علجية عيش (في تعقيب الأديب الطاهر يحياوي على الروائي أمين الزاوي)

عقّب الأديب الجزائري الطاهر يحياوي على تصريحات الروائي الجزائري أمين الزاوي حيث قال هذا الأخير في مقال له أن "القارئ باللغة العربية يخوّف أكثر من الشرطة والأئمة"، وقد أكد الأديب الطاهر يحياوي أن اللغة العربية هي التي أنجبت صلاح الدين وهواري بومدين وجمال عبد الناصر والملك فيصل وعمر المختار والعربي بن مهيدي وفاطمة نسومر وعميـروش ومولود قاسم وعبد الحميد بن باديس، فهل سيرد الزاوي على يحياوي أم أنه سيلزم الصمت ويعمل بمقولة " أكتب وضع بصمتك واترك النقاد ينتقدون"

وفي هذا التعقيب جدد الأديب الطاهر يحياوي موقفه من أدب الطابو الذي يقوم على ثلاثية : "المقدس والسياسة والجنس"، وقال الأديب الطاهر يحياوي أن "أدب الطابو" تيار دار عليه الزمن أو كما قال هو أكلته الأيام، لأن ما يحدث اليوم في كل الأوطان العربية تجاوز كل الحدود ولا حاجة للشعوب اليوم إلى (طابو السياسة) ، وقد بدا تعقيب الأديب الطاهر يحياوي في البداية على مقال الزاوي بلغة عتاب، ليتحول إلى حرب كلامية شنّها عليه، لاسيما والروائي امين الزاوي معروف بجرأته في الطرح واعتيادة على تكسير كل الحواجز، وتجاوزه الخطوط الحمراء اثناء الكتابة، ربما أمين الزواي كباقي الكتاب المتحررين، قد يخرج عن دائرة الوعي وهو يكتب بحرية، بحيث يصف الأشياء على طبيعتها، وكأنه يرحل بالقارئ إلى العصر الذي ظهر في أول البشر آدم وحواء وهما بدون غطاء يستر عوراتهما، ولذا يرى أن الكتابة وجب لأن تكون عارية، والحقيقة أن الكاتب عندما يريد التعمق في الكتابة فهو قد يختار الوقت الملائم لكي يتحرر من كل شيئ حتى المقدسات.

و قد استعمل الأديب الطاهر يحياوي مصطلح المقدسيين من أنبياء وأطهار وصالحين وشرفاء؟!، حيث ربط ما يكتبه هذا الروائي بالقضية الفلسطينية، حتى يثير مشاعر القارئ العربي (المحافظ والمتحفظ)، هذا القارئ الذي يجعل من كل كتابة متحررة على انها خارجة عن المألوف، أو عارٌ إن صح القول، إذ نجد الأديب الطاهر يحياوي يدعو إلى عدم الخوض في هذا النوع من الكتابات، لدرجة أنه خاطب الزاوي باسلوب الردع، عندما قال له في تعقيبه: " وأنت يا دكتور ممن يقيمون للمصطلح اصطلاحه، وإلا فبأي حق أن تكتب في أدب الطابو كما يحلو لك وتجعل من نفسك ومن كتابتك (طابو) وترفض أن يكتب الناس عنك أو عن غيرك"، ويعتبر الأديب الطاهر يحياوي قضية الكتابة ضد المقدس والكتابة دفاعا عن المقدس ليست قضية جديدة في الفكر وفي الثقافة وفي الإبداع وليست قضية مقتصرة على أمّة من أمم العالم من أقصاه إلى أقصاه قديما وحديثا، فهذا هو الفكر وهذه هي جدلية العطاء والإبداع القائمة على الرأي والرأي الآخر وعلى الأخذ والعطاء، كما أضاف.

و المتتبع لتعقيب الأديب الطاهر يحياوي خاصة عندما قال : لم يحدث في تاريخ الإنسانية أن طلع دكتور دكتاتور يقول للناس أنا أكتب كما أشاء وأنتم لن أسمح لكم بأن تكتبوا عني أو عن أدبي، يقف على أنه يحذر من "الدكتاتورية الفكرية" ، ويريبذلك القول أن من حق الناقد أن ينتقد وبالطريقة التي يراها هو، ومن حقه أن يدافع عن القارئ واحترام ذوقه وإيديولوجيته، وأن لا يلصق به وصف مسيئ ومشين، وهنا نجد أن صاحب الرد أي الأديب الطاهر يحياوي محق ، لأنه ليس من حق أي كاتب مهما كان مستواه (دكتور/ ليس دكتور) أن يتهم القارئ باللغة العربية بالإرهابي، كما ليس من حق أي كاتب ان يصف القارء باللغة الفرنسية أو بلغة أخرى أجنبية بالخائن أو العميل أو الداعي إلى التطبيع، لأن الكتابة لا دين لها ولا جنسية، ونلاحظ أن الأديب الطاهر يحياوي في تعقيبه على الروائي امين الزاوي اشار إلى نقطة مهمة جدا، وهي جرائم الإستعمار الفرنسي، ما زال الجزائريون يعيشونها إلى اليوم .

 نعم..، فتاريخ فرنسا كما قال الطاهر يحياوي منذ أن عرف المجتمع الدولي دولة اسمها فرنسا وهي تستعمر الشعوب، وتفتك بالبشرية الإنسانية دون أي اعتبار، وتاريخ استعمارها الإجرامي في الجزائر على مرأى من أعيننا وفي عقر دارنا لا يحتمل الشك والاحتمال، وما تزال فرنسا إلى هذا العهد متمسكة بالاستعمار التقليدي القديم في جنوب إفريقيا بالرغم من أن كل العالم أقلع عن الاستعمار التقليدي ولكن لا أحد قال عن اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية أنها لغة استعمارية ويربطها بصفة الاستعمار والاستعمارية، وإسرائيل تمارس الاحتلال والقمع والإرهاب، وتمارس قتل المدنين والأبرياء والأطفال والنساء وتدمر حتى المدارس والمستشفيات وتحرق المزارع نهارا جهارا أمام العالم وأمام كميرات العالم، ولكن لا أحد قال عنها أنها لغة استعمار وظلم وأنها لغة تنتج ثقافة الحقد الإنساني وثقافة الاستعمار، وألمانيا النازية كانت جريمة كبرى في تاريخ الإنسانية وتهديدا لكل العالم ولا أحد اليوم يقول عن الألمانية أنها لغة نازية وفي الاتحاد السفياتي حقد خمسة وعشرون مليونا في (الثورة الحمراء) ثورة الشيوعيين الذين أرادوا أن يطبقوا الماركسية بالقوة، وهي اقتتال شعبي واسع ولا أحد يربط بين اللغة الروسية وتاريخ الجريمة التي وقعت.

نؤيد هذا الرأي الذي لا يأتي إلا من مثقف جزائري حرّ، الذي وصف التطرف بأنه سلوك إنساني قديم لدى كل شعوب المعمورة، هذا التطرف كما قال تغذيه أسباب سياسية اجتماعية وتربوية، فكل شعب في أيّ دولة مؤهل لأن تظهر فيه نزعة التطرف سواء الديني أو الأخلاقي أو السياسي أو الاجتماعي، إذا غابت ضوابط المجتمع، ، وغابت ثقافة التربية الدينية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية وغابت العدالة، ونضيف نحن "التطرف الفكري" ، فالفكر أضحى بحاجة إلى الأمن، ومن يحميه ويدافع عنه من العقلانيين، ورفع عن أصحابه نزعة التعصب، ومما لا شك فيه أنه لا أحد يدعم موقف الزّاوي في جعل اللغة العربية لغة إرهاب، لأنها لغة القرآن قبل كل شيئ، إلا أننا نعيب على الأديب الطاهر يحياوي وهو يتحدث عن التطرف بكل أشكاله بأنه لم يتطرق إلى وضعية الجزائر وما عاشته في بداية التسعينيات، فيما سمي بالعشرية السوداء، اغتيل فيها مثقفون وكُتَّاب وإعلاميون، دافعوا عن حرية الرأي والتعبير، ونادوا بالتغيير، لا يهم إن كانوا يمثلون التيار الفرنكفوني أو العروبي، وهو الذي قال: إن التطرف دائما يأتي ردا لفعل، فالصراع بين المثقفين ليس بالجديد، وفي كل دولة نسمع عن ميلاد ألفريد دريفوس جديد ALFRED DREYFUS، وكان هذا الظهور بداية الصراع بين المثقف والسلطة.

http://www.almothaqaf.com/qadayaama/qadayama-09/14454

الإختلاف فقط في الجنسيات (أوروبي، عربي أو أفريقي)، وألفريد دريفوس كان ضابطا فرنسا من أصل يهودي برتبة قبطان، أدانته المحكمة الفرنسية لتسريبه معلومات عسكرية إلى ألمانيا ، في 22 ديسمبر 1894 ، بحيث تم نفيه إلى الجزر الغابرة، رغم غياب أدلة تثبت تورطه..، وقد حولت هذه المحاكمة إلى إشعال نارا سياسية كبرى عصفت بالحياة الاجتماعية والسياسية في فرنسا، وبينما سكت رجال السياسة عن هذه القضية آنذاك وقف عدد كبير من المفكرين والفلاسفة للدفاع عن دريفوس ومن بينهم الروائي "إميل زولا"ZOLA في رسالة له إلى رئيس الجمهورية الفرنسي التي عنونها " إني أتهم"، زولا الذي اتسم بنزعة تفاؤلية كبيرة وبقناعة كاملة على انتصار الفكر على السلطة، فقد كان كتاب زولا بمثارة الشرارة الأولى في تبرئة دريفوس، وهكذا نشأ مفهوم المثقف أول ما نشأ بفرنسا مع انفجار هذه القضية.

ما يعيب على المثقف العربي، أن صراعه ليس مع السلطة فقط، وإنما الصراع الحقيقي هو صراع بين المثقف والمثقف نفسه، صراع بين الأنا والآخر، صراع بين الثابت والمتغير، ويظهر ان هناك تنافس كبير بين الكتاب والأدباء والمفكرين وحتى النقاد، تنافس بين من يكتب أكثر، ومن له الجرأة في طرح المشكلات، ومن هو الأفضل، وأصبح الصراع على الألقاب لا أقل ولا أكثر، ومن له الأحقية في حمل صفة هذا أديب وذاك مفكر ، وينظرون إلى الكاتب المبتدئ بأنه ما زال في الخشبة الأولى من السُلَّمِ، فقضية دريفوس سجلت باعتبارها صراعا ثقافيا انتصارا "للإنتلجانسيا الدنيا " على "الإنتلجانسيا العليا"، أي انتصار صغار المثقفين على كبار المثقفين...

 السؤال الذي يمكن أن نوجهه للأديب الطاهر يحياوي هو: هل يوجد كاتب كبير وكاتب صغير، أم أنه يريد الحديث عن "الإنتلجانسيا " كما تمت الإشارة إليه آنفا، وقد يُطْرَحُ السؤال بصيغة أخرى، كيف نحكم على الكاتب ونقول يوجدذ كاتب كبير وكاتب صغير، والكتابة هي نفسها كتابة، وماهي مقاييس الكتابة عند الكاتب ، هل بعدد الإصدارات، أم بالشهادات ( دكتور/ ليس دكتور)، أم أنه كاتب بالفطرة، أي أنه ولد وفي يده قلم ذهب ، أم أنه يشبه سيدنا عيسى الذي تكلم في المهد، أم سيدنا يوسف الذي علمه الله تأويل الرؤيا و..و..الخ، ثم أن هذا الأمر يقودنا إلى معرفة إذا ما كانت الكتابة سلوك فطري في الإنسان أم سلوك مكتسبٌ ، تتطور مع الوقت عن طريق القراءة والبحث والتنقيب في أمهات الكتب؟، وكما قال: الفيلسوف الفرنسي جول لانيو، نحن نبحث عن مثقف أو مفكر يلعب بالسياسي دون أن تحرقه نار السياسة، وفي الأخير نقول أن اللغة العربية تظل المعيار الحقيقي للمسلمين، لأنها لغة القرآن، أما تعلم اللغات الأجنبية فهي من أجل مواكبة التطور العلمي والعصرنة، والصراع بين المعربين والمفرنسين له ظروفه التاريخية والسياسية.

 

علجية عيش بتصرف

 

شاكر فريد حسننزيه حسون شاعر وطني ملتزم مرهف الاحساس، صادق الاداء، وصوت جميل عذب في حدائق الشعر الوطني الانساني والغزلي الوجداني . عرفناه منذ سبعينات القرن الماضي من خلال قصائده التي كان ينشرها في أدبيات الحزب الشيوعي "الاتحاد" و"الجديد" و"الغد".

وكنت تعرفت على نزيه حسون شخصيًا في أحد مخيمات العمل التطوعي في الناصرة، التي كان يشارك فيها ويلقي قصائده في أمسيات المخيم .

أصدر نزيه ديوانه الشعري الاول العام 1980 بعنوان " ميلاد في رحم المأساة " وكنت كتبت مداخلة عنه نشرت آنذاك في مجلة " الكاتب " المقدسية، لصاحبها الشاعر والكاتب أسعد الأسعد، وتبعه بديوانه الثاني " أبحث عن جسد يلد النصر " في العام 1983، بعد ذلك صدر له كتاب " أروع ما قيل في توفيق زياد " العام 1997، ثم توالت بالصدور كتبه دواوينه " سمفونية الحزن المسافر" (2006)، و" مزامير من سورة العشق " (2007، و" تأخذ القصيدة ملامحك " (2008)، و" أبحث عن وطني في وطني " (2009) و"عشق على سفر " (2010) و" ما تيسر من عشق وطن " (2012)، ولآلئ الفكر " (2013)، و" لحظة عشق تشعلني " (2013) .

وهو يكتب القصيدة العمودية الكلاسيكية، وقصيدة التفعيلة، والقصيدة الحديثة، ويجيد الكتابة بكل الالوان والانواع .

نزيه حسون شاعر ملتحم وملتصق بقضايا وطنه وشعبه وأمته، فهو ابن الوطن الفلسطيني، يعيش مأساته وهمومه الصغيرة والكبيرة، وجراح شعبه ومعاناة أمته .

وفي كل كتاباته يمزج نزيه حسون بين حبه لوطنه وحبه للمرأة المعشوقة، فالمرأة وطن، والوطن امرأة يعشقها بكل أحاسيسه ونبضات قلبه، والعنوان العريض لقصائده هو العشق بكل ما يمثله من وجد وشوق وحنين ونبض وجدان وعواطف جياشة ملتهبة، واندماج عاطفي . ويوظف لغة الغزل والعشق للتعبير عن ارتباطه والتصاقه بالوطن وجغرافيته وانسانيته، والبوح عن مشاعره الوطنية والوجدانية بأعذب الكلام وأرقه، فلنسمعه يردد قائلًا :

أرض الجليل الى عينيك يحملني عشق يكاد بنار الشوق يصليني.

هذي زهورك والأفنان باسقةٌ تنمو بروحي على هباتِ نسرين

هذي ربوعك بالزيتون قد غرست على السفوح كروم اللوز والتين

أرض الجليل واين الدرب يلقيني ما عاد اغراء النساء يثيرني

انت النساء جميعهن اميرتي لكني في الحب فارسك الوحيد.

