وفي يومك هذا رسمت أياما لا تخلو من بهجة، ولا تطأ أرض الخريف، لونت سماءك بألوان المجد السرمدي، وسبحت في عبق سحرها وسحره، لكنني لم أر لوجودك أرضا تسعه بنبله ونقائه، وتنصت إلى موسيقاه الشاردة.

 أنت أذن صاغية :

أذن صاغية أنت إن رأيت ما يرضي غرورك الجميل، وسماء صافية أنت، إن لم يكفهر محيطك.

على عرش الإنسانية استويت، كما يستوي الجمال في نفوسنا وفي عالمنا، باسطة أفياءه الظليلة على العوالم التي تثير البهجة في كل النفوس، وفي هذا يقين على أن عرشك يشمله بهاء متفرد لا كبهاء كل عروش الدنيا.

عين ساحرة:

أنت تلتقطين من هذا العالم وذاك ما يسر النفس، ويرمي بالأشجان بعيدا عن مقامك، لذلك لا يبين لنا منك إلا عذوبتك، ولا نعرف من مكنون ما تخفين إلا تلك الإبتسامة التي تهب هذا العالم الحياة .

لك منا كل التحايا التي تعانق جمالك الذي يتلاشى في هدوء، دون أن ندري، و دون أن تدرين .

لو تعلمين :

 لو تعلمين ما يبسط الهدوء والسكينة على هذا العالم، لكنت قد جملت عالمك بأعظم وأسمى من جمال الملمح، جمال الروح هو، سر الحياة الأبدي وبذرة الخلود الزكية.

جلجامش لم يهدأ له بال، وقد بلغ المقصد وحصد سر الوجود، وسيزيف لم يتوانى أبدا في عبور طريق مليء بالتحديات، عامر بالحواجز، كل شيء هان من أجل غايات و أهداف تنتزع الحقوق، ولا تطلبها في مجتمعات، لا تعي من أنت، ومن تكونين ؟.

ظل يذوب وظل يمتد:

 بين العوالم عالم يرفض ألقك، وآخر يرفض تواجدك فيه بأثرك البالغ الذي يتبع خطاك أينما حللت، وقد يقرأون صفحات كتابك على غير هدى، ينطلقون من مسلمات و حكايات وأساطير تحط من مكانتك، لينفردوا بعالم لا يسع أسرار كيانك الرائع .

كثيرون من لوثوا هذا العالم بصدى التجارب البائسة، وكثيرون من التفتوا إلى نبع الجمال فيك، لكنهم لم يحافظوا عليه لينجلي في هدوء وهم يعلمون، ليعم العالم صمت رهيب.

ظل قبيح يذوب ليمتد ظل جاثم ليغير ملامح العالم في لمح البصر، ولا أظن أن بعضهم يبرئك من أخطاء و هنات تختطف من شعاعك الساطع .

أضواء باهتة:

شمس بازغة أنت في المنابر، ومتألقة أنت في عالم يخفي جروحك التي لا تلتئم مهما فعل مناصروك، سبحوا في عالمك، أخذوا منه دون أن يوفوه ما يليق به، عبثوا فيه دون أن يعوا جسامة ما فعلوا .

في طريقهم رسموا للجمال تماثيل بهية، وهم لا يدرون، فتاهوا في وصفك، وعانوا من عظيم جمالك، وماتوا في سبيلك.

كم من الحقائق باتت مرمية على جوانب الطرقات، أو مكتوبة بمداد الجرائد والمجلات، أو مرصودة بآلات تصوير، لا ترحم الأمكنة و لا الأشخاص، وكم من الخبايا التي تكتب عن تاريخك في صمت، تجلت لنا على شعاع باهت من نبراس قديم .

لكن خذي من رسائلنا أروعها وأنقاها، ملفوفة بعبق أبدي يعانق سحر جمال العالم من حولك، ولألق وجودك سنعزف سمفونية مجد لا متناهٍ في يومك العالمي .

 

 

 

هناك من رأى الخطأ في إدخال لام التعريف على "بعض"= البعض، و "كل"= الكل،

 ودعواهم في ذلك أن "بعض" و "كل" معرفة، لأن كلاً منهما في نيّة الإضافة، وبسبب نية الإضافة والتعريف كان أن نصبت العرب بعدهما الحال: جئت لبعضٍ مسرورًا.

(انظر عباس أبو السعود: أزاهير الفصحى، ص 140)

يقول أبو السعود: "وفي كتاب (ليس) لابن خالويهِ- فإن العوامّ وكثير من الخواصّ يقولون (الكل) و (البعض) وإنما هو "كل" و"بعض" لا تدخلهما الألف واللام، لأنهما معرفتان في نية الإضافة، وهذا الرأي أفصح الآراء لأنه مدعوم بالحُجّة، وهي أن كلاً منهما لا يُستعمل إلا مضافًا لفظًا أو  تقديرًا، فإذا قلت "كلٌ فائز" كان المعنى- كلهم فائز"- ص 141.

أما الجوهري في (الصِّحاح) فقال:

"كلٌ وبعضٌ معرفتان، ولم يجيئا عن العرب بالألف واللام، وهو جائز؛ لأن فيهما معنى الإضافة، أضفت أم لم تضف"- مادة ك ل ل.

 ...

.."

 وقد استفاض عباس حسن في (النحو الوافي)، ج3 هامش ص 72 في بيان وجه الخلاف، لكنه نحا منحى التيسير وقبول تعريفهما بلام التعريف.

..

 لكني في جولتي اللغوية رأيت نماذج وفيرة من "البعض" ومن "الكل"، فإليكم نماذج من أدب العرب مما وردتا فيه:

قال مجنون ليلى:

لا يذكر البعض من ديني فينكره *** ولا يحدّثني أن  سوف يقضيني

قال سُحَيم:

رأيت الغنيَّ والفقير كليهما *** إلى الموت يأتي الموت للكلّ مُعْمِدا

وذكر الفيّومي في معجمه (المصباح المنير) أن ابن المقفّع كان يقول:

"العلم كثير، ولكن أخذ البعض خير من ترك الكل"، ويُروى: "العلم أكثر من أن يُحاط بالكل منه، فاحفظوا البعض!"

وهذا القول كان مأخذًا على ابن المقفّع- إمام الترسّل.

ينقل لنا ابن دريد عن الأصمعي قال:

"قرأت آداب ابن المقفع فلم أر فيها لحنًا إلا قوله – العلم أكثر من أن يحاط بالكل منه فاحفظوا البعض".

(الاقتباسات من السيوطي: المُزْهِر في علوم اللغة وأنواعها، ج2، ص 158.)

..

يقول الجاحظ في مقدمة كتابه (الحيوان) يرد على من عاب كتبه:

"وقد كنت أعجب من عيبك البعضَ بلا علم، حتى عِبتَ الكلّ بلا علم".

" ويجود بالكل دون البعض، ويدع لك الكنز الذي ليس للسلطان فيه حق"

انظر كتاب (الحيوان) ج1، ص 38، 101.

...

عدت إلى أشعار العباسيين فوجدت الكثرة الكاثرة من استخدامات (البعض) و (الكل) حتى لم يعد أي معنى للتخطئة.

يقول المتنبي:

ولا واحدًا في ذا الورى من جماعة ***  ولا البعض من كل، ولكنك الضعف

البحتري:

وما كلّ ما بُلّغتمُ صدقَ قائلٍ *** وفي البعض إزراءٌ عليّ وذامُ

ابن الرومي:

وهبتَ شطرَ الرضا له فهب  الــ      كلَّ فليس الكمال في الشطر

 أبو فراس الحمْداني:

اطرحوا الأمر إلينا ***  واحملوا الكلَّ علينا

وغيرها كثير.

 

ب. فاروق مواسي

 

 

كنت قد نشرت في مدونتي مادة عن "شيخ المعرة" تتضمن الكثير من مواقفه وجهوده الإنسانية في التعليم وحفظ السلام لمناسبة عيد المعلم وغيرها من المواد خصصت بها هذه المناسبة وقد لقيت قبولاً من لدن القراء الكرام من خلال تعليقاتهم أو مراسلاتهم يطمحون بأكثر مما كتبت، حتى ذكّروني بقول عربي شائع ولكنه غير مأثور لدي لأنه أعرج نصفه الأول لئيم ونصفه الثاني كريم: "إذا ضربت فأوجِع، وإذا أطعمت فأشبِع"، ما يعني بأن ليس كل ما في تراثنا جميل ما يقتضي مراجعة وتنقيح التراث لصالح الإنسان والمثل الإنسانية..

فلا يعجبنّيَ هذا النفاق - فكم نُفِّقت محنةٌ ما كسّدْ

 تتضمن  "شيخ المعرة" أول الكلام: كنت قد نشرت في مدونتي مادة عن الكرام، فاستحسنها الكثير من مواقفه وجهوده الإنسانية في التعليم وحفظ السلام لمناسبة عيد المعلم وغيرها من المواد خصصت بها هذه المناسبة وقد لقيت قبولاً من لد القراء الكرام من خلال تعليقاتهمأو مراسلاتهم يطمحون بأكثر مما كتبت، حتى ذكّرونوي بقول عربي شائع ولكنه غير مأثور لدي لأنه أعرج نصفه الأول لئيم ونصفه الثاني كريم: " إذا ضربت فأوجِع، وإذا أطعمت فأشبِع"، ما يعني بأن ليس كل ما في تراثنا جميل ما يقتضي مراجعة وتنقيح التراث لصالح الإنسان والمثل الإنسانية ..

أبو العلاء المعري، هو معلم المعلمين، ولا أقول هو شيخ الشيوخ، فليس كلُّ من اعتمّ بعِمّة أيّاً كان حجمها وشكلها ولونها هو شيخٌ، وقد أرانا زمانُنا هذا الذي نعيش من الشيوخ عجباً، وليس هذا موضوعنا إنما هو عِلّتنا المُستحكِمة والمُتحكِمة فينا و داؤنا العضال!

تقلّب الفتى على فراشه قلق الوساد، وهو لذي سيُشتَهر بالخطيب التبريزي، فهو مولود في تِبريز ولا يغرّنك مسقطُ رأسه ولا لقبه، فهو عربي المحتِد من بني شيبان، انتقل وأهلوه إلى بغداد، وبانت عليه علامات النبوغ من قوة حافظة وفطنة وتتلمذ على خيرة اساتيذ بغداد واستوعب علومهم نحواً وصرفاً وعروضاً، وحفِظ من الشعر روائع فحول الشعراء ووقف على معانيها وألفاظها وبلاغتها وصورها ومحصّ السمين من الغث، فرهفت حاسته وتثقفت ذائقته..

سمع شيوخ بغداد يلهجون بذكر إمام في الفلسفة واللغة وفقهها ومعجم ناطق في مفرداتها وروايات شعرها وشعرائها ونحوها وصرفها، فمن يا ترى يكون غيرُ الشاعر أبي العلاء، وهو وحده المعرّف بكنيته أو بنسبه إلى المعرة، أو بلقب شيخ المعرّة؛ لذا قرر أن يشد الرحال اليه وأقنع والديه فاقتنعا.

   وشرع يمنّي نفسه باللقاء ويتخيل كيف سيكون الحديث مع الشيخ الجليل وكيف يحضر الدروس مع طلاب لابدّ أنهم أذكيا نجباء وسيتصور أنه يرجع إلى بغداد ليصبح علماً من اعلامها علما وصيتا؛ يشار إليه بالبنان، ألا يكفي أن يكون تلميذ أبي العلاء المعري؟!ً

وهذه دار أبي العلاء، طفق يطرق الباب برفق، وقلبه يطرق بقوة حتى بدا نبضه له مسموعا بين جوانحه، ففتح الخادم الباب، وبادر الزائر بالسلام، يريد مقابلة الشيخ، فأذن له بالدخول وتكلم بلغة تدل على مكانة صاحبها، عرّف بنفسه قال أنه قدم من بغداد ويطمح أن يكون تلميذه لعام وبعض العام، وعندما انتهى من كلامه، صمت الشيخ قليلاً، فالحال ضعيف والحمل ثقيل من طلاب قطعوا الجبال والوهاد والوديان ليغترفوا من علم الشيخ، وكل دخله يأتي من جراية قيمتها ستون ديناراًمن وقف والده يمنح نصفها لخادمه، ويعتاش وطلبته من الباقي، وطعامهم الغالب العدس والخبز ويتحلون بقليل من التين الرطب في موسمه والجاف في غير موسمه والتين رخيص في المعرة والشام عموماً رخص التمر في البصرة والعراق عموما.ً

   ولا يدخل دار الشيخ الذي أمضى دهره صائماً ممّا يخص الحيوان شيئا وهو القائل في هذا المخلوق الضعيف: استضعفوك فأكلوك.

ولكي يُطمئن الشيخَ أخرج صُرّة في غلاله فتحها ليضعها في يد أستاذه، فسأل الشيخُ متعجباً ما

هذا، فأجاب الفتى على حياءهذه مخشلات من ذهب كي أخفف من حملي عليك،فرد الشيخ : نحن لا نأخذ من تلاميذنا مالاً، والعلم عندي مُباح، فألح الفتى، فنادى الشيخ على خادمه وسلّمها له.

أمضى التبريزي سنّة ونيّفاً يغترف من علم أستاذه اغترافاً ويأكل ويبيت بضمير مرتاح، وغدا من المُبرَّزين بين زملائه أثيراً عند أستاذه الذي أعجِب به أيّما إعجاب، وخصّه بكثير من فلسفته ما أخفى منها وما أجهر، فلمع اسمه وعلا، حتى حان موعد الرحيل، جاء إلى أستاذه ليودعه ويشكره على ما قدّم له بإخلاص، وقبل أن ينهض أخرج الشيخ الغلالة وصرتها التي لم تُفتح قائلاًيابني هذه أمانتكم أمانتكم رُدّت إليكم حاول الفتى أن يقنع الشيخ باستلامها فأبى..!! ..

إلى كل من غمرني بلطفه وحسن كلماته حين كتبت " مدرسة رحمة الله") (سقت هذه الشذرة

***

سيرة أبي العلاء المعري (363-449هج) يتلمسها القاري من خلال جهوده وسيرته وأعماله العظيمة، وما كتبه المعاصرون من أمثال طه حسين  في "كتابه مع أبي العلاء في سجنه"، ومن خلال كتاب الدكتورة عائشة عبد الرحمن بنت الشاطىء في رسالتها الذائعة عن أبي العلاء..

وأما سيرة تلميذه الخطيب التبريزي(502-421هج) الذي لم يأخذ شهرته التي تليق بمكانته إلا عند الدارسين لعلوم اللغة وآدابها، فهو محقق وشارح العديد من أمهات الكتب التي أذكر منها على عجالة : تحقيق وشرح المعلقات العشر، تحقيق وشرح المفضليات للمفضل الضبي،شرح ديوان استاذه سقط الزند، تحقيق وشرح مقصورة ابن دربد، وكتابه عن العالم اللغوي ابن السكّيت...الخ.

