عدي المختارمن يقتفي اثر تاريخ الشعوب يتابع بنهم مسيرة السائرين على هامش الحياة في حقب غابرة من تاريخ هذه الشعوب، فالسائرين على هامش التاريخ هم المبدعين ومداد ماكتبوا وانجزوا لانهم يدونون الكثير بهم اللحظة ووعي التصريح والتلميح هم انعكاس لهموم اوطانهم والبسطاء في تلك الاوطان، لذلك بالامكان ان نطلق عليهم بمؤرخي الهم ولسان حال الشعب بصيغة الابداع بعيدا عن سلطة التاريخ الذي تسعى التابوهات والايديولوجيات والزعامات والسياسة ان تدسه في متن تاريخ الامم والشعوب،وهكذا ماسعت الى اقتفاء اثرة الكثير من الدراسات التي قراءة التاريخ من مداد المبدعين في كل زمن .

الفنان الراحل يوسف العاني المولود في 1 يوليو 1927 ونشأ في محلة بغدادية شعبية قديمة تعرف بـمحلة (سوق حمادة) وسط بغداد فقد أخذ الكثير من أصول وركائز وأشكال كتاباته المسرحية من اجواء وملاذات محلته تلك ليؤسس لنفسة مسيرة ابداعية في المسرح والدراما والسينما والصحافة من وهج تلك الدرابين وامال اهلها وطموحات ناسها البسطاء فكان انعكاس حقيقي لهم وممثل امين لاصواتهم وتطلعاتهم، فكان بحق الفنان المؤرخ الذي ارخ بالفن حياة اهله وناسه ومراحل مهمة من تاريخ بلده العراق .

ومن يتابع اعماله في المسرح التي بلغت (50) عملا مسرحيا سواء التي كتبها او مثل فيها امثال (الشريعة والخرابة - اني امك يا شاكر- الخرابة والرهن- نفوس- خيط البريسم – المفتاح – القمرجية - مع الحشاشة - طبيب يداوي الناس- في مكتب محامي - محمي نايلون - محامي زهكان - جبر الخواطر قيس - راس الشليلة - مجنون يتحدى القدر موندراما  - مسرحية تؤمر بيك - مسرحية موخوش عيشة- مسرحية لو بسراجين لو بظلمة - حرمل وحبة سودة- فلوس – اكبادنا- مسرحية ست دراهم - مسرحية على حساب من ؟ - مسرحية جحا والحمامة - مسرحية تتزهن- عمر جديد- مسرحية جميل التي قدمت في التلفاز باسم (اليطه) – المصيدة- اهلا بالحياة- صورة جديدة- نجمة وزعفران- شلون ولويش والمن- حرم صاحب المعالي السعادة - مسمار جحا - تموز يقرع تاناقوس - النخلة والجيران - ولاية وبعير - البيك والسائق - بغداد الازل بين الجد والهزل - القربان - مجالس التراث - الليلة البغدادية مع الملا عبود الكرخي- الإنسان الطيب - عمارة أبو سعيد) تلاحظ بشكل جل الهم الشعبي للفنان المؤرخ الذي لجا لكتابة حكاية شعبة بعناوين شعبية لم يلجأ فيها للاعمال الترف العالمية .

حتى في لسينما كان همه هذا ينعكس على الافلام التي قدمها امثال (فيلم سعيد أفندي - 1957 اخراج كاميران حسني - فيلم أبو هيلة 1962 اخراج محمد شكري جميل ويوسف جرجيس- فيلم (تؤمر بيك)- فيلم وداعا يا لبنان المنتج في 1966- 1967 - اخراج حكمت لبيب- فلم المنعطف المأخوذ من رواية خمسة أصوات للكاتب غائب طعمة فرمان 1975، من اخراج جعفر علي - فيلم المسألة الكبرى اخراج محمد شكري جميل عام 1983- فيلم بابل حبيبتي مع الفنان فيصل الياسري في عام 1987- فيلم ليلة سفر اخراج بسام الوردي- فيلم اليوم السادس للمخرج يوسف شاهين، والمطربة داليدا في عام 1986).

وحينما نشط التلفزيون بشكل مؤثر في المجتمع سجل العاني حضورا مميزا فيه من خلال (برنامج شعبنا 1959 وبنات هلوكت- وواحد اثنين ثلاثة- ليطه وهي من اخراج الفنان القدير خليل شوقي- ناس من طرفنا- سطور على ورقة بيضاء اخراج الفنان العربي الراحل إبراهيم عبد الجليل- رائحة القهوة اخراج عماد عبد الهادي وقد فازت بجائزة مهرجان الكويت للتمثيلية التلفازية- ثابت افندي الفائزة بجائزة أفضل سيناريو في مهرجان اتحاد الاذاعات العربية في تونس عام 1983- عبود يغني وعبود لايغني اخراج إبراهيم عبد الجليل- عزف على العود المنفرد اخراج الراحل رشيد شاكر ياسين- بطاقة يا نصيب-  الربح والحب- يوميات محلة اخراج عمانوئيل رسام الشهير باحرفه الثلاثة (ع.ن.ر)- وتمثيلية (بلابل) اخراج د. حسن الجنابي الفائزة بعدة جوائز في مهرجان قرطاج للاذاعة والتلفزيون.

اما في الدراما فكان اختياره للاعمال لا يخرج تماما عن متبنياته كمؤرخ لهموم شعبه في اختيار الشخصيات التي مثلها وهي ( مسلسل الايام العصيبة -الهاجس لصلاح كرم- مسلسل هو والحقيبة اخراج رجاء كاظم- مسلسل الحضارة الإسلامية اخراج داود الانطاكي إنتاج أبوظبي- مسلسل الكتاب الأزرق لفيصل الياسري- مسلسل الانحراف إنتاج الكويت- مسلسل الجرح اخراج عماد عبد الهادي- مسلسل حكايات المدن الثلاث بجزئيه الأول والثاني- مسلسل احفاد نعمان اخراج د. طارق الجبوري.

ووجد العاني ان الورق ذاكرة تحفظ له مامضى به من تدوين للتاريخ بصيغة الابداع فطبع ونشر مؤلفاته في مجالات المسرح والسينما والذكريات وهي (راس الشليلة1954- مسرحياتي الجزء الأول والثاني- 19601961- شعبنا 1961- بين المسرح والسينما 1967 اصدار القاهرة- افلام العالم من اجل السلام 1968- مسرحية الخرابة- هوليود بلا رتوش 1975- التجربة المسرحية معايشة وحكايات طباعة بيروت 1979- عشر مسرحيات ليوسف العاني- بيروت 1981- سيناريو لم اكتبه بعد 1987- المسرح بين الحديث والحدث 1990- شخوص في ذاكرتي 2002).

لانه لسيق بهموم شعبه وصوت لهم حقق الكثير في مجال الابداع واهم ماحققه انه كان ولايزال خالدا في وجدان العراقيين لانه كان امينا على نقل همومهم وتطلعاتهم وكان مؤرخا حقيقيا لوطنه بعيدا عن زيف المؤرخين الذين تقودهم مصالحهم الشخصية اوالدينية او الحزبية لذلك كان حاضرا في تكريمات فنية وابداعية كبيرة في مهرجانات داخل وخارج العراق، وهذا ما اهله ان يكنال لقب الفنان المؤرخ بجدارة حتى بعد ان فارق الحياة في احدى مستشفيات الأردن في 10 تشرين الأول 2016 بقي ذلك الوهج الذي مد خيوطه الفنية التي لا تمحى واو تغيب في ذاكرة الابداع والتدوين الحقيقي العراقي والعربي، وهكذا بالضبط ان تكون رسالة كل فنان والا فالفن يكون مغامرة لا يحفظها التاريخ اطلاقا.

 

بقلم: عدي المختار – كاتب ومخرج عراقي

 

 

عبد الجبار نوريأحمد مطر شاعر عراقي تولد 1954 قرية التنومة أحدى نواحي شط العرب البصرة، كتب أحمد مطر عن حياتهِ في بريطانيا: (أنا في بريطانيا دولة مستقلة، تمشي على قدمين، نشتاق إلى أوجاع أحتلالها، ونهفوا إلى المعركة من جديد،لستُ سعيداً لأنّي بعيد عن صدى آهات المعذبين، لأني أحمل آهاتهم في دمي، فالوطن الذي أخرجني منهُ لم يستطع أن يخرج مني، ولا أحبُ أن أخرجهُ ولن أخرجهُ).

وأرى إن الشاعر يبدو لي متابعاً وقارئاً نهماً للنصوص الأدبية والشعرية بمساحة واسعة مطلا من نافذة العراق أولا ثُمّ الأدب الخليجي فالعربي والعالمي، وبالتأكيد أطلع بشكلٍ جيد على الروايات العالمية والمصرية والسينما الصامتة والمتحركة وموهبتهُ في الرسم الكاريكاتيري كل تلك ظهرت آثارها وبصماتها خلال نصوصه الشعرية، لذا أن دراسة تجربة " مطر " جعلتني أوأكد أن الشاعر أتقن مفهوم الحرية لذا أني أمام شاعرٌ كبير صنع شخصنتهُ المطرية بمقاييس الكبار المحدثين . 

تميّز بتعدد الترحال بعقوبة المنفى القسري، فهو مهجرٌ داخل خيمة وطنهِ وخارجها إلى الكويت الجارة! ثم إلى أرض الضباب لندن الذي أستقر فيها ليكتب أسباب ترحاله:

سبعون طعنة هنا موصولة النزفِ

تبدي ولا تخفي

تغتال خوف الموت بالخوفِ

وأحمد مطر من شعراء المهجر الذين تركوا الوطن دفاعاً عن الوطن، رضوا بالغربة خشية الأغتراب داخلهِ،  متفهما لما عاناهُ الجواهري من كأس المنافي المرْ، ويعبر الجواهري العظيم عن هذه المظلومية : بكيتُ وما على نفسي ---- ولكن على وطنٍ مضامٍ مستهانِ .

شاعرنا أعطى للكلمة الشعرية معنى، وشكل مع رفاقه شعراء المهجر هاجس التصدي الذي أقلق الأنظمة الشمولية، فحين أمتزجتْ ظواهر الحياة مع عالمهِ الشعري رسمها في أبهى صورها بنكهة وجمالية خاصة، وبأعتقادي: تلك هي غاية الأدب في الحياة وبدونها تصبح كالماء عديم اللون والطعم والرائحة .

أحمد مطر أنسان حرْ متمرد على واقعهِ المذلْ والمهان من جلاديه سواءاً كان في وطنهِ أوالوطن العربي بحكامٍ مدمنين القهر وكم الأفواه وأغتيال الكلمة الحرّة بسياط القوّة والترصد، ولعل "مطر " عبّر ببساطة ولكن بأقتحامية سردية وبنصٍ جريئ يقتحم سور الشمولية المذل وأن يكسرْ حاجز الخوف ببراعة شاعر أعلن حرباً على الرتابة المملة، لذا وصفه نقاد عصرنا المعولم بالحداثوية: أن أحمد مطر " ملك الشعراء" لروائع ما كتب في الشعر المعبر .

ما يميّزْشعرهُ

-كانت بواكير شعره وهو تلميذ يافع في مرحلة المتوسطة في قصيدة غزلية وهو الشيء المعتاد من مفهوم شعر المراهقة التي توحي الوجد والهيام والدموع والأرق، إذا نظرنا إلى قصيدتهِ الأولى وهو في سن الرابعةعشر بسبعة عشر بيتا شعرياً تبدو فيها بواكير سبك السردية أكبر من سنهِ وكان مطلع القصيدة:

مرقت كالسهم لا تلوي خطاها

ليت شعري ما الذي اليوم دهاها

ثم كتب الغزير في شعر الغزل في رومانسية رائعة، قال:

غازل ليلاك بما أستيسرْ

ضعها في حاشية الدفتر

- ينتمي إلى الشعر السياسي كما ينتمي إلى مدرسة السهولة والبساطة والسهل الممتنع الذي ربما ينتمي أليها نزار قباني، يقول:

لماذا الشعر يا مطر؟

أتسألني

لماذا يبزغ القمر؟

لماذا يهطل المطر؟

أتسألني !! لماذا ينزل القدر !

- السخرية في شعر أحمد مطر، أن السخرية الشعرية فن راقي يحتاج إلى الذكاء والفكر وحركتهِ الديناميكية، فهي سلاح خطير بيد الكبار في النقد والفلسفة مثل المناضل عبدالجباروهبي (أبو سعيد) والأستاذ البصري " جاسم المطير " صاحب المسامير، فأضطر شاعرنا سلوك هذا الطريق الشائك والخطير للنضال ضد جلادي الكلمة الحرة في وطنه الحبيب وعموم الوطن العربي، ولأن الشعر في نظر الشاعر مطر: إنهُ نوع من أنواع الفنون من مهماتهِ التحريض والكشف والشهادة على الواقع، والنظر إلى الأبعد، وهو بذلك يسبق العقل ويواكبهُ ويضيء لهُ الطريق ويحرسهُ من غوائل التضليل، والتفكير بواقع المواطن المؤلم وأزماته اليومية إلى جانب صعوبة التغيير الشامل ألا بالشعر وأقول أنه شاعر أنتحاري ذاهب إلى الحرب بدون أسلحة تقليدية ولكن بسلاح صنعه لنفسه يصعب فك شفرته ألا أحمد مطر، بأعتقادي هذا اللون من الشعر يعني أشعار الثورة والمقاومة  . ويقول:

أنا لستُ أهجو الحاكمون: وإنما

أهجو بذكر الحاكمين هجائي 

ويقول في قصيدتهِ المشهورة " آهات "

رأيتُ  الدول الكبرى

تبديل الأدوار

فأقرت أعفاء الوالي

وأقترحت تعيين حمار

ولدى توقيع الأقرار

نهقت كل حمير الدنيا بأستن

---- نرفض في أصرار

أن نغدو خدماً للأستعمار

إن حموريتنا تأبى

أن يلحقنا هذا العار

-هو من مؤيدي التجديد في النقلة النوعية من الشعر المقفى إلى الشعر الحر، القائل:

أعلمُ أن القافية

لا تستطيع وحدها أسقاط عرش الطاغية

لكني أدبغُ جلدهُ بها

دبغ جلود الماشية

حتى إذا ما حانت الساعة

وأنقضت عليه القاضية

يكون جلداً جاهزاً

يصنعُ منهُ الأحذية

-يستعمل الأسلوب القصص في شعرهِ السياسي، وهذا الأسلوب يتصل حبلهُ السري بوجدان الأنسان، ويزاوج فيه أسلوب الحوار، نمودج من هذا النمط الشعري:

جسّ الطبيبُ خافقي

وقال لي:

هل ها هنا الألمُ؟

قلتُ لهُ: نعم

فشقّ بالمشرط جيب معطفي

وأخرج القلمْ

هزّ الطبيبُ رأسهُ ---- ومال وأبتسمْ

وقال لي:

ليس سوى قلمْ

فقلتُ لا يا سيدي

هذا يدٌ --- وفمٌ – رصاصٌ – ودمْ

وتهمةٌ ساخرةٌ----- تمشي بلا قدمْ

-أسلوب الأختزال في الشعر--- يقول:

قال أبي:

في كلِ قطرٍ عربي

إنْ أعلن الذكي عن ذكائهِ

فهو غبي

- رفضهِ للخنوع والذل باللجوء إلى الكويت وأشتغالهِ بجريدة القبس الكويتية التي أعتبرتْ نافذة لهُ يطلُ بها على الجمهور، ولكن المحرر ورقيب الجريدة أستعملا معهُ الفوقية وسياسة لي الأذرع وأستثما ر أمكانياته الأدبية في الأعلام الموجه، ولكنهُ رفض بشدة ولم يستكين، وهو القائل:

أيتها الصحيفة

الصدق عندي ثورة

فلتأكلي ما شئتِ، لكني أنا

مهما أستبد الجوع بي

أرفض أكل الجيفة

- وفي أسلوبه الشعري نقد الحكم والأستبداد بوجه خلط الدين بالسياسة وهو القائل:

أدعُ إلى دينك بالحسنى

ودع الباقي للديان

أمرٌ بالعدل تعادلهُ

لا بالعمة والقفطان

الأيمان الظالم كفرٌ

والكفرُ العادل أيمان

- وكتب شعرا ثورياً حراً لا يعرف المهادنة موجهاً رصاصات شعره نحو تحكم السوداوية الجمعية في القهر والظلم، القائل:

طول عمري

يركضُ القهر أمامي وورائي

هو ظلي في الضحى

هو نديمي في المساء

- قسم أدباء الشعرالقافية إلى قسمين المطلقة والمقيدة، أحمد مطر كتب بالأثنين بدقة شاعر متمكن ومبدع .

