 أقلام ثقافية

الحطاب وتجلياته.. قراءة أولى في ديوانه: سلاما ايها الفقراء

ضحى الحدادمنذ الديوان الاول (سلاما ايها الفقراء) يطرح الحطاب منهجه الشعري المشاكس والمقاوم؛ للسلطة الحاكمة او للسائد والمألوف...

وربما هي معلومة للمرة الاولى اذكرها؛ ولعلي اكون واحدة من أهم قارئات الحطاب بحكم طبيعة العمل الذي جمعني به لسنوات، هي ان ديوانه المذكور في اعلاه، قدّم الى وزارة الثقافة والاعلام العراقية تحت عنوان (الفقراء في القلب) وهو تناص مع ديوان نيرودا (اسبانيا في القلب) الا ان الديوان رفض ليقدمه ثانية بحسب ما عرفت بتحريض من الروائي العراقي الكبير عبد الرحمن الربيعي، باسم (سلاما ايها الفقراء) ليحال ثانية الى خبير ادبي يتعاطف مع اصرار الشاعر على نشر ديوانه فيجيزه بعد ان يحذف وينشذب منه كل ما يمسّ السلطة الحاكمة؛ ومع ذلك فان ما ابقى عليه الخبير من الممكن ان يقدّم صورة عن مدى رفض الشاعر واحتجاجه على ما يتعرض له المواطن البسيط من ظلم وتهميش، ألقى بظلاله على مجمل نتاجه الشعري، والذي امتدّ الى الآن:

(حاصرتني بايتامها

المدن المستباحة

والمدن المستريبة من آخر الليل

والامريكان ..

والثكنات) سلاما ايها الفقراء - ص 15 (قصيدة مهداة الى ثوار الجزيرة العربية)

1456 سلاما ايها الفقراءفي نهاية الستينيات؛ ومع التغيير الذي أبدل الحكم في هرم السلطة؛ وفشل مشروع الجبهة الوطنية فيما بعد؛ والاغتيالات التي طالت كوادر الجبهة

تفشّت ظاهرة القتل بالسيارات السوداء الخالية من الارقام؛ وهو اسلوب استخدمته السلطة- وغيرها- لتصفية الخصوم .

في هذه الفترة الحرجة من حياة العراقيين جميعا؛ ينشر الحطّاب قصيدته المقاومة بقناع (حسين مردان) ويضمها ديوانه "الفقرائي"؛ وبمغامرة لا يملكها سوى الحطاب في تلك الفترة؛ فيقول:

(وجوه بلا بصمات

رماح بلا بصمات

فخذ حذرك ..

فالكلاب – السلوقية الاصل –

تبحر عبر المقاهي

ترافقها العربات) سلاما ايها الفقراء – ص 30 (قصيدة حسين مردان)

وكانّ هذا التحذير لم يكفه .. فيعود اليه بصيغة اخرى؛ اشدّ قسوة على القيود وعلى من يصادر حرية الانسان:

 (نتبادل عبر الرصاص التحايا

ونسأل عن بعضنا البعض

منْ مات .. مات

ومن لم يمت

سيرشّح للموت في الوجبة القادمة ..

...

اصبح الموت؛ مثل كلاب البيوت الاليفة) سلاما .. ص 40

اما في قصائده القصيرة التي ضمها (سلامه) فيعلن الحطاب انتمائه الى الجيش اللجب من المناضلين المندرجين تحت يافطة الانسان بعيدا عن الانتماء او العرق او الطائفة:

(إحلمْ

... لا تحلمْ

 

إحلمْ

... لا تحلم

 

.. أحلمُ

في آخر فاشستيّ

يسحقه العالم) الديوان ص 65

....

وفي خضم هذا الحس الوطني الفاجع .. لا ينسى وطنه العربي وقضية العدوان عليه:

(في زمن الموت

.. الجوع المجاني

الخدّ المتورّد: هندي احمر

او: عربي

شرّده النابالم) الديوان ص 67

.

.

بهذه المرحلة المبكرة من حياته؛ ويوم لم يكن معروفا من مثقفي العاصمة بغداد؛ التي جاءها من وسط مدينته (البصرة- الأبلّة) ليهدّده السجن للمرة الاولى من قبل من يفسّرون قصائده على هواهم؛ فيكتب وعلى لسان السجناء الثوريين:

.

(في السجن: اغني

موسيقاي .. صلصلة الاصفاد

أُومن في يوم

يتحدث للحاكم

فيه المحكوم) الديوان – قصيدة تحدي ص 68

.

ويوم صدر ديوانه المشاكس والمغامر ايضا؛ اتخذه المناهضون للسلطة يافطة؛ بحيث اصدرت بعض التنظيمات اليسارية توجيها الى كوادرها بضرورة قراءة (سلاما ايها الفقراء) كما قال لي ذلك اصدقاؤه البصريون، باعتبار الديوان وثيقة طبقية تعضّد من صمود الانسان وتعلي من قضيته:

.

(كنت في سجن السفر

راقدا تحت المطر ..

في صليبي الطبقي

زهرة حبي

تنتظر ..

اشتراكية اهلي الفقراء) الديوان ص 91

.

واذا كان الشاعر رائيا؛ كما يقول النقّاد؛ فان رؤية الحطّاب

قد تقدمت على عمره وعلى ديوانه ايضا في تلك الفترة:

.

(من شرفات البلاد التي تقيم على الموت عرسها

رايتهم؛ يدخلون البار بياقاتهم البيضاء

كان نزيفي (اسبارتكوسا) جديدا

ينهض من زهرة حمراء) الديوان ص 107

.

الى اين كان يريد ان يصل هذا الشاعر القادم من مجهولية المدن الجنوبية

الى اضواء العاصمة بغداد؛ حيث لا يعرفه احد أو ينتمي فيها إلى حزب ما ..

كأنّه يريد ان يلبس (خرقة) جيفارا؛ ويدخن سيكار (الصوفي) في تداخل غير مألوف .

.

.. والمتابعون لحركة الشعر السبعيني في العراق؛ وهم احياء الان؛ يعرفون ان الشاعر الحطاب؛ لم توجّه له اللجنة المؤلفة للاشراف على اول مؤتمر للشعر السبعيني؛ اية دعوة للاشتراك او القراءة؛ فقد رشحت جهات سياسية كانت تحتل الساحة في تلك الفترة؛ أنصارها من الشعراء والنقاد، ولأن الحطاب لم يكن منتميا الا الى ابداعه وفقرائه فلم يدع .. على الرغم من ان ديوانه الصادر حديثا (سلاما ايها الفقراء) كان الحديث الشاغل للوسط الثقافي انذاك ..

.

(واطيء سقف هذي المدن

واطيء سقفها

واطيء ..

 

- حكمة –

لتعشْ ..

وفضيلتك الانحناء ..

............

............

علب الكونكريت المسلّح: زنزانة

والشوارع .................: زنزانة

وعيون الخفير السياسي: زنزانة

 

فتلفّعت بالكبرياء) الديوان ص 116

.

.

هذه قراءة اولى في واحد من اهم دواوين المرحلة السبعينية، ولي عودة ثانية اليه باعتباره وثيقة جمالية ووطنية يجب الاحتفاء بها بعد مرور اكثر من اربعين عاما على صدورها.

 

ضحى الحدّاد

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4976 المصادف: 2020-04-20 03:30:53