الشاعر ولا شك من المساهمين بالتجديد والتطور في المجتمع، ويندر ان نجد شعبا خاليا من الشعراء الذين يحملون راية التجديد على اكثر من صعيد. اذاً لماذا الاستخفاف بالشاعر؟ صحيح ان للشعراء احلامهم الطوباوية وعوالمهم الخيالية واوهامهم البعيدة احيانا عن الواقع، لكن ذلك لا ينفي دورهم التجديدي في المجتمع رغم انحسار دور الشعر على المستويين الثقافي والاجتماعي نتيجة لتطورات الحياة وابتعادها على مر الزمن عن الاوهام والطوباوبة. وهما التهمتان الجاهزتان للشعراء، مهما كان دورهم واهميتهم في الحياة الثقافية.

الشاعر لدى البعض ليس اكثر من رقم يضاف الى جيش العاطلين الموهومين الذين اختاروا العيش على هامش المجتمع ولا يجرؤون على خوض غمار الحياة الحقيقية والواقعية. لا نريد ان نفلسف علاقة الشاعر بالمجتمع، لكن هناك فعلا بعض الشعراء يتخذون من العزلة عن المجتمع بذرائع شتى منطلقا لهم في عالم الاوهام البعيد عن الحياة واشكالاتها وتعقيداتها الثقافية والاجتماعية والسياسية وسواها ممن ينطبق عليهم في "كل واد يهيمون يقولون ما لا يفعلون".

ليس من المطلوب انخراط الشاعر بالقضايا السياسية والاجتماعية لانه ليس سياسيا او مثقفا حزبيا وما شابه ومن الضروري التفريق بين الشاعر المبدع المجدد والشاعر ـ السياسي او ما يسمى: "البوق" لانه ليس مبدعا سواء كان شاعرا ام لا، وصفة الاوهام التي غالبا ما تطلق على الشاعر هي في الحقيقة جزء من الخيال الفعال للشاعر الذي دائما ما يكتنفه الغموض فينسب الى الاوهام او "التبطر" والابتعاد عما هو واقعي وحقيقي ومؤثر في المجتمع. ويعتبره او يصفه البعض بـ "الخزعبلات" التي لا تقدم ولا تؤخر.

وأبعد من ذلك التصاق الشعر بالكذب حتى قيل "احسن الشعر اكذبه"، ولا نعرف هل هذا ذم بصيغة المدح ام العكس، ولكنه يعكس مدى الاستخفاف وتسفيه الشعر والشعراء. وهذه المقولة وغيرها الكثير مما يشابهها، تعكس الى حد كبير النظرة الاجتماعية المتخلفة للشاعر.

بينما نجد الشاعر في الماضي كالعصر الجاهلي وما تلاه اكثر احتراما ومنزلة عما هو عليه في عصرنا، ولقب بلسان القبيلة او شاعرها وصحيفة اعلامها. ونتيجة لانتفاء الحاجة له بدأت منزلته بالتراجع ليتحول في عصرنا الى كائن شبه معزول باختياره او عدم تقبل عوالمه الوهمية وابتعاده عن الواقع الحقيقي المعاش بسلوكه واوهامه، وربما تكبره كذلك ونظرته التي لا تخلو من التعالي على المجتمع وانشغالاته.

وينسى المشنعون ان الموسيقى التي نسمعها في كل مكان، مستنبطة من الاشعار قديمها وحديثها. والاغاني التي تطربنا ونستمتع بسماعها عبارة عن اشعار ملحنة، والموسيقى دائما ما تخفف الكثير من الاعباء النفسية والحياتية للانسان. وانتفاء مهمة ودور الشاعر او وظيفته كلسان حال القبيلة في عصرنا لا تدعو الى الاستخفاف بالشعر والشعراء، او التقليل من دورهم في المجتمع، ولو كان ترفيهيا وموسيقيا في نفس الان، مع الاعتراف ان الشعر ظل يراوح بمكانه منذ منتصف القرن الماضي وستينياته بدون ان تصابه عدوى التجديد والتطور التي اجتاحت حياتنا.

وهناك الكثير من الوسائل الحديثة التي ادت الى تراجع الشعر والشعراء وفقدانهم لمكانتهم الاجتماعية، لوجود وسائل حديثة تعوض دوره المهم سابقا؛ فقد كان الشعر احد المصادر المهمة لتطوير اللغة واستنباط الجديد كمثال، ولكنه في عصرنا فقد هذه الميزة المهمة لتدني مستوى الشعراء اللغوية والشعرية، حتى اعتبرت الكثير من الاشعار عبارة عن هلوسات مسيئة للغة ومكانة الشعر في الحياة الخاصة والعامة، لكن مثل هذه الاحكام لا يمكن اطلاقها جزافا على الشعر والشعراء. ومن خلال النقد يمكن تحسين واقع الشعر واعادة لو جزء يسير من مكانته السابقة.

نحن ما زلنا بحاجة الى قراءة الشعر الجيد والتفاعل معه، وسماع الموسيقى والغناء المستنبطة منه، مما يعني اننا رغم النظرة السلبية التي تكتنف الشعر والشعراء في عصرنا، ما زلنا بحاجة الى وجود شعراء حقيقيين، لان الشعر مهما قيل عنه يبقى احد المصادر الثقافية في المجتمع، ولا يمكن ان ينتفي دوره في حياتنا مهما قل عدد قرائه ومتابعيه او تراجع الاهتمام به على المستوى الشعبي والرسمي.

لا يمكن ان نستخف بالشعراء رغم كثرة المدعين والنظامين والمقلدين، لان الشعر يبقى احد الاعمدة المهمة في الحياة الثقافية في المجتمعات كبقية النشاطات الثقافية والابداعية الضرورية في المجتمع. وجزء كبير من اللوم يقع على الشعراء انفسهم لسخريتهم من بعض وهجائهم لبعض، وصراعاتهم العقيمة لدرجة انصراف المتابعة لقسوتها وادعاءاتها ومكرها في الكتابة والشعر. وقال احد الشعراء في ذلك:

(عــاتبني الــشّعر ذا إكــاف وقال لي: االله منـك كـاف).

ولكثرة المقلد والمكرر والمنحول منه من بعضهم البعض، سواء في عصور ازدهار الشعر او وقتنا الحالي، حيث فقد اكثر الشعر رشده، واختلط الحابل بالنابل، وصار الشعر كالسياسة مهنة من لا مهنة له. ولم يعد للقب الشاعر بريقه الماضي، كما يتوهم بعض الـ"شعراء" المعاصرين. ورغم ذلك من الاجحاف تأييد مقولات مثل انحسار الشعر وهامشيته في الحياة الثقافية او تراجعه وانحسار اعداد قرائه في العراق او الوطن العربي، برغم واقعية هذه المقولات والاستنتاجات.

ويبقى الشعر مهما قيل وكتب، احد المصادر الثقافية المهمة في حياتنا الثقافية والاجتماعية، برغم عدم اجتراحه للجديد والمبتكر منذ اكثر من نصف قرن، وأحد الاعمدة المهمة في الادب، ولا يمكن الاستغناء عنه في الحياة الادبية والثقافية للشعوب وآدابها وفنونها على مر العصور، برغم ان القسم الاكبر من الشعر في عصرنا، عبارة عن تقليد فج لشعر شعراء سابقين ومعاصرين وخال من التجديد والابتكار.

ولم يسلم من المقلدين شعراء الصوفية وعوالمهم العرفانية من التشويه والاساءة على يد بعض الشعراء لاقتحامهم روحانياتها بشكل فج وسطحي ـ شعرا وفكرا ـ، لان حياة الصوفي المتقشفة الى ابعد الحدود والمجردة من الدنيا لا تنفصل عن شعره ونثره، كما لا يتلاءم هذا الشعر المقلد مع عوالم الصوفية سواء بطريقة الاداء او اللغة المرمزة على وفق عوالمهم الروحانية الخاصة. ويمكننا ان نصنف ذلك او ارجاعه الى عجزهم عن اجتراح الجديد، او خلق عوالم شعرية خاصة بهم وبعصرهم، مما يلجئهم الى التقليد، الذي لا يضيف جديدا الى الشعر المعاصر، وتميزه بمضامينه واشكاله وخصوصياته المعاصرة.

قد تنجلي تلك الزوابع من فناجين الشعراء بوقت قريب ربما، وتكشف بعد هدوئها عن شعراء حقيقيين يمثلون عصرنا وتميزه وانشغالاته وهمومه، كما كان يحدث بحقب الماضي من تأريخ الادب. ولان الشعر يبقى مهما قيل عنه رافعا راية الجمال والتجديد في حياة الشعوب والامم وتميز ثقافتها وفنونها.

والشعر ولا شك سيبقى احد الروافد الثقافية الاساسية لآداب الشعوب وثقافاتها حتى لو قل او تراجع الاهتمام به على المستوى الرسمي والجماهيري كما يحدث الان لكثرة المقلد والمكرر وعدم اجتراحه للجديد والمبتكر، المواكب لهموم  وانشغالات عصرنا الحالي ، سواء على صعيد اللغة او المواضيع او طرق واساليب الكتابة .

 

قيس العذاري

 

 

 

شاكر فريد حسنهناك الكثير الذي يمكن أن يقال عن القصة القصيرة الفلسطينية التي شقت دربها بشكل جيد، وصار لها تقاليد راسخة، ولها كتابها في الوطن ومناطق الشتات والمنافي القسرية. وثمة أجيال فلسطينية متعاقبة من المهتمين بالقصة القصيرة دون انقطاع، وكل جيل يورث الجيل الذي بعده الخصائص الفنية، ثم لا يلبث الجيل الآتي أن يضيف إلى ما أنجزه وحققه ما قبله.

لقد نشأت القصة القصيرة في الثقافة الفلسطينية قبل النكبة على يد مؤسسيها خليل بيدس ونجاتي صدقي ومحمود سيف الدين الايراني، وتعززت من قبل جبرا ابراهيم جبرا وغسان كنفاني وسميرة عزام وتوفيق فياض وإميل حبيبي واحمد حسين ومحمد نفاع ومحمد علي طه وكتاب مجلة " الأفق الجديد "، مرورًا بكتاب الضفة الغربية وقطاع غزة وحتى جيل ما بعد أوسلو.

وكان غسان كنفاني أحدث نقلة جديدة في مضامين قصصه التي عالجت مأساة الإنسان الفلسطيني بعيدًا عن التفجع والبكاء على الوطن السليب وانتج قصصًا تعنى بأعماق الإنسان والنفس البشرية، ونقده الفلسطيني لذاته على تقصيره في المقاومة، والتركيز على حالات التحول في المنفى والفعل المقاوم.

وواصلت القصة القصيرة الفلسطينية مسيرتها وتكديس الإنجازات، وقطعت شوطًا كبيرًا، وبلغت مستوىً يضاهي ما وصلته القصة القصيرة العربية، من حيث تنوع الأساليب والمضامين، والإيغال في التجريب، والتركيز على الهموم والقضايا اليومية والتعبير عن الذات والجرح والوجع الفلسطيني.

ودخلت القصة القصيرة الفلسطينية بعد النكبة في مجالات عدة أولها الرومانسية وثانيها الرومانسية الواقعية ثم الرومانسية الرمزية، وعبرت عن واقع الإنسان الفلسطيني وهمومه وتطلعاته.

وحاولت القصة الفلسطينية تحت حراب الاحتلال الصهيوني استلهام الواقع والتحريض عليه، وتناولت حالات التشتت والغربة والحواجز ومشكلة التصاريح والمعاناة اليومية في المخيمات وزيارات السجناء ومعاناتهم في الزنازين المعتمة وقضايا العمل واستغلال العمال من قبل المشغلين اليهود وغير ذلك.

والواقع الذي فرضه الاحتلال واقع مختلف في الصيغة والأسلوب، ولهذا فإن أسلوب التناول القصصي لهذا الواقع المفروض والقدرة على تثويره وضعت أمام القصاصين سبيلين : أسلوب التناول السردي وأسلوب الاقتراب من لهجة الشعر وأدواته، وتحولت اللغة في القصة القصيرة الفلسطينية إلى لغة معبأة ومحملة ببعض اللمحات الشعرية، وتنوعت ما بين الواقعية والتعبيرية الرمزية.

