سعد جرجيس سعيدالجبلُ والخوف والليل، ومحاولةُ انتزاع الحياة، محاولة بلوغ شاطيء للنجاة، وحمرين في تلك الليلة صامت لا صوت له إلا أصوات الخوف، ليس جبلا حسب مقاييس الجغرافيين، ولكنَّ الناس يسمونها جبال حمرين، ربما الرهبة الكائنة فيها تجعلها أكبرَ مما يجب، ينسى الهاربون إلى حمرين أصوات الذئاب حين تعلن القلوب أنها وجلةٌ، حين يزيد نبض القلوب على ما ألفته من قبل.

عائلةٌ بأبويها وأطفالها ونسائها وشبابها وأحلامها وطموحها ورجائها وخوفها تحاول اجتياز جبل حمرين في تلك الظلماء هربا من الدواعش، هربا من الحياة بجوارهم، أو تحت سلطتهم، آواهم الليل إلى حمرين، فلا مهرب من أعين الدواعش إلا حمرين والليل، فالدواعش يُمْسكون الدروب المطمئنة، ويمسكون النهار، فلا سبيل للهرب إلا سبيل حمرين والليل.

حمرين أيها الجبل الكبير، أيها الخوف الذي لا نهاية له، أيها الوجل الذي لا ينتهي حتى تنتهي الأرض التي يحكمها الدواعش، كانت تلك العائلة يشد بعضها إزر بعض، ويُطمئِن بعضها بعضا حينا، وحينا يلبس بعضُها بعضا رداء الخوف، لأن الهلاك من أمامهم والدواعش من ورائهم، نساء يحيط بهن الليل من كل مكان، وأطفال يحاصرهم الجبل من كل الجهات، ورجال رأوا طريق النجاة أطولَ من طريق الجبل الطويل، يمشون والجبل والخوف والليل معهم، وأصوات الدراجات النارية للدواعش كل حين تتسلل إلى ما بقي من مساحة من سلام في حيواتهم، العطش بدأ يتسلل إلى حناجرهم، الماء الذي بين أيديهم يوشك على النفاد، صدور صغيرة تتلقى آخر ما بقي من قطرات الماء، يمشون، وطريق الجبل موحشٌ أمام عيون لم تر هذا الخوف من قبل، الخوف من أصوات الذئاب، وأصوات دراجات الدواعش يخف شيئا فشيئا حين يبدأ هجوم العطش، فحين يتسلط عليك العطش تنسى ما دونه، لا تفكر حينها إلا بالماء، أيدٍ كبيرة تمسك بأيد صغيرة، وأيد صغيرة تتشبث بأذيال عليها غبارُ السفر، كلما أسرعوا في السير أسرع العطش إلى صدورهم.

- أمي عطشان، أريد ماي.

كلمات تحمل ظمأ الأرض كله يلقيها طفل لم يبلغ السادسة، لا يكاد يخرجها، فالعطش يعقد شفتيه، (أمي عطشان، أريد ماي) أهون ما يمكن أن يطلبه طفلٌ من أمه، وأصعب ما يمكن أن تقدمه أمٌّ في هذا الجبل الذي يبكي لظمأ الناس، يجلس الطفل الحزين على صعيد الجبل، لا يستطيع السير، تحتضنه أمه لعلها تنأى به عن جبل الظمأ، عن ليل العطش الذي لا ينتهي.

العطش يستولي على الجميع، لا مهرب منه، يجلس الصغار، الصدور الطرية أسرع إلى الذبول، والقلوب الصغيرة يأتيها الجفاف قبل غيرها، يحملونهم  لمسافة ما، يجرونهم، ينسون أن الدماء تقطر من أقدامهم، صخور الجبل لم تعد تؤلم أقدام الأطفال، فالعطش هو الألم الوحيد الذي يفرض سلطانه على تلك الأجساد.

على صعيد الجبل يجلس الجميع، لم يعودوا يستطيعون السير، تغيب أصوات الدراجات النارية وأصوات الذئاب، يغيب الصباح بعيدا بعيدا، تظل العيون الخافتة تنظر إلى السماء حينا، وإلى الوجوه الظامئة حينا، العطش يطبق على الأفواه جميعها، فلا تستطيعون أن يقولوا كلمات النهاية، تقولها عيون ذابلة، وقلوب تنبض نبضا هادئا حزينا، قلوب تدري أنها ستسكت بعد قليل، فتعلن في ذلك الليل أنها هادئة مطمئنة، عائلة آواها الليل والخوف إلى الموت، فماتوا جميعا، مثل أي عائلة أخرى يدعوها الليل إلى السمر فيتسامرون ويضحكون جميعا.

أم تحتضن طفلها، تمنحه سلاما دافئا، تحتضنه بحنان يذهب عنه ظمأ الحياة كله، وطفلة تلتجيء إلى صدر أبيها تنظر إليه، وكأنها تعاتبه، أب يعجز عن قدح ماء، يتكور على جسدها الصغير، يريد أن يحميها بعد سكوت قلبها وقلبه، يريد أن يحجب عنها لفحة الشمس، وهواجر حمرين، على صعيد جبل حمرين انضم بعضهم إلى بعض، وكأنهم يتسامرون، ماذا كان يا ترى آخر كلام للقلوب، وآخر حديث للعيون، من يا ترى مات أولا ومن مات آخرا، هل الوجوه التي عليها بقايا الدموع ماتت آخرا فبكت على الأموات، أم هي ماتت أولا فبكت على الأحياء، وهل الطفل وهو يتشبث بحضن أمه مات قبلها، أم هي التي ماتت قبله فلجأ إلى حضنها لأنه يدري أن هذا المكان هو الذي سقاه أول مرة، وأن الحنان لا ينضب من هذا الحضن حتى وإن فراقته الحياة.

حمرين يمنح مناكبه لشروق الشمس، يفرش صخوره وترابه لاستقبال ضيائها، تشرق الشمس، فترسل ضياءها من بعيد لتلك الوجوه الظمأى، يجفل ضياء الشمس من بكاء حمرين، حمرين ليس بخيلا، ولكن لا ماء لديه، حمرين جبل للحب والحياة، ولكن خطى الدواعش نشرت الخوف على أرجائه جميعها، حمرين ملاذ للخائفين، ولكن الدواعش خطفوا منه أمانه جميعا.

حمرين يظل هو الشاهدَ الوحيد لرحيل عائلة كاملة في ليلة من لياليه التي ستظل تحتفظها ذاكرته.

 

سَعْد جَرْجِيْس سَعِيْد - شاعر وأكاديمي / العراق

4-10-2015 الشرقاط.

 

يلجا الطفل للكذب للهروب من حالة ما تودي به الى العقاب، ولكي  يفلت من العقاب فانه يلجا للكذب عن طريق اطلاق العنان لمخيلته لتاليف قصة ما تنجيه من التعنيف..

وللكذب عدة اسباب منها ماذكرته ومنها لسد نقصٍ ما عن طريق التظاهر بالقوة ،ومنها لجذب الانتباه عن طريق التظاهر بانه قام بعمل بطولي ليسمع عبارات الثناء والاعجاب ،ومهما تعددت اسباب الكذب فانه يبقى سلوك مرضي لابد من الوقاية منه وعلاجه من الجذور..

ان التعامل مع الطفل على اساس الثقة يعني ان اجعل له مساحة تؤهله ليكون معتمدا عليه من خلال تصديق مايقوله جيدا كان ام سيئا لاجعله يلجا الي في حال قيامه باي خطا لاستطيع ان اساعده بعيدا عن العنف واتهامه بالكذب..

يجب ان اجعل مصداقية بيني وبينه وان ابتدع طرقا بايصال المعلومة عن طريق الايحاء وذلك بالاستعانة بالقصص المحببة لديه واختيار شخصية بذاتها يحب ان يقلدها ومن خلالها ابين له قبح الكذب وانه صفة مذمومة يحب الابتعاد عنها وتجنبها،وان الانسان الصادق سيحظى برضى والديه ورضى الله سبحانه وتعالى..

يجب ان انصت له في كل الاحوال وان اعطه الامان اللازم لكي يتحدث عن مشاكله وان لمست ان في الامر كذبا يجب ان اعالجه بتروٍ وحكمة لكي لايصر عليه ويصبح بعدها سلوكا يصعب الاقلاع عنه..

ان الطفل الخائف من العقاب طالما يحترف الكذب كوسيلة للافلات من العقاب والتوبيخ والتانيب والعبارات الجارحة ، فمثلا ان خوف الطفل من والديه يجعله يقول انه ناجح في الامتحان بل متفوقا على اقرانه في الصف في حين انه قد رسب في مادة ما اوعدة مواد..هذا وتختلف قابلية الكذب من طفل لاخر وكل حسب تصوره للموقف وطريقة افلاته من العقاب..فان توفر له الامان لن يكون مضطرا للكذب وسوف تنتفي الحاجة للجوء الى ذلك..

على الام ان تزرع الثقة بنفس الطفل لكي يكون قادرا على التمييز بين الصدق والكذب وبالتالي فهي تعطيه حصانة ضد هذاالمرض الاجتماعي الذي هو في غنىً عنه..

ان الخوف هو السبب الاساس لكذب الاطفال،لذا فان اعطاء الامان للطفل واشعاره بالطمانينة سيجعلانه غير مضطرا للجوء الى مثل هذه الاساليب الملتوية التي تنجيه من العقاب والقيام بمكافاته كاسلوب علاجي وقائي للاقلاع عن الكذب ..

كما يجب ان يكون الوالدين قدوة حسنة للطفل لكي يقوم بتقليدهما اوتوماتيكيا،فعلى سبيل المثال يكون الوالد في البيت ويطلب من الطفل ان يرد على الهاتف او الباب ليقول ان والده غير موجود فيصبح هذا السلوك امر طبيعي ويعطيه الضوء الاخضر بان يكون كذابا،وربما يعتبرها مزحة فترسخ في نفس الطفل لتكون بعد ذلك عادة طبيعية ضمن شخصيته،لذا فعلى الوالدين الحذر من القيام بهذه الافعال السلوكية التي تعود بالضرر على الاطفال..

 

مريم لطفي

 

عقيل العبودالمفردتان في سورة لقمان" ولقد اتينا لقمان الحكمة ان اشكر لله ومن يشكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر فان الله غني حميد (١٢) وإذ قال لقمان لإبنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم(١٣).

اما الشكر فإنه مفتاح الاستحسان والرضا والتوافق مع النفس، باعتبار ان هنالك نوعا من الصِّلة بين العمل اي النشاط اليومي للإنسان وإحساسه بالإيجاب اوبالرفض.

 ما يسمى الإحساس السالب، اوالموجب. وهذا الموضوع يدخل في علم النفس في باب التوازن السلوكي والاخلاقي ما يطلق عليه،

attitude toward behavior

والمعنى ان هنالك نشاطا سلوكيا يقتضي من الانسان السوي ان يتابع جميع مفردات العمل الصحيح بدون تلكؤ او تضليل، باعتبار ان الشعور بالرضا يحقق السعادة، وهذه السعاذة مفردة يستبطنها الوجدان والضمير في خضم الصراع مع مفردات الواقع وتعرجاته المختلفة. 

 وهذا هو معنى الشكر، لإن الشكر  تجاوز العقبات بين العلو والدنو، وصولا لتحقيق الغايات السامية، أوالأهداف النبيلة. وهذا موضوع بحث في علم الفضيلة ايضا.

 والعلو هو الارتباط مع اعلى درجات الكمال وهو الصدق، والارتباط مع هذا العلو، تدخل في باب شكر الخالق، لإن الله خلق الانسان للصلاح والخير، وفي هذا ابتعاد عن الشيطان الذي يغوي الانسان بطريقته التي تتنافى مع باب الصلاح، والصدق، والإصلاح.

 ولذلك عندما يتعامل الانسان بطريقة الكذب والخداع والتضليل تراه دائما يعيش حالة النفور وعدم الاستقرار.

وفي ذلك شعور بعدم الرضا وهو خروج عن حقيقة النفس الصالحة، هذا الخروج سببه الشرك، أي الاستجابة الى الغواية، والسقوط في اشراك الوهم.

وهذا الشرك انما هو مصيدة لوقوع الانسان وإيقاعه في المهالك، والمهالك تجلب الضرر للآخرين، وهو الظلم العظيم. 

لذلك يقال الخير يعم، والشر يعم، اما الخير فهو مرتبط بالشكر، واما الشر فهو الشرك الذي يقود الى انهيار الفرد والمجتمع.

 

عقيل العبود

.....................

راجع ويكيبديا    Theory of Planned Behavior

 

عمار حميدربما ايها القارئ الكريم تقوم بقراءة هذه السطور عن طريق شاشة صغيرة بحجم الكف احتوت العالم بما فيه من كلمات ومقاطع فديوية وصوتية كلها بين يديك وهذا الأكثر احتمالا وربما تقرأها من خلال ورقة تميل الى الأسمرار حوت حبرا مطبوعا استحال الى كلمات وصور جامدة وعناوين كبيرة ندعوها بالجريدة او الصحيفة وهذا وبصراحة الأقل احتمالا ، فلم يعد هذا المطبوع اليومي يستهوي الكثير من القرّاء بعد ان كان متناولا في يد الجميع لقلة كلفته وكونه المصدر المتجدد والمهم لنقل الاحداث قبل ثورة التكنلوجيا ، ففي الماضي كانت الناس تقبل على قراءة الجريدة لرخص ثمنها وتنوع عناوينها ومواضيعها وكانت أشبه بصفحات مواقع التواصل الاجتماعي مليئة (بالبوستات المنوعة) وكان منظرها شائعا وهي تحت اذرع المعلمين وطلاب المدارس واصحاب المهن من مهندسين واطباء وغيرهم ، وفي الوقت الحاضر تراجع الاهتمام كثيرا بهذا النوع من المطبوعات الحيوية وذلك يعود الى سببين.

