شاكر فريد حسننبيهة راشد جبارين، ابنة قرية زلفة المثلثية، هي كاتبة وشاعرة دخلت محراب الكلمة واقتحمت عالم الابداع منذ زمن بعيد، وأثبتت حضورها في المشهد الادبي والثقافي المحلي.

فهي تكتب الشعر والخاطرة والقصة القصيرة والمقالة وقصص الأطفال. ولها مجموعة من الاصدارات في مجالي الشعر والكتابة للصغار، وفي الجانب الشعري صدر لها " أنشودة الصباح " و " أغاني أولادنا انتماء لبلادنا "، بالاضافة الى " عيون القدس " الصادر عن مؤسسة " الأفق " للثقافة والفنون الحيفاوية، وجاء في ٩٠ صفحة من الحجم الصغير، ويحتوي على ٢١ قصيدة، منها خمس قصائد للقدس، وأهدته الى " كواكب الأرض الزاهرات، الى مدن بلادي الساحرات، مواطن الجمال والآيات ".

قصائد الديوان تتغنى بالوطن وامجاده وبالقدس الراسخة في قلب كل فلسطيني، وتقف على الاطلال، وتذرف الدموع مدرارة على المواقع والمدن الفلسطينية والتغني بجمالها، ويظهر فيها بشكل واضح ارتباط الشاعرة بالمكان الفلسطيني، حيث أنها تخاطب وتناجي وتناغي وتشدو للقدس وحيفا ويافا وطبريا وغزة والناصرة، وتقف امام هذه المدن بخشوع المتنسك الزاهد.

فلعروس الكرمل حيفا تكتب وتقول:

منك تغار النوارس

وتحط عند قدميك

وتغار الموجات منك

فتطرح أكاليلها البيضاء

وتغسل قدميك

ويبقى الكرمل الولهان

يداعب الليل في عينيك

ويمسح الحزن من مقلتيك

في حين تناجي القدس، زهرة المدائن، بقولها:

السماء فوق القدس فتحت ابوابا

والملائكة فيها هللت

فرحًا وترحابا

للمصطفى خير البرية كلها

لما اتاها زاهدًا أوابا

فأنارها الامي اسرائه

ومعراجه ازمانًا واحقابا

أما عن عروس الجليل، الناصرة، فتقول:

اميطي اللثام عروس الجليل

اميطي اللثام عن محياك الوضيء الجميل

فيحلو الوسام

واسمعي أنغام تمجيد وتهليل

تعم الأنام

حين اشرقت ارضك بالنور

وسماؤك لبشارة الميلاد هللت

وتزخرفت

ومياه طهرك من عين عذراءك جرت وتدفقت

والقلوب بدفق المحبة ارتوت وتعانقت

ولا تنس جنة الشاطىء غزة، المحاصرة والمعذبة التي تقارم وتتصدى للعدوان والاحتلال.. فتقول:

يا غزة هاشم

يا عرين الرجال الرجال

يا غزة العزة لا تقولي الليل طال

يا غزة صبرًا

كصبر الليمون والبرتقال

ما يميز قصائد "عيون القدس" الوضوح والبساطة الجميلة، والمهارة اللغوية، والرومانسية الحالمة، والاحساس المرهف، والمشاعر الوطنية الصادقة، واللغة السلسة المنسابة، والأسلوب الواضح، فضلًا عن توظيف الموروث الديني والتاريخي، كالاسراء والمعراج، الملائكة، البراق، القيامة، الفاروق، صلاح الدين، رائحة الطيوب، وغير ذلك الكثير.

نبيهة راشد جبارين تكتب قصيدتها بصدق، ولغة رشيقة وجذابة قريبة من لغة ومشاعر الناس كي تصل اليهم بسيطة، عميقة المعنى، باذخة في الجمال الشعري، وتتراكب فيها الاستعارات وتتناسل الرؤى الجميلة. وهي تشدنا بتعابيرها وأوصافها البديعة، وصورها الناطقة بحسن البيان، وبوحها الشفيف، والقصيدة لديها عصارة المشاعر الدفينة.

ويمكن القول، أن "عيون القدس" هو تراتيل عشق وأناشيد وطنية وانسانية ووجدانية، تركز على المكان الفلسطيني وتصف وتصور المدينة اليوتيوبية، باسلوب شعري نثري فيه سرد قصصي، يختص بالقدس كمكان ومكانة تاريخية ودينية وارث كنعاني. وقد حافظت عبر نصوص الديوان على رونق مميز عابق بعطر خاص بها، وبروح شعرية دافئة، ولجأت الى قصيدة النثر للتعبير عن مكنون روحها.

فللكاتبة والشاعرة والمربية المتقاعدة نبيهة راشد جبارين (أم رامي) خالص التحيات، وتمنياتنا لها بدوام العطاء والابداع في مجال الكتابة الشعرية.

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

سلس نجيب ياسينمعظم ما يقف او يعرقل طريق الانسان نحو النجاح الذي حدده او يريده هو الانشغال باراء الناس حوله . وعادة ما تكون في غير محلها او تاخر اكثر مما تقدم .في حين يمكنه ان يستشير من حين لاخر ويغلب ما يراه مناسب حسب تحليله العقلي والموضوعي .

ولا ينبغي ايضا ان لا يعير اي اهتمام لما يتلقاه من اخبار ونصائح تتعلق برحلة نجاحه .

واكثر شيئ مهم في الموضوع هو تركيزه التام والشامل على مايريد وايمانه بانه مهما طال الوقت والطريق سيصل الى ذلك ان واصل بنفس الشغف والصبر والتركيز

 

بقلم الكاتب: سلس نجيب ياسين

محمد صالح الجبوريالموصل مدينة العلم والثقافة والاداب، أنجبت العلماء على مدى التاريخ، ولها إنجازات كبيرة في ميادين الحياة، يشهد لها القاصي والداني، وسميت بالحدباء وام الربيعين، والفيحاء، وكان يقام فيها مهرجان (أبي تمام)، ومهرجان (الحضر)، هناك محطات ثقافية في تاريخ المدينة، منها شارع النجفي الذي له مكانة في قلوب المثقفين، هذا الشارع منذ تأسيسه كان متخصصا في المكتبات التي تجلب الكتب والمجلات من بغداد والمدن العربية، وكان المثقفون ينتظرون وصول المجلات، والصحف والكتب لاقتنائها، وكانت زاد المثقفين، و(غذائهم) المفضل، ونتيجة للظروف الاقتصادية يتحول هذا الشارع إلى محلات لبيع الحلويات، وتجاوز عمر هذا الشارع أكثر من (مئة) سنة، المحطة الثقافية الثانية (شارع الدواسة)، الذي أصبح ملاذا للمثقفين، فكانت المقاهي مكانا لتجمعهم، ومناقشاتهم الثقافية، ينتظرون وصول الصحف و المجلات من بغداد، كما يوجد في الدواسة مقر اتحاد الأدباء والكتاب، المحطة الثقافية الثالثة (المجموعة الثقافية)، التي انتقلت اليها المكتبات، واصبحت مكانا للقاء المثقفين في مقهى القنطرة، منتدى الكتاب، رصيف الكتب، ونشاطات مستمرة للرابطة العربية للثقافة والاداب، واتحاد الأدباء والكتاب، والبيت الثقافي في نينوى، ووجود جامعة الموصل، وعادت النشاطات الثقافية الى المدينة والصحف والمجلات، ودعوتنا ان تكون الموصل عاصمة الثقافية العربية، أسوة بزميلاتها من المدن العراقية، الموصل لها مكانة ثقافية وعلمية وتاريخية، وهي اهلا لحمل هذا الاسم، الرحمة على أرواح الراحلين من المثقفين، والشفاء للمرضى، وتحية للأحياء منهم .

 

محمد صالح ياسين الجبوري - كاتب وصحفي

 

ابراهيم يوسف"ولي فؤادٌ إذا طالَ العذابُ بِهِ

هـــــامَ اشتياقاً إلى لُقْيا مُعَذِّبهِ

.

يفديكَ بالنّفْسِ صَبٌّ لو يكونُ لهُ

أَعزُّ من نفسِهِ شيءٌ... فداكَ بِهِ"

أمَّا "مُسْبَطِرٌ"..؟ موضوع المفردة التي شغلَتكَ "واستبدَّتْ" بإعجابك، والتي أشرتَ إليها في بعض الرسائل المتبادَلة بيني وبينك، فقد تعلمتُها من الراحل ورجل الفكر المبدع سعيد تقي الدين، رفيق أنطون سعادة ومن "مريديه"؛ صاحب نظرية كل مواطن خفير، والروح الثائرة واللهب البركاني الذي لا يخبو. سعيد تقي الدين رحل في الوقت المناسب، حينما لم ينكسر خاطره تماماً أو يعانِ من خيبته بأحوال هذه الأمة المنكودة؛ تنحدر بزاوية حادة فتبلغ أدنى نقطة على "باراپول" الأمم. "إن تراب الدّنيا لن يطمرَ تلك الحفرة العميقة، ورنينُ الرُّفوش في ذلك الفجر الحزين، سيبقى النفير الدّاوي حتى يقظة هذه الأمة. بها ترتفع منارة الحياة على فوهةِ العدم".

ذلك بعض ما كتبه سعيد تقي الدين في الأيام التي تلت إعدام الزعيم. وكانوا مع طلوع الفجر في الثامن من تموز من العام 1949 قد أعدموه رميا بالرصاص، بعد محاكمة قصيرة عاجلة تألفت في عتمة الليل، ودهاليز السياسة والخسَّة وأعلى درجات الجهالة والغباء. هكذا نالوا من الزعيم وغدروا به بعيدا من فكره ومبادئه "لتنطوي" صفحة حياته إلى الأبد. وأتحوَّلْ من جهتي بعد هذه الإشارة المقتضبة إلى سياق المفردة من جديد.  

هذه المفردة تعني الانبساط والزّهو والتبختر في المشي وأصلها سَبْطَرَ. ومما قرأتُه في التفتيش عن مدلولها، أن امرأة حاكمتْ صاحبتَها إلى شريحٍ بيدها في هرَّة؛ فقالوا: "ادنوها من المدَّعية فإن هي قرَّتْ ودرَّتْ واسْبطرَّتْ؟ فهي لها، وإن فرَّتْ وازبأرَّتْ ونأتْ بنفسها عنها فتكون لصاحبتها". لكنَّ مَنْ تعلَّمتُ منه المفردة استخدم الزين بدلا من السين "مزبطراً".

سحرتني فرادة هذا الأديب يرسم أصدق الصور وأنقاها، عن عادات أهل الجبال من طائفة الموحِّدين الدروز، ممن يلتزمون تشدّد الهندوس في التقيّد بسائر عاداتهم ومعتقداتهم وشعائرهم، وأذهلتني شجاعته العالية في مسيرة حياته، ومقاومته الرياح العاتية التي "عصفت بشراعه" في دنيا الاغتراب.

وحينما فتَّشتُ عن أصل الكلمة في أكثر من قاموس ومرجع..؟ قصاصاً للوقت على حسابِ حشرية المعرفة؛ وجدتُها بالسِّين: "كَمِشْيَةِ خادِرٍ ليثٍ سِبَطْر"ِ، وليستْ بالزَّين كما استخدمها المغفور له الأديب والراحل الكبير تقي الدين. ويتراءى لي أن الأديب الراحل، تصرّف بالمفردة على هواه عن سابق إدراك وتصميم، فشاءها دُرْزِيَّةً الهوى على لسان بني معروف من أهل الشُّوف، في دير القمر حاضرة الأمراء المَعْنيين، وَبْعَقْلِيْن المشرفة برصانةِ أهلها من التلال المجاورة، على قرى إقليم الخروب وساحل الدامور.

"فمزبطرٌ" بالزَّين المُعَطَّشَة حتى حدود الظاء مع الطاء الغليظة التي تلي..؟ لها مدلول رجوليٌ يتمتع بمفعول تضخيم الزَّين، لتبلغ حد الفحولة والورم وتأتي أشدّ وضوحاً وخشونة، كما يوحي نطقها على اللسان ووقعها في سمع أبناء الجبال، ممن لا زالت نساؤهم يتمسكن بالحشمة، والمناديل البيضاء يسترن بها شعورهن، ورجالهم يتمسكون بارتداء الشراويل الفضفاضة، وقد شمَّروا عن سواعدهم للعمل في زراعة الحقول والعناية ببساتين الفواكه والثمار، فتورّدت وجناتهم بفعل العافية وطيب المناخ. يقولون "الحق" بلماحة وكياسة تؤدي رسالتها دون أن تجرح مشاعر الآخرين.

لكأن المفردة المعنيَّة تتمتع بخصوصية رجولتهم المشبعة بالتعبير..؟ لا بتخنثٍ الخصيان مع حريم السلطان وبعض المسلسلات الرمضانيَّة التعيسة، وفيها تظهر سطوة السلطان، ونعومة النسوان في قصور بني عثمان. ففي تلك القصور واستنادا إلى تاريخ الأتراك الطويل، الحافل بشتى أصناف المظالم وتجويع سائر أهل الأرض، كانت النسوان تتمتع بالأمن والأمان، وراحة البال من التّعدي عليهن من الخدم الخصيان.

أرأيت بنفسكَ نزعة الهَبَل في رؤوس هؤلاء البشر العميان، والاستخفاف بما سخرَّه الله للبشر، وسائر المخلوقات من الزواحف والهوام والحشرات ، للتناسل والمتعة والبقاء وبهجة بني الإنسان والحيوان على السواء..؟

وبعد؛ فهنا بيت القصيد..؟ هذه المرة ليست مع زاهي وهبي، وضيوفه من المثقفين على قناة الميادين..؟ بل معي؛ وأنا أرى يا شيخي بأمِّ عيني في نشرةِ أخبارِ المساء، كيف يكون جزاء من يتخنث من الرجال. رأيتُهم كيف يرمون المِثليّ المخنَّث من أعلى طبقة في البناء، ما يضمن أبشع أشكال الرعب قبل الموت. مصحوباً بصراخ رهيب وهو يهوي بفعل التسارع وجاذبيَّة نيوتن.. عملا بأحكام الشريعة وتنفيذا لأوامر "الرحمن"؛ وقد أجمعتْ كل المذاهب على المبدأ واختلفوا على الوسيلة..؟ بالرمي من أعلى طبقة في البنيان، أوالشوي على النار أو بالسّحل والذبح الحلال.

