محسن الاكرمينللكتابة سحر منهج يفي بغرض الإحاطة التامة بتموضعات الظواهر التاريخية. لبعض مناهج الدراسات بنية خيوط التحكم في كل المتغيرات مهما صغرت دلالتها وفق فرضيات موجهة بأهداف معلومة من أول المنطلق. لما آثرت الاستعانة منذ البداية بعرض جملة أفكار ملازمة بالتكديس؟. لأني، ممكن أن أعتبرها فرضية غير ناضجة إلا بإتمام التفصيل فيما ورد بحقها من المنهج التاريخي.

مغامرة الكتابة وفق نمط المنهج التاريخي الذي يكسر أوهام مسبقة تعشش بيننا بالتداول السطحي ولا ترتضي الإسناد إلى المرجعية التاريخية صعبة التطويع . لكن، محفز ما شجعني على ركب مغامرة الكتابة عن (المنهج التاريخي) هو أني أبتغي فتح نقاش سليم وعقلاني يربط الماضي بالحاضر والمستقبل الذي ما فتئ يجيء بمتغيرات غير متحكم فيها بالتمام . هو أني أطمح إلى فتح نقاش خصب يؤسس لرؤية النقد البناء دون خلفية الهدم التي تسكن البعض منا. هو أني أرى تاريخنا ساكنا لا يكشف لنا عن مفاتنه ولا يضع تفسيرا حقيقيا عن مكاشفة عوراته الماضية السالبة إلا من خلال تفكيك متلازمة المتغيرات وعدم الثقة بأي متغير.

لن نضع المنهج التاريخي في معزل مختبر البحث الفاصل عن المنهج العلمي، لكننا نعتبر معلومات الحاضر كفيلة بفضح رواسب الماضي سواء منها الخصبة أو القاحلة. حين يلعب المنهج التاريخي دور علامات الاستفهام في دلالة التركيب اللغوي. فالمنهج التاريخي يستهويه تحليل المعلومات بالمقارعة واستخلاص النتائج والمتغيرات، ولما حتى الوقوف على متغيرات المتغيرات.

بين المنهج التاريخي والمنهج العلمي، أعتقد بالتوكيد أن هنالك تشابه ضمني في الأسس والتوأمة في البناءات المرجعية، لكن هناك كذلك اختلاف بين في ضبط آليات التحكم، وتوجيه دفة المتغيرات الآتية من الماضي المنفك.

نتساءل، هل الماضي من خلال المنهج التاريخي يتحكم في الحاضر؟، هو تفكير محوري في آية الاشتغال برؤية التحليل المنهجي المقلوبة الذي يصيب اشتغالنا، فحين نريد فهم أحداث الحاضر بمعزل عن الماضي، حين نرى الحاضر إلا نوعا من تجليات مشاكل مستقبل.

لكن وجه الثقة، حين يستعصى علينا فهم أحداث الحاضر وتفكيك منصات المرجعية، فإننا نوثر أن تكون المعالجة للظواهر التاريخية وفق الآية غير المقلوبة. فيها، أولا نحضر المنهج التاريخي حكما لازما لاستنتاج البراهين الدلالية مهما صغر أو كبر حجمها، نرصد طاقة سيولة وعي الاستيعاب الذي يفسر واقع أحداث الحاضر ومدى التأثير على المستقبل الآتي.

نعم نعيش مشكلات وضعية في حاضرنا، نعيش فساد خبرتنا الآتية من ماض غير سليم في تدوين كتاباته المرجعية، حتى في قنوات التحليل والتركيب والوصف. نعم نعيش مشكلات تفكير تلازمنا من الماضي بقوة،حينما لا نقدر على المزاوجة بين (النص والمبدع والمتلقي)، حينما لا نمتلك القدرة على توصيف المشكلات، وتحديد أولويات الحاضر بالترتيب تجاه فهم تجليات الماضي البعيد وغير الأبعد.

هي الحقيقة التي ممكن أنها ضاعت منا جميعا، حين افتقدنا لغة النقد الداخلي، ولغة النقد الخارجي للأحداث التفاعلية. حين أصبح النقد عندنا يرتبط بالرؤية السلبية للأحداث ولا يخرج سالما من منصات الالهاءات عن القضايا الأساس، حين صار البعض منا يركب على سلم النقد ولا يستوفي ترتيب المتغيرات بين الماضي والحاضر والمستقبل للظواهر التاريخية...

 

ذ. محسن الأكرمين (باحة التفكير، رأي قابل للتعديل والتصويب).

 

ضياء نافعهاجرت المعارضة الروسية في اواسط القرن التاسع عشر الى لندن واصدرت هناك – لاول مرّة في التاريخ الروسي – صحيفة ثورية معارضة للنظام القيصري الروسي، وكان اسمها (كولوكل – تكتب كولوكول وتلفظ حسب قواعد التلفظ الروسية كولوكل)، ومعنى هذه الكلمة بالروسية – (الناقوس)، واستمرت بالصدور في لندن – وباللغة الروسية طبعا - على مدى عدة سنوات، منذ العام 1857 الى العام1867، وكانت تصدر باشراف غيرتسن وأغاريوف تمويلا وتحريرا، ومقالتنا هذه – تعريف ليس الا  بهذه الصحيفة الفريدة في مسيرة الصحافة الروسية، رغم انها صدرت خارج روسيا، وبهذا الثنائي الابداعي (غيرتسن وأغاريوف)، الذي لم يتكرر في تاريخ الفكر الروسي، والذي يذكرنا بتلازم اسمي (ماركس وانجلز) في تاريخ الفكر الماركسي، ودورهما معا في مسيرة تلك النظرية، رغم كل الاختلافات الجذرية العميقة والفوارق طبعا من حيث الاهمية والافكار والعصر والمواقع ...الخ بين (ماركس وانجلز) من جهة، وبين (غيرتسن وأغاريوف) من جهة اخرى .

الخطوة الاولى التي بدأت في هذا المجال، هو ما قام به غيرتسن (انظر مقالتنا بعنوان - غيرتسن الاديب والصحفي الروسي المهاجر)، اذ انه اشترى مطبعة روسيّة في لندن، واطلق عليها تسمية رمزية واضحة المعنى، وهي – (المطبعة الروسية الحرة)، ومن هذه المطبعة بدأت تصدر مجلة (النجم القطبي) من قبل غيرتسن نفسه العام 1855، وهذه التسمية ترتبط بحركة الديسمبريين، التي حدثت العام 1825 في بطرسبورغ، وقمعتها الحكومة القيصرية رأسا وبشكل حازم وصارم وشديد، والمجلة تلك كانت تدعو الى (تحرير الكلمة من الرقابة، وتحرير الفلاح من حق الرق والعبودية ..)، اذ ان اثنان من الديسمبريين كانا يصدران مجلة بهذا الاسم بين عامي 1823 و1825، وأضاف غيرتسن على غلافها صورة تخطيطية للخمسة من الديسمبريين الذين أعدمتهم السلطة القيصرية، وبعد صدور العدد الاول من هذه المجلة السنوية من قبل غيرتسن بمفرده، وصل أغاريوف الى لندن، والتحق بغيرتسن، وهكذا بدأ هذا الثنائي الابداعي بالعمل معا طوال حياتهما، وقد توفي غيرتسن عام 1870، فحاول أغاريوف ان يستمر بمفرده بالعمل الصحفي هذا، ولكنه لم يستطع سوى اصدار ستة اعداد ليس الا من تلك الصحيفة. ومن الطريف ان نشير هنا، الى ان تمثالي غيرتسن وأغاريوف يقفان في مدخل البناية القديمة لجامعة موسكو لحد الان (والبناية هذه تقع في مركز موسكو، ويشغلها الان معهد شعوب آسيا وافريقيا)، واحد بالجهة اليسرى والاخر بالجهة اليمنى، اي انهما ظلا متلازمين معا الى الابد.

أثار صدور العدد الاول من مجلة النجم القطبي ردود فعل هائلة في روسيا وخارجها (ومن جملة الذين كتبوا تحية لها الكاتب الفرنسي الكبير فيكتور هيغو)، وهكذا انهالت الرسائل على هذه المجلة، والتي تحمل موادا متنوعة صالحة للنشر فيها، وتنسجم مع توجهها الفكري، وبعد عددها السنوي الثالث، اقترح أغاريوف اصدار جريدة تتابع الاحداث اليومية، والتي لا يمكن للمجلة السنوية ان تتابعها وتشارك في التأثير بمسيرة تلك الاحداث، وهكذا ولدت فكرة اصدار ملحق لمجلة (النجم القطبي)، وأطلقوا على هذا الملحق اسم (كولوكل)، وهي تسمية رمزية دقيقة، اذ ان (الناقوس) وهذا هو معنى الكلمة بالروسية كما أشرنا اعلاه، يعني، انهم يريدون ايقاظ الشعب . الصحيفة كانت شهرية في بدايتها، وتحولت العام 1858 الى الصدور مرة كل اسبوعين، او حتى، ثلاث مراّت بالشهر، وذلك حسب المراسلات واهمية الاحداث داخل روسيا، وكانت عدد صفحات هذا الملحق تتراوح بين (8) الى (10)  صفحة .

اصبحت هذه الصحيفة معروفة جدا داخل روسيا، وقد منعتها الحكومة القيصرية الروسية طبعا، بل انها استخدمت حتى نفوذها لمنعها في روما ونابولي وبعض المدن الاوربية، اما بالنسبة لروسيا، فقد اخترقت هذه الصحيفة الاجواء هناك، وأخذت ترسل نسخا حتى الى الوزراء والموظفين الكبار، لدرجة، ان القيصر نفسه أصدر أمرا تحذيريا لهم يقول فيه – (في حالة استلامكم الجريدة، يجب عدم اعلام الآخرين بذلك، والاقتصار على القراءة الشخصية فقط ..)، ويرى بعض المحللين، ان هذا الامر القيصري دليل قسوة وتعسف، بينما يرى البعض الآخر انه دليل تسامح وتعامل مرن مع الوقائع، وتوجد في الوثائق الروسية اشارة، الى ان القيصر نفسه كان يطلع على هذه الصحيفة ايضا.

  بدأ نجم صحيفة (كولوكل) بالافول منذ عام 1860، اذ أصدر القيصر الروسي في هذا العام قانون تحرير الفلاحين من الرق (ولهذا يسمون القيصر الكساندر الثاني القيصر المحرر)، ثم حدثت انتفاضة الفلاحين البولونيين العام 1862، والتي أيّدتها الصحيفة، بينما كان الراي العام الروسي ضدّها، وهكذا قرر غيرتسن وأغاريوف الانتقال من لندن الى جنيف، حيث تم نقل المطبعة الى سويسرا، وظهر العدد رقم 196 في لندن، ثم ظهر العدد رقم 197 في جنيف العام 1867، وعادت تصدر مرة كل شهر، ثم أعلنوا انها ستتوقف مؤقتا . وفي العام 1858 حاولوا اصدارها بالفرنسية، حيث أعلن غيرتسن، انه (من الافضل الكلام عن روسيا مع الاوربيين، من الكلام مع روسيا)، لكنهم لم ينجحوا، وهكذا توقفت نهائيا العام 1868، وقد حاول أغاريوف  بمفرده اصدارها بعد موت غيرتسن كما مرّ ذكره، ولكنها توقفت بعد (6) اعداد . وفي الذكرى الخمسين على وفاة غيرتسن أعادوا طبعها في الاتحاد السوفيتي (1920)، ثم أعادوا نشرها مستنسخة مع هوامش وتعليقات بين 1962 – 1964، ثم أعادوا نشر الطبعة الفرنسية عام 1978 – 1979، وتساعد هذه الطبعات طبعا دراسة هذا التراث الصحفي الروسي، وتحليل وقائع التاريخ الروسي بلا شك .

ختاما، أود أن أشير، الى ان أ.د. كفاح الجواهري، ابن الشاعر العراقي الكبير، قد أصدر في بغداد العام 2015 كتابا موسوعيا ضخما  بثلاثة أجزاء بعنوان – الجواهري صحفيا، يضم مقاطع مهمة من مقالات الجواهري في صحفه العديدة مع تعليقات حولها، التي أصدرها الجواهري منذ ثلاثينات القرن العشرين، وعلى الرغم من أهمية هذا الاصدار التاريخي، الا انني لم أجد انعكاسا له في وسائل الاعلام العراقية، وقد تذكرت هذا العمل التوثيقي العلمي الكبير، الذي قام به أ.د. كفاح، وانا أكتب مقالتي هذه عن صحيفة (كولوكل) الروسية .

تحية لذكرى غيرتسن وأغاريوف والجواهري، الذين تركوا لنا بصماتهم الوطنية والابداعية في مسيرة الصحافة الروسية والعراقية .  

 

 أ.د. ضياء نافع

 

نحن من كُتب علينا أن نسير على أكف الموت، وأن نسير عبره، نقايضه بكل ما نملك، ليهبنا خطوة واحدة بعد، نحو الحياة.

لفظتنا الحرب، وتقيأنا البحر على شواطئ أوروبا.

الآن المشهد جليّ وواضح، ولا عودة إلى ما قبله في الوقت الراهن "سنقرر ضمنيًّا في ما بعد أن على هذا الوقت الراهن أن يكون طويلًا، جدّا"، في الليالي الأولى يلتحفك الصقيع والضجر والشوق رغم ترف التدفئة والكهرباء والضوء، ستشعر أنك وحدك، تدور تحت بقعة من الضوء كل ما حولك صمت وعتم.

ستدور حول نفسك وحول ماضيك، تتعب فتلقي جسدك الخفيف وحمْل ذاكرتك الثقيل، الثقيل جدّا على سرير مريح ونظيف، لكنه لا يحمل رائحة جسدك.

ستشذّب أظفارك بعد عدة أيام، ستجد تحتهم آثارًا من جدران منزلك، علقت هناك وأنت تحاول "في المنام" جمع الصور والروائح والألوان.

صباحًا وأنت أمام مرآتك، لن ترى وجهك، ستراهم، كل الذين ظلّوا وراءك يحاولون الحياة ما استطاعوا إليها سبيلًا.

تدريجيا، يوما بعد يوم، ستعتاد، لن توقظك الكوابيس كل ليلة، ستهدأ نيرانك شيئا فشيئا، ستمارس الحياة ثانيةً، أو ربما ستبدأ بها للمرة الأولى.

