جعفر المظفريقولون ان التحضر لا يقاس بعدد الجهزة الألكترونية التي تمتلكها الشعوب او بعدد ونوعية السيارات التي تقتنيها بل بطبيعة العلاقات والسلوك الإنساني، فهو، اي التحضر، سمة ثقافية وسلوكية اكثر منه خاصية تَمّلُك. في تعريف كهذا يحتل التعامل مع الحيوانات وخاصة الأليفة منها مكانا متقدما.

في الخمسين حوش، ذلك الحي المعقلي من مدينة البصرة، حيث قضيت طفولتي قبل أكثر من الف عام، كانت واحدة من هواياتنا اليومية قتل السلاحف التي تضل طريق العودة وهي تحاول عبورالشارع إلى نهر مجاور بسرعة سنتمتر واحد في الساعة.

وعلى طريقة (ها أخوتي ها) يصيح أول من يعثر على السلحفاة، أن هلموا يا أطفال الحجارة، فترانا نتجمع بأسرع من الضوء، كُلٌ يضع دشداشته في لباسه الداخلي، ويجعل من طويتها مخزنا للحجارة المدببة، هاتفين (الطوب احسن لو مكواري)، حتى إذا ما بدأنا الرمي فإننا لن نترك تلك المدرَّعة الضالة إلا ومصارينها تتدلى من ظهرها، ثم ننصرف وكأنا إنتصرنا على إسرائيل.

تذكرت هذه القصص وأنا أنظر لحفيدتي الأمريكية وهي تربت على ظهر سلحفاة صغيرة أهداها لها والدها مدّعيا أن ذلك سيساعدها على أن تتآلف مع الطبيعة من حولها، شجراً وحيوان، ثم تربي سلوكها الإجتماعي بشكل أفضل.

لكني شعرت ، وأنا أطيل النظر لتلك السلحفاة المتجولة بأمان أمام أنظار حفيدتي، أن ثمة (حكة) كانت تأكل باطن يدي.

وقد عرفت، وأنا الخبير بهذاالنوع من (الحكات)، أنها دعوة للبحث عن أقرب حجارة بإمكانها أن تحقق عودة الشيخ إلى صباه، وقد أشعل رغبتي تلك طنين بدأ يتصاعد في أسماعي وكأني أسمع من يصيح .. ها أخوتي ها...

غيرأن من حظ تلك السلحفاة المسكينة ان المكان كان خاليا من الأحجار، إضافة لمعرفتي أن (حفيدتي الأمريكية*) التي لم تكن أكبر حجما ولا عمرا من تلك السلحفاة، تعرف تماما كيف تتصل برقم شرطة النجدة. والنتيجة معروفة سلفا.

الشرطة سوف لن تتردد عن سوقي بتهمة إني عراقي همجي قادم من عصر الكهوف، ثم تنشر النيويورك تايمز والواشنطن بوست صورتي في الصفحة الأولى كعدو للحيوانية، ولن تتورع عن تقديمي للمحاكمة بتهمة إستعمال أسلحة الدمار الشامل للقضاء على سلحفاة أمريكية مسالمة.

 

جعفر المظفر

............................

* تحية لسيدتي إنعام كجة جي صاحبة رواية الحفيدة الأمريكية التي أعتبرها واحدة من أفضل الروايات التي قرأتها حول الإحتلال الأمريكي للعراق وذلك بإسلوبها السهل الممتنع.

 

نايف عبوشالثقافة التقليدية، كما هو معروف، كان مصدر تلقيها الرئيس، يوم ذاك، هو الكتاب الورقي. وما يرتبط به من شكليات تداول المعرفة منه، ولاسيما الاشارة المرجعية له، تمشيا مع معايير المعرفة، والمهنية، وضوابط الأمانة العلمية المعتمدة في البيئة العلمية، والساحة الثقافية يوم ذاك،مع كل ما يحيط بتلك الأسلوبية الرصينة من صعوبات.

 ومع هيمنة الثقافة الرقمية، في عصرنا الراهن، وذلك بظهور ثورة الإنترنت، وميديا المعلوماتية، بهذا الشكل المفتوح للجميع، دون قيد أو شرط،وفي كل الاتجاهات،فقد تراجعت معايير الرصانة، والمهنية في البيئة الثقافية، والمعرفية،بعد أن تم التهاون مع مرجعية المصدر، واهمال الإشارة إلى المرجع، بشيوع آلية النسخ، واللصق، واعتمادها أسلوباً سهلاً، في تشكيل الثقافة الرقمية الجديدة.

وهكذا فنحن اليوم، أمام هيمنة نمط جديد من الثقافة، على ما يبدو، هو الثقافة الرقمية، التي بات المتلقي يستقبل معطياتها مباشرة، من الشبكة العنكبوتية، ومواقع التواصل الاجتماعي على الانترنيت، بسهولة متناهية، دون أي تقييدات تذكر، او موانع من أي نوع .

ولاشك أن هذا التطور الحاصل في ثورة المعلوماتية، هو ما فسح المجال على مصراعيه، لظهور المثقف الرقمي، او الإفتراضي، إذا جاز التعبير، متلقيا كان، او ناشرا لها، وذلك بغض النظر عن عمق ثقافته، أو سطحيتها، غثة كانت، ام زاخرة.

ويقينا فإن ان ظهور المثقف الافتراضي، بدخوله عصر المعلوماتية بقوة، قد أطاح بمعايير الثقافة التقليدية، سواء من حيث إلغاء احتكار دور النشر، والتوزيع لها، أو الحد من دور المكتبة، في تدفق المعرفة إلى الجمهور، او من حيث أزاحة معايير الجودة، وإهمال الحرص على متانة المعلومة، ودقة المضمون جانباً، واغفال مصدر التغذية، الامر الذي فسح المجال واسعاً، لظهور ثقافة عصرية مسطحة، وتفتقر إلى معايير الرصانة، التي كانت ابرز سمات ثقافة النخبة التقليدية.

وهكذا، فنحن اليوم إذن، أمام هيمنة نمط جديد من الثقافة الرقمية، والمثقفين الأفتراضيين، الذين باتت مواقع التواصل الاجتماعي تعج بنتاجاتهم الكتابية، والفيديوية، والصورية، وفي شتى مجالات المعرفة، باعتماد اسلوب النسخ واللصق، الذي يقتل طاقة الإبداع لدى المستخدم، ويحد من تفجير الهاماته، ويحجم تفتق قدراته الكامنة، باستساغته النصوص، والمعطيات الجاهزة، ناهيك عن غمق حق صاحب النص الأصلي، او المنشور، ومهما كانت طبيعته،وهذا ما يتنافى مع مبدأ الأمانة العلمية، والحفاظ على الحقوق الفكرية للآخرين.

انها ثقافة عصر جديد، يبدو أنه لا مناص لنا من ولوجها، وبالطبع فإن لها محاسنها، في توسيع قاعدة المشاركة، وإلغاء قيود احتكار النشر، ولها في ذات الوقت، مثالبها في التسطيح، وتدني مستوى المضمون، وشيوع أسماء لا حصر لها، من كتاب، ومستخدمين افتراضيين، لا يلتفتون إلى مضمون النص، ولا يلقون بالا لمعايير الرصانة، ولا يملكون من الثقافة الحقيقية، سوى إجادة آلية النسخ، واللصق، والنشر، ليس إلا.

وما دامت الرقمنة والمعلوماتية، قد افرزت هذا النمط الآلي من التعاطي الثقافي، فإن المطلوب إزاء التفاعل مع مثل هذه الظاهرة المستفحلة، إن كان ولابد، ان يقوم المستخدمون، والمثقفون الإفتراضيون، باعتماد أسلوب المشاركة، وخاصة إذا ما وجدوا أن النص، او المنشور، او الصورة، مفيداً للقراء، ومستخدمي ميديا المعلوماتية،وذلك بدلاً من اللجوء إلى أسلوب النسخ واللصق، الذي يجافي معايير الأمانة العلمية، ويطمس حقوق منشيء النص الأصلي، ويقلص عند المستخدم، فوق كل ذلك، طاقة الإبداع

 

نايف عبوش

 

600 خليلفي صباح يوم بارد وقف رجل في إحدى محطات المترو في العاصمة الامريكية واشنطن وبدأ يعزف الكمان

عزف مقاطع مختارة من ارقي مقطوعات موسيقى العبقري باخ لمده حوالي 45 دقيقة...

خلال ذلك الوقت "لأنها كانت ساعة الذروة"، مر حوالي 1100 شخص في محطة المترو، معظمهم في طريقهم إلى العمل...

مرت ثلاث دقائق،

تباطأ رجل في منتصف العمر في سيره وتوقف لبضع ثوان، وهو يستمع لمقطوعة الموسيقي، ثم هرع للحاق بالوقت...

بعدها بدقيقة، تلقی عازف الكمان الدولار الأول!

كانت امرأة ألقت له المال بدون ان تتوقف وواصلت المسير!

شخصٌ استند إلى الجدار للاستماع إليه لبضع دقائق، ثم نظر إلی ساعته وبدأ المشي مرة أخرى وكان من الواضح أنه قد تأخر عن العمل...

كان من أبدى أكبر قدر من الاهتمام طفل عمره 3 سَنَوات، كانت والدته تحثه علی السير لكنه توقف لإلقاء نظرة على عازف الكمان...

وأخيراً، واصل الطفل المشي مكرهاً، مديرًا رأسه طوال الوقت،

وكرر هذا الأمر العديد من الأطفال الآخرين..

لكن جميع الآباء، دون استثناء، أجبروا أطفالهم على مواصلة السير

 وجميع الأطفال دون استثناء حاولوا التوقف والاستماع...

في 45 دقيقة من عزف الموسيقى، لم يتوقف ويستمع لمدة من الوقت سوى 6 أشخاص...

من الذين مروا حوالي 20 قدموا له المال، ثم واصلوا السير بوتيرة طبيعية...

كانت نهاية 45 دقيقة من العزف مبلغ 32 دولار...

عندما أنهى العزف وران الصمت، لم يلاحظ ذلك احد! ولم يصفق أحد!

لا أحد لاحظ أن عازف الكمان هذا هو "جوشو بيل"واحد من اكبر وأشهر الموسيقيين الموهوبين في العالم.

وأنه عزف مجموعة من القطع الموسيقية الأكثر تعقيدًاّ.

وانه يعزف علی كمان قيمته 3.5 مليون دولار.

وانه قبل يومين من لحظة عزفه في مترو الأنفاق، بيعت بطاقة الدخول لحفلته في أحد المسارح في بوسطن بمتوسط (100 $).

"جوشو بيل "عزف في محطة المترو ضمن تجربة نظمتها واشنطن بوست كدراسة اجتماعية حول (الإدراك وأولويات البشر)

 كانت الفكرة الاساسية هي:

- هل ندرك الجمال في جو غير مناسب وفي ساعة غير مناسبة؟

- هل نتوقف لنقدّره؟

- هل نتعرف على الموهبة في سياق غير متوقع؟

وأحد الإستنتاجات الممكنة من هذه التجربة يمكن أن تكون:

إذا لم يكن لدينا لحظة للتوقف والإستماع إلى واحد من أفضل الموسيقيين في العالم يعزف أفضل موسيقى كتبت لآلة الكمان!

فكم من الأشياء الجميلة من حولنا أثناء مسيرة الحياة تفوتنا ونحن لم نستمتع بها لانها بسيطة المظهر؟

وكم غرتنا مظاهر في حياتنا فقط لانها وضعت بصورة مبهرجة ؟

 

خليل ابراهيم الحلي

 

خالد جودة احمدالأديب شمس زاهرة ترسل أشعتها الرقيقة على النفوس، مزيج من ذهب براق وفيروز من معاني الخير والعطاء، معان دافئة من شلال متدفق من ماء عذب زلال يشفى صدى الظمآن.

الأديب قطرة من نور خيط من شعاع الحب، لمسة فرشاة ساحرة على لوحة وجدانية رائعة التكوين.