يقول في القافية المطلقة:    

لو أن أرباب الحمى حجرٌ

لحملتُ فأساً دونها القدرُ

هوجاء لاتبقي ولا تذرُ

وقال في القافية المقيدة قطع النص السردي:

حيا على الجهاد

كنا ---وكانت خيمة تدورفي المزاد

تدور --- ثُمّ إنها

يبتاعها الكساد

- أستعمل الصناعات البيانية والبلاغة والبديع ينقل المتلقي من قطع النص السردي إلتناصية متقاربة مع الأصل بارعة وجميلة وشفافة على القلب ممتزجة بشيء من الفنتازيا الخيالية  مع الأصل يقول:

نحن المصابيح ببيت الغانية

رؤوسنا مشدودة

في عُقد المشانق

صدورنا تلهو بها الحرائق

كلمة أخيرة: بحق شاعرنا المتميّز: وجدتُ في مجلة العربي التي تصدر في باريس نقداً أدبيا يرقى لنصٍ نثري جميل، أجتزأتُ منهُ هذا النص: {شاعر لا يقف في طابور، ولم يفتح سوبر ماركت، ولا يتقن بيع البضاعة، ولا يدعوك إلى قصيدة غزل ماجنة في جلسة خمر، وخضراء وقمر، ولا إلى قصيدة مدح في باب السلطان، ولا قصيدة فخر في باب الرئيس الرمز، ولا بقصيدة رثاء يتقمص فيها دور النائحة لأستدرار الدموع، ولا يملك صفراً في البنوك بيد أنهُ من أصحاب الملايين في بورصة  "الكلمة الحرّة"}

 

عبد الجبار نوري

حزيران 2020 ستوكهولم

كاتب وباحث عراقي

حزيران 2020 ستوكهولم

.........................

مصادر وهوامش

- أطروحة الباحثة العراقية " مريم الفاخري –أساليب السخرية في أدب أحمد مطر

- موسوعة أعلام الشعر العربي الحديث / أحمد مطر شاعر المنفى واللحظة الحارقة

 

شاكر فريد حسن"الصبار" هو عنوان الرواية التي صدرت للكاتبة الروائية الفلسطينية سحر خليفة سنة 1976، وأحدثت في حينه صدى كبيرًا بين الأوساط الشعبية والمحافل الأدبية والثقافية في فلسطين، وبها حظيت بالاعتراف الأدبي كروائية متميزة.

تُعد سحر خليفة من أهم الروائيين الفلسطينيين، وهي من مدينة نابلس، تزوجت في سن مبكرة، وبعد مرور ثلاثة عشر عامًا من الاحباط وخيبات الأمل تحررت من هذا الزواج، وكرست حياتها للتعليم والكتابة والابداع الروائي، فحصلت على شهادة الدكتوراه وأصدرت عدد من الروايات، التي لاقت استحسان القراء والنقاد والمهتمين بالقص السردي.

و"الصبار" من الروايات الجدلية المهمة، بما ادركته كاتبتها من بصيرة للواقع الفلسطيني متعدد الرؤى، وعدم استكانتها لسطوة المحتل، ويبقى للصورة فيها أكثر من بعد. وهي من روايات الوجع الفلسطيني، تقطر ألمًا، وتصور معاناة ونضال ومقاومة شعبنا الفلسطيني ضد الاحتلال. وتدور أحداثها في فترة السبعينيات من القرن الماضي، في مدينتها نابلس، وتحكي عن مظاهر الحياة الاجتماعية وأنماط الحياة والقيم المسيطرة، وتطرح للنقاش فكرة العمل في المستوطنات وفي داخل المدن الاسرائيلية. ولا تغفل الرواية معالجة قضية حرية المرأة، وتطرح ما يدور بخلد الكاتبة من أفكار ومفاهيم ومعتقدات مستقاة من رحم الواقع ومن البيئة الفلسطينية المعاشة ومن المعايير الاجتماعية السائدة. وتصبو سحر خليفة في روايتها إلى احداث التغيير المرتجى والمأمول في المجتمع الفلسطيني واشاعة قيم الحرية والتمرد والثورة والاستقلال والفكر الحر، وتنجح في تجسيد معنى الوطن والتغني بكل حبة تراب فيه.

وأبرز مسألة تعالجها سحر خليفة في روايتها " الصبار " هي اضطرار العمال الفلسطينيين العمل في اسرائيل، وذلك لأن الواقع الذي يعيشون في جنباته فرض عليهم هذا العمل، لعدم توفر فرص العمل في الضفة والقطاع، فلم تبن مصالح اقتصادية تسمح بمقاطعة المصالح اليهودية وحماية العامل الفلسطيني من الاذلال والقهر والاستغلال الفاحش.

وترسم سحر خليفة في "الصبار"، التي تدور أحداثها في بدايات السبعينيات، صورة للانقسام الفلسطيني بين من يؤمن بالعمل العسكري الميداني سبيلًا للتحرر، وبين من يؤمن بالنضال السياسي ويريد تكوين طبقة بروليتارية وتنظيم العمال الفلسطينيين في المصانع الاسرائيلية واحداث التغيير الاقتصادي. ونجدها تصور في الرواية بؤس العائلة الفلسطينية تحت حراب الاحتلال، والظروف القاسية الصعبة التي تواجهها، وتقدم المرأة في صورتين، امرأة تقليدية ضعيفة مستغلة، وأخرى واعية ومثقفة ومناضلة ومتمردة على الاغلال الاجتماعية التي تكبلها وتقيدها.

وتمزج الرواية بين الهم الاجتماعي والمطالبة بحرية المرأة، وبين الهم الوطني، وترصد آثار الاحتلال الاسرائيلي، ونلمس فيها شبكة مترابطة من العلاقات الإنسانية والاجتماعية وكأنها لوحة للمجتمع الفلسطيني التقليدي.

وتتوقف سحر خليفة عند نموذج البطل الثوري الذي يشعله الهم الوطني، ويتبنى ضرورة التصدي للمحتل ومقاومته بسبل النضال المتاحة والمشروعة. وهي تلتزم التعبير عن قضايا مجتمعها، وتصوير الحياة اليومية للناس وما فيها من تعقيدات وتشابكات، وتركز على قضية التحرر الاجتماعي كشرط للتحرر الوطني، بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. وترى أن فشل الانجاز الوطني سببه التخلف الاجتماعي، الذي لم يمنح ويعطِ المرأة دورها الحقيقي في التنمية والنهوض والمشاركة في الحياة الاجتماعية والسياسية.

وتتخطى سحر في "الصبار" هموم المرأة الذاتية وتلتصق بهموم الشعب، بحيث تشكل المرأة جزءًا مهمًا فيه، ويلتحم في عالمها المرأة والرجل والفدائي والعامل، وتقوم بتفكيك العائلة الاقطاعية وتجعل منها مناضلين ومقاومين للاحتلال.

رواية " الصبار " تمثل نموذجًا للرواية الواقعية الناجحة، ونقلة نوعية في السرد الروائي النسائي الفلسطيني خاصة، وفي توجه سحر خليفة الفني والموضوعي. اعتمدت فيها على السرد واللغة الرشيقة السلسة والحوار الشائق العميق والشخصيات الثانوية والمركزية، ومزجت بين الزمان والمكان، وتفاعل هذه العناصر الفنية مجتمعة خلق نصًا روائيًا ناجحًا جعل من الكاتبة رسامة ماهرة ومصورة ناجحة في نقل تفاصيل الواقع وتصوير أحداثه وتداعياته، فلها أجمل التحيات.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

كاظم الموسويحجرت جائحة الكورونا الناس صحيا في بيوتهم، رغبة او اكراها، وقاية او تحسبا، خوفا او رعبا من مكروه غير محسوب.  وفي اجواء الحجر الصحي والتباعد الاجتماعي ومنع الاختلاط والتجمع والزيارات وممارسة العادات المعروفة في اللقاءات والاجتماعات والسفر والتجوال والسياحة والانتقال، واستراتيجية الغلق التام لكل المؤسسات العامة والخاصة، لم يعد امام الناس الا الركون والاستماع الى قرارات الحكومات وبيانات السلطات، واستقبال اخبار الموت والوفيات. فالفاجعة كبيرة والمصيبة عظيمة. ولم يبق للناس عموما الا البقاء في البيوت ومشاهدة التلفزيون وقراءة الكتب. فضلا عن واجبات المنزل اليومية، مشاركة ومنازلة ، تلهية وتزجية وقت، قضاء او برغبة او لامر لا بديل عنه. ومن لديه حديقة ملحقة بداره فله متنفس اخر يقضي بعض وقت فيه، او ورش اعمال، وفرص انجاز لهوايات او رغبات او ابداعات تعوضه عن ما تتركه الالتزامات وتتطلبه المحذورات. وفي كل الاحوال هذه عموميات، تشمل الناس جميعا وقد لا تعجب البعض او لا تسره او لا تنطبق عليه، فلكل قاعدة شواذ، اينما كنت او ذهبت او اتجهت.

قبيل ان تبدا هذه الاجراءات وتغزو الكورونا العالم توقف عندي صحن الستلايت دون اسباب، تعطل وتماهلت في البحث عن من يصلحه حتى بدات الموانع والاغلاقات، ورغم ذلك حمدت الله اني تخلصت من شاشات الفضائيات العربية وبرامجها التي تنشر الفايروسات الاخرى برضاها او بدفع من يقرر لها، وهو امر معروف قبل الوصول الى الكوفيد 19، او بمعنى ما قبل الوصول الى هذا الرقم، نشرت كل الارقام السابقة واحدثت ما احدثت من فتن وضحايا وحروب ونزاعات وهدرت مليارات الدولارات الامريكية في الوطن العربي ولم تتمكن من القبض على "الصيدة"!، واستمرت تحشد راياتها وتحرض اتباعها وتتخادم مع الاعداء علانية دون وخزة ضمير او هزة شارب لها. وفي حكم التاريخ انتدب الطغاة الغزاة، وتركوهم يجتاحون ارض العرب من المحيط الى الخليج، وكما استعان الطغاة بالغزاة، فتح الغزاة الارض للبغاة ليكفوا لهم ما سعوا اليه ويستبيحوا الارض والعرض والحجر والشجر. وهكذا وصلنا الى الكوفيد 19 والله اعلم ماذا بعده.

في هذه الاجواء والحظر والتوقي والحرص الزائد عن حده استعين بالقراءة، طبا ودواء، عونا وشفاء، فهي السلوى والمعرفة والراحة والانسجام، وهي فرصة العمل او الطريق اليه، وهي العادة والتقليد.. فرفوف الكتب حولي، وكتل الكتب مصففة امامي، تحت كل طاولة، وتحت الدرج، ومحيط التلفاز والمكتب وعلى طاولة الغداء وفي غرفة الجلوس. وليس هذا وحسب، بل امتلا جهاز الحاسوب والتابلويد من كتب إلكترونية يسهل الان تحميلها وخزنها وجعلها ميسرة استطيع الاطلاع عليها في اي مكان وزمان. وتلك من نعم التقدم الالكتروني والتقني والانترنت.

وحين تتوفر كل هذه الامور، مكتبات جيدة موزعة على رفوف او محمولة في اجهزة متقدمة، وتختار ما ترغب وتشاء وتتسابق معك العناوين والاسماء، فانت بخير في هذا الشأن على الاقل. وتحتاج اليها حين لا تكون في حجز وحظر وابتعاد، فكيف إذا ابتليت ولا سبيل اخر امامك. ويحاصرك مع ما سبق جهاز الهاتف الذكي وبرامج التواصل الالكتروني والاجتماعي ويشاركونك في مجموعات وروابط ويتنفس بعض فيها اناء الليل والنهار؟!.

رغم كل ما يتيسر فهناك ما يقف أمامك حائلا ويضعك في موضع الحرج والشكوى والحسرة على الايام والعمر ورسائله التي لا مفر منها.. وسنوات العمر في سباق دائم تخطو دون توقف وانتظار، او تفرج واستفسار.. وكل يوم ولا اقول دقيقة او ساعة يمر  ويزيد في العمر رقمه وتاريخه في التقويم الجاري ياخذ معه ما تمتعت به قبله او تمكنت فيه فتغدو الامور ليست كما كانت او لن تكون كما تريد ان تكون، فلها حساباتها ولها ميزانها وقدراتها، ومهما تغالب المرء او  تجاوز او تمادى فثمة ما يردعه ويعيده الى مستقره راضيا مرضيا.

وفي موضوعنا تاخذ العيون موقعها، والبصر مركزه، ومثل غيرها  من الحواس واجزاء الجسم البشري، تكل وتتعب وترافق الطبيب والعلاج والعمليات والمنع والمراقبة، فكيف يحصل ما ترغب والاوضاع تسير خلافه؟، وهي ادوات ووسائل انتاجنا نحن معشر القراء والكتاب في هذه الحالة.. النظارات الطبية تتبدل كل فترة وتغيرت قياساتها وانواعها، والقطرات تعددت واختلفت اوقاتها، والكتب تنتظر وتصبر  وما عليك الا ان تركن كما ركنت للكوفيد والكورونا وما سياتي. وبعد كل هذا فلا الكوفيد 19 ولا غيره يحسم الأمر في القراءة، أو يقرر لك ما تفكر به، بل العيون والنظر والعمر وما حمل من تعب السنوات ونصب الايام وجهد الليالي. وتلك لعمري حاجة ونعمة لا تعرف إلا في وقت حاجتها وصعوبة ظروفها وقسوة الزمن عليها. في فيلم قصير فاز بجائزة أحسن فيلم قصير في العالم، عرض لقصة مثيرة، وذات عبرة إنسانية ودرس للحياة، هذا الفيلم عرض اول ثلاث دقائق مشهدا مركزا الكاميرا على سقف غرفة ابيض خاليا من اي شيء، دون أية حركة اخرى، فملّ بعض المشاهدين وتذمر اخرون، ومن ثم استمر ثلاث دقائق أخرى في اللقطة نفسها، فزاد في الملل والتذمر والانزعاج، وهياج الخروج وترك متابعة المشاهدة، وفجأة وقبل أن يهمّ الأغلبية بالانصراف، تحركت عدسة الكاميرا رويدا رويدا على حائط خالٍ من أي تفاصيل أيضا، حتى وصلت للأسفل نحو الأرض، هناك ظهر طفل ملقى على سرير. يبدو أنه معاق كليا بسبب انقطاع الحبل الشوكي في جسده الصغير. وانتقلت الكاميرا شيئا فشيئا إلى جانب سرير المعاق، ليظهر كرسي متحرك بدون ظهر .ثم انتقلت الكاميرا إلى موقع الملل والضجر إلى السقف مرة أخرى، لتظهر جملة: «لقد عرضنا عليكم 8 دقائق فقط من النشاط اليومي لهذا الطفل، فقط 8 دقائق من المنظر الذي يشاهده هذا الطفل المعاق في جميع ساعات حياته، وأنتم تذمرتم ولم تصبروا لست دقائق، ولم تتحملوا مشاهدته!!».. هذا الفيلم القصير استحق الجائزة واكثر لأنه ذكّر مشاهده والان القاريء بنعم يغفل المرء عنها  ولا يحمد عليها، ولأنه بليغ المعنى والقصد، ولأنه واقع لا يمكن نكرانه أو التهرب منه، حين يحدث أو يكون. كم تذكرنا مثل هذه القصة بالقراءة في زمن الكورونا، أو بالعكس كم اعطتنا الكورونا زمنا للتفكير بمثل هذه القصة والفرصة للتأمل والتفكير والإبداع والسباق مع الزمن، فدورته مرة واحدة الى الامام ولا تعود ابدا الى الوراء.

