fatimaalzahraa bolaarasرغم أن الكاتبة الصحفية والمترجمة فاطمة بن شعلال غنية عن التعريف إلا أن الغنى عن التعريف في بلدي يحتاج الكثير من التعريف كي نعرف صاحبه فهذه المرأة المثقفة خريجة الاتصال والإعلام كما خريجة القانون صاحبة الموهبة الكبيرة في الكتابة والترجمة لا تحظى كما كل المتميزين في بلدي بذات التقدير التي تستحقه وهنا أنا لا أقصد التكريمات أو الجوائز وإنما أقصد أن مجتمعنا مازال بعيدا عن أن يتجاوب مع نظرة السبق التي وصل إليها بعض ابنائه ولا زالت من مهامه الرئيسية المحافظة على(الجهل) دون أن ندخل في الأسباب والمسببات.

رواية (ذات القلبين) هي رواية قصيرة كما كتبت صاحبتها لكن أحدائها تمتد على طول الكرة الأرضية والعالم الافتراضي الذي أصبح واقعا ألغى الكثير من عالم الواقع ولاشك أن ما هو آت أكثر وأعظم فلا ندري إلى أي مدى ستسحلنا هذه المواقع الاجتماعية والتطبيقات السهلة التي تتيح لك ربط علاقات كثيرة ومتشعبة يصبح (العنكبوت) براء منها لأن أوهن البيوت بيوت العنكبوت لكن هذه الشبكة قوية بحيث قلبت حياة الناس رأسا على عقب بدء بالأفراد إلى الدول والحكومات.إلى الكتل والمنظمات وهلم جرا.

الرواية الصادرة عن دار الكلمة تقع في:94 صفحة من القطع المتوسط وتدور أحداثها حول امرأة شابة  منفصلة عن زوجها(دون طلاق) تربط علاقة مع طبيب مصري في الستين من عمره يعيش في أمريكا الجنوبية.ومن خلال الحوار الذي يدور بينهما نستشف معاناة(وحيدة) من الفراغ وظلم المجتمع الذكوري ومعاناة الطبيب الستيني من الغربة هذه المعاناة فسحت المجال للاثنين كي يتبادلا بوحا قرب بينهما لكن سرعان ما برزت على سطح علاقتهما كل المنغصات التي حاولا الهروب منها

وحيدة تريد الهروب من خيانة زوجها ومن التهم المجانية التي تلاحق المرأة في مجتمعها. و(البلاوي) يهرب من مجتمع استنزف جهوده دون أن يحقق فيه الاستقرار الذي ظل حلمه الأول على ما يبدو

وكفيلم (مصري) من الزمن الجميل حضرت الروح المصرية الفكاهية في الحوار وكذا اللهجة المصرية التي يتقنها الجزائريون وحضرت الأحلام التي تخبئها المرأة الجزائرية في أغوار نفسها رغم أنها أحلام بسيطة وهي حاجتها إلى الكلام الجميل الذي تشرق به روحها ورغم أن (البلاوي) كان فنانا في هذا إلا أن نفس وحيدة كانت قد( بارت) وكل ما كانت تسمعه من البلاوي تحيله على نفسه المعتمة بالجراح والخيانة فلا تصدق منه شيئا بينما يستمتع هو بوقته معها ويرتب نفسه كما يريد.

علاقة بدأت هشّة رغم أنها جميلة ليس لأنها افتراضية وإنما لأن ما يسري على الواقع ينطبق على الافتراض لكن الجميل في الأمر أنها انتهت لينطلق كل واحد منهما وقد عرف طريقه

طريق الاستقرار الأسري للبلاوي وطريق  الحرية لوحيدة حرية ربما علمتها التجربة الافتراضية كيف تحتفظ بقلب واحد وتعود لزوجها رغم خيانته

النهاية مفتوحة على كل الاحتمالات بما فيها احتمال تجربة علاقة افتراضية أخرى من يدري فربما أصبحت لنا قلوبا افتراضية ؟

رواية ذات القلبين تستحق القراءة لسهولة لغتها البعيدة عن الفذلكة اللغوية التي أصبحت موضة العصر وبعيدة عن (الشعرية) رغم أن كاتبتها شاعرة أيضا هذه الشعرية التي أخلطت أوراق الرواية بأعمدة الشعر وليس لها من داع سوى اللعب بالكلمات.

هذه اللغة الجميلة ذكرتني بما قرأناه  في مراهقتنا لنجيب محفوظ وإحسان عبد القدوس وفهمناه دون أن  نرجع للقاموس رغم صغر سننا وفقر لغتنا وليس كمن يحاولون الآن العودة بنا إلى عصر المكر والمفر والجلمود الذي سقط من عل ولم يسقط من أذهانهم مع أن الشيخ (غوغل) لا يستطيع فهم ما يسطرون ببساطة لأنها ألغاز وأحجيات أكثر منها سرد ومتعة وتشويق

هنيئا لنا  بما نقرا وهنيئا لفاطمة بن شعلال انطلاقتها الجديدة

-(غدا يوم جديد.تذكري هذا جيدا يا وحيدة: فاطمةبن شعلال)

 

فاطمة الزهراء بولعراس

جيجل (الجزائر)

 

 

abdulaziz khaylأخاطب الذين ينشدون التغيير نحو الأحسن في مجتمعهم وأمّتهم وقد علّق بعضهم الآمال على العملية الانتخابية لكنها مرّت كالمعتاد بلا أثر يُرجى، .. هناك تصوّرٌ آخر للتغيير يجب أن تعمل النخبة الملتزمة على بلورته عبر الطرح الفكري والتواصل المجتمعي، لكن البداية – في تقديري – وبالنسبة لكلّ من ينشد الاصلاح تكمن في القراءة، وماذا عسانا أن نصّور أو ننظّر أو نؤصّل دون قراءة ؟

ارجعْ إلى الكتاب بقوة واقرأ.

اقرأ دائما، في البيت، في الحافلة، في المقهى، في قاعة الانتظار، على شاطئ البحر، أينما كنت.

اقرأ في جميع المجالات والفنون.

اقرأ باللغة العربية وبجميع اللغات التي تحسنها.

اقرأ لجميع المدارس الفكرية ولجميع الكُتاب .

اقرأ لمن تتفق معه ولمن تختلف معه.

اقرأ الكتب الدينية والأدبية والسياسية وغيرها في الفضاء العربي الاسلامي والعالمي.

اقرأ لمن تعرف ولمن لا تعرف.

اقرأ لتستفيد وليس لتتصيّد الأخطاء والعثرات كما يفعل من في قلوبهم مرض .

تريد التغيير وتنشد الاصلاح ؟ لا تنتظر أن يحدث ذلك، اخرج من قاعة الانتظار و شارك في إحداثه، تقول كيف ؟ ابدأ فاقرأ لأن ما نصبو إليه من حال أفضل يحتاج إلى العلم الغزير والمعرفة الواسعة وهذا لا يكون إلا بالتعلّم ومفتاحُه المطالعة، ومن العيب أن تطالب بالتغيير وأنت متفرّج ... وهل جنى علينا سوى الجهل، ويا مصيبتنا من كسور المتعلمينfractions ، فنصف متعلم وربع متعلم أخطر من جاهل لأنه صاحب جهل معقد، يطالع على عجل رسالة صغيرة في مسألة معينة فيحسب نفسه وصل إلى القمة وينتصب مثقفا ومفتيا وشيخا، فلا تكن من هؤلاء " وقل رب زدني علما "

خذلتك صناديق الانتخاب؟ لن تخذلك الكتب أبدا، والمكتبات تطفح بها، أوَليس من العيب أن نتلاوم كلّنا بهجر المطالعة ولا نفعل شيئا لتدارك ذلك ؟ التغيير يبدأ بتغيير عاداتنا وأولها العزوف عن القراءة، وهل يعود الوضع المزري الذي نعيشه ونشتكيه إلا للجهل التي طفح كيلُه ؟ لو تبوأ العلم مكان الصدارة ما انحرفنا إلى هذه الدرجة المزرية، والبداية إذًا من هنا .

حرام بالمنطق الديني، وعيب بالمنطق الانساني أن تدع أيامك تنقضي ولا تزداد علما رغم توفّر وسائله، لماذا تنتظر أن يُغيّر الآخرون ؟ اخطُ الخطوة الأولى، تصالحْ مع الكتاب، تحرّر من العبودية لفيسبوك والتلفزيون والجريدة، ارجع إلى تصحيح اوّل منزل ... تعلّم، أمسك المفتاح السحري، اقرأ.

أنت تردّد من غير شكّ أن أول ما نزل من الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم هو " اقرأ "، فهل تقرأ أنت ؟ أليست الآية تخاطبك ؟ لماذا لا تعمل بها ؟

عودًا على بدء أقول لمن يثق بي وأنا ناصح أمين صقلتني التجارب : كن إيجابيا، ازددْ علما، لكن إياك أن تحبس نفسك في زاوية ضيقة مثل أولئك الغافلين الذين لا يطالعون إلا كتبا معينة لمؤلفين بذاتهم فينشئون على الرأي الواحد، لا، ادخل جميع البساتين واقطف من كل أنواع الأزهار وجرّب كل الروائح والألوان وستصل إلى ما هو نافع، واستعن بخبرة أصحاب الأفق الواسع والصدر الرحب والثقافة المتنوّعة ليدلّوك على كنوز المعرفة من الكتب القديمة والحديثة، ولا تغلق على نفسك باب زنزانة صنعتها لنفسك من الأوهام، فالقراءة لا تأتي إلا بخير لمن استعان بالله وطلب المعالي .

اجعل قراءتك " باسم ربك الذي خلق " أي قراءة تستصحب الأخلاق و تقودك إلى الله تعالى، وصدق ابن عطاء في حكمته " خير العلم ما كانت الخشية معه " .

هذه الخطوة الأولى في التغيير الذي نؤمن به، وهي ضرورية لأي عمل ايديولوجي أو سياسي أو حزبي حتى لا نبقى نتخبط في نفس الأخطاء.

 

عبد العزيز كحيل 

 

 

hasan alakhalإن تبني أية مقاربة لإصلاح الشأن الثقافي لابد أن تحيلنا على المرجعيات والقراءات التي أنتجها الفاعل النقابي مند بداية تموقعه داخل القطاع مع مطلع التسعينيات من القرن الماضي كشريك اجتماعي، والتي جعلته يصيغ مقاربات تصب في تقييم سياسات التدبير العمومي ومكامن قوتها ونقط ضعفها الشيء الذي أعطى لقراءته المشروعية والمصداقية، حينما نرى المحصلة الحالية لنتائج القطاع ومجمل تدخلاته (التقرير الأخير للمجلس الأعلى للحسابات) .

إن الأزمة المركبة التي يعيشها القطاع تتلخص في غياب مقاربة تشاركية بين الفاعل الاجتماعي والفاعل السياسي ومدى قدرتهما على إبداع الحلول وتقديم البدائل الممكنة، وهذا ما عبرت عنه بعض المواقف النقابية التي كانت تراهن على مقومات النجاعة وفعالية الحكامة في تنزيل العناوين الكبرى في إصلاح الشأن الثقافي، خاصة وأن سياسة التدبير العمومي للقطاع كانت تغيب الفاعل النقابي عن قصد أو عن غير قصد تحت مسميات متعددة، فالسياسي بطبعه محكوم بالتوازنات الحزبية وحسه البراغماتي وإكراهات لغة الأرقام مما يجعله، في تنافر مع الفاعل الاجتماعي رغم إيمانهما المشترك بقواعد اللعبة وضبط إيقاع الحوار .

إن الفاعل النقابي كان يبني تصوره النضالي ومفاهيمه التحليلية بناء على مرجعيته الفكرية وخلفيته الإيديولوجية والتي تتجسد بالنسبة إليه في كون الثقافة محور أي تحول مجتمعي وأن كل تمظهراتها ما هي إلا تجل واضح يعكس حاجات المجتمع و قدرته على دمج مكوناته وصيانة هويته وتأطير سلوكه وعاداته وأنماط عيشه ومقومات عمرانه.

وتأسيسا على ما سلف، تبقى المقاربة السليمة لتنزيل هذه الرؤية، هو أن يمتلك الفاعل النقابي والسياسي الجرأة والقدرة على إبداع المداخل الحقيقية للإصلاح بعيدا عن الحسابات السياسوية الضيقة.

وتتمثل هذه المقاربة في :

جعل المشروع التنموي الثقافي رهانا مجتمعيا،

العمل على تقوية شعور تملك التراث والثقافة بكافة تجلياتها لدى المواطن المغربي، كمحصن هوياتي وكركيزة للحفاظ على لحمة المجتمع ووحدته،

سن منهجية جديدة للاشتغال، تقوم على بناء شراكات واضحة وعملية مع كل المتدخلين ذوي الصلة بالتراث الثقافي الوطني والإبداع الفني والإنتاج الفكري من مؤسسات عمومية وجماعات ترابية وخبراء وغيرهم،

تحديد الأولويات الواضحة والاستعجالية للنهوض بالقطاع وتسطير عمليات إجرائية فعالة على المدى القريب والمتوسط،

اعتبار التراث خصوصا والثقافة عموما المحرك الرئيسي لتحقيق التنمية المستدامة بالمجالات المحلية والجهوية وذلك من خلال الدينامية الاجتماعية والاقتصادية التي يحققها،

تعزيز قدرة المجتمع المدني على دمج الثقافة في برامجه التنموية،

قدرة المؤسسة الوصية على استيعاب هذه المقاربات ودمجها ضمن سياسة عمومية ناجعة ومحددة الأهداف،

إعادة النظر في سياسة التكوين بمختلف معاهد تكوين الأطر التابعة للوزارة بما يتماشى مع متطلبات الثقافة والتنمية المستدامة،

تأهيل العنصر البشري ودمجه في منظومة الإصلاح حتى يساهم في تنزيل المضامين الكبرى للرقي بالشأن الثقافي،

التفاعل الإيجابي مع كل القرارات التي تهدف إلى خدمة المرفق العمومي وكل الفاعلين فيه (من موظفين وأعوان) وتحسين أوضاعهم المادية والاجتماعية،

صياغة مشروع مندمج في المجال الموسيقي بكل تمثلاته البنيوية والتنظيمية حتى يواكب الإصلاح الضروري للقطاع.

وتبقى هذه العناوين مسلمات ثابتة في تبني أي مشروع ثقافي يهدف إلى إعادة الاعتبار للفاعلين الاجتماعي والسياسي كونهما قد ساهما بشكل واضح في دفع كل المتدخلين إلى الرقي بالفعل الثقافي وتقوية حضوره كرافعة للانتقال الديمقراطي.

غير أن هذا يتطلب من الفاعل الاجتماعي والفاعل السياسي أن تكون لهما القدرة على مساءلة الذات تنظيميا والبحث عن مكامن القوة والضعف في خطابهما التأطيري والتنظيمي حتى يحصل الوعي الجماعي بأهمية المشروع الثقافي الديمقراطي للمجتمع الذي هو كنه البناء المؤسساتي، الذي يضمن للنقابي وللسياسي المجال الرحب لتبادل وجهات النظر وتعميق النقاش حول كيفية الخروج من الأزمة التي يعيشها مشهدنا الثقافي .

 

- حسن الأكحل : كاتب مغربي - فاعل ثقافي - حقوقي وعضو المكتب الوطني للنقابة الديمقراطية للثقافة ف د ش .

 

fatima almazroweiلقد منحنا الله إمكانيات ذهنية وعقلية وروحية ونفسية هائلة جدا، منحنا التميز عن سائر خلقه، هذا التميز هو الذي جعل البشرية تتطور وتتقدم وتسير نحو العلو والنهضة المستمرة.