وتتسم قصائد شاعرنا نزيه حسون بالحس الجمالي، والرقة والعذوبة والرهافة والشفافية والعفوية الجميلة، والصور الشعرية المبتكرة الجديدة التي تضفي على المشاهد التي ترسمها دينامية تجعل القارئ يستحضرها في علاقة بما تشير اليه من قضايا وهموم انسانية ورؤى فكرية وجمالية .

نزيه حسون صاحب شاعرية متوقدة، مرهف الاحساس بفكرة الحب، يحلق عاليًا بلغة شعرية مصطفاة، يراقص النجوم، ويغني الحلم، ويطرد الأحزان من النفوس، وينسج من خيوط الشمس جداول ماء على خدود الانهار، ويرسم بريشة فنان همسات ندى ولحن القلوب . وتحتشد قصائده بالصور الجديدة والتشبيهات والاستعارات والوان البديع، وينجح بالجمع بين الايجاز والمجاز والرمز واستخدام لغة الروح التي تصعد الى قمة التكثيف، وينساب داخل ايقاع بسيط وهادئ يمتد في رؤى رومانسية بأقصى صورها وأشكالها ومجازاتها:

يَزْدادُ جُرْحُ القَلْبِ إنْ هَبَّ النَّوّى

وَالقَلْبُ إنْ هَبَّ زَادَ اتِسَاع

إنِّي عَشِقتُكِ قَبَلَ مِيلاد الهَوَى

قَبْلَ انبِلاج النُّور في الكونِ المُشَاعْ

وَرَضِعْتُ هَذا العِشقَ مِثلَ مُتَيمٍ

قلبي لأَمْرِ العِشقِ يَنْصاعُ انصِياع

عجَبَا لِنارِ العِشقِ تَكوي رُوحَنَا

وَنَظَّلُ نَهْرَعُ نَحْوها مِثلَ الجيَاع

إنِّي سأرثِي في بُعَادِكٍ مُهْجَتي

وأقول ُ يا قَلْبِي عًلى الدُّنْيَا الوَداعْ

وفي الاجمال نصوص نزيه حسون متنوعة الاغراض والموضوعات منها الوطنية والغزلية الوجدانية الانسانية، وما يميزها أسلوب الطرح الذي يجمع جمال المبنى وكمال المعنى، إضافة الى الرومانسية التي تطبع روح القارئ بمشاعر انسانية راقية تأخذه الى عوالم وآفاق جميلة تخفف من وطأة الواقع القاسي، وهي بمنتهى الروعة والبساطة والعمق والجمال التعبيري والاحساس الشفيف الصادق .

وتحية خالصة وباقة ورد للصديق الشاعر الجميل العذب نزيه حسون، متمنيًا له المزيد من العطاء والابداع الشعري

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

نبيل عودةاقرا بشوق كبير رواية 1948 تأليف جورج أوريل، التي تقع في دولة إيرستريب 1 وهي مقاطعة من دولة عظمى تدعى أوشينيا (بريطانيا العظمى سابقا)، في عالم متخيل صاغه جورج اوريل بذكاء حتى لا يتهم من الحزبيين العقائديين، رغم انهيار نظامهم، بانه يشوه تاريخ ثوراتهم الاشتراكية، ويرفضون المقارنة التي تصعد تلقائيا لفكر القارئ عن العلاقة بين الرواية المتخيلة والحقيقة المجسمة في انظمة سقطت، دون ان تجد حماية حتى من أقرب كوادرها واعضاء حزبها او جيوشها العقائدية.

حسب الرواية يتميز النظام السياسي الذي يسمي نفسه بالاشتراكي بانه نظام استبدادي قمعي يتحكم بالنظام وأعضاء الحزب ويعتبرون الفردية والتفكير الحر بوصفها جرائم فكر. يعاقب عليها من يتهم بالتفكير الحر بالإعدام. جرائم التصفية بما في ذلك تصفية القيادات المؤسسة للنظام (هذا جرى في حكم ستالين بتصفيته القيادات التي قادت الثورة الاشتراكية) لأنها ربما ما زالت متمسكة بالفكر الثوري الذي خاضت به الثورة، لذا هي خطر على الأخ الكبير (الرفيق الحاكم المطلق) ربما لأنهم يعارضون استبداده او يختلفون على اسلوبه الديكتاتوري، ولم يصبحوا أقرب للنعل الذي يرتديه. 

الرئيس (الأخ الكبير) سيطر وأصبح الطاغية ويرمز اليه بصفته ديكتاتور يعد حتى انفاس المواطنين. وله في كل موقع لوحة شاشة كبيرة لمراقبة المواطنين والموظفين وهمساتهم والاعدام او المحاكمات تمحى من سجلات التاريخ. لذا ملايين الأسماء التي أعدم اصحابها ومحيت اسماؤهم من السجلات الحكومية.

  بطل الرواية، وينستون سميث، موظف طبعا عضو حزب لا يفقه شيئا من فكره، ووظيفته هي التزوير وقلب الحقائق ضمن وظيفته التي يصفها جورج اوريل بطريقة تثير لدى القارئ السخرية بأكثر اشكالها سوادا. مثلا الحكومة اعلنت عن نمو اقتصادي بنسبة 10% لكن النمو كان اقل من 4% يجب تصحيح ان توقعات الحكومة هو نمو اقتصادي 3% ونجحت الحكومة بجعله 4%. الخطة مثلا انتاج 160 مليون حذاء لكن الانتاج كان 56 مليون حذاء لذا تزور الخطة الى ان الهدف كان 45 مليون حذاء فأنتجنا 56 مليون حذاء، وهكذا دواليك الرفيق الأخ الكبير دائما دقيق في التنبؤات بكل ما يخص الدولة والانتاج.

وزارة الحقيقة مثلا مسؤولة عن الدعاية ومراجعة التاريخ؛ وعمل سميث هو إعادة كتابة المقالات القديمة وتغيير الحقائق التاريخية بحيث تتفق مع ما يعلنه الحزب على الدوام. يتلقى الموظفون في وزارة الحقيقة تعليمات تحدد التصحيحات المطلوبة، وتصفها بالتعديلات عوضًا عن التزييفان والأكاذيب التي تحرق وتختفي من السجلات. لذا يعكف جزء كبير من الوزارة على تدمير المستندات الأصلية التي لا تتضمن تلك التعديلات. وبذلك يذهب الدليل على كذب الحكومة أدراج الرياح. يجتهد وينستون في عمله ويؤديه على أكمل وجه، مع أنه يبغض الحزب سرًا ويحلم بإضرام ثورة على الأخ الكبير. ويثير جورج اوريل في سرده الشكوك حول ما آل اليه مصير والديه اذ أنهما "اختفيا" وهو بجيل صغير ولا يتذكر عنهما شيئا.

طبعا هناك جوانب مثيرة عديدة اتركها ليكتشفها القارئ ويتمتع او يحزن لما حدث لحلم انساني كان كبيرا فتلاشى.

رواية1984، يمكن وصفها برواية خيالية لكنها تفضح الأنظمة الشمولية (النازية والفاشية والشيوعية)

طبعا سينتقدني بعض الرفاق على الصاقي الشيوعية بالأنظمة الاستبدادية، لأنهم مع الاسف غاطسون بنومة اهل الكهف على افكار قديمة تضليلية، لم تخدم الفكر الماركسي الانساني، ولا الفكر الشيوعي بل السلطة الديكتاتورية وعبادة الزعيم لدرجة تأليهه. من هنا ايها الرفاق بدا الانهيار في النظام الذي رأينا به حلما انسانيا راقيا وعادلا، اعطيته انا شخصيا نصف عمري.

ما زلت بوسط الرواية. وانصح كل انسان يملك تفكيرا حرا وعشقا للأدب الجيد ان يقرا رواية 1948، ويفكر بحقيقة الأنظمة التي حلمنا ان تكون خلاصا للإنسانية من الاستغلال والاستبداد والتحكم بعقل البشر بالأساطير والأكاذيب والارهاب.

كتبت هذا النص قبل ان انهي الرواية بدافع أنى يجب ان اقول شيئا عن هذا العمل الروائي العظيم.

واتمنى من كل انسان يحترم فكره وعقله ان يقرا هذه الرواية ويفكر بتفاصيلها ويقارنها مع انظمة سقطت دون ان يقوم أي شعب عاش تحت سلطتها "العادلة" بالدفاع عنها، حتى جيوشها وقفت متفرجة لا يعنيها سقوط نظامها. بل ربما ساهمت بسقوطه بصمتها ووقوفها على الحياد، مثبتة ان النظرية التي تشوه لا تجد من يحميها وينتصر لحزبها ودولتها، وللأسف تحولت الأحزاب التي كانت تفتخر بانها تضم ملايين الأعضاء الى مجرد تنظيمات مفلسة لم تجد عشرة اشخاص يقفون لحمايتها، بل حتى اعضائها كانون يتمنون نهايتها.

 

نبيل عودة

 

احمد الشيخاوي[أتقصد أن أتوارى عن عيون أحبتي، وأختفي بين أحراش الذل، وأهجر تلك القلوب المتألمة وجميع تلك الأماني والأحلام..؟ ماذا عن تضحيات الأجداد؟ ألم تكن دماؤهم نهرا مازال يروينا؟(1).

وأنت تطالع مجموعة "نجوى الذكريات" للقاص المغربي احمد العكيدي، الصادرة حديثا عن جامعة المبدعين المغاربة، تتبين كيف أنها انتهجت لونا مغايرا في القص، بحيث حرّرت الذات الساردة من متاهة وتشعب الشخصيات، وقد اكتفت بالخطاب الموجه للآخر وأحيانا الغائب، فيما الحضور النرجسي خاطف ومقل، كل ذلك لكي تحيل على نيوكلاسيكية في السرد، تجرد تشظيات الذات والوطن، وتتحف بسلاسة اللغة، والاتكاء على أسلوبية الاسترجاع وتقنين مناولة الأماكن، ما منح مثل هذه السردية نكهة خاصة، خلافا لما ألفناه من تجارب تغرق في التفاصيل، وفوضى الشخوص، وغير ذلك من الزوائد الذاهبة بروح وجمالية القص.

تقع المجموعة في مائة صفحة من القطع المتوسط، تدور في فلك واحد تقريبا، يحتفي بالأقصوصة وازنة باحترام تقنياتها، قدر الإمكان، مع تركيز شديد على استنطاق هوياتي، يقلب المنظومة المفاهيمة المتجذرة في حس الانتماء، ويتباهى بالذاكرة، كونها ترمز إلى فتوحات وبطولات ودماء الأجداد.

ولكن دون التفريط في تيمات أخرى، تترجم بلورتها البعد الإنساني، في هوية لامة مشتركة، ومسوّقة لقيم الفطرة والاعتدال ومعاني الخيرية والحب والتسامي والجمال.

بحيث نجد لها ظلالا، ومخملية عبور، مابين الانشغالات الهوياتية والوجودية، مثلما تزكي ذلك العديد من نصوص المجموعة.

نسوق له الاقتباس التالي، كذلك:

[أطلّ برأسه عبر النافذة؛ فلامسته قطرات الماء الباردة، وانتقلت إلى جسده انتعاشة غريبة أحيت بباطنه عواطف ميتة، وحفزت في دواخله مشاعر جامدة...

أخذ صندوق أسراره أو كما يسميه صرة الكآبة، المغلق مند الواقعة ونفض الغبار عنه والأتربة، هذه رسالة من حبيب قد هجر، تلك صورة له في زمن قد ولى، يتباهى بتدخين سيجارة أيام المراهقة، تأمل ملامحه وقتئذ لا شيء تغير، هو نفس الجسد النحيل، التجاعيد فقط أصبحت تؤثث كل جسمه، هذا تذكار من زميل الدراسة انقطعت الأخبار بينهما منذ أجل غير قريب](2).

من هنا تتضح أهمية الذاكرة، بوصفها نورا أصليا، تؤوب إليه جميع خيوط السرد في هذا المنجز، فيما التتابع أو تعاقب الأجيال، مجرد هوة، ومساحات مشوهة ومشوشة على صفحات التصالح مع الجذر، وخيارات ربط الاتصال به، والعودة إلى مركزيته في دورة شبه كاملة، تصون للخلف ملامح تعصرنه، ورهانات تقدميته، دونما تنكر أو عقوق.

مثلما نقتطف له، في سياقات عاطفية، هذا النفس الرومانتكي الزاهي، الغامز بلغة القلب النقية، بل وشعرية الصلة بالنوع المقابل، كضرب هادر بإيقاعات تمجيد الأنثوي، يقول:

[لم تكن هي نفسها عندما فتحت الباب وخرجت، لم تكن تحمل معها مجلتها النسوية وهاتفها الوردي الرائق، حتى عطرها الفرنسي الجميل لا يفوح في الفضاء كعادته.عيناها حمراوان وشفتاها ذابلتان من غير مكياج، وجهها شاحب تغطيه سحنة الأموات...

مرت من أمامي في مكان التقائنا المألوف كأني غير موجود، لم تنظر قط نحوي كأنها لم تراني، ابتاعت باقة ورد كبيرة فازدادت حيرتي: الورود في قاموسي رمز الفرح والسرور وحالها ليس كذلك...

همست لها وهي عائدة بكلمات جميلة؛فالتفتت نحوي في ذهول وحدقت بي شاردة الذهن للحظات حسبتها الدهر حتى كادت نظراتها تخترق فؤادي.تسللت قطرات العرق الباردة فوق جبيني وأحسست بأن الجميع يراقبني وبأعداء التضامن الطبقي يشمتون بي ويتبجحون بصحة نظرياتهم حول حتمية الصراع الطبقي.ثم ركبت سيارتها وذهبت من غير لوم ولا عتاب] (3).

وإذن ...هو خطاب القلب المدغدغ بشعرية الوجود، ليس ينغص على انسيابيته وسلسبيل جريانه في عروق عاشق الوطن بليلاه، سوى راهن الطبقية البغيضة، صانعة كامل هذه الأقنعة، والأوجاع المبطنة بالفرح الهارب.

مجرد ماكياج، الحب كشعور أسمى وأهل لفوقية، بحيث يفسده تكلّفنا إياه، معلنين إفلاسنا الوجداني، ما دمنا قد خنّاه بهذا الشكل، وبدل أن نقدّسه، تلطخنا بتأويلاته الخاطئة والمغرضة، فكان ما صبغ بالزيف، هويتنا، وأضطرم له غبننا في مفردة مطلية بأريج الفراديس، وهبة فرطنا بها كثيرا، وربما استثمرناها في غير ما ولدت هي له، غسل أخطائنا التي غالبا ما نحمل التاريخ مسؤوليتها.

يقول أيضا:

[تفقد صفحاتها على جدران قلبك، اقرأها بعبق الحب، واكتشف ماهيتها بعد هذه السنين.فك شفرتها بعدما استعصت عليك كل هذا الزمن وقد غطى البياض معظم شعرك وعرى الترحال مقدمة رأسك.