السبب الاول هو تراجع الاهتمام بالقراءة بشكل عام وانشغال الناس بأمور دنياهم واسباب معيشتهم بعد ازدياد صعوبة السُبل فيها فلم يعد الاهتمام بالقراءة كما كان والسبب الثاني وهو الأهم سيطرة هذه الشاشات الصغيرة بين ايدينا وهي تنقل لنا كل شاردة وواردة من اخبار ومنوعات كانت تحملها الجريدة لنا فلم تعد تواكب هذه السرعة في نشر الاخبار بالاضافة الى الاسلوب الجاذب لهذه الاجهزة في نقل المواضيع فتراجع الاقبال على الجريدة حتى احتجب اكثرها فيما لايزال البعض منها يكافح في سبيل البقاء، لقد شهد ظهور الجريدة في العراق بادئ الأمر معارضة شديدة من قبل رجال الدين حتى وصل الأمر الى تحريم قرائتها كما يذكر الدكتور علي الوردي في لمحاته الأجتماعية عن تاريخ العراق الحديث ثم اخذت مكانها كممثل مؤثر لرأي الشعب بمختلف توجهاته ولازالت كذلك في العديد من الدول التي تولي مجتمعاتها الأهتمام والأهمية للجريدة ومثال على ذلك وفي حركة احتجاجية تعبيرا عن الحالة السياسية التي وصل اليها البلد قامت احدى الصحف اللبنانية قبل عدة ايام بأصدار طبعة جريدتها فارغة خالية من اي موضوع واصفة الفعل انه (صرخة غضب وحزن) ضد الاوضاع الصعبة  في وقت تغرق البلاد في سلسلة أزمات اقتصادية وبيئية ومعيشية   وما كانت الجريدة تأخذ هذه الخطوة الأحتجاجية لولا ماتمتلك من ثقل وتأثير لافت للأنتباه في المجتمع اللبناني.

وللعودة الى تلك الايام التي كانت فيها الجريدة تُقرأ مع قهوة الصباح ولتكون كما كانت في الماضي احد عناصر النكهة في المقاهي مع استكان الشاي لابد من زرع حب قراءة الجريدة مرة اخرى ابتداءا في نفوس الاطفال والتأسيس على ذلك من خلال المدرسة عن طريق تشجيع المعلم للتلميذ بأخذ المواضيع من الجرائد وقرائتها في الصف واعتباره نشاطا مدرسيا تتواصل المدرسة فيه مع الأسرة وذلك لجذب انتباهها ايضا كي تخرج من هيمنة هذه الشاشات الصغيرة التي اصبحت أكفنا أسرى لديها وليعود الشغف بالقراءة ومتعتها كما كان في الماضي.

 

عمار حميد مهدي

 

 

 

ضياء نافعوصلت مجموعة كبيرة من الطلبة العراقيين الى موسكو العام 1959، وكنت أنا من ضمنهم، وكنّا جميعا في مقتبل العمر طبعا، وعندما سمعنا من الروس كلمة (ستكان) ومعناها – القدح، قلنا رأسا، انهم أخذوا من لهجتنا العراقية هذه المفردة، وكذلك كان الحال مع كلمة (سمافر)، اي سماور، بل قلنا نفس الشئ حتى مع كلمة (جاي – الجيم بثلاث نقاط) كما يلفظ الروس كلمة شاي، وكل ذلك حدث طبعا لأننا كنّا (في مقتبل العمر!)، كما أشرت أعلاه . الان وأنا (في خريف العمر) احاول ان أكتب بضع كلمات عن هذا الموضوع الأثير، والذي رافقني سنوات طوال من عمري، والذي يرتبط مع عدة أسماء عراقية محددة في مسيرة حياتي .

اول اسم عراقي يرتبط بهذا الموضوع في مسيرتي هو المرحوم فائق ابو الحب (انظر مقالتنا بعنوان – قبور عراقية في موسكو) . وصل ابو الحب الى موسكو في اوائل الستينات، والتحق بقسم الدراسات العليا في كلية الفيلولوجيا بجامعة موسكو، بعد أن أنهى الكلية التحضيرية لدراسة اللغة الروسية . كان ابو الحب يحمل شهادة البكالوريوس من جامعة بغداد، وهو خريج قسم اللغة العربية فيها، وكان يعرف العربية و جمالياتها واسرارها بشكل عميق ورائع، وقرر ان يكتب اطروحته للدكتوراه حول الكلمات العربية في اللغة الروسية، وكان مؤهّلا لذلك علميا وثقافيا وبكل معنى الكلمة فعلا، وهكذا بدأ ابو الحب بدراسته، وأخذ يتعمق بالغور في اسرار اللغة الروسية، اذ ان الشخص الذي يعرف لغته القومية بعمق يتوجه بدراسة اللغة الاجنبية بعمق ايضا، وانسجم ابو الحب – نتيجة لذلك الغور العميق في اللغة – مع المجتمع الروسي، وانفتحت امامه سبل العمل في مجال الترجمة من الروسية الى العربية، خصوصا في ستينات القرن العشرين بموسكو، حيث بدأت الدولة السوفيتية بالتوجه الى العالم العربي اعلاميا، وهكذا انغمر ابو الحب بالعمل في موسكو وترك الدراسة، ولم ينجز – مع الاسف الشديد - اطروحته تلك عن الكلمات العربية في اللغة الروسية، والتي توقع الكثيرون انها (لو تم انجازها طبعا) ستكون واحدة من البحوث العلمية البارزة والمهمة في هذا المجال شبه المجهول تقريبا في عالمنا العربي الواسع.

الاسم العراقي الثاني، الذي أودّ ان اتوقف عنده هنا هو الدكتور حسين عباس، الموظف حاليا في وزارة الخارجية العراقية وبدرجة وزير مفوض . كان د. حسين أحد طلبتنا في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد، وكان الخريج الاول بدورته آنذاك، وتم تعينه في القسم، ثم أصبح أول طالب يحصل على شهادة الماجستير في قسمنا، وكتب اطروحته باشراف المرحوم أ.د. محمد يونس، وتم ترشيحه من قبلنا الى معهد بوشكين للغة الروسية للحصول على شهادة الدكتوراه، وفي هذا المعهد العالمي المرموق أنجز اطروحته عن الكلمات العربية في اللغة الروسية، وهكذا أضاف د. حسين الى سيرته الذاتية، انه أول عراقي ينجز هذا العمل العلمي المتميز في مجال الدراسات اللغوية العربية – الروسية في روسيا. لقد التقيته قبل أشهر في موسكو، وتحدثت معه طويلا حول ضرورة نشر اطروحته او – في الاقل - خلاصة وافية لها باللغة العربية، وقلت له، ان دار نوّار للنشر مستعدة لنشرها، اذ ان هذه الاطروحة يمكن ان تضيف صفحة جديدة في عالمنا العربي، خصوصا وانها تمّت باشراف عالم روسي كبير في اللسانيات واسم بارز في مجال نشر القواميس الروسية وهو البروفيسور ماركوفكين ، وقد وعد د. حسين بتنفيذ هذه الافكار، رغم المشاغل والالتزامات المتشابكة في عمله وحياته . وعندما كنّا نتحدّث عن هذا الموضوع، كان د. حسين يؤكد دائما، ان المصطلح العلمي لهذا الموضوع يجب ان يكون - (الكلمات الروسية ذات الجذور العربية) وليس (الكلمات العربية في اللغة الروسية)، اذ ان هذه المفردات الان اصبحت جزءا لا يتجزأ من اللغة الروسية المعاصرة، وقلت له ضاحكا – رحم الله استاذ جيلنا مصطفى جواد، صاحب (نظرية!) قل ولا تقل العتيدة.

الاسم العراقي الثالث في هذا المجال هو د. محمود غازي، الاستاذ المساعد حاليا في قسم اللغة الروسية بكلية اللغات في جامعة بغداد، والذي كان ايضا أحد طلبتنا في القسم المذكور. لقد أنجز د. محمود اطروحته حول نفس الموضوع في جامعة فارونيش الروسية، وكنت أنا آنذاك مديرا لمركز الدراسات العراقية – الروسية في تلك الجامعة، وكتبت تقريرا علميا بشأنها - بناء على طلب محمود نفسه – وقد اطلع على هذا التقرير اعضاء اللجنة العلمية اثناء مناقشة الاطروحة في الجامعة المذكورة، وأخذوه بنظر الاعتبار. لقد كانت هذه الاطروحة ممتازة، وتناولت الموضوع بشكل علمي شامل، وجاء في نهايتها قاموس للكلمات الروسية وامامها الكلمة العربية التي جاءت منها، وقد أهداني محمود نسخة من اطروحته تلك، وكم أتمنى ان يشذبها ويعدّها للنشر باللغة العربية، اذ انها ستكون عندها مصدرا مهما في هذا المجال العلمي الجديد علينا نحن العرب، علما ان اطروحة محمود تختلف عن اطروحة حسين، اذ انهما تناولا الموضوع بشكل متباين .

الاسم الأخير، الذي أود أن اتوقف عنده هنا هو هيلان الراشدي، والذي يقوم في الوقت الحاضر بكتابة اطروحة حول نفس الموضوع في جامعة فارونيش . وهيلان كان ايضا طالبا عندنا، عندما كنّا فرعا في قسم اللغات الاوربية بكلية الاداب في جامعة بغداد في سبعينيات القرن الماضي، و قبل انتقالنا الى كلية اللغات الحالية، اي ان هيلان (أكبر الاعضاء سنّا !) مقارنة بحسين عباس ومحمود غازي، وقال هيلان لي عندما أخبرته باطروحتي حسين ومحمود حول هذا الموضوع، انه اطلع عليهما، وان عمله يأخذ منحى آخر . دعونا نتمنى له النجاح في مسعاه هذا، وننتظر اخباره، ونتائج أبحاثه ...

  

أ. د. ضياء نافع

 

سعيد مقدمعندما دخلتُ، سلمت عليهم سلاما عربيا.

فردت بكلمة واحدة: سلام.

من ملامحها، وسمار خدودها، ولقبها؛ عرفت أنها عربية.

قدمتُ ملفي وبلغتي العربية،

استلمته وبلغة فارسية.

لم تكن دائرتهم مزدحمة، كنت المراجع الوحيد.

قلبتْ الملف وسألتني عن إحدى أوراقه وباللغة الفارسية؛

أجبتها بالتفصيل وبلغتي العربية.

احترمتني ولم تؤمرني أن أكلمها باللغة (الرسمية).

وكنت مهذبا معها فلم أطلب منها أن تكلمني بلغتي.

وراحت تنقل محتويات الملف في الحاسوب وتسألني بين حين وحين عن محتوياته، وكانت مصرة أن لا ترتقي إلى لغتي.

وظللت أجيب وأنا أواظب أن لا أنحدر إلى اللغة التي كانت تتكلمها.

ثم سألتني سؤالا لا يمت إلى الملف بصلة:

يبدو أنك مدرس!

أجبت بنعم، لكني ومن باب السؤال بالسؤال (ولا أقول الصاع بالصاع)، 

سألتها: يبدو أنك محمراوية.

وكان ملفي قد أتى إلى مرحلته الأخيرة.

طبعت ورقتي وقامت تقدمها لي باحترام، وأجابت بابتسامة جميلة، ولغة عربية أنيقة:

نعم، أنا عربية محمراوية.

 

سعيد مقدم أبو شروق - الأهواز

 

شاكر فريد حسنبين يدي الآن ديوان "الخيول" للصديقة الشاعرة الفلسطينية / الجليلية نداء خوري، كنت قد تلقيته هدية منها قبل فترة وجيزة.

نداء شاعرة مبدعة من قرية فسوطة في اقاصي الجليل الأعلى، تشغل محاضرة كبيرة للأدب العبري في جامعة بن غوريون بالنقب.

اقتحمت بوابة الشعر النثري منذ شبابها المبكر، ونشرت نتاجها الأدبي في الصحافة الأدبية والثقافية الفلسطينية التي صدرت في البلاد، وشاركت في عدد من المؤتمرات والمهرجانات الدولية للشعر وحقوق الانسان، وترجمت قصائدها الى عدة لغات عالمية منها الانجليزية والعبرية، وكتبت حول ابداعاتها واصداراتها مجموعة من الدراسات الأكاديمية، وحظيت أشعارها باهتمام نقدي واسع من الكتاب والنقاد، منهم على سبيل المثال نبيه القاسم وبطرس دلة وكاتب هذه السطور وسواهم.

صدر لها عدد من المجاميع الشعرية منها: " أعلن لك عن صمتي، جديلة الرعد، النهر الحافي، زنا الريح، ثقافة النبيذ، خواتم الملح، أجمل الآلهات تبكي، الخطايا، والخلل ".