يقول الأديب الحزين الفذ "المنفلوطى" فى (النظرات):

" الأدب ليس سلعة من السلع التجارية لا هم لصاحبها سوى أن يحتال لنفاقها في سوقها، إنما الأدب فن شريف يجب أن يخلص له المتأدبون بأداء حقه والقيام على خدمته إخلاص غيرهم من المشتغلين ببقية الفنون لفنونهم "

ويقول الدكتور محمد حسين هيكل في كتابه (ثورة الأدب):

" الأدب فن جميل غايته تبليغ الناس رسالة ما في الحياة والوجود من حق وجمال بواسطة الكلام والأديب هو الذي يؤدى هذه الرسالة "

والأديب يمتلك داخل روحه لوحته الفنية من أفكاره وأحاسيسه يزين بها جدران قلبه الأخضر وذلك هو سبيله كي ينفع الآخرين،

يقول "العقاد" في مقال له بعنوان (الإصلاح الأدبي):  

"إصلاح الآداب هو إصلاح لحياة الأمة وحل مشكلاتها وتصحيح التعبير عن حياتها الحاضرة والمستقبلية ويمكن الحكم على صلاحية هذا المقياس وجودته بمدى ما يقدمه الأدباء من فن رفيع لخدمة الأمة وما تتصف به نفوسهم من خلق كريم"

ويصف أحد الكتاب قدر ما يقدمه الأدب والأدباء من اثر في العقول والقلوب فيقول:

" بين كل المسارح التي تتقلب عليها مشاهد الحياة ليس كالأدب مسرحا يظهر عليه الإنسان بكل مظاهره الروحية والجسدية ففي الأدب يرى نفسه ممثلا وشاهدا في وقت واحد ... وهناك يشاهد نفسه من الأقماط حتى الأكفان ...

وهنالك يرى أدواره المتلونة بلون الساعات والأيام هنالك يسمع نبضات قلبه في نبضات قلب سواه، ويلمس أشواق روحه في أشواق روح سواه ويشعر بأوجاع جسمه في اوجاع جسم سواه، هنالك تتخذ عواطفه الصماء لسانا من عواطف الشاعر وتلبس أفكاره رداء من نسيج أفكار الكاتب فيرى من نفسه ما كان خافيا عنه وينطق بما كان لسانه عيا عن النطق به فيقترب من نفسه ومن العالم ...

فرب قصيدة أثارت فيه عاطفة من العواصف أو مقالة تفجرت لها في نفسه ينابيع من القوة الكامنة أو كلمة رفعت عن عينيه نقابا كثيفا أو رواية قلبت إلحاده إلي إيمان ويأسه إلي رجاء وخموله إلي عزيمة ورذيلته إلي فضيلة "

وهكذا فالأديب شمس تشرق على النفوس وتنير جنباتها المظلمة وتؤسس بها المتعة والقيمة معا، ما أروع الأدب. أيها الأديب عملك الأدبي لوحتك الفنية، وويل للمعنى والفن إن ضل الأديب في لمسات فرشاته الإنسانية على لوحته الوجدانية.

 

خالد جوده أحمد  

 

خالد جودة احمدهناك من المثقفين من يحشر كلمات ثقيلة ومفاهيم ومصطلحات مستوردة ليثبت بها تعالمه واستعلائه، ويشبع نزعته في الظهور والاحساس بالتفوق علي الآخر، ويعمد لإرهاب الآخر الثقافي بتلك العبارات الضخمة، ويكتب الساخر "يوسف معاطي" عن متحدث من هؤلاء كان يحاضر عن الناقد الإنجليزي "ت.س. أليوت" فلم يفهم الناس شيئاً، لكنهم خافوا أن يتهموا بالضحالة الثقافية، فكانوا يهزون الأدمغة دلالة الفهم، الكاتب الساخر شك في نفسه، وقال أنه لابد أن لديه "نقص أليوت".

وقد قرأت اليوم للناقد اللامع د. سيد محمد قطب أستاذ جامعة عين شمس، في بحثه حول المقارنة بين طوق الحمامة لابن حزم الأندلسي، ورواية قصر الشوق لنجيب محفوظ ويرصد الصلة بينهما بعنوان (طوق النجاة حوار ابن حزم ونجيب محفوظ في فلسفة الحب)، يقول في هذا المعني:

(إنه العالم البعيد الذي يصنعه الغرب ويصدره للشرق، بل إن الغرب يصدر للشرق ما هو أهم من ذلك وأكثر ثأثيرا عليه، إن الغرب يصدر للشرق الصورة التي يجب أن يكون الشرق عليها، وهذه الصورة تشمل مجالات الحياة كلها، وتجعل الشرق مقلداً سائراً خلف الغرب في الطريق الذي تحدد بعيداً عن هويته)

وسبق مطالعتي لفكرة الناقد الأريب بيوم مطالعتي لكتاب مقالي في النقد الأدبي للكاتب والروائي صبري العسكري معنون (يا قلب لا تحزن)، احتفي فكرة قريبة أيضًا، حيث تحدث عن رواية خريف البطريرك لجابرييل دي ماركيز وانتقدها لأنها تقدم للغرب الصورة التي يريدها الغرب أن تكون عالقة باذهاننا عنا.

إن صياغة الذات تستوجب ثقة بعقولنا، وثقافتنا التي تصدر عن هوية خاصة بنا، دون أن نهتز لقصف المصطلحات الثقيلة الصخرية، ليس انتقاصًا لدور المصطلح العلمي، بل رؤية صحيحة لتوظيفه في إطار الأرث الإنساني العام، دون أن يكون في حد ذاته وسيلة للاستغراب والإنبهار، وهدم الذات، وسحقها تبتلًا في محراب ثقافات مناقضة نشأت في بيئات مغايرة. وأيضًا لبناء أسلوبيتنا الخاصة فكرًا ونقدًا وفنًا. الطريق طويل جدًا، لكنه يبدأ بخطوة تليها خطوات. آراها الجدية والرؤية التي تمزج بين الأصيل والقادم النبيل.

 

خالد جودة أحمد

 

شاكر فريد حسنيعد المرحوم مفيد قويقس أحد العلامات الشعرية المضيئة في المشهد الشعري والأدبي الفلسطيني الراهن، ومن أعمدة القصيدة العمودية التي تلتزم بحور الشعر الخليلية. فهو شاعر مقتدر ومتمكن، عفوي صادق، يعانق الحرف الشامخ، أشعاره يموسقها الجمال، وقصائده ذات جماليات على مستوى اللغة والتشكيل والمضامين، ويشهد له القاصي والداني بشاعريته الفذة، ولكن مع ذلك لم يحظ بالاهتمام النقدي المطلوب والتقدير الذي لا يستحق في حياته.

ولد مفيد قويقس في قرية يركا الواقعة قضاء عكا، في ٢١/ ١١/ ١٩٥٨، أنهى دراسته الابتدائية والثانوية فيها، لكنه لم يواصل دراسته نتيجة الأوضاع والأحوال الصعبة، واختار مجال الأعمال الحرة.

ومنذ شبابه المبكر انضم للحزب الشيوعي وشارك في نضالاته ومعاركه الكفاحية، وبسبب مواقفه الوطنية والسياسية- الفكرية، تعرض للاعتقال والاقامة الاجبارية، ولكن ذلك زاده قناعة بطريقة السياسي وانتمائه الحزبي، والتمسك بالفكر التقدمي المستنير.

قرض مفيد الشعر وهو على مقاعد الدراسة، ونشر قصائده في صحافة الحزب الشيوعي، وفي العام ١٩٨٢ صدر ديوانه الأول الموسوم " على ضفاف جرحي نما الزيتون والغار ". وبعد اكثر من ٣٠ سنة صدر ديوانه الثاني " الغضب "، فديوانه "ذاكرة انتظار "، و" عشريات ومقطوعات"و " بكلتا يدي " (٢٠١٨).

يغلب على قصائد مفيد قويقس روح الوطنية والعروبية والقومية والطبقية، وروح الغضب والتمرد والثورة على الواقع القهري الاضطهادي، والانحياز لفقراء الوطن وكادحيه ومسحوقيه. وتناول فيها الكثير من الموضوعات والمضامين، فكتب عن الارض والوطن والجليل والعمال وأول أيار والمرأة ويوم الارض والانتفاضة وشهداء الحرية، وحاكى الحب والطبيعة في قصائد رومانسية لا احلى ولا اجمل.

قال عنه الناقد الأديب د. منير توما: " شعره كاًوراق السنديان في نعومتها وملمسها وشكلها الموحي بصلابة شجرها العريق الذي يتماهى مع أصالة مفيد قويقس في الانسانية والوطنية، كما تشهد له قصائده في ديوانه " الغضب ".

ويضيف قائلًا: " الاحساس عنده انصهار كيان، فهو يكتب بخغق قلبه، وصفاء روحه، بنبضات عروقه، وآلامه، بصدقه واخلاصه، وايمانه ليجسد احساسه الملتهب هذا بتصوير حالة من الوجد والشجن يتخللها أصداء واقع مرير صادرة بصور عاطفية شجية مؤثرة ".

مفيد قويقس جواد شعري مجنح، نذر نفسه لهذا الوطن الذي كان مسكونًا به، ونسج من خيوط عواطفه وشعاع خواطره ملاحم العشق والنضال والخلود، وكرس يراعه في الدفاع والذود عن شعبه وقضايا الوطن والحرية، واسهمت الأحداث المأساوية التي مر بها شعبه، وعاشها وعاصرها، في ايقاد جذوة الشعر المضطرم في أعماقه، فصاغت منه شاعر الكفاح والمقاومة والرفض، وشاعر الوطن والأرض، وشاعر الحب في آن.

نماذج من شعره:

درزوا قوميتي بالكذب

فكأن يبغون فصلي عن أبي

درزوها ويحهم هل حسبوا

بكتاب الزيف أنسى حسبي

ويحهم كيف استحلوا ذلهم

باقتلاع الثوب ثوب النسب

كيف يرضون على أنفسهم

انعرالا عن سليل طيب

جلس الملك على عرش وهم

بين نعلي ملكهم يلغون بي

خسئوا لا العز من شيمتهم

لا ولا هم فن سليل العرب

ويقول في قصيدة اخرى:

إني عشقتك عزة عربية

متوغل في عشقها الوجدانُ

فمن المحيط الى الخليج همومنا

جرج يوثّق بينها ولسان

عريية أفراحنا عربية

أوجاعنا وجميعنا عربانُ

لم نفتقد رغم الظلامِ هوية

بالعمق تسري واسمها الإنسان

وفي قصيدة اخرى يبوح عن انتمائه قائلًا:

سجّل على جبهة الدنيا أنا أُممي

سجّل وهناك دمي فاكتب بسيل دمي

سجّل أنا من تقلاه الخنى زمنًا

وحاصر الليل شمسي في ذرى القمم

أنا الفصيلُ الذي أمسى على مضضٍ

ولست أحمل غير الجرح والألم

ولست أملك بالدنيا سوى غضبي

والحب والجوع والأشعارِ والقيمِ

سجّل احبُّ شعوب الأرض قاطبةّ

لا فرق عندي بين العرب والعَجَمِ

القصيدة الاخيرة:

كان المرحوم مفيد قويقس قد كتب قصيدته "غسان كنفاني عائد ويبقى " ليقراها في أمسية اشهار كتاب" معارج االابداع " لعدنان كنفاني في مقر مؤسسة " الأسوار " بعكا، ولكن قبل أن يلقيها أصيب بنوبة قلبية حادة، فمكث في المستشفى لعدة أيام، ولكن كان الموت بالمرصاد له، فتوفي فجر يوم الجمعة الرايع من كانون الثاني العام ٢٠١٩ وشيع جثمانه في اليوم نفسه:

ومما جاء في قصيدته :

 

لستَ يا غسّان ذكرى

إنّما دربٌ وأفقُ

كلّ ما فيك امتدادٌ للتفاصيل

وشرقُ

عائدٌ أنت إلى عكًا وحيفا

عائدٌ بين يديك الفجر يسري

وانتظار العائدينْ

عائدٌ يا ايّها الباقي الذي لا ينتهي

بحرًا ورياحًا

وترابًا وحنينْ

لستَ ذكرى إنّما بدء الحياةْ

وانْطلاقٌ وارتقاءٌ

وسفينٌ للنجاةْ

لستَ ذكرى ونراها وترانا من بعيدٍ

أنت مَن يحيا لدينا

نحن مَن نحيا لديكْ

عائدٌ أنت ولكن

من حقوق الأرض أن تبقى

وأن نأتي إليكْ

لستَ ياغسّان ذكرى

إنّما العودة للحب الذي تحضنه

بين يديكْ

.........

عائدٌ أنت الى حيفا وعكّا

عائدٌ أنت الى كلّ مكانِ

لم تغبْ حتّى تعودَ اليومَ ذكرى

أنت ملءُ الأرض في هذا الزمانِ

فيكَ شعبٌ يتحدّى، فيكَ شعبٌ

يتعالى عن صغيرات الأماني

أينما كنت حياةً أو رفاةً

فيك شعبٌ ترتقي فيه المعاني

أينما كنتَ فأنت الحيّ دومًا

تسحق النسيان في كلّ رهانِ

ربّما الأسماء تُنسى في بلادٍ

وبلادي ليس تنسى كنفاني

جئتَ يا غسّان من أسوار عكّا

قد أتت أولى ومنها أنت ثاني

فيك شعبٌ لا يموت الحلم فيه

كاظمًا طولَ انتظارٍ واحْتقانِ

فيك مدّ البحر نحو الشطّ يهفو

ونشيدُ الأرض في كلّ الأغاني

............

