محمد العباسيأنا متهم !.. متهم بشغفي للمسلسلات البوليسية ولبرامج الجرائم الواقعية.. أتابعها كل يوم تقريباً وأستمتع بأساليب البحث والتقصي وكشف الملابسات والأسباب التي تؤدي إلى الكثير من أنواع الجرائم والسرقات بشكل عام.. وأستغرب من الكم الهائل من طرق تنفيذ أغلب هذه الجرائم والدوافع التي تؤدي إليها ونتائجها وكل ما يترتب عليها.. وقد كتبت عدة مقالات هنا في شأن المذابح والمجازر من حولنا، والتي لم تتغير كثيراً منذ كان الإنسان البدائي متوحشاً ويسفك الدماء، ولم يكن لديهم من وازع في قتل بعضهم البعض.. وكثيرة هي أشكال القتل والتنكيل اليوم وقد تطورت أساليب القتل ولم تتطور لدى العالم نوازع الرحمة ولا الشفقة ولا الرادع الديني ولا الأخلاقي.. بل نرى في كافة أرجاء الأرض أمم لا تزال تقتل بعضها، ونرى أفراداً يقتلون الأبرياء بلا رحمة نتيجة لتلك الوحشية المتأصلة فيهم !!

غير أن هنالك جانب من بعض هذه الجرائم يتعلق بموضوع "القتل المتسلسل"، أي جرائم يرتكبها أفراد ضد عدد من البشر على مدى طويل، ربما تشمل الاختطاف والاغتصاب والتعذيب ومن ثم القتل بطريقة وحشية.. وفي حالات يتم فيها تشويه وتقطيع الجثث والتمثيل بها، بل وربما حتى تناول أجزاء من تلك الجثث.. وحيث أن بعض القضايا لا يتم اكتشافها والقبض على مرتكبيها بالسرعة الكافية، ربما تتعجل أجهزة التحقيق في إتهام أشخاص آخرين قد يدور الشك حول علاقتهم بالضحايا.. وبالتالي يكون هؤلاء المتهمين بشكل خاطئ بجرائم لم يرتكبونها ضحايا أيضاً، وينتهي بهم الحال في السجون لسنوات طويلة دونما ذنب.

و الأدهى في الأمر أنه بعد إدانة بعض الأبرياء بجرائم قتل لم يرتكبوها تنتفي أسباب متابعة ملفات هذه القضايا وينقطع التحقيق وبالتالي ينجح الجناة الحقيقيون في "الفلتان" دون محاسبة.  بل تعج أرشيفات القضايا المنسية (Cold Cases) التي فشلت التحقيقات الجنائية في كشف أغوارها وربما ينساها الزمن وقد لا يُعاد التنقيب فيها أبداً، إلا إذا تكررت الجرائم ثانية بعد حين.. في بعض الحالات النادرة، قد يعود بعض المحققين والباحثين عن الحقيقة بعد عمر بسبب الشك في وجود ثغرات قانونية واللجوء إلى أحدث طرق تحليل بعض الأدلة والعينات المحفوظة ومنها مثلاً إجراء اختبارات الحمض النووي (DNA) التي ربما لم تكن متطورة عند حدوث تلك الجرائم.. ولكم أن تتخيلوا بريئاً يقضي في السجون نحو ثلاثين سنة دون أمل ثم تكتشف الجهات المعنية الظلم الذي وقع عليه دون وجه حق!

أجل، قد يتم الإفراج عن بعض هؤلاء الأبرياء بعد حين وربما يكسبون بعض التعويضات المادية، ولكن لن تعوضهم الأموال عن ضياع حياتهم وكل ما قد يكون تسببت فيه تلك الأحكام الجائرة من مصائب طالت حياتهم الأسرية وكافة أفراد أهلهم من سوء الظن وسوء السمعة وضياع مستقبل الأبناء وكل ذلك الهدر الناتج عن اتهاماتهم الباطلة.. هذا إن لم تؤدي إدانة البعض إلى الحكم عليهم بالإعدام وتنفيذ الحكم عليهم بالفعل بعد استنفاد كل سبل الدفاع والاستئناف المتاحة قانونياً..  ويعج التاريخ بقضايا بعض السفاحين ممن ارتكبوا عدداً كبيراً من جرائم القتل على مدى سنوات طويلة ودفع ثمن بعض جرائمهم عدد من الأبرياء ولم يتم اكتشاف أسرارهم إلا بعد فوات الأوان !!

و الغريب في عمليات القتل المتعددة أن العالم لا يتحدث عن المجازر المهولة التي تسببت فيها بعض الدول الاستعمارية ولا نتائج الحروب الجائرة، حيث لا يعتبرها التاريخ جرائم جنائية.. ومنها على سبيل المثال الملايين من الأبرياء الذين دفعوا حياتهم في الحربين العالميتين ونتيجة حكم بعض الطغاة على مصائر الأمم.. ومنهم نذكر "هتلر" و"ستالين" و"موسوليني" على سبيل المثال وليس الحصر.. ولا يندرج الأمر أيضاً على مئات الآلاف من ضحايا القصف الأمريكي لأفغانستان والعراق، وقبل كل ذلك الملايين من شعوب الأمريكيتين بالذات على يد المستعمرين الإنجليز والإسبانيين بعد اكتشاف هاتين القارتين.. وكذلك الوضع مع المجازر المهولة التي ارتكبها اليابانيين في مجمل دول شرق آسيا.. وهل سينسى التاريخ مجازر المستعمرين الإيطاليين في ليبيا والفرنسيين في الجزائر، ومجازر الصهاينة المستمرة ضد أهلنا في فلسطين المحتلة.. وقد ينسى التاريخ بعد حين مجازر الصرب ضد البوسنيين المسلمين ومجازر "بشار الأسد" ضد شعبه في سوريا ومجازر البورميين البوذيين ضد مسلمي الروهينغا في ماينمار وعمليات القتل والتنكيل بالمئات على يد الدواعش في العراق والمجازر العرقية على يد الحشود الشعبية.. كما ربما نسى العالم مجازر الإبادة الجماعية للروانديين (هوتو) ضد البورونديين (توتسي) في التسعينيات؟

لكننا نعود هنا للحديث عن تلك "الجرائم الجنائية" الفردية التي قضى فيها أفراد على عدد كبير من الضحايا على مدى سنوات قبل الكشف عنهم، وهم معروفون بمسمى "القتلة المتسلسلين".. وعادة تسمى مثل هذه الجرائم بهذه التسمية حين يقتل شخص ما عدد ثلاثة من الضحايا أو أكثر خلال فترة زمنية، وفي بعض الحالات قد يصل إجمالي عدد الضحايا إلى المئات خلال 20 أو 30 سنة.. وربما في بعض الحالات ظلت تلك الجرائم دون محاسبة.. ربما أشهرهم هو "جاك السفاح" الذي أرعب لندن في العام 1888 ميلادي، حيث ذبح هذا السفاح خمس نساء من البغايا بقطع حناجرهن والتمثيل بجثثهن.. ولم يتم الكشف قط عن القاتل الحقيقي رغم الشكوك عبر التاريخ بعدة شخصيات دون أن تثبت على أي منهم التهمة بشكل نهائي.

و كثير منا ربما سمع عن المجرم الأمريكي "جيفري داهمر" في ثمانينيات القرن الماضي الذي كان ينتقي ضحاياه من بين المراهقين والشباب اليافعين والمثليين، ممن قد لا يلاحظ أحداً غيابهم، حيث كان يغريهم بالمال أو الحصول على المخدرات والكحول والجنس، وبعد أن يذهبوا معه إلى شقته، يقوم بخنقهم حتى الموت، ثم يمارس معهم "النيكروفيليا"، أي ممارسة الجنس مع الجثث، ثم يقوم بتقطيع الجثث إلى أشلاء، ويأكل ما يكفيه من اللحم البشري.. وتم القبض عليه بعد فرار أحد ضحاياه، فوجدت الشرطة في ثلاجة شقته بقايا جثث وأعضائها الداخلية والتناسلية وبعض الجماجم.

أما في كندا وفي العام 2002 عثرت الشرطة على الحمض النووي لـ 26 امرأة في مزرعة شخص يدعى "روبرت بيكتون".. وأدين هذا القاتل المرعب في 2007 بالسجن مدى الحياة.. وقد أعرب "بيكتون" عن رغبته في قتل 50 امرأة غير أنه ولخيبة أمله نجح في قتل 49 فقط.. وزعم أهالي الضحايا أن الشرطة الكندية تقاعست عن التحقيق الجاد في أمر هذا القاتل لأن مجمل المقتولات كن يعملن في مجال البغاء ولأن أغلبهن كن من السكان الأصليين في كندا.

أما الشرطي الروسي القاتل "ميخائيل بوبكوف" فقد قام باغتيال 59 شخصاً في مدينة "أنغارسك" الروسية جلهم من النساء.. عند محاكمته في 2015 بتهمة قتله  22امرأة في البداية، اعترف "بوبكوف" بجرائمه الأخرى على مراحل مما كان يؤجل إصدار الحكم النهائي بحقه، ولا يزال الشك يدور حول العدد الإجمالي لضحاياه رغم أن بعض المصادر تشير إلى 82 ضحية..  وربما يكون "بوبكوف" قد تأثر بسفاح روسي متوحش يلقب بجزار "روستوف"، الذي كان يحب الاعتداء جنسياً على الأطفال رغم أنه كان يعمل مدرساً، ثم أدمن القتل ما بين الأعوام 1978 و1990 .. وبلغ عدد ضحاياه 53 ضحية، ما بين طفل وفتاة وامرأة، وكان يستدرج ضحاياه إلى الغابات المحيطة بمدينة "روستوف" ويقتلهم بعد الاعتداء عليهم جنسياً ثم يشوههم بوحشية مفرطة ويقطّع أجزاء معينة من أجسادهم كالأعضاء التناسلية والرحم وحلمات الثدي وقطع من الوجه ليأكلها.. وأخيراً تمكنت الشرطة من القبض عليه وحوكم وأعدم رمياً بالرصاص سنة 1994 .

يذكر لنا موقع (اليوم السابع) قصص بعض أشهر السفاحين في مصر، وربما كان أشهرهم إعلامياً وسينمائياً قصة الأختين "ريا وسكينة" في الإسكندرية.. وتدور الحكاية حول استدراجهما النساء إلى منزلهما من أجل سرقة "المصاغ"، لينتهي الأمر بقتل ودفن الضحايا في نفس المنزل.. رغم أن البعض يدافع عنهما حتى اليوم ويعتقد انهما كانتا تعلمان ضد المستعمرين الإنجليز وأن القصة ملفقة بشأن كونهما من القتلة المتسلسلين.  ثم هنالك قصة الصعيدي "محمد منصور" المعروف بـ "الخِط" المتهم بالقتل والسلب وقطع الطرق في أسيوط.. وأيضاً "سفاح كرموز" واسمه "سعد إسكندر عبدالمسيح" الذي اشتهر بقتل النساء في الإسكندرية، ويقال أنه كان يعاني من عقدة نفسية تسببت فيها امرأة.. وكذلك "سفاح بني مزار" المدعو "عيد  بكر" الذي بث الرعب قلوب أبناء الصعيد ويقال أنه قتل 56 ضحية.. وفي القاهرة الكبرى في الثمانينيات قتل "مصطفى خضر" عدد تسعة من الضحايا بينهم صديقه وحبيبته وآخرين على مدى 15 سنة.. وفي 1996 ظهر في المطرية "سفاح روض الفرج" المدعو "أحمد حلمي".. وأخيراً نذكر السفاح "التوربيني" ويدعى "رمضان عبدالرحيم" الذي اشتهر بقتل أطفال الشوارع بعد اغتصابهم، ويقدر عدد ضحاياه بـ 32 طفلاً في الفترة من مايو 2004 حتى نوفمبر 2007 .

من أشهر السفاحين أيضاً وباختصار يذكر التاريخ قتلة في أمريكا الجنوبية مثل "لويس غارفيتو" المتهم بقتل 183 ، و"بيدرو لوبيز" المتهم بقتل 110 ، و"دانيال كامارغو" المتهم بقتل 72 ، والبرازيلي "بيدرو رودريغز فلهو" المتهم بقتل 71 .. ولا يزال الاعتقاد بأن العدد الحقيقي لضحايا كل واحد منهم يتراوح بين 70 و300 .  وهنالك إحصائيات تقشعر لها الأبدان لقتلة من الصين وكوريا وروسيا وأوكرانيا ورومانيا وبولندا والعراق وإيران وتركيا والهند وباكستان وأفغانستان وغيرها مما لا تسمح مساحة المقال من سردها.

كل هذه القصص تعكس وحشية بعض البشر وعشقهم للعنف والقتل والتشويه والاغتصاب والتعذيب.. وقد تحولت الكثير من ملفات القضايا إلى أفلام ومسلسلات وبرامج تلفزيونية، بعضها واقعية التفاصيل، وبعضها خيالية على شاكلة أفلام الرعب.. بعض أشهر هذه الأفلام التي تدور حول مثل هذه الأحداث الإجرامية، مثل فيلم "زودياك" عن جرائم قتل غامضة وقعت في الستينات والسبعينات في شمال "كاليفورنيا" ولم يتم الكشف عن القاتل قط.. ثم لدينا فيلم "مجزرة منشار تكساس" حول السفاح "إد  جين" واسمه الحقيقي "أدوارد ثيودور" الذي اشتهر بتقطيع ضحاياه بالمنشار الآلي وسلخ وجوههم وتقطيع أعضائهم التناسلية، حيث يقال أن والدته زرعت فيه عقدة كراهية الخونة من النساء والرجال.. وفيلم "مونستر" الذي يدور حول امرأة هذه المرة تدعى "إيلين ورنوس" التي قتلت سبعة من الرجال في "فلوريدا" في أواخر الثمانينيات وتم إعدامها بحقنة قاتلة في 2002.. وكذلك تتذكر الولايات المتحدة قتلة مثل "تشارلز مانسون" و"تيد بندي" و"غاري ردجوي" و"جون وين غايسي" المعرف بلقب "المهرج السفاح".

كثيرة هي الأفلام والبرامج التلفزيونية الوثائقية التي تتعرض لبعض هذه الجرائم البشعة ويمكن لمن يشاء أن يبحث في مصادر البحث الإلكتروني عن مثل هذه القصص والوقائع المثيرة.. بعض الجرائم تم كشفها، وبعضها لا تزال غامضة انتهت كما بدأت دون معرفة المجرمين الحقيقين ورائها ولا دوافعها ولا حتى أسباب إنقطاعها، وربما يكون بعض المتهمين الأبرياء تحملوا عواقبها.. ففي بعض الحالات تكون الضغوط المجتمعية والإعلامية والسياسية على المحققين كبيرة جداً مما تجبرهم على البحث عن متهمين ولو بدلائل مشكوك فيها أو واهية من الأساس فقط لإغلاق ملفات تلك القضايا للتخفيف من الروع بين الناس.. ولا يزال القتل والتعذيب والوحشية الهمجية حاضرة حتى يومنا هذا، ولا تزال نشرات الأخبار تنقل لنا كل يوم أخباراً حول قصف المدن بالبراميل المتفجرة والمواد السامة والحروب التي تُستعمل فيها الصواريخ العابرة للقارات والجرائم البشعة ضد الشعوب المظلومة.. حتى باتت مناظر الجثث والموتى عادية ولا تهز فينا جفن ولا يرجف لها فؤاد.

 

د. محمد العباسي - أكاديمي بحريني

 

محمد فتحي عبدالعالوالله ما طلعت شمسٌ ولا غربت

                     إلا وحبّـك مقـرون بأنفاسـي

ولا خلوتُ إلى قوم أحدّثهــم

                   إلا وأنت حديثي بين جلاســي

ولا ذكرتك محزوناً ولا فَرِحا

                   إلا وأنت بقلبي بين وسواســـي

ولا هممت بشرب الماء من عطش

                 إلا رَأَيْتُ خيالاً منك في الكـــأس

ولو قدرتُ على الإتيان جئتـُكم

           سعياً على الوجه أو مشياً على الرأس

ويا فتى الحيّ إن غّنيت لي طربا

                 فغّنـني وأسفا من قلبك القاســـي

ما لي وللناس كم يلحونني سفها

                 ديني لنفسي ودين الناس للنـــاس

بهذه الابيات الرائعة رسم شاعرنا الطريق للعشق الالهي ولسمو القلوب عن كل ما يشغلها عن الله واذاب بكلماته الرقيقة قلوب قاسية لم تعرف الله يوما فأحبه الناس والتفوا حوله...شاعرنا اليوم هو ابو المغيث الحسين بن منصور الحلاج الفارسي الاصل والذي نشأ وترعرع بالعراق .

اما عن تسميته بالحلاج فيقال إنه امتهن مهنة ابيه بحلج الصوف، وقيل انها احدي كراماته فبينما هو جالس بدكان حلاج وبه قطن غير محلوج، وقد انصرف صاحب الدكان لحاجةٍ فلما عاد وجد قطنه محلوجاً، فذاع الامر . وقيل 'حلاج الأسرار' لدرايته بها واطلاعه عليها.

منذ نعومة اظافر شاعرنا عرف طريقه الي الصوفية وتعلق قلبه بحب الله فيقول: متى سهرت عيني لغيرك أو بكت.. فلا بلغت ما أملت وتمنت

وإن أضمرت نفسي سواك فلا رعت ... بأرض المنى من وجنتيك وجنت ...

ويرى الحلاج أن أعلى درجات المحبة تحدث حينما يتخلي الإنسان عن ذاته بالكلية فيفنى عن ذاته في ذات محبوبه الأعلى،فلايرى في الوجود سوي الله، وهو ما جسده في هذا النظم الرائع:

أنا من أهوى ومن أهوى أنا ** نحن روحان حللنا بدنا

فإذا أبصرتني أبصرته ** وإذا أبصرته أبصرتنا...

لقد امتلك الحلاج لغة خاصة لايعيها الا من عرف ان الطريق الي السعادة غاية لا يدركها الا من ذاب في حب الله واستغني بالله عما سواه لهذا لا غرو ان كلماته بدت مبهمة لكثير من معاصريه من رجال الدين حتي الصوفيين منهم الذين اتهموه بادعاء النبوة وفي احيان اخري ادعاء الالوهية ..

لم تكن مأساة الحلاج الوحيدة لغته انما كانت مأساته الاخري هي انه نحا منحي مغايرا لما عرف عن قدامي الصوفيين والمعاصرين من اعلام الصوفية في زمنه من حب العزلة والاستغراق في العبادة وترك امور الدنيا وجهاد النفس في صمت فالجهاد عند الحلاج تعدي جهاد النفس الصامت الي جهاد الاوضاع الاجتماعية والسياسية المحيطة بالنفس فقاد الحلاج منهجا اصلاحيا قائما علي نبذ الظلم والطغيان والفساد الذي مثله البيت العباسي في زمنه وراح يتنقل بين البقاع المختلفه حاملا دعوته الشريفة فأحبه الناس واعتنقوا مذهبه في الحرية فلما طار خبره الي الخليفة العباسي المقتدر بالله- والذي تولي الحكم صبيا في الثالثة عشر من عمره وسيطرت عليه امه - قبض عليه وأتهمه بالكفر والزندقة .

كان الحلاج ثابت الجأش وهو يواجه اتهام هو ابعد ما يكون عنه فحب الله ليس الحادا وعشق الله ليس زندقة وقال لقضاته متحديا :ظهري حمى ودمي حرام، وما يحل لكم أن تتأولوا علي بما يبيحه ، وأنا اعتقادي الإسلام ومذهبي السنة وتفضيل الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين والعشرة الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، ولي كتب في السنة موجودة في الوراقين فالله الله في دمي...، لكن قوله لم يفت في عضد مناوئيه ونفذوا حكم المقتدر بالله فيه فجلد الف سوط وقطعت يداه وقدماه واحرقت جثته ولما صارت رماداً ألقوها في دجلة، ونصبت رأسه علي الجسر ببغداد..

واتفق أن زادت دجلة في تلك السنة زيادة وافرة، فيما اعتبرها اتباعه من كراماته..

كان مصير الحلاج مروعا ولقد لاحقت لعناته خلافة المقتدر بالله فشاء الله ان يدب الخلاف بين قائد الجيش "مؤنس الخادم" وقائد الشرطة "محمد بن ياقوت"، فانحاز المقتدر لابن ياقوت، بينما انضم معظم الجيش لقائده "مؤنس"، ووصل الصراع الي مواجهة مسلحة قتل فيها المقتدر بأيدي احد افراد جيشه وذبح بالسيف واجتثت رأسه على رمح وسلب ما عليه وبقي مكشوف العورة حتى ستر بالحشيش وهكذا كان انتقام الله جزاءا وفاقا.

 

د. محمد فتحي عبد العال - باحث وكاتب مصري

 

 

علي المرهجحين دراستي في قسم الفلسفة بجامعة بغداد، كُنت أشاهد شخصاً بلباس أنيق وإن كان يغلب عليه السواد، يركب سيارة (الفولفو) سويدية المنشأ، وأظن أنه مُعجب بهذه السيارة لأن السويد بلغتها تنتمي إلى فرع من فروع اللغة الجيرمانية، وهي سيارة جميلة ونظيفة بشكل مُدهش. كان الشخص الذي ينزل منها مُهتم بأناقته، تشعر أنه من باشوات العصر الذي نُسميه اليوم بالجميل، يلبس اللباس الأسود، قميص أسود وبنطال أسود، وكلاهما ملابس من ماركات عالمية كما أحسب، وكان حينما ينزل من سيارته (الفولفو) يحمل في يده سيكارة (الكنت) ولا تفسيرعندي لاعجابه بهذا السيكار، رغم أنها من بلاد أنكلو سكسونية، يكرهها! إنه حازم طالب مُشتاق، أستاذ الفلسفة اليونانية بجامعة بغداد

لم يكن يتجاوز الستين من العُمر، يمشي مُتبختراً، مرحاً من فرط ما فيه ما يمتلكه من غنى عائلي ومعرفي، فهو ابن سفير العراق في تركيا أيام الملكية، ومن بعده هو شخصية عامة، ترأس البنك الدولي العربي التابع لمؤسسة عبد الحميد شومان، الفلسطيني الأصل، الأردني الجنسية، رجل الأعمال الذي أسس البنك العربي في القدس بفلسطين، البنك الأهم عند كثير من رجال الأعمال العرب بعامة والفلسطينيين على وجه الخصوص.

كان مكتب أستاذنا حازم طالب مُشتاق في الطابق السُفلي حينما انتقل قسمنا من بنايته القديمة المُجاورة لقسم علم النفس، إلى بناية جديدة تتوسط قسم الإعلام وقسم اللغة العربية، وكان هناك رواق بين هذه الأقسام يستطيع الأستاذ أن يركن سيارته فيه، وهو برشاقة وتباه يركن سيارته لينزل منها، وبعدها ليتوجه لمكتبه، فيصرخ بأعلى صوته (ثيجل)، وهو فرَاش القسم الذي يصنع أجمل الشاي ويستلذ به إشتراكيو القسم وأرستقراطييه وطُلَابه، وقد كان حازم مُشتاق ينطق أسم (ثجيل) (ثيجل) على وزن (هيجل)، فيقول في ألمانيا عندهم فيلسوف كبير هو (هيجل) ونحن في العراق عندنا فرَاش لا يُجارى، وأمر القسم بيديه، وهو (ثيجل).

