جمال العتابيلماذا أراك بهذا الحزن؟ عيناك لا تقويان على الحزن، هل ضجرت حين سرقوا لوحة عنوانك القهوائية اللون بخط النسخ الجميل لعبقري مدرسة بغداد في الخط العربي، هاشم محمد البغدادي، واسم صاحبك قاسم محمد الرجب، بالتعليق الأبيض الرشيق، كأن هاشم أراد ان يصنع لمهرك زهراً لوجهك الأنيق.

كلنا لإنتهاء يا مكتبة المثنى! لماذا تخافين الهجر والغياب؟ حين أشعلوا النيران في باحتك الفسيحة، كانت النوافذ مغلقة، تعالي سأفتح بابي لك، أفتح بيتي وقلبي، ادخلي أي نافذة شئت، أو أي باب! أي وعينيك.

لم لانتفق ان نكون شركاء في استقبال ضيوفك، ومعك مصطفى جواد، كوركيس عواد، فؤاد جميل، صفاء خلوصي، صالح العلي، امجد الزهاوي، روفائيل بطي، ناجي الاصيل، مصطفى الشيبي، محمد الاثري، عبد العزيز الدوري، يوسف عز الدين، عناد غزوان، مهدي المخزومي، جليل العطية، واخرين من الاعلام، فالأحاديث في مجلس الرجب تنمو سجالاً، كما الذكريات سجال.

1348 مكتبة المثنى

وحده قاسم الرجب يعرف وعورة الطريق، والتواءات الأزمنة، عاف مدار طفولته، وترك المدرسة الإبتدائية بسبب الفقر، فإنتقى منه ما يلهمه في الانتصار عليه، فكانت رحلة مشرقة انتصرت فيها الكلمة.

في ليل غارق في لجّة الظلام، أحرقوك، ياهولها النار التي التهمت الجدران الخرساء؟ مثل غول يفترس الصغار، لم تترك النيران غير دمع ينزف على الحجر، وارض ساخنة كأصابع قنبلة، من يستعيد رائحة الكتب؟ وضوء الفوانيس المتدلية من اعلى السقف تتمايل غنجاً، تخفق مثل طيور البحر! حين احترقت، لانك لم تطع ما يأمر به الطاغوت، خيروك بين الموت والنار تصطلين بها وحدك بصمت، سوى وقع بساطيل العسس الليلي في شارع المتنبي.

في أيامك الأخيرة كنت أسيرة القيود، تسحبك الى حيث يشاء القاتل، فلا مفر لك سوى ان تموتي ميتةً معجلةً. الطريق اليك يا مكتبة المثنى، صعب  ومزدحم بطوابير اسلحة الموت والإغتيالات، والأرض لا تسع الشهداء!!

ردي عليّ لهفتي، اعرف انك مكبلة الروح؟ واعلم انه عبث وفراغ يد ما حصدنا، لكنها شهادتك انت، أو وصيتك الاخيرة.

المكتبة : خلت اني اتلاشى دون ان يبصرني المارة ويقفو أثري أحد الأصدقاء، قلت انتهي في بداية فجر، لست أقوى على حماية كتبي، فقد أكلتها النيران، وها انا اقتات على حزني، كميتٍ لم تغثه النادبات، نهبوا عنواني، لم يتركوا غير أشياء بلا ذاكرة، تهمتي انني انشر المعرفة، ومنحازة للعقل المتنور، أحرض ضد الظلام والجهل، وأكرم ضيوفي من العلماء، فردّوا عليّ الصاع صاعين، ها انا أموت، وأمشي لنهايات الحياة.

 

جمال العتّابي

.........................

اذا قُدر للحيطان ان تنتحب

في عرس جنائزي، لمبنى ليس له شميم الماضي ولا عطره ولاذكرياته، ولا حتى مآسيه .

المتوسطة الغربية في الباب المعظم، لم يعد الماضي يسكنها، بعد ان لملم زمانه الشائخ وانطوى، اقف امام واجهتك، كما لو كانت حلما او ذكرى منسية، امامك تسقط كل ذكريات الفتية وحقائبهم التي تحمل اسرارهم واحلامهم، الفتية الذين تعلموا في اروقتك شرط وجودك الانساني المتسامي، ومقامك العلمي الرفيع، وارثك الباذخ في التفوق، ها انا ارثي مجدك المضاع لان الزمن لم يعد يأبه بالعلم والمدرسة !!

فأي ارث هذ الذي تزمين شفتيك كرها دون ان تموتي؟

1349 مدرسة العربية

 

جمال العتابي

 

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – القريبون من بعض روحيّا ينجذبون نحو بعضهم البعض .

التعليق –  ونحن نقول في مثلنا الشهير – شبيه الشئ منجذب اليه . المثل الياباني اكثر دقة، اذ انه يتحدّث عن (القريبين روحيّا) . يوجد مثل روسي طريف جدا في نفس هذا المعنى ايضا يقول – صيّاد السمك يرى صيّاد السمك الآخر عن بعد...

**

الترجمة الحرفية – لا تتدخل في الخلاف بين الزوج والزوجة .

التعليق – هذه (نصيحة!) يابانية صحيحة فعلا وثمينة حقا، فالخلاف بين الزوج والزوجة ظاهرة طبيعية في كل المجتمعات، وغالبا ما تنتهي بالتسامح والتغاضي و(عودة المياه الى مجاريها!)، وعندئذ يبقى أثر التدخل سلبيا تجاه ذاك الذي تدخل بينهما . المثل العربي يقول – لا تتدخل بما لا يعنيك فتسمع ما لا يرضيك .

**

الترجمة الحرفية – المهم ان تبدأ.

التعليق – البداية صعبة عادة في كل شئ، وغالبا ما يتردد الانسان من الاقدام عليها، لهذا يشير المثل الياباني الى ان المهم ان يبدأ الانسان . المثل الروسي يقول - البداية الطيبة تشفط نصف العمل، والمثل الهندي يقول – البداية الجيدة نصف النجاح، وكل ما تشير اليه هذه الامثال صحيح فعلا ...

**

الترجمة الحرفية – في أيام السلم لا تنسى أخطار الحرب .

التعليق – مثل يتناسق وينسجم كلّيا مع تاريخ الكثير من شعوب العالم، بما فيها الشعوب العربية، رغم ان ايام السلم أقل – مع الاسف الشديد – من ايام الحروب لدينا ...

**

الترجمة الحرفية – يعطون من أجل ان يستلموا .

التعليق – ولا يوجد من يعطي عبثا ودون ان يفكّر او يخطط كي يستلم، وهناك مثل بلهجتنا العراقية يقول -  بلاش ما ينحاش، (بلاش – مجانا / ما ينحاش – لا يمكن ان تحصده، اي دون نتائج).

**

الترجمة الحرفية – عندما ترتوي، تنسى العطش .

التعليق – يوجد مثل صيني في نفس المعنى يقول – عندما يلتئم الجرح تنسى ألالم . هذه هي طبيعة الحياة الانسانية، ف (الزمن يداوي)، كما يقول المثل الروسي ...

**

الترجمة الحرفية -  المهم ليس المنصب، المهم التربية .

التعليق – كم يبدو هذا المثل مطابقا لما يحدث بيننا الان وحولنا، وكم من امثلة رهيبة صادفناها في حياتنا تؤكد صحة هذا المثل ! هناك مثل روسي يصف هذه الحالة يقول – من القذارة الى الامارة ...

**

الترجمة الحرفية – والضيف النادر في اليوم الثالث يصبح مزعجا .

التعليق – المثل الارمني يقول – ملعون البيت بلا ضيوف، لكن ملعون ايضا الضيف الذي يأتي في المساء ولا يخرج حتى الصباح .

**

الترجمة الحرفية – عندما يتكلمون عن المستقبل، الابالسة تضحك .

التعليق – مثل مرح وحزين في آن واحد، رغم ان صاحبي قال، انه تراجيدي بكل معنى الكلمة وقبل كل شئ ...

 **

الترجمة الحرفية – لا الكهول ولا الشباب يعرفون متى تحلّ ساعتهم .

التعليق – لنتذكر الآية الكريمة - ... ولا تدري نفس بأي ارض تموت ...

**

الترجمة الحرفية – الندم المتأخر لا يصلح (بضم الياء) الذي حدث .

التعليق – ... ولآت ساعة مندم ...

**

الترجمة الحرفية – ما دامت توجد حياة، فالأمل موجود .

التعليق – ونحن نقول ايضا -  لولا الامل لبطل العمل . المثل الياباني دقيق وحاسم جدا واكثر وضوحا ...

**

الترجمة الحرفية – لا نقيّمه ما دام على قيد الحياة، يموت فنتأسّى عليه .

التعليق – يقول المثل الروسي في هذا المعنى –  لا نحافظ على ما نملكه، و نبكي عليه عندما نفقده ..

***

أ.د. ضياء نافع

...........................

من كتاب (أمثال شرقية مترجمة عن الروسية) بطبعته الثانية، المزيدة والمنقحة، والذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد قريبا.

ض.ن.

 

جواد غلوماعتدنا منذ ان شببنا على حبّ القراءة واقتناء الكتب ان نخلق علاقة حميمة بيننا وبين الكتاب، وكم سهرنا الليالي الطوال ونحن نضمّ هذا الصديق الأليف بين صدورنا ونقلّب أوراقه ونتلذذ بتصفحه وكأن شميم ورقه يشبه أنفاس حبيبةٍ تختلط بأنفاسنا ونأخذه بالأحضان وهو يغذّينا وعياً وثقافة وتهذيبا .

إلا اننا الآن بدأنا نتآلف مع كيبورد اللوح الالكتروني رغم سكونه الفجّ وبرودته، وغداً او بعد غد سوف ننسى ارتعاش الروح في الكتاب الورقي ونفتقد الإحساس الجميل والتفاعل الحميمي الذي يبعثه الورق فينا .

هذا الكتاب الذي نحبه ونعشق إضمامته الى صدورنا سيودعنا الى غير رجعة في غضون السنوات القليلة المقبلة ويؤذن بالرحيل عاجلا وسوف يسلّم عهدته الثقافية الى صديقنا الجديد الكتاب الالكتروني لتختفي الأوراق  والمحابر والمداد وتتراءى لنا الشاشة في اللوح الالكتروني بدلا من الصفحات الورقية ومجلّدات الكتب التي أفرغت جيوبنا وأخذت مساحات ليست قليلة من بيوتنا على شكل مكتبات ذات رفوف قد تصل الى السقف لكنها ملأت عقولنا ثراءً معرفيا.

غير اننا الان نستطيع حمل مئات الكتب ونضعها في لوح إلكتروني لا تزيد مساحته سعة حقيبة يدنا وربما تندسّ في جيب بنطالنا  قطعة فلاش تحوي خمسة الى عشرة كتب وهي بوزن قطعة نقدية معدنية، وقد نشتري  حزمة من الكتب التي تفوق الألف ببخس ثمن وأقل من سعر كتاب او كتابين ورقيين غاليين بحيث لا نُفرغ جيوبنا من مال قد نحتاجه لإدامة صحتنا وترتيب حياتنا المعيشية وبنفس الوقت لا نثقل بيوتنا بمساحات ورفوف عالية ومكلّفة لتسكين الكتب الورقية .

ولا أغالي لو قلت ان المكتبات الكبيرة في بناياتها والتي كنا نرتادها في بغداد مثل المكتبة الوطنية والمكتبة المركزية وحتى المنتشرة في الأحياء، او القريبة من الجامعات سيتم تحويلها الى أغراض أخرى بما في ذلك المكتبات القائمة في الشوارع الثقافية حيث ستتحول الى محلات صغيرة لبيع مستلزمات العولمة الالكترونية بدءاً من الفلاشات الصغيرة جدا والأقراص المدمجة والتلفونات والألواح الالكترونية والمطابع وغيرها .

سنقول لاحقا وقريبا جدا وداعا ايها الناشرون لا لقاء بعده بكم، فقد أرهَـقَـنا جشعكم المالي ومللنا مواعيد عرقوب التي صارت لازمةً في أحاديثكم وأضاليلكم ووداعا آخر لزيارة معارض الكتب فلم تعد أقدامنا تحثّنا على ضرورة الحضور إليها واقتناء ما نريد وسوف نشتري الكتاب الذي نودّ اقتناءه  من معارض الأمازون  والنيل والفرات وغيرها الكثير الكثير ونحن نتكئ على سريرنا دون ان نحث الخطى الى مكتبات المتنبي والنهضة والمثنّى والتحرير ومكتبة فلسطين  ودكاكين سوق السراي التي بدأت تمتلئ بمستلزمات الكتاب الالكتروني .

ألا ترون معي ان غالبية زوّار متنبي بغداد هذه الأيام لم تعد تعنيها شراء الكتب الاّ النزر اليسير جدا، وما زياراتهم المتكررة  أيام الجمعة خاصةً إلاّ للتنزه في أثَـرٍ وإرثٍ يوشك ان يزول ويغلق أبوابه كما غلقت أبوابها صحيفة الاكسبريس الأميركية مؤخرا واحتجبت عن الصدور ورقياً ووخزت قرّاءها كلاما لاذعاً في عددها الأخير قائلةً : نتمنى ان تستمتعوا بلوحاتكم الالكترونية الحقيرة .

قريبا سنهيئ قصائدنا نحن الشعراء الحزانى فاقدي الكتاب الورقي الصديق الاوفى وسوف نطبعها في تلفوننا الذكي ونقرأ شعرا في باحة وحدائق " القشلة " لنرثي الكتاب؛ تماما كما كان أجدادنا الشعراء الأوائل يبكون على أطلال حبيباتهم . فمَن يراهنني على يقيني الأكيد؟؟ .

 

جواد غلوم

 

جمال العتابيألحّ ماركس على زميله أنجلز قبل فترة وجيزة من تسليمه مخطوطة المجلد الاول من رأس المال، بضرورة قراءة قصة (التحفة المجهولة) للكاتب الفرنسي بلزاك، القصة عن فنان عظيم، اسمه (فرنهوفر)، صرف عشر سنوات من عمره يرسم ويعيد (بورتريه)، كان يعتقد انه سيحدث ثورة في الفن التشكيلي، سمح فرنهوفر لصديقيه ان يطلعا على العمل بعد الانتهاء منه، أصيب الصديقان بالذعر لمشاهدتهما عاصفة عشوائية من الاشكال والالوان متكومة بعضا على بعض بطريقة مشوشة، صاح فرنهوفر: اظن انكما لم تتوقعا مثل هذا الكمال؟ رد احدهم: لم يبق فيها اي معنى!

تمعن فرنهوفر في اللوحة للحظة، وبدأ يترنح ثم قال: ليس ثمة  معنى! بعد عشر سنوات من العمل! ثم سقط على الكرسي وأخذ ينتحب، طرد الرجلين، وبدأ بإحراق جميع لوحاته، ثم أحرق نفسه.

بلزاك مارس تأثيره الكبير على ماركس، لان مضمون القصة كان يعتمل في داخله، في رسالة اخرى لانجلز، نقل فيها حرفيا مقطعا من قصة اخرى لبلزاك بعنوان (قس القرية)، وطلب منه ان يؤكد له صورة من الواقع في المقطع، اعتمادا على معرفة انجلز بالاقتصاد التطبيقي، قضى ماركس عشرات السنين لاكمال (تحفته) التي لم يشاهدها احد بعد، ليقول هارولد ولسن رئيس الوزراء البريطاني بعد مائة عام من صدور رأس المال، متباهيا انه لم يقرأ سوى صفحتين من الكتاب، كان اكثر مما يطاق تحمله.

