عقيل العبودفي الليل حيث تنكمش مظاهر الحركة، ويدبُّ السكون، تتحول حرارة الصيف الى برد خفيف، بينما حالة من الإسترخاء تنساب خلال جسده المتعب، خاصة بعد ان يهدأ الشارع من الزحام، حيث بعد ساعات من التجوال طويلة، وعند تلك البقعة من الأرض تحديداً، إعتاد الرجل أن يفترش تلك الأغطية مع بعض أسمال أجهدها النحول ذلك بحثا عن فضاء به يستطيع ان يحقق قدراً من النوم.

الزاوية الحادة من الرصيف تلك التي تقبع عند نتوءات الجذور النابتة للشجرة الضخمة بجانب البناء المخصص لدورة المياه، هي ذات البقعة التي يأوي اليها، وها هي جولته الثانية من الحياة كانت قد ابتدأت بعد ساعات من الغروب انقضت، وتلك سيجارته التي راحت تفرض أنفاسها وفقاً لتقاليد كوب من القهوة العائدة الى احدى المقاهي العائمة عند ضفاف ذلك المكان، مع شعور بالسكينة والإطمئنان.

هنالك على وسادة داكنة، دبيب النهار بساعاته الطويلة، كأنما ينهض بحلةٍ جديدة، ليعود الى تفاصيل أشواطه السمعية والحسية، ثم يمضي لتطوف فضاءاته في مخيلة لم تكن تنفض غبار همومها كما تلك الثياب.

ذلك الرجل، مشاعره كما تلك الأجواء، تنبسط ثم تنقبض، لتبتدئ من الداخل، وهنالك ثمة شئ، شئ من قبيل قوة خفية تجتاح كيانه، جميع جوارحه، تحلق به كما النوارس بعيداً عن الضجيج، بعيداً عن البؤس، بعيداً عن جميع تفاصيل المشهد.

ولكن ورغم ابتعاد تلك التفاصيل، حكاية الصباح باقية تطرز تلك المساحة من الأمل؛ هدوء شفيف، يفتح بواباته كما رقة الفراشات، وحفيف الأغصان الممتزج بأنغام ذلك السريان من الطبيعة، بينما عند المنتصف يفرض النهار هيبته بطريقة تكاد ان تكون أكثر حزماً ذلك لمداولة الحركة، خاصة مع تلك الأمكنة، حيث يكتظ الآخرون بحثا عن فسحة من المتعة والاسترخاء.

أما ذلك الإمتداد المنبسط من العشب فقد اتخذ من السكون وسادة لجسدٍ أعيتهُ التفاصيل، لذلك كأنما مؤازرةً استرخى هو الآخر أملاً بسرد مشاهد، أحداثها ما فتئت تتعكز في محيط واقع عكر- لقد بقي حضوره على شاكلة بساط تعلو وسادته خضرة يعانقها فضاء يسعى لأن يستمد جماله المتوقد خلال شاطئ، قررت ضفافه ان تنسحب إستجابةً لشروط قوافل من الأمواج محكومة بقانون المد والجزر.

هي بقعة ترسو في مرافئها مجموعة من السفن القديمة، والزوارق المتفاوتة في أحجامها، تلك التي لا يحدها الا هواء البحر العليل، ليمنحها بهجة تتناغم وذلك النسيم الذي يحمل بين أنفاسه طعم السمك العالق بسنارات الصيادين.

بينما يزاول المارة حركتهم المعتادة عند ضفاف تلك الزرقة المطلة على الساحل كما اعتادوا كل يوم، حيث يرسم العشاق قبلاتهم دون تردد.

وهنالك حيث تعانق السماء إطلالة غيوم رمادية، الطائرات الورقية ينتشر بعضها بطريقة متجاورة لتستهوي رغبات أصحابها، بينما أصوات النوارس تمضي متناغمة مع سريان تلك التموجات التي اعتادت ان تُعَبّر عن أتعابها المكسوة بالرغوة البيضاء، لتحط بتثاقل عند حافات الشاطئ بينما دبيب اللون يتحد مع فصول المشهد القريب، ليرسم سيناريوهات لا تحتاج الى متمرس في الفن. هنا حيث تتعانق الأمكنة، الأحداث تسير وفقاً لمشيئة الزمن.

فعلى ذات الضفة، رجل اطلق العنان لذقنه ليبقى هكذا منشغلا مع أوتار قيثاره العجوز عند أطلالة قطعة قماش يضع الجمهور فوقها وريقات من النقد إعجاباً بأنغامه المتمرسة.

 

أما تلك المساحة من المكان، فقد أطلقت العنان لنفسها أسوة برحلة النوارس، وأصواتها المودعة محتفيةً بآخر ما تبقى من دقات قلب بقي يخفق بشدة هائلة، كأنما إستجابة لفرحة مفاجئة، ليطلق العنان لنفسه بعد حين مودعاً أنباء آخر سفينة مسافرة.

 

عقيل العبود

 

تحليل الاحصائيات

 قلة في عصرنا من يقرأ رواية من 500 صفحة او اكثر، سوى نفر قليل من المتخصصين والمعنيين، الكاتب لا شك لم يكتب روايته لهؤلاء، وانما للقراء او فئات واسعة من القراء، اما المتخصصون فهم تحصيل حاصل، وهدفه الحقيقي الوصول الى اكبر عدد ممكن من القراء، باكثر من لغة بواسطة ترجمة عمله او توسيع انتشاره. فهل توجد هذه النوعية من القراء في عصرنا، عصر المعلوماتية؟ وان وجدوا فاعدادهم لا تتجاور خانة المئات، وفي النتيجة تذهب جهود الكاتب سدى. اولا يتمكن من الوصول لمبتغاه رغم ما بذله من جهود استثنائية انتجت عملا ضخما ومهما، ولكن في الواقع بدون قراء او قراء لا يتجاوز عددهم عدد صفحات الرواية.

تبدل كل شيء في عصرنا، عصر المعلوماتية وسرعة تداول الاخبار والمعلومات وانتشارها لم تترك مجالا للقراء او الوقت الكافي لقراءة اعمال ضخمة تتطلب جهدا ووقتا، بينما يمكنه ان يجد ما يحتاجه من اخبار ومعلومات ومصادر بجميع التخصصات خلال ثوان معدودة، ثم لا تتجاوز اعمال القراءة ان كان من هواة القراءة المتعة او قضاء الوقت او التسلية والفائدة باحسن الاحوال.

وفي احصائيات تكررت باشكال واساليب مختلفة، تفوق ما يقرأه الفرد من رسائل نصية تصله على الموبايل بطريقة عشوائية على ما يقرأه من كتب ومجلات وجرائد! ولكن الحقيقة ان عدد القراء تضاعف على الانترنيت.

وبعض احصائيات تشير الى ان الفرد يقضي وقتا اطول مع الموبايل والكمبيوتر واللوحي في قراءة الرسائل النصية والاخبار والجرائد والمجلات والبحث عن المعلومات وسواها اكثر من قضاء الوقت باي نشاطات اخرى،

وهذه من السمات او الحقائق الجديدة التي اوجدها عالمنا المعاصر عصر المعلوماتية.

اصبحت فيه قراءة الكتب مسألة ثانوية او ليست اولوية لدى مختلف شرائح المجتمع، ومنهم الطلاب والدارسون، فبدلا من الذهاب الى المكتبات العامة والخاصة واسواق الكتب، يلجؤون الى المواقع الرقمية للحصول على الكتب والمصادر والمعلومات بشتى انواع التخصصات العلمية والفنية والادبية، وتزداد متابعاتهم للصحف والمجلات على العالم الرقمي الذي توفره مواقع الصحف والمجلات على الانترنيت بدلا من اقنائها او شرائها كما كان يحدث في الماضي.

 ومع ذلك هذه القراءات ليست اولوية او تدخل في باب ازجاء الوقت والمتعة والتسلية، حسب هذه الاستطلاعات والاحصائيات، اوابراز خصائص عصرنا الجديد عصر المعلومات والاتصالات الفورية التي تشكل ركائز هذا العالم بوسائله واساليبه التي غيرت نمط حياتنا وتفكيرنا دون ان نشعر او نتلمس تلك التغيرات بشكل واضح، ويمكننا كمثال ان نفرز تلك التطورات، وما احدثته من تغيير في اساليب العمل والادارة والمراسلات ونمط التفكير وطرائق حصولنا على الاخبار والمعلومات.

لا يمكن في كل الاحوال، الجزم بصحة هذه الاحصائيات رغم واقعيتها، فهنالك احصائيات في المقابل تشير الى ان عادات القراءة رغم هذه التطورات السريعة، لم تتغير وبعيدة عن التأثر بهذه التغيرات، لتصل الى درجة تفوق العالم الرقمي على ما عداه من وسائل الحصول على المعلومات والاخبار والمصادر، بل بالعكس سهل العالم الرقمي وسائل البحث وسرعة الحصول علي المعلومات الاخبار بما لا يقاس باستخدام الوسائل القديمة، اي انه عمل بشكل ايجابي على نشر وتوسيع دائرة القراءة والحصول على المعلومات بمختلف التخصصات بوقت قياسي مقارنة بالوسائل القديمة. وكمثال عدد قراء الجرائد والمجلات والكتب ومقتني المصادر التخصصية من الطلاب والدارسين، لم ينخفض بل ارتفع، ولكن وسائل او طرق الحصول على محتويات الجرائد والمجلات والكتب والمصادر او طرق واساليب قراءتها تغيرت.

وتتوصل بعض الدراسات من خلال احصائياتها الى ان هذه الوسائل تكمل بعضها بعض، ولا توجد كفة مرجحة سواء بالنسبة لاعداد القراء التي ادعت بانهم في تزايد او في الوسائل المتبعة في القراءة بين العالم الرقمي عبر الانترنيت او من خلال اقتناء الصحف والمجلات والكتب والمصادر بشتى الاختصاصات العلمية والادبية.

اما قراء المؤلفات الضخمة ادعت ان نسب القراءة لهذه المؤلفات لم تتغير او يؤثر عليها عصر المعلوماتية بل زادت او ارتفعت من خلالها نسبة قراءة مثل هذه الاعمال والمؤلفات التي يصل عدد صفحات بعضها 700 او 900 صفحة، بل ان عصر المعلوماتية سهل الوصول اليها او قراءتها عبر الانترنيت، فبدلا من اقتنائها صار من الممكن الوصول اليها او الحصول عليها او قراءتها وتصفحها على الشبكة العنكبوتية خلال فترة زمنية  قصيرة دون عناء او جهد كبير.

ليس لدينا في كل الاحوال ما يؤكد دقة هذه الدراسات و الاحصائيات بشكل خاص. لكن يمكننا الجزم ان هناك عصر تشكل واصبح واضحا تغلغل بجميع شؤون حياتنا اسمه: "عصر المعلوماتية"، فرض علينا طرقا جديدة في اساليب العمل والادارة والمراسلات وطرق واساليب الحصول على المعلومات والمراجع والمصادر، اضافة الى ما وفرته مواقع التواصل المرتبطة به او التي تشكل احدى نتائجه الحقيقية او الملموسة، وفرت لنا وسائل مجانية وسريعة الانتشار للتعبير عن الرأي وتبادل المعلومات والاخبار باستخدام تقنيات كانت بيد من يملكون السلطة والمال فقط، بوسائل تقنية عالية الجودة، وتحتوي على جميع المؤثرات الاعلامية المقروءة والمرئية والمسموعة بجميع اللغات.

وهناك اضافة جديدة من بين اهم ما افرزته تقنياته المغايرة والفورية، ارتفاع عدد المساهمين بصياغة الرأي العام حول مختلف القضايا السياسية والثقافية حول العالم، سواء القضايا الوطنية او الدولية بمشاركات غير مسبوقة تصل الى ملايين وعشرات الملايين مشاركة أحيانا، وهذه الميزة لا يمكن ان تتحقق بوسائل او عصر الاتصالات والتقنيات القديمة.

في الحقيقة يصعب احيانا تصديق كل ما توصلت اليه ان عصر المعلوماتية ازدادت فيه قراءة الكتب والمؤلفات الضخمة والطويلة لسرعته ودقة وسائل اتصالاته الفورية، التي تختصر الزمن او تختزله الى ابعد الحدود بحيث يصعب تصور وجود قراء لمثل تلك الاعمال الضخمة والطويلة مهما كانت درجة اهميتها خاصة من الاجيال الجديدة، او تظل في دائرة المختصين والمعنيين، دون ان تثير اهتمام القاريء، ولانه ان مثل هذه الاعمال لا تدخل في باب الترفيه او التسلية، وتتطلب المزيد من الوقت والجهد لفهمها او التفاعل معها. قد نجد بعض الاستثناءات، لكننا نقصد القراءة العمومية التي تمثل مختلف فئات او شرائح المجتمع على اختلاف المستويات السياسية والثقافية، اضافة الى ان من سمات عصرنا، عصر المعلوماتية انه يميل الى اختزال الزمن او اختصاره، الذي تعودت عليه الاجيال الجديدة من خلال ارتيادها مواقع التواصل الاجتماعي، وبحثها الدائم عن الاخبار والمعلومات والمصادر في الشبكة العنكبوتية.

لكننا نؤيد هذه الدراسات والاحصائيات الى ان عدد القراء ازداد او في تزايد وليس العكس، ولكن اختلفت او تنوعت اهتماماته وقراءاته، واصبحت اكثر تخصصا ونوعية من السابق اي قبل عصر المعلوماتية، الذي تغلغل في جميع شؤون حياتنا، وهناك من يسميه عصر "الالكترون" ولكن في الحقيقة هذه التسمية الوجه الاخر لعصر المعلوماتية التي تشكل الوسائل الالكترونية بمختلف استعمالاتها هيكله الاساس وقدرته على الوصول الى الجميع بطرق غير معقدة وسهلة وبتكلفة مالية قليلة، مقارنة بالوسائل القديمة او عصر ما قبل الالكترون او المعلوماتية. والتسمية الاخيرة الاكثر تداولا في الدراسات حول عالمنا الجديد المسمى عصر المعلوماتية، وافاقه غير المحدودة التي نتجت عنها الاتصالات الفورية، وسهولة الحصول على المعلومات والمصادر.

لاشك هناك بعض الكتب تتجاوز عدد صفحاتها 900 صفحة واكثر او مؤلفة من عدة اجزاء وبعضها عبارة عن سلسلة مجلدات تخصصية، معلوم ان مثل هذه الكتب والمجلدات خارج اطار هذه الاحصائيات لانها تهم فئة محددة من الاختصاصيين ولا تهم عامة القراء او لا تدخل في اطار القراءة العامة غير المتخصصة، وعدد قرائها محدود . مع ملاحظة ان هذه الاحصائيات رغم اعتمادها على بيانات علمية وبحثية نسبة الخطأ فيها ضئيلة جدا، الا انها متغيرة نتيجة للتطورات السريعة في عالمنا المليء بالابتكارات الجديدة والاضافات الجديدة التي نصحو عليها كل يوم، ويكاد لا يمر الوقت دون ان نسمع عن ابتكارات جديدة تحمل خصائص وانماطا جديدة بمختلف الاستعمالات، وهذه جمعيها تؤثر بشكل غير مرئي بسلوكنا وعاداتنا دون ان نشعر بها احيانا، وتبعا لذلك تتغير عادات القراءة، ورغم نسبة الخطأ الضئيلة بهذه الاحصائيات بما فيها التي تعتمد على البحوث والبيانات العلمية والدراسات بمختلف الاختصاصات، مطلقة او صحيحة بالمطلق، نتيجة لهذه التطورات والمتغيرات منذ بدء عصر المعلوماتية .

ونجهل كذلك ان كان الوباء او فيروس "كورونا" قد غير عاداتنا بالقراءة كذلك ام لا؟ وما اعلنته مواقع التواصل الاجتماعي كفيس بوك وتويتر ان ارباحها تضاعفت مقابل خسائر قليلة مقارنة بالارباح خلال الازمة التي احدثها الوباء او الفيروس!

يعني ان القراءة وارتياد المواقع على الانترنيت تضاعفت ولا شك وتضاعفت معها اعداد المشاركين واعداد الرسائل النصية على الهواتف سواء كانت نشرات طبية او اخبارية او ثقافية ومع ذلك لم تتبلور الملامح المحددة او الاحصائيات التي تشير الى تغيرات جذرية مختلفة، وستاخذ بعض الوقت لمعرفة حجم التغييرات التي احدثها الوباء وما هي اهم التغيرات التي حدثت سواء على مستوى القراءة او الوسائل والوسائط المستخدمة في القراءة وما هي النسبة الحقيقية لقراء الرواية قبل وبعد انتشار فيروس كورونا؟ الذي ادى الى حبس اكثر من نصف سكان الكرة الارضية في بيوتهم، واصبح الانترنيت والموبايل الوسائل الوحيدة والاولى للاتصال اومتابعة التطورات الجديدة من خلالهما باكثر البلدان التي عانت من انتشار الفيروس على نطاق واسع ومؤثر .

يتبع ..

 

قيس العذاري

.................... 

مصادر

تويتر فيس بوك/ احصائيات حول السوشيال ميديا

/ تقرير واحصائيات مجموعة "دراسة سوق الكتب" بي اي س جي

 

 

سمير محمد ايوبأُسودُ رام الله الخمسة– رحيل من الشرق الى الغرب

قبل أيامٍ، كنتُ في رحابِ قلعة الكرك، ومُضيفِيَّ يحدثوني باعتزار عن ميشع الملك المؤابي العظيم، وعن نائب القدس ابن الكرك العظيم، المرحوم باذن الله الدكتور يعقوب زيّادين . وانتبهوا الى شرودي والغيم المتوهج في عينيَّ . فربت شيخهم على كتفي باخوة غامرة، وبقلق سألني: إلى أين وصلت غزلانك؟ أوصلت خليل الرحمن وعنبها وملبنها ودبسها؟!

قلت وانا اعانق تنهيدة تتمطى في صدري المشبع بنسائم الجنوب: يا ريت يا صديقي، فالخليل مدينة الجبارين، والكرم الذي لا يبات في ظله جائع .

قالت كبرى بنات صديقي بحيرة مرحة: إذن الى اين وصلت يا عم؟!

قلت وأنا انقل بصري في وجوههم، وفؤادي غربا وفي كل مكان: إلى دوار المنارة وسط رام الله .

بدأ الرسام الشاب ابن صديقي، يترنم وعلامات الدهشة على وجهه: وين !! ع رام الله، ما تخاف من الله يا شيخنا !

قلت: أتدرون يا اخوتي، أن هذه الاغنية أردنية من الأرشيف الذهبي، للزمن الاردني الفلسطيني .عنوان لمحنتي الغربة والهوية لعرب فلسطين، في وطنهم وفي منافيهم !!!

