الزهراء أنموذجًا

تكمن أهمية فهم الواقع ودراسته وفق معطيات علمية اجتماعية في تشخيص الإشكاليات التي تواجهها المجتمعات، وفي تشخيص الحلول الحقيقية لتلك الإشكاليات، حيث لكل مجتمع إشكالياته الخاصة به، لكن لا يعني ذلك عدم وجود مشتركات تشكل إشكاليات قاعدية كلية لكل المجتمعات، وأهم هذه التحديات هي تحدي الهوية، ومحاولات تبديلها أو إذابتها وتغيير معالمها، من خلال الذوبان في النماذج الأخرى، أو الخروج من الهويات والتلبس بهويات هجينة أو غريبة عن جسد الهوية العام لهذه الشعوب، هذا فضلًا عن الخلط بين البحث العلمي التخصصي في علوم الاجتماع التي تشخص الإشكاليات وفق معطيات ميدانية استقرائية، وبين محاولات تسييس بعض التحديات وتحويلها إلى شعارات تزيد من أزمة الهوية، وتدخلها في التشخيص العاطفي الشعاراتي، الذي لا يقدم حلولًا تتناسق وحقيقة الواقع.

ولأن التحدي الأكبر تعاني منه المرأة في هويتها، وتستهدف هذه الهوية بكل أشكال التزييف خاصة المفاهيمي، فإننا سنتناول هذا الجانب وتشخيص الإشكاليات التي تواجهها قدر الإمكان ومحاولة طرح حلول نظرية، على أمل تحويلها إلى مشاريع عمل إجرائية، تكون قادرة على تقديم نموذجًا بديلًا صالحًا للمرأة صادة للنماذج الفاسدة.

الهوية بين التفاعل الحضاري والاندماج

الهوية هي المعرف عن فرد أو مجتمع أو دولة، تدلنا على الثقافة والأيديولوجيا السائدة وطابع العادات والتقاليد، فترسم معالم المشهد الإنساني وطريقة تفاعله مع ذاته ومحيطه.

فتكون بمثابة المفتاح الذي من خلاله نقرأ داتا الفرد والمجتمع، ومن خلالها تتضح آليات التواصل والاتصال بين مختلف الشعوب والمجتمعات والأقطار.

التفاعل الحضاري

للهوية معالم ثابتة تعبّر عن شخصية اعتبارية لحاملها وتؤثر في محيطها، ولكن لها في ذات الوقت جانبًا متأثرًا تأثرًا خاضعًا لظروف العصر أي الزمان والمكان، حيث جانبها المتغير الذي يتطور من خلال التفاعل الحضاري مع الثقافات الأخرى، وما أعنيه بالتفاعل الحضاري هنا هو تداخل إيجابي يؤثر ويتأثر، ويطور وينهض من خلال استفادته من تجارب الهويات الأخرى الإيجابية النهضوية، دون أن تتغير ملامحه الثابتة التي تمثل بصمته الخاصة. فالحضارة في مفهومها العام، هي حركة المجتمع ونشاطه بجوانبهما كافة، المادية منها والمعنوية، وتشمل الخبرات المادية وإنتاجها، والمعارف العلمية والمذاهب، والأفكار الفلسفية، كما تشمل النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والقيم والتقاليد والمؤسسات والجماعات المختلفة وأنماط السلوك..[1]

الغرب بين الإحلال والتفاعل

جاء المشروع الإسلامي بفهم حضاري للتفاعل يهدف منه أمرين:

الأمر الأول: تفعيل القيم الثابتة في فضاءات المعرفة لكل ما هو خارج الجسد الإسلامي، حيث القيم الثابتة جزء من الفطرة الإنسانية وتفعيلها كسلوك، فالتفاعل يعمل على إزالة الحجب المعرفية عن النفس، لتمرير تلك القيم التي تمهد الطريق لتحقيق العدالة بين كل البشر. وهو ما يتطلب لوازم أهمها، امتلاك هذه الحضارة مقومات التأثير من مكنة واكتفاء ذاتي وتكافؤ علمي، وتحقيق منجز حضاري فاعل في حياة الإنسان، يسهل عملية السريان المعرفي بين الإسلام وغيره من الحضارات.

الأمر الثاني: المواكبة والمعاصرة، التي لا تتحقق إلا من خلال مراكمة المنجزات الحضارية السابقة مراكمة معرفية تحافظ على أصالتها وترفد متغيرها بمعطيات الزمان والمكان هذا من جهة، ومن جهة أخرى الاطلاع على تجارب الحضارات الأخرى والاستفادة من إبداعاتها العلمية، ونهضتها القيمية في الجانب المشترك الإنساني، مع الأخذ بعين الاعتبار الاختلافات المنهجية والمنطلقات القاعدية لكل حضارة، أي هو تواصل واتصال ومشاركة واكتساب خبرات تفتيل المسكوت عنه في اللاوعي الإنساني، وتطور من نظرة المجتمعات للحياة، وتزيل الأغلال الغير سليمة التي توارثتها المجتمعات عن الآباء دون وجود مسوغ عقلي وشرعي لها.

أهمية التفاعل

إن التفاعل الحضاري يضع الحضارة الإنسانية أمام مسؤولية أخلاقية أولًا، كون التفاعل يستند على العلاقات الإنسانية المطلقة، والتي يفترض أن تتمثل ضمن بيئة التفاعل على المحبة والأخوة والعدالة والتسامح والتراحم بين بني الإنسان، وعلى نفي التعصب، والعنف والإرهاب الفكري، ومحاولة الاستقواء وإلغاء الآخر المختلف، وتصبح قيمة التبادل للمنافع المعرفية والعلمية قائمة على هذا الأساس، لذلك التفاعل الحضاري لا بدّ أن يراعي التعددية الحضارية والتمايز الحضاري الذي ينفي كل أشكال التناقض والصراع، ويؤسس لعملية انفتاح كبرى على كل الحضارات والحوار معها في سبيل خير الإنسانية، وتحقيق العدالة التي هي جوهرة القيم في تحقيق الكرامة الإنسانية.

تكمن أهمية التفاعل في أمور عديدة أهمها:

- توسيع المدارك المعرفية، وتنضيجها بالاطلاع على تجارب الآخرين البشرية.

- تفعيل ثقافة الخروج من صندوق الذات، بما تحمله هذه الذات من أفكار ومعتقدات وقبليات ومسبقات، وتأثيرات البيئة، وهو لا يعني التخلي عن ثوابت كل ما سبق، تلك الثوابت التي ثبتت بطريق الدليل العقلي والشرعي، بل يعني عدم الركون لكل ما سبق، ومحاولة مواكبة الزمان والمكان في تطوير المفاهيم وتمحيصها، ومراجعة الأدلة على ضوء ما استجد في الساحة العلمية والإنسانية.

- تفعيل مفهوم التعدد الإيجابي، يوسع مساحات الاشتراك المعرفي، ويفعّل عملانيًّا مفهوم التعايش والتسامح الحضاري، على أساس التكافؤ الإثني وليس الإحلال والإلغاء للآخر المختلف، وينضج القدرات العقلية في فهم النص، بما يحفظ خاتميته دون المساس بعناصر خلوده.

- يعمل على تذليل العقبات أمام العقول من خارج الجسد الإسلامي لفهم هذا الدين الخاتم عن قرب، ويسمح للمنتمين للإسلام بفهم الأديان الأخرى والثقافات المختلفة، بالتالي يعمل على ترصيف رؤية كونية قائمة على مفهوم التوحيد، وينهض بمفهوم العبودية في ظل التوحيد.

- يبسط نفوذ الله في قبال نفوذ القداسات السياسية والدينية، فهو يفعل مفهوم العبودية والحرية على ضوء مفهوم التوحيد الحضاري، ليزيل الحجب المعرفية العقلية في لا وعي الشعوب، التي اشتغل عليها المستبد بأي شكل من أشكال الاستبداد، لاستعباد الناس وتمكين سلطته عليهم، وهو ما يستدعي تفاعل المقتدر والمدرك للآخر، من موقع امتلاك المكنة في اختراق لا وعيه، بوسائل يفهمها الآخر المختلف، ويمكنها الوصول إلى عقله وقلبه، فالحق والحقيقة بينة.

فثقافة أية أمة وحضارتها لا يمكن أن تكونا معزولتين، وخارج نطاق التفاعل الثقافي والحضاري مع ثقافات الأمم والشعوب الأخرى وحضارتها، والحقائق التاريخية السابقة والحالية، تؤكد أن الثقافات والحضارات كانت ولم تزل، وسوف تبقى، في حال التفاعل والتأثير المتبادل فيما بينها في وحدة متكاملة بين العام، أي الحضارات والثقافات في العالم، والخاص، أي الحضارة والثقافة القومية الخاصة لكل أمة ودولة".

معايير التفاعل الحضاري

- يحتاج التفاعل مكنة وقدرة واكتفاء ذاتي، يكون المتفاعل إما متكافئ مع الآخر، أو يسبقه بدرجة، وهذا من مقومات التحصين الذاتي للثوابت ومقومات الوجود، فيكون التفاعل من موقع التأثير والتأثر الإيجابي[2].

هذا لا يعني أن عدم توفر المكنة. كما هو حالنا - أن ننغلق على ذاتنا، ولكن تصبح مساحة التفاعل أضيق حفاظًا على الهوية العامة الناس، فيكون التفاعل مقتصر على طبقة النخب والتي تسعى بتفاعلها هذا التحصين الداخل، وإيجاد إجابات للتساؤلات المطروحة نتيجة تسرب ثقافة الآخر للجسد، دون وجود ضوابط أو حصانه ومكنة، فتكون النخبة بمثابة الفلتر الذي يحاول تثبيت الثوابت، وغربلة الشوائب لا من باب الوصاية على العقول والحجر عليها كأنها قاصرة، ولكن من باب عدم تهيؤ قابليات عامة الناس معرفيًّا وإدراكيًّا لهضم الآخر المعرفي على أسس سليمة، فيجعلهم عرضة للاستلاب السهل دون أدنى مقاومة تحت هيبة التقدم الظاهري والمكنة العلمية والتكنولوجية التي تسلب لب الإنسان العادي، وتجعله أسيرًا لكل قيمها وثقافتها ومفاهيمها، فهو بمثابة ممارسة عمل تحصيني قادر لا أقل على درء الشبهات وحماية الهوية، دون أن يطمح للتأثير إلا في نطاق النخبة عند الآخر، فتتغير الأولويات هنا نتيجة عدم توفر المعايير اللازمة التفاعل الشامل بين الشعوب والنخب، من أولوية التأثير الواسع إلى أولوية التحصين مع التأثير المحدود، والسعي الدؤوب لتوفير معايير التفاعل الحضاري، وهنا قد يطرح سؤال هل يمكن تحقيق ذلك في ظل توفر وسائل التكنولوجيا، وسهولة الحصول على المعلومة، ومع وجود وسائل التواصل الاجتماعي التي ضيقت المسافات الفاصلة، وقربت الجغرافيات البعيدة، وبالتالي فتحت الآفاق أكثر معرفيًّا؟ إن ما أعنيه هنا هو نوعية المعارف وآليات التعاطي معها وفق قابليات المجتمعات، فمهما فتحت تلك الوسائل طرق التعارف والفهم، إلا أن دور النخبة يبقى ثابتًا في تشذيب تلك المعارف وتفنيدها، وفي نوعية الإشكاليات المعرفية التي على النخب تداولها وطرحها، فليست كل الإشكاليات المعرفية والمعارف هي قابلة للتداول على بساط المجتمع دون مراعاة لتفاوت القابليات داخل المجتمع الواحد من جهة، وبين المجتمعات المتعددة من جهة أخرى.

- لا يمكن أن يتم التفاعل الحضاري مع توفر معاييره، إلا إذا كانت بنية الأمة ثقافيًّا ومعرفيًّا وفكريًّا قوية، وهويتها محصنة بشكل علمي برهاني، بل لديها فلتر للشبهات وقادرة على مواجهة كل محاولات الإقصاء، وتمتلك العزة والكرامة، وهما قيمتان تحافظان على الهوية من خلال تحقيق حالة الاعتزاز بها، وهذا لا يحدث إلا من خلال تأسيس المجال الإدراكي للأمة، وتحصينها بالعلم والمنهج البرهاني، الذي يحاور ويمتلك وعي وجودي ومنفتح على الآخر، فالعلم معيار أساسي في عملية التفاعل الحضاري، وأعني هنا معرفة الذات معرفة عميقة مدركة المباني وشبكة المشتركات والاختلافات القاعدية بيننا وبين الآخر، ومعرفة الآخر أيضًا معرفة عميقة، وامتلاك أدوات منهجية علمية رصينة في مشروع التفاعل الحضاري.

الغرب ونزعة الهيمنة

"المشكلة الأساسية في الثقافة الحاضرة تتمثل في أن تقضي على التصور التسلطي في الثقافة الغربية والاستعاضة عنه بتصور يتطلع إلى حكمة العالم الغربي.. وذلك لا يمكن إلا بالانخراط في حوار حضارات حقيقي مع الثقافات غير الغربية." روجيه غارودي (1913 – 2012). وفي تصور "رولان بريتون"، فإنه يرجع الإشكالية في ذهنية الغرب، إلى منشأ تصور الأوروبيين لمفهوم الحضارة والثقافة، حيث يرى أنه في ذروة العصر الذي كان الأوروبيون يهيمنون فيه على العالم، فكريًّا وسياسيًّا، جرى تصور الحضارة بصيغة المفرد، وكذلك الحال بالنسبة إلى الثقافة"[3].

تاريخيًّا نشأت أوروبا على أساس نزعات الهيمنة والتوسع، وكانت الحروب والإغارات الوسيلة الأنجع في بسط النفوذ وفرض النموذج الثقافي والسياسي، ومع التقادم وبعد عصر التنوير بالذات وتضاؤل هيمنة الكنيسة، وما حققته أوروبا من اكتشافات علمية هائلة، مكنتها فيما بعد من الهيمنة على الطبيعة، لم يغير ذلك من نزعتها للتوسع والهيمنة، باحثة عن الثروات الجغرافية والمعدنية وعلى رأسها ثروة الطاقة، فقامت باستعمار كثير من دول منطقتنا، وخلال الاستعمار العسكري مارست استعمارًا ثقافيًّا حاولت من خلاله السطو على المجال الإدراكي للشعوب المحتلة، حيث ركّز المستعمر على المجال التعليمي، ففتح مدارس تابعة، يضع هو مناهجها، وكان من خلال التربية والتعليم يفرض قيمه ونظرته الوجودية ورؤاه المعرفية وبنيته القيمية، وأول ما تم استهدافه في بنية العقل العربي والإسلامي هو اللغة، لما للغة من قيمة معرفية كبيرة، دون أن يعمل أي اعتبار لاختلاف الثقافات والهوية، بل كان من موقع القوة والنفوذ لا يريد فقط أن يهيمن على الأرض والثروات، بل حتى على عقول البشر ليمحي كل اتصال لهم بهويتهم الخاصة، ويرسم لهم معالم هوية جديدة مرتبطة به، حتى يتحول وجوده في ذهنية الشعوب المحتلة من مستعمر، إلى وجود ضروري تحتاجه الشعوب لتحقيق طموحاتها في العلم، بعد أن كانت ترزح تحت وطأة الاستبداد العثماني لترى فيه الخلاص، كما كان يطمح المستعمر أن يطرح نفسه لتلك الشعوب على أنه خلاصها من الاستبداد.

في هذه المرحلة من الاستعمار العسكري لم تفلح محاولاته تلك، بل تحول من مخلص إلى مستعمر ترى فيه الشعوب وحشًا يريد أن يفتك بها، فكان القرار هو المقاومة التي تعني مزيدًا من التمسك بالهوية، ورفضًا لكل ما له صلة بهذا المستعمر، وهذا لا يعني عدم تأثر كثيرين بهوية هذا المستعمر وببنيته الفكرية والفلسفية، لكن كان الجو الغالب هو الرفض والتحصين ومزيد من التمسك بالهوية.

وهنا تشكلت لدينا تيارات في كيفية التعامل مع المستعمر للأرض:

- تيار وجد في المستعمر الخلاص، وانجذب لكل محمولاته المعرفية والعلمية والثقافية، وبالتالي القيمية وانْدَكّ (من الاندكاك) به ليصبح جزءًا منه، ولم يتوان هذا التيار حتى من التعاون عسكريًّا معه ضد أرضه وشعبه، كون مكنة المستعمر العسكرية والعلمية، استطاعت السطو على المجال الإدراكي لكثير من النخب الذين بهرتهم الإنجازات العلمية والحضارة الغربية ببعدها المادي، التي قدمت خدمات للإنسان وسهلت عليه حياته كما يظهر للوهلة الأولى.

1- تیار رفض رفضًا حاسمًا كل ما له علاقة بهذا المستعمر، حتى لو كان على مستوى العلم والثقافة بما هو نافع، ويمكن أن يقدم تجربة بشرية تدفع باتجاه مزيد من توسعة المدارك، وذلك لأن المستعمر لهيمنته العسكرية ومطامعه التوسعية ونزوعه نحو إقصاء الآخر، استخدم العلم ليس لأجل خدمة الآخر، بل كوسيلة للهيمنة عليه وإقصاء ثقافته وهويته لتحل محله الهوية الاستعمارية وثقافتها.

2- تیار امتلك نوعًا من المرونة، واستطاع الاستفادة من المنجز العلمي، ولم يسمح مع ذلك من تغيير الهوية ولا الإحلال الثقافي، بل كان محصنًّا ضد أي نوع من الإحلال، ولكنه استفاد من منجزات الغرب الحضارية والعلمية، وهم في ذلك الوقت قلة لكنهم نخبة.

وبعد الانسحاب العسكري نتيجة ضربات المقاومة وتقسيم المنطقة، ووضع أنظمة مستبدة وموالية للمستعمرين، بدأت عملية غزو وحرب من نوع آخر، تهيئ أرضية وقابليات الشعوب لتصبح سوقًا استهلاكية السلع الغرب. وظهرت ازدواجية الغرب في رفعه لشعارات حقوق الإنسان، وفي ذات الوقت دعمه لأنظمة استبدادية قامعة، وكانت شعارات كالديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان تستخدم كورقة ضغط في يده على الأنظمة الداخلية.

وفي تقرير حول ممارسات صندوق النقد الدولي، يوضح وحشية الممارسات التي يقوم بها هذا البنك تحت شعار الإنماء وسد العجز، حيث يوضح التقرير بأن الصندوق يعيد خلق العالم على صورته، ويوضح كيف يبشر بـ "دین" أوحد للتقدم ، ويذكر التقرير أنه "عندما تم إنشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في سنة 1945، مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية؛ كان الهدف المعلن من هذه المؤسسات المالية العالمية هو العمل على تعزيز الاستقرار المالي والتعاون في المجال النقدي على مستوى العال"، لكن وبعد تتبع آثار تدخلات هذه المؤسسات في البلدان النامية خصوصًا، يتضح وجه آخر لتعاملات مشبوهة غير تلك المعلنة، فمن خلال استخدام الشروط نفسها والحلول المالية نفسها في التعامل مع مختلف الدول، التي تطلب القروض من هذه المؤسسات، تدفع بأجندة تخدم مصالح الشركات الكبرى وأصحاب الأموال من جهة، بالإضافة إلى الدول التي تملك نفوذًا كبيرًا داخل هذه المؤسسات بطبيعة الحال.

وتروج هذه المؤسسات المالية العالمية لسياساتها على أنها المنقذ الوحيد للدول التي تعاني عجزًا ماليًّا، وبتقديمها للقروض المالية المشروطة بتنفيذ هذه الدول المعنية سياساتها الليبرالية؛ فإنها تحكم قبضتها على الاقتصاديات الناشئة وترهن مستقبلها، وتجعل أسواقها في أيدي الشركات العالمية الكبرى، بعد فتحها ورفع أيدي الدولة عن التنظيم ومتابعة السوق، مما يدخلها في منافسة غير متكافئة.

ما أن تلجأ أي دولة لأخذ قرض من صندوق النقد الدولي، فإن الصندوق يبدأ في تشغيل الأسطوانة نفسها، وتلاوة القائمة المتكررة من الشروط والطلبات: إصلاحات هيكلية في الاقتصاد تتضمن بيع الشركات المملوكة للدولة، وتقليص الموظفين في القطاع العمومي وتقليص رواتبهم، وفتح الأسواق للاستثمارات الأجنبية بلا شروط، وتشجيع الاستيراد وتقليص الدعم الحكومي للفئات الفقيرة، والتخلي عن حماية العمال والفلاحين وإضعاف النقابات. ويذكر التقرير تجربة الصندوق مع مالاوي قائلًا: "تحولت مالاوي إلى مجرد أراضٍ زراعية يتحكم فيها لوبي السجائر العالمي، ويحرص على مصالحه التجارية بشكل قانوني تمامًا، بفضل السوق المفتوحة التي فرضتها المؤسسات المالية العالمية. ومن أجل أن يدخن الأوروبي أو الأمريكي السجائر بأرخص سعر ممكن، لا بأس أن يجوع الملايين في مالاوي وغيرها من البلدان النامية التي زارها مسؤول من صندوق

حيث أشار تقرير للجارديان البريطانية إلى أن سياسات صندوق النقد الدولي قد أتت بمالاوي إلى المجاعة، "فالدولة الأفريقية التي قررت تحت ضغط الصندوق -خصخصة قطاع البذور وتحريره من يد الدولة التي كانت تنظم الأسعار وتضمن اكتفاءً ذاتيًّا من البذور، وجدت نفسها في سنة 2002 أمام مجاعة هي الأسوأ منذ 1949، وقد بلغت خدمات دیون مالاوي في تلك السنوات 70 مليون دولار أمريكي، أو ما يمثل %20 من ميزانية الدولة، وهو ما يمثل أكثر من ميزانية الصحة والتعليم والزراعة مجتمعة، في بلد ما زالت أوضاعه الاقتصادية معلقة بيد دائنيه، وتقلبات الأحوال الجوية"[4].

هذا النموذج الذي يفرض وجوده ثقافيًّا واقتصاديًّا من خلال ضرب كل مقومات الاكتفاء الذاتي للدول المقترضة، لتصبح أسيرة بشعبها ولقرون لشره نخبة اقتصادية تهيمن على كل مداخيل الدولة، لتفقر أهلها وتجردهم من كل مقومات الحياة، وبذلك تحقق استعمارًا خفيًّا تحت شعار الدعم والمساندة، فبالرغم مما يحمله من شعارات التحرير والعلم، إلا أنها شعارات غالبًا تستخدم للدخول إلى الجغرافيا المستهدفة خاصة إذا كانت غنية بالثروات ومنها ثروة العقول البشرية، وعند تمكنها عسكريًّا بشكل مباشر أو بأدواتها، فإنها تنقلب على شعاراتها ونجد التدمير المنهجي يتسيد منهجها، ولا تزيد شعوب هذه الجغرافيا إلا مزيدًا من الاستعباد لها، فهي تفك عبوديتها من نظام فشستي قائمًا، وتربط عقال عبوديتها بيدها كنظام فشستي جديد، بالتالي هو تغيير فقط للسيد، وليس تحريرًا للعبد.

وبعد العولمة بالذات ورفع شعار صدام الحضارات، والمتصل بماضي الغرب في شرهه للتوسع والهيمنة وإحلال قيمه وهويته، فقد برزت حربًا ناعمة تستهدف الهوية في عمقها الوجودي، تاريخيًّا بضرب كل جذورها المتصلة بالماضي، وقيميًّا بضرب قيمها المعنوية والثابتة وإحلالها بقيم مادية استهلاكية شرهة.

ونتيجة الاستبداد وإفقار الشعوب ماديًّا وعلميًّا، وتحويل وجهة أغلب هذه الشعوب من هدف طلب العلم والنهضة والكرامة والحرية والعدالة، إلى السعي الدؤوب اليومي الذي يلهث فيه الفرد لسد رمقه ورمق عائلته طالبًا للعيش الكريم في ظروف غير كريمة، أي سعيًا حثيثًا وراء رغيف العيش الذي غالبًا في منطقتنا ما يكون مغمّسًا بالذل والإهانة والقمع وتكميم الأفواه والتأسيس لقيمة الرضوخ السلبية لما هو موجود تحت ضغط الحاجة، ورغم أن هناك دول غنية جدًّا بثرواتها المالية، إلا أن معدلات الفقر والبطالة فيها مرتفعة بسبب فساد السلطة، وسيطرة نخبة طبقية على مقدرات الشعب، وشراء ذمم الغرب بشره شراء السلاح بحجة الأمن على حساب التنمية والاستثمار الحقيقي في الإنسان.

ولأن الغرب متقدّم علميًّا وتكنولوجيًّا بما يخدم الإنسان في بعده المعيشي الدنيوي، ومع تقديم نماذج للإسلام متخلفة (داعش - ياسر الحبيب نموذجًا)، أقنعت أغلب الشعوب وتم تحت هيمنة الإعلام العالمي القوي الربط بين الاسلام والتخلف، والغرب والتمدن والحضارة، ومع تقصير كثير من الإصلاحيين والنهضويين من تقديم نموذج سلوكي حضاري للإسلام، تظهر آثاره في الدنيا على نهضة الإنسان، فإن ذلك أزال كل العقبات أمام عولمة النموذج الغربي في كل أبعاده الحياتية والسلوكية والقيمية خاصة فيما يتعلق بالمرأة. حيث هيمنت المدرسة الوضعية الغربية على مجالنا الإدراكي، وبات كل شيء خاضع في تقييمه للتجربة والحس، واضمحل عالم الغيب والمعنى، بسبب عدم وجود نموذج عملي سلوكي يقدم الإسلام على أنه واقعًا دین حياة.

ولعب الإعلام دورًا هامًّا في الترويج للنموذج المراد عولمته، خاصة فيما يتعلق بالمرأة، من خلال عدة نظریات تبنتها وسائل الإعلام إجرائيًّا وعمليًّا ومنها:

نظرية اجتياز المجتمع التقليدي

صاحب هذه النظرية هو الباحث الأمريكي دانيال ليرنر[5] الذي اهتم بدراسة العلاقة بين وسائل الإعلام والتغيير الاجتماعي والثقافي، ودور هذه الأخيرة في التنمية القومية لاجتياز المجتمع التقليدي، إذ قدمت نظريته تأثيرات معينة لدور وسائل الإعلام في الإقناع والتأثير على الأفكار والاتجاهات والقيم. والأفكار التي صاغ بها ليرنر نظريته في مجملها كانت حصيلة الأبحاث التي أجراها مع بداية الخمسينات على ستة دول في الشرق الأوسط هي: تركيا، إيران، مصر، سوريا، لبنان والأردن. وأهم جزئية في هذه النظرية هي "التقمص الوجداني"[6]، الذي يعمل على إعادة صياغة النموذج وطرحه للمتلقي، وبالتالي يقوم من خلال هذا النموذج بتغيير كثير من المفاهيم والقيم وتغيير مرجعيتها المعرفية. وبذلك يقدم مثلًا يروج له ليصبح النموذج الذي يراد أن يتم تقمصه بعد الاستحواذ على المجال الإدراكي.

