الشعر.. بحر القصيدة، حذاري ان تقارنوا فيه، بين قصيدة وأخرى، لشعراء قطعوا مراحل بعيدة في شوطه المتلاطم؛ لأنكم ستقعون في لوم أسراره الأخرى، وتتفاجؤون بأنه لايخضع ابدا للمقارنات السطحية العابرة، او المعمقة ببلادة نظر!، فكفوا عن ادب المسابقات الأبتر؛ لأنه سيقطع أذناب القصائد العملاقة، ويضيفها إلى (بتراوات) القصائد الأخرى!

الشعر..في درسي هذا: يحتوي على خلاصات متراكمة، وأعاجيب، وظاهر، وباطن، وآني، وبعد حيني، وغمز ولمز، وهمز ولكز، (وهش ونش)، وأصيل ومزيف، وغث وسمين، وعليل وسقيم، ومحتضر وشاب، كلاهما في صورة شاب!، وقبيح وحسن كلاهما في صورة ظاهر الحسن، فإذا لم تكن باطنيا، فلا تصف الدواء، لتقتل المريض بدل الداء!

الشعر.. أمير محترم مادام وحيه بعيد عن مكيدة المسابقات، فإذا دخل في غمارها، سلبت إمارته، وبطل سحره، وفُضِح الجاني عليه، وزجه في هكذا مسابقات سيحجم من دافعيته، ويؤثر على تناسل القصائد من القصائد لقرون وقرون!.

الشعر.. يعاني من داء التذوق المريض عند معظم المحكمين، أكثر مما يعاني من داء الفصاحة والإجادة، والابتكار والصورة والتحديث، عند المزاولين.لذلك أسيء له من حيث غُلّقت أبوابه، وأخفيت محاسنه، وألقيت عليه مساوئ الغير.

الشعر.. جبل، وليس من العدل أن تأتي بقمة الجبل فتساويها بقاع المنحدر، ثم تطلق عليه طلقة الرحمة، بعقلك النقدي الصنمي الخرف!

ومن فكرة هذا الدرس اقول نصيحة ورحمة بهذا الكم الهائل من الناعقين: إذا أردت أن تقارن بين قصيدة وأخرى، فعليك ان تتردد ألف مرة ومرة؛ لأنك اما ستشتري حسنات ظاهرة، او تدحض سيئات ظاهرة، ويظل الباطن يلعنك كثيرا!

الشعر.. يريدك ان تقرأه من محيطه إلى خليجه، قراءة إيقاعية تتناسب وجوقة موكبه الرسمي، لاان تجره الى تدني هامشيتك العارضة وتطفلك على مائدة النقد، فتلبسه مساوئك، وتخلع عنه محاسنه، لترميها في شدة تلاطمك الصنمي البهيج!

الشعر.. كرامة الكرامات، فمن الجور ان نمتحنه امتحانين في رَحلة واحدة: امتحان الحكم الجاهل، وامتحان المنافس الجاهل: فيضج فينا بصوت المتنبي قائلا:

يااعدل الناس الا في معاملتي:

                  فيك الخصام وأنت الخصم والحكمُ

والصواب:

يا اظلم الناس حتى في معاملتي

                  فيك الخصام وأنت الخصم لاالحكمُ!

ولو علم جدي المتنبي رحمه الله تعالى!، أني عارضتُ بيته الشهير هذا بهكذا تداخل عرضي بديهي، لقال: خلّفتك في آخر زماني لتملأ أول مكاني، فطوبى لما تقول!

 

بقلم- رحيم الشاهر- عضو اتحاد أدباء العراق

 

sameh owdaعلى بعد همسة من الشوق، وبالقرب من لهفة الحنين، كانوا هنا، وغادروا كما غيم الربيع، لكن الفرق أن هاماتهم تركت آثارها، فنما الشوقُ على جدار اللغة، هذه هي تجليات القلب حين يعانق القلب، تصمت الشفاه عن الهمس، تاركةً بحراً مائجاً من الظلال الوارفة في سمائنا الملبدة بكل ما هو جميل .. وحزين.

بالأمس حط رحال وفد من الروائيين العرب من المشاركين في ملتقى الرواية العربية الأول، في ربوع قلقيلية، وهم قامات وأقلام لها صولاتها، تؤنس السطور كلما فاضت أحبارها، الوفد الذي صهر الحدود الفاصلة فأتى إلينا عربياً (خالصاً) ..!! زار محافظة قلقيلية، وعايش هموم حياة الموطن الفلسطيني الذي يتجذر في أرضه فيسقيها من فؤاده عرقاً باذخاً، عرقاً رقراقاً .. فتأبى ذرات التراب الحبلى بالحنين .. الا أن تطرح الليمون والجوافا .. وما اشتهت الأنفس .. وألفت الروح.

هنا حيثُ الحدود الفاصلة، قبلةٌ على جذع شجرة المشمش في أرض عبد السلام غرب المدينة..

 وهناك لمسة أنيقة على غصن زيتونة غرسها طفلٌ في مدرسة الصمود بعزون عتمة الباقية..

 أما في خيمة الأسرى، فقد تركوا دمعة حارقة، نعم هي دمعة الروائي السودني "حمور زيادة".

كل هذه الأيقونات الفريدة .. معلقة في سماء قلقيلية على بعد قُبلة تحت الشمس بقليل، أو ما بعد الفضاء اللغوي الذي نعرفه، ربما تكون لغتنا ركيكة إذا ما حاولنا إعادة صياغة مدلولات تلك الزيارة بأبعادها المختلفة، وبتجلياتها الرقيقة، لأنها أكدت أن الملح والماء يصنعان نصراً حتى لو كان بأمعاء خاوية.

المثقف العربي عندما يعايش الحالة بعيدً عن جوهرها، ويلقي بذاته المبدعة بعيداً عن الشعارات الزائفة التي يتداولها الإعلام العربي في السجال الدائر بين (الإسناد، والتطبيع). هنا تسقط كلُ جمل الإنشاء، أمام حقيقة ساطعة، لأنه عندما تكون المواجهة حقيقية بين المحتل والشعب الفلسطيني تتجلى حقائق الوحدة بدلاً من زيف الانقسام.

في الحالة الفلسطينية .. هناك ثابتٌ وحيدٌ هو الوطن الممتد من عهد كنعان إلى عهد هذا الإنسان الصامد منذ ذلك التاريخ وحتى تسع وستين عاماً من الموت.

تسعٌ وستون عاماً من اللجوء لم تغيب الذاكرة الجمعية للشعب الذي أريد له أن يكون خارج المكان مشرداً خلف الحدود الفاصلة.

هذا المكان الممتلئ بقدسية التاريخ وحتمية الانتصار المؤجل .. الكتاب العرب رأوا حقائق شاسعة انتابها بعض الضبابية عندما كانوا هناك، لأنهم لامسوا الحقيقة عن قرب، وأنا على يقين بأن ما عاينوه ولامسوه من حقائق .. سيكون الرد الأمثل على أولئك الذين أبحروا  بعيداً عن مينائنا الأزلي، وذلك من خلال قلائد أدبية أبديه خالدة ، لأن حتمية الحقيقة أبقى من هوائية الشعارات.

ولأننا متيقنون من عدالة ما نصبوا إليه فإن مقولات التطبيع التي ستخرُ واقعة في ساحات السجال اليومي بين الإرادة الشعبية الجامعة، وبين مفردات السياسة التي تأتي بين قوسين (ربح، وخسارة).  وسط هذا السجال هناك حق راسخ وتسع وستون موتاً من النكبة، وأمعاء اقتربت من يومها الثلاثين من الجوع .. تنتظرُ من يمسح حزنها، ويطبب جرحاً أوغل المحتل فيها.

على بعد قبلة .. فاصلة رواية .. ليست رواية الفلسطيني وحده، وإنما هي رواية الكل العربي ضمن المسؤولية الجمعية وما يتبعها من مسؤوليات أخرى إنسانية.

على بعد قبلة .. فاصلة، دهاء يريد للشفاه إلا تلتحم مع الوردة، أنتم هناك في فضاءاتكم ضمن واقع لا يمكن تجاهله، لكنني على ثقة حتمية أن النصر نصنعه معاً رغم الحدود والأسلاك الفاصلة.

في هذه العجالة المستظلة بشذى أزهار الليمون في بيارات قلقيلية، والممزوجة مع مشاعر الأصالة للزائرين (الأهل)، لست أحاول استدرار عطف أحد... إنما هي الكلمات وحدها تنطلق من إحساس لا نعاينه كل يوم. زيارتكم تركت أثرا لا يمحى، وقبلتكم تركت أثارا أعظم من أن تنسى. فإلى اللقاء.

قبلة، وفاصلة ..

 

بقلم : سامح عوده – فلسطين

 

faroq mawasiسألني صديق: البيت التالي (لعله للفرزدق؟) يحيّرني أمره:

ما قالَ (لا) قطّ إلاّ في تشهّدِهِ ***  لولا التشهّدُ كانت لاءَهُ نعمُ

فلربما كان من الواجب أن يُكتَبَ هكذا:

ما قالَ لا قطّ إلاّ في تشهّدِهِ *** لولا التشهّد كانت لاؤهُ نعم

لعلّ ذلك يخفّف من وطأة ما فيهِ من خطأ نحوي.

 وإلاّ فهل لديكم تفسير لهذا اللحن؟

عزيزي، ولك تحية!

 أولاً- البيت للفرزدق، ومنهم من يرويه للحَزين الكِناني أو لداود بن سَلْم، لذلك فإن علامة استفهامك على حق، مع أن الشائع أن القصيدة للفرزدق.

ولكنك لست على حق إذ كتبت (لاؤه نعم ُ) والصواب (لاءَه نعم). لأن (لاء) خبر مقدم منصوب.

وهذا من باب "القلب" في اللغة، فكان المعنى:

لولا الشهادة الأولى ونقول فيها: لا إله إلا الله - لكانت هذه الـ (لا) نعم، وذلك لكثرة كرمه وإيجابه وقبوله وباستمرارية قول (نعم) المتردد عنده، فهو مضطر اضطرارًا لاستخدام (لا) في صلاته.

أما "القلب" فهو تبديل الكلمات واحدة بدل الأخرى، فقد ورد في القرآن الكريم:

{وأولئك الأغلال في أعناقهم}- الرعد، 5،  فالأعناق هي التي تكون في الأغلال ولكنه قَلب هنا.

ومنه قول رؤبة:

ومهمهٍ مغبرّة أرجاؤه ***   كأن لونَ أرضه سماؤه

أي كأن لون سمائه لونُ أرضه، فعكس التشبيه، وحذف المضاف.

ويدخل "القلب" في باب المبالغة.

اسمح لي أن أذكر من شعري ما قلته في هذا الباب:

إذ قام ينزع جسمَه المدفونَ في ثوبِ العذاب

وأتى بعريٍ وانتباه

ينزع (جسمه) بدل (ثوبه)، وهذا من كثرة القهر، والمعاناة.

أرجو أن أكون واضحًا، فقد كان من حق المتلقي أن يسمع الـ (لا) نعمًا لكثرة ما يستجيب هذا الممدوح، فيقول: كانت لاؤه نعمًا - إذا اعتبرناهما اسمين، لكنه قلب مبالغة، فجعل كلمة الـ (نعم) لاءَه (خبر كان).

 القلب في البلاغة هو للمبالغة، و الباحث يجد الكثير منه.

أحب أن أضيف لك أن القصيدة بما فيها البيت- إذا صحت أنها لداود بن سلم، فالمخاطب فيها هو قُثَم بن عباس، وإذا صحت أنها للحزين فالمخاطَب هو عبد الله بن عبد الملك، بل ثمة من رواها لخالد بن يزيد مولى قثم وقد قالها فيه (انظر الأغاني ج 15، ص 263).

جدير بالذكر أن اللغويين لاحظوا الخروج عن الأصل النحوي (الذي سميته أنت لحنًا)، فروى بعضهم البيت هكذا:

لولا التشهد لم ينطق بذاك فم

وبعد،

 أراك يا صديقي ما زلت مصرًا على رأيك، فأين طالعت (كانت لاؤه نعمُ)؟ في أي مصدر جدي؟  اذكر لي اسم كتاب واحد رجاء!

