منير لطفيليس بدْعا من القول: إنّ المعارف الإنسانية كافّة تتناغم وتنسجم فيما بينها انسجام الحبّات بالمسبحة، والخيوط في الثوب، والألوان داخل اللوحة البديعة. ولا شائبة في القول: إنّ العلاقة بين الطبِّ والأدب متفرّدة تفرّد علاقات النسَب والمصاهَرة، حتى بات أيّها مَحْرَمًا للآخَر يلوذ بأكنافه ويحتمِي بحِماه.. وهذا القول الأخير تحديدا؛ فيه من نصاعة شمس الظهيرة أكبر من أثر، ومن سلامة الطرح أكثر من خبر..

 فإذا كانت وظيفة الأدب هي سبْر أغوار النفس، وفكّ طلاسمها، وتقويمها؛ فإنَّ مهمّة الطبّ هي العناية بالنفس، جنبا إلى جنب مع رعاية البدن، وصولا إلى حالة الكمال النسبيّ في السلامة البدنية والنفسية والعقلية والاجتماعية. وإذا كانت الكلمة الحانية الدافئة هي سلاح الأديب؛ فإنّها كذلك مِن ألزم  بضاعات الطبيب. وإذا كانت القراءة هي الحبل السّرّيّ للأديب؛ فإنّ للطبيب عليها جلَد يصون بها مبضعه من الصدأ وسمّاعته من الكلس. وإذا كان الأدب يستمدُّ خاماتِه ومفرداتِه مِن وصْف أطوار الحياة الإنسانية المختلِفة؛ فإنّ الطبيبَ هو أكثر مَنْ يُعايش هذا الإنسان الذي لا يجد حرجا في التعرّي بين يديه بدنيا ونفسيا واجتماعيا، وبالتالي هو الأقْدر على  وصف أطواره منذ الصيحة الهادرة في غرفة الولادة وحتى الحشرجة الواهنة على سرير العناية المركَّزة، ومن حمرة الخدود في فورة الشباب إلى صفرة تعتريه حال الفناء. ومن هنا جاء اقتراح الطبيب الأديب سومرست موم، بأن يمارس كل أديب عملا لبعض الوقت في مستشفى،  لتتعمّق خبرته البشرية أكثر وأكثر.

 وإذا كان الطبيب يمضي بياض نهاره وسواد ليله وسط الأسِرَّة البيضاء أو داخل غرفة العمليات؛ يعدّ نبضا، ويقيس حرارة، ويفحص ضغطا، ويضمّد جرحا، ليعالج الداء ويفتك بالمرض..فإن الأديب كذلك لا يني في خلوته وسْط مكتبته وأمام منضدته؛ يجسّ نبض الحروف ويضبط حرارة الكلمات ويُضمّد العبارات ويَخيط الأفكار؛ ليَنسج رواية ويَغزل أقصوصة ويَسرد مقالة ويَسبك شعرا؛ يُآسي بهم  قارئا ذا روح متعَبة أو أمل كسير أو قلب جريح، تماما كما فعل سوفوكليس بالإغريق قديما، ويرناردشو بالبريطانيين زمن الحرب العالمية. وعلى هذا فإننا نستطيع إجمال القول في أنّ الطبَّ نصفه أدب والأدبَ كلُّه طبّ.

ويؤازر هذا التلازُم؛ ذلك الإسهام  الثريّ والكفّ النّديّ مِن قِبَل أطباء كثُر اقتحموا ميدان الأدب وبلغوا فيه شأوا عظيما، حتى بلغ هيامُهم بالأدب حدّ العشق والصّبابة، فيمَّمُوا وجوههم شطره بينما وَلّوا ظهورهم للطبّ والدّواء؛ ربّما لأنّ معاناة الاشتغال بالكتابة الأدبية تبلغ مبلغ الداء ويصعب الجمْع بين الدّاء والدواء، أو ربما لأنّ مطاردة أرنبين في ذات الوقت هي قضية ليست ذات جدوى.

وبهذا الخصوص أذكر إبّان تحبيري لكتابي أطباء فوق العادة؛ كيف حلّت بي لعنة خراش حين أردتُ الكتابة عن عشرة من بين الأطباء الأدباء، إذا كانوا كالظّباء في كثرتهم، ولم أدْر ِأيّها أصيد وأيها أدع. بينما عانيتُ الكثير لأعثر على عشرة من الأطباء السياسيين، وكذلك الأطباء الدّعاة، إذ كانوا أندر من الحريّة في بلاد الضاد.

وقد يبدو للوهلة الأولى تضاؤل حظوظ الأطباء العرب من حيث الاشتغال بالأدب، نظرا للقطيعة الطويلة والغربة القسْرية حيال اللغة العربية التي هي العمود الفقري للأدب، وذلك مع البدء في دراسة الطبّ المحتلّة في كلّ مراحلها بحروف اللغة الإنجليزية! إلّا أنّ الواقع لا يتوافق مع تلك المقدّمة المنطقيّة؛ فالأدباء من الأطبّاء العرب هم مِن الوفرة بمكان كفراشات بستان، إضافة إلى أنّ البعض منهم وصلوا إلى أعلى مراتب الأدب حين حجزوا لأنفسهم مقاعد دائمة في المجامع اللغوية التي يقوم على أكتافها حراسة عرين اللغة.. وبهذا تنتفي العلاقة الشرطية بين ما هو منطقي وما هو صحيح، فبعض ما يبدو منطقيا ليس بصحيح.

وقد نتراءى تضاربا منطقيّا بين الطبِّ كمهنة تُعلّم والأدب كموهبة توهب، أو بين الطب كعِلْمٍ : غايتُه الحقيقة ووسيلتُه التجربة وأداتُه العقل، والأدبِ كفنٍّ: غايتُه الجمال ووسيلتُه الشعور وأداتُه القلب الذي يرتوي من نبع الخيال ومَعين الوجدان.. إلّا أنّ الشواهد بَرْهنَتْ على إمكانية المزاوَجة بين عقل العالِم الطبيب ووجدان الأديب الفنّان، وإنجابهما عُرْسا للحكمة ومتحفا للإبداع ولوحةً حافلةٌ بأبهى الألوان، وانظر في ذلك توظيف المعرفة الطبيّة في كتابة أدب شائق عند يوسف إدريس ومصطفى محمود وأحمد خالد توفيق فيما يمكن توصيفه بالأدب الطبّي..

وانظر في ذلك أيضا، قول الشاعر التشيلي بابلو نيرودا: "عندما يُبدع الطبيبُ فنًّا، فإنه يكون الأجمل والأصدق والأدقّ، لأنّه لا يَتخيّل المعاناة البشرية، بل يَعيشها ويُعالجها"، وشهادة نيرودا  هنا أنفى للشكّ وأعلق باليقين؛ لأنّه أديبٌ من الطراز الرفيع الذي خطّ اسمه في سجلّات نوبل للأدب عام 1971م، واعتُبر أعظم شعراء أمريكا الجنوبية في القرن العشرين، وعُدّ أغزر الشعراء نظْما باللغة الإسبانية في العصر الحديث، علاوة على أنه اقترب جدّا من طبيبيْن خلّاقيْن هما صديقاه سلفادور أليندي وتشي جيفارا.

والثابت: أنّ الطبَّ وإنْ سكن فصَّ المخّ الأيسر الذي يُعرَف بالفصّ العالِم، لا يخلو مِن فنّ. والأدب وإن سكن فصَّ المخِّ الأيمن الذي يُعرَف بالفصِّ الفنّان، لا يخلو كذلك من عِلْم. بما يَعني تهافُت ما طرحه الروائي البريطاني (تشارلز سنو)، الذي شيّد في محاضرة له بجامعة كمبريدج، حاجزا أسمك من سدّ ذي القرنيْن، بين الاتجاهيْن العلمي والأدبي، وعدَّهما ثقافتيْن مختلفتيْن منفصلتيْن! ومصداقيّة ما سطّره وليّ عهد الأدب الروسي (أنطون تشيخوف) الذي قال: بأنّ علم التشريح والفنون الجميلة كلاهما نبيل، ويمتلكان أهدافا واحدة، ولا يوجد بينهما صراع من أجل البقاء. وهذا ما تبنّاه الطبيب الشاعر (ريكان إبراهيم) بقوله: الطبّ هاجس كما الشِّعر، لأنّ كلّا منهما فنٌّ وفكر.. والهاجس –كما هو معروف في علم النفس- جمع جبري للعاطفة (الفن) والعقل (الفكر).

والواقع أنّ العلاقة بين الطبّ والأدب قديمة قِدم ما قبل الحارث بن كلدة الذي برع في الطبّ ونثر الحكمة ونظم الشِّعر، وابن سينا الذي تربّع على عرش الطبّ وصاغ بقلمه شعرا فلسفيا جيدا. ثمّ توثّقت عرى تلك العلاقة، وبقيت علامة استفهام كبرى لا تغيب حين يحاضر الطبيب الأديب في جمهور  يسمع أو يشاهد، وفيها أسهب الحرف  وتشعّب القول، حتى إنّ بعضهم أفرد لذلك صفحات ذات أغلفة ومساجلات ذات أصداء. وفي الوقت الذي أَدلى بعضهم بقوله فيها منثورا، فإنّ الشاعر الطبيب إبراهيم ناجي قد نظم قوله شِعرا جاء كجهيزة التي قطعَت قول كلّ خطيب، فقال:

 "النّاسُ تَسألُ.. والهواجِسُ جَمَّةٌ،،،

طِبٌّ وشِعرٌ كيف يتَّفقانِ

الشِّعرُ مَرْحَمَةُ النُّفوسِ وسِرُّه،،،‏

هِبَةُ السّماءِ ومِنحةُ الديَّانِ‏

والطبُّ مَرْحمَةُ الجُسومِ ونبعُهُ،،،

مِنْ ذلك الفيْضِ العَلِيِّ الشَّانِ"

***

بقلم: د. منير لطفي

طبيب وكاتب

 

 

عقيل العبودكيف لنا ان نستقرئ حقيقة النزعة الجمالية للوجود الإنساني للذات، وما هي الأسس، والمكونات، التي تعتمد عليها هذه الحقيقة؟

مما لا شك فيه انَّ هنالكَ التزامات، وقوانين لها علاقة بحقيقة الوجود الإنساني للذات، وهذه الإلتزامات تفرض أنماط قيودها، بناء على حقيقة التفاعل الإنثروبولوجي لهذا الوجود، بمعنى الخط، أوالحقبات الزمنية المرتبطة بتطور الإنسان، وعلاقة هذا التطور بثقافات المجتمع الذي ينتمي إليه كاللغة، والمعتقد، والإرث الحضاري، والعلاقات الإجتماعية، وتلك أُسيَّات، وجذور مهمة في تكوين الجانب السايكولوجي، والاجتماعي للشخصية.

وهذا التفاعل يرتبط بمقولتين الأولى؛ العقل، والثانية الذات، أما العقل فهو طريقة التفكير، الذي يفرض أنماط علاقاته المتنوعة مع الأشياء، والموضوعات، وكافة المسميات، بما فيها المجتمع.

ومن هنا يصبح للوجود الإجتماعي، ما يتعلق منه ب <قانون الذات> دورا أساسياً في تفويض العقل لخوض تجربة إرتباطه المعرفي، والاجتماعي، والأخلاقي وفقا لأبجديات المنظومة الاجتماعية، التي تخضع لتفاعل القيم، والمعايير التاريخية، والبايولوجية.

وهذا يدخل في دراسات التطوير الذاتي، والتنمية، ما يتعلق منها بالقدرات، والمؤهلات، والإمكانيات الخاصة بالذات، ما يدخل اليوم في موضوعة ما يسمى ببرامج التنمية والتطوير البشري.

فالإنسان بحسب نظريات علم الإجتماع، كائن بايولوجي اجتماعي، بمعنى ان هنالك قانونين، الأول يرتبط بالجينات الوراثية لهذا الكائن، وهذا له علاقة بتاريخ التطور الإجتماعي للإنسان، بناء على تأثير الطفرات الوراثية الجينية للعائلة، والنسب، والقبيلة. والثاني يرتبط بحقيقة الوجود الإجتماعي بناء على افرازات الثقافة الاجتماعية لمكونات القيم الاخلاقية، والثقافية لهذا الإنسان.

ومنه تنصرف سياقات النظريات الإجتماعية الخاصة بطبيعة الشخصية، ما يرتبط بنزوعها الى الحرية، والحياة والأمل، والتحدي، والتعلم، والميل للشعور بالأمن، بناء على نظام ضبط الذات، والإلتزام بالقانون، واحترام المجتمع.

ومما لا يخفى ان لكل مجتمع ثقافة، وتاريخ، وحضارة وطقوس، وغير ذلك من المكونات ما يسمى بالنظام الإجتماعي.

ومن الضروري الإشارة الى ان حقيقة التفاعل السايكولوجي بين الإنسان، والمجتمع، اي مدى التقبل والتطبع، والتعايش مع منظومة القيم، والجوانب السلوكية للذات يخضع للتأثيرات البيئية، وهذه التأثيرات تشتمل على البيئة البايولوجية، والبيئة الإجتماعية، والبيئة البايولوجية هنا تخص الإرتباط الجيني للعائلة، اما البيئة الإجتماعية فتتلخص بعلاقة الإنسان مع الآخرين.

والبيئتان هما أساس تكون الشخصية، ما يسمى بالقانون السايكولوجي. والمشاعر هنا تخضع لهذا القانون.

فشخصية الإنسان من حيث المبدأ، والتصرف تتأثر تأثرا كبيراً بالطبيعة السايكولوجية للمجتمع.

وهذه الطبيعة تتأثر بعوامل خارجية، وداخلية، ومن ضمنها طبيعة العلاقات الاجتماعية للأسرة، بما في ذلك أنماط العيش، والثقافة، فإبن الريف مثلاً، يتأثر بموضوع الزراعة، والأرض، والحشمة في ما يتعلق بموضوع العلاقة مع المرأة مثلا كنمط من أنماط القيم الاجتماعية، بينما ابن المدينة، تراه يعيش في مساحة أوسع، وعلاقات اوسع.

 وعليه تكون القيود التي تترتب على طبيعة العلاقات الإجتماعية الخاصة بابن المدينة، أقل من قيود أبن الريف.

وهذا البحث تكمن أهميته في تشخيص الملابسات الخاصة بتتبع السلوك، والشخصية، بما يفرض على المعنيين دراسة العوامل السايكولوجية، ووضع برامج ثقافية، وإعلامية تفيد في تحفيز العوامل المؤثرة لدى الفرد، والمجتمع بما يتناسب والحاجة الى استخلاص البعد الجمالي لتطوير الشخصية، والحياة، والمجتمع من خلال هذا النمط من البحث والاستقراء.

 

عقيل العبود

ماجستير فلسفة وعلم الأديان:  جامعة سان دييغو باحث اجتماعي 

 

افييز والعالم الرقمي2

لا يمكن ان نتحدث عن تجمع افييز بدون العالم الرقمي والانترنيت .

شعارها :"نحو عالم افضل" الشعار الاساس لـ"افييز" ، سوف ندهش حين نعلم ان بين المساندين وكتاب افييز رئيس الوزراء البريطاني السابق ونائب الرئيس الامريكي ال غور ووزيرة خارجية سيراليون السابقة وقائمة طويلة من السياسيين الافارقة والالمان والفرنسيين .

وفي وقت قصير تحولت الى تجمع عالمي فاق عدد المساندين للتجمع 63 مليون ناشط من مختلف دول العالم .

ويعمل وفق شعاره الاساسي :"نحو عالم افضل" مجسدة اياه بالدفاع عن البيئة وعمل كل ما في وسع نشطائها لمنع تخريب البيئة او تكديس الاموال بواسطة المشاريع المضرة بالبيئة في امريكا اللاتينية او اي مكان اخر بجميع الدول والقارات .

