محسن الاكرميناسمح لي صديقي:

 حين أخاطب فيك الوفاء لعش الصداقة. اسمح لي حين أمزج كتاباتي بين الخطاب العقلي ونوتة مدوية من حسن  حس الضمير الأخلاقي الاجتماعي. اسمح لي حين أنقط الإرادة الإنسانية  كجزء حقيقة ثابتة بأمانة سماوية ثقيلة وسلوك اجتماعي نمطي. اسمح لي قد نسبح معي في خيال الكلمات و دلالات المعاني ويمكن أن نحلق طيرانا بلا أجنحة متحركة بالعلو.

 اسمح لي صديقي:

 حين ابتعدنا منذ عمر ممتد في الزمن السالف، ومن سن الصغر وحي نزق (التبرهيش) الشعبي. اسمح لي حين تقطعت بنا السبل بالتباعد الاجتماعي والموضعي وبين تنقيط مدن المنطقة (1) المرضية،  والمنطقة (2) المحروسة بالتشديد. اسمح لي حين جمعتنا الصدفة وقلت لي" صدفة خير من ألف ميعاد "، ثم بعد ذلك احتضنني عناقا حارا في عز زمن "كورونا" وبكيت وجدان اللقاء. اسمح لي صديقي حين تبسمت وكان جوابي بريئا بلا ختمة  حضن وقبل رباعية.

 نعم، اليوم"هي صدفة من جيل "كورونا" خير من ألف تباعد اجتماعي وحجر صحي. اسمح لي حين لم أنمق كلامي بالنية ولا بالمحاباة واحترمت أمتار حدود الخطاب الفاصلة بين أجسادنا. اسمح لي عندما كنت مداوما على الإنصات وشحيح الكلام، وحين أطنبت بسيل من الأسئلة  النهمة والناهلة من أحداث الماضي والتي لا تشبعك منها كل أجوبتي مهما بدت، وحتى ولو استحضرت فيها الأحداث بالوقوف التشخيصي. اسمح لي اليوم في صدفة "كورونا " والتي هي خير من ألف ميعاد  بمدينتنا ذات الميدالية الذهبية (المنطقة 1)، حين كنا نحكي وقوفا عن امتداد عمر من الزمان و استحضار الأحداث السلبية والايجابية بمدينتنا قبل هيمنة سلطة الحاكم "كوفيد 19" الشرير.

اسمح لي صديقي:

حين افترقنا دون معاودة التصافح وعناق الوداع  والقبل الفضية بالرباعية بالحماسية الوجدانية. أستسمح منك حين وقفت على أن حظ  الصدفة العادلة يعاكسننا ولم ألتق بك بالمرة طيلة سنوات خلت من زمن طهارة مدينتنا من فساد وباء، وحين التقينا كان حظي معك في زمن زمهرير فيروس "كورونا" وحديث التباعد المتقطع. اسمح لي وممكن أن يكون حظك أو حظي يحمل فيروس المخالطة بالمعانقة و بالأحضان يا وطني، وقد تحمل الصدفة لعنة تقاسم الفيروس بالمحبة والصداقة من زمن لا خوف عليكم في منطقتكم رقم (1).

اسمح لي صديقي:

  ففيروس "كورونا" لا يؤمن بالحظ ولا بالصدفة ولا بالمنطقة (1) ولا بالتصنيف عن بعد، بل يتقاسم بالغباء والجهل والتفريط في حماية الذات والآخر، فآعلم أن (حضي راسك وناسك قبل ما تخرج من دارك) هي الأمن والأمان. اسمح لي ويمكن أن تكون صدفتنا مسيرة تجاه التحليلات المخبرية وانتظار كلمات من قاموس الطب (إيجابي/سلبي).

اسمح لي صديقي :

حين توجهت مباشرة نحو قنينة التعقيم ، وصابون التنظيف خوفا من صدفة الفيروس الخفي وبدون ميعاد مع لقاء الصدفة. اسمح لي حين بتت لا أترك للصدفة متسعا، ولا أؤمن للحظ جانبا من العثرة في ممرات  وفجوات حياتي، بل أوثر هندسة حياتي بالتدقيق الممل في عصر "كورونا" المستجد والمستبد.

اسمح لي صديقي:

 حين لم أقدر على دعوة إلى وجبة غذاء ولا إلى فنجان بن أسود مر بلذة لقاء زمن "كورونا". اسمح لي وقد ميز صدفتنا خط زمني يذكره مؤرخو صناع الأوبئة واللقاحات والأدوية، وقد يحمل تدوين أحداث ما قبل وما بعد زمن الحاكم  الديكتاتوري السيد"كوفيد19" في إمبراطوريته العالمية التي لا تغيب عنها الشمس.

 

محسن الأكرمين

 

شاكر فريد حسنما من شك أنه حدثت تطورات كبرى في مسيرة فن القصة القصيرة في الوطن العربي، من ناحية تقنياتها وأساليبها الفنية الجمالية والتعبيرية. ومن يقرأ قصص حنا مينا وعبد السلام العجيلي وسعيد حورانية وزكريا تامر وحسيب كيالي ووليد اخلاصي ومحمد زفزاف وأحمد حسين ومحمود شقير ويحيى يخلف ومحمد علي طه ومصطفى مرار ويوسف جمّال وسواهم الكثير، ونقارنها بقصص محمود تيمور وخليل بيدس ومحمود سيف الدين الايراني، التي كتبت قبل أكثر من نصف قرن، نجد اختلافًا وبونًا شاسعًا من ناحية بنائها القصصي وأسلوبها السردي ولغتها.

فقد انتقلت القصة القصيرة العربية من الشكل الكلاسيكي التقليدي المعروف إلى أشكال مختلفة من ناحية التقنيات الفنية والتجديدية في الشكل، وباتت تعتمد السرد الحديث، واستفادت من المشهدية السينمائية والتقطيع السينمائي، وتحولت اللغة فيها من لغة خبرية إلى لغة إيحائية محملة بلمحات شعرية، وزال الترهل النثري الوصفي فيها. ولجأ الكتاب السرديون إلى استخدام الضمائر المختلفة في السرد واستفادوا من منجزات علم النفس لاستكناه واستبطان النفس الإنسانية عبر التداعي الحر.

وتنوعت الكتابة القصصية الحديثة من واقعية وتعبيرية ورمزية، ووصلت إلى لون جديد من الكتابة الإبداعية تتمثل بالقصة القصيرة جدًا، بما يعرف قصة الومضة، التي تشهد رواجًا في الوطن العربي هذه الأيام. وثمة كتاب قصة جدد على قدر من الاقتدار والموهبة يكتبون نصوصًا بمستوى فني متقدم.

ومن نوافل القول، أن نهضة القصة القصيرة العربية الحديثة هي وريثة للسنوات التي اعقبت هزيمة حزيران العام 1967، ولعل لهذا علاقة بكون القصة القصيرة ومضة مكثفة يمكنها أن تلاحق التغيرات المتسارعة على ارض الساحة العربية، ويظل الالتصاق بهموم الإنسان العربي المتألم الموجوع المستلب والمسلوب الارادة الطامح لحياة أجمل وأفضل، دور أساس كمضمون لهذه القصة،  بينما تبقى لطموحات الفن القصصي المعبر والمعاصر والمؤثر دور أساس كشكل، من خلال ترابط هذين العنصرين بأصالة وانفتاح يمكن للقصة أن تنهض وتطور أكثر وتصبح ذات نكهة إنسانية متقدمة.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

انور الموسويالفن كلمة واسعة يمكن ان تنطبق على مجموعة كبيرة ومتنوعة من الاغراض. (الادب، الشعر، الغناء، الرقص، المسرح، التمثيل، البِناء والعِمارة، النحت، هندسة السياحة والزراعة، الأزياء، المكياج.... الخ). كل شيءٍ يؤدي بالنتيجة الى منظرٍ خلاب ويحقق سعادة ورفاهية وجمال هو "فن".

الفن حياة:

لماذا يشكل الفن عنصرًا اساسيًا في حياة البشرية؟

ببساطة لان الفن نتاج طبيعي وحتمي لأي دولة تقطع شوطًا كبيرًا في توفير الخدمات والبُنى التحتية والازدهارالاقتصادي، فيكون فيها مجال النمو والإبداع والحريات متاحًا لظهور علامات الفن وارهاصاته العصرية في تلك الدولة.

الفن نتاج لازدهار البلدان، وليس قفزة طارئة من دون تحقيق ازدهار لتلك البلدان، لذلك تجد البلدان المزدهرة مثلًا "الأوربية" ترفل بالفنون بكل اشكالها، بينما البلدان الفقيرة التي يخيم عليها الجهل والتعصب الاثني او الديني  أوضعف الاقتصاد وترهل منظومة الدولة الفاسدة، يخيم عليها الفقر والجهل والخرافات..الخ وحينما تخيم تلك الأدواتعلى المجتمع، من الطبيعي وكناتج منطقي لا يوجد فن "متسع ومتنوع" في تلك البلدان، ولاقيمةَ تذكر لرواد ذلك الفن.

حينما تعيش الشعوب حالة من الرخاء والاستقرار وزيادة في الدخل الفردي، تبحث عن مصادر (رفاهيتها، وسعادتها). لذلك تتشكل طبقتان:

طبقة مبدعة: هي الطبقة المنتجة للفنون.

وطبقة مستهلكة: وهي الطبقة السائحة، والمتفرجة، والمستخدمة والمقتنية لتلك الفنون.

وهنا تكمن حركة المال، وديمومة الإنتاج ودورة الحياة الاقتصادية (للمنتج والمستهلك).

البلدان النامية،التي نهضت من كبوتها كالإمارات وايران مثلاً، اعطت اهتمامًا ممتازًا للفنون، مما جعلها تتصدر واجهةالمشهد لبلدان العالم النامي،اذ اولت للحريات مكانة ممتازة لخلق فرص ابداعية للفنون، فصارت اماكن يرتادها السياحمن مختلف العالم دون " قيدٍ أو شرطٍ " عقائدي او مذهبي. فعظمت موارد اقتصادها من جهة، وحققت للفن مكانتهالحقيقة التنافسية  بين دول العالم.

انعكاسات الفنون:

للفن انعكاسات على رؤية المجتمع وحياته، وطبيعة تعامله مع الاخرين، وتعديل سمة وطريقة الحياة، فترى شعوب العالمالتي يتعاظم لديها الفن بعد اجتيازها مقدمات النهضة الخدمية، تراها شعوب شبه متسامحة، متعاونة، على الأقلتحترم القوانين أو تخاف من القانون، وهي شعوب على الاغلب ميالة للسلام والرفاهية وحب الحياة والبحث عن مصادرالرفاهية والمتعة.

الشعوب المتراجعة فنيًا بسبب التراجع الخدمي والبنيوي والاقتصادي تلاحظ أنها مأسورة دومًا بغيبيات مجهولة يتماستخدامها للصراعات الشخصية كوقود لتصفية الخصومات، وهي تكون غير مكترثة للتضحية بنفسها من أجل تلكالصراعات لانها لاتملك من وسائل الرفاهية والحياة شيء فتراها دروع بشرية لأي فكرةٍ وخرافة.

تحذو تلك الشعوب حذو قادتها وعرقها، وبيئتها التي تستمد منها عناصر تراجعها، لذلك تلاحظ في البيئات المنفتحةالتي يزدهر الفن بها، تجد مجتمع مسالم يميل الى صناعة الحياة واستخدام موارد الحياة بشكل يؤمن لذلك المجتمعحياته المستقرة. البيئات التي تتراجع فيها الخدمات، والبُنى التحتية، بالتالي الفن كنتيجة حتمية، تجد مجتمعات تلكالبيئات "يطلقون النار " في اي مناسبة، كنوع من أنواع إظهار الغلبة والقوة والشجاعة ضد مجهول!. بينما المجهولالذي لا يعونه هو بيئتهم المازومة بالتراجع العصري، تراجع الفنون ووسائل الرفاهية والراحة.

فهم يطلقون الرصاص الحي في المناسبات في الفواتح، في الأعراس، في فوز المنتخب في اي مناسبة ولاي حجة!.

بينما نفس هؤلاء لو اعتبرنا ان هذه الظاهرة هي ثقافة مجتمعية، حينما يعيشوا في بلدان أو بيئات مختلفةً عن بيئتهم" المنغلقة والمتراجعة" من الناحية الخدمية والفنية " تلاحظهم يبدئون يتطبعون مع البيئة الأخرى " بيئة القانون،والخدمات، والرفاهية والفن" فتلاحظ معظمهم أكثر ميلًا لصناعة الحب والعيش بسلام واستثمار جميع وسائل الرفاهيةالمتوفرة في تلك البيئة للاستمتاع بها، وتلاحظهم أكثر ميلًا للسلام.

الفن يصنع انسان.. والتخلف يصنع التطرف

وتلك مسؤولية الدولة الذنب ليس ذنب المجتمع باتهامه بالجهل والتخلف والتراجع... الدولة هي المسؤولة عن صناعةمجتمعها، من خلال المقدمات الاساسية للحياة، والنتائج الحتمية لازدهار الفنون، بالتالي يكون هناك دولة ويكون هناكشعبٌ مرفه لا يحتاج الى " گوامة عشائرية " ولا إلى احتجاجات وانتقامات عشوائية يوجهها بين الفينة والأخرى ضدمجهول!. نتيجةً للاحتقان النفسي الذي يعيشه ضمن بيئته الطاردة والسالبة لاشياءه بالحياة.

 

انور الموسوي

 

علجية عيشمن حوار الثقافات إلى صراع الثقافات

عبارة رددها أحد المتمردين "قفوا أيها العبيد، فالسادة ليسوا كبارا إلا لأنكم راكعون"، فكم نحتاج إلى مثقفين متمردين يسقطون الأقنعة عن الوجوه لتسفر جهارا عمّا تخبئ من علل، دافع أصحابها عن مناصبهم  بضراوة ووحشية، كي لا تضيع امتيازاتهم، في بلاد لا يوجد فيها مثقف ثائرٌ أدركت السلطة أن المثقف شخص ثرثارٌ، يقول ولا يعمل بما يقول، لا يسير كما يسير السيل الجارف الهادر الذي يشق طريقه إلى غايته رغم الصعاب

لم يعد الصراع بين المثقف والسلطة كما كان معهودا من قبل، بعدما تسيّس المثقف وارتمى في أحضان السلطة، وتراه منظم في أحظان نقابة أو حزب سياسي، وأضحى يدافع عن السياسي أكثر ما يدافع عن المثقف، كما أضحى التنافس بين المثقفين حول من يحظى بالإجماع داخل الأحزاب، هي الحقيقة التي نقف عليها ليس في الجزائر فحسب بل في كل قطر عربي، بعدما انتشر العداء بين المثقفين، وعندما نقول المثقف يعني كل الأقلام من كُتَّابٍ وشعراء وإعلاميين، ولا نقول المفكرين أو المؤرخين، لأن لهم خصوصية تميزهم، فالمفكر صاحب نظرية يسعى من خلالها إلى خدمة البشرية لا يقف أمام تيار دون تيار آخر سواء كان ديني أو سياسي أو ثقافي، ولا ينتهز الفرص لتغليب شخص على شخص آخر تجمعه به مصلحة آنية، كذلك بالنسبة للمؤرخ فهو يحلل الأحداث وظروف وقوعها مهما كانت إيديولوجية صانعيها أو عقيدتهم، فالصراع بين المثقفين أحيانا يكون من أجل لا شيئ،  أي لا توجد مشكلة تخلق بينهم الخلافات والعدائية.

 فكثير من الذين نعتبرهم مثقين سلبيين، وهم زبدة المجتمع المستنيرة، وهذا خشية من أن يصل فلان إلى مرتبة من الشهرة دونه هو، حتى لو كانت السلوكات عفوية، فكم من المثقفين همشوا وأقصوا وأُبْعِدُوا، ولم نعد نقرأ لهم، ليس لأنهم انقطعوا عن الكتابة وإنما كتاباتهم لم تعد تنشر، هو الإحتكار الثقافي وحده يخلق الفراغ الثقافي، ويجعل القراء يكفرون بالثقافة والمثقف، هذه الفئة التي طالما حملت لواء البناء الفكري والثقافي وزرعته ليكون النور الذي يقتل الظلمة، وحملت أمانة الكتابة دفاعا عن المجتمع وعن المدنية المهددة بالدّمار على أيدي أوباش متوحشين، وأنا أكتب هذه الكلمات البسيطة أجدني أبحث وبشيئ من الإمتعاض عن "المثقف"، وسرعان ما ترتسم على ملامح وجهي، هل هو بشرٌ؟ مؤسسة؟ أم هو مجرد حروفٍ منقوشةٍ في كتابٍ؟.

 أراد المثقف أن يطبق القاعدة المثالية: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"، هذه الصرخة التي أطلقها المصلحون المرشدون، إلا أنهم إلى اليوم لم يتلقوا جوابا،  لأن القضية ليست كما أتصورها أنا وأنتَ، ولعلنا نقف مع عبارة رددها أحد المتمردين "قفوا أيها العبيد، فالسادة ليسوا كبارا إلا لأنكم راكعون"، فكم نحتاج إلى مثقفين متمردين بل أكثر تمردا، أناس يتجاوزون حدود تمرد دريفوس الذي واجه نظاما نازيا، أسقط الأقنعة عن الوجوه لتسفر جهارا عمّا تخبئ من علل، دافع اصحابها عن مناصبهم،  بضراوة ووحشية كي لا تضيع امتيازاتهم، تم ذلك عن طريق الإنقلابات، وتهميش من هم أحسن منهم فكرا وأخلاقا ونضالا، هل سالنا يوما مالفرق بين قوانين الطبيعة التي تغير كلما هبت عاصفة شتوية لكنها لا تقتل وبين قوانين البشر التي تُفَصَّلُ على مقاس صانعيها، وما إن تختفي اسماؤهم حتى تُسَنَّ قوانين جديدة يضعها أناس آخرون وتُفَصَّلُ أيضا على مقاسهم وهكذا..،  باسم القانون يقررون مكانك وباسم القانون يُحَدِّدُونَ مصيرك وأنتَ؟ لا يمكنك أن تعزل وجودك عن الواقع المحيط بك.