وواحدة من أهم صفات وخصال الإنسان الإعجازية، كما هو معروف، العقل، والذي يؤكد دوما العلماء أن عقل الإنسان يمتلك خصائص فريدة وإمكانيات مهولة، ولكن الإنسان نفسه هو من يقلل من إمكانيات عقله، وهو من يثبط من عزيمة وقوة عقله، وهو من يحدد فعالية هذا العقل.. ويدللون على مرحلة الطفولة، حيث تبدأ حياتهم بعفوية وحب للاستطلاع والمعرفة، وتبعا لهذا النهم المعرفي والذي يعد بمثابة غريزة، تتطور اللغة وتنمو المدارك الحسية والإدراكية ومعها تزداد قوة العقل دون حدود، حتى يبدأ الأبوين والمحيط الاجتماعي الذي يعش وسطه هذا الطفل، بكسره حماسه وذكائه تحت راية التربية، وترهيب للطفل تحت راية التعليم، فيكبر وقد تم تحديد أفكاره وتطلعاته وآماله المستقبلية وهو ما يعني تم تحديد قوة عقله ونبوغه.

وقلة من يخرجون عن هذا السياج، لتكون أفكارهم منطلقة ومبنية على ذكاء حقيقي، وكما قال القائد العسكري الشهير نابليون بونابارت: " ما يدركه ويؤمن به عقل الإنسان يمكن أن يتحقق" ولكن المعضلة دوما أنه قد يكون هذا الإيمان وهذا التطلع للمستقبل متواضع، والعقل سيستجيب لمثل هذه الحالة المتواضعة. والنصيحة أو الدرس في هذا السياق، منح أطفالنا المساحة الكاملة للتعبير والتفكير، وعدم القسوة عليهم بكلمات لتصرفات خاطئة نتجت عنهم، فهم في مرحلة الاكتشاف والنمو العقلي والنفسي.

 

فاطمة المزروعي

 

 

بحديثك عن البراد والصينية والكؤوس باختلاف أحجامها وأنواعها، و"المقراج": (وهو عبارة عن إبريق من الحج الكبير يستعمل لغلي الماء)، و"الربايع": (عبارة عن عبوات مربعة الشكل مكونة من عنصرين مختلفي الحجم الأولى كبيرة توضع لحفظ السكر، والثانية أصغر شيئا ما لحفظ الشاي)، و"الرابوز": (ويستعمل لنفخ الفح)، والمجمر (مصنوع من الطين)، والعلك/ اللبان: (مادة تستخرج من لب شجرة الطلح، معروفة بفوائدها الجمالية والعلاجية تضيف رغوة للشاي)، فأنت  بالضرورة تتحدث عن المغرب وعن أهم الطقوس المزاولة فيه بشكل يومي من شرقه إلى غربه ومن جنوبه إلى شماله. قد يبدو اثنوغرافيا من مظهرها البراني بحكم المعتاد أنها ليست بما قد يستحق أن يكتب عنه، بما أنها تتكرر كطقس بشكل يومي مع تسجيل –طبعا- بعض الاختلافات والتفاوتات من مكان إلى الآخر، وذلك بحسب طرق التعامل مع الشاي كنسق من الأنساق المنظمة لكل ثقافة من الثقافات التي تؤثث المشهد المغربي.

بمعنى أن طقس جلسة الشاي، هي وسيلة لنقل المعنى بالتعبير الأنثربولوجي عن البنية الثقافية والتعبير عن تصوراتها وتمثلاتها، فطقس الشاي بالشمال المغربي، ليس نفسه في الجنوب المغربي المعروف بطبيعته الصحراوية؛ أي أن الشاي هنا، يضع تلك الحدود الرمزية بين مختلف الثقافات الفرعية المكونة للثقافة المغربية الأم. ليغدو بذلك وسيلة سوسيومجالية وسوسيوتاريخية للتحديد والتعريف بالهوية الاجتماعية والثقافية والأيديولوجية.

وبالعودة إلى عنوان النص من حيث ربطنا فيه بين الشاي وإحدى وسائل التواصل الاجتماعي "فايس بوك"، فذاك طرح نريد من خلاله أن نعيد النظر بقليل من الحفر الفكري في هذا الطقس، وذلك تفاديا لتلك الرؤية السطحية المؤسسة بحكم المعتاد، بكونه طقس لتزجية الوقت وضياعه دون طائل، بحكم طول مدة التحضير؛ غير أن هذا مردود عنه، خصوصا باستحضارنا لطقس شاي المناطق الجنوبية الصحراوية والتي تعرف فيها طقوس الشاي أبعادا رمزية تشي بالغنى التصوراتي والقيمي، فمن حيث الجلسة كمكون سميوطيقي تبرز لك القيادة والزعامة والمنزلة من خلال متسيد الجلسة المسمى "القيّام"، أي ذاك الذي يشرع في إعداد الشاي، كما يحضر عامل الزمن، والذي كثيرا ما يتم التفكه والتندر به بحكم طول إعداد الشاي، وهذا له تفسير لا يحضر ممن لا يمتلك ناصية البحث والتنقيب في خفايا الأمور وسيروراتها، فالزمن هنا ليس زمن التحضير فقط، بل زمن التواصل في ضوء زمن التحضير، بما مفاده أن زمن الشاي زمن طقوسي تواصلي يتم فيه تناول القضايا والمشاكل التي يعيشها الأشخاص داخل مجتمعهم، ويسمى بطقس "الجر" ومعناه إطالة مدة تحضير الشاي، ابتغاء  إتاحة الفرصة للجماعة في مناقشة مشاغلهم واهتماماتهم وهمومهم وطموحاتهم بروية دون تسرع. ولعل هذا ما يفسر تفضيل أهل الصحراء بالمغرب على إعداد شايهم على الجمر، وذلك طلبا للوقت. وفي الوقت ذاته يعطي أهمية لمبدأ لهم يقول: بأن الشاي يقوم على ثلاث "جيمات": (ج) الأولى تحيل على الجماعة، و(ج) تحيل على "الجر" جر الوقت وإطالته، و(ج) تحيل على الجمر ومدى أهميته في إعداد الشاي.

ليتأكد بالملموس أن الزمن في طقس الشاي زمن تواصلي، هدفه الإحاطة بالأحوال الاجتماعية للجماعة والتداول فيها، بالإضافة إلى معرفة آخر أخبار وأحدثها عند الجماعة المتواصلة بالشاي. بما معناه أن شاي الأمس في رمزيته وفلسفته كان بمثابة "فايسبوك" اليوم في شقه التواصلي الاجتماعي، غير أن هذا الأخير- أقصد الفايس بوك- يعلوه تقنية، بينما الشاي يعلوه طقوسية فياضة بحرارة التواصل والكرم والضيافة.

 

الباحث: أكثيري بوجمعة

كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن طفيل- القنيطرة

 

 

mohamad abdulkarimyousifعلى هيئة رسالة، تخبرنا رواية الجاسوسة 2016 للروائي باولو كويلو (4) قصة امرأة لا تنسى تجرأت أن تكسر القيود السائدة في زمانها ودفعت الثمن بسبب ذلك . وفي هذا اللقاء يخبرنا بأجوبة على الأسئلة حول الدوافع خلف كتابة القصة لنكتشف صورة الراقصة الشهيرة ماتا هاري .

سؤال: من هي ماتا هاري؟ ولماذا اخترتها بطلة لروايتك الجديدة؟

جواب: ماتا هاري إحدى إيقونات الجيل الوجودي - فتاة سيئة، مختلفة، غريبة، ترتدي كل الفساتين الخيالية - ونحن جميعا مفتونين بجمالها . وبعد أربعين سنة وأنا أتناول العشاء هنا في جنيف في سويسرا مع محامي ّ ذكر لي عدة قضايا عن الناس الأبرياء الذين أدينوا بعقوبة الموت خلال الحرب العالمية الأولى، وهذه الأشياء لا نعلم بها إلا الآن لأنهم أخفوا الكثير من الوثائق عن فترة الحرب . ماتا هاري إحدى هذه الأمثلة التي ذكرها ولأنها كانت دائما ذات أهمية لي، قمت ببحث سريع عنها على الانترنت فور عودتي للبيت .

قادني هذا البحث إلى الكثير من الوثائق ومعلومات أكثر عنها . في اليوم التالي اشتريت بعض الكتب وقضيت كل نهاية الأسبوع أقرأ عن ماتا هاري . فذ ذلك الوقت لم أكن أدرك أنني أقوم بإنجاز بحث لمشروع كتاب . أدركت فقط ذلك عندما قررت جازما أن أمارس تمرينا خياليا وأضع نفسي مكانها .

سؤال: كيف بحثت عن حياتها وحقبتها؟ ما أكثر الأشياء إثارة للدهشة في حياتها؟

جواب: الشيء الأكثر غرابة هو كيف تمكنت امرأة تعرضت للإساءة حتى صارت في العشرين من التغلب على أوضاعها وتصبح ما صارت عليه . أما فيما يخص الحقبة الباريسية الجميلة، فقد كانت حقبة " كل شيء فيها ممكن " . لقد أرهقتني تلك الفترة وقد رغبت أن يركز الكتاب على شخصية واحدة محورية . هناك ميل دائم لدى الكاتب للوصف الكثير . لذلك أعطيت فكرة عن عصرها ثم حاولت أن لا أثقل على القارئ بالمعلومات .

سؤال: في نهاية الكتاب، أنت تقول أنك التزمت بالكثير من الحقائق . أين ابتعدت عن السجلات التاريخية و لماذا؟

جواب: الحقائق في الكتاب صحيحة والمسار التاريخي صحيح لكنني وضعت نفسي موضع شخص آخر . من الصعب أن تقول أين ابتعدت عن السجل التاريخي في تخيل رسالة ماتا هاري الأخيرة . لكنني أعتقد أنني كنت قريبا مما كانت تفكر به . منذ شهرين، أفصح أحد المتاحف الهولندية للعامة عن بعض الرسائل الجديدة لماتا هاري وخاصة تلك التي كتبت في هولندا قبل أن تذهب إلى مدينة يافا . قال لي أحد المراجعين أنني ظهرت وكأنني أرسم مسار حياتها .

سؤال: لماذا اخترت أن تجعل الرواية رواية مراسلات؟

الجواب: عندما تكتب رسالة تتوفر لديك الفرصة المناسبة لتصف حياتك الخاصة لشخص يراها من الخارج .

سؤال: ماذا كان شعورك وأنت تكتب من وجهة نظر ماتا هاري؟

الجواب: صارت رفيقتي في الليل والنهار خاصة عندما كنت أقرأ عن الحقبة التي عاشت بها . ثم، ولمعرفتي بها، بدأت أفهم كيف تبرر مواقفها .

سؤال: كانت ماتا هاري سيدة مشهورة واكتسبت أيضا الشهرة كامرأة قدرها مشؤوم . لقد حصلت على شهرتها بالكذب والموهبة . ما الدروس التي يمكن أن نتعلمها من هذه المرأة المعقدة؟

الجواب: يمكن أن نتعلم منها:

• أن لكل حلم ثمن .

• وأنه عندما تتجرأ على أن تكون شخصا مختلفا، كن مستعدا لهجوم الآخرين عليك .

• وأنه عندما تواجه العالم الذكوري الذئبي، يمكنك أن تتغلب عليه بالمراوغة .

سؤال: ما الذي قاد لإعدامها بالرصاص؟ هل كان بوسعك أن تتنبأ بخاتمة مختلفة لحياتها؟

الجواب: لم أفكر في كلمة " لو " أو " إذا " أو " ماذا؟ يمكن أن يكون . لقد واجهت قدرها وهذا ما يهم .

أجراه: باولو كويلو (2017)

ترجمة: محمد عبد الكريم يوسف

كاتب ومترجم – سوريا

.............

الحواشي:

- باولو كويلو يحاور باولو كويلو .النص موجود على موقع الكاتب البرازيلي على الانترنت بعنوان An interview with the auther of " THE SPY" . وهو روائي وقاص برازيلي ولد عام/ 1947/ وبيني وبين الروائي باولو كويلو حوار دائم على الفيسبوك وهذا جزء من الحوار بيني وبينه يمثل رأيي الشخصي في روايته الأخيرة " الجاسوسة ":

Good morning My Coelho ; I have just finished reading "The Spy". It is really very good . I strongly recommend it for students of literature and those who want to increase their knowledge of the human nature in the past , today, and tomorrow. Mata is a catalyst character that unveils the face of society. She more or less unveils the unwomanly face of war. Indeed , she is not the whore; the society is the whore. It is the masculine culture to dominate woman all the time through. Thank you for every word mentioned in the book

Mohammad A Yousef ( Syria)

ترجمة الحديث:

صباح الخير سيد كويلو . لقد انتهيت للتو من قراءة " الجاسوسة " . إنها رواية جيدة بحق . وأوصي بها لطلاب الأدب بالإضافة إلى أولئك الذين يرغبون في زيادة معارفهم حول الطبيعة البشرية في الأمس واليوم وغدا . لقد كانت ماتا شخصية وسيطة تعري من خلالها وجه المجتمع. تعري الوجه الغير إنساني للحرب . بحق، لم تكن عاهرة . العهر في الثقافة الذكورية التي تسيطر على المرأة عبر الأزمنة . شكرا لكل كلمة ذكرتها في الكتاب .

محمد عبد الكريم يوسف ( سورية)..

 

 

faroq mawasiتخلت اللغة العربية عن ألفاظ غريبة، وحسنًا فعلت. وهأنذا أضيف على ما رويت لكم في  كتابي (قطوف دانية) ج1، ص 231-  من قصص التكلف واستخدام كلمات يمجّها الذوق:

سقط النحْوي عيسى بن عمر (ويقال علقمة الفحل) عن دابّته،  فاجتمع الناس حوله،

فقال: "ما لكم تكأكأتم عليّ كتكأكئكم على ذي جنّـة، افرنقعوا!

فمعنى "تكأكأتم" اجتمعتم، ومعنى "افرنقعوا " انصرفوا.

يقول متعجبًا: ما لكم اجتمعتم علي كاجتماعكم على مجنون، فابتعدوا عني .

فتخيلوا ماذا أصابه  بعدها من غلمان الحي؟

...

انظر إلى بعض الألفاظ الواردة في الأدب مما لا نرتضيه اليوم:

نُقاخ-  تعني الماء العذب. يقول الشاعر :

وأحمق ممن يكرع الماء قال لي ***  دع الخمر واشرب من نُقاخ مبرَّد

..

 الجِـرِِشّى-  وتعني النفس

 يقول المتنبي وهو يمدح سيف الدولة :

مباركُ الاسمِ أغرُّ اللقب ***  كريمُ الجِرِشّى شريفُ النسبْ

وللمتنبي ألفاظ ومبانٍ لغوية كثيرة أخذها عليه النقاد.

..

 السمادج:

تعني اللبن ومن ذلك قول القائل:"أسمع جعجعة وأنا أشرب السمادج" .

على ذكر اللبن- لعلكم تذكرون قصة الأعرابي و"أفلح من تنحنح"!

..

السجسج: الأرض ليست سهلة ولا صلبة:

 يوم عَصبْصب وهِلّوف ملأ السجسج طلاّ

من يترجم؟

..

أعود لأقول إن هذه الكلمات غريبة المعنى، غليظة الوقع، وهي غير مستساغة، ولذا تخلى العرب عن استخدامها.

إليكم  قصة قرأتها في  كتاب (خِزانة الأدب) للبغدادي، وهي قصة بوزع- إذا صحّت التسمية، راجيًا ألا يكون مصير المتقعرين في اللغة المتشدقين بها مصير حمّاد الراوية:

"كان جعفر بن أبي جعفر المنصور، والمعروف بابن الكُرْدية، يستخفّ مطيع بن إياس ويحبّه، وكان منقطعًا إليه، وله منه منزلة حسنة. فذكر مطيعٌ حمادًا، وكان صديقه، وكان مطَّرَحًا مجفوًّا في أيامهم، فقال له: ائتنا به لنراه.

