شاكر فريد حسنلعل المصادفة وحدها قادتني الى نصوص الشاعرة السورية الناعمة الرقيقة، ابنة السويداء عبير الزاقوت، في صفحتها على الفيسبوك، وفي المواقع الالكترونية السورية والعربية، خصوصًا "منبر العراق الحر".

عبير الزقوت شاعرة واعدة تحمل هموم الأنثى والوطن السوري الجريح، وتختزل مشاعرها وعواطفها ووجدانها حروفًا وكلمات، وتأسرنا ببوحها الشفاف ونصوصها التي تبدأها فلا تشفى منها رغم انتهائك منها.

انها تتجرع كؤوس الحب والعشق والحزن والحنين، وتغزل صوءًا من بريق، وترسم بلؤلؤ القلب، وعبير الوصال، والغيم الأبيض قمرًا ونجمة مشبعة بالارتواء، تتقاسم الشوق في معابد الضياء، وتملأ جيوبها بالفرح على فوارس القلب في مواسم اليباب.

عبير الزاقوت تحلق في عالم الخيال الشعري، وتحمل بذور تناميها الفني عبر لغة جميلة وصور شعرية مبتكرة ومبهرة قادرة على ابراز القيم الوجدانية المرهفة العذبة، والتحليق في فضاء الجمالية الشعرية الرحبة، وما يميزها التواصل الحميمي بينها وبين القصيدة، ولجوئها الى استخدام المعاني والألفاظ الواضحة القريبة من القلب، مما يثري تجربتها الشعرية الخاصة، التي تغرف القصيدة من معينها.

وثمة خصوصية جلية نتلمسها لدى الزاقوت، اللغة النقيةً المشذبة بروية واتقان. ولعل ما يسم قصيدتها ألق الجملة وأناقة الحروف ونبض الاحساس وعمق الشعور واختيار المفردة والاستعارة، ناهيك عن التكثيف الشديد، ما يمهد لتجربة غنية مترجمة الى حساسية شعرية بانسيابية مدهشة، فلنسمعها تقول في قصيدتها " ليس في الحلم الا لك ":

قمرا شهيا

لأحج لعينيك

حين يستوي النبض

على أجنحة النعاس

أمد ذراع روحي

لامسد شعر نجمة

هوت

لتستظل في صدر مشتاق

وكلما بلغنا ألف همسة

على شفاه قبلة

يتهادى حلم

في مدى الخافق

ليملأ كؤوس يقيني

بخمزة الضياء

عبير الزاقوت تلون النسق الشعري بالتكثيف الايحائي من دلالة الى أخرى، بخلق الجملة المثيرة أو الصور المدهشة التي تحمل بكارتها من دهشتها الاسنادية محققة من خلالها قفزة جمالية على مستوى التخييل وكثافة الايحاء وعمق الارتداد الشعوري الحسي التأملي.

عبير الزاقوت تكتب ما تشعر به من نبض وخفق قلب وارتعاشات روح وجسد، ومن مشاعر وأحاسيس، وما يهمها بالاساس هو الرضى عما تكتب، باسلوب شعري جميل سهل ممتتع في التعبير. وكتابة الشعر عندها هو اشباع رغبة وتحقيق نشوة تتوق ايصالها للقارىء وللمتلقي، والبوح باسرار ذاتها الداخلية وعواطفها الملتهبة الجياشة.

وهي تنجح في الافصاح عن مكنوناتها، وايصال الصور بشكل سلس تأملي لا يخلو من الجمال والروعة.

عبير الزاقوت تعانق أوتار الأمل، وتبلل وسائدها بالحب، وتتبادل همومها مع همس الندى وسقسقة العنادل ، وتتقش أحلامها فوق الشمس والنجوم، وتنثر كلمات العشق والهوى بكل رقة على ضفائر الفجر.

فالتحية للصديقة الشاعرة عيير الزقوت، متمنيًا لها مزيدًا من الابداع والتألق والشموخ، فقد بدأت الدرب فاستمري في حمل الصليب ومواصلة العزف والجلجلة، واننا بانتظار قصائد بلون الورد وعبير العبير.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

محمد صالح الجبوريالقسم العربي في الإذاعة اابريطانية قدم برنامجا متميزا (ندوة المستمعين)، يعتمد على مساهمات المستمعين ومشاركاتهم، كنت أتابع البرنامج، وارسل رسائلي المتواضعة اليه، وكم أكون سعيدا عندما تذاع من الاذاعة، كان ذلك في السبعينات، ومطلع الثمانينات كان البرنامج المفضل الذي أجد فيه المتعة والمحبة والشوق، برنامج ترك الأثر الطيب في حياتي، ومن الذين قدموا البرنامج، الذين لديهم الخبرة والكفاءة في العمل الإذاعي (عاطف عبد الجواد، رشاد رمضان، عبلة الخماش، سلوى الجراح)، وغيرهم، ربما كانت هناك كلمات تذكرنا ب (ندوة المستمعين)، تلك الكلمات التي تردد في ألبرنامج (اسمع لندن في اوقات ندوة المستمعين)، وكانت تجرى قرعة في نهاية البرنامج للفوز(بقميص تي شيرت) مكتوب عليه العبارة (بي بي سي القسم العربي ندوة المستمعين)، ويتم نشر الفائز في القرعة في مجلة (هنآ لندن)، التي كانت توزع مجانا على المستمعين، وقد فزت بقميص (تي شيرت) لكني لم أنشر صورتي في المجلة، كان البرنامج يذاع (٣) مرات في الاسبوع، وتعاد اذاعته، مشاعر الفرح والسرور تراودني عند سماع البرنامج، والحزن يخيم علي عند فوات حلقة من البرنامج ولم أسمعها، محبتي للبرنامج كبيرة، تلك ألايام الجميلة، كانت من الماضي، تحمل ثقافتي، وهوايتي، ومتابعتي، اليوم نتذكر الماضي الذي أجد فيه اشياء جميلة غابت عن العالم في الوقت الحاضر، تحية لمستمعي القسم العربي في كل مكان.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - كاتب وصحفي

العراق

 

شاكر فريد حسنمنال سركيس شاعرة سورية من قرية اسمها صدد في محافظة حمص، عاشت وتنقلت بين حمص وحلب والشام. شغفت بالأدب، قرأت الكثير، استهواها الشعر، فحلقت بأجنحة القصيدة، وراحت تكتب الخواطر الشعرية والنثرية الوجدانية مع انتشار مواقع

التواصل الاجتماعي، فتفاعل معها القراء ما شجعها على الاستمرار، وها هي تنشر ما تكتبه في عدد من مواقع الشبكة العنكبوتية، وطموحها أن يكون لديها ديوان شعر مطبوع .

منال سركيس صريحة الى حد الشفافية، تميل الى الومضة الشعرية الخاطفة، تترجم همساتها وتنفث مشاعرها وتفرغ أحاسيسها ومكنوناتها في نصوص مبعثرة تحمل احساسها الدافىء، بلغة واضحة ومفهومة، واسلوب معبر لافت ومكثف جدًا.

انها تكتب عن الحب وبالحب وللحب، وتعبر عن خلجات النفس، ونبض القلب وارتعاشات الروح، وتتميز بمقدرتها على المزج بين الاحساس والفكرة .

نصوصها مركبة، وموضوعاتها مضمخة بالعطر والحب والالم والوجع الذاتي والقلق الوجودي والانساني، وتطغى الرومانسية على كتاباتها، والايمان بالحب دينًا، وهو جوهر رسالة الشعر والأدب.

تقول منال في مقطع شعري تصف فيه الحب، في بوح رهيف:

الحب دهشة دائمة

وابتسامة مسروقة

من شفاه الحزن

هروب من دهاليز الكلام

وارتباك مراهق

حين التعثر ببوح

حبك.

منال سركيس رقيقة الحس، مرهفة المشاعر بيراعها ومدادها، تعنى بانضاج الفكرة، نلمس في خواطرها الرقة والحلم والدفء وصدق المشاعر والخيال المتمثل في الدلالات والاشارات، ولغتها حية نابضة وهادئة.

من أجمل ما قرأت من نصوص منال سركيس "في التباس الحب"، وهو نص رقيق وجميل وعذب مشرق بالمشاعر الانسانية، مترع بالدفء والاشراق والجمال الفني، يجتمع فيه الالم والقسوة والأسى والشجن والغربة والأمل، فلنسمها تقول:

لم أبلغ بعد عمر القناع

لأعرف كيف أبقيك

ما زلت ألوح بحزنيالوفي

خوف اختناقي

وما زلت تتقن صمتك

ويتقن الحب

موته البطيء في اللامبالاة

أنت عمر الهواء في الأنفاس

وأنا بضع حروف في شفتيك

غريبة عنك

كغربة الحب في قبلة يهوذا

قريب

كقرب الصلب في جسد المسيح

أكمل بالموت

مراسم الدين الجديد

منال سركيس قادرة على رسم اللوحات، وترجمة المشاعر، والتعبير عن ثورة القلب بما يحويه من حب وغضب وفرح وألم وحزن. ويمكننا القول أن نصوصها هي ترنيمات عشق وهمسات من جوف الروح.

منال سركيس تحمل صليبها على صهوة الشعر وتواصل الجلجلة، بعد أن رسخت أقدامها في المشهد الشعري النسوي السوري الحديث، ولكن عليها انضاج تجربتها، وتجديد خطابها وأفكارها وموضوعاتها، والعمل أكثر على موسيقى نصوصها.

فللصديقة الشاعرة منال سركيس خالص التحيات والتمنيات لها بالمزيد من العطاء والابداع المتجدد، والى أمام.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

سلس نجيب ياسينالنجاح عملية يمكن تمثيلها بذلك الطفل الصغير الذي يتعلم من الحياة لما يسقط من الدراجة الهوائية مثلا او يغدر به احد الاطفال لاكما اياه وهاربا حيث انه يتعلم اكثر وتدريجيا سياقة الدراجة الهوائية ويسعى الى اخد الحذر اكثر من الرفاق الغداريين مثلا. ومن هنا نعلم انه لا ينفع الوصو ل اليه وتحقيقه دون تعلم وتدرج واحتكاك مستمر ودائم مع الاخرين. وصبر على الحماقات والتفاهات التي قد تسمعا او تتلقاها من هنا او هناك ريثما تحقق المهم مما تريد وايضا يجب ان يكون الملل والياس عدوين رئيسيين لك طالما انهما لن ينفعا في اي شيئ وايضا فلا بد من الاقتناع التام والكامل ان تلك الخطوات البسيطة نحو الهدف والتعلم من الاخطاء والتعديل والتقييم سيوصلان مهما طال الامر شرط البحث عن الفرص والنظر الى الامام بشكل دائم ومستمر

 

بقلم الكاتب: سلس نجيب ياسين

على بساط الأدب، قعد ذلك الواسعُ العينين طويلُ الرموش، تحت شجرة جوز تعرفه مذْ كان طفلا، مسندا ظهره الى جذع ذكرياتها المنقوش، حرف هنا ورقم هناك، قلبٌ أحَبَّ وسهمٌ رماك، ورموزٌ لم يستطع فك طلاسمها ذكّـرته بقصة حفيف أجنحة جبرائيل لشهاب الدين السهروردي الشهيد، بنصها العجيب الفريد، وفكرتها شديدة التعـقيـد.