واصبح العالم الرقمي سلاحها الفعال اتجاه تحشيد الرأي العام حول القضايا الانسانية التي تشغل عصرنا كما حدث مع مقتل جورج فلويد على يد شرطي عنصري امريكي وشكلت جبهة شعبية عريضة ضاغطة ضد الممارسات العنصرية ادت الى تغيير بعض الولايات الامريكية لشعاراتها التي تعتبرها افييز والمناهضون للعنصرية تحتوي على شعارات عنصرية تمس المشاعر الانسانية .

العالم الرقمي هو الاساس في نجاح هذا التجمع العالمي الاول من نوعه من مختلف الاجناس والاعراق والقارات ووصل عدد مسانديه الى 63 مليون ناشط وهو رقم لم يصل اليه اي تجمع اختياري او طوعي سابقا . وبوقت فصير اصبح التجمع المحور المحرك "الدينمو" لتحشيد الرأي العالم حول اهم القضايا الانسانية المتعلقة بالبيئة او العنصريةاو دعواتها الاخيرة الى عالم خال من الجوع .وعربيا ترجمت : "انه وجهي يا رجل" لميك بيللي عشرات المرات الى اللغة العربية وهي نفس الكلمات بجميع الترجمات تقريبا لانها كلمات حقيقية نطق بها فلويد قبل ان يلفظ انفاسه الاخيرة غير قابلة للتأويل او التغيير او الاجتهاد كما ترجمت الى جميع اللغات الحية في العالم وساهم انتشارها الذي سهله العالم الرقمي والانترنيت على زيادة الضغوطات الشعبية لمكافحة التمييز العنصري لتشكل مع مكافحة فيروس او وباء كورونا اهم القضايا في وقتنا الحالي .

وادى ما تركه فيروس كورونا او الوباء الى انتشار البطالة خاصة في الدول النامية والفقيرة الى شبه مجاعات واعطى زخما ل افييز لتشكيل و تحشيد اكبر عدد ممكن اتجاه تحقيق شعارها او طرحه على اجندة السياسيين : "نحوعالم بدون جوع" فكان الوباء احد الاسباب الرئيسية للتحشيد ومساندة هذا الشعار الانساني تحت تأثير الوباء او كورونا ولكن لا احد يعلم لحد الان مدى استجابة السياسيين لتحقيق هذا الشعار الانساني الذي طال انتظار تحقيقه وادى الى موت الاف البشر خاصة في افريقيا ومناطق النزاعات والحروب حول العالم .

واصبح نجاح الحملات الانسانية والتحشيد لاجل تحقيق اهدافها كليا او جزئيا مرتبط بالعالم الرقمي اكثر مما هو مرتبط بنشاط المساندين ل افييز كتجمع انساني يسعى جميع ناشطيه او مسانديه نحو عالم افضل .

 

قيس العذاري

 

شاكر فريد حسنأخيرًا وصلني هذا الأسبوع بالبريد السريع جدًا، في زمن الكورونا، بعد تأخر أكثر من نصف شهر، ديوان ذبح الهديل للصديقة العريقة الشاعرة نجاح كنعان داوّد، المقيمة في طمرة الجليلية.

وهذا هو الديوان الرابع لنجاح ، التي تربطني بها صداقة قديمة جدًا ممتدة منذ اربعين عامًا ونيِّف، وكانت شرفتني بتقديم ديوانها نايات الحنين . وقد صدر لها في الماضي نايات الحنين، نزف قلم و مد وجزر .

وذبح الهديل هو من إصدارات منشورات دار الحديث للإعلام والطباعة والنشر في عسفيا، لصاحبها الشاعر والناشر فهيم أبو ركن. ووقع في 85 صفحة من الحجم المتوسط، ويشتمل على 26 قصيدة، صمم غلافه م. هيثم ديواني، والتصميم الداخلي للفنانة ملكة زاهر. وتهديه إلى رجل.. من رحيق الورد/ ما زال قلبك/ لا يلوذ صبابة/ أصبحتَ/ في بحر الغرام/ طوافي .

ويتصدر الديوان قصيدة زهرة الروح وينتهي بقصيدة لحن المودة .

قصائد الديوان عاطفية ووجدانية فيها لهب الحنين وبزخم الحياة، تتسم بالجمالية التعبيرية والرونق التصويري الوصفي وتدفق الكلام السلس والمعاني الشفافة الصادقة.

ونجاح تكتفي بالقليل الواضح من أساليب البلاغة، بالسجع وموسيقى الحروف، وتأتي قصيدتها هادئة سلسة عفوية متدفقة نابضة بالمشاعر الجياشة، ويطغى عليها حرارة العاطفة، والخيال الشعري، والالفاظ الرقيقة الناعمة والصور الشعرية الجميلة.

إنها تطربنا بعزف أناملها، وتبدع بحروفها المتناغمة صورًا تحيكها وتغزلها وترسمها على دفاتر روحها بدقة السبك وجمال الايقاع ورقة الإحساس، وتنثر كلماتها كحبات اللؤلؤ مجتمعة في نصوص رهيفة دافئة سهلة التعبير وعذبة المعاني.

فلنقرأ من أجواء الديوان:

مَا زَالَ قَلْبُكَ لَا يَلُوذُ صَبَابَةً

أصْبَحْتَ في بَحْرِ الغَرَامِ طَوَافي

أو لَسْتَ تَدْري أنَّ قَلْبَكَ مَسْكَني

الشَّعرُ سَيْفٌ غِمْدُهُ إسْرَافي

عِشْقُ الصِّبَا يُسْبي القُلُوبَ بِرَوْضِهِ

والقَلْبُ يَعْصِفُ وَالأنينُ صِحَافي

وَالعَاشِقُ السَّكْرَانُ أشْعَلَهُ الجوَى

لَوْ كَانَ مَا صَعَقَ الفُؤادَ سُلافي

يَا حَسْرةَ القَلْبِ المؤَجَّجِ بِالجوَى

مُسْتَنْفِرٌ مِنْ رَعْشَةِ الأَطْرَافِ

يَا عَاشِقَا يَبْكِي سَنَاهُ تَوَدُّدًا

إِنٍّي اليَمَامُ وَنَسْمَةُ الصَّفْصَافِ

مَا زِلْتُ أَرْجُو وَالحبيبُ مُفَارِقٌ

يَا لَوْعَةً قَدْ سَكَنَتْ أطْيَافي

في ديوانها ذبح الهديل تقدم لنا نجاح كنعان داوّد باقة من أزاهير الروض، ونزف الروح وارتعاشات القلب ونبض الوجدان، بكل ما تملك من أحاسيس إنسانية وبما تحمله تجربتها الشعرية الإبداعية من سلاسة الكلمات وجمال اللفظ وصدق التجربة، فتجذبنا وتأخذنا بعيدًا ببوحٍ يلامس أعماقنا وأغوارنا.

وفي المجمل العام، نجاح كنعان شاعرة حالمة شغوفة بالحياة ممتزجة بالحب والعاطفة الحساسة القوية، وتحملنا بأجنحة الخيال إلى بساتين الجمال. فهي باختصار شديد شاعرة رومانسية مرهفة. فتحياتي لها على هذا الإصدار الذي استمتعت بقراءته، واتمنى لها المزيد من العطاء والتألق، مع التقدير لحرفها الأنيق وإحساسها الباذخ وإنسانيتها الرائعة، وقدمًا إلى أمام.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

معراج احمد الندويإن أهمية التواصل الاكتروني قد تزايدت في الفترة الأخيرة، خاصة مع زيادة استخدام الرسائل الاكترونية والتخاطب الكتابي والصوتي وغيرها من أدوات التواصل الاكتروني، مما أدى إلى خلق لغة جديدة لتأكيد التواصل الحي بين الأفراد.

إن وسائل التواصل ما هي إلا وسيلة للاتصال بين الناس، باتت اليوم تشكل أهم طريقة للتواصل بين الناس عن طريق التطبيقات الإلكترونية، مثل الـواتس آب ومنصات وسائل التواصل الاجتماعي، مثل الفيس بوك وتويتر وإنستغرام وغيرها. التواصل مع الناس أمر مطلوب ومرغوب فيه، فالإنسان اجتماعي بطبعه يميل إلى بني جنسه ويأنس بالتواصل والاجتماع معهم، والغاية الرئيسيّة من وسائل الاتصال الحديثة هي تسهيل التواصل وتقريب النّس من بعضها، وقد نجحت ومن دون شكٍ في ذلك حيث أصبح بالإمكان التّواصل مع العالم الخارجي.

يشهد العصر الحالي تغيرات سريعة وتطورات متلاحقة، ويعيش ثورة علمية ومعرفية هائلة، كان من أهم منجزاتها شبكة المعلوامات الدولية المساماة بالانترنت، والتي أضحى العالم من خلالها قرية صغيرة يمكن للإنسان الوصول إليها. وفي هذالا السياق،  يعد التواصل الاكتروني وسيلة هامة من وسائل الاتصال بالناس والوتواصل معهم، وذلك من خلال ارسال واستقبال الرسائل الاكترونية  والصور والمقاطع الفيديوهات.

واليوم نحن نعيش في عصر تكنولوجيا المعلومات والتواصل الاجتماعي، أصبح التواصل الاكتروني وسيلة سهلة وسريعة للتواصل بين الأصدقاء والأقارب، يمكن من خلال التطبيق تبادل المعلومات المختلفة كما يمكن عبر الواتس اب إرسال الصور ومقاطع الفيديو ومقاطع الصوت والملفات المختلفة والتحدث مع الآخرين بالصوت والصورة مباشرة.

يعيش الإنسان في فترة استثنائية ألزمتهم بالبقاء في المنزل لمنع انتشار فيروس كورونا الجديد، لكنهم في الوقت نفسه يعيشون في عصر ذهبي من أدوات التكنولوجيا والتواصل والترفيه التي تخفف وطأة الملل والعزلة، ولقد أوضح عصر التنولوجيا بأن الهاتف الذكي أو الآيباد واللاب توب وفرت جسورا لامتداد الصلة والمحبة والود، وتعتبر بديلا مؤقتا للتواصل إلى أن يأذن الله بالفرج واللقاء وجها لوجه.

في ظل عصر المعلومات، فقد اختصر الزمن والمسافات فاصبحت الاتصالات والتعاملات فورية وأضحت وسائل الإعلام تنقل لنا آمال العالم والشعوب في لحظة، وأصبح بمقدورنا الحصول على قدر كبير من المعلومات لمجرد أن نلمس أيدينا لوحة جهاز الكمبيوتر، كما أن لدينا وعيا أكثر بالقضايا الاجتماعية والسياسية والأخلاقية التي يواجهها العالم اليوم.

وفي هذا العصر التكنالوجي لا يمكن الغناء عن التواصل الاكتروني الذي يقتل المسافات بين الناس ويلغى الحدود ويشكل بابا واسعا للارسال وتلقى المعلومات الغزيرة عبر الفضاء الاكتروني. لقد دخلت البشرية  عصر الثورات الجديدة التي أحدثت تغيرات جذرية واسعة في أساليب الحياة المعاصرة والتي يمكن لمس آثارها في الحياة اليومية.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

 الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

 جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

 

بليغ حمدي اسماعيلفي ظل الأحداث السياسية التي يشهدها حصرياً الوطن العربي لاسيما إحداثيات لبنان المعقدة، مرورا بالتوتر اليمني العجيب، وصولا إلى المشهدين العراقي والسوري الذي بات التكهن بالنهاية أمرا يعد ضربا من المستحيلات، وما تتضمنها هذه الأحداث من لغط سياسي وجدل وصخب مجتمعي عربي حول شواهد ومشاهد الانتحار والإلحاد والشذوذ أيضاً، وجدت حالتين من فتى وفتاة ربما يظلان بمنأى عن فتنة الحراك السياسي العربي الدائر منذ شهور منصرمة، ولكن حالتهما تتعلق بمقام العشق، وأنا أنتهز فرصة تائهة تجعلني أهرب بعيداً عن رصد الحالة السياسية والمشهد الرئاسي الذي أصاب العقل حيرة ودهشة .

وربما وجدت في عرض سياق حالتهما نوعاً من الهروب المؤقت لمناقشة بعض الملفات الشائكة التي تجتاح وتستبيح جسد المجتمع العربي طولاً وعرضاً .

المهم حينما حاولت رصد حالة هذا الرجل وهذه المرأة عن قرب وجدتهما يتنفسان عشقاً وشوقاً، وربما وجدتها فرصة لا للتطفل عليهما إنما حاولت الهروب المتعمد من وجع السياسة والسياسيين وأهلهما . وبلغة أشبه بالقصة التي لا أجيد كتابتها وسردها سأقص الحالة باختزال شديد .

قال لها : إني أحبك، هكذا نطق محاولاً أن تستجيب تلك الفتاة لاستغاثة قلبه المضطرم، حقاً لقد غيرت حياته، وطالما يفتش هذا الرجل عن امرأة بحجم الكون لتحتويه، وهو يعلم أنه حينما يبوح لها بسره أنها قد لا تبادله هذا الشوق، ربما رآها مرة واحدة فقط، وأحياناً لم ينظر إلى وجهها عن قصد وتعمد . لكنها كيمياء القلوب، أو كما قال عن ذلك أدونيس كيمياء السعادة التي تختبئ فيها مشاعر الشقاء والتحسر والألم .

 (بين ريتا وعيوني بندقية / والذي بيعرف ريتا، ينحني ويصلي، لإله في العيون العسلية / وأنا قبلت ريتا، عندما كانت صغيرة / وأنا أذكر كيف التصقت بي / وغطت ساعدي أحلى ضفيرة / وأنا أذكر ريتا مثلما يذكر عصفور غديره/ آه ريتا بيننا مليون عصفور وصوره/ ومواعيد كثيره / أطلقت نارا عليها . . بندقيه ..) ..

ومنذ أن قال لها : أحبك، وهو لا ينتظر إجابة شافية منها، ولعله تحدث معها عبر الهاتف أكثر مما استمع إليها، وكأنه ينقل تفاصيله المختبئة إليها دونما نظر وبغير استعلاء . هكذا كان حاله ؛ يفتش عن كل أغنية تحمل وجهها، يقتنص الشعر الهائج كي يعبر عن حالته المستعصية، نعم وسط كل ظروف العرب الراهنة التي توجعنا ليل نهار، يبدو أن هذه الفتاة التي لم يرها سوى مرة واحدة، أو بالأحرى مرتين وسط موج من البشر المحشور بينهما بغير استئذان، لكنها وقع ..

(إسم ريتا كان عيدا في فمي /جسم ريتا كان عرسا في دمي /وأنا ضعت بريتا .. سنتين/وهي نامت فوق زندي سنتين / وتعاهدنا على أجمل كأس/ واحترقنا في نبيذ الشفتين /وولدنا مرتين ..)

ولطالما ادعى هذا الرجل أنه خبير بفنون الهوى، ولطالما أيقن أيضاً أنه رجل عابر للقلوب، لكنه لم يظن لحظة أنه سيقف الوقت به، ويصير تمثالاً جامداً لا يتحرك إلا لها، ويستحيل فراشة متعددة الألوان كقلبه يحط على أزهارها فقط..

لقد ذكرني بالقصيدة القائلة : كلما رأيت امرأة حلوة قلت لها يا ليلى، فكل امرأة كما حكى لي يظن أنها فتاته الصغيرة، وهو لا يزال يراها صغيرة، وهي بالفعل لم تبلغ الثلاثين بعد، وربما أيضا بلغتها، لكنه يظل يرسم سمتها كطفلة صغيرة تلهو وتمرح بين الشجر ..

وطيلة ما كان يحاصرها بشوقه إليها وبعشقه بها، أخذ يتقمص البيت الشعر للشاعر الفلسطيني الماتع والرائع محمود درويش حينما قال: ليت الفتى حجر، لكنه لم يعي بيت درويش، فحجر درويش الشعر كان موجهاً لصدر الكيان الصهيوني، أما هو بحجرة بقعة ضوء موجهة لعينيها ..