فأتى مطيع حمادًا فأعلمه بذلك، وأمره بالمسير إليه ومعه، فقال له حماد: دعني فإن دولتي كانت مع بني أمية، وما لي مع هؤلاء خير. فأبى مطيع إلا الذهاب به، فاستعار حماد سوادًا وسيفًا، ثم أتاه فمضى به إلى جعفر، فلما دخل سلّم عليه وأثنى عليه، فرد عليه السلام، وأمره بالجلوس، ثم قال له جعفر: أنشِدني لجرير. قال حماد: فوالله لقد سُلِخ شعر جرير كله من قلبي، إلا قوله:

بانَ الخليط برامتين فودّعوا *** أوَ كلما اعتزموا لبينٍ تجزع

فاندفع ينشده إياها حتى قال:

وتقول بَوْزَع قد دببتَ على العصا *** هلاّ َهِزئتِ بغيرِنا يا بوزعُ

قال حماد- فقال لي جعفر: أعد هذا البيت!

 فأعدته. فقال: بوزع أيش هو؟

قلت: اسم امرأة. فقال: هو بريء من الله ورسوله ونفِي من العباس إن كانت بوزع إلا غولاً من الغيلان! تركتني والله يا هذا لا أنام الليلَ من فزع بوزع!

 يا غلمان، قفاه! قال: فصُفِعْتُ حتى لم أدر أين أنا.

ثم قال: جُرّوا برجله! فجرّوا برجلي حتى أخرِجت من بين يديه مسحوبًا، فتخرّق السواد، وانكسر جفن السيف، ولقيت شرًا عظيمًا.

وكان أشر من ذلك غرامتي ثمن السواد وجفن السيف".

 (البغدادي: خزانة الأدب، ج9، ص 449).

 

ب. فاروق مواسي

 

faroq mawasiكنت قرأت للشاعر السوداني إدريس جمّاع شعرًا يندب فيه سوء حظه يقول فيه:

إن حظي كدقيق *** فوق شوك نثروه

ثم قالوا لحفاة *** يوم ريح جمّعوه

عَظُم الأمرُ عليهم *** ثم قالوا: اتركوه

إن من أشقاه ربي *** كيف أنتم تسعدوه

..

الأبيات صورة وصفية متكاملة يعرفها المعذبون في الأرض، وهي مأساوية، ولا شك!

..

التقيت في مؤتمر جامعة جدارا عن الإعلام الذي انعقد في نيسان 2017 بضعة باحثين سودانيين، كانوا يحفظون الشعر، ويحسن بعضهم الغناء السوداني الذي له نكهة وتلوين ومد صوت ...

سألتهم عن الأبيات وعن الشاعر، فأُخبِرت أن إدريس جَمّاع الشاعر السوداني (1922- 1980) له العديد من القصائد المشهورة والتي تغنى ببعضها أكثر من مطرب، وقد صدرت له مجموعة يتيمة - (لحظات باقية).

...

كان الأستاذ الدكتور عبد النبي الطيب يقرأ لي عن ظهر قلب بعض شعره، وكنت ألحظ مدى إعجابه بالشاعر، بل اسمعني غناءه لبعض الأبيات التي قرأها من شعره.

في قصيدة «أنت السماء»، التي تغنى بها المطرب السوداني سيد خليفة قال الشاعر مخاطبًا زوج امرأة جميلة حال بينها وبين الشاعر:

 أعلى الجمال تغار منا *** ماذا عليك إذا نظرنا

هي نظرة تُنسي الوقا *** رَ وتُسعد الروح المعنّى

ها هو الشاعر يخاطب المرأة الجميلة، ويبدو لي من القصيدة أن هناك علاقة سابقة بينهما، بدأت من الطفولة:

دنياي أنت وفرحتي *** ومنى الفؤاد إذا تمنى

أنت السماء بدت لنا *** واستعصمت بالبعد عنا

هلا رحمت متيمًا *** عصفت به الأشواق وهْنا

وهفت به الذكرى فطا *** ف مع الدجى مغْنى فمغنى

آنست فيك قداسة *** ولمست إشراقًا وفنّـا

ونظرت في عينيك آ *** فاقٌا وأسرارًا ومعنى

هـزته مـنك مـحاسن *** غنّى بها لـمّـا تـغنَّى

يا شعلةً طافتْ خو *** اطرنا حَوَالَيْها وطــفنــا

وسمعت سحريًا يذوب *** صداه في الأسماع لحنا

نلت السعادة في الهوى *** ورشفتها دنًّا فدنّا

كلّمْ عهـودًا فى الصـبا *** اسألْ عهـودًا كيف كـُنا

كـمْ باللقا سمـحتْ لنا *** كـمْ بالطهارةِ ظللـتنا

ذهـبَ الصـبا بعُهودِهِ *** ليتَ الطِـفُوْلةَ عـاودتنا

..

أعجبت بالشعر فأخذت أدون ما يقرأ.

ثم عدت لأبحث عن الشاعر في الشبكة فسجلت مختارات له راقت لي:

شاء الهوى

..

شاء الهوى أم شئتِ أنتِ *** فمضيتِ في صمت مضيت

أم هزّ غصنك طائر *** غيري فطرتِ إليه طرتِ

وتركتني شبحًا أمدّ إليك حبّي أين رحتِ؟

وغدوت كالمحموم لا *** أهذي بغير هواك أنتِ

أجرّ .. أفرّ .. أتوه .. أهــ *** ـرب في الزحام يضيع صوتي

واضيعتي أأنا تركتك *** تذهبين بكل صمت

هذا أوانك يا دموعي *** فاظهري أين اختبأت

فاذا غفوت لكي أراك *** فربما في الحلم جئت

في دمعتي في آهتي *** في كل شيء عشت أنت

رجع الربيع وفيه شوق للحياة وما رجعت

كوني كنجم الصبح قد صدق الوعود وما صدقت

أنا في انتظارك كل يو *** م ها هنا في كل وقت

...

من أجمل أبياته:

وﺍﻟﺴﻴﻒ ﻓﻲ الغمدِ ﻻ ﺗُﺨشَى مضاربُه *** ﻭﺳﻴﻒُ ﻋﻴﻨﻴﻚِ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺎﻟﻴﻦ ﺑﺘّﺎﺭُ

يُقال إن الشاعر أعجِب ﺑﻌﻴﻮﻥ ﻣﻤﺮﺿﺘﻪ التي عالجته في لندن، فأﻃﺎﻝ ﺍﻟﻨﻈﺮ ﻓﻲ ﻋﻴﻨﻴﻬﺎ.

ﺄﺧﺒﺮﺕ الممرضة ﻣﺪﻳﺮ المستشفى ﺑﺬﻟﻚ، ﻓطلب منها ﺃﻥ ﺗﻠﺒﺲ ﻧﻈﺎﺭﺓ ﺳﻮﺩﺍﺀ ﻓﻔﻌﻠﺖ.

فأنشد ﺟﻤَّﺎﻉ البيت.

 

..

ب. فاروق مواسي

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي كتبها سميح (سلوح) بن الأمين (بنياميم) صدقة الصباحي (هصفري) (١٩٣٢-٢٠٠٢، تاجر ماهر، قاصّ) بالعبرية ونُشرت في الدورية السامرية أ. ب.- أخبار السامرة، عدد١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ آذار ٢٠١٦، ص. ٣٣-٣٥. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها ــ إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى أيضًا مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري فقط، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين بالدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحرّريْن، الشقيقين، بنياميم ويفت (الأمين وحسني)، نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

كنت قد ترجمت هذه القصّة برواية مختلفة (مثبتة أدناه في النهاية) مع عشرين قصّة سامرية أخرى في الدورية السامرية أ. ب.- أخبار السامرة، العددان ١٠٩٨-١٠٩٩، ٢٦ أيلول ٢٠١١، ص. ٤٧-٦٢، العدد ١١٠٠، ١٠ تشرين الثاني، ص. ٥٧-٧٢. كما ونشرت هذه الترجمات تباعًا في العديد من المواقع الإلكترونية وللراغب في الاطلاع البحث في غوغل: حسيب شحادة، من القصص الشعبي السامري.

”لا يذكر شبابُنا، إلا القليل عن تلك الفترة، التي فيها كانت الطائفة تسكن في خيام، على جبل جريزيم في فصلي الربيع والصيف. اليوم، الكلّ يسكنون في بيوت فسيحة في قرية لوزا، يستلقون على مسند خشبي أو أريكة (صوفا) ويثرثرون عن هذا وعن ذاك، عن خطّة مياه المجاري، تقوية نظام الكهرباء، اللجنة الجديدة وعن برامج التخطيط المتنوعة، عن النظافة، الماء، وينسى الكلّ تلك الأيّام القاسية حقًّا، التي قضاها آباؤنا على الجبل.

في آخر المساء، أو في ساعة متأخّرة من الليل، يأوي الجميع إلى النوم، يقفلون باب البيت بإحكام (بالقفل والمزلاج)، لا من خارج ولا داخل. مَن كان يفكّر وقتذاك عن الخيام المكشوفة لكلّ مارّ؟ وكان من سكن في التخشيبات  أيضًا، ولكن هل كان من الممكن إقفال التخشيبة، وتأمين ما فيها من السرقة؟

كنّا عرضةً لكلّ من مرّ في الجوار، يمدّ يدًا مشتهية مراوغة ليلتقط قطعة أثاث من هنا، وإناء أو صندلا قد ابتيعت حديثًا، بمال ادّخر في خلال مدّة طويلة. الكلّ حفظ ما لديه من مال قليل على جسمه، في أعماق الحضن، أو تحت الإبط، أو في جيب داخلي، تحت حزام البنطال.

كنّا نكرّس وقتًا طويلًا لحراسة حاجياتنا بعناية فائقة. لا يمكن إغلاق الخيمة بإحكام. قبيل ذهابنا للنوم، كنّا نربط جيّدًا حلقات جانبي الفتحة، إلا أنّه كان بإمكان كلّ راغب أن يدسّ يده متى شاء، باحثًا عن غرض/شيء ما في الخيمة، أو حتّى دسّ اليد من تحت قطع الخيمة.

من اللصوص المعروفين وسيّئي السمعة، كان العربي نصير القنّي، من قرية قليل، ويا للسخرية، كانت مهمّــته حراسة خيام السامريين، عندما يكونون منشغلين في تحضيرات قربان الفسح. في الواقع، رغب السامريون في الاستغناء عن خدماته، إلا أنّهم كانوا مُرْغمين لدفع أجرة حارسَين من كفر قليل، ودفع ضريبة أيضًا لأهل القرية، خروف من الخراف المعدّة للقربان، وذلك لضمان عدم تعكير أبناء القرية جوّ الاحتفال بعيد الفسح. هذه العادة الشرّيرة، استمرّت عشرات السنين، حتّى اعتلاء الحسين عرش المملكة الهاشمية، وأمر بإبطالها [الحسين بن طلال بن عبد الله بن حسين الهاشمي، ١٩٣٥-١٩٩٩، مدّة حكمه ملكا ١٩٥٢-١٩٩٩].

لم يفوّت نصير أية فرصة في استغلال تطوافه بين خيام السامريين، بغية الحراسة المفترضة، في إخفاء ’أغراض/أشياء‘ مختلفة. وصلت الحالة إلى أنّه في كلّ نهاية لعيد المصّة، اليوم السابع للفسح، كان السامريون يتحادثون عن أغراض لهم قد سُرقت.

تابع نصير تجواله بين الخيام، وكأنّ الأمر لا يخصّه. وإذا كان شخص ما يتّهمه، تجهّم وجهه كأنّه أُهين، وأقسم ألف مرّة بذقن نبيّه أن لا ضلع له في الاختلاسات. خشوا حتى من اتّهامه. وفي حالة إصرار أحد السامريين مع ذلك، إرجاع السرقة، كان يتحدّث مع نصير برقّة ولطف فيرضى و’يتطوّع‘ بالعثور على السارق. من نافلة القول أنّه في أغلب الحالات، كانت السرقة تعاد إلى صاحبها، وكان نصير يحظى بمكافأة دسمة على حيلته الواسعة. سرّاق ويتقاضى الأجر أيضا!

واحدة، هي اليهودية الروسية، زوجة عمّي حسني (يفت) بن إبراهيم صدقة، أبَت أن تشترك في هذه ’اللعبة‘ الدائرة بين اللصّ/الحارس والسامريين. إنّها ذهبت في أعقاب بعلها في كلّ شيء باذلة كلّ جهدها للتأقلم مع عادات الطائفة، ونجحت في ذلك، إلّا أنّ أعمال نصير لم تتماش مع معايير سلوكها.

ذات يوم، شكت مريم إلى زوجها أنّ إبريق القهوة قد سُرق من الخيمة، ولا تستطيع أن تفهم كيف ومتى كان ذلك. بعد ذلك بيومين، اختفى إبريق الشاي أيضا. الكلّ وجّه إصبع الاتّهام نحو نصير الحارس. قرّرت مريم أن تلقّنه درسًا، إنّها ذات ذراعين قوّيتين وكانت قد ساعدت زوجها أكثر من مرّة، في تسوية خلافات بين العائلات بالقوّة. في يوم النحر، الرابع من الشهر الأوّل، يوم قربان الفسح، أشاعت مريم إشاعة، مفادها أنّ زوجها الموسر اقتنى احتياطًا كبيرًا من القماش القطني الدمشقي، لبيعه للسامريين، وكل هذا المخزون موضوع في خيمته. انتشرت الإشاعة من واحد لآخر، حتّى وصلت أذنيْ نصير الحارس المرهفتين.

عرفت مريم بأنّ نصيرًا سيستغلّ الفرصة، التي يتواجد فيها كلّ السامريين في ساحة قربان الفسح، ليقتحم الخيمة للسرقة من مخزون القماش، إذ صدّق وجوده هناك. لم تنضمّ مريم إلى المحتفلين، بقيت في الخيمة المغلقة منتظرة نصيرًا بصبر. لم تشعل ضوءً لئلا ينكشف تواجدها في الخيمة. بينما كان الجميع منشغلين في تنظيف الخراف المنحورة، سار نصير واثقًا كل الثقة، بأنّ غنيمة كبيرة ستقع في يديه.

كان نصير يقفز (ينطنط) بين الأوتاد وحبال الخيمة، إلى أن وصل المدخل المغلق. التفت يمينًا وشمالًا ولم ير أحدًا. بدا له أنّ كلّ شيء جاهز لتنفيذ السرقة. أوّلًا فحص بيده المدربة مكان الشقّ في الفتحة المغلقة جيّدًا، وحاول بأصابعه القوية توسيعه، كيما يستطيع دسّ رأسه عبر الشقّ، ومن البدهي أنّ أوّل عضو دُسّ كان خَطْمه.

قبل محاولته متابعة دسّ باقي وجهه، أَنّ نصير على حين غرّة، وأُصيب بذعر شديد، أحسّ بألم يتزايد لأنّ أحدًا داخل الخيمة يجذب خطمه بقوّة، ولا يرخي. إنّها مريم التي انتظرت طويلًا هذه اللحظة الذهبية، وَثَبَت مسرعة ومسكت الأنف بأصابع يدها المطوية الثابتة. لم تكتف بالقرص، بل مسكت بقوّة أنف نصير التعيس، الشرّير وتابعت قرص الأنف وجذبه.