كلما خطوت فوق الطرق النظيفة، بين أناس يقدّسون الوقت وإشارات المرور، و"الكلاب"، فتضحك، لأنك من هناك، من بلادٍ كل ما فيها هباء، بدءا من الشجر ونهاية بالإنسان.

هنا لا يخاف الحمام، تسير المياه على هدي الريح والمطر، ولا يجرح العين لون الدماء، لا يباغتك سؤال الغريب كيف تصلي وبأي اتجاه.

قيل لنا أن أوروبا بلاد الصقيع، وأنك تموت فيها وحيدا، وانسكب في آذاننا أنْ"بلادي وإن جارت علىّ عزيزةٌ"

لماذا تجور كل بلادنا العربية علينا، لمَاذا لم تهبنا تلك الأوطان سوى زواريب ضيقة، وآلاف الأسباب للرحيل.

كيف يحيا أهل هذي البلاد بلا أقبية مخابرات، ورجالات يهتفون بإسم الدين والإنسان، وبلا أطنان من الخيبات.

الشوق، وحدها عباءة الشوق لا نقوى على خلعها، رغم امتلائها بالفتوق والطعنات، كلما انطفأت أنوار مدينة كاملة ونام الجميع بلا ضجيج زاد فيها فتق جديد، وكلما دسّ شاب أحلامه في كفن أخيه الذي قال "لا" انغرست طعنة جديدة.

لم ندرك ونحن داخل المشهد أننا ككل البشر، نستحق الحياة، وأن لنا على الوطن حقوق لا واجبات يفرضها الطغاة فحسب.

هنا في بلاد الصقيع هذه، يلفنا دفء الشعور، شعور الوجود، والجدوى.

هو غرام الحرية والعدالة، غرام الطمأنينة، حيث لا تقارير أمنية يكتبها مرتزقة تذهب بك إلى ما وراء الشمس.

هنا بلاد الانتخابات والتصويت، الحقيقية منها، التي لا يختبأ وراء صناديقها جلادون، ولا تجوع قبلها لتقايض في موعدها المحدد صوتك بلقمة العيش.

نعم نشتاق، للأُنس، لشكوى الناس للناس، والبوح المحرّم في الجلسات المسائية الذي يُقطع دائما بأكذوبةٍ أورثتنا إياها عشرتنا مع قادتنا الدكتاتوريين بأنّ "الجدران لها آذان"

ظللنا نخاف آذان الحيطان إلى أن أصابنا الخرس.

نشتاق أجل، لكننا وقعنا عنوة في غرام الوجود.

أوَ نسمي حياتنا في بلادنا العربية بأقل من العدم، ولا أتكلم هنا عن المادة والمال، بل عن الإنسان، عن حقك في الصمت والكلام والاعتراض والنقاش والسلام والأمان والتفكير والتحليل والنقد والدفاع والاختيار، حقك بالأحلام.

نعم نشتاق ولكننا نكره السجون والمنابر التي تصدح بالأكاذيب وتهتف بإسم الحاكم عادلا كان أم ظالم، ونمقُت الأحلاف والفصائل والأحزاب التي تختلف وتفترق وتجتمع على أذيتنا.

نشتاق، طبعًا لكن مذاق الغربة أشهى من أوطان لا تحترم كوننا بشر ولنا حق الحياة.

يا لهم من محظوظين"أطفالنا" سيكبرون سوية مع أحلامهم، سيكون لهم رأي ووجهة نظر، سوف يجدون من يُصغي، سيحترمون الوقت، والطبيعة، وأنفسهم، لن يتهامسوا إن وجدوا ما لم يسرّهم، لن تتضاءل حناجرهم مع الأيام، لن يرثوا جبننا وانتماءاتنا لمن يبيعها ويشتريها، ولا لعنة استجداء الحقوق، غالبًا سيرثون هموم القضيةو سيبكون على حال موطنهم، لكنهم سيسخرون من الطغاة.

 

علا نادر البطاط

 

 

 

عقيل العبودالكلمة حروف تنام رموشها عند نقطة من الضوء تحتاج الى إستفهام،

تجتمع على بساط واحد،

ينتاب بعضها النعاس،

يفترش الاخر  مائدة الخبز،

بينما يصغي ما تبقى الى قلب، صاحبه اصيب بذبحة صدرية مفاجئة.

......

القلم يرتقي المنبر،

المكان يمشي مع الزمان في سكة واحدة، يرافقه، يحتفي مَعَه؛

لعله يخفف بعض الام غربته- ذلك الظلام الذي ينتظر كوابيسه دائما عند معترك النقطة القائمة في الفراغ.

......

المشاهد لا تختلف عن توليفات، موجاتها تشبه هذا التداخل الذي يحّول تلك الذرات الى نمط تتجانس بعض جزيئات حقيقته الضوئية، لتنشطر عند منتصف الطريق الى العدَم.

......

المسافات لا نهايات محطاتها المكانية يتعذر الوصول اليها؛ تبحث عن ارقام لها مسميات.

......

الحس متسع وجداني ينبض في محيط تلك الصخور،

التي على أعقاب البراكين تهرأت أوصالها، لتنحت امتدادا لا حدود له من المشاهد.

......

الاحزان، فصل يتعاقب الموت فيه مع الحَيَاة.

الحركة، الكيان الجديد نفسه، تلك الولادة التي تنطق بإسم هذا العالم، تحمل انفاسه المتلعثمة على لسان  شاعر يبحث عن فرصة جديدة لإنعاش موته المرتقب.

......

 

عقيل العبود

 

  

تعد الكلمة سرا إبداعيا يختلج فؤاد الكاتب (المبدع)، يظل جوهرها متغلغلا في فلذات وجدانه، وكينونتها أيقونة رمضاء في عقله، هناك تختمر وتنسج إدراكيا، إنها نًوْفُلٌ يغوص فيه المتلقي، ليستبصر ذاته ويستنبط أكوانا وعوالم أخرى، أبعد بكثير من قشور يومياته المعتادة. إذ يكتشف ملكة المبدع، وعمق فكره، وقرار تفكيره. لأن مهجته الحاضرة في المُبدَع تحاكيه عبر الصوت الصادق، والقريحة الحقة، ولنا مثال في فن الكتابة، كُتاب غيروا الواقع بسلاح الحرف ولمعان الكلمة، وكم منهم عرجوا بمسار التاريخ لأنهم ناضلوا بالنص الموصل إلى اليقين والصواب.

فالعمل الإبداعي في بداية أمره يكون مجرد فكرة أو خاطرة، أو حلما من الأحلام الخيالية، بعد ذلك يبدأ في التشكل والنمو والتخلق وفق دافعية تجعله يتحد إما برمز أو بصورة أو إيماءة، حيث يبحث المبدع عن المفردات والجمل والتراكيب المناسبة والمعبرة عن الفكرة التي تجول في خاطره، فإذا سجل الكاتب ذلك في نص مكتوب دخل في دورة العمل الأدبي، فكل ما مر منه الكاتب المرسل من مراحل هو بعينه إبداع.

إذن، فما الإبداع؟ ومن هو المبدع؟

من المعلوم أن المبدع هو ذلك الشخص الذي يفكر تفكيرا إبداعيا، وينتج عن عملية تفكيره عمل إبداعي، وكما يذكر عنه بيكاسو" وعاء مليء بالانفعالات التي تأتيه من كل المواقع، من السماء والأرض، من قطع الورق ومن شكل عابر، أو من نسيج عنكبوت، والمبدع يودع ما يرى أو يسمع أو يقرأ ليتخفف من وطأة الانفعالات  "وازدحام عقله بالرؤى" .

والإبداع بهذا المعنى تجل من تجليات الفكر الخصب، " فلم يعرف "شكسبير" مثلا بهاملت وحده، ولكنه كتب الملك هنري الرابع، والملك لير، وعُطَيل، وماكبث، بالإضافة إلى العديد من المسرحيات والقصائد، كل منها يزخر بفيض من الصور النفسية والوجدانية"، فالمبدع هو في آخر المطاف ذات منتجة، وإنتاجه مثلا للنص الأدبي هو إنتاج لفكر فذ، وتفريغ لمستخلصات العملية التفكيرية.

يعتبر المبدع ذلك الشخص القادر على إنتاج أعمال "غير مألوفة ولا معتادة لدى الكثيرين، كما أن لديه القدرة على الربط بين مجموعة من العناصر برابطة غير تقليدية أو غير شائعة، فضلا عن أن يتسم بمجموعة من السمات والخصائص لا يؤتاها إلا القليلون" . فالإنتاج الإبداعي هو نتاج غير عادي، يمكن تصنيفه في أصناف اللامألوف وغير اعتيادي.

وكذلك فإن ما يميز المبدع، هو استعانته ببوصلة تشد اتجاهه الإبداعي، وله القدرة على تحرير قيود نفسه وفك وثاق فكره من الرتابة الجامدة، "ولا مناص للمبدع من القراءة والتتبع ليرفد عبقريته، ويشحذ موهبته، ويغني آفاق قدرته" .

وهذا مثال واضح وحي يؤكد القدرة الهائلة التي يمتلكها  شخص المبدع، ويتفرد بها عن غيره، " فتوفيق الحكيم يقارن في إحدى قصصه بين الطريقة التي يقرأ بها الأدب، والطريقة التي كانت تقرأ بها بطلة إحدى قصصه نفس القراءات فيقول: (إنها تتم قراءة التمثيلية في ساعة واحدة، وأنا الذي أقرؤها في يومين أو ثلاثة، لكن هماك فرقا واسعا بين قراءتي وقراءتها، إنها تقرأ للحكاية في ذاتها، أما أنا فلا تعنيني حكاية الكاتب بل يعنيني فنه، وسر صناعته وطريقة أسلوبه في البناء وخلق الشخصيات ونسج الجو وإحداث التأثير، إنني أعيد قراءة الفصل الواحد بل الصفحة الواحدة مرات ومرات)" .

فالعمل الأدبي "يتميز بالاستمرارية والأصالة، والمناسبة وفقا لمِحَكَّات المجال موضع النظر" ، ففي الإبداع تتجلى القدرة على تخطي حدود الذات إلى آفاق أوسع وأرحب، لتشكل مرحلة استثنائية يمكن وصفها -إن صح التعبير- بالخارقة.

وبما أن الشخص المبدع حسب "فان جوخ" إنسان يتآكل قلبه من فعل ظمئه الشديد للعمل الإبداعي، فقد ارتبط إبداعه من الناحية السيكولوجية "باحتدام عواطفه التي تتأجج داخله، وتبغ حد الإلهام، فتصل عنده إلى قمتها، وتشرق الفكرة فجأة على ذهنه، ولابد للفكرة الإبداعية من معين تمتح منه، ولكن الإبداع في صياغتها هو الأساس" .

فللمبدعين بصفة عامة مجموعة من الخصائص والسمات الفارقة التي تميزه عن غيره، منها الخصائص المعرفية والعقلية، وكذلك الشخصية بالإضافة إلى الخصائص التطورية.

وتتجلى الخصائص المعرفية في " الذكاء المرتفع، والأصالة وقوة البيان، والطلاقة اللفظية، ثم الخيال الواسع بالإضافة إلى القدرة على التفكير المجازي، والمرونة، والمهارة في اتخاذ القرار، ثم القدرة على التفكير المنطقي" . بالإضافة إلى ثلة من الخصائص الأخرى العديدة التي لا يتسع المجال لذكرها والتفصيل فيها. وكما ذكرنا سلفا هناك أيضا الخصائص الشخصية والدافعية التي تكمن في " المثابرة والميل للبحث، والتحقيق، وحب الاستطلاع، والتنظيم الذاتي، ثم الدافعية الداخلية" .

ثم الخصائص التطورية التي تتجلى في مصاحبة الكتب، وبذل مجهود في ميدان التخصص...إلخ

إذن ومن خلال ما سبق، نستنتج أن المبدع هو شخص موهوب في مجال ما يحبه، ويستهويه هذا المجال، فتعريفات المبدع كثيرة ومتنوعة، وهناك من يستعيض عن وضع تعريف جامع مانع له بوضع بعض السمات و المميزات التي تميز المبدع الأدبي ولعلها:"

- توليد أفكار جديدة وجيدة.

- اكتشاف علاقات جديدة بموقف ما.

- إعادة بناء وصياغة العمل الأدبي.

- الحرص على الصدق الفني في العمل الأدبي.

- غلبة تفكير الناقد على تفكيره.

- رهافة الحس والشعور.

- حسن التأليف بين المفردات، وبين الجمل، وبين التراكيب...إلخ" .

 

 الباحث: أسامة الدواح

...........................

المراجع المعتمدة:

- عبد العلي الجسماني، سيكولوجية الإبداع في الحياة، الدار العربية للعلوم، ط1، 1995م- 1416ه.

- ماهر شعبان عبد الباري، التذوق الأدبي طبيعته- نظرياته-مقوماته- معايير قياسه، الفكر عمان، الطبعة الثالثة 2011-1432.

 

 

في سمفونية عشق الحياة تنبض قلوبنا بعاطفة مبهرة من عدم الى وجود مقلق، ومن شك الى يقين متعب، حتى يتجلى الحق كرحمة ازلية ويوقف سرد ذاتنا الابدي.

ولهذا فوعينا بالحياة يتشكل من لحظات متراكمة مشحونة بالمعنى ومن فواصل لا تحصى تلامسنا خلالها ظلال هذه اللحظات.

فبين بستان العقل ورياض القلوب معاني ودلالات مذهلة وادوار دقيقة لو عكسناها لن ترضينا المشاهدة..... حشد من المعاني مترجم بكفن وكلنا رواحل في ميدان الزمن ومداخلنا شتى.

اللهم انت الاول والاخر، والظاهر والبطن، ونحن منحة من منح عطائك الكثير ومداد قلمك الذي لا ينفد، اجعلنا يا رب ومضة نور وخير في مشهد الحياة القصير . فما اضيق الدنيا اذا اقفرت عن المحبة والخير والتراحم.. عندها ستحرقنا شمس المصائب ويسرف الطواغيت في الهدم، ولم تعد اقدارهم ذلك، ليتميز ما تصنع ايادي الخيرين.

ولحياتنا قصة مثيرة مع ذلك الزمن اللعوب الذي يحتال عليها ويخرجها من دائرة المعنى الى ساحة المتعة والتجاهل في حذف عقارب الساعة واصفارها.... وللغروب في ذاكرتنا حكاية لا يفهم ابجديتها الفراق واللجوء الى زمن العودة.