نداء خوري تنهج وتعتمد في كتابتها القصيدة النثرية، وما يميز قصائدها التكثيف، الايجاز، الغموض، الرمز ، الابهام، الصور الشعرية التلقائية، البناء السردي والدرامي، وتوظيف الرموز الدينية المسيحية، للتعبير عن عالمها الروحي والداخلي العميق.

قصائد ديوانها " الخيول " متنوعة في أغراضها، دافئه، جريئة، صريحة، عنيفة، متوترة ومضطربة، مترعة بايحاءات ورؤى شعرية كثيفة، تجمع بين الذات والعام، وتحمل في مضامينها وبين ثناياها الهموم الفردية والجماعية، هموم المرأة ومعاناتها، القضايا الاجتماعية والوطنية والسياسية والانسانية العامة، والحرية المفقودة.

انها محملة بهواجس وآلام المعاناة الذاتية، وتبوح بمشاعرها وخفقات قلبها وارتعاشات صدرها واستجابة جسدها بكل جراة وصدق وشفافية.

ونجد في العديد من هذه القصائد مشاعر الألم والوجع والاحباط وخيبة الامل نتيجة تردي الأحوال والأوضاع الاجتماعية والسياسية، وهذا ما تعكسه وتجسده قصيدة " وجع من لحم وتراب " .. فتقول:

منذ شربنا من البئر

ضعنا

أنت وأنا

سيرة عطشى

نسل أنين

ماضينا

كأس موت

عهد تراب.

يكسرنا الماضي

ملء الصفحات

وجع

من لحم ودم

نعيد مواعيد الوعد

والوعيد

مستقبلنا كتب في الماضي

يقرأ علينا السلام

ويعيد

هو المستقبل آت

لينفينا من جديد

وتبدو نداء خوري في نصوصها متمردة على الواقع، رافضة القهر والكبت المجتمعي، مطالبة بفك القيود التي يفرضها المجتمع الأبوي على المرأة، على صوتها وابداعها ومواقفها ، وهذا ما نستشفه في قصيدتها " عذراء زانية ":

عذراء ذئبة

تستدعي الطعنة

تثبتها في الجرح

تتأكد أنها جريحة

تطلق في البراري

صرخ عوائها

أو لا تكون

كانت عطشى

تعرت لتلاقي الماء

قتلوها بالعار دفنوا

أمها في الخلاء

فإن مررت

وحف وحشك بجرحها

أنزفها العواء

تملؤك بالنشيج

تقتلك بكبرياء.

ويحفل " الخيول " بالصور التعبيرية التي تستشرف من خلالها الحالة النفسية للشاعرة  نداء خوري، وهذه الصور متلاحقة تتعانق مع الفكرة في سياق متوهج بالحيوية:

يأتينا العطش على شكل كأس

يلهينا بالاشتهاء

وعرائش الجنائز تتقدم

تشرب حسرتنا

وينفتح

باب الخاصرة

معصرة

نعبره

ببعثتا في الأبيض

وتبدأ الجنازات

يتلوها الورد

ونأتي

على صهوة

نطالع منازلنا

وفي وجوهنا

تعوي الأبواب

تصير خيولًا

على باب الخاصرة

ننزف

وينز حليب الورد

على شكل ثدي

طفل مقتول.

ونجد في الديوان الرؤى الجمالية للأشياء والأماكن والصور والخيالات عبر مفردات متوهجة وايقاعات موسيقية متسارعة في بعض الاحيان وبطيئة في أماكن أخرى.

وما يسم كتابة نداء خوري النثرية مقدرتها الواضحة على المزج بين واقعية الكلام والمعاني من ناحية، ورمزية اللغة الشعرية المتخيلة من ناحية ثانية.

وإذا تأملنا هذه القصائد في مستوياتها المختلفة، نجد انها تنبع من منظور انساني ووجداني وفكري خالص.

وتحاول نداء خوري جاهدة اختراق الزمان والمكان، والتعبير عن التوق الانساني الى العدل والحرية والحياة الاجمل والأفضل، وتفيض نفسها بالأسى والاغتراب والتجافي مع الواقع.

وتتجلى " رسولية " نداء خوري في عدد من قصائد ديوانها، التي تتدفق بنزيف الكلمات، وتنبض بالحياة والتمرد واللوعة والقلق والأمل والتفاؤل، رغم قتامة الحال وحلكة المرحلة.

نداء خوري تهفو للكلمات وتعانقها، تعزفها قبل أن تكتبها وتنزفها، وفي نصوصها بوح صريح وعاصف باللهب والغضب المستعر في احشائها وبين جوانحها.

ومن نافلة القول أنها نصوص قلقة متمردة منشغلة بالبحث عن وطن نقي ومجتمع صادق، وحالمة بالمستحيل.

في " خيول " نداء خوري تحضر  الاسطورة والرموز الدينية والتراثية، وتتشظى الكلمة، وتتحول اللغة الى كتابة شعرية مرئية، وكل ذلك بحسها المرهف وشاعريتها الجميلة، وما قصاندها الا انعكاس لروحها وعاطفتها وعقلها  الرزين الواعي الراجح، ووجدانها الشفيف.

نداء خوري شاعرة متجددة مع كل اصدار جديد، في الكلمات والمعاني والصور، في المضمون والجوهر، في الايقاع الموسيقي، في الطرح والرؤيا والأفكار. فهي تجربة شعرية حققت ارتقاءً عاليًا بالسقف الجمالي لمغامرة الكتابة الشعرية والقصيدة النثرية في مسارها الموسوم بنقلات نوعية على مستوى الوعي الشعري.

نداء خوري، أيتها الصديقة الجميلة الراقية المبدعة والملهمة، بوركت الحركة الأدبية بك وباصداراتك، واتمنى ان تبقي على درب الابداع والتجدد في زمن كثرت فيه الكتابات، مع خالص المودة والتقدير.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

علجية عيشخرجت منصة القراءة لموقع Goodreads الشهيرة بعدة روايات كانت الأكثر تقييما لسنة 2018، تنوعت بين الرواية الدرامية، التراجيدية، الواقعية والرواية الإجتماعية، كاتبوا هذه الروايات من جنسيات مختلفة، والغريب ان معظمهم نساء، وكل رواية تختلف عن الأخرى من حيث الأحداث، إلا أنها كتبت بأسلوب شيق وراق جدا وبمستوى عالمي، وكانت رواية تارال ويستوفر ورواية الكاتب المصري محمزد نصر الله من الروايات ألأكثر شهرة ومبيعا في عالم الكتب لسنة 2018 ، تبقى الرواية الجزائرية التي ما تزال تبحث عن قارئ يخرجها من العتمة إلى النور

 تحدثت الكاتبة  Tara Westoverفي روايتها عن طفولتها  والجو الذي عاشت فيه وسط أسرة متشددة لدرجة أنه منع عليها الذهاب إلى الطبيب، والإكتفاء بالأعشاب الطبية، الرواية تدخل في قالب السير الذاتية حيث وصفت الروائية تارا ويستوفر نضالها من أجل بناء ذاتها، تحكي فيها قصة عائلتها والحزن الذي واكبها لسنين مع قطع أقرب العلاقات لها، ولعل سر تعلقها بهذا النوع من الإبداع (الرواية)  راجع لإطلاعها على الأحداث العالمية مثل الهولوكوست وحركة الحقوق المدنية، ومن ذلك الحين انغمست بالمعرفة والعلم، والرواية  الثانية هي للكاتبة  الأمريكية النيجيرية طومي أديييمي  Tomi Adeyemiوهي قصة ترسم للقارئ تعدد السلطات (الحكم)، اتسمت بالقوة واللاعدالة، إلى حد منع القيام بأي طقوس دينية،  القصة تحكي عن وجود أرض تدعى أريشّا يحكمها سلطتين متنافستين ماجي وكوسيدان، وكانت هذه الأخيرة تمارس سياسة القمع في حق الشعب ماجي، الذي كان ينشد السلام، وهي بلا شك ترسم الخير والشر، وكيف يتصارع الحق مع الباطل في أوقات الحرب، ومن سيكون له النصر السلام أم العنف؟.

 والرواية الثالثة هي عودة الغائب، للروائية كريستين حنّا Kristin Hannah   the great alone، وهي تحكي قصة  شاب كان أسيرا خلال الحرب الفيتنامية، عاد لوطنه الأم، لكنه يصطدم  بواقع مأساوي فيقرر التنقل وعائلته للعيش في مكان آخر معزولين عن العالم، أما رواية الكاتب الأمريكي ريشارد باورس فهي غريبة نوعا ما إذ تحكي العودة إلى الحياة من جديد عن طريق مخلوقات أخرى تأتي من عالم آخر، ثم رواية الكاتبة ميشال مكنمارا  Michelle McNamara  وهي صحفية حقيقية تعمل بالجريمة، ماتت أثناء التحقيق في قضايا تتعلق بالإعتداءات الجنسية كان يقوم بها مجرم في شمال كاليفورنيا، يقول التقرير أن كتاب ميشال من التحف الفريدة الخالدة للكاتبة التي لم تتمكن من إكماله، لتصف به فترة الرعب التي مرت بالتاريخ الأميركي، الرواية السادسة والأخيرة في الروايات الغربية تعود للكاتبة Emily X.R. Pan حول العثور على الذات عن طريق التنقل بين الحاضر والماضي، الصداقة والحب، الأمل واليأس.

و بالعودة إلى  الروايات العربية  التي صدرت في 2018 وفق تقييمات موقع  good readsفأحسن رواية عربية تعود للكاتب الأردني ايمن العتوم  والتي حملت عنوان: تسعة عشر (19)، وهي تحكي عن عالم ما بعد الموت، حيث جاءت في قالب نوسطالجي، حين يشتد  بالكاتب الحنين للماضي الذي ترك في نفسه اثرا كبيرا، رافقه  إلى قبره، ومن حديث القبور نتساءل هل هي البداية أم هي النهاية؟، طبعا هي "النهاية" عنوان رواية للكاتب المصري  ممدوح نصر الله، التي يعرض فيها تجربة بشرية كاملة، وقد أخذت رواية النهاية  مكانها في الروايات الأكثر مبيعًا لعام 2018، كما اثارت رواية "موسم صيد الغزلان" للكاتب المصري أحمد مراد جدلا كبيرا  تناول فيها الجدل بين العلم والدين، ليدفع القارئ إلى النظر لما يحيط به، ويقف فيها على رأي علم النفس التطوري من فكرة الإلحاد والزندقة والترويج للمثلية الجنسية.

 كما حظيت روايات عربية أخرى بأعلى القراءات ومنها رواية "مدينة الحب لا يسكنها العقلاء للكاتب أحمد آل حمدان، و"مقطوعة الموت" للكاتبة مريم المير، ما كتب عن مريم المير أنها تعزف  "مقطوعة الموت"، فمن أجواء الرواية نقرأ: "الأوتار قاتلة مثل صاحبها لا يجبرها على البوح ولكنها تنصاع له .. كان يراقبه بخفية يحضنه توتره، تسيطر على رأسه صورة الورقة التي تبعثرت عليها نوطات الدم، ذاك الغريب يخفي سرا بالتأكيد،ربما هو قاتل متسلسل.. أو لعله ساحر يستخلص دماء ضحاياه لتحضير الأرواح،  تمتم محدثا نفسه وهو يتطلع لانعكاس صورة الشخص الغامض في المرآة الصغيرة، كان مع ابنة صديقه.. يخشى عليها منه،  قد يقتلها ويستخلص دمائها ليكمل معزوفته، فكر مرارا أن يخبرها بما اكتشفه،  بيد أنه كان يشك أنها ستصدقه.

 وإن تمكنت الرواية الغربية والعربية بأن تحظى معا بمكانة خاصة في موقع "غودريدس" تبقى الرواية المغاربية بصفة عامة والرواية الجزائرية بصفة خاصة تبحث لها عن قارئ، رغم المستوى الذي بلغه الروائيون المغاربة في سرد الأحداث، والروائيون الجزائريون بالخصوص الذين ارتقوا بأفكارهم وأقلامهم  في نقل صورة لواقع الأمة العربية وما لحقها من خراب ودمار في ظل الحراك السياسي وما تعانيه الشعوب من قهر وقمع على كل المستويات، و"الحقيقة تنتظر الفجر "  la verite attendra l’aurore، هي رواية باللغة الفرنسية للكاتب الجزائري المغترب آكلي طاجير صدرت في 2018  عن دار القصبة، يعرض فيها الصراع بين التطرف والتحرر، بين الماضي والحاضر،  كما نقرأ رواية  "زمن الغربان للكاتب الجزائري جيلالي خلاص صدرت سنة 2018 عن نفس الدار بالجزائر، وهي رواية خيالية تلخص الأزمات، والمساوئ التي قد يمر بها مجتمع ما، وروايات أخرى لم يسلط عنها الضوء بعد، وهذا عن دل على شيئ فغنما يدل على أن الحظيرة ألإبجاعية في الجزائر ثرية جدا، وتحتاج إلى دراسات معمقة شكلا ومضمونا.

 

علجية عيش

.