ليس للشوق قياسٌ أو كثافهْ

رغم حجم الليل يجتاز المسافهْ

يصل النهرُ الى البحر مُحبًّا

رغم سدٍّ

رغم حدٍّ

رغم أشكال الليالي

رغم دعوى فَرَضَتْ يومًا

على النهر انْعطافَهْ

ليس للشوق وللحبّ حدود أو مسافهْ

فحكايا الأرض تروي قصة الحبّ الذي يحيا،

ولا يَنسى من النهر ضفافَهْ

زمنٌ يمضي

زمنٌ يقتات من أيامنا

يخشى المحبّين وأسماءَ المحبّين

وفي رؤياهُ طبع الحبّ آفهْ

لِيَرَ الكارِهُ ما شاء ومن شاء

فنحن العاشق الممتدّ في كلّ الزوايا

ومَدانا واقعٌ لا ينتهي

ليس خيالًا أو خرافهْ

..............

لكِ عكّا كلّ أسبابِ البقا

هذه الأسوار نبضٌ من ثبوتْ

كتب الدهرُ حروفًا فاقْرأي:

صامدٌ يعشقُ عكّا لا يموتْ

..............

لستَ يا غسّان ذكرى

إنّما الزيتون والفكر وهامات الرجالْ

ووضوح الماء للظامئ

في صحراء، فيها لم يكنْ إلّا الرمالْ

لم يمت سقراطُ يومًا

رغم كأس السمّ، حيًّا

بين أحياء اليتامى

لا يزالْ

لستَ يا غسّان ذكرى

ايها المكتوب في كلّ الحنايا

ليس يمحوكَ احتلالٌ

واغتيالٌ

وانتقالْ

عائدٌ أنت الى حيفا وعكّا

وجهك القائم كالماء انتعاشٌ واكتمال

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

شاكر فريد حسنثمة سؤال مطروح: لماذا لا ينتشر أدبنا المحلي ويشتهر شعراؤنا، ويأخذون ما يستحقون من الرعاية والاهتمام، هل هو تواجدنا تحت الاحتلال، ولا دولة تهتم بنا كشعراء- كما تقول مقبولة عبد الحليم- واذا سلمنا بهذا الطرح جدلاً، فلماذا انتشرا اذًا الشعر والأدب الفلسطيني، وتعديا الحدود واجتازا الفواصل، في مرحلة حالكة في تاريخنا الفلسطيني، هي مرحلة الحكم العسكري، وكانت حينها المنابر قليلة، ولم يكن سوى صحافة وأدبيات الحزب الشيوعي، في حين أن الحال اليوم مختلف، حيث شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية، التي لا تعد ولا تحصى، فضلًا عن الصحف العربية المنتشرة في العالم العربي!!.

في هاتيك الأيام اخترق أدبنا الأسوار والفضاء وتحدى الحصار والخنق والطوق الثقافي السلطوي، ووصل الى الجماهير العربية على امتداد الوطن العربي، فرددت قصائد وأشعار محمود درويش وسميح القاسم وراشد حسين وتوفيق زياد وحنا أبو حنا وسالم جبران وغيرهم من أقطاب وأعلام الشعر والأدب الفلسطيني، ومن القصائد التي اشتهرت وانتشرت قصيدة " سجل أنا عربي " للراحل محمود درويش التي حفظتها عن ظهر قلب الجماهير العربية من المحيط وحتى الخليج، ما جعل درويش اطلاق صرخته المعروفة " انقذونا من هذا الحب القاسي ".

حتى أن الأديب الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني احتفى بأدبنا وأصدر كتابه الشهير عن أدب المقاومة الفلسطيني.

باعتقادي المتواضع أن عوامل متعددة ومختلفة وأكثرها ذاتية، لعدم انتشار أدبنا وشهرة شعراؤنا على نطاق واسع في زماننا الراهن، ومنها غياب القيم الثقافية والأخلاقية، والمستوى الشعري للقصيدة، والتركيز على الذات، والابتعاد عن المنبرية وهموم الناس وقضايا الشارع ونبض الجماهير، عدا النرجسية والتقديس والدجل والزيف الثقافي والتنافس السلبي بين أصحاب القلم، ومظاهر الغيرة والحسد، وما يجري وراء الكواليس من أحاديث نميمة وتشهير بالآخر، بالاضافة الى الشللية والانقسامات والصراعات بين الروابط والمنديات والاتحادات الأدبية، وايضًا عزوف الناس عن القراءة، وعدم اهتمام الجيل الشبابي بالشعر والقصيدة بشكل خاص والأدب عامة، والاحباط الأدبي والثقافي السائد نتيجة القرف من المظاهر الأدبية السلبية المدمرة السائدة.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

محمد غانيأليس أُمرنا بالقراءة في ظلمة ليل الجهالة لحكم متعددة و مغاز متنوعة؟ أليس يشير وحي قلم القدرة الى أهمية الاهتمام بالقراءة؟ أليس واعد الاله موسى اربعين ليلة و أَتْمَمَها بعشر ليقتبس من نور وحي الإلهي جُمِع في صحف ليقتبس من جذوتها المؤمنون؟ ليس ذاك لشيء، الا ليتغلبوا على فرعون جهالاتهم التي تنتصب آلهة تسير جوارحهم الى الضلال؟ أليس بنور جذوة موسى "القراءة" تهتدي أعين السائرين في ليل الجهل الحالك؟ ألم ينمو رضيع موسى بفضل جذوة النبوة وسط قصر فرعون الجهالة فكذلك يمكن أن يرتقي رضع القراءة وسط بيداء جهالاتهم ان هم نحروا فرعون الضلال و الجهل بداخلهم؟

لأكل قلب الثمار لا بد من تجاوز القشور الى اللب، بل في كثير من الاحيان نعثر على الجواهر بعد الغوص في أعماق سطوح المحيطات فكذلك جواهر المعاني ينبغي الغوص عميقا للعثور عليها، لكن بطبيعة الحال مع اتقان فن الغطس، و الا لَغرِق النافذ للقعر دون أخذ بالأحوط  بالتسلح بالمفيد من الآليات الميسرة للوصول الى المقصد و الهدف.

أمر رسول الاسلام بالقراءة رغم انه أمي، فيه دليل على أن الامر يتجاوز المعنى السطحي لقراءة المكتوب من التراث الانساني، رغم ما فيه من الفائدة، و يتجاوزه و الحالة هاته، الى الامر بقراءة المكتوب بيد القدرة وما سطره الحق في كتاب الكون الذي سيطوى يوما ما كطي السجل للكتاب، انه أمر باستخدام الحِجَى في فهم الحكم و الاسرار الخفية و الظاهرة وراء خلق كل كائن على ارض الوجود سواء كان هذا المخلوق محسوسا أو غير مادي، و الغوص في التفكير و التدبر لغاية الحصول على نتائج و خلاصات تفيد الكائن البشري في اعمار الارض اولا و في سيره في طريق اكتشاف آثار الحق على هذا الوجود.

ليس التراث الديني وحده الذي يرفع شعار التفكر و التدبر و الاعتبار من اجل تسهيل الحياة و تيسيرها على هذا الكائن البشري سواء في شقها المادي او الروحي بل هذا ألبرت أينشتين وجدته يقرر هاته الحقيقة قائلا" لقد خلق الله الكون وفقا لقوانين لا تعترف بالمصادفة أو العشوائية" فهو بتفكيره العميق و تدبره في احوال الكون يقرر نفس الحقائق الدينية المسلم بها مند البداية لدى الموقن بها، حيث انه من المعلوم ان الحق لا يتبع اهواء مخلوقاته و إلا لفسدت السماوات و الارض و من فيهن.

ان التفكر و التدبر لب باطن الفعل الانساني لذلك ينبغي توجيه عقولنا في السبورة الكونية لاختيار ما ينبغي التفكير فيه حتى تأخذ أفعالنا صباغة الارضية التي نمشي عليها بافكارنا ففي النهاية كما ترى الاديبة الامريكية المتخصصة في كتابة القصة القصيرة  اليزابيث جيلبرت "انت لست سوى ما تفكر فيه و احاسيسك هي عبد لافكارك و انت عبد لعواطفك".

اذا تأملت ايها القارئ العزيز احوال غير الناجحين تجدهم لا يحسنون اتخاذ القرارات لا لشيء الا انهم لم يعتبروا من التجارب التي تمر أمامهم، فاللبيب من قرأ كتاب الكون و خبر تجاربه ليعرف كيف يجول بدروبه بأمان فلا تفترسه وحوش و لا يسلبه قطاع طرق، لذلك تقول الكاتبة الامريكية من اصل اسباني كوبي أناييز نين "اذا كنت بليدا لدرجة انك لا تستطيع التفكير لنفسك فتزوج" و كلامها بليغ لان فيه اشارة الى ضرورة الاستشارة من الغير عند اتخاذ القرارات حتى من طرف المتمكنين لطرق التفكير.

ان القراءة حسب نفس المفكرة أناييز نين هي "فن الانصات" بمعنى ان الصمت عين الانتباه بسائر الحواس للأخذ و الافادة من سبورة الكون، ان عملية التدبر و التفكر ان تأملناها جيدا، سنجدها سبر لما خفي وراء سطور الكون، من ظواهر المخلوقات، لاستكناه الحكم و الاسرار و التجليات الالهية على هذا الوجود، و هو عين معنى المعراج الفكرى و الروحي المطلوب منا اقتفاؤه اقتداء بالاسوة الحسنة.

أخيرا، كم  ينبغي لنا ان ننتبه الى خلع نَعْلَي الجهالة و الغفلة من اجل اثارة انتباه حواسنا و توجيهها لجذوة موسى القراءة بطور سناء السبورة الكونية من اجل تلقي الخطاب الالهي الذي لا يفتأ يخاطب عقولنا القلبية بآياته الكونية بشكل لا يتوقف لاستكناه جواهر معانيها عبر الاجيال.

 

د. محمد غاني، كاتب، المغرب.

 

قبل فترة وانا اتناول نوع من الخضار ابتسمت ابتسامة كانت من القلب فعلا لاني تذكرت اني كنت بصغري عندما اشاهد والدتي وهي تتناولها استغرب كيف تستطيع اكلها وهي بطعمها السيء هذا وسبحان الله الذي غير ذائقتي وفكرتي وصرت اتناولها بحب..! واستحضر دائما اموراً مهمة في تفكيري وطبيعتي قد تغيرت.. يغير الله محبتنا وتقبلنا لبعض الاشياء والاشخاص والاماكن وتتغير كل طبيعتنا بمرور الزمن فلماذا نحن نتمسك ببعض الافكار والاعتقادات ونرى انها من المحضورات التي لايجب الاقتراب او حتى محاولة التفكير بالبحث عن اصولها او كونها تتقبل الصح او الغلط... في السابق كنت ارى من يثبت لسنين على رأي ولايغيره انه قوي وواثق من نفسه وافكاره وآرئه، اليوم صرت ارى العكس فسرعة تطور الحياة وكل هذا الكم الهائل من المعلومات وابواب العلم المفتوحة تستوجب التطور والتغيير فكما يتغير كل شيء في الكون تتغير افكارنا وتتطور وتكبر بالبحث والتفكر والتعلم المستمر. فلا يمكن للانسان ان يبقي نفسه في اطار واحد وآراء محددة لاتتقبل النقاش ولا التغيير، حتى طباع الانسان قابلة للتغيير نحو الافضل بمجرد تغير افكاره وطريقة استجابته للاحداث من حوله. نجد الكثير من الامثلة خاصة في الحياة الريفية مثلا تكون صفة سائدة يطلقها نساء العشيرة الواحدة على انفسهن ان نساء هذه العائلة عنيدة مثلا ولا تغير رأيها وطبعا يعتقدن ان الامر فيه شيء من التميز.. او هذه العائلة رجالها مزاجهم صعب ويعتقدون انها صفة ثابتة ويتناقلها الابناء والاحفاد... والكثير من الصفات واني على يقين كل من يقرا تذكر شيء مماثل، والحقيقة ان اغلب هذه الصفات هي يتم طرحها وتمريرها من خلال الاحاديث وتكبر لتصبح افكار ثم افعال متوارثة وهذه من الادلة التي تثبت عدم محاولة الانسان تغير افكاره لعدم وعيه وانه يرى التغيير شيء غير صحيح ومخالف للنواميس والاعراف ويعمل على محاربة كل تغيير لانه ليس على طريق الاباء والاجداد..فهم يغيرون ملابسهم مع الزمن يوم بيوم ويؤثثون منازلهم بأحدث الاثاث واجملها . . . وافكارهم اثرية لم تتجدد منذ سنين..(... بل نتبع ماالفينا عليه اباءنا ...)، مما يجعل كل تعاملاتهم تحددها هذه الافكار وتجمد اي محاولة للاستنتاج او التكهن بمستقبل مختلف لان المعتقدات ثابتة اذن لايتغير شيء..!! تغيرك وتحديث افكارك يدل على انك حي وتستجيب وتستقبل اشارات الكون لك. فيقال ان من لايتغير... ينقرض..!