ثم إن (القلب) ليس مصطلحًا معروفًا في كتب البلاغة التي درسناها أو نعرفها، وهو لا يسمى (قلب المعاني) لأن هذا مصطلح آخر في سياق آخر، فقد تعرفت إلى القلب من كتاب (إعراب القرآن الكريم وبيانه، ج6، ص 309) لمحيي الدين الدرويش..

ثم إن الرواية الأخرى (لم ينطق بذاك فم) لا تقلل من شأن، ولا من سيرورة الرواية التي نعرفها، فإذا أنكرها بعض النحويين فلا يعني أنها خطأ أو لحن.

 

ب. فاروق مواسي

aziz alhafedفي العراق اليوم مليون كلمة مكتوبة على الجدران منمقة.. ومسمارية وسريالية وسريانية وهادفة وبضائعية كلها تحمل فكرة من سطرّها فليس اليوم هناك خوف من الرفاق الذين كانت يراقبون كل لحظة..الكتابة على الجدران لإنها.. تؤدي حتى بالهزل والنكتة، الى حبل المشنقة ومجهولية مقر الجثة...

اليوم هناك تيارات هوائية ونسيمات من الحرية النسبية وليعذرني صاحب النظرية النسبية عن قنصي اللغوي... فحتى الحب المكنون والمكتوب يسطره بعض العشاق على الجدران  بكتابة الحروف المسمارية... فلان يحب فلانة... إسمين فقط... مزروعة بلا سقي ولا ري على جدار كونكريتي لمدرسة إبتدائية او على جدار بائس

متهالك.. منحني كتلافيف الاغصان...

 يضحك حتى الجدار على نية وصفاء العاشق... وعندما تركب اي سيارة تجد هذه الكتابات مع اللافتات والاعلانات العشوائية سمة كل محافظات العراق تعبيرا عن مكنونات وخلجات كاتبيها علما كذلك تجد كتابات التهويل والتفزيع من  العذاب والتلويح بالنار والتخويف القاسي بوصايا تحذيرية،مصادرها مجهولة في مكتوبات  منظمة تقريبا في المناطق الشعبية تقرأها وتشعر ببعض الريبة ان ذاك الاسلام السمح والنقي يُستخدم هنا للقصاص مقدما حتى لو لم تبتلٍ بمعصية ما!!

التقطت عيناي من هذا الكمّ الملياري من الكتابات عبارة غريبة الاطوار لم يكن كاتبها يحمل ريشة بارعة وأصباغ متأنية اليراعات..بل مكتوبة على عجل ويالهول مامكتوب!!!

مكتوب إبتسم ياصديقي.... فنحن شهداء المستقبل!!

اي المٍ صياغي.. وإي حزن مجاني... تهبك هذه العبارة وانت تعرف ان الشباب في كل وطن...هم ألق المستقبل وضيائه ونوره الساطع وهم الامل جيلا بعد جيلا للبناء والتطور والتقدم والاحلام ولديمومة الحياة .. ولكن هنا شبابنا العراقي يتعامل بواقعية عظمى مع المستقبل فهو يعي ان مستقبله الشهادة!!

ويطلب من قوافل تنتظر الشهادة ان تبتسم اليوم!!

اي علياء وشهوق وإين هي الكلمات التي أنتقيها لتصف هذا المشهد الصادم المرسوم بلغة الشباب العراقي!!

كل العالم شبابها يعيش اجمل اللحظات في الرياضة يتعلق منهم بالريال والاخر ببرشلونة والاخر يبحث عن علوم وإبداع والاخر يبحث عن فرصة في شركة وووو

ونحن شبابنا مثلهم يحبون الملابس والصرعات والرياضة والتنافس الريالي ـ البرشلوني وصرعات رونالدو وميسي ولكنهم يعرفون ان هذه لحيظات من عمر بائس فداءا للوطن.. يعرفون ان الوطن يحتاجهم كل يوم حتى يتوقف يوما ما... الموت الباسق لشبابنا وهم يقارعون الارهاب....

شباب العراق محطتهم... الرحيل....كيف ترسم الاحزان طريقهم؟ وتفرش لهم نسيم العيش وامل اللحظات الهانئة أقل

تعال ياوطني...

لقد أرتديت  لك لامة حربك.... تعال عانقني قبل ان أودع هيبتك...

تعال هب لي من فيض عليائك... قبضة من شذى نسيم فراقك...

تعال تبسّم لي....فقد أنستنا سحنات قوافل المغادرين... بإرواحهم

رونق   تأطير..البسمة....

تعال أيها الوطن!!!

إحتضنا!!! فإنك لاتبكي كما تفعل أمهاتنا عند اللقاء وعند الوداع!!

 وإنك لاتشهق بنحيب ونشيج.....وشهقات شاهقة باسقة...

كما يجهشن وينتحبن!

 ويصوغ اللؤلؤ من قطرات دموعهن عذابا يكحل مآقينا....

أيها الوطن العزيز......

لايتكلم التراب.... ولا تبتسم الشواهد على القبور...

كم منها أحتواه التراب.. ملتحفا برحيق عشقك ياوطن؟

تعال ياوطني ..أفرش لي  سجادة طريق الشهادة....

 دلني على أرض رحيلي....

 فقد تركت لي الايام...توقيت  رنين الرحيل..

 وتمنى لي بقعة أدفن بها بعض شظايا جسدي...

عل الاحياء منهم يذرف دمعة من جفنه المتقّرح ....

تبسموا....نحن شهداء المستقبل....

شعار حتى الفلسطيني .... وأده ونساه....

وها نحن العراقيون... وهبناه عشق الحياة من جديد

اليست الشهادة هي الحياة؟

 

عزيز الحافظ

 

 

mulehim almalaekaتبدأ أصابعك بالنقر على الطاولة حال سماعك إيقاعاً محبباً، وقد يزداد انسجامك ستنقر بقدمك أيضا، ثم تحرّك كتفك أو يديك في الهواء، إنه رقص بشكله البسيط، ويفعله الناس بمنطقة مشاعر مجهولة، بين العقل والروح، منطقة تتسامى فيها الروح في العشق وفي الشهوة وفي الفرح أو الحزن، فيكون طرباً أو نشوة أو ضحكاً بكاء. وحين يتلو عبد الباسط الآيات المقدسة يخاطب أرواحنا، فتطرب الروح ويقول الجسد أشياء غامضة.

ومن عجب أنّ كل المؤمنين يطربهم صوت قرّاء القرآن المهرة وهم يترنمون بالآيات، فنرى الحشود تتمايل لصوت عبد الباسط وهو يرتل قصار السور أو سورة يوسف، وتتعالى عبارات الاستحسان وتنهال عليه تعبيرا عن نوعٍ من طرب ينتاب الحشود وهم يتمثلون الآيات والسور، بصوت عبد الباسط الرخيم، وهو صوت من طبقة استثنائية يردد " وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ "، فيسرح خيالهم الى تمثّل الصور خلف الأبواب المغلّقة، وامرأة العزيز ساحرة الحسن وهي تراود يوسف الجميل عن نفسها، وهو يأبى ويتمنع.

هذا الطرب هو لغة الروح، ورجال الدين المتشددون الجدد يرون في الترنم بالقرآن إساءة له، فيما يراه ذوو النوايا الطيبة محاكاة للغة الروح تقرّب نصوص السماء الى طقوس التعبد والوحدانية مع الخالق، وحين يصدح عبد الباسط " قَالَتْ فَذَٰلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ" فهو إعلان نسوي أنّ اغراء يوسف لا يقاوم. ما نحن فيه هنا هو هذا الإيقاع الساحر الذي يجعلنا نهز رؤوسنا ، هو ليس خشوعا كما يفسره المتدينون، بل طرباً لحسن سبك لغة الآيات، وطربا لحسن صوت وأداء عبد الباسط.

لغة السماء تخاطب القلب أم تخاطب الروح؟

لغة القرآن عصيّة على أغلب الناس، لكن ترنّم الصوت الجميل ينّسل الى الجسد وهو معدن الروح، ويغزل مع النفس قصيدة غامضة بلغة تطربنا لكننا لا نفقه تفاصيلها، إنّه شعور يقترب من اللذة بأنواعها، فهو لذّة الروح الغريبة وهي تبحث عن طرب لا يريم، وترنّم لا تحدّه تفاسير الظلاميين.

هذا التداخل في السماوي والأرضي هو نفسه سبب رقص الناس، لو جردّنا أي مشهد راقص من الموسيقى ونظرنا بحياد الى حركة الراقصين فلن نملك الا أن نسأل ، لماذا خرج هؤلاء عن وقارهم، وماذا يقولون بهذه الحركات؟

الحركات الايقاعية المنظمة تخاطب مناطق الاستحسان في عقولنا، وهو ما يدفعنا الى التفاعل مع مشاهد الرياضة السويدية الاستعراضية المنظمة، ومشاهد التزلج على الجليد داخل القاعات، وعروض الجمناستك التي ينفذها اليافعون فيتفوقون فيها بشكل مطلق، وهي نفس مناطق الحس الدماغي التي تجعلنا نتذوق عدو الخيول في السباقات، وسير السيارات والدراجات النارية  في سباقات السرعة وهي تنساب حول المنعطفات.

ولا يملك العلماء و المتخصصون أدلة تفسر اعجابنا بتلك الحركات، لكنّ كثيراً من المتخصصين في علم النفس يرون أن عجزنا عن الاتيان بتلك الحركات والتناغم يدفعنا للإعجاب، وهو تفسير يعيدنا الى المربع الأول، فهو يزيد الغموض ولا يسلط الضوء.

فهل الرقص جزء من ثقافة أم جزء من غريزة؟

دراسة أمريكية نشرت مؤخراً كشفت أنّ الموسيقى المرافقة للرقص هي سبب الطرب، لأنها تنشّط المنطقة المسماة      the cerebellum في أسفل الفص المخي الخلفي وهو المسؤول عن تنسيق التوقيت بين الحركات، وبالتالي فإن الرقص هو عبارة عن تنسيق عالٍ للحركات حفزته الموسيقى . لكنّ هذا التفسير لا يقدم جوابا عن سبب الطرب وإحساس السعادة الذي يدفع الناس الى الدبكة مثلا أو البريك دانس أو التانغو أو التوست دانس...في الصحراء وفي الجبل يتزاحم الرجال والنسوة على المشاركة في الدبكة واتقان حركاتها وضبط توقيتها، ليظهروا براعة تطرب النفوس، فهل هذا جزء من ثقافة أم جزء من غريزة؟

لماذا يرقص الناس؟ سؤال حاولت البروفسورة الأمريكية كيميرر لاموته الأخصائية في الفلسفة الإجابة عنه في كتاب من سبعة فصول حمل نفس الاسم، فذهبت من جملة ما قالت الى أنّ " الرقص تعبير خالٍ من المضمون، تعبيرٌ أجوف، فهو ليس سيئا ولا جيداً، ليس مفيدا ولا ضار، هو وصف يفتقر الى باراديام يصنفه ويصفه، لا روح في الرقص، فالرقص هو الروح، ولا توجد طريقة محددة واحدة تقنّونه"، وتجعله نمطا يقبله الجميع كجزء من حياتهم، لكنّ الجميع يعرفون أنه" رقص" حال أن تبدأ الأجساد بالتمايل تجاوبا مع أيقاع أو نغم أو وتر يخاطب القلب... هل هو القلب أم الروح أم العقل؟  

 

ملهم الملائكة

 

... حوّاء سيدة نصف انهت العقد الرابح من عمرها إلّا أنّها تبدو شديدة الذكاء حادّة الدّهاء... جلست بالقرب من منزلها الصغير وصوّبت نظرها حول الغدير تُحدّقُ بعينيها الزرقاوين إلى الآفاق البعيدة وكأنها تريد أن تستخلص من وراء هذا الوجود جوهر الحياة وتفاصيلها منذ أمدٍ بعيد وكيف انتشرت الأُمم والخلائق في رحاب هذا الكون الجليل...

