نايف عبوشوتمر السنين بنا تترى، الواحدة منها تلي الأخرى، في سيرورة مستمرة، لا تعرف التوقف. وإذا كان الزمن بمفهومه الفيزيائي كما من الآنات المتتالية، ويمكن حسابه بالثواني، والدقائق، والساعات، والايام، والشهور، والسنين، وذلك من خلال ما ابتدعه الإنسان من وسيلة قياس الزمن، والتي هي الساعة، التي اعتدناها يدوية، نربطها بمعصم اليد، أو ساعة جيب، أو ساعة حائط، أو ساعة الكترونية، أو رقمية، فإن الزمن ظل عصيا على الفهم، بجوهره، خارج ما اصطلح على تسميته زمكان، كبعد رابع في مصطلحات الفيزياء، ومفاهيم الفلسفة.

وفي سيرورة حركة الزمن، التي يمكن تخيلها كنهر طويل، يجري من أمامنا، فإن ما مر بنا من سيل تدفق مائه في اللحظة، وغادرنا، هو الماضي، وما قدامنا منه، هو الحاضر، والمنساب القادم منه، يكون هو المستقبل.

مع الماضي لنا ذكريات بكل ما مر معنا فيه، وهي مضت، ولن تعود . ومع الحاضر، لنا تواصل جدلي مباشر، ينسلخ عنا لحظة بلحظة، ليصير ماضيا. وهكذا يكون تطلعنا للمستقبل من لحظة الحاضر، منظورا نسبيا، في مداه القريب، وسرابا مجردا، في ماهو أبعد من ذلك .

نتعلق بالماضي، ويشدنا حنين غريب إلى ذكريات الطفولة، وأيام الشباب، ومرابع الصبا، حيث اللهو، والأحلام، والتطلع المفرط في التفاؤل، الذي يجعلنا نتمنى حرق الزمن، واختزال آنات الحاضر، ونطمح أن نكون مباشرة في فضاء المستقبل، وعلى مقربة من تخوم ما في أذهاننا من طموحات، وأحلام .

هكذا نستعجل، في مقتبل العمر، حركة الزمن، ونطلب مغادرة الحال، في مغامرة صبايانية، يفوتها أن ما ينقضي من الزمن، سيكون ماضيا، ولن يعود، وهو ما يعني قضم عقدة من حبل حياتنا، ونكثها، وبالتالي الاقتراب المتجسد من النهاية الحتمية.

وما أن يمضي بنا قطار الزمن بعيداً في الماضي السحيق، ونشعر أننا قد اقتربنا من نهاية رحلة العمر، حيث يتحتم علينا النزول في أي لحظة، لنكون شيئاً من ذلك الماضي، حتى نبدأ التوسل بقطار العمر، ان يتمهل بحركته رويداً، قبل أن يصل بنا إلى محطة  النزول، والمغادرة النهائية، لعله يفلح في أن يعطينا مزيداً من أمد، ليس بالإمكان أن يتحقق.

عمرنا في مستقيم سيرورة الزمن، إذن، نقطة بين قوسين، بداية، ونهاية. إنها حقاً مأساة الإنسان في الحياة، عاشها برفاه وسعادة، ام قضاها بشقاء وتعاسة.

 

نايف عبوش

 

ابراهيم يوسف.. أمّا مدرّسّ اللغة الفرنسية

 الذي تعلّمتُ على يديه يا طيَّب الله مثواه..؟

 فكان تمادياً في عقابنا وتزكية من الأهلِ

يصفعُنا على وجوهنا، ولا يكتفي..؟

*

فيستخدمُ  حينما لا تدعو الحاجة

عصاً يختارُها من شجرِ الرُمّان

 عصاً بالغة العقدِ يلهبُ بها أصابعَ أيدينا

 فتفقدُ الإحساسَ في البرد من شدّة الوجعِ

*

 بينما كنتُ أنافقُ لأهلي في طفولتي

عن اهتمامي وشدّة محبّتي لمدرستي

وضغينتي المُبيَّتة

 لمجدِه ورمزِه وأنا أردّدُ النشيد الوطنيّ

*

ولا زلتُ أنافقُ حتى اللحظة

 أن لبنان بلدٌ عظيمٌ بحكّامِه..!

 وإمعاناً منّي

 في النفاقِ والجبن والخِسّة والتّدليس.. ويكفي

*

 رحتُ بفعل خيبتي وإحباطي، والفساد المستشري

أستخدمُ في مؤخراتِهم "وسطى الأباخس"

بتعبيرِ أخينا من المغرب عبد الجليل لعميري

*

لأن في هذه الحركة طعمُ الغواية

 ولم تُعَدْ مَهانةً لمن أكلوا حقّي وداسوا كرامتي

من طأطأ.. ومرتشٍ وفاسد وخائن ومن يلي

 

"انتهى الأمر؛ وأغلِقتْ بوابة افتحْ يا سمسم. كانت تسكنُ خلفَها أماني الأطفال الذهبيّة، وتركنُ في إحدى زواياها عربة تجرُّها أربعة خيولٍ مطهمة بيضاء. العربة مِلْكُ ساحرةٍ تحقِّقُ بضربة واحدة من عصاها مستحيلَ الأمنيات، كهدايا الميلادِ للأطفالِ من سائرِ الأشكالِ والأحجامِ والألوان، تحملُها عبرَ المدخنة إلى القلوبِ الحالمة طيلة الليل.

 

ببساطة تراجعتْ أحلامُ الطفولة العذبة، وتغيَّرَت أساليب التربية، فاختفى العقاب بعصا الرمان، وتبدَّلت أساليب التعليم، وألوان الكتب ورائحة الأوراق العتيقة، ولم تكتفِ كتب اليوم بالصور الجذابة فحسب؟ بل اسْتُبْدِلت صورُ الكتبِ بدمىً تتحركُ على الشاشات المُتنوّعة، تسلبُ عقولَ الأطفال وتشغلُ فكرَ الصغار والكبارِ على السواء.

أرأيتَ يا صديقي كيف صارتِ اللعبةُ أهون ألفَ مرَّة!؟ تغيَّرتْ سبلُ الحياة بفعلِ العجلة وثورةِ العصر، ونحن نركضُ وتنقطعُ أنفاسُنا من شدَّةِ العدو صوبَ سرابٍ، لا ندري  متى ينتهي وأين يحطُّ الرحال؟ وخطرتْ لي من بعضِ الجوانب، نملة شوقي وأنا أستجلي الروافد، حينما هالتْها هيبةُ المُقَطَّم يبدو مريعاً لعينيها من بعيد؛ فتسألُ نفسَها: "ليتَ شعري كيف أنجو إن هوى هذا وأسلم".!؟ لتقعَ من هولِها في شِبْرِ ماءٍ على الطريقِ وتغرق".

وأستاذُ التاريخ في المدرسة العلمانية الفرنسية كان قد طلبَ من تلاميذ صفِّه، تحضيرَ أنفسِهم بعد استراحةٍ قصيرة في الملعب، لاختبارٍ يجريه لهم في مادّته. والدرسُ موضوعُ الاختبار..؟ كان لا يقلُّ عن خمس عشرة صفحة، من ثلاثةِ فصولٍ في التّاريخ الفرنسي المفروض عليهم "قسرا"، وكان قد شرحَها لهم في اليوم السَّابق.

ولمّا لم يكنْ قد توَّفرَ للطلاّبِ ما يكفي من الوقت، لمطالعةِ هذه الصفحاتِ الطويلة وحفظِها..؟ فقد اتفقوا فيما بينهم خلالَ الفرصةِ القصيرةِ في الملعب، بالتّمردِ وإعلانِ العصيانِ على الأستاذ وعدم إجراءِ الاختبار. وحينما عادوا إلى الصّف..؟ طلبَ إليهم أن يحضِّرَ كلّ واحدٍ منهم، قلماً وورقة لإجراءِ الاختبار..؟ لكنَّ أحداً من الطلاب لم يتحركْ أو يستجبْ للطلب. وهكذا كرَّرَ أمرَه للمرة الثانية والثالثة، والطلاب لم يتحركوا وهم يلتزمون الصَّمت.

لكنَّ السيّد "بوڠار" وهذا اسمُه، توجَّهَ إلى العريف مسؤولِ الصّف: ليقفَ ويعلنَ عن نفسِه، ويطلعَه على دواعي وملابساتِ امتناعِهم عن إجراءِ الاختبار؟ وبوڠار هذا كانَ محارباً قديماً في الجيش الفرنسي، لا يبتسمُ للرّغيف السّاخن، فيبدو متجهِّمَ الوجهِ مُسْتَنْفَرَ الخاطر في معظم الأحوال. وهو إلى ذلك كان من المشاركين في كثيرٍ من حروبِ بلادِه، ولم يكنْ ليقولَ لطلابِه قرأتُ كذا أو سمعتُ كذا..؟ بل كانَ يقولُ لهم: هذا ما شهدتُه بنفسي في حربِ العلمين مثلا. وأن الجنود العرب يومَها ممن كانوا بإمرتي، "كانوا" من أصلب وأشدِّ المقاتلين الشجعان.

هكذا وقفَ الطالبُ عريفُ الصّف، ليشرحَ للأستاذ بأنَّ الدرسَ طويلٌ للغاية، ولم يمضِ عليه إلاّ بعضَ يومٍ وليلة لم تكنْ كافية للمراجعة وحفظِ الفصولِ الثلاثة، بالإضافةِ إلى أنّ الدرس لم يكنْ باللغة العربية ويتناول تاريخ فرنسا، ونحنُ كما قالَ الطالب ليستْ لدينا القدرة الكافية، لتجاوزِ هذه الصعوبات في يومٍ.. وليلةِ درسٍ واحدة.!

وَرَدَّ بوڠار على الطالب، بكثيرٍ من الإصرارِ والحزم، والتأكيد بأنّه برنامجُ المدرسة. ومن لم يكنْ مؤهلاً أو يجدْ في نفسَه الكفاءة لمواكبةِ البرنامجِ المُقرّر..؟ فليفتشْ عن مدرسة بديلة أهون، تراعي مستواه العلمي وتتوافرُ فيها الإمكانات التي تناسبه. وهكذا خَلُصَ الأمرُ بالطالب بعد نقاشٍ مقتَضَبٍ وقصير، ليردَّ بدورِه بتحدٍ وحزمٍ ويقولَ للأستاذ: ألا ترى معي أنّه من الظلمِ والإجحافِ بحقِّنا وعددُنا ثلاثونَ طالباً..؟ أن نفتشَ عن جملة من المدارس تتناسبُ مع أوضاعِ كلِّ واحدٍ منّا.! أليسَ من المنطق أن تفتشَ سيادتُك عن مدرسةٍ تعلِّم فيها بمفردك.!؟

هذا الجانب المضيء من ديمقراطية ڤولتير، ومعظم كتّاب الغرب ومفكريه، وهذه الحكاية التي نقلها لي شاهدٌ في الصف، زميلُ ابني أيامَ البكالوريا. تخرَّجَ معه من المدرسة إيّاها، وامتهنا اختصاصين مختلفين ولا زالا على مودَّة وتواصل. وأخبرني أن صبيَّة مزهوة بمالها وجمالها؛ كانت تثيرُ صخباً حولها أينما وُجِدَتْ، وقد أشاعتِ الفوضى مرةً وعطَّلتِ الدّرسَ في الصف، حينما طالبَها المُدَرّس أن تغادرَ حصَّته بلا نقاش، وخطرَ في بالها ولم لا!؟ أن تنتقمَ من شوقي وقمْ للمعلِّمِ..؟ لتصفعَ أستاذها بشدةٍ على وجهِه، وهي تغادرُ الصف فلا ترجعُ إليه أبدا.

غادرتِ الصفَّ وفشِلتْ سلطةُ أبيها، في إعادتها إلى المدرسة بعد محاولاتٍ متكررة، حينما اجتمعتِ الإدارةُ على عجلٍ لتتّخذَ قراراً مُلزِماً لا رجوع عنه..؟ يقضي بطردِ الفتاةِ فوراً من المدرسة، ويرفضُ مختلفَ التبريرات وأشكالِ الاعتذار، لتخرجَ ابنةُ الوزيرِ مطرودةً بلا شفاعة، وتفتشَ عن مدرسةٍ جديدة بدلا من بوڠار.

وأخبرني ونحن نلتقي في إحدى المناسبات؟ أن بوڠار المحاربُ القديم وأستاذُ التاريخ، أقامَ بعد التقاعدِ في لبنان وأنه للأسف، أنهى حياتَه ورحل عن الدنيا باختياره، حينما أقدم على انتحار لم يكنْ متوقعاً على الإطلاق.

والليسيه هذا الصرح التربويّ المجيد؟ بات في قبضة متمولين من أصحاب النّفوذ، اشتروه بمالٍ سياسي نظيف، وشهدَ جوارُه احتجاجاتٍ واسعة، لكي لا يباعَ من المالكين الجُدد، ولا يُحَوَّل إلى مركزٍ تجاريّ يتفوَّقُ على المتاجر في لندن وباريس. ولئن كان من حقِّهم أن يتصرفوا بالعقار وفق مصالحِهم؟ فمن حقِّي أيضاً أعتبار المدرسة أفضل من الحانوت. هذا باختصار بالغ يا صديقتي، فارقُ التعاطي في التربية والتعليم بين الأمسِ واليوم.

 

إبراهيم يوسف – لبنان

 

جواد عبد الكاظم محسنفي مكتبة ثانوية المسيّب للبنين اكتشفت سنة 1966م كتب المعاجم العربية إذ رأيت على رفوفها المثقلة بمئات الكتب القيمة ما بهرني منها، فقد تصفحت منها لسان العرب لابن منظور، و(تاج العروس) للجوهري، و(البستان) للبستاني، و(المنجد) لمعلوف، وقد أعجبني (البستان) لضخامة حجمه وطبعته الحجرية القديمة وهو بمجلدين، وقد فكرت في استنساخه كتابة إلا إني وجدت الأمر مستحيلا، فتركت الفكرة على أمل عثوري على نسخة في المكتبات التجاري لشرائها؛ وفي خارج مكتبة ثانوية المسيب رأيت (القاموس المحيط) للفيروزآبادي في مكتبة الإدارة المحلية فانكببت على قراءته .