 

ضياء نافعأصدر تشيخوف قصتة الطويلة – (السيدة صاحبة الكلب الصغير)  العام 1898، وقد مضى الان 120 سنة على اصدارها، ولكن هذه القصة لا زالت تتفاعل مع مسيرة الحياة اليومية وأحداثها، فقد تحولت الى فلم سينمائي عام 1960 في الاتحاد السوفيتي،ثم عام 1971 في الارجنتين، ثم عام 1972 في يوغسلافيا، ثم عام 1975 في بلجيكا، ثم عام 1987 في الاتحاد السوفيتي من جديد، ثم تحولت الى باليه جميلة جدا في روسيا وضع موسيقاها الموسيقار السوفيتي المعروف شيدرين، ثم تحولت الى نصب من البرونز في مركز مدينة يالطا عند ساحل البحر في القرم عام 2004 بمناسبة مرور 100 سنة على وفاة تشيخوف (ونادرا ما يعرف العالم نصبا وتماثيل تتمحور حول نتاجات أدبية بحتة)، والنصب هذا عمل فني مدهش الجمال يجسّد تشيخوف نفسه برشاقته وهو يقف عند حافة جسر وامامه تقف السيدة الجميلة وكلبها الصغير، ثم تم تدشين تمثال جديد لهذه القصة عام 2013 في مسرح بمدينة يوجنو- سخالينسك (وهي مدينة ترتبط بسخالين، التي زارها تشيخوف وكتب عنها كتابه المعروف (جزيرة سخالين) عن وضع المنفيين هناك وتضمّن احصائيات دقيقة عنهم لا زالت لحد الان تمتلك قيمتها العلمية واهميتها الاجتماعية والتاريخية) . وتم ترجمة هذه القصة الى الكثير من اللغات الاجنبية، بما فيها لغتنا العربية (تم ترجمة نتاجات تشيخوف بشكل عام الى 92 لغة، وقد ابتدأت هذه العملية الابداعية اثناء حياته ولا زالت مستمرة لحد الان)، وقد جاءت هذه الترجمة العربية طبعا بمختلف الاشكال وحسب اجتهادات المترجمين العرب، وحتى عنوانها خضع لهذه الاجتهادات، وهكذا نجد العنوان في هذه الترجمات كما يأتي – (السيدة والكلب)، و(سيدة مع كلب)، و(سيدة مع الكلب)، و(السيدة والكلب الصغير)، و(السيدة ذات الكلب الصغير)، و(السيدة صاحبة الكلب الصغير)، وقد ترجمها أحد العراقيين مرة باللهجة العراقية كما يأتي (المريّة ام الجليب الزغيروني) ...الخ).

أعتبر نابوكوف هذه القصة الطويلة (واحدة من أعظم القصص في الادب العالمي)، وأشار الى انها مبنيّة على مبدأ (الامواج) كما أسماه نابوكوف، ولا تعكس اي مشكلة ، ولا توجد فيها قمة في تطور الاحداث، ولا توجد (نقطة في نهايتها!) . وقال عنها أحد الباحثين، انها (آنّا كارينينا ) تشيخوف، وأشار الى انها حتى أعمق من آنّا كارينينا تولستوي، اذ انها بقيت في منتصف طريقها الذي سلكته باختيارها وارادتها، ولم تنتحر مثلما فعلت كارينينا، وبذلك أثبتت، ان الحب المستحيل أخذ يتعايش مع مسيرة الحياة رغم سيل دموعها الكبير وتعاستها الهائلة .

لقد أراد تشيخوف ان يقول لنا، ان (الحب المستحيل) هو أقوى من (الحب الاعتيادي) رغم كل آلامه وتعاسته، وهي موضوعة انسانية خالدة في مسيرة حياة البشر تتكرر بلا انتهاء وبلا حل ايضا، ولهذا انعكست هذه القصة البسيطة في مختلف أشكال الفنون من سينما ونحت وموسيقى وباليه... 

 

أ.د. ضياء نافع

 

جاسم العايففي بداية عام 1968، كنت في الساعة الرابعة عصراً، أمسك (راديو الترانزستور) - بحجم الكف - نوع ناشينول - ياباني الصنع. أضع مؤشره على (إذاعة الكويت)، ثم يصلني والآلاف غيري، الصوت الرخيم للمذيع (احمد سالم) وهو يردد مع موسيقى باذخة: (ثلاث كلمات.. إعداد إسماعيل فهد إسماعيل)، كانت الجولة اليومية لهذه الكلمات الثلاث، تتسع شيئاً فشيئاً، ، الفنون بكل مدياتها وتوجهاتها وآفاقها المحلية - العربية - الإقليمية - العالمية، الأفكار الفلسفية القديمة - الحديثة، الشخصيات التي قدمت رؤاها الفلسفية - الثقافية المتعددة منذ بواكير الفكر الإنساني المدون والمنقول شفاهاً بعد عصر التدوين، التاريخ وإحداثه المجحفة - المأسوية، وشخصياته عبر العصور السحيقة - الحديثة، السياسة ولعناتها، وتواطئاتها، وتحولاتها غير المتوقعة. الحروب والغزوات المرة التي دمرت التوجه الإنساني، المجاعات، الفيضانات، الأؤبئة، الأعاصير، الشخصيات الأسطورية - الواقعية، المكتشفات العلمية، كل ما يمت للحياة الإنسانية في العلوم والفنون والآداب، والمخترعات، والتوجهات الفكرية المتعددة..الخ. تأتي هذه وغيرها الكثير ..الكثير، بلغة بسيطة دقيقة، أمينة - مطواعة. عبر (راديو الترانزستور)، والذي عده المفكر (روجيه غارودي)- في كتابه ماركسية القرن العشرين- من أهم المكشفات العلمية قاطبة في القرن العشرين، تصل هذه الكلمات الثلاث، يومياً إلى غالبية البيوت فلم يكن من وسيلة اتصال غيره حينها، وتكون تلك الكلمات الثلاث، منسجمة مع وعي المستمع مهما كان مستواه، و لتقدم فيضاً من المعلومات المهمة - النادرة إلى كل مَنْ يصغي بأذنه لها، بقيت هذه الكلمات الثلاث تجول في الفضاء أكثر من عامين، لتشكل موسوعة متعددة التوجهات، موسوعة غنية بكل المعارف والعلوم والثقافات والأحداث والشخصيات. تلك الكلمات الثلاث، يغلب عليها الاختصار، وتعتمد على دقة التنظيم، وبحسب الترتيب الهجائي ليسهل على المستمع الاستفادة منها بأقل جهد. وكما معروف إن الموسوعات تعتمد على عدد كبيرٍ من المختصين و الكتاب والمحررين، كل يكتب في مجال تخصصه، فالموسوعات يلجأ إليها الناس في جميع أنحاء العالم للتزود بمعارفها، لكن (أبا فهد) ولوحده فقط قدم فيها خلاصات مركزة لكل المسار الإنساني وبـ (ثلاث كلمات)، وفي الساعة الرابعة عصراً ويومياً، عبر الأثير وفضائاته التي لا تحد، و بحق لوتم جمع الأشرطة - الصوتية - الإذاعية، لتلك (الكلمات الثلاث) وتحويلها ورقياً، يمكن أن تكون موسوعة متكاملة - غنية - شعبية - تتألف من أجزاء كثيرةٍ، أعدها (إسماعيل فهد إسماعيل).

 

جاسم العايف

........................

(*) جزء من مساهمتي في أربعينية الصديق الروائي (إسماعيل فهد إسماعيل)، والتي أقيمت في قصر الثقافة والفنون، بالتعاون مع اللجنة الثقافية للحزب الشيوعي العراقي في البصرة، مساء 1 - 11 - 2018 .

 

 

عقيل العبودليس معنى التعليق، ان يكتب القارئ كلمات، اوجمل تنطوي على الإعجاب، اوالمجاملة لصاحب النص، اوصاحبته.

 انما هو تحقيق في مضمون الموضوع، فغاية كتابة النص لها ابعاد حسية، واخلاقية، ومعرفية، وهذه الأبعاد، لها خطوط بيانية ترتبط في مكوناتها وخصوصياتها مع حاضر الخطاب، وماضيه، وما يراد التنويه عنه.

وهذا طبعا يدخل في باب شخصية صاحب النص، علاقته بالواقع، وطريقة تعامله مع مكونات ومفردات هذا الواقع في المجال الاجتماعي، والسياسي والاخلاقي؛ فما يترجم بضم الياء وفتح التاء، يتم ترجمته بطريقة ثانية وثالثة عن طريق هذا القارئ، وذاك، وهكذا الى ما لا نهاية.

فالشاعر مثلا، عندما يكتب خطابه الأدبي،  هذا الخطاب ليس ترفا ثقافيا، أو عبثا كلاميا، انما هو عبارة عن تداخل صوري، وتعبير عن انعكاس حركة الواقع في الحس-علاقة الخارج بالوجدان، ورسم مغزى ومؤثرية هذه العلاقة في نفس ما احُب تسميته بفنان اونحات الصورة الشعرية.

وهذا مهم في علم النفس، باعتباره استجابة وترقبا  لجملة انفعالات سايكولوجية، برتبط البعض منها في مفرداته الدقيقة بنمط التفكير الخاص بالأديب، اوالكاتب وشخصيته ليعكس درجة مؤثريته لدى الاخرين.

 فالتعليق علاقة تراكبية تضامنية، اي انها ربط بين مفهوم الكاتب ومفهوم القارئ تجاه حدث، أوصورة معيّنة لها مكان وزمان، وروح وهذا يدخل في معنى الجدل وفلسفته الدقيقة.

وطريقة تعبير الكاتب الفنية عندما تجد طريقها الى المتلقي، سترتبط بالضرورة مع لغة الفهم الخاصة لذلك المتلقي، بمعنى الانتقال من دائرة النص، الى دائرة انعكاس النص، بمعنى ان هنالك انتقالا من وسط الى وسط.

والنتيجة ان التركيبة التفاعلية بين فهم القارئ، ولغة الكاتب، تمنح قارئ التعليق؛ الناقد، مجالا للدخول  الى قلوب القرّاء والمتابعين من العامة، لأنها ستلد حتما نتاجات وسياقات ادبية جديدة.

لذلك يعد التعليق في معناه ومضمونه الحسي من الفنون التي لا تخلو من عمليتي خلق وابداع جديدتين.

 

عقيل العبود

 

سعيد مقدمعندما نشر كتابي "كبرياء"، أرسلت الإعلان إلى صديقي الدكتور قيس خزاعل. بارك لي كتابي ثم قال:

هناك ملاحظة صغيرة أردت أن أشير إليها، بل هو خطأ نحوي أو إملائي وجدته في كتابك.

ثم تابع يخفف عني:

الوقوع في هكذا أخطاء قد يحدث؛ والأمر ليس مهما؛ لا تشغل نفسك؛ دعك في فرحة نشر كتابك.

قلت له: دكتور، ذكرني بالخطأ؛ عليّ أن أتعلم من أخطائي حتى لا أكررها.

واعدني أن يجد الخطأ ويرسله لي.

راسلته في اليوم الثاني طالبا منه أن يذكرني بالخطأ الذي جاء في الكتاب لعلي أصححه في الطبعة الثانية.

أرسل لي صورة رمزية باسمة وقال:

لو كنت أدري أن خطأ صغيرا يشغلك لهذا الحد لما أشرت إليه.

قلت: هو ليس انشغالا بل اهتمام؛ وهل تدري لماذا أهتم لهذا الحد؟

هذا لأني أحب العربية كثيرا.

وختمت جملتي بالصورة الرمزية ذات الهالة.

وبعد يوم آخر، أرسل لي الدكتور نصا كنت قد كتبته بمناسبة اليوم العالمي للغة الأم، وقال:

لاحظ مفردة حنينا.

النص:

عبد الرزاق

اليوم تذكرت زميلي في الأول الإعدادي عبد الرزاق الهلالي.

سأله المدرس سؤالا درسيا، وأجاب بلغة فارسية مكسرة هزيلة؛ فلم يستطع أن يعبر عما يقصده وبالتالي لم يفهمه المدرس.

فأراد عبد الرزاق أن يقول للمدرس:

أنت لم تفهم قصدي. فقالها بالفارسية:

(تو نمي فهمي من چه مي گويم)[1].

وجن جنون المدرس:

(من.. نمي فهمم!)

ونزلت على صديقنا مصيبة، ...شتائم ...ضرب ...إخراج من الصف...إحضار ولي أمره ....

في ذلك اليوم، خنقـتـنا عبرات الغربة؛ وحنـّينا إلى لغة أمنا حنينـًا ما انفك يهز قلوبنا.

فيا أولئك، الدراسة بلغة الأم حقنا.

انتهي النص.

وتابع الدكتور: الفعل من جذر (ح ن ن) المضاعف، وفي صيغة المتكلم يجب أن يفك إدغام الفعل ليصبح (حنـنـّا).

ثم أضاف: أنا أسمي هذا الخطأ خطأ البيئة اللغوية.

والسبب الثاني للوقوع في مثل هذا الخطأ يرجع إلى ندرة استعمال هذه الصيغة من الفعل، فلا تثريب عليك.

انتهى كلام الدكتور.

أصدقائي الأعزاء، كم أتمنى أن نوسع صدورنا للنقد، ففي غياب النقد والنقاد سيبقى أدبنا حبيس جدران الأهواز لا يتجاوز حدودها.

ونحن نطمح أن ندمر هذا السجن، لنحلق في سماء أوسع.

وهذه دعوة للنقاد أيضا أن يشمروا عن سواعدهم ويسيروا مؤازرين مع رحلنا الأدبي نحو الرقي.

