ضياء نافعالدكتور بشيرغالب الناشئ واحد من أعمدة العراقيين المقيمين في موسكو منذ أكثر من خمسين سنة، وهو يتميّز باناقته وضخامته وحركته البطيئة وثقته العالية بنفسه وابتسامته الدائمة وعصاته التي يتوكأ عليها (والتي لا يهشّ بها على غنمه، ولكن من المؤكد ان له فيها مآرب اخرى، اذ انها تضفي عليه الهيبة والوقار !) . التقيته (من غير ميعاد كما تقول وحيدة خليل في اغنيتها العراقية الشهيرة)، ودردشنا طويلا، وها انا ذا اقدّم (محضرا وجيزا !!!) لهذه الدردشة الجميلة، لاني أرى فيها جوانب طريفة (وربما مهمة ايضا) للقارئ المهتم بتاريخ العلاقات العراقية الروسية بين الشعبين بالذات، وبالتالي فانها تستحق التوقف عندها، وهي جوانب تنسجم وتتناغم مع اهداف سلسلة مقالاتي حول العراقيين الذين مرّوا بموسكو .

درسنا اللغة الروسية (هو وانا) في العام الدراسي 1959 / 1960 في الكلية التحضيرية للاجانب في جامعة موسكو، الا انه وصل الى موسكو بتاريخ 10 /10 /1959، اي يمكن القول انه من اوائل الاوائل بين الطلبة العراقيين آنذاك، اذ وصلت وجبتنا الكبيرة (خمسون طالبا في طائرة واحدة من بغداد) بتاريخ 29 / 10 / 1959، حيث كان اثنان من وجبته ضمن من استقبلونا حينئذ، هما المرحوم أحمد السماوي وتحسين (نسينا كلانا اسم ابيه، ولا نعرف ايضا اخباره)، وضحكنا وقهقهنا عندما ذكرت لهم، انهما قالا لنا عندها في مطار موسكو، ان نناديهم الان بالروسية ، فاحمد اصبح احمدوف، وتحسين – تحسينوف (حكيت هذه الحادثة لاحد زملائي في قسم علم الاجتماع فقال انها مادة تصلح لتشريح نفسية الفرد العراقي !). وهكذا بدأنا نتذكر الزملاء القدامى، فحكى لي بشير، كيف زارهم المرحوم محمد علي الماشطة (الذي وصل الى موسكو عام 1957 وشارك في مهرجان الشباب العالمي آنذاك، وبقي للدراسة بعد المهرجان، وكان يدرس في كلية الاقتصاد بجامعة موسكو)، وتحدّث معهم حول ضرورة تأسيس رابطة الطلبة العراقيين في الاتحاد السوفيتي، وكيف انهم جميعا وافقوا على ذلك وساندوا هذا المقترح، ويرى د. بشير، ان ولادة رابطة الطلبة هو تاريخ تلك الزيارة، او بتعبير أدق، ذلك الاجتماع بالذات، وقد أيّدت انا ما قاله، وذكرت له اننا كنّا نسمي محمد علي الماشطة (واضع اسس) الرابطة، وسألته رأسا، لماذا لم يبرز في مسيرة الرابطة الطويلة، ولم يرشح نفسه يوما في قياداتها ولجانها، فقال نعم، لاني كنت ولا زلت بعيدا عن السياسة، وقد حافظت على استقلاليتي، رغم اني صديق دائم للحزب الشيوعي، وهذا يعني، ان النشاط في الرابطة - حسب مفهومه - هو عمل سياسي، ولم أرغب بمناقشته حول ذلك المفهوم غير الدقيق، اذ ان العمل الحزبي يختلف عن العمل في المنظمات المهنية . تابعنا دردشتنا، وحكى د. بشير لي تميّزه بالدراسة، وحصوله على درجات الامتياز دائما، ثم رجوعه الى بغداد بعد تخرجه في معهد الطاقة عام 1966، وكيف سنحت له الفرصة بالعودة لدراسة الدكتوراه عن طريق دائرة البعثات في العراق، وهكذا عاد الى روسيا عام 1967، وبقي فيها منذ ذلك التاريخ ولحد الان، وسألته – هل اصبحت روسيا وطنا له، اذ انه يعيش فيها حوالي 60 عاما من عمره، فقال انه يحن اليها عندما يسافر خارجها، ولكن في الفترة الاخيرة بدأ يكبر، بل ويطغي عنده الحنين الى موطن الطفولة والصبا، اي العراق ، وقال – ربما يحدث هذا بسبب تقدم العمر، فقلت له مبتسما – ما الحب الا للحبيب الاوّل .

انتقلنا بعدئذ في دردشتنا للحديث عن المهن التي مارسها طوال فترة حياته في روسيا، فحدّثني عن عمله مع الشركات الاجنبية في روسيا باعتباره ممثلا لها، وكيف انه سافر مرّة الى البحرين للتفاوض حول تطوير العلاقات بين الجانبين الروسي والبحريني، وكيف استقبله أمير البحرين نفسه، وحدثني ايضا كيف سافر الى استراليا للتفاوض حول صفقة لشراء اللحوم منها، اذ تبين انهم في استراليا يدمرون اللحوم الفائضة عن حاجتهم كي يحافظوا علي مستوى الاسعار... وحدثني د. بشير ايضا عن عمله في مجال الترجمة في بداية السبعينات، اذ تبين انه ترجم بعض الكتب العلمية عن الروسية، فابديت اهتمامي بهذا الجانب من نشاطه، لان موضوع الترجمة عن الروسية قريب من قلبي وعقلي، وسألته عن تقنيته في العمل الترجمي، فقال انه لا يستخدم اي قاموس عند الترجمة من الروسية الى العربية او من العربية الى الروسية، فتعجبت من هذا القول، ولم اتفق معه بشأن ذلك بتاتا، وقلت له ان هذا يتعارض مع المفهوم العلمي للترجمة، ولكن الخلاف طبعا لا يفسد للود قضية...

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

ضياء نافعاستلمت العديد من التعليقات والآراء المختلفة بشأن مقالتي الموسومة – (قائمة اولية بالمترجمين العراقيين عن الروسية)، وقررت ان اكتب جوابا لكل هذه الملاحظات، لاني اعتقد جازما، ان الموضوع يستحق التوسع و وضع النقاط على الحروف كما يشير القول المشهور.

اولا، اود ان اعبر عن اعتزازي بمن ارسل هذه التعليقات بغض النظر عن روحية العتاب التي جاءت في بعضها، وثانيا، اود ايضا ان اعبر عن فرحي وسروري بردود الفعل السريعة، اذ ان ذلك يعني حيوية هذا الموضوع وحتى ضرورته في حياتنا الثقافية، وثالثا، اود ان اذكّر الجميع باني اشرت الى ان شخص واحد (وانا اقترب من العقد الثامن من عمري) لا يمكن ان يؤدي هذه المهمة لوحده ابدا، ودعوت بصريح العبارة الى مشاركة الآخرين بوضع هذه القائمة المهمة، بل واقترحت ان تكون هناك لجان متعددة وحسب الاختصاصات لتنفيذ هذا العمل الكبير، وردود الفعل التي استلمتها تؤكد – مرة اخرى – هذه الحقيقة العلمية البسيطة والساطعة في آن، ورابعا، اود ان اكرر ما ذكرته في مقالتي تلك، وهو اني أحلم ان أرى قائمة تفصيلية بالمترجمين العراقيين عن الروسية مع الاشارة الى اعمالهم الترجمية، وذلك لان هذه القائمة – في حالة تحقيقها - ستكون دليلا ومصدرا مهما للباحثين في هذا المجال الفكري المهم، وستؤدي دراسة هذا الدليل وتحليله الى السير ابعد واعمق في تطوير العلاقات الفكرية بين الشعبين، والى اخضاع عملية الترجمة نفسها الى اسس علمية دقيقة.

والآن اتوقف قليلا عند ابرز الملاحظات التي وردت في هذه التعليقات، ولعل اهمها ما كتبه الزميل العزيز والباحث الكبير أ.د. ميثم الجنابي، اذ أثار اولا موضوع المترجم الياس شاهين، وهل هو عراقي ام لبناني؟ والحقيقة ان هذا الموضوع طرحه عليّ بعض الزملاء ايضا، وقد أجبتهم بانه عراقي، وانا قابلته شخصيا ولعدة مرات في القسم الداخلي لجامعة موسكو في بداية الستينات، حيث كان يدرس في قسم الدراسات العليا (الاسبيرانتورا) في كلية الاقتصاد، وهو من يهود العراق، الذين رفضوا الهجرة الى اسرائيل في حينها بداية الخمسينات، واستطاع الوصول الى الاتحاد السوفيتي مع مجموعة صغيرة عراقية من اليهود ايضا، وهم كلهم من القريبين من الافكار الماركسية طبعا، وكان الياس شاهين حساسا جدا و يتجنب الاختلاط بالعراقيين في جامعة موسكو نظرا لكل هذه العوامل والوقائع، وكنّا نحن الطلبة آنذاك نعامله باحترام، اذ انه كان أكبر منّا سنّا ويتصرف وفق أخلاقية عالية وأدب جمّ. لقد ارتبط الياس شاهين بحركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي منذ الخمسينات، وكان هو أحد واضعي قاموس الجيب الروسي – العربي الصغير، والذي استخدمناه عند وصولنا للدراسة في موسكو بداية الستينات، اذ لم يكن هناك اي قاموس آخر، وليس عبثا ان الياس تخصص بعدئذ بالترجمة السياسية، وبالذات لكتب ماركس وانجلس ولينين، ولا زالت مطابع بيروت تعيد طبع ترجماته . اما الجزء الآخر من تعليق الجنابي، فانا متفق معه كليا، اذ ان الترجمة عن الروسية الى العربية لم تبلغ بعد (سنّ الرشد !!!)، وهذا موضوع يرتبط بمستوى الثقافة ومسيرتها في مجتمعاتنا العربية، وأظن، ان وضع قائمة بالمترجمين العراقيين عن الروسية هو بداية طريق التحليل العلمي السليم لحركة الترجمة عن الروسية والتخطيط لمسيرتها اللاحقة .

التعليق الاخير الذي اود التوقف عنده قليلا هوملاحظات احد طلبتي سابقا وزميلي في التدريس لاحقا وهو الرئيس السابق لجمعية المترجمين العراقيين الدكتور علي عدنان، وانا متفق معه بشكل عام، رغم بعض السمات الحادة التي جاءت في تعليقه، وقد ذكرت في مقالتي الى عدم قدرة شخص واحد القيام بهذا العمل العلمي الكبير، غير اني أردت ان احرّك (المياه الراكدة !) ليس الا، ولكني اريد ان اعلق على تهمة خطيرة جاءت في ثنايا ذلك التعليق، وهي ان يضع شخص اسمه على غلاف كتاب مترجم، واتمنى يا اخي د. علي ان تفضحوا مثل هذه الظواهر في اوساطكم، اذ اننا لم نعرف مثل هذا التدني والانحدار في زماننا.

اخيرا، اقدم ملحقا باسماء المترجمين العراقيين عن الروسية، والذين فاتني ذكرهم في مقالتي تلك مع الاعتذار لهم، واشكر الاصدقاء الذين ساعدوني على تلافي ذلك السهو، واود ان اؤكد مرة اخرى ان هذا العمل يبقى غير متكامل دون مشاركة الآخرين.

 

الاسماء

د. اكرم عزيز // د. ايناس طارق // د. برهان جلال // د. برهان شاوي // خلف حامد // د. سامر أكرم // د. سعد عجاج // د. سلمان احمد اسماعيل // صادق حسين // د. صادق كمر // ضياء خميس العبادي// د. عبد الجبار الربيعي // المرحوم عدي عجينه // د. علي عدنان مشوش // د. غالب عبد حسين التميمي // فاضل فرج // د. فردوس بريهي // المرحوم د. فلاح الفلاحي// د. كفاح الجواهري // مالك حسن // د. محمد سعدون // المرحوم د. محمد صبري// محمد فريح // د. محمود غازي// د. ميثاق محمد // د. ناظم مجيد الديراوي // د. نهله جواد // المرحوم د. نوري السامرائي // هاشم الموسوي // هيلان كريم // د. ياسين حمزه .

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

عباس الخفاجيحادثة وقعت كادت أن تطيح بعرش الملك غازي بن فيصل ملك العراق، وألحقت بسمعة العائلة الهاشمية المالكة العار، كما أضرت بسمعة العراق داخليا وخارجيا، و كانت من أهم أسباب أنقلاب بكر صدقي عام 1936، تلك هي فضيحة هروب الأميرة عزة بنت فيصل مع النادل اليوناني و زواجها منه وأعتناقها الدين المسيحي.

والأميرة عزة، هي البنت الكبرى للملك فيصل الأول (عزة، راجحة، رئيفة، غازي)، حيث ولدت في أسطنبول عام 1905، وعندما عادت عائلتها الى الحجاز كان عمرها ثلاث سنوات، وعاشت طفولتها في مكة حتى مجيئها الى العراق عام 1924، وبقيت فيه حتى زواجها عام 1936.

في العراق، كانت حياة الأميرة عزة تختلف كثيرا عما تعودت عليه في الحجاز، حيث لم يكن بأستطاعة نساء العائلة المالكة الخروج من البيت ألا ليلا، لزيارة جدها الشريف حسين، أما في بغداد فقد كان بأستطاعتها أن تخرج وتفعل ما تريد كون بغداد أكثر أنفتاحا من الحجاز.

وبسبب تفرغ الملك فيصل الأول للقضايا السياسية، لم يتفرغ لتربية أولاده وترك ذلك لخدم القصر الأمر الذي أدى الى تربية أبناءه تربية سيئة وهذا بدوره أدى الى أنحلالهم وكبتهم على نحو تفجر بعد وفاة والدهم الملك عام 1933.

لم تكن عزة طبيعية في كل تصرفاتها، فقد كانت تضحك وتبكي في أوقات غير مناسبة، أنانية بشكل كبير جدا، كما أنها لم تكن تملك شيئا من مقومات الجمال، عصبية المزاج، كثيرة السخط على الأخرين بدون أي سبب، وهذا الذي أدى الى عزوف الكثير من العوائل المعروفة التقدم لخطبتها والأقتران بها.

كان شقيق عزة، الملك غازي يصحبها معه في سفراته السياحية الى الجزر اليونانية، وهناك تعرفت على نادل أو طباخ يوناني في أحد الفنادق يدعى (أنستاس)

عند عودتها الى العراق تظاهرت بالمرض الشديد، فطلبت من شقيقها الملك غازي السماح لها بالسفر للعلاج، فسمح لها في أيار 1936 السفر الى جزيرة رودس وهي أحدى الجزر اليونانية، للعلاج والأصطياف بصحبة شقيقتها الأميرة راجحة و ثلاث خادمات، على أمل أن تتحسن صحتها هناك.

وحال وصولهم الى أثينا، سكنت الأميرتان والخدم في جناح خاص في الفندق، وفي اليوم الثاني سحبت الأميرة عزة من حسابها الخاص مبلغ مائة و خمسون دينارا، وكانت تصرفاتها طبيعية جدا ولم يبدو عليها أي علامة تثير الأنتباه أو الشك، وفي صبيحة يوم الأربعاء 27 حزيران 1936 حضرت الخامة (طليعة عمر) التي كانت ملازمة للأميرة عزة، بأن الأميرة غير موجودة في غرفتها، حيث تبين فيما بعد بأنها غادرت الفندق مع الشخص الذي تزوجته، حيث تركت رسالة باللغة الأنكليزية الى شقيقتها الأميرة راجحة بتوقيعها تخبرها بأنها وبسبب فقدان والدها ووالدتها فأنها لابد لها من أن تلحق بالرجل الذي تحبه وقد تزوجت وتنصرت وأبدلت أسمها الى (أنستاسيا).

بعد أن أطلعت الأميرة راجحة على الرسالة، هرعت الى فندق أتلانتيك الذي كان يقيم فيه العروسان، في محاولة منها لتدارك الأمر والغاء هذا الزواج، لكن الأميرة عزة رفضت مقابلة احد، وأرسلت الى أختها ورقة باللغة الأنكليزية طلبت منها أن لا تنتظر لأنها تزوجت وأنتهى الأمر.

أسرعت الأميرة راجحة الى الغرفة التي تقيم فيها شقيقتها، و أخذت تنادي على أختها " عزة عزة ما الذي تفعلينه، فكري في الأمر، فكري بأخينا، أي سوء أنت فاعلته، أين سيكون شرف عائلتنا عندما ينتشر هذا الخبر المخزي في بغداد "، فأجابتها عزة من خلف الباب : لا تنشغلوا بي، أنسوني، وأعلنوا برائتكم مني، فأنا تبرأت منكم، لا أريد السمعة ولا الثروة ولا الملكية فلقد أصبحت الآن مسيحية وتزوجت ولا ينفع الآن كل ما تقولينه.

بعدما عجزت الأميرة راجحة من أقناع أختها بالعدول عن هذا الزواج والعودة معها الى بغداد، لجأت الى السفارة البريطانية في اليونان وطلبت تدخل السفارة لمنع تلك الفضيحة، كما قدمت شكوى ضد الزوجين بانهما سرقا مجوهراتها التي تقدر بستة آلاف جنيه أسترليني ومبلغ مائة وخمسون دينارا عراقيا، وكان هدف الأميرة راجحة من هذه الشكوى وضع العروسين تحت الحراسة لكسب الوقت، وحضر المدعي العام اليوناني الى فندق أتلانتك، وأخذت عزة تجيب على أسئلة الشرطة بكل جرأة، وقرر القضاء اليوناني أغلاق القضية لكونها سرقة بين الأخوة .

أنتقلت الأميرة عزة وزوجها الى جزيرة رودس للعيش فيها، وحصلت على الجنسية الأيطالية لكون زوجها أيطالي الجنسية وأعتبر زواجها شرعيا حسب قانون الأحوال الشخصية الأيطالي.

وبعد أن نفذت كل مدخرات الأميرة عزة، حاول زوجها الحصول على فرصة عمل في جزيرة قبرص، لكنه فشل في كل محاولاته مما أضطر الزوجان الأنتقال الى لندن، وهناك أيضا أخفق الزوج في الحصول على عمل، مما أدى الى أنفصال الأميرة عزة عن زوجها في العام 1939، حيث لم تنجب منه، وعادت الى أيطاليا عام 1940، حيث منحتها الحكومة الأيطالية راتبا شهريا قدره مائتي ليرة حتى العام 1944، وأدمنت الأميرة التدخين، وكثرت ديونها، وقطعت حكومة الجمهورية الجديدة هذه المعونة.

وعند زيارة الوصي عبد الأله روما عام 1945، علمت الأميرة عزة بهذه الزيارة وطلبت مقابلته، ألا أنه رفض مقابلتها، لكن الدكتور سندرسن قابلها فوجدها في حالة سيئة للغاية، محطمة نفسيا رثة الملابس، وروت له ما حل بها، فنقل الدكتور سندرسن ذلك الى الأمير عبد الأله فوافق على مقابلتها ومنحها مبلغا من المال، وطلب منها الأنتقال الى القدس للعيش مع عمه الأمير عبد الله فوافقت على ذلك من دون تردد.

أستقرت الأميرة عزة في القدس وبقيت فيها فترة من الزمن، ثم أنتقلت الى عمان حتى العام 1960حيث أصيبت بمرض السرطان فذهبت للعلاج في لندن، وفشلت كل محاولات الأطباء في علاجها، حيث تم قطع لسان الأميرة عزة لمعالجة هذا المرض ولم يجد ذلك نفعا، فتوفيت في لندن، ثم نقل جثمانها الى عمان لتدفن في المقبرة الملكية هناك.

أن قضية هروب وزواج الأميرة عزة كانت ضربة قوية للعائلة المالكة ولكافة الساسة العراقيين الكبار، وبالرغم من تكتم العائلة المالكة على هذه الأخبار ومحاولة عدم تسربها الى داخل العراق، ألا أن الصحافة العالمية تلاقفت الخبر لتنشره موضحا بالصور من أجل تحقيق مكاسب مادية، الأمر الذي جعل الملك غازي في موقف صعب جدا، وكادت تودي بعرشه.

تصاعدت تأثيرات الخبر في العالمين العربي والأسلامي، مما دفع رئيس الديوان الملكي رستم حيدر الطلب من طبيب العائلة المالكة سندرسن، كتابة تقرير مفصل عن الحالة النفسية والصحية للأميرة عزة التي دفعتها للقيام بهذه المغامرة، فكتب سندرسن التقرير التالي :

(بغداد في 13 حزيران 1936 سري

رئيس الديوان الملكي – البلاط الملكي – بغداد

سيدي:

الحاقا بمحادثتنا امس فيما يلي تقريرا عن صحة صاحبة السمو الملكي الاميرة عزة.

كانت الاميرة عزة دائما عصبية المزاج وقد جابهت في السنوات الاخيرة هزات عقلية نادرة لم تمر دون ان تؤثر في اعصاب رقيقة كأعصابها، لقد سببت وفاة والدها الفجائي المغفور له الملك فيصل قبل ثلاث سنوات اضطرابا نفسيا لازم سموها الملكي وجعلها طريحة الحزن لعدة اسابيع. وقد تلت هذه الصدمة أخرى لم يقل شأنها من الاولى وهي وفاة والدتها جلالة الملكة فجأة أيضا. وذلك قبل سنة ونصف مما سبب لها أنحلالا عصبيا شديداً – كانت الاميرة عزة شغفة بوالديها غاية الشغف وقد أظهرت منذ وفاتها أضطرابا عصبيا متزايدا. وقد جاءت وفاة شقيقتها وعمها الملك (علي) صدمة أخرى على الصدمات السابقة مما أثر عليها تأثيرا عميقا.

وكانت نتيجة هذا الحزن المستمر وتوالي الرجات العقلية التي منيت بها في السنوات الاخيرة أن أصيبت الاميرة عزة منذ ستة أشهر بمرض (هستريا) عنيف، وقد رافق هذه الحالة العصبية أنقباض نفس وعدم قابلية ضبط النفس وضعف الارادة وكانت تعاودها هجمات (هستيرية) بصفة عامة.

وبعد عقد سلسلة أستشارات طبية (كونسلتا) قرر الرأي أخيرا على ضرورة تغيير مناخ ومحيط الاميرة لمدة طويلة. وبالنظر لقرب موسم الحر أشير عليها بالاقامة في مصيف صحي في أوروبا على أن تستشير خلال وجودها في أوروبا أخصائيا فيما يختص بحالتها العصبية.

لا أشك في أن زواج الاميرة عزة أن هو الا برهان أضافي على أصابتها بشذوذ عقلي وهو حالة تلازم أكثرية الاشخاص المصابين بمرض الهستريا.

لي الشرف في أن أكون سيدي

خادمكم المطيع

ا. ح. س. سندرسون

الطبيب الخاص لجلالة الملك).

كان الغرض من هذا التقرير هو تخفيف الصدمة التي سببتها الحادثة على العائلة المالكة والساسة العراقيين وعموم أبناء الشعب العراقي.

وقد بذلت جهود كبيرة في بغداد لتلافي هذه الفضيحة وتطويقها ومحاولة علاجها، وكانت رغبة رئيس وزراء العراق ياسين الهاشمي شديدة في تدبير خطة لأغتيال الأميرة عزة، لكن لم يتمكن أحد من غسل العار الذي لحق بالعائلة المالكة، وساءت أحوال الملك غازي النفسية والصحية ومرض مرضا شديدا، فأستغل خصومه هذه الفضيحة وتأثيرها في صحته، فأتخذوها ذريعة للتخلص منه وأبعاده عن العرش أو فرض قيود على تحركاته، ومن هنا بدأت أولى خطوات فكرة عزل الملك غازي وأيجاد بديلا عنه لتولي عرش العراق من خارج الأسرة الهاشمية، وقد أسهم وبشكل كبير نوري السعيد في أنضاج وبلورة فكرة تأليف مجلس وصاية يرأسه ياسين الهاشمي، يحكم البلاد لحين بلوغ ولي العهد الأمير فيصل الثاني سن الرشد.

رفض ياسين الهاشمي هذه الفكرة، لأنها ستكون تجربة محفوفة بالمخاطر، وستؤدي الى صراع دام على السلطة يعرض البلاد الى الدمار، أضافة الى تخوف الهاشمي من أن يتهم بتدبير حادثة الأميرة عزة لتحقيق هذا الغرض.

ومع ذلك فأن ياسين الهاشمي كان يرى أن على الملك غازي قتل شقيقته بيده، لأنه من الصعب أستمراره بالحكم ألا أذا أستعاد شرفه بسبب غضب الشعب العراقي من تلك الحادثة.

لكن السفير البريطاني في العراق أوضح للهاشمي بأن هذه الخطوة ستكون نتائجها سلبية على المستوى العالمي .

قام السفير البريطاني بمقابلة الملك غازي وفاتحه حول تصرفاته الخاصة وما يدور حوله من أشاعات، فأكد له الملك بأنه سوف يكون حريصا على أن لا يجعل من حياته الخاصة ما يعرضه للأنتقاد، ثم قام الملك وبناءا على رغبة ياسين الهاشمي بطرد كافة مرافقيه وسائقو سيارته ومعظم الخدم الشخصيين، وأخذ الملك غازي بنصيحة ياسين الهاشمي بحضور صلاة الجمعة في جامع السراي والأهتمام بالقضايا الأجتماعية للشعب.

 

بقلم: عباس الخفاجي

 

 

ضياء نافعبحثت عن قوائم خاصة بالمترجمين العراقيين هنا وهناك، ولكني لم أجد – مع الاسف - أي شئ، حتى بالنسبة للمترجمين عن اللغة الانكليزية، رغم ان العراق هو (انكلوفوني) منذ دخول الجنرال الانكليزي مود (محررا وليس فاتحا !) عام 1917، وبقي العراق هكذا لحد الان، و قال لي أحد اصدقائي وهو يبتسم - يبدو انه ليس من باب الصدفة ابدا، ان تم دفن الجنرال (المحرر وليس الفاتح !) في مقبرة الانكليز ببغداد .

بعد الاستفسارات الطويلة والعريضة من هذا وذاك، قررت أن أبدأ بوضع قائمة بهؤلاء المترجمين بنفسي و معتمدا على ذاكرتي ليس الا، ولهذا حرصت ان اعلن - قبل كل شئ - ان هذه القائمة (أوليّة)، وثبّت هذه الصفة حتى في عنوان المقالة، اذ لا يمكن ابدا لشخص واحد القيام بهذه المهمّة الكبيرة، بل يجب ان تكون هناك لجان في مختلف الاختصاصات تجتمع وتناقش وتستفسر وتقوم بتنظيم استبيانات و تجرد الاوليات الواسعة وتجمع الاسماء منذ بداية حركة الترجمة عن الروسية في العراق ...الخ الخ، ولكنني أأمل – مع ذلك - ان تكون هذه الخطوة المتواضعة حافزا للآخرين كي يشاركوا في هذا العمل العلمي التاريخي الطريف، والذي أؤكد – مرة اخرى واخرى – انه يحتاج الى عمل لجان متشعبة وعديدة من أجل انجازه بشكل صحيح وعلمي ودقيق ومتكامل، ولا يمكن لشخص واحد القيام بذلك ابدا (انظر مقالاتي – المترجمون العراقيون في الاتحاد السوفيتي 1،2، 3، 4) . وها هي القائمة الاولية للمترجمين العراقيين عن الروسية، علما انني احلم ان أرى يوما - ما دليلا متكاملا يضم اسماء المترجمين العراقيين كافة مع الاشارة الى اعمالهم الترجمية، التي أنجزوها، اذ ان الترجمة هي احدى مقاييس الحوار بين الشعوب وتفاعل الحضارات المختلفة .

أسماء المترجمين العراقيين عن الروسية حسب الابجدية

أحمد عبد الكريم – يساهم في حركة الترجمة في العراق .// المرحوم د .الياس شاهين – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي .// أشواق مطلك – تساهم في حركة الترجمة في العراق . // د. آيات يوسف – تساهم في حركة الترجمة في العراق .// د. بشير الناشئ – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي . // برهان الخطيب – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي و اوربا . // د. تحسين رزاق عزيز – يساهم في حركة الترجمة في العراق. // المرحوم د. جلال الماشطة – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي. // المرحوم د. جليل كمال الدين – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي والعراق // د. جميل نصيف التكريتي – يساهم في حركة الترجمة في العراق // د. جودت هوشيار – يساهم في حركة الترجمة في العراق وخارجه .// حسب الشيخ جعفر – يساهم في حركة الترجمة في العراق وخارجه . // د. حسن البياتي – يساهم في حركة الترجمة في العراق وخارجه.// حسين خضر الشويلي – يساهم في حركة الترجمة في العراق . // حسين محمد سعيد – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي ولا زال يساهم فيها في اوربا. // د. حكمت شبّر – يساهم في حركة الترجمة في العراق. // د. حميد حسن علوان – يساهم في حركة الترجمة في العراق.// المرحومه د. حياة شرارة – ساهمت في حركة الترجمة في العراق . // المرحوم خميس حرج نشمي – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي . // خيري الضامن – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي ولا زال يساهم فيها في روسيا وخارجها. // د. داود كرومي المنير – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي .// دينا ادهام يحيى – تساهم في حركة الترجمة في العراق . // د. رؤوف الكاظمي – يساهم في حركة الترجمة في العراق . // د. زينب كمال الدين – تساهم في حركة الترجمة في العراق . // المرحوم د. سعدي المالح – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي . // سعيد نفطجي – ساهم في حركة الترجمة في العراق . // د.سلام الشهباز – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي ولا زال يساهم فيها في روسيا . // المرحوم صادق الجلاد – ساهم في حركة الترجمة في العراق . // د. صفاء محمود علوان – ساهم في حركة الترجمة في العراق ولا زال يساهم فيها خارج العراق . // د. ضياء نافع – ساهم في حركة الترجمة في العراق ولازال يساهم فيها في روسيا .// د. عادل الجبوري – ساهم في حركة الترجمة في العراق والاتحاد السوفيتي، ولا زال يساهم فيها في روسيا . // المرحوم د. عباس خلف – ساهم في حركة الترجمة في العراق . // عبد الله حبه – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي، ولازال يساهم فيها في روسيا وخارجها .// المرحوم د. عبد الرحمن معروف – ساهم في حركة الترجمة في العراق .// المرحوم د. عبد الرزاق مسلم – ساهم في حركة الترجمة في العراق. // المرحوم د. عدنان عاكف – ساهم في حركة الترجمة في العراق وخارجه. // د. عز الدين مصطفى رسول – يساهم في حركة الترجمة في العراق . // د. عقيل يحيى – يساهم في حركة الترجمة في العراق .// د. عماد شابا – يساهم في حركة الترجمة في العراق . // المرحوم غائب طعمه فرمان – (شيخ المترجمين العراقيين في روسيا) . ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي .// د. غادة طارق العاني – تساهم في حركة الترجمة في العراق. // المرحوم غازي العبادي – ساهم في حركة الترجمة في العراق .// فاضل قلي – ساهم في حركة الترجمة في العراق والاتحاد السوفيتي ولازال يساهم فيها في روسيا.// المرحوم فائق ابو الحب – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي . // د. فالح الحمراني – يساهم في حركة الترجمة في روسيا وخارجها . // المرحوم قاسم محمد – ساهم في حركة الترجمة في العراق . // كامران قره داغي – يساهم في حركة الترجمة في العراق وخارجه . // د. كامل العزاوي – يساهم في حركة الترجمة في العراق . // د. كمال مظهر أحمد - ساهم في حركة الترجمة في العراق وخارجه .// كولاله نوري – تساهم في حركة الترجمة في العراق وخارجه. // ماركريت كانيكانيان – ساهمت في حركة الترجمة في العراق. // محمد الطيار – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي ولا زال يساهم فيها بروسيا. // المرحوم د. محمد يونس – ساهم في حركة الترجمة في العراق . // المرحوم د. معروف خزندار – ساهم في حركة الترجمة في العراق . // المرحوم د. مكي عبد الكريم المواشي – ساهم في حركة الترجمة في العراق. // د. منى عارف جاسم - تساهم في حركة الترجمة في العراق . // د. منذر ملا كاظم – يساهم في حركة الترجمة في العراق .// المرحوم مهدي هاشم – ساهم في حركة الترجمة في العراق. // المرحوم موفق الدليمي – ساهم في حركة الترجمة في الاتحاد السوفيتي . // د. ناهدة البدري – ساهمت في حركة الترجمة في العراق . // د. هاشم التكريتي – يساهم في حركة الترجمة في العراق . // د. هديل اسماعيل نيازي – تساهم في حركة الترجمة في العراق .// المرحومة د. وفية ابو قلام – ساهمت في حركة الترجمة في العراق.

 

 

جواد غلوم"بمناسبة مرور سنة ثقيلة مثل جبلٍ أجرد بشهورها وايامها وساعاتها ودقائقها وثوانيها على موت قرينتي"

عادة ما يشعر المرء بالحزن والقنوط والتجهّم اذا مرت عليه ليلة ليلاء او كما يسميها العرب ليلة نابغية بطيئة الكواكب؛ فكيف بي وانا الذي مررت بسنة عجفاء قاحلة من الحنوّ والمرعى الخصب واللقمة السائغة والدلال المبهج وأظل ساهما أتعجب كيف قضيت كل هذه الايام والليالي وحدي بلا رفقتها وهدأتها وحتى ضجيجها وضحكتها وبكائها .

فجر اول يوم رمضاني من العام الفائت عزمت ان تودعني زوجتي وصديقتي وحميمتي الى الابدية، أحسستها وهي توشك ان تقترب من أجلِها ؛ لم تعبأ بنوازع الاحتضار ولم تدِرْ بالاً برجفة النزع الأخير وآلتْ بعناد أعرفه منها ان ترفع كفّها لتودعني وكأنها تلوّح لي ان حياتك ستكون سلاسل ومقطورات من الجهشات والمنغصات والكدر والمرارات والجهمة، انا الذي شببتُ على حبها ونضجت على رعايتها وهرمت على حنانها وصبوتها .

كانت كما هجستها اول اقتراني بها نافذتي وشرفتي المشرعة بنسائم العذوبة، لم يضقْ صدري يوما ما بثقل زفيرها وخناقها وبقيتْ ظلاً ظليلاً باردا في قيظي ودفئا استشعره في شتائي وهي تطلع بثراء شعاعها المضيء وتنير مضائق وظلمة المسالك وما أكثرها في بلادي المكفهرّة في الغالب الأعمّ .

وظلّت تحوي في قلبها الساخن حباً تُذيب أكوام الثلج وجفوة العلاقة الحميمية لو تجمعت وانتشرت في زوايا البيت، وتمتد يدها لتركز عماد البيت وتثبت وتدَه ايام وليالي العواصف والرياح الهوجاء .