 لم يمتدح أبو العلاء حاكما قط ولم يتقرب إلا للعلماء والأفاضل الذي يقول عنهم:

أولو الفضل في أوطانهم غرباءُ - تشذُّ وتنأى عنهم القرباءُ

بقي أبو العلاء في بيته بعد أوبته من بغداد في  وحاز على لقب "رهين المحبسين"

الدار والعمى لمدة تسع وأربعين سنة  ولم يخرج إلا مرةَ واحدة، لمقابلة القائد النبيل

   حاكم حلب صالح بن مرداس، الذي حاصر المعرة لأن أهلها عصوه، فجاء الناس يتوسلون أبا العلاء ليدفع عنهم غائلة الحرب، فانصاع لطلبهم وخرج يتكىء على خادمه ولما عرفه القائد أمر بوقف القتال، واستقبله وأدخله الخيمة مرحبا به وأجلسه سائلاً إياه: ما حاجتك؟ فقال أبو العلاء: الأمير - أطال الله بقاءه-

 (صباحه ومساؤه/خ) كالسيف القاطع لانَ متنُه وخشن حدّاه وكالنهار الماتع قاظ وسطه خذ العفو وأمر بالعرف، وأعرِض عن الجاهلين، فقال له صالح وهبتها لك، ثم قال أنشدنا شيئا من شعرك يا أبا العلاء ، لنرويَه عنك، فأنشد ارتجالاً:

تغيّبتُ في منزلي برهةً - ستير العيوب فقيد الحسدْ

فلما مضى العُمرُ إلا الاقل- وحمّ لروحي فراقُ الجسَد

بُعِثتُ شفيعاً إلى صالحٍ - وذاك من القوم رأي فسَد

فيسمُع منّيَ سجع الحّمام - وأسمعُ منه زئير الاسد

فلا يعجبنّي هذا النفاق- فكم نَفَّقَتْ محنةٌ ما كسَد

 فقال صالح: بل نحن الذين تسمع منّا سجع الحمام، وأنت الذي نسمع منك زئير الاسد... ثم رحلّ.

 

خالد جواد شبيل

السادس من آذار 2017

 

 

 

لم يكن حديثا عابرا ذلك الذي بدأ بيني وبين احدى صديقاتي الاعلاميات حول العلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمعنا الشرقي بصورة عامة ومجتمعنا العراقي بشكل خاص على الفيس بوك وانما بدأ وكأنه حلقة اخرى من سلسلة طويلة لا نعرف متى نصل الى النهاية . يبدو ان صديقتي الاعلامية ومن خلال احاديثنا السابقة قد توصلت في داخلها الى قناعة اخبرتني بها الا وهي اني اعطي للرجل الشرقي اكثر من حقه على حساب المرأة بالرغم من كل ما يقوم به الرجل الشرقي من عدم احترام لحقوق المرأة وحرمانها من المساواة وفرص العمل وعندما اكتب عن الحب اكتب بطريقة رومانسية وامجد الرجل اكثر مما يستحق . اجبتها يا صديقتي العزيزة عندما اكتب لا اكتب من سطح المريخ ولا من مقاهي باريس ولا من ضواحي لندن او نيويورك وحتى لو كنت في هذه الاماكن او غيرها فان طبيعتي العراقية الشرقية تفرض عليّ ان اكتب ما اشعر به وما تفرضه عليّ مشاعري واحاسيسي الحقيقية فكما لا احب ان تنسلخ المرأة العراقية من عراقيتها لا احب الرجل العراقي ينسلخ من عراقيته ويتلون بالوان الغرب البرّاجة الخالية من الشهامة والرجولة الحقيقية والغيرة؛ انا اعشق الرجل الذي يحمل تراث القرية وحداثة المدينة؛ اكتب عن حب يولد في لحظة بكر بريئة عن حب قد يطول سنوات يعيش فيه بين السهد والسهر والصد والجفاء وعندما يحصل عليها قد يتركها في اية لحظة وفاء لحب اكبر واعظم الا وهو حب الوطن؛ عن حب رقيق شفاف يولد بين الازقة القديمة عبر نظرات متبادلة خجولة او عبر الشرفات من خلال مناديل الاشارة او تبادل الورود؛ عن حب عذري يولد بين السنابل او بين القصب والبردي وقد يموت لعفته وطهارته؛ انا لا اكتب عن حب يولد في مطعم الوجبات السريعة ويقدم شطيرة الهمبركر او الكنتاكي وقنينة بيبسي كولا؛ انا لا اكتب عن حب وهمي بين شخصيات وهمية عبر قصص وروايات عاش ابطالها بين السطور وماتوا على الرفوف اختناقا من الغبار؛ اكتب عن رجل عراقي يغار من النسيم اذا ما لامس خد حبيبته او خصلة من شعرها؛ عن رجل يقول لحبيبته لا تكثري من وضع الكحل في عينيك لانهما اجمل من بحار العالم كلها عنده او عندما يقول لا تضعي كثيرا من احمر الشفاه فلون شفاهك اجمل من كل ورود الجوري؛ يا صديقتي هذه مشاعري واحاسيسي التي ورثتها من عشتار الا تعلمين اني سومرية الى حد النخاع؛ انا حفيدة عشتار الهة العشق والخصب والنماء التي علّمت العالم معنى الحب الحقيقي منذ الازل؛ انا سومرية بامتياز وحبي حضاري منذ اكثر من ستة الاف سنة؛ والان اخبريني ما الذي اعجبك بالرجل الغربي وما الذي لا يعجبك بالرجل الشرقي ومن خلال المقارنة سوف نصل الى النتيجة الحقيقية؛ اجابت برسالة تظمنت ههههههههههه طويلة؛ ثم اعقبتها برسالة اخرى جاء فيها : لقد وضعت لك لقبا .....امرأة عراقية بجلباب جدتها ...و نحن في القرن الواحد والعشرين .

 

 

كتبت الشاعرة الروسية المعروفة آنّا أخماتوفا هذه القصيدة عام 1924 وكان عمرها آنذاك (35) سنة. عنوان القصيدة بالروسية (مووزا)، وهو اسم ربّة الالهام في الاساطير الاغريقية، وقد دخلت هذه الكلمة الى اللغة الروسية منذ زمن بعيد واصبحت مفهومة للقارئ الروسي بمعنى الالهام او آلهة الالهام، ونجد هذه الكلمة حتى في شعر بوشكين وبقية شعراء القرن التاسع عشر . يترجم  د. جابر مؤلف القاموس الروسي – العربي المعاصر الكبير هذه الكلمة كما يأتي – الهة الشعر والغناء عند الاغريق / مصدر الهام، وهي ترجمة صحيحة طبعا، رغم ان مؤلف القاموس جعل هذه الكلمة مرتبطة بالشعر والغناء قبل كل شئ، بينما هي اوسع من ذلك.

السبب الذي دفعني لكتابة هذه المقالة هو انني وجدت في مجلة (الاقلام) العراقية ترجمة لهذه القصيدة بقلم الشاعر المصري محمد عفيفي مطر (الاقلام / العدد 8 / سنة 1980)، والتي جاءت بعنوان – (ربّة الشعر)، وهذا نصها –

كما أترقب مجيئها اذا جن الليل

تتنزل على شعاع، فان الحياة تبدو لي هكذا،

رخيصة هي الامجاد والشباب والحرية، حينما

تقترب الزائرة العذبة من سريري بارغولها

انظروا...ها هي تأتي وترفع الحجاب

تنظر اليّ بلطفها الآسر.

أقول لها – هل أمليت الجحيم

على دانتي؟عندئذ تجيب (نعم).

بعد القراءة، لم افهم بعض المقاطع، مثلا (تتنزل على شعاع  /// رخيصة هي الامجاد والشباب والحرية ...)، وهكذا قررت العودة الى النص الروسي لقصيدة أخماتوفا، وبدأت اقارنه مع نص الترجمة، وفهمت عندها ان المترجم  نفسه ربما لم يفهم تلك المقاطع كما جاءت عند أخماتوفا، او انه تصرّف كما أراد بغض النظر عن النص الاصلي . عندها بدأت أبحث عن ترجمة أخرى لهذه القصيدة، ووجدتها فعلا في موقع (المسيرة) الالكتروني، وهي للمترجم د. ثائر زين الدين وبعنوان – (ربّة الالهام)، وهذا نصها –

عندما أنتظر قدومها في الليل

تبدو الحياة معلّقة بشعرة.

ما الشرف، ما الشباب، ما الحرية؟

امام ضيفة غالية تحمل المزمار في يدها

ها هي ذي تدخل، تنظر اليّ باهتمام

وقد كشفت النقاب عن وجهها.

أقول لها- ألست أنت من أملى على دانتي

صفحات الجحيم؟ فتجيبني – (أنا).

كل مترجم طبعا يمتلك الحق بالاجتهاد، وبالتالي، يمكن ان يعبّر عن اجتهاده كما يرى ويرغب، شريطة عدم ارتكاب الاخطاء .

لنتأمل الترجمتين –

العنوان يختلف عندهما، الا انه دون اخطاء. ايهما الاكثر دقة؟ الجواب – ربما ربّة الالهام، وليس ربّة الشعر، ايهما الاكثر جمالا؟ الجواب – ربما ربّة الشعر (التي أملت على دانتي صفحات الجحيم !) . // الجملة الاولى – (اترقب مجيئها اذا جنّ الليل) عند عفيفي مطر أجمل وأكثر شاعرية من (انتظر قدومها في الليل) عند ثائر زين الدين . //  الجملة الثانية – (تتنزل  على شعاع ...) عند عفيفي مرتبكة وغير مفهومة وتمثّل اجتهادا غير دقيق وغير صائب ولا يتجانس مع النص الاصلي، أما عند ثائر (تبدو الحياة معلقة بشعرة) فهي أوضح، وتنطبق حرفيا مع النص الاصلي، اي انها ترجمة حرفية جميلة وصحيحة. //  الجملة الثالثة – (رخيصة هي الامجاد....) عند عفيفي، مقارنة مع – (ما الشرف ....) عند زين الدين، تقتضي التوقف والتأمل . كلمة (رخيصة) أضافها عفيفي من عنده، ولا توجد عند أخماتوفا، وقد أساءت الى النص، واختلف المترجمان في كلمتي- (الامجاد) عند عفيفي و(الشرف) عند زين الدين، وهي عند أخماتوفا التشريف او مراسم الاحترام . وضع زين الدين علامة السؤال بعد (..ما الحرية؟)  وهي لا توجد عند أخماتوفا. واختلف المترجمان في - (الزائرة  العذبة)عند عفيفي، و(ضيفة  غالية) عند زين الدين ، وهي (ضيفة حبيبة او عزيزة)  عند أخماتوفا ، ويمكن ان تكون (غالية) طبعا، ولكن لا يمكن ان تكون (عذبة !). وأضاف عفيفي من عنده – (من سريري)، وحوّل (المزمار) كما عند أخماتوفا وعند زين الدين ايضا الى (ارغول) وهي آلة موسيقية تشبه الناي عند المصريين القدماء وليست معروفة تقريبا للقارئ العربي المعاصر، وأضاف من عنده ايضا – (بلطفها الآسر)، ولا ضرورة لكل  ذلك بتاتا . نهاية القصيدة عند زين الدين أكثر دقة وأجمل من نهايتها عند عفيفي، الذي أضاف ايضا من عنده كلمة (عندئذ)، وهي لا تتناسق حتى مع النص العربي .

محمد عفيفي مطر – شاعر مصري معروف (1935 – 2010) وأصدر العديد من المجاميع الشعرية وساهم في حركة الترجمة ايضا، أما د. ثائر زين الدين فهو اسم مجهول بالنسبة ليّ، ولم يسبق ان قرأت له نتاجات ادبية او ترجمات (ومن المحتمل جدا انني لم اتابع نشاطه الادبي ليس الا، ولهذا لا أعرف عنه أي شئ)، ومع ذلك، فان ترجمته كانت بشكل عام أفضل من ترجمة شاعر له مكانته المتميزة في تاريخ الشعر العربي الحديث، وهذه المقارنة السريعة بين ترجمتيهما تبين بلا شك، ان ترجمة الشعر تعتمد على موهبة الشخص الذي يقوم بالترجمة وامانته العلمية ودقّته، وليس على كونه مشهورا او شاعرا معروفا ليس الا، وان هذه الشهرة لا تسمح له ان يتصرف كما يشاء في الترجمة .

 

أ.د. ضياء نافع

 

شارع المتنبي، بالنسبة للعراقيين هو موطن الأسرار والكتابات المخفية عن عيون السلطات وهو حكاية البحث عن المفقود منذ زمن بعيد. وهو المكان الذي يقرأ الباحث والإعلامي (توفيق التميمي) تاريخه وحاضره بعيداً عن التأويل. وتبدو معضلة أي قراءة تتناول مكاناً معروفاً هي أن تأتي بشيء جديد لم يسمع به من قبل، وهذا ما يواجه بحثاً حين يتناول مكانا ترسخ في الذاكرة العراقية والعربية مثل شارع المتنبي الذي يحتل قلب بغداد.

شارع المتنبي هو سجل الأدباء والسياسيين والمجانين والشعراء الرواد والصعاليك الذين توزعوا في بلدان العالم والذين يتمنون أن يقلبوا فيه الآن كتاباً تنقل بين الأصابع كالبلدان التي وطأتها أقدامهم.تقترن ظاهرة رصيف الكتاب، في شارع المتنبي، بظواهر اجتماعية واقتصادية متعددة ومتنوعة خلال حقبة التسعينيات من القرن المنصرم، وخاصة فترة الحصار على الشعب العراقي، الذي أصاب البنية الاجتماعية إصابات باهظة مما ولد ظواهر وأمراضاً وجرائم وسلوكيات لم يعتدها العراقي سابقاً، مع انه قد خرج من حرب طاحنة امتدت ثماني سنوات، وأعقبتها حروب خاسرة أخرى.يعتبر شارع المتنبي واحداً من أهم مكونات المكان العراقي ثقافياً، كون إن الشارع يشكل وجه العراق الثقافي، وأغلفة كتبه والكثير من متونها وحواشيها، تقترن وتحاول أن تنقب في الروح الثقافية والمعرفية في الواقع العراقي وتحولاته الصاخبة القاسية المريرة، والشارع بات في تلك المرحلة ميداناً للصراع الشرس بين الثقافة الحرة ورموزها، والسلطة القامعة.من الرصيف والعوز والحرمان والقمع والطموح للاطلاع والمقاومة برزت ببسالة نادرة ظاهرة “الاستنساخ” العراقية بتفرد، فهي إذا كانت عادةً، بحثاً عن الربح غير المشروع واستغلال المؤلف والباحث والكاتب والأديب وسرقة جهوده وحقوقه، فإنها في العراق، وفي تلك المرحلة بالذات، كانت غير ذلك. إنها المطبوع المعارض والمشاكس الذي فضح في أحد معاني ظهوره ورمزيته تفاهة وانحطاط وتخلف الثقافة السلطوية.