شكرت الدكتور كثيرا وقلت:

يبدو أن اللغة الدارجة أبعدتنا عن الفصحى!

ثم وضحت للدكتور أن حكاية عبدالرزاق لم تنشر في كتاب كبرياء والحمد لله،

ولعلي أنشرها في كتاب إذا ما تيسرت الأمور؛

وها قد صححت الخطأ الذي جاء فيها سهوا،

أو من ندرة استعمال هذه الصيغة من الفعل كما تفضلت،

أو ربما لأننا حُرمنا من التعلم بلغتنا العربية الفصيحة.

وأنا أميل إلى السبب الأخير طبعا ... بل أجزم.

فأكرر وأقول:

الدراسة باللغة الأم حقنا.

 

سعيد مقدم أبو شروق - الأهواز

........................

[1] الترجمة: أنت لا تفهم ما أقول.

 

سليم مطر- من المستحيل فهم العربية والاسلام، دون دراسة لغات وحضارات منطقتنا!

ـ مثال، الجذور المتجاهلة لكلمات: الله، الدين، الشريعة، الحج، نبي، حواء، آدم، المسيح،عيسى، مريم، الشيطان، اورشليم، تورات، تلمود، ياسين، سورة..

ـ العربية والاسلام، ليسا نتاج البداوة والجاهلية، بل هما الطابق الاخير من بناية حضارية لغوية ودينية بدأ شعوبنا تشييدها قبل الاسلام بآلاف السنين. يستحيل فهم (الطابق العربي الاسلامي) دون دراسة الطوابق السابقة!

ـ الاسلام نفسه اعترف بأنه وريث اليهودية والمسيحية. ونحن نؤكد: انه وريث جميع حضارات واديان منطقتنا.

من اكبر جنايات اللغوين والدينيين العرب على اللغة العربية والدين الاسلامي، انهم تقيدوا بصورة متحجرة فقط فقط بالجذر العربي للكلمة. وكأن اللغة العربية نشأت من العدم او هبطت كاملة مكملة من السماء. ان العربية مثل جميع لغات الارض، هي نتاج تطور تاريخي يمتد الى بداية تكون لغة الانسان. ان العربية هي نتاج وخلاصة لتطور لغات الحضارات الناطقة بالسامية في العراق والشام (الأكدية والكنعانيةـ ثم اخيرا الآرامية ـ السريانية) (بالاضافة الى مصر وشمال افريقيا) . دون الرجوع للجذور السامية يستحيل إدراك المعنى الحقيقي للكلمة. هاكم هذه الامثلة السريعة:

الله: من جذر سامي (عالي) . (العين والهمزة نفس الاصل، وليس صدفة انها تكتب بنفس الشكل) أي ان الله هو العالي في السماوات. وهذه الكلمة موجودة في جميع اللغات السامية. ومن متنوعاتها: اله، علي، ايل، ايليا، ايلياس. ان (ايلو) هو اله العراقيين القدماء. الكنعانيون اسموه (بعل / با عيل) أي (ذو العلى) ! وحتى الان في شمال العراق وسوريا يقال (الزراعة البعلية) أي التي تعتمد على امطار (عيل ـ الله) . وقد ادخل الآراميون لهذا الاسم عدة صفات، مثل: جبرائيل، أي جبروت الله/ اسرائيل، أي الله المسري/ ميخائيل، أي الله الحي: الحاء والخاء تتبادلان) / اسماعيل، أي الله السميع .. الخ

الدين: من جذر (ارتباط وتحكم)، مثل (الدَين المالي)، (الادانة، أي الحُكم)، وهنالك الاله الكنعاني المعروف (ادوني، أي السيد)، (الاغريق اضافوا حرف السين: ادونيس) .

الشريعة: وهي معنى النهج، ومنها (الشارع ـ أي الطريق) . ومن اول ملوك العراق القديم ومؤسس اول دولة عراقية موحدة في التاريخ، الملك الشهير (سرجون) الاكدي. ولفظه الحقيقي (شرعوـ قن) أي (المُشرّع القانوني، أي الملك العادل) . كلمة (قن) اصل (قانون) . واطلق الساميون على الملك اسم (شارو ـ أي شرعو ـ المُشرّع) . ومنه اسم (سارا) أي (الملكة) وهي زوجة ابراهيم. (سين وشين تتبادلان، مثل موسى وموشي) .

نبي: كلمة سامية بمعنى (النبوء، أي المُعلن وحامل النبأ) وهو اسم اله بابلي شهير باسم (نبّو) وهو (اله الحكمة) .

الحج: بمعنى الظهور والاحتفال. ومنها كلمة (احتج) أي (اظهر دواخله) . وكان العراقيون في بابل ونينوى يحتفلون في عيد (هجيتو ـ الحج ـ الاحتفال) في (21 آذار) اول الربيع وبدء السنة الجديدة. (اقتبسه الايرانيون بعد احتلالهم بابل وترجموه الى : احتفال نيروز) وهو بنفس اليوم.

حواء: بمعنى الحياة. ومن متنوعاتها: هواء وحباء (الحب والهوى) (الواو والالف والباء والفاء المخففة V تتبادل)، في العبري يقولون (حفاء، أي حواء) . وتحولت في الاوربي الى (ايفا ـ EVA) .

ـ آدم: من اديم الارض، وهو الطين الاحمر الموجود في النهرين في العراق. ومنه كلمة (دَمّ) . ولأن آدم صنعه الخالق من الـ (أديم) .

المسيح: بمعنى المقدس، أي (الممسوح) . الكنعانيون يمسحون الانسان بزيت الزيتون للصحة والتمجيد. لهذا ترجم اليونانيون اسم المسيح الى (كريستو) أي (المُزيَت) .

عيسى: بمعنى المُخَلّص، المُنقذ. وفي العربي نقول (عسى) بمعنى التمني. و(عسس) أي الحراس المنقذين. و(عيسى وعيشوا بالآرامي) هو بالعربي (عيّاش وعايشة) أي الذي يساعد على العيش.

مريم: وتعني بالآرامي والعبري (مار يم / سيدة البحر) . وفي العربي (امرأة اليم ـ سيدة البحر) . ومن تنوعات: امروء، امرأة، أمير، عامر، عُمر..

اورشليم: وتعني (ارض السلام) وكلمة (اور) من اصل (سومري عراقي) بمعنى الارض. وهو ايضا اسم اول مدينة حضارية (مدينة اور) في جنوب العراق. وقد دخلت السامية والعربية بلفظة (ارض، ارث) ومن الغرائب ان فينقيوا لبنان وقرطاجة أدخلوها الى الانكليزية بنفس المعنى بلفظ (EARTH)، مع كلمات عديدة من اصل سامي لا تحصى دخلت بواسطة الفينقيون واليهود ثم العرب.

تورات: أي التراث. وهذا تأكيد على ان هذا الكتاب ليس اكثر من (تراث شعبي) للعبريين البدو.

التلموذ: وبالعربي (التَلمَذَ) أي الدراسة. وهي نفس اصل كلمة (لمظ) أي تذوَّق. أي تذوَّق المعرفة.

ياسين: وذكرت في (سورة يسين) . وهناك فرضيات مختلف عليها حول اصلها. ولكننا نعتقد انها (يا سين) . (سين) هو (القمر) وهو (اله مقدس) عند الروحانيين والعرفانيين في العراق قبل سقوط بابل.

الشيطان: أي المنحرف. ومنه (شطَّ) أي ابتعد. و (شاطئ النهر) أي (طرف النهر) .

سورة: ولفظها العربي الحقيقي (سَبَرَ) أي (تعمَّقَ) . وفي الآرامي والعبري قالو (سفر) (اسفار التورات) . وكلمة (سفر) العربية أي الدخول في عالم الترحال.

نعم، على اللغوين العرب ورجال الدين، الخروج من قمقمهم القاموسي الميت والمشوه. ليدرسوا لغاتنا السامية وخصوصا ألآرامية ـ السريانية، التي هي اساس العربية. بالاضافة الى دراسة حضارات وتواريخ الشام ومصر وشمال افريقيا، التي هي اساس الحضارة العربية الاسلامية. في اوربا حتى على الاطفال يفرضون دراسة لغات وحضارات اليونان واللاتين، بالاضافة الى لغاتهم الوطنية، لفهم جذور تراثهم ومسيحيتهم ولغاتهم.

 

سليم مطر ـ جنيف

 

السيادة أنواع، فمنها ما يتعلق بالسياسة والرئاسة، فعدم تنفيذ أمر ما مثلا يقود الى معاقبة العاصي عقوبة تختلف باختلاف موقع ارتكاب المعصية على هذا الكوكب الأزرق. ومن السيادة ما يتعلق بسلطة أدبية أو علمية فيكون من غير الوارد عصيان مدرسك أو من هو أقدم منك في صنعتك. ومنها ما يحمل بُعدا دينيا، أي الامتثال لتعاليم دين معين، لا تسرق ولا تقتل مثالا، وإنْ كان هذان الأمران يحملان صفة إنسانية ودينية معا.

الطاعة للوالدين نوع من السيادة على الابناء، والأمثلة تطول كلحن يعيد نفسه بلا نهاية، أو كجرم سماوي يعوم في فلك معلوم، لا مجال له للإفلات من فلكه المرسوم إلا بوقوع حدث مشؤوم، ككارثة كونية يقول العلماء باحتمال وقوعها بعد ملايين السنين والحمد لله.

ومن السيادة ما يخضع له المرء بلا أمر مسموع أو قانون موضوع على لوح ممنوع بحرس شديد يأمرك بالخنوع، أو حبيبٌ يهمس لك برغبة على ضوء الشموع، تلك السيادة مطلقةٌ شاملة كلّ خلقٍ مشى أو سيمشي على الارض، بل وتلاحقه وإنْ نفذ بسلطان إلى القمر أو المريخ مثلا.

ذلك السيد المطاع هو الألم، معبودٌ آمرٌ ناهٍ ليس له صنم، منبوذٌ مكروهٌ كمريض أصابه جرب أو كسياسي فاسد يشتري الذمم، يقول بلا فم أو قلم، ويُسمِع مَنْ به صَمم، إنْ شاء ذبحك بسيف ليس ينثلم، أو شاء عفا عنك فبالحمد والشكر له ترنّم. وأخبثُ الألم ما لا يصدقه أحدٌ غيرك، فطبيبك مثلا يفكر بأنك تتصنع ألمك طمعا بدواء قوي المفعول يعود نسبه إلى عائلة سيئة الصيت تدعى ببني أفيون، أشهد أنّ لتلك العائلة وأقربائها فضلا كبيرا على كاتب هذه السطور.

كثيرا ما يربطُ الشعراءُ والعشاقُ الليلَ بمناجاة المحبوب، هذا العرف لا قيمة له عندي، فعندما يأتي الليل بستاره الأسود يأمر غدة ملعونة موقعها فوق كليتك عزيزي القارئ تسمى بالغدة الكظرية، هذه الغدة تتوقف عن انتاج هرمون يساعد بني البشر على تحمل الألم، هذا الهرمون الحميد المحمود المكنون يسمى بالكورتيزول. السلام كل السلام عليه وعلى كل مادة ارتبطت به ولو من بعيد، أيستحقُ محرابا أم قصيدة مدح عصماء على عادة العرب؟ لو عرفتَ فوائده لصنعتَ له يا صديقي أكثر من ذلك.

عندما يرخي الليل سدوله، اسمعُ من كان سيدا للملائكة قبل خلق آدم يهمس بخبث كلَّ ليلةٍ بحيّ على الألم، حيّ على الألم. ولا سلاح عندي غير صلاة متواصلة، لا سجود فيها أو ركوع، بل حركات لا نسق لها أبحث فيها عن وضعية يقل فيها همس ابليس، ولا ونيس، وكان ما كان مما لست اذكره، فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر.

أيها المشتاق لا تنم

هذه أنوار ذي سلم

عن قليل انت بالحرم

عند خير العرب والعجم

أذكرُ أنّ أحدَ المرضى الراقدين بنفس الغرفة التي كنت فيها والتي تتسع لأربعة أسرّة اشتكى للممرضة بأنني كنت أزعجه بصوتي ليلا وقال تحديدا: ذلك المريض لم يكف عن قول (يا الله) طوال الليل، هلا اعطيتموه شيئا لكي ينام؟

ليتهم فعلوا وأنا آسف لإزعاجك عن غير قصد.

وقال مريض آخر  كيف تسمحون لإرهابي أنْ يشاركني نفس الغرفة وسط دهشة المرضى الآخرين، نجى ذلك المسكين بفعلته لأنه كبير السن ووصفه معالجوه بأنه مصاب بالخرف أو تحت تأثير علاج قوي غيّب دماغه، وهنا أقول : عندما يكون الإنسان تحت تأثير مخدر أو كان قد شرب الكحول حتى ارتوت ملابسه أو كان يعاني من خرف أرذل العمر، يكون عندها صادقا جدا، فالدماغ لا يستطيع أنْ يخفي أي فكرة تجول في شوارعه الضيقة الملتوية، لذلك اعتُبرت زلات اللسان مفتاحا لما يفكر به الشخص، هل تذكرون الرئيس الأمريكي بوش عندما قال مقولته والتي اعتبرت زلة لسان: سنجعلها حربا صليبية؟ ما علينا.