 

كاظم الموسوي

 

وعد عباسكنتُ قد أشرتُ في كتابي الأول "البعد النفسي في الشعر الفصيح والعامي – قراءة في الظواهر والأسباب" إلى أهمية الشعر العامي، ودوره الكبير في الحياة النفسية والاجتماعية للأفراد في مختلف الشعوب، فهو يكتب باللهجة المحكية التي جعلته واسع الانتشار كتابةً وتلقيًا، بسبب سهولة فهمه والتفاعل مع أبياته، ولعل من أبرز سماته وأدواره مرافقته السواد الأعظم من الناس في سرائهم وضرائهم، فلا نجد حادثة كبيرة تمس حياة الناس عموما، أو صغيرة تمس حياة مجموعة أفراد في قرية نائية إلا وتناولها الشعر العامي بأحد أنماطه، وهذا ما ينفع الباحث عن الحقيقة في مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية.

ورغم كثرة الموضوعات التي امتلأت بها القصائد العامية العراقية، فقد شغلني من بينها موضوع "الحنين إلى الماضي" لكثرة ما تناوله ويتناوله الشعراء، ويتداوله الناس بشكل عام، فنادرا ما نجد شخصا ليس فيه حنين إلى الماضي أو ينكر عليه جماله .

نسبيًا، الكل يرى أن الماضي أجمل، وإن الناس كانوا أفضل، وإن الحياة كانت أرقى وأهدأ وأنسب للتفاؤل والراحة، وإذا ما نظرنا إلى الشعر العامي العراقي نجده يؤيد هذه النظرية، ويختصر الشاعر أبو محمد المياحي هذا الحنين إلى الماضي وأفضليته على الحاضر بقوله:

قبل آه يا قبل يختلف عن هسه           قبل آه يا قبل وشكثر بي ونسه

فهل هذا الحنين له ما يبرره؟ وهل كان الماضي جميلا فعلًا؟ وهل كانت الناس أفضل معشرا وأكثر تحابا حقَّاً؟

لن أذهب بعيدا وأبحث عن أدلةٍ في بطون الكتب، بل أن أدلتي والحقائق التي سأسردها لكم هي من الشعر العامي ذاته، فإذا ما عدنا إلى الشعر الذي كتب في الماضي، نجده ينكر ذلك الجمال الذي يحنون إليه، فعن صحبة الناس وخيانتهم يقول الشاعر صاحب الضويري في واحدة من أشهر قصائده:

أســهــر والـــدموع مرافجه الليل     ولا صاحب يشوف إدموعنه تهل

الرفاﮔـه ويارفيـج الهمـك إيشيــل     اهــل هـالـجيل عدوان وعــــواذل

وعن "ضيم" الأيام وقساوتها يقول الشاعر عريان السيد خلف:

وهذا عمري مكالب وي الضيم     

ما مرت الضحكة اعله سني

وهذا حجي الناس     

أون من لوعتي وكالوا يغني

هذا إضافة إلى كثير من الأبيات التي يتداولها الناس دون معرفة شاعرها في غالبها توحي بالألم، وخيانة الناس، وكثرة الوشاة والشامتين والخائنين وناكري المعروف، مثل:

كباله والـشـمات فـرسـتنه اديهم        لا شـــــاكف ولا كال هنتالله بيهم

وأيضًا:

ياما زرعت الطيب بجفوفي آنه       وكــت الحصاد الكيت سل ابمكانه

وأيضًا:

بي بكثر مــــــا بيك يكريم أحاه       تيهني واشي عداي وابن أمي دلاه

نفهم مما سبق إن الماضي ليس مثاليا كما يصوره لنا شعراءُ اليوم، بل هو كواقعنا الآن الذي سيحن إليه شعراء الفترات القادمة، ويصورونه بأبهى ما يتخيله العقل، فلماذا؟؟ . يعتقدُ الباحثون بجملة من الأسباب أبرزها:

الأول: إن غالبية الناس في طفولتهم اعتماديون في المعيشة على آبائهم، وبالتالي هم كانوا يأكلون ويشربون ويمرحون دون أن يتعرضوا للألم، أو قل يتعرضون لألم نفسي بسيط لا يمكن أن يقارن بما يشعرون به الآن في ظل المسؤوليات الملقاة على عاقتهم .

الثاني: الماضي يحمل مرحلة الشباب بما تحتويه من جمال وقوة، فهو يحن إلى تلك الأيام لأنه أصبح الآن وهنًا بعد أن تقدم به السن، وما زالَ يهنُ .

الثالث: إن الأفراد ألفوا الماضي وخاضوا تجاربه ولن يفاجئهم فيه شيء إذا عاد، ولأنهم يخافون مما سيخوضونه في المستقبل المجهول، يودون لو أن الماضي يعود.

الرابع: يتضمن الماضي أصدقاء وأحبة ابتعدوا أو ماتوا، فرحلت أجسادهم وبقيت ذكراهم المليئة بالأماكن التي زاروها معا، والأحاديث التي خاضوها ... .

الخامس (وهو الأهم): يمارس الإنسان في استرجاعه الماضي الانتقائية، أي أنه يتذكر الإيجابيات ويبالغ فيها، وينسى أو يتناسى السلبيات .

على أننا يجب ألَّا ننكرَ أن التطورات المستمرة في شتى مجالات الحياة، وتزايد عدد السكان، يؤديان باستمرار إلى زوال الكثير من جماليات الحياة، وأتمنى أن أجد الفرصة في المستقبل القريب كي أتناول تلك التغيرات التي تحدث دونما توقف.

ختامًا:

البحث في الشعر العامي أمرٌ مرهقٌ حقَّا، لأنه غير مدون، وغير موجود بشكل متسلسل زمنيًا رغم أهميته الكبيرة في تفسير أحوال الناس في مختلف الأزمنة والأمكنة وكما أشرتُ في مقدمة المقال، وأتمنى أن يتم تبني الموضوع من قبل وزارة الثقافة أو أية مؤسسة أخرى .

 

وعد عباس

 

ضياء نافعتشيخوف أصغر عمرا من جايكوفسكي بعشرين سنة، وليس ذلك الفرق بقليل، ولكنهما التقيا مع ذلك، اذ ان الفن هو الذي جمعهما معا، وقصة تشيخوف الاديب وعلاقته مع جايكوفسكي الموسيقار تستحق التوقف عندها بلا شك، اذ انها ليست عفوية ابدا، بل ابتدأت عندما اطلع جايكوفسكي على قصة قصيرة منشورة لتشيخوف في بداية مسيرته الابداعية واعجب جدا بها، وكتب الى احد معارفه يقول، ان هذا الكاتب الجديد سيكون (قوة ادبية هائلة)، و كتب جايكوفسكي ايضا الى تلك المجلة رسالة تحدث فيها عن اعجابه بالقصة وكاتبها، ولكن المجلة لم توصل مع الاسف رسالة  جايكوفسكي تلك الى تشيخوف في حينها . وتمرّ الايام، وكان تشيخوف في بطرسبورغ، ودعاه شقيق جايكوفسكي الى بيته، وقد مرّ الموسيقار جايكوفسكي الى بيت أخيه في هذه الاثناء، وتمّ تعارفهما، فقال جايكوفسكي لتشيخوف انه معجب بقصصه ومتابع لنشاطه الادبي منذ فترة، وقد حدث هذا اللقاء عام 1887(عندما كان عمر تشيخوف 27 سنة) . كان جايكوفسكي آنذاك في أوج مجده وشهرته في روسيا، أما تشيخوف، فكان لا يزال في بداية طريقه الابداعي، وكان قد أصدر مجموعته القصصية الاولى ليس الا، ولم يكن معروفا عندها في الاوساط الادبية الروسية بما فيه الكفاية . اندهش تشيخوف من موقف جايكوفسكي هذا، وقرر (بينه وبين نفسه) ان يهدي المجموعة القصصية الثانية (التي كان يعدّها آنذاك) الى جايكوفسكي، للتعبير – اولا - عن امتنانه له طبعا على هذا الموقف الايجابي تجاه نتاجاته، وثانيا، للتعبير ايضا عن اعجابه بالدور الكبير، الذي كان يؤدّيه جايكوفسكي  في عالم التأليف الموسيقي الرائع (والذي كان تشيخوف يعشقه من كل قلبه)، ولكن تشيخوف لم يذكر له ذلك اثناء اللقاء معه، وانما كتب بعد عودته الى موسكو رسالة خاصة الى جايكوفسكي يرجوه فيها الموافقة على ذلك (اي اهداء مجموعته القصصية الثانية لجايكوفسكي)، وكان ينتظر الجواب على رسالته تلك طبعا على أحرّ من الجمر كما يقول تعبيرنا العربي الطريف، ولكنه فوجئ ان جايكوفسكي قرر المجئ شخصيا الى بيت تشيخوف بموسكو ليخبره بموافقته على اقتراحه هذا، وكانت هذه الزيارة طبعا حدثا كبيرا لتشيخوف وعائلته، اذ ان جايكوفسكي كان شخصية بارزة وشهيرة جدا في المجتمع الروسي آنذاك (وحسب كلمات تشيخوف نفسه والتي كتبها في احدى رسائله وقال فيها، ان جايكوفسكي في الفن الروسي يشغل المكان الثاني بعد تولستوي، الذي يشغل المكانة الاولى منذ زمن طويل)، وقد جلس جايكوفسكي طويلا في بيت تشيخوف في تلك الزيارة، وشرب الشاي معه ومع عائلته طبعا، و كتب شقيق تشيخوف عن هذه الزيارة بعدئذ - تفصيلا - في ذكرياته عن تلك الزيارة، و تحدّث عن الانطباع الرائع الذي تركته بساطة جايكوفسكي على كل فرد من افراد عائلة تشيخوف .

تعمقت العلاقة بين تشيخوف وجايكوفسكي، واهدى الموسيقار له صورته (كما كان سائدا آنذاك بين الاصدقاء) تعبيرا عن هذه الصداقة وكتب عليها اهداء الى تشيخوف (من قارئ معجب متحمّس)، وطلب من تشيخوف كتابا وصورة له،  وارسل تشيخوف  طبعا صورته و الكتاب وكتب له قائلا – (ارسل لكم الصورة والكتاب، ولوكنت أقدر لارسلت لكم الشمس ...)، وكتبت شقيقة تشيخوف بمذكراتها عن ذلك وقالت، ان تشيخوف كان سعيدا جدا في ذلك اليوم . أما جايكوفسكي، فقد كان فخورا جدا بكتاب تشيخوف هذا، الذي اهداه له تشيخوف في صفحته الاولى، وبقي معتزّا به طوال حياته.

الرسائل المتبادلة بين تشيخوف و جايكوفسسكي قليلة نسبيا، الا انها مع ذلك تعدّ الان واحدة من الوثائق المهمة لدراسة ابداع تشيخوف في تلك المرحلة من مسيرته، اذ انها تعكس صفات وخصائص واسلوب وافكار هذا الاديب، الذي تنبأ له جايكوفسكي في بداية الثمانينات، عندما كان تشيخوف طالبا في الكلية الطبية بجامعة موسكو وينشر قصصا قصيرة و مرحة وساخرة كي يكسب بعض النقود التي تساعده على العيش، تنبأ له بمستقبل ادبي باهر، وكم كان جايكوفسكي محقا (ودقيقا ايضا) في كلماته تلك، وكم كانت تلك النبوءة صحيحة، لان عيون الفنان الثاقبة (وخصوصا عند موسيقار بمستوى جايكوفسكي) لا تخطأ ابدا في هذا المجال. 

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

محمد عبد الكريم يوسفليس للإبداع حدود يقف عندها ، وليس الإبداع محصور بالرجال فقط ولكنه صار سمة من سماء النساء والتاريخ العالمي خير شاهد على اليد البيضاء التي تركتها المرأة شاهدة على عظمتها وبريقها في أكثر من مكان في العالم ، ولم تكن المرأة العربية أقل شأنا من المرأة في الدول الأخرى وما بلقيس ومريم و خولة وفاطمة والخنساء والزرقاء وزنوبيا وشجرة الدر وأسية ومدام كوري و غوديفا إلا مثال يحتذى به  في العلم والإدارة والمعرفة والإبداع .

وفي حال قابل أحدنا المرأة المبدعة المدهشة عليه أن يضيفها حالا إلى قائمة الأصدقاء  وعليه أن لا يتخلى عنها أبد الدهر لأنه ستكون حافزا لتحقيق الأشياء العظيمة والتصميم الأكيد للريادة في العالم .

ويبدو أيضا أن هناك قاسم مشترك وسمات مشتركة بين النساء اللاتي حققن نتائج مدهشة في العالم . فهل نستطيع تغيير المرأة العادية لتصبح مبدعة؟ وهل يمكن غرس قيم الإبداع لديها؟ إليكم بعض القيم المشتركة بين النساء المبدعات عبر التاريخ:

الحزم:

المرأة المبدعة حازمة في حياتها إلى أبعد الحدود . فإذا وجدت نفسك تتراجع أمامها  عن الطلبات والأسئلة أو تعتذر باستمرار لتصرفات تقوم بها  فقد تكون بحاجة لتقوية مركزك  الداخلي وعليك أن تستبدل الهر الذي يسكن داخلك بنمر قوي يعالج الأمور بحزم وشراسة .

التعاطف:

تعتقد الكثير من النساء أن السمات " الأنثوية " مثل التعاطف  تؤثر على مركزها الاجتماعي وتقلل من شأنها في حين أنه يجب اعتبارها ميزة راقية . التعاطف يعني أنه يمكن الاستماع والإصغاء وللآخرين وفهم احتياجاتهم ومشاعرهم و رغباتهم والتعامل معها بعقلانية . المرأة المبدعة تستطيع التفهم البديهي لمن حولها من دون انحراف في العاطفة .

العاطفة:

قد يمتلك الإنسان الكثير من المهارة والخبرة ويمارسها يوميا من دون شغف بما يفعله وبالتالي يبقى الإنسان مكانه من دون القدرة على الانتقال للمرحلة التالية . يتولد الابتكار والإبداع من الحب والسعي والتحدي ويكون الوقت الذي نقضيه في عملنا بمتعة حقيقية  بحيث يشعر الإنسان أن كل خطوة نحو القمة تستحق هذا العطاء الكبير. تدرك المرأة المبدعة أن الشغف يجلب الطاقة والطاقة تمكن المثابرة والتألق والنجاح .