بعد أن تجاوزنا المرحلة الأولى كان هُناك درس في المرحلة الثانية بعنوان "فلسفة التاريخ"، وبعد أن دخلنا القاعة ونحن بانتظار طلَة الأستاذ علينا، وإذا به صاحب اللباس الأنيق، وباشا (الفولفو) المُمسك بسيكارة (الكنت البيضاء)، وبعد أن درَسنا الحصة الأولى، وجدنا أنه يحمل في تماسكه وثقته العالية بالنفس تاريخاً أسرياً عميقاً، وهو وإن درَسنا فلسفة التاريخ إلَا أنه كان يهوى ويعشق الفلسفة اليونانية وقرائتها بمصادرها الأصلية، فقد كان يُتقن اللغة الأنكليزية أيما إتقان، وكان من المُغرمين بساطع الحُصري الذي يرى فيه أنه (مُهندس الفكر القومي)، وقد تماهى حازم مُشتاق مع الفكر القومي وتبنى أطروحته لظنه أنه فكر له مبررات وجوده في رابطة اللغة والتاريخ المُشترك.

تأثر كثيراً بفكر النازيين القومي، وكان يرى في مُتبنياتهم الفكرية إمكانية استنهتض نزعة تطبيقية عروبية تستمد من النازيين ثقتهم بأنفسهم وتاريخهم بوصفهم بُناة حضارة، والعرب له ماض مجيد يُمكن له أن يكون حالة نهضوية نستمد منها العزم في صناعة وجودنا اليوم.

مرَة ونحن في الحصار، صاح علي وهو في قاعة الدرس وأنا أمرَ من أمام بابها، عليَ بصوت عالٍ، (علي، شوفلي جكاير كنت، أنه أخرج)، أي أصرف، ولأن الحصار طال السكائر، ولأنه من الصعب في هكذا حال أن يحصل على سيكارته المُفضلة، فقد صمتت لبُرهة قصيرة، وقلت له أستاذي أنا أبيع الكُتب، ولا علم ليَ بعالم السكائر؟، فأجابني (ما أعرف، شوف حلَ)، ولا أُخفيكم سراً لم أجد له حلَ لأن لا علم لي فعلاً بعالم السكائر.

كان صوته جهورياً، ومتفاعل مع الدرس حد نسيان نفسه وطريقة أدائه التي ربما لا يستسيغها كثير من الطلبة لكثر ما فيها من صُراخ يشي بوجود ألم يعتصر نفس الأستاذ بوصفه صاحب رسالة.

لم يكن يُدرَس كما أظن بقدر ما كان تلقين طلبته رسالته الأيديولوجية في تصدير رؤيته العروبية، وبالمناسبة هو لم يكن بعثياً، إنما كان قومياً عروبياً.

لم يكن لنا نحن الطلبة القُدرة على الاعتراض، أو النُطق وحتى الهمس ببنت شفه على معلومة يُقدمها، لأنها هي الحقيقة التي لا بد لنا من القبول بها، فهو نازي الهوى، (وأستخدم هُنا مفهوم النازية بوصفه فكر يروم بناء أمة) عروبي النهج!

درّسنا فلسفة التاريخ، وكان يحتفي بطالبٍ ويمنحه أعلى الدرجات في السعي حينما يجد ويجتهد لمرّة أو مرتين في التحضير والقراءة، فمنحني لقب (معفوٍ) لأنه وجدّ فيّ نباهة ومحة لدرسه، فحصلت على سعيّ بمعدل أربعين من أربعين لأنني أثبت له مقدار شغفي بالفلسفة ودرسه!، وما تبقى ستين من المائة سأحصدها بمنجل الوعي الذي منحني إياه شارع المُتنبي، سُكناي وعشقي الأزلي.

ملبسه الأسود كما عرفت فيما بعد مُستمد من تأثره بالفكر النازي الألماني، فقد كان شغوفاً به وبإنجازات (هتلر)، وهو كان إلى يوم مماته من دُعاة الفكر القومي.

لقد كانت قادة الأمن الخاصة النازية تلبس اللباس الأسود، أو ما سُميَ بلباس (الأس أس) وهو اللون الألماني التقليدي، وقد كان فدائيو صدام يلبسون هذا اللباس، واليوم يلبس هذا اللون في العراق ممن هُم من دُعاة التبني لقضية الإمام الحُسين (ع) الذي كان اللون الأسود رايات لمن هم مع الحُسين أو ضد أتباعه، فقد كانت رايات (داعش) ولا زالت راية سوداء!.

كان أبوه سياسياً مُميزاً في الحُقبة الملكية، وقد تقلَد في أواخر حياته منصب سفير العراق في تُركيا، ومن قبل كان قُنصلاً في القُدس، وقد كان قريباً من حكومة (رشيد علي الكيلاني) التي كانت مؤيدة من الألمان، وقد شغل منصب مُدير البنك المركزي العراقي عام 1945إلى عام 1958، وقد وصف بأنه مُدير بنك ناجح، وقد نشر مُذكراته بعنوان (أوراق أيامي) الصادر عن دار الطليعة ببيروت 1986.

من كُتب حازم مُشتاق "المنهج الفلسفي للرفض العربي عام 1975"، و "فلسفة الرفض، ألفه بالإنكليزية عام 1975" و "المنهج التاريخي من المفهوم الأيديولوجي إلى المفهوم الاستراتيجي" و"من الكون إلى الإنسان في الفكر اليوناني والتاريخ الفلسفي" و "الجمر والرماد، مشكلات أساسية في الفكر العربي المُعاصر، عام 2008، و "أبو خلدون ساطع الحصري: المُهندس التاريخي للفكر القومي"، وكُتب أخرى.

إلتقيته في عمان عام 2004، وهو كعادته (باشا) في جلوسه وكلامه وثقته بنفسه حدَ الإنزعاج عند من لا يعرفه، ولكنني أعرفه جيداً وأعرف مقدار ما في قلبه من حُب لطلبته، فما أن إلتقيته وحدثته وذكرته بحوادث لها ذكرى مُشتركة بيننا، وهي بسيطة، فأنا كُنت طالباً، وهو أستاذ مُميز، ولكنه كان مُحباً لطلبته، وقد ذكرته بحادثة كُنت قد استعنت به لقضائها ليَ، ففي علم 1991، كُنت طالباً من طُلابه، وكنت أعاني شظف العيش، فرغبت بالتأجيل، ولم تكن لي علاقة طيبة برئيس القسم آنذاك، فهو تكريتي مغرور بنفسه، من جماعة (البرج العاجي) الذين يهيمون عشقاً بفلسفة أفلاطون المثالية، لكنك لن تجد لها تطبيقاً في سلوكه على أرض الواقع.

وبعد أن شرحت لأستاذي حازم طاب مُشتاق مُعاناتي، أظهر(الباشكيرة) كما يُسميها هو بلهجة بغدادية، وهي عبارة عن منشفة صغيرة يُجفف بها عرق أيام الحرَ، ولكنه هذه المرة جفف دموعه حين شرحت له حجم ما أعيشه من شظف العيش، حتى أنني كدت أبكي على بُكائه، فصرت أخفف عنه ما يشعر به من ألم وكأنني أنا المُشتكى إليه وليس الشاكي، وبعد برهة قصيرة أخذ يتمالك أعصابه وذهب لرئيس القسم الذي رفض من قبل الموافقة على تأجيلي لعام دراسي، وبعد مضي أقل من ساعة عاد لي أستاذي ووجهه معصور بالألم، وقد عرفت فيما بعد أن رئيس القسم قد رفض توسطه، لأنه أخبره أن هذا الشخص ضد الحزب والثورة!، لا لشيء سوى أنني كُنت كثيراً ما أشاكسه في القاعة لهجة جنوبية لا يستسيغها رئيسنا، أقصد رئيس القسم، لأنه بحسب رأيه صورة من صور التعبير لرفض النظام آنذاك، لأنك إن كُنت تروم توفيقاً في حياتك في ذلك الزمن فعليك أن تُبدل (الجا) الجنوبية برديفتها بلهجة المناطق الغربية، والشمالية الغربية (عجل)، أو ببديلها باللهجة البغدادية (لعد) وهي أهون وأمض عندهم، وستكون من الموثوق بهم حينما تضم المجرور، وتستخدم كلمة (يا ول)، وإذا أتقنت استخدام (دحج) فأنت من الذين لا غبار عليه ولا هُم يُسألون.

وبعد حين من الزمن بعد أن غادر أستاذنا حازم طالب مُشتاق، بيعت مكتبته بأبخس الأثمان، وكانت مكتبة مُكتنزة بأمهات المصادر عن الفكر الألماني النازي، وعن هتلر، وكثير منها كان عن الفلسفة الألمانية، وقد تمكنت من شراء بعض منها، ولكنني من شدَة العوز آنذاك لم أستطع الإبقاء عليها!.

توفيَ أستاذنا في أرض المهجر بعمان عام 2016.

 

د. علي المرهج

 

 

قصي الصافيخلص المقال في الجزء الاول الى ان نهج غاندي المغرق بالمثالية، ربما يعود الى شدة ايمانه الديني وتعلقه بحضارة وثقافة الهند القديمة، وسنبدأ الجزء الثاني بالمرور في محطات من سيرة حياته كانت قد تركت بصمات واضحة على نمط تفكيره ونزوعه المثالي، ثم نشير الى المواقف المتناقضة والناشئة عن تقاطع مثاليته مع الواقع بالغ التعقيد.

نشأ غاندي في عائلة متدينة، وقد تزوج في سن الثالثة عشر من عمره، وبينما كان يضاجع زوجته، طرق أحدهم باب غرفته ليخبره بوفاة ابيه الذي كان طريح الفراش. كان لتلك الحادثة وقعاً صادماً على الفتى، فلم يكن ما حدث بالنسبة له عقوبة الرب لتركه والده من أجل رغبة جسدية فحسب، بل رسالة تثقيفية واضحة من الرب تشير الى متاهة الروح المأسورة في سجن الغواية الجسديه، وفي هذا السياق يمكن فهم رؤية غاندي لجدلية العلاقة بين الروح والجسد، ويمكن ايضاً فهم قوله "علاقة بريطانيا بالهند كعلاقة الجسد بالروح"، أي ان الهند أسيرة بريطاينا كما هي الروح أسيرة الجسد، وان بريطانيا تحقق رغباتها وأطماعها على حساب الهند مثلما يحقق الجسد نزواته على حساب نقاء الروح، وفي هذا السياق يمكننا فهم تجربته الغريبة في اختبار قدرته الشخصية على مقاومة نزواته، فكان يرقد على نفس الفراش مع فتيات جميلات عاريات دون لمس أجسادهن٠

أبحر غاندي الى بريطانيا فتمت مقاطعته وعائلته من قبل طائفته التي تحرّم على تابعيها ركوب البحر، فوصل الى لندن مثقلاً بهاجس غضب الرب وبراءة الطائفة، وزد على ذلك وصية والدته وتهديدها بالتبرؤ منه لو تذوق الطعام البريطاني لاحتواءه على اللحم المحرم، وكان هذا أمراً في غاية الصعوبة آنذاك، إلا انه وجد في الانتماء الى جمعية لندن للنباتيين ملاذا.ً

من الجدير بالذكر ان غاندي الفتى كان يعيش صراعاً داخلياً في تلك الفترة ولم يكن يعرف الكثير عن الهندوسية، وكان قد اهتز إيمانه بها تحت تأثير المبشرين المسيحيين الذين ما فتئوا يسخرون من الهندوسية بوصفها دين الخرافات، وفي لحظة ما أراد غاندي حسم صراعه الداخلي بالتحول الى الدين المسيحي، إلا انه عزف عن ذلك عقب لقاءه بهيلينا بلافاتسكي رئيسة رابطة الثيوصوفية، واطلاعه على كتبها التي تبحث في ثراء التراث الروحي في الديانات القديمة وخاصة الهندوسية والبوذية، ومن هنا بدأ اهتمام غاندي بقراءة البهافادغيتا (كتاب الهندوسية) والتعمق في التراث الديني والعرفاني في ثقافة الهند القديمة. وفي هذه الفترة ايضاً عكف على قراءة فلسفة تولستوي وفكره الانسانوي السلمي الذي لخصه في كتابه "مملكة الله بين يديك" وتجربته في انشاء مزرعة تعاونية في روسيا، وممن تأثر بهم غاندي ايضاً المفكر الامريكي هنري ديفيد ثورو ونظريته في العصيان المدني.

باتساع معارفه بات بمقدور غاندي الشاب أن يثبت للرب الذي حرمه أباه فجأة، وللطائفة التي تبرأت منه، و يثبت أيضاً لعائلته التي احتملت المقاطعة بسببه، بأنه هو الجدير بقيادة حركة بعث وإحياء الموروث العرفاني وهو من سيظهر للعالم ان الهندوسية ليست بديانة خرافات بل هي ديانة الاخوة الانسانية

الان لنسأل هل صمدت الساتياغراها الغاندية في مواجهة تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي، وهل بقي غاندي منسجماً في مواقفه عبر سيرته النضالية؟.

من المعروف ان غاندي قد بدأ حركته في الدفاع عن الحقوق المدنية للهنود في جنوب افريقيا بعد حادثة القطار حين أجبر على ترك مقعده في الدرجة الاولى والتي لم يكن مسموحاً للملونين بالسفر فيها. وفيما يلي سنمر على بعض التقاطعات التي تخللت حركته بين النهج والتطبيق.

- أعلن الحاكم البريطاني في جنوب افريقيا أن على المواطنين من أصل هندي التسجيل لدى السلطات وفق النظام المتبع لمراقبة المجرمين، فنظم غاندي حركة عصيان استمرت طويلاً دون أن تنثني السلطات البريطانية عن قرارها، ومع ذلك صرح غاندي ان حملته قد نجحت، وبادر لانهاء العصيان فكان أول من سجل نفسه لدى السلطات، مما عرضه الى هجوم بالضرب العنيف من قبل أتباعه الذين شعروا بخذلانهم من قبله، ويبدو أن فشل الحملة يعود الى رفض أصدقاءه من رجال الاعمال والمال توظيف نفوذهم الاقتصادي لدعم العصيان، فقد قال له صديقه التاجر الكبير محمد مولانا ( نعم هناك تمييز كريه إلا أنهم يدعون أعمالنا التجارية ومصالحنا تمضي بنجاح). عقب فشل الحملة كتب غاندي رسالة الى الحاكم البريطاني هي أغرب من أن يكون كاتبها هو ذاته رجل الحب والسلام ومؤلف كتاب" كل البشر أخوه"، قال فيها: نحن لا نختلف معكم في تراتبية الاعراق ولكن نرفض أن نعامل نحن الهنود كما يعامل الافارقة السود.

- حين انطلقت الحرب بين البور (أحفاد المستوطنين الهولنديين) والجيش البريطاني في جنوب افريقيا بادر غاندي وأتباعه للتطوع مع البريطانيين فسخر منه الجنرال البريطاني قائلاً (ستكونون عبئاً علينا لانكم ضعاف لا تأكون اللحم ولا تصلحون للحرب)، وبعد إلحاح غاندي اشترك الهنود للمساعدة في أعمال نقل المؤن والعتاد ومساعدة الجرحى، ولم يوضح غاندي كيف ينسجم هذا مع نهجه السلمي.

- في الحرب العالمية الأولى جال غاندي قرى الهند بهدف جمع 50 متطوعاً من كل قرية للاشتراك بالحرب الى جانب الجيش البريطاني و لكنه قوبل بالحجارة من قبل الفلاحين مما اضطره الى تطويع فريق خدمات طبية يرافق الجيش، وقد برر ذلك بقوله: ألسنا عبيداً لهم، وعلى العبد أن يرضي سيده لينال منه حريته؟.

- في موقفه من الحرب العالمية الثانية أعلن تأييده الكامل للحلفاء على اعتبار انها معركة الانظمة الديمقراطية ضد الفاشية والنازية، وفي تصريح آخر يقول أنه لا يرى فرقاً بين النازية والتشرتشلية.

- أمضى حياته مدافعاً عن حقوق الفقراء من الفلاحين والعمال إلا أنه لا يرى ضيراً من استحواذ الاقطاعيين على الاراضي الشاسعة وتستفزه تعابير مثل الصراع الطبقي أو الاشتراكية، وكل ما يقترحه لانهاء الفقر المدقع هو النضال السلمي لايقاظ ضمائر الاقطاعيين والرأسماليين ليثوبوا الى رشدهم ويدركوا ضرورة ان يوظفوا ثرواتهم لخدمة المجتمع لا لمصالحهم الأنانية الضيقة.    

رغم ما شاب مسيرة غاندي من تناقضات لم نذكر الا بعضاً منها فانه يبقى في ذاكرة الشعوب رمزاً تأريخياً متميزاً و معلّماً نستوحي من موروثه مباديء السلام والاخوة الانسانية و نستلهم من تجاربه دروس الكفاح السلمي.

 

قصي الصافي

.........................

المراجع:

1- What Gandhi Says، Norman G. Finkelstein، 2015

2-Gandhi and Churchill by Arthur Herman. Published by Bantam 2008

3- قصة تجاربي مع الحقيقة، موهاندس غاندي، دار الملايين   1978

4 -سلامة الروح وراحة الجسد، موهانداس غاندي. ترجمة عبد الرزاق مليح، دار الفرات لبنان

 

علي المرهجكنت قد كتبت من قبل أكثر من مقالة عن أستاذي مدني صالح، ولكن لفرط ما فيه من غزارة معرفية وفكر مؤنسن، سأبقى أنهل من ذكرياتي معه وقراءاتي لكتاباته، فهو فرات آخر منبعه (هيت) ومصبه فيض حياةً ومحبة على كل روافد العراق وتفرعاتها.

مدني صالح شجرة غربية، روحها شرقية، تفيء بظلالها وتُطعم من فيض ثمارها المعرفية كل شغوف بالمعرفة.

كتب الشعر في أوائل حياته، وهجره لا لأنه لا يُجيد كتابته، بل لأنه كما حدثني عن أسباب تركه للشعر، أنه وجد في شعر السياب والبياتي ما يُغنيه عن كتابته.

فتحول لقراءة الفلسفة، وقد درسها بجامعة بغداد في أوخر العقد الخمسيني من القرن العشرين، ولشدة تميزه وتفوقه طُبع بحثه للتخرج من البكالوريوس على نفقة جامعة بغداد، وهذا أمر نادر الحدوث في جامعاتنا إلى يومنا هذا، وقد نُشر تحت عنوان "الوجود ـ بحث في الفلسفة الإسلامية"، وبعد ذلك حصل على بعثة لدراسة الفلسفة الإسلامية في بريطانيا بجامعة (كامبردج)، وقد حدثني قليلاً عن رحلته، فقد قال لي: (علي لقد ذهبت إلى بريطانيا، وأنا أُتقن الإنكليزية قراءةً وكتابةً، وأنا من القلائل الذين يلفظون كلمة تاريخ بالإنكليزية (هستري) وليس (هيستوري)، وكنت ألبس أفضل (ماركات الملابس) كما كُنت اظن لأنها هي الأفضل في العراق، إلَا أنني بعد تواجدي في بريطانيا عرفت أنها في بُلداننا هي (ماركات) يُشار لها بالبنان، ويمشي مُتبختراً من يلبسها، ولكنها في بريطانيا هي (ماركات) من الدرجة العاشرة!!، وتلك صدة أولى لي بعد تبخترٍ.

وبعد إتمام أوراقي للقبول في جامعة (كامبردج)، قيل لي أنك ستدرس في (معهد الدراسات الشرقية)، وهو برأي مدني صالح معهد مُهم، إلَا أنه لا يُعلم الفلسفة بقدر ما يُعلم ما يُسميه (الإستشراقية المُلائية) التي لا همّ لمفكريا سوى تكريس مفهوم (المركزية الغربية) في عقول الطلبة الدارسين، وهناك طلبة عرب ومسلمين يأتون من كل حدب وصوب، كي يُسجلوا في هذا المعهد الذي يمنح شهادات لكل من (حقق (كصكوصة) (أي مخطوطة في التراث)، ولا يُعيرون فيه أهمية لتطوير كفاءة الشُبان القادمين من فيافي أرض العرب والإسلام، فهم سيعودا لبُلدانهم دكاتره!، ومن أراد منهم التعلم، فليكن ذلك خياره هو.

قبل أن يستقر على عنوان أطروحته للدكتوراه عن فلسفة ابن طُفيل، عانى كثيراً في اختيار العنوان، فكلما اختار عنواناً ذهب إلى مكتبتيّ جامعة أكسفورد وكمبردج، ليتفاجئ أن عنوانه الذي اختاره قد كُتب عنه بالمئات إن لم يكن بالآلاف، فأول مرة يختار عنواناً جلبت له موظفة المكتبة عربتان، وفي المرة الأخرى بعد أن غير الموضوع جلبت له ثلاث عربات مُحملة كُتبت عن موضوعه، وثالثة أشد وأمر، فقال ليَ حينذاك تنهدت وأخذت أتأمل عظمة النتاج الغربي، وبعد ذلك توصلت إلى نتيجة مفدها أن الإتيان بجديد أمرٌ ليس بالهين، ومن ذلك الحين عرف مدني صالح أن الجديد هو في طريقته في المُعالجة وأسلوبه في الكتابة، وقد فعل ذلك بالفعل لا بالقوة، بلغة أرسطية، فهو من القلائل من أساتذة الفلسفة في العراق ممن يتميز بفرادة الأسلوب، ومن يمتلك مُعجميته الإصطلاحية، وهو مُغاير مُختلف في المُعالجة لقضايا الفكر والفلسفة وربط الفكر بالواقع.

قال لي أنه حينما سجل أطروحته للدكتوراه عن فلسفة ابن طفيل، فضّل من يعرفه أن يُشرف عليه في موضوعه هذا المُستشرق المعروف (آربري) فذكر ليَ أنه ذهب إليه، فوجد صفاً من الطلبة العرب والمُسلمين كل منهم ينتظر دوره للقاء (آربري)، بعضهم طبيب وآخر مُهندس، وغير ذلك من الاختصاصات، ولكن جميعهم جاء ليحصل على الدكتوراه في الدراسات الشرقية من ذلك المعهد، وحين تمكن بعد لأي من لقاء (آربري) طرح عليه رغبته في أن يكون مُشرفاً على أطروحته، إلَا أن (آربري) أظهر له أسفه، لأنه سيذهب للجزيرة الفُلانية ليتعلم اللغة الثالثة عشر من أهل هذه الجزيرة!. ونصحه بالذهاب إلى (دوكلاص دنلوب)، فأخذ بنصيحة آربري، وذهب إلى بيت (دنلوب) فرق الباب، فُفتح الباب بعد حين، وإذا بكلب يخرج له، هو كلب (دنلوب) ولأن مدني صالح كما هو حال كثير من الطلبة العرب المُسلمين، يُحبون الكلب حامياً لهم لا صديقاً، فقد تحسس في بداية الأمر، وبعد ترحيب (دنلوب) به والتحاور معه، وبكل ما في (دنلوب) من وداع وطيبة وتقدير كما يذكر إستاذي مدني صالح، إلّا أنه لم يجد فيه ما ينشده، فعند مدني معلومات أوفر مما عند (دنلوب)، وقد إنبهر هذا المُستشرق العتيد بمقدرة هذا الشاب وسعة إطلاعه!.