سارعت السيدة الفاضلة حرم صديقي، تقول وهي اعلامية متقاعدة: نعم صدقت . فقد كانت من أبرز اعمال  الإذاعة الأردنية عام 1959 . شاعت كثيرا حين افتتح المرحوم الملك حسين، منشأة جديدة في الاذاعة الاردنية، التي كانت غداة نكبة 1948 تبث برامجها من رام الله . ودشن المرحوم معها العمل في مبنى الاذاعة في منطقة ام الحيران في عمان . وفيما اذكر أن كلمات هذه الاغنية، قد كتبها رشيد زيد الكيلاني، بطلب من مدير الاذاعة المرحوم عبد المنعم الرفاعي – رئيس الوزراء فيما بعد . ولحنها جميل العاص، وغنتها سنديانة الاغنية الاردنية سلوى العاص (نوال العجاوي) . 

وتابعت السيدة تقول: وأذكر حين كتبها الكيلاني، استعذب كلمات تراثية، تحكي حوارا بين أب يتحسر على رحيل ولده، الباحث عن الرزق وهو يسأله: ولفي يا مسافر، وين ع باب الله؟! تاركني ورايح، ما تخاف من الله !!! ولأن رام الله كانت في حينها، مصيفا لإخوة الضفتين، طلب المرحوم ابن الكرك هزاع المجالي، تعديل العنوان من " وين ع باب الله "، الى  " وين ع رام الله " . فصارت من حينها: إنت يا مسافر، وين ع رام الله؟ ما   تخاف من الله، خذيت قليبي، وما تخاف من الله !!! ومن حينها، تجاوز صدى هذه الكلمات عمّان ورام الله . وباتت روحها التي لم  تتغير، ثيمة خالدة للوجع الفلسطيني في كل بقاع الأرض . فهو وجع مشحون بكل معاني الفقد والحنين والامل .

قلت وانا سعيد بما سمعت: وين ع رام الله يا سيدتي: باتت ايقونة خالدة، لم يملها الناس ولن، رغم أنها قد ولدت، قبل اكثر من نصف قرن  من الان . وتابعت قائلا: وهناك في بعيد الزمان، قدمت الكرك ايضا لفلسطين، الكثير من قلبها وعنفوانه . أنصت جميع من كانوا معنا، وجلهم من منطقة الكرك، وعيونهم تترقب سماع المزيد .  

فقلت متابعا بفرح: رام الله كما تعلمون مدينة عربية فلسطينية، إلى الشمال من القدس . تطل غربا على  الساحل الفلسطيني الذي لا يبعد عنها اكثر من 45 كلم . تغيرت أهمية المدينة من عصر الى آخر . وهي تحتل الان مركزا سياسيا، يجعلها من اهم مدن فلسطين، بعد ان اتخذ الاسلويون منها، عاصمة ادارية وثقافية مؤقتة لهم . 

رام الله كلمة كنعانية تعني المنطقة المرتفعة . تضاربت الأقوال حول تسميتها . إلا أن الثابت تاريخيا، أنها أسست على يد الشيخ راشد الحدادين، أحد مشايخ العشائر العربية في الكرك . الذي قرر إثر خلافات عشائرية في القرن السادس عشر، الجلو عن موطنه غربا . دخل على أهل البيرة، فرحبوا به . وأشارو عليه بخربة حرجية مجاورة لهم اسمها رام الله، لتكون موطنه . اشترى الشيخ راشد الخربة من عائلات البيرة القدامى، دون أن يعلم أنه كان يؤسس لمدينة سيكون لها دورا هاما في تاريخ الفلسطينيين . 

ولكن الشيخ الحدادين، الذي نجح في موطنه الجديد، لم يفارقه الحنين لمسقط رأسه، فقرر العودة إلى الكرك . تاركا وراءه  أبناءه الخمسة وهم: صبرة، وإبراهيم، وجريس، وشقير، وحسان . أجداد العائلات المعروفة بأسماء: آل يوسف، وآل عواد، وآل الشقرة، وآل الجغب، وآل عزوز .

تنتصب الآن في مستديرة المنارة، وسط مدينة رام الله، خمسة تماثيل من الأسود، ترمز لأبناء الشيخ راشد الحدادين . وتجسد تاريخ المدينة وأصول عائلاتها .

هناك مطالبة حثيثة الآن، لتشييد نصب تذكاري يليق بمؤسس المدينة . تكريما له ولتعريف الأجيال المعاصرة والقادمة، بفضله في تأسيس مدينة الحكايات والنضال المتصل، حول ضفتي نهر الاردن، من اجل تحرير كل حبة تراب في فلسطين .

 

كتب الدكتور سمير محمد ايوب - الاردن

 

شاكر فريد حسنعرفنا الصديقة ابنة الناصرة زينة فاهوم ككاتبة للأطفال، وكان قد صدر لها في هذا المجال ثلاث مجموعات قصصية وهي: الظبي المسحور و النعجة والحذاء و اليعاقيب . ورغم معرفتي وصداقتي بزينة إلا أنني لم أعرف من قبل أنها تكتب الشعر المنثور، وقد تفاجأت عندما قرات نصها الموسوم الالم بلغته المنشور في موقع صحيفة رأي اليوم التي تصدر في لندن، ويشرف عليه مؤسسه الصحافي والمحلل السياسي البارز عبد الباري عطوان.

فقد شدني النص بمضمونه وأسلوبه ورقة حروفه وصوره الأنيقة. ففيه ألم ووجع وحزن وشجن ووجد ومقاومة، ونجدها تقاوم الالم بالذكريات، بالرؤى، بالمناجاة، بالخيالات، وبقصيدة عشق لم يعهدها الزمان. ولنقرأ ما كتبته اناملها وجادت به روحها واحساسها الداخلي بكل صدق وعفوية وتلقائية وشفافية جمالية محببة :

قاوم الالم بالذكريات

بالرؤى بالمناجاة والخيالات

بقصيدة عشق لم يعهدها الزمان

اطهّر جروحي بظلال الشمس القرمزية،

واعلل نفسي بآمال واوهام سرمدية

امتطي الريح.. اطوي المسافات

اخترق جدار الاحزان واذهب الى صومعتي..

الى المكان.. حيث انصهار الروح و.. انعتاق الوجد كان

اسأل الفراشات هل من قادم زار المكان؟

وهل الدحنون وشى للحوَر اسرار اللقاء؟

وهل الطير شدا لحن الفراق؟

لصدى صوته المخمليّ ترددٌ وانعكاسات..

وهمس خطواته تزلزلني وتفقدني الاتزان..

ومرادفات العشق حيرى مبعثرة على كل جدار

جديلتي على كتفي وجهي الحريري

يتوقان لراحتيه لانعكاس الضوء في عينيه

لطيفه المسافر.. لابتسامة وجنتيه،

اصحو.. اجرجر جسدي المتهالك

ليتعتق الحزن ويصبح نبيذ وحدتي..

توارى القمر بضوئه الشاحب خلف الضباب..

اعتليت حصاني عدت مكاني ادون ما تبقى من ذكريات.

واعتمدت زينة في نصها أسلوبًا بسيطًا سلسًا بليغًا ومتميزًا، والمعجم الذي وظفته من كلمات ومفردات من السهل الممتنع وصاغته بقالب فني بديع.

والشعر ليس في تعقيداته، بل أجمل وأفضل الالوان الشعرية تلك التي كتبت وتكتب بلغة الروح، وبشعرية واضحة يفهمها الجميع. والقصيدة الناضجة الناجحة تمتلك مفاتيحها المحكمة التي لا تستغلق على ذوي الذوق والحدس الذكي، إنها الصورة الجميلة والموسيقى المتناسقة مع اللغة والحدث، ومع الشكل والمضمون.

والإلهام عند زينة فاهوم ليس ضربًا من ضروب الخيال، بل هو معاناة داخلية عميقة وتجربة مع الكتابة والحياة، وتعبير عن الهم والوجع الإنساني العام. وهي ترصع نصها بصور شعرية قائمة على الجمال والبساطة، وتعتمد اللفظ الموحي والتوزيع الوتري والعزف الإيقاعي، والمناخ الموسيقي للقصيدة يعمق قدرة اللغة على تحريك الخيال والاقناع النفسي والإمتاع الروحي والحسي.

ويمكننا القول أن كتابة زينة فاهوم جميلة ومعبرة وموحية فيها عبق الروح ونبض الصدر ورهافة الإحساس، فلها منا أطيب الامنيات بالنجاح والتطور والتألق أكثر، ومتابعة المشوار مع الكلمة العطرة الهادفة الصادقة الواضحة، البعيدة عن الكليشهات والتعقيدات والرموز المبهمة.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

معمر حبارأوّلا: مقدّمة المشاهد:

1- بثّت فضائية جزائرية حصّة بعنوان: "مالك بن نبي المظلوم في أهله" كلّ يوم خميس على السّاعة 22.30د بتوقيت الجزائر وعلى مدار 3 حلقات، وابتداء من يوم الخميس 19 شوال 1441 هـ الموافق لـ 11 جوان 2020أ وانتهاء بيوم: الخميس 3 ذو القعدة 1441 هـ الموافق لـ 25 جوان 2020.

2- الأساتذة هم: عبد الرحمان بن عمار، والسعيد مولاي، ومحمّد الأمين بلغيث، وعمار طالبي، ومحمّد الهادي الحسني.

ثانيا: كلمة شكر:

كلّ الشكر لزميلنا عزالدين طبال الذي اتّصل بي عبر الخاص، فقال بالحرف: "ماتنساش حصة على الشروق نيوز على العاشرة والنصف خاصة بالمفكر الأستاذ مالك بن نبي بمشاركة كل من الاساتذة عمار طالبي والسعيد مولاي والهادي الحسني ومن ثلاث حلقات".

3- الشّكر البالغ للقائمين على الحصّة وعلى الجهد المبذول والسّعي المشكور في تقديم مالك بن نبي بما استطاعوا. ومتمنيين لهم السّداد والتّوفيق في مشاريع أخرى وحصص قادمة،

4- الشكر للقائم على الحصّة الزميل عبد الحفيظ عبد السميع على المجهودات المبذولة. و متمنين له التّوفيق والنّجاح في الأعمال القادمة وبما هو أفضل وأحسن. وتدارك الأخطاء التي وقع فيها ولم يستطع حينها تداركها.

5- الشكر للأساتذة المشاركين بتدخلاتهم. ولهم بالغ الاحترام والتّقدير.

ثالثا: دفاعا عن مالك بن نبي:

6- تحدّث الأستاذ محمّد الهادي الحسني عن العلاقة بين الأستاذ عبد الحميد بن باديس والأستاذ مالك بن نبي رحمة الله عليهما وقال: مالك بن نبي كان صغيرا غير معروف ولم يكن أحد يهتم به. وابن باديس لم يكن له الوقت للتفرّغ لمالك بن نبي. أقول: هذا استصغار لمالك بن نبي من طرف محمّد الهادي الحسني. وحصر العلاقة في السن يعتبر ظلما لابن باديس وتصويره على أنّه "متكبّر" و "متعالي". وظلما لمالك بن نبي وتصويره على أنّه "غلام" و"طفل" لم يصل بعد لمصف الرجال. وبهذا يكون الأستاذ محمّد الهادي الحسني قد ظلم الكبيرين عبد الحميد بن باديس ومالك بن نبي من حيث لايدري.

7- يفهم من ردّ مالك بن نبي على مقال فرحات عباس المعنون بـ "أنا فرنسا"، أنّ ردّ ابن باديس على فرحات عباس لم يشفي غليل مالك بن نبي. وتمنى لو كان ردّ ابن باديس أقوى ولذلك تكفّل شخصيا بالردّ عليه. لكن "العمودي" وهو من أعضاء الجمعية رفض أن ينشر مقاله عبر جريدته حتّى لايخسر فرحات عباس صاحب "أنا فرنسا".

8- أخطأ الأستاذ محمّد الهادي الحسني حين وصف مالك بن نبي أنّ لغته "عربية المستشرقين". أقول: مالك بن نبي يملك لغة ذات بعد حضاري عميقة وأصيلة تدافع عن وطنه الجزائر وأمّته. ومالك بن نبي يستعمل الفرنسية كوسيلة وليس غاية. وبالتّالي من الظلم أن توصف لغة مالك بن نبي أنّها "عربية المستشرقين". ومن جهة أخرى مالك بن نبي ليس الشاعر ولا الفقيه ولا اللّغوي لكنّه الأصيل الذي لايبيع لسانه ولا دينه ولا الجزائر. فكيف يتّهم أنّه يملك "عربية المستشرقين".

9- يرى الأستاذ محمّد الأمين بلغيث: أنّ مالك بن نبي "كان مجحفا في حقّ الجمعية". و"لايوجد أحد في الجمعية إلاّ انتقده". أقول: مالك بن نبي انتقد الجمعية وهذا ليس إجحافا منه وقد ردّت الجمعية عليه. وبقدر ما كان مالك بن نبي ينتقد الجمعية كان يقدّم لها النصائح تتعلّق بتصرفاتها التي يراها غير صائبة. وعليه، أخطأ الأستاذ محمد الأمين بلغيث حين اتّهم مالك بن نبي بكونه "كان مجحفا في حقّ الجمعية". وفي الحقيقة كان ناقدا وناصحا وموجّها ومرشدا.

10- يعاتب الأستاذ محمّد الهادي الحسني الأستاذ مالك بن نبي بقوله: "فكّر في الهجرة لأربعة دول، وهي: ألبانيا، ومصر، والطائف، وتنبوكتو، بينما الجمعية لم تفكّر في الهجرة". أقول: مالك بن نبي أجبر على التفكير في الهجرة وقد تعرّض للبطالة والتضييق وهو الحامل لشهادة مهندس دولة، وكانت يومها شهادة عالية. وحرم حتّى من تدريس في قسم محو الأمية. فلا غرابة أن يبحث عن رزقه عبر الهجرة. والتفكير في الهجرة ليس جريمة ولا ذنبا ولا خيانة يعاتب عليها مالك بن نبي. ومن الظلم البيّن أن يقارن محمّد الهادي الحسني هيئة منظّمة ذات مصادر وموارد ورجال بمالك بن نبي وهو رجل وحيد عاطل عن العمل ومحاصر.

11- قال صاحب الحصّة: كان مالك بن نبي "يطعن في الجمعية". أقول: مالك بن نبي لم يطعن في الجمعية إنّما انتقد الجمعية في مواقفها السّياسية التي رأى أنّها من الأخطاء القاتلة للجمعية. وقد يصيب ويخطئ. وقد ردّت عليه الجمعية. إذن من الظلم اعتبار نقد مالك بن نبي ونصائحه وتوجيهاته للجمعية أنّها "طعن في الجمعية". ويمكن للمتتبّع الحرّ أن ينتقد الجميع ودون استثناء.

12- ذكر الأستاذ عبد الرحمن بن عمارة: أنّ مالك بن نبي حين تحدّث عن الحضارة من الناحية الزمنية، قال علينا أن نعود للتّاريخ الهجري لفهم الفارق من حيث التطور والتخلّف. أقول: لم يكن مالك بن نبي يقصد العودة إلى التّاريخ الهجري -ولاتحضرني الآن السنة بالضّبط- إنّما كان يقصد العودة لفترة زمنية بعينها تعبّر عن قوّة أو ضعف، وعبّر عنها بالتّاريخ الهجري لشهرتها. إذن يقصد مالك بن نبي الفترة الزمنية (الخلافة أو الأمويين أو مابعد الموحدين أو صفين، وغيرها) ولا يقصد أبدا التّاريخ الهجري كما ذهب إلى ذلك الأستاذ عبد الرحمن بن عمارة.

13- نطق صاحب الحصّة عبارة مالك بن نبي "Boulitique" بـ "Politique". وهناك فرق كبير لدى مالك بن نبي بين المصطلحين ليس هذا مجال شرحه. ولا أعرف أحدا استعمل مصطلح "البوليتيك" بحرف B وليس P غير مالك بن نبي.

14- قال الأستاذ سعيد مولاي: قادة الثورة الجزائرية رفضوا مشاركة مالك بن نبي في الثورة الجزائرية. أقول: ولماذا يرفضون مشاركته في الثورة الجزائرية وأمامه الثورة الجزائرية ويلتحق بها متى شاء؟ إذن، كان هناك تجاذب بين مالك بن نبي وقادة الثورة الجزائرية حول نقاط تتعلّق بالتسيير والفهم. ولقادة الثورة الجزائرية نظرتهم الميدانية والآنية والسّريعة، ولمالك بن نبي نظرته الفكرية غير الميدانية وطويلة الأمد. ولذلك قادة الثورة الجزائرية لم يقدّموا مالك بن نبي ولم يأخذوا بآرائه. وقد غضب كثيرا حين فضّلوا "فرانس فانون" عليه وجعلوه مستشار الثورة الجزائرية ولم يجعلوا من مالك بن نبي مستشارا للثورة الجزائرية. وما زلت أعتقد -وإلى أن يثبت العكس- أنّ تفضيل فرانس فانون عليه كان من عوامل التجاذب والاختلاف.

رابعا: أخطاء شائعة وقع فيها الأساتذة:

15- ذكر الأساتذة ومنهم الأستاذ عبد الرحمن أنّ مالك بن نبي رحمة الله عليه انحصرت فكرته في محاربة القابلية للاستدمار (الأستاذ قال: الاستعمار). أقول: من الأخطاء الشّائعة التي وقع فيها الأساتذة القول أنّ مالك بن نبي حارب القابلية للاستدمار. ويفهم من هذا الكلام أنّ مالك بن نبي لم يحارب الاستدمار واكتفى بمحاربة القابلية للاستدمار. والأجدر القول أنّ مالك بن نبي حارب الاستدمار والقابلية للاستدمار. ولا يمكن بحال الفصل بينهما لأنّ الفصل بينهما يوحي أنّ مالك بن نبي لم يحارب الاستدمار. إذن وجب القول أنّ مالك بن نبي حارب الاستدمار وللقابلية للاستدمار.

16- قال الأساتذة أن أفكار وكتب مالك بن نبي تدرّس في "ماليزيا، وأندونيسيا، وتركيا". أقول: هذه من الأخطاء الشّائعة التي وقع فيها الأساتذة ووقع فيها الكثير. ولا يوجد دولة من هذه الدول أو غيرها تبنّت فكر مالك بن نبي في معالجة قضاياها الاقتصادية والفكرية والاجتماعية. ولا أعرف دولة بعينها تبنّت فكره. وهذه من المبالغة التي ظلّت تردّد وأعاد ترديدها الأساتذة خطأ منهم. ونتحدّث عن تبني الدولة والمجتمع لأفكاره عبر جوانب الحياة المختلفة المتضاربة. ومن العادي جدّا أن تعرض على رئيس دولة شخصية أو كتبها أو بعض أفكارها. والمتتبّع النّاقد يتساءل: هل تبنى فكره؟ هل أمسى فكر الشخصية دستورا؟ هل طبّق أفكاره في تسيير حكمه ودولته ومجتمعه. أمّا الانبهار فيحسنه الجميع بما فيه رؤساء الدول.