يتعقب الباحث (التميمي) في تاريخ المكتبات البغدادية العريقة أمانة منه أولاً واستجابةً للضرورات التاريخية والبحثية ثانياً، ومن هذه المكتبات المكتبة العصرية التي أسسها المرحوم محمود حلمي سنة 1914 وهي أول مكتبة استوطنت شارع المتنبي قادمة من سوق السراي، وكان ذلك في أربعينيات القرن المنصرم وتوالى بعدها انتقال مكتبات أخرى، منها الشرق والأهلية والمثنى والمعارف والنهضة والتربية و الشطري وغيرها من المكتبات كالزوراء والبيان والنهضة، والنهضة العربية وغيرها.. ومن هذه المكتبات تطور رصيف الكتاب ومزاده، وكان رائده الأول الراحل “نعيم الشطري” صاحب المكتبة البغدادية ومؤسس مزاد (الشطري) الشهير. وواجه التميمي مصاعب عدة لغرض هذا التوثيق، منها انعدام المعلومات التاريخية الرسمية خاصة في المكتبات الجامعية المعنية بهذا الأمر أساساً، مما دعاه للبحث الشخصي في هذا الموضوع، مع صعوبته وامتناع بعض ورثة هذه المكتبات عن تقديم يد العون والمساعدة في هذا الجانب. وأغلب المصادر التاريخية تؤكد أن هذا الشارع يعود في أصله إلى أواخر العصر العباسي وهو منذ ذلك الحين اشتهر بازدهار مكتباته والمؤسسات الثقافية التي كانت فيه، والملك غازي هو الذي أطلق عليه تسمية “شارع المتنبي” عام 1932 تيامناً بالشاعر “أبي الطيب المتنبي”.

وقد دار جدل في الأوساط الثقافية العراقية حول ظاهرة ثقافة الاستنساخ، خلال سنوات الحصار،  التي تميز بها رصيف الكتاب في شارع المتنبي، التي تقوم على تصوير الكتب الأصلية ضوئيا وبيعها. وما زال هذا الجدل مستمرا حتى الآن حول من أسس لهذه المغامرة، فالبعض يرى أن الشاب “صباح ميخائيل” هو من بدأها، والبعض الآخر يذهب إلى أن القاص والروائي “حميد المختار” هو مَنْ كان الأول، وقسم آخر ينسبها إلى الشاعر “زيارة مهدي”. ومن المهم أن نعلم أن من بدأها هو أحد المثقفين العراقيين ومن الذين لا علاقة  لهم بالسلطة المنهارة ، ومن “الرصيف” ولدت هذه الظاهرة، وبدأت معها رحلة محفوفة بالمخاطر والعذاب والمحن، بسبب “ثقافة الاستنساخ” وما كانت تعمد إليه السلطة من إجراءات للحد منها، خاصة وان ظاهرة الاستنساخ قد تركزت على كتب المعارضين العراقيين للنظام ، ويملكون أسراراً كثيرة عنه. وكانت حركة الشارع جاذبة لنشاطات الأجهزة الأمنية ومحاولاتها السيطرة عليه وعلى ونشاطه الثقافي، وبذلت جهوداً مستميتة في ذلك بمساعدة بعض العاملين فيه وتعاونهم مع المخبرين السريين، أو من المتطوعين الوشاة ومنهم بعض الأساتذة في الجامعات العراقية، مما حول عمل وحياة العاملين على حركة الاستنساخ، جحيماً من النادر الخلاص منه، فقد وقع بعضهم في شرك الجهات الأمنية التي دفعتهم للاعتقال، ونكلت بعوائلهم دون رحمة، وألقت بهم في السجون لسنوات ومنهم “سعد خيون العبيدي” و”رحيم عبيد موسى” و”حيدر محمود شاكر” وكنيته (حيدر مجلة)، ويشهد الشارع وأهله ، ورواده، على عملية النهب المنظم للتراث الثقافي العراقي، عن طريق تهريب المخطوطات والوثائق النادرة والتي كانت تجري بتسهيل موثق من بعض وجهاء السلطة، ويروي الباحث التميمي حكايات “مجانين شارع المتنبي” والمشتركات التي بينهم ومنها لوثة جنون الكتابة والرسم والتهور الشجاع وبطولات الجنون التي لا تتيسر للأصحاء، والنبذ من العوائل والحرمان من الإرث والسكن في الكراجات الليلية ومنادمة سكان المقابر النائية، وتمسكهم بحرية الجنون التي يرون إنها أنبل من العقل. وكذلك مصائرهم الشخصية ،المحزنة - المفجعة  المتشابهة، حيث السجون أو الموت بلا مراسيم أو نحيب من قريب، وتواجدهم بعد الغياب الأبدي، في الذاكرة الخاصة بالرصيف وباعته ورواده الدائمين. ومن المجانين في شارع المتنبي الشاعر “صباح العزاوي” والقاص “حامد عبد الرضا الموسوي” القادم من أرياف النجف والمقتول برصاصة طائشة مجهولة، ظهر 9 نيسان 2003  ، ختمت حياته التي يكتنفها الغموض حتى في طريقة موته المعلن، والرسام والشاعر والكيماوي “هادي السيد حرز”.هؤلاء المجانين المقترنة تسميتهم بشارع المتنبي ليسوا سوى ظاهرة خاصة بذلك الرصيف وشارع المتنبي بالذات، ولم يكن أمامهم غير خيار قدرهم الطوعي والبطولة المتلفعة باليأس والتي تنكر لها العقلاء ـ الواعون ولم يتمتع بها غير المجانين، أو مَنْ يدعي منهم ذلك الشأن، لمواجهة ذلك الزمان وفظاظة أيامه وسنواته .وقد كان الشارع على موعد مع اغتياله في يوم الاثنين، الخامس من آذار عام 2007، اليوم الذي تم فيه تفجير (شارع المتنبي) وحصد أرواح بعض رواده والعاملين فيه. فعند الساعة الحادية عشرة والنصف قبيل الظهر، تعطلت لغة الكتابة، واحترقت الجدران وتفحمت أجساد باعة الكتب،وبعض الرواد،  وتهاوت السطوح، وانهارت البنايات، ولم يبق من شارع المتنبي غير أكوام من الكتب المحترقة وتحتها أجساد الباعة، ومن بقايا هذه الأجساد ربما يد مبتورة أو رأس مهشم أو جسد مشوه وسط دخان صعد إلى أعالي السماء، وألسنة النار المستعرة.الباحث (توفيق التميمي)، سجل ذاكرة شارع المتنبي وأيامه المشرقة والمعتمة، في كتاب بعنوان “ذاكرة الرصيف”1 .و يقع في مائة وخمسين صفحة من القطع المتوسط. وصف " التميمي" الكتاب في عنوان فرعي على غلافه بأنه: “فصول غير مروية من تاريخ شارع المتنبي”، وأضاف: “سيرة رواها” ولم يقل كتبها، ويأتي ذلك انسجاما مع العنوان الفرعي ذاته، إذ أن السير تروى عادةً، ومع كل الجهد التاريخي والتوثيقي والمعاينة اليومية التي بذلها التميمي لغرض توثيقها ومن ثم كتابتها فهو بدراية وبتواضع كبيرين يقرر إنه “يروي”. وبحكم إنه أحد الرواة - الشهود فأنه ينقب في المكان- الرصيف المحدود مسافة والمفتوح زمنياً لاستعادة مكونات وتاريخ هذا الرصيف - الذاكرة لغرض الحفاظ عليها من الاندثار أو النسيان ولتوصيلها إلى الزمن القادم والأجيال المتعاقبة.

 

جاسم العايف

............................

1 - إصدارات جريدة “العهد” بغداد، ط 1 - تقديم الدكتور سلمان عبد الواحد كيوش

 

 

 

تحرص شعوب شمال اوروبا وخصوصا الشعوب الواقعة في شبه الجزيرة الاسكندنافية على تناول الغذاء الصحي، المتنوع، المفيد للجسم في نفس الوقت لا ينتج عنه تفاقم السمنة. فالنظام الغذائي عامل فاعل جدا في الحفاظ على الصحة والرشاقة الى جنب ممارسة الرياضة بالطبع.

ثقافة الغذاء الصحي تحولت الى تقليد شائع بسبب التراكم المعرفي الذي استطاعت ان ترسيه الجهات الرسمية وغير الرسمية التي نشطت في هذا المجال، وما ساهم في ترسيخ تلك الثقافة هو المستوى التعليمي الممتاز الذي تتمتع فيه غالبية شعوب تلك المنطقة.

وارتباطا بموضوع الغذاء الصحي يحرص الشماليون بشكل عام والفنلنديون بشكل خاص على تناول خبز الجاودار "Ruisleipä"، فهذا النوع من الخبز ثقافة فنلندية بامتياز، انه غني بالبروتينات ويحتوي على الالياف التي تجعل المرء يشعر بالاشباع لاطول فترة ممكنة مما يساهم بالحفاظ على رشاقة الجسم، وله فؤائد اخرى جمة، الجاودار من الحبوب التي تنتشر في المناطق الباردة ولهذا يكثر انتشاره في المناطق القريبة من الدائرة القطبية.

لا تكاد تخلو مادئة فنلندية في البيت، المطعم او المقهى من خبز الجاودار الذي يتناوله الفنلنديون بعد دهنه بالزبدة، لقد توارث الفنلنديون هذا الخبر من اسلافهم السابقين الذين زرعوا الجاودار قبل حوالي 2000 عاما. اعتزازا بهذا الماكول العريق في الثقافة الفنلندية ونظرا لكثرة الاهتمام به وتناوله بشكل يومي صوّت معظم الفنلنديين مؤخرا على اختيار خبز الجاودار ماكولا وطنيا بمناسبة مرور المائوية الاولى لاستقلال فنلندا عن روسيا عام 1917.

خبز الجاودار رافق الفنلنديين في السراء والضراء، ليست الثقافة الصحية وحدها ما دفعهم الى الاكثار من تناوله يوميا، بل اضافة الى ذلك لان خبز الجاودار كان رفيق الفقراء في الظروف الصعبة التي مرت على الفنلنديين بفترات زمنية مختلفة من تاريخ هذه البلاد.

وزارة الدفاع الفنلندية اعتمدت خبز الجاودار وجبة اساسية ايضا للجنود في حرب الشتاء (ضمن الحرب العالمية الثانية)، كانت النساء الفنلنديات المتطوعات يعددنه في بيوتهن ضمن مواصفات خاصة تفرضها وزارة الدفاع.

شعوب تلك المنطقة لها مع ذلك الخبز علاقة لها طابع مقدس بعض الاحيان، من العادات المتوارثة عن العلاقة مع الخبز عموما والجاودار خصوصا ان يتواصوا فيما بينهم بانه "من الافضل ان تصمت اذا كان في فمك خبز"، "لا تترك الخبز على الارض"، وغير ذلك من التعليمات المتوارثة من القدم.

 

هلسنكي- جمال الخرسان

 

كثيرًا ما يُردد القول: وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟

وأصل القول وارد في شعر عُرْوة الرَّحّال، حيث قال:

 عَجوزٌ تُرجّي أنْ تَكونَ فَتيَّةً *** وقَد نَحِلَ الجَنبانِ و احدَودَبَ الظَّهرُ

تَدُسُّ إلى العَطّارِ مِيرةَ أهلها *** وَ هَل يُصلِحُ العَطّارُ ما أفسَدَ الدَّهرُ؟

(اطلعت مرة على ديوان جِران العَود وبضمنه شعر الرَّحّال، وعرفت يومها أن الشعر هو للرحال، وأعمد هنا إلى الذاكرة، لعدم تيسّر الديوان لي حاليًا).

"ميرة" وردت في روايات أخرى "سِلعة".

ها هي العجوز الشمطاء تحاول أن تجدد شبابها وقد أصبحت هزيلة جدًا وبلغت من  العمر عِتيّا، فهي تدفع للعطار من طعام أهلها حتى تشتري الكُحل والمساحيق، ولكن هيهات، فالدهر قد فعل فعلَه، ولن يصلح هذا الخبير بالتجميل أي شيء فيها.

"راحت عليها"!

من هنا أصبح الشعر مثلاً: بمعنى- لا تبحث عن أمر وقد مضى أوانه.

..

مما يروى في القصيدة، ويبدو أنها كانت عن امرأته التي خُدع بها:

تزوجتها قبل المُحاق بليلةٍ *** فعاد مُحاقا كله ذلك الشهرُ

وما غرني إلا خِضابٌ بكفّها *** وكحلٌ بعينيها وأثوابُها الصفرُ

يعود الشاعر في نص آخر ليقول لنا إن ذلك لا يجديها نفعًا:

ولا تستطيع الكحل من ضيق عينها *** فإنْ عالجته صار فوق المحاجـر

وثديان أمّا واحدٌ فهو مِزْوَدٌ ***  وآخرُ فيه قِربةٌ للمسافر

..

ويمضي في هجائها المقذع:

لها جسمُ برغوثٍ وساقا بعوضةٍ *** ووجهٌ كوجهِ القردِ بل هو أقبحُ

وتفتحُ -لا كانت - فمًا لو رأيته ***  توّهمتَه بابًا من النارِ يُفتحُ

لها مَضحكٌ كالحُشِّ تحسب أنها *** إذا ضحكت في أوجه القوم تسْلح

إذا عاينَ الشيطانُ صورةَ وجهِها *** تعوّذ منها حينَ يُمسي ويُصبحُ

لها منظرٌ كالنار تحسبُ أنها *** إذا ضحكت في أوجُهِ الناسِ تلفحُ

..

 

 أما عروة الرحال فقد عاصر الشاعر جِران العَود، وجِران هذا تزوج اثنتين، وكان يهددهما بالسوط،

واسمه  الحارث بن عامر، لقِّب  "جِران العَود" لأنه كان قد اتخذ جلدًا من جِران (عنق) العَود (الجمل المسنّ) ليضرب به امرأتيه. ولجِران أبيات هجائية مقذعة في زوجتيه، ومن ذلك:

خذا نصف مالي واتركا ليَ نصفَه *** وبِينا  بذمّ فالتعزّب أروح

كان جران العود خِدنًا وتِبعًا لعروة بن عتبة المعروف بعروة الرحال. قيل إنهما عاشا في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي.

..

وردت الأبيات كذلك في كتاب ابن طيفور - ت 280 هـ (بلاغات النساء، ص 143) على أنها لأبي العاج الكلبي:

 "حدثنا أبو زيد عمر بن شبة قال : قال أبو العاج الكلبي لامرأته:

عجوزٌ ترجّي أن تكون فتية *** وقد لُحِب الجنبان واحدودب الظهر

تدسُّ إلى العطار مِيرة أهلها *** ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر

أقول وقد شدوا عليّ حِجالها *** ألا حبذا الأرواح والبلد القفر

لاحظنا هنا الفعل (لُحِب)، وفي روايات أخرى نجد بدل كلمة (فتيّة)= صبيّة

ومن الطريف في رواية أبي زيد أنه كان هناك حوار بينه وبينها، فكما تعيبني أعيبك.

لكن المبرِّد في (الكامل، ج1، ص 255) وابن عبد ربِّه في (العقد الفريد ج3، ص 457) يذكران الشعر أنه لأعرابي.