السؤال الذي يفرض نفسه كيف يمكن أن نقيم حوار الثقافات بدون المثقف؟ فكما يتميز الناس عن بعضهم بعضا، فهذا وجه أليف، وذاك وجه غريب، المثقفين أيضا يتميزون الواحد عن الآخر، فهم يختلفون في طريقة التفكير وفي وجهات للنظر  ورؤية كل منهما للحياة وفي التعايش مع الآخر، هناك وجوه عارية وهناك وجوه مقنعة، والعلاقة بين الوجوه العارية والمقنعة كما العلاقة بين المالك والمملوك، وفي كل الأحوال تظل السيادة للمالك، ولا يمكن للمملوك أن يفرض نفسه  إلا إذا خاض ثورة فكرية لتحقيق وجوده، طالما هو يحيا للخلود لا يخشى أصحاب القبعات الزرقاء ولا حتى أصحاب الخضراء والذين كتفيهم مزينة بنجوم مذهبة، لأنهم مكلفون بحماية الشعب والمؤسسات والحدود والممتلكات، ولذا فهم مكلفون بحمايته أيضا لأنه الشمعة التي تنير دربهم بأفكاره، فهو ثوري مثلهم هو خلق ليموت، ولذا لا يخيفه الموت، لكنه يكابر لأن مهمته لم تنته بعد.

 

علجية عيش

 

معمر حبارسبق لي أن وعدت القرّاء الكرام في مقالي بعنوان: "ضرورة التبكير في كتابة المذكرات"، وبتاريخ: الجمعة 13 شوال 1441 هـ الموافق لـ 5 جوان 2020، قائلا: "ترقّبوا في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى مقالنا بعنوان: "طه حسين من خلال الأيّام".

الكتاب هو: "الأيام" لطه حسين رحمة الله عليه، دار غبريني، بومرداس، الجزائر، دون الطبعة ولا عدد ولا سنة الطبع، من 288 صفحة:

أوّلا: ملاحظات عامة:

1- أعترف أنّي اشتريت الكتاب لإحياء أيام الصبا. وإشباع رغبات الصبا والشباب من الدوافع الحسنة للقراءة والكتابة والنقد.

2- كتب طه حسين مذكراته من 3 أجزاء و 20 فصلا، وهو الأعمى الفاقد للبصر.

3- سبق لي أن قرأت كتاب مذكرات عبد الحميد كشك رحمة الله عليه سنة 1991 -فيما أتذكر-. وهو الأعمى الفاقد للبصر. وقد عرضت الكتاب يومها عبر الأسبوعية الجزائرية السّاخرة المميّزة "الصح-أفة".

4- استعمل طه حسين في الفصل الرّابع من "الأيام" أسلوب الغائب وهو يتحدّث عن أيامه. وهذا أسلوبه لانتدخل فيه. لكن تحدّث عن الوالدين بأسلوب الغائب كقوله وفي عدّة مرّات: أمه. أبوه. جدّه. ولا يليق –في تقديري- بالابن مخاطبة الوالدين بصيغة الغائب. والأولى مخاطبة الوالدين بصيغة المتكلّم حيث الانكسار المطلوب مع الوالدين كـ: أمّي. أبي. جدّي. ولو بلغ الابن 100 سنة من عمره وله أبناء وأحفاد.

5- يقول طه حسين: كنت أقرأ بنهم شديد في العطلة الشتوية أكثر ممّا كنت أقرأ في الجامعة. أقول: عشت نفس الحالة بتمامها وكمالها وأنا طالب بالجامعة سنوات 1986-1990. صفحة 160

6- يتحدّث طه حسين عن الأديبة "مي" كعاشق متيّم بها وليس ككاتب وناقد. ولم يستطع إخفاء دقّات قلبه. 182

7- يتعمّد طه حسين -في تقديري- تسمية الغلام المكلّف بمرافقته والتكفّل به على أنّه "غلام أسود". أتساءل: لماذا؟ وكان يكفيه ذكر "الغلام" دون اللّون. وكان عليه أن يذكر غلامه بالاسم للفضائل العظمى التي قدّمها لطه حسين ولو كان يتلقى راتبا بخصوص الوظيفة التي يقوم به. ومهمّة المكلّف بالضرير لاتقدّر بثمن خاصّة وأنّ فضله على طه حسين عظيما جدّا. 187

8- من مزايا طه حسين أنّه رجل لايتملّق السّلطان ولا يقترب من السّاسة ولا يبحث عن ودّهم، بل كان يرفض أن يسعى للسّلطان والسّاسة. واللّقاءات التي ذكرها كلّها بطلب من السّلطان ومن السّاسة أنفسهم. ولذلك ينتقد شيوخ وفقهاء الأزهر الذين يتملّقون السّلطان. وأزعم أنّ علاقاته المتوترة مع فقهاء وشيوخ الأزهر تعود لهذه النقطة بالذّات التي لايتم التطرّق إليها -وأتساءل لماذا- بالإضافة إلى نقاط أخرى.

9- لايصف طه حسين السّلطان والسّاسة بوصف العظمة. ويصف أهل العلم والفكر بقوله: الشيخ العظيم، والكاتب العظيم، والشاعر العظيم. مايدل كما ذكرنا أنّ طه حسين لايتملّق السّلطان والسّاسة.270

10- امتاز أسلوب طه حسين في كتابه "الأيام" بأنّه أسلوب قرآني، أي متأثّر بالقرآن الكريم من حيث البلاغة والأسلوب دون أن يشير أنّه تأثّر بالقرآن الكريم. ولا يبدو على أسلوبه أنّه مستمد من كتب التراث.

11- طبعة "دار غبريني" الجزائرية كانت في غاية السّوء. فقد تحوّل الكتاب إلى كومة من الورق منفصلة عن بعضها تحتاج للمّ شملها من جديد. وهذا من العيوب المشينة، راجين للقائمين على دار النشر تدارك هذا الضعف الرهيب البيّن ضعفه.

ثانيا: علاقة طه حسين السيّئة بشيوخه الأزهريين:

12- يطلق طه حسين لقب السيد وسيدنا على الشيخ الذي علّمه القرآن الكريم لكن يضع اسمه بين شولتين هكذا: "السيد" و "سيدنا". مايدل –في تقديري- أنّ علاقة طه حسين بشيخه كانت سيّئة ولا يكن له الأدب والاحترام. وهذه العلاقة السيّئة مع شيخه كانت لها أثر في تحديد علاقة طه حسين مع الفقهاء والعلماء المتحدّثين باسم الدين.

13- يحمل طه حسين مواقف سيّئة من شيخه الذي علّمه القرآن الكريم في صغره. ويحمل مواقف سيّئة تجاه شيوخه في الأزهر. وهذه النظرة التي راودته في صغره وشبابه حدّدت -في تقديري- موقفه تجاه الفقهاء في كبره وكانت حاسمة في علاقاته معهم. 137

14- قرأ طه حسين في الأزهر لكن لايعتبر أزهريا. ولم يأخذ من الأزهر –حسب قراءتي- غير النحو والأدب العربي الذي ميّزه. 139

15- لم يكمل طه حسين علما درسه في الأزهر. ولم يتحدّث عن عالم من علماء الأزهر الذين أشرفوا على دراسته إلاّ انهال عليهم بالاستصغار والتهكم والاحتقار ووصفه بالجهل والضعف والتعالي والطّمع والبخل وغير ذلك من الأوصاف الذميمة والسريرة السيّئة والأخلاق الذميمة.

16- أعجب طه حسين كثيرا وهو طالب في الأزهر بالعلماء "أصحاب الطرابيش" كما يسميهم، وفضّلهم بشكل كبير على العلماء "أصحاب العمائم" كما يسميهم. وهذه النظرة –في تقديري- ساهمت بشكل كبير في علاقة طه حسين بالفقهاء وعلماء الأزهر مستقبلا وبغيرهم الذين يعارضون الفقهاء. 145

17- وصف شيوخ الأزهر لطه حسين بـ "الأعمى" كانت -في تقديري- من الأسباب الرئيسية التي دفعته ليتّخذ موقفا عنيفا تجاه علماء الأزهر. 148

ثالثا: إعجاب طه حسين بأساتذته الغربيين:

18- يتحدّث طه حسين بإعجاب شديد وافتخار كبير عن الأساتذة الغربيين الذين كانوا يقدّمون دروسا في "تاريخ الأدب والشعر الأموي" و "تاريخ الفلسفة الإسلامية "و"تاريخ الترجمة" "تاريخ الشرق القديم" بلغة عربية فصيحة جميلة صحيحة راقية. ويعاملونه بلطف وحنان ورفق. وتمكّنهم من المادّة وتفوّقهم على شيوخ وفقهاء الأزهر. وفي نفس الوقت يتحدّث عن فقهاء الأزهر الذين ينادونه بـ: "يا أعمىى و"اسكت ياشيخ جاتك الكلاب خلّينا نقرأ". أقول: واضح جدّا أنّ هذه المعاملة من هذا وذاك كانت -في تقديري- من الأسباب التي دفعت طه حسين للاهتمام بشكل كبير بالمستشرقين على حساب فقهاء الأزهر وعلماء المسلمين. وقد عنون الفصل الخامس من الجزء الثالث بـ "أستاذي يدعو علي بالشّقاء !". والعنوان له دلالة ويعبّر عن المشاعر لمن يحسن النقد والقراءة. 187-191

19- فرح طه حسين بنيله لدرجة الدكتوراه لسبب واحد ووحيد، أنّ الدكتوراه تمكّنه من السّفر إلى فرنسا.

20- تعلّم طه حسين اللّغة الفرنسية ناجم -في تقديري- عن إعجابه الشديد بفرنسا وبثقافتها وحضارتها وليس بكونها وسيلة تخاطب وعلم.

21- ظلّ طه حسين وهو في الكتاتيب والأزهر والجامعة المصرية ينتقد شيوخ وفقهاء الأزهر والأساتذة والسّاسة والكتّاب والأدباء والبرامج الدراسية وكيفية التدريس وطريقة لجان الامتحان والمجتمع المصري. وحين انتقل إلى فرنسا للدراسة ظلّ يمتدح الأساتذة والسّاسة والكتّاب والأدباء والبرامج الدراسية وكيفية التدريس وطريقة لجان الامتحان والمجتمع الفرنسي.

22- لولا الشروط التي فرضتها الجامعة المصرية على طلاّبها بالعودة إلى مصر بمجرّد الانتهاء من الدراسة في فرنسا لبقي طه حسين في فرنسا وإلى أن يلقى ربّه. وربّما رأينا طه حسين غير طه حسين. وأكاد أجزم بهذه الملاحظة.

23- لاينتقد طه حسين الفرنسيين الذين ينتقدونه صراحة وعلانية. فهو يجد العذر للفرنسية التي "سمعها تجيبه بأنّها لاتحبّه" 244 ويجد لها الأعذار. وفي نفس الوقت تراه ينتقد وبقسوة أساتذته وشيوخه وعلماء الأزهر. 244

رابعا: إعجاب طه حسين ببعض شيوخه:

24- أعجب طه حسين وبشكل كبير وملفت للنظر بالأديب البليغ "المرصفي" وأعجب أيضا بالشيخ "عبد الله دراز". وقد ساهم هذا الإعجاب -في تقديري- في التكوين الأدبي لطه حسين. 153

25- يعترف طه حسين أنّ الجامعة كانت أفضل بكثير من الأزهر. وهذه النظرة -في تقديري- ساهمت في تحديد مساره مستقبلا وفي علاقاته مع فقهاء الأزهر. 164

26- يعتبر طه حسين فشله في الحصول على "العالمية" مؤامرة من طرف بعض شيوخ الأزهر. وهذا الموقف -في تقديري- كان له أثرا سيّئا في تحديد علاقة طه حسين بالأزهر وعلماء الأزهر والفقهاء مستقبلا. 175

27- واضح جدّا أنّ طه حسين تأثّر باللّغة والأدب العربي وهو طالب في الأزهر ولم يتأثّر بالأزهر ولا شيوخه ولا فقهه. 176

28- لايوجد فقيه ولا شيخ ولا شاعر ولا كاتب ولا أديب إلاّ انتقده طه حسين بشدّة. 180

29- من بين الأسباب التي دفعت طه حسين لانتقاد فقهاء الأزهر والشّعراء -في تقديري- تملّقهم الشديد للسّلطان ودون داع لذلك. وقد أنكر على رشيد رضا ذلك وعلى الشاعر مطران، وغيرهم.

خامسا: حياة طه حسين مرهونة بفقد البصر:

30- يبدو لي أن طه حسين كان طالبا مشاغبا. ينتقد شيوخه علانية ومن خلال المقالات التي يكتبها عبر الصحف بعبارات جارحة، مادفع شيوخه إلى معاملته بغلظة "والتآمر" عليه حسب طه حسين، وكرهه وبغضه ومعاملته بقسوة حسب مايعتقد طه حسين. أضيف: طه حسين رجل ضرير لايبصر وقد أثّرت عليه هذه الحالة فأصبح -في تقديري- يفسّر كلّ قول أو فعل تجاهه على أنّه استهزاء به ولكونه أعمى، فأثّر ذلك بشكل واضح على علاقاته مع شيوخه الأزهريين ماجعله -في تقديري- يتعامل مع أساتذته الغربيين الذين عاملوه برفق وحنان ورقّة على أنّهم أفضل بكثير من فقهاء وشيوخ الأزهر الذين كانوا ينادونه بـ "يا أعمى" و"يا كلب".

31- حياة طه حسين مبنية -في تقديري- على فكرة واحدة ووحيدة ألا وهي: أنا وإن كنت الأعمى سآتي بما لم تأت به الأوائل.

32- يتعامل طه حسين مع العمى على أنّه: "عورة" 235. و"آفة" 238. و"المتاع الحي" تمييزا له عن "المتاع الصّامت" 239. وأنّ الأعمى "رجل مستطيع بغيره" 240. ولذلك كان عنيفا جدّا ضدّ كلّ من يتعامل معه على أنّه الأعمى والكفيف.

33- المعري بالنسبة لطه حسين ليس شاعرا وبليغا وأديبا فحسب، إنّما منهاج حياته وعقيدة راسخة ينهل منها مواقفه وأحزانه التي ظلّت تراوده وهو في قمّة نجاحه. 234

34- امتاز بحفظ واسع ووصف دقيق لأبسط شيء رغم مرور عقود طويلة على المواقف التي مرّ بها والأشخاص والحالات التي ذكرها. قد يكون فقد البصر إحدى العوامل التي لايمكن إنكارها لكنّها ليست الوحيدة ومن الأخطاء حصرها في واحدة.

سادسا: طه حسين والثورة الجزائرية:

35- يسمي طه حسين فرنسا بـ"الأمم المحاربة". أقول: كانت فرنسا المحتلة المجرمة يومها أي بعد الحرب العالمية الثانية -وقبلها طبعا- تحتل الجزائر وتنهب خيراتها وتستعبد شعبها وتذلّ رجالها وتهين نساءها. 282

36- لم يذكر طه حسين الجزائر والثورة الجزائرية والاستدمار الفرنسي للجزائر ولم يشر إلى ذلك لا من بعيد ولا من قريب طيلة صفحات الكتاب.

 

الشلف - الجزائر

 معمر حبار

 

جواد عبد الكاظم محسنتحتفل الصحافة العراقية بعيدها السنوي في يوم الخامس عشر من حزيران، وهو ذكرى صدور أول جريدة في بغداد سنة 1869م في عهد الوالي المصلح مدحت باشا،  وأرادت مدينة المسيب أن تستقبل هذا العيد السعيد فأصدرت أول صحيفة فيها يوم  الرابع عشر من حزيران سنة 2005م، فكانت جريدة (عروس الفرات) الأسبوعية الثقافية العامة المستقلة، وقد قبلت في نقابة الصحفيين العراقيين، وسجلت فيها برقم 113 لسنة 2005، وحملت رقم الإيداع 906 لسنة 2006 في دار الكتب والوثائق ببغداد.

صدر عددها الأول بأربع صفحات من دون ألوان، وتطورت في العدد الرابع لتصبح بثماني صفحات، ثم صارت صفحتها الأولى والأخيرة بالألوان منذ العدد السادس، وتواصل صدورها حتى 29 مايس 2007م إذ صدر عددها السادس والثلاثون وهو الأخير، وكان عدداً خاصاً عن الشهيد مهدي عبد الحسين النجم بأربع صفحات حزينة وموشحة بالسواد، وكانت الجريدة تطبع ألف نسخة من كل عدد، وتضاعف عدد النسخ المطبوعة لثلاثة أعداد فقط لأهميتها، وكانت توزع في أغلب مدن محافظة بابل ومدن كربلاء المقدسة والنجف الأشرف وبعض المناطق في بغداد العاصمة، وأرسلت نسخ منها لمرات عديدة إلى خارج العراق إذ حملها بعض الأصدقاء، أو أرسلت لمن طلبها من المؤسسات الثقافية والأفراد .