ألم يكُن هذا جزاءُ المنحرفين عن جادةِ الأخلاق..!؟ وما يحملُ معه من الصدمة والوجوم والتساؤل والحيرة والخوف من عدالة السماء، وأنا أسمعه يصرخ قبل بلوغه الأرض وهو في طريق رحلته إلى الموت. المنظر في غاية البشاعة والهول..! والله حرام؛ أين دورك يا شيخنا وتأثيرك في القضاء، واجتهادك في التمييز بين فعل الحلال والحرام..!؟

فهل توقفت السرقات حينما شرَّعوا وقطعوا يد السارق؟ وهل توقفت المثلية بعدما "دهوروا" المثلي من الطبقة العاشرة يا ناس..؟ ما لنا وللمخنثين المنحرفين يا شيخنا..!؟ لِمَ لا نُشْغِل نفوسنا بتأمين الماء والكهرباء، ولقمة العيش ومحاربة الفساد الذي يعصف بالبلاد، ويطيح بالأمل الباقي في وجدان الفقراء..!؟ ولِمَ لا نترك أمر حساب المخنثين والمثليين لله وحده، يقضي بنفسه فيهم فيدينهم أو يطهِّرهم كما يشاء؟ ولِمَ لا يكتفون بحبس المُدان من عام إلى عامين ومن دهرٍ إلى دهرين، إن كان لا بد لقضاء البشر من التدخل في الحساب والعقاب، بالنيابة عن رب العباد!؟

ولو شاءوا يا مولانا..؟ فليحقِّروه ويصفعوه ويبصقوا في وجهه ويركلوه على قفاه. أما أن يستبيحوا دمه كالفراخ..!؟ كنت سأتوسل إليهم أن يحفظوا روحه.. فروحه يا مولانا الشيخ من حق خالقه وحسب. ورب الكعبة والقدس الشريف وبوذا وميترا النبيّ، والمسجد الأقصى ودماء الحسين.. حرام. كل ذلك صونا للأخلاق على الأرض وتنفيذا لنواهي، وأوامر الله بلا اختلاف بين سائر المذاهب في الإسلام، بل خدمة للدِّين والموعودين بحدائق النور في حضرة الرحمن. ألا يستدعي الأمر يا مولانا الشيخ، إعادة النظر في اجتهاد أو فتوى أو احتيال على الشرع، لتخفيف مثل هذا الجور في الأحكام..!؟ كما نجتهد في الاحتيال على الربا وعلى السفر بقصد الإفطار في رمضان.

أما من جانبي يا صديقي؛ فدعني أقل لك ما في خاطري بلا لوم أو عتاب؛ وهو قول لا تحمد عقباه..!؟؟ لكي ينعم العالم بالعدالة والأمن والسلام..؟ فنحن بحاجة ماسَّة إلى مِثْلِيٍّ مُحايِدْ ليس من الذكور أو الإناث، ممن لا يتعصبون لواحد من الجنسين، شرَّعوا له طويلا في الغرب الماجن الملحد المنحرف الفاسق الفاجر، وحرقوا دِينه فكتموا أنفاسه في الإسلام. هذا المنحرف الحقير.. سيحكم العالم بلا انحياز في المشاعر والأهواء..!!

أليس الأفضل أن يحكمَ العالم مِثْلِيّ محايد، بدلا من عُدوانيٍّ ومُكابرٍ وسفَّاح!؟ اللعنة على الضلالة والشيطان كيف يغرِّرُ بنا ويورطنا، في كلام لا يخلو من الحذر والتقيَّة والإحراج، ما دمنا نسخِّر كل حضارة الغرب لصالحنا ونتّهمهم بالشذوذ الجنسي والإلحاد، وننكر عليهم تضحياتهم وجهودهم في ابتكار المحمول والحاسوب، وأدوات جراحة القلب والعين، وتأصيل حبوب القمح لإطعام الجياع على الأرض، وسعي دؤوب لم يتوقف لابتكار علاج للسرطان.

ونحن مشغولون بإنفاق المال والثأر فيما بيننا في العراق وليبيا وفي اليمن وفي حاضرة سوريا الشام. البعض والكل على البعض والكل.. "جزم يا عرب" بالجيم العراقية المعطشة، وجيمِنا من زمان في غربي بعلبك من وادي البقاع...!؟ الرحمة والمغفرة والثواب أيها الأخوة، على روح الشهيد أحمد سعيد مذيع النكسة في صوت العرب.

مثل هؤلاء ليس لديهم ما يفاخرون به، سوى مال لم يتعبوا في الحصول عليه، رزق من الله يشترون به حضارة الغرب حينا أو ينفقونه على البغاء أكثر الأحيان. إحدى الشركات الشهيرة بنشاطها ونجاحها الاقتصادي في المنطقة..؟ تلقت سيرة حياة Monsieur)) - (السيِّد) عادل الحاج حسن. كما ورد في أعلى شهادته الجامعية، تمهيدا للعمل في الشركة المشار إليها..؟ والمفاجأة المضحكة أن يتلقى صاحب الطلب ردا من إدارة الشركة المعنية، تتوجه إليه بالخطاب من خلال (منصور) عادل الحاج حسن..! وصديقنا (منصور) لا يعرف ولم يكتشف حتى اليوم.. كيف وصله بالبريد رد الشركة الموقرة..؟ في بلدة يربو عدد المقيمين فيها، عن عشرات ألآلاف من السكان..!؟

الشيطان يا مولانا الشيخ يلعب دوره بإتقان، فيورطنا في كلام لم يكن منصفا بحق مراكز الأبحاث في الغرب وبلاد الأميركان..؟ فلنتوقف هنا يا صديقي بعدما نصحتني أن أعتدل قليلا في الخطاب، وأبدَّل في العنوان فأختزل الشّطط وأعتمد الحيطة والحذر ورشاد العقل والوجدان. ولكن لماذا تأخَّر العرب ويتقدَّم الغرب في مختلف المجالات..؟ فإن مهند النابلسي يعزو السبب إلى تركيز الغرب على المستقبل أكثر من الحاضر والماضي. الغرب الذي تعلم كيف يخطط ويبني، وتعلم كيف يقدِّر بل ويقدِّسُ الوعي والدقة في تنفيذ الأعمال.

أما إذا كنتَ يا صديقي قد تعرفتَ إلى مفردة "مزبطرٍ" عن طريقي..؟ فأنت من علمني الشرود عن سياق الموضوع والتورط في المخاطرة والمحظور الذي لا يخلو من طول اللسان..! مهما يكن الأمر ففي التعامل معك، سأستخدم صيغة سعيد تقي الدين بالزين المخالفة لأصل اللغة، وهذه ليست مؤامرة على سلامة اللغة من التحريف إن لم يكن مني أنا الصعلوك..؟ فمن سعيد تقي الدين الكاتب المبدع اللماح أحسن الله إليه وطيب مثواه.

كنت أردُّ مرة على تعقيب تناول مقالة كتبتها، وحظيت بنصيب وافر من القراءة والتعليقات، وخطر لي أن أحاكي مفردة "تأرَّض" أي هبط على الأرض، كما في "أقمر" أي غزا القمر ما فعله ذات حين نيل أرمسترونغ، أو "استحلى" كما هي حالنا في بيروت مع "البابا وحلوى الحلاّب"، و"اسْتَلْحَمَ" كبعض أصحاب اللحى والعياذ بالله، ممن يتهالكون على الثأر من اللحم، فيفتحون بأصابعهم أنفاقا في مناسف الأرز أمامهم على الطعام "، و.."زَبْزَبَ"..!؟ لا.. لا يشط بك خيالك بعيدا. ودعك من النوايا الخبيثة وحكي الزّوايا . سامحك الله هو عنب الكروم المجفف يا صاحبي.. والسلام.

حينما خطرتْ لي فكرة محاكاة المفردات..؟ خيل إليّ أنني عثرتُ على ضالتي في فعل "امْتَرَتْ"، بمعنى تطلَّعتْ إلى نفسها مزهوة أو مخدوعة بجمالها في المرآة. ورقص قلبي طربا للمفردة الجديدة المبتكرة، يدخلها صعلوك مثلي أو "سعلوك" تخفيفا لوقع سين الأنوثة بدلا من صاد الرجولة على أذنيَّ وأذنيك. واعتبرت نفسي يومها شديد الموهبة والنباهة في ابتكار المفردات، وهذه المفردة الجديدة المبتكرة - وليست كذلك إطلاقاً - ستتشرف اللغة العربية أن تحتضنها وتفخر بها، فأبزُّ بها عبدالله العلايلي وبديع الزمان الهمداني، وناصيف اليازجي ومجمع البحرين، لكي أصاب بخيبة أمل جديدة إضافة إلى خيباتي المتكررة، التي ضاعت في أعماق ذاكرتي لعدم قدرتي على الأحصاء.

لكن خيبتي هذه تشبه على نحو ما، ما أصابني في الشعر على يد السيد علي الحكيم، ذلك أن صديقنا الحسن بن هانىء كرَّم الله وجهه وطيَّبَ مثواه، كان قد سبقني إليها منذ أكثر من ألف عام، وها أنا أسمع صوته يأتيني من وراء الغيب وهو يزيح عن مثواه تراب القبر، وينهض مترنحا من سكره من بين الركام، وما أصاب تمثاله من الأضرار على أيدي الملحدين العابثين الفجّار.. قريبا جدا من ديار هدى المهداوي في بغداد، وهو يشتمني ويصرخ في وجهي ويهددني حانقاً ويقول:

هيّا ابتعد من طريقي أيها الوغد الحقير، ألم تسمع ما قاله عني "أبو عثمان"..؟ بأنني في "حلّ من الطَّبع ما دام شِعري يطرق باب القلوب ليدخل بلا استئذان، ولم يرَ صديقي الجاحظ رجلا أعلم باللغة ولا أفصح من لهجتي في البيان". هيا ابتعد من دربي أيها النكرة فأنا خير من يبتدع الكلام، ويحسن الدفاع عن المثليين، ولا زلتُ على ريق بطني وأشعر هذا الصباح بالتقزز والغثيان، فابتعد عني لكي لا أتقيأ عليك وعلى المتنورين الثوار، وأهل الشعائر من أصحاب اللحى من خلفاء هذا الزمن العار، ممن يَزْبَطِرّون في لبس الجبة والقفطان، فلم يكفهم الرأس المقطوع في معرة النعمان في بلاد الشام، حتى نالوا مني وخرَّبوا نصبيَ في العراق، لأنني تماديت في حريتي ونظمت شعري كيف كنت أعاقر الخمر، فألهو وأسكر وأعشق الغلمان والنسوان.

وما سمَّيتموه من بعدي بالأدب المستور..؟ لم ألجأ في نظمه إلى التورية والإشارة في الدلالة والتعبير، بل باستخدام مباشر وصريح للمفردات المُعِيْبة على اللسان، فلم يحجبها بل جمعها بعض علمائكم كجمال الدين بن مكرم بن منظور..! فليكشفِ الله سوأتكم وعاركم وخستكم المخبوأة في متاهة عقولكم يا أهل هذا الزمان.

"ألا، لا أرى مثلي (امترى) اليوم في رسم

تغص به عيني وينكره وهمي،

أتت صور الأشياء بيني وبينه،

فجهلي كلا جهل، وعلمي كلا علم."

فجهلي كلا جهلٍ وعلمي كلا علمِ..!؟ وهكذا يمكنك أن تفعل باللغة، ما يحلو لك ويطيب لخاطرك، فتسخِّرها للعتابا والميجانا نكاية بالمتحمسين الأدعياء لعدم المَسّ بها. ما دام بعض زناة العرب والمسلمين، قد فعلوا ما فعلوه واستباحوا حرمات بعضهم البعض، بلا عتب أو غضب أو ندم أو حساب..!؟ ثم تعال وامسح ما فعلتَه بجبتي المهترئة من أرخص "البالات". "وعَبالي عَنِّتِ بلادي عَبَالي/ وْعَلَوّا مِنْ نَسْجْ يَدِّك عبالي". العتابا من تراثنا الشعبي الجميل، ستكمل لازمة البيت بحماسة وإرادة طيبة دونما طلب مني أو رجاء، وذلك على مذهب زهر البنفسج.. وريح الشمالي يا نسيم بلادنا، ويا ربِّي تكبرْ مُهرتي". هذه المرة بالميجانا الوجه الآخر من عتابا أهلي وأهلك في الشام الحبيب، الذي أمعنوا فيه ترهيبا وتدميرا "وتخريبْ".. تخريب؛ التي لم أعطفها على ما قبلها نكاية وشماتة.. فيك.

https://www.youtube.com/watch?v=q5JPIrt29yI

ولئن لُمْتَني يا صديقي على المديح والثّناء..؟ فهذا "بِزَّكَ"؛ أنا أفهمك جيدا وأعرف كيف أحُكُّ لك بظفري ما "يرعاك"، وأن الإطراء وإن أسعدك كما يسعدني، لكنه لن يطيح بعقلك أو بعقلي، فيعصف بنا ويسكرنا لنغيب عن رشدنا، ما دمنا نعرف أنفسنا جيدا؛ فمن عرف نفسه فقد عرف قيمته، ومن عرف قيمته فقد جثا على ركبتيه وحنى رأسه للآخرين. ولسان حالك وحالي يردد مع رابندرانات طاغور، نبيِّ الهند وشاعرها وشمسها المشرقة على الكون:

"يا رب ساعدني على أن أقول كلمة الحق في وجه الأقوياء، وساعدني على ألاّ أقول الباطل لأكسب تصفيق الضعفاء. يا رب إذا أعطيتني نجاحا فلا تأخذ تواضعي، وإذا أعطيتني مالا فلا تأخذ سعادتي. يا رب إذا نسيتك فلا تنسني".

أخيرا؛ فلا عليك يا صديقي.. لا عليك أبدا من أخطاء وهفوات القواعد. القواعد ليست مطلقة وليست نهاية الكون في حال من الأحوال.. وما من مطلق إلاّ الموت. وأما في الفكر والتعبير والمعتقد فسبحان من لا عيب فيه.. أليس كل ما هو خال من الأخطاء يشبه الله..!؟ والله ليس له من مثيل أو شبيه. نحن بشر ياصديقي، وكلما ارتكبنا مزيدا من الأخطاء..؟ كلما كنا إلى حقيقة الإنسانية أقرب.. ألم يكن الحسن بن هانىء مرة أخرى عبقريا ومُلهَما كالخيام، وصوفيا كالحلاج وهو يقول:"يا كبير الذنب عفو الله من ذنبك أكبر".