الشعور بالنقص:

عندما يحاول الإنسان أن يكون "مثاليا" أو يسعى نحو الكمال فهو كمن يسير في طريق باتجاه واحد أو كمن يقطع تذكرة سفر باتجاه واحد تتيح له المغادرة ولا تتيح له العودة . وتعلم المرأة المبدعة هذه الحقيقة وتدرك أنها فكرة غير ممكنة التطبيق دائما. علينا أن نتعلم من عيوبنا وأن نعترف بها وعلينا أن نبحث دائما عن الأشخاص الذين يكملون شخصيتنا ونستعين بهم على تدارك نقاط ضعفنا . تدرك المرأة المبدعة أن الشعور بالنقص حالة طبيعية يمتلكها الإنسان أي إنسان وأن الكمال في كل شيء غير ممكن التطبيق.وتدرك أيضا  أنها يجب أن تكون في أفضل حالاتها لكي تتقدم نحو الأمام.

السلطة:

عندما يصل الإنسان إلى القمة وبمجرد الوصول للقمة  يبدأ بكتابة القواعد الخاصة به. الطريف في الأمر أنه كلما ارتفع الإنسان نحو الأعلى صارت حياته أسهل وبالتالي يصرف وقتا أكبر في التدقيق واكتشاف الأخطاء ويصبح أكثر قدرة على التحكم في نوع العمل ومكانه . تدرك المرأة المبدعة هذه الحقيقة وتدرك أن مباهج السلطة لا تلهيها عن تحقيق أهدافها التي رسمتها مسبقا .

الإيمان:

عندما يؤمن الإنسان بنفسه فإنه سوف يصدق ذلك وسوف ينجح في حياته . تؤمن المرأة المبدعة بأن أفكارها المجنونة قابلة للتحقيق وتدرك أنه تستطيع بالصر والإصرار أن تحقق ما تريد من أهداف ورؤى . إنه الإيمان بالأنا والثقة التي تكفي لانجاز ما تحتاج المرأة إلى القيام به . الإيمان بتحقيق الأهداف هو المصدر الأساسي لكل نجاح في هذا الكون .

التكيف:

ليس هناك ما يزعج الإنسان أكثر من الإجهاد لأنه يقف حائلا أمام النجاح. وعندما تمتلك المرأة القدرة على التكيف تصبح أكثر قدرة على التعامل مع هذا الكم من الإجهاد الذي تتعرض له في أوقات مختلفة  وكلما زادت القدرة على التحمل والتسامح كان ذلك أفضل وأكثر روعة . تبحث المرأة المبدعة دائما عن طرق تجعل حياتها أكثر راحة وأقل إجهاد وأكثر سهولة  وتركز طاقاتها العقلية على الأعمال الممكنة التي في متناول اليد بدلا من اليأس ومواجهة المصاعب .

الشجاعة:

الخوف من العوائق الكبيرة أمام المرأة المبدعة . ماذا يمكنك أن تفعل لو كان الخوف يسيطر على حياتك ؟ المخاطرة بالنسبة للمرأة المبدعة لا يعني التهور ولكنه يعني اتخاذ قرارات محسوبة وتجربة أشياء تصنف على أنها " خطرة " . تدرك المرأة المبدعة أن التقدم العلمي والتقني والطبي الكبير كان بسبب الجرأة والشجاعة والتجريب والمخاطرة .

العناية الذاتية:

الناجحون يستريحون بقدر ما يعملون  ويهتمون بأنفسهم بدنيا جيدا  ويمارسون الرياضة ويتناولون الطعام الصحي ويتنزهون . تدرك المرأة المبدعة أن الصحة العقلية  مهمة مثل الصحة البدنية  وتعرف متى تقول "لا" ومتى تستغرق في العمل وتهتم بأسرتها وزوجها بقدر اهتمامها بنفسها وحياتها الخاصة تعادل في النجاح حياتها العامة  . و المرأة المبدعة قادرة على الابتعاد عن نهاية لا تنتهي  أبدا وتمتلك الوقود الذاتي الكافي للاستمرار إلى مالا نهاية .

الامتنان:

تدرك المرأة المبدعة أن النجاح لا يأتي من فراغ سواء في المنزل أو العمل . وتمتلك في ذات الوقت القدرة على التشارك والتعبير عن الامتنان والتقدير للأشخاص الحقيقيين الذين ساعدوها في الوصول إلى حيث هي . تتعامل المرأة المبدعة بلطف مع زملائها  تقدم الاحترام وتتلقاه .

ليس للإبداع حدود والمرأة أكثر قدرة على الإبداع لأنها تمتلك القدرة والعقل البناء وروح التشارك واللطف والحنان وقد يكون ذلك هو سر نجاح المرأة وإبداعها في قيادة أكثر الشركات العالمية نجاحا عبر قرون من الزمن .

 

بقلم محمد عبد الكريم يوسف

 

الحياة مقتطفات والانسان مقتطفات راسخة فيها. كل جزء من الكل الذي نقطن فيه. هكذا وجدت الحياة وهكذا لابد من أن تفهم من أجل أن تبدو سهلة بنظرك وتتيسر أمامك وتهب لك ما تتمنى. هي ليست مقايضة أو إبداء شيء مقابل آخر ولكن هو التفاوض العقلاني بينك وبين ذاتك في سبيل الوصول إلى مرحلة التمرد على السلبي الذي يفرض نفسه بشدة في أوقات لا تحبذها ولا تستسيغها.

هناك أربعة مواسم تمضي بها شهور السنة الواحدة، وهناك أكثر من موسم يعيشه الانسان في لحظة عابرة واحدة، فتكون كالبرد القارص الذي لا تدفئه نار .... نقولها :

ـ للعمر الذي ذهب أدراجه.

ـ للرسائل التي لم تكتمل بعد.

ـ للشوق الذي لم يرتوي بعد من الحنين.

ـ للسنين التي أضاعت الكثير من الأيام بلحظات مفروضة.

ـ للأيام التي لم تبقي شيء على حال.

ـ للوقت الذي يمضي بالفراغ.

ـ للحظات التي تختصر عمرًا.

ـ للحب الذي ضاع في لحظات رهان.

ـ للكره الذي يقتل كل جميل.

ـ للمكر والقبح الذي يشوه الوجوه.

_ للخبث المتجسد في النفوس.

ـ للزمان الذي ضاعت فيه المواعيد وضاقت فيه المسافات.

ـ للأماكن التي خلت من أحبتها وكتب فيها فقط ما هو للذكرى.

ـ للخصوصية التي يطرق على بابها كل من باع خصوصياته.

ـ للمواعيد التي أطلقت فقط من أجل الأوهام.

ـ للنسيان الذي يعيش في الذاكرة وينبش في الأجساد.

ـ للكذب الذي بات وسيلة لكل غرض.

ـ للخلاف الذي يدمر العلاقات ويخلق المسافات.

ـ للمستحيل الذي ينحني الاستسلام أمامه.

ـ للبقاء الذي يولد الشراسة.

ـ للعقل الذي نلمس غيابه في معظم الصراعات.

ـ للحقيقة التي باتت شبه مرئية.

ـ للوضوح الذي يعتكفه كل غموضًا.

ـ للصراع الذي يختزل الحياة.

ـ للفراق الذي يفرض حضوره.

ـ للتناقض الذي تستحيل بوجوده الحياة.

ـ للغياب الذي يتفنن في تعذيب الأنفس.

ـ للظلام الذي خيم على العقول والقلوب.

ـ للتداول المزيف الذي ينهي ما في الحياة.

ـ للرهان الذي يخسر على الطاولات باستمرار.

ـ للطموح حينما يراد أن يخنق.

ـ للإنسان حينما يعيش الحيرة في كل ما من حوله.

ـ وأقول: للحياة حينما يصبح لا معنى لها بكل هذا وأكثر لم يذكر.

معظم البشر ليس لهم همٌّ في الحياة غير كيف يصعبون من عيشها؟! كيف يجعلونها لا تطاق ولا تحتمل؟! مع أن البعض الآخر يعمل بعكس ذلك، ولكن بما أن الأغلبية مجتمعة فأن الأقلية يضيع فعلها في المتاهات الكثيرة! بشر لا يدركون بأن كل ثانية من الوقت لها نكهتها في الحياة، فيها لحظات ترحل وتمضي معها ولن تعود مثلما كانت.

الحياة وجدت بصورة رائعة جدًا بروعة القوس قزح الظاهر في السماء بعد هطول المطر،  وبروعة منظر الشمس وهي تشرق وتغرب في ذات اليوم. والإنسان كذلك خلق من أجل كل رائع، ولابد من أن يفهم ذلك ويكون ويمضي في الحياة كالرياح التي تهب بتناغم، تأتي مجتمعة وتمضي كذلك. نعم قد تعمل بعض التغيير وقد تترك بعض الآثار خلفها ولكن لا تكون دائمية ولا تطول في البقاء. هكذا وجدت الحياة متناغمة في كل ما عليها، كل ما عليها يكون مكملا للآخر في سبيل أن تمرّ وتأتي بالأفضل في سبيل أن تسجل حضورًا وتترك بصمتها في الناهض بالحياة بجديده.

نحن الذين من نملك أن نرضى عن حياتنا أو نتمرد عليها بالفعل والعمل الذي نصنعه لغيرنا ولأنفسنا. إذن خذوا الأمور بـ تفاؤل ... هدوء .. مرح .. محبة .. وبسمة .. فأنتم أهم من كل الأشياء وأهم ما في الحياة، أنتم تستحقون الأفضل والحياة تستحق الأفضلية وترسم بفرشاة نظيفة على الدوام من أيادي نظيفة وفكر نير.

 

سهى بطرس قوجا

 

فراس زوينطوال قراءتي قصة قلب ضعيف للكاتب الروسي الكبير فيديور دوستويفسكي رافقني سؤال حول سبب عدم واقعية السرد الروائي في بعض الأحيان، وركونه الى منحى بعيد عن الواقع في الطرح ، ولعل الاجابة على هذا السؤال بأن هذا النمط من الادب هو الطريق الامثل الذي يمكن القارئ من تصور كل ابعاد الفكرة الفلسفية او النفسية او الاجتماعية المرسومة بالكلمات والتي اراد الكاتب ايصالها من خلال اسلوبه السردي، في حين قد تعجز عنه اعظم الدراسات النفسية او الفلسفية، وهذا ما يلتمسه القارئ بكل وضوح في قصة قلب ضعيف    لدوستويفسكي .  

تروي لنا قصة قلب ضعيف احداث الايام الاخيرة والصراع الداخلي الذي رافق بطلها (فاسيا) والتي قادته الى نهايته المأساوية، حيث تبدء الاحداث عندما يقوم بطلنا الذي يعمل كاتباً في احدى الدوائر بإيقاظ صديقه (اركاديا) في منتصف اليل ليخبره بقلب طافح بالأمل ونفس مشرقة بالسعادة بقراره المفاجئ ، سأتزوج !! ويكمل بطلنا كلامه بكل فرحة سأتزوج الفتاة التي احببتها وشغلت بها طوال ثلاث اسابيع من العذاب والامل والخوف من الرفض، وفي غمرة سعادة الصديقين بهذا الخبر المفاجئ والسريع يفاجئ (اركادي)  صديقه بسؤال كان قد غاب عن عقله وسقط من كل حساباته (هل أكملت كتابة النسخة التي طلبها منك رب العمل جوليان ماستاكوفتش؟) قد لا يبدوا هذا السؤال ذا أهمية ولكنه سيكون الزلزال الذي يدمر حياة بطل الراية فاسيا، فكانت اجابته بكل بساطة لا ولم يعر للأمر أي اهتمام فلازال امامه يومان وسيبدأ منذ الليلة بل منذ الان بنسخ ما مطلوب منه،

ان الحب الوليد والخوف والقلق والسعادة التي شغلت (فاسيا) في الأسابيع الثلاثة الاخيرة اخذته من نفسه وبعثرت كل اهتماماته وواجباته حتى نسي او تجاهل نسخ أي ورقة من الكتاب الذي كلفه به رئيسه بالعمل، ولكن الأمور تبدء تأخذ منحى ثاني عندما يبدء خوف بطلنا من فقدان لكل الاهتمام الذي كان يبديه صاحب السعادة (رب العمل) والذي يحرمه من المكافئات المادية التي يحصل عليها في نهاية كل شهر وتعينه في حياته بل ان هذه المكافئات خلقت له فسحة مالية سمحت له بالتفكير بالزواج،

والان كل شيء مهدد بالزوال، فلم يبقى سوى يومين على موعد تسليم الكتب وانه على ثقة بانه سيخسر كل ذلك وسيعاقب بشدة بان يجند في الجيش في فرقة تأديبية بسبب اهماله وتقصيره في أداء مهامه، وتحت هذا الضغط النفسي الرهيب لم يتذكر او يخطر على باله ان وركه المخلوع والذي يشكل له آفة جسمية ستمنع تجنيده في كل حال من الأحوال، 

ان اضطراب بطلنا ومأساته الحقيقية التي دفعت به نحو الهاوية هي خوفه من خسارة سعادته الوليدة بخسارته خطيبته، فأن اوهام بطلنا وخوفه جعل عقوبة ترحيله وتسويقه للخدمة في الجيش على الحدود الروسية امر واقع لا محالة، حيث تحولت السعادة والاستقرار الى كابوس يطارده وقلقه يهز استقراره الذهني والنفسي بصورة تبعث على الحيرة من سرعة تدهورها لتصل به في نهاية المطاف ان يفقد كل وعيه وادراكه امام اوهام كتبت له نهايته المريرة.

 الجنون.. هو نهاية بطلنا صاحب القلب الضعيف بعد انهياره امام اوهامه في مشهد اكثر من رائع يرسمه دوستويفسكي بكلماته، عندما يستيقظ (اركاديا)  في منتصف اليل ليجد صديقه العزيز فاسيا وهو يجري على الورق ريشة بغير حبر، ويقلب صفحات بيضاء مسرعاً في ملئها اسراعاً رهيباً في مشهد مؤلم ، لكن لن يكمل عمله ابداً، لقد فقد الرجل عقله، وسيساق بكل تأكيد ولكن ليس للجيش وانما لمستشفى الامراض العقلية. 

قد لا تكون رواية قلب ضعيف بضخامة وحجم العديد من اعمال دوستويفسكي مثل الجريمة والعقاب او الابله او المقامر الا انها كشفت جانب عميق من معاناة الانسان العصري في مواجهة المجتمع الحديث بضغوطه الاجتماعية وانظمته وقوانينه التي لا تعبئ بالإنسان وعلاقاته الاجتماعية ولأتعترف بها، وهو ما يدفع بالعديد الى حافة الانهيار او الجنون لعجزهم عن التكيف مع واقع يلغي كل ما هو انساني ويؤسس على انقاضه مجتمع مادي يسير بخطى حثيثة ننحو الهاوية.

ان هذه القصة التي تمثل بدايات ابداع دوستويفسكي تعكس في الوقت ذاته عبقريته وتفوقه على غيره في مجال البحث النفسي وارتباطها بباقي العلوم الادارية والاجتماعية، فقد سبق مؤسس مدرسة العلاقات الإنسانية في الإدارة (إلتون مايو) والذي اهتم بدراسته بالإنسان وعلاقاته الاجتماعية والظروف النفسية  والبيئية التي تحيط به وكيف يمكن ان تؤدي في نهاية المطاف الى خلق انسان مكبل بقيود الروتين الاجتماعي والظروف الحياتية وغير منتج او انسان متماسك اجتماعياً ونفسياً قادر على العطاء وزيادة الإنتاج .