كان ماركس مأخوذا بالكمال وتطلب ذلك منه على الدوام البحث عن الوان متدرجة لإكمال لوحته (رأس المال).

لماذا استدعى ماركس قصة بلزاك في اللحظة التي كان فيها يتهيأ لإزاحة الستار عن عمله امام عيون الناس؟ هل كانت تراوده المخاوف من ان كتابه عصي الفهم؟ الاجابة نعم، لان شخصية ماركس عبارة عن مزيج غريب من اعتداد بالذات وشكوك معذبة بها في آن. اذ يقول: لم يزل يتحتم علي وضع اللمسات الاخيرة، البارحة اعتقدت، عندما هبط المساء، اني انتهيت من كتابته.... لكن، عندما طلع الضياء هذا الصباح، ادركت انني كنت مخطئا.

رأس المال يتخطى المؤلفات المكتوبة بعناية فائقة في عصر ماركس ليصل الى عصر حداثتنا، وماركس، مثل فرنهوفر كان حداثيا طليعيا بامتياز، يقول: حين يتبخر كل شيء صلب في الهواء، قرين (الرجال الجوف) لأليوت، كان يتخطى التقليدي، وراء كولاج ادبي راديكالي، ماركس يعتبر نفسه فنانا خلاقا، وشاعرا للديالكتيك، يتطلع للروائيين اكثر من تطلعه الى الفلاسفة، حسب ما وصفه فرنسيس وين في كتابه (قصة حياة كارل ماركس)، ترجمة سعدي عبد اللطيف الصادر عن دار سطور، 2020،قدم له، دكتور حسين الهنداوي، وراجعه جمال كريم.

يصف الكاتب ماركس، انه واحد من العمالقة العظماء المعذبين في القرن التاسع عشر، جنبا الى جنب بيتهوفن، غويا، تولستوي، ديستوفسكي، أبسن، نيتشه، فان كوخ، الذين يدفعوننا الى الجنون، لكن شقاءهم ولّدَ كماً هائلا من الرأسمال الروحي، لا نزال نقتات عليه.

كم واحد منا يفكر ان يضع ماركس في قائمة الكتاب والفنانين الكبار، يتساءل الكاتب، كانت بداياته ادبية محضة، فكتب الشعر وهو طالب في كلية الحقوق في جامعة برلين، وألف مسرحية شعرية، وحتى رواية بعنوان (العقرب)، كان يستعيد مقاطع شعرية من هوميروس، وشكسبير في كتاباته، وجعل رأس المال يتكلم عبر صوت شايلوك، ويورد مقتطفا من تيمون الاثيني (شكسبير)، النقود هي البغي المشتركة بين البشر، ومقتطف اخر من انتيغونا سوفوكليس :النقود لعنة الانسان، ليس هناك لعنة اكبر، النقود هي من تخرب البشر، من ينفي الرجال عن اوطانهم.

قرأ الرياضيات، وعلم الفلك. وتعلم الانكليزية والروسية والايطالية والفرنسية، فضلا عن لغته الالمانية، كان يعيش حالة من الفوضى والفقر المدقع طيلة حياته، كتب لصديقه انجلز :ليس بمقدوري ان اطعم عائلتي الخبز والبطاطا، اني اشك بذلك!! توفيت ابنته والطفل الاصغر (غايدو) بسبب المرض، وابنه الاعز (ادغار)، فقد صوابه اثناء الدفن، وكاد ان يرمي بنفسه الى القبر، ومنعه المعزّون في اللحظة الاخيرة.

ماركس احكم القبضة على الفلسفة الالمانية، وعلم السياسة الفرنسي، والاقتصاد الانكليزي،

واحسرتاه، يقول ماركس، كان يعتقد ان لوحته اكتملت لكن هناك بعض التفاصيل التي يجب اعادة تمرير الفرشاة عليها، ولن يرتاح دماغي الا بعد تنقية بعض الشكوك التي تساوره، يسافر الى تركيا واليونان بحثا عن بعض الموديلات كي يقارن لوحته مع الطبيعة عبر اشكالها المختلفة.

لم يكن فرنهوفر خبيرا في الاقتصاد، او فيلسوفا، او مؤرخا، ولا بلزاك كان كذلك، لكن ما يستوقفنا فهم ماركس لقصة (التحفة المجهولة)، من انها تسودها روح سخرية بهيجة. تعقبها خيبة مريرة وعرض رأس المال لقطات من نتاجات الادباء الكبار، تعطي انطباعا عن طموح ماركس الادبي المعلن .

ماركس اخلص تلقائيا للبعد الانساني فيه، ومن هنا اليقين الذي يدافع عنه فرانسيس وين، من ان ماركسية ماركس، لم تكن ايديولوجيا، بل كانت عملية نقد ديالكتيكي  متواصل وواثق. ورأس المال عمل غير كامل ومتشظ،على حد وصف احد الباحثين (الماركسيين)، ماكسيملين روبل اذ يصفه : ليس بين ايدينا انجيل ماركسي مقدس، يتضمن قوانين ازلية . هكذا يتعامل البعض مصرين على قبول كل ما قاله ماركس صحيحا ، وكل ما لم يقله خاطئاً ، وكلا الرأيين خط

 

د. جمال العتّابي

 

عمار حميداستطيع وعبر ضوضاء الآلاف  من الساعين خلف قوتهم أن أصغي الى الطرقات والأبنية وهي تئن تحت الثقل المجرّد للإسمنت والحديد الصدئ والنفايات التي تحاصرها حيث شوهت سكين القباحة وجه عبقها القديم، لا زالت بعض آثار تدل على ذوق ولمسة من جمال كانت تسري في الماضي البعيد ذبلت الآن وذوت، لكن صوتا ما أو لحنا ما خرج عن المألوف الرمادي والسخامي .

 كان مزيجا ساحرا من  زقزقة عندليب يترافق مع صوت غناء لفلفل كرجي قارئ المقام العراقي الذي ترك وطنه قسرا ومات حزنا وكمدا عليه فانطلقت كلمات غنائه (كلما أمر على داركم أذكر زمان الفات ...) تتبعت عيناي مع الأذن مصدر ذلك الصوت من أحد الدرابين الهادئة التي دلفت اليها فأزداد الصوت ارتفاعا وما زاد جمال الألحان الا جمال المكان حين وقعت عيناي على شرفة احد الأبنية القديمة المتهالكة، شرفة هي الوحيدة التي تكللت بنبات المتسلّق اللطيف وأصص زهور حمراء وصفراء وبيضاء.

وفي وسط الشرفة جلس رجل عجوز أمتلئ وجهه بالحمرة والطمأنينة منغمساً في قراءة جريدة بين يديه وآلة التسجيل الى جانبه تصدح بالشريط الغنائي لقارئ المقام (كرجي) وقفص العندليب بقربها، ادركت عند رؤيتي لهذا الرجل المجهول الذي صنع لنفسه بقعة من الجمال وسط البؤس ان الأمل يبقى حتى وأن أنزوى في الأزقة الضيقة المنسية ليحيي في داخلي بهجة أيام الخير والمحبة والألفة التي كنت اسمع عنها من جدي ووالدي وان هناك من يصرُّ على صنع المحبة ونثرها على غيره، تأملت الرجل طويلا وسرحت معه ومع أزهاره وعندليبه وشدو فلفل كرجي لكن وقوفي امامه بل في حضرته لفت اهتمامه فنظر الي، تبادلنا الابتسامة فألقى التحية عليّ بانحناءة بسيطة ... أكمل قراءة الجريدة وأكملت أنا طريقي مرنماً مع الأغنية (كلما أمر على داركم وأذكر زمان الفات ...)

 

عمار حميد مهدي

ضياء نافعالترجمة الحرفية – انسان بلا رأيّ لا يصلح ان يكون عرّافا او طبيبا.

التعليق – الانسان بلا رأي محدد هو الانسان المتردد في اتخاذ قراره الحاسم في كل شئ، فكيف يمكن – فعلا – ان يكون طبيبا؟ ولكن الطرافة في هذا المثل الصيني تكمن في الاشارة الى (مهنة!!!) العرّاف ايضا. مثل حاذق جدا ويدعونا الى (التأمّل) بطبيعة الانسان وتأثيرها على مهنته، خصوصا اذا كان هذا الانسان طبيبا يعالج أجسادنا، او عرّافا (يتوغل!) في أرواحنا.

**

الترجمة الحرفية – العجل الذي ولد لتوّه لا يخاف من الذئاب.

التعليق – الخوف ظاهرة اجتماعية تأتي نتيجة النضوج والتعامل مع العناصر المحيطة بنا في مسيرة االحياة، والذي تلدغه الحيّة – كما يقول مثلنا الشهير -  يخاف من....

**

الترجمة الحرفية – اللسان مثل الطبر –  يطبر.

التعليق – صورة فنية جديدة عن اللسان في هذه الامثال العديدة جدا وعند مختلف الشعوب، فهو (عدو الانسان)، و(منشار)، و( سهم)، و(سيف) و..و..و..، ولكن هذا المثل الصيني يسميّه طبرا... وقد قال صاحبي وهو يضحك – نعم نعم، هذه هي التسمية الدقيقة فعلا...

**

الترجمة الحرفية – في النهار افكار، في الليل أحلام.

التعليق –  نحن نقول كلام الليل يمحوه النهار، فهل المثل الصيني يرى، ان هذه (المعادلة !!!) صحيحة فعلا ؟ هناك من يقول، ان المثل الصيني يؤكّد صحة مثلنا العربي، لان افكار النهار الواقعية تنسف احلام الليل الخيالية، وهناك من يقول، ان المثل الصيني يقف ضد المثل العربي، لأن الافكار النهارية هي التطبيق العملي لأحلام الليل، وهناك من يقول، ان المثل الصيني هذا (حمّال أوجه)، فافكار النهار واحلام الليل قد يتطابقان بعض الاحيان وقد يتصادمان في أحيان اخرى... وفي كل الاحوال المثل الصيني هذا جميل ويدعونا الى التأمّل في العلاقة بين افكارنا في النهار واحلامنا في الليل...  

**

الترجمة الحرفية – كلمات الكهول غالية مثل الجواهر.

التعليق – لان هذه الكلمات تعكس خبرة الحياة الطويلة، ويعرف (الراسخون في العلم !)، ان اللقب الذي يحمله شاعرنا الجواهري جاء من كتاب كتبه أحد اجداده بعنوان (جواهر الكلام)...

**

الترجمة الحرفية – على شجرة واحدة تنمو الثمار الحلوة والحامضة.

التعليق – وكذلك هي الحياة، ولكن صاحبي قال، ان الثمار الحامضة في شجرة الحياة أكثر من الثمار الحلوة مع الاسف.

**

الترجمة الحرفية – كالفأر عندما كان يحلم ان يكون موظفا،  وكالنمر عندما أصبح موظفا.

ألتعليق – مثل صحيح وطريف ايضا، وكم تكون المأساة كبيرة، عندما يبدأ هذا (النمر!) بنهش وافتراس المحيطين به قبل كل شئ ، وحتى الذين كانوا يتعاطفون معه عندما كان (كالفأر).

**

الترجمة الحرفية – دون صديق جيّد، لا يعرف الانسان أخطاءه.

التعليق – مثلنا العربي يقول - الصديق من صدقك وليس من صدّقك. المثل الصيني يذهب أبعد، ويحدد الموضوع بشكل أكثر وضوحا ودقة.

**

الترجمة الحرفية –  الذي تراه العيون – حقيقة، والذي تسمعه الآذان – مشكوك فيه.

التعليق – كل الامثال عند مختلف الشعوب تؤكد هذه الحقيقة الساطعة، وكم هو مؤسف، ان الانسان في كل مكان لايزال يصدّق (ما تسمعه الآذان)، ومايزال يكرر ما يسمعه...

**

الترجمة الحرفية – الجرذان لا يعضّون القطط.

التعليق – لأنهم لا يقدرون على ذلك، ولهذا يجب ان تسود هذه العلاقة تجاه  جرذان المجتمع الانساني ايضا، والاّ، فان جرذان المجتمع يمكن ان يعضّونا، كما يحدث في بعض مجتمعاتنا.

**

الترجمة الحرفية – والجبال الشاهقة لا تعيق الغيوم.

التعليق – مثل جميل شكلا ومضمونا، شكلا لأنه يرسم لنا لوحة شاعرية جدا، ومضمونا لأنه يؤكد على ان الحياة تنتصر في نهاية المطاف على كل الصعاب والعراقيل التي تقف امامها، مهما تكن تلك الصعاب.

**

الترجمة الحرفية – في الغابة لا يتاجرون بالحطب، وعلى ضفاف البحيرة بالسمك.

التعليق – هل تذكرون المثل الشهير باللهجة المصرية - متروحش تبيع الميّة في حارة السقايين.

**

الترجمة الحرفية – يوجد عقل يمكن ان تطعم الآف الافواه، لا يوجد عقل بصعوبة تعيش لوحدك.

التعليق – العقل اساس الحياة وجوهرها، مثلما العدل اساس الملك ...

**

الترجمة الحرفية – بلسانه مرح، وراء الظهر سكيّن.

التعليق – ونحن نقول بلهجتنا العراقية -  بالوجه مراية وبالكفه سلاّيه....

 

أ.د. ضياء نافع

...............................

من كتاب (أمثال شرقية مترجمة عن الروسية) بطبعته الثانية، المنقحة والمزيدة، والذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد قريبا.

ض.ن.

 

 

 

اعلن المدير العام لدائرة الفنون العامة، علي عويد العبادي، عن خطة عام ٢٠٢٠ بتنفيذ عشرة تماثيل تذكارية لأسماء بارزة ومؤثرة في الشارع العراقي وذلك تخليداً وتثميناً لدورهم الإبداعي ومنه تمثال لشيخ الصحفيين سجاد الغازي.- وقال العبادي في بيان، ان" العمل سيتم في قسم المصاهر التابع لدائرة الفنون العامة على تنفيذ عشرة تماثيل تذكارية لأبرز المبدعين خلال العام الحالي ومنهم {عريان السيد خلف ابرز شعراء الشعر الشعبي، ولميعة عباس عمارة شاعرة العراق الكبيرة، ونزيهة الدليمي أول امرأة تستلم منصب الوزارة في العراق والعالم العربي، وعالمة الآثار العراقية البارزة لمياء الكيلاني، ومظفر النواب، والفنان الكبير سامي عبد الحميد، والراحل ابراهيم الخياط، والروائي محمد خضر، والشاعر كاظم الحجاج} - تجدر الإشارة ان دائرة الفنون العامة كانت قد أنجزت تمثالين في عام 2019 الأول للبطلة أم قصي والثاني للمفكر المغيب عزيز السيد جاسم – وننالم حين يغفل اسم ولا ذكرا للفنان الدكتور سعدي الحديثي الذي خلق وطور الاغنية الفلكلورية العراقية كما لم يخلد الفنان الرائديوسف العاني  - وربمالاسباب  ---- والنبيه يفهم !!