المثل الأعلى

إن التعاطي مع مخرجات الحضارة الغربية وأهمها الحداثة يكون من خلال الدراسة المنهجية المتأنية، فالأفكار القادمة إلينا نستطع أولًا أن نعيدها إلى جذرها المعرفي، ومن ثم مقارنتها مع ما لدينا، فإن لم تتعارض مع أصولنا ورفدت فهمنا وفتحت لنا آفاقًا لإعادة قراءة النص والتراث والإجابة على تساؤلات الراهن، فهنا نتعامل معها على أساس التلاقح والتبادل الحضاري والثقافي، وإلا تعاطينا معها على ضوء أنها رأي آخر لا يتطابق مع مكوناتنا الحضارية والثقافية، وبالتالي لنا ديننا ولهم دينهم ليكون المبدأ هنا احترام الذات من جهة، واحترام الآخر من جهة أخرى، وتكون الندية الفكرية التعددية حاكمة كمعيار، وليس المعيار الإقصائي الإلغائي، فالاختلاف في المثل الأعلى هو اختلاف منهجي بنيوي في المرجعية المعيارية التي تنطلق منها عملية التأسيس للرؤى والنظريات، فبين المدرستين قاعدتا اشتراك: هما الإنسان والطبيعة ودور الحس والتجربة في المعرفة ومصدريتها، إلا أن الاختلاف الجوهري هو في المثل الأعلى الذي يشكل محور التشريعات المعيارية كمرجعية كلية ضابطة وناظمة لعمل العقل، وحافظة له من الانحراف والوقوع في وهم الحقيقة، وعدم القدرة على كشف الواقع، حيث المثل الأعلى المرتفع (الله) هو المشرع الأساس، ومن تشريعاته يمكن للعقل أن يستمد المنهج والمعايير والمقاصد لينظم رؤية ويؤسس لمشروع اجتماعي واقتصادي وسياسي بدرجة عالية من كشف الواقع، ودقة أكبر في الابتعاد عن الوهم. بينما حينما يكون الإنسان هو المثل الأعلى المنخفض وهو من يشرع لنفسه، "حيث يستمد تصوره من الواقع نفسه.

ويكون منتزعًا من واقع ما تعيشه الجماعة البشرية من ظرف وملابسات.. فلم يرتفع الوجود الذهني على هذا الواقع، بل انتزع مثله الأعلى من هذا الواقع بحدوده، وقيوده، وشؤونه"[7].

وهو من يضع المرجعية المعيارية فلا يمكننا هنا أن نثق بموضوعيته وتجرده وصراعاته الداخلية وتغليبه لمصالحه ومنافعه وتفاعلاته مع المحيط وانفعالاته وعدم شمول رؤيته، وهو ما اتضح منذ عصر التنوير إلى اليوم، لأن كثيرًا من النظريات والآراء يمكن تصنيفها على أنها ردود أفعال على العهد الكنسي وتداعياته الفكرية والسياسية، وتفاعل المفكرون الغربيون مع التطورات المحيطة بهم وانفعالهم بها. "ومن نافل القول إن تيار الأحداث في التاريخ الغربي اندفع بشكل أدى إلى هيمنة الفلسفة الإنسانية (Humanism)[8] وسيطرتها على جميع أركان المجتمع. فبعدما غابت شمس آخر يوم من أيام القرون الوسطى، انصب اهتمام كل الحركات الاجتماعية الكبرى والمصيرية منذ القرن السادس عشر حتى القرن الثامن عشر، ومنها حركة الإصلاح الديني وحركة التنوير والحركة العلمية والثورة الصناعية والثورات السياسية وغيرها، انصب اهتمامها على إحياء دور الإنسان الذي تم تجاهله طيلة العصور الماضية، ليستعيد دوره المنسي، وليتربع على الكرسي الذي طالما نحي عنه من دون وجه حق. وكان الشعار الوحيد والمشترك "استقلال الإنسان" يمثل القاعدة الصلبة التي بني عليها أساس نبذ الاستبداد السياسي ورفض التقاليد الدينية وإنكار الحدود التي تقيد العقل، والتأكيد على الإرادة واختبار الأساليب الحديثة والسبل الجديدة، والخوض في المجالات المجهولة.. وغير ذلك. ومن بين الإنجازات التي قدمتها تلك الحركات الاجتماعية، تحرير السلطة من احتكار وهيمنة الأمراء، وتحرير المعرفة من غياهب الحصار الكنسي الذي كان مفروضًا عليه، وفك الأموال من قيد الأثرياء والإقطاعيين، فكانت تلك الحركات كلها تؤكد على أهمية الإنسان ودوره الفعال"[9]. ومن هنا يتضح الفرق الجوهري والاختلاف البنيوي بين المدرستين، إلا أننا لا ندعي أبدًا أن على مستوى التطبيق هذا الحاصل، فواقع المسلمين غالبًا لا يعكس محورية الله ومرجعيتها المعيارية، بينما واقع الغرب يعكس عمليًّا نظريته التي آمن بها وطبقها، فالإنسان هو محور ومركز التفكير والتنظير، وأدواته المعرفية هما الحس والتجربة، ليصبح واقعًا عمليًا متجسدًا في كل مجالات الغرب الحياتية والاجتماعية، بينما وقع العالم الإسلامي تحت نير الاستبداد والجهل والتآمر. فالإنسان في المدرسة الغربية هو المشرع وهو المعيار.

سيادة النموذج وتسيده

كثيرًا ما يتم تداول كلمة السيادة والتي تعني مبدأ القوة المطلقة غير المقيدة وهذه لا تكون إلا لله كونها مطلقة بلا قيد. وفي أبجديات الفكر الشيعي تطرح على مستوى المرأة متمثلة بنموذج الزهراء عليها السلام کسيدة نساء العالمين. وما يحويه هذا التوصيف من تأسيسات مهمة تتشكل منها مرجعية للمرأة في نظم السيادة في كل زمان ومكان.

ارتأينا في ظل لحظات تاريخية تمر بها الأمة - وخاصة النساء مهد الحضارات - بعنق زجاجة يتعلق بالهوية والانتماء المستهدفتان عالميًّا خاصة المرأة كمصداق، وما العولمة إلا أداة ذلك الاستهداف خاصة فيما يتعلق بالمفاهيم والثقافات والسلوكيات التي تحدد هوية الشخص ومن ثم تحدد له انتماءه، هل هي للسماء أم إلى الأرض، من خلال تقديم نموذج يشكل مرجعية للاتباع والاقتداء يتحقق من خلاله تشكيل الهوية وتحديد الانتماء.

السيادة بين السماء والأرض

القوة المطلقة غير المقيدة لا يمكن تحقيقها بهذا الإطلاق واللاقيد إلا الله تعالى. ولكي تتنزل هذه السيادة السماوية للأرض فلا بد من وجود أوعية قابلة لنمط سيادي مطلق وغير مقيد كهذا، يكون مستخلفًا واعيًا ومدركًا لكل حيثيات الاستخلاف الصحيح وفق إرادة الخالق لتكون هذه السيادة الأرضية في طول سيادته، وليس في عرضها وتأتي بعد ذلك سيادة الخلق في الأرض من السماء وفق مراتب تتصل بمراتب الوجود.

وهذه السيادة تكون:

سيادة على مستوى الذات.

سيادة على مستوى الأسرة.

سيادة على مستوى المجتمع.

سيادة على مستوى الدولة.

سيادة على مستوى العالم.

وهذه السيادة حينما تبدأ من خارج النفس ترتبط بالسيادة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وعلى مستوى المفاهيم تكون سيادة قيمية ومفاهيمية، بحيث يفرض النموذج المتسيد مرجعيته في ذلك لامتلاكه القوة والسلطة المستمدة من قوة وسلطة السماء. فتتحقق سيادة العالمين من ناحية المراتب المكانية ومن ناحية المفاهيم، وإذا كان نموذج السيادة نموذج إلهي معصوم فتتحقق السيادة الزمانية أي صلاحيته كنموذج لكل زمان، ليصبح النموذج ذا سيادة زمانية ومكانية.

التربية والربوبية والسيادة

النموذج الذي يسود هو القدوة التي تشكل مرجعية فكرية ودينية وسلوكية عبر الزمن، والقرآن يجعل موقع القدوة بموقع الربوبية بمعنى التربية، وهنا بالسيادة تتحقق الربوبية المتصلة بالتربية والربط بالنموذج الأكمل، وكان صراع الأنبياء مع المستكبرين عبر التاريخ في جزء منه هو صراع حول الربوبية المتصلة بإدارة الشأن والتنظيم والتربية. وكان المعصوم يرى الله ربًّا، بمعنى أنه المرجعية المعصومة في التربية. عن النبي الأكرم: "أدبني ربي فأحسن تأديبي"[10]. وأعاد الراغب الأصفهاني الربوبية والتربية النفس الجذر اللغوي، فقال في تعريفه لـ (الرب): "الرب في الأصل التربية، وهو إنشاء الشيء حالًا حالًا إلى حد التمام".

ووظيفة النموذج الأكمل من أكبر الوظائف وهي الربط بين الأمة والله، ووظيفة المثل المتبع لهذا النموذج هو الربط بين الأمة والنموذج، أي أدوار تقع في طول بعضها البعض، ويوكل لها وظيفة التربية التي هي لب الدعوة إلى الله كونها تربية في طول تربية الله وإرادته.

وكانت وظيفة المعصوم وصل الناس بهذا الرب عبر التاريخ، فكان المعصوم النموذج الكامل الذي يمثل مرجعية التربية لتتحقق الربوبية وتتم السيادة. وكان لا بدّ من توفر أمثلة أو أنماط في كل زمان وظيفتها ربط الناس بالنموذج، بحيث يكون النمط الانعكاس الأقرب للنموذج الكامل. والزهراء عليها السلام النموذج الأكمل المعصوم للمرأة، التي تجسد شخصية المرأة في المشروع الإلهي. وكونها سيدة نساء العالمين، فهذا يعني سيادة زمانية ومكانية وعلى كافة الأصعدة. وبذلك تتحقق الربوبية بنموذج الزهراء للمرأة التي لها شأنية في التربية. ولكن لماذا لم نقدم أمثلة متصلة بهذا النموذج التسود المرأة في زمانها مستظلة بسيادة الزهراء عليها السلام؟

حيث إن سيادتها الزمانية والمكانية تعتي أنها صالحة كنموذج إلهي لكل زمان ومكان، وأن في نموذجها ما هو ثابت وما هو متغير، كونها نموذج إلهي إسلامي معني بالأصالة والخلود، فالإسلام له مكونين رئيسيين يحفظانه من الانحراف ويجعلانه صالح لكل زمان ومكان:

المكون الأول: الأصالة التي تعنى بالثوابت وكليات الإسلام التي تحفظه من التحريف.

المكون الثاني: الخلود والذي يبقيه مرن وباقي لكل الأزمنة.

وشخصية الزهراء كنموذج إلهي معصوم سائد إلى يوم القيامة، أيضًا فيه بعدي الأصالة والخلود والمتعلقين بالثابت والمتغير تشريعيًّا۔

لكن لماذا لم يسد نموذج الزهراء ولم تسد المرأة كل وفق زمانها؟ لكل زمن متغيراته الاجتماعية، وبالتالي وفق هذه المتغيرات ووفق تراكم المعرفة العقلية، يمكن قراءة نموذج الزهراء على ضوء هذه المتغيرات، فيتم تجليتها كنموذج والتعرف عليها أكثر وبالتالي تسيدها أكثر.

فلكل زمن مقوماته وأدواته في السيادة، ولكن هناك ثوابت وأصالة تاريخية سواء ثقافية أو فكرية واجتماعية أو إنسانية، والمستقرئ شخصية الزهراء عليها السلام ووفق موقعها السيادي للعالمين يستطيع في كل حقبة زمنية ونتيجة التكامل والتراكم العقلي والمعرفي، أن يكتشف في شخصيتها مقومات السيادة هذه الحقبة، سواء كانت مقومات تحاكي الواقع الاجتماعي المتغير ولا تحابيه، أو مقومات ثابتة أصيلة لا تتعلق بتغير الزمان والمكان خاصة فيما يتعلق بمنظومة القيم.

ولكن رغم وجود هذا النموذج الرباني المعصوم نجد هناك عدة مدارس فكرية لها رؤيتها الخاصة بالمرأة، وطبعًا هناك مبررات موضوعية لهذا الاختلاف حول المرأة مع وجود شخصية الزهراء النموذجية، وأهم هذه المبررات:

ابتعادنا عن عصر التشريع.

قصر حياة الزهراء عليها السلام.

شح تاريخي بخصوص شخصية الزهراء عليها السلام حيث لم يصلنا عنها إلا القليل وهو ما قد يؤثر على تكوين رؤية كاملة.

الذاتية في النظرة.

البيئة ومؤثراتها على قراءة موضوعة المرأة.

آليات وأدوات استقراء التاريخ من جهة والنص من جهة أخرى والاجتهاد من جهة ثالثة.

المدارس الفكرية الدينية والمرأة

نشأت هذه الاتجاهات الفكرية نتيجة المواجهة التي حدثت مع الغزو الثقافي الغربي، وما قدمه من نموذج مخل للمرأة بالواقع الاجتماعي الإسلامي، والذي يطغى عليه طابع المحافظة ويتمسك بطبيعة الحال بعفة المرأة وعفافها، وما لهذه القيم من أصل في حفظ المجتمع من الانحراف والفساد.

ولنكن أكثر دقة، كانت المدرسة التقليدية تبني أفكارًا انفعالية اتجاه الغزو الغربي الثقافي من جهة، وردًّا على المدرسة التجديدية من جهة أخرى، والمدرسة التجديدية تبني أفكارها مستقبلة ما يطرحه الغرب ومحاولة لتكييف عناصره الثقافية مع بيئته من جهة، ومن جهة أخرى تنفعل ضد ما يطرحه الاتجاه التقليدي.

لكن كل مدرسة كانت تسعى من وجهة نظرها لتوضيح رؤية الإسلام عن المرأة، فكما ذكرنا آنفًا أن الإسلام له مكونان رئيسيان: الأول الأصالة، والثاني الخلود.

1- الاتجاه التقليدي الإسلامي:

نعني بالتقليديين هنا مجموعة من العلماء والمتدينين المسلمين الذين عاشوا في القرنين الأخيرين، وحصروا اهتمامهم فقط برفض الثقافة الغربية ومحاربتها، وذلك بدافع من غيرتهم على الدين، وتمسكهم بالمعارف والأحكام الدينية، وهذه الجماعة لا تنضوي تحت مجموعة واحدة، ولكن لديها مسلمات مشتركة هي:

- الأصولية.

- محورية التكليف والتعبد.

- اعتماد الاجتهاد في فهم الدين (النص حاكمًا).

- الأصالة ومحاربة الالتقاط.

- تقديس الماضي أو الماضوية.

ونظرًا لذلك تكون هذه المدرسة قد ضحت بخلود الإسلام لحساب أصالته.

2- الاتجاه التجديدي الإسلامي:

هذا الاتجاه نشأ كردة فعل في مواجهة الثقافة الغربية من جهة، والتقليدية من جهة أخرى لاستشعارها الصراع الدائر بين التقليدية والتجديد بسبب ما لديها من ميول دينية.

هذا الاتجاه أيضًا له سمات عامة مشتركة، وإن لم يجمعه إطار واحد وهي:

- النزعة الإنسانية.

- التنمية.

- تقديس العلم والاعتماد على العقلانية.

- التاريخية والنسبية في الفهم.

- النظر نحو المستقبل.

وقد وقع هذا الاتجاه في مأزق التضحية بالأصالة لحساب الخلود.

3- الاتجاه الحضاري الإسلامي

يعتقد هذا الاتجاه أنه يمكن الحفاظ على عنصري الأصالة والخلود في الإسلام، وجمعهما في نظرية واحدة، تكون على مسافة واحدة بين نسبة منطقية متساوية.

وهم يعتقدون أن الطريق الوحيد للخروج من الإشكالية الحالية في المجتمعات الإسلامية، يكمن في التحرك في سبيل إيجاد حضارة حديثة، بحيث تعتمد برامج التنمية والتطوير فيها على القيم الإسلامية، وتهتدي بهداها.

ومن هنا يعتقد الكثيرون من المثقفين المسلمين بأن ظهور الإشكاليات المعاصرة المتعلقة بالمرأة في المجتمعات الإسلامية والثقافة الحداثوية من جهة، وإلى معارضة التقاليد الاجتماعية، في المجتمعات الإسلامية للقيم المنبثقة عن التنمية الغربية من جهة أخرى.

وأهم سمات هذا الاتجاه المشتركة هي:

- النظر إلى قضايا المرأة بشكل منهجي.

- الأصولية في فهم الدين، والتطور في تطبيق الدين.

- التطور في منهج الاجتهاد، وإعادة النظر في مناهج العلوم.

- ضرورة تدوين النمط الأكمل لشخصية المرأة المسلمة (وضع النموذج).

- التأسيس لحضارة إسلامية جديدة.

وحيث إن الفقه هو المعني الأول في التجديد الديني، لما تلعبه الفتوى من دور في تحريك المجتمعات وتفكيك مكوناتها الثقافية ودفعها نحو الحركة حيث الفتوى سلطة مهمة عبر التاريخ، فبالتالي تصبح المدرسة الحضارية في بحثها وبلورتها لنموذج المرأة الحضاري معنية بموضوع الثابت والمتغير.

المدرسة الحضارية بين الثابت والمتغير

يقول الشيخ أحمد مبلغي بخصوص موضوع الثابت والمتغير: يحظى بحث الثابت والمتغير في الإسلام بأهمية كبيرة؛ ففي ظله نستطيع أن نجلي قدرة الإسلام على إدارة المجتمعات المعقدة، ونثبت بطلان الشبهة التي ترى عدم قدرة الأحكام الإسلامية على حل مشكلات الإنسانية، أو محدودية هذه القدرة مع تزايد احتياجات البشرية وكثرة أزماتها، فهذا الفكر الخاطئ يرى عدم قدرة الأحكام الإسلامية الثابتة على تلبية تلك الاحتياجات المتفاقمة، ورفع الصعوبات المتزايدة وإدارة المجتمعات المعقدة.

فالبحث في هذا المجال يحتاج - من جهة - إلى خبرة طويلة بالمجتمعات الإنسانية المعقدة، كما يتطلب - من جهة أخرى - فهم الإسلام وأهدافه وعمق تعاليمه، إضافة إلى اطلاع كاف على أسس الاجتهاد ومناهجه، وهذه المعارف شرط رئيس في حل المعضلة، وحل هذه المسألة يحتاج إلى تنظير، أي ينبغي على من اكتسب المعرفة حتى أصبحت طوع يده أن يقدم - بشكل جاد وعلى مستوى عال من الدقة مع مراعاة الجوانب كافة – نظرية تتوافر على خصلتين، هما:

أ- تصوير الإسلام وقدراته تصويرًا صحيحًا وواضحًا.

ب - القدرة على وضع أساس وإطار أفضل للتوجه الإسلامي والسياسة الإسلامية العامة.

إن ما قلناه سابقًا دليل على كمال أي نظرية في هذا الخصوص، لكن هناك ملاكين إذا تجردت النظرية عن أحدهما غدت باطلة من الأساس، وهما:

أولًا: عدم الخلط بين مساحات الثابت والمتغير، أو الخطأ في تحديد مصاديق كل واحد منهما.

ثانيًا: ألا تبتلى النظرية بتقليد الآراء واجترارها؛ فأغلب من يرد هذا البحث لا يملك إطلاقًا على علم أصول الفقه والاجتهاد مما يجعل نظريته فاقدة لكلا الملاكين، فلا يضعن من ليس له الأهلية قدمه في هذا الوادي السحيق، كما ينبغي على من ينظر من العلماء أن يراعي الدقة في عمله[11].

يتطرق الشيخ في نفس المصدر إلى النظريات الثلاثة:

نظرية العلامة الطباطبائي: الثبات الإنساني والتحول البشري:

يقول العلامة: قسم الإسلام أحكامه إلى قسمين متمايزين ومنفصلين بعضهما عن بعض، الأحكام الثابتة والأحكام المتغيرة.

أما الأحكام الثابتة: فهي الأحكام والقوانين التي وضعت على وفق مقتضى حاجات الطبيعة الواحدة والثابتة للإنسان، فقد سمى الإسلام تلك الأحكام التي أقامها على أساس طبيعة الإنسان وخصوصياته بالدين والشريعة: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم﴾.

وأما الأحكام المتغيرة: فهي الأحكام المؤقتة أو تلك التي أحظى فيها شيء ما، وتختلف وفق أنماط الحياة المختلفة، ويتماشى هذا القسم مع التقدم التدريجي للمدنية والحضارة وتغير المظاهر الاجتماعية وظهور الأساليب الحديثة وانضمار الأساليب القديمة، وتختلف بحسب مصالح الزمان والمكان المختلفة.

وهذه الأحكام باعتبارها من آثار الولاية العامة، منوطة بنبي الإسلام محمد (ص)، والقائمين مقامه والمنصوبين من قبله، وتشخص وتنفذ في دائرة الثوابت الدينية، وطبقًا لمصالح الزمان والمكان، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾[12].

2- نظرية الإمام الخميني، التحول الموضوعي وإطلاق ولاية الفقيه:

يؤكد الإمام الخميني على أصلين هما:

أ- تحول موضوع الحكم إلى موضوع آخر في ظل العلاقات الحاكمة، يقول بهذا الخصوص: بلحاظ العلاقات الحاكمة في السياسة والاجتماع والاقتصاد في نظام ما لعل حكمًا جديدًا يطرأ على مسألة ما، كان حكمها السابق يختلف، بمعنى أن الإحاطة الدقيقة بالعلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، جعلت ذلك الموضوع نفسه بالظاهر موضوعًا جديدًا فيستتبعه حكم جديد.

تكمن أهمية نظرية الإمام الخميني في أنها ترى - من جهة - أن العصر الحاضر عصر سيادة العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المعقدة، ومن جهة أخرى تأثير ذلك في تغيير موضوعات الأحكام الشرعية بشكل بسيط وواضح.

أهم بُعْد جديد في نظرية الإمام الخميني أن تبدل الموضوع في ضوئها يمكن أن يتم بشكل خفي ودون أي ضجيج، أي قد نرى ظاهر الموضوع ساكنًا لكن هناك تحولًا يجري خلف هذا السكون الظاهري، فقبل هذه النظرية كان الفقهاء يقبلون ذلك حينما يتحول الموضوع إلى موضوع آخر، وتبرز علامات تدل عليه، كما في استحالة الخمر إلى خل أو الميت إلى ملح، أما الإمام الخميني، فإن معرفته بالوقائع المتأثرة بالعلاقات الاقتصادية والسياسية من جهة، وتعريفه موضوع الحكم الشرعي ومناطه وفلسفته من جهة أخرى، لم يحصرا تبدل الموضوع بظهور ما يدل عليه، مثيرًا – إلى جانب ذلك - فكرة التبدل الداخلي.

ب - الولاية المطلقة للفقيه، يقول الإمام الخميني: الحكومة المتفرعة عن ولاية رسول الله - المطلقة، هي أحد الأحكام الأولية للإسلام، ومقدمة على جميع الأحكام الفرعية.. فالحكومة قادرة على منع الحج، الذي هو من الفرائض الإلهية المهمة، مؤقتًا، إذا كان في ذلك صلاح البلد الإسلامي.

3- نظرية الشهيد الصدر، منطقة الفراغ التشريعي:

وخلاصة نظرية الشهيد الصدر:

أ- ترك الإسلام، في نظامه التشريعي، منطقة خالية من أي حكم إلزامي من وجوب أو حرمة، تسمى منطقة الفراغ.

ب - لا تدلك منطقة الفراغ على نقص في الصورة التشريعية، أو إهمال من الشريعة لبعض الوقائع والأحداث، بل تعبر عن استيعاب الصورة، وقدرة الشريعة على مواكبة العصور المختلفة.

ج - وضع الإسلام منطقة الفراغ الخالية من الحكم تحت تصرف ولي الأمر، ليملأها على أساس متطلبات الزمان ومصالحه، وفي ضوء أهداف الشريعة ومقاصدها.

وهذه النظريات في الحقل الفقهي تساعد على توضيح المرونة في التشريع الإسلامي وطبيعة هذه المرونة.

والمرونة هنا لا تعني الخضوع للواقع بل محاكاة الواقع ومن ثم الذهاب للنص، أي هي انفتاح عقلي على النص يأتي بقراءته وفق أدوات ثابته أصوليًّا ومتحركة، على مستوى انكشاف الواقع للعقل. وطبعًا الخوض في حقول الثابت والمتغير تحتاج متخصصين وأهل خبرة في ذلك، وذكرنا لهذا الموضوع جاء فقط لتسليط الضوء على شخصية الزهراء عليها السلام من باب السيادة ومتطلبات هذه السيادة، لتقديم النموذج المعصوم والمشروع البديل لما يقدمه الغرب، والسيادة لكل العالمين تحمل في عمق شخصيتها كمعصومة، ما يحمله الاسلام للمرأة تجسدت في شخصيتها النموذجية وهما الأصالة والخلود، وبالتالي في التشريعات الفقهية الاسلامية شخصيتها أيضًا تحمل الثابت والمتغير.

ولكن السؤال كيف يمكن اليوم النهوض بالمرأة من خلال تقديم مثال لشخصيتها في الإسلام يصلنا بالنموذج الأصل؟

للفتوى عمل السحر في عقول الناس إذ الفقه بوابة التغيير، ولكن هل مشروع النهوض بالرؤية الفقهية اتجاه المرأة، يكون بالمقارنة بين الأحكام ومعارضتها أو عدم معارضتها للقيم، وهو ما يمكن أن يقوض غالبًا كثير من الأحكام الفقهية، وهو أمر غير مقبول عقلًا كون الفقيه يمتلك أدوات علمية ومنهجية في قراءة النص واستخلاص الحكم الفقهي، أو أن التغيير يكون من خلال تغيير زاوية النظر الاجتهادية، بمعنى إعادة النظر في مناهج وأدوات الاجتهاد، وفق مقولة الثابت والمتغير والأصالة والخلود والزمان والمكان خاصة في قراءة النصوص؟

لتتحقق السيادة وفق النموذج الرباني الزهراء عليها السلام:

إن الفكرة التي نريد صياغتها كمشروع عمل هو كيف يمكننا اليوم من خلال نموذج الزهراء عليها السلام سيدة نساء العالمين، أن نصوغ مثالًا في طول هذا النموذج يكون قادرًا على سيادة زمننا بحيث يصاغ وفق قراءة موضوعية للواقع وحاجات المرأة في هذا الزمان وهذا المكان، ووفق الحفاظ على الثوابت والأصالة، لكنه يقدم نظرية إسلامية تبين قدرة الإسلام على إدارة المجتمعات.