تأملها بشغف جارف، امزجها بأنفاسك واستنشق بلسمها لدائك، داعبها بعاطفتك، سافر معها في أحلامك، ارسمها على بياض عواطفك، انقشها على نواة إحساسك، ثم أخبرني..أخبرني عن ظلال الهوى البهيجة في ثناياها وحطّم عنك أغلال نزواتك التي لهت وراءها.

لا تتأوه، أعرف أن صدرك يضيق بالكلمات، لطالما رغبت عنها واشتهيت المحسوسات.

ما بالك اليوم تدق باب بيتي، ألم ترو عطشك تلك الماديات؟](4).

هي نجوى خفيضة، حافظة لوصايا القلب الخالدة، بلا شك، وإن اختلطت أوراق الانتماء و صدحت بفلسفتها انشطارات الذات، وانكسرت عند حدود الماديات، روح الكائن، وتغرّبت ونزفت لأسر واستعباد الجسد.

بذلك، نكون إزاء قاص واعد، لم يجدّف في فضاء القص، أبعد من التخيل، كي يدهشنا بنفسه السردي، عبر منطق الاكتفاء بخطاب نيوكلاسيكي، استطاع الاستعاضة به، عن الفراغ الذي من الممكن أن يخلفه دأب الإكثار من الشخصيات، وتداخل عوالمها، حدا تنزلق مع اللعبة السردية، إلى خندق الحكي المنمط المضجر.

ناورت الذات الساردة، على نحو مقنّع، مقنع بشذرات القص، والج في أبجديات وخلفيات الذاكرة، ممسوسا بنبرة الأنوي، لينسج في الأخير، كهذه فسيفساء سردية، تتشاكل في معمارها مفاهيم العاطفي والهوياتي والوجودي.

ناثرة مزق الذات والوطن، ومنحازة لصف إنسانية ونورانية وروحانية الكائن، وقد خانه كل ما هو امتداد وظلال ومرايا له، بحيث لم تبق سوى الذاكرة، أفقا للتصادي والإيجابية والخلاص، يؤثره هذا الكائن المطعون في إنسانيته، ويشتهي المغامرة في متاهاته المدبجة بتاريخ البياض والانتصارات والأمجاد.

 

أحمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

.....................             

هامش:

(1) مقتطف من أقصوصة" شذرات وطن" صفحة3.

(2) مقتطف من نص "النور الأول"صفحة25.

(3) مقتبس من نص" بؤس وورود" صفحة37.

(4) مقتطف من نص "كلمات" صفحة 78.

 

شاكر فريد حسنعرفت الحركة الأدبية المحلية والمشهد الشعري في هذه الديار على امتداد السنوات المنقضية عشرات الشعراء برزت أسماؤهم على الصفحات الأدبية والمجلات والدوريات الثقافية. ومن هذه الأسماء الشاعر والفنان التشكيلي والناشط الثقافي أسامة ملحم، ابن بلدة كفر ياسيف .

تعود معرفتي بالصديق أسامة ملحم إلى أيام الطفولة، عندما التقاه الأديب المرحوم ميشيل حداد (أبو الأديب) وكتب عنه في مجلة "لأولادنا" كرسام شقيق الفنان كمال ملحم، وكان حينها في الصف الخامس الابتدائي .

ثم تقريته في صحافة الحزب الشيوعي "الاتحاد، الغد، والجديد"، بعدها تعرفت اليه شخصيًا عندما قام بزيارتي في العام 2007 وأهداني كتابه الموسوم "نقرزات" وهو لوحات نثرية وقطرات من حبر الروح، وتقديم الصحفي حسين سويطي .

ويشغل أسامة ملحم مدير مجلة "ميس" الثقافية الدورية، وعضوًا في اتحاد الكتاب والادباء الفلسطينيين، وله رصيد وكم كبير من النصوص الشعرية والنثرية والمقالات في المجال الادبي والسياسي .

وصدر له : سادر، باب الريح، جرة ماء ورد، حبل الرحيق، رسائلها التي ظلت في الدولاب، الرساؤلات، كطاوي ثمان "، بالإضافة إلى مسرحية سياسية اجتماعية بعنوان "الشيء الأسود الكبير " .

قصائد أسامة ملحم تتمحور حول مواضيع مختلفة في الحياة والفلسفة والقلق الوجودي والهموم الانسانية، وهي في غاية الجمال، وقمة الابداع والنضوج والتكامل الفني والتجديد والابتكار والآتيان بالصور والمعاني الجديدة، وتتميز بالغموض والرموز في الكثير منها، فضلًا عن الأبعاد الفكرية والفلسفية والوجودية العميقة . إنها ومضات فيها الكثير من سحر اللغة وأناقة الكلمة والبيان والاعجاز اللغوي، وتنطوي على صور مركبة مشعة جميلة، والفاظ متناغمة، وفيها الكثير من الإيحاءات، والتناص واضح في طياتها وبين ثناياها .

ويطغى على قصائده الشعور بالبؤس والقلق والاغتراب الذي يقود إلى ضياع ذاته الفردية والجمعية . ورغم روح السوداوية التي تشيع بين سطوره، إلا انه يغلف سواده بالرومانسية الجميلة والحلم الوردي، فيقول في قصيدة له بعنوان " بابُ الرَّيح " :

شُو ضَلّ مِنْ حُبّنا غَيْرِ ألوَهِمْ

وَأوْراقْنا صارَتْ مَهَبِّ ألرِّيحْ

شُو ضَلّ مَعْنا مِنْ بَقايا الحلِمْ

وَتَنشوفْ بًعِضْنا بِدْنا ألِفْ تَصْريحْ

شَو ضَلّ مِنْ سَكْرِةْ هَوانا

غَيْرِ العَتَبْ والهَمّ والتّجْريحْ

غَيْرِ السَّهَرْ والغَمِّ وْكَلامِ النّاسْ

تَرَى ؟! ما كَنْشْ حًبّنا عَنْ جَدّ وْصَحيحْ

أسامة ملحم يحاول عبر شعريته أن يعيد ترتيب الحياة من خلال تفاصيلها التي لا نكاد نلاحظها بغرض الوصول لمعيار معادل للحياة المتداعية التي تخللنا بقسوة مرعبة، ونجده يرسم لوحات صورية فائقة الدقة، وهي ميزة بارزة لديه، ويرتكز على هذه الصورية لتحقيق المشهد الجمالي لدى نفسه ثم لدى المتلقي، وكل ذلك يرسمه ويعبّر عنه بلغة مفتوحة مبنية على تفاصيل الشكل، ورشاقة التعبير، وبقوة ونبض وروح شعرية عالية، وقدرة فائقة في ترسيخ بنيان الصور الشعرية داخل النص الواحد .

ومن حيث الابداع الشعري ينتسب أسامة ملحم لتيار الحساسية الشعرية الجديدة التي تنشد كتابة مغايرة للسائد، ورؤيا مركبة للوجود الانساني، والتقاط الصور التي تقترب من الهم الانساني، وهي وجعه الشخصي، وينهل من لغة شعرية تعشق التجريب .

إنه باختصار شاعر مفعم بالإحساس المرهف والفكر التقدمي النيّر، ممسك بتلابيب اللغة، متمكن من ادواته ببراعة مشهودة، وموسوم بالصفاء والبهاء . فله أطيب التحيات والتمنيات بالمزيد من العطاء والتألق والتوهج الابداعي

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

محمد صالح الجبوريالبرامج التلفزيونية التي لها مكانة في القلوب تبقى لها نكهة، وطعم مميز، وإسلوب ممتع تنقلنا إلى عالم آخر، هذه البرامج التي تحاور شخصيات معروفة متمكنة في الأداء واللغة، وحسن الكلام، ولها القدرة على طرح مواضيع منوعة في مختلف مجالات الحياة، ومن تلك البرامج المتميزة برنامج (أطراف الحديث) الذي يعده ويقدمه: د. مجيد السامرائي وهو برنامج ناجح يلقى إعجاب المستمعين في كل مكان، السامرائي يحاور ضيوفه بمهنية عالية، ويحاول باسلوبه الحصول على المعلومات المهمة منهم، وهو يختار أفضل الشخصيات التاريخية والعلمية والفنية والرياضية، ربما قدمت قناة الشرقية هذا البرنامج من أفضل برامجها، وهي لديها برامج منوعة تهم شؤون الناس، و تهتم بمشاكلهم، الإعلام يقدم كل شيء يهم المواطن، برنامج اطراف الحديث ينقلنا إلى عالم الماضي بطيبته، والى تلك السنوات التي مرت ولم تبقى سوى ذكرياتها، في الماضي نكهة طيبة، المستمع يرغب أن يحصل على معلومات في مختلف المجالات، والحديث مع شخصيات مهمة ومعروفة يضيف للحوار أهمية كبيرة، إن نجاح البرنامج يعتمد على انتقاء الشخصيات، وإختيار المواضيع، وكفاءة المعد وثقافته ومعلوماته، و سيطرته على الحوار، د. مجيد السامرائي شخصية إعلامية مقتدرة، له خبرة في الحوار، ويحظى بإهتمام المستمعين، تحياتي له، البرنامج وثق أحداث وتواريخ مهمة لشخصيات مهمة ومهن وحرف في مختلف مجالات الحياة، ولبرنامجه الممتع النجاح والموفقية.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

كاتب وصحفي

ضياء نافعيحتفل العراق وروسيا في هذا العام (2019) بالذكرى الخامسة والسبعين لاقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، وانطلاقا من هذه الذكرى اليوبيلية وتحية لها، فقد قررت لجنة تحديد الفائزين بجائزة نوّارلتعزيز الحوار العراقي – الروسي لعام 2019 اليوبيلي هذا منح جائزتين  اثنتين بدلا من جائزة واحدة كما كان الامر في العام الماضي عند تأسيس هذه الجائزة، واحدة للعراق واخرى لروسيا، اي ان العراق وروسيا فازا معا لهذا العام (في الذكرى الخامسة والسبعين لاقامة العلاقات بينهما) بجائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي - الروسي، وذلك لأنهما باتخاذهما القرار باقامة علاقات دبلوماسية بينهما يعني انهما يسعيان معا لاقامة حوار دائم بين الجانبين، وهذا القرار (الذي تم اتخاذه العام 1944) بحد ذاته يجسّد خطوة مهمة جدا في انطلاقة مسيرة هذا الحوار وتعزيزه  لاحقا .

  يستلم جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي في دورته الثانية للعام 2019 باسم العراق سفير جمهورية العراق في روسيا السيد حيدر منصور هادي العذاري باعتباره رئيس هيئة تمثيل العراق في روسيا، ويستلم الجائزة باسم روسيا سفير روسيا الاتحادية في العراق السيد مكسيم كنستونتينوفتش مكسيموف باعتباره رئيس هيئة تمثيل روسيا في العراق. هذا وستجري مراسم تسليم الجائزتين في الحفل الكبير، الذي تقيمه بموسكو سفارة جمهورية العراق في روسيا الاتحادية (لمناسبة الذكرى 75 للعلاقات بينهما) مساء التاسع من ايلول / سبتمبر 2019، وهو اليوم الذي وقّع فيه الجانبان اقامة علاقات دبلوماسية بينهما في عام 1944، اي قبل 75 سنة .

لتزدهر وتتعزز العلاقات العراقية – الروسية لمصلحة الشعبين الصديقين 

عاشت جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي

 

أ. د. ضياء نافع                    

 

النذور عادة غرست في الروح الانسانية من عهود موغلة في القدم . فقد درج الانسان عليها في حالات الشدة والأزمات التي يمر بها وتجعله فريسة سهلة للهموم والأحزان، تتقاسمه نوازع شتى لا خلاص منها لذا يلجأ الى النذور .

وقد ذكرت النذور ووجوب الايفاء بها لله تعالى واجبا لابدَّ من القيام به في قوله تعالى "ويوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيرا" ولا يصح النذر الا لله تعالى حيث لا يستطيع المحال والصعب ولا يقوم ايُّ أمر صغر أم كبر الا بإرادته هو . غير ان بعض العامة درجت خطأ على التقرب بالنذور لغير الله أعاذنا الله . وغالبا ما يكون الخطأ باللسان لا بالفعل حيث تكون النية لله ولا ينطقها الناذر بل يذكر من يظنه شفيعا له عند الله . والنذر الأشهر والأصح أن يصوم الانسان لله – كما فعل زكريا – أو أن ينذر الرجل أو المرأة أن يذبح خروفا أو عجلا ويوزع لحوم ما يذبح على الفقراء والمحتاجين أو يوزع مالا أو طعاما أو كسوة .

سأحاول المرور ببعض النذور التي كانت ولا زالت معروفة عند العوائل البغدادية علما ان أغلب من ينذر هن النساء .

1) - كرصة وحنونة

في حالات الأزمات حيث لا حل تعرفه المرأة للتخلص من أزمة أحكمت قبضتها عليها الا النذر فتنذر أن تُخرج من خبزها كرصة (وهي الرغيف) مشفوعة بحنونة (وهي رغيف صغير يُصنع عادة للطفل) ترميهما طعاما للكلب ايِّ كلب ان تخلصت من أزمتها تلك وقد تفعل ذلك اثناء قطعها العهد وقبل تحقق ما تطلب .

2) – شموع الخضر

تنذر المرأة أن توقد للرجل الصالح (خضر الياس) ان تخلصت من مشكلتها التي تقض مضجعها توقد بضعة شمعات وعادة ما تثبتها على (كربة : وهي أصل السعفة الذي يرتبط بالنخلة) وبعد أن توقدها تدفعها برفق في النهر على مقربة من مرقد الرجل الصالح أو اية شريعة اخرى تطل منها على النهر .

3) - حلال المشاكل

توزع المرأة اثناء الأزمات على جاراتها وصديقاتها حفنات من خليط (الكرزات : المكسرات) وتطلب منهن الاحتفاظ بالبذور والقشور فاذا ما تم لها ذلك رمت كل ذلك في النهر وانتظرت الفرج .

4) - خبز العباس

تنذر البغدادية أن توزع على جاراتها بعد انفراج أزمتها خبزا ملفوفا على شيء من خضرة منوعة طازجة وبعض الأحيان يحتوي على شيء من الجبن الأبيض بعد تحقق مرادها .

5) - حلاقة شعر الطفل

تنذر الام التي لا يعيش لها وليد ذكر أو التي لم تنجب ذكرا حتى الآن أن تحلق شعر رأسه في مرقد الصحابي الجليل حلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم (سلمان الفارسي) وتزن الشعر المتساقط ثم توزع بمثل وزنه نقودا على الفقراء فان كانت غنية وزعت ذهبا بمثل وزن الشعر المتساقط عند الحلاقة .

6) - شمعة مريمانة

نادرا ما تنذر المرأة التي يتأخر أو يمتنع انجابها لسبب ما الى (مريم العذراء) شمعة كبيرة تذهب بها الى احدى الكنائس المعروفة ويكون ذلك عادة قبل الحمل.

7) المشي حافية

تنذر بعض النساء أن تذهب حافية القدمين لا ترتدي الا عباءة تخاط عليها تذهب الى مرقدٍ من مراقد الأولياء الصالحين ان تحقق لها ما تريد .

