روايات مختلفة حول قصة البيت وكيف تخلَّص أبو تمام:

البيت لأبي تمام، وهو:

إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ ***  في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ

المناسبة:

امتدح أبو تمام أحمدَ بن الخليفة المعتصم في قصيدة مطلعها:

ما في وقوفك ساعةً من باس *** تقضي ذِمامَ الأربُعِ الأدْراس

فلما بلغ قوله :

إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ ***  في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ

قال يعقوب بن إسحق الكِندي ناقدًا:

"إن الأمير فوق ما وصفت، ولم تزد على أن شبهته بأجلاف العرب، فمن هؤلاء الذين ذكرتهم؟ وما قدرهم؟"

أطرق أبو تمام قليلاً، فحضره بيتان ارتجلهما، على نفس الوزن والقافية:

لا تنكروا ضربي له مَنْ دونه ****  مثلاً شرودًا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره ***   مثلاً مـن المِشكـاة والنبراس

 

بهذه الإجابة المفحمة ذكّر أبو تمام بأن هؤلاء المشهورين الذين أشار إليهم في معرض مدح الممدوح- جزء من عظمة العرب، وقد ذكرتهم العرب في أمثالها المشهورة، وذلك طبيعي أن نذكر الجزء للدلالة على الكل، فالله قد اختار المشكاة (كُوّة صغيرة)-  لكي يضرب بها المثل على نوره تعالى وهو أبلغ من أن يوصف، فجعل المشكاة التي فيها مصباح لتقريب الصورة لعباده، وذلك في إشارة لآية سورة النور {الله نور السموات والأرض، مثلُ نوره كمشكاة فيها مصباح…}- النور، 35.

والتشبيه كما نلاحظ ضمني، ودفاع أبي تمام كأنه يقول: لا تثريب علي في ذلك ما دام القرآن قد ضرب  التشبيه الأقل لنوره.

..

استطاع الشاعر في رده الحصيف أن يحوزعلى ثقة الخليفة، ويقال إنه أصبح واليًا على المَوصِل جزاءً على سرعة بديهته.

قيل: أخذ الكندي الرقعة التي كان قد دوّن فيها القصيدة، فلم يجد فيها هذا الرد المفحم فقال متفرسًا:

 "إن هذا الرجل لن يعيش طويلاً، لأنه ينحِت من قلبه".

(انظر: ابن رشيق- العمدة، ج1، ص 167- باب البديهة والارتجال.)

 

على ذلك، صدقت فراسة الكِنْدي، حيث توفي أبو تمام عن ثلاث وأربعين سنة (188- 231 هـ).

..

لكن ثمة دفاع عن الشاعر، وقد يكون ردًا على الكندي:

لقد أبدع  الشاعر في الجمع بين مشاهير في أكثر من ميدان- في أقدام عمرو بن مَعْديكَرِب وفي حِلم أحْنف بن قيس، وفي ذكاء إياس القاضي وفي جود حاتِم الطائي، وكلٌّ قمة في الفضل والسؤدد، فهم ليسوا أجلاف العرب كما زعم الزاعم، بل  إن الممدوح جُمع في مفرد، أو أن الله جمع في الممدوح ما فرّقه على غيره من عظماء الرجال، فقد جمع فيه من أحاسن الصفات ما لم يجتمع لغيره،  أو كما وصف أبو نواس:

ليس على الله بمستنكر ***  أن يجمع العالَم في واحد

..

يذكر ابن خَلِّكان القصة، ويروي الرواية التي تقول إن الممدوح هو الخليفة المعتصم، (وليس ابنه أحمد) وكان الوزير حاضرًا.

يعلّق ابن خَلِّكان على هذه القصة، فيقول:

"هذه القصة لا صحة لها أصلاً"

يقول في مادته عن أبي تمام (وفَيات الأعيان، ج2، ص 14-16):

 

"إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس

 قال له الوزير: أتشبه أمير المؤمنين بأجلاف العرب؟

 فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وأنشد:

لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شرودًا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس

..

 فقال الوزير للخليفة: أي شيء طلبه فأعطه، فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يومًا، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكر، وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا القدر.

 فقال له الخليفة: ما تشتهي؟

 قال: أريد المَوْصِل، فأعطاه إياها، فتوجه إليها، وبقي هذه المدة ومات.

 وهذه القصة لا صحة لها أصلاً."

..

يمضي ابن خلكان في ترجمته لأبي تمّام، ويقول:

"وقد ذكر أبو بكر الصولي في كتاب "أخبار أبي تمام" ( ص 231- 232 ف.م)، أنه لما أنشد هذه القصيدة لأحمد بن المعتصم وانتهى إلى قوله: إقدام عمرو - البيت المذكور - قال له أبو يوسف يعقوب بن الصباح الكندي الفيلسوف، وكان حاضرًا:

 الأمير فوق من وصفت.

 فأطرق قليلاً، ثم زاد البيتين الآخرين، ولما أخِذت القصيدة من يده لم يجدوا فيها هذين البيتين، فعجبوا من سرعته وفطنته.

ولما خرج قال أبو يوسف، وكان فيلسوف العرب: هذا الفتى يموت قريبًا. ثم قال بعد ذلك: وقد روي هذا على خلاف ما ذكرته، وليس بشيء، والصحيح هو هذا."

يقول ابن خلكان:

"وقد تتبعتها وحققت صورة ولايته للموصل، فلم أجد سوى أن الحسن بن وهب ولاه بريد الموصل، فأقام بها أقل من سنتين ثم مات بها.

 والذي يدل على أن القضية ليست صحيحة أن هذه القصيدة ما هي في أحد من الخلفاء، بل مدح بها أحمد بن المعتصم، وقيل أحمد بن المأمون، ولم يلِ واحد منهما الخلافة."

...

وردت في (المُوشَّح، ص 366) للمرزَباني رواية أخرى، أن الإلقاء كان أمام الكندي لما سأله:

"أنشدني أقرب ما قلت عهدًا"، فأنشد قصيدته التي يقول فيها:

إقدام عمرو ....

فقال له الكندي:

 ضربت الأقل مثلاً للأعلى، فأطرق أبو تمام، ثم قال على البديهة....(البيتين)".

..

ثم يذكر المَرزَباني رواية الصُّولي، بأنه ألقى قصيدته على أحمد بن المعتصم، ويضيف:

 "فقال له الكندي وكان حاضرًا وأراد الطعن عليه: الأمير فوق ما وصفت، فأطرق قليلاً ثم زاد في القصيدة بيتين لم يكونا فيها- لا تنكروا ضربي له من دونه، وذكرهما، قال: فعجبنا من سرعته وفطنته."

...

هناك من يرى أن البيتين كان أبو تمام قد أعدهما مسبقًا لحالة "الطوارئ"، فقد توقع أن يعترض ناقد من بين الحضور، وحتى لو صح ذلك فهذا أيضًا ذكاء شديد- أن يأخذ للأمر أهبته.

..

ثم إن الشك في صحة القصة لا ينفي جمالها، ولا يقلل من أهمية البديهة والارتجال، والبيتان بليغان حقًا في وجه التخلص، وفي هذا التشبيه الضمني الرائع.

 

 

ب. فاروق مواسي

 

 

 


ميساء زيدان ترسم بالكلمات لوحة شعرية تتعامل ببساطة ممتعة مع العالم، تكتب عن المرأة وتدافع عن حقها في الحياة وعن دورها في مجتمع تطغى عليه الذكورية بنص شعري

في بلادنا العربية اليوم نعيش فوضى وإرهابا وأحلاما ضائعة. حسب رأيميساء زيدان  هل كتابة الشعر في مثل هذه الظروف مجدية؟ فكان رد الشاعرة “كتابة الشعر في هذه الظروف واجبة. شهادتنا على ما يحدث من خلال تأثير الوضع السياسي علينا نحن كأفراد، تأثير ذلك على الرجال على النساء والأطفال.

 ميساء زيدان ناقشت قضية المرأة، وناقشت ازدواجية الرجل الشرقي في وطنه وفي أميركا عندما يكون المحك لإثبات ذلك. المرأة العربية لا تقل قيمة عن المرأة الغربية، فعلى الرجل أن يضع ميراثه المجتمعي الرجولي عن كاهله؛

ليست القصيدة في  الشاعرة ميساء زيدان سوى حوار باتجاهين الأول نحو معنى يتصل بحياتها وتجارب عيشها ورغباتها الفردية، فيما الثاني ينطلق نحو «مكر» الفن في احتفاله بالصورة الشعرية وعلاقاتها مع بعضها البعض ومع ذلك السياق السردي، وهما اتجاهان يذهبان باللعبة الشعرية كلها نحو حضور قوي للمشهدية. أتحدث هنا بالذات عن مشهدية تغتني بتفاصيلها قطعاً، ولكنها تتأسس وتغتني أصلاً بانتباهها للتفاصيل الصغيرة، المتشابكة، بل والممتزجة بما في فن الشعر من برق يلمع ويشير ولا يقول قوله المكتمل أو سياقاته النهائية.

التجربة الشعرية تكتب من بقعة جمالية خاصة لعلَ أهم ما فيها وضوح معالم الموهبة ووصولها إلى أدوات فنية ذات خبرة وتجريبية لا تغرق في ما هو شكلي وإن أخذت الشكل الفني باهتمام ملحوظ لعلنا نراه واضحاً في جاذبية الصور الشعرية وسلاسة بنائياتها على نحو يمنح القصائد رشاقتها ويمنح الشاعرة والمجموعة ألقاً بهياً ينتسب للشعر بجدارة.

هذا نوع من الكتابة لا يحتمل تورية بمعنى، هي تعرف بالضبط أن هذه الشحنة من العطش لا تحتاج إلا لنوع من الملامسة الحانية فتعود التويجات ثانية للتفتح . أفكر بكل ما يحيطنا وصباح تكتب في أثناء الوجع، في أثناء التجربة فأعرف أن الألم، ألم الاشتياقات الصاعق حضر وأتخذ هذا المنحى من الأسى الشفيف. الولع هنا في قصائدها

 كالوداع يبدو مرهقا مهلكا جدا لكنني لا اسمع أي نوع من الحسرات

 

السفير الدكتور غازي أبو كشك

في ما يلي ترجمة عربية لهاتين القصّتين بالعبرية، كتبهما السيّد راضي بن الأمين صدقة الصباحي (رتصون بن بنياميم بن صدقة الصفري، ١٩٢٢-١٩٩٠)، ونُشرتا في  الدورية السامرية أ. ب. - أخبار السامرة، العددان ١٢١٩-١٢٢٠، ١ تموز ٢٠١٦، ص. ٤٧-٤٩. بنياميم (الأمين) نقّح ما خطّ والده. 

هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى دول العالم. هذه الدورية، ما زالت حيّة تُرزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحررين الشقيقين، بنياميم (الأمين)  ويفت (حسني)،  نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

 

ا - عجيبة إلعزار

”يوسف بن حبيب (حوڤڤ) بن يعقوب صدقة الصباحي، المعروف بكنيته أبو جلال، رحمه الله، مرّ ذات مرّة بجانب قرية عورتا (عَوَرْتِه باللفظ السامري) الواقعة جنوبي نابلس، حيث قبور الكهنة الكبار، إلعزار وإيتمر ابني أهرون، فنحاس بن إلعزار، أبيشع ابنه، والسبعون شيخا.

مرّ، بكونه بائعًا متجوّلًا، بجانب قبور السبعين شيخًا، رحمة الله عليهم، وإذا به يرى فلّاحًا عربيًا من سكّان القرية، يحفُر حفرة للتبرّز فيها، بالضبط بجانب هذه القبور المقدّسة. علّق يوسف على ذلك وقال له: لا يُفعل مثلُ هذا الشيء في قبور الصالحين.

ضحك الفلاح وقال: كعادتكم أنتمُ السامريون تؤمنون دائمًا بالهُراء والأمور الجوفاء. قال له يوسف: أنظر يا صديقي، لقد حفرتَ وتكوّم التراب في هذه الكومات الكبيرة ولكن برازك قليل جدّا، فكلّ ما حفرته كان هَباء.

كلّ طَلَبات يوسف ذهبت أدراج الرياح؛ ترك يوسف الفلاحَ، وسار في دربه، وفي فيه طلبُ السماح والمغفرة للفلاح المسكين الصفيق.

 

في اليوم التالي، حينما دخل يوسف قريةَ عورتا ليبيع بضاعته من القماش الدمشقي، وإذا بضجيج وصخب ونواحٍ يفطر القلب، تنبعث حزنًا على شخص مات فجأة. الميّت كان نفس الفلّاح الذي التقاه يوسف البارحة. سأل يوسف أهل القرية: إنّي رأيته البارحةَ يحفُر خارج القرية، وهو معافىً كالحصان؟

قال له أهل البلد: هذا صحيح، هذا ما رواه أمسِ لزوجته، كما وذكر لها أنّ سامريًّا جاءه وحثّه على التوقّف عن الحفر. وبعده، أتى أطفالُ صدّيقين وطلبوا إليه أن يستجيب لطلب السامريّ، لكنّه لم يستجب لهم. عند انبلاج الفجر فارق الحياة.

 

ب- قفزة عجائبية، انتقال من مكان لآخرَ بسرعة البرق

سمعتُ هذه القصّة من والدي، المرحوم الأمين بن صالح صدقة الصباحي (بنياميم بن شلح صدقة الصفري)، رحمه الله وهو بدوره سمِعها. ليتنا نحظى بأن يحدث لنا اليوم، ما جرى في القصّة في تلك الأيّام. في منتصف القرن التاسع عشر، سكن على سفح جرزيم، جبل البركة، في مدينة نابلس جنبًا إلى جنب، مع أبناء طائفته السامريين، الرجل المستقيم والبارّ، إسحق سوريه. سار في الصِّراط المستقيم، ولم يلتفت لا يُمنة ولا يسرى. كان سقّاء، واعتاش من نشل الماء للطائفة. في ساعة مبكِّرة من كل صباح، كان ينزِل لمكان يدعى ”عين العسل“، ينبوع ينبع من ּأعماق جبل جريزيم، يملأ دلاء الماء المعلّقة على عصا، يحملها على كتفيه، ويوزّع الماء على بيوت السامريين.

هكذا عاش إسحق، وأعال عائلته بكرامة، ورأى أبناء الطائفة في ذلك بركة من الله، وأُطلق عليه بين ربعه اسم ’بركة‘. زيارة السامري لقبور الكهنة الكبار، أبناء أهرون، إلعزار وإيتمار وفنحاس بن إلعزار في قرية عورتا، هي فريضة دينية. في صباح يوم صيفي جميل، نهض باكرًا الكاهن الأكبر، يعقوب بن أهرون وبعض وجهاء الطائفة. حمّلوا حُصنهم وحميرَهم بآنية الماء، وبكلّ ما لذّ وطاب من طعام، لتناوله بجانب قبور الكهنة الكبار، ولرفع الصلوات لله من أجل أرواح كل جوق إسرائيل، ليُسكنهم في جنّة عدن إلى الأبد. صعِدوا في الطريق المؤدية إلى قبر الكاهن إلعزار. غادروا مدينة نابلس، منطلقين من جانب ”عين العسل“، ورأوا إسحق هناك يملأ دلاءه. طرحوا عليه السلام، السلام عليك يا إسحق. السلام عليك يا سيّدي الكاهن الأكبر، السلام عليكم أيها الوجهاء، ردّ إسحق. وعندما همّوا بالمغادرة، سألهم إسحق: إلى أين أنتم متوجّهون هكذا على جناح السرعة مع حُصُنكم؟

أجابوه: وِجْهتُنا إلى قبر سيّدنا الكاهن إلعزار، ضع تنكات الماء خاصّتك وتعال معنا. قال لهم: ولمن أترك الأولاد والزوجة؟ إنّي أملأ هذه التنكات، وأوزّعها على أبناء الطائفة، أتسلّم ثمنَها، وبعد ذلك سألحق بكم. ضحك الكاهن الأكبر يعقوب قائلًا: يا إسحق يا بُنيّ، كيف تتمكّن من القيام بكلّ ذلك؟ إلى أن تنتهي من توزيع الماء، نكون قد رجعنا من هناك، لا يا بُنيّ، لا تكلّف نفسك عناءَ فِعل ذلك الآن، إذا لم تتوفّر لديك المقدرة والوسائل، إذهب إلى عملك وليكن اللهُ معك“.