ولما شببت قليلا رحت اقتنني ما يصادفني، واستطيع شراؤه مقترا على حاجاتي الخاصة الأخرى وربما حاجات البيت أيضا، فاقتنيت (مختار الصحاح) للرازي، و(المنجد) بألوانه الجميلة، وقد أضيف له (معجم الأعلام)، و(مجمع البحرين) للطريحي، و(المعجم الوسيط)لمجموعة من المؤلفين المصريين، و(الرائد) وغيرها، وأكملت مواقع الانترنيت ما نقصني من المعاجم الأخرى فحملتها على حاسوبي ضمن ملف خاص بالكتب الالكترونية مازلت أضيف له كل يوم كل جديد أعثر عليه، وأعود إليه كلما احتجت لواحد من محتوياته .

فضلا عن كتب المعاجم ظهر اهتمامي بكتب التصويب اللغوي، للوقوف على الأخطاء وتجنبها، فاقتنيت منها ما وقع أمام نظري، وفي مقدمتها كتاب (قل ولا تقل) للعلامة مصطفى جواد، وكتاب (معجم الأغلاط اللغوية الشائعة ) لمحمد العدناني، وكتاب (أخطاء اللغة العربية المعاصرة عند الكتاب والإذاعيين) للدكتور أحمد مختار عمر، و(الكتابة الصحيحة) لزهدي جار الله، و(معجم الأخطاء الشائعة أو قل ولا تقل) للدكتورة كوكب دياب، (وتصويبات لغوية) للدكتور أسعد محمد علي النجار وغيرها .

ولتطوير مهارتي اللغوية حرصت على اقتناء وقراءة أهم كتب قواعد اللغة والإملاء، فاقتنيت من القسم الأول (جامع الدروس العربية لمصطفى الغلاييني)، و(النحو الواضح) لعلي الجارم ومصطفى أمين، و(موسوعة النحو والصرف والإعراب) لأميل بديع يعقوب، و(ملخص قواعد اللغة العربية) لفؤاد نعمة، وهو (مرجع كامل لقواعد النحو والصرف أعد بأسلوب شيق ومبتكر وبصورة مبسطة سهلة ومرتبة مع التوضيح بالأمثلة والجداول)، وهو من أكثر الكتب النافعة والموجزة لتعلم قواعد اللغة العربية، وقد أرشدت وشجعت الكثيرين على قراءته .

أما كتب الإملاء فقد بدأت باقتنائها مبكرا، فدخل مكتبتي أول ما دخلها كتاب (الإملاء الواضح) لعبد المجيد النعيمي ودحام الكيال، و(الإملاء الفريد) وقد نقحه العلامة مصطفى جواد، وقرظه الدكتور أحمد عبد الستار الجواري، وساعد على نشره المجمع العلمي العراقي، وتبعه كنب عديدة، منها كتاب (المنجد في الإملاء) لعادل حسن الأسدي وغيره.

ومن الكتب التي استعنت بها كثيرا في تطوير أسلوبي في الكتابة مؤلفات الثعالبي، ومنها (فقه اللغة وسر العربية ) و(سجع المنثور)، (متخير الألفاظ) للفارسي، و(الألفاظ الكتابية) للهمداني، و(وتهذيب الألفاظ ) لابن السكيت .

لذا أنصح الباحثين كافة وخاصة الذين هم في بداية الطريق أن يتقنوا لغتهم بكل فروعها، ولا يكون ذلك إلا بكتب المعاجم وقواعد اللغة العربية وما يلحق بهما، وقد ذكرنا قسماً منها، وهناك الكثير الكثير منها وسواها الذي صدر قديما وحديثا .

 

جواد عبد الكاظم محسن

 

مادونا عسكر"ولد بالجسد لكي تولد أنت ثانية حسب الرّوح. ولد من امرأة لكي تصير أنت ابناً لله." (القدّيس يوحنّا فم الذّهب)

كلّما ازدادت مظاهر العيد متّخذة مساحة كبرى في حياتنا قلّت أهمّيّة العيد من حيث أنّه علاقة مع السّماء. وكلّما أدهشتنا الأضواء تباعد النّظر عن الدّاخل حيث يتوارى الرّبّ. إذا كان لا بدّ من مرحلة زمنيّة نعيّد فيها التّجسّد الإلهيّ فلتكن هذه المرحلة حاضنة لكلّ الحياة. وإلّا فليست سوى لحظات عابرة تتكرّر كأيّة لحظات أخرى. وإذا كان لا بدّ من فرح فليكن فرحاً إلهيّاً بحجم الّذي تجسّد من أجل أن يلقانا ويعيش معنا إلى الأبد.

كما نؤمن نعبّر عن فرحنا بالرّبّ الآتي. فإذا كان التّعبير خارجيّاً مرتبطاً بالظّاهر المادّي،  تلازم والتّعبير عن الذّات الّتي لم تولد بعد بحسب الرّوح، لأنّها ما زالت مقيّدة بعبوديّة المادّة والاستهلاكيّة. وأمّا الغوص في الدّاخل، في عمق العمق، لقاء بالحبيب الإلهيّ، محور العيد. الولادة الثّانية بحسب الرّوح هي الولادة الأصل المحدّدة لسبب الحياة وهدفها. لذلك ما زال البعيدون يتخبّطون بين السّبب والهدف. الولادة الثّانية، لقاء حميم بالله ينمو بحسب الحبّ الّذي سكبه الله في الإنسان ويعرّف الإنسان على قدرته على الحبّ الحقيقيّ الّذي يرفعه إلى مستوى قيمته المقدّسة. ولا ينمو بحسب الحبّ البشريّ الّذي يقيّد التطلّع إلى فوق. "اهتمّوا بما فوق لا بما على الأرض"، يقول القدّيس بولس في رسالته إلى كولوسي (2:3). وهذا القول يشكّل مقياس ارتباطنا بالرّبّ ومقدار اهتمامنا بالاحتفال بميلاده. فهل اهتمامنا بما فوق، أم أنّه مشدود إلى أسفل، إلى كلّ ما هو فانٍ، إلى الهباء الّذي يستعبدنا والموت الرّوحي الّذي يداهمنا.

لا ريب في تعبير ظاهريّ عن الفرح بالعيد على ألّا يصل إلى حدّ الإفراط في التّعلّق المادّي والانشغال حدّ الهوس في المأكل والمشرب والهدايا والتّنافس على الاستهلاكيّة الماديّة. الشّوارع تصدح بالأغاني وتزدحم بالنّاس، والزّينة تبهر العين لكنّ القلوب فارغة إلّا من الضّجيج والضّوضاء.

المسيح الّذي أتى ويأتي وسوف يأتي، أخلى ذاته واتّخذ صورة العبد صار شبيهاً بالبشر وظهر في صورة الإنسان (فيليبي 7:2). ما يعني أنّه علينا أن نخلي ذواتنا لنتّخذ صورته وإلّا لن يتمّ لقاء حقيقيّ بين الحبيب والمحبوب، ويبقى هذا اللّقاء عند حدود الحبّ الكلاميّ لا الفعليّ المحقّق لحريّة الإنسان. وبقدر ما نغرق في هذا الحبّ نحيا العيد الّذي يبدأ هنا ويكتمل هناك، مع الرّبّ. المسيح الآتي غير معنيّ بقيمة المادّة المستخدمة للاحتفال بقدومه بل هو معنيّ بقلوبنا المنفتحة على العشق الإلهيّ والمتشوّقة للقائه والهائمة في سجود عقليّ وروحيّ دائمين. من العسير أن نلقى المسيح في الضّجيج والأضواء المبهرة للعين الّتي تسرّب الظّلمة إلى القلوب. لذلك بات الإنسان يتساءل عن سبب عدم إحساسه بالعيد. فكيف يشعر بعيد غاب صاحبه عن القلب؟ وكيف يفرح بعيد إلهيّ ما لم يكن مولوداً من جديد؟ وكيف يدخل سرّ التّجسّد الإلهيّ ويفهم أهمّيّته ما لم يلتقِ بالمسيح الحيّ ويتواصل معه ويفهم لغته؟

العيد علاقة مع السّماء الّتي فينا. فرح لا يزول، جاء به المولود الإلهيّ الّذي أحبّنا أوّلاً ويشتاق لنحبّه بذات القدر. ما اختصره القدّيس يوحنا فم الذّهب في قوله "ولد بالجسد لكي تولد أنت ثانية حسب الرّوح. ولد من امرأة لكي تصير أنت ابناً لله." الرّوح الإنسانيّة ليست شبحاً أو أمراً غامضاً غير مفهوم. إنّها الله في الإنسان (ونفخ فيه نسمة حياة). إنّها أنفاس الله في الإنسان ووصل الحبّ بين الله والإنسان. وبحسب هذه الرّوح تُعرَّف الحياة الإنسانيّة، وبحسبها يعي الإنسان الجانب الألوهيّ فيه فيدرك بنوّته لله.

التّجسّد الإلهيّ تجسُّدُ العشق. الإله العاشق للإنسان يشتاق للإنسانيّة العاشقة، ويأتي إليها ويمكث قربها حتّى المنتهى بحسب الحبّ قائلاً:

يا حبيبتي يا جميلتي تعالي

فالشّتاء عبر وولّى، والمطر فات وزال

الزّهور ظهرت في الأرض وآن أوان الغناء. صوت اليمامة في أرضنا يملأ المسامع

التّينة أنضجت ثمارها، والكروم أزهرت وفاحت. فقومي يا رفيقتي، ويا جميلتي تعالي. (نشيد الأنشاد 13،10:2)

فلنمضِ للقاء المحبوب الإلهيّ بقلوب أزهر فيها ربيع العشق، وأينعت فيها أزهار المحبّة الخالصة للمسيح الّذي يليق به المجد والإكرام الآن وكلّ أوان وإلى دهر الدّاهرين.

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

نبيل عودةكيف حدث ان صرت نسيًا منسيًا، ولماذا انت بالذات دون خلق الله اجمعين.. وفي اللحظة التي كدت ان تصل فيها الى القمة؟ لتترو بعض الشيء، ولتمسك اطراف الخيوط جيدًا، قد تفلت الحقائق من بين يديك اذا اندفعت وراء العاطفة.. ان العاطفة والشيخوخة امران متناقضان. تعلم ذلك، وتعلم اكثر منه ان عاطفتك الشرقية في تركيبتها، لا تزال تتأجج بسهولة، حتى وانت في هذا الوضع المأزوم.. ترى ما هي العلاقة بين العاطفة والشرق؟ هذه الافكار تسليك... وتعذبك احيانًا. ولكنك تمارسها. هي الرياضة الوحيدة المتوفرة لك في وحدتك. احيانًا تكره افكارك. تعذبك. تؤلمك حتى الاعماق. ترمي بك الى القلق، وكثيرًا ما تثير حقدك الجنوني. وما أصعب الحقد حين يكبت في الصدر، ولا يجد متنفسًا للتعبير عن ذاته.

 الشيخوخة اقعدتك؟ هل ستستعيد يومًا ما قوتك؟.. او تستسلم؟ ما أكثر مشاكلك. منذ ولدتك أمك وانت صاحب مشاكل.. يومًا انت نصف ميت، وآخر متفجر بالحياة. ربما يكون ما ترسب في نفسك ليس الا استمرارًا لأيامك الاولى على الارض!.

هل انت سعيد؟ تأخذ نفسًا طويلاً من سيجارتك.. وهل انت حزين؟ تنفث الدخان بقوة في الفضاء... اذن ماذا انت؟

انت أقرب شيء الى البشر. غير ان حياتك ليست حياة عنصر بشري، البديهيات تؤكد ذلك، ويضاف أنك صنعت عددًا من الاولاد والبنات واكتفيت. بل لم تعد تستطيع... ولكن الكائنات الحية الاخرى، حتى التي لا تفكر... تصنع اولادًا؟ ماذا تقول امام هذه الحجة؟

زعيق جنوني لفرامل سيارة.. ضجة.. صراخ.. واشياء اخرى غير واضحة. وصلنا كما يبدو الى نقطة هامة. او ربما نكون قد ابتعدنا. لا تستطيع ان تطرح الشيء الا إذا طرحت نقيضه. تندفع منطلقًا كالريح وراء افكارك المتسارعة. تشعر بحالة تحليق غريب. أفكار وتخيلات كثيرة تتداعى في ذهنك دون نظام. انت مأساة. اجل انت بنفسك المأساة. اما حياتك فلم تكن الا بقايا روح علقت بك منذ ايام الصغر.

البيت الذي كان

- يا اهل الله. يا رايحين وجايين. انا هو...

كثيرًا ما اردت ان تقف على منضدة في ذلك المقهى الذي يمتص ايامك بمراقبة الرائحين والغادين وتصرخ انك انت هو... ولكن الجرأة كانت تتخلى عنك في اللحظة الاخيرة.

كنت تجادل نفسك ان "ارضي يا نفس الكلب بما آلت اليه احوال الدنيا" لكن اصواتا تتصارع في ذهنك:

- تخلص مرة واحدة من نقائضك. اشعر مرة واحدة بكرامتك دون ان تشعر بوضاعتك. ربما لا تعلم ان الانسان حالات. ولكن انت حالات متراكبة متداخلة، لا تخرج من مأزق الا لتجد نفسك في مأزق غيره. لا نبعد كثيرًا عن الحقيقة اذا قلنا انك اصبحت ذا خبرة حياتية. لا نقل ذلك بقصد السخرية، فانت شيخ أكبر منا، سنك يستحق الاحترام. اجل يا شيخ. ان خبرتك تقضي بعدم محاولة الخروج من المأزق، لان ذلك يعني في الوقت نفسه الدخول في مأزق غيره. اذن ما عليك الا القبول بما هو قائم، وصلي على النبي وترحم عليه.

- وتخون ابنك الذي يحمل السلاح؟

- ولكنك لن تفصح عن مكنونات صدرك.. ما هي الا خدعة لراحة نفسك.

- وكيف ترتاح نفسك بعد ان صار بيتك اطلالاً؟

- كان بيتًا رائعًا.. واسعًا وبخمس غرف، ويطل على البلد من اعلى جبل فيها. وغرفة يلعب فيها الهواء الطلق في الصيف.

- وعلى ابوابه سجلت تاريخ ميلاد اولادك.

- جميلة ولدت يوم احتلال اللد والرملة.

- ولغباوتك لم تسجل انها سقطت شهيدة في عملية اسميت اللد والرملة...

- البيت نسفوه.. طار، تناثرت حجارته..

- وتريد ايها المسخ ان تنسى؟

- وما فائدتك بعد ان صرت نسيًا منسيًا؟

حزيران وأيلول

ليتك تعلم اين بقية اولادك، وليتك تبقى جاهلاً بهم. قد يفرحك اي خبر عنهم وقد يقتلك. بعثرهم حزيران الاول، وعندما كدت تشم رائحتهم جاء ايلول الاسود فما عدت تعرف شيئًا عنهم، وأنت ... اصبحت نسيًا منسيًا. تلوك الايام بعينيك، وتمضغ الحزن اربعًا وعشرين ساعة كل يوم.