هكذا أحب الفتى،ولم ينتظر كلمة واحدة تهمس من بين شفتيها، وهو يقسم أنه لا يحفظ تقاسيم وجهها، وكل ما يفطنه عن ذلك الوجه الليلكي هو بوح قلبه عنها فقط ..

أما هي، فهي تحتاج وقتاً للسرد، وجدير أن يستقرئ الفتى قلب امرأة لا تجيد الهوى إنما تصنعه، وهي مثل الماء حقاً حينما يتسلل من بين الأصابع خلسة وعلانية بغير ميعاد .. وبعد شهور طويلة من الحكي والسرد بينهما، قالت إليه في ليلة محمومة بالنجوم وبصوت الرصاص الذي ينبعث بصورة عشوائية غير معلومة المصدر والصادر : أحبك أيضاً ..

لكن حبه لها صار لعنة عليها، فهي لم تعد تفكر في شئ إلا فيه، لقد غير حياتها، هكذا قالت، وربما تأخرت في حكيها عن قلبها الذي يشبه الوردة حينما تستحي .. قالتها بصوت وئيد منخفض، لدرجة أن الفتى أخذ ينظر إلى هاتفه ليتأكد من أنه يحادث فتاته التي قهرته بالعشق يوماً وساعتين .. قالت له مراراً أنت كاذب، ومخادع، وطيب، وتحتاج لإعادة ترتيب، وأنت وأنت وأنت، هكذا كانت تشكل قلبه بيديها وهما معاً لا يعلمان ...

سكت، لم يجيبها، لم يصدق ما سمعه، هكذا كان حاله هذا الرجل الذي ادعى ولا يزال أنه خبير بصنوف النساء، وهذا وجدته فتاته دائماً ؛ منتظراً لها، تواقاً ... انتهت المسافة ... وأنا حينما التقت المساحات الواسعة بين قلبيهما، وجدتني مضطراً لمشاركتهما في كيمياء العشق هذه التي أصبحت كالماء، يأبى الارتواء ..

فإليه أُلَوِّح بأن قلبها لا يزال بكراً فهو عاشقها لا مفر، وهو واحدها لا مفر، وهو وحيدها لا مفر، وهو معذبها لا مفر، وهي إن تلقيه في اليم مرات ومرات فلا يجد ماءً ولا سمكاً ولا فلكا يستصرخه فينجو من الغرق، فهي بالقطع قاتلته ...

وإليها أخط سطوراً كالسحاب علني أستظل من رمضائها ولهيبها وحرارة قلبها التي لا تنطفئ أبدا، ألا لهذا القلب أن يستريح بعد .. فهو كما حدثني عنك قال إنك قلب نظيف بجسد يلمع كالعينين .. فلا تخفي وجهك بأردية تخفي ابتسامتك وأنت تركضين وأنت تلعبين، وتمرحين وتبوحين بالعشق .. وبينما يناديك هو : أناديك يا ملكي وحبيبي، تنادينه أنت : مَعَكَ أكون، وبينكما أراسلكما بالشعر وحده، وأناديك ريتا :

(أه .. ريتا /أي شيء رد عن عينيك عيني /سوى إغفاءتين /وغيوم عسلية /قبل هذي البندقية / كان يا ما كان يا صمت العشيه / قمري هاجر في الصبح بعيدا في العيون العسليه/

والمدينة كنست كل المغنين وريتا / بين ريتا وعيوني . . بندقيه ..) . شكرا محمود درويش.

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية ( م )

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

سردار محمد سعيدلم أعرف فاديا عيسى قراجة إلا من خلال صحيفة المثقف الغرّاء بشكل دقيق وبعد معرفتي بموقعها الخاص طفقت أتابع كتاباتها دون تعليق أو مداخلة ولوأن لي بعض الملاحظات التي لاتقلل من الفكرة الرئيسة في قصة ما، مثل ما وردهنا في قصة زغرودة (هشمت وجهها باظافرها) والقصد خمشت وليس هشمت وكذلك بأظفارها وليس اظافرها، واستعملت الكلمة (سرتفيكا) الأجنبية غير المفهومة في كثيرمن البلدان العربية وبما أن القصد من هذا النص هو ليس نقد قصة "زغرودة "

 وللأمانة سبق وأن قرأت لها قبل أكثر من سنتين في موقع أدبي سوري واسترعت انتباهي في نهجها الإيروسي .

بالعودة إلى لب الموضوع أقول : الأدب العربي زاخر بحكايات وقصص واشعار يمكن تصنيفها تحت باب الإيروسية غير ان الملاحظ أن الشعر العربي يفوق السرد اضعافاً، وكان السرد والقص في غالبه نتاج المجتمع الأبوي، فهو يعمد إلى اهانة الأنثى والحط من منزلتها وتناثرت في كتب أدبية ودينية مثل محاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني و الحيوان للجاحظ ولباب الأداب لأسامة بن منقذ وحياة الحيوان الكبرى للدميري والتمثيل والمحاضرة للثعالبي،وإن وجد كتاب شامل يوثق فمثل كتاب أخبار النساء " ابن الجوزي " وأشعار النساء " المرزباني " وكل من الكتابين تسفيه وحط للأنوثة .

في الشعر نصيب المرأة قليل نسبة إلى نصيب الرجال ففي العصور الإسلامية القديمة كانت هناك ليلى الاخيلية صاحبة توبة وفي العصرالعباسي ظهرت الأميرة العباسية العاشقة علية اخت هارون الرشيد التي عشقت خادمها "طل " وحتى العصر الأندلسي حيث ظهرت الشاعرة الأميرة الأموية ولادة بنت المستكفي

وظل السرد غائباّ حتى القرن العشرين إذ ظهرت القاصة المصرية نوال السعداوي وفي سوريا ظهرت القاصة غادة السمان وقبلها (جوليت خوري وليلى بعلبكي) ثم ظهرت القاصة الجزائرية المائزة أحلام مستغانمي .

أقول : إن فاديا عيسى قراجة هي امتداد لما ذكرت من قصص وحوادث قيلت في النساء سرداً وشعراً .

فاديا ليست وليدة هذا العصر بل هي وليدة من عصور سلفت فهي عشتار العراقية وإيزيس المصرية وهي التي برزت فوق صدفة في البحر وهي اللات وكليوباترا وفينوس.

إن دراسة ما كتب عن الأنثى سلباً او إيجاباًمن سردأوشعر مسر أو مؤلم سواء في كتب البلاغة والأدب أو الدين وملاحم الشعوب وتوظيف أفكارها وحوادثها وليس الرموز فقط، سيكسب فاديا طروحات ثرة،ويمنحها القدرة على أخذ مركز متقدم .

ولا ريبة في مقدرة فاديا وتمكنها من عبور الصعاب والعقبات التي تعترض سبيلها .

فاديا في قصصها تمثل آلهة الحب والعشق والشهوة .

تحية لفاديا ذات النغم المتفرد الجريء،ولها تقديري فيما تسعى إليه جاهدة .

 

سردار محمد سعيد

......................

للاطلاع على قصيدة الأديبة في صحيفة المثقف

زغرودة / فاديا عيسى قراجه

 

 

امل المدرس.. صوت يصدح بالحب

في عيدها الرابع والثمانون، تحية اجلال وتقدير لام الاذاعات العراقية متمثلة بالام القديرة والسيدة الفاضلة "امل المدرس" الصوت النابض بالحب والامل..

تاسست اذاعة بغداد 1/7 /1936 وتعود فكرة تاسيسها الى" الملك غازي "الذي كان يمتلك اذاعة مصغرة في داره، ثم جاءت فكرة توسيعها، وسط ابتهاج الجماهير، وهي ثاني اذاعة في الوطن العربي بعد "اذاعة القاهرة"، وقد كانت بالبداية متقطعة، ثم بدات تبث بصورة منتظمة مع تقدم السنين.

منذ نعومة اظفارنا اعتدنا على ذلك الجهاز المتواضع، الكبير الاثر في نفوسنا وهويصدح باجمل الالحان، واروع الاغاني، وتلك البرامج المنوعة التي تركت اثرها واضحا في نفوسنا فلم يكن يخلو بيتا من جهاز الراديو وخصوصا الصغير الذي ناخذه معنا اينما نذهب في البيت، في الحديقة، او على سطح الدار، او راديو السيارة مسافرين اوذاهبين لاي مكان، بل الاطرف ان يضعه الفتيان-المراهقين-على دراجاتهم الهوائية كنوع من الترف..

 كنا نبدا صباحنا بكروان الصباح فيروز وهي تضفي نكهتها على رائحة الشاي المهيل ورائحة الخبز الحار لتلك الموائد الصباحية العامرة بالحب والحميمية تشاركنا الافطار، اوتذهب معنا في السيارة ونحن في الطريق الى المدرسة، تعطينا شحنة من التفاؤل لبداية يوم جديد.

كان الراديو يشغل حيزا كبيرا في حياة الانسان العراقي المثقف والبسيط على حد سواء، المراة والطفل، فقد نالت برامج الطفل حيزا واسعا وتعددت وتنوعت على مدى السنين كالمسلسل الاذاعي"ليلى والذئب"وبرنامج"عالم الاطفال"، وبرنامج "على بساط الريح" وغيرها من البرامج التوعوية ناهيك عن برامج المراة، فهو موجه لكل شرائح المجتمع دون استثناء، رسالته انسانية سامية تهدف الى التثقيف والتوعية والارشاد، فقد اختزل وبحق مع بساطته كل وسائل التواصل الاجتماعي ولكن بروحية اكبر، وبوعي اشمل..

 كان يحرص على تنوع برامجه ليصل الى اكبر عدد من المستمعين عبر هذا التنوع الذي شمل كل مناحي الحياة، التمثيليات والمسلسلات الاذاعية، البرامج الاجتماعية الهادفة كبرنامج "نادي الاذاعة"ذلك البرنامج المنوع الرائع الذي كان يبث في التاسعة مساءا والذي كان له حضورا جماهيريا واسعا، وذلك الكم من المشاركات و الاغاني والخواطر التي كانت تتناغم مع الليل، وبرنامج "حذار من الياس" الذي كان يبث في الساعة الحادية عشر صباح الجمعة، يعرض مشكلة على شكل تمثيلية، ثم استضافة احد المختصين في نهاية الحلقة ليعطي الحل الناجع للمشكلة، لازالت تلك المشاكل تتردد على اسماعي، فاتفاعل معها كثيرا واستغرب بل اتعجب على تلك الحالات التي لم تكن ترقى لمرحلة "المشكلة"ولاتعادل قطرة من بحر مشاكل اليوم المرعبة لم ازل اتذكر مقدَمَة البرنامج والتي تعرض مقاطع سريعة من حلقات سابقة التي تقول احداها(افبعد كل هذا يعاب على هناء تصرف!!، او ماممكن اني ماادخل الطب..)، كانت الحياة اسهل واجمل، والروابط الاسرية والاجتماعية على اشدها عندما كانت الحياة حياة، واليوم كان طويلا وكثير التفاصيل وله قيمة، وفيه الكثير من الامور للقيام بها، وليس كيومنا الان الذي يمر كالبرق الخاطف ولايشغل سوى حيزا بسيطا من التقويم سرعان مايشطب مساءا.

كان الراديو صديق العائلة وهناك راديو في كل مكان تقريبا من البيت، والسيارة، والمقاهي التي تعتبره احدى مقوماتها ومكوناتها الاساسية والجمالية، حيث الاغاني القديمة تصدح باصوات ام كلثوم، عبد الحليم، فريد الاطرش والمطربين العراقيين الرواد مائدة نزهت، سليمة مراد، ناظم الغزالي، عفيفة اسكندر، انوارعبد الوهاب، امل خضير، حسين نعمة، رضا علي، ياس خضر وغيرهم الكثير الكثير..

ومطربي الريف الذين يشغلون حيزا من طرب شريحة كبيرة من الناس انذاك، في الوقت الذي كان بث التلفزيون محدودا على ساعات معينة من المساء..            

وبرنامج "اسمك عنوانك"و"عراقنا الرياضي"و"سكن الليل"والذي يقدم ليلا وبرنامج "من الذاكرة" الذي كان يعده ويقدمه "سعاد الهرمزي"حتى نهاية التسعينات، وبرنامج "ستوديو عشرة" الذي حظي باعجاب المستمعين منذ نشاته، لما يحويه من فقرات منوعة صيغت باسلوب محبب تشد المتلقي من بداية البرنامج حتى نهايته، وذلك الصوت الملائكي الدافئ الذي كان يشد اسماع المستمعين بوشائج المحبة والالفة الاوهو صوت الام القديرة وشمعة الاذاعات العراقية السيدة الفاضلة"امل المدرس"وهي تشدو بالكلمة الصادقة، والخاطرة الهادفة، والحكمة المعبرة التي تترك بالغ الاثر في نفوس المستمعين، والدور الرائد للاستاذ "علاء محسن"معد ومقدم البرنامج، والمذيعة المتالقة السيدة"نضال علي حسون، والسيدة"سميرةجياد"، ومخرجي البرنامج المتعاقبين اخرهم المخرج القدير"جعفر الزبيدي"، وكل من ساهم في انجاح هذا البرنامج من كادر فني واذاعي، ولازال هذا البرنامج يحتل مساحة كبيرة في نفوس المستمعين داخل وخارج العراق، يضمهم ويجمعهم بحميمية الارض الطيبة شمالها وجنوبها، شرقها وغربها، متشبعا برائحة المطر وهي تنثر الحب على الجميع بدون استثناء.

فتحية اجلال وتقدير لامنا القديرة السيدة امل المدرس متمثلة بام الاذاعات وسيدة الاثير، وبوابة الاشعاع الحضاري والفكري، التي عاصرت عهودا وتربت على يديها اجيالا قضوا اجمل الايام بين ذراعيها، نهلوا من مناهلها صنوف المعرفة والابداع والطرب الاصيل، روت لنا وباحرف من نورتاريخ العراق، بنهاراته ولياليه، بايامه وسنينه، باحداثه، بافراحه واحزانه، لازلت متالقة رغم الزمن، وخطوطه تزيده بريقا ونضارة، كل الاحترام والتقديرومزيدا من النجاح اذاعتنا الام اذعة جمهورية العراق من بغداد وهي تقد الشمعة الرابعة والثمانون في عيدها الاغر..

 

مريم لطفي

 

 

 

شاكر فريد حسنللمناضل توفيق حسين حصري

صدر حديثًا، كتاب " قلبٌ تعمَّد باللّظى" للمناضل الشيوعي الفحماوي العريق توفيق حسين حصري (أبو الهمّام)، ويتناول تفاصيل سيرته الذاتية.

يقع الكتاب في 190 صفحة من الحجم الكبير والورق الصقيل، وجاء بطباعة أنيقة فاخرة، وحرف كبير. وكتب في الاهداء : " اهدي هذه السردية وهذه الصفحات لجيل الأبناء، الذين حملوا الراية من جيل الاباء لينقلوها للأحفاد فالأسباط، ليبقى الوطن فينا وليبقى هم شعبنا هو همنا. لزوجتي فاطمة ورفيقة دربي (ام همام ) التي خاضت معي غمار التجربة ووعراك الحياة جنبا لجنب دون ملل او كلل او وهن، برقة الأم ومحبة الزوجة وصلابة الثوار.

لأمي وأبي ولأخوتي وأخواتي، الذين ذاقوا الظلم فصدوه، وقسوة الحياة فذللوها، وغدر الزمن فتحدوه، ليبقى ارثهم منارة وبوصلة تهتدي بها اجيالنا القادمة.

لرفاق دربي الذين عملت معهم اشعلنا ساحات النضال ووطيس المعارك في غمار حربنا ضد المحتل وضد الظلم، بنسق الثوار وشجاعة المتحدي ويقين العارف. للذين غادرونا منهم، ولمن ما يزال بيننا. لكل رفيق وكل صديق وكل محب ".