فقدتُ منذ بعض الحين ثلاثمائة صفحة أضعتها في متاهة الحاسوب، ما يعادل حجم كتاب متواضع من الخربشة المنكودة، التي لا تجدي كثيرا.. ولا تنفع. لا سيَّما ولم يخطر في بالي مرة أن أجمعها وأطبعها في كتاب؟ فلا ينبغي أن أندم كثيرا على "الخسارة". لكنني لم أنم ليلتي وكادت تصيبني سكتة في قلبي على تعب طويل بذلته في تسويد تلك الصفحات العقيمة.. فما بالك بالله يثأر من عباده من صنع وإبداع أياديه..!!؟ إن لم تصدقني فتعالَ معي إلى مظفر النواب، يلقي عليك سلامه ويتوجه إليك بهذا المزمور البديع من أحلى الكلام. مظفر غابت أخباره من زمان، أسأل الله أن تكون قد توقفت آلآمه، وفوَّض أمر دنياه وآخرته إلى مشيئة الله رب العباد.

"هل تاب الخالق من خمر الخلق

ومسح كفيه الخالقتين لكل الأوزار الحلوة في الأرض

فأتوبُ..؟ تلك ذنوبُ..!!

تعال لبستان السر أريك الرب على أصغر برعم ورد

يتضوع من قدميه الطيب

قدماه ملوثتان بشوق ركوب الخيل

وتاء التأنيث على خفَّيه تذوب".

رَيِّحْ بالك يا صديقي وتعال معي إلى "الله في داخلك"، يناشدنا نبذ العنف والدماء لبلوغ الفردوس المنشود، فلا ينبغي يا صاحبي أن نخشى أو نخاف الله الذي نؤمن به ونعرفه فهو لا يحرق ولا يشوي. ومن يخاف الرحمن الرحيم؟ لهو محدود الفهم والفكر قليل الحيلة والتقوى، وهو ملتبس وموهوم وناقص الفعل والعقل والإيمان والدين.

ألم يتناهَ إليك ما كان من أمر نبيِّ الله داود..؟ وهو يرى من سطح بيته صنع الله وإبداع أياديه، يتجلى في امرأة أوريا الحثي قائد جيشه، وهي عارية تغتسل في دارها فيطيح بصوابه المشهد، وتسجد نبوته عند قدميها ومستودع أسرارها وجسمها العاري الجميل، فلا تتحكم فيه منعة الروح، وتعصف الرغبة بنبوته فتزلزل كيانه من عمق الجذور.

ولكن؛ من قبيل الحيطة والحذر وحسب..؟ أعقِلْ قليلا وتوكَّلْ ولا تتمادَ كثيرا في ضلالك، فإن لم تقتل وتسرق فلا يصح أن تشهد بالزور "إلاّ لمصلحتي"..! ولا تتورط أو تزنِ ما دام باب المتعة والفرج مفتوح على مداه. وهكذا تنأى بنفسك عن الإساءة لأحد.. وتأكد بعد ذلك أن الله غفور رحيم لا يشوي ولا يحرق، ولا يمعن في تجديد الجلود.

ولكي يطمئن بالك ولا ينشغل فكرك على حالك..؟ هذه وثيقة مرور تجتاز بها كل حواجز الخطف على الهوية، مما عرفناه طويلا في حربنا الأهلية على الحواجز الطيَّارة، بين الحركة الوطنية وقوى الانعزال، "حينما كان الواحد منّا - بتعبير مظفر النواب - يحمل في الداخل ضده".

ثم تجوب بوثيقتي أربع رياح الأرض، آمنا مطئنا على سلامتك بلا تأشيرة أو سمة دخول، في عالم يتمتع بالعدالة والهدوء، ويخلو من أسباب القتل والمظالم والترهيب، في ظل حاكم مِثْلِيٍ وحياديٍّ عادل لا يعرف العنصرية والتعصب، وربما كانت الوثيقة صالحة أيضا لتدخل بها الجنة، التي وعد بها الله عباده من المؤمنين المتقين، وحارس بابها واحد من قومنا دون سوانا من أهل الأرض.. أجمعين.

ولو تجاوزنا فترة العيد قليلا يا صديقي؟ فكل عام وأنت مرجعي وشيخي وقدوتي، وعمامة بيضاء على قِمَّةِ رأسي، العمامة التي طالبتني بها في التباسك للتفريق بين شيخ ومريد...!؟ والقِّمة بالكسرة على القاف، وليست بضمة العبء الثقيل على ذمم السياسيين المحترمين، ممن جرَّدوا بلادنا من اللحم، ليتناتشوا فيما بينهم ما بقي من عظام خروف العيد السَّمين.

 

إبراهيم يوسف – لبنان

 

ابراهيم يوسفبروحيَ تلك الأرض في "شمس الجبل".. أرض الطفولة واللهو والعبث البريء، التي ننتسبُ إليها طوعا وحبا خالصا؛ ما دامتْ أرضُها أنعمتْ علينا بالحياة، وتربتُها قرب "النّبي ساما" في الطريق إلى "المعصرة والشعرة"، "وضهر المغارة" وغابة السنديان في "السّلوقي" تترفق برفات موتانا وأحبابنا ممن ينتظرون قدومنا إليهم في أي حين. بأبي أنتَ وأمي وأهلي يا شيخي، وكل ما بقي من النور في عينيَّ وفي قلبي. أنت صديقي لكنك لا زلت مغشوشا بمظهري وسلامة أحوالي، وشخصية "دون كي شوت" التي تحكَّمت في خيالكَ عنِّي.. وتلبَّستني.

ولو أنني أبدو واقفا على قدميّ ولم أنحنِ كثيرا، إلاَّ أنني هشٌ وشديدُ الخواء والوهن، من الداخل المستور بقشرة مزيَّفة، ومرارة لامعة للعلن وغطاء كاذبٍ لم يعد يجدي. يستبدُّ بي الضعف والانكسار السريع، ولستُ كما يتراءى لك كالعملاق أو المارد الجبار، فلا أزيد في الحقيقة عن أرنبٍ جبان وحملٍ متشائم، أعجز من أن يدفع عن رقبته شفرة السكين.. بقايا بشري متهالك تدمع عيناه بسرعة، وتغسل وجنتيه وتقسو على قلبه لأسبابٍ لا تستحق البكاء.

هذه حصيلة هشاشتي وانكساري، وهذا سِرِّي أرميه بين يديك بلا مكابرة أو خداع. والله لا أدري يا صديقي من أين تأتيني هذي الدموع المستنفَرة البغيَّة فتغزوني وتقهرني من حين إلى حين..؟ لكأنها نشوة نهاية العمر وانتفاضة العشق الأخير..؟ فترفق بقلبي قليلا وأنت تَصِرّ على موعظتي دون أن تيأس مني، ما دمتُ أقلِّدُكَ ومن مريديك وما دمتَ مرجعي وصديقي وشيخي، وأستاذي الذي لا أنكر فضله.

وهكذا لا يمكنني أن أحبطك، أو أنال من عزيمتك في الخيال والشعر، "ودلعونا والروزانا، وزهر البنفسج يا ربيع بلادنا". مما أحببناه في وَعْيِنا وأحببناكَ بجانبه، وأراهن أن أحدا في البلدة والجوار ممن عرفوك على وجه العموم، لا يحمل لك في داخله، غير الحب والاحترام والمودة الخالصة ومكانة الشيخ الجليل.

https://www.youtube.com/watch?v=jQT_JBeA7mk

وماذا سأفعل أو أقول أمام مخزون معرفتك بالرياضيات والفيزياء، وحساب معادلة سرعة الصوت والنور، وعلم الكواكب والنجوم وسبع سماوات طباق، لا ندري سرَّها أين تنتهي وكيف يمكن أن تكون..!؟ وقريحتك المتوقدة وهذا الجموح المتمرد العجيب، ولون شعرك الرمادي تهيم به - بصوتٍ خافتْ - مراهقاتُ هذا الجيل، ورؤيتك المميزة لسائر الأمور تتجاوز حدود معرفتي إلى الآفق البعيد؛ فأنت ممن لا يتسع لحضورهم خيال الشعراء، ولا سهرات الصيف في الريف، أو ما ينالني على يديك من تحريض وتنكيل.. وتجريح لطيف.

فلم أنسَ بعد "حميدان والبدوية الحسناء"، ولا نسيَ المعجبون القراء، حكاية الليل والبخور وسوى ذلك من قول يأسر القلب، ويحفر في الوجدان العميق، ليستوطن بوداعة في قلبي وقلوب "الكثيرين" ذكورا غلاظا أو إناثا أشدُّ فتنة من زهر البريّة في الحقول، وأطهر من عطر النرجس وصفاء البنفسج على قمة الكرمل في فلسطين. تلك الحكايات أذهلني سحر بيانها وسكبها في قالب أبهى من الفراش الملون، وأكثر رونقا من النحل على زهر الخزامى، وصوت الحساسين على حَوْرِ المطاحن في "حُشبى"، وعلى أشجار اللوز والمشمش في البساتين.

كثير.. المفردة التي وردت في الفقرة السابقة، لا تحتاج إلى تعريف..؟ فلتكن البداية من هنا وأنت ممن يَشْهدُ على كفاءتِه معظم من عرفك من الطلاب، وتتمتع بحسن التعاطي والمودة والقدرة على الصداقة المترفعة العميقة، وفي شريعتك كما في شريعتي..؟ ليس ما يمنع من تعريف مفردة كثيرٍ أو.. قليلْ، ولا من التقاء الساكنين أو الخطَّين المتوازيين، رضي أو غضب نيوتن وعبدالله العلايلي.. وأنشتاين، وسائرالحريصين على الآداب ومختلف العلوم ما دام "بعضها" لم تتأكد "صحته" بعد. ولا خوف أبدا على لغة القرآن من التحريف، ولو أن اللغة التي لا تتحرك وتتفاعل وتواكب المبتكر الجديد، سيصيبها الوهن والهرم والتخلف الأكيد.

كنت على أطراف الماضي البعيد أعلّم ابنتي، حينما أصرَّت أن تستخدم la بدلا من le حرف التعريف الذي يسبقMusée و Lycée ، وكانت حجَّتها أن المفردة مؤنثة ما دامت تنتهي ب e الحرف الساكن الأخرس، ولا يصح إلاّ أن تكون مسبوقة بالتعريف المؤنث La. وحينما لمستُ إصرارها حدَّ العناد..؟ استجبتُ لها وتركتُها تفعل ما تشاء، وأنا أعجز من أن أسيء إلى آدآب اللغة الفرنسية، بفعل التواطؤ مع ابنتي وعلتنا في التذكير والتأنيث.

وابنتي المعنية بالإشارة، كان من نصيبها أن تتخرج من جامعة فرنسية عريقة. لكنها لا زالت ناقمة على شواذ وشوائب اللغة التي تَعَلَّمَتْها. وتسهرُ في الوقت الحاضر أرفعُ المراجع اللغوية الفرنسية على غربلتها "وتشذيبها" كما أخبرني ذات حين "صديقك الحكيم"، ونحن على منحدرات ضهر البيدر في الطريق إلى شتورة.

فما بالك بلغة تستخدم عشرين مفردة على الأقل، لتدل كل واحدة منها على "حُبٍّ" أضعناه، وعلى "خَمْرٍ" لا يتعاطاه إلاّ المنحرفون الفاسقون، "وسَيْفٍ" طالما روّجنا له حتى سلَّطوه على رقابنا، وبات من أسباب علتنا حتى تقوم الساعة وينفخ في النفير؛ حينما جيَّرَه بعض أهل الأرض، للدفاع عن الحق "المُزَأْبَق" ونصرة الدين الحنيف.

إذا بخلت السماء واحْتَبَسَ القَطْرُ في السَّنَةِ..؟ فهي: قاحِطَةٌ وكاحِطَةٌ فإذا ساء أثرُها..؟ فهي: مَحْلٌ وكحْلٌ، فإذا أتتْ على الزَّرعِ والضَّرعِ..؟ فهي: قاشورَةٌ، ولاحِسَةٌ، وحالقةٌ، وحَراقٌ. فإذا أتلفت الأموال..؟ فهي: مُجْحِفَةٌ، ومُطْبِقَةٌ، وجَدَاعٌ، وحَصَّاءُ..! قل لي بربك: هل سمعتَ أحدا على مساحة الوطن العربي المجيد، من يستخدم مثل هذه المفردات البالية التي استهلكها العث والعفن.. وما آلت إليه أسباب المعرفة ووسائل العصر ودنيا الحواسيب..!؟

وهذه البلوى الأخرى في أَسمَاء اللَّيْل وأحلامنا المغتصبة..!؟ كالصريم، والعقبَة، والجنان، والسمر، والطِّفْل، والكَافِر، والظل، والخدارى، والخدر، والأخدور، والعكامس، والغاسِق، والأغضف، والغميس، والدجوجى، والدامخ، والحندس، والطيسل، والعمساس، والضارب، والطوفان، والسرمد، والساهر، والردف، والدحمس، والدامس، والقسقاس، والعيهب، والدلهمس.. وكفى "يا ليل الصبر يا مسهر دموع العين، لا أنا عارف لمين أبكي..؟ ولا عارف لمين أشكي"..؟ هذا العذاب اللغوي السقيم.

وإذا كانت "رسالة الغفران" إيَّاها..؟ للملحد "الشَّافِر" - بلغة أهل اليمن - صاحب الرأس المقطوع في معرة النعمان، قد تمحورت حول الحشر وما في الجنة والنار، حيث يتحلق المؤمنون حول المآدب في الفردوس، ينعمون بخيرات ما أعدَّ الله لهم من لحم طير مما يشتهون، ومن حور حسان وما في"الجليس الأنيس وأسماء الخندريس"، وكؤوس الطلا ومزاجها من الخمر الأصيل، وسعادة نعيم مقيم لا ينقضي أو يزول..؟

هكذا صاغ المعرّي صورة الجنة تبعا لما في أذهان العامة ومعتقداتهم، لتتحول الجنة إلى ما يشبه شؤون كل الشهوات على الأرض، فتستباح فيها "المحرمات" على أنواعها، ويغدو التَّمنَّع عن إرضاء الشهوات في الدّنيا، إن هو إلاّ ضربٌ من الذكاء والحكمة والحيلة والدّهاء،ّ وتأخير في المتع مما سيناله المؤمنون في الفردوس. وربما يضيق سكان النعيم برخائهم في السماء..؟ ليُجْمِعوا على التظاهر والمطالبة بالعودة إلى الفساد في الأرض.