على جانب الشجرة، نبعٌ تفجّـرَ من قلب صخرة، رغم جماله ومذاقه الذي يُـقسم سكان القرية أنّ له طعم الجوز، كان قد أرسل في نفس الفتى حسرة، أرأيتَ لو أخذتـك الى البصرة؟

أرأيت لو حُمِلـتَ بأيدي سَفَرَة، كرامٍ بررة، لتُعـمّد وجوها عزيزة عليها غَـبَرَة، فتعود ضاحكة مستبشرة؟

سألت صديقي الفارسي يوما عن مقطوعة اُحبّها للموسيقار الإيراني حسين علي زاده اسمها   "نينوى" تكتب بالفارسية هكذا "ني نوا"، قال بأنّ هناك ثلاثة أوجه للمعنى، أمّا الأول فهو اسم المدينة العظمى، والثاني يقال عند المصيبة والبلوى، وأمّا الثالث فهو صوت أنينِ نايٍ معتقٍ بالهوى.

كأنّ الفتى سمع البصرة تصرخ: نينوى.. نينوى، وربما الكل يصرخ الصرخة نفسها دون أي يدري. أي زمان هذا الذي نعيشه؟ سؤالٌ أكاد اجزم أنّه سُئل في كل زمان ومكان، وربما سأله أحد أجداد الفتى في بستان الجوز نفسه أو تحت الشجرة نفسها. وتضحك شجرة الجوز ضحكة على شكل ثمرة أكلها القاتل والمقتول والسائل والمسؤول. فكرتها ثمرتها.

ما ثمرتك انت؟

دعا ريتشارد دوكنز في الفصل الأخير من كتابه وهم الإله والذي سماه ما ترجمته " أم البراقع" المؤمنين بأن يخلعوا ما يعيق رؤيتهم للحقيقة. والحقيقة عنده أنْ لا إله، وإنْ كان ولابد، فالطبيعة ربتنا ودارون عليه السلام نبينا، وكتابنا "في أصل الأنواع" الذي تطرب له الأسماع ولا يمسه الا المحبون للإطلاع. ولكننا، والكلام لدوكنز، يجب أن نبقي احتمالاتنا مفتوحة، فالمستقبل قد يجود بحقائق ربما نسفت قصدنا المنشود.

هل خلع دوكنز البرقع؟ أم تخلى عن ثمرته؟

لا أدري لم تذكرت تحالفات القوائم الانتخابية في العراق. يدافع أحدهم عن قائمةٍ دفاع الصحابة وبعدها تتحالف قائمته مع نقيضها. هل هما متناقضان أصلا؟ هل رأيت شجرة جوز تتخلى عن فكرتها لتعطي باذنجانا أو بصلا؟ فلماذا اذن ننتظر من عملية سياسية أسسها الحاج بريمر أن تُنبتَ ريحانا؟

مصيبتنا برقع كبير غطى بلدا بأكمله من أعلى جباله الى جنوبه المتشقق كأرض عطشى تذكر عطش الحسين ولا تذكر عطش البصرة. قُــتـِلَ الأنسانُ ما أكْـفَرَه.

الصوت الذي لا يستخدم الكلمات أنصتْ اليه، قالها مولانا جلال الدين قبل سنين، أهذه دعوة الى الهروب؟

قرر الفتى أن يعلن تحت شجرة الجوز دولةً لا برقع عليها ولا غطاء، يكثر فيها العطاء، ومنفذها البحري نبع ماء، أمّا عن قوت شعبها فهو جوز مخلوط بالمحبة وبعض الكستناء، لا أحزاب فيها ولا فرقاء، أمّا عن الوزراء فوزيرة واحدة هي المرآة، فالمرآة لا تكذب وتصور لك الأشياء على حقيقتها، القاضي فيها ميزان وشعارها هل جزاء الإحسان إلا الإحسان.

استحسن الفتى فكرته وقرر أن يدعو اليها من يصافه، فالتفت عن يمينه فرأى زهرة، دعاها ففاح عبيرها فاعتبر ذلك قبولا، لم يعلم ذلك الغافل بأنّ الزهرة لا تغير فكرتها بتغير ما حولها.

سلامٌ على من أقتدى بزهرة.

وفعل الأمر نفسه مع عنزة كانت تأكل العشب، فسمع ثغاءها ـ صوتهاـ وفسره قبولا أيضا، كانت قصد العنزة، التي يعود نسبها الى تلك العنزة العرجاء التي حضرت جنازة الحلاج بعد أن قتله من لم يفهمه من البشر، أن تقول: لا تقاطعني وأنا استمتع بطعامي.

أذكر في غير مرة أني قلت للمريض أمرا ففهم عكسه تماما. فتعلمت أن اطلب من مرضاي أنْ يعيدوا ما ذكرته لهم. خطأ من؟ لا أدري.

خرج الفتى من بستان الجوز ماضيا في طريق دعوته بعد أن ظنّ أنه قد كسب زهرة وعنزة، فلما جنّ عليه الليل سمع همهمةً طَرِبَ لها، فالأذن تعشق قبل العين أحيانا، فلما اقترب وجد صومعة فيها قوم تتمايل رؤوسُهم كسنابل القمح قبل موسم الحصاد، هُمْ مصدرُ الإنشاد:

أهلَ حزبِ الديّـان حارَ العقلُ مني ... إنّي هائـم ولهـان غائـبٌ عن أيني

كُنّـا وأمّـا الآن تُـهـنا عـن الـكـونِ ... لا جهةٌ لا مكان ندري فيها وطني

فصاح الفتى: سأدعو هؤلاء الحيارى الى دولتي.

يقول البروفيسور الإسرائيلي هراري في كتابه الذي ترجمته (٢١ درس للقرن ٢١) الذي صدر قبل أيام قليلة بأنّ خمسين بالمائة من اليهود الأرثوذوكس المتشددين في إسرائيل اختاروا أنْ لا يعملون، ويقضون وقتهم في العبادة وتعلّم التلمود وتوفر الحكومة الإسرائيلية معاشاتهم، وتحمي الحكومة الأمريكية طائفة الآميش ولا يُسمح لقوانين الدولة التي تحكم الجميع بأن تنال من خصوصيتهم رغم أن طريقة عيش أتباع الطائفة تعود الى القرون الوسطى. وهنا أسأل: لماذا يُفرض علينا أسلوب حياة غيرنا ونوصف بما فينا وما ليس فينا وفي الوقت نفسه لا يتدخل أحد بأسلوب حياة مواطني الدول القوية التي تستطيع أن تحمي نفسها حتى من شر حاسد إذا حسد؟ ويتعدى الأمر بأن ينكر بعضٌ من بني جلدتنا حالنا ونكون عندهم من المتخلفين. لم تكون مرقة الجيران أطيب مذاقا من مرقتنا؟

لماذا تكون الأعذار حاضرة ومقنعة عندما يصدر الخطأ من دولة قوية، وفي الوقت نفسه تقوم الدنيا ولا تقعد إن عثرت بغلة في أرض العراق أو الشام؟

من حسنت لغته ارتقت أفكاره ومن ارتقت أفكاره حسن تدبيره. هل تَرَكَـنا أهل حقوق الانسان الذين تفتعل دولُهم الحروبَ لكي يتسنى لشركات الأسلحة أن تصرف بضاعتها بحالنا لنفكر كما يفكر خلق الله على هذا الكوكب؟

لماذا يُطلب من أهل البصرة أن يتصرفوا كما يفعل سكان الدول الأسكندنافية وتعاملهم حكومتهم التي حرمتهم مصادر الحياة كمساجين في أكثر الدول تخلفا وفسادا؟

هل تحققت العدالة في قضية بلاك ووتر المعروفة التي صدر الحكم فيها قبل أيام؟

هل نجح صديقي السمين أن ينقص من وزنه؟ أجابني صديق آخر يخاف زوجته: يا أحمق! ألم تعلم بأنّ الكرش هيبة.

الأسئلة تفور كما تفعل النار بالتنور، ولأنّـنا حطبُ هذا الزمان وذنوبُه، فلا نهاية لها، لنعد يا صاحبي الى قصة الفتى مع رجال الصومعة، فلما أراد الفتى أنْ يدعو رجال الطريقة الى دولته، قصَّ على كبيرهم خبرَ شجرة الجوز وحاله مع الزهرة والعنزة، فقال كبيرهم الذي أشرقت من وجهه مظاهرُ الوقار الرائعة: دع عنك يا ولدي هذه الجعجعة، ولتخلع البرقع عن قلبك وعقلك واخرج من القوقعة، فلمـّا أنكر الفتى قول الشيخ وأحسّ أنّ المسافة بينهما شاسعة، قال الشيخ:

يا عذولي لا تلمني ما على العاشق ملام ... ادنو مني واروي عني أنا في العشق إمام

تبدل حال الفتى من مقام الخيبة الى مقام الهيبة مما سمع، ولأنّ الطيورَ على أشكالها تقع، أصبح واحدا من رجال الصومعة لمّا بارق العشق في قلبه لمع، شرب كأس المحبة جهارا ولم يرَ في الحب عارا، وصار الجميع ينشدون:

يا سعدَ قومٍ بالله فازوا ... ولم يروا في الورى سواه

قرّبهم منه واجتباهم ... فنزهوا الفكر في علاه

هذا بعضٌ من حديث أسئلة القلوب. من الغالب؟ من المغلوب؟ ضَعُفَ الطالبُ والمطلوب، وقد فاز من دخل حمى علّام الغيوب.

 

د. تميم أمجد توفيق

 

 

ضياء نافععندما كنت طالبا في موسكو قبل اكثر من خمسين سنة، كانت هناك محطة مترو نعرفها جميعا اسمها ماياكوفسكايا، ولا زالت هذه المحطة موجودة لحد الان، وتقع طبعا عند تمثال ماياكوفسكي العملاق في الساحة التي تحمل اسمه في قلب موسكو. تعد هذه المحطة من المحطات المتميّزة برشاقتها وجمالها وعمقها، وقد تأسست العام 1938، ولازالت عالقة في ذهني صورة لهذه المحطة شاهدتها مرّة، وقد اجتمعت فيها القيادة السوفيتية اثناء الحرب العالمية الثانية بقيادة ستالين . تذكرت ذلك عندما كنت قبل ايام في مترو موسكو وانا استمع الى تسميات محطات تحمل اسماء ادباء آخرين، وهي ظاهرة لم تكن واسعة عندما كنت طالبا في تلك الايام الخوالي، وهو ما اود الان ان اكتب عنه، استمرارا لروحية مقالتي السابقة عن تسميات شوارع موسكو التي تحمل اسماء الادباء الروس تقديرا لهم واحتراما لمكانتهم في ضمائر الشعب الروسي، (انظر مقالتنا بعنوان –   شوارع موسكو باسماء الادباء الروس) .

من المحطات التي لم تكن موجودة آنذاك محطة اسمها (بوشكينسكايا)، وتقع طبعا عند تمثال بوشكين في ساحة بوشكين امام سينما (راسيّا) اي (روسيا)، فيا لها من تسميات تكاد ان تكون مترادفة تدخل الى قلب الانسان الروسي بلا اسئذان . وعندما كنت جالسا في عربة المترو، اعلنوا بالميكروفون، انه يمكن للركاب ان ينتقلوا من محطة بوشكينسكايا الى محطة تشيخوفسكايا، فابتسمت وقلت بيني وبين نفسي، ان الذي أطلق هذه التسميات هو متخصص في الادب الروسي حتما، اذ انه يعرف بدقة الوشائج الابداعية التي تربط تشيخوف ببوشكين، بحيث جعل محطتي بوشكينسكايا وتشيخوفسكايا مترابطتين هكذا، مثل حال تشيخوف وبوشكين في مسيرة الادب الروسي (انظر مقالتنا بعنوان – تشيخوف وبوشكين) . لقد توجهت خصيصا الى محطة تشيخوفسكايا للاطلاع عليها بدقة كي اعرف لماذا اطلقوا عليها اسم تشيخوف، فوجدت هناك لوحات   جدارية تجسّد بعض نتاجات تشيخوف الفنية منقوشة على الجدران بشكل رائع، ولكني فوجئت بتمثال ضخم لغوركي يقف في احدى الممرات المؤدية الى تلك المحطة، وقد استفسرت عن ذلك طبعا، وعلمت ان المدخل الى هذه المحطة كان يقع في شارع غوركي، ولكن عندما أعادوا لهذا الشارع اسمه القديم وهو تفارسكايا (انظر مقالتنا بعنوان – شوارع موسكو باسماء الادباء الروس) اطلقوا عليها تسمية – تشيخوفسكايا بعد عملية توسيع شبكة المترو، وتركوا تمثال غوركي في مكانه هناك بذلك المدخل دون تغيير، وهو قرار صائب، اذ ان التمثال هذا جميل وفخم ولا يتعارض مع هارمونية المدخل هذا ابدا، ولهذا أبقوه على حاله رغم تبديل اسم المحطة، ولكني قرأت بعض التعليقات الروسية الساخرة حول ذلك التمثال تنتقد ذلك القرار، منها التعليق الآتي – (انه تشيخوف ولكن طعمه غوركي !) والتعليق هذا هو لعب بالكلمات الروسية، اذ ان كلمة (غوركي) بالروسية معناها (المرّ).، اي انه تشيخوف ولكن طعمه مرّ.