وقد شرفني الصديق والرفيق توفيق حصري بكتابة مقدمة الكتاب، ونوّهت إلى " أنه ليس كتابًا في التاريخ، بل هو صفحات توثيقية وتسجيلية لذكريات وأحداث ووقائع عاشها وعايشها وكان شاهدًا عليها، وكجزء من سيرته الذاتية الحياتية الثرية والمكتنزة بالعطاءات والنضالات والتضحيات الجسام. وهي صفحات جاءت بأسلوب سردي مشوق، ولغة بسيطة وشفافة رشيقة قريبة من الذائقة الشعبية ".

في حين يقول الكاتب والمحلل السياسي عبد اللطيف حصري في تمهيده للكتاب : " لم يتتلمذ أبو همام على طرائق المشايخ والكتّاب أو الثانويات والجامعات، إنما تتلمذ معتمدا على نفسه، فأثرى معارفه بأمهات الكتب، واكمل حسه الطبقي الوطني بالمعرفة الدينية الفقهية كما بالمعرفة النظرية والأدبية. فلا غرابة أن ترتقي نصوصه إلى مصاف العمل الأدبي، وهو الشغوف بالأدب العربي والكتاب. وإذ يضع بين أيدينا تجربته بنص أدبي سلس، فإنه يضعنا كذلك أمام استحقاقات جسام، واعني استحقاق إكمال المسيرة وحفظ الذاكرة والتاريخ، واستحقاق صون الدرب والموقف الوطني الأصيل ".

وعلى الغلاف الأخير للكتاب يقتطف بعض الأبيات الشعرية من قصيدة للشاعر الراحل توفيق زياد " قالوا شيوعيون قلت أجُلَّهم " كعربون محبة وصداقة ورفاق درب، وسجناء ضمير سياسيين عرفوا معًا عذاب وقهر الزنزانة.

ويحتوي الكتاب على فصلين، الأول تحت عنوان " زرعوا فأكلنا "، والثاني " قلبٌ تعمّد باللّظى ". وفيهما يسرد سيرته الشخصية والذاتية، ويستعيد ذكريات وتجارب تاريخية ارتبط بها ارتباطًا مباشرًا، ويتطرق لجذور شجرة العائلة، ويكرس حصة الأسد لرفيقة دربه الراحلة أم الهمّام ولأفراد أسرته، ويستحضر محطات مهمة ومواقف نضالية وكفاحية واحداثًا سياسية، كمظاهرة أول أيار في العام 1958، والاعتقالات التي طالت عددًا واسعًا من رفاق الحزب، ويحدثنا عن تجربة الحزب الشيوعي المحلية والقطرية وعلاقاته وصداقاته الرفاقية ورحلاته لموسكو والقاهرة، وإدارته لمكتب صحيفة " الاتحاد " العريقة بأم الفحم، ويتوقف بالشرح والسرد عند المحاولات الانشقاقية لفرع الحزب بأم الفحم، وينقل تفاصيل الرواية التاريخية الفلسطينية والتجربة الشيوعية في البلاد بكل أمانة وإخلاص.

وفي الكتاب الكثير من الصور الحية والوثائق التاريخية والصحفية التي تدعم وتعزز أقواله وأحاديثه.

أنها سيرة حافلة بالعطاء والتضحية لمناضل عريق نما على دروب الكفاح وتجرع القيم الثورية والاخلاقية والشيوعية الجمالية الإنسانية، فلم يتراجع ولم يسقط كما سقط البعض، بل حافظ وتمسك بالفكر والرؤيا والرؤية، وظل منتصب القامة، مرفوع الهامة، مدافعًا عن الحق، مناصرًا لقضايا شعبه، ومنتصرًا للعمال والمسحوقين والكادحين، رافعًا رايات أول أيار.

إننا إذ نهنئ الصديق الرفيق توفيق حسين حصري بصدور كتابه " قلبٌ تعمَّد باللّظى "، نتمنى له مديد العمر والحياة العريضة المكللة بالصحة والعافية، وبانتظار إصدارات أخرى له، مع خالص تحيات الود والتقدير.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

فلويد والعالم الرقمي1

كيف تزامن مقتل فلويد مع ذروة انتشار فيروس كورونا؟

صدفة مفارقة اطلقت العنان لاحتجاجات وتظاهرات لم نشهدها بهذا الحجم من قبل ضد العنصرية . مرض العنصرية يهمنا جميعا بقدر ما يهمنا مكافحة الفيروس والوباء .

فقد تكفل العالم الرقمي بنقل الاحتجاجات على مقتل الشاب الاسود، واثار التساؤل من جديد كيف ينظر العنصري الى اصحاب البشرة السوداء؟ لان الطريقة اللامبالية والباردة التي قتل بها فلويد عن سبق اصرار ولانه لم يستجب لتوسلات فلويد ويتركه وشأنه فهو لم يرتكب جرما ما ولم يتركه الا بعد ان لفظ انفاسه الاحيرة . 

الانترنيت والعالم الرقمي هما الملتقى الاول 

للمتظاهرين والمحتجين على مقتل فلويد والعنصرية .

وقمت بترجمة هذه كلماته الاخير بأدوات مساعدة كما صاغها "ميك بايللي"  شعرا وسمى القصيدة : "انه وجهي يا رجل" من بين الكلمات التي تلفظ بها فلويد قبل ان يلفظ انفاسه الاخير، وجاءت كالاتي بقلم ميك بايللي :   

"هذه هي الكلمات الأخيرة لجورج فلويد، الرجل البالغ من العمر ٤٦ عاماً والذي مات أثناء عملية اعتقاله، بعدما جثم فوقه أحد عناصر الشرطة واضعاً رجله فوق عنق فلويد لمدة قاربت ٩ دقائق .

"إنه وجهي يا رجل"

 ميك بايللي 

أنا لم أرتكب أي جرم خطير يا رجل

أرجوك

أرجوك

أرجوك لا أستطيع التنفس

أرجوك يا رجل

أرجوكم، اي حد

أرجوك يا رجل

أنا لا أستطيع التنفس

أنا لا أستطيع التنفس

أرجوك

(همهمة غير مفهومة)

يا رجل لا أستطيع التنفس، وجهي

انهض عني فقط

لا أستطيع التنفس

أرجوكم، هناك ركبة فوق عنقي

لا أستطيع التنفس

اللعنة

سأفعل

لا أستطيع التحرك

أمي

أمي

لا أستطيع

ركبتي

عنقي

أنا أمرُّ 

أنا أمرُّ

لدي رهاب الأماكن المغلقة

معدتي تؤلمني

رقبتي تؤلمني

كل شيء يؤلمني

أريد شرب المياه أو شيء أخر

أرجوك

أرجوك

لا أستطيع التنفس

لا تقتلني

سوف يقتلونني، يا رجل

توقف يا رجل

لا أستطيع التنفس

لا أستطيع التنفس

سوف يقتلونني

سوف يقتلونني

لا أستطيع التنفس

لا أستطيع التنفس

أرجوك سيدي

أرجوك

أرجوك

أرجوك، أنا لا أستطيع التنفس"

ثم أغلق جورج فلويد عينيه وتوقف عن التوسل، لتعلن وفاته بعد ذلك بوقت قصير"

يعد ميك بايللي من نشطاء افييز "avaaz" وهو تجمع طوعي من جميع الاجناس ضد العنصرية .

وهكذا اصبحت افييز التجمع الاول عالميا وله مؤيدون من مختلف الاجناس والاعراق في امريكا وخارجها بفضل العالم الرقمي والانترنيت وحصل على ملايين التأييدات والدعم من مختلف دول العالم بجميع اللغات تقريبا ، فلعب الانترنيت والعالم الرقمي دورا فعالا بتقريب وجهات النظر وبتشكل رأي عام دولي غير مسبوق ضد العنصرية .

وهذا لم يكن متاحا بدون تقنيات وادوات عصر المعلوماتية وما افرزه من ادوات تواصل فورية على مواقع التواصل الاجتماعي او خارجها، ولم يكن تجمع افاز الاختياري او الطوعي ليحصل على هذا التأييد الواسع الذي لم ينله اي تجمع اخر من قبل لولا العالم الرقمي الذي اتاحه عصرنا "عصر المعلوماتية" للجميع بطرق استعمال سهلة وقليلة التكاليف .

واتاح لنا التعبير او اعلان موقفنا اتجاه قضية انسانية تهم جميع الاعراق والاجناس بحرية تامة ، بحيث يمكننا اعتباره استفتاء عالميا على قضية انسانية وليس مجرد رأي عام حول قضية عامة ينتهي مفعولها حالما تحل او تحل محلها قضايا اكثر حضورا على الصعيد الوطني او العالمي . ولولا العالم الرقمي وعصر المعلوماتية لما استطاع التجمع ان يثبت حضوره باهم القضايا التي تشغل عصرنا وباء او فيروس كورونا والعنصرية ، التي فجرت الاحتجاجات والتظاهرات ضدها في أمريكا واروربا وغيرها من البلدان والقارات مقتل الشاب الاسود جورج فلويد .

يتبع ..

 

قيس العذاري

30.6.2020

........

هامش

avaaz

 عبارة عن تجمع عشوائي يدافع عن القضايا الانسانية بشكل عام وله نشاطات علنية ضد التمييز العنصري ، وحاز شعاره : "حياة السود مهمة" على تأييد اكثر من  7 ملايين ناشط ضد التمييز

العنصري حول العالم

 

ضياء نافعالزعماء الهنود، الذين اقيمت لهم تماثيل في موسكو هم كل من - المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو وانديرا غاندي . وهكذا اصبحت الهند الدولة الاولى بعدد تماثيل قادتها في العاصمة الروسية موسكو، وهي ظاهرة جديدة وغريبة بالنسبة لمدينة موسكو، ظاهرة تمتلك طبعا اهميتها وقيمتها السياسية قبل كل شئ، واهميتها الثقافية والتاريخية ايضا، وتعني ما تعني في مجال العلاقات الدولية بين الامم، علما انه توجد في العاصمة الروسية تماثيل اخرى لعدد قليل من زعماء العالم المعاصر، لعل ابرزها هو تمثال الرئيس الفرنسي ديغول، والزعيم الفيتنامي هوشي منه، والشخصية البلغارية المشهورة ديمتروف وغيرهم .

التمثال الاول لهؤلاء الزعماء الهنود كان لانديرا غاندي، الذي تمّ تدشينه عام 1987، والتمثال الثاني كان للمهاتما غاندي عام 1988 (وكلاهما كانا قبيل انهيار دولة الاتحاد السوفيتي بقليل)، اما تمثال نهرو، فقد تم تدشينه عام 1996 (اي في روسيا الاتحادية الحديثة)، ونحاول الحديث في مقالتنا  عن هذه الظاهرة، اذ اننا نظن ان الحديث عن هذه النشاطات الفنية والسياسية معا والاستفادة منها ربما سيكون درسا مفيدا لنا – نحن العرب - في مجال العلاقات الدولية وتعزيزها، وما احوجنا فعلا الى الاطلاع على تجارب الشعوب الاخرى في هذا المجال الحيوي والجديد كليّا بالنسبة للعرب (ولا استثناء لنا سوى الشقيقة الكبرى مصر الى حد ما)،هذه التجارب التي تؤكد على ضرورة الحوار الفكري مع العالم بشتّى الوسائل، بما فيها اقامة التماثيل للشخصيات الفكرية الكبيرة، والتي تستحق ذلك بجدارة، ويمكن لنا ان نباهى بها الامم . ان اقامة التماثيل في العلاقات بين الدول لا تكلّف مبالغ طائلة ولا جهودا استثنائية كبيرة، ولكن هذه الظاهرة تمتلك تأثيرها الايجابي الهائل في تعزيز اواصر العلاقات الدولية، والتي تنعكس على طبيعة تلك العلاقات لاحقا .

الملاحظة الاساسية هنا، ان تماثيل زعماء الهند هذه تحققت في فترة اقتراب انهيار دولة الاتحاد السوفيتي، والذي حدث – كما هو معروف – عام 1991، وهذه الملاحظة تعني، ان العقلية السوفيتية الصارمة، والتي كانت سائدة منذ تأسيس هذه الدولة عام 1917، وعبر الفترة الستالينية بما فيها مرحلة الحرب العالمية الثانية، وما اعقبها من تحولات جذرية في بنية النظام السوفيتي، قد بدأت (اي العقلية الصارمة تلك) بالانحسار تدريجيا وببطء شديد، اذ لم يكن ذلك ممكنا ابدا في مسيرة هذه الدولة منذ بدايتها وعبر سنوات تبلورها وجبروتها، ولكن اصبح ممكنا في مرحلة انحسارها واقترابها من انهيارها، وهذه ظاهرة تستحق التأمّل العميق ودراسة اسبابها بلا شك، وقد استمعت الى آراء متعددة بشأن هذه الظاهرة، اذ حاول البعض تبريرها، وذلك بالاشارة الى الظروف غير الاعتيادية والمعقدة والصعبة جدا، التي مرّت بها دولة الاتحاد السوفيتي منذ تأسيسها وعبر كل تلك الاحداث التي عانت منها، وهو رأي سليم بلا شك، اذ ان هذه الدولة عانت معاناة مريرة فعلا نتيجة تلك الظروف الاستثنائية التي رافقت مسيرتها، الا ان البعض الآخر ربط ذلك بطبيعة الايديولوجية المتزمتة والمغلقة وجمودها  العقائدي، هذه الايديولوجية التي كانت سائدة – وبقوة - طوال تلك الفترة . وتلخيصا للموضوع، فانه يمكن القول، ان كل تلك الآراء صحيحة بشكل او بآخر ولا تتناقض مع بعضها، اذ انها كانت ترتبط قلبا وقالبا مع الواقع السوفيتي فعلا، وفي كل الاحوال، فان اقامة تماثيل لزعماء اجانب في العاصمة الروسية دليل حياتي ومادي ملموس وساطع، ويعكس الواقع الفكري الذي كان سائدا – وبكل أبعاده - في تلك الدولة الفريدة في التاريخ الانساني .

التمثال الاول في هذه السلسلة للزعماء الهنود هو لانديرا غاندي، كما ذكرنا . كانت انديرا غاندي مشهورة جدا في الاتحاد السوفيتي،  وقد منحتها جامعة موسكو لقب بروفيسور شرف (وهي حالة نادرة في تاريخها) . وعندما تمّ اغتيال انديرا غاندي عام 1984، قررت الحكومة السوفيتية تسمية ساحة في موسكو باسمها تقديرا لجهودها في تعزيز العلاقات السوفيتية – الهندية، وفي هذه الساحة تمّ تدشين تمثالها عام 1987 . التمثال الثاني كان للمهاتما غاندي، وهو هدية من الحكومة الهندية والشعب الهندي الى العاصمة موسكو، وقد تمّ تدشينه في مكان ليس ببعيد عن تمثال انديرا غاندي، اما التمثال الثالث فهو لنهرو، والذي افتتح عام 1996 .

ان المدينة التي تضم تماثيل لشخصيات اجنبية تعني، انها مدينة عملاقة وتمتلك اهمية عالمية، وموسكو طبعا هي واحدة من هذه المدن، اذ توجد فيها العديد من تماثيل المفكرين الاجانب من الادباء والفنانين والعلماء وغيرهم، ولكننا تحدثنا هنا عن الشخصيات السياسية الاجنبية بالذات، وعلى الرغم من ان اعداد هذه التماثيل لازالت محدودة فيها، الا ان موسكو بلا شك تعدّ الان واحدة من تلك المدن الكبرى ذات  الاهمية العالمية .....

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

في الأول من يوليو "تموز" من كل عام تحتفل كندا بأهم أيامها والذي يعتبر بمثابة ميلاد رسمي لها، فهو التاريخ الذي أعلن فيه عام ١٨٦٧ قانون لتوحيد مقاطعات كندا بعد أن كانت تحت السيطرة الفرنسية والبريطانية .