هل اسكن معسكرا نازيا يعذب فيه اليهود؟ سؤال خطر ببالي، ولكني في مستشفى وليس في معسكر اشوتز سيء الصيت، الكلمات الجميلة التي أسمعها من الكادر الصحي لا تترجم الى دواء يساعدني على تحمل الألم، فاعتبرتُ كلَّ ما قيل لي قبض ريح، والمضحك المبكي أنّ الأطباء في الغرب عموما يصدقون المريض وإن كان كاذبا، بل ويخترعون أسماء أمراض لتناسب مجموعة المتمارضين والأمثلة كثيرة منها الصرع الذي لا يشبه الصرع الذي سببه الدماغ، وبالمناسبة لا وجود لمرض حقيقي كهذا، ومرض الفايبرومايالجيا الذي لا اعرف له اسما بالعربية والذي اصيبت به مغنية مشهورة اسمها ليدي گاگا، وطريقة تشخيص هذا المرض بسيطة، تكون كل التحاليل والفحوصات الطبية طبيعية ولكنك إذا لمست المريض في أي مكان اشتكى من الألم، وكل هؤلاء المتمارضين يتخذون من هذا التشخيص حجة كي لا يعملوا أو لتحصيل معونات مالية، والكلام يطول ولا أرغب أن تتحول فضفضتي الى مقال طبي.

لماذا لم يعاملني الأطباء في المستشفى كتلك المغنية المشهورة؟ أهي مؤامرة أحد أطرافها سائق الإسعاف الذي زجرته في مستشفى الفلوجة عام ٢٠٠٤ لسوء تصرفه مع أحد المرضى؟ أم هي مؤامرة صهيونية ماسونية هدفها النيل من وطن أحمله على صدري قلادة لا تفارقني؟

أحسست بأنّي أذوب في ألمي كغمام بددته خيوطٌ من شعاع الشمس، يذوب شمس الدين التبريزي بمعشوقه وأنا أذوب في ألمي، هل هناك فرق؟ فلربّ عشقٍ سبب ألما.

قرر لفيف من أصدقائي الأطباء الذين زاروني بأنّ أفضل علاج لي هو الخروج من المستشفى، لتدهور حالتي وسوء طريقة علاجي التي يمكن تحسينها خارج المستشفى مع الأحباب، وفعلا نجحت الخطة وخرجت بعد أن أكملت أسبوعين بدت لي كحَولين كاملَين، فاتصلت بطبيب المنطقة التي أسكنها، استمع لقصتي والأهم من ذلك صدقني وهو لا يعرفني، وأغدق عليّ ما لذ وطاب مما حرمني منه أطباء المستشفى الذي أعمل فيه طبيبا. تحول العلاج الى طائر بجناحين من دعاء وصدقة، طار عاليا محلقا غير آبه لفوهة سلاح بيد صياد ماهر، فتحول ذلك السيد المطاع الى عبد يشاكس سيده. وتوقف ابليس عن الهمس بخبث بحيّ على الألم.

أصبحت قادرا على الوقوف وزاد عدد الخطوات التي أخطوها يوما بعد يوم وما زلت بانتظار اللحظة التي أستطيع فيها حمل ذلك الواسع العينين طويل الرموش، ذلك الطفل البشوش، الحق أقول أنّ طريقة مشيه تذكرني بكوكب الشرق لروحها السلام والرحمة عندما غنّت: واثق الخطوة يمشي ملكا، ويصعدُ السلم بسرعة لم أبلغها بعد.

هل يقربك الألم الى الله؟ هل كان ذلك عقابا أم طَهورا من ذنوب نسيتها أو اتناساها؟ يقول أصحاب الصنعة التي انتمي اليها أنّ ما حدث هو مضاعفاتٌ بعد عملية كبيرة، لا اعتراض عندي فذلك احتمال وارد ولكنْ هل يمكن اعتبار حرماني مما يزيل ألمي مضاعفات بعد العملية؟ كلّ شيء وارد، فَقَلّ ما يفاجئني شيء، فمنصب الوزير في العراق معروض للبيع بمبلغ معلوم، وآثارنا تباع وتستفاد من ثمنها معاهد أوربية، ونتنياهو في عُمان، وفرق إسرائيل الرياضية تصول وتجول في دول عربية إسلامية، ووزيرة إسرائيلية تزور مسجدا في دولة عربية، هل لسائق الإسعاف في مستشفى الفلوجة الذي نسيت اسمه ولا أعلم إنْ كان حيا أم ميتا علاقة في كل هذا التطبيع؟

كما اسلفت قبلا أنّ قائمة السيادة للأشياء تطول ولا يمكن حصرها بسطور قليلة، وربّ سيد أصبح عبدا، هل صار الألم عزيز قومه ويجب عليّ أن ارحمه؟

كم أنت شكّاء بكّاء قليل الصبر، فلتصمت، فمصيبتك ربما لم تعادل شعرة إذا قيست بمصيبة غيرك.

حسنا، على صعيد آخر يخلو من الألم ولا يخلو من سيادة، يقال بأنّ موضةَ الأزياء سيدةُ قومها، ففي حديث مع أصدقاء الطفولة اكتشفت بأن الجوارب التي نلبسها أصبحت، حسب شريعة عالم الأزياء، عورة ولا يستحب أنْ يزيد طولها عن طول الحذاء الذي تلبسه. وكذلك عدد الشقوق في بنطالك، فكلما زاد عددها تقربت الى شيخ الطريقة الذي يسكن مكانا لا أعرفه، ولكنني واثق بأنه يضحك على أتباعه وهم لا يعلمون.

هل لجحر الضب علاقة بما يجري؟

أذكر عندما كنت غارقا في ألمي حتى عنقي أرسلت رسالة نصية من هاتفي الى الله، كتبتها بالإنكليزية طالبا منه أن يزيل ألمي فهو القادر على كل شيء، فاستلمت بعدها بثوان إشعارا بأن رسالتي لم تصل. ربما يجب أنْ يُحرمَ المريض من استعمال الهاتف فلربما اتصل بشخص لا يريد مكالمته.

اصمت أيها الغافل. هلّا أصابك جبل من خجل؟  فما أنت الا قطرة في بحر غيرك.

بماذا كان يفكر يوسف عندما اُلقي في البئر؟

هل يمكن اعتبار الحبل الذي القاه السيارة رمزا للصبر على أمر الإله؟ مولانا الرومي قال ذلك ولكني لم افهم قصده.

أيها السيد المطاع سابقا، العبد المشاكس حاليا، هل أدلك على مجموعة من الناس تسكن منطقة في بغداد تسمى بالخضراء وفي رواية اثق بصاحبها تسمى بالغبراء؟ صاحبْهم ولو لساعة ولك السمع والطاعة.

هل تسمعني؟

أجاب بعد حين: لقد تركتُ العجزَ مصاحبا لك، أعلَمُ أنّ همتك كأرنب ولكنّ جسدك يجري جري السلحفاة واقرأ إنْ شئت " خُلقَ الإنسانُ من عَجَل ساُريكم آياتي فلا تستعجلون".

ربما رمزت للعجز بالمعلم الكبير، فصرت كلما أردت شيئا أسأل نفسي: هل اُريد هذا الشيء أم أحتاجه؟ وما بين الرغبة والحاجة ما بين العراق وعنق الزجاجة التي يعلم مَن أوتي ذرة من عقل أنْ لا خروج منها. 

لقد مُدَّ الحبلُ فتَمسّكْ به بيديك، واستمعْ لخطاب الحبيب، هو حلو لذيذٌ، كخمرٍ معتقة سكنت برميلا قديما وجده سيدنا آدم ولم يقربه، هل تذكر الشجرة؟ هل للعبة الكريات الزجاجية وشيخ طريقتها مصلحة فيما حصل؟

واسعُ العينين طويل الرموش ينتظر بلا ملل، ضحكاته خيوطٌ تُصنعُ منها أبهى الحلل، يا ريح يوسف ولهفة يعقوب، هل نَفَسُ الرحمنِ يفوحُ منك أم قد جاء من اليَمَنْ؟

واصبر وما صبرك الا بالله.

 

د. تميم أمجد توفيق

 

في عالم كلمات الأغاني الغربية نجد ما لا نجده في أغانينا الشرقية. فمهما ارتفعت حدّة مشاعرنا، ومهما سخنت، رضا وغضبا، حبّا وسخطا، فلن تتجاوز درجة الاعتدال التي ألفها ذوقنا و "تربيتنا" المشرقية التي لا ترتضي الشطط ولا الإسفاف في أيّ شيء.

صحيح أنّ الأمور تبدلت عندنا، لكنّه تبدل لا يمسّ المعالجة البناءة بل هو تبدّل في مقدار الإسفاف والضحالة.

تحضرني أغنية إسبانية تعود، تصوّروا، إلى الثمانينيات، تؤديها واحدة من كبريات مطربات إسبانيا هي (روثيّو خورادو)، وعنوانها "ذلك الرجل الذي ترينه هناك".

مهما تذكرنا من أغنيات العتاب والنقد والشكوى والتظلّم التي جادت بها قرائح شعرائنا الغنائيين وصدحت بها حناجر مطرباتنا على مرّ العصور والدهور، فلن نجد من بلغ عشر ما بلغته (روثيّو خورادو) وهي "تشرّح" و "تشرّط" و "تنشر" ذلك الرجل الواقف هناك "على الحبل" وتفضحه في ما يبدو لحبيبته الجديدة التي لا تعرفه بعد، وهي التي خبرته وجربته ورأت من ظلمه و سوء طباعه ما طفح به كيلها.

ساعات "يا ظالمني" و"حسيبك للزمن" و"بتسأل ليه عليّ" و" الناس المغرمين" و"اسألك روحك" و"للصبر حدود" و"حمّال الأسيّة" الخ الخ الخ. لا توازي بمجموعها وعصارتها ثلاث دقائق ونصف دقيقة من "مدفعيّة" خورادو في حق "ذلك الرجل الواقف هناك".

أكتفي هنا بنقل الكلام ولمن أراد أن يسمع هدير المدافع أن يفتح اليوتيوب على الرابط التالي:

https://www.youtube.com/watch?v=RyMznCrYyHE

 

ذلك الرجل الذي ترينه هناك

ذاك الذي يبدو لطيفا مهذبا

أنا أعرفه كما أعرف نفسي.

*

ذلك الرجل الذي ترينه هناك

ذاك الذي يبدو كائنا سماويا

حلو المعشر متدفق العواطف

إنّه لا يجيد إلا صنع المعاناة

*

هو أحمق كبير

غبي متبجح

أناني هوائي

مهرج مغرور

عديم الإحساس مغتر

مزيف قزم حاقد

عديم القلب

مسكون بالغيرة

من دون سبب ولا مناسبة

أهوج كالريح

مجرد من العاطفة

مهزوز

يصلح صديقا لكنّه لا يصلح حبيبا

*

ذلك الرجل الذي ترينه هناك

ذاك الذي يبدو لطيفا

كريما وظريفا

أعرفه كما أعرف نفسي

ولكي يكتسب ما كتبنا مداه أشير إلى استخدام "الأغاني" في دورات تعليم اللغة مادة ونشاطا جميلا من نشاطات تعلّم أية لغة:

تأمّلوا الكمّ الهائل من الصفات التي تستخرج من هذه الأغنية

وتأملوا الجهد القاموسي الذي يبذله الطالب للبحث عن معنى كلّ صفة ليضعها في مكانها الصحيح المناسب

وتأملوا الكم المضاعف الذي يشتغل عليه وهو يبحث عن الصفات المرادفة والمعاكسة

وتأملوا المتعة التي يشعر بها وهو يستمع إلى أغنية تمنحه كلّ هذا.

منجم في أغنية.

 

د. بسّام البزّاز

 

مادونا عسكر"الموهوب عقليّاً يحبّ أن يقول الكلمة. هذا ليس خياره. هذا ما صنعه الله فيه."

وأنت تطالع كتابات نيافة المطران جورج خضر تحضر أمامك رسوليّته الكتابيّة وأمانته في تحقيق الهدف الأساس المرتبط جذريّاً بتجسيد المحبّة الإلهيّة من خلال تبليغها. "أنا المؤمن أكتب لأنّ الله فوّض إليّ ذلك، لأنّه يكلّم كلّ النّاس ببعض من النّاس. أنا لا أستطيع أن أحتفظ لنفسي بما أخذته منه. "بلّغ، أنّك مبلّغ". فالوحي للنّاس والرّسول رسول إليهم. أنت كلمة الله تحضنها وتعطيها. وما استودع رسول كلمة لنفسه." إنّ عظمة المطران جورج خضر تكمن في عبارته (أنا المؤمن). هذه العبارة تمزج ضمناً الإيمان كعلاقة حبّ مع الله والعقل المستنير ليكوّنا معاً الإنسان الكامل في الله، أي الّذي على صورته ومثاله. كما أنّ عبارة (أنا المؤمن) تعبّر عن الثّقة الحيّة في العلاقة الحميمة مع الرّبّ، والوثوق في المهمّة الرّسوليّة وعمق المسؤوليّة الملقاة على عاتق  المطران جورج خضر  كمبلّغ فاعل ليس في الرّعيّة وحسب، بل في الوجود كلّه. (أكتب لأنّ الله فوّض إليّ ذلك). والكتابة في معناها العميق مهمّة رسوليّة تنطلق من الفكر الإلهيّ لتمتدّ إلى الأرض كلّها. في شخصنا الحقيقيّ العميق تكمن موهبة الكتابة، فنصوغ الكلمات على وقع صدى صوت الله. فالله يقول فينا كلّ ما يريد، ويعكس من خلالنا جماله الأزليّ الأبديّ. يكتب المطران جورج خضر فيحقّق صوت الله في العالم ويعكس نوره ويبلّغ بأمانة هذا الفكر المرتبط بكلّ تفصيل من حياتنا.