وعندما كان قطار المترو يسير وبضجيج كالعادة اعلن الميكروفون ان المحطة القادمة ستكون- دستويفسكايا، وهي محطة جديدة نسبيّا تأسست العام 2010 ليس الا، وعلى الرغم من انني كنت متوجّها الى مكان آخر، الا اني قررت ان اخرج من عربة القطار في محطة دستويفسكايا للاطلاع عليها لان التسمية (الجديدة بالنسبة لي) اثارت فضولي، واردت ان اعرف وارى بامّ عيني، هل توجد هناك ملامح دستويفسكية هناك، وخرجت فعلا من عربة القطار وأخذت أتأمل تلك المحطة، ففوجئت بصورة هائلة لدستويفسكي في غاية الاتقان والجمال تتصدر جدار المحطة، وهي لوحة مرسومة بالموزاييك تصّور دستويفسكي وهو في حالة تأمل وحزن، وهكذا اقتنعت بصحة التسمية ودقتها، وعدت ادراجي الى عربة القطار القادم الذي وصل بعد ان غادر القطار الذي تركته .

ختاما لهذه النظرة السريعة لتسميات محطات مترو موسكو،اريد ان أشير الى محطة تحمل اسم تورغينيف لم تكن في زماننا (الستينات) وهي محطة تورغينيفسكايا (أرتباطا بساحة تورغينيف)، وقد تأسست العام 1972، وهناك محطة جديدة نسبيا تحمل اسم الكاتب المسرحي الروسي في القرن الثامن عشر وهو فانفيزين واسمها – فانفيزنسكايا، وقد تم افتتاحها العام 2016 ليس الا (ارتباطا بشارع فانفيزين) . واخيرا، اود ان اذكر، انه كانت في زماننا محطة – ليرمنتوفسكايا، والتي كانت تسمى (كراسنويي فاروتا) اي (البوابات الحمر)، وقد تم تبديل التسمية عندما افتتحوا تمثال ليرمنتوف قربها في الستينات (انظر مقالتنا بعنوان – سبع نقاط من الذاكرة حول ليرمنتوف)، ولكن بعد التغييرالجذري الذي حدث في روسيا و(موجة!) العودة الى الاسماء القديمة، تم تغيير تلك التسمية ايضا، وهكذا عادت محطة مترو ليرمنتوفسكايا هذه الى - كراسنويي فاروتا، رغم ان تمثال ليرمنتوف لا زال قائما عند مدخلها .

 

ا. د. ضياء نافع

 

 

لطيف عبد سالملَعَلَّنا لا نبعد عن الواقع أو نبالغ إذا قُلْنَا إنَّنا اليوم أشد منا في أيِّ عهدٍ آخر حاجة إلى العناية بتنظيم مدننا، وما أظننا كذلك لا نغالي إذا قلنا إنَّ عاصمتنا الحبيبة بَغْدَاد تُعَدُّ أكثر مدن البلاد حاجة إلى بذل الجهود من أجل ترسيخ أصالتها وإعادة الهيبة لها، بوصفها المدينة التاريخية التي سبقت أغلب نظيراتها من عواصمِ بلدان المنطقة في ركوبِ موجة المعاصرة التي طرقت أسوار هذه المجتمعاتِ بنسبٍ متفاوتة على خلفيةِ حصول بلدانها على الاستقلال بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها.

ليس خافيًا أنَّ عاصمة الخلافة الإسلامية، وحاضرة الدنيا في سالفِ الزمان، كانت الأمم والبلدان تستنير بعلومها؛ لأنَّ ما عرف عنها بحسب الوثائق التاريخية هو أنَّ تمدنَها يتجددُ عبر العصور. وعلى الرغمِ من شدةِ وطأة جراحات مدينة السلام وعظمة ما تحمله أهلها من مكابدات، فإنَّ أبناءها في سعي دائم إلى إدراك ركــب المدنية الحديثة واللحاق بها، فما يزال عبقَ ماضيها يوشح حاضرها بمعالمِ الرقي والمدنية والإبداع؛ إذ أنَّها تتفرد عن كثيرٍ غيرها من العواصمِ والمدن بسعةِ إرثها الحضاري والعلمي والثقافي، فضلًا عن عمقِ امتدادها التاريخي. يضاف إلى ذلك تأريخ أمسها القريب الذي يتجسد بآثارٍ وشواخص وبقايا عمران تشكل بمجموعِها وثائق مادية لو قدر لها أن تكونَ في إحدى مدن بلدان العالم المتقدم، لكان لها شأن آخر، بالإضافة إلى إمكانيةِ توظيفها على وفقِ برامج منظمة في تعزيز موارد بناء الدخل الذي بمقدوره المساهمة بشكلٍ فاعل في تدعيمِ الاقتصاد الوطني.

لا رَيْبَ أَنَّ الدورَ والمباني والأسواق والخانات والحمامات الشعبية وغير ذلك من الشواخصِ التراثية التي جرت إقامتها بفضاءاتِ مدينة بَغْدَاد فيما تعاقب من العهود القريبة، تشكل جزءاً من موروثِها الإنساني والحضاري والثقافي الذي ما يزال بعضه حاضراً في حياتِها العامة، إذ إن كثيرا من هذه المعالم التاريخية التي يعود تأريخ إنشائها إلى بداياتِ القرن الماضي ما تزال قائمة تواجه عاديات الزمن من دونِ الحاجة إلى أعمالِ صيانة توجبها مهمة إعادة تأهيلها، إلى جانبِ دقة فعاليات إنجازها وجمال تصاميم واجهاتها التي تسحر الناظر بسببِ تفوقها في كثيرٍ من الجزئياتِ الحرفية المعتمدة في أسلوبِ العمارة المستخدمة حاليًا بإعمالِ البناء.

يمكن القول إنَّ شواخصَ العاصمة بَغْدَاد العمرانية التي تحكي للأجيال عظمة دوافع التطلع إلى النهوض والتجدد في مدينة طالما ابتليت بالغزوِ والاحتلال وهي تتشبث بالحياةِ وتتطلع إلى آفاقِها الرحبة، وقعت أسيرة الإهمال الذي اضر كثيرا ببعضها، إلى جانب ما أزيل منها لإقامةِ محال تجارية وصناعية على وفقِ الطراز المعماري الحديث السائد حاليا في البلاد، ما يعني أن استمرارَ الإهمال بتلك المواقع سيفضي إلى تعريض المدينة من دون أدنى شك إلى فقدانِ هويتها المعمارية والحضارية والثقافية.

 

لطيف عبد سالم

 

 

نايف عبوشذكرني أحد الزملاء، بطائر السنونو ، والذي يعرف بالخشاف، في بعض مناطقنا الريفية . إنه حقاً جزء من ذاكرة جيل، تعايش معه في نفس الدار أيام زمان. كان يأتي مهاجرا بأسراب إلى ربوع الديرة، في أوائل فصل الربيع من كل عام، حاملا على جناحيه بشائر موسم الربيع، وبوادر الصيف، واسدال الستار على برد الشتاء .

ولأنه طائر مسالم (لايذ بالبخت)، كما كانت الختيارات تلقننا يوم ذاك، لتحذرنا من المساس به، أو صيده، او ايذائه. لذلك كان الصبيان ينظرون إليه بعين الشفقة تماماً. فلا يسئ إليه أحد منهم ابدا، ولا يتعرض له بأذى، ولا يقدم على هدم عشه، ولا يصطاده.

لقد اعتاد هذا الطائر الوديع، أن يعشعش في سقف غرف بيت الطين، ويبني عشه معلقا بأعمدة السقف، من القش المخلوط بالطين، بطريقه جميلة في زوايا بيوتنا. وقد تفنن اهلنا في الشفقة به، وذلك بوضع صفيحة، او لوحة خشب اسفل العش، لحماية الفراخ من السقوط، وكذلك منع تساقط الفضلات علي أرضية الغرفة.

ولقد اعتاد السنونو أن يزقزق في الصباح الباكر بصوت رخيم، كأنه يرتل لحن التفاؤل بحلول يوم جديد، فكنا نستيقظ على وقع نغم زقزقته، ونستلقي على ظهورنا لنتطلع بشغف إلى حركة منقاره وهو يفغر فاه بتلك الزقزقة الجميلة .

وكان السنونو دائم التحليق في سمائنا، وفي باحات بيوتنا، بحركات بهلوانية مدهشة، حيث يعمد إلى الرحيل في نهاية موسم الربيع، عائداً الى موطنه من حيث أتى، ليعود إلينا ضيفاً عزيزاً في مطلع الربيع القادم .

لكننا اليوم افتقدناه مع سكننا في البيوت الأسمنتية العصرية، المغلقة الأبواب، إذ بات يتعذر عليه الدخول إليها ، ويصعب عليه تثبيت عشه في سقوفها الأسمنتية، حيث لا أعمدة خشبية لها ليلصق عشه عليها. وبذلك لم نعد نسمع زقزقته الرقيقة، وخسرنا الاستمتاع بانغام تلك السيمفونية الساحرة، وغاب عنا مشهد حركة طيرانه الحلزونية الممتعة، ليبقى مشهد السنونو مجرد ذكرى عالقة في أذهاننا، نستذكرها، ونحن إليها، كلما عدنا بالذاكرة إلى أيام زمان

 

نايف عبوش

 

شاكر فريد حسنهدى الجلاب كاتبة وشاعرة سورية، تكتب القصة القصيرة والنصوص الشعرية والنثرية، وتركز في كتاباتها على طرح وتصوير هموم الانسان وتحولاته الاجتماعية والعاطفية.

وهي تميل الى القصة كجنس أدبي قادر على رسم ونقل الواقع الحياتي المعاش، ولأنها تستطيع من خلالها تقديم أكثر الشرائح والهموم والمسائل الاجتماعية والوطنية.

صدر لهدى الجلاب حتى الأن: "قصر الجان" و"عبق الزهور"، بالاضافة الى مجموعتها القصصية "خارج المدار"، التي تحتوي على ١٧ قصة قصيرة، ذات مضامين وموضوعات اجتماعية ورومانسية ووطنية.

وتطل هدى الجلاب على نافذة الجرح السوري، وتستوحي عناوينها وموتيفاتها من الحياة الاجتماعية والواقع المعيش.

وتمتلك نصوصها لغة جميلة وتعابير موظفة بمشهدية وباتقان، ولا سيما في المونولج الداخلي. وهي تلجأ الى الأسلوب السردي المبسط الذي يقترب من القصة الكلاسيكية، ومن أسلوب الرواية بهدف الانسجام والاندماج بالمجتمع الانساني.