يقول ابن عبد ربه:

" وقال أعرابيّ في امرأة تَزَوَّجها، وذُكِر له أنها شابة طريّة ودَسوا إليه عَجوزا"، وذكر الأبيات، وقد وردت القصة  في (الكامل) أيضًا  برواية "لُحِب الجنبان"= قل  لحمهما، وفي (عيون الأخبار، ج4، ص 45) برواية "وقد غارت العينان".

 

 

 

 

أدعوك أخي القارئ العربي أينما كنت إلى احتساب الساعات التي قضيتها وأنت “تقرأ” مذ شببت حتى شبت، خاصة إن كنت خريج جامعة أو دراسات عليا. لا بد وأنك ستصاب برجة وعي، إما تجعلك تندم على هدر الساعات الطوال في القراءة (إن لم تفقه قيمتها المعرفية وأبعادها الثقافية والذوقية الأخرى)؛ وإما تجعلك تتبجح بأعداد النصوص التي قرأتها خلال سني حياتك. وفي الحال الثانية، تجد أعدادا كبيرة من القراء الفطنين الذين لا يقرأون فحسب، بل يعملون جاهدين على اقتناء الكتب والنصوص المفيدة والثمينة التي تأثروا بها لتشكيل مكتبة منزلية يتباهون بوجودها في غرف الاستقبال، بدلًا عن الأواني والمزهريات التي لا يملك قليلو القراءة سواها للعرض أمام زوارهم وضيوفهم.

وإن شئت أن ترصد هذه الظاهرة في حياتك الآن على نحو خاص، إذ يعيش فعل القراءة جزرًا فظيعًا في عالمنا العربي، على عكس ذلك المد العظيم الذي امتد عبر أواسط القرن الماضي عندما كان القراء الفطنون يتبارون بأعداد الكتب والمصنفات التي كانوا قد قرأوها.

إن أية مراجعة لــ”سيرة حياة القارئ” لن تخفق في الكشف عن أشكال متعددة من القراء، صعودًا إلى ما يمكن أن أطلق عليه عنوان “القراءة النقدية”، وهي الأسمى من بين أشكال القراءة: كقراءة التهجي التي دشنّا جميعًا أشواط حياتنا مع النصوص الابتدائية بواسطتها. وإذا كان هذا الشكل من القراءة يدربك ويدرب عينيك على التعامل مع الحروف وطرائق تشكيلها وتهجيها وأساليب التعامل العقلي مع تركيباتها، كلمات، فإن القراءة الاعتيادية التي نعتمدها في مرحلة تالية من حياتنا إنما تهيمن على الأطوال الزمنية الأكبر من حياتنا مع النص المقروء. ويبدو أن أبرز أشكالها التالية لطور التهجي، هو تلك القراءة المعتمدة من قبلي وقبلك في تصفح الصحف اليومية والإعلانات التجارية والمراسلات على أنواعها. هذا هو الطور التالي الذي يتقنه كل من تجاوز مرحلة الأمية إلى مراحل الدراسة التقليدية الابتدائية والمتوسطة والثانوية ثم الجامعية. أما الطور الأسمى من أشكال القراءة، فهو الطور الذي يشعر فيه القارئ بدرجة من استيعاب النص وفهمه بأبعاده المتعددة، درجة إحساسه بأنه إنما “يحاور” المؤلف، فلا يطلع على نصه حسب. والسمو بالعقل نحو هذا الطور من القراءة لا يأتي من اللامبالاة، ولا من عدم احترام القراءة واستبدالها بالصورة والفيلم وما تضخه وسائل الإعلام وآنية التواصل الاجتماعي بالجملة، خاصة في عصرنا هذا، إذ تأكد لي بأن القراءة إنما أصبحت “جهدًا” مستثقلًا، درجة تفضيل ما يسمى بــ”القراءة السريعة” Rapid Reading، بديلًا عن القراءة الاستيعابية المفيدة. والقراءة السريعة، التي يطلق عليها عنوان Speed Reading أحيانًا، هي الشكل الذي استنبطه العقل الآدمي في العصر الحديث بالقراءة عن طريق إلقاء نظرة تصفح سريعة على النص على سبيل الفوز بخلاصاته، دون قراءته حرفًا حرفًا (أسست كلية اللغات بجامعة بغداد قسمًا خاصًّا بهذا النوع من القراء منذ بداية التسعينيات). والقراءة السريعة التي اشتهر بها الرئيس الأميركي السابق “جون كنيدي” منذ بداية ستينيات القرن الزائل إنما كانت ضرورة حيال تعاظم أعداد النصوص التي يتوجب على الإنسان الحديث الاطلاع عليها على نحو يومي، بل وساعة بساعة، خاصة بالنسبة لولاة الأمر، حيث يتوجب عليهم قراءة ما لا يعد ولا يحصى من الملفات والنصوص على سبيل البت بها على نحو مفيد وحكيم. لذا توجب على هؤلاء “استئجار القراء” والمستشارين الذين يقرأون له أو لها، ثم يقدمون له الخلاصات بأدنى عدد من الكلمات حفاظًا على وقته الثمين.

هل فكرت أخي القارئ بأشكال وأطوار القراءة سابقًا، وهل تأملت أهميتها في إقامة صرح الثقافة والحضارة البشرية، إن كان جوابك: “كلا”، فحري بك الاطلاع على ما جاء في أعلاه لتدعي بمعرفتك أبعاد القراءة على أشكالها.

 

أ.د. محمد الدعمي

لا أظنها ظلالاً وان كانت الرغبة كبيرة في توصيف هذا الحنين وشحنه بنوستالجيا إلى حد بعيد. لكنه الفقد هنا مختبئاً، تفصح عنه السطور، إبتداءاً من الإهداء الذي يوجهه هنا إلى أخٍ غائب يضفر وجهه بذكريات الطفولة ويعدّ سنوات العمر التي كان سيعيشها معه، سوية لو كان بانتظاره!

تجبرك الأجواء على مصالحة نفسك وإقصاء كل ماهو قاتم مخيم فوق الرؤوس، رغم ان المجموعة تدور حصراً حول العراق، مدنه والفترات العصيبة التي مرت به ولازالت حتى اللحظة، حيث المخبر والسلطة المهددة لأمن الفرد والسلابة وقطاع الطرق والمتصيدين في الظلمة والنسوة المتشحات بالسواد. قلة من الكتّاب من تجدهم أبقوا على الذاكرة سليمة لم تصب بأذى، ولكنها أيضا ذاكرة مسالمة، رحيمة بما تمر عليه، تمسّه أو تحييه. مثل نهر يتهادى مجراه بهدوء، يتعرج، ينعطف، ينحف ولكنه يواصل بوفاء، من دون نهايات حادة، بلا انفعالات ولا نتوءات نافرة. هكذا بدت لي نصوص " ظلال على شواطيء المنفى"، خزين حي يجمع بين أناة الشيخ واندفاع الشباب، عبر انتقاء الكلمة، الطرفة، التعابير العامية القديمة، المفارقات العراقية هنا وهناك.

الحس الساخر يرافقه منذ بدء رحلته الشاقة الأولى من المكان الأول، من الناصرية الى بغداد محصناً بتوصيات الأهل ودعمهم تحذيراتهم، وحيث يضطره الدرهم الأخير إلى إكمال المسيرة على الأقدام في تلك الظهيرة اللاهبة بعد أن أنهى اجراءات معاملة سفره لمغادرة العراق. لم يتمكن من شراء بطاقة باص ليكتشف فور وصوله المكان الذي يقيم فيه أن الدرهم انما كان عالقاً بملابسه من الداخل. هل سيتعين عليه أن يدور من محطة إلى أخرى وبلد إلى آخر ليؤكد لنفسه بعد مطافه أن الحب للمكان الأول، لناسه، لأبطال عالم الطفولة والشباب، لنظرات البنات والإشارات، إن كل ذلك باق كما هو، مخبّأ او عالقٌ في الثنايا مثل ذاك الدرهم الذي ظن انه قد أضاعه! يخال لنا ان من كل هذا انبثقت هذه المجموعة!

 

* "ظلال على شواطيء المنفى". طالب عبد الأمير. نصوص قصصية. دار أوروك ميديا- السويد. 2017 

                                             

كثيرة هي الاشياء والامور التي لا تثير اهتمامي لذا اتخطاها بجرة قلم او احيانا بكلمة واحدة تسكن احدى اروقة نصوصي وقصائدي او اضعها في مزبلة الذاكرة لغاية لا تدركها سوى الذاكرة ذاتها والفيس بوك احدها فأنا اعتبره عالما افتراضيا خالي من دسم الحقيقة فهو عبارة عن الة تجارية صنع لغايات معينة وما ان ينتهي العمل بها ستصبح في طي النسيان وستظهر الة تجارية اخرى تحل محلها ولغايات اخرى هكذا ارى عالم مواقع التواصل الاجتماعي والتي يحلو لي ان اسميها مواقع الفوضى الاجتماعية فما يحدث على الفيس بوك لا يتعدى الهرج والمرج وان اختلفت سياقات العمل فيها لكنها تلتقي في حلبة الخيال والاحلام ......

لا انكر انني لا اتعامل مع الفيس بوك فمهنتي كشاعر وكاتب  تقتضي ان اتعامل معه لا لكي اتواصل مع بني البشر ولا لكي احظى بالمزيد من الصداقات المزيفة ولا لكوني من محبي التصعلك والتعربد بين اروقته انا استعمله لغاية معينة وهدف معين الا وهو ان اشارك على صفحاته ما ينشر لي من قصائد وقصص قصيرة ومقالات على صفحات المواقع والصحف العراقية والعربية الورقية والالكترونية هنا الهدف واضح الا وهو الشهرة وهذا جائز في سياق العملية الابداعية بأعتباري مبدعا هنا يحق لي ان انشر ما ينشر لي من ابداعات على صفحاته وهذه رسالة مفادها انني عنصر فعال يكافح ويعمل ويناضل بقلمه في سبيل اعلاء شأن الثقافة والفكر والادب والحصول على المزيد من الشهرة من المحيط الى الخليج بل الابحار ابعد من هذا وغزو الغرب بأبداعاتي الفكرية والادبية لعلى وعسى ان احصل على النوبل ذات يوم وهذا ايضا ضمن السياق المعمول عليه من قبل الشعراء والكتاب على مر الزمن فكلهم ناضلوا وكافحوا من اجل الشهرة والوصول الى افق المجد لذا اتعامل مع الفيس بوك بهذه الطريقة التي اعتبره خط الهجوم الثاني لابراز ابداعاتي من بعد المواقع والصحف الورقية والالكترونية التي اعتبرها الجبهة الامامية والخط الاول لهجماتي مع الحروف والكلمات في عالم الشعر والقصة القصيرة والفكر والفلسفة لكن ما يضحكني ما يدور على الحسابين الذين املكهما على الفيس بوك اللذان يتعرضان الى عمليات قرصنة بصورة شبه يومية وما اكثرها عمليات القرصنة التي كادت ان تجهز على كلا الحسابين لكنها باءت بالفشل الذريع لذا حاولت ان اضع حدودا بين كلا الحسابين فأحدهما مدرع ويخلو من الفضائيين والفضوليين والمزعجين والمعجبين والمعجبات اي انه خالي تماما من اي رواسب وشوائب فهنالك حزام امني يحرسه ولا يدخله سوى الاصدقاء المقربين مني ونخبة من الشعراء والكتاب والاقارب الذين تربطني بهم علاقات الدم والوفاء وهذه هي النسبة الاكثر تواجدا وحضورا فيه بينما حسابي الاخر فلقد جعلته مفتوحا اي يمكن لأي شخص ان يرسل طلب صداقة لي وايضا طلب مراسلة والذي اقفل تماما بعد ان اكمل التعبئة بخمسة الاف صديق منهم الفضائي والمزعج والفضولي والمعجب والمعجبة والحائر والحائرة والمتعب والمتعبة والسعيد والمكتئب والانفعالي والهادىء وووووووووو وما خفي كان اعظم ورسائلهم تعلن عن حضورها من ان دخلت هذا الحساب فترى احدهم يقول مرحبا والاخر السلام عليكم والاخر هلا والله والاخرى كيفك شو الاخبار وهذه كتبت بالانكليزي وتلك بالفرنسي مع الصور والرموز التعبيرية كالازهار والقلوب اي بأختصار ان حسابي هذا ما هو الا فسحة لي للضحك والتفكير وقراءة الوجوه والافكار وما خلف السطور لذا لا ارد على رسائلهم بل اكتفي بالنظر اليها وتحديدها كمقروء لأنني على قناعة تامة بأن هذا العالم مليء بالاشرار واكثرهم يسكن في اروقة الفيس بوك بين باحث عن المال والفضائح والمشاكل واستغلال الاخرين لغايات واهداف معينة لذا اتعامل مع هذا الحساب بحذر وذكاء شديدين لكن في ذات الجانب اشارك فيه كتاباتي ونتاجاتي لعلى وعسى تجتاح الشهرة اروقة قلمي بكل لغات العالم .....

لذا بعد ان انتهي من عملي وبعد ان اكمل خربشاتي فوق الورق الابيض برفقة القلم من شعر وقصة قصيرة ومقالة وبعد ان اخذ حاجتي الفكرية من صفحات كتاب ما مركون على احدى رفوف مكتبتي يأبى الانتهاء لا لانني لا انهيه بل لانني اعيد قراءته مرة ومرتين وثلاث كونه اعجبني واثار اهتمامي اقوم بأهدار ما تبقى من وقت مع  الفيس بوك لأنه كائن جامد لا مشاعر واحاسيس لا قيمة للوقت عنده وخارج عن قواعد الحضارة والانسانية فهو هضبة قاحلة لا تصلح للعيش عليها وكهف مظلم مليء بالافاعي والثعابين البشرية التي تحاول ان تلدغ الصالحين فيه الذين يستخدمونه كوسيلة ثانوية للترويج عن ابداعاتهم او منتجاتهم او افكارهم او اعمالهم ......

لذا يحلو لي ان اسمي الاول حساب المثقفين والثاني حساب الثعابين .....

لكن السؤال يطرح نفسه ..... ايهما هذا او ذاك

الجواب لا يعرفه سوى كاتب المقال .......

 

ايفان زيباري - شاعر وكاتب

دون اية مغالاة او تهويل اعترف اني اجهز نفسي جهوزية تامة وانسى كل شيء مما يحيط حولي واغفل حتى عما يجول في خاطري من تهويمات فكرية عامة أو خصوصيات شخصية تتعلق بي وبأقرب المقربين اليّ حينما ابدأ في قراءة قصيدة معينة او مجموعة شعرية وكأنها هي وحدها تشير اليّ ان ادنو منها وأتملّى سطور ورقها ، وانا هنا لااعني جملة الكتابات الهائلة التي تسمى قصائد جزافا وتطاولا على الشعر وآياته وسوَره ذلك القرآن البشري الذي يكتبه أنبياء الشعر من هواجس وحْيٍّ سمّوه قبلا باسم عبقر لواقعٍ متخيل حتى انهم عزَوا انتسابه الى الجان في غابر العصور وما لايتراءى عيانا امام الانظار لما يطلقه من الدهشة والحيرة من اختلاق المعاني وتراصّ الكلمات لخلق عالمٍ ساحر غير متعارف عليه قبلا .