انحنيتُ حول هذه السيدة وتأمّلتُ فيها مليّا وإذا بها لغز مبهم في هذا العالم المترامي الأطراف... وبادرتُها رغبة في الاطّلاع عما يكنّه فؤادها المهموم ثم همستُ في أُذنيها وكأنّي أريد أن أوقف هذا الزورق المتمرّد الذي خاض بأعماق الوجود فذهِلت وراحت تغور بأعماقه وحيدة نائية.

هكذا اقتربتُ من السيّدة حوّاء وبادرتُها قائلة ً: "ما أجمل الحياة يا أُختاه... أرى الرّخاء قد أسدل عواطفهُ فعمّتنا بهجة ٌ... انظري الى الدنيا وقد أصبح فيها كلّ شيء ممكنا... ألا تريّنَ هذا التقدّم والازدهار الذي جعل منها أجمل كوكب في الوُجود... أرأيتِ هذه الاجهزة التي جعلت لنا من أبعد الآفاق مخطوطة تتناولُها أيدينا في أقلّ من دقيقة أو ثانية... فهذا جهاز فاكس وذاك كمبيوتر وناهيك عن تلك الرحلات الناقلة المُسمّاة بالأنترنات وهي سيّدة أجهزة العصر والحداثة... فهي تُغنيك عن الموسوعة والكتاب وتفصل لك أعسر الأمور في أدقّ اللّحظات... انظري يا حوّاء ما أسعد حظّنا في الحياة وما أجمل هذه الدنيا التي باتت بأغوارها وبحارها ومحيطاتها وسُهولها وجبالها وجميع قياساتها وأبعادها وما تحملُه من أثقال ومخلوقات وأسرار هذه الأثقال والمخلوقات... انظري كيف غدى كلّ هذا ينحصرُ بين جوانب هذا الجهاز الصغير... وكيف تسنّى لنا تصفّح هذه الحياة بجميع ما فيها منذ أمدٍ بعيد... هلمّي معي يا أختاه فليس بقاؤكِ على طرف هذا الوادي بالأمر الهيّن فإنّ وجودك هنا يُعبّرُ عن قصص الغابرين والأسلاف... أما الآن فيحقّ لكِ الجلوس على الكرسيّ لتضعي اناملكِ على أزرار صغيرة فتخرج أمامك مذاهب العلوم والفنون والتاريخ والآداب والفلسفة والطّبّ والرياضيات على جميع موازينها وأبعادها... هيّا غادري هذا المكان الخالي وهذه المروج الخضراء وهلمّي الى حياة أفضل... لنقطع هذا الجسر العسير وندخل مهرجان الدنيا من باب فسيح..." هكذا كنتُ أقضي معها الساعات يوما بعد يوم رغبة ً في فكّ العقيدة التي رسخت بأفكارها ولمّت بمشاعرها... وكنتُ اجتهدُ قـُصارى جهدي علّني أٌفلحُ استقلاليّة صديقتي الغالية والابتعاد بها عن هذا السكون الحادّ والوحدة القاطعة والمملّة... إلّا أنها اجمعت ما في وسعها من مقدرة ثمّ أومأت لي بالجلوس والإصغاء اليها وبادرتني قائلة ً: "أما راعك هذا الزمان ونحن نودّع أوفى صديق وأعزّ رفيق... إنّ ما أشرتِ إليه منذ سُويعات قد ملأ قلبي حزنا وجعل الأسف يتسلّل الى جوارحي فبتُّ أرى ما تصفينه من حضارة وازدهار كأنما هو حميم بركان فاض ليمحق كلّ جميل ورائع من ذخائر وكنوز علميّة كان قد ذخرها لنا الأوّلون من أمجاد العرب والفرس وغيرهم... أتدري ونحن نستقبل هذا التيار الجارف لمعنويّات جدّ عالية فملأ فراغ حياتنا بوجوده... وحلّ ليملأ بيوتنا ويستولي على قلوبنا وعقولنا وتسبّب في رحيل الرفيق الأمين والصديق الوفيّ... أتدري من هو...؟ إنه الكتاب... الصديق الذي لا يخون ولا يعرف الخيانة والغدر أبدًا...

_تمت_                 

 

نصيرة بحورة

 

 

oday albaldawiأبا قلمي ..

أبا آمالي ..

أبتي ..

يا صديق عمرٍ بكامله..

جئت أبتهلُ الى حلمكَ وصبركَ وعفة كلماتكَ وطهر الحبر في شرايين قلمك وانت تبلغ السبعين، في زمنٍ تلوثت أنفاسه ومسَّه (طائفٌ من الشيطان) (1) فهوى ولم يتعظ من كل سنواته التي خلت، فتعثرت حياتنا فيه وعثّرنا بوطنٍ (يبقى الأديب به) (2) غريباً يلازمه الإحساس النابض بالمسؤولية تجاه مجتمعه وبلده وأدبه، فكان منه أن حدّثتك النفس قائلة ــــ وقد غزاك المشيب : كيف أعددت للجهاد الكفائي ــــ فأجبتها: إن (بين الضلوع نبض شبابٍ في سويدائه ربيع إبائي) (3)..

في صباي وانا أتنقل بين رفوف مكتبتك وأستمع الى مقالاتك، كنتُ أتساءل عن معنى الطود، حتى كبرتُ ورأيتك تنأى عن عمودٍ أعدّوه لك في صحف النظام بعدما قرأوا لك في جريدة العراق، ولكن المبدئية شخصت فيك فاعتزلت النشر والتزمت الصمت وفيك ينبوع أدب كاد يُبدي بك لولا مجالس بغداد الثقافية التي تهيأت لتسكب فيها فيضك محاضراً ومناقشاً، وآليت إن لا تفرط بلقبك (البلداوي) في أجواء كانوا يبغضونه فيها، فما راعك ذلك، وبقيت تكتب بلقبك هذا في مجلة (الكوثر) التي كانت محط أنظار أجهزة الأمن ..

 ولما بدأ عهدٌ جديد كنت لا تزال فيه غريباً، حتى الحَّ عليك أرقكَ المقفى (4) فاستنهضت الحرف وكتبت للوطن قوافيك مجاهداً بيراعك تحملُ بأس الشباب في عامك السبعين، فاسمح لي يا سيدي أن أقول فيك ما قاله عبد الرزاق عبد الواحد في الجواهري :

علمتني مذ شراييني برت قلمي

كيف الأديب يلاقي موته حرِبا

وكيف يجعل من أعصابه نذرا حينا

وحـينا نـذورا كـلما وجـبا..

 

عدي عدنان البلداوي

.................................

1- آية (201) سورة الأعراف

2-  من قصيدة (شيخ شعري) للشاعر عبد الرزاق عبد الواحد

3-  من قصيدة (سألتني) للشاعر عدنان عبد النبي البلداوي

4-  إشارة الى المجموعة الشعرية (الأرق المقفى)

 

nabil ahmadalamirتوجد في كل مجتمع شريحة اجتماعية متمييزة عن باقي شرائح المجتمع، تكون مؤهلة للتأثير في ذلك المجتمع سلباً وايجاباً وقد تأخذ بعضها مواقع ريادية في رسم هوية وشخصية ذلك المجتمع بشكل جماعي .

وفي المقابل تتحمل هذه الشريحة مسؤلية كبيرة في تحديد اتجاه تكامل هذا المجتمع نحو الرشد والنضوج في جميع مجالات حياته من خلال بث الوعي داخل صفوفه وممارسة النقد البناء والايجابي للافكار والثقافات الاجتماعية والسياسية وغيرها، وتبني قضاياه وتحديد اولوياته .

وهؤلاء النخبة هم من يُعرفون في اوساط مجتمعاتهم بــ (المثقفين) .

وفي اغلب مجتمعاتنا العربية والاسلامية تعيش هذه النخب حالة من الانعزال والانكماش والتقوقع من خلال شعورها بالتهميش والتغييب والالغاء، وعدم الاهتمام والتفاعل من باقي شرائح المجتمع، مما يعطلها ولا يفسح لها المجال للقيام بمهامها الملقات على عاتقها .

وفي المقابل تكثر الشكوى من ابناء مجتمعاتها من غيابها وعدم تفاعلها واللامبالاة التي تعيشها هذه النخب بانكفافها على ذاتها واهتمامها بشأنها الداخلي وتخليها وتماسكها ونظرتها الفوقية التي تفوت عليها دورها الحقيقي في الوسط الاجتماعي . بل ان الكثير من ابناء المجتمع يتهم هذه النخب بالانحراف (الفكري) وتبني افكار وعقائد فاسدة .

ونحن ما بين شكوى المثقف وما يقابلها لدينا حقيقة ثابتة على ارض الواقع وهي قيام أغلب الحكومات العربية والإسلامية بتعطيل هذه الشريحة المهمة عن القيام بمهامها وتبوء موقعها الريادي في داخل مجتمعاتها سواء كان ذلك ناتج عن غيابها خوفاً او تغييبها قصراً .

ولكن بقدر ما تمثله هذه النتيجة من حقيقة في الواقع العملي الا انها وفي بعض جوانبها تحتاج الى بيان وتوضيح لكشف بعض الملابسات غير الواقعية التي احاطت بها سواء كانت من جانب المثقف او المجتمع او الحكومات وأصحاب القرار .

غير ان العنصر الاهم في غربة المثقف هو المكونات الثقافية التي تغير ثقافة الافراد، فما يحمله المثقف من ثقافة عالية تجعله يشعر بالغربة الحقيقية لانها تتعارض في أغلب الاحيان مع الواقع الاجتماعي الذي يعيشه، فللمثقف رؤية وقراءة مجتمعية لايستطيع الجميع قرائتها مثله، وعندما نغوص في عمق الازمة نجد ان غربة المثقف هي تجليات لمرجعية ثقافية مهزوزة قد يتبعها البعض، فالمثقف العربي الإسلامي لم يفرغ لحد الان من تشكيل مرجعيته الثقافية بصورة واضحة وصريحة والتي في ضوئها ينبغي له ان يمارس نشاطه في دائرة الواقع، فالمرجعية الثقافية ينبغي ان تُبنى على اساس صحيح، وتتكون من مقولات وأفعال تعكس رؤية حقيقية للقيم والمبادئ المجتمعية والدينية، وتشخيص حدود الهوية الثقافية .

اما الجانب الاخر من المعادلة وهو المجتمع فلابد له من فسح المجال للمثقف من القيام بدوره المطلوب من خلال التخلّي بقدر الامكان عن ثقافة الرفض التي توجد حياته الثقافية، حيث لازال المجتمع ينظر ان سعي المثقف في طرح أفكاره في كتاباته ولقائاته للوصول لحالة الكمال النموذجية، ماهي إلاّ خطوات مدفوعة الثمن من ذاك السياسي او تلك الحكومة .. خصوصاً أننا نجد إن أغلب المجتمعات العربية والإسلامية تعتبر ان سلطاتها الحاكمة هي سلطات غير سرعية لانها لاتمثل العدالة الاجتماعية في مجتمعاتها، لكن تبقى الثقافة الحقيقية ثقافة لا تُباع ولا تُشترى، رغم وجود بعض المتملقين من أشباه المثقفين للتربّح من إمكاناتهم لصالح آخرين .

وهنا اود أن اُسجّل ان المثقف ليس بالضرورة ان يكون اكاديمي، كما ينظر المجتمع لهذه الثنائية اليوم .. رغم انه يمكن ان نقترب اكثر من هذه الفكرة عندما نقول ان حملت الشهادات الاكاديمية هم اكثر من غيرهم مؤهلين (لما يحملون من مستوى علمي في مجال اختصاصاتهم) لان ينتموا لهذه الشريحة الاجتماعية المميزة، ولكن المثقف وكما يصفه احد الباحثين هو من توفرت لديه ثلاث عناصر رئيسية وهي (المعرفة) و (الوعي) و(الموقف)، في منظومته الثقافية والإجتماعية .

كما ان الثقافة لا ترتبط بتخصص معين يجب عليك دراسته ومعرفته لتصبح مثقفا .