8) - الكدية

تنذر بعض النساء أن تطوف على البيوت متسولة ان تحقق ما تريد . وغالبا ما تجمع ثمن ذبيحة فتذبحها لوجه الله ثم تكف عن تسولها .

9) - الرقص

تنذر بعض النسوة أن ترقص في الشارع ان تحقق حلمها فان تحقق اضطرت للطلب من جاراتها أن يحطنها بدائرة تسترها لتقوم بحركة واحدة أو إثنتين إيفاءً بنذرها .

10)- عشاء أم البنين

قد تخرج المرأة عشاء لفرد أو أكثر تأخذه لأحد بيوت الفقراء أن تحقق لها ما تبتغي .

11) - لبس الكونية

تنذر المرأة أن تلبس خلقاً أو (جونية: وهي كيس سكر أو رز) وتسير بها بين الناس ان تحقق حلمها ومرادها، فان تحقق حلمها لبست الجونية وسارت خارج دارها ولو خطوتين ثم دخلت الدار وسارعت الى خلعها .

12) - زكريا

تنذر من لم تكن تحمل أن تصوم وربما مع الصمت وان تصنع طعاما معينا وهو نوع من الحلوى تُسمّى (زردة وحليب) وأنواعا اخرى وتوقد شموعا في صينية تملأ بأوراق الآس توضع الشموع في أباريق فخارية على عدد الذكور الذين أنجبتهم وأما الاناث فتضع على عددهن شربات (تنك) تثبت الشمعات بفوهاتها ويكون ذلك في الأحد الأول من شهر شعبان .

13)- صوم البنات

تصوم بعض البنات يوما معينا من شهر شعبان طلبا لتحقيق مرادهن بالزواج و يفطرن عادة على خبز شعير وماء بير (بئر) .

***

سمية العبيدي

 

حسين علي خضيرحاولت عدة مرات ان أتفادى الكتابة عن الكاتب المعاصر ديمتري بيكوف المتعدد المواهب – وهو كاتب، وصحفي، وناثر، وشاعر، وناقد والخ. ولكن آرائه الغريبة والمثيرة الى الجدل وانتقاده الى قامات ادبية كبيرة في عالم الادب الروسي، كل هذه الأسباب دعتني اكتب هذا المقال، فما يهمني من هذا المقال هو طريقة نقده للكتَاب والشعراء الموهوبين وغير الموهوبين، وطبعا، القائمة طويلة، ولا مجال لنا في ذكر الأسماء التي تحدث عنها بيكوف، ولكن اخترنا اسمين كبيرين في عالم الشعر والنثر هما: الشاعرة الكبيرة آنا اخماتوفا والكاتب العظيم دوستويفسكي، والغريب في الامر ان هذا الكاتب له العديد من المعجبين في روسيا، لكن طريقة كتابته او انتقاده تجعل الشخص في صدمة واستياء مما يطرحه هذ الكاتب الغريب الأطوار، حتى ان الكاتب والناقد المعاصر المعروف رومان سينجين تحدث عنه، حينما سألوه في احدى اللقاءات: " من هو ديمتري بيكوف بالنسبة لكم – شاعر، ناثر، كاتب مقال، كاتب مسرحية، محاضر ام ظاهرة فريدة؟... يجب ان انوه فكرت لفترة طويلة، قبل ان اجاوب، وسوف أجيب، على الأرجح، ومن المتوقع انه ظاهرة فريدة، اقرأ واستمع الى بيكوف كثيراً. في بعض الأحيان يقول ويكتب أشياء مثيرة الى الاستياء. أود ان أجادله، لقد فعلت ذلك عن طريق الكتابة مرتين فقط، ولكن فكرياً أفعل ذلك كثيراً، وبفضل ديمتري لفوفيتش كثيرا ما قدراتي العقلية لاتزال لم تتأكسد أبداً."، وعلى ما يبدو ان الكاتب رومان سينجين مستاء من أفكاره التي تثير الشك، وعدم احترام الرموز الأدبية الروسية التي تركت بصمة كبيرة في الأدب الروسي، ودليل على ذلك ان الناقد رومان سينجين يقول فكرياً اني أجادله كثيراً وهذه اشارة واضحة ان رومان لا يتفق مع بيكوف فيما يطرحه من افكار.

اما الان دعونا نكشف لكم بعض من آرائه الغريبة: فقد تحدث في محاضراته التي يلقيها باستمرار عن رايه بالشاعرة الكبيرة آنا اخماتوفا بمناسبة يوم ذكرى ولادتها، وكان رأيه بالنسبة لي غريباً وصادماً لا ينم عن كونه ناقداً معروفاً، فيقول عنها: " تجسد اخماتوفا النموذج للمرأة الفاسقة المقدسة، وهو النموذج الذي جسدته وغرسته لأول مرة في الادب الروسي ". ياله من ناقد غريب!!!، ولم يكتفي بذلك، بل حتى الكاتب الكبير دوستويفسكي لم ينجو من افكاره الغريبة، فيقول عنه : " ... ماذا يمثل مبدئياً بالنسبة لي أهمية دوستويفسكي؟ انا أعده كاتباً كبيراً للمقالات السياسية والاجتماعية والهجائية، ومؤلف أهاجي مشهور، ومقالاته الاجتماعية لها شأن كبير جداً. أسلوبه حسب أدعاء باختين اقرب الى المونولوج ومتعدد الأصوات، صوته أجش، تتقطع انفاسه همساً، الذي نسمعه دائماً في نصوصه، مكتوباً على طريقة تلقين ومسجل باختزال، وهذا الامر قريب جداً الى الأسلوب الصحفي، اما بالنسبة لعرضه بارعاً ودائماً ساخراً لراي ما وحيداً كان او متعدداً الأصوات. جميع ابطاله يتحدثون بطريقة متشابها. وجميعهم مرضى بأمراضهم الخاصة. لعل الكلمات الصادقة لتولستوي تنطبق عليه: (انه واثق من أنه إذا كان مريضا – فالعالم كله مريض). هو كاتب ساخر كبير، ومؤلف هجائي رائع، له القدرة على ان يكون مضحكاً، وفرحاً، ومألوفا واحيانا عنيفاً. ولكن على الأغلب لا انوي ان اسميه فناناً، أولاً، هنا بذات كفنان قام بأشياء جيدة حتى عام 1865، ومن ثم استمر الفن بتراجع متزايد عند اول اهجوة صدرت (الشياطين) – هي نقطة الذروة في اعماله، اما (الإخوة كارمازوف) – هي رواية بصورة عامة غير متوازنة التي فيها الأحاديث والجدل والخطب اكثر من العمل ولوحات والمناظر الطبيعية. المناظر عند دوستويفسكي تغيب تقريباً ما عدا المدن. ثانياً، الأكثر أهمية على وجه الدقة هو قبل كل شيء أبداً لم يدعي فناناً. وهو في الغالب مفكراً، وعالم نفساني، ومحلل. كفنان هو يترك انطباعاً بشيء من الضيق وافتقار الى الوسائل بمعنى انه رتيب جداً. ويبدو ان تفاقم المرض لديه ادى به الى السيطرة اقل على قدراته الفنية الخاصة به. كانت لديه مواضيع لأجدال فيها دائما تنتمي الى صورة قاتمة الى اعماق الوعي الإنساني، على سبيل المثال قصة (بوبوك) مكتوبة بشكل مدهش وهي حلم وكابوس مخيف جداً، وبودي ان أقول بشكل واضح كان مملاً وغير طبيعي. او انه يؤثر تأثيراً عاطفياً رائعا في سر ما يسمى انسان القبو. اي مثل هكذا تعليم ذاتي وواعي وهكذا سادية مكبوتة بهذا المعنى لا مثيل لها بالنسبة له ". هنا يجب ان نوجه سؤالا، اذا كان دوستويفسكي ليس فناناً فمن هو الفنان برأيك يا سيد بيكوف؟! لو تمعنا قليلا فيما يقوله بيكوف نجد انه نفس الذي سبقه فلاديمير بيكوف، لديه عقدة من مجد دوستويفسكي، الذي قالها علناً: "لا اخفي، ان لديه رغبة شديدة ان انتزع المجد من دوستويفسكي "، وعلى ما يبدو ان بيكوف أيضاً لديه هذه العقدة، ويحاول بطريقته الساحرة ولسانه السليط وقدرته على اقناع الآخرين في تكوين هذه الفكرة التي تختمر في رأسهُ مثل الذي سبقه نابوكوف. وطبعاً، هذا غيض من فيض مما يطرحه ديمتري بيكوف، الذي معدل محاضراته في اليوم الواحد تتجاوز مراحل حياته.

 

حسين علي خضير

 

صادق السامرائيمبروك لصحيفة المثقف الغراء هذه القدرة المتميزة على إستقطاب العقول الثقافية المعرفية المنورة من جميع التخصصات والإهتمامات، مما يدل على نجاحها الفائق وقابليتها على إستيعاب الإرادة الإنسانية المتمثلة بتعبيراتها المتنوعة.

هذا الإنصباب الفكري المتدفق في وعاء صحيفة المثقف ليعطي مثالا حيا وواقعيا على قدرة الأمة على أن تنصهر طاقاتها في وعاء كينونة حضارية أصيلة، وقد تحقق ذلك في مسيراتها عبر العصور ووفقا لمنطلقات الأجيال وهمتها في التعبير الأمثل عن ذاتها المتفاعلة المنطلقة نحو العلاء.

ووفقا لذلك فأن صحيفة المثقف أصبحت أمام مسؤولية كبيرة في إيجاد الكيفيات والآليات التي تحقق الإستثمار التنويري لهذه الطاقات المعرفية المتوافدة إلى صفحاتها، بعد أن ذاع صيتها وترسخت قيمها ومعانيها الإنسانية ورفعت رايات التسامح والألفة الإنسانية السامية.

فهل ستتمكن من صناعة التيار الثقافي القادر على التأثير والتغيير؟

فالأمة بحاجة إلى تيار ثقافي فاعل في الواقع ومؤثر بمسيرة الأجيال لكي تمتلك الحصانة الكافية، التي توقيها من أوبئة التضليل والتغرير والخداع العاصفة بأرجاء الحياة، التي تحولت إلى مزادات تجارية لذوي التطلعات المغرضة والعاهات النفسية والسلوكية الخطيرة.

فلا يمكن للحياة أن تتطور وترتقي إلى عصرها دون تيار ثقافي معرفي متفاعل مع مفرداتها اليومية، ومتمكن من تنوير العقول وتهذيب النفس والإرتقاء بالسلوك إلى مديات أخلاقية تستطيع أن تحافظ على توازن الخطوات الإيجابية ووضع الأسس الحكيمة لبناء عقلاني منير.

ويبدو أن صحيفة المثقف قد إمتلكت الأهلية والمهارة الإعلامية والقدرة التأثيرية على صناعة التيار الثقافي، الذي يرفد العقول بما ينيرها ويزيل عنها غشاوات الضلال والبهتان، ويمكنها من رؤية مواضع خطواتها وإستحضار مستقبلها.

وربما لا يعرف قيمة هذا الإنجاز الحضاري الفياض غير رئيس تحريرها، الذي إنطلق بها برعما يحلم بالمروج والبساتين ذات الأشجار المثمرة المعطاء، فكانت بالجد والإجتهاد والمثابرة والتواصل والإصرار والتصميم على التحقق والنماء والإزدهار، فكانت مثلما ترعرعت في الخيال والضمير والوجدان.

ويا حبذا لو تكون المقالات المنشورة فيها لم تنشر في مواقع أو صحف أخرى، فما يسود أن بعض المقالات المنشورة فيها تجدها قد نشرت في أكثر من موقع آخر قبلها، وهذا يُفقد الصحيفة خصوصيتها وقيمتها الثقافية.

كما نأمل أن تكون التعليقات ذات إسهامات ثقافية وتنويرية لا للمجاملة وحسب.

مع التقدير لهذا الصرح الثقافي الفياض، وتمنياتنا لرئيس تحريرها بدوام العافية وتمام الصحة ومديد العمر، لكي تبلغ رسالة المثقف هدفها وتتواصل مع الأجيال.

 

د. صادق السامرائي

 

احمد الكنانيالحوارات الشعرية المستلهمة من النصوص الدينية دائما ما يكون لها وقعها الخاص ويكتب لها البقاء والتجدد في اغلب الأحيان؛ ولعلها تلتمس الخلود من ذات النص الملهـِم، وعند الكلام عن الحوارات الشعرية الخالدة تأتي في الطليعة رائعة ابي العلاء المعري في رسالة الغفران المستلهمة من قصة المعراج القرآنية.

شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء كان ملهما في صياغة حوارات الشعراء في الجنة، ومصدر الهامه قصة المعراج النبوي اذ كان قاب قوسين او ادنى من الملكوت الأعلى، الِهامٌ جليّ في رسالة الغفران يظهر مدى تاثير الرحلة الليلية للنبي على صياغة الحوار بين الاعشى من جهة وبين الجعدين النابغة الجعدي والنابغة الذبياني من جهة اخرى؛ بسبك كاروع ما يكون الابداع الادبي او المسرحي..

اللغة الساخرة او الكوميديا في رسالة الغفران هي العنوان الاكبر الذي اختطه جمع غفير من الكتَاب والادباء عند دراستهم وتقييمهم لرسالة الغفران بمن فيهم عميد الادب العربي طه حسين عندما وصفها بأنها مليئة بالسخرية المؤلمة من الجن والملائكة جميعا. هذا في الشرق .

وفي الغرب تأتي في المقدمة ثلاثية الكوميديا الإلهية الجحيم والمطهر والجنة لدانتي أليفييري الذي وجد نفسه تِائها في غياهب ظلمات الغابة اذ يلتقي بالشاعر الروماني فيرجيل ويقوده الى العالم الآخر حيث الجحيم والعذاب وعالم الشياطين والمخلوقات الأخرى وتبدأ رحلة الخروج من الجحيم بمعية المنقذ فيرجيل.

وهنالك حوارية شعرية مستلهمة من قصة موسى وفرعون التوراتية القرآنية ستكون محور مقالتي اذ لم اجد من اشاراليها رغم أهميتها القصوى التي لا تقل أهمية عن رسالة الغفران والكوميديا الإلهية .

ولان حوارية الفرعون هذه كتبت بالفارسية فقد ظلت حبيسة لغتها ولم يلتفت اليها احد على الرغم ان مبدعها شاعر هو الأعظم في التاريخ .

جلال الدين الرومي في ديوانه المثنوي وفي القسم الثالث منه ينفرد بحوارية شعرية يتيمة المضمون وتعتبر من مختصاته، حاول من خلالها استلهام الصراع بين موسى وفرعون في النص التوراتي القرآني وأجاد في طرح معتقداته الصوفية في إطار تلك الحوارية .

 حوارية موسى وفرعون تبتدء عند إلقاء موسى لعصاه فأذا هي حية تسعى، وتختتم بهزيمة فرعون ورهطه وإقرارهم بالهزيمة والإيمان برب موسى .

