حسين ابوسعودبالأمس قتل شمس التبريزي وشارك في قتله علاء الدين ابن جلال الدين الرومي والليلة مات عزيز مؤلف رواية الكفر الحلو بعد صراع مع مرض السرطان في أحد مستشفيات قونية حيث يرقد مولانا جلال الدين الرومي الذي تحول من عالم دين الى عاشق صوفي، اغواه بذلك الدرويش شمس التبريزي.

وغادرت ايلا الامريكية عشيقة عزيز وزوجة ديفيد قونية الى أمستردام بدلا من نورثامبتون حيث زوجها واطفالها الثلاثة بعد ان خسرت كل شيء تلبية لنداءات القلب والجسد.

ذهبت الى فراشي في الثالثة فجرا ولكني لم أستطع النوم، انا لا اشبه شمس التبريزي الا في بعض الأشياء، ولا احمل من صفات الرومي شيئا لكثرة اوزاري وذنوبي، واما عزيز الهولندي المتحول الى الإسلام الصوفي دون ان يجهد نفسه بدراسة المذاهب الإسلامية الأخرى، ارتحل الى كثير من مدن العالم شرقا وغربا، كان يعلم شيئا واحدا حقيقيا وهو انه سيموت قرب معشوقه جلال الدين الرومي، وهذا ما حصل وحضر جنازته الصوفيون وغير الصوفيين، لقد كان مقبولا من الجميع، كيف لا  وقد كان عفيفا حارب شهوات النفس بكل ثبات وتبنى عددا من الايتام ولم يؤذ أحدا في حياته، ماذا يريد الانسان اكثر من هذا كي يكون مقبولا.

انا اختلف عن جلال الدين الرومي لأنه صدق شمس التبريزي بان قواعد العشق اربعون وانا أقول ان قواعد العشق لا تنتهي ابدا وكل العشاق يستطيعون ان يخترعوا قواعد جديدة في كل يوم وكل ارض وكل مناسبة.

كنت أتمنى ان استمر معك رغم الفوارق الكبيرة بيننا لا سيما فارق السن ولكني أخاف ان اٌطرد من حياتك وانا في أرذل العمر ولن أجد حينها ملاذا من الوحدة والخوف والمطر، لن اقوى على مشاركة المشردين والسكارى الشوارع الخلفية للمدينة المرطوبة.

لا اريد ان اشوه علاقتنا يوما او احمل عنك صورة غير التي رسمتها لك في مخيلتي، ها انا قد اعدت لك كل شيء واودعتك كتبي كلها واهديتك مفكرة الجيب الانيقة التي تنظم لك حياتك لمدة عام، ويعطيك إحساسا بأهمية الوقت ويشعرك بان الحياة قصيرة والأيام تجري بسرعة نحو النهاية، وباختصار شديد لن أجد مثلك في الدنيا رغم أنك لست على ما اشتهي تماما.

معذرة مولانا جلال الدين فانا لن ارضخ لصرخات شمس التبريزي طالبا مني ان احرق كتبي على رؤوس الاشهاد وابعثر اوراقي التي كدستها منذ أكثر من نصف قرن في الهواء.

قررت ان أكون قويا ولا افعل ذلك مع علمي بان هذه الأوراق وهذه الكتب سوف تٌلقى بعدي في القمامة كما يتم التخلص من ملابسي واقلامي ونظاراتي وادويتي الباقية، نعم وعدت التبريزي بحرق الكتب والأوراق والتخلص من الملابس ذات الماركات العالمية والاكتفاء بثوب من الصوف الأسود لستر عيوبي ونواقصي ونزواتي، واسير بمفردي في الدروب المظلمة بحثا عن النور والنقاء.

**

العمر ينتهي ولكن الآمال لا تنتهي والاعمال لا تنتهي وقصص الماضين لم تكتمل.

**

ساجئ الى قونية عن قريب لا لكي اخرج جثة شمس التبريزي من البئر ولا لكي اقرأ الفاتحة عند راس مولانا الرومي وانما بحثا عن قبر عزيز الروائي الهولندي في المقبرة الإسلامية القديمة، ساجئ الى قونية عن قريب لا لكي اموت هناك بلا حبيبة لان أجمل الميتات ما كان في حضن حبيبة

**

صغيرتي يقول شمس التبريزي في قاعدة من قواعده: ليس من المتأخر مطلقا ان تسال نفسك هل انا مستعد لتغيير الحياة التي احياها؟ هل انا مستعد لتغيير نفسي من الداخل؟

إذا غادرت المدينة في فجر غد، قد اغادر في فجر يوم من الأيام الا ان اثاري ستظل ماثلة في كل مكان حتى صوتي يظل متحفزا في زوايا البيت يغني المواويل الحزينة.

سترينني في كل مكان بعد ان كنت ترينني في مكان واحد واعلمي انت لست منتصرة وانا لست مهزوما ولكنه القدر وسطوته التي لا تقارع.

رغم المرارات فانا مدين لك بالكثير من لحظات السعادة التي اوهمتيني بها على انها حقيقة، لا قيمة للحياة بلا عشق

قاعدة العشق الخمسون: كل الانتصارات في العشق هي هزائم وكل هزائم العشق هي انتصارات

تهيئي لوداعي.

 

حسين أبو سعود

........................

كان الفراغ من قراءة رواية قواعد العشق الاربعون للكاتبة التركية اليف شفق، ترجمة خالد الجبيلي في اليوم الأخير من عام 2019

 

سمير محمد ايوبعشوائيات في الحب - 15

في باحة جامعة اليرموك الربداوية في شمال الاردن، قبل أيام، تقدم مني حفيدي الدارس لعلوم السياسة فيها. وقال بفرح مقدما لي باقة من زميلاته وزملائه الطلبة، كانوا برفقته: هذه زميلتنا دلال سورية من فلسطين، والعباس هذا أخ عراقي من سورية، أما الياس هذا فهو من جبل العرب في سورية، أما خديجتنا هذه، فهي لبنانية من سورية هي الاخرى، وأنا كما علمتني اردني من بلاد الشام مثلهم . كلنا كما ترى يا جدي، نعتز وبحب، أننا عرب من هنا، من سوريا الكبرى .

قلت وروحي تضمهم باعتزاز: (بلاد الشام حتى في زمن الانحدار العربي العام، ليست دولة او حيزا جغرافيا فقط، بل قصة تعاش ولا تقال أو تروى، تتناقلها الاجيال لا من خلال أعلام أو اناشيد، بل بصمات حضارية منقوشة على وجه الزمان وقلب المكان .

قالت خديجة: ولكن يا شيخنا، أوليس من الشذوذ ان تعشق مكانا محددا أو تاريخا ما، فقط لانه جزء من ذكرى جميلة تغزو روحك؟

قلت: ليس عبيا إن كانت بلاد الشام هي اصل الحكاية . لبلاد الشام كيمياء لا تسمح لأي عاق سياسي، الامعان في العنصرة، او التشظي والتحوصل في قطرية ضيقة مقيتة. سورية الكبرى قصة سرمدية، مليئة بالرموز والسحر والغموض . لا تبوح بكل مكنوناتها مرة واحدة. وكل من حاول مقاربتها، ادرك ان لا بداية لسورية، ولا نهاية لها .

سال علي: اتشكو مواطن الهلال الخصيب تقصيرا في حبنا لها؟ أسوريانا في ظل ما نعيش من انحدار، بحاجة لمن يحبها اكثر؟

قلت وأنا أرخي ذراعي الايسر على كتفه لادنيه مني، ومتواصلا مع عيونهم: لا يا ولدي، فبلاد الشام قد بلغت من الحظوة درجة، ان كل محب لها انى توجه، سيجدها باقية في قلب الزمان، وفي الواقع ماثلة، وفي الامل حاضرة . لا اعلم بلدا، قد بلغت بالحضارة، ما بلغت بلاد الشام، أوصلتها الى مراقي المجد وذروة الشرف في الارض .

حتى قيل: أن كل محب للطبيعة، سيستوطنه جمالها الصارخ , وهو يطل على جدران المدينة الوردية في البترا، التي نقشت في الصخر قبل 3000 سنة، او في شموخ سور عكا، حيث هزم نابليون، او في بقايا تدمر او بابل او بعلبك وغيرها الكثير .

ومن كان من عشاق الحضارات، سيجد بعض اجزاء هذه القصة في كل حضارة عاشت فيها وعبرتها . وسيعلم ساعتها انها كانت المهد لاول ابجدية وجدت في التاريخ . وفي ثناياها سيجد باقات من العلماء كابن النفيس الذي اكتشف الدورة الدموية في عام 1242 .

والفرح يتراقص على قسمات وجهي، وفي نبرات صوتي أكملت: ومن عنده شغف بالايمان، سيعلم مما ترويه له أجراس الكنائس في بيت لحم، وتكبيرات قباب بيت المقدس، اننا في بلاد الشام، مسلمون منذ اكثر من 1440 سنة، ومسيحيون منذ 2020 سنة، ولكن الاهم اننا سوريون منذ حوالي 7000 سنة . قصة سوريا وان لم تبدأ بولادة العديد من الأنبياء الذين عاشوا فيها او عبروها، الا انها في نبوؤة كل نبي، وفي كل صلاة، وكل لحظة قرب من الله سبحانه .

أما الياس، فقد استأذنهم ليسألني باسمهم جميعا: كيف نخرج من سجن قطرياتنا الضيقة والسلبية، الى رحاب هويتنا الوطنية .

قلت: بالخروج الايجابي، مما اقترفه بحقكم سايكس بيكو وبعض تابعيه من المتصهينين، الى غيطان عروبة بلاد الشام،. محوطين بنسائم مشبعة برذاذ أنهر دجلة والفرات، والعاصي والاردن واليرموك، ونهرالعوجا في فلسطين والليطاني في لبنان. اطلقوا العنان لارواحكم، وارقصوا عشقا مع مطر الخير، تحت ضوء القمر، وعلى سحرانغام اول نوتة موسيقية خالدة في التاريخ، وجدت محفورة على لوح طيني في اوغاريت، ابدعها قبل 3400 سنة روح ذاك السوري العظيم، قبل الكثير من عباقرة الموسيقى في العالم).

من اين نبدأ يا جدي؟

أفقلت ونحن نتوجه الى المقصف: وانتم تعملون من اجل مستقبل افضل، لتكن لكم يا شباب، الجرأة على استخدام عقولكم، للتعرف على ما في ارواحكم من الحان لم تؤلف بعد، والكثير من القصائد التي لم تنظم بعد. بلادكم تعج بالكثير من الامنيات التي لم تتحقق، والكثير من الدعوات التي لم تستجب بعد، ولن تستجب الا بتحرير عقولكم من غيبياتها وسلبياتها .

سوريانا العظيمة بوابة العروبة الانسانية، تستحق الحياة وتليق بها . فهي هوية ثانية لكل مثقف إنسان، بالاضافة الى هوية امته الاصلية .

 

كتب الدكتور سمير محمد ايوب

الاردن – 7/1/2020

 

جلسة سمر مسائية ضمت ثلاث صديقات مزمنات من خريجات الجامعات وكلهن موظفات في مؤسسات الدولة ودوائرها الرسمية بعد انفراج للأزمة الكبرى (الحصار الظالم لشعبنا الأبي) ومع (أكواب الشاي والمعجنات) كان بينهن حديث لا نستطيع أن نسميه طيباً قط، لكن هذا الحديث جرى وأصبح ممكناً بفضل الانفراج الاقتصادي الجزئي، أما قبله فقد كانت النفوس قد ابتدعت لها أقفاصاً خاصة من الخجل لا واهية ولا شفافة تحول دون أن تتسرب أسرارها الى خارج صدورها . فللخجل أيضا قوته الخاصة اذ يعتصم المرء بأستاره ويتشبث بها فلا يفضح ما هو فيه حتى - لأقرب أقربائه وأعزّ خلانه - الا ربما بعد أن ينحسر مَدّه وتزول ظلاله فيصبح قصصاً تروى .

وفي معرض حديث وذكر للبيض وتقلب أسعاره قالت صغراهن: كانت ابنتي قد فارقت الرضاعة منذ وقت قصير فهي في عمر بدأت فيه تتناول بعض الطعام من أنصاف السوائل، ومن حسن الحظ كانت لدينا دجاجة تبيض وضعناها في قفص صغير خلف المنزل اذ لولا وجودها ما استطعت أن أكفل لابنتي ما تحتاجه من البيض . غير أن الدجاجة مثلنا لم تكن تحظى من الطعام قط بما يكفيها، ذلك إن الاسرة كانت تلتهم كل ما يوضع أمامها غير اني كنت اسرب للدجاجة كل ما يسقط إجباراً من نفايات الخضر عند تصنيعها وطبخها . لكن الدجاجة بدأت تفضل أن تضيف الى طعامها بيضها لتشبع نفسها بنفسها . لذا اتخذتُ لنفسي مرصداً من شباك غرفة يطل على خلف المنزل فكنت أقضي وقتي في مرصدي كيما اسابق الدجاجة فما ان تبدأ بالنقنقة الخاصة بوضع البيض حتى أسرع بالخروج اليها فما تكاد تضع البيضة الا وجدت يدي تسرع بأخذها منها قبل أن تنقرها .

فأردفت الثانية : وعلى ذكر البيض أيضا فقد حدث معي مثل ذلك  حيث اني ورثت عن امي فيما ورثت بضع دجاجات وضعتها كما كانت سائبة في فسحة كبيرة خلف المنزل . ماتت أغلب دجاجات امي غير اثنتين كانتا تتناوبان التبييض فتسدان حاجتي من البيض إذ لم يكن مرتبي يسمح لي بذلك . وكذلك لم تكن فضلات طعامي تكفيهما فأخذتا تأكلان بيضهما، وذات يوم بلغت بي عصبيتي لما تفعلانه من أكل البيض شأواً بعيداً حتى اني أخذت اراقبهما بالإصغاء، وفيما أنا اراقب إحداهما في انتظار بيضتى.. أسرعت فما وصلت اليها الا وقد كسرتها بمنقارها وبدأت تأكلها فما وجدت نفسي الا وأنا امسك الدجاجة بكلتي يدي وأهزها مؤدبة إيّاها كي لا تفعل ذلك مرة اخرى ويظهر اني نسيت في غمرة غضبي أنها مخلوق رقيق وحين انحسر غضبي كانت الدجاجة تكاد تلفظ أنفاسها الأخيرة فأسرعت بها الى الجيران كي تُذبح لتخليصها من عذابها أولا وكيما تكون طعاماً لهم ثانياً ففعلوا شاكرين الله لأنهم حظوا بالدجاجة  المشاكسة .