ردّ إسحق: ”أشكرك يا كاهني، أشكرك على بركتك، مع كل هذا، إنّي آتٍ وإله آبائي يَهديني في هذه الطريق“.

٣٤٥ مرّةً  أ. - ب.

ابتسم الوُجهاء خِفية، في أنفسهم (من تحت شواربهم)، حثّوا حُصُنهم وحميرهم لكي يصلوا قبل شروق الشمس، ليصلّوا صلاة الصبح على قبر إلعزار. وصلوا بوابة القبر، وإذا بصوت الصلاة والإنشاد منطلِقٌ من ساحة القبر، حلّت بأجسادهم رجفة، وما عرفوا من المصلّي. دُهش الرجال جدًّا وظنّوا أن المصلّي  ما هو إلّا ملاك. لملموا قِواهم وشجاعتهم ودخلوا ساحة القبر.

ومن رأوا هناك؟ إنّه إسحق، بركة، السقّاء، يجلس في وسَط الساحة ويصلّي بهدوء، وأحيانًا يرفع صوته. ذَهِل الكاهن الأكبر يعقوب وقال: هل أنتَ إسحق؟ نعم، أنا هو، لماذا تأخّرتم في المجيء إلى هذا الحدّ؟ استفسر إسحق بركة. ردّ الكاهن الأكبر: كيف تمكّنت أنت من الوصول قبلَنا، ولا حصان أو حمار لديك أجابه إسحق: فور تركِكم لي، توجّهت أنا أيضًا وسرت في طريقي، وزّعت الماء على أبناء طائفتنا؛ بعد ذلك بدأتُ أمشي في طريقي الطويلة هذه. كنت أمشي وأصلّي، وعلى حين غِرّة رأيت أنّني في باحة القبر، ولا أحد معي. استغربت جدا لأنّكم لستم معي هنا.

قال له وُجهاء الطائفة: ماذا كنت تصلّي يا أخانا إسحق؟ فأنت، كما هو معروف، أُمّي ولا علمَ لك بالصلوات.

أجابهم إسحق: صدقتم، لذلك بدأت بترديد الأبجدية، وأنا ּأحرّك حبّات المسبحة التي بيدي ٣٤٥ مرّة، وما أن وصلت هذا الرقم وإلا أنا هنا، في المكان المقدس.

بعد أن أنهى إسحق قصّته، قال له الكاهن الأكبر: يا إسحق، نصيبك في الآخرة أكبرُ من نصيب كلّنا، لأنّ مجموعَ قيمة حروف (حساب الجُمَّل) موسى، النبي العظيم، هو ٣٤٥، الميم يساوي ٤٠، الشين ٣٠٠ والهاء ٥، وهو الذي نقلك إلى هنا بهذه السرعة، لكونك إنسانًا ورعًا ومحبًّا للحقيقة والعدل، وبسبب هذا حصلت لك هذه الأُعجوبة.

ركع الجميع وسبّحوا الإله العظيم، لأنّه أنعم من خيراته ونِعَمه على أبناء طائفته ومؤمنيه المساكين.

تلك الطريق بين نابلس ومكان القبر في عورتا، يسمّيها السامريون حتى يومنا هذا، باسم ”قفزة طريق“ ذكرى لفعل إسحق بركة“.

 

 

اصبحت اليوم الرواية العراقية لها الكثير من القراء الذين يُسارعون على قرأتها، ويحاولون قراءة ما بين سطورها، ومن الروايات التي برزت هذه الايام في الشارع العراقي رواية (مقتل بائع الكتب) للكاتب العراقي سعد محمد رحيم، ففي هذه الرواية اعتمد الكاتب على المذكرات والرسائل كثيراً في سرد الاحداث ولم يعطي فرصة لتعرف على  الشخصيات التي تدور حول بطل الرواية، بمعنى كيف يفكرون؟ وفي نفس الوقت لا يدع لهم مساحة لتعبير عن افكارهم او ما يدور في حياتهم الشخصية، خصوصاً المقربين من محمود المرزوق، وكثيرا ما كان الكاتب يجهد نفسه في وصف ملامحهم، ولا يتحدث عن حياتهم بصورة عامة، والشيء الادهى ان البطل يضيع في ذاكرة الاخرين، حتى الرسائل التي تتحدث عن البطل قد استخدمت كثيراً في سرد الاحداث بمعنى هذه الورقة استهلكت في النص اكثر من مرة ان صح التعبير. وفي اثناء قراءتي للرواية وجدت صوت الكاتب يخيم على جميع الشخصيات، وكأنني اقرأ رواية تتحدث عن الكاتب سعد محمد رحيم، ولا تتحدث عن انفاس محمود المرزوق او جانيت او ناتاشا او ابن اخت محمود المرزوق وغيرهم.ة وكثيراً ما تغيب اصوات الشخصيات والكاتب يعوض عنها بتلك الرسائل او المذكرات التي تملئ الرواية وتأخذ حيز كبير من الكتاب. حتى الحوارات التي تدور بين الشخصيات شحيحة وتخلو من الحبكة التي تجعل القارئ يتفاعل مع احداثها ويغلط في توقعاتهُ في نهاية الامر. اما مغامرات العشق التي يخوضها البطل فكان الكاتب بارع في ايصال الصورة، ويجعلك تعيش مع مغامرات محمود المرزوق، ومن الوهلة الاولى يخيل لك تعيش في ازقة براغ، وتصعد مع المرزوق في نفس القطار الذي تعرف فيه على ناتاشا، ويجعلك تحلم بشوارع باريس وتطوف في عيون جانيت، وتطيل النظر في لوحات المرزوق، وتستيقظ عندما المرزوق يعود الى العراق، كل هذه الامور تحتسب للكاتب، ولكن في نهاية الرواية يفاجئنا الكاتب بالقبض على من قتل محمود المرزوق وقد اعترف بجريمته ولكن المرزوق لم يكن الشخص المقصود في هذه الجريمة، بمعنى المرزوق كان مقتولاً بالخطأ، وهنا يطرح سؤال لماذا الكاتب انهى حكاية بطلهُ هكذا؟ هل يريد ان يقول لنا هنالك الكثير من امثال المرزوق يموتون بنفس المصير؟ ام ان زمن المرزوق بما يحمل من افكار قد اصبح من التاريخ وما عاد لها اهمية؟ ام انه يريد ان يصور الواقع المر الذي نعيشه يومياً؟ وهناك الكثير من الاسئلة... واعتقد ان الكاتب سعد محمد رحيم لم يأتي بشيء جديد لان رواية (فرانكشتاين في بغداد) قد تحدثت بإسهاب عن معاناة الشعب العراقي من جراء التفجيرات، وكذلك المصير المجهول لكثير من الناس، وما يؤسفني حقاً ان كتابنا هذه الايام كثيراً ما استخدموا هذه المادة التي اصبحت مستهلكة ، بمعنى كثيرة الاستعمال في عالم الرواية العراقية.

  

حسين علي خضير الشويلي

الشاعرة الألمعية العراقية  الكبيرة ساجدة الموسوي عنوان للشموخ ..

وأنت تستمع إلى الشاعرة العراقية الكبيرة ساجدة الموسوي ينتصب أمامك السياب بكل تجلياته وتداعياته .. تنجلي أمامك على مرمى عين جيكور والبصرة ونخلة باسقة في ربوع العراق تمتد على مدى البصر وسعفها يغازل دجلة والفرات ..

ومواجع المآقي ..

هي ذي عوالم الكون الشعري عند الشاعرة العراقية الكبيرة ساجدة الموسوي من العراق الشقيق وهي تعيشه حسرة وقسرا بمنأى عن حٌلمته ونبضٌ وجدانها مصلوب بين حضارة الأشوريين وبلاد مابين الرافدين والبابليين وسامراء كربلاء والنجف والبصرة وبغداد العهد العباسي المزدهر وبكل حفنة تراب من عراقنا المسلوب المغتصب .. وقصور العباس التي انهارت بفعل فاعل ..

وامعتصماه ...

وا معتصماه  ...

يا أنفاق " عمورية ..

يا دهاليز عمورية ..

وا معتصماه ..

وا معتصماه ..

هو ذا المدى والكون الشعري عند الشاعرة والذي ابهر الشعراء بالملتقى الدولي لربيع الشعر بالبليدة ..

شموخ الروي والتفعيلة ومدى بحجم الروي والقافية والمدى العائم بين تضاريس الشاعرة الكبيرة ساجدة الموسوي ..ومواجعها

اعتلت المنصة أكثر من مرة في هذا الملتقى فأرست دعائم القول حين قالت للروي تعال ..

تحية إكبار وانحناء وإجلال أيتها الكبيرة : مروءة وشعرا وأنافه في هذه القطوف العطرة السريعة  ولنا أوبة إلى عالمك الشعري الأخاذ.. ..

تقبلي تقديري واحترامي

 

كتب: احمد ختاوي

 

 

إذا كان باب الثقافة الشائعة قد بدأ بتمرير الإعلان التجاري ودعايات معاجين تنظيف الأسنان كثقافة يقبل عليها الجمهور دون الشعور بالحاجة للرجوع إلى (إخوان الصفا)، ولا إلى (الجمهورية) لأفلاطون، فإن على سراة القوم من المستنيرين ودعاة الحكمة والخدمة الاجتماعية تنبيه الجمهور إلى ما يحف بالثقافة من تشويه وخلط واختلاط لمساعدته على التمييز..

عرّف واحد من أهم مفكري عصر الثورة الصناعية، ماثيو آرنولد Arnold، الثقافة بأنها “أسمى ما فكرت به أذكى العقول على مدى الدهور”، وقد عدّ هو هذا التعريف أساسًا لبناء جدل كتابة الفذ (الثقافة والفوضى) Culture and Anarchy، وهو الكتاب الذي يعتمد التنافر بين هذين العنصرين على سبيل تخيير الشعب البريطاني، بل وحتى شعوب أوروبا، بين الثقافة والفوضى في عصر كانت فيه بريطانيا على شفا السقوط في هاوية الفوضى، بسبب “تطليق” فئات واسعة من الشعب البريطاني الثقافة، ثلاثًا.

وإذا كان جدل هذا العقل الفذ قد أفاد في إغناء أمته حقبة ذاك، أسمح لنفسي أن أستعير عنوان كتابه أعلاه لمناقشة ذات الموضوع، ولكن من منظور ما أخشاه من “فوضى” تتربص بشعوبنا العربية خاصة، وبشعوب العالم، عامة.

ومرد ذلك هو ما ألاحظه من خلط وإرباك، قد يكونان متعمدين، عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بين الثقافة الحقة، من ناحية، وبين أشباه الثقافة ومشتقات تلك الأشباه التي لا يمكن إلا أن تفضي بشبيبتنا ونشئنا إلى متاهات خطيرة، كما فعلت في أعداد كبيرة من المجتمعات الغربية، وهي المجتمعات الأولى في المسؤولية عن ذلك الخلط والإرباك وإدامته، حد عد العامة كل شيء، حرفيًّا، ثقافة: من تركيب المرق والرز، إلى تصوير إطلاق الصواريخ والمركبات الفضائية، ناهيك عن “الثقافة” السائدة اليوم هناك، وهي ثقافة إشاعة الانحراف والشذوذ الجنسي، درجة الترويج للتزاوج الرسمي بين رجلين، أو بين امرأتين.

وإذا كنت قد تعرضت لــ”صدمة وعي” من العيار الثقيل عندما قارنت بين الثقافة بمفهومها السامي الذي اعتمده آرنولد أعلاه، وبين ما يسمى بــ”الثقافة الشائعة” Popular Culture، أي بين الثقافة بصفة الفلسفة الإغريقية على سبيل المثال؛ وبين الثقافة التي تدنت حد عرض الأفلام الإباحية بوصفها “ثقافة” في علم الجنس Sexology، فإني لا أجد بدًّا من المعاونة على تنوير قرائنا من الشباب بالتمايز بين الهابط مما يطلق عليه الغربيون عنوان “ثقافة” وبين الثقافة الحقة التي ناقشها ابن خلدون في مقدمته، على سبيل المثال.

والحق، فإني بالرغم من تحمسي الشديد لعنوان “الثقافة الشائعة” على بداية سبعينيات القرن الزائل، قد اكتشفت ـ بل وتأكدت، بأن ابتكار هذا العنوان قد خدم العالم الغربي أيما خدمة لإضاعة الثقافة الحقيقية بين أكداس من “الثقافات” الملفقة أو الكاذبة. لذا، خدم العنوان أعلاه بابًا واسعًا لتمرير حتى “الأزبال” إلى المتدني ثقافيًّا من فئات الجمهور بوصفه “ثقافة”. وإذا كان باب الثقافة الشائعة قد بدأ بتمرير الإعلان التجاري ودعايات معاجين تنظيف الأسنان كثقافة يقبل عليها الجمهور دون الشعور بالحاجة للرجوع إلى (إخوان الصفا)، ولا إلى (الجمهورية) لأفلاطون، فإن على سراة القوم من المستنيرين ودعاة الحكمة والخدمة الاجتماعية تنبيه الجمهور إلى ما يحف بالثقافة من تشويه وخلط واختلاط لمساعدته على التمييز، أولًا وعلى المعرفة، ثانيًا. وكي لا تروج سوق الثقافة لمجلات الأزياء وأخبار الراقصان والمغنين كثقافة، بدلًا عن الترويج لمؤلفات أثقب العقول عبر التاريخ، توجب على المرء أن يحذر وينوه ويرشد كي لا يسقط العقل العربي الشاب في دوامة من المفاهيم الثقافية الخطيرة.

 

أ.د. محمد الدعمي

لا لعنة أكبر من أن تقف أمام بياض الورقة كمتهم يقف أمام ترسانة من التهم؛ بثقل عواقبها. إنها اللعنة التي لا لعنة بعدها. هذا أنا الآن، أقف عاريا أمام هذا الأبيض الكسيح، لا أعرف من أين ابدأ ولا كيف ولا إلى أين تنتهي بي موهبتي.