تتنوع مظاهر الاحتفال في هذا اليوم بين العروض العسكرية، الحفلات الموسيقية، رفع الأعلام، عروض الضوء المتناثرة والألعاب النارية، ويشارك الجميع فرحهم في الشوارع، وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام، في جميع المؤسسات داخل وخارج كندا ..

في الطرف الآخر من كندا، وفي العراق تحديدا، تشعل أعداد هائلة من الشموع، لأن الكثير من أهالي العراق "الآباء والأجداد" يتشاركون بالتاريخ ذاته على اختلاف السنة في شهادات الميلاد، ليصبح اليوم الرسمي لميلادهم "غير الحقيقي"، ويعود السبب في ذلك إلى أن غالبية الأهل قبل عام ١٩٥٧، لم يكونوا يكترثون بتسجيل أبنائهم في وقت ولادتهم، ويتركون ذلك لحين استحقاق تسجيل الأبناء في المدارس أو حتى عمر التجنيد الإلزامي، ليتم تسجيل الأبناء في العام الذي يتذكره ذووهم والذي غالبا ما يرتبط بحدث بارز في ذلك الوقت ..

النفس البشرية التي تتميز بحبها للتفرد في كل الأمور، بدء من تاريخ يوم الميلاد، إلى سلسلة من التواريخ التي توثقها الذاكرة، وأخرى يتم اختيارها لتميزها لتحفظ حدثا مهما كالزواج مثلا، قد فقدت تفردها الشخصي، لكنها وهبت الشعب العراقي تفردا جماعيا يميزه عن باقي الشعوب، ففي هذا اليوم تحتفل معظم العوائل العراقية بميلاد أحد الوالدين أو الجدين، بتناغم تام لا تطاله طائفية من أي نوع كان ..

ولو تخيلنا لو أن الكهرباء الدائمة الانقطاع منذ أعوام طويلة، قد تم قطعها في هذا اليوم بالذات، لأضاءت بيوت العراق بشموعها المتوحدة كسماء تتزين بنجومها المضيئة بتوهج جميل وبصوت واحد يصل إلى ذروة الجمال والتفرد يغني الجميع بسعادة وفرح، وتنفخ الشموع لإطفائها ليهب نسيما عذبا من المشاعر المنسابة حبا وتقديرا لأرواح تعيش معنا بتميز منقطع النظير ..

هكذا هي الحياة تجمع المتباعدون والمتناقضون دون أن يشعروا، فبينما يحتفل الكنديون بيوم كندا ليوحدوا معايداتهم ب "هابي كندا داي"، هناك في العراق وفي بيوت عراقية متفرقة في دول العالم المختلفة، عائلات كثيرة تطفئ شموع أحبابها بالكثير من القبل؛ الفرح والدعوات التي لا تنقطع وب "كل عام وأنت بخير بابا / ماما / جدو / أو بيبي"

 

د. فرح الخاصكي

 

عقيل العبودليس من السهولة الخوض في مناقشة حقيقة الجمال من حيث السلب، أوالإيجاب، كونه مقولة فلسفية ذات معنى عميق ودقيق بكل تفاصيله وجزئياته.

فهو الفن بكل أشكاله، وهو المضمون الحقيقي للموضوعات، والصور، والأشياء، والأشكال، بجميع مسمياتها، وتجسداتها.

وهو الطبيعة، وتناسق الألوان، والموسيقى، والتجرد، والإمتلاء، وهو الصمت، والكلام، هو الفيزياء، والكيمياء، هو الضوء، والظلام بناء على تجاذب الموضوعات وتنافراتها، توافقاتها واختلافاتها، تشابهها وتناقضاتها.

هو الخريف، وشقاء الأشجار، تلك التي يتم انتزاع صورتها الخضراء اليانعة في فصل ينتابه البرد والذبول، هو الصبر في قامات النخيل، والصمت في إرتفاع القمم، هو الحياء والضمير، هو الزرقة تلك التي تتسق فضاءاتها في محيطات ذلك الإتساع، لتنبعث على شاكلة هذا النوع من السريان.

هو الفيض المعرفي، والحكمة، وهو ما تم البحث عنه في تلك الملاحم التي ألهمت أولئك القراء لغة المواجهة، فهو الإلياذة، والانيادة، وهو تلك الآثار التي بقيت بصماتها خالدة تحكي للآخرين قصصاً عن الأبطال، والأنبياء والعظماء، والحكماء.

هو التاريخ الذي يبحث في البقاء والفناء، والعفة والزهد، هو تلك الروعة التي علمتنا إياها ملحمة الخلود، في تضحية ابي الفضل العباس (ع) لنصرة أخيه الحسين (ع).

هي الفقر عندما يشهر سيف التحدي وفقا لمبادئ العدالة، هو فن الحرب، والقضاء.

هو قدرة الله التي أودعها في تلك الأصناف من المخلوقات، لنفهم منها لغة التنوع في اللغات، والتعبير.

وخلاصة ما تقدم، فإن الجمال مقولة تنبت في الحس والضمير، نشعر بها، ونحن نخوض تجربة الحياة، فهي صورة مبرمجة وفقا لمفردات التفاعل الوجداني مع الأشياء، والموضوعات، وهي الحب والمقياس لنبذ القبح والظلم والكراهية.

هي المنبت والجذر الأخلاقي لمقولة الذات، وهي عملية إختزال مفردات الواقع المادي في جوهر الحقيقة اللامادية للروح، هي البوصلة والمفتاح لطبيعة الحكم، والأحكام.

وهذه الأحكام لكي تثبت جدارتها في الروعة والرقي، تراها تفرض على العقل الإنساني حكما بتحقيق الوصول الى العلم المستفيض، كما تفرض على الروح الوصول الى أعلى درجات الطهارة، والنقاء.

فالحكيم لكي يكون كذلك، عليه ان يتخلى عن شروط تلك الإملاءات التي تجتاح ذاته، متجاوزا إياها، أملا بتحقيق ما يصبو إليه الاخرون.

لذلك ردا على ما يبثه الإعلام الساذج في ما يتعلق باختيار ملكات الجمال تارة، أو بترويج ما يسمى بمراكز التجميل تارة اخرى، أقول ليس الجمال هو هذا الشكل الصوري الذي نراه في عيون هذه وتلك من الحاضرات، إنما الجمال هو حقيقة الذات الاخلاقية والحسية، فهو مفردة من مفردات الوعي، والحس، والوجدان.

 

عقيل العبود

ماجستير فلسفة وعلم الأديان/ جامعة سان دييغو باحث اجتماعي

 

 

شاكر فريد حسنما يميز القصة القصيرة أنها تقرأ في جلسة واحدة، بعكس القصة الطويلة والرواية، فهي مقتضبة وموجزة ومكثفة، ووصف الاحداث فيها قليل، ومبنية حول شخصية أو مكان أو فكرة تترك انطباعًا وأثرًا في نفس القارئ، سواء إيجابيًا أو سلبيًا.

وكتابة القصة فن أصعب من كتابة القصيدة والشعر. وفي السنوات الأخيرة نشهد تراجعًا في مجال القصة القصيرة، والكثير من الكتاب المكرسين في عالم الأدب والإبداع القصصي اتجهوا لكتابة الرواية، لأنها اكثر رواجًا لدى الناشرين والقراء على حد سواء.

وفي الوقت نفسه نشهد محاولات لكتاب جدد ضمن ما يسمى بالقصة القصيرة جدًا، قصة الومضة، ونشرها في المواقع الالكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي، ولكن الغالبية منها لا ترتقي للمستوى المطلوب، وتفتقر للعمق وغير جديرة أن نطلق عليها قصصًا قصيرة.

ولكي تحظى القصة القصيرة جدًا/ الومضة، الاعتراف والاستقلال الكامل كغيرها من الألوان الأدبية السردية الاخرى، وكي يكتب لها النجاح والحياة والمستقبل، فيجب أن تتوالى التجارب الناضجة والنماذج الجيدة، فضلًا عن النقد الذي يدرسها بجدية.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

عقيل العبودفي الليل حيث تنكمش مظاهر الحركة، ويدبُّ السكون، تتحول حرارة الصيف الى برد خفيف، بينما حالة من الإسترخاء تنساب خلال جسده المتعب، خاصة بعد ان يهدأ الشارع من الزحام، حيث بعد ساعات من التجوال طويلة، وعند تلك البقعة من الأرض تحديداً، إعتاد الرجل أن يفترش تلك الأغطية مع بعض أسمال أجهدها النحول ذلك بحثا عن فضاء به يستطيع ان يحقق قدراً من النوم.

الزاوية الحادة من الرصيف تلك التي تقبع عند نتوءات الجذور النابتة للشجرة الضخمة بجانب البناء المخصص لدورة المياه، هي ذات البقعة التي يأوي اليها، وها هي جولته الثانية من الحياة كانت قد ابتدأت بعد ساعات من الغروب انقضت، وتلك سيجارته التي راحت تفرض أنفاسها وفقاً لتقاليد كوب من القهوة العائدة الى احدى المقاهي العائمة عند ضفاف ذلك المكان، مع شعور بالسكينة والإطمئنان.

هنالك على وسادة داكنة، دبيب النهار بساعاته الطويلة، كأنما ينهض بحلةٍ جديدة، ليعود الى تفاصيل أشواطه السمعية والحسية، ثم يمضي لتطوف فضاءاته في مخيلة لم تكن تنفض غبار همومها كما تلك الثياب.

ذلك الرجل، مشاعره كما تلك الأجواء، تنبسط ثم تنقبض، لتبتدئ من الداخل، وهنالك ثمة شئ، شئ من قبيل قوة خفية تجتاح كيانه، جميع جوارحه، تحلق به كما النوارس بعيداً عن الضجيج، بعيداً عن البؤس، بعيداً عن جميع تفاصيل المشهد.

ولكن ورغم ابتعاد تلك التفاصيل، حكاية الصباح باقية تطرز تلك المساحة من الأمل؛ هدوء شفيف، يفتح بواباته كما رقة الفراشات، وحفيف الأغصان الممتزج بأنغام ذلك السريان من الطبيعة، بينما عند المنتصف يفرض النهار هيبته بطريقة تكاد ان تكون أكثر حزماً ذلك لمداولة الحركة، خاصة مع تلك الأمكنة، حيث يكتظ الآخرون بحثا عن فسحة من المتعة والاسترخاء.

أما ذلك الإمتداد المنبسط من العشب فقد اتخذ من السكون وسادة لجسدٍ أعيتهُ التفاصيل، لذلك كأنما مؤازرةً استرخى هو الآخر أملاً بسرد مشاهد، أحداثها ما فتئت تتعكز في محيط واقع عكر- لقد بقي حضوره على شاكلة بساط تعلو وسادته خضرة يعانقها فضاء يسعى لأن يستمد جماله المتوقد خلال شاطئ، قررت ضفافه ان تنسحب إستجابةً لشروط قوافل من الأمواج محكومة بقانون المد والجزر.

هي بقعة ترسو في مرافئها مجموعة من السفن القديمة، والزوارق المتفاوتة في أحجامها، تلك التي لا يحدها الا هواء البحر العليل، ليمنحها بهجة تتناغم وذلك النسيم الذي يحمل بين أنفاسه طعم السمك العالق بسنارات الصيادين.

بينما يزاول المارة حركتهم المعتادة عند ضفاف تلك الزرقة المطلة على الساحل كما اعتادوا كل يوم، حيث يرسم العشاق قبلاتهم دون تردد.

وهنالك حيث تعانق السماء إطلالة غيوم رمادية، الطائرات الورقية ينتشر بعضها بطريقة متجاورة لتستهوي رغبات أصحابها، بينما أصوات النوارس تمضي متناغمة مع سريان تلك التموجات التي اعتادت ان تُعَبّر عن أتعابها المكسوة بالرغوة البيضاء، لتحط بتثاقل عند حافات الشاطئ بينما دبيب اللون يتحد مع فصول المشهد القريب، ليرسم سيناريوهات لا تحتاج الى متمرس في الفن. هنا حيث تتعانق الأمكنة، الأحداث تسير وفقاً لمشيئة الزمن.

فعلى ذات الضفة، رجل اطلق العنان لذقنه ليبقى هكذا منشغلا مع أوتار قيثاره العجوز عند أطلالة قطعة قماش يضع الجمهور فوقها وريقات من النقد إعجاباً بأنغامه المتمرسة.

 

أما تلك المساحة من المكان، فقد أطلقت العنان لنفسها أسوة برحلة النوارس، وأصواتها المودعة محتفيةً بآخر ما تبقى من دقات قلب بقي يخفق بشدة هائلة، كأنما إستجابة لفرحة مفاجئة، ليطلق العنان لنفسه بعد حين مودعاً أنباء آخر سفينة مسافرة.

 

عقيل العبود

 

تحليل الاحصائيات

 قلة في عصرنا من يقرأ رواية من 500 صفحة او اكثر، سوى نفر قليل من المتخصصين والمعنيين، الكاتب لا شك لم يكتب روايته لهؤلاء، وانما للقراء او فئات واسعة من القراء، اما المتخصصون فهم تحصيل حاصل، وهدفه الحقيقي الوصول الى اكبر عدد ممكن من القراء، باكثر من لغة بواسطة ترجمة عمله او توسيع انتشاره. فهل توجد هذه النوعية من القراء في عصرنا، عصر المعلوماتية؟ وان وجدوا فاعدادهم لا تتجاور خانة المئات، وفي النتيجة تذهب جهود الكاتب سدى. اولا يتمكن من الوصول لمبتغاه رغم ما بذله من جهود استثنائية انتجت عملا ضخما ومهما، ولكن في الواقع بدون قراء او قراء لا يتجاوز عددهم عدد صفحات الرواية.

تبدل كل شيء في عصرنا، عصر المعلوماتية وسرعة تداول الاخبار والمعلومات وانتشارها لم تترك مجالا للقراء او الوقت الكافي لقراءة اعمال ضخمة تتطلب جهدا ووقتا، بينما يمكنه ان يجد ما يحتاجه من اخبار ومعلومات ومصادر بجميع التخصصات خلال ثوان معدودة، ثم لا تتجاوز اعمال القراءة ان كان من هواة القراءة المتعة او قضاء الوقت او التسلية والفائدة باحسن الاحوال.

وفي احصائيات تكررت باشكال واساليب مختلفة، تفوق ما يقرأه الفرد من رسائل نصية تصله على الموبايل بطريقة عشوائية على ما يقرأه من كتب ومجلات وجرائد! ولكن الحقيقة ان عدد القراء تضاعف على الانترنيت.

وبعض احصائيات تشير الى ان الفرد يقضي وقتا اطول مع الموبايل والكمبيوتر واللوحي في قراءة الرسائل النصية والاخبار والجرائد والمجلات والبحث عن المعلومات وسواها اكثر من قضاء الوقت باي نشاطات اخرى،

وهذه من السمات او الحقائق الجديدة التي اوجدها عالمنا المعاصر عصر المعلوماتية.

اصبحت فيه قراءة الكتب مسألة ثانوية او ليست اولوية لدى مختلف شرائح المجتمع، ومنهم الطلاب والدارسون، فبدلا من الذهاب الى المكتبات العامة والخاصة واسواق الكتب، يلجؤون الى المواقع الرقمية للحصول على الكتب والمصادر والمعلومات بشتى انواع التخصصات العلمية والفنية والادبية، وتزداد متابعاتهم للصحف والمجلات على العالم الرقمي الذي توفره مواقع الصحف والمجلات على الانترنيت بدلا من اقنائها او شرائها كما كان يحدث في الماضي.

 ومع ذلك هذه القراءات ليست اولوية او تدخل في باب ازجاء الوقت والمتعة والتسلية، حسب هذه الاستطلاعات والاحصائيات، اوابراز خصائص عصرنا الجديد عصر المعلومات والاتصالات الفورية التي تشكل ركائز هذا العالم بوسائله واساليبه التي غيرت نمط حياتنا وتفكيرنا دون ان نشعر او نتلمس تلك التغيرات بشكل واضح، ويمكننا كمثال ان نفرز تلك التطورات، وما احدثته من تغيير في اساليب العمل والادارة والمراسلات ونمط التفكير وطرائق حصولنا على الاخبار والمعلومات.