وعند بعض القصاصين الفلسطينيين تحولت الأرض إلى موال أو مونولوج يتحدث بأسلوب شاعري رمزي عن الأرض والوفاء لها، ولكن الرؤية عادة ما تغيم وتصبح الرموز غير قابلة للتفكيك، على الرغم من أن لغة القصة عادة ما تتمتع بالقوة ومتانة السبك والجمال الشعري.

واستطاع بعض القصاصين استخدام الماضي وتوظيفه في حركة الدفع والاستثارة عن طريق استخدام الحكاية الشعبية والاستعانة بالأسلوب الشعبي في القص، مما يمكن أن يوظف قدرة التخييل الشعبية في تثوير الواقع المعاش.

وفي مرحلة متقدمة يظهر في قصص الكتاب الفلسطينيين عبق الانتفاضة بجروحها وصمود أهلها في كل جملة وعبارة وعنوان واعتناء واضح بالأسس الفنية والجمالية الحديثة للفن الإبداعي القصصي واستحضار نماذج إنسانية ذات أبعاد خارجية وجوانية، من خلال السرد الفني إلى غايات في عناية باللغة وأساليب القص وفنون الشكل والفكرة والمضمون والموضوع والسرد والعناوين الدالة الموحية.

 

 بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

 

عبد الجبار نوريهو فيلم روسي 1926 يعبر عن كلاسيكيات الماضي، وقد أختير عام 1958 في معرض بروكسل وحصوله على جائزة أرقى فيلم مؤثر في تأريخ السينما لمشهد مذبحة مدرجات الأوديسا والتي أعتبرت من أعظم وأرق المشاهد السينمائية مدة العرض 45 دقيقة، المخرج "سيرغي أيزنشتاين" للروائي الكاتب "نينا أغادزنوفا" وهو فيلم صامت يؤرخ للثورة العمالية في مدينة سان بطرس بيرغ 1905 .

وتبدأ أحداث الفيلم في أحتجاج عمال السفينة المدمرة المدرعة بوتيميكين على الأوضاع المزرية، تعرضوا حينها إلى عقاب جماعي من قبل ضباط أمن المدمرة، مما دفع العمال الأنتفاض بوجه الضباط وأحتلال السفينة وأحتجاز ضباطها والمسؤولين عن السفينة، وترجل عمال السفينة مستلمين الشارع المؤدي إلى القصر الملكي الروسي بعد أن أندمج معهم أكثر من ثلاثة آلاف من سكان المدينة، وأنظمام الأسطول المكلف بأعتراض المدمرة بطاقمها الجنود والضباط وأفراد الأسطول إلى المحتجين والمنتفضين في المدرعة بوتيميكين، فهي حقاً شرارة أنتفاضة عمال بوتيميكين، فكان مطلب المتظاهرين السلمي فقط : أيصال أحتجاجهم وتظلمهم ومعاناتهم إلى الملك، فكانت بادرة القيصر (دمويّة) بأصدار أوامره للحراس القوقازي بأطلاق الرصاص على تلك التظاهرة السلمية من جمهور العمال المحتشد على مدرجات مدينة الأوديسا مما تسبب بقتل ألفٍ منهم وجرح ألفين في مشهدٍ دموي مهيب على مدرجات الأوديسا .

سرعان ما أنتشرت أنباء المذبحة المروعة ألى مدينة بطرسبيرغ لتلتحم مع ثورتها السالفة في 1905 .

أما تأثيرات أنتفاضة عمال المدرعة (بوتيمكين) على الصعيد الأممي:

-هو تحفيزعنصر الأرادة لدى الجماهير الكادحة لتحقيق التغيير لدى شعوب العالم الحرّة  للأقتداء  بثورة أكتوبر المجيدة في 1917، - أختيار مونتاج الأفلام ذي النزعة الثورية التي حدثت في المدرعة كنموذج ثوري واقعي في الأعلام الموجه لدى الشعوب المنتفضة  - أستقطاب أكبر تفاعل عاطفي للمشاهدين للمشاركة والتعاطف مع الثورة .

- وكان عرض الفيلم متزامناً مع ظهور أولى خيوط النازية، والواقعية الأشتراكية الوطنية، فبرع المخرج في التأثير على الفكر السياسي ويرجع لتأثير المخرج السينمائي سيرجي أيزنشتاين ونظريته وفلسفته في الفيلم السينمائي في الخلق عن طريق المونتاج الذهني ومزاوجة أفلامه و أفكاره مع الواقعية الأشتراكية العلمية، والأيمان بالتغيير كطريق للخلاص .

- حتى أن فيلم المدرعة بوتميكين أصبح نداً ومنافساً شديداً لهوليود حيث كتبت كبريات الصحف الغربية في ستينيات القرن الماضي أن {مدرعة بوتيمكين محقت هوليود} How Battleship Potemkin Crushed Hollywood بتلمس المتلقي الواعي بنفسه للفوارق المنهجية الأنسانية بين المدرعة التي تعتبر الأنسان أثمن رأسمال بينما هوليود تسعى إلى الربحية النفعية في شباك التذاكرونهجها الدام في أنتاج أفلام الخيال العلمي أللآعقلاني وأفلام الأكشن الرعب والأباحية المتهافتة التي ظهرت فايروساتها الطفيلية على جيل الأطفال والشباب المراهق .

 

عبد الجبار نوري - ستوكهولم

كاتب وباحث عراقي

 

 

ضياء نافعولد تولستوي عام 1828، وكان عمر غوغول آنذاك 19 سنة، وتوفي غوغول عام 1852، وكان عمر تولستوي عندها 24 سنة، اي ان تولستوي وغوغول عاصرا بعضهما البعض، لكنهما لم يلتقيا شخصيّا رغم انهما عاشا معا في روسيا، اذ لم يكن تولستوي قد بدأ مسيرته الابداعية الكبيرة بعد، اما غوغول فكان في أوج مجده الادبي، ولكن مع ذلك ورغم ذلك، فان الحديث عن علاقة تولستوي بغوغول اصبح الآن موضوعا واسعا وكبيرا في مسيرة النقد الادبي الروسي، ونحاول في مقالتنا هذه الاشارة – ليس الا – الى واحدة من اهم معالم هذه العلاقة بين الاديبين الكبيرين، وتعريف القارئ العربي بها، اذ اننا نظن، ان القارئ العربي لم يطلع على تلك التفاصيل التي قد تبدو صغيرة، ولكنها – في الواقع - مهمة جدا (وطريفة ايضا) في مسيرة الادب الروسي وتاريخه .

يتحدث الباحثون الروس عن عدة مراحل لعلاقة تولستوي بغوغول، ويختلفون طبعا بتقييم هذه العلاقة وحسب مواقفهم الفكرية تجاه ابداع غوغول وتولستوي، ولكنهم يتفقون ان ذروة تلك العلاقة حدثت في اعوام الثمانينات من القرن التاسع عشر، عندما بدأت ما يسمى بالازمة الروحية لتولستوي (على وفق التعبير السوفيتي، الذي كان سائدا في المصادر الروسية السوفيتية آنذاك)، وهي –  في واقع الحال – ليست أزمة، وانما يمكن تسميتها مرحلة التأمّل الروحي او الصحوة والاستيقاظ  او لحظة التفكير المعمّق في مجمل مسيرة الحياة الماضية، والتي يمر بها الانسان المثقف (وخصوصا المبدع) في كل زمان ومكان، وذلك لمراجعة صحة مسيرته الفكرية السابقة، وهل يجب عليه الاستمرار بها كما كانت سابقا، ام يعيد البناء الفني والفكري لمسيرته من منطلق آخر، تتقبّل (المسيرة) وجهات النظر الاخرى وتأخذها بنظر الاعتبار، وهذه المرحلة  تحدث عادة في مسيرة حياة الانسان المثقف، وحسب كلمات تولستوي نفسه – (...في شبابه او في سنوات نضجه او في شيخوخته، او على فراش الموت ...).

أعاد تولستوي في تلك المرحلة من مسيرته قراءة كتاب غوغول الاخير –  مراسلات مختارة مع الاصدقاء (انظر مقالتنا بعنوان – حول آخر كتاب أصدره غوغول)،  للمرّة الثالثة كما كتب تولستوي نفسه في احدى رسائله الى اصدقائه، وان الانطباعات لديه هذه المرّة (اي الثالثة)  أشدّ وأقوى من القراءات السابقة . العودة الى قراءة هذا الكتاب لم تكن عفوية ابدا، اذ ان تولستوي كان يعتبر هذا الكتاب تعبيرا دقيقا عن تلك الحالة الفكرية التأمّلية لغوغول  بشأن مسيرته الابداعية الماضية، والتي كان تولستوي نفسه يمرّ بها آنذاك، مرحلة تقييم واعادة تقييم المواقف الماضية تجاه كل شؤون الحياة . وفي هذه النقطة بالذات كان يكمن اختلافات الباحثين الروس حول تلك العلاقة بين الاديبيبن الكبيرين – غوغول وتولستوي، اذ كان الرأي السائد في الاتحاد السوفيتي حول كتاب غوغول (مختارات من مراسلات  مع الاصدقاء) هو موقف سلبي، الموقف الذي حدده بيلينسكي آنذاك في رسالته المشهورة الى غوغول (انظر مقالتنا بعنوان – حول بيلينسكي ورسالته الى غوغول)، ولهذا أطلقوا تسمية (الازمة الروحية لتولستوي) على تلك المرحلة من مسيرة تولستوي الابداعية، لانه عاد مرة اخرى لقراءة كتاب غوغول السلبي هذا، أما الرأي الآخر عند الباحثين هؤلاء، فكان يرى ان كتاب غوغول هذا هو التقييم الصحيح لغوغول، والذي قام به غوغول نفسه بشأن مجمل ابداعه في نهاية حياته، هذه الحياة التي  انهاها غوغول حسب رأي تولستوي بنضوج اخلاقي وانبعاث روحي .

 تولستوي بعودته الى قراءة هذا الكتاب لغوغول - وللمرة الثالثة - تعني تأييده – بشكل او بآخر - لموقف غوغول الفكري المحدد ذاك، وان هذا يعني (فيما يعنيه ايضا)، ان تولستوي كان غير متّفقا مع آراء بيلينسكي وموقفه المضاد من كتاب غوغول ذاك، على الرغم من ان تولستوي لم يذكرذلك ولم يتحدث عنه بشكل صريح ودقيق، وربما كان هذا الموقف يعني، مثلما علّق أحد القراء الروس، ان تولستوي العملاق أكبر من ان يتوقف عند هذه النقطة عندما يحدد موقفه الفكري من أي قضية كانت، فقد كان في روسيا آنذاك (وكما قال أحد كبار النقاد الروس في حينه) قيصران ولم يكن هناك قيصر واحد، وهما – قيصر الكرملين والقيصر تولستوي، وان قيصر الكرملين لا يقدر ان يؤثّر على تولستوي، بينما تولستوي يقدر ان يؤثّر على قيصر الكرملين ...

هذه هي بايجاز خلاصة الخلاصة بشأن موقف تولستوي تجاه كتاب غوغول (مختارات من مراسلات مع الاصدقاء)، الكتاب الذي أثار زوبعة من الآراء المتناقضة في تاريخ الادب الروسي، وهي زوبعة لم تخفت لحد الآن، علما ان النقد الادبي السوفيتي في حينه لم يأخذ بنظر الاعتبار رأي تولستوي هذا، وحاول تجاهله اصلا وعدم التطرق اليه بشكل عام عند الكلام عن الكتاب المذكور، وهذا موضوع آخر طبعا ... 

 

  أ.د. ضياء نافع

 

حسام عبد الحسين"دراما" العالم العربي قد نثرت العدالة والنزاهة والنجاح.. على جبين الأنظمة والحكومات العربية وهي تطل علينا كل عام في رمضان من مسلسلات وبرامج ولقاءات وإعلانات. وتتسابق القنوات الفضائية على أكثر الإصدارات لعرضها وعلى مدار ٢٤ ساعة، ضمن متابعة كبيرة للعوائل والأفراد بحرص ودقة.