والصفة الغالبة على قصص الغلاب أنها تتحدث وتحكي عن أناس سوريين يعيشون على الأرض، وأكثر هؤلاء الناس من العامة الذين نلتقي بهم في الشوارع والأزقة والحارات والسوق والحقل والمصنع، ولم يكن الحديث عنهم لمجرد الحديث، لان هؤلاء عادة من الطبقات الشعبية الكادحة والمسحوقة.

وجوهر الواقعية في كتابات هدى الجلاب القصصية الكشف عن الدلالة الكبرى لما يحدث، وليس تصويرًا فوتغرافيًا، بل التصوير الممكن والصدق الفني.

هدى الجلاب نجحت في تقديم قصص ذات أبعاد اجتماعية، وتعبر عن القضايا والهموم الانسانية، ومعالجة الهم الذاتي والعام، وتجسيد الوجع السوري الكبير ورقي الانسان، مستمدة قوتها من قوة الحدث.

وهي تحتفظ بحرارة التشويق، وتحمل في قصصها ألفاظًا ومفردات كثيرة من الرشاقة والتعبير عن الحالات الانسانية في تجارب مختلفة.

ويمكن تلخيص خصائص الكتابة القصصية عند هدى الجلاب بما يلي:

• التركيز على قصص واقعية بسيطة، مشوقة، خالية من التعقيد.

• اللجوء الى لغة واضحة أنيقة تعتمد على التصوير والحفر في التجربة الانسانية.

• اعتماد البناء الكلاسيكي لقصتها، بداية وعقدة ونهاية.

• اعتماد الوصف والسرد والحوار الداخلي.

قصة هدى الجلاب تحفر في اتجاه تعميق مفهوم الانسان، وعلاقته بالحياة، في قضاياها الكبرى، وفي تفاصيلها اليومية، بعيدًا عن الظلم والجور والشقاء والعذاب اليومي، لأن الانسان أهم شيء في الوجود.

ومن نافلة القول، هدى الجلاب كاتبة قصصية تعي ماذا يعني تقديم رواية مطرزة في عالم اللغة والدهشة والتالق الابداعي، الذي يجعلنا نطالع نصوصها القصصية من خلال ميزان المعنى والقيمة الانسانية المتماسكة في اطار بنية الحكاية أو الرواية.

كل هذا يضعنا أمام تجربة ابداعية متعددة في التصاقها بهموم وقضايا البشرية.. تجربة فنية وانسانية، وموهبة ابداعية رائدة وأصيلة، تجمع اللغة المدهشة، والفكر الطبقي والانساني العميق، موصولًا باتساع الأفق والنزعة الانسانية الخالصة التي لا ترتبط بايديولوجيات تقتل تحركها الابداعي، ومتميزة في عطائها وعمق احساسها الأصيل، بمبادىء الانسانية. فلهدى الجلاب خالص التحايا واسمى معاني التقدير، وتمنياتي لها بالمزيد من التالق والابداع.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

محمد صالح الجبوريالقسم العربي لهياة الإذاعة البريطانية قدم برامج منوعة،ومن تلك البرامج التي لازالت عالقة في الذاكرة برنامج (لكل سؤال جواب)، فهو برنامج يقدم معلومات مفيدة ومتنوعة لمستمعيه في مختلف أنحاء العالم، ويحظى بأهتمام المستمعين الذي يتابعون البث الإذاعي، رغم (الشوشرة)، وتداخل الاصوات والموجات، وعدم توفر التقنيات والبث الرقمي، ومع كل المعوقات يجد المستمع متعة في الاستماع ووفرة في المعلومات، يختار القسم العربي المذيعين من أجود الاصوات وأعذبها في تقديم البرامج، برنامج (لكل سؤال جواب) من البرنامج التي أصبح لها صدى وشهرة بين المستمعين،يعتمد القسم العربي في الإجابة على الأسئلة على مجموعة من الخبراء في مختلف الاختصاصات الذين لهم القدرة والقابلية على تزويد المستمعين بمعلومات دقيقة وموثوقة، وأهم ما يميز هذه البرامج أنها تتفاعل مع المستمعين الذين ينظرون أوقات عرض البرامج ومتابعتها، ووقد نجح هذا البرنامج واستمر لسنوات طويلة،لأنه اكتسب أسباب البقاء والاستمرار، بفعل التخطيط والمتابعة وإعادة بث البرامج، وعمل استبيان يشمل اسئلة متنوعة، تخص البرنامج، وعمل تحليل للمعلومات عن البرامج، ويبقى الاستماع إلى القسم العربي فيه متعة ونكهة، والحصول على المعلومات وبناء ثقافة شخصية، كانت تلك الأيام من أعمارنا ومن ثقافتنا واهتمامنا، وشتان بين الأمس واليوم.

 

محمد صالح ياسين الجبوري - كاتب وصحفي

ضياء نافعبدعوة كريمة من معهد الترجمة في موسكو شاركت باعمال المؤتمر العالمي الخامس لمترجمي الادب، الذي انعقد من 6 الى 9 ايلول/ سبتمبر2018 في مكتبة الادب الاجنبي بموسكو، وقد ساهم في هذا المؤتمر مترجمون وباحثون في مجال الترجمة من (57) بلدا من بلدان العالم، وكان الوفد الروسي طبعا أكبر الوفود (عددا وعدة !)، اذ كان يضم (107) عضوا بين باحث ومترجم واداري، اما البلدان العربية التي شاركت في اعمال المؤتمر   فكانت ثلاثة بلدان فقط مع الاسف، وهي (حسب حروف الهجاء) كل من – سوريا والعراق ومصر، اذ لا تتابع بلداننا العربية - بحكوماتها ومنظماتها - حركة المؤتمرات الثقافية والفكرية في العالم ولا تعرف اهميتها وقيمتها .

انعقد المؤتمر تحت شعار – (الترجمة الادبية - وسيلة الدبلوماسية الثقافية)، وعلى الرغم من تسمية المؤتمر وشعاره، فان اعماله ترتبط طبعا باللغة الروسية وآدابها والترجمة عنها واليها بالاساس، وهذا أمر طبيعي جدا، اذ لا يمكن لاي مؤتمر ان يبحث شؤون الترجمة الادبية بشكل عام وفي كل اللغات، ولهذا، فقد اختتم المؤتمر اعماله باعلان الجوائز لاربعة مترجمين اجانب، الذين ترجموا الى لغاتهم القومية الادب الروسي في القرن التاسع عشر و الادب الروسي في القرن العشرين والادب الروسي المعاصر، واخيرا الشعر الروسي . لقد نادوا للصعود الى منصة المسرح اربعة مرشحين لكل جائزة، ثم تم الاعلان عن فائز واحد منهم للجائزة، اما الاخرون فقد استلموا شهادة تكريمية فقط، وقد سررت جدا، عندما نادوا على زميلنا المترجم المبدع عبد الله حبه ضمن مترجمي الادب الروسي في القرن العشرين باعتباره قد ترجم الى العربية رواية بولغاكوف الحرس الابيض (انظر مقالتنا بعنوان – رواية بولغاكوف الحرس الابيض بالعربية) . وعلى الرغم من عدم حصول المترجم الكبير عبد الله حبه على الجائزة تلك، الا ان وقوفه ضمن المرشحين الاربعة وحصوله على شهادة التكريم من لجنة التحكيم تعتبر بحد ذاتها عملا يثير الفخر و الاعتزاز لكل العراقيين والعرب جميعا، اذ انه كان قاب قوسين من نيل الجائزة .  

   تم افتتاح اعمال المؤتمر بجلسة عامة في القاعة الكبرى لمكتبة الادب الاجنبي، حيث تحدّث اربعة من اعضاء الوفد الروسي وواحدة من اعضاء الوفد الفرنسي، وتوقف المحاضرون الروس عند شعار المؤتمر (الترجمة الادبية باعتبارها وسيلة الدبلوماسية الثقافية)، وعند عام 2018 باعتباره عام وحدة الادب الروسي الكلاسيكي، وذلك لان روسيا في هذا العام بالذات تحتفل بذكرى الميلاد اليوبيلي لكل من تورغينيف وتولستوي وغوركي وماياكوفسكي وسولجينيتسن (انظر مقالتنا بعنوان – روسيا تحتفل بذكرى سولجينيتسن وغوركي وتورغينيف) حيث تحدث المحاضر قليلا عن كل واحد من هؤلاء الادباء الكبار واعتبر هذه الاحتفالات اعلانا لوحدة الادب الكلاسيكي الروسي بغض النظر عن موقع واهمية كل اسم من تلك الاسماء، و كذلك تحدثوا بعدئذ عن موقع ومكانة اللغة الروسية في عالم اليوم، واخيرا عن الاسماء والظواهر الجديدة في الادب الروسي بروسيا اليوم، اما المندوبة الفرنسية فقد تحدثت عن حركة ترجمة الادب الروسي في فرنسا وصولا الى ما يمكن ان نسميه – (المكتبة الفرنسية للادب الروسي)، وهو مصطلح بدأ يطرق اسماعنا في الفترة الاخيرة ويرتبط طبعا بحركة ترجمة الادب الروسي الى لغات العالم الرئيسية، ومن الطريف ان نشير هنا، الى ان عنوان كلمتها كان كما يأتي – (المترجم يجب ان يعرف كل شئ). ثم توزعت اعمال المؤتمر بعد جلسة الافتتاح تلك الى ثمانية أقسام، وكانت هناك طبعا قاعة خاصة لكل قسم، وذلك حسب طبيعة البحوث التي يقدمها كل مشارك، وهذا أمر طبيعي جدا في مؤتمر عالمي يشارك فيه (277) مندوبا . ان هذا التنوع في طبيعة البحوث قد حرمني طبعا من الاستماع الى العديد من تلك الكلمات، التي رغبت بالاستماع اليها عندما اطلعت على عناوين البحوث في دليل المؤتمر، فقد وضعت اشارة عند تلك البحوث، منها على سبيل المثال وليس الحصر، بحوث الزملاء العرب د. مكارم الغمري (من مصر) التي تحدثت عن دور الترجمة في بلورة الاجناس الادبية في المسرح العربي بمصر نموذجا، ود.محمد الجبالي (من مصر) الذي تحدث عن صعوبات الترجمة الادبية من اللغة الروسية الى العربية ومن العربية الى الروسية، و د. ثائر زين الدين (من سوريا) الذي تحدث عن وزارة الثقافة في سوريا وتجربتها بتنظيم ترجمات الادب الروسي باللغة العربية، وهو موضوع كبير يقف منذ زمن طويل امام كل مترجمي الادب الروسي في العالم العربي . هناك طبعا الكثير من البحوث الاخرى الطريفة والمهمة، وأشير الى بعضها ليس الا، اذ أثار اهتمامي البحث الموسوم – (بوشكين الفارسي – شاعر ام ناثر؟) لباحث ايراني، ويتناول صعوبات ترجمة شعر بوشكين الى الفارسية، او، (الترجمة الى نفس اللغة ولكن في بلدين اثنين) لباحثة فنلندية، وهي مشكلة تقف امام المترجمين العرب، او، (مشاكل ترجمة عناوين الكتب) لباحثة بريطانية، او، (فلسفة النص والتعبير عنها في الترجمة / الشعر الغزلي عند حافظ في الترجمة الى الروسية نموذجا) لباحث أذربيجاني، او، (ترجمة حكايات تولستوي لاطفال المكسيك) لباحثة مكسيكية، وغيرها من البحوث المهمة والمرتبطة بواقع الترجمة ومشاكلها . وباختصار، فقد كان هذا المؤتمر فرصة رائعة للاطلاع على قضايا الترجمة من الروسية الى اللغات الاخرى وبالعكس، وقد كانت الادارة وتنظيمها للمؤتمر ناجحة جدا، ودقيقة   جدا، وكم اتمنى ان نتعلم من ذلك التنظيم في مؤتمراتنا العربية .

