مادونا عسكرمن أقوال الحلّاج الدّالة على عمق رؤاه القلبيّة قوله: "ما رأيت شيئًا إلَّا ورأيت الله فيه". وما هذه الرّؤية إلّا بلوغ الحلّاج  ذروة اللّقاء بالمحبوب الإلهيّ، بل ذروة الامتزاج بالكائن الخارج عن الزّمن والمتجذّر في عمق أعماق الحلاج في آن معاً. وبعيداً عن نظريّة الحلول والاتّحاد، يحملنا الفعل (رأيتُ) إلى المعنى الإنسانيّ المرتبط بالحبّ الأسمى. فعندما يقول الحلّاج "ما رأيت شيئاً إلّا ورأيت الله فيه" فهو يمزج المعنى الحسّي للفعل (رأى) بالمعنى القلبيّ. ويأتي المزج نتيجة لفعل الحبّ المتفجّر من داخل الحلّاج إلى الخارج.

الحبّ في أصله لا أصل له، فهو أشبه بمسّ يأتينا من خارج الكون، وللمحبّين المتفاعلين مع هذا الحبّ إشراقاتهم الخاصّة وتجربتهم الخاصّة. ولا يمكن قياس حبّهم على العاطفة الّتي يشعر بها كلّ إنسان. فالعاطفة شعور متناقض وقد يضعف ويقوى وقد يشتعل ويخمد. إنّه ما يُظنّ أنّه الحبّ. والعاطفة انجذاب محدود بالزّمان والمكان والأشخاص، وأمّا الحبّ فهو انجذاب كونيّ يتخطّى الزّمان والمكان والحدود فيلغي المسافة والوقت. وإذا ما انجذب المحبّ رمى بنفسه كما ترمي الفراشة بنفسها في نور المصباح حتّى تحترق.  وما حال رؤية الحلّاج لله في كلّ شيء إلّا  ارتمائه في هذا الحبّ حدّ الاحتراق بنوره فما عاد يرى في ما يرى إلّا هذا النّور. وتبدو لنا هذه الرّؤية جليّة في قصيدة الحلّاج "والله ما طلعت شمس ولا غربت"، إذ يعاين الحلّاج هذا الحبّ في حركة الكون بشكل عام:

والله ما طلعت شمس ولا غربت

إلا وحبّك مقرون بأنفاسي

يحيا المحبّ في حركة الكون الدّائريّة من طلوع الشّمس إلى غروبها بهذا الحبّ المقرون بأنفاسه. فإذا انقطع انقطعت الحياة. وهنا تأخذ الحياة بعدها الآخر والأعمق من حركة التّنفّس، إنّها حياة المحبّ الممتزجة بالحبّ الأصل. فلا تعود هذه الحياة تعني له شيئاً بحكم الانجذاب العشقيّ، ولا يرى منها حركتها إلّا ضمن هذا الانجذاب. فمن وجهة نظر المحبّ ليس من حياة وليس من عالم وليس من حركة، كلّ ما يراه ويعاينه هو الحبّ. وكلّ ما يقوله ويفعله ويسعى إليه هو الحبّ. وإذ يقول:

ولا جلست إلى قوم أحدّثهم  

إلّا وأنت حديثي بين جلّاسي

فلا يريد بقوله فعل التّبشير وإنّما هي اللّغة الّتي تتحوّل من لغة باهتة إلى لغة تقاوم عجزها في التّعبير عن احتراق العاشق. لذلك يستحيل الحديث تلقائيّاً وبديهيّاً عن المحبوب كفعل حبّ يفوق قدرة إنسانيّة المحبّ على تحمّل هذا الاحتراق العشقيّ. فثمّة من اشتعلت النّار في كيانه فرمته أرضاً.

إنّ المحبّ يتحرّك باتّجاه المحبوب الجاذب بقوّة، والمضيّ إليه صعب، ومعرفة السّبيل أشدّ صعوبة، ويمسي الهدف الوحيد الإتيان إليه بأيّة وسيلة ممكنة.

ولو قدرت على الإتيان جئتكم

سعياً على الوجه أو مشياً على الراسِ

ويخرج المحبّ عن السّياق العام، والسّلوك العام سواء أكان سلوكاً اجتماعيّاً أم دينيّاً، ويتفلّت من الأطر المقيّدة لهذا الحبّ فيتخطّى ذاته والمجتمع والدّين والكون بأسره ليتحرّر وينصهر بالحبّ. فالنّظام الدّينيّ تحديداً لا يُرضي طموح المحبّ ولا يشفي غليله ولا يخمد ناره. بمعنى آخر، لا يكون الحبّ حبّاً إلّا إذا انطلق حرّاً ومتحرّراً من أيّ تفصيل وأي نظام. فليس من نظام خاصّ يعتمده المحبّ وإلّا لأحبّ جميع النّاس بذات الطّريقة. الدّين بشكله الظّاهريّ مرحلة يمرّ بها الإنسان حتّى يبلغ مقام المحبّ؛ لذلك يقول الحلّاج نفسه:  "كفرت بدين الله والكفر واجب عليّ وعند المسلمين قبيح"، وكأنّي بالحلّاج يفصل بينه وبين المسلمين، بين ما هو واجبه وما هو واجبهم. والمعنى في هذه الجملة دقيق جدّاً ولا بدّ من تبيّنه بما يتناسب ورؤية الحلّاج. فلقد جاءت الأحكام الشّرعيّة بالتّحذير من التّسرّع في إطلاق الكفر على المسلم. ولقد جاء عن الرّسول محمّد (ومن رمى مسلماً بكفر فهو كقتله) وفي الآية الكريمة: "يا أيّها الّذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبيّنوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السّلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا" (النساء:94) دعوة إلى عدم التّسرّع في إطلاق الكفر. ومن أسباب الكفر الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله، ما لم نقرأه أبداً عند الحلّاج. بل إنّ الحلّاج منجذب بقوّة إلى الله وهو المتحدّث عن الحقيقة المحمّديّة، وبالتّالي فالمعنى الّذي أراده الحلّاج بقوله (كفرت بدين الله) لا يتناسب ومعنى الكفر. كما أنّه لم يقل إنّ الكفر واجب على المسلمين، بل واجب عليه وهذا لشأن خاصّ به، نتج عن الانجذاب العشقيّ الخارج عن إرادة الحلّاج. إلّا أنّ هذا الكفر بدين الله ليس واجباً على المسلمين، فالحلّاج لا يسعى إلى محاربة الدّين، كما أنّه ليس موضوعه. وإنّما أتى معنى الكفر الواجب على الحلّاج في سياق الغوص عميقاً في العشق الإلهيّ. من هنا لا أهمّيّة لما يحكم به النّاس فدين الحلّاج هو الحبّ ودين النّاس للنّاس.

ما لي وللنّاس كم يلحونني سفهاً

ديني لنفسي ودين النّاس للنّاسِ

ولعلّ هذا البيت يتقابل مع بيت محيي الدّين بن عربي:

أدين بدين الحبّ أنّى توجّهت

ركائبه فالحبّ ديني وإيماني

دين الشّيخ الأكبر هو الحبّ  ودين الحلّاج هو الحبّ، فالمحبّون الظّامئون إذا ما جذبهم الحبّ الأسمى حلّقوا في سماوات أخرى غير تلك الّتي يتمسّك بها العاطفيّون.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

معراج احمد الندويإن هناك قوة في السماء تحبني بشدة على الرغم من كفري وجحودي، وهذه القوة السامية التي تملأ على الظلمات نورا وتشعرني بأن هناك قوة تدفعني إلى الحب للناس والحياة والكون، والنفوس البشرية هي نفس واحدة من الأزل إلى الأبد، وإن ثمة وحدة في الوجود بين الإنسان والكون والحب.

الحب هو المصباح الذي تطرد ظلمة النفس. ولا يتحقق حقيقة الحب إلا امتدادا أفقيا على قمة تلال الوقت والعمر والزمن، وأن الزمن وحده يحقق أبعاد الحب التي لا يدركها العامة، ولكني من عامة أزمنة لا تعرف هؤلاء الذين ملأوا الكون بأفكارهم الهدامة وأفسدوا في الأرض.

الحب الذي يجمع الأرواح المنفصلة في عالم المادة التي تعيد الأرواح إلى الأرض لتعيش ملذات الحب، لأن الحب له أبعاد روحية. وهذا الحب يؤلد الألم، ولا يمكن أن يكون هناك حب من دون ألم وحزن، فالحب الحقيقي هوالذي يؤلم ويحزن ويجعل القلب دائم الخفقان، والقلب كتلة من الألم والحزن بينهما يسكن الحب والحقيقة الوجودية العظمى.

الحب الذي يمتد بالزمن والتواريخ والأعمار يصبح كائنا حيا يحمل جمرا مشتعلا في داخله، ولكن ما هذا الحب؟ ومن أين يأتي هذا الحب؟ هل هو حلمٌ سعى في سكينة الليل أم هو حقيقة كانت منذ الأزل وستبقى الى آخر الدهر؟ ولست أدري أيها الزمن الذي لم أحلم بك بصناعة كائن فريد يرسم له الكون.

الحب الذي أعرفه لا صيف له ولا شتاء، ولا فصول له ولا مواسم، الحب الذي أعرفه يشكل من خلاله أن يجمع بين الحكمة والجنون، ولكن اليوم تغير وجه السماء في هذه الأرض، وأنا اشعر بأن الوقت يداهمني. واليوم أصبحت وحيدا في هذا العالم، لا صديق له يحميه من رياح النهار وعواصف الزمان.

الحب يكتشف اسرار الوجود ومعنى الحياة، الحب هو صلاة الجسد ونغمات الروح، والجسد المتحرك عندما يسير بسرعة الضوء يتوقف الزمن عنده ويتجمد ويتلاشي تماما منا لمكان والزمان. الحب الذي أعلى من السماء حالة من التحقق الحسي والروحي، وهو يعكس الحقيقة التي في داخلنا ثم يتولد من فكر واحد وحاسة واحدة في هذا العالم.

إن احتكاك الجسد بالجسد مع الحب يؤلد أجمل شيء في العالم، وإن توافق الفكر والعاطفة تدفع الإنسان إلى الحصول على المعرفة والخير والجمال وتمنح القوة والإرادة وحب الحياة. الحب يقود الإنسان إلى معرفة الذات، ومن خلال هذه المعرفة يمكن أن تقوم هذه المعرفة الكلية وحدة الحياة والموت، وحدة الروح والجسد، وحدة الزمان والمكان.

تعرفت على امرأة أحبها قلبي في أيام طفولتي، فكنت أركض وراءها في الحقول والشوارع، وعرفتها في أيام الصبا، فكنت أرى خيال وجهها في وجوه الكتب وأشاهد خطوط قامتها بين غيوم الماء وأسمع نغمة صوتها متصاعدة مع خرير السواقي. وعرفتها في أيامي الرجولة، فكنت أتحدث معها في عالم الخيال وأحكي لها حكاية قلبي، ولكن دارت الأرض بها أينما دارت، وأصبحت قصة الماضي، ولم تبق لي إلا أحلامها وذكراها. هل تعرف ماهو اسم تلك المرأة؟ اسم المرأة التي أحبها قلبي فهو الحياة.

واليوم أنا أنظرها في أحلام يقظتي وأحلام نومي، عندما افتح عيني أجد صورتها في كل الصور، حينما اخاطب أسمع صوتها في كل الأصوات. أحبها لأرسم حكاية بلون الشبق والمستقبل.

أخبرك أيتها الحبيبة في عالم الخيال، أنت لي كل الكائنات، أنت لي روح وجسد، أنت لي صديق حميم، والصديق هوأجمل أختراع في هذه المجرة لتجاوز لنكبات الروح وخيبات الأمل.أخبرك أيتها الحبيبة بما لن يخبرك به أحد غيري، أخبرك أنا سليل الألم والحزن، ولكن أنا أسعد بك وأحبك، لا بدأن أكون اسعد رجل على كوكب الأرض في التاريخ لأن صوتك الملائكي يأتيني حاملا أهواء الحكايات والولادات الجديدة التي تغمرني بالحب والغرام.

الانتظار هوكل ما أملك الآن، وليس لي غيره، أنا بانتظارك وسانتظرك حتى اتنفس أنفاسي الأخيرة، وأنا لا أعرف متى يقدم على ملك الله ويقودني نحو المجهول. وأنا في هذه الساعة، لا أملك إلا الصبر والانتظار، ولوحملت به إلى الأبد، فهو أمل المستقبل. أتذكرك وتسيل الدموع من عيني، والدموع ماء الروح، والروح لا تبكي وإنما تبلل حقائق الحياة والكون كئ تزهر عشقا وحبا، الروح تتعطش للعودة إلى مصدرها وهو الحب. منذ مأة عام.. وأنا أحبك.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

محسن الاكرمينالموت: تصرخ بأعلى صوت القهر والغبن، تصرخ في وجوههم لا تميز ملمح أحد من بينهم. كانت قد قفزت عند خط انفعالية الهستيريا الطافحة، كل من يتواجد في القاعة كان يتابع المشهد ولا يجرؤ على النبش ولو بكلمة يتيمة تقلل من حنقها الاضطرابي، الكل يركبه الحزن وتلحظ العيون تسيل بالدمع الممطر ولا قدرة على الكلام إلا بترديد (لا حول ولا قوة إلا بالله). كان الصوت المؤلم يسيطر على فضاء غرفة الانتظار استعمارا. كان صوت التهيج والبكاء يسمع من بعيد، ومن وصل إلى مسامعه بدأ يتجه صوبه لاكتشاف، ما الحدث؟

قرب غرفة الإنعاش، وفي تلك المصحة حدث التجمهر غير المتوقع في الزمان والمكان، وباتت صالة الانتظار دار عزاء، كانت نهاية التنفس الآلي بالموت لطفل الأم. أمام عيونها تم فصل آلات دعم الحياة عنه، بوقوفها قربا من الطبيب استمعت إلى آخر زفير آلي لابنها، مذيلة بعبارة الطبيب (إنا لله وإنا إليه راجعون)، حينها لم يمتلكها الحزن من صدمة الصدفة البئيسة، ونهاية الحياة الفانية لابنها. حينها ابتسمت وعقلها مشوش بين مشاهد الحياة والموت وقالت:"واش صافي انتهى الألم بالموت". لم يقدر الطبيب عن الإجابة، بل أسندها جلوسا على كرسي وانسحب. لم يقدر الطبيب أن يقر لها علانية أن المرض انتصر على جسد ابنها وابتلع طاقته الحيوية، لم يستطع حتى أن يحرك رأسه "نعم، انتهى الألم" بالموت.