افتقدتُ غمامك الحاني حينما يظلل بيتي ونسلي ويغدق علينا فيئا وافرا ونثيثا من عطر رعايتك، أتحسس يدي فارغة بلا أصابعك التي تشبك كفي وأجول في غرف البيت أفتح خزانة ملابسك فتصدمني عطورك المرصوفة بإمعان وتسألني عن يدك التي كانت تنتقي قواريرها وفقا لأجواء الصباحات والمساءات، تلك المكحلة الحزينة المنزوية تناشدني وتتوسل ان تنوش رمشيها ولو بلمسة عابرة سريعة.

مرآتك العطشى تناشدني لترى طلعة وجهك يوم كانت تتراقص فرحا حين تلتقيان وهي الان تسوّد قتامة وجهمة اكثر اسودادا وحلكة .

أحمر شفاهك الذي غدا دما عالقا لا يدري اين يغمس فرشاته .

تعليقة وشاحك القرمزي المزين بالفراشات الجميلة وهي تُمنِّي ان تغطي خصال شعرك الفاحم وتزينه بهجةً وجمالاً .

بتّ ادور في ارجاء البيت طقسا يوميا مثل زائر هائم بضريح عزيز له يترقب أملا غائبا محال ان يتراءى امامه ويوهم نفسه بإيماءة كاذبة .

أتعثر بحطام الذكريات فيوقعني انا المعنّى الخالي من العكاز والسند والسائر في هشاشة العمر الرخو المائل الجدار .

أدخل مطبخي لأسدّ رمقي ببضع لقيمات فاستشعر نكهتك وأطايب ماتصنعين من الحلوى ولذائد المقبلات والمطيبات والمثلجات فلا تنطفئ باديتي العطشى اليك ايتها الرواء والدواء والشفاء والسخاء والعناء معاً .

بعض الأحايين اغفل عنك وانا في غمرات انشغالاتي قراءة وكتابة فتثيرني جهشتك وانت في خضم السقم الذي أودى بك بعيدا عني وعن نسلك واحفادك .

وحالما انعس قليلا ناشدا غفوةً تهدئ بعض روعي فأرمق جسدك يدنو مني ويزاحمني سريري ويكاد يطيح بي ارضا

أقوم في الصباح لأعيد ترتيب لوازمي وقراطيسي المبعثرة ونثار اوراقي المرمية هنا وهناك فأرى يديك تلملم مبعثراتي وتفتح ستائر النوافذ طلبا للتهوية واشعة الشمس كي تستقر في مأواي العابث .

اعمل قهوتي الصباحية فاتذوقها مريرة بطعم العلقم وأخال الصباح يحزم حقائبه مودّعا وكأنه يهوى الرحيل الى جوارك ويومئ لي بسخرية ويقول لي انك سوف لا ترى اشراقتي بعد الان وعليك ان تسدل ستائرك طوال نهاراتك ولياليك لترى جدائل حبيبتك السوداء عسى ان تلاعبها بأناملك المرتعشة ولتذهب لسقاية ورودك في حديقة بيتك الصغيرة لتشعر برواء وعذوبة حبيبتك الظامئ اليها .

حين يحين موعد استرخائي ويغلب عليّ نعاسي أتجرد من ملابسي فإذا جلدها يتلبسني وتلامسني بذهولها وسقامها، تطاردني في صحوتي ونومي؛ في جلجلتي وهدأتي، في شرودي وفي صحوتي، في حلّي وترحالي، مكوثي ورحيلي، فرحي وحزني، قلقي وسكينتي .

ما انت ايتها الكائنة الانثى التي لا تبرح مخيلتي !!.

لا أخفي اني عاشرت اجمل النساء واكثرهن سحرا وسخونة ولم ألقَ حرارة سائغة لي مثل دفئك !!

ذقت أطايب الخمرة عتيقها وجديدها، نزلت أقبيتها فلم اجدها مسكرة كشفاهك .

شممت النسائم عبيرها وبحرها وبرّها لكنها لم تكن توسع صدري مثل أنفاسك .

عركتني الحياة، قذفتني المنافي بعيدها وقريبها واحتوتني السجون وعنابرها وزنزاناتها المكتظة والانفرادية ؛ لم اجدها مريرة كفراقك .

خذي هذه البقايا مما كتبت شعرا فيك يوما ما لعلها تقربني منك لقاءً قريبا لا وداعا وحتما سوف أجيء مشوقا لاهفا .

أراكِ ارتحلتِ بعيداً !!

أهذا الوداعُ الأخير؟

ولكنّ عطرَك لامسَني في المساء

واعتراني كذكرى الفتوةِ

يلتفُّ بي كالوشاحِ الذي ظلَّ ابيضَ

منذُ اشتريناهُ قبل المشيب

منذ كنّا صغار

وصيّرني عاشقاً رعشَ القلبِ

حاني اليدين

تذكرين الدروبَ التي ضيّعتْنا؟

وكنتِ دليلي، مساري الأمين

وحين يُشتتني العمرُ

صرتِ يدي وعكازيَ الصلبَ في الطُّرقات

حائطي، سنَدي حين طاحَ بيَ المخبرون

ومتَّكأً لشيخوختي حين تغادرُني قُوتي

كنتِ سقفاً حماني، من لصوصِ النهار

من لصوصِ الجنون

من ندامايَ أيام عشتُ المجون

ومن قاذفي الرعدَ والبرقَ بالمنجنيق

أريدكِ إطلالةً دائمةْ

أطلّ على أصدقاءِ الزمانِ الجميلِ الحنون

أرى شرفتي، شهقات القصيدةِ تسلب لبّي

أريدك حرْزاً يصونُ وجودي

تميمةَ عمري الذي ضاع بين الشكوكِ وبين اليقين

وبين الطّهاراتِ والموبقات

 

جواد غلوم

 

جعفر المهاجرالتعليم والواقع المأساوي: تعتبر المدرسة في أي بلد من بلدان العالم مركز الإشعاع الذي تنطلق منه شتى صنوف المعرفة. وتتباهى بها الأمم التي تريد أن تحتل موقعها تحت الشمس. لأنها المقياس الحقيقي لنهضتها، وصعودها لايتم إلا عن طريقها . وكلما كانت النظم التعليمية مواكبة لروح العصر ساعد في تقدمها وازدهارها . لذا تختار الحكومات التي تسعى للتقدم العلمي والمعرفي والحضاري خيرة الكفاءات التربوية والعلمية للنهوض بأجيالها من خلال جعل المدرسة بيتها الثاني .

وغالبا ماتجعل التعليم إلزاميا حتى تنقذ شعوبها من غمرات الجهل والتخلف.

ومن مدارس العراق وجامعاتها تخرج فطاحل وعمالقة أجلاء تركوا بصمات خالدة في كل المجالات العلمية والثقافية والتربوية، ويشار إليهم بالبنان في كافة أنحاء العالم ولا أريد أن أدخل في قائمة الأسماء التي ستطول. وقد سعت الدول الأجنبية إلى إغراء العديد منهم بتوفير الظروف الملائمة لعيشهم التي لم يجدوها في وطنهم لكي يساهموا في تطوير تلك الدول. واليوم تزخر مدن الغرب بآلاف الكفاءات العراقية التي تعمل في هذه البلدان بعد أن ضاقت بهم سبل العيش بكرامة في وطنهم من قبل حكومات لاتقيم وزنا للعلم والعلماء. وقد حث ديننا الإسلامي على طلب العلم حيث قال الله في محكم كتابه العزيز:

بسم الله الرحمن الرحيم:

قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ-الرعد 16

وقال رسولنا الكريم محمد ص (أطلب العلم من المهد إلى اللحد) وقال الإمام علي ع (من علمني حرفا ملكني عبدا ).

ومن أسعد اللحظات في حياة المربي الذي مارس مهنة التعليم لأعوام طوال حين يلتقي بطلبته الذين كانوا يوما ما أغراسا يانعة على مقاعد الدراسة وقد أصبحوا رجالا وحصلوا على شهادات عالية.وقد شعرت شخصيا بتلك اللحظات السعيدة كلما إلتقيت بأحدهم، وأسمعني كلماته الطيبة النابعة من أعماق وجدانه التي أعتبرها ذخيرتي الكبرى من هذه الحياة.

ومن خلال هذه الحقائق. فلاشك ولا ريب بأن مهنة التعليم تعتبر من أشرف المهن لأنها تتعامل مع كائنات بشرية لها مشاعر وأحاسيس، وتعتبر المدرسة الحقل الذي تنمو فيه أطيب وأجود أنواع الثمار لو توفرت لها التربة الخصبة والرعاية المستمرة. ومن واجب أية حكومة عراقية توعية الناس وحثهم على إرسال أبنائهم إلى المدارس ويقوم المعلمون بواجبهم التربوي والأخلاقي والوطني على أكمل وجه بعد إنصافهم ماديا ومعنويا ،وتهيئة سبل العيش الكريم لهم من قبل حكومتهم.لأن المعلم الحقيقي هو الأب الروحي للطالب .ولابد أن يمتلك قدرا كافيا من العلم في مجال إختصاصه وثقافة عامة تؤهله لأن يكون مربيا ناجحا مقتدرا ملما بالمادة التي يدرسها . ومن أولى مهامه معاملة التلميذ معاملة أبوية راقية تتناسب مع رسالته السامية. لكي يلتصق الطالب بالمدرسة، وينهل من معينها ويتقدم في دراسته ،وبالتالي يساهم مساهمة عملية فعالة في تطور بلده وأمته. يقابل ذلك إدراك أولياء الأمور لدور المعلم بتكوين رابطة إنسانية قوية بينهم وبينه من خلال الزيارات واللقاء المباشر للإطلاع على أوضاع أبنائهم والمساعدة على حل مشاكلهم.

إن أجيالنا هم الدم المتجدد في شرايين الوطن.وهم أمانة في أعناق حكوماتهم التي يجب أن تتحمل مسؤولياتها الأخلاقية والدينية والوطنية نحوهم بتوفير الكتب المدرسية والأبنية الجيدة،وغيرها من الأمور التي توفر مناخا ملائما لإحداث عملية تربوية ناجحة.

ولكن مما يحز في نفس كل مواطن متابع لسير هذه العملية وخطها البياني يرى نكسات كبرى أخذت تعصف بها لها أول وليس لها آخر بعد أن أصبحت وزارة التربية ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي وزارتان خاضعتان لنظام المحاصصة السيئ الصيت وكان من نتيجتها تراجع هذا القطاع تراجعا مخيفا . حيث تردت الخدمات داخل الأبنية المدرسية المتهالكة،وباتت المئات من تلك المدارس مشققة الجدران، وتقبع بين أكوام النفايات ، وجيوش من الحشرات في المدن ، وإهمال للوضع الصحي للطلبة .أما في الريف فحدث ولا حرج فهناك ما يزيد على ألف مدرسة طينية سقوفها متآكلة، ومرافقها الصحية مهملة تماما. وتخلو من أبسط المستلزمات الأساسية. ويفتقر الطلاب إلى الرعاية الطبية، وتنهار بعض صفوفها وغرفها بسبب الأمطار. ولا من مغيث. علاوة على دخول أشخاص طارئون على هذه العملية بعد أن صار همهم الوحيد إقامة الدروس الخصوصية في بيوتهم للحصول على المال الذي توفره طبقة غنية تعيش في بحبوحة من العيش الرغيد، ومستعدة للدفع . أما فقراء الوطن فقد وقعوا بين نارين إما إرسال فلذات أكبادهم إلى المدارس الحكومية التي تدنى فيها التعليم، والتي تفتقر إلى أبسط الخدمات،ويجلس كل ثلاثة طلاب على رحلة متهالكة ووصل العدد إلى أكثر من خمسين طالبا في غرف مظلمة لاتتوفر فيها الشروط الصحية من إنارة وتهوية.ويلجأ الآباء إلى شراء الكتب المدرسية من السوق السوداء في بداية كل عام دراسي أو يضطرون إلى دفع أبنائهم لترك الدراسة وزجهم في أعمال لاتتناسب وأعمارهم لمواجهة الظروف المعيشية الصعبة التي تمر بهم.

ووزارة التربية تختلق دوما المبررات تلو المبررات لهذا التدهور مادام كبار المسؤولين في الدولة يتصارعون من أجل مكاسبهم وامتيازاتهم، ويرسلون أبناءهم إلى المدارس الخاصة التي تكاثر عددها وأصبحت بالآلاف على حساب المدارس الحكومية التي أخذت تتراجع يوما بعد يوم.

يقول أحد التربويين:

(أن أسوأ ما يمكن تخيله هو أن يتحول المدرس في نظر الطالب إلى (رجل أعمال) أو صاحب مشروع اقتصادي يسعى لاستغلاله، بدل تقديم العلم والمعرفة له، مما يفقد العملية التربوية معناها، ويحولها إلى (مشروع استغلال)، أو نصب واحتيال في بعض الأحيان.

وفي ظل هذه الأوضاع المأساوية تسرب الكثير من الأطفال من المدارس الحكومية فتلقفتهم الشوارع ، وضاعوا في لهواتها . ويقدر الخبراء عدد الأطفال المتسربين في العراق بمليوني طفل من بينهم نسبة عالية من الأيتام . ومن المؤكد سيتحول معظمهم إلى معول هدم وتدمير لوطنهم ما لم يتم إنقاذهم من حالة التشرد والضياع. ومما زاد من المأساة تدمير المدارس والجامعات حين غزت داعش الوطن . وحولت ماتبقى منها إلى مراكز لتلقين الفكر الداعشي الظلامي المبني على القتل والحرق والكراهية والتدمير.

إن التعليم في عراق اليوم يشهد أسوأ أيامه في ظل هذه الحكومات بعد أن كثرت المدارس والجامعات الأهلية التي يمتلكها متنفذون في الدولة لايهمهم مصيرالأجيال حتى لو ضاعت.

وكان من المفروض على هذه الحكومات المتعاقبة بعد سقوط صنم الإستبداد عام 2003 وفي ظل الموازنات الضخمة التي مرت أن تسارع إلى بناء مدارس حديثة تتناسب ومكانة العراق الحضارية. ولكن ذهبت تلك الأموال الضخمة إلى جيوب الفاسدين.

لقد وصل التعليم إلى هذا الحال المزري بشهادات من منظمات دولية ولا يدري أحد إلى متى سيستمر هذا التردي الذي عجزت الحكومات المتعاقبة عن معالجته . ترى هل يجد المواطن العراقي في المستقبل المنظور حكومة نزيهة قادمة خارجة من قيود المحاصصات بوجود وزراء وطنيين تكنوقراط ليلتفتوا إلى إنقاذ هذا القطاع الحيوي من واقعه المأساوي بوضع دراسات وبرامج وخطط معمقة مقرونة بالعمل لإصلاح ماأفسده المفسدون؟ والأيام القادمة كفيلة بمعرفة الخيط الأبيض من الخيط الأسود.

 

جعفر المهاجر.

 

جعفر المهاجرالديمقراطية وحرية المواطن كلمتان جميلتان تتداولهما الكثير من وسائل الإعلام في العراق. لكن العبرة الحقيقية ليست في التنظير لهما، والتغني بهما في الفضائيات وهو كلام لايغني ولا يسمن من جوع، بل العبرة في ممارستهما وتطبيقهما بالفعل الملموس، وتثقيف الجيل الجديد في المدارس على فهمهما فهما عميقا ليعرف حقوقه وواجباته نحو مجتمعه، ولابد من تفعيل القانون ليوقف المسيئ عند حده لكي يكون المظلة الكبرى التي تحمي كل مواطن في بيته ومحل عمله حين تتعرض حقوقه وحريته الشخصية للإنتهاك.

وحين تصاحب قوة القانون هذا التثقيف، وتسير معه جنبا إلى جنب تسود العدالة التي تجعل المواطن يعيش تحت ظلها آمنا مطمئنا بعيدا عن التهديد والظلم والتعسف والإبتزاز من قبل الخارجين عليها. وحينذاك يشعر شعورا عميقا بأن الدولة تستحق منه التضحية والإخلاص ونكران الذات في مجال عمله، ويحث أفراد أسرته ومعارفه على إحترام القانون والعمل المثمر الخلاق الذي يعود بالنفع لدولته وشعبه.

وقد حيث ظلت العشائر العراقية تمثل الوجه النظيف الطاهر للمشهد العراقي عبر مئات السنين . وكانت دوما تختار الشخص النزيه الذي تتجسد في نفسه روح الإيثار والشهامة، وطهارة القلب والصدق وإغاثة الملهوف، ورفض الظلم ليكون رئيسا لتلك العشيرة حتى تفاخر به العشائر الأخرى. وكان المبدأ السائد بين العشائر هو (الجار قبل الدار) وظل أفرادها يرددون (جارك ثم جارك ثم جارك.) وإذا تعرض الجار لسوء يهبون لنجدته وتقديم العون له . وإذا سكن المحلة جار جديد سألوا عنه لكي يتأكدوا من سيرته وسلوكه فإذا وجدوه عف القلب واللسان ويمتلك خلقا رفيعا إعتبروه واحدا منهم. وقدموا له كل مساعدة حتى وإن لم يطلبها . وإذا وجدوا في سلوكه الإنحراف والنزوع نحو الشر قاطعوه ورفضوه.

لكن المتتبع للشأن العراقي منذ عام 2003 يجد كما هائلا من الظواهر السلبية البعيدة كل البعد عن قيم وأخلاق العراقيين النبيلة التي شوهت الأسس الأخلاقية الفاضلة التي بنى عليها العراقييون سيرتهم وسلوكهم منذ مئات السنين . وفي ظل هذه الحكومات المتعاقبة لبس بعض ذوي النفوس المريضة والأخلاق المنحرفة من أنفسهم العباءة العشائرية ونصبوا من أنفسهم (رؤساء عشائر) وأخذوا يمارسون أفعال الشقاوات والبلطجية في المجتمع العراقي بابتزاز الناس، واختلاق قصص ملفقة ألصقوها بهم تتعلق بالشرف نتيجة لضعف القانون وغياب هيبة الدولة. وحولوأ أنفسهم إلى قطاع طرق لايختلفون في تصرفاتهم عن الإرهابيين ومحترفي الجريمة المنظمة في عبثهم بالأمن العام. وأصبح لدى هؤلاء أشخاص يأتمرون بأوامرهم باعتبارهم أفرادا يدافعون عن (شرف العشيرة المثلوم) فينطلقون كالكلاب السائبة لصيد ضحاياهم، ويلصقوا بهم تلك التهم الجاهزة التي يختلقها (رئيس العشيرة) ويهددونهم بالقتل إذا لم يدفعوا مبلغا من المال وإذا رفض الضحية المسكين هذا الإبتزاز خطوا على داره بالخط العريض (مطلوب عشائريا) أو خطفوا أحد أبنائه إلى أن يلبي رغباتهم بدفع المال المطلوب صاغرا. وطالما نوه عن هذه الظاهرة الخطيرة كتاب وسياسيون ورجال قانون، وحذروا السلطات الأمنية منها .لكن تحذيرهم تحول إلى صراخ في واد عميق. وصار لسان حالهم كلسان الشاعر الذي قال:

لقد أسمعت لو ناديت حيا    ولكن لاحياة لمن تنادي

بعد أن أصم رموز السلطة المشغولين بمكاسبهم وامتيازاتهم التي يتقاتلون من أجلها آذانهم وأغلقوا عيونهم، وهربوا من مسؤوليتهم الأخلاقية بعد أن تركوا الحبل على الغارب وانهمكوا في جمع الأموال وبناء العمارات والعمل في المشاريع التجارية وامتلاك أبراج الأنترنيت. وفي خضم هذه الفوضى اللاخلاقة التي لاتخلو من جهات خارجية وداخلية خبيثة ساعدت على إنتشارها أصبح هؤلاء المتلبسون بالعباءة العشائرية من أصحاب المليارات والنفوذ والسطوة ويمتلكون أسلحة خفيفة ومتوسطة دون أن تمتد أليهم يد القانون الذي يغط في سبات عميق في دولة يتصارع فيها السياسيون بشكل محموم لتقاسم المناصب والمكاسب. ولا تستطيع دولة يقودها أناس مفسدون فاشلون حماية مواطنيها من ابتزاز المبتزين وتحايل المتحايلين وغدر الغشاشين.

لقد تحولت هذه (الطفيليات العشائرية) إلى معول هدم ودمار وعامل تهديد للسلم الأهلي. فكم من عوائل هجرت ودماء سفكت على أيدي هذه المافيات (العشائرية) التي تستخف بقيمة الإنسان على مذبح من شهواتها المحرمة.؟

ولابد أن تقف عشائر العراق الأصيلة بكل حزم ضد هؤلاء الشقاة وتطهر كل عشيرة تحترم تقاليدها وقيمها من شرورهم وفسادهم وتهديدهم.

إنني لم أدون هذا الكلام إعتباطا وأطلق تهما جاهزة ضد أحد ولكن أبني كلامي على مشاهدات حية، وقصص حقيقية سمعتها من أبرياء وقعوا ضحية لأولئك المتخفين خلف العباءة العشائرية، ودفعوا مبالغ طائلة لهم تحت تهديد السلاح فهل يمكن بناء دولة ديمقراطية عصرية حضارية تصان فيها كرامة الأنسان وحقوقه في ظل هذه العصابات السائبة التي تصول وتجول في العراق دون أن تشعر بأي خوف من القانون القابع في أدراج دولة الفساد.

 

جعفر المهاجر

 

 

جعفر المهاجرلا يمكن لأي إنسان مغترب عن وطنه وترك فيه ذكريات حلوة ومرة لن تغيب عن ذهنه لعقود من السنين أن يعيش سعيدا هانئا متنعما مطمئن البال وهو يقضي ماتبقى من خريف العمر بين متاهات الغربة ولهواتها. يتجرع آلامها وغصصها، ويتحمل لياليها الثقيلة الوطأة .

ومهما كانت مدن الغربة جميلة وتتوفر فيها كل مايسر الناظر من مناظر جذابة، وطبيعة ساحرة وخدمات متقدمة ويعيش فيها المغترب موفور الكرامة وحقوقه الآدمية مصانة ومحترمة يبقى تراب الوطن هو الأغلى رغم مافيه من طارئين عليه من عشاق السحت والسلطة الغاشمة الذين نهشوا جسده وأجعوه، وعاثوا فيه فسادا، وأكلوا لحم المواطن المحروم بنهم غريب يفوق إفتراس الذئاب الجائعة لفرائسها. ولم يحاسبوا أنفسهم أو يبالوا بسوء أفعالهم التي جلبت المآسي والويلات لشعبهم ووطنهم بعد أن تمرسوا على إطلاق وعودهم الخاوية في سوق الكذب الرخيص، وذرفوا دموع التماسيح على الحال المأساوية التي خلقتها نفوسهم المتعطشة إلى المكاسب الشخصية المحرمة. طالما إن هذا الطريق يوصلهم إلى إملاء بطونهم وجيوبهم بالسحت بعد أن أتقنوا أساليب الخداع والتضليل في كل دورة إنتخابية، وعندما يصلون إلى أهدافهم بهذه الأساليب المرفوضة وطنيا وأخلاقيا، ويظفرون بالسلطة والمال من جديد يديرون ظهورهم للمحرومين الذين صدقوهم يلاقون قدرهم، وطيلة فترة تربعهم على كراسي السلطة أو جلوسهم على مقاعد البرلمان يستمرون في إلقاء الخطب في الفضائيات ومجلس النواب، وفي كل جلسة فضائية أو خطبة برلمانية يراهم المواطن المسكين الذي يدفع ثمن تصرفاتهم وهم يطلقون ألسنتهم بالحديث عن حقوق المواطن ودولة المواطنة ورفض الطائفية والفساد، والوقوف بوجه التدخلات الخارجية وضرورة الإنطلاق نحو البناء والإعمار ولئم جراحات الوطن .ويهاجمون بعضهم بكل حدة تصل إلى حالة التسقيط والكلام الفاحش ونهش الأعراض، وكل منهم يلقي باللائمة على غيره بأنه وحزبه أو كتلته هما السبب في تردي حالة الوطن وتراجع الوضع الصحي والإجتماعي والخدماتي فيه. ولسان حال الواحد منهم كما يقول المثل العراقي (يكح شيلمان) أي يسعل فتخرج من سعاله قطعا من الشيلمان وهي قوالب الحديد وهذا أمر مستحيل . ويقال هذا المثل للذين يطلقون الأكاذيب دون أي حياء يذكر. وقد وصفهم الله في القرآن الكريم (كبر مقتا عند الله أن تقولوا ملا تفعلون). وتتسع دائرة المهاترات حتى تشمل المكون الواحد، ويضيع المواطن في خضم هذه الصراعات العقيمة التي أوصلت الوطن والمواطن إلى حافة الهاوية. ورغم كل هذه المآسي الكبرى التي خلقها طلاب السلطة والمال منذ عشرات السنين فأن الشخص المغترب لأسباب فرضت عليه هذا الإغتراب المر يظل هاجسه الأول والأخير الرجوع إلى وطنه الذي تركه قسرا ولو عاش في جنة الخلد وكما قال الشاعر أحمد شوقي في بيته الخالد :

وطني لو شغلت عنه بالخلد عنه   نازعتني إليه في الخلد نفسي

ولهذه الأسباب شددت الرحال إلى الوطن علني أرى فيه بصيصا من الأمل وأقول للغربة وداعا . وحطت بي الطائرة في مطار العاصمة الحبيبة بغداد، وآجتازت السيارة شارع المطار الجميل الذي تراصفت على جانبيه أشجار النخيل، والساحات الخضراء بشكل يخلب الألباب، وينعش النفوس التي أحرقها الوجد .وتمنيت أن أرى مثل هذا الشارع في العديد من مناطق بغداد ومدن العراق الأخرى لكي نباهي العالم بعاصمتنا ومدننا.ونقول إن بغداد ليست أسوأ مدينة للسكن كما تدعون . ولكن خاب أملي حين ودعت ذلك الشارع ودخلت في شوارع متهالكة، وأكوام قمامة، وأنقاض وأتربة، وصبات كونكريتية. فبدت العاصمة حزينة تنتظر من يداوي جراحها، ويعيد إلى شفتيها البسمة، وبعد أن ودعتها وفي قلبي حسرة وألم، اتجهت السيارة بي نحو مدينتي الواقعة في جنوب العراق. وقع نظري على صحاري جرداء واسعة والأكواخ الطينية متناثرة بشكل عشوائي على مساحاتها . وهبت عاصفة ترابية كادت أن تحجب الرؤيا فخاطبت السائق قائلا (في كل مدن العالم يرى الإنسان أشجاراعلى جانبي الطريق إلا في العراق، ولو أحيطت مدننا بحزام من أشجار تلائم أجواء بلدنا لقل تأثير هذه العواصف الترابية) فأجابني السائق (عمي خلينه ساكتين إحنه تحكمنه مافيات وعصابات من الحراميه ماعدهم رحمه ولا ذمه ولا ضمير نهبوا البلد هسه تريدهم يزرعون أشجار بعد مادمروا البلد .. كلوبنه تنزف دم من أفعالهم روح إسأل أي مواطن شوف شيجاوبك إذا آني غلطان) وساد الصمت بيننا . وصلت إلى مدينتي منهكا وقد أرخى الليل سدوله وتمنيت أن ألتقي بعدد من أصدقائي القدامى رغم الإرهاق الشديد الذي كنت أعاني منه. وحين أشرقت شمس الصباح كنت في غاية الشوق لرؤية شوارع المدينة. فانطلقت مسرعا للتجوال في بعضها فأصبت بصدمة حيث وجدتها وكأنها من شوارع العشرينات في العراق حيث أكوام القمامة تتجمع كالجبال فيها وتتراكم عليها جيوش من الذباب ومعظمها تعاني من الحفر. فسارعت إلى سوق المدينة فرأيته في أسوأ حال تنبعث منه رائحة العفونة التي تركتها المياه الآسنة وقد ازداد شحوبا وحزنا، وبمرور الأيام إلتقيت ببعض أصدقائي القدامى فلم أر في وجوههم التعبى، وعيونهم الغائرة سوى مظاهر الألم والحسرة، والعديد منهم فقد أحد أبنائه أو أقربائه في الحرب على داعش. وهكذا كان حال الكثير من أبناء الشعب وهم يعانون من مرارة الحرمان نتيجة البطالة المتفشية بين شريحة الشباب، وقد انتشر المتسولون من الصبيان والمتسولات من النساء في كل شوارع المدينة . دخلت العيادات الطبية فوجدتها تضج بعشرات المرضى وكل مريض يخرج من أية عيادة طبية يدفع مبلغ مئة ألف دينار ثمنا للفحص والدواء وهو ربع الراتب الشهري لمعظم المتقاعدين، أما المشافي فقد تحولت إلى هياكل لايتوفر فيها أبسط علاج وهو البراسيتول، ومعظم الأجهزة الطبية فيها عاطلة وقد تراكم عليها الغبار. أما دعاة الثقافة فمعظمهم من الجهلة والأميين التابعين لأحزاب السلطة الذين جيروا الثقافة لأنفسهم واعتبروها حكرا لهم ولأتباعهم وهم يجيدون تغيير جلودهم في كل عهد كأفراد أحزابهم ومعظم المساجد تعود لأحزاب دينية ويشرف عليها أشخاص لبسوا العمائم وأصبحوا بقدرة قادر وعاظا للناس وفق ماترسمه قيادات تلك الأحزاب لهم. مع احترامي الكبير للعمائم الطاهرة النزيهة التي لم تلوثها رياح الفاسدين . رأيت شبابا يافعين يتعاطون المخدرات دون أن تمتد إليهم يد لتنقذهم من مأساتهم .وخلاصة القول فقد قرأت التذمر وخيبة الأمل على معظم الوجوه التي إلتقيت بها . إن كل شيئ يتكلم عن المأساة الحقيقية التي يعيشها العراق بعد الإحتلال الأمريكي الذي نشر الفوضى فيه على نطاق واسع .

رأيت السراق والمفسدين والمرتشين في دوائر الدوله وهم يتصرفون بمعزل عن القانون والنظام ولا يهمهم كل ماكتب عن الفساد المالي والإداري الذي يتفاقم ويزداد يوما بعد يوم والموظف الصغير يحذو حذو الموظف الكبير في الارتشاء. وأقولها بكل ألم وأسى أن المتنفذين في الذين ظفروا بالسلطة وجاءوا عن طريق المحاصصة يتسابقون على نهش جسد العراق ويسعون للثراء الفاحش ويقتاتون كالطفيليات على مآسي المعدمين و(كل أليها بالمطامع أشعب) .

إنني لم أقل هذا الكلام بدافع الحسد أو الحقد ولكن أرى من حقي كمواطن عراقي أن أشخص مواطن الخلل في وطني الجريح بعين الكاتب الصادق الذي لاتحركه الأغراض الحزبية ولاالنوازع الشخصية . وسأكتب عن الأديب الحقيقي المهمش وعن المعلم المسحوق الموجوع وعن الفقراء . سأكتب عن العشائر التي تحولت إلى دول داخل دوله لاوجود لها وأخذت تشرع القوانين بدلا عنها. وسأكتب عن كل الحقائق المرة التي تنخر في جسد العراق، وتضعف من قدراته، وتؤذي شعبه وتجعله عرضة لتدخل دول الجوار.

يقول المثل لايلدغ المرء من الجحر مرتين فهل سيختار الشعب هؤلاء المفسدين الفاشلين ويوصلهم إلى المناصب التي لايستحقونها لتتكرر المأساة وتبدأ دوامة الشكوى من جديد ؟ سؤال أوجهه لكل عراقي ضاق الألم والمرارة والحرمان على أيدي هؤلاء.

 

جعفر المهاجر.

 

 

78 شريف الربيعيأدرك شريف الريبعي منذ صباه، ان الوطن ثقّبته الندوب، وأتعبه العسكر، وخان هواه دهاقنة التآمر، قبل أن يضيعه المتآمرون، فنضج إحساسه بالراهن بفعل لهيب الحياة التي اُريد لها أن تستباح على ساحة الوطن .

شريف القادم من بيوت القش والطين، إصطلى بمجامر الفقراء، عاش بينهم، فهو منهم، يستيقظ معهم، ماالذي جعل أرض العراق ساخنة ؟ لماذا يصحو الوطن على سوط قاتليه وبساطيل العسكرالتي إستباحت أرضه بإنقلابات دموية متتالية .؟ هذه الأسئلة شكلت بواكير وعي الربيعي الأول، وقادته فيما بعد الى الهجرة والمنافي .

منذ عقد الستينيات للقرن المنصرم، كان الربيعي من العشاق المقاتلين الذين رفعوا شعلة التجديد وترددت أسماؤهم بين أولئك الذين بدأوا بإجتياز الحواجز التقليدية في الكتابة والفن للتعبير عن صرخة الداخل، والدفاع عن الذات المهددة، فلابد من لغة تأخذ طريقها الإبداعي وفق متغيرات العصر، لابد من دفقة عارمة من أصداء الدواخل التي تمور بالتناقضات .

أطلّ الربيعي على الوسط الثقافي من نافذة الصحافة، فكانت البداية في جرائد بغدادية : الأنباء الجديدة، النصر، المنار حتى عام 1969 إذ هاجر الى لبنان وعمل في صحافة المقاومة الفلسطينية، محرراً ومصححا ومصمماً، كانت الأصوات التي بدأت تعلن عن حضورها في تلك الحقبة قد فاجأت الجمهور والوسط الثقافي، بإقتحامها المألوف، وإبتكار اساليب جديدة في الكتابة، فكان عقد الستينيات إنعطافة حادة في مسار الثقافة العراقية، وشريف واحد من ابناء هذا الجيل الباحث عن الجديد في خضم التيارات الحديثة . البحث عن الصوت الحقيقي في هذا المعترك، أولئك كانوا ينظرون على ما وراء الأفق في إستعارة مفردات الأساليب الفنية الحديثة في الغرب، إذ لم يجدوا ضالتهم المنشودة فيما هو مطروح في الساحة الثقافية المحلية، ولاضير في ذلك لأنهم سيجدون أنفسهم يوماً على أي ارض يقفون؟ وأي من قضايا الفكروالفن تجذبهم أحضانها؟

الحقبة تلك كانت تحتمل الإيقاع المنسجم مع ذوات المبدعين حين يواجهون زمناً لابد أن يتخطوه، بالفوضى واللامباة تارة، وبالإلتزام تارة أخرى، بالعبث والصخب والتمرد والثورة، بالحرية المطلقة، بالإختلاف مع السائد، في السلوك والملابس، وتسريحة الشعر، وحتى طريقة الكلام . أتذكر ان صديقاً مشاكساً لشريف سأله عن إسمه ذات مرة، فأجابه : اسمي ربيع الشريفي !!!!