لا يمكن في كل الاحوال، الجزم بصحة هذه الاحصائيات رغم واقعيتها، فهنالك احصائيات في المقابل تشير الى ان عادات القراءة رغم هذه التطورات السريعة، لم تتغير وبعيدة عن التأثر بهذه التغيرات، لتصل الى درجة تفوق العالم الرقمي على ما عداه من وسائل الحصول على المعلومات والاخبار والمصادر، بل بالعكس سهل العالم الرقمي وسائل البحث وسرعة الحصول علي المعلومات الاخبار بما لا يقاس باستخدام الوسائل القديمة، اي انه عمل بشكل ايجابي على نشر وتوسيع دائرة القراءة والحصول على المعلومات بمختلف التخصصات بوقت قياسي مقارنة بالوسائل القديمة. وكمثال عدد قراء الجرائد والمجلات والكتب ومقتني المصادر التخصصية من الطلاب والدارسين، لم ينخفض بل ارتفع، ولكن وسائل او طرق الحصول على محتويات الجرائد والمجلات والكتب والمصادر او طرق واساليب قراءتها تغيرت.

وتتوصل بعض الدراسات من خلال احصائياتها الى ان هذه الوسائل تكمل بعضها بعض، ولا توجد كفة مرجحة سواء بالنسبة لاعداد القراء التي ادعت بانهم في تزايد او في الوسائل المتبعة في القراءة بين العالم الرقمي عبر الانترنيت او من خلال اقتناء الصحف والمجلات والكتب والمصادر بشتى الاختصاصات العلمية والادبية.

اما قراء المؤلفات الضخمة ادعت ان نسب القراءة لهذه المؤلفات لم تتغير او يؤثر عليها عصر المعلوماتية بل زادت او ارتفعت من خلالها نسبة قراءة مثل هذه الاعمال والمؤلفات التي يصل عدد صفحات بعضها 700 او 900 صفحة، بل ان عصر المعلوماتية سهل الوصول اليها او قراءتها عبر الانترنيت، فبدلا من اقتنائها صار من الممكن الوصول اليها او الحصول عليها او قراءتها وتصفحها على الشبكة العنكبوتية خلال فترة زمنية  قصيرة دون عناء او جهد كبير.

ليس لدينا في كل الاحوال ما يؤكد دقة هذه الدراسات و الاحصائيات بشكل خاص. لكن يمكننا الجزم ان هناك عصر تشكل واصبح واضحا تغلغل بجميع شؤون حياتنا اسمه: "عصر المعلوماتية"، فرض علينا طرقا جديدة في اساليب العمل والادارة والمراسلات وطرق واساليب الحصول على المعلومات والمراجع والمصادر، اضافة الى ما وفرته مواقع التواصل المرتبطة به او التي تشكل احدى نتائجه الحقيقية او الملموسة، وفرت لنا وسائل مجانية وسريعة الانتشار للتعبير عن الرأي وتبادل المعلومات والاخبار باستخدام تقنيات كانت بيد من يملكون السلطة والمال فقط، بوسائل تقنية عالية الجودة، وتحتوي على جميع المؤثرات الاعلامية المقروءة والمرئية والمسموعة بجميع اللغات.

وهناك اضافة جديدة من بين اهم ما افرزته تقنياته المغايرة والفورية، ارتفاع عدد المساهمين بصياغة الرأي العام حول مختلف القضايا السياسية والثقافية حول العالم، سواء القضايا الوطنية او الدولية بمشاركات غير مسبوقة تصل الى ملايين وعشرات الملايين مشاركة أحيانا، وهذه الميزة لا يمكن ان تتحقق بوسائل او عصر الاتصالات والتقنيات القديمة.

في الحقيقة يصعب احيانا تصديق كل ما توصلت اليه ان عصر المعلوماتية ازدادت فيه قراءة الكتب والمؤلفات الضخمة والطويلة لسرعته ودقة وسائل اتصالاته الفورية، التي تختصر الزمن او تختزله الى ابعد الحدود بحيث يصعب تصور وجود قراء لمثل تلك الاعمال الضخمة والطويلة مهما كانت درجة اهميتها خاصة من الاجيال الجديدة، او تظل في دائرة المختصين والمعنيين، دون ان تثير اهتمام القاريء، ولانه ان مثل هذه الاعمال لا تدخل في باب الترفيه او التسلية، وتتطلب المزيد من الوقت والجهد لفهمها او التفاعل معها. قد نجد بعض الاستثناءات، لكننا نقصد القراءة العمومية التي تمثل مختلف فئات او شرائح المجتمع على اختلاف المستويات السياسية والثقافية، اضافة الى ان من سمات عصرنا، عصر المعلوماتية انه يميل الى اختزال الزمن او اختصاره، الذي تعودت عليه الاجيال الجديدة من خلال ارتيادها مواقع التواصل الاجتماعي، وبحثها الدائم عن الاخبار والمعلومات والمصادر في الشبكة العنكبوتية.

لكننا نؤيد هذه الدراسات والاحصائيات الى ان عدد القراء ازداد او في تزايد وليس العكس، ولكن اختلفت او تنوعت اهتماماته وقراءاته، واصبحت اكثر تخصصا ونوعية من السابق اي قبل عصر المعلوماتية، الذي تغلغل في جميع شؤون حياتنا، وهناك من يسميه عصر "الالكترون" ولكن في الحقيقة هذه التسمية الوجه الاخر لعصر المعلوماتية التي تشكل الوسائل الالكترونية بمختلف استعمالاتها هيكله الاساس وقدرته على الوصول الى الجميع بطرق غير معقدة وسهلة وبتكلفة مالية قليلة، مقارنة بالوسائل القديمة او عصر ما قبل الالكترون او المعلوماتية. والتسمية الاخيرة الاكثر تداولا في الدراسات حول عالمنا الجديد المسمى عصر المعلوماتية، وافاقه غير المحدودة التي نتجت عنها الاتصالات الفورية، وسهولة الحصول على المعلومات والمصادر.

لاشك هناك بعض الكتب تتجاوز عدد صفحاتها 900 صفحة واكثر او مؤلفة من عدة اجزاء وبعضها عبارة عن سلسلة مجلدات تخصصية، معلوم ان مثل هذه الكتب والمجلدات خارج اطار هذه الاحصائيات لانها تهم فئة محددة من الاختصاصيين ولا تهم عامة القراء او لا تدخل في اطار القراءة العامة غير المتخصصة، وعدد قرائها محدود . مع ملاحظة ان هذه الاحصائيات رغم اعتمادها على بيانات علمية وبحثية نسبة الخطأ فيها ضئيلة جدا، الا انها متغيرة نتيجة للتطورات السريعة في عالمنا المليء بالابتكارات الجديدة والاضافات الجديدة التي نصحو عليها كل يوم، ويكاد لا يمر الوقت دون ان نسمع عن ابتكارات جديدة تحمل خصائص وانماطا جديدة بمختلف الاستعمالات، وهذه جمعيها تؤثر بشكل غير مرئي بسلوكنا وعاداتنا دون ان نشعر بها احيانا، وتبعا لذلك تتغير عادات القراءة، ورغم نسبة الخطأ الضئيلة بهذه الاحصائيات بما فيها التي تعتمد على البحوث والبيانات العلمية والدراسات بمختلف الاختصاصات، مطلقة او صحيحة بالمطلق، نتيجة لهذه التطورات والمتغيرات منذ بدء عصر المعلوماتية .

ونجهل كذلك ان كان الوباء او فيروس "كورونا" قد غير عاداتنا بالقراءة كذلك ام لا؟ وما اعلنته مواقع التواصل الاجتماعي كفيس بوك وتويتر ان ارباحها تضاعفت مقابل خسائر قليلة مقارنة بالارباح خلال الازمة التي احدثها الوباء او الفيروس!

يعني ان القراءة وارتياد المواقع على الانترنيت تضاعفت ولا شك وتضاعفت معها اعداد المشاركين واعداد الرسائل النصية على الهواتف سواء كانت نشرات طبية او اخبارية او ثقافية ومع ذلك لم تتبلور الملامح المحددة او الاحصائيات التي تشير الى تغيرات جذرية مختلفة، وستاخذ بعض الوقت لمعرفة حجم التغييرات التي احدثها الوباء وما هي اهم التغيرات التي حدثت سواء على مستوى القراءة او الوسائل والوسائط المستخدمة في القراءة وما هي النسبة الحقيقية لقراء الرواية قبل وبعد انتشار فيروس كورونا؟ الذي ادى الى حبس اكثر من نصف سكان الكرة الارضية في بيوتهم، واصبح الانترنيت والموبايل الوسائل الوحيدة والاولى للاتصال اومتابعة التطورات الجديدة من خلالهما باكثر البلدان التي عانت من انتشار الفيروس على نطاق واسع ومؤثر .

يتبع ..

 

قيس العذاري

.................... 

مصادر

تويتر فيس بوك/ احصائيات حول السوشيال ميديا

/ تقرير واحصائيات مجموعة "دراسة سوق الكتب" بي اي س جي

 

 

سمير محمد ايوبأُسودُ رام الله الخمسة– رحيل من الشرق الى الغرب

قبل أيامٍ، كنتُ في رحابِ قلعة الكرك، ومُضيفِيَّ يحدثوني باعتزار عن ميشع الملك المؤابي العظيم، وعن نائب القدس ابن الكرك العظيم، المرحوم باذن الله الدكتور يعقوب زيّادين . وانتبهوا الى شرودي والغيم المتوهج في عينيَّ . فربت شيخهم على كتفي باخوة غامرة، وبقلق سألني: إلى أين وصلت غزلانك؟ أوصلت خليل الرحمن وعنبها وملبنها ودبسها؟!

قلت وانا اعانق تنهيدة تتمطى في صدري المشبع بنسائم الجنوب: يا ريت يا صديقي، فالخليل مدينة الجبارين، والكرم الذي لا يبات في ظله جائع .

قالت كبرى بنات صديقي بحيرة مرحة: إذن الى اين وصلت يا عم؟!

قلت وأنا انقل بصري في وجوههم، وفؤادي غربا وفي كل مكان: إلى دوار المنارة وسط رام الله .

بدأ الرسام الشاب ابن صديقي، يترنم وعلامات الدهشة على وجهه: وين !! ع رام الله، ما تخاف من الله يا شيخنا !

قلت: أتدرون يا اخوتي، أن هذه الاغنية أردنية من الأرشيف الذهبي، للزمن الاردني الفلسطيني .عنوان لمحنتي الغربة والهوية لعرب فلسطين، في وطنهم وفي منافيهم !!!

سارعت السيدة الفاضلة حرم صديقي، تقول وهي اعلامية متقاعدة: نعم صدقت . فقد كانت من أبرز اعمال  الإذاعة الأردنية عام 1959 . شاعت كثيرا حين افتتح المرحوم الملك حسين، منشأة جديدة في الاذاعة الاردنية، التي كانت غداة نكبة 1948 تبث برامجها من رام الله . ودشن المرحوم معها العمل في مبنى الاذاعة في منطقة ام الحيران في عمان . وفيما اذكر أن كلمات هذه الاغنية، قد كتبها رشيد زيد الكيلاني، بطلب من مدير الاذاعة المرحوم عبد المنعم الرفاعي – رئيس الوزراء فيما بعد . ولحنها جميل العاص، وغنتها سنديانة الاغنية الاردنية سلوى العاص (نوال العجاوي) . 

وتابعت السيدة تقول: وأذكر حين كتبها الكيلاني، استعذب كلمات تراثية، تحكي حوارا بين أب يتحسر على رحيل ولده، الباحث عن الرزق وهو يسأله: ولفي يا مسافر، وين ع باب الله؟! تاركني ورايح، ما تخاف من الله !!! ولأن رام الله كانت في حينها، مصيفا لإخوة الضفتين، طلب المرحوم ابن الكرك هزاع المجالي، تعديل العنوان من " وين ع باب الله "، الى  " وين ع رام الله " . فصارت من حينها: إنت يا مسافر، وين ع رام الله؟ ما   تخاف من الله، خذيت قليبي، وما تخاف من الله !!! ومن حينها، تجاوز صدى هذه الكلمات عمّان ورام الله . وباتت روحها التي لم  تتغير، ثيمة خالدة للوجع الفلسطيني في كل بقاع الأرض . فهو وجع مشحون بكل معاني الفقد والحنين والامل .

قلت وانا سعيد بما سمعت: وين ع رام الله يا سيدتي: باتت ايقونة خالدة، لم يملها الناس ولن، رغم أنها قد ولدت، قبل اكثر من نصف قرن  من الان . وتابعت قائلا: وهناك في بعيد الزمان، قدمت الكرك ايضا لفلسطين، الكثير من قلبها وعنفوانه . أنصت جميع من كانوا معنا، وجلهم من منطقة الكرك، وعيونهم تترقب سماع المزيد .  

فقلت متابعا بفرح: رام الله كما تعلمون مدينة عربية فلسطينية، إلى الشمال من القدس . تطل غربا على  الساحل الفلسطيني الذي لا يبعد عنها اكثر من 45 كلم . تغيرت أهمية المدينة من عصر الى آخر . وهي تحتل الان مركزا سياسيا، يجعلها من اهم مدن فلسطين، بعد ان اتخذ الاسلويون منها، عاصمة ادارية وثقافية مؤقتة لهم . 

رام الله كلمة كنعانية تعني المنطقة المرتفعة . تضاربت الأقوال حول تسميتها . إلا أن الثابت تاريخيا، أنها أسست على يد الشيخ راشد الحدادين، أحد مشايخ العشائر العربية في الكرك . الذي قرر إثر خلافات عشائرية في القرن السادس عشر، الجلو عن موطنه غربا . دخل على أهل البيرة، فرحبوا به . وأشارو عليه بخربة حرجية مجاورة لهم اسمها رام الله، لتكون موطنه . اشترى الشيخ راشد الخربة من عائلات البيرة القدامى، دون أن يعلم أنه كان يؤسس لمدينة سيكون لها دورا هاما في تاريخ الفلسطينيين . 

ولكن الشيخ الحدادين، الذي نجح في موطنه الجديد، لم يفارقه الحنين لمسقط رأسه، فقرر العودة إلى الكرك . تاركا وراءه  أبناءه الخمسة وهم: صبرة، وإبراهيم، وجريس، وشقير، وحسان . أجداد العائلات المعروفة بأسماء: آل يوسف، وآل عواد، وآل الشقرة، وآل الجغب، وآل عزوز .

تنتصب الآن في مستديرة المنارة، وسط مدينة رام الله، خمسة تماثيل من الأسود، ترمز لأبناء الشيخ راشد الحدادين . وتجسد تاريخ المدينة وأصول عائلاتها .

هناك مطالبة حثيثة الآن، لتشييد نصب تذكاري يليق بمؤسس المدينة . تكريما له ولتعريف الأجيال المعاصرة والقادمة، بفضله في تأسيس مدينة الحكايات والنضال المتصل، حول ضفتي نهر الاردن، من اجل تحرير كل حبة تراب في فلسطين .

 

كتب الدكتور سمير محمد ايوب - الاردن

 

شاكر فريد حسنعرفنا الصديقة ابنة الناصرة زينة فاهوم ككاتبة للأطفال، وكان قد صدر لها في هذا المجال ثلاث مجموعات قصصية وهي: الظبي المسحور و النعجة والحذاء و اليعاقيب . ورغم معرفتي وصداقتي بزينة إلا أنني لم أعرف من قبل أنها تكتب الشعر المنثور، وقد تفاجأت عندما قرات نصها الموسوم الالم بلغته المنشور في موقع صحيفة رأي اليوم التي تصدر في لندن، ويشرف عليه مؤسسه الصحافي والمحلل السياسي البارز عبد الباري عطوان.