وفي سياق البحث عن معنى العيش الحقيقي تنساب الاماني في امواج بحار العالم واعماقها السحيقة.... في اللاجدوى والفراغ، لكن في موسيقى مبهرة وحالمة ينصت لها العالم.

وفي المقابل تمر بنا لحظات صادقة، كثيفة المعنى، بالغة التوتر، تختزل فيها التفاصيل وتتوهج فيها البصيرة وتتالق الروح حتى كان العالم سكن القلوب فلا نقوى على القول الا بالاشارة.

والايام تسبقنا عبر الزمن، نعانيها بالم ونعاينها بامل.

حكم المنية في البرية جاري               ما هذه الدنيا بذات قرار

بينا يرى الانسان فيها مخبرا              حتى يرى خبرا من الاخبار

طبعت على كدر وانت تريدها            صفوا من الاكدار والاقدار

ومكلف الايام ضد طباعها                متطلب في الماء جذوة نار

فالعيش نوم والمنية يقظة                 والمرء بينهما خيال ساري

ابيات معبرة تظهر حقيقة الظلال على جدران كهف الحياة في تلاحم وتناغم عقلاني وجداني مخيق.... تصوير بليغ مبهر لا مجال للنسبية فيه ولا استثناء ولا الرجاء بحياة طويلة او خالدة، وليس لنا في هذه الدنيا وايامها الفوارس السريعة سوى اختزان الذكريات التي لا يمحوها غبار العاديات من الايام والاعوام.... نعيش بضع لحظات وبعض اوقات في غمرة انشغالنا باللحظة الحاضرة المتتابعة واحداثها المتسارعة ونائباتها الخيول. وربما عبر عن هذا الحال قول المعري:

غير مجد في ملتي واعتقادي                    نوح باك ولا ترنم شادي

الى ان ندرك ان كل شيء اذا اقترب من نهايته زاد من سرعته، وان حياتنا في هذه الدنيا تقترب من نهايتعا سريعا بحكم القدر، لا يبقى شيء بل وكان شيئا لم يكن، وكان الدنيا باسرها زمن ساعة تعارف الناس فيها، عاشوها ثم انقضت......

خفف الوطء ما اظن اديم الارض                   الا من هذه الاجساد

ثم تنطق الاضداد بما فيها الحياة والموت...

فرب لحد قد صار لحدا مرارا               ضاحكا من تزاحم الاضداد

استشعار مرير، فنحن في النهاية من سيموت ولا يبقى الا الاثر..... مسبقا نحن نعيش حياة الموت... نعيش لنموت.. نمارس العيش الافتراضي وفي الواقع لسنا احياء بل اموات في هيئة نيام... نلهو نلعب نعبث نضحك نبكي، تداهما الرغبة الملحة في توافه الاشياء، نعيش استهلاك الزمن يوما او بعض يوم، ولا نلبث الا قليلا. فالحياة ارخص من بعوضة، واقل شانا ووزنا من حناحها. حتى تفاصيل عيشنا غائبة الا انها مستمرة في المظهر لاتزال ترفدنا بذاك الزمان وتلك الامكنة الحالمة، وحديث شوقنا لها شبيه بنبرة الحب في اصوات الصوفية. وما سؤال القدر  الا سؤال تأملي مثير يفتح حوارات وقناعات تقلب ما الفناه، وتدعونا للنظر في لون الحقيقة تلك التي يغيب فيها كل لون، حتى البياض لون التصالح مع الزمن، ذلك البحر الذي نقطعه ونحن نحمل أعباء حريتنا على اكتافنا ... نلجم جواد أمواجه الجموحة لنكتب سطورنا على صفحاته في كتاب الزمن، كتاب من؟ ومتى القلب في خفقانه اطمان ؟؟؟؟!!!!

كيف يمكن لبياض قلب الحقيقة أن تقدم نفسها للعالم دون إخضاع لعملية تجميل قسرية في صالات تشريح النص واستءصال المعنى بأيدي أمهر لاعبي التفكيك العالمي المعاصر بهدف تقويض نماذج الحضور التي تستند إليها الحضارة الإسلامية بما يسمح بظهور بدائل حضارية وازاحة النص الديني للانخراط في عوالم المعاني المتخيلة والهوامش المربكة في عقلية الإنسان الغربي. .. يصطادون سمكنا على حافة ما كان نهرا وجف!!

وها انا قد نقلت مخططا حقيقيا: وناقل الكفر ليس بكافر..

هكذا يبدوا العالم وكانه صراع بين نجدين بين ضدين. فمتى يأتي اليوم الذي تتوحد فيه وجوهنا شطر أنفسنا... فلا صفاء والقلب اسود لا يرى غير الرفض والنكران... لون رفض الحياة وفي المقابل التميمة ضد الزمن. ضد من!؟

ومتى القلب مع العقل اتزن؟!

أوصلنا منطق الفوضى الامريكية إلى مرحلة المابعديات التي عكست جليا أسوأ المراحل التي مرت بها البشرية وهي تجوب الفضاء الخارجي عبر الكبسولة الكونية العجيبة وهي تبحث عن جزيرة الأمل الرافضة لشتى أشكال وصور الفوضى والعدم!.. فيا لعزاءنا هذا من عزاء!!!

يتحدثون عن الصدفة وما يهلكهم الا الدهر ونحن نتحدث عن الواحد الذي وحد الممكنات، فنقول:

الممكنات المتقابلات

                           وجودنا والعدم والصفات

أزمنة أمكنة جهات

                         كذا المقادير روي الثقات

ختاما: اختلفت الحريةمع القدر في كون الإنسان مسيرا ام مخيرا، فالحرية تقول انه مخير، والقدر يصر على انه مسير، وبعد جدال طويل احتكما الى العدل الذي حكم ببراءة القدر وعاقب الحرية بنفيها من دائرة الخدمة والشؤون الإنسانية، قائلا لها، كلنا يعرف أن الإنسان مخير لكني اعاقبك لأنك جادلت القدر. فذلك ميزان الوجود دقيق.يروى

ان النبي صلى الله عليه وسلم خط خطاً مربعاً، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه، وخط خططاً صغاراً إلى هذا الذي في الوسط، من جانبه الذي في الوسط، وقال : هذا الإنسان، وهذا أجله محيط به، وهذا الذي هو خارج : أمله، وهذه الخطط الصغار : الأعراض، فإن أخطأه هذا : نهشه هذا، وإن أخطأه هذا : نهشه هذا...

إنه الإنسان الضعيف تغزوه الأعراض غزواً فيه إلحاح .  تأديب أي تأديب.

فإن أطال النـَفـَس: اقتص منه الموت {قل إن الموت الذي تـفرون منه فإنه ملاقيكم} تعددت الأسباب والموت واحد، يحاصر الأمل الشارد الذي يتوهم الإفلات حصاراً شديداً .

أمل أبيض وضاء، كلما برق: زهت في نظر صاحبه الأموال،  والقـصور، والمناصب، والشهادات، فينسى مع نظره المنسرح المسترسل حقيقة وجوده،

لكنه لو نظر ببصيرته لعرف أن أمله الوضاء إنما يـلـفه محيط أسود حالك، يتيه فيما دونه من الظلمات .

فهو ترقب جميل، لكنه يتـنغص .

وظل ظليل .. لكنه يتـقـلص .

ومطامع وراء الأودية والمفاوز، وليس هو لما قـدر له بمجاوز .

وأنفاس قبل كل ذلك .. تـعد .

ورحالة .. تـشد.

وعاريته .. تـرد .

والتراب من بعد .. ينتظر الخد

فإنه ليس عقبى الباقي غير اللحاق بالماضي .

وعلى أثر من سلف .. يمشي من خلف .

وما ثم إلا أمل مكذوب وأجل مكتوب .

 

أ. م. د سامي محمود ابراهيم

كلية الآداب جامعة الموصل العراق

 

سعيد مقدمكل سنة تدعو البلدية التجار من خارج الأهواز ليقيموا معرضا للمأكولات والبضائع والكتب في المحمرة وباقي مدن الأهواز.

وفي هذا العام أقيم المعرض في أكثر من ستين حجرة جنب الجسر القديم، زرته في أول يوم عرضه؛ ولفتت انتباهي حجرة الكتب فحنفت صوبها.

كان البائع شابا ثلاثينيا سمينا يرتدي قميصا أسود، سألته بلغته إن كان لديه كتب عربية؛ فقال لا.

اقترحت عليه بعد أن تكلمنا قليلا أن أجلب له كتبا عربية يكسب من بيعها 30 بالمئة، فقبل مكرهًا، وكأني جعلته في موقف حرج خلال محادثتي معه فصعب عليه الرفض.

وحسب تجربتي من بيع الكتب، لم أحضر له سوى 10 نسخ من كتبي، وطلبت منه أن يتصل بي فور نفادها.

زرته بعد ثلاث ليال فقال: لقد نفدت الكتب في نفس الليلة الأولى. ونظرا للاستقبال المكثف على المعرض كان من الطبيعي أن تنفد بسرعة.

خاطبته معاتبا: ولمَ لم تتصل بي لأزودك بنسخ أخرى؟!

فقال: كنت مشغولا جدا!

استغربت وكان المعرض يستقبل الزوار عصرا وليلا، ولدى الرجل الصباح بأكمله ليتصل إذا كان يريد الاتصال حقا.

زودته بعشر نسخ أخرى؛ لكنه تململ وقبلها في إكراه ثانية.

وعندما رحت أتفقد الكتب بعد ليلتين، لم أجدها على بساطه، وهذا يعني أنها بيعت، ولم يتصل بي!

في المرة الثالثة ورغم أن المعرض أقيم لأسبوعين كاملين، رفض أن يتقبل الكتب! واستغنى عن الثلاث مئة ألف ريال التي يستطيع أن يكسبها في ليلة واحدة وقال معتذرا:

البساط لا يكفي لعرض الكتب. بينما كنت أرى مساحة شاغرة تتسع لكتبي وكتب غيري أيضا!

لا أريد أن أتهم الرجل بالعنصرية وكره لغتنا؛ والحقيقة إن رفضه لعرض الكتب العربية يأخذك إلى حدود اليقين في هذا الادعاء؛ وإنما أريد أن أؤكد على أهمية وجود المعارض للكتب العربية في المحمرة وفي باقي محافظاتنا والتي نفتقر إليها فقرا مدقعا.

ففي غياب هذه المعارض كيف يستطيع الكاتب أن يبيع كتبه؟! ودور النشر في الأهواز لا تسوق كتب الكتّاب.

وكيف يستطيع القارئ الأهوازي أن يعثر على الكتب التي يريد؟! ومدينة المحمرة محرومة من أي مكتبة عربية أدبية.

وإقامة المعارض للكتب مسؤولية تقع على عاتق دائرة الإرشاد بالدرجة الأولى، وعلى عاتق الشباب المثقفين المهتمين بالدرجة الثانية، شرط أن تتعاون دائرة الإرشاد معهم فتغلق الأبواب التي تهب منها ريح العنصرية والحقد للغة الضاد، وتفتح لهم المجال وتهيئ المكان وتدعمهم بالمال. ولا شك أن هناك ميزانية لدى دائرة الإرشاد مخصصة لمثل هذه الأغراض.

أقول هذا لأن في العام الماضي أقيم معرض للكتاب في مدينة عبادان من قبل المنطقة التجارية ودائرة الإرشاد، فاتصل بي أحد الأصدقاء لأعرض كتبي هناك؛ لكن شخصا غير عربي يدعى قنواتي ويبدو أنه رئيس قسم الإرشاد في المنطقة التجارية مانع عرض الكتب العربية في المعرض لأسباب عنصرية ليست إلا.

 

سعيد مقدم أبو شروق - الأهواز

 

شاكر فريد حسناهدتني الشاعرة المنداوية الجليلية الفلسطينية مقبولة عبد الحليم، مجموعتين شعريتين لها، هما "عبق الصنوبر" و"نشوة النخيل"، وكان قد صدر لها بالاضافة لهما "لا تغادر، قصائد تبحث عن وطن، لمسات على خد الصباح، وفي عينيك تكتبني القصيدة". وهي بصدد اصدار ديوانها السابع.

ومقبولة تكتب على محورين، المحور الغزلي العاطفي، والمحور الوطني، مع أن الغزل والرومانسية تغلب على قصائدها.

وأكتفي الآن بالتوقف مع ديوانها الاخير "نشوة النخيل"، الذي لا يختلف بموضوعاته ومضامينه وأسلوبه وصوره عن قصائد دواوينها السابقة، فهو استمرار لديمومة وسيرورة خطابها الشعري الذي تميزت به من ناحية التعبير والبوح والصياغة والشكل الفني ، والتزامها بالعروض والقوافي والاوزان وأسس القصيدة العمودية وشعر التفعيلة.

جاء الديوان في ١٢٣ صفحة من الحجم المتوسط، وتصدرته كلمة عن " المقبولة " كتبها د. عبد السلام البسيوني، وأهدته الى " الذين يقفون خلف الحرف في احساسي، ويمنحونه القدرة على أن يفوز، ويصير على ثغري الندي قصيدة ".

ويبدأ بقصيدة "نشوة النخيل" الذي تحمل عنوانه، وتنتهي بقصيدة " سلطانة ".

ويضم الديوان ٦٢ قصيدة كانت كتبتها في السنوات الأخيرة، وجاءت مضامينها، على تنوعها، ضمن خيط واحد، وبقالب شعري فني مألوف لها من حيث الشكل والأسلوب التعبير، والاعتماد على الصورة الشعرية الحسية بشكل متماثل ومتذاخل تمامًا مع المعنى المجرد الذي تبتغيه.

وقصاند الديوان مجدولة بتلابيب العشق كالمقلوبة، مجبولة بالاحساس المرهف، والخيال الشعري، نبرتها عالية، نشم فيها عطر التراب ورائحة البحر وأريج الورد والريحان، ونسمع من خلالها همسات العشاق والمحبين، وهمس الفراشات، وتغريد العنادل، ونلمس الأنا المتضخمة الطاغية حتى درجة النرجسية.

فهي نصوص نضجت على نار هادئة، تحمل في ثناياها العذوبة والرقة وسلاسة التعبير وشفافية الروح وجمال البوح. وتتناول موضوعات مختلفة بحس مرهف وعاطفة جياشة، فيها حب وغزل ومناجاة ورومانسية حالمة وهمسات دافئة، وفيها حزن وبكاء ورثاء،  وموغلة في الوصف ، واخرى وطنية تحاكي القضية والواقع.