- ما أصعب الانتظار.

- بل ما احلاه.

- لولا الانتظار لاستعدت حيوتك.

- او ربما يتضاعف بؤسك.

- قد يعود اولادك فتشرق لك الدنيا؟

- قد يلحقون بجميلة فتكون نهايتك أتعس نهاية.

- ولكن مصيرك ان تعرف!

الظاهرة والعمق

تتنازعك شتى الهواجس. تتقاذفك شتى الافكار. وتبقى متكورًا في زاوية قهوتك تحرق الدخان واعصابك. وتريد ان تقنع نفسك بأفضلية التسليم، فيلوح لك بيتك بحجارته وابوابه وأثاثه المحطم المحروق... فتمتلئ بالحقد وبالدموع. انها تعابير داخلية لا تطفو على السطح. فوجهك بلحيته البيضاء الكثة، وبالعينين الصغيرتين الكالحتين لم يعد يعطي اي تعبير. فقد قابليته للتأثر. خسر ميزة بشرية هامة. حتى الى هذه الزاوية الضيقة يلاحقك النسيان. من المؤكد أنك تمارس عملية التفكير بوعي. انت متمالك لحركات فكرك كلها.. وبدون شك أنك مسيطر على جميع شطحاته التخيلية. المجانين يعتقدون ان الجنون في غيرهم، وتراهم مقتنعين انهم قمة التعقل والمنطق. ترى ما هي حالتك بالضبط؟

كفى يا شيخ توجسًا، ان الذي تخاف منه تجلس عليه. القلق والحزن يتراوحان في تعذيبك. لكل شيء اصول، حتى للموت... لماذا لا تبتعد عن ضجيج الحياة؟ قد تنسى هواجسك، وتهدأ ترقباتك، وتغوص في النسيان؟

- كيف تفعل ذلك؟

- بالإرادة.

- لم يعد لها معنى.

- ما لك وللمعاني.. المهم هو الفعل.تنفخ دخان سيجارتك بتأوه ومرارة. لم ترتعش ابدًا. ولم يبد على وجهك انعكاس للمرارة والتأوه، ونقطة ما، لا اعلم مقدار بعدها او قربها منك... لا تمل عن التحديق فيها. تغيرها بين سيجارة واخرى.. إذا اردت!!

صرت قطعة ملازمة للمقهى. إذا غبت يفتقدك جميع رواده. رغم انك انت منسي .. ولا يذكرك أحد اطلاقًا. يعرفونك كشيء يجلس في تلك الزاوية يناجي صمته ويلاعب سجائره. اما غير ذلك فصمت مطبق.

في البدء كانت الكلمة

لم تكن الأحاديث التي تسمعها تجلب اهتمامك. وما أكثر ما سمعت. كنت تنتظر كلمة ما، لا تعرف ما هي تمامًا، ولكنك متأكد ان هذه الكلمة هي المنطلق الى حل ما انت فيه، غير ان الانتظار يطول ولا تبدو له نهاية.

لماذا لا تفعل شيئًا؟

يهزك غضبك هزًا عنيفًا.. فتشعر بألم داخلي عميق، ربما ما تعانيه كابوسًا؟ حلما مزعجا؟ شطحة مروعة؟ تتلمس الاشياء حولك بنظرات صامتة. وهل يطول الكابوس خمس سنين؟ هل يمتد الحلم الاف الساعات؟ يجب ان ينتهي كل شيء. لو كنت أقدر قليلاً لهانت عليك المصاعب أكثر. ولكنك عاجز ومنسي! انت تفهم جيدًا الآن انضمام اولادك للمقاومة...

- كأنك تبرر موت جميلة؟

- ابدًا، كانت أحب اولادك الى نفسك.

- قتلت لأنها فدائية.

- وانت يقتلك الضياع والتشرد والنسيان.. وبيتك هدموه.

تهتز عاطفتك احيانًا فتعتريك حمية غريبة.. ان تفعل اشياء، وان تقول اشياء... اياك يا شيخ والعاطفة. ماذا تستطيع ان تفعل امام الرصاص سوى الخوف لا غير؟

اجل! هل تعرف ما هو الخوف؟ انه الترقب، ولا خوف أعنف من الترقب. انتظار اللحظة. توقع الشيء. ترقب المجهول. ان الخوف كما خبرته مرادف للقلق. مضى العمر في ترقب الآتي الذي جاء دائمًا بنقيضه، فلماذا تكثر اذن على نفسك تناقضاتها؟ دع الامور تسير كما هي. فما انت الا بقايا روح.. نسيا منسيا.

كيف صرت منسيًا؟

عودة الى الاشياء المجردة. اتراك لا تكف عن البحث والتنقيب في آلامك؟ أتجد متعة في صلب نفسك ودقها بالمسامير؟ لماذا لا تحاول الابتعاد؟

 الابتعاد؟ يا للسخرية! وهل بقي لك شيء غير الماضي تعيش على ذكراه؟ حتى لو كانت ذكرى أليمه؟ فما الذي بقي لك غير الموت؟ الموت اولى بك لولا بقايا روح!

هل تبقى هكذا مجمدًا؟

عل مهلك يا شيخ! لماذا تستفزك العاطفة؟ جرى الاتفاق ان تتمالك عواطفك. العاطفة افيون شرقي. هل باستطاعتكم ان ترتكبوا ضدهم نصف ما ارتكبوه ضدكم؟

كنت تود الاسترسال في بحث يراود فكرك. ولكن خيل اليك أنك سمعت شيئًا. هل هي الكلمة المنتظرة؟ ربما! استحوذت عليك حاسة السمع. حتى حاسة النظر اصبحت تابعًا لحاسة السمع. وانفاسك تقطعت بشكل اصبحت تبدو للملاحظ كمؤثرات هوائية لملء الفراغ بين كلمات المذيع وجمله. لم تكن متأكدًا مما سمعت. تسارعت دقات قلبك وازدادت يداك ارتعاشًا. كل علامات التأثر الداخلي تشير الى ان العقل الباطني استوعب الموقف وابعاده. ولكنك لم تنتظر ان يكون لقاؤك بأحد اولادك على هذه الصورة. كيف القى القبض عليه؟ واي واحد هو؟ جميل، عباس ام خضر؟ ... او لعله أحد احفادك.. صباح او يوسف؟ .. اما الباقون فلا يزالون صغارًا على هذه الاشياء.. او هكذا عهدتهم. اعتراك شعور من الراحة. ستعرف مصير اولادك وترتاح. ولكنك ستفقد ابنًا أو حفيدًا! تمنيت ان يكون ما تصورت غير صحيح. ربما لم تسمع جيدًا كلمات المذيع؟

ما العمل الآن؟ ها...

- واليكم نشرة الاخبار بالتفصيل..

 حسنًا. قد يكون في ذلك شيء يشفي غليلك.

- القت دورية من دوريات جيش الدفاع... القبض على ثلاثة مخربين، تسللوا مساء أمس.

تسللوا؟ عندما تذهب للنوم في خرائب بيتك، هل يسمى ذلك تسللاً وتستحق عليه السجن او الموت؟ اذن الى اين تذهب؟ الى اين؟!

كدت ان تصرخ بذلك لولا بقية من اعصاب. انت مركب من بقايا بشرية. نعم.. الآن تأكدت انه أحد ابنائك. سمعت بوضوح واستوعبت الصورة بكل هدوء واستسلام. لا! لم يعد للاستسلام مكان.

تخاف الموت. اهي العاطفة؟ لتكن! لأول مرة تشحذك المآسي بقوة فولاذية. لأول مرة تشعر بعمق روحك وعنفوانها. لأول مرة يتحرك الجمود من تعابيرك الانسانية. لأول مرة منذ خمس سنين تفتح عينيك واذنيك جيدًا. يجب ان تراه. ان تقبله. ان تطمئن على المنتظرين.. تريد ان تشم رائحة اولادك.. الآن تشعر بانه اصبحت لك قيمة. لم تعد مهملاً. ولن تبقى نسيًا منسيًا!!

لترعد في الجو اصوات القنابل، ولتشعل الحرائق في كل مكان. انت في آخر عمرك ولكن بقي لك شيء تعلمه. عندما انتصبت واقفًا شعرت بنشاط غريب يدب في ساقيك. لم تكن ترى شيئًا امامك. كانت الدموع تحجب سبيلك للرؤية. ولكنك تعرف الطريق بالتجربة، تعرفها بالممارسة. تقدمت مندفعًا. دموعك تنهمر بغزارة وتصميم. وجسدك يرتعش من البكاء والغضب. انفجرت وانتهى الامر. وعندما بلغت منتصف شارعٍ الاسفلت هز سمعك صوت فرامل سيارة مسرعة زعقت بوحشية. وبعدها صرت نسبيًا منسيًا.

 

نبيل عودة

..........................

( الناصرة –1971- قصة من الدفتر القديم-رغم الزمن، ما زال واقعنا يراوح مكانه.. أو ما دون ذلك. حتى متى؟)

 

 

عبد الاله الصائغالمجد لله في العلاء وعلى الأرض السلام

وقال يسوع عليه السلام (وأما أنا فأقول لكم أَحِبُّوا أعداءَكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مُبغِضيكم. وصلوا لأجل الذين يسيئُون إليكم ويطردونكم) .

قال عمر ابو ريشة (1910 – 1990) في قصيدة صلاة مازجاً بين الصليب والهلال:

ربِّ طـوَّقــتَ مـغـانـيـنـا     جـمـالاً و جـلالا

و تـجـلـيـتَ عـلـيـهـــنَّ      صـلـيـبـاً و هـلالا

المبتدأ والخبر

محنة العربسلاميين ومقتلهم امس واليوم وغدا هو صحارى الكراهية ذات الرمال المتحركة بين أمتين هما أمة الهلال وأمة الصليب وما بينهما وخلفهما! وجعلهما مسباراً لتجلي الذات الإلهية!! الكراهية معدومة الحواس الخمس بله القدرات العقلية والقابليات الأخلاقية .!!

العرض

ليس الحزن صديقا لأحد البتة مع مزاعم البعض أن الحزن جعله مبدعاً مهماً او عاشقاً معشوقا او حكمة محبوكة أو نجماً ساطعا! لكن الفرح صديق كل الأعمار يقيناً وصديق كل الطبقات! وليت شعري لماذا نعشق الحزن رداءاً وبكاء؟؟!! جاءت أعياد الميلاد وهي سانحة عظيمة لكي نتخفف من ثقل أحزاننا لكي ننسى تصدّع بنياننا الوطني والعربي لكي نكبح الإرهاب بكل وجوهه العنصرية العشائرية الدينية السياسية الاقتصادية المذهبية اللغوية اللونية الانترنيتية الجغرافية التاريخية .... الخ!! ونلتحق بمواكب الأممية التي لاتعترف بغير الانسان مركزاً في السماء والأرض ولا تشجع الاختلافات بين الناس تحت اي عنوان! لنترك الشكوى مستبدلين إياها بالنجوى ولنعرض بوجوهنا عن كل قبيح ولنيممها صوب المليح! وما الذي يفرق بيننا نحن القاطنين في امريكا المتجنسين بجنسيتها ما الذي يبعد بيننا وبين من سبقنا في الهجرة الى امريكا؟ هذا ايليا ابو ماضي ينادينا بجماليات السكسسفون :

أيهذا الشاكي ومابك داء  كيف تغدو اذا غدوت عليلا

إن شرَّ الجناة في الأرض نفساً   تتوخى قبل الرحيل الرحيلا

والذي نفسه بغير جمال   لايرى في الحياة شيئاً جميلا

هذا القول الفلسفي الجمالي قاله رجل مثلنا شرقأوسطي هو ايليا ابو ماضي (1889 - 1957) الذي اتخذ من امريكا الخير مكاناً لمهجره! ابو ماضي سبقنا الى الهجرة منذ سنة 1912 فاستقر أولا بولاية أوهايو أربع سنوات ثم اختار نيويورك ليشارك بتأسيس الرابطة القلمية وفي 1929 أصدر مجلة السمير! (هل عندنا اليوم مجلة كمثل سمير؟؟؟؟) صفوة القول : كان ابو ماضي إنساناً قبل ان يكون ذا دين وذا وطن وذا هوى مع انه ممتاز في دينه ووطنه وهواه ! وليت شعري هل يوجد عندنا اليوم بأمريكا مهاجر بوزن وتأثير ابو ماضي وجبران خليل جبران وميخائيل نعيمة! مالذي حصل ويحصل بحق اعياد الميلاد! اين الشاعر الجريء الذي يقول كما قال ابو ماضي :

جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت

ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت

وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لستُ أدري!!

ولو حصل (ولن يحصل) وقال شاعراليوم مثل طلاسم ابي ماضي لانبرى له ألفٌ ممن يشتمه وألف ممن يكفره وألف ممن يخونه! فهل نحن في حلم أم علم وهل نحن نمشي الى الوراء بحق السماء؟ نزار القباني :

 ذروة الموت أن تموت المروءاتُ   ويـمـشـي إلــــى الـوراءِ الـوراءُ .

