 أقلام ثقافية

وَصيّة حِمَار (7): بين السياسة والفن والأدب

عصمت نصارعاد الهدوء إلى القاعة بعد خروج الخوارج والحشاشين، وانتظم الجلوس ينتظرون كلمة من سوف يحدثهم عن مكانة الحمار في عالم السياسيين:

هيأ الأستاذ مختار الحلنجي - نقيب الصحفيين الأسبق- وبدأ حديثه:  من الغريب والعجيب، أن نتساءل عن الدور الذي يقوم به الطبيب، في المصحات وفي المعامل حيث الدواء بالأمصال والتراكيب. فالعلاقة بين حبيبنا الحمار والسياسة، لا تحتاج إلى عناء البحث في دواوين الحكم أو بين كراسي الرئاسة، تعالوا نفكر هو إزاي الحمار استأنسوه، وبين الناس علموه وربوه، بالتأكيد كان ده بالحيلة والسياسة.

صحيح إن الحمار لا يصلح للبس التيجان، ولا الجلوس على كراسي الزعماء والقادة والأعيان، وسخر الكتاب منه واتهموه بقلة الحيلة، وزعموا أن خبرته إن صغر ولا كبر هزيلة وقليلة، والحق إن العيب في السياسة، مش في الحمار لأن نصها كدب وخباثة، والنص التاني خيانة ونجاسة، وحبيبنا الحمار ملوش في القرع ولا المكر، طيّب من يومه وصبور ويرضي بالقليلة ويقابل المعروف بالحمد والشكر.

أما مكانة الحمار في تاريخ الفكر السياسي فكله طرائف وأخبار ظريفة، فكتير من الجمعيات الأهلية، والأحزاب السياسية، والمنتديات اللطيفة، في كردستان والأردن وسوريا وإنجلترا وإسبانيا اتخذت منه شعار للعدالة والحرية في زمن الحريفة، أما الأمريكان فخلوه رمز للديمقراطيين، وفي عام 1828م كتب مرشح الليبراليين، إن شعاره هو الحكم للأمة وتحقيق العدالة للشقيانين، وكان اسمه أندريو جاكسون، وكان في دعوته من الصادقين، فاتهموه خصومه بالهبل والهطل ولقبوه بالحمار، وقالوا عليه إنه خارج من مستشفى المجانين، ولما فاز انتشرت الحكاية فحلف المرشح وقال أنا مش هقعد على كرسي الحكم إلا والحمار معايا، وفي عام 1870م احتفلت الأحزاب الأمريكية، برفع صورة الحمار على مقرات حزب الديمقراطية، وأصبح اسم الحمار مرادف للحرية الحزبية، والديمقراطية، والعولمة الأمريكية. وأصبح الحمير هما اللي بيحكموا وبيفهموا، وأصول العدالة والحرية ينظّروا ويعلّموا، وهل بعد ذلك سيادة ومجد؟ والواحد بيتعجب ! حمار في أمريكا بيكرموه، وفي بلادنا يقولوا على الخايب والفاشل هاتوله بردعة وشدوه، بصراحة ده شيء فوق الحد.

أحد الشباب ويدعى فكري الغضبان: عاوز تقول يا أستاذ إن عشان نفهم لازم نبقى حمير! ده اتهام صريح للشعب والحكومة واللي جابها وده أمر خطير، يحتاج لمراجعة وتحذير، ولا أنت عايز تقول إن الديمقراطية، وكل أشكال الحرية، مش هنولها إلا بمنطق الحمير، الصبر والطاعة والقناعة ونستحمل الكوارث لأن كل داهية ليها عند اللي بيحكمونا تبرير، يا عم أنا موافق بس الحمار في أمريكا من صغره بيعلموه، وعلى الأدب والنظام بيعوّدوه، ولو جاع بيأكلوه، ولو مرض بيعالجوه، وفي المكان الصح بيشغلوه، أما حمير بلدنا على الإهانة من صغرهم بيربوهم، ولو تعبوا من تقل الحمولة بيضربوهم، والحلنجي منهم بيوظفوه، ويدوله ورقة وقلم ويقولوله (ارسم وخطط، وعلم ودرب، وفوت ومعلشي، واربط ومترفسشي) وغيره من أرشيف الفساد بيلقنوه. فهمت يا أستاذ صوابعك مش زي بعضيها، واللي ماسك شنطة فاضية مش زي اللي بالدولارات ماليها، ولا عندك الكل ماشي وطبل يا فجلة وأنتي يا دلال اتحزمي واديها.