ومن قصائدها في الحب والغزل التي استعذبتني قصيدتها " ليس الشهد فاها "، التي عشت بين حروفها وتفاعلت مع معانيها وكلماتها المدهشة الدافئة، حيث تقول:

سلوا قلبًا تدله في شذاها

سلوه، إذ بها عشقًا تماهى

سلوه حين ينبض أو يغني

ويطلق عشقه آها فآها

يغازلها ويكتب في بهاها

قصيدته التي طرب شداها

لتعرف كم بها تيها وعشقًا

براه الوجد كي يأتي وراها

يسائل طيفها: هل سوف تأتي

وهذا القلب أغرق في هواها

مهاتي لا ترى أني عميد

أذوب بلحظها لا في سواها

فهل تدنو ليكتمل انبهاري

وأثمل صبوة لما أراها ؟!

رآها بعد سهم أرسلته

وأقبل سعده لما رآها

وكانت حيث ذاك النهر يجري

تراقب بفيض من هواها

فقالت بالاشارة: أنت عندي

محل النبض والأنفاس يا ها

ومقبولة عبد الحليم هي ابنة الزيتون، الأرض عنوانها، ومهد الحضارة، والقدس قصيدتها، لا تستهين بالحرف وتصوغه من حبر القلب، وهذا ما عبرت عنه وأشارت اليه في قصيدتها " وأني ابنة الزيتون ".

وفي مراثيها نستشف ألم الفراق، ووجع الرحيل، وشوق البعد، حتى درجة التأثر والانفعال الشديد والبكاء، فلنسمعها وهي ترثي خالتها وتناجي روحها الطاهرة في قصيدتها " أو ترحلين " :

ووجهك البدر الذي

ما غاب يومًا عن ظلالك

ما زال يبسم للصباح

فتشتكي منه الورود

تغار من وهج السنا

من حسن حالك؟!

أوترحلين

وفي شرايين الدنا

شريانك الحاني

وفي عين المدى

ما زالت الأنداء ترسم للعصافير السعيدة

لحن فجرك وانثيالك!؟

وتنشد مقبولة للقدس، وتتوجه باهداء للمرابطين في الأقصى الشريف، وذلك في قصيدتهيا " بالقدس لميني "، و"باب العامود"، فتقول:

من ذا يلملم دمعة الأقصى المهيبة

اخبريني

وامسحي عن لحظ عيني الغشاوة

وانثري حرفي

على كل المعابر

كي تراه الريح

عل الريح تحكي لي

مجيبة هيا اكتبيني

وتخاطب الحرائر اللواتي وقفن بكل عزة ومجد وشموخ بباب العامود ورفعن النداء وصغن ملحمة الكرامة، فاليهن تكتب حرفها وزهر القصيد، وبهن تعتز وتفتخر، فهن " أرقى وأنقى من الساكنين قصور الرياء ".

وتطغى " الأنا " على العديد من نصوص مقبولة، حيث تكررها وتستخدمها بكثرة ، كقولها مثلًا:

أنا لا الوم الروح لو رقت اليك

وأتتك مثل الهمس كي تغفو لديك

أنا قد وهبتك كل ما يحوي دمي

تلك المحبة ريها من أصغيرك

أنا لا أبالي لو سبتك خميلة

ستعود حتمًا .. والسراب براحتيك

فلا حاجة لذلك، وكان بالامكان الاستغناء عن استخدامها في هذه الأبيات، ولكن على ما يبدو تعمدت توظيفها لغاية في نفسها.

وفي قصيدتها " فرس الرهان " يتبدى اعتدادها بذاتها، فهي تحكي وتتحدث عن نفسها حتى التعبد في محراب عشق الذات، فتقول أن " المقبولة " هي من روضت شمس القوافي، وأنها خنساء العصر، تحلق في سماء البوح، ويغار النجم منها إذ يراها، وانها فرس الرهان.

واللافت للانتباه كثرة الصور في الديوان، وباعتقادي أن هذه الصور لا حاجة لها، فالديوان ليس صحيفة ولا مجلة، فلكل مقام مقال، وهذه الصور أثرت وانعكست سلبًا  على الاخراج الفني للديوان، حيث كان يمكن اخراجه وطباعته بصورة أفضل.

وفي سياحتنا بين صفحات الديوان نلتقي قصائد متعددة، متشحة بالحزن والأسى، وأخرى تصطبغ بالحب والتفاؤل والأمل، والتركيز على الذات، تتفاوت فيما بينها من ناحية الجودة والجمالية الفنية، وتعول فيها مقبولة على استخدام أدوات شعرية متنوعة لتجسيد رؤيتها وخطابها الشعري. ونلحظ أن أدواتها امتزجت بابعاد رؤيتها، ومن تلك الادوات استخدام اللغة الحسية الحية الرشيقة، والصورة الشعرية الخلابة، والايقاع النغمي، والحوار الشعري، والتمسك بالبناء الهندسي الفني القديم للقصيدة.

واستطاعت مقبولة عبد الحليم عبر متخيلها الشعري أن تحول الحانها إلى الحان عذبة وشجية، ينبعث منها الحب والأمل والدفء ونبض القلب ووهج الروح.

فلها تحياتي وتمنياتي لها بالمزيد من العطاء ومواصلة مشوار الكتابة ولكن بدون " ايغو " عالي.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

حسن زايديعد الكاتب الأمريكي الرومانسي إدجار ألان بو من أخصب معاصريه من الكتاب خيالاً، ومن أكثرهم تمكناً من فنه، وأرسخهم قدماً في الشعر والنقد والقصة . ومن يسمع بذلك يذهب به الظن كل مذهب حول مستوي المعيشة التي كان يحياها صاحبنا، من رغد في العيش، وترف في النعيم، وتمتع بأسباب الحياة، توفر ما يتيح له الترفل في نعيم الأدب . ولكن الحقيقة كانت تجري في حياته علي خلاف ذلك . فهو قد وُلِد لأبويين ممثلين عام 1809م . هجر أبوه والدته تاركاً لها ثلاثة أطفال، ظلت ترعاهم حتي لحقتها المنية وهي لا زالت شابة صغيرة . وكان بو لم يبلغ الثالثة من عمره بعد، حين وجد نفسه وحيداً بلا أب ولا أم .

رق لحاله من صغر سنه، ووحدته بعد فقد أهله، وفقره، أحد الجيران فكفله، فكان عوضاً له عن الأب الذي فقده بهجرانه، وأغدقت زوجته عليه من عطفها وحبها ما يعوضه فقدان أمه، التي اختطفها الموت في شبابها، مفقداً إياه حضنها ودفئها وحنانها وحبها .

وقد اصطحب الزوجان صاحبنا برفقتهما، عند انتقالهما للعيش في انجلترا، وهناك تلقي تعليمه في مدارسها، علي مدار خمسة سنوات . وعند عودتهم إلي أمريكا إلتحق بجامعة فرجينيا لاستكمال تعليمه . ولكن سرعان ما تبدل الحال وتغير، وأعطت الدنيا ظهرها له، علي غير المتوقع والمرتجي منها . فقد بدأت يد الرجل في الإمساك عن الإنفاق عليه، وأضحت مغلولة إلي عنقه، غير مبسوطة في الإنفاق . الأمر الذي أصاب صاحبنا بالسخط والمرارة والضجر، ولكن ماذا عساه أن يفعل؟ . فقد وجد نفسه واقعاً بين شقي الرحي، شق يتعلق بحاجته الضرورية والملحة في الإنفاق علي احتياجاته ومتطلباته بعد أن ضُيق هذا الباب تضييقاً من جانب الرجل الغريب الذي يكفله تطوعاً، وشق متعلق بفقدان الأب الملتزم بالإنفاق علي نجله فقداناً .

وللخروج من هذا المأزق، وفي محاولة للفكاك من هذا الضيق، وإيجاد متنفس للحياة، وبصيص أمل للنجاح، اضطر إلي الإقتراض، بل وإلي المقامرة، وذلك بقصد الحصول علي بعض الأموال اللازمة لمواجهة تكاليف الحياة، ولو بالكاد . إلا أن سوء الطالع ظل ملازماً له، ملتصقاً به، يأبي عليه المغادرة له . فقد كان يخسر دائماً عند لعب القمار، وظل يدور في دائرة الفقر الجهنمية، وتطارده الديون مطاردة الوباء الذي لا أمل في الشفاء منه . وقد رفض الرجل الذي تكفل به سداد ديونه، بل ورفض استمراره في الدراسة في الجامعة وهو لا يزال في السنة الأولي، مما اضطر صاحبنا إلي ترك الدراسة تحت وطأة الضغط النفسي والمادي الذي تعرض له . وعلي إثر مشادة وقعت بينه وبين الرجل، غادر البيت . وهنا فكر في الإلتحاق بالجيش، في محاولة لانتشال نفسه من دائرة الفقر، بعيداً عن ضغوط الحاجة لمن ينفق عليه .

استمر في خدمة الجيش لمدة عامين، بعدهما جرت مصالحة بينه وبين الرجل، فلان قلب الرجل تجاهه قليلاً، في مصالحة من النوع الفاتر، وعلي إثرها تم إالحاقة بالكلية الحربية . إلا أنه لم يستمر فيها إلا قليلاً، لأنها كانت باهظة النفقات علي نحو لا يحتمله الشح الذي اتسم به الرجل، وبانت دلالته أيام الدراسة بالجامعة، واستمرت أيام الكلية الحربية من ناحية، والصرامة التي يتسم بها نظام الكلية الحربية علي نحو لم يحتمله صاحبنا، الذي أحس أنه ما خلق إلا ليكون شاعراً، وتلك موهبته التي عزم العقد علي ممارستها حتي ولو كلفه ذلك الجوع والقهر والموت . ولكن المشكلة أن كافله كان رجلاً عملياً صعباً، لم يرقه الشعر، ولم يستسغه، ولا يجد في نفسه ميلاً لامتهان صاحبنا حرفة الكتابة .

وقد كان ذلك سبباً، إلي جانب عوامل أخري، في انقطاع الصلة بشكل نهائي بينهما . عندئذ قرر صاحبنا الاعتماد علي قلمه للتكسب وتوفير لقمة العيش، خاصة أن فوزه بجائزة عن قصة كتبها، قد أعطته الثقة في نفسه، وجعلته يعقد العزم علي اتخاذ الكتابة حرفة له . وقد بدأ وهو في السادسة والعشرين من عمره بالإشتغال في التحرير الأدبي في المجلات، وسرعان ما أثبت أنه صحفي نابه وكفء ويقظ، استطاع أن يجتذب القراء إلي مجلته اجتذاباً، وذلك من خلال مقالاته النقدية وقصصه وأشعاره . وقد جعل من مجلته، بعد أن كانت مجلة مغمورة، إحدي كبري المجلات في حينه .

وقد أدي نجاحة في مهنة الكتابة إلي رواجه المادي، مما دفعه إلي التفكير في الزواج، فلم يتردد في اتخاذ هذه الخطوة، فتقدم للزواج من ابنة عمته، وكان عمرها الرابعة عشر ربيعاً، أي يكبرها باثنتين وعشرين عاماً . وبعد عامين من الزواج جعل يتنقل هو وزوجته من مدينة إلي أخري حتي استقر به المقام في إحدي ضواحي العاصمة، بعد أن أصيبت زوجته بالسل، واشتداد المرض عليها، حتي فتك بها، وقضي عليها الموت .  

كان صاحبنا قد بلغ الثامنة والثلاثين من العمر عند فقد زوجته، ويبدو أن فقدها كان أليماً،حيث فت في عضده، وأشعره بالوحدة الموحشة الأليمة، وترك بداخله فراغاً موجعاً مفجعاً في آن . وفي محاولة منه لمداواة جروح الفراق والفقد، انتقل بحبه الجريح من امرأة إلي أخري، ظناً منه أن هناك إمرأة تعوض ما فقده من حب ورعاية الأم، التي غُيِّبت عنه بالموت، أو تعوض حب إمرأة فقدت بالموت وهي تحبه . إلا أنه يبدو أن الحب الأول قد أخذ منه مأخذاً تركه مستشعراً للإعياء البالغ المُنْهِك، الذي يخلف اضطراباً حاداً في الوجدان، لا يستقر معه علي حال .

وأخيراً استقر به المقام علي حبيبة صباه، التي كانت قد فرق بينها وبينه زواجها من رجل آخر، وقرر أن يتزوجها لعلها تكون سبباً في شفائه من أوجاعه، واتفقا معاً علي الزواج . إلا أنه قبل أن تدق الأجراس معلنة إتمام الزواج  بثلاثة أشهر، وجد صاحبنا في إحدي الحانات، فاقد الوعي، شاحب الوجه، أشعث الشعر، رث الثياب، وفي إحدي المستشفيات ظل راقداً أربعة أيام علي حاف الموت، يهذي متمتاً بكلمات غير مفهومة، وعبارات دالة علي الندم، ويتحدث عن زوجها تركها وراءه، ويتحدث إلي أشباح علي الحوائط، بعدها استقر في قبره وهو ابن الأربعين عاماً .

 

حسن زايد

 

أي عذابٍ أكبر من صراخٍ بلا أصوات؟ وأية غصةٍ أكثر ألماً من بكاءٍ بلا دموع ؟ وأي جرحٍ أعمق من موت عاشق قبل أن ينطق شهادة الحب؟

لم أعلم قبل اليوم بأن للأموات مراتب،  لم أكن أعرف بأن هناك من يتجول بيننا دون أن نراه،  يحادثنا ويناشدنا لكن بلا جدوى!!

نلتفت ويركض ليقف أمامنا من جديد لعل حركة ما أو فعلاً أخر يزيح ذلك الغشاء الحاجب بيننا ونراه،  نمضي بخطوات على رؤوس أطراف الأصابع ليلاً كي لا نحدث أصواتا توقظ النائمين،  جاهلين بأن هناك من الأموات أرواحاً تجالس السلالم والممرات تنتظر من تحادثه أو بالأحرى تنتظر شخصاً ما فقد إشتاقت لرؤيتنا.

وحدها النجوم من تضفي لتلك السماء السوداء بريقاً يأخذك لمعان واحدة ويستقطبك آخر أجمل منها لتجد نفسك بين النجوم تائهاً لعلك تكحل عينيك اليوم بطيف ذلك المحب الغائب.