هل أنا مضطر لأعتصر هذا الحبر؟ هل أنا أمارس بعضاً من طقوسي التي لا بد منها؟ هل أنا أنا حين أكتب؟ لا أريد جوابا لأي سؤال، لكن صدقني، توجد متعة في هذا العري الفاضح، في هذا الاحراج الجارح. هل أنا مازوشيّ وأنا لا أراني إلا منكشفاً عن عدميتي؟ هل أنا أتلذذ بهذا العدم؟ أنا لا أعرف أي شيء، محاصر من الوريد إلى الوريد، أصابعي متورمة كضرع بقرة حلوب، متأهب لأي انفجار، ومستعد أن أنبُت في مكان الكلمات، أكون أيّ شيء إلا أن يستمر هذا السؤال.

مدينٌ لمن حين ألبس هذه العباءة؟ وكيف أكون مَدينا دون أن أكون محرجا منِّي؟ كيف أبعدُ عني شبهة الفشل في أن أحافظ على بعضٍ من مناسكي؛ دون أن أمنح للآخر حق الإشارة بأصبعه إليّ. أن أكتُب؛ إنما أنزع على جلدي السِّنان، لاُلبِسها غيري، محققا له التمني.

حين تجوع، لا تقتسم جوعك مع الآخر، لكن حين لا تملك إلا كسرة خبز، تمنحها دون أن تسأل عن درجة الجوع في الآخر، الكتابة لحظة زهد، لكنها لحظة ايثار أكثر، حتى لو كانت بنفسك خصاصة. مخطئ من يعتقد أن هذا الفعل ترف.

نكتب، لنلملم الآخر، أو لندسه في قنينة ماء، أو لندخل البحر كله في كأس زجاجي، نكتُب، لنذهب إلى الموت مجردين من أي ندم، ولنعود منه بألف سبب لنموت ثانية. نكتب، لنخرج من وحدتنا إلى وحدة أشدّ وأعنف.

الكتابة ليست ترف

ومن يموت ألف مرة حين يكتب، لا يقتُل الآخرين، وكاتب لا يقتل نفسه، لن يتذوق لذة الانتقال من غرفة التغسيل والتكفين، إلى لحظة العبور من العري الأخير ليكون جوابا شافيا لسؤال الوجود عند المشككين. أن تكتُب؛ معناه أن تتلذذ بلحظة احتضارك، تكتشف كم أنتَ هش، وكم أنتَ مصابٌ بالرّعاش وبأمراض الانفلونزا كلها. وأنت لا تُعدي حين تكتُب، إنّما تُشفي وتحيي ما أنتَ تحييه.

أكتُب؛ حين تُصاب بالحنين إل كلّ شيْء، إلى الدُّوريّ الذي كُنت تصطادهُ حينما كُنت مولعاً بالقنْص، لا بالقتْل، أكتُب؛ عن سماءٍ تسعُ الطائرات العسكَرية والسُّنونو وعيُون الأطفال، أكتُب؛ عن امرأةٍ تقوّس ظهرُها تمدُّ إليك يدها لأنّها تتذكّر فيك شبابَ حبيبها الذِي مات في حربٍ لا تعنيه حين رأتْك، أكتُب؛ حين تنجُو مصادفةً من موْتٍ ظلّ يطاردك في الممرّات الضيّقة، أكتُب؛ عن النّاجين من المُعتقلات والمنافِي، حين كان الخُبزُ مُغمّساً بالدّم، وكان الهواءُ في الجبلِ مُصاباً بالبارُود، أكتُب؛ عن اللاجئين الّذين استبدلُوا المنازل خياماً، وربّوا أطفالهَم في حقُول الوَحلِ والغذاء الذي ينْزلُ من هدير الطّائرات، أكتُب؛ عن الحليب النّادر وعن الرّصاص الكثير جدّاً.

أكتُب؛ لتصالحَ الزّمن البربريّ مع جيل السّيلفي.

الكتابة ليست ترفْ.

 

سعيد غيدَّى/ صحافي مغربي حر

ما أكثر من خطّـأ لفظة (مبروك)، فقد أرادوها (مُبارَك) فقط، بدعوى أن صيغة (مبروك) هي اسم مفعول من الفعل (بَرَكَ) فبرك البعير= يبرُكُ بُروكًا= استناخَ البعير وأقامَ وثبَتَ.

فقولنا لشخص (مبـروك) يعني في رأيهم: بَرَك عليه البعير واستقرّ وثَبَتَ.

ويبالغ بعضهم في القول إن (مبروك) في الحقيقة دعاءٌ على الشخص لا دعاءٌ لـه.

..

(مبـروك) هي من التهاني المتداولة الشائعة بيننا، ونقصد بها الدعاء بالبركة والنّماء عند كل ما يَسرّ، وعند كل نجاح، وعلى كل ما هو جديد.

في رأيي أن نتقبلها قبولاً حسنًا لأكثر من سبب غير شيوعها وانتشارها على كل لسان:

* ما ورد في (لسان العرب) لابن منظور:

بَرَك- الْبَرَكة: النماء والزيادة. والتبريك : الدعاء للإنسان أو غيره بالبركة.

يُقال : بَرّكْتُ عليه تَبْرِيكًا، أي- قلت له: بارك الله عليك.

 

وما دام معنى الفعل (برَك) نما وزاد، فاسم المفعول (مبروك) منطقي جدًا.

فإذا قال قائل: هذا فعل لازم واسم المفعول تكون بعده تعدية بحرف جر، نحو: مضحوك عليه، مبكيّ فيه..إلخ

فالجواب: ثمة أسماء مفعولين من اللازم، ولم يرد بعدها تعدية بحرف جر، نحو: مسعود، مزكوم، محزون، مرسوم،  فلتكن (مبروك) على غرارها!

*  يقول (لسان العرب)، وكذلك (القاموس المحيط) إن الفعل (برّك) معناه الدعاء بالبركة، فهو مُبَـرَّك، ومعنى ذلك أن اشتقاق (مبروك) ليس بعيدًا، خاصة إذا علمنا أن اللغة أجازت اسم المفعول من الرباعي – في أن يكون على وزن (مفعول)، نحو:

أحمّ- محموم، أسلّ- مسلول، أجنّ- مجنون (ولا نقول: مُحَمّ، مُسلّ، مُجَـنّ- كما تفترض القاعدة).

..

اللغة فيها طواعية، وأحيانًا نجد أن العرب نطقت بما هو خروج عن القاعدة السائدة، فنحن نقول في اسم الفعل من الرباعي (أيفع) مثلاً- يافع، ولا نقول (موفع)،

واللغة تجعل أحيانًا اسم الفاعل بمعنى المفعول، فسرّ كاتم يعني- مكتوم، {عيشة راضية}- الحاقة- 21 أي مَرضِيّة، كذلك تجعل لفظ المفعول بمعنى الفاعل {كان وعده مأتيّا}- مريم، 61 بمعنى آتيًا، {حجابًا مستورًا}- الإسراء، 45- أي ساترًا، كما تجعل المصدر اسم فاعل أو اسم مفعول؛ فالتغييرات في بعض الاشتقاقات حاصلة، وليس من الإنصاف أن نغلق الباب في هذه المسألة اللغوية.

..

* ورد في حديث شريف لفظ (برّك) بتشديد الراء،

"حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا عبدالله بن نمير حدثنا هشام عن أبيه

عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالصبيان فيُبرّك عليهم ويحنكهم"- صحيح مسلم، 2147.

إذن نجد (برّك)، كما نجد بارك فيه وعليه وله وبارك الله، فما المانع أن يكون الفعل المجرد (برَك) هو الأصل خاصة وله المعنى نفسه، وقد رأينا المعاجم تجعل الفعل للبركة والنماء؟

...

لنقل (مبارك) فهي الأفصح، وقد وردت كثيرًا في الذكر الحكيم، أذكر منه:

{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}- الأنعام/ 92.

ولكن علينا ألا نجفل من (مبروك) ونتحرّج منها بدعوى أنها عامية، فهي لها أصول في الفصيحة، وهي التي نقولها بدون تكلّف، وهي الأسهل لفظًا، وهي الأشيع وما نطقت به العرب.

 

أقول لكل من سرنا بخبر:

مبروك!

 

ب. فاروق مواسي

 

 

من خصائص الإصدارات العربية إجمالًا، إذا ما قورنت بإصدارات بلغات أخرى، كثرة الأخطاء اللغوية وذلك لغياب المدقّق اللغوي لدى دور النشر من جهة، وعدم تمكّن الكثيرين من المؤلّفين العرب من قواعد العربية الأساسية بشكل كاف، من جهة ثانية. كما ويلاحظ  شيوع مثل تلك الأخطاء في كتب فحصها مدقّق لغوي، وهذا أمر خطير بشكل خاصّ. من خلال مطالعاتي المستمرّة منذ زمن طويل، تكدّست في حاسوبي، قوائم طويلة لمثل هذه الأخطاء اللغوية، وقد يدلّ هذا أيضا على المكانة المتردية للكتاب في المجتمع العربي، وندرة القرّاء النجباء والنقّاد الأكفاء، فمن المعروف أنّ أمّة إقرأ لا تقرأ وإن قرأت فبالأذنين. وضع اللغة العربية المعيارية في المواقع الإلكترونية، يثير الهمّ والغمّ لدى الغيورين على هويّتهم  وعزّتهم، والأخطاء تسرح وتمرح بدون أيّ حسيب أو رقيب كما يقال. في هذا الزمن الرديء، لم يبق للعربي إلا لغته، وها هي في وضع لا يُحسد عليه.

في الآونة الأخيرة وقعت بين يدي بضعة كتب وقرأتها وهي: جان سوبلان، لاسكاريس العرب، ترجمها فريد جحا. دمشق: طلاس للدراسات والترجمة والنشر، ط. ١، ١٩٨٧، ٤٣٥ص. الأصل الفرنسي: Jean Soublin, Lascaris D’Arabe, باريس ١٩٨٣. وقعت بعض الهفوات والأغلاط مثل: ”مرافقتم“ بدلا من ”مرافقتهم“؛ فليس هناك، من أشجار الصفصاف التي تحازي العاصي (ص. ٨٠)؛ وقدمتْ ليّ خدمات جلّى (ص.٩٤-٩٥)؛ واستمرتْ المبارزةُ (ص. ٢١١)؛ فنحن اللذين يتلاعب بنا عملاء محدودون من عواصم غامضة (ص. ٢١٢)؛ ليقدم لنا الشايّ الأصفر (ص. ٢١٣)؛ في هذه الأشهر الأربع الأخيرات (ص. ٢٤٥)؛ وكان هؤلاء السعوديين الأشداء (ص. ٢٦١)؛ لا يزالون المؤمنون الحقيقيون (ص. ٢٦٦)؛ حملتْ النسمةُ صوتَه (ص. ٢٩٥)؛ يرتدي بذة جمراء (ص. ٤٠١)؛ وكانت ثلاثة من السفن (ص. ٤٠٤). أضف إلى ذلك وضع تنوين الفتح فوق الألف بدلا من وضعه على الحرف السابق في مثل: أخيراً (ص. ٣١). وهناك في الترجمة بعض الاستعمالات العامية مثل: رؤية إنسان ما يخوزق على أيدي العثمانيين (ص. ٧٩)؛ حكواتية قرية صدد (ص.٩١).

نهال عبد الرحيم عقل، عرعرة - جذور وأغصان، حكايا وتراث. عرعرة: دار الأماني للطباعة والنشر، ط. ١ آذار ١٩٩٩، ١٥٤ص. تجدر الإشارة إلى أنّ هذا الكتاب من إعداد الطالبة نهال عندما كانت آنذاك في الصف التاسع، وفيه جهد مشكور من حيث المضمون، إلا أنّ هناك أخطاء لغوية كثيرة، كما أظهرت في مكان آخر، يمكن الاطّلاع عليه على الشابكة (كتاب عن عرعرة).

سعيد نفّاع، وطني يكشف عُرْيِي (روانصّية). عرعرة: دار الأماني للنشر والتوزيع م. ض.، ط. ١، آذار ٢٠١٦، ١٦٥ ص. للكاتب نفّاع عدّة مؤلفات مثل: المسيرة، تجربة خمس سنوات في المجلس البلدي، عام ١٩٩٣؛ نكبة الدوريّ، قصص، عام ٢٠٠٠؛ الحائل، قصص عام ٢٠٠٦؛ العرب الدروز والحركة الوطنية الفلسطينية حتى الـ ٤٨، ط. ١، عام ٢٠٠٩، ط. ٤، القدس ٢٠١١؛ وله أيضا: لفظ اللجام؛ رسالة مؤجلة من عالم آخر؛ سيمائية البوعزيزي؛ بين يهوديتهم وطائفيتنا وتحديات البقاء.

قرأت الروانصية، ”وطني يكشف عُرْيي“ وتمتّعت في قراءة معظمها، إلا أنّني لست هنا بصدد المضمون بل ما شاب هذا العمل الأدبي من هفوات بل أخطاء لغوية مثل:

وكثيرة لقاءتهما، ص. ٣١.

وغالبية الناس وأكثر المعلّمون والطلاب، ٣١.

فالتخرج والوظيفة كانوا همه الأول والأخير، ٣٢.

ضف إلى ذلك أنهما، ٤٧.

منحته فيها ليال من ليالي زمان، ٥٦.

دون عناء شدّة البرودة والمكر الذين فيه، ٧٣.

اللهم إلا المصاب بالعظمة الذين يعتقد أن الله لم يخلق مثله. ٧٥.

 انه فعلا هناك امرا بيولوجيا فيهن. ٧٥.

يبدو أن هنالك فارقا كبير في ، ٧٦.

كل ذلك وكل ما تبغين هو امرا واحدا، ٨١.

في يدك ان تنفي كل ما قلت وانت تعرفي انني اصدقك! ٨١.

لكن كبرياءه على ما يبدو منعه من تنفيذ القرار، ٩٠.

إذ قررواّ أن لا يغفروا لك، ١٠٨.

وردوا حاملينك ليس مثلما يُحمل الشباب، ١٠٨.

… وظلّ يتنظر التّتمّة وطال انتظاره، ١٢٣.

ليعطيَ حبّه معانيا أخرى، ١٢٥.

ولكنه سهما مغموسا بشيء آخر، ١٢٦.

والهرج والمرج سيّد الموقف، ١٣٥.

خيانة الأوطان هي فيترك الأوطان فرائس…! ١٥٢

لقمة فريسة لبهيميتا ولتخلفنا! ١٥٦.

لِمَ حسبَ رأيك أوجدتْ اليهودية الغفران والمسيحية الاعتراف والإسلام التوبة؟! ١٦٠.

ومن السمات اللغوية في هذه الروانصّية، يمكن الإشارة إلى إضافة ال التعريف إلى الفعل الماضي أو الفعل المضارع أو الظرف أو الضمير المنفصل بمعنى الذي/التي في مثل: كانا يقضيان هذا الليلَ ”الفجّر“ أعصابه، ٥١؛ في حضرة جسده الكان ما زال ساخنا بين يديّ، ٦٤؛ رفع راشد نظره ”الكان“ منغرسا في شيء ما على الطاولة، ٨٤؛ ولا أعرف إن كنت تقرأ رسائلي ”التُولَدُ“ قاتلة وتموت قتيلة، ١٠٤، الأنا الأولى: ١٤٠؛ إن فضضت بكارتها البعد لم تنمُ، ١٥٧. لاحظ وضع هذا الاستعمال غير المألوف تارة بين مزدوجين وطورا بدونهما. هذا الاستعمال الجديد نسبيًا في العربية المعيارية بحاجة لمقال منفرد. وهذه الألف لام قد أضيفت في مثل: الغيرك، ص. ١١٠، ونجد أمّا قبل (على منوال: أمّا بعد)، ص. ٣؛ وأشوكها، ص. ١٠، إلاهما ص. ١٩؛ ”أينهما“ ص. ١٣٥ ويعْرَضّ - بدأ العامود يَعْرَضّ ليغدو كومة، ص. ١٣٥.