صاح نصير وتوسّل ودموع الوجع تذرف أن يفلتوا أنفه، إلا أنّ اليد من داخل الخيمة لم ترخ، جذبت وقرصت بلا انقطاع، إلى أن ازرقّ أنف نصير طورًا واحمرّ طورًا آخر. هرع بعض السامريين في ساحة القربان عند سماعهم صياحه، إذ أنّ خيمة مريم وحسني، لم تكن بعيدة عنهم. بسرعة تجمهر كثيرون أمام المنظر الغريب، نصير يزعق بسبب أنفه المقروص بيد خفية في الخيمة، وأخذ الجميع يقهقهون بالضحك. رفعت الطائفة صوتها عاليًا مقهقهة، هذا قصاص اللصّ.

استمرّت مريم بمسك أنف نصير، ولكن بعد أن أدركت أن السامريين يضحكون على مصيبته وبؤسه، بدأت بتوبيخه على سرقاته. صوت توبيخات مريم العالي زاد من سخرية أبناء الطائفة من نصير.  وفي النهاية استجابت مريم لتوسّلات نصير لفكّ أسر خطمه، بعد أن وعدها ووعد زوجها حسني [الذي انضمّ إلى طلبات  نصير المتكررة] بإعادة الإبريقين، إبريق القهوة وإبريق الشاي اللذين سرقهما.

وحقًّا في صباح اليوم التالي، عندما استيقظ نصير من غيبوبته وخفّ بعض الشيء عذابُه، أسرع وابتاع إبريقين جديدين لمريم. أصبح نصير محترسًا جدًّا في ألّا يدسّ ثانية أنفه في خيام أبناء الطائفة السامرية“.

حُكم مَن يدسّ إصبعه بأنفه

صلوح بن بنياميم صدقة

كلنا نعيش اليوم في بيوت رحبة في قرية لوزا على جبل جريزيم وقلائل هم الذين يذكرون تلك الأيام الخوالي التي سكن فيها السامريون خلال عيد القربان، على الجبل في خيام كانت مفتوحة من كل جانب. كنّا معرّضين لعابري سبيل، وما أكثرهم آنذاك، يمدّ الواحد منهم يده الطويلة إلى ممتلكاتنا.

وأحد اللصوص سيّئي الصيت كان عربيا من كفر قليل  اسمه نصير. وكان هذا اللصّ بالذات مسؤولا عن حماية خيام السامريين (حاميها حراميها) عندما كانوا منهمكين بالاستعدادات لقربان الفسح. أُرغمنا على تشغيل حرّاس من أبناء كفر قليل ودفع ضريبة حتى، خروف، وذلك لتفادي عرقلة سير مراسم عيد الفسح. وقد أوقِف هذا التصرف المشين عندما اعتلى الملك حسين  العرش الهاشمي فقد أمر بإبطاله.

لم يفوّت نصير أية فرصة “لإخفاء” أمتعة متنوعة من خيامنا المهجورة عندما كان يتجوّل بينها. وإذا وجّه إليه أحدٌ اصبعَ الاتهام تجهّم وجهُه كمن أُهين وأقسم بالآلاف بذقن نبيّه أن لا ضلع له ولا إصبع في الغشّ والخيانة. وعندما كان يُعرض عليه مبلغ من المال للبحث عن اللص كان “يتطوع” لإعادة السرقة ويتسلّم الأجر.

ومريم، زوجة عمّي، يفت بن إبراهيم صدقة ، كانت يهودية من أصل روسي، لم توافق على الاشتراك في هذه اللعبة. وذات يوم، في وقفة عيد الفسح، اختفى إبريق قهوة من خيمة مريم. وقررت مريم، تلك المرأة القوية والشجاعة، أن تلقّن السارق درسا وعبرة.

وقُبيل العيد، أشاعت مريم إشاعة مفادها أن زوجها الثري قدِ اشترى قماشا دمشقيا فاخرا لبيعه للسامريين وكل هذا القماش مخفيّ في خيمته. وانتشرت الإشاعة شفاها من واحد لآخرَ حتى وصلت أذني نصير المرهفتين.

وعندما ذهب المحتفلون إلى مكان القربان، بقيت مريم مستترة في خيمتها المظلمة منتظرة اللصّ. ولما كان جميع السامريين منشغلين بتنظيف الخرفان المذبوحة وتجهيزها  خطا نصير بكل ثقة نحو خيمة عمّي. اقترب من الفتحة المغلقة بحبال وحاول بأصابعه توسيعها ليتسنّى له اختلاس النظر. وعندما لاحظ أن الشقّ اتّسع جيدا حاول دسّ رأسه وأوّل ما دخل كان أنفه الطويل.

وقبل أن يدحش نصير باقي وجهه تأوّه فجأة ألما. مريم التي كانت تنتظره، أمسكت بأنفه بأصابعها القوية وجذبته بقوة، وقرصته بحدّة. صرخ نصير من الوجع وتوسّل ودموعه تسيل أن يفلتوا أنفه ولكن دون جدوى، إزرقّ الأنف تارة واحمرّ طورا.

وعند سماع الصراخ والأنين هبّ السامريون من مكان القربان إلى الخيمة وبدأوا بالضحك لما رأت عيونهم. وعندما تأكدت مريم أن أناسا كثيرين قد تجمّعوا أخذت بتأنيب نصير بصوت عال بسبب سرقاته وازدادت ضحكات المجتمعين حول الخيمة. وأخيرا استجابت مريم لتوسّلات نصير وأفلتت أنفه بعد أن وعدها بإرجاع إبريقها، وهكذا كان. وبعد عام لم يعد نصير يحرس خيام السامريين.

 

ترجمة ب. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

 

faroq mawasiنعرف أن الوالدة هي التي تلِـد، فالفعل (ولَدَ) ت المرأة– يعني وضعت حَمْلها، فهي تلِدُ وِلادةً و وِلادًا، فالمرأة والدة، ويصح أيضًا أن نقول لها في اللغة – والد.

لكن هناك من سأل:

كيف نصف الأب بأنه والد، وهو لم يَلد، فالقرآن يقْسم {ووالدٍ وما وَلَد}- البلد، 3، بل نقرأ في سورة الإخلاص {لم يلِدْ ولم يولَد}- الإخلاص، 3، فما معنى نفي الولادة عن رب العزة؟

...

أجيب أن (وَلّد) تعني أيضًا أنْسَل، والنفي أنه لم يكن أبًا ولا ابنًا، فهو متفرد ليس له مثيل.

..

(وَلَـد) لفظة تعني كل من وُلِـد، وهي تُطلق على المذكّر والمؤنث والمثنى والجمع، فهم وَلَدُ العشيرة وهن كذلك، وفي لغة أخرى نجد (وُلْد)، بضم الواو وتسكين اللام، فكما نقول العَرَب نقول العُرْب، والعَجَم والعُجْم، وفي لغة نجدها (وِلْـد)- بكسر الواو.

..

تأتي (وَلَـد) بمعنى رهط، فقد ورد في الذكر الحكيم- {وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إلا خَسَارًا}- نوح، 21 وهي في بعض التفسيرات بمعنى الأبناء جميعًا، وقد قرئت في بعض القراءات (وُلْدُه)، كما قرأها أحدهم (وِلْدُه).

ومن شعر حسّان بن ثابت في ذلك أيضًا:

ولَدْنا بني العَنقاءِ وابْنَيْ مُحرِّقٍ  *** فأكرِم بنا خالاً وأكْرِمْ بنا ابْنَما

..

ذكرت أنه يصح لنا أن نقول للأم -"أنت والد"، وعلى ذلك فالاسم التغليبي المثنى- (الوالدان) في هذه الحالة جاء تبعًا لها، ويصح طبعًا أن نجعل الاسم التغليبي تبعًا للوالد أي الأب، ونحن نعرف من المثنيات التغليبية القمران- الشمس والقمر، الأبوان- الأب والأم، والعُمَران- أبو بكر وعمر، العشاءان - المغرب والعشاء، المشرقان- الشرق والغرب، المحرَّمان - محرَّم وصفر...إلخ

* هناك أسماء أخرى مثنَّيات (مثنّى تلقيبيًا)- كالجديدين- الليل والنهار، والخافقين- الشرق والغرب، والرافدين- دجلة والفرات...إلخ

..

 على ذكر الولادة نجد أن الفعل (نُـتِـج) هو لولادة الناقة والشاة، وفي (لسان العرب) تقال لجميع الدوابّ، وقد ذكر الفعل زهير بن أبي سُلْمى في معلقته، وهو يتحدث عن الحرب:

فتُنْتـِجْ لكم غِلمانَ أشأمَ كلُّهم ***  كأحمرِ عادٍ ثم تُرضِعْ فتَفطِـمِ

والشرح:  جعل صنوف الشر تتولد من الحرب بمنزلة الأولاد الناشئة من الأمهات، فتولد لكم في أثناء الحرب أبناء، كل واحد منهم يضاهي في الشؤم عاقر الناقة، ثم ترضعهم الحرب وتفطمهم، أي تكون ولادتهم ونشوءهم في الحرب، ويستمر الأمر مدة طويلة، فيصبحون مصدر شؤم.

..

تنتِج- في المعلقات- شرح الزوزني، وفي شرح الأنباري،

 و تُنتَج- في شرح التبريزي.

وفي (لسان العرب) ترد اللفظة كثيرًا بالبناء للمجهول، وأما (نتّجَت) بالبناء للمعلوم فيذكر أن هذا قليل.

 

ب. فاروق مواسي

 

amar hamidيحدث ان تتحقق المقولة المشهورة (التاريخ يعيد نفسه) في اكثر من مناسبة لكن ان تأخذ الاسطورة طريقها نحو الواقع وتصبح امراً محققا في بعض جوانبهاً فهذا امر لافت ، والحديث هنا عن التشابه الحاصل في مواقف محددة ما بين أسطورة او تراجيديا مسرحية من تأليف روائي مسرحي يوناني اسمه (سوفوكليس) ألفها سنة 441 قبل الميلاد تتحدث عن أمرأة تدعى (أنتيغون) وبين الحَدَث التاريخي المشهور لـ(زينب الكبرى) ابنة الامام علي بن ابي طالب في وقوفها امام الحاكم الاموي يزيد بن معاوية.

تتناول المسرحية التي ألفها (سوفوكليس) موضوع التمرد على نظام الحكم المستبد من خلال الصراع ما بين أنتيغون التي ترفض قرار الملك (كريون) القاضي بعدم دفن أخيها ، لانه بحسب الملك لايستحق ان يعامل بكرامة بعد ان وقف ضد ارادته في الحكم .

كما تطرح هذه المسرحية قضية مهمة في الحياة وهي الوقوف بوجه ظلم الحكام واستغلالهم لشعوبهم وانتهاك القوانين والأعراف الدينية التي تؤمن بها هذه الشعوب وموقف (أنتيغون) يتجلى عندما تقف في وجه الملك بعدما قتل أخيها ومنعه من تطبيق القانون الديني  الخاص بالدفن حسب معتقدات اليونان الدينية فيكون جزاءها على ذلك ان تدفن حية في قبر صخري لكن ردها عليه (حكمك عليَّ بالموت لايهم) فتموت شهيدة الدفاع عن القانون الديني الذي يؤمن به شعب اليونان.

هناك حالة من التماهي في احداث المسرحية والحدث الحقيقي في المواجهة التي حصلت ما بين (زينب الكبرى) و(يزيد بن معاوية) بعد مقتل اخيها (الحسين بن علي) وموقفها الرافض والمعارض لحكمه الخارج عن الاعراف والقوانين الدينية للمسلمين وبالرغم من عدم الحكم عليها بالقتل ، لكن موقفها والمعاني الكبيرة في خُطبتها امام يزيد فيها تعبير واضح عن عدم خشيتها من الموت وهم المعروف عنهم يوم الطف ان (أبالموت تهددنا القتل لنا عادة وكرامتنا من الله الشهادة)

تبقى الفكرة الأصيلة في المحاكاة الحاصلة ما بين المسرحية وحبكتها العامة ومابين واقعة الطف وما لحق عنها هو الثورة على الظلم والوقوف بوجه الحكام المستبدين المستهينين بأرادة الشعوب واحترام القوانين لتكون الغاية من ذلك التضحية بالنفس من اجل المبادئ السامية واعطاء الدروس والعِبر من أجل الحفاظ عليها.

 

عمار حميد

 

jawad abdulkadomكلما أصدرت جزءاً جديداً من كتابي (معجم الأديبات والكواتب العراقيات في العصر الحديث) أثير تساؤل لماذا قلت (الكواتب) ولم أقل (الكاتبات) ؟

وجوابي: أن كلمة (الكواتب) على وزن (فواعل) من صيغ منتهى الجموع، وهي نوع من أنواع الكثرة بل من أشهرها، وتأتي في كل اسم أو وصف على وزن (فاعلة) ؛ مثل:

فاطمة: فواطم .

حاملة: حوامل .

ناصية: نواص، كما في قوله تعالى (يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام) الرحمن: 41.

قاعدة: قواعد، كما في قوله تعالى (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا) البقرة: 127. وقوله تعالى (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) النور: 60 .

صاعقة: صواعق، كما في قوله تعالى (ويرسل عليكم الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال) الرعد: 13 .

كافرة: كوافر، كما في قوله تعالى (ولا تمسكوا بعصم الكوافر) الممتحنة: 10 .

وقد كتب لي الأديب أحمد مجيد الحسن المحامي عن اعتراض العلامة الدكتور مصطفى جواد على عبارة (الجنود البواسل) وقال: (إنما هم البسلاء) لأن صيغة بواسل تختص بالنساء .

وأقول أن جمع (كاتبة) هو (كواتب) وليس (كاتبات) فهو الأصوب .