بكاؤكُما يشْفي وإن كان لا يُجْدي// فجُودا فقد أوْدَى نَظيركُمُا عندي... كانت تلك كلمات الأم بالاستعارة، وهي ترثي ابنها، وتلعن قسوة قلب الموت، كانت تود أن ترمي المنايا رصاصا قاتلا بلا رحمة و لا رأفة ، كانت تحس بأنها اليوم قد أهدت الثرى ما تبقى من كبد جسدها، كانت تردد بعض كلمات في تيه مستمر، والسعي ذهابا وجيئة بين موجهات عوالم العالم الأربعة. كانت تتساءل عن عِزَّةَ المُهْدَى و حَسْرة المُهدِي.

في منتهى الركن المنزوي طلعت عليها امرأة شديدة بياض الثياب،لا أثر لعنف الحياة على ملامحها. اقتربت دنوا من الأم الحزينة، حينها توقف الصراخ الفوضوي، استرجعت الأم أنفاسها المتقطعة بالتردد، حين كادت المرأة بانتهاء مواعظها الدينية شدت يد الضغط على وجه الأم وهي تقول:" انظري إلى جوانب الجمال الجانبي عند ابنك...". كل من في القاعة علم صك الحديث، فيما الأم الأليمة فقد استرجعت وعيها الفوضوي وسقطت أرضا وقد أغشي عليها.

الحب:

من كلام المرأة التي لا يرى من شعرها الشديد السواد أثر، قد اكتسبت الأم الأليمة مناعة ضد الحزن، اكتسبت مضادا حياتيا ضد تعريف الموت وسر بقاء تخليد الحب والجوانب الايجابية في متسع ذاكرتها. ابن الحياة رحل وارتحلت روحه علوا، حين نزعت عنه تلك الآلات الداعمة للحياة، كانت الأم تسأل أن يعطوها إياه نظرة في وجهه الفاقد لوعي الحياة، كانت تنادي( أعطوني ولدي)، كانت تسترجع نكسا سنوات حب الثدي من الحبو حتى الاعتدال وانتصاب القامة مشيا، كانت لا تؤمن بالموت المجرد من القلب، ولا حتى من التفكير، بل كانت تؤمن برحمة الوجود وبانتهاء الألم المستديم، وحضور بقايا جمالية الحياة.

لن يعيد العويل ولا البكاء تلك الروح التي تسبح سماء مع آخر دمعة ودخان الشمعة التي انطفأ نورها. وفي منتهى ابتعاد المرأة ذات البياض في آلتحاف اللباس، أدركت الأم أن الحب جزء من الإيمان، تعلمت أن الحياة ليست إلا حلما بين فزع الكوابيس المنغصة وفرح ملونات الحياة البهيجة. لم تعد القاعة يحتلها منشأ الاضطراب النفسي للأم ، بل بدأ الصمت يسود المكان وتفرقت الأرجل الطفيلية تباعا. من متابعة الحياة قدما فقد احتل نفس سرير الموت حياة نفس آلي لا زال يحرك صدر طفلة تغيب عن الوجود، نظرت الأم فعلمت أنها ليست الوحيدة التي يمكن أن تكون قد فقدت ابنها موتا. عند ترجلها بالبطء من المصحة كانت كل جوانب الجمال الايجابي عن ابنها يصاحبها في أدراج النزول، كانت تذكر يوم خروجها من مخاض الولادة وهي تحمله مسندا على صدرها، والآن تتركه خلفها وحيدا بلا حركة، وعند حركات انسحابها كانت تردد بالاستعارة :عجبتُ لقلبي كيف لم ينفَطِرْ لهُ // ولوْ أنَّهُ أقْسى من الحجر الصَّلدِ.

الزمن:

يقولون أن الوقت بالجنة يمر مثل ارتداد طرف العين بلا حزن ولا ألم دموع وبلا أحداث فزع، ويقول الذي عنده علم من الكتاب أن وقت الجنة نزهة في الملكوت الرباني الإبداعي على الدوام. لكن، تمر الأيام الدنيوية بحرق الساعات وتقسيماتها ومداولتها بين الناس بالفوارق في الفرح والحزن، تمر أيام عمر الحياة ولازالت المرأة الحزينة عن فقدان ابنها تتعلم الحكمة تلوى الأخرى، توصلت أخيرا أن الوقت يمكن أن يصنع أطفالا ليس من نسيج الرحم الولود نفسها، يومها قالت" أطفالك ليس طبعا أن يأتوا منك لزوما، بل أن يمروا من تجربتك في الجوانب الجمالية الإيجابية التي تبقى ثابتة في المخيلة والذاكرة ".

لكنها حين تصافحت يدا بيد مع الموت، كانت حازمة في مخاطبة الموت بلا وجع في الكلام، حين قالت:"أعد لي يدي، لا تمسك بها دواما، أنت من تغترف دم الموت نهما متزايدا، ليس لك أي مبرر يجعلك تمسك بيدي وأنت من أخذت روح ابني أمام عيوني، سأبقى وحيدة أعيش مع فرحته لا موته، وأنتَ الموت وإن أُفْردْتَ في دار وَحْشَةٍ // فإني بدار الأنْسِ في وحْشة الفَرْدِ. هل تريد أن تفسد عني حتى راحة وحدتي؟ أنت حِمَامُ المنايا أنجزت وعد الموت، فاذهب عني بعيدا !!! اذهب بالبعد رغم أنك جزء من طبيعة نهاية الحياة، فأنا لا أهتم بلحظات احتساب الوقت الميت... لأن هدية السماء هي التي قد أخذتها مني عنوة ولا أمتلك سلطة العناد على التمسك بها  بالنواجذ".

تقول المرأة والعهدة على عاتقها:"لأول مرة رأيت الموت يبتسم ويتأسف خجلا، ويتراجع في مشيته وراء. للمرة الثانية أحس أنني حطمت قلبه الصلد وبات هو الألم بعينه، ويمكن أن يكون قد بكى خفية من عيوني. للمرة الأخيرة أدركت حقا أن موت السببية هو الأمر الآخر المختلف على أن تكون (أنت) ملك الموت المتحكم في نهاية الأنفاس !!! يا له من سجال بين الموت والحياة و التحكم في زمان التمكين والممكن!!! يا له من حجم قوة انفجار في تكاثف الوجود حين تنحصر مساحة الجمالية !!!  

 

محسن الأكرمين

 

صادق السامرائيأكتب عن مجيد، لأننا نعرف بعضنا منذ الصبا، ومن الوفاء أن أفتخر به وأعتز بما أنجَزه تحت الأضواء.

فالسنوات التي قضيناها في سامراء تقترن صورته عندي بالرسم، وكنتُ من المعجبين برسوماته، وأحاول أن أتعلم منه.

فهو صاحب موهبة فنية لا تُضاهى، وأرى فيه صورة الرسام العالمي، وحسبته سيذهب إلى روما لدراسة الرسم، وينطلق من هناك في مشوار النجومية العالمية.

مجيد الرسام الموهوب الذي يفتن بلوحاته الألباب والقلوب، عندما بحثت عن رسوماته، وجدته في أطراف حديث يغيب ويذوب!!

مجيد الشاب المكافح الودود الهادئ المتأمل الغارق في دنيا الخيال، أراه اليوم يجيد التعبير عن إرادة معرفية وهّاجة ذات أثر وإقتدار، وكأني به وأنا أتابع أطراف حديثه يحاول رسم لوحته بالكلمات، التي تتوارد إليه  لحظة التعبير عن الصورة الذهنية الفكرية المتوامضة في خياله.

هذا التفاعل الفني وإجادة الحوار المتميز يصفونه بالتلقائية أو العفوية، وهو إجتهاد لرسم لوحة بألوان الكلمات وريشة رسام بارع.

وأحيانا ينزعج، لأن ضيفه لا يستطيع المشاركة برسم تلك اللوحة المتخيلة عن الحلقة في مواضيعها المتنوعة.

فكل حلقة أشاهدها أجدني أتابع رساما منهمكا برسم لوحته الجميلة المؤثرة في النفوس، بكلمات من مَعين لغة الضاد الثرية بجمان المفردات، وأنغام العبارات.

وعندما يختم بسؤال كيف رأيتَ الدنيا، فأنه يضع الإطار للوحته التي أبدعها في أقل من ساعة.

وهو يمثل العصامية بمعانيها، وما تستدعيه من توثب وإصرار ومواصلة وجد وإجتهاد، وثقة بالنفس وإقدام.

بدأ ينشر مبكرا، وكان له عمود في جريدة الجمهورية "مقعد أمام الشاشة الصغيرة "، وأظنه كان يكتب في مجلة ألف باء والمزمار، كما أنه عمل في الإذاعة والتلفزيون، وقدّم برامج متنوعة  (قطار العمر، حوار بلا أسوار، شيئ ما، على هامش الذاكرة) وغيرها.

وصديقنا أبو الهدى يسميه "قيصر الشاشة"، فهو المذيع الصحفي الكاتب الإعلامي الفنان.

وبين مجيد الذي كنت أعرفه، ومجيد الذي صرت لا أعرفه، إمتداد زمني تراكمي يزدحم بالتحديات  والجد والمثابرة والتأكيد على أن نكون!!

تحية أخوية إنسانية بارقة من القلب إلى أخي د.مجيد السامرائي، مع التمنيات  بالتألق الساطع ودوام النجاح والسؤدد!!

 

د. صادق السامرائي

 

الدعاية والتسويق 4.2

ينصح ريد ا سي بعمل صفحة خاصة للمؤلفين على الانترنيت website "ويب سيت" تحتوى على مؤلفاته المصورة ومقالاته وما يعتقده اكثر مناسبة لفهم ارائه وافكاره لانها تقربه من القاريء او الجمهور .

وعمل دعاية غير مكلفة "شعبية" للموقع على مواقع التواصل الاجتماعي للفت الانظار لمنجزه ومؤلفاته .

وخلال متابعة وتحديث مجموعة من المواقع الشخصية للكتاب والمؤلفين العرب، جاء الشعراء باخر القائمة سواء بعدد الزيارات او القراءات للمواد المنشورة . والسبب الاساس لتخلف الشعراء يرجع الى سببين الاول اهمال تحديث موقع الويب او عدم امتلاك بعضهم لمواقع ويب على الانترنيت والثاني سببه اخطاء فنية واعلامية تحول دون انتشار الموقع او الوصول اليه من قبل الجمهور العشوائي، باستثناء موقع الشاعر العالمي سعدي يوسف الاكثر تداولا وتصفحا من قبل القراء، لانه رغم بساطته يحتوي على جميع المؤثرات الاعلامية رغم تباعد تحديث الصفحات والاضافات الجديد للموقع

تسمى اعلاميا اويصطلح على عملية تحديث الموقع اعلاميا : "التغذية".

القاريء او المتابع بحاجة الى مواد جديدة تدفعه الى تواصل متابعته لموقع المؤلف .

 والنقطة الثانية ان يحتوي على المؤثرات الاعلامية كالصور والفيديوات والنشاطات الثقافية و"الافضل ان تكون مصورة او مصورة فيديويا او سينمائيا"

 هذه التعليمات من ريد ا سي للمؤلفين يستشنى منها فئة "أكس" من الشعراء والمؤلفين العرب او غير العرب لافتقادهم للجندر "النوع" . الذي يعيق تفاعلهم وانفتاحهم على القراء او الجمهور . ويبقى تأثيرهم محدود ضمن دوائر صغيرة غير قادرة على التأثير في الرأي العام او تنوير القاريء او الجمهور .

وهناك نوعان من مواقع الويب: مجاني ومدفوع الثمن .

 يعني ان محدوي الدخل من المؤلفين بامكانهم بناء مواقعهم الخاصة على الانترنيت مجانا من خلال ما يعرف:"بلوج" وعربيا: "المدونة" ولكن اكثر المدونات الشخصية تحتوي على او فيها نواقص فنية واعلامية متعمدة لدفع المولف الى اختيار موقع الويب المدفوع الثمن ولكنها في كل الاحوال رغم هذه النواقص الفنية والاعلامية تفي بالغرض المطلوب، ويمكنها ان تستوعب اصدارات ونشاطات ومقالات المؤلف .

 

قيس العذاري

23.7.2020

 .............. 

هامش :

ترجمت قصائد ودواووين الشاعر سعدي يوسف الى اللغات الحية من قبل مترجمين محترفين، تجاوزت بريطانيا واسبانياالى الامريكتين .

 

 

عدنان عويديبدو أن أدب وفن (العبث)، أخذ يطرح نفسه علينا من جديد في عالمنا المعاصر، لما له من أهمية في كشف أبعاد تلك القوى السياسية والاجتماعية التي تكاد أن تفقد بصيرتها، (إن لم تكن فقدتها) أمام ما تقوم به من أفعال تصب خارج المنطق والتاريخ معا.