 

أ. د. ضياء نافع

 

رشيدة الركيككل بداية لها نهاية، وكل نهاية تعلن بداية لشيء جديد مختلف. نتنفس لنعيش من حيث لا نشعر، وتستمر الحياة بعد كل تنهيدة تكدر الجو معلنة عصيانه.

قد ننظر أو ننتظر بلهفة العاشق المشتاق لقدر لعله يغير من الأحوال، مع أننا لا نملك سوى الاستسلام له لنترك أمواج الحياة تأخذنا إلى حيث تريد وينتهي بنا المطاف لشط الأمان ربما أحياء أو أموات...

تسوقنا أحداث الحياة ولا ندري من أين استمدت هذه القوة وهذا الحق الظالم لكل القدرات الإنسانية، لذلك قد لا نملك أمام جبروتها إلا التحسر والنقد والسخط على الظروف والقدر.

يعيش كل مجتمع وقد يتألم ويئن من جراء المرض، ومع اختلاف الأمراض الإجتماعية وتكاثرها، يكاد الفرد لا يجد بدا سوى البحث عن مواطن الألم وموعد نوبات الصرع المجتمعي ... ليتصدع الفرد ويبدو كمن فقد صوابه، ومع ذلك هو مطالب بالحفاظ على كل ما هو مجتمعي.

لم يعد يتألم المجتمع في صمت الخشوع كما كان فيما مضى، ولكن يبدو ذلك واضحا في وسائل التواصل الاجتماعي بشكل من المواساة وربما يسمح بالتهكم الجماعي على الواقع بصور شتى.

استضعف الإنسان بعد اهتزاز المجتمع وإعلان انهزامه أمام صور متشائمة تستنزف أوكسجين الحياة.

قيل عن الأسرة أنها لم تعد شاطئ الأمان للأطفال لأنها تخلت عن وظائفها وانشغلت بالكماليات والمظاهر وربما أصبح مغلوبا على أمرها،ومع انشغال الإنسان بالهاتف قل التواصل الإجتماعي وحرمنا من قوة التماسك داخله ليصبح الإنسان عرضة للأمراض النفسية الإجماعية مع استنزاف الأوكسجين الأسري...

قيل عن شباب اليوم مستهترا ضائعا وفاقدا لكل عزيمة وحياة. شبان بلباس مستور مكشوف معلنين تمردهم عن كل القيم الاجتماعية السائدة ليخلقوا عالما مثيرا للجدل .

شابات قيل عنهن إما مترجلات يفتقدن للذوق الجمالي، أو مميعات تكشفن عن أنوثتهن بشكل مفضوح...

قيل عن كل مجالات الحياة ما يجعلنا ربما نهمس في دواخلنا أو في آذان بعضنا البعض لماذا الاستمرار؟ مما ينتج أمراضا اجتماعية أخرى دون أية محاولة للتشخيص و البحث عن العلاج.

وكأنها حياة فاقدة لكل جميل، قد ندعو أنفسنا للتصوف والإعتكاف بدعوى العبادة بدل العيش في حياة سنحاسب عليها وإن لم تعد تستهوينا...

وتسير عجلة الحياة بشكل مسرع لا نكاد نأخذ أنفاسنا ليضيع كل توازن ممكن مع الكثير من الزحمة لنعيش في نوع من التيه الإجتماعي.

كل فرد يبحث عن نفسه في الذات الجماعية بشكل تشاركي، ربما يجد شيئا ما بعدما تعب من البحث عن كينونته...

الإتجاه إلى الذات الجماعية بات مشروعا بعد تيهان الفرد عن نفسه و ربما كانت سببا له والنتيجة واحدة، أصبحنا نتحسس ما تعانيه الجماعة لا لشيء إلا لأنه لم يعد يستطيع تحسس مواطن آلامه الفردية في نوع من البحث عن الذات ...

والحقيقة أنه يعيش نوعا من التيه المجتمعي يتجسد في عدم القدرة على الفصل بين الذات الفردية والجماعية، هو تيه عن مقومات الذات الهادفة لخلق الإنسان.

وهكذا يبدو أننا انشغلنا بالكل (المجتمع) وأهملنا الجزء(الأفراد)، وكأنه مزجت الأجزاء في خلاط كهربائي لتضيع فردانيتها وتميزها وجمال تنوعها.

وإن كنا نؤمن أن الكل يتكون من الأجزاء، لكن هذا لا يلغي حضور الأجزاء وبروزها معلنة عن نفسها وتفردها واختلافها.

ومع أن لكل فرد قدرات وفي ذلك تكامل بين الأفراد وانسجام وتعاون، لكن في إلغاء التميز يضيع طعم الوجود ويضيع معه كل تذوق للجميل.

حقيقة يبهرنا الإحساس بالانتماء في المجتمع الإنساني ولكن يظل ذروة الجمال في التنوع باختلاف ألوانه، مثل باقة الورد كل وردة تمتع النظر باختلافها وتمس فينا أشياء معينة، لكن في النهاية عبرت عن مشموم رائع المنظر وفي تناسق الكثرة بالكثير من التميز كل واحدة بلونها الخاص ورائحتها تراعي اختلاف الأذواق ولعل من أسرار جمالها.

والأمر سيان داخل المجتمع، يسرنا أن نرى بروز الإختلاف والتمايز الفردي في مشموم جماعي.

لكن ما حصل حرمان، حين قذفت الأفراد بنفسها في ما هو جماعي،باعتباره المشترك رغبة منها أن تتقاسم الهموم والمشاكل لتخفف عن نفسها، لكن ما يفرض نفسه هزيمة الذوات الفردية وتحطم قدراتها، لينتهي الأمر بالإنسان في حالة من التيه المجتمعي كلما يفرض عليه أن يكون حيث يوجد المجموع.

وينتهي به آخر المطاف وسط الكل دون معرفة أين هو؟وأي طريق يسلك؟ ولماذا؟...بل الأكثر من ذلك لن يكلف نفسه عناء طرح السؤال حتى لا يحدث قلقا فكريا يدفعه لتكبل عناء فك الرموز بالكثير من التحليل والاستدلال...

هكذا سهل على الأفراد أن تتخذ المواقف الجماعية موقفا لها في نوع من الإنسياق خصوصا بعد نشاط مواقع التواصل الاجتماعي...

تنتشر الأحداث كالنار على الهشيم محدثة ضجة من الخطابات الشفوية المتغيرة لاعتمادها على أسلوب الحكي وبراعته في التأثير بدل الإقناع الذي يضمن الوصول للحقائق...

وتتجند الجماهير في هذا الاتجاه مستغلة قدراتها الإبداعية لا غير، معلنة الفهم والتعقل والحرص، والحقيقة أنه لن يخرج عن نطاق التيه المجتمعي وربما قد يصبح في مرحلة لاحقة التيه الوجودي في درجة كبرى من الخطورة...

هكذا تضيع الحقائق ونتمسك بما هو جاهز وكأنها أحكام مسبقة جماعية جاهزة مرسخة بفعل التكرار الجماعي، تسجن الذوات الفردية داخل إطار للتفكير مفروض بنوع من الإلزامية.

هو نوع من الإيحاء العقلي الجماعي ينير قدرات الإنسان لتركيب الصور والأحداث لتحدث قصصا مستدعية ما مضى في الذاكرة الجماعية وتبنى من خلالها مواقف جماعية ، كل من خالف يلقب بالعصيان الجماعي وبالتالي مشروعية الهجوم والقذف..

لكن خطورة هذا التيه تتجلى في انحباس العقول وقتل العبقرية فينا باعتبارها دائما خروج عن المألوف.

جميل أن تكون لنا ذاتا جماعية نتحسس من خلالها همومنا المشتركة، لكن الأجمل أن تحافظ على تفرد وتميز بعضنا البعض من شأنه أن يتكلم كل واحد عن توجهه حاملا بوصلته معبرا عن فكره دون ضغط الجماعة على الأفراد بفعل الدخول في دوامة التكرار...

ربما نصبح ببغاوات تردد ما قيل لها في كثير من المواقف الحياتية، لتنشط الذاكرة الفردية وتتماهى مع الذاكرة الجماعية، عوض تنشيط العقل وقتل قدراته على ممارسة التحليل من شأنه أن يطرح السِؤال:لماذا؟ كيف؟ هل؟

إنها مهارة السؤال ما يحدث القلق الفكري للخروج عن المألوف، بينما مهارة التكرار من يشحن الإنسان بالمواقف الجاهزة وبالتالي السلوكات النمطية التي تقتل في الذات العاقلة روح الإبداع وروعته كلما ارتبط الخيال بالفكر أعطى الكثير وحقق المعجزات، بينما ارتباط الخيال بالذاكرة يجعلنا نتوه معتقدين أنه نوع من الإنجاز...

إن خيال الذاكرة يعمل على افتعال الأحداث في تصوير جميل، وإثارة للانفعالات لن تنتج إلا شحنات عاطفية توقف كل نقاش فعال مبتكر للحلول ومعالج للأحداث بدل السخط عليها بالانتقادات اللاذعة

والتهكمات المستفزة تفتح الأبواب لظلم بعضنا للبعض.

عموما أمام كثرة الأمراض الاجتماعية وكثرة مخاوف الإنسان ، رمت الأفراد نفسها في أحضان الذات الجماعية لأن المواضيع والمشاكل والهموم مشتركة، راجية الشعور بالتقاسم وتخفيف الأعباء من خلال مواقع التواصل الاجتماعي لكن ما نخشاه أن نضيع الذوات الفردية وقدراتها الجبارة في حالة من التيه المجتمعي يلغي كل نظرة جميلة أو عطر للحياة، ويبقى السخط من يؤجج الأوضاع ويلقي نظرة تشاؤمية على الأحداث .

لكن ربما أمام سرعة انتشار المعلومات كان علينا أن نوقظ قدرات بعضنا البعض من أجل التحري والكشف والتحليل عوض السب والقذف باسم الجماعة...

هكذا تصبح الأفراد كالدمى الكراكيزية تتحكم باسم الجماعة وتتناسى الأجزاء التي يمكن تحريك قدراتها لتعمل بنوع من التحفيز على الرغبة في التغيير لاسيما أن التغيير يأتي من الداخل أي من الجزء(الفرد) إلى الكل (المجتمع)...

 

بقلم رشيدة الركيك

 

نايف عبوشلا شك أن الإبداع موهبة فطرية، ومن ثم فإن من حق المبدع أن يستولد نصه، بالاسلوبية التعبيرية التي يراها، عند لحظة الومضة، وبالتالي فإن من حقه أن يرفض الوصاية المتعسفة من المتلقي، على طريقة إبداعه لنصه، خاصة وأن اغلب المتلقين يريدون حشر المبدع في إطار فضاء ما ألفوه من تلقيات، بمضامين تقليدية، سافرة الفهم، ومباشرة التصور،الأمر الذي يحد من حجم، وحركة مساحة إبداعه، وبالتالي مراوحته في إطار مقبولية تلك التلقيات المعهودة ليس إلا.

ومع أن الإبداع موهبة فطرية، فإن المطلوب ان لا يبتعد المبدع في إنتاج نصوصه، عن نبض الواقع الذي يعيشه، وهموم المجتمع التي يحياها، بحجة مماشاة الحداثة، ليتعكز على أساليب تعبيرية جافة، ومشوشة،باستخدام رمزية تجريدية، وأسطرة فوقية، مبالغ فيها، بحيث يأتي نصه منعزلا عن إدراك المتلقي، بما يكتنفه من الغموض، وما يحيط به من الإبهام، وهو ما يضطر المتلقي للعزوف عن تقبل النص، ويدفعه للتشبث بتقاليد التلقي المألوفة، حيث يجد فيها نفسه، على أفضل حال من التفاعل .