لا يعنيني ابدا وقت كتابة القصيدة ولا زمانها ولا حتى متى قيلت او في اية ترعة استقت ونبتت سواء كانت صحراءً ام جناناً غنّاء بقدر ماتعنيني العوالم الجديدة التي تنبثق منها وقد اقرأ لشاعر محاصر في صحراء كلها قحلٌ وجدب وأعجب كيف يخلق عوالم وابتكارات شعرية أهيم بها هوسا وانجذابا مثل حال شاعرنا البدويّ الاموي ذي الرّمة الذي لم تعش حياته بذخا يذكر وظل طوال حياته أسير البيداء وأدهش كيف يحاكي الحصى وكأنها دررا شعرية تخرج من بطونها الصلدة الاف المعاني العجيبة وكيف يصبغها الليل بالسواد .. ولنقرأ مثلا هذا البيت في وصف الدويّة ( الصحراء ) ليلا وهو يعتسفها ويقطعها طولا وعرضا وكيف صوّر الليل بريشة فنان يصبغ حصاه حلكةً سوداء فاحمة :

ودوّيةٍ مثل السماء اعتسفتها ------ وقد صبغَ الليلُ الحصى بسوادِ

كما ان له في غزله مايثير العجب والاندهاش في لقطاته الشعرية اللافتة وفي البيت التالي وهو يتغزل بعينَي معشوقته " ميّ " مافيه من صورة مجازية باهرة وهو يقول :

وعينانِ قال اللهُ كونا فكانتا ---- فعولانِ بالألبابِ ماتفعلُ الخمْـرُ

وكذا الامر حينما أرتوي الشعر من عيونه وينابيعه الصافية ولا يهم ان كانت تلك الينابيع انبثقت من البادية في واحة ما او من جبلٍ عالٍ ؛ شرقا كان ام غربا فتراني أوغل في شعر المتنبي والمعري وغوته وريلكه ودانتي وبورخيس وشكسبير ومفجّري الشعر الفرنسي الحديث من امثال مالارميه وشارل بودلير وآرثر رامبو ذلك الفتى الغرّير المليء شعرا في كل خلايا عقله وجسده الذي أذعنت فحول الشعراء وشيوخها إصغاءً ، هذا الانفجار الشعري الذي دوى بضع سنوات وخفتَ على حين غرّة . فالشعر والقصيدة الحقيقية هي اصطياد كل ماهو شارد ووصف بواعث النفس بطريقة غير معتادة والأتيان بحالات الغرائبية غير المألوفة وتجارب الشاعر السوبرمان  في هذه الحياة التي ما أن تحلو قليلا حتى تصاب بالمرارة كثيرا .

فما ان اتطلّع الى قصيدة شعرية حتى أهجس اني في حفل يصخب تارةً وتارة اخرى يهدأ ، ارى شخوصا غير مألوفين في حياتنا المعتادة يتقمصون صور حيوانات او نبات او جماد تسمع لغتهم وقد تفهم معنى مايريدون وقد تغيب عنك المعاني كلها لكنك تأنس بهذا العالم الغريب الاطوار .

ترى التجريدية والنمطية المعتادة معاً تتآلفان مثل حبيبين تعانقا وتنافرا ، ترى الواقعية باعتيادها مرةً وكأنها فوتوغراف  وسحرها وكأنها عوالم مختلقة وترى انماطا تقليدية  قلبت واقعها فصارت تجريدا وهنا عليك ان تتهيأ لعالم تلجه اول مرة مثل سائح يحطّ في مدينة صاخبة لم يألفها من قبل في أسفاره .

عليك ان تكون مستعدا لتقبل صورٍ وانماطٍ لاتعرفها من قبل ، اشياء بدون فمٍ تحكي واشجارٍ تتأنسن ، فليست كل القصائد تصوّر الدنيا كقصيدة شعر مثلما قال نزار قباني وهناك الكثير من قصائد الشعر حارقة ملتهبة وموجعة وربما تصيبك سهامها وتوجعك فتبكي بدلا من تسرّ وتحزن وتوغل في قرارة شجن لاخروج منه وتبقى وقتا طويلا في شباكها .

والحق ان لكل قصيدة طقوسها في القراءة وهناك الكثير ممن نمرّ عليها مرور الكرام دون ان نعبأ بمعانيها وتركيبها الشكلي كمن يؤدي تحية عابرة لصحبهِ بهزّة رأس او إيماءة حاجب او تلويحة ليست عالية ولانطيل الجلوس معها وسرعان ما تستأذنها بالمغادرة دون ان نفكر حتى بالعودة اليها لاحقا لا لشيء سوى انها مقززة ذوقا وكريهة في طلعتها عندما تقابلها وجها لوجه .

لكن هناك قصائد تتمنى لو ترافقك اينما رحلت وحيثما أزفت ولا تتوانى من تذكّرها بين آن واخر مثل صديقة جميلة رائقة كنت تجالسها باستمتاع وغادرتْك وأنت في خضم مشاغلك لكنها كثيرا ما تخطر على بالك وتمنّي نفسك ان تلتقيها أمدا بعد أمد كلما سنح وقتك لملاقاتها .

هناك من القصائد ما تأخذك في رحلة شاقة طويلة ولا ترى محطات استراحة في الطريق لتهنأ وتستريح فيخامرك الشقاء والتعب والإنهاك الذهني والجسدي معا مع ان البعض يراها غير ماتراه أنت وربما يكون مركبك غير مراكب الاخرين واذا كانت تلك القصيدة قد انهكتك فهناك من الشعر البذيء مايقرف النفس ويدعو الى ان تلعن الشعر والشعراء كلهم ومن حُسب على الشعر وانحاز اليه اعجابا او ميلا ، وتدعو على الشعراء كلهم بالحطة والموت والفناء وكل ذلك من اجل قصيدة جعلتك تنفر من القراءة وترمي بما لديك من مجموعة شعرية او أوراق مليئة شعرا غثّا الى اقرب حاوية للنفايات .

هكذا هي موائد الشعر منها العامرة بالعافية والصحبة الممتعة المفيدة رغم قلة زادها وزوّادها وقصر سُفرتها وكلامها الموجز لكنه يغنيك عن مطولات عريضة نشرا بطولها وعرضها وما عليك الاّ ان تتذوق اطباقها الصغيرة فترى في كل مقطع نكهة خاصة وأطايب لم تتذوقها من قبل فتصيبك الدهشة مما تناولت وكأنك تطعم نفسك ما لم تره عينك ولم يلقفه فمك من قبل .

قد تجد فيما تقرأه قصائد صارخة تصمّ أذانك وتجيش فيك هزّة عارمة وتقلعك من مكانك ؛ لكن هناك من لايسمعها وكأنها تنادي عالما اخرس صامتا لايعير انتباها وهنا تتراءى معنى العزلة بين الشاعر وبين الأطراف الأخرى وكأنك تخاطب عالما عابثا لايبدي اي اهتمام مثلما تنادي وثنا لايهتز او ترمي صداك في وادٍ غير ذي مسمع وشيئا فشيئا تتلاشى تلك الصرخة الشعرية وتهيم بلا جدوى مثل هبّة رياح لاتعلم اين تستقرّ وهنا يبرز ما أسماه " اندريه بروتون " تهشيم العقل حينما يضيع الشعر في متاهات بلادة الجهل واللامبالاة والاستهتار بالقصيدة وعدم الترحيب بها عندما لايستساغ الغامض ويعوّل على المألوف المعتاد عليه ولا يتقبّل الجديد المحدث مهما كان بديعا مدهشا أخاذا .

ومن جانب اخر تلحظ قصائد تتجسد أمامك راقصة هزجة ضاحكة بحيث تنسى أحزانك كلها وتبلسم جراحك وكأنك في حفل عرس تماما مثلما قال " بول فاليري " بان القصيدة هي عرس العقل وانت حينما تقرأ مثل هذه القصيدة تهزج فرحا وتهلل اعجابا وتتقافز حبورا ونشوة ، أليس الشعر كما يؤكد فاليري لغة راقصة ؟؟

وكثيرا ماتكون القصيدة ايقاعا خالصا وصافيا للحياة الفردية التي يعيشها الشاعر فنسعى للشعر هربا من الحياة الصاخبة الخليطة بالمنغصات والسفاسف وما يعكّر ذلك الصفو الذي ينشده القارئ على الاخص حينما يرى حيزا حلوا منيعا من اليوتوبيا الرائقة والمناخ المؤنس المفتقد فيشعر بالهناء والحبور ، تلك هي جنّة الشعر وملاعبه الممتعة .

انها متعة مابعدها متعة حينما تؤنسك قصيدة ما ؛ فهذه الباقة الوردية من حزمة الامتاع التي تهديها لك القصيدة تعني انها  رائقة وأقل مايقال عنها انها جيدة في الكلام الدارج حتى بين العامّة .

ويبرز هنا السؤال الاهم وهو كيف تنتقي القصيدة الجيدة لتقرأها في هذا البحر الخضم الهائل من مياهه العكرة والملوثة المليئة بأجاج الملح بدل المذاق المعسول والكلام الرطيب الآخاذ الآسر ؟؟

يقول الشاعر والروائي الانجليزي الكاره للشهرة " فيليب آرثر لاركن " ان القصيدة المثلى هي من تقدر على المحافظة على الاشياء التي رآها الشاعر ببصره وبصيرته معا وفكّر بها وأحسّها ، ليس من اجل نفسه وانما من اجل قارئه وهو هنا يعيب على " تيد هيوز " قوله : ( ان الكلمات وحدها هي وسائل لفتح مغاليق القصيدة والكشف عنها ) ، فالقارئ الحاذق لايقف فقط على شاطئ مايكتبه الشاعر بكلماته ومفرداته وحدها وعليه ان يغوص في اعماقه لعله يظفر بمخلوق جديد / معنى جديدا او شكلا شعريا غير مأنوس والاّ كيف سيكون اكتشاف الابداع وتلمّس المتعة في الحواس .

في ظني وحدسي ان القصيدة لاينبغي ان تتعرى امام حشود الجالسين في مهرجانات الشعر وصخبها وعويلها وتتوسل ان يسمعها الضاجّون ولست ميّالا الى ما قاله الشاعر البريطاني " باسيل بانتنغ " من ان الشعر شأنه شأن الموسيقى كُتب لاجل ان يسمع اذ يرى ان القصيدة تعدّ في عداد الاموات حتى يبعثها صوتٌ ما كي يعيدها الى الحياة ؛ فالقراءة الصامتة في نظره وادّعائه خلّفت كمّاً لا يستهان به من سوء الفهم وأورثت الهوة البعيدة بين الشاعر ومريديه .

وفي وجهة نظرنا ان هذه الدعوة مدعاة الى تهريج القصيدة وابتذالها في صخب المهرجانات الشعرية وزعيقها مما يفقد روح التأمل والتأني في فهم القصيدة والتلذّذ بها والبحث بمشاعر التحسّس عن مواطن ونكهات الجمال لاجل تذوقها ، وانا هنا لا اريد ان أوسع الكلام في شطحات ورؤى هذا الشاعر " بانتنغ " الغريبة الاطوار واتذكر انني قبل عدة سنوات قد قرأت في موقع ايلاف مرة ان " بانتنغ " قد صبّ جام غضبه على كل شاعر عزم على جمع ماكتبه ليضمّها الى مجموعته الكاملة اذ يعتبر هذا المسعى كمن يجمع ألواح تابوته سعيا الى موته الشعري تماما .

فالقراءة منفردا انت والقصيدة تختليان معا بعيدا عن ضجيج العجلات والصخب والتلوث الصوتي الخادش ؛ تتآنسان معا وتتحاوران وقد تغفوان سوية في سرير واحد بعلاقة حميمية هي وحدها من تحقق المتعة والانسجام والهارمونية .

وان كان لابد من نشرها ليتسع مداها الجمالي والفنيّ وتكون على كلّ لسان وتطرب لها الاسماع وتتغلغل في الارواح لتطهيرها وتنقيتها من شوائب الحياة ووعث ترابها وعجاجة دخانها الخانق وطرد الزفير الشاسع في الانفاس فلتدخلوا القصيدة الرائقة الجميلة الممتعة والمفيدة في الاوتار اللحنية وفي نايات الشجى والشدو الطريب لتلبس حلّة الاغاني عسى ان تخلد هانئة في القلوب والاسماع .

وكم كان الاديب الفرنسي " كريستيان بوبان " صائبا تفوق في دقتها إصابة الكسعيّ حينما قال اننا نحتاج الى ساعتين او ثلاث وقد تطول نهارا على اكثر تقدير لكي ننهي قراءة رواية ما او بحث أدبي او فنيّ  بينما نحتاج حيزا هائلا من الوقت ربما شهوراً او سنوات او حتى حياة طويلة بكامل أعمارها تلزمنا لقراءة قصيدة .

 

جواد غلوم

 

 

 

الحسد هو تمني زوال النعمة عن صاحبها، فهو يحبها لنفسه.

يبدو أن هناك من يؤمن كثيرًا بالحسد والحسّاد، وبعضهم لا يؤمن بقوته، ولكن مع مرور الزمن ثبت لبعضهم الكثير من تأثيره.

مع قدوم الإسلام ترسخ المفهوم لدى المسلمين بوجود الحسد، فيقول الله سبحانه وتعالى في سورة الفلق: {قل أعوذ برب الفلق، من شر ما خلق، و من شر غاسق إذا وَقَب، و من شر النفّاثات في العُقَد، و من شر حاسد إذا حسد}. ورد ذكر الحسد أيضًا في الذِّكر الحكيم {أم يحسُدون الناس على ما آتاهم من فضله}- النساء، 54. وكذلك في سورة البقرة، 109، الفتح، 15.

..

ثمة أحاديث كثيرة، ورد فيها ذكر الحسد: "ولا تَحاسَدوا"،  "إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسناتِ كما تأكل النار الحطب"، "المنافق يحسُد، والمؤمن يغبِط"، وثمة غيرها.

...

كان هناك من يربط بين الحسد وبين العين الزرقاء، ومنهم من يتهم أشخاصًا معينين بأنهم يرمون بالعين، ويزداد الاتهام إذا أصيب طفل جميل بسوء بعد أن رأتهم فلانة ولم تُصلِّ على النبي، أو كانت وقعة ما، أو حادثة أو مرض، ومن منا لا يعرف التمائم ونحوها مما يدرأ العين كما يُعتقد.

..

ينشأ الحسد من اختلاف حظوظ الناس في الرزق والنعمة والموهبة، وتفاوت الدرجات في المجد والمكانة.

ذكر التوحيدي في كتابه (الصداقة والصديق):

"...فتحفزه أعراض كثيرة من الحسد والغيرة والتنافس، على أن يكون هو وحده حاوياً لتلك المواريث من المال، والجاه، والقدر، والمنزلة". ص 125.