عندما تقيم الدول والشعوب النصب والتماثيل، إنما تفعل ذلك اعتزازا بمبدعيها وتخليدا لهم، وعلى الأصعدة الحياتية والفكرية كافة، بمفردات مواقفها الوطنية والإنسانية المشرفة، لإشاعة معان أخلاقية وإبداعية سامية، حفلت بها سير أولئك المبدعين على طول محطات حياتهم ولتأكيدها كقيم عظيمة في الذاكرة الجمعية للشعوب من خلال وضعها في الشوارع والساحات العامة، كفضاءات بصرية تعمل على تحفيز فضائل جمة في نفوس الأجيال.نعتقد أن الأمم تكرم مبدعيها، فتقيم لهم نصبا وتماثيلا لكي لا يعبروا سراعا سياج الذاكرة، الذي يرى أو يطالع شوارع وساحات بغداد أو ساحات العراق بشكل عام عبر القرن الماضي باستطاعته أن يؤشر أكثر من نقطة ممكن أن تشكل مدخلا نموذجيا لتحليل ظاهرة النصب والتماثيل، وبالإمكان أن نشير إلى تماثيل الشعراء أو المثقفين في مقابل تماثيل السياسيين، كان لنا تمثال السعدون، لكنه بحجم مصغر، وكأن الصورة النقيضة له تلك التماثيل المضخمة التي أقامها الدكتاتور لنفسه، كانت لدينا تماثيل الشعراء أبو نؤاس والحبوبي والمتنبي والكاظمي، ولكنها أخذت بالانحسار لتظهر بدلا منها في ساحات بغداد تماثيل السياسيين - نعتقد إن هذه النصب والتماثيل هي جزء من تاريخ العراق، كما أن الثقافة لا يمكن أن تتجانس مع ما يسمى بالعنف، فليس هناك ما يسمى بثقافة العنف، وهذا مصطلح أوجدته أمريكا، في حقيقة الأمر لا يمكن للمثقف الذي هو ضمير الشعب والإنسان الحساس الذي يتطلع إلى مآسي الناس ويكتب عنها، أن يكون عنيفا، إن الذين يكتبون عن العنف والقتل لا يحسبون على الثقافة، فالثقافة هي مسألة إنسانية

أننا تحلق فوق متحف كبير لوجود كم هائل من النصب والتماثيل الكبيرة التي تؤرخ لمراحل مهمة من تاريخ العراق الحديث وهذه النصب كانت نتاج فكري وفني وثقافي عظيم لمجموعة فنانين عظام كان يشار عالمياً إليهم وإلى أعمالهم بالبنان، وكانت أعمالهم الشامخة في بغداد أشبه ما تكون علامة فارقة» إلا أن الأمر تغير بعد الاحتلال الأمريكي وبعد أن بدأت إفرازات الاحتلال من تخلف وجهل وتسيد الجهلة من الناس ووصول التيارات الدينية المتشددة إلى سدة الحكم بدأت حملة إزالة التماثيل والنصب التي ليس جميعها كان لها علاقة بحقبة النظام السابق، بل إن الحملة قامت بإزالة الكثير من التماثيل والنصب التي هي جزء من تاريخ العراق الذي لا يمكن استئصاله واقتطاعه بسهولة، إذ إنه من المفروض الحفاظ على بعضها وعدم إزالته من الساحات المهمة وسط بغداد والمدن الأخرى، فهنالك شواهد ونتاجات فنية عظيمه تؤرخ لمراحل مهمة من تاريخ العراق.

واخيرا --- كلمتي للسادة المسؤولين في محافظتنا العزيزة الانبار , نتمنى ان تخلد الشخصيات المؤثرة من ابناء محافظتنا والتي تركت بصماتها الثقافية والفكرية، وان تطلق اسماؤهم على شوارع وساحات مهمة توثق حياة هولاء  الرجال والنساء --- ياريت من يلبي النداء !!

 

نهاد الحديثي

 

يوسف ابوالفوزأعلن مؤخرا، عن رحيل الممثل المخضرم، كيرك دوغلاس، عن عمر ناهز 103 عاما، (2020-1916) بعد ان قضى حوالي ستين عاما منها في مجال الفن، وأشهر ما عرف به فيلم سبارتاكوس، الذي أنتجه وقام بتمثيل الدور الرئيسي فيه، والذي يعتبر نقطة مهمة في حياته.  بلغت أرباح الفيلم في حينه حوالي ستين مليون دولارا وكانت تكاليف أنتاجه لم تبلغ 12 مليون، بالرغم من اعتبارها في حينه واحدة من أغلى تكاليف الإنتاج. والاهم ان الفيلم ترشح لـ 17 جائزة سينمائية، منها جائزة الاوسكار لأفضل ممثل بدور رئيس لكيرك دوغلاس، لكنه لم ينلها، بينما نال الفيلم أربع جوائز اوسكار، منها اوسكار أفضل ممثل مساعد لبيتر أوستينوف (2004-1921)، بالإضافة لأربع جوائز سينمائية أخرى مثل جائزة أفضل فيلم درامي من جوائز الجولدن جلوب.

أيام انتاج وعرض فيلم سبارتاكوس عام 1960 كانت أمريكا تعيش اياما عصيبة بتأثير سياسة الإرهاب الثقافي، التي عرفت بالمكارثية، حيث قاد عضو مجلس  الشيوخ الأمريكي ،من الحزب الجمهوري، جوزيف مكارثي  (1908 - 1957)، في ظل سعار الحرب الباردة ، بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، حملة لتوجيه الاتهامات بالتآمر والخيانة دون ثبات الأدلة، للكثير من الفنانين والمثقفين والنشطاء الاجتماعيين، وتسبب في اعتقال وحبس البعض بتهمة الشيوعية وكونهم يعملون لمصلحة الاتحاد السوفيتي، وتسببت الحملة المكارثية بطرد اكثر من 10 الف شخص من وظائفهم وتم التنكيل بعشرات الشخصيات الشهيرة ، منهم مارتن لوثر كينغ و ألبرت أينشتاين وآرثر ميللر وتشارلى تشابلن.

من الأسماء التي شملتها الحملة المكارثية، كان الروائي وكاتب السيناريو الشيوعي الناجح جيمس دالتون ترامبو، (1976-1905)، الذي كان ضمن أشهر الكتاب في هوليوود في فترة الثلاثينات والأربعينات من القرن العشرين. وتسببت الحملة المكارثية بسجنه لأنه ابدى شجاعة فائقة، في مواجهة الحملة، ورفض الاتهامات وتقديم أي اعتراف ضد زملاءه. فجاء الحكم بسجنه لمدة 11 شهرا، مع قرار منعه من العمل لمدة عشر سنوات، فاضطر بعد إطلاق سراحه، للكتابة بأسماء مستعارة، والطريف ان بعض أفلامه التي كتبها بأسم مستعار فازت بجوائز الاوسكار مثل عطلة رومانية (1953) والشجاع (1956) واضطرت أكاديمية الفنون وعلوم الصور المتحركة، للاعتراف بحقوقه كفائز بجائزة الأوسكار عن أحسن سيناريو في فيلم الشجاع، وقدمت له الجائزة باسمه عام 1975.

يذكر أن الروائي هوارد فاست (1914 – 2003)، كتب رواية سبارتاكوس في السجن عام 1951، بعد ادانته كونه شيوعي ورفضه تقديم اعترافات وافادات، لتأتي الرواية صرخة أدانه للعبودية وتمجيدا للنضال من اجل الحرية، ولرفض حملة الإرهاب الثقافي، التي يقودها جون مكارثي. وقام دالتون ترامبو، واستنادا للرواية، بكتابة سيناريو فيلم بنفس العنوان، وبعد ان حصل كيرك ديكلاوس على حقوق السيناريو، قرر التعاون مع المخرج ستانلي كوبريك (1928 – 1999) لإخراجه، وأصر عند عرض الفيلم على كسر حظر المكارثية لأسم دالتون ترامبو ووضعه على إعلانات الفيلم ككاتب لسيناريو الفيلم. كانت خطوة شجاعة تحسب لكيرك دوغلاس اذ ساهمت في تفكيك حملة الإرهاب الفكري وإلغاء القوائم السوداء.

وبعد نجاح الفيلم، منح كيرك دغلاس الفضل الأكبر في ذلك لكاتب السيناريو، وصرح بأنه حتى سبارتاكوس كان عمل أكثر من 85 فيلما، "لكن الشيء الأكثر فخورًا به هو العمل لكسر القائمة السوداء". ومن الجدير بالذكر ان الرأي العام تصاعد بعدها في ادانة المكارثية، وعزل جوزيف مكارثي نفسه، الذي أدين بالفساد وتوفي فيما بعد مدمنا على المخدرات.

في موقفه اعتبر كثيرين كيرك دوغلاس متماهيا مع موقف بطله العبد المصارع سبارتاكوس الثائر ضد الحياة اللانسانية التي عاشها العبيد في أيام الإمبراطورية الرومانية، والذي قاد ثورة انضم اليها الاف منهم مطالبين بحريتهم. يذكر ان من الأشارات التي كانت لصالح كيرك دوغلاس في تحديه للقوائم السوداء للحملة المكارثية، هو ان الرئيس الأمريكي المنتخب حديثا حينها، جون كيندي، حضر عرض الفيلم وأشاد به، فكانت أشارة مهمة لمعارضة الحزب الديمقراطي الامريكي للمكارثية وعلامة للانفراج السياسي نوعا ما في حياة المجتمع الامريكي.

 

يوسف أبو الفوز

 

شاكر فريد حسنفصول من سيرة القاص والروائي الفلسطيني توفيق فياض الذاتية

كان الأديب الحيفاوي الأستاذ فتحي فوراني زار تونس الخضراء، وفيها التقى الكاتب القصصي والروائي توفيق فياض، ابن قرية مقيبلة في مرج ابن عامر، الذي كان قد غادر البلاد في العام 1974 بموجب اتفاقية تبادل الأسرى مع مصر، بعد ادانته بتهمة أمنية، حيث عمل في البداية بمركز الدراسات الفلسطينية في بيروت، لكنه تركها بعد خروج المقاتلين الفلسطينيين منها، وانتقل لتونس، ومنذ ذلك الحين وهو يقيم فيها. وكان قد زار البلاد قبل سنوات، والتقى بأهله وأبناء قريته وأصدقائه والعديد من أهل القلم والأدب والثقافة.

وكان صدر لتوفيق فياض وهو في البلاد " المشوهون " و " بيت الجنون " والشارع الأصفر "، ونشر نتاجه القصصي في اليوم ومجلتي الفجر والجديد ثم في صحف الوطن العربي.

وفي اللقاء الحميمي الذي جمع فتحي فوراني بصديقه توفيق فياض في منفاه القسري، فتحا ملف الحنين وذكريات الزمن الجميل في مدينة البشارة الناصرة، وأيام الدراسة في ثانويتها، وكانت لهما وقفات مع الحراك الثقافي في حينه، وتوقفا عند العواصف الأدبية التي اجتاحت المشهد الثقافي، وكان " المشوّهون " المشاغبون على ظهر خيلهم، يحتلون مركز الاحداث الأدبية.

وقبل أن يودع فياض صديقه فوراني الذي يشم من خلاله رائحة تراب الوطن، عائدًا إلى الديار بعد رحلة ماتعة في أرجاء تونس الجميلة، وإذا به يسلمه أمانه وضعها بين يديه، وهي فصول من سيرة ذاتية يعكف على كتابتها، وقال له : لك مطلق الحرية في اطلاق سراحها من أسرها ونشرها في أحدى صحف الوطن.

وما كان من فتحي الوفي بعد عودته من تونس إلى أن شرع - كما يقول- في عملية المطالعة والمراجعة والتصحيح والتنقيح وتسجيل المخالفات الطباعية وفحص المستندات الثبوتية للنقاط والفواصل وعلامات السؤال، وعلامات الدهشة والانفعال، ثم عملية الفرز والتبويب وتقسيم المساحات النصية الواسع والحفاظ على سلامتها.

واطلق فتحي سراح " نواعير الذاكرة " من الأسر، وسلمها لمحرر الملحق الثقافي لصحيفة " الاتحاد " العريقة في مقرها بحيفا، الصادر كل يوم الجمعة، وتم نشر بعض الفصول منها.

وفي هذه الفصول يحكي توفيق فياض عن بلده وبيئته وطفولته ودراسته في الناصرة واقامته فيها، وعن معلميه سمير ورور وعبد اللـه أبو النجم وحبيب حزان، وتجاربه الكتابية بمجال القصة، ولقاءاته وصداقاته وعلاقاته مع الشاعر راشد حسين، وأخيه القاص أحمد حسين، الذي كان يشد على يديه وقال له : " يا توفيق أنك مسودّة لكاتب عظيم في المستقبل ".

ويحدثنا توفيق فياض في نواعيره عن صديقه القاص ابن مصمص المرحوم أحمد حسين، الذي يصفه بالحصان الذي أفلت من عقاله، قائلًا : " كان أحمد حسين عكس أخيه راشد، متوسط القامة، داكن السمرة طويل الشعر وأشعثه، قوي البنية، متوترًا، حاد المزاج شرسًا، لاذع السخرية، عدوانيّ الطبع، منفرًا، سريع الخطو والحركة، شبق التدخين، تخاله وهو يمشي أنه حصان أفلت من عقاله طورًا وفهدًا قلقًا دائم التحفز أو في معترك دام، وقد انعكس كل ذلك على مواقفه من الآخرين وخاصة من الناحية السياسية، فكان قوميًا متطرفًا يشن حربًا لا هوادة فيها ولا مواربة أو مسايرة على من يختلف معه في الرأي أو العقيدة، فانفضّ التلاميذ من حوله وظلت علاقته مع اربعتنا بين مد وجزر دائمين. وحين كان بي ما به من حدة المزاج في ذلك الوقت، وقد كنت في حينها قد بدأت أكتب بغزارة وخاصة حين لا يكون هو في الغرفة وكنت أخفي عنه ذلك، لأنني لم أشأ أن أطلعه على أية قصة أكتبها، إذ كان قد خلق عندي بعد فوزه بجائزة القصة، نوعًا من عدم الثقة بالنفس، والخوف والتهيب من نشر أي قصة في ذلك الوقت، أسوة بالكتاب الذين بدأوا يبرزون وهم لا يزالون بعد على مقاعد الدراسة، عاقدًا العزم على أن لا أنشر أية قصة إلا بعد أن أتأكد من أنني سأبزّه بكل ما كتب. ولهذا كنت أخفي الدفتر الذي أجمع فيه قصصي بعد أن أمزق المسودّات".

ويحكي لنا توفيق فياض عن قصته " القيثار المهشوم " التي كان قد نشرها في مجلة " الفجر " التي كان يعمل فيها الشاعر راشد حسين، وأثارت حفيظة أستاذنا الناقد المرحوم اميل توما، الذي كان يوقع كتاباته باسم " ابن خلدون "، حيث حمل عليه - على حد قوله –  أي حملة، رغم انها كانت تعالج قضية الجوع والتمزق النفسي في هذا العالم الصاخب، وقد تضايق من هذه القسوة التي تناول فيها توما قصته، لكنه شعر بارتياح شديد واعتزاز في النفس أن يتصدى لما يكتبه شخصية مثل "اميل توما ".

لقد استمتعت أيما استمتاع بالفصول من نواعير الذاكرة، التي نشرت حتى الأن، لما في فيها من ذكريات وشوق وحنين للماضي بأسلوب قصصي مشوق ولغة بسيطة سلسة وجميلة يطغى عليها عنصري الدهشة والتشويق، وانتظر بفارغ الصبر الفصول القادمة على صفحات ملحق " الاتحاد " الثقافي لتكتمل السيرة.

