 أقلام ثقافية

لنتحدث عن النظافة

كنت بصحبة شاعر، انه يصر على انه شاعر وربما مفلق، رغم اعتراضي على شاعريته. لا يغير سترته النادرة وبنطلونه الجينز، ربما يعتقد بانها من علامات الشاعر! دخلنا من شارع فرعي بعد الساحة المؤدية الى سوق الغزل، تسد جانب منه كومة هائلة من الازبال، بدون اكتراث المارة، قلت له اتعلم كم عدد وانواع البكتريا والمكروبات بهذا الكوم، فقال انت رأيت تلا وسأريك جبالا، فسألته هل هذا مقطع قصيدة؟ فقال ممكن، فقد تساوى القبح والجمال والنظافة والجرب.. وهذا يستحق اكثر من قصيدة، اكتشف جمال القبح والقبح في الجمال!! قلت له هذه قصيدة فلسفية. كنت اعرف هذه الدرابين المؤدية الى شارع الرشيد. والبيوت المتلاصقة الايلة الى السقوط وتعرجات الدرابين الموحلة والمجاري الصغيرة الي تخترقها وتفيض على الجانبين، وخطر لي ان اذكره بما كانت عليه، ووجدته يشير الى بيوت متلاصقة ولكن صغيرة وزغرفة واجهاتها المنحونة. وقال اكثرها فارغة او مهجورة. كنت مذهولا بشرفها وشناشيلها المطلة على الدرابين وممراتها الصغيرة التي تحجب الشمس، فتظل باردة تثير الراحة والتأمل، كأنني اراها أول مرة. ودخلنا بدربونة صغيرة متعرجة ومنها الى شارع الرشيد, كان فارغا، وهناك بائع ينظف الشارع والمجال امام بضاعته، سلمنا عليه فرحب بنا، قال له: ماذا تنظف؟ فرد: لانه ماكو شغل. واضاف: صار زمان وانت هارب.

ـ اين كنت؟

ـ في بغداد!

ـ ولماذا لا تأتي؟

ـ سآتي وسأسكن هنا!

ـ تسكن هنا، بعد ان رحل الناس.

ـ نعم، سأسكن هنا لعلهم يعودون يوما!

ـ وتترك محلتك؟

ـ نعم.

تأثرت قليلا وقلت انه شاعر، ولكنني لم اقل له بانه شاعر. قبل ان ندخل شارع المتنبي، انزوت المحلات على جانبي الشارع، وانتشر باعة متجولون تقاسموا الشارع مع المارة، حين تمر بالشارع لا بد ان تتفادى اكوام الازبال والكرتون فارغا ومعبأ، وعربات الباعة المنتشرة بفوضى على الجانبين. حين انتهى الشارع ودلفنا بشارع التنبي، زفر بقوة كأنه تخلص من عبء ثقيل، مئات الرواد تجوب الشارع، ومكتباته، وتتصفح الكتب المنشورة وسط الشارع وعلى جانبيه، نتدافع احيانا لاجتياز امتار قليلة من الشارع. واللافت ان شارع المتنبي نظيف، فقلت: هذا من ذوق المثقفين، فشعر بالامتنان، واضاف بزهو خاصة الشعراء.

على مسافة ليست بعيدة من الجهة الثانية من شارع الرشيد، واجهتنا سينما الوطني، تحيط بها اكوام الازيال والنفايات بعد ان تحولت الى مخازن لمختلف انواع البضائع والمستعملات. فقال أتدري ان هذه السينما اول سينما بشارع الرشيد وربما في بغداد, قلت له: اعرف بانها من اقدم السينمات في بغداد، ولكنني لا اعرف بانها الاقدم. فقال: نعم، بناها يهودي، لا اتذكر اسمه. وقادني الى امام واجهة السينما المغلقة، فلاحظت النقوش على واجهتها العريضة. قلت له: انها لا تختلف عن النقوش العربية والاسلامية بشيء، ولكنني ركزت على ألوانها تبدو رغم قدمها، لامعة وذات ألوان نادرة ومتناسقة، كانها لوحة من الالوان المبهجة حقا.. وتأسف كثيرا على ما آلت اليه بغداد ومعالمها الحضارية والمدنية.

بنهاية شارع المتنبي انتصب تمثاله العملاق المطل على دجلة. مع فسحة كبيرة تتيح للمارة رؤية ضفاف دجلة. ويتدرج اسفل التمثال منحدر متدرج يوصل الى مراكب نهرية، تأخذ الركاب بجولة نهرية على الاحياء والبيوت المطلة على جانبي النهر من الكرخ والرصافة. تدخل السرور الى النفس لولا اكوام الازبال على شواطئ ومسنات دجلة. وماؤها المنساب بهدوء كأنه نائم او حالم. ما زلنا نقف بجانب تمثال المتنبي، فقرأ بيت الشعر المنقوش اسفله:

انا الذي نظر الاعمى الى ادبي

واسمعت كلماتي من به صمم

باسف الى ما ال اليه الشعر والشعراء في زماننا.

جلسنا بمقهى البلدية. بمنصف شارع المتنبي. يضج بالرواد والمثقفين والطلاب، يصعب سماع محدثك فيه، وفوق المقهى مقهى ثان اكثر هدوءا، قلت له، لنصعد الى المقهى العلوي، فتحسس جيوبه، ولكنني كنت قد سبقته الى الدرج المؤدي الى المقهى. وجدنا شرفته نظيفة، يقدم الشاي والقهوة والاراكيل، اوصينا على قهوة. ونحن ننظر ونتأمل كور النحل الضاج في الاسقل، عدد النساء قليل قياسا بعدد الرجال في المقهيين. نهض وقال، سأذهب الى هذه المكتبة، وسرعان ما عاد قبل ان تصل القهوة وهو يتذمر ليس لديه سوى مصادر علمية.

 واضاف لندرتها كنت اطبع له "صاحب المكتبة" ملازما حين كنت اعمل مساعد طباع، لندرتها وكثرة الطلب عليها من الطلاب بشتى العلوم. فكان الدكتور كما يسميه او صاحب المكتبة، يقوم باتصالات ماراثونية مع المؤلفين للحصول على موافقة اعادة طبعها بفصول وملازم مستقلة. واغرب ما قال بانه يخسر احيانا من اجل توفيرها وتوفير المصادر العلمية للطلاب واحيانا مجانا!

وسالته عن استاذه. قال لديه اشغال خارج بغداد وسيعود غدا او بعد غد . واضاف : "اني هسه مرتاح" الى ان يعود . وضحكنا بصوت عال لفت انتباه من في المقهى وسرعان ما عاد الوضع الى طبيعته قبل ان نغادر المقهى .

مررنا بنفس الشارع الذي اتينا منه الى شارع المتنبي. وجدنا الازقة والشوارع التي مررنا بها مليئة بالازبال والنفايات الى ان وصلنا الى ساحة الامين القريبة، محاطة بالمحلات والباعة واكشاك من كل نوع، وغارقة بالازبال والنفايات. لم يزفر هذه المرة، فقد قابلنا ونحن نتجه الى ساحة الامين تمثال معروف الرصافي.

كانت الساحة الدائرية الصغيرة، اسفل التمثال الوحيدة نظيفة ومرتبة. يطل الرصافي عليها، وعلى الساحة الدائرية التي يتوسطها تمثاله، بهامة عالية ونظيفة. وسط صخب الباعة والمتسوقين من حوله، والازيال والنفايات المنتشرة بكل مكان في الازقة والشوارع المتفرعة من ساحة الامين وسط بغداد .

 

قيس العذاري

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5024 المصادف: 2020-06-07 13:14:45