17- ذكر الأستاذ مولاي -وباقي الأساتذة فيما أتذكر- أنّ مالك بن نبي "استقال؟ !". أقول: الدارس لمذكرات بن نبي LES CARNETS يقف على حقيقة مفادها أنّه أقيل من منصبه ولم يقدّم الاستقالة. وكلّ تصرفات مالك بن نبي تدلّ على أنّه أقيل من طرف أحمد طالب الإبراهيمي وزير التربية يومها ولم يقدّم استقالته. وممّا وصلت إليه أنّ الذين يروّجون لفكرة "إستقالة؟ !" مالك بن نبي إنّما يريدون تبرئة الأستاذ أحمد طالب الإبراهيمي رزقه الله الصّحة والعافية، ويبعدون عنه تهمة الإساءة لمالك بن نبي. وطالبت منذ سنوات -وما زلت- تصحيح العبارة المكتوبة في آخر غلاف من كتب مالك بن نبي، وأنقلها الآن بالحرف، وهي: "في عام 1967 استقال من منصبه وتفرّغ للعمل الفكري وتنظيم ندوات فكرية". والصواب هو: أقيل مالك بن نبي من منصبه. وكم أتمنى أن يتم تصحيح العبارة.

18- ركّز الحضور على دور المستشرق الفرنسي "ماسينيون" في منع مالك بن نبي من تحقيق أحلامه بفرنسا. أقول: لاننكر دور فرنسا المحتلة في تثبيط العزائم ووضع العراقيل. لكن من المبالغة القول أنّ كلّ حركات مالك بن نبي كانت تحت أعين "ماسينيون". فهناك ضغوطا أخرى كـ: تصرفات مالك بن نبي بحدّ ذاتها، والجزائر، والعرب، وفرنسا المحتلة. ولاأحد ينكر دور الاستدمار الفرنسي. لكن القول أنّ كلّ شيء حدث لمالك بن نبي بسبب الاستدمار وماسينيون، مبالغ فيه.

خامسا: أخطاء وقع فيها مالك بن نبي:

19- عيّنت الجمعية الأستاذ الورتلاني مبعوثا لها في فرنسا. فغضب مالك بن نبي واعتبر نفسه الأحقّ بالمنصب. أقول: هذه من أخطاء مالك بن نبي الذي يرى نفسه أنّه الأحقّ وأنّه الأفضل. والمصيبة أنّه يغضب ويقيم الدنيا حينما يحرم من المنصب. وهذه من السّلبيات والأخطاء التي ميّزت مالك بن نبي.

20- حين نعاتب وننتقد الأساتذة جميعا ودون استثناء والذين مالوا ميلة واحدة لموقف أحمد طالب الإبراهيمي في إهانته لمالك بن نبي، نعاتب وننتقد في نفس الوقت مالك بن نبي على موقفه من إقالته من منصب مدير التعليم العالي. وأرى أنّه بالغ كثيرا في التشبّث بالكرسي والجري وراءه والسّعي لامتلاكه بكلّ الوسائل وحسرته الشّديدة على إقالته حتّى مرض من الحزن وكأن الدنيا مرتبطة بكرسي مدير التّعليم العالي. وكان عليه أن لايتشبّث بالكرسي حتّى يمرض، وأن لايسعى شخصيا وعبر الوسائط لدى الرئيس بومدين ليعيده لمنصبه ويتقرّب إليه. ولم يفلح في ذلك رغم مرور سنوات على السعي والجري.

21- مرض مالك بن نبي بسبب حزنه الشديد على إقالته من منصبه. وتدرس الشخصية من النواحي الإيجابية والسّلبية. ومالك بن نبي من الناحية الفكرية أبدع وتميّز وتفوّق. لكن من الناحية الشخصية له ماله وعليه ماعليه. وفعلا أساء مالك بن نبي رحمة الله عليه في حرصه الشّديد والمبالغ فيه بمنصب مدير التعليم العالي. وأضيف، لقي ربّه وهو حزين على الإقالة من فرط تشبّثه بالمنصب، وتلك من الأخطاء الشخصية التي وقع فيها. وتبقى لمالك بن نبي حرمته ومكانته من الناحية الفكرية. والنّاقد هو الذي يعرض الشخصية من الجوانب السّلبية والإيجابية. وقد دافعنا ونظلّ ندافع عن مالك بن نبي حين يستوجب الموقف ذلك. وانتقدنا ونظلّ ننتقد مالك بن نبي حين يستوجب المقام ذلك. وحين تثبت لنا قراءتنا القادمة لمالك بن نبي أنّنا أخطأنا في حقّه، حينها نقوم بالتّصحيح والاعتذار.

سادسا: إهانة أحمد طالب الإبراهيمي لمالك بن نبي:

22- الأساتذة جميعا ودون استثناء نقلوا ماقاله الأستاذ أحمد طالب الإبراهيمي فيما ذكره عن مالك بن نبي، واعتمدوا عليها في الميل ميلة واحدة ضدّ مالك بن نبي دون أن يعودوا لدفاتره وينقلوا الرواية التي ذكرها مالك بن نبي بشأن سوء الأدب وقلّة الأدب التي عامله بها أحمد طالب الإبراهيمي. وقد ذكرها مالك بن نبي بالتّفصيل. إذن الأساتذة لم يكونوا منصفين حين اعتمدوا على رواية وزير التربية الأسبق ووزير الخارجية السّابق أحمد طالب الإبراهيمي. وقد كتبنا في هذا الموضوع كثيرا لمن أراد أن يعود إليه.

23- عجبت للأستاذ عمار طالبي رزقه الله الصّحة والعافية حين يقول في موضوع إهانة أحمد طالب الإبراهيمي لمالك بن نبي: "لاأعرف السبب". ولا أجد له في إجابته عذرا خاصّة وأنّه رجل علم وفكر. وهذه إجابة سياسي يتهرّب وليست إجابة رجل علم يواجه. وحفظ الله الأستاذ عمار طالبي ورزقه الصّحة والعافية.

سابعا: كتب مالك بن نبي:

24- قال الأساتذة جميعا أنّ كتاب "الظاهرة القرآنية" هو أعظم ماكتب مالك بن نبي. أقول: لايعتبر كتاب "الظاهرة القرآنية" أعظم ماكتب مالك بن نبي رحمة الله عليه. ويعتبر أوّل كتاب في هذا العلم وآخر كتاب في هذا العلم. ولم يكتب بعدها في هذا العلم. ويبدو لي أنّ أهمية الكتاب تكمن في كونه ألّفه باللّغة الفرنسية. فليس من السّهولة أن يكتب المرء في موضوع كالظاهرة القرآنية وباللّغة الفرنسية.

25- كتاب "الظاهرة القرآنية" لمالك بن نبي هو من "باكورة أعماله" وليس من الكتب العظيمة التي ألّفها. ومن يرى أنّ كتاب "الظاهرة القرآنية" من "أعظم كتب؟!"، فهو أحد أمرين: إمّا أنّه مبهور بمالك بن نبي أو لم يقرأ الكتاب ولم تكن له قدرة المقارنة بينه وبين غيره. وأضيف الآن كما كتبت حين عرضت الكتاب: يعرف الكاتب بالكتب التي ظلّ يكتب على منوالها فعرف بها. ومالك بن نبي رحمة الله عليه لم يعرف بـ "الظاهرة القرآنية" ولم يكتب طيلة حياته على منوال "الظاهرة القرآنية". ولا يعرف الكاتب أبدا بكتاب واحدا ألّفه في علم بعينه إنّما يعرف بكتب ألّفها في نفس العلم. ومن أراد الزيادة فليراجع مشكورا مقالنا بعنوان: " الظاهرة القرآنية ليس أعظم ماكتبه مالك بن نبي"، وبتاريخ: الجمعة 13 محرم 1441 هـ - الموافق لـ 13 سبتمبر 2019

26- يقول الأستاذ محمّد الهادي الحسني أنّ مالك بن نبي رغم أنّ تخصّصه بعيد عن موضوع "الظاهرة القرآنية" والحضارة إلاّ أنّه كتب كتابه "الظاهرة القرآنية". أقول: في البداية كان مالك بن نبي يحمل فكرا حضاريا ونزعة حضارية لكن فرنسا المحتلّة فرضت عليه أن لايدخل لمعهد الاستشراق لأنّه محرّم على الذين يحملون فكرمالك بن نبي الرّافض للاستدمار الفرنسي، واتّجه بعدها لعلوم الهندسة. وبقي بعد تخرّجه ينظر للظواهر الاجتماعية والحضارية والفكرية بعمق حضاري وبتعبير هندسي، وقد جمع بينهما وأبدع. ونفس الفكرة التي يحملها الأستاذ محمّد الهادي الحسني هي نفسها التي حملتها الجمعية حين طبع مالك بن نبي كتابه "الظاهرة القرآنية" وواجهته أنّه غير متخصّص وتدخل في تخصّص لايتقنه ولا يحسنة. وكتبت حين تطرقت للكتاب: تصرّف الجمعية مع مالك بن نبي يعتبر -في تقديري- من الأسباب التي دفعت مالك بن نبي لكي لايعود لمثل كتابه "الظاهرة القرآنية". ونال الفضل غيرها بكتابة مقدمة لـ "الظاهرة القرآنية". وحرمت نفسها فضل كتابة المقدّمة للكتاب وبغضّ النظر عن النقد الذي يبقى من حقّ القارئ النّاقد.

27- أوافق الأستاذ عمار طالبي في قوله أنّ كتاب "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" من أعظم الكتب التي ألّفها مالك بن نبي. والسّبب -في تقديري- أنّ الكتاب ألّفه مالك بن نبي سنة 1972 أي سنة واحدة قبل وفاته. ويضمّ خلاصة وعصارة ماتوصّل إليه مالك بن نبي. وأعاد ليؤكّد ماذكره من قبل أي أثبت وأكّد ماذكره خلال تجربته مع الأفكار والتي ظلّ يبثّها طوال حياته. وعليه، أوصي بقوّة قراءة ونقد كتاب "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" لمالك بن نبي.

28- أقف مع الأستاذ محمّد الأمين بلغيث حين أشار لضرورة قراءة كتاب "المسألة اليهودية" لمالك بن نبي. -وأزعم- أنّ قلّة قليلة تشير لقراءة هذا الكتاب. وما زلت أتساءل عن السّبب.

29- يقول الأستاذ عمار طالبي: لفهم فكر مالك بن نبي على المرء أن يبدأ بقراءة كتابه "شروط النهضة". أقول: "شروط النهضة" من الكتب الأولى لمالك بن نبي ومن الكتب العظيمة التي ألفها. وأختلف مع الأستاذ عمار طالبي حين نصح بالبدء بقراءة "شروط النهضة". وقد كتبت مقال بعنوان: " كيف نقرأ مالك بن نبي؟ "، وبتاريخ: الجمعة24 شعبان 1436هـ الموافق لـ : 12جوان 2015م، أبيّن من خلاله الكتب الأولى المعنية بالقراءة والكتب المتأخّرة المعنية بالقراءة. ويختلف ترتيبنا عن الترتيب الذي وضعه الأستاذ عمار طالبي حفظه الله ورعاه، ولكلّ قراءته والأسباب التي اعتمد عليها.

 

معمر حبار

الشلف - الجزائر

 

ضياء نافعهذا العنوان الطريف والمثير معا جاء عند الباحث الروسي المعاصر دميتري بيكوف في كتابه الصادر عام 2011 في موسكو . عنوان الجزء الاول من الكتاب – تقويم 1 (وبعنوان اضافي هو – احاديث عن الشئ الرئيسي)، وعنوان الجزء الثاني - تقويم 2 (وبعنوان اضافي هو – نقاشات عن الشئ غير القابل للنقاش). يضم الكتاب تواريخ ميلاد في كل شهر من شهور السنة لمختلف الشخصيات في روسيا والعالم ايضا وبعناوين طريفة ومبتكرة بكل معنى الكلمة ترتبط بتلك الشخصية، التي يصادف يوم ميلادها في ذلك الشهر او هناك حدث مهم جرى لتلك الشخصية في ذلك اليوم، وهي صياغة مبتكرة فعلا لتأليف كتاب باكمله حول الشخصيات التي يرغب المؤلف ان يختارها للكتابة عنها، وقد اتاحت هذه الطريقة للمؤلف ان يختار شخصيات متنوعة جدا، لايوحّدها موضوع واحد ولا يربطها مع بعض اي رابط، سوى انها ولدت في ذلك اليوم ليس الا او حدث شئ كبير في مسيرة حياتها بذلك التاريخ، وهكذا استطاع هذا الباحث ان يتكلم عن اي شخصية تخطر بباله، وقد تناول لينين وستالين وتشي جيفارا ومارغريت تاتشر والثورة الثقافية في الصين ومجموعة من الشخصيات العالمية الاخرى و في عدة مجالات، ومن جملة هذه الشخصيات كانت مجموعة من الادباء الروس، اذ تحدّث المؤلف عن – تشيخوف واخماتوفا وشولوخوف وتولستوي وبوشكين وماياكوفسكي وبابل واكسيونوف ولوناتشارسكي وغريبويديف وفيسوتسكي ونابوكوف واندرييف وسولجينيتسن، ومن الواضح تماما، ان هذه الاسماء مختلفة ومتنوعة جدا ولا يجمعها اي شئ مشترك.. وكل واحد من تلك الشخصيات الادبية الروسية جاء تحت عنوان طريف خاص به، وكان تشيخوف بعنوان – تشيخوفان (الترجمة الحرفية لعنوان المقالة عن تشيخوف كما جاء عند المؤلف هو – 2 تشيخوف)، وقد ارتأينا ان نترجم عنوان تلك المقالة – (تشيخوف واحد ام تشيخوفان وكما ذكرنا في عنوان مقالتنا هذه)، وذلك للتركيزعلى هذا العنوان الغريب اولا، وثانيا لايصا ل الفكرة الاساسية التي اراد المؤلف ان يقولها للقارئ (و القارئ العربي بالذات الذي نكتب له)، وخلاصة تلك الفكرة تكمن في انه اراد ان يقول، ان هناك (تشيخوفان اثنان) وليس تشيخوف واحد في الادب الروسي، وهي فكرة غريبة فعلا ومثيرة ايضا لكل القراء، بغض النظر عن كونهم قراء روس او من قوميات اخرى، اذ ان تشيخوف اصبح كما هو معروف – ومنذ فترة ليست بالقصيرة - اديبا عالميا وليس اديبا روسيّا وحسب.

لقد جاءت مقالة بيكوف عن تشيخوف تحت تاريخ (29) كانون ثاني / يناير 1860، وهو يوم ميلاد تشيخوف، وتقع المقالة في (21) صفحة من الجزء الاول من ذلك الكتاب، (تشيخوف 1) من ص37 الى ص 48، و(تشيخوف 2) من ص48 الى ص 58 . يرسم المؤلف في مقالته تلك صورة (انطباعية) جميلة لتشيخوف، تعتمد بالاساس على نتاجاته الادبية (ومن الواضح ان المؤلف يعرف نتاجات تشيخوف بعمق)، واقول (انطباعية) لأن الصورة تتكون من (نتف)، ان صح التعبير، من هنا وهناك من تلك النتاجات، حسب تعبيرنا العربي الشائع – (من كل بستان زهرة)، وتبدو هذه النتف – للوهلة الاولى – وكأنها منتقاة بشكل عشوائي ودون اي خطة دقيقة واضحة المعالم لدى المؤلف، ولكن هذه المقاطع ترسم - في نهاية المطاف - فعلا صورة فنيّة متكاملة لتشيخوف الاديب، وهذه الصورة الفنية ذكرتني بقول لتولستوي عن تشيخوف، اذ قال تولستوي آنذاك ما معناه، ان تشيخوف يرسم بالكلمات لوحاته مثل الفنانين التشكيليين الانطباعيين، لا تستوعبها للوهلة الاولى، ولكن عندما تتراجع قليلا وتتأملها تكتشف جماليتها، وعندها تندهش . وهكذا الامر مع هذه الصورة الفنية لتشيخوف و التي رسمها بيكوف له، اذ اننا نكتشف هناك الاستنتاجات التي وصل اليها المؤلف، نكتشفها عبر الايماءآت في تلك المقالة، اوما بين سطور تلك المقالة ايضا . انها لوحة مرسومة وفق اجواء المدرسة الانطباعية في الفن التشكيلي، لوحة لتشيخوف، والتي اراد المؤلف ان يثبت فيها وجود (تشيخوفيين اثنين) في الادب الروسي، الاول هو تشيخوف (المعروف!) في الزمن السوفيتي، والثاني هو تشيخوف (غير المعروف!) لدى القراء في الوقت الحاضر، اي ان المؤلف رسم صورة تشيخوف كما يراها هو الآن، ونحن في القرن الحادي والعشرين، وهو يرى ان تشيخوف اكبرمن ان يكون كاتبا واقعيا وحسب، وانه كاتب يمتلك وحهة نظره الفكرية الخاصة به، وجهة نظر تتبلور فيها حتى الآراء السياسية والاجتماعية رغم انه قال كلمته هذه بشكل غير مباشر، ولكن القارئ الفطن يقدر ان يتلمّس كل هذا عبر الايماءآت التشيخوفية الفريدة في ادبه الرائع.

تشيخوف كان اديبا مشهورا في روسيا الامبراطورية، وكان علما من اعلام الادب في روسيا السوفيتية، وها هو ذا يثير الباحثين من جديد في روسيا الاتحادية. لقد تذكرت ما قاله لي المرحوم د. عبد الامير الورد عن تشيخوف، عندما دردشت معه قبل اكثر من عشرين عاما في كليّة اللغات بجامعة صنعاء، وسألته لماذا كرّر تقديم مسرحية تشيخوف في العراق بعد ان قدّم نفس تلك المسرحية الفنان الكبير سامي عبد الحميد، اذ قال لي الورد عندها – لكل منّا تشيخوفه الخاص به ...

 

أ. د. ضياء نافع

 

ما بين الفترة من 22 إلى 26 يونيو ـ حزيران سينطلق "مهرجان كان" لعروض سوق الافلام 2020 MARCHÉ DU FILM على الانترت. الإصدار الخاص لهذا العام، تم بهدف الاستمرار في دعم صناعة السينما الدولية ومحترفيها.. ويجمع أكثر من 8.500 مشارك من العديد من الدول يتوزعون بين 250 جناحا و 60 صالة عرض إفتراضية. وتشغيل أكثر من 1200 عرض عبر الإنترنت ليتمكن المشاركون والمراقبون في كافة انحاء العالم من الاستمتاع بمشاهدتها، وستتوفر أمام المهتمين في سوق الأفلام حقوق شراء 2300 فيلم روائي طويل.

