 أقلام ثقافية

ممارسة الطقس الانثوي

اقتبست هذه الجملة من إحدى كاتبات مجموعة "أنا الحكاية"، أعجبني هذا التعبير جداً، ورأيته يعبر عن صفة غابت عنا من زمن ليس بالقصير، ولكن هل يمكن أن تعود بعد هذا الغياب؟

عن أنوثة المرأة أتحدث، وأعني بها الجمال الداخلي، والخارجي، الرقة، والضعف، والقوة، الجاذبية، والحياء، وكل صفة فطرية وُلدت مع المرأة، وأُصر على أن الصفات الانثوية فطر الله كل امرأة عليها مُتحدية كل الإدعاءات بأن المرأة ليست لها طبيعة خاصة، للوصول إلى نتيجة المساواة بينها وبين الرجل. أنا أرى أن المرأة بالفعل مخلوق رقيق لكنه غير ضعيف، يتميز بالعاطفة واللين وهذا لأنها السكن والرحمة، لكن مع احتفاظها بصفتي الحزم والشدة، فالأم قد تكون في الغالب الأقرب للأبناء، لكن هذا لا يسلبها التفكير المنطقي العقلاني.

ورغم كل المحاولات والجهود من الجمعيات الحقوقية النسائية لإقرار حقوق المرأة، والمطالبة بالمساواة المطلقة بينها وبين الرجل، إلا أن المرأة لم تحصل على حقوقها. فهناك مساواة أقرها الله تعالى بين البشر رجالاً ونساء، لكنها مساواة تكاملية كل منهما يكمل الأخر، ويستمد وجوده من وجود الأخر. وما أراه تحقق هو التشبع بالأحاديث عن المرأة، وحقوق المرأة، إلى الحد الذي صار فيه هذا الحديث مملاً، ومع ذلك لم تنل المرأة أياً من هذه الحقوق فعلياً، بل فقدت الكثير من حقوقها، وتقديرها لنفسها، وتقدير الآخرين لها.

لقد فقدت المرأة صفتها كامرأة، وأصبحت كائن يتحرك ليل نهار ليبحث عن طريق لتحقيق ذاته، والنضال في قضية محسومة من قديم الأزل، تحاول التخلص من آثار الماضي لأن هناك من بث في عقلها أفكار تتمحور حول التخلص من كل ما يميزها، بحجة أن هذا ضعف، أو أنها تفنى لتحيا الأسرة. وكان التركيز على هدم مفهوم ومعنى الأسرة من أهم الافكار التي انهزمت بداخل كل من المرأة والرجل، فانشغلت المرأة في البحث عن ذاتها، ولم يستطع الرجل القيام بدورها، بل ألقى عليها مزيد من الاعباء، كضريبة تتحملها للحصول على المساواة التي تنادي بها، وفي النهاية يدفع الأبناء فاتورة هذا النضال.

تنادي آراء عديدة بأن نتقدم، ونواكب التطورات والتغيرات العالمية المتلاحقة، حتى لا نتسم بالتخلف، لكني أطالب بوقفة لبرهة قليلة، ونعود بضع خطوات إلى الخلف، لنلقى الضوء على وقت كانت تختفي فيه المرأة وراء نقاب ثقافي، وجدار عالي من التقاليد يفصلها عن المجتمع. لكن كان لها دور اساسي سواء على مستوى منزلها الصغير، أو على مستوى المجتمع الأكبر والدولة، كان لها كيانها واحترامها، وفكرها، وقيمها التي تبثها في أطفالها. كانت المرأة تتمتع بكل ما تفتقده حالياً، وبكل ما تحاول الحصول عليه من مكاسب، كانت تتمتع بالقوة والنفوذ، والأنوثة والاحترام والتقدير من الجميع. بل كانت تتمتع بحقوقها كاملة عند الزواج، فعلى سبيل المثال كانت المرأة تضع شروط لكل ما تريده في وثيقة الزواج، عكس ما يحدث حالياً فرغم أن خانة الشروط متوفرة في قسيمة الزواج، لكن إذا فكرت الفتاة في أن تضع ولو شرط صغير، يكون هذا بداية لفسخ العقد قبل أن يُكتب.

وبداخل منزلها، رغم أن القرار يبدو للرجل منفرداً، إلا أن المرأة كانت عامل أساسي، ومؤثر في أي قرار. ورغم أنها كانت تتوارى داخل المنزل، لكنها كانت تنال من التعليم والثقافة ما يكفي لأن تُثقف، وتُربي جيل كامل، سليم نفسياً، واجتماعياً، وتربوياً، عكس الآن مع وجود كل وسائل الاتصال، وأنواع متعددة من التعليم، إلا أن هناك انعدام للثقافة، وانحدار لمستوى التعليم.

عندما كانت تدخل المرأة أي مكان كان يقف لها الرجال تقديراً واحتراماً، فكانت تمارس انوثتها وكونها امرأة في رُقي، وقوة، وكان يمارس الرجل أيضاً ما نفتقده فيه الآن من صفات نخوة، ورجولة. وأقول "رجولة" بكل ما تحمله هذه الصفة من معاني من قوة، وشهامة، وحماية، وإحساس بالمسئولية، ولا أقول "ذكورة" أي الصفة البيولوجية التي تميز الذكر عن الانثى، وللأسف لم يتبق من أغلب الرجال الآن إلا هذه الصفة البيولوجية.

قد يظن البعض أنني أطالب بأن نعود للعصور القديمة، والتواري خلف النقاب، والمشربية، وأن تعود المرأة من حيث بدأت، أنني أطالب بأن نخلع النقاب من على عقولنا، وأن تتحلى المرأة بالثقة الكاملة لتعود لطبيعتها، التي تستمد منها قوتها، وتكتسب بها حقوقها فعلياً، وتناهض أي أفكار تنفي عنها صفة فطرية تميزها لا توصمها.

وأطرح هنا تساؤل...

لماذا فقدنا بوصلة الحقوق والحرية في ظل كل ما نعيش فيه من تحرر، وتطور، وانفتاح على العوالم الاخرى، بينما كنت نمتلك هذه الحقوق في ظل عصور الانغلاق على الذات؟

 

د. سوسن الشريف

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4538 المصادف: 2019-02-07 02:31:23