في إحدى ذكرياته في بلاد الضباب ذكر ليَ قصة شاب صعد إلى قمة جبل إفرست من سلسلة جبال الهملايا، وبعد أن أتم الشاب مُهمته بنجاح، كانت كل وسائل الإعلام المرأية والمسموعة والمكتوبة بانتظاره لتسجيل حوار صحفي معه، ولكن هذا الشاب تعجب من وجودهم، وأخبرهم أن الشهرة لا تعنيه، ولم يصعد هذا الجبل للبحث عنها، إنما هو صعجد ليلفت أنظار حبيبته!.

لذلك لم تشغل مدني صالح الشهرة يوماً، ولم يبحث عنها، إنما هي التي بحثت عنه، ولم يكن يفرح بتكريم له ولا يحضر مراسيمه، لا تكبراً، بل لأنه يؤمن أن هُناك مراحلاً من الحياة يحرقها فوات الأوان.

مرة رغب بعض الصحفيين بتسجيل حوار معه، ولكنه بادرهم بالقول: (كثير من السكوت صراخُ، وليس عندي ما فيه نفعٌ لكم، فمد يده لهم مُصافحاً، ليقول لهم بأدب جم في الرفض رافقتكم السلامة!.

كان لماركس، وبرتراند رسل، وسارتر، ووليم جيمس، وجون ديوي، حضورهم في مُتبنياته الفلسفية والسلوكية في الرفض والنقد لكل ما هو سائد في ثقافتنا.

وقد كان لابن طفيل في قصته (حي بن يقظان) تأثير له فعل السحر في كتباته وتوظيفه الرمزي للأدب والفلسفة.

وقبل ذلك كانت له رؤيته في الفلسفة السفسطائية والدفاع عنها بوصفها فلسفة واقعية، شوهها إفلاطون بفلسفته المثالية (الحالمة)، وهو في رؤيته هذا يتماهى مع الوردي في الدفاع عن السفسطائية، ومدني من الذين يضعون للوردي مكانة خاصة سواء على مُستوى علاقته الشخصية به، أو على مُستوى التأثر برؤاه النقدية.

 

 د. علي المرهج - استاذ فلسفة

 

بكر السباتينمدخل: دعونا نرتحل جميعاً إلى عمق الذاكرة الفلسطينية، لنلتقي في ربوعها بإحدى دُرَرِ الساحل الفلسطيني، مدينة عكا التي أنجبت ملك الجليل ظاهر العمر والشهيد الكاتب غسان كنفاني.. هيا بنا نعيد بناء معالم هذه المدينة في ذاكرة الحنين، لنذوب في عشق مدينة نابضة بالحياة؛ للرد على سياسة الإلغاء التي تعتمدها مؤسسات الكيان الإسرائيلي في إطار مشروع التهويد الصهيوني الرامي إلى إلغاء الهوية الفلسطينية بكل تفاصيلها التراثية والمكانية والتاريخية، وبالتالي طمس الذاكرة الفلسطينية وعلاقتها بالمدن الفلسطينية..

ألا ينبغي علينا الرد على سياسة التهويد بإماطة اللثام عن أكاذيبها ليدوي صوت الحقيقة عالياً بملامحنا! وهل ثمة ما يغيظهم أكثر من إنعاش ذاكرتنا الوطنية التي لا تبور.. حتى نرسخ حق العودة في العقل الجمعي للجيل الفلسطيني الجديد، من خلال الحديث عن مدن فلسطين السليبة (حيفا.. عكا.. يافا.. غزة.. المجدل.. اللد.. الرملة.. القدس.. بيت لحم.. الخليل.. بئر السبع.. رام الله.. جنين.. البيرة.. الناصرة.. طبريا.. صفد.. هذا الحق المبذور في وجداننا كأنها حبات القمح، تطل برؤوسها مشرئبة إلى زهرة النور، بانتظار آلهة المطر (بعل) الكنعاني كي تمطر السماء قمحاً وتتحول الذاكرة إلى حقل تفور فيه الوعود بالتحرير.. ونتنسم من ربيعه عبق الأمكنة المنكهة برائحة من غادروها إلى المنافي أو ارتقوا شهداء في سبيلها منذ عام النكبة.

هذه مناسبة كي نحرج موقف الرواية الصهيونية أمام العقل الإنساني وضميره، حين تدعي بأنهم شعب متجانس العرق عاد إلى أرض الميعاد من متاهات المنفى الطويل، دون أن تبرر ما ارتكبه المحتل الصهيوني من ذنب بحق صاحب المكان الفلسطيني، وكيف مارس عليه الإرهاب والقتل والطرد إلى المنافي ليضيق الخناق على من صمد في أرضه!! وليخرب كل المظاهر التي تمت إليه بصلة، في محاولة منه لطمس المعالم الحضارية المدهشة وبالتالي الترسيخ لأكذوبة "فلسطين القاحلة والأرض اليباب التي لا شعب فيها ولا هوية" أكاذيب روجتها الدعاية الصهيونية على مستوى الإعلام والجامعات والمؤسسات الثقافية ومراكز البحث العلمي.. لا بل وأخذتهم العربدة لاستلاب الإرث الكنعاني وتجريد المكان من ملامحه العربية والإسلامية والمسيحية.

لقد أقيمت الفكرة الصهيونية على البعد القومي في زمن صراع القوميات بأوروبا، لكنها نفذت وفق الرؤية الدينية القائمة على التوراة والتلمود.. التي حولوها إلى شعارات أوهموا العالم من خلالها بأن يهود العالم إنما هم أمة متجانسة وشعب الله المختار، وأن فلسطين هي أرض الميعاد التي ستجمعهم من بعد شتات، وقد أنيط باليهود إعادة بناء الهيكل المزعوم مكان المسجد الأقصى.. من هنا جاءت التبريرات التاريخية لاحتلال فلسطين.

وكدأب المنتصر فقد أعادوا بناء روايتهم على هذا الأساس لكن اشتراك بعثات عالمية في التنقيب عن الآثار كان يثبت دائماً بأن كل الشواهد الأثرية القديمة على هذه الأرض كانت كنعانية؛ لذلك اجتهد المؤرخون الإسرائيليون الجدد في إعادة ترميم الرواية الصهيونية وسوغوها مع فكرة أن يكون الكنعانيون قد تخلوا عن وثنيتهم حيث كانوا يعبدون الآلهة (إيل وبعل وعناة ويم)؛ ليتحولوا بعد ذلك إلى الديانة اليهودية، ولأن ذلك سيتعارض مع النصوص التوراتية والتلمودية التي تتحدث عن التجانس العرقي اليهودي عبر التاريخ، كونهم شعب الله المختار، فقد غضوا الطرف عن ذلك مقتدين بما فعلوا مع يهود الخزر حينما استوعبتهم الفكرة الصهيونية.

وهذا مخالف تماماً للحقيقة التي تذهب إلى أن الكنعانيين هم عرب أقحاح أورثونا أرض فلسطين بما عليها من شواهد وآثار، وان لاحتلال الصهيوني اغتصب أرضاً كانت تعمها الخيرات، وكانت مدنها مزدهرة من كل النواحي، وشعبها متحضر.

في المحصلة تم احتلال فلسطين برمتها بعد مقاومة فلسطينية شرسة، واقترفت العصابات الصهيونية في ظل حكومة الانتداب البريطاني كل أنواع الجرائم بحق الفلسطينيين، وتم تهجير معظم الشعب الفلسطيني إلى المنافي، واستمرت نتائج النكبة في التداعي السلبي بفعل الهزائم المتعاقبة، وصولاً إلى تبني الكيان الإسرائيلي لقرار تهويد فلسطين. والذي أدخلنا مع العدو في صراع وجودي على المكان الموروث، والتاريخ المثبت والهوية بكل أبعادها الإنسانية والتراثية والدينية. وكان على الذاكرة الفلسطينية أن تتصدى لسياسة التهويد في إطار جبهة المواجهة الثقافية.. وفضح الممارسات الصهيونية التي تسعى إلى هدم المسجد الأقصى، ومنع الجمعيات الفلسطينية واللجان المحلية من ترميم بيوت الفلسطينيين التراثية المتهالكة، حيث انهار بعضها وخاصة ما جرى في عكا القديمة في فبراير عام 2014 حينما انهارت عمارة يمتلكها العرب ويعود تاريخ بنائها إلى ما قبل الثلاثة قرون، وتصدّعت نتيجة الحادثة البيوت التراثية المجاورة والمأهولة بالسكان العرب، وهذه العقارات خاضعة لسيطرة شركة "عميدار" الإسرائيلية للإسكان التي سيطرت عليها من خلال قانون "أملاك الغائبين" وتقوم بتأجير بعضها، وبالتالي فإن المواطنين الفلسطينيين لن يتمكّنوا من ترميم منازلهم إلا بموافقة الشركة التي تتعامل معهم بعنصرية، وعادةً ما ترفض مطالبهم، في محاولة للضغط عليهم وحملهم على الهجرة والرحيل عن أراضيه.

حدث هذا في عكا، رغم أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (يونيسكو)، قد أدرجت في عام 2001 البلدة القديمة في عكا، التي تحوي آثارا عثمانية وصليبية، ضمن قائمة التراث العالمي، لكنها إرادة الاحتلال التي تتجاوز كل القوانين الأممية..

وها هو طائر الفينيق الكنعاني سينفض جناحيه من رماد النكبة، ليأخذنا إلى حاضرة تلك المدينة الصابرة على ضيم الاحتلال.. حتى نطل من خلال عينيه الثاقبتين على تفاصيل مدينة ظل المؤرخون يطلقون عليها اسم "قاهرة الغزاة".. فتتبدى معالمها العصية على تقلبات الزمن أمام عيوننا.

عكا عبر العصور

عكا هي من أقدم وأهم مدن فلسطين التاريخية، تقع شمال فلسطين على ساحل البحر الأبيض المتوسط.

تأسست المدينة في الألف الثالثة ق.م على يد الكنعانيين (الجرشانين)، الذين جعلوا منها مركزاً تجارياً ودعوها باسم (عكو) أي الرمل الحار. أصبحت بعد ذلك جزءا من دولة الفينيقيين، ثم احتلها العديد من الغزاة كالإغريق والرومان والفرس والفرنجة الصليبيون. ثم دخل العرب المسلمون عكا سنة 636 م / 16.

ثم احتلها الصليبيون في عام 1104 وكانت عكا مرسى مهم في هذه المنطقة. وأصبحت الميناء الرئيسي والحصن المنيع لهم، وقسمت إلى أحياء، حيث تركزت كل جالية منهم بحيّ خاص بها، مثل بيزا، جنوه، البندقية، فرسان الهيكل، والاسبتاليين. وقد انتهى عهدها الذهبي بسقوطها سنة 1291م، على يد المماليك.

ثم انتهى حكم المماليك وانضوت فلسطين وكل بلاد الشام تحت حكم الدولة العثمانية الذي دام قرابة الأربعة قرون.

وترك العثمانيون أثراً كبيراً في ازدهار مدينة عكا، حيث ازدادت أهمية الميناء على أيامهم، وانشأوا المدارس والمساجد والكنائس والحمامات والأسواق والسرايا وغيرها من الأبنية الحكومية والخاصة.

وفي سياق الحكم العثماني احتل ظاهر العمر الزيداني المدينة عام 1744 م وفي عام 1750 م أصبح حاكم عكا مقابل مبلغ من المال يرسله ظاهر العمر لوالي صيدا. عندها انقلبت عكا من قرية منسية إلى مدينة مركزية ومهمة، خاصة بعد تحصينها عام 1750 - 1751 م بسور وأبراج. طول السور كان 500 م في الشمال و300 م في الشرق، وصل علوه إلى ثمانية أمتار تقريباً، وسمكه كان حوالي متراً واحداً، ولم يكن هناك نفق أمامها أو قناة عميقة، ومثل هذا السور استطاع أن يصد هجمات البدو الذين لم يكن لديهم مدافع.

كان في سور ظاهر العمر بوابتان قويتان: بوابة السراي (تحمل اسم قصره المجاور) في شمال غرب السور وبوابة السباع (نسبة إلى صورة السباع المحفورة في حجر فوق هذه البوابة) في الجنوب الشرقي من سور المدينة.

وفي الزاوية الشمالية الغربية من المدينة، وفوق أنقاض القلعة الصليبية بنى ظاهر العمر قصره المحصن ووضع فيه عدداً من المدافع القديمة، وحفر قناة صغيراً من حوله، وبنى مسجد الرمل في مركز المدينة، وأقام سوقاً كبيراً (السوق الأبيض) الذي رممه سليمان باشا فيما بعد.

ثم انتهى حكم ظاهر العمر على يد أحمد باشا الجزار الذي تميز حكمه بسيطرته على القوى المحلية في فلسطين وجبل لبنان وتحديه للعثمانيين بإدخال ولاية دمشق ضمن دائرة نفوذه واستكمال بناء عكا وسورها القوي.

وأفشل حملة نابليون بصموده داخل أسوار عكا عام 1799وساعده في ذلك انتشار مرض الطاعون بين الجنود الفرنسيين.

وفي 4 فبراير 1918 احتلها البريطانيون ومارسوا على أهلها صنوف القتل والاستعباد كدأبهم مع المدن والقرى الفلسطينية الأخرى.

وكان لأهالي عكا دَورٌ في كلّ الانتفاضات والمُظاهرات والمؤتمرات والثورات الفلسطينية ضدّ الإنكليز واليهود. وبعد انسحاب القوات البريطانية واشتعال الحرب، دافع أهل عكا عن مدينتهم حتى امتدّ القتال من دارٍ إلى دارٍ ومن شارعٍ إلى شارعٍ، إلى أن سقطت بأيدي المُنظّمات الصّهيونية المُسلّحة وذلك بفضل ما تملكه من أحدث آلات الحرب من المُصفحات والمدافع والزوارق الحربية. وأدّى الاحتلال إلى تشريد بعض أهالي عكا.

في شهر أيار 1948 سيطرت المنظمات اليهودية على مدينة عكا بعد عدة معارك ومجازر قامت بها في المدينة وقراها لترويع السكان العرب وإجبارهم على الرحيل. وبعد النكبة، سيطرت دائرة أراضي إسرائيل على 85% من منازلها (1125منزلا) وتديرها اليوم شركتان حكومتان (شركة تطوير عكا وعميدار). يشار إلى أن السلطات الإسرائيلية لم تتوقف عن تضييق الخناق على عكا العربية واضطرار سكانها إلى الرحيل من خلال إنذار السكان العرب ومنعهم من ترميم بيوتهم التي باتت معظمها تعاني من التصدعات، بل والانهيار.

ولقد عملت السلطات الإسرائيلية بعد النكبة، على تنفيذ مخططاتها، من خلال خطة أطلقت عليها تطوير عكا، ولكن هذه الخطة بالمفهوم الحقيقي هي تهجير للسكان الفلسطينيين، وتفريغ المدينة وتهويدها وطمس معالمها وتشويه تاريخها، حيث أحيطت المدينة القديمة، بالبنايات الكبيرة والعمارات الضخمة، بهدف التغطية على مدينة عكا الأصلية. كما أن مدينة عكا، ما زالت مستهدفة بالدرجة الأولى من خلال الهجمات العنصرية، لأنها مدينة حضارية وتاريخية، وتشهد على عروبة هذه البلاد، كما أن محاولات التهويد، لم تتوقف ولو لحظة، إلا أن صمود فلسطينيي عكا، وتمسكهم بمدينتهم، وبتاريخها، أفشلت وستفشل كل مخططات التهويد، وبقيت البلدة القديمة، وهي مدينة عكا الأصلية، عربية مائة بالمائة، بتاريخها ووجهها ومعالمها التاريخية. كما أن سكان عكا، داخل البلدة القديمة، حافظوا على مساجدهم وكنائسهم.

معالم عكا قبل النكبة والتي مسحها الاحتلال..

مدينة عكا الحالية تنقسم إلى قسمين: المدينة الجديدة والبلدة القديمة. وقد شُيّدت المدينة الجديدة بمساكنها العامة وأحيائها التجارية ومنطقتها الصناعية لتستقبل المهاجرين اليهود الجدد. وتقع جميع هذه الأبنية خارج البلدة القديمة محافظة بذلك على طابعها وأصالتها.

البلدة القديمة محط الأنظار في عكا. فهي ما زالت تحافظ على الكثير من مظاهر الفترات الثلاث الأخيرة من تاريخها ألا وهي الفترة الصليبية والعربية والتركية.

وكانت مدينة عكا قبل النكبة عام 1948، تُقسم إلى المناطق الآتية: الشط الغربي، عز الدين، الطالع الأول، الطالع الثاني، الطالع الاعوج، شارع فبركة الكبريت، منطقة جنينة البلدي، شارع بيروت، شارع الرشادية، الفجر، وشارع صفد ، بالإضافة إلى البلدة القديمة والتي تشمل على 23 حارة، وهي: حارات "المبلطة"، الرمل، الدبسي، اليهود، الشيخ عبد الله، النمرود، دْراع الواوي، الخرابة، المعاليق، المجادلة، القلعة، البصة، الشيخ غانم، الشراشحة، الفاخورة، سبيل القديس، ساحة الكراكون، الخمامير، ساحة عبود، ساحة اللومان، شارع الجزار، وشارع صلاح الدين. ولم يبقى بعد النكبة، من هذه الأسماء سوى شارع صلاح الدين.

أما بعد النكبة، أقدمت البلدية على تغيير معظم الأسامي العربية في الأحياء والمناطق في عكا، وتم إنشاء مناطق جديدة أخرى.

ويبلغ عدد سكان عكا 46 ألفاً، منهم 17 ألف فلسطيني، يشكلون 35 % من نسبة السكان، وهذه النسبة في ارتفاع، وهو ما يقلق حكومة الاحتلال الإسرائيلي؛ ولمواجهة النمو الديمغرافي لعرب عكا، أقدمت "إسرائيل" على استجلاب المستوطنين العنصريين من مستوطنات قطاع غزة، للاستيطان في عكا، والذين بدأوا يثيرون ممارسات استفزازية، ضد سكان عكا، ليعيشوا مرحلة تصدٍ دائم لهؤلاء المستوطنين العنصريين وممارساتهم.

تراجعت عكا من مكانتها كمركز إقليمي عربي. حيث تعاني المدارس فيها من ضائقة مادية صعبة، ويشكو العرب من تمييز صارخ في ميزانيات التعليم، مما دعا أولياء الأمور إلى تسجيل أولادهم في المدارس اليهودية.

معالم البلدة القديمة

1- الأسوار

وهي اسوار بناها القائد ظاهر العمر عام 1750 - 1751 م. يبلغ طول السور كان 500 م في الشمال و300 م في الشرق، وصل علوه إلى ثمانية أمتار تقريباً، وسمكه كان حوالي متراً واحداً، ولم يكن هناك نفق أمامها أو قناة عميقة، ومثل هذا السور استطاع أن يصد هجمات البدو الذين لم يكن لديهم مدافع. كان في السور بوابتان قويتان: بوابة السراي (تحمل اسم قصره المجاور) في شمال غرب السور وبوابة السباع (نسبة إلى صورة السباع المحفورة في حجر فوق هذه البوابة) في الجنوب الشرقي من سور المدينة.

2- خان العمدان

ويقع قرب مدخل الميناء، تم بناؤه في القرن التاسع عشر على يد أحمد باشا الجزار، وقد جلبت عمدانه من خرائب قيسارية وعتليت، ويطلق عليه اسم (خان الجزار). ويقع فوق مدخله الشمالي برج ساعة بني سنة 1906 تخليدًا لذكرى السلطان عبد الحميد الثاني. كما أن في الطرف الشرقي من المدينة وبالقرب من برج السلطان – وهو أحد الأبراج الباقية من عهد الصليبيين – يوجد (خان الافرنج)، وكان يستعمل مركزًا للتجار الأوروبيين.

3- القلعة

وكانت تُعرف أيضا بـ سجن عكا، ترتفع فوق البناية المجاورة لها. لقد أتم بناءها أحمد باشا الجزار، وقامت على أسسس صليبية. اُستعملت زمن الانتداب البريطاني كسجن مركزي، وكانت تتم فيه أحكام الإعدام، حيث اُعدام فيها 3 من الشباب الفلسطينيين المقاومين للاستعمار البريطاني والهجرة اليهودية إلى فلسطين، وهم: محمد جمجوم، فؤاد حجازي، عطا الزير. وقد اُستغلت القلعة فيما بعد، كمستشفى للأمراض العقلية لعدة سنوات.

4- حمام الباشا، أحد أشهر معالم عكا العثمانية.

6- مسجد الميناء

ويسمى أيضاً جامع البحر، اقيم على يد سليمان سنة 1806 في نفس موقع مسجد سنان باشا القديم (سنان باشا هو مهندس تركي بنى عدة مساجد على اسمه في مدن الشرق). وتشير التقديرات إلى أن تم بناء المسجد في أواخر القرن السادس عشر. وهو أول دار عبادة للمسلمين في عكا. تم ذكره في كتابات العهد العثماني باسم "مسجد سنان باشا".

7- مسجد الجزار والسوق الأبيض

يقع في مدخل المدينة من الجهة الشمالية، وعند وصولنا إلى الجامع نشاهد عند مدخله (سبيل ماء) رممه سليمان باشا، وكان قد أقامه أحمد باشا الجزار. نصعد عددًا من الدرجات، ثم ندخل المسجد الذي يحتوي على ساحة واسعة بعضها مبلط، كما تحتوي الساحة على أشجار السرو والنخيل العتيق. وفي مركز الساحة نشاهد بناء له قبة خضراء ( الموضأة)، وبالقرب منه بئر ماء ومزولة من الجهة الغربية، حيث دفن فيها أحمد باشا الجزار، وبجانبه خليفته سليمان باشا الذي مات سنة 1819م. لقد أتم أحمد باشا الجزار بناء المسجد سنة 1782م، أما الغرف الصغيرة الموجودة في داخل المسجد فقد كان يسكنها طلاب العلم أيام كانت في جامع الجزار مدرسة إسلامية، أما حجارة المسجد فقد جُلبَتْ من خرائب قيسارية وعتليت، وقد تم ترميم المسجد حديثًا. يعتبر مسجد الجزار أعظم مسجد في شمال فلسطين على الإطلاق بسبب حجمه والفن المعماري الإسلامي الذي يبرز معالمه.

8- مسجد الزيتونة

ويقع المسجد جنوب الزاوية الشاذلية، ويرتبط اسم المسجد مع أشجار الزيتون التي كانت تنمو في ساحته.