سنعتاد العيش كما لو كنا بين أسوار القلعة عبيدا لأولئك الحكام والملوك،  فالعشق الأزلي حكاية لايفهمها إلا من يعشق تلك الأشياء القديمة ذات الروائح الغبارية التي نسجت فوقها خيوط العناكب بيوتاً لأنها تروي العذاب بين سالف العصر والزمان،  بل هي رواية صمم غلافها على وقع جروح أظافر تلك الشقية.

من منا لم يشتق يوماً لوجوه فارقت الحياة؟ من منا لم يبتسم لرسم ترف السعادة في ذكراهم؟ ومن منا لا يحلم بعودة الزمن لتصحيح الأخطاء؟

فراقهم أيام نعدها وكأنها لحظات صمت ترجو موعد الرحيل أن يقترب وعيون تراقب المحيط لتصوره بحكاية ضيف على مشارف سكة قطار وداع الحياة يلقي علينا السلام فيغرب ليخبرنا بأن جمال الأرض لم يعد يعنيه فأجمل منها قلوب تبلورت تحت حبات الرمال وأرواحٍ أخف من جنح الفراشة تكاد ألوانها تمحى حينما نمسك بذلك الوهم وتغرب فما لنا من واقع ملموس إلا بتلك الأنامل وهي مصطبغة بغبار الذكريات.

ذكريات ليس إلا فالقلب يطرب لوجع الماضي حتما والماضي لا يعود وأشخاص غادروا الحياة محبين وآخرين مازالوا بها كارهين.

أية لعنة هذه وأي جرم قد إرتكبناه كي نولد بقلوب لا تعرف طعم الحب وأخرى متسكعة به مخنوقة تحت المقابر.

 

داليـا احمد

 

رشيدة الركيكعندما تنكشف الذات عن نفسها مستفسرة سر نكوصها، قارئة لأوضاعها بكل أبعادها بشكل جديد، منسجمة مع مكوناتها من عقل وفكر وعلم، ثم روح وكيان نفسي له حمولته العاطفية، وعمق وجودي غير منفصل عن كيانه الاجتماعي في شكل ذاكرة جماعية لها حمولتها وشحناتها من طابع خاص.

حينما تنكشف الذات عن نفسها باحثة عن عمقها التاريخي، تجد ماض تنفعل به. ماض وإن انتهى العمل فيه لم ينته التأثر به. ماض يحكي الإنسان عنه وعن أفعال ما كان لها أن تكون، ليظهر فصاحته الحاضرة في زمن مضى ولن يتكرر إلا على مستوى الذاكرة في نوستالجيا كمورد نفسي، اعتبرها المختصون آلية دفاع يستخدمها العقل لرفع المزاج وتحسين الحالة النفسية دليل على الاستمرارية والتطابق مع الذات.

لا يمكننا أن ننكر أننا مخلوقات زمنية، تعيش الماضي في حنين على شكل تفكير مصحوب بإحساس لن ينقطع، تتحرك قدرة الإنسان على التخيل فيرى الصور من جديد في شكل تصوير سينمائي داخلي لحياة مضت ولن تعود بل نسافر إليها ،سفر له خصوصيته باعتباره سفر عبر الزمن بدون قيود أو تذكرة.

ونعود للحاضر باعتبارنا فاعلين فيه، نغير الأحداث. لنا فيه القدرة على القبول و الرفض أمام كل ما يعرض علينا، لكن دون أن ننسلخ عن ماض صوته مسموع بداخلنا، وننصت له بكل  جوارحنا بين الحين والآخر، وكأنه أنا آخر يسكننا و يتعقبنا ويفرض نفسه علينا باعتبارنا عبيدا له ، فيتجسد في كل قراراتنا في حالة من الاستسلام دون أي قدرة على الخلاص.

نعم يمتلكنا الماضي قهرا وغصبا وعنوة، حين نتخذ مواقف  بناء على تجاربنا الماضية، هكذا يعيش الإنسان اتصالا مع نفسه في شكل تاريخ فردي كان أو جماعي، ولن يتسنى له ذلك دون حضور تصور لحياة مستقبلية، لتحركه هذه الرؤية المستقبلية أو تلك اليوم بناء على أحداث ماضية في شكل استحسان أو استهجان.

والأمر سيان بالنسبة للفرد أو المجتمع، تتشكل الرؤية المجتمعية الحالية لديه في ارتباطها بماضيه إن كان بعيدا فالذاكرة الجماعية تقربه، أما إن كان قريبا فإنها تعمل على إحيائه من جديد.

 

هكذا تجتر المجتمعات تاريخها من منظورها المجتمعي، بالكيفية التي عاشته في ارتباطه بكل جوارحها وأحاسيسها، فيعيش الإنسان الأحداث لا من منظورها العلمي أي في إطار ما ينبغي أن يكون، بل من دلالاتها المجتمعية المعاشة والكيفية التي يتفاعل معها أفرادها.

لا يمكن للإنسان أن يصمد أمام الأحداث الحياتية المتجسدة في الذاكرة الجماعية، لتحرك الكيان المجتمعي دون أية قدرة على المقاومة الفردية.

هكذا إذن، يبدو جليا كيف أن الذاكرة الجماعية للماضي حاضرة في كل يوم وفي أية لحظة  وفي مختلف الأزمنة متجسدا في سلوكياتنا ومواقفنا: فالماضي حاضر اليوم، واليوم هو من سيحرك المستقبل، وهو أيضا من سيتحول لماضي، فيعبر عن نفسه فيما بعد على شكل مواقف كمرآة تعكس صورة واضحة أو مقلوبة لتجارب حياتية ماضية.

ولعل هذا ما يجعل من الحياة الإنسانية أكثر عمقا ودسامة. فقد يتصرف الشخص دون أن يفسر فعله بمنطق السببية، لكن يفتح الباب لمحاولات الفهم والتأويل في ارتباطات متشابكة للأحداث. لهذا ربما كان على الإنسان أن يحاور حاضره باسم ماضيه ليتفهم ذاته.

فالزمن أكيد في ارتباط مع نفسه بشكل لا يقبل أي انفصال أو تجزيء في خط واحد ليشكل هوية واحدة سواء كانت للفرد أو المجتمع، بينما القفز على الأحداث في شكل وثبات يجعل منه لغزا يحتاج لفك شفراته، ومن تم العودة إلى الماضي لفهم الفرد والمجتمع وتفهمه في مساره التاريخي، ضرورة لها ما يبررها.

كل ما يحدث للمجتمعات له ارتباط بما عاشته من أحداث وظروف، لن تكون إلا وسيلة لفهم حاضرها، إما في شكل قبول له، أو رفض بشدة يفسر في شكل مواقف متمردة يٌستعصى تغييرها.

 إنها الذاكرة الجماعية -ما تحمله من مآسي صادمة- يفسر توجهات المجتمعات في شكل تجارب جماعية تتشكل في خبرة ذات مصداقية، مرجعها الوحيد الشحنات العاطفية المتمركزة في الماضي.

للذاكرة الجماعية قوة لن تقهر مع مر الزمن، بل ربما تتقوى ويكبر حجمها مع تراكمات أخرى في مراحل زمنية تليها.

وكأن المجتمعات تعيش مرحلة تعاني فيها من مرض الزهايمر في كثير من مواقفها، رافضة الحاضر متمسكة بالماضي تأبى تناسيه وإن كان مرا، مٌعاندة القدر في سنته بالمضي نحو الأمام، لتصبح الذاكرة الجماعية واقعا معيشيا تستحضر فيه شخصيات مضت وتخلد تاريخها في قطيعة مع حاضرها.

 هكذا تتعجل المجتمعات موتها بالعيش في عالم الأموات الخالي من أي فعل أو حياة.

 فأي رسالة يحمل الماضي لنا كمخلوقات زمنية؟ متى يتحول كزمن للاستفادة وأخذ العبر، دون تثبيت- كحالة مرضية -على مرحلة معينة تٌعد في خبر كان؟

هكذا يبدو وكأن المجتمع يٌحاكم الماضي بمنطق الحاضر ويٌقاضيه، يأبى أن ينفذ الحكم عليه باعتباره جزء لن يتجزأ عنه، هو مجتمع إذن في ملامح جسد موشوم بالتعب والقهر لن يقوى على النهوض من جديد، ليبقى الألم دائما قدر أية هوية وسر من أسرارها فردية كانت أم مجتمعية.

من تم يعيش الإنسان مثلما تعيش المجتمعات الزمن، وتتعلق به في شكل حنين وجودي كدليل على الاستمرار، ويتشكل هذا الترابط في الذاكرة وعن طريقها، من دونها تضيع كل هوية حقيقية.

لكن السؤال الصارخ في وجوهنا باعتبارنا ذواتا تدعو نفسها للتنمية من خلال القدرة على التغيير والتطور: كيف نجعل من الذاكرة المجتمعية مجالا واسعا وخصبا لمستقبلنا ومستقبل أبنائنا؟

 ثم هل يمكن أن تصبح الذاكرة نافذة لرؤية مستقبلية وردية تكون مرتعا لبسمة أمل، يرسم معالمها الماضي بعيدا كان أم قريبا؟ أليس تغيير كيفية نظرتنا للأحداث وتحليلها بكل إيجابية من شأنه أن يحوّل اتجاه سفينة التاريخ حيث بر الأمان؟

لا شك أن قراءة الأحداث في رؤية مستقبلية جميلة ما يجعل ماضينا كمجتمع حاضر بشكل إيجابي، مما يجعلها حياة اجتماعية إيجابية، تتكون فيها ملامح إسعاد الغير ليتحول فيما بعد إلى مجال لإسعاد الأشخاص، وتظهر ملامح الحياة المبهجة والمغرية للعيش، تفتح فيها أبواب الأماني والأمنيات وتظهر ألوان الأزهار المزركشة تجذبنا بلهفة و إقبال لا يقاوم على كل جمال.

تبدو ملامح السعادة المجتمعية في لغة الناس وأسلوب عيشهم و سلوكياتهم وانتظاراتهم و رؤيتهم المستقبلية، دون سخط أو خوف وترقب أو هرب كمنطق يتخذ مشروعيته من هول ما قد يقع في المستقبل.

حين يلتقي الماضي المرير للأشخاص بالحاضر الأمر، يؤجج الوضع في اتجاه صور سوداوية تزيد من ظلمة الواقع، فتطفو خطابات لا تحرك ساكنا إلا في اتجاه تغذية الوضع وتأجج الغضب الجماهيري بخطابات تعزف على الوتر الحساس. خطابات شفوية لا تأخذ الإقناع والتعقل طريقا لها بقدر ما تهدف إلى التأثير في المستمع مستهدفة هيجان الماضي في شكل مشاعر عارمة يصعب التحكم فيها لشيء الذي يسبب انفعالات تتأجج وسط الجماهير، فتجد الأفراد نفسها منساقة تهتف مثلما تتوالى التصفيقات الجماهيرية  دون أي فهم جماعي، فنردد كل صدى يصلنا.

هكذا ترتفع وتزداد وتتوالى الصرخات، وإن كانت مبررة بمنطق ما، فإن بعض وسائل الاتصال والتواصل تصطاد في الماء العكر باحثة عن نسب مشاهدة عالية، تقدم صور قاتمة تغذي الإحساس باليأس الجماعي. و إلا لماذا لا تأخذ على عاتقها تقديم الرأي والرأي المضاد وتفتح عقول الناس وتترك لهم القدرة على التحليل والنقاش من أجل اتخاذ مواقف والدفاع عنها في كل مداخلاتها.

ما حصل في الحقيقة لم يعد في طي النسيان كما يقال، إنما الأحداث المجتمعية تٌستثار من جديد كلما مست شخصا آخرا يحكيها بحرقة، تٌخرج كل الذوات ما تحمله من شحنات لتجد منفذا لها.   

 ما يقع فيه المجتمع والأفراد شراك الزمن ليترك خطوطه في شكل تجاعيد على الملامح، تعكس ما مضى عبر السنين بشكل حقيقي أبدي خالد.

 بعد ما كنا نتباهى بكوننا مخلوقات زمنية، تنظم الزمن وتخضع أفعالها له، أصبحنا نهجو ما فعله الزمن فينا من تغيرات، حين يصرخ في وجهنا أن دوام الحال من المحال، وأنه علينا أن نتمتع  ببعض اللحظات الجميلة لن تتكرر، باعتبار أنه علينا أن نعيش دائما مقذوفون في اتجاه المستقبل.

 عموما يتنقل الإنسان والمجتمع عبر التاريخ  في محطات حياتية بفضل نعمة الذاكرة، هذا ما يمنحه البعد الزماني لكينونته في ارتباطه بالمكان والأشخاص، يمنحه غناه الوجودي المتفرد، لكنه يأخذ طابعه الجميل في توازنه، بينما قد يعيش مرض الأعذار في البكاء على الأطلال وضياعا للجهد والزمن ليعيش حالة من التشرد الوجودي.

 تلك هي المفارقة التي تجعل من الذاكرة الجماعية محط بناء أو هدم، تحتاج منا الكثير من الحيطة والحذر، لذلك علينا أن نحسن النظر للأحداث بشكل يجعل حياتنا أجمل، وإلا ضعنا في السخط على الحاضر، وبرمجنا سلبيا لحياة مستقبلية تدعونا للاستعداد أكثر لمعاناة بخوف وحذر بسبب ما تحمله الذاكرة من شحنات عاطفية تقودنا لا محالة للحقد والكراهية دون التمتع بحياة اجتماعية إيجابية  .

                   

  بقلم رشيدة الركيك

 

جودت هوشياركلما رأيت كاتباً مبدعاً يرتدي ملابس غريبة، صارخة أو متنافرة الألوان، وقد اطلق شعر رأسه،على طريقة الهيبيز، وترك لحيته تنمو لتغطي معظم وجهه. أقول كلما رأيت مثل هذا الإنسان، تساءلت بيني وبين نفسي: هل هذه هي علامات النبوغ أو العبقرية حقاً، أم أن في الأمر التباساً ما؟

لم تدرس شخصية الكاتب وعملية الخلق الفني إلا قليلاً . ويبدو الكاتب في نظر الآخرين كائناً غريباً ونادراً. الناس يعتقدون أن الكاتب المبدع يجب أن يشذ عن أعراف وتقاليد مجتمعه، ويتمرد على محيطه بكسر التابوهات، أو يعاني من اضطراب عقلي طفيف، ويرى الحياة بنظرة غير مألوفة؛ ويكون غريب الأطوار والسلوك .