ولذلك فإنه لاضير على الأديب في عملية إبداع نصه، من أن يجدد، ويتجرد في التصور، والتعبير،كلما أمكن ذلك، ولكن دون أن يتوغل بعيداً في متاهات التجريد الجاف، المؤدي إلى التعمية، والغموض، والإبهام، ومن دون أن ينحدر في نفس الوقت، إلى قاع المباشرة، والوضوح السافر، الذي يُفقِد النص جمالية الإبداع .

ومن هنا فإن المطلوب من الشعراء، والأدباء الذين يستهويهم بريق الحداثة، ويتهافتون على التجريد المتمادي في الرمزية، ان يعيروا اهتماماً أكبر لذائقة للمتلقي، خاصة وأنهم لايبدعون لأنفسهم فحسب، ولا لكائنات افتراضية صماء، تتقبل كل ما تتلقى.

 

نايف عبوش

 

 

شاكر فريد حسنعبور درويش ابنة البروة التي تقطن في قرية الجديدة الجليلية، قد اقتحمت عالم الشعر وامتطت صهوة الابداع، ونشرت نصوصها في صحيفة " الاتحاد "، وصحيفة الحقيقة وفي عدد من المواقع الالكترونية المحلية والعالمية وفي صفحتها على الفيسبوك. تعمل محررة إخبارية ومترجمة وصاحبة مجلة " لنا " الفكرية الثقافية الموجهة لطلاب المدارس الابتدائية، تكتب المقالة والقصة القصيرة وما يختلج صدرها من بوح شعري،

عبور انسانة موهوبة تكتب بلغة تأخذنا ونحن نقرأ نصوصها في فسيح فضاءاتها وانفساح آفاقها الى ما يثير الدهشة والمتعة الجمالية، وهي تنغمس بريشة وحبر روحها حين ترسم لوحاتها الشعرية والنثرية الفنية، باسلوب أدبي رمزي أحيانا، تحقق من خلاله روح الابداع الحداثي الذي تسعى اليه.

وفي نصوصها تبرز عبور ملامح الوطن، وتعكس همومنا الوطنية، مستخدمة الكلمات الموحية ذات الأبعاد النفسية المؤثرة، التي تعتمد على الصورة والرمز والايحاء والاستعارات البلاغية.

إنها تكتب باسم روح انتفضت، وطمأنينة انقرضت، وأرض لم تحرث بعد، ورغيف خبز لم يخبز، وحلم لم ينجز، وأصالة باتت منسية..!

ومن قصائد عبور درويش التي راقت لي، قصيدتها الى روح الانسان محمود درويش، وهي بعنوان " قم وعانق الحوريات "، حيث تخاطب شاعرنا الراحل، وقلبها يملؤه الشجن والحزن لرحيله الفاجع، فتقول:

يا صاحب الصهيل الأخير

انك الآن صامت وأي صمت هذا الذي يدوي الاذان

انني اقف على شرفتي المعتمة

وقبس نور يتسلل من شموع العزاء

اشواك الندم تلسعني وتخنقني علامات السؤال

بالامس مررت من هنا قاصدا احدى الاخوات

هرعت نحوك لاصافحك

ارتعشت أناملي وتراجعت خطواتي بخجل

ودون أن تلاحظني عدت الى شرفتي

وغمرت رأسي بين قصائدك كعصفورة بلا اجنحة

أعترف إنني خجلت من خجلي

ولكني على الأقل قادرة ان أعترف

هل اخترتتا ام القدر فعل ؟؟

كي نكون جديرين بك وان نرفع صورك فوق جدراننا الحزينة

يا محاربا بلا سلاح انهض من سباتك الابدي

قم للحظة واحدة.. نحتاج بعض سطور

اختتقت الحروف وتشوهت العبارات

وانطوينا على انفسنا بين الصفحات

وتتناول عبور درويش في قصائدها الى جاتب القضايا الوطنية، الاوضاع السياسية والمسائل الاجتماعية، والاخلاقيات والفضائل والقيم الانسانية التي تتهاوى، عدا الرثاء، وغير ذلك من الشعر الهادىء المتسم بالصدق العفوي ورقة المشاعر والرؤى البعيدة.

واللافت في كتاباتها مهارتها الوصفية شعريًا في نقل صورة امينة لما يحدث ويجري في الواقع من آفات اجتماعية وأعمال عنف وقتل يومي، وما يجيش في الصدور والنفس البشرية التواقة للخير والمحبة والتسامح والعدل الانساني، وتطالب باعادة حساباتنا، فلنسمعها تقول وهي تتساءل : لماذا قتلت بيان وهي ما زالت تحبو نحو عقدها الأول:

لما قتلت بيان

يا من حملت السلاح بيدك

وبين اضلعك كانت الضغينة

تخفق بالوريد والشريان...؟؟

هل لك أن ترجع عقارب الزمان....؟

هل بامكانك أن تعيد طفلة دثرت بالتراب والأكفان؟؟

ترو يا بن هذا الجيل ...

لا تسلبهم الطمأنينة والأمان ا

أما أثقل جيبك هذا السلاح ...؟؟

ألم تثقل مسامعك أنات الأمهات...؟؟؟

أما آن لهذا العنف أن يندحر؟؟؟

ولعل الروح الانسانية باجمل صورها، تتجلى عند عبور في قصيدتها " أماه " الزاخرة بكل مشاعر الحب واسمى معاني الوفاء والاجلال والتقدير لنورالكون، أمها الغالية التي وهبتها من عمرها النضارة والنقاء الروحي، وعلمتها مسك القلم، وقيمة المعرفة، وأهمية القلم، فتناجيها في يوم عيدها:

على مشارف عيدك

واقفة أنا

حائرة خائرة القوى

أيا نور الكون..

يا من حملتني

بين أجفان الطمأنينة

ووهبتني من عمرك

نضارته ورحيقه

يا من جزأت من أجلي

ثواني الزمن ولحظاته

وأزحت عن دربي

أحجاره وعثراته

اعذريني

إذ تضيع مني أزاهير اللغة

في حضرة الأمومة

يا رفيقة الدرب

دعيني ألملم

ما هدر من لحظات عمرك في تربيتي

وأسكبه تعاليما في كتاب الحياة

وتبعث عبور درويش بنداء لشاعر الوطن والانسانية سميح القاسم، وتناديه بكل ما في داخلها من احساس ورهافة وشفافية قائلة:

يا سميح القاسم

قم لنرسم معا قوس قزح

اصرخ بوجه آلامك

وعد لتكمل القصيدة

قاوم لأجل من

يبكون ويصلون

حتى تعود

لأجلنا -

لأجل الوطن

انهض لحبيبتك العذراء

عد للرامة للجليل

والجولان

تناديك قدسنا

عد لتربت على كتف الوطن

قبل أن يعلو بكاء الرجال الرجال

وقبل أن يوغل صمت النساء النساء

عد لكتاباتك

عيور درويش لها مخزون من الموضوعات والموتيفات المختلفة، وما تكتبه هو قطعة من ذاتها، واسلوبها الكتابي مؤثر ورمزي، وهي تميل الى الكتابة الطويلة والاسترسال، وليس الى الومضة التي تسم الجيل الشعري الجديد، وهذا يدل على نفسها الشاعري وقدرتها على مداعبة الحروف، ودغدغة الكلمات.

إنها شاعرة واعدة تحث الخطى على درب الشعر والابداع بكل ثقة وايمان برسالة الأدب الملتزم المنحاز لنبض الناس والشارع.

فاجمل التحيات لعبور درويش، متمنيًا لها مستقبلًا شعريًا جميلًا، وقدمًا الى الامام وبلوغ الهدف المبتغى والمنشود.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

تتصفح كتبه تنظر الى الحروف والكلمات فتجذبك الجملات وتأخذك الى مكان آخر غير الذي أنت فيه ترافق الشخصيات، تعيش معهم بكل التفاصيل تتألم لآلامهم تفرح لفرحهم ترافقهم في كل مكان تصمت حين يصمتون .

تصبح في عالم تريد المزيد لتعرف اكثر لتتعلم افضل لتكتشف الاسرار وتقرأ ما بين السطور، يعلمك كيف تبحث وكيف تفكر وكيف تخرج في النهاية في حالة من الذهول وتبحث عن النتائج لتصل الى الحقيقة .

النهايات هي البدايات لفكر افضل ولعقل يعمل ويفك الرموز لعقل يبحث عن المعقول لا الشرود، لعقل يكره الركود، لعقل لا يبحث عن الاجابات الجاهزة لعقل سليم متحرر من كل القيود .

اعمال العقل ما يريده يوسف زيدان يبحث عن المخطوطات في كل مكان يستخرج منها الكلمات ويضع النقاط على الحروف ويضع بين يدي القارئ ما لم يتوقعه ويكشف المستور، يعطي شحنات من الامل وبانتظار المزيد، يكشف الحقائق لتعرف التاريخ لتعيد الرؤى والافكار وترغب بالمراجعات لتتعلم اكثر وتتضح الصورة امامك .

يتحدث عن المرأة عن الرقي عن روعتها، هي الاصل، عن القيود والتحرر، عن وجودها وخلاصها، ظل الافعى والترانيم وحديث الام وابنتها، عن الدروس التي اعطتها رغم المسافات هي قربها تشعر بها .

عزازيل ورحلة الاكتشاف وصراع الانسان والشيطان وعذابات الايام وضحايا التعصب والرحيل والذهاب والاياب والحنين والوجع والخنوع والانتصار والفشل والنجاح وبدايات النهايات .

   ومحال وجونتنامو ونور والنبطي وغيرها من الكتب التي لايمكنك ان تتوقف عن القراءة من اول سطر، تريد ان تعرف المزيد وتتعلم اكثر وتبحث انت ايضاً لتكتشف وتشم رائحة الاوراق لتخرج منها احداث وصراعات ونزاعات وحقائق لم تكن تعرفها لترتسم البسمة على وجهك .

يوسف زيدان المفكر والفيلسوف والكاتب الحزين الذي يحزنه واقعنا المرير، يحزنه ما يراه امامه، يبحث ويجول في الاماكن، يجمع الكثير والكثير من الحقائق يطرزها على الورق ليقدمها للجميع بحلة جميلة وراقية دون كذب او افتراء .

انه الحزين الذي يبتسم حين يصل الى اخر كلمة من كتاب سيصل الى الجميع، وينظر الى المستقبل بابتسامة راقية، ويعطي الامل .

 

بقلم جلال باقر - كاتب عراقي

 

شاكر فريد حسنحورية أنا

لكنني

خرجت من بحر كلماتك

سبحت بين حروفك

اللازوردية

ارتديت غلالتي البيضاء

وأطلقت أجنحتي

أعبر مداك

لأجلي كتبت قصائدك

البنفسجية

أنا حلمك المقدس،

وصلواتك للرب..

تقتلني اللهفة إليك

فأنسل بين حروفك

أتراقص كالفراشات الهنية

أملًا عالمك ياسمينًا " خرافيًا "

أظمأ .. بك ولك

تمتلىء لحظاتك بي

بهمسك وعذب حضوري

أدمنتني وكفى

انا ابنة أفكارك

وملاذك..

حوريتك أنا ..

أطوف

بحر ابداعك وأنسل كالدهشة

بين همساتك

فاكتبني قصائد خالدة

بنبض قلبك

وعلقني على جدران روحك

صاحبة هذا النص الرقيق الشاعرة السورية نبيلة متوج. فهي حورية في بساتين الجمال ورياض الابداع، من بحر الكلمات تختار الأجمل والأحلى، قلبها عاصمة للحب، فيه يهطل المطر وغيوم الفرح والياسمين الدمشقي الفواح.