الصحفي الهمام : اسمع يا صديقي اتأمل الكلام، وبلاش تخرج عن الموضوع وتخبّط في الحلل وتهيج عليا الناس والله ده حرام، أنا بتكلم عن مكانة الحمار لا جبت سيرة الحكومة، ولا غلو العلف والبرسيم والضرب بالشومة. واتكلمت عن الحمار في أمريكا على سبيل الطرفة، لا جبت سيرة المصالح الحكومية، ولا وزير الصحة ولا التعليم ولا الجامعات الأجنبية، ولا الهليبة ولا الحرامية، ولا أسيادنا في السلطة التنفيذية، ولا المصلحين والشرفا.

يا ناس ماقولتش ولا انت عايز ترشقني في عامود وتلبسني مليون قضية. إذا كان على الديمقراطية الأمريكية اللي صعبانة عليك، فاقرأ كتابات الفلاسفة عنها إذا مكنش عندك تعالي وأنا أديك، الخلاصة إنها وهم وتنظير على الورق لأمثالك بيصدروه، والمصلحة هي الأصل ومعاها الدستور بيشقلبوه، والقانون بيعدّلوه، والكلام عن حقوق الإنسان بيوجهوه، وكلام ليلة السبت والحد في صبح الاثنين بيغيروه.

وعلى العموم أشكركم وأنا خلصت كلامي، عن الحمار اللي صورته قدامي، وبشوفها في أحلامي، وليلتكم سعيدة وندية.

ثم اعتدل الأديب الشاب "رمزي جميل" أمام الميكروفون، وذلك لتقديم كلمته بأسلوب شائق وموزون، تلك التي خصصها للحديث حول مكانة الحمار في الكتابات الأدبية، وأثره في الأعمال الفنية. فجاء فيها:

من الغريب والعجيب أن نجد الحمار يشغل حيزًا كبيرًا في كتب القصص والطرائف والأسمار، بداية من كتاب ألف ليلة والأغاني للأصفهاني وأشهرها كليلة ودمنة، في قصة الأسد والحمار والثعلب، وهي التي صورت حبيبنا على أنه مثال للسذاجة والطيبة أمام الأشهر في المراوغة والدهاء والكذب، وقد احتال عليه وأوقعه بين أنياب الأسد، دون فخ أو قيود أو حبال من مسد. ثم تأتي كتابات الجاحظ عن طرائف الحمار وخصاله وطباعه وأصله، وذلك في 65 مرة من صفحات كتاب الحيوان الذي لا يجهله عالم جوة أو برة.

أما التراث الشعبي فلم ينصف الحمار في أمثاله أو حكاياته، فكلها تصفه بالبلادة والغباء، واستباحت إهانته وشتمته في العمل أو في النداء.

وعلى النقيض نجد "توفيق الحكيم" قد خصّ الحمار بمؤلفات خمسة أدبية، عن لطفه وحسنه، وبالغ في رسم صورته، فجاءت في هيئة عظيمة وسيرة عطرة وبهية، وعقلية راجحة للأفكار الذكية، وآراء ناقدة للأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية، وذكر أنه رفيق صباه، وصديق شبابه فلم يكذب عليه مرة ولم يتمرد على رفقته ونداه، ومحاوره الناصح، الذي لا يجامل ولا في الحق يمازح.

وفي المكتبات العالمية، نجد عن حبيبنا عشرات المصنفات العلمية، والكتابات الروائية، في الشعر والبلاغة، والصور النقدية. ومنها ما كتب الإنجليزي نايجلوس ويركر رواية مذكرات مجنون، سخر فيها من الحمقى على غرار نهج سقراط ومحاورات أفلاطون، وروى فيها أن حمار قص أذنيه وأطعم ذيله للكلاب، ليهذب من شكله ليترك العمل بالحقل ويصبح مثقفا لا يشغله من أمور الدنيا إلا القلم والكتاب، حتى يكون أهلا للالتحاق بالسربون، منارة العلم وقبلة الفنون، وبعد عشر سنوات لم يفلح الحمار الذي تمرد على عيشته، من الوصول إلى غايته، فعاد مردداً من تمرد على خلقته، عجل بمنيته.