580 عبدالإله الصايغ

انا (وأعني انت هو هي) انا إنسان أولا وإنسان ثانيا، اما علاقتي بربي فهي علاقة خاصة لن تختلف عن علاقة العاشق بالمعشوق ومن يتظاهر بعلاقته مع ربه امام الناس فهو أما مختل أخلاقياً أو دينياً او عقلياً! لنتحدث عن اعياد الميلاد بدم بارد بعيداً عن تورم الذات او جلدها! الغرب المسيحي (ومعه جل العالم) يحتفل بميلاد يشوع عليه السلام متناسياً عذاب مريم العذراء حين اتهمها الغوغاء بعذريتها؟ متناسياً مكابدة سيدنا المسيح وحمله صليبه في الطريق الى الجلجلة لكي يسمر عليه! الغرب يحب الابتسامة حد الهوس ويعشق الفرح والأعياد حد الإعياء! وانظروا كيف يستقبل الغرب بل كل الدنيا أعياد الميلاد المجيد؟ فرح رقص كرنفالات مبهجة بيع السلع بربع سعرها! اما نحن الشرقيين فرأس السنة الهجرية عندنا بدأت كما يوقت مؤرخونا باستشهاد سيدنا الحسين بن علي عليهما السلام فكيف نحتفل برأس السنة الهجرية؟ ولماذا وبماذاوكيف نحتفل؟ اذن تبدأ مناسبة الميلاد الاسلامي بالبكاء والحداد والسواد ومن شذَّ كما يقال شذ الى نار جهنم؟ يقول حميد المهاجر (لو خيرني الله بين الجنة وبين البكاء على الحسين لقلت له دون تردد خذ جنتك لا اريدها واتركني مع دمعة الحسين) ياللهول؟ بل ان جماعة المهاجر يبتهلون الى الله في الصلاة وخارجها (يارب اجعل كل يوم عاشوراء يارب اجعل كل ارض كربلاء) فكيف يحتفل هؤلاء بأعياد الميلاد؟ نحن اقتبسنا من الغرب الكهرباء والسيارة والطيارة والبرلمان والديموقراطية والدواء ولم نستشعر اننا خرجنا عن الدين؟ فلماذا لانقتبس منهم عشق الفرح والاعياد ونحن ندري ان الحسين الشهيد أمس واليوم وغداً سعيد في الجنة وهو القائل (لستُ شهيدَ العَبْرة بل انا شهيد العِبْرة) فمن ذا الذي يجرؤ فيحتفل برأس السنة الهجرية ويعلن الفرح ويسمي العشرة الأوائل من السنة الهجرية عيدا؟ يقينا سوف يفتكون به : ليس حباً بالحسين العظيم فقط بل خوفاً على مؤسساتهم التي تضخ آلاف الدولارات بل الملايين!! انا عبد الاله الصائغ درَّستُ في شمال افريقيا (ليبيا المغرب تونس) ثماني سنوات وهناك يحتفظون بلا وعي جمعي بتقاليد الدولة الفاطمية التي حكمتهم (قامت الدولة الفاطمية سنة 959م،، وتكلم الفاطميون اللغة العربية إلى جانب السريانية، والبربرية، والقبطية، تمددت الى الأقاليم البعيدة: بلاد الشام، وبلاد المغرب الى مصر)، ويبدو لي ان الفاطميين كانوا يحتفلون ويفرحون بقدوم عاشوراء! وتلقف منهم المغاربة تلك الطقوس ففي الاول من عاشوراء تستيقظ الشعوب المغاربية (المغرب تونس الجزائر ليبيا) مبكرةً ويطبخون ويوزعون الطبخ على الجيران والفقراء ويرتدون أفخر ملابسهم ويتعانقون ويقبل بعضهم بعضا ويتبادلون الزهور! وكنتُ أسمع المغاربي او المغاربية (خلال سنواتي الثمان) يقول لصاحبه او صاحبته مبروك عويشيرتك! والأجيال هناك تجهل ان ميقات عاشوراء كان فيه استشهاد الإمام الحسين عليه السلام ولكنني حين ناقشت حكماءهم ومؤرخيهم ادركت انهم سعداء لانهم موقنون أن الحسين الشهيد سعيد ولآن الحسين وصحبه في الجنة ولآن الحسين أسقط عروش الظلم؟ وعبد الاله الصائغ قال في معلقة الحسين :

إن تكن أيها الشهيد سعيداً    فلماذا ننوءُ بالأحزان

ولماذا السواد في كل بيت    ولماذا الحداد لَحْنُ الأغاني

https://www.youtube.com/watch?v=cZZ6bzGbpeI

وكانت قصيدتي قبل سنيهات هذه تبث أيام عاشوراء في كربلاء والنجف والكاظمية بناء على اقتراح ممثل الأوقاف وقتها واستئذانه مني على إذاعتها! ولم يعترض أحد او يكفرني أحد بل ان الكثير وضعها على اليوتوب!!! مالذي حصل او يحصل اليوم وبخاصة بعد سقوط بغداد 2003 ومجيء سلطة الاسلام السياسي الغاشمة؟؟ سوء حظ ليس سوى سوء الحظ ان الميلاد في الغرب بسمة جذلى بينما الميلاد في الشرق دمعة حرّى ! لن اقترح شيئاً في زمن التشدد والتمذهب والتخلف والخرافة؟ ولكن اتمنى ان لايكفر احد منا اي مسلم يحتفل بأعياد الميلاد المجيدة؟ ففي دولة مغاربية درَّستُ فيها، نظر حاكمها المستبد الى أعياد الميلاد من زاوية لئيمة ماكرة فاعتد الاحتفالَ بالسنة الجديدة جريمةً يعاقب عليها القانون لأن المحتفل يمارس طقوساً غربية استعمارية! وكانت أزلام ذاك الحاكم تتجول في الزنقات وتتشمم وتتسمع كي تصطاد العائلة التي تحتفل فتشعل الشموع وتطرب للموسيقا!! ذهب ذلك الحاكم وبقي شعبه يحتفل باعياد الميلاد وفق الحسابين الميلادي والهجري! فيا مهاجري الشعوب العربسلامية شاركوا الغرب الذي آواكم وأمنكم حين ضاقت بكم بلدانكم شاركوهم بأعياد الميلاد المجيد، ورحم الله من قال :

فدارِهِمْ مادمت في دارِهمْ  وأرضِهِمْ مادمتَ في أرْضِهِمْ

ولا احب ان ينبري لي مخرف متشدد ويقول هل تطلب منا ان ننافق الغرب فنداريهم؟! واخلاقنا تمنعنا عن النفاق؟ وأقول له أنتَ تحمل الجنسية الفرنسية مثلا وتتلقى المساعدات الطبية والمعيشسة من فرنسا ولا تعتد ذلك نفاقا ولا حراماً!! انت مواطن فرنسي وفرنسا تعاملك واحداً من ابنائها فأين النفاق ومتى ولماذا وكيف؟ فيا أصدقائي ويا مَنْ يعجبه كلامي ويا من لايعجبه تعالوا لنحتفل معا بأعياد الميلاد المجيد ولتشعر الدنيا كل الدنيا اننا شعوب تحب الفرح وتحبذ العيد ولنردد مع بعضنا ولبعضنا : عيد ميلاد مجيد / سنة سعيدة للجميع دون استثناء ولنشعل الشموع ولتصدح الموسيقى والخلاصة الأولى أقول متفائلا سيكون عام 2019 عامَ خيرٍ يعم البشرية كلَّ البشرية سيكون عام توقف الحرب المجرمة ضد أهلنا في اليمن المظلومة والحرب الظالمة ضد شعبنا في ليبيا وسوريا والعراق وفلسطين وعام الصفاء بين جميع الشعوب ! وأسأل الله ان تنضب آبار النفط العربسلامية لكي تنضب اسباب السرقات والفساد، نزار القباني مرة اخرى :

وحدويون! والبلاد شظايا كل جزء من لحمها أجزاءُ

ماركسيون! والجماهير تشقى فـلـمـاذا لا يـشـبـع الـفـقـراءُ

لايـمـيـن يـجـيـرنا أو يـسـار تحت حد السكين نحن سواءُ

قتل النفط مابهم من سجايا  ولقـد يـقـتـل الـثـريَّ الثراءُ

يا اصدقاء الفرح من كل الاعمار والأقطار تعالوا نتفاءلوا بالعام القادم فهو آت مثل بابا نوئيل مثقلاً بالهدايا للمسلمين والمسيحيين والصابئة واليهود والبوذيين لجميع البشر دون استثناء دون النظر الى اي حدود مصطنعة بين البشر والقارات ... والخلاصة الثانية ليكن العام الجديد سانحة للمصالحة للمسامحة للتراحم! نتذكر آباءنا وامهاتنا وكل كبار السن ونحتضن الأطفال وننحني للنساء! سانحة لمساعدة المحتاجين ونلتفت الى مثقفينا فندعمهم لكي يطبعوا كتبهم! مواطن الخير كثيرة وفيرة غزيرة ... ويراها كل ذي عينين! .

وليعش الفرح وليسقط الحزن! ولتزْدَد الأعياد وليحفظ الله البلاد التي آوتنا وتعاملت معنا بوصفنا ابناءها!! وليحفظ الله بلداننا التي ولدنا فيها ونشأنا،.

 

عبد الاله الصائغ مشيغن المحروسة

 

ضياء نافعتم تدشين ثلاثة تماثيل كبيرة وجديدة للادباء بموسكو في نهاية العام 2018، وهم كل من ايفان تورغينيف و الكساندر سولجينيتسن  وجنكيز آيتماتوف، وذلك لمناسبة الاحتفالات في تلك السنة، التي جرت في روسيا  بالذكرى المئوية الثانية لميلاد تورغينيف وبالذكرى المئوية الاولى لميلاد سولجينيتسن وبالذكرى التسعين لميلاد آيتماتوف، وهكذا اضيفت الى التماثيل  العديدة للادباء الروس في موسكو ثلاثة تماثيل عملاقة جديدة دفعة واحدة في عام 2018، ومقالتنا هنا هي خواطر وذكريات أثارتها تماثيل تلك الاسماء الكبيرة في دنيا الادب الروسي.

التمثال الاول افتتح في العاشر من تشرين الثاني / نوفمبر لتورغينيف، وهي الذكرى المئوية الثانية لميلاده (تورغينيف كان رئيسا للجنة تنظيم وافتتاح تمثال بوشكين عام 1880 في موسكو) . لقد ساهم الرئيس الروسي بوتين بتدشين التمثال، وقال انه لا يمكن ان نتصور الادب الروسي دون تورغينيف . وتذكرت انا الاسماء العراقية التي ترتبط بتورغينيف، واولهم د. اكرم فاضل و ذو النون ايوب، اللذان ترجما عن الفرنسية والانكليزية معا رواية (الاباء والبنون)، والتي صدرت عام 1950 في بغداد، وهي اول ترجمة عربية لتورغينيف، وتذكرت كيف اعترضت د. الميرا علي زاده عندما ذكرت ذلك في مؤتمر علمي بموسكو، وقالت ان محمود احمد السيد هو اول مترجم عراقي لتورغينيف (انظر مقالتنا بعنوان – تورغينيف والمترجمون العراقيون) . وتذكرت غائب طعمه فرمان وخيري الضامن، و ترجمتهما في موسكو لمختارات من المؤلفات الكاملة لتورغينيف، وتذكرت أ.د. حياة شرارة، التي ترجمت في بغداد ثلاثة اعمال ادبية له، وكيف اني حاولت ان اثنيها عن القيام بذلك ودعوتها ان تقدم ترجمات لا يعرفها القارئ العربي لان تلك الروايات مترجمة الى العربية (انظر مقالتنا بعنوان – نجوم في سماء كلية اللغات)، وتذكرت تعليق زميلي الباحث د.جودت هوشيار على مقالتي تلك، والذي لم يتفق مع محاولتي ان اقنع حياة بعدم القيام بهذه الترجمة، منطلقا (د. جودت) من ان الترجمة هي اجتهاد شخصي للمترجم، وقال ان هناك العديد من الترجمات الروسية لنفس التناجات الاجنبية، وقد ابتسمت ليس الا عندما قرأت ذلك التعليق، لان د. جودت يعلم علم اليقين باني ايضا انطلق من هذا المبدأ، ولكني قلت لحياة، ان القارئ العربي لا يعرف حتى كل الاسماء الكبيرة في دنيا الادب الروسي، وان واجبنا قبل كل شئ ان نساهم بتوسيع دائرة معرفته هذه وليس تكرار النتاجات المترجمة رغم اهمية مبدأ تعددية الترجمات . وقد قالت لي حياة بعد فترة طويلة، ان ترجمتها لمذكرات صياد لم تكن موفقة .

اما تمثال سولجينيتسن، وهو يقف متحديا و شامخا ويداه خلفه، والذي ساهم الرئيس الروسي بوتين ايضا بافتتاحه وأسماه – (الوطني الحقيقي لروسيا)، فقد جرى في الشارع الذي يحمل اسمه في موسكو . لقد تذكرت حديثي مع المرحوم هاشم جواد (انظر مقالتنا – حوار مع هاشم جواد)، الذي جرى معه عام 1971 في بيروت، اذ تحدّث هاشم عن سولجينيتسن آنذاك وقال لي، ان هذا الكاتب كشف للقراء عالما جديدا، لم يتحدث عنه اي انسان سابقا، وقد تذكرت تلك الجملة عندما اقتنيت الترجمة العربية لكتابه الشهير (يوم واحد من حياة ايفان دينيسوفيتش)، حيث قرأت على الغلاف الاخير للكتاب جملة - (انها رواية رجعية !)، وتذكرت طبعا كيف اني كنت قد ساهمت في السبعينات بترجمة بعض الشئ عنه، اذ نشرت في مجلة (الاقلام)  فصلا واحدا مترجما عن الروسية من روايتة (من الدائرة الاولى)، والتي جلبتها معي من باريس، اذ انها كانت ممنوعة في الاتحاد السوفيتي آنذاك، وكذلك نشرت في مجلة (آفاق عربية) ترجمة كاملة لحواره مع مجلة تايم الامريكية، والذي نشرته آنذاك جريدة (زاروبيجوم) السوفيتية الاسبوعية، وتذكرت طبعا (وانا ابتسم الان!) ردود الفعل من بعض اصدقائي العراقيين اليساريين ولومهم لي، وتذكرت باني اصدرت كتيبا يقع في 92 صفحة عام 2000 في بغداد بعنوان – (من بوشكين الى سولجينيتسن)، حيث أعدت نشر ذلك الحوار مع سولجينيتسن.

اما تمثال آيتماتوف، فقد تم تدشينه في ساحة صغيرة تحمل اسمه في تقاطع شارعين بموسكو، ويجلس آيتماتوف هناك وقد وضع رجلا على رجل وهو في حالة تأمّل عميق . لقد تم ترجمة نتاجات آيتماتوف الى(176) لغة اجنبية، وصدرت في(128) بلدا في العالم، وهي ارقام تكاد ان تكون خيالية بالنسبة لاديب قرغيزي سوفيتي معاصر، ويعدّ الان واحدا من عمالقة الادب العالمي . وتذكرت طبعا د. جليل كمال الدين، الذي ترجم (عندما كان يدرس في جامعة موسكو) عملا ابداعيا جميلا لآيتماتوف بعنوان (وداعا يا غولساري) وصدر هذا الكتاب  في موسكو آنذاك، ويعاد طبعه في عالمنا العربي . آيتماتوف الذي يحبه العراقيون ولكنهم لا يعرفونه بعمق، وتذكرت مقالة ممتازة ظهرت قبل فترة وجيزة عنه بقلم د. فالح الحمراني، وكم أتمنى ان يستمر د. الحمراني بكتابة مثل هذه المقالات المعمقة والمفيدة جدا عن الادب الروسي ، والتي هي طبعا من صلب اختصاصه ...