وما دمتَ شيخي وأستاذي ومن علَّمني التِّيه، والخروج عن سياق الموضوع، فلم تنصحني مرة وتمسكني من يدي، وتردني إلى صوابي وترشدني إلى الطريق الصحيح..؟ فتعال معي واسمع ما قالته هذا الصباح إحدى المذيعات، قبل المباشرة بقراءة الأخبار (وذلك) "بوحي من رسالة الغفران". قالت بصوت متهدج من خشية الله ومن شدة الإيمان:

من قرأ هذا الدعاء مرة قبل طلوع الفجر..؟ كتب الله له شجرة تفاح في الفردوس، حملتْ بذرتها ملائكة السماء من جبال العاقورة في شمال لبنان، يفيء إلى ظلها مع حورية حسناء – كبدويتك - تخطر مزهوة "بهدوم" مبتكرة من حرير الصين "والساتان" والديباج، وتلتصق بحنايا جسمها الفاتن الريَّان، فتأسر العين وتهفو النفس إلى نعومة جسمها الأبيض الوهَّاج.. أرأيت بنفسك كيف تكون بداية الفردوس..!؟  

ومن قرأ الدعاء مرتين..؟ كُتبتْ له الحورية بقميص نوم شفاف. يكشف عن مفاتن جسدها، أشد نقاء من العاج وضوء الشمس في رابعة النهار. يفوح من أردانها "عطر الفردوس من الشام"، وتلوح عاصفة من الرغبة الموجعة من بين نهديها وردفيها البارزين. لكن من قرأه ثلاث مرات على التوالي كتبت له الحورية بلا لباس، في حديقة غنَّاء تعجُّ بالسمراوات والشقراوات، والخلاسيات من أشهى وأجمل النسوان. فيها ما لذ وطاب من اللوز والجوز، ومن التِّين والخوخ والتفاح والرمان. ".  

وأما من قرأه أربع مرات متواليات..؟ فقد زاد الله له من خيرات الرزق في البستان، نهرا من العسل واللبن وساقية من الخمر الحلال، مع كُبَّةٍ نيئة بالزنجبيل من لحم الحجال، في الجرود وعلى قمم الجبال، تُعِدّها بأيديهن حريم الجنة من أشهى وأجمل النسوان، تزوّد الذكور بطاقة جنسية هائلة قلّما عرفها أقوى الرجال وأشجع الفرسان، وأشجار صفصاف خجولة تميل مع هبّات الهواء، وتنحني دلالا على ضفاف أنهار يوشوشها النسيم، تفيء إليها البلابل والحساسين، وتترنم بالتغريد على أغصانها آناء الليل وأطراف النهار.

ومن طوَّل باله وقرأه خمس مرات بلا انقطاع..؟ كان نصيبه من الجنة بحرا نظيفا كساحل "لارنكا" حيثما ولدت "أفروديت" ربة الحب والشهوة والخصوبة والجمال. تسبح على شواطئه قبيلةٌ من الإناث العاريات. "جنس وأكل وشراب وطاقة بلا ضوابط، وراحة وفضاوة بال وحدائق مخضوضرة على الدوام". هكذا فلن تخلو الجنة من القمامة والسرجين، والمخلفات الملوِّثة نتيجة حتمية للإقبال على الطعام والشراب. الجنة بذاتِها سيلوِّثها هذا الإنسان.

وهذه فحسب بعض سمات الفردوس. ألم ترَ إلآم أوصلنا التطرف والدواعش من شغل "الأتراك والأميركان"..!؟ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ. فبأيِّ آلآء ربِّكما تكذبان..!؟ وكيف السبيل إلى الصحوة وانتزاع هوية هؤلاء الخارجين على انتمائهم، لدين الحق والرحمة والعدل في الإسلام..!؟

وأما من قرأ الدعاء إياه مئة مرة قبل طلوع الشمس، "دقق جيدا بالرقم"، فهات "إيدك" والحقني من كثرة العطاء..! فمتى يا شيخ الشباب ومولانا صاحب العمامة والقفطان، سأجدُ الوقت الكافي لأتنفسَ ولو قليلا، فأعمل وأكد وأشتري خبزا للعيال..!؟ أنا والله في حيرة من أمري، وفي رأسي الفارغ تتزاحم وتصطخب مختلف الدواهي وأسوأ الأفكار، وأتجشم ما عاناه الهدهد صفيّ بلقيس، من المهانة على باب سيده وولي نعمته سليمان..؟ فهل من فتوى يا مولانا الشيخ..؟ ليرحمك رب العباد ورب الإنس والجان..؟

يتبع في الجزء الثالث

 

إبراهيم يوسف – لبنان

 

 

سلس نجيب ياسينالطفل تلك الزهرة الصغيرة البريئة التي تحب وتريد دخول عالمها بكل شغف وفضول هو ايضا بحاجة لبعض المستلزمات والظروف للتميز والنجاح وخاصة في مشواره الدراسي او حتى الرياضي ان صحب هذا بذاك . ولعل انتضاره للعطلة الصيفية بعد تطلع وعمل ونشاط كبير ابان السنة الدراسية فهو من دون شك يستحق عطلة كان ينتظرها من اجل شحن بطارياته النفسية واسترجاع طاقاته الفكرية وتركيزه من جديد وتعد العطل الصيفية وتغيير الروتين خاصة باتجاه البحر والشواطئ او الغابات وغيرها من اماكن الراحة والاستجمام عنصر اضافة معنوي دو اثر كبير في تقوية ثقته بنفسه نظرا لما حققه من نجاح في السنة الدراسية وكذا فانها تضيف له حوافز اخرى للنجاح في السنة المقبلة خصوصا ان كان الوعد الذهاب في العطلة الى الاما كن التي يحبها

الطفل بطل المستقبل وشغف الوالدين وصانع الامل بما سيحقق. يستحق عطلة صيفية تريحه وتعطيه جرعة طاقة تساعده في الرجوع الى مقاعد الدراسة او ميادين الرياضة ان احب مرافقة هذا بذاك

 

بقلم الكاتب : سلس نجيب ياسين

 

محمد صالح الجبوريجريدة نينوى التحقت بزميلاتها للعمل، وعادت إلى الساحة الثقافية والإعلامية، وهي ترفل بثوبها الجديد، ثوب العز والفخر والشموخ، هذه الجريدة التي عرفها القراء برصانتها، وحيادتها، وبحثها عن الحقيقة، نينوى هدفها تقديم الافضل في ميدان الساحة الثقافيةتقارير واخبار تهتم بالواقع الذي نعيشه، كادر الجريدة الذين لديهم خبرات في العمل الصحفي، مواضيع الجريدة متنوعة، هناك صفحة مختصة بشؤون المرأة (نصف المجتمع) التي تشرف عليها الصحفية (نور نشاط)، وهي صفحة هادفة للارتقاء والنهوض بواقع المرأة، العمل الصحفي بحاجة إلى ابداع وتجديد وتنافس مشروع، والبقاء للافضل، والعمل الصحفي بحاجة الى الموضوعية و المصداقية والحياديةبعيداعن المصالح الخاصة، وأن يكون العمل لخدمة الثقافة والاعلام، مبادرة إلجريدة بفتح دورات، وتدريب كوادر صحفية خطوة بالاتجاة الصحيح، تهدف إلى تطوير الطاقات الشبابية ودخولها إلى ميدان العمل، نينوى أسم كبير يعني المحبة والإخاء والتسامح، والابداع والغد المشرق، واملنا ان تكون جريدة نينوى اهلا لحمل هذا الاسم، الف مبارك، وعودة ميمونة الى ميدان الكلمة، والإسهام في المشهدالثقافي، الذي يصنعه عشاق الكلمة والحرف الجميل، هذه الأقلام التي لها دور في نقل الثقافة الموصلية إلى العالم الارحب، اقلام لها مكانتها، ولها تأثيرها، وقدرتها على الإبداع.

 

محمد صالح ياسين الجبوري

شاكر فريد حسنأعرف الصديق الكاتب الاعلامي نادر أبو تامر منذ أيام الطفولة، من خلال مجلة " لاولادنا " التي كانت تصدر عن دار النشر العربي، حيث نشر فيها عددًا من محاولاته الشعرية، ثم عرفته مهتمًا بالبحث والدراسة أثناء دراسته الجامعية في القدس، وقد نشر في حينه عددًا من الدراسات والأبحاث الأدبية باسمه نادر خليل عبد الكريم في مجلة " الجديد"، التي كان يصدرها الحزب الشيوعي، واحتجبت عن المشهد الثقافي الابداعي.

وأذكر دراسته عن رواية الطيب صالح "موسم الهجرة الى الشمال" تحت العناوين: " الادراك الفني ، الجنس والحب والزواج، والصراع بين الشرق والغرب في الرواية ".

بعد ذلك سرقت الاذاعة نادر ابو تامر، وأخذ منه العمل الاعلامي والصحفي الوقت الكثير في تقديم البرامج الأدبية والثقافية والسياسية اليومية، الى أن عاد بقوة الى المشهد الابداعي بكتابة الخواطر الأدبية، أجملها خاطرته بل قل قصيدته المؤثرة التي كتبها الى روح أمه الراحلة، وراح يكتب بعزارة للأطفال، وله في هذا المجال حوالي عشرين عملًا قصصيًا ناجزًا، بدأها برامي لا يشبه أحدًا، واخرها " انقطع الماء فجأة " و" الزرافة ظريفة " و" البيت السعيد ".

وتتفاوت هذه القصص في قيمتها الأدبية والانسانية والجمالية وأبعادها التربوية، وهي ليست مجرد قصص، وانما فيها جدوى ومنفعة ومتعة، وتحترم وعي الطفل وعقله. ولذلك لفتت الانتباه، وتناولها بالنقد والاطراء عدد من المهتمين والكتاب والنقاد في البلاد.

ويكاد يتفق الجميع أن قصص نادر أبو تامر ملائمة للصغار، لما تحمله من لغة بسيطة واضحة باذخة، وروح انسانية دافئة، ورصد تربوي، وأثر أخلاقي وقيمي.

ما يميز نادر أبو تامر امتلاكه لأسرار اللغة، وتمكنه من السباحة في بحرها واصطياد المفردات، واجادة فن اغواء الحرف. فهو يكتب بلغة أنيقة عميقة المعنى تحفر عميقًا في الشعرية، واستطاع أن يمتص كل نبوءات جمال الحروف وسحرها، وحقق كينونة من الصعب الوصول اليها.

نادر أبو تامر كاتب مبدع يتسم بجمال الكلام وأناقة الأسلوب في رسم الكلمات والتعبير عن المشاعر وطرح القضايا الحارقة التي يعاني منها مجتمعنا، وفي كتابته نجد الألق والعذوبة والجمال والانسياب.

فتحية عطرة للصديق المبدع نادر أبو تامر، مع تمنياتي له بدوام العطاء والابداع المشوق الماتع، الذي يحاكي العقل ويلامس الروح وشغاف القلب، ومزيدًا من العطاء في مجال الكتابة للكبار والصغار.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

ابراهيم يوسفرحتُ أفتشُ هذا الصباح عن بعض حاجات المعيشة في السوق، وقد تنوعتْ معها أصناف الأطعمة المُستحدَثة الوافدة إلينا من سائر مطابخ العالم، واستقرّتْ حاليا عند حدود "الفاهيتا والفيلادلفيا والسوشي"، مما كنتُ أحسبها وأنا أسمع بها لأول مرة، أنها أصناف حديثة لعرباتٍ كوريّة الصنع، غزَت سوق تجارة السيارات.

تجولتُ في السوق وأنا أتأبط مزيداً من أكياسٍ يربكُني حملُها، وأدقق في قائمة الحاجات التي سجَّلتْها، ودسّتْها في جيبي رفيقة دربي مسؤولة الاقتصاد، التي عاونتني وتعبتْ في حياتها معي أكثر مما ينبغي، لتلبي طلبات الأسرة في النَّظير المعاكس، لقول السيد المسيح عن حياة الإنسان، وحاجته لغير الخبز والخضار ولحمة العجل والخروف؛ "وجذور وثنية الأضاحي": مقالة المهندس عادل الحاج حسن المنشورة في مجلة "السنابل"، والتي واجهتْ صخبا واعتراضا مجحفا لم يكن الكاتب سببا مباشرا فيه.

اللحمة أشدّ الأطعمة زنخة ووقعاً مؤذيا، على وجدان وحواس النباتيين المُعَذّبين أمثال "سوسن" ابنة شقيقي، التي رهنت نفسها وبذلت جهداً طيِّبا لم يتوقف؛ يستحق الشكر على المساعدة في العناية، بمن شرَّدتهم الحرب من أوطانهم، وقد تنازلتْ عن كامل نصيبها في الدّنيا من اللحوم ومشتقاتها، منذ طفولتها وبدء وعيها الخلقي المُضْني.

اللحمة دخلت طوعا كيمياء الإنسان مع بداية الخليقة والكينونة الأولى، وتحوَّلت إلى "إكسير" لا غنى عنه لبني البشر؛ والحيوانات الكاسرة على السواء. من هنا ابتدأت جذور الأضاحي بشكليها المُوقِن أو الوثني، وهكذا استبدّتْ شهوة القصّابين إلى السكِّين واللحم الحلال، بترخيص إلهي لا ترقى إليه الشكوك.

وهكذا شاء ربُّك أن يُسَلِّطَ المخلوقات؛ القويّ منها على الضعيف، لكي تتوازن أحوال الحياة فلا تقوم إلاّ على التناقض وعلل الوجود، في فيض من الصراع على ثروات الأرض، والإمعان في الشماتة بماركس.. وسلام الدّنيا الهزيل. حياة بعيدة تماما من صفاء الأرواح الهادئة ومن سحر الطقوس، ونجوى الصبابة والتَّمني في ليالي الشعر والحب والبخور، والقناديل المضيئة وعطر الزنابق في الحقول، فلا يكون الفداء مقبولا بغير الدم المسفوح على مَرِّ العصور.