ولتصبح مثقفا عليك أن تكون قادرا على التناقش والتحاور في كل جوانب الحياة المختلفة، كما يجب أن تكون مرناً واسع الصدر والعقل لتستطيع التواصل مع الناس باختلاف أنواعهم وطباعهم، وقدرة التحاور سعة الصدر والعقل لايرتبط بمستوى تعليمي معين ودرجة جامعية محددة، فالكثير ممن يحملون الدرجات لايستطيعون التواصل والتحاور مع الآخرين والعكس صحيح أيضاً .

فالإنسان المثقف هو الانسان الذي خضع لعملية ما ساهمت في تعزيز قدرته العقلية على العمل بفعالية في حالات مألوفة وجديدة في الحياة الشخصية والفكرية . ومن أجل العمل بفعالية في مثل هذه الحالات يحتاج المرء للحصول على معلومات عامة (المعرفة)، وقدرات تفكير عامة، خصوصاً المعلومات المعنية ببناء المعرفة ونقد المعرفة، وقدرات لغوية عامة لازمة للاتصال بشكل واضح ودقيق، وفعال للأغراض المعرفية، والقدرة على التعلم المستقل، بما في ذلك القدرة على الانخراط في وسائل عقلانية للتحقيق، وقبل كل شيء الارادة العقلية التي تحقق كل ماذكر من قبل .

فكلمة الثقافة كثيراً ما تتطرق على أذهاننا ولكن لم نحدد معناها الأصلي، فهي كلمة لاتينية تعني زراعة الأرض، وفي اللغة العربية تعني التمكن من إدراك كافة العلوم المختلفة في مختلف جوانب الحياة . وبعد استعراض مفهوم الثقافة ومفهوم الشخص المثقف ربما نجد أن الأمر صعبا ليكون الانسان مثقفاً، لكن متابعة أحداث العالم وثقافاته وتحليلات المختصين في كل الإختصاصات، تجعل عقلك أكثر مرونة واتساعا لما يحدث وتصبح أكثر قدرة على التواصل والتحاور مع الآخرين في الكثير من الأمور، كما ان حضور الندوات والمؤتمرات المختلفة يزيد من ثقافة الفرد، ويفضل أن تنوّع من الندوات وأن تتضمن الندوات مختلف أمور الحياة لكي تكتسب معلومات مختلفة بشكل سهل وبسيط، كما ان استخدام التكنولوجيا الحديثة (الانترنت) بشكل مفيد يمكن ان يعطي الباحث معلومات كثيرة وكبيرة وقيّمة دون تعب كبير، حيث  البحث عن مواقع مفيدة في مختلف الأمور .

لكن يبقى التواصل مع الناس والدخول الى عقولهم ومناقشة أفكارهم ومساعدتهم على تطوريها هو المحك الحقيقي للمثقف الذي يسعى لرقي مجتمعه، فالسؤال عن كل شيئ ومحاولة فهم كل شيئ هو المفتاح الحقيقي لفتح باب الثقافة بالمجتمع، لمعرفه قيمة المعلومة وتصنيفها بين التافه والمهم .

وللموضوع بقية . . .

والله من وراء القصد .

 

د. نبيل أحمد الأمير

 

ali mohamadalyousifيقال والعهدة على القائل حين عين طه حسين عميد الادب العربي وزيرا للمعارف في مصر عن حزب الوفد خرجت تظاهرة تضم غوغاء من الطلبة والمتزمتين يهتفون للجهل والتخلف بعد اعلان مبدئه الشهير الذي لم يفارق كرسي الوزارة الا بعد ان اصبح قانونا تشريعيا في مصر بان التعليم حاجة اساسية للانسان كمثل حاجته للهواء والماء. كانوا يهتفون وهو جالس في مكتبه بالوزارة يسمعهم: (اخرجوا الاعمى من الوزارة.. اطردوا الزنديق!!) فقال لسكرتيره الخاص فريد شحاته خذ يدي إلى الشرفة (البلكونة) المطلة على جمع المتظاهرين... خرج اليهم فسكتوا وانصتوا لما سيقول الوزير الاعمي، فبادرهم بهدوء: (ليس لدي ما اناقش به جهلة متخلفين لكني احمد الله الذي جعلني اعمى كي لا ارى وجوهكم القبيحة) وعاد وجلس وراء مكتبه. ولم ير طه حسين وهو البصير في شعر المتنبي عبقرية، ومن كتابه (مع المتنبي) نختار هذه النتف اذ يقول: اما المتنبي فقد نشأ شعره في العراق وحاول ان ينهج في الشام فأدركه البطء، ودب اليه كثير من الفساد، وظهر فيه تكلف يمقته الذوق العربي الفصيح، وكذلك كان استقباله المتنبي شبابه في الشام مصدرا لكثير من الضعف الذي ألّم بشعره هو، ثم بشعر الذين قلدوه، ان البيئة المصرية تالدة لا طارفة، ولم تكن عارضة ولا طارئة، وانها لاتزال بزوال امير، كما حدث في الشام_ يقصد الامير سيف الدولة الحمداني في حلب _ ولست اغلو ان قلت ان شعر المتنبي في مصر اقل سقطا من شعره في حلب_ الحقيقة ان شعر المتنبي في مدح كافور الاخشيدي سلطان مصر انذاك هو شعر متكلف لايرقى ولا افضل من شعر التنبي في (السيفيات) التي نظمها وقالها في مدح سيف الدولة الحمداني . وذهبت ادراج الريح صيحة المتنبي الخالدة :

انا الذي نظر الاعمى الى ادبي       واسمعت كلماتي من به صمم

من نافل القول ان اخر زلة لسان تلفظ بها شاعر العرب الكبير محمد مهدي الجواهري في مذكراته بجزئين بمنفاه الاختياري بدمشق اواخر حياته قائلا ان شعري افضل من شعر المتنبي!؟

وفي مقابلة مع طه حسين اجرتها معه (المجلة الجديدة) عام 1938 قال مجيبا سائله: اذا كنت ترمي الى ان مصر مستعدة للمساهمة في الوحدة العربية او القومية فانت على خطأ، فالمصري مصري قبل كل شيء، وهو لن يتنازل عن مصريته مهما تقلبت الظروف .الوحدة العربية كما يفهمها ذووها يجب ان تتحقق بشكل امبراطورية جامعة او اتحاد مشابه للاتحاد الامريكي او السويسري ونحن لانرضى بهذا او ذاك، ولا نصدق ما يقوله بعض المصريين من انهم يعملون للعروبة، فالفرعونية متأصلة في نفوسهم .ومصر اليوم هي مصر الامس لم تغير فرعونيتها، مصر لا تدخل في وحدة عربية. (1)

 

...................

هامش:

(1) نقلا عن محمد علي الكبسي، تقلا عن كتاب غالي شكري، سلامة موسى ص 217-218 -1967 .

 

ibrahim ohseenقد نقبل - تجاوزا وبحذر شديد - أن يكون في حقل الإبداع الإنساني عموما، والأدبي خصوصا، كبير وصغير؛ أو بتوصيف آخر، محترف ومبتدئ. لكننا على العكس تماما، نرفض رفضا باتا وصاية هذا "المحترف" أو ذاك "الكبير" على أي مبتدئ، كما نرفض استتباعه بأي شكل من أشكال الطاعة والولاء، كيفما كانت سرعة هذا المبتدئ وقوة بداياته وانطلاقته في مضمار الإبداع الإنساني بأنواعه.

من بداهة القول التأكيد على حقيقة تشعب وتفرع وتنوع طرق الإبداع في شقه الأدبي، نثرا كان أو شعرا؛ فيكون من الطبيعي إذن أن يشق كل ذي قلم الطريق المناسب لميولاته الذاتية، ويختطَّ لنفسه الصيغة والنهج اللذين يناسبانه ثقافيا واجتماعيا وأيديولوجيا، بما يضمن له تأطير كتابته ضمن سياقات محددة ومفهومة أمام القارئ. لكن، لا يسع الكاتب أن يبلغ مرحلة "النضج" الأدبي، واحتراف لغة "الكبار" _ إن صح التعبير إلا بعد قطعه بلا شك مرحلة "الطفولة" و"المراهقة" الفكريتين، حيث لايزال الكاتب في مراحله الأولى من استكشاف عالم القلم والأوراق البيضاء، والاستعلام عما يمكن للقلم أن يخُطَّه من شعر ونثر. مازال في بدايات قراءاته الطفولية لشعر «نزار قباني» و«نازك الملائكة»، وروايات « أغاثا كريستي» و« نجيب الكيلاني »؛ ولم يبرح بعدُ ساحَ بدايات ترصيف الكلام وتنضيد المعاني وشطب الفكرة وتعويضها بأخرى؛ أما تمزيق الأوراق فظاهرة لم يسلم منها أي كاتب مهما بلغ حجمه وذاع صيته. يمكننا الدمغ إذن بأصابعنا العشرة على مجمل ما قيل، وتشبيه الإبداع بكرة ثلج، تزداد سرعةً وحجماً كلما مضى زمن على تدحرجها في منحدر ما، لتبلغ أقصى ما يمكنها بلوغه نهاية السفح المائل، حيث ترتطم بالسطح المستوي، هنا فقط تبلغ كمالها الأقصى ويتوقف كل شيء. فعلامَ هذا الكلام كله؟

وأنا أطالع بعض ما يُكتب على صفحات الإنترنت من تقارير لجان التحكيم في العديد من المسابقات الأدبية، يسوؤني حقيقة ما يقدمه بعض الذين يحسبون أنفسهم من كبار الأدباء والشعراء من ملاحظات عامة على إنتاجية بعض المبتدئين في ميدان الكتابة، معتبرين إياهم عالة على الإبداع، بل ووصمة عار على جبينه ، وهنا أتذكر موقف أحد المشاركين في مسابقة "أمير الشعراء" الإماراتية، حين انتهره الناقد المصري « صلاح فضل» بقوله: "من قال لك أنك شاعر؟!"؛ ومثل هذا الحكم يقترب كثيرا من سابقه المتوغل في الماضي، حيث أوردت بعض كتب الأخبار أن النحوي البصري « أبو عثمان المازني » سمع مقاطع من أحد المبتدئين في تقريض الشعر، فرد عليه « المازني» قائلا: " الحمد لله أن أخرجته من جوفك، فلو تركته لقتلك!!" . فما عساه يا تُرى يكون إحساس من يُقصف بهذه اللغة وبمثلها أمام الملأ؟ وما عساه يكون مستقبل هذا الذي يتلقى من الشحنات السلبية ومن العبارات الهدَامة ما يجعل الجبال الراسيات تستحيل غبارا متطايرا؟

لست الآن طبعا في مقام تقديم إجابات، فالأجوبة تبدو واضحة ولا تحتاج لكثير تفصيل، ولست أرى ناجيا من عقابيل تلك التساؤلات ومن تداعياتها إلا مُستثنىً تولاه الله بعناية خاصة؛ ولقد صدق « شوقي» حين قال:

قُـــــــوّةُ الله إِنْ تَوَلَّتْ ضعيفـــــــــــــًـــــــا /// تَعِبَـــــــــــــــــتْ في مِراسِهِ الأقويـــَــــــــــــاءُ                  

في مستهل القرن العشرين، عزم شاعر ألماني شاب لم يبلغ ربيعه العشرين بعد، يُدعى « فرانتز كابوس»، على إرسال شعره إلى الشاعر المعروف وقتئذ « راينر ماريا ريلكه»، سائلا إياه النصح والرأي في قصائده، وهل بإمكانه مواصلة الكتابة أو التوقف تماما عن حمل القلم. فكانت المفاجأة أن يتلقى الشاعر المبتدئ ردا من العظيم «ريلكه» قال فيه: " ( ...) لقد أعدت – مثلما تلاحظ – كتابة  رباعيتك، لأنني وجدتها جميلة وبسيطة، ووليدة شكل تنامت فيه بانضباط أخلاقي هادئ. إنها أفضل أبيات لك، تمكنت من قراءتها، وإني أسلمك الآن هذه النسخة، لأني أعرف جيدا أنه أمر مهم وتجربة جديدة، أن يجد المرء عمله الخاص مكتوبا بيد غريبة. اقرأ هذه الأبيات كما لو إنها ليست لك، وستشعر من أعماقك كم أنها أبياتك أنت. لقد كانت قراءة هذه الرباعية ورسالتك سعادة لي، فشكرا على هذه وعلى تلك."؛ ولنا أن نتأمل هذا الرد مقارنة بسابقيه، ومدى الأثر النفسي الإيجابي الذي سينبعث في نفس « كابوس» الصغير، خاصة إذا تمت إعادة كتابة مقطع من قصيدته بقلم شاعر بحجم «ريلكه» !!. وغير بعيد عن هذا النهج والمستوى الرفيع من الخطاب والتواصل، ساهم العديد من "كبار" الأدب في إسداء النصح للمبتدئين وفي تشجيع الجيل الناشئ على الاحتكاك بالكتابة؛ أمثال « تولستوي» و« تشيخوف» و«غوركي» و« والت وايتمان» و« طه حسين» و«ميخائيل نعيمة» .. وآخرون بلغوا من الكبر الأدبي عتيا- بمعيار جائزة نوبل _  البيروفي « ماريو فارغاس يوسا» في رسائله الشهيرة إلى روائي شاب، حيث كان يردد عبارته :" كونوا وحيدين ولا تصدقوا الإطراء !"، بعيدا عن كل خطاب تقزيمي وأحكام تبخيسية قاتلة وعبارات الاحتقار والاستهزاء.