وانبرت كبراهن تقول: لم يكن عندي دجاج وكان راتبي كله يكفي فقط لشراء طبقة واحدة من البيض شهريا لي ولاسرة من خمسة أفواه ومع إن لنا جميعاً رواتب فنحن موظفون من خريجي الجامعة غير إن رواتبنا كلها كانت تكفي فقط للمواصلات. الا إننا جميعاً كنا نقوم بأعمال إضافية منزلية للنساء وخارجية للذكور كيما نستطيع أن نأكل لنعيش بانتظار الفرج. وكان ضمن أعمالي الإضافية (المحاضرات) في المدرسة التي أعمل فيها . كنت فرحة بها، غير إن أقصى غاية ما كنت أتمناه أن يكون أجر محاضرة واحدة يكفي لشراء بيضة واحدة اسلك بها حَنجرتي ولم يحصل ذلك أبداً إذ تصاعد سعر البيضة الواحدة الى مائتين وخمسين ديناراً أما أقصى ما تصاعد اليه سعر المحاضرة الواحدة فهو الى ثمانين دينار كركرت صغرى الصديقات قائلة : انظرن معي (ثلاث في ثلاث) (ثلاث نساء في ثلاث بيضات) تلك أيام لا أعادها الله علينا وعلى بلدنا ذي الخير الوفير والناس الطيبين ولا بارك الله في حرب ولا مخمصة .

***

سمية العبيدي

 

سليمة مليزينحكي للزمان حكاية سفر أثقلتنا به الايام وجعلتنا من بين المحظوظين الذين التقطتهم عواصم العالم، واحتضنتهم بقوة عن بقيت البشر، لأننا نتقن فن الابداع، في جمال عواصمها الغريبة المبهجة الفرحة، لأننا نقرأ كل زاوية من شوارعها، ومتاحفها،وحدائقها، بطريقة شاعرية، تحمل الكثير من المفاهيم والصورة البديعة التي تذهلنا، فنحولها الى أدب يؤرخ حقبة معينة من الزمن، كيف لا ونحن في قبل باريس، مدينة الجن والملائكة، المدينة الساحرة التي الهمت الكثير من الفنانين والادباء، وكمسافرة ربما سأكون محترفة ذات يوماً، لأحكي أجمل قصص عن أدب الرحالات ..

أكاديمية السوربون وحديقة لكسمبورغ، حي (سان ميشال) Saint michel

في قلب باريس العتيقة،الزمان الثلاثاء 27 ديسمبر 2016، الأصيل يودع النهار والسماء تتأهب لاستقبال ليلها الليلكي، الغسق ينحت لوحات فنية من الوانهِ القزحية، في أفق سماء تلونه باللون الازرق بعد اختفاق خيوط الشفق، الأضواء تنثر بهجتها  الصاخبة على شوارع المدينة وكأنها تتحدى أرق الليل، كل شيء هنا يوحي بالفرح والآمن.. هنا فقط لا نخافُ من الظلام .. ولا من الإنسان .. ولا من مرور الوقت، ولا من الجن والشياطين، ولا من الكلاب، ولا من نظرات الحساد لنا، ولا من نوافذ موصده ومسيجة بالحديد، هنا الشوارع لا تنام، تشعرك انها تفتح ذراعيها لك، وتقول انهض ايها النائم، لليل حياة اخرى تبدأ مع الغروب ...

في الصباح كعاتي كل يوم اذهب الى الحديقة، واستمتع بجمال ازهارها وورودها، واشجارها الباسقة التي تمنحني الهدود، التقيت بسيدة كبيرة في السن، (هنا في باريس عنما تسلم على احد يرد عليك السلام وهو مبتسم فرح بك) بعدما تبادلنا التحية، رأيت عيناها تتعلق بي وكانه تريد ان تسالني من اين انت، وفعلا الحيث اخذنا على جمال الحديقة، والشوارع التي تشبه كثيرا شوارع الجزائر العاصمة،قلت لها اليوم الجو ربيعي، والشمس تذكرني ببلدي الجزائر: فردت وهي تريد أن تحكي حنينها للجزائر، قالت الاتزال الجزائرالبيضاء Algérie blanche  ابتلعتُ غصة في حلقي وتبسمتُ وقلت لها نعم الجزائر جميلة  وبيضاء.. وتنهدتْ هيا أيضاً وقلت لها: هل تعرفينها؟

قالت: أنا ولدتُ في باب الواد، وبدأت تحكي لي عن طفولتها، وعن الجزائر التي كانت تعتبر من بين أجمل عواصم العالم، قالت كنت أحب الجزائر، بلد البحر والشمس والجمال...

اخفية قهري وحزني على بلدي الجزائر، وقلت في قلبي آهٍ لو ترينها الان كيف أصبحتْ...

متسائلة دائما أين يكمن المشكل في تأخرنا عن عواصم العالم؟ يبقى السؤال مطروحا ...

هناك في الوطن فقط يخيفنا الليل وحلكته.. يخيفنا الإنسان.. الشوارع الخالية من الحياة، يخيفنا الظلام الذي يخيم على الشوارع والقلوب.

 

سليمة ملّيزي

من أدب الرحالات 2016

 

شاكر فريد حسنيعد جبران خليل جبران من كبار شعراء وأدباء المهجر، ومن أوسعهم حضورًا في ضمير عصره، حيث يستطلع حقائق الوجود ويقررها ببعض الحدة والانفعال. ويتسم أدبه بالروحانية الشاملة، وعانق خياله الرومانتيكي في الطبيعة أسرارًا عميقة، ونظر للوجود نظرة واجمة سوداء، وهو بهذا يمثل الحكمة التأملية الصوفية.

وجغرافية الروح ومعالمها تتجلى لنا واضحة في أدب جبران، وغالبًا ما يعبر عن النشوة والانفعال بالطبيعة وجمادها معبرًا عن موقفه من الحياة.

وحب الطبيعة كان له أثر كبير في شخصية جبران، وهي ينبوع شعره والهامه. وقد نفذ أدبه إلى صميم الحياة وذلك بفضل تأمله الدائم في الطبيعة، وملاحظته الدقيقة للحياة، وكان يظل الساعات الطويلة يحلم بين مناظر الطبيعة ويتفهم أسرار جمالها. وهذا ما نلمسه في قصيدته الخالدة " المواكب "، التي تجسدت فيها كل المعاني الخالدة والخلجات الصادقة البريئة الدافئة.

فهي قصيدة الحياة، وفيها نظرة مقدسة، ففي الغاب انعتاق من عالم الهموم والأحزان، ومعانقة لعالم سحري جميل. وقد أحب جبران الليل لأنه مليء بالأسرار التي لا تدرك، ولأنه مثار أحلام، وأفرط بوصفه، وتثور خواطره في هدأة الكون حين تبدو الظلمات مشوبة بأضواء شاحبة في طريقها إلى الفناء. وهذا الفناء هو من يذكي الشعور بالموت، ويفتح أمام الشاعر نوافذ الأحلام لأن الحقائق تتجلى على مسارح الأحلام. لنسمعه يقول في قصيدة " سكن الليل " التي تشدو بها سفيرتنا إلى النجوم السيدة " فيروز " :

سكن الليل وفي ثوب السكون تنتشي الأحلام

وسعى البدر وللبدر عيون ترصد الأيام

إن الليل عند الشعراء الصوفيين يوحي بالانطلاق والتحرر لأن النهار يتجلى فيه الموجودات المحددة المعالم، في حين أن الليل يمحو هذه الحدود فيرتفع ستار الأسرار عن النفس بالإشراق الروحي والأحلام.

وجبران هو من أكبر الشعراء الذين وضعوا أساس الرومانسية الجديدة في الأدب العربي، وصوره الجمالية الفنية أكثرها مشتقة ومستمدة من الجو الذي كان يعيش فيه بالفعل والوجدان. فأدبه حافل بالجزر والغابات والبحار والملاحين، وشعره ينبض بالخمرة، ليس التي نعرفها، بل الخمرة الصوفية التي تغنى بها ابن الفارض من قبله، وهذا ما نلمحه ونجده بوضوح في كتابه " النبي ".

وفي هذا الكتاب يخاطب جبران الضباب والريح وعناصر الطبيعة، ونحن نقرأه نحس باننا اقتربنا من هذا الأسلوب النبوي الذي يتقمص فيه صاحبه شخص الموحى إليه بأسرار الحياة. فهو يرمز في الشعر المنثور ببدائع الخيال والوجدان عن القيم الروحية العليا.

وجبران في هذا الكتاب تأثر بالتراث الغربي، وخاصة بالفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه، وهذا ما أكده صديقه الراحل ميخائيل نعيمة.

والحب الرومانتيكي عند جبران هو عاطفة من وحي الطبيعة الصادقة، التي تعتبر مبعث السعادة والسرور في القلوب، وهذا الحب ليس مجرد فضيلة وإنما هو على رأس الفضائل، ووسيلة لتطهير النفس وصفائها.

وقد ثار جبران على مجتمعه وتمرد عليه، ذلك المجتمع المزيف الذي سلب منه أعز ما لديه في الدنيا. سلب منه حبيبته " سلمى " التي شغفها قلبه حبًا وهو في فجر شبابه، حيث تزوجها ابن اخ المطران منصور بك. وهذا ما يتجلى لنا في كتابه " الأجنحة المتكسرة "، اجنحته التي تكسرت على رصيف الزمن، وتقاذفتها الليالي والعواصف، وعصفت بها يد القدر.

لقد فجّر الحب قلب جبران فضاقت بحور الكلمات عن التعبير عن هذا الحب المقدس الذي تنشقت أعماقه من أريج رياحينه. ولعل حبه لسلمى، ذلك الحب الضائع، هو الذي غرس في أعماقه  قبسان من هذه التأملات السوداوية نحو الحياة، فبقي غارقًا في يوتوبيا أحلامه، ناثرًا أشلاء حبه الجريح على دروب وارصفة الحياة.

وقد غدت همساته كالصلاة التي تقرع على جدران القصيدة والنفس، وهكذا اطلق جبران لنفسه العنان في دنيا الأحلام ووجد في هذا الانطلاق إشباعًا لآماله غير المحدودة، فصار عالم الخيال أحب إليه من عالم الحقيقة. وعليه، يمكننا القول أن أدب جبران خليل جبران هو مناخ صوفي يحول الشعر إلى عالم يرقده الوجد والشوق والحنين.

لقد فتح جبران في الشعر أفقًا جديدًا يتيح للشاعر أن يشده الشوق لمعرفة الأسرار، وأن يبدع شكلًا جديدًا لما يحيط به.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – عندما ستكون هناك سلطة، سيكون المناصرون لها جاهزين .

التعليق – ينطبق هذا المثل على ما يجري في العديد من بلدان العالم بشكل واضح، بما فيها طبعا عالمنا العربي، حيث يفدي المناصرون هؤلاء حكامهم (بالروح والدم !!!) .

**

الترجمة الحرفية – الكلمة بلا أرجل، لكنها تسير آلآف الاميال.

التعليق –  في البدء كانت الكلمة، وستبقى هكذا ابدا في حياة المجتمعات الانسانية. المثل الكوري رشيق وواسع الخيال والجمال . هناك اشارة الى هذا المثل الكوري بترجمة اخرى، تجعل الكلمة ( بلا اجنحة ) و( تطير ) آلآف الاميال، ويبقى المعنى نفسه طبعا رغم هذا التباين .

**

الترجمة الحرفية – لا يمكن دقّ المسامير في الرماد .

التعليق – الصورة الفنية لهذا المثل الكوري جميلة جدا وغير اعتيادية بكل معنى الكلمة . مضمون هذا المثل واضح، وهو يؤكد بالطبع على ضرورة التفكير الواقعي والسليم للانسان ...

**

الترجمة الحرفية – لا توجد شجرة لن تسقط بعد مئة ضربة بالطبر.

التعليق – مثل عميق المعنى يؤكد على ان الاستمرار بالعمل يوصل الانسان الى هدفه مهما كان هذا الهدف صعبا او بعيدا . يوجد مثل روسي يقول – الصبر والعمل يمحوان كل شئ، والمثل العربي المناظر لهذه الحالة هو – من صبر ظفر، ولكن المثل الكوري يبقى متميّزا بصياغته وصورته الفنية الفريدة والجميلة.

**

الترجمة الحرفية – والجانب الظليل يصبح مشمسا .

التعليق –  ونحن نقول في هذا المعنى - كل حال يزول، ونقول ايضا – يوم لك ويوم عليك، ولكن بنية المثل الكوري شاعرية ورومانسية اكثر بلا شك.

**

الترجمة الحرفية – المنظر الخارجي لبوذا يتوقف على النحّات .

التعليق –  ونحن، في بلداننا المبتلية بهذا (الداء !!!)،  نعرف ايضا ان  المنظر الخارجي ( لبوذانا !!!) يرتبط برغبات وارادة و أيادي ( نحاتينا !!!) وخططهم .....

**

الترجمة الحرفية – وعند التوأم الاصابع مختلفة .

التعليق – توجد لدينا امثال مناظرة جدا لهذا المثل الكوري، وربما  المثل الاقرب  باللهجة العراقية هو-  (مو كل اصابعك سوه) .

**

الترجمة الحرفية – حتى الجبال والانهار تتغيّر بعد عشر سنوات .

التعليق – مثل رائع، وما أحوجنا ان نتفهم عمقه الفلسفي، ونأخذ مضمونه بنظر الاعتبار في مسيرة حياتنا، ولا نطلق تعابير (الخيانة !!!) لهذه الجبال والانهار.... 