وعلى نفس الدرب سار الفرنسي موليير في تهكمه على المتعالمين، وتجار الكلمة وأشباه المثقفين، إذ أرسل لأحدهم إثنى عشر حمارا للالتحاق بأكاديميته التي أطلق عليها أكاديمية الحمير، وذلك في مسرحيته مسيو دي بورسونياك.

والآن أتساءل مع كثير من الأسف ماذا لو زار موليير جامعتنا، وشاف عن قرب أحوالنا، واتكلم مع التلامذة والأساتذة وبص في المناهج وطالع الكتب، هيلاقي كله بلح والنضيف منه زغلول والباقي رطب.

وطلبت إحدى الفتيات النابهات وتدعى "نهلة رزق" المداخلة : فقالت كلامك يا أستاذنا لا يخلو من الجدة والطرافة، وأثرى الندوة بكثير من الأخبار عن مكانة حبيبنا في الأدب والثقافة، ولكنني أضيف على ما تقدّم بعض الطرائف والظرائف : فقد سرق الأزهريون بغلة حسن العطار ونعليه بعد صلاة الجمعة، عقابا له على ما بدر منه في مشروع تطوير الدراسة في الأزهر وتحويله إلى جامعة، وكان إبراهيم باشا بن محمد علي قد أهدى الشيخ بغلا ذكيا يستطيع أن يصل إلى موضع الباشا أينما كان لجمع الشمل بينهما ولمّه، وذلك اعتمادا على ذاكرته التي لا تخطأ رائحة ركوبة الباشا لأنها أمه. وبذلك كان للبغال والحمير، دور في الثقافة والنهضة والتنوير، وأضيف كذلك قبل ما أنسى عشرات القصص والحكايات التي رويت عن حب الزهاوي الشاعر لحمارته البيضاء، التي أصغت لأشعاره قبل أن تتناقلها المسامع ويرددها الناس وتملأ الفضاء.

ولنتذكر قصة مزرعة الحيوانات للأديب الإنجليزي جورج أورويل (1903-1950م) التي كتبها ليشيد بأخلاق حبيبنا الحمار، وتروي أن أبا الصابرين سهر على صديقه الحصان محاولاً تطبيبه أثناء مرض الاحتضار، ودفعه وفاءه ورفقه بخليله أن يتلقى عنه لدغات الذباب والحشرات، وأعدّ له طعاما لينا وبعض المسكنات، ومرقداً مريحاً من القش، أملاً في إحضار صاحب المزرعة طبيب لمداوته بالحقن أو بالرش، ولكن بعد فوات الأوان فجاءت عربة الموتى لنقله لمجزرة الحيوانات، وتقطيعه ليصبح طعامًا للأسود في الحديقة وكتابة نهاية أعظم قصة للوفاء والوئام لحصان كان محبا للحياة برفقة أصحابه ولكنه مات، ولم يبق من سيرته إلا دموع الحمار وعشرات الذكريات.

وانهمرت الدموع من عيون الفتاة مرددة أين نحن من هذه الأخلاق فيما يحدث بيننا من حسد وبغض وانشقاق، ما زلنا نعاني منه بين الأخوة والرفاق؟ وصفق الحضور، تشجيعًا للفتاة وحنكتها في سرد الأحداث وأعاظم الأمور، وقدرتها على توجيه النوادر والأخبار لمعالجة أوضاع في المجتمع وألقت عليها مزيد من النور، بأدب جم وبعيداً عن الصلف والغرور.

واستأنف الأديب حديثه : ويسعدني أن أختم حديثي بالثناء على حمار من نحن في ضيافته، وما زلنا نتعلم من دربته وحكمته، أعني حمار جحا وهو الأشهر بين الحيوانات فعرفناه متكلما ساخرا وناقدا متهكما وخير باحث عن الحقيقة، وصاحب النكتة بالسليقة.