هذا ويأتي في مقدمة من اشتغل على (العبث) او اللامعقول في أكثر أبعاده شمولية، هو الأديب الروائي والفيلسوف الفرنسي  الشهير "البير كامو"، ملك أدب (العبث) في روايته المشهورة (الطاعون)

في روايته "الطاعون" يتجاوز "البير كامو" الغاية المباشرة لهذه الرواية المتعلقة في انتشار مرض الطاعون بسبب انتشار الفئران في باريس بعد أن مُورس على أهلها القتل والتشريد والدمار وهي تحت الاحتلال النازي، لتقدم  لنا هذه الرواية قراءات مفتوحة في دلالاتها على مستويات مجازية ومعرفية  متعددة عن كل ما يشبه الطاعون في خطورته كالثّقافة المنحطّة، أو الأفكار الفاشيّة، أو الخزعبلات الدينيّة والأيديولوجية، أو الشعارية، أو التسلط السياسي المستبد، وكل ما يساهم في محاصرة الإنسان والعمل على تغريبه وتشيئه واستلابه والنيل من كرامته وحريته في هذه الحياة.

أما أبطال (الطاعون) في صيغه أو دلالاته المتعددة هذه، فهم أبطال يختارون الانخراط في معركة يعلمون أنّها خاسرة إذا ظلت قائمة أمام ضياع المواطنين المجهلين والمنمذجين الفاقدين لحريتهم وإرادتهم ومقومات إنسانيتهم، الذين تتلاعب بهم قوى اجتماعية وسياسية منحطة فقدت روح المواطنة، وهي في طريقة تفكيرها وسلوكياتها، لا تختلف من حيث خطورتها عن الطاعون الحقيقي. لذلك فأبطال "البير كامو" في "الطاعون" هم أيضاً عبثيون في تمردهم  وردود أفعالهم تجاه من يقود فعل الحياة في محيطهم الاجتماعي والسياسي، أي على القوى المستبدة ومن يساندها من القوى الاجتماعية التي لا تبحث إلا عن مصالحها الأنانية الضيقة. ففي عالم (العبث) أو اللامعقول هذا، الذي يطلق فيه (المستبد والثائر معاً) النار على البريء (لأن الشمس محرقة)، قد تحول فعل القتل هنا إلى سلوك وعادة وشهوة، فهذا يعني أن ليس هناك لا ثورة ولا ثوار، أو أية قوى أخرى تعمل من أجل قيم نبيلة تساهم في تحقيق الاستقرار في بنية الدولة والمجتمع. بل هناك عبثيون يلهون بدماء الآخرين وحياتهم ومصالحهم... هنا فقط يتحول التمرد إلى هزيمة ذاتية تامّة وانحياز إلى العدم. ويتحول المواطن البريء إلى ضحية يحاصره الطاعون من كل الجهات.

والسؤال الذي يطرح نفسه علينا هنا في عالم (العبث) هو:

من هي القوى التي عليها أن تمارس فعل التمرد ضد الطاعون، وتحول فعل المقاومة إلى إرادة إيجابية مؤمنة بقيمة الإنسان، ورافضة للانكسار، ومؤمنة بالانتصار على شهوة الدم والفساد والرذيلة والقبح، وعلى جبروت سيف العبث الذي يهزأ بنا، ولا يتوقع منا إلا خضوعاً نهائيّاً ذليلاً.؟.

نقول: إذا كان العنف لن يولد إلا العنف، فالطاعون لن يولد إلا الطاعون بكل دلالاته التي أشرنا إليها أعلاه، والحب والتسامح والعودة إلى العلم والمنطق والعقد الاجتماعي، الذي سيؤدي إلى التكاتف والتعاون من أجل مقاومة الطاعون والعبث، هو (الشجاعة) بحد ذاتها ... شجاعة تجعل من الانتصار على الموت ممكناً. والشجعان الذين يتخلون عن انانيتهم وغطرستهم وفوقتيهم ومصالحهم الضيقة، هم وحدهم من تليق بهم الحياة، ويليقون بها .. هم وحدهم من يعرفون بثوار عصرهم وفرسان المواطنة.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

 

حاتم السروي(العراق ليست بلدًا عاديًا) تلك هي خلاصة ما توصلنا إليه من البحث التاريخي في حضارات الشرق الأدنى، وحضارة العراق بدأت منذ نحوٍ مبكر، ونعرف أن سومر القديمة كانت دولة تقع فيما بين النهرين، أعني دجلة والفرات، وكانت تمتد حتى هضبة الأناضول شمالاً، ومنطقة الخليج الفارسي جنوبًا.

كما أن حضارة بابل عاصرت الحضارة المصرية القديمة أو الفرعونية، وكانت هناك منافسة مستمرة بينهما طوال عصور ما قبل الميلاد، كما أنه يوجد الكثير من التشابه بين معتقداتهما، وخاصةً من حيث تعدد الآلهة وكثرتها، والأساطير المتعلقة بهذه الكائنات العلوية التي نسجها الخيال البشري.

ومن بعض أسرار الحضارة العراقية القديمة (أسطورة الخلق) إذ تقول الأساطير البابلية القديمة أن الماء هو أصل الخليقة، وأنه من خليطٌ من الماء المالح (تيامات) والماء العذب (إبسو) جاءت كل المخلوقات بدايةً من الآلهة الكبرى؛ فمن نسل تيامات وإبسو جاء الإلهين (إنشار) و(كيشار) يعني السماء والأرض، ومن تزواجهما جاءت جميع الآلهة، والتي لكل منها اختصاص محدد في مجالات الحياة! وأظهر تلك الآلهة (آنو) إله القوة، و(آيا) إله الذكاء والمعرفة والسحر البابلي.

وتستمر الأسطورة في سردها الشائق فتحكي لنا أن الإلهة (تيامات) غضبت على أولادها وأحفادها فقررت أن تلد ثعابين وحيات لتؤذيهم وتبيدهم، وقررت الآلهة الأخرى الثورة والمقاومة، ولم يفلح منهم إلا واحد من أبناء الإله (آيا) وهو الإله (مردوخ) والذي هو أشهر الآلهة البابلية وأقواها، كما أنه سيد الآلهة عند الأشوريين.

وتدخل بنا الأساطير في ملاحم طويلة حدثت في حرب الإله (مردوخ) مع (تيامات) وفي النهاية انتصر مردوخ وقتل تيامات، ثم انصرف لخلق الأشياء؛ فخلق الزمان ثم خلق الأرض وما عليها، ثم خلق الإنسان؛ وبهذا أصبح مردوخ هو إله بابل الأهم أو هو (رب الأرباب) مثلما كان (آمون) الإله الأعظم في طيبة عاصمة الحضارة المصرية القديمة، ورغم أن مردوخ صار الأقوى غير أنه لم ينسَ فضل أبيه إله الذكاء والمعرفة (آيا) الذي يملك مفاتيح العلوم ويعلم السحر والفلك؛ فظل (آيا) إلهًا مميزًا عالمًا بالأسرار، وهو في ذلك يماثل (تُحُوت) الإله المصري الذي قدسه اليونان أيضًا ومنحوه الاسم الإغريقي المعروف (هرمس) ولقبوه بمثلث الحكمة.

واعتقد البابليون أن العالم يمتلئ بمخلوقات خفية غير ظاهرة وهي (الجن) وبهذا تكون الحضارة البابلية هي أول من ذكرت وجود الجن، وقد أكد القرآن على وجودهم وأن الجن مخلوقات نارية لها قدرات فائقة، ومنهم الصالحون ومنهم دون ذلك، وقد وضعت الأساطير البابلية الجان في مركزٍ يأتي بعد الآلهة، ولكنها على أية حال قادرة على فعل بعض الخوارق التي لا يملكها الإنسان، ثم قسمت الجن إلى نوعين؛ الجان الصالح (شيدو) وهم الأرواح الحارسة التي تحمي الناس من الشرور، وتحمل منهم الابتهال والصلوات إلى الآلهة العظمى، ثم تعود من عندها بالقبول والبركات، وهذا النوع من الجن يصاحب الإنسان أينما ذهب، في الدروب والأسواق، بل وفي الحروب أيضًا، وهناك أيضًا الجن الأشرار، والذين انبعثوا من تحت الأرض ليحملوا الأمراض والمصائب، وهم يحرضون الناس على الجرائم والقتل والسرقات.

والجن الأشرار لا يحترمون الآلهة نفسها، ويفضلون العيش في الأماكن المهجورة، وفوق شواهق الجبال، وفي الجحور التي تحت الأرض، وهم إذا ظهروا للإنسان ففي أشكال مُنَفِّرَة ومرعبة، ولا يستطيع أحد منع أذاهم وصرفهم إلا بتراتيل خاصة علمها للناس الإله (آيا) الذي لا تخلو من ذكره تعويذة بل يرد اسمه فيها عدة مرات.

وبالطبع فقد كان لسيطرة فكرة الخير والشر تأثير واضح على مجرى الحياة في بابل؛ إذ أعطت للكهنة سلطات مطلقة لقيادة الشعب والتأثير عليه تمامًا، مثلما كان الوضع في حضارة مصر الفرعونية، وكان الاعتقاد السائد أن الخير والشر يحيطان بالناس من كل جانب، والجن الصالح وأعدائهم من الشياطين جميعهم يصاحبون البشر أينما ذهبوا؛ لهذا رأيناهم عندما يذهبون للقتال يحملون معهم التعاويذ الخاصة التي تبعد الجان والمخلوقات الشريرة، وتشجع الجن الطيب على مساعدتهم وتستمطر النصر من آلهة الخير.

وقد برع كهنة بابل في أمور السحر والتعاويذ بشكلٍ لم يصل إليه أي شعبٍ قديم كانت له حضارة معروفة؛ والحق أنهم أول من وضع التعاويذ، إما لاستحضار الأرواح الطيبة أو لاستحضار الأخرى الشريرة، أو لصرف هذه الأخيرة تبعًا لهوى من شاء من الكهنة أو الحكام والملوك.

وكان الكهنة في بابل على دراية كاملة ومهارة عجيبة في أمور التنجيم، وهم أول من استعمل علوم الفلك ومسارات الكواكب في التنجيم، ثم انتشرت عنهم في سائر بقاع الأرض، كما برع البابليون في الحساب والتقويم ومواعيد الزرع والحصاد.

ويذكر لنا القرآن الكريم أن البابليين تعلموا السحر على أيدي ملكين هبطا من السماء وهما: هاروت وماروت، ومازالت قصتهما موضع جدل كبير بين العلماء والمفسرين؛ فمن قائلٍ أنهما ملكان نالهما غضب الله، ومن قائلٍ أنهما عبدان مؤمنان كشف الله لهما الحجاب ومكنهما من معرفة بعض الغيوب، وهناك رأي ذهب إليه البعض وهو أنهما أرادا إظهار عبث الشياطين ومكرهم وما قد يؤدي إليه من الفساد في الأرض؛ ولهذا علما الناس السحر حتى يعرفوا الشر لا للشر ولكن لتَوَقِّيه، ومن لا يعرف الشر يقع فيه، والناس بالطبع بدلًا من أن يعرفوا السحر ليحموا أنفسهم، استخدموه ليدمروا بعضهم، وشرب الملكان أكبر مقلب في التاريخ!.

والسحر البابلي خطيرٌ جدًا ومرعب، حتى أن عامة السحرة في العراق وخارجها كانوا يستغلون أسماء الآلهة والشياطين البابلية في أعمالهم، ولهم تعزيمات خاصة يقولونها للشيطان المراد تحضيره وتسخيره، ذلك التسخير الذي يكون غالبًا في الشر، وحتى  الآن يعرف السحرة في البلاد الأوروبية أسماء مثل: بَلْزَبُول، عشتروت، بليال، وغيرها.. وهي كلها أسماء بابلية قديمة.

وحتى الأسماء السريانية التي تطلق على الشياطين وبعض الملائكة لها أصل في لغة بابل القديمة، ولا زالت تستعمل حتى الآن في ممارسة السحر وخاصةً السحر الأسود، ومن المعروف براعة اليهود في السحر، وأن اليهود تم نفيهم إلى بابل على يد نبوخذ نصر، وفي بابل عاشوا عدة قرون، وفيها كتبوا (التلمود البابلي) و(القبَّالا) وهو مرجع صوفي وفرقة دينية معروفة عند اليهود، والدراس للتلمود بدقة لن يصعب عليه الكشف عن التأثير البابلي الواضح والكبير فيه وفي كثير من معتقدات اليهود حتى اليوم.

وفي الختام أحب أن أوضح أن السحر حقيقة واقعة ولا يدور كله على التخييل أو الخداع البصري، وللأسف الشديد فإن هذا العمل بدأ منذ القِدَم وسيظل حتى النهاية، وترشدنا بعض المراجع أن بدايته كانت في زمان إدريس النبي وتحديدًا سنة 622 من خلق آدم والذي كان وقتها على قيد الحياة! بمعنى أوضح نقول أن السحر معروف منذ وجود الإنسان على الأرض، وهناك أمور لا يمكن تفسيرها علميًا ولا نستطيع فهمها إلا إذا اعترفنا بالسحر، ومنها مثلاً لعنة الفراعنة؛ فقد كانوا يضعون الطلاسم والتعاويذ في مقابرهم، وعندما يأتي اللص أو المكتشف الأثري يكون مصيره النكبات المتلاحقة ثم الوفاة الغامضة، ثم إن القرآن اعترف بالسحر وقال عز وجل: " قل أعوذ برب الفلق.. من شر ما خلق.. ومن شر غاسقٍ إذا وقب.. ومن شر النَّفَّاثات في العُقَد.. ومن شر حاسدٍ إذا حسد" فالنفاثات في العقد هُنَّ الساحرات التي تعقد الخيوط وتنفث فيها، وقد رأيت هذا بعيني، وليس من التقدم أن ننفي أمرًا واقعًا؛ فالسحر موجود، وعلاجه الوحيد في التحصن بالذكر والقرآن.