من وجهة نظري يمكن ذلك كفكرة أولية من خلال تكريس الأبحاث في 3 اتجاهات للخروج برؤية أولية:

1- الاتجاه القرآني ونظرته للمرأة، أي النظرية القرآنية في المرأة.

2- الاتجاه الفقهي والخروج برؤية الفقه الشخصية المرأة، من خلال عملية استقراء لكل الأحكام الفقهية الخاصة بالمرأة، خاصة فيما يتعلق بالبعد الأسري الحقوقي والبعد الاجتماعي، ومجالات العمل الاجتماعية، وبحقوقها كفرد جزء من أسرة وجزء من مجتمع.

3- الاتجاه التاريخي من خلال استقراء دقيق لكيفية تعامل المعصوم مع قضايا المرأة من عصره وخاصة الزهراء (ع)، والخروج بمنهج دقیق.

ثم بعد هذه الدراسات الحقيقية وفق أدوات منهجية أصيلة، يتم وضع هذه الدراسات في هيكل عام، ومن ثم دراسة أين يقع التعارض والخلل بين الهيكليات الثلاث، تكون فيها النظرية القرآنية في المرأة هي المرجع المعرفي المعصوم في كشف ثغرات الاتجاهات الأخرى، لتتم مواءمة تلك النظريات مع الرؤية القرآنية.

وبعد الخروج بتصور عام وفق هيكل يشكل شخصية المرأة في الإسلام، يمكن بعد ذلك الولوج في موضوع إعادة النظر في مناهج الاجتهاد خاصة فيما يتعلق بالمرأة، فسيدة نساء العالمين لقب جاء وفق استحقاقات ومؤهلات توفرت في الزهراء وحولتها لنموذج معصوم قادر على سيادة المجتمعات في كل زمان ومكان، كمرجعية معرفية تصون المرأة من كل الانحرافات والتوجهات المنحرفة التي تحاول جرها لتغرد خارج سرب هذا النموذج، وهو ما يفرض واقعًا على كل المهتمين أن يدرسوا النموذج المعصوم لصياغة المثال الحضاري الإسلامي للمرأة، الذي يقع في طول نموذج الزهراء المعصوم في السيادة، والقادر على سيادة المجتمعات الإنسانية وحمايتها من كل الأفكار المنحرفة، التي تحاول تجريد المرأة من هويتها الإنسانية، التي تستبطن وظيفة الخلافة الربانية على الأرض، وما لهذه الوظيفة من حقوق وما عليها من واجبات، وتبرز هويتها الأنثوية التي تركز على تمييع دورها وتحويلها المعول هدم للمجتمعات.

 

إيمان شمس الدين

...........................

[1] د. محسن الأمين، حصاد لم يكتمل، (بيروت: دار الأمير، الطبعة 1، 2019)، الصفحة 219.

[2] د. محسن الأمين، حصاد لم يكتمل، مصدر سابق، الصفحة 222.

[3] د. محسن الأمين، حصاد لم يكتمل، مصدر سابق، الصفحة 223.

[4] https://www.sasapost.com.

[5] Daniel Lerner (1917 - 1980)[1] was an American scholar and writer known for his studies on modernization theory. Lerner's study of Balgat Turkey played a critical role in shaping American ideas with Wilbur Schramm and Everett Rogers, were influential in launching the study and practice of media development and development communication.ppt.

[6] https://www.wizig.com

hلاتصال-نظريات-5-محاضرة-509789/...

[7] المدرسة القرآنية، الشهيد محمد باقر الصدر، دار الكتاب الإسلامي، ط ١ـ٢٠٠٤، 111و 112.

[8] الفلسفة أو المذهب الإنساني مصطلح يستخدم في معان كثيرة: أولًا: على تلك الحركة الفكرية التي سادت في عصر النهضة الأوروبية، وكانت تدعو إلى الاعتداد بالفكر الإنساني ومقاومة الجمود والتقليد، ويرمي بوجه خاص إلى التخلص من سلطة الكنسية وقيود القرون الوسطى، ومن أشهر دعاتها بترارك وإرزم. ثانيًا: ضرب من البراغماتية قال به شیلر وأساسه أن كل معرفة مرتبطة بظروف التجربة الإنسانية، وفي هذا ما يتصل بمبدأ بروتاغوراس القائل: إن الإنسان مقياس كل شيء. النظرية الإسلامية في التربية والتعليم / جميلة علم الهدى/مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي/ سلسة الدراسات الحضارية/ ج ١/، الصفحة 279.

[9] جميلة علم الهدی، مصدر سابق، الصفحات 277- 279.

[10] محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، الجزء 16، الصفحة 210.

[11] الثابت والمتغير في الفقه الإسلامي، قراءة في جهود التيار النهضوي الخميني، الطباطبائي، الصدر.

[12] سورة النساء، الآية 59.

 

محمد بنيعيشأولا: الحكمة البليغة للمعجزة و بعدها الروحي والتاريخي

إن قصة الإسراء والمعراج قد كانت وستبقى أعظم حدث في السيرة النبوية، لأنها عرفت نقلات جد متنوعة ومتناسبة ومؤسسة لقوانين الوجود بكل صوره وتفاعلاته . فقد جمعت في لحظات جد وجيزة بين الواقع والمثال، الروحي والجسدي، الأرضي والسمائي، التاريخي والديني، الفيزيائي والكيمائي، الزماني والمكاني، الملكي والفلكي، كما ربطت بين نسبية الزمان والمكان وبين سرعة الإنسان ومنتهى الطرف والعيان، وأيضا تفاعل النفسي والجسمي والغذائي والسلوكي...

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال:قال رسول الله (ص) :"أتيت بالبراق وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه، قال:فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال:فربطته بالحلقة التي يربط به الأنبياء، قال:ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من خمر فاخترت اللبن، فقال جبريل:اخترت الفطرة "1 .

يقول الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله تعالى:"إن في الاقتران الزمني بين إسرائه عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس والعروج به إلى السموات السبع لدلالة باهرة على مدى ما لهذا البيت من مكانة وقدسية عند الله تعالى، وفيه دلالة واضحة أيضا على العلاقة الوثيقة بين ما بعث به كل من عيسى بن مريم ومحمد بن عبد الله عليهما الصلاة والسلام، وعلى ما بين الأنبياء من رابطة الدين الواحد الذي ابتعثهم الله عز وجل به.وفيه دلالة على ما ينبغي أن يوجد لدى المسلمين في كل عصر ووقت من الحفاظ على هذه الأرض المقدسة وحمايتها من مطامع الدخلاء وأعداء الدين، وكأن الحكمة الإلهية تهيب بمسلمي هذا العصر أن لا يهنوا ولا يجبنوا ولا يتخاذلوا أمام عدوان اليهود على هذه الأرض المقدسة وأن يطهروها من رجسهم ويعيدوها إلى أصحابها المؤمنين...

وفي تفضيل النبي (ص) اللبن على الخمر حينما قدمها له جبريل عليه السلام دلالة رمزية على أن الإسلام هو دين الفطرة، أي الدين الذي ينسجم في عقيدته وأحكامه كلها مع ما تقتضيه نوازع الفطرة الإنسانية الأصيلة، فليس في الإسلام ما يتعارض والطبيعة الأصلية في الإنسان، ولو أن الفطرة كانت جسما ذا طول وأبعاد لكان الدين الإسلامي الثوب المفصل على قدره ..."2 .

كما أن للبن دلالات العلم والمعرفة وصحة المصدر في التلقي والبحث والاستنتاج، كما دلت عليه روايات وتأويل صريح من النبي (ص) في الحديث عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله (ص) قال:بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب قالوا فما أولته يا رسول الله قال العلم"3.

ثانيا: الإسراء والمعراج ورواية عبد الله بن عباس المدسوسة

هذا العلم والتثبت فيه هو الذي سيجعل من قصة الإسراء والمعراج مجالا للتحقيق والتدقيق، سواء على مستوى السنة والرواية، أو على صعيد الحقائق وخضوعها للتصورات والتصديقات، ومن بينها تلك التي اعتبرت ملفقة في هذه المسـألة كالمنسوبة زعما إلى الصحابي عبد ابن عباس رضي الله عنه .

إذ الملاحظ على أصحاب السير والمؤلفين في الميدان أنهم لم يذكروا هذه الرواية بتاتا، بل لم يأت ذكر ابن عباس في القصة أصلا صحيحا أم منحولا، منهم ابن هشام عن ابن إسحق، وكذلك ابن كثير، بالرغم من تجميع هذا الأخير لمختلف الروايات صحيحها وضعيفها والمقارنة بينها وتحقيق ترتيبها و دلالاتها، كان على رأس تلك المصادر صحيح البخاري ومسلم .

فحتى وإن كانت هناك رواية عن عبد الله بن عباس في هذا الموضوع فلربما لم يذكرها المحققون تفاديا لفتح المجال أمام تسريب تلك الرواية المكذوبة والمنسوبة إليه بحبكة وذكاء ماكر، وبراعة في التخييل والتمثيل قد لا يتطابق مع الواقع والحقيقة في كثير من الجوانب .

وفي هذا الصدد يقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي:"احذر وأنت تبحث عن قصة الإسراء والمعراج أن تركن إلى ما يسمى ب"معراج ابن عباس "فهو كتاب ملفق من مجموعة أحاديث باطلة لا أصل لها ولا سند، وقد شاء ذاك الذي فعل فعلته الشنيعة هذه أن يلصق هذه الأكاذيب بابن عباس رضي الله عنه، وقد علم كل مثقف بل كل إنسان عاقل أن ابن عباس بريء منه، وأنه لم يؤلف أي كتاب في معراج الرسول (ص) بل وما ظهرت حركة التأليف إلا في أواخر عهد الأمويين .

ولما وقف دعاة السوء على هذا الكتاب ووجدوا فيه من الأكاذيب المنسوبة إلى رسول الله (ص) ما يكفل زعزعة إيمان الكثير من الناس، راحوا يروجون له ويدعون إليه وكان في جملة من كتب عنه مادحا ومعظما الدكتور لويس عوض، وما أدراك من هو لويس عوض، مع أنهم يعلمون قبل سائر الناس أنه كتاب مكذوب على ابن عباس وأن أحاديثه كلها باطلة، ولكن الكذب سرعان ما ينقلب عندهم صحيحا إذا كان فيه ما يشوش أفكار المسلمين ويلبس عليهم دينهم "4.

فقد تعمدت الوقوف ، أو استوقفني عند الموضوع، هذا التحذير عنوة من طرف المرحوم البوطي، لما له من أهمية قصوى وأثر قوي على نفوس المسلمين وذلك من مبدأ "ليس كل ملذوذ مفيد أو دال على المآل السعيد"، وإنما قد يكون اللذيذ قاتلا شر قتلة ومدمرا إلى حد بعيد، بل هو أكثر ضرا من سم الأفاعي وخبث الصدأ أو العناكب في المناكب.

إن توظيف هذه الرواية المزعومة والتركيز عليها ونشرها على أوسع نطاق لهي مماثلة لخلفية أولئك الذين يروجون وينشرون مثل كتاب "الروض العاطر في نزهة الخاطر في علم النكاح"المختص، زعما وتطرفا، في المجال الجنسي باعتباره عالم الملذوذات ودغدغة المحسوسات وتنويع المهيجات التي تلعب بالخيال الغريزي لعبا وتسكر العقل الضيق إسكارا وتجعل من المراهق شيخا ومن الشيخ مراهقا وليس كهلا كمثال دمية وكراكيز توجه بأدنى إشارة وتهتز بأوهن أصبع وإثارة.

وهذا الخطر المحدق بالعقيدة، والمهدد للمعتقِد البسيط أو الفج الضعيف، سبق وحذر منه الغزالي في كتابه الرائع والعلمي بامتياز:"إلجام العوام عن علم الكلام "، والذي سيذكر فيه وظيفة احترازية ووقائية في باب العقيدة عبر عنها بالوظيفة السادسة، وهي" الكف بعد الإمساك" أي الإمساك عن التصرف في النصوص الغيبية والعقدية بشكل جزافي واعتباطي:"وأعني بالكف كف الباطن عن التفكر في هذه الأمور فذلك واجب عليه كما وجب عليه - أي العامي - إمساك اللسان عن السؤال والتصرف، وهذا أثقل الوظائف وأشدها وهو واجب كما وجب على العاجز الزمن أن لا يخوض غمرة البحار وإن كان يتقاضاه طبعه أن يغوص في البحار ويخرج دررها وجواهرها، ولكن لا ينبغي أن يغره نفاسة جواهرها مع عجزه عن نيلها، بل ينبغي أن ينظر إلى عجزه وكثرة معاطبها ومهالكها ويتفكر أنه إن فاته نفائس البحار فما فاته إلا زيادات وتوسعات في المعيشة وهو مستغن عنها. فإن غرق أو التقمه تمساح فاته أصل الحياة، فإن قلت:إن لم ينصرف قلبه من التفكير والتشوف إلى البحث فما طريقه؟قلت:طريقه أن يشغل نفسه بعبادة الله وبالصلاة وقراءة القرآن والذكر، فإن لم يقدر فبعلم آخر لا يناسب هذا الجنس من لغة أو نحو أو خط أو طب أو فقه، فإن لم يمكنه فبحرفة أو صناعة ولو الحراثة والحياكة، فإن لم يقدر فبلعب ولهو وكل ذلك خير له من الخوض في هذا البحر البعيد غوره وعمقه العظيم خطره وضرره، بل لو اشتغل العامي بالمعاصي البدنية ربما كان أسلم له من أن يخوض في البحث عن معرفة الله تعالى فإن ذلك غايته الفسق وهذا عاقبته الشرك وأن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء"5 .

إذ الغزالي سيكون هنا واضعا اللبنات لما يمكن أن نصطلح عليه بعلم النفس العقدي، وهذا من أدق العلوم في نظرنا وأصوبها وأضبطها في المجال السلوكي، حيث سرعة التأثر بالأيديولوجيات ودغدغة المشاعر والعواطف عندها قد ينساق المرء مع أوهام الشوق والذوق من غير اكتراث ولا التفات، لأن حبك للشيء يعمي ويصم .

وعين الرضا عن كل عيب كليلة   وعين السخط تبدي المساويا

خاصة وأن مسألة الإسراء والمعراج هي من حيث المبدأ مثيرة للفضول ومحركة للخيال منذ الوهلة الأولى، شئنا أم أبينا، فإذا لم تكبح جماح العواطف عند محاذاة شواطئها تاهت النفوس عندها مع الأهواء وتشابه الأسماء في فضاءات لا نهاية ولا حد لها .

وهذا هو الذي قد حصل فعلا في الرواية المنسوبة زعما إلى عبد الله بن عباس حيث تبدو جدلية الملل والنحل جلية والصياغة فيها مقصودة وليس أنها مجرد سرد وخطأ أو تقصير في التعبير والتمثيل.

فمن بين المحطات التي تتجلى فيها قمة الحبك والصناعة المثيرة نجد هذه الفقرة:"قال النبي:فدنوت من ربي حتى صرت منه كقاب قوسين أو أدنى فوضع يده، يعني يد الله عز وجل، بين كتفي، ولم تكن يدا محسوسة كيد المخلوقين، بل يد قدرة وإرادة، فوجدت بردها على كبدي، فذهب عني كل ما رأيته من العجائب وأورثني علم الأولين والآخرين، وملئت فرحا وسرورا، فأخذني عنه الثبات والسكون فظننت أن من في السموات والأرض قد ماتوا إلا أنا لا أسمع هناك حسا ولا حركة، ثم رجع إلي عقلي وتفكرت فيما أنا فيه من الشرف العظيم...".

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

..................................

1- رواه مسلم

2- محمد سعيد رمضان البوطي:فقه السيرة ص152-153

3- رواه البخاري في كتاب العلم

4- محمد سعيد رمضان البوطي:فقه السيرة 154

5- الغزالي: إلجام العوام عن علم الكلام دار الكتاب العربي بيروت ص77

 

محمد بنيعيشأولا: الإسراء والمعراج كأعظم رحلة كونية بين الحقيقة والخيال

يكاد الباحثون يجمعون على أن هذا الحدث العظيم قد وقع بعد تراكم المصائب والعوارض على حياة الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ابتداء من وفاة زوجته السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها ثم رحيل عمه أبي طالب، الذي كان لا يألو جهدا في نصرته وحمايته، وكذلك بعد الرد العنيف من أهل الطائف ودخوله في جوار المطعم بن عدي، وعند تكثيف الجراءة والإذاية ضده من طرف قومه الذين كانوا ألد أعدائه وأشد مناوئيه.

ولقد كثرت الروايات والصيغ في عرض قصة الإسراء والمعراج ما بين مقل ومكثر وموجز ومفصل وحذر وسارح، قد يمتزج فيها الحق بالباطل والواقع بالخيال والأدب بالفكر والمبالغة بالتقصير، وهكذا كدليل على أن الحدث عظيم ويستحق كل هذا الاهتمام والتفهيم، كما أن له قيمته وسعته قد توازي سعة الأكوان والأرجاء التي طافها النبي (ص) رحلة وطول مسافة، حيث الدقة وكثرة الحقائق والمعنى وعمق الرقائق التي عايشها ولامسها في تلك الساعة من الليلة وأية ليلة هاته !.

فقد يكون الإسراء باعتباره مسارا أفقيا هو أقل الأضلاع مسافة في هذه المعادلة والرحلة الهندسية المتكاملة مع المسار العمودي الأوسع مجالا والأفسح مساحة، ومع هذا فقد يؤسس ما قد يصطلح عليه بالزاوية القائمة التي تمثل الوسط الهندسي والمرجع الرئيسي لكل الزوايا المتبقية من حادة ومنفرجة وغيرهما، طالما أنها كلها ترتكز على النقطة أصل الخط ومنبعه .وليس هناك أقوم من الوجود الكوني المرئي كقاعدة ومنطلق نحو قياس العالم غير المرئي، وهذا ما قد يصطلح عليه بقياس الغائب على الشاهد عند المتكلمين والمناطقة عموما.

قلت: إن الإسراء بالنسبة إلى المعراج لم يكن سوى نقطة الارتكاز لفتح المجال نحو التطلع إلى هذه الرحلة اللانهائية والتي قد تتخطى كل قواعد الزمان والمكان والواقع والإمكان، وتضع قواعد الجاذبية والفيزياء على محك الامتحان والزمن في دائرة النسبية وأوجه التوافق والتطابق.

ومن هذه التلميحات، التي قد نجر إليها جرا، فمسألة الإسراء والمعراج تمثل مجمعا معرفيا ستتداخل فيه التخصصات والخصائص والثوابت والمتغيرات بالمواقف وتتلون السلوكيات والمعارف عند الحقائق والمجازات، وتتكامل العقائد مع التشريعات، ويتواصل عالم الأحياء مع عالم الأموات وما هو كائن وكان وآت .

ومن هنا فليس الموضوع مجرد رحلة بسيطة أو حدث عابر، ولا هو أيضا محطة في مسيرة أو حلقة في سيرة، وإنما هو بحر لا ساحل له ومجال أوسع من كل تصور وخيال ووصف أو استدلال .

وكيف لا؟ وهو قد اندمج مع عالم سيصفه القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف بأنه عالم الخصوصية: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28))1 وأنه فيه:"ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"2 .

ومن هنا فإدراج الإسراء والمعراج في مواضيع السيرة النبوية قد لا يتركنا على اعتدالنا ملتزمين التخصص، وإنما سيجرنا شئنا أم أبينا نحو الانسياب في الوصف واستكناه المغالق، والتردد بين الذوق والشوق، والتطلع بكل حنين إلى عالم الفوق .ومع كل هذه الجاذبية فقد نعمل ونجتهد ما في وسعنا بالتزام التحفظ والاختصار وحصار الأشواق والخيال والألفاظ، حتى لا نطير أو نستطار فنتيه من غير كوابح وننحرف عن المسار.

فالنص القطعي في المسألة قد جاء ابتداء وجملة من القرآن الكريم، مخصصا سورة هي الإسراء بعينه في قول الله تعالى:" سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ".

فالآية مختصرة ومجملة، ودالة على الغاية الأساسية من هذه الرحلة النبوية نحو:"وأن إلى ربك المنتهى". وهي تتضمن التنزيه لله تعالى وإثبات القدرة والإرادة وصفات الكمال من سمع وبصر.وبهذا فالمحور فيها هو معرفة الله تعالى، معرفة كاملة سليمة وصحيحة، وتوحيده التوحيد الخالص بالاعتراف بألوهيته وربوبيته، وأنه الواحد الأحد الفرد الصمد المنزه عن العوارض والعوائق والعجز والنقص وكل قوادح الكمال .

وهذه المعرفة قد شملت توحيد الذات والصفات والأفعال، فليتأمل المتدبر في الآية سيجد هذه المعاني جلية وواضحة كل الوضوح.أما تفاصيل الرحلة وتنوع المحطات فليست إلا منحا وتنوع مشاهد مما يستلذ به ويستأنس به المسافر في طريقه من غير الوقوف أو العدول عن غاية وهدف الرحلة.

فالرحلة قد انطلقت بالليل وانتهت بالليل، أي أنها غيب في غيب، ولا يحيط بكل أسرارها إلا مالك هذا الغيب الذي قد يطلع على بعض منه من ارتضاه من عباده الرسل خصوصا.كما أنها من حيث المكان قد حددت المحطة الرئيسية، من المنطلق إلى المنتهى، أفقيا ثم عموديا كإشارة إلى الجمع بين الحقيقة والشريعة، بين عالم الأرض وعالم السماء لكمال المعرفة .

وهذا التطابق يؤكد محورية "المسجد الأقصى" في سيرة النبي (ص) وعند المسلمين اعتقادا وتعظيما، وذلك باعتباره مكانا مقدسا متطابقا ومتلاصقا مع المسجد الحرام في وظيفته وقيمته ومؤداه المعرفي إلى العروج نحو عالم الملكوت، ملكوت السماوات والأرض.

والتطابق هنا قائم في تسمية المسجد الحرام بنفس تسمية المسجد الأقصى، أي يوجد وصف جامع بينهما يرتكز على صفة المسجد بالدرجة الأولى لا غير.أي أنه ليس بهيكل ولا قصر ولا دير ولا كنيسة .وهو بهذا الوصف يكون ملكا لله الذي هو أعلم حيث يجعل رسالاته.وهو ملك لرسله الذين هم أولى باستخلاف ملكيته وتحقيق أمر الله فيه عبودية وخضوعا وتعظيما وتقديسا.

فلا للسياسة ولا للملك الدنيوي وحسابات أصحاب المادة والزخارف أي دخل أو حق التصرف فيه بغير حق أو تحويل وظيفته ورسالته لأغراضهم واحتيالهم، كيفما كان حال هؤلاء وأولئك، أفراد أو جماعات ودول .كما أنه بحكم ختم النبوة والرسالة فقد بقي أتباع آخر نبي ورسول هم المسئولون عن حمايته وحفظ وظيفته وحرمته، وليس هؤلاء سوى المسلمين لا غير.بحكم النص الديني والتاريخ والتسلسل النبوي الذي لا نبي فيه بعد سيدنا محمد (ص) خاتم الأنبياء والرسل .

في حين قد نجد في آية الإسراء إشارة ضمنية إلى مسألة المعراج مفتوحة على مصراعيها، إذ لم يكن المسجد الأقصى هو الهدف النهائي من الرحلة وإنما مثل المحطة التي منها سيمر المعراج إلى عالم الملكوت، كما أنه سيكون مجمع أغلب الأنبياء ممن لهم نسبة ما، أو ترقوا وتم لهم الفتح من خلال هذا المكان، وبالضبط في عين الزمان، ألا وهو الليل الذي فيه تتحدد النسبية ويتفاوت الشعور باجتيازه سرعة وبطء، بحسب المقام ونوع الرحلة بعدا أو قربا.

وهذه الإشارة تتجلى في قول الله تعالى:" لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ".حيث القصد والغاية الرئيسية من الرحلة.

ثانيا: الإسراء والمعراج وتكامل الروحي والجسدي في الرحلة

فالآيات ستنص عليها سورة النجم في دلالة واضحة على حدوث المعراج قطعا وذلك بالتناسب مع الإسراء، كما هي دالة على أن كليهما قد كان بالروح والجسد معا وليس أن الأمر مجرد رؤيا منامية، أو أنها سبح روحي محض . يقول الله تعالى:" وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)3 ".

بحيث إن رؤية الرسول (ص) لجبريل عليه السلام في هيئته التي خلقه الله عليها كانت في مرحلتين كما دلت عليه النصوص وهما: ليلة البعث أو بعدها عندما ذهب (ص) عند أهله وهو يقول "زملوني زملوني" ثم في هذه الليلة التي تحيل على النزلة الأخرى .كما أن قول الله تعالى:"لنريه من آياتنا "قد يتطابق ويتوافق مبدأ وغاية مع قوله تعالى:"ولقد رأى من آيات ربه الكبرى ".وهذا فيه دليل ما بعده من دليل على أن المعراج قد وقع في نفس ليلة الإسراء بالالتزام والتضمن، وأن المعجزة قد حصلت بالجسد والروح معا .

ونظرا لسعة مجال هذا الحدث العظيم والحقيقة ذات المساحة الشاسعة فيه فإن الروايات الوصفية والحاصرة له ستختلف من شخص لآخر بحسب استيعابه وذوقه وعمق عرفانه واغترافه، وكذلك بحسب مذهبه في التفسير والرواية .

ولهذا فقد تعددت الروايات وتنوعت وتداخلت بشكل شبيه بقصة شق الصدر الذي يعرف نفسه مرحلتين، كما سبق وبينا في الكتاب الأول من سلسلة فجر النور، وهي:مرحلة الصغر والطفولة حينما كان صلى الله عليه وسلم في حضانة السيدة حليمة السعدية، وهذه اللحظة المعِدة للعروج إلى الحضرة الإلهية.

وفي هذا التنوع الروائي يقول ابن إسحق:"كان من الحديث فيما بلغني عن مسراه صلى الله عليه وسلم:عبد الله ابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وعائشة زوج النبي (ص)، ومعاوية بن أبي سفيان، والحسن بن أبي الحسن، وابن شهاب الزهري، وقتادة، وغيرهم من أهل العلم، وأم هانئ بنت أبي طالب، ما اجتمع في هذا الحديث، كل يحدث عنه بعض ما ذكر من أمر ه حين أسري به (ص)، وكان في مسراه وما ذكر منه بلاء وتمحيص وأمر من أمر الله في قدرته وسلطانه، فيه عبرة لأولي الألباب، وهدى ورحمة وثبات لمن آمن به وصدق وكان من أمر الله على يقين، فأسرى به كيف شاء وكما شاء ليريه من آياته ما أراد، حتى عاين ما عاين من أمره وسلطانه العظيم وقدرته التي يضع بها ما يريد "4 .