بالنسبة لعام 2020، هناك تغيير جوهري في هذا المهرجان الدولي. إذ كان من المفترض في الأصل أن تجري النسخة إلكترونية من سوق الأفلام في "كان" بالتوازي مع نسخة الموعد البديل للمهرجان في نهاية يونيو ـ بداية يوليو. لكن بعد إعلان الرئيس إيمانويل ماركرون مؤخرا: من أن الأحداث الكبرى مثل المهرجانات والمؤتمرات، لا تزال بسبب وباء COVID-19، محظورة حتى منتصف يوليو. اضطر المهرجان إلى إلغاء دورة هذا العام من نسخة المهرجان واتخذ قرارا غير مسبوق بتنفيذ المهرجان عبر "أونلاين". وتم إخبار مشترو الأفلام الدوليون، من أن إنطلاق النسخة الافتراضية للمهرجان ستبدأ في 22 يونيو. وسيقدم بدائل إبداعية تمكن المشاركين في صناعة السينما من التواصل وإدارة الأعمال بفعالية ونجاح عبر الأنترنت.

لوحة "سوق الأفلام" 2020 ـ حمل العديد من "اللافتات الرمزية للأزمة" على جميع جوانب صناعة الأفلام والإعلام. ومع ذلك، ازدهرت المبادرات الرقمية المستقلة بسرعة في جميع أنحاء العالم ليس فقط لتقديم أفلام ثمينة للجمهور الذين تقطعت بهم السبل بسبب الجائحة، ولكن أيضاً لدعم دور السينما المحلية والموزعين والمنتجين من خلال مجموعة من الأفكار المبتكرة. وعلى رغم الخوف من الحجر الصحي، إلا أن التقنيات المصممة خصيصا لهذه اللحظة. في أوقات التغييرات الزلزالية غير العادية، التي تعيد تشكيل كل جانب من جوانب الحياة العامة للمجتمع، وفرت الاستراتيجيات الإبداعية فرصا جديدة للواقع المعزز والواقع الافتراضي للترفيه عن الناس. 

وبطريقة فريدة تم تصميم الإصدار الجديد لسوق الأفلام ليعكس تجربة مهرجان "كان" التقليدية قدر الإمكان، وستتوفر للمهنيين من جميع أنحاء العالم فرصا لحضور أكثر من 150 حدثاً، ومحادثات نقاشية رئيسية، وعروضاً لمنتدى الأفلام الأوروبية الرقمية، ومائدة مستديرة لإجتماعات سريعة ومناقشات. بالإضافة إلى الحفلات الموسيقية الحصرية من مؤلفي الأفلام والموسيقيين. بعض هذه الأحداث ستنقل مباشرة من على موقع المهرجان وصفحته الرسمية على الفيس بوك. يفتتح بالكلمة الرئيسية وحوار لاكسندر ديسبلات وجون باول، مع عضو لجنة تحكيم مهرجان "كان" 2012 وقائد الأوركسترا الفرنسي الحائز على جائزة الأوسكار، والذي تضمن تعاونه الأخير مع ويس أندرسون في "الاختيارات الرسمية للإرسال الفرنسي" والملحن الإنجليزي جون باول، المقيم في الولايات المتحدة وقام عام 2004 بالتعاون مع باول غرين غراس بتأليف الموسيقى التصويرية لـ "سيادة بورن" THE BOURNE SUPREMACY كما كتب في 2018 الموسيقى التصويرية الأصلية لفيلم "قصة حرب النجوم" A STAR WARS STORY .

بيير ليسكور رئيس "مهرجان كان" والرئيس التنفيذي لشركة "ميديا برو"، وماركو شيمينز الرئيس التنفيذي لشركة "كاتليا" وعضو مجلس إدارة نادي المنتجين الأوروبيين، ونيكو سيمون رئيس جمعية "أوروبا للسينما" وسابين فيرهين عضو "البرلمان الأوروبي" ورئيس لجنة الثقافة فيه ـ يشاركون لمناقشة السؤال التالي: "ما هو دور الاتحاد الأوروبي في تشكيل مستقبل النظام البيئي السمعي البصري في أوروبا؟. فيما يعالج فرانكلين ليونارد الرئيس التنفيذي "للقائمة السوداء"، وإميليا رويج المؤسس والمدير التنفيذي لمركز "العدالة المتقاطعة" وآنا سيرنر الرئيس التنفيذي لمعهد "الأفلام السويدي" مسألة بناء صناعة أفلام مستقبلية شاملة، ووضع قائمة الصناعة كما هي حاليا، وتقييم كيف يمكن للمبادرات الإبداعية والمبتكرة أن تمهد الطريق للتغيير في المشهد الثقافي المتغير باستمرار. 

ويتضمن برنامج المهرجان أيضاً، موسيقى الجاز الأمريكية والموسيقى الإلكترونية مع الملحن الصوتي مارك إيشام، الذي تم ترشيحه عام 1992 لجائزة الأوسكار. حفل موسيقي مع عازف البيانو والملحن والفنان الفرنسي كميل بزبز. حفل موسيقي مع الملحن والموسيقي الياباني رييتشي ساكاموتو، المشهور عالميا بالموسيقى التصويرية. حفل موسيقي مع الموسيقي والملحن الإلكتروني الفرنسي كلوي تيفينين، الذي كلف عام 2012 من قبل "سينماتيك الفرنسية"CINÉMATHÈQUE FRANÇAISE تأليف الموسيقى التصويرية لآخر فيلم صامت لـ "هتشكوك" HITCHCOCK "إبتزاز" BLACKMAIL. وقد انته لتوه من تأليف الموسيقى التصويرية للمخرج لوران كانتت آرثر رامبو. حفل موسيقي عبر الإنترنت مع الملحن غابرييل يارد، الذي فاز بجائزة الأوسكار عن دوره الصوتي لفيلم "المريض" الإنجليزي في عام 1997. بدأ غابرييل يارد حياته المهنية إلى جانب صانعي الأفلام مثل جان لوك غودار وجان جاك بينيكس وجان جاك آناود.

المخرج والمنتج والكاتب السينمائي التشيلي بابلو لارين، الفائز بجائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان برلين السينمائي عام 2015 لـ EL CLUB، والذي جلب فيلمه جاكي ثلاثة ترشيحات لجوائز الأوسكار، يلتقي إيف كيكريل، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة موبي، لمناقشة السؤال التالي: ما الذي يعنيه الفيلم في عالم ما بعد الوباء؟. مناقشة بين المخرج الكونغولي ديودو حمادي، الذي يوجد فيلمه الوثائقي "طريق المليار" THE BILLION ROAD في الاختيار الرسمي لعام 2020، والمبرمج والناقد السينمائي كلير دياو.. في فيلمه الذي قام بإنتاجه في 2018، يعزز ديودو حمادي عمله كمخرج ومراقب. تعود كاميرته إلى الشوارع، هذه المرة مع مجموعة من الرجال بعد معركتهم للحصول على تعويض من حالة فاشلة. متشابكا مع تفاصيل دقيقة تم تصويرها بحيوية.

الجناح الافتراضي للأفلام الألمانية ـ والألمانية ذات الإنتاج المشترك سيعرض مجموعة من المشاريع  المتميزة من أجل زيادة ظهور صناعة الأفلام الألمانية في السوق. وسيعمل أيضا كمركز معلومات ونقطة اتصال بين المشاركين في سوق المهرجان على نشر الدعوة للإهتمام بالأفلام الألمانية، وفي الإنتاج المشترك مع تشجيع التصوير في ألمانيا. بالتعاون الوثيق مع الوكالة الألمانية لتمويل إنتاج الأفلام  FFAالمنظمة الشاملة لرعاية إنتاج الأفلام الرئيسيين في ألمانيا. بالإضافة إلى المجالات الخاصة لتمويل إنتاج الأفلام القصيرة والرسوم المتحركة والوثائقية. ونظرا لمعاينات الأفلام الألمانية التي سوف لن تتم بشكلها المعتاد هذا العام، وهي مجموعة مختارة من تسعة أفلام لم تكن جاهزة بعد للعرض الأول في السوق، سيحل محلها برنامج خاص لإعطاء المشترين الدوليين نظرة عامة حول إنتاج الأفلام الألمانية.. الخاتمة: لا أحد يعرف ما سيجلبه النصف الثاني من عام 2020، وما إذا من الممكن تنظيم أحداث سينمائية رئيسية مرة أخرى في مثل ظروف وأزمات كالتي نمر.. وكيف؟.

 

عصام الياسري

 

فراس زوينلو ان حدثاً مفاجئاً غير حياتنا، فهل يعتبر هذا الحدث صدفةً ام قدراً محتوماً؟ هذا ما قد يخطر في بال القارئ بعد ان ينهي قصة الليالي البيضاء للكاتب الروسي الكبير فيدور دوستويفسكي،

تعد قصة الليالي البيضاء من بواكير اعمال الكاتب الروسي الكبير فيدور دوستويفسكي والتي كتبها في فترة شبابه، وتحديداً عام ١٨٤٨، ويروي فيها احداث اربع ليالي من حياة بطلها، الذي لم يذكر لنا الكاتب طوال احداث القصة الى اسمه او عمله.

 يعيش في مدينة بطرسبرج، ولكن ليس في أي مكان فيها، وانما في ركن من أركانها الغريبة صنعه من وهمة وخياله، حيث الشمس هناك ليست كالتي تطلع لكل الناس، وانما تسطع شمس أخرى، ذات ضياء خاص خلق لهذه الزاوية التائهة وحدها دون غيرها،.

وبالرغم من الوحدة التي يعيشها بطلنا فانه مقبلاً على الحياة، وبالرغم من كونه وحيداً زاوياً ليس له صديق في المدينة التي يسكنها منذ ثماني سنوات، فأنه  يتخيل ان كل الوجوه التي لا يعرفها كانوا أصدقاء له، بل ان واجهات البيوت وجدرانها كانوا يكلمونه ويضحكون له ويبتسمون، ويشاركوه افراحهم ويشكون له آلامهم !!! وان سألتني أيكون مثل هذا ؟ فسأجيبك بنعم، اذا كان لك من العمر ستة وعشرون عاماً وتملك عين دوستويفسكي التي يرى من خلالها الحياة، وهذا حال بطلنا،، البِلا اسم .

في احدى ليالي مدينة بطرسبرج الجميلة التي تعود بطلنا ان يتسكع في شوارعها غارقا في احلامه، تأخذه قدماه العابثة الى احد الجسور ليخطف سمعه بكاء مكتوم ونشيج لفتاة تقف على الجسر، فيأخذه الفضول والحماسة اتجاهها لدرجة تجعلها يتبعها الى حيث تدفعه الصدفة والشهامة ان يكون منقذها من احد المارة الذي حاول الاعتداء عليها، فيتعرف بمن ستقلب له حياته رأسا على عقب.

(ناستنكا) الفتاة الفاتنة ذات السبعة عشر عاماً، والتي رسمها دوستويفسكي مختلفتةً عن معظم بطلات رواياته الباقية، بروحها الوثابة وحبها للحياة، وبإشراقة وجهها مع نقاء روحها، انها أول فتاة يعرفها بطلنا فترتجف يده امامها لا خوفاً وانما فرحاً ونشوةً، فلم يسبق له ان كلم فتاة من قبل بالرغم من كونه عاش كل عمره عاشق متوله، وللقارئ الكريم ان يسأل بمن توله وكيف وهو لم يعرف فتاة من قبل ؟؟؟

ان بطلنا كما يخبرنا بنفسه لم يتوله بأحد بعينه، وانما توله بالمثل الأعلى الذي تخيله ورسمه في عقله، فكم من قصة غرام عاشها واكتوى بنارها في أحلامه وخياله، فتركه هذا الوله عطشاناً يود ان يرتوي ولو بكلمتين اثنين من اي فتاة، حتى وان كانت كلمات اخوية، أي فتاة تهتم بمصيره، تثق بكلامه ولا تستخف به، ففي نهاية المطاف لا بد لكل انسان ان يجد ولو مكاناً يذهب اليه كما يخبرنا بذلك دوستويفسكي نفسه.

وتصر (ناستنكا) على ان تسمع تاريخه، فيخبرها بطلنا انه لا تاريخ فقد عاش هكذا بكل بساطة،، وحيداً حالماً منزوياً في ركنه يعيش في زاوية أحلامه و يجتر منها سبباً للحياة كأنه احد السلاحف التي تحمل بيوتها على ظهرها، فما الذي يريد من الحياة الواقعية ؟؟  فنحن لا نحيا الا قليلاً جداً، لا نحيا الا بطيئاً جداً، ونحن لا نحيا الا حياة رتيبة جداً، ونندب حظنا كل يوم غير راضين عنه،، فياله هذا الواقع البائس، هذا ما يجعل بطلنا غارقا في أحلامه بعيدا عن العالم الواقعي،، ولكنه لم يكن ليعلم ان الحياة على هذا المنوال ضارة مؤذية.

وياتي دور ناستنكا فتحكي لبطلنا قصتها مع جدتها واشاب الذي استأجر غرفة يسكن فيها عندهم وما نشأ بينهما من حب وعاطفة، وان وقوفها على الجسر كان بانتظار ان يوفي  بوعده ويعود بعد سنة الى نفس هذا المكان الذي تقف فيه الان، فيختم قصة حبهما العذرية بالزواج، وقد عاد منذ ثلاثة أيام، دون ان يسأل عنها، فهل نكث عهده؟ ام انشغل بغيرها عنها؟ بل انه لم يعمد حتى الى كتابة رسالة يخبرها بوصوله وانه لازال على عهده، فما اقسى ذلك !!

تلك القسوة فوق قدرتة ناستنكا على الاحتمال، الم يجد الوقت حتى لسطر ! لكلمة تريحها من شكها وعذابها وانتظارها، اشارة واحدة تكفي حتى لو اخبرتها انه في غير حاجة لها ولوجودها،

ان فيض مشاعر بطلنا وخوفه من ضياع مشاعره الوليدة (ناستنكا) تدفعه الى البوح بكل ما يختلج في نفسه من هوى وغرام، فيصرخ انك تحطمين قلبي، انك تقتليني، أصبحت لا اطيق ان اصمت ولا بد ان أقول لك اخيراً كل ما بتخفي هنا في قلبي،، رغم اني لم اعرفك الا منذ أربعة ليالي الا اني احبك.

ان ناستنكا بعدما ادركت ان الوعد الذي انتظرته عاماً كاملاً لم يعد له وجود،  وبعدما سمعت اعترافات حب نابع من قلب صادق، قررت ان تهرب من نفسها ومن غرامها الذي سينقضي، لا بل انه انتقضو منذ الان واستحال ذكرى، وعد لا قيمة له، ادركت انها تكره من احتقرها ونبذها وتحب من احبها حباً صادقاً، 

ادركت انها تحب بطلنا الذي تسير معه وهي متأبطة ذراعه حانية عليه بكل حب وغرام وليد، لتخبره انه خير ممن ذرفت عليه دموع الانتظار، نعم خيراً منه، وانبل منه، فان من استكثر عليها كلمةً في رسالة لا يستحق ان تهب له حياتها.

انها لسعادة لا توصف وهم يبنون قصورا من احلام تبني جدار سعادتهما بكلمات العشق الوليد، وقد اتحد مصيرهما لأول مرة والى الابد، نعم ان حياتها الحقيقية بدأت الان، وهي لا قيمة لها بعيدا عنه بل انها لن تستمر بدونه،،

وفي  لحظة من صمت وذهول تطلق ناستنكا صرخة مكتومة كانها صيحة بعث المقابر، وتجمد في مكانها، تتأمل شاب وقف امامها فجأة تعلوه ابتسامة، وبحركة واحدة تنتزع يدها بقوةً من بطلنا وترتمي على هذا الشاب تعانقه، فمزقت بذلك كل عهود حبها الذي لاتزال حرارته مطبوعة على شفتيها، واستبدلت كل تلك العهود والاحلام بقبلة سريعة تركتها على خد بطلنا وتركته وحيداً واخذت بيد الشاب الذي تحب وذهبت بعيداً.

ان من كانت امنياته كلمتين من فتاة حتى ولو كانت كلمات اخوية اصبح اليوم عاشق خاسر لا يملك غير الجراح التي تنكئها الذكريات، ولكنه يقرر ان يغلق على نفسه باب عزلته، وان يهجر من هجرته، ولا يحمل غيوماً قاتمة الى سعادتها المضيئة الساجية، ولن يجعد ازهارها الندية التي ستضيفها الى ضفائرها السوداء يوم تجيئ مع من تحب الى الهيكل للزواج، واختار ان يبقى وحيداً في غرفته الهرمة، التي تملئها انسجة العنكبوت، في عزلة يقضي بها كل حياته.

 

فراس زوين

 

لأوّل مرة أشعر أنني وفي قلب شوارع مدينة معسكر، وكأنّني في فضاء نخبوي أقل ما يقال عنه أنه فضاء ثقافي. داخل حديقة تحيط بك نباتات بزينة منتقاة وطاولات فارغة تنتظر جليسها، كراسيها تشعر وكأنها تنتحب. وحدي كنت مع ذلك النسر الذي كان يتصّدر وسط الحديقة في قفصه الواسع ـ لم يكن يحرك ساكناـ لقد كان وحيدا أيضا. لكن وحدته كانت من نوع آخر، كنت أنا مزهوّة بوحدتي بينما هو كان ينتفي في وحدته، شتان بين شساعة قفصه ورحابة السماء، بين انعزال جبري يحوّل القصر قبرا، وبين عزلة تستمع فيها إلى صوت عقلك المرهق فتكون أكثر وجودا مما كنت عليه من قبل.

حقا لقد اشفقت عليه وتعاطفت معه رغم أنه لم يهتم لوجودي ولا لأصوات فوضى الشوارع، لقد كان متماهي مع العدم والعبث. لقد أشفقت عليه أكثر من ذي قبل، هو لا يشعر حتى بذاته فكيف أطالبه بأن يشعر بي، بل هو لم يمتلك حتى الحق الطبيعي بأن يمارس ما وجد عليه وما وجد لأجله.

