 أقلام ثقافية

جذور الحداثة في الشعر العربي

معراج احمد الندويالحداثة: حركة أدبية تتحرك مع الحياة في تغيرها الدائم. استمدت هذه الحركة مضمونها الفكري والثورة على الماضي والحاضر في كل شيئ والقضاء على كل قديم والتمرد على الأخلاق والقيم والمعتقدات من الوجودية وكذلك أخذت الغموض والابهام من الرمزية. وفي الحداثة الشعرية تعبير عن روح العصر بأبعاده وأحداثه وقضاياه تعبيرا حضاريا مما يعكس تغلغل الشاعر في عصره وارتباطه بالحياة من حوله ارتباطا عضويا وجوهريا. دخلت الحداثة في الشعر العربي بعد الحرب العالمية الثانية عندما نشأت الدعوة إلى تطوير أوزان الشعر وقوافيه بما عرف بحركة الشعر الحر. ثم ظهرت حركة جديدة تدعو إلى فلسفة الشعر العربي ليجد له مكانا في صورة الشعر العلمية المتطور.

الشعر عند العرب فن قديم يعرفونه حق المعرفة. وكانوا ينظمون الشعر منذ عصر يرجع إلى ما قبل الإسلام بفترة طويلة. وتعرف هذه الفترة في تاريخ الأدب العربي بالعصر الجاهلي. وهؤلاء كانوا يقرضون الشعر بسليقتهم وطبيعتهم. وهكذا كان الحال عند الشعراء العرب عبر عصور الأدب العربي لا يتطور الشعر العربي آنذاك مثل تطوره في عصر النهضة.

السمات البارزة لحركة الحداثة:

- الغموض: اتخذ الحداثيون العرب الغموض والابهام شعارهم في انتاجاتهم الأدبية. وقد أطلق دعاة الحداثة مقولتهم شهيرة: "ينبغي أن يكون للنص الأدبي من المعاني بعدد قرائه" وتوجد هناك احتمالات عديدة لمعان كثيرة للنص الواحد. وقال الآخر "الشعر الذي يفهم ليس بشعر" إن سبب الغموض في كتابات الحداثيين هو سقوط الغرض وعدم التزامهم بمعاني الكلمات الموضوعة لها في المعاجم، واهمال عناصر الربط في الجملة والخروج على قواعد النحو والتركيب اللغوية. ولم يكتف الحداثيون على ارتياد هذه الطرق الملتية توصلا إلى الغموض بل ذهب أدونيس إلى استخدام الأرقام والمثلثاث والمربعات والأشكال الهندسة المختلفة في قصائده. وتوسع أصحابه في هذا الاستخدام في كثير من بلدان العرب.

- نبذ التراث: بدأ الحداثيون انتهاك حرمة التراث بوصف اللغة العربية الفصحى بأوصاف تنم عن كرههم لها. فوصفوها تارة بلغة متعجرفة وتارة بلغة دينية ثم ثاروا ثورة على قواعد اللغة العربية، فنادوا بتحطيم دلالات الكلمات وتغيير قواعد اللغة. ولم يكتف الحداثيون بالهجوم على قواعد اللغة العربية باسم الحرية في الإبداع بل بدأوا يهاجمون المعتقدات الإسلامية والرموز الدينية بكل وضوح وصراحة. وخلاصة القول أن الحداثة في الشعر العربي الحديث أعلنت الثورة على الدين والتاريخ وعلى الماضي والتراث وعلى اللغة والأخلاق. 

- حرية التفكير في البحث والتعبير: اتفق روادها بأنه لاحداثة بدون حرية وحددوا طبيعة تلك الحرية التي جعلوها شرطا للتنوير والحداثة بأنها "حرية العقل والتفكيرمن سلطة المقدس ورجال الكهنوت والكنيسة وأصنام العقل. فهي ترفض القديم والعقائد والشرائع، وما يصدرعنها من قيم وأخلاق وتسعى إلى إنشاء فلسفات جديدة بدلا عنها، وقوانين وضعية وقيم وتعاليم بشرية تقوم على أنقاض القديم.

الموضوعات الهامة في الحداثة الشعرية:‏

إذا كانت الحداثة العربية تعني الارتباط بالبيئة من جهة والارتباط بالحداثة في العالم من جهة‏ أخرى. فإن موضوعاتها المدن والحب والزمن والموت. وهذه الموضوعات التي تميزت بها حركة الحداثة العربية من الحركات الأخرى.‏

1- المدينة:‏ إن العلاقات بين الشاعروالمدينة قديمة جدا. ذهب فيها الشعراء مذاهب شتى في المقابلة بين البداوة والحضارة. احتلت المدينة في الشعر العربي المعاصر مكانة بارزة التي ترتبط فيه بين الإنسان والمدينة، أما الأسباب الثقافية فقد بدأت مع بدايات الحركة الرومانسية التي اهتمت بوصف الطبيعة وكان شعراء هذه المدرسة يؤمنون بالوحي والإلهام والألم والعذاب.‏ وغدت العلاقة بين الشاعروالمدينة. إن معظم شعراء الحداثة من أصل ريفي فاصطدموا بالمدينة وصدمت أمانيهم فوصفوا المدينة وبالغوا في إبراز عيوبها، ولو اختلفت آرائهم باختلاف تجاربهم وثقافتهم.