 

حاتم السروي

 

الدعاية والتسويق (4)

نواجه صعوبة اكثر الاحيان سواء في الترجمة او فهم المعنى الاعلامي للمفردة للمتخصصين اوغير المخصصين في الاعلام وفروعه المعروفة التي يطلق عليها "البحار" او تشبه ب"البحار" وتعني "البحار" لاحظ صيغة الجمع في صيغة بحر، والمقصود هنا "الاعلام الدولي" لان مصطلحاته تختلف عن مصطلحات الاعلام المحلي ولان العالم الرقمي لا يمنح القاريء بيانات واضحة او سهلة الترجمة والاستيعاب كما انها تمثل في نفس الوقت معان غير مألوفة لدينا سابقا في الاعلام المحلي او الاعلام الكلاسيكي " التقليدي .

يقول روجرز من "ريد ا سي" للمؤالف: "انت مؤلف فاشل" . لماذا؟ أليس ذلك احباط للمؤلف؟ الجواب بالتأكيد: لا، لا يقصد احباط المؤلف، وانما لانه ليس لديه "صفحة منتج" على أمازون . وسنتأكد من انه لا يقصد احباط المؤلف ان 90 بالمئة من مبيعات الكتب والمؤلفات الرقمية عالميا تتم على صفحة المنتح في أمازون .

"نمو الجمهور المتفجر"

معنى هذا المصطلح او التعبير الاعلامي: كيف ومتى يبدأ الجمهور التفاعل مع مؤلفاتك؟

أداة الاختبار تسمى: UTM

ومعناها او ترجمتها: "العلامات"

ومن ضمنها ملف التعريف بالمؤلف

 والمقصوود بـ "ملف التعريف بالمؤلف" ليس حياة او سيرة المؤلف وانما مؤلفاته .

اذن كيف ينمو الجمهور؟

يدعي او يزعم جوستين ماريس من "ريد ا سي" ان "تغريداتك على توتير لا توصلك الى القاريء او الجمهور" وهو ما اثبتته تغريدات المؤلفة الاولى على قائمة المبيعات في امازون راشيل أبوت وتغريداتها لسنين طويلة على توتير التي فشلت فشلا ذريعا ولم توصلها الى الجمهور، وما زعمه ماريس ترجمته تعني: انك كمؤلف بعيد عن الجمهور، وبعيد جدا عن "الجمهور المتفجر" .

يتبع

 

 قيس العذاري

22.7.2020

 

معراج احمد الندويفي ظل الضغوط النفسية التي نعيشها اليوم تولد فينا المشاعر السلبية التي تؤثر في صحتنا النفسية والجسدية، لقد سيطرت مشاعر الغضب والحزن والقلق والاكتئاب كرد فعل مؤقت لأحداث الحياة المؤلمة، وفي هذا السياق فكان لا بد إلى لتفكير الإيجابي الذي يركز على الجانب المشرق للحياة ويتوقع حدوث نتائج إيجابية في المستقبل من خلال الاستعداد والتعلم وبذل الجهد الواعي بالإصرار والمثابرة والعمل الجاد على فهم الأفكار السلبية وتغييرها من أجل الحياة الأفضل.

المشاعر الايجابية التي يشعر بها الناس كثيرة ومتنوعة مثل الشعور بالفرح والسعادة والشعور بالامتنان والشعور بالفخر والتقدير والشعور بالاهتمام والشعور بالسلام والسكينة والاستقرار والمودة والرحمة.

فالمشاعر الايجابية لديها القدرة على معادلة تأثير المشاعر السلبية الناتجة عن التعرض للضغوطات الحياتية التي نمر بها اليوم.

إن علم النفس يهتم بدراسة الجوانب الإيجابية ليس للفرد فقط وإنما للمنظمات والأسر والمجتمعات بما يوفر لهم فرص السعادة والتفاؤل كما أنه يهتم بجوانب التفكير الإيجابي. يهدف هذا العلم في إيجاد كل ما هو إيجابي ويسعى لزيادته وتطوره فمبدأه الأساسي هو الإنتقال إلى مقياس السعادة والرضا عن الحياة بدلا من مساعدة الأشخاص على التخلص من عيوبهم وسلبياتهم.

يهتم علم النفس الإيجابي بدراسة الجوانب الإيجابية التي تساعد على التعرف على أساليب سعادة الفرد ويسعى إلى دراسة القوى والقيم و تنمية القدرات التي تمكن كل من الأفراد والمجتمعات من التقدم والإزدهار. يتم دراسة موضوعات نفسية قوية في حياة الإنسان كالحب والمودة والرحمة في الماضي والحاضر والمستقبل ويدور الانفعال الإيجابي لأحداث الحياة الماضية حول القناعة والإخلاص الديني والرضا والصفاء النفسي.

يدور الانفعال الإيجابي حول الثقة بالنفس والخلق الرفيع والانجاز المثمر واحترام القيم الأخلاقية، ويتضمن الإنفعال الإيجابي حول المستقبل كل من التفاؤل والأمل. إن الحياة السعيدة هي الحياة التي تعظم شأن الإنفعالات الإيجابية وتقلل من شأن الإنفعالات السلبية كالكآبة والحزن والتشاؤم والخور والإنهزام النفسي.

ويرى علماء النفس الإيجابي أن الخصال الشخصية الإيجابية والمواهب العبقرية والإنفعالية الإيجابية يتسارع نموها وتطورها ، ومن ثم تزداد الإنتاجية والإبداع إذا ما نشأ الإنسان في ضل الإنسانية السامية، بمعنى أن مجال علم النفس الإيجابي على مستوى الجماعي يهتم بالفضائل المدنية والمؤسسات التي من شأنها أن تدفع الأفراد إلى أن يعيشوا حيى سعيدة تحرز فيهم الرعاية والمسؤولية والإيثار واللطف والإعتدال والتحمل والتسامح والإلتزام بمبادئ العمل الأخلاقية.

إن العلاقة الإنفعالية القوية بين الفرد و بيئته وما يتوسطها من مشاعر وأحاسيس الفرد ومدركاته تعتبر أساس جودة الحياة ، فالإتجاه النفسي يعني البناء الكلي الشامل المتعدد المتغيرات والذي يهدف إلى إشباع الحاجات الأساسية للأفراد والذي يتطلب فهم الإنسان لذاته وقدراته وإمكانياته وتوافق ميوله وقدراته مع إختياراته، بما يمكنه من الصحة والتوافق النفسي الذي يمكنه في مواجهة الضغوط النفسية.

إن للمشاعر الإيجابية دور هام في بناء الحياة وتحقيق الرفاه والازدهار والسعادة، قد تكون المشاعر الإيجابية مفيدة للصحة العقلية التي تعرّف في نظريات اللذة بأنها وجود المشاعر الإيجابية والغياب النسبي للمشاعر السلبية، والشعور بالإشباع في الحياة. تساعد المشاعر الإيجابية على توسيع وعينا وتساعدنا على استقبال الأفكار الجديدة وتنتج فينا كمية كبيرة من الطاقة والأمل والرغبة في الحياة.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

حميد بن خيبشتمتع بعض الصحابة رضوان الله عليهم  بحس الدعابة، ولم تخل حياتهم من انبساط يقتضيه الطبع الإنساني. بل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم داعب الصغير ومازح العجوز ولم يقل إلا حقا، وجعل من التبسم صدقة توضح شعورك المبهم تجاه أخيك !

ترتب عن هذه التوسعة المعنوية، ورفع الحرج عن أشكال التعبير الإنساني اهتمامُ بعض العلماء والأدباء بتوثيق الدعابات والطرائف، وجمع مادتها في تصانيف حفظتها المكتبة الإسلامية. أما الهدف من وراء ذلك فإطلاق النفس التي تمل من الجد، لأن سماع النوادر والحكايات يشحذ الذهن، ويُنبه الفهم كما يقول ابن الجوزي في تصديره لكتاب "أخبار الظراف والمُتماجِنين".

تهيأت إذن مادة خصبة استعان بها الخطباء والدعاة في فواصل دروسهم ومواعظهم، لتلطيف الجو، وإشاعة السرور الذي ليس منه بد. وكان المبرر دائما أن في هذه التصانيف ما يغني عن الأحاديث التافهة، وأن استحضارها لا يخلو من مسائل أدبية وفوائد علمية، قد لا يجدها السامع في كتب العلم الرصينة. ثم اتسع الأمر ليشمل تعليقات ساخرة على أحداث اجتماعية وسياسية، بل حتى على السائل والمستفتي حين تعوزه النباهة والفطنة.

وأمام الاتساع الهائل لشبكات التواصل الاجتماعي، وبروز الحاجة إلى خطاب دعوي منسجم مع اهتمامات وتطلعات الشباب، ظهرت موجة من الدعاة المهتمين تحديدا بأساليب التشويق والجذب، ومخاطبة الهموم والانشغالات اليومية بما يحقق التدين السليم، وتنقية الأفهام والسلوكيات مما لحقها من شوائب العادات الخاطئة، والشبهات المسيئة للكتاب والسنة.

إن من مقومات الخطاب الدعوي وأصوله، أن يحرص الداعية على تأليف القلوب، وجذب النفوس بالتيسير والتبشير، لمواجهة فرية التطرف والإرهاب التي يتم إلصاقها عنوة بالإسلام، والحد من صور الانفلات التي تقرن الحرية بالقطع مع الموروث، دون تمييز بين عادة خاطئة، وأركان شريعة سمحة.

تطلب الأمر إذن مراجعة لمفردات الخطاب وأدواته، وإعادة تأثيث "الاستوديو" بما يتناسب مع تأنق دعوي لا حدود للإبداع في قوالبه ومؤثراته. وانتهج أغلب الدعاة لغة وسيطة تُقرب السامع من المعرفة الدينية دون عناء، وتستمد من البيئة المحلية وسائل التوضيح والتقريب للمسائل والقضايا الهامة، بما فيها الأخبار والأمثال، وحصاد التنكيت والسخرية.

وبمناسبة السخرية، فإن استحضارها في الغالب اتسم بنوع من الاحتجاج على واقع مر أو وقائع مريرة، وعّبر من خلالها الداعية عن تجاوبه مع هموم الناس، ورصده لما يستجد في حياتهم من متغيرات، تُلحق الضرر بمنظومة القيم أو تهدد التماسك الداخلي. هكذا شكلت السخرية إلى حد كبير سلاحا يقاوم صيغ الانحلال والهبوط، ويعزز الممانعة والتمسك بالدين والأخلاق. وكان حضورها لدى بعض الدعاة سمة لازمت دروسهم ومجالسهم، بل لم تفارقهم حتى وهم في غرف التحقيق يتعرضون للمساءلة!

يحكي الشيخ عبد الحميد كشك في مذكراته، يوم كان نزيلا في سجن طرة، كيف استفزه المحقق حين وجه إليه سؤالا مفاده: لماذا تهاجم-الممثلة- نيللي؟ يقول الشيخ: وكأن نيللي هذه قد أصبحت ذاتها مصونة لا تمس، ومن أرادها بسوء قصمه الله. وكأنها كنانة الله في أرضه أو مبعوثة العناية الإلهية، وشمس الهداية الربانية،  السيدة المصونة، والجوهرة المكنونة !

قلت: إنما كنت أطالب بتأخير فوازيرها حتى نصلي القيام، فقد صرفت الناس عن صلاة القيام في رمضان، ثم قلت: لقد صارت كالهلال، نصوم لفوازيرها ونفطر لفوازيرها !

شكّل الشيخ كشك علامة فارقة في ساحة الدعوة لتمكنه من الجمع بين ما يقتضيه الخطاب من تمكن علمي ومراعاة لأحوال المخاطَبين. ولا يخفي عدد من الدعاة تأثرهم بأسلوبه، وحضوره الطاغي، و قفشاته التي تخفف من صرامة الخطبة. لكن المسار الذي يتخذه بعضهم اليوم يثير التساؤل حول الهدف من التوظيف المبالغ فيه أحيانا للسخرية والنقد اللاذع. 

أتاحت أدوات الإعلام الجديد حرية غير مسبوقة في الإنتاج والنشر، وألغت على نحو مثير كل مسافة سابقة بين المحلية والعالمية. هكذا صار بإمكان مقطع فيديو أن يحظى بانتشار واسع، ويتابعه الملايين في زمن قياسي، وأن يصير الفرد العادي نجما من المشاهير بضغطة زر.

هذا الوضع الذي أتاح لأي خطاب أن يخترق الحدود المصطنعة، حقق للدعاة الشباب إقبالا متزايدا، وشجع على مشاركة ما كان حتى الأمس القريب حياة خاصة، فصار بإمكان قائمة المعجبين بالداعية الفلاني أن يتعرفوا على أسرته الصغيرة، ويطلعوا على تفاصيل من حياته اليومية واهتماماته، ويُبدوا إعجابهم بكل حركة أو سكنة، بغض النظر عما وراءها من أثر أو قيمة.

هذا النمط الذي يمكن أن ننعته بالمريد "الرقمي" حمل بعض الدعاة على التوسع في تلقائية التعبير والممازحة، والانبساط الذي يعزز رصيد المتابعين. فأصبحت المشاكل والتساؤلات والانشغالات مادة للسخرية، خاصة تلك التي تتناول العلاقة الزوجية وتربية الأولاد، أو حتى سؤالا مؤرقا عجز السائل عن طرحه بصيغة مقبولة. والأمثلة في هذا الباب عديدة، منها ما أورده داعية شاب مغربي حين أغضبه سوء تفاهم مع امرأة فنعتها على صفحته ب "حمالة الحطب"!