"الإلهيّون لا يكتبون من أنفسهم ولكن ممّا استلموا ويعرفون بوضوح الفارق بين الّذي نزل عليهم من فوق والكلام الّذي من الدّنيا. وإذا قبض عليهم الإلهام يضّطرون إلى الكلام وإلّا أحسّوا بالموت." في هذا الكلام يكمن المفهوم الخاصّ للشعر. فسيّدنا خضر يجسّد ما قاله القدّيس بورفيريوس الرّائي: "من يريد أن يصبح مسيحيّاً، عليه أوّلاً أن يصير شاعراً، أن يتألّم. أن يحبّ ويتألّم، يتألّم من أجل من يحبّ." وهنا يعطي المطران خضر تعريفاً للانفصال عن الحبّ الإلهيّ في حال عدم نقله. بمعنى آخر، يصغي الكاتب إلى صوت الله العميق في داخله، ويشعر بالموت إذا تمنّع عن نقله لسبب أو لآخر. فالموت بحسب قول المطران خضر هو عدم نقل الكلمة الإلهيّة كما تلقّاها. وبقول آخر يبرز العمق الصّوفيّ عند المطران خضر حيث يقول: "الله لم يكلّمنا فقط بالكتب المقدّسة. فكثيراً ما يكلّمنا بالصّادقين وبالأبرار." فتتّسع دائرة الإصغاء إلى الله وبالتّالي نقل محبّته الإلهيّة، حتّى لا يحتكر أحد عمق الكلمة وقوّتها. "الحقيقة أنّ الرّب لم يكلّمنا فقط بالكتب الموحاة. هو يكلّمنا أيضاً بالنّاس المقدّسين بما قالوا أو بما سلكوا. هذا ما يسميه المسيحيّون شركة القدّيسين. عندنا من لم يقرأ الكتاب الإلهي مرّة لأنّه أمّيّ. له أن يصل إلى معرفة الرّب في القلب. الله ليس مقيّداً بكتاب." من خلال هذا القول تتبيّن لنا الحرّيّة الّتي بلغها قدسه الّتي تعتمد على معرفة القلب الأرفع من معرفة العقل. فالعقل يعرف بحدود وأمّا القلب المنفتح على الله يعرف بالله، ويبلغ المعرفة بالقلب، بالحبّ.

 في كتابات المطران خضر تجتمع عناصر الشّعر الثّلاثة: الحبّ، والألم، والوحي. وليس الحديث عن نظم شعريّ وإنّما عن إدراك أنّ الشّعر هو صوت الله، والجمال الّذي يتفجّر من علوّ وينسكب على العالم. الشّعر الّذي يفهمه الصّمت والحبّ والإيمان. والشّاعر الحقيقيّ هو ذلك الّذي أدرك أنّه يُكتَبُ ولا يَكتب، والمطران خضر المنغمس بصوت الله يقبض عليه الإلهام فينقل فكر المسيح المتّحد بفكره. فنشعر ونثق بأنّه على مثال بولس الرّسول يحمل في ذاته فكر المسيح ويهتمّ بما فوق. "قل حقيقة الله الّتي فيك وامشِ. من تكون لتهتمّ بكونك مبدعاً أم غير مبدع؟ من يحكم في نفسه؟ اطرح كتابتك على ورق وامش. يفهم من يفهم ويحبّ من يحبّ وأنت تنطوي في رحمة الله. الله لا تهمّه الكتابة الجميلة. يهمّه خلاص الكاتب. ويبقى الأثر المكتوب رحمة من الله.". ولئن اجتمع الحبّ والألم والوحي في كتابات سيّدنا خضر، وجدنا ما يقوّم فكرنا ومنهج حياتنا وينمّي إيماننا. فنحن أمام كاتب ينفذ إلى كيان القارئ بهدف تسريب النّور إلى عمق أعماقه، لا بهدف الاستعراض الكتابيّ أو الخضوع لأضواء الشّهرة الفارغة. نحن أمام أسقف يحضر فتحضر الكنيسة برسوليّتها ووهجها النّورانيّ الّذي يضمّ منطق السّماء وواقعيّتها. ويترفّق بالواقع الإنسانيّ ليحوّله إلى الله.

 

يكتب المطران خضر الحبّ كحقيقة واضحة تنطلق من حقيقة الحضور الإلهيّ  فتحرّك القلب ثمّ العقل حتّى يبلغا حالة الاتّحاد، فتكون بشكل متصاعد من العمق إلى الاستنارة العقليّة. فالهدف من الكتابة عند المطران خضر هو امتلاء القارئ بالحبّ. "أنت تكتب للآخرين أي في المحبّة، ليصبح الحبّ كلّ شيء فيهم. الكلمة إن لم تنقل تحرّك قلب ليست شيئاً. ونحن الّذين نعرف وجدانيّة الشّرق لا نفرّق بين العقل والقلب. حسب تعليم المتصوّفين في كنيستي إنّ العقل ينزل إلى القلب ثمّ يصعد إلى ذاته من القلب." وببلوغ حالة الاتّحاد العقليّ القلبيّ يتمّ التّجريد الكلّيّ وإخلاء الذّات حتّى يمتلئ الإنسان من الحبّ الإلهيّ والحبّ الإلهيّ فقط.  وهذه مهمّة الكاتب المؤمن، أي الكاتب الممتلئ من الحبّ الإلهيّ الواعي أنّ كلمته تخترق العمق الإنسانيّ لتوجّهه إلى الله. "ما علاقة الكاتب بالقارئ؟ الكاتب المؤمن لا تهمّه هذه العلاقة. يسعى إلى إقامة صلة بين القارئ وربّه. الكاتب ليس خالقاً. إنّه مترجم. يترجم حسّه بالخالق بكلام بشريّ. الكاتب المؤمن لا يعرف نفسه إلا دليلاً على الله. ليس عنده كلمة. إنّه غارق في كلمة الله تلبسه كما هي تشاء. عندما نقول عن شاعر إنّه مبدع هذا من باب التّجاوز الأدبيّ. أعظم شاعر في الكون ناقل الشّعور الإلهيّ لأنّ الله استعار لغة البشر ليخاطبهم." ما يعني أنّ الإبداع الحقيقيّ هو الّذي بنيَ بالحبّ، وليس أيّ حبّ وإنّما بالحبّ الجوهر والحقيقة. وأقصى درجة للإبداع، وأعظمها هي تلك الّتي توجّه الإنسان إلى جوهره الأصل، جوهر الحبّ. ولعلّ الذّروة الّتي بلغها المطران خضر هي تلك الّتي تتجلّى في قوله: "أنت تقلّد الخالق إذا فكّرت مثله أي إذا اقتربت منه في عمق كيانك. هذا فوق المستوى الذّهني. هذا اختبار وجدان لأنّ لله قلب ومن القلوب ما كانت شبيهة به." حين تكتب حبّاً وتخترق الكلمة قلب القارئ حبّاً ويتوجّه بالحبّ إلى الحبّ، فلست أنت من يكتب وإنّما الله يكتب.

إنّ في كلمات نيافته مرامٍ كثيرة تحتاج إلى وقفات كي يفكّ القارئ ما يستكنّ في أعصاب لغتها من معانٍ بليغة تشير إلى أنّه يكتب بوهج المحبّة المنبثقة عن الله الحبّ، لتتغلغل في أعماق النّفس فتروي الظّامئ وتشبع الجائع وتنير الدّروب المدلهمّة.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

سعد جرجيس سعيدمتى كانَ العَرَبُ أمَّةً تركُضُ إلى البَحْرِ؟، ومتَى كان الأمَلُ والخوفُ جميعَاً يتكوَّران بين ساحِلَينِ؟ ويهرُبُ العربُ من النَّارِ، من بلادٍ تترصَّدُه، من أوطانٍ صار دمُه أرخَصَ ما فِيْها، يهرُبُ لأنَّ دمَهُ مستباحٌ، يَقِفُ على سواحل بحارِ الدَّنْيَا، يقفُ بيْنَ الخَوْفِ من المَاءِ، والخَوْفِ من النَّارِ، العَرَبُ: النَّارُ من ورائِهم، والبَحْرُ من أمامهم، العربُ: الغربة والذلُّ من أمامِهم، والحَرْبُ والقَتْلُ من ورائهم، العرب: ذكرياتٌ تحيطُها النارُ من ورائهم، وأمنياتٌ يعلوها الجليدُ من أمامِهِم، العرب يُدْركون بعْدَ الحرب الطالِعَةِ من تحْتِ أقدامِهم، بَعْدَ الحَرْب النازِلَةِ فوقَ صُدُورِهم، يُدْرِكون أنَّه لا نَجَاةَ من المَوْت المُؤكَّد إلا باقتحامِ الموتِ المُتوقَّع.

العربيُّ، فتى الصحراء الأولى، هو ما زالَ مسكونَاً بالخوف من البحر، لكنَّ سُبُلَ النَّجاةِ كلَّها تنقطع، فلا سبيلَ إلا إليهِ.

العربيُّ، يتركُ الوَطَنَ، يترك الدَّارَ، يترُكُ الأرض، يتركُ المالَ، يترُكُ شرعية وجودِه في هذا الكون، ليكونَ مهاجرا غيرَ شرعيٍّ في بحْرٍ وظلامٍ وخوفٍ، ويُهاجِرُ العربيُّ، المركب ضيِّقٌ ضيِّقٌ لا يسع لشيء من أحلامه، لا شِراعَ يمتدُّ بينَه وبين السماء، ليمنَحَه قليلاً من الأَمَل، ليلٌ قد يكون هو ليلَ النِّهاية، وقاربٌ من المطَّاط، أصغَرُ من صغارِ أمْواج البَحْر، وهو المُهَاجِرُ غيرُ الشرعي، قد يبْتلِعُه البَحْرُ، قد يأخذه سَفَرُ الموج، دون أن يُدان لغَرَقِه أحَدٌ؛ لأنَّه مهاجرٌ غيرُ شرعي.

أبٌ وأمٌّ وطفلٌ وطفلتانِ ودُمْيَةٌ، هما سفَرٌ في ليْلِ الشِّتاء، البحر واسعٌ واسعٌ يمتدُّ إلى نهايات اليأس، وجوهٌ صغيرَةٌ كلَّما ادلهمَّ الظلامُ، أو عصَفَ الموجُ ازداد شحوبُها لمعانَاً، قطراتٌ من ماء الموج تَصِلُ إلى تلك الأجساد الخائفة، هي إعلانٌ عن غضَبِ البَحْر، أطرافٌ مُتجَمِّدَةٌ من البَرْد، وأفْئِدَةٌ يحرقها الخوفُ، يُشْعِلُها الغَيْظُ، موجتانِ والساحلُ بعيدٌ بعيدٌ، موجةٌ أُخْرى، والصبحُ ماضٍ ذاهبٌ لا يمكن استردادُه، يتخطَّى القَارِبُ أمواجَاً هائِلَةً، الموجَةُ في الظلام تأتي على غَفْلَةٍ، لا تُمْهلهم حقَّ الصُّراخ، الموتُ من كلِّ مكانٍ، بعد صراعٍ طويلٍ مع الموت تصمُدُ العائلة إلا الطفلةَ الصُّغرى ودميتَها، يداها الصغيرتان على عجَلٍ استسلمتا للماء، قلبُها الصغيرُ أهدى نبضَه للموج، أحبَّتِ السَّفَرَ على الموج لا على قاربٍ صغيرٍ، طفلة تنتمي للحرية، لم يستطع قاربٌ صغيرٌ احتواءَها، طفلةٌ أحبَّتِ الغياب عن هذا العالم، أحبَّتِ البَحْرَ؛ لأن الأرض للظى، لم تأخذ معها إلا دُميَتَها، ظلَّت تحتضنها على الرَّغْم من الموج الذي يَطَّوَّفُ بهما في البَحْرِ، أخذتْهَا معها لتُؤنِّسَها في سَفَرِها الجَديد، في غُرْبَتِها وسط الماء، لم تَتْرُكْها، لأنَّها الذكرى، فالذكريات لا تُنْتَزَعُ بسهولة.

وصلت العائلة إلى الساحل الثاني، وأعاد الموجُ الطفلةَ إلى الساحل الأول، إلى الساحل القريبِ من بِلادِ العَرَبِ، لِيَلْعَنَ موتُها كلَّ من سعى للحرب، هل كان الموجُ الذي انتزعها من حضن أبيها هو نفسه من أعادها إلى الساحل، كان الموج قاسياً وغاضبَاً وهو يختطف الطفلة ودُمْيَتَها ليُلْقِيَهما في البحر، وصار ودُوْدَاً وهو يعيدُهُما إلى الساحل، هل هو الموجُ نفْسُه؟، أم في البحر أمواجٌ للغضب وأُخْرى للحنان، أم هو الموجُ نفسُه، لكنَّه أراد أن يكفِّر عن جريْمَتِه فحملها بحنانٍ إلى الشَّاطيء.