في أواخر الستينيات، ما بعد حزيران،أقدمت الكاتبة سالمة صالح زوجة الكاتب والشاعر فاضل العزاوي، على قص شعر رأسها، وأحالته الى عنصر أساس في اللوحة، من خلال عملية اللصق والكولاج، وغامرت سالمة ان تقدم أعمالها بمعرض (تشكيلي) إعتمادا على هذه المادة، كان مفاجأة للجمهور بمولودها الحلمي هذا، ومحاولة لافتة للإنتباه، ووجدت سالمة الكثير من المسوغات لتصبح أعمالها مقنعة للآخرين في فرحة الخلق، كما هو شعورها إزاء ما تفعل . تشجع شريف ما دام الأمر بهذه السهولة، فأسرع بشراء عدد من قناني حبر الكتابة بألوان مختلفة، سفح الحبر على ورق سميك وحرّكه يميناً وشمالاً،فكانت تكوينات من ألغاز محيّرة، لايعرف أن يصفها أحد، إلا بلغته الخاصة، ووجد مفرداتها تحمل ألواناً ورموزاً غريبة، عرضها بجرأة (كأعمال تشكيلية) على الجمهور في المركز الثقافي السوفييتي أنذاك !!

إختبر شريف قدراته ومهاراته في الإندماج بالوسط الثقافي والصحفي، ونجح في ذلك، بحضوره المميز وسرعة بديهيته، كان ساخراً ومتهكماً دون إساءة لأحد، حزينا مبتسما في آن واحد، يحتفظ بعلاقات ود صافية مع الأصدقاء .

كتب الشعر متأثراً بقصيدة التفعيلة، ومن إصداراته (قراءة في عذابات تل الزعتر) مع مختارات شعرية موزعة في الصحف التي عمل فيها مشرفاً وكاتبا (الكرمل، الى الأمام) وعل قلة مانشر يمكن القول ان قصائده تحاول ان تكون اكثر قرباً من الحداثة الشعرية، والربيعي لايزعم لنفسه التميز الضخم في المشهد الشعري، لكنه يتنفس هواءه في موقعه الحقيقي، قصائده تتجلى فيها التفعيلة المألوفة في الشعر الجديد، حيث البوح بالمرارة والحزن والتعبير عن المحنة الإنسانية، الواضحة جداً في عناوين القصائد، (مرثيات البطل، إلى أيوب أيضاً، وطن الهاوية، من يوميات الهزيمة)، إذ يواجهنا دائماً بالوطن القابع في الزنزانات السوداء، العراق المبتلى بالجدب ورياح السموم .

لشريف مجموعة شعرية واحدة صدرت عام 1980، أشرنا اليها آنفاً، غير ميّال ان يتحدث عنها بحماس وإنشداد، لأنها لاتمثله شعرياً كما يقول، و(لغة الأمكنة) مجموعة أخرى لم تنشر . إذ عاجله المرض الخبيث قبل أن يبلغ عقده السادس ومات في لندن المدينة التي شعر بالإنفصام عن الحياة فيها، إذ ظل في منفاه يبكي كالمواويل الحزينة، كل يوم يستباح فيه الوطن، وحيداً كان بين أسوارها يطويه الأسى .

 

جمال العتّابي

 

حسيب شحادةرامون / ريمون لول (Raimundus Lullus/Raymond Lull/Ramon/Raymun Llull، حوالي ١٢٣٢-١٣١٦م) متعدّد جوانب الثقافة ـــ فيلسوف ولاهوتي ومبشّر ورياضي ومتصوّف وشاعر قتالوني (من قتالونيا / كتالونيا في شمال شرق إسبانيا وعاصمتها برشلونة)، واحد من أبرز مفكّري أوروبا الثلاثة في القرن الثالث عشر، بجانب توما الأكويني الطلياني (Tommaso d’Aquino, ١٢٢٥-١٢٧٤) ودون سكوت الإنجليزي (John Duns/Duns Scotus, ١٢٦٦-١٣٠٨)، ويلقّب بفيلسوف الحبّ الروحي. التحق بالرهبنة الفرنسيسكانية واعتبر شهيدًا فيها. لم يعتبر شخصية مرموقة في عصره، بل بعد مماته لأسباب عدّة، منها كون بعض مؤلّفاته الهامّة كتبها بلغة أمّه القتالونية ولم تُنقل للغات أخرى شائعة آونتها، ثم ذلك المرسوم الذي أصدره البابا غريغوار الحادي عشر القاضي بحظر استعمال مؤلّفاته. يُعزى لرامون لول العمل الكبير الأوّل في الأدب القتالوني، رواية Blanquerna، وربّما كانت الرواية الأوروبية الأولى، وهي تسرُد حكاية شابّ مثالي متزوّج، هجر الدنيا وما فيها من ملذّات ومغريات من أجل إقامة ملكوت الربّ على الأرض. بين دفّتي هذه الرواية انعكاسات عديدة لسيرة الكاتب. وروايته الثانية عن ”المحبّ والمحبوب“ متمّمة للأولى وفيها ٣٦٥ حدثًا أو قصة؛ والرواية الثالثة ”فيلكس وعجائب العالَم“، وفي بعض أجزائها ما يذكّر بكليلة ودمنة. له أيادٍ بيضاء في بلورة اللغة القتالونية الأدبية. طُوِّب عام ١٨٤٧ من قِبل البابا بيوس التاسع، وعيده في الكنيسة الكاثوليكية في الثلاثين من حزيران. وُلد رامون لول في عائلة نبيلة ثرية في إسبانيا في پالما في جزيرة مايوركا/ميورقة (Majorca) بُعيد تحريرها من الحكم الإسلامي عام ١٢٢٩ على يد الملك خايمه (Jaume) الأوّل، ووالده القاتالوني شارك في معركة التحرير. شغل منصبًا في البلاط الملكي، وتزوّج من Blanca Picany من أقارب الملك وأنجبا ولدًا وبنتا. وبالرغم من ذلك قضى فترة شبابه منغمسًا في الشهوات، متجولًا كالتروبادوري، أي كشاعر غنّاء خليع، ينظم ويغنّي الشعر الغرامي.

خلّف وراءه في غضون ثلاثين سنة، قرابة الثلاثمائة أثر بالقتالونية واللاتينية (باللاتينية حوالي ٢٠٠ مؤلَّف، صدر منها حتّى الآن ثمانية وعشرون مجلدًا، وفي المعهد الذي يحمل اسم رامون لول في جامعة فرايبورغ ألفا فُليم/ميكروفيلم تضمّ مخطوطات أعمال لول) والعربية، وكثيرًا ما تَرجم من إحدى هذه اللغات للأُخريين. بعض مؤلّفاته، حوالي خمسين كتابًا قد اندثر وما زال الكثير من مؤلّفاته الباقية قابعًا في غياهب المخطوطات، أما كتبه باللغة العربية فلم يصلنا منها شيء. من مؤلّفاته التي تعالج مواضيعَ متباينة كثيرة مثل الطب، الفيزياء، المنطق، علم النفس، الفلك، الفلسفة، اللاهوت، التصوّف، الرياضيات، الأدب، المنطق: الفن العظيم والنهائي (Ars magna et ultima، نحو ١٢٧٧) كتاب المحبّ والمحبوب؛ علوّ شأن العقل؛ شجرة العلوم؛ الفن الكبير في الكشف عن الحقيقة؛ حياة معاصرة؛ كتاب النور؛ ملخّص منطق الغزّالي ت. ١١١١ (مقاصد الفلاسفة) بالقطلانية شعرا؛ كتاب التأمّل في الله بالعربية أصلًا (Libre de contemplació، صدر عام ١٩٨٥)، عبارة عن موسوعة في التصوّف؛ كتاب التأليف والتوحيد وكتاب الكافر والعارفون الثلاثة بالعربية ثم نقلها إلى القطلانية؛ كتاب الفوضى؛ كتاب الكواكب السبعة؛ حول الممكن والمستحيل؛ المتناقضات ؛ صلوات ضد الرشديين؛ أسماء الله المائة؛ موجز مبادىء الفروسية؛ الفن الموحى؛ هدايا الروح القدس السبع؛ كتاب الأمثال؛ فن الاقتراع. من الممكن القول إنّ رامون لول كان الفيلسوف المسيحي الأّول في القرون الوسطى الذي استخدم غير اللاتينية في تأليف كتبه الأساسية. أُسّست عام ١٩٩٠ جامعة خاصّة في برشلونة تحمل اسم الفيلسوف رامون لول.

ظهر له يسوع المسيح خمس مرّات، بينما كان منهمكًا في نظم قصيدة حبّ فاجر لامرأة ليست زوجته. في العام ١٢٦٣ ترك عائلته، زوجته التي تزوّجها عام ١٢٥٦وطفليه وكلّ ما يملِك تقريبًا للتفرّغ لخدمة الله بحماس شديد حتّى الموت في التبشير بالمسيحية وفي تنصير المسلمين، وفي إقامة مؤسّسات دينية لتعليم لغات أجنبية، تأليف كتاب حول كيفية التغلّب على اعتراضات التنصير. بعبارة موجزة، كرّس لول حياته لإيصال الإنجيل للعالَم الإسلامي. دافع عن العقيدة المسيحية على أُسس عقلانية تتكىء على وسائل معقّدة مأخوذة من الميكانيكا والمنطق وتضمّ أعدادًا وحروفًا وأشكالًا ذات الرموز والعلوم الطبيعية. في مايوركا، التي كانت مركزًا تجاريًا وثقافيًا في غرب حوض البحر الأبيض المتوسّط، حيث كوّن المسلمون ثُلث سكّانها، وعاشت طائفة يهودية كبيرة. هذا الوضع دفع لول إلى نشر البِشارة بين المسلمين. لذلك اشترى عبدًا مسلمًا ليعلّمه العربية، عادى في ما بعد سيّده فسجن ومات. أمضى تسع سنين حتى العام ١٢٧٤ في الدراسة وأتقن العربية، والتأمّل في حياة عزلة على جبل راندا، وفي العام ١٢٧٦ أسّس وأدار مدرسة للغات في دير ميرمار لتعليم الرهبان اللغة العربية، وتدريب مبشّرين للعمل في أقطار إسلامية. طالع بنهم في اللغتين اللاتينية والعربية ودرس الفكر اللاهوتي الفلسفي لدى المسيحية والإسلام. درس الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد، القرأن والتلمود وأعمال أفلاطون وأرسطوطاليس ومؤلّفات الأوروبيين المعروفة. في العام ١٢٩٩ سمح الملك للول بالوعظ في الكُنس والجوامع في أراغون. اعتقد لول أن العشق الإلهي يجب ألّا يتأتّى عن خوف من نار جهنم من جهة، ولا من نِعم الجنّة من الجهة الأخرى، بل من كمال الخالق. ويذكر أنّ مثل هذا الكلام قد قالته قبل لول بأربعة قرون رابعة العدوية.

انتهج لول حياة رجل دين متسوّل بلباس خشن، كان مفكّرا شديد التأّمل، لا يعرف السكينة في العمل مدّة ثلاثة عقود، كتب في كل سنة منها قرابة التسعة كتب، يحتوي أحدها على مليون كلمة تقريبا. من مؤلفاته الأولى: فن العثور على الحقيقة (ars inveniendi veritatis)، وعرف في التاريخ بمخترع فن إيجاد الحقيقة. هنالك وَفق لول عدد محدود من الحقائق الأساسية في كافّة ميادين المعرفة. اعتمد على المنطق لانتاج المعرفة. مثلًا خصائص الله التسع: الخير، العظمة، الخلود، القوة، الحكمة، الإرادة، الفضيلة، الصدق، المجد. كلّ مؤمني الديانات السماوية الثلاث، اليهودية، المسيحية والإسلام يعترفون بهذه الخصائص. كما عمل لول على تنصير يهود أوروبا وإزالة أي تأثير يهودي في المسيحية، وممّن تصدى له من اليهود ربّي شلومو بن أديرت (المعروف بـ رَشْبا اختصارًا، ١٢٣٥-١٣١٠) من برشلونة، وموشه بن شلومو من ساليرنو (النصف الثاني من القرن الثالث عشر).

درس اللغة العربية والثقافة الإسلامية، كما نوّهنا، كي يدعو المسلمين إلى المسيحية حيث كان يزور شمال إفريقيا وآسيا الصغرى وفي هذا المجال كان طليعيًا. كما تجوّل في أوروبا والتقى البابوات والكرادلة والملوك والأمراء ورؤساء الجامعات من أجل تأسيس كليّات خاصّة تُعنى بالتبشير. عشِق العربية وتفانى في نشرها، اجتهد في تدريسها آملًا أن تصبح وسيلة هامّة للتفاهم بين الشرق والغرب. اعتزّ لول بمعرفته للعربية وقد أوجد صيغًا في اللغة اللاتينية على منوال العربية (modus loquens arabicus). أعماله حول الحوار مع الإسلام كتبت باللاتينية والعربية. كان على علم بالقرآن والحديث النبوي والتفاسير. بعد قرنين ممّا يسمّى بالحروب الصليبية حمَل رامون لول، الذي يُعتبر أّول المبشّرين، الإنجيل لا السيف ليكرز به بين المسلمين، وممّا قاله ما معناه ”إنّي أومن، أيّها المسيح أنّ احتلال الأراضي المقدّسة يجب أن يتمّ كما فعلت أنت وتلاميذك بالمحبّة والصلاة والدموع والتضحية بحيواتنا“. من الأمور التي استحسنها في الإسلام وودّ نقلها إلى المسيحية: فصل الرجال عن النساء في الكنائس ووضع اسم يسوع المسيح في بداية الرسائل كما هي حال البسملة في الإسلام.

لول ضحّى بحياته شهيدًا في شمال إفريقيا. وقد ارتكر نشاطه التبشيري المتمثّل بثلاث رحلات لشمال إفريقيا وواحدة لقبرص، على خطّة تتكوّن من: تعلّم العربية ولغات أخرى يستخدمها المسلمون؛ دراسة التراث الإسلامي؛ رغبته في التضحية بنفسه ليكون مبشّرًا بين المسلمين لا معلّم فلسفة. وهو الذي كان يصلّي ما معناه ”يا ربّ ، عبدك يخاف خوفًا شديدًا من الموت الطبيعي … إنّه يفضّل أنبل ميتة، الموت من أجل محبتّك“. وقد استمرّ الاستعداد لهذه الرسالة تسع سنين. في الكثير من الأحيان باءت جهوده بالفشل، إلّا أنّه أحرز بعض النجاح في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا. بفضل جهوده أصدر المجمع الكنسي في ڤيينا الذي عُقد عام ١٣١١ مرسومًا يقضي بإنشاء كراس أستاذية لتعليم العربية والعبرية والآرامية في جامعات باريس وسلامنكا وبولونيا وأكسفورد والبلاط البابوي. درّس في جامعة باريس بين السنوات ١٢٨٨-١٢٨٩، ١٢٩٧-١٢٩٩، ١٣٠٩-١٣١١، كما حاضر في معاهدَ أخرى بدون أن يحمل أي شهادة جامعية. رغب لول في توحيد الكنيسة بين المتخاصمَين، الشرق والغرب، وفي توحيد الإنسانية تحت كنف المسيحية. كان الهدف من فن لول وفلسفته الفرنسيسكانية التبريرية التنصير بواسطة الإقناع الهادىء، وحاول بناء الحقيقة مجدّدًا فلسفيا ولاهوتيا. حاول في بعض أعماله إظهار أخطاء في فلسفة ابن رشد. اعتقد لول بأن لا فرق بين اللاهوت والفلسفة، بين العقل والإيمان. ومن أجل فهم أسمى الحقائق لا بدّ للعقل من أن يستعين بالإيمان إذ أنّ العقل بحاجة لمساعدة إلهية. معرفة الحقيقة عن الله لا بدّ من عقل وإيمان. ولول طوّر نهجًا فلسفيًا خاصًّا به أُطلق عليه اسمه ”اللولية“، حاول فيه إثبات صحّة المسيحية عن طريق المنطق.

استهلّ لول رحلته التبشيرية الأولى في صفوف المسلمين عام ١٢٩٢ في تونس، المركز الإسلامي الغربي في العالم حيث فشلت الحملة الصليبية السابعة عام ١٢٥٤ بقيادة الملك الفرنسي لويس التاسع. عاد لول لتونس وعاش فيها من ١٢٩٩ إلى ١٣٠٦، أجرى نقاشاتٍ عامّة في تونس مع علماء المسلمين بالعربية، مركّزًا على ما دعاه انعدام المحبّة في مفهوم الله في الإسلام. كما لم يتوان في إلقاء العظات بشأن تعاليم الثالوث وتجسّد يسوع المسيح، وفيها يتجلّى خير الله وعظمته، اتّحاد الخالق بالمخلوق ومعاناة الله من أجل محبته للإنسانية. كما أنه عرض الوصايا العشر كونها قانون الله الكامل . تمكّن لول من تنصير بعض التونسيين إلّا أنّه سُجن وطُرد من البلاد، هرب من السفينة التي سُفّر بها وعاد لشدّ أزر المتنصّرين ثم عاد إلى أوروبا. بعد خمس عشرة سنة أبحر لول إلى مدينة بجاية الساحلية في الجزائر للتبشير بالمسيحية فهوجم وزُجّ به في زنزانة لمدّة نصف سنة، رشي وعُذّب للتخلّي عن عقيدته، ولكنّه ثبت بحزم بل واستمرّ في كَرازة الإنجيل في السجن، ثم أُبعد لإيطاليا. في أواخر سني حياته قام لول برحلته التبشيرية الثالثة والأخيرة لنفس المدينة الجزائرية. في هذه المرّة مكث سنة في المدينة وعمل سرًّا في تشجيع وتدريب مجموعة ضئيلة من المتنصّرين. أخيرًا لم يقو على كبح جماح رغبته في التبشير علنًا، فخرج ذات يوم وأخذ يعظ في سوق المدينة عن محبّة الله المتمثلة بيسوع المسيح الذي ضحّى بحياته على الصليب تكفيرًا عن خطايا البشر أجمعين، وغيظه عن أخطاء الإسلام. بعد أن سمعه الحاضرون غير مرّة أمسكوه، جرّوه إلى خارج أسوار المدينة ورجموه بالحجارة. في هذه النقطة ثمة اختلاف لدى كاتبي سيرته، هنالك من يقول بأنّه قضى نحبه على شاطىء شمال إفريقيا، ومن الجهة الأخرى، هناك من يشير إلى أنّ أنصاره أنقذوه وحطّوه في سفينة أقلعت به إلى مايروكا مسقط رأسه حيث لفظ أنفاسه الأخيرة. شعاره كان ”مَن لا يُحبّ لا يحيا ومن يعيش الحياة لا يموت“. وجاء في آخر كلماته هذه الصلاة ”مثل رجل جائع يتناول لُقَم كبيرة بسبب جوعه، هكذا عبدك يشعر برغبة عظيمة للموت ليمجّدك. إنّه يُسرع ليل نهار ليُكمل عمله من أجل ذرف دمه ودموعه من أجلك“.

 

ب. حسيب شحادة - جامعة هلسنكي

..........................

Badia, Lola; Joan Santanach & Albert Soler, Ramon Llull as a Vernacular Writer. Communicating a New Kind of Knowledge. Tamesis, Woodbridge 2016.

Herrera, R. A., Mystics in Spirit of Themselves. Four Saints and the Worlds They Did not Leave. Grand Rapids, Michigan/Cambridge, U.K. 2010.

Hillgarth, Jocelyn N., Ramon Lull and Lullism in Fourteenth-Century France. Oxford: Clarendon Press 1971.

Hohnson, Mark D., The Spiritual Logic of Ramon Llull. Oxford: Clarendon Press 1987.

Llull, Ramon, Selected Works of Ramon Llull, 1232+1316. Translated by Anthony Bonner. 2 vols. Princeton, N.J.: Princeton University Press 1985.

Lohr, Charles, The Arabic Background to Ramon Lull’s “Liber Chaos” (ca. 1285). Traditio Vol. 55 (2000), pp. 159-170.

Peers, Edgar Allison, Ramon Lull: A Bibliography- London: SPCK, and New York: Macmillan 1929.

Zwemer, Samuel Marinus, Raymond Lull: First Missionary to the Moslems. Funk & Wagnalls Company 1902.

 

 

hamid abdulhusanhomaydiيذهب بعض المؤرخين مثل "كروتشي" إلى اعتبار: (أنّ التاريخ كلّه تاريخاً معاصراً. ولا يمكن للإنسان أن يفهم نفسه أو يفهم الحاضر بدون الماضي، ومعرفة الماضى تكسبه خبرة السنين الطويلة والتأمل فى الماضى يبعد الإنسان عن شخصه، فيرى ما لا يراه فى نفسه بسهولة من مزايا وأخطاء الغير، ويجعله ذلك أقدر على فهم نفسه، وهم الآخرين وأقدر على حسن التصرف فى الحاضر وفى المستقبل).

لذا / يعدّ البحث التأريخي من الأمور المهمة في تثبيت وتوثيق المعلومات والوقائع والأحداث والشخصيات البارزة، وهذا يتطلب من المؤرخ نفسه أن يتّسم بروح الأمانة وجدية التنقيب والإخلاص في ذلك، ونقل الوقائع بكلّ دقّة ومهنية، أضف الى أن الاعتماد على مصادر كتابية وشفاهيّة موثوقة ومخطوطات تشكّل ركناً أساسياً في هذا المجال .

كتاب (عماريون) (1) للكاتب والمؤرخ (صبيح زهراو الموسوي) (2)، ط 1 لسنة 2017، فيه سمة الشمولية حيث اتخذ من مدينته (العمارة) فضاءً يتحرك من خلالها بصورة واقعية، في مفاصل عدّة: (اجتماعية وسياسية وثقافية ودينية وطبّية ورياضية ... الخ)، من خلال هذه المحاور انطلق المؤلف في مقدمة كتابه مؤكداً على أنّ: (عماريون .. أبناء مدينة التعايش بين الاديان والمذاهب شعارهم التسامح والمحبة والاحترام المتبادل .. ينظرون الى الدين على انه مبدأ انساني يدعو الى الرحمة والعطف والوحدة والتضامن ويرفض العنف والكراهية والعنصرية) ص 6 .

هذه الاشارة تمنحنا الرؤية الرصينة التي اعتمدها، ومن خلالها تحرّك المؤلفُ في مداراتٍ مفتوحةٍ، حيث ربط بين الماضي والحاضر بمسارات متوازنةٍ - تأريخياً - .

قسّم المؤلف كتابه حسب المعطيات الآتية التي أتاحت للقارئ / الفاعل فرصة تكوين صورة متكاملة عن هذه المدينة وأبنائها، كما يأتي: -

أولا: نبذة عن تأريخ ميسان / القوة النهرية في العمارة / ثانوية العمارة للبنين / المستشفى الامريكاني في مدينة العمارة / المكتبة المركزية في العمارة / بلدية العمارة / مقبرة الانكليز في العمارة / سبع قصور .

ثانياً: تتبع المؤلف نشأة الحركة المسرحية في المدينة في موضوعة (عميد المسرح العربي في مدينة العمارة) حيث شيّد أول مسرح في اوائل عام 1937، وبعد الانتهاء منه، اقيمت أول حفلة ساهرة لفنانين مصريين، وبحضور مسؤولين وشخصيات عمارية - انذاك - .

ثالثاً: تأثير السينما في مدينة العمارة ومدى تفاعل أبنائها مع هذا التطوّر الكبير، في موضوعة (عنتر وعبلة في مدينة العمارة) في أواخر عام 1948، ومجيء بعثة سينمائية مصرية لتصوير فلم (مغامرات عنتر وعبلة) ومشاركة أبناء العشائر في الفلم .

رابعاً: أفرد الكاتب موضوعة عن شخصية أجنبية، كان لها الاثر الفاعل في المدينة إنه: (ولفرد ثيسكر) المستكشف والدبلوماسي والمؤرخ والعسكري المولود في اديس بابا في اثيوبيا .

خامساً: سلّط الضوء على الحركة الرياضية من خلال تأسيس نواد تجمع الرياضيين بمختلف الفعاليات الرياضية ومنها (نادي العمارة ونادي الحرية)، وما حققه الرياضيون من انجازات كبيرة في هذا الميدان .

سادساً: موضوعة الحركة الكشفية في العمارة، وبيان بوادرها الاولى كحركة فتوة في العهد الملكي، الى أن أخذت صبغتها الأُخرى (حركة كشفية) في تشكيل فرقة كشفية في كل مدرسة يتكون افرادها من (25) كشفياً وبزيّ خاصّ، كما وضّح المؤلف على الدورات التدريبية التي اقيمت من أجل ذلك .. وحسب السنوات .

سابعاً: ركّز المؤلف على سِيَر (150) شخصية مختلفة المشارب لها دورها وحضورها التأريخي في المدينة، منها: تربوية ورياضية وأدبية وإعلامية وعلمية ووزارية وفنية، نذكر منها: (الشاعر والمحقق اللغوي الدكتور ابراهيم احمد السامرائي / السياسي ابو طالب عبدالمطلب الهاشمي / النحات العالمي احمد فليح البياتي / الفنانة انعام الربيعي / الرياضي ثائر عبدالوهاب محمد الجبر / المؤرخ جبار عبدالله الجويبراوي / الشيخ جعفر النقدي / العالم النووي حامد معيدي الباهلي / الشاعر حسب الشيخ جعفر / الصائغ حسني زهرون / الكتبي حيدر حسين داود اللامي (صاحب المكتبة العصرية) / الشيخ سعدون مطلك السلمان / العميد صالح عبدالقادر الصالحي / الزعيم طه الشيخ احمد / العالم الفيزيائي عبدالجبار عبدالله / الشاعر كاظم غيلان الدراجي / الاستاذ التربوي ليث حاتم سالم .... الخ) .

كتاب (عماريون) يمثّل مرجعاً لا يمكن الاستغناء عنه، وإضافة نوعية للمكتبة والكتب التأريخية، لما بذل فيه المؤلف (صبيح زهراو الموسوي) من جهدٍ توثيقي كبير وعمل جادٍ في حفظ تأريخ مدينة جنوبية، استمدت عطاءها الفكريّ والثقافيّ من تميّز أبنائها في الميادين المختلفة .

 

حامد عبدالحسين حميدي / ناقد عراقي

.................

هامش:

(1) عماريون: صبيح زهراو الموسوي، ط 1 لسنة 2017 .

(2) صبيح زهراو الموسوي: تولد 1947 العمارة، خريج معهد المعلمين - التربية الرياضية عام 1964- 1965، بطل العمارة للمسافات الطويلة للأعوام (1962 / 1963 / 1964)، سكرتير اتحاد العاب القوى للأعوام (1974 / 1984)، مدير مدرسة الجنائن الابتدائية للأعوام (1984 - 2005)، صدر له: (العمارة مدينتي) / (عماريون) .

 

asaad alemaraالرحمة والمغفرة للعالم الجليل الاستاذ الدكتور قدري محمود حفني، تغمده الله بفسيح جناته والهم اهله وذويه وتلامذته الصبر والسلوان ، في هذا اليوم حينما نعبر عن مشاعر الحزن لاستاذنا الذي تتلمذنا بين يديه من العام 1975-1980 في قسم علم النفس بكلية الآداب في جامعة عين شمس بجمهورية مصر العربية، ما هو إلا رد جميل ووفاء لهذا العالم الشامخ بكل معنى الكلمة من طالب علم أبتدأ في دراسة هذا التخصص، فهو الذي منحنا من مادة تأريخ علم النفس بالمرحلة الأولى، ومادة علم النفس الاجتماعي في المرحلة الثانية، ومادة مشكلات نفسية إجتماعية بالمرحلة الرابعة ونحن ندرس الليسانس، العمق الفكري الأكاديمي، كان يخرج من النص الأكاديمي ليذهب بنا في فسحة علمية قل نظيرها، يذهب بنا بعيدًا متنقلا بين الفكر الفلسفي المادي إلى الأكاديمية الحقة الصارمة دون أن يخدش أحد بفكره وما يطرحه، علمنا كيف نفكر ونعالج الفكرة بطريقة عجيبة وغريبة قل مثيلها، رسخ في دواخلنا أن لا نقبل الفكر السطحي،لأنه محلل نفسي - تخصص في علم النفس السياسي، ولإنه كان من العمق يصعب علينا تقبله، تآلفنا وأعجنا به حد إعجاب التلميذ بمعلمه، كنت ومعي بعض الزملاء من العراقيين نرى فيه مفكر أصيل لم يأخذ فرصة حقيقية في إبداء الرأي وهو الذي أعتاد أن يقول ما يشخص في الواقع آنذاك، هو الذي كتب في الشخصية الاسرائيلية وكتب "الاسرائيلون من هم؟ وكتب عن شخصية الفلاح المصري، وكتب العديد من المؤلفات، وترجم أشهر كتب علم النفس ومنها نظريات الشخصية للمؤلفين كالفين هول وجاردنر ليندزي وكتب آخرى، عدت لبلدي العراق وأنقطعت اخبار اساتذتي في مدرسة عين شمس "مدرسة مصطفى زيور" للتحليل النفسي، وأكملت الماجستير والدكتوراه في علم النفس وعملت في تخصصي في بعض الدول العربية حتى هاجرت من الدول العربية إلى السويد، وعملت في السويد بتخصصي وسنحت لي الفرصة لأن أتواصل معه وكنت اتحدث معه ، وحدثني كيف أنه حضر موتمرا علميا في العاصمة السويدية "ستوكهولم" في العام 2000م وكيف اشترك في بلورة ظاهرة ستوكهولم التي عدت ظاهرة نفسية إجتماعية سياسية. كان يرسل لي بعض كتاباته التي تثيرني وتفتح آفاق جديدة لحوار فكري داخلي مع نفسي وأكتب بموضوعات هو الحافز لي بالكتابة عنها، وأنشرها في المواقع الإليكترونية، وأشير له في كتاباتي لأنه مصدر غير مكتوب، ولكنه ملهم للفكرة.. رحمك الله استاذي ومعلمي أولا، وأستاذ الأجيال من العرب ثانيا، تغمد الله روحك الطاهرة وما تركته من آثر في آجيال من تلامذتك، نجحت في تغيير أفكارهم، نقلوها من بعدك لتلامذتهم في مشارق الأرض ومغاربها.. لك الرحمة كل يوم، نذكرها في كل مكان وزمان.