وأخيرا ننوّه بأن أسلوب الكاتب نفّاع مطعّم باستعمالات وبأمثال عامية مثل: ”ياما“ جلس ناظرا إلى القرية، ٢٢؛ العين ما تلاطم مخرز، ص. ٣١؛ الحيط الحيط ويا ربّ السترة، ص. ٣١، ١٤٧؛ مع دفشة، ٣٢؛ بنت الحرام ما فاكّة عنّي … ٣٣؛ … شو طال ذانُه لذِيلُه … ٣٣؛ كل ما “دحشوه في رأسه”، ٣٣، ٥٩؛ ”قُصر ذيل يا أزعر“، ٣٤؛ ”طق حنك“، ٤٩؛ ”ليوم الله بعين الله“، ٥٣؛ -لا … لقوّي تشدّ إيدك …، ١٢٣؛ لم  ”تأت العتمة على قد يد الحرامي“، ١٣١؛ واحكي على القَدُومِة … عايف الدنيا واللي (….)! ١٤٥؛ وتركتك على فيالك، ١٤٥؛ حط حطاطه“ عليه، ١٤٦؛ علاقاتهم بالإدارة ”لَحْوَسِة“…، ١٤٧؛ -لا لكن ولا شماكن…، ١٤٧؛ مش عندما تصير ببلاش، ١٤٨؛ شو … حزّيرة؟! ١٥٣.

ما يقوله الإنسان هامّ، ومستوى كيفية قوله وسلامته يزيده أهمية!

 

ب. حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

 

تتمثل الـ"أنــا" الجواهرية في وجوه ومواقع عديدة، أذ استعارها الشاعر الخالد في مناسبات كانت لها ضروريات حيناً، أو دلالات رمزية احايين اخرى، وهي بعيدة عن تلك الـ"أنـا" النرجسية السافرة، في التعالي وحب النفس، والغرور .

وحديثنا في هذه الوقفات، يركزعلى تلكم الـ"أنــا" الجواهرية المباشرة، القصدية، تحديداً بمعنى عدم المرور، أو التوقف عند شبيهات تلك الكلمة في المعاني والاستخدامات العربية المتنوعة، مثل "ياء" التملك على سبيل المثال لا الحصر:

"عندي" وداعُ حمامةٍ، فأذا أستثرت، فجوع نمرِ(1)

أو مثــل "ألف" و "تاء" المتكلم في افعال الماضي والحاضر،  كما في البيت التالي:

أقول مللتها، وأعودُ شوقاً، كأني ما عشقتُ ولا مللتُ (2)

وغيرذلك من المشابهات  ذوات المعنى نفسه في اللغة العربية العامرة، التي كانت طوع فم وقلم الجواهري في منجزه  الثري. ومن دون ذلك التركيز والتخصيص، سيعني اننا سنؤلف كتاباً، شاملا جامعاً عما احتواه ديوان الشاعر الخالد، الذي يزيد عن الخمسة والعشرين الف بيتا، وليس ذلك بيّت قصيدنا في ما نحن عاكفون عليه بهذه الخلاصات والمؤشرات .

لقد بانت "أنــا" الجواهرية  المباشرة، الطليقة، التي نعنيها في عشرات الأبيات، والقصائد، مرة أو مرات، وقد نتابع اجمالي ذلك في قراءات وتفصيلات في فترة قادمة.. ولكن سنتوقف في هذا المبحث عند اختيارات وحسب، كما سبق القول، وعند صيغ، ودلالات واستخدامات محددة الزمان والمكان والمعنى والمغزى، مستدلين منها مواقف من جهة، وخوضاً في بعض النباهة، والأنتباهات الجواهرية، ورؤاه ومقاصده من جهة اخرى ..

ونبدأ في "أنـا" وجدانيةً- وصفية،  طفحت في قصيدة "بريد الغربة" الجواهرية عام 1956 في رسالة الى بعض اهل بيته، وأخدانه، في العراق، فيقول:

لقد اسرى بي الأجلُ، وطول مسيرةٍ، مللُ...

سلاما ايها الاحبابُ، "أني" شارب ثمــــلُ

كما نشير في السياق، علّنا نضيف دلائل أخرى، الى واحد من ابياته، في مطولته الوجدانية، الفريدة، ونعني بها " يا نديمي" مطالع الستينات الماضية:

"أنــا" بين الطّغاةِ والطّغَمِ، شـامخٌ فوق قِمّـةِ الهـرَمِ

فإذا حانَ موعـدُ الأزَم، وارتطـامِ الجمـوعِ بالنظُمِ

خلتُني عند سَـيلها العرِم، قطرةً لا مستْ شفاهَ ظَمي

أما في الوطنيات، فلعل الابرز من استخدامات "أنـا" الجواهرية، ما يحمله عنوان هذا الموضوع، ونعيده، لمزيد من لفت الأنتباه :

"أنــا" العِـراقُ، لسانـي قلبــهُ، ودمي فراتُـــهُ، وكياني منهُ، أشطــارُ

وهو من قصيدته الدمشقية عام 1957 "في احياء الذكرى الثالثة لمصرع الشهيد العقيد عدنان المالكي".. ولا نظن ثمة حاجة كبيرة لدلالات ذلك الوصف، وإيحاءاته، وموقع الـ"أنـا" فيه ... وفي الوطنيات ايضا، وفي احدى مواجهات الجواهري، وتحدياته المديدة – وما أكثرها-  طوال عقود، نتوقف لنتذكر معا ذلكم البيت الشهير:

"أنـا" حتفهم الجُ البيوتَ عليهمُ، أغري الوليدَ بشتمهم والحاجبا

وهو – اي البيت اعلاه- من قصيدة هاشم الوتري عام 1949 وقد أشاع فيه – مع سبق الاصرار: استعداده لخوض المعركة – وقل المعارك ولا تخف- في التصدي لاقطاب الطغمة، بل والطغم، الحاكمة. وقد استبقه بمقدمات تفصيلية، وأوصاف، وتقييم حال، كما تبعه بخلاصات وتوجهات ..

وأذا ما شئنا – مثلاً-  الاشارة الى  "أنـا" التفاخر الجواهرية، وما أكثرها ايضا، فلنقف برويةٍ وإن عابرة عند بيته في قصيدة " جناية الاماني" عام 1921 وهو لم يزل في يافع عطائه، ونبوغه، فضلاً عن عمره :

كلما حُدثتُ عن نجمٍ بدا، حدثتني النفسُ ان ذاك "أنــا"

ثم هاكم مثال آخر عما نحن بصدده، ونقصد بيته في قصيدة "خلفت غاشية الخنوع " الدمشقية عام 1956 منوهاً ليس آلا،  لبعض صفات وسمات شخصية، وببهاء وشموخ - ولربما كي يفوت الفرصة على من يظنه غير عالم، أو عارف بالتاريخ، أو يتناسى ذلك بقصدية لئيمة أو حقود:

هذا "انـا" عظمُ الضحية ريشتي، أبداً، ولَفحُ دمائها أضوائي"

وفي محور آخر نتوقف عند استخدام  الجواهري لـ"أنـاه" في صورة المقايسة، ووصف الذات، تمهيدا لفكرة ومرامٍ تالية، كما هي الحال في احد مقاطع ميميته " قلبي لكردستان" عام 1963 .. حين راح يهدر لكي ينطلقُ ويجول في رحاب الحديث عن اوضاع سياسية، والتوثيق لها:

" أنـا" صورةُ الالمِ الذبيح أصوغه، كلماً عن القلبِ الجريح يُترجمُ "

وكذلك تأتي الحال متطابقة، أو متشابهة، حين يقول في احد ابيات داليته البيروتية، خلال مناسبة تكريم بشارة الخورى عام 1961 مخاطبا المحتفى به، ليلي ذلك ما ابتغاه – الجواهري- من أبيات قصيد خالها، أو أرادها في قصيدته المعنية :

هل صكّ سمعك "أنني" من رافديّ، بلا نصيبِ

"أنـا" "عروة الورديّ" رمزُ مرؤةِ العرب العريبِ

في كربةٍ و"أنـا" الفتى الممراحُ، فرّاجَ الكروبِ ...

ولربما، وبهدف الاستدلال الأزيد، ينفع ان نشير في هذا المحور الى بيته في قصيدة "هلموا وانظروا" المنظومة عام 1927:

"أنـا" الصبُ الذي ملكَ القوافي، ومثلي تحبسونَ عن البيانِ

وقبل أن نسترسل فنزيد، لا بد من التنويه الواجب على ما ندعي، الى ان هناك اكثر من تداخل وتشابك لا يمكن الفصل بينهما بسهولة في استخدامات الجواهري واستعاراته للتعابير والكلمات والموحيات التي يريد، إذ قد تبدو تلك الـ" أنـا" التي نتابعها في قصائد الشاعر الخالد، معبّرةً عن ذاتوية في مكان، ولكنها تأتي في سياقات مترابطة، مداخل لوطنيات أو مواجهات، أو افتخار وتباهٍ، بل وحتى كلها في آن واحد، احيانً.. وفي أنموذج على ذلك، نشير الى بيته التالي، الذي استهل به مسارات قصيدته، ليقتحم به وصف احداث، وايقاظ مشاعر، وإلهاب احاسيس، وتثوير:

" أنــا" في عزٍ هنا، غير في قلبي ينـزّ جرح الشريدِ (4)

وفي اعلان بعض فلسفته، ذلكم هو الجواهري يستدعي "أناه" ذات الصلة  مشاعة في قوله، ضمن ابيات  قصيدته " خلفت غاشية الخنوع" سابقة الذكر:

" أنـا"  لا ارى العصماء غير عقيدةٍ، منسابةٍ في فكرة عصماءِ

أو مثل قوله، وهو في عــزّ شبابه - ولنقل فتوته حتى - في قصيدته "شكوى وآمال" عام 1921 حين راح يقول بكل ثقـة بالنفس:

و"أني" وأن كنتُ القليلَ حماته، فلي مبدأ عنه احامي، وأدفعُ

ولو "انني" أعجلتُ، خيفتْ بوادري، ولكن صبرَ الحرّ، للحرّ انفعُ

اما عن  غزلياته فهناك العديد من  الـ"أنـا" الجواهرية المباشرة، تتوالى، ومنها، حين لاحق واحدة من جميلات التشيك – وما أكثرهن!-  فكتب لها، وعنها عام 1961:

حسناء رجلك في الركابَ، ويداكِ تعبثُ بالكتابِ

و"أنـا" الظمئُ الى شرابك، كان من ريقي شرابي

وكذلك بيته في قصيدة "عريانة" عام 1932 التي طفحت الجرأة فيها بالغةً، ليس عهداك وحسب، بل ولربما حتى في مقاييس حاضرنا اليوم، كما نزعم، ونصه:

أنتِ تدرين "أنني" ذو لبانه، الهوى يستثيرُ فيّ المَجانه

وفي وصف الذات، ثمة عديد آخر من "أنـا" الجواهرية، وفي حالات، وتنوعات مختلفة.. فها هو – مثلاُ-  يصف نفسه في احد ابيات قصديته "جربيني" المنظومة عام ..1929 وكذلك البيت اللاحق، في قصيدته "انتم فكرتي" ببراغ عام 1961 :

"أنـا" لي في الحياة طبع رقيق، يتنافى ولون وجهي الحزينِ

"أنـا" زرعُ البلوى وهذا حَصيدي، ونَتاجُ الأسى وهذا وليدي

 

ومن جملة استخدامات الجواهري لـ" أنـاه" ما أعلنه عن مسؤوليته كشاعر، ومنذ بدايات انطلاقته، في النظم والنشر، كمثل ما جاء في قصيدته "إبن الشام" عام 1921:

أنا ما بكيت الشعر ذلّ، وانما، أبكي الشعور يُباع في الأسواقِ

كما تتكرر الحال ذاتها في واحد من ابيات قصيدته الموسومة" الوحدة العربية الممزقة" عام 1922 حين راح قائلاً:

أنا شاعر يبقي الوفاق موحدً، بين الشعوب سبيله الارشادُ

واضافة لكل ما سبق، للجواهري ايضا اكثر من مناجاة، ومناغاة مع النفس، كان لابد أن تفيض الـ"أنـا" فيها لتعبر حيناً عن الشكوى والهموم النفسية، او الهضيمة من تجاوزات غير الكاملين، والحاسدين، ولعل ما يفيد هنا ان نختار من تلكم الحال، فننقلُ من بانوراما " ايها الارق" المنظومة مقاطعها اوائل الستينات:

"أنـا" عندي من الاسى جبلُ، يتمشى معي وينتقلُ

أهِ يا أحبولة الفكرِ، كم هفا طيرٌ ولم يطرِ

كما نجتزئ، وفي ذات السياق، أو المحور الذي قصدناه، ما نظمه في براغ عام 1973  شاكياً الاغتراب والوحدة الرهيبة، في قصيدته " خلّي ركابك":

قَسَماً بِعَيْنَيْكِ اللتينِ استُودِعا، سرّ الحياةِ، وحَيْرة الألبابِ

نحن السبايا اربعُ في غربة، "أنـا" والهوى ويدي وكأسُ شرابي

ولا بد من التأشير في سياق بحثنا -  توثيقنا هذا، الى ان ثمة مشتركات تقليدية سائدة عند الشعراء اجمعين، وهم رسل الاحاسيس وفيّاضو المشاعر، حين يستخدمون الـ"أنـا" وحتى المضخمة منها، للتعبير عما يكنون، أو يحلمون به ، أو يؤشرون له... ولكن حسبنا في التوقف عند الـ"أنـا"  الجواهرية: تنوعها وتشابكها بين الخاص والعام، بين الانطلاقة الذاتية، بهدف التعبير عن شؤون شاملة .كما ينبغي القول ايضا – بزعمنا على الأقل: أن مكانة الجواهري التي تقلدها، رائدا ومنورا: اجتماعيا ووطنيا وانسانيا، لها دوافعها ورسوخها، كما مقوماتها، الأكثر، ولربما لا يخرج عن ألاجماع بهذا الشأن الا عدة، وحسب .

اخيرا، وعلى مشابهات خواتمنا في متابعات وتأرخات سابقة عديدة، نقول أن ديوان الجواهري الخالد يحفل بالمزيد والمزيد من الامثلة والمشابهات التي تطرقنا اليها في السابق من السطور، وكم نتمنى ان يسعى المجدّون للتبحّر الاوسع، والانفع، ولهم الفضل ...

 

رواء الجصاني

................................

احالات وهوامش:

* ثمة مقال متميز، وذو صلة، للاستاذ د. ثائر العذاري، منشور على موقع (الحوار المتمدن)  عام 2007 وددنا الاشارة اليه لمزيد من الأستفادة، والإفادة .

*  اقتصرنا – في الأغلب – على اختيار بيت واحد للأستدلال، ولا شك بأن العودة لما يسبقه، أو يليه من ابيات، يوضح الصورة / الحالة المقصودة، بجلاء أوسع .

(1) من قصيدة (آليّــتُ) عام  1975 المنشورة في الديوان العامر .

