 أقلام ثقافية

اصل الحكاية

سمير محمد ايوبعشوائيات في الحب - 15

في باحة جامعة اليرموك الربداوية في شمال الاردن، قبل أيام، تقدم مني حفيدي الدارس لعلوم السياسة فيها. وقال بفرح مقدما لي باقة من زميلاته وزملائه الطلبة، كانوا برفقته: هذه زميلتنا دلال سورية من فلسطين، والعباس هذا أخ عراقي من سورية، أما الياس هذا فهو من جبل العرب في سورية، أما خديجتنا هذه، فهي لبنانية من سورية هي الاخرى، وأنا كما علمتني اردني من بلاد الشام مثلهم . كلنا كما ترى يا جدي، نعتز وبحب، أننا عرب من هنا، من سوريا الكبرى .

قلت وروحي تضمهم باعتزاز: (بلاد الشام حتى في زمن الانحدار العربي العام، ليست دولة او حيزا جغرافيا فقط، بل قصة تعاش ولا تقال أو تروى، تتناقلها الاجيال لا من خلال أعلام أو اناشيد، بل بصمات حضارية منقوشة على وجه الزمان وقلب المكان .

قالت خديجة: ولكن يا شيخنا، أوليس من الشذوذ ان تعشق مكانا محددا أو تاريخا ما، فقط لانه جزء من ذكرى جميلة تغزو روحك؟

قلت: ليس عبيا إن كانت بلاد الشام هي اصل الحكاية . لبلاد الشام كيمياء لا تسمح لأي عاق سياسي، الامعان في العنصرة، او التشظي والتحوصل في قطرية ضيقة مقيتة. سورية الكبرى قصة سرمدية، مليئة بالرموز والسحر والغموض . لا تبوح بكل مكنوناتها مرة واحدة. وكل من حاول مقاربتها، ادرك ان لا بداية لسورية، ولا نهاية لها .

سال علي: اتشكو مواطن الهلال الخصيب تقصيرا في حبنا لها؟ أسوريانا في ظل ما نعيش من انحدار، بحاجة لمن يحبها اكثر؟

قلت وأنا أرخي ذراعي الايسر على كتفه لادنيه مني، ومتواصلا مع عيونهم: لا يا ولدي، فبلاد الشام قد بلغت من الحظوة درجة، ان كل محب لها انى توجه، سيجدها باقية في قلب الزمان، وفي الواقع ماثلة، وفي الامل حاضرة . لا اعلم بلدا، قد بلغت بالحضارة، ما بلغت بلاد الشام، أوصلتها الى مراقي المجد وذروة الشرف في الارض .

حتى قيل: أن كل محب للطبيعة، سيستوطنه جمالها الصارخ , وهو يطل على جدران المدينة الوردية في البترا، التي نقشت في الصخر قبل 3000 سنة، او في شموخ سور عكا، حيث هزم نابليون، او في بقايا تدمر او بابل او بعلبك وغيرها الكثير .

ومن كان من عشاق الحضارات، سيجد بعض اجزاء هذه القصة في كل حضارة عاشت فيها وعبرتها . وسيعلم ساعتها انها كانت المهد لاول ابجدية وجدت في التاريخ . وفي ثناياها سيجد باقات من العلماء كابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية في عام 1242 .

والفرح يتراقص على قسمات وجهي، وفي نبرات صوتي أكملت: ومن عنده شغف بالايمان، سيعلم مما ترويه له أجراس الكنائس في بيت لحم، وتكبيرات قباب بيت المقدس، اننا في بلاد الشام، مسلمون منذ اكثر من 1440 سنة، ومسيحيون منذ 2020 سنة، ولكن الاهم اننا سوريون منذ حوالي 7000 سنة . قصة سوريا وان لم تبدأ بولادة العديد من الأنبياء الذين عاشوا فيها او عبروها، الا انها في نبوؤة كل نبي، وفي كل صلاة، وكل لحظة قرب من الله سبحانه .

أما الياس، فقد استأذنهم ليسألني باسمهم جميعا: كيف نخرج من سجن قطرياتنا الضيقة والسلبية، الى رحاب هويتنا الوطنية .

قلت: بالخروج الايجابي، مما اقترفه بحقكم سايكس بيكو وبعض تابعيه من المتصهينين، الى غيطان عروبة بلاد الشام،. محوطين بنسائم مشبعة برذاذ أنهر دجلة والفرات، والعاصي والاردن واليرموك، ونهرالعوجا في فلسطين والليطاني في لبنان. اطلقوا العنان لارواحكم، وارقصوا عشقا مع مطر الخير، تحت ضوء القمر، وعلى سحرانغام اول نوتة موسيقية خالدة في التاريخ، وجدت محفورة على لوح طيني في اوغاريت، ابدعها قبل 3400 سنة روح ذاك السوري العظيم، قبل الكثير من عباقرة الموسيقى في العالم).

من اين نبدأ يا جدي؟

أفقلت ونحن نتوجه الى المقصف: وانتم تعملون من اجل مستقبل افضل، لتكن لكم يا شباب، الجرأة على استخدام عقولكم، للتعرف على ما في ارواحكم من الحان لم تؤلف بعد، والكثير من القصائد التي لم تنظم بعد. بلادكم تعج بالكثير من الامنيات التي لم تتحقق، والكثير من الدعوات التي لم تستجب بعد، ولن تستجب الا بتحرير عقولكم من غيبياتها وسلبياتها .

سوريانا العظيمة بوابة العروبة الانسانية، تستحق الحياة وتليق بها . فهي هوية ثانية لكل مثقف إنسان، بالاضافة الى هوية امته الاصلية .

 

كتب الدكتور سمير محمد ايوب

الاردن – 7/1/2020

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4873 المصادف: 2020-01-08 01:13:12