**

الترجمة الحرفية – اي شئ يقوله المدير هو صحيح .

التعليق –  مثل في غاية المرح وفي غاية الدقة ايضا، رغم ان صاحبي قال لي، انه مثل حزين وتراجيدي جدا، وانه دليل لا يقيل الشك على تخلّف المجتمع الذي يردده، وأضاف مبتسما، الا يذكرك بمثلنا باللهجة العراقية – منو يكدر يكول للسبع حلكك جايف ( من يقدر ان يقول للاسد ان فمك نتن الرائحة )، فضحكت انا وقلت له نعم، وانه يذكرني ايضا بمثل آخر وهو – اذا حاجتك يمّ الجلب سميّ حجي جليب (يم – عند / الجلب – الكلب / سميّ – اطلق عليه تسمية / حجي - الحاج ).

**

الترجمة الحرفية – لا يمكن للانسان ارجاع شعرة واحدة الى مكانها بعد اقتلاعها.

التعليق – يضرب هذا المثل الطريف جدا لبيان ضعف الانسان امام حالات صغيرة في مسيرة الحياة اليومية الاعتيادية، فكيف يكون  موقف الانسان امام الحالات الصعبة والمعقدة . 

**

الترجمة الحرفية – القدور سوداء، لكن العصيدة فيها ليست سوداء .

التعليق –  يوجد مثل افغاني جميل في هذا المعنى يقول - البقرة سوداء لكن حليبها ابيض . المثل الافغاني أجمل، لكن المثل الكوري أكثر واقعية وأقرب للحياة اليومية...

**

الترجمة الحرفية – عبقرية الانسان لا يلاحظها القريبون منه .

التعليق – لأن (مطربة الحي لا تطرب) كما يقول مثلنا الشهير.

***

أ.د. ضياء نافع

 

بكر السباتينللمخرج الفلسطيني رائد دزدار الحاصل على النخلة الذهبية...

تم مؤخراً عرض الفلم الفلسطيني الوثائقي الحاصل على السنبلة الذهبية في مهرجان القدس الدولي، "يافا أم الغريب" للمخرج الفلسطيني رائد دزدار في سينما الريمبو بجبل عمان حضره جمهور غفير من المثقفين والمهتمين..

ويتناول الفلم المظاهر الحضارية المتفردة لمدينة يافا المحتلة ما قبل عام 1948في إطار ذاكرة فلسطينية حية لا تبور.. وأعقب العرض حوار تفاعلي مفتوح مع الجمهور الذي أبدى تفاعله الإيجابي مع تفاصيل الوجع الفلسطيني من خلال أسئلة حميمة وعاطفة جياشة.. قدم للفلم وأدار الحوار الكاتب بكر السباتين، حيث أجاب مخرج الفلم دزدار على الأسئلة التي عكست مدى تفاعل الحضور مع تفاصيل الذاكرة الفلسطينية التي أحياها المخرج بصرياً وفق رؤية تاريخية إعلامية لتزهر الدهشة في عقول الأجيال الفلسطينية المتعاقبة، فغاص الجمهور بكل ما لديه من وعي، في تفاصيل مدينة يافا "أم الغريب" لمدة ساعة وربع دون كلل أو ملل، فقد نال هذا الفلم التوثيقي والمرجعي من حصاد الرضى ما جعل البعض يطالب بجزء تكميلي له..

وتكمن أهمية فلم "يافا أم الغريب" في أنه جاء تحديداً ليكذب الدعاية الصهيونية المتمركزة في سياقها التضليلي على فكرة أن الصهاينة دخلوا فلسطين فوجدوها أرضاً يباباً دون شعب، يعيش على يباس عشبها البدو الرحل، ليثبت هذا الفلم الرائع بأن فلسطين كانت ذات حضارة بهية ومزدهرة في كل المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية والصناعية والاقتصادية، فاعتبرت درة شرق المتوسط.

وكانت يافا كما صورها الفلم تتفوق أو تضاهي في رقيها بعض المدن الأوربية التي قدم منها اليهود الصهاينة، ليقيموا دولتهم على أنقاض فلسطين بعد تشريد أهلها الذين قاوموا المحتل بإمكانياتهم البسيطة بعدما منعوا من امتلاك حتى السكاكين.. فالفلم جاء ليفحم الرواية الصهيونية الكاذبة القائمة على الأساطير اليهودية والدعاية الصهيونية المضللة. صحيح أن الاحتلال طمس معالم المدن الفلسطينية المحتلة؛ لكن تفاصيلها أبت أن تغادر ذاكرة الأجيال المتعاقبة من اللاجئين الفلسطينيين حتى وهم في المنافي لأنها لا تبور.

والمخرج الفلسطيني رائد دزدار يقيم في القدس المحتلة وهو متخصص بالتراث الشعبي الفلسطيني الشفوي وخاصة ما قبل عام 1948.

وذكر لي المخرج رائد دزدار على هامش العرض كيف أنه اختيار يافا لعدة أسباب موضوعية، أهمها:

أن يافا كانت بوابة فلسطين إلى العالم، فيقصدها الحجاج كي يرتحلوا بواسطة القطارات إلى القدس وبيت لحم في حركة دؤوبة لا تنتهي.. أما السفن التجارية فتحمل في جوفها صناديق البرتقال اليافي كما جاء في هذا الفلم الرائع؛ ليباع في الأسواق العالمية حتى تحول اسم يافا إلى ماركة تجارية يعرفها العالم، وتبشر الأسواق بنكهة يافا وأريج برتقالها.. واليوم باتت ماركة (يافا) تذكرهم بتفاصيل نكبة فلسطين.

يافا أيضاً بلد السلم الاجتماعي والديني والانفتاح على الآخر، حيث شهدت المدينة نهضة تنموية شاملة (ثقافية وصناعية واقتصادية) لا مثيل لها آنذاك على نطاق عربي وبأيدي أبناء المدينة وعقولهم المنفتحة على تجارب العالم المتنوعة، حتى أنها استقطبت الأيدي العاملة العربية من المحيط إلى الخليج دون استثناء، فأطلق عليها اسم أم الغريب.. فيافا باتت تمثل القضية الفلسطينية بكل أبعادها، كونها كذّبت الرواية الصهيونية التي ادعت بأن فلسطين كانت أرضاً يباباً، يقطنها البدو الرحل؛ لتقلب الذاكرة الفلسطينية الموثقة على رؤوسهم الطاولة، فيافا هي فلسطين بكل تفاصيل الوجع الفلسطيني، حتى أن فتيل ثورة عام 1932 اشتعل بداية في ميدان الساعة بيافا انطلاقاً من مسجد المحمودية الكبير، لذلك قامت العصابات الصهيونية بالتواطؤ من حكومة الانتداب البريطاني بارتكاب المجازر في أرجاء المدينة كما حصل في عموم فلسطين، بعد مقاومة يائسة حيث تم تجميع من تبقى من أهل يافا الصابرين على الضيم وحشرهم في حي العجمي لدفعهم إلى الرحيل ولكن دون جدوى.

وقد اختار المخرج رائد دزدار اللغة البصرية لنقل الحقيقة إلى العالم دون رتوش..

لقد أبدع المخرج في التنقل بين المادة التوثيقة التي قدّم فيها للمحتوى؛ لتعزز الروايات الشفوية حتى يثق المشاهد بالمضمون.. من أجل أن يغوص بعدسته في ذاكرة يافا العميقة اعتماداً على الرواية الشفوية لشخصيات يافيّة عاصرت تفاصل النكبة وشهدت مظاهر يافا المزدهرة قبل عام 1948.. وقد عزّزها بوثائق إثباتية حصل عليها من عدة مصادر أهمها مكتبة الكونغريس؛ لتخرج الرواية الشفوية والوثيقة في سياق لقطة بصرية توثيقية مشتركة وأكثر فاعلية، بحيث يُحْتَرَمُ من خلالها عقلُ المشاهد فيحقق الفلم أهدافه.

تناول فلم "يافا أم الغريب" عدة محاور جاءت على النحو التالي:

- المحور التاريخي من خلال المقدمة التوثيقية

- المحور الاجتماعي فأظهر مدى التواؤم الاجتماعي بين الناس، حيث تتعانق المساجد مع الكنائس في ظاهرة مألوفة شهدتها فلسطين عبر تاريخها الطويل.. ناهيك عن التنوع الثقافي من حيث المأكل والمشرب واللباس بطابعيه الشرقي والغربي، وانتشار المقاهي والنوادي الليلية والشواطئ المنفتحة دون قيود في اللباس، ثم المُكَوِّنُ الفسيفسائي لسكان يافا ما بين السكان الأصليين والعرب الوافدين للعمل والإقامة في المدينة كما يحدث اليوم في المدن الأوربية، لذلك سميت "أم الغريب"..

- المحور الاقتصادي والسياحي، فكانت يافا مركزاً صناعياً وسياحياً بارزاً في فلسطين، من خلال ممارسة السياحة الدينية حيث نشطت وسائط النقل البرية والبحرية، لنقل السياح والحجاج إلى مدينتي القدس وبيت لحم، ناهيك عن وجود كنيسة القديس بطرس في جبل القلعة ومقام القديس سمعان بجوار المنارة القديمة بيافا.. كذلك اشتهرت يافا بتصدير برتقالها المتفرد إلى دول العالم كما ذكرنا آنفاً، كذلك اشتهرت المدينة بالصيد.. ناهيك عمّا شهدته المدينة من نهضة صناعية في قطاعات الصلب والحديد والنسيج وصناعة الباصات (مصنع السروجي) والعطور ومطاحن الحبوب وغيرها.. ثم هناك ميناء يافا الشهير بعنابره الضخمة. ولا يفوتنا أن نذكر بأن يافا كانت تمتلك قاعدة مصرفية متينة من خلال وجود أهم البنوك الفلسطينية مثل: البنك العربي وبنك الأمة وجريلندز وغيرها.. وانتشرت الفنادق في أحياء يافا كما واستثمرت البلدية الرياضة من خلال امتلاكها لملعب البصة الشهير والقريب من شارع جمال باشا الراقي بحدائقه المدهشة.

- المحور الثقافي والاجتماعي والتعليمي: وقد شهدت يافا تطوراً لافتاً في هذا القطاع، بدءاً من النشاط النقابي في المدينة وانتشار عشرات الجمعيات الخيرية التطوعية فيها بالإضافة إلى المدارس العربية أو التابعة للإرساليات المسيحية، والمستشفيات، والصحف الكبرى مثل الدفاع وفلسطين وغيرهما،، وعشرات دور السينما مثل الرشيد ونبيل والشرق ولعل أهمها مسرح وسينما الحمراء التي بنيت بمقاييس عالمية فريدة، وكانت توجد في حي العجمي إذاعة الشرق الأدنى الشهيرة التي زارها كبار النجوم المصريين من أمثال يوسف بيك وهبي ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم ومحمود عباس العقاد وغيرهم. وتجدر الإشارة إلى أن أحد أقطاب إذاعة الشرق الأدنى ورئيس القسم الموسيقى فيها، صبري الشريف، يسجل له الفضل في تطوير الأغنية اللبنانية من خلال تأسيسه لمهرجان بعلبك واكتشافه للأخوين رحباني وإسهامه في تطوير أداء فيروز التقني في الغناء باللغة العربية وضبط مخارج الحروف صوتياً.. وقيامه بعد نكبة فلسطين بنقل إذاعة الشرق الأدنى إلى بيروت.

والمخرج الفلسطيني رائد دزدار صاحب تجربة ثرية في مجال إخراج الأفلام الوثائقية الجادة. حيث قام بإخراج ثلاثة أفلام وثائقية، وهي:

أولاً: فلم "هنا القدس" تحدث فيه دزدار عن التجربة الفلسطينية الإذاعية انطلاقا من إذاعة "هنا القدس" والتي تأسست في 30-3-1936وترافق تأسيسها مع تزايد الغليان الشعبي وانفجار الثورة المسلحة ضد المشروع الصهيوني بكل مراحله. وترأسها الشاعر إبراهيم طوقان الذي رسخ في خطابها الإعلامي البعد التراثي الفلكلوري الفلسطيني، وتطورت الإذاعة في عهد عزمي النشاشيبي.. وأعيد افتتاحها بعد نكبة فلسطين في رام الله ثم استقرت أخيراً في عمان باسم إذاعة المملكة الأردنية الهاشمية..

ثانياً: فلم "السامريون على خطا موسى".. تناول فيه حياة اليهود السامريين في نابلس كجزء من الشعب الفلسطيني المضطهد.

ثالثاً: فلم "الأخوان لاما" رائدا السينما العربية في فلسطين ومصر. وهما فلسطينيان قدما من تشيلي وأخرجا أول فلم مصري صامت عام 1947 بطولة بدر لاما، وأسهما في تأسيس السينما في مصر.. لا بل أنهما قاما بإنتاج وإخراج أول فلم سينمائي فلسطيني في بيت لحم عام 1936 "الهارب" بطولة بدر لاما وعبد السلام النابلسي وفاطمة رشدي من إخراج إبراهيم لاما ووزع الفلم في عدة مدن عربية وخاصة القاهرة. وتطرق المخرج درزار في هذا الفلم إلى حقيقة أن أهم المنتجين في تاريخ السينما المصرية كانوا من فلسطين بدءاً من الأخوين لاما والأخوين تلحمي وصولاً الخواجة الذي اشترى أصول السينما المصرية، والعريان في السينما المصرية الحديثة.

رابعاً: فلم "يافا أم الغريب" مدار البحث في هذا المقال.

من هنا فإن اختيار المخرج رائد دزدار لتوثيق الذاكرة الفلسطينية البصرية من خلال حديثه عن مظاهر ازدهار يافا، والتركيز على الطابع الحضاري لهذه المدينة التي كانت تمثل درة شرق المتوسط، إنما جاء للرد على الدعاية الصهيونية التي ما زال يرددها الاحتلال في خطابه المتعفن في أنه احتل أرضاً قاحلة تقطنها بعض القبائل البدوية، فوهبها المهاجرون الصهاينة الحياة؛ لذلك ركز الفلم على ازدهار درة شرق المتوسط (يافا) التي حاول الاحتلال طمس بريقها الحضاري فباء بالخيبة والفشل الذريع.