9- كنيسة ودير الفرنسيسكان (اللاتين)

تقع هذه الكنيسة في وسط السوق الشعبي تمتاز بمنارتها الشاهقة (برج الأجراس) وبجمالها ولونها البني، شيدت في عهد فخر الدين المعني في أوائل القرن السابع عشر، وبمحاذاة الكنيسة أنشأ رهبان الفرنسيسكان ديراً لهم. ودير الفرنسيسكان هذا يشرف على إدارة مدرسة تيراسنطة الثانوية (الأراضي المقدسة)

10- كنيسة القديس يوحنا

تقع هذه الكنيسة على سور المدينة شرقي برج الفنار شيدت عام 1737م على يد تجار فرنسيين وقد بنيت هذه الكنيسة وفق الطراز المعماري القوطي

11- كنيسة القديس جوارجيوس

وهي كنيسة يونانية أرثوذكسية، وهي تعود إلى فترة الصليبيين ومبنية على أثار كنيسة بيزنطية، وقد غلفت جدران الكنيسة من الداخل بالخشب المحفور.

12- محطة قطارات عكا

في عكا محطة مركزية للباصات، والتي فيها مسارات لحافلات المدينة ولمدن ووجهات أخرى إلى جميع أنحاء البلاد. وهي أيضا تخدم المدينة من خلال محطة سكة حديد عكا.

13- ميناء عكا، أحد أهم موانئ فلسطين التاريخية، تم ذكره لأول مرة بعد الغزو المصري لفلسطين عام 525 ق.م.

14- مدرسة تراسنطة

15- حديقة البهائيين

النشاط الثقافي الفلسطيني في عكا بعد الاحتلال

كانت عكا مركزا مهما للإشعاع الفكري والثقافي في فلسطين التاريخية طيلة فترة الانتداب البريطاني وقبلها في العهد العثماني، والذي تدهور بشكل كبير بعد النكبة عام 1948، وتهجير معظم سكانها. إلا أن سكانها يحاولون إعادة الروح إلى هذه المدينة، بفضل المهرجانات والمناسبات الثقافية التي تشهدها المدينة بازدياد مؤخراً، كمهرجان "لغتي هويتي" لدعم اللغة العربية في المدينة، ومهرجان "مسرحيد" للأداء المسرحي، اليوم الوطني للثقافة الفلسطينية بعكا.

هذه حاضرة عكا مدموغة بالحنين فمن ينسى جذوره لا تستقبل هامتها السماء.. ذاكرتنا مسمدة بالحنين إلى الديار السليبة، والصهاينة كما قال درويش" عابرون"

 

بقلم بكر السباتين

..................

* ألقيت في ندوة بعنوان مدن فلسطين السليبة ذاكرة لا تبور- دارة آل أبو بكر للثقافة والعلوم.. عمان

 

منذ 2003 بدأت واستمرت الى يومنا هذا وبتصاعد منهجي، حملة منظمة ومدروسة لموضعة وترسيخ "حقائق" جديدة في العقل العراقي الشاب وفق المنهج النفسي المعروف في مثل هذه الحالات: مخاطبة اللاشعور والعاطفة عبر الصور والايحاءات القوية جدا واتباع آلية الإعادة والتكرار حتى يسّلم العقل بتلك "الحقائق" ويعتبرها مسلمات لا تقبل النقاش. ومن امثلة هذه الحملة، أيضا، قصة اليهودي العبقري والحريص والنزيه والمخلص الذي كان يمكن ان يتحول العراق تحت ادارته الى جنة الله على الأرض ونقيضه.. المواطن العربي المسلم، الغبي والجاهل والغوغائي والذي لا يعرف غير الحماقات والهتافات والعدوانية. ونموذجها الذي يعاد ويصقل علينا على مدار الساعة هو نموذج "ساسون حسقيل" وزير المالية في عدة تشكيلات حكومية عراقية في العهد الملكي الذي اصبح ايقونة للنزاهة والحصافة والإخلاص والوطنية تروى حوله القصص والمواقف وتقارن خصيصا برجال الوقت الحالي وبعدهم عن كل هذه الخصال السامية، وليس بمعاصريه ومجايليه ومن تبعهم خلال عقود طويلة وحتى السبعينات من القرن الماضي من العراقيين الافذاذ في كل مجال من المجالات . حتى كتب بعض الصحفيين المرموقين متمنيا ان يجود الزمان علينا بحاكم له مواصفات ساسون حسقيل وهتف آخر بان السيد حسقيل كان، في الواقع، مؤسس العراق الحقيقي !!!

فما هي حقيقة هذه الشخصية الباهرة وهل تستند هذه الدعاية والاشادة والافتتان بها الى وقائع موثقة يمكن اعتمادها ؟ لقد راجعت ما امكنني من مصادر معتمدة للتاريخ لتلك الفترة فلم اجد ما يسوغ هذا الاطناب في اطراء الرجل ولم اعثر على ما يبرر تلك الهالة بل ولم يشر احدٌ او وثيقة الى معظم ما تم اشاعته من قصص ونوادر عنه وعن سجاياه !! بل عل العكس، غمزه البعض من معاصريه في ولائه الوطني وحسبه رجل الإنكليز المفروض في كل وزارة، في حين أشار آخر الى انه لا يدافع عن شيء دفاعه عن مصالح طائفته الموسوية ! فمن اين جاءت اذن كل تلك الأسطورة وما الذي يراد بهذه الهالة التي لا يسعف حقيقتها الواقع التاريخي ؟!

كان ساسون حسقيل وهو رجل مال واعمال يهودي عضو مجلس المبعوثان (البرلمان العثماني) عن ولاية بغداد قبل الاحتلال البريطاني ثم اصبح من رجال الإنكليز، حيث حضر مؤتمر القاهرة الذي عقد برئاسة ونستون تشرشل رئيس الوزراء البريطاني في 1921 وتحدد فيه مصير العراق وشرق الأردن وفلسطين وحضره أربعون من موظفي وعسكريي وعملاء بريطانيا حتى سمي في بعض الادبيات السياسية مؤتمر تشرشل والأربعين حرامي ! ومن ثم اصبح وزير المالية الدائم في حكومات النصف الأول من العشرينات لا بسبب قدراته الإدارية الفذة او نزاهته المطلقة كما تحاول الدعاية الموجهة الترويج له اليوم بل بفضل نوع من الكوتا التي فرضها الإنكليز في البداية حيث كانت وزارة المالية من حصة اليهود مثلما أصبحت وزارة المعارف " التربية " من حصة الشيعة، خلال الفترة نفسها، ومن الواضح ان للأولى، أي المالية، أهمية جوهرية في تكوين وتحديد سياسات الدولة الحديثة، في حين كانت الثانية مجرد وزارة للترضية ! .ويصفه " حنا بطاطو "، مؤرخ الشأن العراقي الذي يتفق اغلبنا على موضوعيته علاوة على كونه مسيحي وغير عراقي، في كتابه عن العراق، الجزء الأول، بانه ضمن ثلاثة نواب يهود عن بغداد كانوا يوافقون على ما يوافق عليه الإنكليز ويرفضون ما يرفضونه !

ليس المقصود بما تقدم المس بشخصية الرجل ولا الافتراء عليه وانما وضع الأمور في نصابها الصحيح بالنسبة لأجيالنا العراقية الشابة التي يراد تضليلها وتعميتها وسلخها عن هويتها وانماء مشاعر احتقار الذات وإشاعة اليأس والقنوط لديها من خلال ربط مرارة الحاضر الذي تسببت فيه بالدرجة الأولى سياسة الامريكان وتحطيمهم للدولة وتعزيزهم للسلوك المنحرف من خلال وضع الأمور في ايدي احط الفئات الاجتماعية وابعدها عن الارتباط بالمصاح الوطنية،وكشف الهالات الكاذبة التي تضفى على شخصية لا تستحق او حدث لا يناسب، واغواء الشباب بأكذوبة ان العراق كان يمشي في مسار تطوري وتحديثي متوازن ومتصاعد لا بفضل فتوة ونهوض الدولة العراقية واضطلاعها بمهماتها استنادا الى توازنات اجتماعية ذات ديناميكية دافعة بل بسبب دور بعض الشخصيات اليهودية او العائلة المالكة او رجاحة عقل نوري السعيد ومعرفته بما يداوي ويفيد الشخصية العراقية وهي سخافات سوقية وجدت طريقها وياللأسف، بفعل التكرار، الى عقول وأفكار" مثقفين " وكتاب تقبلوها كحقيقة دون نقاش او تمحيص واشاعوها في عقول الشباب المتطلعين الى مثال عراقي نيّر وقدوة وطنية يحتذونها . .

من ضمن اشهر القصص المتداولة حول وطنية وحرص حسقيل وبراعته التي لا تجارى في التفاوض من اجل العراق ومصالحه هي قصة "الشلن الذهبي "، ومفادها ان الحكومة العراقية كانت قد اتفقت مع شركة نفط العراق، وهي مجموعة شركات حصلت على امتياز استغلال النفط العراقي مطلع العشرينات، على ان تتقاضى عن النفط اربعة شلنات إنكليزية لكل طن وابرم الاتفاق لولا ظهور حسقيل في اللحظة الأخيرة واصراره على ان تكون الشلنات من الذهب وبذلك حفظ حقوق العراق من الضياع واضحت الشركات الغربية ملزمة بدفع حصة العراق بالذهب !

فما هي حقيقة هذه الحكاية؟ الواقع ان لا نصيب لها من الصحة او الحقيقة، فخلال تفاوض ممثلي شركة نفط العراق (شركة النفط التركية، سابقا) مع ممثلي الجانب العراقي من اجل إقرار امتياز النفط وكانوا وفد او لجنة من أربعة اشخاص هم وزير الداخلية ووزير المالية وكل من مستشاري وزارتيهما لكن اللولب المحرك لعمل الجانب العراقي والذي كان وراء معظم الاقترحات والتعديلات في اجتماعات ماراثونية استمرت لأشهر طويلة هو وزيرالاشغال والمواصلات، مزاحم الباججي ، كما كانت اطراف المفاوضات غير المباشرة هم رئيس الوزراء العراقي ياسين الهاشمي المشهود له بالكفاءة والملك فيصل الأول نفسه . اما من الجانب البريطاني فكان هناك المعتمد السامي البريطاني دوبس ووزارة المستعمرات البريطانية، لقد كانت مفاوضات إقرار امتيار النفط مفاوضات عويصة كانت الشركة النفطية والجانب البريطاني يضغطان باتجاه تخلي الحكومة العراقية عن مطلبين جوهريين الأول هو ان تكون للعراق حصة 20%من رأسمال الشركة تدفعها الشركات ذاتها والثاني هو حصة مجانية للعراق من النفط المستخرج، لكن الشركة والجانب البريطاني رفضا ذلك ولم يقبلا الاّ بصرف ما قيمته 10% من سعر طن النفط المستخرج ويساوي 4 شلنات إنكليزية وقد وصلت الضغوط التي مورست على الجانب العراقي التلويح بقضية الموصل !! ويرد في وثائق مباحثات امتياز النفط ان الوزراء العراقيين، اكرر الوزراء العراقيين، وليس الطفل المعجزة ساسون حسقيل لوحده، كانوا قد اعلنوا من خشيتهم من دفع عوائد العراق بالدولار الأمريكي كما اقترحت الشركة النفطية بسبب طول فترة الامتياز وإمكانية لجوء الحكومة الامريكية الى سياسة تضخمية وانقل هنا نص ما ورد في محاضر مباحثات النفط (وبعد محادثات طويلة سئل الوزراء العراقيون عن إمكانية تحديد العوائد بانها خُمس الجنيه الإنكليزي الذهب ذو الوزن والشعار الحاليين فاذا توقف تحويل العملات الورقية الإنكليزية الى الجنيه الذهبي ذو الوزن والشعارالحالي فان على الفريقين اذا اخفقا في الوصول الى اتفاق حول العوائد التي يجب دفعها ان يذهبا الى التحكيم . وقد تعهد المعتمد السامي البريطاني بأن يحيل الاقتراح الى وزارة المستعمرات برقيا، كما تعهد السيد كلينغ بأن يحيله الى الشركة ثانية . وقال المعتمد السامي انه يعتقد بأن الحكومة العراقية محقة في طلبها)

ان هذا لايتعارض بالطبع مع حقيقة وجود شخصيات يهودية عراقية كانت مبدعة في مجالات اختصاصها ومخلصة في ولاءها ووطنيتها أسهمت في بناء صرح العراق الحديث وقدمت الكثير من التضحيات للعراق وللعراقيين وكان من الظلم والاجحاف حقا ان يخسرها العراق مثل، على سبيل المثال لا الحصر، العلامة مير بصري الاقتصادي واللغوي والمؤرخ الذي رفض مغادرة العراق حتى اجبر عليه عام 1974 بسبب ما تعرض له من شديد المضايقة والتهديد واستقر في لندن رافضا الذهاب الى إسرائيل، والشخصية اليسارية المعروفة حسقيل قوجمان، الذي استقر هو الاخر في لندن ورفض، حتى اليوم، الهجرة الى إسرائيل والكثير من اشباههم، اسوة بشخصيات وطنية عراقية من مختلف القوميات والأديان والطوائف العراقية والتي اتصف سلوكها بالحرص والنزاهة والشرف، نمت وترعرعت وازهرت في مجتمع يتصف بالالفة والتسامح وكان يمكن لها ان تبني متكافلة ومتكاتفة عراقا آخر غير ما انتهينا اليه بسبب الطواعين التي يمكن بحثها وبحث آثارها المدمرة بموضوعية في مقالات لاحقة .

ان هذا شيء وتشويه الحقائق وترويج الأكاذيب لغرض استلاب وعي المواطن العراقي وتدمير الشخصية العراقية شيء آخر !

 

عارف معروف

 

 

322 اقبال الشرقاوييعتبر العلامة أحمد الشرقاوي إقبال أحد الرموز التربوية والوجوه البارزة في المشهد الثقافي المغربي والعربي. بورتريه حول هذا العلامة المراكشي.

يوم 24 ماي 2002، تسلم الشرقاوي إقبال جائزة محمد السادس التنويهية التكريمية، تقديرا لإنتاجاته المتميزة في الميدان الثقافي والعلمي. وخلال شهر يوليوز 1995، حصل هذا العلامة على جائزة الاستحقاق الكبرى بالمغرب، عرفانا بالمجهودات التي قام بها من أجل المساهمة في إشعاع الثقافة المغربية.

وإضافة إلى هاتين الجائزتين المتميزتين، كان الشرقاوي إقبال على موعد مع عدة مناسبات أخرى للتكريم والاحتفاء به. فخلال سنة 1987، قام نادي الثقافة بمراكش، بتعاون مع فرع اتحاد كتاب المغرب بهذه المدينة بتنظيم حفل تكريم لفائدته. وبعد ست سنوات، قامت جمعية الأطلس الكبير، هي الأخرى، بتكريمه.

وقد نظم هذان الحفلان بكلية اللغة العربية بمراكش، وحضرهما نخبة من الأساتذة والعديد من أصدقاء ومعارف الشرقاوي إقبال. ومما قيل في تكريمه سنة 1987، هذه الأبيات من قصيدة للشاعر المراكشي المتميز مولاي إبراهيم الحاري، رحمه الله، التي تقول:

إقبالٌ موسوعـةٌ تمشي على القدمِ         ودَيْـمةُ النبـل تَسْقِي تـُربَةَ الـقيَـمِ

إقبال نابغـةُ الحمـراءِ ومُلهـمُهــا         وفذها الشـهمُ يُحيي دولـةَ الشيَمِ

إقبالٌ في اللغة الفصحى منارُهدىً       ما غـاب عن أُفقه سرٌّ من الكَلِمِ

ينحدر هذا العلامة، عن طريق الأب، من الولي الصالح بوعبيد الشرقي، دفين مدينة أبي الجعد الذي يرتقي نسبه إلى الصحابي والخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

رأى الشرقاوي إقبال النور سنة 1927 بدرب المجاط الكائن بحي باب هيلانة (باب أيلان) بمراكش، وولج الكتاب وهو حدث لا يتجاوز عمره أربع سنوات. وبعد فترة وجيزة، غادره حافظا للقرآن ومستظهرا لبعض المتون الأساسية في مجال الأدب وعلوم الدين.

وقد وهبه الله صبرا وجلدا على القراءة والتحصيل، إذ كان يقرأ، كما يقول، "الثماني ساعات وصالا والشعر ساعات ولاء فما فوق ذلك، دون ضجر ولا سآمة، لا يقطعه إلا أداء فريضة دينية أو قضاء حاجة بشريـة".

وقضى الشرقاوي إقبال في خدمة التعليم ما يناهز أربعين سنة، أمضى سنوات عديدة منها في التدريس بمركز تكوين المعلمين بمراكش. كما كان منزله بذات المدينة بمثابة ناد ثقافي ومحج لجميع الباحثين وطلبة العلم والمعرفة، الذين يقصدونه ليغرفوا من معينه الثقافي الذي لا ينضب أو للاستشارة والاستفادة من تجاربه وعلومه الغزيرة.

يعتبر الشرقاوي إقبال مربيا للأجيال، ومرجعا لا محيد عنه بالنسبة للدارسين في مجال اللغة العربية. وقد تخرج على يديه العديد من الأطر والأساتذة الذين يتقلدون مناصب عليا بالمغرب وخارجه. كما كان رجلا عصاميا يتمتع بحافظة قوية، شغوفا بالقراءة، يقضي أغلب أوقات يومه في الدراسة والبحث، حيث نحث طريقه في صخر وبصم الثقافة المغربية المعاصرة بميسم خاص.

وقال عنه الأستاذ الجامعي والباحث المغربي في التراث العربي الإسلامي عباس أرحيلة، في مقال يحمل عنوان "أحمد الشرقاوي إقبال ظاهرة لغوية بمراكش"، صادر بتاريخ 31 أكتوبر 2015 بمدونته، إن هذا العلامة هو واحد من الرعيل الأول الذي نهل من التعليم الأصيل، وانفتح على التعليم العصري في مطلع استقلال المغرب، وتحمل مسؤولية التربية والتوجيه في النهضة المغربية الحديثة بمراكش، حيث عايش الانشغالات الثقافية والفكرية لتلك النهضة، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وآثار من خلال دروسه بمدرسة المعلمين ومحاضراته ومجالسه الخاصة والعامة، وأعماله في التراث والأدب اهتمامات الباحث بمدينة مراكش، الذي عاصر التحولات الثقافية للمغرب الحديث.

ويحكي الكاتب والباحث المغربي في الدراسات المعجمية عبد الغني أبو العزم في سيرته الذاتية "الضريح الآخر"، الصادرة سنة 1996، والحائزة على جائزة المغرب للكتاب، صنف الإبداع الأدبي لذات السنة، متحدثا عن الفترة التي كان يدرس فيها بمدرسة تكوين المعلمين بمراكش أن الأستاذ الشرقاوي إقبال هو الذي كان يدرس فيها اللغة العربية، حيث يقول في هذا الصدد: "كان أستاذنا الجليل، وهذه أول مرة نتعرف عليه، يتحدث من الذاكرة، ولم يكن بحاجة إلى تحضير أو إلى أي ورقة أو إلى رؤوس أقلام، وظلت هذه عادته لم يحد عنها إلا عندما يأتي محملا بالمعاجم اللغوية العديدة، مقارنا بينها، وليعرفنا في آن واحد بما تزخر به المكتبة العربية من أمهات الكتب، فهو يعرفها كما يعرف ملامح وخبايا أفراد أسرته واحدا واحدا وبكل التفاصيل. ذاكرة لا ينضب معينها، تتجول بين الدواوين الشعرية طولا وعرضاً، مصححا ومنقحا، إلى حد أننا أصبنا بعقدة الحفظ، لأن ما كنا نحفظه من شعر المعلقات وأشعار محدودة جدا للمتنبي والمعري وشوقي وحافظ إبراهيم، لم يكن يساوي جناح بعوضة أمام ما يستظهره من الآلاف المؤلفة من الشعر العربي القديم".

ويعد الشرقاوي إقبال من أصدقاء الشاعر محمد بن إبراهيم (شاعر الحمراء) والشيخ المختار السوسي، حيث خلف عن الأول عدة أعمال من أبرزها: كتاب "شاعر الحمراء في الغربال"، الذي يعتبر باكورة مؤلفاته، وعن الثاني مراسلات كان قد تبادلها معه، خلال سنوات الخمسينيات، عندما كان هذا الأخير مقيما بالدار البيضاء.

إن مؤلفه الموسوم "بمعجم المعاجم"، قد تطلب منه ما يناهز عشرين سنة من البحث والتمحيص. وعرف فيه بالمعاجم العربية التراثية المطبوعة والمخطوطة، وهو يدل على سعة اطلاعه وصبره في مجال البحث. وله مؤلفات أخرى في مناحي مختلفة من ميادين العلم والمعرفة.

وإبان فترة شبابه، نظم الشرقاوي إقبال العديد من القصائد التي تخلى عنها فيما بعد، نظرا لشعوره بعدم قوة القريحة الشعرية بها، حيث يقول: "نظرت فيها بعد فوجدتها غير شيء فأتلفتها غير آسف، وهي ما كانت لتفيد شيئا إلا أن تدل على أن ناظمها ليس من الشعر في شيء".

والشرقاوي إقبال من المؤلفين غزيري الإنتاج، إذ ألف ما يناهز عشرين مؤلف، صدرت عن دور النشر المغربية والعربية. نفذ أغلبها من المكتبات وتحتاج، الآن، إلى إعادة طبعها. هذا غيض من فيض. ومهما قلنا في حق هذا العلامة، لن نستطيع أن نوفيه حق قدره.

لقد توفي الشرقاوي إقبال بمراكش في أواخر شهر شتنبر من سنة 2002 بعد أن أجهده المرض، مخلفا وراءه خزانة غنية ومتنوعة، وبالخصوص نموذجا ينبغي أن يحتذى في مجال العصامية، ودماثة الخلق وشساعة الفكر. وإذا كان الشرقاوي إقبال قد مات، فإنه لازال حيا بيننا بمصنفاته وكتبه التي لا تموت.