حين تصبح السخرية لصيقة بشخص الداعية ومجالسه، ينفتح المجال أمام بعض هواة الصيد في المياه الآسنة، فتتوالى اللقاءات الإعلامية، والدعوات التي لا طائل تحتها سوى تلقف ما أمكن من الردود المتسرعة، أو زلات اللسان التي تخلق الحدث الإعلامي. وبدل أن يتفرغ الداعية لنشر وعي ديني سليم، يجد نفسه داخل دوامة من الردود والتبريرات والعراك مع طواحين هواء لا تكف عن الدوران !

لا يتوجب على الداعية أن يجعل من الحياة مأتما، ولا أن يقابل الناس بوجه عبوس. فهذا الخطاب بحاجة إلى انفراج أسارير، ودعابة ينفتح بها الذهن وينشرح الصدر. لكنها في الحقيقة مجرد وسائل تُفتح بها مغاليق النفوس لينفذ الداعية إلى أعماق السامع، فيثير كوامن الخير ويقمع نوازع الشر. أما الاسترضاء وتكثير سواد المتابعين فلن يُحرك أمة تحتاج إلى تعليم ولو بالوخز والوكز كما يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله!

 

حميد بن خيبش

 

 

الدعاية والتسويق (3)

"لقد قضيت وقتًا طويلاً جدًا في عدم التركيز تمامًا، وفقط عندما كتبت خطة تسويق ذات أهداف وغايات محددة للغاية بدأت الأشياء تحدث. فجأة لاحظ الناس كتابي"

  راشيل أبوت

رشيل أبوت، أول مؤلفة مستقلة في المملكة المتحدة "انكلترا" تصل إلى المرتبة الأولى على الأمازون

كيف حدث هذا؟

الوقت الذي قضت فيه الوقت بالتغريدات على تويتر ومواقع التواصل لم يستطع ان توصل مؤلفاتها الى الجمهور كما كانت تحلم فهي لم تكتب للمختصين او المقربين منها تريد ان توصل صوتها وافكارها الى اوسع جمهور ممكن وهذا ما حدث .

تصدرت كتبها بعد كفاح طويل قائمة اشهر مكتبات الكتب الرقمية "أمازون"

ولكن كيف حدث هذا؟

كانت تطلب من اصدقائها على مواقع التواصل الاجتماعي ان ينشروا او يروجوا لمؤلفاتها على صفحاتهم الخاصة لانها كانت تثق بصداقتهم وخلال فترة وجيزة حققت ما كانت تصبو اليه بالوصول الى الجمهور

هذه كانت خطتها البسيطة التي اوصلتها الى رأس قائمة امازون . اما الجهود التي بذلتها سابقا فشلت جميعها ولم تحقق اي نتيجة لا على مستوى الانتشار وتداول مرلفاتهااو الوصول الى الجمهور 

لكن "ريدا سي" يؤكد ان: "الكتب الإلكترونية تبقى على الرفوف إلى الأبد." اي لا داعي لخوف المؤلف او المؤلفين من ضياع جهودهم بالتأليف او عمل خطة تسويق فاشلة . لان المؤلفين يتعلمون من اخطائهم وتتطور لديهم بشكل الي عملية البحث عن وسائل افضل للتسويق او الوصول الى الجمهور .

"الكتب الإلكترونية تبقى على الرفوف إلى الأبد"

  في كل مرة نقرأ فيها بيانات جديدة لـ ويب أكس او ريدا سي  علينا  ان لا نكتفي بايحاءها الظاهر او معناها العام او المستهلك والمسبق كما تدل عليه الكلمات . لذا ما معنى : "الكتب الإلكترونية تبقى على الرفوف إلى الأبد."؟ هل هذا يعني انتهاء عصر الكتاب الورقي؟

ام لاننا لا نحتاج الى ارشفة الكتاب الرقمي كما نحتاج الى ارشفة الكتاب الورقي؟ كل هذه الاحتمالات صحيحة ، لان الكتاب الرقمي لا يحتاج الى ارشفة ويظل بمتناول القاريء او الجمهور بشكل دائمي وعابر للبلدان .

بينما الكتاب الورقي بعد سنين من صدوره ينفد ونواجه صعوبة احيانا بالوصول الى نسخته الارشيفية المحفوظة في بلد ما .

كما ان ذلك يشير بشكل شبه قطعي ان الكتاب الرقمي باق والكتاب الورقي في طريقه الى ان يصبح من الماضي .

تصف راشيل أبوت معاناتها قبل ان تصل الى الجمهور بموازاة ثقتها بما تكتب وان لها جمهور رغم عدم وجوده ، وقد تبدو محاولات أبوت اشبه بمحاربة طواحين الهواء ولكنها وجدت بنجاحات وانتشار الكتب الرقمية وتحقيقها لمستويات بيع قياسية تعجز عنها الكتب والمؤلفات الورقية ما يعزز ثقتها بان لها جمهور وعليها ان تجده او تصل اليه .

 

قيس العذاري

20.7.2020

 

.........

مصادر :

ويب أكس

وريد ا سي

 

ضياء نافعاحتفلت روسيا هذا العام 2020 بالذكرى (175) للجمعية الجغرافية الروسية، التي تأسست عام 1845 في الامبراطورية الروسية، وهي واحدة من اوائل الجمعيات الجغرافية عالميا في سلسلة هذه الجمعيات العلمية، اذ تأسست في اوربا الجمعية الجغرافية الفرنسية في باريس عام 1821 وتلتها الجمعية الجغرافية الالمانية في برلين عام 1828، ثم جاءت الجمعية الجغرافية الانكليزية في لندن عام 1830 . هناك في الوقت الحاضر طبعا العشرات من هذه الجمعيات الجغرافية وفي العديد من بلدان العالم، بما فيها بعض البلدان العربية، الا ان الروس يعتبرون جمعيتهم رائدة وطليعية في هذا المجال، ويعتزون ويتفاخرون بها كواحدة من امجادهم العلمية، والتي حملت كل السمات التاريخية للدولة الروسية، اذ كانت في بدايتها تسمى الجمعية الامبراطورية، ثم تحولت الى الجمعية السوفيتية، ثم اصبحت الان الجمعية الروسية . كانت احتفالات روسيا كبيرة ومتميّزة بذكرى تأسيس هذه الجمعية (رغم جائحة كورونا التي اجتاحت العالم وعرقلت مسيرة الحياة بشكل عام)، علما ان رئيس الجمعية الجغرافية في الوقت الحاضر هو شايغو – وزير الدفاع الروسي حاليا، والشخصية القريبة جدا من الرئيس الروسي بوتين، ومن الواضح جدا المعنى (الكامن!) باختيار هذه الشخصية العسكرية على رأس الجمعية الجغرافية الروسية، وفي هذا الوقت العصيب بالذات، وماذا تريد روسيا ان تقول للعالم عبر هذا الاختيار الرمزي الدقيق لرئيس جمعيتها الجغرافية .

الحديث عن تاريخ هذه الجمعية كان يشمل كل الجوانب المتعددة المرتبطة بعلم الجغرافيا، فهناك الجغرافيا السياسية، ولا اريد ان استخدم مصطلح (الجيوبوليتيك) الذي اصبح شائعا بلغتنا العربية، اذ ان تعبير (الجغرافيا السياسية) يشير بوضوح الى تأثير الجغرافيا على السياسة وانعكاساتها (تذكرت منطقة الحياد، التي كانت في خارطة العراق عندما كنّا ندرس الجغرافيا بالمدرسة الابتدائية في الايام الخوالي، والتي كنّا نسميّها بلهجتنا العراقية ضاحكين – (البقلاواية !)، وكيف اختفت هذه (البقلاواية) من خارطة العراق في الثلث الاخير من القرن العشرين، اي الفترة البعثية طبعا، والحليم تكفيه الاشارة)، وهناك الجغرافيا الاقتصادية، والجغرافيا الاجتماعية، والجغرافيا الزراعية، والجغرافيا الثقافية، والجغرافيا التاريخية، والجغرافيا الجيولوجية، والجغرافيا الفيزياوية، وجغرافيا المحيطات والبحار وغيرها، وهناك تفرعات تفصيلية كثيرة ومتشعبة لكل هذه الانواع والاشكال في علم الجغرافيا الواسع جدا، وهو الشئ الذي اصتدم به احد زملائي المترجمين عندما تمّ تكليفه بترجمة دليل كليّة الجغرافيا في جامعة موسكو، اذ لم يستطع ايجاد المصطلحات العربية اللازمة لترجمة حتى تسميات بعض الاقسام العلمية في تلك الكليّة، ناهيك عن تسميات مفردات المناهج وتفصيلاتها في تلك الاقسام العلمية، وقد اضطر هذا الزميل ان يعتذر – في نهاية المطاف - عن الاستمرار بذلك العمل الترجمي آنذاك، واقترح تكليف لجنة متخصصة لتنفيذ هذا العمل العلمي .

وانا اتابع احتفالات روسيا بجمعيتها الجغرافية، تذكرت واقع علم الجغرافيا في العراق، الذي لازال العراقيون يدرسونه في كلية الاداب ضمن قسم الجغرافيا، وهذا يعني، ان علم الجغرافيا في مفاهيمنا التربوية هو جزء من العلوم الانسانية البحتة ليس الا، وتذكرت، عندما شاركت مرة (عندما كنت مقررا لقسم اللغات الاوربية) في اجتماع مجلس كلية الاداب، كيف ان ممثل قسم الجغرافيا في تلك الكلية عرض على المجلس الخلاف الذي حصل في مجلس قسم الجغرافيا بشأن مادة (قاع البحار)، اذ وافق بعض اعضاء مجلس القسم – وبحماس - على ادخال هذه المادة ضمن مفردات المناهج التدريسية، وعارض بعض اعضاء المجلس – وبحماس ايضا – هذا المقترح، و لم يصلوا الى حلّ في القسم لهذه المعضلة العلمية، وبناء على ذلك قرروا عرض الموضوع على مجلس الكلية من اجل حسمه، باعتبار هذا المجلس هو أعلى سلطة في الكلية، وأذكر ايضا ردود الفعل المتنوعة جدا لاعضاء مجلس كلية الاداب بجامعة بغداد حول هذه الفقرة، والتعليقات الطريفة بشأنها، والتي كانت تبيّن و تؤكد كم كنّا بعيدين (ونحن اساتذة نحمل الالقاب العلمية الرنانة من استاذ الى استاذ مساعد) عن فهم واستيعاب علم الجغرافيا وخصائصه الدقيقة، هذا العلم الكبير والمتشابك، و بعد التي واللتيا، أرجع مجلس الكلية هذه الفقرة الى اللجنة العلمية في قسم الجغرافيا لايجاد القرار العلمي الملائم بالنسبة لمادة (قاع البحار !) هذه، معترفا بفشله، ولكن بشكل دبلوماسي وغير مباشر طبعا وتحت ذريعة (الاختصاص الدقيق !) وضرورته في ايجاد الحلول بهذا الشأن.

علم الجغرافيا ينتظر جهود الجغرافيين العرب، كي يشغل هذا العلم مكانه الحقيقي والجدير به في مسيرة حياتنا، فنحن احفاد الادريسي.

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

رسخت العديد من مهرجانات المسرح العربية وجودها عربياً، بشكل واضح، مع مشاركات دولية متفرقة. فقد شكّل كل من المهرجانات المعروفة، بدءاً من مهرجان أيام قرطاج المسرحية، ومهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، ومهرجان الهيئة العربية للمسرح وإنتهاءً بمهرجان ليالي المسرح الحر في الأردن. شكّل كل من هذه المهرجانات ظاهرة مسرحية لافتة، وإن كانت الى حدّ كبير مهرجانات للنخبة، سواء بمفهوم الإنتقائية أو بمفهوم المعنيين بالمسرح. والنخبة هنا، تعني غالباً، غياب الجمهور العام الحقيقي للمسرح.

هذه المهرجانات هي الآن أحد الضحايا الرئيسية لوباء كورونا. فمهرجان المسرح الحر في الأردن قرر تأجيل دورته هذا العام، ولم يتبق سوى مهرجان قرطاج المسرحي الذي قرر الاستمرار بالتحضيرات الاعتيادية لعقد المهرجان في تواريخه المعتادة، أما مهرجان القاهرة التجريبي فقد أعلن إنسحابه من خشبة المسرح والذهاب، ربما "تجريبياً" الى عقد المهرجان على منصته في الإنترنيت بشكل "جاري ومباشر" أي بتقنية أون لاين.

غير أن الخيارات المطروحة لاتقتصر على ماذكرت (اي بين خيار مهرجان المسرح الحر في التأجيل، وخيار مهرجان قرطاج في الاستمرار وخيار ومهرجان القاهرة في الأون لاين)، فهناك خيارات عديدة منها أن تفتح المسارح بنصف طاقتها، أو أقل من ذلك، وهناك خيار العروض المسرحية في الفضاء المفتوح، وخيار عروض المونودراما أو المسرحيات محدودة الشخصيات، وهناك أيضاً مسرح الشارع. إضافة الى إمكانية الاستفادة من جمع المسرحيين والنقاد والأدباء والمفكرين، عن طريق إحدى منصات الإنترنيت، بندوات متسلسلة المواضيع مرة كل شهر لبحث موضوع واحد محدد في كل ندوة. النتائج الجدية لهذه الندوات وماتوصي به من إقتراحات عملية وقابلة للتنفيذ، يمكن ان تغيّير كثير من الممارسات المسرحية الشائعة. وغير ذلك من خيارات أخرى غير معلنة او غير مكتشفة. وأعني بذلك الخيارات التي تنتظر جهات مبدعة لصياغتها.