إنه لتعبير بليغ هذا الذي أدلى به ابن إسحق:"فأسرى به كيف شاء وكما شاء ليريه من آياته ما أراد"، وفيه رد على أولئك المترددين كتردد من سبقهم حول التصديق بواقعية الإسراء، الشيء الذي سيحدث موازين جديدة في باب التسليم والتصديق حيث التفاوت في المقامات والقربات، كان على رأس القائمة حينذاك أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه.

فلم يكن الجدل القائم لدى البعض حول هل كان الإسراء مناما أم يقظة، جسدا أم روحا مجردا سوى تعبير عن قلق نفسي حيال الموضوع وعدم استيعاب لمقتضيات المقام، شبيه بتلك المواقف الماضية سواء لدى كفار قريش وصناديدهم أو حتى عند بعض المؤمنين ممن لم تترسخ لديهم عقيدة التسليم المطلق والتعظيم للمقام ومقتضياته.

ولم نجد أجمل تصوير لهذا الامتحان ومستوى التنقيط عليه والنجاح فيه من هذا الحوار العلمي بالدرجة الأولى وما يتضمنه من قضايا فكرية ونفسية وفيزيائية وفلسفية جد معقدة وراقية، يقول ابن هشام في السيرة:"فلما أصبح – أي رسول الله (ص) - غدا على قريش فأخبرهم الخبر فقال أكثر النا س هذا والله الأمر البين، والله لتطرد شهرا من مكة إلى الشام مدبرة وشهرا مقبلة، أ فيذهب ذلك محمد في ليلة واحدة ويرجع إلى مكة؟.

قال: فارتد كثير ممن كان أسلم، وذهب الناس إلى أبي بكر، فقالوا له:هل لك يا أبا بكر

في صاحبكم ؟ يزعم انه قد جاء الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع إلى مكة!! قال لهم أبو بكر:إنكم تكذبون عليه .فقالوا: بلى، ها هو ذا في المسجد يحدث به الناس، فقال أبو بكر:والله لئن قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك ؟فوالله إنه ليخبرني إن الخبر ليأتيه من الله من السماء إلى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه، ثم أقبل حتى انتهى إلى رسول الله (ص) فقال:يا نبي الله أحدثت هؤلاء القوم أنك أتيت بيت المقدس هذه الليلة ؟قال:نعم قال:يا نبي الله فصفه لي فإني قد جئته.قال الحسن:فقال رسول الله (ص):فرفع لي حتى نظرت إليه، فجعل رسول الله كلما وصف منه شيئا قال:صدقت يا رسول الله، قال حتى انتهى، فقال رسول الله لأبي بكر:"أنت يا أبا بكر الصديق"فيومئذ سماه الصديق".

هذا الحوار قد يمثل في الحقيقة محور السيرة والغاية منها وقطف ثمراتها والاستمتاع بنتائجها.إذ فيه يتجلى معنى الصحبة الحقيقي وأثر الصاحب على مصاحبه والتزامه بعدم التخلي عنه أو خذلانه في ساعة العسرة ولحظة الامتحان الشديد.

ولسنا الآن بصدد التفصيل في قضايا الإسراء والمعراج وما ورد فيهما من حقائق وخوارق وغرائب وعجائب، فهذا قد يدخل في حكم المعرفة العقدية والإخبار بالمغيبات التي لا سبيل إليها إلا الدليل القاطع والثبوت الناصع وهذا لا يتم إلا بالنص وليس غيره.

وحتى إن كان بعض الرواة قد نسجوا خيالات حول النصوص القطعية في هذه المسألة فما ذلك إلا بمثابة ما عبر عنه طه حسين في روايته:"على هامش السيرة"، أي أنه خطاب أدبي وروائي منذ البداية، وهو من نسج الخيال وتشويق النفوس واستشراف الغيب والجمال، ولكنه في نفس الوقت يستظل بظلال النص ولا يعارضه من حيث المبدأ أو العقيدة، وإن كان هذا السرد لا يوافق الحقيقة في بعض منحدراته.

إذ هنا يمكن أن نميز بين مخالفة العقيدة ومخالفة الحقيقة، وذلك لأن الأولى مصيرية وأساس كل حقيقة، وخاصة فيما يتعلق بالله تعالى ودينه وأنبيائه ورسله والملائكة واليوم الآخر...

لكن تفاصيل العالم الغيبي في سعته وتنوع أشكاله يمكن اعتبار أنه لا يمثل إلا حقيقة واحدة عند التأمل، وهي أنه قد يوجد عالم آخر غير عالمنا، وهذه عقيدة مجملة، وأما طرق تصوره فهذه حقيقة، إذ كل واحد سيتصوره بحسب مخياله واستيعابه طالما أنه لم يره ولم يصل إليه حسا وواقعا وجوديا.وهذا ما أقره النبي (ص) حول الجنة ومحتوياتها:"فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ".

فأبو بكر قد كان مصدقا عقيدة وحقيقة، وكانت العقيدة أسبق لديه من الحقيقة، ولكن هذه الأخير ة لم يوظفها أو يستند عليها إلا بعد الأولى وذلك حينما قال:"يا نبي الله فصفه لي فإني قد جئته".

وهنا اكتمل العرفان واجتمع علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين في الحين والآن المعرفي، وهكذا تحقق الكمال المعرفي بكمال الحال والمقال والمقام، فكان كمال الصدّيق ينبني على كمال العقيدة والحقيقة .وكيف لا والصديق هو صاحب القاعدة المعرفية المنسوبة إليه والمعبرة عن سر العرفان واستشراف الحقيقة خارج دائرة الزمان والمكان وهي:"العجز عن درك الإدراك إدراك".

هذا المعنى ربما يكون قد بَنى عليه أهل السلوك والعرفان مبدأ وحدة الشهود وتأسيس ركن كمال الحقيقة والشريعة، والذي يقتبسونه من المقام المحمدي الجامع لكل هذه الكمالات، والمفيض إياها على كل من صاحبه بصدق وإخلاص قريب من صدق أبي بكر وغيره من الصحابة الكرام بتوجههم الكلي من غير غفلة أو التفات.

وبما أن هذا التلازم قائم حول حقيقة الصحبة والتي هي محور السيرة النبوية والغاية من عرضها وسردها فإن معراج النبي (ص) سيكون ملهما لصحابته ولأمته من بعده في باب الارتقاء الروحي، حتى إن البعض قد يروي أو يتناقل بأنه (ص) لما تجاوز سدرة المنتهى سمع صوت أبي بكر على سبيل الاستئناس، مما سنعرضه فيما بعد، وأيضا فإنه توجد رواية أخرى عن بلال بن رباح رضي الله عنه . قد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر: يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة، قال ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي. واللفظ للبخاري.

وسواء أسمع هذه الخشخشة في اليقظة أو في المنام، عند ليلة المعراج أم في غيرها، فإنه دليل على ثمرة الصحبة وحضور الصحابة في وعي النبي (ص) وأولوياته، كما أن الأهم لدينا كمسلمين مؤمنين هو هذا التلاحم والتلازم بين المصاحَب وصاحبه من خلال القدوة واتباع السيرة لحد تحصيل المعية الدائمة( أو المستدامة)، والمتسلسلة بالحال والمقام والمقال، كما عبر عنها حديث حنظلة ونتيجته في إقرار و تقرير للنبي (ص):" عن حنظلة الأسيدي قال: وكان من كتاب رسول الله (ص) قال: لقيني أبو بكر فقال كيف أنت يا حنظلة؟ قال: قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله، ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند رسول (ص) يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عند رسول الله (ص) عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات فنسينا كثيراً. قال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله (ص)، قلت: نافق حنظلة يا رسول الله، فقال رسول الله: " (ص) وما ذاك؟." قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة، حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيراً، فقال رسول الله (ص): "والذي نفسي بيده؛ إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم، وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة ثلاث مرات.5 "بحيث إن صدق الصحبة وعمق التوجه فيها كفيل باستشراف الغيب ومعاينة المقامات في عالم الملكوت.والله الهادي إلى الصراط المستقيم.

 

د. محمد بنيعيش

........................

1- سورة الجن آية 26-28

2- جزء من حديث رواه البخاري ومسلم

3- سورة النجم آية 13 - 17

4- ابن هشام:سيرة النبي (ص) ج2ص3

5- رواه مسلم

 

محمد تقي جونعرّف الخليل بن أحمد الفراهيدي الاسلام بـ(الانقيادُ لطاعة الله، والقَبُولُ لأَمره). وهو تعريف قاصر لمعنى الاسلام. وقد شرح الله سبحانه معنى الاسلام في آيات كثيرة تجتمع على (التسليم لله ايمانا بوحدانيته وطاعة له في أوامره ونواهيه) فـ(الإسلام = التوحيد = عدم الشرك) والمسلم هو (الموحد لله غير المشرك). كما توضح الايات:

- بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة: 112)

- (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  (البقرة: 131).

- أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُون (آل عمران: 83).

-  وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (النساء: 125).

- قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ ۗ قُلْ إِنِّىٓ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ (الأنعام: 14).

- قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  (غافر: 66).

-  وَأَنَّا مِنَّا ٱلْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا ٱلْقَٰسِطُونَ  فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَٰئِكَ تَحَرَّوْاْ رَشَدًا (الجن: 14)

-  مَن يُسْلِمْ وَجْهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ (لقمان: 22)

-  فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ  وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ  فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا  وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ  وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (آل عمران: 20)

وجاء في القرآن الكريم أن إبراهيم الخليل (ع) صاحب أول (دين إسلام = الدعوة للتوحيد ونبذ الاشراك) وهو من سماه بهذا الاسم في قوله تعالى (مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ (الحج: 78). وإبراهيم (كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (آل عمران: 67). فهذه الايات تفسر الاسلام بـ(التسليم لله) بكل معانيه.

 والإسلام ليس دين النبي محمد (ص) وحده. بل هو اسم لكل الاديان السماوية التي بشَّر بها النبيون وحملوا رسالاتها الى الناس. (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (المؤمنون: 52).

 ان الآفة التي أصابت الإنسانية في دينها هي إشراك إله أو آلهة مع الله الرب العظيم. وعدا هذه الفكرة فان الأديان جميعاً تضمنت تعاليم ورياضات روحية للإنسان ليستوعب الله. وقد اثبت تاريخ الإنسان الطويل انه لم يستوعب فكرة الإله كما ينبغي؛ لأنه يريد إلهاً يراه ويسمعه (لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً (البقرة: 55). كما انه لم يستوعب الخير إلا ما يُعطاه بيده آنياً وليس غيبياً. ولم يستوعب القيامة لأنه لا يريد أو لا يقدر أن يراها بعقله، بل يريد أن يراها على طبيعته الآدمية القاصرة بعينه المجردة الكليلة (بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ* يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (القيامة: 5- 6). ويريد الله للإنسان أن يراه بعقله وقلبه كأنه يراه بعينه ويلمسه بأصابعه. ويرى القيامة الموعود بها في الغيب وهي حاضرة امامه لان وقوعها حتمي (إنَّ السَّاعَةَ ءاَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا (طه: 15). ليرتفع الانسان الى مستوى أعلى من مستواه الارضي (وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ (الأعراف: 176).

 ويؤكد القرآن الكريم إسلامية الأديان السماوية كلها، وان الأنبياء كلهم حملوا تعاليم واحدة لدين واحد هو الإسلام، ولم يفترقوا إلا في لغة التبليغ، وبأمور اقتضتها متطلبات كل مرحلة، وهي فيما يخص التحريم والتحليل. ويتفق المفسرون على أن الأديان كلها تتحد وتتفق في الجوهريات الثلاثة: التوحيد، والنبوة، والبعث.

 وتأكيد القرآن (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ (آل عمران: 19) لا يعني (الإسلام المحمدي) فقط، وانه جاء يلغي الأديان السابقة عليه، فيفسرون خطأ بهذا الاتجاه قوله تعالى (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (آل عمران: 85)). فالإسلام كما قلنا يعني (عدم الشرك) وهو واضح المعنى في آيات كثيرة كقوله تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ (آل عمران: 19)). والمعنى أن الدين المرضي هو الإسلام الذي عبر عنه إسلام محمد وإسلام موسى وعيسى وغيرهم، وان اختلافهم المزعوم بعد علمهم به هو بغي بينهم ليس غير.

 وهذه الفكرة تتوضح في قوله (تعالى) أيضاً (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (البقرة: 213)). فالله واحد والكتاب واحد، والاختلاف بغي من الناس بينهم ليس غير. وفي آية أخرى يذكر سبحانه وتعالى مجموعة من الأنبياء: إبراهيم ومن جاء بعده ليؤكد أن الدين بدأ إسلاما بإبراهيم الذي سماه ويبقى إسلاما وهو الذي يجب ان يكون عليه الناس ولا يقبل منهم غيره.

الإسلام الواحد عند جميع الأنبياء وليس الإسلام المحمدي وحده (قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (آل عمران: 84، 85)). وطلب الله (تعالى) من النبي محمد (ص) مجادلة المؤمنين من أهل الكتاب بالحسنى وبيان حقيقة أن الأديان الثلاثة ما هي إلا دين واحد (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (العنكبوت: 46). 

وجاء ذكر الإسلام من لدن أنبياء آخرين غير الرسول كقول النبي موسى (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ (يونس: 84). وقال النبي يوسف الصديق (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (يوسف: 101)). وجاء في قصة بلقيس (فَلَمَّا جَاءتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (النمل: 42)، مما يعني ان ديانة موسى ويوسف وسليمان والانبياء كلهم (عليهم السلام) إسلام أيضاً.

 ونجد القرآن الكريم لا يطلب من أهل الكتاب نبذ التوراة والإنجيل وراء ظهورهم والاستعاضة عنهما بالإسلام والقرآن، بل يطلب منهم العودة الى كتابيهما بعد ازالة البدع منهما، والعودة بهما إلى الصورة التي نزلا بها (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّىَ تُقِيمُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ (المائدة: 68). ثم يؤكد ذلك ويقويه بآية كررها مرتين باختلاف بسيط. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصَّابِؤُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صَالِحًا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (المائدة: 69) ومثلها (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة: 62). تدل الآيتان على قبول المسيحية واليهودية والصابئية وكل دين سماوي إذا طبق وفق كتابها المنزّل دون الحاجة إلى تغييره إلى الإسلام.. وأكدت ذلك الآية الثانية بانهم لا خوف عليهم (بشرط تطبيق كل شخص دينه بلا تحريف)،

وإذا جادل بعضهم بأن الإسلام دين محمد فقط، وما ورد بخصوص الأديان السابقة عليه اسم الإسلام يفسر بالإطلاق أو بالتسليم لله، فإننا نقول: ان المسيحية ليس اسم الدين الذي انزل على عيسى، واليهودية ليس اسم الدين الذي انزل على موسى، بل هما نسبة الدين لنبيه، ونحن نقول عن الإسلام (الديانة المحمدية) فيما يقابل الديانة المسيحية والديانة اليهودية. فما اسم الديانتين؟ لا جواب لديهم! والجواب هو الإسلام. ويعزز ذلك قوله تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (آل عمران: 67). وهو يعني بطلان هذه النسبة، فدين إبراهيم لا ينسب إليه، وكل دين لا ينسب إلى نبيه بل هو دين الله، فإبراهيم ليس يهوديا ولا نصرانياً، بل هو موحد مسلم، وهي حال الديانتين اللتين تنسبان إلى إنسانين، وكان يجب أن تبرآ من أي إشراك بعدم نسبتها إلى الإنسان بل إلى الله وهو جوهر الدين وكل دين سماوي، أو هو جوهر الإسلام.

وفي معنى الإسلام ذكر العلامة محمد جواد مغنيَّة في شرحه (الكاشف) انه قرأ مقالا للكاتب ضياء الريِّس جاء فيه أن كاتبة انكليزية لخصت مبادئ المسيحية بكلمة واحدة هي (المحبة) وتحدت العالم الإسلامي بأسره بشخص كاتب عربي دخل في نقاش معها، أن يختصر مبادئ الإسلام بكلمة واحدة، فأجابها الكاتب هي كلمة (التوحيد). وقد وجد ضياء الريِّس أن الكاتب لم يوفق في اختياره الكلمة واقترح أن تكون (الرحمة). وهنا قال جواد مغنية أن الريس لم يوفق أيضاً في اختياره هذه الكلمة لأنها لا تعبر عن جوهر الإسلام، واقترح كلمة (الاستقامة). وقد فاتهم جميعاً أنَّ الأديان السماوية الثلاثة غير منفصلة عن بعضها أو مختلفة بينها، وإنما هي دين واحد اسمه (الإسلام). وبهذا فالأديان الثلاثة ستختصرها كلها كلمة واحدة، وليس كلاًّ على حدة. وهذه الكلمة الواحدة تبينها الآية الكريمة (قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (الأنبياء:108) فـ(الإسلام = التسليم لله).

(الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه (الأنفال: 39) ولا فرق بين الاديان الا في شخوص أنبيائها. ولو وعى المتدينون ذلك لتحول اليهودي والمسيحي والصابئي والمجوسي الى الاسلام دون تردد. ولكن ان وجد اهل الديانات السابقة حيفا في التحول عنها الى الاسلام، فان الله سبحانه طلب منهم ان (يسلموا = التسليم لله) ليعودوا الى اصل دياناتهم، لانهم ان عادوا سيجدون أنفسهم في (الاسلام). وهي الدعوة التي دا الله سبحانه الناس جميعا لها (التسليم لله) (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ  وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ (اهل الديانات السماوية) وَالْأُمِّيِّينَ (العرب الكفار) أَأَسْلَمْتُمْ  فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا  وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ  وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (آل عمران: 20).

 

الاستاذ الدكتور محمد تقي جون

 

محمد بنيعيشأولا: حضور للجن عند النبي كتنفيس ومواساة عن الغم

إن انكفاء الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم نحو الداخل غما وكمدا، بعد أهوال الطائف وغيره، والمعوقات ضد دعوته، لم تكن في الحقيقة سوى نتيجة انعكاس لحرصه على الآخرين الذي أصبحوا في حكم اليائسين والبائسين، وانغلاق قنوات أنفسهم وأرواحهم عن رؤية التجليات والأنوار التي جاء بها من عند الله تعالى لإنقاذهم هم، والذي لم يكن له فيها من حظ ذاتي ولو لحظة أو ذرة .

ولم يكن الرسول هو المحبط أو اليائس البائس بدليل قوله (ص): "أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا".وهي رؤية واسعة سعة رحمة الله تعالى وشموليتها للماضي والحاضر والمستقبل، حيث إن الرسول (ص) يمثل قطبها ومحورها بل عينها كما قد يعبر به لدى العارفين: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، "فبما رحمة من الله لنت لهم".

كما أن هذا الانكفاء والرجوع بالكلية إلى الباطن ستقابله سلوى وجلوى وتجليات كاشفة لحقيقة الوجود، وعوالم أخرى غير تلك المحصورة بين الوديان والجدران من عالم الإنس والحيوان.

فكان من بين تلك التجليات والنتائج الإيجابية في الباطن، بعدما سدت أفق الظاهر من خلال المعارضة والمطاردة، أن طرحت مسألتان معقدتان ومتراتبتان سواء على المستوى المعرفي أو الوجودي وهما: مسألة سماع الجن وقصة الإسراء والمعراج، حيث لكل مقام مقال، نقتصر هنا على الأولى .

يقول ابن إسحق: ثم إن رسول الله (ص) انصرف من الطائف راجعا إلى مكة حين يئس من ثقيف حتى إذا كان بنخلة قام من جوف الليل يصلي فمر به نفر من الجن الذين ذكرهم الله تبارك وتعالى، وهم - فيما ذكر لي- سبعة نفر من جن أهل نصيبين فاستمعوا له فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله خبرهم عليه (ص) قال الله عز وجل: "وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن " إلى قوله تعالى"ويجركم من عذاب أليم "إلى آخر القصة من خبرهم في هذه السورة "1.

وموضوع الجن في خضم هذه الأحداث التي مر بها النبي (ص)، والعوارض التي واجهت دعوته، سيكون له دلالات معرفية وعقدية وأبعاد نفسية واجتماعية دقيقة، قد يمر عليها الكثير من الباحثين مر الكرام أو يضرب البعض بها عرض الحائط، إهمالا لشأنها وعدم التطرق إليها ولو بإشارة، من زعم أنها لا تخضع لمقاييس العقل والمنطق، ولا يمكن أن تطرح إلى جانب الواقع الملموس الذي هو من أهم خصائص السيرة النبوية ومقصدها قدوة وأسوة حسنة.

لكن وبمجرد وقفة سريعة وتأمل بسيط فقد تتبين لنا أهمية هذا الحدث ودلالاته المعرفية، بل ارتباطه المباشر بالواقع النفسي والاجتماعي، وخاصة العربي، الذي قد كان لديه إيمان قوي وتصديق جماعي بوجود الجن وتأثيره على حياتهم ونفسيتهم، حتى إنهم قد يدخلونه في حروبهم ومنازعاتهم ويسمون زعماءهم بأسمائهم وقبائلهم مع تحديد أماكنهم ومساكنهم في زعمهم.

فمسألة الجن هاته لا يمكن اعتبارها قضية تاريخية عامة أو أنها جزء من السيرة العملية التي تقتضي الملاحظة والتحليل من خلال المعطيات والآثار الثابتة، قد يتفق عليها العقلاء جميعا وتقبلها البدائه، وذلك لما قد يطبع هذه الكائنات من تضارب بين الخفاء والظهور وتأرجح بين عالم الغيب والشهادة .

يقول الشيخ محيي الدين بن عربي الحاتمي واصفا ومقربا الموضوع قياسا واستشفافا بأن الجن: "كائنات برزخية، أي أنهم لا من عالم الإنس ولا من عالم الملائكة، وإنما كما ذكر الله تعالى أصل خلقتهم بقوله: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15)، والنار لها تلونات و تشكلات بحسب قوة اشتعالها وارتباطها بالمادة الأرضية، وأيضا هي بحسب ارتفاع ألسنة لهيبها وتصاعدها نحو الأعلى، وهذا ما قد يسهل للجن قدرته على تقمص الشخصيات والظهور على صورة عدة كائنات والقيام بالطيران على مرتفعات قياسية بالنسبة إلى الإنسان، بل الطيران لحد ملامسة السماء الدنيا كما ورد في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف .

فتفاصيل وجودهم قد تحدث عنها القرآن الكريم في سورة خاصة بهم وهي "سورة الجن"، التي فيها تأكيد على قابلية تواصل هذا الكائن الخفي مع الإنس والتقارب معه لغاية التقاطع أو التضارب في المصالح والمفاسد على حد سواء .ولكن كل هذا قد يتم بضوابط وشروط وقانون وجودي لا يمكن تعديه كما يقول الله تعالى في أول السورة: " قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) " .

ففي السورة دليل الإدراك عند هذه الكائنات واستعمالها للحواس المقابلة للإنسان، كما أن لديها لغة مطابقة أيضا لما عليه لسانه بحسب التموضع الجغرافي والعرقي وما عليه الأعراف والتقاليد، أو بعبارة أخرى قد يوجد عند الجن مجتمع موازي للإنس بكل ما لديه من مظاهر وأعراض قابلة للاقتباس والتشكل . حتى يمكن اعتبار هذا تداخلا وتقاطعا بين مجتمعين مختلفين شكلا وجوهرا، قد لا يوجد قاسم مشترك بينهما سوى الإدراك والتوظيف اللغوي . أي يمكن اعتبار الجن كتعريف منطقي بأنه" مارج ناطق في مقابل الإنسان الذي تعريفه التقليدي أنه حيوان ناطق! " وهذا التواصل والتقاطع سيشير إليه القرآن الكريم بقوله: " وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ".

فلقد جاء هذا الوصف مطابقا لما كان عليه الواقع عند العرب، في مزاعمهم وظنونهم التي سيختلط فيها الصواب بالخطأ والوهم بالحقيقة، وذلك بالفصل الغيبي في هذا الموضوع وتخليص الحق من الباطل في قضيته، مؤكدا على أن الجن موجود فعلا وحقيقة ثابتة، وعلى أن التوهم كما حدث لدى الإنسان في علاقته بالجن وعالم الغيب عموما هو نفسه و بنسب متقاربة قد وقع لدى الجن وذلك في تحديد علاقتهم ببعضهم البعض، وأيضا من حيث موقفهم من الدين والعقيدة والعالم الغيب عموما .

كما أن إدراكهم، بالرغم من طيرانهم وسرعة تحركهم فيزيائيا وروحانيا، هو محصور ومقيد، قد يختلط فيه الصحيح بالفاسد والحق بالباطل، وأنهم في حد ذاتهم ليسوا من أهل الغيب وإنما هم بين بين، كما ذكر الشيخ محيي الدين ابن عربي الحاتمي، وهذا ما نص عليه القرآن الكريم في قصة سليمان عليه السلام: ( فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ)2 .

لا أريد أن أسهب في الحديث عن هذا الموضوع العميق والدقيق، عقديا وفلسفيا وجوديا، ولكن كنت أود الإشارة فقط إلى أن حضوره في هذه المحطة والمرحلة بالذات من سيرة النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ربما قد كان فيها تمهيد وإيذان بفتح العوالم الغيبية المتدرجة، حتى يكون هو قد استوفى ما على الأرض وتحت الأرض من معرفته بكائناتها ليتسنى له العروج نحو العوالم الأخرى تساميا، وارتقاء من مقام إلى مقام وركوبا طبقا على طبق.

ثانيا: الجن وفتح قناة جديدة وموازية للدعوة الإسلامية

هذا من جهة، ومن أخرى فإنه كما يقول الدكتور محمد علي الصلابي فقد: "هبط هؤلاء الجن على النبي (ص) وهو يقرأ ببطن نخلة فلما سمعوه قالوا: "أنصتوا".

هذه الدعوة (العالمية الكونية الشاملة) التي رفضها المشركون بالطائف ستنتقل إلى عالم آخر، هو عالم الجن، فتلقوا دعوة النبي (ص) ومضوا بها إلى قومهم كما مضى بها أبو ذر الغفاري إلى قومه، والطفيل بن عمرو إلى قومه، وضماد الأزدي إلى قومه، فأصبح في عالم الجن دعاة يبلغون دعوة الله: "يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ "...