 

أ.د. ضياء نافع

 

سلس نجيب ياسيناختلف القدماء حولَ قدرة اللغة على التعبير عمَّا في الفكر، وقد يبدو الاختلاف قديمًا أو كلاسيكيًّا إن صحَّ القول؛ ولكنه حقيقة، فما بالك بإنسان لا يُحاور أو لا يُخرج ما عنده من أفكارٍ أو تساؤلاتٍ لسببٍ أو لآخر تاركًا إيَّاها كالعقد بداخله ممَّا سيُسبِّب له جهلًا لا نريده.

رحلة الإنسان إلى النجاح أو حتى في الحياة بشكل عام تتطلَّب التعلُّم، وكما نُعلِّم الطفل في الصِّغَر الأمورَ الضرورية التي وجب أن يعرفها، فهو مطالَب لمَّا ينضج بمعرفة الأمور، والاستفسار عنها بنفسه، ليتقدم في الحياة؛ ولذا وُجِد أمرٌ يُسمَّى بالحوار أو النقاش أو حتى التساؤل، وكلها أمور تصنع الوعي بالأمور وبمخرجاتها ومدخلاتها، والتساؤل والحوار لا بد أن يكون مبنيًّا على أسس، فكما يقول المثل: "من هو الأفضل؟ مَنْ يعرف كيف يجيب؟ أو من يعرف كيف يسأل؟ "؛ ولهذا فالإنسان الذكي هو الذي يُوجِّه أسئلة واقعية وحسب المعايير العصرية، ولا بأس أن نثبت هذا بمثال لنُقرِّب الصورة.

ألا تعرف أو ألم يسبق لك وعرفت شخصًا مدركًا وواعيًا بطريقة سير الأمور في كثير من المجالات رغم عدم عمله أو تجربته لأي واحدة منها في حين قد يغيب عنك كلماتُ سرٍّ لأعمال جرَّبتها وقمت بها، وهنا الفرق حيث وجب التمييز، وطرح السؤال، وفتح منابع الحوار، وتوزيع وتنويع مصادر التحليل والتدقيق والاستخلاص والاستنتاج للمضي قدمًا في الحياة.

وهنا تتكوَّن شخصيتك وانفراديتُك ورأيك الشخصي، ومنها تستطيع أن تبني وترسم حتى نجاحك، والأهم من ذلك وعيك واستقلاليتك بأساسٍ بدايته الثقة بالنفس، وحب التطلُّع والحياة، ونهايته إنسان، وهذا ما نريده.

 

بقلم الكاتب: سلس نجيب ياسين

خالد جودة احمدأقرأ آثار أدبية فيصيبنى هذا الأثر النفسي البالغ بشخصيات تطرحها تلك النصوص النابهة، وتظل تلك الأسماء عالقة معى سنوات سنوات لا أنساها. كان سيدنا عمر الفاروق "رضي الله عنه" يبكي لهؤلاء الشهداء البسطاء ويقول (ما ضرهم لو لم يعرفهم عمر) فقد عرفتهم الأرض والسماء.

الشاعر المبدع (محمد جودة) يصوغ قصيدة علي لسان الشهيد من درر شعر الشهادة معنونة (ممكن أموت) عندما تتقدم الجنازة ويحدث الشهيد المتخاذلين الأذلاء

(يا جايبين الكفن خلّوه

وداروا وششكوا وإتغطّوا

ولا تغطّوش

علي جبين إترفع

ياللي إنتوا بتوطّوا

يا شايلين الجسد مدّوا

وودّوا للحبيب صورتي

ومكتوبي

وسمّوا عليا

ماتسمّوش

عليا الأرض بتسمّي

ومشتاق التراب دمّي

ونزف الدم بيزغرط

وبيغني

وتشرب زرعه الصبار

مواويلي

وترسمها علي عيون اللي هيجيلي

تشوف الصبح ف عيونهم

تمد جذورها تحضنّي وتحكيلي)

ومن هؤلاء الجندي السعودي (تركي العصيمي) الشهيد الوحيد في تطهير الحرم من اجتياحه الآثم لو تذكرون في القرن الماضي، عرفته من قصيدة للشاعر الكبير (غازي القصيبي) في ديوانه الذى فقدته للأسف (الحمي)، والقصيدة مهداه إلى "ريم" ابنة الشهيد، يقول فيها:

(يا ريم !

يا ريم السمراء الحسناء الصامتة الشفتين

يا ريم الحوراء الهيفاء الواجمة العينين

يسألني وجهك عبر الصفحة

أين تولى أين بابا

هل يرجع بابا الموغل في أعماق البين

يأخذني وجهك عبر الصفحة

يقسمني نصفين

فأبكي وحدي

أهمس لا يا ريم

لن يرجع في يومين

يا ريم

يا أحلى ظبي في البيداء

غيلان المسجد

هل أبصرت وجوههم الكالحة الشوهاء

دخلوا في جنح الليل كغربان الموت

أحاطوا بالكعبة مثل وباء

صبوا النيران على بابا

يا ريم

يا أحلى ظبي في البيداء

كل الناس يموتون

يبقون قليلا في الدنيا ثم يروحون

وقليل منهم يا ريم الفرسان

قليل منهم يا ريم الشهداء

وقليل من يغرس شمعته

في صدر الظلماء

وقليل من ينهض مرفوع الرأس

إلى الهيجاء

وقليل من يجري للموت كما يركض للماء ظماء

يا ريم

فلتسطع في عينيك نجوم إباء

ولتصدح في صوتك ألحان الفخر الغناء

وليسفر وجهك عن بسمة حب بيضاء

قولي: بابا

ما مات

لكن سافر أسطورة بذل وسخاء

تذرع وجدان الصحراء)

 وشخصية أخرى "رومانا" وهي مريضة فلبينية شديدة البؤس مصابة بداء السل المتأخر تعمل خادمة بالسعودية توفيت بمستشفى الجبيل بعد صراع مع الفقروالجهل والمرض والغربة وغياب تعاطف والتفات الجميع، كتب عنها الشاعر الكبير د. وحيد زايد قصيدته الرائعة (ماتت رومانا(، يقول في مفتتح القصيدة

مَاتَتْ رُومَانَا

فأحْيَتْ مَيِّتاً كَانَا

ماتَتْ رُومَانَا

كَظِلِّ خَطِيئَةٍ هَانَا

مَاتَتْ رُومَانَا

فَلا كَانَتْ ولَا كَانَا)

هكذا يفعل الأدب الجميل المترع بالحزن والإنسانية، عندما يتحدث عن هؤلاء الأبطال البسطاء المجهولين.

 

خالد جودة أحمد

 

شاكر فريد حسنتبعثرت الآمالُ على جناح غيمةٍ

تراقصتْ في ظلِّ القمر

وتوانتْ في هنيهة!!!

ترقبُ قوافلَ السنونو

تقذفُ الحجر

وبراعم الزهرِ

تتلو مع الفجر

صلواتٍ لكل من غاب

وكلِّ من عاد

وكلِّ من حضر!!!!

وزيتونةٍ

تحتضنُ حُبَيباتِها

تغسلها بدموع سحابةٍ

مرّتْ على عجل

حلّقت الآمالُ على جناح عندليبٍ

حطّ على جذع سنديانةٍ

في أرضٍ يباب

تنشدُ المطر

فشدتْ في نشوةٍ

أغنيةً للشمس

وأخرى للقمر

ترفلُ مع الصغار احلامَها

وتحزمها في حقائب السفر

وفي غفلةٍ

بين النشيدِ والسمر

حامت  صقورُ البوادي

تأكل الأخضرَ واليابسَ

وتحطُّ على حجر

وتركتْ للآمال أحلامَها

تتوسدُ جناحَ يمامةٍ

وتعلو فوقَ البوادي

والروابي

وفوق أذرعِ الشجر

وتحُطُّ على زيتونةٍ

״لا شرقيةٍ ولا غربية"

يضيءُ زيتُها قناديلَ البوادي

وأقنعةَ الحضر!!

هذه القصيدة للشاعرة الطرعانية الجليلية الفلسطينية روز اليوسف شعبان، تنتمي للشعر الرومنطيقي، ولها جاذبية خاصة، لا بد أن نتفاعل مع أوصافها ونعوتها، ونعيش في أجوائها، ونحس بدفء كلماتها مثلما نحس بعفوية تعانق الوجدان، وتتميز بغنائيتها وقوافيها وسجعها وجرسها الموسيقي، ناهيك عن جودة الوصف، وصفاء الرؤيا والخيال المحلق المجنح والجمالية الفنية.

ويشعر القارىء وهو يقرأ القصيدة بالشغف والمتعة، ويلمس نضارة النص، ورقة الكلمة، وصفاء الروح، والصدق، والسلاسة والشفافية الدافئة، ووضوح الفكرة لدى الأستاذة روز اليوسف شعبان، بعيدًا عن التكلف والصنعة اللفظية، وكذلك سلاسة العبارة، وسهولة اللفظ، ولين التراكيب، وعذوبة الموسيقى. وهي مضمخة بصور شعرية جميلة هادئة، وأوصاف خلأبة مدهشة آسرة.

روز اليوسف شعبان متمكنة من اللغة العربية وقواعدها وصرفها ونحوها، وتعرف كيف تصوغ وتنسج وتسبك الكلمات الجميلة بشكل مموسق يدهش القارىء ويسحر النفس.

ومن نافلة القول أن القصائد الشعرية والخواطر الوجدانية التي قراتها لها حتى الآن، تنبىء بولادة شاعرة مرهفة الإحساس،  ينتظرها مستقبلًا زاهرًا في مجال القصيدة، وسيكون لها شان في أدبنا المحلي.

فأرق التحيات واجمل الأمنيات للشاعرة الصديقة والأستاذة روز اليوسف شعبان، بالمزيد من التألق، حضورًا واحساسًا وإبداعًا، وإلى الأمام، وبانتظار ما هو جميل وماتع وصادق.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعالديسمبريون هم مجموعة صغيرة من النبلاء الروس الشباب، الذين دخلوا التاريخ الروسي لانهم ساهموا في شهر ديسمبر العام 1825 في هجوم مسلح على مجلس الدوما الروسي بمدينة بطرسبورغ في محاولة لتغيير النظام القيصري الروسي، وانتهت محاولتهم تلك بالفشل التام، و اعتقالهم طبعا ومحاكمتهم، واعدام خمسة من قادتهم، و تم سجن الباقين ونفيهم الى سيبيريا (انظر مقالتنا بعنوان – ريلييف اول شاعر اعدمته روسيا).

عندما كنت طالبا في ستينيات القرن العشرين بالاتحاد السوفيتي، كانوا ينظرون الى الديسمبريين باعتبارهم ابطالا في مسيرة نضال شعوب روسيا ضد النظام القيصري، وكانت (ولازالت) شوارع تحمل اسماء بعضهم في مختلف المدن الروسية، وقد درسنا الكثير عنهم في مادة (تاريخ الادب الروسي) والخاص بفترة النصف الاول من القرن التاسع عشر وعلاقتهم بالادباء الروس آنذاك، ولازلت اتذكر ما قاله لنا استاذ تلك المادة حول رسم تخطيطي لبوشكين وجدوه في احدى مسودات قصائده يصوّر مشانق الديسمبريين الخمسة، وانه رسم مشنقة سادسة فارغة جنب تلك المشانق، والتي ربما كان يقصد منها انها مشنقته هو (اي بوشكين)، ولازلت اتذكر ما قالوه لنا حول التحقيقات الطويلة والعريضة مع بوشكين وغريبويديف التي اجراها معهما النظام القيصري بعد فشل تلك الحركة من اجل التدقيق حول علاقتهما مع الديسمبريين، ولازلت اتذكر قصيدة بوشكين، التي ارسلها عام 1827 سرّا مع زوجة الديسمبري موروفيوف، الذي نفته السلطة القيصرية الى سيبيريا، وقد سافرت اليه زوجته ملتحقة به . ولم بستطع بوشكين طبعا من نشر تلك القصيدة آنذاك، وقد تم نشرها بعد سنين طويلة، وتعد هذه القصيدة الان من (درر!) قصائد بوشكين كما يقول التعبير العربي الجميل، وهي بلا عنوان مثل الكثير من قصائده، ويطلقون عليها الان في مؤلفات بوشكين الكاملة الشطر الاول كعنوان لها . لقد كانت هذه القصيدة تدخل حتى ضمن مفردات مادة (مدخل الى الادب الروسي) في الكلية التحضيرية لجامعة موسكو عندما كنّا ندرس اللغة الروسية فيها عام 1960، وينهي بوشكين قصيدته تلك قائلا، ان السجون والمعتقلات ستنهار وان الحرية ستنتظركم وان اخوانكم سيعطونكم السيوف، اي سيعيدون اليهم الاعتبار ...

هكذا كانت الامور في الاتحاد السوفيتي، ولكني اتذكر ايضا ذلك الاجتماع الذي حدث في نهاية ستينات القرن الماضي في جامعة باريس بين طلبة القسم الروسي (وكنت انا من ضمنهم) مع وفد سوفيتي زائر، وقد كان الاجتماع مفتوحا، وحضره الكثير من اللاجئين الروس البيض، الذين هاجروا من روسيا بعد ثورة اكتوبر 1917 وسكنوا واستقروا في باريس . لقد ذكر أحد اعضاء الوفد السوفيتي آنذاك، ان الحكومة القيصرية الروسية كانت حكومة ظالمة ومستبدة (وهي نظرة سوفيتية معروفة طبعا) وانها مثلا (أعدمت خمسة من الديسمبريين، ونفت البقية الى سيبيريا)، فقامت احدى السيدات الروسيات من الجالية الروسية في باريس وقالت له – (لو ان مجموعة من الضباط السوفيت هجمت على الكرملين وهي تشهر السلاح بيدها وارادت ان تعتقل رئيس الحزب الشيوعي السوفيتي  وتغيير النظام، فكيف كانت ستتصرف الحكومة السوفيتية تجاههم ؟؟) . وساد هرج وردود فعل متباينة جدا في القاعة طبعا، ولم يستطع الوفد السوفيتي ان يجيب عن هذا السؤال المحدد والاسفزازي، رغم انه حاول ان يجيب مستخدما جملة كتبها لينين حول الديسمبريين ومفادها - (انهم بشكل رهيب بعيدون عن الشعب) وهذه الجملة مشهورة وموجودة في المصادر السوفيتية كافة، اما السيدة المذكورة فانها اضافت ان السلطة السوفيتية كانت ستمزّق تلك المجموعة مع كل المحيطين بهم والمتعاونين معهم، وقالت ان القيصر الروسي كان رحيما بهم وانه لم يعدم سوى خمسة من قادتهم بعد محاكمات اصولية طويلة، ونفى البقية، وان زوجات المنفيين التحقن بازواجهن واخذن معهن كل ما يحتاجونه من حاجيات و امتعة.