رأس هيئة تحريرها جواد عبد الكاظم محسن، وسكرتارية تحريرها جابر جواد المغير، وتكونت هيئة التحرير من عبد الرضا عوض وبشير ناجي علي وأمجد علي الربيعي وعبد الوهاب عبد فضالة، واعتماد جواد عبد الكاظم، وشارك في تحريرها والنشر فيها عدد غير قليل من الأدباء والكتاب العراقيين المعروفين من مختلف المدن.

اهتمت الجريدة منذ عددها الأول بالثقافة والتراث، ونشر مفاهيم الحرية وحقوق الإنسان، وحاولت استقطاب الأقلام المبدعة داخل مدينة المسيب خاصة وعموم محافظة بابل والمدن الأخرى المجاورة، ووفرت لهم مساحات حرة واسعة لنشر كتاباتهم وأفكارهم، كما نجحت في خلق واحتضان مواهب جديدة وأخذت بيدهم وشجعتهم على مواصلة الكتابة والنشر، واعتبرت ذلك جزءاً من رسالتها الصحفية .

خصصت الجريدة صفحتها الأولى للأخبار العامة، والثانية (مسيبيات) للأخبار المحلية، والثالثة للتراث، والرابعة للآراء الحرة، والخامسة للأدب والثقافة المعاصرة، والسادسة لمساهمات القراء، والسابعة للأسرة وشؤون المرأة، والثامنة وعنوانها (ضفاف) للمنوعات، وقد نشرت على صفحاتها الكثير من الدراسات الرصينة والبحوث المهمة التي نالت الإعجاب، وليس أدل على ذلك من اعتمادها كمصدر من قبل عشرات المؤلفين في مؤلفاتهم وعشرات آخرين من طلبة الدراسات العليا في الجامعات العراقية عند كتابتهم لرسائلهم وأطاريحهم العلمية، كما ذكرت في العديد من كتب الصحافة العراقية وفهارسها التي ظهرت بعد صدورها، ومازالت تذكر بخير.

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

شاكر فريد حسنالراحل محمد أيوب كاتب قصصي وروائي فلسطيني من قطاع غزة، من مؤسسي فن القص السرد القصصي في الأرض الفلسطينية المحتلة. ينتمي لجيل أدبي وثقافي فلسطيني نشأ واجتهد وكد ونشط في إرساء حركة أدبية وثقافية وطنية ملتزمة بقضايا الجماهير والوطن.

وهو أحد أربعة كتاب سرديين عرفناهم من خلال مجلة " البيادر الأدبي" لصاحبها ومؤسسها الكاتب الاعلامي المقدسي جاك خزمو الذي رحل قبل أيام عن عالمنا، وعلى صفحات الأدبيات الثقافية في الوطن المحتل، وهؤلاء الكتاب هم: " المرحوم زكي العيلة وغريب عسقلاني (ابراهيم الزنط) وعبد اللـه تايه، والمرحوم محمد أيوب).

محمد أيوب من مواليد يافا في التاسع والعشرين من حزيران العام 1941، قذفت النكبة به وبعائلته إلى قطاع غزة، واستقر بهم المقام في خيمة صغيرة فوق رمال خان يونس. وكان لهذه التجربة المأساوية أثر عميق في نفسه، تعلم الابتدائية والاعدادية في مدارس البلدة، وانهى الصف الرابع الاعدادي العام 1956 وحصل على شهادة تفوق، ثم أنهى دراسته الثانوية، وفي الاول ثانوي وقع العدوان الثلاثي على مصر وأضيفت تجربة الطرد والتهجير والنزوع عن الأرض، وكان لهذا الحدث أيضًا أثره الواضح في تكوينه النفسي والثقافي، وبدأ بقراءة القصص الشعبية فالقراءات السياسية والأدبية والنشاط السياسي في اواخر الخمسينيات.

بعد حصوله على الشهادة الثانوية في العام 1949 عمل مدرسًا في القطاع، وأخذ يقتطع جزءًا من راتبه لشراء الكتب المتنوعة.

خاض محمد أيوب تجربة الكتابة وهو في الصف الاول ثانوي، فكتب الشعر ثم القصة القصيرة، وفي منتصف السبعينيات بدأ يبعث بقصصه للنشر في صحف "القدس" و"الشعب" و" الفجر" ومجلة " لبيادر الأدبي" و"الاتحاد" و" الجديد". وتم اختيار قصته "البذرة تتمرد" من قبل الأديب الروائي الراحل إميل حبيبي ضمن أفضل عشر قصص قصيرة في الضفة الغربية وقطاع غزة، نشرت في مجموعة مشتركة في بيروت حملت عنوان " هكذا فعل أجدادنا "، وكانت القصة الوحيدة التي مثلت الضفة والقطاع، فيما كانت باقي القصص لكتاب من الداخل الفلسطيني عام 1948.

وفي العام 1978 صدر لمحمد أيوب مجموعته القصصية الاولى "الوحش" وكان للناقد الراحل محمد البطراوي وأسعد الأسعد دور كبير في ان ترى هذه المجموعة النور، وتناولتها الاقلام النقدية في حينه، وبعيد اندلاع الانتفاضة صدرت مجموعته القصصية الثانية " صور وحكايات " العام 1989. وفي العام 1990 صدرت روايته " الكف تلاطم المخرز " التي تحمل النزعة الأيديولوجية الواضحة كما يشي عنوانها.

وبعد اوسلو نشوء السلطة تحول أيوب للسلك الأكاديمي، وحصل على درجة الماجستير عن أطروحته " الرواية في الضفة والقطاع " من جامعة النجاح الوطنية في نابلس، فالدكتوراه من الجامعات المصرية، ليصبح فيما بعد محاضرًا في جامعات غزة. ومنذ العام 2000 حتى وفاته في العام 2015 انخفضت وقلت مشاركاته ومساهماته الأدبية الابداعية وطغى العمل الاكاديمي عليه.

محمد أيوب كاتب صدامي، اعتنق الفكر اليساري التقدمي، الذي ينعكس كثيرًا في كتاباته التي تعالج المعاناة اليومية لأبناء شعبه والواقع الاجتماعي والقهري الحياتي في ظل الاحتلال. وتأثر بعمالقة الأدب الواقعي العالمي من ذوي النزعة الإنسانية والرؤية الطبقية، وشكلت البيئة الشعبية التي نشأ وكبر في جنباتها واحتكاكه بالفئات الشعبية الكادحة الفقيرة والمقهورة في المخيمات مادة خام له، واسهمت قراءاته في الأدب الواقعي في صقل تجربته بحيث أدى الأمر لكتابة قصة واقعية حية نابضة بالحركة والحرارة، بما فيها من صدق فني وتعبيري وحس طبقي وفكر تنوري واضح وأصالة متدفقة بين الكلمات والسطور.

في مجموعته القصصية الأولى " الوحش " التي اشتملت على أربع عشر قصة قصيرة، يلتزم محمد أيوب التعبير عن قضايا الناس في ظل القهر والبطش والظلم الاحتلالي، واعيًا لواقعه، ويرصد أوضاع واحوال الطبقات الشعبية المنسحقة، ويصور همومها وآلامها واوجاعها اليومية والمصيرية، وبحثها عن رغيف الخبز ولقمة العيش، وحلمها بالخلاص من هذا الواقع المر.

أما في روايته " الكف يناطح المخرز "، فيتناول الفترة الزمنية الممتدة من أواخر حزيران العام 1987 حتى أواسط آب 1988، ويحكي فيها عن شاب اراد له والده أن يكون حياديًا بالنسبة للصراعات التي تدور حوله، ولذلك أسماه " حياد "، وهذا الشاب يشكو ويتبرم من الوضع الذي اراده له والده، ويلح عليه السؤال : إلى متى سيظل عديم اللون والطعم والرائحة، ومع كونه كذلك لم يسلم من طائلة الاحتلال، فقد طالته عصا المحتل، واقتيد إلى السجن عشية اضراب " يوم المساواة " داخل الخط الأخضر، وهنا وجد نفسه وجهًا لوجه مع الكثير من الشيوعيين الذي اعتقلوا في تلك الفترة اعتقالا احترازيًا، وتتفتح عيناه على أشياء يدركها للمرة الأولى في حياته من خلال الاستماع والإصغاء لنقاشات وسجالات تترك بصمات واضحة، لكن همه وهاجسه الأساس يظل أمام دراسته وتحصيله العلمي التوجه للدراسة في جامعة بير زيت، وما يكاد يبدأ دراسته الأكاديمية تندلع الانتفاضة وتلجأ السلطات بإغلاق الجامعة فيعود لبيته في خان يونس، ويشارك في الأحداث بصورة تلقائية وعفوية. ويشد هذا الحدث جميع الناس بمن فيهم " حياد " الذي بدأ بالخروج عن المضمون والمألوف الذي أراده والده. وبعدئذ يذهب للعمل في اسرائيل، وتصادفه صبية يهودية تحاول  أن تستميله إليها لكنه يرفض إقامة علاقة معها، ويعتقل " حياد " اعتقالًا اداريًا ويزج في سجن النقب الصحراوي، ليستشهد في احدى عمليات القمع والتنكيل ضد المعتقلين الفلسطينيين، وقبل ان تفيض روحه يرسم شارة النصر ويبتسم مطمئنًا بانه يصنع المستقبل.

ويمكن القول أخيرًا، أن طبيعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وواقع الناس اليوم، وطرق كسب معيشتهم ومعاناتهم الانسانية، وطبيعة المكان، والشخصيات الواقعية كلها تبرز في كتابات محمد أيوب السردية، كقصصي وروائي واقعي ناجح لا يشق له غبار، عاش الهم اليومي الفلسطيني، ويثير فينا الألم والوجع الإنساني العميق في دواخلنا. 

 

 بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

ماذا يفعل الفيروس لنا؟ من العجز الجنسي وحتى إلى الهستيريا. فهل نحن بحاجة إلى الثقة والإرادة للتكيف والمواجهة؟. بدل زرع ثقافة عدم الثقة وتعميم المدونات والآراء الشائكة حول جائحة الكورونا بهدف المنافسة المعلوماتية غير المفيدة والمتكرر نشرها في أغلب الأحيان. وننسى بأن النصائح والمعلومات حول الجائحة أو غيرها، في هذا العصر، ممكن الحصول عليها من مراكز أبحاث رصينة بسهولة.

في خط رفيع للهستيريا،لا شيء غني عن القول. عند الفحص الدقيق، نجد أن العالم مليء بالألغاز، صغيرة وكبيرة، لا يمكنك منع الخوف منها، ولكن يمكنك تجنب إثارة الذعر. للأسف، تم تصميم التقارير البصرية لوسائل الإعلام بشكل يزيد من المخاوف التي لا يمكن قياسها. على سبيل المثال، عندما تشاهد بتردد صور الفيروس غير المرئي في حجم وشكل ولون الوحش على شاشة التلفزيون، غالبا ما تجعل المرء يفكر في غسل الدماغ. أو عندما توضح وسائل الإعلام "الإصابات المؤكدة" في رسوم إحصائية بمنحنيات حادة، بالطبع يصبح الوضع مرعبا وغير واضح للناس. لكن الخوف والهستيريا لم يسبق لهما أن كانا نصيحة جيدة للنفس، التي يجب أن تتحلى بالشجاعة والعقل. علماء الاجتماع والعلاج النفسي يتحدثون ـ بدلا من الخوف والهستيريا، هناك حاجة إلى الصفاء والقوة في أوقات الخطر. فيما تتحدث الفلسفة بطريقة مذهلة عندما يكون الخط الفاصل بين التنوير والإثارة ضيقا، عن القوة الدافعة لمواجهة الازمات والحد منها من منظور سوسيولوجي.

ما نشهده اليوم هو شبيه بلحظة غرق السفينة البريطانية "تيتانيك"Titanic  الأكبر في العالم، في القرن الحادي والعشرين. خلال رحلتها الأولى عام 1912 وكان على متنها 2200 توفي من بينهم 1514 شخصا. في ذلك الوقت، خلق غرق تيتانك أثر اصطدامها بجبل جليدي جنوب شرقي نيوفاوندلاند، شعورا بالشك في عصمة الإبداع البشري.. اليوم؟ إن الفيروس الصغير غير المرئي لا يدمر حياة البشر فحسب، بل يحول كل شيء أنجزه البشر على مدار الخمسين أو السبعين سنة الماضية إلى صفر. إذن يجب أن يعلمنا هذا الفيروس الصغير درساً: انه ليس لدينا القدرة للسيطرة على الطبيعة، ولكن الطبيعة تجعلنا تحت السيطرة.

أصدر مهرجان جنيف للسينما الشرقية FIFOG بيانا صحفيا في 19 أيار جاء فيه: كنا نأمل حقا أن يسمح لنا الوضع الاستثنائي الذي نجد أنفسنا فيه، بعقد الدورة الخامسة عشرة من المهرجان، المقرر عقده في الفترة من 8 إلى 14 حزيران تحت شعار "المقاومة.. بالطريقة الأنثوية"، ستكون نسخة 2020 مقاومة الشدائد، وآفاق تحرير العقول من الحبس، والانفتاح على الآخرين. إلا ان تطور وضع ـ Covid  19 وتدابير المجلس الاتحادي، دفعنا إلى التخلي عن "الشكل الأصلي" للمهرجان والتفكير في شكل بديل.

نظم FIFOG 2020 مسابقتين عبر الإنترنت للأفلام القصيرة: الجائزة الذهبية والفضية، ومسابقة جائزة الجمهور. تتنافس في المسابقة الأولى الأفلام الحديثة، وستعرض الأخيرة أفلاما من إصدارات سابقة. فيما سيتمكن الجمهور من التصويت على Vimeo أوFacebook  وسيتم تأجيل العروض الخاصة بالأفلام الروائية الطويلة حتى الخريف. وبهذه الطريقة يحقق FIFOG مهمته، التي تتمثل في تعزيز توزيع الأفلام الشرقية التي لا يتم بثها على نطاق واسع في سويسرا، مما يساعد على جعل الحياة أكثر احتمالا، والمساهمة في العودة إلى الحياة الطبيعية.

وفي إطار الحملة العالمية تحت شعار "نحن واحد"We Are One  أقيم من 29 ولغاية 7 أيار 2020 المهرجان السينمائي العالمي، تضامنا مع أزمة جائحة الكورونا، وبه بدأ أيضا جمع التبرعات لمنظمة الصحة العالمية والمنظمات الصحية المحلية.

نظم مهرجان "نحن واحد" للأفلام عبر الإنترنت مؤسسة تربيكا الدولية Tribeca Enterprises ويوتيوب YouTube ، وقدم على المستوى العالمي العديد من الأفلام والتسجيلات وحلقات النقاش والبرامج والعروض التقديمية المختلفة مجانا. شارك فيها 21 مهرجانا سينمائيا من جميع أنحاء العالم، من بينها مهرجان برلين السينمائي "Berlinale" الدولي الذي يقام سنويا في منتصف شهر شباط.

هنا في "نحن واحد" لم يتم إنشاء السينما فقط في عمل جماعي، لكنه أيضا تجربة مشتركة. في أوقات متزامنة ومن مسافات مكانية مختلفة. فمبدأ التعاون والشعور بالمسؤولية المجتمعية كان أكثر ضرورة على المستوى الانساني. لذلك فالمشاركة في مبادرة "نحن واحد"، لها خصوصية رائعة تمكن الجمهور من رؤية أعمال كل الفنانين المشاركين، معا مرة واحدة على الشاشة الكبيرة، كما قال فريق إدارة "البرليناله" المشاركة في المهرجان، مارييت ريسينبيك وكارلو تشاتريان.

شارك مهرجان برلين السينمائي الدولي في عروض مهرجان "نحن واحد" ببرنامج مدته أربع ساعات تقريبا يتكون من حلقتي نقاش وفيلم. وتم عرض تسجيلين من البرنامج الخاص "عند الإرسال" On Transmission، الذي تم إنشاؤه لمهرجان البرليناله الـ 70. ركز البرنامج من خلال الحوار بين مخرجين، كلير دينيس Claire Deni فرنسا، وأوليفييه أساياس Olivier Assaya فرنسا، ناقشا في مواضيع الفن السينمائي ـ القصص والتجارب والخبرات والمعرفة، أثر كل فيلم عظيم على تاريخ السينما، يأخذ شيئا من الماضي، ويعالجه ويقدمه بطريقة جديدة إلى الجيل التالي. والثانية بين أنج لي Ang Lee   "تايوان" في حوار مع هيروكازو كوري - إيدا Hirokazu Kore-eda "اليابان". 

بعد العرض الأول لافتتاح المهرجان "On Transmission" على الإنترنت، تم عرض أحد أفلام البرليناله "صورة لشارب" "إنتاج ألماني 1979، 107 دقائق" للمخرجة البارعة اولريكه اوتنكر Ulrike Ottinger.  وهي واحدة من أهم صانعي الأفلام الألمان منذ السبعينيات. أبدعت في إخراج العديد من الأفلام والأعمال المسرحية والأوبرا، بالإضافة إلى عرض العديد من أفلامها في مهرجانات دولية، بما في ذلك في Cinémathèque française في باريس ومتحف الفن الحديث في نيويورك. وحصلت على العديد من الجوائز. يشمل عملها الفني أيضا الرسم والتصوير الفوتوغرافي وحاصلة على جائزة الكاميرا في مهرجان برلين السينمائي Berlinale السبعين.