نبيلة متوج من أسماء الموجة الشعرية السورية الجديدة، تقريت نصوصها التي تنشرها من حين لأخر على صفحتها في الفيسبوك، وفي عدد من المواقع الالكترونية، وخاصة موقع " منبر العراق الحر " الذي يديره ويشرف عليه الصحفي المتميز الصديق عصام العبيدي.

وقد شدتني كتاباتها الشعرية لما تتسم به من شفافية ورقة وعذوبة ووضوح .

وقصيدتها المشار إليها في العنوان، هي قصيدة رومانسية وجدانية عاطفية مباشرة وعالية، شفافة في ألفاظها ومعانيها، تنساب فيها الكلمات انسيابًا عذبًا، تتدفق بسلاسة تشتمل على التصوير التعبيري بفنية لفظية بادية للمتلقي. وما يميزها صدق المعاني والمشاعر، والاشراق الشعري المصحوب بسمو تخيل.

فيها بوح صادق شفاف وناعم، وفيها مناجاة للحبيب الذي تسلل من نافذة الحب واحتل قلبها، وأطلق في فضاء روحها فراشات وزنابق حتى أدمنه، وصارت تكتب من أجله القصائد البنفسجية، وبات يقتلها الشوق ولللهفة إليه، فراحت تنسل بين حروفه، وتتراقص كالفراشات بين يديه، وتتغلغل بين همساته كالدهشة، وتتوسل اليه بأن يكتبها قصائد خالدة يعلقها على جدران روحه.

كتابات نبيلة متوج الشعرية رومانسية بامتياز ، تخاطب القلب والوجدان، مفعمة بجيشان العاطفة، ومتسمة بالاناقة الشعرية ورهافة الحس، وزاخرة بالاستعارات والصور الشعرية الجديدة ما يضفي جمالية على نصها.

وغني عن القول أن قصائدها هي سمفونيات حب، وترانيم عىشق، ولوحات فنية من الالوان الراقصة والايقاعات الراعشة والعبارات الهامسة، التي تعكس مشاعرها الوجدانية، وهي تأتينا بالصور الشعرية الفنية الوارفة الواضحة التي لا ترهق القارىء فكريًا وذهنيًا، وانما تسبغ عليه النشوة والمتعة الروحية.

نبيلة متوج متصالحة مع الحب، ترسم صورًا ، تتعانق فبها الألفاظ والمعاني، وتتسامى المشاعر والأحاسيس، حتى أنها تمضي بشاعريتها المتدفقة حتى سلطة العاطفة الملتهبة.

ويمكن اعتبار قصيدتها" حورية أنا “ شحنة دافقة من الحس الداخلي الوجداني، ونص رومانسي مغاير تمارس من خلاله طقوس عشقية خالصة، في التحام وانصهار روحي وجسدي، وهمسة آسرة تحترق فيها فراشة اللغة بضوء قنديل العشق.

انها تنتصر في قصيدتها لذاتها، لجسدها، لحبيبها الذي يسكن حرفها، ويعتصرها شهدًا شهيًا لحظة الانتشاء والسحر، وتنتصر لحرفها الجميل البوح.

نبيلة فتوح شاعرة واعدة تشق طريقها إلى الأمام بخطوات واثقة وواعية نحو حرم الشعر الصافي، فلها مني أصدق التحيات والتمنيات بالمزيد من العطاء والابداع والتألق.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعهذا حدث مهم لمتابعي وعشّاق الادب الروسي باللغة العربية، واغناء كبير للمكتبة العربية في الادب الروسي بآن واحد، اذ أصدرت الهيئة المصرية العامة للكتاب العام 2016، وضمن سلسلة الألف كتاب الثاني / نافذة على الثقافة العالمية – كتابا للاديب المسرحي الروسي ألكساندر استروفسكي (انظر مقالتنا بعنوان استروفسكي – شكسبير روسيا) يضم مسرحيتين له تحت عنوان ثانوي هو – من روائع المسرح الروسي، بترجمة وتقديم أ.د. مكارم الغمري عن الروسية طبعا (انظر مقالتنا بعنوان – مكارم الغمري والادب الروسي)، وبهذا الاصدار تكون الغمري (التي طالما غمرتنا بابداعاتها الجميلة حول الادب الروسي!) قد أنجزت ترجمة ثلاث مسرحيات للكاتب المسرحي الروسي استروفسكي ضمن تلك المساهمات المهمة في هذا المجال، اذ سبق لها ان ترجمت مسرحية (الغابة)، والتي صدرت ضمن السلسلة المشهورة - (من المسرح العالمي) في الكويت العام 1984، ولو تأملنا فقط الفرق الزمني بين الاصداريين (وهو اكثر من ثلاثين سنة!) لوجدنا الاجابة عن سؤال يدور في أذهان الكثيرين حول القيمة الحقيقية والعميقة لمكانة أ.د. مكارم الغمري في حياتنا الفكرية العربية المعاصرة ودورها الفعّال في نشر الادب الروسي بعالمنا العربي، ولماذا حازت هذه الباحثة المصرية على هذا التقدير المتميّز في الاوساط العربية والروسيّة على حد سواء .

يقع الكتاب في (176) صفحة من القطع الكبير، وبغلاف رائق أخّاذ يتناسق مع روح المسرح وجماليته وارتباطه بالحياة الانسانية، ولا يمكن لكتاب تترجمه ألاستاذة الجامعية والباحثة القديرة د. مكارم الغمري ان يكون خاليا من مقدمة علميّة تكتبها له، مقدمة تضفي على النص المترجم نظرة موضوعية متكاملة تجعل القارئ مستعدا نفسيا لاستيعاب ذلك النص الادبي، وقد جاءت تلك المقدمة (الدسمة!) من صفحة رقم(7) الى صفحة رقم (18)، والتي يمكن القول انها دراسة معمّقة وجيزة لادب استروفسكي وعصره. تناولت الغمري في بداية مقدمتها خصائص مسرح استروفسكي وموقعه في ظل تيارات اجتماعية وفكرية مختلفة في روسيا آنذاك، والصراعات التي كانت قائمة بين عدة تيارات، ابرزها الصراع بين انصار التوجّه نحو الغرب الاوربي، الذين كانوا يرون ان روسيا يجب ان تسلك طريق الاصلاحات الاوربية الغربية، وبين انصار الرجوع الى الروح السلافية، الذين كانوا يؤكدون على خصوصية طريق روسيا المغاير لطريق الغرب الاوربي، ومن الطريف هنا ان نشير، الى ان كلاهما (انصار الغرب وانصار السلاف) كانا يعتقدان، ان استروفسكي هو واحد منهم، ولا يسمح المجال بالاستطراد اكثر في اطار هذه المقالة . تتوقف د. مكارم في مقدمتها لاحقا عند مكانة استروفسكي في تاريخ الادب الروسي ولماذا يعتبرونه (مؤسس المسرح القومي الروسي)، ولماذا يعدّ لحد الان قريبا من القارئ والمشاهد الروسي المعاصر بما يطرحه من قضايا اخلاقية وانسانية ترتبط بكل مكان وزمان . تتطرّق الباحثة في مقدمتها حتى الى الحديث عن موضوع الرقابة على الابداع الادبي في روسيا القيصرية، ثم في الفترة السوفيتية، ثم ما بعد تلك الفترة، وتربط هذا الموضوع الخطير بتاريخ روسيا ومسيرتها، والكلام عن الرقابة يذكرنا بواقعنا طبعا، ورغم ان الباحثة لم تتطرّق الى ذلك، ولكن (الحليم تكفيه الاشارة !) . تتوقف الباحثة لاحقا عند كل مسرحية من المسرحيتين في هذا الكتاب، وتعطي تلخيصا موضوعيا للافكار الرئيسية في كل مسرحية، وتربط تلك الافكار والاحداث بالواقع المصري، وتحاول ايجاد سبل المقارنة حتى مع ثلاثية نجيب محفوظ وابطالها، وعلى الرغم من انها لم تتوسّع في هذا الجانب، الا ان تلك المقارنة الوجيزة بين استروفسكي ونجيب محفوظ تمتلك اهميتها بالنسبة للمهتميّن العرب بموضوعة الادب المقارن، وكذلك بالنسبة للمستشرقين الروس . وتتناول الباحثة في مقدمتها تلك صعوبة ترجمة مسرحيات استروفسكي، لان الكاتب المسرحي هذا كان (يتعامل مع اللغة بصفتها وسيلة لتصوير الطابع الانساني) كما تشير د. مكارم الغمري، ولهذا نرى في نصوصه الكثير من التعابير الدارجة والامثال الشعبية، بل ان عنوان المسرحية التي ترجمتها هو عبارة عن مثل شعبي روسي (كما هو حال عدة مسرحيات اخرى له)، وتتحدث المترجمة عن ذلك وتقول انها بحثت عن مثل شعبي مقارب من حيث المعنى كي تحتفظ بروحية العنوان الذي اطلقه استروفسكي على مسرحيته، وهكذا اصبح عنوان تلك المسرحية في الترجمة العربية – (لا بينا ولا علينا).

تصفيق حاد للمبدعة أ.د. مكارم الغمري على كل ما قدّمته من مساهمات عميقة في مجال العلاقات الثقافية العربية – الروسية، وكل الشكروالتقدير للهيئة المصرية العامة للكتاب وسلسلة الالف كتاب الثاني، والتي تطلق على نفسها تسمية دقيقة ومعبّرة فعلا وهي – (نافذة على الثقافة العالمية).

 

أ. د. ضياء نافع

 

سلس نجيب ياسينالنجاح تلك العملية الشاملة الواسعة والمستمرة المملوءة بروح الارادة والاصرار والتحدي والطموح وكذا حب وشغف التطلع والمعرفة وكذا الانجاز والتحقيق لن تخرج من مساحة التعلم والاحتكاك بالمجتمع بغية الوصول الى الاهداف مع كثير من التعديل والتقييم وابان العملية وبطريقة مباشرة اولا ارادية يتمكن الانسان من التحرر من بعض المعتقدات والرواسب والافكار الماضية والتي قد تعيقه او تقف دون تحقيق مايريد تلك الاوهام او المعتقدات البالية سوف تتحرر منها كلما اسررت على التعلم والبقاء في وعلى سباق وطريق النجاح فكلما اقتربت من اليابسة ظهر ضوء المدينة اقرب واشعته ابرقت بقوة وكلما تقدمت قرات وعرفت اسم المدينة .

التدرج الحاصل والبطيئ الذي قد تشعر به في وعلى طريق النجاح لن يستمر طالما انك تبحث تتعلم تعدل وتقيم تريد تتق وتستمر فلا تتراجع لان السرعة ستزداد لامحالة

 

بقلم الكاتب : سلس نجيب ياسين

رنا خالدفي زوايا الإعلام، يصبح العقل البشري عبارة عن خزين من التجارب الفكرية والثقافية والعلمية والأدبية التي تسهم في توسع المدارك العقلية نحو تحليل والتفسير في المضامين والاتجاهات والسلوكيات الخارجية والداخلية لبعض التوجهات من حولنا ..

هذه الكلمات كانت بداية لبعض الآراء من شخصيات إعلامية لها تجارب في عالم الإعلام، فمنهم من رآه معركة، وأخر رآه فلسفة وفكر وتنمية وقيم المجتمعات ..

حكومة بلا صحافة .. ام صحافة بلا حكومة !