فكل التحية لصاحب نواعير الذاكرة الكاتب توفيق فياض، وللصديق الأديب فتحي فوراني الذي حفظ الأمانة وقام بالنشر الجميل لفصولها.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

عبد السلام فاروقثمة خوف وقلق لدى كافة المهتمين بالفصحى أن العامية لها اليد العليا اليوم.. سيل عارم من الإنتاج الثقافى العامى المسموع والمرئي والمقروء تَفجَر فى وجوهنا واستمر فى اندفاعته تلك منذ عدة سنوات مضت وما يزال ينهمر.

نقطة ضوء وحيدة ما تزال تصر على الوميض مهما كان خافتاً واهناً. لكنه فى خفوته وضعفه يصر على الحياة والبقاء. فبين عناوين تنافسَت فى الغرابة والإسفاف والتحايل على عين القراء، ظلت هيئة قصور الثقافة تحافظ على رصانتها وصيانتها للفصحى وللثقافة الرفيعة من خلال إصدارات عميقة الفحوى والتأثير. والدليل معارض الكتاب، حيث يعزف جمهور القراء عن العناوين البراقة والطباعة الفخمة لمتون متوسطة القيمة على أكثر تقدير، ويقبل الناس على إصدارات هيئة الكتاب وقصور الثقافة الأكثر جدية وعمقاً والأقل تكلفةً وسعراً.

فى باب النقد الأدبى مثلاً، ثمة ثلاثة كتب تتبارى فيما بينها من حيث روعة المبنى وشمول المعنى وحصافة المغزى والجوهر. أول هذه الكتب بعنوان : (الواقعية فى الفلسفة والأدب والفن) للسيناريست الشهير مصطفى محرم، وهو كتاب رغم جديته وعمقه استطاع استدراج القارئ غير المتخصص إلى دائرة الاهتمام من أول سطر فيه، حيث يبتدرنا مصطفى محرم فى مقدمته : ( أذكر أنه فى أواخر الخمسينات، ومعظم سنوات الستينيات من القرن الماضى قد كثر الكلام عن المذهب الواقعى خاصةً فى مجال الأدب، وذلك من جانب بعض النقاد وبعض من توهموا أنهم مبدعين فى الرواية والقصة القصيرة. وأغرق هؤلاء المدَّعون الصحف والمجلات بأعمالهم تحت شعار الواقعية. وللأسف فقد صدقهم البعض وتحمسوا لهم من منطلق حماسهم للماركسية والاشتراكية. ولكن أنكرهم بعض ممن كانوا يعرفون حقيقة هؤلاء المدعين. ولم يصمد أمام قوى الزمن التى تطيح بمن لا يقدر على التصدى لها إلا المبدع الحقيقي فى مجال الرواية والقصة القصيرة وعاشت أعماله حتى وقتنا هذا ). إنه يشتبك مع طائفة من الرواة والأدباء من اللحظة الأولى لكتابه مما يحمل فى طياته روح الأكشن التى تلازمه ككاتب سيناريو مقتدر.. ولا تكاد تشعر إلا وقد قطعت نصف الكتاب لتكتشف أنك كنت تقرأ عن أمثال (جورج باركلى) و(أوجست كونت) و(جوستاف فلوبير) حول المذهب الواقعى فى الفلسفة والنقد الأدبى كلاماً على قدر من العمق والتخصص إلا أن سحر الطريقة السلسة السهلة التى يكتب بها مصطفى محرم تسحب عينيك واهتمامك إلى نهاية الكتاب حيث ينتقل إلى الواقعية فى المسرح والسينما بنفس طريقة العرض الشيقة الناضجة.

كتاب آخر يحمل عنوان : ( الرواية فى زمن مضطرب) للدكتور فهمى عبد السلام وهو كتاب مثير للفضول والتساؤل من أول عبارة فيه، بل من عنوانه. ضم بين دفتيه عدداً من الدراسات النقدية للمؤلف نشرتها مجلة الهلال فى فترات متباينة.

ما يميز هذا الكتاب القيم ليس فقط أنه يتناول نقد روايات عظيمة لأدباء عظماء أمثال نجيب محفوظ وفتحى غانم ويوسف إدريس ولويس عوض ومحمود السعدنى، بل لأنه يتجاوز النقد إلى الغوص فى أعماق أسرار إنسانية تتعلق بهؤلاء الأدباء وبغيرهم فى منطقة يتقاطع فيها العمل النقدى بالتراجم والسِيَر والتأريخ. والأجمل أنك تقرأ العمل بسهولة ويسر واستمتاع بفضل لغته الأنيقة وأسلوبه الرشيق.

كتاب نقدى ثالث كان من بين الأعمال الفائزة بالمسابقة الأدبية لهيئة قصور الثقافة للعام قبل الماضى لمؤلفه الشاعر (أشرف البولاقى) تحت عنوان (تجليات استلهام التراث – قراءة نقدية فى إبداعات معاصرة).. وأشد ما يلفت انتباهك للكتاب الاهتمام العظيم الذى يوليه المؤلف للفصحى ضبطاً وبناءً وتنميقاً وصياغة. رغم أن بعض النصوص التى تناولها بالنقد هى نصوص عامية، لكن حرصه على الفصحى فى كتابته كان جلياً واضحاً أشد الوضوح. الأمر الثانى مما يشد الانتباه نحو الكتاب هو المنهج النقدى الذى اتخذه المؤلف والذى استطاع من خلاله النفاذ إلى العمق ليس فى مجال القراءة النقدية فحسب، وإنما فى الرؤية الأعمق تجاه ربط الأعمال الأدبية معاً فى سياق أشمل يضع للعمل الأدبى تصنيفاً وموقعاً فى سلاسل التراث الأدبى والإنسانى.

ومن سلسلة روائع الأدب العربى لهيئة قصور الثقافة قرأت رواية متميزة للروائية (سلوى بكر) هى رواية (أدمانتيوس الألماسى) تلمس فيها جانباً جديداً من جوانب الاهتمام بالفصحى هو جانب انتقاء المفردات وهو ما تلمسه فى المقدمة التى اختارتها لتتصدر عملها الروائى المتميز واختارت لها عنوان : (عن الكتابة والإبداع)، إذ تكتب متسائلة : (من أين تسطع شمس الكتابة وتتشكل أزمنة بدءها؟ هل تسطع من أسئلة أغوار النفس العميقة ؟ أم من ذلك الامتداد السرمدى للوجود وتشابكاته ؟ أهو باثقها ذلك التمرد الغاضب على الإجابات العتيقة الميتة والسعى لدحضها بألف شكل وشكل؟... تتطلب الكتابة مشاهدات، ونظر ورؤية ورؤى، وإطلالات وشوف وتشوف إلى ما هو بالداخل والخارج، فبداخلنا أكوان، وبخارجنا عوالم ذات إشارات ورموز ودلالات وبراهين، فالكتابة تحتاج إلى ألف عين ترى ما لا يرى، تتحدى الظلمات لتكشف وتشف وتنتزع من أحشاء الأوهام يقين السؤال الذى لا ينتهى. الحواة ولاعبو الأكروبات والساقطون بالمظلات السريعة إلى أرض الكتابة السبخة لا يعمرون فيها طويلاً، فثمة ما هو أبعد من المهارة فى مجرة الكلمات التى تدور وتدور فى سرمدية الصدق والسعى إلى ما ينتسب للحق، ولكن أليس ذلك مما يحتاج الجلد والمثابرة والخوض فى دروب النار الحارقة ؟...إن سحر الكتابة ومفعولاتها، تمتحنه الأزمنة، ويزداد ألقه وتعتنقه بتراكمها المستديم، وربما يظل سؤالها الأبدى.. كيف تستمر فى التنفس دون أن تشيخ ملامحها الجميلة. تصنع الكتابة الحقة، دينها، قانونها، أخلاقها، ناموسها المحتكم إلى الضمير والعقل، عبر لذة الحرية بالخيال، الخيال الذى لا نهى عليه ولا أمر. الكتابة إغناء، والممتحَن بها هو فى مقام المستغنِى، الواقف على عتبات السمو والارتفاع، عبر إزاحة العالم بعيداً، والسباحة فى محيطات الخيال ).

اختارت المؤلفة مكاناً معاصراً فى زمن قديم، واختارت لحظة قديمة لها نكهة معاصرة، حيث الاضطهاد الرومانى للمسيحية الوليدة فى الإسكندرية القديمة، وحيث يتلاقَى ما هو دينى مع ما هو سياسي وعلمى وفلسفى فيما حول مكتبة السيرابيوم.. ثمة تفاصيل وألفاظ وأسماء ورؤى وقراءات يكتظ بها العمل الروائى الدسم الذى تقرؤه منبهراً بهذه الأجواء التاريخية المدهشة.

كتاب خامس قرأته من سلسلة العلوم الاجتماعية من إصدارات الهيئة العامة لقصور الثقافة هو: (تجديد النحو) للدكتور (شوقى ضيف) واندهشت عندما اكتشفت سعره الزهيد، وقارنت حينها بينه وبين كتب كثيرة على الأرفف لها أسعار ينكرها جيبي، وتعجبت من تلك المفارقة ومن التباين العظيم بين قيمة هذا الكتاب الرائع وغيره من الكتب الأخرى التى لا تطاوله. وبرغم أنه كتاب متخصص فى علم النحو غير أننى ألفيته عظيم القيمة بفضل شموله وإتقانه ورشاقته وتأسفت أننى لم أقتنيه فى وقت سابق، إذ اكتشفت أنه صادر من عام 2017، وأنه كُتِب فى ثمانينيات القرن الماضى.

كثيرون ممن يعملون فى حقول التأليف والكتابة الصحفية والأدبية يحتاجون لمثل هذا الكتاب وغيره من الإصدارات التى تتناول علوم اللغة كالبلاغة والصرف والعَروض، خاصةً عندما تتمتع بمثل هذا الشمول الذى يميز كتاب (تجديد النحو) لشوقى ضيف.

فى النهاية لا يسعنى إلا تقديم تحية متواضعة تستحقها هيئة قصور الثقافة المصرية على صيانتها للفصحى ممثلةً فى إصداراتها الهادفة الجديرة بالاقتناء والقراءة والاهتمام، والرحيمة بجيوب القراء.

 

عبد السلام فاروق

 

رشيدة الركيكلا يزال الإنسان يعيش ويتعايش مع صدى يومي لظواهر تفرض نفسها بشكل صارخ، فنتمنى لو أن الزمن يعود بنا إلى الوراء لنعيش البساطة فتهدأ نفوسنا وتطمئن، بدل هذا الخوف من غدر الزمن وصفعاته الصادمة.

حياة اليوم وإن زاد بريقها لمعانا فإن بين طياتها إحساس بالقهر والضياع. يمضي الإنسان متحدثا مع نفسه عنها وعن موقفه اتجاهها،باحثا عن مفاتيح ضائعة أو عن مهارات مقبرة.

يهيم إنسان اليوم تائها عن الطريق ولا يملك إلا المضي في اتجاه مجهول لم يختره ولكن قدر له أن يعيش في عصر التيه، عندها بدت الحياة صعبة بعدما كانت سهلة بسيطة وعلى وجه التحديد واضحة مفهومة، لن يستطيع معرفة اتجاهه لكنه أكيد يبحث عن نور لعله يشع معلنا عن خروجه من متاهة الفئران تلك.

يتوه الإنسان عن ذاته باحثا عن المعنى يمكنه أن يصبح هدفا وغاية لكل فعل، من خلاله أكيد ستتكون مواقف حياتية مفهومة يمكن قراءتها وتقاسمها في سماء المعقولات .

و الحقيقة لا يزال الإنسان لم يخرج من متاهة الفئران لأنه بكل بساطة لا يعرف أين هو وإلى أين يريد الذهاب، وسيظل في متاهته تلك يحوم وتحوم معه كل أفراد أسرته، والكل يسير في اتجاه واحد دون أن يدري ما هو؟ وإلى أين؟

كل ما يعرفه أن عليه أن يتبع خطوات سبقته فيها براءة من الطفولة ، وتهور من الشباب مع مسؤوليات تكبر وتثقل كاهله وليس له الحق حتى في الأنين معبرا عن آهاته .

لكل مرحلة عمرية مواصفاتها نعيشها بمحاسنها و مساوئها، وفي جميع الأحوال قد تبدو ملامح قلة حيلتنا لتكشف عن لحظات ضعفنا الصادمة.

تبدأ الحكاية في وجود لرضيع حرك شفتاه باحثا عن صدر للعطاء ضمانا حياته،لا يعرف عن هذا الوجود إلا وجوده المحتاج والضعيف، من مرحلة  سماها أصحاب مدرسة التحليل النفسي بالفمية، يمتص فيها الرضيع أي جسم خارجي متوسما خيرا في الجميع، ومع الوقت يدرك أن له أبوان وأسرة مصدرا هذا العطاء، يحملان سرا من أسرار المجتمع الذي يعيشه. يرتبط بشخصيهما والإحساس بالأمان كلما سمع صوتهما و شم رائحتهما.

ومع توالي الأيام أصبح هذا الرضيع يميز بين الناس وبين أصواتهم، ويضحك لهم كعطاء متبادل فرضته الطبيعة البشرية ولو في شكلها الفطري البسيط.

يتعلق كل رضيع بأسرة يتغذى من خلالها جسديا وعاطفيا واجتماعيا، لقد أصبح له انتماء و إسم يعرف به، ليمنحهم في شهره الأول إبتسامة يستشعر الآباء من خلالها العطاء المتبادل والإحساس بملكيته في شكل امتداد لوجودهم من خلال حمل إسمهم .

تلك هي الأسرة، عطاء متبادل فيه يحقق كل واحد غايته وحاجياته كيفما كان نوعها البيولوجية، أو النفسية، والإجتماعية  كطعم يحقق بعدا وجوديا وكمالا إنسانيا.

لذلك تتألم كل أسرة حرمت أو افتقدت حسها الأبوي لأي سبب ، سيظل احتياجها لبكاء طفل معلنا وجودها ودورها في كل مجتمع، عندها تستمتع كل أنثى باسم أمي مثلما يتلذذ كل ذكر باسم أبي دليلا على فحولته.

تتشكل هذه العلاقة  الأسرية بين أعضائها على أنها علاقة احتياج وتعاون، ثم أخذ بعد كل عطاء كتحفيز عن أي مجهود، وإن ترجم ذلك في خوف وترتقب من مستقبل مجهول قد يهدم كل شيء وتعيش على التحسر والندم على ما فات.

تبدأ القصة تكوين كل أسرة عند اختيار شريك العمر دون وضوح أية رؤيا سوى شكل جميل أو مال وافر ومكانة اجتماعية عالية.

لقد بحثت كل أنثى عن صورتها داخل المجتمع من خلال دورها الإجتماعي، ولن يتحقق ذلك إلا بتكوين أسرة دليل على نجاح مشروعها الحياتي أو حتى بدايته، لتشعر بانتمائها لعائلة الزوج الذي اختارته،  بينما الذكر يشعر وكأنه حامل لأسمه العائلي بضم أنثى لملكيته باعتبارها زوجة له.

تلك هي الحياة الزوجية في بساطتها، الكل في أخذ وعطاء بنشوة  تبدأ بعرس كاحتفال اجتماعي بخضوع الأفراد لنظامه الثقافي السائد، ولكن سرعان ما تغيب تلك النشوة مع الأيام ليجد نفسه عاش طعما اجتماعيا كلما مالت أكتافه مع كثرة المسؤوليات وازداد ثقلها يوما بعد يوم.