كل المعطيات تشير الى غلبة موسى بالمعجزة التي منحها إياه الرب اذ جعل من عصاه التي يتوكأ عليها ثعبان تلقف ما يأفكون، والمنازلة الكبرى بين السحرة وموسى انتهت بأذعان السحرة وإيمانهم برب موسى وأتت على ما خطط له الفرعون من الوقيعة بموسى وأخيه وبني إسرائيل قاطبة :

فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ .

الحوار يبدأه فرعون كقبول بالهزيمة وإذعان بأنتصار موسى فيصوره الرومي بهذه الطريقة :

 

تو بدان غره مشو کش ساختی

در دل خلقان هراس انداختی

 

 يخاطب فرعون موسى في هذين البيتين: بأن اثبات النبوة والقدرة بمعجزة الافعى هي في الواقع إلقاء للرعب في قلوب الخلق:

 " در دل خلقان هراس انداختی " .

تخويف المصريين في الحقيقة ليس نصراً، إنما النصر هو ما فعله الفراعنة وما أثبتوه في مصر:

" عاقبت در مصر ما رسوا شدند "

ما فعله الفراعنة في مصر يعتبر اشد وطأة من فعل المعجزات .

والسؤال المهم في هذا الموضوع هو :

ما الذي فعله الفراعنة في مصر واعتبره الفرعون نصرا على موسى؟

والجواب هو ما ذكره جلال الدين الرومي في القسم السادس من المثنوي:

موجب ايمان نباشد معجزات  بوي جنسيت کند جذب صفات

معجزات از بهر قهر دشمنست        بوي جنسيت پي دل بردنست

ان موجبات الإيمان ليس الإتيان بالمعجزات و إثبات القدرة على فعل خوارق الطبيعة، وإنما إثبات النبوءات يتأتى عن طريق جذب الصفات وكاريزما الشخصية الجذابة واختطاف القلوب كما يسميها الرومي، ويعتقد فرعون بحسب حوارية الرومي انه مَلَكَ قلوب المصريين وموسى أرعبهم، وهي المعادلة الرابحة في إثبات الذات في مثل هكذا صراعات .

سر هذه الحوارية يكمن في فهم جدوى معجزات الأنبياء، ولعل الرائد في تسليط الضوء عليها هو ابن خلدون في المقدمة اذ يعتقد ان المعجزات هي حاصل قوة نفوس الأنبياء بالمستوى الذي يجعلهم يتصرفون بمجريات الطبيعة بقدرات خارقة، وتنسب هذه المقولة الى الحكماء أيضاً .

ثم ان معجزة النبي هي في جعل افئدة الناس تهوي اليه بقوة شخصيته وقدرته على توحيد القبائل والمحيطين به على ما يفهم من كلام ابن خلدون، تلك ميزة هي قمة الإعجاز، وأكثر وقعاً مما يروى من خوارق ومعجزات منسوبة الى النبي .

وللحقيقة أقول ان خوارق الطبيعة والإعجاز البلاغي لم تجذب بلالا ولا عمار ولا سلمان الى الإيمان اذ لا تعنيهم خوارق البلاغة كثيراً، وإنما هي القيم السامية من المساواة والعدل وقوة شخصية النبي اجتذبت كبار الصحابة، وزعت فيهم المثُل العليا .

جلال الدين الرومي ابدع في ترسيخ هذا المعنى في حواريته الفرعونية الموسوية وأسس لمعنى المعجزة بمعناها العرفاني القائم على الحب الذي هو اصل الإيمان لا الخوف والرهبة الآتية من خوارق الطبيعة .

 

احمد الكناني

 

 

ضياء نافعبوشكين- قبل كل شئ – شاعر كبير، اي ان الشعر يأتي اولا عندما يجري الحديث عنه، اذ انه (شمس الشعر الروسي) بلا منازع، ولكن بوشكين ساهم – وبشكل كبير وهائل ورائع ايضا – في مجالات ابداعية اخرى، فما هو الجانب الثاني في ابداع بوشكين يا ترى؟ يعتقد بعض الباحثين، ان النثر يأتي (ثانيا)، اذ مازالت قصصه ورواياته القصيرة شاخصة في عالم الادب الروسي، ويشيرون مثلا الى ابنة الضابط (حسب ترجمة الدروبي والتي اختلف المترجمون العرب على ترجمة عنوانها لاحقا!)، وهناك من يرى، ان مسرح بوشكين اهم من نثره، ويذكرون مسرحيته التاريخية – (بوريس غودونوف) والتي لازالت تتفاعل مع الحياة الروسية المعاصرة ولحد الان، وذلك عندما يدور الكلام عن المسرح الروسي او التاريخ الروسي، ويظن آخرون، ان هناك جوانب ابداعية اخرى في نشاط هذا (المعلّم !) الكبير، وان تلك الجوانب هي التي تستحق ان تكون (ثانيا) . وبغض النظر عن تحديد الموقع (الثاني!) في ابداع بوشكين (وكل ذلك يخضع للنظرة النسبية للباحثين طبعا، اذ يجد كل باحث تبرير موقفه تجاه بوشكين وابداعه)، فاننا نود ان نتوقف في مقالتنا هذه عند جانب مهم في مسيرته الابداعية، وهو بوشكين - الكاتب المسرحي في تاريخ الادب الروسي، وفي تاريخ المسرح الروسي .

هذا الموضوع يذكّرني رأسا بحدث محفور في اعماق روحي، وهو - كيف جاءت المرحومة أ.د. حياة شرارة مرة اليّ (عندما كنّا نعمل سويّة في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد)، وقالت لي انها ترجمت تراجيديات بوشكين الصغيرة عن الروسية، وتريد ان تقدمها الى وزارة الاعلام العراقية لنشرها في كتاب، ولكنها مترددة جدا، لانها تخشى ان يحيلون الترجمة الى شخص غير مؤهل لمراجعتها كما كانت الامور متبعة بشأن اي كتاب مترجم تنشره الوزارة، ويبدأ هذا الشخص (يتفلسف برآسي !) (هكذا قالت لي المرحومة حياة مازحة)، ولهذا سألتني، هل توافق ان تكون انت المراجع لتلك المسرحيات؟ فقلت لها، اني اوافق على ذلك دون اي تردد، وأضفت قائلا، انها يجب ان تكون مثل جبرا ابراهيم جبرا، الذي يشترط عدم مراجعة ترجماته من قبل مراجعين، وانها جديرة ان تشغل مكانة جبرا في عالم الترجمة عن الروسية في العراق، (انظر مقالتنا بعنوان – حياة شرارة والادب الروسي في العراق / لقطات) . وهكذا صدر كتاب المرحومة حياة عن وزارة الاعلام العراقية بعنوان – (مسرحيات بوشكين)، وهو اول كتاب عراقي متكامل عن مسرح بوشكين، اذ يضم نصوص المسرحيات تلك، التي أسماها بوشكين – (تراجيديات صغيرة) بترجمة د. حياة شرارة عن الروسية، وبمقدمة عن مسرح بوشكين بقلمي، والمقدمة تلك هي في الاصل بحث نشرته اولا في مجلة كلية الآداب / جامعة بغداد (وقدمته في حينها للترقية العلمية حسب تعليمات الترقيات العلمية في الجامعة)، واتفقنا (حياة وانا) انه يصلح ان يكون مقدمة لكتابها المترجم ذاك، وهذا ما تمّ فعلا. ولهذا، فان مسرح بوشكين – بالنسبة لي شخصيا - يرتبط بترقيتي العلمية في الجامعة، ويرتبط ايضا باول كتاب عن مسرح بوشكين في العراق اصدرته المرحومة المبدعة حياة شرارة .

 تراجيديات بوشكين (الصغيرة!) تلك هي مسرحيات (كبيرة!) الاهمية في تاريخ الادب المسرحي الروسي، اذ انها تعدّ كلمة جديدة لم يسبق لاحد قبل بوشكين في روسيا ان قدّم شيئا مماثلا لها، وكتب بوشكين تلك المسرحيات عام 1830، اي عندما كان في قمّة (نضوجه الابداعي!) ان صحّ التعبير (توفي بوشكين عام 1837)، وليس عبثا، ان تلك المسرحيات كانت تعكس مواضيع انسانية شاملة، او (امميّة) كما أسماها باحث سوفيتي مرّة في محاولة لاستخدام المصطلح السياسي المعروف في سياق النقد الادبي. التراجيديات الصغيرة، او (مآس صغيرة) كما جاءت في بعض الترجمات العربية، كانت تدور حول صفات عامة توجد عند البشر كافة، صفات وردت الى ذهن بوشكين نتيجة قراءآت واسعة جدا في الادآب العالمية، (اي لا تتناول الخصائص القومية البحتة ولا الاحداث القومية)، كالحسد مثلا (انظر مقالتنا بعنوان – مسرحية بوشكين الشعرية موتسارت و ساليري) .

المسرحية المركزية لبوشكين هي (بوريس غودونوف) طبعا، والتي قرأ بوشكين مقاطع منها لقيصر روسيا الكساندر الاول عندما استقبله بعد الغاء عملية النفي وعودة الشاعر الى بطرسبورغ، وهي دراما تاريخية ضخمة ومليئة بالاحداث والشخوص، بدأ بوشكين بكتابتها بعد ان اطّلع على نتاج كارامزين الشهير (تاريخ الدولة الروسية)، ويرى بعض النقاد، ان بوشكين اراد ان يكون (شكسبير روسيا) بواسطة هذا العمل المسرحي الكبير . استمر بوشكين بكتابة هذه المسرحية طوال سنوات، ونشرها عام 1830 فقط، ولم يستطع ان يراها على خشبة المسرح اثناء حياته نتيجة عوامل كثيرة، منها سياسية وفكرية، ومنها كذلك صعوبة تحقيق ذلك تقنيا . لقد تم تقديم تلك المسرحية على خشبة المسرح الروسي بعد اكثر من ثلاثين سنة على وفاة بوشكين، ولا زالت تعرض لحد الان، بل انها تحولت حتى الى اوبرا، والى عروض موسيقية غنائية متنوعة، وحولتها السينما الروسية منذ اواسط القرن العشرين الى افلام سينمائية عديدة، وكان آخرها فلم سينمائي تم انتاجه عام 2011 ليس الا...

شمس الشعر الروسي بوشكين استطاع ان يمنح لشعبه ايضا المسرح الشعري الروسي، وهو عمل ابداعي كبير وعنصر ضروري جدا في تاريخ كل شعب من شعوب العالم المتحضّر...  

 

 أ. د. ضياء نافع

 

 

مهرجان عروس البحر الذي انطلقت فعاليات دورته الحادية عشر، والثانية دوليا، يوم الأربعاء 14 اوت 2019 وذلك بولاية المنستير بالجمهورية التونسية. هذا المهرجان الذي انطلق من المحلية الى العالمية والذي التأم يومه الرابع 17 اوت 2019 بقصر بلدية دار شعبان تحت اشراف رئيسة بلدية دار شعبان الفهري "سعيدة الصيد" موعد امضاء بروتوكول التوأمة بين جمعية لؤلؤة مهرجان عروس البحر بالمنستير برئاسة الشاعرة فوزية فرحات وهيئة الحوار الثقافي الدائم فرع تونس، برئاسة الشاعرة أمان الله الغربي. اثبت انه لا غنى للعالم العربي والإسلامي عن التواصل وعن حوار الثقافات وهو عن جدارة عرس الادب والثقافة والشعر والمحبة والاخاء والتواصل واللحمة العربية. هذا العرس الكبير المترامي الاطراف والممتد بقيمته العالمية والادبية والفكرية والثقافية كذب ولو جزئيا مقولة فرق تسد وحطم السياج الذي صنعه الاستعمار والمستعمرون والطامعون والخونة والاغرار هؤلاء حبلهم الذي فتلوه حبل غرر... وحبال شباكهم التي نسجوها حولنا ولنا ليدخلونا في المصيدة ونحن في غفلةٌ اليقظة لتفكيك العالم العربي وتشتيته ونشر العداوة والبغضاء بين افراد شعبه حبال مهترئة اكل عليها الدهر وشرب، حبال اهون من خيط العنكبوت وغير موثوق بها. حيث اجتمع ممثلون مثقفون وسفراء الادب والثقافة والسلام من عديد الدول العربية كل اتى مسرعا متحمسا للقاء وحّد فيه العالم العربي ادبا وشعرا وثقافة دون النظر الى مرجعية سياسية ولا جغرافية ولا دينية. وحّد دون الرجوع الى اطيافه ونحله وملله ودينه. الكل هنا بتونس حل واجتمع في عرس الثقافة والادب يتكلمون بلغة واحدة وبلهجة اجتمعت فيها الابجدية العربية في فرح دؤوب وكانهم يعرفون بعضهم بعضا ومن بلد واحد بل من حي واحد لا بل من منزل واحد وعائلة واحدة، وواحة اخوة لا يفرقهم عرق ولا دم اخوة كان لقاءهم سجال بين القاء الكلمات وبين القاء الشعر واصداح الموسيقى الراقية والضحك جو حميمي رائع. ايام مهرجان عروس البحر الثلاث حطمت فيها كل مقاييس ومساعي التفرقة والعنصرية المذهبية والطائفية والعرقية والجنسية والطبقية واللون بكل تجلياتها ومعانيها المباشرة وغير المباشرة، اننا نحن العرب فردا واحدا ويدا واحدة مهما كانت السياسات والمرجعيات الاديولوجية ان اردنا البناء بنينا ولو تألب علينا العالم باسره وان اردنا الانتصار انتصرنا ولو فرقونا طرائق قددا وشتتونا شتاتا شتاتا إنها العروبة تتجلى في اسمى وارقى معانيها ومدلولاتها اللغوية واللفظية المادية والمعنوية نحن العرب من الشرق الى الغرب ومن الشمال الى الجنوب نبقى عربا كائنا واحدا. الى هذا المهرجان كل هب مستجيبا للدعوة من كندا ولبنان ومصر والعراق والجزائر. ومن مصر حضر الدكتور اشرف كمال رئيس تحرير جريدة الوفد المصرية وموقع بوابة الوفد، المتحصل على جائزة أفضل عمل صحفى متميز ونائب الدكتور عبد الكريم بعلبكي أمين عام هيئة الحوار الثقافي الدائم بلبنان وأمين عام الاتحاد الدولي للصحافة والفنون، والدكتورة والشاعرة والاعلامية غادة الارناؤوط ممثلة الجمعية اللبنانية لمساعدة مرضى السرطان والأمراض المستعصية في كندا ورئيسة فرع كندا لهيئة الحوار الثقافي الدائم بكندا وسفيرة السلام العالمي. والاعلامية الشاعرة فوزية فرحات رئيسة جمعية لؤلؤة مهرجان عروس البحر الدولي بالمنستير وسفيرة السلام العالمي، والشاعرة أمان الله الغربي رئيسة فرع تونس لهيئة الحوار الثقافي الدائم، والاستاذ والاعلامي رفيق بالرزاقة عضو مستشار بمجلس الأمانة العامة لهيئة الحوار الثقافي الدائم. كما وقع تكريم ثلة من الشعراء والسفراء، سفراء الكلمة الطيبة، الكلمة المفيدة والادب والشعر.