الأستاذ ضياء الوكيل، مارس الاعلام في الكتابة الصحفية والتلفزيون، وفي مراكز الابحاث، وله موقع الكتروني، مختص بالإعلام التخصصي .. له رأى في الاعلام، قال ان للإعلام حيوية وتأثير في بناء أيّة أمّة تنشدُ الاستقرار والتطور والازدهار وهو حجر الزاوية في الأنظمة الديمقراطية العريقة التي تحترم وتكفل حرية التعبير والرأي وتدافع عن تقاليد وثقافة الإعلام الحر المؤمن بقيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والملتزم بمواثيق الشرف الإعلامي والصحفي.. والإعلام الحر هو نتاج المجتمع الحر الذي يضمن التدفق الحر للمعلومات وحق النشر والتبادل والاتصالات دون رقابة أو قيود ووفق معايير دقيقة وشفافة ونزيهة تراعي حق الإنسان في الاطلاع على ما يجري حوله من أحداث وأخبار ليبني رأيه الحر المستقل وأي توظيف خلاف ذلك يعدّ تضليلا وانتهاكا لحقوق الإنسان لأنه يتلاعب بالمشاعر والآراء والعقول بل يصبح التدفق المعلوماتي (قصفا للعقول) كما يقول (هربرت شيلر) لتحقيق أهداف غير نبيلة، ولذلك اهتمت الدساتير الغربية بالإعلام والصحافة ووضعت القوانين التي تكفل حرية التعبير والرأي وأسندت دروا بالغ الأهمية للإعلام في مراقبة المؤسسات القوية ومناقشة الأمور الحيوية وتعزيز السلم الاجتماعي والتثقيف والتوعية وحماية التجربة الديمقراطية وحرية الأفراد وتأكيدا لهذا السياق جاءت الكلمة الشهيرة لتوماس جيفرسون الرئيس الثالث للولايات المتحدة الأمريكية (لو أنني خيرت بين أن تكون لدينا حكومة بلا صحافة أو صحافة بلا حكومة لما ترددت في تفضيل الخيار الثاني) وهذا إحساس مبكر بأهمية الإعلام والصحافة وإيمانا بدوره المؤثر في صناعة المستقبل والسلام وهذا ما يلقي على الإعلام في العراق مسؤولية جسيمة وأعباء خطيرة تقتضي النهوض برسالته الوطنية إلى مستوى التحديات المصيرية التي يواجهها بلدنا العزيز فمثلما هو وسيلة معززة للبناء والتقدم والاستقرار واللحاق بقطار العصر فأن الإرهاب استخدمه معولا للتحريض والهدم وإثارة الفتنة والكراهية والخلاف مستغلا فضاء الحرية والإنترنيت والتقنيات الحديثة وهنا تكمن خطورة التحدي المقبل الذي وضعته تحت عنوان (الإعلام معركة العقل.. والإنترنيت حلبة الصراع الأخطر).

الإعلام في مواجهة الفوضى

اما ا.د. محسن كشكول، فقد ذكر : في ظل التقدم التكنولوجي يمكن القول أن عبارات مثل (الإعلام أبرز أسلحة العصر الحالي)، (الإعلام السلطة الرابعة)، أصبحت حقيقة واقعة، ذلك أنه يستخدم في الحروب مثلما يستخدم في التنمية، ويستخدم في التنوير الفكري مثلما يستخدم في التضليل الإعلامي، وبذلك يكون المضمون الهادف هو الفيصل في تحديد دور الإعلام التنموي أو دوره في إشاعة الفوضى التي تقف ورائها أجندات خارجية وبالتالي أثرت على كل مناحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فضلا عن تداعيات الفوضى على تكريس ظاهرة الفساد الإداري والغش في كل القطاعات، وبذلك يكون العمل على تعزيز دور الإعلام في التحري والتقصي لكشف الفساد ضرورة قومية، ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الإعلام اليوم هو سلاح بيد المؤسسات الدولية التي تعمل على تحصين العقول والعمل على بناء فكر يقود إلى أفضل السبل في كشف بؤر الفساد والجريمة، ومواجهة الفوضى.

من الإهمال التام، إلى التأثر التام

وللإستاد .د. طه جزاع رؤية أخرى في الإعلام، ذاكرا إن الفلسفة التي يمكن إن تجيب على ذلك .. بأن العقول تُصنع، هو قول مُلتبس، ويُستخدم عادة كاصطلاح دارج يعني فيما يعنيه تفاعل العقول واستجابتها وتطويعها لنمطٍ من التفكير والاستنتاج ضمن دائرة من المفاهيم التي تحتويها الرسالة الإعلامية المُعبرة عن آراء ومواقف وتوجهات المرسلين أشخاصاً كانوا أو أحزاباً، شركات أو حكومات . وقد يصل الأمر بهذه الجهات إلى استخدام وسائل الإعلام فيما يعرف بالحرب النفسية وعمليات غسيل الأدمغة لاسيما أثناء الحروب والمنازعات والصراعات . وفلسفة ذلك إن العقل البشري عقل مرن قابل للتشكل والتلون والتأثر والتفاعل والانفعال، وهو يتلقى المعلومات والحقائق من المحيط الخارجي عبر الحواس الخمس ومنها السمع والبصر وهما حاستا التلقي وواسطة نقل المعلومات والرسائل الإعلامية المقروءة والمشاهدة إلى الدماغ الذي هو مادة العقل والتفكير . وهنا تتفاوت العقول في استجابتها لتلك الرسائل، من الإهمال التام، إلى التأثر التام، بحسب نمط التفكير والوعي والثقافة والحصافة، لذلك فان عمليات غسيل الدماغ أو إيصال رسالة إعلامية مُضَّلِلة تعتمد على طبيعة الجمهور المتلقي، وكلما كان المتلقي أمياً بمعنى محدود الثقافة والوعي والتفكير، كلما نجحت تلك الرسالة في مهمتها تلك .

الاعلام وعاء الفن والادب واللغة

وختاما، قال ا. د. مهند السعدون إنّ تشكيلَ منظومةِ قيمِ المجتمعاتِ وبناءَ ثقافاتِها التراكميةِ تبدأ برسم الصورِ في أذهان الأفراد وعقولِهم، وبالتحكم بها عن طريق السيطرة على المداخل الحسيةِ للعقول (السمع والبصر)، وبما أنّ الإعلامَ بوسائلهِ السمعيةِ والمرئيةِ متحكمٌ بالموادِّ التي تُحْشَى بها أذهانُنا وتَصْنَعُ ثقافتَنا وهي: (الفنّ، والأدب، واللغة)، وبما أنّ العَلاقةَ تلازميةٌ بين الإعلام والفنّ والأدب واللغة؛ فالفنُّ مادةُ الإعلامِ، والأدبُ مادةُ الفنِّ، واللغةُ مادةُ الأدب، وكلُّ هذه المفردات تدخلُ عقولَنا عن طريق الإعلام المسموع والمرئيِّ؛ من هنا جاءتْ أهميةُ الإعلام، ولكم تقديرُ خطورته.

 

متابعة: رنا خالد

 

 

شاكر فريد حسندثرني بضلوعك لتتجدد فصولي

فوق أجنحة الغيم دعني أنام

حتى يأتيني عطرك على مراكب شمس

نشعل طقوس العشق

وتسرق من بين أصابعي أزاهير المطر

كعروق الأرض تتعمق في قلبي

أين سأمضي وأنت كمصباح يغفو عند حلمي؟

أتنفسك رغبة في طرقات نبضي..

فيتحد عطري وقلبك

أنت يا رواية يتلوها سهري

تستفحل بعطر جنوني

ينهمر صوتك بمساماتي…

يستيقظ الصبح فوق جبينك

تولد مساحات من الدفء…

فوق ضفاف كفيك

وبين أضلع الروح

تهطل تنهيدات البوح…

لتحط كأغراس غيم….كسنابل ياسمين

…………. في حنايا جسدي.

هذا النص القشيب الخلاب الشفاف الطافح بالمشاعر العشقية الحنينية الفياضة والعواطف الأنثوية الجياشة، يبعث الدفء في أعماقنا، بما فيه من انفعال وجداني وفيض عفوي ودفقات شعورية شديدة الوضوح، خطته صاحبة الحروف المخملية الانسيابية والكلمات الحريرية الرقراقة، الشاعرة السورية المبدعة سوسن خضر، التي يرقد قلبها فوق صخور الليل، وعلى هودج الصمت تمسك نفسها، وتصقل روايتها وقصيدتها على بوابات الفجر .

ولعل من المصادفة وحدها أن أتعرف على سوسن خضر من خلال متابعتي لقصائدها التي تنشرها بين حين وآخر في عدد من المواقع الالكترونية وعلى صفحتها الفيسبوكية، حيث تسترعي الانتباه وتشدنا بمضامينها وصورها ومعانيها وايحاءاتها ودلالتها وأبعادها، وقد تقريتها جميعها وعشت مع حروفها ومفرداتها وعباراتها المشحونة بالصدق العفوي.

سوسن خضر شاعرة رقيقة ذات حس مرهف وحساسية عالية، تتسرب الى أحلامنا ومشاعرنا، وتلامس شغاف قلوبنا باحساسها الشاعري المبدع.

هي من بلدة سلمية السورية، وطن الماغوط، وخريجة معهد تربية موسيقية، تفتحت شاعريتها بعد العقد الثالث من عمرها، تقرض الشعر بلونيه الوطني والوجداني الغزلي، وتتسم بالعاطفة الوجدانية، وتكتب عن الحب وهموم الأنثى العاشقة، وتناجي الحبيب باحلى كلام البوح، وتخاطب دمشق، وتصور ما يجري في وطنها السوري من حرب دامية، متمسكة بالأمل والانتصار وبزوغ فجر جديد، ومؤمنة بأن دمشق ستبقى كتابًا مفتوحًا للناريخ، وغيمة منفردة على سطح الريح، تزهر على الكون مجدًا وكرامة.

تمتاز سوسن خضر بشفافيتها وتلقائيتها وعفويتها ووضوحها، فنصوصها شفيفة سهلة وواضحة، لا غموض، ولا رموز، ولا التباس، ولا تعقيد فيها.

وتتنوع موضوعات سوسن خضر في قصائدها ونصوصها النثرية وخواطرها الشعرية، وان طغى الحب وسيطرت الرومانسية على الغاليية منها، فأجمل ما في كتاباتها أسلوبها الشاعري الذي يجعل الكلمات المقروءة تنساب بين أيدينا كالنهر المتدفق.

وهي تأخذنا في نصها السالف، وفي نصوصها الأخرى الى عوالم زاهية ملونة مليئة بالنبات والزهور والطيور المغردة، فمرة نجدها سعيدة مبتهجة تزقزق فرحًا، ومزة تشدو بالأنغام والألحان الحزينة، حيث ترى أمامها مشاهد الألم والوجع والموت والدم المراق.

والقصيدة عند سوسن خضر تمتاز بالايحاء الموسيقي الجميل، واللغة الحية الهادئة، والصورة الشعرية الجديدة الزاهية الخلابة، وهذه الصورة هي المحرك الوسيقي الايقاعي لكلماتها المنسابة العذبة.

سوسن خضر شاعرة متميزة النبرة من دوحة الشعر الجميل، تكتب عن الحب بكل نبضات قلبها ونفثات روحها وارتعاشات جسدها، وتتأجج بالمشاعر الأنثوية العاطفية، بوعي شعري لافت، وحس انساتي راق.

ويمكن القول باقتضاب أن قصيدتها هي عصارة المشاعر الدفينة، وفيها الألق والعذوبة والجمال الفني التعبيري.

فللصديقة الشاعرة سوسن خضر، تحية فلسطينية تحمل عبق الزيتون الجليلي والزعتر المثلثي والبرتقال اليافاوي، مع تمنياتي لها بدوام العطاء، ومزيدًا من الابداع والتجدد والتألق والشهرة .

 

بقلم: شاكر فريد حسن