فيلم "صورة لشارب" يتناول الجانب النفسي لامرأتين غير عاديتين، ولكنهما مختلفتان للغاية. الكونتيسة وليالي الكباريه. الأغنياء، الغرباء، الذين يخفون مشاعر جامدة شبيهة بالقناع، تشرب عمدا حتى الموت. والأخرى حافية القدمين فقيرة تشرب من دون وعي حتى الموت. هذا هو الحال الذي لا يظهر في العلن، لأنه يتم الاحتفاظ به في المنزل أو في عيادة خاصة.

 المثير للإعجاب، بشكل خاص في هذا الوقت الصعب الذي يتميز به فيروس الهالة، ان يقدم مهرجان برلين السينمائي العالمي بهذه المناسبة "التهاني لجميع الفائزين بجائزة الفيلم الألماني لعام 2020" مؤلفين ومخرجين وممثلين ومصورين: أفضل بطلة، هيلينا زنجل: أفضل بطل ذكر، ألبريشت شوتش: أفضل دور داعم للإناث، غابرييلا ماريا شميد: أفضل قصة: ستيفان بتشنغر وجوليا كوفالينكو: أفضل تقليد صوتي، كورينا زينك، جوناثان شور، دومينيك ليوب، أوسكار ستيبتز، جريجور بونس: فيلم "برلين ألكسندربلاتز" من إخراج برهان قرباني. وعلق فريق إدارة برليناله، مارييت ريسينبيك وكارلو تشاتريان قائلين: نحن نؤمن بالقوة الإبداعية وسحر السينما، وما تقدمه الأفلام الممتازة في ثقافتنا في ظل ظروف خطيرة للغاية كالتي نمر اليوم بها جميعا.

تتجه أزمة الإكليل إلى ذروتها. ومعها، تتزايد الأصوات التي تدعو إلى مفاهيم جديدة لما بعد أزمة كورونا. لكن عندما يفقد فيها الإنسان توازنه أو إيقاعه. لا يمكن التخطيط بسهولة لعملية التعافي ولو نفسيا من أزمات تحدث لأول مرة. فمن ناحية، الخبرة الضرورية من الماضي مفقودة، وظروف الأطر العامة للحياة تتغير باستمرار. لقد مرّ كل شخص بموقف عندما يخرج شيء عن السيطرة، وهذا بالتحديد هو الذي يخيفنا نحن البشر ويعزز السلوك غير العقلاني لدينا. والحال هو حال الجميع فوق هذا الكوكب الأزرق الجميل: لقد تعبنا من الهرولة وراء قراءة الكثير من المثير وغير المثير، الذي عشعش في العقول.. وتعبنا من البحث هنا وهناك لنعود إلى حياتنا الطبيعية.. تعبنا أيضا من الالتزام باستعمال الكمامة كالكلاب، وحفظ المسافة بين بعضنا البعض من الجنس البشري.. تعبنا من الخوف من نهاية الكون، ومن ثم ماذا بعد، إلى أين؟ وتعبنا من تمرد رأس المال على البشرية واستثمار السياسة للكورونا درعا للانتهازية والدجل والنفاق.. فمتى تنتهي هذه المصيبة؟

 

عصام الياسري

 

نايف عبوشغادرنا عصر اليوم، الخميس ١١ حزيران ٢٠٢٠ إلى جوار ربه، الشاعر إبراهيم علي العبد الله ،المعروف في الوسط الاجتماعي، والوسط الأدبي  الثقافي، بكنيته المشهورة للجميع ، (أبي يعرب)، والتي كان قد كناه بها، في ستينات القرن الماضي، الأستاذ الأديب الموصلي اللامع،احمد سامي ألجلبي، صاحب جريدة (فتى العراق) يوم ذاك. فقد أثارت نتاجاته إعجاب، وانتباه الأستاذ ألجلبي، فكناه، ب (أبي يعرب)،اعترافا منه، بعذوبة قريضه، وجزالة تعبيره،وبلاغة ألفاظه، حينما كان الشاعر أبو يعرب،كما هو معروف لمن جايله، ينشر قصائده، ونتاجاته الأدبية، والثقافية، في تلك الجريدة، يوم كان طالبا في ثانوية الزراعة بالمجموعة الثقافية في أواخر ستينات القرن الماضي، إذ كانت ذائعة الصيت، ومنبراً للفكر والأدب والثقافة، عندما احتضنت الأقلام الشابة، والبراعم الأدبية.

لقد كان الشاعر المبدع (أبو يعرب) رحمه الله تعالى وجعل الجنة مقامه ، من بين القلائل من الأعلام من الشعراء ،والأدباء، الذين جمعوا بين بلاغة التعبير، وسحر البيان ، وقدرة التأثير في المتلقي.. بما تميز به من بصيرة نافذة،وما أوتي من حكمة رصينة،وملكة إبداعية متميزة، وثقافة عامة . الأمر الذي جعل لحديثه، وقعا خاصا بين المتلقين من الجمهور، والمتذوقين للأدب، والشعر .

ولذلك كله كان المتلقون لأحاديثه، وقصائده في المجالس، والمحافل العامة، يتفاعلون بقوة مع نتاجاته، حيث كانت ابداعاته تحظى بتداول واسع بين الجمهور، لاسيما وانه اعتاد رحمه الله تعالى، أن يستلهم في أحاديثه، ومروياته، معطيات الماضي، في بعديها الاجتماعي، والتراثي، بعد أن نجح في التوفيق فيها بين أصالة الموروث من القيم والتقاليد، وبين معطيات الحداثة والمعاصرة ، بحيث تقبلها الجميع بقناعة، ودون تردد.

ولا غرابة في ذلك.. فالشاعر أبو يعرب رحمه الله تعالى ، الذي نجح في التوفيق في انثيالاته الشعرية، بين متطلبات أصالة التراث، وتحديات حداثة العصر ، هو نتاج القرية،وابن الديرة، الذي عايش كل تفاصيل حياتها، طفولة،وصبا،وشبابا، وكهولة، وتراثا، وتقاليدا، وظل منشدا، رغم كل ضغوط المعاصرة بمعطياتها المتسارعة، لجذور نشأته الريفية، ولم ينسلخ عنها.

ولعل ما تقدم من معطيات إيجابية ، هو ما جعل الشاعر أبا يعرب يحظى باحترام الجميع،نقادا، وجمهورا، وادباءا، ومثقفين، شبابا، وكبار سن، لاسيما وأنه ظل يقرض الشعر، فلم ينضب عطاؤه،ولم يجف معينه، إذ  ظلت قريحته متوقدة، وسيالة بالإبداع، رغم توالي الايام ،ومع أنه كان من قد تجاوز الثمانين من العمر، حتى واتته المنية ، فاستحق بذلك ان ينعت بجدارة من الجميع، بأديب الجمهور، وشاعر القبيلة، المتوقد الذاكرة، والمتجدد الإبداع، بلا منازع .

ولأنه إبن بيئته نشأة، وتكوينا،وثقافة، وحسا، فقد احتل المدح، والثناء، في قصيده مساحة واسعة من نظمه، جريا على عادة فطاحل الشعراء، حيث تغنى بمناقب الأفاضل من القوم، على قاعدة ولا تبخسوا الناس أشياءهم . ويلاحظ المتلقي الحصيف، أن اسلوبه في المدح، قد امتاز بالتركيز على إطراء المناقب الفاضلة، لدواعي الاشادة بالمعاني الرفيعة ، والسجايا الراقية، لمن يختصهم في شعره بالمدح، حيث ظل هدفه الأول من المدح، رفع شأن قيم الفضيلة، والسمو بها إلى أرفع مكانة، بقصد تعميق معاني الشهامة، وترسيخ قيم الانتخاء، والتكافل، في المجتمع، وتشجيع الجمهور على ممارستها.

ومع أن الشاعر أبو يعرب،كان ريفي النشأة ،إذ هو من مواليد ريف اطراف جنوب الموصل، وبالتالي.. فهو نتاج قروي النكهة، في العادات، والسلوك، والانجذاب إلى ثقافة وتقاليد القرية،إلا انه ظل  في نفس الوقت، منجذبا بحس واضح، ووجدان أصيل، إلى مدينته الحبيبة الموصل، التي انهى فيها دراسته الثانوية، في المجموعة الثقافية فظلت ذكرياته عن الموصل ماثلة في مخيلته، ومترسخة في وجدانه،حيث استمر بتواصله مع أوساطها الثقافية، والأدبية، وبحضوره الواسع في اوساطها الاجتماعية فيما بعد، فظل وفيا لموصله الحدباء على طول الخط، وألقى الكثير من قصائده في أروقتها الأدبية، ومراكزها الثقافية، في مختلف المناسبات،وحافظ على علاقة ممتازة مع الكثير من أدبائها، ومثقفيها، ورموزها،حتى رحل إلى جوار ربه.

لقد خسرنا برحيله، احد أعمدة القوم الأخيار، وفقدنا بموته، احد أركان الساحة الثقافية والأدبية الموصلية، حيث كان طاقة إبداعية متوقدة لم يفتر توهجها، حتى أطفأ بريقها الموت.

تغمد الله تعالى الشاعر الكبير، والأديب الفحل، ابا يعرب برحمته الواسعة، وأمطر عليه شآبيب الرحمة، وأسكنه فسيح جناته.

 

نايف عبوش

 

محمد الزموريلم يعد الوقت يحتمل هذا الكم الكبير من الهراء، ولم تعد النفس تتوق لما مضى، ولم يعد للصبر صبر، التغيير قد حان، لا مجال للتراجع، الحياة تسير في مسار إهليلجي غير موفق للأسف، ليست فقط كورونا هي من سوف يغير ملامح العالم، قراراتنا آن لها أن تستفيق من سبات السنين، التغيير من سنن الحياة، وقد يكون التغيير هو بحث عن الراحة المفتقدة في عالم مضجر حد القرف، لا يوجد من الحلول الكثير، ولا يوفر لنا فضاء الاحتمالات الكمية العديد من الاختيارات بالرغم من أنها حسب العلماء لا نهائية، الوجود أو العبث ولا بين بينهما. يقول جلال الدين الرومي " مع الزمن يتحول الألم الى حزن ويتحول الحزن الى صمت ويتحول الصمت الى وحدة ضخمة وشاسعة كالمحيطات المظلمة".

في ظلال هذه الوحدة وأنت تنظر الى المرآة، لا ترى نفسك، جسدك الذي تلبسك بغتة من فعل جينات أب وأم وربما أجداد لم تكن لك إرادة الاختيار، المرآة لا تعكسك، هناك شخص آخر في الطرف الآخر، بنفس الملامح والصفات، لكن أؤكد لك يا صديقي أنه ليس أنت، هو انعكاس لظاهرك المزيف، وتجاهلا لدواخلك المتقلبة.

الشخص الذي يشبهك في المرآة ليس أنت، إنه شاب بملامح الكهول، هو ليس أنت، المرأة ليست صادقة مثلهم تماما. فمتى سوف تتحرك لاستعادة نفسك من التخدير والوهم؟

التخدير هو الصوم عن اتخاذ قرار، لا توجد قرارات مصيرية فالحياة برمتها مجرد نزال عقيم بين طالب ومتطلب، بين مانح وجاحد، بين بؤس سعيد وآخر تعيس، بين منطق "ماكس شتيرنر" وعذابات "دانتي أليغري"، لا توجد أيام سوداء وأخر بيضاء، الموجود هو فائض كبير من الوقت نحاول إعدامه بالعمل والالتزامات غير المجدية، السوداوية ليست منطق أو فلسفة أو مرض نفسي أو أسلوب في التفكير والحياة، السوداوية هي الحياة، وذلك النور الملهم يتجلى فقط عندما يسمح له الظلام بذلك. الآم النفس البشرية يعمقها الآخر بمنطق الأنا والمصلحة، لا يوجد من يراعي مشاعرك أو يضمد جراحاتك، فالجحيم هو الآخر على حد تعبير الوجودي "جون بول سارتر". أحاسيسك وأفكارك واهتماماتك لك وحدك، المشاركة هي فقط أسلوب مجازي يستخدم عندما تتوفر فيك شروط المصلحة.

يديرنا الوقت وفق مقاربات الحياة، الوقت الفارغ الذي يتلحفني يكفي لملء الكون بمجراته، وكأنني في سديم فضائي وإشارات المركبات تومض بعشوائية كصرخات من معدن تعوي في الفراغ الكوني حيث الصوت لا ينتقل في الفراغ وإن استعنت بكل الأحبال الصوتية لسكان الأرض.

كان الكلام منسلخاً عن الواقع كما المشاعر، وكان الواقع نفسه قبيحاً إلى حد العمى. لم يكن إلا الأمل في اللحاق بمركبة فضائية تقلك إلى حيث الواقع أقرب شبهاً بالكلام، إلى أناس يعنون ما يتفوهون به، في عوالم متوازية أكثر صدقا.

في الحقيقة لم يكن وقت ضائع على الإطلاق لكنك أنت الضائع، لا شيء يعنيك حقيقة مهما اصطنعت الاهتمام. من اللطيف أن تكون معظم المصطلحات الحضارية المتداولة؛ تلك الموحية بالخفة والتحرر من المورث المجتمعي الطويل، مجرد وهم متداول أنيق يجعل الفرد مقبولا في المجتمع المتحضر ليس إلا، لكن من المستحيل أنْ يكون لهذه الأفكار وجود عميق في حياتنا وإلا فسيكون التوحد والتماهي المطلق معها مأساة إنسانية ثقيلة، لا تعني إلا المزيد من التكريس للمسوخية والتشيؤ.

الوقت الفائض عن الحاجة لا يزال. كنت أنا أو ربما ليس أنا، ليس تماماً؛ ربما أصدق قليلاً أو أكثر استعداداً للتواؤم والتكيف. لكن الوقت أمسى ضاغطاً لدرجة صعوبة التنفس. وهكذا تدربت أن أبني سياجاً عازلاً حول نفسي تحاشياً لعقارب الوقت وفي انتظار النهاية، فتاريخ العالم على حد تعبير "إميل سيوران" ليس سوى تكرار للكوارث بانتظار كارثة نهائية.

 مات أبي ولم أحضره، فانهارت الجدران التي شيدتها من حولي في وجه الوقت المهدر كدماء لا منتهية تراق على قارعة الطريق، لعلي جربت نوعاً معطلاً من السعادة. أنتجت سياقاً أعمل فيه شيئاً، ما لبث أن تفتت في لحظة، وكان على أن أعيد بناءه من لا شيء. الفزع من الوقت أبشع من فزع الموت نفسه. للمرة الأولى أحسست به داخلك، في جسدك كما على مسرح أحلامك، ضياع الساعات التي انهمرت حولك فجأة شلالاً في كل الاتجاهات.

 في هذه السنوات بدأت تتجلى ألوان الوقت المتسرب في تفاصيل العمل والحياة، أو لعل ما تجلى فعلياً كان أسبابه: الحقائق التي تبقيه ضائعاً وتحرمك استعماله في شيء مهما حاولت. عرفت مثلاً أن الغلاف الخارجي للشيء وحده محط الأنظار والاهتمام، وحين يكون المحتوى المفترض قيمة أو مبدأ يزداد الاهتمام بالغلاف. لكن المحتوى يظل فارغاً يماثل الوقت، لا يمكن حتى وصفه بأي صدق تبعاً لشروط التفاعلات المعمول بها، وبحسن نية أحياناً.

  جئت إلى تلك اللحظة حيث أيقنت أن النضال، ذلك الخليط المسرف في الارتباك والضبابية من القومية والشعبوية والطائفية، لم يعد له شغل سوى تكريس الدين المسيس أكثر فأكثر كواقع – خرافي، بطولي، رديء، ممسوس بالطبقية والدونية، محكوم بالوقت الضائع – ليس منه فرار.

للمرة الأولى منذ وعيت الحياة، لعواء الصرخات المعدنية. عدت ترى وقتاً ضائعاً يكفي لملء الكون، وفي السديم الفضائي المحيط بك مع خطر الموت الآن، تتطلع إلى إشارات المركبات الفضائية.

 إلى أين ستذهب يا رفيقي وقد صرت في الأربعين؟

 

أ/محمد إبراهيم الزموري

باحث في العلوم الإنسانية والقانونية.

 

 

عدي المختارمن يقتفي اثر تاريخ الشعوب يتابع بنهم مسيرة السائرين على هامش الحياة في حقب غابرة من تاريخ هذه الشعوب، فالسائرين على هامش التاريخ هم المبدعين ومداد ماكتبوا وانجزوا لانهم يدونون الكثير بهم اللحظة ووعي التصريح والتلميح هم انعكاس لهموم اوطانهم والبسطاء في تلك الاوطان، لذلك بالامكان ان نطلق عليهم بمؤرخي الهم ولسان حال الشعب بصيغة الابداع بعيدا عن سلطة التاريخ الذي تسعى التابوهات والايديولوجيات والزعامات والسياسة ان تدسه في متن تاريخ الامم والشعوب،وهكذا ماسعت الى اقتفاء اثرة الكثير من الدراسات التي قراءة التاريخ من مداد المبدعين في كل زمن .