لاشك أن الكتابة الإبداعية الرصينة مرتهنة باستيفاء شروط عامة، تجعلها مقبولة التصنيف في حقول الأدب المختلفة؛ ولا شك أن الرداءة والركاكة و"الشخبطة" سرطانات بدأت تنخر جسد الإبداع الأدبي من أعلاه إلى أسفله، وذلك مردُّهُ لعوامل شتى يحتاج بسطها لمقام آخر؛ ومن المؤكد أن كل أديب بدأ يخطو خطواته الأولى في درب الكتابة الطويل والشاق، يحتاج لمن يدله على ما استُغلق أمامه من أبواب تستدعي أقفالها مفاتيح خاصة. فلكل لعبة قواعد خاصة وخارطة ينبغي اتباعها، وما الأدب بمعزل عن تلك القواعد، بالرغم مما يتيحه من فسحة منداحة من الحرية والاستقلالية. لكننا نؤكد على ضرورة مخاطبة الأجيال الناشئة بلغة محقونة بجرعات كبيرة من التشجيع ومن التفاؤل ومن تذليل الصعاب، كي لا نخسر المبدع بقتله مرتين _ كما كان « بيسمارك» يدعو جنوده الألمان بشأن الجنود الرُّوس _، أولا بإلقاء مسودات حروفه في أقرب قمامة على أنها لا تستحق القراءة ؛ ثانيا بدعوة هذا الناشئ باحتراف شيء آخر غير الكتابة . هنا يتناسى أديبنا "العظيم" أنه ذات يوم كان يقضي الساعات الطوال جالسا على أعتاب بيوت "الكبار" يستجدي قراءة عمله وتلقي ما يرضيه من ملاحظات!!

قد يغتر بعض الكتاب بإصدار مؤلف أو مؤلفين، وبتداول أسمائهم على إعلانات بعض الأماسي الأدبية هنا وهناك. كما يمكن للعُجْبِ أن يُساوره بلقاء إذاعي أو تلفزي، معتبرا نفسه قد ملأ الدنيا وشغل الناس، لكنه ومع ذلك، يفترض به النأي عن لغة الأبراج العاجية المتعالية، خصوصا إزاء مبتدئ يتلمس حظوظه الأولى مع الكتابة ؛ ومهما بلغ امرؤٌ منا درجة من درجات الكمال،فالتمام لا يعقبه سوى النقصان، والكمال نفسه - بتعبير الفرنسي «بليز باسكال» - لا يخلو من عيوب .

 

إبراهيم أوحسين - المغرب

 .

faroq mawasiنَجْد-  معنى اللفظة مرتفع، وسميت بها تلك البلاد التي  ترتفع عن تِهامة في الجزيرة العربية.

ما أكثر الشعر الذي قيل في نجد وربوعها، من محبّ لها أو محب فيها،  وقد ذكر ياقوت في (معجم البلدان، ج 5، ص 262):

"ولم يذكر الشعراء موضعًا أكثر مما ذكروا نجدًا وتشوّقوا إليها..."

فمن الشعر  الجميل أذكر ما قاله الصِّمَّة بن عبد الله القُشَيري، وقد رأى التبريزي بذوقه أن "هذه الأبيات أشهر ما يُحفظ من النسيب الجزل الفخم المعنى البديع ديباجة وحسنًا"- الحماسة (شرح التبريزي، ص 54).

يقول الشاعر في قصيدته العينية:

قِفا ودِّعا نجدًا ومن حلَّ بالحمَى *** وقلَّ لنجدٍ عندنا أن يُودَّعا

 الشاعر يخاطب صاحبين له يستوقفهما ويكلفهما توديع نجد معه، وتوديع كل من ينزل بالحمى منه. ثم استأنف فقال ملتفتًا: ويقل لنجد وساكنه التوديع منا، لأن حقهما أعظم من ذلك، ولكنا لا نقدرعلى غيره.

صحيح أن هذا الشرح أورده المرزوقي وكذلك التبريزي في شرح القصيدة الواردة في الحماسة (ج2، ص 54)، إلا أنني أرى المعنى -مع تقديري للعالِمين العلَمين- بصورة أخرى:

ففي قوله "قل لنجد عندنا أن يودع"، يعني قليلاً ما يودّع،  قلّ التوديع لنجد لأن الساكن فيه يحبه ويبقى فيه لجماله وخصبه وأسباب الحياة فيه، ولكنه يودعه اليوم بعد أن حال أبو حبيبته ريا بينها وبين الشاعر وحبه لها، حيث يخاطب نفسه في مطلع القصيدة:

حننتَ إلى ريّا ونفسُك باعدت ***  مزارَك من ريا وشَعباكما معا

إنه يعترف بأنه يحنّ إلى ريا، ويندم لأنه اختار الفراق والبُعد بعد أن كان حيّه وحيُّها مجتمعين.

فهل تُودّع نجد- هذه الربوع الجميلة التي يصفها الشاعر ويقول:

بنفسيَ تلك الأرض ما أطيبَ الربا *** وما أحسنَ المصطافَ والمتربعا

فثمة الربا الطيبة وأمكنة لقضاء الصيف والربيع فهو يفديها بنفسه لحسنها.

..

مما استوقفني من الشعر الحسّي هذا البيت من القصيدة:

بكتْ عينيَ اليُسرَى فلمَّا زجرتُها *** عن الجهلِ بعد الحلْمِ أسبَلَتا معَا

كان بكاء العين الأولى قد جرى عندما هاجت مسبّبات الشوق، وعندما رأى مشارف نجد وجبل البِشر، فحاول أن يمنع عينه من البكاء، ولكن بدلاً من انقطاع بكائها نرى العين الثانية تستجيب لبكاء أختها، فيكون البكاء والندم.

...

ولا يستطيع القارئ إلا أن يتخيل هذا المشهد التالي:

تلَفَّتُ نحو الحيِّ حتَّى وجدتُني ***  وجِعت من الإصغاءِ لِيتًا وأخْدَعا

ها هو عند الفراق صار يلتفت نحو المحبوبة وجِهتها حتى وجد نفسه وقد وجع لِـيتُه (صفحة العنق) والأخدع – عرق في العنق، وذلك بسبب دوام التفاته تحسرًا في أثر الحبيبة وديارها.

...

من الشعراء الذي كلِفوا بنجد عبد الله بن أحمد الخازن:

حُثَّ المَطِيَّ فهذه نجد ***  بلغ المدى وتزايد الوجدُ

يا حبذا نجدٌ وساكنُها ***  لو كان ينفع حبذا نجد

وهذا التركيب جديد فيه إبداع – "لو كان ينفع حبذا نجد".

..

لكن عبد الله بن الدُّمَينَة اشتهر بقصيدته الرائعة:

 ألا يا صَبا نجدٍ متى هجتِ من نجد ***  لقد زادني مَسراكِ وجدًا على وجدِ

أأن هتفت ورقاءُ في رونق الضحى *** على فَنن غضِّ النبات من الرَّند

بكيتَ كما يبكي الوليدُ ولم تكن *** جليدًا وأبديتَ الذي لم تكن تُبدي

وقد زعموا أن المحب إذا دنا ***  يَملُّ وَأنَّ النَّأْيَ يَشْفِي مِنَ الْوَجْدِ

بَكُلٍّ تدَاوَيْنَا فلمْ يُشْفَ ما بِنَا *** على أنَّ قُرْبَ الدَّارِ خَيْرٌ مِنَ الْبُعْدِ

على أَنَّ قُرْبَ الدَّارِ ليسَ بِنافِعٍ ***  إذا كان مَنْ تَهْواهُ ليس بِذي وُدِّ

وهذه القصيدة نُسبت أيضًا إلى مجنون ليلى (ديوان مجنون ليلى، ص 112)، وفي البيت الثاني في الديوان (أأن)- الهمزة الأولى استفهامية والثانية بداية حرف مصدري= أن، والتقدير (ألِهتاف ورقاء بكيت)، فالجملة هنا ليست شرطية، بل هي استفهامية إنكارية، وهذا رأيي، وقد كان خلاف بيني وبين أستاذ للغة فيها.

بينما النص ورد  في مصادر كثيرة على أنه لابن الدمينة – مثلاً في (الأغاني، ج17، ص 109- دار الفكر، وفيه النص:

أإن هتفت...(بالشرطية)، وإملاؤها كما أرى: أئن، مثل لئن، فالكسرة أقوى الحركات.

من الطريف أن الأصفهاني يحدثنا عن العباس بن الأحنف،:

"قال يحيى... كان العباس بن الأحنف إذا سمع شيئًا يستحسنه أطرفني به، وأفعل مثله، فجاءني يومًا، وأنشد لابن الدمينة الأبيات، ثم ترنّح ساعة، وترجّح أخرى، ثم قال: أنطح العمود برأسي من حسن هذا!

فقلت: لا، ارفق بنفسك" ن.م

إذا كان ثمة اختلاف هنا في نسبة القصيدة إلى المجنون فإن له  قصائد أخرى ذكر فيها نجدًا، فقد ورد في الأغاني (ج2، ص 24)

"يقول قيس أخرجوني لعلني أتنسّم صَبا نجد، فيخرجونه، فيتوجهون به نحو نجد، ونحن مع ذلك نخاف أن يلقي نفسه من الجبل، فإن شئتَ الأجر دنوتَ منه فأخبرته أنك أقبلتَ من نجد، فدنوتُ منه، وأقبلوا عليه، فقالوا له: يا أبا المَهديّ، هذا الفتى أقبل من نجد، فتنفس تنفُّسة ظننت أن كبِده قد انصدعت، ثم جعل يسألني عن واد واد وموضع موضع، وأنا أخبره، وهو يبكي أحرَّ بكاء وأوجعَه للقلب، ثم أنشأ يقول:

 ألا ليت شعري عن عُوارَضَتَيْ قَنًا *** لطول الليالي هل تغيّرتا بعدي

وعن عُلُوِيّات الرياح أذا جرت *** بريح الخُزامى هل تهبّ على نجد

ومن شعر المجنون كذلك نجد هذا الشوق العارم:

باتَتْ تَحِنّ وما بها وَجْدُ *** وأحِنُّ من وَجْدٍ إلى نجْدِ

فدُموعُهَا تَسقى الرّياضَ بها *** ودُموعُ عَيْني أَقْرحتْ خَدِّي

وبساكني نجد كلِفتُ وما *** يُغني لهم كَلَفي ولا وجدي

..

