 أقلام ثقافية

نص في المكان.. حوار مع مكتبة المثنى

جمال العتابيلماذا أراك بهذا الحزن؟ عيناك لا تقويان على الحزن، هل ضجرت حين سرقوا لوحة عنوانك القهوائية اللون بخط النسخ الجميل لعبقري مدرسة بغداد في الخط العربي، هاشم محمد البغدادي، واسم صاحبك قاسم محمد الرجب، بالتعليق الأبيض الرشيق، كأن هاشم أراد ان يصنع لمهرك زهراً لوجهك الأنيق.

كلنا لإنتهاء يا مكتبة المثنى! لماذا تخافين الهجر والغياب؟ حين أشعلوا النيران في باحتك الفسيحة، كانت النوافذ مغلقة، تعالي سأفتح بابي لك، أفتح بيتي وقلبي، ادخلي أي نافذة شئت، أو أي باب! أي وعينيك.

لم لانتفق ان نكون شركاء في استقبال ضيوفك، ومعك مصطفى جواد، كوركيس عواد، فؤاد جميل، صفاء خلوصي، صالح العلي، امجد الزهاوي، روفائيل بطي، ناجي الاصيل، مصطفى الشيبي، محمد الاثري، عبد العزيز الدوري، يوسف عز الدين، عناد غزوان، مهدي المخزومي، جليل العطية، واخرين من الاعلام، فالأحاديث في مجلس الرجب تنمو سجالاً، كما الذكريات سجال.

1348 مكتبة المثنى

وحده قاسم الرجب يعرف وعورة الطريق، والتواءات الأزمنة، عاف مدار طفولته، وترك المدرسة الإبتدائية بسبب الفقر، فإنتقى منه ما يلهمه في الانتصار عليه، فكانت رحلة مشرقة انتصرت فيها الكلمة.

في ليل غارق في لجّة الظلام، أحرقوك، ياهولها النار التي التهمت الجدران الخرساء؟ مثل غول يفترس الصغار، لم تترك النيران غير دمع ينزف على الحجر، وارض ساخنة كأصابع قنبلة، من يستعيد رائحة الكتب؟ وضوء الفوانيس المتدلية من اعلى السقف تتمايل غنجاً، تخفق مثل طيور البحر! حين احترقت، لانك لم تطع ما يأمر به الطاغوت، خيروك بين الموت والنار تصطلين بها وحدك بصمت، سوى وقع بساطيل العسس الليلي في شارع المتنبي.

في أيامك الأخيرة كنت أسيرة القيود، تسحبك الى حيث يشاء القاتل، فلا مفر لك سوى ان تموتي ميتةً معجلةً. الطريق اليك يا مكتبة المثنى، صعب  ومزدحم بطوابير اسلحة الموت والإغتيالات، والأرض لا تسع الشهداء!!

ردي عليّ لهفتي، اعرف انك مكبلة الروح؟ واعلم انه عبث وفراغ يد ما حصدنا، لكنها شهادتك انت، أو وصيتك الاخيرة.

المكتبة : خلت اني اتلاشى دون ان يبصرني المارة ويقفو أثري أحد الأصدقاء، قلت انتهي في بداية فجر، لست أقوى على حماية كتبي، فقد أكلتها النيران، وها انا اقتات على حزني، كميتٍ لم تغثه النادبات، نهبوا عنواني، لم يتركوا غير أشياء بلا ذاكرة، تهمتي انني انشر المعرفة، ومنحازة للعقل المتنور، أحرض ضد الظلام والجهل، وأكرم ضيوفي من العلماء، فردّوا عليّ الصاع صاعين، ها انا أموت، وأمشي لنهايات الحياة.

 

جمال العتّابي

.........................

اذا قُدر للحيطان ان تنتحب

في عرس جنائزي، لمبنى ليس له شميم الماضي ولا عطره ولاذكرياته، ولا حتى مآسيه .

المتوسطة الغربية في الباب المعظم، لم يعد الماضي يسكنها، بعد ان لملم زمانه الشائخ وانطوى، اقف امام واجهتك، كما لو كانت حلما او ذكرى منسية، امامك تسقط كل ذكريات الفتية وحقائبهم التي تحمل اسرارهم واحلامهم، الفتية الذين تعلموا في اروقتك شرط وجودك الانساني المتسامي، ومقامك العلمي الرفيع، وارثك الباذخ في التفوق، ها انا ارثي مجدك المضاع لان الزمن لم يعد يأبه بالعلم والمدرسة !!

فأي ارث هذ الذي تزمين شفتيك كرها دون ان تموتي؟

1349 مدرسة العربية

 

جمال العتابي

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4915 المصادف: 2020-02-19 01:53:44