لقد نجحت الأنظمة السياسية والحكومات في فرض إرادتها على "الدراما" عن الطريق "الربح الدعم الحماية"

وعن طريق التحولات الإقتصادية والسياسية والتدخلات العسكرية وفرض القومية والعشائرية والإعتماد على تاريخ مزيف قد أثر وبمرور الزمن على "الدراما" وحولها الى وسيلة لإنعكاس أخلاق السلطة على المجتمعات، ثم أفرغوها من محتواها الرفيع الهادف في تغيير وتطوير المجتمع وتوعيته في كسب حقوقه من السلطة الحاكمة الى جره للإسفل، بترويج غير مباشر؛ بأن تدهوره من فقر وجوع وإضطهاد ومأساة وتخلف وفوارق طبقية قاتلة للإنسان كلها نابعة من المجتمع ذاته وليس من السلطة، وبالتالي؛ خلقت السلطة حالة من الصراع داخل الطبقة المحرومة والمضطهدة ذاتها، لتكون هي (السلطة) في حماية مع رموزها ومستفيديها. ثم أعطت سقف منخفض لحرية التعبير ليتبجح به إعلامها المزيف.

فمثلاً؛ دَسَّ التخلف والرجعية والتجهيل، وإهانة وإضطهاد وضرب المرأة والتجارة بجسدها والترويج للخيانة الزوجية وزنا المحارم، وإعطاء صبغة وردية لعفة وإخلاص السياسيين ونزاهة الأغنياء وعدالة القضاة، وتقديس الرموز ورب الأسرة وعدالة الإعدام وتبرير القتل وتسويق المخدرات...الخ. هذا من جهة. ومن جهةٌ أُخرى قامت بضرب تدريجي لإنهاء النقد الأدبي الذي كان مؤثراً جداً في الستينات على غرار النقد الفرنسي للدراما ذات الطابع واسع التأثير ليس في فرنسا وحسب بل على "الدراما" العالمية عموماً.

وعليه؛ أصبح "الأقتباس" من الروايات والأفلام والمسلسلات الغربية هو المتبع في "دراما" العالم العربي. إضافة الى بعض العادات التي ترضي المجتمع. وبعبارةٌ أُخرى: حينما نرى أن المخرج والمنتج والكاتب لدراما معينة واحد نستنتج مدى تأثير السلطة في تحريك "الدراما" إقتصادياً وسياسياً.

لذا لابد من التحريض من قبل الطليعة الإجتماعية من كتاب ونقاد ومثقفين وعمال وأساتذة جامعات وأفراد ومنظمات..الخ، لرفض سياسة الحكومات بالسيطرة على “الدراما” التي تحاول بنجاح جر المجتمع الى الأسفل من أجل بقائها ومكتسباتها. ومن ناحيةٌ أخرى لا يمكن الإرتقاء بالفن بمجمله إلا بالتغييرات السياسية.

 

حسام عبد الحسين

 

شاكر فريد حسنلم يكن اللبناني إلياس خوري هو الكاتب العربي الوحيد الذي تناول القضية الفلسطينية في رواية أو عمل سردي إبداعي آخر. فهناك عدد من الكتاب العرب الذي فعلوا ذلك، لكنهم لم يرتقوا للمرتبة التي احتلها خوري في روايته "باب الشمس"، التي نشرها في التسعينيات من القرن الماضي، في مساحات الأبداع وأدبيات النكبة. .

وتنبع خصوصية هذه الرواية من خصوصية كاتبها بالمسألة الفلسطينية. فأن يكتب إلياس خوري رواية عن فلسطين والنكبة، قد يعتبر من الأمور العادية والطبيعية بالنسبة للكثيرين، لكنها بالنسبة لنا نحن الفلسطينيين هي لحظة صدق تهز مشاعرنا، وتعيد الاعتبار إلى صورة العروبة والوعي القومي في وجداننا، وتذكرنا بطهر وصدق المواقف ونقاء مراحل النهوض القومي العربي.

إلياس خوري، الذي انفرد برواية النكبة، هو فلسطيني الهوى والقلب والبوصلة، كان محاربًا ومقاتلًا في صفوف الثورة الفلسطينية إبان معركة بيروت، في صفوف قوى الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وكانت أحلامه وأحلام جيله تشكل خميرة وبعدًا ثقافيًا للثورة العربية. القادمة. وكان له دورًا في المؤسسات الثقافية الفلسطينية، فقد عمل سكرتيرًا لمجلة " شؤون فلسطينية "، فضلًا عن ادارته المباشرة لملفها الثقافي، ومديرًا لمجلة " الكرمل " منذ تأسيسها حتى الخروج المقاتلين الفلسطينيين من لبنان عام 1982، وخلال علاقته بهاتين المطبوعتين ربطته اواصر صداقة متينة بعدد من المثقفين الفلسطينيين، وأولهم الشاعر الفلسطيني الكبير الراحل محمود درويش، الذي وصفه ذات مرة بأنه " توأم روحي ".

" باب الشمس " هي رواية النكبة الفلسطينية، تصور معاناة شعبنا ومأساته الإنسانية، وتستحضر الذاكرة الفلسطينية من تحت ركام الحروب والهزائم، وتمزج بشكل مدهش بين الحقيقة والتخييل، وبين الحكاية والواقعة، وبين الكلام العادي واللغة الشعرية الفنية الجمالي.

تقوم الرواية على واحدة من حكايات المتسللين الفلسطينيين الذين كانوا يحاولون العودة إلى فلسطين بعد ضياعها عام 1948، حيث شاعت في بدايات الخمسينيات ظاهرة العائدين خفية إلى وطنهم بعد الطرد الأول. أعداد كبيرة ممن سئموا أيام المنفى الأولى كانوا يتسللون عبر الحدود والأسلاك الشائكة وخطر الموت لكي يعودوا إلى قراهم المهدمة وبيوتها التي سكنها آخرون، يهود وعرب، ليعودوا ويطردوا مرة أخرى أو يقتلوا على الحدود بين " اسرائيل " والدول العربية المحيطة. لكن حكاية رجل المقاومة المتسلل يونس الأسدي تتحول في الرواية إلى حكاية عشق ورمز صمود وشكل من أشكال المقاومة الديموغرافية للوجود الصهيوني. وهكذا وعلى مدار ثلاثين عامًا، واكثر يقطع الأسدي الجبال والوديان بين لبنان والجليل الفلسطيني ليلتقي زوجته نهيله في مغارة سماها " باب الشمس " وينجب من زوجته عددًا كبيرًا من الأولاد والبنات مبقيًا صلة الوصل بين الفلسطيني اللاجئ والباقين على أرضهم، ويعود لمتابعة عمله الثوري المقاوم في المنفى. ويحول إلياس خوري حكاية المتسلل إلى نموذج تاريخي، ثم يقوم بتصعيد هذه الحكاية لتكون مثالًا ورمزًا، وتحضر الحكايات الأخرى التي يرويها د . خليل عن جدته وأبيه وأمه وعشيقته " شمس " أو يرويها على لسان الآخرين ممن صادفهم أو سمع عنهم من الفلسطينيين، لتعود الحكاية الرمزية من ثم إلى أرضها الواقعية وزمانها الراهن.

واستطاع خوري جمع الكثير من القصص عن النكبة الفلسطينية وارهاصاتها وتداعياتها، وعن الثورة الفلسطينية، مستعينًا بقصص للاجئين فلسطينيين وبمذكرات مناضلين وسياسيين عاشوا في تلك المرحلة وعايشوها، ونجح في تسجيل حكايات اللجوء بأسماء شخصياتها واعمارها وأسماء الأمكنة والمخيمات. وشخوص الرواية هي شخصيات فلسطينية حقيقية عاشت في الجليل وهجرت قراها قسرًا. 

" باب الشمس " عمل روائي عن التاريخ، يسرد حكايات مأساوية، ويهدف إلى إخبارنا عن عسف التاريخ وظلمه وعنفه وتنكيله بضحاياه. وعلى الرغم من تشديد الراوي على وهم التاريخ فإن الوقائع والحقائق التي يسردها، والقصص التي يضمنها حكاية يونس الأسدي والتي تتوزع فصولها بين قصص الأخرين، تعيدنا على الدوام إلى ملموسية التاريخ وحضوره الضاغط في الرواية.

لقد قدم إلياس خوري في "باب الشمس" عملًا روائيًا ناجحًا وموفقًا يستعيد الماضي، وحكايات جرح النكبة، وإذا كانت الحكاية المركزية في الرواية هي حكاية يونس الأسدي الرجل الذي يرقد في مستشفى الجليل فاقدًا وعيه، فإن حكاية الرواي نفسه، أو حكايات أم حسن وعدنان أبو عودة ودنيا واهالي مخيم شاتيلا، لا تقل مركزية عن تلك الحكاية الأساسية التي تشد الحكايات الأخرى إلى بعضها البعض، والتي يقوم الكاتب بتضمينها في جسد حكاية يونس الأسدي وتوزيعها على مدار النص للوصول في النهاية إلى لحظة الموت وصعود الحكاية إلى أعلى، وإلى سدة التاريخ المخادع الذي يهزم الكائنات.

فتحية معطرة بأريج الزعتر البري العابق من ربوع الجليل وجبالها الخضراء، للكاتب والمثقف اللبناني إلياس خوري، الذي نضج وترعرع تحت شمس الثورة الفلسطينية، والذي يرمز ويشكل بالنسبة لنا الحنين لجيل عربي بأكمله على دروب الحرية والمعرفة والثقافة المستنيرة والفكر المقاوم.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

يسري عبد الغنيما يميز وعي الفرد الذاتيّ هو قدرته على اتخاذ أي قرار، ومعرفته في سلوكه الخاص والعام، حيث إنّ أغلب أفكار الناس هي نتاج تقدمهم في إنتاج كل ما هو ماديّ، فإنّ هناك صراع قائم بين الوجود الاجتماعي والوعي الاجتماعي حيث إنّ الوجود ماديّ والوعي فكريّ.

إنّ التكنولوجيا العصرية المتطوره وثورة الاتصالات السريعة والرقمية وسّعت نظرة الإنسان ورفعت المواكبة لتكنولوجيا العصر الحديث، حينها يكون الإنسان صانعاً مبدعاً للثقافة، ويتجسد عنصر الوعي لديه في خلق وابتكار كلّ ما هو جديد .

ومن مظاهر انتشار الوعي الثقافي الاهتمام بالقراءة والتشجيع عليها لدى طلاب العلم على مختلف مراحلهم الدراسية بإقامة حلقات القراءة الجماعية وحملات تبادل الكتب وتوفر الكتب بالنسخة الإلكترونية، الأمر الذي يعزز الوعي الثقافي ويرفع حصيلة المفردات اللغوية للقارئين، نضيف إلى ذلك قيام العديد من المسابقات الثقافية على مستوى الأقاليم والعالم ولفئات عمرية مختلفة في المدارس والجامعات ، والحصول السريع على المعلومة في ظلّ التطور التكنولوجي والشبكة العنكبوتية الإنترنت .

نعم..أن تكنولوجيا المعلومات رفعت مستوى الوعي لدى الناشئة، فالبحث الدائم عن كل ما هو جديد هو الطريق الصحيح لرفع مستوى الوعي لدى الإنسان في شتّى المجالات وعلى رأسها وعيه الثقافي، فالفن واللّغة لا ينتقلان بشكل ميكانيكيّ للجيل القادم، حيث إنّهما من أهم عوامل تعميق وزيادة الوعي الثقافي ونشره خاصة عبر الوسائل

كذلك انتشار المجلات الثقافية والزوايا الخاصة بالجانب التثقيفي في العديد من الصحف اليومية،و ظهور المحطات الفضائيّة التي تعنى بنشر الثقافة وبث البرامج ذات الأهداف النبيلة.

وبالطبع يجب أن نضع في اعتبارنا الاهتمام بالمبدعين وإنشاء العديد من الأندية الأدبية والثقافية التي تُعنى بالمحافظة عليهم ودعمهم وصقل شخصياتهم حتى يبدعوا أكثر فيما يقدّمون .

وجميعنا يحلم بانتشار ثقافة العمل التطوعي على الصعيد المحليّ أو الدوليّ، حيث انتشرت في الآونة الأخيرة حملات التبادل الشبابيّ الثقافيّ بين الدول في المجالات التطوعية والكشفية وغيرها، مما يعزز قدرة الفئات الشابّة على التعرف على ثقافات الشعوب الأخرى والاستفادة منها. انتشار المؤسسات التعليمية التي تُعنى بتعليم اللّغات ومهارات القيادة والاتصال.

نؤكد هنا على أن الوعي هو حالة من الإدراك الذي يجمع بين تفعيل دور العقل والمشاعر لفهم ما يدور حول الإنسان، ولتنظيم علاقته بالموجودات المحيطة به، ولا يكتمل الوعي إلا إذا عمل الإنسان على تنميتها بشكل مستمر من خلال تطوير قدراته الفكرية ومن خلال ربط تلك القدرات بتجاربه الحسية التي تشكل خبرته في الحياة.