نختم القول عن نجد بما قاله أعرابي:

أكرر طرفي نحو نجد وإنني *** إليه وإن لم يدرك الطرفُ أنظرُ

حنينًا إلى أرض كأن ترابَها *** إذا مُطِرت عودٌ ومِسك وعنبر

بلاد كأن الأقحُوان بروضة *** ونَور الأقاحي وشيُ بُرد مُحبّـرُ

 أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي *** خيامٌ بنجد دونها الطرفُ يقصر

 وما نظري من نحو نجد بنافعي *** أجل لا ، ولكني إلى ذاك أنظر

وهناك مقطوعات أخرى أثبتها ياقوت في مادة "نجد"- في (معجم البلدان)، كما قرأت في ختام جولتي  البحثية هذه أن هناك كتابًا صدر في ثلاثة مجلدات، هو:

خالد بن محمد الخنين: (نجد وأصداء مفاتنها في الشعر)- ذكر فيه كل شعر فصيح ورد فيه اسم نجد، ويؤسفني أنه ليس في متناول يدي.

 

ب. فاروق مواسي

 

asmaa mohamadmustafaـ لاتظن نفسك مثقفا او أنّ لشهادتك العلمية قيمة إن لم تكن يقظا حساسا الى درجة مراعاتك أمورا دقيقة في التعامل او الكلام او الكتابة قد لاينتبه اليها غيرك . الرُقي طريقة تفكير لايمتلكها بعض من يحسبون أنفسهم مثقفين او أصحاب شهادات علمية .. الرُقي أسلوب حياة وكلام يؤثر في الآخر كي يغيره نحو الافضل وليس لزيادة مساحة الجهل والكراهية والسخرية من الغير .. الرُقي شهادة تمنحها جامعة الحياة لمستحقيها فقط .

***

ـ موجعٌ  أن تتحول قلوبنا بين أقدام الأقدار والمصادفات الى كرات يجري تقاذفها بين مرمى اللقاءات المفاجئة ومرمى الفراقات المريرة .. وأرواحنا المنفصمة عنا على المدارج تراقب وتأمل الفوز بأشواط الحياة، لكنها حين تعجز عن تسديد الأهداف، تظل تئن في انتظار لانهائي، حيث لاصفارة تعلن النهاية كما أعلنت البداية .

***

ـ لا تتمنَ العودة الى الماضي، لتصححَ أخطاءك الكبيرة، إذا كانت تلك الأخطاء قد أوصلتك الى جمال روحك الآن .

***

ـ في تقاويم العاشقين .. العمر ليس إلاّ مجموع لقاءات العشق، والزمن ليس إلاّ مجموع أحايين الشوق .

***

ـ إذا ماافتقدت في حياتك أشياء يحصل عليها آخرون، لاتشعر بالنقص، فقد لايكون النقص فيك بل في الواقع غير العادل، وقد يكون لديك أشياء لايملكها الآخرون، لكنك لاتدرك ذلك .

 

 أسماء محمد مصطفى

 

 

faroq mawasiكتب كتَبة الوحي القرآن الكريم (إذًا) بالألف في كل الآيات التي استخدمت فيها اللفظة، ومنها:

{أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا}- النساء، 53.

{وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إلا قَلِيلاً}- الإسراء، 76.

{وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً}- الأحزاب، 16.

والمشكلة هنا في تنوينها، فهل التنوين على الذال أم على الألف؟

بعض النحويين يرونه على الألف بدعوى أن جملة (إذن أكرمك) مثلاً-  أصلها إذا جئتني أكرمك، ثم حذفت الجملة (جئتني)، وعوض التنوين عنها.

الرسم القرآني يضعه على الذال.

لكن الرسم العثماني للمصحف هو رسم وقفي، أي لا يصلح للاعتداد أو الاحتجاج به، ونحن لا نكتب الصلوٰة والزكوٰة وجائ، وسْئَل، رحمت...إلخ.

جاء علماء العربيَّة فقرروا قواعد الهجاء والإملاء؛ واختلفوا في كتابتها بالنُّون، أو بالألف. وحُكِي عن علي بن سليمان، عن المبرِّد أنَّه قال:

 لا يجوز أن تُكتب (إذَنْ) إلاَّ بالنُّون، وقال: إنِّي لأشتهي أن أقطع يد من يكتبُها بألف.

( انظر: الجنى الداني في حروف المعاني للحسن بن القاسم المرادي، ص 11.)

....

أما أسباب رسمها بالنون فهي:

 أن رسمها بالنون يفرّق بينها وبين (إذا) الشرطية غير المنونة.

وثانيًا: (إذا) حرف، والحرف لا يدخله التنوين؛ لأن التنوين من خصائص الأسماء.

عارض المبرِّد بشدة كتابتها بالألف، لأنه رأى أنها مثل "أن ولن“، وهذا المذهب يستند إلى أنه يوقف عليها بالنون لا بالألف.

أخلص إلى الرأي أنه  يُفضَّل أن تكتب دائمًا (إذن) بالنون، وهكذا أكتبها شخصيًا في كل الحالات.

 ولكني لا أرى غضاضة في بعض الاستعمالات التي لا ينصب المضارع بعدها كالرياضيات أن تكتب (إذاً)، فلا بأس!

...

إذن- حرف جواب وجزاء، وهو نصب ينصب المضارع، وذلك بشروط.

شروط نصب المضارع:

1-  تَصْدِيرُها أي تكون رأس جملة، نحو:

سأزورك.

- إذن أكرمَك.

(تكتب إذن بالنون بسبب عملها، وعلى ذلك شبه إجماع في قواعد الإملاء)

2- اسْتِقْبَالُ المضارع، أي لا يجوز أن يكون في الحال مثلاً، نحو: إذن أكرمُك الآن (لاحظ رفع المضارع!)

3- اتِّصَالُها به، (أو انْفِصَالُهَا بِالقَسَمِ أوْ بِلا النافية)، يقال: أزورك، الجواب: "إذن أُكرِمَكَ".

 فلو قلتَ: "أَنا إذن..." لقلت "أكْرِمُك" بالرفع لفَوات التَّصْدِير.

إذا كان الجواب مسبوقًا بلا النافية، نحو: إذن لا أقصّرَ في واجبك، فيبقى الفعل منصوبًا.

وكذلك في القسم: إذن واللهِ أكرمَك.

..

أما إذا سُبقت (إذن) بالواو أو الفاء فلك الخيار في الرفع أو النصب (إعمالها أو إهمالها)، نحو:

إذن وأكرمًك، وإذن فأكرمَُك.

 

ب. فاروق مواسي

 

mustafa maroufiعتقد جازما أن ليس كل كلام موزون مقفى هوشعر حتى ولو دل على معنى، فمن أبرز خصائص الشعر التصوير الذييلعب فيه الخيال دورا رائدا لا يخفى، كما أعتقد أن العروض لا يجعل من المرء شاعرا، فالقصيدة إن لم تتوفر على المواصفات التي تجعل من الكلام شعرا فهي تكون نظما في أحسن الأحوال، ولا صلة لها بالشعر إطلاقا، وإلا لاعتبرنا ابن مالك وابن الجزري – الأول في النحو والثاني في علم التجويد – شاعرين كبيرين، وهما لا علاقة لهما بالشعر في منظومتيهما لا من قريب ولا من بعيد.

وكما نعلم فهناك آيات في القرآن الكريم جاءت موزونة عروضيا، ولا يمكن أن نقول عنها بأنها شعر أبدا، كهذه الآية الكريمة: [إنا أعطيناك الكوثر] – بحر المتدارك –،وهذه الآية الكريمة: [لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون].- بحر الرمل.

.بل إنني أزعم أن المرء قد يكون شاعرا في غياب العروض كما نرى في القصائد النثرية لمحمد الماغوط وأنسي الحاج مثلا. فالشعر تصوير وإيحاء وتلميح وتكثيف حتى تأتي الصورة الشعرية على أحسن وجه. وكثير من الكلام الموزون لا نجد فيه هذه المواصفات، فهو ليس شعرا حتى وإن زعم أصحابه أنه شعر.

إذا، فالكلام قد يكون شعرا حتى وإن خلا من الوزن، ويكون كلاما تقريريا لا صلة له بالشعر حتى ولو كان موزونا ومقفى. وقد يكون مقال صحفي أو صورة فوتوغرافية أفضل بكثير من قصيدة تتحدث لنا عن واقع كما هو مشاهد بالعين وتستشعره الحواس، إذ أن القارئ يعرف الواقع ويدركه ولكنه يريد أن يسمو بمعرفته تلك إلى الإدراك الجمالي للأشياء. وهو أمر لا يتحقق إلا في القصيدة المتوفرة على مقومات الشعر وخصوصياته.

ليس لي أي موقف من قصيدة النثر، فهذه القصيدة هي أول ماكتبت في مسيرتي الشعرية، وقد نشرتها في منابر ثقافية متعددة، صحف ومجلات، وسرت فيها شوطا لا بأس به، ثم بدا لي أن الحابل اختلط بالنابل فيها، وأن كل من استطاع أن يفك رموز الأبجدية بإمكانه الدخول إليها دون مراعاة لما يتطلبه الشعر من عناصر أساسية لوجوده، فاتجهت إلى القصيدة الموزونة، مع العلم أنني درست العروض قبل أن أكتب قصيدة النثر نفسها.

إن قصيدة النثر في نظري أصعب من القصيدة الموزونة – الشعر صعب كان قصيدة موزونة أم قصيدة نثرية – لأن ما ينقصها من موسيقى خارجية ينبغي أن يعوض عنه بعناصر أخرى كالإيقاع في المعنى والموسيقى الداخلية المتمثلة في تركيب الحروف داخل الكلمة، والكلمة داخل الجملة. وبطبيعة الحال فهذا العمل يتطلب مهارة من صاحبه، إذ المقصود في الشعر ليس هو تبليغ المعنى والمضمون للقارئ فقط، بل الشكل الذي حمل فيه المعنى أيضا. فكم من بيت أو قصيدة أعجبنا بها لا لما قالته بل للكيفية التي قالت بها .

حقيقة أنني أجد أحيانا في قصيدة النثر من الشاعرية والشعر ما لا أجده في القصيدة الموزونة، وللأسف فالقصيدة النثرية الحاملة للشعر نادرة جدا.

 

مصطفى معروفي

 

 

haseeb shahadaفي ما يلي ترجمة عربية لهذه القصّة، التي كتبها الكاهن الأكبر سلوم بن عمران ( شالوم بن عمرام، ١٩٢٢-٢٠٠٤، كاهن أعظم في السنوات ٢٠٠١-٢٠٠٤، عضو في البرلمان الفلسطيني ١٩٩٦-٢٠٠٤، معلّم، جزّار الطائفة، شمّاس) بالعبرية ونُشرت في الدورية السامرية أ. ب.- أخبار السامرة، عدد١٢١٣-١٢١٤، ٢٠ آذار ٢٠١٦، ص. ٢٥-٢٦. هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها ــ إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري فقط، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى أرجاء العالم. هذه الدورية ما زالت حيّة ترزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحررين، الشقيقين، بنياميم ويفت، نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

”الآن، بينما أجلس هنا على جبل جريزيم، في بيت المرحوم راضي صدقة، رحمة الله عليه، لا أصدّق أنّه أُخذ منّا، وها قد مرّت سنة على موته المبكّر، ولا نستطيع التمتّع بجلساته، جلسات الإخوة، حيث استمتعنا كثيرًا بقصصه الرائعة عن شيوخنا وآبائنا. منهم من عاصرناهم وعاشرناهم، إلا أنّ القصص من فم راضي ذات رونق خاصّ. لا نستطيع أن نستعيد ونتذكّر تلك الأيّام البعيدة، التي فيها انتمينا كلانا إلى تلك المجموعة من الفتية، التي كانت تعكّر صفو راحة سبوت وأعياد آبائنا.

.............

يحسّ القلب بالألم الشديد وبخاصّة عند اقتراب عيد الفسح، الذي كنّا ننتظره كلّ عام على أمل الجلوس يوميًّا، مع راضي والاستماع منه لما في جعبته من تجارب وحكايات. عيد الفسح يقترب حقًّا، وعمّا قريب سنسمع رنين الأجراس الصغيرة المعلّقة على رقاب الخراف المعدّة لقربان الفسح. إنّها تسير الهويْنا هنا وهناك، وتلحس عشبًا في اجترار لا نهاية له. هذا ينقلني إلى أيّام بعيدة، سنوات الأحداث وأعمال الشغب في كل أرجاء فلسطين في أواخر ثلاثينات القرن العشرين؛ حينها كان الاحتفال بعيد القربان في خانة شكّ كبير.