كان يرافقني كتاب مصطفى صادق الرافعي" السحاب الأحمر" كنت أقرؤه وإذا بي وبإلهام من جمالية المكان، استشعرت الحاجة للكتابة، كان وجودي هناك في الحديقة وجلوسي إلى جانب محتوياتها أمرا ملهما، استسمحت الرافعي وضعت كتابه جانبا وهممت استمع لصوت وجداني. كذلك كان يقول الرافعي:"ليكن غرضك من القراءة اكتساب قريحة مستقلة، وفكر واسع، وملكة تقوى على الابتكار، فكل كتاب يرمي إلى إحدى هذه الثلاث، اقرأه" وكذلك أخذت أفعل..

ما شجعني لدخول الحديقة، تلك الخزانة التي وضعت في إحدى زاواياها، إنها مكتبة صغيرة تأخذ منها كتابا وتترك آخر، جميلة هذه الحركة الثقاقيةـ وكم هو جميل هذا الشعورـ

للوهلة الأولى عندما تنظر لتلك المكتبة منتصبة وحيدة وشامخة، هناك تقول في نفسك هذا المجتمع لا يقرأ ولن يحترم هذه المكتبة، سيحطمها ويفسد كتبها، لكن لا ..يحتاج الإنسان لأن تثق فيه وتحترمه وتحسن الظنّ به وسيكون كذلك.. ليس لتلك الخزانة المكتبية مفتاحا ولا شخصا يراقب قاصديهاـ كم هو جميل هذا الشعورـ إنها الحضارة تستيقظ فينا بإيعاز بسيط، بسيط جدا، لسنا مجرد كائنات عضوية تسعى لتلبية حاجات البطن واللذّة فقط، ليس صحيحا.. ليس الخبز هو كل همّنا.

أعطني احترامك وراقبني سأكون أنا كما تريدني أنت حتى ولو لم أكنه. إن أردتّني قوّة عمياء أنا راض سأفتعلها، وإن أردتّني قوة فاعلة فأنا راض سأكونها، أما إن أردتّني قوة عاقلة فأنا راضٍ راضٍ..

لست أنا إلا كما تراني أنت وتريدني أن أكون ..فرجاءً اسمحوا لنا أن نكون كائنات معرفية، لأن كائنات المعرفة هي بالدرجة الأولى كائنات التعارف، وهذه الأخيرة ستسمح بالتعايش بين الصوّر المختلفة قبل المؤتلفة.

حارس الحديقة ينظر إليّ بنظرات متعجبة.. ! لم يسبق له ـ ولا لي ـ أن يرى داخل هذا العالم المادي روحا تبحث عن سكينة العقل وسط تلك الفوضى. تلك الفوضى التي أصبحت فجأة خلاقة. وجّه إلي الحديث قائلا: مرحبا بك، عفوا لا يجلس هنا إلا الرجال..استغربت الأمر في البادئ، أي تناقض هذا وقع فيه هذا الرجل يقول مرحبا وفي الآن ذاته يستسمحني بتوضيح.. لا مكان هنا للنساء..

أعرف ذلك يا سيدي إنه مجتمع ذكوري ولكنني موجودة وهذا الفضاء العمومي من حقوقي، قلت ذلك في نفسي، ثم أجبته حسنا ولم أتحرّك من مكاني، بل استمريت أتحسّس الحديقة بنظري وكأنني لم أُنبّه أبدا.. عفوا سيدي أنا لا أفرّط في حقوقي، أخرجت كتابي من محفظتي مع وريقات وقلم.

المسكين زادت غرابته لكنه توجّه إلى كرسيه وجلس، لقد أدرك أنه أمام روح غير مؤذية متعطشة لمثل هذه الجلسة المفتوحة والمغلقة في نفس الوقت. ذهب لحال سبيله وتركني لحال حالتي المتوهّجة. لقد كانت أفكاري تتراقص وتتنافس أيها يخرج أولا من وجودها الذهني إلى وجودها العيني، وأيّها يتحرّر من عُقال العقل المغترب عن فضاءه.

لقد وجدت موطني يا سيدي وأنا مواطنة صالحة أقوم بواجبي أولا ثم أطالب بحقي، لن تستطيع تحريكي من ها هنا، لم ينّص الدستور على حق الذكور الجلوس في الحدائق دون الإناث، لقد نشرت جذوري في تربة خصبة وستراها تتفتح زهرا في آنات كثيرة..

هنا يوجد كل شيء أريده، الغياب وسط الحضور، الهدوء في صخب الأصوات المتعالية في الشوارع..أصوات السيارات والأشخاص، والوحدة والانعزال داخل تلك الكثرة، ما أجمل المتناقضات عندما تتراقص بخطوات منسجمة على أنغام الطبيعة الأم، كلنا أبناء الطبيعة فلما لا نتآلف؟.

لم أكن أتخيل يوما أنني سأختبر هذا الشعور الجميل في مدينة معسكر، مدينتي.. معسكري، لطالما كانت أحلامنا تستوطن داخل المدن الأوروبية التي يجد فيها المبدع ملاذه ورجاؤه. كل شيء موجود هنا فقط علينا مساعدته على الظهور.

لم أكن أهتم إن عرفني أحد أو تعجّب لأمري آخر، عادة كنت أقول ليتني أكون في مكان ما وحيدة لا يتعرّف عليّ شخص ولا يُقلق راحتي وعزلتي أحد حتى أكون أكثر حرية عن ذي قبل. أما الآن فالأمر مختلف تماما، أنا مع الجميع ووحدي، تحيط بي الأصوات لكنني مطمئنة في سكينة الروح. فرح ما يخالجني ويرضيني.

أنا هنا أكتب هذه الأسطر وسط الشارع وأريد أن يراني الجميع لعلهم يصابون بعدواي ويتخذون تقليدا جديدا لأسلوب حياتهم. حقا دخلت فتاتين تبدوان طالبتين جلستا تتسامران لم تأخذا أي كتاب، بل تشاركتا بينهما هاتفا نقالا وأخذتا تمعنان النظر إليه. لا بأس المهم لقد دخلتا. يبدو أن وجودي شجعهما وإن ما فتأتا أن خرجتا.

حارس الحديقة لم يقل شيئا هذه المرة، إنه اكتساح أنثوي لعالمه الذكوري، الصمت علامة الرضا أحيانا، أو علامة الانهزام والاستسلام أحيان أخرى، لكن ليست تلك دلالته دائما يا سيدي قد يكون للصمت صوت صارخ، كصمت ذلك النسر، آه عليه..ماذا لو أنه نطق.. !، ما كان له أن يقول؟ بل لو فتح له باب القفص ما كان ليفعل..؟ طبعا سيهرب عاليا حيث السماء وحيث الحرية، أم تراه سيخالف يقيننا هذا ويبقى مكانه، ربما قد انتزعت منه روح الوجود ولم يعبأ بالعودة إلى طبيعته، أم تراه نسيّها وألِف اللاوجود الذي استغرق فيه حتى التّماهي؟، أم تراه نسي كيف الطيور تطير..؟

آسفة أيها النسر لا يمكنني اختبار ما يمكن أن تفعل ليس بيدي التدخل لا في قانون الطبيعة ولا في قانون الإنسان، حتى يسمح لي بالبقاء هنا لابد لي من احترام نواميس المكان..

كتبت هذه الأسطر ونظرت لساعة يدي كانت تشير للثانية عشر، وقت الغذاء، لم أشعر بمرور الوقت ولا تحسّست الحاجة للغذاء، كنت مشبعة حتى التخمة في ظل ذلك الفرح بذلك المكان، كم هو جميل ذلك الشعور.

لقد أصبح لدينا في مدينة معسكر فضاء للوجود داخل رتابة الوجود ذاته، فضاء للقراءة خارج أسوار الإسمنت حيث تستنشق الحياة بكل تلوّناتها. فأهلا بي دائما هنا أصبح هذا مكاني، وهذه طاولتي، وهذا كرسيِّي، ليس تملّكا ولكن مضايفة.

ذلك الزمن الوجودي المنبسط جعلني أختزل الدقائق في ثواني، أخذت أستجمع أغراضي وألملم أشلائي المتراقصة في ثنايا الحديقة، ونظرت حولي نظرة وداع فإذا بالحارس يراقبني، منذ أول رؤية لي لوجهه لم ألتفت إليه كنت مستغرقة في الكتابة، كانت الأفكار والكلمات تتسابق، خشيت لو أني رفعت رأسي غادرتني تلك الحالة، حقا لقد كنت وحدي ومبتهجة بوحدتي.

عدّلت الكرسي الذي جلست عليه وهممت بالخروج، فإذا بالحارس يستوقفني قائلا: شكرا لكِ، " الله يسهل" فرددت عليه ممتنة، بل شكرا لك أنت سيدي لقد غظظتُ الطرف عما قلتَه لي، ونفس الشيء فعلت أنت، غظظت الطرف عما فعلتُه أنا متجاهلة تنبيهك.

وخرجت من الحديقة وكأنني غنمت غنائم معركة مصيرية، فرضت وجودي وجسّدت فكري واكتسبت احترام ذلك الشخص لقد كان يراقبني ويعايِّنني، وسمح لي بالبقاء بسكوته وتجاهله. لم أكن أعلم سابقا أن التجاهل نوع من الاهتمام والاحترام، ستسكت صامتا كثيرا يا سيدي لأنني سأعود وسترحب بي وبكل روح لطيفة تهب نسائمها في سماء الحديقة..ففي أمان الله أستودعك..

 

د. بن عودة أمينة

 

 

اخد العالم الرقمي مساحة واسعة من القراء وسرق من الاعلام اهم مميزاته باضافات جديدة غير ممكن ادراجها على لائحة الاعلام بتقنياته القديمة كالصور المتحركة والفيديوهات والارشفة التي وصلت لاول مرة في تأريخ الاعلام الى النسبة الكاملة 100 بالمئة وسهلت محركات البحث الوصول الى المعلومات خلال فترة زمنية قصيرة ، هذه الميزات شجعت على انتشار واسع لوكالات الانباء والمواقع المتخصصة سواء الثقافية والفنية او السياسية والاخبارية لسهولة الوصول الى مواد هذه المواقع عبر الانترنيت بدون تحمل عناء شراء الجرائد و المجلات من المكتبات التي يكون مضى على اخبارها ما لا يقل عن 6 ساعات ويمكن توقع كم الاخبار المتراكمة خلال هذه المدة الزمنية التي تعتبر كبيرة في عالم الميديا الجديد .

.وبعضها عبارة عن صروحٍ ثقافية متطورة وبعضها  أوّلية بحاجة الى دعمٍ معنوي اكثر منه مالي لاستمرارها. واصبحت اشبه بالبيوت الثقافية خاصة في المهاجر، أو حلقة وصل بين الثقافات حول العالم .

والإبداع العراقي في المهجر، عبارة عن مدوّنة تاريخية عن مرحلة مأساوية من تاريخ العراق ، امتدت أكثر من نصف قرن تقريباً.. من النصف الثاني من القرن الماضي الى العام 2003 م عام التغيير كما وصفتهُ الأدبيات السياسية والأيديولوجية للأحزاب العراقية الوطنية ، ورغم إن هذهِ التسمية الكبيرة تدل على تحولٍ كبير في الحياة، لم نلمس ذلك، ما زلنا نراوح منذُ العام 2003 م في دوامةٍ، تتسعُ يوماً بعد يوم،

دون تحقيق مكاسب على صعيد مفهوم المواطنة وحرية الرأي وحق ممارسة العمل السياسي، وحرية تأسيس الأحزاب والمنظمات المهنية رغم الضمانة الدستورية.

ويسري ذلك على منظمات المجتمع المدني، رغم كثرتها، فإن نشاطاتها محدودة وتكاد تكون نخبوية أو تأثيرها محدود في الواقع السياسي والثقافي العراقي، وتتحكم بعض الأحزاب السياسية الفاسدة في نشاطاتها بشكلٍ مباشر أو غير مباشر ، مما يعني إن لوحة التغيير مشوشة أو غير واضحة المعالم ، وتحتاج الى جهود ونشاطات سياسية وثقافية، اتجاه ثقافة الاختلاف والرأي والرأي الآخر والحريات السياسية والثقافية، اضافة الى الحقوق الوطنية والدينية للأقليات، وهي أقليات عراقية أصيلة منذُ فجر الحضارات العراقية الأولى.

وأكثر نشاطات هذهِ المؤسسات، تهتم بإصدار الكتب والمؤلفات للكتاب والادباء العراقيين والعرب، أو التعاون في إصدارها ، بحيث اصبحت حلقة وصل بين الناشرين والمؤلفين، وهو نشاط يستوعب جزءاً لأباس به من إصدارات المؤلفين العراقيين والعرب في المهجر. أنها في الحقيقة تقوم بعمل مؤسسات ثفافية، رغم إمكانياتها المحدودة ، لها سرعة الانتشار والتأثير :”العالم الرقمي” ، فقدعرفنا من خلالها الكثير من الإبداعات العراقية والعربية والبحوث بشقّيها السياسي والديني ،اضافة الى الشعر والنصوص الشعرية أو السردية الجديدة . هذهِ النشاطات الثقافية والسياسية، تُساهم في بناء مفهوم جديد للحياة المعاصرة ،يتفق مع التقنيات المتحكمة في عالمنا، واستغلالها في نشر الثقافة والإبداع العراقي على نطاقٍ واسع ، يمكن نشره بأيّة لغة، لتوفر أدوات النشر بطرقٍ بسيطة وسهلة ، باستخدام العالم الرقمي الأقل كلفة والأكثر انتشاراً في العالم. إن المستقبل للثقافة، وما تنتجهُ من أفكارٍ وإبداعات ومبتكرات وأساليب جديدة متطورة، رغم طغيان السياسة الغثّ على حياتنا الحالية ، أو تحكمها بالنفوذ والسلطة والمال،

لأنها ممكن أن تؤدي الى نتائج عكسية ،كما حدث مع الدكتاتوريات المنهارة وأنظمة الطغيان في عالمنا العربي، بينما الثقافة متطورة ومتحركة ومنتجة للأفكار والابتكارات والإبداع.والتغيير، واكثر ما وصلنا من الحضارات القديمة آدابها وفنونها ومنحوتاتها التي ضمّت النصوص والأساطير والطقوس الدينية ،والعمران على مر العصور، والاهتمام بمثل هذهِ المنابر الثقافية، جزء من الاهتمام بالثقافة العراقية والعربية في الداخل أو المهجر او الثقافة العربية بمفهومها الواسع.

ونلاحظ كذلك ان العديد من المواقع المتخصصة بشؤون الثقافية او الفنية او العلمية قطعت شوطا مهما على طريق ترسيخ كياناتها كمؤسسات مستقلة واستطاع بعضها مواكبة التطورات الجديدة على مستوى الادارة او التحكم بالمحتوى وادت تلك التطورات الى تضاعف اعداد القراء والمتابعين بنسب عالية بسبب التطورات التقنية للاعلام الرقمي وديناميكيته وسرعة الوصول الى محتوى المنشورات بفترة زمنية فصيرة .

وينعقد مستقبل الثقافة اولاعلام بجميع فروعه المرئية والمسموعة والمقروءة  ويزداد ارتباطها بالعالم الرقمي يوما بعد يوم لدرجة اننا لا نشعر بفراغ اعلامي في حال لم نستطع الوصول الى المنشورات الورقية كالجرائد والمجلات ويشمل ذلك الكتب كذلك وسرعة الوصول الى نسخة من الكتاب الرقمي لا تقاس بسرعة الوصول الى الكتاب الورقي واكثر الكتب الصادرة حديثا تنشر بنسختين ورقية ورقمية وبالمقارنة بين الاصدارين وجدت اكثر الاحصائيات تداول النسخ الرقمية لنفس الاصدار اضعاف تداول نسخته الورقية لسهولة الوصول للنسخة الرقمية عبر الانترنيت وبذلك يختصر القاريء والمتابع عناءات كثيرة نتيجة لتباعد الدول المصدرة للكتب والمؤلفات بشتى الاختصاصات واللغات .

 

قيس العذاري

بكلويوس بالاعلام

التخصص صحافة

عنوان البحث: الصحافة والمعلوماتية

 

شوقي مسلمانيفي مراسلة على "واتساب"، سألت الصديق الشاعر وديع سعادة عن صديق مشترك هو الشاعر شفيق عطايا الذي اختفت آثاره منذ سنوات. وقال في ردّ: "لم أره من زمان". وتعبيراً عن عاطفة أردت أن أذكر بيتاً للشاعر أبي الطيّب المتنبي فخانتني الذاكرة، وكتبت هكذا: "ليتك صديقي تجد وسيلة لإستفقاده \ وكما قال أبو الطيّب \ خُلقت ألوفاً \ إلى أن يقول \ لو فارقتُ شيبي \ فإلى أن يقول \  فارقته دامع العين باكيا"،  وطبعاً فهم علي الشاعر وديع. وفي الأثناء كنت قد لففت سيجارة قريباً من سور واطئ لبيت كنت بالصدفة أمرّ قربه، وأتذكّر أنّي وأنا أكتب على شاشة الموبايل وضعتها في جيب بنطالي، وأردت أن أشعلها، منزعجاً من داء كورونا النسيان. وضعت يدي في جيب بنطالي فلم أعثر عليها، ووضعتها في الجيب الثاني والنتيجة واحدة. قلت، كمن يخاف من شياطين، إذ لم أعثر عليها: "باسم الله الرحمن الرحيم". وقلت أنّي ربّما وضعتها في جيب سترتي. ووضعت يدي في جيب سترتي اليسرى، باعتباري "عسراوي"، من دون فائدة، ووضعتها في الجيب الثاني، والنتيجة ذاتها، ووضعتها في جيب السترة الداخلي عند الصدر، من دون فائدة، فأين هي السيجارة اللعينة التي للتوّ لففتها، ووضعتها أكيداً، ولا أعرف لماذا، في جيب بنطالي لا في جيب سترتي الأرحب؟!. قلت ربّما وقعت السيجارة على الأرض، فلم أجدها. قلت ربّما وضعتها على حافّة السور الواطئ. وتفقّدته من أوّله إلى آخره، ناظراً في آن بين خطواتي على الرصيف، من دون فائدة. لأجدها فجأة تتدلّى بكامل أبّهتها ودلالها ورقّتها بين شفتي، فما القصّة؟!.

**

وعثرتُ على السيجارة، ولم أجد القدّاحة، فيعلم الله من استعارها منّي ليشعل سيجارته وأخذها، وأنا نسيت أيضاً أن أسأله أن يردّها.

**

ورجعتُ إلى البيت، وكتبتُ ما سبق. ثمّ فكّرتُ أن أنشر ما كتبت على صفحتي في فايسبوك. حدّثتُ روحي أنّي يمكن أن أُرفق بصورة واقفاً قرب سور بيت، فتكون بُعداً آخر للمكتوب ومصداقاً عليه. ولم أتكاسل، وخرجت من البيت عازماً على الصورة. ومشيت، ومشيت، ومشيت. وتمشّيت، وتغيّبت أكثر من 3 ساعات، إذ انشغلت بأمور. ورجعتُ إلى البيت، وأنا أجلس مواجهاً التلفاز تذكّرت: لقد خرجت لما لم أرجع به: الصورة. 