الفنان الراحل يوسف العاني المولود في 1 يوليو 1927 ونشأ في محلة بغدادية شعبية قديمة تعرف بـمحلة (سوق حمادة) وسط بغداد فقد أخذ الكثير من أصول وركائز وأشكال كتاباته المسرحية من اجواء وملاذات محلته تلك ليؤسس لنفسة مسيرة ابداعية في المسرح والدراما والسينما والصحافة من وهج تلك الدرابين وامال اهلها وطموحات ناسها البسطاء فكان انعكاس حقيقي لهم وممثل امين لاصواتهم وتطلعاتهم، فكان بحق الفنان المؤرخ الذي ارخ بالفن حياة اهله وناسه ومراحل مهمة من تاريخ بلده العراق .

ومن يتابع اعماله في المسرح التي بلغت (50) عملا مسرحيا سواء التي كتبها او مثل فيها امثال (الشريعة والخرابة - اني امك يا شاكر- الخرابة والرهن- نفوس- خيط البريسم – المفتاح – القمرجية - مع الحشاشة - طبيب يداوي الناس- في مكتب محامي - محمي نايلون - محامي زهكان - جبر الخواطر قيس - راس الشليلة - مجنون يتحدى القدر موندراما  - مسرحية تؤمر بيك - مسرحية موخوش عيشة- مسرحية لو بسراجين لو بظلمة - حرمل وحبة سودة- فلوس – اكبادنا- مسرحية ست دراهم - مسرحية على حساب من ؟ - مسرحية جحا والحمامة - مسرحية تتزهن- عمر جديد- مسرحية جميل التي قدمت في التلفاز باسم (اليطه) – المصيدة- اهلا بالحياة- صورة جديدة- نجمة وزعفران- شلون ولويش والمن- حرم صاحب المعالي السعادة - مسمار جحا - تموز يقرع تاناقوس - النخلة والجيران - ولاية وبعير - البيك والسائق - بغداد الازل بين الجد والهزل - القربان - مجالس التراث - الليلة البغدادية مع الملا عبود الكرخي- الإنسان الطيب - عمارة أبو سعيد) تلاحظ بشكل جل الهم الشعبي للفنان المؤرخ الذي لجا لكتابة حكاية شعبة بعناوين شعبية لم يلجأ فيها للاعمال الترف العالمية .

حتى في لسينما كان همه هذا ينعكس على الافلام التي قدمها امثال (فيلم سعيد أفندي - 1957 اخراج كاميران حسني - فيلم أبو هيلة 1962 اخراج محمد شكري جميل ويوسف جرجيس- فيلم (تؤمر بيك)- فيلم وداعا يا لبنان المنتج في 1966- 1967 - اخراج حكمت لبيب- فلم المنعطف المأخوذ من رواية خمسة أصوات للكاتب غائب طعمة فرمان 1975، من اخراج جعفر علي - فيلم المسألة الكبرى اخراج محمد شكري جميل عام 1983- فيلم بابل حبيبتي مع الفنان فيصل الياسري في عام 1987- فيلم ليلة سفر اخراج بسام الوردي- فيلم اليوم السادس للمخرج يوسف شاهين، والمطربة داليدا في عام 1986).

وحينما نشط التلفزيون بشكل مؤثر في المجتمع سجل العاني حضورا مميزا فيه من خلال (برنامج شعبنا 1959 وبنات هلوكت- وواحد اثنين ثلاثة- ليطه وهي من اخراج الفنان القدير خليل شوقي- ناس من طرفنا- سطور على ورقة بيضاء اخراج الفنان العربي الراحل إبراهيم عبد الجليل- رائحة القهوة اخراج عماد عبد الهادي وقد فازت بجائزة مهرجان الكويت للتمثيلية التلفازية- ثابت افندي الفائزة بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان اتحاد الاذاعات العربية في تونس عام 1983- عبود يغني وعبود لايغني اخراج إبراهيم عبد الجليل- عزف على العود المنفرد اخراج الراحل رشيد شاكر ياسين- بطاقة يا نصيب-  الربح والحب- يوميات محلة اخراج عمانوئيل رسام الشهير باحرفه الثلاثة (ع.ن.ر)- وتمثيلية (بلابل) اخراج د. حسن الجنابي الفائزة بعدة جوائز في مهرجان قرطاج للاذاعة والتلفزيون.

اما في الدراما فكان اختياره للاعمال لا يخرج تماما عن متبنياته كمؤرخ لهموم شعبه في اختيار الشخصيات التي مثلها وهي ( مسلسل الايام العصيبة -الهاجس لصلاح كرم- مسلسل هو والحقيبة اخراج رجاء كاظم- مسلسل الحضارة الإسلامية اخراج داود الانطاكي إنتاج أبوظبي- مسلسل الكتاب الأزرق لفيصل الياسري- مسلسل الانحراف إنتاج الكويت- مسلسل الجرح اخراج عماد عبد الهادي- مسلسل حكايات المدن الثلاث بجزئيه الأول والثاني- مسلسل احفاد نعمان اخراج د. طارق الجبوري.

ووجد العاني ان الورق ذاكرة تحفظ له مامضى به من تدوين للتاريخ بصيغة الابداع فطبع ونشر مؤلفاته في مجالات المسرح والسينما والذكريات وهي (راس الشليلة1954- مسرحياتي الجزء الأول والثاني- 19601961- شعبنا 1961- بين المسرح والسينما 1967 اصدار القاهرة- افلام العالم من اجل السلام 1968- مسرحية الخرابة- هوليود بلا رتوش 1975- التجربة المسرحية معايشة وحكايات طباعة بيروت 1979- عشر مسرحيات ليوسف العاني- بيروت 1981- سيناريو لم اكتبه بعد 1987- المسرح بين الحديث والحدث 1990- شخوص في ذاكرتي 2002).

لانه لسيق بهموم شعبه وصوت لهم حقق الكثير في مجال الابداع واهم ماحققه انه كان ولايزال خالدا في وجدان العراقيين لانه كان امينا على نقل همومهم وتطلعاتهم وكان مؤرخا حقيقيا لوطنه بعيدا عن زيف المؤرخين الذين تقودهم مصالحهم الشخصية اوالدينية او الحزبية لذلك كان حاضرا في تكريمات فنية وابداعية كبيرة في مهرجانات داخل وخارج العراق، وهذا ما اهله ان يكنال لقب الفنان المؤرخ بجدارة حتى بعد ان فارق الحياة في احدى مستشفيات الأردن في 10 تشرين الأول 2016 بقي ذلك الوهج الذي مد خيوطه الفنية التي لا تمحى واو تغيب في ذاكرة الابداع والتدوين الحقيقي العراقي والعربي، وهكذا بالضبط ان تكون رسالة كل فنان والا فالفن يكون مغامرة لا يحفظها التاريخ اطلاقا.

 

بقلم: عدي المختار – كاتب ومخرج عراقي

 

 

عبد الجبار نوريأحمد مطر شاعر عراقي تولد 1954 قرية التنومة أحدى نواحي شط العرب البصرة، كتب أحمد مطر عن حياتهِ في بريطانيا: (أنا في بريطانيا دولة مستقلة، تمشي على قدمين، نشتاق إلى أوجاع أحتلالها، ونهفوا إلى المعركة من جديد،لستُ سعيداً لأنّي بعيد عن صدى آهات المعذبين، لأني أحمل آهاتهم في دمي، فالوطن الذي أخرجني منهُ لم يستطع أن يخرج مني، ولا أحبُ أن أخرجهُ ولن أخرجهُ).

وأرى إن الشاعر يبدو لي متابعاً وقارئاً نهماً للنصوص الأدبية والشعرية بمساحة واسعة مطلا من نافذة العراق أولا ثُمّ الأدب الخليجي فالعربي والعالمي، وبالتأكيد أطلع بشكلٍ جيد على الروايات العالمية والمصرية والسينما الصامتة والمتحركة وموهبتهُ في الرسم الكاريكاتيري كل تلك ظهرت آثارها وبصماتها خلال نصوصه الشعرية، لذا أن دراسة تجربة " مطر " جعلتني أوأكد أن الشاعر أتقن مفهوم الحرية لذا أني أمام شاعرٌ كبير صنع شخصنتهُ المطرية بمقاييس الكبار المحدثين . 

تميّز بتعدد الترحال بعقوبة المنفى القسري، فهو مهجرٌ داخل خيمة وطنهِ وخارجها إلى الكويت الجارة! ثم إلى أرض الضباب لندن الذي أستقر فيها ليكتب أسباب ترحاله:

سبعون طعنة هنا موصولة النزفِ

تبدي ولا تخفي

تغتال خوف الموت بالخوفِ

وأحمد مطر من شعراء المهجر الذين تركوا الوطن دفاعاً عن الوطن، رضوا بالغربة خشية الأغتراب داخلهِ،  متفهما لما عاناهُ الجواهري من كأس المنافي المرْ، ويعبر الجواهري العظيم عن هذه المظلومية : بكيتُ وما على نفسي ---- ولكن على وطنٍ مضامٍ مستهانِ .

شاعرنا أعطى للكلمة الشعرية معنى، وشكل مع رفاقه شعراء المهجر هاجس التصدي الذي أقلق الأنظمة الشمولية، فحين أمتزجتْ ظواهر الحياة مع عالمهِ الشعري رسمها في أبهى صورها بنكهة وجمالية خاصة، وبأعتقادي: تلك هي غاية الأدب في الحياة وبدونها تصبح كالماء عديم اللون والطعم والرائحة .

أحمد مطر أنسان حرْ متمرد على واقعهِ المذلْ والمهان من جلاديه سواءاً كان في وطنهِ أوالوطن العربي بحكامٍ مدمنين القهر وكم الأفواه وأغتيال الكلمة الحرّة بسياط القوّة والترصد، ولعل "مطر " عبّر ببساطة ولكن بأقتحامية سردية وبنصٍ جريئ يقتحم سور الشمولية المذل وأن يكسرْ حاجز الخوف ببراعة شاعر أعلن حرباً على الرتابة المملة، لذا وصفه نقاد عصرنا المعولم بالحداثوية: أن أحمد مطر " ملك الشعراء" لروائع ما كتب في الشعر المعبر .

ما يميّزْشعرهُ

-كانت بواكير شعره وهو تلميذ يافع في مرحلة المتوسطة في قصيدة غزلية وهو الشيء المعتاد من مفهوم شعر المراهقة التي توحي الوجد والهيام والدموع والأرق، إذا نظرنا إلى قصيدتهِ الأولى وهو في سن الرابعةعشر بسبعة عشر بيتا شعرياً تبدو فيها بواكير سبك السردية أكبر من سنهِ وكان مطلع القصيدة:

مرقت كالسهم لا تلوي خطاها

ليت شعري ما الذي اليوم دهاها

ثم كتب الغزير في شعر الغزل في رومانسية رائعة، قال:

غازل ليلاك بما أستيسرْ

ضعها في حاشية الدفتر

- ينتمي إلى الشعر السياسي كما ينتمي إلى مدرسة السهولة والبساطة والسهل الممتنع الذي ربما ينتمي أليها نزار قباني، يقول:

لماذا الشعر يا مطر؟

أتسألني

لماذا يبزغ القمر؟

لماذا يهطل المطر؟

أتسألني !! لماذا ينزل القدر !

- السخرية في شعر أحمد مطر، أن السخرية الشعرية فن راقي يحتاج إلى الذكاء والفكر وحركتهِ الديناميكية، فهي سلاح خطير بيد الكبار في النقد والفلسفة مثل المناضل عبدالجباروهبي (أبو سعيد) والأستاذ البصري " جاسم المطير " صاحب المسامير، فأضطر شاعرنا سلوك هذا الطريق الشائك والخطير للنضال ضد جلادي الكلمة الحرة في وطنه الحبيب وعموم الوطن العربي، ولأن الشعر في نظر الشاعر مطر: إنهُ نوع من أنواع الفنون من مهماتهِ التحريض والكشف والشهادة على الواقع، والنظر إلى الأبعد، وهو بذلك يسبق العقل ويواكبهُ ويضيء لهُ الطريق ويحرسهُ من غوائل التضليل، والتفكير بواقع المواطن المؤلم وأزماته اليومية إلى جانب صعوبة التغيير الشامل ألا بالشعر وأقول أنه شاعر أنتحاري ذاهب إلى الحرب بدون أسلحة تقليدية ولكن بسلاح صنعه لنفسه يصعب فك شفرته ألا أحمد مطر، بأعتقادي هذا اللون من الشعر يعني أشعار الثورة والمقاومة  . ويقول:

أنا لستُ أهجو الحاكمون: وإنما

أهجو بذكر الحاكمين هجائي 

ويقول في قصيدتهِ المشهورة " آهات "

رأيتُ  الدول الكبرى

تبديل الأدوار

فأقرت أعفاء الوالي

وأقترحت تعيين حمار

ولدى توقيع الأقرار

نهقت كل حمير الدنيا بأستن

---- نرفض في أصرار

أن نغدو خدماً للأستعمار

إن حموريتنا تأبى

أن يلحقنا هذا العار

-هو من مؤيدي التجديد في النقلة النوعية من الشعر المقفى إلى الشعر الحر، القائل:

أعلمُ أن القافية

لا تستطيع وحدها أسقاط عرش الطاغية

لكني أدبغُ جلدهُ بها

دبغ جلود الماشية

حتى إذا ما حانت الساعة

وأنقضت عليه القاضية

يكون جلداً جاهزاً

يصنعُ منهُ الأحذية

-يستعمل الأسلوب القصص في شعرهِ السياسي، وهذا الأسلوب يتصل حبلهُ السري بوجدان الأنسان، ويزاوج فيه أسلوب الحوار، نمودج من هذا النمط الشعري:

جسّ الطبيبُ خافقي

وقال لي:

هل ها هنا الألمُ؟

قلتُ لهُ: نعم

فشقّ بالمشرط جيب معطفي

وأخرج القلمْ

هزّ الطبيبُ رأسهُ ---- ومال وأبتسمْ

وقال لي:

ليس سوى قلمْ

فقلتُ لا يا سيدي

هذا يدٌ --- وفمٌ – رصاصٌ – ودمْ

وتهمةٌ ساخرةٌ----- تمشي بلا قدمْ

-أسلوب الأختزال في الشعر--- يقول:

قال أبي:

في كلِ قطرٍ عربي

إنْ أعلن الذكي عن ذكائهِ

فهو غبي

- رفضهِ للخنوع والذل باللجوء إلى الكويت وأشتغالهِ بجريدة القبس الكويتية التي أعتبرتْ نافذة لهُ يطلُ بها على الجمهور، ولكن المحرر ورقيب الجريدة أستعملا معهُ الفوقية وسياسة لي الأذرع وأستثما ر أمكانياته الأدبية في الأعلام الموجه، ولكنهُ رفض بشدة ولم يستكين، وهو القائل:

أيتها الصحيفة

الصدق عندي ثورة

فلتأكلي ما شئتِ، لكني أنا

مهما أستبد الجوع بي

أرفض أكل الجيفة

- وفي أسلوبه الشعري نقد الحكم والأستبداد بوجه خلط الدين بالسياسة وهو القائل:

أدعُ إلى دينك بالحسنى

ودع الباقي للديان

أمرٌ بالعدل تعادلهُ

لا بالعمة والقفطان

الأيمان الظالم كفرٌ

والكفرُ العادل أيمان

- وكتب شعرا ثورياً حراً لا يعرف المهادنة موجهاً رصاصات شعره نحو تحكم السوداوية الجمعية في القهر والظلم، القائل:

طول عمري

يركضُ القهر أمامي وورائي

هو ظلي في الضحى

هو نديمي في المساء

- قسم أدباء الشعرالقافية إلى قسمين المطلقة والمقيدة، أحمد مطر كتب بالأثنين بدقة شاعر متمكن ومبدع .

يقول في القافية المطلقة:    

لو أن أرباب الحمى حجرٌ

لحملتُ فأساً دونها القدرُ

هوجاء لاتبقي ولا تذرُ

وقال في القافية المقيدة قطع النص السردي:

حيا على الجهاد

كنا ---وكانت خيمة تدورفي المزاد

تدور --- ثُمّ إنها

يبتاعها الكساد

- أستعمل الصناعات البيانية والبلاغة والبديع ينقل المتلقي من قطع النص السردي إلتناصية متقاربة مع الأصل بارعة وجميلة وشفافة على القلب ممتزجة بشيء من الفنتازيا الخيالية  مع الأصل يقول:

نحن المصابيح ببيت الغانية

رؤوسنا مشدودة

في عُقد المشانق

صدورنا تلهو بها الحرائق

كلمة أخيرة: بحق شاعرنا المتميّز: وجدتُ في مجلة العربي التي تصدر في باريس نقداً أدبيا يرقى لنصٍ نثري جميل، أجتزأتُ منهُ هذا النص: {شاعر لا يقف في طابور، ولم يفتح سوبر ماركت، ولا يتقن بيع البضاعة، ولا يدعوك إلى قصيدة غزل ماجنة في جلسة خمر، وخضراء وقمر، ولا إلى قصيدة مدح في باب السلطان، ولا قصيدة فخر في باب الرئيس الرمز، ولا بقصيدة رثاء يتقمص فيها دور النائحة لأستدرار الدموع، ولا يملك صفراً في البنوك بيد أنهُ من أصحاب الملايين في بورصة  "الكلمة الحرّة"}

 

عبد الجبار نوري

حزيران 2020 ستوكهولم

كاتب وباحث عراقي

حزيران 2020 ستوكهولم

.........................