(2) من قصيدة " أقول مللتها .. وأعود!" المنشورة عام 1972 .

(3) من قصيدة "انتم فكرتي" براغ – 1961.

 

 

 

 

لقد نالت الرواية الروسية مكاناً مميزاً في الادب الروسي وكذلك في الادب العالمي، لأنها تستمد عمقها من واقعها الروسي الاصيل، وتكون فيها الاحداث مقبولة في كل زمان ومكان، وهنا يكمن سر الرواية الروسية، وبكل ثقة ممكن ان اطلق عليها بالرواية الازلية، ان اهم ما يميز الرواية الروسية لها القدرة على التفاعل مع الاحداث وقابليتها على التجدد، ومن ثم تصحيح مسار الاحداث ليس فقط على صعيد المجتمع الروسي بل حتى في العمق الانساني. ومن ابرز رواد هذا الفن هو الروائي الكبير ليف تولستوي الذي هو غني عن تعريف فقد نال حب وتقدير الانسانية جمعا، واجمل ما قالوا عنهُ (انسان الانسانية) و(وضمير الانسانية)، وايضاً قال عنه الكاتب مكسيم غوركي: (من لا يعرف تولستوي لا يمكن يعد نفسه انساناً مثقفاً) (1)، اما على صعيد الادب الغربي فنحن نجد تأثير تولستوي على الادب الغربي كان واضحاً وملموساً على الكتاب الغربيين، وقد انعكس هذا التأثير في انتاجاتهم الفنية، وهنالك ثلاث اراء مهمة جداً في الادب العالمي وجميهم حاصلين على جائزة نوبل للأدب، فعلى سبيل المثال رومان رولان قد تحدث عن تولستوي قائلاً: (ان الطيبة والعقل والحقيقة المطلقة لهذا الانسان العظيم جعلته مرشدي الامين من الفوضى الاخلاقية لعصرنا) (2)، يالهُ من وصف دقيق! ينم عن معرفة عميقة بهذا الكاتب الكبير، ان هذا الرأي يبين لنا ان هنالك ثلاث ابعاد يحملها الكاتب في مسيرته الادبية – هي الطيبة والصدق والحقيقة في كل ما كتب، ومن ثم رومان رولان يخبرنا ان تولستوي كان مرشداً ومنقذاً لهُ من الفوضى الاخلاقية التي تسود في عصرهُ. فلم يتوقف تأثير تولستوي الى هذا الحد بل راح الكاتب الفرنسي اناتول فرانس يصفهُ بمملكة الجمال الفكري وليس بمقدورهُ الا ان ينحني امامهُ، فيقول اناتول فرانس: (اننا نحني رؤوسنا امام تولستوي الذي يفوح منه عطر مملكة الجمال الفكري على الانسانية جمعا) (3)، كما يعترف توماس مان قائلاً: (ان قوة فن تولستوي هي فوق كل المقارنات) (4). وهذا الامر يجعلنا نسأل انفسنا، يالها من قوة التي يمتلكها هذا الكاتب!، بحيث تجعله فوق المقارنات. اذن، ان هذه الاعترافات تدل بوضوح على اهمية الارث الثقافي والحضاري لأعمال هذا الكاتب الذي ترك لنا ارث عظيم لا حد له ولا يمكن الاستغناء عنه، وحتى سيرة حياته تستحق المعرفة والدراسة، لذلك ان ما اعترفوا به هؤلاء هو برهان قاطع ان لتولستوي اهمية ادبية عالمية وانسانية، لا يمكن تجاوزها، لأنها عكست الحياة الواقعية الروسية بما فيها من افكار ومواضيع جسدت ليس الواقع الروسي فحسب بل الانسانية جمعا.

 

حسين علي خضير الشويلي

..................................

( 1) د. مكارم الغمري، الرواية الروسية في القرن التاسع عشر، الكويت، 1981، ص223.

( 2) (مدخل الى الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، د. محمد يونس، و د. حياة شرارة المؤسسة العربية للدراسات والنشر)، بيروت، 1978، ص 231.

(3) نفس المصدر/ ص 230 .

(4) نفس المصدر / ص 231.

في آذار عام 1989 عبر كويكب سيار بحجم حاملة طائرات، بلغت سرعته 47000 كيلومتر في الساعة مدارالكرة الأرضية، وحسب تقديرات معهد علوم الطيران الأمريكي، فانه لو حدث واصطدم هذا الكويكب بالأرض لأنبعثت منه طاقة تصل الى ما بين 1000—2500 قنبلة هيدروجينية، تقدر قوة الواحدة منها بمليون طن من الديناميت سريع الانفجار (تي أن تي)، ويساعدنا "جيري جراي" بالمحافظة على تفاؤلنا عندما يقول"نحن نمتلك التكنولوجيا والوسائل التي تمكننا من ابعاد هذا الخطر الماحق بانزال سلاح نووي على احد جوانب الكويكب السيار وتفجيره": انه استخدام ايجابي وارد لأسلحة الدمار الشامل يعزز المصلحة المشتركة للوجود الانساني.

تؤكد لنا انجازات العلماء الخارقة في مجالات الفضاء والفلك والتكنولوجيا امكانية تحقيق هذه الأفكار "الخيال-علمية"، وحسب تسلسلها الزمني الوارد في المقالات الأربع...اذن هو "خيال-علمي" ممكن التطبيق لكنه مرتبط اساسا بارادة سكان المعمورة (التائهين-المتخبطين-الضائعين) بالعيش المشترك وبناء حضارة عالمية "واحدة" متقدمة، في "أجواء" راقية من"التوافق والانسجام والتفاهم والتسامح والتفاؤل والتضافر والحكمة" الآن ومستقبلا وعلى مدى الزمان السرمدي، واذا كان خير الكلام ما قل ودل فلا اجد للدلالة على مضمون هذه المقالة أحسن  من عبارات الروائي الفلسطيني الراحل "اميل حبيبي": اراني، وغيري من المتفائلين بتداعيات الثورة العلمية الحالية، التي نتوقع ان تؤدي  الى تجاوز الفكر الانساني لأول مرة "عقدة برج بابل"!

مهندالنابلسي

     

لحظات مرور كويكب "بحجم 3 ملاعب" بجوار الأرض !

هى أرضُ الألف تلّ بشرقِ أفريقيا.. فى مَنْطقة البُحَيْرات العُظْمَى الأفريقية لشرق وسط أفريقيا.. وتَعْدُّ بجانب بوروندى فى الكونغو مَنْبع نَهْر النّيل..

 وحوالى 49.6 % كاثوليك، 43.9 % بروتستانت، 4.6 % مسلمون، 1.7 % لادينيون، 0.1 % ديانات محلية..

إنّها رواندا..

ذات التضاريس الجميلة؛ حيث المرتفعات معشوشبة؛ والمناظر الطبيعيّة الخلابة.. والتلال البديعة.. ووفرة الحَيْاة البريّة.. بغوريلاتها الجبليّة النادرة؛ التي تحظى بشعبيّة لدى عُشّاق البيئة.. وتعتبر السيْاحة أحد أكبر القطاعات في اقتصاد البلد..

ولكن ما أذاع صَيْتها على الخريطة العالميّة.. بحر الدّماء الذى لوّث نهر النيل فى إبريل 1994م..

ويتعرّض ذاكَ الجسد الأفريقى النحيل.. الذى ينفر منه غلمان البشرة البيضاء.. وسِمّان أفريقيا فى ذات الوقت.. ترمّد لحمه إبادة جماعيّة.. كانت الأشهر فى تاريخ الوْحَشْيّة العصبيّة؛ والبربرية القبليّة..

وقامت جماعة أغلبية الـ (هوتو) المزارعون؛ بذبح أكثر من 8000 ثمانية ألف فرد من أقلية الـ (توتسى)؛ مُربّيوا الأبقار؛ خلال مائة يوم فقط..!

ولم يتدخّل العالم المتقدّم.. العابث بمقدّراتها.. الديمقراطى الحُرّ..  والسارق لخيراتها.. منذ رحيل المُسْتَعمر الألمانى ثم الفرنسى والبلجيكى لإنقاذ الموقف.. وهذا جانب آخر!

و(لن يَحْدُث ذلك ثانية) عبارة؛ تُقال في ذِكْري محرقة “الهولوكوست” النازي.. وصارت مرتبطة بالالتزام بعدم السماح لحدوث الإبادة الجماعية مَرّة أخرى..

وقد قرّرت أرض التلّ.. ألا تَحْيا الأمس أبداً.. وتتخذ منها ناموس ودستور يجمع كل دروب شتاتها فى مَسْارعادل واحد؛ غايته الإنسان والوطن والغد.. !

رواندا أرض الفلاحين ومُربّى الأبقار؛ ترفض استقدام أصحاب شهادات الدكتوراة المصرية للعمل بها حالياً.. بدعوى (أنهم لن يضيفوا لها شيئاً )..!

ومشوار صغير للسفارة.. تعرف كم عدد أساتذة الجامعات المصريين.. حاملى الماجستير والدكتوراة؛ الذين رسبوا فى اختبارات القبول للعمل هناك..!

رواندا.. التى لايعرف أحد أنهم يطلقون عليها سنغافورة أفريقيا..

تنزع ثوبَ الصّراعات والحروب الأهلية.. وتنظر للخراب والدمار والصراعات القبلية على أنها ماضى.. لن يأتى أبداً..

ولاينبغى أن يَحْدُث ثانياً..!

وتعبر الإنهيار الاقتصادى على جسور التصالح.. دون (جذر) الغالب و(مدّ) المغلوب..

فيتمزّق الحبل.. ويسقط الجميع.. ويتهاوى الوطن.. ويهرب المال.. ولايجرى المىّ استثماراً وتعميراً وبناءاً..

ويعسّ الفقر والأوبئة والأدواء.. وتتدنّى أحوال معيشة المواطن.. ويهاجر الشباب.. وتنتشر الجريمة فى أحضان العنف.. ويغتصب الأمن والأمان..

ودٌّ يهرب.. سكينة تكرّ وتفرّ خَشْية الأسر.. وعبوديّة الاغتصاب..!

وتُصْرّ سنغافورة أفريقيا ألا يحدث ذلك ثانياً..!

 وتبدأ تنشئة الشباب على الفهم والتعلّق بوطنهم.. ووضع برامج وطنية مختلفة.. تغرس القيم الإيجابية للثقافة الرواندية لتنمية قدراتهم على ممارسة الحكم، وعلم النفس، والعمل، والمساعدة المتبادلة، والحياة، والتعاون مع الآخرين.. وإعطاء كل أسرة بقرة حلوب للانتاج والعمل.. فلاوقت  لكى يضيع فى التأسّى على ماضى.. ولا حياة انتظار قدر.. أو رَمْى غيث دون تمهيد أرض.. وبذر حَبّ.. وتعلّم حرث.. واستعداد حصد.. وحلم غدّ.. و

والمِنْجل الذى حَشّ رِقاب البّشر أمْس.. يُعْاد سَنّه للزّرْعِ.. ولَمّ الثمر.. وجلب الرّزقِ.. وقد تم تدريب اليدّ.. وتمهيد العقل.. واستنفروا من اللحم الحِسّ.. و

ولاعَوْدَة للوْرَاء..!

وكانت تجارب المُصَالحة الوطنية قد قادت إلى نتائج مُبْهرة في الدول التي تمرّ بمراحل مماثلة، وساهمت في تعزيز المَسْار الديمقراطي، وتكريس العدالة وسيادة القانون..

وراح القضاء يُحاكم المتورّطين في أعمال عُنْصريّة بالسجن، وحكمت على الذين أدينوا بأن يقضوا نصف المُدّة بالسجن والنصف الآخر بتقديم خدمات اجتماعية..!

كما قامت رواندا  بتشكيل (لجنة الوحدة والمصالحة الوطنية)، ومهمتها الأساسيّة عملية التصالح والتسامح، بداية من تحقيق العدالة، وعرض الحقيقة، ومن ثم يأتي التصالح.. الذى ساهم في إخراج البلاد من أتون حرب أهلية؛ كادت تقضي على كيان الدولة.. وبفضل الوحدة والمصالحة.. تمكّنت رواندا من الخروج من تمزّق النسيج الاجتماعي النّاجم عن عواقب الإبادة الجماعية..

ويبدأ يتعافى الجَسْد المريض..

ويتعالى صراخ الرّوح:

 ـ لنْ يَحدث..

لن يَحْدُث ذلك ثانياً..!

ويتضاعف متوسط الدّخل بمعدّل ثلاث مرّات.. وتصبح (كيجالى) العاصمة أجملُ المُدْن الأفريقيّة؛ الجاذبة لفراشات الاستثمارات من جميع رِيْاض العالم.. نظافة.. أمان.. تَسْوّق.. سِيْاحة.. متاحف.. وتصبح أكبر مركز تكنولوجى واقتصادى فى المنطقة.. و.. و..

وأكثر من مليون سائح عام 2014م..

وتنطلق سنغافورة أفريقياً.. التى قرّرت حركة ً وفعلاً.. لا ركوناً عند حدّ القولِ.. سلوكاً لا مظهراً.. وثوباً يلتحف عُري نَفْسٍ.. ويَسْتُر فقر فِكْر.. ويفشل فى تصديق زَيْفٍ..!

وتأبى غيرها ناموس حياة.. دستور حكم.. تنفيذ حُكم ردع سلب..  أن.. أن

 لا يحدث ذلك ثانياً..؟

وتنفق رواندا على مجال الصحّة 27% من إجمالى الدّخل.. و17% على التعليم.. وتحتلّ النساء فى البرلمان نسبة تصل إلى 64% من المقاعد.. بالإضافة إلى أنّ عدد النساء يفوق عدد الرجال فى مجال التدريس..!

مارأى سيّدات 92 مليون مصرى.. طبقاً لإحصائيات شارع صلاح سالم بالقاهرة..!

 وتعليق  كم ألف حقوقيّة.. تنسى بنى جنسها؛ فى الغُلب والبُّؤس والإعالة.. و .. و.. ؟

وتوجّه عَرْقَ وكَدّ شَبْابَها.. للصناعة والبناء والزراعة والخدمات.. وتثمر البقرة الحَلْوب داخل كل بَيْت.. وتجرّ اليدّ البطّالة للعمل.. أىّ عمل.. فلا مصطبة للخمول.. ولا ظلّ شجرة يركن على خدر رَطْبها الكسل.. وتدرّ عملاً يُدْرِءُ الجهل والثقافة والأميّة.. وتنخفض نسبة الفقر إلى حَدّ كبير.. وبشكل سريع..

وبقدر أهل العَزْمِ يرزقُ الربّ.. وتُبْارِكُ السّماء..

وسنغافورة أفريقيا التى أبت ألا تعود للظلام أبَدْاً.. تغدو فى المرتبة الثالثة؛ ضِمْن أفضل جهات استثمارية فى أرْجاء القارة الأفريقية؛ بعد جنوب أفريقيا وموريشيوس..

مما يَعْنى أنّها الأولى فى شرق أفريقيا..!

وتقدّر نسبة النموّ الاقتصادى 7%..!

وتوفّر السيْاحة بها قرابة 70%؛ من مواطن الشغل فى رواندا.. مما يعنى انتعاش الاقتصاد..!