**

بيت أبي الطيّب المتنبّي هو: "خُلقت أَلوفا، لو رجعت إلى الصبا \ لفارقت شيبي.. موجع القلب باكيا".

 

شوقي مسلماني

 

عقيل العبودالذي يعده الإعلامي علي عذاب

من خلال متابعتي لبرنامج من الواقع للإعلامي القدير علي عذاب، لاحظت ان هنالك طاقما كاملا يسعى لتلبية حاجيات ما يفرضه الواقع اليومي لحياة الكثير من المعذبين والفقراء على هذه الأرض.

هنا باعتباره نموذجاً حياً لإستقراء المشاهدات والتفاصيل اليومية للكثير ممن أتيح لي المجال لمتابعة حالته الاجتماعية والنفسية، العراق ساحة خصبة لإيجاد برامج اجتماعية تثقيفية تمويلية تأخذ على عاتقها القيام بالمهمات والمسؤوليات الاخلاقية، والوظيفية التي تفرض نفسها على اصحاب الضمائر الحية سواء محليا، اوعربيا، اوعالميا وهم بحسب ما يبدو كثر، باعتبار ان الغريزة الانسانية تبحث عن تحققها الملموس بإزاء ما يفرضه الواقع من معاناة.

والفكرة من الموضوع ان السياسة الحقيقية هي الإعلام الذي يجب ان يمارس طقوس سلطته التثقيفية التنويرية لتبني حياة الجمهور نفسيا واجتماعياً، واقتصاديا.

والإعلام هو الباب الذي به يتم الانفتاح على لغة الواقع بحثا عن الطريقة الأصلح لمساعدة الآخرين، والإهتمام بمطالب الجمهور.

وهذا مفيد في تحفيز المصادر، اوالموارد التمويلية التي يمكن الاستفادة منها لوضع برنامج اداري تخطيطي تمويلي ينوب عن ادارة الدولة العراقية الحالية، خاصة بعد ان فشلت اكثر مؤسساتها للقيام بأعمالها ومسؤولياتها الحقيقية.

ومن هذه المصادر هي مصادر الإنفاق الديني، ورواتب البطالة المقنعة، وما يدخل في التمويل الفائض عن الحاجة، واقصد به الرواتب الضخمة التي يتقاضاها المسؤولون العراقيون سيما وأنهم لا يستحقون هذا الكم من الرواتب قياسا الى ما يقومون به.

وخلاصة البحث ان برنامج من الواقع، يمكن ان يكون مدخلا للقيام ببرامج اخرى متعددة، تنويرية، وتمويلية واستثمارية، والاستثمارية هنا اقصد بها تشغيل الأيادي المعطلة في مجالات كثيرة، كالنحت، والرسم، والنسيج والزراعة وغيرها.

 

عقيل العبود

ماجستير فلسفة وعلم الأديان جامعة ساندياكو وباحث اجتماعي

 

جودت هوشيار"المعطف" رواية قصيرة للكاتب الروسي نيكولاي غوغول، شكلت نقطة تحوّل مفصلية بالغة الأهمية في الادب الروسي، وامتد تأثيرها الى مجمل الأدب العالمي، فقد كانت جديدة في موضوعها واسلوبها الساخر الكوميدي – المأساوي، والأهم من ذلك انها كانت اول قصة عن "الأنسان المقهور" - من حيث موقعه في السلم الاجتماعي بصرف النظر عن صفاته الشخصية - وما يعانيه من ظلم اجتماعي وانتهاك لكرامته الانسانية، في حين كان الادب السردي الروسي قبل "المعطف" يتناول في المقام الأول، حياة ومشاغل الطبقة المرفهة من الأقطاعيين والنبلاء، واصحاب السلطة والنفوذ في المجتمع .

في "ألمعطف" تهكم لاذع، وانتقاد شديد للقيم الأجتماعية الزائفة، التي كانت سائدة في المجتمع الروسي في العهد القيصري . وتوحي القصة بفكرة الحاجة الى بنية اجتماعية أكثر انسانية وعدالة . ولهذا اصبحت الأفكار والصور، التي تزخر بها قصة "المعطف" معينا لا ينضب للكتاب الروس الآخرين، وفي وقت لاحق للعديد من الكتّاب الأجانب في شتى انحاء العالم .

قصة "المعطف" بضمير المتكلم، والراوي على دراية جيدة بحياة الموظفين . بطل القصة اكاكي اكاكفيتش باشماتشكين- موظف صغير باحدى ادارات سانت بطرسبورغ . وهو شخص بائس وذليل . ويقول غوغول ان أكاكي أكاكيفتش: "رجل قصير القامة، مجدور الوجه، بشعر مائل الى الاحمرار، ضعيف البصر. له صلعة صغيرة في مقدمة رأسه، وتجاعيد على خديه.

وكان زملاء العمل، بستخفون به استخفافا يقابله بلا مبالاة، وردًا على اي اهانة توجه اليه، كان يكرر عبارة واحدة لا تتغير: " دعني وشأني، لماذا تسيء إليًّ؟ . حتى الحراس في الدائرة كانوا ينظرون اليه كمكان فارغ حين يمر امامهم، كما لو أن ذبابة حلقت عبر غرفة الاستقبال. وكان هناك شيء غريب في كلماته وصوته – كان فيه شيء ما يدعو الى الشفقة. .

البناء السردي في "المعطف" مبتكر، حيث تتحول الصورة الهزلية لـاكاكي اكاكفيتش تدريجيا الى صورة مأساوية ً.

الخياط الذي قام بترقيع المعطف مرات عديدة، رفض ترقيعه مرة أخرى، لأنه أصبح رثا باليا، بحيث لم يعد بالإمكان إصلاحه. ونصح اكاكي اكاكافيتش بتفصيل معطف جديد له، ولكن الموظف الصغير البائس، لم يكن يملك أي مال، ففرض على نفسه حالة من التقشف الصارم لكي يستطيع تامين ثمن المعطف الجديد : في المساء لا يشعل الشموع، لا يشرب الشاي.، يمشي في الشوارع خفيفا وبعناية شديدة، "تقريبًا على أطراف أصابعه"، لكي لا "يمسح الحذاء سريعا، ولم يعد يعطي ملابسه المتسخة لغسالة الملابس الا نادراً . ويقول غوغول : " في البداية كان من الصعب إلى حد ما أن يعتاد اكاكي اكاكافيتش على مثل هذه القيود، ولكن بعد ذلك اعتاد عليها بطريقة ما، وتكيّف معها بسلاسة؛ حتى أنه كان معتادًا تمامًا على الجوع في المساء، ولكنه كان يتغذى روحيا، حاملاً في ذهنه الفكرة الأبدية للمعطف المستقبلي. يصبح المعطف الجديد حلمًا، ومعنى لحياة اكاكي اكاكافيتش.

هذا هو المعطف الجديد جاهز الآن . ولهذه المناسبة يقيم زملاؤه مأدبة على شرف المعطف . اكاكي اكاكفيتش السعيد لا يلحظ أنهم يسخرون منه . وفي الليل عندما كان في طريقة الى مسكنه، هاجمه اللصوص وانتزعوا منه معطفه الجديد . سعادة هذا الانسان لم تدم سوى يوما واحداً، عندما ارتدى معطفه الجديد . في اليوم التالي جاء اكاكي اكاكافيتش الى مقر عمله شاحب الوجه مهموما، وهو يرتدي معطفه القديم المهلهل، الذي اصبح رثا وباليا أكثر من السابق . ثمّ ذهب الى مركز الشرطة طلبا للمساعدة، ولكن لم يلتفت احد الى شكواه . فلجأ الى " مسؤول مهم " لعله يساعده في استعادة معطفه الجديد، ولكن المسؤول طرده شر طردة، ورفض سماع شكواه . أثرت هذه الصدمات المتلاحقة في نفس اكاكي اكاكفيتش لدرجة أنه لم يستطع تحملها . وسرعان ما مرض ومات. "اختفى الى الأبد مخلوق لم يكن محميا من أحد . ولا عزيزاً على أي أحد، ولم يهتم به أحد . ولم يشعر بالسعادة في حياته، إلا حين أضاء المعطف الجديد حياته الكئيبة ليوم واحد".

ويقول غوغول ان موت "انسان صغير" لم يغير شيئا في القسم الذي كان يعمل فيه، وسرعان ما حلّ موظف آخر محله ببساطة.

رغم ان " المعطف " قصة نموذجية لحياة رجل مقهور في مدينة كبيرة، الا انها تنتهي بشكل خيالي . فبعد وفاة اكاكي اكاكفيتش يظهر شبح هائل الحجم في شوارع سانت بطرسبورغ ليلا، ويقوم بانتزاع معاطف المارة . البعض شبه الشبح باكاكي اكاكفيتش والبعض الاخر لم يجدوا أي شيء مشترك بين الشبح السارق وبين الموظف الخجول المتوفي .

ذات ليلة التقى الشبح "المسؤول المهم" وجها لوجه وقام بتمزيق معطفه . واثار الرعب والهلع في نفسه الى درجة انه خشي من آثار هذه الواقعة على صحته . بعد هذا الحادث بدأ هذا المسؤول في التواصل مع الناس على نحو أفضل .

تشير نهاية القصة الى ان المؤلف. يتعاطف مع مصير "الانسان المقهور". ويدعونا إلى أن نكون منتبهين لبعضنا البعض، وكأنه يحذر من أن الشخص المسيء سيكون مسؤولا في المستقبل عن اساءاته للناس .

قصة المعطف تعكس ثنائية التعاطف والسخرية في اسلوب غوغول، وتؤكد ان الموظف الصغير المقهور قادر على التمرد والأنتقام .

" الانسان المقهور " في آداب الشعوب  

منذ نشر قصة " المعطف " تناول معظم الكتّاب الروس ثيمة "الانسان المقهور" على نطاق واسع . ويمكن القول أنه لا يوجد كاتب روسي – منذ نشر معطف غوغول - لم يتناول " الانسان المقهور " في أعماله وفي مقدمتهم ايفان تورغينيف، وفيودور دوستويفسكي وانطون تشيخوف، وميخائيل زوشينكو .

لقد اعتاد الباحثون والتقّاد الروس على اقحام اسم أمير الشعراء الروس الكساندر بوشكين في كل صغيرة وكبيرة في الأدب الروسي، والاشادة بريادته في كل ما احرزه هذا الأدب من انجازات عظيمة. وهم يقولون ان بوشكين هو اول من صوّر الانسان المقهور – ويسميه الروس – الانسان الصغير – في قصة " ناظر المحطة " . اجل ثمة " رجل صغير" في هذه القصة، ولكنه ليس مسحوقا ولا متمردا، ولا علاقة بين" ناظر المحطة " وبين رائعة غوغول " المعطف " واسلوبه المتفرد، الذي يمتزج فيه التعاطف والشفقة بالتهكم والسخرية . ناظر المحطة لم يتمرد على واقعه البائس، ولم يفكر في الانتقام من الضابط الذي أغوى ابنته، وحرمه من رؤيتها . تخطى تأثير قصة " المعطف " حدود روسيا الى الآداب الأخرى . وأصبح " الانسان المقهور " البطل المفضل لمئات الكتاب الآخرين في أنحاء العالم جيلا بعد جيل .

ويبدو تأثير قصة "المعطف" واضحا في الكثير من قصص كبار الكتّاب الغربيين والعرب، منهم فرانز كافكا، وشيروود اندرسون، وجيمس جويس، ونجيب محفوظ وغيرهم..

قارن الكاتب الروسي –الأميركي فلاديمير نابوكوف – خلال محاضرة له في احدى الجامعات الأميركية – بين قصة " المعطف " لنيكولاي غوغول، وقصة " التحول " لفرانز كافكا . انسانية بطل القصة في كلتا الحالتين تفصله عن الناس الآخرين من القساة، عديمي الضمائر والشفقة .، حيث نجد البطل يقوم بتمزيق شرنقته،ويتخطى حدود الهوية المفروضة عليه، ليتحول الى شبح هائل

قال غابريل غارسيا ماركيز : " ان الواقعية السحرية لأميركا اللاتينية مدينة الى حد كبير لقصة "المعطف" لغوغول ".

قصة نجيب محفوظ " المقابلة السامية " – المنشورة في مجموعته القصصية " الجريمة " تتناول مشكلة الموظف الصغير المنسي، الذي يعمل في قسم الأرشيف، ويعاني من نظام بيروقراطي ظالم، يسود فيه التسلسل الهرمي للسلم الوظيفي والاجتماعي،. هذا السلم الذي يقضي على احلام الانسان المقهور في مجتمع يفتقر الى العدالة الأجتماعية .

حاول موظف الأرشيف مقابلة مديرعام المصلحة، ولكن ساعي السكرتير الخاص، لم يسمح له بالدخول، ونصحه ان يكتب حاجته على عرضحال تمغة وارسالها بالطريق الاداري المتبع. .

مرت مدة طويلة، تابع موظف الارشيف خلالها سير شكواه دون جدوى، واخيرا تمًّ حفظ الطلب . ولكنه لم ييأس، واخذ يتحرى مواعيد المدير العام وحركاته وسكناته، وقرر ان لا يذعن للقوة الباغية، ولا للأوامر المكتبية العمياء . واراد عرض طلبه على المدير العام مباشرة لدى خروجه من المصلحة في نهاية الدوام الرسمي ,

يقول موظف الارشيف :" وعندما حاذاني في سيره بسملت ثم وثبت نحوه لأجثو بين يديه مستعطفا .

وصاح رجل :

- المجنون .. حذار يا صاحب السعادة

ووقع اضطراب شامل وضوضاء عالية ".

لم يدرك ما حدث فقد حوصر تحت ضغط غشرات من الأيدي القوية، ووجهت اليه تهمة الاعتداء على المدير العام انتقاما لحقظ طلبه .

وقد تعلم في السجن حرفة النجارة، وفي ميدانها يكدح اليوم لتربية الأولاد ؟

كما نجد تأثير قصة " المعطف " واضحا في رواية أحمد سعداوي " فرانكشتاين في بغداد ". حيث يقوم بطل الرواية هادي العتاك " بائع عاديات من سكان حي البتاويين وسط بغداد بجمع بقايا جثث ضحايا التفجيرات الإرهابية، التي حدثت في اعقاب الاحتلال الأميركي للعراق، ليقوم بلصق هذه الأجزاء فينتج كائناً بشرياً غريباً، سرعان ما ينهض ليقوم بعملية ثأر وانتقام واسعة من الأرهابيين القتلة ".

وثمة اليوم مئات القصص المشابهة في آداب شعوب العالم .

لو لم يكتب نيكولاي غوغل سوى قصة " المعطف " الرائدة، لكان ذلك كافيا لخلود إسمه في تأريخ الأدب العالمي .

 

د . جودت هوشيار

 

 

 

عقيل العبودنقول فلان صاحب ذوق رفيع، أي أنه صاحب وعي، ورفعة، واخلاق.

والذوق مقولة ترتبط بنظام الحس، والإدراك، وهو مقياس للتعامل مع القيم، والحقائق الجمالية للموضوعات المرتبطة بحياة الإنسان، من حيث الفعل، والتفاعل، والإنفعال.

ما يفرض نمطاً من الإلتزامات، من خلاله يتحقق المبدأ. والمبدأ هنا نظام سلوكي تفرضه القيم الأخلاقية الواعية والمؤثرة للعقل المدرك.

وهنالك ذوق فني، وثقافي، ومعرفي، وأخلاقي، في التعامل مع الفضاء الخارجي، والداخلي للأشياء، والموضوعات ذلك بحسب مساحة الذوق.

اما الذوق الفني فهو مرتبط بمساحة القدرة الادراكية والمعرفية على تمييز واستقراء التفاصيل الدقيقة للموضوعات الفنية كالرسم، والنحت، والزخرفة، والخط والموسيقى، وجمال الطبيعة بما في ذلك امتداد الأشجار وزرقة السماء وحركة الأمواج، وجميع مفردات الهرم الفيزيائي للموضوعات.

والإحساس الجمالي بحقائق هذه المسميات يحقق اعلى درجات الانسجام والغبطة، ما يعد نتاجاً للذائقة الحسية الإدراكية للإنسان.

والذوق الأخلاقي هو حلقة مرتبطة بالذوق المعرفي والفني للنفس، فالحفاظ على جمال الزهرة والتمتع بخفة الفراشات، وامتداد الأشجار، وموضوع الشروق والغروب، وتوزع الأمواج، والبحث عن طريقة لحماية الطبيعة من الكوارث هو جزء من سلسلة التفاعل الأخلاقي والمعرفي مع المفاهيم الجمالية لتلك المفردات.

والذوق درجات تشبه السلم الموسيقي من حيث الإرتفاع والإنخفاض، وهذه الدرجات ترتبط مع بعضها البعض نفسيا، وتاريخيا، وبايولوجيا، حيث ان نفس الإنسان عبارة عن صورة لطبيعته الحسية والتاريخية والبايولوجية كونها تخضع لمؤثرات الجوانب الصحية والعقلية، والإجتماعية.

والنقطة الجوهرية في الموضوع هو ان الإنسان، صاحب عقل به يمتلك القدرة على الأحكام، والمسميات، وبه يرتقي لفهم طبيعة التفاعل البشري، ليس مع المعاني ومدلولاتها فحسب، بل مع أنماط الاتجاهات الفكرية والثقافية والفطرية لهذه المعاني.

وهذا الموضوع يمكن الاستفادة منه الآن في تفكيك أواصر العلاقات الإنسانية للمجتمعات وتحليلها، والوقوف على الجوانب النفسية لها سلبا، أوايجابا.

ولهذا فإن السعي لفهم مقولة الذوق، يعد بحثا نفسيا سايكولوجيا يمكن الاعتماد عليه في تقييم سلوك المجتمعات وثقافاتها.

والإعلام والوعي الثقافي الملتزم يلعب دورا في إعادة وتوجيه الهرم الحسي لثقافة الذوق.

 

عقيل العبود

ماجستير فلسفة وعلم الأديان/ باحث اجتماعي

 

 

كورونا الطائر ..

ساحة التحرير ببغداد موحشة وهادئة بغير العادة مع دخول حظر التجول حيز التنفيذ، هناك شيء ما طائر في الهواء قهر ارادة الجميع، لا يميز بين البشر او جنسيتهم، لو علم ما كان يعمل الشباب المنتفض بساحة التحرير او الوثبة او الخلاني او شارع الرشيد لاجل ربما طيرانه الذي لا ينتظره احد ولكن الجميع يخافون منه ليحصد الارواح كالسنابل اثناء طيرانه او ملامسته او هبوطه على بقعة ما .