وتوجد وجهات نظر عديدة حول مفهوم الوعي وتفرعاته، ويمكننا أن نركز في هذا السياق على مجالين مهمين لفهم سيرورة الوعي وتفرعاته، إذ أن الوعي من حيث المستوى ينقسم إلى وعي فردي ووعي مجتمعي، أما من حيث المجال فإنه يرتبط بكل حقول المعرفة بتفرعاتها العلمية والإنسانية، فالوعي كما أشرنا سابقًا يرتبط بتفعيل قدرات العقل بشكل أساسي، وبهذا تكون عملية البناء المعرفي التخصصي جزءًا من عملية بناء الوعي.

يُقصد بالوعي الفردي، الوعي الذي يكون على مستوى الأفراد، ويرتبط بشكل أساسي بالجهود التي يبذلها الأفراد بشكل شخصي على مستويين، الأول يرتبط بالمجال العام أي الوعي تجاه الواقع والحياة التي تحيط بالفرد، أما المستوى الثاني فيرتبط بالوعي التخصصي الذي أصبح سمة تميز هذا العصر عن العصور السابقة، إذ أن نظام التعليم الحالي الذي يفرض مبدأ التخصص في مجال، يساهم بشكل كبير في صقل الوعي التخصصي في مجال ما لدى الفرد، بينما في الماضي كان الوعي المعرفي المتخصص بالمجالات العلمية يكاد يكون عامًا، وهذا الذي يفسر وجود علماء كانوا ملمين بعلم الفلك والطب والفن …إلخ.

وتوجد آراء حالية تشير إلى أن مجالات المعرفة الإنسانية بمختلف تفرعاتها العلمية هي في حقيقة الأمر مترابطة، ولذا لا بأس في أن يلم الإنسان بها على أن يتخصص بشكل أقوى في أحدها ليكون مستوى وعيه العلمي بها في مستوى متقدم.

بينما يرتبط الوعي الجمعي بالمعرفة التي تشكل نظام الحياة التي تشكل سلوكيات المجتمع، بمعنى أن الوعي الفردي يمكنه أن يشكل الوعي المجتمعي من خلال تكريس تبادل المعرفة وتحويلها إلى سلوكيات وقوانين تنظم كل أشكال الحياة في المجتمع، وبهذا يصبح المجتمع أكثر نضجًا وتأثيرًا وإنتاجًا، ولذا نرى أن كثيرًا من الشعوب استطاعت أن تتقدم وتخلق لنفسها مساحة من الحركة الفعلية في مختلف ميادين الحياة بعد أن تمكنت من تحويل الوعي الفردي لمفكريها إلى وعي وسلوك مجتمعي قاد التغيير في تلك المجتمعات.

من حيث المجال تتعدد أنواع الوعي حسب مجالات المعرفة، غير أننا يجب أن نركز هنا على أنواع أساسية من المعرفة، لا ترتبط بالضرورة بالحقل التخصصي للفرد، بل ينبغي أن يلم بها أفراد المجتمع ولو بشكل بسيط لأنها على علاقة وثيقة بحياتهم اليومية، كما أنها على علاقة وثيقة بالتغيرات التي تشكل حياتهم بشكل عام، ومن أبرز تلك المجالات: الوعي الأخلاقي، والوعي السياسي، والوعي البيئي، والوعي الاقتصادي، والوعي الثقافي، إضافة إلى الوعي المعرفي.

 

بقلم د. يسري عبد الغني

 

مثنى كاظم صادق في المثل العراقي (صارت جلجلوتية) أو (سواها جلجلوتية علينا) ويساق هذا المثل للتطويل أو الإسهاب في الأشياء، والجلجلوتية قصيدة من تراثنا السحري، حامت حولها شبهات مرعبة ومخيفة، ومن عادة العرب قديماً، وربما حديثاً أيضاً أن تسمي القصائد في أبرز كلمة موجودة في بداية القصيدة، ومن هنا نشير إلى أن هذه القصيدة سميت بهذا الاسم؛ لوجود كلمة (جلجليوت) في بدايات أبياتها ومنها (إلهي لقد أقسمتُ باسمك داعياً / بآج وما هوجٍ جلت فتجلجلت / ويا حي يا قيوم أدعوك راجياً / بآج أيوج جلجليوت هلهلت / بصمصام طمطام ويا خير بازخٍ / بمحراب مهراشٍ به النار أخمدت / بآجٍ أهوجٍ يا إلهي مهوجٌ / ويا جلجوت بالإجابة هلهلت) ففي الموروث الشعبي أن من يريد أن يحكم جنياً، عليه بقراءة هذه القصيدة التي تحتوي على الطلاسم أو أسماء للجن الذين سيحضرون إليه، ويعملون على إخافته بشتى الوسائل، رميه بالحجارة من الخلف وجوه بشعة ضحكات هستيرية، فإن لم يصبه الجنون أو شيء منه، يصاب بعاهة ما، كأن يخرج أعمى أو أعور أو أعرج، أو يخرج سليماً معافى عند إكمال الطقوس، وقد حكم جنياً ما !!! (يا ما شاء الله) أتقول الطقوس؟! ... نعم فهذه القصيدة المزعومة التي يدعي من يدعي، أنها تستحضر الجن وتؤثر عليه وتحكمه، تُقرأ ضمن طقوس تولد الهلوسات والتخيلات الذهنية؛ فيتجسد ما يتخيله الشخص أو ما يتراءى له، وراءه أو أمامه أو جانبه ... والطقوس هو أن تُقرأ هذه القصيدة في مقبرة أو مكان خَرِب مهجور، ويضرب قارئ القصيدة حوله (المِنْدل) والمِنْدل بمصطلح كتب السحر، هو خط الدائرة التي تحيط بالشخص بحجم رسم لعبة (الطَنَّب) في لعبة (الدُعْبُل) وفي داخل هذه الدائرة يجلس ويضع بعض الماء والطعام له، وبعض أنواع البخور المطلوبة مثل الجاوي وأظافر الجن أو العفريت أو يسمى ظفر الطيب (نوع خاص من أطراف الصدف / جمع صدفة أي المحارة) ... ولا يخرج من هذه الدائرة إلا بعد أن يكمل القصيدة ويكررها حتى يحضر الجني المزعوم... إن التهيؤات والتخيلات والهواجس عند الإنسان تكون في أوجها عندما يكون وحيداً، فكيف إذا كان وحيداً في مقبرة أو خرابة في الليل!! إن العقل الباطني يبدأ ينضح بالصور المريبة والأصوات الموحشة ويفرز العقل الباطني هذه الهواجس ويجسدها بل أن الإذن تبدأ بسماع هذه الأصوات، وقد يتحدث معها وتتحدث معه، ومن هنا نشير إلى أن أشد أنواع التعذيب هو السجن الانفرادي الذي لو طال لفقد السجين السيطرة على عقله وتوازنه وبالنتيجة فقدان عقله تماماً ويبدأ بالتحدث مع نفسه أو مع آخر لا نشاهده طبعاً... إن تجسيد الصور ذهنياً يمر بنا كثيراً، هل جربتم أن رأيتم وجهاً ما في الظلام تكونه الملابس المعلقة مثلاً أو تخيلتم مثلاً كائنا ما وراءكم في الحمام... يمر الأطفال أحياناً بهذه التجارب؛ لأنهم خياليون بطبعهم، حتى أن الطفل يوقظ أمه أو أباه؛ كيما يرافقوه لشرب الماء أو الحمام.. سيداتي سادتي .. إن عقل الإنسان الجبار هو مجرة كونية واسعة تدور في شتى أنواع الصور والتخيلات والهواجس ... وما علينا سوى أن نعيش بعقل متوازن مع النفس والواقع في هذه المجرة... ودمتم.

 

د. مثنى كاظم صادق

 

 

"من احدى مكائد الطفولة انك لاتفهم ماتعانيه وحين تبلغ سن الرشد يفوت الاوان عن مداواة جرحك"

يلفت الانظار بهدوئه وطاعته وسماعه للكلام بدون ادنى مناقشة او تذمر او اعتراض، يجعلنا راضين عنه وفخورين به وبطريقة تربيتنا له، اذ انه يكون مسؤولا عن تصرفاته، ياخذ ركنا معينا من المكان ليعيش بعالمه الخاص، يكتفي بنظراته التفحصية وكانه يسجل شيئا ما، يبهر كل من راه وتعامل معه.

هذا الهدوء والطاعة المبالغ فيها قد لاتكون حالة صحية ابدا، اذ ان هذالطفل يحاول ارضاء الاخرين بشتى الطرق على حساب نفسه، وهذا يؤدي به الى ان يكون انسانا ليس له ميول او اهداف، ناكرا ذاته الى ابعد الحدود، بل انه يشتري رضا الاخرين باي ثمن، وهذه ليست حسن تربية كما نعتقد، بل انه اقسى درجات الكبت والتعسف، خصوصا اذاكان له اخ بنفس البيت وقريبا من عمره يتصف بالمشاكسة والتمرد .

علينا الا نستغل هدوء الطفل لنحمله اعباءا اكبر منه، ونقوم بتفضيل من هو اكبر منه بحجة انه كبير او الاصغر، او الاضعف، اوالمريض، او المدلل باي ذريعة، مستغلين هدوءه وصمته، وبانه يتحمل بيمنا اخاه لايتحمل، لان ذلك سيؤدي الى تدمير شخصية الطفل الذي يجد نفسه بدوامة الارضاء التي ستكبر معه وتتشعب من محيطه العائلي الصغير الى المجتمع الكبير الذي لن يحسن التعامل معه وهو كابتا لهذه المشاعر المتراكمة التي ستنفجر يوما عليه اولا وعلى المحيطين به ثانيا.

ومن هنا نخلص الى القول بان هدوء الطفل او طاعته يعود لعدة اسباب منها:

- الانطواء والخجل والخوف من مواجهة الاخرين، وهذا يولد امراضا نفسية لاحصر لها كالقلق والاكتئاب والرهاب الاجتماعي.

- الخوف من عقاب الابوين لاتفه الاسباب يجعل الطفل مسالما يكبت انفعالاته داخل نفسه متظاهرا بالطاعة والرضا، وتلك سمة لمجتماعتنا التي تستخدم كل انواع الكبت والتعسف والحرمان ضد الاطفال.

- عدم استجابة الابوين لمتطلبات الطفل او انشغالهم عنه، او اهمالهم له اما بسبب كثرة الاطفال في البيت الواحد او بسبب انشغال الوالدين بالعمل.

- تفضيل احد الاخوة باي ذريعة مما يولد الحقد والغيرة من ذلك الاخ، و يجعله صامتا يتحين الفرصة للانقضاض عليه ماانسنحت الفرصة لذلك.

 يضاف الى ذلك عدم الاغفال عن ذاكرة الطفل الذي لايتواني عن تسجيل كل تفاصيل حياته الجيدة والسيئة، تلك الذكريات التي تعشعش في ذاكرة الطفل وتصبح جزءا منه بل و تصبح فيما بعد الدينمو الذي يحركه خيرا او شرا.

 ان استغلال هدوء الطفل خصوصا ان كان ذلك ليس من سمات شخصيته بل رغما عنه يضع الاطفال فريسة للكبت النفسي والاجتماعي، بل انه يكون كالبركان الخامد الذي سرعان ماينفجر مع اول فرصة تواجهه في الحياة، هذاالطفل الذي كان خاضعا لسلطة الابوين مطيعا لهما، منفذا لاوامرهما دون قيد اوشرط، قد ينقلب بين ليلة وضحاها الى نار تحرق الاخضر واليابس، تطال كلما تجده قريبا بطريقها ابتداءا من نفسه وانتهاءا بوالديه اللذان يعتبرهما السبب الرئيس لمعاناته ثم اخوته الذين عانى بسببهم.