 

هناء عبد الكريم

 

ضياء نافعالمرحومة أ.د. حياة شرارة (1935 – 1997) والمرحوم أ.د. محمد يونس (1937 - 2009) هما علمان من اعلام   قسم اللغة الروسية في كلية الاداب ثم في كلية اللغات بجامعة بغداد، وعلمان من أعلام الباحثين باللغة العربية والمترجمين عن الروسية في قضايا الادب الروسي  بالعراق بشكل خاص والعالم العربي بشكل عام، وهما ايضا شخصيتان معروفتان في الاوساط الروسية التي تتابع نشاطات الباحثين والمترجمين العرب في مجال الادب الروسي، وقد ورد اسميهما – مثلا - وتحليلا شاملا لاسهاماتهما في مجال الادب الروسي في العالم العربي على صفحات عديدة في كتاب د. الميرا علي زاده الموسوم – (الادب الروسي والعالم العربي)، الصادر في موسكو عام 2014 عن معهد الاستشراق التابع لاكاديمية العلوم الروسية، وكذلك في مصادر روسيّة اخرى .

لقد تناولنا في كتاباتنا عن الادب الروسي مساهمات د. حياة شرارة ود. محمد يونس في كثير من مقالاتنا (انظر، مثلا، مقالاتنا بعنوان –  حياة شرارة والادب الروسي في العراق - لقطات / ثلاث نقاط حول كتاب بلقيس شرارة – هكذا مرّت الايام / نجوم في سماء كلية اللغات / محمد يونس وداعا / محمد يونس والادب الروسي في العراق). اليوم نريد التوقف عند اطروحتي الدكتوراه لكل من حياة شرارة ومحمد يونس، اذ انهما قد كتبا اطروحتيهما عن الاديب الروسي ليف تولستوي. ان التوقف عند هذه النقطة المشتركة بينهما قد توضح بعض سماتهما العلمية، وقد تجيب عن بعض الاسئلة حولهما .

حياة شرارة وصلت الى موسكو والتحقت رأسا بقسم الدراسات العليا  يالقسم الروسي بكليّة الفيلولوجيا (اللغات وآدابها) في جامعة موسكو، اذ انها كانت تحمل شهادة البكالوريوس في اللغة الانكليزية وآدابها، اما محمد يونس، فقد كان في تلك الفترة طالبا في الدراسات الاوليّة بالقسم الروسي في تلك الكليّة ليس الا . تخرّج محمد يونس اواسط الستينات وحصل على درجة الماجستير وعاد الى العراق، وقد تمّ تعينه في قسم اللغة الروسية بكلية الآداب في جامعة بغداد، أما حياة شرارة، فقد انهت دراستها العليا وحصلت على شهادة الدكتوراه بعده، وعادت كذلك الى العراق وتمّ تعينها في القسم المذكور ايضا . كتبت حياة اطروحتها عن تولستوي والتحليل النفسي في ابداعه، مع التركيز على روايته الشهيرة (آنّا كارينينا)، ونشرت حياة كتابها الاول في بغداد بعنوان – (تولستوي فنانا)، وهي اطروحتها واقعيا، ولكنها مشذبة ومزيدة ومنقحة، ولا زال هذا الكتاب يعدّ واحدا من المصادر الاساسية العربية في دراسة تولستوي، وقد صدرت عدة طبعات له. اما محمد يونس، فقد حاول التوفيق بين عمله في قسم اللغة الروسية وبين الاستمرار بالدراسات العليا في جامعة موسكو، وقد استطاع – بصعوبة بالغة – ان ينهي هذه الدراسة مع الاحتفاظ بعمله في جامعة بغداد . اطروحة محمد يونس كانت ايضا عن تولستوي، ولكن مقارنة بالادب العربي، اذ ان طبيعة ظروفه لم تسمح له بالتفرغ للدراسة في موسكو طوال الوقت، وهكذا كتب اطروحته واقعيّا في الادب المقارن . لقد راسل محمد يونس كثيرا من الادباء العرب وحصل منهم على آراء متنوعة عن تولستوي (منهم مثلا غائب طعمه فرمان وعبد المجيد لطفي)، وكم اتمنى ان تنشر هذه الاطروحة بالعربية، لعدم وجود اي مصدر عربي لحد الان يمكن ان يعوض عنها . اطروحة حياة شرارة عن تولستوي أدّت بها ان يكون اختصاصها الدقيق – (تولستوي روسيّا)، اما اطروحة محمد يونس عن تولستوي فانها ادّت به ان يكون اختصاصه الدقيق – (تولستوي عربيّا)، ولهذا، كتبت لنا حياة شرارة نتاجات رائعة ومتنوعة حول الادب الروسي البحت، اما محمد يونس، فقد كتب لنا كتابه الشهير والفريد في المكتبة العربية وهو - (الكلاسيكيون الروس والادب العربي).

حياة شرارة ومحمد يونس – اسمان كبيران في دنيا الباحثين العراقيين حول الادب الروسي، ويوحدهما – ليف تولستوي .

 

أ. د. ضياء نافع

 

اسماء محمد مصطفىالحلم هو المكان اللانهائي واللاملموس الذي نستطيع فيه تحقيق عزلتنا عن الوجع .

****

منقوصاً ولد فرح الإنسان، في زمن لايسمح  لمواكب الحب أن تحصل على حصة كاملة من الفرح .

*****

لا تتمن َ العودة الى الماضي، لتصحح أخطاءك الفادحة، إذا كانت تلك الأخطاء قد أوصلتك الى جمال روحك الآن .

*****

كلام المنطق لايعني بالضرورة أنه كلام الحق .

*****

الفاشلون يجيدون الرقص على حلبة الثرثرة . يحبكون سرد حكايا اللؤم في إذاعة الفضائح المصطنعة  .. لا نلومهم، نلوم جمهور المستمعين، يتركون المذياع مفتوحاُ وإن لم يستمعوا !!

الفاشلون يمشطون أيامهم بأسنان الحسد . نلوم الجالسين أمام المرايا، يكتفون بالنظر الى مقص الحقيقة .

الفاشلون يسكنون العراء . يعتدون على جغرافيا النقاء.  يحفرون الوهم . نلوم السابلة، ينحرفون ولايردمون الحفر!!

*****

لاتدعْ قلبك يمزقه الوجع، ولابيادرك يهشمها غضب العواصف . قوة الروح تريك حقيقة أن الفرح سنبلة قد تنحني لريح الوجع، لكنها لاتنكسر .

*****

حين يغيب القانون، يظهر معدن الإنسان .. لذا فإنّ التربية تسبق القانون في الأهمية .

*****

لحظات الفرح، على شحتهاِ، تُعلـِّمنا ولاشك، لكننا قد لانشعر بمانتعلمه منها إلاّ بعد غيابها عنا.

*****

ثمة أناس يدخلون الى حياتنا، وثمة أناس يخرجون منها، لكن ثمة من يقفون في منطقة كالبرزخ تربط او تفصل بين الدخول والخروج .. لا هُم في حياتنا .. لا هُم خارجها .. لكنهم مؤثرون على حياتنا أكثر من الداخلين والخارجين .

*****

حتى لاتخطئ كثيراً، ضع لنفسك وأفكارك وآرائك هامشاً يذكرك بأنك قد تكون على خطأ .

*****

وسط العتمة، تذكر أنّ للروح نوافذَ تلامس ضوء الأفق .

*****

لاتطلق العنان لكراهيتك، لأنك ستندم بعد حين . الكارهون المتعاملون بفظاظة وشر مع الآخرين هم الأغبى لأنهم مكروهون من الغير، لايبقى معهم صديق ولايتعاطف معهم أحد، ولايذكرهم إنسان بخير، على عكس أصحاب الحكمة والمحبة الذين مهما تتصور أنهم بنقائهم أبرياء إلاّ أنهم الأذكى، لأنهم يمسكون بزمام الأمور ويسيطرون على الغير بلطافتهم وحسن سلوكهم، كيف لايسيطرون على الآخر وهم قد سيطروا على أنفسهم أولاً؟

*****

أنا وأنت والحب .. نلتقي على حافات الفراق ..  نفترق من غير أن تعصف بنا ريح الوداع .. بداية الرحلة نهاية .. نهايتها بداية .. حبنا دائرة نتلاحق فيها .. نبحث فيها عن زوايا لالتقاط الأنفاس او منعطفات للاستراحة، لكنه بحث عبثي لأنّ كلاً منا ببساطة نصف قطر دائرة الشغف، التقى النصف الآخر وشكلا قطراً عند نقطة التصاق روحي، ولم يكتفيا بنقطة التقاء واحدة،  فامتدا بالقطر في مسيرة دائرية رسماها بأصابعهما لتتكامل .. بيد أنهما ينفصلان  كالمعتاد .. ويفترض بأيّ منهما هنا أن يعود نصفا ً يأبى او غير قابل للالتصاق من نقطة ما بالآخر .. لكن وعلى مايبدو أننا حتى في الفراق نشكل دائرة .

 

أسماء محمد مصطفى

 

594 منذر الغباريعن دار ليندا للطباعة والنشر في السويداء، صدر للشاعر والقاص السوري المبدع منذر الغباري، مجموعته الشعرية التي تحمل عنوان "الجَنّار".

جاءت المجموعة في ١١١ صفحة من الحجم المتوسط، وقدمت لها الشاعرة والناقدة والاعلامية السورية ندى محمد عادلة، واحتوت على ٤٦ قصيدة، تراوحت ما بين الوجدانيات والوطنيات، استوحى مضامينها وموضوعاتها من الواقع والوجع السوري، وهموم الناس، وآلام الشعب، وجراحات الوطن وأوجاعه.

منذر الغباري صوت أدبي سوري راق ٍمميز، يكتب الشعر العمودي الموزون، والقصيدة النثرية، والقصة القصيرة، والقصيرة جدًا، له بالاضافة الى مجمعه الشعري "الجَنّار" مجموعة قصصية بعنوان "لا تدعوني أموت".

وهو من مواليد حلب الشهباء عام ١٩٧٢، يحمل هموم شعبه ووطنه وأمته، يعانق قضايا الحرية، ويدعو للحب والتسامح والسلام.

الكتابة بالنسبة له- كما قال مرة - هي الحياة والخلود كما الوطن، وهي حديثه المقدس وكتابه المرتل، بها تتنفس روحه كما المطالعة والموسيقى التي يهواها حتى درجة العشق.

منذر الغباري شاعر ملهم قدير، وقاص بارع السرد، أخذ على عاتقه حمل عبء الهم الانساني، وتحمل بشهامة عذابات الكلمة، وما يميزه ان محورًا عاطفيًا مشتركًا هو الوشيجة الأساسية في مجمل أعماله وإبداعاته حب الانسان، وعشق الوطن والأرض السورية، والتغني بهما. شعره هو صدى لمواقفه الوطنية والقومية العروبية والسياسية والانسانية، أسلوبه رصين شفاف، وعبارته قوية متماسكة، يغني للوجدان الشعبي السوري بحب صوفي روحاني، ولا ينسى الجرح الفلسطيني والهتاف لفلسطين.