 

الدكتور أسعد شريف الاماره"دكتوراه علم النفس"

أحد تلامذة البروفيسور قدري حفني

 

 

abdulelah alsauq3عبد الامير الورد فنان شامل متعدد المواهب كان مفكرا نحويا ومربيا اكاديميا وممثلا مسرحيا وشاعرا مجددا ومقاليا جذابا وكاتب دراما متميزا، فهو طود شاء سوء طالعه او طالعنا ان يختفي في زمان ما بعد 2003 زمان المحاصصة والخرافة والحيتان التي لايشبع نهمها سوى ان ترى العراق مثل سفينة تايتانيك يغرق شيئا فشيئا، هو ذا ينشد :

ان جنائنكم طلل من بقايا ثمود وعاد

واحياء لوط القديمة

زودوني بأطهر ما تأكلونْ

لحوم الكلام

واملأوا قربتي من محيض البغايا العقيمة

ودعوني اشر الى الوادي اللهيب

لعلي اذوق جحيمه

ودعوني بلا دمعة واقيموا ولائمكم فرحاً

بانتقالي عنكم لوادي تطهره النار من عاهة مستديمة

دبروا لي طريق الهزيمة

ان جميع البغايا لديكم تنادي بحق البغاء

في الحياة الكريمة

فيا لضياء الدماء في زمن للجريمة

دبروا لي طريق الهزيمة

أيها المثقفون العراقيون لقد رحل زميلكم النبيل عبد الأمير الورد، الذي مخضته الدنيا في بيت بمحلة محلة البحارنة بالكاظمية في واحد من صباحات 1933، وأدبته اسرة آل الورد العلمية المناضلة ومنحته كلية الآداب في جامعة بغداد العريقة دكتوراه فلسفة بتقدير امتياز عام 1978 فنذر مهجته للعلم ولاشيء سوى العلم، فأهدى الى الثقافة العراقية دون مقابل منهج الاخفش الاوسط في الدراسة النحوية، معاني القران للاخفش، المدارس النحوية، السؤال الكبير، مقدمة في ادب الوالدين، العروض للجميع. كان الورد كوفي الهوى كدأب شيخيه الكسائي والفراء وسلفه المتنبي ولكنه يحترم الهوى البصري وربتما فكر بجبهة وطنية بين مدرستي البصرة والكوفة النحويتين، إذن ايها الأكاديميون العرب والكورد لقد رحل الأكاديمي المشاكس البروفسور عبد الأمير الورد الذي عرفته اروقة جامعة السليمانية في اقليم كوردستان وجامعة بغداد في العراق كما عرفته جامعة درمة في ليبيا وجامعة صنعاء في اليمن صوتا هادرا وقلبا عامرا وفكرا ثائرا وعقلا متنورا متحررا فلا فرق لديه بين عربي وكوردي ولا عراقي وليبي او يمني ، أيها المسرحيون العراقيون المجددون القوا النظرة الأخيرة على جثمان الممثل الهميم الذي كان يمثل كل الأدوار المطلوبة منه دون ان يتخلى عن اثنتين : تلقائيته ولحيته، الكاتب المسرحي الذي كتب العديد من النصوص الدرامية للمسرح واسهم والفنان الكبير جعفر السعدي في شهرة الفرقة الشعبية فضلا عن التأسيس، ولم يدخر جهدا مع فرقة المسرح الفني الحديث فمنحها احب ادواره اليه، أيها الشعراء غاب صاحبكم الصاخب عبد الأمير الورد غيبته الأخيرة اثر وعكة قلبية لم تمهله طويلا، ياسجل الموت في العراق الحداثوي سجل فجر يوم الخميس، والرقم المشؤوم 13 والشهر الدموي الساخن تموز والسنة العراقية الذبيحة 2006 ففي هذا التاريخ اختبأ عبد الأمير الورد كعادته حين يمل من الناس والمجاملة ، وانت ياعبد الاله الصائغ لماذا انتظرت الى ان مات صديقك ؟ اليس من الاجدى للناس والورد والوفاء لو انك تحدثت عنه حياً ؟؟، لا تتعلل بالمرض ولا الغربة ولا الخيبة القاتلة ولا التهميش ولا الفاقة، فهذه حالات متوقعة لمن هم في عمرك وظرفك وكبريائك، اعترف ولو بعد فوات الأوان انك قصرت مع عبد الأمير الورد ومع كثير من اعلام العراق الكبار الممتحنين بما آلت اليه امور العراق والعراقيين، فقد كانت حياة العلامة والفنان والإنسان البروفسور د. عبد الأمير الورد بيننا فرصة ثمينة وجب علينا أن نهتبلها ولانفرط فيها، لكننا واضيعتاه شغلنا بموتنا عن دائنا، وبدائنا عن انفسنا، وبانفسنا عن رفاق المحنة والحلم، نعم العراقيون ومنذ فجر التاريخ ينزفون دما عبيطا، منذ فجر التاريخ واجه العراقيون المؤامرات والاغتيالات والاختطافات، ونظرة غير عابرة الى ملاحمنا تمنحنا اضاءة مناسبة، فمردوك غدر بتياما وقتلها بسلاح غير نظيف، وبرسفون ارسلت حمايتها واختطفت دموزي وحجرته في اقبية سرية تحت الأرض، كيف لنا ان يهتم العراقيون بعلمائهم وهم لا يجدون الكساء ولا السكن ولا الأمان ولا الدواء، كان الخليل بن احمد الفراهيدي الأزدي البصري فقيرا يسكن وزوجه كوخا من الخوص بينا اثرى الناس بعلمه وامتلكت الأطيان والذهب الأبريز، وامير البيان العربي الجاحظ اشتغل صحافا في سوق البصرة ليسد رمقه ورمق عياله، واعظم الفلاسفة ابو حيان التوحيدي يضطر للاستدانة كي يطعم صغاره ويحرق مخطوطاته لكي يتدفأ اولاده، وبشار بن برد قتله امير المؤمنين المهدي دون ذنب اقترفه اللهم الا خدماته التي اسداها للغة العربية، ويعقوب بن السكيت صاحب اصلاح المنطق كان جزاؤه من امير المؤمنين المتوكل الذي تتلمذ ولداه عليه أن استل لسانه من قفاه، وفي عصرنا الحديث حورب كبير علماء اللغة العلامة الأكبر مهدي المخزومي، فقد سجن شباط 1963 ووضع وجهه الى الحائط ثم اطلق عليه الرصاص من فوق رأسه لكي يضحكوا من هلع آخر عمالقة اللغة،، وطرد من جامعة بغداد، والعلامة عبد الجبار عبد الله يتلقى صفعة من كف تلميذه، وقد صدر قرار بطرد كبار علماء العربية من الجامعة نحو دكتور علي جواد الطاهر ومهدي المخزومي وصلاح خالص وابراهيم حرج الوائلي، وحجبت من قبل الترقية العلمية عن كبار علماء جامعة بغداد : عبد الجبار المطلبي وعناد غزوان وهادي الحمداني وطه باقر ونوري جعفر، اما حكاية معاناة العلامة علي الوردي والتلاعب بمشاعره فهي حكاية لاتشرف حكومة ولا شعبا ، اذن هناك لعنة كلعنة الفراعنة تطارد علماء العراق ومبدعيه في اوطانهم وفي منافيهم، تعالوا معي نستذكر : ... 9 ابريل نيسان 2003 و عائدات النفط في الخزينة العراقية كما يفترض، وواردات النفط العراقي فلكية لاتتسع لها البنوك لكن جيوب اللصوص الجدد في زمن مابعد 2003 اتسعت ونادت هل من مزيد ؟ ولكن آه من لكنَّ شبنا أيها الزمن، لم يمتد اي جسر رحيم بين علماء العراق وبين المسؤولين العراقيين، لم نسمع بصرف استحقاقات العلماء الذين اضطرهم الجور الى مغادرة طلبتهم وجامعتهم والتطواف في ارجاء الوطن العربي الممزق المهان، وكان الاستاذ جلال الطالباني يتفقد بعض أكاديميي الجامعات ومبدعي العراق ، لكن سلطة ما بعد 2003 اهملت علماء الجامعات العراقية الذين امضوا خريف اعمارهم في صقيع الغربة والحاجة والمرض ، ولتكن هذه رسالة اخرى لدكتور عدنان محمد سلمان الدليمي لكي يولي زملاءه اهتماما يضارع اهتمامه باللعبة السياسية،، وكان الدكتور ابراهيم الجعفري رئيس وزراء العراق يتفقد بعض الأكاديميين لمسوغات اعلامية، إذن موجعة مسألة رحيل العلامة والأكاديمي والفنان والانسان البروف عبد الأمير الورد، هذا الشاهد التاريخي الفذ، انهم يرحلون بعد ان استشرى اليأس وغيمت سماء العراق ثانية وربما الى الأبد، عبد الأمير الورد كان شعلة لاتنطفيء من الحماسة، لايتعب من الإصغاء بكل جوارحه ولا يتعب من الكلام الذي يشبه الصراخ بكل جوارحه، لايمل من النقاش والمجادلة ولا من التقويم والتصويب، من اين له كل هذا الوقت لكي يلتهم امهات الكتب ويستظهر اكثر ما يقرأ، من اين له كل هذا الوقت ليكون في خلال عشرة ايام مشاركا ببحث في جامعتي الموصل والبصرة على بعد المسافة بينهما، اين يجد الوقت لكي يمثل على خشبة المسرح ويقوِّم اللغة وراء الكواليس ويعقد صداقات وخصومات مع الاساتذة والطلبة دون ان تغيره الايام وتبدله الذرائع،

عام 1969 كنت معلما في المدرسة الغربية النموذجية بالحلة، فقد جعل منها مديرها المرحوم مجيد عبود الحميد جنينة بكل معنى الكلمة، اخبرنا الاستاذ مجيد عبود الحميد ان وفدا فلسطينيا رفيع المستوى سيلتقي بمثقفي الحلة في قاعة المدرسة الغربية النموذجية وطلب الينا نحن المعلمين الاشراف على تنظيم الاحتفالية الكبرى ، وجاء الوفد والقيت الكلمات المملة وبعدها اعلن عريف الحفل ان الشاعر عبد الامير الورد كتب قصيدة داخل القاعة بما يشبه الارتجال وقرر ان يحيي بها الوفد الفلسطيني، وكعادة محترفي المنابر تاخر الورد قليلا كي يحصر الانتباه بنهوضه وكان له كما اراد، رأيته للمرة الاولى طويل القامة فارعها ابيض البشرة ذهبيها بشعر كثيف مخصّل فيه شقرة وعينين صفراوين تتوقدان رغبة عارمة، يرتدي بنطالا رمادي اللون بقميص رمادي يشاكل البنطال وفوقه جاكيت ازرق مشع فيه طول يناسب طول الورد، لم ارتح لشكله فمثل هذه الاشكال لايستهويني فضلا عن انه قام بمبادرة سلطت الاضواء عليه وكان الاجدر بي انا ان ارتجل القصيدة وان احفر في الذاكرة موقفا جميلا لي، عموما سألت ابن عمي الاستاذ حمادي رسول الشرع هل تعرف هذا الشاعر؟ فهز راسه وقال لي اي هو من اسرة علم وادب وتلميذ العلامة حسين علي محفوظ، وقف عبد الامير الورد وسط المسرح ليقرأ قصيدة في فلسطين مهداة الى القائد الفلسطيني المرحوم أبي عمار، وبدأ يحدق في الناس كمن ينتظر منهم شيئا، ووجم وقتا اضافياً ثم ركل المايكروفون برجله فاطاره بعيدا وواجهنا وهو يصرخ بصوت رهيب جعلنا نتسمر على مقاعدنا : إضرب إضرب اضرب وكان الجمهور المسحور يردد مع عبد الأمير الورد إضرب اضرب اضرب، لو كنت ابن حرة لم تأكل الرغيف بالثديين اضرب اضرب اضرب، لو كنت عتالا بلا بيت ولا قوت ولا صوت ولا حنين اضرب اضرب اضرب، لو كنت حقا يافتى الغضبة ابن السيد الحسين اضرب اضرب اضرب، من اجلنا من اجلها من اجل قدس الله يا ابن النخل والنهرين اضرب اضرب اضرب، كان يحفظ القصيدة ويتلوها ويغنيها ويمثلها ويرقِّصُها ويسددها، واقسم انني نسيت حساسيتي كشاعر مع هذا النصر السريع الذي حققه عبد الامير الورد فانتقل من شاعر مغمور الى نجم تتحدث عنه المدينة لايام طويلة، وحين نزل الورد صافحه وعانقه الجميع وكنت من بين المعانقين والمصافحين، بعدها علمت انه مدرس ثانوية وانه يعرف نشاطاتي في تأسيس ندوتي عشتار ثم عبقر ففيه ميل لمعرفة كل شيء، وكدت انساه في زحمة الحياة، وفي شباط 1969 شاهدت عبد الامير الورد وكان منهمكا بالدراسات العليا، شاهدته على رصيف جسر الشهداء يمشي متثاقلا ولم يأبه بملابسه وقد طالت لحيته بشكل مبالغ فما كدت استبينه، لكنه سلم علي وبادرني بالقول ان لا جدوى من الدراسات العليا فهي مضيعة للعمر والطاقة، الدراسات العليا لا تسد نقصاً معرفيا في خزين الانسان ولا ولا ثم عفط بشكل جلب انتباه المارة وغادرني دون وداع، كان مذهولا، وخمنت انه ارتطم بالادارة الجامعية واختلف مع شخصيات أكاديمية متقولبة جعلته يلعن الساعة التي قبل فيها ضمن صفوة الدراسات العليا، ذات مساء يوم حِلِّي جميل من 1969كنت في مقهى الحاج حمود هجول المشهورة والمرحوم حمود هجول والد صديقي الحبيبين جعفر هجول رحمه الله (شيوعي معروف) وجاسم هجول رحمه الله (بعثي متقدم) وكانا معي في المقهى وسمعت من اذاعة بغداد اسماء الوفد العراقي لمؤتمر الأدباء العرب والوفد برياسة الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري نور الله ثراه وكم شعرت بالفرح حين ذكرت المذيعة اسم عبد الاله الصائغ ضمن الوفد العراقي، هنأني اصدقائي وطلبوا الي التهيؤ للسفر الى بغداد للالتحاق بالوفد فقررت من باب الادب ان ازور الشاعر مولود عبد الستار الدوري وكان مدير التربية العام في بابل اي انني كمعلم تابع الى قبضته الفولاذية، ولا ادري من سوغ لي هذه الحماقة، فذهبت وطلبت مقابلته فعطلني قرابة الثلاث ساعات ولم انتبه الى دلالة ذلك وقتها وحين سمح السكرتير لي بالدخول سلمت عليه وكان يجلس الى جانبه شاعر آخر اسمه حسن العاني ويشغل منصب معاون المدير العام وكان جوابه فاترا واسلمني يدا باردة وهو يشيح عني بوجهه الأحمر ذي الشعر الأصهب كأنه يتم حديثا سابقا مع معاونه، وحين فتحت فمي لأقول له انني سالتحق بالوفد العراقي وجئت لالقاء التحية عليك فنهرني حسن العاني وقال لي بلهجة الآمر : كيف تلقي التحية على مديرك العام، يامعلم انت امام المدير العام اسمع لن تسافر الى بغداد دون موافقة السيد المدير العام، فأجابه المدير العام : مستحيل ان يعصي معلم أوامري وانا غير موافق على سفره ثم ضرب الجرس وقال للسكرتير انتهت الزيارة ادخل من جاء دوره فدخل السكرتير ودفعني بيده وقال الزيارة انتهت ألم تفهم، انا عنيد جدا، ايقنت ان الدوري والعاني وهما موظفان رفيعان وشاعران متوسطا الموهبة ومغموران زعلا لأنهما لم يكونا ضمن الوفد العراقي بينا يكون خلكَـ معلم اسمه عبد الاله الصائغ ضمن الوفد،، ولأني عنيد حقا قررت ان اذهب الى بغداد والتحق بالوفد وبخاصة ان الشاعر شفيق الكمالي خابرني واستحثني بالحضور دون اخذ اية اجازة رسمية فالوفد مجاز من لدو رئيس الجمهورية احمد حسن البكر، ذهبت الى بغداد ونزلت في بيت صديق العمر الاستاذ ثابت عباس الشوك رحمه الله وفي الصباح كنت في قاعة الخلد وياللمفاجأة السارة هذا هو الشاعر عبد الامير الورد ببنطاله الرمادي وجاكيته الازرق وكانه لم يستبدل ملابسه من العام الماضي، كان انيقا وواثقا وحميما فعانقني ثم قدمني لاستاذه وصديق عمره العلامة الكبير البروف حسين علي محفوظ والغريب ان حبل المودة انعقد بيننا نحن الثلاثة الكبير حسين علي محفوظ وكان وقتها على مشارف السبعين والشاعر عبد الامير الورد الذي يكبرني بثماني سنوات، حقا كانا نجمين لامعين وكنت غشيما انظر اليهما واتصرف، وان انسى فلن انسى قصيدة عبد الامير الورد التي القاها في روع الادباء العرب الذين صفقوا له طويلا ووقوفا، ولا اتذكر القصيدة وكانت تقليدية (عمودية) والمعنى الذي اثار اللغط والتصفيق يدور حول ان الشاعر يكفر بالشرائع كلها (كذا) الا شريعة الفدائي الفلسطيني والبعض لم يفهم الدلالة فظن أن في المعنى مروقا عن الدين وعبد الامير كان متدينا، وقد نهض الاستاذ الكبير حسين علي محفوظ وهو نجم المؤتمر وشرح المعاني الثواني في قول الشاعر عبد الامير الورد : إني لأكفر بالشرائع كلها إلا شريعة ثائرٍ متمرد ... فقال ان هناك المنطوق في النص وهناك المسكوت عنه ومعنى قول الشاعر عبد الامير الورد : إني لأكفر بأية شريعة لاتجيز وتساند الفدائيين الفلسطينيين، وبما ان الشرائع السماوية كلها تجيز وتساند الدفاع عن الوطن فيكون التقابل الدلالي محمولا على اني أؤمن بكل الشرائع التي تجيز وتساند العمل الفلسطيني ، عندها تكون الصياغة من جنس الفكرة وصفق الجمهور لاجتهادات الاستاذ حسين علي محفوظ في علم تحليل النص المندغم عهد ذاك بعلم المنطق، ايام المؤتمر كلها لم نتفارق وشعرت بميل اشد نحو العلامة حسين علي محفوظ فهوعالي التهذيب مع من هم اقل منه شأنا او علما أو اصغر منه سنا، .... الأيام تترى بأعمارنا، ثم في السبعينات تسنمت مديرية الشؤون الثقافية لتلفزيون بغداد بعد تخلي الاستاذ سعد البزاز عن منصبه لظرف خاص به ، ، وكان عدد كبير من الادباء والمفكرين المصريين يعمل في التلفزيون ، واذا كان لدينا برنامج ساطع اسمه السينما والناس فقد كنا نضطر الى مهاتفة الاديبة المصرية الجميلة صافيناز كاظم وهي التي لم تنتسب لمؤسسة الاذاعة والتلفزيون اقول نضطر لان الاستاذة صافيناز موسوعية وذات قدرة على فهم روح الموضوع وروح المشاهد فضلا عن ثقافتها السينمائية بحيث تشد الجميع الى اطروحاتها الموضوعية، وكثيرا ما كان يرد على تلفوني زوجها واعني الدكتور عبد الأمير الورد، وكان زواجه منها حدثا مهما، فقد تزوجها بعد أن كسرت زوجته الأولى روحه وهي ابنة عمه ربما وتركته لأنه بلا خلفة لقد خبأ الوردي جروحا عميقة تحت جلده وحملها معه الى القبر بسبب فشل زواجه الأول، لكن العلاقة بين الورد وصافيناز كاظم كانت تتدهور بسرعة وا أسفاه رغم كثافة الاحترامات بينهما ، مرة طلبت مني الأستاذة صافيناز كاظم وهي محرجة جدا ان اسمح لزوجها بالمجيء معها الى الستوديو وفهمت مرامها فانقذتها من الحرج حين قلت لها ان الاستاذ عبد الامير الورد صديقي وحبيبي، وحقا كان يجيء معها وقد غادرته الابتسامة ولم يعد صوته مجلجلا، كان يهمس الكلام همسا ولم يجد في الكلام معي او مع المذيعة النجمة الراحلة لمى سعيد ما يغريه، وربما اخذته الاغفاءة وهو ينتظر السيدة صافيناز كاظم ، وصدق حدسي فقد كانت صافيناز مختنقة وكان الورد حزينا، وانفصمت العرى بينهما بصمت القديسين ويا للهول والأسف، لكنني كنت اراى عبد الامير الورد في كثير من برامجنا التلفزيونية الثقافية نحو : المجلة الثقافية ودنيا المسرح والبرنامج اللغوي، وبعد هذه التجربة تهيأ لي انه استعاد حيويته ومشاكساته مرة اخرى، ... الأيام تعدو بنا رغما عنا .. واستقيل من عملي في تلفزيون بغداد بسبب ضيق المرحوم العسكري سهيل نجم الانباري عضو فرع بغداد العسكري مدير المؤسسة من اعتدادي بقراري وعدم السماح له بالتدخل في عملي، اخترت العمل استاذا في جامعة الموصل بعد ان ربطتني صداقة حميمة برئيس جامعتها الدكتور المؤرخ الاريب هاشم الملاح خلال عملي في التلفزيون، وإن هي إلا فترة يسيرة حتى احتزت العضوية في ادارة المركز الثقافي الاجتماعي الذي كان هاجعا بعماراته وموتيلاته وساحاته وحدائقه ومسابحه ومسارحه وسينماته فوق تلة عالية كمثل مسطبة سندسية شاهقة كان ذلك قبل ان يستولي عليه قصي صدام حسين ويطردنا منه شر طرده، وقتها بات بمقدوري ان اعطي مفتاح الموتيل الى اي ضيف دون اذن مسبق من رئيس الجامعة فكنت ادعو ادباء العراق والأساتذة الكبار ليحاضروا او ينشدوا بين الطلاب والطالبات، وكان اكثر الوجوه التي يتكرر حضورها الشاعر والبروفسور الدكتور عبد الامير الورد والدكتور مالك المطلبي والدكتور علي جعفر العلاق والشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد رحمه الله والشاعر المرموق حميد سعيد وقد اصبح للدكتور عبد الامير الورد جمهور عريض في الموصل وفي جامعتها تحديدا فهو كلما جاء دوره للكلام يقرأ خطبة دينية طويلة فيحمد الله الذي لايحمد على مكروه سواه على ما منع وما منح،ولا يكل ولا يمل لكن الجمهور كان يستعذب طريقته في الدعاء والحمد وكم من مرة ردد الجمهور معه ذات الخطبة لانه حفظها لطول تكرارها، واكتشفت شيئا بل اشياء لدى الاستاذ عبد الامير الورد، فهو يكره معشر الأكاديميين، ولا يمازجهم لأن صوته المجلجل يجعل البعض متذمرا سرا مرة وجهارا مرات ثم جاءت فجيعة العراق غب احتلال دولة الكويت وغب 1991 اصاب الجامعات العراقية ما اصاب الاصالة والمعرفة العراقيتين فغادرت اسراب العلماء والمبدعين العراق بحثا عن الهواء النقي وحفاظا على موضع الرأس من الجسد وتعلة بلقمة عيش غير ملوث، وعلمت ان الاستاذ عبد الامير الورد جاب الاقطار العربية وقد نال منه العمر والتعب كثيرا، ومرة علمت ان هذا العراقي المتميز اكاديميا وابداعيا عمل في اليمن وكان الشاعر والباحث اليمني الكبير الصديق الدكتور عبد العزيز المقالح قلبا يتسع لكل العلماء والمبدعين العراقيين والعرب ولا ادري بعد سقوط النظام 2003 اين كان هذا العالم اللغوي النادر المثيل عبد الامير الورد وانستنا فجيعة العراق الجديدة وخيبته الكبيرة واجب السؤال عن كثير من الاساتذة الكبار الأحياء الدكتور خديجة الحديثي والدكتور طارق الخفاجي والدكتور احمد مطلوب والدكتور عبد الواحد لؤلؤة والدكتور جميل نصيف التكريتي وووو .. واخيرا مات عبد الامير الورد ونعته مؤسسات كثيرة، فقلت في نفسي : اذهب الى بيتك ياعبد الامير الورد – قبرك - الذي لايطردك احد منه ولايستحثك على الايجار صاحبه بيتك المضاء العبق رغم العتمة ليس فيه تلفزيون يرشق حمم الاخبار لكي يرتفع ضغط الدم عندك او السكرين حين ترى شاشة التلفزيون ولا هم لها سوى عرض جثث العراقيين الممزقة بالمروءتين العربية والاسلامية وكأن القدر استكثر على العراقيين فرحة وهمية بزوال نظام سابق شمولي مستبد فإذا هم وجها لوجه امام آلاف الأصنام الكالحة المستبدة، بغطاء ديني او مناطقي او عنصري، اذهب الى بيتك الجديد ياصاحبي عبد الامير الورد وستجد امامك العلماء الذين احببتهم واحبوك جلال الخياط ومحسن غياض ومحسن اطيمش وعناد غزوان وهادي الحمداني ونوري جعفر وصلاح خالص ومهدي المخزومي وعلي جواد الطاهر وابراهيم حرج الوائلي انهم هناك مظلومون احياءا ومظلومون موتى، وسعيد من نذرف عليه الدموع ولاشيء سوى الدموع ، ولكن املي باق برياسة اتحاد الادباء العراقيين كي تنهد للامر فتطبع اعمال اولئك الصفوة النادرة من العلماء وتطلق اسماؤهم على قاعات الدرس الثقافي والجامعي وتصرف رواتبهم لعوائلهم بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والمجمع العلمي العراقي ودار الشؤون الثقافية وهل ننتظر أفول نجم كبير آخر فالذي اراه ان اليأس من الوضع السياسي العراقي مسوغ كبير لرحيل العمالقة وأباة الضيم، فآخر شيء يخسره الانسان قبيل الموت هو القدرة على الحلم وقد خسرنا الحلم في سراديب و أقبية المحاصصة العراقية فما حاجتنا للحياة بعدها وبتنا لا قدرة لنا على الحلم ؟ قال الشاعر طالب عاصي : ياجرح الجديد الفززت نوحي بعد مالك مكان بزحمة جروحي

شوفت عينك آنه مطرز اجروح وإذا عن البكا تسألني والنوح

بقت بس دمعة وحدة وضامها لروحي

يا جرح الجديد اشلون وياك اجيت بوكت بي ما يلتكَة دواك

اطيبك بيش والكَبلك بعدهن جديدات اشأكَولن هذا حدهن

بكَت بس دمعة وحدة وضامها لروحي .

 

عبد الاله الصائغ   مشيغن المحروسة

 

 

لطيف عبد سالمالسَماويُّ يحيى شاعرٌ لامعٌ، أطرب محافل الثَّقَافَة وَفضاءات الأدب بإبداعِه المائز، وَعذوبة قريضه المستمد مِنْ افتتانه بالجمال، وَتشبثه بالحياة، وَتمسكه بالأمل وَالتفاؤل، وَاحترامه الإنْسَان وَحرصه عَلَى الدفاعِ عَنْ قضاياه وَالتعبير عَنْ همومِه، وَهو أيضاً عاشق لعملِه فِي التدريس، فضلاً عَنْ افتتانِه بسبرِ أغوار الحياة بمتعةٍ وشغف منذ نعومة أظفاره، الأمر الَّذِي جعل المطالعة هوايته المألوفة، فكان الكتاب - وَمَا يَزال - ملهمه الأول، يتألق دوماً مَا بَيْنَ يديه وَهو يحمله مَعَه أينما توجه فِي حلِه وَترحاله. وَليس خافياً أنَّ القراءةَ المستدامة تفضي إلى توسيعِ مدارك الإنْسَان وتجعله فِي إطلاعٍ دائم عَلَى مختلفِ التجارب، ولنا أنْ نتصورَ مدى حاجة مَنْ يمتهن الأدب وَنظم الشِعر إلى المطالعةِ الدائمة؛ لأجلِ تنمية الإبداع فِي تركيبِ الصورة الشِعرية وإثراء القصيدة بالجميلِ مِن المفرداتِ وَأكثرها عذوبة. وَتدعيماً لِمَا ذكر آنفاً، فإنَّ الأديبَ المصري عباس محمود العقاد (1889 - 1964) الَّذِي يُعَدُّ واحداً مَنْ أهمِ الأدباء الَّذين لمعت أسماؤهم فِي القرنِ العشرين، يشير إلى القراءةِ بالقول " لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمراً فِي تقدير الحساب .. وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة، وحياة واحدة لا تكفيني ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة، والقراءة - دون غيرها - هي التي تعطيني أكثر من حياة ". وإسرافاً فِي حبِه للقراءةِ وَشغفه بِمَا يكتنزه الكتاب مِنْ مضامين يضيف العقاد قائلاً " ليس هناك كتاب أقرأه ولا أستفيد منه شيئا جديدا، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته، أني تعلمت شيئا جديدا هو ما هي التفاهة ؟ وكيف يكتب الكتاب التافهون؟ وفيم يفكرون؟ ”.

لـلـطـبـيـعـةِ كِـتـابُـهـا :

الأشـجـارُ حـروف ..

الأنـهـارُ مِـداد ..

والأرضُ الـورقـة ..

لا أحـدَ يُـجـيـدُ قـراءتـهُ

كـالـطـيـورِ

والأطـفـالِ

والـعـشـاق !

*

حَـطـبُـكِ أنـتِ ولـيـس تـنّـوري :

أنـضَـجَ رغـيـفَ قـصـيـدتـي ..

دُخـانُ ظـنـونِـكِ

ولـيـس بـخـورُ احـتِـراقـي :

أسـالَ دمـوعَ حـروفـي ..

ريـحُـكِ ولـيـس شِـراعـي :

أوصَـل سـفـيـنـتـي

إلى الـضّـفـةِ الأخـرى

مـن نـهـر الـقـلـق !

لا رَيْبَ أَنَّ ميلَ السَماوي يحيى إلى المطالعةِ منذ أنْ بدأ خطواته الأولى فِي مرحلةِ الدراسة الابتدائية بتشجيعٍ مِنْ عائلته الَّتِي كانت عَلَى شيء مِن الثقافة وَالكثير مِن الإيمان، قاده إلى سعيٍ دائم لتطويرِ مهاراته فِي فضاءاتِ الأدب وَغيرها مِنْ قنواتِ الثَّقَافَة وَالمَعْرِفة بعد أنْ ترسخت لَديه تلك الهواية فِي مرحلةِ الدرَاسة المتوسطة، حيث أصبح قارئاً نهماً مدمناً عَلَى القراءة، محباً لها، وَشغوفاً بِه نهم. وَليس بالأمرِ المفاجئ القول إنَّ حاجَةَ السَماوي إلى غذاءِ الروح مِنْ أجلِ زيادة آفاق معرفته، وَالارتقاء بفكرِه وَسلوكه، عززت لَديه متعة القراءة وَساهمت فِي تذوقِه للمميزِ مِنْ مواردِ الثَّقَافَة وَالفُنون وَالعُلُوم الإنسانيَّة، فالثَّقَافَة الَّتِي تزين الإنْسَان كما الريش يزين الطاووس بحسبِ مثل روسي، أقرَ بأهميتِها العلماء وَالباحثون وَالمُتَخَصِّصون وَأهل الخبرة، بوصفِها ثمرة المعايشة الحية لأمورِ الحياة وَالتفاعل مَعَ تجاربِها، وَمَا تباين مِنْ خبراتِها؛ لأَنَّها تعبيرٌ عَنْ الواقع، وَأداة للتغييرِ وَالتطوير وَتحرير المُجْتَمَعات البَشَريَّة مِنْ عواملِ الاِسْتِغلال وَالتخلف، حيث يشير مؤلف كتاب الإسلام بَيْنَ الشرق وَالغرب وَأول رئيس لجمهوريةِ البوسنة وَالهرسك بعد انتهاء الحرب فِي بلادِه الفيلسوف الإسلامي علي عزت بيجوفيتش ( 1925 - 2003 ) إلى الثَّقَافَةِ بوصفِها " الخلق المستمر للذات "، فضلاً عَن قولِه أيضاً فِي مناسبةٍ أخرى مَا نصه " الحضارة تُعلِّم أما الثقافة فتُنور. تحتاج الأولى إلى تعلم أما الثانية فتحتاج إلى تأمل "، فِيما يرى جواهر لال نهرو ( 1889 - 1964 ) أول رئيس وزراء للهند بعد استقلالها وَخلاصها مِنْ نيرِ استعباد التاج البريطاني أَنَّ الثَّقَافَةَ تُعَدُّ بوصفِها " اتحاد العقل مع الروح ". وَفِي السياقِ ذاته، يشير الروائي وَالكاتب وَالمترجم ألبرتو مانغويل إلى القراءةِ فِي كتابِه " تاريخ القراءة "، بوصفِها ضرورة للحياةِ كالتنفس ، فضلاً عَنْ تثبيتِه فِي بدايةِ كتابه آنفاً عبارة " إقرأ كي تحيا "، ولعلَّ الأمر المحير هُنَا مَا تضمنه هذا الكتاب مِنْ إشارةٍ صادمة - ربما لشعورِ المتلقي - هو أَنَّ المؤلفَ صاغ عبارته بتشكيلٍ سرديّ أميل للمبالغةِ مِنه إلى التصحرِ الثقافي فِي عالمِ اليوم، حيث يذكر مانغويل الارجنتيني المولد وَالكندي الجنسية أَنَّه كلما التقى شخصاً أو رأى مشهداً، شعر أَنَّه قد مر عليه مِنْ قبل؛ نتيجة غزارة قراءاته.

*

لـقـلـبـي حُـجـرتـان ..

فـلـمـاذا لا يـتـسِـعُ

إلآ

لـحـبـيـبـةٍ واحـدة ؟

أنـتِ أيـضـا :

لا شــريـكَ لـك !

*

أعـرفُ تـمـامـاً أيـن يـرقـدُ " نـيـوتِـن" ..

وأيـن كـان الـحـقـلُ ..

لـكـنْ :

فـي أيِّ تـنّـورٍ انـتـهـتِ الـشـجـرة ؟

وفـي أيّـةِ مـعـدةٍ

اسْــتـقـرّتِ الـتـفـاحـة ؟

.

أعـرف أن الـعـبـيـدَ

هـم الـذيـن شــيّـدوا :

الأهـرامَ ..

سـورَ الـصِّـيـن ..

وجـنـائـن بـابـل ..

لـكـنْ :

أيـن ذهَـبَ عَـرَقُ جـبـاهِـهِـم ؟

وصُـراخُـهـم تـحـت لـسْـعِ الـسّـيـاطِ

أيـن اسـتـقـر ؟

بخلافِ اعتقاد البعض مِنْ أَنَّ السَماويَ " ولد وِفِي فَمِه ملعقة مِنْ فضة "، فإنَّ الواقعَ الفعلي، وَمَا أفضى إليه بحثي المعمق فِي هَذَا المنحى يؤكدان أَنَّه ابن بِيئَة فقيرة وُقد ولد مِنْ رَحمِ المعاناة، فَلَمْ يجد نفسه فِي بحبوحةٍ مِن العيش، وَلَمْ تكن أسرته في فيضٍ وَوفرة منذ ولادته، حيث وصل تنقّل عائلته " أربع عشرة " مرة فِي فضاءاتِ مدينة السَماوة؛ لغرض السكن بمنازلٍ مؤجرة تتناسب مَعَ دخلِ والده " رحمه الله "، وَلَمْ يَسْتَقِرْ لَهَا حال إلا فِي سبعينياتِ القرن الماضي حين ترك والده مهنة البقالة وَافتتح مكتباً لبيعِ الحصى وَالرمل، وَعملَ مقاولاً ثانوياً مَعَ الشركةِ الروسية الَّتِي قامت بتحديثِ معمل سمنت السماوة، حيث تولّى تجهيزها بهاتين المادّتين. ومِنْ المعلومِ أنَّ السَماوةَ تُعدّ منجماً لإِنْتَاج الإسمنت؛ بالنظرِ لتوفرِ المواد الأولية الداخلة فِي هَذِه الصِناعة وَالمتمثلة بحجرِ الكلس وَالتراب العادي واطئ الكبريتات فِي صحراءِ السَماوة، وَوجود الجبس عَلَى ضفافِ بحيرة ساوة، الأمر الَّذِي يلزم الحُكُومة المَحَلِّيَّة المثابرة وَالجهد سعياً فِي الوصولِ إلى جعلِ محافظة المثنى عاصِمة العراق فِي إِنْتَاجِ الإسمنت. ولعلَّ مِنْ بَيْنَ الأدلة الَّتِي تثبت مَا أشرنا إليه بخصوصِ نشأة السَماوي فِي بِيئَةٍ فقيرة هو مَا ذكره الأديب سلام إبراهيم عَنْ زيارته إلى مدينةِ السَماوة للقاءِ السَماوي يحيى بعد فراق دام بضع سنوات، وَالَّتِي كان يظن أَنَّ مبيته وَصحبه فِي شقةٍ موقعها وسط السوق تعود لأهلِ السَماوي، حيث تحدث عَنها إبراهيم بعد أربعة عقود مِنْ ذلك التأريخ بالقول " تصورت أن والد يحيى من أثرياء السماوة وعلى خلاف مع يحيى لتوجهه اليساري، وهذا ما بقى في ذاكرتي من تلك الرحلة الشبيهة بحلمٍ بحسبِه، لكن يحيى فِي لقائي بِه نهاية عام 2017م، حكى لي قصة أخرى خلال الأمسية التي أقيمت تكريماً للسماوي - يقصد أمسية بيت النخلة فِي الدنمارك - عن فقر أهله المدقع، وتنقلهم في بيوت مستأجرة ".

*

الـسـفـيـنـةُ غـرقـتْ ؟

لا ذنـبَ لـلـمـيـنـاءِ

إنـهُ ذنـبُـهـا !

لا ذنـبَ لـهـا ..

إنـه ذنـبُ الـمـجـاديـف !

لا ذنـبَ لـلـمـجـاديـفِ ..

إنـه ذنـبُ الـسّـواعـد !

لا ذنـبَ لـلـسّـواعِـد ..

إنـه ذنـبُ الـرّأس !

آه ..

كـم مـمـلـكـةِ عـشـقٍ انـدثـرتْ

لأنَ " رأسـاً " واحـداً

رمـى الـفـتـيـلَ فـي الـغـابـةِ

لِـيُـذيـبَ الـجـلـيـدَ الـمُـتـجـمِّـدَ

فـي عـروقـه ؟!