قال عمر بن لجأ في مدح يزيد بن المهلّب:

إن العرانين تلقاها محسّدة *** ولا ترى للئام الناس حسّادا

وعلى غرار ذلك قول أبي طاهر يحيى بن تميم:

مُحسّدون على أن لا نظير لهم *** وهل رأيت عظيمًا غير محسود

وقال شاعر:

حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيَه *** فالقوم أعداءٌ له وخصومُ

كضرائرِ الحسناءِ قلن لوجهها ** حسدًا وظلمًا:  إنه لدميمُ

..

 

من الشعراء من رأى أن الحسد ضروري لمن أراد أن يشتهر، فهذا أبو تمام  يقدّم لنا تشبيهًا ضمنيًا في هذا المعنى:

وإذا أراد الله نشر فضيلةٍ *** طُوِيتْ أتاح لها لسانَ حسودِ

لولا اشتعالُ النارِ فيما جاورتْ *** ما كان يُعرفُ طيبُ عَرفِ العود

فالبَخُور نشم رائحته ونعرفه بعد احتراقه، وهكذا الممدوح تنتشر فضائله بسبب ألسنة الحساد التي تحاول النَّيل منه...

صاحب المجد – كما أشرت- لا ينجو من الحسد، فالمتنبي يسأل بحدّة:

وكيف لا يُحسَدُ امرؤ عَلَمٌ *** له على كل هامةٍ  قدمُ

يمضي ابن المعتز على المنوال نفسه:

وإذا فقدتَ الحاسدينَ فقدتَ في الناس الأطايبْ

والمجد والحسّاد مقرونان إن ذهبوا فذاهبْ

ويرى البحتري:

ولن تستبينَ الدهرَ موقعَ نعمة ***  إذا أنت لم تُدْلَـل عليها بحاسدِ

من هنا فالواجب شكر الحاسد في نظر أبي الحسن التِّهامي:

ما اغتابني حاسدٌ إلا شرُفت به *** فحاسدي منعِم في زِيّ منتقم

فالله يكلأ حسّادي فأنْعُمُهم *** عندي وإن وقعتْ من غير قصدِهِمِ

 

..

 

من طريف ما يُحكى أن رجلاً من البصرة كان شريرًا، فأتاه رجل فنهاه عن الشر، فقال البصري:

إنهم يحسدونني.

فقال الرجل: وعلى أي شيء يحسدونك؟

قال: على الصَّلْب.

فسأله: وكيف ذلك؟

قال: أقبِلْ معي، فأخذه إلى جيرانه وقعد متحازنًا، فسأله الجيران: ما بالك.

قال: جاءني الليلة كتاب من الخليفة يأمر بصلبي وصلبِ مالك بن المنذر وفلان وفلان من أشراف القوم. فوثب الجيران عليه وقالوا: يا عدوَّ الله أنت تُصلب مع هؤلاء الأشراف وأنت رجل لا كرامة لك.

 فالتفت البصري  إلى الرجل، وقال له: أرأيت كيف يحسدونني على الصلب؟

..

تذكرت مع هذه الحكاية قول الخليفة يزيد بن معاوية:

 

إن يحسدوني على موتي فوا أسفي *** حتى على الموت لا أخلو من الحسد

أتذكرون المتنبي في داليته  وهو يردد:

ماذا لقيت من الدنيا وأعجبه *** أني بما أنا باكٍ منه محسود

..

أما الحسد فيقع أيضًا بسبب تفوّق الآخر في العلم أو الظَّرْف أو البأس أو الجود، كقول معن بن زائدة:

ما يُحسد المرءُ إلا من فضائله *** بالعلم والظرف أو بالبأس والجود

..

فلننتبه للَّوم أو للنقد الموجّه لنا، ما هو الدافع من ورائه!

صدق أبو نواس وهو يخاطب لائمه:

لوْ كان لوْمُكَ نُصْحًا كنتُ  أقبلُه***  لكنّ لَوْمَكَ محمولٌ على الحَسَــــدِ

...

أشهر ما ورد في مقاومة الحسد ما قاله ابن المعتز:

اصبر على كيد الحسود فإن صبرك قاتلُـهْ

النار تأكلُ بعضَها *** إن لم تجدْ ما تأكلُـهْ

تشبيه الحسد بالنار أقوى من تشبيهه بالمرض، فلذا عليك بإهمال الحاسد وصرف النظر عنه، فذلك أدعى لغيظه وشقائه. 

الحسد سوف يقضي عليه إن آجلاً أو عاجلاً، ويذكرني ذلك بمثل إيطالي:

يأكل الحسد الحاسدين كما يأكل الصدأ الحديد.

وفي أمثالنا: الحسود لا يسود، عين الحسود تبلى بالعمى، وعين الحسود فيها عود.

..

مع كل ما ذكرت فثمة أناس لا يؤمنون بمفهوم الحسد اليوم، ويقولون:

لو أراد الله  في أيامنا هذه أن يُنجح رغبة كل من "يحسد" لما رأينا هذا النجاح تلو النجاح عند هذا وذاك، فالناس يتنافسون ويغارون ويتمنون الخير أو الشر لبعضهم البعض، وهذا من طبيعتهم.

ثم إنه لا بد من عقبات تعرقل مسيرة هذا أو ذاك، فهل ذلك نتيجة للحسد؟

لنفرض أن فلانًا حضر إلى منزلك، ورأى السيارة الجديدة في الساحة، وقال: واااو! من أين لك؟ ثم حدث مكروه في منزلك، فهل تربط بين حضور فلان وبين ما جرى؟

هل نسيء علاقتنا بسبب ذلك؟

..

 

وأنتم ما رأيكم؟ دام فضلكم!

 

ب. فاروق مواسي

ما أسهل أن نكتب.  ما أسهل ان يكتب كل من عرف الحروف وامسك بالقلم لكن ما أصعب أن نبدع؟

الكتابة شئ عام أما الإبداع فشئ خاص وخاص جدا وهو موهبة قبل أن يكون (علما) نتعلمه هو إلهام ومنة اختص به الله بعض النفوس المرهفة الحساسة الشاعرة...وإذا كنت مبدعا حقيقيا فلا أحد يستطيع أن ينزع قلمك من يدك لأنه منغرز في قلبك ومشغول به عقلك فلا أراك إلا مبدعا أو مبدعا؟

لكن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه على نفسك ونطرحه على أنفسنا جميعا : هل أنا مبدع حقا ؟ وهل ما أكتبه في مستوى كلمة (الإبداع)؟

عندما أكتب عن أمي أتساءل هل ما كتبته هو في المستوى العميق الذي تحتله أمي من قلبي وعقلي ومشاعري؟ وهل يليق بأغلى مخلوق في الكون؟

عندما أكتب عن وطني فهل ما قلتُه هو في مستوى وطني الأعلى والأغلى والأعز؟

أكيد أنني عندما أطرح هذه الأسئلة سأعمل كي أبدع أكثر وأكتب أجمل وأشد تأثيرا

والأجمل والأكثر ليس الأغرب ولا الأشد غموضا وفلسفة

لقد كانت كلمات مفدي زكريا بسيطة ولكنها تغلغلت في النفوس ورددتها الحناجر وطربت لها القلوب بمن في ذلك الأميون الذين لم يدخلوا المدارس ولم يعرفوا شيئا عن الشعر ذلك  لأنها نابعة من روح صادقة ومبدعة

الإبداع ليس (ألغازا وأحجية) ليس طلاسم وتشفيرات...ليس إبرازا للعضلات اللغوية إن صح هذا التعبير

الإبداع نسيم ينساب إلى النفوس فيحرك سكونها ويسكن صخبها في نفس الوقت هو كلام تتناقله الأرواح بين متلق ومتلق بين مبدع ومتلق وبين شاعر وشاعر.

والمبدع لا يخاف من النقد (لا بنّاء ولاهداما) ولا يخاف من (الإهمال والتهميش) ولا من الأحكام الجائرة والمسبقة ولا من الغيرة والحسد لأنه يعيش في عالم صاف رقراق يستسقي سماء الكلمات فتمطر في حجره ويستدني مغاليق الحروف فتفتح في صدره أما إذا لم يكن كذلك فهو مجرد كاتب وما أكثر الكتاب لكنه بالتأكيد ليس مبدعا فما أقل المبدعين ؟

انصف نفسك وانصف غيرك وأعد قراءة ما كتبت مرات ومرات ثم ضع نفسك في موضعها من الكتابة أو الإبداع مراعيا في ذلك الصدق والصدق فقط

هل أنت كاتب ؟

أم أنك مبدع؟

عندما تجيب بصدق ستضع قدمك في جنة الإبداع ولن يزحزحك عنها أحد

 

فاطمة الزهراء بولعراس

جيجل (الجزائر)

 

 

الحنين، بالنسبة لي ليست كلمة عابرة اكتبها في لحظات جنوني بين رفوف قصائدي التي تحمل الوجع والالم بل تتخطى معاني هذه الكلمة كل المسافات بداخلي بل وصل الامر بي ان طيفها المخملي يخترق كل مساحات عقلي وقلبي تارة يرسم جرحا تارة يضمد ذات الجرح لكن الاثر باق وهذا ما لا طاقة لي ان اتحمله كانسان ضائع تائه في فوضى الحياة ربما اتحمله كشاعر وكاتب فكلماتي وحروفي تساعدني كي اتخطى اثر جرح الحنين لكن بعد معاناة معه اوله يبدأ بالبكاء وينتهي بالصراخ وكم هي الصرخات التي تصدر عن الانسان فأقساها التي تصدر من القلب ولا يسمعها احد سوى من يحمل اثقال الحنين .....

الحنين الى الحبيبة الى الصديقة الى من هاجر منذ زمن الى من عشت معه في طفولتك الى الصديق الذي جلس معك على ذات المقعد الدراسي لسنوات الى الاقرباء الذين رحلوا الى افق الغربة .......

كل هذا ما هو الا نقطة من بحر اسمه الحنين ينفجر في داخلنا احيانا فيسبب لنا الوجع والالم انا بالنسبة لي فقدت الكثير من هؤلاء وهم في ذات الوقت يقولون ذات الكلام لي وتبدأ فصول الحكاية بمطاردتي بخيوط من الواقع اتذكرها في طفولتي وبما ان الظروف قد تغيرت في هذا الواقع المتعفن الذي تعيشه البشرية فلا مهرب لي ولا مخرج لي سوى الفيس بوك فكل البشرية اصبحت تتعامل معه لذا تكون لنهايات الليل طعم ونكهة اخرى مليئة بالذكرى بالدمع بصخب الكلمات والحروف ......

ما اقصده هنا من خلال هذا النص ان اقول ان لكلمة الحنين تأثيرا سحري لمن يفهم معانيه الحقيقية فهو داء ودواء انه بحر هائج ما ان ابحر الانسان فيه اخرج من اعماقه ذكريات بقدر ما تحمل الجمال والنعومة واللحظات السعيدة لكنها لن ترتدي ثياب الحاضر فالايام لا تعود وقبل سنين كنت طفلا ومن ثم شابا مراهقا يتخبط بين همسات تلك الذكريات بصورتها الحقيقية اما اليوم فلقد كبرت ولم اعد ذاك الطفل والشاب المراهق بل حملني الزمن الى متاعب الحياة لكن يمكن ان يعيش الانسان فصولها بمجرد ان يتذكرها مع ذات الاشخاص فالمسافات تختفي ولا صوت يعلو سوى هدير ناعم من الحروف والكلمات تتناقلها اروقة الفيس بوك في نهايات الليل فتصدح الضحكات احيانا وينقلب الحدث من بعده الى صمت وهدوء فتقف الكلمات عن الرقص وتعود الحروف الى ثكناتها وتبقى الكاميرا هي الناقل الحصري لمشاهد الواقفين امامها وهذا مؤلم وقاسي فالصورة عبارة عن رسم مصنوع من خلايا التكنولوجيا هنا ارى اناملي تبحر على الشاشة كي المس وجوه من احبهم ومن قضيت معهم اجمل اوقات حياتي في الطرف الاخر ارى دموعا تتساقط ارى كم هو الحنين قاسي حتى وان تكلمت وحاورت ورأيت من احبهم ويحبوني فلا حل لهذه الحالة سوى ان تسرد الحقيقة سطورها في يوم من الايام فيصنع اللقاء من جديد ......

كم هو نقي ذاك اللقاء كم هو رائع ان تشتبك الاجساد والايادي والارواح في جسد ويد وروح واحدة كم ستشفي دموع تلك اللحظة جروح الحنين لذا دائما اقول لهم ....... ترى الدم يحن

 

ايفان زيباري -  شاعر وكاتب

استلمت هدية رائعة لا تقدر بثمن وهي - ثلاثة كتب مترجمة عن الروسية للكاتب بلاتونوف بترجمة الاستاذ خيري الضامن – المترجم العراقي المبدع المعروف، وهذه الكتب هي روايات الكاتب الروسي السوفيتي بلاتونوف (الحفرة // بحر الصبا // الاشباح)، الصادرة في بيروت عن دار (سؤال) للنشر، وبدعم مادي من معهد الترجمة في روسيا الاتحادية، وهي ظاهرة جديدة وخطوة صحيحة من هذا المعهد تشجيعا ودعما لمسيرة ترجمة روائع الادب الروسي عن الروسية مباشرة الى عدة لغات اجنبية بما فيها اللغة العربية .

 لقد جاءت كل هذه الروايات بتقديم رائع كتبه الاستاذ عبد الله حبه، والتي هي في الواقع دراسة عميقة وشاملة لابداع الكاتب بلاتونوف ومكانته في تاريخ الادب الروسي وتفصيلات عن سيرة حياته، وقد نشرت هذه الدراسة كاملة في تقديم رواية (الحفرة)، ولكن مسؤول دار النشر - على ما يبدو - قرر ان يكرر امام روايتي (الاشباح) و(بحر الصبا) تلك المقاطع الخاصة بهما من تلك الدراسة، وحسنا فعل، اذ ان الصورة الفنية عندها اصبحت اكثر تكاملا فعلا امام القارئ العربي مع تلك المقاطع . لقد نشر عبد الله حبه دراسته هذه تحت عنوان (بلاتونوف كافكا الروسي ومحنة الانتلجينسيا الثورية الروسية) قبل سنوات، وحظيت عندها باعجاب القراء، لانها تعد واحدة من الدراسات العربية النادرة جدا حول هذا الاديب الروسي شبه المجهول للقارئ العربي، اذ تناولت سيرة حياة بلاتونوف الحافلة بالصعوبات الهائلة اثناء تلك الفترة المتشابكة من تاريخ روسيا في بداية العشرينات بعد ثورة اكتوبر 1917 وما رافقها من أحداث جسام . توقفت هذه الدراسة طبعا عند النتاجات الاساسية لبلاتونوف وخصائصها، وجاءت هناك آراء تثير نقاشات متعددة ومتنوعة حولها، بل وحتى خلافات فكرية وسياسية بشأن بعض جوانبها، اذ ان الصورة عن الواقع السوفيتي كانت مظلمة وسوداوية فيها لدرجة ان احد الاصدقاء قال لي، ان كلمة ستالين عن هذا الكاتب، والتي جاءت على الغلاف الاخير لرواية الحفرة، هي صحيحة، وكلمة ستالين هذه كما يأتي – (هذا كاتب خبيث. فهل يعقل ان رواد حركتنا التعاونية بهذا القدر من الخسّة والدناءة كما يصورهم؟)، ولا مجال للتوقف تفصيلا عند كل ذلك ضمن هذه المقالة، ولكن مع ذلك يمكن القول اجمالا وبلا أدنى شك، ان الصورة العامة التي رسمها عبد الله حبه في مقالته تلك للكاتب الروسي بلاتونوف كانت صائبة ودقيقة تماما، وكانت تتناسق وتنسجم فعلا مع تلك الروايات شكلا ومضمونا وتساهم في اكمال الصورة الفنية لهذا الكاتب امام القارئ العربي.