من اجواء قصائده أخترت هذا النموذج بعنوان " سيرورة الحبِّ والسَّلام ":  

 

دقُّوا نواقيسَ الحقائقِ يا بَشَرْ

وتَبَصَّرُوا بعقولكمْ وقتَ النَّظَرْ

 

غنُّوا تراتيلَ السّلامِ بِأرضنا

واسْتَقْبِلوا اللّحن َالبليغَ على الوَتَرْ

 

هذي دروبُ السِّلمِ تفتحُ بابها

توَّاقةً تهفو إلى غرسِ الشَّجَرْ

 

عادتْ سَحَائبُ غيثِنا مهطالةً

تسقي الجِراحَ تُزيلُ آثارَ الكَدَرْ

 

حنَّ السّنونو والحَمَامُ لِتُرْبِنا

قدْ كانَ في أمسٍ لهمْ أرقى مَقَرْ

 

وطني سرى رغم الخُطوبِ مُبشِّراً

بزوالِ إعصار المرارةِ والشَّرَرْ

 

وطني أزالَ عنِ العيونِ سَوادها

ومضى يُقبِّلُ كلّ دَمْعاتِ القَدَرْ

 

وطني أحالَ الجَمرَ ثلجاً نادفاً

 وَجَنَى من الصَّحراءِ ألوانَ الثَّمرْ

 

مُدُّوا كُفوفَ الحبِّ في ساحاتهِ

وتأمَّلوا أحلى الأماني والصُّوَرْ

 

مُدُّوا حِبالَ الوصْلِ في أرجائهِ

واسْتَقْطِفوا النَّجْماتِ مِنْ شُهُبِ السَّحَرْ

 

واسْتَبشِروا عَهدَ المسرَّةِ والرِّضا

آنَ الأوانُ لِنَسْتقي عِطْرَ المَطَرْ

 

تحية للصديق الشاعر والقاص الأديب السوري منذر الغباري، أبارك له الاصدار الشعري الجميل، وتمنياتي له بالمزيد من العطاء والتألق والسطوع الأدبي.

 

كتب: شاكر فريد حسن

 

نايف عبوشالثقافة التقليدية، كما هو معروف، كانت مقتصرة على نخبة من الكتاب المحترفين، أكاديميا، ومهنيا، ومجموعة من الأدباء المبدعين، ولها مؤسساتها الخاصة، حيث كان مصدر التلقي الرئيسي، يوم ذاك، هو الكتاب الورقي. وما يرتبط به من شكليات تداول المعرفة منه، وما تحيط به من صعوبات، تعترض سبيل حصول المثقف عليه، مادية كانت، او عملية.

ومع ان لثقافة الكتاب الورقي نكهتها في التلقي، ولها متعتها في التداول، طيلة مرحلة ما قبل ثورة الإنترنت، والمعلوماتية، الا انها أخذت تفقد بريقها، بمزاحمة ثقافة ميديا المعلوماتية لها، وتتنحى جانباً، بتدفق المعرفة الرقمية عبر الإنترنت، بهذا الشكل المفتوح للجميع، دون قيد أو شرط، وفي كل الاتجاهات.

وهكذا فنحن اليوم، أمام هيمنة نمط جديد من الثقافة، على ما يبدو، هو الثقافة الرقمية، التي بات المتلقي يستقبلها مباشرة من الشبكة العنكبوتية، ومواقع التواصل الاجتماعي على الانترنيت، دون أي تقييدات تذكر، او موانع من أي نوع . ولعل هذا التطور الحاصل في المعلوماتية، هو ما فسح المجال على مصراعيه، لظهور المثقف الرقمي، او الإفتراضي، إذا جاز التعبير، متلقيا كان، او مبدعا، وذلك بغض النظر عن عمق ثقافته، أو سطحيتها، غثة كانت، ام زاخرة.

ولاشك ان ظهور المثقف الافتراضي، بدخوله عصر المعلوماتية،  قد أطاح باحتكار النخب المثقفة التقليدية للساحة الثقافية، والأدبية، كما اطاح باحتكار دور النشر، والتوزيع، وحد من دور المكتبة، في تدفق المعرفة إلى الجمهور، وأزاح في نفس الوقت، معايير الجودة، والحرص على متانة المعلومة، ودقة المضمون جانباً، الامر الذي فسح المجال واسعاً، لظهور ثقافة عصرية مسطحة، وتفتقر إلى معايير الرصانة، التي كانت ابرز سمات ثقافة النخبة التقليدية.

وهكذا، فنحن اليوم إذن، أمام هيمنة نمط جديد من الثقافة الرقمية، والمثقفين الأفتراضيين، الذين باتت مواقع التواصل الاجتماعي تعج بنتاجاتهم الكتابية، والفيديوية، والصورية، وفي شتى مجالات المعرفة.

انها ثقافة عصر جديد، يبدو أنه لا مناص لنا من ولوجها، وبالطبع فإن لها محاسنها، في توسيع قاعدة المشاركة، وإلغاء قيود احتكار النشر، ولها في ذات الوقت، مثالبها في التسطيح، وتدني مستوى المضمون، وشيوع أسماء لا حصر لها، من كتاب، ومستخدمين افتراضيين، لا يلتفتون إلى مضمون النص، ولا يلقون بالا لمعايير الرصانة، ولا يملكون من الثقافة الحقيقية، سوى إجادة آلية النسخ، واللصق.

 

نايف عبوش

 

صائب خليلاحتجت معرفة النص الدقيق لعبارة من كتاب رسول حمزتوف "داغستان بلدي"، فلم انتبه لنفسي إلا وقد طار نصف اليوم!

"داغستان بلدي" انشودة كرامة وحب وطن وأهل، مغلفة بنسمة هدوء وطمأنينة تتيح لهذه الكلمات أن تورق من جديد، بعد ان تعرضت لأشنع تمزيق وتشهير، بعضه متعمد وأكثره عارض.

إنه ترياق من الشجاعة المعطرة بالإنسانية، ضد سموم الدونية التي تملأ الجو حولنا، تنفخها وسائل اعلام يتحكم بها من يبغي الموت لهذه الأوطان. إنه إنعاش للقيم التي خنقها كتاب انتشروا ونموا بسرعة الأعشاب الضارة في ارض خصبة، وقد سيطرت المسكنة على أرواحهم فنذروا أنفسهم مبشرين بعظمة الاستسلام للقوي بحجة الواقعية. إنه مزيج بارع من دعوات القوة والرجولة إلى حد العنف الأقصى، بخنجر يوضع تحت وسادة الوليد وقد كتب على غلافه: "يد ابيك لم ترتجف وهي تحملني، فهل ستحملني يدك دون ان ترتجف؟"، مع أرق مشاعر الإنسان التي تنبهه أن يترفق بقبضته فـ "لا يخنق العشب"!

لا شيء يتردد في هذا الكتاب أكثر من الحديث عن الخناجر والسلاح والشجاعة والحصان الباسل سوى الحب والإنسان والشعر والأغنية، فكيف امتزج هذا بذاك، دون ان نجد بين يدينا خليطاً متنافراً؟

"داغستان بلدي" يكشف لنا السر! إن خير ما يدفع بالإنسان إلى الشجاعة والتضحية والدفاع عن الوطن، هو أن يكون الوطن جميلا رقيقاً مليئاً بالشعر والأغاني. واكثر دعوة قادرة على الإقناع بالتضحية من أجل القيم، هي أن يكون الصحب إنسانياً باسلاً يدعوك للفخر به والتضحية معه وله ومن أجله. أن يكون مجتمعاً يهمك رأيه بك، فلا تستطيع ان تخونه دون الإحساس بالوجع.

ولا يمكن الدعوة للتضحية والمثل ما لم تكن تلك قد نبتت في الإنسان مع حبه لوطنه منذ صغره. فلكي تكون لكلمة الوطن وقعها، يجب ان تمتزج برأس الإنسان وقلبه. وللقلب مكانة سامية في كتاب حمزتوف، لا يكاد يدانيه فيها أحد.

"هل يمكن ان نطلق في العالم كلمة لم تكن قد عاشت في القلب؟"

"أمس كنت اتسلل الى اعشاش الطيور، واغري أصدقائي بصعود الجبال.

وأتى الحب عنيفاً أزرق العينين، فجعلني دفعة واحدة، كبيراً...

أمس كنت احسبني كبيرا وراشداً، اشيباً وحكيماً حتى آخر أيامي

وأتى الحب وابتسم في بساطة.. فإذا انا ولد صغير!"

والطبيعة وجمالها جزء من وطن الانسان وانسانيته:

"ايتها العصافير، مالك صامتة منذ الفجر؟ - المطر يهطل... ونحن نستمع الى صوته..

ولماذا تصمتون انتم أيها الشعراء؟ - المطر يهطل... ونحن نستمع الى صوته! "

فعندما تتشبع الأرواح بجمال المحبوب والمكان، تجب التضحية وتجد مبررها ودافعها، ويصدق من يقول: "لا يجوز لأحد ان يكون صغيرا في المكان الذي نقف فيه". عندها سيبدو "اكثر المشاهد حقارة وشناعة"، مشهد "الرجل الذي يرتجف خوفاً".

"داغستان بلدي" هو نسغ تجربة داغستان في بناء هذا الإنسان لكي يستطيع الدفاع عن بلده الصغير ضد كل ما يحيط به من أخطار كبيرة، فنحن احوج إلى تجربتهم وأن نفهم كيف فعلوا ذلك. أن نعرف كيف بنى الداغستانيون "حصانهم الباسل الذي يمكنهم من اجتياز جميع الثنايا"، وليس الى تأمل المانيا واليابان اللتان يصر الذين امتلكهم الإحساس بالدونية بأن الاستسلام والقواعد العسكرية الأمريكية هي من بنى حضارتيهما وتقدمهما.

الكتاب مليء أولاً بالصور الأخاذة عن القرية – الوطن ومن يعيش فيه:

"التفت مرة أخرى لألقي نظرة على قريتي.. على سطح بيتنا أرى امي.. انها تقف منتصبة ووحيدة. ثم تتضاءل وتتضاءل لتصبح خطأً عمودياً صغيراً فوق الخطوط الافقية لأسطح المنازل"

وهناك الكثير من الحديث عن الأطفال في الكتاب، وتوجيههم بالأمثال والحكم، المنسوجة بمشاهد قراهم وحقولهم، ليبقى وطنهم ويبقوا:

"الأطفال الصغار يرون احلاماً كبيرة – كتابة على مهد"

"الصغير هنا يبكي ويضحك، ولا يستطيع ان ينطق بكلمة واحدة، ولكن سيأتي يوم يقول للناس جميعاً، من هو، ولماذا أتى الى هذا العالم"، ولن يستطيع ذلك ما لم يتربى على رؤية جمال وطنه ومحبته، فـ "على الانسان ان يحمل في قلبه أغاني شعبه"..

"الكذب ليس خطأً او هفوة. إنه عشب ضار في حقل روحك. إن لم ينتزع في الوقت المناسب، فيمكن ان يملأ الحقل كله".

"على كل انسان ان يفهم منذ صباه بأنه أتى إلى هذا العالم ليصبح ممثلا لشعبه، وعليه ان يكون مستعداً لتحمل أعباء هذه المهمة".

وللأغنية في "داغستان بلدي"، موقعها الخاص:

"آي داي دالالاي .. آي دولا لاي.. كلمات الأغنية مفاتيح صناديق اللغة المحرمة"

"الأغنيات ستغنيها له انت امه، وانت تهزين سريره. وبعد ذلك، فلتغن له الطيور والأنهار، وأيضاً السيوف والرصاص. أما اجمل الأغاني فلتغنها له عروسه".

ونلاحظ أن للشعر والشعراء مكانة كبيرة في تلك القصائد والحكم، كما هو الامر للشجاعة والشجعان، فـ "الشجعان والشعراء والمغنين.. أمناء على النار وهم حراسها". بل قد يتفوق الشعر على السلاح في قيمته:

"السلاح الذي قد تحتاجه مرة واحدة، تحتاج لحمله، العمر كله. وابيات الشعر نكتبها مرة واحدة، فتخدمنا العمر كله"

ولحكم القرية مكانة مميزة أيضا: "النسر الذي يقضي وقته بالرواح والمجيء بين الدجاجات في الحوش كسلا.. ليس نسراً"

"غن اذا حل الربيع.. واحك الحكايا إذا جاء الشتاء"

كنت قد قرأت هذا الكتاب واعجبت به كل الاعجاب قبل اكثر من ربع قرن، قرأته بانتباه، وسجلت الكثير من العبارات الرائعة فيه، لكني لما تصفحته اليوم وجدته أروع مما رأيته حينذاك! فالتجربة اختلفت والمشاكل التي في الراس اختلفت، وقوة الشوق الى الحياة الجميلة والكريمة ومعرفة طريقها، اختلفت كثيرا. 

داغستان بلدي كتاب للتأمل، والهضم لكي يبقى اثره في الروح، وليس لقراءة سريعة : "عندما تستيقظ من نومك، لا تقفز  من سريرك كأن أحدا عضك.. فكر قبل كل شيء بما حلمت به"

لماذا تكون "الروح" ضرورية لبقاء بلد صغير على قيد الحياة؟ لماذا يكون الشعر والأغنية والحب والجمال ضرورات لبقاء الوطن؟ لأن بدون الروح والأغنية، ستتحول الطرق العزيزة بالذكريات، إلى تراب وجدران طينية مهدمة، لا تستحق الاهتمام، كما يصفها أحد الناعقون بضرورة الاستسلام والواقعية. عندها، إن تمكن هذا السم منا فلن نجد شيئا يستحق الدفاع عنه.  لماذا تكون قصص الشجاعة وقيمها سلاحاً للدفاع عنه ولا أمل له ولأهله بدونها؟ لأنها الجسر لعبور حاجز الخوف والاحساس بالقلة أمام عدو اكبر واكثر عدداً..