 

الاديبة فوزية بن حورية  - تونس

 

مجدي ابراهيمإحياء طاقات الأمة معناه معرفة سرِّ قوتها، والتبصير بما في هذه الطاقات من ذخيرة حية نافعة. وإذا ما كانت القوة الحقيقية طاقة نافعة عاملة مؤثرة، كان إحياء طاقات الأمة معناه معرفة أسرار قوتها، والتبشير بما في هذه الأسرار من قوة بديلاً عن التنفير من عوامل الضعف؛ فلا يُعقل أن تكون هناك أمة بمثل تلك الموارد والقدرات والروابط والصلات، وتكون في نفس الوقت ذات طاقات معطلة، اللهم إلا أذا أراد لها أبناؤها تعطيل تلك الطاقات النافعة المثمرة فيها، وتغييب الدور الحيوي لها.

على أن تعطيل طاقات الأمة من الداخل أقبح وأشرّ عليها من أعدائها في الخارج؛ فالعدو الخارجي معروف وموصوف بأنه دخيل مستعمر يريد أن يسرق حقوق الآخرين، ينهب خيراتهم كلما استطاع ثم يسلب أراضيهم ويشردهم ويشتتهم ويذلهم ويهينهم طمعاً في إبادتهم من على وجه الأرض لو أنه استطاع إلى ذلك سبيلاً؛ ليحل حلول المغتصب الدائم في الأرض الخراب!

أما العدو الداخلي فهو خبئ غير معروف يفسد من الداخل؛ لأنه قد يكون أخاك أو قريبك أو جارك أو صديقك أو نفسك التي بين جنبيك، وهو أعلم بالنقيصة والمعابة من عدوك الخارجي. وقد أصابت فطرة الشاعر العربي ولم تخطئ حين صَوَّرت هذا المعنى بالدقة ليكون سنة الحياة الدائمة فقالت: " أحذر عدوك مرة، وأحذر صديقك ألف مرة .. فلربما أنقلب الصديق، فكان أعلم بالمضرة".

وعليه؛ فإذا ما انهارت قوة الأمة، فلتثق أن العدوان قد أصابها من الداخل وحكم عليها أبناؤها بالانهيار لما أن فرطوا في أعز ما تملك من مقومات الوحدة، فكانوا السبب الأوَّل والأخير في تفتيت عناصر القوة الجامعة والرباط الموصول؛ وأهمها وأولاها هو اللغة كما سيجيء تفصيله في سياق هذا الحديث الطويل. لكننا هنا نعرض أولاً لظروف وملابسات الواقع العربي من زاوية نقدية قبل أن نتطرق للتفاصيل التي من خلالها ندرك أهمية اللغة العربية فينا، ونعقب ذلك كله بدراسة عن "قيم من اللغة" فنقول :

لَعَلَّ هذا هو سر الفرقة الناتجة عن تشتت الأمة العربية وتضارب مصالحها على مستوى الأنظمة والشعوب، وهو السبب في قلة توحّدها لمواجهة أحلك المحن وأخطرها على المستويين : الداخلي والخارجي؛ أعني الفُرْقَة التي تأتي من الداخل، والعصمة المفقودة بفقدان "مبدأ التوحيد"، وإحساس المرء فيها بالهزيمة الروحية والانكسار المعنوي، وغياب أسس التربية الوطنية القائمة قبلاً على دعائم إيمانية، وأهمها وأرقاها نزوعاً إلى الأهمية هو : أن حبّ الوطن وتقديس ترابه جزء لا يتجزأ من القيم الإيمانية التي أمرت بها الأديان السماوية والشرائع الدينية، وأن خيانة الأوطان هى في الأصل خيانة لله تعالى، وأن تبديد قواها الاقتصادية، والهروب بأكثر من ثلاثة أرباع مواردها وأموالها، وفساد الضمير المهني على وجه العموم كائناً ما كان هذا الضمير (علمياً أو أدبياً أو أخلاقياً) أو ما شئت أن تضيف، واستخدام ثروات الوطن وأمواله في تدعيم مظاهر المجون والخلاعة وقلة الأدب، وتردى الأذواق إلى أسوأ درجات الغيبوبة الفنية، واحتكار الموارد والمقدرات الحيوية لصالح طبقة معينة من الناس...

كل هذا كله من الظواهر الطارئة على المجتمع المصري خاصة، فيها بغير ريب خيانة للوطن وفقدان للوطنية بمقدار ما فيها من "إرادة التخريب"، تتعطل فيها بالضرورة طاقات الأمة النافعة ويغيب الدور الحيوي لأبنائها من حيث أرادوا لها الإصلاح أو ظنوا أنهم يُصْلحون.

وأغلب الظن عندي أن السلبيات التي تَفَشَّتْ في المجتمع العربي عموماً - والمصري منه على وجه الخصوص - في الآونة الأخيرة تهضم حق الأمة هضماً مروُّعاً، وتحيق بدعائم الوطنية فتبيدها أو تكاد من حيث لا تشعر؛ لأنها من الأسس الهدامة تنخر كما السوس في أركانها الثوابت.

عندما نرى السخافة هى السائدة، ونرى التسيب والفساد والقبح والخلاعة والمجون ، أموراً من أقوى علامات التحلل من القيم الجميلة، يكون من الطبيعي أن تنهار فينا الأعصاب خوفاً من البقية الباقية من المعاني السامية قيماً نبيلة أن تضيع وسط هذا الصخب اللعين يجتاح الشعور صباح مساء بغير تريث أو هوادة، يشهده الجميع في سخافة العقول وضحالة الأذواق، لكأنه المستنقع الآسن ممزوجاً بعكارة الإثم والفجور، والمتاجرة بالرخيص من القول والفكر، والرخيص من الأفعال والتصرفات مما قد يطفح به الشارع العربي فضلاً عن النوادي، ومما قد يظهر في مجون غريب فج على شاشات الفضائيات!

فيجيء رد الفعل تباعاً قوياً عارماً. وليس من شك في أن الإنسان المخلص لوطنيته ولأمته ولإنسانيته المكرمة قطعاً عند الله في كل حال، وعلى أية حال، أرادها الله؛ يرفض الهزيمة التي تسوقه كما السائمة نحو ما يشتهي، ويرغب، ويتمنى، ويطلب، حينذاك يجد من نفسه أن كل شهواته هزائم، وكل رغائبه عوائق، وكل أمنياته قواطع، وكل مطالبه انكسارات، حتى إذا ما وجد من نفسه رفضاً لهذا كله؛ فهو النصر المحقق لأمته ولوطنيته ولإنسانيته، وذلك حين يطمح بالبصيرة إلى ما فوق التراب، وحين يرغب في تحقيق أعلى من رغبة الهزائم المخزية على الدوام بغير انقطاع.

فالهزيمة الحقيقية هى هزيمة الروح من الداخل، وهزيمة القلوب أمام نفوس طاغية وأجساد مستأسدة : هى هزيمة الضمير أمام طغيان المادة وإلحاح المطالب والرغبات، ولا هزيمة على الإطلاق والإنسان معتصم بحبه لوطنه فيما لو كان حبّ الوطن على الحقيقة جزاً لا يتجزأ من حب الله، وهو معتصم بحبه لأمته، ومعتصم بعصمة الرقابة الباطنة على الضمير من أن تعصف به ريح نحن لا ندري : من أين وادٍ هبت؛ فغيَّرت بهبوبها أصولاً، وكادت تقلع من الأصول جذوراً.

على أننا لا نتجاوز الصواب لو أننا قلنا إنه لابد أن يكون هناك "تضامن عربي" حاضراً وفاعلاً بالحقيقة، لا مفر من وجوده شئنا أو أبينا، فإذا لم يكن "التضامن" موجوداً على المستويين : الشعبي والرسمي، فلن تتحول هذه الأمة على مر الأيام، وإزاء تلك التحديات، إلا إلى بقايا تتآكل وتتلاشى في غير ما يعود عليها إلا بالخسران الأكيد.

هذا "التضامن" المطلوب يرتد لا محالة إلى معرفة مصدر القوة العربية والإسلامية ذلك المصدر الذي يعمل أعداء العربية له ألف حساب وحساب. والعروبة - يا صاح - ليست كلاماً يجري على ورق، ولا هى كانت ألفاظاً في خطب تُرَص بغير ضابط يضبطها من فاعلية يصدقها العمل المشهود في الواقع المقروء، ولكنها حياة حافلة بالجهاد يتآزر فيها الكيان العربي كله جملة وتفصيلاً. وتقوم فيما تقوم عليه على وحدة الدين واللغة والوطنية (أو إنْ شئت الدقة قلت"القومية")؛ ليكون كيانها هذا أشْبَه شيء بالكيان الثقافي، أو هو نفسه الكيان الثقافي بالفعل، فما لم يكن العربي قادراً على "التوحيد في ذاته"، وعلى التلازم المضبوط داخلياً بين نوازعه ودوافعه وبواعثه؛ فلن يكون مدركاً للتوحيد الديني، ومن ثمَّ فهو يفتقر بالتالي إلى التوحيد اللغوي مقدار افتقاره إلى التوحيد الوطني أو القومي على التعميم. فما كانت غفلته عن التوحيد الديني محققة بالفعل؛ إلا لأنه لا يعلم شيئاً عن التوحيد النفسي، أو التوحيد الذاتي الذي ينبثق من ذلك التوحيد الديني حقيقة، وينتج عنه بالمباشرة والتعلق، والذي يُراد به (أي التوحيد الذاتي) الانسجام الداخلي في الفرد العربي ثم تحقيق ذلك الانسجام بين كيانات العروبة في الجسد العربي جملة.

ومن مصادر تلك القوة فينا أننا بالأحرى قادرون على التوحُّد والتماسك والاتفاق، لكن هذه "القدرة" تتحوّل مع عدم استخدامها في المواضع الملائمة إلى جُبْن كريه يضعفنا أمام أنفسنا أولاً قبل أن يضعفنا أمام الآخرين. ومَردُّ تلك "القدرة" فينا أن اعتقادنا على الدوام أننا "أمة واحدة"، وأن عروبتنا لا يزال فيها رمق أخير تتردد في أنفاسه روح الصمود أمام التحديات؛ حتى ولو كانت (أي التحديات) قد أُجْملت كلها في عصر واحد، أو في زمن واحد، أو في فترة إنهيارية واحدة !

لكننا في الأصل أصحاب "اعتقاد"؛ والاعتقاد فينا هو من صميم الوجود؛ لأنه المصير الذي نلاقي فيه الله فنحاسب على عقائدنا وأفكارنا تماماً كما نحاسب على أعمالنا وتصرفاتنا .. نحن أصحاب "اعتقاد" مع حرصنا عليه يتحوّل فينا إلى حقيقة واقعة تقبل الممارسة والتطبيق، ويعز علينا فقدانها فيما لو فقدنا تباعاً ينبوع الوحدة فلا يغيض. أو إنْ شئت قلت : إن الاعتقاد الذي نمارسه ونطبقه يتحوَّل على مر الزمن إلى حقيقة ملموسة، رغم التنازع البادي والفُرْقة الظاهرة تشهدها في سائر أنحاء الأمة العربية.

ويشهد الواقع كما يشهد التاريخ، أننا ما من عصر من العصور، ولا زمن من الأزمنة، إلا وكنا فيه عرضة للغزو والاستعمار، وفي كل عصر وفي كل زمن، تراق دماء ذكية من أجل التطهير؛ وليس فينا ذلك الاستسلام الذي يفت في عضد العروبة، فيحيلها إلى أنقاض وأشلاء، ليس فينا ذلك الخنوع والرضوخ والانبطاح وممارسة القبح الذي يأباه إيمان التحدي، ويأنف منه طبع العربي الصلب القوي المعهود.

لا تزال هناك حلقة مفقودة بين الماضي والحاضر، عمل على فقدانها أناس وجدوا في أنفسهم دوافع القدرة على القطيعة التامة بين ما هو طارق وتليد. واستمع إليهم بكل أسف قطاعات عريضة من الجماعات العربية؛ فتمسكت بكل ما هو طارق مستحدث، وأهملت على الجانب الآخر إهمالاً خبيثاً كل ما هو أصيل تليد.

فكانت - من أجل هذا - أمتنا العربية كالتائه في بلد غريب لا يعرف له موطناً يأوي إليه، وانتعشت هذه الثقافة في كثير من المجتمعات، ورددها الكثير من الكتَّاب والقراء في المدارس العليا ودور العلم والجامعات والمنتديات الثقافية، ومع كثرة رسلها ومؤيديها والداعين لها، لم يعد هناك مكان للخلاف معها؛ لأن الخلاف معناه وصمة العار الذي يلحق بكل من لم يعد يحترم تلك الثقافات، وأضحى الاختلاف معها من مظاهر النقمة الظاهرة والعزلة على المجتمع بكافة مستوياته!

وهكذا ترى ثمار هذه الثقافات أمامك في غاية التردي والفوضى والانقسام. وكان مما أهملته تلك الثقافات في خبث ملعون هو لغتنا العربية : ذخيرة الطاقة الحيّة النافعة ومصدر الوحدة العربية القائمة في صميمها على الوعي القومي النابع من تلك المشاركة الروحيّة العميقة في مرتكزات أربعة : اللغة, والعقيدة, والثقافة, والحضارة.

ولا شك في أن هذا الإهمال الخبيث المتعمِّد، يرتدُ إلى كراهة العروبة والإسلام والدين واللغة والوطنية جميعاً. إنما الأمر كله لا يخلو من سوء طوية. كان أبو منصور الثعالبي في مقدمة كتابه :"فقه اللغة العربية" يقول :" من أحبّ الله تعالى أحبَّ رسوله محمداً، صلى الله عليه وسلم، ومن أحبّ الرسول العربي أحبّ العرب, ومن أحبّ العرب أحبّ العربية، ومن أحبّ العربية عنى بها، وثابر عليها وصرف همته إليها، ومن هداه الله للإسلام، وشرح صدره للإيمان، وأتاه حسن سريرة فيه، أعتقد أن محمداً - صلى الله عليه وسلم - خير الرسل, والعرب خير الأمم، والعربية خير اللغات والألسنة، والإقبال على تفهمها من الديانة، إذْ هى أداة العلم ومفتاح التفقه في الدين، وسبب إصلاح المعاش والمعاد؛ ولو لم يكن في الإحاطة بخصائصها، والوقوف على مجاريها ومصارفها، والتبحُّر في جلائلها ودقائقها؛ إلا قوة اليقين في معرفة إعجاز القرآن، وزيادة البصيرة في إثبات النبوة التي هى عمدة الإيمان؛ لكفى بها فضلاً يحسنُ فيهما أثره ويطيب في الدارين ثمره" (أ. ه).

هذه العبارات الأصيلة الطيبة تثبت في غير جدال أن للغتنا العربية أثراً في تكوين عقليتنا وتدبير تفكيرنا، وتصريف أفعالنا، وهداية سلوكنا يفوق كل أثر سواه.