في الواقع، ليس الأمر على هذا النحو، فالكتّاب المبدعون مختلفون عن بعضهم البعض، في مظهرهم وسلوكهم ومنهج حياتهم، وتتباين حظوظهم من الموهبة، والذكاء والثقافة، والخبرة، والصحة النفسية، ولكن السمات الشخصية التي تساعد على الكتابة الإبداعية موجودة. ويدرسها علم سيكولوجية الإبداع  الذي يساعد على الكشف عما هو مفيد حقا  في شخصية الكاتب.

دوافع الكتابة

الكاتب الحقيقي لا يستطيع الا أن يكتب مدفوعاً بهاجس داخلي لا يمكن له مقاومته أو فهمه، ولا يكتب من أجل المال، أو المجد والشهرة . الكتابة الحقة تنبع من داخل النفس، ولا تفرض من الخارج.

الكتّاب يعرفون ان الكتابة في موضوع معين بناء على تكليف هذه الجهة أو تلك، ليس عملا مملا فقط، بل يلحق الضرر بقدراتهم الإبداعية لأنه يقحم في عالمهم شيئا غريبا . وبعد تكرار مثل هذه الكتابات يلاحظون هبوط قدراتهم الأبداعية في التخييل وخلق الصور النابضة بالحياة .القلم المتفرد يختنق في الواقع الحياتي ويفقد ما يبدعه الخيال . من الأفضل للكاتب أن يعمل في غسل السيارات من أن يكتب بناءً على تكليف دار نشر أو مجلة ما .

نظرة متميزة الى الحياة والعالم

الناس يوجهون اللوم الى الكاتب المبدع، لعدم اهتمامه بأخبار الساسة أو النجوم، أو التسوّق، أو الرياضة او الأغاني الأستعراضية أو صرعات الموضة. الكاتب يعيش في عالم آخر ويتحدث أحياناً عن النجوم وضؤ القمر وعن اشياء عديمة الفائدة للناس. ويمكن النظر الى هذا النوع من اللوم كمجاملة للكاتب. لأن مهنة الكتابة تتطلب العزلة وصفاء الذهن والتأمل من اجل التحليق على أجنحة الخيال، وخلق عالم آخر افتراضي في ذهن الكاتب المبدع . وهذه العملية تؤدي الى الإنفصال عن العالم الواقعي مؤقتاً، والتفرغ للكتابة وإزاحة كل ما يعيقها وتوجيه كل قوى الكاتب نحوها .

الإنغماس في صعوبات الحياة اليومية  قد يحرم الكاتب من التركيز على عمله والحد من زخم الطاقة المطلوبة لخلق عمل أدبي ممتع ومتفرد

الميل إلى الحوار الداخلي

نقد آخر يوجه في العادة الى الكاتب المبدع، وهو إنغماسه في حوارات داخلية صامتة بينه وبين نفسه أوالحديث في بعض الأحيان إلى نفسه بصوت مسموع. قد ينظر البعض الى هذا الأمر على أنها علامة مبكرة من أعراض الإختلال العقلي والنفسي . ولكن الحوار الداخلي بالنسبة الى الكاتب  - إحدى الطرق الرئيسية لإنشاء النص.  وتفسير ذلك، أن أفكار الشخص البالغ تتشكل عن طريق الكلمات أولاً، ومن ثمّ  الصور.الكاتب حين يحدّث نفسه بالحوار الداخلي ويصف المشاعر والأحاسيس انما يصوغ انطباعاته بالكلمات، التي قد تتحول الى صور فنية حية اذا كان يمتلك مهارة الكتابة الإبداعية

الدقة

مع الحوار الداخلي ترتبط عادة أخرى مفيدة للكاتب، وهي السعي للحصول على التعريف الصحيح الدقيق لما يحدث. والبحث عن الكلمة التي تصف الواقع بأكبر قدر ممكن من الدقة، وهذا الإحساس المرهف بالكلمة وإيقاعها في سياق الجملة،قد يكتسب طابع الوسواس القهري. لأن ما لا يمكن وصفه بالكلمات لن يكون له وجود قطعاً

ان النص الفني الذي نقرؤه في سهولة ويسر، شديد الصعوبة في كتابته . فالكاتب يتخير كل لفظ بدقة ليؤدي معنى معينا يحيث لا يمكنك ان تحذفه أو تكتب لفظا آخر بدلاً عنه . لذلك قد يكتب الكاتب الجملة الواحدة مرات عديدة حتى يصل الى اللفظ المناسب الذي يتطلبه المعنى . بمعنى آخر أن النص الفني الحقيقي يتميز بطلب الحتمية والدقة والوضوح .

حب الأستطلاع

حب الاستطلاع خاصية يتميز بها الكاتب المبدع الذي يتلهف لرؤية اماكن جديدة وتسجيل انطباعاته عنها . وبعد كل زيارة يعود ليكتب بطاقة جديدة مدفوعا بما تركت الزيارة  في نفسه من آثار قوية

تشيخوف سافر الى منطقة (ساخالين) في اقصى الشمال الروسي وقام برحلة طويلة مرهقة استغرقت عدة أشهر، من أجل الإطلاع على ظروف الحياة في هذه المنطقة النائية الموحشة، وأوضاع المعتقلين والمبعدين فيها، وعاد ليكتب كتابه القيم " ساخالين " الذي أثار ضجة كبيرة، اضطرت معها السلطة القيصرية الى تحسين ظروف الحياة في المعتقلات والمنافي . اسحاقل بابل عقد صداقة غريبة مع مسؤول المخابرات السوفيتية، وعندما سأله الشاعر اوسيب ماندلشتام عن سبب دخوله الى "عش الزنابير" وخطورة ذلك على حياته، أجاب بكل بساطة: "أريد أن أشمّ رائحة مطبخ القمع" .

حب الإستطلاع وراء كل عمل إبداعي، لذا يسعى الكاتب الى الحصول على المادة الخام لأعماله الأدبية، وهذا السعي يختلف عن فضول الفرد العادي الذي يتسمع ما يتحدث به جيرانه وراء الجدار أو مراقبة شجارفي الشارع من خلال نافذة في المنزل .

 

جودت هوشيار

 

الكلمة شرف، وشرف الكلمة الصادقة المعبرة تقوم عليها الامم  وترتقي وتزدهر حضارياوفكريا وانسانيا..

ولاترتقي الامم والشعوب الا بارتقاء ابناءها ولا يرتقي الانسان الابكلمته..

لقد نشات السماوات والارض بكلمة، ورسالات الانبياء كانت كلمة، والمبادئ كلمة، سعادة المرء كلمة وتعاسته كلمة، منطق الانسان كلمة،  الخير كلمة والشر كلمة،  الحق كلمة والباطل كلمة، ثقافة الانسان وتربيته وارثه يستند على كلمة وهذه الكلمة هي المعيار الحقيقي للانسان ومدى ثقافته ومايبقى له من ارث بعد مماته كصدقة جارية، العدل كلمة والظلم كلمة..فالكلمة داء والكلمة دواء، بالكلمة تبنى صروح وقلاع وتقام حضارات وامم، فلنكن مسؤولين عما نطلق من كلمات لان كل كلمة ننطقها محسوبة علينا خيرا ام شرا..فالكلمة سلاح ذو حدين علينا ان نحفطها لتحفظنا نخلدها لتخلدناعلى مر الزمان..قال تعالى في كتابه العزيز"الم ترَ كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ اصلها ثابت وفرعها في السماء"..ابراهيم24

وقد جاء بالحديث الشريف عن رسولنا الكريم محمد(ص)

"من رآى منكم منكرا فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك اضعف الايمان"

ولقد جاء بمسرحية الاديب الكبير عبد الرحمن الشرقاوي(الحسين ثائرا) اروع ماقيل عن شرف الكلمة، ساقتطف باقة منها..

(حوار بين الوليد بن عتبة والحسين(ع))

نحن لانطلب الاكلمة

فلتقل بايعت واذهب بسلام الى جموع الفقراء

فلتقلها واذهب ياابن رسول الله حقنا للدماء

فلتقلها ماايسرها ان هي الا كلمة..

الحسين:كبرت كلمة

وهل البيعة الاكلمة

ومادين المرء سوى كلمة

وماشرف الله سوى كلمة

ابن مروان بغلظة:فقل الكلمة واذهب عنا

الحسين:اتعرف مامعنى الكلمة؟

مفتاح الجنة في كلمة

دخول النار على كلمة

وقضاء الله هو كلمة

الكلمة نور

وبعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري

الكلمة فرقان بين نبي وبغي

بالكلمة تنكشف الغمة

الكلمة نور

ودليل تتبعه الامة

عيسى ماكان سوى كلمة

اضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين

فساروا يهدون العالم

الكلمة زلزلت الظالم

الكلمة حصن الحرية

ان الكلمة مسؤولية

ان الرجل هو كلمة

شرف الله هو الكلمة..

وقد دفع الحسين بن علي عليهما السلام حياته وحياة ال بيته ثمنا

 لكلمة حق وبقي خالدا على مر العصور..

 

مريم لطفي

 

 

شاكر فريد حسنمنيب مخول من شعراء الالتزام الوطني، شعراء العروبة والوطن والأرض والتراب القلسطيني، الذي أسمعت كلماته من به صمم، وهو الذي هتف يومًا قائلًا:

مع السنديان ولدت قديمًا

بارض الجليل ولما ازل

ووقفت اخشع عند بابك لائمًا

بقيا دم شرفت به حطين

يا بسمة لمعت في ثغر الناصرة

من عين جالوت أم من سهل حطين

في قرية البقيعة الجليلية، حيث البطم والسنديان والسريس وعيون الماء والدوالي المتعمشقة واجهات البيوت والمنازل، في هذا الجو القروي الريفي الشعبي، ولد فارس القصيدة شاعرنا منيب مخول في العام ١٩٣٠، وفيها توفي العام ٢٠٠٢، وكان قضى حياته في ممارسة مهنة التعليم حوالي ثلاثة عقود من الزمت في بيت جن وغيرها من قرى وبلدات الجليل.

ومنذ تفتح وعيه الوطني والطبقي، امتطى صهوة الكلمة، والتزم بقضايا شعبه والذود عنها، فاعطى وقدم الكثير للشعر الوطني المقاوم، فأنشد وهتف للأرض والهوية والانتماء، وفاض باسمى معاني الوطنية والقومية والعروبة، مرتديًا الزي العربي التقليدي، العقال والكوفية والقمباز، ولسان حاله يقول:

جذوري تغور، تغور ، تغور

بعيدًا بعيدا ببطن الأزل

مع البطم في منحنى حيدر

شربنا معًا ماء عين العسل

وعين العوينة في قريتي

وعين الجنان وعين الجمل

مع الصخر في قمة الجرمق

مع الترب في كل واد وتل

انا يعربي رسا أصله

وطاول هامي سموا زحل

تراب بلادي معين حياتي

وبعض رفات جدودي الاول

بلادي، بلادي، فداك دميجراحي لعينيك أحلى قبل

والمرة الأولى التي رأيت فيها المرحوم منيب مخول، وتعرفت عليه، عندما جاء قادمًا من بلده الى قريتنا مصمص للمشاركة في تأبين شاعرها الراحل راشد حسين، فوقف على المنصة بكل شموخ وعنفوان يومها، والقى قصيدته " بكاء الشهداء "، التي استهلها بقوله:

لا دمع نذزفه على الشهداء

لكنما عرق ونزف دماء

وغدا مع الارض التي قد أرضعت

أبناءها من طيب الاثداء

أم غذينا المجد في أحضانها

ليس البنون وفاؤهم بسواء

فتقبلي يا أم هذا راشد

يقضي ليحيا منك في الاحشاء

خاض الكفاح على مشارف مهده

يورى الشموع بليلة ظلماء

شعرا مراميه القلوب ومنطقا

يجلو العمى عن مقلة عشواء

فيضًا من الوجدان يسقى من ظمى

من شعبنا في الواحة السوداء

ويدق في ملف الطغاة سهامه

كلما يصوبه شديد مضاء

ترك شاعرنا منيب مخول خلفه ثلاثة اصدارات شعرية، وهي: منزرعون، صامدون، ونافرون. وله الكثير من القصائد والأشعار لم تنشر وبقيت في الأدراج وبين الاوراق المبعثرة .

واذكر أنني كتبت مراجعة نقدية لديوانه " منزرعون"، وارسلته في حينه للنشر في مجلة " الكاتب " المقدسية، التي كان يصدرها الشاعر الكاتب أسعد الأسعد، لكن الرقيب العسكري في المناطق المحتلة منع نشرها.

منيب مخول تمتع بروح شعرية، وعرف كيف يتلاعب بصياغة الأشعار، تربع على هرم الشعر الوطني المقفى، وامتاز بصوره الشعرية المستقاة من واقعنا، وطغيان الغنائية على أشعاره.

وفي قصائده تناول الأحداث والمناسبات والقضايا الوطنية، فكتب عن مجزرة كفر قاسم، ويوم الارض، وصبرا وشاتيلا، وانتصار الجبهة في الناصرة بقيادة المرحوم توفيق زياد في العام ١٩٧٥، ومحاولة اغتيال رؤساء البلديات في المناطق الفلسطينية: بسام الشكعة وكريم خلف وفهد القواسمي، وخاطب بكل شموخ وكبرياء سلطان باشا

الاطرش، وحيا أبطال الجولان الاشاوس، وكتب عن معارك الزابود في بيت جن، وحاكى الأحرار في الوطن العربي وعلى راسهم الزعيم العروبي القومي جمال عبد الناصر، وعرى الزعامات والأنظمة العربية المتآمرة على القضية الفلسطينية.

وتغنى منيب مخول بالجليل والقدس والخليل والعراق بلد الرافدين وغيرها.

منيب مخول شاعر القوافي، وفحل القصيدة، وفارس الشعر الوطني والقومي الغنائي الملتزم، أبحر في عباب بحر اللغة واستل الكلمات، متمسكًا بالاصالة الشعرية وعدم الخروج عن مقاييس القصيدة العمودية الكلاسيكية وقيود الاوزان الخليلية ووحدة القافية ووحدة البيت، فاجاد وابدع ايما اجادة، واعطى للوطن والشعر كل ما يملك من مفردات لغوية، تاركًا لنا ارثًا شعريًا شفافًا، غنائيًا يتميز بالشعور القومي والاحساس الوجداني والصدق التعبيري والفني.