 

فراس زوين

 

ذاك التطواف في أرض مستحدثة، غريبة عنك وجدتَ نفسك فيها ضمن سياق أحداث لا يد لك فيها، ولا حول، ولا قوة تجعل أمامك أكثر من لغز يحرّك فيك تساؤلات للبحث عن مفاتحها، وقبلها ستشبّ العوامل التي دفعتك إليها مثل جدار أصم يخزق روحك، وبلا وعي ستجري مقارنات مُبيّضة الصفحات متسلسة، ومشرعة على البحر مثلا، أو الغابات، أو المحيط لأنه استطاع أن يغمرك بالدهشة، وبالاحتواء في الوقت نفسه رغم ما يغوص فيه من الخفايا والمَخفيات، والمُفترسات، والكنوز أيضا.

 وكلاجئ تغرق أرضك بالكفر والجحود بالإنسان تتساءل عن الظلم متى بدأ، وهل له موازين، أم هل له تسهيلات، واستباحات، ومعايير هي تحقّ لبعض الجهات، والأطراف، وتُمنع، وتُحجب عن أخرى؟!

 هذه الأرض التي تخطو بقدميك عليها، وهما ما تزالان حذرتين، رغم أنك قد غدوت من المنتمين إليها بإرادتك. أية إرادة تلك، المبهمة عليك، ولعلها مجموعة أقدار لها شكل مختلف عما تعارفت عليه أذهان البشر وتصنيفاتها، جعلتك تجري بقدميك إليها رغم أنك تشعر بأنك مقيد بشدة إلى سلاسل وأصفاد حديدية، ومع ذلك أنت تسير، وتسير، وتبتسم لكل شيء!.

 هل حقا أنت تبتسم، أم أن شفتيك قد أشفقتا عليك وعلى نفسيهما، فشقتا فُرجة على ما يدور حولك، أو لعلهما أرادتا أن تريا ما لم تره أنت، أو لعلهما تريدان أن تشكرا العالم الجديد، لأنه سهّل لك الخلاص الذي يحلم به، ويتمنّاه غيرك، حيث لا رصاصة توجّه إلى كلماتك في مسارح الفضاء الكتابي الذي تنحني لمُخترعه النّافر عن انتمائك، ومعتقدك لما أبدع لك، ولأمثالك من اللاهثين وراء الحرية من مساحات تتّسع لتستلقي فيها بكلماتك، وتصرخ بما تؤمن به وأنت آمن تماما، فلا غاز السارين، أو خوابٍ كيماوية ستبيدك من فوق رأسك، ولا من حولك، وأنت تتنقل تحتها مثل عصفور تتقزّم المساحات الوارفة تحت قدميه، وتخنقك مُسيّبة الزّبد من فمك أمام عيون ترتدي البله، والاستغباء أقنعة، وسرائر. زبد هو بالطبع لن يرقى إلة رقة زبد البحر حين يكتب قصيدة، ونار براميل سماوية ليست بالطبع كنار العشق التي يستلذ بها قلب العشاق، ولا نار جهنم الله الأرأف التي تنتظر العاصين، والمجرمين، وليست شبيهة بخنجر هيؤوه ليجزّ حنجرتك، ولسانك المتدلي من سقف حلقك المزمجر بما فيك، حنجرتك لا تضطر إلى تفقدها هنا، إذ تتقلدها حرّا، بها تغني متى شئت لله، وللحب، وللإنسان المُدان، والمحقون، والمضطهد، ولركن اكتشفت اليوم أنه أجمل مكان للتعبد، صومعة مثالية لقراءة كتاب تصبّ منه جامّ غضبك على من يسيّسون العالم لمصالحهم، ويحشرونك في جلود طوابير المنسيين في هذا المترامي الأطراف الذي استبدل القيم، والأخلاقيات بالعهر، والانحدار، والانحناء، وبقهرك، وباستلابك.

 أرض لم تتصفحها من قبل، ترتّل للإنسان ألحان التعظيم، والتّقدير بدءا من مهرجانات أضواء الإشارات والتّحذيرات والقوانين في الشوراع حرصا عليه، وانتهاء بتصديق كل ما يدّعيه مواطنوها أمام المحاكم والمنصّات الرسمية، وإن كان رياءً، إذ يُفترض أنه الصدق، لا غير، تلك الأرض هي نفسها التي حلمت بها يوما بديلا عن وطن هجّرك عنه ظالموه، ومستبدوه، فنأيت بعينيك، وخلّيت قلبك هناك، ثم إنك رحت ترثي الوطن، وتبكي، في كل رفّة صبح وخفقة عتمة، تبكي، وتمسح دموعك، الأرض التي استقبلتك باحتفاء، ووهبتك صدرها، وذراعين حانيتين، هي نفسها التي ركزت رايتها الفاتحة ذات يوم في تراب كان يخصّ شعبا وادعا محبّا للحكايات وللأساطير بالفطرة، والانعتاق، وبفطنته قرأ البحر، وشرق الغابات برحابة صدر مستنبطا منها الحكمة والعشق وسديم العيش، لم يكن همه أن يستقصي ما وراء أرجوان الشمس وهي تغطس في المحيطات اللامتناهية، ولم يكن همه البحث عما يستر عورته، إذ أيقن ألا عورة إلا عورة الفؤاد، وبؤبؤ الضمير، ولم يكن من تطلّعاته أن يبني ويعلي أبراجا، ودكاكين، أو يتعلم القراءة، والكتابة، ويرفل في أثواب حضارات مزيفة، ويعزف على أوتار مدنيّةٍ لعله بالفطرة سَبر طلاسمها، ودهاليزها حين تعلم لغة الأمواج، ونواح القصب، ومصاحبة أصدقاء آخرين غير مرئيين لسواه، وترانيم قصائد الروح التي تضجّ بها خيالات الأشجار في أعماق العتمات، وتعلّم أنّ من تسكر روحه ببهاء الفطرة لن يعرف التّشويه، ومع ذلك اقتيد مصفّدا بالسّلاسل مثل جروٍ مسلوب الإرادة، انتزعه الأبيض، وأعمل فيه سكاكينه، مستكثرا عليه تلك الحياة التي أمامها شعر الأخير بسقوطه منذ أول اللحظات، حياة تميّز من تهبهم ذاتها، ولبابها، وتعرف أمام من تستأثر، وتمنع بهاءها، الأبيض الذي اعتقد أنه سيغلبها، وهو يجرجر آدميّها مقموعا ممحوقا، أو ملقّما للمحيط المُحملق في كل ما يجري برعب، يتابع أطفاله، وهم يُنسَلون من منه، ويتلقّم أجساد السّمر المرميين فيه بلا ذنب اقترفوه سوى أنهم يجب ألا يعيشوا، في حين كان الفضاء يردّد مع الفاتحين أغنية الظلم البكر على هذه الأرض التي تتغنى اليوم بعدالة إنسانية لا يشك مطلقا في أن الجميع يتنعّمون بظلالها، ودفئها.

 وكلاجئ ينوح فيك القلب، تبوء بإثم كونٍ تتداخل فيه الممارسات، والمتناقضات حتى لتكاد في بعض الثواني أن تتزعزع في كل ما تحمله، فهل حقّا تُراك أدركت، وتدرك مكنونات القيم، وكهنوت قداديسها، أم أن مثلك الأجدر به أن يكتفي بأن يستتر في حروفه، وفيها يستبيح ما لا يجب أن يجسده كينونة مرئية؟!

 وكلاجئ.. كلاجئ عليك فقط أن تكتفي بالتّداخل، والطّواف في حلقات الضوء، وسكائب ألوان وألحان تزخر بها المتاحف تراثا لسكان بلاد أصلاء سُلبت منهم بلادهم، نفسها التي استقبلتك مع المنفيين، والمشرّدين، وكثير من الطامعين، وأن تتمتم: أنّى ليدٍ سلبت أوقتلت، أن تتمّكن من تقليد تلك الدوائر الصغيرة، والزّخرفات التي أبدعتها أيدي فنانين ألهِموا الحرية صادقة، فتعلّموا كيف يبتكرون هالاتٍ تنفذ إلى الروح بحلاوة السّحر، وهناك خلّتها لأمثالك ممن يقاسمونها الشّجو، والشّجن، وعبق الحرية، وقد استشعروا بحسّهم المرهف أنهم سيبادلونك الأنفاس ذاتها، هنا حيث الفضاء مشرع للذكريات، والمقارنات بحلوها ومرها، أرض أوسع من المدى رسّخت ذاك النداء، فلبّيته، ونقشت اسمك مع الناقشين، وقد نبت عنك هوية تسربلتَ بها عمرا، ورحتما معا تسموان إلى فقدٍ يؤرّق الجفون، ولكنها فاقتك سطوة حين أبقتك السابح مأسورا في تجليات ألوانها، وألحانها، وأنغامها التي تتسلق النجوم، فرحت تشرد منتشيا وراء بشر تعرّوا إلا من نقائهم. 

 

أمان السيد

كاتبة سورية أسترالية

 

طالب عبدالاميرمتثاقلاً يأتي المساء يجر خطى وئيدة، والظلام يفرش أردانه على الطرقات.

تتلألأ القناديل. ليست كلها، كما في كل مرة، بل بعضها، الذي لم يصله هيجان العاصفة بعد.

لكن ما فائدة المصابيح إذا كانت الطرقات خالية من البشر. وحدها الحيوانات البرية تمرح في الشوارع التي لم يعد تسمع فيها وقع الأقدام الآدمية ودوي المكائن المتحركة، وكركرة الأطفال في المدارس ورياض الأطفال والحدائق العامة.

وحدها البيوت التي تضج بالحركة الصامتة.. فيها المصابيح تبتلع ظلمة النوافذ المغلقة.. والزمن يفقد إحساسه بالمكان والزمان معاً. فكلاهما يتحول الى كيان هلامي يتشظى  بالتساوي. نعم المساواة، العدالة التي جاءت لتؤكد معجزة أفلتت من مدارها. ولكنها جاءت في الزمن الخطأ والمكان الخطأ. مساواة مختصة بالموت العددي السريع. موت الجائحة التاجية.

- غريبة هذه التسمية، أليست اسمها كورونا؟

- نعم وكورونا تعني التاج بالعربية. وهي بهذا المعنى في اغلب لغات العالم. فهذا المارد النانوي الحجم تاجي الشكل.

وهنا تتدخل الظلمة لتسأل وهي تتفحصني لتعرف كيف قضيت النهارات:

- من يسأل من؟ ومن يجيب؟

- أنا أسأل نفسي وأنا أجيبها

- كيف؟

- كيف، كيف؟ ألست أنا وحدي في الحجر  الصحي الوقائي؟ لا التقي احداً خوفاً من العدوى. حجرت نفسي وعزلتها، فلا التقي باصدقاء او اقارب أو سمّار. منذ عدة شهور وانا على هذا الحال. اذاً فأنا أتحدث مع نفسي، اشاغلها كي لا افقد مشاعري.

- انت لست الوحيد في هذه العزلة، مثلك كثيون جداً وفي مختلف بقاع العالم . وأنت تتواصل مع الآخرين كل يوم، عبر تقنيات وسائل التواصل الرقمية.. الا يكفيك هذا؟

- لا، ليس بكافٍ. فالحضور جسداً في المكان والزمان يولد أحاسيس ومشاعر لا تمنحها كل تقنيات العالم.ثم أنا اتحدث عن نفسي.

- إقرأ إذاً

- قرأت وقرأت كثيراً وكتبت حتى بدأ الملل يتسلل الى مفاصلي. وأصابعي باتت تتفاعل ببطء، تتأخر في النقر على لوحة ازرار الكومبيوتر لتسجل ماتمليه عليها افكاري.

 حدث هذا الأمر بسرعة خيالية لا يضاهيها شئ سوى عبثية الموت. وعبثية الحياة أيضاً، لمن يبقى حياً بعد العاصفة. فعلى ضفتها حدثت المفارقات.. لا احد يجزم كيف ولد هذا التركيب الغامض والمتناهي الصغر..وكيف توجه؟ ومن وجهه؟ ومن أعطاه السيف ليطعن اجساد البشر ويبعث بهم الى الضفاف الأخرى دون ضجة او مراسيم دفن ومجالس عزاء حتى.

قالوا انه يستهدف  أولاً فئة عمرية محددة أسموها فئة منطقة الأزمة.. الفئة التي أن وجودها بدأ وجودها،  بالعد التنازلي،أصلاً. وفئة تعاني من أمراض عصر التقنية الرقمية. لكن ثمة استثناءات. الجائحة تستثني فقد اصابت بعضاً من هم  خارج الفئتين، لكنها لا تميز بين ضحاياها، عرقياً او جغرافياً او دينياً او اثنياً، ثقافياً او اجتماعياً. فالكل سواسية امامها. كل الاسماء والصفات تتحول الى ارقام ومنحنيات بيانية في احصائيات الكارثة التاجية.

وخلف كل رقم ثمة تاريخ ميلاد وسيرة ذاتية، و طموحات وآمال ومشاريع ذهبت أدراج الرياح.

- أنت متشائم، قالت القناديل المتلألئة في الشوارع المقفرة.

- لا بل متشائل، اجابت النوافذ المغلقة بألسنة القابعين خلفها. فالمحجورون استسلموا للنوم ولكن مصابيحهم تظل مضاءة ليبعدوا الجائحة. فهي تخاف الضوء وتعشق الظلمة.

التاجية فرضت قواعد جديدة للعبة غير المتكافئة أصلاً. وكشفت عن هشاشة الانسان. رغم جبروته وقسوته وغطرسته. الإنسان استغل الطبيعة ببشاعة ودون رفق. صفعها مرات ومرات دون رحمة، وراح يكدس المال ويحميه بالتسلح والسلطة..

- يحميه مِن مَن؟

- من الأغلبية الجائعة.

- محض هراء، لا أحد يثور وبطنه خاوية.

الطبيعة ترد الآن الصاع صاعين. و تقلب المعادلة، وتخلط الأوراق كي تعيد ترتيبها. أو لتخلطها من جديد.

 

طالب عبد الأمير

 

 

شاكر فريد حسنفي البدء كانت القصيدة، فالخاطرة والقصة القصيرة، ثم جاءت الرواية والمسرحية. واول قصيدة بعد عدوان حزيران واحتلال الضفة والقطاع، كانت لأيقونة فلسطين وابنة جبل النار فدوى طوقان، ليس في المناطق المحتلة، وغنما في عروس الكرمل حيفا، على صفحات سنديانة شعبنا، صحيفة " الاتحاد " العريقة، في عددها الصادر يوم 22 أيلول العام 1967، عن مدينتها الحزينة المحاصرة التي التقطت أنفاسها بعد ان أغلقت أبواب السماء.

