 أقلام ثقافية

المساقات الديالكتية في القصة القصيرة جداً

مما لاشك فيه إنَّ القصة القصيرة جداً من أحدث الأجناس الأدبية وأكثرها تعسراَ في التكوين والهيكلة، فقد عانت ولازالت تعاني حرباً ضروساً؛ لإثبات مكانتها الأدبية والإجناسية بين من سبقها في الحقول السردية (الرواية، القصة، القصة القصيرة) مع ما يُشن ضدها من حملات تسقيط وقولبة هامشية على يد بعض الكتَّاب المتعصبين للنوع الأدبي وبعض المنظِّرين المعارضين لكل جديد، وهنا يتوجَّب علينا الوقوف على بعض المساقات الديالكتي؛ لتصبح القاعدة الرئيسة التي سننطلق منها وهي: أسباب ظهور القصة القصيرة جداً، وأبرز شروطها، ومعيارية شكلها الفني، وهل أصبحت آخر الحلول لهواة الكتابة؟

تزامناً مع الصراعات التي شهدها الواقع البشري في عقوده الأخيرة خاصة، ظهرت القصة القصيرة جداً كنوع أدبي يُعبِّر بطريقةٍ جديدة عن الاحتدامات الداخلية والخارجية للإنسان الذي لم تعد تكفيه مساحة الرواية ولا اختزال القصة لإيصال هواجسه المكبوتة وغاياته الخفية، وأنا من هنا لا أتفق مطلقاً مع الرأي الذي يعزو ظهورها للممارسات الجديدة والمتمثلة بعصرنة السرعة واضمحلال الرغبة في قراءة النصوص الطويلة، بل أصبحت القصة القصيرة جداً الميدان الأكثر مناسبة لولوج الموضوعات الوعرة والتابوات والمضامين الصلدة التي تُعالج في باقي الأجناس بطريقةٍ تقريرية ومسارٍ مكشوف، مما يجعلها محدودة الأهداف والنتائج، أما في القصة القصيرة جداً ونظراً لمواصفات شكلها الفني والتي تتمثل بالرمزية والإيهام والتشفير والتكثيف بدا التشخيص يتسم بالفخامة وسعة الفكرة وتعددية التأويل، إذ يحتمل النص الكثير من الغائيات العميقة التي تمكِّن سهامه من إصابة أكثر من هدف، وهذا الأمر يجعلها في الغالب موجهة للنخبة من القرَّاء الذين يتَّسمون بحذاقة التفكيك والنظر لما وراء الفكرة، وإذا كانت موضوعاتها وأغراضها عميقة والحال ذاته بالنسبة لمتلقِّيها، فالأولى في كاتبها أنْ يكون على قدر كبير من المسؤولية والفطنة والذكاء في صياغة نصوصه حتى يصل بها إلى ناصية الإبداع والفرادة، وما يشاع اليوم من كثرة المؤلفات ووفرة الكتَّاب الغير جادِّين يجعل القصة القصيرة جداً تعرج في طريقها لنقطة البداية، وكأنما أصبحت في وقتنا الحالي آخر الحلول لمن يرغب في الكتابة والحصول على لقبِ كاتب؛ لأن معظم القصص يغلب عليها التقريرية والمباشرة وبساطة الفكرة ورداءة السبك وضعف الأسلوب اللغوي الذي أجده العمود الفقري الذي ترتكز عليه جماليتها وفنيتها.

 

دعاء عادل آل عزوز

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4949 المصادف: 2020-03-24 01:13:17