 

عبد الرزاق القاروني

 

كنت لمّا أزل على أعتاب الطفولة حينما غيّر والدي مكان سكننا من لبّ الأعظمية الى أطرافها حيث ابتنى لنا بيتا في إحدى ضواحيها - سبع أبكار - ما كانت تبعد عن ناحية الأعظمية وما زالت الا بضعة كيلومترات غير إنها آنذاك أقرب للريف منها للمدن العامرة . لا ماء فيها ولا كهرباء والأهم لا طريق مبلط ولا مواصلات وفي الشتاء غاصت أرجلنا حتى قبيل الركبة في الطين المبارك . كنت في أشهري الأُولى من المتوسطة فعانيت ما عانيت أنا وأُخوتي وصويحباتي في المنطقة الحديثة متباعدة البيوت.. عانينا في الوصول الى مدارسنا في الوقت المحدد . ولطالما مررت ببيت زميلتي "وفاء" منذ الصباح الباكر وترافقنا باقي الطريق الى المدرسة مشياً نصعد الى كتف نهر دجلة في "الدهاليك" محاولتين الحصول على مكان في الباص الخشبي العتيق الذي كان يصل الى عمق " الكريعات " ليعود الى شارع عمر بن عبد العزيز ومن ثم الى باب المعظم . حيث نترجل بموازاة الأعظمية ونعاود المشي وصولا الى المدرسة . طالما كانت مسيرتنا اليومية هذه موحشة وصعبة ومنهكة لقوانا ولكننا لم نتغيب يوما واحدا أبداً وكان جَلدنا طبيعياً لا تصنع فيه ولا ضجر منه فقد كانت كلتانا جادتين في طلب العلم "أصبحت وفاء طبيـبة أسنان" كانت لنا مغامرات في اقتناص سيارة أو باص لينقلنا الى المدرسة صباحاً وهو الوقت الأولى بحرصنا على عدم تفويته . ولا زلت أذكر بغاية الوضوح حتى كأن الأمر حدث بالأمس لا قبل ستين عاماً إحدى هذه المغامرات حيث وقفنا على كتف النهر في الشارع ننتظر الباص الخشبي وطال انتظارنا بلا جدوى فقد مرت بعض الباصات الخشبية محشورة بالركاب فلا مجال لنا قط ... تحيرنا والدقائق تحث خطاها والزمن يتآكل منذرا بتأخرنا عن الدوام وكان ذلك في عرفنا - نحن الصغيرتين - أمرا كارثياً لم يسبق منا حصوله ، تقارب رأسانا نتشاور ونحن نرى عربة - ربل - تقترب منا أوقفنا الرجل وسألناه عن النقود التي يريدها ليوصلنا الى المدرسة حدد الرجل ما يريد وبسرعة أحصينا ما معنا من نقود ولله الحمد كانت مثلما طلب فصعدنا العربة التى يجرها حصان واحد ظل يخب بنا تارة ويتمهل اخرى ونحن نحترق مثل الجمر محدقتين بساعتينا عاضتين على شفتينا بين آن وآخر دون أن نجرؤ على استعجال الرجل أو حث الحصان على الإسراع وأخيرا وبعد ما يزيد عن ثلث الساعة من بدء الدوام الرسمي وقفت بنا العربة أمام المدرسة لتركض كل منا الى صفها لا أدري ما الذي فعلته وفاء وبم اعتذرت لمدّرستها عن التأخر غير إني طرقت باب الصف بعجالة ودون أن أسمع رأي المدرسة ألقيت بجثتي فوق رحلتي وبدأت معزوفة غريبة لا انتهاء لها وكان بكائي متصلا لا انقطاع فيه مما أربك درس الهندسة اللذيذ الذي كانت تلقيه البارعة " ست ثامرة المختار " ألقت المدرسة الطبشور من يدها واتجهت نحوي انحنت المدرسة الشابة عليّ بحنان بالغ وهي تظن أن نكبة ما تعرضت لها أو إن موتا عنيفا حصل في بيتي أو قدامي عند قدومي للمدرسة، وبالكاد بعد انتهاء الزلزلة البكائية المتطاولة على الزمن وعلى الدرس وحين استطاعت المدّرسة تهدئتي وفهم الأمر طبطبت على رأسي وسألتني مسح دموعي ومرافقتها الى السبورة لنستأنف الشرح ثم سألتني عن اسمي وجعلت اسمي واسمها على رؤوس المثلثات التي رسمتها بالطبشور على اللوحة السوداء وبذا امتصت بؤسي وحزني وكسبتني لعلم الهندسة الى اليوم .

***

سمية العبيدي

 

321 عبدالاله الصائغكتب الاستاذ رزاق ابراهيم حسن مقالة في صحيفة وعي العمال العراقية عدد 280 السنة السادسة السبت 14 ايلول سبتمبر 1974 صفحة 33 مقالة بمناسبة صدور مجموعتي الشعرية الثالثة هاكم فرح الدماء جاء فيها حرفيا : في مجموعته الشعرية الثالثة هاكم فرح الدماء يجمع عبد الاله الصائغ بين اكثر الاشكال الشعرية حداثة وبين الاشكال الشعرية القديمة، كما ان قصائد هذه المجموعة لاتتبع خطا شعريا معينا من حيث الناحية الفنية او المضمونية ! ففي مجموعة هاكم فرح الدماء قصائد مباشرة جدا تمنح نفسها للقاريء منذ الوهلة الاولى كما ان هناك بعض القصائد التي تستغرق في الغموض الى حد بعيد لايسهل معه الامساك بمتطلبات تفسيرها وفهمها ! ومن الناحية المضمونية فان الشاعر يعالج في قصائد مجموعته موضوعات متعددة لايمكن ان تجمع تحت اطار وحدة الموضوع او وحدة المرحلة الشعرية كما لايمكن النظر اليها بواسطة منظورات ادبية موحدة الاتجاه , ذلك لأن هذه الموضوعات التي غالبا ما تخضع للاشكال الشعرية المطروحة من خلالها , تتوزع بين التعامل الوجودي مع الواقع والذات وبين التعامل الثوري اضافة الى ان بعض الموضوعات تتسم بطابع رومانسي مبسط وخصوصا في القصائد العمودية التي ضمتها المجموعة . وهذا التفاوت في الاشكال والمضامين الذي تميزت به مجموعة هاكم فرح الدماء لايفسر بواسطة زمن كتابة القصيدة ذلك ان الشاعر يرفق تاريخ كتابة القصيدة في نهايات القصائد نفسها وهذا التاريخ يوضح ان هناك بعض القصائد المتفاوتة فنيا ومضمونية قد كتبت في مرحلة زمنية واحدة مما يؤكد عدم صواب تفسير التفاوت بتاريخ كتابة القصيدة .

ويبدو ان هذا التفاوت يخضع لطبيعة موضوع القصيدة ولايمان الشاعر بان الاشكال الشعرية رغم تباينها والاختلافات القائمة بينها يمكن ان تتجاور وان يتداخل بعضها في البعض الاخر وفق المواضيع التي تعبر عنها هذه الاشكال . ومع ان هذا التفاوت لايتيح فهم الشاعر ومراحل تطوره الا انه لاينفي ان معظم قصائد المجموعة قد تركزت على موضوعات معاصرة وذات صلة عميقة بهموم الانسان العربي وقضاياه الوطنية والقومية ففي قصيدة هاكم فرح الدماء التي هي عنوان المجموعة الشعرية ايضا يزاوج الشاعر من خلال حدثي التاميم والجبهة الوطنية والقومية التقدمية بين الذات والموضوع بصورة يستحضر بواسطتها نضال الجماهير وعذاباتها وفرحها وبين الاصوات الجماعية الجماهيرية بين اونة واخرى صوت الذات التي وجدت في الزخم الجماهيري طريقها الى الضوء والحياة :

صارت اسراب الزاجل قوسا

والسحب شعارا ثوريا

فانفجر الاسفلت شموعا

للأحرف ترقص في الكلمات

تدخل اعيننا .. تنأى وتعود

تحترق الاصوات بذاكرتي

.. وأتيت ..

أحمل قلباً موشوماً بالشمع الأحمر .

ان هذه الاستحالات التي تتميز بها قصيدة هاكم فرح الدماء حيث تتحول اسراب الزاجل (الجماهير) الى قوس والسحب الى شعارات ثورية يمكن اعتبارها من السمات التي تغلب على اكثر قصائد عبد الاله الصائغ وهذه الاستحالات ليست معزولة عن مضمون القصيدة وانما هي تنطلق من طبيعة هذا الموضوع وهذه السمة لاتقتصر على المفردة الشعرية وانما يلجأ الشاعر الى توليد الاستحالات من الرمز العام للقصيدة وبحيث يكون هذا الرمز المحور الاساس للتحرك الذي يتمثل في الرمز العام او الموضوع العام حيث الشاعر يترك لنفسه حرية الانقياد وراء المفردات الشعرية والجمل الشعرية بدلا من التركيز على الاطار العام للقصيدة وهذا ما يقود الشاعر الى جعل قصيدته متوزعة الاتجاهات .

وفي الرموز التاريخية التي يستخدمها الشاعر نجد بعض هذه الرموز غير متطابق او مستوف للشروط الفنية والمضمونية كما ان بعضها تاخذ موقعها الصحيح وخصوصا في القصائد التي ينبثق فيها الرمز التاريخي او القناع للتعبير عن هموم الشخصية المعاصرة التي تشكل المحور الأساس للقصيدة .

رزاق ابراهيم حسن

رزاق ابراهيم حسن بعيني صديقه عبد الاله الصائغ

رزاق ابراهيم حسن مبدع برولتاري : ابصر رزاق الاسدي النور بمحلة الثلمة بالنجف الاشرف 1947 في بيت لايصلح للسكن ولكنها مشيئة الله ان يولد في بيت مثل قبو معتم ولكنه نشأ خشناً صارما ذا كبرياء وشمم وفيه بذرة الابداع ! وحين صار فتيا وجد نفسه مسؤولا عن عائلة تبدأ بوالدته فاشتغل في البناء حتى لقب رزاق ابو الطين ولم يجد غضاضة في لقب الطين وكان يبحث عن عمل يكفل له معيشة حرة لاتعوزه لأحد ! وكان يتذكر عمله حفاراً للقبور ويقهقه واشتغل في استنساخ الكتب وربما الف كتابا وتنازل عن حقوق التاليف مقابل مبلغ من المال ! وكان يكتب شعرا حسينيا للرواديد مقابل مبلغ زهيد ويدعي الرادود ان القصيدة له ! ربطتني به صداقة حميمة وبخاصة ان والدتي الزرقاء ابو اصيبع كانت ترتاح اليه وتشجعني على دعوته فيزورنا ببيتنا في الكوفة ويحكي لوالدتي بلثغة محببة فهو يلفظ الراء غينا ! ولم تسمح له ظروفه المعيشية كي يكمل دراسته وفي رزاق الاسدي ميل للصعلكة فكان والشاعر الكبير عبد الامير الحصيري صديقين حميمين رغم ان الحصيري يكبر الاسدي بست سنوات 1941 وهو تاريخ ميلادي نفسه ! ومنذ البواكير تعلق قلبه بالكتاب والثقافة فكان يستعير الكتب من مكتبة الامل لصاحبها صديقي الحميم علي كناوي العريض مطلع زقاق ال جريو شاره الخورنق والعريض لايعير الكتب بل يبيعها ولكنه اعتد رزاق ابراهيم استثناء وكنت اجلس في مكتبة الامل ذات المساحة الحرجة واتابع الكتب التي يستعيرها رزاق ابراهيم فهي تاريخ وروايات ودواوين وسير ذاتية ودين وجنس ! وكان شاعرا بالفطرة وقد طبعت له مطبعة الغري بالنجف ديوانا شعريا سنة 1972 عنوانه اسرار قراءة الطريق ودفع ثمنه من عمله في مطبعة الغري وكان صاحبها حميما مع رزاق الاسدي تضامنا مع حميمية المرحوم حميد المطبعي معه ! وتلقفته الصحافة فهي تدفع له مقابلا يرتضيه فاشتغل في جل الصحف العراقية وكانت جريدة الزمان قد وفرت له قدره فعمل معها وقبلها التفت اليه المفكر الروائي الشهيد عزيز السيد جاسم وكان يراس تحرير مجلة وعي العمال وحدد له راتبا شهريا مجزياً وعندها استشعر رزاق ابراهيم حسن الاستقرار تفرغ لتوليف عدد من الكتب التي تتحدث عن التاريخ العمالي والتنظيم والصحافة والشخصية العمالية في القصة وكان يرى نفسه برولتاريا وانسجم مع الشهيد عزيز السيد جاسم ذي الجذور الماركسيةوكان المرحوم حسين العلاق وهو ماركسي معروف يقول له يارزاق حافظ على بروليتاريتك ولا تفرط بها !! وحين تشكلت ندوة الاداب والفنون المعاصرة مطلع ستينات القرن العشرين في النجف من زهير الجزائري وموسى كريدي وحميد المطبعي وجاسم الحجاج وموفق خضر وعبد الامير معلة وزهير زاهد وعبد الاله الصائغ دعوناه ليكون عضوا مؤسسا معنا فاعتذر وقال انا رزاق ابو الطين برولتاري وانتم برجوازيون مدرسون فضحكنا معا وعانقه موسى كريدي ! وكان يزورنا في مقهى ابو البسامير ويقرأ لنا شيئا من شعره ويصغي باهتمام بالغ للحديث ! رزاق ابراهيم حسن مبدع عراقي متميز ومثقف واسع الثقافة عميقها كتب نقدا في كتابي الزمن عند الشعراء العرب ونقدا عن ديواني هاكم فرح الدماء

اشاعة مؤلمة عن وفاة الاستاذ رزاق اراهيم حسن اطال الله بعمره ونفعنا بعلمه

نشرت صحيفة الزمان بغداد نفيا لاشاعة موت الناقد الكبير رزاق ابراهيم حسن ( نفت عائلة الناقد والكاتب الصحفي رزاق ابراهيم حسن صحة تقارير تحدثت عن وفاته الجمعة. وقالت رباب ابنته خلال اتصال بالدكتور اكرم سلمان ان (لا صحة لوفاة والدي). وابلغ سلمان (الزمان) مساء امس ان (المتوفى هو جد رباب لامها المرحوم محسن آل معيلو الجبوري وهو عم الاديب رزاق ابراهيم الذي يحضر الفاتحة حاليا في مدينة النجف). وفي تطور لاحق اتصل بـ(الزمان) الناقد رزاق ابراهيم حسن ذاته معربا عن الدهشة بما سمعه من خبر رحيله. واكد حضوره الفاتحة في النجف بوفاة عمه ..

 

عبد الاله الصائغ  

 

 

اذا طلبت مادة "فرهود" في محرك البحث غوغل او غيره ستجد رفقة السرد الذي يخص الحادثة والذي يكاد يكون متطابقا وموافقا لرواية واحدة تكرر بالعبارات نفسها تقريبا ذات الحكاية في مختلف المواقع والمحركات والصفحات مما يدل على ان مصدرها واحد، صورةً لجمهرة من عراقيين بالزي البغدادي للأربعينات والخمسينات ويهتفون وهم يحملون السيوف او الخناجر او العصي في احد الشوارع وتطل عليهم من شرفات قريبة نساءٌ وأطفال ورجال وشيوخ ليقال لك في هامش الصورة جملة مثيرة للمشاعر والتعاطف:" فرهود اليهود في بغداد عام1941... اليهود من فوق بيوتهم ينظرون للمسلمين وهم يحملون الخناجر والسيوف والعصي التي فتكوا بها باليهود " وكأننا امام لوحة تعبيرية من لوحات العصور القديمة تلك التي يصور بها الغزاة او الفاتحين اسفل سور القلعة او المدينة وهم شاكي الرماح وشاهري السيوف في حين يطل عليهم من اعلاها جنود الدفاع عن المدينة وهم يبادلونهم النبل بالنبل،اما في صورتنا موضوعة البحث فالحال مختلف جدا اذ انك ترى من يطلون من الأعلى ويفترض انهم ضحايا هجوم محتدم يجلسون على الشرفات آمنين مطمئنين يتفرجون على المهاجمين ويشجعونهم بالابتسام او الاعجاب او التصفيق !!، انه مثال واضح على مدى الصفاقة التي يستهان بها بالعقل البشري وإمكانية شّله عن التفكير وتعطيل ملكة النقد لديه بالايحاء والتكرار، اذ كيف يعقل ان يجلس اليهود بهدوء تام ورضا وقناعة يتفرجون على تجمع مسلح جاء للفتك بهم ؟! بل وكيف يمكن قبول ان يصفق بعضهم لهذا التجمع كما يظهر من وضع الرجال في الشرفة " البالكونه " الثانية ؟!وكيف تطمئن النساء الى "محّجر" الشرفة ويستندن اليه وهن يتفرجن على الوحوش الذين جاءوا لانتهاكهن ولماذا يرتدين العباءات ويقفن بكل احترام وهدوء بانتظار ذلك بدلا من ان نراهن مولولات، منفوشات الشعور، يصرخن طلبا للنجدة كما يتوقع كل عاقل في مثل هذه الأحوال، بل ولماذا يظهر في اقصى الصورة، والذي يغيب عنها في معظم النسخ المتداولة، من يرفع علم المملكة العراقية، هل ينشغل من ينهب ويسلب ويقتل بعلم المملكة ؟!

المؤلم ان معظم المواقع والنشريات العراقية التي تنشر هذه الصور تتقبلها بتسليم ودون مراجعة وفحص على انها صور الفرهود الذي وقع في 1941، في حين انها، جميعا، صور لتظاهرات المواطنين قبل شهر من حصول الفرهود تأييدا لثورة مايس 1941 وابداء الحماسة والاستعداد للوقوف معها ضد القوات الإنكليزية التي بدأت الحرب عليها، خصوصا وان كل قوى الشعب العراقي تحمست ضد الإنكليز واصدر جميع مراجع الدين، سنة وشيعة، في حينها، فتاوى الجهاد ضد القوات البريطانية المعتدية، ولذلك ترى الناس يتظاهرون بالسيوف والمدى والعصي وتقف النساء مشجعات مهللات لهم على الاسطح وفي الشرفات !

لا استطيع ان اجزم بحكم في دوافع جميع هذه المواقع الالكترونية والوسائل الإعلامية للترويج لتلفيق مفضوح لكنني احدس دوافع بعضها على الأقل !.

المشكلة الأخرى هي في اعداد الشباب العراقيين الذين أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي وصفحاته متنفسهم الوحيد ومصادر ثقافتهم ومعلوماتهم الغالبة وربما الوحيدة أيضا والذين يصدقون ويتداولون هذه الصور وما يكتب في هوامشها من اضاليل وموضوعات بصدد اليهود ومذبحتهم ! وعدوانية ووحشية أهلهم العراقيين ونكرانهم السريع للعيش والملح ! اما الكارثة الحقيقية فهي في اعداد المتحذلقين من "الكتاب والمثقفين" الذي يتداولون هذه الصور وينشرونها على مواقعهم ورفقة مقالاتهم دون نظر فاحص وتقييم عقلاني لإمكانية توافق المشهد مع المضمون الذي يكتبون حوله، وفي تقديمهم لعقولهم واقلامهم هدية مجانية في خدمة مراكز تضليل تعمل بمهارة وحرفية وتسعى الى اهداف محددة تريدها !

ان الوقائع الموثقة لتلك الفترة، والتي تناولتها تقارير اللجنة التحقيقية المشكلة للتحقيق في حادثة الفرهود وكل أعضاءها من رجال العهد الملكي الذي كانت تتحكم بكل مفاصله بريطانيا، تبين بما يصعب دحضه ان وقائع السلب والنهب والاعتداء التي حصلت يومي 1و2 حزيران 1941 واصطلح عليها تسمية فرهود اليهود حصلت وفق التسلسل التالي :

1- صادف يوم عودة الوصي عبد الاله الى بغداد بعد هزيمة حكومة رشيد عالي الكيلاني والجيش العراقي امام القوة البريطانية، على متن طائرة إنكليزية وبحماية إنكليزية عيد زيارة النبي يوشع (عيد الشفاعوت) ومقامه قرب مطار بغداد (مطار المثنى، لاحقا) لدى اليهود وقد خرج جمع من يهود بغداد للاحتفال بهذه المناسبة قرب المطار وللفرجة والاحتفاء أيضا بعودة الوصي، خصوصا، وان قسما كبيرا منهم، لاسيما الأغنياء والمتنفذين، كانوا يظهرون موالاتهم للوصي والانكليز، وقد حصلت ملاسنة بين احد شبابهم واحد الشباب المسلمين المتحمسين للجيش العراقي الذي كانت بعض قطعاته تنسحب، في تلك الاثناء من بغداد، تطورت الى عراك ثم توسعت الى صدام اسفر عن جرح سبعة عشر يهوديا، توفي اثنين منهم نتيجة جراحهم، وقد اعتقلت الشرطة بعض المعتدين ونقل الجرحى الى المستشفى وأعلنت انتهاء الحادث، الاستفزازي، والعارض، كما يبدو، ولكن دون ان تتعقب المشاركين الاخرين وخصوصا من الجنوداو تتخذ الإجراءات والتحوطات الواجبة .

2- ورغم شيوع أجواء التوتر وامتداد الهستيريا الى الرصافة فأن اللجنة الأمنية المكلفة بأمن العاصمة الداخلي، وهي لجنة مؤلفة من متصرف لواء بغداد "(المحافظ كما نسميه اليوم) وامين العاصمة ومدير الشرطة العام وممثل عن الجيش، والتي كانت قد منعت التجوال ليلا بعد الساعة التاسعة قبل ذلك، اذاعت في مساء اليوم المذكور رفع منع التجول اعتبارا من اليوم التالي (!!) 2حزيران دون تحديده بسقف زمني او مكاني، باعتبار عودة الاستقرار والحياة الطبيعية وخرج الناس للتنزه، فبدأت مماحكات واستفزازات أخرى بين الشباب اليهود والمسلمين بسبب بقاء الجو متوترا حول حادثة الامس وسخرية الاولين من الجيش المنسحب وتحمس الاخرين له، وبسبب غياب القوات المكلفة بحماية الامن من قبل اللجنة المذكورة،التي غاب أعضاءها عن ساحة الفعل في ذلك اليوم غيابا مشبوها، حيث قام عدد من الجنود والاعراب بأعمال اعتداء ونهب وسلب شملت دورا ودكاكين ليهود وغيرهم وانتهبت اغراضها وبضائعها في أماكن ومحلات مختلفة كما اعتدي على الأشخاص حتى نزلت قوات الشرطة والخيالة المكلفة بالأمن وحفظ النظام اثر صدور بيان يتوعد مرتكبيها بعقوبات قاسيه بعد ان غُض النظر عنها طوال يوم كامل (!) واطلقت قوات الشرطة، التي شارك بعضها قبل ذلك في اعمال النهب، النار على البعض فتوقفت تلك الاعمال، وتركت بعض المنهوبات في الشوارع، خلال ساعة واحدة فقط وبقوة من الشرطة صغيرة نسبيا .

3- لقد توصلت اللجنة التحقيقية الحكومية المشكلة لهذا الغرض والتي أصدرت تقريرها في تموز من العام نفسه بان مرتكبي جل حوادث الاعتداء والقتل والنهب والسلب كانوا من الجنود وقد شاركهم لاحقا وغض النظر عن فعلهم افراد من الشرطة وكذلك قوة الانضباط العسكري المكلفة بضبطهم وان بعض الأهالي والاعراب شاركوهم ذلك نتيجة التشجيع والانفلات وقد قصّرت اللجنة جميع المسؤولين الإداريين والامنيين من متصرف لواء بغداد الى امين العاصمة و مدير الشرطة العام وكافة مدراء الشرطة في المناطق المعنية وآمرية الانضباط العسكري وقائد الفرقة الأولى الذين اتهمتهم بالتغاضي أيضا واوصت بسحب يد البعض واحالة الاخرين الى المجلس العرفي وغير ذلك كما امرت بإحالة الافراد الى القضاء .