عاش السامريون في خوف شديد، نصبوا كلّهم خيامهم على الجبل، استعدادًا لعيد الفسح الذي كان على الأبواب، إلا أنّه لا أحد كان متأكّدًا من إمكانية الاحتفال بعيد القربان. خفنا كثيرًا، خفنا من إشعال المَشْعلات لئلا يفسّر كعلامة تأييد لأحد الأطراف المنخرطة في الأحداث وأعمال الشعب، ولكن كما هي الحال دائمًا، وضعنا ثقتنا بالله، تبارك اسمه.

أحد وجهاء المدينة، أكرم زعيتر، كان رئيس البلدية سنوات طويلة [١٩٠٩-١٩٩٦، أديب وسياسي قومي ومعلم]، وأذكر أنّه توجّه ذات يوم لأبي عمران وقال له بقلق متعاطفًا معه: ”ماذا سيحلّ بكم هذه السنة، أيّها السامريون؟ ألا تظنّ أنّه ربّما لن يسمح لكم هذه السنة بالاحتفال بعيد قربانكم؟“ هزّ والدي رأسه بحزم قائلًا: ”ليكن ما يكون، على كلّ حال، سنقوم بفريضة الفسح“.

بخوفي الشديد تعجّبت من جواب أبي. لم أدر من أين استمدّ ثقته الجمّة، كنت آونتها فتى، ولم أُعر الأمر أهمية كما فعل البالغون. بدا الأمر يسيرًا في عينيّ كفتى، ومع هذا، تسلّلت الخشية إلى القلب.

”ما مشكلتكم؟“ سأل أكرمُ أبي. شغل أبي، عمران، آنذاك سكرتير الطائفة، وأجاب ”لا نملك نورًا كافيًا لإقامة القربان، يبدو أنّ الشتاء لم ينته بعد، وما زالت الأمطار تنهمر بغزارة، ولذلك هناك خشية  في أنّنا سنقيم قربان الفسح  في ظلام دامس“.

تعجّب أكرم زعيتر أيّما تعجّب من إجابة والدي، العالم كلّه كان مشغولًا بالأحداث [ثورة ١٩٣٦]، أمّا السامريون فشغلهم الشاغل كان: ّهل سيكون النور متوفّرًا في عيد قربانهم أم لا؟ ابتسم وقال لأبي: ”أيّها الكاهن، لا عليك، كلّ شيء سيكون على ما يرام، إنّي أعرفكم يا سامريون، حتّى ولو هطل الثلج، فإنّكم ستقيمون قربان الفسح كما ينبغي بالكامل“. أنتم خاصّون في إيمانكم، لا نظيرَ لكم في العالم كلّه، أنتم شعب قوي جدّا.

بدأ أبي يشكّ في أقوال أكرم زعيتر، هل حقًّا نحن أقوياء لهذا الحدّ، يا ليت صدق، فلماذا إذن نشعر بأنّنا ضعاف لهذا الحدّ؟ حان يوم القربان، أنهى السامريون آخر تحضيراتهم وخبزوا المصّة؛ كان الجوّ عاصفًا، السماء متلبّدة بالغيوم السوداء الكثيفة، والظلام أخذ يرخي سدوله.

قُبيل حلول المساء بساعة، بينما كنّا ماشين نحو خيمة الكاهن الأكبر، توفيق بن خضر (متصليح بن فنحاس)، لدعوته إلى مكان القربان، توقّفت فجأةً سيّارة أمام خيامنا، وفيها كان الوجيه رضوان النابلسي من بلدية نابلس. كانت سيّارة شحن كبيرة، أمر رضوان سائقها بالتوجّه بها إلى الوادي، [العُرضي] حيث مكان القربان. وقفت الشاحنة على الشارع من على مكان القربان وعليها رافعة كبيرة. ثبّت على الرافعة بأمر رضوان مصباح ضخم جدّا أضاء كلّ باحة مكان القربان.

وعندما سأله والدي: من الذي أرسلك؟ أجاب رضوان: لا أعرف شيئًا، إنّي لستُ مسؤولًا، إنّي أنفّذ فقط تعاليم رئيس البلدية، أكرم زعيتر [هنا وقبل ذلك كتب الاسم خطأ بالطاء وبدون الياء، زعطر] لا أكثر ولا أقلّ. نور ساطع كبير أضاء مكان قربان فسح العام ١٩٣٦. والدي، الكاهن عمران بن إسحق، رحمه الله، علم أنّه حتى بدون هذا الضوء، لا بدّ من القيام بقربان الفسح“.

 

ترجمة ب. حسيب شحادة

جامعة هلسنكي

 

أما طمحت نفسك يوما للكشف عن هذا العالم الفسيح ... أما خطر ببالك ان تدخل هذا الميدان الواسع وتغور بمخابئه .. اما انا فاني اقف بين الحيرة والإبهام فتارة تلالا ثناياه في خاطري وطورا يخاصمني الحظ فيزيغ صوابي لهذه الزعزعة .

ولقد انست في نفسي نفحة الفطرة التي ايقظت شعوري وأنعشته فأتيح لي شرح هذا العنصر الهام في حياة هذا المجتمع المتفاني في تمجيد السعادة وسرها العظيم واثرت ان الخص هذا المفهوم العميق فيمفردات قصيرة الا وهي ...المراة شجرة ذات جذع وفروع وثمار ولانها ذات وسام شريف قلدها اياه رب الخليقة فالاحرى بها ان تتخذ مملكة النبوة لتمنحنا النماء وتهدي ظالتنا .

... انها المراة ... تلك الواحة العظمى وهاانا لو خيرت من أي الابواب ادخل هذه الواحة لاخترت باب الامومة ... هذا المعبد المشيد باهات هذه الاجيال ولنقل هذه المركبة الوديعة التي امتطاها البشر وابحر بها حياته فما ركنت لشاق الدهر ولا لزعزعة الاحداث وما توقفت قط عند ميناء منذ دبت الحياة على هذه البسيطة ...بل منذ نفخ الله الروح في جسد حواء ... فهي التي انطقت الجماد بقلب يسيل بالعضات وهي الابية التي تعلو الى سماء الانسانية لتنسق في كل يوم اكليلا يانعا وتجعله بمزهرية الحياة وهي التي تتولى حراسة طفلها وتمده بلطفها وعنايتها فاذا ما انضجته وهذبته قدمته للحياة انسانا .

... انها الامومة ...وانك لو فتشت بكيانها الغامض لاتضح لك بانها ذاك الجندي الباسل الوقور ... وتلك الوسيلة النفاذة لمدارك الحياة والممهدة لسبل المعيشة ...فهي الام والمربية والزوجة والمعلمة الطبيبة والصديقة الاديبة والشاعرة .انك لو تصفحت حياتك تمعنت بها النظر لجدت نفسك ذاك الديوان المدون بمهجة الامومة ..ذاك القصيد المنظم الذي سكبته روح الامومة فاحبرته على صفحة الزمان هي تناجيك عندما كنت غضا غريرا عندما كان جهلك مراحك عذبا جميلا تضاهيه حلاوة الفولة ونعومتها .

لوانك ازمعت الرحيل لاي اتجاه من الحياة لكانت لك هي البوصلة التي تتجه بها ..بل يتجه باتجاهها الالاف والملايين..ولو شعرت بحاجة الى الفرار لمواطن نائية فاي صدر يتسع لمحنتك سواها ...اليس هي البسمة الباكية والدمعة الضاحكة والامل الوردي الذي ملا افاق الوجود واختلجت له نبضات القلوب.

فما احرانا لمجتمع ترعاه الامومة بدورها التربوي فنستمد من ينبوعها رحيقا للنفوس المتعطشة .ونواة القول ان هذه الواحة المتعددة الابواب والتي امتطى جسرها الحكماء وتغنى بها الشعراء فقالوا عنها الام مدرسة فمن هنا نستوحي مغزى شديد العمق حيث نهتف بالامومة لانها تحتضن في ذاتها اسمى المعاني وتجمع بين طياتها جل الادوار وانبل المساعي وارقى المبتغيات . 

        

نصيرة بحورة

 

faroq mawasiاعتاد الشعراء العرب أن يصفوا الممدوح: فهذا شجاع كالأسد، وذاك كريم كالبحر، وهو في مضائه كالسيف، وظل هذا مألوفًا لدى الشعراء والمتلقين، ولنسُق بعض النماذج من ذلك:

بشار بن بُرد:

يُغادي الوغى كالليث في حَومة الوغى *** وفي الخَفضِ كالبازيِّ راح على اليد

أبو فراس:

كان ابن عمّي إن عرا حادث *** كالليث أو كالصارم الصاقلِ

البحتري:

إلى متى تُتبع النُّعمى نظائرها *** كالبحر يتبع أمواجًا بأمواج

ابن الرومي:

هو البحر حدِّثِ الناس عنه ولا حرج

ابن الرومي:

فطلعتَ كالسيف الحسام مجرَّدًا *** للحق أو مثل الهلال مجَددا

..

لكن هناك من خرج عن هذا المألوف، ورأى في مثل هذه  الأوصاف إساءة للممدوح.

هنا سأذكر ذلك بسبب جدّة الطرح في نقد الفِطرة:

..

"حضر أعرابي مجلس الأصمعي.

 فقال: أيكم الأصمعي؟ فقال الأصمعي: أنا ذاك،

 فقال: أتأذنون بالجلوس؟

 فأذِنا له، وعجبنا من حُسن أدبه مع جفاء أدب الأعراب.

قال: يا أصمعي، أنتَ الذي يزعمُ هؤلاء النَفر أنك أثقبهُم معرفة بالشعر والعربية، وحكايات الأعراب؟

 قال الأصمعي: فيهم من هو أعلم مني، ومن هُو دوني.

 قال: هل تنشدونني من بعض شعر أهل الحضر حتى أقيسَه على شعر أصحابنا؟

 فأنشده الأصمعي شعرًا لرجل امتدح به مَسْلمة بن عبد الملك:

أمَسلمَ أنتَ البحرُ إن جاءَ واردٌ ***  وليث إذا ما الحربُ طارَ عُقابُها

وأنت كسيف الهنْدُوَانِيّ إن غدَت ***  حوادثُ من حربٍ يعبّ عُبابها

وما خُلِقت أُكْرومَةٌ في امرئٍ له ***   ولا غاية إلاّ إليك مَآَبُها

كأنك ديَّانٌ عليها مُوَكَّلٌ   ***  بها، وعلى كفيك يَجرِي حِسابُها

إليك رحلْنَا العِيسَ إذ لم نجد لها *** أخا ثقة يرجَى لديه ثوابُهَا

..

قال: فتبسَّم الأعرابي، وهزَّ رأسه، فظننا أن ذلك لاستحِسانه الشعر.

 ثم قال: يا أصمعيّ، هذا شعرٌ مهَلهَل خَلَق النسج، خطَؤه أكثر من صوابه، يغطي عيوبَه حسن الرَوِيِّ، ورواية المنشد؛ يشبّهون الملك إذا امتُدح بالأسد، والأسد أبْخَر شَتيم (كريه) المَنظَر، وربما طرده شِرْذِمَة من إمائِنَا، وتلاعَب به صبياننا.

 ويشبّهونه بالبحر، والبحرُ صَعْبٌ على مَن رَكبه، مُرّ على من شربه.

 وبالسيف وربما خان في الحقيقة، ونَبَا عند الضِّريبة".

(الحصري: زهر الآداب، ج1، ص 400)

..

نحو ذلك ما ورد في كتاب أبي هلال العسكري (ديوان المعاني) ج1، ص4:

"أخبرنا أبو أحمد قال: سمعت أبا بكر - يعني ابن دُرَيد - يحكى عن أبي حاتم قال:

 قال الأصمعي سمعت أعرابيًا يقول: إنكم معاشر أهل الحضر لتخطئون المعنى، إن أحدكم ليصف الرجل بالشجاعة فيقول كأنه الأسد، ويصف المرأة بالحسن فيقول: كأنها الشمس، لم لا تجعلون هذه الأشياء بهم أشبه؟

...