كان هذا الفتح الرباني في مجال الدعوة ورسول الله (ص) ببطن نخلة عاجز عن دخول مكة، فهل يستطيع عتاة مكة وثقيف أن يأسروا هؤلاء المؤمنين من الجن وينزلوا بهم ألوان التعذيب؟ وعندما دخل النبي (ص) مكة في جوار المطعم بن عدي كان يتلو على صحابته سورة الجن فتتجاوب أفئدتهم خشوعا وتأثرا من روعة الفتح العظيم في عالم الدعوة، وارتفاع راياتها، ليسوا هم وحدهم في المعركة، هناك إخوانهم من الجن يخوضون معركة التوحيد مع الشرك.

وبعد عدة أشهر من لقاء الوفد الأول من الجن برسول الله (ص) جاء الوفد الثاني متشوقا لرؤية الحبيب المصطفى والاستماع إلى كلام رب العالمين"3 .

إنه بمثابة فتح قناة ثانية للدعوة، أو بعبارة أخرى استعمال الدعوة الموازية كمواجهة نفسية واجتماعية وكبعد إعلامي واسع الانتشار، هذا إذا علمنا بأن العرب أشد تأثرا بعالم الجن وتفاعلا به من غيره، الأمر الذي سيجعل الاهتمام بالموضوع كبيرا جدا والتوجس من حرب الجن ومواجهتهم قائما، بل إن الجن سيكونون أدرى بألاعيب إبليس وأساليب مكره وتمويهه، ومن ثم فقد يسدون عليه المسالك من عدة نوافذ، مواجهة وتحذيرا وفضحا وتفسيرا، سواء بالنسبة إلى جنسهم من الجن أو إخوانهم من الإنس.

وهذه القيمة المضافة إلى الدعوة ستكون بلسما وترويحا نفسيا عن النبي (ص) مما لقيه من سوء معاملة ورد عنيف من طرف أهل الطائف وباقي القبائل العربية الممانعة والصادة للدعوة.

وكما سبق وأشرنا فموضوع الجن قد يتوافق مع الواقع النفسي والاجتماعي عند العرب عموما، وهو موجود حقيقة، وحتى إذا اعتبره البعض وهما، فهذا الاعتراض توهم في حد ذاته، إذ علم الاجتماع الحديث قد يقر عنصر العقيدة كمكون أساسي للمجتمع وركن في إحداث التغيير فيه، أيا كان هذا المجتمع وكيفما كان المعتقد.

كما أن العرف محكم في تأصيل التواصل، ومن الأعراف عند العرب أن الجن موجود ويمكن التواصل معه، إذن فلا غرابة ولا وهم حينما يطرح هذا الموضوع في مقابل الردود السيئة التي صدرت من إنس العرب باستجابة جنهم للدعوة كإشعار للآخرين بأنهم ليسوا وحدهم من يتخذ القرار، وإنما هناك غيرهم من قومهم وفي منطقتهم من هم أقرب إليهم وأشد تهديدا لهم إن هم تمادوا في هذا الصد والمعاداة .

لكن، والله أعلم، نرى بأن المغلب في هذا التجلي وفتح قناة الجن للدعوة ونشر الإسلام قد كان هو الترويح عن النبي صلى الله عليه وسلم وتحفيزه لمواصلة الدعوة من غير اكتراث أو انكفاء إلى الداخل غما وهما، إذ في الخارج الجلي والخفي قد يوجد ما به التسلي من عوالم متعددة الصور والخصائص، وهي جاهزة كل الجهوزية لتقبل هذه الدعوة والإيمان بما أرسل به النبي (ص) على أحسن وجه وفي أبهى صورة وتمثيل وامتثال، كما وصف (ص) رد الجن في سورة الرحمن عند قوله تعالى: " فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ".

روى أبو عيسى الترمذي عن جابر قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه فقرأ عليهم سورة "الرحمن" من أولها إلى آخرها، فسكتوا فقال: " لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردودا منكم، كنت كلما أتيت على قوله: (فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)، قالوا: لا بشيء من نعمك - ربنا - نكذب، فلك الحمد".

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.............................

1- ابن هشام: سرة النبي المجلد 2ص31

2- سورة سبأ آية 14

3- الدكتور علي محمد الصلابي: السيرة النبوية، عرض وقائع وتحليل أحداث ندار المعرفة بيروت ص220-221

 

 

سناء عبدالقادر مصطفىبمناسبة مرور عشرون سنة (2001) على صدور كتاب النومينكلاتورا -الطبقة الحاكمة في الاتحاد السوفيتي الذي صدر عن دار الزمن في الرباط بالمغرب تحت اسم سقوط الامبراطورية الحمراء لمؤلفه الأستاذ الدكتور ميخائيل فوسلينسكي والذي قمت بترجمته من الروسية الى العربية، أعيد نشر أحد فصول الكتاب.


 كسرنا الأرض المتجمدة بالمعاول،

صهرنا الحديد،

قدمنا صدورنا لفوهات بنادق الكولاك .

وأنت حينما وصلت بسيارة "بابيدا"*،

صرخت من الشباك:

أكملوا البناء! .. عدّنوا! ..

فنسينا النوم والغداء،

وأنت قدتنا

من نصر إلى نصر!

وأنت:

بدلت "البابيدا" بـ "الفولكا"*،

وفيما بعد ..

بدلت "الفولكا" بـ "الزيم"*،

وبعد ذلك ..

بدلت "الزيم" بـ "الجايكا"*،

وإثر ذلك ..

بدلت "الجايكا" بـ "الزيل"*،…

أما نحن فأضنانا العمل،

كسرنا الأرض بالمعاول، وحملنا الأثقال

ومع هذا فأنت قدتنا

من نصر إلى نصر

ورفعت الأنخاب

على شرف النصر …

***

الشاعر:  أ. كاليج . متى أعود .

فرانكفورت على الماين. 1977، ص121-122.

* بابيدا وفولكا وزيم وجايكا وزيل- سيارات يركبها القادة الحزبيون في الاتحاد السوفيتي.

....................

يكرّس لينين الفصل الختامي من كتاب "الإمبريالية- أعلى مراحل الرأسمالية" لموضوع الطفيلية والتعفن ونحن نكرس الفصل الختامي من الكتاب الحالي لنفس المشكلة- تطبيقاً للاشتراكية الحقيقية .

في أي شئ يرى لينين السبب الرئيس للطفيلية والتعفن في الطبقة الحاكمة للمجتمع الرأسمالي الحديث؟ هل في أن المجتمع- رأسمالي؟ لا، ولكن برأيه لقد أصبحت الاحتكارات هي الحاكم الفعلي في هذا المجتمع .

ويرى لينين بحق أن السبب الرئيس للطفيلية في أي احتكار هو اتخاذها شكل طبقة . وتتحدد الطبقة الطفيلية وتعفن النظام الاجتماعي المقام من قبلها والمرتبط بها بنطاق الاحتكار، إذ بقدر ما عمم هذا الاحتكار أكثر بقدر ما هي مصانة من المنافسة الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية وبقدر ما توجد إمكانية أكثر لتجدد طفيلية الطبقة الحاكمة وتحولها إلى طائفة متصلبة جالسة على رقبة المجتمع ماصة عصيره دون أن تعطيه أي شئ .

هل توجد الظاهرة الطفيلية في ظل الرأسمالية؟

نعم توجد . ولكن الأصلية لا توجد في الرأسمالية . لذا فما يسمى في الأدبيات الماركسية بـ "الاحتكارات" -في الحقيقة- ما هي إلا اتحادات احتكارية ضخمة لا يوجد لدى أي منها قوة لإحتكار السوق، ولذلك كقاعدة- أشار لينين إلى أن ظاهرة الطفيلية الشاذة تظهر في المجتمع الرأسمالي الحديث كنزعة إلى الركود والتعفن لا غير(1) .

وهناك شئ آخر في ظل الاشتراكية الحقيقية هو أن احتكار طبقة النومينكلاتورا يكون شاملاً فكل منافسة مع الاحتكاريين النومينكلاتوريين يقضى عليها بعنف من قبل ديكتاتورية هذه الطبقة ولا يعيق الطفيلية والتعفن أي شئ لكي يغرقا في المستنقع الآسن المملوء بالاحتكار المخلوق اصطناعياً . ويفسر التوتر الخاص لمثل هذه العمل واقع أن طبقة النومينكلاتورا التي برزت في الميدان التاريخي بعد طبقة الرأسماليين بوقت متأخر قد سبقتها كثيراً بمقدار تجددها الطفيلي .

1-هل تعمل النومينكلاتورا؟

إن النومينكلاتورا هي طبقة خدمة نموذجية، فقد مثلها بوقته في المجتمع الإقطاعي بالبداية طبقة النبلاء العليا (البويار) التي من واجبها خدمة الدولة ومن ثم النبلاء الاعتياديين، وجميع أعضاء طبقة النومينكلاتورا هم موظفون شكلياً، إذ يشغلون مراكز قيادية محددة دائماً في الجهاز الحزبي والحكومي، لذا فإنهم يبدون خدومين، ويسمح للنومينكلاتورين بالاستتار خلف واجهة الموظفين .

إن النومينكلاتورا تخدم، ولكن هل تعمل؟

خلال سنوات حكم النومينكلاتورا في الاتحاد السوفيتي حدث تباين طريف في المعنى بين كلمتي "يخدم" و "يعمل" . ففي بداية الثلاثينات قالوا عن الموظف: "هو ذاهب إلى الخدمة". والآن غير مقبول القول هكذا وإنما يقولون: "ذاهب إلى العمل" . ولا يعني هذا أن كلمة "خدمة" حرمت رسمياً، والعكس يقال عن الخدمة العسكرية وعن "خدمة قضية السلم" وعن "خدمة الوطن الاشتراكي" . وباختصار فإن كلمة "خدمة" من الناحية الرسمية حظيت بمسحة إعلاء ولكن في نفس الوقت يمكن القول عن الشخص: "هو لا يعمل وإنما يخدم"، معنى هذا أنه يملك محلاً في الملاك ويستلم راتب ولكن لا يوجد نتائج محسوسة عن نشاطه . إنها خصائص نفسية طريفة في اللغة، إذ هي تكثيف لأفكار وشعور الشعب!

والنومينكلاتورا نفسها كطبقة خدمة تحب في الأساطير المبتدعة أن ترسم عن نفسها صورة الموظف النومينكلاتوري الكادح الذي لا يكلّ، خذوا من عهد ستالين الفيلم السينمائي "المواطن العظيم" أو رواية ف. كوجيتوفا "أمين سر لجنة المحافظة" أو حتى كتاب ألكسندر بيك الذي بقي منقوماً عليه ولكن المخصص منه للنشر في الاتحاد السوفيتي هو "التعيين الجديد": البطل النومينكلاتوري الذي صور كإنسان في كل زمان، مع أنه بالطبع افتخار لإرادة الحزب فوق الجماهير، فهو يعمل من الصباح الباكر حتى وقت متأخر من الليل ويقدم جميع قواه لخير الشعب . وبهذا الشكل يحب أعيان النومينكلاتورا أن يروا إنعكاسهم، والمهم هي محاولتها الإيحاء للشعب الذي يراها داخل السيارات المسرعة في طريقها أن أعضاء النومينكلاتورا يحملون على أكتافهم حمل الأعمال الثقيل وعبء الأعمال الحكومية التي تسعد الناس السوفيت البسطاء أنفسهم .

وتختفي هذه الأسطورة كما لو أنها دخلت حينما تحصلون على إمكانية رصد نشاط النومينكلاتوريين بأنفسكم وتتعرفون بدهشة كيف ينظمون هذا النشاط .

ولا يتعلق الأمر بكسل النومينكلاتوريين، فهؤلاء الناس نشيطون وليسوا كسالي في نظام الاشتراكية الحقيقية القائم بوظائفه، إذ لا توجد ضرورة للاجتهاد وللعمل في ظروف الاحتكار المطلق .

أما في الواقع، علام تعمل النومينكلاتورا؟ هي طبقة مستغلة، وبالتالي فإن مستوى معيشتها العالي يضمن بعمل الآخرين من الناس الخاضعين لها . وهؤلاء الناس بالملايين لأن النومينكلاتورا هي رب العمل الوحيد في البلاد، ويوجد بين هؤلاء الناس أخصائيون بعدد كاف من الذين تنهرهم النومينكلاتورا بصوت آمر وهم يديرون لأجلها العملية الإنتاجية . ففي ظل هذا الأسلوب ينتجون أقل من الممكن؟ يكون الأسوأ للتابعين، أما النومينكلاتورا نفسها فهذا لا يعنيها لأنها تأخذ حقها . لا يوجد سبب لأن تعمل النومينكلاتورا ؛ إن عملها هو التسلق إلى أعلى، ولكن الطريق إلى أعلى يمتد إليها ليس من خلال العمل وإنما من خلال الدسائس ضد المنافسين وكسب حماة أقوياء .

لا، فالنومينكلاتوريون لا يتكاسلون وهن أناس مشغولون دائماً، وشغلهم هو عمل تدرج في السلم الوظيفي فقط وليس للمجتمع . إن احتكارها الكامل للسياسة والاقتصاد والأيديولوجيا ونظامها الديكتاتوري هو الذي بواسطته أمنت النومينكلاتورا على نفسها وبهذه الطريقة انعزلت عن الشعب بحيث لا توجد ضرورة لعمل شئ ما لصالح المجتمع لأن مكانها خلف عجلة القيادة مضمون في جميع الأحوال .

وتتوخي أية طبقة غاياتها بحيث لا تسترشد أية واحدة منها بحب البشرية، ولكن الطبقة التي لا تملك احتكاراً كاملاً على السلطة ستضطر إلى تعويض موقعها القيادي بالعمل لصالح المجتمع .

إن هذا غير ضروري لطبقة النومينكلاتورا الإحتكارية، إذ يوجد هنا جذر تجددها الطفيلي السريع .

وأينما وقعتم في الوسط النومينكلاتوري فلا تقعون في جو الإبداع والعمل وإنما في جو ترقي المناصب والتزلف والتبجح والمكائد . "أسياد الدسائس"- هكذا يقول الناس في الاتحاد السوفيتي عن النومينكلاتوريين طالما يعرفون أنهم لا يملكون أية عبقرية في العمل عادة، ولكن مقابل هذا لا يوجد من يضاهيهم في الكائد .

وتصيب الطفيلية أية طبقة سائدة ومستغلة ومتميزة في المجتمع، ولكن يجب أن تكون طبقة تشبه النومينكلاتورا وتسود في ظروف الاحتكار المطلق ومُعرَّضة بشكل خاص للتجديد الطفيلي .

2- طفيلية النومينكلاتورا كطبقة

ماذا يعني مفهوم "طفيلية الطبقة"؟

لا يتطلب فهمها طبقاً إلى لوحة الإعلان حرفياً، لأن هذه الطبقة تعبر تبعاً لكلمات ماياكوفسكي عن الذين يأكلون الأناناس والطيور . إن الطبقة الحاكمة تحكم، وهذا هو شغل يتميز عن تذوق الأطعمة اللذيذة . والسؤال هو كيف تحكم؟

هل تقود المجتمع جيداً، معنى هذا، هل يعيش الناس جيداً من الناحية المادية والروحية في المجتمع الذي تديره؟ وهل أن مستوى الدخل عال؟ وهل هم أحرار؟ وكذلك هل تعمل الطبقة الحاكمة لصالح المجتمع أو تحكم لإرضاء حبها الخاص للسلطة والغرور بالضد لهذه المصالح؟

إن الجواب على هذه الأسئلة يستعمل تشخيصاً لخضوع الطبقة الحاكمة للاستحالة الطفيلية .

فإذا كان الناس يعيشون بشكل سيئ وإذا كانوا هم ليسوا أحراراً وإذا كانت الطبقة السائدة تحكم من أجل التنعم بالسلطة والامتيازات، فإن اليقظة لساعات طويلة في مكاتب وقاعات الاجتماعات لا تساعد في حجب طفيليتهم عن جسد المجتمع . وأكثر من ذلك إن طفيلية أكل الأناناس لا تلحق ضرراً بالمقارنة مع طفيلية تنعم الحاكمين بالسلطة من أجل لذة ساديّة بالسيطرة على الآخرين من الناس .

وتتكون الاستحالة الطفيلية لأية طبقة حاكمة في تدهور اقتصادها تاريخياً . وهي يمكن أن تكون محددة بصيغة اعتيادية: الربحية تساوي الحصول على فائدة بعد خصم النفقات الإنتاجية .

وتظهر التجربة التاريخية أن الفائدة التي يحصل عليها المجتمع بمرور الزمن من عمل الطبقة الحاكمة تنقص دائماً، أما الثمن الذي يدفعه المجتمع لقاء هذا العمل فيرتفع . وما دامت الربحية -على الرغم من انخفاضها- تبقى في جميع الأحوال إيجابية الكمية، يمكن الكلام عن نزعة إلى طفيلية الطبقة الحاكمة . ولكن تحل مرحلة حينما تصبح الربحية صفراً ومن ثم كمية سلبية لأن نفقات المجتمع على الطبقة الحاكمة تكون على حساب رفاهية المجتمع . ومن هذه اللحظة ينبغي القول ليس عن النزعة إلى الطفيلية، ولكن عن طفيلية الطبقة الحاكمة، وهي قد أصبحت بذلك طبقة طفيلية تسبب خسارة للمجتمع . ويشهد التاريخ أنه في مثل هذه الحالة يبدأ المجتمع بالكفاح بنشاط أكبر من أجل التحرر من الطبقة الحاكمة الطفيلية وفي نهاية المطاف لابد من إحراز النجاح .

إن ثمن حكم طبقة النومينكلاتورا في الاتحاد السوفيتي باهظ ومضن . فالجزء الأول والأكثر قسوة لهذا الثمن هو حياة عشرات الملايين من البشر الذين أهلكتهم النومينكلاتورا . هنا توجد الملايين التي أبادتها هيئات أمن الدولة النومينكلاتورية وملايين الذين ماتوا جوعاً بسبب النومينكلاتورا وملايين الهالكين في الصراع من أجل سلطتها . هنا مصائر ملايين البشر المعطلة بسبب ديكتاتورية النومينكلاتورا . فإذا نجحنا في حساب جميع هذه الملايين سيبدو الرقم هائلاً . لقد حسب البروفيسور الروسي إي. أ. كوركانوف الفرق بين عدد السكان الذين كان يجب أن يعيشوا إلى سنة 1959 داخل حدود الاتحاد السوفيتي تحت ظل نمو سكاني اعتيادي من سنة 1917 والعدد الفعلي، فظهر الفرق بحدود 110 ملايين شخص(1) .

الجزء الثاني: الثمن هو فقر سكان البلاد نتيجة استغلالها من قبل طبقة النومينكلاتورا وعدم معرفة وأهلية النومينكلاتورا في تطور الاقتصاد طبقاً لحاجيات السكان وليس طبقاً لمصالحها الطبقية الأنانية .

الجزء الثالث: الازدياد الجامع لاستهلاك طبقة النومينكلاتورا . لا يجري الحديث عن الأطعمة اللذيذة وبناء المنازل الصيفية فقط ولا عن نظام إدارتها فقط ولكن قبل كل شئ عن الثروات المادية والبشرية الضخمة المبددة ليس على الاستهلاك الطبقي فحسب ولكن على الماكينة العسكرية العملاقة والاحتكار الأيديولوجي وعلى سياسة التوسع خارج البلاد .

الجزء الرابع: إلغاء النومينكلاتورا للحرية وخنق الأفكار المستقلة مع منع أعضاء المجتمع من العلاقات الفكرية الاعتيادية بينهم وبين المجتمعات الأخرى . كل هذا بدأ وكأنه كبد المجتمع في الاتحاد السوفيتي ليس خسائر معنوية ضخمة فقط ولكن خسائر مادية جسيمة لا يشعر بها وخصوصاً في مجالات العلم والتقنية والثقافة .

لقد أدى كل هذا إلى عدم تطور عصري للبلاد بعد سقوط القيصرية في روسيا . ولا تستطيع المناظرات الدعائية من جعل الاتحاد السوفيتي هو البلد المتقدم جداً في العالم وبلد الاشتراكية المتطورة الوحيد لأن هذه الكلمات القديمة المكيّفة عن أن "موسكو هي روما الثالثة " (لا يمكن أن تكون رابعة) . ولا يطمس التخلف سطوة الماكينة الحربية التي صنعتها النومينكلاتورا لأن قطعان جنكيز خان كانت في حينها ذات تنظيم وتسليح ممتازين أيضاً ولكن الإمبراطورية المغولية كانت مجتمعاً متخلفاً وغير متقدم .

ومن أن المحتمل أن نكون قد عددنا ليس جميع أجزاء الثمن الذي يجب أن يدفعه المجتمع السوفيتي لقاء سيادة طبقة النومينكلاتورا هناك ولكن المذكور يكفي للإقناع لأن الثمن باهظ جداً .

وفي واقع الحال، ماذا حصل المجتمع السوفيتي مقابل ذلك؟

ومن غير الصحيح التفكير بأن سيطرة النومينكلاتورا لم تجلب شيئاً إيجابياً للمجتمع في الاتحاد السوفيتي ولكن بهذا المقدار من غير الصحيح اعتبار أي خاصية إيجابية ميزت الاتحاد السوفيتي في الثمانينات عن روسيا القيصرية في العام 1913 خدمة النومينكلاتورا . إذ تحاول الدعاية النومينكلاتورية الدس للجميع أن يفكروا فيما لو لم تكن سلطة النومينكلاتورا لكانت روسيا كما هي عليها اليوم بالضبط قبل سبعين عاماً . ولكن هذا كذب سخيف . فمنذ سنة 1913 تغيرت جميع أقطار العالم بدون استثناء وخاصة تلك التي لا يجوز فيها طبقة النومينكلاتورا بالذات . من الذي يصدق أنه إلى هذا الوقت حتى في هذه البلدان الغريبة مثل البرازيل وتايوان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وهونغ كونك غير متكلمين عن اليابان التي تغيرت كل التغير بدون نومينكلاتورا لبقيت روسيا في الوقت الحاضر هكذا كما كانت عليه في العام 1913 إذا لم تغدقها النومينكلاتورا بحسنات حكمها .

وفي غضون ذلك كانت روسيا في سنة 1913 متطورة وعصرية أكثر من البلدان المذكورة أعلاه . وعلى أثر الدعاية البلشفية لسنوات ما قبل الثورة يحاول علم التاريخ السوفيتي المعاصر الكلام عن روسيا القيصرية في ذلك الوقت بجميع ما هو متنافر، فمن جهة أن روسيا هي شبه مستعمرة ومصدر المواد الخام إلى دول أوروبا الغربية الإمبريالية، ومن جهة أخرى فهي نفسها بلد إمبريالي ذو صناعة ثقيلة متطورة وبروليتاريا قوية مؤهلة للثورة الاشتراكية . لقد وجدت هذه السخافة تعبيرها الموجز في الصيغة اللينينية التي تبناها ستالين بعد ذلك: "الإمبريالية الإقطاعية-العسكرية " . ومن وجهة النظر اللينينية بالذات إن هذه الصيغة سخيفة لأن الإقطاعية هي نظام سابق حتى للرأسمالية المبكرة، أما الإمبريالية طبقاً إلى لينين فإنها المرحلة العليا والأخيرة للرأسمالية . فإذا كان الأمر كذلك، فإن "الإمبريالية الإقطاعية" هي أيضاً سخيفة مثل "الماء الجليدي المغلي" .

ويجب المقارنة ليس مع روسيا سنة 1913 وإنما مع البلدان في الوقت الحاضر حيث توجد النومينكلاتورا الحاكمة، وحينذاك سوف يكون الحكم موضوعياً وكذلك أية نتائج إيجابية للسيادة النومينكلاتورية في الاتحاد السوفيتي .

مثل هذه النتائج كانت موجودة، ويمكن أن تكون الصناعة الثقيلة قد بدت أقل تطوراً من الآن في روسيا فيما لو لم تكن النومينكلاتورا، ومن ثم كان يمكن أن يكون إنتاج سلع الاستهلاك الشعبي والصناعات الخفيفة والغذائية متطورة بشكل أفضل بالمقارنة من الآن . ولكننا قد تكلمنا عن هذا سابقاً خاصة مشاكل الأسعار المرتفعة التي يدفعها المجتمع السوفيتي مقابل سيادة النومينكلاتورا، كما أن تطور الصناعة الثقيلة هو حقيقة بحد ذاتها .

إن تطور الصناعة الثقيلة -كما تكلمنا- سابقاً كان للنومينكلاتورا ليس غرضاً بذاته وإنما شرط أولي ضروري لتطور الصناعة الحربية، فالصناعة الحربية والتقنية الحربية متطورتان في الاتحاد السوفيتي أكثر بكثير -دون شك- فيما لو لم يكن انقلاب أكتوبر والقدرة الحربية للاتحاد السوفيتي في مقاييسها الحالية هي دون شك ثمرة جهود النومينكلاتورا . هل هذا جيد أو سيئ؟ إذا هدد الاتحاد السوفيتي عدوان خارجي كان جيداً وإذا كان الاتحاد السوفيتي بالاستثناد على قوته الحربية بهدد بلداناً أخرى، فإنه سيئ .

وينبغي التقييم إيجابياً أنه في الاتحاد السوفيتي يوجد إيجار منخفض لقاء السكن ومقابل استخدام وسائط النقل وخدمات طبية مجانية وأنه توجد بيوت راحة ومصحات غير قليلة العدد وكتب وتذاكر المسرح والسينما رخيصة . بالطبع كل هذا كما قلنا هو الجهة المقابلة للانخفاض في مستوى الأجور ولكن هو جيد بحد ذاته .

لقد نظمت النومينكلاتورا البحث العلمي في الاتحاد السوفيتي بشكل لا بأس به، فالمدارس السوفيتية الابتدائية والمتوسطة والعالية توجد في وضع جيد، وبطبيعة الحال فإن الطالب في الاتحاد السوفيتي يعيش أصعب بكثير مما هو عليه في الغرب، لأن بيوت الطلبة أسوأ بكثير والمنحة منخفضة جداً، ولكن العملية الدراسية منظمة بصورة معقولة (إذالم نتكلم عن تدريس العلوم الاجتماعية من وجهة نظر الماركسية- اللينينية) ويملك الخريجون في الاتحاد السوفيتي مؤهلات جيدة جداً .

وقد شاع في الغرب رأي بأن أنشئ في الاتحاد السوفيتي نظام ؛ بوليسي ولكنه نظام . وهذا ليس هكذا تماماً، ففي الواقع فإن الجرائم الجنائية في الاتحاد السوفيتي كثيرة، أما المدن السوفيتية وخاصة ضواحيها فخطرة تماماً، ولا نتعجب لذلك لأن الشرطة السوفيتية المشغولة بمكافحة المجرمين مؤسسة ضعيفة سيئة التجهيز بالمقارنة مع ماكينة الـ ك ج ب الضخمة العاملة بدقة، وبهذا الشكل لم ننجح في العثور على أية خدمة للنومينكلاتورا في هذا المجال .