وهكذا فأن "الشجعان والشعراء والمغنين والرواة .. أمناء على النار وحراسها"..

نحن بحاجة إلى ان نقرأ "داغستان بلدي" بقلوبنا ونحفظه في صدورنا، وأن نصنع مثله لأنفسنا ولأجيالنا لنعود اليه وقت ضيقنا ويأسنا، وقبل أن يتمكن اليأس منا.

 

صائب خليل

 

 

قد يتعرض الانسان- مادام يعيش في مجتمع فيه اجناس مختلفة من الناس –الى مواقف شتى تفرض عليه نوعا معينا من السلوك ونمطا من الكلام ربما لم يعتد عليه في تفاصيل حياته اليومية بل ويبدو غريبا عليه ومستهجنا في كثير من الاحيان، ومهما كان هذا الانسان محترما ولبقا الا انه قد يتعرض الى نوع من التعامل الذي يفرض عليه ان يتعامل بالمثل او يغير طريقة تعامله مع الاخر وفقا للموقف الذي وجد نفسه فيه بطريق مباشر او غير مباشر..

ولايخفى على احد ان في احيان كثيرة يكون الصمت ابلغ من الكلام لبعض الاشخاص الذين لايستحقون ان تقال لهم كلمة حسنة او حتى سيئة،لكن هناك مواقف يصنف فيها الصمت على انه نوعا من الضعف بل ان الانسان الصامت يستغل صمته ابشع استغلال ويترجم ادبه على انه ضعف كبير، فماذا يفعل الانسان حيال ذلك!

قبل كل شئ ان الانسان الحكيم يلجأ الى الحكمة والاناة في تحليل الامور والرد عليها تبعا لمخزونه الثقافي والتربوي الذي يمتلكه فيكون رده ديناميكيا مقترنا بالسؤال الذي وجه له لكن بسرعة بديهية تجعل تصرفه كنتيجة طبيعية من باب الفعل ورد الفعل..

في احد الايام قال لبرنادشو كاتبا مغرورا"انا افضل منك فانت تكتب بحثا عن المال وانا اكتب بحثا عن الشرف،فقال له برنادشو على الفور: صدقت كل منا يبحث عما ينقصه" فكان رده حاسما بكلمات قليلة معبرة افحمته..

ان الانسان الذي يتحلى بكم معقول من الحكمة والثقافة تجعله اولا مبتسما في كل الاحوال ،وابتسامته دليل الثقة بنفسه،مدركا انه كبير رغم كل شئ، وهذا ليس غرورا بل تقديرا لنفسه ،ثم عارفا ان الشخص الواقف امامه يريد النيل منه والانتقاص من شخصيته باي طريقة،فماذا يفعل!

اولا/ عليه ان يحافظ على هدوء اعصابه والتظاهر بعدم الاكتراث،فذلك

سيترك انطباعا عند المقابل بان هذا الانسان حكيم ومتحكم بمشاعره الى الى ابعد حد،ثانيا/اختيار المفردات الملائمة على ان تكون مرادفة لعباراته وكرد فعل طبيعي للموقف الذي وضع فيه ، ثالثا/الترفع عن الالفاظ النابية التي تسئ للمتحدث وتقلل من شانه ،واخيرا اختيار كلمات قليلة ومؤثرة في ذات الوقت لان" خير الكلام ماقل ودل"..

 

مريم لطفي

 

589 بلورياتبلَوريات ـ مجموعة شعرية جديدة للشاعر والقصّاص محمد بن جماعة الذي يواصل نحت بصماته ويجعل من البساطة في شعره أغوارا عميقة وأبعادا لا متناهية فينطلق من العادي المتداول والمعاش ليجعل منه حقولا خصبة من الدلالات والرموز كقوله

في المدرسة وأنا طفل فقير

مسكتْ بيدي صديقتي الثريّة

أخذتني إلى دكان قريب

اشترت لي هلكة ـ الفيل ـ

صُمت بعدها عن الطعام

لحلاوتها

وكذلك خين نقرأ قوله

في المقهى

يجلس مراهق

يرتشف قهوته

يستلّ رجولته من جمرة السيجارة

ولأن الواقع الجديد يما فيه من مستحدثات أضخت ملازمة لحياتنا اليومية فقد تأثر الشاعر بها وجعلها من أهم العناصر في صُوره الشعرية، حيث يقول مثلا

أنا لست أنا

أناكائن فايس بوكي

أداعب فأرة

أنْستني ملمسَ يديكِ

فكم هي بليغة هذه الصورة التي جعغل فيها الشاعر الإنسان المعاصر يفقد بعده الإنساني الإصيل ويصبح متفاعلا إلى أبعد الحدود مع الآلة..,هذه إدانة صارخة للواقع الجديد الذي أصبحنا نحيا فيه ربما بشعور كائن آخر غريب يشبه كل شيء إلا الإنسان…

ـ 2 ـ

جنازة سماوربة ـ للروائيّة الصينية ـ شينران ـ وهي من مواليد 1958 وهاجرت إلى لندن بعد أن عملت سنواتٍ عديدةً مُقدِّمةَ برامجَ اِجتماعيةٍ في الإذاعة الصينية وقد ترجم هذه الرواية من الفرنسية الأديب عبد المجيد يوسف والرواية بطلتها زوجةٌ شابة تمضي في رحلة إلى بلاد التّبت لتبحث عن زوجها الذي انقطعت الصلات به في وقائع غزو الصين لبلاد التبت تلك البلاد التي تعتبر سقف العالم فتمضي الكاتبة في تصوير معاناة الناس والتأكيد على تحدياتهم للطبيعة الشّرسة وما ألطفها بالنسبة للمآسي التي سردتها

والقصة في أبعادها هي اِنتصار للقيم الإنسانية الخالدة وإدانة للأنظمة التسلطية التي تستمد قهرها للشعوب من خلال المفاهيم التي رسختها عصور الجهل فالمرأة الصينية في الأرياف مازالت تعتقد ان زوجها بمثابة الإلاه وقد أكدت ذلك الكاتبة شينران في إجابتها عن هذا السؤال ـ  كانت الصينيات يعتقدن – ولا زلن يعتقدن في الريف – أن أزواجهن آلهة. هل لاحظتِ تغيراً كبيراً بين وضع المرأة الصينية حين كنتِ تقدمين برنامجك الإذاعي ووضعها الحالي في المجتمع؟

فأجابت شينران قائلة : الصين بلد مترامية الأنحاء، تقريباً في حجم أوروبا بأكملها، وهناك فجوة عظيمة بين المد والأرياف. لذا تختلف توجهات الصينيات وفقاً لموقعهن أو حتى الجيل الذي ينتمين إليه. وفي الأغلب لا تختلف رؤية ساكنات المدن للحياة عمّن يعشن في الغرب لأنهن حصلن على قدر من التعليم. ولكن الريفيات الفقيرات لا زلن يعشن بالمعتقدات والتصرفات التقليدية ذاتها التي اِعتنقتها الأجيال السابقة.

إنها رواية جديرة بالقراءة لأنها نافذة نطل منها على منطقة نائية من العالم لا نعرف عنها الكثير

ـ 3 ـ

عشق واحد ـ للشّاعرة التونسية فريدة صغروني وقد نشرت هذا الإصدار الأول باِعتباره باكورة نصوصها التي تتراوح من التعبير عن الوجدان الذاتي المكلوم إلى تصوير بعض المظاهر الاِجتماعية بما فيها من معاناة ومظالم ونقرأ أيضا نصوصا شعرية ترصد بألم الأوضاع العريية المترديّة وتستبطن التاريخ فتستحضر بعض الرموز الوضاءة في تراثنا الزاهر

إن قصائد البوح في هذه المجموعة بادية بوضوح من خلال المقدمة إذْ تنطلق من تجربة ذاتية مأساوية فاَكتسبت قيمة الشهادة من ناحية وحقّقت بكتابتها ملاذا من ناحية أخرى فالشّعر يمكن أن يكون إذن تعويضا وسندا عمّا نفقده أو عمّا نحلم به ومن هذه الزاوية يمكن أن تمثّل الكتابة بَلسمًا وراحةً نفسية يستعيد بها صاحبها توازنه ليواصل الحياة

لم أقرّر في يوم أن أكون شاعرة

ولم أكن أنوي قطّ أن أكون كذلك

ولكنّ القدر بجبروته وبقدريّة قدرته

بسخرية لعبته وبحكمته

هو من قرّر ذلك

فكتبت عن عشقي

الموت والحياة

الحب والثورة والغضب

عن القدر والزمان

الطفولة والمرأة والإنسان

الليل والصبح والشجر

وقد قدّم لهذا الكتاب الشّعري الأديب الدكتور منوّر نصري فلاحظ أن البُعد التربويّ البيداغوجيّ ظاهر بوضوح في كثير من النصوص بالإضافة إلى الحضور الواضح للهواجس الوطنية والعربية وفي المقدمة إلماحات نقدية مهمّة مثل تساؤله الطريف عن الفرق بين طريقة قراءة الشعر والنثر وكذلك كيف يمكن لنا التمييز بين النصوص السردية والنصوص

الشعرية عندما تغيب المميزات الشكلية من وزن وقافية وإيقاع

والكتاب الشعريّ ـ عشق واحد ـ لفريدة صغروني قد جمع أنواعا مختلفة من أشكال النصوص الأدبية ولعلها بذلك قد هتكت الحواجز الشكلية في سبيل التعبير عن وجدانها االعارم في خضمّ ما لاقته من محن فكانت الكلمات لها زورق النجاة...أوَليس الأدب مأساة أو لا يكون

ومن النصوص الشعرية المتميّزة التي قرأتها ـ صاحبة العجلة ـ الذي تقول فيه

ليست صاخة العجلهْ

من أمرها على عجلهْ

ها أنا أمامكم من أدفع العربهْ

ذات العجلهْ

فتنتصر فيه للمرأة الكادحة وإلى قيم العمل والكرامة مع إدانة واضحة للمجتمع الذي تخاطبه قائلة

يكاد ينكسر من همّه

من ظلمه ظهري

ولكن همّتي حصينة عن القهر

وكبريائي

منيعة عن الكسر

عصيّة انا على دهري

فأنا لست منك يا شعبي

ليست الشاعرة فريدة صغروني الأولى والوحيدة التي ثارت على شعبها فقد سبقها أبو القاسم الشابي في ذلك منذ

عشرات السنين في قصيدة ـ النّبي المجهول ـ

 

سُوف عبيد - رادس ـ تونس

https://www.soufabid.com/

 

عام يمضي باسفاره .. بافراحه .. بالامه .. بمسراته .. باحزانه .. بكل مافيه من تفاصيل صغيرة او كبيرة، حزينة اوسعيدة، بصمة تركها في البوم حياتنا بخيرها وشرها، بحلوها ومرها، كانت جزءا منا وكنا جزءا منها، فالمفرح اسعدنا والمحزن اضاف لنا شيئا، وكل له بصمة ..

 وهاهو العام الجديد يلّوح بالافق معلنا قدومه، عسى الله ان يجعله عاما سعيدا علينا وعلى اوطاننا وعلى كل امة تدعوا الى الخير والسلام، لكن قبل ان ينتهي العام علينا ان نودعه بكل محبة ونشكره على كل شئ قبل ان ياتي العام الجديد فلمن نقول شكرا ..

اقول شكرا .. لمن وهبني الحياة وجعلني باجمل صورة وابهى تقويم، و زادني بسطة في العلم والجسم، واسبغ عليّ نعمه ظاهرة وباطنة، وسخّر لي الحياة بما رحبت بسماءها وارضها، مساءاتها ونهاراتها، شموسها المعطاء، نعمهُ التي لاتعد ولا تحصى .. الجمال، الصحة، الرضا، العلم، المحبة الصافية، القناعة، السلام، الايمان به وبجميع خلقه دون قيد او شرط، اقول شكرا لخالقي على نعمة الحياة ..

واقول شكرا لمن ابصراني النور وانعما عليّ بالوجود في الحياة، وعلماني ابجدية الحياة من الالف الى الياء، وبذلا الغالي والنفيس في سبيل تربيتي ورعايتي وتعليمي ورفاهيتي وصيرورتي، ولم يدخرا وسعا ولاجهدا ولاسهرا ولاصحة الا وقدماها لي بطبق من ذهب، وكلما وصلت اليه هو غيض من فيضهما عليّ وحبهما الكبير الذي لايعادله حب، ومهما فعلت لن استطيع ان ارد ولو جزء يسير من جميلهما وتضحياتهما، فيارب اسكن من توفيته منهما في فسيح جناتك، واطل عمر من بقي قبسا ينير لي دياجير الحياة ..