2- الحب:‏ حاول الشعراء في معظم موضوعاتهم الخروج من الجزئي إلى النسبي المتغير إلى الكلي المطلق الثابت ليهربوا من عالم الفناء إلى عالم البقاء. فخلفوا مدناً مثالية لا جوع فيها ولا ظلم، وأوهموا أنفسهم بأن الإنسان لا ينتهي بالموت. وإن الصراع الذي يعيش فيه الحالمون بين المثال والواقع، جعلهم يرسمون العالم الذي يصبون إليه أسطورياً، لا يعرف التغير، ولا يطاله الزمان، فكان الثور المجنح وإرم ذات العماد وغيرهم. ثم خلق الخيال الشعبي تجاوزاً بين الإنسان وحوريات البحر اللواتي يحتفظن بجمالهن، وزواجاً بين إنسان وامرأة من نساء الجن، وهذا مستحيل للخروج من عالم التحول إلى عالم الثبات.‏ وتعد الحركة الرومانسية في القضايا التي تتناول موضوعات المرأة والحب. انتقلت من عالمها المادي إلى المثالي ومن الجزئي إلى الكلي، ومن النسبي إلى المطلق ومن التحول إلى الثبات.

3- الزمن:‏ شغل موضوع الزمن الإنسان منذ أن بدأ يفكرعن وجوده، وقد أخذ الإنسان الأول يراقب الحياة من حولـه، فلكل من ولد عمر محدد. فيولد الإنسان ثم ينشأ ثم يصبح شابا ثم يميل إلى الشيخوخة وفي الأخير يموت. ثم أخذ يراقب دورات الفصول وتعاقب الليل والنهار وأمثالها، فكانت مشكلته الكبرى في مواجهة مصيره. ولما ابتدأ الإنسان يتأمل في الطبيعة وجد أن الحياة تختلف من كائن لآخر، فدائرة الحركة متغيرة، وهناك دائرة الحركة الثابتة أو المغلقة. وفي عصر الفلسفة تم الاتفاق على وجود عالمين: عالم الثبات وهو خارج على الزمان وعالم التغير وهو عالم زمني.

4- الموت والحياة:‏ وإن كل حياة يكمن الموت في جوفها. ادركنا أن الموت في الحياة والحياة في الموت، وليست المشكلة في كليهما، ولكن أن الإنسان هو وحده الذي يفكرعن الموت، ولذلك فإن القلق يساوره إذا تذكر الموت أو إذا أحل الموت بقريب له أو بصديق. والإنسان له طموحات كبيرة وأحلام كثيرة كان يعيش معها ويفكر عنها دائما. فإن موضوع الموت يتجلى في النواح على الفقيد وتعدد مآثره، بذلك يكون الموت في المذهب الكلاسيكي موضوعاً مستقلاً بذاته. وإذا كانت الحداثة تعني الموت المؤلف وقيام سلطة النص بديلاً من سلطة المبدع. فإن موضوع الموت يوجد عند الرومانسيين والحداثيين.‏

إن تطور حركة الحداثة جاءت مع تأسيس تجمع شعر في لبنان والذي قاده يوسف الخال رفقة عدد من الشعراء ذوي أصل سوري على رأسهم أدونيس الذي يعتبر من الأعمدة الأساسية في الحركة. فقد أعلن هذا التجمع عن تأسيس مجلة فصلية موجهة بصورة حصرية لخدمة قضية الشعر والدفاع عنها وحملت المجلة "شعر" التي صدر عددها الأول في كانون الثاني سنة 1957م. يعد يوسف الخال رائد الحداثة الأول في العالم العربي. إن الحداثة ليست في مجملها سيئة كما أيضا ليست في مجملها حسنة. فقد قدمت المفيد للغة والشعر كما قدمت مفهومات دخيلة للشعر كالرمزية والغموض وغيرها. إن الحداثة في الشعر العربي الحديث التي يعتبرها البعض نسخة طبقا لأصلها في الشعر الغربي، وعلى هذا الأساس هذا يذهبون إلى أن الحداثة ما هي إلا كغيرها من المذاهب الفكرية والتيارات الأدبية التي سبقتها إلى البيئة العربية كالواقعية والرمزية والرومانسية والوجدانية. فالحداثة هي زهرة جديدة في بستان التراث تريد أن تزرع وردة غربية اللون والرائحة في بستان الشعر العربي.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4584 المصادف: 2019-03-25 00:59:40