وإنه لمن اللغط المنفِّر والتجديد المختلق أن يرى البعض منا اليوم أننا نفكر بلغة ثم نتعامل ونتحدث بلغة أخرى، وأن الحياة اليومية تجري على غير وفاق من الحياة الشعورية، وأن اللغة فينا لا تجدد نفسها، وأن مصيرها إلى جمود وانتكاس وزوال. هذا كله لغطُ طويل وثورة في غير موضعها. ومن العجب العاجب أن يموت اللغط اليوم كما مات بالأمس؛ وتموت الثورة التي في غير موضعها كما ماتت ثورات قبلها وثورات، فأما الزبد فيذهب جفاء ويبقى ما ينفع الناس. وفي النهاية : تحيا اللغة العربية؛ وليسقط الذين افتعلوا حولها الثورات.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

  

 

شاكر فريد حسنلا يختلف الراحل أحمد حسين القاص عن الشاعر، فهو يبرع ويبدع في كلا اللونين والاتجاهين، وله اسلوبه الخاص المتميز الذي يتفرد به عن مجايليه وغيره من الأقلام القصصية الفلسطينية والعربية، ويحقق شروط الفن المعرفي والايديولوجي والمعرفي والجمالي من وجهة نظر واقعية باعتبار أن الشرط الجمالي من حيث وظيفة الفن المغايرة لوظيفة العلم الذي يعطينا معرفة الواقع بصورة جمالية، ويقدم لنا أحمد نموذجًا ابداعيًا نرى فيه الظاهرة تشع من الجوهر بشكل واضح .

وباعتقادي أن احمد حسين قامة وظاهرة أدبية قلما نجد لها مثيلًا في الادب الفلسطيني والعربي المعاصر، من حيث التوجه والرؤيا الوطنية والفكرية والالتزام بقضايا وهموم شعبنا، وبقضايا الانسان أينما وكيفما كان .

ظهرت أول كتابات راحلنا أحمد حسين القصصية على صفحات مجلة " الفجر " التي كان يشرف على صفحاتها الادبية شقيقه الشاعر الشهيد راشد حسين، وكان فيها من الحدة والتميز في مضامينها وطرحها ومعالجتها لموضوعات قومية وثورية ووطنية مختلف لما كان يكتب في تلك المرحلة التي سيطرت فيها الروح القومية الناصرية، ما تلقفها القراء بشغف وأقبل على قراءتها ومواكبتها والاحتفاء بها .

وفي منتصف الستينات توقف أحمد عن الكتابة لمدة طويلة، نتيجة لعدم توفر منابر النشر الملتزمة التي تتفق مع فكره وتوجهاته، لكنه عاد في بداية السبعينات ليكتب وينشر ويرفد المشهد الابداعي بقصصه القصيرة، على صفحات مجلة " الجديد " الثقافية الفكرية، وكان يوقعها باسم مستعار هو " أحمد ناظم " .

وفي اواخر السبعينات وتحديدًا في العام 1979 قامت دار " الصوت " في الناصرة، لنشر الوعي والفكر الفلسطيني بإصدار مجموعته القصصية الموسومة " أحمد حسين "، وكتبت اللجنة الادبية للصوت في مستهلها : " تتسم هذه المجموعة بالوعي النافذ والرؤية الواضحة لأبعاد المأزق الجحيمي لأبناء الشعب الفلسطيني إذ هو الضحية وإنما عبر مؤامرات مستمرة ومتنوعة وذلك لكون هذا الشعب صاحب حق هو بمثابة الضمير الشاهد على تداخل المصالح المشتركة بين الصهيونية كفكر ومنشأ والترديدات الحضارية المعوقة والغبية على الساحة الفكرية العربية، ومن هنا تأتي الثورة لتكون رفضا ونفيا لواقع فاسد صورته هذه المجموعة من خلال شخصيات قصصية كالشيخ على الثائر على مفاهيم اسطورية، وقعنا كلنا تحت تأثيرها المباشر، وغير المباشر، وذلك في سبيل ان نصبح " قاعدة مثلث " نصرخ مع " عيد " " يما ااااااه " فلسطيني وكفى " .

ما يميز قصص أحمد حسين في أنها تعبر بمعظمها عن مواقف اجتماعية وسياسية ووطنية وقومية وفكرية وتراثية تتناول مسألة الصراع الفلسطيني – الصهيوني، أي ان قصصه تلتزم القضية الوطنية بمختلف أبعادها . فقصصه تعكس بواقعية وبصدق واقع العرب الفلسطينيين في البلاد من جميع النواحي في مواجهة القهر والظلم التاريخي، وتختصر أبعاد القضية بتركيز مكثف .

وتعتمد قصص أحمد حسين المونولوج الداخلي والمهارة في بناء الأحداث وتطوراتها وعنصر المفاجأة الذي يشد القارئ، وشخصياته واقعية مسحوبة من حياة الريف والقرية الفلسطينية، وجلها شخصيات حية متحركة تتأثر بالأحداث وما يدور في محيطها، ونجده يسبر اغوارها ويتعمق في نفسياتها ويكشف عما يختلج في أعماقها .

وتنساب حواراته باللغة العامية القروية التي تلائم شخصياته التي ينتمي بمجملها للطبقات الشعبية الفقيرة المسحوقة .

أحمد حسين قاص بارع يمتلك قدرة وصفية كبيرة، وفي قصصه صور موحية عميقة مسحوبة من واقع الاحداث، ويوظف في قصصه الامثال العامية والتراث الشعبي .

ويبقى القول، أحمد حسين منشد الالم والوجع الفلسطيني، والصوت الكنعاني، الذي صوّر في قصصه أحزاننا وآلامنا وأحلامنا وطموحاتنا الوطنية، وهو المغني الجوال الذي ستبقى كنعان وعنات تبكيانه وتشتاق له عشتروت، وتحنُّ اليه المدن والاماكن التي أحبته وأحبها، إنه آخر العاشقين، لم يخلص أحد للفن والابداع القصصي كما أخلص لفنه الجمالي .

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

حكمت مهدي جباركتب الكثير ممن يهتمون بالشأن السياسي والثقافي حول أهمية الثقافة والتثقيف لمن يخوض في عالم السياسة. حيث انتشرت المئات من المقالات في الصحف المحلية وفي المواقع الألكترونية مؤكدة على ضرورة أن من الواجب الملح أن يكون السياسي مثقفا بما تتصف به الثقافة من خصال تنور الوعي وتفتح العقول.

صحيح أنه لا يوجد من يجهل دور الثقافة في تطوير الوعي السياسي ومن ثم تغيير المجتمع وبناء الدولة بما تتضمنه من اداء حكومي ومجتمعي عموما، ولا نظن أن هناك من يجهل هذا الدور للثقافة والوعي لاسيما الطبقة النخبوية اذا جاز وصفها بالطبقة، ونعني هنا النخب كافة، السياسية الاقتصادية الاجتماعية والقانونية والدينية وسوى ذلك من المجالات العملية الاخرى.

نحن لا نقول أن الثقافة أهم من السياسة ولا السياسة أهم من الثقافة. أو هل الثقافة تتفوق على الاقتصاد والتخطيط لبناء الدولة أما العكس هو الصحيح، فالنتيجة من حيث الأهمية سوف تكون لصالح السياسة والاقتصاد، وربما تكون الثقافة في أسفل قائمة الأهمية، وقد نحصل على النتائج نفسها اذا ما قمنا بتوجيه السؤال الى النخب السياسية والاقتصادية وغيرها.

ثم لماذا ينظر بعض السياسيين الى المثقف على دور ثانويا وكماليا. وربما وصل ببعض السياسيين ليعتبروا المثقف ذيلا لهم. أو انه بلا تأثير يُذكر في مجال البناء المجتمعي او السياسي وحتى الاقتصادي، فالسياسي العامل في حقل السياسة لا ينظر للثقافة على أنها صاحبة الشأن الفاعل في مجال تطوير المجتمع، وقد ينطبق هذا الرأي على الخبير الاقتصادي او عالم الاجتماع او حتى بعض المفكرين، هناك من هذه الطبقة من لا يعبأ بالدور الكبير للثقافة في بناء الدولة والمجتمع.

أننا ندعوا الى جعل الثقافة حاضرة في الفعل السياسي، بل حاضرة وموجهة لجميع مجالات الحياة الاخرى كالتعليم والصحة والأمن وما شابه، فلا خير في سياسي نصف مثقف او عديم الثقافة، وكيف يمكن أن نحصل على كادر سياسي جيد من دون ان يكون كادرا واعيا مثقفا؟؟.

وهكذا مطلوب أن تأخذ الثقافة دورها في مجالات الحياة كافة ليس بالقول فقط، بل بالدعم الفعلي لها والاهتمام الحقيقي بها من لدن الساسة وجميع النخب الفاعلة في الدولة والمجتمع.

 

حكمت مهدي جبار

 

في مسرحية البطة البرية، يقدم لنا هنريك إبسن شخصية هدفيغ كشخصية مركزية. إلا أن القارئ للمسرحية يتألم، وهو يشاهد الظلم الكبير الذي تعرضت له هدفيغ منذ البداية. فالطفلة التي لا تتجاوز الأربعة عشرة ربيعاً من عمرها، لديها مشكلة في عينيها تهددها بالعمى الأكيد وحتمي الوقوع. لم تكن هدفيغ مرفهة كبقية الأطفال في عمرها، بل كانت تضطلع بمسؤوليات أكبر من سنها، إذ كانت تشارك أبويها في أعمال البيت واستوديو التصوير الذي يشغل ركناً من البيت.

طيلة أحداث المسرحية، كانت هدفيغ هي الشخصية المعذبة، وبالتالي الشخصية المثيرة للشفقة، فقد انطوت حالتها النفسية على الكثير من الحزن والكآبة. لم تأت كآبة هدفيغ فقط من سماء النرويج الملبدة بالغيوم القاتمة، أو من التصاقها بالبيت احتماءً من الثلج والصقيع، أو من مرض عينيها، وضوء القناديل الخافت الذي يبث في روحها الضيق. بل كانت خلافات والديها هي المسبب الرئيس لكآبتها وعدم راحتها.

لقد دبت بين والديها خلافات عميقة، أدت إلى ترك أبيها للمنزل، ووصلت إلى حد تخوينه لأمها، وإلى حد تشكيكه في نسب ابنته إليه. تألمت هدفيغ كثيراً لهذا الحال، وقررت فعل أي شيء يكون من شأنه إصلاح الموقف وإعادة المياه لمجاريها. اقترح عليها صديق أبيها غريغرز ويرل أن تقتل البطة البرية التي تربيها وتحبها كروحها، فربما تكون البطة البرية هي قربان عودة الوئام الأسري لها ولوالديها.

أمسكت هدفيغ المسدس وتوجهت لقتل البطة البرية، لكن الرصاصة سكنت صدرها بدلاً من أن تسكن جسد البطة. لقد قتلت نفسها بالخطأ، لتضع حداً لحياة قصيرة لم تكن أبداً مريحة. ماتت وهي تحاول إعادة الحب والدفء إلى أسرتها، فنجحت في ذلك رغم موتها، عندما وفقت بين أبويها، ورققت قلبيهما، في مشهد البكاء والعويل والنوح عليها.

 

محمد جهاد إسماعيل

كاتب من فلسطين

 

جمال العتابيمازال المعماري خالد السلطاني منحازاً إلى كشوفاته المعمارية التي يعبّر عنها دائماً بالبحث والدراسة الأصيلة، والمتابعة لفن العمارة، بحرصٍ متناهٍ، وكأنه يعالج أمراً جديداً في غاية الدقة والتعقيد، ثمة حوار خفي بين الصورة والمثال لديه، بين الغائب والحاضر، بين المنظور والمضمور، لكنه حوار محكوم بإمتحانات الإنسان ومجاهداته وأقيسته، ذلك لأنه حينما أقام وحدته مع العمارة، أصبح منحاه الوجودي، وهو تاريخ مقروء بالصورة، والمعاودة الحرة للأصوات الداخلية التي تبعثها العمارة .

وإمتلك خالد السلطاني حقه التاريخي، انه إستطاع من أن يحيل هذا الفن إلى مادة مكتوبة ومقروءة، مكّن بها القارىء غير المتخصص أن يجد في ما يكتبه السلطاني عبر الصحافة، قدراً من التناغم والتوازن مع الفن المعماري الذي تتسع فضاءاته ما بين العلم والهندسة والتشكيل، فألف مبانيه الخاصة بمعانيه المبسطة والجميلة، إلى فن يفهمه العامة من الناس ويتذوقوه، فهو يقول: تمكنت من نقل العمارة من خانة الأرستقراطية اللمّاعة، أو من برجها العاجي، وأحلتها إلى فن يهفو إليه الإنسان، وإستطاع أن يستبدل (حرفيات) فن العمارة، (بجماليات) تشكيل منظورة ومقروءة، وإذا جاز لنا التشبيه، يمكننا القول ان السلطاني في منطلقاته تلك، يماثل الأثر الذي تركه ماركس في الفكر الإنساني، إذ جعل الفلسفة تمشي على رجليها، بعدما كانت تسير على رأسها مع (هيغل)، ليظل الفن المعماري موصولاً بالإنسان، متآلفاً معه .

بدأ خالد السلطاني رحلته الإبداعية في هذا العالم من جوف تلك المدينة المظللة بالنخيل، والمطلة على نهر دجلة، من (الصويرة) الواقعة جنوب العاصمة، التي يختصرها بـ(كراج الصويرة) والإذاعة، لأنهما الموقعان الوحيدان اللذان يعرفهما السلطاني في بغداد، وتحسست يداه زمناً من خشونة المدن العراقية وفقرها، وعانى من شحّة الحياة، وتقاسم وعائلته طعم الفاقة مع أبناء مدينته، عائلته التي فقدت الأب بحادث سير منذ سنوات عمره المبكرة، وكان هذا الحال محفزاً للتفوق في مراحل الدراسة جميعها، بدءاً من المتوسطة والثانوية في الكوت، وفي أعلى مراحل الدراسة في (الإتحاد السوفييتي)، إذ تمتع ببعثة دراسية حكومية بعد تموز58 .

إمتدت رحلة السلطاني سنين طويلة كان يبحث من خلالها عن حافز مثير يحمله على تكوين مأثرته الفنية المعاصرة، فوجد في العمارة العراقية مفردات متناثرة، إستطاع أن يحيها على رجيع نبض قلبه وروحه، وأسئلة وجوده، ووجد فيه باعثاً يغرينا بالتأمل في النقوش والأقواس والحجارة ومواد البناء والشناشيل، والتصاميم الهندسية، وظهرت محاولاته وكأنها مصائد سحرية لإقتناص أسرار هذا العالم الذي لاسبيل إلى إدراك إبعاده، إلا بفهم الأنسان الفنان الذي أوحى بها.