 

بقلم بكر السباتين.

4 يناير 2020

 

 

 

شاكر فريد حسنمجتمعاتنا العربية ما زالت مجتمعات عرقية، عشائرية، قبلية، وطائفية، متمسكة بالعادات والتقاليد المتوارثة، غارقة في مستنقعات التخلف والجهل المقدس، عالقة وسط ركام الماضي، وغير قادرة على تجاوز مشكلات العصر.

والواقع أننا نحتاج لمجتمعات حضارية عصرية متحررة من المسلمات وثقافة المقدس وعتمة الفكر، واعتماد المعرفة وحرية التعبير، وتحقيق الحرية والانفتاح على ثقافة الآخر، وفصل الدين عن السياسة، ونشر ثقافة حقوق الإنسان، والقضاء على التعصب. وهذا لا يتحقق سوى في المجتمع المدني العلماني التعددي، مجتمع الديمقراطية والتقدم العصري.

ويبقى السؤال: متى نتغير..؟! فالتغيير ليس سهلًا، ولكي يكون تغييرًا ايجابيًا وشاملًا، فيجب إعادة بناء وصياغة العقل العربي وتحريره، وبناء الأسس بالتفكير الحر، والايمان بحرية الاختلاف والتعايش والابداع ، والتخلص من التبعية، والاعتماد على الذات في إنشاء الحضارة، وإلغاء الفوارق الطبقية من خلال القضاء على مسببات الفاقة والجوع والفقر، وتحقيق الحرية والعدالة.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

شاكر فريد حسنلا شك أن هنالك متغيرات شاسعة ضربت فكرة العروبة وسياساتها، ووصل الحد إلى اختفائها من الأفكار والسياسات، خصوصًا بعد رحيل الزعيم القومي العربي الخالد جمال عبد الناصر.

وكانت العروبة ظهرت كفكر ثم حركة جماهيرية عريضة دفعت إلى تأسيس الجامعة العربية، التي فقدت مصداقيتها في أيامنا هذه. وسرعان ما تحولت العروبة إلى استراتيجية وسياسات دول، وبفضلها تحققت الوحدة بين مصر وسوريا، وغدت مركز الثقل في الصراع مع المؤسسة الصهيونية والامبريالية الأمريكية.

وفي ظل الحرب الثقافية البارزة بدأ توظيف الاسلام السياسي في محاربة فكر العروبة القومي وسياستها، ومواجهة القوميين المندفعين باتجاه الفكر الماركسي الاشتراكي العلماني. وفي أواسط الستينات من القرن المنصرم اندلع الصراع الثقافي والايديولوجي الذي أضر بالفكرة العروبية كثيرًا، وشكل الانفصال في العام 1961 ضربة قاسية في صميم استراتيجيات العروبة.

وتقطر قلوبنا مرارة وألمًا مما آلت إليه التطورات في مصر بانتهاج حكامها سياسة خنوعة متساوقة مع المشاريع الاستعمارية الامبريالية، وصلت أسفل حضيض لها في صفقة كامب ديفيد، التي حيدتها وفصلتها وألغت وصَفَّت الدور الطليعي والسياسي البارز لمصر في حركة النضال القومي العربي وجعلتها فريسة سهلة للإمبريالية العالمية وحكام اسرائيل، وخدمة مشاريعهم التصفوية للقضية الفلسطينية.

ومنذ سنوات نلحظ في مرحلة المحنة والردة، وبعد غياب عبد الناصر، انتعاشًا للإقليمية الانعزالية، ونمو التيارات الدينية الاصولية والسلفية المتطرفة بما يعرف بالاسلاموفيا، أو الاسلام السياسي، فضلًا عن التمزق الحاصل بين الأقطار العربية، واشتداد الصراع الطبقي الاجتماعي، والارتماء في أحضان أمريكا والتهافت نحو التطبيع مع دولة الاحتلال والعدوان.

إن الاوضاع العربية الراهنة والتطورات السياسية المتلاحقة، تقتضي العودة إلى فكرة العروبة والعمل المشترك على كل المستويات وفي كل المجالات، ويحتم ثورات حقيقية ذات أبعاد عميقة وثورية واجتماعية وطبقية ذات توجه ديمقراطي يعطي الجماهير امكانية الممارسة الحقيقية للعمل السياسي والنقابي، وزيادة الوزن النوعي للعمال والفلاحين وكل الكادحين والمسحوقين في اصطفاف القوى الطبقية، صاحبة المصلحة الحقيقية في التغيير، الذي سيكون له التأثير العميق في المرحلة المقبلة من التطور القومي العربي. وها نحن نشهد بوادره في العراق ولبنان، من خلال ثورات الجياع التي تفجرت في البلدين منذ شهور عدة وما زالت تتواصل في الشوارع والميادين والساحات العامة.

 

بقلم : شاكر فريد حسن

 

شاكر فريد حسنرغم أن هذه المسرحية كتبت في العام 1952 إلا أنها ما زالت مثار الانتباه والجدل حتى أيامنا هذه.

وكان الأديب الفلسطيني الراحل نواف عبد حسن ترجم هذه المسرحية للعربية في سبعينات القرن الماضي، ونشرها على حلقات بمجلة " الشرق " المحتجبة، التي كان يرأس تحريرها الدكتور محمود عباسي.

وتعتبر هذه المسرحية أفضل اعمال الكاتب المسرحي الايرلندي صموئيل بيكيت على الاطلاق وأشهرها على المستوى العالمي.

وهي مسرحية اللامنطق في عالم يتظاهر بالمنطق وفي داخله فوضى مرعبة، وتدور حول شخصيات معدمة، مهمشة، مسحوقة، منعزلة، تنتظر غودو ليغير حياتها جذريًا نحو الافضل والأجمل، وتكتنفها نزعة سوداوية وسخرية لامتناهية تتمثل بالتلاعب بالألفاظ وأحداث التوتر ومغرقة بالرمزية التي تغلف كل شيء فيها، إنها قصة الانتظار التي تتكرر عبر الازمنة والامكنة، وفي النهاية غودو لا يأتي ويظل هو المشكلة التي تظل بدون حلول.

ويتفق جميع النقاد والكتاب أن الشيء في هذه المسرحية التي تمثل عبثية الوجود وفوضوية الواقع، وتدخل في إطار ما يسمى مسرح العبث أو المسرح اللامعقول، هو عنصر " الانتظار "، الذي من خلاله يحاول بيكيت أن يصل إلى نتيجة وهي أن الانتظار يستطيع أن يبعد اليأس عنا لا بل قد يكون بمثابة وسيلة للوصول إلى هدف منشود صعب المنال.

وفي غمرة هذا الانتظار المفزع والمتمزق، في هذا الجو النفسي المثقل بالخوف والرهبة والضياع والقلق، يجد القارئ نفسه في جو مماثل، في مسرحية، يتساءل كاستراجون وفلاديمير هل سيأتي من يمثلنا التمثيل الصحيح المشرّف ومتى؟ متى سيجيئ الممثل الذي يعرف واجبه تجاه بلده ومجتمعه، وهل سيجيئ الرجل البناء البعيد عن التصريحات والأقوال الجوفاء؟ اسئلة تتكرر في كل دورة من دورات الطبيعة، وكل تغيير يطرأ، نرحب به ونأمل أن يكون الخلف خير من السلف، ويقلب الممثل ظهر المجن لنعود إلى ترسانة الانتظار، لنبحث عن منفذ، نتغلب به على ثقل التمزق والضياع، فالأمل قوي والعزيمة اقوى لأن الليل سينجلي، والفجر آتٍ لا محالة.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

محمد تقي جونمثلما تأثرت الفيلية بالعربية والعراقية الدارجة، فانها أثرت بالمقابل في العامية العراقية في مفردات مثل: (مردانه) بمعنى (مرجلة)، وهي من (مه‌رد) الفيلية بمعنى رجل. و(صرماية) بمعنى رأس المال، من (سه‌رمايه) الفيلية بالمعنى نفسه. و(طرشي) من (تورش) التي تعني بالفيلية الحامض. و(بقچة) للبستان الصغير، وهي بالفيلية (باخچة) بمعنى البستان الصغير، و(چمچة) بمعنى مغرفة الطعام، وأصلها فيلي هو (كه‌مچه) وتعني مغرفة الطعام الصغيرة، وكلمة (خۆش) المستعملة بكثرة أصلها فيلي في المعنى نفسه (زين) وتأتي ايضاً بمعنى الفرح والسعادة.

ويقولون وفي العامية العراقية (عايشين بصايتك) فـ(صاية) أصلها فيلي هو (سايه) بمعنى ظل كقولهم (ده سايه‌ي خۆت بژيمن = عايشين في ظلك).  ويصيحون على القط (پشت) وهي مأخوذة من (پشيا) (قط) بالفيلية. ويقولون للتحفيز (عفية او عافرم) وهي مأخوذة من الكلمة الفيلية (ئافه‌رم). ويقولون (عنده تنگ) واللفظ العربي الصحيح (عنده ضيق)، وهي مأخوذة من الفيلية (تنگ) وتعني ضيّق. ويقولون في العامية العراقية للبنت النادرة والشاطرة (چيوانية) والكلمة منقولة من الفيلية في وصف البنت التي تحمل على عاتقها واجبات البيت، فيقال لها (كه‌يوانو، كێنو)، و(كێنو باوگي) أي شاطرة أبيها. ويقولون عامياً (الكروة) وهي كلمة فيلية (كرا) وعربياً الاجرة. ويضيفون لصاحب المهنة مقطع (چي)، فيقولون: (فيترچي)، (عبايچي)، (أوتچي). وهو اقتراض من الفيلية مثل: شكارچي: صياد، كه‌موته‌رچي: مطير الطيور، چايچي: صاحب القهوة. واللغة العربية الفصيحة تضيف لصاحب المهنة (الياء) مثل: حمامي، ساعاتي، بستاني.

كما أخذت العراقية الدارجة من الفيلية عبارات كثيرة منها: (طحت وراه) أي تعقبته، مأخوذة من الفيلية (كه‌فتمه دمۆي) أو (كه‌فتمه ديماي) بمعنى تعقبته وحرفيا (سقطت وراءه = طحت وراه). وعبارة (لا تاكل قهر) والعربية الصحيحة تقول (لا تحزن)، وهي مأخوذة من الفيلية (خوسه‌ نه‌ خور) بمعنى لا تحزن، وحرفياً (قهر لا تأكل). ونقول بالعامية العراقية (بطنه تمشي)، واللفظ العربي لهذه الحالة هو (إسهال)، و(بطنه تمشي) ترجمة حرفية لـ(زگي دچي) الفيلية التي تعني الإسهال. وغير ذلك كثير.

 

البروفيسور الدكتور محمد تقي جون

 

جواد غلوم"شيء من أفاعيل الشعر حينما يصدق"

يتبادل كل من الرجل والمرأة الاتهامات بشأن الوفاء بعهد علاقة الحبّ الحميمية بينهما فنلحظ الرجل يتّهم محبوبته بأنها أقلّ وفاءً وتضحيةً؛ إذ تقول قصة شائعة ان حبيبين اتفقا على إنهاء حياتهما انتحاراً بعد ان سُدّت كل أبواب الأمل بينهما للاقتران فوقفا على احد الجسور ليرميا نفسيهما في الماء غرقا وكان الرجل هو الأسبق فرمى بنفسه وغرق؛ لكن المرأة لم تفعل ما فعله حبيبها فتراجعت وعادت الى بيتها سالمة غير عابئة برحيل حبيبها، لهذا شاعت المقولة الساخرة المعبّرة والواخزة: النساء أولا، ولا يخفى على ما في هذه الجملة من هزّة مؤلمة تفوق التندّر والسخرية المرّة . 

لكن المرأة هي الاخرى تتهم الرجل بانعدام وفائه وكثيرا ما كان يتنقل حبيبها من قلب امرأة إلى أخرى وقصة الفتاة الصربية المعلمة الجميلة "نَدي" مع حبيبها الضابط " ريليا " ليست قصة أسطورية، اذ كانا يلتقيان على الجسر القائم في ضواحي مدينتهما الصغيرة " فرنياتشكا " بشكلٍ دائم ويقضيان مشوارهما ويتناجيان همسا وعشقاً هناك، لكن الحرب العالمية الاولى -- ومااقساها – قد اندلعت حيث استدعي الضابط الشاب العاشق " ريليا " للمرابطة  في احدى الجزر اليونانية تاركا عشيقته تهيم كل يوم على الجسر وحدها وتذرعه طولا وعرضا انتظارا لحبيبها دون ان تيأس لكن العاشق المارق خذلَها وأحبّ فتاة يونانية وأرسل الى حبيبته الاولى بلاغا بفسخ الخطوبة ؛ وما ان صدمت بهذا الخبر حتى امتلأت بالحسرة والأسى وأخذت تذبل وتنحل تدريجيا الى ان ماتت حزنا وكمَدا .