لعل من أصعب القرارات حقاً، هي تلك التي يُترك فيها المرء وحيداً في زنزانة "الاختيار"، على العكس مما هو شائع. "فالحرية" في هذا "الإختيار" هي مما هو متوفر من معطيات او حلول. ولكن إذا رفعنا نظرنا الى الأفق البعيد لعلنا نجد مساحة للإختيار فيما هو غير ظاهر. لإن "الإختيار هو الحرمان مما هو متاح" كما يقول أندريه جيد في "السمفونية الرعوية". والحرمان هنا مقصود به صعوبة إمتلاك كل ماهو متوفر، فالخيار سيشمل أحد الحلول او المعطيات أو الدروب المتاحة وإهمال كل ماسواه.

إلمجازفة إذن تبرز في حصر جميع الخيارات بخيار واحد، هو فيما يخص موضوعنا عن الشكل القادم لإقامة مهرجانات المسرح في البلاد العربية، وأعني الشكل الذي يعتمد على تقنيات "التواصل المتباعد" أي "أون لاين"  بسبب وباء كورونا. وانا هنا، في هذا المقام بالذات، لا أودّ  تسمية كورونا "بوباء" بل "بثقافة خاصة" قائمة على فلسفة التباعد الاجتماعي، والعزل القسري. ومن اللافت للانتباه، بل والمؤسف، أن يتحول المهرجان المسرحي من قاعدة ابداعية تنويرية، وفضاء للتعارف وتبادل الآراء والتجارب بين المسرحين والمعنيين في المسرح الى قاعدة تكرّس هذا الفكر وهذا السلوك لثقافة كورونا التي هي في طور التشكيل.  وسأبحث ذلك في مكان آخر. ولكن لنتمعن أكثر بما متاح من تقنيات وكيفية إستخدامها ومدى صلاحيتها للمسرح ولجمهوره.

من المعلوم أن فضاءات التقنية تمتاز بالمرونة ومنفتحة على كافة تنوعات العلوم والآداب والفنون، ولكنها في ذات الوقت تمتلك خصوصياتها التي، غالباً ما، تؤثر على أي عنصر يشاركها فضاءها الخاص. وبلغة أخرى، أن التكنولوجيا فضاء قائم بذاته، وان من يرغب ان يدخل هذا الفضاء عليه تغيير "سلوكه وخواصه" بشكل يتوافق وهذا الفضاء. وبذات السياق فإن تكنولوجيا الاتصالات بما فيها الاتصالات الجارية والمباشرة المسماة أون لاين Online  سيكون لها إشتراطات أساسية لأي عنصر "دخيل" عليها ليتوافق ومستلزمات حيز وفضاء هذه التقنية. وذلك ببساطة، لأن الطبيعة التي تتحكم بمفاصل كل ماهو حي وموجود، تتحكم أيضاً، بفيزياء الكون، والفيزياء لها قوانين تتحكم بخواص العناصر الدخيلة.

في هذا السياق، يصبح المسرح، وهو المحتفى به في مهرجان، يصبح فجأة "عنصراً دخيلاً" وفق قوانين الفيزياء الطبيعية.  مع أن للمسرح أيضاً خواصه الفيزيائية والتي أهمها، على الإطلاق، ثلاثة خواص، الاولى هي "خشبة المسرح". فهي العمود الفقري الذي به ترتفع قامة المسرح.  والثانية هي "الحضور الجمالي للرؤية الإخراجية شاملة كل عناصر العرض المسرحي اضافة الى بهاء حضور الممثل". اما الثالثة، والأهم، فهي "الجمهور". فإذا كان لابد للمسرح من الدخول في تكنولوجية الاتصال الجاري والمباشر (أون لاين) فعلى المسرح، "كعنصر دخيل"، أن يتخلى عن بعض عناصره وبعض خواصه، ليتوافق وفضاء هذه التقنية التي لم يحسب لها أرسطو (أو ايٌا من آباء ومؤسسي المسرح، ولا من المنتفضين على تلك القواعد، بل وحتى المنظرين الحداثيين للمسرح اليوم)  أي حساب. أي بتعبير أكثر وضوحاً، يجب أن تغيّر من خواصها المسرحية الارسطية وتحافظ على الشكل التوافقي الجمالي (مع كثير من التحفظ) ومع تعديل جوانب النص والتمثيل والإخراج لكي تتوافق وفضاء الأون لاين. الى هذا القدر من التغيير المطلوب على العروض المسرحية لكي يمكن تأطيرها ضمن تقنية أون لاين. يقول الروائي المعروف جوزيف كونراد "إن أي عمل يطمح، مهما كان بتواضع، إلى حالة الفن يجب أن يحمل تبريره في كل سطر".

هنا يجب التأمل قليلاً. هل حافظت هذه العروض المسرحية على "الروح" المسرحية كما لو كانت على خشبة المسرح، اذا وجدنا بأن هذه العروض أبتعدت عن تلك الروح المسرحية فأن إيماني بالمسرح سيمدّني بالجرأة لأقول اذن ماهو "أون لاين" هو "شكل آخر"  من العروض ولكنه ليس "بعرض مسرحي". واذا اتفقنا على ذلك، فجرأتي ستمتد الى التشكك بجدوى إقامة مهرجانات مسرح أون لاين.  ولكني،بالطبع، سأُعيد كل حساباتي حال حذف كلمة مسرح من عنوان المهرجانات المقصودة.

بمقابل المسرح، "كعنصر دخيل" في تكنولوجيا الأون لاين، لنتفحص اذن سريعاً بعض التكنولوجيات المستخدمة حالياً في المسرح، بما في ذلك الفيديو والسينما والشرائح الفلمية اضافة الى استخدام المنصات الإلكترونية القائمة على الإنترنيت. كل هذه التقنيات تتحول الى "تقنيات دخيلة" في المسرح لانها تفقد خواصها الاساسية، ولأنها جميعاً أُستخدمت كوظائف مساعدة لخدمة العرض المسرحي.  فلا الفيديو حافظ على خواصه وعلى وظيفته الاساسية،  ولا المادة الفلمية تحافظ على خصائص السينما وهكذا، لانها كلها تخضع لقانون الفيزياء المذكور اعلاه. قانون لايرحم الكيانات التي تفقد او تغيّر خصائصها.

التساؤل المشروع هنا هو: لماذا كل ذلك؟ لماذا تجريد المسرح مما هو مسرحي؟ ولي في ذلك ثلاث إجابات، ولكنها ليست إجابات على هذا التساؤل،  بل إنها إجابات لمساندة السؤال. الإجابة الاولى تتعلق بمهرجانات عريقة عالمية امتدت لعقود طويلة وأضطرت ان تلغي إحتفالها هذا العام، بسبب وباء كورونا (مع إعتماد إقتصاد المدينة الى حد كبير على هذا المهرجان) ولكنها تحضّر من الآن الى العام القادم. أعني بذلك مهرجان أفنيون المسرحي الشهير على سبيل المثال. والجواب الثاني يتعلق بافتتاح عدد من المسارح الأوربية، ولكن بطاقة استيعابية تصل الى ربع العدد الكلي للصالة أو أكثر قليلاً. والجواب الثالث وهو الأهم بإعتقادي، يتعلق بماهية الثقافة العربية التي أراها تتناقض وثقافة كورونا ومن ضروراتها المعلنة وأعني بذلك  ثقافة الأون لاين التي تُدهش الجميع لسببين متناقضين، السبب الاول لانه يجد فيها حلولاً سحرية سهلة المنال في التواصل عن بُعد.  والسبب الثاني لأنه ينتصر لروح المسرح ولايجد سبباً يمنعه من التأجيل، وعينه الحذرة على إكتمال كل الظروف الصحية والاجتماعية لإقامة المهرجان بإكتمال شروط تلك الظروف.

أعود الى "ثقافة كورونا" وتناقضها مع الثقافة العربية. وقبل الدخول بخصوصيات الثقافة العربية سيكون من المفيد التذكير "بالقيم العامة" التي تدعو لها "ثقافة كورونا" بدأً بالتباعد الإجتماعي، مروراً بالعزلة القسرية وإنتهاءً بتبني "الماسك" كقناع يُستعاض به عن الوجه. فالفلسفة القائمة وراء ذلك كله، أن يُعالج الجميع، اي كل إنسان على هذا الكوكب، بوضع شريحة دائمة تحت الجلد، تبعث المعلومات والأعراض وغير ذلك، عن بُعد، الى جهة مركزية. هذه الجهة لن تحتاج الى شكل الوجه او لون العينين أو بصمة الإبهام، فلديها كل مالايعرفه الإنسان عن نفسه عبر تلك الشريحة. اليست هذه كلها ثقافة خاصة في طور التشكيل؟ وآليست هذه الثقافة متناقضة مع مانعرفه، ولو سطحياً، عن الثقافة العربية؟

الثقافة العربية، في هذا المقام، تنبثق من مجموع القيم الإيجابية التي تجمع مجتمع ما، ثم مجموع المشتركات بين هذه القيم التي تربط مختلف المجتمعات الوطنية (أو القومية) ببعض. اي مشتركات القيم التي تشكّل المجتمع العربي. وهنا نتحدث أولاً عن التضامن كقيمة أخلاقية، ودينية رسمت ملامح المجتمع العربي، أكاد أقول، منذ تكوينه. هذا التضامن يجّر وراءه قيم أخرى مثل الترابط الإجتماعي والاهتمام بالحي وبالجيران .. الخ.  هذه الثقافة المبنية على التقارب معادية الى ثقافة العزلة ومعادية الى ثقافة التباعد الاجتماعي. انها ثقافة إجتماعية مبنية على التواصل الحي بين جميع خلايا المجتمع.

وبالاستنتاج الاخير، فإن إقامة مهرجانات المسرح أون لاين لاتبتعد فقط عن "روح المسرح" بل تخاصم وتعاند المجتمع العربي الذي تتوجه اليه. إضافة الى أن المهرجان سيقدم عروضاً تفتقد بالضرورة للخصائص المسرحية المذكورة سابقاً. في حين ان إقامة مهرجان مسرحي حي سوف لن يبذل أي جهد إضافي سوى أنه سيراقب بحذر الظروف الصحية والاجتماعية في البلد، ولعله يخفض من نسب الزائرين للمسرح ولكنه سيحتفظ بجميع خصائص المسرح وبكل تنويعاته وبذا فقط يمكن تكريس ثقافة مسرحية وجمهور مسرحي واعي ومتابع.  وهنا أود أن أذكّر وأختتم بالمقولة الهامة للفيلسوف، والكاتب والمخرج المسرحي البير كامو في كتابه الانسان المتمرد " إن الطريقة الوحيدة للتعامل مع عالم غير حرّ، هي أن تصبح أنت مطلق الحرية،  وأن يكون وجودك (في هذا العالم) فعلًا من أعمال التمرد".

 

علي ماجد شبو

 

 

محسن الاكرمينتتوق الأشجار الشامخات إلى لحظات من الهدوء والتأمل في ملكوت فضاء الكون الرفيع، فيما الرياح الآلية فقد تفسد خلوتها وتزيد من حدة حركتها حتى باختلاف الاتجاهات والبطء. بين أشجار غابة متكاثفة في إنشاء الظلال واللون الأخضر الداكن، كانت تلك الشجرة الشابة تبحث عن بداية النهاية المفزعة وهي تسعى نحو الموت شامخة الوقوف بلا نواح نوّ، فقد تنحني لكنها لا تنكسر. هي مفارقات تزداد عجبا بين أشجار تلك الغابة التي تشيخ عمرا، وتلك الشجرة التي خاطبتني حين رأت ملامح حسرتي بادية عليها " فمهما أريد العيش والبقاء في تربة  الأرض مغروسة، فإن تربة تلك الأرض ترفضي حية، ولا تريدني أن أبقى عالية الوقوف أنهل منها قوتي".

لم تكن تلك الشجرة الفتية في العمر الزمني تستشعر الخوف من الموت المستديم، فهي كانت تؤمن أنه من نهاية العد التنازلي للحياة، ومن له بداية حتما ستكون له نهاية. فبعد أن أصبح مشهدها في وضعية مزرية، وباتت تنفض أورقاها بالنفر تباعا، وهي غير قادرة على مقاومة رياح الكسح مهما خفت قوتها أو علت سرعة، بدأت تحتفل بالصمت كحكمة، و تعتبره موقفا من تدني محفزات حياتها، و تخاف فيض التعبير بحرية الكلام المباح والتعبير الوجداني، وحتى سياسة التخفي فقط أحكمت عنها سن تأشيرة الحدود الإجبارية. في غفلة منها تحسس أطرافها الدانية بالقرب بخدش الأظافر والنبش في جرح حياتها، آلمها شدة خدشه للحافها، حينها انتفضت حركة وبعدا مغلقا ومغلفا. ورغم ذلك، فقد كانت طيبة قلب الشجرة يحميه من نار شعار حرارة سماء، وقد تتحمل اختناق فرشة جذورها على أن تؤدي شعوره الهش.

في امتداد عمره المستهلك بمتتالية تقسيمات الزمن الماضي وعيش التّفاهة، لم يكن يفكر بالصوت المسموع، ولا حتى بتحريك الشفاه مثل الأصم الأبكم، لم يكن يهتم بمتسع الحرية و تدبير الوقت كما يريد، لم يقدر بتاتا بتغيير الاختيارات الممكنة في انعكاساتها الاجتماعية المتشعبة، بل كان دائما يخاف من المآلات غير المحسوبة التي توازي موجة بحر قاتل، كان يخاف من النهايات حتى السعيد منها، كان يؤمن بأن الهدوء رمز يدل على اطمئنان مجريات الحياة بالدوام، ومعرفة سلطة الذات والآخر.