ومثلها كلمة (شاعرة) فإنها تجمع على (شواعر) وليس (شاعرات) لأن معناها لا يسعفها بمعادلة دلالية لكلمة (شعراء) كما قال المتخصصون، وهناك الكثير من الشواهد القديمة والحديثة على ذلك، نذكر منها كتاب (الإماء الشواعر) لأبي فرج الأصفهاني وقد وقفت على تحقيقين له الأول للدكتور جليل العطية والثاني للدكتور نوري حمودي القيسي والدكتور يونس السامرائي، وكتاب (رياض الأدب في مراثي شواعر العرب) للويس شيخو اليسوعي، وكتاب (شواعر الجاهلية) للدكتور رغداء مارديني، و(شواعر الأندلس) و(أشهر النساء الشواعر) للشاعرة أمة العزيز، و(غزل الشواعر في العصر العباسي) لمثنى عبد الله جاسم، وصدر عندنا عن دار الذويب قبل عقود عندما عقد مهرجان الشعر العربي ببغداد (شواعر المهرجان)، وفي الدوريات الأكاديمية والصحافة الأدبية الحديثة استخدمت كلمة (الشواعر) بكثرة، منها بحث مفلح عطا الله الفايز (شواعر اليمن نزيلات الشام في العصر الأموي)، وبحث حسام حسن عبد الله (شواعر إماراتيات رائدات) .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

تستهويني قضية فتح النار وبكثافة على المعفو والمسكوت عنه واصيب بمقتلة من اصيب واحيي ميت الاراء بنفحة حياة منطلقا من مبدأ اراني مؤمنا به.. ان ما ينشر وما يكتب وما يعرض يعطي للاخرين بعامتهم حرية مطلقة ومسوغات قانونية وشرعية واجتماعية بتحليل ذلك وتسطير الانطباع كجزء من التاثر والتاثير المؤطر للاشياء في حقيقة وجودها كرمز له تشظياته وتاويلاته ودلالاته ... الشاعر الكبير مظفر النواب لم يكن على درجة كبيرة من الصدق والصحة بما اورده بخصوص قصة قصيدته الريل وحمد لاعتبارات سيكولوجية سيسيولوجية مهمة ولو في حدودها العراقية الضيقة لو انها اي الاعتبارات طبقت بعلمية المستكشف الناظر بتجلٍ لكل صغيرة وكبيرة وبزوايا متعددة لواقعية القصة التي روتها رفيقة دربه في رحلة قطار الجنوب القادم من بغداد باتجاه البصرة وفي مقاعد الدرجة الثالثة.. اوجزها بما ياتي...الحياء وطبيعة النساء وخصوصا الجنوبيات ولعظم الهم الكبير الملقى على ارواحهن كلباس يقيهن برد الحياة المميت بالتاكيد سيمنعها ان تصرح ولو تلميحا لاقرب الناس اليها بهذا الوجع القاتل ولما له من تبعات تنهي حياتها وهي الهاربة طويلا كجان فالجان في رواية البؤساء لخطر يهدر طويلا كصوت القطار الذي يقلها، وما يستبعد هذا البوح ان القطار يتواجد في زمن السرد عند منطقة نفوذ اهلها وعشيرتها ومحل سكن حبيبها الذي تنكر لها .. ثم وعن تجربة واقعية مررنا بها اثناء سفرنا المتواصل في وسائل النقل العراقية ومنها القطار انه بالامكان ان يتجاذب الرجل اطراف الحديث مع رجل اخر وربما باسرار كبيرة اذا ما تواجدت الثقة بينهما والتي يكشفها السفر لكونه ميزان الاخلاق اما امراة تفتح النار على نفسها بهذه الطريقة الانتحارية عند اسماع رجل غريب وعند حدود ادارية تجمع اهلها وذويها اعتقد ان هذا من وحي الشعراء القابع بين جدران الجحيم لانه بوح شيطان يتلقى تعاليم شياطين اكبر منه..ربما هناك فعلا قصة لرجل اسمه حمد ربما سمعها النواب فعلا وكتب قصيدته عنها لكنه بالتاكيد لم يسمعها من هذه المراة الغريبة ولم يرى لعثمة لسانها وهي تلوك الكلمات وثمة دم ينز من بين اسنانها وهي تصر عليها باصطكاك كقطعتي معدن بيد غجرية في حفلة رقص امام مراى ومسمع شيخ موله بهز الارداف..ربما سمعها من رجل رافق رحلته القطارية واراد ان يضفي عليها طابعا دراميا تشويقيا وجماليا بالوان محلية تداعب شغاف قلوب جيل من العراقيين تدمعه الهمسة وتبكيه كلمات العشق وخاصة عند الغروب وعلى موائد الخمر في الحانات المنتشرة بكثافة في الثمانينات وما قبلها لينطلق سيل النحيب وربما اللطم الماكث في خبايا الروح كميثولوجيا لحالات السكر العقائدي المتاصلة في الارواح الشفافة .. وربما حمد هو مظفر النواب بشحمه ولحمه عاش تفاصيل هذه القصة وعند وصوله حيث دياره قفزت صورة حبيبته التي فارقها لاسباب لا نعلمها فانفجر شيطانه الشعري متقيئا كلمات تلمع كنصال حراب تمزق احشاءه ربما لانه كان بموقف لا يحسد عليه لمجافاته حبيبته ولشعوره بالذب اجبرته الصورة ان يكتب قصيدة يرد بها بعض الجميل والحب لها وكنوع من التكفير الذي ارق حياته وربما هو سبيل ما سيكتب في قابل الايام اي بعد رحلة قطار الجنوب وربما وربما وربما لكن الثابت لدينا ووفقا لما اوردناه ان المراة لم تكن في حالة تج مع النواب في سردها لقصتها والله اعلم. واخيرا اعتذر عن جرأتي وانا اقف في حضرة النواب جبل الصبر المتفجرة نجوما تطرز حروفه النابضة بكل جميل.

وهذا نص القصيدة

مرّينه بيكم حمد، واحنه ابقطار الليل واسمعنه، دك اكهوه ...

وشمينة ريحة هيل

يا ريل ...

صيح ابقهر ...

صيحة عشك، يا ريل

هودر هواهم،

ولك،

حدر السنابل كطه

يا بو محابس شذر، يلشاد خزامات

يا ريل بللّه .. ابتغنج

من تجزي بام شامات

ولا تمشي .. مشية هجر ...

كلبي..

بعد ما مات

وهودر هواهم

ولك

حدر السنابل كطه

جيزي المحطة..

بحزن ..

وونين ..

يفراكين

ما ونسونه،ابعشكهم...

عيب تتونسين

يا ريل

جيّم حزن...

اهل الهوى امجيمين

وهودر هواهم

ولك

حدر الستابل كطه

يا ريل

طلعوا دغش...

والعشق جذابي

دك بيّه كل العمر...

ما بطفه عطابي

تتوالف ويه الدرب

وترابك ..

ترابي

وهودر هواهم

ولك..

حدر السنابل كطه

آنه ارد الوك الحمد .. ما لوكن لغيره

يجفّلني برد الصبح ..

وتلجلج الليره

يا ريل باول زغرته...

لعبته طفيره

وهودر هواهم

ولك .. حدر السنابل كطه

جن حمد....

فضة عرس

جن حمد نركيله

مدكك بي الشذر

ومشلّه اشليله

يا ريل....

ثكل يبويه..

وخل أناغي بحزن منغه...

ويحن الكطه

كضبة دفو، يا نهد

لملمك ... برد الصبح

ويرجنك فراكين الهوه ... يا سرح

يا ريل....

لا.. لا تفزّزهن

تهيج الجرح

خليهن يهودرن..

حدر الحراير كطه

جن كذلتك...

والشمس...

والهوة...

هلهوله

شلايل برسيم...

والبرسيم إله سوله

واذري ذهب يا مشط

يلخلك...اشطوله !

بطول الشعر ...

والهوى البارد....

ينيم الكطه

تو العيون امتلن ....

ضحجات ... وسواليف

ونهودي ز مّن...

والطيور الزغيره...

تزيف

يا ريل ...

سيّس هوانه

وما إله مجاذيف

وهودر هواهم

ولك...

حدر السنابل كطه

 

بقلم كاظم اللامي

 

 

faroq mawasiسألني سائل: لماذا أثبت القرآن نون الإعراب مع أن الفعل مجزوم، وذلك في قوله تعالى:

{سأريكم آياتي فلا تستعجلونِ}- الأنبياء، 37

..

هذه النون في الآية هي نون الوقاية، فالفعل المضارع (تستعجلوا)- فعل مضارع مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون- لأنه من الأفعال الخمسة، والواو هي الفاعل.

حذفت ياء المتكلم من (تستعجلوني)- التي هي المفعول به، ونلاحظ أن حركة النون في (تستعجلونِ) هي كسرة لمناسبة حركة الياء التي حذفت.

يكثر حذف الياء في القرآن الكريم-  إما للرسم (لملاءمة فاصلة الآيات) أو للاختصار.

يقول تعالى:

{ربَّنا وتقبَّلْ دُعاءِ}- إبراهيم- 40.

 لاحظ أن الهمزة في آخر "دعاءِ" مكسورة، فهي لمناسبة الياء المحذوفة التي تُعرب مضافًا إليه. ولو كانت (دعاءِ) لا تتبعها ياء المتكلم لكان شكلها- (دعاءً) منصوبًا.

ويقول تعالى:

{فأما الإنسانُ إذا ما ابتلاه ربّه فأكرمه ونعّمه، فيقول ربي أكرمنِ * وأما إذا ما ابتلاه فقدَر عليه رزقه، فيقول ربّي أهاننِ}- الفجر، 15-16، فياء المتكلم في الآيتين حُذفت.

ويقول:

{يا قومِ اتبعونِ أَهدِكم سبيلَ الرشاد}- غافر، 38 ،

اتبعوا- فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والنون للوقاية، والياء المحذوفة مفعول به.

...

حركة ياء المتكلم:

تبنى الياء- ضمير المتكلم على السكون أو على الفتح:

قرأت كتابيْ، أو كتابيَ، جاء صديقيْ أو صديقيَ،  بيْ أو بِيَ، ساعدنيْ، ساعدنيَ...وقد تلحق الياء المفتوحة هاء السكت، وهي ساكنة: {ما أغنى عني ماليه* هلك عني سلطانيَهْ}- الحاقّة- 28-29- ، وتكثر هاء السكت في الشعر وفي السجْع.

إذن نلفظ ربّـيْ أو ربّـيَ ونحوها.

لاحظ أننا في الصلاة نكرر الياء بالفتح- "سبحان ربيَ الأعلى"، و"سبحان ربيَ العظيم"، وهذا جواز.

..

وجوب فتح الياء:

....

 إذا كان ما قبل الياء ألف فتبنى على الفتح:

عصايَ، هدايَ، مولايَ، معلمايَ، محيايَ...

وكذلك إذا كان قبلها ياء ساكنة: بُنيَّ،  قاضِيَّ (القاضي الذي لي)، معلمِـيَّ (المعلمون الذين يعلمونني)، معلمَـيَّ (معلمَين علَّماني- في حالة النصب أو الجر).

بعبارة أخرى:

الاسم المنقوص والاسم المقصور والمثنى وجمع المذكر السالم إذا أضيفت إلى ياء المتكلم وجب فتح الياء وتسكين ما قبلها.

...

حذف الياء في المنقوص

.....

إذا نُوّن المنقوص حُذفت ياؤه رفعًا وجرًّا، وبقيت في حال النصب، نحو:

أنت هادٍ لكل معتدٍ وإن كان عاصيًا.

هو راضٍ من قاضٍ فصار الحكمُ جاريًا.

...

 في غير ذلك تثبت الياء في المنقوص.

...

غير أننا نجد في القرآن الكريم حذف الياء من المنقوص المعرَّف بلام التعريف، وذلك إذا كان موقوفًا عليه بإسكان ما قبل الياء: المتعالِ (بدلاً من المتعالي)، الداع (= الداعي)، التناد (التنادي)، التلاق (التلاقي) وغيرها.

..

في غير القرآن لا أرى أن نكتب أو نقول:

 الفعل الماض، وهو للخيرالساع، سهر الليال... إلخ

بل نقول: الفعل الماضي، وهو الساعي الذي سهر اللياليَ...

 

ب. فاروق مواسي

 

 

mohamad aldamiلقد تطورت بغداد في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية حتى غدت جوهرة المدائن، مدينة كونية Cosmopolitan، أشبه بنيويورك أو لندن اليوم في دورها العولمي، حسب معايير العصر الوسيط. ومرد ذلك هو تطور اقتصادات رأس المال والسوق الحرة التي أفرزت، من بين ظواهر أخرى الأثرياء والفقراء…

تفرز مجتمعات الحواضر ظواهر مثيرة وغريبة عدة، بسبب طبيعة المدينة إناءً اجتماعيًّا ضخمًا يمور بأنواع البشر والحرف والأسواق وقنوات التبادل والتفاعل الأخرى. وقد اشتهرت بغداد مذ تأسيسها على أيدي الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور بمثل هذه الظواهر التي تستحق الرصد والتحليل نظرًا لعكسها تعقيدات الحياة الاجتماعية وتدرجات السلم الطبقي داخل مجتمع المدينة.

لذا ذهب أغلب دارسي كتاب (ألف ليلة وليلة) إلى أن بغداد كانت، على أغلب الظن، هي مسرح حكايات (الليالي العربية)، كما يسمى الغربيون هذا الكنز التراثي المهم الذي لا تنضب مناجمه من الحكايات الطريفة.

ومذاك بقيت بغداد مدينة ولَّادة لأنواع الشواخص التي سجلها (ألف ليلة وليلة) ثم خلدها عبر حكاياته التي خيل لشهريار بأنها حلقات لا تنتهي من قصص الإثارة، كما اشتهرت من بين هذه الحكايات الطريفة الحكايات التي كان أبطالها من النوع النادر، والمضحك أحيانًا، لذا نستذكر هذه الشواخص والشخصيات حتى الآن، وهي شخصيات طريفة من نوع جحا، وأبي القاسم الطنبوري (صاحب أشهر حذاء في التاريخ، ربما)، ناهيك عن سواهم ممن لا يمكن أن يظفر بهم النسيان، ابتداءً من “الشاطر حسن”، وانتهاءً بــ”علاء الدين” و”علي بابا” و”كهرمانة”، من بين آخرين.

لقد تطورت بغداد في العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية حتى غدت جوهرة المدائن، مدينة كونية Cosmopolitan، أشبه بنيويورك أو لندن اليوم في دورها العولمي، حسب معايير العصر الوسيط. ومرد ذلك هو تطور اقتصادات رأس المال والسوق الحرة التي أفرزت، من بين ظواهر أخرى الأثرياء والفقراء، بينما أدى هذا التمايز الطبقي إلى ظهور الشخصيات الطريفة أعلاه، وشخصيات أخرى من الذين فضلوا العيش على هامش المجتمع بسبب ما ابتلوا به من حاجة وعوز قادهم إلى استمراء الاستجداء وطلب العون ممن أغدق الله عليهم بالكثير من خيرات. وكان من هؤلاء “المتسولين” و”الشحاذين” عدد لا بأس به ممن حباهم الله بالذكاء الفطري، فكانوا “حكواتيين” ظرفاء كذلك، كما كان بعضهم “شعراء” جيدين، وهم هؤلاء الذين أطلقت تواريخ الأدب العربي عليهم عنوان “شعراء الجدية”، بمعنى الاستجداء، ومنهم ابن الهبارية الذي قال:

يقول أبو سعيد إذ رآني .. عفيفًا منذ عام ما شربتُ

على يد أي شيخ تبت قل لي .. فقلت على يد الإفلاس تبتُ

ويقول شاعر آخر:

لا تدخل السوق إن كنت مفلسًا.. تزداد همًّا يا قليل الدراهمِ

ويقول ابن دريد، كناية عن خيبة أمل له:

سمعت بذكر الناس هندًا ولم أزل .. أخا صبوةٍ حتى نظرت إلى هندِ

فلما أراني الله هندًا وزرتها .. تمنيت أن أزداد بعدًا على بعدِ

وهكذا، أثرى هؤلاء الظرفاء الحياة الاجتماعية الحضرية في العصر الوسيط، بإضافة شيء من الطرافة والسخرية على الوجود الحضري آنذاك، ناهيك عمّا ينطوي عليه هذا النوع من الشعر من بعد احتجاجي اجتماعي..

 

أ.د. محمد الدعمي

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي رواها السيّد فيّاض (زبولون) بن يوسف ألطيف الدنفي (١٩٢٩- ، معلّم لغة إنجليزية في مدارس نابلس، ناشط اجتماعي) بالعامّية الفلسطينية النابلسية، لبنياميم راضي صدقة (١٩٤٤ــ) الذي نقلها بدوره  إلى العبرية ونشرها في الدورية السامرية  أ. ب.- أخبار السامرة، عدد ١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ آذار ٢٠١٦، ص. ٣٠-٣٢. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها ــ إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين بالدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحرّرين، الشقيقين، بنياميم ويفت، نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

”كنت في الواقع قد قصصت عليكم قصصًا كثيرة عن تلك الأيّام القاسية، التي مرّت عليّ في صباي، ولكن عرفنا فتراتٍ جميلةً أيضًا، عشنا فيها في بحبوحة في البيت، الرزق كان متوّفرًا ووالدي، أبو فيّاض، يوسف بن فيّاض بن إسحق الدنفي، تمكّن من جني أرباح جيّدة من الأعمال الكثيرة التي كان يزاولها. تسألون بالتأكيد، إذا كانت الحالة هكذا فأين  ذلك المال الوفير الذي جمعه، ولماذا لم يورثه لنا؟

عليّ الاعتراف هنا، وحياة أبي لن تعتبرها سيّئة. من الأمور التي لم يعرفها أبي قطّ في حياته كان الادّخار. لم يحسن الادّخار، كان في حياته يجني المال الوفير، وكان يبذر أكثر من ذلك، وعليه كانت النتيجة أن فترات الجوع والقلّة كانت أطولَ من فترات البحبوحة والوفرة.