تذكرت تلك الحادثة في جامعة باريس عندما كنت أطّلع على مختلف الاصدارات الروسية في الذكرى 190 سنة على انتفاضة الديسمبريين، بل ان هناك حلقة خاصة بثتها قناة (كولتورا) (الثقافة) التلفزيونية الروسية عن الديسمبريين، وكانت تلك الحلقة بعنوان – (الديسمبريون – هل هم ثوار ام ارهابيون؟)، وقد شاركت فيها مجموعة من المؤرخين والمثقفين الروس المعاصرين . ان عنوان الحلقة بحد ذاته يجلب الانتباه ويثير الاهتمام، وقد شاهدت هذه الندوة بامعان . لا يمكن طبعا عرض كل الافكار المتنوعة والعديدة التي وردت في تلك الندوة (واظن ان ذلك يتطلب مقالة مستقلة، اذ ان تلك الافكار تستحق التأمل من قبل القارئ العربي المعاصر والبعيد عن الاجواء الروسية الفكرية في القرن الحادي والعشرين)، ولكن الخلاصة التي يخرج منها المستمع للندوة هذه، وكذلك الاطلاع على الآراء الجديدة وتعليقات المواطنين الروس حول هذه الانتفاضة، هو ان الموقف الايديولوجي السوفيتي السابق تجاه هذه الحركة وتمجيد رجالاتها قد تغيّر، وان روسيا الجديدة تبلور الان نظرة اخرى تجاه تاريخها والاحداث الاساسية الكبرى، التي حدثت في مسيرتها الطويلة، وما أحوجنا – نحن العرب – الى دراسة هذه الظاهرة الفكرية في تاريخ الامم .

 

أ. د. ضياء نافع

 

صادق السامرائيكلما إطلعت على حياة جهابذة الثقافة والمعرفة العربية في أوج توهجها، أجدهم يشتركون بميزة واحدة، هي أنهم قد حفظوا القرآن وهم دون العاشرة من العمر.

ورحت أتساءل عن هل لهذه الميزة من تأثير على السلوك والتفكير.

ولي صديق أولاده قد حفظوا القرآن وهم دون العشرين وبرعوا بذلك، والتقيت بأحدهم متأملا سلوكه وكيف يفكر ويرى ويتفاعل وما هي نشاطاته وطموحاته.

وكنت في صغري قد حاولت حفظ القرآن، ومضيت في ذلك إلى ثلثه، وأخذت أبحث في نفسي وفي ما يميز الآخرين الذين يحفظون القرآن، وإنتهيت إلى خلاصة مفادها، أن حفظ القرآن يثري المفردات اللغوية ويوفر للدماغ أدوات للتفكير المطلق، ويحقق آليات يتفكرون ويتعقلون، مما يؤدي إلى إبداعات أصيلة ومؤثرة في البناء الحضاري الإنساني.

كما أنه يحبب اللغة إلى الإنسان ويُعلمه بأنها النبع الذي يمده بقدرات العطاء والخلق والنماء الفكري والعقلي.

فالقرآن يزوّد الدماغ بأكثر من خمسين ألف مفردة لغوية، وهذا معين يؤهله للنظر في ما يدور حوله من أكوان ويوسع مداركه وقدراته الإستيعابية.

والمطلع على تأريخ المعارف العربية، يرى أن القرآن قد حفّز العرب على دراسة اللغة العربية وإبتكار علومها ونحوها وقواعدها، وما تمخض عنها من مدارس وإتجاهات لغوية، ففي أقل من قرن بعد نزول القرآن صار للغة العربية علومها وفقهاءها وعلماءها ومدارسها في البصرة والكوفة والفسطاط وغيرها.

وبإنبثاق ينابيع اللغة العربية وإزدهار مفرداتها وتفاعل العقول معها أضفت على الحضارة الإنسانية أنوارا غير مسبوقة، وأضاءت دروب الوجود الأرضي في جوانبه الفكرية والنفسية والروحية.

أي بإزدهار اللغة العربية إزدهر العرب، لأنهم تعلموا كيف يتفكرون ويعقلون الأمور والأحداث ويساهمون بصناعتها وتطويعها.

ومن الواضح أن الخمول اللغوي قد تسبب بخمول حضاري، فالعربي اليوم من أفقر بشر الدنيا بالمفردات اللغوية، وهو في قبضة اللغة العامية التي لا تمنحه سوى عدد محدود من المفردات، التي تؤهله للتدحرج والتبعية والإنصياع، وتمنع عنه هواء الحرية والإبداع والعطاء.

أي أن العقول العربية معطلة بسبب الإفتقار المَعجمي أو الخواء المُفرداتي.

والذي يجهله العرب ويدركه جيدا الطامعون بهم، أن قوة العرب في لغتهم، وسطوعهم الثقافي والعلمي وسيادتهم المشرقة الطويلة على العالم سببها لغتهم، التي أطلق القرآن ما فيها من المفردات الكفيلة بصناعة الذات الحضارية الأبية العزومة المقدامة المتحدية العزيزة البلاء.

هذه اللغة المحفزة للطاقات الفكرية والإبداعية العربية، بدأت محاربتها وبعنفوان شديد منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، وبشتى الوسائل والأساليب والأفاعيل، وأسهم في هذه الحرب الضروس عدد من الأنظمة العربية الجاهلة، حتى وصلنا اليوم إلى جلوس أناس على قمة الأنظمة الحاكمة بعقول خاوية لا تحوي إلا بضعة مئات من المفردات العربية، ويعجزون على النطق بلسان عربي فصيح.

وجوهر الحرب على اللغة العربية يتلخص بتجفيف مخازنها المفرداتية في الأدمغة العربية، لإضعاف التفكير وتضمير العقل وتسويغ العواطف والإنفعالات وتمكينها من الفتك بالوجود العربي.

فقوة الأمم والشعوب تقاس بقوة عقولها التي ترتكز على ثرائها المَعجمي، ولهذا تجد المجتمعات المتقدمة تضخ ما تستطيعه من المفردات في رؤوس أبنائها، ومنذ سن مبكرة جدا قد تبدأ حال تمكن الطفل من النطق بالكلام، كما أن رياض الأطفال والمدارس الإبتدائية تنشط بحشد المفردات في رؤوس التلاميذ، بل أن من أهم إمتحانات الدخول للجامعات هو إختبار مدى القدرة على فهم ومعرفة معاني المفردات اللغوية.

بينما في مجتمعاتنا تم تنشأتنا على مقت الكلمة ومعناها، وتحويل هذا النشاط أو الدرس إلى موضوع ثقيل وكريه وممل جدا.

فالتلميذ يمقت الكلمة ومعناها باللغة العربية، ويتم تحبيبها إليه باللغات الأجنبية التي يُطلب منه تعلمها، كما أن تدريس اللغة الأجنبية تكون حصصه أكبر، في مرحلة دراستي منذ الإبتدائية وحتى نهاية الإعدادية، كانت حصة اللغة الإنكليزية يومية واللغة العربية إسبوعية، واليوم ربما إنتفت من المدارس.

إن هذا السلوك المقصود والخفي أو الغير منظور يساهم في تفريغ الأجيال من محتواها الحضاري، وتحويلها إلى بضائع تباع وتُشترى في أسواق الإستعباد والإفتراس، والإمتهان الغابي العاصف في أرجاء الدنيا المتحاملة الأركان والمتهاوية البنيان.

فهل من يقظة لغوية عربية لتنمية العقول وتأهيل النفوس وتهذيب السلوك؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 

في البداية، اهنيء كل الاخوة المسيحيين الذين يحتفلون باعياد ميلاد السيد المسيح عليه السلام نبي المحبة والسلام . وانتهز هذه الفرصة لاتحدث عن مراتب الحب ومستوياته فالحب ليس مرتبة واحدة، ولامستوى واحد، وانما هو -وبحسب التعبير الفلسفي - مقولة مشّككة، تشترك في اصل الوجود وتختلف في المراتب.

مراتب الحب

1- الحب الطبيعي

اول مرتبة من مراتب الحب تواجهنا، ونحن نتأمل هذا الكون الفسيح، ان اجزاء هذا الكون مشدودة بعضهما الى بعض باواصر وروابط الحب ؛ فالكون الفسيح متناغم ومتناسق الاجزاء والوحدات، لاوجود لتنافر وكراهية بين اجزائه . يقول الله تعالى :

(ماترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور) . الملك: 3.

وهذا اللون من الحب اطلقت عليه: (الحب الطبيعي) . وماقوى الجاذبية في هذا الكون الا قوى محبة تجعل الترابط بين اجزاء الكون متماسكا وقويا بالحب.

2- الحب الغرائزي

وهذا اللون من الحب نراه جليا في عالم الحيوان، فحتى الحيوانات المتوحشة ذات الانياب الحادة، والمخالب القوية، تنزع صفات توحشها حينما تحمل صغارها بانيابها بطريقة رقيقة لطيفة، والمخالب القوية التي تفتك بالفرائس تتحول الى انامل حريرية حينما تلاعب صغارها . وهذا الحب يعطي للام المترددة والخائفة كالدجاجة التي بمجرد ان تكون اما تصبح قوية وشجاعة ومستعدة ان تدفع حياتها ثمنا لبقاء صغارها اذا ماداهمهم حيوان مفترس.

3- الحب التعاقدي (المشروط)

وهذا الحب مبنيّ على اساس تعاقدي . انه عقد يشبه سائر العقود، والمعاملات التجارية، انه حب الصفقات. الحب المشروط بشروط . الزوج يقول لزوجته : احبك مادمت مطيعة، ومنفذّة لاوامري، اما اذا لم تكوني كذلك ؛ فلاحب لك في قلبي . واكثر الحب في العلاقات الزوجية هو هذا النوع من الحب المشروط . واكثر حالات الطلاق، اساسها هذا الحب التعاقدي المشروط . فالزواج الذي عبّر عنه القران بانه : (ميثاق غليظ)، يتحول الى عقد تجاري ومعاملة مشروطة ؛ اذا ماوقع خلل في الشروط ينتهي العقد.

4- الحب الملتزم (غير المشروط)

هذا اللون من الحب، يختلف عن سائر الانواع الاخرى . انه ليس حبا طبيعا، ولاغرائزيا، ولاحبا تعاقديا . انه ليس صفقة، وانما هو التزام قيمي واخلاقي بقيمة الحب . الحب قيمة لاتتجزأ تمارسها مع العدو والصديق . وهناك مقولة للسيد المسيح (ع) حسب ماجاءت في انجيل متى 5 : 44 :

(وامّا انا فأقول لكم : احبوا اعداءكم.باركوا لاعنيكم .احسنوا الى مبغضيكم، وصلّوا للذين يسيئون اليكم ويطردونكم) .

وفي نفس السياق يتحدث القران الكريم :

(ولاتستوي الحسنة ولاالسيئة ادفع بالتي هي احسن فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) .

ولو تبنّى العالم الغربي في سياساته الدولية، ماجاء في انجيل متّى، لما شهدنا حروبا، واستعمارا للشعوب ونهب خيراتها . ولو طبقت دولنا الاسلامية ماجاء في الاية التي مرّت، لما شهدنا حروب الاشقاء، والفتن الداخلية، وقتل الناس، والجماعات التكفيرية التي نشرت الرعب في كل مكان.

كان الحديث عن الحب في اطار العلاقات الموجودة في الكون، وعالم الاحياء، والعلاقات بين بني البشر، امّا اسمى مراتب الحب، فهو حب الله، الذي كان الهدف الذي سعى اليه اولياء الله.

وفي الختام، ندعو الاخوة المسيحيين وهم يحتفلون باعياد الميلاد، ان يتذكروا قيم المحبّة والسلام التي جاء بها السيد المسيح عليه السلام .

 

زعيم الخيرالله

 

 

عقيل العبودليس من باب التوجيه الديني، او الانحياز وراء ديانة معينة، أوطائفة ولكن هو واجب انساني وأخلاقي  هذا الذي يدعونا جميعا لأن نفهم ان جميع الديانات والكتب السماوية تدعو للخير والمحبة، ولا يوجد دين اسمه دين العنف، واخر اسمه دين السلام، بل ان جميع الأديان تشترك في مسألة اسمها الانسان.

ولهذا وإسوة بباقي الأديان، لا يمكن ان يكون الاسلام دين عنف، بإعتباره من شروطه، الإيمان بباقي الأديان، وهذا بدوره ينافي ما يحصل اليوم من اعمال عنف وقتل تحت عنوان الاسلام وتحت عناوين متفرقة مقطوعة من السور القرانية التي يتم استخدامها كذزائع سياسية ومآرب للإساءة للمعنى الحقيقي لهذا الدين الحنيف.   

حيث ورد في سورة البقرة "والذين يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون اولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون" بمعنى ان شروط الإيمان بدين الاسلام وبنبيه الاكرم محمد(ص) لا يمكن ان تتم، حتى تتحقق قضية الإيمان بباقي الأديان"

ولذلك ايضا حيث وردا على ما يردده بعض الجهلة والمتطرفين بأن الاسلام دين عداء وعنف، أشير الى الآية الكريمة التي تقول:

  "مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جميعا"

وذلك مثال في قتل قابيل لأخيه هابيل حسدا. 

وهذا معناه أن قتل النفس المحترمة يساوي في الميزان التعرض الى الانسانية جميعا.

 

عقيل العبود

574 قيصر كبهاأهدانا الصديق الاعلامي والشاعر قيصر كبها، من قرية عين السهلة، ديوانه الثاني " دعوة لشرب القهوة " الصادر عن دار السكرية للنشر والتوزيع في القاهرة، وهو نصوص نثرية وهدهدات وجدانية تحاكي الحب والوطن والطبيعة والجبال والمرأة والبحر، وتغلب عليها الرومانسية الحالمة، والجمالية الفنية.

وكان قد صدر لكبها قبل عدة شهور باكورة أعماله الشعرية بعنوان "ولكم التحليق".'

وقد كتب لي في الاهداء: يقول: "إلى الكاتب والناقد والصديق شاكر فريد حسن، الذي تبحث حلاوة العبارات بطعم الرطب، ويفتش الكلام اللامع كالذهب عن يراعه ولو لأجل الدخول في إبداعه مع تحياتي وتقديري".

