 أقلام ثقافية

القيم العاقلة والأخلاق الفاعلة في حكايات ابن المقفع

عصمت نصارلم يتضمن النسق القصصي الذى أورده ابن المقفع فى الكتاب الذى اشتهر به (كليلة ودمنة) حديثًا فى الفضائل وجميل الخصال فحسب، بل توسع فى تبيان خطر الرذائل أيضًا ومكامن القبح التى لا يسلم من شرها إلا من حرص على نقاء سريرته وصفاء نيته وسماحة سجيته، فها هو يوضح أن للفضائل نقائض مرذولة وأضدادا وضيعة وعلى رأسها سوء الظن واتهام الناس بالباطل والعجلة فى تفسير المواقف والأحداث، مؤكدًا أنه ليس من الخير الإسراف فى الشك والسكوت على داء الارتياب أو التسليم بصحة الوشايات، لذا نجده لا يصف الخيانة بأنها من أكابر الرذائل فحسب، بل يجعلها من أعاظم الجرائم، ويقول: «إن العجلة لا يزال صاحبها يجنى ثمرة الندامة، بسبب ضعف الرأى وليس أحد أحوج إلى التؤدة والتثبت من الملوك: فإن المرأة بزوجها، والولد بوالديه، والمتعلم بالمعلم، والجند بالقائد، والناسك بالدين، والعامة بالملوك، والملوك بالتقوى، والتقوى بالعقل، والعقل بالتثبت والأناة، ورأس الكل الحزم، ورأس الحزم للملك معرفة أصحابه.. ولا ينبغى للعاقل أن يراجع فى أمر فيعدل عن رأيه فى أمر الكفور الكافر بالحسنى، الجريء على الغدر، الزاهد فى الخير، الذى لا يوقن بالآخرة، وينبغي أن يجزى بعمله – أى لا تأخذه به شفقة أو رحمة».

وكذا «من عرف بالشراسة ونقض العهد وقلة الشكر والوفاء والبعد عن البر والوفاء، واتصف بالجحود لثوابت الآخرة وعقابها».

أما من كانت فطرته مناقضة لهذه الصفات فينبغي على المرتاب فى أمره أن يصارحه بشكوكه ويعتذر عما بدر منه حيال ريبته ويأسف عن شكه فيه حتى لا تفتر المودة بينهما، وإن كان المرتاب هو الملك نفسه، فخليق به - قبل العوام - أن يتثبت من هواجسه وشكوكه.

ويضيف ابن المقفع: «إن شر الخلان من التمس منفعة نفسه بضر أخيه، ومن كان غير ناظر له كنظره لنفسه، أو كان يريد أن يرضيه بغير الحق لأجل اتباع هواه، وكثير ما يقع ذلك بين الخلان والأصحاب»

وينزع ابن المقفع إلى أنه إذا خير بين تاج الفضائل الذى ينبغى على الحاكم أو الرئيس وضعه فوق رأسه لتثبيت سلطان ملكه، أو يتخذه منهاجًا لتدبير أمور دولته لكان هذا التاج هو الحلم، وهو يتقدم على الشجاعة والكرم والمروءة. فيقول: «الحلم رأس الأمور وملكها، وأجود ما كان فى الملوك».

ويوجز ابن المقفع سبيل الاستقامة والكمال فى خمس فضائل اقتبس معظمها من النسق الديني وهى بالترتيب الذى أورده على هذا النحو: «إن خلالًا خمسًا من تزود بهن كفيله فى كل وجه، أن تأنسه فى كل غربة، وتقرب له البعيد، وتكسبه المعاشر والإخوان: أولهم كف الأذى، والثانية حسن الأدب، والثالثة مجانبة الريب، والرابعة كرم الخلق، والخامسة النبل فى العمل».

وينتقل فيلسوفنا إلى رذيلة الغيرة والحقد والحسد ويجعلها من أسافل الأدران التى إذا ما أصابت القلب لا نجاة له من الشرور التى لا علاج لها، ومن أقواله فى الحقد: «اعلم أن الأحقاد لها فى القلوب مواقع ممكنة موجعة، فالألسن لا تصدق فى خبرها عن القلوب، والقلب أعدل شهادة من اللسان على القلب... ومن كان ذا عقل، كان على إماتة الحقد أحرص منه على تربيته، وإن العاقل لا يغتر بسكون الحقد إذا سكن فإنما مثل الحقد فى القلب، إذا لم يجد محركًا، مثل الجمر المكنون، ما لم يجد حطبًا، فليس ينفك الحقد متطلعًا إلى العلل، كما تبتغى النار الحطب: فإذا وجد علة استعر استعار النار: فلا يطفئه حسن كلام، ولا لين ولا رفق، ولا خضوع ولا تضرع ولا مصانعة، ولا شيء دون تلف النفس».