"ضاقَ عن وَجْدي بكم رَحْبُ الفَضا*** لا أبالي شَرْقَهُ من غَرْبِهِ". هي حال المربَك في فكره ووجدانه وخياله المُتْعَب، لا يبالي وهو ينطُّ بسرعة "القبُّوط" من موضوع إلى موضوع، ولا يدري أين يحطُّ في القفزة التالية، بعيدا من نهج الكتابة المألوف، ومعظم الضوابط والقيود. وهكذا أجدني وأنا في السوق، حيث الأحياء المهمَلة الفقيرة والمياه الآسنة في الطريق، أقفز إلى جوار ملاك أبيض، يغطُّ بجناحيه المنشورين في ضاحية بيروت الجنوبية. الضَّاحية العصيَّة على الطائرات الإسرائيلية وعدَّتها العسكريَّة الأميركيَّة، وكل خيانةِ مَحَلِّيات التفخيخ والتفجير.

استوقفني فيها يا سبحان الله إعلانٌ "رومنسيٌ" على مدخل "بوتيك"، يبيعُ ثياباً للأولاد من صنع سوريا الغارقة في دمائها..! فهل تُصدِّقون..؟ ويقول الإعلان: "ملبوسات الملاك الأبيض - للأطفال"..!؟ وعتبتُ على ربِّي..! لكنه عتبُ الحبيب على الحبيب، واستغفرتُه ألف مرة ومرة، من الوسواس الخنّاس يوسوس في صدور الناس؛ أن لا يكون قد خلق ملائكة سُوداً ممن حرمهم من نعمة البشرة البيضاء.؟! حتى هنا في الضاحية موطن "المهزومين" "والغلابى" من فقراء الناس، يميِّزون يا ربِّي بين أجناس الناس وأعراقهم البيضاء والسوداء..! ثم توسلتُ إليه أن لا يغضب مني على حشريتي والتدخل في سِرِّه وشؤون خلقِه، وأن يسامحني ويسامح صاحب "البوتيك" ويغفر ذنبي وفضولي.

ملاك الضاحية الأبيض كان قد امتطى أسرع خيول السماء. تلك التي تعدو سريعة كالنور كما حسبها "أنشتاين"، ولا فرق في لون الحصان أبيض كان أو أسود..؟ ما دام كلاهما على وزن أفْعَلْ – وأحْمَدْ، ووزن أفعل ممنوع من الصَّرف كما تعلم يا شيخ أحْمَدْ. أطلق الملاك العنان لفرسه المطهَّم الجميل وهمز جوانبه بساقيه، ثمَّ أسرع بالنزول عبر بوابات السماء، مجتازاً الكواكب والمجرات بلا ضجة ولا ضوضاء. حذوة حافره تلامس الريح فتشرقط نارا من ذهب؛ ليحط أخيرا على كوكب الأرض في مدى لحظات لا تزيد.

وصل الملاكُ رسول السماء إلى الأرض، وهبط على جبل بالقرب من "أم الزيَّات" في فلسطين، تنفيذا لأوامر خالق الكون ومبدع الحياة والموت، وهو ينادي بصوته الراعد الداوي، الآتي من غياهب سماوات لا يطالها عقل العلماء العارفين: يا نَبِيَّ الله "يَحْمَدْ" أحْسِنِ الظن بربك ونَظِيرَيْكَ "سَامَا وَنَجُّومْ"..؟ كنّا نختبرُ تقواك وخضوعك وحسب. تقبّلَ الله فداءك ونجحتَ في امتحانٍ عسير، واصطفاكَ ربُّك على أهل الأرض من المؤمنين الخاشعين. فُزْتَ ورب الكعبة رافع السماوات فوق أديم الأرض. توقّفْ وخذ الكبش من مراعي الفردوس، وارفع السِّكِين عن رقبة الفتى المسكين. دعك من عبلة وسارة وهاجر.. واتقِ رب العالمين.

والنّبي "ساما" جارنا وجاركم بقبَّته المتواضعة وداره الضَيِّقة، وضريح علي الحاج حسن، ممن شاركوا في المحاولة الانقلابية على فؤاد شهاب، وشجرة توت أبيض على الزاوية الشرقية، وإدارة رُهْبانِه من المتّقين المؤمنين من "بيت زين"، ممن يتولون كسوة المقام، بأقمشة كانوا يحملونها معهم من الشام. النبي ساما أغنى قليلا من النّبي "نَجُّومْ" يقيم في أول السهل، حيث ينأى بنفسه على أطراف "طارَيَّا"؛ زاهداً وحيداً في العراء في حرِّ الصيف وجليد الشتاء. يقتِّرون عليه التّبرع بالمال مما يستبيحونه لاحقا لأنفسهم، عندما تدعوهم حاجتهم إلى المال.

لم يكن مقام النبي نَجُّوم، خاضعا لإدارة "بيت زين" فلم يكن مُصان المال؛ وقِلَّة من كانوا يتبرَّكون بزيارته عبر طريق البيادر الترابية، إلى مغارة حمزة وعين "بَعْمِيري". العين التي أصابها ما أصاب عينيّ وقلبي ووجداني، من جفاف تأخر كثيرا عن موعده في الوصول. لكنّ ساما النّبيّ المميَّز قليلا، بمقامه وقبَّته عن النّبي نَجُّومْ "الفقير".. فله في قلبي مودة خالصة.. معزَّة البقيا والجيرة والعشرة الطيبة وصداقة عمر طويل.

كنت أعربش على شجرة التوت، ذات الطعم السكريّ المغري، التي عرفتُها في دار النبيّ الكريم، وكان يخشاها بقيَّة الأولادُ ويبتعدون عنها، ومنهم من كان لا يجرؤ على النظر إلى توت تشتهيه الأفواه قبل العيون. لكنني بقلب جريء دون ما خشية أو تردد، أو إحساس بذنب كنت أجاهر بأكل "كبوش" التوت، بلا خوف من نار الجحيم، مما حشروه في رؤوسنا الصغيرة القاصرة عن إدراك معنى السماح ومدى مغفرة الله.. والجار الكريم. كنت واثقا أنَّ ثمارها الناضجة ستقعُ وتغطِّي أرض الحرم وليمة للنمل والعصافير، وأنَّ النبيّ لن يستفيدَ منها أو يغضبَ مني، وأنا ضيفٌ في داره وأبي يكرمُ الضيفَ في بيته، فما بالك بحالِ الأنبياء كيف يكرمون الأطفال الضيوف..؟!

شرَّقتُ وغرَّبتُ قليلا لكنني لم أزل في ضاحية بيروت. بهرني ضوء الشمس في الخارج، وغَشِيَتْ عيناي من شدة نور النهار، في ساحة مكشوفة على سماءٍ كريمة تُخَيِّمُ على الجميع؛ نور بدأ يخبو في القلب والفكر والعين، ولم أكن منذ أسبوع قد غادرت المنزل إلى تعاونيّة التموين، حيث انفجرت في ساحتها سيارة مفخخة منذ بعض الحين، وحصدت من حصدت من عشرات الضحايا المساكين. وحينما أنهيت مهمتي في السوق، وأتيت أشرب قهوتي وأستطلع الحاسوب..؟

أسعفتني إجابتك ورأيت خير الردود ما يأتي على "كعب" المقالة، وأجدى البكاء ما كان مباشرة على رؤوس الأموات، وما دمنا نعيش فلن نرحل عن الدنيا يا صديقي، إلاّ ونحن نخفق ونَجِدُّ في المسير إلى أبعد "واحةٍ من قلب الصحراء العربية"، تتردد أنفاسنا في صدورنا ويتعالى وجيب قلوبنا بين الضلوع..؟ أو يحاسبنا الخالق عند القيامة على طاقة زوَّدنا بها، ووأدناها في الإغفال عن حاجات الحياة، التي لا تموت ونحن في انتفاضة النفس الأخير.

فما رأيك تأتي معي في هذه العجالة إلى العامرية، والصَّمة القشيري يقتله إليها الحنين..؟ أشدّ صبابة من قيس البوادي عند العرب، وروميو وجولييت عند شكسبير. القشيري صاحبنا هذا ينبغي أن تتعرف إليه فهو من أرقِّ وأفصح العشاق الشعراء على مر العصور. أو فليكن الأمر على مذهب الغزل التقليدي في مطلع مراثي من نبكيهم من الراحلين.

بروحيَ تلكَ الأرض ما أطْيَبَ الرُّبى *** وما أحْسَنَ المُصْطافَ والمُتَرَبّعا

وأذْكـُــــــرُ أيـَّـــامَ الحِمَى ثمّ أنْثَني *** على كَبِدي مِنْ خَشـــْيَة أن تصَدَّعا

وليســــتْ عَشيَّاتُ الحِمَى برواجِعٍ *** إليــــــكَ وَلكنْ خلِّ عينيكَ تَدْمَعا

كأنّا خُلِقْنـــــا للنَّـــــوى وكأنّــــما *** حـَــرامٌ على الأيَّــــامِ أن نَتَجَــــمَّعا

https://www.youtube.com/watch?v=LiLXejQnfE

 

إبراهيم يوسف – لبنان

يتبع في الجزء الثاني

 

ضياء نافعاطلعت على مقالة جميلة ورشيقة جدا في جريدة (ليتيراتورنايا غازيتا) (الصحيفة الادبية) الروسية الاسبوعية (بتاريخ 11-17 / 7 / 2018)، وقد جاءت المقالة تحت عنوان – أدب أذربيجان المعاصر، والتي أعدّها مركز أذربيجان للترجمة . تتحدث المقالة (والتي شغلت صفحتين باكملهما في ذلك العدد من الصحيفة) عن الكاتب الاذربيجاني المعاصر ألتشين، الذي تحتفل اذربيجان الان بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين. وألتشين يحمل لقب (كاتب الشعب) في اذربيجان، وهولقب تمنحه الدولة لبعض كبار الادباء والكتّاب تقديرا لهم وتثمينا لدورهم في المجتمع، وألتشين بروفيسور جامعة باكو الحكومية ايضا، اذ انه يحمل شهادة دكتوراه في علوم الادب (وهي أعلى شهادة علمية، والتي يسمونها عندنا – ما بعد الدكتوراه)، اي انه كاتب وباحث أكاديمي في نفس الوقت، والذي تميّز طوال مسيرة حياته الفكرية - منذ شبابه - بمواقفه المستقلّة وغير الخاضعة للجمود العقائدي . بدأ ألتشين طريقه الابداعي عندما كان يافعا، ويعد اليوم واحدا من أشهر الكتّاب والباحثين في أذربيجان، وتم ترجمة نتاجاته الى 20 لغة اجنبية، وبلغ عدد نسخ كتبه بمختلف اللغات حوالي خمسة ملايين نسخة . يقدم مركز أذربيجان للترجمة في المقالة المذكورة مقاطع من كتابه الموسوم – (العصر والكلمة)، ويسميها الكاتب نفسه – (ميني مقالة)، يطرح فيها ملاحظات وأفكار حول الادب الروسي والعالمي، وقد اخترنا بعض هذه الملاحظات (رغم ان كل تلك الملاحظات مهمة وذكيّة) وترجمنا خلاصتها وفكرتها الاساسية ليس الا، كي نقدمها للقارئ العربي، لاننا وجدنا في ثناياها آراء رشيقة ومبتكرة وأصيلة فعلا حول هؤلاء الادباء، ونعتقد انها تستحق الترجمة لاغناء المكتبة النقدية العربية حول الادب الروسي.

همنغواي وبوشكين

يقول الباحث انه تذكر (ابنة الضابط حسب ترجمة الدروبي، او ابنة الآمر حسب ترجمة غائب طعمه فرمان) لبوشكين، عندما بدأ يقرأ (وداعا للسلاح) لهمنغواي، ويسمي ذلك (احساس غير متوقع)، وتكرر الامر نفسه عندما بدأ يقرأ (الشيخ والبحر ) ايضا، ولم يجد الباحث سبب ذلك الاحساس، اذ لا توجد روابط محددة بين تلك النتاجات، بل انه لم يكن يعرف حتى اذا كان همنغواي قد اطلع على نتاجات بوشكين ام لا، ولم يجد الجواب المحدد على اسئلته تلك، ولكنه عندما قرأ مقابلة مع ابن همنغواي بمناسبة مرور قرن على ميلاد والده، اكتشف، ان همنغواي كان طوال حياته معجبا ببوشكين، وان هناك تمثال نصفي صغير لبوشكين على طاولة همنغواي في بيته بكوبا .

الذنب امام دستويفسكي

يقول الباحث انه يقرأ نتاجات دستويفسكي من بداياتها الى نهاياتها مرتين، ولكنه يقرأ (الاخوة كارامازوف) و(المقامر) ثلاث مرات، وذلك لانه (بعقله) يقر ويعترف، ان دستويفسكي كاتب عظيم، ولكن (بقلبه) لا يستطيع ان يحبه، ولهذا، يشعر الباحث بالذنب امام دستويفسكي .

لماذا احب تولستوي؟

يقول الباحث انه يحلم ان يؤلف كتابا يوما ما بعنوان – لماذا احب تولستوي؟، ويضيف، ان هناك العديد من الكتب حول تولستوي، ولكنه مقتنع تماما، ان كتابه سيختلف عن بقية الكتب عن هذا الكاتب الكبير، لانه لا أحد يمكن ان يكتب عنه ذلك الشئ الذي يراه هو شخصيا فيه، او يحسّه هو شخصيا تجاه ابداعه . ويختتم الباحث هذه الملاحظة قائلا – ان عبقرية تولستوي تكمن، في ان كل (قارئ – مفكر) ينظر اليها بمنظاره الخاص، وانه لا يمكن ان يكون الموقف بشكل آخر بتاتا.

موباسان وتورغينيف

يشير الباحث، ان موباسان كان يعتبر نفسه تلميذا لتورغينيف، ولكن الباحث يرى، ان تورغينيف لم يكن روسيّا بحتا مثلما كان موباسان فرنسيّا بحتا، ويضرب مثلا ببطل رواية (رودين) لتورغينيف، ويقارنه بابطال قصص موباسان، ويصل الى استنتاج مفاده، ان ابطال موباسان يجسّدون الانسان الفرنسي، بينما بعض ابطال تورغينيف لا يجسّدون دائما الانسان الروسي.