وشكرا لاخوتي واخواتي ولتلك الصباحات البيضاء والنهارات الحميمة التي جمعتنا وليتها دامت وعسى الله ان ان تبارك تلك اللمة الرائعة ويحقق الله لها كل التوفيق وعسى ان نتجمع من جديد ..

وشكرا اقولها لاسرتي .. لاولادي نور عيوني وزهوة حياتي، طيوري المغردة المرفرفة على واحة عمري، فرحتي وسعادتي، وقناديل الامل الاخضر، وايقونة صباي، النور الذي به ولاجله احيا، عسى الله ان يوفقهم وينير حياتهم بواحات من الامل والصحة والسرور ..

وشكرا اقولها لكل من غرس ببستاني زهرة، دعمني بموقف اوكلمة او بسمة، قريبا كان ام غريب، بعيدا ام قريب، بصمة تركها على متصفح حياتي اذكرها وتذكرني، وعسى الله ان يزرع البسمة في قلوب تعطي من اجل العطاء ..

وشكرا اخيرة اقولها لكل من اساء الي بقصد او دون قصد بموقف اوكلمة في غياب او حضور او حول طيبتي الى صخرة كأداء لاتعثر بها وأكبو، او بخل عليّ حتى بالكلمة الطيبة، لانه اعطاني جواز سفر مفتوح اجتاز به مطارات الالم ومحطات الزيف وامضي قدما واتجاوز الصغائر والسفاسف من الامور لاكبر امام نفسي، فذلك ايضا ترك بصمة تجعلني اكثر صلابةً وتسامحا واشد باسا على تجاوز الصعاب ..

شكرا لكل هؤلاء وآمل انّي لم انسَ احدا الا وشكرته على كل شئ وعسى الله ان يوفقنا جميعا، سنة سعيدة مباركة على الجميع ..

 

مريم لطفي الالوسي

اديبة من العراق

 

قاسم حسين صالحكلمة الافتتاح باسم المثقفين

الحضور الكريم

بدءا تحية من ميسان التي ينطلق منها هذا اليوم صوت يوحّد المثقفين العرب في بلدانهم بالمشرق والمغرب.واذا علمنا ان ميسان تعني في قواميس اللغة العربية التبختر والتمايل والنجم الشديد اللمعان، فان من حق ميسان هذا اليوم ان تلمع في سماء العرب وتمشي متبخترة مزهوة فرحا بانعقاد اول مؤتمر عربي لأرقى فئة في المجتمع تعشق اجمل ثلاثة: الحرية والحب والجمال.

ايها النخبة الراقية فكرا واخلاقا

ثمة اكثر من اشكالية يعيشها المثقف والثقافة العربية، نبدأها بان العقل العربي يحمل فكرة خاطئة عن الثقافة، بنظرته لها على انها نوع من الترف، ولا يدرك ان الذي يصنع اهدافه ويحدد سلوكه وعلاقته بالآخرين.. هو الثقافة. فاغلب العرب غير منتبهين الى ان اختلاف الناس في سلوكهم يعود الى اختلافهم في مضمون ثقافتهم، لأن الثقافة هي قيم وافكار ومعتقدات توجّه السلوك، وان نوعية اختلافنا فيها هو السبب في اختلاف سلوكنا.. ولك ان تلحظ ذلك لدى مقارنتك بين سلوك رجل دين وفنان عشق الموسيقى.. بل لك ان تقارن سلوكك انت بسلوك شخص داعشي، فالفرق بينكما يعود الى اختلاف افكارك ومعتقداتك عن افكاره ومعتقداته.. هذا يعني ان حال الثقافة الآن هو السبب الرئيس لما عليه تردي الحال في العرب، وما حصل ويحصل بينهم من نزاعات واحتراب.

والمشكلة ايها الأحبة.. ان المثقف العربي، واقصد هنا المثقف الحقيقي لا الذي وضعه السياسي في جيبه، او المثقف الانتهازي الذي ينتظر نهاية المعركة ليكون مع المنتصر.. يعيش اكثر من محنة، الأولى محنته مع ثلاث سلطات لها سطوة ترعبه:

- سلطة النظام، الحكومة، بضمنها مفارقة سيكولوجية:شعور السياسي بالنقص الثقافي امام المثقف، وشعور المثقف بالاستعلاء عليه.

- سلطة المؤسسات الدينية، بضمنها التي تدعو الى تحريم الموسيقى والمسرح والسينما وحرق الكتب واباحة دم المثقف علنا او بكاتم الصوت.

- وسلطة القيم والتقاليد والعشيرة.

والمفارقة ان هذه السلطات يوحّدها، على اختلافها، هدف واحد هو ان تحصر المثقف بين خيارين:اما الخضوع لها او مواجهته لاربع عقوبات:السجن ، قطع الرزق، التكفير، والنبذ الاجتماعي.

المحنة الثانية: محنته مع ابناء صنفه من المثقفين، فلقد افرز ما سمي (تسونامي العرب -2011) الذي انطلق من تونس الى ليبيا الى مصر.. ثلاثة أنواع من المثقفين: (مدّاحون، ومعارضون، وموظفو ثقافة) بتوجهات مختلفة. فالمدّاحون كانت مهمتهم، تجميل الوجه القبيح للسلطة وتبرير التجاوز على الحريات والسكوت عن جرائم البوليس السّري والمخابرات. ومع أن معظم المدّاحين الذين سيطروا على وسائل الثقافة الرسمية:صحافة، اذاعة، تلفزيون.. حظوا بالامتيازات، الا أنهم كانوا يدركون أن مهمتهم لا تختلف عن شاعر أموي أو عباسي يمدح الخليفة ليجزل له العطاء، وانهم كانوا يحتقرون أنفسهم حين يختلون بها، الا المسيّسين الذين ربطوا مصيرهم بالنظام، او الذين خدّروا ضميرهم الأخلاقي.

أما موظفو الثقافة، بمؤسساتها الرسمية، فكانوا رماديين في علاقتهم بالسلطة بين من اتخذ الثقافة مصدر عيش فتعامل معها بالطريقة الشعبية (الياخذ أمي يصير عمي)، وبين من وازن بين (أناه) الثقافي والسلطة بعلاقة شبيهة بشعرة معاوية.. فيما توزع المعارضون، وهم القلّة، بين من انكفأ على ذاته أو هاجر الى بلاد نائية فمات قهرا أو طلّق الوطن أو.. قتله ابداعه فمات منتحرا!

وفي ثقافتنا العراقية بعد 2003، والثقافة العربية بعد تسونامي العرب، كان أغلب المثقفين من نوعي المدّاحين والموظفين قد صاروا في محنة.أذكر لحضراتكم مثالا.. أن المثقفين العراقيين عقدوا بعد اسبوعين من سقوط النظام(نيسان 2003)، اجتماعا غصت بهم قاعة الأدريسي بكلية الآداب، وكنت حاضره.. فقال أحدهم لشاعر شعبي كان معروفا بمدح "القائد" بقصائد نارية:

- ألا تخجل.. كيف تأتي وأنت مدحت "صدّام" بقصائد رفعته بها الى السماء.. فأجابه:

- والآن أمسح به الأرض.. ومستعد أن أمدح معمما" أو ملحدا".. اريد أعيش أخي.

ياللكارثة!.. ان اتعس حالات الثقافة حين تمتهن وتكون مصدر عيش.. يتحول فيها المثقف من أفضل ناقد اجتماعي وانقى عقل في عملية تقدم المجتمع وازدهار الوطن، الى "موظف ثقافة" او ممارس زيف على (أناه) أو انتهازي يبيع ضميره الثقافي لمن يدفع أكثر.ومحنة كثيرين منهم أن السلاطين قد ولّوا فأين يولون وجوههم؟ ولمن سينظم الشعراء ويغنّي الفنانون: "العزيز أنت" و"عاش الريس"؟.. و"ارجع ياريس احنه بنهزر".

ثالث المحن.. واقساها هي شعور المثقف بالاغتراب وسنتجاوز ماركس وسارتر والوجوديين الذين انشغلوا به لدراسات سيكلوجية اخذت ادباء ومفكرين وفنانيين فوجدوا ان المثقف المغترب يعاني من تسعة اعراض نفسية نلتقط منها اربعة:

1- شعوره بالعجز لأن انظمة المؤسسات السياسية والدينية والاجتماعية.. هي التي تقرر مصيره وليس هو.

2- احساسه بأنه لا معنى لوجوده في الحياة.. يتساءل: (أيش او شنو المعنى من وجودي؟! ولويش عايش اصلا بحياة ما فيها اي معنى).

3.تناقض قيمه مع قيم مجتمعه (يرى نفسه متحضرا ومجتمعه بدويا).. فينسحب هو عنه او يعامله مجتمعه كما لو كان منبوذا.

4- شعوره بالاغتراب النفسي.. (انا لم أعد انا).والخطورة هنا حين يصل حد الشعور بأن ذاته اصبحت غريبة عليه، فيحقد عليها، او ينهيها بانتحار بطيء بالادمان على الكحول، او بانتحار سريع بطلقة.. وحصل هذا لمثقفين عراقيين ومصريين واردنيين وسوريين.. بينكم من استحضره الان من الذاكرة.

نضيف لها محنة رابعة هي محنتنا مع امريكا.. حليفة حكام النفط الذي اوصلنا تردي الوعي الثقافي الى ان نتوسل بها لتحمينا من بعض قومنا!.. فصرنا نسخر على عجزنا من انفسنا.. ليأتي يوم يقول فيه احفادنا اننا كنّا نكتة زماننا!.

عذرا انني تحدثت عن الجانب المظلم في الثقافة العربية والمثقفين العرب لأنه هو الطاغي فعلا وهو سبب تخلفنا عن العالم المتقدم الذي سادت فيه ثقافة تحترم كرامة الأنسان وتأتي بحكومات تخدم المواطن لا ان تهمله او تهمشه او تستعبده او تحتكر الثروة لها وتفقره كما هو حال العرب الآن.

بالمقابل لدينا الجانب المشرق في ثقافتنا العربية، فهنالك مثقفون كما الأنبياء يحملون رسالة التبشير بالخلاص لشعوبهم، وبينهم من استشهد على طريقة الحسين الذي امتنع ان يقول كلمة (ابايعك) لحاكم فاسق.. كذاك بين المثقفين العرب من دفع حياته ثمنا ولم يحني رأسه لطاغية.

ختاما، في قصيدة لوركا.. يتساءل الشاعر:

ما الانسان دون حرية يا ماريانا؟

قولي لي: كيف استطيع ان احبّك اذا لم اكن حرّا"؟!

كيف اهبك قلبي اذا لم اكن حرّا"؟.

هذا هو "المثقف"الحقيقي.. اكثر الناس حاجة الى الحرية، واكثرهم هموما" ومتاعبا" واشدهم حساسية، واصدق من يشخّص الحقيقة، وافضل من يوقظ الوعي في الانسان ليدفعه الى التغيير الايجابي، وهذا ما تحتاجه الآن شعوبنا العربية.

شكرا لحضوركم البهي هذا.

شكرا للسيد وزير الثقافة الجديد الاخ الدكتور عبد الامير الحمداني الذي حملني اعتذاره لحضراتكم بعدم الحضور لتزامن انعقاد المؤتمر مع استلامه للوزارة.

شكرا لميسان التي تالقت هذا المساء لتكون ثريا الثقافة في سماء العرب.

شكرا لعاشق الثقافة الميساني الاصيل الاديب محمد رشيد الذي لولا جهده الاستثنائي لما كان هذا اللقاء الجميل.

محبتنا لكل من يجعل رسالة الثقافة تبشر بشيوع اجمل ثلاثة تليق بالبشر: الحرية، الحب، الجمال.

 

أ.د.قاسم حسين صالح

أمين عام تجمع عقول

27 ديسمبر 2018

 

محمد العباسيكثيراً ما أرى في رحلاتي لدول العالم منظراً غريباً .. فصار من البديهي أن ألاحظه وأعلق عليه.. إنه ذات المنظر.. يتكرر في كل أرجاء المعمورة.. عجائز متزوجون (؟) .. أو هكذا يبدون.. نعم يبدو أنهم متزوجون لما بين الطرفين من ألفة واضحة.. مودة لا تخفى على العين.. وئام غريب لكنه ملائكي جميل لا نجده بين أمتنا ولا نلمسه بين أهلنا.. أو على الأقل يمكن القول بأننا لا نراه !