لا ريب أنّكم تعلمون أنّ همّ السامري طيلةَ السنة هو تأمين الدخل الكافي، كي يقضي أيام الأعياد المركزية، الفسح والعرش وخاصّة الفسح، برغد وسعادة. اليوم، يقضي قسم كبير من أبناء طائفتنا كلّ السنة على جبل جريزيم. في الماضي، كان المكوث على جبل جريزيم لمناسبة عيد الفسح، طموح ومبتغى كلّ فرد من أبناء طائفتنا.

سبت موسم الفسح، قُبيل قربان الفسح، [ذكرى لقاء موسى بشقيقه أهرون بعد فراق دام ستين عامًا] كان السامريون يصعدون إلى الجبل، وينصبون خيامهم هناك، وهكذا كانوا يمدّدون متعتهم السنوية، إذا لا أحلى من أيّام ما قبل عيد الفسح. في كل صباح كنّا ننزل مشيًا إلى المدينة للدراسة وللعمل. هكذا كانت تلك الأيّام الحلوة. مع أنّ القرش في جيوبهم كان قليلا، إلا أنّ قلب السامري كان يحنّ على الآخر، أكثر ممّا هي الحال في هذه الأيّام.

أودّ أن أروي لكم عن إحدى فترات والدي الجميلة، في إحدى سنوات الانتداب البريطاني، حدث ما يلي في وقفة الفسح وفي غضون سبعة أيّام عيد المصّة. آونتها زاول أبي بيع الوقود، وبشكل خاصّ لوسائل نقل الجيش البريطاني. عدد السيارات آنذاك كان قليلًا جدّا، في كلّ فلسطين أيضا. أدار الدكّان الكبير لتخزين تنكات الوقود والدي وجار عربي. وفي ذلك الدكّان كان بالإمكان الحصول على تنكات زيت للسيارات. مخزون كافٍ كان دائمًا متوفرًا في الدكّان، وهكذا كان قبل موعد الفسح ببضعة أيّام، في ليلة صعود أبي إلى الجبل بعائلته، للقيام بفريضة الفسح. صعِدنا كلّنا إلى الجبل قبل حلول عيد الفسح بشهرين تقريبًا، أقام والدي تخشيبة مربّعة الشكل وهناك بتنا كلّنا. كان ينزل يوميًا إلى نابلس للعمل في بيع الوَقود.

قبل العيد بيومين، توجّه إليه تاجر وقود عربي عارضًا عليه شراء احتياط إضافي من الوقود، خمسين تنكة، وفي كلّ واحدة منها خمسة عشر لترا. في البداية مال والدي إلى رفض ذلك العرض، فهو منشغل جدًّا في التحضيرات للفسح، وعلى كلّ حال، سيتغيّب عن العمل طيلة سبعة أيّام العيد.  بعد إعادة النظر في العرض، قرّر مع كلّ ذلك الشراء. قال في نفسه، هذا المخزون لبداية استئناف العمل بعد العيد لن يضرّ. ”ما سعر التنكة هذه المرّة؟“، سأل أبي التاجرَ كعادة التجّار. ”قسمًا بالله وبحياة محمّد رسوله“ - أقسم التاجر - ”إذا كنت أجرؤ على خداعك فسأكون ملعونًا في أعينهما، سعر التنكة هو ثلاثة قروش ونصف، لكن لك، فنحن إخوان، السعر ثلاثة قروش! ”أنظر، إنّي في وقفة العيد“، قال أبي للتاجر - ”وماذا سأفعل بكل هذا الوقود، ربّما من الأفضل الانتظار إلى ما بعد العيد، وعندها لن أُحْرم نفسي من خيرك“.

فهم التاجر ما في كلام أبي من تلويح، فوافق على خفض سعر التنكة بمليمين فأصبح ثمنها ثمانية وعشرين مليمًا. بهذا السعر وافق والدي شراء مائة وخمسين تنكة. بينما كان ينقل التنكات من الشاحنة إلى الدكّان، وصل تاجر آخر بشاحنة أيضًا محمّلة بتنكات الوقود، وهو بدوره استطاع إقناع أبي بشراء مائة وخمسين تنكة أخرى بسعر ستّة وعشرين ملّيمًا للتنكة.

بعد أن ابتاع أبي كل التنكات، أخذ يفكّر بينه وبين نفسه فيما إذا كان قد أبرم صفقة ناجحة أم لا، فهناك خطر هبوط أسعار الوقود في خلال عشرة أيّام غيابه عن العمل، وينقلب الربح خسارة فادحة. أخيرًا هدّأ نفسه في التفكير بإقامة فرائض الله الهامّة جدّا، مثل قربان الفسح والحجّ، ويجوز له أن يأمل بأنّ الله، على الأقلّ، سيساعده في عدم الخسارة. ּأقفل أبي الدكّان بقفلين، ومزلاجين مصلّبين على الباب، وصعِد للاحتفال بالعيد مع عائلته وطائفته.

قرّب الوالد القربان بموعده ومرّ العيد عليه بسرور، شُوي اللحم كما ينبغي، وأُكل على عجل مع المصّة والمارور. كانت معنويات أبي عالية، ونحن الأولاد، أبناؤه وابنته فرحنا بفرحه. انقضى القربان وما بعده، حلّ يوم السبت بعد مضي ثلاثة أيّام قبل أن تخرج أُسَر السامريين من خيمة لخيمة لجلب بركة العيد. ּأصدقاء السامريين من عرب نابلس تكبّدوا الصعود إلى معسكر الخيام والتخشيبات على الجبل للمعايدة.

من بين القادمين من نابلس، كان تاجر من مقرّبي والدي، وطلب التحدّث مع أبي على انفراد. رافقه أبي إلى ركن في التخشيبة وطلب منه أن ينطق بما عنده. سأل التاجرُ أبي ”سمعت أنك اشتريت قبل العيد بضع مئات من تنكات البنزين وخزنتها في دكّانك، الذي أقفلته بالقفل والمزلاج، بكم اشتريت التنكة؟“ سأل التاجر.

آثر أبي ألا يجيب على السؤال. لم ينتظر التاجر جوابًا وتابع ”ربّما لا تدري يا صديقي، ولكن منذ ذلك الوقت صار سعر البنزين كسعر الذهب، إن لم يكن أكثر. إنّ ثمن كلّ تنكة يصل اليوم الليرة والنصف“. استمع أبي لكلام التاجر، وفضّل عدم أخذه على محمل الجدّ، لأنّ ذلك التاجر يميل إلى السُّكر بسهولة من بعض كؤوس العرق التي كانت على طاولة أبي. إنّه يتحدّث كالسكران، قال أبي في نفسه وودّع التاجر المتأرجح على رجليه عند خروجه من التخشيبة، بعد أن كرّر القسَم بالله وبرسوله بأنّ كلامه صحيح، لا غُبار عليه.

”نحن في أيّام العيد“ - قال أبي للتاجر المنفعل - ”لا وقت للكلام عن التجارة، بعد نهاية عيدنا سأنزل إلى المدينة لأرى ما هي الأوضاع“. انتظر أبي صابرًا حتى نهاية أيّام العيد، ولكنّ ذلك كان ظاهريًّا. لاحظت أنّه يستلقي للنوم وهو يقظ، عيناه مفتوحتان، لأنّ الشكّ أخذ ينغز مخّه، قد يكون كلام التاجر صحيحا.

في اليوم التالي لعيد المصّة، نزل أبي إلى الحانوت. وقبل أن يفتحها، توقّفت بجانبها سيّارتان كبيرتان تابعتان للجيش البريطاني. قفز منهما ضابطان وسألا بصوت واحد، فيما إذا كان لديه وَقود للبيع. أجاب أبي بالإيجاب. ”بكم تبيعنا التنكة الواحدة“؟ سأل الضابطان. ”بليرة ونصف“ ردّ أبي، متذكّرًا قول التاجر؛ ”بعنا تنكتين لكل واحد“ - قال له الضابطان. باعهما أبي كالمطلوب، وفورًا بعد سفرهما، أقفل والدي حانوته وخرج ليتحقّق من الثمن الحقيقي. كان تخمينه صائبًا [حَزَر مزبوط]، السعر كان أعلى، ليرتان ثمن التنكة!

باع أبي كل مخزونه في خلال يومين، ما اشتراه في وقفة العيد، وما كان عنده من قبل، ووصل ربحه أكثر من ألفي ليرة، مبلغ ضخم في تلك الأيّام. تقاسم أبي وشريكه الربح غير المتوقّع. شكر الشريك اللهَ لأنّه جلب له شريكًا سامريًا، عرف متى يغلق حانوته؛ أمّا أبي فقد نظر إلى الأعلى وشكر بحرارة ربّ إسرائيل“.

 

ترجمة حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

faroq mawasiسبحان الله! .. كم تفصح العيون عن علاقتها أو موقفها من أمر، نراها وهي ترانا، تروي وتحكي، فدعني أنظر إلى عينيك، لأقول لك شيئًا عنك.

 العين تخبر عن صدق الشخص سذاجته، أو ذكائه، مكره، خداعه أو حميميته، من منا لم يستعمل عبارة "حط عينك بعيني" ليتأكد من صدق النوايا؟

فالعين ترجمان القلب.

لن أتحدث عن العيون وجمالها، فما أكثر ما رواه الشعراء غزلاً وهيامًا، ولكني هنا أنظر إلى العينين لأستكشف ما تخفيان أو ما تخبئان أو تفصحان، وحتى إذا عشق العاشق، فهو يُعرَف، فالأخطل الصغير يقول:

والصبُّ تفضحه عيونه ***  وتنمُّ عن وجدٍ شُئونه

...

ما زلت أذكر نصًا قرأته في كتاب دراسي- لميّ زيادة، تقول فيه:

"العيون التي تشعر،

والعيون التي تفكر،

والعيون التي تتمتع،

والعيون التي تترنم،

وتلك التي عسكرت فيها الأحقاد والحفائظ،

وتلك التي غزرت في شعابها الأسرار،

جميع العيون وجميع أسرار العيون،

تلك التي يظل فيها الوحي طُلّعة خبأة،

وتلك التي تكاثفت عليها أغشية الخمول،

وتلك التي يتسع سوادها أمام من تحب وينكمش لدى من تكره،

وتلك التي لا تفتأ سائلة: من أنت، وكلما أجبتها زادت استفهامًا،

وتلك التي تصرخ: بي احتياج إلى الألم، أليس بين الناس من يتقن تعذيبي؟

وتلك التي تقول: بي حاجة إلى الاستبداد، فأين ضحيتي؟

وتلك التي تبتسم وتتوسل،

وتلك التي تظل مستطلعة خفايات وهي تقول: ألا تعرفني؟

وتلك التي يتعاقب في مياهها كل استخبار، وكل انجذاب وكل نفي وكل إثبات.

العيون جميع العيون- ألا تدهشك العيون؟

..

وتلك التي غزرت في شعابها الأسرار"

"في عمق أعماقها ترى كل مشهد، وكل وجه وكل شيء".

(مي زيادة- ظلمات وأشعة، وقد نشر النص أولاً في عدد الهلال- ديسمبر 1920).

..

اقتبست لكم جزءًا من نصها (أسرار العيون)، وهو نص رائع فيه هذا العرض للعيون بكل ما يمر عليها من عواطف وحركة، ولون ورؤى.

...

في الشعر يقول الإمام علي –كرّم الله وجهه-:

والعين تعلم في عينَيْ محدِّثها *** إن كان من حزبها أو من أعاديها

عيناك دلّتا عينيَّ منك على *** أشياءَ لولاهما ما كنت تُبديها

(الديوان، ص 172)، بل وجدت له معنى قريبًا هو:

وفي العين غنًى للعين *** أن تنطقَ أفواه

(ص 168)

وهذا المعنى ورد في الشعر الجاهلي، فزهير بن أبي سُلمى يقول لنا:

فإن تكُ في صديق أو عدو *** تُخبِّرْك العيون عن القلوبِ

والمثل العربي القديم يوافق ذلك:

"رب لحظ أنمّ من لفظ".

ثم نقرأ للحَيْص بَيْص الشاعر العباسي:

العين تبدي الذي في قلب صاحبها *** من الشناءة أو حب الذي كانا

إن البغيضَ له عين تكشّفه *** لا تستطيع لما في القلب كتمانا

فالعين تنطق والأفواه صامتة *** حتى ترى من ضمير القلب تِبيانا

وهذا كقول المتنبي:

يُخْفِي العَدَاوَةَ وَهيَ غَيْر خَفِيَّةٍ *** نَظَرُ العَدُو بِمَا أَسَرَّ يَبُوحُ

..

حقًا فالبغض والحب يظهران في مرآة العينين، وخاصة الكراهية، والغضب، وأنتم تعرفون الكناية "عينه تقدح شرر".

لا بد إلا أن تنكشف البغضاء مهما حاول صاحبها أن يخادع، يقول الشاعر صَرَّ دُرّ:

إن العيون لتبدي في نواظرها *** ما في القلوب من البغضاء والإحنِ

..

فهكذا ينطق الطرف عن مترجَم الخاطر، وفي العينين لغة أية لغة، ولها قراؤها!

واسمحوا لي أن أذكر لكم  جزءًا من قصيدة لي (عينان) قلت فيها:

..

قال لها:

العينانِ حَنانْ

وغِناءٌ وَعبيرٌ وأمانْ

وعَصافيرُ الرَّغْبَةِ تَشْدو

شَدْوًا يَجْعلُ قلبي بُسْتانْ

والبستانُ على شَطٍّ يَجْعَلُ ريقَكِ شَهْدا

فمتى ألْقى العيْنَينِ أنا وَحدي

حَتَّى أُتْلُوَ آياتي في صَوْتٍ أندى؟

..

قالت:

آمَنْتُ بِأنَّ عَلى عَيْنَيْكَ وَميضًا، تاريخًا، ذِكْرى

وبِأَنَّ اللَّونَ المَحزونَ سماءٌ وَصَلاهْ

أرْحَلُ فيها أقرأُها سِرًّا جَهْرا

أَنْهَلُ فيها حَتَّى تصبح مِرْساتي نَهْرا

فَأَقولُ لِوَجْدٍ يهَبُ الحُبَّ فيوُجِدُني:

العينانِ جِنان

ونِداءٌ وغِناءٌ وحَياهْ

وَهزارُ الشَّوْقِ يُغَرِّدُ أُغْنِيَةً

تَرْجَمَها قَلْبي

أَحْفَظُها حَرْفًا حَرفا...إلخ

..

كم توفر العينان طاقة هائلة للتواصل والتعبير، خاصة فيما يتعلق بالأحاسيس والعواطف والمشاعر.

العيون  لغة، فيها ترجمة، حركاتها حافلة بالصور- تدل على المحبة وعلى الكره، على الغضب والرضا، على الجاذبية والقوة، على  المكر والدّهاء، والصفاء والرّخاء، واليقظة والحلم، الفتور والإصرار...إلخ

العيون كتاب نتصفحه، فاقرءوا عيون بعضكم بعضًا!

 

ب. فاروق مواسي.

 

faroq mawasiأن يكون بين أبي فراس الحمْداني والمتنبي قطيعة أو جفاء فأمر طبيعي، خاصة وأن أبا فراس شاعر له جولته وصولته في الدولة الحمْدانية، فهو ابن عم سيف الدولة أمير حلب،  وها قد وفد إليها شاعرغريب حظي برضا الأمير سيف الدولة وإعجابه، فيستأثر بحبه، بل هو يجيزه بما لا يجيز غيره، مما جعل أبا فراس يخاطب ابن عمه، فيقول:

" إن هذا المتشدّق كثيرالإدلال عليك، وأنت تعطيه كل سنة ثلاثة آلاف دينارعن ثلاث قصائد، ويمكن أن تفرق مائتي دينار على عشرين شاعرًا يأتون بما هو خير من شعره."