تشيخوف وأستروفسكي

يقول الباحث، ان مسرحيات استروفسكي مثل حجر كبير وثقيل يسحبك نحو القعر ويهددك بالغرق، اما مسرحيات تشيخوف، فانها مثل طوق النجاة الذي يمسك بك ويبقيك على سطح الماء ولا يجعلك تغرق، على الرغم من ان مسرح تشيخوف بالاساس يعكس الحياة المملة والكئيبة، التي تخنق الروح الانسانية، ويختتم ملاحظته الطريفة هذه بالقول، ان تشيخوف هو لحد الان لغز فني – جمالي لم نكتشفه بعد.

هذا غيض من فيض كما يقولون، اذ هناك ملاحظات ذكية ورشيقة اخرى تتناول ادباء روس آخرين مثل غوغول وشولوخوف وبولغاكوف وغوركي وتسفيتايفا و.. و.. و..، واتمنى ان تسمح ظروفي بالعودة الى افكار هذا الباحث الانيق .

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

سلس نجيب ياسينالنجاح بمعناه الصافي والانساني العميق ليس سوى او عبارة عن قيام باعمال بسيطة وعميقة المعنى والهدف .قام بها وسيقوم بها كل الناس الايجابيين عبركافة الازمنة والعصور فهو بتلك البساطة والعفوية يبني لصاحبه ونفسه بعد زمن واصرار اعمال عظيمة تحسب له. وللنجاح ولصالح الانسانية والتاريخ بل وينال صاحبه اجرا عند الله عز وجل ان تقبل منه سبحانه ذلك

تذكر دائما ان الاحلام العظيمة تبنى من النفوس الصادقة والبيوت التي تعب اصحابها في وعلى بنائها لا اكثر. حلمك ليس سوى كتاب بصفحات انت اخترت كتابتها وقررت انهائها في الوقت والمكان المناسبين

 

بقلم الكاتب: سلس نجيب ياسين

 

مادونا عسكريسير العاشقون لله في خطّ متوازٍ مع العالم، وكأنّي بشعاعٍ ثابت يصل بينهم وبين قلب الله. فيمضون بثبات نحوه دون أن يشتّت العالم أذهانهم أو يشوّش أرواحهم ما ينمّي لديهم الذّكاء الإيمانيّ. والذّكاء الإيمانيّ هو استخدام كلّ الطّاقة الإنسانيّة الفكريّة والنّفسيّة والرّوحيّة في سبيل محبّة الله. وهو الوعي ومعرفة الذّات الحقيقيّة على ضوء الحبّ الإلهيّ. فينجذبون بشكل عجيب إلى هذا المتسامي ويغرقون في العشق حتّى الموت. يقول القدّيس أثناسيوس الرّسولي: "يجب أن لا نظنّ ونحن ننظر إلى العالم أنّنا قد تركنا شيئاً ذا أهمّيّة كبيرة، لأنّ كلّ الأرض تافهة جدّاً إذا قيست بكلّ السّماء". وفي هذه المقارنة يقين منكشف للقدّيس أثناسيوس دلّت عليه عبارة (كلّ السّماء). فلكي يقارن بين تفاهة العالم وقيمة السّماء فلا بدّ من أنّه واعٍ لهذه المعرفة ومتلمّساً لها بل ومعايناً إيّاها. ولا بدّ من أن هذه المعاينة اختبار روحيّ عميق يفضي إلى الولوج في قلب الحقيقة فينكشف للعاشق ما لا يُرى، أي كلّ ما لا يمكن للحسّ أن يدركه فتدركه الرّوح لشفافيّتها ونقائها. ما نفهمه من قول الحلّاج:

قلوب العاشقين لها عيون// ترى ما لا يراه النّاظرونا

وألسنة بأسرار تناجي// تغيب عن الكرام الكاتبينا

وأجنحة تطير بغير ريش// إلى ملكوت ربّ العالمينا

وترتع في رياض القدس طوراً// وتشرب من بحار العارفينا

عباد أخلصوا في السّرّ حتّى// دنوا منه وصاروا واصلينا

وهنا لسنا أمام رؤى وإنّما أمام تجلّ أي أنّ الله يظهر ذاته لأولئك الّذين يجاهدون مكرّسين حياتهم للحبّ الإلهيّ فقط. ولا ريب أنّهم يمرّون بمراحل عدّة وتدريجيّة تزيل عن إنسانيّتهم كلّ شائبة يمكن أن تكون حاجزاً بينهم وبين المحبوب الإلهيّ. فكأنّي بهم يتمخّضون بألم المجاهدة العشقيّة ليولدوا في قلب الحقيقة، قلب الله. إذ لا يمكن بلوغ هذه الرّتبة ما لم يخلع المُحبّ ذاته ليمتلئ من الله. ولمّا كان الكلام عن تجلٍّ فلا شكّ أنّ المحبّين كلّما تقدّموا ونموا في هذا العشق الإلهيّ خرجوا من العالم ليحيوا العالم المحتجب في داخلهم. لذلك يقول شمس الدّين التّبريزي: "لا أريد أن تكون حياتي طويلة، بل أن تكون عميقة. أن أمرّ أنا بالأيّام لا أن تمرّ هي بي". في هذه الحالة الحرّة، المسيطرة على الزّمان والمكان، المتفلّتة من كلّ قيد دنيويّ يتجلّى الله للإنسان ويكشف له عن ذاته. "فمحبّة الله حارّة بطبيعتها، فإذا انسكبت على إنسان بغزارة، جعلت نفسه فى حال انجذاب" (القدّيس إسحق السّريانيّ).

الانجذاب لقاء بالمحبوب الإلهيّ بالرّجاء وأمّا التّجلّي فلقاء الله بالإنسان بالحبّ. والموت فيه حياة والحياة فيه سعادة أبديّة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

تنتشر في السنوات الاخير، في الثقافة العربية داخل اسرائيل، ظاهرة ادبية لا أظن ان لها رديف في آداب اخرى، لا أقصد ابداع نوع ادبي جديد، انما اقصد ادباء بدأوا يمارسون ما يقع مجازا تحت صيغة الادب، بعد تفرغهم وخروجهم للتقاعد، وبالأساس تقاعدهم من سلك التعليم.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا تلقائيا: هل يفعلون ذلك كنوع من التسلية؟ هل صمتهم كان خوفا من فقدان وظائفهم؟ او تقدمهم في مراتب الوظائف، فزجروا شيطان الأدب في نفوسهم وربما اقتلعوه؟ وهل ما يطرحوه اليوم من شعارات قومية فضفاضة يعبر حقا عن مشاعرهم، أم هي صحوة متأخرة بعد ان استقر امن معيشتهم؟

انا لا اقرر بالحق الانساني المشروع بان يساهم المرء بالأبداع الادبي، او المشاركة بالحياة السياسية والاجتماعية، بأي جيل كان ومتى رأى في نفسه القدرة على العطاء، الأدب والحياة الثقافية ليست احتكارا على أحد، والمساهمة بالحياة السياسية لا يتطلب اذنا من أحد، واختيار الموقف القومي والفكر القومي او اي فكر آخر يساري او ديني هو اختيار حر، والجيل ولحظة القرار في المساهمة الثقافية او السياسية هي مسألة ذاتية تفرضها ظروف الانسان ومستوى وعيه وقدراته على العطاء والبذل.

المشكلة التي تطرحها هذه الظاهرة، ليست في اكتشاف البعض لمواهبهم في هذا الجيل المتأخر، ولكن من متابعتي لما ينشرونه من كتابات مختلفة، وفي ظل واقع ادبي مأزوم لأسباب عدة، لست الآن في باب طرحها، لم أجد اية موهبة تذكر، انما اعمال فجة، وكتابات ركيكة المضمون ومهتزة الفكر، بلا رؤية ثقافية واضحة، وبلا مضمون اجتماعي بسيط، وغني عن القول انها تفتقد للعناصر الجمالية البديهية التي يفترض ان تشملها الكتابات الأدبية، وتفتقد حتى للإنشاء البسيط ، الخطاب الأدبي شبه غائب ومن الصعب الاشارة الى الخطاب التاريخي ، الا اذا اعتبرنا التلويح بالشعارات القومية الجوفاء والمفردات التراثية او السياسية ابداع بحد ذاته . الذي اعنيه بوضوح أكبر، نفتقد في اعمال اصحابنا المتقاعدين للعناصر الأساسية في الأدب، ثرثرتهم وشعاراتهم القومية التي يحشون فيها كتاباتهم، في التلخيص الأخير هي بلا اي مضمون انساني وجمالي بسيط، والتفسير الوحيد لها انهم يريدون التعويض لأنفسهم عن فترة " الخوف السياسي "، الآن تقاعدوا وتلقوا تعويضاتهم وأصبحوا "أحرارا" في التعبير عن خلجات نفوسهم التي زجروها أثناء عملهم وزجروا طلابهم من اي تعبير عن مشاعرهم أو القيام بنشاطات يشتم منها رائحة الانتماء الوطني او الثقافي، رغم ان مساحة الحرية التي تتمتع فيها مدارسنا اليوم ، ومنذ عقدين على الاقل تفتح ابوابا واسعة للنشاطات السياسية والثقافية الوطنية داخل المدارس ، للأسف بعض "قوميي" اليوم ظلوا على خوفهم ومنعهم لأي نشاط توعيي ثقافي واليوم جاؤوا يتاجرون ببضاعتهم التي فات موعد تسويقها ،

لا اعتقد بان ادبنا ستزداد مكانته بمثل اولئك " الأدباء"، كانوا وسيبقون هامشيين، حتى لو بلغ صراخهم القومي في كتاباتهم التافهة اعلى مراتب الزعيق والصراخ، ليس بهذا الشكل نفهم الانتماء للأرض والوطن، وليس بهذا الشكل يبدع الأدب ، حتى لو اصبحت الصفحات "الأدبية " في صحافتنا المحلية المحروسة وقفا على ثرثرتهم العبقرية ، للأسف الصحافة اليوم تلعب دورا سلبيا في الحياة الثقافية للعرب في اسرائيل بشكل عام، حتى الصحف التي كان لها دورها الكبير في اعلاء شأن الأدب الفلسطيني للعرب في اسرائيل تتخلى عن طليعيتها ويفقد الأدب مكانته كسلاح ثقافي ساهم في صيانة وتقوية هويتنا الوطنية والثقافية ولغتنا، وصيانة ترابطنا الاجتماعي والسياسي، وهو موضوع يستحق وقفة خاصة .

بالطبع اصحابنا لا يكتبون فقط شعارات قومية، انما شعارات عشق ووله، بعد ان لم يعد ينفعهم عشقهم في الممارسة، تماما كما في السياسة.

المميز في هذه الظاهرة (غير الأدبية) هو كونها اضافة مقلقة للرداءة الأدبية، وتحويل الأبداع الأدبي الى ممارسات تسلية، ربما يعتقدون انهم يلحقون أنفسهم ويصطفون الى جانب شعبهم، لذلك صارت الشعارات القومية، شعرا ونثرا مميزا للتفاهات التي تتراكم تحت صيغة الادب أو السياسة، كما قلت صحافتنا المسكينة ملومة وتتحمل مسؤولية هذا الاسفاف وهذه الرداءة، ولكن هل توجد لدينا صحافة مسؤولة اليوم؟ وهل من صحيفة تعطي للمواد الأدبية حقها؟ ما ألاحظه هو السباق على نشر نصوص ركيكة، حتى في الصحف التي سمت محررا ادبيا لها، ام لم تفعل ذلك، الأمر سيان، اكتبوا ما تشاؤون، واياكم ان يكون مفهوما حتى لكم، وأنا اضمن ان تنشر تفاهاتكم، وأن "تشتهروا " بسرعة البرق وقد جربت ذلك بأسماء مستعارة وفي عدة صحف.

أما "الأدباء" بعد أن طيرت العشوش فراخها، فأنصحهم بالراحة، التي قضوا زهرة عمرهم تحت خيمتها، خوفا وانكفاء، سيظلون مجرد تافهين فيما ينشرون، فلم يبق من العمر قدر ما مضى، فهل يطمعون بتجديد شبابهم بعد ان اكتشفوا " فجأة" انهم أدباء؟

 

د. اديب مقدسي

 

سلس نجيب ياسينتوفير جو مناسب لتنشئة الطفل بطريقة سليمة امر مهم من اجل حصد ثمرة طيبة في المستقبل ويكون ذلك ايضا باجتماع عدة عوامل تصب في نفس الخانة ذلك انه من شان ملاحظة ورؤية بعض السلوكيات والتصرفات وغيرها من الصغر لدى الطفل امر جد مهم فما نتركه او ننظر اليه باستصغار يمكن ان يكبر وفي مراحل الكبر والنضج .

