي مسوغٍ مجرد حصول الفرصة والتقارب، ذلكَ امرٌ كفيل بصياغة مسلسل كامل من مغامرات توفيق مع اي واحدة من اللاوتي يعاشرهن، ولم يترك الكاتب اي تفصيلة جنسية ووضع لم يشر اليه، في هذه النقطة يتسم الكاتب بجراءة عظيمة، ويمنح القارئ لذة ما بعدها لذة، لدرجة أن ظروف الحدث الجنسي تتملك القارئ وتسيطر على أجزاءه السفلى وتهيجها، لكن في قبالة حلاوة ما يرسمه من مشاهد جنسية جميلة ورائعة، ترك الكاتب شخصية توفيق كأنها معتلة بالجنس، أكثر مما هي ممارسة له، لم يركز كثيراً علىٰ الطابع المنطقي في شخصية البطل، بل صمم بطلاً لا مبالٍ وغير مفكر بعمق، ولا يحمل مسؤولية المنطق او المستقبل بصورةٍ فعالة، ولا اعلم كيف وفق الكاتب بين هذه الصورة وبين شخصية توفيق القارئ المحامي، المفكر، الكاتب، الرزن في التعاملات الخارجية، إذ غيب الكاتب صفاتٍ كانت مهمة في صناعة حدثٍ ما لتوفيق، واشكُ انه غيبها عن قصدية للتركيز على التفوق الجنسي بالرواية وجعلها الصفة الأهم في الأحداث لشخصية البطل، على الرغم من أن الظروف التي حصلت خلال جيل البطل ك،هي ظروف قابلة لأن يدخل الكاتب ببطله فيها ليس كإنسان بسيط بهذه الدرجة، وضعيف، ومستسلم، لايملك وسائل الحلول الحذرية وتركه هامشياً إلا من الجنس.

العظيم في هذه الرواية أنك تعيش كل احدثها لحظة بلحظة ولا ابالغ من القول أنك تشعر بكل موقفٍ وحدثٍ يحصل، بل هناك امرٌ غريب في هذا العمل أنك بعد ان تهضم نصف الاحداث في هذه الرواية تشعر كأنك احد ابطالها، وتتهيأ لك ظروف مماثلة تجعلك ترى أن الامور تجري معك كما جرت مع توفيق وليس الأمر مطلق بكل الأحوال.

الرواية تدخلك في جيلٍ يبدأ وتبدأ معه انت ليس كقارئ فقط، بل كأحد افراد هذا الجيل إذ تتفاعل مع تلك الأحداث وتتخيلها، وتذهب لتلك المكانات البغدادية التي يذكرها لك صاحب الرواية،يعطيك انطباع ايضاً عن المعاناة آلتي يدخلها بطل الرواية، وفترات العجز والاحباط، والألم وكل الظروف المحاذية للبطل، فتتصور حجم الوحدة، وحجم المأسات ، واهمية الفرق بين التسكع والتفرد بحرية بفضاءٍ واسع خالٍ من العائلة، والفرق بين العائلة والاندماج فيها، واهميتها وكيف تصاغ الأمور بالشكلين، بعائلة او بحياة متحررة من اي قيود.

من وجهة نظري اهم محورين يتوقف عليهن الحدث في هذه الرواية هي زوجته كميلية وصديقته فتحية،والمآلات آلتي آلت اليها الأمور لهاتين الشخصيتين، اما الاخريات فاعتبر الأمور فيهن تكميلية لا تتوقف عليهن نتائج بقدر ما توقفت على تلك الشخصيتين، هذه الرواية تجعلك تحب النساء بصورةٍ مفرطة، لدرجة ان الكاتب أبدع في وصف الجنس مع الأنثى حتى في حالة تعرق جسدها، فيالها من فوضى عارمة ادخلنا فيها فؤاد التكرلي لم نستطع أن نواجه احداثها بصمتٍ ولا باعتدال!.

بكل تأكيد فهناك احداث جمة يتحدث عنها الكاتب من خلال سردها ومناقشتها في كتابه، فالرواية من الحجم الكبير تقع بحدود ٤٦٠ صفحة، تناول بها الكاتب قضايا متعددة وكثيرة، كلها كانت جميلة وممتعة، لكن الحدث الابرز فيها هو الشخصية الشهوانية لدى بطله والرسم المتقابل للشخصيات الانثوية الممثالة في الرغبة لشخصية توفيق، هذا مدار الحدث السردي في رواية التكرلي هذه، اما عمق المضامين فتجسد في بعض من امانة توفيق وبعض من حكمته البسيطة، وقليل جداً من التفكير العميق او الميكيافيلي لدى البطل، لو كان بيد التكرلي ان يربط حقبة عبد السلام عارف وعبد الرحمن وحقبة البعث، وحرب إيران والمدافع والغارات وصفارات الإنذار بالجنس لفعل ذلك بلا تردد، لكن ليس كل شيءٍ ممكن في يد الكاتب لذلك فلتت منه هذه الخاصية وإلا فهو لا يبالي في جعل كل تلكَ الأحداث تحت نهدي إحداهن! 

في الختام الرواية ممتعة جداً وشهية لدرجة اللذة، وتحمل انفتاحاً كبيراً في مضامينها، واملاً في الحياة يمنح الإنسان القدرة على المضي، رغم المرارة او الظروف القاهرة،وتعطي دراما من نوع خاص لطبيعة رجل في مجتمع مختلط ذو سمات متحضرة ومتحررة.

 

انور الموسوي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4456 المصادف: 2018-11-17 02:52:49