ان الهدف من التربية السليمة للطفل هي الخلق، اي خلق انسان واعي مدرك حسيا لاحتياجاته، عارفا حدوده، غير متجاوز للخطوط الحمراء، انسان يعول عليه بناء المجتمع وليس هدمه، لذا فان الاهتمام بالطفل والالمام بالطرق التربوية الناجعة تحتم علينا اعطاء مساحة كافية من الحرية للطفل للتعبير عن رايه، للمناقشة، للزعل، للخطا وتصحيحه كي لا يقع فريسة الخطا مرة اخرى، للتعثر والنهوض، للتصرف بعفوية في اختياراته وتقويمها عن طريق الاقناع وليس القمع والكبت، واحترامه هذا يترك في نفسه بالغ الاثرباعتباره انسانا وليس طفلا سينسى كل شئ عندما يكبر، لان الطفل لاينسى ابدا، وان شخصيته تعتمد وتبنى على سني حياته الاولى، لذا علينا ان نحاذر ونهتم بالطفل الهادئ اكثر من المشاكس، لان المشاكس يعبر عن انفعالاته اولا باول، اما الهادئ فهو في حالة غموض دائم، يحتاج الى من يسبر اغوار نفسه بمنتهى الحكمة.

 

مريم لطفي

 

حسين علي خضيركلنا يعلم ان نص دوستويفسكي يستمد جذوره من الواقع الروسي الفريد، الذي له طابع يختلف عن بقية الشعوب، ولكنه في ذات الوقت عابر للحدود، ومن هنا لابد ان اوضح اسباب ديمومة هذا النص الى يومنا هذا: اولاً، ان ابطال دوستويفسكي منغمسين في المعاناة، وهذه المعاناة تصبح غلافهم الخارجي اذا صح التعبير، فمنهم من يكافح من جراء ذلك، ومنهم من يحيط نفسه بالشرنقة، لكي يحمي نفسه من الظروف الطارئة. ثانياً، البعض منهم متمردون على الواقع ويحاولون اثبات ذاتهم بشتى الطرق، فعلى سبيل المثال، كلنا يتذكر جيداً كيف عانى راسكولينكوف بطل رواية " الجريمة والعقاب " من فكرة قتل المرابية، وتردد كثيرا قبل ان يقوم بهذا الامر، وفي اخر المطاف استجابة الى رغبته المنشودة، والهدف من ذلك كما قال الكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف: " هو اقدم على جريمة القتل هذه حتى يثبت لنفسه انه انسان غير عادي" . ثالثاً، هم صورة مصغرة للخير والشر، فلو رجعنا الى راسكولينكوف مثلاً، لوجدنا ان هذا البطل رغم الجريمة التي ارتكبها، ولكنه في هذه الرواية سعى جاهدا الى تقديم المساعدة الى الاخرين. رابعاً، وفيهم من يدعو الى محبة كونية، كما يقول الراهب زوشيما في رواية " الاخوة كارمازوف ": " أيها الإخوة، لا تخافوا من خطيئة الناس ، أحبوا الإنسان في خطئيته، لأن هذا اشبه بالحب الإلهي وهو ذروة المحبة على الأرض. أحبوا جميع مخلوقات الله، وكل حبة رمل، وكل ورقة، أحبوا كل شعاع الإلهي. أحبوا الحيوانات ، أحبوا النباتات ، أحبوا كل شيء. وحين تحبون كل شيء ستدركون سر الله في الأشياء. وحالما تدركون محبة الأشياء، فكل يوم سوف تبدؤون بلا كلل ادراك الكثير من الاشياء، وفي النهاية سوف تقعون في حب هذا العالم كله. ". فلو تمعنا في هذا النص نجد ان دوستويفسكي يحلق خارج عالمه الروسي، ويكون نصهُ ذو بعد عالمي، لانه يطلب من البشرية محبة كل شيء في هذا الكون، فهذا التنوع الفريد يجعل من نص دوستويفسكي متغير وغير ثابت وقد تخطى حدود الواقع الروسي، واصبح نصًا عالمياً. ومن هذا المنطلق نجد نص دوستويفسكي فريد من نوعه، لا مثيل له ولا مشابه له في النصوص الادبية الاخرى، التي ابطالها يتقوقعون في داخل ذواتهم، اما ابطال دوستويفسكي صحيح ان اغلبهم مرضى نفسيًا، ولكنهم يعرفون مرضهم جيداً ويعانون من هذا المرض ولكنهم لا يرتضون بالعلاج البطيء بل يسعون الى استئصال هذا المرض او تمرد عليه بطريقة مغايرة، لذلك جميع هذه الأسباب وغيرها هي من ساعدت على ديمومة نص دوستويفسكي في عالمنا هذا.

 

حسين علي خضير

 

 

بكر السباتينتمتعت في اليوم الأول من العيد بمشاهدة الفلم العالمي "الرسالة" للمخرح السوري الشهيد مصطفى العقاد الذي صوّر لنا قصة الإسلام العظيم من ألفها إلى يائها، وبين لنا كيف نمت هذه البذرة في الصحراء القاحلة ليستظل العالم عبر العصور بظلها العميم، وقد تبدّى كل ذلك في تفاصيل الأحداث الملحمية التي أقيمت على قيم السماحة والعدالة، وتحرير العبيد من طغيان السادة، والقبيلة، والشهوات التي تداخلت فيها الحقوق والواجبات على حساب الغير وفق اعتبارات المكانة والقوة والجبروت، حيث تبرمجت عقول القادة الرواد على الإيجابية من خلال التعاون المجدي والحوار البناء والرحمة وتحدي الصعاب، ومواجهة الخطوب والتعامل مع الأعداء وفق عدة خيارات بعد الهجرة إلى المدينة التي اعتبرت لحظة الصفر في التاريخ الهجري، وكان قوامها: العقل السياسي، والتشريعي المواكب للمستجدات، والأمني والعسكري في مواجهة الخطوب دون حرف البوصلة وقد أخذت الأحداث المشاهدين دون كلل أو ملل باتجاه تحرير مكة من الطغيان واستعادتها دون إراقة دماء، حتى يتنفس الرواد الصعداء قبل حملهم لشعلة الإيمان عبر العالم. مع العلم أن الرسالة المحمدية السمحة كانت في بدايتها.

وفي أتون الأحداث المزدحمة في ملحمة قصة الإسلام التي اختزلها فلم الرسالة، نقبت باهتمام شديد وموضوعية عن جذور الحركات الإرهابية التي أساءت للدين الإسلامي السمح في الوقت الراهن مثل داعش التي تسببت بمقتل مخرج الفلم نفسه، العقاد، الذي أتحفنا أيضاً بفلم عمر المختار، في تفجيرات عمان الإرهابية عام ٢٠٠٥ فلم أجدها على الإطلاق، بل سادت القصة لغة الرحمة رغم ما أصاب المسلمين من اضطهاد مروراً بصلح الحديبية وانتشار الإسلام بين الناس بالحوار خلال فترة الهدنة التي انتهكتها قريش وصولاً إلى فتح مكة دون قتال .. فمن أين إذن خرجت علينا هذه التنظيمات الإرهابية المتعصبة التي شوهت دين التسامح والمحبة الحنيف ولوثت سمعة الإسلام في زمن الرياء والفتن الطائفية.. لا بل وحرفت بوصلة الجهاد عن فلسطين وتركت غزة ومقاومتها وحيدة تتحدى جيش الاحتلال الإسرائيلي وانشغلت في تخريب العالمين العربي والإسلامي وفق استراتيجية امريكية صهيونية مكشوفة تجلت بصفقة القرن .

وتذكرت في سياق متابعتي لأحداث الفلم الملحمية مقولة شهيرة للفيلسوف والمسرحي الإيرلندي الساخر برناندشو في كتابه "محمد" بعد الحرب العالمية الأولى حين قال::

"إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد ، وإن رجال الدين في القرون الوسطى ونتيجة للجهل أو التعصب، قد رسموا لدين محمد (ص) صورة قاتمة، لقد كانوا يعتبرونه عدواً للمسيحية، لكنني اطلعت على أمر هذا الرجل فوجدته أعجوبة خارقة، وتوصلت إلى أنه لم يكن عدواً للمسيحية، بل يجب أن يسمى منقذ البشرية، وفي رأيي أنه لو تولى أمر العالم اليوم لوفق في حل مشكلاتنا بما يؤمن السعادة والسلام الذي يرنو إليه البشر). وقال برناردشو أيضاً: (لو كان محمد حياً لحل مشاكل العالم وهو يحتسي فنجان قهوة"..

لقد استرد المسلمون مكة دون إراقة دماء في مشهد صوره العقاد باحتراف وجموع المسلمين يحررون بلد الرسول، فيدخلون عبر بواباتها الثلاث كالنهر الذي ينتظره اليباب ..

فهل يقتدي العرب اليوم بهم فيحررون فلسطين من الصهاينة منصهرين بالهدف على قاعدة الوحدة والتكاتف والجهاد الذي تبنته المقاومة الإسلامية بعيداً عن إثارة الفتن المذهبية! أم ينجح المشروع الداعشي الذي صنعته الصهيونية في حرف البوصلة نحو الانشغال بمقاتلة بعضنا البعض وسفك دماء الأبرياء!؟

 

بقلم بكر السباتين

 

 

قاسم محمد الياسريحروف كلماتي تمتص ذاكرة الحنين الى بغداد وعشقها يستنزف قلبي المعذب بالحرمان من نسيمها بسبب كورونا ..مرالعيد بلا طعم ولا لون وبغداد تدمع عيناها لفراق محبيها في هذا الزمن الملوث مرة بمتفجرات الاشرار وتارة بكورونا ..وقد إنتهى العيد وجسد بغداد ينزف الدم بلا توقف لفراق محبيها وهي اليوم كما هو جسد مريض يعاني اللوكيميا رحماك ربي ببغداد دار السلام..رغم كل ماتعانيه بغداد وعاشقيها هل يوجد أمل في هذا الزمان وهل يتحقق حلمنا لها وفيها أم كل منا منشغل بلعبته المفضلة فمنا من يلعب بالكرة ومونا من يلعب بالقلم وهناك من يلعب بلسانه ومنا من يلغب بالنفاق والغيبه وهناك من يلعب بِذكره وهناك من تلعب بخَصرِها الراقص وهناك من يلعب بالنار وهناك من يلعب بمشاعر الآخرين بغداد يادار السلام إسمك أحسه إمرأة تسكنني بقدر عشقي لها فتسلمني نفسها ويشدني الحنين تطلعا لمزيد من رسم حروفها كلما أمطرتني سماء التوق حرفا فحرفا وكل يوم أجد نفسي معها كأنثى البهاء الفاتنه المليئة بالدفئ تجعلني أحترق لحين ملاقاتها بعد أن يسحبني قلمي إليها إنها بغداد حبيبة روحي .. بغداد يانهر الخيرات المتدفق مائها الى من لايستحقه فأسقطها من حسابات زمنه وغزتها بأعيادها الوحوش بالتفجرات تارة وبالوباء تارة أخرى ..بغداد يا أغنية بوح حالمه ترددها الشفاه الضمأى للإرتواء من قبلات الحياة فيها أصبري لا تستسلمي لأوبئة الزمن الجاحده الشريره .. نعم ايها الحبيبه يابغداد يا أكثر أنثى تعذبت بصبرها ومقاومتها فهي تستحق أن تعشق وتُعشق فعشقها نضال ووصلها جنه هي دار السلام قاومي يابغداد وباء كورونا الشرير ..عشاقك يابغداد كالنخيل الشامخ وكأشجار زيتون يبقي زيتها حروف مباركه تنشد الحب..وعشاقك يابغداد طيور ينشدون تغاريدهم ويأبون التصفق للغربان الشريره لأن أرواحهم العاشقه وعقولهم بوزن عقول المفكرين والفلاسفه فيك وعشاقك يابغداد قلوبهم دافئه تسع كل أهلك المحرومين الذين سلب أمنهم وأمانهم وسرقت خيراتهم وهم يبحثو عن هامش للكرامه التي سلبتها أيادي إمتهنة الدين سلم لكراسي التسلط ..نعم هكذا هم عشاقك يابغداد فالشهداء منهم كل يوم يقدمون دمائهم الزكيه قرابين لترابك إحتجاجا على زمن الخراب والنار..عشاق إعتلت عرش قلوبهم بغداد وأي قلوب قلب كل منهم كفرس جموح لا يلجمه حاجز ولا موانع بقوا محبين أسرى أشواقهم ورغباتهم المستعصيه قلوبهم مسكونه بحب بغداد في زمن الرعب والخراب وعجزت محاولات الشرأن تلجم ألسنتهم التي تبحث عن وطن سيدته المعشوقه بغداد .. نعم عشاقك يابغداد عشاق وطن لا يقوى البغاة على إخماد نارعشقك لان عشاقك ينشدون عدالة السماء والحب والسلام والتسامح والامان لا غير..مهما كتبنا فكلمات العشق والحب لا تكفي لكنها الروح التي تهفو لبغداد الحبيبه التي يسكنها حزن العاشقين ..ايامنا تمضي يابغداد ونحن نترقب الغد القادم ونرى صرح الحياة ينهار واوراق شجرة العمر تسقط الواحده تلو الاخرى واليوم كالغد ..بالامس القريب رأيت اليوم العجيب وغدا  ستنكشف الاسراروينكشف قناعها ..والغد سفينه ملاحيها مجهولون يابغداد فهل هم بشر تؤنسنا رؤيتهم ويفرحنا قدومهم أم هم شياطين يزعجنا قبحهم ويخيفنا منظرهم يرعبنا الغد القادم المجهول هل هو شيخ مسن أم صبي يافع ام هو حلم ساري نحلم به معا عن بعد يابغداد .. قد يكون ملكا كريما أو رسول سلام وأمان وهناء ..آآآآآه يابغداد قد يكون الغد شيطانا رجيما هبط الى الارض من الجحيم بيده خرطوم من جهنم كله شواظ وسعير هذا الشبح او الطيف إنفرد عن الناس وترك السكن وغادر في عالم مجهول..الناس يابغداد يرقبون حركات الغد المجهول وهو بعيد يجلس في مكان نائي ويستعجلون مجيئه للدنيا من عوالم الاحلام التي يضل فيها الخيال والدنيا تنحدر نحو الفناء في عوالم الحقيقه الملموسه فينحدران معا نحو الأبديه أو نحو العدم والنسيان ..  