فقد شدني النص بمضمونه وأسلوبه ورقة حروفه وصوره الأنيقة. ففيه ألم ووجع وحزن وشجن ووجد ومقاومة، ونجدها تقاوم الالم بالذكريات، بالرؤى، بالمناجاة، بالخيالات، وبقصيدة عشق لم يعهدها الزمان. ولنقرأ ما كتبته اناملها وجادت به روحها واحساسها الداخلي بكل صدق وعفوية وتلقائية وشفافية جمالية محببة :

قاوم الالم بالذكريات

بالرؤى بالمناجاة والخيالات

بقصيدة عشق لم يعهدها الزمان

اطهّر جروحي بظلال الشمس القرمزية،

واعلل نفسي بآمال واوهام سرمدية

امتطي الريح.. اطوي المسافات

اخترق جدار الاحزان واذهب الى صومعتي..

الى المكان.. حيث انصهار الروح و.. انعتاق الوجد كان

اسأل الفراشات هل من قادم زار المكان؟

وهل الدحنون وشى للحوَر اسرار اللقاء؟

وهل الطير شدا لحن الفراق؟

لصدى صوته المخمليّ ترددٌ وانعكاسات..

وهمس خطواته تزلزلني وتفقدني الاتزان..

ومرادفات العشق حيرى مبعثرة على كل جدار

جديلتي على كتفي وجهي الحريري

يتوقان لراحتيه لانعكاس الضوء في عينيه

لطيفه المسافر.. لابتسامة وجنتيه،

اصحو.. اجرجر جسدي المتهالك

ليتعتق الحزن ويصبح نبيذ وحدتي..

توارى القمر بضوئه الشاحب خلف الضباب..

اعتليت حصاني عدت مكاني ادون ما تبقى من ذكريات.

واعتمدت زينة في نصها أسلوبًا بسيطًا سلسًا بليغًا ومتميزًا، والمعجم الذي وظفته من كلمات ومفردات من السهل الممتنع وصاغته بقالب فني بديع.

والشعر ليس في تعقيداته، بل أجمل وأفضل الالوان الشعرية تلك التي كتبت وتكتب بلغة الروح، وبشعرية واضحة يفهمها الجميع. والقصيدة الناضجة الناجحة تمتلك مفاتيحها المحكمة التي لا تستغلق على ذوي الذوق والحدس الذكي، إنها الصورة الجميلة والموسيقى المتناسقة مع اللغة والحدث، ومع الشكل والمضمون.

والإلهام عند زينة فاهوم ليس ضربًا من ضروب الخيال، بل هو معاناة داخلية عميقة وتجربة مع الكتابة والحياة، وتعبير عن الهم والوجع الإنساني العام. وهي ترصع نصها بصور شعرية قائمة على الجمال والبساطة، وتعتمد اللفظ الموحي والتوزيع الوتري والعزف الإيقاعي، والمناخ الموسيقي للقصيدة يعمق قدرة اللغة على تحريك الخيال والاقناع النفسي والإمتاع الروحي والحسي.

ويمكننا القول أن كتابة زينة فاهوم جميلة ومعبرة وموحية فيها عبق الروح ونبض الصدر ورهافة الإحساس، فلها منا أطيب الامنيات بالنجاح والتطور والتألق أكثر، ومتابعة المشوار مع الكلمة العطرة الهادفة الصادقة الواضحة، البعيدة عن الكليشهات والتعقيدات والرموز المبهمة.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

 

معمر حبارأوّلا: مقدّمة المشاهد:

1- بثّت فضائية جزائرية حصّة بعنوان: "مالك بن نبي المظلوم في أهله" كلّ يوم خميس على السّاعة 22.30د بتوقيت الجزائر وعلى مدار 3 حلقات، وابتداء من يوم الخميس 19 شوال 1441 هـ الموافق لـ 11 جوان 2020أ وانتهاء بيوم: الخميس 3 ذو القعدة 1441 هـ الموافق لـ 25 جوان 2020.

2- الأساتذة هم: عبد الرحمان بن عمار، والسعيد مولاي، ومحمّد الأمين بلغيث، وعمار طالبي، ومحمّد الهادي الحسني.

ثانيا: كلمة شكر:

كلّ الشكر لزميلنا عزالدين طبال الذي اتّصل بي عبر الخاص، فقال بالحرف: "ماتنساش حصة على الشروق نيوز على العاشرة والنصف خاصة بالمفكر الأستاذ مالك بن نبي بمشاركة كل من الاساتذة عمار طالبي والسعيد مولاي والهادي الحسني ومن ثلاث حلقات".

3- الشّكر البالغ للقائمين على الحصّة وعلى الجهد المبذول والسّعي المشكور في تقديم مالك بن نبي بما استطاعوا. ومتمنيين لهم السّداد والتّوفيق في مشاريع أخرى وحصص قادمة،

4- الشكر للقائم على الحصّة الزميل عبد الحفيظ عبد السميع على المجهودات المبذولة. و متمنين له التّوفيق والنّجاح في الأعمال القادمة وبما هو أفضل وأحسن. وتدارك الأخطاء التي وقع فيها ولم يستطع حينها تداركها.

5- الشكر للأساتذة المشاركين بتدخلاتهم. ولهم بالغ الاحترام والتّقدير.

ثالثا: دفاعا عن مالك بن نبي:

6- تحدّث الأستاذ محمّد الهادي الحسني عن العلاقة بين الأستاذ عبد الحميد بن باديس والأستاذ مالك بن نبي رحمة الله عليهما وقال: مالك بن نبي كان صغيرا غير معروف ولم يكن أحد يهتم به. وابن باديس لم يكن له الوقت للتفرّغ لمالك بن نبي. أقول: هذا استصغار لمالك بن نبي من طرف محمّد الهادي الحسني. وحصر العلاقة في السن يعتبر ظلما لابن باديس وتصويره على أنّه "متكبّر" و "متعالي". وظلما لمالك بن نبي وتصويره على أنّه "غلام" و"طفل" لم يصل بعد لمصف الرجال. وبهذا يكون الأستاذ محمّد الهادي الحسني قد ظلم الكبيرين عبد الحميد بن باديس ومالك بن نبي من حيث لايدري.

7- يفهم من ردّ مالك بن نبي على مقال فرحات عباس المعنون بـ "أنا فرنسا"، أنّ ردّ ابن باديس على فرحات عباس لم يشفي غليل مالك بن نبي. وتمنى لو كان ردّ ابن باديس أقوى ولذلك تكفّل شخصيا بالردّ عليه. لكن "العمودي" وهو من أعضاء الجمعية رفض أن ينشر مقاله عبر جريدته حتّى لايخسر فرحات عباس صاحب "أنا فرنسا".

8- أخطأ الأستاذ محمّد الهادي الحسني حين وصف مالك بن نبي أنّ لغته "عربية المستشرقين". أقول: مالك بن نبي يملك لغة ذات بعد حضاري عميقة وأصيلة تدافع عن وطنه الجزائر وأمّته. ومالك بن نبي يستعمل الفرنسية كوسيلة وليس غاية. وبالتّالي من الظلم أن توصف لغة مالك بن نبي أنّها "عربية المستشرقين". ومن جهة أخرى مالك بن نبي ليس الشاعر ولا الفقيه ولا اللّغوي لكنّه الأصيل الذي لايبيع لسانه ولا دينه ولا الجزائر. فكيف يتّهم أنّه يملك "عربية المستشرقين".

9- يرى الأستاذ محمّد الأمين بلغيث: أنّ مالك بن نبي "كان مجحفا في حقّ الجمعية". و"لايوجد أحد في الجمعية إلاّ انتقده". أقول: مالك بن نبي انتقد الجمعية وهذا ليس إجحافا منه وقد ردّت الجمعية عليه. وبقدر ما كان مالك بن نبي ينتقد الجمعية كان يقدّم لها النصائح تتعلّق بتصرفاتها التي يراها غير صائبة. وعليه، أخطأ الأستاذ محمد الأمين بلغيث حين اتّهم مالك بن نبي بكونه "كان مجحفا في حقّ الجمعية". وفي الحقيقة كان ناقدا وناصحا وموجّها ومرشدا.

10- يعاتب الأستاذ محمّد الهادي الحسني الأستاذ مالك بن نبي بقوله: "فكّر في الهجرة لأربعة دول، وهي: ألبانيا، ومصر، والطائف، وتنبوكتو، بينما الجمعية لم تفكّر في الهجرة". أقول: مالك بن نبي أجبر على التفكير في الهجرة وقد تعرّض للبطالة والتضييق وهو الحامل لشهادة مهندس دولة، وكانت يومها شهادة عالية. وحرم حتّى من تدريس في قسم محو الأمية. فلا غرابة أن يبحث عن رزقه عبر الهجرة. والتفكير في الهجرة ليس جريمة ولا ذنبا ولا خيانة يعاتب عليها مالك بن نبي. ومن الظلم البيّن أن يقارن محمّد الهادي الحسني هيئة منظّمة ذات مصادر وموارد ورجال بمالك بن نبي وهو رجل وحيد عاطل عن العمل ومحاصر.

11- قال صاحب الحصّة: كان مالك بن نبي "يطعن في الجمعية". أقول: مالك بن نبي لم يطعن في الجمعية إنّما انتقد الجمعية في مواقفها السّياسية التي رأى أنّها من الأخطاء القاتلة للجمعية. وقد يصيب ويخطئ. وقد ردّت عليه الجمعية. إذن من الظلم اعتبار نقد مالك بن نبي ونصائحه وتوجيهاته للجمعية أنّها "طعن في الجمعية". ويمكن للمتتبّع الحرّ أن ينتقد الجميع ودون استثناء.

12- ذكر الأستاذ عبد الرحمن بن عمارة: أنّ مالك بن نبي حين تحدّث عن الحضارة من الناحية الزمنية، قال علينا أن نعود للتّاريخ الهجري لفهم الفارق من حيث التطور والتخلّف. أقول: لم يكن مالك بن نبي يقصد العودة إلى التّاريخ الهجري -ولاتحضرني الآن السنة بالضّبط- إنّما كان يقصد العودة لفترة زمنية بعينها تعبّر عن قوّة أو ضعف، وعبّر عنها بالتّاريخ الهجري لشهرتها. إذن يقصد مالك بن نبي الفترة الزمنية (الخلافة أو الأمويين أو مابعد الموحدين أو صفين، وغيرها) ولا يقصد أبدا التّاريخ الهجري كما ذهب إلى ذلك الأستاذ عبد الرحمن بن عمارة.

13- نطق صاحب الحصّة عبارة مالك بن نبي "Boulitique" بـ "Politique". وهناك فرق كبير لدى مالك بن نبي بين المصطلحين ليس هذا مجال شرحه. ولا أعرف أحدا استعمل مصطلح "البوليتيك" بحرف B وليس P غير مالك بن نبي.

14- قال الأستاذ سعيد مولاي: قادة الثورة الجزائرية رفضوا مشاركة مالك بن نبي في الثورة الجزائرية. أقول: ولماذا يرفضون مشاركته في الثورة الجزائرية وأمامه الثورة الجزائرية ويلتحق بها متى شاء؟ إذن، كان هناك تجاذب بين مالك بن نبي وقادة الثورة الجزائرية حول نقاط تتعلّق بالتسيير والفهم. ولقادة الثورة الجزائرية نظرتهم الميدانية والآنية والسّريعة، ولمالك بن نبي نظرته الفكرية غير الميدانية وطويلة الأمد. ولذلك قادة الثورة الجزائرية لم يقدّموا مالك بن نبي ولم يأخذوا بآرائه. وقد غضب كثيرا حين فضّلوا "فرانس فانون" عليه وجعلوه مستشار الثورة الجزائرية ولم يجعلوا من مالك بن نبي مستشارا للثورة الجزائرية. وما زلت أعتقد -وإلى أن يثبت العكس- أنّ تفضيل فرانس فانون عليه كان من عوامل التجاذب والاختلاف.

رابعا: أخطاء شائعة وقع فيها الأساتذة:

15- ذكر الأساتذة ومنهم الأستاذ عبد الرحمن أنّ مالك بن نبي رحمة الله عليه انحصرت فكرته في محاربة القابلية للاستدمار (الأستاذ قال: الاستعمار). أقول: من الأخطاء الشّائعة التي وقع فيها الأساتذة القول أنّ مالك بن نبي حارب القابلية للاستدمار. ويفهم من هذا الكلام أنّ مالك بن نبي لم يحارب الاستدمار واكتفى بمحاربة القابلية للاستدمار. والأجدر القول أنّ مالك بن نبي حارب الاستدمار والقابلية للاستدمار. ولا يمكن بحال الفصل بينهما لأنّ الفصل بينهما يوحي أنّ مالك بن نبي لم يحارب الاستدمار. إذن وجب القول أنّ مالك بن نبي حارب الاستدمار وللقابلية للاستدمار.

16- قال الأساتذة أن أفكار وكتب مالك بن نبي تدرّس في "ماليزيا، وأندونيسيا، وتركيا". أقول: هذه من الأخطاء الشّائعة التي وقع فيها الأساتذة ووقع فيها الكثير. ولا يوجد دولة من هذه الدول أو غيرها تبنّت فكر مالك بن نبي في معالجة قضاياها الاقتصادية والفكرية والاجتماعية. ولا أعرف دولة بعينها تبنّت فكره. وهذه من المبالغة التي ظلّت تردّد وأعاد ترديدها الأساتذة خطأ منهم. ونتحدّث عن تبني الدولة والمجتمع لأفكاره عبر جوانب الحياة المختلفة المتضاربة. ومن العادي جدّا أن تعرض على رئيس دولة شخصية أو كتبها أو بعض أفكارها. والمتتبّع النّاقد يتساءل: هل تبنى فكره؟ هل أمسى فكر الشخصية دستورا؟ هل طبّق أفكاره في تسيير حكمه ودولته ومجتمعه. أمّا الانبهار فيحسنه الجميع بما فيه رؤساء الدول.

17- ذكر الأستاذ مولاي -وباقي الأساتذة فيما أتذكر- أنّ مالك بن نبي "استقال؟ !". أقول: الدارس لمذكرات بن نبي LES CARNETS يقف على حقيقة مفادها أنّه أقيل من منصبه ولم يقدّم الاستقالة. وكلّ تصرفات مالك بن نبي تدلّ على أنّه أقيل من طرف أحمد طالب الإبراهيمي وزير التربية يومها ولم يقدّم استقالته. وممّا وصلت إليه أنّ الذين يروّجون لفكرة "إستقالة؟ !" مالك بن نبي إنّما يريدون تبرئة الأستاذ أحمد طالب الإبراهيمي رزقه الله الصّحة والعافية، ويبعدون عنه تهمة الإساءة لمالك بن نبي. وطالبت منذ سنوات -وما زلت- تصحيح العبارة المكتوبة في آخر غلاف من كتب مالك بن نبي، وأنقلها الآن بالحرف، وهي: "في عام 1967 استقال من منصبه وتفرّغ للعمل الفكري وتنظيم ندوات فكرية". والصواب هو: أقيل مالك بن نبي من منصبه. وكم أتمنى أن يتم تصحيح العبارة.

18- ركّز الحضور على دور المستشرق الفرنسي "ماسينيون" في منع مالك بن نبي من تحقيق أحلامه بفرنسا. أقول: لاننكر دور فرنسا المحتلة في تثبيط العزائم ووضع العراقيل. لكن من المبالغة القول أنّ كلّ حركات مالك بن نبي كانت تحت أعين "ماسينيون". فهناك ضغوطا أخرى كـ: تصرفات مالك بن نبي بحدّ ذاتها، والجزائر، والعرب، وفرنسا المحتلة. ولاأحد ينكر دور الاستدمار الفرنسي. لكن القول أنّ كلّ شيء حدث لمالك بن نبي بسبب الاستدمار وماسينيون، مبالغ فيه.