حيث وجب على الاباء ملاحظة وتمييز كل صغيرة وكبيرة عند الطفل فغالبا ما يكون لعدة سلوكيات تفسير وجب الاطلاع عليه على غرار شرود الذهن مثلا او العدوانيتة الزائدة او الخوف المفرط وتسلط الافكار ومن شان التعرف على هذه السلوكيات الغير طبيعية دافع لتحديد الخلل او الاشكال واستشارة المختصيين للاقبال والتمسك باحسن توجيه وارشاد او علاج متاح وكذا التنبئ بما قد يزعج مستقبلا لتفاديه

 

بقلم الكاتب : سلس نجيب ياسين

محمد صالح الجبوريفي مطلع السبعينات كنت إراسل الأصدقاء من مختلف أنحاء الوطن العربي والاذاعات، بواسطة الرسائل البريدية، وقبل فترة تعرفت على صديق في الفيس بوك اسمه (علي الصوفي)، وتذكرت هذا الاسم انه كان يذاع اسمه من الاذاعات، وعندما سألته أجابني نعم انه من جلولاء كان يراسل الإذاعات، وكذلك عن طريق الفيس بوك تعرفت على أصدقائي في القسم العربي هيئة الإذاعة البريطانية، واصدقاء المهنة، وهذه من نعم الفيس بوك، إنك تعرفت على اصدقاء في كل مكان ومن مختلف الاختصاصات، خدمة مجانية راقية فيها فؤائد كثيرة، وتختصر لك المسافات، أما الأشياء السلبيه فهناك صداقات ضارة، وتواصل غير محمود، وأفكار لا تتناسب مع افكارنا، وأشياء كثيرة جراء الاستخدام غير الصحيح، الفيس بوك فيه إيجابيات كثيرة وسلبيات كثيرة، ومن هذه السلبيات هي صداقات بأسماء وهمية، غير معروفة، واستخدام هذه الأسماء التهديد والابتزاز، وينبغي أن يكون التعليق بأسلوب جيد، بعيدا عن السب والشتم والقذف والتهديد، وأن تحترم القوانين والاخلاقيات، واحترام الرأي الاخر، واعتماد المعلومات الصحيحة، والتعامل مع الاخر باحترام وأسلوب راقي، والإنسان الواعي يميز بين المفيد والضار، وهو يدرك أهمية الفيس بوك إذ استخدم ضمن المعقول، وتمت مراعاة الأخلاقيات، والاسس الصحيحة في الحصول على المعلومة والفائدة، وتجنب الأشياء الضارة، ومن السلبيات كثرت الانقطاعات، وعدم إلزام شركات الاتصال بالاتفاقيات الموقعة عليها، والمواطن هو المتضرر دائما والله في عون المواطن.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - العراق

 

 

سلس نجيب ياسينالنجاح يتطلب جد وتضحية او لنقل اصرارا وعمل اكبر ومن خلاله يجب ان يستخدم الانسان عقله وتفكيره في كل ما يفيد نجاح العملية واستمرارها .ويكون هذا بدراسة النقطة التي يقف فيها الانسان جيدا وماهي النقاط التي يريد الوصول اليها على المدى المتوسط و البعيد ومن تم يستطيع ايجاد لنفسه مساحة عمل والتحرك ولو في جانبها الضيق بداية والذي سرعان ما سيكبر مستقبلا مع اتساع رقعة التقدم و تحقيق الاهداف وتكون هذه العملية عبارة عن ربح مجموعة من العلاقات و ادراك كمية من المعلومات واتمام مجموعة اعمال كما اشرنا و تحقيق خطوات اكثر من التقدم والنجاح

 

بقلم الكاتب : سلس نجيب ياسين

206 عادل سالميإلى الصديق الدكتور "عادل سالمي"

إلى هذا الذي كان، ولا يزال واقفاً ضدّ ثقافة الـخراب، ضدّ انكماش العقل، ضدّ رسوب الفكر وكساد الأفكار.

وفجأة صمت رقم يـختلف عن باقي الأرقام، وسكت عن الـحركة والرنين هذه الأيام. لملمت أشلاء غربتي وانتظاري لأتوغل في غابات الذاكرة المتماوجة بالأحداث والتواريـخ، والمزدحمة بالصفحات والفصول، واختبأت تـحت زخّات المفردات والحروف المتساقطة كاللظى كاللهيب وكالقدر المحتوم، لأقلّب بعض السطور من عمر لوّنته أحزان المساءات وطبعته أوراق ودفاتر ومسافات، وكـحّلته شقاوة الحروف والتعابير والكلمات، وأثـخنته كتابة جريـحة على أرصفة الشارع العربي المحموم بالتيه والتشطر والفرقة والتقاتل والضياع.

تأملت هذا الرقم الصامت الذي انقطع عن الرنين والنطق والكلام طيلة هذه الأيام، فبان لي بارزاً اسـم صاحبه الصديق "عادل سالمي" فوددت هنا أن أترجم مسافة ما بين غربتين ورسم بعض الوخزات..

الكتابة حركة وعي ضد الجمود والسبات

أعذرني يا صديقي هنا إن كان قلمي كما كل الأوقات، ثائرا ضدّ واقع التحنط العربي وضدّ الرداءة وقبح الأوضاع، ذلك لأن الكتابة في رأيي هي عملية استشهاد على الأوراق، وليست نزهة تـحت ضوء القمر أو استجماما في الشواطئ والرمال.

وأعذرني يا صديقي مرّة أخرى في القول لأقول أن غيابك هذا وإن كان لبضعة أيام إلا أنه أعاد لي جراحات المنفى، ووجدت نفسي متسكعاً بين شوارع المفردات، لأترجم بعضاً من تأوهات الحروف وأنين الكلمات، وأستحضر ذلك اليوم الممطر في باريس، هذه المدينة التي تـختزن بعضاً من صفحات تاريـخنا المشترك، وحلمنا المشترك، ووجعنا المشترك، وفرحنا المشترك.

صداقة لا تسقط بالتقادم

يستيقظ في ذاك اليوم يا صديقي الذي انطلقت فيه صداقتنا، كان ذلك شتاء 93، حين التقينا على إثر زيارتك لمقر جريدة "المتوسط" حيث كنت أنا أشتغل فيها صحفيا هناك، وكنت أنت تدرس بالمعهد العالي للعلوم الاجتماعية بباريس مرحلة ثالثة علم اجتماع.

ابتدأ لقاءنا يا صديقي بالحديث عن البلد الجريـح، عن المـحنة، عن طوابير الغرباء، عن اللاجئين والمنفيين الفارّين من وطن السعير والطغيان، عن الاستبداد العربي في كل البلدان، عن المنطق المعزول من القيم، عن ثقافة الخراب التي طعنت الطبيعة والأرض والإنسان، عن المحترفين في تدمير شعوبـهم بالوراثة، عن تقاطعات السياسة والثقافة والصحافة، عن الـهزائم العربية، عن كتابة تنهي رأس المال عن الكلمة وغيرها من المواضيع المتناسلة في العمق والكيان، والمعتملة في الفكر والوجدان.

ليكون لقاءنا ذاك إيذاناً بانطلاق صداقة عنوانها ودّ واحترام وصفاء. وتتالت بيننا المواعيد واللقاءات، لتترعرع صداقتنا وتصبح مرفرفة مع تراصف الأيام والشهور والسنوات، والتي لم تسقط بالتقادم ولم تنكمش مع تدحرج الأعوام وخسوف الأعمار.

اعتقال في حق المعرفة والبيان

وتعود بي الذاكرة يا صديقي إلى الوراء لأستعيد وجع اعتقالك مباشرة إثر حلولك بالمطار، كان ذلك سنة 94 في شهر جوان.. لما عدت إلى تونس وطنك بلد الأجداد والآباء، عدت مبعوثاً من طرف مركز علمي فرنسي للأبحاث. للقيام ببحث حول سياسات واقتصاد التربة والغابات، وعلاقة الإنسان بالطبيعة بالمحيط بالمناخ، وشراكته مع الكائنات الحيّة التي تقاسمه مصير الحاضر والمستقبل والآت.

لم تكن يا صديقي يوم عودتك إلى وطنك بلد الطفولة والصبا والشباب، تـحمل مسدّساً ولا رشاشا ولا خراطيش ولا ممنوعات. كنت فقط تـحمل جهاز حاسوب يـختزن علما ومعرفة وأبـحاث، وعقلاً مستنيراً منحازا للمعرفة والعلم والإبداع، وفكراً مستقلاً لم ينخرط في أيّ حزب من الأحزاب، وروحا متعففة عن صغائر الأشياء، ومتسامية عن مستنقعات السقوط والانـحدار.

وبدل يا صديقي أن تستقبل بالحفاوة والتقدير والترحاب، لأنك سوف تساهم من خلال بـحثك في التنمية والبناء والإعمار. حوّلوك مباشرة من المطار إلى وزارة الداخلية للتحقيق والاستجواب، حيث انهالوا عليك بالتهم الباطلة والجاهزة دون حياء. وقد نهشوا جسدك بالعصي والسياط، ليُزجّ بك في زنزانات السعير والعذاب. ثم يسلط عليك حكما بأربع سنوات وشهرين مع التطبيق والنفاذ…

وجعي إنتاج وطني

تلقيت يا صديقي نبأ اعتقالك فكان وجعي إنتاجا وطنيا، مصبوغاً بلون الغضب والتأذّي من وضاعة دول لا تنتج سوى القبح والطغيان.

وظللت يا صديقي أثناء وجودك رهن الاعتقال أقتنص وأتصيّد الأخبار حول تطورات وضعك وأحوالك وراء القضبان، مساهماً مع بعض الأحرار في التعبير عن مساندتك عبر جملة من التحركات. من أجل الضغط على دولة العصيّ والسلاسل والحبال، لتصبح قضيتك قضية رأي عام، تداولتها الصحافة العالمية وتبنتها منظمات حقوق الإنسان...

ومع مرور الأيام يا صديقي بات اعتقالك جرماً في حق العلم والبحث والبيان. كما انـخرط أساتذتك وزملاؤك في معركة تـحريرك من محنتك التي صارت عنوان بلد لا يحترم أبسط حقوق الإنسان. لتتكوّن على إثر إيقافك هيئة مساندة من الأساتذة والباحثين في المعهد التي كنت تدرس فيه هنا، يترأسها "Pierre Bourdieu" عالم الاجتماع. لقد ذهبت هذه اللجنة مرتين للاحتجاج لدى سفيري تونس في فرنسا "عبد الحميد الشيخ" ومن بعده "منجي بوسنينة"، من أجل رفض هذه المظلمة وهذا القرار. كما تدخلت لأجلك لدى السلطات الفرنسية والنرويجية في أعلى مستوى. وقامت بإرسال أكثر من 200 رسالة مساندة وتعبيرا عن الغضب والاحتجاج، موجهة مباشرة للرئيس الفار "بن علي" رمز القهر والاستبداد، للمطالبة بإطلاق سراحك وتحريرك من وراء القضبان.

كما تبنت يا صديقي قضيتك "منظمة العفو الدولية" عبر إصدار العديد من التقارير والبيانات. ما زاد من إزعاج وإحراج النظام...

رسائل موقوتة

ولأنك يا صديقي ذاك المثقف الذي لا يستكين للقدرية ولا يروم الاستسلام. فقد استطعت في سجنك رغم واقع السجن والحصار، ورغم كل أنواع المراقبة والعزل والتفتيش وانتباه السجّان، أن تبتكر شكلاً متفرّداً في المقاومة والنضال. لتهرِّب رسائل مكتوبة بالعربية والفرنسية على أوراق علب السجائر وعلى بعض قطع من القماش. فكانت رسائل مضمونة الوصول، رسائل دوّنت أدق تفاصيل السجن والجلاد، ومعاناة المعتقلين في العزل وأوضاع السجناء، رسائل مضمونها استثناء، مـحتواها استثناء، وتعابيرها استثناء...

رسائل تترجم درجة الحرارة في أجساد المظلومين والمقهورين خلف الجدران، تحمل بين ضلوعها تفاصيل مجتمعاً مخفياً عن الأنظار، رسائل تصوّر محميات بشرية تسيّجها جدران عازلة وأسلاك، وتخفيها قلاع حجرية موصدة في وجه الجمهور، يدير فيها العنف شكل الحوار، لتكون هذه الرسائل نوعاً من كتابة أخرى تأخذ شكل الكلمة المسافرة للآخرين، وتستعير لون الحرية وطعم الحلم الذي يتحدى التجمّد والتعتيم والإحباط...

مواطن في مرتبة الثوار

كما لا أنسى يا صديقي هنا أن أذكر، وأتذكر "المرحوم عمي معمر"، أبوك ذاك المواطن الذي ينتمي إلى فصيلة الرجال الأحرار. فقد تحدّى حواجز الصمت وقوانين الحصار، ليعرّف بحجم المظلمة المسلطة عليك ويعرّي تهم الباطل والجور والافتراء، وليوزع رسائلك المهرّبة على أساتذتك ومنظمة العفو الدولية والعديد من الفعاليات... فكان برتبة الرجال الثوار، ممّا جعله عرضة للتحقيق والإيقاف، وليسحب منه جواز سفره كشكل من أشكال المحاصرة والانتقام، ومع ذلك واصل التحرّك ولم ينحن لقوانين الظلام. والدك الذي لم يرم الصمت والسكات، وطالب باسترجاع حاسوبك المحمول المتضمّن لأطروحة الدكتوراه والتي كانت بصدد الانجاز، حاسوبك المحجوز هو الآخر مثلك من طرف وزارة الداخلية فرقة التفتيش والأبحاث. وقد تمكن أبوك بعد عدّة شكاوى والكثير من الاحتجاجات، من استعادته ولكنه كان مهشّما ولم تتمكّن من إنقاذ ما كان عليه من ملفات وأبحاث.

روائح الأحلام المبتورة

وتمرّ يا صديقي الشهور وتتناطح الأيام، وتبقى سنتين ونصف محجوزا في سجون الغبن والظلام، ليفرج عنك نتيجة الضغط الدولي ومؤازرة الإعلام، لتعود من جديد إلى باريس ونلتقي هنا، لتروي لي تفاصيل المظلمة والشهور العجاف، ومعاركك ضدّ تعليب لحم الإنسان، لتحكي لي عن دولة الفساد والاستبداد، وعن المناضلين المقاولين في روابط حقوقية وإنسانية حوّلوها إلى جمعيات للارتزاق، وجعلوها وكالات للأسفار، وهي لا تتحرّك ولا تدافع إلا عن حفنة مشبوهة من أصدقائهم ممن يقاسموهم نفس الانتماء، وعن تفشّي مظاهر الوشاية والجهل والفساد، عن أوضاع ومعاناة المساجين السياسيين وروح التشفي والانتقام، عن تعب الأهالي، عن روائح الأحلام المبتورة وغيرها من هموم وطن القمع ولحصار...

حين تضيق البلاد

ومن المفارقات يا صديقي أنه بعد إطلاق سراحك شرطيا وتسليمك الجواز، ظللت في تونس أشهرا هناك، تخضع لمعاناة المراقبة الإدارية اليومية والإمضاء، من طرف مركز حرس الإقامة والمكان. والخضوع إلى مراقبة إدارية أخرى أسبوعية، لدى وزارة الداخلية فرقة سلامة أمن الدولة "كتيبة الاستعلامات"، للتوقيع في الصباح وبعد الزوال. وتتابعك أينما كنت سيارة البوليس السياسي تحصي عليك الحركة والأنفاس، حتى أصبحت تشكل عبئاً عليهم وهاجساً مادياً يكلفهم الكثير من الأموال، تتوزّع بين مصاريف الوقود وتكلفة الحراسة وتفرّغ الأعوان، ممّا جعلهم يدفعونك إلى الإسراع لمغادرة البلاد، للتخلص من هذا الحمل الثقيل ومن مواطن بات ترحيله وتهجيره يعتبر تنمية وإنجاز، حسب منطق سلطة الهتاف والفراغ. وبعد رجوعك إلى فرنسا تعرّضت من جديد إلى الضغط والكثير من التضييقات، كي لا تروي شهادتك لتجد حالك من جديد تحت الحصار. لقد رفضت قنصلية تونس بباريس تجديد الجواز، ممّا اضطرك لمواجهة العديد من الصعوبات، تتعلق بتجديد إقامتك في فرنسا والاستقرار…وهي أسبابا دفعتك إلى عدم العودة إلى تونس إلا بعد انهيار النظام.