واذا كان ابن المقفع يذم الحقد والضغينة والكراهية فإنه يضع أيضًا الفاجر المصانع والمغفل الأبله - ولاسيما الذى إذا اقترب من السلطة – وأصبح فى معية الحاكم أو الرئيس، فيقول: «إنما يستطيع خدمة السلطان رجلان: إما فاجر مصانع، ينال حاجته بفجوره، ويسلم بمصانعته، وإما مغفل لا يحسده أحد، فمن أراد أن يخدم السلطان بالصدق والعفاف فلا يخلط ذلك بمصانعته، وحينئذ قل من يسلم من ذلك: لأنه يجتمع عليه عدو السلطان وصديقه بالعداوة والحسد».

ويعود ابن المقفع ويؤكد أن ما فيها من عبر قد عُرضت على العقل فأجازها، وطبقت فى ميدان المعايشة والتربية فأثمرت نفعًا وصلاحًا، وقوبلت فى الشرع - من حلال وضده – فحمدت، وقد نجح ابن المقفع بذلك فى إثبات أنه لا تعارض بين المعقول والمنقول من الفضائل، وما حث عليه الشرع واستحسنه العقل، فالحق لا يضاد الحق، والعادل لا ينقلب إلى جائر، ولا تتهم المحاسن والأخيار بالقبح والفجور إلا فى عيون الجهلة والحاقدين، وفوق ذلك نجده ينحو منحى الصوفية فيعلى من شأن العقل الإلهي وإرادته وقدره على حسن التقدير الإنساني، فهو يعترف بأن مدركات الإنسان محدودة وأن قدر الله هو الأصوب والألطف وإن خالف نظر الإنسان وبصيرته، ويقول مع الأشاعرة: «لا ينبغى على العاقل أن يصطفى أحدًا، ولا يستخلصه إلا بعد الخبرة النفسية والروحية، فإن من أقدم على مشهور العدالة من غير اختبار كان مخاطرًا فى ذلك ومشرفًا منه على هلاك وفساد.... كما أن الإنسان لا يبصر إلا بعينيه ولا يسمع إلا بأذنيه، كذلك العمل، إنما هو بالحلم والعقل والتثبيت. غير أن القضاء والقدر يغلبان على ذلك، فأمر الدنيا كله بالقضاء والقدر، والذى قدر على الإنسان يأتيه على كل حال، والصبر على القضاء والقدر وانتظارهما أفضل الأمور».

وإن التسليم بالقضاء والقدر لا ينبغى أن يقعد الناس عن الاجتهاد والمجاهدة وبذل الجهد فى طلب العيش، ولا ينهاهم عن التفكير والتدبر أو يمنعهم من تخير الحسن من بين القبيح، فمراد ابن المقفع هو إثبات أنه لا تعارض بين ما يسره الله للإنسان من قدرة على التدبير وإرادة الله المطلقة، ويقول: «إنما الاجتهاد والجمال والعقل وما أصاب الرجل فى الدنيا من خير أو شر إنما هو بقضاء وقدر من الله عز وجل».

وحريُّ بنا الإشادة بهذا النسق الفلسفى المتكامل الذى جمع بين جماليات الصياغة والبيان وستائر الرمز والتعمية وعمق الفكرة وجدة الرأى وطرفته والنظر، والعمل فى المعالجة على نحو جعل منه رائدًا للفلسفة التطبيقية، وحسبي أن أهمس فى أذن القائمين على التربية والتعليم فى مصر بحقيقة لا يمكن إنكارها، ألا وهى أن هذا الكتاب – أعنى كليلة ودمنة – كان على رأس الكتب المدرسية منذ عام ١٩٠٢ م بتوجيه من الأستاذ الامام محمد عبده، ولا عزاء بعد ذلك لمن ينشد الإصلاح فى أيامنا هذه.

 

بقلم : د. عصمت نصّار

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4978 المصادف: 2020-04-22 02:59:27


Share on Myspace