من نقد الفطرة كذلك ما رواه الأصمعي:

حكى الأصمعي قال: كنت أقرأ: {والسارقُ والسارقة فاقطعوا أيديَهما جزاءً بما كسَبا نكالاً من الله والله غفور رحيم}، وبجانبي أعرابي، فقال: كلام من هذا؟

فقلت كلام الله.

 قال: أعد!

 فأعدت، فقال: ليس هذا كلام الله، فانتبهت، فقرأت: والله عزيز حكيم.

 فقال: أصبت، هذا كلام الله.

 فقلت: أتقرأ القرآن؟

 قال: لا.

 فقلت: فمن أين علمت؟

 فقال: يا هذا، عزَّ فحكم فقطع، فلو غفر ورحم لما قطع.

(العاملي، الكشكول، ج1، ص 233)

...

من الأعراب وردت لقطات جميلة دوّنتها كتب الأدب، وهي ذات موقف نقدي يعلله صاحبه، وقد يكون الموقف إشاحة أو عدم رضا، فمن ذلك ما ساقه لنا التوحيدي:

"وقف أعرابيٌ على مجلس الأخفش، فسمع كلام أهله في النحو وما يدخل معه، فحار وعجب، وأطرق ووسوس، فقال له الأخفش: ما تسمع يا أخا العرب؟

 قال: أراكم تتكلمون بكلامنا في كلامنا بما ليس من كلامنا."

(أبو حيان التوحيدي: الإمتاع والمؤانسة، ج2 ص 139.)

فما أبدع الفِطرة!

 

ب. فاروق مواسي

 

 

أحاور بعض الأخوة الناشرين أحيانا حول الترجمة لكبار الأدباء الذين ملأوا الدنيا وشغلوا الناس في زمانهم لكنّ النسيان طواهم وتقادم الزمن على إنتاجهم، أو بالأحرى لأنّ الفرصة والصدفة لم تتهيأ لقارئنا العزيز ليطلع على ما كتبوا وليعجب بما بهروا به مواطنيهم والأوربيين على مدى عقود وقرون.

ما ذنب أيّ علم من أعلام الرومانسية الإسبانية أو الواقعية أو الانطباعية الذين شغلوا الأدب الأوربي على امتداد القرنين التاسع عشر والعشرين؟ لم يسمع الكثيرون منّا إلا بالروائي بلاسكو إيبانيث الذي حالفه الحظ حين عرضت السينما الأمريكية واحدة من رواياته الرائعة (دم ورمال Blood and Sand) التي مثّل بطولتها (تيرون باور) و (رينا هيوارث) فمنحا مؤلفها الشهرة والحياة.

وماذا عن أونامونو؟ وماذا عن كلارين؟ وماذا عن بيو باروخا؟ وآثورين؟ وغالدوس؟ وباردو باثان؟ وعن خوان باليرا؟ وعن أورتيغا أي غاسيت؟ وماذا عن جيل الـ 98 الذين لا يذكر أحدهم إلا وذكرنا بأدباء النهضة العربية الثقافية والفكرية والأدبية؟

ونأتي على جيل شعراء الـ 27 فلا نعرف منهم إلا لوركا وألبيرتي وهما اثنان بين أكثر من دزينة لكلّ منهم طعمه ومذاقه وعبقريته وأسلوبه المتفرد.

ونعبر إلى أدب الحرب الأهلية وما بعدها. والمسرحيين، كبار المسرحيين، ممن يعرفهم العالم كلّه ولا يعرفهم قرّاؤنا، لمجرد أنّ متطلبات السوق لا تسمح بالمغامرة. فمتى يتعرف قراؤنا على هؤلاء؟

لن يعرفوهم.

وما يقال عن الأدباء الإسبان يقال عن أدباء أمريكا اللاتينية: فإمّا إيزابيل أيندي أو بارغاس يوسا أو غارثيا ماركث أو بورخس أو لا!

لا أرى ما يجري في عالم النشر منصفا لأنّ الأضواء تتحول مدفوعة بالسوق عن عظماء "مجهولين". ليس لأنّهم كذلك بل لأن توجهات النشر عندنا لا تريد المغامرة.

لن يعرف قارئنا هؤلاء والحال هذه وسيبقى أسير أسماء مكررة، رنّانة، طنانة، وإن كتبت تفاهات بعد روائع. وسيقى الآخرون مطمورين لا يغامر أحد بانتشالهم من أضرحتهم التي رقدوا فيها.

أرى أن الأوان قد آن لرسم سياسة جديدة في النشر تعيد لهؤلاء الكبار حقوقهم واعتبارهم وتضع ثقتها لا في الأسماء والصرعات وفي سياسة " الجمهور عايز كده" بل في معايير الجودة الحقيقية التي تجعلنا ننشر لأحلام مستغانمي وكوليت خوري وعلاء الأسواني من دون أن نغفل ما كتب سلامة موسى وتوفيق الحكيم والرافعي والعقاد وجبران. 

 

د. بسّام البزّاز

    

kamal alhardiمشاعر الحب العاطفي بين الذكر والأنثى ظاهرة إنسانية لا تختلف في جوهرها لدى الإنسان الأبيض القاطن في القارة البيضاء أو البني القادم من الهند والسند أو الأحمر المطل علينا من أرض المكسيك أو الأصفر ذي العينين اللوزيتين الصينيتين أو الأسود الوافد من أحراش أفريقيا جنوبا".

كل تلك التباينات في لون البشرة أو في سلالة العرق أو في طبيعة الجغرافيا لا ترتبط بعلاقة عضوية مع وجود مشاعر الحب وميل الإنسان نحو محبوبه، إلا أن تلك العوامل تؤثر نسبيا في كيفية بلورة مشاعر الحب. فالمثال يترجم حبه بمنحوتة، والموسيقار بمقطوعة موسيقية، والرسام بلوحة، والشاعر بقصيدة، والسياسي ب...!! بلا شيء. كل تلك الترجمات قد تتباين في الكيفيات والهيئات وفقا لطبيعة المكان والإنسان، لكنها لا تختلف في الجوهريات (مشاعر الحب).

ولنأخذ على ذلك مثلا في قوالب اللغة وخصوصا الشعرية منها أو النثرية، وكيف أن البيئة تلعب دورا محوريا في بلورة أحاسيس العشق والغرام؛ ففي أجزاء من الريف الفرنسي أو الإنجليزي تتساقط الثلوج في فصلي الخريف والشتاء فتختفي أشعة الشمس وتتناقص درجات الحرارة، فتجد العاشق في تلك البيئة الثلجية ينظم شعرا بتفعيلتهم الخاصة قائلا:

في إحدى ليال الشتاء

عبرت الطريق متدثرا بمعطفي ووقبعتي

لكنني ما فتئت أشعر ببرد الشتاء

وثلج الشتاء

فتمنيت رشفة ساخنة من كوب قهوة

لكن طيف من خيالك لاح لي!

فتذكرت دفء حبي لك وحبك لي

فصار بساط الثلج على الشارع

حديقة مشمسة غناء

وما عدت بحاجة لمعطفي وقبعتي

فقد غدوت عصفورا يغرد في السماء !

بينما العربي في صحرائه لا يعرف المعطف وبساط الثلج، بل يعرف قيض الصحراء وأوار حرها، ولذلك ستجد العاشق منهم يتغزل في محبوبته مقارنا إياها مثلا بجداول الماء وظلال الشجر حيث لا عطش ولا شمس:

وأمطرت لؤلؤا من نرجس وسقت♡♡  

  وردا وعضت على العناب بالبرد

ولن يقتصر العاشق العربي على ذلك، بل لربما انعكست بيئته الصحراوية النزاعة إلى القتال في شعره الغزلي ليقول:

دع عنك ذا السيف الذي جردته

عيناك أمضا من مقاطع حده

كل السيوف قواطع إن جردت

وحسام لحظك قاطع في غمده

وهكذا فإن حرارة الحب جذوة لا تخبو ولا تنطفئ في قلوب البشر بمختلف أشكالهم وسلالاتهم وأعراقهم ، وستظل تلك الجذوة متوهجة بألوان بيئات مشاعرهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم.

 

كمال الهردي - كاتب وروائي يمني

 

 

khahtan alseadiحين تتصفح كتابها ."أحببتك فصرت الرسولة"، تستحضر روحها فتجدها القديسة المتبتلّة في عالم اللاهوت تتلاقح افكارها مع العشق الالهي ومكنونات القيم الانسانية، وهي تتجلى في عالم التصوف حتى تمازج افكارها الانسانية مع عشق الرب بنبرة صوفية كأنها من تلامذة محيي الدين بن عربي او جلال الدين الرومي.

تكتب حتى ينساب من قلمها أدب حر وابداع ثرّ ...ترى نعم الحياة ومتعة العارف بمكنونات صفاء الروح، حتى وسط ركام الدمار وتحت أزيز الرصاص، تصف الحرب حتى تقول انها محطة زائلة وستنبت كل قطرة دم سنبلة ووردة.

تتعاشق مع الصليب رمزا ابويا للتضحية والفداء من اجل غد أفضل مؤمنة باللاهوت والأقدار حتى تعانق الآلهة لتنجب الامل والعطاء.

أنثى لا ككل النساء "إلا حبيبتي"، تعشق روح القبلة وترقب اللقاء بدقات قلب لموعد لم يكتمل، او تمارس قداسة العبث الطفولي والعتب الصبياني في رحاب الآلهة وبين أركان القصيدة حين تقول:

"يا إله الغضب في الهيكل الرخام اجعلني رحيمة في لعنتي:

فلتسقط الابتسامات عن وجوه عارضات الأزياء الغبيّات

ولتسقط اللوحات النادرة عن جدران المتاحف الآمنة

ولتسقط الجدران على رؤوس الأموال المجمّدة

ولتسقط الأقنعة عن وجوه العشّاق الحائرين

ولتسقط الأبراج المزروعة في الرمل الحاقد

ولتسقط النيازك والنجوم والكواكب والأقمار

ولتندم السماء على ما فعلته حين لم تدفن آدم وحوّاء تحت شجرة التفّاح

ولينفجر قلب الأرض الذي ناء بريائكم

ولتجفّ الأنهار التي لوّثتموها بأقذاركم

ولترمَ هذه الكرة الزرقاء الدائرة حول نفسها كالمجنونة

إلى جوف الجحيم

فيركلها الشيطان إلى نار حقده

تحت أنظار إلهٍ ندم

لأنّه استراح في اليوم السابع

ولم يمحُ مسودّة الخلق التي خربشها في لحظة شعر!"

شاعرة وكاتبة، ناسكة متمردة، وحرة مقيّدة كأنها تجمع المتضادات تكتب للموت والميلاد والظلام والضياء كأنها على خطى السياب حين يكتب التضاد في أنشودة المطر:

"والموت والميلاد والظلام والضياء

فتستفيق ملء روحي نشوة البكاء

كنشوة الطفل اذا خاف من القمر

كان اقواس السحاب تشرب الغيوم"

وها هي اقواس ماري القصيفي مشرئبة تبتلع الحزن وتعزف للحياة لحنا خالدا، يتماهى مع لونها الفينقيّ وقدرها اللبناني، بروح إنسانية وثبات فكري يدندن في ربى لبنان معزوفة الخلود.

ماري القصيفي أيقونة خجلى لامرأة ثكلى بنواح العارفة العابثة والعاشقة المتمردة والروح المرتدة السابحة في بحور العشق الالهي المغمس بعطايا الرب.

إنه لمن الغرابة ان تقوم مدرسة في زوايا لبنان وتلامذة أفاضل بطقوس الفرح لمعلمة جليلة في اروقة المدرسة، ولم نجد تلك الاحتفالية بتجمع جماهيري يضم النخبة الفكرية والأدبية  في شارع الحمرا وسط بيروت لتكريم كاتبة تناغمت مع الكلمة حتى صارت بيرقا وتراقصت مع القصيدة حتى صارت لحنا خالدا.

 

قحطان السعيدي