قيصر كبها يبدو في هذا الديوان شاعرًا عذبًا، رقيقًا، يصطاد لوحاته النثرية اصطيادًا، فلا تتكلفه ولا يتكلفها، فتأتي وكأنها أغنيات أو معزوفات موسيقية تتهادى بين نسائم جبال الخطاف، كتبت أو رسمت بأنامل فنان لتكون قصائد من حب وجمال ودفق عذب بنكهة القهوة العدنية المهيلة.

ومن أجواء الديوان:

خذني معك

أنا ضلع منك

اعدني الى أضلعك

لا تدعني

خذني الى موضعك

ضعني في صدرك

أنا لن أوجعك

دقات قلبك تهتف بمسمعي

أريد أن أسمعك

صدرك ضيق لا يتسع؟

آه يا صدره، ما أوسعك

آه يا حنانه، ما أروعك

نعومة يدي

ستمسح أدمعك

خذني معك

أشواقي جامحة

أنا في اختبار وقبل اختباري

علي أن أراجعك

أنت طريقي

وأريد أن أسلكك

أنا ضلع منك

أرجعني الى أضلعك!

نصوص الديوان تفيض رقة وحسًا مرهفًا، بذلك التناغم والاندماج بين انتقاء الصور واستخدام اسلوب السهل الممتنع، والمفردات البسيطة السهلة الواضحة، والجملة الشعرية المنسابة، المزنرة بحرارة العاطفة وطقوس الحب والإشراق، فينسج منها عبيرًا من الرؤى والأفكار، الدالة على عناصر الجمال والخيال الواسع الخصب، ليصل في النهاية إلى نص نثري بالغ التأثير والتعبير والاشارات.

وغني عن القول، أن قصائد الديوان هي قطرات حب، وأناشيد فرح، وأغاني وطن، وألحان أمل.

لقد قرأت الديوان من الألف حتى الياء، ورشفت ما طاب من قهوته، واستمتعت بنكهتها، وراقتني مضامينه وموسيقاه وأنغامه الشجية ولغته الرشيقة الحية التي تعانق القلب، وتمس الوجدان.

فشكرًا يا صديقي الخطافي قيصر كبها على هديتك، ودمت برقيك وحرفك الشفيف، وزادك الباري الهامًا وإبداعًا وألقًا وتميزًا، وبانتظار المزيد من كتاباتك واصدارتك.

 

كتب: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعالى محمد عارف وفرات محسن وكفاح السوداني وصادق حسين وضياء العبادي وبقية الاصدقاء الاعزاء.

ض.ن.

استلمت تعليقات عديدة ومتشعبة جدا حول مقالتي بعنوان (تدريس العلوم باللغة القومية)، ولهذا اود ان اعود الى هذا الموضوع المهم - من وجهة نظري – بالنسبة لمسيرة التعليم في عالمنا العربي بشكل عام وفي العراق بشكل خاص، اي بالنسبة لمستقبل اجيالنا اللاحقة، واؤكد على كلمة (اللاحقة)، لأن هذا موضوع بعيد المدى ويرتبط بالمستقبل البعيد ويتطلب مناقشات طويلة ومستفيضة وشاملة وهادئة وموضوعية، وان يشارك فيها المتخصصون  في العلوم كافة، ولا يخضع الى اجتهادات فردية وانطباعات سريعة ليس الا.

لم استطع (ولم اخطط طبعا) ضمن مقالتي الوجيزة المشار اليها في اعلاه ان اوضح كل ابعاد هذا الموضوع الواسع جدا، ولكن التعليقات تركزت على تفاصيل كثيرة ومتشعبة جدا لم اتناولها اصلا، اذ تحدث البعض، مثلا،عن التجربة السورية حول تدريس العلوم الطبية بالعربية والتي تجري منذ زمن بعيد، واعتبرها (بجرّة قلم كما يقول التعبير العربي الطريف)   فاشلة تماما، دون التعمق بدراسة هذه التجربة من جوانبها المتعددة، وهي نظرة متسرعة جدا وتفتقد الى التحليل الموضوعي الشامل، الذي يحدد ما لها وماعليها، وبالتالي يخرج باستنتاجات علمية محددة عن هذه التجربة الفريدة، والتي – اكرر- انها تجري منذ سنوات طويلة، وتساهم بها اجيال من المتخصصين السوريين، وليس من الضرورة هنا تكرار هذه التجربة حرفيا، ولكن يجب دراستها بامعان. وتحدث بعض المعلقين عن عمق اللغة العربية وعظمتها وقابليتها على الاشتقاق والتكييف، وهو موضوع قديم طبعا، ومتشابك – ان صح التعبير – واقول متشابك بالذات لانه يرتبط بالنظرة القوميّة المتطرفة في عالمنا العربي  (والتي عانينا منها الكثير في مسيرة حياتنا كما هو معروف!)، وقد تذكرت حادثة طريفة حدثت في كلية اللغات مرة، اذ قال أحد اساتذة اللغة العربية (والتي تقوم كلية اللغات بتدريسها بمعدل ساعتين اسبوعيا في اقسام اللغات الاجنبية كافة) قال، ان اللغة العربية هي (ام اللغات)، فسأله أحد الظرفاء (اذا كانت العربية ام اللغات، فهذا يعني ان هناك بالضرورة زوج لها، اي أب لهذه اللغات، فمن هو هذا الاب؟)، وقد غضب استاذ العربية ذاك غضبا شديدا، واعتبر هذا السؤال اهانة للغة العربية (المقدّسة!) واعتداء  صارخ عليها، وقد حاولنا جميعا – بالطبع - تهدئة الموقف المتوتر ذاك، والذي كان يمكن ان يؤدي الى نتائج وخيمة جدا، واطلقنا بعدئذ على تلك الحادثة الغريبة والطريفة تسمية - (معركة عشيرة اللغات!).

ان مقالتنا حول تدريس العلوم باللغة القومية تنطلق من مفاهيم اخرى، واهمها، ان لغة الثقافة ولغة العلم واحدة في معظم مجتمعات العالم المتقدم وشبه المتقدم ايضا، فالفرنسي والانكليزي والالماني والروسي والامريكي والصيني والبلجيكي والياباني والبلغاري والكوري والتركي والبولوني والاسباني والبرتغالي والارجنتيني والنمساوي وووو...، كلهم يدرسون العلوم كافة في مدارسهم وجامعاتهم بلغتهم القومية، وكلهم وصلوا الى هذه المرحلة الطبيعية تدريجيا، وليس طفرة واحدة كما يقال، وانما نتيجة لعمل طويل ومسيرة علمية استغرقت عشرات السنوات الكثيرة والطويلة جدا من البحث العلمي المعمق، ففي روسيا مثلا، ابتدأت هذه العملية العلمية منذ زمن العالم الروسي الموسوعي الكبير ميخائيل لومانوسوف في القرن الثامن عشر، الذي خاض نضالا (وليست هذه كلمة طنانة ابدا، ولكنها حقيقة موضوعية فعلا!) ضد هؤلاء الذين كانوا يؤكدون (في تلك الفترة) على عدم قدرة اللغة الروسية على القيام بذلك الدور ابدا، وهذا الموقف يذكرنا طبعا بما يقولونه الان في مجتمعاتنا حول اللغة العربية وعدم امكانياتها بالتعبير عن المصطلح الفلاني في العلم الفلاني.

يجب الاقرار والاعتراف، وبلا اي تردد، بوجود لغة بارزة في كل عصر من عصور تاريخ البشرية، لغة سائدة اولى، وكانت العربية واحدة منها في زمن مضى وانتهى عندما كانت بغداد (منارة المجد التليد)، وان اللغة الانكليزية في عصرنا  المعاصر هي اللغة الاولى بلا شك نتيجة ظروف مسيرتها التاريخية عبرعدة قرون، دون ادخال هذه المسألة في اطار (المؤامرآت الامبريالية !!!)، وقد طالبتني اكاديمية العلوم الروسية عندما قرر معهد الاستشراق الروسي التابع لها ان ينشر كلمتي في كتاب ضمن بحوث مؤتمر المستعربين الروس  (انظر مقالتنا بعنوان – حول اول معجم روسي – عربي للامثال الروسية في العراق) طالبتني بموجز قصير للكلمة باللغة الانكليزية كشرط من شروط النشر في اصدارات اكاديمية العلوم الروسية، وعندما اعتذرت لهم عن ذلك لعدم امكانيتي كتابة هذا الموجز بالانكليزية، أخذت الدكتوره  الميرا علي زاده على عاتقها تنفيذ هذه الفقرة اعتزازا منها بتلك الكلمة، وذلك لانها كانت رئيسة لتلك الجلسة العلمية، التي القيت فيها الكلمة، وهذا ما تم فعلا.

تدريس العلوم باللغة القومية يعني اولا الاقرار بهذا المبدأ باعتباره ضرورة علمية تعكس تقدم البلد وتعددية لغاته والوحدة  العضوية بين لغة العلم ولغة الثقافة فيه، وتدريس العلوم باللغة القومية يقتضي عملا علميا هائلا لكل فئات الامة من اختصاصيين ومثقفين ولعشرات السنوات، وتدريس العلوم باللغة القومية عملية اجتماعية كبيرة وتدريجية وبطيئة جدا جدا، ولا تتم بين ليلة وضحاها .

 دعونا نتكلم عن تدريس العلوم بلغتنا القومية الان، ونبذر بذورها في تربتنا الان، ونتهيأ للانتقال التدريجي اليها الان، فقد نضج العراق حضاريا بفضل ابنائه في كل مكان بغض النظر عن الاحداث المأساوية التي تجري في عراقنا الحبيب، ومن الضروري ان نلحق بصاروخ التقدم العلمي العالمي.

 

أ. د. ضياء نافع

 

560 Twain(1910 – 1835 ) Mark Twain

اختارها وترجمها عن الإنگليزية بتصرف:

 مصدق الحبيب

 

- ليست الوطنية ان تقف مع حكومتك، انما ان تكون مع وطنك وتدافع عنه دائما وابدا.

- علينا ان نغير السياسيين مثلما نغير حفاظات الأطفال، ولنفس السبب.

- الله خلق الاغبياء والمغفلين كتمرين لخلق مجالس المحافظات وهيئات المدارس.

- لم أدع المدرسة تتدخل في تعليمي مطلقا.

- لا يتفوق الكلب في القتال لكبر حجمه انما لكبر حجم القتال فيه.

- ان تصمت وتدع الناس تشك بأنك غبي خير من ان تتكلم فتزيل أي شك لديهم.

- تستطيع ان تحكم على شخصية الانسان من خلال نوع الصفات التي يستخدمها في لغته.

- إن كنت تميل لتشويه الحقائق، فحري بك أن تعرف الحقائق أولا، وقبل ان تباشر بتشويهها.

- عند التحقيق، قل الحقيقة فقط لتعفي نفسك من عناء تذكر أي شيء آخر.

- لا عجب في ان الحقيقة اغرب من الخيال لان الخيال يستمد معناه من الحقيقة.

- اللطف هو اللغة التي يسمعها الأصم ويراها الاعمى.

- الشجاعة لا تعني انعدام الخوف، انما مقاومته والسيطرة عليه.

- لا تجادل الاحمق مطلقا، أولا لان الاخرين قد لا يفرقون بينكما، وثانيا لأنه سيتفوق عليك بسبب طول تجربته في الحماقة.

- الحكمة هي المكافأة التي تحصل عليها جراء اصغائك للأخرين عندما يكون لديك الكثير لتقوله.

- جميع التعميمات خاطئة وبضمن ذلك ما أقوله الان من تعميم.

- الغضب مثل الحامض الذي يأكل الوعاء الذي يحتويه أكثر من ان يأكل السطح الذي يُسكب عليه.

- القرض من المصرف يشبه الشخص الذي يعيرك شمسية في الصحو ويطالبك بإعادتها عندما يبدأ المطر.

- الشجاعة أساس الاستقامة والكمال، فبالشجاعة تستطيع اقتحام المخاطر، وبها تكتسب العزم لتكون رحيما متسامحا، وبها تتسلح بالحكمة لتكون متواضعا.

- أنا أعرف جيدا كم هو سهل الامتناع عن التدخين لأنني فعلت ذلك آلاف المرات.

- القرنابيط ما هو إلا لهانة عندها شهادة جامعية.

- لأن الحياة قصيرة، عليك أن تحطم القيود، وتسامح بصدق، وتحب بإخلاص، وتقبّـل ببطء، وتضحك طويلا، ولا تأسف على أي شيء يجلب لك البسمة.

 

صادق السامرائيالعربية من أغنى لغات الأرض بمفرداتها، وليس هذا إدّعاءً، فقد إستمعت في تسعينيات القرن الماضي لسلسلة محاضرات عن المقارنة بين اللغات، وتبين لي أن اللغة العربية هي الأثرى والأقدر على المواصلة والعطاء، فمن بين أكثر من سبعة آلاف لغة بشرية، العربية هي الرابعة، ويتكلم بها أبناء إثنين وعشرين دولة، وتنتشر في أكثر من ستين دولة، ويوجد إقبال على تعلمها في دول الدنيا كافة، خصوصا وأنها مترافقة مع الإسلام والكتاب المنزل بلسان عربي مبين.

ويبلغ عدد المفردات باللغة العربية أكثر من إثني عشر مليون وثلاثمئة ألف كلمة، ولا توجد لغة أخرى تضاهيها بهذا الكم الكلماتي، فمن خصائصها أن للأشياء والموجودات أكثر من إسم، فالعسل له ثمانين إسم، والأسد خمسمئة إسم، والسيف ألف وخمسمئة وللناقة ألف إسم، وقس على ذلك.

ومعظم لغات الدنيا قد أخذت كلمات من العربية، فلا تكاد لغة تخلو من عدد من الكلمات العربية، فالعديد من الكلمات باللغة الفارسية والتركية والأثيوبية عربية، ولو نزعت منها الكلمات العربية لتعثرت، وفي اللغات الأوربية العديد من مفرداتها.

فالعربية أعطت للغات  أكثر مما أخذت منها، ويمكنها أن تستوعب الأسماء والمصطلحات المتوافقة مع العصر الذي تكون فيه، لأن أبجدياتها جامعة، فهي تضم ثمانية وعشرين حرفا، وبهذا تتفوق على العديد من اللغات، وأن أصوات حروفها ذات نسق فسيولوجي يستوعب قدرات النطق البشرية.