وأشهد الحضور أنه صادق في وصيته، ومحق في مشروطيته، ومن ثم يجب علينا الاعتذار، عما بدر منا في حقه من بذاءات في النكات والأسمار.

وقبل أن تنتهي الجلسة، وقفت إحدى الفتيات واسمها بسمة : أرجوكم اسمعوني ببعض الاهتمام، فما أحمله إليكم انتقيته من بطون الكتب وفيض صرير الأقلام، فموضوع مداخلتي له شجون، عن دور الحمار في مختلف الفنون، فهل سمعتم قبل اليوم عن الحمار الرسام؟

فأنا لا أكذب ولا أبيع أفلام. فقد ثبّت أحد النقاد الفرنسيين، ويدعى "رولاند دورجوليس" عددا من الفرشات المنغمسة بالألوان في ذيل أحد الحمير ولصقها بلصاق متين، وذلك ليسخر من الفنانين التكعيبيين والتشكيليين والرمزيين والسرياليين. ثم راح يُأكل الحمار الكثير من الجزر، ليزيد من هز ذيله والرفس والهزر. فتتحرك الفرشاة على لوحة بيضاء قد ثبتها الناقد في موضع مكين وحدثت المعجزة عام 1910م فخرجت اللوحة بعشرات الشخابيط الملونة، ومئات النقط غير المقننة.

وأطلق الناقد على هذه اللوحة غروب الشمس، وادّعى أنها لرسام مغمور يدعى برونالي وقد رسمها بالأمس. ثم عرضها على النقاد المتحمسين للفنون التشكيلية، فقالوا عنها إنها بديعة وتنبأ بميلاد مدرسة جديدة هي الطفحية. وأن راسمها عبقري ومبدع، وأن حسه الفني هو الأروع. ولكنهم أصيبوا بالخزي والإحباط والكسوف، عندما أخبرهم الناقد بحقيقة أمرها وصاحبها الذي لم يمسك قط بالفرشاة، ولم يدرس الرسم ولا كتابة الحروف، وأن اسمه الحقيقي "أليبورون" هو أحد ألقاب الحمار، وعند المثقفين معروف.

وهل علمتم أن الحمار كان ملهما لأشهر رسامي الكاريكاتير الساخر، ومنهم الأسباني فرنشيسكو دي نويا وغيره من الرسامين من العرب والعجم الذين ليس لهم أخر، ومن أشهر اللوحات الفنية، اللي كان بطلها الحمار وخدت شهرة عالمية، لوحة صومعة المجانين، وهي رسوم حفرية للألماني البريخت دور أبو التفانين. وأخرى صور فيها الهولندي بيتر "بروجل" الحمار وهو تلميذ، في مدرسة لا يصغي فيها أحد للمعلم سوى حبيبنا الفطن اللذيذ. وُحكي عن الرسام الأسباني بيكاسو إنه أراد إعادة ما جرى ودار، ورسم لوحة زيتية من إبداع ذيل الحمار، وأحضر الأدوات، وتذكر ما حدث وفات، وأضاف بعض التعديلات، إذ كان يحرك اللوحة إلى اليمين وإلى اليسار؛ ليتمكن من ملئ كل الفراغات، بالخطوط والأشكال التي كانت تعملها الفرش المثبتة في ذيل الحمار، ثم عرض اللوحة للبيع وقيل أن اشتراها أحدهم بـ 25000 دولار.

والآن أسألكم : هل سبقني أحد في نقل إليكم هذه الطرائف والأخبار؟ فضحك كل الحاضرين، وعبروا بالتصفيق والضحك عن امتنانهم لحكايات الفتاة وهم مسرورين. وعلق أحدهم أن ما نسمعه اليوم، من أصوات تغني للحمار لا ينبغي أن نقدّم إليهم اللوم، إلا على البذيء من الكلمات، والصوت والنغمات، لأن معظمهم بشهادة الشهود والنقاد والتقارير، صوتهم أنكر من صوت الحمير.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم د. عصمت نصار

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4995 المصادف: 2020-05-09 01:58:26