هذا كل ما هو إيجابي وما يمكن تسجيله لحساب النومينكلاتورا بالحقيقة .

هل استحق كل هذا ملايين من الضحايا البشرية وفقر الناس وخنق الحريات؟ لا، لم يستحق . إذ تدرك النومينكلاتورا هذا بشكل ممتاز لأنه ليس هباء حجب الاتحاد السوفيتي بجدار أصم عن بلدان أوروبا: حيث السكن والنقل والعلاج الطبي ليس مجاناً ولكن الناس يعيشون أفضل . ويعيشون أحسن لأنه لا توجد في الغرب طبقة النومينكلاتورا الحاكمة .

وبالطبع في الاتحاد السوفيتي كما هو الحال في أي بلد آخر كانت لهم صعوباتهم الموضوعية ولكن من الخطأ مضاعفتها .

كثيراً ما نسمع: "كيف يمكن مقارنة روسيا مع الغرب؟ أليس روسيا بلداً فقيراً! " أنا بنفسي فكرت هكذا قبل أن أرى الغرب . وبعد أن رأيت البلدان الصغيرة المحرومة تقريباً من الثروات الطبيعية بمثل هذا الاقتصاد المزدهر فهمت أن روسيا بلد غني أسطوري ولكنها تحكم ببشاعة قروناً . وحكمها بصورة فظيعة الأمراء والبويار (الأرستقراطيون الأغنياء) والقياصرة والنبلاء، ويحكمها بصورة شائنة الأمناء العامين والنومينكلاتورا .

اسمعوا كيف يشتكي النومينكلاتوريون: "إن عدد الناس في الاتحاد السوفيتي لا يكفي! "أي استنتاج عملت النومينكلاتورا؟ لا يكف الناس للعمل في البلد، دعونا إذن نبيد الملايين تحت حجج مختلفة: مثل الحرس الأبيض والتروتسكيين ومثل خونة روسيا! لا يكف الناس للعمل في البلد: دعونا نسوق الملايين إلى الجيش وهيئات أمن الدولة والجهاز الحكومي! يشكوا النومينكلاتوريون باكين: "البلاد شاسعة، من هنا تأتي الصعوبات" أي استنتاج تعمل من هنا؟ البلاد عظيمة، دعونا نركز كل سياستنا على أن نخضع لها جميع البلدان الجديدة!

تبرز في هذه الأهواء على حساب أرواح العشرات ونوعية حياة مئات الملايين من الناس بجلاء طبيعة طبقة النومينكلاتورا . وحينما تتغزل الدعاية النومينكلاتورية بهذه الأهواء مثل "السياسة الماركسية-اللينينية للحزب"، مثلما نتذكر بأسىً لينين معترفين كم يصاب بـ "الغثيان" من "حلاوة الكذب الشيوعي" .

3- الطفيلية تتخذ شكل تنظيمي:

في كتاب "الإمبريالية- أعلى مراحل الرأسمالية" حاول لينين البحث عن دلائل ملموسة لتقدم طفيلية طبقة الرأسماليين، معلناً أن تطور عدد أصحاب الدخل الثابت الذي يعيشون على فوائد من الرأسمال هو مثال لهذه السمة . إن التأكيد غريب لأنه ليس جدير بالذهنية اللينينية، ومن الواضح أن لينين عمله بسرعة (ألف الكتاب خلال 6 أشهر) تحت تأثير ملاحظات عابرة في سويسرا لسنوات 1914-1916 وفي جزيرة السلام هذه حيث انتظر عدد كبير من الناس الأثرياء من مختلف بلدان أوروبا نهاية الحرب العالمية الأولى، وإلاّ كيف يفهم القارئ الغربي أن شراء أوراق ثمينة هو عمل غير طفيلي وإنما أحد أشكال حفظ المدخرات النقدية . هذه حقيقة أن الناس لم ينفقوا مدخراتهم ولكن استثمروها في تطوير الصناعة، وهذا لا يمكن أن يملك أية صلة بالطفيلية عموماً . وبالمناسبة فإن جميع الكادحين السوفيت اضطروا في زمن ستالين لاقتناء سندات قروض الدولة بمبلغ لا يقل عن راتب شهري، فهل يعني هذا قد ظهرت طفيلية الكادحين السوفيت؟ بالطبع لا، فقد كان هذا ضريبة إضافية عليهم وكانت الطفيلية شيئاً آخر، لأنه من المليارات المبتزّة بهذا الشكل استخدمت مبالغ كثيرة لامتيازات النومينكلاتورا على بناء المنازل الصيفية لأعضاء النومينكلاتورا وتطوير أجهزة أمن الدولة .

وتظهر طبقة النومينكلاتورا، وليدة لينين وستالين طفيليتهما بشكل ملموس تماماً، فقد اتخذت طفيلية النومينكلاتورا شكلاً تنظيمياً أيضاً .

إن الشكل الرئيس هو نسخ الهيئات الحزبية لعمل الهيئات الحكومية . وقد تكلمنا سابقاً عن أن الهيئات القيادية لطبقة النومينكلاتورا- المكتب السياسي وأمانة سر ل م ح ش إ س ومكاتب اللجان المركزية للأحزاب الشيوعية في الجمهوريات الاتحادية ولجان الأقاليم (المحافظات) والأطراف والمناطق والمحليات والمدن للحزب الشيوعي السوفيتي احتكرت -كل على مستواه- اتخاذ جميع القرارات التي تملك صفة سياسية بقدر ما . وقلنا أن المكتب السياسي وأمانة سر ل م ح ش إ س هما بالذات الحكومة الأصلية للاتحاد السوفيتي، أما مجلس وزراء الاتحاد السوفيتي فهو مجرد هيئة إدارية، رفيعة المستوى لتنفيذ قرارات هذه الحكومة، والحالة مماثلة في كل جمهورية وإقليم ومنطقة في كل مدينة وقرية . وحينما تلاحظ كيف تعيد مجالس الوزراء واللجان التنفيذية لمجالس نواب الشعب ببساطة كتابة القرارات المرسلة إليهم من قبل هيئات النومينكلاتورا القيادية ذاكرين بأنها قراراتهم وواضعين عليها أرقاماً وتواريخ مناسبة بعد ذلك يكون من الصعوبة عدم طرح السؤال التالي: هل أن إعادة كتابة القرارات هذه أمر ضروري بشكل عام؟ أن إحدى هذه الهيئات فائضة عن الحاجة، إما الحزبية أو الحكومية .

والنسخ ليس في إعادة كتابة القرارات الحزبية في المراسيم السوفيتية فقط، فهو يتخلل جميع أعمال الأجهزة الحزبية والحكومة ويجد انعكاساً واضحاً في موازاة تركيبها .

ولكل وزارة في الاتحاد السوفيتي أو على الأقل مجموعة وزارات متقاربة من حيث الاختصاص قسم مطابق في ل م ح ش إ س . فحسب السجل الرسمي لدرجات مديرو أقسام ل م يعتبرون أعلى من وزير في الاتحاد السوفيتي، وطبقاً لذلك فإن النائب الأول لمدير قسم في اللجنة المركزية هو أعلى من النائب الأول للوزير، أما نواب مدير قسم في ل م فهو أعلى من نواب الوزير، وجميع أعمال الوزارة تراقب وتوجه من قبل هذا القسم، ومن جديد يبرز سؤال: شئ واحد غير ضروري، إما القسم أو الوزارة؟

تعلن النومينكلاتورا الجواب على هذا السؤال: لا تنسخ الهيئات الحزبية عمل الهيئات الحكومية ولكن تحقق القيادة الحزبية، فالحزب هو القوة القيادية والموجهة للمجتمع السوفيتي . معنى هذا أن الهيئات الحزبية تبرز في دور القوميسار السياسي بظل الهيئات الحكومية؟ لا، إذ ينفذ دور القوميسار السياسي أمناء سر اللجان الحزبية في المؤسسات الحكومية، ويمكن الكلام ما طاب من القدر على أن الهيئات الحزبية تنظر إلى القضايا بطريقة حزبية، أما الهيئات الحكومية فتنظر في نفس القضايا بطريقة حكومية، ولكن في الواقع فالحديث يجري حول نسخ عمل واحد، ويعني هذا من الناحية العملية أنه في محل شخص واحد ولنفرض أنه وزير يقوم بنفس العمل شخصان مدير قسم في ل م والوزير أيضاً .

هل يقومون بهذا العمل أم لا؟ وهنا نأتي إلى الشكل التنظيمي الثاني للنومينكلاتورا . يتكون هذا الشكل من أنه يوجد لدى كل نومينكلاتوري مساعدون حتماً، وبقدر ما أن النومينكلاتوري رفيع المقام، بقدر ما يوجد مساعدون أكثر . إذ يوجد لدى رئيس رئاسة مجلس السوفيت الأعلى في الاتحاد السوفيتي 16 نائباً، ولدى رئيس مجلس وزراء الاتحاد السوفيتي 12 نائباً، ويوجد لدى وزير خارجية الاتحاد السوفيتي 10 نواب، وحتى في معاهد البحوث العلمية يوجد لدى النومينكلاتوري الوحيد هناك -مدير المعهد- عدة نواب، وإذا كان يوجد نائب واحد فقد، معنى هذا أن المعهد صغير لا يعتد به أو أن مدير المعهد شخص ذو فكر حر .

أتذكر يوماً ما حين قدمت من موسكو لألقي محاضرة في فيينا، تحدثت مع أحد الموظفين النمساويين العالي الشأن وسألته- "من هو نائب الوزير عندكم؟" . هز محدثي كتفيه وأجاب بأن لا يوجد نائباً عموماً، " من هو إذن الذي يعمل بدل الوزير؟" -سألته بحيرة . "الوزير يعمل بنفسه!" -أجاب بذهول . ذهلنا نحن الاثنين الخارجين من عالمين مختلفين، لأنه كان واضحاً بالنسبة لي أن الوزير يجب أن لا يعمل بنفسه، إذ يوجد من يعمل بدلاً منه، وبالنسبة لمحدثي كان واضحاً بقدر كبير أن الوزير يؤدي عمله بنفسه طالما لم يحل على التقاعد .

ماذا يعمل الوزير السوفيتي في الحقيقة؟ يعلن الجواب الرسمي: يحقق القيادة الجماعية .

" القيادة الجماعية"- هذا المصطلح من الرطانة النومينكلاتورية مثل "القيادة الحزبية" . وحسب معناه فهو يقترب من مفهوم "الرئاسة الفخرية"، إذ يتربع الوزير في مكتبه العظيم ويتنقل في الـ "الجايكا" ويحضر اجتماع ل م الموسع ودورات مجلس السوفيت الأعلى ويجلس في رئاسة الاجتماعات المهيبة، وهو يترأس زملاءه في الوزارة ويضع توقيعه على أوامر الوزارة المهمة جداً المهيأة من قبل الجهاز الخاص بذلك ويركب السيارة إلى اجتماعات مجلس وزراء الاتحاد السوفيتي ويمشي بهيبة حينما يدعوه إلى هناك ويحضر مناقشات قضية مهمة في المكتب السياسي وأمانة سر ل م ح ش إ س . وهو يظهر في حفلات الاستقبال والمآدب ويسافر ضمن وفد إلى الخارج ونادراً ما ينجز زيارة تفتيش ميدانية في مشاريع وزارته، وهو ربما تكمن وظيفته الأساسية في تقوية الاتصال بصورة منتظمة -التعارف الودي الشخصي حسب الإمكانية- مع مدير القسم التابع له في ل م ونائبه الأول وكذلك مع نائب رئيس مجلس وزراء الاتحاد السوفيتي الذي هو كما متعارف عليه القول: "وصي" على الوزارة .

و"الوصاية" - مصطلح نومينكلاتوري أيضاً شاع استعمالة في أواسط الخمسينات . ويحقق "الوصي" مراقبة على نشاطات الوزارة والإدارة العامة "القيّم" عليها وما شابه ذلك من الدرجات الدنيا من "القيادة العامة" وطبقاً لذلك فهم "قيّمون" ليس على مدراء الأقسام ونوابهم الأوائل ولا على رئيس مجلس الوزراء ونائبه الأول ولا الوزراء ونوابهم الأوائل، ولكن النواب فقد . وهؤلاء النواب كما تكلمنا تتوزع بينهم مواضيع "الوصاية" بكثرة . ويقوم بـ "الوصاية" على الوزارة نواب رئيس مجلس الوزراء وعلى الإدارات العامة نواب الوزراء وعلى المديريات نواب رؤساء الإدارات العامة ومشاريع الوزارة نواب مدارء المديريات .

تقوم القيادة الحزبية والقيادة العامة بالوصاية، فمن الذي يعمل في النهاية؟

تظهر الخبرة العملية أن العمل يبدأ هناك حيث تنتهي النومينكلاتورا . وبالطبع يوجد استثناءات من هذه القاعدة، وقد صادف أن رأيتها ولكن بشكل عام تكون القضية كالتالي: هناك حيث تكون النومينكلاتورا قائد يعمل جهاز نومينكلاتوري .

في صيف العام 1957 حصل معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية -حيث عملت وقتذاك- على مكان وزارة بناء المحطات الكهربائية في الاتحاد السوفيتي التي حلّها خروشوف حديثاً . وكانت الوزارة في بناية كبيرة في الممر الصيني، هناك حيث تتخذ المديرية السوفيتية العامة لمراقبة الأدبيات ولجنة الدولة للألكترونيات مكاناً الآن . وقد سرنا بفضول في الوزارة المهجورة، ومكتب الوزير ضخم ذو جدران مكسوّة بألواح خشبية (مثل الكرملين) وغرفة راحة وتواليت وغرفة استقبال، ومكتب وكيل الوزير واسع وذو جدران مكسوّة بألواح خشبية أيضاً بالإضافة إلى غرفة استقبال أصغر، وغرف المدراء الأقل درجة لا بأس بها، كما عُملت غرف صغيرة حيث وضعت فيها مناضد للكتابة قرب بعضها من نوعية رديئة للموظفين، وبعد أن شبعنا تفرجاً على هذا التشريح الاحتماعي لوزارة سوفيتية، استغرقنا في قراءة دفاتر تسجيل الوارد والصادر من المراسلات التي سجلت في أمانة سر الوزارة باهتمام . وكما أوصي في المؤسسات السوفيتية، فقد دوّن أمناء السر في الدفاتر بحرص القرارات المتخذة من قبل القيادة العليا، وكتب الوزير باختصار، إذ وضع كنية وكيله "الوصي" المناسب لهذه القضية، ويحرر الوكيل جواباً شكلياً على ورقة لمدير الإدارة معطياً أمراً قيماً: "راجع القضية واتخذ الإجراءات "أرسل مدير الإدارة الجواب لنائبه الذي بدوره أرسل ورقة إلى القسم المختص مع قرار: "للتنفيذ" وهنا انتهت النومينكلاتورا وبدأ العمل . إن إلغاء الوزارة اكتسح جميع النومينكلاتوريين الواضعين للقرارات من مراكزهم، ولكن بدأ التيار الكهربائي في البلاد واصل العطاء .

ومن المحتمل قد خطرت على بالي فكرة خطيرة في ذلك الوقت لأول مرة: أليس من الممكن أن يكون جميع هؤلاء المدراء النومينكلاتوريين طفيليين؟ الآن أستطيع الجواب على هذا السؤال .

4- النومينكلاتوريون- طفيليون

على امتداد ربع قرن من الزمان عملت مع النومينكلاتورا وتعرفت على كثير من أعضاء هذه الطبقة، وكان بينهم مختلف الناس، الجيدون والسيئون والوسط، الأغبياء والأذكياء، الكسولين والمجتهدون، والفاحشين الخبثاء والناس الشرفاء والألطاف الذي لازلت لحد الآن مرتبطاً بهم بشكل قوي .

سوف يقرأ نفر منهم هذا الكتاب ويمكن أن يوافق في قرارة نفسه على الكثير مما قيل هنا ويقطب حواجبه بأسى حينما يفتح صفحاته، وسوف يستاؤن كالبشر مادام الشخص يداوم في العمل كل يوم من التاسعة صباحاً بالضبط ويعتبر هذا مهم جداً، سيطالع فجأة بأنه طفيلي، وأريد أن أخاطبهم بطريقة إنسانية ولا أتهمهم بالدناءة من الخارج .

نعم، فهم يذهبون إلى العمل ويمارسون امتيازاتهم كما يملي عليهم واجبهم وسلطتهم مع إمكانية التصرف بمصير الآخرين، وهم يدركون بأنهم ليسوا بثوريين ولا يبنون أي مجتمع شيوعي غير طبقي، ولكن يعتبرون بأنهم يحكمون بلداً عظيماً، وفي هذا تكمن خدمتهم وحقهم في السلطة والامتيازات .

هل يديرون الاتحاد السوفيتي جيداً؟ في الجواب على هذا السؤال أتوجه إلى الشرفاء منهم فقط الذين يهزون أكتافهم، لأنهم يحكمون هكذا كما قررت القيادة، وفي جميع الأحوال أفضل مما حكم سابقوهم في عهد ستالين، هذه هي الحقيقة . ولكن ليست كلها .

لقد وفقت بوقتها أن أكون في مرافعات محكمة نيورنبيرغ . كان المتهمون موظفين رفيعي الشأن جداً في الرايخ الثالث، وكذلك هزوا أكتافهم لأنهم عملوا كما أمرهم الفوهرر . ولم يفكر أحد منهم -في جميع الأحوال وعلانية- على أنهم فعلوا ذلك لأن الفوهرر أمرهم بمجرد أنهم كانوا مستعدين للعمل .

ونفس الشيء الآن في الاتحاد السوفيتي، انصرمت أوقات استبداد الفوهررات، إذ يتخذ المكتب السياسي وأمانة سر ل م مجرد تلك القرارات التي ينضجونها ويعدونها في النومينكلاتورا . نعم، فالنومينكلاتوري لوحده ليس بمقدوره التأثير على القرارات إذا لم يكن عضواً في هذه القيادة، ولكن دعه لا يرفض، لأن هذا يعكس القرارات في نهاية المطاف ورغباته في الحفاظ على سلطته والامتيازات بغض النظر عن كون السياسة التي ينبغي أتباعها من أجل هذا جيدة أو سيئة . نعم، ليس جميع أعضاء طبقة النومينكلاتورا مثقفين مع الاتجاه الذي تسلكه قيادة هذه الطبقة، ولكن أية استنتاجات عملوا؟

سوف لا نتكلم عن النقد العلني لهذا الاتجاه، لأنه من المستحيل أن نطلب من الشخص العادي بطولة الأكاديمي ساخَروف، إذ لا يوجد أحد من الرافضين لهذا الاتجاه قد تخلى عن النومينكلاتورا وانتقل اختيارياً إلى عمل غير نومينكلاتوري حسب الاختصاص ورفض النعيم المرتبط بوجوده في الطبقة الحاكمة؟ اذكروا لي مثل هؤلاء!

وبالطبع كما في الرايخ النازي كحالة مماثلة يوجد دليل ملائم، لأن الناس الجيدين في النومينكلاتورا يستطيعون على كل حال عمل شئ ما جيد، وإذا غادروا، يبقى في النومينكلاتورا الأنذال فقط، ويكون الوضع أسوأ فيها . هذا صحيح إذا عمل النومينكلاتوريين الشرفاء شيئاً ما إيجابياً فعلاً، وبحضوري أقنع موظف لطيف في ل م ح ش إ س بلطف و أدب بالهاتف الأكاديمي كابيتسا بكتابة رسالة كاذبة إلى جريدة "تايمس" عن أنه -كابيتسا- لم يحتج بالمرة ضد حبس جوريس ميدفيديف في مستشفى الأمراض العقلية ولم يحتج لأن ميدفيديف مريض نفسياً بالفعل . والمصيبة أن الإنسان الشريف في طبقة النومينكلاتورا يضطر -إذا أراد هو أن يبقى هناك أكثر من أي شيء في الدنيا- لمجاراة خط طبقته الطفيلية ولا يصنع النومينكلاتوريون الطفيليون شخصياتهم بأنفسهم، وإنما يصنعها نظام الاشتراكية الواقعية .

ولأنني ما زلت لا أدرك مغزى هذه العملية اصطدمت معهم فوراً بمجرد أن لامست عالم النومينكلاتورا . ففي شهر كانون الثاني من العام 1947 أرسلوني في برلين إلى مجلس المراقبة الاتحادي في القطاع السوفيتي قسم البروتوكول والعلاقات (Section Soviet Element, Protocol and Liaison ). في السابق اضطر مدير القطاع المقدم مارتينوف إلى كتابة الأوراق بنفسه على الرغم من أنها كانت قليلة فقد شعر بحدة أن هذا العمل غير نومينكلاتوري، وفلح في أن أرسلوني له .

واعتباراً من هذا التاريخ صرت أقوم بكتابة الأوراق أما المقدم فيقوم بتوقيعها ويذهب إلى الحفلات، ولكن كمدير أصبح يستحي من أنه لا يملك نائباً، وقد حصل على ما أراد فأرسلوا له النقيب كرايينسكي بصفة نائب، ومنذ ذلك الوقت روى النقيب المرح النكات وتهكم بلا نهاية، وضحك المقدم كمناصر له، أما أنا فقمت بكتابة المحاضر وملكت وقت فراغ كافي.

وإعتدت آجلاً أن النومينكلاتوري إذا كان ليس بموظف بسيط في جهاز نومينكلاتوري وإنما مدير ما، فإنه سيطلب بالتأكيد نائباً لنفسه، وإذا ممكن عدة نواب من أجل أن يحقق بنفسه "القيادة الجماعية" .

ويشعر المدير النومينكلاتوري بوخز الضمير إذا لم يعمل بنفسه، فأحد معارفي -صحفي إذاعي سابق ذو قلم سيّال- أصبح مديراً لمعهد علمي، معنى هذا أنه دخل في نومينكلاتورة أمانة سر ل م ح ش إ س، ومنذ ذلك الوقت يكتبون له ليس الخطب والمقالات فقط ولكن حتى الرسائل البسيطة . وحينما طلب من عندي أمين السر المسؤول للجنة الدفاع عن السلام السوفيتية كوتوف بأن أكتب كما شاع القول "مسودة" مقالة مدير اللجنة ن. س. تيخونوف، تمتمت بحيرة أن تيخونوف كاتب معروف، قال كوتوف بإرشاد "نيقولاي سيميونوفيج ليس كاتباً فقط وإنما هو أمين سر إتحاد الكتّاب السوفيت ورئيس اللجنة السوفيتية للدفاع عن السلام" . وبهذا قال كل شيء: كان الكاتب النومينكلاتوري مهم جداً بحيث لا يوجد لديه متسع من الوقت للكتابة .

أن روح النومينكلاتورا هي روح الطفيلية، وهذا يشبه السيدة بروستاكوف في قصة فونفينيسكي "الجهلاء" حين قالت، أنه ليس من شأن الإرستقراطية معرفة الجغرافيا، ولهذا يوجد الحوذي، وفي النومينكلاتورا يعتبر أنه ليس من شأن النومينكلاتورا العمل، ولهذا يوجد التابعين .

5- كيان النومينكلاتورا يحدد وعيها:

لقد أعطى ماركس الصيغة التي أصبحت معروفة للجميع: "لا يحدد وعي الناس كيانهم الاجتماعي ولكن بالعكس فإن كيانهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم "(3) . ولذلك يحدد الكيان الاجتماعي للنومينكلاتورا كطبقة ديكتاتورية حاكمة مستغلة ومتميزة وطفيلية وعيها بالكامل .

وصاغ أخلاق النومينكلاتورا أبواها لينين وستالين . فقد علّم لينين الكومسوموليين: "نحن نستنكر كل أخلاق مأخوذة من المفهومين اللاإنساني واللاطبقي"، وهذا يعني أن الصراع من أجل إقامة ديكتاتورية النومينكلاتورا إذاً "يخدم أخلاقية هذا الصراع هدم مجتمع الاستغلال القديم وتوحيد جميع الكادحين حول البروليتارياً(4) .

" … تخضع أخلاقنا بالكامل لمصلحة الصراع الطبقي للبروليتاريا" وهذا يعني إقامة مجتمع مستغل جديد بقيادة المدعية "طليعة البروليتاريا"- النومينكلاتورا . وقد نظر ستالين أقل، فبدلاً من هذا أظهر للعالم بوضوح ماذا تعني هذه الأخلاق الجديدة .

ولقد سحبت من المكتبات منذ زمن بعيد بحوث علماء الاجتماع السوفيت في العشرينات ؛ إذ كان سحبها ليس دون قصد، لأنهم ثبّتوا في البحوث الارتفاع السريع لصفات الجفاف والقساوة والأنانية المستهترة والوصولية بين الناس . وظهر هذا الاتجاه بدقة بين الشباب خاصة، إذ بهذا الشكل جرى الحديث علناً ليس عن "بقايا الرأسمالية" وإنما عن الظاهرة الجديدة . وكان قد منعت البحوث المستقبلية، وبدلاً من هذا بدأت الأناشيد المملة والمستمرة عن "الانسان السوفيتي الجديد" الذي يحب حزبه ولجنته المركزية والعمل بنكرات الذات لصالح الوطن الاشتراكي بدون حدود .

ولكن الظاهرة المشار إليها من قبل علماء الاجتماع من البساطة تفسيرها من وجهة نظر ماركسية . فقد كتب ماركس وأنجلس "تظهر أفكار هذه الطبقة المسيطرة في كل عصر من خلال الأفكار السائدة" . معنى هذا، أن تلك الطبقة التي تمثل القوة المادية المسيطرة للمجتمع هي في نفس الوقت قوته الروحية المسيطرة (5) .

وانتشرت الأخلاق الطبقية للنومينكلاتورا في المجتمع الخاضع لها، ولكن مثلما لُوّثت المجموعات المختلفة للمجتمع بهذه الأخلاقٍ تجد انعكاسها في صفوف النومينكلاتورا نفسها .

وكما تكلمنا سالفاً أن النومينكلاتوري يستخدم السلطة والامتيازات ليس لأنه يعمل ولكن يحسبان له تبعاً للمركز الذي يشغله، ويحصل على المركز بقرار من الهيئة الحزبية القائد، فمن أجل الفوز بمثل هذا القرار يجب على الشخص أن يكون وصولياً محظوظاً ؛ ولهذا السبب تسود الروح الوصولية الوضيعة داخل النومينكلاتورا .