4- تشير الوقائع والشهادات الى ان اعمال العنف والنهب شملت يهودا ومسلمين وقلائل من االمسيحين، رغم ان طابعها العام كان موجها نحو اليهود وقد خلصت اللجنة التحقيقية الحكومية الى ان الاحداث قد اسفرت عن مقتل 110 اشخاص من المسلمين واليهود، اكرر، من المسلمين واليهود، وان عدد الجرحى مائتين وأربعين كانوا كذلك (يهود وأسلام) بحسب تعبير اللجنة في حين يقول رئيس الطائفة اليهودية في حينه ان الضحايا كانوا 130 قتيلا والجرحى 450 من اليهود اما الكاتب اليهودي حاييم كوهين فيقول انهم 170 قتيلا من اليهود، في كتابه " النشاط الصهيوني في العراق " اما السيد عبد الرزاق الحسني فيقول نقلا عن تأكيد مدير شرطة لواء بغداد والسيد عبد الله القصاب عضو اللجنة التحقيقية المذكورة له بأن عددهم ناهز الستمئة قتيل ثلاثة ارباعهم من المسلمين وبعض المسيحيين، في حين ذكر عضو البرلمان البريطاني "سمرسيت" في كتابه "الهلال الفضي" ان السفير البريطاني السير كنهان كورنوليس قدر عددهم بالفين ثم انزله الى 700 ! وهكذا نرى ان الأرقام لم تكن واحدة وكذلك وصف الوقائع والمجريات، وهذا في حينها !!

5- لقد حددت اللجنة السبب المباشر لهذا الاعتداء بدافع الانتقام اما الأسباب غير المباشرة فارجعتها الى الدعاية النازية والتطرف القومي وغير ذلك، ان ما يهما هنا هو توصيف الحادثة فهي ليست " هولوكوست " كما تصفها الدعاية الصهيونية الحالية ويتبعها الجهلة المتحذلقون هنا لانها لم تحدث جراء سياسة عنصرية ممنهجة تستهدف الإبادة الجماعية لعنصر او طائفة او دين وتتواصل لفترة زمنية طويلة نسبيا لغرض اجتثاثه والقضاء عليه بل هي حادث استفزازي عارض وقع لأسباب وتوترات سياسية واجتماعية او اشعل بتدبير جهة حكومية او اجنبية او داخلية، ولم يستمر سوى ليوم ونصف وكان موقف المجتمع والهيئات الرسمية منه الرفض والادانة، في حينه ولاحقا، كما ان ضحاياه، رغم ما اشيع ويشاع من باب التوظيف السياسي والعنصري لم يكونوا يهودا فقط !

( للحديث صلة ....).

 

عارف معروف

 

 

قصي الصافيكان الكاتب الفرنسي رومان رولان أول من عرف الشعوب الاوربية بغاندي، وقد وضعه في منزلة مسيح العصر الذي سيعيد القيم الروحية لحضارتنا المعاصرة، تلك القيم التي بددها النزوع المادي للحداثة، وكان تولستوي قد رأى أن غاندي خير من يجسد فلسفته الانسانوية، فلم ينقطع عن التراسل والتشاور معه حتى وفاته، كما ان النجم الألمع في سماء العلم البرت اينشتاين قد عبر عن إجلاله لشخصية غاندي بقوله "لأجيال ستأتي من الصعب ان نتصور ان رجلا بعظمته ستطأ قدماه كوكبنا". أما الشاعر العظيم طاغور فقد خلع عليه لقب المهاتما (الروح العظمية) والذي سيلازم اسمه الى الأبد.

عكف مارتن لوثر كنغ على قراءة غاندي فاستلهم من أفكاره منهاجاً لحركته السلمية في الدفاع عن الحقوق المدنية للسود في اميركا، وهو لم يقابله شخصياً، إلا انه قام بزيارة للهند بدعوة من جواهر لآل نهرو فعبر عن إجلاله لغاندي قائلاً:" زرت بلداناً عدة بغرض العمل أو السياحة إلا انني هنا لأداء فريضة الحج.

حظي غاندي بمنزلة فريدة لدى العلماء والادباء والعامة على حد سواء وفي كل أرجاء المعمورة، فقد كان فلاحو الهند يجمعون التراب المتناثر من نعليه تبركا، كما انه بقي حاضراً ومصدر إلهام في ذاكرة الشعوب والجماعات التواقة للانعتاق من حركة زنوج أميركا الى احتجاجات غزة والتظاهرات في جنوب العراق، مما يجعل إعادة قراءة سيرته وأفكاره من زاوية نقدية ضرباً من المجازفة.

يعود رواج وتبني الاسلوب السلمي في النضال للتحرر ونيل الحقوق الى إختلال التوازن بين قدرات الطبقات الحاكمة التي تغولت اجهزتها القمعية بحكم تكدس الثروة لديها وتحكمها بمفاتيح العلم والتكنولوجيا، فجاءت تجربة غاندي الثرية وفكره الانساني لتفتح آفاقاً جديدة لابتكار أساليب سلمية في كفاح الشعوب والجماعات المضطهده (بفتح الهاء) لانحسار خياراتها العملية بسبب انعدام توازن القوة، و أثبتت الطرق السلمية نجاحاً منقطع النظير في معظم التجارب النضالية، الا أن هناك طرفاً آخر في المعادلة لم تتم دراسته أو حتى الاشارة اليه - بحدود معرفتي - وهو أن الطبقات الحاكمة لم تتردد في الاشادة بالغاندية وأساليب المقاومة السلمية لشيطنة أي اسلوب نضالي آخر يمكن أن يهدد تفوق قوتها السلطوية أو يضعفها، حتى أصبح إطلاق طائرات ورقية في مقاومة الاحتلال أو رمي الحجارة أو اشعال إطارات السيارات أعمالا إرهابيه تجري ادانتها بشدة على شاشات التلفزيون! !!، بل وجعلت - عبر ماكنتها الاعلامية والثقافية العملاقة - إدانة تلك الاساليب (حتى في حالة الدفاع عن النفس) جزءاً من منظومة القيم الاخلاقية في السياسة المعاصرة وشرطاً للاعتدال والتحضر، وكثيراً ما يبتلع الطعم اولئك المفتونون بما يسمى بالوسطية التوفيقية.

الصيغة الشعبية الشائعة لنهج غاندي تتلخص بالمقاومة السلمية بكل أشكالها من تظاهرات واعتصامات وعصيان مدني ومقاطعة المنتوجات البريطانية والعيش بحدود الاكتفاء الذاتي، الأمر الذي يستفز سلطات الاحتلال فتلجأ الى العنف المفرط مما يكشف عن زيف ادعاءاتها بالقيم الحضارية والانسانية ويثير الرأي العام ضد ممارساتها الوحشية فيجبرها على الرضوخ لمطالب الشعب الهندي، فهل تمثل تلك الخلاصة حقاً فلسفة ونهج غاندي أم هي صيغة مبسطة ارادت لها حركات التحرر أن تكون قابلة للولوج الى عقول ووجدان الناس فتصبح قوة الهام فعالة في نضالها السلمي؟..

يدعى نهج غاندي بالساتياغراها وتعني الكلمة (قوة الحقيقة) وهو لا يحبذ اختزالها بتعابير النضال السلمي أو اللاعنف، فالساتياغراها رحلة طويلة من جهاد النفس الذي يهدف الى تحرير الروح من أسر الجسد واغراءاته ونزعاته (المرضية) كالخوف من الموت و الطمع بملذات الحياة والغضب وحب الانتقام والشعور بالكراهية وما الى ذلك، وبهذا ترتقي الروح الى عالم النرفانا. يقول لنا غاندي أن اللاعنف لا يكفي دون تلك الرحلة الروحية الشاقة، فالفأر لا يجابه القط بالعنف لكونه ضعيفاً وجباناً، إلا انه معذور، فردود أفعاله تحكمها غريزته كحيوان، أما الانسان فانه مخير وليس مسيرا، واختياره طريق اللاعنف يجب ان لا يكون لعجزه عن ممارسة العنف بل لشجاعته وايمانه بقوة الحقيقة، على أن لا تراوده لحظة واحدة يشعر فيها بالخوف من الموت، و يبدو أن هذا ما كان يرمي اليه بقوله "ان لم تكن قادراً على القتل فلا يمكن أن تكون مسالماً بل مستسلماً". ويشدد غاندي على أهمية التجرد من (عقدة) الخوف من الموت حتى تشعر أن لا قيمة للحياة بنظره سوى كونها معبراً وفرصة للموت من أجل ارتقاء الروح الى عالم الخلود أو عودتها بالتناسخ أكثر تطهراً، فهو يؤنب الهنود بقوله لماذا تخافون الموت على أطفالكم، وفي كل عائلة عدد كبير منهم وإن في موتهم خلاص أبدي لأرواحهم. ويستكمل المهاتما اشتراطات الساتياغراها، عليك أن لا تشعر بالغضب حتى ازاء من ظلمك، ولا أن تكن له الكراهية أو مجرد الشعور بالانتقام، فشعورك هذا يجعلك مشروع ظالم مؤجل الى حين تتوفر لك القدرة على الظلم، كما ان احقاق حقوقك المنتهكة يجب ان لا يكون بالاكراه، فليس الغرض من الساتياغراها إجبار الخصم بل تشذيب القوى الشريرة التي لوثت روحه باستثمار قوة الحقيقة. اذن فالمقاطعة والعصيان المدني وغيرها من المقاومة السلمية لا ترمي الى الضغط على المستعمر واجباره على الاستجابة لمطالب الشعب بل لتحفيزه على التأمل والتجرد من شروره الغريبة والطارئة على الطبيعة الانسانية!! (كان غاندي قد بعث برسالة الى هتلر يحدوه أمل في ان يستحث فيه روح الانسان)، وقد بلغت النزعة المثالية لدى غاندي ذروتها في موقفه من ابادة هتلر لليهود في الهولوكوست، فهو لا يلقي باللوم على الجيش النازي فقط، بل ينتقد من هرب او إختفى من اليهود، كان عليهم بنظره ان يقفوا صفاً واحداً لا يهاب الموت، ويزيد بما معناه: نعم سيسقط منهم عشرات الآلاف من الضحايا ولكن لا يعقل أن تستمر وحشية النازيين وهم يخوضون في أرض مليئة بالجثث!!!. وفي تقييمه لانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية ينتقد مواجهة العنف النازي بعنف مماثل انتصر فيه على الشر النازي شرّ أشد جبروتا وضراوة منه. ربما يكون وصفه للنتيجة صائباً ولكن هل كان للشعوب التي احتلت اوطانها جيوش النازية خيار غير المقاومة المسلحة؟.

تنسحب تلك الرؤية المثالية الى معالجته لاشكالية العلاقة بين العامل والرأسمالي، ففي منظوره لا يحكم العلاقة صراع طبقي، بل يجب ان تبنى على أساس من التحاور والتفاهم المشترك، وعلى العمال ان ينظموا انفسهم لا لاكراه الرأسمالي على الاستجابة لمطالبهم، فالأكراه صيغة من صيغ العنف، بل لاعانته على تشذيب أنانيته واستنهاض قيم الخير فيه، ليتسنى له تفهم مطالب عماله و الاحساس بمعاناتهم.

ربما تعود النزعة المثالية لغاندي لشدة ايمانه الديني منذ الطفولة، الأمر الذي عبر بشأنه تلميذه ورفيق نضاله نهرو عن امتعاضه في عدة مناسبات مشيراً الى اغراق معلمه السياسة بالمفاهيم الدينية. على سبيل المثال ينكر غاندي على ملحدي الهند وطنيتهم، فالوطنية قيمة أخلاقية لا يتمتع بها من ينكر وجود الاله الذي تتجسد فيه الحقيقة وكل القيم الانسانية والاخلاقية، بل الرب هو الحقيقة حسب تعبيره.

سوف تتناول الحلقة القادمة سيرة غاندي والمحطات التي تركت بصماتها على نمط تفكيره واستغراقه في المفاهيم الدينية المثالية، وتستعرض ايضاً التناقضات في مواقفه والناشئة عن تقاطع رؤاه المثالية مع تعقيدات الواقع العملي. ....يتبع

 

قصي الصافي

.......................

المراجع:

-1 What Gandhi Says، Norman G. Finkelstein، 2015

2- Gandhi and Churchill by Arthur Herman. Published by Bantam 2008

33- قصة تجاربي مع الحقيقة، موهاندس غاندي، دار الملايين 1978

4 - سلامة الروح وراحة الجسد، موهانداس غاندي. ترجمة عبد الرزاق مليح، دار الفرات لبنان 2015

 

307 رحيم الغرباويالقادم من بغداد، المترعرع بين ثناياها والمتنفس عبيرها، القادم إلى مهبطه ومسقط رأسه ومضارب قومه، القاريء النهم المتطلع للعلم والمعرفة، الباحث الاكاديمي، والأديب المرهف الحس، العذب المفردة، الشاعر والقاص، الكاتب والمبدع، المترفع لا بل المتواضع والخجل عن أن يقال له وعنه شاعر وأديب، عرفته كيس الأخلاق، دمثها، متدفق الأفكار، دقيق الاختيار، مقوم لمن يطلب منه التقويم والتقييم، غزير الانتاج، قوي في البناء الفكري، كتاباته تنم عن اطلاع واسع وخزين معرفي هائل مشاريعه تترى لا ينتهي من أحدها إلا ويفكر بالآخر، لم تشغله متطلبات الحياة عن التطلع لمستقبله الزاهر وطموحه العال، قهر السنوات العجاف، سنوات القحط والجوع والحصار بكد يمينه ليفي متطلبات معيشته وأسرته بكل كرامة ويفي متطلبات مراتبه الاكاديمية العليا، لا يبخل بنصيحة، ولا يخفي ملاحظة إن وجد ضرورة لها، يقبل النقد مرحبا به، التفت الى ما يلتفت إليه سابقا فلم يسع أو يلهث كما لهث اللاهثون خلف (النجوم) التي في أغلبيتها مصنعة مصطنعة بل كتب عن شعراء محافظته وقصاصيها وروائييها، كتب عن الشعر النسوي، كتب عن غني العمار وعن حسن سالم الدباغ وعن حميد الزاملي كما تناول في كتاباته من الشباب المتطلع الى دنيا الادب.خاض غمار الشعر كما خاض غمار النقد فكانت رائعته (النبوءة في الشعر العربي الحديث) وهي في الاصل اطروحته لنيل الدكتوراه التي لم يجعلها نهاية المطاف بل بدايته أما حصيلة جهده العامة ولحد اللحظة هي:

1- شعر أحيحة بن الجلاح الأوسي دراسة أسلوبية (رسالته للماجستير) .

2- الملوك العُزَّل بين دائرة النقد وسحر الإبداع.

3- محاضرات في أساليب البيان العربي.

4- بين هاجس الاغتراب وعذرية الرؤى قراءة في نصوص من الأدب الواسطي المعاصر 5- الوافي في تعلُّم البلاغة.

6 -وهج الأساطير من رماد الخصب ومواسم الحب (مجموعة شعرية ).

7- رؤى صوفية (مجموعة شعرية ). ومقالات نقدية منشورة في الصحف العراقية والعربية ,وهناك مجموعة من المؤلفات النقدية والأعمال الشعرية والقصصية مازالت مخطوطات . ولد الدكتور رحيم عبد علي الغرباوي عام 1964في مدينة الكوت .حاصل على عضوية الاتحاد العام للادباء والكتاب، ويعد من مؤسسي كلية الكوت الجامعة .

 

رائد عبد الحسين السوداني

 

306 صالح الطائيتمتاز مدينة الكوت ومحافظة واسط على وجه العموم بكثرة مثقفيها ومبدعيها بشتى المجالات وعلى أكثر من صعيد لكنني ابدأ بهذه السلسلة من رجل أحب الكوت فاعطاها الكثير واحبته ومنحته ايضا الكثير إنه صالح الطائي القادم من عاصمة العراق المليئة بالجواهر ومن الكاظمية مدينة المقدسات والثقافة والعنفوان جاء محملا بكل هذا لكن ليس بخياره وانما اضطرارا بعد اختطافه وتهجيره من قبل الارهابيين لكن حدث له اختطاف من نوع آخر في مدينة الكوت إنه اختطاف المودة والتقدير والمحبة.

انتج اكثر اعماله فيها، قلم لا ينفك عن الكتابة، ذهن متوقد على الدوام، فكر خلاق، له خاصية في احتضان الاقلام الشابة والمشاريع الثقافية المتنوعة، كتب نظرية فارسية التشيع بين المؤامرة والخديعة والخلط التاريخي فكان كتابا فريدا من نوعه أبان فيه ما كان مخفيا في هذا المجال ثم اعقبه بكتاب عوالم الحكومة المهدوية ثم كتاب عن سعيد بن الجبير الثائر الذي قتله تشيعه بعد ذلك كتاب عن مفاوضات كربلاء المزعومة بين الامام الحسين عليه السلام وعمر بن سعد ولا أنسى كتابه الاول الذي تعرفت عليه نحن والهوية والاخر، وكتاب الامام الحسن الامامة المنسية وكتاب عن الحسن العسكري عليه السلام، ومع كل هذا الزخم المعرفي يقيم الاستاذ صالح الطائي ودائب على ذلك الملتقيات الثقافية في منزله ويرعى ملتقيات وندوات وجلسات تكريم لمؤلفين وأساتذة الجامعة.

وفي خضم هذا العنفوان المعرفي لا ينسى الاستاذ صالح الطائي الادب وما فيه من جمال ومعرفة فاصدر مجموعته الشعرية الاولى وكتب عن شاعر فلسطيني (سعود الاسدي) واصدر كتابا نثريا بعنوان ملكوت الروح، ولم ينس الشباب فكتب (إليك فقط)، إنه القلم السيال لا يكاد أن ينتهي من كتاب حتى تراه بدأ بآخر، فحقا لمدينة الكوت أن تختطفه من بغداد .

 

رائد عبد الحسين السوداني

سارة طالب السهيلاستيقظت صباح الْيَوْمَ على أصوات الطبل والزمر، وكما يقال باللهجة المصرية الزيطة والزنبليطة، فخالجتني مشاعر الغبطة والسرور ودب في أوصالي النشاط والحيوية، فانا بطبعي محبة للبهجة، وان اجد المكان يعم بالفرح والناس سعيدة، فركضت مسرعة نحو النافذة لأرى العروس كما كنت اظن وأردد معهم أهازيج الاعراس المبهجة من مدح للعروس ووصايا للعريس خاصة في المجتمع الاردني وفي عمان تحديدا حيث أعيش الا انني لم اجد شيئا مما ظننت، فقلت في نفسي لعل العرس في الجهة الاخرى من الطريق، ولكن الصوت بدأ يزداد وضوحا شيئا فشيئا وبدأت اركز في كلمات الزافيين يا الله انها زفة حجاج عائدين من اداء فريضة الحج.

زادت فرحتي، وكيف لا، فمازالت الطقوس الدينية مستمرة وان الدين مصدر بهجة وفرح وحياة وامل، وليس موت وإرهاب كما يصوره البعض.

جلست مع والدتي تحت (العريشة) في الحديقة وكانت سعيدة جدا بزفة الحجاج هي الأخرى، حيث أهاجت بداخلها ذكريات الطفولة عندما كانت في سن الثامنة وبدأت تروي لي قصة الحاجة ياسمين أم حسن السيدة الكبيرة في السن التي تسكن في الحي المجاور لمنزل والدتي وذهبت للحج بعدما ودعت اَهلها وجيرانها بسعادة بالغة وتركت منزلها في عهدة الأهل والجيران كما كان امرا مشاعا سابقا.

فالأصدقاء والجيران كانوا هم الأهل والأمان والثقة وكان أهل الحي يرعون بيت السيدة ياسمين في غيابها حتى تعود ولكن ذهب الحجيج وعاد الحجيج وأم حسن ما عادت يوما بعد ويوم الناس تنتظر عودتها ولا خبر ولا جفية لا حامض حلو لا شربت على قولة الاغنية العراقية الشهيرة.

عاد الحجاج جميعهم الا أم حسن، ومن شدة قلق أهل المدينة عليها أصبحوا يتجمهرون كل يوم امام بيتها ينتظرونها ويقيمون الصلوات والدعوات ومعهم اطفالهم واطفال المدينة كلها ومن بينهم والدتي التي ذهبت مع صديقة العائلة وقد كانت طفلة آنذاك تلعب مع الأطفال وتمرح في بستان أم حسن بينما يعيش الكبار في مهرجان يومي بانتظار الحاجة الغائبة.

وبعد ايّام ليست قلية أُشيع الخبر بان الحاجة ياسمين أم حسن على مشارف المدينة فعم الفرح وضج الخبر واتجهت الأهالي لاستقبال الغائبة التي ظنوا ان اصابها مكروه ولن تعود واستقبلوها بزفة ومزامير وتراتيل حتى وصلوا بيتها فصرخت أم حسن صرخة مدوية وصمت الجميع !

ياريتني ما رجعت من الحج وشفت بيتي خرابة، احباب الله ما قصروا لا خلوا بالبيت زرع ولا شجر الا ما دمروه وهم يلعبوا بانتظار الحجة تعود بالسلامة.

قصة جميلة تبين لنا كم كانت الناس تعظم الشعائر الدينية وكيف كان للحج قيمة كبيرة روحية في المجتمع وكيف كان الذهاب والاياب من الحج أمرا ليس بالسهل أو اليسير بين طول المسافة وصعوبة الطريق وترجي السلامة وكيف تغير الحال الان بكل التسهيلات المهيئة للحجيج.

فتذكرت المثل الشعبي (يطعمك الحج والناس راجعه) لم يكن هذا المثل وليد الصدفة وإنما ضرب حتما من حادثه أو احداث وقعت في زمنه فلا بد انه كان هناك حجاج يصلون الحج بعد انتهاء المراسم ومن الممكن بعد ما الناس عيدت أصلا، قبل عصر التكنولوجيا بل قبل اختراع الطائرات.

وبالطبع ام حسن العكس رجعت الناس من الحج وأم حسن بعدها بالطريق، انه طريق الانابة الي الله ليس سهلا كله مشقة وتعب لكن كل هذا التعب يهون من اجل قصد باب رحمة الله وغفرانه وان يعود الحاج بعد وقوفه بعرفة كما ولدته امه طاهرا نقيا من الذنوب والمعاصي. يعود الحاج بعد الفريضة كما طفل برئ من ادناس الدنيا الفانية واطماعها، هنا يفرح المجتمع بالفطرة ويعبرون عن فرحتهم بهذا الطهر والتطهر بما نعيشه من زغاريد واغاني وربما اقامة الولائم، وكأن المجتمع يشارك الحاج طهره وتوبته وانابته الي الله بهذه الأغاني .