يقول خالد السلطاني بتواضع شديد عن نفسه: أنا معلّم ناقل للمعرفة، مهنتي معلم، وهي مهنة عظيمة ونبيلة، وقادر على أدائها، كنت مغرماً بكتابات يوسف السباعي منذ صغري، تعرفت على تفاصيل حياته، قرأت في الأدب، القصة والرواية، وبدأت رحلتي في القراءة منذ أن أطاعت على مجلة الهاتف لجعفر الخليلي في أربعينيات القرن الماضي، لفت إنتباهي مشهد أحد شهود محاكمات (محكمة الشعب) عام 59، وهو يحمل حفنة من التراب، يعبرعنه كرمز للإرتباط بالوطن . هذا الرمز تحول إلى ديوان شعر للجواهري رافقه طوال سنوات الدراسة .

كان السلطاني يعدّ الجواهري قديساً للشعر، فراح يبحث عن ديوان له في مكتبات المتنبي، ووجد ضالّته في المكتبة العصرية، وكانت اولى الخطوات للقاء الجواهري بمكتبه في جريدة الرأي العام على مقربة من مقهى الزهاوي، ملتمساً إياه أن يذيل الديوان بتوقيعه، فنال مراده وحقق مبتغاه، ولابد أن يقطع مسيرة الزمن وهو يحمل قصائد الجواهري، يستعيد بها الوطن، وصوته العميق، وضفاف الصويرة وبساتينها .

همست للسلطاني وهو يأخذني في جولة بمتاحف كوبنهاغن وعمارتها الجميلة، هل تأثرت بفن العمارة الروسية؟ كيف لا! يجيبني: أود أن ألفت إنتباهك الى ان الحداثة في العمارة بدأت من هناك، منذ عشرينات القرن المنصرم، من صنع كل هذا الجمال في المتاحف والقصور والمباني ؟ كيف تآلفت كل الرموز التاريخية والفنية بقوة الأداء والأصالة والتعبير؟ والوفاء للمدرسة الروسية في الفن المعماري، فتحولت إلى أثر إنساني خالد لا يمحوه الزمان، انه الينبوع الذي نهلت منه .

السلطاني وهو يقترب من عامه الثمانين، ما يزال يمتلك أعلى طاقة روحية ممكنة، ليضعنا دائماً نقف بدهشة لقدراته الإبداعية ومنجزه المعرفي والمعماري.

 

جمال العتابي

 

محمد عبد الكريم يوسفيمكن أن يتعلم المبتدئ بالإدارة من أعمال الكاتب الياباني الكبير هاروكي مورا كامي العديد من القيم الإدارية وعلى رأسها التركيز الكبير والتصميم والنظام.

لوحة حياة:

ولد هاروكي في مدينة كيوتو عام 1949، وأمضى معظم فترة صباه في كوبا ومنذ طفولته تأثر موراكامي بالثقافة الغربية وبالتحديد الموسيقى والأدب الغربيين. درس الدراما في جامعة واسيدا في طوكيو وهناك تعرف على زوجته يوكو. لاقت أعماله نجاح باهرًا حيث تصدرت قوائم أفضل الكتب مبيعًا سواء على الصعيد المحلي أو العالمي وترجمت إلى أكثر من 50 لغة عالمية. حصل موراكامي أيضًا على عدة جوائز أدبية عالمية منها جائزة عالم الفنتازيا وجائزة فرانك أوكونور العالمية للقصة القصيرة وجائزة فرانز كافكا وجائزة جائزة القدس.

من أبرز أعماله رواية مطاردة الخراف الجامحة والغابة النروجية وكافكا على الشاطئ وإيتشي كيو هاتشي يون. يَظهر تأثر موراكامي بالكُتاب الغربيين، مثل رايموند تشاندلر وكورت فونيجت واضحًا بشكل جَلي الأمر الذي دفع بعض المؤسسات الأدبية اليابانية لانتقاد بعض أعماله لبُعدها على المنهج الأدبي الياباني. وغالبًا ما تتسم أعمال موراكامي بالسريالية والسوداوية والقَدَرية. كما تتناول معظم رواياته موضوع الانسلاخ الاجتماعي والوحدة والأحلام. يُعد موراكامي من أهم رموز أدب ما بعد الحداثة.

عندما تقترب من عوالم الكاتب الياباني هاروكي مورا كامي تكتشف أنه من العباقرة في النظام والتركيز والتصميم وفلسفة الزن. إنه تجسيد لحالة الحكمة الحقيقية والعاطفة الجياشة والمهارات الإبداعية والإرادة الاستثنائية.

إن مكونات أعماله الأدبية وقصصه المستقاة من الحياة تشكل لكل مبتدئ في الإدارة مصدر إلهام قابل للتطبيق وسنركز في هذا المقال على ما يمكن للمبتدئ الذي يعتمد على التكنولوجيا العصرية أن يستقيه من الكاتب الكبير في حياته وعمله على حد سواء. قد يكون في طليعة الدروس التي نتعلمها من مورا كامي ما يلي:

علينا أن نجد ما نحبه وعلينا أن نلتزم به:

كان مورا كامي فاشلا ومتأخرا حيث كتب أول عمل له وهو في التاسعة والعشرين من عمره. وفي أحد الأيام وبينما كان يشاهد البيسبول، أدرك أن قدره هو أن يكون كاتباً. في ذلك الوقت كان يمتلك حانة تعزف فيها موسيقى الجاز، لكن التجربة في لعبة البيسبول كان لها تأثير دائم على قلبه. بدأ الكتابة وخلال السنوات القليلة التالية تغيرت مسيرة حياته.

 سواء كان الإنسان مدونًا على شبكة الإنترنت أو مهندس برمجيات أو مؤسسًا لمشروع ما فقد يعاني من نفس الشعور: منشور يجب كتابته أو قطعة مشفرة يدب تدوينها أو شركة تحتاج إلى الإنشاء. هذه بعض لحظات الحقيقة والوضوح الثمينة والتي ينبغي أن نتابعها كلما أمكننا ذلك.

 واجه مورا كامي الاختيار بين عمله ومهنته ككاتب. وعلى الرغم من أن المستقبل لم يكن مؤكدًا إلا أنه التزم بالكتابة وباع الحانة التي تُعزف فيها موسيقى الجاز التي يمتلكها. وبعد فترة وجيزة من التركيز على الكتابة بدوام كامل، أدرك أن قصته الخيالية كانت تعاني الكثير لأنها غير مناسبة ناحية الشكل. ترك مورا كامي التدخين وبدأ يمارس رياضة الجري. اليوم يمارس مورا كامي هذه الرياضة يوميا.

 كل مبتدئ في هذه الحياة يواجه دائما الخيارات التي تقوده إلى الحيرة. والمفتاح لكل مسائل الحياة يكمن في الالتزام والتركيز وإعطاء الوقت الكافي لكل شيء. هناك دائمًا عقبات وتحديات في هذه الحياة، ولكن إذا كان الإنسان يعرف خياراته والتزاماته يمكنه التغلب عليها بيسر وسهولة.

على الإنسان أن يتمسك بما يعرفه:

لقد قرأت العديد من روايات موراكامي قبل البدء في كتابة أي شيء عنه. وقد عرفت عنه وعن عوالمه الكثير من المعلومات فرواياته في جزء منها تروي تجربته الشخصية في الحياة. تتحدث كتبه بشكل متكرر عن موسيقى الجاز ويتحدث في روايته التي تحمل عنوان " جنوب الحدود، غرب الشمس ". تدور أحداث الرواية حول صاحب شريط موسيقى الجاز. يحب موراكامي القطط ويستخدمها لإنشاء صور فريدة ساحرة. والأهم من ذلك كله، يكتب موراكامي عن الحب والعاطفة والشعور بالوحدة.

 وفي لحظة من اللحظات يقرر الإنسان أن يقوم باستثمارات أو مشاريع هندسية أو تجارية وعلية أن يجري الدراسات وأن يتمسك بما يمتلكه من معارف. قد يشعر بخيبة أمل في البداية لكنه سرعان ما يدرك أنه على صواب وفق أراء هاروكي موراكامي.

 يخطئ العديد من الأفراد والشركات في القفز إلى مناطق لا يعرفون الكثير عنها. ينجح القليل منهم، لكن معظمهم لا ينجحون أبدًا. من الأفضل أن يبدأ الإنسان العمل حول الموضوع الذي هو خبير فيه أو يعرف الكثير عنه. ويمنح ذلك ميزة إضافية ويضمن أنه لا يضيع وقته في تجارب قد لا يكون منها طائل.

 ابدأ باكرا وانتهي باكرا:

تحفل حياة مورا كامي بالروتين. ينهض من الفراش حوالي الساعة 5 صباحًا ويذهب إلى الفراش بحلول الساعة 10 مساءً. لا يتناول العشاء في وقت متأخر من الليل ويقوم بالنزهات المفضلة لديه. يعمل في كتبه يوميا وينجز جمال وسحر ما يكتب عن طريق توزيع العمل بالتساوي على كل يوم.

 تعلمت هذا الدرس لأول مرة عندما كنت أشاهد إحدى السيدات وهي تفوز بذهبية في أولمبياد سيدني عام 2000 فقد فازت بالمركز الأول برياضة الجري وكانت تركض مثل الروبوت سرعتها واحدة خلال دورة اللعب بأكملها.

 تؤسس الشركات الناشئة بسرعة وتحاول العمل بكثافة. تحاول أن تجري بسرعة كبيرة ثم تحترق بسرعة كبيرة. يعتقد العديد من رواد المال والأعمال الشباب أن الشركات الناشئة تشبه سباق الجري تتسابق من البداية إلى خط النهاية. في الواقع، حياة الشركات الناشئة تشبه السباق، والمهم هو أن يسير المتسابق بانتظام وخطى ثابتة.

لا تستسلم أبدا وابحث دائما عن الإبداع:

 ولعل أكثر ما يلفت النظر حول هاروكي موراكامي هو إبداعه. وربما كانت الرواية الأكثر إثارة هي رواية "يوميات طائر الزنبرك" التي كتبها مورا كامي وهي قصة خيالية "تجريبية" ساحرة. يواجه القارىء أثناء القراءة عالمًا من الصور والأفكار والشخصيات الغامضة والنهايات المفتوحة لقصصه الغريبة.

 كل رواية من روايات موراكامي مختلفة عن الأخرى وتتميز بشيء غريب يشد القارىء دون أن يدري. لا يشعر موراكامي أبدًا بالاستقرار وتجده يبحث دائمًا عن طرق جديدة للتعبير عن نفسه. يقول دائما إن الكتابة ليست سهلة بالنسبة له. ويسكب العمل الإبداعي بعناية صافية ونتيجة لشغف خالص. لكن المشكلة تكمن في أن المؤلف يسعى إلى كسر الأساليب التي أنشأها بالأمس والمضي قدمًا نحو منطقة جديدة غير مستكشفة وإلا يتحول إلى مثقف من الدرجة الثانية والثالثة والرابعة.

 العاطفة والإبداع من العوامل الهامة لبدء العمل في عالم المال والأعمال. وبدون هذين المكونين الرئيسيين، لن يكون هناك نجاح على الإطلاق. ولكن مثلما يحتاج الفنان إلى إعادة ابتكار نفسه هكذا تفعل الشركات الناشئة أيضًا. لن تكون الموجة الأصلية للإبداع التي ستقودك إلى الأمام، بل السعي والإرادة التي لن تحسمها أبداً والتي تجعل الأحلام تتحقق اليوم وغدا وإلى يوم يرزقون.

 

 بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

جواد غلومحينما نجول بين الناس في مراكز التجمعات واكتظاظ الملأ في الأسواق والتجمعات البشرية عندنا؛ نلحظ بان هناك شعور بالاختناق والنرفزة والسخط والتوتر والنظرات العدوانية الظاهرة في الوجوه والنظر الشزر؛ وتكاد تكون هذه الحالة ظاهرة شائعة في كل مرافق الحياة، في الشارع والسوق وأماكن العمل وتكاد الابتسامات تختفي من العابرين والسابلة وكأن التجهّم والانقباض سمة شائعة وظاهرة في طلعات الناس أينما اتجهتْ وحيثما حللت. حتى نسينا وصية رسولنا الكريم " تبسّمك في وجه أخيك صدقة" ولم نعد نعيرها اهتماما وإتباعا.

ولأني مواطن عراقيّ بسيط وكثير العِشرة وانبساطي حتى مع القرباء والغرباء معاً، كثيرا ما أتساءل: ترى لماذا لا يبتسم العراقيون مع ان الابتسامة تتيح للقلب الراحة وتخفّض من ضغط الدم وتقلل الإجهاد ويشعر باقي الجسم بالراحة كما انها تعطي إحساسا بالتعاطف مع الآخرين وخلق الثقة المتبادلة في المجتمع؟؟.

وهل أكثر من الابتسامة حافزا لدفع الانسان نحو العمل وزيادة الانتاجية والعطاء وتزيد من حالة التعاطف بين البشر من خلال زيادة إفراز مادة "الاندروفين" كما يطلق عليها الاطباء والتي تخلق مزاجا حلوا وشعورا بالسعادة والتآلف والمودة لكل من تلقاه وقد أثبتت الدراسات النفسية في سايكولوجيا علم النفس ان البسمة العفوية البارزة في طلعة الانسان تخفف كثيرا من الآلام وتعتبر مسكّنا طبيعيا لأية حالة وجع او ألم قد تمر بك وتزيد من مناعة الجسد لمواجهة حالات الاكتئاب والسوداوية وتُظهرك أقل من عمرك الحقيقي.

حقا نعجب نحن العرب عموما والعراقيين بشكلٍ أخصّ وهذا ما أهجسه بنفسي بسبب معايشتي الدائمة واختلاطي المستمر بينهم هنا وهناك.

لا أبرر حالات التجهم وانقباض طلعة إنساننا بما مرّ به شعبنا من ويلات وحروب وسلطات غاشمة وأذىً؛ فقد مرّت ويلات اكثر قسوة وتدميرا على شعوب اخرى لكنها لم تفقد ابتسامتها وهي في احلك الظروف .

فاذا رأينا احدا دائم الابتسام فيتبادر الى أذهاننا شيء غير قليل من التساؤل لمعرفة سرّ هذه البسمة مع انها حالة طيبة تشرح الصدر وتبعث البهجة في النفوس .

وللطرافة أذكر ما يجري في بيوتاتنا ووسطنا الاجتماعي:

هنا في بلادي لو ابتسمت لأخيك سيقول لك: عجَباً؛ ما الذي تريده مني؟ !

ولو أقبلتَ على أمّك ضاحكا مبتسما ستقول لك: خيراً ما الذي عملت لنفسك حتى تنفرج أساريرك!!

ولو أقدمت على أبيك مبتسما سينهرك ويقول لك: اذهب ليس عندي مالاً أعطيه لك فاغرب عن وجهي .

اما لو تبسمتَ لغريب سيبادرك بالسؤال: هل تعرفني؟؟ أتريد ان تصنع مثيلاً لي؟

أخيرا وبعد ان تلقى الجفوة والصلافة من هؤلاء الأقرب المقربين لك، ستلجأ وحدك ضاحكا مبتسما؛ عندها ستسمع من السابلة من يقول انك سائر باتجاه طريق الجنون وستصل سريعا الى عنابر مستشفى الأمراض العقلية وتفتح لك العصفورية أبوابها على مصراعيها أو كما نسميها في العراق باسم " الشمّاعية " .

 

جواد غلوم