ففدوى طوقان لم تنطوِ على ذاتها ولم تهجع في بيتها الرحب في نابلس، بل سارعت إلى اجتياز بوابة مندلبوم في القدس نحو يافا وحيفا والجليل لتلتقي شعراء وأدباء الداخل الفلسطيني محمود درويش وتوفيق زياد وسميح القاسم وسالم جبران وإميل حبيبي، وفاضت روحها بقصيدتها الشهيرة " لن أبكي على بوابات يافا "، التي تقول فيها :

يا أحبائي

حصان الشعب جاوز كبوة الأمس

وهبَّ منتفضًا وراء النهرِ

ها وإن حصان الشعب يصهلُ واثق التهمة

ويفلت من حصار النحس والعتمة

وكانت هذه القصيدة اهتزازات لدى مبدعي ومثقفي شعبنا في الداخل، وانعكس ذلك في قصيدة محمود درويش :

لم نكن قبل حزيران كأفراخ الحمامْ

ولم يتفتت حبنا بين السلاسل

نحن يا أختاه من عشرين عامْ

لا نكتب أشعارًا ولكنا نقاتلْ

وباستثناء فدوى طوقان لم ينشر الشعراء تحت حراب الاحتلال قصائدهم، فذيول الهزيمة وآثار النكسة والقمع الاحتلالي أحبطا البدايات إلى ان هز أيلول الأسود كل الضمائر وكل الملكات الشعرية والأدبية، وبدأت تغزو الساحة الأدبية والمشهد الثقافي الكتابات الشعرية والنثرية والتجارب الإبداعية المختلفة لجيل فلسطيني جديد يتمتع بالموهبة ويمتلك الأدوات الكتابية، وعرفنا الكثير من الأسماء الشعرية والأدبية كعبد اللطيف عقل وعلي الخليلي وأسعد الأسعد وخليل توما وسميرة الخطيب وللي كرنيك وسحر خليفة وجمال بنورة وأكرم هنية وعادل الأسطة ومحمد كمال جبر وجميل السلحوت وعلي عثمان وابراهيم جوهر وغريب عسقلاني وزكي العيلة وعبد اللـه تايه  وأحمد رفيق عوض وعبد الناصر صالح ومحمد الريشة وأحمد عبد أحمد صاحب ديوان " على جدران الهزيمة " الصادر في العام 1973، الذي يقول على الغلاف الأخير :

لأنني لست من المكسيك ..

يا بلادي الحبيبة

وظيفتي كشاعرٍ

أن أنشر الغسيلَ

فوق أسطُحِ العروبة

وفي العام 1976 أصدرت سحر خليفة روايتها " الصبار "، ثم نشر عبد اللـه تايه من قطاع غزة روايته " الباحثون عن الشمس " وزكي العيلة " العطش "،  و " الخروج من الصمت " لغريب عسقلاني " ابراهيم الزنط ". لتتوالى بعد ذلك الاصدارات الشعرية والقصصية والروائية في زمن القهر، المستمدة والمستوحاة من معاناة وواقع الشعب الفلسطيني الجاثم تحت الاحتلال.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

كنت بصحبة شاعر، انه يصر على انه شاعر وربما مفلق، رغم اعتراضي على شاعريته. لا يغير سترته النادرة وبنطلونه الجينز، ربما يعتقد بانها من علامات الشاعر! دخلنا من شارع فرعي بعد الساحة المؤدية الى سوق الغزل، تسد جانب منه كومة هائلة من الازبال، بدون اكتراث المارة، قلت له اتعلم كم عدد وانواع البكتريا والمكروبات بهذا الكوم، فقال انت رأيت تلا وسأريك جبالا، فسألته هل هذا مقطع قصيدة؟ فقال ممكن، فقد تساوى القبح والجمال والنظافة والجرب.. وهذا يستحق اكثر من قصيدة، اكتشف جمال القبح والقبح في الجمال!! قلت له هذه قصيدة فلسفية. كنت اعرف هذه الدرابين المؤدية الى شارع الرشيد. والبيوت المتلاصقة الايلة الى السقوط وتعرجات الدرابين الموحلة والمجاري الصغيرة الي تخترقها وتفيض على الجانبين، وخطر لي ان اذكره بما كانت عليه، ووجدته يشير الى بيوت متلاصقة ولكن صغيرة وزغرفة واجهاتها المنحونة. وقال اكثرها فارغة او مهجورة. كنت مذهولا بشرفها وشناشيلها المطلة على الدرابين وممراتها الصغيرة التي تحجب الشمس، فتظل باردة تثير الراحة والتأمل، كأنني اراها أول مرة. ودخلنا بدربونة صغيرة متعرجة ومنها الى شارع الرشيد, كان فارغا، وهناك بائع ينظف الشارع والمجال امام بضاعته، سلمنا عليه فرحب بنا، قال له: ماذا تنظف؟ فرد: لانه ماكو شغل. واضاف: صار زمان وانت هارب.

ـ اين كنت؟

ـ في بغداد!

ـ ولماذا لا تأتي؟

ـ سآتي وسأسكن هنا!

ـ تسكن هنا، بعد ان رحل الناس.

ـ نعم، سأسكن هنا لعلهم يعودون يوما!

ـ وتترك محلتك؟

ـ نعم.

تأثرت قليلا وقلت انه شاعر، ولكنني لم اقل له بانه شاعر. قبل ان ندخل شارع المتنبي، انزوت المحلات على جانبي الشارع، وانتشر باعة متجولون تقاسموا الشارع مع المارة، حين تمر بالشارع لا بد ان تتفادى اكوام الازبال والكرتون فارغا ومعبأ، وعربات الباعة المنتشرة بفوضى على الجانبين. حين انتهى الشارع ودلفنا بشارع التنبي، زفر بقوة كأنه تخلص من عبء ثقيل، مئات الرواد تجوب الشارع، ومكتباته، وتتصفح الكتب المنشورة وسط الشارع وعلى جانبيه، نتدافع احيانا لاجتياز امتار قليلة من الشارع. واللافت ان شارع المتنبي نظيف، فقلت: هذا من ذوق المثقفين، فشعر بالامتنان، واضاف بزهو خاصة الشعراء.

على مسافة ليست بعيدة من الجهة الثانية من شارع الرشيد، واجهتنا سينما الوطني، تحيط بها اكوام الازيال والنفايات بعد ان تحولت الى مخازن لمختلف انواع البضائع والمستعملات. فقال أتدري ان هذه السينما اول سينما بشارع الرشيد وربما في بغداد, قلت له: اعرف بانها من اقدم السينمات في بغداد، ولكنني لا اعرف بانها الاقدم. فقال: نعم، بناها يهودي، لا اتذكر اسمه. وقادني الى امام واجهة السينما المغلقة، فلاحظت النقوش على واجهتها العريضة. قلت له: انها لا تختلف عن النقوش العربية والاسلامية بشيء، ولكنني ركزت على ألوانها تبدو رغم قدمها، لامعة وذات ألوان نادرة ومتناسقة، كانها لوحة من الالوان المبهجة حقا.. وتأسف كثيرا على ما آلت اليه بغداد ومعالمها الحضارية والمدنية.

بنهاية شارع المتنبي انتصب تمثاله العملاق المطل على دجلة. مع فسحة كبيرة تتيح للمارة رؤية ضفاف دجلة. ويتدرج اسفل التمثال منحدر متدرج يوصل الى مراكب نهرية، تأخذ الركاب بجولة نهرية على الاحياء والبيوت المطلة على جانبي النهر من الكرخ والرصافة. تدخل السرور الى النفس لولا اكوام الازبال على شواطئ ومسنات دجلة. وماؤها المنساب بهدوء كأنه نائم او حالم. ما زلنا نقف بجانب تمثال المتنبي، فقرأ بيت الشعر المنقوش اسفله:

انا الذي نظر الاعمى الى ادبي

واسمعت كلماتي من به صمم

باسف الى ما ال اليه الشعر والشعراء في زماننا.

جلسنا بمقهى البلدية. بمنصف شارع المتنبي. يضج بالرواد والمثقفين والطلاب، يصعب سماع محدثك فيه، وفوق المقهى مقهى ثان اكثر هدوءا، قلت له، لنصعد الى المقهى العلوي، فتحسس جيوبه، ولكنني كنت قد سبقته الى الدرج المؤدي الى المقهى. وجدنا شرفته نظيفة، يقدم الشاي والقهوة والاراكيل، اوصينا على قهوة. ونحن ننظر ونتأمل كور النحل الضاج في الاسقل، عدد النساء قليل قياسا بعدد الرجال في المقهيين. نهض وقال، سأذهب الى هذه المكتبة، وسرعان ما عاد قبل ان تصل القهوة وهو يتذمر ليس لديه سوى مصادر علمية.

 واضاف لندرتها كنت اطبع له "صاحب المكتبة" ملازما حين كنت اعمل مساعد طباع، لندرتها وكثرة الطلب عليها من الطلاب بشتى العلوم. فكان الدكتور كما يسميه او صاحب المكتبة، يقوم باتصالات ماراثونية مع المؤلفين للحصول على موافقة اعادة طبعها بفصول وملازم مستقلة. واغرب ما قال بانه يخسر احيانا من اجل توفيرها وتوفير المصادر العلمية للطلاب واحيانا مجانا!

وسالته عن استاذه. قال لديه اشغال خارج بغداد وسيعود غدا او بعد غد . واضاف : "اني هسه مرتاح" الى ان يعود . وضحكنا بصوت عال لفت انتباه من في المقهى وسرعان ما عاد الوضع الى طبيعته قبل ان نغادر المقهى .

مررنا بنفس الشارع الذي اتينا منه الى شارع المتنبي. وجدنا الازقة والشوارع التي مررنا بها مليئة بالازبال والنفايات الى ان وصلنا الى ساحة الامين القريبة، محاطة بالمحلات والباعة واكشاك من كل نوع، وغارقة بالازبال والنفايات. لم يزفر هذه المرة، فقد قابلنا ونحن نتجه الى ساحة الامين تمثال معروف الرصافي.

كانت الساحة الدائرية الصغيرة، اسفل التمثال الوحيدة نظيفة ومرتبة. يطل الرصافي عليها، وعلى الساحة الدائرية التي يتوسطها تمثاله، بهامة عالية ونظيفة. وسط صخب الباعة والمتسوقين من حوله، والازيال والنفايات المنتشرة بكل مكان في الازقة والشوارع المتفرعة من ساحة الامين وسط بغداد .

 

قيس العذاري

 

 

محسن العافيآمالنا أكبر بكثير من أن تكون لوحاتنا المبتكرة مجرد خربشات في زمن موبوء، فبعد كثرة مكوث في المنازل، صرنا نعرف يقينا نحن البشر أنه لازال في جعبتنا ما نتحدى به جميع الأزمات والنكبات، ونخرج منها بما كتبته وتكتبه آمالنا العنيدة العتيدة منذ زمن بعيد.

في الحجر لانسأل الحياة عمن تكون ومن نكون ولا يمكننا ذلك،بل لابد من أن نستجيب لتحدياتها بتحد بشري لا يعرف الهوان كي نكون أو لانكون،

فبين الجدران، في زنازننا التي اخترناها عن طواعية خائفين من الوباء،لم نكن نعتقد أننا قادرون على التحليق من نوافذ عديدة كنا نعتقدها قاصرة،أو كنا نجهل ماهيتها وكنهها، لكننا من دون شك كنا فيها مع موعد غريب على متن مغيبات كانت تحتفظ بسريتها لنفسها مخفية مطموسة عنا،هو ذاك الموعد الذي تعلمنا فيه الكثير الكثير،وتعلمنا فيه الحياة على شاكلة غريبة لا تخلو من مفاجآت

واكتشافات وإحباطات وأحزان وأفراح...، وجبنا في ضيافته بعض معالم حيوات غريبة،تحيا متخفية داخل متاهات حياة اعتقدنا أننا نعرف ماهيتها وكنهها جيدا،لكننا كنا مخطئين عابثين، لا نعرف شيئا عن سر وجودنا.

الآن فقط صرنا نعي الكثير الكثير، وصرنا نعرف كيف نكون محبوبين بين الناس داخل مجتمعات متماسكة لا تقبل الإنشطار ولا التفكك، مستعدبن على الدوام لمختلف التحديات التي تقدم عليها الحياة من خلال البيئة المحيطة بنا، مخاطبة إيانا بصوت عال كل حين: أنا أنتم.

 

محسن العافي

 

ضياء نافعولد ميرشكوفسكي في الامبراطورية الروسية عام 1865 وتوفي في باريس عام 1941، وهو كاتب روسي وشاعر وفيلسوف ومؤرخ ومترجم  (انظر مقالتنا بعنوان – الاديب والفيلسوف الروسي ميرشكوفسكي) . رفض ميرشكوفسكي ثورة اكتوبر 1917 بشكل قاطع، وهاجر من روسيا الى الغرب احتجاجا ضد (البلشفية)، وقد اوصله هذا الاحتجاج الى التعاون الوثيق مع اعداء مفاهيم تلك الثورة في البلدان الغربية التي هاجر اليها، وبالذات مع موسوليني في ايطاليا وهتلر في المانيا، دون ان يميّز او يستوعب الفرق بين مفهومين كبيرين متضادين واقعيا فيما بينهما، وهو، ان العداء لنظام معيّن سائد في بلاده و العداء للبلاد نفسها ككل - هما موقفان مختلفان تماما وجذريا ولا يمكن الجمع بينهما، فالاستعانة باعداء البلاد ضد نظام سائد في تلك البلاد – لعبة خطرة جدا، اذ لا يمكن لعدو البلاد ان يتحول الى منقذ لتلك البلاد باي حال من الاحوال، وهذا موضوع عالمي وحساس مرّت به كثير من حركات المعارضة السياسية هنا وهناك ولازال يتكرر مع الاسف ولحد الان في عالمنا، ومقالتنا هذه تتناول موقف الكاتب والفيلسوف الروسي ميرشكوفسكي هذا، والذي أدّى به – في نهاية المطاف - الى ان يعلن في راديو باريس (عند احتلال فرنسا من قبل الفاشست الالمان)، ان نشاط وأفعال هتلر شبيه باعمال وتضحيات جان دارك  في تاريخ فرنسا، وكل هذه المواقف السياسية المتطرفة والخاطئة لميرشكوفسكي كان يبررها هذا الفيلسوف الروسي بالعداء للبلشفية في بلاده روسيا  .

مقدمة هذه المقالة – واقعيا – هي خلاصتها وخاتمتها، وقد تعمّدت ان اضعها في المقدمة لاهميتها وارتباطها مع واقعنا الاليم، ونتحدث الان عن مسيرة هذا الكاتب والفيلسوف الروسي، وكيف انحدر في نهاية حياته الى هذا الموقف .

 كان شعار ميرشكوفسكي (عندما هاجر من روسيا السوفيتية) يتمحور في العداء لثورة اكتوبر 1917 وقيادتها، وكان نشاطه يتمركز  في كيفية ان يساهم في تحقيق اي وسيلة ممكنة من اجل القضاء عليها وتدميرها، وهو موقف سياسي وفكري واضح المعالم، ويمكن لكل شخص ان يتخذه في مسيرة حياته، وخصوصا بالنسبة لاديب وفيلسوف مثله، ولكن المشكلة تكمن في الوسائل التي يتخذها هذا الشخص من اجل تحقيق اهدافه تلك، وقد اقتنع هذا الاديب بفكرة تقول، ان الغرب يجب ان يساهم في عملية تحقيق هذا الهدف، وذلك لان القضاء على البلشفية هو جوهر الحضارة الغربية، وقد كتب ميرشكوفسكي مرة تلخيصا لافكاره تلك وكما يأتي – (..المسألة الروسية هي قضية دولية، وان انقاذ روسيا من البلشفية هي المهمة الاساسية والرئيسية، وفي ذلك بالذات يكمن جوهر الحضارة الغربية ..) .

كان ميرشكوفسكي اسما بارزا بين المثقفين المهاجرين الروس في الغرب لدرجة انه تمّ ترشيحه لجائزة نوبل عدة مرات، وكان مشهورا في الاوساط الفكرية الغربية، ونتيجة لهذه الشهرة، فقد دعاه موسوليني الى روما كي يكلفه بتأليف كتاب عن دانتي، وسافر ميرشكوفسكي طبعا الى روما تلبية لدعوة رأس النظام الايطالي في حينها، واستطاع الدكتاتور الايطالي (وهو في خضم مشاغله الهائلة) ان يجد الوقت الكافي كي يلتقيا معا، والتقيا حتى عدة مرات، وتحدّثا عن السياسة و الفن والادب، ومن الطبيعي ان يتطرّق ميرشكوفسكي في تلك اللقاءآت الى الحديث مع موسوليني عن (عدوه اللدود!)، اي البلشفية في روسيا، وحاول اقناع موسوليني بضرورة (الحرب المقدّسة !!!) ضد روسيا السوفيتية، انطلاقا من مفهومه الفلسفي في تعارض البلشفية مع الحضارة الغربية، وقد كانت هذه الافكار قريبة ومنسجمة تماما مع محور موسوليني وهتلر، ومع هدف الفاشية طبعا.