وفى أحد تقارير البنك الدولى عن ممارسة الأعمال؛ الصادر عن المنتدى الاقتصادى العالمى.. تحتل رواندا المرتبة الأولى فى الاقتصاد الأكثر تنافسية فى بلدان جماعة شرق أفريقيا.. ويصل ترتيبها العالمى إلى 63 فى عام 2013م..

 حيث كُنّا لانزال فى أحلام 25يناير 2011م .. والأمل فى مصر الغدّ.. التى لن تعود للوراء أبداً..!

وتُرسى ثقافة التسامح وقبول الآخر واحتضان التعدّدية.. فترعى الأخضر وتعلو باليابس.. فتسمو إبداع بشر وتتنامى رِفعة وطن..

تُرى..

تُرى متى يعمل العقل الجمعى المصرى على..على

 ألايحدث ذلك أبداً..؟

أبدا..!

....

 

 

 

 

يخطّئ الكثيرون استخدامَ (الغير)، فلا يصح في رأيهم أن نقول: فعل الغيرُ ذلك.

(انظر: زهدي جار الله، الكتابة الصحيحة، ص 270؛ مازن المبارك، نحو وعي لغوي، ص 199؛ الحريري، درّة الغواص، ص 55)، وغيرهم.

يقول الحريري:

"المحققون من النحويين يمنعون من إدخال الألف واللام عليه، لأن المقصود في إدخال التعريف على الاسم النكرة أن تخصصه بشخص بعينه، فإذا قيل (الغير) اشتملت هذه اللفظة على ما لا يُحصى كثرة، ولم يتعرف  بآلة التعريف، كما أنه لا يتعرف بالإضافة، فلم يكن لإدخال الألف واللام عليه فائدة".

..

لكن كلمة (الغير) بمعنى الآخر أصبحت مستعملة، ولا سبيل لتخطئتها ما دام هناك ما ومن يشفع لها:

* قرار مجمع اللغة العربية في القاهرة في دورته الخامسة والثلاثين:

"إن كلمة (غير) الواقعة بين متضادين تكتسب التعريف من المضاف إليه المعرفة، فإذا وقعت بين متضادين وليست مضافة يصح أن تقترن بـ (ال) فتستفيد التعريف".

(نقلاً عن محمد العدناني: معجم الأخطاء الشائعة، ص 191).

* في تقديري أن كلمة (الغير) أصبحت اسم جنس مثل (الآخر)، (الضد)، ولذا جُمعت (أغيار)، بل إن مجمع اللغة أجاز (الغيرية) مقابلاً للأنانية، فالغيرية هي الإيثار وتفضيل الغير.

*يقول الشِّهاب الخَفَاجي "لا مانع من دخول (ال) على غير قياسًا".

(نقلاً عن كتاب العربية الصحيحة لمؤلفه أحمد مختار عمر، ص 145).

* أجاز معجم الوسيط  لفظة (الغير) في القانون بمعنى الطرف الثالث في الخصومة.

* استخدامات كثيرة جدًا استخدمها العلماء، أذكر منها:

كتب الفخـر الـرازي فِـي التفسـير الـــكبير:

"إذا قلت: (غير زيد) صـار في غـاية الإبهام فـإنه يتناول أمـورًا لا حصـر لـها، وأمـَّا إذا قـــــطـعته عـن الإضـافة ربّما تقـول: (الغـير، والْمغايرة) مـِن باب واحد، وكذلك التغير فتجعل الغير كأسْماء الأجناس"-28 /222.

..

استدل به النَّوَوِّي فـي كتابه (تهذيب الأسْماء) واللغات علـــــى جواز دخــول (ال) على (غير) فقال:

"ثم إِنّ الغير يحمل على الضد، والكل يحمل على الجملة، والبعض يـحمل على الجزء فصلح دخول الألف واللام ـ أيضا ـ من هذا الوجه، والله تعالى أعلم. ج3/246.

..

في الصحاح للجوهري: "الوَسيلَةُ: ما يتقرَّب به إلى الغير"- الصحاح :3/246 .

 ومثال مَجيئه في كتب الفقه ما جـاء فـي (مواهب الجليل):

"تعيّن ذلك الغير لأجله" ج2/291،

 ومثال مَجيئه فـي كتب التفسير ما جاء في تفسير ابن كثير:

" كأكل مال الغير للمضطر" تفسير القرآن العظيم :1/455.

...

سأنتقل بكم إلى كتاب القزويني: الإيضاح في علوم البلاغة:

"وأما التضمين فهو أن يُضمّن شيئًا من شعر الغير"- مادة 291، ص 580.

وثمة مواضع أخرى في الكتاب.

..

من هنا لا أرى سبيلاً لتخطئة (الغير)، فقد شاعت وذاعت بين القدماء والمحدَثين.

..

ولكن،

لا يصح أن نقول عند النفي:

 الغير موضوعي، فالصواب غير الموضوعي، فلام التعريف تدخل على المضاف إليه، فهل يقول أحد: "الساحة مدرسة"؟ الصحيح كما لا يخفى "ساحة المدرسةِ".

 وعليه لا تقل:

 الغير عملي، بل غير العملي،

 ولا تقل: الغير مسئول، بل غير المسئول وغير المنطقي...إلخ

 

ب. فاروق مواسي

 

 

 

 

 

 

تهنئة وتحية لشعوب العالم الحرة وللأمة الكردية عامة والشعب الفيلي خاصة بمناسبة عيد نوروز الاغر المعبر عن جمالیه الخالق والانسان وخیرات الطبیعه، نوروز انشاد وهدف وهو حب الارض والدفاع عنه.. فلا وجود والتعبیر عنه الا بتحقیق الاماني وسرد المعانی و التعبیر عن جمال هذا التراث الحضاری وتخطیه الحدود السیاسیه والقومیه منذ القدیم،

لتجعله الاول فی العطاء الانسانی والعالم يعيش هذه الأيام ملاحم بطولية حقيقية في مواجهة النكد والمصائب ببسالةٍ وعصابات الإرهاب والتكفير وقوى الشر، الامل ببزوغ فجر يوم جديد على الدنيا جميعاً. حاملاً معه اشعاع مليئ بالأمل والنور” وٌآلَنِشُآطِ وٌآلَتٌفُآؤل يَومٌ مًشُبًعٌ بًرآئحًةّ التَعَاطُف والمَحبَة، عام جديد وعالم جديد وسَطَ الغيوم الظلامية الداكنة التي تُخيّم على شعوب العالم، لنجعل من نوروزموعدا لبدء العام الجديد، الربيع المشترك في كل معنى العيد لدى كل الشعوب، عن جمالیه الخالق والانسان وخیرات الطبیعه

 وكما يقول الشاعر:-

 نام الربيعُ على دمي،‏

فرأى على شطآنِ صوتي‏ عاشقاُ منهارا،‏

فتَّحْتَ قلبي ياربيعُ‏ ولم أكنْ،

من قبل عيدِكَ‏ أَعشقُ الأزهارا‏

فتّحتَ لي فرحاً‏ فصارَ ملوّناً‏،

مثل الشموسِ تُكحِّلُ الأسرارا

 ننحني إجلالاً أمام الدماء المضحية في العالم دفاعا عن الدين والارض والحق و أبناء شعبنا الكردي  خاصة بجميع انتماءاتهم و الذين تعرضوا للإرهاب الدموي وقاوموا الانظمة الظالمة  بعناد دفاعاً عن أهلهم وأرضهم وعقيدتهم وسقطوا شهداء تحت سياط الظلم والعذاب والتهجير و ما زالوا يكافحون لنيل حقوقهم المشروعة وللذين روى بدمائهم الزكية ارضهم بكل شموخ... رغم کل الصعوبات التی مرت بها الامه الکوردیه فی مسارها التاریخی لم تؤثر هذه الصعوبات علی روح الترابط بل العکس قد الهمته القوه فی اثبات بنیتها الاساسیه في التراث الثقافی ولازال احد الامدادات الروحیه التي تشيد انسانيته ...

 لنرسم من عيد نوروز مرحلة للعمل بتفائل وصدق للقضاء على الشحن الطائفي وايقاف اثارة الشارع من خلال بث السموم القذرة وهي جريمة بشعة نحتاج الى توعية الجماهير للوقوف ضد هذه الظاهرة السوداء و كبحها وازالة عناصر قوتها من الطريق وطرد نفوذها في المجتمع، مثيروها ومريدوها ينعقون مع كل ناعق و يبثون سموم الفرقة وتهويلهم الامور لنشر القلاقل وخلق اجواء من الارباك والخوف

تحية إلى شعب الكوردي والقوى الخيرة في العالم

 

عبد الخالق الفلاح  - كاتب واعلامي فيلي

هناك تعريف مهم  للشعر من قبل الامام علي ع  واراء نقدية تجاوزت زمنها الى زمننا الحالي وفق مفهوم الاتباع والحداثة. او المعاصرة فالشعر هو  ميزان القول. الشعر ميزان القوم.

الميزان، مقياس، وهو اقرب الى العلم، مادام الشعر مقياس  الكلام فمهمته حفظ التوازن الفكري والتاريخي للأمة، هذا ومن ناحية، من ناحية اخرى، هو مقياس القوم ايضا. ان الفرد يعرف تاريخه وتراثه وحضارته وتقاليد اجداده وعاداتهم وطراز عيشهم عن طريق الشعر، اما اذا أراد اي احد ان يكون شاعرا فعليه في البدء ان يحفظ القران اولا وهي النصيحة التي وجهها الى الفرزدق عندما كان صغيرا.

اما مسالة اشعر الشعراء فان الامام علي ع عالجها وفق شرطين: الاول ان يعيش  الشعراء الذين تجري المفاضلة بينهم في زمان واحد، والثاني ان تجري المفاضلة بينهم في موضوع واحد يطرقونه: " لو ان الشعراء المتقدمين ضمهم زمان واحد ونصبت لهم راية فجروا معا علمنا من السابق منهم، وإذا لم يكن فالذي لم يقل لرغبة ولا رهبة : امرؤ القيس" لقد كانت مسالة اشعر الشعراء تشغل بال العرب اذ اثرت كل قبيلة ان يكون ذلك الشاعر منها، السؤال نفسه وجه ذات مرة الى عمر بن الخطاب وغيره من الصحابة فاختار عمر مرة أمرؤ القيس ومرة اخرى زهيرا او غيره حسب المواقف. هذه المسالة حسمها الامام علي ع  وحددها بالزمان والموضوع  فليس هناك شاعر لكل الازمنة لان المجتمعات تختلف مع التطور وليس هناك شاعر عام لان المواضيع كثيرة . يروي صاحب الأغاني : اقبل علي على الناس فقال كل شعرائكم محسن ولو جمعهم زمان واحد وغاية واحدة، ومذهب واحد في القول لعلمنا ايهم اسبق وكلهم قد اصاب الذي أراد وأحسن فيه.وفي ذلك القول إشارة الى الإتيان بمعان جديدة في موضوع واحد، فلا يمكن ان نقول عمر بن ربيعة اشعر الشعراء في الغزل  نعم ذلك ممكن في زمانه ولا جرير اشعر الشعراء فقد يكون هذا الكلام في زمانه اما إطلاق الأحكام النقدية من قبل النقاد العرب القدامى ففيه كثير من التعسف والبعد عن الصواب.

ومن المسائل المهمة التي تطرق اليها قضية الوقوف على الاطلال التي كثيرا ما ينتقد عليها شعرنا العربي من قبل بعض المستشرقين  واتهامهم له بكونه شعرا مكانيا، اذ سمع الامام علي ع رجلا من أصحابه وهم مارون بمدائن كسرى يتمثل بقول الأسود بن يعفر:

جرت الرياح على مكان ديارهم   فكأنما كانوا على ميعاد

فقال عليه السلام  فلم لم تقل كما قال الله جل وعز " كم تَرَكُوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم، ونعمة كانوا فيها فاكهين، كذلك أورثناها قوما اخرين" ان البكاء برأي الامام يمثل الجانب السلبي من الحياة، وهناك جوانب كثيرة مشرقة وحيوية يمكن البدء بها، والتعامل معها بدلا من ظواهر ميتة قد تبدو في كثير من الأحيان انها أصبحت عادة مألوفة تثقل الشعر بالمعاني المستهلكة التي امتازت بها ظاهرة الوقوف على الاطلال والبكاء على الديار المهجورة.

 

عدنان المشيمش

في ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي كتبها أبو رامي، عبد حنونة بن إبراهيم الستري الدنفي (١٩٠٣-١٩٩٥) بالعبرية ونُشرت في الدورية السامرية أ. ب.-أخبار السامرة، عدد١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ آذار ٢٠١٦، ص. ٢٢-٢٤. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها ــ إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة الشقيقين، بنياميم ويفت، نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

”بعد قليل، بمشيئة الله، سأكون في سنوات التسعين من عمري. لا أقوى على الخروج وزيارة أبناء جلدتي، أقضي معظم وقتي في البيت في نسخ كراريس الصلاة، من أجل أبنائي وأحفادي. ككلّ سامري، جبل جريزيم هو كلّ أيام حياتي. ولذلك، أنا وأهل بيتي لا نفوّت أيّة فرصة بغية زيارته مراتٍ كثيرة سنويًا، وليس في المناسبات والأعياد فقط. في فصلَي الربيع والصيف، نقضي هناك نهاياتِ الأسبوع، نسافر يوم الجمعة ونمكث في بيتنا الفسيح هناك حتى مساء السبت، وأحيانًا حتّى صباح يوم الأحد.

إنّي أعزو طول عمري، في الأساس، للطقس الرائع على جبل جريزيم، وللسكينة التي يُضفيها الجبل على ساكنيه. عند حلول أيّام الفسح، أبكّر في الصعود إلى الجبل. يحلو لي الجلوس في بيتي في قرية لوزا، أو التمتّع بأشعة غروب الشمس، حين أكون جالسًا في الشرفة. حقًّا، إن جبل جريزيم بمثابة كلّ أيّام حياتنا. في هذه الساعات الحلوة، أجلس وأتذكّر ما مرّ عليّ، وعلى أبناء طائفتي في الماضي البعيد والقريب على حدّ سواء. أجد أن الأعاجيب، لا تحدث لآبائنا فقط، إنّها تحدث لنا أيضًا. إنّنا وببساطة لا ننتبه عند حدوث الأعجوبة، لا بدّ من مرور وقت كافٍ، سنوات كثيرة، كي تتمكّن ذاكرتنا من أن تقلّب وتقلّب الحادثة التي جرت، ومن ثمّ إضفاء صبغة عجائبية عليها. أصعب الأيّام التي مرّت علينا، تصبح أحلى أكثر فأكثر، كلّما ابتعدنا عنها، ويحلو لنا تذكرّها حتّى. حدث لنا حادث عندما كنّا بالكاد أحياء، ولم يكن بوسعنا تركيز فكرنا فيه. إنّنا نذكره رغم مرور السنين الكثيرة، ونتساءل كيف لم نلاحظ روعة ذلك الحادث، ومدى صعوبة تفسير حدوثه.