خامسا: أخطاء وقع فيها مالك بن نبي:

19- عيّنت الجمعية الأستاذ الورتلاني مبعوثا لها في فرنسا. فغضب مالك بن نبي واعتبر نفسه الأحقّ بالمنصب. أقول: هذه من أخطاء مالك بن نبي الذي يرى نفسه أنّه الأحقّ وأنّه الأفضل. والمصيبة أنّه يغضب ويقيم الدنيا حينما يحرم من المنصب. وهذه من السّلبيات والأخطاء التي ميّزت مالك بن نبي.

20- حين نعاتب وننتقد الأساتذة جميعا ودون استثناء والذين مالوا ميلة واحدة لموقف أحمد طالب الإبراهيمي في إهانته لمالك بن نبي، نعاتب وننتقد في نفس الوقت مالك بن نبي على موقفه من إقالته من منصب مدير التعليم العالي. وأرى أنّه بالغ كثيرا في التشبّث بالكرسي والجري وراءه والسّعي لامتلاكه بكلّ الوسائل وحسرته الشّديدة على إقالته حتّى مرض من الحزن وكأن الدنيا مرتبطة بكرسي مدير التّعليم العالي. وكان عليه أن لايتشبّث بالكرسي حتّى يمرض، وأن لايسعى شخصيا وعبر الوسائط لدى الرئيس بومدين ليعيده لمنصبه ويتقرّب إليه. ولم يفلح في ذلك رغم مرور سنوات على السعي والجري.

21- مرض مالك بن نبي بسبب حزنه الشديد على إقالته من منصبه. وتدرس الشخصية من النواحي الإيجابية والسّلبية. ومالك بن نبي من الناحية الفكرية أبدع وتميّز وتفوّق. لكن من الناحية الشخصية له ماله وعليه ماعليه. وفعلا أساء مالك بن نبي رحمة الله عليه في حرصه الشّديد والمبالغ فيه بمنصب مدير التعليم العالي. وأضيف، لقي ربّه وهو حزين على الإقالة من فرط تشبّثه بالمنصب، وتلك من الأخطاء الشخصية التي وقع فيها. وتبقى لمالك بن نبي حرمته ومكانته من الناحية الفكرية. والنّاقد هو الذي يعرض الشخصية من الجوانب السّلبية والإيجابية. وقد دافعنا ونظلّ ندافع عن مالك بن نبي حين يستوجب الموقف ذلك. وانتقدنا ونظلّ ننتقد مالك بن نبي حين يستوجب المقام ذلك. وحين تثبت لنا قراءتنا القادمة لمالك بن نبي أنّنا أخطأنا في حقّه، حينها نقوم بالتّصحيح والاعتذار.

سادسا: إهانة أحمد طالب الإبراهيمي لمالك بن نبي:

22- الأساتذة جميعا ودون استثناء نقلوا ماقاله الأستاذ أحمد طالب الإبراهيمي فيما ذكره عن مالك بن نبي، واعتمدوا عليها في الميل ميلة واحدة ضدّ مالك بن نبي دون أن يعودوا لدفاتره وينقلوا الرواية التي ذكرها مالك بن نبي بشأن سوء الأدب وقلّة الأدب التي عامله بها أحمد طالب الإبراهيمي. وقد ذكرها مالك بن نبي بالتّفصيل. إذن الأساتذة لم يكونوا منصفين حين اعتمدوا على رواية وزير التربية الأسبق ووزير الخارجية السّابق أحمد طالب الإبراهيمي. وقد كتبنا في هذا الموضوع كثيرا لمن أراد أن يعود إليه.

23- عجبت للأستاذ عمار طالبي رزقه الله الصّحة والعافية حين يقول في موضوع إهانة أحمد طالب الإبراهيمي لمالك بن نبي: "لاأعرف السبب". ولا أجد له في إجابته عذرا خاصّة وأنّه رجل علم وفكر. وهذه إجابة سياسي يتهرّب وليست إجابة رجل علم يواجه. وحفظ الله الأستاذ عمار طالبي ورزقه الصّحة والعافية.

سابعا: كتب مالك بن نبي:

24- قال الأساتذة جميعا أنّ كتاب "الظاهرة القرآنية" هو أعظم ماكتب مالك بن نبي. أقول: لايعتبر كتاب "الظاهرة القرآنية" أعظم ماكتب مالك بن نبي رحمة الله عليه. ويعتبر أوّل كتاب في هذا العلم وآخر كتاب في هذا العلم. ولم يكتب بعدها في هذا العلم. ويبدو لي أنّ أهمية الكتاب تكمن في كونه ألّفه باللّغة الفرنسية. فليس من السّهولة أن يكتب المرء في موضوع كالظاهرة القرآنية وباللّغة الفرنسية.

25- كتاب "الظاهرة القرآنية" لمالك بن نبي هو من "باكورة أعماله" وليس من الكتب العظيمة التي ألّفها. ومن يرى أنّ كتاب "الظاهرة القرآنية" من "أعظم كتب؟!"، فهو أحد أمرين: إمّا أنّه مبهور بمالك بن نبي أو لم يقرأ الكتاب ولم تكن له قدرة المقارنة بينه وبين غيره. وأضيف الآن كما كتبت حين عرضت الكتاب: يعرف الكاتب بالكتب التي ظلّ يكتب على منوالها فعرف بها. ومالك بن نبي رحمة الله عليه لم يعرف بـ "الظاهرة القرآنية" ولم يكتب طيلة حياته على منوال "الظاهرة القرآنية". ولا يعرف الكاتب أبدا بكتاب واحدا ألّفه في علم بعينه إنّما يعرف بكتب ألّفها في نفس العلم. ومن أراد الزيادة فليراجع مشكورا مقالنا بعنوان: " الظاهرة القرآنية ليس أعظم ماكتبه مالك بن نبي"، وبتاريخ: الجمعة 13 محرم 1441 هـ - الموافق لـ 13 سبتمبر 2019

26- يقول الأستاذ محمّد الهادي الحسني أنّ مالك بن نبي رغم أنّ تخصّصه بعيد عن موضوع "الظاهرة القرآنية" والحضارة إلاّ أنّه كتب كتابه "الظاهرة القرآنية". أقول: في البداية كان مالك بن نبي يحمل فكرا حضاريا ونزعة حضارية لكن فرنسا المحتلّة فرضت عليه أن لايدخل لمعهد الاستشراق لأنّه محرّم على الذين يحملون فكرمالك بن نبي الرّافض للاستدمار الفرنسي، واتّجه بعدها لعلوم الهندسة. وبقي بعد تخرّجه ينظر للظواهر الاجتماعية والحضارية والفكرية بعمق حضاري وبتعبير هندسي، وقد جمع بينهما وأبدع. ونفس الفكرة التي يحملها الأستاذ محمّد الهادي الحسني هي نفسها التي حملتها الجمعية حين طبع مالك بن نبي كتابه "الظاهرة القرآنية" وواجهته أنّه غير متخصّص وتدخل في تخصّص لايتقنه ولا يحسنة. وكتبت حين تطرقت للكتاب: تصرّف الجمعية مع مالك بن نبي يعتبر -في تقديري- من الأسباب التي دفعت مالك بن نبي لكي لايعود لمثل كتابه "الظاهرة القرآنية". ونال الفضل غيرها بكتابة مقدمة لـ "الظاهرة القرآنية". وحرمت نفسها فضل كتابة المقدّمة للكتاب وبغضّ النظر عن النقد الذي يبقى من حقّ القارئ النّاقد.

27- أوافق الأستاذ عمار طالبي في قوله أنّ كتاب "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" من أعظم الكتب التي ألّفها مالك بن نبي. والسّبب -في تقديري- أنّ الكتاب ألّفه مالك بن نبي سنة 1972 أي سنة واحدة قبل وفاته. ويضمّ خلاصة وعصارة ماتوصّل إليه مالك بن نبي. وأعاد ليؤكّد ماذكره من قبل أي أثبت وأكّد ماذكره خلال تجربته مع الأفكار والتي ظلّ يبثّها طوال حياته. وعليه، أوصي بقوّة قراءة ونقد كتاب "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" لمالك بن نبي.

28- أقف مع الأستاذ محمّد الأمين بلغيث حين أشار لضرورة قراءة كتاب "المسألة اليهودية" لمالك بن نبي. -وأزعم- أنّ قلّة قليلة تشير لقراءة هذا الكتاب. وما زلت أتساءل عن السّبب.

29- يقول الأستاذ عمار طالبي: لفهم فكر مالك بن نبي على المرء أن يبدأ بقراءة كتابه "شروط النهضة". أقول: "شروط النهضة" من الكتب الأولى لمالك بن نبي ومن الكتب العظيمة التي ألفها. وأختلف مع الأستاذ عمار طالبي حين نصح بالبدء بقراءة "شروط النهضة". وقد كتبت مقال بعنوان: " كيف نقرأ مالك بن نبي؟ "، وبتاريخ: الجمعة24 شعبان 1436هـ الموافق لـ : 12جوان 2015م، أبيّن من خلاله الكتب الأولى المعنية بالقراءة والكتب المتأخّرة المعنية بالقراءة. ويختلف ترتيبنا عن الترتيب الذي وضعه الأستاذ عمار طالبي حفظه الله ورعاه، ولكلّ قراءته والأسباب التي اعتمد عليها.

 

معمر حبار

الشلف - الجزائر

 

ضياء نافعهذا العنوان الطريف والمثير معا جاء عند الباحث الروسي المعاصر دميتري بيكوف في كتابه الصادر عام 2011 في موسكو . عنوان الجزء الاول من الكتاب – تقويم 1 (وبعنوان اضافي هو – احاديث عن الشئ الرئيسي)، وعنوان الجزء الثاني - تقويم 2 (وبعنوان اضافي هو – نقاشات عن الشئ غير القابل للنقاش). يضم الكتاب تواريخ ميلاد في كل شهر من شهور السنة لمختلف الشخصيات في روسيا والعالم ايضا وبعناوين طريفة ومبتكرة بكل معنى الكلمة ترتبط بتلك الشخصية، التي يصادف يوم ميلادها في ذلك الشهر او هناك حدث مهم جرى لتلك الشخصية في ذلك اليوم، وهي صياغة مبتكرة فعلا لتأليف كتاب باكمله حول الشخصيات التي يرغب المؤلف ان يختارها للكتابة عنها، وقد اتاحت هذه الطريقة للمؤلف ان يختار شخصيات متنوعة جدا، لايوحّدها موضوع واحد ولا يربطها مع بعض اي رابط، سوى انها ولدت في ذلك اليوم ليس الا او حدث شئ كبير في مسيرة حياتها بذلك التاريخ، وهكذا استطاع هذا الباحث ان يتكلم عن اي شخصية تخطر بباله، وقد تناول لينين وستالين وتشي جيفارا ومارغريت تاتشر والثورة الثقافية في الصين ومجموعة من الشخصيات العالمية الاخرى و في عدة مجالات، ومن جملة هذه الشخصيات كانت مجموعة من الادباء الروس، اذ تحدّث المؤلف عن – تشيخوف واخماتوفا وشولوخوف وتولستوي وبوشكين وماياكوفسكي وبابل واكسيونوف ولوناتشارسكي وغريبويديف وفيسوتسكي ونابوكوف واندرييف وسولجينيتسن، ومن الواضح تماما، ان هذه الاسماء مختلفة ومتنوعة جدا ولا يجمعها اي شئ مشترك.. وكل واحد من تلك الشخصيات الادبية الروسية جاء تحت عنوان طريف خاص به، وكان تشيخوف بعنوان – تشيخوفان (الترجمة الحرفية لعنوان المقالة عن تشيخوف كما جاء عند المؤلف هو – 2 تشيخوف)، وقد ارتأينا ان نترجم عنوان تلك المقالة – (تشيخوف واحد ام تشيخوفان وكما ذكرنا في عنوان مقالتنا هذه)، وذلك للتركيزعلى هذا العنوان الغريب اولا، وثانيا لايصا ل الفكرة الاساسية التي اراد المؤلف ان يقولها للقارئ (و القارئ العربي بالذات الذي نكتب له)، وخلاصة تلك الفكرة تكمن في انه اراد ان يقول، ان هناك (تشيخوفان اثنان) وليس تشيخوف واحد في الادب الروسي، وهي فكرة غريبة فعلا ومثيرة ايضا لكل القراء، بغض النظر عن كونهم قراء روس او من قوميات اخرى، اذ ان تشيخوف اصبح كما هو معروف – ومنذ فترة ليست بالقصيرة - اديبا عالميا وليس اديبا روسيّا وحسب.

لقد جاءت مقالة بيكوف عن تشيخوف تحت تاريخ (29) كانون ثاني / يناير 1860، وهو يوم ميلاد تشيخوف، وتقع المقالة في (21) صفحة من الجزء الاول من ذلك الكتاب، (تشيخوف 1) من ص37 الى ص 48، و(تشيخوف 2) من ص48 الى ص 58 . يرسم المؤلف في مقالته تلك صورة (انطباعية) جميلة لتشيخوف، تعتمد بالاساس على نتاجاته الادبية (ومن الواضح ان المؤلف يعرف نتاجات تشيخوف بعمق)، واقول (انطباعية) لأن الصورة تتكون من (نتف)، ان صح التعبير، من هنا وهناك من تلك النتاجات، حسب تعبيرنا العربي الشائع – (من كل بستان زهرة)، وتبدو هذه النتف – للوهلة الاولى – وكأنها منتقاة بشكل عشوائي ودون اي خطة دقيقة واضحة المعالم لدى المؤلف، ولكن هذه المقاطع ترسم - في نهاية المطاف - فعلا صورة فنيّة متكاملة لتشيخوف الاديب، وهذه الصورة الفنية ذكرتني بقول لتولستوي عن تشيخوف، اذ قال تولستوي آنذاك ما معناه، ان تشيخوف يرسم بالكلمات لوحاته مثل الفنانين التشكيليين الانطباعيين، لا تستوعبها للوهلة الاولى، ولكن عندما تتراجع قليلا وتتأملها تكتشف جماليتها، وعندها تندهش . وهكذا الامر مع هذه الصورة الفنية لتشيخوف و التي رسمها بيكوف له، اذ اننا نكتشف هناك الاستنتاجات التي وصل اليها المؤلف، نكتشفها عبر الايماءآت في تلك المقالة، اوما بين سطور تلك المقالة ايضا . انها لوحة مرسومة وفق اجواء المدرسة الانطباعية في الفن التشكيلي، لوحة لتشيخوف، والتي اراد المؤلف ان يثبت فيها وجود (تشيخوفيين اثنين) في الادب الروسي، الاول هو تشيخوف (المعروف!) في الزمن السوفيتي، والثاني هو تشيخوف (غير المعروف!) لدى القراء في الوقت الحاضر، اي ان المؤلف رسم صورة تشيخوف كما يراها هو الآن، ونحن في القرن الحادي والعشرين، وهو يرى ان تشيخوف اكبرمن ان يكون كاتبا واقعيا وحسب، وانه كاتب يمتلك وحهة نظره الفكرية الخاصة به، وجهة نظر تتبلور فيها حتى الآراء السياسية والاجتماعية رغم انه قال كلمته هذه بشكل غير مباشر، ولكن القارئ الفطن يقدر ان يتلمّس كل هذا عبر الايماءآت التشيخوفية الفريدة في ادبه الرائع.

تشيخوف كان اديبا مشهورا في روسيا الامبراطورية، وكان علما من اعلام الادب في روسيا السوفيتية، وها هو ذا يثير الباحثين من جديد في روسيا الاتحادية. لقد تذكرت ما قاله لي المرحوم د. عبد الامير الورد عن تشيخوف، عندما دردشت معه قبل اكثر من عشرين عاما في كليّة اللغات بجامعة صنعاء، وسألته لماذا كرّر تقديم مسرحية تشيخوف في العراق بعد ان قدّم نفس تلك المسرحية الفنان الكبير سامي عبد الحميد، اذ قال لي الورد عندها – لكل منّا تشيخوفه الخاص به ...

 

أ. د. ضياء نافع