مصادر وهوامش

- أطروحة الباحثة العراقية " مريم الفاخري –أساليب السخرية في أدب أحمد مطر

- موسوعة أعلام الشعر العربي الحديث / أحمد مطر شاعر المنفى واللحظة الحارقة

 

شاكر فريد حسن"الصبار" هو عنوان الرواية التي صدرت للكاتبة الروائية الفلسطينية سحر خليفة سنة 1976، وأحدثت في حينه صدى كبيرًا بين الأوساط الشعبية والمحافل الأدبية والثقافية في فلسطين، وبها حظيت بالاعتراف الأدبي كروائية متميزة.

تُعد سحر خليفة من أهم الروائيين الفلسطينيين، وهي من مدينة نابلس، تزوجت في سن مبكرة، وبعد مرور ثلاثة عشر عامًا من الاحباط وخيبات الأمل تحررت من هذا الزواج، وكرست حياتها للتعليم والكتابة والابداع الروائي، فحصلت على شهادة الدكتوراه وأصدرت عدد من الروايات، التي لاقت استحسان القراء والنقاد والمهتمين بالقص السردي.

و"الصبار" من الروايات الجدلية المهمة، بما ادركته كاتبتها من بصيرة للواقع الفلسطيني متعدد الرؤى، وعدم استكانتها لسطوة المحتل، ويبقى للصورة فيها أكثر من بعد. وهي من روايات الوجع الفلسطيني، تقطر ألمًا، وتصور معاناة ونضال ومقاومة شعبنا الفلسطيني ضد الاحتلال. وتدور أحداثها في فترة السبعينيات من القرن الماضي، في مدينتها نابلس، وتحكي عن مظاهر الحياة الاجتماعية وأنماط الحياة والقيم المسيطرة، وتطرح للنقاش فكرة العمل في المستوطنات وفي داخل المدن الاسرائيلية. ولا تغفل الرواية معالجة قضية حرية المرأة، وتطرح ما يدور بخلد الكاتبة من أفكار ومفاهيم ومعتقدات مستقاة من رحم الواقع ومن البيئة الفلسطينية المعاشة ومن المعايير الاجتماعية السائدة. وتصبو سحر خليفة في روايتها إلى احداث التغيير المرتجى والمأمول في المجتمع الفلسطيني واشاعة قيم الحرية والتمرد والثورة والاستقلال والفكر الحر، وتنجح في تجسيد معنى الوطن والتغني بكل حبة تراب فيه.

وأبرز مسألة تعالجها سحر خليفة في روايتها " الصبار " هي اضطرار العمال الفلسطينيين العمل في اسرائيل، وذلك لأن الواقع الذي يعيشون في جنباته فرض عليهم هذا العمل، لعدم توفر فرص العمل في الضفة والقطاع، فلم تبن مصالح اقتصادية تسمح بمقاطعة المصالح اليهودية وحماية العامل الفلسطيني من الاذلال والقهر والاستغلال الفاحش.

وترسم سحر خليفة في "الصبار"، التي تدور أحداثها في بدايات السبعينيات، صورة للانقسام الفلسطيني بين من يؤمن بالعمل العسكري الميداني سبيلًا للتحرر، وبين من يؤمن بالنضال السياسي ويريد تكوين طبقة بروليتارية وتنظيم العمال الفلسطينيين في المصانع الاسرائيلية واحداث التغيير الاقتصادي. ونجدها تصور في الرواية بؤس العائلة الفلسطينية تحت حراب الاحتلال، والظروف القاسية الصعبة التي تواجهها، وتقدم المرأة في صورتين، امرأة تقليدية ضعيفة مستغلة، وأخرى واعية ومثقفة ومناضلة ومتمردة على الاغلال الاجتماعية التي تكبلها وتقيدها.

وتمزج الرواية بين الهم الاجتماعي والمطالبة بحرية المرأة، وبين الهم الوطني، وترصد آثار الاحتلال الاسرائيلي، ونلمس فيها شبكة مترابطة من العلاقات الإنسانية والاجتماعية وكأنها لوحة للمجتمع الفلسطيني التقليدي.

وتتوقف سحر خليفة عند نموذج البطل الثوري الذي يشعله الهم الوطني، ويتبنى ضرورة التصدي للمحتل ومقاومته بسبل النضال المتاحة والمشروعة. وهي تلتزم التعبير عن قضايا مجتمعها، وتصوير الحياة اليومية للناس وما فيها من تعقيدات وتشابكات، وتركز على قضية التحرر الاجتماعي كشرط للتحرر الوطني، بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. وترى أن فشل الانجاز الوطني سببه التخلف الاجتماعي، الذي لم يمنح ويعطِ المرأة دورها الحقيقي في التنمية والنهوض والمشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية.

وتتخطى سحر في "الصبار" هموم المرأة الذاتية وتلتصق بهموم الشعب، بحيث تشكل المرأة جزءًا مهمًا فيه، ويلتحم في عالمها المرأة والرجل والفدائي والعامل، وتقوم بتفكيك العائلة الاقطاعية وتجعل منها مناضلين ومقاومين للاحتلال.

رواية " الصبار " تمثل نموذجًا للرواية الواقعية الناجحة، ونقلة نوعية في السرد الروائي النسائي الفلسطيني خاصة، وفي توجه سحر خليفة الفني والموضوعي. اعتمدت فيها على السرد واللغة الرشيقة السلسة والحوار الشائق العميق والشخصيات الثانوية والمركزية، ومزجت بين الزمان والمكان، وتفاعل هذه العناصر الفنية مجتمعة خلق نصًا روائيًا ناجحًا جعل من الكاتبة رسامة ماهرة ومصورة ناجحة في نقل تفاصيل الواقع وتصوير أحداثه وتداعياته، فلها أجمل التحيات.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

كاظم الموسويحجرت جائحة الكورونا الناس صحيا في بيوتهم، رغبة او اكراها، وقاية او تحسبا، خوفا او رعبا من مكروه غير محسوب.  وفي اجواء الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي ومنع الاختلاط والتجمع والزيارات وممارسة العادات المعروفة في اللقاءات والاجتماعات والسفر والتجوال والسياحة والانتقال، واستراتيجية الغلق التام لكل المؤسسات العامة والخاصة، لم يعد امام الناس الا الركون والاستماع الى قرارات الحكومات وبيانات السلطات، واستقبال اخبار الموت والوفيات. فالفاجعة كبيرة والمصيبة عظيمة. ولم يبق للناس عموما الا البقاء في البيوت ومشاهدة التلفزيون وقراءة الكتب. فضلا عن واجبات المنزل اليومية، مشاركة ومنازلة ، تلهية وتزجية وقت، قضاء او برغبة او لامر لا بديل عنه. ومن لديه حديقة ملحقة بداره فله متنفس اخر يقضي بعض وقت فيه، او ورش اعمال، وفرص انجاز لهوايات او رغبات او ابداعات تعوضه عن ما تتركه الالتزامات وتتطلبه المحذورات. وفي كل الاحوال هذه عموميات، تشمل الناس جميعا وقد لا تعجب البعض او لا تسره او لا تنطبق عليه، فلكل قاعدة شواذ، اينما كنت او ذهبت او اتجهت.

قبيل ان تبدا هذه الاجراءات وتغزو الكورونا العالم توقف عندي صحن الستلايت دون اسباب، تعطل وتماهلت في البحث عن من يصلحه حتى بدات الموانع والاغلاقات، ورغم ذلك حمدت الله اني تخلصت من شاشات الفضائيات العربية وبرامجها التي تنشر الفايروسات الاخرى برضاها او بدفع من يقرر لها، وهو امر معروف قبل الوصول الى الكوفيد 19، او بمعنى ما قبل الوصول الى هذا الرقم، نشرت كل الارقام السابقة واحدثت ما احدثت من فتن وضحايا وحروب ونزاعات وهدرت مليارات الدولارات الامريكية في الوطن العربي ولم تتمكن من القبض على "الصيدة"!، واستمرت تحشد راياتها وتحرض اتباعها وتتخادم مع الاعداء علانية دون وخزة ضمير او هزة شارب لها. وفي حكم التاريخ انتدب الطغاة الغزاة، وتركوهم يجتاحون ارض العرب من المحيط الى الخليج، وكما استعان الطغاة بالغزاة، فتح الغزاة الارض للبغاة ليكفوا لهم ما سعوا اليه ويستبيحوا الارض والعرض والحجر والشجر. وهكذا وصلنا الى الكوفيد 19 والله اعلم ماذا بعده.

في هذه الاجواء والحظر والتوقي والحرص الزائد عن حده استعين بالقراءة، طبا ودواء، عونا وشفاء، فهي السلوى والمعرفة والراحة والانسجام، وهي فرصة العمل او الطريق اليه، وهي العادة والتقليد.. فرفوف الكتب حولي، وكتل الكتب مصففة امامي، تحت كل طاولة، وتحت الدرج، ومحيط التلفاز والمكتب وعلى طاولة الغداء وفي غرفة الجلوس. وليس هذا وحسب، بل امتلا جهاز الحاسوب والتابلويد من كتب إلكترونية يسهل الان تحميلها وخزنها وجعلها ميسرة استطيع الاطلاع عليها في اي مكان وزمان. وتلك من نعم التقدم الالكتروني والتقني والانترنت.

وحين تتوفر كل هذه الامور، مكتبات جيدة موزعة على رفوف او محمولة في اجهزة متقدمة، وتختار ما ترغب وتشاء وتتسابق معك العناوين والاسماء، فانت بخير في هذا الشأن على الاقل. وتحتاج اليها حين لا تكون في حجز وحظر وابتعاد، فكيف إذا ابتليت ولا سبيل اخر امامك. ويحاصرك مع ما سبق جهاز الهاتف الذكي وبرامج التواصل الالكتروني والاجتماعي ويشاركونك في مجموعات وروابط ويتنفس بعض فيها اناء الليل والنهار؟!.

رغم كل ما يتيسر فهناك ما يقف أمامك حائلا ويضعك في موضع الحرج والشكوى والحسرة على الايام والعمر ورسائله التي لا مفر منها.. وسنوات العمر في سباق دائم تخطو دون توقف وانتظار، او تفرج واستفسار.. وكل يوم ولا اقول دقيقة او ساعة يمر  ويزيد في العمر رقمه وتاريخه في التقويم الجاري ياخذ معه ما تمتعت به قبله او تمكنت فيه فتغدو الامور ليست كما كانت او لن تكون كما تريد ان تكون، فلها حساباتها ولها ميزانها وقدراتها، ومهما تغالب المرء او  تجاوز او تمادى فثمة ما يردعه ويعيده الى مستقره راضيا مرضيا.

وفي موضوعنا تاخذ العيون موقعها، والبصر مركزه، ومثل غيرها  من الحواس واجزاء الجسم البشري، تكل وتتعب وترافق الطبيب والعلاج والعمليات والمنع والمراقبة، فكيف يحصل ما ترغب والاوضاع تسير خلافه؟، وهي ادوات ووسائل انتاجنا نحن معشر القراء والكتاب في هذه الحالة.. النظارات الطبية تتبدل كل فترة وتغيرت قياساتها وانواعها، والقطرات تعددت واختلفت اوقاتها، والكتب تنتظر وتصبر  وما عليك الا ان تركن كما ركنت للكوفيد والكورونا وما سياتي. وبعد كل هذا فلا الكوفيد 19 ولا غيره يحسم الأمر في القراءة، أو يقرر لك ما تفكر به، بل العيون والنظر والعمر وما حمل من تعب السنوات ونصب الايام وجهد الليالي. وتلك لعمري حاجة ونعمة لا تعرف إلا في وقت حاجتها وصعوبة ظروفها وقسوة الزمن عليها. في فيلم قصير فاز بجائزة أحسن فيلم قصير في العالم، عرض لقصة مثيرة، وذات عبرة إنسانية ودرس للحياة، هذا الفيلم عرض اول ثلاث دقائق مشهدا مركزا الكاميرا على سقف غرفة ابيض خاليا من اي شيء، دون أية حركة اخرى، فملّ بعض المشاهدين وتذمر اخرون، ومن ثم استمر ثلاث دقائق أخرى في اللقطة نفسها، فزاد في الملل والتذمر والانزعاج، وهياج الخروج وترك متابعة المشاهدة، وفجأة وقبل أن يهمّ الأغلبية بالانصراف، تحركت عدسة الكاميرا رويدا رويدا على حائط خالٍ من أي تفاصيل أيضا، حتى وصلت للأسفل نحو الأرض، هناك ظهر طفل ملقى على سرير. يبدو أنه معاق كليا بسبب انقطاع الحبل الشوكي في جسده الصغير. وانتقلت الكاميرا شيئا فشيئا إلى جانب سرير المعاق، ليظهر كرسي متحرك بدون ظهر .ثم انتقلت الكاميرا إلى موقع الملل والضجر إلى السقف مرة أخرى، لتظهر جملة: «لقد عرضنا عليكم 8 دقائق فقط من النشاط اليومي لهذا الطفل، فقط 8 دقائق من المنظر الذي يشاهده هذا الطفل المعاق في جميع ساعات حياته، وأنتم تذمرتم ولم تصبروا لست دقائق، ولم تتحملوا مشاهدته!!».. هذا الفيلم القصير استحق الجائزة واكثر لأنه ذكّر مشاهده والان القاريء بنعم يغفل المرء عنها  ولا يحمد عليها، ولأنه بليغ المعنى والقصد، ولأنه واقع لا يمكن نكرانه أو التهرب منه، حين يحدث أو يكون. كم تذكرنا مثل هذه القصة بالقراءة في زمن الكورونا، أو بالعكس كم اعطتنا الكورونا زمنا للتفكير بمثل هذه القصة والفرصة للتأمل والتفكير والإبداع والسباق مع الزمن، فدورته مرة واحدة الى الامام ولا تعود ابدا الى الوراء.

 

كاظم الموسوي

 

وعد عباسكنتُ قد أشرتُ في كتابي الأول "البعد النفسي في الشعر الفصيح والعامي – قراءة في الظواهر والأسباب" إلى أهمية الشعر العامي، ودوره الكبير في الحياة النفسية والاجتماعية للأفراد في مختلف الشعوب، فهو يكتب باللهجة المحكية التي جعلته واسع الانتشار كتابةً وتلقيًا، بسبب سهولة فهمه والتفاعل مع أبياته، ولعل من أبرز سماته وأدواره مرافقته السواد الأعظم من الناس في سرائهم وضرائهم، فلا نجد حادثة كبيرة تمس حياة الناس عموما، أو صغيرة تمس حياة مجموعة أفراد في قرية نائية إلا وتناولها الشعر العامي بأحد أنماطه، وهذا ما ينفع الباحث عن الحقيقة في مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية.

ورغم كثرة الموضوعات التي امتلأت بها القصائد العامية العراقية، فقد شغلني من بينها موضوع "الحنين إلى الماضي" لكثرة ما تناوله ويتناوله الشعراء، ويتداوله الناس بشكل عام، فنادرا ما نجد شخصا ليس فيه حنين إلى الماضي أو ينكر عليه جماله .

نسبيًا، الكل يرى أن الماضي أجمل، وإن الناس كانوا أفضل، وإن الحياة كانت أرقى وأهدأ وأنسب للتفاؤل والراحة، وإذا ما نظرنا إلى الشعر العامي العراقي نجده يؤيد هذه النظرية، ويختصر الشاعر أبو محمد المياحي هذا الحنين إلى الماضي وأفضليته على الحاضر بقوله:

قبل آه يا قبل يختلف عن هسه           قبل آه يا قبل وشكثر بي ونسه

فهل هذا الحنين له ما يبرره؟ وهل كان الماضي جميلا فعلًا؟ وهل كانت الناس أفضل معشرا وأكثر تحابا حقَّاً؟

لن أذهب بعيدا وأبحث عن أدلةٍ في بطون الكتب، بل أن أدلتي والحقائق التي سأسردها لكم هي من الشعر العامي ذاته، فإذا ما عدنا إلى الشعر الذي كتب في الماضي، نجده ينكر ذلك الجمال الذي يحنون إليه، فعن صحبة الناس وخيانتهم يقول الشاعر صاحب الضويري في واحدة من أشهر قصائده:

أســهــر والـــدموع مرافجه الليل     ولا صاحب يشوف إدموعنه تهل

الرفاﮔـه ويارفيـج الهمـك إيشيــل     اهــل هـالـجيل عدوان وعــــواذل

وعن "ضيم" الأيام وقساوتها يقول الشاعر عريان السيد خلف:

وهذا عمري مكالب وي الضيم     

ما مرت الضحكة اعله سني

وهذا حجي الناس     

أون من لوعتي وكالوا يغني

هذا إضافة إلى كثير من الأبيات التي يتداولها الناس دون معرفة شاعرها في غالبها توحي بالألم، وخيانة الناس، وكثرة الوشاة والشامتين والخائنين وناكري المعروف، مثل:

كباله والـشـمات فـرسـتنه اديهم        لا شـــــاكف ولا كال هنتالله بيهم

وأيضًا:

ياما زرعت الطيب بجفوفي آنه       وكــت الحصاد الكيت سل ابمكانه

وأيضًا:

بي بكثر مــــــا بيك يكريم أحاه       تيهني واشي عداي وابن أمي دلاه

نفهم مما سبق إن الماضي ليس مثاليا كما يصوره لنا شعراءُ اليوم، بل هو كواقعنا الآن الذي سيحن إليه شعراء الفترات القادمة، ويصورونه بأبهى ما يتخيله العقل، فلماذا؟؟ . يعتقدُ الباحثون بجملة من الأسباب أبرزها:

الأول: إن غالبية الناس في طفولتهم اعتماديون في المعيشة على آبائهم، وبالتالي هم كانوا يأكلون ويشربون ويمرحون دون أن يتعرضوا للألم، أو قل يتعرضون لألم نفسي بسيط لا يمكن أن يقارن بما يشعرون به الآن في ظل المسؤوليات الملقاة على عاقتهم .