إنّنا نكثر من الشكوى، الواحد إزاء الآخر، حول قلّة الاهتمام، التجاهل، العزلة، عدم الفهم، إلا أنّنا غالبًا ما ننسى أنّ السباق الذاتي لدى كل واحد، من أجل حياته، وحياة أهل بيته، يمنعه من إيجاد وقت الفراغ للآخرين في كل حين. ينبغي أن نحدّد  علاقاتِنا مع الآخر وفق موقفهم وقت الاختبار، وليس على ضوء التصرفات اليومية. هناك حالات كثيرة من الصعود والهبوط في أوضاعنا الاقتصادية، ولا بدّ لكلّ واحد منّا من التعامل المستمرّ مع هذه المستجدّات. ولكن، قد يُنسى كل هذا، ونرى أنّنا جميعًا متكاتفون من أجل غاية سامية، تعيد إيماننا بالإنسان وبمناعة طائفتنا الروحية، أو إن شئتم، شعبنا.

خذوا، على سبيل المثال، عيد الفسح الأخير. تنظيم المراسم كان على ما يرام، عائلة الكهنة تعاونت في الرقابة على كافّة مراحل القربان. أشرف كاهنان على ثلاثة أفران قديمة وثلاثة جديدة، إلقاء الحطب وإدخال الخراف وإخراجها. سمعت وأنا في بيتي صخب فرحة المحتفلين؛ كانت الخراف طرية وزاكية، والحطب جافّا. كانت الأفران الحديثة عميقة بما فيه الكفاية، لا  تدافع ولا صراخ، الكل راضون.

حان وقت إخراج الخراف من الأفران. أحسست وأنا في بيتي بعيدًا عن مكان القربان، أنّ شيئًا ما قد حصل. صخب فرحة جزء من المضحّين اختلط بصخب صياح مضحّين آخرين، صياح خيبة الأمل. انتظرت قدوم أبنائي إلى البيت ومعهم القربان في الوعاء. وأخيرًا، بعد طول انتظار وصلوا. خشيت أنّنا لن نستطيع القيام بفريضة ”وتأكلونه بأوفاز/بوفاز“ [سفر الخروج ١٢: ١١؛ أنظر الترجمة العربية لتوراة السامريين، حقّقها وقدّم لها حسيب شحادة. المجلّد الأوّل: سفر التكوين وسفر الخروج. القدس: الأكاديمية الوطنية الإسرائيلية للعلوم والآداب، ١٩٨٩، ج. ١، ٣١٢-٣١٣؛ وفاز تعني بسرعة، على عجَل]. وقبل أن يدخلوا البيت رأيتهم مكسوري الخاطر.

حمل ابني الأصغر وعاء القربان على  كتفه، ورافقه شقيقه الأكبر وأبناء عمّه. كانوا حزانى، وضع الوعاء على المصطبة وأجهش ابني الأكبر ببكاء يقطّع القلب. لا ذبيحة فسح في الوعاء، بل كتلة محروقة سوداء. أسرعت في مواساتهم بكلمات لطيفة، إذ أن هذا النهار وهذه الليلة هما أكثر أيّام السنة فرحًا وبهجة. الوقت ليس وقت بكاء ونحيب، إلا أنّهم بقوا على حالهم، سالت الدموع من عيونهم كلّهم. طَوالَ السنة كانوا ينتظرون هذه اللحظة العظيمة وها قربانهم لم يُقبل، حُرق كلّه بنار الفرن الجديد، الذي لقّم أكثر من اللازم.

بينما كنّا في هذه الحال من البكاء وخيبة الأمل، وإذا بصوت صخب يُسمع من الخارج. أيادٍ كثيرة طرقت على الباب. أسرعت زوجتي لفتح الباب. لا أقدر الآن تذكّر لا عدد القادمين، ولا تحديد هويّاتهم. كلّ واحد كان يحمل بيده جاطًا مليئًا بلحم القربان، وأتوا مسرعين للعمل بفريضة ”فان يقل البيت عن قدر الرأس فليأخذ هو وساكنه القريب الى بيته“ [سفر الخروج ١٢:٤؛ أنظر حسيب شحادة المذكور آنفًا، ص. ٣١٢-٣١٣]. في الحقيقة هذا تفسير آخر للآية ولكن الوضع أوجب التفسير الجديد. أثبتت الطائفة لنا جميعًا، العابسين والمبتسمين، ثانية أنّها قادرة على اجتياز الاختبار. إن سألتني، يبدو لي أنّنا في قربان الفسح الأخير، أكلنا لحمًا أكثر من أي فسح من قبله.

هذه هي الحال، عند توفّر اللحم، ولكن ماذا بشأن الأيّام التي لا لحم فيها؟ ها هي قصّة من أيّام شبابي، قاسية جدّا كانت فترة الحرب العالمية الأولى. أمراض وأوبئة تفشّت بين السكّان، عرب ويهود وسامريين. كما أنّ الجيش التركي  لم يقلّ جوعًا عنّا. الخبز والماء كانا سلعة نادرة الوجود. تضاءل عدد قطعان الضأن الكبيرة، إمّا جوعا وإمّا ذبحًا لعدم توفّر غِذاء آخر.

كعادتنا، صعدنا، كل أبناء الطائفة، أقلّ من مائة وخمسين شخصًا بقليل،  إلى جبل جريزيم ونصبنا خيامنا هناك.  كانت التحضيرات لعيد الفسح جارية على قدم وساق، إلا أنّ القلق كان ينهش قلوبنا. أين سنجد اللحم لعيد الفسح؟ ما عدد الخراف الذي كنّا بحاجة إليه؟ ستّة فقط؛ اثنان لعائلة الكهنة، اثنان لعائلة الدنفي، واحد لعائلة مفرج وواحد لبيت صدقة. ستّة خراف، لا غير. لا أحد حتّى الكاهن الأكبر، إسحق بن عمران، كان يعرف من أين يمكن الحصول على ستّة خراف لقربان الفسح.

الكاهن الأصيل، توفيق (متصليح) بن خضر (فنحاس)، المكنّى بأبي واصف، دأب على الخروج يوميًّا إلى القرى، وإلى خيام البدو في ضواحي الجبل، والرجوع إلى بيته صفر اليدين. عمّ قلق كبير حول إمكانية الاحتفال بعيد الفسح، بسبب عدم توفّر الخراف. كلّما مرّ الوقت، واقترب موعد يوم القربان، كلّما تضاعف انقباض الصدر. أحسسنا مدى صعوبة أيّام السخط (الفانوتا) التي تمرّ بنا.

تكرّر الوضع كلّ يوم. عاد أبو واصف إلى خيمة السيوان الكبيرة الخاصّة به - هدية المحسن الأمريكي إ. ك. وورن (

1- K.. Warren, 1847-1919)، حزينًا مكتئبا. كنّا نجتمع كلّ يوم صباحًا ومساءً، في الكنيس المفتوح، حول المذبح لصلوات أربعة عشر يوم الحراسة/המשמרת. كانت تلك صلاة عديمة الفائدة. موضوع واحد فقط، أشغل بال شيوخ الطائفة وكهنتها: ماذا سيكون في يوم القربان، يوم عيد؟ لن يكون لا عيدا ولا قربانا. ها قد حلّ العاشر من الشهر ولا خراف لتأدية الفريضة ”في عاشر الشهر هذا يأخذوا لهم كل امرىء رأسًا...“ [سفر الخروج ١٢: ٣؛ أنظر حسيب شحادة المذكور أعلاه، ص. ٣١٢-٣١٣]. ببساطة، لا خراف! حتّى البدو تجوّلوا بعيدًا عن المنطقة، عن البلاد التي أكلت ساكنيها في أيام الحرب العالمية الأولى. همّ آخر كان ينهش قلوبنا، أهل قرية قليل المجاورة، كانوا يجبون منّا بالقوّة خروفًا واحدًا من الخراف المعدّة للأضحية كرسوم حراسة، والآن سيُسيئون إلينا بسبب عدم إعطائهم الخروف.

في ليلة الرابع من الشهر الأوّل، ساءت حالة الطقس. حتّى السماء غاضبة علينا، ظنّ الكثيرون. ضباب كثيف خيّم على الجبل، هرعنا والتحفنا في خيامنا. استيقظنا في ساعة مبكّرة للصلاة الأخيرة في صباح يوم القربان. هدأت الريح، إلا أنّ الضباب كان سميكًا لدرجة أنّنا بصعوبة استطعنا اتّخاذ طريقنا إلى مكان الصلاة.

صلّينا بتقوى كبيرة وأطلقنا صرخة نحو مسكن الله: ”يا سيّدي فرّج عنّا المصيبة التي نحن فيها“. عدنا وكرّرنا كلمات التسوّل والتضرّع، وبينما كنّا نزعق ونذرف الدموع، سُمع رنين أجراس واضحٌ وصافٍ. على حين غرّة، نبق على الشارع الذي على يسار مكان الصلاة، قطيع كبير من الخراف، وخلفه يمشي راعٍ وبيده عصا كبيرة.

شعرنا كلّنا بالقشعريرة، ولكن ليس من البرد. أوّل من استفاق من الصدمة، كان بالطبع أبو واصف، الذي ركض نحو القطيع ونادى الراعي قائلًا: الله بعثك إلينا، هل توافق أن تبيعنا خرافًا من قطيعك“؟ أومأ الراعي برأسه أن نعم. طلب الكاهن توفيق منه أن يدعه يختار خرافًا بعمر عام من قطيعه. ضحك الراعي: ”في قطيعي ٣٠٠ خروف وكلّها بعمر أقلّ من عام، اشتر ما تشاء!“. أبو واصف لم ينتظر ولو لحظة، اختار ثلاثين خروفًا تقريبًا، تكون كافية لكل أيّام عيد الفسح. إبناه واصف وخضر (آشر وفنحاس) ساقا الخراف إلى زاوية في ساحة مكان القربان. عندما مدّ الكاهن يده ليدفع الثمن، ذُهل جدًّا، إذ رأى أنّ الراعي وقطيعه، قد اختفيا في الضباب الكثيف.

هل كان هذا ملاكًا؟ “

1- كنت قد ترجمت هذه القصة وعشرين أخرى، ونشرتها في  الدورية السامرية أ. ب.ـ أخبار السامرة ١٠٩٨-١٠٩٩، ٢٦ أيلول ٢٠١١، ص. ٤٧-٦٢، ١١٠٠، ١٠ تشرين الأوّل ٢٠١١، ص. ٥٧-٧٢ وفي عدة مواقع إلكترونية. وأثبتها هنا للمقارنة.

10- أُعجوبة القربان

عبد حنونة بن إبراهيم الستري (الدنفي)

لم تحدث العجائب لآبائنا فقط بل ولنا أيضا. عادة لا ننتبه إلى المعجزة إلا بعد مضي سنوات وعندها نتذكر ذلك الحادث ونكتشف أنه كان أعجوبة. حدث ذلك أيام الحرب العالمية الأولى، كنت فتى. ساد الجوع كل البلاد، تناقصت قطعان الغنم لعدم توفّر الغذاء ولأن معظمها قد ذُبح اضطرارا للأكل.

وقُبيل عيد الفسح صعد كل أبناء الطائفة كالمعتاد، قرابة المائة والخمسين نسمة إلى جبل جريزيم ونصبوا الخيام. وساورنا قلق حول تأمين الخراف لكي نقوم بفريضة عيد القربان. كنا بحاجة إلى بضعة خراف لا غير، ستّة فقط، اثنان لعائلة الكهنة ، اثنان لعائلة الدنفي، واحد لآل مرحيڤ (مفرج) والأخير لأسرة صدقة. دأب الكاهن الأكبر، متصليح (توفيق) بن فنحاس (خضر) النهوض باكرا كل يوم والذهاب إلى القرى المجاورة إلا أنه كان يعود خالي الوفاض. وكلما مرّ الوقت ودنا يوم القربان خشينا أن القربان لن يحصل لعدم توفّر الخرفان. وموضوع واحد فقط أشغل بال كل أبناء الطائفة، ماذا سيحدث يوم القربان، وهو يوم عيد، قد لا يكون عيدا.

وحلّ اليوم العاشر في الشهر وعنه قيل “في العاشر من الشهر أخذ كل امرء ماعزا” ولا وجود للخراف. وحتى البدو انتقلوا بقطعانهم بعيدا عن هذه البلاد التي تأكل ساكنيها. وهمّ آخر عشّش في قلوبنا: عرب بني كفر قليل المجاور كانوا يجبون منا كل فسح خروفا واحدا مقابل “الحراسة” والآن إن لم نتمكن من الحصول على هذا الخروف سيسيئون لنا.

وفي ليلة الرابع عشر من الشهر الأول طرأ تردٍ في الطقس. حتى السماء غاضية علينا، ظنّ الكثيرون. وفي الصباح الباكر نهضنا من نومنا للصلاة الأخيرة في صباح يوم القربان. ضباب كثيف غطّى الجبل وبصعوبة سلكنا طريقنا إلى مكان الصلاة. صلينا بتشبث شديد صلاة ”ربنا فرّج عنا هذه المحنة التي نحن فيها“. وبينما كنا نصرخ ونولول وإذا بصوت أجراس يُسمع عن قرب. وفي الطريق بجانب مكان الصلاة اندفع من الضباب قطيع من الضأن كبير ووراءه راعٍ يخطو وعصا طويلة بيده.

كلنا ارتجفنا ولكن ليس من البرد. ּأوّل من استعاد قواه من الصدمة كان الكاهن توفيق بن خضر (متصليح بن فنحاس) الذي سرعان ما ركض نحو الراعي قائلا بصوت عال: ”الله أرسلك إلينا، هلا بعتنا خرافا من قطيعك“؟

هزّ الراعي رأسَه من أعلى إلى أسفل، وفي الحال تقدّم الكاهن واختار ثلاثين خروفًا حوليًا كانت كافية لكلّ أيّام الفسح. وعندما مدّ الكاهن يده ليدفع للراعي ثمن الخرفان، ذُهل إذ رأى أن الراعي والقطيع قد اختفيا في الضباب.

هل كان هذا ملاك الله؟

 

ترجمة: ب. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

 

 

وفي يومك هذا رسمت أياما لا تخلو من بهجة، ولا تطأ أرض الخريف، لونت سماءك بألوان المجد السرمدي، وسبحت في عبق سحرها وسحره، لكنني لم أر لوجودك أرضا تسعه بنبله ونقائه، وتنصت إلى موسيقاه الشاردة.

 أنت أذن صاغية :

أذن صاغية أنت إن رأيت ما يرضي غرورك الجميل، وسماء صافية أنت، إن لم يكفهر محيطك.

على عرش الإنسانية استويت، كما يستوي الجمال في نفوسنا وفي عالمنا، باسطة أفياءه الظليلة على العوالم التي تثير البهجة في كل النفوس، وفي هذا يقين على أن عرشك يشمله بهاء متفرد لا كبهاء كل عروش الدنيا.

عين ساحرة:

أنت تلتقطين من هذا العالم وذاك ما يسر النفس، ويرمي بالأشجان بعيدا عن مقامك، لذلك لا يبين لنا منك إلا عذوبتك، ولا نعرف من مكنون ما تخفين إلا تلك الإبتسامة التي تهب هذا العالم الحياة .

لك منا كل التحايا التي تعانق جمالك الذي يتلاشى في هدوء، دون أن ندري، و دون أن تدرين .

لو تعلمين :

 لو تعلمين ما يبسط الهدوء والسكينة على هذا العالم، لكنت قد جملت عالمك بأعظم وأسمى من جمال الملمح، جمال الروح هو، سر الحياة الأبدي وبذرة الخلود الزكية.