وأنها لغة سهلة وجميلة ومحفزة للإنطلاقات الحضارية الأصيلة، وتختزن طاقة إبداعية مطلقة في الميادين والنشاطات العلمية والأدبية والفلسفية وما يمكن للعقل أن يتواصل معه ويعبّر عنه.

ولديها القدرة على التعبير الأمثل عن الأفكار الأساسية والجوهرية والكونية بأسلوب عذب ومتناسق جذاب ومؤثر بالنفس والروح والعقل.

ويحاول البعض من الجاهلين التوهم بأن العربية من أصعب اللغات وأفقرها وأتعسها، وهناك هجمة عدوانية تنتهج أساليب نفسية وسلوكية مدروسة للوصول إلى بناء الحواجز النفسية ما بين العربي ولغته، بتكرار ضخ الأضاليل في رأسه، على أن سبب تأخره وقهره يكمن بلغته، وبأنها لغة شعر وحسب، ولا يمكنها أن تكون لغة علم ومعاصرة، وكأن على العربي لكي يتقدم ويعاصر أن ينسلخ عن لغته.

وهذا هو البهتان الكبير، لأن اللغات البشرية لا علاقة أساسية لها بالتقدم والتأخر، وإنما أساليب التفكير المعتمدة، وفقدان القيادات المقتدرة، من أهم عوامل التأخر، فاللغات أوعية أهلها ومستودعات ما فيهم وعندهم، فإن خوت عقولهم أصاب لغاتهم الخواء، وإن أثرت فأنها تثرى بهم، وما يميز العربية عن غيرها أنها تمتلك تراثا مكتوبا بها لا يمكن مقارنة أي تراث لغوي آخر به، وزيارة لمكتبة تراثية عربية تؤكد هذا المخزون والمكنون الفكري الذي لا يمكن أن يحيط به شخص لو أفنى عمره، كما أن مفرداتها لا يمكن لشخص أن يلم بها كلها، لأن العربية تراكمات أجيال أسهمت في تنوير المسيرة الإنسانية على مدى قرون زاخرة بالإبداع، وهذا لم يحصل للغة سواها.

تحية للغة الضاد، ملكة اللغات، وتاج المعارف الإنسانية، ووعاء الأنوار العربية الحضارية!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

 عدنان الظاهر(قصيدتها "إنَّ مع العسرِ فيضك" المنشورة في موقع المثقف العدد 4484 السبت 15.12.2018)*

أقول ما قال قبلي فارس العرب عنترة بن شدّاد العبسي (هل غادر الشعراءُ من مُترَدم) مع الفوارق الكثيرة والكبيرة ذاك أني أحمل رمح دون كيخوتة الخشبي وأمتطي صهوة حصان من أسوأ الخيول نسميه في العراق "كديش" ... يا علماء اللغة: ما أصل هذه الكلمة وهل هي عربية عاربة أم عربية مستعربة أم بينَ ـ بين؟

قال الأخوة القرّاء والشعراء والنقاد ما قد قالوا قبلي في هذه القصيدة، قصيدة السيدة فاتن عبد السلام بلاّن "إنَّ مع العسر فيضك" حتى لم يتركوا لي فُرصة مناسبة لأقول رأيي في هذه القصيدة وفي صاحبتها، لذا سأكتفي بتسجيل بعض الملاحظات، نعم ... ملاحظات وليس نقداً مبرمجاً تستحقه السيدة فاتن وقصيدتها هذه التي استأثرّت بجهد ومتابعة ونقد الكثير من المثقفين وممن يعنيهم أمر الشعر فأحسنوا وأجادوا فيما قالوا وأنصفوا الشاعرة ومسّوا ما رأوا من هنات مسّاً خفيفاً كرَماً منهم وترفعاً عمّا في الهنات عموماً من مثالب وسوءات لا وجود لها أصلاً فيما تنشر فاتن إلاّ نادراً .

قسّمتُ ملاحظاتي كما يلي:

إقتباسات فاتن من القرآن ومن غير القرآن إقتباسات رشيقة ناجحة بدّلت طبيعتها وأهدافها لتنسجم مع الخط الشعري العام للقصيدة . أمثلة :

1ـ ولئن تلاقيتم لأعانقكم                   لئن شكرتم لأزيدنكم (القرآن)

2ـ أنا أحب إذن ... فانا مفقودة        قال ديكارت: أنا أفكر فأنا موجود

3ـ فإنَّ مع العُسرِ غيضٌ

إنَّ مع العسر ... فيضٌ                  إنَّ مع العُسرِ يُسراً (القرآن)

4ـ حتى إزهارٍ آخر                     حتى إشعار آخر

5ـ تبّتْ يدُ الفقرِ وما تُبّت                تبّتْ يدا أبي لَهب وتبَّ (القرآن)

6ـ تُحج من كل وَلَعٍ عميق              من كلِّ فجٍّ عميق (القرآن)

7ـ أتصارخ وا حبيباه              الصرخة الشهيرة وا معتصماه

8ـ وقد أزبدَ الشَعَرُ شيباً                      إشتعل الرأسُ شيباً (القرآن)

9ـ قاب عناقين وقُبلة من اللقاء            قاب قوسين أو أدنى (القرآن)

10ـ فإذا المغرومةُ سُئلت بأي

هوىً صُدِمت                          وإذا المؤودة سُئلت بأي ذنب قُتلت (القرآن)

11ـ لا فكرَ مع الكأس ولا كأسَ

مع الفكر                             قال غوتة: لا حب من غير سُكر ولا سُكرَ بدون حب

من هذه الأمثلة نعرف أنَّ الشاعرة تعرف ما في القرآن معرفة دقيقة شاملة فهل درست علوم الدين دراسات منهجية أكاديمية مثلاً ؟

 تشكيلات شعرية ناجحة مُبتكرة:

1ـ وآهٍ حين تَعنّبَ كرمُ روحي بك فعصرتَ عناقيد اللقيا أنخاب الريح وساورتُ ناطورَ الذاكرة.

في هذا المقطع آثار قوية من أحد أبيات المتنبي التي قال فيها

نامت نواطيرُ مصرٍ عن ثعالبها

فقد بشمنَ وما تفنى العناقيدُ

ثم ما جاء في سورة يوسف وتفسيرهذا لرؤيا فرعون مصر " تعصرُ خمراً " ....

لم يعجبني الفعل تعنّبَ ... ليس فيه أثرٌ أو شئ من سحر الكلمات الشعرية أي أنه إشتقاق فاشل.

2ـ  أوَليس الحبُّ ختان القلوب الضالة ؟

بدل كلمة خِتام قالت فاتن ختان فتبدّل المعنى من جاد أو محايد إلى هازئ ساخر. هل يعرف الحب وتعرف القلوب الخِتان؟

3ـ والقبلة كعبة الشفهات تُحج من كلِّ ولع عميق .

الأصل أنْ تكون الجملة: الشفاه كعبة القُبلة يطبعها المحبون على شفاه الحبيبات.

هذا هو نهج الشاعرة المعروف ولا جُناحَ عليها فالشعراء والشواعر في كل وادٍ يهيمون ... وفاتن ليست إستثناءً. فضلاً عما استعارت من القرآن (من كل فج عميق).

4ـ في الجمل الشعرية الآتية لفتات آيروسية قوية تتخفى في ضبايبة شفافة من الوضوح تنم عن شَبَق جنسي لا تفوته عين القارئ أعني :

يا مَنْ تتمرفأُ مراكبي

تحت أشرعة كتفيهِ

وتتشاطأ أمواجي

مع سواحل زنديه .

الخُلاصة : السيدة فاتن شاعرة بطبع خاص وشخصية متميزة قوية ومثقفة من طراز خاص تتميّز بقدرات على اللعب بالحروف والكلمات صرفاً واشتقاقات جديدة غير معروفة لكنها تنسجم مع قواعد اللغة العربية ولها ما يضاهيها ويشابهها في شعر وكلام العرب السابقين وتحضرني هنا قصيدة (صوتُ صفير البلبلِ هيّجَ قلبَ الثَمِل) وغيرها ونجد القليل حتى في أشعار المتنبي مما يتطلب دراسة خاصة لهذا الموضوع. أفلم يقل المعري " تمجّست الحِرباءُ " أي غدت مجوسية وهو فعل غير مسبوق ؟ أفلم يقل البعض " تبغددَ فلان " اي تخلق بأخلاق أهل بغداد وسلك مسالكهم ؟ أفلم يعاب على المتنبي أنه استعمل لفظة سُداس في بعض شعره ثم قال " وا حرَّ قلباه " فشنّع عليه المشنعون من شلّة الحاتمي في بغداد والصاحب بن عباد ولغوي حلب إبن خالويه ؟ وقلب بعضهم الدنيا على رأس المتنبي لأنه قال " تُرُجُ الشام " بدل أُترج الشام وفي العراق نقول طُرُنج وهي قريبة من تُرُج ... وغير ذلك ليس بالقليل مثلاً : الفعل تفرعن مشتق من فرعون وتصحّر من صحراء وهذا فعل لم تعرفه العرب في الزمان القديم على حد علمي. ألم يقولوا "إستنوق الجمل" و"إستحمر فلان"؟

أتفق مع الأخوان منتقدي هذه القصيدة في أنَّ بعض غرائب مفردات وأفعال فاتن لا يتقبلها ذوق القارئ يجدها ثقيلة على المسامع ولا ضرورة حاسمة لها ويمكن استبدالها بما هو أحسن منها والسيّدة فاتن عبد السلام بلاّن إحدى سيّدات اللغة العربية وربما تجيد العديد من اللغات الأخرى.

 

عدنان الظاهر

http://www.almothaqaf.com/b/c2/933055

 

 

 

  

عبد الله الفيفييقول العامَّة في بعض لهجات جنوب الجزيرة العربيَّة، كلهجات جبال (فَيْفاء): «يا سِيْن على فلان!»، بمعنى: «سلام عليه!».  في معرض الإطراء والمديح.  والتعبير مستعملٌ في (اليَمَن) كذلك، كما في الأغنية الشعبيَّة، التي مِن أشهر مَن غنَّاها: (محمد مرشد ناجي)، و(أيوب طارش عبسي):

نَعـمْ  نَعــــــمْ ذي سُـنَّــــةِ المـحــــبّـينْ  **  لهـمْ مطامـعْ  في الهـوَى مساكـينْ

يا سِـينْ مِن حِـمل الغرام يا ســينْ  **  الله فـي حِـمـــل الهـــوى عَــــــوِيْـــنِي!

فما أصل (سِيْن)؟  وماذا يقصدون بدعائه هكذا: «يا سِيْن»؟

نحن نجد أن (سِيْن) في التراث السامي القديم، والتراث العربي، هو: القمر، أو القمر الإلٰـه، أو الإلٰـه القمر.  بصيغة أخرى: كان اسمًا للقمر بوصفه إلاهًا.  وقد كان القمر أحد الأقانيم الثلاثة المقدَّسة في شِبه الجزيرة العربيَّة: القمر، والشمس، والزُّهرة.  وقد يُطلق عليه أيضًا: (سن)، وأحيانًا (سبن).  عَبَدَه السبئيُّون في اليَمَن و(حضرموت).  كما ذُكِر تقديسه والانتساب إليه في (العراق) خلال الألف الثالثة قبل الميلاد.  وقد تَسمَّى به الملك الأكدي (نارام سين)، حفيد سرجون الأول، (2507- 2452ق.م) تقريبًا. ومعنى اسمه: «محبوب سين». وكذا (ريم سين)، الملك الآشوري، (الألف الثانية قبل الميلاد).  ومن هذا الاسم اشتُقَّ اسم جزيرة سيناء.  

فهل التعبير اللهجي بـ«يا سِيْن»، على علاقة بتلك الجذور الميثولوجيَّة؟

لا يُستبعد ذلك.  ولاسيما أننا لا نعرف أصلًا دِلاليًّا آخر لهذا التعبير.  

وعبارة «الله عَوِيْنِي»: أي الله مُعِيْني.  يقول أحدهم بلهجة فَيْفاء، متذمِّرًا من النهوض بعمل يستثقله: «الله عَوِيْنِي، مِنْذَ عَدْ يَدْيَهْ؟!»  أي: «أعان الله على القيام بهذا العمل!  ومَن ذا عادتْ له يَدٌ أو قُوَّةٌ على القيام به؟!»  أو يقول: «الله عَوِيْنِي عَوْنٍ شديدٍ وقَوْيٍ!»، أي: «أعانني الله عونًا شديدًا وقويًّا!»

والتعبير مستعمل في اليَمَن كذلك، كما في الأغنية الشعبيَّة، المشار إليها.  على حين غنَّاها المغنِّي البحريني (خالد الشيخ) بخطأٍ لَهَجي؛ إذ يقول: «الله فـي حَـمل الهـوى عْـوَيْـنِي!»  وكذلك فعل الفنّان (محمَّد عبدُه) في أحد أداءاته، وحرَّفها في أداء آخر إلى: «الله فـي حِـمل الهـوى يعيني!»  ومع أن المعنى مستقيم، لكنه بخلاف الأصل الذي قاله الشاعر، بحسب لهجته، وهو «الله عَـوِيْـنِي»، كما بَيَّـنَّا.  وأغلب الظن أن التغيير جاء عن جهل باللهجة، بدليل أن أبناء اللهجة نفسها (كناجي وأيوب) أدَّوا العبارة على نحوٍ صحيح.

أمّا عبارة «عُـوَيْـنِي»، فلها معنى مختلف عن «عَوِيْنِي»، وإن اشتركتا في أصل الاشتقاق.  فهي تعني التَّحنُّن، وطلب الإشفاق.  كأن يقول أحدهم: «عُـوَيْـنِي»، أي: «ارحمني وأَشْفِقْ عَليَّ»، أو «عُوَيْنْجَ/ عُوَيْنَك»، أي: «شفقةً بك»، أو «عُوَيْنُوْ/ عُوَيْنَه»، أي: «إنه ليستحق الإشفاق والرحمة بحاله».  وهو تعبيرٌ مستعملٌ في لهجاتٍ أخرى من لهجات الجزيرة العربيَّة. 

نخلص من هذا إلى أن الغِناء ثقافة لغويَّة ومعرفيَّة، سواء أكان بالفصحى أم بالعامِّيَّة، لا يكفي فيه جمال الصوت ولا الموسيقى، ما لم يكن الفنان على وعيٍ ثقافيٍّ بما يغنِّي، وإدراكٍ لغويٍّ لدلالات ما يشدو به من كلمات.

 

أ. د. عبدالله بن أحمد الفَيْفي