الثاني: الماضي يحمل مرحلة الشباب بما تحتويه من جمال وقوة، فهو يحن إلى تلك الأيام لأنه أصبح الآن وهنًا بعد أن تقدم به السن، وما زالَ يهنُ .

الثالث: إن الأفراد ألفوا الماضي وخاضوا تجاربه ولن يفاجئهم فيه شيء إذا عاد، ولأنهم يخافون مما سيخوضونه في المستقبل المجهول، يودون لو أن الماضي يعود.

الرابع: يتضمن الماضي أصدقاء وأحبة ابتعدوا أو ماتوا، فرحلت أجسادهم وبقيت ذكراهم المليئة بالأماكن التي زاروها معا، والأحاديث التي خاضوها ... .

الخامس (وهو الأهم): يمارس الإنسان في استرجاعه الماضي الانتقائية، أي أنه يتذكر الإيجابيات ويبالغ فيها، وينسى أو يتناسى السلبيات .

على أننا يجب ألَّا ننكرَ أن التطورات المستمرة في شتى مجالات الحياة، وتزايد عدد السكان، يؤديان باستمرار إلى زوال الكثير من جماليات الحياة، وأتمنى أن أجد الفرصة في المستقبل القريب كي أتناول تلك التغيرات التي تحدث دونما توقف.

ختامًا:

البحث في الشعر العامي أمرٌ مرهقٌ حقَّا، لأنه غير مدون، وغير موجود بشكل متسلسل زمنيًا رغم أهميته الكبيرة في تفسير أحوال الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة وكما أشرتُ في مقدمة المقال، وأتمنى أن يتم تبني الموضوع من قبل وزارة الثقافة أو أية مؤسسة أخرى .

 

وعد عباس

 

ضياء نافعتشيخوف أصغر عمرا من جايكوفسكي بعشرين سنة، وليس ذلك الفرق بقليل، ولكنهما التقيا مع ذلك، اذ ان الفن هو الذي جمعهما معا، وقصة تشيخوف الاديب وعلاقته مع جايكوفسكي الموسيقار تستحق التوقف عندها بلا شك، اذ انها ليست عفوية ابدا، بل ابتدأت عندما اطلع جايكوفسكي على قصة قصيرة منشورة لتشيخوف في بداية مسيرته الابداعية واعجب جدا بها، وكتب الى احد معارفه يقول، ان هذا الكاتب الجديد سيكون (قوة ادبية هائلة)، و كتب جايكوفسكي ايضا الى تلك المجلة رسالة تحدث فيها عن اعجابه بالقصة وكاتبها، ولكن المجلة لم توصل مع الاسف رسالة  جايكوفسكي تلك الى تشيخوف في حينها . وتمرّ الايام، وكان تشيخوف في بطرسبورغ، ودعاه شقيق جايكوفسكي الى بيته، وقد مرّ الموسيقار جايكوفسكي الى بيت أخيه في هذه الاثناء، وتمّ تعارفهما، فقال جايكوفسكي لتشيخوف انه معجب بقصصه ومتابع لنشاطه الادبي منذ فترة، وقد حدث هذا اللقاء عام 1887(عندما كان عمر تشيخوف 27 سنة) . كان جايكوفسكي آنذاك في أوج مجده وشهرته في روسيا، أما تشيخوف، فكان لا يزال في بداية طريقه الابداعي، وكان قد أصدر مجموعته القصصية الاولى ليس الا، ولم يكن معروفا عندها في الاوساط الادبية الروسية بما فيه الكفاية . اندهش تشيخوف من موقف جايكوفسكي هذا، وقرر (بينه وبين نفسه) ان يهدي المجموعة القصصية الثانية (التي كان يعدّها آنذاك) الى جايكوفسكي، للتعبير – اولا - عن امتنانه له طبعا على هذا الموقف الايجابي تجاه نتاجاته، وثانيا، للتعبير ايضا عن اعجابه بالدور الكبير، الذي كان يؤدّيه جايكوفسكي  في عالم التأليف الموسيقي الرائع (والذي كان تشيخوف يعشقه من كل قلبه)، ولكن تشيخوف لم يذكر له ذلك اثناء اللقاء معه، وانما كتب بعد عودته الى موسكو رسالة خاصة الى جايكوفسكي يرجوه فيها الموافقة على ذلك (اي اهداء مجموعته القصصية الثانية لجايكوفسكي)، وكان ينتظر الجواب على رسالته تلك طبعا على أحرّ من الجمر كما يقول تعبيرنا العربي الطريف، ولكنه فوجئ ان جايكوفسكي قرر المجئ شخصيا الى بيت تشيخوف بموسكو ليخبره بموافقته على اقتراحه هذا، وكانت هذه الزيارة طبعا حدثا كبيرا لتشيخوف وعائلته، اذ ان جايكوفسكي كان شخصية بارزة وشهيرة جدا في المجتمع الروسي آنذاك (وحسب كلمات تشيخوف نفسه والتي كتبها في احدى رسائله وقال فيها، ان جايكوفسكي في الفن الروسي يشغل المكان الثاني بعد تولستوي، الذي يشغل المكانة الاولى منذ زمن طويل)، وقد جلس جايكوفسكي طويلا في بيت تشيخوف في تلك الزيارة، وشرب الشاي معه ومع عائلته طبعا، و كتب شقيق تشيخوف عن هذه الزيارة بعدئذ - تفصيلا - في ذكرياته عن تلك الزيارة، و تحدّث عن الانطباع الرائع الذي تركته بساطة جايكوفسكي على كل فرد من افراد عائلة تشيخوف .

تعمقت العلاقة بين تشيخوف وجايكوفسكي، واهدى الموسيقار له صورته (كما كان سائدا آنذاك بين الاصدقاء) تعبيرا عن هذه الصداقة وكتب عليها اهداء الى تشيخوف (من قارئ معجب متحمّس)، وطلب من تشيخوف كتابا وصورة له،  وارسل تشيخوف  طبعا صورته و الكتاب وكتب له قائلا – (ارسل لكم الصورة والكتاب، ولوكنت أقدر لارسلت لكم الشمس ...)، وكتبت شقيقة تشيخوف بمذكراتها عن ذلك وقالت، ان تشيخوف كان سعيدا جدا في ذلك اليوم . أما جايكوفسكي، فقد كان فخورا جدا بكتاب تشيخوف هذا، الذي اهداه له تشيخوف في صفحته الاولى، وبقي معتزّا به طوال حياته.

الرسائل المتبادلة بين تشيخوف و جايكوفسسكي قليلة نسبيا، الا انها مع ذلك تعدّ الان واحدة من الوثائق المهمة لدراسة ابداع تشيخوف في تلك المرحلة من مسيرته، اذ انها تعكس صفات وخصائص واسلوب وافكار هذا الاديب، الذي تنبأ له جايكوفسكي في بداية الثمانينات، عندما كان تشيخوف طالبا في الكلية الطبية بجامعة موسكو وينشر قصصا قصيرة و مرحة وساخرة كي يكسب بعض النقود التي تساعده على العيش، تنبأ له بمستقبل ادبي باهر، وكم كان جايكوفسكي محقا (ودقيقا ايضا) في كلماته تلك، وكم كانت تلك النبوءة صحيحة، لان عيون الفنان الثاقبة (وخصوصا عند موسيقار بمستوى جايكوفسكي) لا تخطأ ابدا في هذا المجال. 

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

محمد عبد الكريم يوسفليس للإبداع حدود يقف عندها ، وليس الإبداع محصور بالرجال فقط ولكنه صار سمة من سماء النساء والتاريخ العالمي خير شاهد على اليد البيضاء التي تركتها المرأة شاهدة على عظمتها وبريقها في أكثر من مكان في العالم ، ولم تكن المرأة العربية أقل شأنا من المرأة في الدول الأخرى وما بلقيس ومريم و خولة وفاطمة والخنساء والزرقاء وزنوبيا وشجرة الدر وأسية ومدام كوري و غوديفا إلا مثال يحتذى به  في العلم والإدارة والمعرفة والإبداع .

وفي حال قابل أحدنا المرأة المبدعة المدهشة عليه أن يضيفها حالا إلى قائمة الأصدقاء  وعليه أن لا يتخلى عنها أبد الدهر لأنه ستكون حافزا لتحقيق الأشياء العظيمة والتصميم الأكيد للريادة في العالم .

ويبدو أيضا أن هناك قاسم مشترك وسمات مشتركة بين النساء اللاتي حققن نتائج مدهشة في العالم . فهل نستطيع تغيير المرأة العادية لتصبح مبدعة؟ وهل يمكن غرس قيم الإبداع لديها؟ إليكم بعض القيم المشتركة بين النساء المبدعات عبر التاريخ:

الحزم:

المرأة المبدعة حازمة في حياتها إلى أبعد الحدود . فإذا وجدت نفسك تتراجع أمامها  عن الطلبات والأسئلة أو تعتذر باستمرار لتصرفات تقوم بها  فقد تكون بحاجة لتقوية مركزك  الداخلي وعليك أن تستبدل الهر الذي يسكن داخلك بنمر قوي يعالج الأمور بحزم وشراسة .

التعاطف:

تعتقد الكثير من النساء أن السمات " الأنثوية " مثل التعاطف  تؤثر على مركزها الاجتماعي وتقلل من شأنها في حين أنه يجب اعتبارها ميزة راقية . التعاطف يعني أنه يمكن الاستماع والإصغاء وللآخرين وفهم احتياجاتهم ومشاعرهم و رغباتهم والتعامل معها بعقلانية . المرأة المبدعة تستطيع التفهم البديهي لمن حولها من دون انحراف في العاطفة .

العاطفة:

قد يمتلك الإنسان الكثير من المهارة والخبرة ويمارسها يوميا من دون شغف بما يفعله وبالتالي يبقى الإنسان مكانه من دون القدرة على الانتقال للمرحلة التالية . يتولد الابتكار والإبداع من الحب والسعي والتحدي ويكون الوقت الذي نقضيه في عملنا بمتعة حقيقية  بحيث يشعر الإنسان أن كل خطوة نحو القمة تستحق هذا العطاء الكبير. تدرك المرأة المبدعة أن الشغف يجلب الطاقة والطاقة تمكن المثابرة والتألق والنجاح .

الشعور بالنقص:

عندما يحاول الإنسان أن يكون "مثاليا" أو يسعى نحو الكمال فهو كمن يسير في طريق باتجاه واحد أو كمن يقطع تذكرة سفر باتجاه واحد تتيح له المغادرة ولا تتيح له العودة . وتعلم المرأة المبدعة هذه الحقيقة وتدرك أنها فكرة غير ممكنة التطبيق دائما. علينا أن نتعلم من عيوبنا وأن نعترف بها وعلينا أن نبحث دائما عن الأشخاص الذين يكملون شخصيتنا ونستعين بهم على تدارك نقاط ضعفنا . تدرك المرأة المبدعة أن الشعور بالنقص حالة طبيعية يمتلكها الإنسان أي إنسان وأن الكمال في كل شيء غير ممكن التطبيق.وتدرك أيضا  أنها يجب أن تكون في أفضل حالاتها لكي تتقدم نحو الأمام.

السلطة:

عندما يصل الإنسان إلى القمة وبمجرد الوصول للقمة  يبدأ بكتابة القواعد الخاصة به. الطريف في الأمر أنه كلما ارتفع الإنسان نحو الأعلى صارت حياته أسهل وبالتالي يصرف وقتا أكبر في التدقيق واكتشاف الأخطاء ويصبح أكثر قدرة على التحكم في نوع العمل ومكانه . تدرك المرأة المبدعة هذه الحقيقة وتدرك أن مباهج السلطة لا تلهيها عن تحقيق أهدافها التي رسمتها مسبقا .

الإيمان:

عندما يؤمن الإنسان بنفسه فإنه سوف يصدق ذلك وسوف ينجح في حياته . تؤمن المرأة المبدعة بأن أفكارها المجنونة قابلة للتحقيق وتدرك أنه تستطيع بالصر والإصرار أن تحقق ما تريد من أهداف ورؤى . إنه الإيمان بالأنا والثقة التي تكفي لانجاز ما تحتاج المرأة إلى القيام به . الإيمان بتحقيق الأهداف هو المصدر الأساسي لكل نجاح في هذا الكون .

التكيف:

ليس هناك ما يزعج الإنسان أكثر من الإجهاد لأنه يقف حائلا أمام النجاح. وعندما تمتلك المرأة القدرة على التكيف تصبح أكثر قدرة على التعامل مع هذا الكم من الإجهاد الذي تتعرض له في أوقات مختلفة  وكلما زادت القدرة على التحمل والتسامح كان ذلك أفضل وأكثر روعة . تبحث المرأة المبدعة دائما عن طرق تجعل حياتها أكثر راحة وأقل إجهاد وأكثر سهولة  وتركز طاقاتها العقلية على الأعمال الممكنة التي في متناول اليد بدلا من اليأس ومواجهة المصاعب .

الشجاعة:

الخوف من العوائق الكبيرة أمام المرأة المبدعة . ماذا يمكنك أن تفعل لو كان الخوف يسيطر على حياتك ؟ المخاطرة بالنسبة للمرأة المبدعة لا يعني التهور ولكنه يعني اتخاذ قرارات محسوبة وتجربة أشياء تصنف على أنها " خطرة " . تدرك المرأة المبدعة أن التقدم العلمي والتقني والطبي الكبير كان بسبب الجرأة والشجاعة والتجريب والمخاطرة .

العناية الذاتية:

الناجحون يستريحون بقدر ما يعملون  ويهتمون بأنفسهم بدنيا جيدا  ويمارسون الرياضة ويتناولون الطعام الصحي ويتنزهون . تدرك المرأة المبدعة أن الصحة العقلية  مهمة مثل الصحة البدنية  وتعرف متى تقول "لا" ومتى تستغرق في العمل وتهتم بأسرتها وزوجها بقدر اهتمامها بنفسها وحياتها الخاصة تعادل في النجاح حياتها العامة  . و المرأة المبدعة قادرة على الابتعاد عن نهاية لا تنتهي  أبدا وتمتلك الوقود الذاتي الكافي للاستمرار إلى مالا نهاية .

الامتنان:

تدرك المرأة المبدعة أن النجاح لا يأتي من فراغ سواء في المنزل أو العمل . وتمتلك في ذات الوقت القدرة على التشارك والتعبير عن الامتنان والتقدير للأشخاص الحقيقيين الذين ساعدوها في الوصول إلى حيث هي . تتعامل المرأة المبدعة بلطف مع زملائها  تقدم الاحترام وتتلقاه .

ليس للإبداع حدود والمرأة أكثر قدرة على الإبداع لأنها تمتلك القدرة والعقل البناء وروح التشارك واللطف والحنان وقد يكون ذلك هو سر نجاح المرأة وإبداعها في قيادة أكثر الشركات العالمية نجاحا عبر قرون من الزمن .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

الحياة مقتطفات والانسان مقتطفات راسخة فيها. كل جزء من الكل الذي نقطن فيه. هكذا وجدت الحياة وهكذا لابد من أن تفهم من أجل أن تبدو سهلة بنظرك وتتيسر أمامك وتهب لك ما تتمنى. هي ليست مقايضة أو إبداء شيء مقابل آخر ولكن هو التفاوض العقلاني بينك وبين ذاتك في سبيل الوصول إلى مرحلة التمرد على السلبي الذي يفرض نفسه بشدة في أوقات لا تحبذها ولا تستسيغها.

هناك أربعة مواسم تمضي بها شهور السنة الواحدة، وهناك أكثر من موسم يعيشه الانسان في لحظة عابرة واحدة، فتكون كالبرد القارص الذي لا تدفئه نار .... نقولها :

ـ للعمر الذي ذهب أدراجه.

ـ للرسائل التي لم تكتمل بعد.

ـ للشوق الذي لم يرتوي بعد من الحنين.

ـ للسنين التي أضاعت الكثير من الأيام بلحظات مفروضة.

ـ للأيام التي لم تبقي شيء على حال.

ـ للوقت الذي يمضي بالفراغ.

ـ للحظات التي تختصر عمرًا.

ـ للحب الذي ضاع في لحظات رهان.

ـ للكره الذي يقتل كل جميل.

ـ للمكر والقبح الذي يشوه الوجوه.

_ للخبث المتجسد في النفوس.

ـ للزمان الذي ضاعت فيه المواعيد وضاقت فيه المسافات.

ـ للأماكن التي خلت من أحبتها وكتب فيها فقط ما هو للذكرى.

ـ للخصوصية التي يطرق على بابها كل من باع خصوصياته.

ـ للمواعيد التي أطلقت فقط من أجل الأوهام.

ـ للنسيان الذي يعيش في الذاكرة وينبش في الأجساد.

ـ للكذب الذي بات وسيلة لكل غرض.

ـ للخلاف الذي يدمر العلاقات ويخلق المسافات.

ـ للمستحيل الذي ينحني الاستسلام أمامه.

ـ للبقاء الذي يولد الشراسة.

ـ للعقل الذي نلمس غيابه في معظم الصراعات.

ـ للحقيقة التي باتت شبه مرئية.