الوصولية- هي السمة الأساسية لتفكير النومينكلاتورا الطبقي، وتدور جميع أفكار النومينكلاتوري حول تدرجه الوظيفي، فهو يمعن التفكير باستمرا في مناوراته بهدف التسلق إلى الأعلى أكثر - " الترقي " كما يقال في الرطانة النومينكلاتورا بتعبير واضح، يعرف النومينكلاتوريون القاعدة غير المكتوبة: يستطيع المحافظة على مركزه في النومينكلاتورا من يحاول الترقي فقط، أما الذي يحاول الحفاظ على مركزه سوف يفقده لأنه سيزاح إلى أسفل من قبل متسلق آخر ومن أجل هذا الترقي ينبغي بذل جهود استثنائية فعلاً .

وليس من المستغرب أن النومينكلاتوريين مستعدون في هذا الركض الدائمي لاستخدام أية وسائل من أجل أن يضمنوا النجاح، ولم أر في أي وسط آخر مثل هذا القدر من الدسائس كما في النومينكلاتورا وهذا القدر من التبجح بهدف تصوير المكيدة "مبدئية حزبية" وحتى أعضاء طبقة النومينكلاتورا المستقيمون واللطيفون يُجَرون إلى هذه المكائد، وخلافاً لذلك فهم يفقدون انتماءهم للنومينكلاتورا، وهذه هي السعادة الرئيسية في الحياة لكل نومينكلاتوري .

وأشير سابقاً إلى الالتحام الطبقي للنومينكلاتورا وتكاتف النومينكلاتوريين في العلاقة مع الآخرين . وسنتكلم الآن عن الجهة المعاكسة لهذه الظاهرة، عن الإحساس الدائمي للعزلة- صفة كل عضو في طبقة النومينكلاتورا . فكل واحد منهم يعمل لنفسه حساباً في أنه هو بالذات يحشدون ضده في الطبقة ويكون منافسيه أشد خطراً عليه، فهم يدعمونه إلى ذلك الحد مادام في ذلك مصلحتهم وبغبطة كبيرة يقذفونه خارجاً بمجرد ما تزول حاجتهم له . والنومينكلاتوري عادة ما يتشدق عن "قوانين الذئاب الرأسمالية"، ويشعر بنفسه ذئباً في قطيع الذئاب على الرغم من أنه بين رفاقه، ولكنه معزول وفي خطر دائمي، ومن المحتمل أن هذا شئ لا بد منه في "الطبقة الجديدة" للحشريين والمنفصلين عن طبقتهم .

ومثل هذا الشعور بالعالم من قبل النومينكلاتورا وَصَفهُ بفصاحة أدوارد باكريتسكي الذي يعتبر شاعراً سوفيتياً كلاسيكياً .

"عزلتك تتماشى وروح العصر .

تتلفت، فالأعداء حولك ؛

تمد يدك، فلا يوجد أصدقاء ؛

ولكن إذا قال هو: "اكذب"، فاكذب،

ولكن إذا قال هو "اقتل"، فاقتل "(6) .

6- حديث مع موظف نومينكلاتوري:

ماذا يقول هؤلاء النومينكلاتوريون الشرفاء الأذكياء في تبرير موقفهم التي ذكرناها سابقاً؟

فمن أحاديث كثيرة ومشاهدات ولقاءات اتفق أن أكون فيها، يمكن بلورة الصورة التالية لتعليلاتهم، ولتكن ليس في تلك الكلمات ولكن في ذلك المعنى:

- نعم، نحن أقمنا ديكتاتوريتنا، نحن لا نؤمن بالديمقراطية، لأنها تؤدي إلى الضعف والتفكك، أما نحن فنريد أن تكون البلاد قوية ومتقدمة عسكرياً . نعم، نحن أبدنا ملايين الناس ونحن اليوم نعمل بطرق إرهاب ومراقبة شرطية (بوليسية)، ولكن هذا ضروري من اجل المحافظة على النظام في البلاد . نعم، نحن نقضي على أية معارضة يمكن أن تجذب خلفها الشعب ومن جديد يسود التفكك عفوياً . نعم، لم ينتخبنا الشعب ولكنه يخافنا ويتحمل ذلك، ونحن لا نعتبر أننا نستحق كرهه لنا على الصعيد التاريخي، وليكن العيش في ظل سلطتنا ليس هنيئاً كما في الديمقراطية الغربية، ولكننا جعلنا البلاد جبارة من الناحية الحربية وترتجف أمامنا هذه الديمقراطيات المتباهية . فلنسلّم بأن لا توجد قوانين تاريخية تنبئنا بالنصر ولكننا نأمل أن الديمقراطيات لا تتغلب علينا وهذا يعني أن المستقبل لنا . إن امتيازاتنا هي مكافأة عادلة لقاء قيادة جائرة ولكنها صحيحة للمجتمع، ونحن لا نثق في المناظرات الفارغة حول المساواة العامة، فهي لم تكف وسوف لا توجد، ونحن لا نبني أي مجتمع لا طبقي وإنما نخلد سيطرتنا . ولكن هذا جيد لكل البلاد لأننا نعتبر أنها ضرورية ليس لنا فقط من أجل أن نحكمها، ولكننا ضروريين لها أيضاً . لتكن سلطتنا ثقيلة على التابعين لأنها أفضل بكثير من تلك الفوضى التي ستسود إذا لم نوجد .

هلم بنا نجاوب على هذه الحجة الصادقة للنومينكلاتوريين أو الموظفين النومينكلاتوريين كما يسمون أنفسهم .

- أنتم ترعونا بالفوضى وتمدحون "جور" القيادة، ولكن أين الدليل على أنه بدون ديكتاتوريتكم كان يمكن أن تعم الفوضى في الاتحاد السوفيتي؟ في العالم بلدان كثيرة حيث لا توجد نومينكلاتورا ولا فوضى. إن نتيجة سلطتكم الاحتكارية هي نقص الإنتاج الدائم وانخفاض مستوى معيشة السكان، وبناء الصواريخ النووية لا يعني تطور البلاد، فمن الحدود الغربية لروسيا إلى المحيط الهادي يعيش الناس في الشمال في بيوت ريفية، أما في الجنوب فيعيشون في بيوت مصنوعة من الطين منذ ألف سنة . والقادمون من الاتحاد السوفيتي إلى الغرب لا يصدقون بوجود قرى فيها بيوت مبنية من الحجر متوفرة فيها جميع وسائل الراحة وشوارع ومخازن ومطاعم . وهم لا يصدقون أن الفلاحين في البلدان الغربية يشكلون من 5-8% من السكان، وعلى كل حال فهم يطعمون جميع الناس ويبيعون الفائض إلى الخارج وبالتالي إلى الاتحاد السوفيتي حيث يعمل في القرية كل واحد من أربعة أشخاص في البلد . فالمهاجرون من الاتحاد السوفيتي الواصلون إلى فيينا -أول محطة لهم في أرض الحرية بعيداً عنكم- يهرعون لشراء حاجيات مقابل آخر مبلغ لديهم خائفين أن لا يحصلوا على ذلك خلافاً لذلك لأنكم علمتم تابعيكم على النقص الدائم . لقد حكمتم البلاد أكثر من مرة وعرقلتم تطورها . فلماذا تمدحون قيادتكم؟

وأنتم تفتخرون بالقوة الحربية لدولتكم، فهل هي ضرورية للشعب؟ وماذا يحصل إذا تخاف منكم بقية البلدان؟ إذ يخاف الناس من اللص المسلح؟ معنى هذا يجب أن يكون الإنسان مسلحاً؟

وتحاول دعايتكم حجب هذا بكلمات عن "الاشتراكية المتطورة" و "المنجزات الاشتراكية" و "الانتصارات" ومحبة للسلم و "الزيادة المطردة للخيرات المادية" من تخدعون؟ أنفسكم فقط، لأن شقاءكم الاقتصادي المقام ينعكس علينا أيضاً أيها الموظفون النومينكلاتوريون، وقد خرقتم الامتيازات التي تبدو لكم رائعة، فأنت الموظف المسئول في ل م ح ش إ س فخور بأنك تشغل مع زوجتك وطفلين شقة من ثلاث غرف، أما في الغرب فأسرة عادية من أربعة أشخاص تشغل كحد أدنى مثل هذه ويمكن أن تكون أكبر من ذلك . أنت سعيد لأنك أرسلت في السنة الماضية بقرار من أمانة سر ل م لمدة أسبوع في مأمورية إلى إيطاليا، أما في غرب أوروبا فأي عامل شاب أو طالب يأخذ دراجته البخارية ويدور كل الإجازة سائحاً في إيطاليا، وأنت بدقة تخفي حصولك المهيب على المواد الغذائية في المقصف الخاص التابع إلى ل م، أما في الغرب فكل واحد يستطيع شراءها في أي مخزن، وحتى بانتقاء أكبر بكثير، لقد خدعت نفسك بنفسك لأنك أقمت نظاماً تعيش في ظله أسوأ مما كنت بدونه، والحكام الديكتاتوريون في البلدان التابعة لكم هم ليسوا أحراراً بأنفسهم في المقارنة مع الناس القاطنين في الغرب وحتى في العالم الثالث . أنت تعيش جيداً بالمقارنة مع تابعيك فقط، فكر في أن هذا شذوذ حينما تعيش بشكل أسوأ مما لو تستطيع، من اجل أن يعيش الآخرون في وضع أكثر سوءاً!

فلماذا تستغرب إذا هرب الناس من عندكم! كثيرون الذين هربوا إلى الغرب من الموظفين النومينكلاتوريين . فقد هرب نائب السكرتير العام للأمم المتحدة السوفيتي شيفجينكو وهرب ستاشينسكي بعد أن آثر السجن لمدة 8 سنوات في الغرب على مكافأتكم، ويهرب سنوياً من بلد أو آخر دبلوماسيون وضباط مخابرات وموسيقيون وراقصو باليه ورياضيون . يترك الناس امتيازاتكم ويهربون للعيش في عالم اعتيادي الذي هو أكرم من عندكم روحياً ومادياً .

ويمكن أن يتأمل الموظف النومينكلاتوري في حياته وفي مقدّراته وفي نظامه ويمكن أن يفكر بجد في أي شئ تنتهي ديكتاتورية النومينكلاتورا، هكذا يزداد كل يوم عدد خصومها بلا تفكير .

7- طبقة ترتوف:

لكي تتم ع ملية غسل الدماغ، تدير النومينكلاتورا دعاية صاخبة، فهي تحاول شد الجميع إلى تصور النومينكلاتوريون أبطال متفانون وخادمون للشعب وشهداء في سبيل سعادته .

اقرءوا إشهار الذات هذا للنومينكلاتورا، كيف أنهم مرتبطون بالشعب بصورة لا تنفصم من لحمه ودمه وعظم من عظامه، كيف يفكرون ليل نهار عن سعادة الشعب وكيف لا يسعون إلى أية امتيازات ما عدا واحدة هي خدمة الشعب وجميع هواجسهم يمنحوها لهذه الخدمة، ولا يوجد هدف لهم أهم من هناء الشعب وحريته وفي سبيل هذا لا يدّخرون جهودهم من أجل بناء مجتمع شيوعي بدون طبقات

سيل من الأكاذيب المستمرة في الصحف والكتب والمذياع والتلفزيون والمسارح ودور السينما والخطب والكلمات، وحتى أن كل نومينكلاتوري يكرر هذا الخداع منفرداً أما بحماس متكلف أو بإخلاص متكلف أو بمجرد ملل .

إن ترتوف بطل مسرحية موليير ويودوشكا كولوفلوف بطلة شيدرين سولتيكوف لم ينجزا عملاً رائعاً، ولكن الفرق بين سلوكهم الدنيء وقناع القدسية الشريف الذي بصقوا عليه بالذات صَنَعَ من هؤلاء المتظاهرين بالتقوى نماذج نكرة في الأدب العالمي، هكذا هي النومينكلاتورا مثل طبقة يودوشكا وطبقة ترتوف استحقت هذا التقييم القاسي نتيجة تبجحها .

وفي غضون ذلك فإن النومينكلاتورا لا تلصق بنفسها مباشرة صفاتها المتناقضة فقط، ولكنها تطلب من الجميع الاعتراف لأجلها بهذه الصفة، وتسخط النومينكلاتورا على وتتهم الآخرين بمعاداة الشيوعية والسوفيت الذين حتى في البلدان المتحررة منها يشككون في تفانيها المعنوي، أما هناك حيث تسود النومينكلاتورا فالويل للمتشككين!

وتبعة ذلك تتطفل النومينكلاتورا الحاكمة على درجات الأخلاق التي داخلياً غربية عليها، وهذا ما ساد في المجتمع السوفيتي "ازدواجية الأفكار" كما سمى هذه الظاهرة أوريل في روايته "سنة 1984" . وكل المجتمع أوقع في أحابيل كذب النومينكلاتورا، مع أن تقطيعها ممنوع في مكان ما لأنه ستهجم عليك النومينكلاتورا كالعنكبوب العملاق، والجميع من المهد إلى اللحد يجب أن يكرر الكذب الرسمي ويمجدوا "الحزب" كما يذكر في الدعاية الرسمية لطبقة النومينكلاتورا .

إن الكذب المنشور جبراً بواسطة النومينكلاتورا الطفيلية، بقدر ما طفح من جميع مسامات المجتمع السوفيتي كرد فعل أولي ضخم لحفظ الذات، بحيث ظهر الشعار الذي صاغه سولجينيستين: "العيش ليس بالكذب" .

ولهذا فأني نتيجة له أكتب عن المجتمع السوفيتي ليس عما كان، مكرراً الرسم التوضيحي الستاليني حول الطبقتين المتآخيتين وفئة المثقفين، وإنما أكتب عما تقرءوه الآن- الحقيقة .

 

أ.د. سناء عبد القادر مصطفى

 

 

محمد صالح الغريسيشهادة من استطلاع دُوَلِيٍّ للرّأي سنة 2006 / ريتشارد وايك Richard Wike& برايان .جي. غريم Brian J. Grim / مركز " بيوPew " للأبحاث بواشنطن – الولايات المتّحدة.

بقلم: ريتشارد وايك Richard Wike& برايان .جي. غريم   Brian J. Grim

مركز " بيوPew " للأبحاث بواشنطن – الولايات المتّحدة.

ترجمها إلى العربيّة: محمد الصالح الغريسي


 خلاصة

ما تزال مخاوف المجتمعات الغربيّة حول التّطرّف الإسلاميّ وإدماج المسلمين واستيعابهم، تساهم بقدر كبير في جذب اهتمام وسائل الإعلام وصانعي السياسات، والعلماء. ولكنّ ما تمّ إنجازه من بحوث شاملة حول مواقف الغرب تجاه المسلمين، لم ةيكن يمثّل سوى نسبة ضئيلة. ويسعى هذا المقال إلى معالجة هذه المسألة من خلال فحص بيانات مركز " بيو" لسنة 2006، حول مجمل المواقف بين غير المسلمين في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا والولايات المتّحدة الأمريكيّة. وبتطبيق معادلة هيكليّة على جملة من العيّنات، بحثنا في محدّدات وجهات النّظر الغربيّة تجاه المسلمين، فوجدنا أنّ التّصوّرات حول وجود تهديدات، هي العامل الأساسيّ المؤثّر في وجهات النّظر هذه. ويشير تحليلنا على وجه الخصوص، إلى أن التّصوّرات لوجود تهديدات أمنيّة، هي الّتي تتحكّم في المواقف في المتعلّقة بالمسلمين، وهذه التّهديدات الثّقافيّة المحسوسة، تتعلّق فقط وبشكل غير مباشر، بوجهات النّظر تجاه المسلمين.

في السّنوات الأخيرة، أولى الباحثون، وصنّاع السّياسات والصّحافيّون اهتماما متزايدا للعلاقات بين العالمين الإسلامي والغربيّ، شمل الصّراعات الكبرى في الشّرق الأوسط، فضلا عن الخلافات السّاخنة داخل الدّول الغربيّة، مثل الجدل الّذي شبّ حول الصّور السّاخرة، المجسّدة للنّبيّ محمد، والّتي تمّ نشرها سنة 2006، في إحدى الصّحف الدّانماركيّة. كما شرع الباحثون في شؤون الرّأي العامّ، في تناول تلك القضايا ضمن مقارنة بين قيم الجمهور المسلم وغير المسلم، متناولين بالدرس، إلى أيّ مدى تختلف هذه الجماهير حول القضايا الدُّوليّة الرّئيسيّة.

من البديهيّ، أنّ أحداث 11 سبتمبر 2001، كانت الحافز لهذا الاهتمام المتجدّد، بينما أثبتت استطلاعات الرّأي العام أنّ قلّة من المسلمين، هم من كانوا يدعمون التّطرّف الإسلاميّ (" بيو" للمواقف الدّوليّة، 2006، 2007؛ مركز "بيو" للأبحاث، 2007)، وأنّ الّتهديد الّذي يشكّله "تنظيم القاعدة" والجماعات التّابعة له، والقلق المتزايد من الجماعات المتطرّفة في الخارج، وإمكانيّة ارتكاب الخلايا النّائمة لجرائم في بلدانها، كلّ ذلك ما يزال يثير المخاوف في الولايات المتّحدة وأوروبا.

و على الرّغم من هذه المخاوف المتزايدة، ورغم ما تحظى به هذه القضايا من أهميّة كبرى في الوقت الرّاهن، فإنّ ما أنجز من العمل حول المواقف الغربيّة تجاه المسلمين قليل نسبيّا. وعلى وجه التّحديد، فقد بذلت بعض الجهود الدّوليّة في استكشاف العوامل المؤثّرة في هذه المواقف. وتهدف هذه الدّراسة إلى زيادة فهمنا لهذا الموضوع، باستطلاع الرّأي العام في خمسة بلدان كان فيها إدماج واستيعاب للأقلّيات المسلمة. وفضلا عن التّوترات الحاصلة بين الدّول الغربيّة والدّول المسلمة، على أوسع نطاق، فقد حدثت مشاكل كبرى في السّنوات الأخيرة – في كلّ من بريطانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة. وسنستخدم معادلة هيكليّة مصمّمة لتحليل معطيات من مسح شامل للآراء، قام به مركز "بيو" للأبحاث سنة 2006، في هذه البلدان الخمسة، كما أنّنا نقوم بتطوير مقياس جديد للمواقف تجاه المسلمين، استنادا إلى السّمات المميّزة للجمهور المتعلّق بالمسلمين أنفسهم. وإنّنا لمهتمّون على وجه الخصوص، باستكشاف خمسة أسئلة. أوّلا: هل أنّ المواقف تجاه المسلمين، نابعة من تصوّرات لوجود تهديدات ؟. ثانيا: هل أن هذه التّخوّفات مرتبطة بتهديدات أمنيّة وثقافيّة ذات تأثيرات مختلفة، وهل تنبئ بمواقف سلبيّة أكثر قوّة تجاه المسلمين؟ وقد قامت بعد السّنوات القليلة الأخيرة، كثير من الأحداث الكبرى، تمثّلت في هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وتفجيرات مدريد ولندن، مّما لفت الانتباه إلى التّهديدات الّتي تشكّلها مجموعات عنيفة صغيرة من المتطرّفين المسلمين، في المجتمعات الغربيّة. وعلى إثر الأحداث، مثل الجدل الّذي أثارته الصّور الدّانماركيّة السّاخرة، وما كان من احتدم المجادلات في فرنسا، وفي أماكن أخرى حول ارتداء النّساء المسلمات للحجاب؛ تفجّر جدل حادّ حول دور الإسلام في المجتمعات الغربيّة، والتّعدّديّة الثّقافيّة واستيعابها للأقلّيات المسلمة. وقد ميّزنا في النّموذج الّذي سنعرضه عليكم في ما يلي، بين التّهديدات الأمنيّة والأخرى الثّقافيّة، ثمّ قارنّا بين تأثيرات كلّ منهما على وجهات نظر المجتمع الغربيّ تجاه المسلمين. السّؤال الثّالث الّذي تناولناه بالبحث، هو إن كانت وجهات نظر المسلمين السّلبيّة، تمثّل جانبا من تشكيلة لمواقف واضحة تتعلّق بــ"رُهَابِ الأجانب" (Xenophoby). رابعا: قمنا بدراسة، مدى ما للمتغيّرات الأخرى المستمدّة من الآداب، حول ما لوجهات النّظر تجاه الجماعات الدّخيلة، من تأثير على المواقف تجاه المسلمين، بما في ذلك الحسّ الدينيّ، والوعي بالظروف الوطنيّة، وعامل الحالة الاجتماعيّة-الاقتصاديّة (status socioeconomic ٍ)، وغير ذلك من العوامل الدّيموغرافيّة (demographic factors). ثمّ خامسا: قمنا باستكشاف الاتّجاهات ذات الدّوافع المغايرة، وراء المواقف تجاه المسلمين وتنوّعها، عبر الدّول الغربيّة الخمسة الّتي تشملها هذه الدّراسة. وفي الوقت الّذي تظهر فيه نفس الأنماط في البلدان الخمسة عموما، ثمّة رغم ذلك وقائع هامّة تميّز دولا بعينها دون أخرى. وقبل أن نمرّ إلى الدّراسة العمليّة لهذه الأسئلة، سنقوم بمراجعة بعض المؤلّفات ذات الصّلة، حول التّسامح والتّعصّب في مجال العلوم السياسيّة (political science)و علم الاجتماع (sociology)، وعلم النفس الاجتماعي(social psychology).

مشاهد نظريّة حول وجهات النّظر تجاه الجماعات الدّخيلة

في الوقت الّذي كانت فيه البحوث الأكاديميّة قليلة نسبيّا في ما يتعلّق بوجهات النّظر العابرة للقوميّات تجاه المسلمين، كان ثمّة رغم ذلك، انتشار واسع لأدبيّات اجتماعيّة يمكن أن تساعد في تسليط الضّوء على هذا الموضوع. وعلى امتداد أكثر من نصف قرن، كان علماء الاجتماع قد قاموا ببحوث في محدّدات التّسامح السّياسي، فضلا عن التّسامح العقائدي، والتّعصّب العرقي، إذ كان بإمكان هذه البحوث أن تؤدّي إلى دراسة المواقف تجاه المسلمين. وسنقوم في ما يلي، بدراسة الأعمال ذات الصّلة حول تصوّر وجود تهديد، وحول وجهات نظر الجماعات المنتمية إلى الأقلّية، والتّصوّرات الحاصلة عن الظّروف الوطنيّة، والعقيدة الدّينيّة، فضلا عمّا للعوامل الدّيموغرافيّة من تأثير على التّسامح والتّعصّب.

تصوّر التّهديد

يطلق على تصور التّهديد أنّه " أهم مؤشر ينبئ بعدم التّسامح (غيبسون 2004 Gibson). عرّف "غيبسون" Gibson المفهوم بأنّه " تصوّر التّهديد المسلّط من قِبَلِ أحد الأعداء السّياسيّين"(ص 2)، وبالفعل، قد أظهر البحث على امتداد عدّة عقود- وبما لا يدع مجالا للشكّ-أنّ النّاس يميلون إلى أن يكونوا أقلّ تسامحا مع الجماعات الّتي يعتبرونها عدوّا حقيقيّا يهدّد سلامتهم. وعلى سبيل المثال، فقد وجد ساليّفان" Sullivan"، و" بييرسون" Piereson، و"ماركوس" Marcus، سنة 1982، أنّ النّاس بصفة عامّة، كلّما ازداد شعورهم بالتّهديد من قبل أعدائهم السّياسيّين، كلّما قلّ احتمال تسامحهم واستعدادهم لتمكين هؤلاء الأعداء من حقوقهم الدّيمقراطيّة الأساسيّة.

إنّ التّركيز على تصوّر التّهديد يمرّ على نطاق واسع، عبر الأدبيّات الكلاسيكيّة حول المواقف العنصريّة في الولايات المتّحدة . وفي دراسة أوّليّة (سنة 1949)، لسياسات الجنوب دولةً وأمّةً، تمّ تسليط الأضواء الكاشفة على مركزيّة العرق في سياسات النّصف الأوّل من القرن العشرين في الجنوب الأمريكيّ، والموضوع المتداول في أمّهات الأعمال هو أنّ عدوان البيض على الأمريكيّين السّود من أصل إفريقيّ، كان شديدا، وبالذّات في المناطق الجغرافيّة الّتي يشغلها الأفارقة الأمريكيّون بنسبة مئوية عالية. وفي أجزاء من الجنوب حيث عدد السّكّان الأمريكيّين الأفارقة هو الأعلى، كان البيض يشعرون بأكبر قدر من الخطر المهدّد لهيمنتهم السّياسيّة، وقد شهدت هذه المناطق أشدّ إجراءات الرّقابة الاجتماعيّة صرامة، من أجل المحافظة على هيمنة البيض.

و انطلاقا من الدّراسة الأوّليّة، تمكّن العديد من المؤلّفين من العثور على ما يساعدهم في الوصول إلى بغيتهم، وما أصبح معروفا بـفرضيّة "قوّة التّهديد" أو "التّهديد العنصري"، كان يعتبر لفترة، طويلة المظهر الأساسيّ للسّياسات العنصريّة، في كلّ من الجنوب الأمريكيّ وغيره من الأماكن (كيتش Keech، 1968، ليبسات ورابLipset & Rabb، 1969، بلاك وبلاك Black & Black، 1973، جيلس وإيفانس Giles & Evans، 1986؛ جيلس وبوكنر Giles & Buckner، 1993).

و ولم يكن ما تحقّق من نتايج تتعلّق بأهمّية إدراك التّهديد، مقتصرا على الولايات المتّحدة. فقد توصّلت الباحثة "جولبيوسكا" Golebiowska في دراستها عن التّسامح الدّينيّ في " بولاندا" (سنة2004)، إلى أنّ عدم التّسامح لدى الأقلّيات الدّينيّة مرتبط بإدراك التّهديدات المحتملة لاستقلال "بولاندا". وأظهر كلّ من جيبسون" Gibson و"غووز"Gouws (2001) أيضا، أنّ إدراك التّهديد يمثّل محدّدا هامّا لسياسة التّسامح في جنوب إفرايقيا.