ربيع يعاني موجات التجمّد والصقيع

عدت يا صديقي إلى هنا بعد هذه المحنة وبعد هذه الشهور الجدباء، لتكمل المشوار وتواصل الدراسة وتتحصل على شهادة الدكتوراه بملاحظة مشرف جداً وتهنئة اللجنة والتوصية بالنشر لبحثك، لتلتحق وتوظف بأرقى المعاهد في المعرفة والأبحاث، فأنت اليوم باحث علمي أول ودائم بالمعهد الوطني الفرنسي للأبحاث الزراعية، وباحث متعاون بمعهد فرنسا ﴿1﴾. ولتنشر كتباً ومقالات علمية متخصصة لها حضور وإشعاع...

وتتواصل بيننا يا صديقي جسور اللقاء والالتقاء، وتظل صداقتنا لا تعترف بالسقوط في مستنقعات النفعية والانتفاع. ويبقى الهاتف النقال مفتوحاً بيننا لنتبادل النقاش والتحاليل والنقد والتقييم والاستشراف، نشترك معا في تخصيب المواقف والآراء، ولم تنقطع بيننا المكالمات واللقاءات منذ سنوات القهر والقحط والسعير، إلى زمن الحلم الجميل، زمن ربيع الوطن الذي لم يتخلص بعد من أوراق الخريف، والذي ما يزال يعاني من موجات البرد والتجمّد والصقيع، وتكون لقاءاتنا وحواراتنا حركة مستمرّة في سكون اللغة، وفي سكون الكتب، وفي سكون العلاقات التاريخية بين الأشياء.

عندما تنتعش عصور الانحطاط

هذه يا صديقي بعض الشذرات، أو بعض الممرّات أو بعض النوافذ التي تخزِّن في طريقها الكثير من الأحداث، والعديد من الفواصل والومضات، التي لم تختزلها الأعوام ولا المسافات، وأظنك يا صديقي في الأخير تشاطرني الرأي، لأختصر واقع التثاؤب والسهاد لأقول:

إن عصور الانحطاط تتغذى وتنتعش عندما تمنع أمة من استعمال منطق العقل والحجة والبيان، ومتى تصادر فيها حرية الحركة والأبداع، وحين تغتال فيها روح المبادرة والخلق والابتكار، ولمّا تشطب فيها إمكانيات الخلق والإبداع.

 

الطاهر العبيدي

صحفي وكاتب تونسي مقيم في باريس

..........................

﴿1﴾ مستشار سابق (2012-2015) لدى رئيس الجمهورية التونسية مكلّف بمتابعة رسم وتقييم السياسات المنتهجة في القطاع العمومي والخاص واستراتيجيات التعاون الدولي في مجالات الأمن الغذائي والإنتاج الفلاحي والبيئة والموارد الطبيعية والطاقة.

 

 

شاكر فريد حسنسعادةُ روحِك في الشعرِ حبُّ

وأنتِ على عرش شعريَ ربُّ

أحبّك حتى الهيام وروحي

تحلّق في الناصريّة تصبو

فلا بأسَ إنْ كنتِ أكبرَ حبّاً

فعشقي جريحٌ وهمسُكِ عذبُ

عيونُكِ سحرٌ يروّي حنيني

وخدّاكِ زهرٌ وثغرُك صبُّ

تساقينَ روحي هواكِ فتصفو

أحاسيسُ قلبك يزهر قلبُ

ليتني بالقُرب أنعم في الهوى

ليت بعدي والتنائي عنكِ قربُ

نرتوي عشقاً ونحلمُ كلّما

رفرفَ الغصنُ وجاد الروحَ سكب

شدني وجذبني هذا النص الشعري العذب الخلاب للشاعرة والكاتبة والاعلامية العراقية الناشطة في مجال حقوق الانسان، هدى الجاسم، بنت سومر الساجدة في محراب عشقها، المولودة من رحم القلم والكتابة، الغافية على عذب الفرات، ومن نبض دجلة تومض أفلاكها، السائحة في معالم الحضارات، والراقصة على ضفاف الرافدين.

هدى الجاسم شاعرة مبدعة وقديرة تجيد الاندماج الكلي في الخيال الشعري، واصطياد الكلمات، تخبز الشعر وتوزعه على العشاق والمعذبين والجائعين الى الحب والعشق والحرية. كلماتها تتسرب كالماء، وتقنع الجميع بضرورة الشعر، كما الضوء والهواء، ونصوصها متماسكة البيان ذات هيكلية هندسية بنائية أنيقة، تدعمها ببلاغة وصفية لافتة.

هدى الجاسم امرأة وشاعرة مسكونة بالحب وعشق الوطن العراقي، بلد الحضارات العريق، وبلد الرافدين والنخيل، تتفجر أحاسيسها ومشاعرها بكل شفافية وعفوية وبساطة وهي غاية الشعر.

ما يميزها التكثيف والايجاز، والوحدة العضوية للقصيدة، وبوحها هو بوح وجداني شعري سهل ممتنع شفاف وصادق يعطي بعدًا جماليًا للقصيدة.

أما لغتها فهي لغة جميلة، ذات طابع خاص بالصور والمعاني والتشابيه والتراكيب والمفردات والاستعارات، ومضامين رؤاها الشعرية تتتناغم بين الحلم والواقع، والامل والحب والحزن، وتحاكي الوطن والانسان.

وفي كتاباتها الشعرية نشتم رائحة ثورتها وتمردها وغضبها على التقاليد الاجتماعية البالية التي تحد من حرية المراة وتقيدها، ونلمس حبها وعشقها وجيشان عواطفها، فهي تكتب ما تحس به من مشاعر وأحاسيس نابضة، وما يهمها أن تكون راضية عما تكتب باسلوب جميل في التعبير والبوح.

هدى الجاسم شاعرة أنيقة الحرف، شفافة اللفظ، وفي غاية الروعة والجمال، تمتلك موهبة وخيالًا واسعًا، وحرفيًا مفرداتيًا ولغويًا ومعرفيًا، وتبهرنا وتهزنًا بنفحات نسمات عطرها في شعرها.

وفي الاجمال، قصائد هدى الجاسم منسابة بعذوبة الشعر ورهافة اللفظ وحلاوة المعاني ورقي التعبير، والبعد عن التعقيد والتقعر اللغوي.

فلهدى الجاسم أعطر التحيات وأطيب الأمنيات، ومزيدًا من التألق والشهرة والعطاء والابداع الراقي.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

سلس نجيب ياسيناذا ما ربطنا الانسانية بالحركة واذا ما قلنا ان الحركة تكون بدافع الرغبة فا ننا حتما سنقول ان للانسان اهدافا وطموحات يحب او يريد تحقيقها . وسيكون ذلك طبعا باتباع استراتيجيات يدرسها ويخططها ويحاول تطبيقها واحيانا او غالبا لا تكون ناجعة للوصول لما يريد خصوصا للمرة الاولى. وهنا وجب تغيير الطريقة واعادة دراسة مكامن دخول الهدف او تغيير الخطة مثلا بدلا من تغيير كل الا عبيين والمدرب والملعب بل سيكفي تحديد الخلل وتصحيحه للمضي قدما فان كنت موظفا في شركة مثلا وتحب الترقي في المنصب فيكفي التركيز على افضل طرق الوصول للهدف بدلا من التفكيرفي المغادرة النهائية او تغيير ما لا يمكن تغييره . وهذا على سبيل المثال لا الحصر .

ربط نفسك وتعلقك باهدافك سيجعل منك لا عبا يسجل من كل الاماكن والوضعيات طالما لا زلت مؤمنا بالتعلم والتدرب ملتزما بالتحقيق وتطوير ذلك متاكد ان المبارة تلعب حتى صافرة النهاية

 

بقلم الكاتب : سلس نجيب ياسين

 

 

وديع سعادةبمناسبة ميلاده السبعين، نتساءل كمنتدى حوار، كيف احتفلت الجالية اللبنانية والعربية، بوجود وديع سعادة بيننا؟ الشاعر الذي ترك بصماته الخاصّة على الشعر العربي الحديث، والذي بنى عمارته الشعرية على طريقته التي تأثَّر بها شعراء كثيرون مجايلون ولاحقون. وديع الشاعر الذي اعترف بابداعه الشعري المتذوِّق العربي أينما كان، والذي وصل شعره الى لغات عالمية كثيرة. كيف استقبلت الجالية عيد ميلاده السبعين؟

ثلاثون سنة قضاها وديع في استراليا لم تستطع أن تعيد له "النظرة التي تركها أمام الباب". ولم تستطع أن تعوِّضه بنظرة بديلة. كل واحد منّا ترك نظرته أمام بابه يا وديع ورحل. ترك ذكرياته وأيام طفولته التي كبرت "مع التراب والشجر والزهر والعصافير". ثلاثون سنة وهو يحاول "وصل ضفَّتَين بصوت". وبقي الحاجز بين الضفتين كبيراً رغم الاصوات الكثيرة التي حاكها جسور تواصل. ثلاثون سنة ووديع يتساءل: "هذه العاصفة في الرأس كيف لا تحرّك غصناً؟" ولماذا لا تمطر وفي "عيونه غيوم؟". أنت عوَّدتنا على الحلم الوهم. وسنحلم بالغصون المتحركة و بالمطر. ثلاثون سنة وبقي "مثل شجرة هرمة اقتلعت من تربتها وغُرِست في تربة غريبة". ليس المنفى وحده هو التربة الغريبة. "فكل الامكنة صارت تقريباً منفى". ولماذا الـ "تقريباً" يا صديقنا؟ ورغم ذلك تجد الشاعر يتمسَّك "بوهم السعادة، بوهم الانسانية الحقة، بوهم الحق، بوهم السلام، بوهم الحياة الجميلة". فخطورة الشعر عند وديع "هي القدرة على الخلق، ولو بالوهم".

وديع الشاعر يتعاطف مع "صوت الجرح الذي هو الصوت الانساني بامتياز". وما معنى أن يكون الشاعر شاعراً "إذا لم يقاوم اللاإنسانية؟" والشعر عنده "هو تمرد على كل ما هو نقيض الانسانية". وهو صدق مع الذات والآخر. "ليس صادقاً من يكتب عن المحبة وفي قلبه حقد وبغض. ومن يكتب عن السلام وفي داخله أعداء". والشعر عنده هو الحياة. فالشعر ليس "مجرد كلمات. انه أولا حياة". ووديع عاش شعره وكتب بعض حياته. ولا زالت الطريق طويلة. يمكن لقارئ شعره أو لمن يستمع اليه ان يتمتع بالقراءة أو بالاستماع عكس العديد من الشعراء الذين يتطلب شعرهم قارئا أو مستمعا متخصصا في فكِّ الطلاسم. أضف الى أن شعر وديع يمزج بين الكتابة الفكرية والكتابة الشعرية دون التضحية بأحداهما. وأخيراً وديع يقول ما يفعل ويفعل ما يقول عكس غالبية الكتّاب والمثقفين في لبنان والعالم العربي.

سبعون سنة، ثلاثون منها في استراليا، انتقل وديع من الطباعة بالكتابة اليدوية، والتوزيع باليد على أرصفة بيروت، الى النشر الالكتروني مروراً بدور النشر التي لم يربح منها "فلساً واحداً". لكنه ربح المكانة المميزة في عالم النص الشعري الحديث. ورغم عمله، لسنوات طويلة، في صحافة بيروت ولندن وباريس وأثينا وسدني، لم نجد لميلاده السبعين صدى يذكِّر القراء بمن أثَّرَ في جيله من الشعراء وفي ما بعد جيله. لماذا؟ ألِأنهم يتساقطون؟ : "يتساقطون بأوطانهم التي صارت وهماً، وبانتماءاتهم التي صارت كذباً".

فكَّرنا في منتدى الحوار، رغم حداثة عهدنا على الساحة الاسترالية، باقامة مناسبة تكريمية لوديع. فردعنا أمران: الاول ان مناسبات التكريم في جاليتنا وصل الكثير منها الى حدّ المهزلة. والثاني وديع نفسه، دون أن نفاتحه بالموضوع، بعد أن قرأنا رأياً له يقول: "لم أتعاطف يوماً مع شعر التمجيد والرثاء والمديح والهجاء". ومناسبات التكريم في جاليتنا أصبحت بمعظمها تمجيداً ومديحاً وهجاء ورثاء يرثى له. فارتدعنا. لكننا رفضنا أن تمر المناسبة دون أن نقول له شكراً على كتاباته. لذلك نقولها علناً شكراً يا وديع على وجودك بيننا. وشكراً على شعرك الانسانيّ بامتياز.

وديع لم يتوقع تكريما من " الوجهاء" إذ أن وداعته لا تلتقي و "وجاهتهم"، ولا من أرباب الأعمال المشغولين دائماً بأعمالهم ، ولا تعنيهم في الغالب أعمال ال "وديع". فبينه وبين الانانيات والطوائفيات والقبليات والحزبيات الضيقة وديان ووهاد، وإلهه وإلهها لا يلتقيان. أما عن الصحافة والإعلام، فربما في القلب غصَّة.

هل توقع تكريما منا؟ لا نعتقد. لكن من الأن فصاعدا كل من استحق تكريما ولم يجده عليه ألا يتفاجأ إذا وقفنا له بالمرصاد.

"العابرون سريعاً جميلون. لا يتركون ثقل ظل. ربما غباراً قليلاً، سرعان ما يختفي". وعبورك في شعرنا العربي الحديث، وفي حياة جاليتنا، جميل جميل. ترك و سيترك ظلالاً ربيعية متجددة دائماً ولن تختفي.

 

منتدى الحوار – سدني