 

  د. قاسم محمد الياسري

   

نايف عبوشلا ريب أن تجليات مشهد اللحظة، غالبا ما تكون فرصة مليئة بالتعابير، ومكتظة بالإيحاءات. لاسيما وان فرصة اللحظة، هي ومضة مشهد تنقدح بسرعة، لكنها سرعان ما تتخامد على عجل، وبالتالي تفوت فرصة الانتفاع من التمتع بها، والتفاعل مع جمالياتها، في اللحظة، ما لم ينثال الوجدان المرهف حسا مباشرا معها، أو يبادر لتوثيقها صورة، في اللحظة.

وهكذا يلاحظ ان اقتناص لقطة فرصة اللحظة بالعدسة في حضن الطبيعة، بما هي حس وفن، ومهارة، انما تأتي بمثابة استيلاد نص سردي، أو إبداع نظم قصيدة تأمل صامتة، او رسم لوحة بريشة، تعكس بصدق صورة الحال في اللحظة، وبذلك فأنها تمنح المشاهد المتأمل فيها مليا عندئذ، فرصة قراءتها بإحساس مرهف، نظما، او نثرا، او رسما، او حتى مجرد اندهاش وجداني عابر، تبعا لما تمليه عليه ذائقته، في اللحظة، من مشاعر، وذلك هو حقا هو ما تثيره في المخيلة، تلك اللقطة من الأيحات الطافحة بالكثير من البواحات.

فعندما يهرب الانسان من مضايقة ضغوطات الحياة اليومية المثقلة بالتراكمات السلبية، ويلجأ الى فضاءات الطبيعة المفتوحة الافاق امامه، لينفرد في جنباتها بخلوات تأمل وجدانية، يستفرغ من خلالها ارهاصات معاناته المرهقة، كلما سنحت له الفرصة بذلك، لكي يخفف من شدة وطأتها عن كاهله، فيركن الى الاضطجاع على جنبه مسترخيا عند حصى حافة شاطيء النهر، على سبيل المثال، متكئا على مرفق يده مباشرة، ومن دون وسادة، ليمعن النظر في عناصر افاق الفضاء المبسوطة قبالته، متأملا روعة بهائها، فانه يبدو عندئذ، كأنه يسترجع ذكريات أمسه، من اخاديد ذاكرة، منهكة بإحساس موجع.

وما أن تنساب في مخياله المتعب، تلك الارهاصات المرهفة، متهدجة مع مجرى ماء النهر، ليتركها ترتحل بهدوء مع اسراب النوارس المرتحلة، هي الأخرى، الى ما وراء الشطآن البعيدة، كأنها تريد ان تتساكن هناك في ادغال الاوجاع المتناثرة عند حافات جزر الوجد، والوجع المزمن، بعد أن كانت تحز شغاف قلبه الحاضن لها في لحظة ما قبل تأمله الحالم عند حافة الشاطيء، حيث تنتابه عند ذاك ومضة شعور عارم بنشوة الخلاص، من إرهاصات تلك الأوجاع، ولو للحظات.

ومن هنا تأتي مهارة، وذائقة الإنسان صاحب الحس المرهف، الذي يستكشف بوجدانيته المتدفقة تجليات جماليات الأشياء، التي تتراءى له في اللحظة، فيبادر إلى تسليط عدسته عليها، ويسارع لاقتناص الفرصة بالتقاط صورة لها، قبل أن تتخامد او تتلاشى من أمام ناظريه، فترحل إلى الأبد، ليخسر بذلك، فرصة التقاط ملامح مشهد تلك اللحظة وتوثيقه بالصورة .

 

نايف عبوش

 

 

يسري عبد الغنيإننا ندخل هنا عالم الأدب النظيف الذي ندعو له، ويتضمن في مفهومه: الأدب الإنساني عمومًا، فقد أرهق القارئ لون الدماء الذي جلل الحروف والواقع، وبات لزامًا العودة لإنسانية فكرة أدبية قريبة من هذا المصطلح ، منذ عدة أعوام من خلال أمسيات ومنتديات ثقافية شاركنا فيها ، وكذلك كتابات عديدة في دوريات وصحف ومواقع ثقافية عديدة ومازال بحثنا مستمرًّا عن التعريف الأكثر تكثيفًا وتحقيقًا للهدف المرجو منه. بحثنا عن وجهه العصري المناسب، وتعريفه النهائي ليمضي قُدمًا بإيجابية وكان مبدئيًّا.

أدب يرسم عبر تنوعات أطيافه أملًا فكريًّا للأمة، ومسارًا أخلاقيًّا رفيعًا، حياديًّا وموضوعي النظرة السياسية والثقافية والاجتماعية، لا يملك عنصرية الفكر، ولا الدوران في حلقة مفرغة لا طائل منها من الوجدانيات العقيمة، ويحمل في طيَّاتها ثوابت دينية لا انزياح عنها في زمن الانزياحات.

وبذلك يتضح لنا أنه أدب موضوعي واقعي، يرسم خطًّا عامًّا يَلمُّ فيه شمل العالم العربي والعالم الأوسع، المتشرذم ببوتقة عالمية من التعايش الحقيقي، البعيد عن الشعارات الزائفة التي لم تنتج سوى النقيض.

وما أحوجنا لهذا التعريف الذي تتبدى الحاجة إليه يومًا بعد يوم. لقد انتشر الغثُّ من الأدب حتى انتشر كغثاء السيل يغطِّي على ثمين المواد الأدبية، كلٌّ ينشر ما يَخطُر على باله وكأنه مرشد الزمان! لا يتقبَّلُ النقد، ولا الامتزاج بفكر آخر، ولا حتى تقبله لتطويعه للأفضل، شكلًا ومضمونًا.

عندما تحدثنا ومازلنا نتحدث عن الأدب النظيف وجدنا ردة فعل من الجمهور حسنة مبدئية كشعار هام جِدِّيِّ النظرة، واقعي العمل، وهو يستمر بعطائه من خلال مشروعنا الثقافي الذي يتخذ من الأصالة والمعاصرة منهجًا له .

لهذا الشعار الذي كان مبدأ لمنتدانا الثقافي  للأصالة والمعاصرة ، لكن ما أدهشنا فعلًا هو عدم الوصول لمنابر تؤيد فعليًّا هذا المسار الذي لا غنى عنه أمام - مثلاً - الإباحية الأدبية التي امتهنت المرأة والأخلاق والأسس التي تقوم عليها المجتمعات عمومًا.

وكل ما كان مجرد إطراء ومديح لا طائل منه، فأين هؤلاء الذي يمسكون بناصية الأخلاق والدين وأئمته الذين بدورهم لم يقبلوا ولا يقدموا الرعاية اللازمة؟

لقد نشأ تيار مفهوم الأدب النظيف في الغرب ولكن بمسمًى آخر، وعلى طريقة برونتيير الذي لم يكتفِ مثل سَلَفَيْهِ (سانت بوف وتاين) بقلة اهتمامهما بالنقد العلمي، وبتحديد قيمة المؤلف، ودراسة نفسية الشاعر أو الكاتب؛ وإنما أراد نقد المؤلفات من الوجهة الأخلاقية أيضًا، لذا أعلن برونتيير باسم الأدب والأخلاقِ الحربَ على نظرية الفن للفن، والحرية التي يلتزمها الكتَّاب في كتاباتهم، وكان من الطبيعي أن يتجه إعجاب برونتيير إلى شعراء وكتاب العهد الكلاسيكي، واعتباره أنهم "مفخرة الفكر الإنساني والعبقرية الفرنسية"، لقد أحب باسكال وبوسويه وكورنيل، بقدر ما كَرِهَ فولتيير وروسو.

هو تيار يحفظ الأخلاق والمُثُل فقط، والتي عفا عليها الزمان على ما يبدو، وباتت عملة قديمة صدئة برأي بعضهم!

سنبقى هنا رغم الرياح العاتية، وسنكون المسافرين إليها، حتى إذا ما احتاج المسافر للماء البعيد، فسيجده في بطنها.

كن عونًا للأدب النظيف أينما وجدته، صفق له، ادعُ إليه كل من تتمنى له الخير، ابحث عن نتاجه، فهو ما تبقى من الزمن الجميل، رسالة كان أم كتابًا، فأهل هم حملة الأمانة الحقيقية التي نبحث عنها.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

مادونا عسكريقول جبران خليل جبران: "من علّمني حرفاً كنت له عبداً". ولعلّ الصّحيح أن يقال: "من علّمني كيف أفكّر". فبناء الإنسان بالدّرجة الأولى يفترض تعليمه كيفيّة التّفكير المرافقة بشكل أساسيّ لتعليم الحرف. ولكي يتمكّن الإنسان من سبر أغوار الحرف فلا بدّ من أن يتعلّم كيف يفكّر. ما لا نراه غالباً في مجال التّعليم. فالمعلّم يلقّن الدّرس وحسب دون أن يعلّم الطّالب كيف يفكّر. وكأنّ الطّالب وعاء يسكب فيه المعلّم معلومات ثمّ يطلب من التّلميذ أن يحفظها ثمّ يردّدها في امتحان ما، ليبدأ التعليم وينتهي بين هذين الطّرفين، التلقين والامتحان. ما يسبّب خمولاً للعقل على مستوى إنسانيّة الطّالب، فيتدرّب على التّلقّي بمعزل عن الجدل الذّهني واستفزاز السّؤال لدى الطّالب.

إنّ عمليّة بناء الفكر أشدّ صعوبة من تعليم الحرف، ودور المعلّم بناء الفكر، ولا يقتصر عمله على التّلقين وإلّا لما قلنا إنّ التّعليم رسالة. ولكلّ إنسان فكره، ومن المهمّ الاهتمام بتعليمه كيف يفكّر، وكيف يتلقّى، وكيف يطبّق ما تلقّاه وكيف يستعيده ذهنيّاً. لذلك فأوّل خطوة في التّعليم هي بناء الفكر وتدريبه على منهجيّة التّفكير.