لا يهم ان كانت بقعة حية ام جامدة، يستوطن الاولى ويفتك بها او يكمن في الثانية ينتظر الكف واصابعه تلامسه لينقض عليها ويحيل الجسد الى جثة ميتة خلال ايام معدودة .

تحدى الشباب الوباء، ولكنه في النهاية تواطئ مع مكروبات وفيروسات المنطقة الخضراء خلف الجسر لاعلان حظر التجول لارهاب الوباء وتركه تائها، فحين يعجز عن ملاقاة ضحاياه وملامستهم ينتحر وتختفي اثاره .

1

فرغت ساحات الاعتصامات بمدن الوسط والجنوب، وبقيت موحشة سوى هياكل لخيم متروكة هنا وهناك واكشاك كانت تمور بالحركة صباحا ومساء دون توقف . اصبحت خاوية مهملة بعراء الساحات الفارغة . وتركت الفيروس الطائر يبحث عن فرائسه في المناطق المكتظة والاسواق قبل ان يتواى الجميع عن مجالات طيرانه الذي اكتسح الاجواء شرقا وغربا جنوبا وشمالا دون ان يستطيع احد ايقافه او عرقلة بحثة المحموم عن فرائس جديدة .

وددت لو وضعت لافتة بتلك الساحات وبساحة التحرير بحجم نصب الحرية : "احذروا الفيروس الطائر" .

ولافتة تضاهيها حجما عند مدخل المنطقة الخضراء خط عليها : "اخذروا اخطر الفيروسات الطائرة والهابطة بالمنطقة الخضراء"، للتحذير مما هو قادم .

2

ما هو قادم، ما بعد فيروس كورونا الطائر، ساحة التحرير ستعيد نشاطها بمكافحة فيروسات اشد فتكا من الفيروسات الطائرة اخذت اقامة دائمة في المنطقة الخضراء، وربما تملكت بيوتها وابنيتها وساحاتها ووشوارعها وعماراتها كما تظن الى الابد، كما ظنت الفيروسات السابقة او الميتة من قبل، ولكنها اختفت دون اثر او تركت اثارا قبيحة فيها لا يمحي اثرها دواء او مشفى او بيوت ومصحات خصصت لمعالجة المرضى من شتى انواع الامراض والفيروسات الفاسدة .

مع ذلك لم يوهن الفيروس الطائر عنفوان الشباب اصبحوا اكثر اندفاعا وتوهجا يتحينون الفرص لقص جناحيه لكي يعودوا الى خيمهم الفارغة، وما زالت شعاراتهم ولافتاتهم ولوحاتهم المعبرة تتحين الفرص لتعود تلهب الشباب وتلهمهم مواصلة التحدي لتحقيق مطالبهم، عاجلا او اجلا . هناك متسع من الوقت لمحاصرة الفيروس الطائر وقص جناحيه لتعود ترتفع بساحة التحرير والوثبة والخلاني وشارع الرشيد الشعارات نفسها والمطالب نفسها التي اجل الوباء تحقيقها . تحقيقها قادم ولو على ايقاع مشي السلحفاة الواهن، ولكن طالما انها تمشي فانها ستصل حتما في يوم ما نحو هدفها البعيد القريب .

الفيروس الطائر ستقص جناحيه او يرحل

او ينتحر في الاجواء والبراري البعيدة

او يقهره الجسد المقاوم .

3

كورونا، كورونا : 

العمياء الطائرة

على بعد خطوات عند انحاءة الجسر، بيئة

اكثر فسادا وفتكا منك

تلوح من هنا خلف الجسر

كورونا كورونا

ارحلي او تذهبي خلف الجسر

انظمي لفصيلك القابع هناك

خلف الجسر .

فصيلتك

خلف الجسر تحتفل بقدومك .

كصنو طائر او قابع او جاث او قائم .

تطعمك من اكتاف الشباب

لاننا سنفترق، واذهبي بكل اتجاه كاعمى ضل طريقه،

الى المحطة قادمة .

4

الشباب سيعودون، هذا ما سمعته وقرأت عنه بهاشتاغات عريضة بشتى الاحجام والالوان، سيعودوا الى ساحة التحرير والخلاني والوثبة وشارع الرشيد والى الساحات في مدن الوسط والجنوب، عندئذ يكون الوباء قد رحل او مات بعد قص جناحي الفيروس وهو قابع او طائر او جاث او قائم .

نحن لا نعلم، ا نحن في حلم يرويه الواقع ام واقع يرويه الحلم .

حين كنت ارنو الى ساحة التحرير الفارغة والخلاني وساحة الوثبة وشارع الرشيد، تبدو كانها تعد او تنشط بعيدا عن الانظار وتترقب او تتهيأ خفية بلا كلل لما هو قادم .

5

ما هو قادم، قريبا غدا او بعد غد سنحتقل بموت الفيروس . ولا تبقى سوى فيروسات ستصل الى نهايتها حتما في المنطقة الخضراء . كالنهاية المعروفة لجميع انواع الفيروسات الفاسدة المثيرة للتقزز  في الماضي القريب والبعيد حين عرفنا نحن البشر كم هي فتاكة وضعيفة في نفس الان .

اعدت قوائم باسماء ضحاياها من الشباب المنتفض بالصور والفيديوهات والافلام المصورة .. بانتظار الاتي الذي سيأتي بعد عودة الشباب المنتفض الى ساحة التحرير والخلاني وساحة الوثبة وشارع الرشيد وساحات الاعتصام في مدن وسط وجنوب العراق  لتعاد الدورة من جديد .

تزيل ما تبقى من الفيروسات "الكورونا" الجاثمة او الطاثرة .

لكنني سوف لن اترك هذه المناسبة تمر دون ان تكون لي فيها يد ترسم او تكتب او تخط لها شعارات جديدة او تجدد شعاراتها الاولى الخالدة :

"نريد .. وطن".

و

"اريد .. حقي" .

6

نكاد بعد الصدمة والحجر ان ننسى الخفافيش او اوشكنا ان ننساها، حين فندت نظرية اصل الفيروس وبيئته . وبعد اسابيع قليلة، اجتاح الرعب الاوصال ليصبح الخوف نكته ثقيلة، حالما اعلن احد الاطباء المعتوهين ان الخفافيش تحمل 16 نوعا من "كورونا" .. 16 نوعا! ماذا يريد ان يقول؟  والى متى نبقى بالحجر؟ ونسى الاشارة الى الخفافيش الى ما بعد انحاءة الجسر التي لا تبعد كثيرا من هنا من ساحة التحرير وسط بغداد .

الخفافيش التي تعشى وتكمن في النهار وتطير في الليل بعيون مضيئة تخترق الحجر . 

 

قيس العذاري

............

هوامش:

سقط العديد من الشهداء والجرحى بانتفاضة تشرين التي ابتدأت فعليا يوم 25.10.2019م ضد الاحزاب والتيارات السياسية

والدينية الفاسدة التي حكمت العراق منذ العام 2003م في بغداد ومحافظات الوسط والجنوب .

عدد الشهداء : 570 شابا خلال اربعة اشهر متواصلة لانتفاضة تشرين الشبابية .

عدد الجرحى 23 الف جريح من بغداد والمحافظات المنتفضة .

 تسببت الاصابات البليغة منها باعاقات دائمة لبعض الشباب المنتفضين .

 

 

شاكر فريد حسنيُعد محمد عابد الجابري أحد أشهر وأبرز مفكري ومثقفي المغرب والعرب العضويين النقديين، ومن ثوابت العقلانية العربية. شكلت أفكاره وإسهاماته بداية لمرحلة مغايرة ومختلفة في تاريخ الفكر العربي الحديث. وأهم الافكار التي تناولها : نقد العقل العربي ومسائل التراث والديمقراطية والدولة الوطنية المدنية ومسألة الهوية.

وللجابري أكثر من عشرين مؤلفًا في حقول فكرية وفلسفية متقاربة، ومتشابكة بين منهجي العقلَانيين الكبيرين ابن رشد في الفلسفة والفقاهة التجديدية، وابن خلدون في الاجتماع والتاريخ، وازمة المثقف العربي في القرن الرابع عشر ما بين الرياسة العلمية والرياسة السياسية. ومن أهم منجزاته الفكرية والبحثية التي اشتهرت رباعية نقد العقل العربي، التي جاءت في أربعة أجزاء، وهي " تكوين العقل العربي، وبنية العقل العربي، والعقل السياسي العربي، والعقل الأخلاقي العربي ". وهذه المؤلفات تشكل إسهامًا كبيرًا في تحديث الفكر الفلسفي العربي المعاصر، وتأسيسًا لمستقبل العقل المستنير عند العرب في القرن الواحد والعشرين.

وواجهت مشروعات الجابري الفكرية القبول والرفض، قبول حد التسليم، ورفض حد التسليم ورفض حد الاتهام والتكفير، فضلَا عن مقاربات فكرية علمية مساندة حاولت تتبع خط السير الفكري الذي يحكمه، كمشروعة الطيب تيزني في كتابه " التراث والثورة "، وحسن حنفي في منجزه " من العقيدة إلى الثورة "، ومحمد أركون في مؤلفه " نقد الفكر الإسلامي ".

 ويتصدى الجابري للتراث بوصفه ثابتًا غير متغير بل هو منطلق لتنقيته في سبيل البحث عن موطئ قدم في التاريخ المعاصر، فالتراث لا بد له من التجديد ولا بد من غربلته لكي يصفو فكرًا ومنهجًا وممارسة. وهو يعتمد منهجًا معرفيًا خاصًا في قراءته للتراث، ويظهر ذلك جليًا في كتابه " نحن والتراث، قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي "، فيكتب قائلًا : " إن تجديد العقل العربي يضيء في المنظور الذي نتحدث عنه أحداث قطيعة ابيستمولوجية تامة مع بنية العقل العربي في عصر الانحطاط وامتداداتها إلى الفكر العربي الحديث والمعاصر".

وفي كتابه " تكوين العقل العربي " يجعل الجابري العقل مدخلًا لفهم أسباب عدم نجاح المحاولات المتكررة لمشروعات النهضة العربية. ونجده يثير مسألتين، الأولى : لماذا انتهى العقل البياني العربي إلى هذه الوضعية، مشيرًا إلى أن ذلك يرجع لاحتقار التجربة، إذ أن العقل البياني العربي لم يقبل بالتجربة، واكتفى بالنصوص يستنبط فيها القواعد والأحكام وتوقفت العلوم العربية الإسلامية لان البحث فيها كان بهدف الدين، أما المسألة الثانية التي يثيرها فهي تقنين العقل العربي الذي لم يأتِ نتيجة لتطور نتاجاته أو من خلال العمل الاجتماعي المنتج، لأن الازدهار الحضاري العربي تحقق بفعل الاقتصادي الربعي، أما فيما يتعلق بعلوم البرهان فمرتبطة بالنسق الارسطي.

وقد هوجم الجابري في طروحاته واجتهاداته وأتهم بالتحريف، وهو الذي حاول استقصاء آراء الفقهاء القدامى في قضية جمع القرآن والنظر في التفسيرات القديمة التي اعتبرها غامضة من حيث خلطها بين المكي والمدني، وهذه الآراء فتحت عليه باب الانتقاد من الظلاميين والمؤسسات الفقهية، ورد على ذلك قائلًا : " أنا راضٍ تمامًا عن نفسي وعن نتاجي ونتائجه على الناس، واعرف أن هناك من يختلف معي كما اعلم أني لا أغرد منفردًا وحتى إن فعلت ذلك فأنا أجد دائمًا من يغرد معي ".

غادر محمد عابد الجابري وترك وراءه مشروعات نقدية للعقل العربي والتراث وقضايا فكرية أخرى، وأبقى إرثًا فكريًا كبيرًا يخلد اسمه كأحد أبرز الاعلام الفكرية المضيئة في الساحة الفكرية، المغربية والعربية.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

غيضان السيد عليبمجرد أن طالعت الإعلان عن القائمة الكاملة للمرشحين لنيل جوائز الدولة لعام 2020 حتى أصابني الدوار، وأشفقت على لجان الاختيار، فالأسماء جميعها تستحق الجائزة عن جدارة واستحقاق، وذلك في كل فرع من فروع الجائزة بلا استثناء. ودعني هنا أؤكد على نزاهة وشفافية القائمين على الجائزة لهذا العام.

لكنني توقفت طويلًا عند أسماء المرشحين لجائزة النيل للمبدعين العرب مع اسمين  لعلمين كبيرين جديرين بكل تكريم وهما: السوداني محمد خليل عمر أهم الفنانين والحفارين في المنطقة العربية والشرق الأوسط، والأكاديمي التونسي الكبير الدكتور فتحي التريكي.

ونظرًا لأني أكاديمي متخصص في الفلسفة أعرف جيدًا الدكتور فتحي التريكي، فقد لفت نظري بكتاباته الإبداعية ذات التوجه الأصيل التي تسعى إلى تأكيد الرؤية الفلسفية البديلة التي تؤكد على ضرورة الاختلاف، وعدم الانقياد والانصياع لهيمنة الفلسفة الغربية، ورفض كل المضامين التي تحملها عبارة "الغرب الضامن للكونية". كما تؤكد فلسفة التريكي على دعمها لروح النقد والمعقولية والتعدد والتفتح، الداعية للصداقة والغيرية والعيش سويًا، مما جعلني أكتب عنه دراسة أكاديمية بعنوان:" فلسفة التنوع والاختلاف عند فتحي التريكي"، نشرتها مجلة الفكر المعاصر في الإصدار الثاني- العدد الحادي عشر – يوليو /سبتمبر 2018.

والدكتور فتحي التريكي لمن لا يعرفه هو مفكر ومتفلسف تونسي من مواليد 30 مايو 1947 حصل على الدكتوراه في الفلسفة السياسية من جامعة السوربون بباريس، وعلى دكتوراه الدولة في الفلسفة من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس. شغل منصب عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بصفاقس من 1990 إلى 1996، وعُين في كرسي اليونسكو للفلسفة بالوطن العربي 1997. كما أسس كرسي الفلسفة في مصر في جامعة الزقازيق، وفي جامعة قسنطينة بالجزائر، كما حاضر في العديد من الملتقيات الفلسفية والفكرية في مصر والعالم العربي.

عمل التريكي أستاذا زائرا بجامعة ديوك بالولايات المتحدة في 1999، وبجامعة باريس في فترات متباعدة زمنيا سنتي 2000 و2007. وساهم التريكي بصحبة جاك دريدا في اقتراح فلسفة التعايش والتعقلية، واقترح أيضاً فكرة تقاسم الكونية. وألَّف 28 كتاباً، منها: أفلاطون والديالكتيكية عام 1986، الفلاسفة والحرب (بالفرنسية) 1985، قراءات في فلسفة التنوع 1988، الروح التاريخية في الحضارة العربية الإسلامية 1991، الفلسفة الشريدة  1988، فلسفة الحداثة 1992، مقاربات حول تاريخ العلوم العربية 1996، استراتيجية الهوية 1997، فلسفة العيش سويا 1998، العقل والحرية 1998.

وإذا كان التريكي قد ساهم بالكتابة عن بعض أعلام الفلسفة في الوطن العربي اليوم فإن كثيرًا من الدوريات والمجلات العربية المحكمة أصدرت عنه أعدادًا خاصة، مثل مجلة أوراق فلسفية التي أصدرت عنه أعدادًا مختلفة: العدد الثاني والثالث والعدد الخامس عشر، واحتوت هذه الأعداد على عشرات الدراسات والمقالات عن التريكي وفلسفته لعدد كبير من الأكاديميين المصرين والعرب.

الدكتور فتحي التريكي لم يفز هذا العام بجائزة النيل للمبدعين العرب مثله كمثل كل الذين رشحوا لهذه الجائزة ولم يفوزوا بها، ليس لأنه أقل ممن فاز ولا من فاز أفضل منه؛  وإنما لأنه ليس من المعقول أن يفوز الجميع رغم استحقاقهم جميعا للجائزة، لكني أقول له إن مجرد الترشيح لهذه الجائزة هو في حد ذاته جائزة.

 

د. غيضان السيد علي

 

 

عزيز جاسمخَرجتُ كالمعتاد عند الصباح متجهاً نحو العمل أمشي في طريقي الذي أسلكه كل يوم في شارع مُعبّد جميل ولكنه طويل تزيّنه الأشجار من على الجوانب. وأنا ماشٍ ورد الى مخيلتي مُقدمة لفيلم شاهدته في الليلة الماضية والذي تُسلط فيه الكاميرا عدستها وبالتصوير البطيء على مشهد فيه أسد يطارد غزال. أسد يطارد فريسة تتفانى وتتقطع من اجل الحفاظ على وجودها. يُطارد الأسد فريسته بكل قوة وعنفوان، لا يخشى أحد. لا يمكن لأحد أن يمنعهُ من إنجاز مُهمتهِ التي بدأها حال رؤية الغزال الذي جاء به القدر الى حتفه.

تُسلّط الكاميرا عدستها نحو الأسد وتصور بكل شغف مدى حِدة تعابير وجهه حيث نراه يكاد أن ينفجر من شدة الغضب. لا يُريد أن يهدر المزيد من الوقت بالمتابعة لكي لا يُهزم فيحط الفشل من كبريائه ويُذِله ويُزعزع عظمتهِ أمام لبوته. تتجه الكاميرا لتُسلّط عدستها نحو الغزال الذي يكاد أن يبكي ولكنه لا يجد الوقت ولا الدموع لأن الارتباك شتت كل شيء فيه. يلتمس المساعدة في عينيه ولكن لا مغيث. تُصّور لنا العدسة اللحظات الأخيرة التي يعيشها الغزال قبل أن يتحول كله الى وجبة لملك الغابة. لا يشهد الأحداث سوى عدسة صغيرة كانت في المكان بالصدفة حيث جاء بها سائح من أجل ان يوثّق ما يجري في مكان لا يسوده القانون. الأسد مشغول في تحقيق هدفه والغزال مشغول في الحفاظ على نفسه والسائح مشغولة في تصوير لقطات لا تُنسى والمُشاهد متشوق لمعرفة النتيجة.

ليس بوسع أي أحد التدخل فالصراع ليس إلا من أجل البقاء. المنظر حزين ومأساة عند البعض ومثير ومُلهاة عند البعض الآخر. لكننا نتابع بشغف من خلال الشاشة الصغيرة الأحداث التي تنَقلها لنا عدسة السائح... في لحظة ما سينتهي السيناريو.