(انظر: البديعي: الصبح المُنبي عن حيثية المتنبي ، ص 88- 92)

..

غمر المتنبي شعراء عصره وحجبهم إلا أبا فراس، فهو صاحب ملَكة شعرية ترفِدها مكانته فارسًا في الدولة الحمْدانية.

لكن الغريب، بل المدهش أن نرى في أبي فراس هذه الحافظة التي ذُكرت عنه، فالمتنبي ينشد قصيدته في عتاب سيف الدولة، وأبو فراس يتصدّى له بعد كل بيت ليثبت له وللمجلس أنه لم يأت بجديد، وكأنه قد أعد الردود مسبقًا.

اعترض  أبو فراس المتنبي عدة مرات، واستوقفه وهو يلقي قصيدته التي مطلعها:

واحرَّ قلباهُ ممَّن قلبُه شبِمُ ***ومَن بجسمي وحالي عنده سقمُ

 الشاعر الحمْداني يذكر المآخذ على هذا البيت أو ذاك، بل يتهمه بأنه طرق معنى تلو المعنى مما قاله غيره من الشعراء الأوائل.

يقرأ المتنبي قصيدته التي أعدّها، فيوقفه أبو فراس ليردّ عليه مما اختزنه في محفوظه، حتى البيت الذي أضافه المتنبي بعد أن أهين في مجلس الأمير:

إن كان سركم ما قال حاسدنا *** فما لجرح إذا أرضاكم ألم

يجد هذا "الحاسد" الرد عليه، بأنك "سرقت" المعنى من شاعر قبلك، ولم يكتف بشاعر واحد بل أتى بشاعر ثان، وقد سبقا في المعنى نفسه.

لنقرأ هذه المسرحية الأدبية النادرة وقد أوردها البديعي (م.س):

"وحضر أبو فراس وجماعة من الشعراء فبالغوا في الوقيعة في حق المتنبي، وانقطع يعمل القصيدة التي أولها:

وأحرَّ قلباهُ مّمن قلبه شَبِمُ *** ومَنْ بجسمي وحاليِ عنده سَقَمُ

وجاء وأنشدها، وجعل يتظلّم فيها من التقصير في حقّه كقوله:

مالي أكتَّمُ حُبًّا قد برى جَسدي *** وتدَّعى حبَّ سيف الدّولة الأممُ

إن كان يجمعُنا حُبٌّ لغُرَّته ***  فليت أنَّا بقدر الحبّ نَقتسمُ

قد زرتُهُ وسيوفُ الهندِ مُغْمَدَةٌ *** وقد نظرتُ إليه والسيوف دَمُ

فهمّ جماعة بقتله في حضرة سيف الدولة؛ لشدة إدلاله وإعراض سيف الدولة عنه، فلما وصل في إنشاده إلى قوله:

يا أعدلَ الناسِ إلاّ في معاملتي *** فيكَ الخِصامُ وأنتَ الخَصْمُ والحَكمُ

فقال أبو فراس: مسخت قول دِعْبِل وادّعيته وهو:

ولست أرجو انتصافًا منك ما ذَرَفَتْ ***  عيني دموعًا وأنتَ الخصمُ والحكمُ

فقال المتنبي:

أعيذُها نظراتٍ منكَ صادقةً *** أن تحَسَب الشحمَ فيمنْ شحمُه وَرَمُ

فعلم أبو فراس أنه يعنيه؛ فقال:

 ومن أنت يا دعيَّ كندة حتى تأخذ أعراض أهل الأمير في مجلسه؟

فاستمر المتنبي في إنشاده، ولم يردّ إلى أن قال:

سيعلُم الجمعُ ممن ضمَّ مجلسُنا ***  بأنني خيرُ من تسعى به قَدَمُ

أنَا الذي نظر الأعمى إلى أدبي *** وأسمعتْ كلماتي مَن به صمَمُ

فزاد ذلك غيظًا في أبي فراس، وقال:

 سرقت هذا من عمرو بن عروة بن العبد في قوله:

أوضحتُ من طُرُق الآداب ما اشتكلتْ *** دهرًا وأظهرتُ إغرابًا وإبداعا

حتى فتحتُ بإعجاز خُصِصْتُ به ***  للعُمْي والصَّمّ أبْصارًا وأسْماعا

ولما وصل إلى قوله:

والخيلُ والليلُ والبيْداء تعرفني *** والحرب والضرب والقرطاسُ والقلمُ

(في الديوان: الخيل والليل والبيداء تعرفني *** والسيف والرمح والقرطاس والقلم)

قال أبو فراس:

 وما أبقيت للأمير، إذا وصفت نفسك بالشجاعة والفصاحة، والرياسة والسماحة، تمدح نفسك بما سرقتَه من كلام غيرك، وتأخذ جوائز الأمير؟

أما سرقت هذا من قول الهيثم بن الأسوَد النَّخَعي الكُوفّي المعروف بابن العريان العثماني، وهو:

أعاذلتي كم مَهمهٍ قد قطعتُهُ ***  أليفَ وُحوش ساكنًا غيرَ هائبِ

أنا ابن الفلا والطعنِ والضرب والسُّرَى *** وجُرْدِ المَذاكِي والقَنا والقواضَبِ

حليمٌ وَقورٌ في البوادي وهيبتي ***  لها في قلوب الناس بطشُ الكتائبِ

فقال المتنبي:

وما انتفاعُ أخيِ الدُّنيا بناظره *** إذا استوتْ عندَه الأنوارُ والظُّلَمُ

قال أبو فراس: وسرقت هذا من مَعْقِل العِجْلي، وهو:

إذا لم أُميَّز بين نورٍ وظُلْمة *** بعينيَّ فالعيَنان زُورٌ وباطِلُ

ولمحمد بن أحمد بن أبي مُرّة المكّي مثله، وهو:

إذا المرءُ لم يدركْ بعينيه ما يُرَى ***  فما الفرق بين العُمْيِ والبُصَرَاء

فغضبَ سيف الدولة من كثرة مناقشته في هذه القصيدة، وكثرة دعاويه فيها، وضربه بالدواة التي بين يديه، فقال المتنبي في الحال:

إن كان سَرَّكُمُ ما قال حاسدُنا ***  فما لجرْحٍ إذا أرضاكُمُ ألَمُ

فقال أبو فراس: أخذت هذا من قول بشار:

إذا رضيتُمْ بأن نُجْفَى وسَرَّكُمُ  ***  قَولُ الوُشاةِ فلا شَكْوَى ولا ضَجَر

ومثله لابن الرومي وهو:

إذا ما الفجائُع أكسبني *** رضاك فما الدهرُ بالفاجع

فلم يلتفت سيف الدولة إلى ما قاله أبو فراس، وأعجبه بيت المتنبي، ورضي عنه في الحال، وأدناه إليه، وقَبَّل رأسه، وأجازه بألف دينار، ثم أردفهُ بألف أخرى.

...

كل ذلك لم يفتّ من عضد المتنبي، فالبيت الذي يقوله- حتى لو كان هناك ما سُبق فيه - بالمعنى نفسه، فإنه تظل له مكانته واشتهاره، فمثلاً في بيت أبي العتاهية:

ما كل ما يتمنى المر يدركه *** رب امرئ حتفُه فيما تمنّاه

فقد أورده المتنبي باختلاف العجز، وبتشبيه تمثيلي مبدع بارع:

ما كل ما يتمنى المر يدركه *** تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

..

 هذه مسألة تناولها النقاد بآراء متباينة، لكني هنا أتوقف عند أبي فراس متسائلاً:

هل حقًا كان بهذه الموسوعية؟

يرتجل الإجابة والأدباء في مجلس سيف الدولة ينصتون، وكأن المسرحية  لعبة (بنغ بونغ)، يقول المتنبي، فيصده أبو فراس ويتحداه، وكأنك لم تقل جديدًا.

لقد بدا أبو فراس دارسًا خطيرًا للشعر، بل عارفًا بما يعنيه المتنبي، يردّ ردّه باندفاع، وكأنه على انتظار لما سيقال.

مسرحية جميلة،  ولا ننس استمرار المتنبي في إلقائه، ومن جهة أخرى يقرأ أبو فراس في حماسة معينة الأبيات التي يراها أنها الأصل. وأمامنا مشهد الأمير المتقلب في التعامل مع المتنبي، ولنتخيل بعد ذلك الشعراء في المجلس وهم يستمعون إلى الشاعر وإلى أبي فراس!

...

هل نجد ذلك اليوم؟

 

سيناريو مفترض لملحمة تاريخية فريدة للبطولة الفلسطينية القيادية...

* في القرن الثامن عشر، وعلى ضفاف بحيرة طبرية وفي جبال الجليل ومرج بني عامر، بدأ رجل من عامة الناس رحلته، نحو اكبر هدف يمكن ان يحلم به رجل في تلك الأيام: تحرير الأرض وانتزاع الاستقلال واقامة الدولة العربية في فلسطين، متحديا بذلك حكمة أكبر دولة في العالم آنذاك (الدولة العثمانية) وسطوتها المنبسطة على ثلاث قارات: اوروبا وآسيا وأفريقيا...كان اسمه  "ظاهر العمر الزيداني" (1689 – 1775).

* أنا اخاف من الموت، لكن انطفاء قنديلي قبل انطفاء قناديلكم، لا يمكن أن يخيفني، سأدفع الموت ما استطعت الى خارج طبرية، ولعلي استطيع أن ادفعه أبعد من ذلك في يوم ما!

* مذهولا كان يسير، كما لو أنه يسير في حلم، الى أن ايقظته واحدة منهن بيد تربت على كتفه: ما دمت اشتريت قنديلا أبها الجميل، فان عليك أن تضيئه لتتمكن من رؤية حسنك وتتمكن من رؤية حسننا أكثر!

* في الخيل عزة لا يستطيع الانسان أن يفهمها، انها تحزن ولا تبوح، وتتألم ولا تنكسر يا ظاهر. كأن ما تسرب من الفرس البيضاء الى داخلك، لم يكن حليبها وحدها، ولكن عليك أن تتذكر انك انسان اولا واخيرا. قالت له نجمة.

* اريد شعبا كاملا من الأبطال، لا شعبا من الخائفين بين هذين البحرين: بحر الجليل وبحر عكا. البطولة الحقيقية في ان تكونوا آمنين الى ذلك الحد الذي لا تحتاجون فيه لأية بطولة اخرى..

* هذه البلاد بلادك وبلادي يا سعد مثلما هي بلادهم. هذه بلاد كل من يجرؤ على الدفاع عنها، اما الجبناء فلا بلاد لهم، لأن جبنهم هو بلادهم الوحيدة الاي باستطاعتهم ان يرحلو ا اليها الآن، دون أسف عليهم!

* أصبحت كرامة الناس فوق أي اعتبار، وحقوقهم خطا احمر لا يجرؤ احد على الاقتراب منه.

* كان القنديل الأول قنديله والثاني قنديل يوسف والثالث قنديل ظاهر: حدق في الشعلات الثلاث، الشعل المضيئة غير العابئة بشيء سوى فرصها بقدرتها على تبديد بحر الظلام!

* باشر ظاهر استعداده، شكل قوة من الف وخمسمائة رجل، من طبرية وما حولها، من حلفائه عرب الصقر، وبدا بتدريبهم بما يكفل دخول القلعة ورد برسالة...

* لم نأت الى هنا الا لننتصر..خاطب الظاهر عسكره بصوت مجلجل.

* العهد وخطوات الريح: لم تكن الناصرة بحاجة الى حرب كي يدخلها ظاهر، اذا انطلق بهدؤ من عرابة ودير حنا وطبرية وصفد، ليضم اطرافها اليه، ويبسط نفوذه وحمايته عليها، وعلى مرج بني عامر.

* كان جبل نابلس ملكا خاصا لسلاطين آل عثمان، وكان المال المقرر عليه خمسمائة كيس في السنة، يدفعها شيوخ الجبل لوزير دمشق، ليرسلها بدوره الى اسطنبول مباشرة، ولذا كانت تلك اول معركة يخوضها ظاهر ضد الدولة العثمانية، لانها الحرب الاولى التي يواجه فيها أشد حلفاء الدولة اخلاصا لها ودفاعا عن مصالحها.

* لكن ما آراده ظاهر قد حدث: أن تكون كل أراضيهم الساحلية تحت سيطرته. ولم يكن هناك أكثر فرحا من أهالي المرج والناصرة، الذين رأوا قوة الجرار تلك تعود الى قفصها، وتحكم بنفسها اغلاق الباب على نفسها.

* على بوابة الكنيسة البشارة، سجد وصلى، رفع يديه وشكر مريم العذراء، واستدار امام العيون المحدقة به، التي امتلأت، تأثرا بالدمع: كل ما يلزم الكنيسة من قناطير الزيت يتم احضاره لها في الموسم...

* لم يصل ظاهر شيئا حول رسالة وزير صيد، بقي صامتا. دار في الشوارع يساعد الناس، ويرفع الحجارة التي اغلقت ويصلح ابوابا تكسرت، ويعيد البضائع ويوزع الحلوى على الصغار...

* حق الدولة أن تأخذ الميري، اما اذلال الناس وتمريغ كراماتهم في الوحل فليس من حق الدولة، لأن الكرامة التي وهبنا اياها ربنا ليست ملكا للدولة..

* فتحت أبواب المدينة لتجار روسيا وايطاليا وفرنسا ومالطا والبندقية، وامتلأت بالمنسوجات القطنية والصوفية والسكر والأسلحة والورق والأواني الزجاجية، وعادت السفن التي جاءت محملة بهذا كله ممتلئة بالقطن والكتان والصوف والصابون والقمح والزيت والسمسم.

* ...وانت تعرف، أن ظاهر الذي يبسط نفوذه اليوم على معظم بلاد فلسطين، استطاع أن ينشىء جيشا كبيرا، واستطاع ان يكسب دول كبرى بعلاقاته التجارية والسياسية معها، ولم تعد هناك دولة واحدة لها قنصل في بيروت او صيدا او دمشق...الا ولها قنصل في عكا يسير امور رعايا بلاده وعلاقات بلاده مع ظاهر.

* تلفت ظاهر حوله، فوجد أن كل ما يريده قد تحقق، فها هو يسيطر على الجنوب كله، ويبسط حكمه على عكا ويافا وحيفا والجليل وبلاد اربد وعجلون، واجزاء من سورية وحوران وصيدا وسواها، في حين كانت صور في يد حلفاءه المتاولة، وبيروت في يد حلفاءه الشهابيين..ولم يبق للدولة سوى ميناء طرابلس في الشمال..

* في فترة حكم ظاهر، تقاسم أهالي شفاعمرو بترتيب من ظاهر، اراضي المشاع فيما بينهم: الدروز والمسيحيون...وكانت عشرات العائلات السورية المسيحية وصلت الى شفا عمرو ايضا، بسبب انتشار الأمن والاستقرار والتسامح.

* رفض ظاهر، وأصر: لا اعطيهم اكثر مما اعطيتهم، وكتب لهما: وكي يكون لهم حقهم في الأمان في الآمان وتربية اولادهم دون خوف، حاربت اعدائي. كي تكون للناس كرامة حاربت اعدائي. وكي املأ هذه الطرقات بالامان حاربت أعدائي.

* في ظهيرة السابع والعشرين من شهر آب من عام 1770، وصل ذلك المركب الذي انتظره ظاهر اخيرا، حاملا تلك الجارية "الكرجية" (من جبال القفقاس)، التي لم ترى العين أجمل منها.