لقد كبر الرضيع الذي كان يبتسم كلما نظر إليه والداه، عندها كانت الحياة بسيطة لاقترابها من الفطرة أكثر.  لقد أصبح الرضيع اليوم بعد مرور الزمن مراهقا ينتقد ويطلب بدون كلل أو ملل.

وتباهيا بالدور الأبوي  يضحي الآباء حتى يصبح الأب في نظر إبنه ممولا، والأم خادمة غبية، لم يتوقع كل ذلك الأزواج عندما كانوا يتكلمون عن إحضار لبن العصفور  لإبن المنتظر سخاء منهم بتعبير مجازي.

فمع تغيرات العصر  ومثيراته فاقت متطلبات الأبناء بكل أنانية كل التوقعات، وإن شعر الآباء بالعجز حينها  قاوموا كل إحساس بالذنب بتلبيتها  وكأن  ذلك من واجباته.

لقد صدّق الآباء كذبة أنهم وجدوا كمثل خاتم سليمان التاريخي، فعاشوا لأبنائهم فقط ونسوا أن العطاء متبادل،وبذلك تحولت الحياة الأسرية من نعمة إلى نقمة، فيها إعلان موت بطيء لأفراد ذابوا في انشغالات أبنائهم، ليحسوا أنهم غرباء عن ذاتهم وأنهم لم ينصتوا إليها ليعطوها حقها.

هم أبناء في غمرة الفرحة و التحضير لمستقبلهم عاشوا حالات من الأنانية القاتلة و في المقابل التضحيات المتوالية وبدون حساب للآباء في سبيل التماسك الأسري الظاهر و الخفي في حقيقته.

لقد فرضت على الجميع حياة لم يختاروها فصار نهارهم مثل ليلهم لم يتذوقوا طعم نور الشمس ولا حتى لذة منظر الغروب .

غير أن بعض الآباء رفضوا العيش ضحية  في سبيل هذا الوجه الآخر للتماسك الإجتماعي  الظالم، فكرهوا دور الضحية أو المنبوذ والمقصي، ليكتفوا بدور الرعاية بدعوى لا يكلف الله نفسا إلا وسعها،أو بدعوى ولنفسك عليك حقا، فالحياة مرة واحدة وليس فيها إعادة.

ومشوار الأبوة طويل ودورنا الأبوي أبدي في مجتمع لا يرحم، منتهى الأنانية أن نربي أبناءنا  باسم الحب القاتل والقاهر للذوات، أبناء تعلموا الأخذ دون عطاء فاختل التوازن بخرق القانون الذي تأسست عليه الأسر منذ الأزل.

هذا هو الواقع المرير الذي تعيشه الأسر اليوم، إما أنانية الأبناء أو الآباء ليتحقق الأخذ من طرف واحد، والنتيجة صراع وتفكك عائلي بشكل صارخ.

أبناء في الشوارع ضحايا التشرد والإدمان أو حتى مسنين لم ترحمهم الحياة، ليجدوا أنفسهم مهملين أو حتى بين جدران دار المسنين الباردة المشاعر لعلها تحميهم من قسوة الطبيعة ولا أحد سيحميهم من قسوة أعز الناس.

يبدو أن أسرنا اليوم تعيش برودة في المشاعر من خلال أنانية الأبناء وإن تصبب جبين الآباء عرقا من التضحية. هو واقع صادم نتج عن إخلال التوازن بين العطاء والتضحية بالنفس. هو واقع سيحصد معه الكثير من الحشائش التي لن تخلو من أشواك تضر جميع الأطراف لترمي بهم في حيز الضياع.

يبدو أن واقع الحياة الأسرية مخجل للغاية، ولو حاولنا الإنكار بالتجاهل و عدم الإعتراف به، ستخبرنا الإحصاءات الكاشفة عن ارتفاع نسبة الطلاق في مجتمعاتنا العربية بشكل مخيف مع ارتفاع حالات الإختفاء بشكل يدعونا للقلق بخصوص واقع التنشئة الإجتماعية واختلال الأدوار بين دور الأبوة أو الأمومة و البنوة وحتى الأخوة، ما دمنا نتكلم عن انتشار ثقافة الأخذ دون عطاء وثقافة الأنانية دون الغيرية.

فعن أي تنشئة نتكلم مع انهيار أول نواة لها وهي الأسرة، في عصر الثورة التكنولوجية وما أحدثته من انقلاب في العلاقات الإجتماعية، ومن تجميد للمشاعر بعد الإرتباط القوي مع الهاتف المحمول والحاسوب  فانشغلت العقول  بالضغط على الزر؟

لقد أصبح الإنسان كشبح ميت نطالبه بالتواصل مع الأحياء وبلغتهم، إنه نوع من غباء هذا العصر الملعون الذي نعيشه. يبدو أننا لم نأخذ احتياطاتنا بما فيه الكفاية فتضيع إنسانيتنا بعد ضياع حياتنا الإجتماعية واهتزاز استقرارها.

والحقيقة وإن كان آباؤنا مثل الشجر الشامخ الذي يتغذى مما تجود عليه السماء من أمطار وأشعة الشمس، لتكون ظلالا لمن يجلس بجانبها أثناء شدة الحر، فترسل نسيما عليلا يلامس جلودنا فيلطف من حرارة الجو وقسوته. ومن منا لا يبحث عن ظلال تحمينا لحظة اشتداد الحر؟  إلا أن هذه الأشجار قد تنشغل بذبول أوراقها وانكسار أغصانها الضعيفة في الفصول الصعبة.

ومع ذلك ستظل تتحسر على حالها دون أن تمنع ظلالها عن من يجلس بجانها، وإن تدمرت من داخلها فستبقى تبدو شامخة تتغذى من السماء ومن لونها الأزرق الفاتح دليل على التفاؤل وصفاء الحال وإن كان دوامه من المحال.

و ستظل كذلك وإن استعصى على هذا الجيل فهم معنى العطاء فقد استعصى على الآباء فهم معنى التضحية، والنتيجة إخلال التوازن بين العطاء والأنانية لتكون النتيجة تضحية الآباء بأنفسهم، وليكونوا أول أضحية التضحية باسم وسام الأبوة والأمومة الاجتماعي، ليتحول الأبناء إلى جحود ولتتحول البنوة إلى وحش كاسر يجني على كل المشاعر الإنسانية.

لم يعد الأبناء شط أمان لآبائهم مثلما لم تعد الأسرة كذلك للأبناء، خصوصا أننا أصبحنا نفطر صباحا على حالات قتل بأبشع الصور للأصول، ومعناه لقد خربنا ذلك التوازن الحقيقي بين العطاء والحرمان كشرطين أساسين لكل تربية صحيحة.

لقد خل التوازن فعلا في هذه العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة لأبعد الحدود لدرجة نكران الذات و تعذيبها وهو حال الوالدين، و النتيجة قد تكون الندم على الإنجاب أو حتى الإنخراط في مشروع مجتمعي ،ثم التخوف الشديد من عقوق الأبناء وجحودهم نتيجة لأنانيتهم المرضية والقاهرة لإنسانية الآباء في أرذل العمر، ليصبح مصيرهم دور العجزة في متحف لبشر أحياء للذكرى في مرحلة لم يعد لهم دور مثلما هو الحال العجلة والفأس البرونزي.

يبدو أنه سيأتي علينا يوم نتحدث فيه عن لا مشروعية وجود الآباء في حياتنا بعد كبرهم وهرمهم وضعفهم، وإن كان لهم دور في زمن مضى كنا في أمس الحاجة لعطائهم.

رمي بهم بعدما لم تعد البقرة الحلوب تنتج حليبا، ولم تعد جسدا يكفي نفسه، بل أصبح عظاما تكسوها جلود مرتهلة وملامح إنسان شاحب تركت السنين آثارها عليه، جسد ثقلت حركته وقل سمعه ونظره.

وإن كان المظهر  الخارجى  للمسن يذكرنا بالنهاية، لكنه لا يزال يحمل معه كل الذكريات الجميلة بمعانيها الطفولية و أحاسيسها الصادقة. هذا هو الماضي الذي بنيت به أسرنا الحاضرة وفقا لمبدأ الطبيعة، أن لكل ورقة غصن ولكل غصن جذور ولا أحد سينبث كالفطر بشكل منفرد، بل إننا سنتغذى من نفس التربة باعتبارها الأصل الذي لا يمكن أن نتنكر له.

التربة هي الأصل، منه ننبت ونتغذى ثم ننموا في اتجاه السماء لنطلب منها ما نحتاجه ونستمد منها الطاقة فيخضر ربيعنا لنستبشر خيرا، ولكن تنتهي حياتنا الإجتماعية إلى الذبول، فيصفر لونها ويبدو شحوب أسرنا كلما فقدت التوازن بين الأنانية والتضحية. فشتان بين أنانية صحية وأخرى مرضية ، وبين عطاء وتضحية بالنفس في أدوارنا الأبوية .

 

مع تحيات: رشيدة الركيك

 

محمد جهاد اسماعيلالديبوك في فكر الكابالا، أو الفكر اليهودي الباطني، هو روح الميت التي تتمرد على عالم الأموات وتعود مرة أخرى للحياة، لتسكن وتستوطن في جسد إنسان حي.

لم يكن الديبوك عنواناً لمسرحية آنسكي فحسب، بل كان أيضاً موضوعها الرئيس، والمحور الذي تدور حوله غالبية أحداثها.

كانت بطلة المسرحية (ليئة) تتهيأ لحفل زفافها الباذخ، وسط فرحة الأهل والأصدقاء، فأطبق عليها الديبوك فجأة، من دون سابق انذار، لقد استلبستها روح الحاخام الشاب (شانون)، الذي كان يحبها قبل موته وطالما تمناها زوجة له. نجح الديبوك (روح شانون) في تخريب حفلة العرس، ليفرق بين ليئة، وعريسها القادم لتوه بصحبة أهله وموكب العرس.

أصابت والد العروس حالة من الصدمة والجنون، فحمل ابنته، وقصد الحاخامات الكبار، كي يعالجوها ويطردوا من جسمها الديبوك.

أخذ الحاخامات يبذلون كل ما بوسعهم لسلخ روح شانون عن جسد ليئة، واستمروا في جهودهم ومحاولاتهم حتى نهاية المسرحية، دون أن يصلوا لنتيجة نافعة.

تتلبد أحداث المسرحية بقدر هائل من الأفكار اليهودية ذات الطابع الخيالي الميتافيزيقي، التي تتناول الغيبيات، والروحانيات، والأمور السحرية. ولا يخفى على القارئ للمسرحية، ذلك الشغف الكبير لآنسكي بفكر الكابالا، وفرقة الحسيديم، وشيخها المؤسس بعل شيم توف. أيضاً ظهرت في أحداث المسرحية - وإن كان بشكل خافت متناثر - بعض الدلالات والإشارات الصهيونية. لقد أرادها آنسكي مسرحية عميقة مشحونة بالفكر، والفلسفة، والخيال، والتصوف، ولم يردها مسرحية سطحية ساذجة.

الكابالا والتلمود

دارت داخل الكنيس حالة من الجدل، بين شانون وشينوك، حول الكابالا والتلمود. فقد وصف شانون التلمود بأنه كتاب جاف، جامد، يجعل الإنسان مكبلاً بالأرض وأسيراً لها لا يفارقها، بينما الكابالا تسمو بالإنسان، وتحرره، وتطير به إلى السماوات العلا والجنان، ليشاهدها بعينه.

شينوك لم يعجبه هذا الكلام، فقد تحدث عن الكابالا ووظيفتها، بشيء من الاستخفاف، وقال إن التلمود هو أساس الإيمان القويم، لأنه يحصن الإنسان المؤمن، ويلبسه درعاً فولاذياً، يصونه ويحميه من الزيغ والضلال.

إذن هو نقاش أو جدل بين عقليتين مختلفتين. عقلية صوفية، ترى أن الكابالا تثري الجانب الروحي، وتخفف من جمود الدين. وعقلية سلفية أرثوذكسية، تنحاز للتلمود، وترى فيه الحارس الأمين للإيمان والعقيدة.

الخطيئة والقداسة

شهدت أحداث المسرحية جدلاً آخر بين شانون وشينوك، لقد تجادلا هذه المرة حول علاقة الخطيئة بالقداسة، فدار بينهما الحوار الآتي:

- شانون: ليس هناك داع لشن الحروب على الخطايا، بل علينا أن نصفيها وننقيها من الشوائب، لنتخلص من جزيئاتها الخبيثة ونبقي على جزيئاتها المقدسة. يجب علينا أن ننقي الخطيئة ونصفيها، تماماً كما يفعل الصائغ عندما ينقي الذهب بتعريضه للهب، أو كما يفعل الفلاح، حين ينظف الحبوب من القش والحصى.

- شينوك: قداسة داخل الخطيئة!!، ما هذا الذي تقوله ؟.

- شانون: كل شيء خلقه الله ينطوي ولو على قدر ضئيل من القداسة.

- شينوك: لكن الشيطان هو الذي يخلق الخطيئة، وليس الله، فكيف تكون في الخطيئة قداسة؟.

- شانون: ومن الذي خلق الشيطان؟، أليس الله؟، ما دام الشيطان من صنع الله، إذن فستكون فيه ولو ذرة صغيرة من القداسة.

- شينوك: قداسة داخل الشيطان؟، لا أستوعب ما تقول، هذا جنون!!.

رجل المعجزات

تحدث أحد النساك العاكفين على الصلاة داخل الكنيس، عن رجل خارق، مذهل، برتبة حاخام، يقطن في قرية كراسني الأوكرانية. فقال إنه بوسع هذا الرجل أو الحاخام الخارق، أن يصنع أعتى المعجزات. إذ يمكنه اشعال النار بحركة سحرية يصنعها بيده، ويمكنه أن يرى بعينيه أشياء تبعد عنه مئة ميل، كما ويستطيع أن يخرج النبيذ من داخل الحائط بنقرة واحدة من بنانه، وباستطاعته إحياء الموتى، وأن يجعل نفسه غير مرئياً فلا تدركه الأبصار.

دموع الرب

تعجبت ليئة عندما رأت جدران الكنيس متسخة، فسألت مربيتها (فرايد) لماذا لا يهتمون بتلميع الجدران وتبييضها؟. أجابتها فرايد أن ذلك محرم، فلو اقترب أحد من جدران الكنيس وهم بتنظيفها، ستصب عليه الجدران جام غضبها، وستقذفه بحجارتها. لأن الاتساخ الذي يغطي الجدران هو اتساخ مقدس، هو ببساطة دموع الرب. فالرب يأتي إلى الكنيس يومياً، عند الفجر تقريباً، ويبكي بكاءً حاراً على الهيكل الذي تدمر. لا يبكي الرب في هذا الكنيس وحسب، بل يبكي في كل الكنس وينثر دموعه على جدرانها.

قدس الأقداس

جلس الحاخام عزريل خلف طاولته الطويلة، وأخذ يخطب في عدد من تلامذته وأنصاره. قال الحاخام أن العالم به سبعون أمة، وإسرائيل هي الأفضل بين هذه الأمم، وسبط لاوي هو الأفضل بين أسباط إسرائيل، والكهنة هم الأفضل بين أبناء سبط لاوي، والكاهن الأعلى هو الأفضل بين سائر الكهنة.

أضاف الحاخام أن العالم كله مقدس، وأقدس بقعة في هذا العالم هي أرض إسرائيل، وأقدس مدينة في أرض إسرائيل هي أورشاليم، وأقدس موقع في أورشاليم هو الهيكل، وأقدس ركن في الهيكل هو قدس الأقداس.