بعد هذه  المأساة  التي حلّت بالعاشقة "ندي" ومرور سنوات حتى كادت ان تُنسى؛ كتبت الشاعرة الصربية "ديسانكا"  قصيدة (صلاة من اجل الحبّ)  للتذكير بحادثة العاشقَين "ندي و ريليا" وفيها مقطع مؤثر تقول فيه:

تعالا ؛ ايها العاشقان

أقيما برهةً في هذا المكان

قفا على الجسر

انه مرتع الهوى المذبوح

هنا نحبتْ مشاويرُ الحب

ارميا مفتاح الحب في الماء ليخلد في قعر النهر

ديسانكا الشاعرة هي وحدها من خلّدت هذه المأساة التي حاقت بالحبيبين، وعلى اثر هذه الحادثة المؤسفة توسعت عادة غلق الأقفال على مفاصل الجسور ورمي مفاتيحها في النهر كما تفعل الفتيات والفتيان حاليا على جسر الفنون في باريس  الأشهر عالميا في رصف الأقفال وتراكمها باعتبارها عاصمة للرومانسية والحب ومدينة النور والأضواء الدائمة، رغم توجيهات بلدية مدينة النور بالتخفيف منها خوفا من ثقل الأقفال الحديدية والتي قد يصل الى حوالي مليون قطعة، ولم تنفع توسلات البلدية للحدّ من هذه الظاهرة والتعبير بطريقة اخرى وأساليب متنوعة لإبراز الحب بتقليعة جديدة غير الأقفال وذلك من خلال اللافتات التي تمنع وضع القفل ولكن بطريقة مهذّبة كأن تقول (باريس تشكركم لو امتنعتم عن وضع الاقفال) أو (هلاّ عبّرتم عن حبكم بطرائق اخرى دون ان ترهقوا الجسر) وتلجأ الحكومة الى قطعها بمناشير حديدية بين آونة وأخرى، فهذه العادة ليست فرنسية أصلا كما يخيّل الى البعض مع انه الجسر الأشهر في إحكام الأقفال ورمي مفاتيحها في نهر السين انما هي مستوحاة من الإرث الصربي مثلما هي خالدة عندنا في قصة قيس وليلى عند العرب وروميو وجوليت لدى الانجليز وقصة شيرين وفرهاد في التراث التركي .

وقد امتدت هذه التقليعة الى مدن اخرى تقليدا لعادة العشّاق الصرب كما في روما وبرلين وكولن في ألمانيا وبروكسل ووصلت الى موسكو ايضا ولم تسلم جسور المدن الصغيرة من إثقالها بالأقفال في معظم الأمكنة حتى وصلت هذه التقليعة الى كوبري قصر النيل في العاصمة المصرية القاهرة وفي جسر ستانلي الواقع في الاسكندرية  وامتدّت هذه التقليعة الى جسر " تيلي ميلي في العاصمة الجزائرية "  مثلما وصلت الى بصرتنا الفيحاء في العراق قبل بضع سنوات وقام عشّاقها بإحكام الأقفال على احد جسورها لكنها لم تستمر عندنا بسبب القيود المانعة المشددة التي فرضها احد الأحزاب النافذة المحسوبة على التيارات الإسلامية في البصرة . 

هكذا يفعل الشعر فعله لو صدق وخرج من لوعة المعاناة، فما أجمله لو جسّد الحب الحقيقي بمراراته وشقائه مثلما يمثّله بروعته وجمال لقاءاته ولمّ شمل الحبيبين .

 

جواد غلوم

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – البارود والنيران لا يتصادقان.

التعليق – ويقول المثل الروسي في هذا المعنى – القش والنار لا يتصادقان . المثل الاذربيجاني يعكس نفس تلك الحالة ولكن بشكل دراماتيكي واضح . تضرب هذه الامثال ايضا لتصوير حالة عدم الانسجام التام - ولحد التنافر- في العلاقات الشخصية بين البشر .

***

الترجمة الحرفية – اللسان أشدّ حدّة من السيف .

التعليق – يقول المثل الاندونوسي- لا يوجد مقص او طبر اكثر حدة من لسان البشر، وامثالنا العربية تؤكد هذه الحقيقة، ومنها (الجرح يطيب والكلمة ما تطيب)، ومنها ايضا بيت الشعر الذي ذهب مثلا، وهو –

وقد يرجى لجرح السيف برء  ولا برء لما جرح اللسان

***

الترجمة الحرفية – ابوك البصل وامك الثوم، فكيف تكونين انت وردة.

التعليق – مثل طريف ومرح جدا، ومن الواضح انه يضرب للشخص الذي يتنصل عن جذوره واصوله، وما أكثرهم حولنا !

***

الترجمة الحرفية – من لا يعرف الغربة، لا يعرف قيمة الوطن.

التعليق – يوجد مثل كوري يقول – انسان بلا وطن اسوأ من كلب بلا بيت . هناك أمثال كثيرة عند الشعوب الاخرى حول الغربة والوطن، بما فيها طبعا شعوبنا العربية، الشعوب التي عانت ولازالت تعاني من ظروف الحياة الصعبة، والتي تؤدي الى الهجرة والغربة والحنين الخانق للوطن ...

***

الترجمة الحرفية – العيون تتحدث عن الحب .

التعليق – هذا المثل الاذربيجاني مفهوم جدا لنا، نحن العرب، اذ اننا جميعا نعرف لغة العيون و (نتحدّث بها !!!)، والتي هي لغة الشرقيين عموما، وتوجد في تراثنا وامثالنا الصورالفنيّة العديدة حولها، و يكفي ان تنذكر فقط شاعرنا المعاصر احمد شوقي وهو يقول- وتعطلت لغة الكلام وخاطبت  عيني في لغة الهوى عيناك ...

***

الترجمة الحرفية – بقي اللص حرّا، واصبح الشاهد سجينا .

التعليق – ما أكثر هذه الحالات في مجتمعاتنا، لدرجة، ان الشاهد أخذ يخاف من المشاركة بفضح الجريمة التي شاهدها بام عينيه ليتجنب هذا المصير. ما أفظع الحياة عندما تفقد العدالة و الانظمة مكانتها في المجتمع !

***

الترجمة الحرفية – سيكون الغريق سعيدا حتى لو يمسك بثعبان .

التعليق – ونحن نقول بلهجتنا العراقية – (الغركان يجلّب بكشّاية) (الغركان – الغريق، يجلّب – يمسك، يتشبّث، كشّاية – قشة) . المثل الاذربيجاني أكثر دقّة من مثلنا في التعبير عن حالة اليأس، فالقشة لن تنقذ الغريق من الغرق، لكن الثعبان قد يقتل الغريق قبل الغرق، ومع ذلك فانه يحاول ان يمسك به.

***

الترجمة الحرفية – قل كلمة (حلوى) قدر ما تقدر، فلن يحس فمك بطعم الحلوى.

التعليق – هناك مثل اغريقي قديم يقول - النظرية دون تطبيق ميّتة، وهو مثل فلسفي عميق . المثل الاذربيجاني هذا في نفس المعنى، الا ان صيغته واضحة وبسيطة ومرحة .

 

أ.د. ضياء نافع

 

محمد الورداشيتفيد كلمة عاطل، من جدر "عَطَلَ"، في اللغة العربية معانٍ عدةً. إذ نقول امرأة عاطل؛ أي أنها لا تتوفر على حلي. وشخص عاطلٌ، بمعنى أنه لا يتوفر على عمل رغم كونه أقدر عليه. ولعل كون كلمة "عاطل" من الصفات التي يشترك فيها المذكر والمؤنثُ، هي ما يجعلنا نقول إن امرأة عاطل من الحلي معناه أنها خالية منه، فتبحث عنه وتسعى إلى الحصول عليه، بل تتمناه كما يتمنى الشخص العاطل الحصول على عمل. فهل يمكننا أن نضيف كلمة "أدب" إلى "المعطلين"؟ وهل هناك أدب عاطلين/معطلين؟ ولئن كان موجودا، وهو كذلك لأننا نقرأه في كتابات عديدة، فهل حظي باهتمام من لدن الدارسين والنقاد، كما بتنا نقرأ، منذ سنوات متأخرة، دراساتٍ نقديةً عن أدب السجون، والأدب النسائي، علما أن هذين الأدبين يشتركان مع "أدب العاطلين" في معاناة النسيان والإهمال والإقحام قسرا وجبرا في قائمة الطابو؟ ما خصائص "أدب العاطلين"؟. هذه أسئلة قليلة تواجه كلَّ من سمع أو قرأ عن أدب المعطلين. نطرحها باحثين راغبين عن/في دراسات نقدية تهتم بهذا اللون من الأدب درسا ونقدا وتحليلا؛ لأنه يحمل بين ثنايا لغته، قيما اجتماعيةً وحضاريةً وجماليةً. ففي هذا المجال، نرى أن نصوص مؤلَّفِ "صهيل الذاكرة" للكاتب والشاعر المغربي عبد السلام فزازي، الغني عن كل تعريف لأننا لا يمكن أن نعرف المعرف أصلا، وإنما نترك المهمة للساحة الفكرية والأدبية التي له قسطٌ وافر فيها نقدا وتأليفا وترجمة، جزءا لا يتجزأ مما يسمى أدب المعطلين. حيث المعطل يعيش غربةً وضياعا في زمن باتت فيه الوظيفةُ وليمةً وقسمةً ضيزى، يتقاسمها ورثة غير شرعيين. على أن المعطل لم يكن دوما شخصا أعزل خاوي الوفاض، بقدر ما أنه كائنٌ مثقف ثقافةً واسعةً في زمن أضحت فيه الثقافة عبئا ثقيلا على المثقف، يتوارى به أحيانا ويشهره سيفا أحيانا أخرى. إن الكلمة رصاصةٌ طائشةٌ، بيد أنها لا تخطئ هدفها بشكل من الأشكال، وإنما تغدو سلاحا لمثقف معطل أفنى زهرة عمره في تقليب الصفحات، بحثا عن التحصيل المعرفي داخل وطنه وخارجه. ليجد نفسه في نهاية المطاف غريبا في وطنه الذي بات غربة. ثم يهتف بقيم كونية؛ كالعدالة الاجتماعية والديمقراطية والحرية. حاملا همَّ كل المعطلين وأبناء وطنه الجريح الذي باتوا يعصرون زيتا، على حساب زناة الليل، ومصاصي الدماء الذين يخدمون أخا لم تلده أمهم. إذ يتفننون في تنفيذ القرارات على حساب الذين يحملون فكرَ وثقافةَ حضارةٍ يتجاذبها ماض ذهبي، وحاضر سقيم مختل الموازين، وغد مجهول حِيكَ بلغة التسويف والتأجيل. ونحن نقرأ نصوص "صهيل الذاكرة"، نستشف أن المثقفَ العاطلَ أضحى نبيا وشمعةً تحاول بكل ما أوتيت من قوة، ولا قوة لها سوى قلم جريء وصوت مبحوح وثقافة أصيلة، أن تضيءَ ليل المعذبين في الأرض، وتنشرَ الوعيَ والأملَ فيهم. بداية من أبناء مسقط الرأس، مرورا بالمعطلين/حاملي الشهادات العليا، وصولا إلى معطلي العالم. وذلك لأن الكاتب يعي جيدا المهمة الثقيلةَ التي ألقيت على عاتقه؛ لأن الذي يسكت على الجريمة يعدُّ مشاركا الجلاوزة والطغاةَ فيها. في حقيقة الأمر، ونحن نقرأ هذه النصوص، لم نستطع وقف مشاعرنا التي تهتز، وعقولنا التي تغرق في حيرة السؤال في زمن بات يرفض الأسئلة. فضلا عن أن تعبان بن تعبان، ليس ابن لحظة زمنية محددة، بل يتخطى حدود الزمان والمكان لينقلنا عبر ذاكرته الأبية، من جبال الريف وتضاريسه وأشجاره المتجلدة في وجه الشامتين، إلى الطالب المغترب عن وطن أحبه دون وسيط، طلبا للعلم والمعرفة. لتأتي العودة التي يكتشف فيها أن الأرض والإنسان قد تغيرا، بل كل شيء تغير بفعل فاعل. إننا لا نزعم إحاطتَنا بما يحفل به الكتاب كله، وهذا ما لا نستطيعه، ولا نطمح إلى إعادة سرد كلماته العميقة. وإنما نحاول الإشارة إلى الرموز الثقافية والتاريخية، والقضايا الإنسانية الكبرى التي تقض مضجع تعبان بن تعبان في رحلته السندبادية/ المكوكية. ثم الهموم الثقال التي كان مصدرها حبه لوطنه، وخوفه على شبابه وثقافته وحضارته التي باتت بضاعة تباع في سوق النخاسة من قبل ذئاب الفلوات، مصاصي الدماء، متسلقي السلالم؛ هؤلاء الذين لا يخلو منهم زمان ومكان. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، يطلعنا تعبان بن تعبان عن هموم العربي الذي فقد هويته في مزايدات وأطماع خسيسة. ولعله لا يعترف بالحدود الجغرافية ولا الانتماءات العرقية الضيقة، بقدر ما يرى نفسه ابنا من أبناء الوطن العربي الذي عانى ولا يزال طعنات الأخ الذي لم تلده أمنا، حتى أثخن جراحا لا نعتقد أن هنالك طبيبا حاذقا يقدر على تضميدها. فهكذا، يأتي "صهيل الذاكرة" صرخات وآهات مثقف معطل خبر مكر أعداء الوطن، وتذوق من علقمه الكثير، ما جعله يكشف عن الوعود الزائفة، ولازمة سياسي البلد وتسويفهم وتأجيلهم الذي لم نسلم منه حتى يومنا هذا، مشهرا قلمه سيفا في وجوههم دون أن يخشى لومة لائم. وماذا يملك المثقف العربي عامة، والمغربي خاصة غير ثقافة عريقة أصيلة، وقيم إنسانية كونية، ومبادئَ لا تساوم. إنه قلم يرفض الخنوع والخضوع، ويفض بكارة الصمت والأفواه المكممة الموشومة بخط أحمر، ليصرخ بالحقيقة شفافة دون مواربة ولا محاباة. "فأن تكون رافضا ومرفوضا، معناه أنك حقيقة". هكذا يعلمنا صاحب "صهيل الذاكرة" القيمَ والمبادئَ النبيلةَ التي لا تُبتذل مهما عصفت بها رياح الواقع المرير؛ لأنها لم تكن وليدةَ الفراغِ، وإنما كان مصدرها قاموسَ الحركة الوطنية التي ينتسب إليها تعبان بن تعبان، فخرا بحبه لوطنه، واستحضارا لمنبع هذا الحب من خلال شخصيات المقاومة البطولية في الريف، والتي حاربت المستعمِر في الجبال والسهول، لا لحاجة ذاتية، وإنما لصيانة وطن متمنع عن اللواط، وعن مطامع أخ لم تلده أمنا. ختاما، نقول إن المثقف هو صاحب رسالة نبيلة، إذ يقف في وجه مطامع الاستبداد ومناهضة الاستعباد مهما كلفه الثمن، ربما لأنه لا يملك ما يخسره غير تلك النتائج التي سيحصل عليها عاجلا أو آجلا. فلا تغيير حقيقيا بدون مثقفين يزرعون بذرة العلم والوعي في العقول، وهذا ما تعلمناه من تعبان بن تعبان الكوني.

 

محمد الورداشي

 

علي ناصر الركابيمن المعروف والمسموع لدى الكثير معنى جوهرة أو جواهر، وهو الحجر الكريم الثمين أو  هو الشي النفيس الجميل عالي القيمة. فتأسيساً على هذه المعاني لقبت على عَنابة أو بونة بجوهرة الشرق الجزائري وجوهرة المتوسط إشارة إلى جمالها، وهي أحدى وأهم مدن الجزائر، والتي يعود تاريخ تأسيسها حوالي القرن ال 12 ق.م على يد اليونانيين كمدينة بونيقية، كما عرفت بأسم هيبون من طرف الرومان، وفرس النهر أو الكرسي الملكي في العصور القديمة، حيث كانت في القرون الثلاثة الأولى للميلاد من أثرى مدن الإمبراطورية الرومانية. وسميت أيضاً بونة خلال فترة الاحتلال الفرنسي.

وهذا هو المعنى التاريخي للجوهرة الأولى.

أما المعنى الأخر فهو العاطفي الذي وجده حبيب في جوهر حبيبته التي أحبها والتي وصل في حبه لها الى مرحلة العشق السرمدي المفرط، فالعشق هو الحب المفرط، أي هو الذي يتأثر به الجسد  وهو أعلى مراحل الحب.

نعم تلك الجوهرة الثانية التي عشقها الحبيب، كونها تحمل صفات شخصية قل نظيرها عند باقي النساء، فوجدها رزينة عاقلة تقوم بوزن الأمور بعقلانية، أمرأة نقية تتصف بالقلب الحنون، تحب الصدق والصراحة وتكره الكذب والخيانة، ودودة فهى إنسانة تحب كل من حولها و تتميز بارتباطها القوي بعائلتها، تحب الاستقرار والشعور بالأمان، إنسانة مخلصة في حبها، تلقى قبول ومحبة من الآخرين، تقدم المساعدة لكل من يحتاج إليها، تتميز بقوالشخصية، تحب التفاؤل بالمستقبل، كما أنها هادئة بشكل مبالغ فيه.

نقول ومن باب التواضع بأن الحب لا يقتصرعلى الكلمات المعسولة، بل هو يترجم بتصرفات وتفاصيل صغيرة، تعكس تقدير الحبيبان احدهما للآخر ولمساحته وحريته واحتياجاته، وتدلل على رأيهما بقولهما إن الحنان والدفء ومشاركة الطرفين للقرارات والتهادي بهدايا ولو رمزية بسيطة بين الفترة والأخرى يقوي العلاقة ويمنحها استمراريتها، كما يؤدي الى صيانة العشرة واحترام الأسرار.

كما انه جيد للقلب الوقوع به، وبجوهره أمر رائع بالنسبة للجهاز العصبي وللقلب. فالشعور بالدفء والمودة يزيد من النظام العصبي الودي، مما يساعد على الاسترخاء. وهذا يقلل من التوتر، ويبعد الاكتئاب والقلق. ويقال عن الحب أيضاً هو غذاء روحي ونفسي لا يضاهيه غذاء... الحب جناح  يأخذ القلب في رحلة الحياة ... الحب بذرة تحتاح الى الرعاية والاهتمام لتنمو... الحب بسمة تمحو تجاعيد الوحدة عن القلب... الحب بوصلة موجودة في القلب، تشير الى اتجاه الحبيب...

وعلى الرغم من اختلاف أنماط الحب وأسبابه، إلا أن حب الصدفة من أفضل أنواع الحب التي تستمر، فهذا هو الحب الذي قذفه الله سبحانه وتعالى في قلب الحبيب حينما أحب حبيبته (الجوهرة الثانية) ليغير حياته رأساً على عقب دون سعيه مسبقاً للحصول عليه، وإنما وقع من باب الصدفة، فعليه ببساطة أن يدع الأشياء تنجز نفسها، وذلك عندما يعلم أنه من المفترض أن تكون كذلك، لأن القدر أخذ مجراه، وبينما كان مشغولًا جدًا في القيام بشيء آخر، جاء حب حياته الثمين النفيس والذي لا يقدر بثمن.

 ان مقابل شخص، والوقوع في الحب، وتزوجه، وانجاب أطفال، وقضاء بقية حياتك معا، فهي النسخة المغلفة بالسكر من الحب، والتي تأتي هدية من الله سبحانه وتعالى دون أي ترتيب منك، خاصة عندما تقع بين أمرين وهما الحنين والشوق لجوهرتك، حيث أن الحنين لايعرف آداب الزياره.. أما الشوق.. فهو الابن المدلل يأتي وقت مايشاء.

 

د. علي ناصر الركابي

 

 

 

علي ناصر الركابيقبل الدخول في مضمون الحب، فهنا يجب أن نفرق بين مفهومين رئيسين في علاقتك بمن تحب، وهما الاعجاب والحب.

الإعجاب: هو أولى درجات الحب، وهو وحده الذى بإمكانه أن يتولد سريعًا دون مقدمات ومن الممكن أيضا أن ينتهى سريعا دون تمهيد.

أما الحب (وأقصد العاطفي): فهو الذي لا يأتى فى فترة قصيرة كما يعتقد البعض، وهذا الآصل، أما الاستثناء فيمكن ذلك، وهو ذلك الحب الذي يبدأ بالإعجاب والانجذاب من النظرة الأولى بين الرجل والمرأة، حيث تجمعهما في البداية الصداقة التي تتحول فيما بعد إلى حب، أو أنّهما يقضيان وقتاً مع بعضهما، كأن يسهرا طول الليل فتتطورالعلاقة لتتحول الى حب.

وقد يشعر الكثير من المحبين بالحيرة أمام تلك الأحاسيس ولا يعلمون كيف يتم إيصالها لمن يحبون، لذلك هناك الكثير من الكلمات الموجودة على مواقع التواصل الاجتماعي والانترنت يمكنها ان تصف مشاعرك وتستطيع إخبارها لمن تحب. أو أن تكون موجودة اصلاً بين المحبين عند لقائهما حيث جمعتهما الصدفة الجميلة.

كأن يخبر الرجل المرأة أنه يحبها خلال فترة قصيرة من تعارفهم دون أن يعرفها معرفة تامة،

وفي هذه الحالة يجب على المرأة عدم تصديق الرجل، لأنه في كثير من الأحيان يتفوه بهذه الكلمة دون أن يشعر بها، وقد يحدث العكس، أي أن يكون الغرض من ذلك الإيقاع بالمرأة، حيث أن هناك العديد من العلامات التي تدل على حب الرجل الحقيقي والتي يمكن من خلالها التأكد من حبه، مثل الاهتمام الكبير بالمرأة، وإعطائها الأولوية في كل أمور حياته، ودائما يـعَرف الناس بها، وعندما يتحدث دائما عن المستقبل هذا يعني ايضا أنه يحبها و يريد إكمال حياته معها. 

أو كأن تخبرالمرأة الرجل بأنها تحبه، وهنا يجب أن تراعي التعامل معه بنوع من الذكاء و الهدوء، وأن تصبح منفتحة الذهن، وعليها أن تعلم أنها بنبرة صوتها الرقيقة و التي تمتلئ بالحنان تستطيع أن تسحره بحبها، فعليها دائما ان تهتم بمدحه وتعطيه دوره كمسؤول عن أهم الأمور في حياتها والتي تجدها صعبة بدونه، وأن تساعده في اي شيء عندما يطلب منها المشورة والمساعدة، وأن تسانده وتشجعه على كل شيء يفعله، وتقوم بمدحه أمام الأصدقاء موضحه مزاياه التي جذبتها إليه، وان تشعره بمدى سعادتها بأنه جزء من حياتها، وانها لا تستطيع تخيل حياتها من دونه، فهذه من الطرق الهامة للتعبيرعن الحب للرجل.

كما أن هناك تصرفات مشتركة عند الرجل والمرأة سويةً تدل على ان الشخص قد بدأ يحب شخصاً ما، كقول كلماتٍ مثل: أشتاق لك، حيث يكون فعلاً قد اشتاق له، نسيان الحبيب السابق، البدء بحب عمل أشياءٍ لم يعتد أن يحبها أو أن يقوم بها، البدء بتقديم التضحيات، الشعور بالأمان والطمأنينة بوجود ذلك الشخص حوله، بدء التخطيط لمستقبلهما سوياً دون أن يدرك بأنّه يفعل ذلك، تعريفهُ على عائلته، اليقين بأنّ هذا الشخص هو الشيء الوحيد الذي حصل له في حياته.

وفعلاً هذا ما جسدته علاقة حب وقعت بالصدفة بين حبيبين في غضون أربعة أيـام جمعتهم النظرة والمشاعر وتبادل الأحاديث والاعجاب لينتهي بالحب بعدما أصدر العقل أمراً عاطفياً الى قلب كل منهما، ليدرك كلاهما بانهما وجدا نصفهم الأخر الذي طالما عانا سابقاً من تجارب عاطفية أو أسرية فاشلة لسنوات طويلة، أنتهت بخيانة أخلاقية أوخيانة مادية، أو لأسباب تافهه... حيث عاش فيها الحقد والكراهية والشك والأنانية... وضاعت فيها الضحكة والفرحة والمحبة والمودة ... كما ضاعت سنوات العمر ...

 قد تقف الكلمات والحروف عاجزة عن وصف المشاعر التي ينبض بها قلب ذلك الحبيب لحبيبته حينما رأى فيها البراءة في النظرات ذات العيون الخضراء في دولة خضراء والكلام الموزون والدفء والحنان وطيبة القلب والأناقة والنزاكة والتواضع والهدوء عند التحدث والأجابة عند السؤال .. كما وصفها بعد حين بانها:

عربية الأصل، مسلمة الديانة .. أوروبية الجمال، مسيحية الأخلاق .. وهذا ما كان يحلم به منذ بداية شبابه..

أما الحبيبه، فوجدت حبيبها الشخص الوحيد الذي خطف قلبها عند ساحل البحر وبين الحدائق والطرقات المؤديه له حينما ألتقوا هناك، كونهم من بلدين مختلفين. أحبتهُ لقوة شخصيته، لذكائه، لفطنته، لكلامه ووسيلة إقناعة، لإبتسامته وطيبة قلبة، لصراحته. عندها قالت له: انت الشخص الوحيد الذي ضحكت معه من قلبي وبكيت أمامه أسفاً على أيامي التي ضاعت هدراً في زواج مؤلم وتجربة فاشلة مع شخص لم يستحقني أبداً. شعرت بالأمان وراحة البال من أول يوم تعرفت بك، وردني أحساس لم يقبل الشك بإنك نصفي الثاني الذي ابحث عنه طول عمري، بحيث أول مره عرفت نفسي في مكان مع رجل بمعنى الكلمة، الرجل الوحيد الذي اوقعني في حبه بعد ساعات من أول لقاء به رغم اني عنيدة بطبعي وهذا ما جعلني احتار في أمري، رجل يهمني وسوف يحبني بدون أي مصلحة، كنت أتصرف معك كأني أعرفك من زمان، أول مره أعرف رجل حقيقي حنون وقوي .. والقوة لله العظيم .. يرايت عرفتك من زمان وكنت زوجتك وأم أولادك .. ياريت كنت من نساء بلدك وتعرفت عليك سابقاً، أنت غالي عليَ كثيراً.. ثم ختمت كلامها قائله: نحن تعذبنا كثيراً وأخذت منا الدنيا ما أخذت وانا لا أريد أي شيء منها سواك أنت أي المنقذ ... أن شاء الله تعالى سنكون أسعد حبيبين عرفتهم الصدفة الطيبة.

 أعتقد ومن باب التواضع، بأن الحبيبين قد أحب بعضهما البعض الأخر ليس لان أحدهما أو كلاهما يمتاز بالجمال أو المال أو الشكل أو الجسم أو الشهادة الدراسية وما الى ذلك .....

 بالطبع لا، وإنما الحب هو حب الروح. فحتى لا نبالغ في الوصف ونقول لو سأل سائل أليس هذه الأمورهي من متطلبات الحياة أي الجمال والمال وو؟ الجواب سيكون حتماً بنعم، ولكن هذه الأمور كمالية، أي لو سبق حب الروح الأمور الأخرى، حينها ستكون صفات إيجابية للإنسان، أو كما يقولون (زيادة الخير خيرين)، كون حب روح الإنسان وطيبة قلبه هي من الأمور الضرورية في الحياة، والله أعلم.

ما يتمناه الكاتب في كل صدفة تجمع بين الأحبه في فترة زمنية قصيرة لتنتهي بحياة أسرية شرعية على سنة الله ورسوله.

 

الدكتور علي ناصر الركابي

 27/12/2019

 

سمير محمد ايوبعشوائيات في الحب  - العشوائية (13)

عصرَ الأمس قبلَ المغيب، كنتُ برفقةِ صديقٍ يُحاصرُ الشيبُ لحيتَه وناصيةَ رأسه، بعد أن استقر بنا المقامُ على الشاطئ الشرقي للبحر الميت، قبالةَ فلسطين المحتلة، مُتَهكِّما وبنبرةِ مُشكك، قال مُكْمِلا هجماتَه ضدَّ الحبِّ والمُحبين : ماتَ الحبُّ يا شيخنا وشبِعَ مَوْتا . يا وحْدَنا في مساقاتِ الحياة ودهاليزها .

قلت معترضا : دعني بداية اقول لك، ولغيرك في معتقل "يا وحدنا"، أنَّ الحبَّ لضرورته لا يموت، وإنْ تشظَّى زمنُ وفرةِ الأوفياء فيه . ومِنْ ثَمَّ أُضيفُ، لا يوجد قلبٌ حيٌّ سويٌّ، غيرَ مسكونٍ، لا تحتلُّهُ اشباحُ حبٍّ راحلٍ، أو مُشتهى في الأفق .

عاجَلني بِتشفٍ قائلا : ولكن الأشباح ميتة او متماوتة في العادة .

ونسائمُ بواكيرِ المساء تغمرُنا محمَّلَة بعبقِ أبو نُقطه الموز الريحاوي غربي النهر، قاطعته قائلا : قد يتسربُ بعضُها ولكنَّه لا يموت كفلسطين قبالتنا، ينساب بعيدا عبر هواجس مفتعلة، وبايقاع يحاكي ما في القلب من ظنون صامتة، ولكنَّ جلُّها حيٌّ تجلس قبالتَك كلَّ ليلةٍ، تناديك لتَسمعَ حِكاياتها وتُسمِعًها أبالِسِتَك .

قال مستنكرا: أصغي كلَّ ليلةٍ للصمت، لا أسمع له طحنا ولا جعجعة .

قلت: المهم أن تكون وقت وميضه حيّا، مُستعدا لالتقاط  ايماءاته، وابجدياته، ولمساته المنثالة صوبك، محاولا ايقاظك من سباتك .

في محاولةٍ ساذَجَةٍ للتهرب سأل متأفِّفا : مَنْ هي ملهمَتُك في كلِّ هذه الثقة ؟ .

قلت فرحا وانا أجولُ ببصري في حواري قريتي شويكه،غربي النهر: وُلِدتُ وفي سمعيَ حبٌّ يا هذا، وفي بصريَ حبٌّ . ترعرعتُ والحبُّ يُزرَعُ في روحي غيطانا . ما أنِ تفتَّحَ شيءٌ مِنَ الوعي على الحياة، (ومُبكِّراً تفتح)، إلا وكان الحبُّ على لساني أصيلا مُتدفقا منْ قلبٍ سليم .  ملهماتي كثيرات، قناديل مسرجات بالفطرة والطيبة  . سهوبي ثرية بهن . حضور بعضهن مرئي . واللامرئيات من الأشباح والأشباه وفيرات .

في البدءِ وأنا صبيٌّ يافعٌ، في زمن التَّلقي الخَصبِ وبواكيرِ التَّمرُّدِ، كانت خيرية وفاطمة يرحمهن الله، ككل الطيبات من الامهات والعمات، تكثران من سؤال ربهما، أن يُحَبِّبَ خَلْقَهُ بي . وفي ليلة قَدْرٍ، إستجاب السميع الكريم . كعادته أفاض علي ما اصطفى لي من رزق عميم .

قال صاحبي دون صبر، متعجلا وكأن عفريتا قد ركبَهُ : ثم مَنْ ؟

أجبته مبتسما متمهلا لأغيظه : بالتأكيد، بعد أن أعْدَدْنني بعناية خُلُقيَّا وقِيَميَّا، امتلكت قلبا سليما شجاعا. قارب العديدَ منَ النساء من عديد المِلَلِ والنِّحَلِ . وما بين ضراوةِ القُطبِ وخطِّ الاستواء، تلقيتُ الهام الكثيراتِ ممَّنْ أعتز .

ثمة نساءٌ التقتهن عيوني فعانَقَتْهُنَّ، وأخَرٌ قَبَّلَتْهُنَّ ابتساماتي، وفي بعض اللحظات الهاربة، احتَضَنَتْ روحيَ بعضهنَّ، وتَنَشَّقَتْ نفسيَ  بعضَ الهمسِ  في خاطرة، وأذبت البعضَ في فنجانِ قهوتي . وثمة نساءٌ رائعاتٌ، أزورُهُنَّ وراداراتي هامدةً لنقصٍ عندي .

إلتفت إليَّ صديقي، دون أن ينبس ببنت شفة، وبحركةٍ عصبيةٍ إعتقل رأسَه بين كفَّيه، وكأنه يخشى عليه من الضياع ، تَبسَّمْتُ وأنا أكمِل: على مدى عقودٍ، كان للحب حضورٌلافتٌ في حياتي . يُلاعبُني ويلعبُ بي . يثيرُ مُخيَّلَتي ويأسَرُني . يُروِّضُ الشرَّ في دواخلي . لأستَسلم لسحره . تفاعلت معه . وكما إلهامُ الأماكن تواصلنا، وتبادلنا الإشارات السرية المشفرة . وحين كان ينسكب ثراؤُنا كنا نُلَمْلِمُه، ونتسلل في دورة دموية متشابكة .

لعديدِ الأسبابِ وتعدُّدِ الفصول، وحتميات جغرافيا ما قد مضى من العمر، كانت ترتبط صِلاتنا الوثيقة، بتجلياتٍ يتعذر إحلال أخرى محلَّها، لفرط لزومياتها وفقَ مقاصدِ الحبِّ آنذاك .

عميقا تنهد، وقال وهو يشعل أوَّل سجائره : ولكن في زمن المجانية وعشوائيات المتطفلين، بات الحب خَوَّانا سريعَ العطَب سريعَ التهافُت، الأسلم الابتعاد عن شره والغناء له .

أوقفته لنتمشى قليلا . قلت وقد بدأنا المسيرَ نحو الغربِ : يا صديقي  يا رعاك الله، لا جدوى من قلبٍ لا يَسكُنه حبٌّ، يُفَعْفِصُه ويُنضِجُه . هل تعلم ما معنى أنْ تُنْضَجَ بتفاصيلِ الحُب؟! الحبُّ الموهوبُ تفاصيلٌ مثيرةٌ تَحتلُّ ضِفَّتَيه . دونها تختلط إشارات المرور في الحياة . واعلم علم اليقين، أنَّ المحب لا يخون وإن تسرب أو إبتعد . ولكن البعض من المتطفلين لا يعشقون إلا خَوَنْ . طَمِّنْ بالَك، إنْ كانَ القطُّ  بِسبعةِ أرواحٍ كما تقولون، فإنَّ الحبَّ يا صديقي بسبعين .

 

كتب الدكتور سمير محمد أيوب

الاردن – 26/12/2019

 

نيرمين ماجد البورنوالأصدقاء ليس بكثرتهم حولك إنما بنوعيتهم وبمن يأتيك دون أن تناديه ومن يربت على كتفك دون أن تخبره بأنك مثقل بالهموم والالام والأوجاع، فالصّداقة كالمظلّة كلما اشتدّ المطر زادت الحاجة لها وكالحلم والكيان الذي يسكن الوجدان، وفي الشعر العربي قال الشاعر:

سلام على الدنيا اذا لم يكن بها  صديق صدوق صادق الوعد منصف

فلا تشارك غيورا ولا تسألن حسودا ولا تجاور جاهلاً ولا تؤاخ مرائياً ولا تصاحب بخيلاً ولا تستودع سرك أحداً، ولا تتفاخر بأنّه لديك أصدقاء بعدد شعر رأسك، فربما تكتشف عند الشدائد بأنك أصلع، إن العبرة ليست بكثرتهم والتباهي والتفاخر بهم إنما بصدقهم وعطائهم وانسانيتهم وأخلاقهم ومحبتهم، فصديق واحد يتصف بتلك الصفات النبيلة خير من مائه من غيره ممن صداقتهم تتسم بصحبة الغفلة والبحث عن المصالح الذاتية وقضاء الأوقات بأمور تافهة بلا معني وبلا هدف.

يمكننا اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن نتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي فالكثير منا يضم في حسابه فيسبوك مئات الأشخاص وربما الالاف، فلقد أصبح الجميع متاحين في كل وقت وكل ذلك بسبب الانفتاح العالمي الذي شهدته جميع بلدان العالم خاصة الطفرة التكنولوجية من انترنت وتقنيات حديثة، ويعتقد معظمنا أن كثرة الأصدقاء شيء حسن ونافع بينما يطمح اخرين الى مزيد من الشعبية والشهرة على فيسبوك، فالصداقة ليست بطول السنين بل بصدق المواقف، فلا تطلق الصداقة على كل عابر طريق بحياتك حتى لا تقول يوما الاصدقاء يتغيرون ويتلونون فالصداقة جبل شاهق الا يستلقه الا الأوفياء، ولقد توصل باحثون من جامعة ترينت في نوتنغهام البريطانية إلى نتيجة أن أولئك الذين يتمتعون بأعداد كبيرة من الأصدقاء على شبكات التواصل الاجتماعي يتعرضون لمخاطر الإصابة بأمراض نفسية، لانهم يجدون صعوبة في تحديد هويات كل هؤلاء الاشخاص مما يسبب اصابته بنوع من العقدة النفسية.

تسير بنا الحياة في زمن متقلب لا يثبت على حال مرة نجد أنفسنا في غني ومرة في فقلا وتارة نجد أنفسنا في سعادة وهناء وأخرى نجدها في حزن وبؤس وألم فالحياة لا تدوم على حال فنلتقي بأناس بعضهم من يبقي ويثبت في حياتنا وأخرين يولون الأدبار ولا يمكن أن نحكم على الصداقة الحقيقية الصادقة الا اذا بنيت على أسس قوية ثابتة عمادها الحب والاحترام والمودة والوفاء والحكمة والثقة المطلقة وأهم شيء الوفاء بحيث لا تقوم الصداقة على مصلحة أو منفعة متقطعة حسب الحاجة وتنقطع بانقطاع الفائدة، فأصدقاء المصلحة مثل الفايروس المنتشر متواجدون لا يهمهم بالحياة سوى مصلحتهم فلا يهتمون بأمرك ونجاحك وتألقك بل بالعكس يطمحون الى تدميرك، ويقال بأن أصدقاء المصلحـة مثل البلياردو من ضربــة واحـدة يتفرقون ، وأما الأصدقاء الحقيقيون مهما تفرقوا يجتمعون ولو بعد حين، لان الأمر هنا لا يُصنف إلا كونه نفاق منظم في زمن سادت فيه لغة المصالح والعربدة.

علينا أن ندقق في اختيار الأصحاب فأهل الثقة والوفاء قليلون جدًا بهذا الزمان فالصداقة كنز ومن يحافظ على كنزه يظل غنيا، فطوبى لمن له أصدقاء حقيقيون لا يتلونون ولا يغيرون أقنعتهم مع تغير الفصول فمن يملك اصدقاء صادقون ثابتون حقيقيون فليحافظ عليهم ويحاول ألا يخسرهم بتصرفات غير لائقة، فقد قال الإمام العسكري (عليه السلام) :”من كان الورع سجيته والكرم طبيعته والحلم خلته كثر صديقه والثناء عليه وانتصر من أعدائه بحسن الثناء عليه”.

محزن جداً أن تكتشف بعد فوات الأوان أن صديقاً لك استغلك استغلالا فجاً ليصل الي مبتغاه في الدنيا، والأسوأ أن تتعامل معه بنفس الطيبة صافية نقية فتمسي تندب حظك العاثر بالتعرف على هذا الصديق المخادع، فتستعيد ذاكرتك معه لعلك تجد أثراً لما كان يضمره لك فلا تجد شيئا فتذكر ان للمصلحجية أناس متخصصه بها عالمه بكل تفاصيلها تتقنها كما تنتقي ملابسها يتشكلون ويتلونون كالحرباء يقتربون لمال وجاه ولمنصب وما دمت تعطيه وتبذخ في عطاءك يثني عليك وما ان تفقد مميزاتك حتى يغادرك الى غير رجعه، ساعيا الى صيد جديد.

يقول جبران خليل جبران، "لا تطلق مسمى صديق على كل عابر يمر في حياتك، حتى لا تقول يوما: الأصدقاء يتغيرون"، فتذكرت في هذه المقولة عالم السوشيل ميديا وما يعرض به من فضائح وتهديدات ووعيد لمشاهير كانوا في يوم من الأيام أصحاب وكيف انهار ذلك كله فجأة وتحولوا الى اعداء وكشفوا المستور من خلال تشوية صورهم أمام العالم ومن خلال الشتم بأبشع الألفاظ اللاأخلاقية، أي حال وصلنا اليه ونحن نشاهد يوميا حروب كلامية؟ كل ذلك جعلنا نؤمن بأن أصحاب العقول في راحة فعلا! وان نؤمن بحقيقة ان الانسان هو من يجعل نفسه مثل قطعة النقود بوجهين أمام الناس يقضي عمره كله متنقلا بين جيوب الناس، وقال الشاعر: إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى، إن الصداقة في هذا الزمن أصبحت سلعة نادرة الوجود وغالية الثمن، الصداقة مش صداقة عمر أو مدرسة ولا جامعة ولا عمل، الصداقة هي صداقة روح وفكر فلنحرص كل الحرص على انتقاء الروح قبل الجسد، فجمال الحياة يتجلى مع صديق يسبر غورك، ويفهم نظرتك، ويفرح لفرحك، ويواسي حزنك، فالعبرة ليست في الكثرة إذن ابدا فالأصدقاء ليسوا تحفا تقتني في متاحف الصداقة والبراءة ولا في مطارات الدنيا ومقاعد الدرجة الأولي في الطائرات والحافلات والقطارات، وليس لمركزك ولاسم عائلتك ونفوذك وثروتك وجمالك وأناقة هندامك ولا في القائمة الطويلة من الاشخاص ولكن يكمن في الجمال العابق في نبلك وروحك وانسانيتك وثقافتك وشخصك وفكرك فكن انسانا صديقا صادقا تسعد وتسلم.

 

د .نيرمين ماجد البورنو

 

ابراهيم امين مؤمنعند كتابة رواية لابد من:

أولاً إيجاد الفكرة: وهذا الأمر وإن كان قلب الرواية فإنه لا يمثل صعوبة في إيجادها بالنسبة للروائي الهاوي ويشاركه في هذا الشأن بالطبع الروائي المحترف.

ثانيًا عناصر الفكرة: وضع العناصر قد يستغرق شهورًا، وهي  تتكون من عدة تحديدات مثل الأزمنة والأماكن والشخصيات الرئيسة وأسمائها، والأهم تحديد طبيعة الموضوعات التي سوف يعدها الروائي لدراسة رواياته، واعلم أن الروائي المحترف قد تكون هذه الموضوعات مسجلة لديه من قبل فلن يتجشم كثيراً في إعدادها أو البحث عنها .

مثل : تريد أن تكتب رواية عن الفضاء .

إذن عليك بدراسة السفن الفضائية ونظريات آينشتاين للجاذبية والكواكب والنجوم والتلسكوبات و … إلخ .

ربما يقول كاتب ..أنا أحدد العنصر وبعدها أدرس.. أقول له  الطريق هذا خاطئ لأن البدء بالدراسة سيوسع أفقك في اختيار الفكرة جيدًا وتحديد عناصر حيوية بنّاءة .

وثالثًا باطن العناصر:  بعد تحديد الفكرة ودراسة المراجع الخاصة بها عليك بتحديد مجموعة من الوقائع والأحداث تتاسب والفكرة العامة، واعلم أنه كلما استطعت إيصال الفكرة للقارئ بكلام موجز سيكون أفضل ولا ريب من البسط وإن كانت الفكرة جميلة وأخاذة .

واعلم  أن أي واقعة ستذكرها لا ترتبط بالفكرة ستضعف الرواية، وإن أي كلام يصدر من الشخصيات لا يعبر عن طبيعتهم يسقط الرواية فورًا .

فمثلاً .. أحيانًا يريد الروائي جذب القارئ بذكر مشهد مضاجعة ..

أقول له عندها .. ما المناسبة من ذكر هذه الواقعة، هل الرواية تتكلم عن الدعارة مثلاً، هل أحد شخصيتي المشهد شره جنسيًا وهذه الشراهة سوف تتداخل في أحداث الرواية، هل صراخ الأنثى أو الفتاة عند المضاجعة له دور في إبراز عنصر ما لبناء الرواية.

4- رابعًا الأسلوب.. لابد أن يكون كالأتي

- سلساً ومعبراً ..بحيث لا يجد القارئ صعوبة في فهم  كلام الرواية، ومعبرًا عن المضمون بأقل الكلمات .

- وخالٍ من الركاكة ..وهذه تمثل معضلة كبيرة جدًا للروائي، إذ أنه يجب عليه عدم تكرار اللفظ في الجملة، كذلك  لابد من انتقاء الألفاظ المعبرة عن مراده فقط ولا تعبر عن مراد آخر غير الذي يقصده، واعلم أن الجملة كلما قصرت وعبرت عن المضمون فهي خالية تمامًا من الركاكة .

- الضبط اللغوي.. كذلك لابد أن تكون منضبطة لغوياً لأن النص الملآن بالأخطاء اللغوية والنحوية يُذهب بنكهة الرواية كلها وإن كانت متفردة في جمال الفكرة وانتقاء العناصر المترابطة .

خامساً السرد: وهذه  تمثل ثقافة الكاتب وقدرته عن التعبير، طبعاً الروائيون متفاوتون في طريقة التعبير كما الشعراء بالضبط، إن السرد هو كيان الرواية وقلبها ولذلك كلما كان السرد أجمل وأقوى كلما ارتقت الرواية إلى الدرجات العلى، واعلم أن السرد فيه أيضاً درجة إبداع الكاتب وقدرته على سياقة الرواية بأسلوب جمالي إبداعي حتى لو كانت من روايات الخيال العلمي .

سادساً  المراجعة ..

والغرض الأساسي منها هو جعل كل من فكرة الرواية وعناصرها ووقائعها وأحداثها وطبيعة شخصياتها متناغمة تماماً تماماً بحيث لا يشذ حدث عن مضمون الفكرة أو تتكلم إحدى شخصيات الرواية بكلام لا يتناغم مع طبيعتها .

كذلك لابد من عمل جدول خارجي يحدد فيه الروائي طبيعة الشخصية وزمن الحدث ومكانه أثناء سرده وربطه بالسابق واللاحق حتى  تتناغم الأحداث وتأتي مرتبة .

والمراجعة كثيرًا ما يتم فيها حذف جمل وإحلال أخرى مكانها، كذلك يتم إضافة وقائع وحذف أخرى، وأيضا حذف بعض الكلمات في بعض المواضع وإضافة أخرى في مواضع أخري أيضاً، واعلم أن المراجعة قد  تستغرق وقتًا أطول إذا قورن بالوقت الذي استغرقته من قبل في سرد الرواية، وانتبه أخي الروائي لهذا الأمر وهو أنه كلما أكثرت من مراجعة رواياتك كلما حلت وكملت .

وأخيرًا أرجو التوفيق للجميع .

 

إبراهيم أمين مؤمن

 

علجية عيشللشاعرة السورية ميَّادة مهنَّا سليمان

هي قصيدة للشاعرة السورية ميَّادة مهنَّا سليمان، وهي من نوع الشعر "الثوري"، رسمت فيها كفاح الشعب الجزائري ضد الإستعمار الفرنسي وما جنته فرنسا على بلاد الأمازيغ، وهي تتحدث عن بطولات  رجال ونساء صنعوا الحدث التاريخي في الجزائر فكانوا صوت  لمن لا صوت له، والشاعرة في هذه القصيدة كانت متميزة وصادقة فيما جادت به قريحتها، فقد عبرت عاطفتها عن صدق تأثرها بالثورة الجزائرية، ونحن عندما نقرأ هذه القصيدة فإننا في نفس الوقت نقرأ سوريا وكأننا نسمع أغنية في الجرح والمقاومة

 أرادت الشاعرة في هذه القصيدة أن توجه رسالة للأمة العربية بأن الجزائر كانت وما تزال بلد الصمود والتحدي والتصدي، وقد أرسلت تحية لها تقول فيها: " تَحِيَّةً لِلأورَاسِ وَجُرجُرَةَ مِنْ جَبَلِ الشَّيخِ وَقَاسَيونَ الشَّامِخَ الصَّابِرْ"، وتقول:"سَلامٌ مِنْ أروَاحِ ثُوَّارِنَا صَالِحَ العَلِيِّ وَهَنَانو وَسُلطَانَ الأَطرَشَ..لِأروَاحِ مُجَاهِديكُمُ بُومَرزوقَ وَالمَقْرَانِي والمُجَاهِدَ عَبدَالقَادِرْ"، والحقيقة أن الشاعرة أرادت أن ترسم العلاقات بين الجزائر وسوريا  الضاربة في التاريخ منذ أيام الأمير عبد القادر أو قبل، وإن كانت الجزائر بهذا الوصف  الجليل، كذلك هي سوريا  لن تنحي أبدأ لأيّ كان، فقد تخسر معارك لكنها ستربح حربا عاجلا أم آجلا.

  وقد حملت القصيدة أسلوب الوصف، وصفت  الآلة الإستعمارية وهي تحرق كل ما هو أخضر، حتى البشر، أسقطتهم كما يسقط الطائر الجريح، وفي هذه القصيدة خاطبت الشاعرة الضمائر الفرنسية بأن الجزائر للجزائريين وهي تردد اسم الجنرال ديغول وبيجو، كما تذكر بطولات الأمير عبد القادر، وفي الحقيقة هي أرادت أن ترفع عن الأمير عبد القادر تهمة الماسونية التي التصقت به، إذ تقول له: " أَلَا سَلامٌ لِروحِكَ يَاأيُّهَا الأبِيُّ الثَّائِرْ..هَاهُوَ ذَا ضَرِيحُكَ يَغفُو هَانِئَاً فِي دِمَشقَ.. تُقَبِّلُهُ نَسَائِمُ بَرَدَى..  فَارقُدْ بِسَكينَةٍ يَانَقِيَّ القَلبِ والسَّرَائِرْ "، ولا شك أن هذه الكلمات تضم بين طياتها سؤالا واحدا وهو: كيف لنقي القلب ان يعرف الخيانة؟ أو أن يختلط دمه بدم الماسونيين؟، (لا رَبِحَ من قال ذلك)، وتسترسل الشاعرة بكلماتها في بعث رسالة من الشعب السوري إلى ثوار الجزائر، وقد عطرت رسالتها بياسمين الشام، الذي اختارته عنوانا لقصيدتها،

هي طبعا كلمات تتسلل إلى القلب بسهولة، تترك في النفس أثرا جميلا، كلمات لا يشعر بنغمها وموسيقاها ولا يتحسَّسُها إلا " ثائر"، يبحث عن شيئ يسمعه، يغذي به روحه ويتجاوب مع أفكاره، فيرفعها إلى مصف النشيد الوطني، ولا شك أن الشعر الثوري حمل معاني كثيرة عن الثورات والمعارك والحروب ونقش في الذاكرة الجماعية مسيرات الشعوب المتعطشة للسّلام، فمن شروط الشاعر الثوري أن يكون "ملتزما" صاحب مواقف، والإلتزام في الشعر ليس تأييد للكلمات أو الفكرة فقط، وإنّما هو سعي لتحقيقها وتجسيدها لتغيير الواقع، وعلى الشاعر ان يبكون ملما بقضايا الأمة، يدعو إلى الحرية ووحدة ألأمة العربية، يقول النقاد أن القصيدة التي تمجد بطولات شعب ومآثره الوطنية، هي جديرة بالقراءة والتحليل.

و ميادة سليمان شاعرة وكاتبة  تنحدر من مدينة حمص السورية، حاصلة على دبلوم دراسات عليا في الأدب العربي من جامعة دمشق، وهي عضو الاتحاد الدولي للادباء والشعراء العرب،  وصفها النقاد بانها من الأديبات المتمكنات من اللغة وأدواتها، تكتب في الشعر وفي القصة القصيرة، نشرت أعمالها في العديد من الصحف والمجلات السورية والعربية، لها دواوين شعرية منها " تبا للقرنفل الأحمر"، و" وعناية فائقة للحب "، ومجموعة قصصية مشتركة بعنوان " سنابل من حبر "، وأخرى حملت عنوان " رصاص وقرنفل "، وهي قصص مستوحاة من الواقع الذي يعيشه الشعب السوري.

 قراءة علجية عيش

...............................

 جَنَّدْتُ يَاسَمِينَ الشَّامِ

جنَّدْتُ يَاسَمِينَ الشَّامِ قَوَافِلَ حُبٍّ لِلجَزَائِرْ

 لَكِ التَّحِيَّةُ يَابِلادَ العُروبَةِ والصُّمودِ

 يَامُسَطِّرَةً سُطورَ العِزِّ فِي غُرِّ الدَّفَاتِرْ

 تَحِيَّةً لِرُبوعِكِ الخُضْرِ مِنْ غُوطَةِ دِمَشقَ

تَحِيَّةً لِلأورَاسِ وَجُرجُرَةَ مِنْ جَبَلِ الشَّيخِ وَقَاسَيونَ الشَّامِخَ الصَّابِرْ

أَلَا قُبِّحَتْ "مَروَحَةٌ" كَانَتْ سَبَبَ البَلَا

 أَشعَلَتْ نَارَاً فِي البِلادِ

 أَحرَقَتِ الأطفَالَ..الفِتيَةَ..الشُّيوخَ..والحَرَائِرْ

 يَاوَيحَ دِيغولَ وَبِيجُو! يَاوَيحَ قُسَاةِ القُلوبِ!

كَمْ دمَّروا.. كَمْ شَرَّدوا!

يَاوَيحَ مَوتَى الضَّمَائِرْ!

سَلَامٌ إلَيكِ يَاعَروسَ العُروبَةِ

 أَلَا تِيهِي وَارفُلِي بِالعِزِّ تَزَيَّنِي بِالغَارِ..بِالرَّيحَانِ..بِالوَردِ والأَزَاهِرْ

 سَلَامٌ لِأروَاحِ فَاطِمَةَ نَسُومَرَ وَجَمِيلَةَ بُوحَيرِدْ

 سَلامٌ لِألمَاظَةَ خَليلَ وَحَميدَةَ بِنتَ الطَّاهِرْ

سَلامٌ مِنْ أروَاحِ ثُوَّارِنَا صَالِحَ العَلِيِّ وَهَنَانو وَسُلطَانَ الأَطرَشَ

لِأروَاحِ مُجَاهِديكُمُ بُومَرزوقَ وَالمَقْرَانِي والمُجَاهِدَ عَبدَالقَادِرْ

يَامَن دَحرَتَ العَدوَّ تَشهَدُ"زَمَالَةٌ" أَنشَأتَهَا

 تَشهَدُ النَّسَائِمُ فِي وَهرَانَ وَقُسَنطِينَةَ

 أَلَا سَلامٌ لِروحِكَ يَاأيُّهَاالأبِيُّ الثَّائِرْ

هَاهُوَ ذَا ضَرِيحُكَ يَغفُو هَانِئَاً فِي دِمَشقَ

 تُقَبِّلُهُ نَسَائِمُ بَرَدَى

 فَارقُدْ بِسَكينَةٍ يَانَقِيَّ القَلبِ والسَّرَائِرْ

مُبَارَكَة ثَورَتُكِ يَابَلَدَ الشُّهَدَا

 لَكِ تَحِيَّةٌ مِنْ سُورِيةَ العُروبَةِ والصُّمُودِ

 عَلَى خُطَا المَجدِ نَسيرُ..

نَمحُو العَتمَةَ نَبذُرُ الأروَاحَ

لِنَزُفَّ إلَيكِ البَشَائِرْ

جَبَّارونَ نَحنُ فِي عِشقِنا لِأرضِنَا والحَقُّ ..

نَنتَزِعْهُ مِنْ بَينِ عَينَيْ كُلِّ غَاصِبٍ مُعتَدٍ مُكَابِرْ

بُورِكْتِ يَاحَبيبَةُ فِي عُيدِكِ وَبُورِكَ شَعبُكِ الأَبِيُّ

 تَحِيَّةً مِنْ نَبضِي وَروحِي إلَيكِ

 تَحِيَّةً شَامِيَّةً يَاسَميْنِيَّةً لِحَبيبَةِ قَلبِيَ الجَزَائِرْ

 

 ميَّادة مهنَّا سليمان / سورية