 أقلام ثقافية

الشاعر أحمد علي السالم أبو كوثر.. والهيام في الموصل الحدباء

نايف عبوشظلت الموصل على الدوام حاضرة في اذهان من عاشوا تفاصيل بيئتها الثرية، تحضرا، ورقيا، وحسا مرهفا.. فتغنوا بأمجادها.

ولعل لتموضعها المكاني على ضفاف دجلة الخالد، قبالة ربوة البوسيف بالتواءاتها المتهدجة، في توأمية عجيبة مع شطآن النهر الساحرة، وطقسها الخلاب، ذي الرببعين، أثرا بالغا، في تثوير إبداعات، وشحن مشاعر ابنائها من الشعراء والأدباء، بإرهاصات الرقة، والإبداع، وانثيالات فيوضات انتمائهم للمكان، والبيئة، والإنسان معا.

على أن غابات الغرب، وأحراش الطرفا، وأسراب النوارس، ربما شكلت هي الأخرى بامتدادها الطبيعي على ضفتي النهر الازلي، المنساب من جوانح الموصل حتى اطراف ديرة جنوب الموصل، بتماثل يرتقي الى درجة التطابق، آصرة تواصل مكاني وجداني، فكانت بتلك الشواخص الساحرة، مصدر إيحاء غني لمشاعر الشعراء الجياشة، التي تفاعلت مع عناصر هذا الفضاء المفتوح، بتناسل صور جميلة، من الغزل العذري بتلك الميساء الممشوقة.

والشاعر المبدع.. احمد علي السالم.. ابوكوثر..كعنصر حي من عناصر كائنات تلك البيئة، ببعدها الريفي من أطراف جنوب الموصل، المتعاشق عضويا مع بعدها الحضري، قد تفاعل ابداعيا مع مشهد حركة ذلك الحال، ما جعل عشقه للموصل الحدباء ايقونة حب أزلي، استقرت في صلب عملية التشكل الشعري لتجلياته الوجدانية، التي تجسدت في نظم قصيدته الرائعة (سينية الحدباء)، لتعكس اندماجه، وتماهيه العاطفي، مع كائنات بيئته الموحية له، ريفا، ومدينة، وتوازيه الروحي مع مجسمات المكان، التي تفوح بصدق انتماء الشاعر لموصله الحبيبة، عندما يقول:

وفي عيوني ترى الحدباء شاخصـة  ام الرمــاح وعهــدي ناسـها ناســي

حورية الجيد في سـيمائها حــــدب   كأنـــها مــلك يـرنــو لـجــلاســــي

غفت على النهر واهتزت جوانبها   بالورد والكرم والصفصاف والاس

ام الربيعين مــا ابهــى مــرابعــها   ومــــا ارق هـــواها والـهوى قاسي

ويبدو انه عندما اراد استحضار الماضي كنوع من الحنين الى مرموزاته الموصلية، يوم كان يسكنها للدراسة، فذلك لأنه لا يريد لماضيه أن يغادر عالم حاضره، لاسيما وان ماضيه الجميل قد سكن الذاكرة، واستطاب الإقامة الدائمة في دهاليزها العميقة، فاستحال عليه الإفلات منها، حتى مع حقيقة يقينه بأن الماضي بهيئته التي يحن اليها لن يعود، فهو مثل ماء نهر دجلتها المنساب مع مجراه الازلي، لا يرجع اليها بعد ان غادر الى اطرافها باتجاه المصب، الى حيث لا رجعة، بعد ان تزاحمت خيالاته بالخواطر الموجعة :

وهمت واحتشد الماضي بـذاكرتــي   وزاحمـتني خيالاتـي وأحـداسـي

وعاد بي خاطري والقلب يوجعنـي   الى عهود الصبا والراح والكاس

ولا جرم ان استغراق الشاعر احمد علي السالم، في الماضي بهذه الارتجاعية التلقائية، يضمر رغبته الصريحة لتعويض حاضره المقفر بانزياحه المكاني بمرور الزمن عن فضاء لوحة المدينة الجميلة، والتشبث بالماضي كحلم وردي يتطلع اليه، حتى ولو جاء بصيغة استذكار عاطفي، مع يقينه بصعوبة الوصول اليه. لكن حبه للموصل الحدباء يظل متلبسا ذاته الوجدانية، حيث نتلمس ذلك بوضوح في قوله :

يميل قلبي لها والروح تعشقها   ممشوقة القد مثل الغصن مياس

اميرة كالزلال العذب صافية    كأنـها درة في كــف غطـــاس

انها إلفة عجيبة بين الشاعر احمد علي السالم، ومحبوبته الموصل الحدباء، التي يميل اليها دوما قلبه، وتعشقها ابدا روحه، فلا ينفك يتغنى ببهائها في مجالس الدواوين، وفي المقابسات الشعرية التي تجري عادة في المناسبات العامة في ربوع ديرته جنوب الموصل. ولعلها ظاهرة اجتماعية ثقافية، تستحق التأمل، وتسليط الضوء عليها من قبل المهتمين بالأدب، والثقافة، والتراث، من الباحثين، والأكاديميين، والكتاب، وغيرهم .

 

نايف عبوش

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الموصل الحدباء يمكن ان اطلق عليها مدينة المتاحف
متحف تاريخي و متحف طبيعي و متحف ازياء و متحف ثقافة و متحف فنون و متحف لغات ولهجات و متحف سكاني و متحف ديني و متحف عمراني...متحف غذائي
ربما لا توجد مدينة في العالم بمساحتها تتمتع بما تتمتع به الموصل من تنوع رائع و عظيم
تحية لها و متاحفها و ناسها
وتحية لكم استاذي الفاضل و الموصل تحتاج و غيرها يحتاج ان يُكْتَبْ عنها دائماً
دمتم بتمام العافية

عبد الرضا حمد جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب عبدالرضا حمد جاسم :
شكراً جزيلاً لمداخلتكم الرصينة حقاً.. فالموصل الحدباء كما ذكرت متميزة في كل شيء.. دام قلمك متالقا.. تحياتي لك.
نايف عبوش

نايف عبوش
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4672 المصادف: 2019-06-21 01:54:07