الرقص عند قبر العروسين

في بلدة برينيتز هناك قبر مقدس، يدعى قبر العروسين الشهيدين، بداخل هذا القبر جرى دفن عروس وعريسها قتلا معاً، في يوم زفافهما، وهما بثياب الزفاف. حدث هذا الحدث المروع على أيدي القوزاق أتباع خميلنتسكي، الذين هاجموا اليهود وأبادوا الالاف منهم في عام 5408 يهودي، أي 1648 ميلادي.

منذ ذلك الحين وقبر العروسين الشهيدين له قدسية، ورمزية خاصة، لدى يهود برينيتز. فقد أصبح من ضمن عادات الزواج المتوارثة عند يهود البلدة، أن يذهب الناس وقت أعراسهم، للرقص عند القبر المقدس، لأجل نيل بركته، وإسعاد العروسين الشهيدين بداخله.

لقد كان من المفترض أن يذهب المدعوون لعرس ليئة، للرقص عند القبر المقدس، شأنهم شأن غيرهم في هذه العادة، لكن الديبوك تدخل وأفسد العرس من بدايته.

طرد الديبوك

اجتهد كلٌ من الحاخام عزريل ومساعده ميتكويل في محاربة الديبوك، لأجل طرده من جسد ليئة. فقد استخدما كل ما في ترسانتهما من أسلحة، في حربهما مع ذلك العدو الخفي، القادم من غياهب المقابر. لقد استعانا بعشرة رجال، واستعانا بشمشون حاخام مدينة ميروبول، وأمرا بإشعال الشموع السوداء، والنفخ في الأبواق، وترتيل الآيات من لفائف التوراة.

لكن هذا كله لم يجد نفعاً، فقد أخفقا، بل أخفقوا جميعاً، في تحرير الفتاة من براثن الديبوك، ولم يفلحوا في إرجاعها لعريسها، وأهلها، وصديقاتها، وحفل زفافها الذي لم يكتمل.

حمل الديبوك ليئة، مستسلمة، متدثرة في ثوب عرسها الأبيض، وطار بها بعيداً... بعيداً ... بعيداً، نحو عالمه الذي جاء منه.

 

محمد جهاد إسماعيل

كاتب فلسطيني

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – في الشؤون الغريبة بصير، في شؤونه – أعمى .

التعليق – آه !!!  كم يذكّرني هذا المثل الفيتنامي بتاريخنا العراقي السياسي، والذي عاصرته منذ اواسط القرن العشرين، عندما كان رفاقي يتحدثون لي عن تلك (الشؤون الغريبة !) وتفاصيلها وانتصاراتها، وهم لا يعرفون  (درابين بلادهم وشعابها !!) . هكذا قال لي صاحبي وهو يهزّ رأسه مبتسما بحزن. قلت له، انت - مرة اخرى - تفسّر المثل تفسيرا سياسيّا بحتا، فقال لي بحدّة، فسّره انت كما تشاء، فكل واحد منّا (يبكي على ليلاه!) .

**

الترجمة الحرفية – يدور في مكان واحد، مثل قارب في عتمة الليل .

التعليق – قلت لصاحبي، لا اريد ان تشرح  لي، ان هذا المثل يتناول ايضا تلك الجماعات السياسية العراقية، التي (تدور!) في مكانها، فضحك صاحبي وقال، لقد اصبحت (تقرأ!) افكاري (وهيّ طايره). قلت له، لماذا لا تتأّمل الجمالية المدهشة لهذا المثل، الذي يشرح الدوران في مكان واحد بسبب (عتمة الليل)، ولماذا لا ترى، ان هذا المثل يعني، ان الانطلاق يأتي عندما يتحرر الانسان من (العتمة)، اي عندما يفتح الانسان عينيه في (ضياء) الحرية والمعرفة والتسامح و..و..و....

**

الترجمة الحرفية – اذا كنت تحب ثمار شجرة، فحافظ على أزهارها .

التعليق –  كل شئ جميل ورائع في الحياة  يتطلب جهدا للحفاظ عليه، والحب بمعناه الواسع يقتضي جهودا مضاعفة لأنه يقع على رأس الاشياء الرائعة في حياتنا .

**

الترجمة الحرفية – الثروة تخلق مراسيمها .

التعليق – صحيح جدا، ولهذا يتغّير الاثرياء وفق تلك الثروة ويصبحون – بالتدريج - اناسا آخرين بتصرفاتهم ومطاليبهم وعاداتهم ...

**

الترجمة الحرفية -  العسل قليل والذباب كثير .

التعليق – وهذا هو معنى التكالب، والتكالب – حسب هذا المثل الفيتنامي -  يقوم به الذباب فقط، وكم يبدو ذلك التحديد دقيقا وصحيحا، ولهذا فان هذا المثل واقعي وصارم و حازم جدا . آه من (الذباب!!!) وتكالبه في مجتمعاتنا ...

**

الترجمة الحرفية – في الرياح والشعلة تنطفئ .

التعليق – من الضرورة ان يسود التفكير الموضوعي السليم،الذي يأخذ بنظر الاعتبار الظروف الواقعية المحيطة ويبني على اساسها مسيرة الانسان اللاحقة . انه مثل رمزي عميق المعنى . توجد أمثال عديدة عند مختلف الشعوب تدعو الى التفكير الواقعي السليم، وهي ذات صور فنية متنوعة جدا . لنتذكر المثل المشهور وبلهجتنا العراقية – الما يعرف تدابيره حنطته تاكل شعيره، وهناك مثل كوري ساخر في هذا المعنى يقول – من بذور الخيار لن ينمو الباذنجان ...

**

الترجمة الحرفية – الكلمات وحدها  ليست اثباتا .

التعليق –  عندما تكون الكلمات وحدها، فانها تتحول الى ثرثرة ليس الا ...

**

الترجمة الحرفية – لا تبتلع الشئ الذي لم تمضغه، ولا تثرثر بالشئ الذي لم تفكّر حوله .

التعليق – مثل رائع، ويحتاجه الانسان في كل المجتمعات، لأنه ضروري للصحة البدنية اولا، وضروري ثانيا للسلامة الامنية والنفسية ايضا، فاللسان في كثير من الاحيان عدو للانسان...

**

الترجمة الحرفية – كل خطوة في الطريق تضيف شيئا من الحكمة .

التعليق – مثل واقعي فعلا، فالحكمة هي تراكم التجربة والتطبيق في حياة الانسان، وكل خطوة يخطوها الانسان في طريق حياته تمنحه تجربة و خبرة، والحكمة طبعا تأتي من هذه التجارب والتفاعلات اثناء مسيرة الحياة ...

**

الترجمة الحرفية – عندما تكثر الخطّابات، ستنام وحيدا في المساء .

التعليق – ويقول المثل العربي، وهو واقعيا عالمي، ان السفينة تغرق من كثرة الملّاحين، ويقول المثل الروسي في هذا المعنى ايضا، ان الطفل بلا عناية عندما يكون عند سبع مربيّات . المثل الفيتنامي يتناول نفس الفكرة طبعا، ولكن في اطار اجواء جديدة و طريفة  ولا تخطر على البال للوهلة الاولى، خصوصا ان (مرحلة الخطّابات) قد تلاشت تقريبا في حياة الناس ...

**

الترجمة الحرفية – تعرف معنى الاخلاص في الزمن المضطرب .

التعليق – المثل العربي المشهور(وهو عالمي ايضا) يشير الى ان الصديق وقت الضيق، ويتوسّع المثل الارمني أكثر ويقول، انك تعرف العدو والصديق وقت الضيق، ولكن المثل الفيتنامي هنا يحدد وبشكل دقيق، ان الزمن الصعب والمضطرب هو الذي يعرف فيه الانسان  معنى اخلاص الآخرين . مثل حقيقي وواقعي ودقيق بكل معنى الكلمة ...

 

أ. د. ضياء نافع

...............................

من كتاب (أمثال شرقية مترجمة عن الروسية) بطبعته الثانية، المزيدة والمنقّحة، والذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد قريبا.

ض.ن.

 

 

سعيد بوسامرلغتي آخرا

هناك أكثر من قانون في المواثیق الدولية یدعم ويطالب التعلیم باللغة الأم. كنموذج نشیر إلی المبدأ التاسع من إعلان حقوق الطفل لعام 1959 الذي ینص علی حق الطفل في تلقي التعلیم بلغته الأم بلا استثناء وأن یتمتع بهذا الحق دون أي تمییز بسبب الجنس أو اللون أو الدین أو الأصل القومي أو الاجتماعي.  غایة هذه المواثیق رفع المستوی الإدراكي للطفل وحصوله علی كل الفرص المتاحة له دون عقبات أو أزمات النفسیة في عملية التعليم في البيت والمدرسة.

نتائج دراسات عديدة تؤكد أن لا يجوز تعلم لغة ثانية على حساب اللغة الأم. فهذا الأمر يهدر مواهب الطفل المعرفية، ولا بد من إعطاء الأولوية لتعليم اللغة الأم في السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل. إذ هي الفترة الحساسة حیث یتم فیها إتقان اللغه الأولیة وتكوین الهویة السليمة، وقد نبه التربویون بدءا من أفلاطون وحتی أعمدة التربیة الحدیثة إلی ضرورة الاهتمام ببيئة الطفل في سنواته الخمس الأولی وذلك لسرعة تأثره بما یحیط به وبراعته في ما یسمعه من الألفاظ والعبارات وتقلید ما یراه من حركات وإيماءات. فعندما یلتحق الطفل بالروضة أو المدرسة یكون قد تعلم فنون التواصل بشكل أفضل متكئا علی لغته الأم . (سلیمان أحمد،2014 :8).  ویبدو أن ابن خلدون كان متیقظا لأهمیة مرحلة الطفولة في ترسيخ اللغة الأولی؛ فما یكتسبه الطفل خلال سنوات تعلیمه الأولی أشد رسوخا وهو الأصل وهو القریب للقلوب وهو الذی یقیه الأزمات النفسية. إذن، الملامح الأساسیة للشخصیة ترتسم خلال السنوات الأولی من الطفولة بواسطة الثقافة واللغة ومن هنا صاغ الكثیر من العلماء ككاردنیر وتبعه رالف لینتون مفهوم الشخصیة الأساسیة، فما یتلقاه الطفل هو كالقاعدة أو الأساس(بعلبكي وآخرون،2011: 152). إذن حرمان الطفل من التعلم باللغة الأم یدمّر مواهب الطفل المعرفية والعاطفية والهوویة.

یحث الباحثون أن من الواجب فعله لتقلیل الآثار النفسیة علی الأطفال أن تساعد الأسرة الأطفال في تنمية شعورهم بالهویة من خلال اللغة الأم. إذن مسؤولیة كل فرد في الأسرة أن یترك انطباعا إيجابيا لدی الطفل من خلال اللغة العربیة وعظمتها حتی یشعر الطفل أنّه (ولغته وهویته وثقافته) ذو قیمة  ویشعر بالحب تجاه شخصیته وإنْ لم تكن هكذا فسوف تكون النتائج وخیمة جداً. قلة الثقة بالنفس، الخجل المستمر والاضطراب الفكري، الإزدواجية، والانفصام لدی الأطفال من الحالات التي لا تخفى علی أي معلم في الأهواز والتي تستمر مع الطفل لسنوات مديدة. هذه الاضطرابات تخلق نوعاً من التوتر الهووي وتسبب إحباط لدی الطفل وفي بعض الأحیان تخلق عداء مع ثقافته وأهله وأقربائه.

لا بد من رفض الانصهار القهري والاختیاري مع لغة أخرى وإعطاء الأولوية لتعليم اللغة الأم في السنوات الخمس الأولى من حياة الطفل وتحبیبها الیه بطرق متعددة وأن نظهر له مواطن الجمال والروعة في هذه اللغة الخالدة باستخدامها في كل حدیث وحوار وقراءة القصص العربیة المتعددة له، بعد هذه الفترة الحرجة تستطیع الأسرة أن تبدأ بتعلیم الطفل لغة ثانیة. والحقیقة أن أول خطوة تتخذها الأمهات خاصة لتحبیب اللغة الأم هي أن تبدأ الأم بتعلیم اللغة المقصودة قبل أن تری عین الطفل أول ضوء في الدنیا أي تبدأ بذلك وهو ما یزال جنینا في ظلمة الرحم فالطفل يسمع ما يدار حوله من حوار وهو رحم أمه. هنا لا بد من الإشارة إلی الفترة الزمنیة الحرجة(critical period)  التي تكلم عنها الكثیر من اللغویین كبنفيلد ولامار ولنبرغ، وقد أثبتوا من خلال دراستهم المیدانیة علی أطفال كثیرین أن السنوات الأولی من حیاة الطفل تعد الفترة الرئیسیة لتعلیم وتعزیز لغته الأصلية وهي أخصب مراحل عمره. في هذه المرحلة دماغ الطفل یمر في حالة تنبیه اللغة بتجربة مباشره. بعبارة أخری خلال هذه الفترة  یكون من السهل للطفل تعلم اللغة وهي فترة من اللیونة الدماغیة یعتبر الطفل فیها إسفنج للغات. بعد هذه الفترة یصعب علی الطفل أن یتعلم اللغة جیدا. (روبرت سیغلر،2006). إذن هذه الفترة من حیاة الطفل ذات أهمیة فائقة ویدعوا الباحثون في مجال اللسانیات الآباء والأمهات إلی التكلم والغناء والضحك واللعب باللغة الأم لأنها الأفضل في تلبیة عواطف الطفل.

 

سعيد بوسامر - كاتب وباحث لغوي من الأهواز وله عدة مقالات في الشأن اللغوي نشرت في مجلات محكمة.

...........................

المصادر

١) أحمد، عطیه سلمان. نمو الدلاله وتكوین المفاهيم: دراسه میدانیه لاكتساب الدلاله لدی الاطفال. القاهرة: الأكادیمیه الحدیثه للكتاب الجامعي،2014.

٢) بعلبكي، رمزي منیر وآخرون. اللغة والهویة في الوطن العربي: إشكالات تاریخیة وثقافية وسیاسیة. بیروت: المركز لعربي للابحاث ودراسة السیاسات، 2013.

٣) حافيظ، اسماعیلي علوي وآخرون. اللسان العربي واشكإلیة التلقي. بیروت: مركز دراسات الوحدة العربیة، 2011.

 

وعد عباسبصرف النظر عن الغموض الذي يحيط بمصطلح "المثقف"، والاختلاف الدائر بشأن مفهومه، فإنه مصطلح حديثٌ نسبياً، لا يعود تاريخ استعماله إلى أزيد من قرنين على الأكثر، ويعني باختصار هو من وهب ملكة عقلية لتوضيح رسالة أو وجهة نظر أو موقف، أو فلسفة، أو رأي، أو تجسيد أي من هذا وتبيانها بألفاظ واضحة لجمهور ما ونيابة عنه، ويضع "أنطون تشيخوف" عدة صفات للمثقف يتصدرها "احترام الآخرين" ثم "الصدق والتواضع والكرامة وعدم التذلل لأي شخص والحس الجمالي والتعاطف مع كل المخلوقات" .