* ولي طلب أخير قبل ان انام، اريدك أن ترفع طرف غطاء العربة، لأني أظن أننا وصلنا الى تلك المنطقة التي كلما مررت عبرها، وقفت طويلا اتاملها...كانت واحدة من اجمل المناطق بين الناصرة وعكا.

* ها أنت تعود وتتذكر القناديل! هل انطفأ قنديلك في ذلك اليوم البعيد ام انه كان يخبىء ضوءه، يدخره لكي ترى كل ما رأيته، وتعيش كل ما عشته يا ظاهر حتى هذا اليوم؟!

* مقيدا بقي ظاهر في عكا، منتظرا وصول اخبار تبدد مخاوفه، فهو يدرك أن معركة دمشق هي اكبر معركة يخوضها، وان تحقيق النصر فيها، سيكون ذروة استقلال البلاد ما بين البحرين، دون ان تغيب القدس عن باله، لكنه ادرك ان ستنتهي ما ان تسقط دمشق.

* يوم ظاهر: كان النصر ساحقا، ومهيأ لاحتضان نصر آخر سريع وخاطف، حيث واصل جيش ظاهر مطاردة الجيش المهزوم حتى صيدا، وقبل ان يصلها، وصلت اخبار هزيمة الأمير يوسف، واخبار المطاردة، ففر العساكر تاركين المدينة، فأدرك ظاهر أن عليه أن بقص أجنحة دمشق كلها، بعد معركتين فاصلتين استطاع بهما القضاء تماما على هيبة الدولة وهيبة ونفوذ حلفائها، ولم يكن هناك افضل من حصار دمشق نفسها بالسيطرة على اربد وعجلون...

* هز ظاهر رأسه مستعيدا زمنا كاملا:

-ذات يوم بعيد قالت القناديل لاخوتي ما قاله الرمل لوكيلك!

* تلك الانجازات كلها، كانت كافية ليحلق ولو كان جبلا!

* تعرفين يا امي! لم تزل ليلة القناديل تلح علي بين حين وآخر. لقد اصبحت بعيدة، وظل قنديلي الذي انطفأ مشتعلا! ولكن منذ ذلك اليوم احسه يخبو اكثر فاكثر، كلما رأيت قنديلا احبه يطفأ، لقد انطفأ قنديل أبي ليكون لي قنديل.

* ابنائي! والله منذ أن كبرو لم ارهم يفعلون شيئا سوى ارسال الريح تلو الريح لاطفاء ما تبقى من ضؤ في هذا القنديل! كم يتمنون لي العتمة.

* تلفت ظاهر حوله، فوجد أن كل ما يريده قد تحقق، فها هو يسيطر على الجنوب كله، ويبسط حكمه على عكا ويافا وحيفا والجليل وبلاد اربد وعجلون، وأجزاء من سورية وحوران وصيدا وسواها (لم ينتبه الكاتب ولا الناشر لتكرار هذا النص في فقرة اخرى)!

* حين دخل الى يافا، في الأول من نيسان،لم يكن جيش محمد ابو الذهب بحاجة ملحة لخوض معركة! كان بحاجة لأخذ قسط من الراحة بين اشجار البرتقال والتوت والرمان، وبالقرب من نواعير مياه يافا العذبة، وعلى شاطىء بحرها الأكثر صفاء من اي بحر رآه ابو الذهب من قبل.

* ارسل علي الى ابيه أن يغادر المدينة، لأنه لا يريد أن يرى رأسه مقطوعا تحت قدمي ابو الذهب! ففي النهاية هو ابوه! ولن يرضيه أن يحدث له هذا!

* ارجوك ايها الأمير، هذا مقام مقدس عند المسيحيين وقريب الى قلوب المسلمين وهذا المزار ملجأ للفقراء والمساكين، والمقام كنيسة قديمة، ونحن لم نسمع من قبل ان احدا قام بهدم بناء بناه الأولون، فبالله عليك لا تفعل ذلك.

* صوب "الدنكلزي" واطلق رصاصته القاتلة، التي اصابت قلب ظاهر. لكنه لم يسقط، ظل واقفا والدم يتدفق من صدره، وعيناه مثبتتان الى وجه "الدنكزلي"، العينان نفسهما القويتان الثاقبتان. عند ذلك سحب الدنكزلي سيفه، واغار على ظاهر، وبكل قوته قطع عنقه، ففار الدم من جسده، متحولا الى اكبر شعلة قنديل يمكن أن يراها احد تحت الشمس وراحت تتقد وتعلو، وتعلو.

* خطا الدنكزلي الخطوة الأخيرة، ودفعه بقدمه، فسقط، وقربه كان هناك رأسه ملقى بعينين لم يفارقهما البريق.

هكذا انهي تلخيصي "المميز" لهذه الرواية الطويلة البالغة الاسهاب والتفاصيل (أكثر من 550 صفحة)، والتي تحفل بالتعبيرات الشكسبيرية "القدرية" والسرد التفصيلي السينمائي الدرامي المدهش، وكأن الروائي يكتب بقصد سيناريو سينمائي ملحمي لقصة منسية من قصص البطولات الفلسطينية التي حدثت قبل حوالي ثلاثة قرون، ولا يوجد مجال حقا للمقارنة مع الواقع الفلسطيني الحالي البائس، المتخم بالخلافات والانقسامات والزعامات والولاءآت وربما "الخيانات"، حيث ربما الحاجة ماسة لوجود عصري لزعيم فلسطيني فذ وتاريخي وقوي ومسلح بارادة حديدية مثل "ظاهر العمر الزيداني"!

 

مهند النابلسي

...................

*  الخص عادة الروايات بهذه الطريقة الموجزة التي تستند لسرد اهم الفقرات والجمل (من وجهة نظري النقدية)، ثم أذهب لتلخيص منهجية واسلوب الكاتب بشكل لافت، وباعتقادي ان هذا ملائم للكثير من القراء المثقفين المستعجلين (في عصر الانترنت الرقمي)  واللذين لا يرغبون ربما بقضاء الساعات الطويلة لقراءة رواية ما، ولكنهم يهتمون بالالمام بالخطوط الرئيسية وتصفح احداثها الجوهرية.

   

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي كتبها جلال (كڤود) بن يوسف صدقة (١٩٢٢-٢٠٠٢) بالعبرية ونُشرت في الدورية السامرية أ. ب.- أخبار السامرة، عدد١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ آذار ٢٠١٦، ص. ٢٧-٢٩. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها ــ إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/ الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري فقط، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحرّرين، الشقيقين، بنياميم ويفت، نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

قربان الفسح

”تعال وانظر ما فعلوا بساحة قربان الفسح هذه السنة! صبّوا قسمًا كبيرًا منها بالإسمنت، كيما يكون الوقوف هناك أكثر راحة، غرسوا النباتات والزهور ليتمتّع الجميع بمنظر جميل، أضافوا ثلاثة أفران لشيّ الخراف جيّدًا بدون بقايا ماء، كما كان يحدث في السنوات الماضية. تغيّر منظر الساحة كليًّا، لدرجة أنّه لا يمكن التعرّف عليها. المزيد من الراحة، على حساب منظر الساحة الطبيعي.

ما زلتُ أسأل نفسي: لماذا ينبغي أن تكون هناك راحة أكثر في قربان الفسح؟ إذ أن آبائنا خرجوا من مصر على عجل، حتّى أنّ العجين لم يختمر، ومن لم يسرع بإرادته، دفعه المصريون الذين هرعوا لطرد الشعب. أين هي الراحة هنا إذن؟ دعنا نترك قربان الفسح، ونتركّز في خبز مصّة الفسح. أتستطيع أنت أصلًا، أن تقارن طريقة خبز المصّة في الماضي بما يجري في أيّامنا هذه؟ لا، لا أقصد المصّة ذاتها، إنّا هي هي، ولكن وسائل الراحة مختلفة. في الماضي كان ذلك مقرونًا بالمشقّة، إلا أنّ الفرح كان أعظم. في أيّامنا هذه، وسائل الراحة متوفّرة لحدّ كبير بخصوص خبز المصّة، إلا أنّ ذلك أصبح أمرًا مفروغًا منه، ولا يحمل في طيّاته فرحًا ملحوظا. شيء ما من فرحة الخروج من مصر، آخذٌ بالتناقص بمرور السنين. ألا تشاركني هذا الشعور؟

في الماضي كانت عملية خبز المصّة شيئًا آخرَ. وجب أوّلًا بالطبع، تجميع الحطب للموقدة، جذع شجرة مقطوع يابس جدّا، وبجانبه بعض الأغصان الجافّة لتسريع اشتعال الجذع البطيء. بعد ذلك، كنّا نصفّ اللبنات في صفّين، ونضع عليهما غطاء مقعّرًا من الحديد المسمّى بلغة العرب [بني إسماعيل] بالصاج. كنّا، بعد بعض المحاولات الفاشلة والعجقة والجلبة، نتمكّن من إشعال النار تحت الصاج. عملية الخبز كانت تبدأ بعد تسخين الصاج جيّدا. هذا ليس كلّ شيء. لا حطب مشتعلًا، بدون دخان كثيف، يدخل الأعين والخياشيم، والأفواه وماذا أيضًا، إنّه يجعل أعين العاملين في الخبز تذرف الدموع والأفواه تلهج وتلغط؛ هنا امرأة تقرّص العجين [بِتْكوبِج]، وهنا الخابز وهنا من يلتقط المصّة المخبوزة من على الصاج، وهنا من يُلقّم النار المشتعلة بالمزيد من الخطب الجافّ. بالرغم من كل الشكاوى والصيحات، كان يخيّم جوّ من الإثارة والفرح الكبير؛ تبارى الخبّازون فيما بينهم حول عدد ساعات الخبز، والعدد القياسي لما خبز من المصّة.

اليوم، في المقابل، كلّ شيء ميكانيكي تقريبًا، فرن الغاز حلّ محلّ الحطب، فرن غاز بقالب مسطّح وعليه الصاج، لا دخان ولا حاجة للمزيد من الحطب، كلّ شيء يتمّ بسرعة فائقة، بالكاد ننتهي من احتساء الشاي اللذيذ الذي تقدّمه ربّة البيت للمشتركين في العمل المقدّس.

لا شكّ يوجد بيننا استفزازيون ومتشائمون شتّى، يتوقّعون شيّ الخراف في المستقبل في أفران كهربائية، ولكن لا تُشغلوا بالكم، فهذا لن يحصل أبدًا، ليس بسبب السوّاح ولا الخوف ممّا سيقولون، ولكن بسبب السبب الأهمّ، المذاق. لا  مأكلَ ألذَّ طعمًا من لحم الخروف المشويّ في فرن أرضي وفق الطرق الأصلية. والحقيقة أنّ كثيرين يشوون بنفس الطريقة في الأيّام الواقعة بين ثاني يوم العيد والسابق لآخره (عيد الفسح الممتدّ على أسبوع) لخير دليل على ما أقول، وإن أضفت لوسائل الراحة التي ذكرتها، وانعدام الضغط من حولنا، الذي نعرفه للمرّة الرابعة والعشرين [١٩٩٢]، منذ حرب ١٩٦٧، عندها أمامك الصورة كاملة.

وكي ּأعرِض لك صورة متوازنة، عليّ أن أقصّ عليك عن خبز المصّة في فترة أخرى صعبة، حيث عشنا في ضغط وجهل بما سيولِده الغد. تلك الأيّام التي كان فيها كلّ يوم جديد أسوأَ من سابقه، إنّها أيام حرب ١٩٤٨، أذكر أنّه في السنين الثلاث أو الأربع، ١٩٤٧-١٩٥٠، مُنع السامريون من خارج نابلس من الوصول إلى جبل جريزيم للمشاركة في تأدية فريضة قربان الفسح. ما دار من أحداث بين اليهود والعرب، الاعتداءات المتبادلة، إغلاق الحدود السياسية بوجهنا، كل هذه الأمور أَضْفت علينا جوًّا من الضغط الشديد والهلع، شمل كل مكان تواجدنا فيه، في تل أبيب ويافا. كلّ من أخرج رأسه خارج بيته ليُلقي نظرة على ما يجري في الخارج، كان يعرّض حياته للخطر.

أخذ عيد الفسح يقترب، ولا أحد منّا، سكان يافا وتل أبيب، خدع نفسه بأنّه يستطيع أن يصل إلى جبل جريزيم. كنّا بحاجة لتأمين طحين المصّة من المحيط القريب منّا. في الخارج كانت مجموعات هائجة من مُثيري الشغب، تطلق النار على كل ذاهب وآيب تقريبا. سُمع إطلاق الرصاص من كل جهة، أطلق اليهود والعرب الرصاص على بعضهم البعض، وكنّا نحن بينهم في وَسَط نار الجحيم.

قلنا لأنفسنا لا خبز، كالمعلوم، في الفسح. مُنعنا من تقريب القربان، كلّنا كنّا بعيدين، أمّا خبز المصِّة فكان في متناول اليد. ما زلت أتذكّر أفراد الشلّة، الذين كانوا في يافا، مثل الأشقّاء، إسحق ويعقوب وسرور (ساسون)، أبناء فارس (پيرتص) صدقة،خليل (أبراهام) بن شاكر (يِسّخار) مفرج (مرحيڤ)، إبراهيم بن نور، شقيقي كمال (تميم) وأنا وآخرين. لا تسألني كيف حصلنا على المصّة، تمّ ذلك بطريقة ما، إذ لا بدّ من المجازفة حتّى، من أجل القيام بفريضة ما. في آخر المطاف، قعد خليل بن شاكر، رحمه الله،  ليخبز المصّة على الصاج. جلسنا كلّنا في رِواق مدخل بيتنا. كنتُ أقلّب المصّة وإحدى النساء كانت تقرّص العجين  [بِتْكوبِج] وخليل بن شاكر يبسّطه [يرقّه] ويقذفه إلى الأعلى ليستدير أكثر على وجه الصاج الملتهب بالنار التي تحته. شقيقي كمال كان يضيف الحطب بمعاونة سرور صدقة، رحمة الله عليه، الذي كان متحمّسًا لمدّ يد العون في العمل المقدّس؛ كأنّ كل شيء كان منسّقًا. كلّ تقليب مصّة على الصاج كان يرافقه سيل من إطلاق الرصاص خارج البيت، بعد ذلك سُمع صوت طائرات محلّقة وبعدها سُمع دويّ انفجارات بالقرب من البيت. تابعنا عملنا وكأنّ شيئًا لم يحدث. ألقى علينا الجيران نظراتِهم بخوف شديد وهم متراصّون على درابزينات الدرج في مداخل البيوت. حثّونا على ترك كلّ شيء والاختباء في البيت: ”كيف تجرؤون على عمل هذا والرصاص يدوّي في الخارج“؟ إنّهم سيروْن الدخان يتصاعد من بيتنا، ويبدأون بإطلاق الرصاص علينا“، زعق الجيران علينا.

لم نأبه لصيحاتهم. تأدية فريضة خبز المصّة كانت في نظرنا أهمَّ من أيّ اعتبار آخر. إبراهيم بن مفرج، إنسان ورع جدًّا في إيمانه، يُضفي من ּثقته القوية بالنفس علينا جميعًا، ابتسم وقال لجيراننا: ”لا تهتمّوا، نحن السامريون، يحمينا الله من أيّ شرّ“. عند سماعنا لكلماته اغرورقت أعيننا ولم ندر لماذا، هل بسبب الدخان الكثيف الذي انطلق من تحت الصاج، أم بسبب تذكّرنا أنّ في تلك اللحظات، يُنهي إخواننا على جبل جريزيم استعدادتِهم الأخيرة لقربان فسح العام ١٩٤٨“.

 

ترجمة ب. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي