 أقلام ثقافية

قراءة في قصة قلب ضعيف لدوستويفسكي

فراس زوينطوال قراءتي قصة قلب ضعيف للكاتب الروسي الكبير فيديور دوستويفسكي رافقني سؤال حول سبب عدم واقعية السرد الروائي في بعض الأحيان، وركونه الى منحى بعيد عن الواقع في الطرح ، ولعل الاجابة على هذا السؤال بأن هذا النمط من الادب هو الطريق الامثل الذي يمكن القارئ من تصور كل ابعاد الفكرة الفلسفية او النفسية او الاجتماعية المرسومة بالكلمات والتي اراد الكاتب ايصالها من خلال اسلوبه السردي، في حين قد تعجز عنه اعظم الدراسات النفسية او الفلسفية، وهذا ما يلتمسه القارئ بكل وضوح في قصة قلب ضعيف    لدوستويفسكي .  

تروي لنا قصة قلب ضعيف احداث الايام الاخيرة والصراع الداخلي الذي رافق بطلها (فاسيا) والتي قادته الى نهايته المأساوية، حيث تبدء الاحداث عندما يقوم بطلنا الذي يعمل كاتباً في احدى الدوائر بإيقاظ صديقه (اركاديا) في منتصف اليل ليخبره بقلب طافح بالأمل ونفس مشرقة بالسعادة بقراره المفاجئ ، سأتزوج !! ويكمل بطلنا كلامه بكل فرحة سأتزوج الفتاة التي احببتها وشغلت بها طوال ثلاث اسابيع من العذاب والامل والخوف من الرفض، وفي غمرة سعادة الصديقين بهذا الخبر المفاجئ والسريع يفاجئ (اركادي)  صديقه بسؤال كان قد غاب عن عقله وسقط من كل حساباته (هل أكملت كتابة النسخة التي طلبها منك رب العمل جوليان ماستاكوفتش؟) قد لا يبدوا هذا السؤال ذا أهمية ولكنه سيكون الزلزال الذي يدمر حياة بطل الراية فاسيا، فكانت اجابته بكل بساطة لا ولم يعر للأمر أي اهتمام فلازال امامه يومان وسيبدأ منذ الليلة بل منذ الان بنسخ ما مطلوب منه،

ان الحب الوليد والخوف والقلق والسعادة التي شغلت (فاسيا) في الأسابيع الثلاثة الاخيرة اخذته من نفسه وبعثرت كل اهتماماته وواجباته حتى نسي او تجاهل نسخ أي ورقة من الكتاب الذي كلفه به رئيسه بالعمل، ولكن الأمور تبدء تأخذ منحى ثاني عندما يبدء خوف بطلنا من فقدان لكل الاهتمام الذي كان يبديه صاحب السعادة (رب العمل) والذي يحرمه من المكافئات المادية التي يحصل عليها في نهاية كل شهر وتعينه في حياته بل ان هذه المكافئات خلقت له فسحة مالية سمحت له بالتفكير بالزواج،

والان كل شيء مهدد بالزوال، فلم يبقى سوى يومين على موعد تسليم الكتب وانه على ثقة بانه سيخسر كل ذلك وسيعاقب بشدة بان يجند في الجيش في فرقة تأديبية بسبب اهماله وتقصيره في أداء مهامه، وتحت هذا الضغط النفسي الرهيب لم يتذكر او يخطر على باله ان وركه المخلوع والذي يشكل له آفة جسمية ستمنع تجنيده في كل حال من الأحوال، 

ان اضطراب بطلنا ومأساته الحقيقية التي دفعت به نحو الهاوية هي خوفه من خسارة سعادته الوليدة بخسارته خطيبته، فأن اوهام بطلنا وخوفه جعل عقوبة ترحيله وتسويقه للخدمة في الجيش على الحدود الروسية امر واقع لا محالة، حيث تحولت السعادة والاستقرار الى كابوس يطارده وقلقه يهز استقراره الذهني والنفسي بصورة تبعث على الحيرة من سرعة تدهورها لتصل به في نهاية المطاف ان يفقد كل وعيه وادراكه امام اوهام كتبت له نهايته المريرة.

 الجنون.. هو نهاية بطلنا صاحب القلب الضعيف بعد انهياره امام اوهامه في مشهد اكثر من رائع يرسمه دوستويفسكي بكلماته، عندما يستيقظ (اركاديا)  في منتصف اليل ليجد صديقه العزيز فاسيا وهو يجري على الورق ريشة بغير حبر، ويقلب صفحات بيضاء مسرعاً في ملئها اسراعاً رهيباً في مشهد مؤلم ، لكن لن يكمل عمله ابداً، لقد فقد الرجل عقله، وسيساق بكل تأكيد ولكن ليس للجيش وانما لمستشفى الامراض العقلية. 

قد لا تكون رواية قلب ضعيف بضخامة وحجم العديد من اعمال دوستويفسكي مثل الجريمة والعقاب او الابله او المقامر الا انها كشفت جانب عميق من معاناة الانسان العصري في مواجهة المجتمع الحديث بضغوطه الاجتماعية وانظمته وقوانينه التي لا تعبئ بالإنسان وعلاقاته الاجتماعية ولأتعترف بها، وهو ما يدفع بالعديد الى حافة الانهيار او الجنون لعجزهم عن التكيف مع واقع يلغي كل ما هو انساني ويؤسس على انقاضه مجتمع مادي يسير بخطى حثيثة ننحو الهاوية.

ان هذه القصة التي تمثل بدايات ابداع دوستويفسكي تعكس في الوقت ذاته عبقريته وتفوقه على غيره في مجال البحث النفسي وارتباطها بباقي العلوم الادارية والاجتماعية، فقد سبق مؤسس مدرسة العلاقات الإنسانية في الإدارة (إلتون مايو) والذي اهتم بدراسته بالإنسان وعلاقاته الاجتماعية والظروف النفسية  والبيئية التي تحيط به وكيف يمكن ان تؤدي في نهاية المطاف الى خلق انسان مكبل بقيود الروتين الاجتماعي والظروف الحياتية وغير منتج او انسان متماسك اجتماعياً ونفسياً قادر على العطاء وزيادة الإنتاج .

 

فراس زوين

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5026 المصادف: 2020-06-09 01:51:42


Share on Myspace