قد لا تظهرُ إلا القليلُ جداً من الاعتراضات إذا ما ألصقنا صفة المثقف بالدكتور علي الوردي مثلا أو علي شريعتي، أو جان جاك روسو أو غيرهم من الذين عاشوا في العصور التي عُرِفَ بها هذا المصطلح أو قبل استعماله بفترات قصيرة، لكن الاعتراضات بالتأكيد ستظهر إذا ما أطلقنا اللقب أو المصطلح نفسه على شخص عاشَ ومات قبل أكثر من 1400 سنة في فترة لم يعرف العربُ فيها أيَّ شيء غير الاقتتالات القبلية .

لكنَّ ذلك بالنسبة لعددٍ من الباحثين يعد أمراً طبيعياً، فالعربُ القُدامى مثلاً كانوا يتحدثون اللغة العربية بحركاتها الإعرابية والصرفية الصحيحة، ويكتبون من الشعر أبلغه، دون أن تكون هناك أي قواعد نحوية أو صرفية، أو حتى عَروضية وبلاغية، ثم ظهرت علوم اللغة فيما بعد من أجل الحفاظ عليها، وهذا ينطبق على مصطلح "المثقف" أيضاً، فإن عدم وجوده في ذلك الزمن لا يعني بالضرورة انعدام وجود أناس ينطبق عليهم هذا المصطلح المتأخر الشهرة والاستعمال.

ولعل الشاعر "عروة ابن الورد العبسي" المتوفى سنة 607م / 15ق.هـ، أحد أبرز المثقفين العرب أيام الجاهلية، ويمكن التثبت من ذلك إذا ما اطلعنا على سيرة حياته، واستخرجنا منها سمات شخصيته، إذ أنها – شخصيته – اتصفت بما يتصف به الأشخاص الذين يطلق عليه اليوم لقب "مثقفون":

- تمرده عن الأعراف والتقاليد وسلطة القبيلة:

عروة ليس كغيره من الصعاليك الذين اختاروا حياة الصعلكة فقط هرباً من الفقر والجوع، وسخطاً على الظلم الاجتماعي الذي لحق بهم، لأن ما يمتلكه عروة من شاعرية وفروسية كانتا ستوصلانه إلى مقام رفيع في قبيلته بل وبقية القبائل، ويكفي أن هاتين الصفتين قد حولتا "عنترة عبد شداد" إلى "عنترة ابن شداد"، لكنه رجلٌ عابَ على نفسه العيش في ظل سلطة القبيلة، وأعرافها البدوية البالية، واختار أن يعيش صعلوكاً مشرداً حراً، على أن يعيش عالي المقام في قبيلة يشوب نظامها الاجتماعي الكثير من الظلم والأخطاء .

إن خروج "عروة" عن قبيلته، وتمرده على النظام الاجتماعي السائد في بلاد العرب، يعد إنجازاً عظيماً لا يُقدمُ عليه إلا مثقف، لأن التنويم الاجتماعي وخاصة في البيئة العربية المحيطة بـ "عروة" كان قوياً جدا ولا يمكن لأي شخص الخلاص منه، وإذا أردنا التثبت من ثقافة "عروة" فيمكننا التوسل بما قاله الدكتور علي الوردي رحمه الله

" التنويم الاجتماعي له أثر بالغ في شل التفكير. فالذي يقع تحت وطأته لا يستطيع ان يفكر الا في حدود ما يملي عليه الايحاء التنويمي العام. وأنت لا تستطيع أن تجادله أو تباحثه مهما يكن دليلك إليه صارخا. ان إطاره العقلي مغلق بشكل لا ينفذ إليه اي برهان مهما كان. يصح القول ان التنويم الاجتماعي موجود أينما وجد الانسان. ولا بد لكل انسان ان يقع تحت وطأته قليلا او كثيرا. وكلما ازدادت ثقافة الناس وتفتحت عقولهم ضعف فيهم اثر التنويم وقلت مخاطره  .

- التعاطف مع الآخرين:

عُرِفَ عن "عروة" حبه للناس، ودعوته إلى تحررهم، حتى أنه كان يجمع الصعاليك ويحرص على مساعدتهم واعالتهم واغاثتهم من الظمأ والسغب، وكان تواقاً الى عالم إنساني جميل تحكمه قسمة الحق ويتمتع فيه كل الناس بالعدل الاجتماعي والحياة الانسانية الكريمة الخالية من القهر والاستعباد، والتمييز بين البشر وفقاً للنسب، ولون البشرة، والوضع الاقتصادي .

وكان إذا أصاب الناس شدة، تركوا المريض أو الكهل المسن أو الواهن العاجز، قام على الفور بجمه هؤلاء واشباههم من دون أهلهم، فأسكنهم في خيمة يسقيهم ويطعمهم ويكسوهم، ويرعاهم كل الرعاية، حتى إذا تعافوا أخذهم معه إلى الغزو، وقسَّمَ المغانم بينهم بالعدل، وأبقى منها للمرضى .

والجميل في عروة أنه لم يكن يغزو الأغنياء الأسخياء الذين يساعدون الناس، ويبذلون أموالهم في سبيل إغاثة هذه الشريحة، وإنما يُغيرُ على أموال أولئك الذين يحتقرون الفقراء، ولا يبدون أي مساعدة لهم، كما أنه كان ذا حس ٍ إنساني وفني رفيع، ويبدو ذلك جلياً في شعره، فضلا عن كونه دائم الشرح والتوضيح والدعوة لرسالته الإنسانية في الحياة، ورؤيته لها .

لقد اجتمعت الصفات التي وضعها الروسي "تشيخوف" للمثقف في شخصية عروة ابن الورد، فهو الصادق والمتواضع والمحب للآخرين، المتعاطف معهم، ومالك الحس الجمالي والعاطفي الرفيعين، ويعد بحق أحد أبرز المثقفين في تاريخ العرب .

 

وعد عباس

 

 

هي: المرأة الشرقية عنيدة لا تنافق من حولها

تحارب من يحاولون تقييدها والتقليل من شأنها

تعصف بكل شيء يحاول كسرها

تمطر حبا وحنانا ودفئا لكل احبابها ومن حولها

تثور كبركان دفاعا عن حقها

وتنطفئ.ثورتها اذا وجدت من يعلي قدرها ويحترمها

 لا تهدأ ولا تموت في سبيل اعلان وجودها

و لا تحيا الا بنجاح اهدافها وتميزها

 لا تضر أحدا فهي سند وأمن لمن حولها

تلك هي اﻷنثى الشرقية

أصعب الأناث ولكنها تبقى درة غالية

حاورها ذاك الرجل ذو الكبرياء المغرور

قال لها ألم تدركى بأن النور ذكر ؟!

قالت له وهل أدركت سيدي أن الشمس أنثى؟

قال لها الم تعلمي ان الكرم ذكر ؟ !

قالت له نعم ولكن الكرامة هي اﻷنثى الشرقية تتفاخر بها الرجال

قال لها ألا يعجبك أن الشعر ذكر؟

فقالت له وأعجبنى أكثر أن المشاعر هي انثى

قال لها ألا تعلمين أن العلم ذكر؟

قالت له أننى اعرف أن المعرفة أنثى

أخذ نفسا عميقا وهو يغمض عينيه كبركان ثائر

ثم عاد ونظر إليها بصمت عميق

للحظات يترقبها بنظرته

وبعد ذلك .........

قال لها سمعت أحدهم يقول أن الخيانة هي أنثى ؟

قالت له ورأيت أحدهم يكتب أن الغدر سيدي كان ذكرا!

قال لها ولكنهم يقولون أن الخديعه أنثى

فقالت له بل هن يقلن أن الكذب ذكر

قال لها هناك من أكد لي أن الحماقة أنثى

فقالت له وهنا الان من أثبت لي أن الغباء ذكر

قال لها أنا أظن أن الجريمة أنثى

فقالت له وأنا أجزم أن الإثم هو ذكر

قال لها أنا تعلمت أن البشاعة أنثى

فقالت له وأنا أدركت أن القبح هو ذكر

أخذ نفسا عميقا ثم شرب قدحا من الماء

 كله دفعة واحدة

أما هى فخافت عند أمساكه بالقدح

ما جعلها تبتسم ما أن رأته يشرب

وعندما رأها تبتسم له

قال لها يبدو أنك محقة فالطبيعة أنثى ياسيدة النساء

فقالت له وأنت قد أصبت فلجمال سيدي ذكر

قال لها لا بل السعادة هي أنثى

فقالت له ربما ولكن الحب كله ذكر

قال لها وأنا اعترف بأن التضحية سيدتي أنثى

فقالت له وأنا أقر بأن الصفح سيدي ذكر فهل منحتني صفحك

قال لها ولكننى على ثقة بأن الدنيا كلها أنثى وسألها

فقالت له وأنا على يقين بأن القلب كله ذكر

وما زال الجدل قائما بينهما

وما زالت الفتنه نائمة

وسيبقى الحوار مستمرا طالما أن

السؤال ذكر والاجابة  انثى

***           

بقلم: ذكرى البياتي

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – من عش الغراب لن تأخذ بيضة دجاجة.

التعليق – مثل جميل وطريف، وصورته الفنية جديدة ومبتكرة بكل معنى الكلمة . قال صاحبي، ان هذا المثل سياسي بحت، وانه ينطبق على هؤلاء الذين يأملون العدالة من الطغمة الظالمة بسبب سذاجتهم وعدم معرفتهم بقواعد اللعبة . قلت له، انك تحمّل المثل بافكارك العراقية الملتهبة، لانك ترى كل شئ عبر هذه المعاناة في بلادنا. لم يوافق، ولكنه لم يعلق بشئ، وقال فقط بسخرية ظاهرة  – اذهب وخذ بيض الدجاج من عش الغراب ...

**

الترجمة الحرفية – عندما يكون الانسان محبّا للعمل، الارض لن تكون كسولة .

التعليق – تلاعب غير اعتيادي بالكلمات ومعانيها وموقعها في الجملة، ولكن هذا (التلاعب!) جميل جدا، لأنه يؤكد حقيقة ساطعة تقول، ان (كسل!) الارض يرتبط فعلا ب (كسل!) الانسان، ومعروفة علاقة الكسل والبصل في مثلنا العربي الشهير والعتيد - الكسل ما يطعّم بصل.. مثل فريد جدا بصياغته المتميّزة .

**

الترجمة الحرفية – الافضل ان ترى الوجه، مما ان تسمع الاسم .

التعليق – توجد علاقة وثيقة بين مشاهدة العين وسماع الاذن، وقد تناولتها أمثال الشعوب كثيرا، بما فيها أمثالنا العربية طبعا، ولكن المثل الصيني هذا يحدد موقفا دقيقا واضحا جدا، وهو – رؤية الوجه مقارنة بسماع الاسم، ومن الواضح هنا، ان الكلام يدور حول الانسان، الذي يتطلب ان يحدد الشخص موقفا بشأنه . طرح صاحبي عليّ سؤالا طريفا حول هذا المثل، وهو – هل ان الصينيين أخذوا يصيغون ألامثال الملائمة لنا، مثلما يعملون البضائع الملائمة لنا ؟ ضحكت أنا، وقلت له – لا أعرف، ولكن يجب ان تسأل دلاّلاّت الزواج عندنا، فضحك صاحبي ايضا وقال – هنّ اختفين في عصرنا تقريبا، ولكن المثل الصيني لازال حيّا يرزق .

**

الترجمة الحرفية – لا تتسلق – لن تسقط .

التعليق – ما ابسط هذه المثل وما اعمقه ! سألني صاحبي - هل يسمع (المتسلقون العرب !) تحذير المثل الصيني يا ترى ؟ فقلت له، المتسلقون العرب وغير العرب لن يسمعوا هذا التحذير الا بعد ان يسقطوا ...وتلك هي التراجيديا والكوميديا في الفن المسرحي وفي مسرح الحياة ايضا.

**

الترجمة الحرفية – لم يتعلم المشي بعد، ويريد ان يركض .

التعليق – يقول المثل الروسي في هذا المعنى – لم يجفّ الحليب على شفتيه بعد . كل الامثال العالمية حول هذه الظاهرة الانسانية تمتلك صورا فنية طريفة طبعا . هل تذكرون تعابيرنا المتنوعة بلهجتنا العراقية عن (اللحيمية)، وعن (الزعاطيط)، وعن (الحثلّك) ... 

**

الترجمة الحرفية – الف معلّم، ألف طريقة واسلوب .

التعليق – كلام صحيح فعلا . تلاميذ المعلمين سيختارون في مسيرة حياتهم اللاحقة الطريقة الأفضل والاسلوب الأمثل لهم في حياتهم، ولكن المثل الصيني هذا يؤكد حقيقة ساطعة تقول، ان  هذه المهنة ترتبط بالمهارة الذاتية للمعلّم قبل كل شئ . 

**

الترجمة الحرفية – الانسان الذكي لا (يصرف) كلمات كثيرة .

التعليق – وضعنا كلمة يصرف بين قوسين في الترجمة الحرفية رغم عدم وجود ذلك في النص الاصلي، وذلك لأن روحية هذا المثل الصيني تكمن في هذه الكلمة، اذ انه يريد ان يقول لنا، ان (الكلمات) ثمينة مثل (النقود)، ولهذا، فان الانسان الذكي لا (يصرفها!) عبثا . مثل ذكيّ ومبتكر فعلا.

**

الترجمة الحرفية – قلوب البشر ليست متشابهة، مثل الوجوه .

التعليق – الله الله ...هكذا صاح صاحبي عندما قرأت له هذا المثل، فسألته متعجبا عن سبب ذلك فقال، المعنى جميل جدا والصياغة كأنها قصيدة نثر، وانني صحت هكذا اعجابا بالمثل شكلا ومضمونا . ثم سألني، وانت ماذا ترى؟ قلت له، اني اتفق معك كليّا ...

 

أ. د. ضياء نافع

.............................

من كتاب: (أمثال شرقية مترجمة عن الروسية) بطبعته الثانية، المزيدة والمنقحة، والذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد قريبا.

ض.ن.

 

 

 

عامر هشام الصفارلم يسبق لي أن شاهدت فيلما من نتاجات السينما الكورية الجنوبية، ولكن عندما سمعت عن المخرج بونك جون هو وفيلمه الجديد المعنون ب "الطفيلي" عقدت العزم على مشاهدة الفيلم. وقد أتاحت سينما المدينة في ويلز والمختصة بعرض الأفلام الفائزة في مهرجان "كان" السينمائي الفرنسي العالمي فرصة مشاهدة فيلم "الطفيلي" قبل أيام فلم أترك هذه الفرصة تضيع مني حيث كان المخرج الكوري الجنوبي نفسه معنا في صالة العرض وهو يجيب عن أسئلة المشاهدين بعد أنتهاء عرض الفيلم الذي أستمر على مدى الساعتين.

و"الطفيلي" فيلم يتحدث عن العولمة وما تركته من آثار سلبية على المجتمعات الحديثة ومنها المجتمع الكوري الجنوبي نفسه الذي تمثلّه في الفيلم عائلتان.. أحداهما فقيرة مدقعة وهي تتألف من الزوجة والزوج والأبنة الشابة والأبن الصبي.. والكل يتمتع بالقابلية على التطفل بشكل غير معقول أحيانا.. بينما تسمح عائلة أخرى غنية حد التخمة بالتطفل عليها حد السذاجة. وحالة التطفل نفسها أنما تبدأ منذ لحظات الفيلم الأولى عندما تشعر العائلة الفقيرة أن النت مقطوع عليها فتتطفل على النت عند الجيران لتفتح صفحات الواتساب مثلا بما يعطي الأنطباع للمشاهد من أن الفيلم يعالج مشاكل أجتماعية معاصرة.