فالنفس البشرية مجبولة بطبعها علي الخير، ولا خير اكثر من قبول توبة تائب عن الذنب وعند العبد، فالحج قبل ان يكون مناسك شاقة وهي ضرورية لانها توبة من القلب الى الخالق وبراء ذمة من النفس والولد والعمل اخلاص لوجه الله الكريم، علي ذلك فان المشاق التي يصادفها الحاج في رحلته وادائه مناسكه وخوف قلبه وجوراحه من الله يمثل في جوهره اعلى الرياضات الروحية التي ترتقي بالنفس البشرية وتربيها علي طاعة الله والخوف منه والتماس الرجاء في غفرانه وقربه وحبه وأيضا عشقه والهيام به، فالله هو المحبوب والمعشوق في قلوب موحدينه.

وهذه المعاني قد توجد في قلوب العباد دونما ان يدركوا فنون التعبيرعنها الا بكلمات بسيطة واغاني واهازيج ورموز ومنها الرسوم التي يرسمها الأهل علي بيت الحاج في قريىمصر تخليدا لهذه الذكري حيث يرسمون الكعبة المشرفة والنخيل والجمال وغيرها وكأنهم يوثقون بعقلهم الباطن رحلة الحج ويعكسون ما بداخلهم من تقديس لهذه الرحلة الى الله عز وجل.

وقد عكست الأفلام القديمة رحلة الحج وظهرت العديد من الأغاني الخالدة لهذه الذكري، لعل من أشهرها أغنية " يا رايحين للنبى الغالى" للفنانة الراحلة ليلى مراد، ضمن أحداث فيلم "ليلى بنت الأكابر" والتي عندما يتم عرضها علي الشاشات فهذا يعني اننا دخلنا موسم الحج الأكبر، خاصة وانها تعكس بالتفصيل مناسك الحج كما في كلماتها:

يا رايحين للنبى الغالى.. هنيالكم وعقبالى

يا ريتنى كنت وياكم.. وأروح للهدى وأزوره

وأبوس من شوقى شباكه.. وقلبى يتملى بنوره

أحج وأطوف سبع مرات.. وألبى وأشوف منى وعرفات

وأقول ربى كتبها لى.. يا رايحين للنبى الغالى

أمانة الفاتحة يا مسافر لمكة.. تأدى فرض الله

حترجع والإله غافر ذنوبك.. لما نلت رضاه

يا ريتنى معاك في بيت الله.. وأزور وياك حبيب الله

هنيالك وعقبالى.. يا رايحين للنبى الغالى

كما المطربة اللبنانية نور الهدى هي أول من قدمت أغنية عن الحج في فيلمها "أفراح" عام 1950 "مبروك يا حاج وعقبالنا"، وبعدها عام 1951 غنى محمد الكحلاوى أغنية " الصبر جميل" عن الحج من تلحينه.

مشاق الرحلة

كان الاستعداد للحج قديما على ظهور الجمال يبدأ بعد انتهاء عيد الفطر المبارك حيث يجهز الراغبون في الحج قافلة تشمل الجمال والإبل ومأكلهم ومشربهم وحتى أكفانهم وكانت الرحلة تستغرق أربعة شهور والطريق كان وعر ومحفوف بالمخاطر وقطاع الطرق، كما تذكر مصادر التاريخ الإسلامي.

فقد كان السفر الى مكة لاداء الفريضة "قطعة من العذاب" يمنع المسافر طعامه وشرابه ونومه، كما وصفه بذلك رسول الله صل الله عليه وسلم، من كثرة ما كانت تكتسي رحلة الحج من صعوبات سواء كانت بالسفن والبواخر والإبل أو السير على الأقدام.

فالرحلة كانت طويلة والسفر شاقا والطريق غير مألوف وكان أهل الحجاج يودعونهم وهم غير واثقين تماماً من عودتهم المخاطر التي كانوا يتعرضون لها خاصة في عهود بداية الفتن في الدولة الاسلامية واختلال الامن بسبب الحروب وتعديات القبائل على الطرق وأعمال النهب والسلب والقتل وقطع الطرق منذ نهاية القرن الثالث الهجري الأمر الذي ادى الى انقطاع الحج لسنوات متصلة.

كما الحجاج يواجهون مخاطر الجوع والعطش في سفرهم ويتعرضون لبعض الكوارث الطبيعية ومن ذلك العواصف والبرد القارس والامطار الغزيرة والسيول الجارفة.. ويذكر ابن الجوزي صاحب كتاب "مرآة الزمان " في حوادث سنة 692 هـ تعرض قافلة الحجاج الشامية الى رياح عظيمة وبرد ومطر، وهلك الناس، وحملت الريح أمتعتهم وثيابهم، واشتغل كل امرىء بنفسه، وحصلت لهم مشقة عظيمة، وكثيراً ما كانت السيول تداهم قوافل الحج، ففي سنة 1196هـ اجتاحت قافلة الحج المصرية أثناء سيرها في الطريق بين مكة والمدينة سيل أتى على نصف الحجاج المصريين، وكان الحجاج اليمنيون ايضاً يفضلون الحج عن طريق البحر، على الرغم من مخاطره، حتى لا يتعرضوا لمهاجمة العربان وقطاع الطرق البرية."

وعلى طرق الحج أقيمت منشآت كثيرة مثل المحطات والمنازل والمرافق الاساسية من برك وآبار وعيون وسدود وخانات( فنادق) ومساجد وأسواق كما اقيمت علي هذه الطرق الأعلام لإرشاد الحجاج إلى الطرق الواجب اتباعها.

وكان من يقود الحملة يحسب شهر للذهاب وشهر آخر للإياب وشهر يتم قضاؤه في الأقطار الحجازية المقدسة ويأخذ الحجاج معهم المئونة والماء بكميات بسيطة وخلال رحلة الذهاب وأثناء مرورهم على مدن في بلاد نجد يتزودون بالمياه من الآبار في طريقهم.

بينما النساء كن يركبن الهودج وهو عبارة عن مقصورة صغيرة يتم وضعها على ظهر الذلول والظعينة أو المطية وتسمى أيضا الكواجة وتوضع فوق السرج وتكون مغطاة بغطاء مزركش مع وجود شال صوفي أحمر لامع وتستطيع المرأة أن تجلس مع طفلها داخلها بأمان.

ويتقدم حملة الحج شخص كانوا يسمونه (دليلة) وهو الذي يدل الحملة ويقودها إلى أماكن التزود بالمياه والزاد كما يحدد المسافات من مدينة إلى أخرى ويعين للحملة أوقات الراحة واستكمال المسير وكان الحجاج من الكويت يزورون المدينة المنورة أولا ومع اقتراب موسم الحج يذهبون إلى مكة بينما الحجاج من باقي الأقطار العربية يزورون مكة أولا وبعد ذلك يذهبون إلى المدينة المنورة .

أما المسعى بين الصفا والمروى، فكان عبارة عن سوق وليس كما هو الآن وكان الحجاج في سعيهم ذهابا وإيابا يشترون من المحال على جانبي المسعى، توافر ماء زمزم فقط في زقاق البخارية، وكان عبارة عن شارع ضيق بجوار الحرم فيه روس مسلمون يصنعون من مادة تشبه القصدير حافظة للمياه يسمونها زمزمية ويملئونها بماء زمزم ويشتريها الحجاج منهم.

ورغم ما كان يتعرض له الحجاج من مصاعب، فإنهم طالما واصلوا على السفر إلى الحج، ولم ينقطعوا عنه تلبية لنداء الله تعالى في محكم كتابه بقوله تعالي: (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق | ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير | ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق | ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه..)

وفي عصرنا الحديث حتى يسر الله الرحمن الرحيم على خلقه السفر بالوسائل الحديثة من الطائرات، والعبارات البحرية والحافلات والسيارات على أنواعها المختلفة، فتمكن كبار السن والعجزة من أداء المناسك. فما يقدمه القائمون على الحج من رعاية للحجاج وتنظيم منقطع للنظير شمل المأكل والمشرب والامن والأمان وتوفير كافة المرافق التي يحتاجها الحاج في رحلته وتهيئة الحرم المكي من حيث المكيفات والسجاد والمرافق الصحية والعيادات الطبية وخدمة ضيوف الرحمن حتى اصبح الحج فريضه سهله وممتعه من الممكن ان تفضى باربعة ايام فقط حتى انه لفت نظري خبر امراة وضعت مولودها اثناء اداء فريضة الحج وسط رعاية الهيئات المشرفةعلى خدمة الحجاج في المملكة العربية السعودية من حكومة وشعب وأمن

ولاحظت في وسائل التواصل الاجتماعي الكم الهائل من المتطوعين السعوديين لخدمة بيت الله الحرام وضيوفه

فرحة

ان المجتمع الإسلامي المجبول على الخير والفطرة يفرح برزق الجنة التي سيرزقها الله للحاج بعد قبول حجته كما قال رسول الله صل الله عليه وسلم " الحجُّ المبرورُ ليسَ لهُ جزاءٌ إلَّا الجنَّةُ قيل : وما بِرُّهُ ؟ قال : إطعامُ الطَّعامِ وطِيبُ الكلامِ ".

ولذلك فقد ارتبطت مظاهر الاحتفال الإسلامي بعودة الحاج بإقامة الولائم يسمونها " ذبيحة للحجاج " أو " فرحة بالحجاج " أو " سلامة الحجاج "، وقد تكون هذه اللحوم من لحوم الأضاحي، أو لحوم ذبائح جديدة. فهنيئا للحجاج وعقبالنا جميعا ولا يسعني في هذه الفرصه الا ان اتذكر اهلي واخوتي وأصدقائي المسيحيين اتباع يسوع المسيح الذي ولد في فلسطين كم يتوقون للحج في الناصرة وكنيسة المهد وكنيسة القيامة وتمنعهم الجسور والحدود والمعابر اطعمنا الله واياهم زيارة هذه الاماكن المقدسة في فلسطين

 

سارة السهيل

 

 

294 اميليو غارسيا"لو لم يكن الحضور العربي في الاندلس وما أفرزته من حضارة مشرقة طوال ثمانية قرون، لما وصل الغرب إلى ما وصل إليه الآن، بل كان عليه ان يبدأ من حيث انتهى الرومان والإغريق"اميليو غارسيا غومز لمجلة الاندلس، العدد 47، مدريد 1995.

قام المستعرب الاسباني إميليو غارثيا غوميز قام بدور بارز في المجالات الثقافية والتدريسية والديبلوماسية والاجتماعية، وهو من الرجال المحبين للعرب والمسلمين لما قدمه من اعمال فكرية تتعلق بهم وما سخره من جهد لتنشيط حركة الاستعراب الاسبانية.

وُلد غوميز في 4 حزيران يونيو 1905 في مدريد. دخل الجامعة في العام 1920 - 1921 ليدرس كلاًّ من الحقوق والآداب معاً. وكان لاهتمامه البالغ في دراسة الآداب أثره الكبير في حصوله على الشهادة الجامعية بتقدير استثنائي وهو في العشرين من عمره وعلى الدكتوراه بعد عام. حصل بعدها على منحة من مجمع الدراسات كي يتابع ابحاثه في مصر وسورية، ثم تابع مراتبه العلمية حتى اصبح استاذاً في قسم اللغة العربية في جامعة غرناطة قبل ان يكمل 25 من عمره. وقام في هذه المدينة الاندلسية العريقة بنشاطات ثقافية وعلمية واجتماعية مكثفة. فإضافة لقيامه بالتدريس الجامعي، تفاوض مطولاً مع وزير الإسكان الاسباني لإنشاء مدارس مختصة بالدراسات العربية في كل من مدريد وغرناطة ولإصدار مجلة "الاندلس"، كما تشرَّف باستقبال كثير من الزائرين إلى غرناطة ومرافقتهم إلى قصر الحمراء واصبح يُسمى من قبل اقرانه بالفتى العربي، وكان على علاقة وثيقة بشعراء جيل الحركة الشعرية الاسبانية جيل الـ27 الذين اكتشفوا الشعر العربي الاندلسي وتأثروا به من خلال أول دراسة قام بها غوميز في العشرينات من القرن العشرين وكانت بعنوان "الشعر العربي الاندلسي".

عُيِّن استاذاً في قسم اللغة العربية في جامعة مدريد, بعدها مارس النشاط الديبلوماسي كسفير لاسبانيا في العراق ولبنان وتركيا وشغل مهمات كثيرة في مدريد، منها المدير المساعد لمدرسة الدراسات العربية في مدريد عام 1944، بعد وفاة المستعرب الكبير آسين بيلاثيو الذي شاركه في إدارة تحرير مجلة "الاندلس"" ثم اصبح مديراً لتحرير هذه المجلة حتى آخر عدد منها الصادر في عام 1978" ومديراً لمدرسة الدراسات العربية عام 1949 بعد وفاة أنخيل كونثالت بالينسيا.

حصل على اعترافات مشرِّفة من كثير من المراكز العالمية بأهميته ودوره الكبير في الثقافة العربية الاسلامية، إذ عُيّن عضواً مراسلاً لمجمع اللغة العربية في دمشق عام 1948 وعضواً مشاركاً في المعهد العربي في مصر عام 1952، وعضواً مراسلاً في مجمع اللغة العربية في بغداد عام 1954.

ونتيجة لاهتمامه بالثقافة العربية الاسلامية، نال شرف الحصول على اسم شيخ المستعربين الاسبان بعد وفاة المستعرب آسين بيلاثيو، وتتلمذ على يديه كثير من الباحثين العرب مثل استاذ الادب الاندلسي في القاهرة محمود علي مكي الذي ترجم له إلى العربية "كتاب الشعر الاندلسي / خلاصة تاريخية". كما كان له صداقات مع الكثر من المثقفين العرب وخصوصاً مع أحمد زكي باشا ومع عميد الادب العربي طه حسين اذ كان يزورهما في مصر. وترجم للثاني كتاب "الأيام" الصادر عام 1954 إلى اللغة الاسبانية. كما ترجم لتوفيق الحكيم كتاب "يوميات نائب في الارياف" الصادر عام 1955.

وفي عام 1995 فارق الحياة، في بيته الواقع في مجمع سكن الاساتذة في المدينة الجامعية في مدريد في الساعة السابعة مساءً قبل ان يكمل عامه التسعين بأربعة أيام، أي في 31 أيار مايو. وتم دفنه بناءً لوصيته في مقبرة غرناطة.

 

م.م. خليل عوين فرحان- جامعة بغداد- كلية اللغات

 

 

ضياء نافعاخيرا سنحت لي الفرصة ان التقيه وادردش معه حول الزمن الجميل، الذي قضيناه معا في جامعة موسكو ايام الدراسة فيها في ستينيات القرن العشرين، اي قبل حوالي (60) سنة مضت، اذ كنّا معا في العام الدراسي 1960/1961 فصاعدا، هو طالب عراقي شاب في كليّة الجيولوجيا بجامعة موسكو، وانا في كليّة الفيلولوجيا بنفس الجامعة، وكنّا نعيش في القسم الداخلي للطلبة معا، كل في الطابق المخصص لطلبة كليته، وغالبا ما كنّا نلتقي في المطعم الطلابي او في الممرات... انه صديقي القديم الدكتور ديكران يوسف كيفوركيان.

لقد تحدثنا كثيرا عن تلك الذكريات المشتركة في مرحلة (الصبا والجمال)، ولكن الاحاديث تمركزت طبعا و قبل كل شئ عن زملائنا الذين رحلوا، وكان آخرهم المرحوم الدكتور عدنان عاكف (انظر مقالتنا بعنوان – عراقيون مرّوا بموسكو / د. عدنان عاكف). قلت له، اني ذكرت في تلك المقالة أسماء بعض الزملاء في كليّة الجيولوجيا، الذين درسوا معه، ومنهم الشهيد الدكتور حامد الشيباني، وأعرف انك كنت تعمل معه في شركة النفط الوطنية في بغداد آنذاك، فكيف حدث اعتقاله وهو في عمله بالشركة ؟ أجابني د . ديكران قائلا – نعم، هذا صحيح، كنّا نعمل معا، وقد برز المرحوم د. حامد في عمله، واصبح عضوا في لجنة تابعة لوزارة التخطيط مسؤولة عن خطط النفط والغاز في العراق، حيث كان يمثّل الشركة، وقد تعرّض الى ضغوط المنظمة الحزبية للبعث من اجل التسجيل لديهم، وكان يرفض بشدة هذه الضغوط، بل ويستهزأ بهم، وكانوا هم يعرفون طبعا انه يرتبط بالحزب الشيوعي، اذ ان نشاطه هناك كان شبه علني، فقد كان مسؤولا عن احدى اللجان المحلية، وكم حاولت – بحكم الصداقة القريبة معه – ان اثنيه عن الاستهزاء بهم، اذ انني كنت أخشى عليه من غدرهم وحقدهم نتيجة مواقفه الحادة ضدهم، لكن سبق السيف العذل كما يقولون . سألته – وكيف حدث هذا ؟ فقال – جاءت في احد الايام مجموعة كاملة واغلقت جميع ابواب الشركة، وقد علمنا جميعا بذلك، وجاء المرحوم د. حامد اليّ واعطاني مفتاح سيارته، وقال لي، اني أشعر بانهم سيعتقلوني، وطلب منيّ ان اعطي مفتاح سيارته الى أخيه في حالة اعتقاله، وهذا ما حدث بالضبط، اذ انهم أخبروه، انه مطلوب في وزارة التخطيط، ولكنه قال لهم، انه لا يوجد اليوم اجتماع اللجنة هناك، فأصرّوا على ذلك الامر وأجبروه على الذهاب معهم، وهكذا اضطر الى الخروج من الدائرة معهم ولم يعد ابدا، وكم حاول اهله ان يعرفوا مصيره، ولكن عبثا، ومنذ عام 1974 وطوال فترة حكم البعث لم يستطيعوا معرفة اي شئ عنه، وبعد سقوط النظام حاولوا ايضا، ولكنهم لم يحصلوا على اي نتيجة، وهكذا أقاموا له عندئذ مجلس الفاتحة (اي بعد ثلاثين سنة من اعتقاله!)، وحضر فيها بعض الزملاء الذين كانوا في بغداد، ومنهم المرحوم د. عدنان عاكف . وهكذا خسر العراق واحدا من كبار الاختصائيين الجيولوجيين في مجال استكشاف النفط والغاز. وقد حدثني د. ديكران، كيف حصل الشهيد حامد على شهادة الماجستير في كلية الجيولوجيا بجامعة موسكو بجدارة، وكيف اقترح عليه مشرفه العلمي بضرورة الاستمرار بدراسته لاكمال بحثه العلمي وتطوير النتائج التي توصل اليها عند اعداد اطروحة الماجستير، وكيف استطاع المرحوم ان يبرر اقتراح مشرفه العلمي، وكيف انه كان (رفعة راس) العراقيين في كليته آنذاك، وحصل على شهادة الدكتوراه فعلا، وكيف انه عاد رأسا الى العراق وتم تعينه في شركة النفط الوطنية، وكيف برز في عمله واختصاصه المهم للعراق ...الخ . لقد ترك الشهيد د. حامد زوجته الشابة واهله وكان في ريعان شبابه . قلت لديكران، أليس من الضروري ان نسجل كل هذه الاحداث والوقائع في تاريخ الخريجين العراقيين من الجامعات الروسية، وان نتحدث بها وحولها للاجيال الجديدة ؟ قال – طبعا، رغم ان مصائب العراق اصبحت كثيرة جدا منذ اكثر من نصف قرن الاخير في مسيرة تاريخنا . واتفقنا معا، ان نسجل هذه الاحداث، ا لتي حدثت للشهيد د. حامد الشيباني وللشهيد د. عبد الرزاق مسلم وللشهيد الفنان د. شمس الدين فارس وبقية الزملاء من خريجي الجامعات الروسية، وانه من الضروري العمل معا من اجل تخليدهم، ولو في كتاب يضم كل هذه التفاصيل المهمة والرئيسية، التي حدثت لهم، والتي يمكن ان تتكرر مع الآخرين، وكم اتمنى ان تتبنى الجمعية العراقية لخريجي الجامعات الروسية في العراق هذه الفكرة وتحاول تنفيذها وتحقيقها .  

 

أ.د. ضياء نافع

 

 

ضياء نافعهذه هي الحلقة الثانية من مقالاتي حول نجوم كلية اللغات في جامعة بغداد، والتي اكتبها بمناسبة مرور (60) عاما على تأسيسها (انظر مقالتينا بعنوان – ستون عاما على تأسيس كليّة اللغات بجامعة بغداد / و/ عود على الذكرى الستين لتأسيس كليّة اللغات) . لقد توقفت في الحلقة الاولى عند المرحومة حياة شرارة (من قسم اللغة الروسية) وعند المرحوم الشهيد فؤاد ابراهيم (من قسم اللغة الالمانية)، واتوقف اليوم عند أسمين اخرين من الراحلين ايضا (وحسب الترتيب الهجائي للاسماء طبعا)، وهما كل من – المرحوم علي يحيى منصور(من قسم اللغة الالمانية) والمرحومة ماري القطيفي (من قسم اللغة الفرنسية).

علي منصور

الاستاذ الدكتور علي يحيى منصور رحل في هذا العام ليس الا (2018)، (انظر مقالتنا بعنوان – أ.د. علي يحيى منصور ..وداعا) . ذكرت في تلك المقالة، ان علي منصور ترك عدة مخطوطات ولم يحاول ان ينشرها لعدة اسباب اهمها طبعا تواضع العلماء، واعلنت في تلك المقالة، ان دار نوّار للنشر مستعدة لطبعها ونشرها، وكتبت باني اعرف ضمن تلك المخطوطات - (معجم المصطلحات الادبية / الماني – عربي)، وقد كتب د. عماد مبارك غانم من المانيا تعليقا على تلك المقالة يقول فيه، ان تلك المخطوطة توجد لديه . ان د. عماد مبارك غانم هو أحد طلبة المرحوم أ.د. علي يحيى منصور، وقد تم الاتصال بالدكتور عماد حول تلك المخطوطة، وكلنا أمل ان تثمر هذه المحاولات، وان يصدر معجم المصطلحات الادبية الالماني – العربي بتأليف الاستاذ الدكتور علي يحيى منصور، وسيكون هذا الاصدار (في حالة تحقيق اصداره ان شاء الله) خير تخليد لواحد من علماء كلية اللغات .

ماري القطيفي

وصلت السيدة الفرنسية ماري القطيفي الى بغداد في اوائل خمسينات القرن العشرين مع زوجها الدكتور عبد الحسين القطيفي، واصبحت مدرّسة اللغة الفرنسية في العراق، واستمرت بتدريس تلك اللغة طوال حياتها . ابتدأت ماري القطيفي بتدريس الفرنسية للملك فيصل الثاني، وقد أشارت الدكتورة مها السماوي في اطروحتها حول تاريخ تدريس اللغة الفرنسية في العراق (والتي ناقشتها في السوربون هذا العام 2018) الى وثائق محفوظة – منذ خمسينات القرن العشرين - في وزارة الخارجية الفرنسية تتناول تلك الوقائع المرتبطة بتدريس اللغة الفرنسية للملك فيصل الثاني من قبل السيدة ماري القطيفي، وقد طلبت من الدكتورة مها السماوي – بمراسلاتنا الالكترونية - ان تنشر هذه الوثائق المهمة جدا، لانها تعد جزءا من تاريخ العراق الثقافي، الذي لا زال مجهولا لنا مع الاسف الشديد، وقد أخبرتني الدكتورة مها السماوي، انها تقوم الان بترجمة اطروحتها الى العربية واعدادها للنشر مستقبلا .