والخطوة الأولى في هذا البناء تبدأ في الفصول حيث ينبغي على المعلّم أن يشرح للطّالب ماهيّة المادة الّتي يتلقّاها ولماذا وجب أن يدرسها مع شرح ولو باختصار عن أهمّيّة هذه المادّة أيّاً كانت. غالباً ما يسأل الطّلاب لماذا نتعلّم هذه المادّة أو تلك؟ وما فائدتها؟ فهو يجتهد في درس هذه المواد بغض النّظر عن أهمّيّتها، ومطلوب منه أن يحصّل أعلى الدّرجات وإلّا كان فاشلاً أو كسولاً. وبالتّالي فأهمّيّة أن يعرف التّلميذ أو الطّالب أهمّيّة المواد الّتي يدرسها وسبب دراستها وهدفها منوط بالمعلّم. فلا يكفي أن ندرّس المادّة بل ينبغي أن نشرح أهمّيتها بمقدّمة بسيطة تساعد التّلميذ على محبّتها ورؤية أهمّيتها على المدى البعيد. يجب أن يعرف التّلميذ لماذا يدرس اللّغة الرّسميّة واللّغة الثّانية والحساب والتّاريخ والجغرافيا والعلوم والرّياضيّات والفلسفة والأدب... وإلّا كيف نحفّز في داخله الرّغبة في التّعلّم، وكيف نطلب منه أن يحبّ مادّة لا يعرف لماذا يدرسها؟ لا ضير في أن يشرح المعلّم للطّالب أهمّيّة التّاريخ ولماذا تجب معرفته ولا بأس بالخروج الذّكيّ عن بعض أكاذيبه ولا بأس بشيء من الخروج عن مضمون المادّة وتعليمه من خلال التّاريخ بناء المستقبل. ولا ضير في أن يعرّف المعلّم أهمّيّة الجغرافيا الّتي صارت في أغلب مناهجنا تاريخاً قديماً وتسليط الضّوء على أهمّيّتها من حيث بناء الحضارة. وبهذه العمليّة نستفزّ ملكات الطّالب من جهة ومن جهة أخرى نوجّهه نحو بناء مستقبله من خلال اختيار المادّة الّتي يريد أن يتخصّص بها.

قد يقول قائل إنّ المناهج المدرسيّة لا تسمح بذلك، والوقت المخصّص لكلّ مادّة لا يتّسع لهذا الشّرح. وأقول إنّ المعلّم الرّسول سيّد الفصل وعليه أن يكون سيّد الوقت وسيّد المنهج. وإذا كانت مناهجنا لا ترتقي إلى مستوى التّعليم المطلوب فمهمّة المعلّم الرّسول أن يجدّد المنهج بما يتاح بدل الشّكوى والخمول والانتظار. فبانتظار تغيير المناهج أو تعديلها ثمّة إنسان يُبنى وسيخرج إلى المجتمع فارغاً فلا نسألنّ بعدُ عن سبب تدهورنا وجهلنا المقيت. وقد يقول قائل إنّ هذه الأمور ترهق المعلّم، وكأنّ المطلوب ما فوق طاقته، إلّا إنّ التّعليم الرّسالة بناء ضخم أساسه معلّم مثقّف يتطلّع إلى أشخاص لا إلى آلات تجترّ الموادّ.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

كاظم الموسوياكتب اليوم عن مواقع الكترونية باللغة العربية حررها شباب عرب، مثقفون ومهتمون ومضحون، قطعوا من اوقاتهم وجهدهم وصحتهم الكثير من اجل  انجاز ما يساعد على تحريرها ونشر ما ينفع قراؤها. وقد توسعت مجالاتها وانتظمت مساحتها في الفضاء الالكتروني، وتجاوزت اعداد المتابعين لها توقعات أصحابها وتقديرات تاسيسها او الدوافع لها، وشجعت ردود فعل المطلعين عليها ومساهماتهم الثرية لها انطلاقها وقيامها..

من هذه المواقع:

صوت اليسار العراقي

التجديد العربي

الوان عربية

ثوابتنا

هناك مواقع اخرى مثلا كانت تنشر لنا ولكن لسد فراغها وانتهت مع مصالح اصحابها. توقفت او تبدلت محتوى واتجاها..

وهناك مواقع معروفة مازالت مستمرة على شبكة الانترنت ولمنظمات سياسية معروفة كانت تطالبنا بمراسلتها وحين تواصلنا و"تبرعنا" لها توقفت عن نشر ما نرسله لها، دون اسباب تذكر او عوامل تعلم او اخبار تقال.

وهناك مواقع الكترونية تنشر لنا دون موافقة أو سؤال، مشكورة في هذه الظروف المركبة.. في زمن الذباب الالكتروني ومواقع الدفع المسبق، وكتاب التويتر والفيسبوك ومن لف لفهم..

لماذا اقول خسرناها ونفتقدها؟. ولماذا غابت عن الفضاء الالكتروني والانترنت؟

بكل الاسف والالم توقفت، تفاقمت الصعوبات وتكسرت النصال على النصال عليها، وليس اخرها رحيل الصديق الذي حرر الموقع الاخير اعلاه.

استثمر بعض في وسائل اعلام اخرى، ليست مثلها باي شكل من الأشكال، ادارة ورقابة ضمير وحساب هم كبير..

خسرناها لانها صفحات ملتزمة بثوابت النهضة الحضارية والتقدم والتغيير، ولانها نظيفة المصدر واليد والصوت، ولانها لن تتوانى عن المتابعة والرصد والتحليل لما هو خير وانساني، ولانها تدافع عن مصالح الشعب العربي والوطن العربي وعن الانسان اينما كان، ولانها مساحات تعلن صراحة عروبتها وتقدميتها وانحيازها للفقراء والمضطهدين والمستضعفين والصابرين على البلوى والكاظمين الغيظ والمتطلعين لمستقبل افضل واكرم.. ولانها كل هذا وغيره لم تتمكن من الاستمرار..

ولهذا خسرناها ونفتقدها الان حينما نرى ما نرى ونسمع ما نسمع ونقرأ ما نقرأ من كثير معلوم وكثير لم يعد سرا..

 

كاظم الموسوي

2020/05/29

 

فراس زوينقسطنطين جورجيو

قد يكون الإنسان هو المحور الرئيسي إن لم يكن الوحيد لمعظم الروايات التي امتدت مع تاريخه الطويل على اختلاف مواضيعها، فقد تكون الرواية عن حب، أو حرب، أو جريمة، أو فكرة، او تحكي عن الماضي، أو المستقبل، عن الظلم، أو العدل، أو الحق، والخير، أو عن الجمال،،، الخ ورغم اختلاف أحداثها فأنها تتفق كلها بأنها تدور حول الإنسان وتحكي لنا اهتماماته ونوازعه وفرحه وآلامه، لكننا في رواية الساعة الخامسة والعشرون للكاتب الروماني قسطنطين جورجيا أمام عمل ينشغل بالإنسان من حيث كونه إنسان،،، بكليته البشرية،،، بكتلة المشاعر التي تتصارع في داخله لتخلق الحب والخير والعدل والقبول والرفض،، وانهزام هذا الاخير  في مواجهة المجتمع الآلي والحضارة الزائفة، التي قد تتمكن من ابتداع الرفاهية لبعض أبنائها، لكن هذه الرفاهية لها ثمنها من حرية الإنسان وكرامته وحقه في العيش  بكرامة ومساواة، بغض النظر عن العرق والمنشأ والدين والانتماء والبلد والمعتقد، لتروي لنا خذلان الإنسان والانسانية أمام المواطن والمواطنة  بحدودها الضيقة، والتي تدفع إلى حافة الفناء في ساعته الخامسة والعشرين، وهي الساعة التي تكون فيها كل محاولة للإنقاذ عديمة الجدوى بل أن حتى قيام المسيح قد لا يجدي نفعاً، هي الساعات الأخيرة للقيم الإنسانية، بل إنها ساعة بعد الساعة الأخيرة، حيث يُقضى فيها على الإنسان فيها أن يعيش ويعامل كالرقيق، وهي انعكاس وسرد للتمييز العنصري والانقسامات في المجتمع الاوربي وهو ما عاصره كاتب الرواية وعاش أيامها السوداء أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها وما رافقها من انهيار للسلام وللنظم الأخلاقية في المجتمعات الغربية.

 

إن رواية الساعة الخامسة والعشرون تستعرض من خلال ملحمة إنسانية صاغها لنا قسطنطين جورجيو الفصل الأخير من قيم الإنسان على هذا الكوكب، لتصف لنا معاناة آخر سلالات الإنسانية، بعد أن سقطت فريسة لاتحاد الإنسان مع الآلة، وبروز نوع جديد من البشر اسمه المواطن، هذا الكائن الجديد الذي لا يعيش في الغابات، ولا في الأدغال، ولكن في المكاتب، ومع ذلك فأنه اشد وحشية وقسوة من الحيوانات المفترسة وكل الوحوش، لقد ولد المواطنون من اتحاد الرجال مع الآلات، وهم اقوي الأصول والأجناس الموجودة ألان على سطح الأرض، أن وجههم يشبه وجه الرجال، لكنهم لا عاطفة لهم، يتصرفون كما تتصرف الآلات، إن لهم مقاييس وأجهزة تشبه الساعات بدلاً من القلوب، فهم بين الإنسان والآلة، ليسوا من هذا ولا من ذاك إنهم مواطنون لهم رغبات الوحوش الضارية، إنها سلالة غريبة اكتسحت وجه الأرض، على حساب القيم والأخلاق والمشاعر والشرف وكل الفضائل التي جعلتنا كائنات تعشق وتحب وتفرح وتتألم . 

يروي لنا الكاتب في روايته انهزام الإنسانية وانهيار الأخلاق والعواطف التي جعلت لوجودنا هدف ومعنى من خلال سرد الاحداث التي يمر به إيوهان مورتيز حيث تبدأ قصته عندما يقع ضحية دسيسة حسد تؤدي به إلى أن تقوم الحكومة الرومانية بمصادرة حريته، أو بمعنى أدق بمصادرته كله، كما تصادر الأشياء والحيوانات، فاستسلم لهم طائعاً غير رافض ولا حانق، فما كان سوى مزارع بسيط مسالم فارغ اليدين، فزعموا إن اسمه إياكوب وليس إيون، وسجن في معسكرات اليهود تحيط به الأسلاك الشائكة هو ومن معه من البائسين الذين هم بذلك أشبه بالحيوانات في مأكلهم وملبسهم وحتى نومهم، وما ذلك سوى البداية.

 بداية عذاب كل لا ذنب له سوى معتقده، أو انتمائه قوميته أو وطنه أو اسمه وكل ما يعتبر خلاف المألوف والمعروف، فأن ايوهان ما كان سارقاً أو قاتلاً ولم يخدع إنسانا قط، ولم يرتكب ما يعاقب عليه القانون، أو تحرمه الكنيسة التي ينتمي إليها بصفته مسيحي مؤمن، ومع ذلك فقد سجن وعذب حتى غدا مثل ظل على ارض، لقد ترادفت العذابات على بطلنا بترادف الأسماء التي أبى مُعَذبيه ومستجوبيه إلا أن تكون له سمة وتهمة، فمن إيوهان مورتيز إلى إيون إلى إياكوب إلى إيانكل إلى إيانوس، فما كان ذنبه غير إن كل اسم يلصق به إنما يشير إلى انتماء لا يعد محظوراً فقط بل ويعد جرماً يستحق كل أنواع العذاب هنا أو هناك، حتى ولو بدون أن يرتكب صاحبه جرماً أو حتى خطأ بسيط. 

ان كان على القارئ أن يقف مستبصراً ما يقرأ ومتمعناً فيه فقد لا يمر عليه أروع وأجمل من رواية الساعة الخامسة والعشرون، للكاتب الرائع قسطنطين جورجيو، تدفعه إلى إعادة حساباته، وإعادة ترتيب أولويات أحكامه المسبقة، التي تقف على طرف لسانه، لتنطلق إزاء من يخالفنا أو حتى لا يتفق معنا في معتقد أو دين أو عرق أو انتماء أو فكرة،، ليراجع نفسه عن المرات العديدة التي ارتفع فيها صوته وامتلئ بالحنق قلبه وكم تمنى من عذابات سماوية تصب على ذاك المسكين لا لشيء إلا لأن المستمع الذي أمامه لا يتفق معه فيما يقول أو يرى،، وما علينا في نهاية الرواية سوى أن نقوم لنغسل أيدينا مما علق فيها من جراحات إيوهان مورتيز.

 

فراس زوين

 

 

رنا خالدقبل الخوض في موضوعة السينما وعلاقتها في المسارات الثقافية والمجتمعية والانسانية، لا بد من التذكير، بانها، وأعني بها السينما التي بدأت في سنة 1895، هي على خلاف المسرح والاذاعة، والفنون الاخرى، كونها فن حديث مرتبط بظهور الكاميرا والتطور التقني، وكما يقال عن السنيما "انها الخلق والابتكار" مولود أوجده التقدم والتطور العلمي.. نتيجة التلاقح بين العلم والفن وارتبطت بأبحاث علمية مرتكزة بشكل مباشر على علوم متعددة من الفيزياء والكيمياء والرياضيات، فالسينما منذ أن ولدت لم تتوقف عن السير إلى الأمام في تحفيز المفكرين والشعراء والأدباء على خوض غمار الخيال والإبداع.