تلك الشجرة التي أينعت برفق واستطاعت أن تخلق لكيانها وجودا وجذور حياة بين من عتا من فصيلة الغابة، تعترف أنها لم تتمكن من اختيار مكان وزمان حدود التواجد والإقامة. اعترفت أنها حين وعت ذاتها آمنت بمن يحميها من تشابك  شجر الغابة، آمنت أن تلك الأشجار باختلافاتها النوعية والعمرية حمتها من فأس الحطاب الجائر، حمتها من عصا الراعي المتهور بقطيع جياع الخرفان، حمتها من حفاة أقدام البشر، حمتها من قيظ شمس نهار وسقتها صبحا ببلسم طلّ مطر فجر بارد.

حين كان يمرر يده ثانية بلطف على جدعها الذي تندّى وتروّى من العطش العاطفي، حدثها بصوت المتكلم وحركة الأبكم بأنه في حضرة عرشها الأخضر يكون الأفضل، قال لها:"إن ممرات الحياة قد تكوّن ندوب أحداث على نفسية الإنسان وسلوكياته، قد تكون مغامرات رابحة بلحظة سعادة  ومحزنة في نفس الوقت، لكنك للأسف، لماذا تهربين الآن من وجهي؟ أنت أسمى نعمة تفهمتني ورقت عطفا وحنوا لوضعي، أنت حقا أشجان أغصان أشجار تحمل الحزن والهمّ المضمر، والفرح في حركاتها العلوية المرئي واللامرئي، آمل أن ينتهي الجفاء وتعود أوراق الربيع لتكسو كل أغصان الحياة".

 

محسن الأكرمين

 

 

يسري عبد الغنيكانت الدكتورة سهير القلماوي صاحبة مدرسة علمية تخرج فيها أكثر من مائة باحث وباحثة حصلوا على درجة الماجستير أو الدكتوراه على يديها، وكانت أول ثلاث في المثلث النسائى الرائد الذي التحق بالجامعة المصرية لأول مرة في ١٩٢٩مع أمينة السعيد وعائشة راتب وكانت أول من حصل على درجة الدكتوراه في الآداب من السيدات وأول سيدة تحصل على كرسى الأستاذية وأول سيدة تولت رئاسة قسم اللغة العربية بكلية الآداب وكانت أول سيدة تحصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب.إنها الدكتورة سَهير القلماوى (بفتح السين وهو النطق الصحيح) ومعناها في العربية (سحر) و(نطقها بضم السين خطأ شائع).

وسهير القلماوى مولودة في ٢٠ يوليو ١٩١١فى طنطا لأب كردى يعمل طبيباً في مدينة طنطا وأم شركسية، وقد حصلت على البكالوريا من مدرسة (كلية البنات الأمريكية)، وفى عام ١٩٢٩ التحقت بكلية الآداب بجامعة الملك فؤاد الأول (القاهرة حالياً) التي كان عميدها طه حسين، واختارت قسم اللغة العربية الذي كان يترأسه وحظيت برعايته وكانت البنت الوحيدة بين ١٤ طالبا في القسم وبينما هي في السنة الدراسية الثالثة كتبت في (الرسالة) و(الثقافة) و(أبوللو) وحصلت على الليسانس عام ١٩٣٣وكانت أول فتاة مصرية تحصل على الماجستير وكان موضوعه (أدب الخوارج في العصر الأموى) عام ١٩٣٧ ثم حصلت على درجة الدكتوراه في الآداب من جامعة السوربون عام ١٩٤١ عن بحثها الرائد في «ألف ليلة وليلة»...

أشرفت على (هيئة الكتاب) وأسست أول معرض دولى للكتاب بالقاهرة عام ١٩٦٩، وعلى صعيد العمل السياسى اختيرت بمجلس الأمة عام ١٩٥٩كما اختيرت عضوا في مجلس الشعب عام ١٩٧٩، ولأنها أسست وترأست أول معرض للكتاب عام ١٩٦٩ فإن معرض القاهرة الدولى للكتاب في دورته الـ ٤٠ جعل واحدا من محاوره الرئيسية الاحتفاء بذكرى سهير القلماوى وتمت مناقشة إسهاماتها وتأثيرها في الحركة الفكرية والثقافية العربية وفى الندوة التي خصصت لهذا الغرض تحدث تلميذها د. شمس الدين الحجاجى ونجلهاد.عمر الخشاب، وأدارها د. جابر عصفور، الذي كان تلميذها أيضا، وقد قال إن من الجوانب المهمة والمجهولة في حياتها أنها كتبت الشعر ونشرت قصائدها في مجلة أبوللو بتوقيع الآنسة سهير، كما كتبت القصة لكنها انصرفت إلى النقد وذكر موقفها الداعم لحركة الشعر الحر التي حاربها العقاد وفى الندوة ذاتها قال شمس الحجاجى إن كتابها «المحاكاة» واحد من أهم الكتب التي نشرت آنذاك.

يذكر أن سهير القلماوى رحلت عن عالمنا في الرابع من مايو عام ١٩٩٧م...!!

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

ويب أكس: الكتاب والمؤلف

تسويق الكتب والمؤلفات2

تقوم عملية التسويق على سؤال بسيط : كيف اسوق الكتاب؟

وتتلخص العملية وفقا لـ "ويب أكس" بالاتي : كتاب + قارئ = بيع .

هذه العملية تتم بعد تحديد الجمهور الاساس والجمهور العام "المستهدف" او العشوائي، ولكن السؤال الاهم كيف سيكتشف او يتعرف القراء على الكتاب؟

الكتاب يدور حول القاريء لا غير ويمكن ان نلخص للمؤلف هذه العملية الذهنية كالاتي: "ضع نفسك مكان قراءك"

والمؤلف له دور هام بتسويق الكتاب .

 يقدم "ويب أكس" ملاحظات مهمة يفترض ان المؤلف يلتزم بها اذا كان حريا في الوصول الى الجمهور الاساس "المستهدف "العشوائي"

ان يكون متوازنا وعلى استعداد للاجابة والحوار بشكل مباشر او غير مباشر مع الجمهور . 

وجاء في بعض ملاحظات ويب اكس للمؤلفين ما يلي في كل مرة "يرسل فيها بريدا إلكترونيا أو يكتب تغريدة أو يطلق كتابا جديدا. - سيكون أكثر فعالية" في انتشار الكتاب او الوصول الى القراء او الجمهور . وبشكل مختصر النوعية الدالة على المؤلف "الجندر" عليه ان يكون مقنعا ومنفتحا على الجمهور وعلى استعداد للاجابة والحوار والتفاعل مع الجمهور من خلال الحوار المباشر او غير المباشر او المراسلات وسواها من وسائل الاتصالات الرقمية بالجمهور او القراء . 

وتعتبر أمازون المنصة العالمية الاشهر في تسويق الكتب والمؤلفات . وبخطوات بسيطة اوسهلة يمكن للمؤلف ادراج كتابه او مؤلفاته على لائحة البيع مع نبذة مختصرة عن الكتاب والمؤلف .

لا تشترط امازون على المؤلف اية شروط تتعلق بمحتوى كتابه او مؤلفاته . مجرد ان يقوم بخطوات بسيطة وسهلة يمكن تتبعها على صفحة "الناشر" ينزل كتابه على اللائحة العالمية لتسويق وبيع الكتب.

 وتدخل عملية تسويق الكتب والمؤلفات على لوائح المنصات العالمية للناشر نوع اخر من الدعاية التي تساهم بانتشار الكتاب والمؤلفات وتوسيع دائرة الاطلاع عليه من مختلف البلدان والقارات .

وتختصر هذه العمليات الموجزة الكثير من الجهد والوقت قياسا بعمليات التسويق الكلاسيكية او القديمة من خلال الانترنيت او العالم الرقمي .

وكما نلاحط يعطي "ويب أكس" الاولوية للجندر "النوع" وتوازن المؤلف واستعداده للاجابة على اسئلة القاريء او الحوار المباشر او غير المباشر مع الجمهور  في عمليات التسويق القديمة "الكلاسيكية" او الحديثة من خلال الانترنيت والعالم الرقمي . 

 

قيس العذاري

18.7.2020

.......................

هوامش :

"ويب أكس" احد ابرز ناشري الكتب الرقمية على الانترنيت من خلال المنصات العالمية لتسويق الكتب والمؤلفات كامازون ولائحة ويب اكس المستقلة.

يمتاز بتصميم اغلفة الكتب الرقمية بمختلف الاحجام والاشكال وتصميم المؤلفات الضخمة .

لمزيد من المعلومات مراجعة :

Redsey

فيه معلومات متكاملة عن كيفية صناعة الكتاب الرقمي المعرف باللغات الاجنبية لدى الناشرين باسم :

e.book

وترجمتها للعربية تعني :الكتاب الالكتروني او الرقمي .

ويتيح كذلك عمل بروشيتات او كتب رقمية لمعارض الفن التشكيلي والنحت ونشرها على الانترنيت 

مع امكانية التعريف بالفنانة او الفنان وباسماء اللوحات والمنحوتات .

 

 

 

بكر السباتينبضوئها الخافت في ظل عزلة الكورونا..

العزلة المكانية كانت تحرض على الكتابة لملئ الفراغ الذي يأنفه المبدعون.. فمن عزلة الشتاء خرجت الأعمال الضخمة التي تنتمي للأدب الروسي الواقعي، وقد كتبها أصحابها وهم يقضون أجمل الأوقات أمام مواقد الحطب فيتمازج في وجدانهم صوت تكسر القطع الخشبية وانهمار الأمطار والرياح المتناوحة تعصف بها.. وهي عزلة شبيهة بتلك التي حبست الروائية الأمريكية ماريغريت ميتشل لتعتني بزوجها الجريح بعد أن أدمته الحرب الأهلية الأمريكية، ما فسح لها المجال لكتابة روايتها اليتيمة العظيمة "ذهب مع الريح" والتي تعتبر درة الأدب الأمريكي عبر العصور.. ولو ذهبنا إلى القارة العجوز، سنجد بأن العزلة الاجتماعية أو المرضية دفعت بالشقيقتين إيميل برونتي لتكتب روايتها الوحيدة "جين إير" بينما انشغلت شقيقتها شارلوت برونتي، وفي نفس الظروف لتكتب رائعتها الوحيدة رواية "مرتفعات وذرنج".. وهي ذات العزلة التي أوقدت قناديل الذاكرة المعرفية لدى المبدع محمود أبو عواد.. حيث دفعته عزلة وباء "الكورونا" لينقب بين الكتب المركونة على أرفف مكتبته في صفوف متوازية، باحثاً عمّا ألفه مبدعون أردنيون فيأخذها بعين الاهتمام، فيخوض في تفاصيلها كقارئ نهم يمتلك عين ناقد حويط، وليس كنطاسي يمتلك أدوات التشريح التي ستهيئء له القدرة على سبر أغوار النص وتفكيكه ومن ثم تجميعه لرصد التوترات والرؤى والبحث في الدلالات بموضوعية وأحياناً بتجني.. لم يكن هذا هو هدف أبو عواد في كتابه "النوّاسة" الذي صدر حديثاً عن دار دجله ” ناشرون وموزعون” في عمان، بل قام بتقديم قراءات نقدية لخمسين عملاً أدبياً اردنيا من قصة ورواية وشعر، حيث سلط عليها الضوء من أجل اطلاع القارئ على حجم النقلة النوعية في الأدب الأردني. باعترافه شخصياً حين قال في تصديره للكتاب (ص 13):

"هو عمل حاولت مجتهداً أن أختار زاوية للرؤية النقدية للنص المختار، ونشدت أن أكون منصفاً فيما أدعي"

لقد سجل أبو عواد انطباعاته النقدية العابرة فيطوف بنوّاسته في تفاصيلها دون ضوضاء.. فهو محكوم بضيق الوقت وخاصة أنه من المحال الاهتمام بخمسين عملاً أدبياً والكتابة عنها في غضون الثلاثة أشهر.. ورغم ذلك أكمل أبو عواد مادة الكتاب على هذا النحو..

وينبغي في سياق ذلك الانتباه إلى أن أصعب النقد هو أن تنقد عملاً نقدياً متكاملاً، ما يسترعي تحديد مواصفات الأدوات التي استخدمها الناقد لتقييم مدى التزامه بالشروط الفنية المطلوبة لكل جنس أدبي، ومناقشة القضية المطروحة في سياق الفكرة ويمكن اللجوء إلى استلهام العناصر الفنية للقصة أو الرواية على سبيل المثال، من خلال دراسة الوصف الداخلي والخارجي، أو التنقيب عن الثنائيات وغير ذلك.. ولكن النواسة جاءت بإضاءات سريعة وجميلة لتعرف بالأعمال الأدبية.. فكان يعمد إلى التبئير قليلاً في تناوله لبعض النصوص بينما كان يكتفي بالتعريف بالنص كما فعل مع رواية " أعشقني" للدكتورة سناء الشعلان.

ومن أهم المحاور التي ركز عليها نسبياً أبو عواد في كتابه النواسة: اللغة، التقنيات الفنية، الوصف الداخلي والخارجي، الحكم على المنجز وتوصيفه أيدلوجياً.. وهذا مدخل مناسب إلى اهتمام "نواسة" محمود أبو عواد بجنس الرواية، من خلال تسليطه الضوء الخافت على رواية أممية للكاتب سليمان الأزرعي، فقد ربط بين النبرة الخطابية الماركسية وموقف الروائي الأيدلوجي.. وقد وصف الرواية من خلال عنوانها " أممية" بأنه يوحي بفكر اشتراكي يساري أممي وأن النسيج الاجتماعي يغلب على فئاته الفقر وتداعيات الأسطورة.