تجدون عجوزاً شمطاء بلغت من العمر عتياً.. وبعلها ربما يفوقها في عدد السنين.. عادة تكون هذه الأمثلة من الدول الغربية.. التجاعيد قد خطت خطوطها بالطول والعرض على وجهيهما.. وأحدهما ربما متعكز على عصاه.. ورغم كل ذلك.. تجدهما قد سافرا معاً إلى أقاصي الدنيا.. ربما تجدهما عند سفح الأهرامات.. أو عند تاج محل في الهند.. في معابد تايلند.. عند سور الصين .. في "غولد كوست" أستراليا.. في أسواق كمبوديا.. في أزقة المغرب.. في متاحف تركيا.. حيثما يكونون هؤلاء الأوروبيون العجائز.. تجدهم مبتسمين.. مستمتعين بالحياة.. متمسكين بعدم تضييع السنوات القليلة الباقية من العمر.. يراعيان بعضهما البعض بعاطفة ملفتة للنظر.. يجلسان في المقاهي لتناول قهوة الصباح ويستمتعان بحديث هادئ.. يتحاوران بهدوء واهتمام بالغ.. ينصتان لبعضهما البعض بشغف.. والأكثر اتزاناً بينهما قد يقطع الكعكة للطرف الآخر.. تشعر بحب دفين وعاطفة جلية بينهما.. تشعر بحميمية لم تقضي عليها السنوات الممتدة ربما لنصف قرن أو أكثر من العشرة.. كم أستغرب من هذه المشاهد بين من "نوصمهم" نحن بصفة "الكفرة" رغم أن علاقتهما "الدنيوية" تتسم بقمة الإيمان والوفاء والحنان والعطاء !!

أي موضوع "جديد" يدور بينهما يا ترى؟ ألم يتكلما في كل الأمور عبر السنوات الماضية؟ هل لا يزالان يجدان بذور مواضيع جديدة تثير اهتمامهما؟ هل من المعقول أنهما حقا متزوجان ولم تخبو عندهم العواطف بعد هذا العمر؟! فلينظر كل منا حوله.. الجدين مثلاً.. وللأكبر سنا منا الأبوين.. هل يا ترى يستمتعان بالحياة كما يجب؟ هل يخرجان لوحدهما لمطعم أو حفل موسيقي أو مسرح أو مهرجان أو للسينما مثلاً؟ هل يسافران كما لو كانا في شهر عسل متجدد؟ 33هل يُظهران أمام أبنائهم وأحفادهم تلك المودة لتكون لهم قدوة رائعة؟

دعونا من مظاهر الاحترام والعادات والتقاليد والفرض والواجب.. هل تشعرون أن بينهما مودة العشاق.. احتضان.. قبلة على "الخد" أمام الأولاد والأحفاد؟ أم أننا متمنعون (ما نستاهل) التمتع بالحياة ولو بعد حين؟ يبدو أننا ألبسنا كل شيء في حياتنا لباس الحشمة والعيب و(ما يصير) والمقولة المملة (كبرنا على هالسوالف).. لدرجة أننا قتلنا فينا كل مظاهر المشاعر العاطفية.. فأيام الشباب والأيام الأولى من الحياة الزوجية تموت عندنا لأننا نورط أنفسنا بأعباء لا طاقة لنا عليها.. ننشغل بتوالي الأولاد وكأنما الأمر الدخول في سباق لإثبات القدرة على الإنجاب والفحولة.. ومع الأولاد تتفاقم الالتزامات والنفقات ولا نستمتع بالحياة.. وحتى بعد أن يكبر الأولاد نتعذر بكبر السن وفوات الأوان.. أي يأس هذا الذي يصيبنا ولماذا نحرم أنفسنا من العيش ولو قليلاً ونبعث الروح في علاقاتنا الزوجية؟ .. فالزواج ليس بمقبرة للحياة !!

كم أحسد هؤلاء العجائز الغربيين.. فبرغم التقدم بالعمر لا يزالون يتمتعون بالحياة قبل فوات الأوان.. أما نحن في مجتمعاتنا الشرقية وبالذات العربية الخليجية فكل شيء عندنا "عيب".. بل هو كسل وخمول وبلادة ولامبالاة.. فالرجل يستحي أن يمسك بيد زوجته في الأماكن العامة أو حتى أمام (عياله).. ففي مجتمعاتنا "الرجولية" يكون الزوج والأب هو المسئول الأول عن هذا الضمور العاطفي.. فنحرم أنفسنا من أجمل لحظات العمر والحياة الزوجية لتصبح حياتنا مجرد فرض وواجب والتزامات مادية.. بل لنقل أننا نهرم قبل ميعادنا.. والنساء تعجزن حتى عن المشي في سن الأربعين! أو كما يقول الكاتب المصري الساخر "جلال عامر": "البلد دي فيها ناس عايشة كويس .. وناس كويس أنها عايشة".. أصبحنا متقاعدين مقعدين ونصاب بالكساح العاطفي المبكر.. وتجرنا الأيام نحو القبر في غفلة !!

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

587 مريموعلاقتها بـ: (عشتار العراقية ـ الشامية) و(عيزيس المصرية) والسيدة (فاطمة الزهراء)!؟

جميع الاديان والعقائد والفلسفات، مرتبطة بالميراثات والثقافات السائدة في المناطقة التي نشأت فيها. فلا يمكن فصل (البوذية) او (الهندوسية) عن ميراثات الهند وجنوب آسيا. ولا يمكن فصل (الزرادشتية) عن ميراثات ايران وجوارها. ولا يمكن فصل الفلسفات الحديثة، ليبرالية وشيوعية ووجودية، وغيرها، عن ميراثات اوربا الغربية.

مثلا، قد اتفق جميع المختصين بـ(التورات) بما فيهم اليهود، انها متأثرة ومقتبسة بشكل كبير جدا من الميراث الديني العراقي القديم، لانها قد كُتبت في (بابل) في القرن السادس ق.م. نفس الحال بالنسبة لباقي اديان منطقتنا مثل(المانوية والصابئية والمسيحية والاسلام)، هي نتاج طبيعي لميراثتنا الثقافية والدينية السابقة لها. ولا يمكننا ابدا فهم هذه الاديان وتحليلها دون ربطها بميراثات المنطقة التي نشأت فيها، أي العراق والشام ومصر والجزيرة العربية.

اهمية السيدة مريم العذراء

من المهم جدا الانتباه أن هذه السيدة، ليس مقدسة فقط لدى المسيحيين، بل هي اكثر قدسية وذكرا في كتاب المسلمين (القرآن):

1 ـ انها المرأة الوحيدة التي يذكر اسمها (مريم) القرآن لم يذكر حتى اسم (حواء)!!

2 ـ أنها المرأة الوحيدة التي هنالك سورة تحمل اسمها (سورة مريم) بالاضافة الى (سورة آل عمران)!

3 ـ ان اسمها (مريم) تكرر 34 مرة، في عدة سور!!

علما ان اليهودية لا تعترف بـ(مريم) لانها اساسا لا تعترف بالمسيحية.

رمزية (السيدة مريم)، وعلاقتها بالتراث الديني العراقي ـ الشامي ـ المصري

هنالك الكثير من المؤرخين من عالج هذا الموضوع، وعلى رأسهم المؤرخ السوري الكبير(فراس السواح) بالاضافة الى آخرين مثل المصري (سيد القمني). وتتمحور الفكرة حول علاقة (مريم) بـ(عشتار) الهة الامومة وخصب الارض في (الديانة العراقية ـ الشامية) القديمة، وقد عبدها عرب الحجاز باسم (عثتر). وكذلك بـ(عيزي او ايزيس بالتحريف اليوناني) الهة الامومة وخصب الارض المصرية، وقد عبدها عرب الحجاز بأسم (عزّة). علما بأن هذه الالهات (عشتار وعيزي)، دامت عبادتهما في المنطقة طيلة آلاف من السنين حتى ظهور المسيحية. ومن الطبيعي جدا ان تكمل المسيحية، كما اليهودية، ثم الاسلام، هذا التراث. ان الذي يجمع (السيدة مريم) بهاتين الالهتين الامور التالية:

1- العذرية. أي حسب المسيحية (الحبل بلا دنس) من زوجها (يوسف). لهذا سميت (العذراء والبتول). وكانت (عيزي) أيضا قد حبلت بلا دنس من زوجها(عوزيري)، أو ( اوزيريس، بالتحريف اليوناني) لان عضوه كان قد أكله الخنزير! وكذلك (عشتار، او ـ عنانا ـ بالسومري) تلقّب نفسها بـ(العذراء)(السواح ص 174).

2- جميعهن انجبن رجالا مقدسين يرمزون الى الخصوبة الذكورية.(عيزي) انجبت(حورس) اله الخصوبة والخير. أما(عشتار) فأن حبيبها(تموز) اله الخصب الذكوري والربيع، فانه يجمع بين دوري (الزوج) و(الابن) (وقد حمل القاب ـ ادونيس و بعل ـ ). بل الاكثر عجبا، ان الكنعانين في (الشام) كانوا يحتفلون بميلاد اله الخصب هذا في يوم (25 ـ 12) الذي صار يوم (ميلاد المسيح)!؟(السواح ص 175).

3 ـ ان المسيحية وشخصيتي (عيسى المسيح) و(السيدة مريم) تأثرت أكثر بالديانة المصرية، واقل بالعراقية ـ الشامية. لأن الديانة العراقية (دنيوية) ليس فيها لا يوم حساب ولا جنّة موعودة. عكس الديانة المصرية القائمة اساسا على (البعث بعد الموت ثم الحساب والخلود). لهذا فأن مركز هذه الحضارة هي (الاهرامات) التي هي (قبور) للفراعنة كي يتهيأوا لـ(يوم البعث والحساب). أن دور (السيد المسيح) يشبه كثيرا دور (عيزوريس) اله البعث والحساب والخلود. اما(تموز) (في القرآن، هو الخضر أي الأخضر حامل الخصب والخلود) العراقي ـ الشامي، فأنه تجلى في دور(المخّلص) الذي يعود كل عام في اول الربيع كي يخصب (عشتار) وتثمر الارض وتعود الحياة. مثلما يأتى(المسيح)، او (صاحب الزمان المهدي المنتظر) ليخصّب (نفوس البشر) بالنور والايمان!

السيدة فاطمة الزهراء البتول

من المعلوم ان المسلمين الشيعة والسنة مع مؤرخيهم الاوائل، يتفقون على (قدسية السيدة فاطمة) وعلى لقبيها (الزهراء البتول). وحسب تفسيراتهم فان (الزهراء) لأنها تشبه النور والبهاء. اما (البتول) أي (العذراء) فلأنها: (عذراء الروح) أو: (لأنها ماتت قبل مقتل زوجها الامام علي).

ولكن يحق لنا التنبيه الى التشابهات التالية:

ـ ان(عشتار) تتمثل بكوكب (الزهرة) وفي جميع المنحوتات العراقية يرسم بـ (النجمة الثمانية)!

ـ ان لقب (البتول اي العذراء) هو نفس القاب النساء المقدسات (مريم وعشتار وعيزيس) كما اسلفنا.

ـ انها تشبهن ايضا بأن زوجها (الامام علي) وابنها (الشهيد الحسين) قد تم قُتلهما غدرا على يد الاشرار اعداء الحياة والايمان: (عشتار) يُقتل زوجها وابنها (تموز)، تارة تختطفه الهة الموت وتارة يقتله حيوان وحشي. (عيزيس) ايضا يُقتل زوجها (عوزيريس) وتُقطّع جثته. كذلك (السيدة مريم) يتم صلب ابنها (عيسى المسيح)!؟

 

سليم مطر ـ جنيف

..............................

ـ عن ( السيدة مريم)، طالع:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%85_%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B0%D8%B1%D8%A7%D8%A1

ـ عن ذكر اسم (مريم ) في القرآن، طالع:

https://www.isalna.com/25708

ـ عن (عشتار)، طالع:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%B9%D8%B4%D8%AA%D8%A7%D8%B1

ايضا كتاب (فراس السواح)، (لغز عشتار – الالوهه المؤنثة واصل الدين والاسطورة)

ـ عن(عيزيس) طالع:

https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A5%D9%8A%D8%B2%D9%8A%D8%B3

كذلك كتاب (سيد القمني) (اوزيريس وعقيدة الخلود فى مصر القديمة).

ـ عن القاب (السيدة فاطمة) طالع:

https://mawdoo3.com/%D9%84%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7_%D8%B3%D9%85%D9%8A%D8%AA_%D9%81%D8%A7%D8%B7%D9%85%D8%A9_%D8%A7%D9%84%D8%B2%D9%87%D8%B1%D8%A7%D8%A1_%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AA%D9%88%D9%84