ـ للوضوح الذي يعتكفه كل غموضًا.

ـ للصراع الذي يختزل الحياة.

ـ للفراق الذي يفرض حضوره.

ـ للتناقض الذي تستحيل بوجوده الحياة.

ـ للغياب الذي يتفنن في تعذيب الأنفس.

ـ للظلام الذي خيم على العقول والقلوب.

ـ للتداول المزيف الذي ينهي ما في الحياة.

ـ للرهان الذي يخسر على الطاولات باستمرار.

ـ للطموح حينما يراد أن يخنق.

ـ للإنسان حينما يعيش الحيرة في كل ما من حوله.

ـ وأقول: للحياة حينما يصبح لا معنى لها بكل هذا وأكثر لم يذكر.

معظم البشر ليس لهم همٌّ في الحياة غير كيف يصعبون من عيشها؟! كيف يجعلونها لا تطاق ولا تحتمل؟! مع أن البعض الآخر يعمل بعكس ذلك، ولكن بما أن الأغلبية مجتمعة فأن الأقلية يضيع فعلها في المتاهات الكثيرة! بشر لا يدركون بأن كل ثانية من الوقت لها نكهتها في الحياة، فيها لحظات ترحل وتمضي معها ولن تعود مثلما كانت.

الحياة وجدت بصورة رائعة جدًا بروعة القوس قزح الظاهر في السماء بعد هطول المطر،  وبروعة منظر الشمس وهي تشرق وتغرب في ذات اليوم. والإنسان كذلك خلق من أجل كل رائع، ولابد من أن يفهم ذلك ويكون ويمضي في الحياة كالرياح التي تهب بتناغم، تأتي مجتمعة وتمضي كذلك. نعم قد تعمل بعض التغيير وقد تترك بعض الآثار خلفها ولكن لا تكون دائمية ولا تطول في البقاء. هكذا وجدت الحياة متناغمة في كل ما عليها، كل ما عليها يكون مكملا للآخر في سبيل أن تمرّ وتأتي بالأفضل في سبيل أن تسجل حضورًا وتترك بصمتها في الناهض بالحياة بجديده.

نحن الذين من نملك أن نرضى عن حياتنا أو نتمرد عليها بالفعل والعمل الذي نصنعه لغيرنا ولأنفسنا. إذن خذوا الأمور بـ تفاؤل ... هدوء .. مرح .. محبة .. وبسمة .. فأنتم أهم من كل الأشياء وأهم ما في الحياة، أنتم تستحقون الأفضل والحياة تستحق الأفضلية وترسم بفرشاة نظيفة على الدوام من أيادي نظيفة وفكر نير.

 

سهى بطرس قوجا

 

فراس زوينطوال قراءتي قصة قلب ضعيف للكاتب الروسي الكبير فيديور دوستويفسكي رافقني سؤال حول سبب عدم واقعية السرد الروائي في بعض الأحيان، وركونه الى منحى بعيد عن الواقع في الطرح ، ولعل الاجابة على هذا السؤال بأن هذا النمط من الادب هو الطريق الامثل الذي يمكن القارئ من تصور كل ابعاد الفكرة الفلسفية او النفسية او الاجتماعية المرسومة بالكلمات والتي اراد الكاتب ايصالها من خلال اسلوبه السردي، في حين قد تعجز عنه اعظم الدراسات النفسية او الفلسفية، وهذا ما يلتمسه القارئ بكل وضوح في قصة قلب ضعيف    لدوستويفسكي .  

تروي لنا قصة قلب ضعيف احداث الايام الاخيرة والصراع الداخلي الذي رافق بطلها (فاسيا) والتي قادته الى نهايته المأساوية، حيث تبدء الاحداث عندما يقوم بطلنا الذي يعمل كاتباً في احدى الدوائر بإيقاظ صديقه (اركاديا) في منتصف اليل ليخبره بقلب طافح بالأمل ونفس مشرقة بالسعادة بقراره المفاجئ ، سأتزوج !! ويكمل بطلنا كلامه بكل فرحة سأتزوج الفتاة التي احببتها وشغلت بها طوال ثلاث اسابيع من العذاب والامل والخوف من الرفض، وفي غمرة سعادة الصديقين بهذا الخبر المفاجئ والسريع يفاجئ (اركادي)  صديقه بسؤال كان قد غاب عن عقله وسقط من كل حساباته (هل أكملت كتابة النسخة التي طلبها منك رب العمل جوليان ماستاكوفتش؟) قد لا يبدوا هذا السؤال ذا أهمية ولكنه سيكون الزلزال الذي يدمر حياة بطل الراية فاسيا، فكانت اجابته بكل بساطة لا ولم يعر للأمر أي اهتمام فلازال امامه يومان وسيبدأ منذ الليلة بل منذ الان بنسخ ما مطلوب منه،

ان الحب الوليد والخوف والقلق والسعادة التي شغلت (فاسيا) في الأسابيع الثلاثة الاخيرة اخذته من نفسه وبعثرت كل اهتماماته وواجباته حتى نسي او تجاهل نسخ أي ورقة من الكتاب الذي كلفه به رئيسه بالعمل، ولكن الأمور تبدء تأخذ منحى ثاني عندما يبدء خوف بطلنا من فقدان لكل الاهتمام الذي كان يبديه صاحب السعادة (رب العمل) والذي يحرمه من المكافئات المادية التي يحصل عليها في نهاية كل شهر وتعينه في حياته بل ان هذه المكافئات خلقت له فسحة مالية سمحت له بالتفكير بالزواج،

والان كل شيء مهدد بالزوال، فلم يبقى سوى يومين على موعد تسليم الكتب وانه على ثقة بانه سيخسر كل ذلك وسيعاقب بشدة بان يجند في الجيش في فرقة تأديبية بسبب اهماله وتقصيره في أداء مهامه، وتحت هذا الضغط النفسي الرهيب لم يتذكر او يخطر على باله ان وركه المخلوع والذي يشكل له آفة جسمية ستمنع تجنيده في كل حال من الأحوال، 

ان اضطراب بطلنا ومأساته الحقيقية التي دفعت به نحو الهاوية هي خوفه من خسارة سعادته الوليدة بخسارته خطيبته، فأن اوهام بطلنا وخوفه جعل عقوبة ترحيله وتسويقه للخدمة في الجيش على الحدود الروسية امر واقع لا محالة، حيث تحولت السعادة والاستقرار الى كابوس يطارده وقلقه يهز استقراره الذهني والنفسي بصورة تبعث على الحيرة من سرعة تدهورها لتصل به في نهاية المطاف ان يفقد كل وعيه وادراكه امام اوهام كتبت له نهايته المريرة.

 الجنون.. هو نهاية بطلنا صاحب القلب الضعيف بعد انهياره امام اوهامه في مشهد اكثر من رائع يرسمه دوستويفسكي بكلماته، عندما يستيقظ (اركاديا)  في منتصف اليل ليجد صديقه العزيز فاسيا وهو يجري على الورق ريشة بغير حبر، ويقلب صفحات بيضاء مسرعاً في ملئها اسراعاً رهيباً في مشهد مؤلم ، لكن لن يكمل عمله ابداً، لقد فقد الرجل عقله، وسيساق بكل تأكيد ولكن ليس للجيش وانما لمستشفى الامراض العقلية. 

قد لا تكون رواية قلب ضعيف بضخامة وحجم العديد من اعمال دوستويفسكي مثل الجريمة والعقاب او الابله او المقامر الا انها كشفت جانب عميق من معاناة الانسان العصري في مواجهة المجتمع الحديث بضغوطه الاجتماعية وانظمته وقوانينه التي لا تعبئ بالإنسان وعلاقاته الاجتماعية ولأتعترف بها، وهو ما يدفع بالعديد الى حافة الانهيار او الجنون لعجزهم عن التكيف مع واقع يلغي كل ما هو انساني ويؤسس على انقاضه مجتمع مادي يسير بخطى حثيثة ننحو الهاوية.

ان هذه القصة التي تمثل بدايات ابداع دوستويفسكي تعكس في الوقت ذاته عبقريته وتفوقه على غيره في مجال البحث النفسي وارتباطها بباقي العلوم الادارية والاجتماعية، فقد سبق مؤسس مدرسة العلاقات الإنسانية في الإدارة (إلتون مايو) والذي اهتم بدراسته بالإنسان وعلاقاته الاجتماعية والظروف النفسية  والبيئية التي تحيط به وكيف يمكن ان تؤدي في نهاية المطاف الى خلق انسان مكبل بقيود الروتين الاجتماعي والظروف الحياتية وغير منتج او انسان متماسك اجتماعياً ونفسياً قادر على العطاء وزيادة الإنتاج .

 

فراس زوين

 

ذاك التطواف في أرض مستحدثة، غريبة عنك وجدتَ نفسك فيها ضمن سياق أحداث لا يد لك فيها، ولا حول، ولا قوة تجعل أمامك أكثر من لغز يحرّك فيك تساؤلات للبحث عن مفاتحها، وقبلها ستشبّ العوامل التي دفعتك إليها مثل جدار أصم يخزق روحك، وبلا وعي ستجري مقارنات مُبيّضة الصفحات متسلسة، ومشرعة على البحر مثلا، أو الغابات، أو المحيط لأنه استطاع أن يغمرك بالدهشة، وبالاحتواء في الوقت نفسه رغم ما يغوص فيه من الخفايا والمَخفيات، والمُفترسات، والكنوز أيضا.

 وكلاجئ تغرق أرضك بالكفر والجحود بالإنسان تتساءل عن الظلم متى بدأ، وهل له موازين، أم هل له تسهيلات، واستباحات، ومعايير هي تحقّ لبعض الجهات، والأطراف، وتُمنع، وتُحجب عن أخرى؟!

 هذه الأرض التي تخطو بقدميك عليها، وهما ما تزالان حذرتين، رغم أنك قد غدوت من المنتمين إليها بإرادتك. أية إرادة تلك، المبهمة عليك، ولعلها مجموعة أقدار لها شكل مختلف عما تعارفت عليه أذهان البشر وتصنيفاتها، جعلتك تجري بقدميك إليها رغم أنك تشعر بأنك مقيد بشدة إلى سلاسل وأصفاد حديدية، ومع ذلك أنت تسير، وتسير، وتبتسم لكل شيء!.

 هل حقا أنت تبتسم، أم أن شفتيك قد أشفقتا عليك وعلى نفسيهما، فشقتا فُرجة على ما يدور حولك، أو لعلهما أرادتا أن تريا ما لم تره أنت، أو لعلهما تريدان أن تشكرا العالم الجديد، لأنه سهّل لك الخلاص الذي يحلم به، ويتمنّاه غيرك، حيث لا رصاصة توجّه إلى كلماتك في مسارح الفضاء الكتابي الذي تنحني لمُخترعه النّافر عن انتمائك، ومعتقدك لما أبدع لك، ولأمثالك من اللاهثين وراء الحرية من مساحات تتّسع لتستلقي فيها بكلماتك، وتصرخ بما تؤمن به وأنت آمن تماما، فلا غاز السارين، أو خوابٍ كيماوية ستبيدك من فوق رأسك، ولا من حولك، وأنت تتنقل تحتها مثل عصفور تتقزّم المساحات الوارفة تحت قدميه، وتخنقك مُسيّبة الزّبد من فمك أمام عيون ترتدي البله، والاستغباء أقنعة، وسرائر. زبد هو بالطبع لن يرقى إلة رقة زبد البحر حين يكتب قصيدة، ونار براميل سماوية ليست بالطبع كنار العشق التي يستلذ بها قلب العشاق، ولا نار جهنم الله الأرأف التي تنتظر العاصين، والمجرمين، وليست شبيهة بخنجر هيؤوه ليجزّ حنجرتك، ولسانك المتدلي من سقف حلقك المزمجر بما فيك، حنجرتك لا تضطر إلى تفقدها هنا، إذ تتقلدها حرّا، بها تغني متى شئت لله، وللحب، وللإنسان المُدان، والمحقون، والمضطهد، ولركن اكتشفت اليوم أنه أجمل مكان للتعبد، صومعة مثالية لقراءة كتاب تصبّ منه جامّ غضبك على من يسيّسون العالم لمصالحهم، ويحشرونك في جلود طوابير المنسيين في هذا المترامي الأطراف الذي استبدل القيم، والأخلاقيات بالعهر، والانحدار، والانحناء، وبقهرك، وباستلابك.

 أرض لم تتصفحها من قبل، ترتّل للإنسان ألحان التعظيم، والتّقدير بدءا من مهرجانات أضواء الإشارات والتّحذيرات والقوانين في الشوراع حرصا عليه، وانتهاء بتصديق كل ما يدّعيه مواطنوها أمام المحاكم والمنصّات الرسمية، وإن كان رياءً، إذ يُفترض أنه الصدق، لا غير، تلك الأرض هي نفسها التي حلمت بها يوما بديلا عن وطن هجّرك عنه ظالموه، ومستبدوه، فنأيت بعينيك، وخلّيت قلبك هناك، ثم إنك رحت ترثي الوطن، وتبكي، في كل رفّة صبح وخفقة عتمة، تبكي، وتمسح دموعك، الأرض التي استقبلتك باحتفاء، ووهبتك صدرها، وذراعين حانيتين، هي نفسها التي ركزت رايتها الفاتحة ذات يوم في تراب كان يخصّ شعبا وادعا محبّا للحكايات وللأساطير بالفطرة، والانعتاق، وبفطنته قرأ البحر، وشرق الغابات برحابة صدر مستنبطا منها الحكمة والعشق وسديم العيش، لم يكن همه أن يستقصي ما وراء أرجوان الشمس وهي تغطس في المحيطات اللامتناهية، ولم يكن همه البحث عما يستر عورته، إذ أيقن ألا عورة إلا عورة الفؤاد، وبؤبؤ الضمير، ولم يكن من تطلّعاته أن يبني ويعلي أبراجا، ودكاكين، أو يتعلم القراءة، والكتابة، ويرفل في أثواب حضارات مزيفة، ويعزف على أوتار مدنيّةٍ لعله بالفطرة سَبر طلاسمها، ودهاليزها حين تعلم لغة الأمواج، ونواح القصب، ومصاحبة أصدقاء آخرين غير مرئيين لسواه، وترانيم قصائد الروح التي تضجّ بها خيالات الأشجار في أعماق العتمات، وتعلّم أنّ من تسكر روحه ببهاء الفطرة لن يعرف التّشويه، ومع ذلك اقتيد مصفّدا بالسّلاسل مثل جروٍ مسلوب الإرادة، انتزعه الأبيض، وأعمل فيه سكاكينه، مستكثرا عليه تلك الحياة التي أمامها شعر الأخير بسقوطه منذ أول اللحظات، حياة تميّز من تهبهم ذاتها، ولبابها، وتعرف أمام من تستأثر، وتمنع بهاءها، الأبيض الذي اعتقد أنه سيغلبها، وهو يجرجر آدميّها مقموعا ممحوقا، أو ملقّما للمحيط المُحملق في كل ما يجري برعب، يتابع أطفاله، وهم يُنسَلون من منه، ويتلقّم أجساد السّمر المرميين فيه بلا ذنب اقترفوه سوى أنهم يجب ألا يعيشوا، في حين كان الفضاء يردّد مع الفاتحين أغنية الظلم البكر على هذه الأرض التي تتغنى اليوم بعدالة إنسانية لا يشك مطلقا في أن الجميع يتنعّمون بظلالها، ودفئها.

 وكلاجئ ينوح فيك القلب، تبوء بإثم كونٍ تتداخل فيه الممارسات، والمتناقضات حتى لتكاد في بعض الثواني أن تتزعزع في كل ما تحمله، فهل حقّا تُراك أدركت، وتدرك مكنونات القيم، وكهنوت قداديسها، أم أن مثلك الأجدر به أن يكتفي بأن يستتر في حروفه، وفيها يستبيح ما لا يجب أن يجسده كينونة مرئية؟!

 وكلاجئ.. كلاجئ عليك فقط أن تكتفي بالتّداخل، والطّواف في حلقات الضوء، وسكائب ألوان وألحان تزخر بها المتاحف تراثا لسكان بلاد أصلاء سُلبت منهم بلادهم، نفسها التي استقبلتك مع المنفيين، والمشرّدين، وكثير من الطامعين، وأن تتمتم: أنّى ليدٍ سلبت أوقتلت، أن تتمّكن من تقليد تلك الدوائر الصغيرة، والزّخرفات التي أبدعتها أيدي فنانين ألهِموا الحرية صادقة، فتعلّموا كيف يبتكرون هالاتٍ تنفذ إلى الروح بحلاوة السّحر، وهناك خلّتها لأمثالك ممن يقاسمونها الشّجو، والشّجن، وعبق الحرية، وقد استشعروا بحسّهم المرهف أنهم سيبادلونك الأنفاس ذاتها، هنا حيث الفضاء مشرع للذكريات، والمقارنات بحلوها ومرها، أرض أوسع من المدى رسّخت ذاك النداء، فلبّيته، ونقشت اسمك مع الناقشين، وقد نبت عنك هوية تسربلتَ بها عمرا، ورحتما معا تسموان إلى فقدٍ يؤرّق الجفون، ولكنها فاقتك سطوة حين أبقتك السابح مأسورا في تجليات ألوانها، وألحانها، وأنغامها التي تتسلق النجوم، فرحت تشرد منتشيا وراء بشر تعرّوا إلا من نقائهم. 

 

أمان السيد

كاتبة سورية أسترالية