خرجت فجأة من ذلك المشهد عندما شتتَ إنتباهي سقوط جسم غريب بشكل مفاجيء من على احدى الأشجار التي كانت تبعد حوالي عشرة أمتار عني. الجسم صغير يكاد ان يكون بحجم تفاحة (أو أصغر بقليل) ولكنه باهت اللون مائل الى اللون الرمادي. رَجَفَ رجفة صغيرة ونظر اليَّ ثُم سكت. عندما اقتربت منه وجدته عُصفوراً لا يقوى على الحركة وقد شُلّت جميع مسانده. نَظرتُ حولي فلم أجد شيئاً أسعفه به كما وعجزت ايضاً عن معرفة سبب سقوطه من الشجرة. بينما وقفت لوهلة أُفكر في طريقة تُعينني في مساعدته، بقي العُصفور جُثةً هامدة. على الرغم من كل التكنولوجيا الحديثة التي أملكها والقُدرة البشرية الهائلة لكنني وقفت مكتوف الأيدي وعاجزاً لا أعرف ما الذي أفعله.

ما ليَّ بُدٌ... تَركتُ العُصفور ورائي وتابعت السير...!

 

عزيز جاسم محمد

كلية الزهراء للبنات

 

بليغ حمدي اسماعيليخبرنا الكاتب الموسوعي أنيس محمد منصور في كتابه (غلطة عمري) بأنه حينما جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر، طلب القائد المهووس نابليون بونابرت من عدد من العلماء الشباب والكبار أيضا أن يكتبوا بأقلامهم بطاقة شخصية للقطر المصري، وفعلا قام هؤلاء العلماء بتكثيف جهودهم حتى أتموا إعداد موسوعة علمية واجتماعية وتاريخية وجغرافية عظيمة عرفت باسم (وصف مصر) . وفي هذا الكتاب الكبير نجد تسجيلا عظيما لتاريخ مصر الجيولوجي والجغرافي والسياسي أيضا، والمظاهر الدينية السائدة، وكل ما يتعلق بعلوم الحيوان والنبات حتى التقاليد الشعبية في القرى والنجوع المصرية الضاربة في البعد الجغرافي عن العاصمة .

كل هذا طبيعي جدا، وربما يعرفه القاصي والداني والمستقرئ لتاريخ مصر المحروسة، لكن الأمر الذي أثار دهشة العلماء الفرنسيين هو خرس وجه الفلاح المصري، أي حالات الصمت المطبق التي تعتري وجهه؛ فهو لا يبدي أي تعبير على وجهه وربما علماء وخبراء لغة الجسد اليوم يكتشفون فقر أدواتهم وبضاعتهم البحثية لأنهم لن يستطيعون أيضا قراءة وتفسير وجه الفلاح المصري.

وبعد رصد وتحليل وتفسير وتأويل علماء الحملة الفرنسية استنبطوا وفطنوا إلى حقيقة صمت هذا الوجه وخرس مشاعره الظاهرة؛ لأن الفلاح المصري بسبب القهر الطويل الذي تعرض له من قوات الاحتلال عصرا بعد عصر تعلم بسب هذا الخوف أن يخفي مشاعره وأن يتقبل المصائب والمباهج في صمت وسكوت.

فكما ينقل لنا الكاتب أنيس منصور أن الفلاح خائف إذا تألم أن يلقى عذابا أكثر، وخائف إذا تظاهر بعدم المبالاة أن يلقى عذابا أكثر .. فاستسلم وذاب كل ذلك في وجه لا معالم له، هو فقط اكتفى بالفرجة والاستمتاع بتحريك عينيه لمتابعة ما يحدث حوله في صمت .

ولعل هوس المصريين بمتابعة إحداثيات مشاهدهم المجتمعية اليومية يتم وفق آليات وتقنيات رصينة أي أنها ـ المشاهدة والمتابعة ـ تتم بصورة آلية متوارثة مفادها المشاهدة والفرجة بغير اكتراث أو مشاركة حقيقية سواء في التفاعل مع الحدث أو صناعته، وهذه السمة تعكس ثقافة شعبية لدى عموم المصريين الذين يروجون دائما لثقافة (سمعت ـ قالوا ـ يقولون ـ سوف يحدث) وكل هذه المفردات إنما هي حيلة نفسية دفاعية تشير إلى الهروب من تحمل المسئولية والتنصل من المشاركة الحقيقية في صناعة المشهد القائم، حدث هذا في مظاهر ومواقف شتى مثل تقاعس ملايين المصريين في الالتفاف حول الشرارة الأولى لاشتعال انتفاضة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، وحدث أيضا في المتابعة الصامتة في صمت المصريين وولعهم بالفرجة والاكتفاء بنظرات غير معبرة سواء كان الحدث إنجازا كبيرا ووطنيا مثل قناة السويس الجديدة وزرع الصحراء وإنشاء محطة نووية، أو تقاعس حكومي في بعض المؤسسات أو حتى حوادث ومجريات اجتماعية عادية جدا .

ولعل اكتفاء المصريين بالفرجة بل وولعهم بها يأتي من التفسيرات المتباينة لظاهرة الحرج والارتباك التي يعاني منها الكثيرون، وهي ظاهرة نفسية تجبر المرء على الجنوح بعيدا عن المشاركة الحقيقية في الحدث، ولعل هذه النظرية هي التي دفعتني للتنقيب عن كتاب يتناول ولع المصريين بالفرجة وسلبيتهم التي تقتصر على مشاهدة الأحداث واليوميات المصرية بغير تفاعل سوى بالتصفيق أو التطبيل دون حراك حقيقي، ورغم هذه السلبية لا يمكن الغفلة عن الإحداثيات المصرية التاريخية التي شارك فيها المصريون بقوة بل وبشراسة أيضا، من مثل هذه الإحداثيات الثورة الشعبية ضد الحملة الفرنسية على مصر المحروسة، والثورة العرابية بقيادة الزعيم التاريخي البطل أحمد عرابي .

وما قام به المصريون عقب نفي الزعيم المصري السياسي سعد زغلول، مرورا بإحداثيات سياسية وعسكرية شائكة سواء على مستوى تحليل الحدث أو طبيعة المشاركة الشعبية مثل ثورة الضباط الأحرار في يوليو 1952، أو من خلال مواجهة العدوان الثلاثي على مصر والتصدي له، انتهاء بانتفاضة الثوار ضد نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك وسعيه المستدام لتكريس نظرية التوريث الفرعونية والتي أعادتها فترة الحكم العثماني على مصر، وثورة الثلاثين من يونيو التي هبت من خلالها ملايين المصريين ضد الممارسات الإقصائية والاستلابية لحكم جماعة حسن البنا المحظورة وانتهت بالعزل الشعبي لمحمد مرسي بوصف الأخير كان ممثل الجماعة في حكم مصر.

وفي خلال هذه الرحلة الاستكشافية بحثا عن كتاب يسرد وقائع ولع المصريين بالمشاهدة والفرجة لأحداث المحروسة، سقط بين يدي من على أعلى نقطة بشجرة المعرفة كتاب ماتع ورائع يحكي عن مصر وأحوالها ومقاماتها الهادئة والمضطربة والساكنة والمائجة هو كتاب ولع الفرجة فقر التاريخ للكاتب أحمد عبد العال، وهو كتاب كبير الحجم بصفحاته وأكبر بمعلوماته وبياناته التي تروي قصة شعب اتسم بولع دائم للفرجة .

ويخبرنا الكاتب في مفتتح الكتاب بأن ولع المصريين المستدام بالفرجة يعد مفتاحا سحريا للمعرفة أكثر من كونه التفافا إلى الماضي، لاسيما وإن كان هذا الماضي لايزال ممتدا حتى وقتنا الراهن ويمتد بجذوره الطويلة والعميقة إلى تفاصيل إحداثياتنا المعاصرة التي تبدو أكثر اضطرابا.

وهذا الولع المصري بالفرجة على أحداث المحروسة نفسها هو محاولة حقيقية لفك شفرة هذا الوطن الساحر، خصوصا وأن المصريين على امتداد تاريخهم الطويل الضارب في القدم والأصالة على موعد دائم وثابت مع عشق الفرجة على أحداثهم السياسية والاجتماعية والدينية، فنرى على سبيل المثال وليس الحصر من يخرج للفرجة على مشاهد الاحتفال بالمولد النبوي، وبمناسبات مثل شم النسيم، ومولد السيدة العذراء وغيرها من المناسبات والاحتفاءات شديدة المصرية.

ويؤكد المؤلف في كتابه الذي يستحق القراءة والتأويل أن الفرجة والولع بها تشكل عند المصريين تراثا مستمدا من احتفالاتهم وطقوسهم الاجتماعية وكذا طرقهم وأساليبهم في التعبير عن حياتهم وأعيادهم ومعتقداتهم الدينية والدنيوية على حد سواء . فضلا عن أن الفرجة ذاتها سواء كانت بدافع المشاهدة أو حب الاستطلاع نشاطا إنسانيا يقبل عليه الناس ويمارسونه في كل زمان ومكان، وتشكل هذه الفرجة بدورها صورا وأشكالا من الحيل والابتكارات والمستحدثات القادرة على إشباع الحاجة إلى التسلية والترفيه.

وقبيل سرد بعضا من حكايا المصريين المولعين بالفرجة، يرصد لنا الكاتب ثمة بواعث تدفع المصريين إلى حد الهوس بالفرجة على الأحداث والمناسبات سواء كانت الاستثنائية أو الاعتيادية المكرورة، وهذه البواعث على الفرجة فردا كانت أم جماعة تتباين دوافعها وأهدافها واتجاهاتها أيضا، كما تتعدد أيضا مستويات الفرجة فيما تفترضه من وعي واختيار، ويؤكد أحمد عبد العالي في ثنايا كتابه أن الفرجة تصبح فعلا غريزيا معتادا، ويذكر الكاتب أن الباعث على الفرجة ضمن مستوياتها المتعددة إعمال العقل في الكون والملكوت، وقد يكون الهدف من ورائها إشغال النفس عن النفس لسبب أو آخر، وقد يكون الهدف هو إشباع حاجة أو تحقيق انتفاع.

والحق أن الفرجة في حياة المصريين كما يشير المؤلف إلى تلك الظاهرة المستمرة كانت نتاجا حقيقيا لواقع لم يسمح لهم بالمشاركة في السلطة أو الثروة ولا بدور يمنحهم صفة الشريك أو حتى الرقيب، فكان المصريون وقتئذ متفرجين مثاليين وليسوا شهودا على تاريخهم.

ومن الحكايا السريعة عن مصر المحروسة أن امرأة عينة شيخة على زاوية السلطان قايتباي بالمرج، ذلك بعد أن مات زوجها الشيخ الكبير قلج الرومي الأدهمي وكان تقوم بالوعظ في النساء، ورغم أننا اليوم لانزال نبحث عن مشروعية عمل المرأة واشتغالها وخروجها للشارع الذي بالضرورة موصوف بالشر والفتنة والأخطار نجد في مصر المملوكية ست الخطباء بنت القاضي تقي الدين علي بن عبد الكافي السبكي التي اشتغلت بالوعظ والإرشاد في مصر والشام وكان لها مجلس وعظ يعقد للنساء.

ومن حكايات النساء أيضا في مصر قديما عادة النياحة على المتوفي، واللطم على الخدود والصدور، ودهن الوجوه بالسواد، فلم يكن يتم دفن الميت قبل أن تفعل بعضا من أعمال النساء في الجاهلية من اللطم وشق الجيوب، والأهم من ذلك كله أن هذه المظاهر تحولت بعد فترة قصيرة زمنيا إلى مهنة وحرفة احترفتها نساء هذا العصر واستعن فيها بالنقر على الدفوف والطارات.

ومن عجائب الحكايا في مصر الفاطمية وكما يذكر أحمد عبد العالي في كتابه الماتع ولع الفرجة فقر التاريخ، أن بعض سلاطين المحروسة فضل الانغماس في اللذات وانغمس في حياة المجون والمحرمات، ومن هؤلاء المظفر حاجي الذي بلغ شغفه بالنساء أن قيمة عصبة الرأس لمحظيته قدرت بمائة ألف دينار، أما السلطان إسماعيل بن الناصر فقد اعتاد عند ركوبه إلى سرياقوس للرياضة أن يصحب معه ضمن ركابه مائتي امرأة في ثياب أطلس ملون، وعلى رؤوسهن الطراطير من الجلد المرصع بالذهب والجواهر النفيسة.

في حين أن ذاكرتي تفرض علي التنويه عن ذكر الحاكم بأمر الله الفاطمي الذي امتلك  عقدة خفية صوب النساء، هذه العقدة تمثلت في نهي المرأة عن الخروج إلى الشارع مطلقا وفرض قوانين وقيودا رادعة على النساء في عصره فقد عمد إلى حظر ظهور النساء في النوافذ، ومنعهن من ارتياد أسطح منازلهن أيضا، وبلغ به حد الحظر إلى منع الأساكفة (صناع الأحذية) من صناعة أحذية النساء .

وبرغم هذه الكراهية غير المبررة صوب النساء لجأ الحاكم بأمر الله الفاطمي إلى إعداد وتجهيز شرطة نسائية مشتملة على جملة من الجاسوسيات داخل تجمعات الحريم لجلب الأخبار والنوادر والحكايات. ومن الحكايا الطريفة في عهد الحاكم أن المصريين وضعوا مجسما ورقيا لامرأة بشكل ساخر في الطريق، الأمر الذي قابله الحاكم بنوع من القوة والتصرف الغاضب فقام بتمزيق المجسم.

وفي مصر الطولونية كان الولاة والسلاطين مولعين بالغناء والموسيقى إلى حد ليس حد الجنون بل حد المجنون نفسه، ومن ذلك بيت الذهب الذي شيده خمارويه بن أحمد بن طولون واتخذ على حوائطه صورا بارزة من الخشب تمثله مع مغنياته بأشكال خلابة بلغت بل وتجاوزت حقا حد البهاء ودقة الزخارف، ومن المدهش في اهتمامه بالغناء إلى شكل مبالغ فيه أن خمارويه إذا جلس يستمع للغناء من النسوة التي احترفن ذلك وسمع المؤذن أمر المغنيات على الفور بالتوقف عن الغناء.

ويشدد المؤلف على حقيقة تمتاز بها مصر عن غيرها من البلاد، وهي قدرتها الفائقة المدهشة على الجمع بين النقائض والمتناقضات جنبا إلى جنب دونما حرج أو مرارة، بمعنى أن كل شئ ونقيضه له موقعه ومكانه في مصر المحروسة، ومن هذا التناقض ما ذكره الجبرتي أن جماعة من الجند سطوا وهم سكارى على نسوة من نساء الأكابر كن يتنزهن في غيط الأعاجم عند قنطرة الدكة بالأزبكية فسلبوهن ثيابهن وحليهن، ثم جاء آخرون ومعهم كبير منهم فأكملوا سلبهن وعروهن من ثيابهن جميعا .

وكان مع إحداهن غلام سلبت من على رأسه طاقية فيها جواهر وذهب وسلب منها أيضا سروال شبيكة من الحرير الأصفر والقصب وفي كل عين من الشبيكة لؤلؤة . وفي ذات الوقت أيضا كان للوعظ والإرشاد مجالسه المنتشرة في شتى بقاع المحروسة وتعج بالناس على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم واتجاهاتهم وبلغ الحاضرون فيها بالآلاف، وكانت هذه المجالس تحض على التمسك بتعاليم الدين والحث على اتباع الأخلاق الحميدة والسلوكيات الحسنة.

أما عن العوام في مصر المملوكية فقد اكتظت المدن المصرية بالكثير من الباعة والسوقة والسقائين والمكاريين والمعدمين، وبالتالي المهمشين الذين لا ذكر لهم في كتب التاريخ ذائعة الانتشار، واتفق المؤرخون جميعا على وصف كل هؤلاء بالعوام وألحقت بهم طوائف أخرى مثل البلاصية والزعر والحرافيش والمشاعلية وكافة الأسماء السابقة تشير إلى معنى واحد ألا وهو المعدم .

والغريب أن الحرافيش يتم ذكرهم في كتب التاريخ على أنهم أهل صلابة وغلظة ودعارة ماجنة، ويذكر كتاب ولع الفرجة أن هؤلاء حبسوا محتسب القاهرة في مسكنه أياما طويلة لا يجرؤ عن مغادرته خوفا على نفسه من العوام والحرافيش، ويحكي الكتاب أن العوام قاموا في دمياط سنة 820 هجرية بحلق لحية الوالي وشهروه على جمل والمغنيات آنذاك تزفه، وفي المحلة سنة  854 هجم العوام على الوالي في منزله فأخرجوه وضربوه واستصحبوه إلى الجامع هناك وهو عريان حيث مات من شدة الضرب.

انتهت الحكايات، لكن لم تنته الروايات .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية المساعد.

ـ كلية التربية، جامعة المنيا.

 

شاكر فريد حسنالنقد الأدبي هو عملية تحليل وتفسير وتقييم للنص أو العمل الأدبي، ولولا وجود الأدب لما وجد النقد، وبما أن الأدب إبداعًا فيفترض أن يكون النقد إبداعًا هو الآخر.

وقد يكون النقد مبنيًا على دراسة مفصلة ودقيقة للنص ذاته تشمل فكرة النص ولغته والعاطفة التي يتضمنها. وقد يعتمد على تحليلات وقراءات وأحكام مستفيضة عنه وعن كاتبه، وقد يأخذ في الاعتبار كل ما يقود لفهم النص واستيعاب مغزاه ومعانيه.

والنقد السائد في حياتنا الأدبية والثقافية هو في غالبيته نقد انطباعي تأثري ذوقي قائم على وصف الانطباعات والأحاسيس التي تتركها قراءة النص الأدبي في نفس الناقد، بدلًا من تفسير النص الأدبي في ضوء نظريات علمية منهجية والحكم عليه وفق قواعد وأسس معينة.

ورغم ما ينشر من معالجات وإضاءات ومتابعات نقدية إلا أن المشهد الثقافي العربي الراهن يعاني أزمة نقدية فعلية، وهنالك نقص في النقاد، والكثير توقف عن التعاطي مع النقد لأسباب مختلفة.

ويجمع عدد من المشتغلين في الأدب والثقافة أن الأزمة الوجودية الخانقة التي تطحن العملية النقدية الراهنة هي من أزمة العقل العربي الذي تربى على النقل والحفظ، عدا عن اقتصار المتابعات النقدية على الشللية والعلاقات الشخصية، ناهيك عن تراجع القراءة وعزوف الجمهور واحجامه عن القراءات في المجال النقدي والبحثي، وغياب الملاحق والصفحات الأدبية والثقافية في الصحف العربية، واحتجاب الكثير من المجلات والدوريات الأدبية والثقافية المتخصصة التي كانت تولي النقد الأدبي اهتمامًا وعناية.

 

بقلم : شاكر فريد حسن