وهو ما فعله أيضاً مع رواية "القط الذي علمني الطيران" للروائي هاشم غرايبه، ففي عتبة النص أشار مبائرة إلى انتماء بطل ارواية الحزبي في أنه سجين سياسي بسبب انتمائه للحزب الشيوعي الأردني، ليطرح تساؤل السجين الذي يرفض الامتهان:

"كيف يحشر التحريري الذي ينتمي إلى حزب إسلامي يميني، والشيوعي الذي يقف إلى يسار المعادلة السياسية، في موقع واحد مع اللصوص وقطاع الطرق وحاملي الشفرات! فالجواب كما جاء في النص "ليس عند الراوي".. وهي إشارة إلى السجان ورؤيته الأمنية.. ومن هنا يطرق الناقد باب النص متجاوزاً عتبته ليدخل بالقارئ إلى أعماقه عبر ما يرويه بطل الرواية عن نفسه من خلال مقطعين استشهد بهما الناقد من الرواية.. " حتى التقى السؤال بالعنوان مع آخر ما جاء في النص على لسان بطل الرواية:"وضع القط قدمه في صدر أبو زهرة المشجر بالجروح الملتئمة ودفعه: انطم.. ولك عيب تتجسس عليّ"

ويشير الناقد إلى أن الرواية تمثل تجربة نضالية شخصية لكاتبها، ثم يشيد بأدب المقاومة.

الأسماء كثيرة في مجال الرواية وقد لا يتسع بها المقام في هذا النص النقدي الذي جاء في سياق حفل إشهار هذا الكتاب القيم سواء أجرى عليها تحليلاته أو مر بها من باب التعريف .. وقس على ذلك في مجال القصة القصيرة حيث تناول تجربة الروائي صبحي فحماوي ومحمد مشه وحنان بيروتي ويوسف ضمره وغيرهم.

فإلى جنس أدبي آخر وهو الشعر، وقد لفت انتباهي ما قاله أبو عواد عن تجربة الشاعر عيسى حماد في أنه يكتب شعر التفعيلة بشكل أفضل من تجربته في الشعر العمودي المقفى.. وهذا موقف نقدي عززه بمثال واحد.. وكان بإمكانه أن يحدد الموقف بتحليلات أكثر عمقاً؛ لكن ضوء النواسة الخافت لم يسمح بذلك.. وفي المحصلة فقد عرفنا الناقد بالشاعر في إشارة منه إلى أهميته في المشهد الثقافي الأردني.

وكان أبو عواد حينما ينقب عن غاية القصيدة في النص يقف على الدلالات ويشخصها ويحكم عليها فنياً لا بل ويناقش الفكرة.. ففي قصيدة الرصيف للشاعر محمد لافي يقول أبو عواد:

"موسيقا أبيات القصيدة هذه مالت إلى الهدوء، وأعطت للتقريرية مساحة بين جملها وتفعيلاتها.

فقد لا توافق الشاعر على ما قاله في أمته العربية، فهناك خيط متصل بين الاستبداد والفساد والمصائب وليس هذا حال الأمة العربية.. وكأنه يقول لنا يا فقراء العالم اتحدوا"

وأبو عواد الذي فرضت عليه عزلة الكورونا الطواف في عالم الكتب التي أتيح له امتلاكها، حاملاً نوّاسته لم يعتمد في اختنياراته على تاريخ الشاعر وعراقة اسمه في عالم الأدب بل جعل يتنسم عبير القصيدة المنشورة في مواقع التواصل الاجتماعي لتأخذه إلى كاتب النص، فتستيقظ في أعماقه روح الناقد الموضوعي والمستكشف للخبايا كقارئ يبحث عن المعنى بين السطور وليس كطبيب جراح يشرّح النص ويبحث عن تفاصيله كي يلتقط ما وراء المعنى من درر.. وربما يحرج موقف الشاعر إذا ما التقط هنّة هنا أو هناك. ولكن أبو عواد القارئ الناقد كان يحنو على النص في عجالة انطباعية؛ ويفتش عن المعنى المختبئ بين بتلاته المعطرة بالدلالات، ويترك له متسعاً للحوار مع زهرة النور.. ففي ديوان (نوارس على شاطئ الاغتراب) للشاعرة ريما البرغوثي وهو ديوانها الأول قيد النشر، يشير أبو عواد مباشرة إلى شغف الشاعرة باللغة العربية وفي أنها أميرة البيان وهو حكم انطباعي جاء كعتبة للدخول إلى نص قصيدة (درب من سراب)، وبعد كل مقطع كان يحلل النص فيتحدث عن انسيابيته.. فالشاعرة ركبت البسيط بحراً وطاوعتها موسيقا.. وربط الناقد بين دلالة طائر النورس في القصيدة والاغتراب.. ليصل آخر المطاف إلى حكمه الفني على ريما البرغوثي من خلال تحكمها باللغة البليغة وقدرتها على تركيب الصور الشعرية باقتدارفي النصوص الشعرية التي تضمنها ديوانها الشعري الوحيد، فيقول أبو عواد في نواسته :

"أنها ليست منكفئة على ذاتها فبقيت قادرة على التصويروالتعبير واستخدام الصور البلاغية التي امتازت بها" فينبه أبو عواد القارئ بما قاله في عتبة النص باعثاً في روح الشاعر الأمل.. "ألم أقل لكم أنها أميرة البيان؟" وهو سؤال تحفيزي له قيمته المعنوي ودلالاته الانطباعية.. وهكذا فعل مع كثير من الشعراء الذين تناول نصوصهم وقدم لها شرحاً مبسطاً دون إعمال أدوات النطاسي في التشريح المؤلم أحياناً ورغم ذلك كان يبدي اختلافه من صاحب النص دون مجاملة رغم مروره السريع .

 

بقلم بكر السباتين..

18 يوليو 2020

 

عقيل العبودالزمن كفيل بالتجارب، والدروس، والعبر التي نتعلمها، وهذه المقدمة خاصة بالمتعلمين والمعلمين ممن يخصصون وقتا لمحاسبة ذواتهم على أمل الإرتقاء بها نحو الأفضل.

وخير هذه الدروس هو ان الإنسان بعد حين من الدهر، يفهم ما يرى، ويسمع، ويشعر به، بطريقة أخرى والسبب يعود إلى اتساع مساحة المدركات وقدرتها على الإرتقاء ما يسمى the process of cognitive area

والمعنى أن الموضوعات التي يقرأ عنها ، والأحداث التي يعيشها، يتم تفسيرها، وتحليلها بطريقة أخرى، غير الطريقة التي كان يتم اتباعها من قبل.

ولذلك فإن الملاحظات التي أبداها فلان مثلا في قراءة موضوع ما في زمن ما، هي غيرها تلك التي يبديها في هذا الزمان.

ولذلك نسمع أن كاتب النص مثلاً يكتشف بعد حين أن نصه المكتوب في زمن مضى، لم يكن يرضيه في هذا الزمان، وأنه يحتاج الى تعديل في هذا المقطع أوذاك.

ومثل ذلك نسمع أن الصديق الذي كان يعول عليه فلان لم يكن كما كان يتوقع، وبالعكس ربما مع شخص آخر.

ولكن ما يهمنا من الأمثلة أعلاه هو ان الكاتب والمثقف، لكي يكتسب هذه التجربة، أي لكي يصل إلى مستوى هذا النوع من الإدراك، يحتاج إلى أمرين:

الأول، الصبر، والثاني المواظبة، وكلاهما يمكن تحققهما لو منح الكاتب نفسه فرصة أطول في إعادة الكتابة بخصوص النص، اوالمقال المراد نشره.

بإعتبار ان إعادة تأمل النص، اوالمقال سيصل بالكاتب حتما الى درجة الإتقان المطلوب.

وهذه المعادلة مفيدة ومطلوبة في كل أبواب الحياة، لأن المساحة الإدراكية للعقل تحتاج الى وقت أطول من الوقت المتوقع لبلوغ الغاية الأكبر، والأسمى لفهم حقائق الموضوعات.

 

عقيل العبود

ماجستير فلسفة وعلم الأديان

باحث اجتماعي: سان دييغو

 

 

عاطف الدرابسةقالَ لها:

أحملُ قلباً لا يُجيدُ الكراهية في زمن الكُره، أُحاولُ أن أزرعَ أزهارَ الفَرحِ، والجمالِ في كلِّ مكانٍ تصلُ إليهِ أفكاري، كم يؤلمني أن أرى شجراً يطرحُ ثمراً يابساً، كم يؤلمني أن أرى الماءَ العذب يشربُ الملح، يُقلقني أن أرى العواصفَ بلا رياحٍ، أو مطر .

كم مرَّةٍ استعرتُ عينيكِ، لأرى النَّهارَ يُقاومُ هذا العتمَ الكئيبَ، كم مرَّةٍ استعرتُ قلبكِ، لأشعرَ بالجياعِ، وأبناءِ الرَّصيف، كم مرَّةٍ استعرتُ عقلكِ، لأقرأَ أفكارهَم، وأتنبأ بكوارثهم، وأعرفُ أوكارَ الفسادِ، وأفهم كيف تولدُ المؤامرة من رحمِ عقولهم، الذي لا يحملُ بينَ خلاياه إلَّا أفكاراً عفنة خالية من الضَّمير .

يا حبيبةُ:

 نحنُ نقفُ على أرضٍ واحدة، تحتَ سماءٍ واحدة، لا تعترفُ بالعدل، ولا تعترفُ بالمساواة، هُناك من يموتُ قهراً، ومن يموت ظُلماً، ومن يموتُ جوعاً، ومن يموتُ غرقاً، وهناك من يشربُ النَّبيذَ بأواني الذَّهب، ويتناولُ التُّفاحَ بأطباقِ الذَّهب، يرفُل بثيابِ الحرير، وغيرهُ يمشي عارياً، لا يملكُ ثمنَ ثوبٍ من قشٍّ، أو قميصٍ من بقايا أوراقِ الشَّجر .

 أبحثُ عن صورةٍ جميلةٍ للوطنِ، لتعلقَ بعيونِ أطفالي ؛ فلم أجد إلّا صورتكِ .

 أخجلُ من كلماتي، وجُملي، من استعاراتي، وكناياتي التي تستمدُّ جمالها من صفاءِ روحكِ، وبهاءِ عينيكِ .

كم يبدو معجمي فقيراً أمامَ خصوبةِ جمالكِ، ونضارةِ عينيكِ، كم يبدو معجمي فقيراً، حينما أحاولُ أن أنتزعكِ من قبضة هذا الزَّمنِ العاقرِ لأزرعكِ في عينِ التَّاريخ، كم تبدو لُغتي قاصرةً، وأنا أُمارسُ طقوسَ التَّأويل، لأُفكِّكَ أسرارَ جمالكِ، وأسبُرَ أعماقَ أفكاركِ، ورؤاكِ، إنّي أخجلُ من لُغتي حينَ أرحلُ عن هذهِ الدُّنيا، وأنا أشعرُ أنَّكِ جعلتِ لغتي خالدةً حينَ أقمتِ فيها ؛ فأنتِ يا حبيبةُ تختلفينَ عن كلِّ النِّساءِ، لأنَّكِ وهبتِ لغتي أسبابَ الخلودِ، وأسبابَ البقاء .

 

د.عاطف الداربسة

نايف عبوشالشباب طاقة متوقدة بحيويتهم، ونشاطهم المتألق، وقدرتهم على العمل، والعطاء، والإصرار على تحقيق الأهداف، وبناء الذات.

 وفي غمرة هذا التألق، وحب الإنطلاق نحو آفاق جديدة، قد يجنح الشباب الإنعزالي غير المتفاعل، نحو التمرد، وتنتابه الرغبة في الخروج على العادات، والقيم، والتقاليد الاجتماعية، وتستحوذ عليه حالة الأنانية، وسرعة الغضب، والتوتر، مما يقود إلى الضياع والاستلاب، الذي بات يستشري في أوساط الجيل المعاصر، بسبب تداعيات العصرنة الجارفة، بوسائلها المفتوحة في كل الاتجاهات بلا قيود.

 ولذلك يتطلب مساندة الشباب،والتأثير فيهم بالإشعاع، ذهنياً وفكرياً،لكي يتحلوا بالمعاني النبيلة، والقيم الحميدة، ويتسلحوا بالعلم، ويحوزوا أدوات المعرفة، ويدركوا قيمة العلم والعمل في الحياة، ليفجروا طاقتهم في خدمة الأهل، والمجتمع،وذلك من خلال تشجيع حضورهم تعاليل المجالس التراثية، والتفاعل معها، بقصد الانتفاع من كل معطيات ايجابياتها، على قاعدة (المجالس مدارس)، كما يقال.

ولعل ترسيخ ثقافة  التفاعل والإلتزام، وإدراك حقيقة أن الركض وراء المغريات، واللهاث وراء الشهوات، والملذات، يؤدي إلى الانحراف، والانحطاط، والتراجع عن المعاني المرموقة، مما يجعل  الشباب عالة على المجتمع، في الوقت الذي ينبغي أن يكون فيه قائدا لا عبئاً،ومؤازرا لا عالة..

ولذلك يكون التواصل الاجتماعي المباشر ، ومن بين أهم وسائله التعاليل ، والأمسيات الشعرية والثفافية، والإحتكاك البيني المباشر مع الأصدقاء، والترادف الاجتماعي مع الجيل الأكبر سنا ، والخروج من العزلة بالتفاعل مع المجالس ، من أهم وسائل تبادل الخبرات، وإثراء التجارب، وتنمية القدرات، والمناقب العالية، بالإشعاع، والإحتكاك.

 

نايف عبوش