وأخيرًا فانني لم أشأ كتابة دراسة نقدية أكاديمية، وانما هي اضاءة عاجلة على سيرة واحد من شعرائنا، والهدف منها تعريف اجيالنا الفلسطينية بالمرحوم منيب مخول الذي سكنه الشعر، وظل مغموسًا حتى رحيله بهموم الوطن وقضايا العروبة، فسلامًا لروحه.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

 

إننا لا نملك الا لحظة واحدة من لحظات العمر، لكن تلك اللحظة كفيلة بان تجعلنا ننسجم مع اهداف الحياة. بمعاني اشد فاعلية من الكلمات والالفاظ. ففي مسرح العاطفة وكوميديا العقل، القلوب ارجح وزنا من الالسن واللغات. فلم تعد الانسانية بحاجة الى لغة مشتركة ولسان عالمي اكثر من حاجتها الى قلب واحد، رؤية مستقبلية واحدة، ضمير واحد. فقد ذكر في التوراة ان شعوب الارض جميعا كانت تتكلم لغة واحدة، ولكن الناس عصوا الرب حين تراءى لهم ان يشيدوا برجا يصل بهم الى السماء، وضاق الرب بهم وعرف ان الناس اذا ما ظلوا يتحدثون بلسان واحد فسوف تتهيأ للانسان الاسباب التي تمكنه من بلوغ ماربه. لذلك قرر الرب ان يشيع الاضطراب بين ألسنة البناة حتى لا يفهم احدهم حديث الاخر ومن ثم لم يكتمل بناء برج بابل. ولكن على الرغم مما تتسم به هذه القصة من سذاجة الا انها تتضمن بعض الحقيقة. إذ لو اتحدت الشعوب جميعا فانها تستطيع ان تحقق اعمالا ضخمة. وفعلا ارتقى انسان حضارة الجنون والتسلط الى السماء بغير حاجة الى ان يشيد برجا. اما حضارة بابل فقد نزلت الى الحضيض ولم ترق الا في تابوت موتها الذي بقي كابوسا يلازمنا الى يومنا هذا. ورحم الله شعبا عرف قدر نفسه. وكأن الحياة لعبة تمارسها الحضارات الدنيا على حساب الإنسانية. ونحن انفسنا من ينقذها من الضياع، نجعلها ذات ضرورية في سلسلة الحضارة العالمية، وبذلك نتخلص من حتمية السقوط  والانحدار الى حتمية النهوض في مسار الحياة العالمية. هذا التحول يتزامن مع رؤية علمية عالمية كونية تمتلك بصرا حادا يغوص في اعماق بئر اللاحتمية لينتشل سر كينونتنا الغامض.. والاشكال الغالب ضعف عقل جمع الامة المخذول يرى ان المستحيل هو الحل.. وان حياة ترمي الى هذا الهدف ستكون شاقة جدا ومرهقة؟! هذا عقلنا المغيب المؤدلج، اما عقلنا الواعي المستنير بمقاييس العقلانية فقد أقر ويقر انه ليس هناك عسل اشهى من المعرفة، وانه سيشرق اليوم الذي تكون ف  زيه السحب التي تجر الكدر غيثا يعمر الحياة.. يمطر الارض خضرة وجمال..

 

 أ. م. د. سامي محمود ابراهيم

 كلية الآداب جامعة الموصل العراق

 

مادونا عسكر"طوبى لمن حار" (ابن عربي)

يقول الشّيخ عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم الجيلي في كتاب المناظر الإلهيّة: "الحيرة هي عين الثّبوت. ونهاية ما يعبّر عنه في هذه الحيرة وهذا العجز بأن يقال: إنّه يجد كمالاته الإلهيّة الّتي هي له، على ما هي عليه من عدم النّهاية الّتي يعجز العلم عن الإحاطة بها من حيث أنّها لا نهاية لها". ويقول الشّيخ السّراج الطّوسي في كتاب اللّمع: "والحيرة بديهة ترد على قلوب العارفين عند تأمّلهم، وحضورهم  وتفكّرهم، تحجبهم عن التّأمّل والفكرة. والتّحير: منازلة تتولّى قلوب العارفين بين اليأس والطّمع في الوصول إلى مطلوبه ومقصوده، لا تطمعهم  في الوصول فيرتجوا، ولا تؤيسهم عن الطّلب فيستريحوا، فعند ذلك يتحيّرون".

وبين الحيرة والتّحيّر يغرق ابن الفارض في حوار داخليّ عميق ذي اتّجاهات  ثلاثة. الأوّل باتّجاه الحبيب والثّاني باتّجاه القلب والثّالث باتّجاه الذّات، فيبدو حواراً متكاملاً لكنّه يصبّ في وحدة العشق. الوحدة الّتي تمتزج فيها الذّات مع نور العشق الجاذب الّذي يتوق إليه العاشق وهو سابح فيه. إنّه رجاء الرّؤية والعذاب الّذي يمزّق قلب العاشق حتّى يبلغ الدّهشة. وتبلغ الحالة العشقيّة أوجها عند اشتعال القلب من شدّة الاشتياق لكنّ العاشق لا يكتفي ويطلب المزيد. بل إنّه من شدّة العشق يثمل ويسأل مزيداً من الثّمالة:

زدني بفرطِ الحبِّ فيكَ تحيُّراً          وارحمْ حشًى بلظى هواكَ تسعَّراً

في طلب المزيد من التّحيّر لذة الشّوق الكامنة في القلب الّذي يرجو قرب القرب ورؤية المحبوب. لكنّه يعلم أنّ الرّؤية قد تحجب عنصر الشّوق حيث إنّه إذا رأى بطل الرّجاء. ويتألّم بشدّة في هذا النّزاع، بين نار التّوق ورغبة الرّؤية. لعلّ هذه الحالة هي ذروة العشق، كأنّ العاشق أمام مرآة يهمّ للمس اليقين لكنّ الزّمان والمكان يحاصرانه.

فاسمَحْ، ولا تجعلْ جوابي: لن تَرَى     وإذا سألتكَ أنْ أراكَ حقيقة ً

في الوعي العشقيّ إدراك تام  لطبيعة الحبيب، بمعنى أنّه يستحيل لقاؤه حسّيّاً في قلب الزّمن. لكنّ هذا الأمر لا يلغي السّؤال، فالعاشق يريد أن يرتاح من عذاب الاشتياق لأنّه بلغ ما بلغه من يقين تام بحضور المعشوق. وللحضور قوّة تستحوذ على الحواس أكثر ممّا يُظنَ. فيشعر العاشق كأنّه على بعد خطوة من هذه الرّؤية، وما يلبث أن يأسره المكان. فيضيق ذرعاً ويلتمس الرّؤية كظامئ في الصّحراء إلى قطرة ماء. فالرّؤية هنا ليست بالمعاينة الماديّة بقدر ما هي تنعّم بالجمال الأعلى. فالعاشق يرى ضمناً، لكنّه يريد أن يرى حقّاً (وإذا سألتك أن أراك حقيقةً). واستناداً إلى قول ابن الفارض نفهم أنّه ينعم برؤى القلب لكنّه يرجو رؤية وجهاً لوجه. ما يحيلنا إلى قول القدّيس بولس: "فإنّنا ننظر الآن في مرآة، في لغز، لكن حينئذ وجهاً لوجه. (1كورنثس 12:13). في الآن تتجلّى المعرفة العميقة في القلب فيتراءى المحبوب الحبيب واضحاً للعمق الإنسانيّ. لكن حينئذٍ، عند امتزاج العاشق بالمعشوق يكون اللّقاء وجهاً لوجه.

تلتبس المعاني عند ابن الفارض من جهة تعريف الحياة، ولهذا الالتباس فهم خاص عند الصّوفيّة أو في النّزعة الصّوفيّة. فمفهوم الحياة عند العاشق مغاير للمفهوم العام. ولعلّه لا يرى في هذه الحياة إلّا موتاً بانتظار الحياة الحقيقيّة.

إنّ الغَرامَ هوَ الحَياة ، فَمُتْ بِهِ           صَبّاً، فحقّكَ أن تَموتَ، وتُعذَرَا

الغرام، العذاب الشّديد، هو الحياة، أي أنّ ما يحياه العاشق ليس سوى أنفاس تساعد الجسد على رجاء الحياة بالفعل. كأنّ الغرام رحلة مقدّسة نحو الحبيب، والموت به حياة. وعلى الرّغم من شقاء هذه الرّحلة وعذاباتها إلّا أنّها حقّ للعاشق وحقّ له أن يموت عشقاً وألماً وإلّا انتفى مفهوم الحياة. فالحياة الظّاهريّة ليست سوى قشرة، تنهار بطرف عين. لكنّ في عمق العاشق حياة أبديّة، بها يحيا ومنها يستقي عشقه وإليها يصبو. ويمسي عاشقاً رسولاً بل نبيّاً ومثالاً يحتذى به، بل كتلة عشق تتنقّل في العالم تبشّر بالحبيب. فعناصر العشق، الشّوق، والألم، والرّجاء تُخرج العاشق من العالم وتفصله عن المحسوس مجازاً. فيتأمّل التّاريخ الإنسانيّ بشفقة ويسعى جاهداً لإرشاده للطريق المستقيم، طريق العشق. فهو العالم بقيمة الحياة، والمتيقّن أنّها تبدأ هنا لتكتمل مع الحبيب. وكلّ ما دون ذلك أيّام تمضي هباء.

قُل لِلّذِينَ تقدّمُوا قَبْلي، ومَـــــــــــــــن    بَعْدي، ومَن أضحى لأشجاني يَرَى

عنّي خذوا، وبيَ اقْتدوا، وليَ اسْمعوا،   وتحدَّثوا بصبابتي بينَ الـــــــــورى

وفي غمرة العشق، والشّوق المستعر، تتجلّى العلاقة متفرّدة بين العاشق والمعشوق. العلاقة السّرّ الّتي لا يدركها سواهما. ونرى أنّ ابن الفارض يكشف عن بعض هذا السّرّ فبعد الظّمأ إلى الرّؤية ينكشف له شعاع من النّور في خلوة مع الحبيب، حتّى إذا ما رأى ما يقوى على رؤيته بلغ  الدّهشة والذّهول، وغرق في  الثّمالة بعد الشّرب من كأس المحبّة. إنّه سرّ الجمال الأعلى غير المنطوق به. فالرّائي يتمتم إذ يعاين الجمال ولا يقوى على التّعبير أو الوصف. وينطبع جمال الجمال على وجه العاشق، فيصير معروفاً عند النّاس كما عند الحبيب. فالبحث عنه هو البحث عن الجمال، وكلّ من بحث عن الجمال كان يبحث عنه. وكلّ من لامس طرفه فهم سرّ الجمال. وكلّ من عشقه انطبع بجماله حتى امتزج به وحيا في دهشة الأبد واستحالت لغته إلهيّة:

فأدِرْ لِحاظَكَ في مَحاسِن وَجْهِهِ،       تَلْقَى جَميعَ الحُسْنِ، فيهِ، مُصَوَّرا

لوْ أنّ كُلّ الحُسْنِ يكمُلُ صُورَة ً،      ورآهُ كانَ مهلَّلاً ومكبِّــــــــــــــراً

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

شاكر فريد حسنمجدلة حنا مشرقي ناسكة متبتلة في صومعة الكلمة، تكرس حروفها للمعنى والجمال. امتطت جواد الشعر، ونبتت في بساتين الأدب، استلت سيف الحرف منذ أن كانت على مقاعد الدراسة الثانوية، وطورت موهبتها وأدواتها الكتابية، ونضجت على نار هادئة.

مجدلة من مواليد العام ١٩٨١ في عروس الكرمل حيفا، تعود أصولها الى قرية اقرت المهجرة، حاصلة على اللقب الأول في اللغة العربية، وتعمل في المونتاج التلفزيوني.

تكتب مجدلة القصيدة النثرية، ولا تتقيد بالقافية، ما يجعلها تطلق العنان لفكرتها وحروفها.

نشرت كتاباتها في الصحافة المحلية، ومنها صحيفة " الاتحاد " العريقة، وفي العام ٢٠١٥ صدر لها عن منشورات مكتبة كل شيء في حيفا، باكورة أعمالها الشعرية بعنوان " ساعة لاحصي الحصى "، احتوت على ٢٥ قصيدة نثرية، تنوعت ما بين الموضوعات العاطفية الوجدانية الرومانسية والوطنية والوجودية الانسانية.

ومجدلة شاعرة قلقة تمتلىء احساسًا بالانسان وقيمته، وقصائدها مفرطة الصفاء، تعكس التماعة روحها وخفقة بوحها، وتأسرنا بهمساتها وخواطرها ووجدانياتها ووطنياتها.

تقول مجدلة عن ديوانها الشعري البكر " ساعة لاحصي الحصى : " لطالما آمنت أن الكتابة الابداعية تصب في شغف القارىء المتلهف الباحث عن نفسه. في كتابتي احاول قدر المستطاع سبر اغوار القارىء وترجمة أحاسيسه، ولا تنجزأ عندي المفاهيم التي تصقل الانسانية في محورها وترتقي بها إلى ثقافية وفكرية حسية تختزل الحياة في كف واحدة، فالوطن والحب والانسان هم مرايا متشبثة متداخلة في بعضها لا تتجسد الواحدة دون الأخرى، ولا سيما المرأة، التي اعطيتها الحصة الأكبر لتمثيل هذا الثلاثي في دائرة الحضور مع التركيز على مشاعرها، فهي الأم والأنثى المسرحة من قضبان الكبت، والشريكة الكادحة في وطن يصارع البقاء. كما أني لم اتوان عن سرد بلدي اقرت، ذاكرتي المتوارثة من الحجارة والحنين، من منظور طفلة لم تعرف الوطن الا حلمًا، وقصصًا تعانق الذكريات، وتظهر حيفا، الواقع الجميل الذي يحوي الحزن والفرح معًا ".

مجدلة حنا مشرقي تعاين بلغتها الرقراقة هموم الوطن والهوية والانتماء والتواصل الانساني، وتحاكي الحب والأرض والمرأة والأمومة والجمال والانسان والحياة، وهي وصافة ماهرة، وكلماتها مفعمة بالشغف والبوح والوفاء، وقد نجحت في توظيف موروث اللغة، وتطويع الحروف والكلمات لتكون مدماك أساسي لقصيدتها، وتعرف كيف تنتقي كلماتها بعناية تلقائية.