كتب ميرشكوفسكي بعد تلك اللقاءآت في روما عن موسوليني ما معناه، ان دانتي هو موسوليني، وان موسوليني هو دانتي، وقد علّق أحد القراء الروس على هذه الكلمات قائلا، انه لا يكاد يصدّق عينيه عندما قرأ تلك الكلمات الساذجة للفيلسوف الذي أعطى للمكتبة الروسية مصدرا خالدا في بداية القرن العشرين عنوانه – دستويفسكي وتولستوي، هذا الكتاب الذي لازال يعدّ واحد من  المراجع الروسية المهمة حول اهمية هذين المفكرين الكبيرين في تاريخ الفكر الروسي، ويختتم هذا القارئ الروسي تعليقه بالقول، انه مقتنع تماما، ان ميرشكوفسكي قد اصيب بمرض العمى السياسي، وان هذا المرض هو الذي جعله يصل الى هذه المواقف الفكرية المريضة ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

معمر حبارأنهيت قراءة كتاب: "الأيّام" لطه حسين رحمة الله عليه، دار غبريني، بومرداس، الجزائر، دون ذكر عدد ولا سنة الطبع، من 288 صفحة. فوقف القارئ على الملاحظات التّالية:

1- آخر تاريخ ذكره طه حسين في كتابه هو سنة 1922، مايعني أنّ طه حسين أنهى كتابه "الأيّام" وهو في سن 33 سنة، باعتبار طه حسين من مواليد 1889. وقد قرأت أنّ أوّل طبعة لـ "الأيّام" كانت سنة 1929، أي كان عمره 40 سنة. 

2- من جهة ثانية توفى طه حسين سنة 1973، أي عاش 51 سنة بعد كتابة "الأيام" وهي فترة تفوق فترة كتابة أيامه بـ 18 سنة. مايعني أنّ "الأيّام" بحاجة إلى أيّام.

3- الغاية من هذه المقدّمة أنّ طه حسين كتب "الأيام" وهو في عزّ شبابه ولم ينتظر أن يبلغ الكبر والشيخوخة ليكتب أيامه، وقد عاش 84 سنة.

4- قلت البارحة لأستاذ جامعي في 30 سنة من عمره وأنا أحدّثه عن فضائل كتابة المذكرات مبكّرا: يمكنك من الآن أن تشرع في كتابة مذكراتك - وقد رزقت اللّغة وحسن البيان عن مرحلة الطفولة قبل الدراسة والابتدائية والمتوسطة والثانوية-، باعتبارها مراحل انتهت ولن تعود وطوي ملفها واكتملت أركانها. ومازالت المرحلة طرية يمكن استرجاعها بسهولة وبقليل من الجهد. ويمكن الاستعانة بمن قاسمك المرحلة أن يعينك وتستعين به على ضبط الأسماء والأماكن والتّواريخ وتحديد المواقف. وبهذا تتمّ الانتهاء من كتابة مذكرات مرحلة الطفولة والابتدائي والمتوسط والثانوي والمرء مازال في 30 من عمره.

5- ويمكن للمرء في نفس الوقت أن يشرع في كتابة سنواته بالجامعة وهو في 30 من عمره باعتبار جزء من المرحلة الجامعية قد انتهى. وهذه المرحلة ستكون أسهل بكثير من تلك التي مضت باعتبار المدّة التي تفصله عنها قصيرة جدّا قد لاتتجاوز 12 سنة. والذين عايشوا معه المرحلة مازالوا يقاسمونه الأيّام ويمكن الاستعانة بهم للمزيد من الضّبط والتدقيق.

6- كتابة المذكرات عن المراحل السّابقة وبالتدريج ليس من الأمر الصّعب. وفي الأخير يكون قد كتب المرء عن أيامه كلّها وبدقّة لأنّه كتبها وهو أقرب إليها زمنيا ولم ينتظر حتّى يكون شيخا يصعب استرجاعها واستحضارها.

7- حضرت لمجاهدين جزائريين وهم يتحدّثون عن الثورة الجزائرية فوجدوا صعوبة بالغة في النطق ناهيك عن التعبير. ولم يستطيعوا يومها أن يستحضروا ماحدث بدقّة وبالكم المطلوب الذي يؤدي الغاية المرجوة. فتحدّثوا عن عموميات يحسنها من لم يشهد الثورة الجزائرية من الشباب. وأثّر عليهم الكبر والمرض وفقدان الذاكرة والسّمع الضعيف جدّا والصّحة المتدهورة فلم يستطيعوا أن ينفعوا رغم أنّهم كانوا قادة ميدان أيام الثورة الجزائرية ولهم مواقف مشرفة وبطولات نادرة. فكانت كلامهم مبتورا هزيلا. والسّبب في ذلك أنّهم لم يكتبوا مذكراتهم في حينها وبعد استرجاع السّيادة الوطنية حين كانوا أشدّاء أقوياء أصحاء، فانتظروا حتّى انحنى الظهر وضعف البصر ليقدّموا مذكراتهم فكانت أقلّ بكثير ممّا كان ينتظره المجتمع والشباب. وتلك من مساوئ التأخير في كتابة المذكرات وانتظار أرذل العمر لتدوينها.

8- كنت أقول غير نادم ولا آسف:  تكمن أهمية قراءة المذكرات في كون أصحابها أصحاب تجربة ودراية بالحياة ومسؤولون عمّا يكتبون وقد زهدوا في الحياة ولا يرجون شيئا ولا يتملّقون أحدا وصادقون فيما شهدوا وكتبوا. ولذلك نحرص على قراءة مذكراتهم ونوصي بقراءتها مهما كان دينهم وجنسياتهم وألوانهم ومواقفهم.

9-  والآن نؤكّد ماقلناه ونضيف: كلّما كانت كتابة المذكرات مبكّرة كانت أفضل من حيث الدقة والضّبط والأمانة وقوّة الذاكرة وقدرة الاستحضار وإمكانية الاستعانة بالشهود الأحياء وممن عايشوا نفس الوقائع والأحداث وإمكانية تصحيحها وإضافة ماتمّ نسيانه من قبل وتقديمها في شكل أفضل ممّا كان من حيث الصدق والأمانة.

10- ترقّبوا في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى مقالنا بعنوان: "طه حسين من خلال الأيّام".

 

معمر حبار

الشلف - الجزائر

 

شاكر فريد حسنعرفت الإعلامي الفلسطيني الكبير البارز، حارس القدس، وراعي مؤسسة البيادر الصحفية، المرحوم جاك خزمو، الذي غادر عالمنا أمس الجمعة، في أواخر السبعينيات من خلال مجلة " البيادر الأدبي "، التي شكلت منبرًا ثقافيًا وحاضنة لجميع الشعراء وكتاب وأدباء الوطن، وكان لها دور كبير في نشر الوعي الفكري والثقافي والنضالي والوطني الفلسطيني، وبناء حركة أدبية وثقافية فلسطينية واعية ملتزمة تحت حرب الاحتلال.

وكان جاك قد حدد أهداف وملامح المجلة في مستهل عددها الأول، حيث كتب قائلًا : " البيادر ميدان مفتوح لكل الأقلام وكل الأفكار تلتقي على صفحاتها، تتحاور فتعطي، واتقد فترسم المعالم لأجواء أدبية وثقافية أكثر رسوخا واقوى محتوى. و" البيادر " اذ ترحب بكل الاقلام فإنها ستهتم أكثر اهتمامها بتنشئة جيل جديد من الكتاب يستطيع، وبحق ان يكون في مستقبل الايام خير معبر عن همومنا الثقافية والفكرية. سنحترم الكلمة الجادة وسننشرها، ولن نهمل أي نتاج بل سنتناوله موجهين ناقدين، ومشجعين ".

آمن راحلنا العزيز جاك خزمو بحرية الرأي والفكر والتعددية، ورأى بأن الأفكار لا يمكن لها أن تعيش إلا إذا كانت تنبع اولًا واخيرًا من مصلحة الوطن.

توطدت علاقتي وصداقتي مع المرحوم جاك خزمو بعد أن بدأت ارسال كتاباتي ومقالاتي للنشر في المجلة عن طريق البريد، فكان يسقبلها وينشرها بكل الحب والاهتمام والاستحسان، وكثيرًا ما كان يبدي لي بعض الملاحظات من خلال بريد المجلة أو من خلال رسائل خاصة. وعرفته أكثر حين جمعنا اللقاء ذات يوم في مقر المؤسسة بالقدس، فتوسمت به أنسانًا وطنيًا غيورًا ومهمومًا بقضايا شعبه ومدافعًا عن القدس وعروبتها وأهلها بوجه مشاريع الاقتلاع، وصحافيًا ومحللًا سياسيًا من الدرجة الأولى، وصاحب قلم صادق يتمتع بالموضوعية والمصداقية والاستقامة السياسية والفكرية.

وبالإضافة إلى إصداره مجلة " البيادر " عمل خزمو على نشر واصدار عدد من الكتب الأدبية والبحثية والفكرية لكتاب ومبدعي الوطن المحتل، كمشروع ثقافي لنشر الكلمة ودعم الكاتب الفلسطيني.

وكان جاك قد بادر إلى إصدار مجلة " البيادر السياسي " كجزء من مشروعه الصحافي والثقافي والفكري، عنيت  بالقضايا السياسية والثقافية والاجتماعية واحداث الساعة وهموم ومشاكل الوطن والمسائل العربية والقومية. وحققت المجلة انتشارًا واسعًا بين أبناء المخيمات والقطاعات الشعبية والجماهيرية الفلسطينية، وظلت تصدر بانتظام حتى توقفها عن الصدور نتيجة قلة الموارد المالية والدعم المالي. وكان قد بادر قبل توقف المجلة على اطلاق موقع اعلامي إخباري على الشبكة العنكبوتية، الذي يلقى الترحيب والتقدير والاستحسان واهتمام القراء والمتابعة من المشاهدين.

كانت أحلام جاك خزمو كثيرة، حلم بالحرية لشعبه، وحلم بالمقاومة، فقاوم بالقلم، بالفكرة السياسية المنتظمة، بالصحافة والكلمة المكتوبة، وعرفته ميادين الفكر والاعلام صحافيًا لامعًا، عروبيًا وقوميًا وفلسطينيًا حتى النخاع، يأخذ الحدث من الزمن إلى حضن القضية الوطنية المقدسة، والقضايا العروبية والقومية، فهو سليل الحبر الفلسطيني والعربي الكادح، وصوت الذين لا صوت لهم، ومبدع في الكتابة السياسية اليومية، والتحليل السياسي، ولتحليلاته عمقًا ولكتابته نكهة زعتر الوطن وميرامية القدس، وكان غزير العطاء والكتابة، ولو جمع كتاباته ومقالاته التي نشرها في المجلات التي أصدرها، وفي موقع المجلة ومواقع الانترنت المختلفة والصحف الفلسطينية الورقية، لامتلأت  الطريق من مؤسسة البيادر حتى عاصمة الثقافة رام اللـه.

عرف جاك خزمو بمواقفه السياسية والوطنية والقومية الجذرية المشرفة، مدافعًا بشراسة عن قضية وطنه، طارحًا الهموم الفلسطينية والعربية، ومشاكل شعبه الاجتماعية، فاضحًا وكاشفًا المؤامرات التي تحاك ضد شعبه وتستهدف قضيته الوطنية الكبرى، منبهًا من مشاريع الاحتلال ضد القدس العربية، ومحذرًا من اخطار الانقسام والتشرذم على الساحة الفلسطينية، واقفًا بشدة ضده، وداعيًا للوحدة واللحمة الوطنية الفلسطينية لمواجهة تحديات المرحلة.

ونتيجة مواقفه الوطنية والسياسية تعرض للملاحقات والمضايقات الاحتلالية، لكنه بقي صامدًا لم تلن له قناة، متمسكًا بما يؤمن به وبطروحاته ومواقفه.

وحين بدأت الأزمة السورية رأى خزمو أن ما يجري هو مؤامرة وليس ثورة، لضرب المقاومة والعمل على تجزئة سورية وتفتيتها، وكشف حقيقتها أهدافها، وعرى المتآمرين ضد النظام السوري بقيادة بشار الأسد.

هذا هو الصديق الإعلامي والصحفي الألمعي العريق جاك خزمو، كما عرفته وكما عرفه شعبنا بمختلف قطاعاته وشرائحه وأدباءه وكتابه، نموذجًا ومثالًا ساطعًا في الصدق والالتزام الوطني والمصداقية والموضوعية والواقعية السياسية والالتزام الوطني، ووفاته تشكل ضربة وخسارة للمشهد الإعلامي الفلسطيني، وللحركة الوطنية الفلسطينية، وللكلمة الصحفية النظيفة. فله الرحمة والسكينة، وطاب ثراه، وعاشت ذكراه خالدة في التاريخ الفلسطيني والذاكرة الوطنية والشعبية الفلسطينية.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

جودت هوشيار"كلنا خرجنا من معطف غوغول" من أشهر المقولات في تأريخ الأدب الروسي، وتنسب غالبا الى فيودور دوستويفسكي، وأحيانا الى ايفان تورغينيف او ديمتري غريغوروفيتش. من هو صاحب هذه المقولة؟. لا أحد يعلم ذلك على وجه اليقين . ومهما بحثنا ونقبنا في مؤلفات هؤلاء الكتّاب الثلاثة، ومقالاتهم ورسائلهم وذكريات معاصريهم عنهم، فلن نجد فيها تلك المقولة بصيغتها المعروفة . كما أن أياً منهم لم ينطق بها أمام أحد من أصدقائه أو المقربين منه . اذن من أين جاءت، ولماذا تنسب غالباً الى دوستويفسكي تحديداً؟

كان الكاتب والدبلوماسي الفرنسي يوجين ميلكيور دي فوجو (1848-1910) سكرتيراً للسفارة الفرنسية في العاصمة الروسية بطرسبورغ بين عامي 1876،1882، وتزوج في عام 1878 الكساندرا انينكوفا شقيقة الجنرال الروسي ميخائيل انينكوف . درس فوجو اللغة الروسية، والأدب الروسي، وكان على معرفة وثيقة بالوسط الأدبي الروسي، وتربطه علاقات صداقة بكبارالأدباء الروس (تورغينيف، دوستويفسكي، تولستوي، غريغوريفيتش، وغيرهم). وقد استقال فوجو من وظيفته الدبلوماسية عام 1882 ليتفرغ للكتابة في المجالات الفكرية والأدبية والتأريخية. وفي وقت لاحق انتخب عضواً في الأكاديمية الفرنسية، وفي الجمعية الوطنية الفرنسية .

وقد اضطلع فوجو بدور مهم واساسي في تعريف القاريء الفرنسي والأوروبي بالاعمال الأدبية لكبار الكتاب الروس وفي مقدمتهم دوستويفسكي وتولستوي وغوركي.