 ومن هنا وجد السياسيون ان السينما عنصر واداة فعالة وناعمة ومقبولة ومؤثرة في الترويج السياسي.. وقدرتها في التأثير على الوعي الجمعي والتأثير على الجماهير، واول من بدا ذلك النهج عبقري السينما شارلي شابلن ، حيث اعد افلاما عن البؤس في امريكا نكاية مرة ضد الحزب الديمقراطي، ومرة اخرى ضد الحزب الجمهوري ، ويسجل المتابعون لمسيرة السينما وعبقرها شابلن، ان فيلم "الديكتاتور العظيم" لشابلن يمكن اعتباره المحاولة الأولى التي تناولت فيها السينما قضية سياسية ولو بشكل ساخر، فرغم أن الفيلم من إنتاج 1940 حيث كان الزعيم الالماني أدولف هتلر في أوج قوته، وفى الوقت ذاته لم تكن الولايات المتحدة قد اتخذت موقفا معاديا صريحا للنازية ، فإن الفيلم تعرض بالنقد اللاذع والسخرية الشديدة لهتلر ونظامه ما جعله يصدر قرارا بمنع عرض الفيلم نهائيا في ألمانيا. فكان ذلك الامر البداية، في مسلسل تشكيل وعى مبكر بدور السينما ومدى تأثيرها فيما يخص الشأن العام.

ثم زاد تأثير السينما في الاوساط الاجتماعية لاسيما في اثناء الحرب العالمية الاولى والثانية واستمر استغلال السينما لأغراض التبشير في المسارات السياسية وبالخصوص في المعسكر الاشتراكي الذي يمثله الروس والصينيون وغيرهم، حيث تم إنتاج العديد من الأفلام التي تناولت قضايا حقوق الإنسان والقمع السياسي والحريات العامة وحقوق الأقليات، حتى أصبحت السينما مستودعاً للذاكرة السياسية بمناقشتها للعديد من القضايا.

اكيد كلّنا يحب الأفلام السينمائية، فهي تشوّقنا وتحمّسنا وتسلينا أكثر من أي فن آخر، لكن صناعة الأفلام صناعة معقدة يساهم فيها لاعبون مختلفون كُثر. ولكن، أين موقع الملكية الفكرية في الفيلم السينمائي؟

 في البحث العميق، نجد اصداء عديدة، تثبت ان السينما في ظرفها الراهن، لم تعد تهتم بالملكية الثقافية، المتمثلة بالكتاب الكبار، وانصب اهتمامها على حكايات تعتمد على اللامعقول في الحياة من خلال افلام الخفة والحركة والقتال، وغير ذلك من القضايا التي تثير الغريزة وتبتعد عن الفكر والوعي، بالعكس من مرحلة سنوات البدايات، حيث دخلت في المقومات التي تتكون منها الحضارة من أدب وعلوم وشعر وفلسفة واقتصاد وتاريخ وسياسة، بل إنها أصبحت بمثابة تلخيص مرئي لهذه المقومات.

وان السينما بقدر ماهي ابداع من خلال ما شاهدنه من افلامها العملاقة، لكنها ايضا كانت ولا زالت وسيلة للتسقيط السياسي للشعوب والسياسيين، لأنها، اي السينما دعاية ناعمة وقد استثمرها الكثيرون في تشويه صورة البعض والبعض الاخر.. ولم تختلف كل الدول في استغلال السينما لأغراضها مثل السينما الفرنسية التي شوهت نضالات الجزائر وبريطانيا ضد مصر وضد الهند وامريكا ضد كوبا وفيتنام ... وبالنهاية، أجد من الضروري، بيان وجهة نظري الشخصية، حول موضوع العلاقة السياسية بالفنية السينمائية بالقول ان السينما هي (الفن الشامل) الذي تتجه نحوه كل الفنون الأخرى، وسنصل إلى وقت تكون فيه السينما الفن الوحيد القادر على الاستجابة للاحتياجات المجتمعية بكل صنوفها والوانها.

 

رنا خالد

 

 

محمد تقي جونقلت له: كم متراً طول التعليم؟ قال: التعليم لا يقاس بالأمتار! قلت: فكيف سموا وزارتنا (التعليم العالي)؟ فقال: وما الصحيح؟؟ أجبته:

اللغة العربية تفرق بين (العالي: المرتفع) و(العلي: الرفيع). (عَلا في المكان يَعْلو عُلوًّا، وعَلِيَ في الشرف يَعْلى عَلاءً)؛ فـ(العَلوة والعلوُّ والعالي) للارتفاع في المكان، و(المَعْلى، والعلاء والعليّ) للرفعة. قال رؤبة: (لمَّا عَلا كعبُك بي عَليْتُ)؛ فقال: عَليْتُ ولم يقل علوتُ؛ لانه أراد الصعود شرفا وليس مكانا. وقال الشاعر (يا ابن عالي الذّرا عليّ المقام) فقال للذرا (جمع ذروة) لانها تُرتقى (عالي)، وقال للمقام لانه لا يرتقى (عليّ). وقال الله سبحانه (السماوات العلى) تأكيداً أن السماوات مرتفعة بالفعل وليس ارتفاعها اعتبارا. وقال سبحانه عن النبي إدريس (ع) (وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا) لان رفعه كان اعتبارا وليس رفعا إلى الأعلى.

وتفرق العربية أيضاً اذا كان الحديث للعاقل بين (العلي) و(العالي)، فـ(العليّ) السامي مثل (الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ)، و(العالي) المتكبر قال (عزَّ وجلَّ) (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ* مِن فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِّنَ الْمُسْرِفِينَ (الدخان: 31). وتسميته بالعالي استهزاء  فهو يقصد الواطئ، كما قال سبحانه (ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) ولذا من الأسماء (علي وعلاء) وليس فيها (علو).

ونجد العثمانيين يطلقون على دولتهم اعتبارا بسلاطينهم اسم (الدولة العثمانية العليَّة) وليس العالية، بينما أطلقوا على مركز القرار (الباب العالي) لأن الباب يقاس بالطول. وعصور العربية كلها تفرق بين (علي وعال) حتى وصلنا إلى العصر الحديث عصر سيادة الثقافة الأجنبية فصار الخلط بينهما. ويندر من يميز بينهما حتى المثقفين؛ قال الزهاوي: (عش هكذا في علوٍّ أيها العلم) وهو يقصد (عش هكذا في علاءٍ أيها العلم) لأنه يريد السمو وليس الارتفاع القليل عن الأرض.

وسموا وزارة  (التعليم العالي) ولم يراعوا أن اللغة العربية تفرق بين (العالي)/ للارتفاع و(العلي)/ للرفعة. والصحيح (التعليم الرفيع أو التعليم الجامعي أو التعليم المتقدم أو التعليم العلي)؛ لأنهم يقصدون التعليم الأرفع والأسمى والأعلى قيمة، ولم يريدوا التعليم المرتفع أمتارا عن الأرض.

 

الأستاذ الدكتور محمد تقي جون

(من كتابي المخطوط: اللغة العربية الخامسة)

 

 

يسري عبد الغنيإن العقل العربي بات متعبًا أكثر من أيِّ وقت مضى، وهو في الأصل كذلك، فهو تأسره الثنائيات بسهولة وسرعة، ثنائيات الأبيض والأسود، الحب أو الكراهية، الوطنية أو الخيانة، الروح أو المادة، العروبة أو الإسلام، العاطفة أو العقل، الإعجاب أو الازدراء، العلم أو الفن، عقل متسرع يبحث عن أسهل خيار من دون أن يبذل جهدًا، فيصعب عليه قبول حقيقة أن في طيف الألوان تدرجًا كثيرًا وتعددًا لونيًّا فيما بين الأبيض والأسود.

كم تصعب هنا إدارة الظهر لمقولة القائل: إن الفضيلة ترفُضُ أن تكونَ السهولة رفيقًا لها، أو أن تسلك الطريق السهل، وكم هو محرج التسليم المنطقي بأن العقل المستسلم للثنائيات أكثر قابلية للسيطرة عليه من الخارج، سيطرة تؤدي به إلى الشلل والرضوخ والاستعباد، بعد تحطم الروح وتلاشي المقاومة؛ توهمًا باستحالتها، أو نزوعًا إلى سلامة ذاتية موهومة.

كلامنا هذا يحاول أن  يُحلِّل ماهيَّة العقل العربي الصعبة التي إما تتجه لأقصى اليمين أو لأقصى اليسار، ونحن أمة وسَط، فأين التوسط هنا؟

حقيقة حتى الكتب التي تدين الذكورية في المجتمع المتزمت والمتعصب، تدين بتلقائية غريبة الجنوح للانفتاح اللا أخلاقي، وتجعله أكثر استعبادًا للتفلُّتِ وترك المرأة في حالة دونيَّة أمام الشهوة، وخاصة من خلال دراسته لنماذج روائية عربية.

يقول جورج طرابيشي في كتابه (شرق وغرب ـ رجولة وأنوثة): إن العَلاقات البشرية في السادية أو في المازوخية عَلاقات قوة، علاقات سيطرة وخضوع، ومعادل العلاقة المذكرة هو حب إذلال، ومعادل المازوخية المؤنثة هو حب التذلل، وتقع الفرودية في المحذور نفسه في تفسيرها لرموز الأحلام، عندما تؤكد أن الأسلحة المدببة رمز للعضو المذكر والعلب إلخ... المؤنث! وهي رموز عامة في الروايات العربية عمومًا (ص6- 7.)

حقيقة قصَّر النقاد في نقد النصوص الخادشة للحياء، بل تركوا لها الطريق مفتوحًا؛ لما تدره من أرباح، وهذا إن كان فهو وصمة عار في تاريخ العطاء الأدبي، فهو وإن كان واقعًا، فهناك فرق مؤكد ما بين رصدها كواقع محتم، وما بين الرفض له كهُوة مزرية تودي بالمرء لتشويه التاريخ الإنساني والأخلاقي، وفتح الباب للجيل لتجربتها والوقوع فيها ثانية.

وجدنا نصًّا كُتِبَ وَبُدِئَ ولم يُكْمَلْ كطرح يحتاج إلى شرح وبحث وتركيز، فما أحوجنا اليوم لمثل تلك التجارب؛ نتزود بها حكمة وعبرة، بما يعزز لغتنا وقيمنا، ويتصدى لما يعتورهما من تشويه أو تقصير..

 إذا رجعنا إلى طبيعة الأدب، فإننا نجدُه إنما لم يوجد إلا من خلال معطيَات أو منجزات، ومن هذه المعطيات الأساسية في الحياة: الأخلاق؛ لأنَّ الأخلاق من قِوام المجتمع وعماده، ولا يمكن أن يستقيم أيُّ مجتمع بدون أخلاق، حتى إذا رجعنا إلى العصور الغابرة الجاهلية وغير الجاهلية، فإننا نجد أن الأدب يحرص حرصًا بالغًا على تسجيل وتصوير كل الجوانب المختلفة التي ترتبط بهذه الحياة.

وبقدر مساهمة هذا الأدب في التعبير عن القضايا الاجتماعية والأخلاقية، وتنمية هذه الأخلاق، ومحاولة التعبير عنها، وإبرازها للمجتمع، بقدر ما تكون لهذا الأدب أهميته وقيمته.

والذي يحاول أن يفصل بين الأدب والأخلاق كمن يحاول أن يفصل بين الجسم والروح؛ لأنه لا يوجد أدب بدون أخلاق، ولا توجد أخلاق بدون أدب، كما لا توجد الروح بدون الجسد.

ومهمة الأدباء في هذه الحالة تكمُنُ في دورهم في إرساء هذه الأخلاق وإبرازها للمجتمع حتى يفيد الناس منها؛ لأنه إذا لم يفعل الأدباء هذا الأمر، فلا قيمة للأدب وسيظل معزولًا ومنشغلًا بأموره الخاصة، وبالتالي لا يمكن أن يؤدي رسالته المهمة

وبذلك نكون قد أوضَّحنا  وظيفة الأدب بدقة، وقدَّمنا  مهمته البنَّاءة على الهدم الذي نراه في المنابر والأعمال العالمية، الذي جعلنا نألفه رُغمًا عنا.

وإن كان الشكل الذي يجعل المضمون وطنيًّا بقشرة لا أخلاقية، إنما هي عملية غش مفضوحة، لا تخفى على المتلقي الذكي.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني