saleh altaeiكنت أبحث في معجم الأدباء المعروف باسم إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب لياقوت الحموي(*) عن بعض ما يمكن أن أضيفه لما كتبته مسبقا عن يونس بن حبيب النحوي البصري المشهور.

ويونس بن حبيب لمن لا يعرفه: ولد سنة ثمانين، وتوفي سنة اثنتين وثمانين ومائة للهجرة، وبالرغم من كونه فارسي الأصل، أعجمي اللسان، إلا أنه كان إمام نحاة البصرة في عصره، ومرجع الأدباء والنحويين في المشكلات، كانت حلقته مجمع فصحاء الأعراب وأهل العلم والأدب.. وكان له في العربية مذاهب وأقيسة يتفرد بها.

وكان عالما بالشعر، نافذ البصر في تمييز جيده من رديئه، عارفا بطبقات شعراء العرب، حافظا لأشعارهم، يُرجَعُ إليه في ذلك كله.

سمع يونس من العرب، ووعى ما سمع، وحفظ ما مر به. وأخذ الأدب عن أبي عمرو بن العلاء، وأخذ عنه سيبويه، والكسائي، والفراء، وأبو عبيدة معمر بن المثنى، وخلف الأحمر، وأبو زيد الأنصاري وغيرهم من الأئمة. وهناك من يرى أنه هو الذي أخذ عن سيبويه وليس العكس!

وأثناء البحث والتنقيب، عثرت على هذه الطرفة المزحة المَرِحة، التي أجادت الوصف، وأحسنت القصف. ولما قايستها، وشابهتها، وقاربتها ببعض ما أقرأه اليوم مما يسمى شعرا؛ لبعض ممن يحسبون أنفسهم على مجتمع الشعراء، ويدعون أنهم بلغاء، ثم تراهم ينصبون المرفوع، ويجرون المنصوب، ولاسيما فيما ينشرونه في مواقع التواصل الاجتماعي؛ التي لا يحكمها رقيب، ولا يحدد اتجاهها حسيب، وجدتها تترجم حالهم بأجلى صورهم، بل وتكشف لنا أن أمثالهم كانوا موجودين في مجتمعنا العربي على مر التاريخ، ومنذ القرن الهجري الثاني! وما هم سوى ورثة لمن سبقهم، نهجوا منهجهم، وساروا على خطاهم!

تقول المزحة المُفرحة:

جاء مروان بن أبي حفصة؛ وهو شاعر عالي الطبقة، كان جده مولى لعثمان بن عفان، وقيل: هو مولى لمروان بن الحكم الخليفة الأموي. وقيل: بل كان طبيبا يهوديا، أسلم على يد مروان. ويقال: إن أبا حفصة من سبي اصطخر. جاء إلى حلقة العالم الكبير يونس بن حبيب النحوي، فسلم، ثم قال: أيكم يونس؟

فأشار الجالسون في الحلقة إلى يونس.

فقال له مروان: أصلحك الله، إني أرى قوما يقولون الشعر؛ لأن يكشف أحدهم عن سوءته، ثم يمشي في الطريق، أحسن له من أن يُظهر مثل ذلك الشعر!. وقد قلت شعرا أعرضه عليك، فإن كان جيدا أظهرته، وإن كان رديئا سترته، فأنشده قوله:

طرقتكَ زائرةٌ فحيِّ خيالها

فقال يونس: يا هذا؛ أذهب، فأظهِر هذا الشعر، فأنت والله فيه أشعر من الأعشى في قوله:

رحلتْ سميةُ غدوةً أجمالها

وهذا هو ديدن الشعراء الكبار العظماء، يحترمون أنفسهم، ويحترمون من يتلقى شعرهم منهم، ويحترمون مهنتهم، ومنهم وصلتنا كل تلك القصائد الرائعات؛ من غزل ومدح ورثاء ومعلقات، تلك الخالدات التي كنا ولا زلنا وسنبقى نتغنى بها، ونستعذب سماعها في كل الأوقات.

 

صالح الطائي

.......................

(*) ينظر: ج6/ص2852، ترجمة: 1262

 

 

faroq mawasiقيل إن القصيدة الزينبية (نسبة لمطلعها حيث تُذكر زينب) هي لعلي -كرم الله وجهه-، وقيل إنها لصالح بن عبد القدوس، وقد وردت القصيدة في ديوانَي كل منهما، باختلاف يسير.

انظر:

ديوان علي بن أبي طالب- تحقيق عبد الرحيم المارديني- دمشق- 2005، ص 214- 220.

عباس الترجمان: صالح بن عبد القدوس – حياته، بيئته وشعره، منشورات الجمل- 2013،ص 107- 110.

...

القصيدة جميلة، وفيها حِكم تقريرية،  وعِبر تعبّر عن تجربة حياتية، وتقع في خمسة وستين بيتًا، أختار لكم منها:

صَرَمتْ حبالَكَ بعـــدَ وصلكِ زينبُ ***  والدهـــــــــــــــرُ فيه تصرُّمٌ وتقلبُ

ذهب الشبابُ فما له مـــــــــن عَودة *** وأتى المشيب فأين منـــــــه المهرب؟

لا تأمنِ الدهـــــــر الخَئونَ فإنه  *** لا زال قِدمًا للرجـــــــــــال يؤدِّب

واقنع ففي بعض القناعة راحـــةٌ ***  واليأس مما فات فهــــــــــو المطلب

واذا طمعتَ كُسيتَ ثــــوبَ مذلة ***  فلقــــــــــد كُسي ثوبَ المذلة أشعبُ

إن الحقـــــــود وإن تقادم عهده *** فالحقد باق في الصــــــــدور مغَيَّب

لا خير في ودّ امــــرئ متملق *** حـــــــــــــــــــــــلو اللسان وقلبه يتلهب

يلقاك يحلف أنه بك واثقٌ  *** وإذا توارى عنك فهـــــــــــــــو العقرب

يعطيك من طرف اللسان حــــــــلاوة *** ويـــــــــــــروغ عنك كما يروغ الثعلب

وصِلِ الكرامَ وإن رمَوكَ بجَفْوة  ***   فالصفحُ عنهم بالتجاوزِ أصوب

واختر قرينك تصطفيه تفاخـــــــــرًا *** إن القرين إلى المقـــــــــــــــارَن يُنسب

إن الغنيَّ من الرجـــــــــــــــال مكرَّم *** وتراه يُرجى مـــــــــــــــا لديه ويُرهب

ويُبشُّ بالترحيب عند قـــــــــــــــدومه *** ويقام عند ســــــــــــــــــــــلامه ويُقرّب

ودع الكـــــــذوب فلا يكن لك صاحبًا *** إن الكــــــــــــــذوب يَشين حرًّا  يصحب

وزنِ الكــــــــــلام اذا نطقت ولا تكن *** ثرثارة في كـــــــــــــــــــــل نادٍ تخطب

واحفــــــــظ لسانك واحترز من لفظه *** فالمرء يسلم باللســـــــــــــــــان ويعطب

واحرص على حفظ القلوب من الأذى *** فرجوعها بعــــــــــــــد التنافر يصعب

إن القـلـــــــــــــــــوب إذا تنافر ودُّها *** شِبه الزجـــــــــــــاجة كسرُها لا يُشعب

كن ما استطعت عــــن الأنام بمعزِل *** إن الكثير من الــــــــــــورى لا يُصحب

واحذر مصاحبة اللئيم فإنه  ***   يُعدي كما يُعدي الصحيحَ الأجربُ

 واحــــــذر من المظلوم سهمًا صائبًا *** واعلم بأن دعـــــــــــــــــــــاءه لا يُحْجَب

فلقــــــد نصحتك إن قبلت نصيحتي ***  فالنصح أغلى ما يبـــــــــــــــاع ويوهب

هذه القصيدة المشهورة -كما قلت- تنسب لعلي بن أبي طالب، ومن الطبيعي أن يُشك في نسبتها إليه لأن فيها ذكرًا لأشعب:

وإذا طمعتَ كُسيتَ ثوبَ مذلة ***  فلقد كُسي ثوبَ المذلة أشعبُ

وأشعب لم يظهر على عهد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقد توفي سنة 154 هـ في المدينة المنورة؛ من هنا فقد كان معاصرًا لصالح بن عبد القدوس، وكان مشتهرًا بالطمع.

ملاحظة:

هذا البيت  عن أشعب لم أجده في ديوان عليّ الذي بين يديّ، لكنا نراه في ديوان عليّ على المواقع، وربما اطلع د. الترجمان على نسخة أخرى من ديوان علي وفيها هذا البيت، ولذا كانت ملاحظته عن أشعب.

(م.ن، ص 111.)

*أضيف بيتان في نهاية أبيات القصيدة المنسوبة لعلي، وفيهما موضع للتساؤل، وهما يتحدثان عن عليّ نفسه، وفي  تقديري أن شاعرًا ما أضافهما:

أعني عليًا وابنَ عمِّ محمد *** من ناله الشرفُ الرفيعُ الأنسبُ

يا ربِّ صلِّ على النبي وآله *** عددَ الخلائق حصرها  لا يُحسبُ

أثبت الدَّميري في كتابه (حياة الحيوان) بعض أبيات القصيدة وذكر قبلها:

 "وقال بعضهم" ج1، ص 43.

كما وردت بعض الأبيات في معجم الأدباء لياقوت، ج12، ص 9- على أنها لعبد القدوس.

( مادة صالح بن عبد القدوس).

من الغريب أنني لم أجد للقصيدة ذكرًا في الأغاني، ولا في خزانة الأدب ولا في الشعر والشعراء وغيرها من أمات الكتب الأدبية.

...

مع ذلك فهناك ترجيح ما أن القصيدة هي لصالح بن عبد القدوس، ولكننا لا نستطيع بما نملك من مصادر قليلة أن نؤكد أن القصيدة كلها لشاعر منهما، خاصة ونحن نشهد إمكان الإضافة والحذف في كثير من المقتبسات.

...

أما صالح بن عبد القدوس فهو شاعر عباسي كان مولي لبني أسد.

كان حكيمًا متكلمًا يعظ الناس في البصرة، له مع أبي الهُذيل العلاّف مناظرات، واشتهر بشعر الحكمة والأمثال والمواعظ، يدور كثير من شعره حول التنفير من الدنيا ومتاعها، وذكر الموت والفناء، والحثّ على مكارم الأخلاق، وطاعة الله، ويمتاز شعره بقوة الألفاظ، والتدليل، والتعليل، ودقة القياس.

مرت أحداث في حياة الشاعر جعلته يقارن بين الأسباب كما يقارن بين النتائج؛ فيَصل إلى آراء مُحكمة مستخلصة من تجاربه وتجارب غيره، وهي تختلف عما تعارف عليها الناس.

قيل رئي ابن عبد القدوس يصلي صلاة تامة الركوع والسجود، فقيل له ما هذا ومذهبك ما تذكر؟ قال: "سنّة البلد، وعادة الجسد، وسلامة الولد!".

(أمالي المرتضي، ج1، ص 144)

اتهم بالزندقة وقتل بها؛ قيل إن الخليفة المهدي العباسي قتله بيده، ضربه بالسيف فشطره شطرين، وعُلّق بضعة أيام للناس ثم دُفن. (معجم الأدباء، م.س)

...

زينب وما صرمت أي قطعت من حبال الوصل كان موتيفًا (مترددة) لدى الشعراء، فهذا متمّم بن نُويرة في (المُفضَّليّات) يقول في المفضلية السادسة:

صرمتْ زُنيبةُ حبل من لا يقطع *** حبلَ الخليل وللأمانة تَفجَع

جُذّي حبالكَ يا زُنيب فإنني *** قد أستبدّ بوصل من هو أقطع

والأخطل يذكر ذلك في قوله:

صرمت حبالك زينبٌ ورَعوم ***  وَبدَا المُجمجَمُ مِنهما المكتومُ

وفي مكان آخر:

صرمت حبالك زينبٌ وقذورُ *** وحبالهن إذا عقدتَ غرور

..

في شعرنا المحلي أصدر الشاعر جمال قعوار ديوان (زينب)، صدر في الناصرة سنة 1989 وفيه قصيدة "زينب" و "حِمى زينب"، وهو يرمز لها بفلسطين.

 

ب. فاروق مواسي

 

إذا ما اتفقنا على حقيقة مفادها أن العقل العربي دائم النزوع إلى رؤية واضحة للنفس، بمعنى الميل لمعاينة نفسه عبر المرآة، كما هي، بلا رتوش ولا تزويق، فإنه غالبًا ما ينجح في تحقيق ذلك، ليس فقط عبر أنشطة مراجعة الذات وإعادة النظر بها وبسلوكياتها، وإنما عبر نشاط ذهني أكثر تعقيدًا وتطلبًا للفطنة، وهو اعتماد المقارنات والمقاربات. ربما كان هذا الميل الذي لا يفلت أحد من ملاحظته وراء الاهتمام الجارف الذي نلاحظه اليوم عبر العالم العربي بما يمكن أن نطلق عليه عنوان “الثقافة المقارنة”، خاصة في المؤسسات الجامعية العربية.

وإذا كان العنوان أعلاه غاية في الاتساع والشمول، فإنه لا بد أن يحتوي، من بين فروع وحقول أخرى، على الدراسات الألسنية المقارنة والأدب المقارن، من بين سواها من تفرعات الثقافة والفنون والآداب.

وإذا ما كانت هذه من سجايا الذهنية العربية الإيجابية، فإن للمرء أن يزعم بكل ثقة بأن هذا الميل لمعرفة الذات عبر مقارنتها ومقاربتها مع “الآخر” ليس بظاهرة جديدة، بدليل مبادرة ومثابرة الخليفة العباسي المأمون لتأسيس “بيت الحكمة” ببغداد على عهده الذي شكل العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية. ولكن على الرغم من أن لي رأيًّا ثانيًا حول دوافع وإرهاصات المأمون العباسي لتأسيس بيت الحكمة، إلا أن وظيفة هذا البيت العظيم قد اعتمدت آليات وأنشطة الترجمة (التعريب على نحو خاص). وإذا ما اندرجت في منافع البيت أعلاه الفوائد الاستخبارية والمعرفية العامة والمتخصصة عن الأمم الأخرى، فإن لي أن أفترض، بقدر كبير من الثقة بالنفس أن المأمون قد رغب في أن يعرف بدقة أين تقف ثقافتنا العربية الإسلامية حقبة ذاك، “مقارنة” بسواها من ثقافات العالم الكبرى، من الهند والصين إلى بلاد الإغريق وبيزنطة والروم والفرنجة.

وإذا لم يكن غرض خليفة بغداد آنذاك بريئًا بالكامل، فإنه كان يشكل صورة دقيقة تؤشر وعيه بالذات: فكيف يستطيع المرء أن يعي ذاته، دون أن يقارنها مع الآخر، خاصة الآخر المختلف أو المتفوق.

أما ما تركه بيت الحكمة العباسي لنا في العصر الحديث، فإنه أبقى جذوة النزوع للمقارنة والمقاربة، كذلك لمعرفة الذات ولتبين سجاياها ومثالبها على سبيل التصحيح والتصويب، لا ريب. أما ما تركه لأوروبا الحديثة، فقد حفظ لها تراثها الثقافي الإغريقي/ الروماني القديم، ثم أعاده لها عبر الأندلس وصقلية.

وعود إلى بدء، لا أستغرب التيار الجارف الذي تحياه الجامعات العربية اليوم، بكافة أقسامها العلمية عامة باتجاه العناية بالدراسات المقارنة، خاصة على مستوى الدراسات العليا. وهذا اتجاه يستحق الاهتمام والرعاية من قبل أولي الأمر، وسراة القوم لأنه يندرج في جهد الذهنية العربية لمعرفة نفسها، ثم، والأهم من ذلك، لرسم صورة ذاتية لنفسها: صورة دقيقة المعالم تستحق الإشاعة والعكس محليًّا وإقليميًّا وعالميًّا.

 

أ.د. محمد الدعمي

 

حنظلة هي أشهر الشخصيات التي رسمها ناجي العلي في كاريكاتيراته، ويمثل صبياً في العاشرة من عمره. ظهر لأول مرة في جريدة القبس الكويتية عام 1969. أدار حنظلة ظهره للقارئ وعقد يديه خلف ظهره عام 1973.

أصبح حنظلة بمثابة توقيع ناجي العلي كما أصبح رمزاً للهوية الفلسطينية. يقول ناجي العلي أن الصبي ذا العشرة أعوام يمثل سنه حين أجبر على ترك فلسطين ولن يزيد عمره حتى يستطيع العودة إلى وطنه، إدارة الظهر وعقد اليدين يرمزان لرفض الشخصية للحلول الخارجية، لبسه لملابس مرقعة وظهوره حافي القدمين يرمزان لانتمائه للفقر. ظهر حنظلة فيما بعد بعض المرات رامياً الحجارة (تجسيداً لأطفال الحجارة منذ الانتفاضة الأولى) وكاتباً على الحائط. أصبح حنظلة إمضاءً لناجي العلي، كما ظل رمزاً للهوية الفلسطينية والتحدي حتى بعد موت مؤلف الشخصية.

وعن حنظلة يقول ناجي: «ولد حنظلة في العاشرة في عمره وسيظل دائما في العاشرة من عمره، ففي تلك السن غادر فلسطين وحين يعود حنظلة إلى فلسطين سيكون بعد في العاشرة ثم يبدأ في الكبر، فقوانين الطبيعة لا تنطبق عليه لأنه استثناء، كما هو فقدان الوطن استثناء. واما عن سبب تكتيف يديه فيقول ناجي العلي: كتفته بعد حرب أكتوبر 1973 لأن المنطقة كانت تشهد عملية تطويع وتطبيع شاملة، وهنا كان تكتيف الطفل دلالة على رفضه المشاركة في حلول التسوية الأمريكية في المنطقة، فهو ثائر وليس مطبع. وعندما سُئل ناجي العلي عن موعد رؤية وجه حنظلة أجاب: عندما تصبح الكرامة العربية غير مهددة، وعندما يسترد الإنسان العربي شعوره بحريته وإنسانيته.»

 

عدنان المشيمش

 

 

الروائي (جون أوهارا) كتب روايته الشهيرة " موعد في سامراء" عام 1938 ونال بسببها شهرة واسعة، ولا تزال هذه الرواية تسجل رقما عاليا في مبيعات الكتب.

والروائي المعروف (غابريل غارسيا ماركيز) كتب قصته القصيرة " الموت في سامراء".

وكلاهما قد إنطلقا في إبداعهما من القصة المسطورة في كتب التراث البغدادي بعد القرن الثامن، والتي تتلخص في أن أحد التجار قد أرسل خادمه إلى السوق، فعاد مرعوبا مرتعشا وهو يقول بأنه رأى الموت  في إمرأة تصورها الموت بعينه، وقد أوحت له بإشارات ذات تهديد ووعيد، والبعض يقول أن سيده قد أعطاه الفرس والمال وأرشده للذهاب إلى سامراء هربا من الموت الذي تيقنه، والبعض يقول أنه أخذ فرس سيده وإنطلق إلى مدينة سامراء خشية الموت وهربا منه.

لكنه وجدها أمامه في المساء عند وصوله إلى سوق المدينة، وعندما سألها لماذا توعدته وهددته بالموت في سوق بغداد، أجابته بأنها لم تكن إشارات تهديد ووعيد، وإنما دهشة وحيرة، وبأنها إستغربت من وجوده في بغداد لأنها على موعد معه في سامراء، أي أن الرجل قد قضى نحبه في سامراء.

وخلاصتها أن لا مفر من الموت إذا جاء موعده، ويمكن أخذها إلى مستويات أخرى من التعليل والتفسير والإدراك والتحليل.

 

وقد أدرك الكاتبان أهمية المدينة ودورها التأريخي والفكري والثقافي، وما قدمته من عطاءات حضارية وإسهامات فلسفية ثقافية ذات قيمة إنسانية خالدة.

ولو لم تكن المدينة بهذا الثقل الإنساني والإسطوري لما اختار الكاتبان إسمها كعنوان لما أجادت به قرائحهما من الإبداع الأصيل.

وقد أخذ كل منهما المعاني والدلالات وفقا لإجتهاده في وعي المدينة ودراستها والإمعان في إستلهام أفكارها وإبداعاتها العمرانية والخيالية.

فقد تحقق في سامراء ما لم يتحقق في أية مدينة في الأرض، لأنها كانت عاصمة للدولة العباسية في أوج تألقها، وتوهجها الإمبراطوري والفكري والحضاري والعمراني، فكانت المدينة تهيمن على ثلاثة قارات وتدير شؤونها وتقرر مصير وجودها.

وإسم " سر من رأى" كان التعبير الأصدق عن قدرات الدولة العباسية وشأنها العظيم في ذلك الزمان الذي إمتلكته وتسيّدت فيه،  وقد تحققت ملاحم فريدة في الوقت الذي كانت قوة الدولة العباسية بأكملها تتمركز في مدينة سامراء.

وكعادتنا مع جميع المدن العراقية الحضارية، نعيش في مراحل تجهيل وأمية متوارثة عبر الأجيال، فثقافة المدينة مغيبة في مناهجنا الدراسية، فكنا نعرف عن مدينة ديترويت الأمريكية أكثر مما نعرفه عن مدينة سامراء العراقية.

ولا توجد حصة دراسية واحدة في مناهجنا الدراسية على مدى القرن العشرين تتحدث عن دور المدينة وقيمتها ومعانيها الإنسانية، ولكننا كنا نمر عليها بعجالة وإهمال، وكأنها بلا قيمة ودور تأريخي أو حضاري.

ولهذا لم نقدم أي إبداع أدبي أوثقافي أصيل من رحم المدينة ومسيرتها المنيرة عبر التأريخ، ولم نكن بالدراية الكافية عن هذه الجوهرة الأثرية والدرة العالمية، لكن غيرنا في أصقاع الدنيا يعرفونها أكثر منا، ولهذا إستلهموا منها خمائر إبداعهم الذي توهج وسطع.

فرواية "موعد في سامراء" لازالت بمقروئية عالية وحاضرة في أسواق الكتب رغم أنها قاربت على الثمانين عاما.

وما يجب أن ندركه من هذين الإبداعين (الرواية والقصة) لكاتبين أجنبيين، أن علينا أن نرعى ثقافة المدينة، وأن نساهم في إحياء المعرفة الوطنية لكي تتجدد روح التفاعل الوطني الخلاق ما بين أبناء الوطن الغني بمناهل الصيرورات المعرفية الفياضة.

فهل سنعرف مدن بلادنا، أم أننا سنبقى في إستكانتنا المريرة للأمية الوطنية، والتجهيل الدائم بمدننا ودورها الحضاري؟!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

 

 

مع الاحتفال بالوان الربيع والولادة الجديدة للحياة تحتفل الشعوب ايضا بيوم الشعر، فالشعر نبض الانسانية الذي يكسو جسد الايام بالالوان كما يفعل الربيع في الارض، وقد عرفت حضاراتنا الشرقية الشعر قبل الحضارات الاخرى، فاشعار انهدوانا سبقت اشعار هوميروس بقرون طويلة، والانوثة تفيض بالشعر كما تفيض الامومة، والا مالذي يدفع فتاة عراقية في السادسة عسرة من عمرها حبسها والدها في جدران غرفتها بعد طلاقها من الرجل الذي اكرهها على الزواج منه منتهكا طفولتها البريئة!! ملاك الفتاة المنتهكة انوثتها وطفولتها بأيادي اب متزمت دينيا لا يفهم قيمة للمرأة سوى انها فراش زوجية وبطن ينجب الاولاد، كتبت قصائدها التي عبرت هن رغبتها في الخلاص من قمع الاب والمجتمع الجامد الذي ولدت فيه، وكانت ترسلها سرا الى صديقتها بمساعدة اختها التي اعارتها هاتفا محمولا كانت تنفرد به في الحمام لتدون كلماتها البسيطة وتنفث فيها روحها المعذبة والسجينة، حتى قامت صديقتها باصدار ديوان صغير يحمل اسم ملاك* ليكون شاهدا على قسوة المجتمعات التي تخوض في تطرفها وحروبها، حتى الان لم تحصل ملاك على نسخة من ديوانها لانها تخاف ان يقع الديوان بيد ابيها فيقتلها لانها اخترقت حجب السجن الذي اقامه عليها.

تقول ملاك في احدى قصائدها:

أتوق لاحضن النار

لأتذوق طعم العقوبة

لاتلذذ بفعل الخطيئة.. انغمس فيها حد الثمالة

ثم اتسلل خفيفة لاسرق مفتاح الجنة

وارميه لبيوت الفقراء

 وملاك ليست الوحيدة التي قمعت روحها وكلماتها ففاضت شعرا، فقد سمعت مرة عبر الراديو تقريرا عن سيدات افغانيات ينظمن الشعر سراً، كنت اقود السيارة فتوقفت وركنتها كي استمع باصغاء اكثر لما ورد في التقرير الذي ماعدت اذكر عن اي اذاعة كان، السيدات كن يجمعن اشعار اللاندي التقليدية الافغانية التي تتميز بانها تتكون من سطرين يتكون السطر الاول من تسع مقاطع صوتية اما السطر الثاني فيتكون من ثلاثة عشر مقطعا صوتيا، تتناول هذه الاشعار قضايا نفسية واجتماعية تعبر عن غضب المرأة الافغانية وبصورة ساخرة، ولان الاشعار كانت تقال في التجمعات النسائية فلم تنسب لامرأة بعينها وهذا وفر حماية للنساء من الاذى فيما لو تجرأت احداهن وادعت انها شاعرة. لكن سيدة منهن قررت ان تجمع هذه الاشعار وتصدرها في ديوان، وفعلا جمعت الاشعار في دفتر خبئته في غرفتها، لكن هذا الدفتر وقع في يد اخيها اثناء احدى غارات التفتيش التي تشن غالبا على غرف الاناث بحثا عن اي مجهول قد يفسر اساءة لشرف العائلة. وقد دفعت البنت حياتها قبل ان تتم مشروعها في جمع اشعار اللاندي للنسوة الافغانيات. كذلك فقدت ناديا انجومان حياتها على يد زوجها الاستاذ الجامعي الذي قتلها ضربا حتى الموت بعد ان نال ديوانها الوحيد الذي اصدرته باسمها الحقيقي ديوانها (الزهرة القرمزية) والذي نال شهرة في افغانستان وحتى ايران. هكذا يصير الشعر معادلا للموت في البلدان التي يحكمها التطرف الديني وتسيطر عليها الجماعات المسلحة والقتلة وتدفع النساء افدح الاثمان لبقائهن واستمرار عطائهن، وقد يقال ان الرجال يدفعون ثمن الكلمة ايضا ويقتلون احيانا، وهذا صحيح حين يدفع الرجال ثمن مواقفهم وكلماتهم لكن مايحدث مع النساء في المجتمعات التقليدية التي توسعت الان وصارت اكثر عنفا انها تحجب حق الوجود للمرأة وتصادر صوتها وخيالها وابداعها الذي يصير عورة كجسمها، وقديما تجاهل الرواة اشعار النساء العربيات ولم يدونوه خجلا اوتحتقارا لمكانة النساء في المجتمعات القبلية العائدة الان الى الظهور بعد انهيار الدول ومؤسساتها التي تشهده الالفية الثانية. والذي يلفت الانتباه ان القمع كلما زاد صارت النسوة اكثرا ابداعا واكثر تفننا في اساليب كسر القيود والتعبير عن الرغبة في الحرية والحياة التي يكون الشعر وسيلتها واداتها الفاعلة. لابد من تحية لهؤلاء السيدات في يوم الشعر لانهن لم يقلنه او يكتبنه ترفا بل كانت دماؤهن مدادا له وحروفهن تمجيدا لصرخات الانوثة المكتومة في مجتمعات الموت والعنف والتطرف.

 

د. لقاء موسى الساعدي

..............................

*ينظر للمزيد عن قصة ملاك مقال اية منصور موقع يلا

 

كان صوتها يتدفق عبر دروب وأسلاك الوجود النائية، فيلامس شغاف فؤادي، ويزعزع أركان روحي، ويُطلق براعم صيرورتي في تيه الرحيل، والإمتداد على بساط الأيام فوق أريكة المجهول، وأنا أقود عربة كياني إلى حيث لا تعلم عندما أطلقتني للريح،  في يوم تعسرت فيه رحلتي وتفاقمت آلامها وتأوهت تستغيث بالنار من النار، التي أوقدت فيها إرادة الصيرورة ولذة الشعور بالإمتداد في تربة الأمل وقلب الطموح. 

كان صوتها يمدني بطاقات الإنسياب الكبرى في تيارات التحدي والإرتقاء والتفوق، والتماهي بأنوار العلياء والتفاني بالجد والإقدام والعطاء، والإنتقال من بحر إلى بحر ومن قارة إلى قارة، كأنني إمتلكت شيئا من قدرات الخِضر الذي كانت تحدثني عن خطواته وحضوره في ذات الوقت بمكانين، وكـأنه يؤكد نظرية الكم ويعبّر عن أن الوجود محض طاقة ذات أشكال يمكنها التواجد في موضعين بآن واحد.

كان صوتها الواثق الهادئ الجميل المعبّأ بقوة الحياة والإيمان والأمل، والصدق والمحبة والرحمة والعزة والكبرياء، والتحدي والتمسك بالقيم والمعايير والأخلاق السامية، التي تفوح من  وجهها الناصع وشكلها الزاهي الجميل، المشحون بالرأفة والحب والشوق والحنان والإمتنان، والصفاء ورقة القلب وفيض المودة وأريج الأماني، وعطر الصلاة وصدى الابتهال والتحبب إلى الله، وهي تشدو بلسان قلبها وحنجرة روحها أسمى آيات الإصرار واليقين بأن الغد سيكون أفضل، وأن غيمة الحاضر لا تدوم، وأن الإرادة الكبرى ستحقق قانونها وتفرض معاييرها، فتخضع لها جميع الموجودات وتهتدي بهديها فتعود إلى رشدها وتستنير بأنوار الرحمة والألفة والأخوة السمحاء.   

كان صوتها يتدفق من ينابيع أعماقها، ويجري كتيار الخير الذي يريد أن يكسو الأرض باللون الأخضر، ويشيّد جنات غناء تأنس فيها الأطيار وتغرد، ويفرح الإنسان ويشكر ربه كل مخلوق، يتطعم بلذيذ النعمة وحسن المقام والرفعة والقوة والبهاء.

وما أن يلامس صوتها مسامعي حتى تضطرب خلجان أعماقي، وتفيض ينابيع كينونتي وتتدفق مياه أفكاري، فأستكين لهذا الفيض السماوي الذي يُغرق فضائي ويذيبني في جسد الضوء، ويمنحني عسلا لذيذا للأنوار القدسية، التي تنبعث من شجرة درية في حدقة السماء.

كان صوتها أطياف ساحرة تتهادى في وجداني وتخلّق معالم أيامي، وترسم خارطة تألقي وإنتمائي إلى جذوري وتفاعلي مع تراب إبتدائي، ويحدد مواقع خطواتي فوق صدر التنامي،  ويأخذني إلى أفلاك الرجاء البعيد، فيستخلص من روحي طاقات اليراع وإرهاصات إرتقاءٍ في أحضان الصعوبات، فأجد العسر يسرا، وأن الشمس تشرق أبدا في صباحات وطاني.

كان صوتها إكليل غار من التوحد بذاتي الكبرى، وتاج عرفان بالقدرة على أن أكون في فم بركان السفر، وفي محطات المواجهة الملتهبة ما بين حمم التشظي والتداعي، والولادة الأفضل من رماد القارات الصاخبة في طرقات الصعود إلى قمم الغايات، والمضي في حلبة الصراع التي لا تعرف  غير سيوف القوة وبنادق السطوة وأبابيل الطمع والحرمان.

وهو يحصنني من داء اليأس ويعالجني من أمراض الخيبات، ويمدني بطاقة التواصل والتفاعل المتجدد مع مفردات الأيام،  فتنطلق قدرات أعماقي، وتلمع كل جوهرة مدفونة في رماد عجزي، فأغلي ويتصاعد بخار كينونتي ويتردد صدى أزيز فوراني في أروقة روحي، فأستشعر قيمة وجودي وأعرف دوري وأقرأ رسالتي بإمعان.

كان صوتها ينبوع أماني وشدو سماءٍ ترتله بنياط قلبها، فأصغي لألحان إرادتها ومواويل كبريائها، وأنصت بخشوع لآيات المطلق وهي ترتلها بأعذب لسان وأجمل لحن، فأكون في حضرتها، مثل نقطة ضوء تذوب في شعاع الأبد، وتنتشر في أصقاع الفضاء وتتجاوز الحدود، وتنتصر على قدرات الجذب، وتتحرر من جميع القيود وتنتمي إلى كون الذات العلوية.

كان صوتها يمنحني طاقات حياة، ووثيقة بقاء ونماء في صحراء المجهول، التي طلقها مطر الإنسانية وحَجبت عنها النور زوابع الرمال الهابة من براكين الغضب الثائرة، من شدة العطش وإنفجار الظلم وإنسحاق الضمير، وغياب أسباب التآخي وحسن الصدق والإنتماء إلى جوهر الأنوار.

 كان صوتها نعمة عظيمة  أغدقها الله على روحي، أستحم به وأتخلص من أوذان النفس، وأستعين به على نفسي من أمارة السوء التي فيها، وأديم به ينبوع خشوعي وأوقد أنوار وجودي،  فهو شراعي الذي يدير دفة مركبي ويحدد إتجاه خطواتي رغم الأمواج المتلاطمة والصراعات المحتدمة، وعواصف الرياح التي تريد النيل من شجرة روحي المثمرة.

فصوتها يجعل أغصاني تتمايل وأثماري تتراقص حالمة بفم ترضيه لتمده بطاقة إبداع وأمل.

كان صوتها يرويني ويغسل قلبي ويعصره وينقيه، فأكون أنقى وأصفى وأجمل كلما تدفق صوتها في أعماقي.

وهكذا فأن صوتها البعيد الذي يخترق البحار والمحيطات ويتقطر من أفئدة أمواج التقارب والتفاعل الأعظم، لهو أعذب شراب أحتسيه بكأس الأنوار القدسية فأتخلق به وأحلق في علياء الأضواء،  وهو في يقين فؤادي، وينبوع حياتي وبهجة أكواني ونور عقلي، ومِرجل أفكاري ومداد ديمومتي وصيرورة روحي، وإندماج كوني بذات عرشٍ منير في فضاء المنتهى ومطلق الوعي ونبع اليقين.

كان صوتها الرؤوف الرحيم البعيد القريب، يبعث في أرجاء وجودي حرارة الحياة، ويبث إرادة التحدي والإيمان بالنجاح .

وبصوتها أكون، لأنه طاقتي وطعام روحي وسلافة مشاعري، ورحيق إنفعالاتي وعنوان أفعالي، وموئل ذاتي ومشروع أحلامها رغم عوائق الأزمان، لكنها صنعتني، فكنت صوتها الذي يعبّر عن صوتها، لأنه مولود من رحم إصرارها على الحياة.

فهل عندي أعظم من صوت الصدق والمحبة والرأفة والوفاء ونقاء الأشواق وطهر الحنين.

إنه صوتها الذي اسمعه بقلبي وروحي رغم طول المسافات، ذلك الصوت الذي أوجدني في لحظة تجلي.

قد خشعت لصوتها، فاعذروني ودعوني أصلي في محرابه صلاة ناسك يسبّح ببر الوالدين وأرتل آيات أمي التي لا تلدني مرتين، وقد فقدتها منذ عامين!!                                   

وفى ذهبتْ فأثكلني الغيابُ

 وعَنْ وَجَعٍ يُحَدّثني الترابُ

هيَ الدنيا تشاغلنا بأمْرٍ

وأمْرُ مَصيرنا كُتِبَ الكِتابُ!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

أسدل ليلة أمس الستار على آخر ليلة من ليالي الشتاء الطويلة الباردة، تاركا المجال لفصل الربيع ليطبع مدينة فاس بأجواء ربيعية هي منذورة لها، كما كانت  في زمنٍ آخر غير هذا الزمن الرديء، حيث كان اسم مدينة فاس حينما يرد على الخواطر، تنبعث في الأذهان أجمل صور لمدينة رائعة ترتاحُ مطمئنة بين دراعي جبلي "تغات وزلاغ " العاشقان المتيمان، حارسها الوفيان، وما يطوقان من قلائد البساتين الخصبة والجنان الغناء، التي تحوطها من جوانبها الأربعة .

فاس كما كانت في الذاكرة الشعبية، في كتب العلم وفكر العلماء، ملهمة لمختلف معلمين الإبداعات والفنون، وباعثة للبهجة والحبور، الذي عرفت به "جناناتها والعراصي" الحاضنة " للنزايه " والإحتفاء بالربيع، والتمتع بجمال الحياة بساتين الزيات، وجنانات باب الجديد، وحقول زواغة، وغابة عين الشقف، وحامتي سيدي حرازم ومولاي يعقوب وفضاءات بوركاييز وشلالات صفرو.. وغيرها من المؤهلات الطبيعية التي خصها الله بها، التي أعطتها الطابع الربيعي الذي يقاوم، والمد المديني المتحضر، الذي لا يضاهى، والبعد السياحي غير المستغل مع الأسف، وقد كان يمكن أن نستطرد في سرد مزايا وشمائل فاس وأهلها، لو أنها ظلت كما عرفت عليه عبر التاريخ، شامخة زاهية مزدهرة، لكنها مع الأسف، لم تعد كذلك ولم يعد بالوسع قول شيء آخر عنها، غير عبارات الأسى والتأسف على حالها الذي أصبح  مستباحا، إنها والله لحسرة وألم كبيرين، أن يأتي الربيع ليجد فاس وقد غرقت في فيض من النواقص، التي بهدلت منظرها، وقوضت جماليتها، وحطت شموخ ماضيها، إنها لا تستحق كل هذ العقوق، وقد من الله عليها يكل هذه المؤهلات الضخمة والإمكانات الجبارة .. حميد طولست

جاء ديوان رزيقة بنت الهضاب على هذا العنوان المميز كصوت واضح انطلق من الأهرامات الشاهقة  ليثبت للآخر بوجود امرأة من الجزائر ليس في الكفاح المسلح ضد الاستمارة الذي رسمته بالدم والدموع بل جاء ليبرهن للعالم أن الجزائر ولادة للمرأة في الأدب أيضا وتحديدا في الشعر وهاهو ديوان امرأة من الجزائر يطرق باب الحياة من دار النخبة  بقصائد تسبح في ملكوت الشموخ والتحدي وجاءت بعد مقدمة قوية عن نضال الر/ة الجزائرية من عهد الاستعمار إلى ما بعد الاستقلال وكيف استطاعت أن تبرهن عن وجودها في عالم الأدب في وسط مجتمع ذكوري الذي يطال الواقع الجزائري

بين الحب والامل والتحدي نغوص في معالم الحرف الرقيق المكتنز بقوة التحدي والصبر في نصوص منتقاة فجاء التحدي في قصيدة الوداع الكاذب في قول الشاعرة

وكان الملام عن الحب والثأر في قولها

أنا امرأة من نوع \آخر

انأ من تحمل الحب الثائر

وفي  قصيدتها صحراء حياتي

في قولها

الأرض ترفض بقايا موتي

والكفاح مستمر لأجل العودة

كما تشعبت الشاعر في قصائدها فتحدثت عن الأم وعن الأخلاق وعن العراق وعن الآخر

فراحت تغزل من الكلمات آهاتها لتأتي القائد ترجمة لها

وكانت بنت الجزائر أول ما افتتحت به ديوانها ليحمل الديوان عنوان امرأة من الجزائر فهنيئا للجزائر بك سيدتي مع إصدارات أخرى لإثراء المكتبة الجزائرية والعربية بقلم نساء من الجزائر

 

بقلم ليندة كامل الجزائر

امرأة من الجزائر

المقاهي الثقافية، ظاهرة بدأت تنتشر في العاصمة الحبيبة بغداد، وخصوصاً في منطقة الكرادة، فبعد مقهى (بُن رضا علوان) ومقهى(كَهوة وكتاب) برز مقهى (الشمعدان) بقاعتهِ الجميلة، وموقعهِ الأجمل، وإبداع التصميم، مع رقي الحضور...

أقام إتحاد المثقف العام، أُمسيةً شعرية كعادته في إقامة الإمسيات، لكنهُ جعل منها مسابقةً يتنافس فيها الشعراء، وفسحةً يتنفس منها الأدباء، ولا سيما الشباب منهم، فلم يجعل شرطاً أو قيداً للمشاركة، وبالرغم من تحفظنا على ذلك، لكن لا بأس أبداً، فالشعر بوحٌ لشعورٍ إختنقَ بهِ صاحبهُ، أو وجع لا بُدَّ لهُ من ألم الكلمات، وقد كان وجعُ الشاعرِ(ماجد الربيعي) كبيراً، حينما أبكى الحضور بمرثيته لأخيه الفقيد....

جلسةٌ في قلبِ بغداد النابض بالحياةِ، بالرغم من الآسى، وفي منطقةِ الكرادة المنكوبة، التي طالتها يد الارهاب بابشع صورهِ، بانفجارٍ إحتوى مادة غريبة، بعربة أكثر غرابة، في دخولها المكان وطريقة تفجيرها فيه، ذلك ما حدث في شهر رمضان من العام الماضي قُبيل مجيئ العيد...

هذه الأُمسيات والجلسات المتنوعة، التي يقيمها إتحاد المثقف العام ورئيسه (رياض جواد كشكول)، وغيرهِ من الإتحادات والروابط والمجموعات الأدبية والفنية، أعادت إلى بغداد ومناطقها، روحها التي حاول الأرهاب أن يسلبها منها، دون وجلٍ أو خوف، لكن بغداد ظلت عامرة بأبنائها وكتابها وأدبائها ونخبها...

ثورة الإصلاح

لكي تكون هناك ثورة حقيقية للإصلاح، يجب إبتداءً تشخيص الخلل، ثم الشروع في إصلاحه، وأن خير مَنْ شخص الخلل هم الكتاب والادباء، ولذا فقد بادروا إلى إصلاحهِ، عن طريق تحويل المقاهي من أماكن تضج وتعج برائحة الأركيلات، وتسويق التفاهات الفكرية، إلى أماكن لإقامة الإمسيات الثقافية والأدبيىة والفنية، التي كسبت كثير من اؤلئك الشباب، وأبعدتهم عن كل ما يشعرهم باليأس والإحباط، وأدخلتهم في مجالات عديدة، فبثت فيهم روح الرغبة والأستمرار....

ترويج وإستثمار

لا يخفى السر إذا شاع بين أثنين، فكيف بهِ إذا شاع وأنتشر في بغداد، حيث أصبحت سمعة المقاهي على أنها أوكار لتجارة المخدرات ومثلي الجنس، وفعل العادات السيئة، التي يمقتها الدين والمجتمع، ظناً من أصحابها أنهم بذلك يحققون الربح المادي المطلوب، ولكنهم لا يدرون بانهم يقضون على جيلٍ كاملٍ من الشباب، صحياً وفكرياً، بينما قد تحقق الإمسيات التي تقيمها الاتحادات الثقافية والروابط والمجموعات الادبيه وغيرها، لهم نفس الارباح مع بناء جيل واعي وصحيح

بقي شئ...

هي دعوة لجميع اصحاب المقاهي (ليس في بغداد فقط بل في جميع المحافظات وانحاء العالم)، لإقامة أُمسيات ثقافية وادبية وفنية، وان يساهموا في بناء الوطن بدل هدمه...

 

حيدر حسين سويري

كاتب وأديب وإعلامي

 

 

 

حروف الدم رواية تتحدث عن أسرة (أم عراقية وأب كويتي) وبسبب الحرب التي نشبيت بين البلدين تشتت الأسر وكان من ضحاياها أبناء هذا الأسرة حيث أن البطل أسامة يعيش حالة ضياع في البحث عن والدته بعد وفاة والده الذي كان سببا في اختفاء أمه" سلمى"

في خضم هذه الرواية تجري أحداث البحث المضنية التي يخوضها البطل على مدار سنوات  حيث عرضت الكاتبة أحداث الرواية بأسلوب بسط بلا تعقيدات وبهذا فإنها استطاعت أن توّصل أفكارها لعامة القراء فكانت بعض الأفكار الضمنية منها الصداقة الحقيقية والتضامن حيث ظهر في علاقة سليمة ونجوى ثم في علاقة صالح(رتشارد) وأسامة

ثم دخول رتشارد إلى الإسلام في إشارة إلى أخلاق الإسلام التي تتميز بالصدق والمحبة والتعاون الصفات التي يفتقدها المجتمع الغربي ويظهر جليا في تعاونهما في رحلة البحث عن والدته وإقحامه في مجال عمله  دون إجراءات معقدة 

رغم الظروف النفسية القاهرة التي مربها البطل إلا أن صديقه كان سببا في زرع الأمل فيه دائما حتى بعد انفلاته واستسلامه لهواء النفس في لحظة ضعف كان رتشارد سببا في عودة أسامة إلى نفسه ا والى شخصيته المتزنة والمنضبطة تتواصل أحداث الرواية بوتيرة سريعة مع أحداث كثيرة متداخلة كأنك في فلم درامي تركي أو مكسيكي ثم نسترجع أنفاسنا بعد غياب أسامة بعد خروجه في مظاهرات ضد الرسومات المسيئة لرسول في الدنمارك  ثم تنكشف خيوط المختفية في هذه الرواية فكانت حروف الدم رسالة قدمتها سلمى لصديقتها نجوى قبل مغادرتها بيت صالح زوجها عندما كانت تعيش معه حياة بائسة جعل نصف الرسالة مع نجوى ونصفها الأخر  بقى غامضا حتى نهاية الرواية لتتضح  الغموض وتفك عقدة حروف الدم  في

رحلة البحث عن الحقيقة أرهقت القارئ ودفعته في ذات الوقت إلى  إتمامها حتى النهاية لكشف أسرارها لكن ملاحظة قد اقحم نفسي فيها كقارئة وليس كناقدة إذ وجدت أن الحبكة لم تكن متقنة حيث يأتي احمد احد أقارب أسامة ويطرح سؤالا ..من ثم تتضح مكامن الرواية. 

رواية حروف الدم جاءت بطابع درامي مشوق ومسترسل بطريقة ذكية ربما نقص خبرة الروائية اظهر بعضا من التناقضات الطفيفة وتبقى تجربة جميلة تستحق القراءة 

 

بقلم: ليندة كامل الجزائر

روايات مختلفة حول قصة البيت وكيف تخلَّص أبو تمام:

البيت لأبي تمام، وهو:

إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ ***  في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ

المناسبة:

امتدح أبو تمام أحمدَ بن الخليفة المعتصم في قصيدة مطلعها:

ما في وقوفك ساعةً من باس *** تقضي ذِمامَ الأربُعِ الأدْراس

فلما بلغ قوله :

إقدامُ عَمْرٍو في سَماحةِ حَاتِمٍ ***  في حِلمِ أحنَفَ في ذَكاءِ إِيَاسِ

قال يعقوب بن إسحق الكِندي ناقدًا:

"إن الأمير فوق ما وصفت، ولم تزد على أن شبهته بأجلاف العرب، فمن هؤلاء الذين ذكرتهم؟ وما قدرهم؟"

أطرق أبو تمام قليلاً، فحضره بيتان ارتجلهما، على نفس الوزن والقافية:

لا تنكروا ضربي له مَنْ دونه ****  مثلاً شرودًا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره ***   مثلاً مـن المِشكـاة والنبراس

 

بهذه الإجابة المفحمة ذكّر أبو تمام بأن هؤلاء المشهورين الذين أشار إليهم في معرض مدح الممدوح- جزء من عظمة العرب، وقد ذكرتهم العرب في أمثالها المشهورة، وذلك طبيعي أن نذكر الجزء للدلالة على الكل، فالله قد اختار المشكاة (كُوّة صغيرة)-  لكي يضرب بها المثل على نوره تعالى وهو أبلغ من أن يوصف، فجعل المشكاة التي فيها مصباح لتقريب الصورة لعباده، وذلك في إشارة لآية سورة النور {الله نور السموات والأرض، مثلُ نوره كمشكاة فيها مصباح…}- النور، 35.

والتشبيه كما نلاحظ ضمني، ودفاع أبي تمام كأنه يقول: لا تثريب علي في ذلك ما دام القرآن قد ضرب  التشبيه الأقل لنوره.

..

استطاع الشاعر في رده الحصيف أن يحوزعلى ثقة الخليفة، ويقال إنه أصبح واليًا على المَوصِل جزاءً على سرعة بديهته.

قيل: أخذ الكندي الرقعة التي كان قد دوّن فيها القصيدة، فلم يجد فيها هذا الرد المفحم فقال متفرسًا:

 "إن هذا الرجل لن يعيش طويلاً، لأنه ينحِت من قلبه".

(انظر: ابن رشيق- العمدة، ج1، ص 167- باب البديهة والارتجال.)

 

على ذلك، صدقت فراسة الكِنْدي، حيث توفي أبو تمام عن ثلاث وأربعين سنة (188- 231 هـ).

..

لكن ثمة دفاع عن الشاعر، وقد يكون ردًا على الكندي:

لقد أبدع  الشاعر في الجمع بين مشاهير في أكثر من ميدان- في أقدام عمرو بن مَعْديكَرِب وفي حِلم أحْنف بن قيس، وفي ذكاء إياس القاضي وفي جود حاتِم الطائي، وكلٌّ قمة في الفضل والسؤدد، فهم ليسوا أجلاف العرب كما زعم الزاعم، بل  إن الممدوح جُمع في مفرد، أو أن الله جمع في الممدوح ما فرّقه على غيره من عظماء الرجال، فقد جمع فيه من أحاسن الصفات ما لم يجتمع لغيره،  أو كما وصف أبو نواس:

ليس على الله بمستنكر ***  أن يجمع العالَم في واحد

..

يذكر ابن خَلِّكان القصة، ويروي الرواية التي تقول إن الممدوح هو الخليفة المعتصم، (وليس ابنه أحمد) وكان الوزير حاضرًا.

يعلّق ابن خَلِّكان على هذه القصة، فيقول:

"هذه القصة لا صحة لها أصلاً"

يقول في مادته عن أبي تمام (وفَيات الأعيان، ج2، ص 14-16):

 

"إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس

 قال له الوزير: أتشبه أمير المؤمنين بأجلاف العرب؟

 فأطرق ساعة، ثم رفع رأسه وأنشد:

لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلاً شرودًا في الندى والباس

فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلاً من المشكاة والنبراس

..

 فقال الوزير للخليفة: أي شيء طلبه فأعطه، فإنه لا يعيش أكثر من أربعين يومًا، لأنه قد ظهر في عينيه الدم من شدة الفكر، وصاحب هذا لا يعيش إلا هذا القدر.

 فقال له الخليفة: ما تشتهي؟

 قال: أريد المَوْصِل، فأعطاه إياها، فتوجه إليها، وبقي هذه المدة ومات.

 وهذه القصة لا صحة لها أصلاً."

..

يمضي ابن خلكان في ترجمته لأبي تمّام، ويقول:

"وقد ذكر أبو بكر الصولي في كتاب "أخبار أبي تمام" ( ص 231- 232 ف.م)، أنه لما أنشد هذه القصيدة لأحمد بن المعتصم وانتهى إلى قوله: إقدام عمرو - البيت المذكور - قال له أبو يوسف يعقوب بن الصباح الكندي الفيلسوف، وكان حاضرًا:

 الأمير فوق من وصفت.

 فأطرق قليلاً، ثم زاد البيتين الآخرين، ولما أخِذت القصيدة من يده لم يجدوا فيها هذين البيتين، فعجبوا من سرعته وفطنته.

ولما خرج قال أبو يوسف، وكان فيلسوف العرب: هذا الفتى يموت قريبًا. ثم قال بعد ذلك: وقد روي هذا على خلاف ما ذكرته، وليس بشيء، والصحيح هو هذا."

يقول ابن خلكان:

"وقد تتبعتها وحققت صورة ولايته للموصل، فلم أجد سوى أن الحسن بن وهب ولاه بريد الموصل، فأقام بها أقل من سنتين ثم مات بها.

 والذي يدل على أن القضية ليست صحيحة أن هذه القصيدة ما هي في أحد من الخلفاء، بل مدح بها أحمد بن المعتصم، وقيل أحمد بن المأمون، ولم يلِ واحد منهما الخلافة."

...

وردت في (المُوشَّح، ص 366) للمرزَباني رواية أخرى، أن الإلقاء كان أمام الكندي لما سأله:

"أنشدني أقرب ما قلت عهدًا"، فأنشد قصيدته التي يقول فيها:

إقدام عمرو ....

فقال له الكندي:

 ضربت الأقل مثلاً للأعلى، فأطرق أبو تمام، ثم قال على البديهة....(البيتين)".

..

ثم يذكر المَرزَباني رواية الصُّولي، بأنه ألقى قصيدته على أحمد بن المعتصم، ويضيف:

 "فقال له الكندي وكان حاضرًا وأراد الطعن عليه: الأمير فوق ما وصفت، فأطرق قليلاً ثم زاد في القصيدة بيتين لم يكونا فيها- لا تنكروا ضربي له من دونه، وذكرهما، قال: فعجبنا من سرعته وفطنته."

...

هناك من يرى أن البيتين كان أبو تمام قد أعدهما مسبقًا لحالة "الطوارئ"، فقد توقع أن يعترض ناقد من بين الحضور، وحتى لو صح ذلك فهذا أيضًا ذكاء شديد- أن يأخذ للأمر أهبته.

..

ثم إن الشك في صحة القصة لا ينفي جمالها، ولا يقلل من أهمية البديهة والارتجال، والبيتان بليغان حقًا في وجه التخلص، وفي هذا التشبيه الضمني الرائع.

 

 

ب. فاروق مواسي

 

 

 


ميساء زيدان ترسم بالكلمات لوحة شعرية تتعامل ببساطة ممتعة مع العالم، تكتب عن المرأة وتدافع عن حقها في الحياة وعن دورها في مجتمع تطغى عليه الذكورية بنص شعري

في بلادنا العربية اليوم نعيش فوضى وإرهابا وأحلاما ضائعة. حسب رأيميساء زيدان  هل كتابة الشعر في مثل هذه الظروف مجدية؟ فكان رد الشاعرة “كتابة الشعر في هذه الظروف واجبة. شهادتنا على ما يحدث من خلال تأثير الوضع السياسي علينا نحن كأفراد، تأثير ذلك على الرجال على النساء والأطفال.

 ميساء زيدان ناقشت قضية المرأة، وناقشت ازدواجية الرجل الشرقي في وطنه وفي أميركا عندما يكون المحك لإثبات ذلك. المرأة العربية لا تقل قيمة عن المرأة الغربية، فعلى الرجل أن يضع ميراثه المجتمعي الرجولي عن كاهله؛

ليست القصيدة في  الشاعرة ميساء زيدان سوى حوار باتجاهين الأول نحو معنى يتصل بحياتها وتجارب عيشها ورغباتها الفردية، فيما الثاني ينطلق نحو «مكر» الفن في احتفاله بالصورة الشعرية وعلاقاتها مع بعضها البعض ومع ذلك السياق السردي، وهما اتجاهان يذهبان باللعبة الشعرية كلها نحو حضور قوي للمشهدية. أتحدث هنا بالذات عن مشهدية تغتني بتفاصيلها قطعاً، ولكنها تتأسس وتغتني أصلاً بانتباهها للتفاصيل الصغيرة، المتشابكة، بل والممتزجة بما في فن الشعر من برق يلمع ويشير ولا يقول قوله المكتمل أو سياقاته النهائية.

التجربة الشعرية تكتب من بقعة جمالية خاصة لعلَ أهم ما فيها وضوح معالم الموهبة ووصولها إلى أدوات فنية ذات خبرة وتجريبية لا تغرق في ما هو شكلي وإن أخذت الشكل الفني باهتمام ملحوظ لعلنا نراه واضحاً في جاذبية الصور الشعرية وسلاسة بنائياتها على نحو يمنح القصائد رشاقتها ويمنح الشاعرة والمجموعة ألقاً بهياً ينتسب للشعر بجدارة.

هذا نوع من الكتابة لا يحتمل تورية بمعنى، هي تعرف بالضبط أن هذه الشحنة من العطش لا تحتاج إلا لنوع من الملامسة الحانية فتعود التويجات ثانية للتفتح . أفكر بكل ما يحيطنا وصباح تكتب في أثناء الوجع، في أثناء التجربة فأعرف أن الألم، ألم الاشتياقات الصاعق حضر وأتخذ هذا المنحى من الأسى الشفيف. الولع هنا في قصائدها

 كالوداع يبدو مرهقا مهلكا جدا لكنني لا اسمع أي نوع من الحسرات

 

السفير الدكتور غازي أبو كشك

في ما يلي ترجمة عربية لهاتين القصّتين بالعبرية، كتبهما السيّد راضي بن الأمين صدقة الصباحي (رتصون بن بنياميم بن صدقة الصفري، ١٩٢٢-١٩٩٠)، ونُشرتا في  الدورية السامرية أ. ب. - أخبار السامرة، العددان ١٢١٩-١٢٢٠، ١ تموز ٢٠١٦، ص. ٤٧-٤٩. بنياميم (الأمين) نقّح ما خطّ والده. 

هذه الدورية التي تصدر مرّتين شهريًا في مدينة حولون جنوبي تل أبيب، فريدة من نوعها: إنّها تستعمل أربع لغات بأربعة خطوط أو أربع أبجديات: العبرية أو الآرامية السامرية بالخطّ العبري القديم، المعروف اليوم بالحروف السامرية؛ العبرية الحديثة بالخطّ المربّع/الأشوري، أي الخطّ العبري الحالي؛ العربية بالرسم العربي؛ الإنجليزية (أحيانًا لغات أخرى مثل الفرنسية والألمانية والإسبانية) بالخطّ اللاتيني.

بدأت هذه الدورية السامرية في الصدور منذ أواخر العام ١٩٦٩، وما زالت تصدر بانتظام، توزّع مجّانًا على كلّ بيت سامري في نابلس وحولون، قرابة الثمانمائة سامري، وهناك مشتركون فيها من الباحثين والمهتمّين في الدراسات السامرية، في شتّى دول العالم. هذه الدورية، ما زالت حيّة تُرزق، لا بل وتتطوّر بفضل إخلاص ومثابرة المحررين الشقيقين، بنياميم (الأمين)  ويفت (حسني)،  نجْلي المرحوم راضي (رتسون) صدقة (٢٢ شباط ١٩٢٢ــ٢٠ كانون الثاني ١٩٩٠).

 

ا - عجيبة إلعزار

”يوسف بن حبيب (حوڤڤ) بن يعقوب صدقة الصباحي، المعروف بكنيته أبو جلال، رحمه الله، مرّ ذات مرّة بجانب قرية عورتا (عَوَرْتِه باللفظ السامري) الواقعة جنوبي نابلس، حيث قبور الكهنة الكبار، إلعزار وإيتمر ابني أهرون، فنحاس بن إلعزار، أبيشع ابنه، والسبعون شيخا.

مرّ، بكونه بائعًا متجوّلًا، بجانب قبور السبعين شيخًا، رحمة الله عليهم، وإذا به يرى فلّاحًا عربيًا من سكّان القرية، يحفُر حفرة للتبرّز فيها، بالضبط بجانب هذه القبور المقدّسة. علّق يوسف على ذلك وقال له: لا يُفعل مثلُ هذا الشيء في قبور الصالحين.

ضحك الفلاح وقال: كعادتكم أنتمُ السامريون تؤمنون دائمًا بالهُراء والأمور الجوفاء. قال له يوسف: أنظر يا صديقي، لقد حفرتَ وتكوّم التراب في هذه الكومات الكبيرة ولكن برازك قليل جدّا، فكلّ ما حفرته كان هَباء.

كلّ طَلَبات يوسف ذهبت أدراج الرياح؛ ترك يوسف الفلاحَ، وسار في دربه، وفي فيه طلبُ السماح والمغفرة للفلاح المسكين الصفيق.

 

في اليوم التالي، حينما دخل يوسف قريةَ عورتا ليبيع بضاعته من القماش الدمشقي، وإذا بضجيج وصخب ونواحٍ يفطر القلب، تنبعث حزنًا على شخص مات فجأة. الميّت كان نفس الفلّاح الذي التقاه يوسف البارحة. سأل يوسف أهل القرية: إنّي رأيته البارحةَ يحفُر خارج القرية، وهو معافىً كالحصان؟

قال له أهل البلد: هذا صحيح، هذا ما رواه أمسِ لزوجته، كما وذكر لها أنّ سامريًّا جاءه وحثّه على التوقّف عن الحفر. وبعده، أتى أطفالُ صدّيقين وطلبوا إليه أن يستجيب لطلب السامريّ، لكنّه لم يستجب لهم. عند انبلاج الفجر فارق الحياة.

 

ب- قفزة عجائبية، انتقال من مكان لآخرَ بسرعة البرق

سمعتُ هذه القصّة من والدي، المرحوم الأمين بن صالح صدقة الصباحي (بنياميم بن شلح صدقة الصفري)، رحمه الله وهو بدوره سمِعها. ليتنا نحظى بأن يحدث لنا اليوم، ما جرى في القصّة في تلك الأيّام. في منتصف القرن التاسع عشر، سكن على سفح جرزيم، جبل البركة، في مدينة نابلس جنبًا إلى جنب، مع أبناء طائفته السامريين، الرجل المستقيم والبارّ، إسحق سوريه. سار في الصِّراط المستقيم، ولم يلتفت لا يُمنة ولا يسرى. كان سقّاء، واعتاش من نشل الماء للطائفة. في ساعة مبكِّرة من كل صباح، كان ينزِل لمكان يدعى ”عين العسل“، ينبوع ينبع من ּأعماق جبل جريزيم، يملأ دلاء الماء المعلّقة على عصا، يحملها على كتفيه، ويوزّع الماء على بيوت السامريين.

هكذا عاش إسحق، وأعال عائلته بكرامة، ورأى أبناء الطائفة في ذلك بركة من الله، وأُطلق عليه بين ربعه اسم ’بركة‘. زيارة السامري لقبور الكهنة الكبار، أبناء أهرون، إلعزار وإيتمار وفنحاس بن إلعزار في قرية عورتا، هي فريضة دينية. في صباح يوم صيفي جميل، نهض باكرًا الكاهن الأكبر، يعقوب بن أهرون وبعض وجهاء الطائفة. حمّلوا حُصنهم وحميرَهم بآنية الماء، وبكلّ ما لذّ وطاب من طعام، لتناوله بجانب قبور الكهنة الكبار، ولرفع الصلوات لله من أجل أرواح كل جوق إسرائيل، ليُسكنهم في جنّة عدن إلى الأبد. صعِدوا في الطريق المؤدية إلى قبر الكاهن إلعزار. غادروا مدينة نابلس، منطلقين من جانب ”عين العسل“، ورأوا إسحق هناك يملأ دلاءه. طرحوا عليه السلام، السلام عليك يا إسحق. السلام عليك يا سيّدي الكاهن الأكبر، السلام عليكم أيها الوجهاء، ردّ إسحق. وعندما همّوا بالمغادرة، سألهم إسحق: إلى أين أنتم متوجّهون هكذا على جناح السرعة مع حُصُنكم؟

أجابوه: وِجْهتُنا إلى قبر سيّدنا الكاهن إلعزار، ضع تنكات الماء خاصّتك وتعال معنا. قال لهم: ولمن أترك الأولاد والزوجة؟ إنّي أملأ هذه التنكات، وأوزّعها على أبناء الطائفة، أتسلّم ثمنَها، وبعد ذلك سألحق بكم. ضحك الكاهن الأكبر يعقوب قائلًا: يا إسحق يا بُنيّ، كيف تتمكّن من القيام بكلّ ذلك؟ إلى أن تنتهي من توزيع الماء، نكون قد رجعنا من هناك، لا يا بُنيّ، لا تكلّف نفسك عناءَ فِعل ذلك الآن، إذا لم تتوفّر لديك المقدرة والوسائل، إذهب إلى عملك وليكن اللهُ معك“.

ردّ إسحق: ”أشكرك يا كاهني، أشكرك على بركتك، مع كل هذا، إنّي آتٍ وإله آبائي يَهديني في هذه الطريق“.

٣٤٥ مرّةً  أ. - ب.

ابتسم الوُجهاء خِفية، في أنفسهم (من تحت شواربهم)، حثّوا حُصُنهم وحميرهم لكي يصلوا قبل شروق الشمس، ليصلّوا صلاة الصبح على قبر إلعزار. وصلوا بوابة القبر، وإذا بصوت الصلاة والإنشاد منطلِقٌ من ساحة القبر، حلّت بأجسادهم رجفة، وما عرفوا من المصلّي. دُهش الرجال جدًّا وظنّوا أن المصلّي  ما هو إلّا ملاك. لملموا قِواهم وشجاعتهم ودخلوا ساحة القبر.

ومن رأوا هناك؟ إنّه إسحق، بركة، السقّاء، يجلس في وسَط الساحة ويصلّي بهدوء، وأحيانًا يرفع صوته. ذَهِل الكاهن الأكبر يعقوب وقال: هل أنتَ إسحق؟ نعم، أنا هو، لماذا تأخّرتم في المجيء إلى هذا الحدّ؟ استفسر إسحق بركة. ردّ الكاهن الأكبر: كيف تمكّنت أنت من الوصول قبلَنا، ولا حصان أو حمار لديك أجابه إسحق: فور تركِكم لي، توجّهت أنا أيضًا وسرت في طريقي، وزّعت الماء على أبناء طائفتنا؛ بعد ذلك بدأتُ أمشي في طريقي الطويلة هذه. كنت أمشي وأصلّي، وعلى حين غِرّة رأيت أنّني في باحة القبر، ولا أحد معي. استغربت جدا لأنّكم لستم معي هنا.

قال له وُجهاء الطائفة: ماذا كنت تصلّي يا أخانا إسحق؟ فأنت، كما هو معروف، أُمّي ولا علمَ لك بالصلوات.

أجابهم إسحق: صدقتم، لذلك بدأت بترديد الأبجدية، وأنا ּأحرّك حبّات المسبحة التي بيدي ٣٤٥ مرّة، وما أن وصلت هذا الرقم وإلا أنا هنا، في المكان المقدس.

بعد أن أنهى إسحق قصّته، قال له الكاهن الأكبر: يا إسحق، نصيبك في الآخرة أكبرُ من نصيب كلّنا، لأنّ مجموعَ قيمة حروف (حساب الجُمَّل) موسى، النبي العظيم، هو ٣٤٥، الميم يساوي ٤٠، الشين ٣٠٠ والهاء ٥، وهو الذي نقلك إلى هنا بهذه السرعة، لكونك إنسانًا ورعًا ومحبًّا للحقيقة والعدل، وبسبب هذا حصلت لك هذه الأُعجوبة.

ركع الجميع وسبّحوا الإله العظيم، لأنّه أنعم من خيراته ونِعَمه على أبناء طائفته ومؤمنيه المساكين.

تلك الطريق بين نابلس ومكان القبر في عورتا، يسمّيها السامريون حتى يومنا هذا، باسم ”قفزة طريق“ ذكرى لفعل إسحق بركة“.

 

 

اصبحت اليوم الرواية العراقية لها الكثير من القراء الذين يُسارعون على قرأتها، ويحاولون قراءة ما بين سطورها، ومن الروايات التي برزت هذه الايام في الشارع العراقي رواية (مقتل بائع الكتب) للكاتب العراقي سعد محمد رحيم، ففي هذه الرواية اعتمد الكاتب على المذكرات والرسائل كثيراً في سرد الاحداث ولم يعطي فرصة لتعرف على  الشخصيات التي تدور حول بطل الرواية، بمعنى كيف يفكرون؟ وفي نفس الوقت لا يدع لهم مساحة لتعبير عن افكارهم او ما يدور في حياتهم الشخصية، خصوصاً المقربين من محمود المرزوق، وكثيرا ما كان الكاتب يجهد نفسه في وصف ملامحهم، ولا يتحدث عن حياتهم بصورة عامة، والشيء الادهى ان البطل يضيع في ذاكرة الاخرين، حتى الرسائل التي تتحدث عن البطل قد استخدمت كثيراً في سرد الاحداث بمعنى هذه الورقة استهلكت في النص اكثر من مرة ان صح التعبير. وفي اثناء قراءتي للرواية وجدت صوت الكاتب يخيم على جميع الشخصيات، وكأنني اقرأ رواية تتحدث عن الكاتب سعد محمد رحيم، ولا تتحدث عن انفاس محمود المرزوق او جانيت او ناتاشا او ابن اخت محمود المرزوق وغيرهم.ة وكثيراً ما تغيب اصوات الشخصيات والكاتب يعوض عنها بتلك الرسائل او المذكرات التي تملئ الرواية وتأخذ حيز كبير من الكتاب. حتى الحوارات التي تدور بين الشخصيات شحيحة وتخلو من الحبكة التي تجعل القارئ يتفاعل مع احداثها ويغلط في توقعاتهُ في نهاية الامر. اما مغامرات العشق التي يخوضها البطل فكان الكاتب بارع في ايصال الصورة، ويجعلك تعيش مع مغامرات محمود المرزوق، ومن الوهلة الاولى يخيل لك تعيش في ازقة براغ، وتصعد مع المرزوق في نفس القطار الذي تعرف فيه على ناتاشا، ويجعلك تحلم بشوارع باريس وتطوف في عيون جانيت، وتطيل النظر في لوحات المرزوق، وتستيقظ عندما المرزوق يعود الى العراق، كل هذه الامور تحتسب للكاتب، ولكن في نهاية الرواية يفاجئنا الكاتب بالقبض على من قتل محمود المرزوق وقد اعترف بجريمته ولكن المرزوق لم يكن الشخص المقصود في هذه الجريمة، بمعنى المرزوق كان مقتولاً بالخطأ، وهنا يطرح سؤال لماذا الكاتب انهى حكاية بطلهُ هكذا؟ هل يريد ان يقول لنا هنالك الكثير من امثال المرزوق يموتون بنفس المصير؟ ام ان زمن المرزوق بما يحمل من افكار قد اصبح من التاريخ وما عاد لها اهمية؟ ام انه يريد ان يصور الواقع المر الذي نعيشه يومياً؟ وهناك الكثير من الاسئلة... واعتقد ان الكاتب سعد محمد رحيم لم يأتي بشيء جديد لان رواية (فرانكشتاين في بغداد) قد تحدثت بإسهاب عن معاناة الشعب العراقي من جراء التفجيرات، وكذلك المصير المجهول لكثير من الناس، وما يؤسفني حقاً ان كتابنا هذه الايام كثيراً ما استخدموا هذه المادة التي اصبحت مستهلكة ، بمعنى كثيرة الاستعمال في عالم الرواية العراقية.

  

حسين علي خضير الشويلي

الشاعرة الألمعية العراقية  الكبيرة ساجدة الموسوي عنوان للشموخ ..

وأنت تستمع إلى الشاعرة العراقية الكبيرة ساجدة الموسوي ينتصب أمامك السياب بكل تجلياته وتداعياته .. تنجلي أمامك على مرمى عين جيكور والبصرة ونخلة باسقة في ربوع العراق تمتد على مدى البصر وسعفها يغازل دجلة والفرات ..

ومواجع المآقي ..

هي ذي عوالم الكون الشعري عند الشاعرة العراقية الكبيرة ساجدة الموسوي من العراق الشقيق وهي تعيشه حسرة وقسرا بمنأى عن حٌلمته ونبضٌ وجدانها مصلوب بين حضارة الأشوريين وبلاد مابين الرافدين والبابليين وسامراء كربلاء والنجف والبصرة وبغداد العهد العباسي المزدهر وبكل حفنة تراب من عراقنا المسلوب المغتصب .. وقصور العباس التي انهارت بفعل فاعل ..

وامعتصماه ...

وا معتصماه  ...

يا أنفاق " عمورية ..

يا دهاليز عمورية ..

وا معتصماه ..

وا معتصماه ..

هو ذا المدى والكون الشعري عند الشاعرة والذي ابهر الشعراء بالملتقى الدولي لربيع الشعر بالبليدة ..

شموخ الروي والتفعيلة ومدى بحجم الروي والقافية والمدى العائم بين تضاريس الشاعرة الكبيرة ساجدة الموسوي ..ومواجعها

اعتلت المنصة أكثر من مرة في هذا الملتقى فأرست دعائم القول حين قالت للروي تعال ..

تحية إكبار وانحناء وإجلال أيتها الكبيرة : مروءة وشعرا وأنافه في هذه القطوف العطرة السريعة  ولنا أوبة إلى عالمك الشعري الأخاذ.. ..

تقبلي تقديري واحترامي

 

كتب: احمد ختاوي

 

 

إذا كان باب الثقافة الشائعة قد بدأ بتمرير الإعلان التجاري ودعايات معاجين تنظيف الأسنان كثقافة يقبل عليها الجمهور دون الشعور بالحاجة للرجوع إلى (إخوان الصفا)، ولا إلى (الجمهورية) لأفلاطون، فإن على سراة القوم من المستنيرين ودعاة الحكمة والخدمة الاجتماعية تنبيه الجمهور إلى ما يحف بالثقافة من تشويه وخلط واختلاط لمساعدته على التمييز..

عرّف واحد من أهم مفكري عصر الثورة الصناعية، ماثيو آرنولد Arnold، الثقافة بأنها “أسمى ما فكرت به أذكى العقول على مدى الدهور”، وقد عدّ هو هذا التعريف أساسًا لبناء جدل كتابة الفذ (الثقافة والفوضى) Culture and Anarchy، وهو الكتاب الذي يعتمد التنافر بين هذين العنصرين على سبيل تخيير الشعب البريطاني، بل وحتى شعوب أوروبا، بين الثقافة والفوضى في عصر كانت فيه بريطانيا على شفا السقوط في هاوية الفوضى، بسبب “تطليق” فئات واسعة من الشعب البريطاني الثقافة، ثلاثًا.

وإذا كان جدل هذا العقل الفذ قد أفاد في إغناء أمته حقبة ذاك، أسمح لنفسي أن أستعير عنوان كتابه أعلاه لمناقشة ذات الموضوع، ولكن من منظور ما أخشاه من “فوضى” تتربص بشعوبنا العربية خاصة، وبشعوب العالم، عامة.

ومرد ذلك هو ما ألاحظه من خلط وإرباك، قد يكونان متعمدين، عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، بين الثقافة الحقة، من ناحية، وبين أشباه الثقافة ومشتقات تلك الأشباه التي لا يمكن إلا أن تفضي بشبيبتنا ونشئنا إلى متاهات خطيرة، كما فعلت في أعداد كبيرة من المجتمعات الغربية، وهي المجتمعات الأولى في المسؤولية عن ذلك الخلط والإرباك وإدامته، حد عد العامة كل شيء، حرفيًّا، ثقافة: من تركيب المرق والرز، إلى تصوير إطلاق الصواريخ والمركبات الفضائية، ناهيك عن “الثقافة” السائدة اليوم هناك، وهي ثقافة إشاعة الانحراف والشذوذ الجنسي، درجة الترويج للتزاوج الرسمي بين رجلين، أو بين امرأتين.

وإذا كنت قد تعرضت لــ”صدمة وعي” من العيار الثقيل عندما قارنت بين الثقافة بمفهومها السامي الذي اعتمده آرنولد أعلاه، وبين ما يسمى بــ”الثقافة الشائعة” Popular Culture، أي بين الثقافة بصفة الفلسفة الإغريقية على سبيل المثال؛ وبين الثقافة التي تدنت حد عرض الأفلام الإباحية بوصفها “ثقافة” في علم الجنس Sexology، فإني لا أجد بدًّا من المعاونة على تنوير قرائنا من الشباب بالتمايز بين الهابط مما يطلق عليه الغربيون عنوان “ثقافة” وبين الثقافة الحقة التي ناقشها ابن خلدون في مقدمته، على سبيل المثال.

والحق، فإني بالرغم من تحمسي الشديد لعنوان “الثقافة الشائعة” على بداية سبعينيات القرن الزائل، قد اكتشفت ـ بل وتأكدت، بأن ابتكار هذا العنوان قد خدم العالم الغربي أيما خدمة لإضاعة الثقافة الحقيقية بين أكداس من “الثقافات” الملفقة أو الكاذبة. لذا، خدم العنوان أعلاه بابًا واسعًا لتمرير حتى “الأزبال” إلى المتدني ثقافيًّا من فئات الجمهور بوصفه “ثقافة”. وإذا كان باب الثقافة الشائعة قد بدأ بتمرير الإعلان التجاري ودعايات معاجين تنظيف الأسنان كثقافة يقبل عليها الجمهور دون الشعور بالحاجة للرجوع إلى (إخوان الصفا)، ولا إلى (الجمهورية) لأفلاطون، فإن على سراة القوم من المستنيرين ودعاة الحكمة والخدمة الاجتماعية تنبيه الجمهور إلى ما يحف بالثقافة من تشويه وخلط واختلاط لمساعدته على التمييز، أولًا وعلى المعرفة، ثانيًا. وكي لا تروج سوق الثقافة لمجلات الأزياء وأخبار الراقصان والمغنين كثقافة، بدلًا عن الترويج لمؤلفات أثقب العقول عبر التاريخ، توجب على المرء أن يحذر وينوه ويرشد كي لا يسقط العقل العربي الشاب في دوامة من المفاهيم الثقافية الخطيرة.

 

أ.د. محمد الدعمي

لا لعنة أكبر من أن تقف أمام بياض الورقة كمتهم يقف أمام ترسانة من التهم؛ بثقل عواقبها. إنها اللعنة التي لا لعنة بعدها. هذا أنا الآن، أقف عاريا أمام هذا الأبيض الكسيح، لا أعرف من أين ابدأ ولا كيف ولا إلى أين تنتهي بي موهبتي.

هل أنا مضطر لأعتصر هذا الحبر؟ هل أنا أمارس بعضاً من طقوسي التي لا بد منها؟ هل أنا أنا حين أكتب؟ لا أريد جوابا لأي سؤال، لكن صدقني، توجد متعة في هذا العري الفاضح، في هذا الاحراج الجارح. هل أنا مازوشيّ وأنا لا أراني إلا منكشفاً عن عدميتي؟ هل أنا أتلذذ بهذا العدم؟ أنا لا أعرف أي شيء، محاصر من الوريد إلى الوريد، أصابعي متورمة كضرع بقرة حلوب، متأهب لأي انفجار، ومستعد أن أنبُت في مكان الكلمات، أكون أيّ شيء إلا أن يستمر هذا السؤال.

مدينٌ لمن حين ألبس هذه العباءة؟ وكيف أكون مَدينا دون أن أكون محرجا منِّي؟ كيف أبعدُ عني شبهة الفشل في أن أحافظ على بعضٍ من مناسكي؛ دون أن أمنح للآخر حق الإشارة بأصبعه إليّ. أن أكتُب؛ إنما أنزع على جلدي السِّنان، لاُلبِسها غيري، محققا له التمني.

حين تجوع، لا تقتسم جوعك مع الآخر، لكن حين لا تملك إلا كسرة خبز، تمنحها دون أن تسأل عن درجة الجوع في الآخر، الكتابة لحظة زهد، لكنها لحظة ايثار أكثر، حتى لو كانت بنفسك خصاصة. مخطئ من يعتقد أن هذا الفعل ترف.

نكتب، لنلملم الآخر، أو لندسه في قنينة ماء، أو لندخل البحر كله في كأس زجاجي، نكتُب، لنذهب إلى الموت مجردين من أي ندم، ولنعود منه بألف سبب لنموت ثانية. نكتب، لنخرج من وحدتنا إلى وحدة أشدّ وأعنف.

الكتابة ليست ترف

ومن يموت ألف مرة حين يكتب، لا يقتُل الآخرين، وكاتب لا يقتل نفسه، لن يتذوق لذة الانتقال من غرفة التغسيل والتكفين، إلى لحظة العبور من العري الأخير ليكون جوابا شافيا لسؤال الوجود عند المشككين. أن تكتُب؛ معناه أن تتلذذ بلحظة احتضارك، تكتشف كم أنتَ هش، وكم أنتَ مصابٌ بالرّعاش وبأمراض الانفلونزا كلها. وأنت لا تُعدي حين تكتُب، إنّما تُشفي وتحيي ما أنتَ تحييه.

أكتُب؛ حين تُصاب بالحنين إل كلّ شيْء، إلى الدُّوريّ الذي كُنت تصطادهُ حينما كُنت مولعاً بالقنْص، لا بالقتْل، أكتُب؛ عن سماءٍ تسعُ الطائرات العسكَرية والسُّنونو وعيُون الأطفال، أكتُب؛ عن امرأةٍ تقوّس ظهرُها تمدُّ إليك يدها لأنّها تتذكّر فيك شبابَ حبيبها الذِي مات في حربٍ لا تعنيه حين رأتْك، أكتُب؛ حين تنجُو مصادفةً من موْتٍ ظلّ يطاردك في الممرّات الضيّقة، أكتُب؛ عن النّاجين من المُعتقلات والمنافِي، حين كان الخُبزُ مُغمّساً بالدّم، وكان الهواءُ في الجبلِ مُصاباً بالبارُود، أكتُب؛ عن اللاجئين الّذين استبدلُوا المنازل خياماً، وربّوا أطفالهَم في حقُول الوَحلِ والغذاء الذي ينْزلُ من هدير الطّائرات، أكتُب؛ عن الحليب النّادر وعن الرّصاص الكثير جدّاً.

أكتُب؛ لتصالحَ الزّمن البربريّ مع جيل السّيلفي.

الكتابة ليست ترفْ.

 

سعيد غيدَّى/ صحافي مغربي حر

ما أكثر من خطّـأ لفظة (مبروك)، فقد أرادوها (مُبارَك) فقط، بدعوى أن صيغة (مبروك) هي اسم مفعول من الفعل (بَرَكَ) فبرك البعير= يبرُكُ بُروكًا= استناخَ البعير وأقامَ وثبَتَ.

فقولنا لشخص (مبـروك) يعني في رأيهم: بَرَك عليه البعير واستقرّ وثَبَتَ.

ويبالغ بعضهم في القول إن (مبروك) في الحقيقة دعاءٌ على الشخص لا دعاءٌ لـه.

..

(مبـروك) هي من التهاني المتداولة الشائعة بيننا، ونقصد بها الدعاء بالبركة والنّماء عند كل ما يَسرّ، وعند كل نجاح، وعلى كل ما هو جديد.

في رأيي أن نتقبلها قبولاً حسنًا لأكثر من سبب غير شيوعها وانتشارها على كل لسان:

* ما ورد في (لسان العرب) لابن منظور:

بَرَك- الْبَرَكة: النماء والزيادة. والتبريك : الدعاء للإنسان أو غيره بالبركة.

يُقال : بَرّكْتُ عليه تَبْرِيكًا، أي- قلت له: بارك الله عليك.

 

وما دام معنى الفعل (برَك) نما وزاد، فاسم المفعول (مبروك) منطقي جدًا.

فإذا قال قائل: هذا فعل لازم واسم المفعول تكون بعده تعدية بحرف جر، نحو: مضحوك عليه، مبكيّ فيه..إلخ

فالجواب: ثمة أسماء مفعولين من اللازم، ولم يرد بعدها تعدية بحرف جر، نحو: مسعود، مزكوم، محزون، مرسوم،  فلتكن (مبروك) على غرارها!