وتتطور حالة التطفل في الفيلم لتكون الأبنة راعية الطفل الصغير في العائلة الغنية، كما يكون الأبن الفقير مدرسا خاصا للصبية في العائلة الغنية، وهي صبية تعاني حرمانا عاطفيا فلا تجد من يهتم بهذا الجانب الاّ الصبي الفقير الذي جاء أليها مدرّسا فيصبح عاشقا في غفلة من زمن ومن عائلة..!. وهي تلك العائلة الغنية التي تطفلت عليها الخادمة (الأمينة) لسنوات عديدة فجعلت زوجها يسكن في سرداب مموّه في بيت العائلة الغنية دون علم العائلة بذلك. ولعل المشاهد سيتوقع أن مثل حالات التطفل تلك أنما ستؤدي الى أحداث فيها الجريمة وفيها المقالب والمثالب.. فتحصل المفاجأة في الفيلم حيث سيؤدي التطفل الى تراجيديات وخسارات لم تكن في الحسبان.

وقد أستدرك المخرج جون هو بعد أنتهاء عرض الفيلم فقال أنه نفسه كان يعمل في فترة من فترات حياته مدرسا خاصا لعائلة غنية، وقد أستوحى فكرة الفيلم من تجربته الشخصية وسيرته الذاتية. حيث كتب الفيلم أولا على نسق مسرحي ولكنه كان دائم التفكير بموقع الكاميرات والتأثيرالموسيقي واللقطات وزواياها وكيف سيكون المشهد مؤثرا سينمائيا ليزيد من وقعه على المشاهد فكأنه نفسه يقول أن التطفل كان لكاميرا السينما على خشبة المسرح.. ولكنه تطفل محمودّ.. 

و"الطفيلي" الفيلم عندي من الأفلام المتميزة فكرة وأخراجا سينمائيا وبصورة ومشاهد وأضاءة وقبل كل شيء بسيناريو فيه الحبكة الذكية وبتصوير سينمائي له الكثير من أيجابياته وتأثيره ووقعه على المشاهدين، أضافة الى دور الموسيقى المصاحبة للقطات الفيلم الدرامية لزيادة الوقع النفسي على المشاهد وبالتالي تحقيق فكرة الفيلم وأيصال رسالته المهمة.

الطفيلي أذن هو المستعمر الذي يحتل بيتك ويهجرّك منه ويدفع بك الى المجهول.. والطفيلي هو المرض الذي يغزو جسم المجتمع ليأكله من الداخل فيشيع فيه الخراب.. ولكن ما العلاج لهذا الطفيلي الظالم الذي ما فتأ يتطفل دون أن يردعه رادع؟.. حسب الفيلم هنا أنه يثير في خاطرك الأسئلة الصعبة ويجعلك في بحث مستمر عن الجواب الصحيح.

ولابد من أن أشير هنا الى أن فيلم "الطفيلي" قد حاز منذ أنتاجه في بداية 2019 على ما يزيد عن 170 جائزة عالمية وهو مرشح قوي للفوز بأوسكار أفضل فيلم لهذا العام. 

 

 عامر هشام الصفّار

 

كريم مرزة الاسديمقالات آخر الحياة

هذه صرخة إنسانية رائعة من صرخات العبقري الخالد ابن الرومي (بغداد 221 - 283 هـ) بوجه الطغاة والمتجبرين واللئام والحاقدين جاءت على لسانه مخاطبًا بها أحد الشعراء كان يريد أن يهجوه:

رقــادك لا تسهر لي اللــــــيل ضلّة ً ***ولا تتجشم فيّ حوكَ القصائدِ

أبــي وأبــوك الشيــــــخ آدم تـلتقي ****مناسبنا في ملتقىً منه واحد ِ

فلا تهجني حسبي من الخزي أننّي *** وأيـّــــاك ضمّتني ولادة والدِ

تعجبني هذه الأبيات الرائعة للشاعر العبقري ابن الرومي، والشيء بالشيء يذكر، حول المشاحنات الأدبية والحزازات الشخصية، والنزاعات الأنانية، والصراعات السياسية التي يقع بين حبائلها عمالقة الفكر والأدب، ناهيك عن عامة الناس وعوامهم، متناسين في لحظات الصراع غير المشروع، ما الإنسان إلا نطفة من قبل، وجيفة من بعد – وأنا استعير هذا المعنى من الامام علي ( عليه السلام ) - فلا يبقى بينهما إلا العمل الصالح، والخلف النافع، والذكر الطيب، وشاعرنا اشار إلى نسبه الأولي متجاوزاً كل آبائه وأجداده.

نعم!

يكرر الناس بعامتهم وخواصهم قول يسوع المسيح (أنا ابن الإنسان)، والحديث الشريف (كلكم لآدم وآدم من تراب)، وغيره من الأحاديث الشريفة، والأقوال المأثورة، (لا فرق بين عربي وأعجميإلا بالتقوى).. (الناس سواسية كأسنان المشط)؛ ولكن عبقرينا الفذ ابن الرومي جاء بها بأروع أبيات شعرية وأبلغها وأجملها، وحسبي وحسبك وحسبه البيت الأخير:

فلا تهجني حسبي من الخزي أننّي *** وأيـّــــاك ضمّتني ولادة والدِ

تأمل بعمقٍ وكفى!!

وهنالك أبيات أخرى غاية الروعة لابن الرومي العظيم؛ تعال معي لنقدمها بما تستحق:

رغم أنّ الإنسان وجهة الإنسان؛ ولا وجود لإنسان دون الإنسان، يصرخ الفيلسوف الوجودي الفرنسي جون بول سارتر في إحدى مسرحياته (الجحيم هو الآخرون)!!

 وقد شمنت هذه المقولة في إحدى قصائدي قائلًا:

 كسيزيفَ انتَ بهـــذا الزمانْ *** ستبقـى حياتكَ رهنَ الصخـرْ!

 كأنـكَ آثامُ هـــذا الوجـــودْ**** وهـــذا ابـــنُ آدمَ ايـــنَ المفــرْ؟!

- عذابٌ أليـــمٌ بدنيــــا الجحيـمْ *** وطبعُ الأنـامِ جحيـــمُ الدهـــرْ!

 ولما مسكت الجزء الأول من كتاب (ذكرياتي) لجواهرينا العظيم، وقلبت ورقتي العنوان فإذا به صدر ذكرياته بمقولة لحكيم صيني تقول :" وُلدوا فتعذّبوا فماتوا "، لابدَ أن هذه الفكرة راودته فترة طويلة، بل تخمرت في ذهنه، وزُرعت في دمه حتى آمن بها قناعة لا تتزعزع، فجعلها الكلمة الأولى لكتابه الموعود ، ولكن... جزما، أبعاد المقولة، واتجاهاتها الفكرية، وفلسفتها الحياتية، متابينة في عقلي الرجلين، فالتطابق محال، ومدلولها واسع على أية حال، وله أن يحلل أبعادها كما يشاء، و(ابن الرومي) عبقرينا الخالد، قد سبق الرجلين بما ذهبا إليه :

لِما تؤذن الدنيا به من صروفها ****يكون بكاء الطفل ِساعـة ّ يولدُ

وإلا فما يبكيـــــــه منها وإنـّها **** لأفسحُ مما كــــــان فيهِ وأرغدُ

إذا أبصر الدنيا أستهلَّ كأنّـــهُ******بما سوف يلقى من أذاها يهدّدُ

وللنفسِ أحــوالٌ تظلّ كأنـّــــها ***** تشاهدُ فيها كلَّ غيبٍ سيشــــهدُ

لا تتوقع مني أن أطبل التحليل؛ فأفسد روعة الأبيات...وبها قد كفى ووفى...!!

 

كريم مرزة الأسدي

 

 

عبد الجبار نوري"موزارت" معجزة فريدة في التأريخ الموسيقي وأنجازاتهُ في جميع أشكال وأنواع الموسيقى الكلاسيكية، ومهارة في التأليف الموسيقي بيد أن القدر لم يمهلهُ حيث عاش 35 عاماً مؤسساً مدرسة موسيقية مشخصنة بأسمه "موزارت" ترك بصماته في أرواح عشاق الموسيقى وأثبت أن الموسيقى غذاء الروح وشفاء للمادة الجسدية المريضة بأستعمالها في الطب الصيني القديم والحديث بسمفونيات وسوناتات العبقري موزارت، وأثبتت الموسيقى هي اللغة العالمية المشتركة بين كافة الحضارات، وأنها تلك اللغة الخلابة التي تسلب الأفئدة وتُذهِبْ بالعقول لكونها روح مفردات الحياة في كوكبنا الجميل وخطوة أبعد هي حياة الكون الغير ملموسة، وهي التي تدلُ على قيمة التراث والأصالة عند كل الشعوب .

والعبقرية ظاهرة غير متكررة وغير موروثة وأجلها قصير، وتبقى العبقرية الفنية هي الموهبة، وقديماً قيل: أن ما بين الذكاء والموهبة قنطرة وما بين الموهبة والجنون شعرة، وموزارت أصيب بمرض عضوي لم يؤثر على قدراتهِ الموسيقية لأنها موجودة في تلافيف جزء خاص بالموهبة في مخهِ منذ الطفولة، وذاع صيتهُ وشهرتهُ الموسيقيّة بين وطنه الأم النمسا وثُمّ بريطانيا وأيطاليا وفرنسا، وتألقت أبداعاتهُ الفنية بعد وفاتهِ حتى أخذت أنغامهُ السحرية الخلابة تشدو في جنبات وفضاءات القاعات الزجاجية من البنك والصندوق الدولي في أمريكا على أعتبار أن الثقافة تسهم في التنمية البشرية وفي قدرة الفنانين على تحرير خيال البشر وأطلاق أبداعاته الكامنة في السلع والخدمات .

وعند الدخول إلى عالم الموسيقى أو العالم الروحي نجد أنفسنا أمام (الكبار) في الأبداع الموسيقي أمثال"موزارت" حتى أن (غنيات) المطربة اللبنانية فيروز في{يا --- أنا – يا أنا وياك، وبياع الخوات، ومن أيام الولدني} كانت من ألهام سمفونية موزارت 40 و41  أن "موزارت" معجزةٍ فريدةٍ في التأريخ الموسيقي وأنجازاتهِ في كل أنواع وأشكال الموسيقى الكلاسيكية ومهارة في التأليف الموسيقي ولكن الزمن الغادر لم يمهلهُ حيث عاش 35 سنة مؤسساً مدرسة موسيقية مشخصنة بأسم " موزارت " 

هو فولفغانغ أماديوس "موسارت" 1756 -1796 ولادة سالزبورغ النمسا، مؤلف موسيقي نمساوي من أعاظم المبدعين في تأريخ الموسيقى، رغم أن حياتهُ كانت قصيرة، فقد نجح في أنتاج 626 عملاً موسيقياً، وهذه بعض نماذج من أهم أعمالهِ العبقرية : الريكويم أو (القداس الجنائزي) الغير مكتملة، والسمفونية 40، السمفونية 41 الرائعة، وأهم أعمالهِ الدرامية : أوبرا الناي السحري باللغة الألمانية، وزواج فيغارو، وفي الرومانسيات سوناتو البيانورقم 8، أوبرا دونجيفاني، وكونشيرتو الكلارانيت، وكونشيرتو البيانو رقم 24، فكان رمزاً للعصر الكلاسيكي، وكان ملحناً متنوعاً فألف في كل أنواع الموسيقى من أوبرا وكونشيرتو وسيمفوني وتتخلل كل هذه الأبداعات الرباعيات الوترية والخماسيات الوترية وسوناتات البيانو، وهذه النتاجات لم تكن من أكتشافات موزارت بل أن العبقري الشاب أضاف لها التقيدات التقنية وأطرها بلمسات شفافة من العاطفة الروحية المقدسة وخاصة في جوانب الموسيقى الدينية والكنسية، فظهر في موسيقى موزارت الوضوح والتوازن والشفافية والدقة التي هي أساس مصدر القوّة التي ظهرتْ - كما يجمع النقاد – في رائعتهِ (البيانو كونشيرتو 24) والسمفونية 40 وأوبرا دون جيفوني، فأصبحت مقطوعاتهِ تدرس كأساس في الموسيقى الكلاسيكية وطغتْ تأثيرات أبداعات موزارت في مؤلفات (بيتهوفن وشوبان وتشايكوفيسكي )، وأنّ بعض النقاد ذكر أن موسيقاه تتسم بشيءٍ من الحزن في غياب الفرح والرجل قد جمع أعلى درجات النضج كموسيقي منذ سنوات طفولتهِ الأولى، وأجمع النقاد في زمنهِ وبعد رحيلهِ الأبدي " كانت الموسيقى حاضرة معهُ وفيه " لم تكن الموسيقى لدى موزارت وسيلة للعيش بل أوجد مدرسة خاصة بهِ في عصرهِ وبعد مماتهِ تدعى "الموزارتيه" بل ترقى إلى " ظاهرة موسيقية " مسجلة براءة أختراع مشخصنة بأسم موزارت (أنيس منصور / كتابه الناي السحري – موزارت)، وقال فيه الموسيقار تشايكوفيسكي : أني أجد الجمال والبهجة وحب الحياة في موسيقى موزارت ---- أنهُ رمز الصحة والعافية والمرح والجمال ونعيم الدنيا، وقال أنشتاين عالم الفيزياء الفضائية  : موتسارت أعظم موسيقار في العالم --- بيتهوفن خلق موسيقاه بيد أن موسيقى موتسارت من النقاء والجمال لدرجة تجعلنا نحسُ وحدها كجزأ من الجمال العميق لهذا الكون في أنتظار عبقري يكشف عنها الغطاء، وقال فيه الناقد (أنتوني تومازيني) وهو أحد أشهر كتاب الموسيقي الكلاسيكية في نيويورك قال في موزارت : يعتبر موزارت أعظم المؤلفين الكلاسيكيين من غير الأحياء في التأريخ، وتعتبر أعمالهُ أنجازاً بشرياً مدهشاً وليست نصباً حجرياً تذكارياً أنما هي كائنات حيّة تتنفس بين ظهرانينا، وللأشارة أن الناقد قد وضع قائمة تضّمُ مشاهير الموسيقيين الكلاسيكيين وفي مقدمة القائمة باخ وموزارت وبيتهوفن وشوبرت .

وكانت المفاجأة أكتشف الوسط الفني في النمسا في نهاية القرن التاسع عشر أكثر من ثلاثة آلاف رسالة مكتوبة بخط موزارت والتي أصبحت فيما بعد تراثاً فنياً ثراً تعود لشخص موزارت الموسيقي أطلقوا عليها أسم (رسائل موزارت) وأضيفت إلى التراث الفني الثقافي الأوربي، وتنقلنا أدبيات الرسائل إلى موهبة موزارت في النقد الفني للموسيقى بالذات والذي ينحو إلى مسارٍ أجتماعي وأدبي وأخلاقي وأحياناً سياسي، فالأعتراف معلن من المحفل الفني الأوربي في القرنين الثامن والتاسع عشر، وحسب قناعتي تشكل براءة أختراع فعلاً مع وسام شرف في الأبداعات المبكرة في مدونات موزارت الموسيقية و الرسائل والنقد الفني للموسيقى.

 

عبد الجبار نوري

كاتب وباحث عراقي مغترب - ستوكهولم

............................

الهوامش

أنيس منصور –الناي السحري- موتسارت /

مجلة الحياة الموسيقية – وزارة الثقافة السورية / محمد حنانه – موتسارت 2012