تذكرت - عندما بدأت بقراءة هذه الروايات - مقالة طريفة كتبها الدكتور فالح الحمراني قبل فترة قريبة، وكانت بعنوان (الحفرة ام الاساس ؟ في ترجمة اندريه بلاتونوف)، والتي تناول فيها عنوان رواية بلاتونوف (الحفرة) كما جاءت بترجمة الاستاذ خيري الضامن (دون ان يذكر اسم المترجم). ومقالة الحمراني هذه كانت موضوعية وهادئة بشكل او بآخر، الا انها تحمل وجهة نظر تختلف نوعا ما بشأن ترجمة عنوان الرواية، اذ انه يرى ان العنوان يجب ان يكون (حفرة الاساس) كما هو عند بلاتونوف حرفيا، او (الاساس) في الاقل، وليس (الحفرة) كما جاء بالترجمة العربية. ان عنوان (الحفرة) – كما جاء في ترجمة الضامن وفي مقدمة عبد الله حبه ايضا - أرشق وأجمل كما يبدو لي من (حفرة الاساس) رغم انه العنوان الاصلي عند بلاتونوف، اضافة الى انه يعبّر عن المعنى المطلوب والصحيح بشكل عام، الا ان المترجم، من وجهة نظري، كان يمكن له فعلا ان يشير الى ذلك ولو بهامش صغير في الكتاب المذكور، خصوصا وان العنوان الاصلي بالروسية مثبّت على الصفحة الثانية. وعلى الرغم من ان مقالة الحمراني تلك كانت تؤكد على هذه النقطة بالذات قبل كل شئ مع بعض الملاحظات الاخرى، الا انها (اي المقالة) أشادت – في نهايتها - بالعمل الذي قام به المترجم، واعتبرته اضافة جيدة ستشغل مكانتها الجديرة بها في الحياة الثقافية العربية . لقد ترجم شيخ المترجمين العرب الدكتور سامي الدروبي عنوان رواية ليرمنتوف (بطل من هذا الزمان) بدلا من عنوانها الاصلي (بطل زماننا)، ولا زال هذا الاجتهاد الجميل سائدا في(زماننا !) ولحد الآن، وهذا ما اتوقعه لرواية بلاتونوف (الحفرة) عنوانا ونصا ادبيا بترجمة الاستاذ خيري الضامن، لأنها تتناول الحقيقة المرّة حول نظام الكلخوزات والسفخوزات في الفترة السوفيتية، وما صاحبها من خروقات انسانية رهيبة عانى منها كل المجتمع السوفيتي، وكم اتمنى ان يقرأ هذه الرواية – وبامعان - هؤلاء الذين لا زالوا يتحدثون (ولا اريد استخدام فعل يثرثرون) في مجتمعاتنا عن (المزارع التعاونية !)، اذ انها (اي الرواية) شهادة تنطبق عليها بالضبط الآية الكريمة – وشهد شاهد من أهلها !

تدور احداث الرواية الاخرى (بحر الصبا) عن نفس الموضوع ايضا، اي نظام السفخوزات، وذلك عبر حياة مديرة السوفخوز بوستالويفا ومفاهيمها الاخلاقية وتصرفاتها من اجل (تمشية الامور!) . وكم تبدو الصورة الفنيّة (سريالية وغريبة ورهيبة!) في تلك الرواية للقارئ العربي الذي لا يتفهم التفاصيل ولا يمكن حتى ان يتصورها، لانه لا يعرف واقع تلك السنوات العجاف كما يجب.

الرواية الثالثة (الاشباح)، والتي يشير عبد الله حبه في مقدمته التي أشرنا اليها اعلاه، الى ان عنوانها الاصلي (الجان)، وهو مثبّت بالروسية على الصفحة الثانية فعلا . تتناول هذه الرواية موضوعا آخر لا علاقة له بنظام الكلخوزات والسفخوزات، وهو واقع الحياة السوفيتية في جمهوريات آسيا الوسطى بعد انتصار ثورة اكتوبر 1917 في الامبراطورية الروسية، وكيف سارت وتيرة الحياة السوفيتية الجديدة في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي في تلك الجمهوريات الشرقية، وكيف تفاعل بطل الرواية نزار شاغاتايف في اجواء الحياة في موسكو واوزبكستان ... الرواية هذه مليئة بالمقاطع الشاعرية المدهشة الجمال(بعضها يكاد ان يكون قصائد نثر)، والمرسومة باسلوب بلاتونوف الرائع والمتميّز بكل معنى الكلمة، والتي أبدع خيري الضامن بترجمتها الى العربية بشكل أمين وحافظ على نكهتها العطرة الفوّآحة، ولا مجال هنا – مع الاسف – لتقديم نماذج منها . يفهم القارئ (ربما بعد هذه الرواية بالذات) معنى كلمة ارنست همنغواي (بكل قامته الادبية) حول بلاتونوف وعمقها  وهي كما يأتي – (بلاتونوف من الكتّاب القلائل الذين ينبغي ان نتعلم على أيديهم)، هذه الكلمة المثبّتة (وليس ذلك عبثا على ما يبدو) على غلاف تلك الرواية.

لقد قام خيري الضامن بعمل ابداعي هائل الاهمية والقيمة عندما قدّم لنا وبدفعة واحدة ثلاث روايات لبلاتونوف، وهو عمل قلّما يجود به المترجمون المبدعون . خيري الضامن كان ولا يزال في طليعة اسماء المترجمين العراقيين الكبار طوال اكثر من نصف قرن من الزمان، منذ ان قرأنا له في مجلة (الآداب) اللبنانية في بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وعبر كل ترجماته في دور النشر السوفيتية في السبعينات والثمانينات، وخلال كل نشاطاته في مجال الترجمة الادبية بشكل خاص وفي مجمل مسيرته الابداعية بشكل عام.

تحية للمترجم العراقي المبدع الكبير خيري الضامن وتصفيق حاد له.

 

 أ.د. ضياء نافع

 

 

استوقفتني خلال مطالعاتي الدؤوبة حِكم وأقوال وأمثال وآراء وطرائفُ كثيرة جدا، وارتأيت أن أنشرها، علّها تعود ببعض الفائدة الفكرية والروحية، إضافة إلى ما في بعضها، على الأقلّ، من التسلية وروح الدُّعابة ومدعاة لشحذ الذهن. إذ أننا نعتقد أن إشاعة الثقافة الجادّة وتقديمَ كلّ جديد ومفيد وممتع، هما مَهمّة شِبه مقدّسة ملقاة عـلى كاهل كلّ مثقّف ملتزم. كنت قد نشرت نتفًا من هذه الجمل في منابر مختلفة على الشبكة العنكبوتية، كما أن زهاء  عشرين حلقةً منها كانت قد أذيعت عبرَ صوت ابن فضلان في هلسنكي، في ركن الثقافة والفكر، في أواخر القرن الماضي وبدايات القرن الحالي.

 

❊ مَلَكوتُ الله ليس أكلا وشُربًا، إنّما هو بِرٌّ وسلام وفرح بالروح القدس.

❊ ربّاه، لو بلغتْ ذُنوبي عَنانَ السماء، ما يئِستُ من رحْمتك.

❊ إن لم يُسْعِدْك أحدٌ فحاوِل أن تُسعِد نفسَك، فلا تعتمد على حبيبٍ فهو نادرٌ، ولا تعتمد على غريب فهو غادر، لكنِ اعتمد على الله فهو قادر.

❊ بعضُ الناس يُعاملون الله كأنّه مُحامٍ، يتوجّهون إليه عندما يقَعون في مشكلة فقط، صلّ في الوقت الجيّد والوقت السيّء.

 

❊ هل يرحَمُني الله ويمنَحُني موهبةَ الطرش، فأحيا سعيدًا، في جنّة السكون الأبديّ.

❊ لا السماءُ تَطيق شمسين، ولا الأرض تطيقُ سيّدين.

❊ إللي ما بيخاف الله خاف منه.

❊ لا تقُل يا ربُّ عندي همّ كبير! بل قل يا همُّ عندي ربٌّ كبير.

❊ ماذا ينفَعُ الإنسانَ لو رَبِحَ العالمَ كلَّهُ وخسِرَ نفسَهُ.

❊ إنّ حظّي كدقيقٍ  فوقَ  شوكٍ نثروه              ثم  قالوا  لحفاةٍ  يومَ  ريح  اجْمعوه

   صَعُب الامر عليهم فقلتُ يا قومُ اتركوه          إن من أشقاه ربّي كيف انتم تُسعِدوه

❊ الربّ راعِيّ فلا يعوزُني شيء.

❊ الله لا يخلُق قُفلا بدون مِفتاحه، والله لا يُسبِّب لك مشاكلَ بلا حُلولها.

❊ لم يُخْلَقِ الشخصُ الذي لا يُخْطىء.

❊ إن لم يُسْعدْك أحدٌ فحاوِل أن تُسعِد نفسَك، فلا تعتمد على حبيبٍ فهو نادرٌ، ولا تعتمد على غريب فهو غادر، لكنِ اعتمد على الله فهو قادر.

❊ الذي يُعطي ليراهُ الناسُ، لا يُسْعِفُ أحدًا في الظلام.

 

❊ لا تسألْ إلا مَن لا يحتاجُ إلى أحَد.

❊ لقد تخطّت قوّتُنا العِلمية قوّتَنا الروحية، فنحن نملِكُ صواريخَ موجّهة ورجالًا غيرَ موّجهين.

❊ الوَحْدة حليفةُ الكآبة، كما أنّها أليفةُ كلِّ حركة روحيّة.

❊ الكافرُ كالورقة الصفراء، يسقُطُ من أوّل نسْمة هَواء.

❊ العُزلةُ حِميةُ البدن، والمناجاة قوتُ القلب.

❊ ماذا ينفَع الانسانَ لو ربِح العالم كلَّه وخَسِر نفسَه.

❊ فأمّا الأديانُ فتحرّكنا كالقُطعان.

❊ أريدُ أن أكونَ زهرةً مسحوقةً، لا قدمًا ساحقة.

❊ السعادةُ هي الصليبُ المرفوعُ للجميع.

❊ أنتمْ مِلحُ الأرض، فإذا فَسَد الملح، فبماذا يُملّح؟

❊ نعمْ، لَسنا جديرينَ بأن تبقى الصُّلبانُ فوقَ قبورِنا.

❊ وكي تُذلّل مصاعبَ الحياة، حسِّن عَلاقتَك بربّك.

❊ إنّ الفِقْهَ قُفْل، لم يفكّه إلا الشافعيّ.

❊ سُبحانَ من خلق الأشياءَ وهو عينُها.

❊ منِ اعتزّ بغيرِ اللهِ ذلَّ.

 

أ.د. حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

 

 

دبَّ الفأر... دبَّ الفأر...

 أو "من سرق البيضة " / نموذجا

 شكون سرق البيضة؟

"دب الفأر"، عنوان بالعربي الفصيح للعبة أبدعتها المخيلة المعطاء السخية للأمهات القرويات لمداعبة أطفالهن مابين السنة الخامسة والعاشرة تحديدا، ومن المعلوم بأن الألعاب والأحجيات والألغاز والخرافات والحكايات تحمل دوما "كودا" اجتماعيا معينا، إنها لغة مشفرة تحتاج من أجل فكها إلى  إعادة قراءتها بمقاربات بعيدة عن التفسيرات التبسيطية التي تتهم  اللعبة " بتبرير السرقة"، فهي لا تحمل أبدا معنى مباشرا يدرك فور القراءة، مادامت قد أُبدعت أو أُنِشئت لتحقيق غايات تبدو لنا الآن بعيدة أو خفية. المهم أنها تحقق تلك الغايات في جو من الانبساط  ورفع الكلفة والحرج والتخفف من ثقل  القيود وضغط المواضعات.         

والبداي :

حين نتحدث عن القرويات والبيض، فنحن نتحدث عن القرويات ودجاجات القرويات، وما أدراك ما دجاجات القرويات! فبفضلها وبفضل بيضها يشترين ما يحتجنه من الضروريات " ملابس/ ماكياج/ فضة/ ذهب وهدايا المناسبات"،

الدجاجات بنك القرويات وتأمينهن وكنزهن المحروس بعناية، دون أن ننسى بأن الدجاجات أيضا قرابينهن إلى الأضرحة والمزارات وثمن وصفات العرافات، لذلك تحرص القروية أيما حرص على أن لا تمتد يد أو ضرس لدجاجاتها ولبيض الدجاجات، قبل أن يمر العطار ليعطيهن مقابله نقودا أو سواكا أو أمشاطا ومرايا وخلاخيل.

لكن ما  العمل مع الفئران التي تتسل في غفلة من عين  المرأة  اليقظة على الدوام، ومن عين القط الرقيب لتزدرد البيض وتفر سالمة غانمة إلى غارها؟

وما العمل أيضا مع الصغار الذين يحبون ازدراد البيض كالفئران فيتسللون في غفلة من أعين الأمهات الحَذِرات ويختلسون بضع بيضات ما أحوج الأمهات إليها مع قرب موعد التسوق، وضيق ذات اليد، وتقتير الأب وشحه المفتعل، وصعوبة الأيام وكثرة المطالب؟

يتسلل الصغار على رؤوس الأصابع كما يدب الفأر على أرجله الرقيقة الدقيقة إلى حيث" تقرق "- تحضن -  الدجاجات على بيضها فيَسلُّون البيض من تحتها كما تسله الفئران، يسرقونه ويسلقونه ويتقاسمونه ويزدردونه خفية  وعلى عجل حتى لا يُكشف أمرهم أو تَفضحهم هفوة لم يردوا لها بالا.

تدرك الأم ذلك... تعرف الأم بأن "السُّراق"  مروا من هناك وتركوا آثارهم.

"السُّراق" الصغار مروا من هناك.

السراق المساكين سيشعرون بالذنب.

السراق الصغار يخشون العقاب.

لقد صاروا لصوصا وخانوا حليب الأمهات.

شعوران حادان مؤلمان.

ـ الشعور بالذنب وترقب العقاب ـ

تدخل هنا اللعبة "كآلية"   لإعادة التوازن النفسي للطفل.

ابتدعت الأمهات القرويات هذه اللعبة ـ لعبة من سرق البيضة ـ  للتخفيف من ضغط الشعور بالذنب ومن رعب ترقب العقاب، على اللص الصغير.