إذا كنا نركن إلى القولِ الَّذِي يسلم إنَّ الإحصاءاتَ لا تعطي صورة كاملة بوسعِها المُسَاهَمَة فِي فهمِ مُشْكِلة الفَقر، فلا رَيْبَ أَنَّ الفَقرَ يُعَدّ مِنْ أكثرِ الظواهر فتكاً فِي حياةِ الأمَم وَالشعوب؛ إذ لا تقتصر تأثيرات هذا الوباء الْمُجْتَمَعي عَلَى الحالتينِ الاقْتِصَادِيَة أو الاجْتِماعِيَّة فحسب، وَإنما تتعداهما إلى حزمةٍ متشابكة مِن الآثارِ الموجعة الَّتِي مِنْ شأنِها المُسَاهَمَة فِي شيخوخةِ الْمُجْتَمَعات الإنسانيَّة وَالتعجيل بهلاكِها. وَيرى المتخصصون تفرد الفَقر كظاهرة اجْتِماعِيَّة تتساوى مِنْ حيث الشمول في تعدّيها عَلَى حقوقِ الإنْسَان؛ نتيجة تعدد سلبية آثارها الكارثية، وَالَّتِي مِنْ أكثرِها خطورة عَلَى الْمُجْتَمَعِ البَشَريّ هو مَا يخيم عَلَى فضاءاتِ العِلْم وَالثَّقَافَة. وَبالاستنادِ إلى هَذَا الاستدلال يمكن الجزم بأنَّ البؤسَ الَّذِي عاشته الْمُجْتَمَعات المَحَلِّيَّة فِي بلادِنا كان لَه دورٌ مؤثرٌ فِي تشكيلِ وَعيها السِّياسِيِّ، وَهو الأمر الَّذِي يفسر انخراط أبنائها - وَمِنْ بَيْنَهم يحيى السَماوي - فِي صفوفِ حركة اليسار العراقي بشكلٍ مبكر؛ لأجلِ تحقيق حلم الطبقات المقهورة فِي إقامةِ دولة تظللها الحرية وَيسودها العدل وَالرفاه.

*

هـي الـتـي

رأتْ كـلّ شيء ..

فـأخْـبَـرَتْـنـي عـنـي

*

أمِـنْ مـاءٍ جـسـدُك ؟

كلما حـاصـرني الـعـطـش

أقـبّـله فـأرتـوي !

أنـامـلـي الـيـبـيـسـةُ تـغـدو فـراشـات

حـيـن تـمـسّـدُ يـاسـمـيـنـه ..

يـسـيـلُ الـضـوءُ مـن بـلّـورك

مُـضـيـئـاً لـشـفـتـيّ

الـطـريـقَ نـحو حـقـول الـتـيـن والـزيـتـون والـكـرز !

*

الـجـالـسـون فـي الأبـراج الـعـالـيـةِ والـقِـمـم

رؤوسُـهـم مُـنـحـنـيـةٌ

لـكـثـرة تـحـديـقـهـم نـحـو الأسـفـل ..

نـحـن الجـالـسـيـن فـي الأوديـة والـسـفـوح

رؤوسُـنـا مُـرتـفـعـةٌ دائـمـاً

لـتـحـديـقـنـا نـحـو الأعـالـي !

*

عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّ السَماويَ الَّذِي ارتشف قهوة الأدب مبكراً، عاش وَترعرع فِي كنفِ عائلةٍ كادحة وَمكافحة بالكاد توفر أدنى احتياجاتها الأساسية, فضلاً عَنْ استحالةِ إيجاد مكان ملائم فِي منزلِه - وَلو بالحدود الدنيا - يسمح لَه بممارسةِ هوايته فِي المطالعةِ وَالكتابة الأدبية، إلا أَنَّ ذلك لَمْ يحد مِنْ عزمِه فِي المثابرةِ عَلَى طلبِ العلم وَالسعي إلى الحصولِ عَلَى مواردِ المَعْرِفة، حيث كان يعمل جاهداً مِنْ أجلِ تحقيق مرامه، وَمِنْ بَيْنَ تلك السبل ذهابه مَعَ بعضِ أترابه فِي أوقاتِ الظهيرة مِنْ أيامِ الصيف القائظ إلى منزلِ صديقه الوَدُود الشاعر وَالفنان التشكيلي عباس حويجي، وَالَّذِي كان وضع عائلته المادي يتيح له تنظيم حياته بشكلٍ يجعله قادراً عَلَى ابتياعِ الكتب، فضلاً عَنْ توفيرِ البِيئَة الملائمة للمطالعةِ وَممارسة هوايته فِي الفنِ التشكيلي، حيث كان دَخلُ عائلته جيداً؛ جراء عمل والده فِي تجارةِ الحبوب، بالإضافةِ إلَى أَنَّ عددَ أفراد عائلته قليل، الأمر الَّذِي مكنه مِنْ اِسْتِغلالِ غرفة الضيوف الَّتِي يشار إليها محلياً باسْمِ " البراني " أو " الديوانية " فِي متابعةِ هواياته المفضلة وَنشاطاته الَّتِي يحبها، مَعَ العرضِ أنَّ تلك الحجرة كانت مزودة بمروحةٍ سقفية وأرائك خشبية وَبَدن - بمثابةِ البراد المعتمد فِي الوقتِ الحاضر - لحفظِ الماء بأوعيةٍ وسط الثلج الملفوف بالأكياسِ النسيجية. وَيقيناً أنَّ جميعَ تلك المواد وَعَلَى الرغمِ مِنْ بدائيتها وَبساطتها، لَمْ تكن يومذاك متاحة فِي منزلِ السَماوي يحيى وأغلب مجايليه.

*

لـم يـكـن " عـلـمـاً فـي رأسِـهِ نـار " ..

لـكـنـه مـشـهـورٌ أكـثـرُ مـن الجميع

فـهـو الـوحـيـدُ الـكـامـلُ نـقـصـاً

فـي مـديـنـةٍ

جـمـيـعُ أهـلِـهــا نـاقـصـو الـكـمـال !

ظـافـرٌ بـالـرذائـل كـلـهـا ..

غـريـبٌ عـن الـشـرف ..

لا تـحـزنـي يـا تـفـاحـتـي الـحـلال :

أعـرفُ أنّ مـاءَ غـســيـل ثـيـاب الـمـومـس

أطـهـرُ مـن أن يـكـون حِـنّـاءً لـشـاربـهِ

لـكن فـضـلـهُ عـلـى الــعـهـر كـبـيـر ..

فـلـولاه

مـا كـنـا سـنـعـرفُ

أن بـعـضَ الـمــخـانـيـثِ

يـحـيـضـون

فـيـطـمـثـون مـن ضـمـائـرهـم !

هـل كــان كـتـابُ الـلـهِ

ســيُــقـدِّسُ شـهــدَ الـنـحـلـةِ

لـولا

قـذارةُ الـخـنـزيـر ؟

*

ليس خافياً أنَّ محاولاتِ السَماوي يحيى قصد تطويرِ أدواته الشِعرية وَصقل مهاراته، منحته حافزاً للتفاعلِ مَعَ عالمِ القراءة وَالأدب، حيث مَا يَزال شغوفاً بالإقبالِ عَلَى ابتياعِ الكتب الورقية، حتى مَعَ ظن الكثير مِن النخبِ الثقافية أَنَّ زمنَها انتهى. وَضمن هَذَا المعنى استوقفتني عبارة للشاعر البحريني قاسم حداد يقول فِيهَا " المعرفة التي لا تنميها كل يوم تتضاءل يوماً بعد يوم "؛ إذ أَنَّ القراءةَ بالاستنادِ إلى المُتَخَصِّصين تحفّز العقل، وتخلق الكثير مِن التجارب، فالثقافة مِنْ وجهةِ نظر الروائي والكاتب المسرحي الفرنسي - المولود فِي بيئة جزائرية شديدة الفقر مِنْ أبٍ فرنسي وَأم إسبانية - ألبير كامو ( 1913 -1960 ) هي " صرخة البشر في وجه مصيرهم ". وَالمذهلُ فِي الأمرِ هو مَا أثبتته الدراسات العِلْميَّة مِنْ نتائجَ تشير تحديداً إلى أَنَّ القراءةَ الأدبية تُكسب العقل وَظائف معرفية عدة، فضلاً عَنْ أَنَّ مُتعةَ القراءة تفضي بحسبِ الأدبيات العلمية إلى مضاعفةِ تدفق الدم فِي مناطقٍ عديدة مِن الدماغِ البشري، وَثَبَتَ أيضاً أنَّ " دراسة الرواية الأدبية والتعمق في التفكير بقيمتها مِن الأعمال الفعالة للعقل ". وَفِي هَذَا السياق يشير الأب الأديب يوسف جزراوي إلى صديقِه السَماوي يحيى بالقول " ينامُ ابو علي وفي عينه قافية، ويفيق وفي بؤبؤ عينه الثانية رباعية. إنّه المتأرّق دائمًا وأبدًا، ينام ولا يرتاح. إنّه إبن الشعر، إبن الأرق، إبن المحبة والإبداع العراقي. يقرأ كثيراً وينام قليلاً، معلّق على جدران الغربة، غارق في ذاكرة الوطن ". ويضيف جزراوي أيضاً مَا نصه " ..... ولا يخفى على أحد بأنَّ العربية الفصحى ظلت أداته المفضلة لإظهار فكره الراقي ونفسه السمحة وإيجاد أسلوبه الخاص لتعبيره الأدبي الذي يتسم بالمحبة الكونية. فهو حين يقف على منصة المنبر تلقاه كبلبلٍ جريح يُرفرف بصمتٍ وهو يُغرد اناشيد المحبة والسلام، وحين تقرأ له تلتمس استعداده للتضحية من أجل الغايات النبيلة والأهداف السامية. وَيضيف الجزراوي أيضاً مَا نصه " ولا بُدّ لي أن اعترف أنَّ الرجلَ حين تجمعك به محطات الوجود ستجده من الوزن الثقيل في الشعر والثقافة والإنسانيّة واخلاقيات الحياة ". وَفِي المنحى ذاته تخاطبه الشاعرة العراقية رند الربيعي بالقول " استاذنا ومعلمنا الفاضل يحيى السماوي دائما حين اقرأ لك اجد كل ما هو يشبع الرغبة الادبية عند المتلقي ويجد الاصالة في الكلمة والرصانة في اللفظة او المفردة التي تستخدمها في قصائدك المميزة ذات الطابع السماوي ".

*

ثـمـة وقـوفٌ أسـرعُ مـن الـرَّكـضِ ..

هـذا مـا قـالـه الـبـئـرُ لـلـجـدولِ

فـي وصـفـهِ الـنّـاعـور !

.

ثـمـة ركـضٌ أبْـطـأ مـن الـوقـوف ..

هـذا ما قـالـه جـبـلُ الـحـقّ

فـي وصـفـهِ

غـزالَ الـبـاطـل !

.

ثـمـة بـيـاضٌ أكـثـرُ عُـتـمـةً

مـن قـعـر بـئـرٍ فـي لـيـلٍ يـتـيـمِ الـقـمـر والـنـجـوم :

بـيـاضُ الأكـفـانِ و" الـبـيـتِ الأبيـض " مـثـلاً ...

.

ثـمـة سَـوادٌ أكـثـرُ بـيـاضـاً مـن مـرايـا الـصّـبـاحِ :

الـحَـجَــرُ الأسـودُ ومـقـلـتـاكِ مـثـلاً ..

يمكن الجزم بأنَّ السَماويَ كان يتأملُ عَلَى نحوٍ مثمر فِي كيفيةِ متابعة مستقبله، حيث كان فِي حلمٍ دائم، يَبْدُو بمفاهيمِه الجوهرية متناغماً مَعَ رؤيةِ الروائي العالمي " باولو كويلو " المولود فِي البرازيل عام 1970م، وَالَّذِي نشرت مؤلفاته في أكثر مِنْ مائة وَخمسين دولة، وترجمت إلى أكثرِ مِنْ خمسينِ لغة، وَبيع مِنهَا أكثر مِنْ ثلاثين مليون نسخة، وَالَّتِي نصها " لا يستطيع الإنسان مطلقاً أن يتوقف عن الحلم.. الحلم غذاء الروح كما أن الاطعمة غذاء الجسم... نرى غالباً خلال وجودنا أحلامنا تخيب، ورغباتنا تحبط، لكن يجب الاستمرار في الحلم وإلآ ماتت الروح فينا ". أو مثلمَا يقول نجيب محفوظ الَّذِي يُعَدّ أهم الشخصيات فِي مجالِ كتابة الرواية الَّتِي ابتليت بالمصائب " كيف نضجر وللسماء هذه الزرقة، وللأرض هذه الخضرة، وللورد هذا الشذا، وللقلب هذه القدرة العجيبة على الحب، وللروح هذه الطاقة اللانهائية على الإيمان؟، كيف نضجر وفي الدنيا من نحبهم، ومن نعجب بهم، ومن يحبوننا، ومن يعجبون بنا؟ "، فالسَماوي يحيى كان حريصاً عَلَى إكمالِ دراسته الجامعية فِي كليةِ الآداب ليحققَ طموحاته وَيصبح لهُ شأن فِي الحياة؛ لأنهُ أرادَ فعلاً مِنْ أعماقهِ أنْ يلبسَ ثوب التدريس، فكان لهُ مَا أرادّ بعد أنْ حصلَ غَلَى شهادةِ البكالوريوس فِي اللغةِ العربية عام 1974م، فغدا جديراً بالاشتغالِ فِي حقلِ التدريس مدرّساً لمادةِ اللغة العربية فِي " إعداديةِ السماوة "، بالإضافةِ إلى الاستمرارِ بِعملِه فِي ميدانِ الصحافةِ وَالإعلام. وَقد كان حقاً سعيداً وَمستمتعاً فِي ممارستِه لِمهنةِ التدريس الَّتِي أحبها، وَشغفَ بِهَا حتى حدود العشق، حيث كان يحاور طلابه، ويعيش معهم، متقمصاً أعمارهم وَمستويات وَعيهم؛ إذ كانت علاقته الإنسانيَّة بِهمْ تُنسيه الكد وَالتعب اليومي، وَمَا يَزال للآن مؤمناً بتلك السجية المستنيرة عَلَى الرغمِ مِمَا جلبت لَه لاحقاً مِنْ مُشكلاتِ مَعَ بعضِ الإدارات المدرسية، حيث كانت إحداها السبب فِي نقلِه إلى ثانويةِ التحرير بمدينةِ السماوة، فالسَماوي يحيى كمَا وصفه الأب الأديب يوسف جزراوي بالقول " إنَّ السماويّ يحب العربية ويتقنها حدّ الإبداع، ولا يرضى بسواها لكتابة أدبه الغزير... هو نجمةٌ مضيئةٌ ومشعةٌ في سماء الأدب العربي المُعاصر، سراجه لا ينضب زيته، ولا تنطفئ فتيلته، سكب معاناته الإنسانيّة والوطنية في قصائدَ حلّق خلالها بأجنحةٍ لا تحدها سموات، عصرَ فيها قلبه، ومنح من وهج شرايينه كتابات أفرغها في قلبِ القارئ العربي، ليعطيه طاقة روحيّة، وهو يترجم له أحاسيسه ومعاناته، بل قُلّ أحزان شعبه ومحنة بلده " وَيضيف أيضاً " هو شاعر وَأديب وَناقد وَباحث، يمتشق القلم لينشر مبادئه وقناعاته المُختمرة بفرن الاعماق بلغةٍ تشد القارئ وتحفر الإبداع فيه، لغة يعجنها ويصقلها لتأتي طوّاعة بين يديه، فميزته لا تكمن في تمكنه من اللغة العربية وحسب، بل في القدرة على استخراج تركيبات لغوية ساحرة. فعندما تتزاوجُ لغة الإبداع بصاحبها فإنّه من غير شك ستولدُ القصيدةُ ويولدُ النصّ الأدبيّ وتولد القطعة النثرية بأبهى حلّة، وكيف إذا كانَ المبدعُ قد انغمسَ في تفاصيل عالقة في جسد الذاكرة لتكتب همّ الوطن ومعاناة الشعب من حاكم أرعن وساسة لا يفقهون من الحياة إلآ الفساد والقتل والتعصب ". وَمثلمَا أشار إليه الشاعر الدكتور ابراهيم الخزعلي بالقول " إن الأعمال الخالدة في الأدب، هي تلك التي تحتوي على مضامين انسانية نابعة من أحاسيس صادقة ممزوجة بالألم والمعاناة، وليست تلك الأشكال الجمالية التي لا تحتوي على أية قيمة مضمونية، أو بعيدة عن المصداقية، وهي مجرد ترف برجوازي .. فمن يقرأ السماوي إنساناً ونتاجا، لم يجد فارقا بينهما .. فالسماوي هو نتاجه، ونتاجه هو السماوي، وهذه هي قمة القيمة الإبداعية ". كذلك أشار إليه قارئ كريم اسْمه علي موسى‏ - يَبْدُو أنَّه كان عَلَى معرفةٍ قديمة بِالسَماوي - بمداخلةٍ نشرت فِي أحدِ المواقع الإلكترونية بالقول " قامة شامخة وشاعر كبير عراقي أصيل، وطني حد نخاع العظم، صامد كالجبل الأشم، لم يتغير، ولم ينحن لجنس بشر، محب للجميع، رقيق الاحساس، شفيف عذب حلو المعشر، أبي النفس ".

مُـتَّـهَـمٌ بـيـقـيـنـي فـي مـحـكـمـةِ الـظـنـون ..

حـزنـي الـشّـاهـدُ عـلـيَّ

ولـيـس مـن فـرحٍ يُـدافِـعُ عـنـي !

.

أيـهـا الـرّاعـي أعِـرنـي مـزمـارَك

لأنـشَّ بـهِ ذئـابَ الـوحـشـةِ

عـن بـقـايـا خِـرافِ طـمـأنـيـنـتـي !

*

مـنـذ دهـورٍ وهـو يـصـرخ ..

لـم يـسـمـعـه أحـد

لـيـس لأنـه يُـصـفـق بـيـدٍ واحـدة ٍ ..

ولا لأنـه مـثـقـوبُ الـحـنـجـرة ..

إنـمـا

لأنـهـم اعـتـقـلـوا الـهـواءَ

فـي قـاعـةِ الـوطـن

*

كـلُّ ضـغـائـن الـعـالـم

أضـعـفُ

مـن أن تـهـزمَ

قـلـبـيـن مُـتـحـابَّـيـن

بالاستنادِ إلى مَا تيسر لَيَّ مِنْ شهادات، وَلاسيَّما أحاديث طلبته الَّذين ارتقى الكثير مِنهم سلالم التطور فِي مَا تباين مِنْ ضروبِ الأدب، مَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ عشقَ السَماوي للتدريس انعكس بصورةٍ إيجابية عَلَى تطويرِ الأداء فِي حقلِ التَّرْبِيَة بِمدينتِه، فضلاً عَنْ محاسنِه للطلبةِ الَّذين غرس فِي نفوسهِم بذرة القدرة عَلَى النجاح والسعيّ الحثيث لتَنْمِيَةِ مواهبهم وَتطوير قدراتهم، حيث تعودوا عَلَى النظرِ إلى الدراسةِ بطريقةٍ إيجابية؛ مكنتهم لاحقاً مِنْ التبحرِ فِي بطونِ كتب العُلُوم وَالتمتع بالتجوالِ فِي سوحِ الثَّقَافَة وَالفُنون. يضاف إلى ذلك انعكاس برنامج العمل هَذَا عَلَى أساليبِ التعامل مَعَ أقرانِه مِنْ المدرسين. وَتدعيماً لِمَا ذكر آنفاً، فإنَّ السَماويَ وَمِنْ خلالِ استعراض مَا أُتيح لَيَّ مِنْ أقوالِ بعض مجايليه وَالنظر فِي شهاداتِ آخرين مِنْ طلبته، أبدع فِي أدائِه كمدرس للُغَةِ العربية. ولعلَّ مِنْ بَيْنَ أبرز وَأهم الدلائل عَلَى إبداعه هو اعتراف مُدِيرِيَّة الإشراف التَرْبَوِيّ فِي محافظةِ المثنى بالنهجِ الَّذِي اختطه فِي طرائقِ التدريس؛ إذ أوكلت إليه أكثر مِنْ مرةٍ مهمة إقامة دروس نموذجية لطلابِه يحضرها مدرسو وَمدرسات اللغة العربية فِي المحافظة، وَلاسيَّما فِي درسِ النحو، حيث كان يقوم بتأليفِ قصيدةٍ تتضمن أبياتها مَوْضُوع الدرس، وَمِنْ خلالِ شرح القصيدة يتم استنباط القاعدة النحوية، كما يتم معرفة بحر القصيدة وَتبيان السمات الأسلوبية وَالبلاغية، بالإضافةِ إلَى رسمِ مواضع الهمزة وما الى ذلك؛ فأصبح " الدرس النحوي " درساً فِي " النقدِ وَالبلاغة وَالمطالعة " مَعَ حرصه - المتعمد - عَلَى إنسانيَّةِ النص وَإشاعة الفكر الإنسانيّ التقدمي وَثَّقَافَة المَحَبَّة وَالتسامح كبديلٍ للأمثلةِ الجامدة وَالشعارات الَّتِي كان يتضمنها كتاب القواعد أو النحو.

فِي وقتٍ لَمْ يعد فِيه بيتُ شعر أحمد شوقي المشهور " قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيـلا... كـادَ المعلّمُ أن يكونَ رسولا "، حاضراً فِي أذهانِ الكثير من التربويين فِي بلادِنا؛ لِتيقنهم مِنْ أنَّهُ أصبح فِي خبرِ كان بوصفِه مِن الأبياتِ الشِعرية الَّتِي لا ينسجم مضمونها مَعَ مَا يجري حالياً فِي أروقةِ مدارسنا بفعلِ تمرد الطلبة عَلَى أساتذتِهم وَعدم مَنحهم المستوى المطلوب مِنْ " التقديرِ وَالاحترام " بتشجيعٍ مِنْ بعضِ أولياء الأمور المتفاعلين مَعَ فوضى ديمقراطية المحتل، وجدت مِن المناسبِ استعراض بعض مناقب السَماوي التَرْبَوِيَّة، فالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ مهنةَ التدريس أكسبت السَماوي صداقات واسعة وَحميمة مَعَ الطلاب، وَأكـاد أجـزم أن هَذَا التفاعل الإيجابي كان مِنْ بَيْنَ الأسباب الَّتِي حببت الأدب لعددٍ كبير مِنْ طلابه الَّذين أصبح لبعضهم اليوم حضوره الكبير فِي المشهد الإبداعي العراقي كالأدباء وَالشعراء قاسم والي، إياد أحمد هاشم، نجم عبيد عذوف، باقر صاحب، كاظم الحصيني، الدكتور عبد الرحمن كاظم زيارة، الشهيد المناضل كاظم وروار وغيرهم كثيرون.

سَـحَـبَـتْـنـي مـن مـرايـا شُـرفـةِ الـفـنـدقِ نـحـو الـقـاعِ صـخـرةْ

فـتـشــبَّـثـتُ بـحـبـلٍ مـن دخـانٍ كـلـمـا أنـفـثُـهُ :

يـنـفـثـنـي آهـاً وحـسـرةْ

فـتـلاشـيـتُ كـمـا فـي الـبـحـرِ قـطـرةْ

أيـهـا الـعـابـرُ مـن فـضـلـكَ : هـل ألـقـيـتَ نـظـرةْ

حـولَ هـذا الـبـحـرِ والـشـرفـةِ والـشـارعِ والـبـئـرِ

فـإنـي ضـائـعٌ أبـحـثُ عـنـي مـنـذ أنْ سَــلَّـمَ وادي الـنـخـلِ لـلـعـاصـيـن أمـرَهْ

لـم أجـدنـي فـي دجـى الـبـئـرِ وبـطـنِ الـذئـبِ والـحـوتِ

فـهـل فـتَّـشـتَ عـنـي ؟

إنـنـي الأعـمـى الـذي هـيَّـأ قـبـلَ الـمـوتِ قـبـرَهْ

كان السَماوي صادقاً فِي مهمته التَرْبَوِيَّة وَالمتمثلة فِي سعيِّه الحثيث للمُسَاهَمَةِ بِبناءِ أجيالٍ محصنة بالعلمِ وَمدركة لقيمةِ الثَّقَافَة وَتأثيرها، بَيْدَ أنَّ كُلَّ مَا فعله لَمْ يكن ذا أهمية فِي صلبِ تفكير إدارة تَرْبَوِيَّة تَنْهَل مِنْ معينِ النظام الشمولي فكراً وَممارسة، حيث فوجئ بقرارِ نقله مِنْ الآفاقِ الَّتِي يجد نفسه فِيها إلى " مُدِيرِيَّة بَلَديَّة السَماوة "، موظفاً لا عمل له. وَبعد مضي سنة دراسية كاملة قضاها فِي العملِ بمُدِيرِيَّةِ البَلَديَّة، استعاد السَماوي يحيى فرحاً صُودِر منه كيدا فِي أعقابِ إعادة خدماته ثانية إلى قِطاعِ التَّرْبِيَة بسببِ حاجة التَّرْبِيَة يومذاك إلى المدرسين. وَقد مكث فِي التدريسِ سنوات عدة، حتى شروع النظام الحاكم فِي التعاملِ مَعَ هَذَا القِطاع الحيوي بالاستنادِ إلى نهجِ " التبعيث ". وَحين أعلن السَماوي امتناعه عَنْ الإنتماءِ للحزبِ الحاكم، تم نقله وظيفياً إلى مكتبِ " بريد السَماوة " ليمارس فِيه وظيفة " رزّام رسائل "، عَلَى الرغمِ مِنْ أَنَّه كان باعترافِ " مُدِيرِيَّة الإشراف التَرْبَوِيّ " وَإدارة المدرسة وَطلابه، مدرساً ناجحاً لدرجة أنَّ مُدِيرِيَّةَ الإشراف التَرْبَوِيّ كانت تكلّفهُ سنوياً بإقامةِ درسٍ نموذجي لطلابِه، بحضورِ مدرسي وَمدرسات المحافظة؛ إذ فوجئ ذات صباح بأمرٍ صادر مِنْ " مُدِيرِيَّةِ تَّرْبِيَة محافظة المثنى " بإنهاءِ علاقته بالتدريس؛ إستنادا للأمرِ الوزاري " المرقم 42051 وَالمؤرخ فِي الثالثِ مِنْ تموز عام 1980م "، وَ الَّذِي يقضي بنقلِ خدمته الوظيفية مِنْ " مدرس " إلى " رزّام رسائل " فِي مكتبِ بريد السَماوة. وَالمذهلُ فِي الأمرِ أنَّ السببَ المعلن فِي أمرِ نقل خدماته - وَعدد آخر مِنْ زملائِه - هو مقتضيات " المصلحة العامة "، إلا أَنَّ غيرَ المعلن هو : رفضه وَزملائه الإنتماء لحزبِ البعث الحاكم.

لـسـتُ وحـدي أجـلـسُ الان عـلـى سـاحـلِ " هِــنْـلي بـيـجْ "

أرمـي الـمـوجَ والـرمـلَ بـأحـجـارِ الـنـدَمْ

لـسـتُ وحـدي فـأنـا فـي قـلـبـيَ اللهُ

وفـي عـيـنـيَّ بـحـرٌ

ويـدي تـحـمـلُ أوراقـاً وتـبـغـاً وقـلـمْ

وبـأعـمـاقـي جـبـالٌ مـن هـمـومٍ

وسـهـولٌ مـن ألـمْ

لـسـتُ وحـدي ..

إنـنـي فـردٌ ولـكـنْ بـيـن أضـلاعـي شـعـوبٌ وأمـمْ

كـيـف أشـكـو وحـشـةَ الـوِحـدةِ والـبـحـرُ صـديـقـي

ونـديـمـي الـصـمـتُ ..

هـل يـشـكـو صـريـرَ الـريـحِ مـزمـارُ الأصَـمّْ ؟

الشابُ الثوري المهووس بالثورةِ الَّتِي أكلت نفسها فِي مطلعِ ستينيات القرن الماضي، وَالَّذِي وصفَه - بعد عقود مِنْ تلك الأيام - الأب الأديب يوسف جزراوي بالقول : " السَماوي كالحجر الذي رفضه البناؤون وأصبح رأسًا للزاوية "، انتظم في مهنةِ رزم الرسائل بمكتبِ بريد السَماوة - لا عَنْ رضىً وَلا طيب خاطر - بعد أنْ تسببَ وعيه الوَطَنِيّ وَانغماسه فِي حركةِ اليسار عيشه خارج أسوار بِيئَة التَّرْبِيَة الَّتِي أحبها وَشغف بفنونِها حد العشق، فضلاً عَنْ مثابرتِه وَجهده الكبير، ومَا مِنْ شأنه الإثقال عَلَى أسرتِه مِنْ أجلِ التشرف بالانتماءِ إلى أروقتها ورسم ملامح الإبداع فِي فضاءاتِها، بَيْدَ أنَّ التضييقَ عَلَيه وَجعله بعيداً عَنْ طلبتِه، فضلاً عَنْ وضعِه تحت أنظار عسس السلطة ومخبريها السريين وَكتاب التقارير الإخبارية، لَمْ يبعده عَنْ همومِ شعبه، فكانت سياط أمن السُّلطة الَّتِي تجرى عَلَى ظهورِ آلاف العراقيين المطالبين بالكرامةِ وَالحريةِ تترك ندبات عَلَى جسمِه وَتعرج أخاديدَ عَلَى وَجهه.

قـالَ لـيْ الأعـمـى : أنـا أرضٌ يـبـابْ

لـيـس يـعـنـيـنـي إذ أشـرقـتِ الـشـمـسُ

أو الـبـدرُ عـن الـشـرفـةِ غـابْ

مـا الـذي تـخـسـرهُ الـصـحـراءُ إنْ جَـفَّ الـســرابْ ؟

السَماوي يحيى وجد نفسه ثانيةً بعيداً عَنْ تدريسِ طلبته أعلام الشعراء العرب كالمتنبي وَالبحتري وَامرئ القيس وَأبي تمام وَالنابغة الذبياني وَالمعري وَابن الرومي وَغيرهم، بعد أنْ أنيطت به مهمة لا تمُت إلى المؤهلِ العلمي فِي مجالِ اختصاصه أو نشاطاته المَعْرِفية وَاهتماماته الأدبية بأيِّ صلة؛ إذ أجبر عَلَى العملِ فِي عزلِ الرسائل وَرزمها فِي أكياسٍ قبل أنْ يبعثها بنفسِه - وَأحياناً سائق الدائرة أو عامل الخدمة الَّذِي يشار إليه محلياً باسْمِ الفرّاش - ليلاً إلى محطةِ القطار مِنْ أجلِ إرسالها إلى المدنِ الأخرى. وَأَدْهَى مِنْ ذلك أَنَّ السَماويَ لَمْ يستقر بِه الحال هكذا طويلاً؛ إذ سرعان مَا أصبح مكبلاً بقيودِ العزلة القسرية عندما جرى نقله إلى وظيفةِ " أمين مخزن القرطاسية "، وَالَّتِي يقتصر واجبه فِيها عَلَى تجهيزِ مكتب البريد بالورقِ وَأقلام الحبر الجاف وَبقية القرطاسية، حيث كانت معاناته حملاً ينوء بِه ظهره؛ لأَنَّ ذلك المخزن لَمْ يكن إلا عبارة عَنْ غرفةٍ ضيقة معزولة مِنْ أجلِ عزله عَنْ بقيةِ الموظفين وَالموظفات. وَعَلَى الرغمِ مِنْ أنَّ لقسوةَ تلك الأيام وقعاً فِي ذاتِ السَماوي، فقد كان هناك مِن المواقفِ مَا اخترق جدران عذاباتها بلمسةِ جمالٍ إنسانيَّة تعكس الأمل وَتدفع للتسامحِ والتكافل وَالمودة الَّتِي بوسعِها المُسَاهَمَة فِي زرعِ الثقة بقلوبِ الآخرين، وَرُبَّما القدرة عَلَى التأثيرِ فِي إعادةِ النظر بالحياة وَتغيير بعض المفاهيم، وَلا أدلَّ على ذلك مِمَا جعل إحدى زميلاته فِي دائرةِ البريد تضمين محتويات حقيبتها اليدوية " أبره وَخيط وَأزرار "؛ لأجلِ إصلاح ملابسِه الممزقة بفعلِ مَا يتعرض لَهُ مِنْ ضربٍ وَركلات وَغيرهَا خلال حفلات الاستجواب شبه الشهرية فِي دائرةِ أمن البلدة، فضلاً عَنْ تمكنه مِنْ كسبِ وَد الموظفين وَالعمال هناك؛ إذ عَلَى الرغمِ مِنْ العزلةِ الَّتِي فرضت عَليه، فإنَّ بعضَهم اصبح متعاطفاً مَعَ الحزبِ الشيوعي، فكان السَماوي يبيعهم خلسة جريدة " طريق الشعب " وَمجلة " الثقافة الجديدة "، مَعَ العرضِ أَنَّه كان شديد الحذر فِي التعاملِ مَعَ الآخرين؛ لِعلمه بوضعِه تحت مراقبة أجهزة أمن النظام وَعسسه. وَضمن هَذَا الإطار للسَماوي يحيى قول جميل نصه : " نحن - الصعاليك - مثل نبات الأثل، نزداد انتشاراً وَتوغّلاً فِي الأرضِ كلما حاولتْ مناجل الجبابرة اجتثاثنا ".

الـلـيـلُ مـصـلـوبٌ عـلـى نـافـذتـي

والـفـجـرُ يـرتـدي عـبـاءةً مـن الـغـيـومْ

جَـفَّ بـريـقُ الـبـدرِ ـ فـي عـيـنـيَّ ـ والـنـجـومْ

وهـا أنـا : مـئـذنـةٌ صـامـتـةٌ

وضـحـكـةٌ حَـزَّ صـداهــا خـنـجـرُ الـوجـومْ

لابُـدَّ مـن خـمـرٍ جـديـدٍ غـيـر خـمـرِ الـتـمـرِ والـتـفـاحِ والـكـرومْ

خـمـرٍ إذا شــربـتُـهُ أصـحـو ـ ولـكـنْ تـسـكـرُ الـكـأسُ ـ

وتـنـجـلـي بـهِ الـهـمـومْ

عَـتَّـقَـنـي فـي طـيـشِـهِ أمـسـي

وعَـتَّـقـتُ غـدي فـي غـفـلـتـي ..