انها تصطاد نصها اصطيادًا، لا تتكلفه ولا يتكلفها، فيجيء رشيقًا، وصورها جذلى دون اسهاب، وسطورها دافئة من حب وجمال ودفق عذب.

ومن نافلة القول، أن نصوص مجدلة حنا مشرقي تستهوي القارىء، لأنها تحمل عطر سريس اقرت، وسنديان الجليل، وعبق صنوبر الكرمل، ورائحة بحر حيفا، وتحمل ورقة من اوراق أشجار بلادنا، وقطعة من الحلم الكبير ، حيث نجدها تتجول في دروب الرومانسية والواقع والتأملات.

وتبدو هذه النصوص ذات حبكة صاغتها في قالب متين يحقق تناغمًا دقيقًا بين اللفظ والمعنى.

ومجدلة تجيد كتابة المراثي، وكنت قرأت لها قبل سنوات، في صحيفة " الاتحاد" وموقع " الجبهة " قصيدة بعنوان " بلسم على نبض الرحيل "، ترثي فيها المرحومة سهيلة قسيس مشرقي، وتبدو مراثيها شفافة وصادقة غير متكلفة ومنسابة، حيث تقول:

بين هذا وذاك

حطت زنبقة

على ساقها المستغيثة

أغمضت ..

عسلية العينين

ندية القلب

عينا .. وذاك المستحيل

أزهقت داءها بدمع الرثاء

ورحل للحنين.. شفاء

أقفلت..

باب ضريحها على نحيب القلوب

على متسع الذكرى

حين تستفيق

إلى حين ترحلين؟

لم يحن أوان الحنين بعد

ولم نتسلق عناقيد التين

ولا أنامل اللين

ودعتك

تركت لغربة الأبواب مطرحًا

وللعيد، وشاحًا اسود

فلم أكن لأخبر

أنك ذات الرياحين حين تزهر على النوافذ العطرة

وأنك العيد حين يأتي

لم لأخبر

أن للحزن أجنحة

أن للفرح أضرحة

وللكلام وصل الفراق

دعي عنك لوم الحزانى

فأنت الآن

على بوادر الشوق ترقدين

لا محال

وفلا الغياب ..

من أعراض المحبين

ولا لحضنك منال

فقد تبنتك السماء

عقب فجر يتيم يتوق لبسمتك

فعلى ناصية الحلم استريحي

وفي اررقة الروح تهادي

أرقدي بسلام

وتدل قصائد مجدلة على خصوبة خيال، وقدرة على الاتيان بالصور الفنية الواضحة التي لا ترهق ذهن القارىء، بل تصبغ عليه المتعة الجمالية.

ولعلني أتفق مع ما كتبه الشاعر سامر خير على الغلاف الأخير لديوانها: " مجدلة تسير على الدرب، ومن يقرأها يستمتع ويطلب المزيد ".

مجدلة شاعرة تداعب الاحساس، تنبض بالرشيق في بناء الصور، وتتصف بالمتانة في البناء الشعري، وزخم في الايقاع الداخلي للقصيدة.

تحياتي للصديقة الشاعرة مجدلة حنا مشرقي، وتمنياتي بدوام الابحار في محيطات الابداع، مع فائق التقدير.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعقرر مجلس ادارة دار نوّار للنشر استحداث جائزة ثانية، ترتبط مع أهدافها في تعزيز العلاقات الثقافية العربية – الروسية تسمى – جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن اللغة الروسية، وذلك بعد النجاح الباهر للجائزة الاولى – جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي، والذي حصل عليها السيد بوغدانوف وكيل وزير خارجية روسيا الاتحادية (انظر مقالاتنا حول هذه الجائزة، وردود الفعل التي أثارتها في وسائل الاعلام العراقية والعربية والروسية).

جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسية هي تكملة منطقية للجائزة الاولى، اذ كيف يمكن للحوار العربي – الروسي ان يتمّ دون الترجمة ؟ وكيف يمكن ان نتحاور دون معرفة لغتي بعضنا البعض؟ بل ان هناك من قال في اوساطنا، ان الجائزة الاولى كان يجب أن تكون للترجمة اولا، وتأتي جائزة الحوار ثانيا، وأشار آخرون، ان حصر هذه الجائزة بالمترجمين العراقيين يقلل من شأنها وأهميتها، وأنها يجب أن تكون للمترجمين العرب بشكل عام، لأن الهدف مشترك والعمل الابداعي الترجمي واحد سواء جاء من قبل عراقي أو سوري أو مصري أو تونسي ...الخ، وكل هذه الآراء صحيحة طبعا وتمتلك منطقها بشكل عام، ولكن الرأي الاخير قد تبلور واستقر - بعد مناقشات واسعة ومتشعبة - على ان تكون هذه الجائزة للمترجمين العراقيين اولا، وتركنا الباب مفتوحا في المستقبل لكل الاجتهادات اللاحقة .

ستعلن اللجنة الخاصة نتائج جائزة نوّار للمترجمين العراقيين عن الروسية في العام  ( 2019)، ونتمنى ان تحظى بنفس الاهتمامات و النجاحات التي حصلت عليها جائزة نوّار لتعزيز الحوار العراقي – الروسي، وأن تكون لها نفس ردود الفعل الواسعة، التي حدثت بالنسبة للجائزة الاولى، ونتمنى أيضا، أن تؤدي هذه الجائزة الى توسيع نشاطات دار نوّار للنشر مستقبلا، وصولا الى تحويلها الى مؤسسة ثقافية عراقية وعربية وروسية شاملة تضم دار نشر وتوزيع للكتب باللغتين العربية والروسية، وشعبة خاصة للجوائز المتنوعة في مجال تعزيز العلاقات الثقافية العراقية (و العربية) – الروسية . 

 

أ. د. ضياء نافع

نايف عبوشيقول الشاعر الكبير ابو كوثر أحمد علي السالم في تغنيه بتونس..عندما شارك في مهرجان القيروان الدولي للإبداع :

يا تونسُ الخضراءِ حُبُـكِ شهقــةٌ ...... حَنَتِ الضِّلوع واغرقَتْ ٲحْداقي

 ٳنّي عَشِقْتُكِ والهوى في مُهْجتي .... شوقٌ يساوي شــــوقَ كل عراقي

وبذلك يكون الشاعر المبدع أبو كوثر أحمد علي السالم، بهذه المعارضة الشعرية الرائعة، العفوية، أو المتعمدة، في التغني بتونس، بلد الجمال الأخاذ، والطبيعة الخلابة، قد تسلل بدهاء، عبر غزله المرهف بجماليات المكان، وعشقه المضاعف لها، إلى وجدان المتلقي دون استئذان،ليفرض نفسه نسخة إبداعية لشاعر الغزل، نزار قباني، الذي انغمس فيه بإفراط إلى القعر، والذي كان قد تغنى بتونس قبلا، عندما حضر مؤتمر الشعر العربي، في قرطاجة عام ١٩٨٠، حيث قال فيها يوم ذاك:

 يا تونس الخضراء جئتك عاشقـــا ... وعلى جبيني وردة وكتــــــاب

 إنّي الدّمشقيّ الذي احترف الهوى ... فاخضوضرت لغنائه الأعشابُ

وإذا كان نزار قباني، قد تغزل بزرقة عيني قرطاجة، وهي تغفو على ساحل البحر، حيث سحرته سعة فضائها، وأدهشته نضارة شبابها، في وقت شاخ فيه حتى الزمان،وهو الشباب الدائم التجدد، عندما قال:

بحريّة العينين يا قرطاجة ... شاخ الزّمان وأنتِ بعد شباب

فإن الشاعر أبو كوثر، كان أكثر تطلعا، في كرم جمال قيروانها، وأعلى يقيناً، في تعاليها عن الشح، وارسخ ثقة، بفيض بهجتها على عشاقها ، حيث، في ذلك، يقول:

ياقيروانُ وما ٲَراكِ بخيلةً ...... عَنْ عاشِقيكِ ببسمةٍ وعِنَاقِ

 وبهذه الأسلوبية الرصينة في توظيف حسه ابداعيا في قصيدته العصماء، ياتونسُ الخضراء ،يكون الشاعر أبو كوثر، قد نجح في معارضة، الشاعر الكبير نزار قباني، بمحاكاة إبداعية متميزة ، مع صعوبة مجاراته، ليصطف بهذه المعارضة البليغة، بجدارة، ومن خلال رشاقة حرفه،وبلاغة نظمه، ورهافة حسه، قامة إبداعية سامقة، مع فطاحل الشعراء، وكبار الأدباء، في الساحة الثقافية، والأدبية، العربية المعاصرة، كشاعر مقتدر، يشار إليه بالبنان

نايف عبوش

 

لا يقتصر فعل القراءة على المتن السردي فقط، والذي يعد عملاً متأخراً؛لأنه يسبق بقراءة اولى تنطلق من العنوان، وهو الشريان النابض والباث والجاذب في الوقت ذاته للمتن الكتابي.

وإن كل انتاج كتابي، أو صحفي، اومقالي ينطلق من مؤشر جاذب يتمحور من انجذابية العنوان  وقدرة اقطابه على شد القارىء اليه.

تشابهت اغلفة روايات الروائي (سعد سعيد)، في اقترابها من الالوان والغاية، حتى وأن أختلفت بعضها عن بعض في التسمية،إلا أنها تلتقي في غاية وهدف ولون واحد.

وهو أمتياز يحسب للروائي في قدرته في السيطرة على الفضاء الكتابي المرتبط بذاته ومخيلته.

الدلالة الكتابية لصياغة العنونة الروائية امتازت بالخط المفهوم والبارز، بين الخط الكبير والمتوسط والصغير، وهي انتقائية متقنة ذات ذوق فني.

سيطر اللون (الأبيض، والبرتقالي المحمر،والأسود)على خط عنونة اسم الكاتب، أو عنونة رواياته.

فـرواية (الدومينو،والسيد العظيم،وثلاث عشرة ليلة وليلة) سيطر اللون الأبيض على صياغة اسم الروائي، بينما سيطراللون الأسود على صياغة اسمه في (خلدلوجيا،وهسيس اليمام،و إنسانزم).

وسيطر اللون الأسود على عنونة (فيرجوالية،وقال الأفعوان،وياحادي العيس، وخلدلوجيا)، فيما سجل اللون البني وجوده على صياغة اسم الروائي في (ياحادي العيس، وثلاث عشرة ليلة وليلة، والدومينو، والسيد العظيم، وإنسانزم)، وتوافق عنوان الرواية والكاتب في اللون ذاته في (قال الأفعوان،و فيرجوالية) .

سيطر اللون البني على بعض اغلفة رواياته،وهو لون مستقر نسبياً من ناحية نظريات علم النفس،وفي الوقت ذاته اشارة الى الحركات السياسية والحزبية، ورمز للثورات.

وحققت (الدومينو) انقلابية وذكاء ؛لأنها لعبة تحتاج الى ذكاء في لعبها، وهذا الذكاء اتقنه الروائي، في اسثمار الزمن (الماضي، والحاضر، والمستقبل).

وتوافقت رواية (هسيس اليمام) في تحقيق  استقرارية اللون، الذي يشير الى رمزيات عدّة.

وهي رواية الغموض والتحفظ، والممنوع، (5) نساء سيطرن على صياغة النسيج الكتابي، بأبعاد ايروتيكية وخروق ممنوعة، واعلان الرغبة من بداية الغلاف، وشخصية ذكورية رسمت بريشة الفنان احاطت بـ(النسوة) من غلاف الرواية والى داخل المتن، وتوافق الغلاف مع فكرة الرواية .

ومن جديد اللون (البني) نرصده في رواية (السيد العظيم)، مع هيكلية صورية لرجل غامض وغاضب، وهو اشارة مبدئية ذات معنى أن كل شخص يرغب في أن يكون هو(السيد العظيم)، وحقق العنوان الجاذبية؛لأنه خليط من الألوان (الأحمر، والأصفر، والبرتقالي).

واشتركت رواية (ثلاث عشرة ليلة وليلة!) في صبغة اللون البني، ليلحق العنوان بعلامة التعجب التي تحقق التوقف لمعرفة مقصديتها.

(فيرجوالية، وإنسانزم، وقال الأفعوان)، اشتركوا في صبغة اللون الواحد،وهو اللون المحايد، لاهو ابيض نقي، ولا أسود نقي، أنما خليط ممزوج بينهما مائل الى الرصاصي المعتدل، الذي يرمز الى اللون الرسمي الذي يعد لون ممل ؛لأرتباطه بكبار السن، ويقترب هذا الدمج اللوني من البنفسجي الفاتح ايضاً.

وحققت (فيرجوالية) اشارتها الى النور والتطورالتكنلوجي، (انسانزم) فضلاً عن عنونتها الغريبة، تأتي لتقترن بصورة القرد (تيمور)، الذي يدخل في صراع الذات مع الدكتور علي، وتحمل اشارة مبطنة الى فعل وممارسات (الكولونيالية)، وهي رواية فلسفية،(قال الأفعوان) اكتفت بدلالة العنوان والغلاف من دون وضع رمزية، او دلالة عليها، وهذا يعني أنها رواية ذات عالم ولغة خاصة بها.

(ياحادي العيس، وخلدلوجيا)، مزجتا الواناً عدّة، الأولى اختصت برسم شخصيات بشرية ذات رمزيات واللوان واضحة وصريحة ومعلنة،وهي رواية الحدث اليومي الواقعي، فيما ذهبت الآخرى لتتخذ من النسر قوة في مباشرتها، وأكملت وجوده بهيئة البشر الأعتياديين.

أخيراً، حققت عنونة اغلفة روايات (سعد سعيد) أشارات رمزية عالية، ومفهومة لا تحتاج الى اعمال الذهن، لينصب الأنشغال في فحوى المتن السردي؛لأن الأغلفة أشارت الى بعد ووعي قصدي هادف الى غاية، مما يتطلب وعي وفهم دقيق لمغزى كل غلاف ونص، وعمد الى دمج التقارب في الألوان بين رواياته اغلبها، وهي هندسة متقنة تحسب للروائي لاعليه، فضلاًعن توظيفه للحيوانات التي حققت غايات قصدية للروائي، نرصدها منذ الأشارة اليها من بداية الغلاف والى نهاية المتن الكتابي.

 

بقلم : وسن مرشد