ويصبُح الصباحُ، لِيجدَ خَفَرُ السواحل الأجنبية طفلةً ودميةً وأمواجاً باكيةً، ليجدوا صباحاً ميِّتَاً في زمان العَرَبِ، شَعْرُها ما زال مُبتَّلاً بالماء، وجْهُهَا ذهَبَ عنه الخوفُ، أعلنتْ أنَّها آمِنَةٌ، وأنَّها مُطْمئنَّةٌ في زمَنِ الرَّوْع، وأنَّها ما زالت تُحَدِّثُ دُمْيَتَها.

من الذي قتَلَها؟ الموجُ أم العربُ؟ ومن الذي أغْرَقَها، البَحْرُ أم الرصاصُ والمدافع والطائرات التي تجتاحُ صدورَ النَّاس؟من الذي قَتَلها؟ العربُ، أم العالمُ الذي لم يستقبِلْها إلا أن تكون مُهاجرةً غيرَ شرعية؟.

شكراً للموج الذي حَمَل طفلتنا إلى الساحل مُغْمَضةَ العينين؛ لندرك أننا لسنا قادرين على حِفْظِ عُيُونِ أطفالِنَا، شُكْرا للموج، فكم من أجسادٍ أُخْرى نامتْ في أعماق البحار، دون أنْ يشْعُرَ بها أحدٌ، تهتزُّ السواحِلُ غضَبَاً وخوفَاً ورحمةً، ولا تهتزُّ ضمائِرُ الذين ما زالوا يُوْقدون نارَ الحَرْبِ.

أيُّها العَرَبُ، أجسادُ العرب تحْتَ مياه اليونان، وعلى سواحل إيطاليا، وفي أعماق بحار الدنيا، أيُّها العَرَبُ، العربياتُ يقفن أمَام أسلاك حُدُودِ المَجَرِ، وأمام كلاب الدنمارك البوليسية، العربياتُ يقفنَ بانتظامٍ قاتِلٍ لم يعرفْنَه من قبلُ على حُدُود فرنسا، العربياتُ يَبْكِيْنَ على فُوْضى الزَّمَن الذَّاهِبِ، أيُّها العَرَبُ ذهَبَتْ فُوْضى العربياتِ تحْتَ صُرَاخٍ لا يَفْهَمْنَ منه شيئا، وتحْتَ لُغَةٍ، كُلُّ ما يعْرفْنَه منها أنَّها تَأمُرُهُنَّ بالسُّكُوْتِ، أيُّها العَرَبُ، العَربيَّات للسُّكُوت، يقِفُ العربُ على طريقٍ تسدُّه أسلاكٌ شائِكَةٌ، آلافُ العرب ينهَرُهم جنديٌّ واحدٌ، صارَ العربيُّ فاقداً لشرعيته ينتظرُ من الأيدي الأجنبية لُقمة تبقيه على قَيْدِ حَياةِ الذُّلِّ.

 

سَعْد جَرْجِيْس سَعِيْد - شاعر وأكاديمي/ العراق

20-2-2016 لَيْلُ العَلَم.

 

اسراء العبيديباء الحب يجرجرنا من دهاليز الوحشة والظلام ويرمي بنا بعيدا هناك في بوابات السلام. حتى التقيت بقدري وزماني وفهمت جيدا أنهم يمنحانا لغز التعايش. ويبدو إنه خلال سنوات قد قرأ الزمان قدري كثيرا بفطنة وتمييز. حتى أدركت إنه أنتهى المشوار وكانت الرحلة سعيدة والباقي انتظار. فأي شيء في هذه الحياة يجعلنا سعداء بعد الانكسار . لطفا أيها العمر لماذا تمضي وإلى أين فقد قتلوا الحمامة وصلبوا الحمامة وبعدوها وشردوها. فكم حمامة سلام في بلدي قتلوها . فهل سنستطيع الوقوف خمس دقائق تحت ظل عش الحمامة أثناء المطر. وماذا سيذكرنا ذلك المنظر برحيل الحمامة. فهل طارت الحمامة في سماء صافية بلا غمامة؟ حتى الوردة حول عش الحمامة غادرها العطر وغبرت الوانها والأرض فقدت خضرتها وطوقها العسر. فانتشرت الحكاية أنه في كل يوم تولد ألف حمامة سلام ولكن كم حمامة تقتل السؤال الوجيه هنا . إنهم عندما قتلوا الحمامة بدأت تبحث عن عش الكرامة حتى صادفها دخان أسود ولكنها قطعت رحلتها حتى أدركت سرا فوق سرها الذي ضاع . إنها ستموت في أي لحظة وحياتها مهددة بالخطر , ولكنها قالت لقد مرت ليلة من العمر رددت فيها لحن النوح في غرة الفجر . فعسى ولعل النسيان سيطرق بابي وانسى من قتلني لبقايا تواصل تقره النواميس وبقايا كلمة لا تغفو في نوم عميق، إلا أنا سأكسر اطواق الغربة والمحبة والشمس بيني وبينكم أكبر من نافذة الذكريات .

 

الكاتبة اسراء العبيدي

 

شاكر فريد حسنمنذ أن جمعتني بها الصداقة على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، وانا أتابع وأواكب بشغف كتاباتها وخواطرها الشعرية المنشورة على صفحتها الشخصية، وفي عدد من المواقع الالكترونية. فقد استعذبت حروفها ونصوصها، وراقتني لغتها الرقيقة الناعمة وصورها الشعرية الجمالية المعبرة.

هي ابنة الناصرة الشاعرة فريدة صفدي، التي تعزف على أوتار الحروف سمفونيات حب لا تنتهي، لكنها للأسفم لم تحظ بالاهتمام النقدي الكافي.

فريدة صفدي صوت شعري يستشري بجنوح، وروح تستكين في روح، تعتلي مجرات التجوم، وتهب علينا بنسائمها الشعرية العطرة.

تتميز فريدة بأناقة لغوية، وتكتب بشكل سهل وسلس وعذب، باسلوب السهل الممتنع، كلماتها تتبض بالاحساس المرهف والنبض الانساني، وعناوين نصوصها وكتاباتها الشعرية والنثرية تشي بموهبة شعرية نامية ومتطورة مبشرة بمستقبل يانع.

نصوص فريدة صفدي وجدانية بعبق الهيل، ونكهة التفاح، تنبع من اعمق اعماقها، وتفصح عن خواطرها وانفعالاتها واحاسيسها وأنفاس روحها وارتعاشات وجدانها، فيها بوح شفاف صادق، وفيها أحلام وآمال، وفيها إيحاءات وصور رومانسية مبهرة ومعاني انسانية واوصاف دقيقة .

وهي خواطر عن الحب وللحب، عن الحزن الذي يلف الوطن، عن الفرح والحياة، عن المرأة الأنثى التي تسكنها، وعن أحلامها المؤجلة التي أوقدتها الكلمات، ولنسمعها تقول في هذا النص الخلاب بحروفه المخملية:

قلب رق للوجد 

يروم الشمس كالنسر

ثقلا ينزع ووجعا

بنسج نور من الفجر

سرا ينثر البذر وجهرا

بهمسة من سادة العطر

يصب إشراقة كأس

مترع من باقات زهري

أخال النجم أن يسطع

يقطف من جلال السماء فكري

بعزم يسكن رحاب اللحظة

ويلمس الغد بلا مد ولا جزر

وكتابة فريدة صفدي قصيرة مكثفة، تختزل كل العواطف والانفعالات، معبرة عن المعنى والمغزى، وتندرج في باب " الومضة الشعرية "، تجري صياغتها بلغة شعرية ايحائية تتصف بالسهولة والجاذبية والطوعية والتباذخ، معتمدة على الصور والأخيلة والايقاع الموسيقي، والاستعارة والمجاز اللغوي الواضح، ويقترب نصها من الشعر التعبيري:

عبث الدجى

في الوصال

كدت أغتال

الوجد والأشواق

ومواجعي

مع أول رقصة

نور

استيقظت أوردتي

وتبسمت

من حنين في

أضلعي

والأدوات الشعرية عند فريدة صفدي تتكاثف وتتساند ضمن نسيج نصي تنعكس فيه التجربة الانسانية التي تشكلها الذات الشاعرة، بوصفها فعلًا ابداعيًا في فضاء أرحب وفسيح، وصياغتها للقصائد باناقة وقوة ووضوح بعيدًا عن لغة الرموز والاحاجي:

كيف أُوَثِّقُ قَصِيْدِي في عَيْنَيْك

وأَحلامي تَلْتَحِفُ الْعِشْقَ بِسُلْطَانْ

كيف استزيدُ طِيْبَ وَصْلٍ

وَأَحْفَظُ الميثاقَ والْعَهْدَ

بعيداً عن النَّسَيَانْ

جالَ بِيَ الْوَجْدُ

والأَمَلُ بِقِيَادَةِ الكلام

وَشَمِلَ هَمْسُ اللُّغَاتِ بِبَيانْ

أَأَنْسَى طَرِيْقَ السَّعْدِ وَالْوَعْدْ

وَمِنْ أَبْجَدِيَّتِي

أَخْلَعُ ثَوْبَ الزَّمَانْ

أَمْ أَجْعَلُ الشَّوْقَ بين سطوري ينامْ

يَفْتِكُ بِيْ

وَلَهُ أُخْلِي المَيْدَانْ

كيف أَلْبِسُ عَبَاءَةَ الحَنِيْنِ والأَشْوَاقْ

وأَجْعَلُ الرَّوَابِيَ مَرْتَعَاً لِلْفُرْسَانْ

هنا...

أَغْدُوْ رَبْوَةً مُتَجَمِّلَةً

مُتَيَّمَةْ بِمَدَارِ نُجُوْمِهَا

وَقَلائِدِها مِنْ خِلْجَانْ

فريدة صفدي تعتمد النص المفتوح، المبني على ايقاع داخلي وخارجي، والكثير من نصوصها ذات موسيقى وغنائية، مازجة بين الخاطرة وروح الشعر، ولديها قدرة في صياغة المعنى، وصياغة المبنى بأقل عدد من الكلمات.

وهذه النصوص تملك قابلية التلحين والغناء، لما تتسم به من مرونة وشفافية وسلاسة، وتشكل في مجملها حديقة من الكلمات الفواحة الندية.

فكل التحية والتقدير للأخت والصديقة الشاعرة فريدة صفدي، ومزيدًا من العطاء والتألق والتحليق بعيدًا في دنيا الكلمات.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

سعيد مقدمفي ندوة الشعر، تلك التي أسسها الصديق مسلم الأريحي والتي كانت تقام قبل أكثر من عقد في قاعة فانوس، في المحمرة، كان يجتمع الأدباء والشعراء ليلقوا نتاجهم الأدبي وقصائدهم الدارجة والفصيحة يوم الأحد.

وكان يحضر الندوة ضيوف كل أسبوع من شتى المدن الأهوازية، من عبادان والأهواز العاصمة والخفاجية والسوس وتستر والفلاحية.

ومن الشعراء الذين دأبوا على الحضور:

الصديق حسن عاشور، والمرحوم طاهر السلامي والمرحوم سيد ناظم الهاشمي وفرحان الأسدي وسيد علي آل باليل وآخرون لم تحضرني أسماؤهم.

ومن محبي الأدب أذكر:

شهاب الشريفي وشقيقته، وهاشم السالمي وسيد راضي الهاشمي، وفرح آل علي وشقيقتها نجود، وماجدة الناصري وشقيقتها حميدة، وآخرون لم تسعفني الذاكرة بذكر أسمائهم أيضا.

كانت حجرة الشعر تملأ بالحضور.

وكنت المقدم، ولحرصي على الحضور في الندوة، قبل بدء السنة الدراسية أطلب من مدراء المدارس أن يعفوني من يوم الأحد عصرا، وكانوا يسألونني عن السبب، فأجيب بعزم وإصرار بأن هذا الوقت مخصص لندوة الأدب في قاعة فانوس.

وكم أقمنا أمسيات شعرية جمعنا تكاليفها من جيوبنا، ولم يكن الأصدقاء يضنون رغم ضيق حياتهم المعيشية. ليت شعري ما هي واجبات دائرة الإرشاد في المحمرة؟!

ثم وفي بداية حكومة نجاد، منعونا من الحضور.

لم يجهروا بطردنا لكنهم أوصدوا الحجرة، وحاولنا أن نستمر، فجلسنا في ساحة القاعة على الثيل.

لكنهم كانوا جادين في تعطيلها، وقد نجحوا؛ وتعطلت تلك الندوة الأدبية التي لم تكن ندوة أدبية فحسب، بل كانت ملتقى نرى فيه الأصدقاء كل يوم أحد.

قاعة في مدينتك وتمنع من الدخول فيها!

كأن أحدا يمنعك قسرا من الدخول في بيتك...ما الفرق؟!

الآن أمسينا نرى صور الأصدقاء الذين كانوا يحضرون الندوة عبر الواتساب والفيسبوك، والعالم الافتراضي.

وأين العالم الافتراضي من العالم الحقيقي الذي كنا نتصافح فيه بحرارة، ونقبل أكتاف بعضنا بحب واحترام، وندردش دردشة حقيقية وصادقة.

 

سعيد مقدم أبو شروق - الأهواز