فـهـل أنـا " ثـمـودُ " ؟ أمْ " سـدومْ " ؟

إذا كان بمقدوري استعارة المعنى مِنْ بيتٍ شعري لأبي الطيب المتنبي نظمه قبل أكثر مِنْ ألفِ عامٍ عند خروجه مِنْ مصر عَلَى أيدى جماعة مِنْ قطاعِ الطرق كان قد هجا كبيرهم بقولِه : " وَكَمْ ذَا بِمِصْرَ مِنَ المُضْحِكَاتِ .. وَلَكِنَّهُ ضَحِكٌ كَالبُكَا "، فإنَّ مِنْ المضحكاتِ المبكيات الَّتِي يمكن أنْ تُساهم فِي رسمِ صورة للواقعِ العراقي أيام النظام السابق هو أنْ يغادرَ السَماوي يحيى مربي الأجيال - قسراً أيضاً - وظيفته الَّتِي كان يعاني فِيها العزلة وَيجبر لتأديةِ خدمةِ " الإحتياط " فِي محرقةِ حرب الخليج الأولى، فِي زمنٍ كان يُعفى فِيه المدرس مِنْ هذه الخدمة، حيث كان أقرانه مِن المدرسينِ وَالمعلمين يعيشون بعيداً عَنْ جبهاتِ الموت وَخنادقها بفضلِ قرارِ النظام استثناء المدرسينَ مِنْ مواليد عام ( 1949 ) مِنْ أداءِ الخدمة العسكرية كجنود احتياط، فكان أنْ سيقَ إلى مطحنةِ القادسية ليبقى ثمان سنين؛ بالنظرِ لزوالِ العذر الرسمي الَّذِي يوجب أنْ يكون المستثنى منتظماً فِي قِطاعِ التَّرْبِيَة وَالتَّعْلِيم، والمتأتي مِنْ رفضِه خيانة مبادئه وَالانتماء لحزبِ البعث.

لأنَّ عـيـنـيـكِ عـمـيـقـتـانِ عُـمْـقَ الـكـاسْ :

صـرتُ " أبـا نـؤاسْ " !

*

لأنَّ عـيـنـيـكِ حـديـقـتـايَ فـي الـيـقـظـةِ

و " الـبُـراقُ " إنْ أسـرى بـيَ الـعـشـقُ إلـى جـنـائِـنِ الأحـلامْ :

صـرتُ نـديـمَ الـوردِ والـطـيـورِ

والـسّـادِنَ فـي مِـحـرابِ شــيـخـي " عُـمَـرِ الخَـيّـامْ "

*

لأنَّ عـيـنـيـكِ بُحَـيْـرَتـانِ من ضـوءٍ تـشـعّـان بـكـلِّ الـفـصولْ :

صارَ فـمي مِـئـْذنـةً تـُمَـجِّـدُ الـسّــنـبـلََ في الحـقـولْ

*

ليس خافياً أنَّ ركونَ السلطة إلى قرارٍ " أسطوري " يقضي بتحويلِ تَرْبَوِيٍّ حاذق - يعتمد نظم الشعر لغة مَعَ البِيئَة الَّتِي يعيش فِيها وَيتواصل بِه مَعَ البَشَريَّة - إلى رزامِ رسائل، يعكس مِنْ دُونِ أدنى شك أنَّ متخذه لَمْ ينل الحد الأدنى مَن الأهلية، وقد زُجَ فِي أروقةِ إدارةٍ مهمة لا يفقه فيها شيئًا. ولعلّ مِن المناسبِ اليوم، وَنحن فِي رحابِ استعراض بعض ذكريات تلك الأيام الإشارة هُنَا إلى أنّ تقدمَ الأمَم وَالشعوب يعود إلى طبيعةِ معطيات الإدارة المعتمدة فِيها، حيث أَنَّ بوسع الإدارة العِلْميَّة إنجاح المُنَظَّمَات داخل المُجْتَمَع؛ نتيجة مقدرة آلياتها عَلَى اِسْتِغلالِ المَوَارد البَشَريَّة وَالمادِّيَّة بفاعليةٍ وَكَفاءَة عالية. وَمصداقاً عَلَى مَا تقدم يمكن الاستشهاد بكثيرٍ مِن الدولِ الَّتِي تمتلك المَوَارد المَالِيَّة وَالبَشَريَّة، لكنها مَا تزال منضوية تحت خيمة الدول المتخلفة بسببِ النقص فِي خبراتِها الإدارية. يُضافُ إلى ذلك أنَّ نجاحَ خطة التَّنْمِيَة الاقْتِصَادِيَة وَالاجْتِماعِيَّة، وَتحقيقها لأهدافها يتوقف عَلَى حُسنِ استخدام مَا مُتاح مِن المواردِ المادِّيَّة وَالبَشَريَّة.

*

لأنّ عـيـنـيـكِ وديعـتانِ كـالأطـفـالِ فـي مـديـنـتـي ..

تـُضاحِـكانِ الـنـخـلَ فـي الـبـسـتـانِ والـنـجـومَ فـي الـسـمـاءْ :

صرتُ مـيـاهـاً فـابْعـثـيـني للعـطـاشى مـاءْ

*

لأن عـيـنـيـكِ تـُحِـبّانِ الـسّـنا

وتـكـرهـانِ الـدمَ والـخـنـجـرَ والـبـارودَ والـظـلامْ :

غـنّـيـتُ لـلـعـشـقِ وللأطـفـالِ والـسّـلامْ

*

لأنـنـي ابـتـدأتُ مـنـكِ رِحـلـةَ الـمـعـراجْ :

دعـوتُ أنْ يُـورِثَـنـي مـصـيـرَهُ " الـحلاّجْ " !

لَمَا كانت الإدارة تشكل عصب الدَّوْلَة وَالسُّلطة، وَتجسيدها الأمثل، فإنَّ الإدارةَ السليمة تفرض عَلَى المدراءِ وضعِ الشخص المناسب فِي المكانِ المناسب؛ تحقيقاً للعدالةِ وَمراعاةً لظروفِ العمل وَمتطلباته، إلى جانبِ قدرات الفرد وَإمكانياته. وَيَبْدُو جلياً أنَّ صاحبَ ذلك القرار " المعجزة " لَمْ يصل للإدارةِ بالاستنادِ إلى َكفاءته أو خبرته، وَإنما أرتقى سلالم المنصب الوظيفي بأجراءٍ إداريٍّ خاطئ أو بمحضِ الصدفة أو بانتهاجِ سبلٍ لا تقيم وزناً للإمكانات، وَلا تعول عَلَى مَا يلزم مِنْ مهارات. وَلا أَكتُمُ سراً عندما أقولَ أَنَّ مِنْ بَيْنَ أهم العوامل الَّتِي أثارتني للحديثِ عَنْ تلك الحادثة المؤلمة الَّتِي تجرع مرارتها الكثير مِنْ الوطنيين وَالاحرار هو التخبط الَّذِي يخيم عَلَى المشهدِ السِّياسِيِّ المَحَلّيّ؛ نتيجة لافتقارِ القيادات الإدارية إلى التَّخْطِيط المنظم وَالمتقن الَّذِي يرتكز عَلَى فهمٍ عميق لأهميةِ عملية التَّنْمِيَة وَدورها المرتجى فِي مهمةِ بناء الإنْسَان وَرقيه وَتطوره، بالإضافةِ إلى مَا مِنْ شأنِه النهوض بالبلادِ اقْتِصادِياً وَاجْتِمَاعِياً وَثقافيا، وَصولاً إلى النهضةِ الحقيقية الشاملة. وَلعَلَّ فِي مقدمةِ تلك الاخفاقات هو الخيبة فِي مواكبةِ التطوير بمختلفِ جوانب العملية التَرْبَوِيَّة وَالتَّعْلِيميَّة، بِمَا يضمن تبنى المتفوقين وَالنابغين وَدعمهم؛ لأجلِ تمكينهم مِنْ تطويرِ ملكاتهم وَتنمية قدراتهم بِمَا يُساهِمُ فِي الارتقاءِ بالبلاد. وَليس أدل عَلَى ذلك مِنْ أَنَّ أستاذَ اللغة العربية الَّذِي قدر له أنْ يعملَ فِي رزمِ الرسائل مرغماً، لَمْ يقتصر عطاؤه عَلَى تركِ بصمة فِي المشهدِ التَرْبَوِيّ العراقي، حيث مكنه مداد يراعه أنْ يصبح بعد سنوات أحد أهم العنوانات داخل الخارطة الشعرية الَعرَبيَّة بفضلِ تنوع نتاجه الشِعريّ مَا بَيْنَ القصيدة العمودية الَّتِي عشق كتابتها منذ بداياته الأولى وَمَا بَيْنَ القصيدة الحرة الَّتِي يتنقل فِي تفاعيلها، فضلاً عَنْ تخطي صيته وَشهرته الصعيد المَحَلّيّ وَالعربي، مثلما يشهد بذلك المترّجَم مِنْ أعمالِه إلى لغاتٍ عدة، إضافة إلى الرسائلِ وَالأطاريح الجامعية لنيل شهادتي الماجستير والدكتوراه في جامعاتٍ إيرانية وهندية؛ بالنظرِ لكونِ مضامين أعماله الشِعرية نابعة مِنْ إحساسٍ صادق وَعميق مفعم بالحبِ وَالجمال واحترام الإنْسَان وَالدفاع عَنْ قَضايَاه.

إنَّ لـقـاءً قـصـيـراً

يـمـنـعُ زَعَـلاً طـويـلاً ..

.

فـتـصـدَّقـي عـلـيَّ ولـو بـ " شِـقِّ لـيـلـةٍ "

أشـربُ فـيـهـا خـمـرَ أنـوثـتـك بـكـأس رجـولـتـي

.

كـلُّ قُـبـلـةٍ تـتـصـدَّقـيـنَ بـهـا عـلـيَّ :

سـأجـزيـكِ بـعـشـرةِ أمـثـالـِـهـا

ذات سَماوة، سأل السَماوي وَالده : " هل جرّبت الجندية يا أبي ؟ ". وَمِنْ دُونِ حاجة الحاج عباس " طيب الله ثراه " إلى وقتٍ للتفكير أجابه على الفور : " نعم يا ولدي... حاولت التملص منها فلم أستطع؛ لأَنّيَ لم أكن وحيد العائلة فأعفى، ولا ثرياً فأدفع البدل النقدي..! ". وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ كلماتَ الحاج عباس كانت أكثر مِنْ إجابة عَلَى سؤال، فالمتمعن بمضمونِها الإنساني يعي جيداً أَنَّ الدفاعَ عَنْ الوطنِ محصور بالفقراء. ولأَنَّ جوابَ الوالد كان بمثابةِ صفعة لولده، سأل يحيى والده ثانية ببراءةِ الفتوة : " لكن الفقراء لا يملكون بيوتاً فخمة وسيارات ونقوداً كثيرة .. المفروض أنْ يكون الأثرياء أكثر دفاعاَ عن الوطن؛ لأنهم تنعّموا بخيراته... أليس كذلك يا أبي؟ "، إلا أَنَّ الجوابَ كان بحاجةٍ إلى تفكيكٍ لألغازِه فِي ظلِ مَا اكتنفه مِنْ غموضٍ أوقع الفتى السَماوي فِي حيرةٍ مِنْ أمره، حيث أجابه الحاج عباس بِمَا نصه : " سيأتيك القوس بلا ثمن فاهتمْ بدروسـك! ". ولقد جاء القوس فعلاً، لكنه كان بأثمانٍ باهظة، وَليس مِنْ دُونِ ثمن كما اعتقد السَماوي. وَأنا أتأمل بعض تداعيات " قوس " السَماوي يحيى، لا أعرف كيف قفزت إلى خاطري إحدى رسائل الروائي وَالصحفي الفلسطيني غسان كنفاني ( 1936 – 1972 ) إلى الأديبةِ السورية غادة السمان، وَالَّتِي نصها " ويبدو أنَ هناك رجالا.. لا يمكن قتلهم إلا من الداخل ".

 

لطيف عبد سالم

 

 

علي المرهج

بدأت حكايتي مع شارع المتنبي في عام 1991، حينما كنت في مرحلة البكالوريوس، سبقني أخي سعيد ببيع كتبه على قارعة الطريق، كان سعيد قارئ محترف للرواية والشعر والأدب يجمع الكتب ولا زال، يتنقل في سُكناه مُستأجراً، وجل هم أخوتي سؤاله من كثر معاناتهم في رصف الكتب وحملها، هل قرأت كل هذه الكتب؟، فكان جوابه: "خويه واهسي واهس مطيرجيه، همهم حب الطيور لأن فيها كثير من الجمال يُنبؤك عن جمال يُبهرك تعدد ألوانه وأنواعه، والكتب طيور تُحلق في عوالم الفكر فيها ما هو جميل وفيها ما هو أقل جمالاً، لكنها طيور تمنح السماء بعض من ألقها وبهائها".

لم يكن هنا باعة كُثر في ذلك الشارع، وكان الشائع عن بيع أنها في"سوق السراي"، وهو السوق المحاذية لشارع المتنبي، يبدأ من نهاية هذا الشارع من جهة شارع الرشيد بكشك يبيع الكتب القانونية، من جهة اليمين، وبداية الشارع كبة أبو علي الشهيرة من الجهة اليُسرى.

عُرف سوق السراي ببيع القرطاسية بعد أن تآكلت فيه المكتبات بداية التسعينيات، ولم تكن فيه سوى مكتبات قليلة، أهمها كانت مكتبة الفلفلي، ومكتبة (أبو رائد)، ومكتبات أخرى لا أتذكر أسماؤها، ولكنها مكتبات كانت تهتم ببيع كتب التراث، وبعض الروايات، والسير القديمة، مثل سيرة "سيف بن ذي يزن" و سيرة "عنترة ابن أبي شداد" ومعاجم اللغة وكتب التواريخ القديمة، مثل الطبري والقرطبي وابن كثير، وكتب الأحاديث والسنن، مثل البخاري ومسلم وسنن أبي داوود وسنن إبن ماجة والترمذي والنسائي والبيهقي والدارقطني والمُستدرك، وهي كتب تروي تاريخ ذا بعد واحد للإسلام هو الإسلام السُني، بحكم طبيعة النظام التي كانت تمنع كل ما يشي بحديث أو رواية عن التاريخ الآخر للإسلام، ألا وهو التاريخ الشيعي الذي كانت له كتبه التي يعتد بها مثل: الكافي في الأصول، وتهذيب الأحكام للطوسي والإستبصار للطوسي ومن لا يحضره الفقيه للصدوق، يُضاف لها بحار الأنوار للمجلسي، وهي كُتب قد نالت حضها في البيع والشراء سراً عند من هم مؤمنون بأن في ترويجها نجاة لأولي الألباب من باعة الكتب من الشيعة الذين آمنوا أنهم بترويجهم لمثل هذه الكتب وتوفيرها للمحب والطالب إنما ينالون فيه رضا الله وآل بيته، ولهم فيها مكسب في الدنيا والآخرة، فكان شارع المتنبي مكمنهم وحافظ سرهم.

لم تكن هناك مكتبات في شارع المتنبي سوى مكتبة المثنى التي إلتهم الحريق عبق ذكرياتها، وكانت هناك المكتبة العلمية ومكتبة حياوي ومكتبة الخاقاني التي أبت البقاء لتُزين فرعاً نابضاً بالفكر من فروع شارع المتنبي.

من جهة أخرى كان كل ما هو مُتاح في الثقافة من أدب ورواية الفكر فيما قبل التسعينيات في سوق السراي إلَا ما ندرهو ثقافة تُحاكي رغبة النظام وسياسة الحزب القائد.

في المقابل كان هناك مثقفون قد ذاقوا الأمرين، مُرَ سياسة الكبت والإستبداد، ومُرَ الحصار، فأضطر بعضهم لاختيار المنفى، وآخرون اختاروا الوطن سُكنى لهم وتحدي نظام الطاغوت، إما لعوز مادي أو لرغبة منهم في التحدي، سياسياً في رفض النظام علانية واختيار طريق المعارضة الصريحة أو سراً، وهذه السرية عبر عنها البعض بالترميز، شعراً أو نثراً، وعبر عنها آخرون بالصمت والسكوت، فكثير من السكوت صراخ كما قال أستاذنا مدني صالح حين طالبه بعض المتملقين الكتابة في السياسة، وكانوا يقصدون الكتابة عن مآثر الحكم ودُررالكلم عن أقوال السيد القائد وسياسته!!.

بعض من المثقفين الذين اختاروا الوطن منفى، لم تكن عندهم هناك كثير من خيارات العيش بكرامة سوى إفتراش رصيف شارع المتنبي ليُعلنوا عن بداية عصر جديد للوَراقين، هو عصر الذين لا يكتبون ولا يخطون قول المنشئ للقول، بل عصر الذين هاموا في فيافي العيش، فآثروا العمل في ما أتقنوا قراءته وحكايته، وبيع بعض مما رغبوا بامتلاكه من كتب، ولكن الزمن الصعب له حساباته، فأختاروا العمل ببيع الكتاب وشرائه لأنه هوايتهم وغوايتهم، وهو ما به يستطيعون دك حصون حاكم أرعن لا يفقه من جمال اللغة إلَا المدح والتصفيق والتهليل الذي إنبرى بعض ممن يُقال عنهم أنهم مثقفون كي يكونوا الشعراء والطبالين والزمارين ممن يُتقنون الرقص على حبال سلك التملق للسلطان "الحاكم الفيلسوف الفاضل"!!.

لكن هناك مثقفين آخرين ممن آثروا العيش في منفى الوطن، ولكن عقولهم لا نفي لها، ولن تستكين، فآثروا العمل في شارع يُنبأ عن وعي جديد، لم يكن معروفاً من قبل ولا شهرة له، إلَا إسم من سُميَ به، وهو المتنبي "مالئ الدنيا وشاغل الناس"، فصار الشارع أحق بإسمه مالئ الدنيا بأخبار الثقافة والأدب العالمي والعراقي وشاغل الناس بتنوع اهتمام باعته ومريديه، بل أستطيع القول أن شارع المتنبي كان أجرأ من شاعره، ولم يُهادن كافور الأخشيدي ولا سدنته من حيث إصرار باعته، لأنهم يكونوا باعة كلام ولا باعة أمل بقدر ما كانوا طُلاب حق يُرتجى، مُثقفون يرسمون بعملهم مكاناً للتعبير الحقيقي لرفض لسياسة كم الأفواه بعد أن عجزوا عن بناء تصور حالم للتغيير في عوالم المثال، فكان المتنبي شارعاً وطريق حُبلى بتنوع ثر لعقل عراقي لا ينضب ولا يهدأ، لأن من أسسوا الشارع يحلمون "ببناء وطن حر وشعب سعيد" وإن كان بعضهم لم يجعل من هذا الشعار هوية له، ولكنهم جميعاً شعراء وروائيون ودارسي فلسفة وعلوم ومُريدي تصوف ولغة، وآخرون إستهوتهم علوم السلف، سنة يمن الإسلام، وشيعة يسار الإسلام، يحملون هذا الهم، فكانوا يتسامرون ويتحاورون ذوي اللحية الكثة (اليمين واليسار) مع ذوي الياقات البيضاء من اليمين "البرغماتي" برؤية لا اتفاق فيها مع كلا الطرفين، وهناك آخر "يساري" بروليتاري حانق على كل توجات هؤلاء فكراً يتواصل معهم إنسانياً ينقض قول هذا وذاك وهؤلاء ليعصف بالجميع ناطقاً باسم فقراء أرض العراق، وهناك في شارع المتنبي أشياء وأشياء تُخبرنا عن عراق مُصغر جميل فيه تنوع وثراء يقبل بعضه بعضاً إنسانياً ويختلف فيه الآخرون فكرياً على قاعدة "لا يُفسد في الود قضية".

 

 

 

najib tala2نــسَـوك؛ ومــا نـعَـوْك؛ في وبـعْـد مثواك الأخير: يا شـيـخنا ! لأنـك لم تـكن مـنافقا ولا استغلاليا؛ ولابـهتانيا؛ بـل كنت متواضـعا بسيطا في علائقـك ومعاشـك؛ صـادقا مع ذاتك ومنسجما مـع مواقـفك وتصوراتك؛ ويكفي أنـك كـنت أيها الراحل عـنا نارا على عـلم في محـيطـك وخارجه؛ بحكم حـركيتـك المتفردة؛ ووجودك المتميز؛ فتاريخه العـريق بين أهـل وساكنة المدينة القديمة بفاس؛ منذ ولادته 1910 إلى يوم أن غادرنا لدار البقاء– عبد العزيز الساقوط – الذي امتهن الخرازة التي كانت من أرقى الحـرف في الثلاثينات من القرن الماضي؛ لأسباب يدخل فيها حتى الجانب الاستعماري أنذاك؛ وبعدها تحول كمستثمر محلي في بيع الجلود. ومن طبيعة مرحلته التاريخية التي فرضت عليه أن ينخرط في المقاومة والدفاع عن استقلال بلاده؛ التحـق بصفوف الحركة الوطنية؛ واستقـر به الأمر فيما بـعـد في جناح – حزب الاستـقلال – من هـنا هـب عليه ريح – المسرح- ليعشـقه؛ويهيم في رحابه ومنجزاته (آنـذاك) بحكم الأعمال المسرحية التي كانت تـنـجز وتـقدم في المدارس الحرة التابعة للحـزب؛ وإن كان يمـيل للبســاط الذي كان سائدا في القصور والمنازل والرياض والحقول المسيجة ... ومن خلال مساره في معـمعان – المسرح- الذي يفرض قراءة تاريخية لذلك؛ ومما يؤسف لـه؛ لا أحـد حاول أو فـكر أن يخترق عـوالم مساره المسرحي؛ وخاصه الذين كانوا بجواره؛ بل كانوا يفكرون في استغلاله :كيف ؟ فمن سياق المتن سنعرف الجواب . ولكن شاءت لحظة البوح أن يحكي بعضا من مساره؛ لأنه أصلا كان قليل الكلام؛ ويستظهـر كتابه في دواخله؛ لأنه لم يكن ممثلا ولا مؤلفا ولا مخرجا؛ بل كان رجلا مهـووسا بالمسرح وملسوع به؛ مما حقق دينامية وجوده وقربه للفعل المسرحي؛ في عملية التسيـير والتدبير للجمعيات المسرحية . وإن كان مارس (البساط) والذي ليس هو المسرح كفعل إبداعي له خصائصه وقواعده وأنماطه الفكرية والتعبيرية؛ وبالتالي يُـعَــد وسيلة لتحقيق غاية لحظية تتمثل في تواصل روحي شبقي بعوالم إنسانية؛ ثم من خلال مضمون رسالته التي تعد غاية بعدية؛ أما البساط فبعضهم أراد أن يؤطره كشكل مسرحي؛ من خلال موجة تأصيل المسرح العربي؛ الذي لم يـتأصـل؛ بقـدرما تأزم؛ من كثرة التخريجات الوهمية منها (البساط) صحيح إنه يعتمد على ممثل وجمهور؛ وصحيح أنه يحمل فرجته معه؛ ولكنه لا يحمل فكرا ولا جمالية؛ لأنه يندرج ضمن المسليات أو الهـزليات.

63 الساقوطففي سنة 1947 أسس الحـزب (الاستقلال) تحت إشراف “السلوي أبـو عـزام” جمعية (العلم) فاستدعي لكي ينخـرط فيها؛ لكنه تهَـيَّب من طلبة القرويين الذين كانوا اعضاء فيها؛ ولاسيما أن طبيعة حضوره تكمن بين الصناع التقليديين والحرفيين؛ فساهـم الراحل – الـساقوط - في تأسيس جمعـية (التواضع الفني) في أواخر الأربعينات من القرن الماضي؛ والتي كانت تضم/محمد بنمنصور/ /محمد الحياني/ ع الحق الجامعي/ حماد الصفريوي/ الطاهرالغياتي/ عبدالرحيم الأزرق/ حماد بن جلون/ مصطفى بلامين/ محمد باحسين/..../ فانطلقوا بالارتجال والمقالب والقفشات؛ ذات فـرجات شعبية؛ يغلب عليها طابع الإضحاك والبهجة؛ ففي هذا القالب أو النمط؛ ظهرت بجانبهم جمعية [ المستقبل المسرحي ] رفقة كمال بنسودة / بلحاج بنجلون/ ع السلام الإدريسي/ محمد الحمومي/ حماد الصفريوي/ عبد العزيز الغرناطي/ محمد الفيلالي/عبدالحق الزموري/.../ فكانت المنافسة شرسة وأخوية في آن؛ في مجال (البساط/ الإضحاك) بين الجمعيتين؛ بحيث كان جموع الحرفيين وغيرهم يتهافتون على عروضهما مساء الخميس والجمعة أنذاك؛ والمثير أن الجمعيتين آمنا بممارسة الفـن من أجل الفن؛ بعـيدين عن المجال السياسي الذي كان سائدا آنذاك؛ مؤكدين أن النشاط السياسي لا مناص أن يمارس خارج الجمعية؛ وإن كان أغلبهم ينتمون لحـزب الاستقلال؛ وجزء من إيرادات عـروضهما (كان) يرسل ويسلم من طـرف عبد العزيز الساقوط وحماد الصفريوي. كمكلفين بإيصال تلك الحصيلة؛ لصندوق الحزب من أجـل المقاومة؟

لكن بعـد سنوات من النشاط أي في 1952اندمجا كجمعية واحدة اطلق عليها – المسرح الشعـبي- واسندت الرئاسة لعـبد الحق الجامعي وأمين المال لعبد العزيز الساقوط؛ فتطور نشاطهم لأعمال لها مقومات مسرحية ك- رواية – وهذا المفهوم كان يؤمن به الراحل (الساقوط) ويتلفظ به. فما سمعنا يوما منه يتلفظ بمسرحية بل رواية (الإيمان) لمحمد الإدريسي؛ الذي كان آنذاك رئيس مدرسة النهضة التي تعد إحدى أقدم المدارس الحرة بفاس؛ وفيها كانوا يتدربون ويقدمون عروضها؛ وهناك رواية (محو الأمية) للعربي بنشقرون الذي بدوره كان رئيس مدرسة- عقبة الفيران- ورواية ( كيف المعمول) للعربي الدغمي و(المال والجاه) لحماد بن جلون... لكـن حينما شعر الراحل – ع العزيز الساقـوط- باختراق الفعل السياسي في الجمعية؛ انسحب منها سنة 1960 ليؤسس جمعية [الاتحاد الفني] رفقة محمد العلمي وعبد الرحيم الأزرق ومحمد المرادي وأحمد البورشدي وأحمد الأزمي وعبدالحق بنعظيم ومحمد الحجامي.... إذ تم إعادة بعض السكيتشات والأعمال التي تم تقديمها في (المسرح الشعبي) بعـدما التحق بهم إبراهيم الدمناتي وعـزيز صابر وصالحة الجزائرية ونورالدين السباعي/.../ بحيث تم استغلال قاعة سينما (لامبير) عـدة مرات لتقديم أعمالهم؛ والتقليد الذي نهجه المسرح الشعبي؛ بالقيام بجولات في القرى والمدن المجاورة لفاس وكذا المستشفيات ودور المسنين؛ نفسه سلكـه (الاتحاد الفني) بحيث قام بعدة جولات في بعض المدن والمداشر القريبة من فاس؛ ومن ضمن الجولات؛ كانت لهم جولة لمدينة وجـدة سنة 1961 رفقة جوق إذاعة فاس آنذاك والعجيب أن هاته الجمعـية كانت بمثابة جـسرا يَمُـرُّ ومـرَّ منه أغلبية المسرحيين؛ والمسألة كانت تندرج في عملية تمويل ودعم العمل المسرحي؛ ماديا فكان الراحل – عبد العزيزالساقوط – كرئيس للجمعية وممول لأعمالها بكل ثقـله المادي والمعنوي؛ فعلى يده ظـهر أول عمل مسرحي لمحمد تيمد- النكران – والتي شاركت بها في إقصائيات مسرح الهواة الدورة (السادسة/1962) وقبل هـذا العمل التحق الفنان نبيل لحلو وأخيه حميد و زكي الهواري؛ فانطلقوا في التداريب حول رواية( يوليوس قيصر) وأنفق الراحل أموالا طائلة على الديكور والملابس؛ لكنه أوقـف العمل بعدما؛ كـذب عليه أحد المسرحيين ! بأن العمل ذو طابع سياسي ضد السلطة ؟

وبحكم طبيعة حياة الصناع التقليديين؛ الذين (كانوا) يمسرحون طبيعة حياتهم وعلائقهم بكل تلقائية - فعبد العزيز الساقوط قيد حياته؛ ليس استثناء؛ فكان بدوره يمارس مقالب مع الصناع والمسرحيين؛ فكانت قفاشاته مريبة جـدا؛ مما كان يتخوف منها العديد ممن انخرط في الجمعية؛ وحينما يصاب أحدهم بمقلب ينسحب لجمعية أخرى؛ وفي هـذا المجال الحديث يطول؛ مما انخرط العديد من الفعاليات المسرحية في الجمعية؛ مما أضحى شيخ المسرحيين بدون منازع؛ ولاسيما رئاسته مجلس دار الشباب السياج بالمدينة القديمة؛ وكانت في زمن الاستعمار الفرنسي مـقرا (للمجلس البلدي) وبقربها دار (بوعلي) التي كانت مجلس حكم الباشا البغـدادي آنذاك؛ ففي هذا الفضاء كان يتحرك الراحل؛ بعدما ينهي عمله بباب عجيسة؛ ويملأ حافظته بما تيسر من رزق يومه؛ جزء منه كان ينفقـه على المسرح؛ وليس هو الوحيد الذي كان كذلك بل كان (محمد عادل) ما أنفقه على [اللواء المسرحي] فمن الصعب حصره؛ وهناك المرحوم (زكي العلوي) ما أنفقه على [الطليعة] حتى أنه باع بعض اثاث منزله؛ بهوس المسرح؛ وهناك المرحوم (محمد العلمي) تجاه جمعية (التجديد المسرحي) والمرحوم (عبدالله مراني العلوي) في حق (جمعية نادي الفنون) (وووو) فـإشكاليتنا لا أخلاقية؛ بحيث لا نؤمن بتضحيات الآخر ولا نضعها في ميزانها؛ ولم نترب على ثقافة الاعتراف.

ففي1972 قـدمت رواية الأموات لمحمد المرادي الدباغ؛ الذي كان طاقة خارقة في المجال الشعبي؛ بحيث كان الراحل يفرض عليه البقاء ضمن الجمعية؛ بحيث قدم لها عـدة أعمال ؛ لكن بعد عام أي: 1973 التحق أحمد العراقي ومحمد خشلة وادريس الجاي لتقديم رواية (حسب تعبير الراحل) – حزيران شهادة ميلاد- والتي شاركت في المهرجان الوطني(الدورة14) وبعـدهـذا التاريخ أمست أفواج من الشباب تتقاطر على الجمعية؛ وبعـد التمرس فيها يؤسسون جمعية مسرحية موالية لها؛ حتى أن بعضهم؛ حاول ممارسة الانقلاب على الراحل؛ وإزاحته من رئاسة الجمعية؛ بأساليب ملتوية؛ والسبب يعود؛ بأن (الاتحاد الفني) كان لها تاريخ وصيت في المحيط الفاسي؛ ولها رصيد مالي جـد محترم؛ انطلاقا من المنح والمساعدات المالية؛ ودعـم خاص من المجلس البلدي في عقود خلت؛ ومادام لم يفلح الانقلاب؛ التجأوا لتأسيس جمعية؛ أطرت نفسها آنذاك في اليسار؛ ولم تكن يسارية؛ إلا لإخفاء ما كانت تخطط له ضد الراحل؛ الذي كان له حضوره القوي في حياة الصناع التقليديين؛ إذ كان أمينا للتجار بباب عجيسة (سوق الجلود) ورئيس جمعية الشبيبة الصناعية وعضو إنساني في جمعية المعاقين جسديا وعضو فعال في نادي الصناع التقليديين؛ ولكن هنالك شباب ظلوا في كنف الجمعية سنوات وسنوات؛ ولم يتمردوا على الراحل بل دعموه بكل عطائهم الفني كالمرحوم: محمد الشيكي/ المرحوم: محمد التاج الدين/المرحوم:المريني أبو العينين/المرحوم: ادريس الذويب/ عبدالله مفيد/محمد فارس/ عبدالله الدوردي المدغري/عبدالواحد المرابطي/ خالد فايز/ سعيد العامري/ادريس العطار/ أحمد اليعقوبي/ محمد سليم/ محمد التسولي/ محمد الخمليشي/...../

ومن أجمل ما فـكر فيه الراحل إنجاز رواية (مولاي ادريس) من تقديم وإنجاز [الاتحاد الفني] وإشراف الاتحاد الاقليمي للمسرح آنذاك؛لإعطائها الصبغة الإقليمية؛ وفكرة الراحل كانت محاولة تقديمها في فضاء [باب الماكنة] تيمنا بمؤسس المدينة؛ فاختيرلها محمد خشلة للقيام بالإخراج؛ فكانت بحق ملحمة؛ بخلاف التصور الذي قدمها به – الطيب الصديقي- بحكم مشاركة عناصر من كل الجمعيات المسرحية.

فبحق فالراحل عنا – ح /عبد العزيزالساقوط: كان شيخ المسرحيين بامتياز؛ بعدما ساهم بكل ثقله في الميدان المسرحي؛ ومساهما في التنظيم والإشراف والتواصل مع الجهات المسؤولة؛ لدعم الفعل المسرحي ماديا ومعـنويا؛ ومن جانبه لقد ضحي بالغالي والنفيس من اجل الارتقاء بالإبداع المسرحي؛ وشحن همم الشباب على الممارسة المسرحية الحـقة . فرغم تضحياته وديناميته؛ فالأغلب الأعم تنكروا له؛ ونسوه حتى في مماته؛ علما لم ينصفه الزمن أويعوضه ولو عُـشر ما قـَدمه للمسرح وللشبيبة الصناعية !!

 

نــجيـب طــلال - فـــــاس

 

ضياء نافعاستلمت رسالة اليكترونية بالروسية من أحد الزملاء الروس بعنوان – بوشكين في العراق، وقد أثارت هذه الرسالة اهتمامي طبعا، اذ اني اتابع موضوعة الادب الروسي في العراق منذ عشرات السنين، وسارعت بفتح تلك الرسالة والاطلاع عليها، وقد تبيّن، انه يطلب منّي ان اقدّم له استشارة (او رأيّا) في مسألة مطروحة امامه الان حول موضوعة – (بوشكين في العراق)، ويقول في رسالته، انه وجد بعض المصادر الروسية حول هذا الموضوع، ولكنها – كما يرى – غير كافية كما يجب - بشكل عام - لتغطية هذا الموضوع الكبير، المرتبط بشاعر روسيا الاول وعبر كل عصورها . وهكذا بدأنا الحوار .