تداعب الأم طفلها وتسليه...  فلا شيء  يغلو  عليها في سبيل إرضائه، حتى وإن كان كنزها وبيض دجاجاتها، فما  لها غير هذا الصغير وهذا البيض، وصغيرها أغلى من  كل البيض.

تداعب الأم طفلها وتسليه وفي الآن نفسه تبعد عنه هم الانشغال بالذنب والعقاب. إنها تعالجه.

الأمهات القرويات معالجات نفسانيات لأطفالهن بامتياز كبير.

بدل السرير.

وبدل البوح بالأسرار.

تُجلس الأم صغيرها أمامها، وقد يأتيها طوعا، فهو من حيث لا يدري يجد راحته في هذا اللعب/العلاج.

تأخذ يده الصغيرة بين يديها وتشرع في عملية التطهير.

تشد الخنصر أولا وتقول:

ـ هذا سرق البيضة.

ثم تأخذ البنصر وتقول:

ـ وهذا سلقها.

ثم الوسطى وتقول:

ـ وهذا ملَّحها.

فالسبابة وتقول:

ـ وهذا قسمها.

الطفل يتابع باهتمام، مسلوبَ الإرادة ولو أنه يعرف الحكاية، لأنه يريدها، يريد الحكايةـ

ثم تشد الأم الإبهام وتشرع في المرافعة عن الغائب.

تقول الأم ـ وهي ترفع الإبهام ـ وهذا:

ـ وهذا قال أين حقي؟

فيقول: "تقصد الخنصر فهو المعني بالسرقة"

(الخنصر أيضا يرمز إلى الطفل، أما الإبهام فهو  بعض من يده،حين لا تطاوعه كل يده،  فالطفل متواطئ مع نفسه ولكنه أيضا ممزق بفعله كما لو كان يشعر بأن عليه أن يترك ما سرق للغير لكي يتخلص من التمزق. قد يرمز الخنصر إلى الطفل والإبهام إلى الأم التي تذكره بحقها في البيض، أليست اليد في النهاية هي يدهما معا، أي يد الطفل والأم، وإلا فكيف يستقيم اللعب؟)

أين حقي؟ تقول الأم بلسان الإبهام (الذي لم يحضر / لم تحضر السرقة )

ثم تجيب بلسان الخنصر / الطفل:

ـ سرقه الفأر.

فيقول أي الإبهام / الأم:

ـ وأين الفار؟

يرد الخنصر:

ـ اختفى في الزرب (في حكاية أخرى يحضر القط)

ـ وأين الزرب؟ يقول الإبهام.

أحرقته النار. يرد الخنصر / الطفل.

ـ وأين النار؟

ـ أطفأها الماء.

ـ والماء؟

ـ شربه الثور.

ـ والثور ذبحه الجزار (وفي حكاية الحداد)

ـ وأين الجزار؟

ـ الجزار غرق في النهر .

إذن فقد مات الجزار وانتهت سلسلة الحكاية. مات غرقا.

تستدرج الأم بالسؤال طفلها لكي يقتل الجزار.

وبموته يتحرر من ترقب العقاب.

اللعبة كلها بين الفأر والجزار.

الفأر يمثل اللص/ السرقة / الشعور بالذنب. (ليس الفأر في النهاية غير الخنصر وليس الخنصر غير الطفل) استبدالات ذكية.

الجزار يمثل القصاص/ الخوف/ الترقب/العقاب.

ليست الأم جزارا لذلك فلن توقع العقاب بالصبي، إذن فالعقاب سيبتلعه النهر.  استبدالات أخرى ذكية.

فلا عقاب ينتظر الطفل، لقد سامحته الأم، ويمكن للفأر أن يعود من جديد (حتى وإن كان القط قد أكله في بعض الحكايات)

يمكن للطفل أن يعود لأخذ البيض فليست تلك بسرقة، الطفل لا يسرق أمه، ولكنها لحرصها على "رأسمالها / الدجاجات"  فهي أحيانا تغضب منه وتنهره، يشعره ذلك بالذنب كما لو كان قد ارتكب جرما. لذا تعود الأم في وقت الراحة والانشراح لتصحيح أخطائها ومحو آثار عنفها على شخصية "الطفل/ الفأر/ الخنصر" وهو في طور التكون والنمو.

يمكن للفأر الآن أن يعود إلى الحياة، ويمكن للطفل أن يسرق ما يشاء من بيض بتواطؤ  صريح من "الإبهام/ الأم" .

كيف سيعرف الطفل بأن أمه موافقة ومتواطئة وراضية.

تنتقل الأم إلى محاكاة عملية السرقة والتخفي، فتشد على مجموع أصابع الطفل بيد وباليد الأخرى تقلد تسلل الفأر إلى عش  الدجاج، تكور يدها وتُسَرح إصبعين، "السبابة والوسطى" صانعة رِجلين كرِجلي فأر وتشرع في الدب... على طول الذراع الصغيرة للطفل ...

" دَبَّ الفأر ... دَبَّ الفأر ... دب الفأر ... (دون قراءة الهمزة) دَبَّ الفار... دب الفار ... دب الفار "

تتحرك إصبعا الأم على طول اليد الصغيرة للطفل ..." تدب ... تدب محدثة دغدغة لطيفة "

تتحرك إصبعا الأم على طول الذراع الصغيرة للطفل الصغير حتى تصل إلى الإبط

 (هل الإبط عش الدجاجة أم غار الفأر أم هما معا؟  "سرقة وفرار ونجاة" .

تصل الأم إلى إبط الطفل وتقول ضاحكة وهي تدغدغه بلا توقف:

ـ" دب الفار ... احتى اتخشى (أي دخل)  فالغار"

وينفجران ضاحكين في تواطؤ جلي.

لقد فهما معا واتفقا معا حتى دون أن يصرحا بذلك.

أليس ضحكهما معا اتفاقا على أن  السرقة ليست سرقة.

سيطلب الطفل المزيد، سينادي أمه لكي تلاعبه ولكي تحرره من شعوره بالذنب ولكي تعلن جهرا بأنها لن تعاقبه.

سيقتلان الجزار ويعيدان الفأر إلى الحياة، فلا تحلو حياة القرويات بدون فئران وبدون أطفال.

أليس الأطفال " فُوَيْرَاتُنا الصغيرة؟"

تعود الأم إلى دغدغة الطفل ... والى طمأنته،  فلن يفقد حنوها بسبب بيضة مسروقة/ أو بيضة مسلوقة.

إنها لعبة مواربة.

لعبة الذنب والعقاب. لعبة الظهور والتخفي.

ينمحي الذنب ويُرفع/ يَغرق /العقاب، ليحل محلهما اللهو البريء... لهو الأمهات القرويات مع أبنائهن.

مجرد لهو/ تربوي/ نفسي/ علاجي، لا ينبغي أن نقلل من شأنه، وأن نبخسه عبقريته.

صغار يسرقون البيض، وأمهاتهم يلاطفنهم للتخفيف من حدة الشعور بالذنب ومن قلق ترقب العقاب، حتى لا تهدد ذواتهم الصغيرة بعقد لا حاجة لأهل القرى بها، فهم مشغولون  بطحن حجرة الآلام بأضراسهم لكسب الرزق، ولا وقت لديهم لتركيب العقد في صدور الأطفال، ما دام هؤلاء سيحملون فوق ظهورهم عقدا من الهَمِّ لما تبقى من أيام عمرهم.

الأمهات القرويات معالجات نفسانيات من الطراز الرفيع، لا يعلمن الأطفال السرقة ولكن يطهرن أنفسهم من عقدة الذنب وخوف العقاب.

دب الفار ... دب الفار ... دب الفار...  أحتى أتخشا فالغار (حتى اختفى في الغار).

لقد اختفى اللص.

و... كبر الصغار ... فأصبحوا هم أنفسهم " دجاجات" تختلس الثعالب والتماسيح والعفاريت بيضها في واضحة النهار. أما العطار الذي كان عادة يشتري من القرويات بيضهن الطري، فلم تُبق له الأيام غير البيض الفاسد.

دب الفار ... دب الفار ... دب الفار .

 

 القنيطرة / المغرب.

                       

 

 

 

لست أشك، ولا حتى لبرهة، بأن الثقافة الرصينة “العالية”، إنما تمر الآن بمأزق “حياة أو موت”، بسبب ما تتعرض له من اختلاط مفهومي، ومن تجاوزات الإعلام وآليات النزعة التجارية، زد على ذلك الأخطر، وأقصد به قنوات التواصل الاجتماعي، أي تلك القنوات التي تأبطت فكرة التواصل والتحاور كي تفتح الأبواب على مصراعيها للابتذال وللمتدني والمنحرف، أحيانًا، من الثقافة الشائعة.

وإذا كان هناك ما يسر المرء من الطرائف أو من معطيات الثقافة الشائعة من آن لآخر، فإن هذا لا يمكن أن يغمر قنوات الاطلاع والتفاعل مع الثقافات الرفيعة، كما كنا نفعل يافعين، مجبرين أنفسنا، على قراءة الكتاب المطبوع والسطر المكتوب، حسب توجهات “عصر العصملّي” (أي العثماني كما يقال في بعض الدول العربية). وإذا ما كنا نعد قراءة عيون الكتب من الواجبات التي لا بد من إنجازها (أن نقرأ نصًّا لأفلاطون عن الوجود، وآخر لأرسطو عن “علم الأخلاق”، وثالثًا لألبير كامو عن “اللاجدوى”، من بين سواها من الأعمال الثقافية والأدبية العالية الشأن)، فإن الأجيال الصاعدة الآن وقبل بضع سنوات، لا يمكن لها أن تقسر الشاب على “التصارع” مع صفحة واحدة من كتاب فلسفي حقيقي: “فلمَ وجع الرأس؟!” كما يقول هؤلاء من الناشئة والمقبلين على العشرينات من سني أعمارهم.

أما إذا ما حاول المرء الإجابة على غياب “الجنس الجاد” من القراء والمتابعين والنقاد، ذلك الجنس الذي يتراجع وجوده بسرعة مذهلة، ربما نحو الانقراض في وقت قريب، بالادعاء بأن الصحافة والإعلام يكفيان لحد أدنى من تجهيز المعارف والثروة الثقافية؛ فإن هذا رأي مردود، لأن الإعلام إعلام، والثقافة الحقة، ثقافة، لا أخبار ولا أعمدة قصيرة. والحق، فإن هذه الظاهرة قد حاولت النيل مني واستدراجي “للتجاري” من الثقافة، بديلًا عن الرفيع منها: وذلك عندما أعلمني محرر صفحة ثقافية عربية قبل بضعة أيام بأنه إنما يرنو لـ”مقالات” طويلة للغاية، كي يملأ الصفحات المسؤول هو عن “تعبئتها”، فما هذا الجهل المركب الذي يخطئ الأعمال الثقافية بالأنباء والفلسفة بأخبار الراقصات وعارضات الأزياء.

وإذا لم أكن أقصد أن أتعرض لصاحبي هذا بالنقد أو التجريح، فإن علينا أن نتفق جميعًا على أن الآنية الإعلامية قد توسعت بشكل كبير للغاية، درجة تمكنها من إغراق الثقافة والمثقفين، بعد تخييرهم بين القبول بخيار التجارية، من ناحية، وبين البقاء وحيدين في معتكفاتهم وصومعاتهم، أي خارج تيار الحياة الحضارية المعاصرة، تفصلهم عنها وعن أهلها عشرات الجدران المرتفعة والفجوات الفكرية والذوقية والاجتماعية. للمرء أن يلاحظ ذلك، وهو يستذكر أنماط الثقافة الفكتورية في بريطانيا، تلك الثقافة التي تمكنت من فرض نفسها على الصحافة مذ بدايات الأخيرة في العصر الحديث. لقد أذعنت الصحافة لجبروت الفكر عندما سمحت لعمالقة من أمثال “جون رسكن” Ruskin وتشارلس ديكنز Dickens وجون ستيوارت ميل Mill، من بين آخرين، بنشر كتبهم العملاقة، على نحو متسلسل، على صفحات الجرائد، وذلك قبل أن تغمر التجارة الأذهان المتوقدة لتغرقها، الآن وإلى الأبد.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

يُخطّئ محمد العدناني في كتابه (معجم الأخطاء الشائعة)، ص 214 قول القائل:

أحضرنا كتبَ وثيابَ الرجل.

دعواه في ذلك أنه لا يجوز أن نضيف اسمين إلى مضاف إليه واحد، وأن الصواب هو:

أحضرنا كتبَ الرجل وثيابَه.

..

لكننا من جهة أخرى نجد من يسّر لنا، وأن بعض علماء اللغة استعملوا ذلك في شعرهم وفي نثرهم، فهذا الأعشى- صنّاجة العرب ينشد:

ولا بَراءة للبري *** ءِ ولا عَطاءَ ولا خُفاره

إلا عُلالةَ  أو بُداهةَ سارحٍ نَـهْدِ الجُزاره

ونُسب للفرزدق الذي قيل فيه "لولا الفرزدق لضاع ثلث اللغة" أنه قال:

 

يا من رأى عارضًا أرقتُ له *** بين ذراعَي وجبهة الأسدِ

..

يقول البغدادي في (خِزانة الأدب)، ج 1، ص 173- الشاهد 23 عن قول الأعشى:

"عُلالة"- هي المضاف، و"سارحٍ"- مضاف إليه.

 أما "بُداهة" فهي مضاف إلى ضمير سارح. بمعنى أن الضمير حُذف وجُعلت (بُداهة) بين المتضايفين.

من هنا فإن المضاف لم يُبْنَ ولم يُنوّن وذلك على نيّة لفظه، أي أن المضاف يُعلّق عن الإضافة في ظاهر اللفظ.

..

يقول الزمخشري في (المفصّل في صنعة الإعراب)- مادة الإضافة:

و"وقول الأعشى – "إلا علالة أو بداهة سابح" فعلى حذف المضاف إليه من الأول استغناء عنه بالثاني".

..

 

للفرّاء- عالم اللغة تحفّظ من توارد الاسمين المضافين، فيقول إنهما إذا كانا متصاحبين في الاستعمال الكلامي الكثير كاليد والرجل، وقبل وبعد- فهذا جائز، ويستشهد بقول القائل:

"قطع الله الغداةَ يدَ ورجلَ من قاله"

لكنه لا يجيز في غير ذلك.

انظر: ابن جِنّي: الخصائص، ج2، ص  407.

وكذلك البغدادي: خزانة الأدب ج6، ص 500.

..

إذا قبلنا رأي الفراء، وقد أجاز:

 أكلت قبل وبعد العصر،

 فما المانع أن أقول: أكلت من تفاح وإجاص الحقل؟

 وهو خيرُ وأفضل العلماء؟

وطالعت ذلك من كتب ومعاجم اللغة.

..

في لغتي وكتابتي أفضّل الفصل، فقد اعتدت أن أقول وأكتب:

 عرفت ذلك من كتب اللغة ومعاجمها،

 ولكني لا أرى أن أخطّئ قول القائل:

 طالعت في كتب ومعاجم اللغة.

 تعجبني شهامة وفصاحة ورقّة الرجلِ.

 

ب. فاروق مواسي