جلجامش لم يهدأ له بال، وقد بلغ المقصد وحصد سر الوجود، وسيزيف لم يتوانى أبدا في عبور طريق مليء بالتحديات، عامر بالحواجز، كل شيء هان من أجل غايات و أهداف تنتزع الحقوق، ولا تطلبها في مجتمعات، لا تعي من أنت، ومن تكونين ؟.

ظل يذوب وظل يمتد:

 بين العوالم عالم يرفض ألقك، وآخر يرفض تواجدك فيه بأثرك البالغ الذي يتبع خطاك أينما حللت، وقد يقرأون صفحات كتابك على غير هدى، ينطلقون من مسلمات و حكايات وأساطير تحط من مكانتك، لينفردوا بعالم لا يسع أسرار كيانك الرائع .

كثيرون من لوثوا هذا العالم بصدى التجارب البائسة، وكثيرون من التفتوا إلى نبع الجمال فيك، لكنهم لم يحافظوا عليه لينجلي في هدوء وهم يعلمون، ليعم العالم صمت رهيب.

ظل قبيح يذوب ليمتد ظل جاثم ليغير ملامح العالم في لمح البصر، ولا أظن أن بعضهم يبرئك من أخطاء و هنات تختطف من شعاعك الساطع .

أضواء باهتة:

شمس بازغة أنت في المنابر، ومتألقة أنت في عالم يخفي جروحك التي لا تلتئم مهما فعل مناصروك، سبحوا في عالمك، أخذوا منه دون أن يوفوه ما يليق به، عبثوا فيه دون أن يعوا جسامة ما فعلوا .

في طريقهم رسموا للجمال تماثيل بهية، وهم لا يدرون، فتاهوا في وصفك، وعانوا من عظيم جمالك، وماتوا في سبيلك.

كم من الحقائق باتت مرمية على جوانب الطرقات، أو مكتوبة بمداد الجرائد والمجلات، أو مرصودة بآلات تصوير، لا ترحم الأمكنة و لا الأشخاص، وكم من الخبايا التي تكتب عن تاريخك في صمت، تجلت لنا على شعاع باهت من نبراس قديم .

لكن خذي من رسائلنا أروعها وأنقاها، ملفوفة بعبق أبدي يعانق سحر جمال العالم من حولك، ولألق وجودك سنعزف سمفونية مجد لا متناهٍ في يومك العالمي .

 

 

 

هناك من رأى الخطأ في إدخال لام التعريف على "بعض"= البعض، و "كل"= الكل،

 ودعواهم في ذلك أن "بعض" و "كل" معرفة، لأن كلاً منهما في نيّة الإضافة، وبسبب نية الإضافة والتعريف كان أن نصبت العرب بعدهما الحال: جئت لبعضٍ مسرورًا.

(انظر عباس أبو السعود: أزاهير الفصحى، ص 140)

يقول أبو السعود: "وفي كتاب (ليس) لابن خالويهِ- فإن العوامّ وكثير من الخواصّ يقولون (الكل) و (البعض) وإنما هو "كل" و"بعض" لا تدخلهما الألف واللام، لأنهما معرفتان في نية الإضافة، وهذا الرأي أفصح الآراء لأنه مدعوم بالحُجّة، وهي أن كلاً منهما لا يُستعمل إلا مضافًا لفظًا أو  تقديرًا، فإذا قلت "كلٌ فائز" كان المعنى- كلهم فائز"- ص 141.

أما الجوهري في (الصِّحاح) فقال:

"كلٌ وبعضٌ معرفتان، ولم يجيئا عن العرب بالألف واللام، وهو جائز؛ لأن فيهما معنى الإضافة، أضفت أم لم تضف"- مادة ك ل ل.

 ...

.."

 وقد استفاض عباس حسن في (النحو الوافي)، ج3 هامش ص 72 في بيان وجه الخلاف، لكنه نحا منحى التيسير وقبول تعريفهما بلام التعريف.

..

 لكني في جولتي اللغوية رأيت نماذج وفيرة من "البعض" ومن "الكل"، فإليكم نماذج من أدب العرب مما وردتا فيه:

قال مجنون ليلى:

لا يذكر البعض من ديني فينكره *** ولا يحدّثني أن  سوف يقضيني

قال سُحَيم:

رأيت الغنيَّ والفقير كليهما *** إلى الموت يأتي الموت للكلّ مُعْمِدا

وذكر الفيّومي في معجمه (المصباح المنير) أن ابن المقفّع كان يقول:

"العلم كثير، ولكن أخذ البعض خير من ترك الكل"، ويُروى: "العلم أكثر من أن يُحاط بالكل منه، فاحفظوا البعض!"

وهذا القول كان مأخذًا على ابن المقفّع- إمام الترسّل.

ينقل لنا ابن دريد عن الأصمعي قال:

"قرأت آداب ابن المقفع فلم أر فيها لحنًا إلا قوله – العلم أكثر من أن يحاط بالكل منه فاحفظوا البعض".

(الاقتباسات من السيوطي: المُزْهِر في علوم اللغة وأنواعها، ج2، ص 158.)

..

يقول الجاحظ في مقدمة كتابه (الحيوان) يرد على من عاب كتبه:

"وقد كنت أعجب من عيبك البعضَ بلا علم، حتى عِبتَ الكلّ بلا علم".

" ويجود بالكل دون البعض، ويدع لك الكنز الذي ليس للسلطان فيه حق"

انظر كتاب (الحيوان) ج1، ص 38، 101.

...

عدت إلى أشعار العباسيين فوجدت الكثرة الكاثرة من استخدامات (البعض) و (الكل) حتى لم يعد أي معنى للتخطئة.

يقول المتنبي:

ولا واحدًا في ذا الورى من جماعة ***  ولا البعض من كل، ولكنك الضعف

البحتري:

وما كلّ ما بُلّغتمُ صدقَ قائلٍ *** وفي البعض إزراءٌ عليّ وذامُ

ابن الرومي:

وهبتَ شطرَ الرضا له فهب  الــ      كلَّ فليس الكمال في الشطر

 أبو فراس الحمْداني:

اطرحوا الأمر إلينا ***  واحملوا الكلَّ علينا

وغيرها كثير.

 

ب. فاروق مواسي

 

 

كنت قد نشرت في مدونتي مادة عن "شيخ المعرة" تتضمن الكثير من مواقفه وجهوده الإنسانية في التعليم وحفظ السلام لمناسبة عيد المعلم وغيرها من المواد خصصت بها هذه المناسبة وقد لقيت قبولاً من لدن القراء الكرام من خلال تعليقاتهم أو مراسلاتهم يطمحون بأكثر مما كتبت، حتى ذكّروني بقول عربي شائع ولكنه غير مأثور لدي لأنه أعرج نصفه الأول لئيم ونصفه الثاني كريم: "إذا ضربت فأوجِع، وإذا أطعمت فأشبِع"، ما يعني بأن ليس كل ما في تراثنا جميل ما يقتضي مراجعة وتنقيح التراث لصالح الإنسان والمثل الإنسانية..

فلا يعجبنّيَ هذا النفاق - فكم نُفِّقت محنةٌ ما كسّدْ

 تتضمن  "شيخ المعرة" أول الكلام: كنت قد نشرت في مدونتي مادة عن الكرام، فاستحسنها الكثير من مواقفه وجهوده الإنسانية في التعليم وحفظ السلام لمناسبة عيد المعلم وغيرها من المواد خصصت بها هذه المناسبة وقد لقيت قبولاً من لد القراء الكرام من خلال تعليقاتهمأو مراسلاتهم يطمحون بأكثر مما كتبت، حتى ذكّرونوي بقول عربي شائع ولكنه غير مأثور لدي لأنه أعرج نصفه الأول لئيم ونصفه الثاني كريم: " إذا ضربت فأوجِع، وإذا أطعمت فأشبِع"، ما يعني بأن ليس كل ما في تراثنا جميل ما يقتضي مراجعة وتنقيح التراث لصالح الإنسان والمثل الإنسانية ..

أبو العلاء المعري، هو معلم المعلمين، ولا أقول هو شيخ الشيوخ، فليس كلُّ من اعتمّ بعِمّة أيّاً كان حجمها وشكلها ولونها هو شيخٌ، وقد أرانا زمانُنا هذا الذي نعيش من الشيوخ عجباً، وليس هذا موضوعنا إنما هو عِلّتنا المُستحكِمة والمُتحكِمة فينا و داؤنا العضال!

تقلّب الفتى على فراشه قلق الوساد، وهو لذي سيُشتَهر بالخطيب التبريزي، فهو مولود في تِبريز ولا يغرّنك مسقطُ رأسه ولا لقبه، فهو عربي المحتِد من بني شيبان، انتقل وأهلوه إلى بغداد، وبانت عليه علامات النبوغ من قوة حافظة وفطنة وتتلمذ على خيرة اساتيذ بغداد واستوعب علومهم نحواً وصرفاً وعروضاً، وحفِظ من الشعر روائع فحول الشعراء ووقف على معانيها وألفاظها وبلاغتها وصورها ومحصّ السمين من الغث، فرهفت حاسته وتثقفت ذائقته..

سمع شيوخ بغداد يلهجون بذكر إمام في الفلسفة واللغة وفقهها ومعجم ناطق في مفرداتها وروايات شعرها وشعرائها ونحوها وصرفها، فمن يا ترى يكون غيرُ الشاعر أبي العلاء، وهو وحده المعرّف بكنيته أو بنسبه إلى المعرة، أو بلقب شيخ المعرّة؛ لذا قرر أن يشد الرحال اليه وأقنع والديه فاقتنعا.

   وشرع يمنّي نفسه باللقاء ويتخيل كيف سيكون الحديث مع الشيخ الجليل وكيف يحضر الدروس مع طلاب لابدّ أنهم أذكيا نجباء وسيتصور أنه يرجع إلى بغداد ليصبح علماً من اعلامها علما وصيتا؛ يشار إليه بالبنان، ألا يكفي أن يكون تلميذ أبي العلاء المعري؟!ً

وهذه دار أبي العلاء، طفق يطرق الباب برفق، وقلبه يطرق بقوة حتى بدا نبضه له مسموعا بين جوانحه، ففتح الخادم الباب، وبادر الزائر بالسلام، يريد مقابلة الشيخ، فأذن له بالدخول وتكلم بلغة تدل على مكانة صاحبها، عرّف بنفسه قال أنه قدم من بغداد ويطمح أن يكون تلميذه لعام وبعض العام، وعندما انتهى من كلامه، صمت الشيخ قليلاً، فالحال ضعيف والحمل ثقيل من طلاب قطعوا الجبال والوهاد والوديان ليغترفوا من علم الشيخ، وكل دخله يأتي من جراية قيمتها ستون ديناراًمن وقف والده يمنح نصفها لخادمه، ويعتاش وطلبته من الباقي، وطعامهم الغالب العدس والخبز ويتحلون بقليل من التين الرطب في موسمه والجاف في غير موسمه والتين رخيص في المعرة والشام عموماً رخص التمر في البصرة والعراق عموما.ً

   ولا يدخل دار الشيخ الذي أمضى دهره صائماً ممّا يخص الحيوان شيئا وهو القائل في هذا المخلوق الضعيف: استضعفوك فأكلوك.

ولكي يُطمئن الشيخَ أخرج صُرّة في غلاله فتحها ليضعها في يد أستاذه، فسأل الشيخُ متعجباً ما

هذا، فأجاب الفتى على حياءهذه مخشلات من ذهب كي أخفف من حملي عليك،فرد الشيخ : نحن لا نأخذ من تلاميذنا مالاً، والعلم عندي مُباح، فألح الفتى، فنادى الشيخ على خادمه وسلّمها له.

أمضى التبريزي سنّة ونيّفاً يغترف من علم أستاذه اغترافاً ويأكل ويبيت بضمير مرتاح، وغدا من المُبرَّزين بين زملائه أثيراً عند أستاذه الذي أعجِب به أيّما إعجاب، وخصّه بكثير من فلسفته ما أخفى منها وما أجهر، فلمع اسمه وعلا، حتى حان موعد الرحيل، جاء إلى أستاذه ليودعه ويشكره على ما قدّم له بإخلاص، وقبل أن ينهض أخرج الشيخ الغلالة وصرتها التي لم تُفتح قائلاًيابني هذه أمانتكم أمانتكم رُدّت إليكم حاول الفتى أن يقنع الشيخ باستلامها فأبى..!! ..

إلى كل من غمرني بلطفه وحسن كلماته حين كتبت " مدرسة رحمة الله") (سقت هذه الشذرة

***

سيرة أبي العلاء المعري (363-449هج) يتلمسها القاري من خلال جهوده وسيرته وأعماله العظيمة، وما كتبه المعاصرون من أمثال طه حسين  في "كتابه مع أبي العلاء في سجنه"، ومن خلال كتاب الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطىء في رسالتها الذائعة عن أبي العلاء..

وأما سيرة تلميذه الخطيب التبريزي(502-421هج) الذي لم يأخذ شهرته التي تليق بمكانته إلا عند الدارسين لعلوم اللغة وآدابها، فهو محقق وشارح العديد من أمهات الكتب التي أذكر منها على عجالة : تحقيق وشرح المعلقات العشر، تحقيق وشرح المفضليات للمفضل الضبي،شرح ديوان استاذه سقط الزند، تحقيق وشرح مقصورة ابن دربد، وكتابه عن العالم اللغوي ابن السكّيت...الخ.

 لم يمتدح أبو العلاء حاكما قط ولم يتقرب إلا للعلماء والأفاضل الذي يقول عنهم:

أولو الفضل في أوطانهم غرباءُ - تشذُّ وتنأى عنهم القرباءُ

بقي أبو العلاء في بيته بعد أوبته من بغداد في  وحاز على لقب "رهين المحبسين"

الدار والعمى لمدة تسع وأربعين سنة  ولم يخرج إلا مرةَ واحدة، لمقابلة القائد النبيل

   حاكم حلب صالح بن مرداس، الذي حاصر المعرة لأن أهلها عصوه، فجاء الناس يتوسلون أبا العلاء ليدفع عنهم غائلة الحرب، فانصاع لطلبهم وخرج يتكىء على خادمه ولما عرفه القائد أمر بوقف القتال، واستقبله وأدخله الخيمة مرحبا به وأجلسه سائلاً إياه: ما حاجتك؟ فقال أبو العلاء: الأمير - أطال الله بقاءه-

 (صباحه ومساؤه/خ) كالسيف القاطع لانَ متنُه وخشن حدّاه وكالنهار الماتع قاظ وسطه خذ العفو وأمر بالعرف، وأعرِض عن الجاهلين، فقال له صالح وهبتها لك، ثم قال أنشدنا شيئا من شعرك يا أبا العلاء ، لنرويَه عنك، فأنشد ارتجالاً:

تغيّبتُ في منزلي برهةً - ستير العيوب فقيد الحسدْ

فلما مضى العُمرُ إلا الاقل- وحمّ لروحي فراقُ الجسَد

بُعِثتُ شفيعاً إلى صالحٍ - وذاك من القوم رأي فسَد

فيسمُع منّيَ سجع الحّمام - وأسمعُ منه زئير الاسد

فلا يعجبنّي هذا النفاق- فكم نَفَّقَتْ محنةٌ ما كسَد

 فقال صالح: بل نحن الذين تسمع منّا سجع الحمام، وأنت الذي نسمع منك زئير الاسد... ثم رحلّ.

 

خالد جواد شبيل

السادس من آذار 2017