قلت له، ان من الضروري ان نحدد – قبل كل شئ – ماذا يعني مفهوم (بوشكين في العراق)، وهل يعني ذلك حصر بوشكين في الحدود الجغرافية للدولة العراقية بمعزل عن العالم العربي الذي يحيطها، اذ ان ثقافة العراق متداخلة بثقافة البلدان العربية الاخرى، والكتاب الذي يصدر في دمشق مثلا عن بوشكين يصل الى القارئ العراقي بعد أيام، وقلت له باني (وبعض الزملاء الذين أذكرهم لحد الان من جيلي) طالعنا بالعراق في خمسينات القرن العشرين مثلا ترجمة د. سامي الدروبي لرواية بوشكين القصيرة - (ابنة الضابط) ضمن منشورات (دار اليقظة) السورية المشهورة، واعاد غائب طعمه فرمان ترجمة هذا الكتاب بعد اكثر من ربع قرن، وهكذا صدرت رواية (ابنة الآمر) لبوشكين في موسكو، فهل نعتبر، ان المترجم العراقي غائب طعمه فرمان هو الذي قدّم للعراقيين رواية بوشكين تلك (عن طريق موسكو !)، وبالتالي، فان ترجمته تدخل ضمن موضوعة (بوشكين في العراق)، بينما تدخل ترجمة الدروبي لنفس الرواية ضمن موضوعة (بوشكين في سوريا) ؟ ويمكن التوقف عند كتب اخرى حول الادب الروسي صدرت في القاهرة مثلا، واطلع عليها القارئ العراقي، بما فيها كتاب الباحث والكاتب الفلسطيني الكبير نجاتي صدقي الموسوم – (بوشكين)، الذي صدر ضمن سلسلة (اقرأ) المصرية الشهيرة في اربعينات القرن الماضي، وذكّرته بقول طريف كان سائدا في عالمنا العربي يوما ما وهو – القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ . وبعد (التي واللتيّا)، كما يقولون، اقتربنا من نقطة مشتركة بيننا في هذا الشأن، اذ توقف زميلي عند التمثال النصفي لبوشكين في حدائق كليّة اللغات بجامعة بغداد، وقال انه واحد من الشواهد المادية والتي لا يمكن تجاهلها في موضوعة (بوشكين في العراق)، اذ ان مثل هذا التمثال موجود بمصر والمغرب فقط في العالم العربي، وأشار الى ان المصادر الروسية حول هذا الحدث المتميّز وغير الاعتيادي مرتبكة وغير متناسقة وحتى متناقضة بعض الشئ، وان مقالتي بعنوان – (قصة تمثال بوشكين في جامعة بغداد) توضّح كل هذا الارتباك وتجيب عن كل التساؤلات المرتبطة بهذا الموضوع، الا ان هذه المقالة غير مترجمة الى اللغة الروسية، وبالتالي، بقيت مجهولة للقارئ الروسي المهتم بهذا الحدث، واقترح عليّ ان اترجمها وانشرها بالروسية، فقلت له انني متفق معه بشأن ذلك، اذ ان التمثال النصفي لبوشكين في جامعة بغداد دخل في دوّامة الصراع السياسي العراقي المعاصر واساليبه الملتوية و(غير النظيفة !) مع الاسف، الا ان ترجمة المقالة هذه من قبلي خطوة غير متواضعة، اذ تبدو وكأنني اريد ان امدح نفسي، او، ان افرض رأيّ، وهذه مسألة حساسة ومحرجة احاول طوال حياتي ان اتجنبها، فضحك صاحبي وذكّرني، ان امثال الشعوب كافة تقف ضد المبالغة في المواقف، وان تلك المبالغة تؤدي الى نتائج مضادة وعكّسية في كثير من الاحيان، وان عدم ترجمة هذه المقالة الى الروسية، بسبب هذا التواضع المبالغ فيه من قبلي، هو مثل واضح وصارخ لذلك، وقال انه ينتظر.

قلت لصاحبي بعدئذ، ان أحد العراقيين، وهو طالبي سابقا وزميلي في العمل بجامعة بغداد لاحقا، واسمه صفاء محمود علوان الجنابي قد أنجز في ثمانينات القرن الماضي اطروحة دكتوراه في كليّة الاداب بجامعة فارونش الروسية عنوانها – (بوشكين في العراق)، وانه جمع هناك المصادر الاساسية التي ظهرت في العراق آنذاك حول بوشكين وأشار اليها، وناقش افكارها واهدافها، وقلت له انها اطروحة متميّزة جدا في مضمونها، واقترحت عليه ان يجدها، او، في الاقل ان يجد موجزها الموجود حتما في الارشيف الروسي للاطاريح، ويطلع عليه، وسيجد هناك اجابات عن كل اسئلته، فشكرني على هذا المصدر المهم والجديد بالنسبة له، ووعدني ان يحاول ايجاد هذا المصدر . وبالمناسبة، فانني أتوجه الى د. صفاء في ختام هذه المقالة، واقترح عليه ان يفكر بشكل جدّي بتنقيح اطروحته تلك، وان يضيف اليها بعض المصادر التي استجدّت بشأن موضوعة بوشكين في العراق، ويقوم بنشرها بالعربية، وانا على ثقة تامة، ان مثل هذا الكتاب سيكون ناجحا ومفيدا وطريفا للقارئ العربي اولا، ولتعميق الموضوعة الروسية وبلورتها في مسيرة الادب المقارن ودراساته في العراق والعالم العربي ايضا.

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

60 نزار قبانيفي وقت كانت فيه القصيدة العربية تلتزم خطاً مرسوماً، فإما أن تكون مُغرقة في التقليدية أو موغلة في الغموض والإبهام بحجة الحداثة اتخذت قصيدة نزار قباني خطاً وسطا بين هذين الأتجاهين اللذين هيمنا على المنظومة الشعرية العربية في النصف الثاني من القرن المنصرم، ذلك أن نزار كتب قصيدة تراوح ما بين الغموض البسيط جداً والمُباشرة التي تكاد تخل بالقصيدة وتُقلل من قيمتها كمُنتج فني بالأساس، فمن ناحية البناء كتب الشاعر نزار قباني القصيدة العمودية وحافظ على النسق الخليلي، والقصيدة الحرة إلى جانب نثره الذي بثه هنا وهناك في دواوينه وخارجها، ومن ناحية المضمون والمُحتوى وبخلاف ما كانت عليه القصيدة العربية آنذاك من انشغال بالغزل التقليدي والإغراق في الأنين والشكوى والتفاخر بالأوطان والكتابة المناسباتية فيما يخص كُتاب القصيدة الخليلية والشعر الحر من جهة، والعودة إلى الذات واتخاذها مِحوراً يدور الكون كله حولها، وما رافقَ ذلك من إغراق في الغموض وتعمد التعمية والنأي عن الوضوح وغياب الموضوع وتشظي المعنى فيما يتعلق بقصيدة النثر مع أبرز ممثليها وقتذاك، أدونيس ويوسف الخال وشوقي أبو شقرا وبصورة أقل غلواً محمد الماغوط وغيرهم، من جهة أخرى، بخلاف هذين الأتجاهين الشعريين اللذين تجاذبا الذائقة الشعرية وخاطبا الوعي العام الذي على ما يبدو كانَ مُهيئاً لتقبل هذا التطور الشعري بعد أن ملَّ البطولات الزائفة واستسلم للهزائم المتتالية ولم تعُد تستهويه الأشتغالات الشعرية التقليدية من جهة والغموض والإبهام والخوض في الأوهام وملاحقة السراب وانتظار الذي لا يأتي من جهة ثانية .

وفي ما كتب نزار لا نجد ذلك التباكي والأنين ولا الغموض المتعمد والإبهام ولا محاولة تجاوز أو حتى إلغاء المتلقي وتجاهله، ولعل لابتعاد نزار عن هذين النمطين من الكتابة الشعرية دور في شُهرته وذيوع اسمه كشاعر مختلف ونفاد دواوينه من المكتبات حال نزولها، ذلك أن نزار كانً واقعيا أكثر من اللزوم في كتاباته حين تناول في أشعاره، المرأة وتغزل بها بشكل عصري وجريء بالمقارنة مع من سبقه من شعراء ومن جايلهُ، وكان غزله صريحا إلى الحد الذي لم يتوانى معه في إقحام أشياء المرأة الخاصة وأسرارها الحميمية في قصائده، هذا إلى جانب تناوله للجسد الأنثوي بطريقة فيها الكثير من الجرأة حتى أنه سُمِىَ بشاعر المرأة وعُدَّ خبيرا بعوالمها وبكل ما يتعلق بها ومتميزا في الكتابة عنها ووجد ما كتبه صدى لدى المتلقي العربي الذي يرزح تحت تاريخ ثقيل من الكبت العاطفي والحرمان الشعوري، وبعكس الكثير من الشعراء عمل على تجديد لغة الشعر بتطعيم قصائده بالكثير من مفردات العصر ومفاهيمه، ولم يرتكن إلى اللغة التقليدية التي اجتُرت كثيرا واستُهلِكت من وجهة نظر البعض، هذا من ناحية .

ومن ناحية مقابلة لم يكن نزار منقطعا عن زمنه وعالمه وتابع كل متغيراته بما فيها السياسية والأجتماعية وتأثر كغيره من الشعراء والعامة بالمتغيرات السياسية المحلية والعربية وكتب انطلاقاً من إحساسه بالمسئولية قصائد عصماء تُشخِص أسباب الهزيمة وتستنكر حالة التشرذم والانقسام العربيين إلى حد أنهُ هاجم الملوك والساسة العرب وحملهم مسئولية الهزيمة وجعلهم هدفاً لسهام هجائه المُر .

ورغم ان نزار الذي يعد شاعر مرحلة بامتياز لأنه عبّرَ خير تعبير عن مرحلة عاشها العالم العربي وتبنى موقفاً من حالة التخاذل والإستسلام ومن قضايا المرأة، إلا أنهُ كتب بمباشرة زائدة وامتثل لضرورات القافية أحيانا، والمرحلة في واقع الأمر كانت تتطلب تلك اللهجة الحادة والخطاب القادح والنبرة العالية والإيقاع المدوي لاستنهاض الهمم وبث الحماس في النفوس وإثارة النزعات القومية والدعوة للتحرر في زمن تكاثرت فيه هزائم العرب وتلاحقت النكبات، وهاته المباشرة التي تجلى بها شعر نزار كانت مطلباً ملحا حينها ومقبولة بمقياس جمال الشعر إلا أنها وبعد مرور فترة طويلة على هذه المرحلة يتضح لنا ضعف هذا الشعر الذي يبدو ان مضمونه الحماسي والتحريضي الثوري غلب على مظهره الجمالي وغطى على جانبه الفني، ولعل الشهرة التي حازها نزار تعود في الأصل إلى إعجاب الشرائح الدنيا في المجتمع بشعره وليس النخبة المثقفة ولا يمكن طبعا تجاوز عامل آخر ساهم في تكريس شهرة الشاعر وهو الإلقاء والحضور المنبريّ، وهذا ما جعله الأكثر شعبية بين الشعراء، وكل ما قيل عن ضعف شعر نزار من الناحية الفنية لا ينفي أن وسط هذا الزخم والإنتاج الشعري الضخم فلتات أو التقاطات رائعة وصور شعرية غير مطروقة وتلاوين مبتكرة لم يسبقه إليها أحد، وبالإجمال نعثر في شعر نزار الذي يُنظر إليه على أنهُ مرحلة مهمة من مراحل الشعر العربي ومنعطف مفصلي فيه لكونه مؤثرا فيه ومتأثرا به، على الكثير من القصائد الجميلة والشعر الناصع لناحية موسيقاه وصوره الرائعة وأخيلته الباذخة، في الوقت الذي نجد فيه نماذج ذات مستوى فني متدني وبسيط حتى أننا نتساءل أحيانا عن ما الذي جعل نزار يجيز هكذا شعر وينشره في غياب تام للناقد الداخلي الذي ما كان يجب أن يسمح بذلك .

هذا بالإجمال بعضا مما توحي به قراءة شعر نزار قباني الذي رحل تاركا وراءه أرث شعري ضخم يجد فيه كل متذوق حاجته لكونه شعر إنساني وتوثيق لمرحلة حساسة، ومثل إي شاعر كبير اختلف الناس وتخاصموا حول شعره حتى اليوم ولعل هذه المداخلة النقدية المتواضعة تدخل في هذا الإطار .

 

 

لطيف عبد سالميقولُ أدونيس إنَّ الشعرَ ليس مجردَ تعبيرٍ عَنْ الانفعالاتِ وَحدها، إنَّمَا هو رؤية متكاملة للإنسانِ وَالعَالم وَالأشياء، وَكُلُّ شاعرٍ كبير هو مفكرٌ كبير. وَلا أخفي سراً أَنَّ تمعّني فِي الرؤيةِ المذكورةِ آنفاً، كان مِنْ بَيْنِ أهمِ الأسباب المَوْضُوعِيَّة الَّتِي حفزتني للخوضِ فِي غمارٍ - مَا أتيح لي - مِنْ تجربةِ الشاعر الكبير يحيى السماوي بأبعادِها الإنسانيَّة، بعد أنْ تيقنتُ مِنْ سموِ منجزه الشعري المغمس بثراءٍ فكري وَحس وَطني وَوَعى عقلاني يعبرُ عَنْ إيمانٍ بسلامةِ الخطى وَوضوح الرؤية، فلا غرابةَ فِي أنْ يكونَ للإنسانِ وَالحبِ والجمالِ حضورٌ وجدانيٌّ فِي مَا تباينَ مِنْ أجناسِ نصوصِه الشعريةِ الرشيقةِ الأنيقة، والمؤطرةِ بذوقٍ عالٍ وحسٍ مرهف، بالإضافةِ إلى توشيمِ بعض فضاءات نصوصه الشعرية بمفرداتٍ منتخبةٍ بعنايةٍ وَدرايةٍ مِنْ مَوْرُوثنا الثَّقَافِيّ والاجْتِمَاعِيّ؛ مُوظِفاً مَا تكتنزه ذاكرته المتقدة المتوهجة مِنْ صورٍ مَا بَيْنَ طياتها، وَالَّتِي ظلت ملتصقة بوجدانِه وَلَمْ تفارقه، فثمَّةَ مفردات مِن التراثِ الشَعْبِيِّ مَا يَزال لها صدى فِي بعضِ نتاجاته الشعريَّة.      

مَا يميز تجربة السَماوي يحيى الشِعرية فِي أحدِ جوانبها المهمة، هو القدرة الفائقة عَلَى اِسْتِغلالِ مَا اكتنزته ذاكرته مِنْ مَوْرُوثَاتٍ وَأحداث عاش فِي خضمِها وتجاذبته المعاناة مِنْ معطياتها، حيث أَنَّ القراءةَ المتأنية لبعضِ قصائده، فضلاً عَنْ مدادِ يراعه فِي أجناسِ الأدب الأخرى، تكشف عَنْ أثرٍ واضح لاستفزازِه الذاكرة ومنحها دفقاً؛ لإِنْتَاجِ صورٍ شِعرية وَأدبية تقوم عَلَى إبرازِ حالته النَفْسِيَّة وَانفعالاته الَّتِي تجتذب القارئ وَتهز وجدانِ المتلقي الَّذِي مَا يَزال مشاركاً لَه فِيمَا يشعر بِه مِنْ هواجسَ حيال مَا جرى مِنْ أزماتٍ وَمجاعات وَاغتراب وَأحداث دامية خلفت الكثير مِنْ الهمومٍ وَالأحزان وَالنكبات. وَمِنْ المؤكّـدِ أنَّ تنوعَ الينابيع الَّتِي نهل مِنهَا السَماوي يُعَدّ أحد الدعائم الإِيجابيَّة الَّتِي ميزت تجربته الشِعرية؛ إذ أَنَّ الخروجَ مِنْ مأزقِ الأحادية فِي اعتمادِ المصادر، وَالَّتِي لَمْ يكن بوسعِ الكثير مِنْ الشعراءِ وَالأدباء مغادرة شباكها، ساهم فِي إثْرَاءِ أدواته الشعرية، وَطور مِنْ موهبته فِي نظمِ القصيد وَانتقاء مفرداته عَلَى وفقِ ضوابطَ لغوية وَشروط نحوية، وَهو الأمر الَّذِي اتضحت معالمه فِي جمالِ صياغة قصائده وَتميزها؛ لارتكازِه عَلَى الإِبْداعِ فِي تركيبِ الصورة الشِعرية، فضلاَ عَنْ دقةِ اختيار الكلمة. يضاف إلى ذلك الدور الواضح للبِيئَةِ المَحَلِّيَّة الَّتِي عاش فِي رحابِها بالمُسَاهَمَةِ فِي إنضاجِ شاعريته وَتوهج وَعيه السِّياسِيِّ الوَطَنِيّ التقدمي؛ إذ يمكن الجزم بأنَّ مشاركته فِي الانتفاضةِ الجماهيرية عام 1991م، كانت تتويجا للحسِ الوَطَنِيّ الَّذِي نشأ عَلَيه منذ ختم مراهقته الشِعرية فِي ديوانِه البكر الموسوم " عيناك دنيا "، ليبتدئ شبابه الشِعري فِي ديوانِه الثاني " قصائد في زمن السبي والبكاء " الَّذِي أصدره أيام دراسته فِي كليةِ الآداب بالجامعةِ المستنصرية، فلا غرابة فِي قولِ الكاتبة وَالقاصة التونسية هيام الفرشيشي مَا نصه " شِعرُ يحيى السماوي يتقلب بين الوطن داخل الكلمات والمنفى خارج الوطن "، فضلاً عَنْ إشارتِها إليه بوصفِه " أشبه بالطفل الذي يطرب لثغاءِ شاة أو نباح كلب في بستانٍ من بساتين السماوة، أكثر مما تطربه موسيقى منتديات الليل في المدن الكونكريتية "، وَيقيناً أَنَّ الأديبةَ الفرشيشي كانت عَلَى صوابٍ بشكلٍ لا يقبل اللبس فِي معناه؛ لأَنّ قولَها يعبر حقيقة عَنْ تعلقِ السَماوي بوطنِه وَمرابع طفولته وَأيام صبَاه وَشبَابه.

جـرّبـتُ يـومـاً

أنْ أغَـيِّـرَ فـي طـقـوسـي حـيـن يـطـحـنـنـي الـحـنـيـنُ

كـأنْ أخـونَـكِ

فـي دهـالـيـزِ الـخـيـالْ

.

هـيّـأتُ فـي سِـردابِ ذاكـرتـي

سـريـراً بـاردَ الـنـيـرانِ مَـسـعـورَ الـنـدى ..

ومـن الـسَّـفَـرْجَـلِ والأقـاحِ وسـادةً ..

ومَـلاءةً ضـوئـيَّـةً

طـرَّزْتُـهـا بـهـديـلِ فـاخِـتـةٍ ..

ومـبـخـرةً مـن الـشّــبَـقِ الأثـيـمِ ..

ومـن صـحـونِ الـلـذّةِ الـحـمـراءِ مـائـدةً ..

وثـغـراً ظـامـئـاً لـرضـابِ زهْـرِ الـبـرتـقـالْ ..

.

ونـديـمـةً كـانـتْ تُـويْـجَـتُـهـا أنـيـسـةَ مَـيـسَـمـي :

شـفـتـانِ مـن كَـرَزٍ ..

وعـيـنـانِ اسـتـفـاقَ الـعُـشـبُ فـي حـقـلـيـهـمـا ..

وحَـمـامـتـانِ يـكـادُ عُـشُّـهُـمـا يـضـيـقُ بـهِ الـقـمـيـصُ

فـحَـلَّ أزراراً لِـيُـفـسِـحَ فـي الـمـجـالْ

.

فـاسْـتـنْـفـرَتْ جـوعـي لـذائِـذُهـا ..

وحـيـن هَـمَـمْـتُ :

سَـلَّ الـقـلـبُ أضْـلاعـي عـلـيَّ

فـكـنـتُ مـهـوىً لـلـنِـبـالْ

.

فـعـرفـتُ أنـي

حـيـن أجـنـحُ عـن صِـراطِ هـواكِ :

أبـدأ بـالـتّـلاشـي والـزّوالْ

***

السَماوي يحيى الَّذِي أسبل عناقيد العشق مِنْ حول وطنه، نجح فِي توظيفِ مَا امتلكه مِنْ موهبةٍ أدبية حقيقية فِي التعبيرِ عَنْ انفعالاتِه الَّتِي تعكس صفحات مرعبة مِنْ تأريخِ معاناة الشعب العراقي، فضلاً عَنْ حرصِه عَلَى الغوصِ فِي بحورِ اللغة؛ لأجلِ الإمساك بالمفردةِ الَّتِي مِنْ شأنِها التعبير بصدقٍ عَما يجيش فِي صدرِه وَرأسه مِنْ أفكارٍ وَآراء مستمدة المقومات مِنْ مشاعرِ الحب وَالشوق وَالمُقَاوَمَة وَالغربة وَالحنين. وَمَا أظنني مبالغاً إنْ قلتُ أَنَّ السَماوي كان واعياً فِي البوحِ عما يعتمل فِي وجدانه، حيث تمكن مِنْ تفريغِ انفعالاته بِمَا أفضى إلى إيجادِ بِيئَةٍ خصبة بالتعاطفِ مَا بَيْنَ نتاجه الشِعري وَبَيْنَ المتلقي. وَفِي السياقِ ذاته، يرى السَماوي أنْ لا هدوءَ لطوفانِ انفعالاته، إلاّ حين يعود العراق خيمة أمان وَمائدة عافية، وَليس كما هو الآن كما يصفه بـ : " أرخبيل دويلات هشة.. وكل وزارة دولة أو حزب أو طائفة ، في وطن أغلبه منطقة صفراء وقليله منطقة خضراء ". وَلا رَيْبَ أَنَّ وَطنَ السَماوي كان حاضرًا عَلَى الدوامِ فِي عقلِه وَمؤثراً فِي نظمِ شِعره، فحسهُ الوَطَنِيّ يزيده يقيناً مِنْ أنَّ البناءَ السِّياسِي فِي بلدِه، لَمْ يكن سليماً بفعلِ أجندة المحتل الأمريكي، حيث يشير ضمن هَذَا المعنى بالقول : " طوفان الانفعالات سيهدأ حين يصبح الوطن كله منطقة خضراء، وحين يعمّ الأمان كل العراق وليس المنطقة الخضراء وحدها، وحين نرى اللصوص الجدد في قفص المحاكمة، وقبل ذلك إعادة النظر في بعض مواد الدستور لتخليصه من القنابل الموقوتة التي وضعها المحتل الأمريكي ". وَمِن المؤكّـدِ أنَّ تلك المواقف الوَطَنيّة لَمْ تكن جديدة عَلَى السَماوي يحيى الَّذِي استمد وعيه السِّياسِيّ مِنْ مجملِ أحوال مدينته البائسة، وَالَّتِي مِنْ المؤكدِ إنَهَا كانت سبباً فِي معاناتِه وَمعاناة عائلته، فضلاً عَنْ السوادِ الأعظم مِنْ أبناءِ شعبه، فَكان أنْ انصهر فِي قوافلِ الحالمين بغدٍ جديد مذ أنْ كان غضاَ طريا.

***

جـرّبـتُ يـومـاً

أنْ أغـيِّـرَ فـي كـتـابِ الـقـلـبِ ..

أشـطـبُ مـنـهُ :

بـاديـةَ الـسـمـاوةِ ..

والـفـراتَ الـمُـجـتـبـى ..

ومـآذنَ الـلـهِ الـنـخـيـلْ

.

والـكـوخَ والـفـانـوسَ ..

تـنّـورَ الـصّـبـاحِ ..

وطـاسـةَ الـلـبـنِ الـخـضـيـضِ ..

ونـخـلـةَ الـبـرحـيِّ وسْـطَ الـحـوشِ ..

والـفـقـرَ الـجـلـيـلْ

.

فـنـشـرتُ أشـرعـتـي

وأبْـدَلـتُ الـلـسـانَ بـغـيـرِهِ ..

غـيّـرْتُ أثـوابـي ..

وأبْـدَلـتُ الـسـواحـلَ بـالـسّـواقـي ..

والـمـراقـصَ بـالـمـآذنِ ..

والـكـمـنْـجـةَ بـالـهـديـلْ

.

لـكـنـنـي

عـنـدَ الـوقـوفِ إلـى الـمـرايـا

لا أرى

إلآ مـلامـحَ أمـسـيَ الـحيِّ الـقـتـيـلْ :

.

طـفـلٌ بـلا لُـعَـبٍ ..

صـبـيٌّ قـابَ قـوسٍ مـن كـهـولـتِـهِ ..

فـتـىً صـلـبـوا عـلـى عـيـنـيـهِ هُـدْهُـدَهُ الـجـمـيـلْ

وأرى غـدي

فـي " الـمـسـلـخِ الـوطـنـيِّ " ..

يـنـهـشُـهُ الـمُـنـافـقُ ..

والـمُـدَجَّـنُ ..

والـولـيُّ الـلـصُّ ..

والـضَّـبْـعُ الـدّخـيـلْ ..

***

الرئيس الأوزباكستاني إسلام كريموف ( 1938 - 2016 )، الَّذِي حكم بلاده منذ استقلالها عَن - الراحلِ - الاتحاد السوفيتي فِي عامِ 1991م، له مقولة جميلة بخصوصِ المواطنةِ نصها " لا يوجد سعادة بالنسبة لي أكثر من حرية موطني "، وَقد وَجدت فِي جعبةِ السَماوي الكثير مِن النصوصِ وَالأقوال الَّتِي تؤكد الرابطة الوطنية، وَتعبر فِي الوقتِ ذاته عَنْ مقصد كريموف حيال الوطن، فمِنْ بَيْنَ طروحات السَماوي قوله : " أقسم انني أكتب الشعر، لا حباً به ولكن : لأنه الماء الوحيد الذي أطفئ به حرائق روحي، والمنديل الذي أخبّئ فيه دمع الرجولة ". وَلأَنَّ " الوطنية تعمل ولا تتكلم " بحسبِ الأديب المصري وَرائد حركة تحرير المرأة قاسم أمين ( 1865 - 1906 ) الَّذِي يُعَدّ أحد مؤسسي الحركة الوَطَنيّة فِي بلادِه، فإنَّ الحضور النضالي للسَماويّ الَّذِي انعكس بمواقفَ مشهودةٍ فِي مختلفِ مراحل حياته، بلغ ذروته بِمشاركتِه مقاتلاً وَخطيباً فِي الانتفاضةِ الشعبية التي جرت أحداثها فِي شهرِ آذار مِنْ عامِ 1991م، حيث ركن مخيلته الشِعرية الَّتِي طالمَا تغنت بالمقلةِ وَالنهد جانباً، وَشرع فِي مهمةِ شحذ الهمم، فعززَ بشعرِه وَخطبه دور الإنْسَان المقاوم للدكتاتورية، وَتغنى بالنضالِ مِنْ أجلِ حرية الوطن وَسعادة الشعب وَرفاهه. وَفِي هَذَا السياق يصف الروائي العراقي المغترب سلام ابراهيم جانباً مِنْ ألبومِ تلك المرحلة بالقولِ " يحيى السَماوي كان عاطفياً ومتحمساً وثورياً يكاد يتفجر حماسةً، شِعرهُ يشبه المتطرف في غزله، وعند - سويعات النشوة - تسيل العواطف فيبكي لغزلٍ ولفكرة عن الثورة، أو لحديث عن أوضاع الفقراء ". وَفِي مناسبةٍ أخرى يتحدث إبراهيم عَنْ فيضِ المشاعر الملتهبة عند حضوره أمسية شعرية أقامها نهاية عام 2017م بيت النخلة فِي الدنمارك تكريماً للشاعرِ يحيى السَماوي، وَالَّتِي وصل إبراهيم إلى مكانِها قبيل بدئها، فبادر بإلقاءِ التحية عَلَى مديرِ الجلسة الشاعر والناقد العراقي المغترب هاتف بشبوش، فالتفت بشبوش نحو يحيى الَّذِي كان منشغلاً فِي إخراجِ أوراق أشعاره قائلا: سلام إبراهيم، وهو لا يعرف علاقة السَماوي بإبراهيم وجذورها، ويضيف إبراهيم واصفاً مَا جرى فِي تلك الأمسية الممتعة بقولِه " ترك السَماوي اوراقه وعانقني بشدة طويلاً وكأنه ذلك الشاب المتحمس الثوري بشعره الطويل المتدلي حتى كتفه والمتهدج الصوت حينما يمس الحديث فكرة الظلم والفقر، وجدته هو.. هو.. عانقني وألتفت إلى الحضور قائلا : واحد وأربعين عاما من السماوة حتى كوبنهاكن.. ومن عشرينيات عمرنا وحتى ستينياتها ". وَيسترجع إبراهيم بعضاً مِنْ ذكرياتِ الأمس البعيد فِي ختامِ حديثه قائلاً " محبتي صديقي يحيى السماوي، الآن فقط تَفَسرَ لي ولك : لِمَ بكينا على ما يجري في وطننا في ليلة السماوة، وسرّ لوم وضحك - أصدقاء آخرين - من احتراقنا.  

***

جـرَّبْـتُ يـومـاً

أنْ أخـونَ الأصـدقـاءَ

كـأنْ :

أغـضُّ الـسَّـمْـعَ

حـيـن يـنـالُ مـن أزهـارِهِـمْ

شـوكُ الـمُـهـتَّـكِ ..

والـطـحـالـبُ ..

والـذّلـيـلْ

.

فـخـشـيـتُ أنْ يَـعْـتـابَـنـي شـرفـي

ويـبـرأ مـن جـذوري

طـيـنُ بـسـتـانـي الأصـيـل

أَمْرٌ مُسَلَّمٌ بِهِ أَنَّ شلالَ الدم المتدفق مِنْ جراحاتِ شعبنا النازفة، يفرض عَلَى البيتِ الثَّقَافي العراقي بمختلفِ موارده الشروع بتوثيقِ أيام المحنة الَّتِي أصبحت جزءاً مِنْ ذاكرةِ أجيالٍ عانت مرارة الدكتاتورية وَفجعت بديمقراطيةِ " فوضى المحتل الخلاقة " الَّتِي لَمْ تبقِ لَنَا سوى النحيب عَلَى أطلالِ حضارة مَا بَيْنَ النهرين، دجلة والفرات، وَالَّتِي تمتد جذورها فِي أعماقِ مَا قبل التاريخ. وَتدعيماً لِمَا ذكر آنفاً، يشير الأديب العراقي المغترب الدكتور إبراهيم الخزعلي فِي مداخلةٍ بأحدِ المواقع الإلكترونية إلى إعجابه بتجربةِ السَماوي يحيى وَتثمينه لِمنجزِه الشعري مخاطباً إياه بالقول : " سيدي كم نحن محتاجون إلى ترجمةِ حروف جراحنا وآلامنا إلى كل لغات العالم، لأنها تاريخ أدبنا الذي نقشه أدباء هم كانوا احد أحرار هذا التاريخ الدامي، فعندما نرى لوحة الشهيد البطل شاكر الجوعان، نرى بين ألوانها روح ودم وقلم الشاعر يحيى السماوي، الذي كان جنبا إلى جنب شاكر الجوعان في مقارعة الدكتاتورية وأزلامها، فمثل هذا الأدب الصادق بحاجة إلى ترجمة، وايصاله إلى العالم، لا أدب دولارات السلطة وهبات السلطان لشعراء قصره، وهم يكتبون بعيون مغمضة عن بالوعات الدم التي هي من حولهم ". وَلا مفاجأة فِي القولِ إنّ للأدبِ دوره فِي الحيَاةِ الإنسانيَّة، وَلاسيَّما مَا يتعلق مِنهَا فِي إتاحةِ الأعمال الأدبية فرصة التفكير للقارئ أو المشاهد أو عيشهما اللحظة كما لو أنها تحدث لهما، فَعَلَى سبيلِ المثال لا الحصر، " لولا ذيوع اسم بابل فِي فجاجِ العالم وَأزمانه، لما شهد الناس لحدائقها المعلقة كإحدى عجائب الدنيا السبع، ولما عرفوا قانون حمورابي "؛ إذ أَنَّ للأدبِ أثرا فاعلا فِي مهمةِ توثيق الأحداث وَتبليغها. وَإلى جانبِ أهميةِ مَا كتبه الدكتور الخزعلي حول ضرورة إبراز معاناة الشعب العراقي وَبؤسه بأعمالٍ أدبية، تعبيراً عَنْ الدورِ المهم الَّذِي يلعبه المنجز الأدبي فِي إطلاعِ العالم عَلَى ما تعرض لَه شعبنا مِنْ قهرٍ وَعذابات، فإنَّ المثيرَ للاهتمامِ هو أَنَّ الخزعليَ ضمن سطوره المذكورة آنفاً شهادة مهمة مِنْ أكاديميٍّ ومناضلٍ تقدمي حول دور السَماوي يحيى فِي مقاومةِ الدكتاتورية. وَأجدني هُنَا مدفوعاً بلهفٍ إلى تذكيرِ المُؤَسَّسَةَ الثقافيَّة العراقية بضرورةِ توثيق الأحداث الجسام الَّتِي عانى مِنْ ويلاتها شعبنا؛ وفاءً لدماءِ شهداء العراق الطاهرة وتضحيات أبنائه، فَغنيٌّ عَنْ القولِ إنَّ المُؤَسَّسَةَ الثقافيَّة تتحمل مسؤولية تاريخية وَإنسانيَّة فِي البدءِ بتهيئة مَا يتطلب مَشْروع تدوين أحداث مرحلة عصيبة مِنْ تاريخ العراق المعاصر، أعوامَها غنية بالمآسي وَمرارة المعاناة الَّتِي بوسعِ الأدباء وَالكتاب سبرِ أغوارها بإلهامٍ وَاحترافية؛ لأَجلِ أنْ لا يصبحَ ضحايا الدكتاتورية مُجرَّد أرقام أو لا شيء كما فِي المقولةِ اللافتة لقائدِ للاتحاد السوفييتي الثاني جوزيف ستالين ( 1878 – 1953 )، وَالَّتِي يقول فِيها " تعتبر حالة وفاة واحدة حادثة تراجيدية، أما مليون حالة وفاة فهي حالة إحصائية "؛ إذ أَنَّ الثَّقَافَةَ ميدانٌ للنضال، وهو أمرٌ يؤكده أكثر مِنْ منجزٍ أدبي، وَلاسيَّما مَا ظهر مِنْ أدبِ المُقَاوَمَة.