*  يقول (لسان العرب)، وكذلك (القاموس المحيط) إن الفعل (برّك) معناه الدعاء بالبركة، فهو مُبَـرَّك، ومعنى ذلك أن اشتقاق (مبروك) ليس بعيدًا، خاصة إذا علمنا أن اللغة أجازت اسم المفعول من الرباعي – في أن يكون على وزن (مفعول)، نحو:

أحمّ- محموم، أسلّ- مسلول، أجنّ- مجنون (ولا نقول: مُحَمّ، مُسلّ، مُجَـنّ- كما تفترض القاعدة).

..

اللغة فيها طواعية، وأحيانًا نجد أن العرب نطقت بما هو خروج عن القاعدة السائدة، فنحن نقول في اسم الفعل من الرباعي (أيفع) مثلاً- يافع، ولا نقول (موفع)،

واللغة تجعل أحيانًا اسم الفاعل بمعنى المفعول، فسرّ كاتم يعني- مكتوم، {عيشة راضية}- الحاقة- 21 أي مَرضِيّة، كذلك تجعل لفظ المفعول بمعنى الفاعل {كان وعده مأتيّا}- مريم، 61 بمعنى آتيًا، {حجابًا مستورًا}- الإسراء، 45- أي ساترًا، كما تجعل المصدر اسم فاعل أو اسم مفعول؛ فالتغييرات في بعض الاشتقاقات حاصلة، وليس من الإنصاف أن نغلق الباب في هذه المسألة اللغوية.

..

* ورد في حديث شريف لفظ (برّك) بتشديد الراء،

"حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا عبدالله بن نمير حدثنا هشام عن أبيه

عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتى بالصبيان فيُبرّك عليهم ويحنكهم"- صحيح مسلم، 2147.

إذن نجد (برّك)، كما نجد بارك فيه وعليه وله وبارك الله، فما المانع أن يكون الفعل المجرد (برَك) هو الأصل خاصة وله المعنى نفسه، وقد رأينا المعاجم تجعل الفعل للبركة والنماء؟

...

لنقل (مبارك) فهي الأفصح، وقد وردت كثيرًا في الذكر الحكيم، أذكر منه:

{وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ}- الأنعام/ 92.

ولكن علينا ألا نجفل من (مبروك) ونتحرّج منها بدعوى أنها عامية، فهي لها أصول في الفصيحة، وهي التي نقولها بدون تكلّف، وهي الأسهل لفظًا، وهي الأشيع وما نطقت به العرب.

 

أقول لكل من سرنا بخبر:

مبروك!

 

ب. فاروق مواسي

 

 

من خصائص الإصدارات العربية إجمالًا، إذا ما قورنت بإصدارات بلغات أخرى، كثرة الأخطاء اللغوية وذلك لغياب المدقّق اللغوي لدى دور النشر من جهة، وعدم تمكّن الكثيرين من المؤلّفين العرب من قواعد العربية الأساسية بشكل كاف، من جهة ثانية. كما ويلاحظ  شيوع مثل تلك الأخطاء في كتب فحصها مدقّق لغوي، وهذا أمر خطير بشكل خاصّ. من خلال مطالعاتي المستمرّة منذ زمن طويل، تكدّست في حاسوبي، قوائم طويلة لمثل هذه الأخطاء اللغوية، وقد يدلّ هذا أيضا على المكانة المتردية للكتاب في المجتمع العربي، وندرة القرّاء النجباء والنقّاد الأكفاء، فمن المعروف أنّ أمّة إقرأ لا تقرأ وإن قرأت فبالأذنين. وضع اللغة العربية المعيارية في المواقع الإلكترونية، يثير الهمّ والغمّ لدى الغيورين على هويّتهم  وعزّتهم، والأخطاء تسرح وتمرح بدون أيّ حسيب أو رقيب كما يقال. في هذا الزمن الرديء، لم يبق للعربي إلا لغته، وها هي في وضع لا يُحسد عليه.

في الآونة الأخيرة وقعت بين يدي بضعة كتب وقرأتها وهي: جان سوبلان، لاسكاريس العرب، ترجمها فريد جحا. دمشق: طلاس للدراسات والترجمة والنشر، ط. ١، ١٩٨٧، ٤٣٥ص. الأصل الفرنسي: Jean Soublin, Lascaris D’Arabe, باريس ١٩٨٣. وقعت بعض الهفوات والأغلاط مثل: ”مرافقتم“ بدلا من ”مرافقتهم“؛ فليس هناك، من أشجار الصفصاف التي تحازي العاصي (ص. ٨٠)؛ وقدمتْ ليّ خدمات جلّى (ص.٩٤-٩٥)؛ واستمرتْ المبارزةُ (ص. ٢١١)؛ فنحن اللذين يتلاعب بنا عملاء محدودون من عواصم غامضة (ص. ٢١٢)؛ ليقدم لنا الشايّ الأصفر (ص. ٢١٣)؛ في هذه الأشهر الأربع الأخيرات (ص. ٢٤٥)؛ وكان هؤلاء السعوديين الأشداء (ص. ٢٦١)؛ لا يزالون المؤمنون الحقيقيون (ص. ٢٦٦)؛ حملتْ النسمةُ صوتَه (ص. ٢٩٥)؛ يرتدي بذة جمراء (ص. ٤٠١)؛ وكانت ثلاثة من السفن (ص. ٤٠٤). أضف إلى ذلك وضع تنوين الفتح فوق الألف بدلا من وضعه على الحرف السابق في مثل: أخيراً (ص. ٣١). وهناك في الترجمة بعض الاستعمالات العامية مثل: رؤية إنسان ما يخوزق على أيدي العثمانيين (ص. ٧٩)؛ حكواتية قرية صدد (ص.٩١).

نهال عبد الرحيم عقل، عرعرة - جذور وأغصان، حكايا وتراث. عرعرة: دار الأماني للطباعة والنشر، ط. ١ آذار ١٩٩٩، ١٥٤ص. تجدر الإشارة إلى أنّ هذا الكتاب من إعداد الطالبة نهال عندما كانت آنذاك في الصف التاسع، وفيه جهد مشكور من حيث المضمون، إلا أنّ هناك أخطاء لغوية كثيرة، كما أظهرت في مكان آخر، يمكن الاطّلاع عليه على الشابكة (كتاب عن عرعرة).

سعيد نفّاع، وطني يكشف عُرْيِي (روانصّية). عرعرة: دار الأماني للنشر والتوزيع م. ض.، ط. ١، آذار ٢٠١٦، ١٦٥ ص. للكاتب نفّاع عدّة مؤلفات مثل: المسيرة، تجربة خمس سنوات في المجلس البلدي، عام ١٩٩٣؛ نكبة الدوريّ، قصص، عام ٢٠٠٠؛ الحائل، قصص عام ٢٠٠٦؛ العرب الدروز والحركة الوطنية الفلسطينية حتى الـ ٤٨، ط. ١، عام ٢٠٠٩، ط. ٤، القدس ٢٠١١؛ وله أيضا: لفظ اللجام؛ رسالة مؤجلة من عالم آخر؛ سيمائية البوعزيزي؛ بين يهوديتهم وطائفيتنا وتحديات البقاء.

قرأت الروانصية، ”وطني يكشف عُرْيي“ وتمتّعت في قراءة معظمها، إلا أنّني لست هنا بصدد المضمون بل ما شاب هذا العمل الأدبي من هفوات بل أخطاء لغوية مثل:

وكثيرة لقاءتهما، ص. ٣١.

وغالبية الناس وأكثر المعلّمون والطلاب، ٣١.

فالتخرج والوظيفة كانوا همه الأول والأخير، ٣٢.

ضف إلى ذلك أنهما، ٤٧.

منحته فيها ليال من ليالي زمان، ٥٦.

دون عناء شدّة البرودة والمكر الذين فيه، ٧٣.

اللهم إلا المصاب بالعظمة الذين يعتقد أن الله لم يخلق مثله. ٧٥.

 انه فعلا هناك امرا بيولوجيا فيهن. ٧٥.

يبدو أن هنالك فارقا كبير في ، ٧٦.

كل ذلك وكل ما تبغين هو امرا واحدا، ٨١.

في يدك ان تنفي كل ما قلت وانت تعرفي انني اصدقك! ٨١.

لكن كبرياءه على ما يبدو منعه من تنفيذ القرار، ٩٠.

إذ قررواّ أن لا يغفروا لك، ١٠٨.

وردوا حاملينك ليس مثلما يُحمل الشباب، ١٠٨.

… وظلّ يتنظر التّتمّة وطال انتظاره، ١٢٣.

ليعطيَ حبّه معانيا أخرى، ١٢٥.

ولكنه سهما مغموسا بشيء آخر، ١٢٦.

والهرج والمرج سيّد الموقف، ١٣٥.

خيانة الأوطان هي فيترك الأوطان فرائس…! ١٥٢

لقمة فريسة لبهيميتا ولتخلفنا! ١٥٦.

لِمَ حسبَ رأيك أوجدتْ اليهودية الغفران والمسيحية الاعتراف والإسلام التوبة؟! ١٦٠.

ومن السمات اللغوية في هذه الروانصّية، يمكن الإشارة إلى إضافة ال التعريف إلى الفعل الماضي أو الفعل المضارع أو الظرف أو الضمير المنفصل بمعنى الذي/التي في مثل: كانا يقضيان هذا الليلَ ”الفجّر“ أعصابه، ٥١؛ في حضرة جسده الكان ما زال ساخنا بين يديّ، ٦٤؛ رفع راشد نظره ”الكان“ منغرسا في شيء ما على الطاولة، ٨٤؛ ولا أعرف إن كنت تقرأ رسائلي ”التُولَدُ“ قاتلة وتموت قتيلة، ١٠٤، الأنا الأولى: ١٤٠؛ إن فضضت بكارتها البعد لم تنمُ، ١٥٧. لاحظ وضع هذا الاستعمال غير المألوف تارة بين مزدوجين وطورا بدونهما. هذا الاستعمال الجديد نسبيًا في العربية المعيارية بحاجة لمقال منفرد. وهذه الألف لام قد أضيفت في مثل: الغيرك، ص. ١١٠، ونجد أمّا قبل (على منوال: أمّا بعد)، ص. ٣؛ وأشوكها، ص. ١٠، إلاهما ص. ١٩؛ ”أينهما“ ص. ١٣٥ ويعْرَضّ - بدأ العامود يَعْرَضّ ليغدو كومة، ص. ١٣٥.

وأخيرا ننوّه بأن أسلوب الكاتب نفّاع مطعّم باستعمالات وبأمثال عامية مثل: ”ياما“ جلس ناظرا إلى القرية، ٢٢؛ العين ما تلاطم مخرز، ص. ٣١؛ الحيط الحيط ويا ربّ السترة، ص. ٣١، ١٤٧؛ مع دفشة، ٣٢؛ بنت الحرام ما فاكّة عنّي … ٣٣؛ … شو طال ذانُه لذِيلُه … ٣٣؛ كل ما “دحشوه في رأسه”، ٣٣، ٥٩؛ ”قُصر ذيل يا أزعر“، ٣٤؛ ”طق حنك“، ٤٩؛ ”ليوم الله بعين الله“، ٥٣؛ -لا … لقوّي تشدّ إيدك …، ١٢٣؛ لم  ”تأت العتمة على قد يد الحرامي“، ١٣١؛ واحكي على القَدُومِة … عايف الدنيا واللي (….)! ١٤٥؛ وتركتك على فيالك، ١٤٥؛ حط حطاطه“ عليه، ١٤٦؛ علاقاتهم بالإدارة ”لَحْوَسِة“…، ١٤٧؛ -لا لكن ولا شماكن…، ١٤٧؛ مش عندما تصير ببلاش، ١٤٨؛ شو … حزّيرة؟! ١٥٣.

ما يقوله الإنسان هامّ، ومستوى كيفية قوله وسلامته يزيده أهمية!

 

ب. حسيب شحادة - جامعة هلسنكي