لقد التقيت بالسيدة ماري القطيفي شخصيا في اروقة كلية الاداب بجامعة بغداد في سبعينيات القرن العشرين، عندما كنا نعمل سوية في قسم اللغات الاوربية، حيث كانت هي ضمن تدريسّي فرع اللغة الفرنسية، وكان الجميع يشهدون بموهبتها وعمق معرفتها واخلاصها في عملية التدريس، وكان هناك بين اعضاء هيئة التدريس مجموعة من طلبتها السابقين، والذين كانوا يكنوّن لها الاحترام العميق، ويعتبرونها المرجع الرئيسي لهم في كافة الاشكالات الخاصة باللغة الفرنسية . لم تستطع السيدة ماري القطيفي – مع الاسف الشديد – ان تنتقل للعمل في كلية اللغات عندما انفصلا قسم اللغات الاوربية وقسم الدراسات الشرقية من كلية الاداب وشكّلا كلية اللغات عام 1987، وهي الكلية التي كانت موجودة سابقا ثم الغيت وتم دمجها مع كلية الاداب نتيجة التخبط والقرارات العشوائية التي طالما عانى منها واقع التعليم العالي في العراق ومسيرته المتعثرة، ولكن اعضاء هيئة التدريس في قسم اللغة الفرنسية في كليّة اللغات كانوا يتذكروها دائما، وعندما احتفلنا في كلية اللغات بالذكرى الاربعين لتأسيس الكلية في العام 1998، كان اسم ماري القطيفي ضمن التدريسيين الذين تم تكريمهم، ولم تستطع هي الحضورنتيجة وضعها الصحي الخاص، فكلفت من قام باستلام الجائزة الرمزية لها عندما اذيع اسمها في تلك الحفلة، وقد صفّقت القاعة كلها عندما اذيع اسم ماري القطيفي تحية لمكانتها العلمية وعرفانا بدورها المتميّز في تدريس اللغة الفرنسية في العراق.

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

حامد الحمدانيبداية الحرب وتوغل القوات العراقية في العمق الإيراني:

في صباح الثاني والعشرين من أيلول 1980، قامت على حين غرة 154 طائرة حربية عراقية بهجوم جوي كاسح على مطارات إيران وكافة المراكز الحيوية فيها ثم أعقبتها 100 طائرة أخرى في ضربة ثانية لإكمال ضرب المطارات والطائرات الحربية الإيرانية، وكانت الطائرات تغير موجة إثر موجة، وفي الوقت نفسه زحفت الدبابات والمدرعات العراقية نحو الحدود الإيرانية على جبهتين:

1 ـ الجبهة الأولى: في المنطقة الوسطى من الحدود باتجاه [قصر شيرين]، نظراً لقرب هذه المنطقة من قلب العراق لإبعاد أي خطر محتمل لتقدم القوات الإيرانية نحو محافظة ديالى و بغداد، وقد استطاعت القوات العراقية الغازية احتلال [قصر شيرين].

2ـ الجبهة الثانية: في الجنوب نحو منطقة [خوزستان] الغنية بالنفط وذات الأهمية الإستراتيجية الكبرى حيث تطل على أعلى الخليج.

وفي خلال بضعة أسابيع من الهجوم المتواصل استطاعت القوات العراقية التي كانت قد استعدت للحرب من السيطرة على منطقة [خوزستان] بكاملها، واحتلت مدينة [خرم شهر] وقامت بالتفاف حول مدينة [عبدان] النفطية وطوقتها.

وعلى الجانب الإيراني قامت الطائرات الإيرانية بالرد على الهجمات العراقية، وقصفت العاصمة بغداد وعدد من المدن الأخرى، إلا أن تأثير القوة الجوية الإيرانية لم يكن على درجة من الفعالية، وخصوصاً وأن النظام العراقي كان قد تهيأ للحرب قبل نشوبها، حيث تم نصب المضادات أرض جو فوق أسطح العمارات في كل أنحاء العاصمة والمدن الأخرى، وتم كذلك نصب العديد من بطاريات الصواريخ المضادة للطائرات حول بغداد.

وهكذا فقد فقدت إيران أعدادا كبيرة من طائراتها خلال هجومها المعاكس على العراق، كما أن القوة الجوية الإيرانية كانت قد فقدت الكثير من كوادرها العسكرية المدربة بعد قيام الثورة، مما اضعف قدرات سلاحها الجوي، ولم يمضِ وقت طويل حتى أصبح للسلاح الجوي العراقي السيطرة المطلقة في سماء البلدين. وفي الوقت الذي كانت إيران محاصرة من قبل الغرب فيما يخص تجهيزها بالأسلحة، في حين كانت الأسلحة تنهال على العراق من كل جانب.

كما أوعزت الولايات المتحدة إلى الرئيس المصري أنور السادات ببيع جميع الأسلحة المصرية من صنع سوفيتي إلى العراق، وتم فتح قناة الاتصال بين البلدين عن طريق سلطنة عمان، حيث كانت العلاقات بين البلدين مقطوعة منذُ أن ذهب السادات إلى إسرائيل، وقام السادات بالدور الموكول له، وأخذت الأسلحة المصرية تُنقل إلى العراق عن طريق الأردن والسعودية خلال عام 1981، كما بدأت خطوط الإنتاج في المصانع الحربية المصرية تنتج وتصدر للعراق المعدات والذخيرة والمدافع عيار 122 ملم طيلة سنوات الحرب.

لقد كانت تلك العملية فرصة كبيرة للولايات المتحدة لإنعاش سوق السلاح الأمريكي، حيث سعت لأن تتخلص مصر من السلاح السوفيتي وتستعيض عنه بالسلاح الأمريكي، فقد بلغ قيمة ما باعه السادات من سلاح للعراق يتجاوز ألف مليون دولار خلال عام واحد، وكانت أسعار الأسلحة المباعة تتجاوز أحياناً أسعارها الحقيقية، وكان صدام حسين مرغماً على قبولها.

أما الاتحاد السوفيتي فقد بدأ بتوريد الأسلحة إلى العراق بعد توقف لفترة من الزمن وبدأت الأسلحة تنهال عليه عام 1981 حيث وصل إلى العراق 400 دبابة طراز T55 و250 دبابة طرازT 72)) كما تم عقد صفقة أخرى تناولت طائرات [ميك] و[سوخوي ] و[توبوليف] بالإضافة إلى الصواريخ.

كما عقد حكام العراق صفقة أخرى مع البرازيل بمليارات الدولارات لشراء الدبابات والمدرعات وأسلحة أخرى، وجرى ذلك العقد بضمانة سعودية، واستمرت العلاقات التسليحية مع البرازيل حتى نهاية الحرب عام 1988.

وهكذا استمر تفوق الجيش العراقي خلال العام 1981 حيث تمكن من احتلال مناطق واسعة من القاطع الأوسط منها [سربيل زهاب] و[الشوش] و[قصر شيرين] وغيرها من المناطق الأخرى.

كما تقدمت القوات العراقية في القاطع الجنوبي في العمق الإيراني عابرة نهر الطاهري، وكان ذلك الاندفاع أكبر خطأ أرتكبه الجيش العراقي بأمر من صدام حسين !!!، حيث أصبح في وضع يمكن القوات الإيرانية من الالتفاف حوله وتطويقه، رغم معارضة القادة العسكريين لتلك الخطوة الانتحارية التي دفع الجيش العراقي لها ثمناً باهظاً من أرواح جنوده، ومن الأسلحة والمعدات التي تركها الجيش بعد عملية التطويق الإيرانية، والهجوم المعاكس الذي شنه الجيش الإيراني في تموز من عام 1982، والذي استطاع من خلاله إلحاق هزيمة منكرة بالجيش العراقي، واستطاع تحرير أراضيه ومدنه في منطقة خوزستان، وطرد القوات العراقية خارج الحدود.

إيران تبحث عن السلاح:

أحدث تقدم الجيش العراقي في العمق الإيراني قلقاً كبيراً لدى القيادة الإيرانية التي بدأت تعد العدة لتعبئة الجيش بكل ما تستطيع من الأسلحة والمعدات، وقامت عناصر من الحكومة الإيرانية بالبحث عن مصادر للسلاح، حيث كان السلاح الإيراني كله أمريكياً، وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت توريد الأسلحة إلى إيران منذُ الإطاحة بالشاه، وقيام الحرس الثوري الإيراني باحتلال السفارة الأمريكية واحتجاز أعضائها كرهائن، وتمكنت تلك العناصرعن طريق بعض الوسطاء من تجار الأسلحة من الاتصال بإسرائيل عن طريق أثنين من مساعدي رئيس الوزراءالإسرائيلي آنذاك وهما [أودولف سكويمر] و[يلكوف نامرودي]، بالاشتراك مع تاجر الأسلحة السعودي [عدنان خاشقجي] الذي قام بدور الوسيط؟

وجدت إسرائيل ضالتها في تقديم الأسلحة إلى إيران حيث كانت تعتبر العراق يشكل خطراً عليها، وإن إضعافه وإنهاك جيشه في حربه مع إيران يحقق أهداف إسرائيل، ولم يكن تصرفها ذاك يجري بمعزل عن مباركة الولايات المتحدة                                                                                                                                                                                       ورضاها واستراتيجيتها، إن لم تكن هي المرتبة لتلك الصفقات بعد أن وجدت الولايات المتحدة أن الوضع العسكري في جبهات القتال قد أصبح لصالح العراق، ورغبة منها في إطالة أمد الحرب أطول مدة ممكنة فقد أصبح من الضروري إمداد إيران بالسلاح لمقاومة التوغل العراقي في عمق الأراضي الإيرانية، وخلق نوع من توازن القوى بين الطرفين.

ففي آذار من عام 1981 أسقطت قوات الدفاع الجوي السوفيتية طائرة نقل دخلت المجال الجوي السوفيتي قرب الحدود التركية، وتبين بعد سقوطها أنها كانت تحمل أسلحة ومعدات إسرائيلية إلى إيران، وعلى الأثر تم عزل وزير الدفاع الإيراني [عمر فاخوري] بعد أن شاع خبر الأسلحة الإسرائيلية في أرجاء العالم.

إلا أن ذلك الإجراء لم يكن سوى تغطية للفضيحة، وظهر أن وراء تلك الحرب مصالح دولية كبرى تريد إدامة الحرب وإذكاء لهيبها، وبالفعل تكشفت بعد ذلك في عام 1986 فضيحة أخرى هي ما سمي [إيران ـ كونترا]على عهد الرئيس الأمريكي [رونالد ريكان] الذي أضطر إلى تشكيل لجنة تحقيقية برئاسة السناتور [جون تاور] وعضوية السناتور [ادموند موسكي] ومستشار للأمن القومي [برنت سكوكروفت] وذلك في 26 شباط 19987، وقد تبين من ذلك التحقيق أن مجلس الأمن القومي الأمريكي كان قد عقد اجتماعاً عام 1983 برئاسة ريكان نفسه لبحث السياسة الأمريكية تجاه إيران، وموضوع الحرب العراقية الإيرانية، وقد وجد مجلس الأمن القومي الأمريكي أن استمرار لهيب الحرب يتطلب تزويد إيران بالسلاح وقطع الغيار والمعدات من قبل الولايات المتحدة وشركائها، وبشكل خاص إسرائيل التي كانت لها مصالح واسعة مع حكومة الشاه لسنوات طويلة، وأن تقديم السلاح لإيران يحقق هدفين للسياسة الإسرائيلية الإستراتيجية:

الهدف الأول: يتمثل في استنزاف القدرات العسكرية العراقية التي تعتبرها إسرائيل خطر عليها.

الهدف الثاني: هو تنشيط سوق السلاح الإسرائيلي.

لقد قام الكولونيل [أولفر نورث] مساعد مستشار الأمن القومي للرئيس الأمريكي بترتيب التعاون العسكري الإسرائيلي الإيراني من وراء ظهر الكونجرس الذي كان قد أصدر قراراً يمنع بيع الأسلحة إلى إيران، وجرى ترتيب ذلك عن طريق شراء الأسلحة إلى متمردي الكونترا في نيكاراغوا حيث كان هناك قرارا بتزويد ثورة الردة في تلك البلاد، وجرى شراء الأسلحة من إسرائيل، وسجلت أثمانها بأعلى من الثمن الحقيقي لكي يذهب فرق السعر ثمناً للأسلحة المرسلة إلى إيران بالإضافة إلى ما تدفعه إيران من أموال لهذا الغرض.

وقد أشار تقرير اللجنة الرئاسية كذلك، إلى أن اجتماعاً كان قد جرى عقده بين الرئيس[ريكان] ومستشاره للأمن القومي [مكفرن] عندما كان ريكان راقداً في المستشفى لإجراء عملية جراحية لإزالة ورم سرطاني في أمعائه، وقد طلب مستشاره الموافقة على فتح خط اتصال مع إيران حيث أجابه الرئيس ريكان على الفور: [أذهب وافتحه].

وبدأ الاتصال المباشر مع إيران حيث سافر [أولفر نورث] بنفسه إلى إيران في زيارة سرية لم يعلن عنها، وبدأت الأسلحة الأمريكية تنهال على إيران، لا حباً بإيران ونظامها الإسلامي المتخلف، وإنما لجعل تلك الحرب المجرمة تستمر أطول مدة ممكنة.

ولم يقتصر تدفق الأسلحة لإيران، على إسرائيل والولايات المتحدة فقط، وإنما تعدتها إلى جهات أخرى عديدة، ولعب تجار الأسلحة الدوليون دوراً كبيراً في هذا الاتجاه.

إسرائيل تضرب المفاعل النووي العراقي:

انتهزت إسرائيل فرصة قيام الحرب العراقية الإيرانية لتقوم بضرب المفاعل الذري العراقي عام 1981، فقد كانت إسرائيل تراقب عن كثب سعي نظام صدام لبناء برنامجه النووي حيث قامت فرنسا بتزويد العراق بمفاعل ذري تم إنشاءه في الزعفرانية إحدى ضواحي بغداد، وكانت إسرائيل عبر جواسيسها تتتبّع التقدم العراقي في هذا المجال باستمرار.

وعندما قامت الحرب العراقية الإيرانية وجدت إسرائيل الفرصة الذهبية لمهاجمة المفاعل، مستغلة قيام الطائرات الإيرانية شن غاراتها الجوية على بغداد، وانغمار العراق في تلك الحرب مما يجعل من العسير عليه فتح جبهة ثانية ضد إسرائيل آنذاك.

وهكذا هاجم سرب من الطائرات الإسرائيلية يتألف من 18 طائرة المفاعل النووي العراقي في كانون الثاني 1981، وضربه بالقنابل الضخمة، وقيل حينذاك أن عدد من الخبراء الفرنسيين العاملين في المفاعل قد قدموا معلومات واسعة ودقيقة عن المفاعل، مما سهل للإسرائيليين إحكام ضربتهم له، وهكذا تم تدمير المفاعل، إلا أن العراق استطاع إنقاذ ما مقداره [12,3 كغم] من اليورانيوم المخصب بنسبة 93% وهي كمية كافية لصنع قنبلة نووية.

لم يستطع حكام العراق القيام بأي رد فعل تجاه الضربة الإسرائيلية بعد أن غرقوا في خضم تلك الحرب المجنونة، واكتفوا بالتوعد بالانتقام من إسرائيل، ولم يدر في خلدهم أن تلك الحرب سوف تطول لمدة ثمان سنوات، ويُغرق الجلاد صدام الشعب العراقي بالدماء، ويعم بالبلاد الخراب والدمار، وينهار اقتصاد العراق.

 

حامد الحمداني

كاظم الموسويرحل اخيرا حنا سليم حنا مينه، سقط حامل الشراع وترك البحر وغادره وحيدا، يوم الثلاثاء، 2018/8/21، اول يوم من ايام عيد الاضحى، وكأنه يعيّد مع شعبه ووطنه ويغادر بعدها، عن عمر 94 عامًا، تاركًا رصيدًا ضخمًا من الروايات والأعمال الأدبية والمقالات ووصيته الاخيرة. بعد ان شاعت اخبار وفاته اكثر من مرة لسنوات خلت. وهو في وصيته التي كتبها قبل عقد من سنوات ايضا عرف ما يحصل له ولوداعه. شبع من الدنيا رغم انه يعرف ان «لكل أجل كتاب»، فهو من مواليد اللاذقية عام 1924. مثل الثلج الذي يدق على النافذة او الشراع الذي يواجه العاصفة سجل في الوصية، اختصارا لما عاشه وحكاه ورواه واشتهر به: "لقد كنت سعيداً جداً في حياتي، فمنذ أبصرت عيناي النور، وأنا منذورٌ للشقاء، وفي قلب الشقاء حاربت الشقاء، وانتصرت عليه، وهذه نعمة الله، ومكافأة السماء، وإني لمن الشاكرين.

عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدد على هذه الكلمة، ألا يُذاع خبر موتي في أية وسيلةٍ إعلامية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، فقد كنت بسيطاً في حياتي، وأرغب أن أكون بسيطاً في مماتي، وليس لي أهلٌ، لأن أهلي، جميعاً، لم يعرفوا من أنا في حياتي، وهذا أفضل، لذلك ليس من الإنصاف في شيء، أن يتحسروا علي عندما يعرفونني، بعد مغادرة هذه الفانية."

عاش حنا "طفولته في إحدى قرى لواء الاسكندرون على الساحل السوري، وفي عام 1939 عاد مع عائلته إلى مدينة اللاذقية وهي عشقه وملهمته بجبالها وبحرها. كافح كثيراً في بداية حياته وعمل حلاقاً وحمالاً في ميناء اللاذقية، ثم بحارا على السفن والمراكب. اشتغل في مهن كثيرة أخرى منها مصلّح دراجات، ومربّي أطفال في بيت سيد غني، إلى عامل في صيدلية إلى صحفي أحيانا، ثم إلى كاتب مسلسلات إذاعية للإذاعة السورية باللغة العامية، إلى موظف في الحكومة، إلى روائي" معروف ومشهور..

فى آب/ أغسطس 2008، نشر وصيته فى الصحف الرسمية السورية موصيا "عندما ألفظ النفس الأخير، آمل، وأشدد على هذه الكلمة، ألا يُذاع خبر موتي فى أية وسيلةٍ إعلامية، مقروءة أو مسموعة أو مرئية، ...".

رغم وصيته هذه، نشر الخبر، اذيع في الاركان العربية وتبودلت النظرات، ويصلى على روحه علنا بحضور اهله وقرائه ومحبيه ورفاقه واعزائه، رسميا وشعبيا..

منذ ولادته عاش وكافح كثيرًا حتى شق طريقه إلى الأعمال الروائية. عاكسا فيها ومعبرا عما عاشه وشهده. وتنقل بين بلدان عدة، وسافر إلى أوروبا ثم إلى الصين لسنوات، لكنه عاد إلى الشام مواصلا ابداعه ورافعا قلمه سلاحا وحافزا..

كتب وحكى في معظم رواياته وقصصه عن البحر، ووصف حياة البحارة في مدينة اللاذقية، وصراعهم على متن المراكب والسفن وأخطار البحر او السجون والنضال الوطني، ليصبح علما بارزا في المشهد الثقافي العربي..

284 حنا مينه

من أعماله الرائعة: المصابيح الزرق، حكاية بحار، نهاية رجل شجاع، الثلج يأتي من النافذة، المستنقع، الربيع والخريف، القطاف، الياطر، المرفأ البعيد، والرحيل عند الغروب.

مشيرا بكل تواضع الى ان: كل ما فعلته في حياتي معروفٌ، وهو أداء واجبي تجاه وطني وشعبي، وقد كرست كل كلماتي لأجل هدف واحد: نصرة الفقراء والبؤساء والمعذبين في الأرض، وبعد أن ناضلت بجسدي في سبيل هذا الهدف، وبدأت الكتابة في الأربعين من عمري، شرّعت قلمي لأجل الهدف ذاته، ولما أزل.

الم يقل هو ما يعنيه ان : «مهنة الكاتب ليست سواراً من ذهب، بل هي أقصر طريق إلى التعاسة الكاملة. لا تفهموني خطأ، الحياة أعطتني، وبسخاء، يقال إنني أوسع الكتّاب العرب انتشاراً، مع نجيب محفوظ بعد نوبل ، ومع نزار قباني وغزلياته التي أعطته أن يكون عمر بن أبي ربيعة القرن العشرين. يطالبونني، في الوقت الحاضر، بمحاولاتي الأدبية الأولى، التي تنفع الباحثين والنقاد والدارسين، لكنها، بالنسبة إلي، ورقة خريف اسقطت مصابيح زرق». والبحر الذي عشق وتمنى ان ينقل الى دمشق او تنقل له بعد ان استقر فيها؛ «إن البحر كان دائماً مصدر إلهامي، حتى إن معظم أعمالي مبللة بمياه موجه الصاخب، وأسأل: هل قصدت ذلك متعمّدا؟ في الجواب أقول: في البدء لم أقصد شيئاً، لحمي سمك البحر، دمي ماؤه المالح، صراعي مع القروش كان صراع حياة، أما العواصف فقد نُقشت وشماً على جلدي، إذا نادوا: يا بحر أجبت أنا! البحر أنا، فيه وُلدت، وفيه أرغب أن أموت.. تعرفون معنى أن يكون المرء بحّاراً؟»

واضاف في وصيته؛ لا عتبٌ ولا عتابٌ، ولست ذاكرهما، هنا، إلا للضرورة، فقد اعتمدت عمري كله، لا على الحظ، بل على الساعد، فيدي وحدها، وبمفردها، صفّقت، وإني لأشكر هذه اليد، ففي الشكر تدوم النِعم.

وختم رغبته، صرخته الاخيرة، التي لا يمكن ان تنفذ مع كل الاحترام والتقدير له ولوصيته:

أعتذر للجميع، أقرباء، أصدقاء، رفاق، قُرّاء، إذا طلبت منهم أن يدعوا نعشي، محمولاً من بيتي إلى عربة الموت، على أكتاف أربعة أشخاصٍ مأجورين من دائرة دفن الموتى، وبعد إهالة التراب علي، في أي قبر مُتاح، ينفض الجميع أيديهم، ويعودون إلى بيوتهم، فقد انتهى الحفل، وأغلقت الدائرة.

لا حزنٌ، لا بكاءٌ، لا لباسٌ أسود، لا للتعزيات، بأي شكلٍ، ومن أي نوع، في البيت أو خارجه، ثمّ، وهذا هو الأهم، وأشدد: لا حفلة تأبين، فالذي سيقال بعد موتي، سمعته في حياتي، وهذه التأبين، وكما جرت العادات، منكرة، منفّرة، مسيئة إلي، استغيث بكم جميعاً، أن تريحوا عظامي منها.

وداعا يا حنا مينه، حارس البحر ولسان فقراء الشام وصوت المعذبين على هذه الارض...

وداع اعتزاز ومحبة للكلمة والابداع

نم قريرا ولك الراحة الكاملة والسلام

 

د. كاظم الموسوي