لـثـمـتُ خـدودَهـا فـاغْــتـاظَ زهْـــرُ

وأعْـشَـبَ مُـقـفِـرٌ واخْـضـلَّ صَـخْـرُ

 

وخَــرَّ مُــكــبِّــراً نــزقٌ وطــيــشٌ

وصــلّــى تــائِــبــاً لـــلــــهِ نُـكْـــرُ

 

وجَــفّــتْ مُـوحِـلاتٌ لــلـخـطــايـــا

وفـاضَ على حـقـولِ العُـسْـرِ يُـسْــرُ

 

رأيـتُ فـجائعـي عُـرســاً ومَـغْــنـىً

وعـادَ صِباً بـرغـمِ الـشَّـيْـبِ عُـمْـرُ

 

غــفـونـا فـي ســريـرٍ مــن غــيـومٍ

يُــدَثّــرُنــا بــنــورٍ مــنـــهُ   بَـــدرُ

 

وأسْـكَـرَني الـعِـنـاقُ فـرِحْـتُ أعـدو

فـبـيـني والـمــدى والــنـجـم شِــبْـرُ

 

فـبـعْـضـي مُـثْـقــلٌ بـالــقــيــدِ عَـبْــدٌ

وبـعـضي مثـلُ ضـوءِ الـنـجْـمِ حُــرُّ

***

إذا كان " الوطن " بالاستنادِ إلى رؤيةِ الكاتبِ وَالطبيب الأمريكي أوليفر وندل هولمز ( 1809 - 1894 ) الَّذِي نال الشهرة بفضلِ مقالاته وَقصائده، فضلاً عَنْ قيامِه بالتدريسِ فِي مدرسةِ هارفارد الطبية خلال سنوات أعظم نجاح أدبي لَه، هو " المكان الذي نحبه، فهو المكان الذي قد تغادره أقدامنا لكن قلوبنا تظل فيه "، فإنَّ شرايينَ السَماوي يحيى مَا تَزال موصولة بترابِ العراق وَرافديه، فضلاً عَنْ أَنَّ روحَه - الَّتِي علاجها بحسبِه القرب مِن الأحبةِ الرائعين - تواقة للظفرِ بظلالِ نخيله، حيث يشير إلى ذلك بالقول : " إنّ قرويةَ عراقية أو عربية في كفّها رائحة الحنّاء أجمل عندي من شقراواتِ الدنيا وسمراواتها .. وأنّ خيمة أغفو فيها بأمان في السَماوة، أحبّ الى نفسي من الإغفاءةِ في قصرٍ تطاردني فيه الكوابيس ". وَيمكن الجزم بأنَّ هَذَا الحس الوطني أكثر تأثيراً فِي نفسِ المتلقي مِنْ مضمونِ مقولة الكاتب وَالفيلسوف الفرنسي فولتير ( 1694 - 1778 ) الَّتِي مفادها " خبز وطنك افضل من بسكويت اجنبي ".

***

حـمـلــتُ أمــيـرتـي والـلــيــلُ سِــــرٌّ

وعُــدتُ بـركـبـهــا والصّـبـحُ جَـهْــرُ

 

دخـلــتُ بـهــا مـن الــبــلـدانِ شــتّـى

فـأرضٌ طــيــنُـهــا مِـــسْـــكٌ وتِــبْــرُّ

 

وأرضٌ مـــاؤهــــا لـــبَـــنٌ وراحٌ

وأرضٌ شـــوكُـهـــا تِــيــنٌ وتــمْــرُ

 

وأرضٌ ســـورُهـــا قــمـحٌ ونـخــلٌ

وأرضٌ رمْــلُــهــا بــالــمـاءِ غــمْــرُ

 

وبــانــتْ دُرّةٌ مــن شِــــقِّ زيــقٍ

فـأخـفـاهــا عـن الـعــيـنـيــن شَــعْــرُ

 

كــأنّ الــنـهـــدَ فــاتــنــةٌ خـجـــولٌ

وأنّ قـمــيــصَـهــا الــشــفّــافَ خِـدْرُ

 

وجــيــدٌ لا أرقّ .. خـشــيـتُ هُــدبـي

ســيـجـرحُهُ .. ومـثـلُ الـجـيـدِ نـحْـرُ

 

أيُـطبِـقُ جـفـنـهُ في الـرّوضِ نـحْـلٌ

إذا نــادى عـلــيــه شـــذاً وزهْــــرُ ؟

 

فُـضِحْـتُ فـلـيس ليْ في الحـبِ أمْــرٌ

عـلى قـلـبي ولا في الـشـوقِ صَـبـرُ

***

يوم كان شعبنا يعيش فِي دهاليزِ الدكتاتورية وَأروقة أنفاقها المظلمة، لَمْ يكن السَماوي الفتى فِي معزلٍ عَنْ قضايا وَطنه السِّياسِيِّة، فالحسّ الوَطَنِيّ لَديه لَمْ يكن وَليد المنفى؛ إذ أنَّ تاريخه يحفل منذ فتوته بالكثيرِ مِنْ المواقفِ الوَطَنيّة الَّتِي عكست انحيازه إلى قضيةِ وَطنه وَشعبه، وَالَّتِي عززت بدورِها استعداده لمواجهةِ النظام الشمولي فِي الانتفاضةِ الشَعْبِيٍّة. وَقد يَبْدُو مِن المناسبِ هُنَا وَالمهم أيضاً العودة إلى الماضي البعيد لاستذكارِ مَا أتيح لنا مِنْ تلك المواقف، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها مَا كتبه الروائي سلام إبراهيم عَنْ زيارةٍ قام بِها فِي النصفِ الثاني مِنْ سبعينياتِ القرن الماضي إلى السِماوةِ بصحبةِ آخرين مِنْ أجلِ لقاء السَماوي يحيى بعد فراقهما فِي أعقابِ إكمال دراستهما الجامعية وسوقهما لأداءِ الخدمة الإلزامية، وَالَّتِي يصف مجريات إحدى جلساتها بالقول " كان اللقاء حافلاً، كلام عن الثورة والأفق المسدود في العلاقة مع البعث. لا أدري كيف أنقضى الوقت، لكن كان ليل السماوة الصحراوي وحكايا النضال فيها، فقطار الموت في 1963 الذي أعده البعثيون لقتل أكبر عدد ممكن من الشيوعيين توقف فيها لينقذ أهلها من بقي حيا، وسجن نقرة السلمان البعيد في عمق الصحراء وقصصه كلها فيها، وحسن سريع الذي قاد انتفاضة معسكر الرشيد على أنقلابيي 8 شباط 1963 من أهلها، كنا نطوف ليلتها في التاريخ، في الحماسة، في الرغبة بتغيير العالم وخلق مجتمعٍ حرٍ سعيد، ليلتها بكينا أنا ويحيى بحرقة، جعلت من جلسائنا يسخرون من عواطفنا وهشاشتنا كما وصفونا ضاحكين ". وَلا رَيْبَ أَنَّ ندبةً عميقة وَجروحاً مؤلمة تركتها تلك الأيام فِي روحِ السَماوي يحيى وَأرواح أبناء شعبه، وَالَّتِي وَصفها ذات مهجر بالقول: " أن تشعرَ بالغربةِ وأنت في وطنك بين أهلك وناسك، ذلك هو الاغتراب "، مضيفاً أيضاً " أو بعبارة أبو حيان التوحيدي هذا غريب لم يتزحزح عن مسقط رأسه، ولم يفارق مهب أنفاسه، وأغرب الغرباء من كان غريباً في وطنه ". وَعَنْ هَذَا الاغتراب الموجع الَّذِي فجر عذابات لا تنتهي فِي قصائدِه الشِعرية، يشير السَماوي فِي مناسبةٍ أخرى بالقول : " تلك كانت حال كثير من المثقفين في عالمنا العربي قديماً وحديثاً، ولعل أبا ذر الغفاري واحداً من أبرزِ النماذج على اغتراب المثقف ". وَعندما يمتزج ألم تلك المعاناة وَمشاعرها الحزينة بعذوبةِ المعنى وَسحر الكلمة، وَالَّتِي ساهمت بمجملِها فِي حضورِ إِبْداعه الأدبي وَتسيّده عَلَى المنابرِ الثقافيَّة وَالفكرية، فَمِن البديهي أَنْ يجدَ منجز السَماوي الأدبي برموزه الَّتِي لها سطوتها وَقصائده الشِعرية البارعة، صدى عند الآخرين، وتجاوباً وَمشاركة لِهَذِه المعاناة. وَلعلَّ مَا كتبته الأديبة العراقية دلال محمود حول أحد أنشطة السَماوي الأدبية يعكس مَا أشرنا إليه آنفاً، حيث كتبت محمود مَا نصه " يحيى السماوي شاعرنا وكاتبنا الجليل، انها مذكرات رغم مرارتها، تحس أن هناك شيئا ما جميلا يأخذك بعيداً - حيث لا تعلم - ليطوف بك في سني عمرك التي ذهبت هباء وفي غفلة من الزمن وكأنها باتت حلما ". وَأظنُ أَنَّ الروائيَ وَالكاتب المسرحي الفرنسي أونوريه دي بلزاك ( 1799 - 1850 ) الَّذِي يُعَدُّ مِنْ روادِ الأدب الفرنسي فِي القرنِ التاسع عشر وَتحديداً الفترة الَّتِي أعقبت سقوط نابليون، سيكون بحاجة إلى تعديلِ قوله " الألم لا نهائي، أما الفرح فمحدود "، وجعله مقتصراً عَلَى عبارة " الألم لا نهائي " فِي حالِ اطلاعه عَلَى مآسي الشعب العراقي، وَالَّتِي يَبْدُو أنَّ لا نهاية لها، فالألم وَالحزن وَالمعاناة مَا تَزال ظواهر مستدامة فِي حياةِ أهل العراق.  

***

يُـحَـرّضـني الـجّـمـالُ عـلى وقـاري

فـأنـسـى أنــنـي فــي الــنـاسِ سِـــرُّ

 

تــفــرُّ إلــيَّ مــنـي فــرْطَ ذُعْـــرٍ

فــيــغـــدو لـــذّةً عـــذراءَ ذعــــــرُ

 

وتُـغـوي روضـةُ الـشـفـتـيـن ثغـري

كـمـا يُـغـوي شِــبـاكَ الـصّـيْـدِ بَـحـرُ

 

وأثـمَـلــنـي رحــيــقٌ مـن زفــيــرٍ

كـأنّ شـمـيـمَــهُ لـلـعِـطـرِ عِــطــرُ !!

 

نـشــقْــتُ لـهـاثـهــا لــمّــا تـراخـتْ

فـحَـمْـحَـمَ فـي فــمـي لـلـثـمِ مُـهْــرُ

 

تـدَحْـرَجَ من مَـرايـا الجـيـدِ ثـغـري

وجـاز الـنَّـحْـرَ فـاسْــتـغْــواهُ صـدرُ

 

لـثمـتُ حـمـامـةً وشـمَـمْـتُ أخـرى

ومَـسَّـدَتِ الحـريـرَ الـبـضَّ عَــشــرُ

 

سـكرْتُ فـلـسـتُ أدري كيف فـرّتْ

كعـصـفـورٍ يـدي والـعـشُّ خـصْـرُ

 

نـسَـجْـتُ لـهـا مـن الـقُـبُلاتِ ثـوبـاً

وقــد نــام الــظــلامُ وقــام فــجْـــرُ

 

أمِــثـــلُ أمـــيــرتــي روحٌ وراحٌ

ومـثـلُ رضــابـهــا شـهــدٌ وخـمــرُ ؟

 

غـزوتُ ورودَهـا شــمّــاً ولــثـمــاً

فحـربـي فـي الـهـوى : كـرُّ .. وكـرُّ

 

أشــبُّ صَـبـابـةً .. وتـشـبُّ مــثـلـي

ويُـطـفِـئ جـمـرَنـا الـوحـشـيَّ جـمْـرُ

 

عَـلِــقــتُ بـهــا وأدري أنَّ حَــظّـي

بـلا حَـظٍّ .. وأنَّ الـحَــتـمَ خُــسْـــرُ

 

إذا ضحِـك الـهـوى لـيْ بعـضَ يـومٍ

فــإنَّ بُــكـاءَهُ الــصُّــوفـيَّ دَهْــــرُ

 

فــيــا تــفّـاحَ " آدمَ " لا تـلـمــنــي

إذا امْــتــدتْ يــدايَ وجُــنَّ ثـغـــرُ

 

لـ " آدمَ " عُـذرُهُ .. وأنـا لــثـغــري

وجـوعِ يَــدي ولــلأحــداقِ عُــذرُ

منذُ يفاعته، التحق السَماوي يحيى بحركةِ اليسار العراقي، وانصهرت طموحاته الوَطَنيّة وَالإنسانيَّة فِي بوتقةِ آمالِ الوطنيين الحالمين بغدٍ جديد، وَعراق معافى يسوده العدل وَالبناء وَالنماء وَالرخاء، فكان أنْ اختبرت " وطنيته " فِي أقبيةِ سجون الشرف؛ إذ لطالمَا اعتقل وَعُذِّب وَفصل مِنْ وَظيفته وَطورد، فضلاً عَنْ تحميل أهله الاضطهاد بسبب مواقفه الوَطَنيّة الَّتِي فرضت عَلَيه مواجهة السلطة. وَيصف السَماوي هَذه المعاناة بقولِه : " ما هذا بجديدٍ في وطن كانت قراءة كتابٍ فكريٍّ من كتب لينين أو يوسف سلمان يوسف أو محمد باقر الصدر جريمةً تقود الى أقربِ حبل مشنقة أو ساحة إعدام ". ولعلَّ مِنْ بَيْنَ الكثير مِمَا تعرض له السَماوي، ومَا يزال يؤرقه - رُبَّما لشعوره بالذنبِ تجاه مَا سببه لِمعلمه الأول فِي الحياة - هو أنْ يُصفعَ أبوه أمامه حين زاره فِي مركزِ شرطة الحي الجمهوري بمدينةِ السَماوة يوم أوقف فِيه عَلَى خلفيةِ مقال نشره فِي صحيفةِ " طريق الشعب " البغدادية الَّتِي كان ضمن كادرها فِي وقتٍ كان مَا يسمى بالجبهة الوَطَنيّة فِيه قائمة. وَالمذهلُ فِي الأمرِ أَنَّ فحوى ذلك المقال لم تكن سِّياسِيِّة بقدر مَا هي وَطَنيّة تُشيرُ إلى خطأ يجب تلافيه درءاً لمفسدة، حيث أَنَّ السَماوي وسم مقاله آنفاَ باسْمِ " مدينة للألعاب في السماوة "، وَالَّذِي تضمن الكشف عَنْ أنَّ تلك المدينة مَا هي إلا مدينة قمار تُدير فيه طاولات القمار نادلات مصريات شبه عاريات وليست مدينة ألعاب ". وَليس مِنْ شك أَنَّ السَماوي يحيى الَّذِي يعبّر عَنْ فجيعةِ شعبه بقولِه : " في ظل أنظمة مجرمة كنظام القائد الضرورة، يكون الأبرياء متهمين ببراءتهم "، ليس سهلاً عَلَيه نسيان تلك الحادثة المُحزنة بفعلِ مَا أفضت إليه مِنْ تعريضِ والده الإنْسَانٍ البريء إلى الظلمِ وَالتعسف، حيث مَا تَزال حاضرة فِي ذاكرته الَّتِي لَمْ يبقَ فِي أروقتِها فسحة متناهية الصغر بوسعِها تحمل المزيد مِن الألم، بَيْدَ أنَّ مَا تركه بِه ذلك الجمر، عزَّزَ آماله فِي الخلاصِ مِنْ حكمِ الاستبداد وبراثن الدكتاتورية، حيث يقول السَماوي بِهَذَا الصدد مَا نصه : " أما ما الذي تركه بي ذلك الجمر، فإنه قد زاد من نضجِ وصلابة طين إرادتي تماماً كما يُنضجُ جمرُ التنّور عجين الخبز ".

لـسـتُ بـالـمُـشْـرِكِ بـالـلـهِ

فـأشْــرِكْ

.

بـهـواكِ الـفـرْدِ ..

قـلـبـي فـي الـهـوى يُـؤمِـنُ بـالـتّـوحـيـدِ ..

لا ثـمَّـة َ فـي مِـشـكـاةِ أحـداقـي

سـوى

مـصـبـاحِـكِ الـحـقِّ ..

ولا ثـمّـة َ فـي هـودج ِ قـلـبـي

ظـبـيـة ٌ أخـرى ..

حـمـدتُ اللهَ أنْ أسْـقـطـني العِـشـقُ

بـبـئـرِكْ

.

فـإذا الـذئـبُ غـزالٌ ..

والـدُّجـى نـورٌ ..

وطيـنُ الـبـئـرِ ريـحـانٌ وآسٌ

فـتـهـجّـدْتُ لأبـقـى كـلّ عـمـري

رهْـنَ أسْـرِكْ

***

لا نبعد عَنْ الصَوَابِ إذا قُلْنَا إنَّ السَماوي لَمْ يفقد الأمل بإرادةِ الشعب فِي التغييرِ عَلَى الرغمِ مِمَا حصل مِنْ إخفاقات، الأمر يجعلَه يزداد تمسكاً بخيوطِ الأمل؛ لإيمانِه بأَنَّ المعاناةَ وَالألم لهما سعة حضور فِي ظلِ مَا يفضي مِن الأنظمة السِّياسِيِّة إلى سيادة القهر وَالعذاب. وَلا أدل عَلَى ذلك مِنْ قولِه : " لابد للفجر أن يُطِلَّ سواءٌ أصاح ديك الإمبراطور أو لم يَصِحْ .. الظلاميون ضباب، وإرادة الشعوب شمس، وليس من ضبابٍ يمتلك القدرة على خنقِ الشمس "، ولا غرابة فِيما يحمله السَماوي يحيى مِنْ رؤى، فهو بخلافِ الكثير غيره مِنْ أدعياءِ البطولات الزائفة، يمتلكُ تاريخاً ناصعاً مفعماً بمواقفَ وَطَنيّة حفرتها الأيام فِي ذاكرةِ الزمن، وَالَّتِي تُعَد براهين واضحة - لا لبس فِيها وَلا غموض - عَلَى أَنَّ السَماويَ إنْسَانٌ نبيل جعل مِنْ الأبرارِ الشرفاء قدوة له، وَشاعرٌ أصيل وَشامخ شموخ نخيل العراق، ذاب فِي حبِ وطنه وَتفاعل مَعَ همومِ فقراء شعبه. وَلأَنَّ تاريخ الكبار مليء بالدفءِ وَالفخامة وَحافل بالإضاءات، أرى مِن المناسبِ الإشارة هُنَا إلى مداخلةٍ خص بهَا السَماوي صديقه الشاعر وَالناقد العراقي خليل مزهر الغالبي الَّذِي يَعَدّ السَماوي يحيى بوصفه " إنسان تفتن العقل والقلب أشعاره وأخلاقه "، فضلاً عَنْ أنَّه كتبَ بحقه قصيدة فِي عامِ 2010م، وَسمها بـ " مصحة فوكو "، وَزينها بإهداءٍ نصه " إلى شاعري يحيى السماوي إن قبلَ إليه سبيلا "، حيث كتب إليه السَماوي مَا نَصه : " صديقي الأديب الجميل، ثمة أسباب كثيرة تحتّم عليّ أن أكون مخلصا للعراق .. من هذه الأسباب مثلا أنَ الأبرارَ الشرفاء مثلك، سيطردونني من قلوبهم لو خنت العراق يا سيدي ".

***

فـاصـنعـي بيْ مـاتـشـائـيـن .. :

وِجـارا ً نـاعِـمَ الـنـيـران ِ فـي لـيـلِ شـتـاءاتـكِ

عُـشّـا ً لِـحَـمـام الـصّـدرِ ..

نـاطـورا ً لـوردِ الـفُـلِّ في روضةِ خـصـرِكْ

.

وأمـيـنَ الـتِّـبْـرِ والـفِـضَّـةِ والـدُّرِّ

بـكـنـزِ الـجـسـدِ الـمـائِـيِّ ..

حَلاّجـا ً جـديـدا ً

يـتـمـنـى الـعـمـرَ مـصـلـوبـا ًعـلـى

شُـرفـةِ نـحـرِكْ

فـأنـا ـ معـصومـة َ الأعـذاق ِ ـ سِــرِّي

طوعُ جَـهْـرِكْ

.

ومـيـاهـي طـوْعُ واديـكِ ..

وطِـيـنـي طـوْعُ جَـذرِكْ ..

.

لـيـسَ فـي الـفـردوسِ

مـا يُـغـوي فـراشـاتي بعـطـر ٍ

غـيـرِ عـطـرِكْ

.

وشـراعي لـيـس مـايُغـريـهِ بـالإبحارِ

إلآ

مـوجُ بحـرِكْ

.

وكـؤوسي لا تُـسـاقـيـنـي رحـيـقـا ً

غـيـرَ خـمـرِكْ

وبـسـاتـيـني أبـتْ تـنهـلُ

إلآ

فـيضَ نهـرِكْ

***

السَماويُّ يحيى الباحث عَنْ بلسمٍ لشفاءِ جرح الوطن، لا ينفك عَنْ التفاعلِ مَعَ المَوْرُوثِ قصد رسم لوحة فنية تندمج فِيها المشاعر الإنسانيَّة وهو يبحث عَنْ توصيفٍ دقيق يليق بمعاناةِ شعبنا فِي الماضي وَالحاضر، حيث يصوّر الألم الَّذِي أضنى أهل العراق مِنْ خلالِ توظيفِ مفردات مهمة وردت فِي الملحمةِ العربية اليتيمة الَّتِي حملت اسْمِ " ملحمة جلجامش "، وَالَّتِي مِنْ حقنَا أنْ نفخرَ بِهَا؛ لأَنَّهَا ملحمة عراقية انبثقت مِنْ فضاءاتِ بلادِ الرافدين، وَحروفها خطت عَلَى أديمِهَا، حيث يشير السَماوي إلى محنةِ بلاده بالقول : " لا ثمة ما ينبئ عن أنّ الوحش خمبابا سيغادر الغابة المسحورة ". وَتحضرني فِي هَذَا الإطار مقولة بليغة للروائيِّ الروسي ديستويفسكي يقول فِيهَا " أخاف أن أقول لك اني بخير، فتتمنى دوامه .. فيتخلد بؤسي "، فالسَماوي يخشى عَلَى بلادِه الَّتِي يراها تضيع رويداً رويداً. ولعلَّ مِنْ المناسبِ أنْ نتأمل مَا سجلته أقلام بعض القراء عَلَى صفحاتِ المواقع الإلكترونية عَنْ شاعرية السَماوي وَما قدمه مِنْ أجلِ بلده وَشعبه، وَالَّتِي مِنْ بَيْنَها عَلَى سبيلِ المثال لا الحصر قول قارئ كريم - قد يكون عَلَى معرفةٍ بالسَماوي منذ أيام الدراسة الجامعية - مَا نصه " عرفت السَماوي واستمعت إلى قصائده منذ أكثر من أربعين سنة، حتى رأيته قبل فترة قصيرة فكان كما هو يحمل على كاهله هموم الوطن واوجاعه ". ويضيف قارئ آخر بالقول " برعت وأجدت بالســـجال واشهرت اليراع واحسنت المقال وانطلقت بخيل خيالنا ودونت ملاحم من قصائد تبقى لأجيال ". وَفي مداخلة جميلة يَدلُو قارئ آخر بدَلْوَه قائلاً " التي توصد شطآنها عن سفينة اشواقك المبحرة دائما وشراعها القصيدة، إنما توصد باب حظها دون امل قادم يبشر بالجمال.. أنت تجترح لنا في افق الجمال غيمة مطرها زمرد ومخمل.. شاعرنا الكبير، دم كبيرا لنتباهى بقامتك الشعرية ".

***

لـيس ليْ أمـرٌ عـلى قـلـبـي ..

فـأمـري

طـوعُ أمـرِكْ

.

مُـقـلي أعـلـنـتِ الإضـرابَ ..

لا تـبـصـرُ إلآكِ ..

وثـغـري أوقـفَ الـلـثـمَ

عـلـى

زنـبـقِ ثـغـرِكْ

.

أنـتِ مَـنْ أسْـرَتْ بكهـفـي

لـيلـة َ الـمـوتِ

لأحـيـا

شـمـسَ فـجـرِكْ

.

قـدَري أنْ أتـشـظّـى فـي تـخـوم الـطّـيـش ِ دهـرا ً

قـبـلَ أنْ

تـجـمـعـنـي " لـيـلـة ُ قَـدْرِكْ" !

***

مِنْ المعلومِ أنَّ التمسكَ بالأملِ يُعَدُّ أفضل سُّبُل مواجهة اليأس وأكثرها تأثيراً، حيث أَّنَّ رهان الإنْسَان عَلَى الحياة، يملي عَلَيه الدفاع عَنْ خياراتِه؛ لأنَّ إصراره عَلَى السيرِ بأملٍ نحو الآفاق الرحبة مِنْ شأنِه المُسَاهَمَة الفاعلة فِي مهمةِ فك قيود اليأس حين تحاصره، فوظيفة الإنْسَان فِي الحياة بحسبِ السَماوي يحيى هي المُسَاهَمَة بإضاءِة مَا هو معتم، وإيقاد شمعة فرح فِي ليلِ الإنْسَان. وَمِمَا هو جدير بالإشارةِ أنَّ مِنْ بَيْنَ الرؤى المنسجمة مَعَ هَذَ الواقع هو إشارة الأستاذ الجامعي الأمريكي، الباحث فِي مجالِ تِقْنِيَّة المَعْلُومات وَالمُتَخَصِّص فِي الواقعِ الافتراضي الدكتور راندي بوش (1960 - 2008 ) إلى ذلك بالقول " ما يهمُ ليس الضربات التي نسددها، بل تلكَ التي نتلقاها، ونقاومها كي نسيرَ إلى الأمامْ "، لكن يَبْدُو أنَّ الجراحَ - بحسبِ معطيات الواقع المحلي - تأبى أنْ تلتئمَ فِي بلادِنا الَّتِي مَا يزال البؤس يخيم عَلَى فضاءاتِها. وَقد تناول السَماوي يحيى هَذَا الأمر، وَعبر عَنه بشكلٍ دقيق حين وَصف فِي قراءته هَذَا المسار مَا نصه : " منذ عرف شاربي شفرة الحلاقة وأنا أغرس في حقولِ حياتي شجر الأحلام، ممنّياً نفسي بما كان يتمنى السندباد وهو ينشر أشرعة سفينته بحثاً عن الجزيرةِ الحلم - الأمنية - ليفاجأ بعد عذاب وطول انتظار أنّ جزيرته لم تكن غير بيضة الرخّ الأسطورية. فما أجمل فراديس الأماني التي ندخلها في الأحلام... وما أقبح مفازات وكهوف الواقع ".

***

" والـضُّحى والـلـيـل ِ " :

ما أشـمـسَ صُـبحي دون عـيـنـيـكِ

ولا زان مـسـائي غـيـرُ بـدرِكْ

.

ما سَـجـا صدريَ

إلآ

ودثاري دفءُ صـدرِكْ

.

فـأنـا بـعـضُـكِ يـا كُـلّـي ..

ونـهـري طـفـلُ قـطْـرِكْ

.

ثـكـلـتْـنـي جـنّـةُ الـعِـشـقِ

إذا يـعـشـقُ نـحـلـي

غـيـرَ زهـرِكْ

.

فـأزيـلـي

عـن مـرايـاكِ ضَـبـابَ الـشـكِّ ..

لا " لاتٌ " و " عُـزّى " غـيـركِ الان بـمـحـرابـي

ولا كـعـبـة عـشـق ٍ

غـيـر خِـدْرِكْ

فِي هدأةِ ليلٍ مِنْ لياليِّ المنفى، وَقد حَرَمَ حنينه لأيامِ الطُفولَة فِي سماوتِه عَلَـى أجفانِ عينيه المثقلتين بالنعاسِ لذيـذ المنام، فتح السَماوي يحيى حافظة الرسائل فِي بريدِه الإلكتروني، واستعرض مَا فِيها، فوجد رسالة مِنْ أحد الأدباء تحمل سؤالاً عَنْ تأريخ ولادته، وَبعد لحظات استرخاء عاد إلى حاسوبه ليكتبَ مَا نصه: " لم أولد بعد يا ولدي .. أعني أنَ ولادتي الحقيقية ستكون حين يعود عراقنا خيمة محبة للجميع تخلو من ذئاب البنتاغون وضباع الظلاميين ولصوص قوت فقراء العراق ".

 

لطيف عبد سالم  

 

 

ضياء نافعياله من خبر جميل ورائع ومثير ! فقد اطلعت على مقالة د. فرحان عمران موسى في جريدة المدى الغراء بعنوان – (تقاسيم على الحياة .. بين معمارية النص ومعمارية التمثيل) بتاريخ 15/4 /2018، ثم على مقالة الاستاذ عبد الجبار العتابي في موقع ايلاف بعنوان – (مسرحية تقاسيم عن الحياة .. تهز الوسط المسرحي العراقي) بتاريخ 16/ 4 / 2018، وتذكرت رأسا (روح!!!) مقالتي التي نشرتها عن تشيخوف بمجلة الف باء في بغداد قبل اكثر من ربع قرن بعنوان – (تشيخوف في علاوي الحلة)، واقول (روح مقالتي)، لاني تحدثت عندها عن (احلامي الخيالية !) ليس الاّ حول هذا الموضوع، اما هذا الخبر، فانه يتحدث عن واقع ملموس ومحدد وواقعي، ولهذا فهو خبر رائع، اذ قدّم المخرج المبدع جواد الاسدي مسرحية بعنوان (تقاسيم عن الحياة) (ويا له من عنوان دقيق وذكي ورشيق شكلا ومضمونا)، والمسرحية هذه مأخوذة (حسب تعبير العتابي) او (مستلة) (حسب تعبير د. فرحان) من قصة تشيخوف الشهيرة (العنبر رقم 6)، كما جاء عنوان هذه القصة في بعض الترجمات العربية، والتي نسميها في العراق (الردهة رقم 6)، اذ ان الطبيب والمحلل النفسي والاجتماعي الكبير تشيخوف رسم (ولا اقول كتب) احداث قصته تلك عن الحياة في (ردهة) مستشفى، هذه ال (ردهة)، التي رأى فيها لينين (رمزا) لروسيا القيصرية، ورأت فيها الشاعرة أنّا أخماتوفا (رمزا) لروسيا السوفيتية (انظر مقالتنا بعنوان – تشيخوف وأخماتوفا)، ورأى فيها المخرج العراقي جواد الاسدي الان (رمزا) لكل مشاكل العراق الحالي، بعد ان تعامل ابداعيا معها طبعا (ان تحويل قصة تشيخوف الى مسرحية هو بحد ذاته يعدّ عملا فنيا وابداعيا كبيرا ومتميّزا محليا وعالميا ايضا)، وهكذا قدّم لنا الاسدي تقاسيم معزوفته عن الحياة العراقية من خلالها، وعلى خشبة منتدى المسرح العريق في شارع الرشيد ببغداد، وعلى مدى خمسة أيام باكملها، وبنجاح كبير لدرجة ان العتابي قال في عنوان مقالته انها (تهز الوسط المسرحي العراقي !)، اما د . عمران فقد أشار ايضا الى ذلك النجاح الباهر، رغم انه تكلم عن ذلك بلغة فلسفية معقدة ومتشابكة جدا، لدرجة ان أحد أصدقائي سألني عن معنى بعض جمله، وأردف سؤاله بسؤال آخر، وهو – (وهل يوافق صديقك تشيخوف نفسه على هذه (المعمارية !!!) اللغوية المبهمة ؟ فقلت له ان يتوجه بسؤاليه الى تشيخوف نفسه، اذ انني لا استطيع الاجابة عن هذين السؤالين، واعتبرهما ضمن ال (ترك)، وقلت له ايضا، انني استطيع – بشكل او بآخر - ان اساعده بترجمة هذين السؤالين الى لغة تشيخوف وتوضيحهما له، اذا طلب تشيخوف نفسه ذلك، في حالة عدم استيعابه للنص، فغضب صديقي، وقال لي انك تتهرب من الاجابة لانك لم تفهم معنى تلك الجمل مثلي، ولكنك لا تريد الاعتراف بذلك، فحاولت تهدئة النقاش مبتسما وتغيير مسارالكلام، وبدأت اتحدث معه عن قصة تشيخوف (الردهة رقم 6) واهميتها وقيمتها الفنية في تراث تشيخوف الابداعي وفي تاريخ الادب الروسي بشكل عام، وكيف ان تشيخوف سيفرح فرحا شديدا لو عرف، ان المخرج العراقي جواد الاسدي قد وجد في ثنايا قصته تلك جوابا شافيا عن كل الاسئلة والاشكالات الفكرية المرتبطة بالوضع القائم الان في بلد عريق مثل العراق، وذلك لان تشيخوف تناول هناك، كما في كل نتاجاته، معاناة الانسان، اي انسان بغض النظر

عن انتمائه القومي ومجتمعه، وسيفرح تشيخوف اكثر، اذا عرف ان المخرج العراقي قد احتفظ حتى باسماء ابطاله كما في النص الروسي رغم التعامل الابداعي التفصيلي مع تلك القصة، اي التعامل الفني الضروري جدا كي تصبح احداث القصة متلائمة مع ما يريد المخرج ان يقوله للمشاهد من افكار وهو يقف في شارع الرشيد في قلب بغداد . وذكرت لصديقي ان هذا الحدث كبير جدا في مسيرة العراق الثقافية والفكرية عموما، ويجب علينا ان نشيد بهذا العمل، وان نسانده بكل امكانياتنا، وبدون البحث اللغوي التفصيلي بمفردات مبهمة ومعقدة هنا وهناك، وذلك لان هذا العمل الابداعي يعني، من جملة ما يعنيه ، ان العراق يسير بشكل حثيث وصحيح للخروج من ازمته الفكرية الرهيبة التي انحدر اليها منذ اواخر القرن العشرين والى حد الان، وان دور المثقفين العراقيين أخذ يبرز اكبر وبصورة اكثر سطوعا في الوقت الحاضر، وهذه مسألة ضرورية جدا (اي دور المثقفين) للمساهمة في عملية انقاذ العراق من ايدي هؤلاء الذين خذلوا الوطن وارادته، فتقديم تشيخوف في شارع الرشيد يجسّد رمزا لاستخدام المثقف العراقي لجواب تشيخوف نفسه على الازمة الفكرية في بلاده انذآك، وهو جواب عميق جدا من كاتب بمستوى تشيخوف، كان يهتّم جدا بمفهوم الحرية الانسانية ويحاول الدفاع عنها وصيانتها والمحافظة عليها بغض النظر عن النظام السياسي السائد في البلاد، وهي مسألة مطروحة الان وبشكل شديد وحاسم امام الانسان العراقي .

تصفيق حاد للمخرج العراقي جواد الاسدي ولكل الفنانين العراقيين الذين ساهموا معه في تنفيذ هذا العمل الابداعي الكبير!

 

أ.د. ضياء نافع