في عام 1885 نشر فوجو سلسلة مقالات أدبية في مجلة " استعراض العالمين " الباريسية عن عمالقة الادب الروسي . كان المقال الأول في تلك السلسلة عن فيودور دوستويفسكي ويقول فوجو: " بين عامي 1840، 1850، خرج الكتاب الثلاثة (تورغينيف، دوستويفسكي، تولستوي) من معطف غوغول، خالق الواقعية. ويقول الكتّاب الروس بحق: كلنا خرجنا من معطف غوغول ".

وجاءت المقولة باللغة الفرنسية على النحو التالي :

«Nous sommes tous sortis du Manteau de Gogol»

ويقول فوجو في مقاله المكرس لأدب غوغول المنشور في عدد ابريل 1885  من المجلة المذكورة :

"كلما قرأت نتاجات الكتّاب الروس أكثر، فهمت على نحو اقضل الكلمات  التي قالها لي كاتب روسي اسهم بشكل فعال جدا في تاريخ الادب  الروسي خلال السنوات الاربعين الاخيرة (كلنا خرجنا من معطف غوغول). ثم سنرى كبف ان هذه القرابة تتجلى لدى دوستويفسكي . ان هذا الروائي المدهش قد خرج بأسره من كتابه الاول (المساكين)، والبذرة الجنينية لهذا الكتاب موجودة في معطف غوغول ".

 وقد أعاد فوجو نشر هذه المقالات مع مقدمة ضافية في كتابه " الرواية الروسية " الصادر في باريس عام 1886 . وسرعان ما ترجم الكتاب الى اللغة الروسية عام 1887

ويمكن الاستنتاج من كلام فوجو ان الكاتب المقصود هو دوستويفسكي تحديداً، الذي دخل الى الادب قبل اربعين عاما بالضبط من تأريخ نشر كتاب فوجو في عام 1886 - حين صدرت روايته الأولى " المساكين " عام 1846 . وبذلك فان فوجو وضح وحدد الى حد كبيرالفكرة التي طرحها في مقالاته عن الادب الروسي".

ان من يتمعن في نص رواية "المساكين" لدستويفسكي، سيجد مشهدا يقرا فيه ديفوشكين قصة المعطف، وقد بيّن المؤلف كبف ان ديفوشكين قد خرج من معطف غوغول .

دوستويفسكي استوعب وطوّر الموضوع الذي اكتشفه غوغول، ولكنه عالجه على نحو مختلف تماماً .

في 26 ابريل 1909 شارك فوجو في الاحتفال الذي جرى في موسكو لمناسبة الذكرى المئوية لميلاد نيكولاي غوغول والقي فيه كلمة جاء فيها :" ان كل هذه الاجيال الادبية خرجت من معطف غوغول، معطف اكاكي اكاكيفتش الموظف البسيط المثير للشفقة، عباءة نبي الكتاب المقدس التي تركت للتلاميذ، وساعدتهم في الصعود الى السماء. هذا الرجل الصغير الذي تم تشريحه كدواء، هو موضوع سخرية وشفقة مؤلمة، والذي خدم اكثر من مرة كنموذج لدوستويفسكي".

وظهرت المقولة بصيغتها الحالية ايضا عام 1891 في سيرة فوجو التي كتبها الناقد الروسي يفغيني سولوييف (1863-1905) . ونسب سولوفييف المقولة الى دوستويفسكي، دون لبس أو غموض .

اما الناقد الروسي المهاجر  فلاديمير فيدل فقد ذكر في كتابه " التراث الروسي " ان العبارة تعود الى الكاتب الروسي الكبير ديمتري غريغوريفتش - الذي كان احد الكتاب المقربين من فوجو . ويعلل فيدل ذلك بأن غريغوريفتش دخل الادب في وقت واحد مع دوستويفسكي قبل اربعين عاما من تأريخ نشر كتاب فوجو .

ويعتقد (عالم النصوص) الروسي سلمون ريسر (1905- 1989) في مقاله المنشور في العدد الثاني من مجلة " قضايا الأدب " لعام 1968 – وكانت من اهم المجلات الأدبية السوفيتية الرصينة المتخصصة في النقد الأدبي – ان المقولة هي استنتاج عام يعود الى فوجو نفسه بعد اللقاءات العديدة التي اجراها مع ابرز الكتاب الروس خلال فترة اقامته في روسيا .

وقد  القى  الناقدان سيرغي بوتشيروف  و يوري مان، المزيد من الضؤ على هذه المسألة في مقالهما المشترك المنشور في العدد السادس من  قضايا الادب لعام 1868 . وهما يميلان الى الاعتقاد بان المقولة تعود الى دوستويفسكي، ويشيران الى ان دوستويفسكي بدا نشاطه الادبي قبل اربعين عاما من ظهور كتاب فوجو" الرواية الروسية ".

وصفوة القول ان فوجو كلما تحدث عن دوستويفسكي واعماله في مناسبات عديدة، وفي سياقات مختلفة، تذكر تلك المقولة الشهيرة ولكنه، لم يجد من المناسب ان ينسبها الى الكاتب العملاق فيودور دوستويفسكي صراحة، بل لمح الى ان مؤلف رواية "المساكين" هو صاحب هذه المقولة، وليس اي كاتب آخر . وكل من يقرا كتابات فوجو بتمعن يتوصل الى الأستنتاج ذاته .

 

 د. جودت هوشيار

.

شاكر فريد حسندافيد صيمح شاعر عراقي جميل ومجيد، ساهم مع غيره من زملائه ومجايليه المثقفين والمبدعين العراقيين في الحياة الاجتماعية والثقافية، ورفد المشهد الأدبي العراقي بمساهماته الشعرية والأدبية.

وهو من مواليد بغداد العام 1933 أتم دراسته فيها، وعمل مدرسًا للغة العربية. في العام 1950 اضطر للهجرة من العراق مع نخبة من المثقفين اليهود نتيجة ضغوطات الحكومة العراقية على أبناء الطائفة اليهودية، واقتلاعهم من وادي الرافدين، وبذلك خسر العراق العديد من أبنائه الأبرار الطيبين في جميع المجالات والاختصاصات. وغادر صيمح إلى الدولة اليهودية، وهو يحمل معه أجمل هدية قدمت له،  ديوان الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري، الذي أهداه إياه عندما كان أستاذا للأدب العربي في مدرسته.

نظم صيمح الشعر وفق الطريقة الكلاسيكية التقليدية وأجاد في ذلك، ونشر قصائده في مجلات عديدة، وشارك في عدد من الندوات الشعرية والأدبية. وكان قد أنجز ديوانه الشعري الأول لكن الظروف والأوضاع التي سادت في تلك الفترة حالت دون إصداره مطبوعًا.

وفي العام 1954 شارك صيمح مع ساسون سوميخ وشمعون بلاص في إنشاء ندوة " أنصار الأدب العربي "، وفي العام 1959 تحقق حلمه بصدور مجموعة مختارة من أشعاره حملت عنوان " حين يجيء الربيع "، وهي المجموعة الشعرية اليتيمة التي صدرت له.

واصل دافيد صيمح دراسته الأكاديمية في الأدب العربي في الجامعة العبرية بالقدس. وفي أواسط الستينيات حصل على منحة من جامعة حيفا لاستكمال دراسته في جامعة اوكسفورد، وفي العام 1969 حصل على درجة الدكتوراه عن أطروحته " النقد عند أربعة من أقطاب الأدب العربي المعاصر "، وهم : " عباس محمود العقا، محمد حسين هيكل، طه حسين، محمد مندور ".

بعد أن عاد للبلاد أشغل محاضرًا في جامعة حيفا، وكتب الكثير من الدراسات عن الأدب المعاصر، وفي أواخر أيامه أنجز كتاب " أدب الحب عند العرب " باللغة العبرية، وحقق مخطوطة " روضة القلوب ونزهة المحب والمحبوب " للشيرزي.

وفي العام 1997 رحل عن الدنيا إثر إصابته بالمرض العضال، عن عمر ناهز 64 عامًا، تاركًا سيرة أدبية طيبة، وإرثًا شعريًا رائعًا، متنوع الموضوعات والأغراض والثيمات.

وكان دافيد صيمح قد كتب ونشر في حزيران عام 1957 قصيدة في غاية الصدق والروعة والجمال، تزخر بالنغم والجرس الموسيقي، إلى شاعر العرب الأكبر، ابن النجف، محمد مهدي الجواهري ، وذلك كسداد دين وشكر على هديته الثمينة، ديوانه الشعري، ويعبر فيها عن شعوره تجاهه ، مشيدًا بشاعريته الفذة ومواقفه الوطنية، حيث أمن بالشعب المعتز بقومه، وحمل لواء الوثبة في العراق. وكانت صحيفة " الاتحاد " العريقة أعادت نشر هذه القصيدة في عددها الصادر يوم الجمعة الثامن والعشرين من كانون الأول 1990، ويقول فيها :

يا شاعر الشعبِ عُذرًا أستميحُكَه

                  إذا مَعيني من الافصاحِ قد نّضَبا

ما زالَ في عُنُقي دَينٌ أسدُدُه

                 أفيكَ عن بعضِهِ بالشكرِ ما وجَبا

ديوان شعرِك إذ جُزتُ الحدودَ بهِ

               أسمعتُهُ من حديثِ القلبِ ما رغِبا

على الغلافِ رجاءٌ أنْ أسَخِّرَهُ

               شعرًا لخدمةِ شعبٍ يشتكي السَغَبا

الكلُّ يشهدُ أني لا أزالُ على

           عهدي، فللشعبِ سقتْ الشعرَ والأدَبا

              ****

آمنتَ بالشعبِ معتزًا بقوتِهِ

                 يرنو الى الغدِ مأمولًا ومُرتَقَبا

بالحاملين لواءَ الوثبةِ – اندلعتْ –

              مُسَعَّرا بدمِ الأحرارِ قد خَضِبا

فجائرٌ بالسلاحِ ارتاعَ مندحرا

            من ثائرٍ باليدِ العزلاءِ قد ضربا

جوانبُ الجسرِ كالأفواهِ شاربةُ

            دمَ الشبابِ على الغبراءِ منسكبا

أمنتَ بالأرض يجري في مساربِها

           دمٌ  تدفَّقَ  من  أعراقِها    ذَهَبا

وبالمساواةِ إذ حاربتَ فلسفةً

       " تقضي بأنَّ البرايا صُنِّفَتْ رُتبا "

وبالأكفِّ التي تسعى بلا وَهَن

       للرزقِ أملتْ على التاريخ ما كتبا

وبالقلوب، من الاعصارِ قد جُبِلتْ

       تكادُ  لهفًا من الأضلاعِ أنْ  تثِبا

           ***

الأرضُ لم تُنْبت الحرمات والكربا

              ولا الهوانُ من الأقدار قد كتبا

لكْن أبادتْ يدُ الاقطاعِ غلَّتها

          وطغمةُ الشرِّ لصَّت زرعَه الرَّطِبا

رأيتُ دورًا على الاجحافِ قائمةً

         والعرضَ مُنـتَهَكًا والحقَّ مغتصبا

والزارعين مع الديدانِ مرقدُهم

      في الليل، والسيدَ المحظوظَ قد كَسِبا

والمانحين جمال الكون بهجتَهُ

      لم يجتنوا منه إلا    الهمَّ    والتعبا

ولجتَ أنديةَ الباغينَ تلعنهُم

      وتجعلُ الخمرَ في أقداحهم عطِبا

ولم يُلِنْكَ جهادًا أنهم حشَدوا

       في كل يومٍ، عليكَ الظلمَ والوصبا

فشاهدوكَ قناةً خابَ عاجمها

       وشوكةً مُرةً أدمتْ من   احتطبا

طعنتَ فيهم فقالوا : أضرمَ اللهبا

       وحرَّضَ الفتنة الشعواءَ والشغَبا

  وكيف يخرسُ شعبٌ أنتَ شاعرُه

      تميطُ عن ناظريهِ السترَ والحُجُبا ؟

أنتَ العراقُ وهذا الشعرُ مُهجتهُ

       حَرَّى فزَندُكَ قد أذكى بها اللهبا

إذا الَّمتْ من الأزرارِ داهيةٌ

        فمن قوافيكَ سال الدمعُ وانسكبا

ولو تفجَر منكَ اللحنُ في جذلٍ

          تميلُ بغدادُ من أصدائه طَرَبا

سلامًا لروحي الراحلين صيمح والجواهري، ولهما المجد والخلود، وطوبى لهما.

 

 بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

 

يندهش قلمي وأحرفي مني  حتى وأنا في أصعب الظروف لا أتخلى عنها.. أحاور نفسي مرات عدة ترى ما الفائدة التي ستعود علي من الكتابة ؟ فالقلم هو الصديق الوحيد لي والكتابة هي همسات بين قلبي وعقلي، هي الأنين بينهما الذي يعجز اللسان عن نطقه،هي افكار وحوارات بين العقل والقلب والصوت الجريء الذي تتحدث به نفسي من خجلها  ..أليست حقا الكتابة معجزة بحق؟!

أرى الكلمة تصنع أمام عيني من لا شيء  ثم تتحول بعد ذلك الى اللاشيء وشيئاً فشيئاً إلى عبارات وجمل فنص يقرأه  شخص لا أعرفه ولا يعرفني لم يجمعنا من قبل أي لقاء أو حتى صدفة كل ما في الأمر أن كلماتي قد وقعت بين يديه بطريقة ما بنشر من أحد القراء أو إصرار احد اصدقاء التواصل الاجتماعي  ثم يقرأ هذا الصديق او الغريب كلماتي ويبدأ ليصل إلى جملة ما أو حتى كلمة  فيتوقف عندها متأملاً ثم يعيد قراءتها مرة تلو أخرى  ثم يقوم بتظليلها أو نشرها في صفحات التواصل الاجتماعي أو إلصاقها فوق مرآته ينظر إليها كل يوم  أو ربما لن يكتفي فقط بالنظر إليها بل قد يعيد حساباته كلها من أجل تلكك الكلمة التي كتبتها، قد يرتب أفكاره من جديد، قد يهدم مبدأ و قد يبني آخر،  قد يغير صفة من صفاته وقد يغير نفسه كلها، قد ينهض بسببها وقد يقعد أيضاً ويتكاسل ،قد يصبح أي شيء أو لا شيء من أجل، كلمة واحدة قد يتعدى تأثيرها ألف سيف، قد توضع بسببها السيوف في أغمادها وقد تستَل لتعلن حربا  فكرية دامية، قد تطفئ إنسانا وقد تنيره ، قد تفعل ما لم يخطر ببالنا يوماً!

إنها حقاً معجزة تولد أمامك ها هنا على الورق لكنها قد تتبنى بعد ذلك في ألف قلب وألف فكر  نحن لا نعرف قط أين ستقف أو إلى أي عقل ستصل وإلى من ستصل، قد تصل بعد خمسين سنة إلى شخص واحد لم يولد بعد وقد ينقلها هذا الواحد إلى جيل بأكمله .. ربما قد تكون أنتَ حينها قد مت .. لكنها ما زالت حية، تنتقل من مكان إلى مكان ومن شخص إلى شخص ومن صفحة إلى صفحة!

ولكن ليست كل الكلمات تحيا فبعض  الكلمات  ياسادتي قد تموت قبل أن تولد، بعضها تموت وتمحى مباشرة بعد ولادتها،بعضها يعيش عاماً أو عامين وبعضها تواصل الحياة عقوداً وقروناً  فالكلمات التي تنفع الناس هي التي ستمكث في الأرض وغيره يذهب جفاء .

هي أصوات ننطقها عبر اقلامنا وكتاباتنا من أعماق قلوبنا وبراءة احاسيسنا فالنختر

احرف كلماتنا بدقة لأننا  محاسبون عليها امام الله .

 

 ذكرى البياتي