ما من شكّ، أنّ الإحساس بالخوف يلعب دورا هاما في تشكيل المواقف تجاه المسلمين في أوروبا والولايات المتّحدة. ويصف "سيزاري"(2004) Cesariما كان لــ"بن لادن" من تأثير في المجتمعات الغربيّة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر الّتي أدّت إلى التّعصّب ضد المسلمين، بل حتّى إلى استعمال العنف ضدّهم. ويتمثّل تأثير "بن لادن" حسب ٍ"سيزاري Cesari"،بصفة خاصّة، في إبراز كلّ المسلمين في الولايات المتّحدة وأوروبا في دور العدوّ، وجعلهم كبش فداء للمجتمع بأسره (ص35). في وجهة النّظر الّتي تصور وجود تهديدات تتعلّق بالمسلمين، ما يقود الكثيرين ضمن الأغلبيّة السكّانيّة إلى القيام بردود فعل سلبيّة ضدّ هذه الأقلّية. وقد حاول الكثير من الدّارسين تعزيز فهمنا لتصوّر التّهديد، من خلال التّعريف بجملة من أنواع التّهديدات وتقييم تأثيرها النّسبيّ على الرّأي العامّ، بالإضافة إلى بعض المتغيّرات ذات العلاقة (هادّي Huddy وغيره،2002. دافيس Davis وسيلفر Silver ٍ.; 2004; غيبسون Gibson 2004). وعلى سبيل المثال، فقد قام Eitle وآليسيو D’Alessio (2002) في دراسة لهما لمعدّلات الاعتقال في صفوف الأمريكيّين من أصل إفريقيّ في الولايات المتّحدة، باختبار لثلاثة فرضيّات حول الإحساس بالتّهديد، "فرضيّة التّهديد السّياسيّ"، و"فرضيّة التّهديد الاقتصاديّ" و"فرضيّة جريمة الرّجل الأسود". وخلص الباحثان في النّهاية، إلى أنّه يمكن ترجيح فرضيّة جريمة الرّجل الأسود، إذ توصّلا إلى أنّ معدّلات اعتقال الأمريكان من أصل إفريقيّ، مرتبطة بكمّية الجرائم المرتكبة من السّود ضدّ البيض في منطقة بعينها، وليس بالجرائم الّتي يرتكبها السّود ضدّ السّود.

في نفس الوقت، أبرز "ستيفن Stephen" وغيره. (2002)، الفرق بين التّهديدات الرّمزيّة والتّهديدات الحقيقيّة. فالتّهديدات الرّمزيّة " تنطوي على اختلافات في تصوّر المجموعة للأخلاق، والقيم، والمعايير، والمعتقدات، والمواقف"، و" تشوّه وجهة نظر العالم حول المجموعة الأصليّة،" بينما التّهديدات الحقيقيّة" تعود بفي الواقع على كيان المجموعة الأصليّة ذاتها (أ.ج.، من خلال الحرب)، وعلى قوّتها السّياسيّة والاقتصاديّة، وعلى سلامتها البدنيّة ورفاهيتها الماديّة" (ص.1243).

و قد وجد "سنايدرمان Sniderman وغيره.(2004) في دراستهم للرّأي العام الهولنديّ، ما يدعم بعض الشّيء فرضيّة التّهديد الرّمزيّ، إذ اكتشفوا، أنّ الإحساس بالتّهديدات قي ثقافة الهولنديّين، قد انتهى إلى وجهات نظر سلبيّة حول الجماعات المهاجرة.

و من جهة أخرى، استنادا إلى معطيات من الدّراسة الاجتماعيّة الأوروبيّة، توصّل " سايدز" Sides، وسيترين Citrin (2007) إلى " أنّ الميول الرّمزيّة " مثل معارضة التّعدّديّة الثّقافيّة، مرتبطة ارتباطا وثيقا بوجهات النّظر السّلبيّة حول الهجرة.

و من ناحية ثانية، فقد ركّز " إنجلهارت Inglehart، و آخرون غيره. (2006) في دراستهم لــظاهرة "رُهَابِ الأجانب" (Xenophoby)، والمواقف من الجماعات الدّخيلة في العراق المعاصر، على التّهديدات الحقيقيّة، مؤكّدين على عامل الخطر الجسديّ .و أنّ التّهديدات الّتي تمسّ "سلامة الوجود"، قد أدّت إلى مستويات عالية للغاية من كراهيّة الأجانب بين العراقيّين العرب الشيعة، والعرب الستنة والأكراد. وبنظرة مقارنة إلى المعطيات المتوفّرة عن العراق والبلدان الأخرى مع استطلاع للقيم العالميّة، يبرز هذان الباحثان في المقام الأول، العلاقة بين النّموّ الاقتصاديّ والسّلبيّة تجاه الجماعات الدّخيلة، وهي نتيجة تتفق مع الدراسات السابقة (إنجلهارت Inglehart، وويلزال 2005 Welzel). بل توصّلا أيضا إلى أنّ "العراقيّين، كانوا أكثر معاداة للأجانب ممّا يوحي به مستواهم الاقتصاديّ" (ص.502).و لا يمكن تفسير وجهات النّظر السّلبيّة للغاية تجاه الجماعات الدخيلة عن العراق إلاّ من خلال البيئة الأمنيّة اليائسة الّتي يعيشها العراقيّون، والنّاتجة عن إحساسهم بالتّهديد الأمني لوجودهم.

كما، توصّل الباحثان "غريم"Grim، و" فنكى"Finke، (2007, 2010)، في الدراسة 143 حول الأمّة، إلى تأثير التّغذية الرّاجعة بين التّنظيم الحكوميّ للدّين، والعنف المرتبط بالدّين، والمواقف الاجتماعيّة السّلبيّة تجاه الجماعات الدّينيّة. وإذ لم يصنّف غريم Grim، وفنكىFinke التّهديدات إلى تهديدات ثقافيّة وأخرى أمنيّة، إلاّ أنّهما اكتشفا أنّ ما كانت تبذله الحكومة في سبيل الحدّ من الحرية الدّينيّة، كان يستهدف بشكل خاصّ، الجماعات الدّينيّة الّتي يُنْظر إليها على أنّها تشكّل تهديدات، فكانت – أي الحكومة - تسعى إلى إضفاء الشّرعيّة على ما كانت تمارسه من قوّة في مراقبة هذه الجماعات، فتزيد بالتّالي من حدّة المواقف الاجتماعيّة السّلبيّة تجاه هذه الجماعات الدّينيّة الدّخيلة.

كما تمّ ربط المواقف المتحيّزة ضدّ الأقلّيات، بعامل الإحساس بالتّهديدات الأمنيّة الوافدة من الخارج. وقد توصّل " ماكنتوشMcIntosh، وغيره . (1995)، إلى أنّ الرومانيّين المعنيّين بالتّهديد العسكريّ المسلّط عليهم من قِبَلِ الجارة "هنغاريا" Hungary، كانوا أقلّ تسامحا مع الإثنيّات "الهانغاريّة"Hungarian في رومانيا. وعلى نحو مماثل، فقد وجدا أن المواقف المتحيّزة في "بلغاريا"Bulgaria، ضدّ الأقلّيات التّركيّة، كانت مرتبطة بمخاوف من التّهديد العسكريّ التّركيّ. وقد صنّفنا التّهديدات في هذا المقال، إلى أمنيّة وهي الّتي تشبه التّهديدات " الحقيقيّة realistic" أو " الوجوديّة existential"، وأخرى ثقافيّة وهي المشابهة للتّهديدات "الرّمزيّة symbolic "؛ ثمّ درسنا فرضيّات كلّ من الصّنفين من حيث التّهديدات الّتي تمّ إدراكها.

إنّ مقترحنا الأساسيّ وفرضيّتنا الأولى، تفترض أنّ المواقف السّلبيّة تجاه المسلمين مرتبطة بالتّصوّرات حول التّطرّف الإسلاميّ. ونظرا للمستوى العالي للتّخوّفات من الإرهاب في البلدان الخمسة الّتي قمنا بدراستها، وكون الكثيرين في السّنوات الأخيرة قد تعرّضوا لهجومات من قِبَلِ الجماعات المتطرّفة، فإنّنا نعتقد أنّ التّهديدات الأمنيّة، هي بالضّرورة الدّافع الأساسيّ وراء المواقف السّلبيّة في حقّ المسلمين.

الفرضيّة1: التّصوّر بأنّ التّطرّف الإسلامي يشكّل تهديدا للأمن يقود إلى مواقف سلبيّة تجاه المسلمين.

كما أنّنا نولي اهتماما خاصّا بالطّرق الّتي تمّ بها تصوّر مختلف التّهديدات الأمنيّة عبر البلدان. وعلى سبيل المثال، قد يكون تأثير التّهديدات الأمنيّة للدّول الثّلاثة الّتي تعرّضت إلى هجمات إرهابيّة هائلة من قِبَلِ الجماعات المتطرّفة في العام السّابق للدّراسة (بريطانيا، إسبانياـ الولايات المتّحدة)، أقوى منها في دولتين، هما (فرنسا وألمانيا) الّلتين لم تتعرّضا لمثل الهجمات.

و تشدّد الفرضيّة الثّانية على دور التّهديدات الثّقافيّة، الّتي قدّرنا أيضا، أنّها زادت من المواقف السّلبيّة، وإن كانت أقلّ حدّة من التّهديدات الأمنيّة.

الفرضيّة 2: أنّ التّصوّر، بأنّ المسلمين يشكّلون تهديدا لثقافة المجتمع السّائدة، يقود إلى مواقف سلبيّة تجاه المسلمين.

تعصّب عرقيّ عامّ

بينما يتركّز تصور التّهديد عند الأفراد، على المخاوف الحاصلة لديهم في ما تمثّله جماعة من النّاس بعينها من تهديد، فإن المواقف تجاه المسلمين، قد تتناسب مع مجموعة أوسع من المعتقدات العرقيّة.

و قد توصّل " كالكان Kalkan، وغيرهم (2007)، في دراستهم الأخيرة لمواقف الأمريكيّين تجاه المسلمين، أنّ "أفضل التّكهّنات حول كيفيّة شعور الأفراد نحو المسلمين، هي كيف كان شعورهم إزاء جماعات من أقلّيات أخرى"(ص855)، تضمّ أقلّيات عرقيّة، وعنصريّة ودينيّة، مثل اليهود والسّود والأمريكيّين من أصل آسيويّ، والأمريكيّين من أصل إسبانيّ، وكذلك " الأقلّيات الثّقافيّة"، مثل السّحاقيّات، والمهاجرين غير الشّرعيّين، وأنصار المرأةـ، والمتلقّين للرّعاية الاجتماعيّة. كما لاحظ" كالكان Kalkan، وآخرون غيره، أنّ باحثين آخرين، قد اكتشفوا هم أيضا العلاقة بين مختلف أشكال التّحيّز (آلبورت Allport، 1954؛ وستوفر Stouffer، 1955)، مشيرين إلى أنّ " التّحيّز ضدّ واحدة من الأقلّيات، إنّما هو نزوع إلى تشويه سمعة الجماعات الدّخيلة بشكل أعمّ"(ص.848).

بالنّظر إلى الرّأي العام الأوروبيّ، لاحظ "كوهوت Kohut ـ و" وايك Wike (2008)، أنّ المواقف السّلبيّة ضدّ اليهود والمسلمين معا، قد أصبحت شائعة بشكل أكبر في السّنوات الأخيرة. والبلدان الأوروبيّة الّتي تشهد ارتفاعا كبيرا في المواقف السّلبيّة تجاه اليهود، تميل أيضا إلى منح المسلمين أعلى مستوى لنسب المواقف السّلبيّة. علاوة على ذلك، فإنّ المواقف السّلبيّة ضدّ كلّ من اليهود والمسلمين، شائعة وبشكل خاصّ بين نفس الجماعات في أوروبا: النّاس الأكبر سنّا، والأقلّ تعلّما، وأولئك الّذين ينتمون إلى اليمين السّياسيّ. وتشير هذه النّتائج إلى أنّه في الوقت الّذي يمكن أن توجد فيه عوامل معيّنة توجّه المواقف ضد اليهود والمسلمين، فهذه المواقف يمكن أن تكون أيضا متناسبة مع منظور مجموعة أوسع، من الجماعات العرقيّة. وبالاستناد إلى الحجج حول مختلف المواقف المشتركة تجاه المجموعات الّتي تشكّل أقلّيات، فإنّنا ندعم الفرضيّة التّالية.

الفرضيّة 3: المواقف السّلبيّة تجاه اليهود، سوف تكون مرتبطة بالمواقف السّلبيّة ضدّ المسلمين.

احتمالات أخرى متعلّقة بالتّسامح والتّعصّب

في الوقت الّذي ينصبّ فيه اهتمامنا على اختبار تأثير الفرضيّات الرّئيسيّة حول تأثير تصوّر التّهديدات الأمنيّة والثقافيّة، والمواقف المعادية للأجانب عموما، فإنّنا نحقّق أيضا في عدّة عوامل أخرى طرحها الباحثون الأكاديميّون، للتّأثير في المواقف تجاه الجماعات المنتمية إلى الأقلّيات، بما في ذلك التّصورات العقائديّة، للظّروف الوطنيّة، والتّغيّرات الدّيموغرافيّة.

التّديّن

توصّلت العديد من البحوث إلى وجود علاقة بين التّديّن والتّعصّب، من بينها بحث لــــ"ستوفر Stouffer "1955، حول الأعمال المؤثّرة في التّسامح السّياسيّ بعنوان: "الشّيوعيّة والالتزام والحرّيات المدنيّة". وقد توصّل "ستوفر Stouffer "إلى أنّ أولئك الّذين يملكون ارتباطات دينيّة قويّة، كانوا أقلّ قابليّة لنشر الحرّيات المدنيّة في صفوف الشّيوعيّين، والاشتراكيّين والملاحدة. وفي تحيين لعمل "ستوفر Stouffer "، توصّل " نان Nunn، وكروكت Crockett، وو يليامز Williams (1978)، إلى أنّ التّعصّب قد تراجع في العقدين التّاليين لنشر " الشّيوعيّة والالتزام وو الحرّيات المدنيّة"، غير أنّ العلاقة بين التّديّن والتّعصّب قد ظلّت قائمة.

كما اكتشف باتي Beatty، و والتر Walter (1984)، أنّ النّاس الّذين يواظبون بانتظام على الحضور في الكنيسة، هم أقلّ استعدادا للتّسامح من أولئك الّذين لا يحضرون. ومع مرور الوقت، وجدت بعض الدراسات الأخرى ما يدعم العلاقة بين التّديّن وقلّة التّسامح في الولايات المتّحدة (ولكوكس Wilcox، وجالن Jalen، 1990؛ والد Wald، 1997). أمّا خارج الولايات المتّحدة، فقد توصّل غوليبيوسكا Golebiowska، (2004)، إلى أنّ البولنديّين الأقلّ تديّنا، هم أكثر قابليّة للتّواصل مع الأقلّيات الدّينيّة، وأكثر استعدادا لتقبّل زواج أحد أفراد العائلة، من أحد أفراد الأقلّية الدّينيّة.

الفرضيّة 4: المستويات الأعلى في التّديّن، ستؤدّي إلى مواقف سلبيّة تجاه المسلمين.

الأوضاع الوطنيّة

في مناقشات حول مواضيع مثل الهجرة إلى أوروبا الغربيّة والولايات المتّحدة، غالبا ما يتم تناول ما للظّروف العامة من تأثير على الرّأي العام تجاه الأقلّيات، وقد لاحظت دراسات للرّأي العام أيضا، مثل هذه العلاقة. وعلى سبيل المثال، فقد توصّل "سيترين Citrin، و آخرون غيره،(1997)، إلى أنّ ما كان من تقديرات سلبيّة للاقتصاد الوطني، إنّما يعود إلى سياسة المزيد من تشديد القيود على الهجرة في الولايات المتّحدة. وقد أبرز "جاكمان Jackman، و"فولبيرت Volpert (1896)، في تحليلهما للسّياسات الأوروبيّة خلال السّنوات 1970 و1980، أنّ معدّلات مواطن الشّغل الّتي تمّ استحداثها، قد خلقت محيطا انتخابيّا أكثر ملاءمة لسياسة أحزاب جناح أقصى اليمين. وسندرس في هذه المقالة، إن كان ثمّة علاقة بين تصوّرات الاتّجاهات العامة للبلدان والمواقف تجاه المسلمين.

الفرضيّة: 5:

عدم الرّضا على الأوضاع الوطنيّة، سيؤدّي إلى مزيد من المواقف السّلبيّة تجاه المسلمين.

العوامل الدّيموغرافيّة:

لقد قامت عديد الدّراسات بتحديد العلاقات بين المتغيّرات الدّيموغرافيّة ومقاييس التّسامح. وعلى سبيل المثال، فقد توصّل "كيتر Keeter، و" كوهوت Kohut، (2003)، اعتمادا على السنّ، إلى أنّ الأمريكيّين الأصغر سنّا، يحملون نظرة تميل أكثر إلى التّسامح مع المسلمين، بينما أبرز "وايل Weil"(1985)، أنّهم أيضا أقلّ ميلا إلى معاداة السّاميّة. كما توصّلت بعض الدّراسات لسياسات التّسامح في عمومها، إلى أنّ النّاس الأكبر سنّا، هم أكثر استعدادا ليكونوا غير متسامحين، (" ستوفر، (1955)؛ وبوبو Bobo وليكاري Licari، (1989)، رغم أنّ ويلسون Wilson، (1994)، قد لاحظ أنّ ذلك ليس لأنّ النّاس قد يصبحون أكثر تسامحا مع تقدّمهم في السنّ، بل إنّ هذا النموذج، يظهر للعيان على امتداد العقود الماضية، أنّ الأفواج العمريّة قد أصبحت بالتّدريج،- أي بمرور الزّمن- أكثر قبولا للمجموعات الأخرى . 

الفرضيّة 6: سيكون للسنّ ارتباط أكثر إيجابيّة، مع المواقف السّلبيّة ضدّ المسلمين.

لقد ربط الكثير من الباحثين الأكاديميّين الوضع الاجتماعيّ- الاقتصادي العالي، بوجود أكبر قدر من التّسامح وأقلّ قدر من التّعصّب. وعلى سبيل المثال، فقد كتب "إنهارت Inglehart، وونزل Welzel، (2005)، أنّ مجتمعات ما بعد الصّناعات المتقدّمة اقتصاديّا، تميل إلى أن تكون أكثر تقبّلا للجماعات من الأقلّيات، كالمثليّين جنسيّا. وحسب " كيتر Keeter ـ وو كوهوت Kohut، (2003)، فإنّ وجود الآراء الإيجابيّة عن المسلمين كان مرتبطا بالتّعليم. وهذه النّتائج تتفق مع ما جاء في بحوث أخرى أثبتت باسمرار أن الأفراد الأعلى من حيث المستوى التّعليميّ هم أكثر ميلا إلى التّسامح (ستوفر Stouffer، 1955)، بوبو Bobo وليكاري Licari، (1989)؛جيبسون Gibson، وداتش Duch، (1992) ؛ مور Moore وأوفاديا Ovadia، (2006). كما تمّ ربط الرّفاه الماليّ بالتّسامح . ويظهر جيبسون Gibson و داتش Duch في دراستهما لمعاداة السّاميّة في روسيا، أنّ التّقديرات السّلبيّة للاقتصاد الشّخصي مرتبطة بمواقف معاداة السّاميّة. وفي نفس الوقت، توصّل ؛ مور Moore وأوفاديا Ovadia، (2006) إلى أن الأشخاص الأعلى دخلا في الولايات المتّحدة هم أكثر ميلا إلى التّسامح.

الفرضيّة 7: الوضع الاجتماعيّ-الاقتصاديّ سيقود إلى أكثر المواقف سلبيّة تجاه المسلمين.

و أخيرا، فإنّ تأثير الجنس gender هو الأقلّ وضوحا. وعلى سبيل المثال، تشير دراسة "غولبيوسكا Golebiowska " (1999، 2004) إلى أنّ المرأة، أقلّ تسامحا تجاه الجماعات السّياسيّة الدّخيلة، في حين أنّ الجنس gender ليس له تأثير على التّسامح الدّينيّ.

المثال1 يلخّص الفرضيّات الّتي سيتمّ اخيارها باستعمال المعادلة الهيكليّة انطلاقا من دراسة بعض النّماذج.

النّموذج النّظريّ

يلخّص النّموذج 1 الفرضيّات الّتي ينبغي أن يتمّ اختبارها باستعمال معادلات هيكليّة انطلاقا من دراسة بعض النّماذج. وفرضيّتنا الرّئيسيّة، هي أنّ التّهديدات الأمنيّة المتعلّقة بالمسلمين، تشكّل أهمّ مؤشّر ينبئ بمواقف سلبيّة تجاه المسلمين. كما أنّنا نفترض أنّ تصوّرات الخلافات الثّقافيّة، والمواقف السّلبيّة تجاه جماعات الأقلّيات عموما، هي عوامل مهمّة تساعد على التّنبؤ. والنّموذج يسمح لنا أيضا باختبار تأثير التّديّن، ومختلف العوامل الدّيموغرافيّة،، وتقييمات الأوضاع الوطنيّة.

البيانات والأساليب

لاستكشاف ما يدور في أذهان المسلمين من تصوّرات في الدّول الغربيّة، فإننا نستعمل بيانات استطلاع مركز " بيو " لدراسة المواقف الدّوليّة لسنة 2006، والّذي يضمّ جملة من الأسئلة المرسومة لقياس كيفيّة تشكّل ما يحمله كلّ طرف من خلفيّات نتعلّق بالمواقف الدّينيّة، وبصورة خاصّة، كيف ينظر النّاس إلى بعضهم البعض في معظم البلدان المسلمة وغير المسلمة. هذا الاستفتاء كان يستجوب غير المسلمين في ثمانية دول، إن كانوا يشتركون في سلسلة من السّمات الإيجابيّة والسّلبيّة المميّزة للمسلمين، كما كان يستجوب المسلمين في إحدى عشرة دولة بنفس التّشكيلة من الأسئلة حول الغربيّين.

و قد أسفرت النّتائج عن مستوى عال من انعدام الثّقة يبعث على القلق، بين جماهير المسلمين وغير المسلمين على حدّ سواء. وقد ركّزنا في دراستنا هذه، فقط على مواقف غير المسلمين في خمس دول غربيّة شملتها دراسة مركز "بيو" للبحوث الدّوليّة (2006): بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا وإسبانيا والولايات المتّحدة.3164 خارطة

ملاحظة: كلّ صندوق ذو شكل مستطيل أو بيضويّ يمثّل متغيّرا سوف يتمّ وصفه ضمن قسمي البيانات والأساليب. تشير الصّناديق إلى المتغيّرات المفردة والمباشرة وغير المباشرة (المتركّبة من مقاييس مباشرة متعدّدة) . 

و قد تمّت الاستطلاعات مع عيّنات تمثيليّة على الصّعيد الوطني، في كلّ بلد، من أفريل إلى ماي 2006. ففي إسبانيا، أجريت مقابلات وجها لوجه، بينما أنجزت استطلاعات عبر الهاتف في البلدان الأربعة الأخرى.

وفقا للرّابطة الأمريكيّة لأبحاث الرّأي العام American Association for Public Opinion Research، (AAPOR) 2009). 5% في بريطانيا، 18% في فرنسا، و33% في ألمانيا، و21% في إسبانيا. أمّا في الولايات المتّحدة، فقد كانت معدّلات الاستجابة 25%، حسب الرّابطة الأمريكيّة لأبحاث الرّأي العام AAPOR، معدّلات الاستجابة عدد3 (معدّلات الاستجابة response rates عدد3 " RR3"، للرّابطة الأمريكيّة للرّأي العام AAPOR، 2009). 1

كان اندماج الأقلّيات المسلمة، والعلاقات الأكثر اتّساعا مع العالم الإسلاميّ، من القضايا الرّئيسيّة في السّنوات الأخيرة في كلّ هذه البلدان الخمسة، وهكذا كانا متناسبين بشكل خاص مع هذه الدّراسة.

المتغيّر التّابع

لقد قمنا بنمذجة المتغيّر التّابع باعتباره عاملا كامنا مبنيّا من تشكيلة من الأسئلة المتعلّقة بالسّمات السّلبيّة والإيجابيّة.2 وفي ما يتعلّق بكلّ سمة، يتعيّن على المجيب على الأسئلة من غير المسلمين إن كان يربط السّمة بالمسلمين من بين أربعة مصطلحات سلبيّة (متكبّر، طمّاع، غير متخلّق، أنانيّ)، ومصطلحين إيجابيّين (كريم، صادق).أمّا في ما يتعلّق بالمصطلحات السّلبيّة، فقد رمزنا إلى الأجوبة بالرّقم"1" إذا كان المستجوب قد نسب ذلك إلى المسلمين، وبالرمز "0" إذا كان جوابه مغايرا. وأمّا في ما يتعلّق بالمصطلحات الإيجابيّة، فقد رمزنا بالرّقم "1" في حالة لم يضع المستجوب المسلمين تحت هذا المصطلح، والرّمز "0" في الحلة العكسيّة. وقد كشف تحليل العوامل أنّ هذه السّمات الستّ، جميعها مرتبط بعامل مشترك، في هذه الحالة من السّلبيّة تجاه المسلمين، كما هو مبيّن في الشّكل 2. وبناء على ذلك فقد أسمينا "متغيّرنا التّابع" بالأفكار السّلبيّة تجاه المسلمين.3165 جدول

ملاحظة: n = 3.055 . (كلّ المسارات المعروضة مهمّة؛ المسارات غير المهمّة من النّاحية الإحصائيّة، تمّ إسقاطها). يناسب نموذج البلدان الخمسة البيانات جيّدا، كما ينصّ الجذر التّربيعيّ لمتوسّط الخطأ التّقريبيّ (RMSEA) 0.010 . عادة لا يتمّ رفض النّماذج عند .050، أو أقلّ من ذلك. فالجذر التّربيعيّ لمتوسط الخطأ التّقريبيّ (RMSEA) لـ 0.010، يمكن تفسيره بمعنى أنّ هذا النّموذج يبعد بنسبة 99.1 % عن النّموذج الأسوء تناسبا. في حين أن هذا ليس "مناسبًا" تمامًا، إلا أنه يقع ضمن نطاق ما هو مقبول. (ماروياما Maruyama 1997)

المتغيّرات المستقلّة

سنوضّح المتغيّرات المستقلّة بشيء من التّفصيل في تحليلنا أدناه، ممّا يفعّل مفاهيمنا الرئيسيّة للتّهديدات الأمنيّة، والتّهديدات الثّقافيّة، وأطروحة الأقليّة الثّقافيّة، فضلا عن المقاييس المتبعة في نموذجنا، بما في ذلك، التّديّن، تصوّرات الأوضاع الوطنيّة والدّيموغرافيّة.

التّهديدات الأمنيّة. ثلاثة أسئلة نقيس من خلالها التّهديدات الأمنيّة الّتي تمّ تصوّرها. 3

و قد تمّ تصميم هذه المقاييس الثّلاثة كمتغيّر كامن واحد السّؤال الأوّل المطروح يسأل عن تصوّرات التّطرّف في بلد الشّخص المستجوب:

التّطرّف على الصّعيد الوطنيّ:

إلى أيّ حدّ أنت قلق - إن حصل ذلك -، من تنامي التّطرّف الإسلاميّ في بلدنا، هذه الأيّام؟ هل أنت قلق جدّا،، قلق بعض الشّيء، قليل القلق، غير قلق بالمرّة، حول تنامي التّطرّف الإسلاميّ في بلدنا، هذه الأيّام؟

السّؤال الثّاني يتناول المخاوف من التّطرّف في العالم:

التّطرّف حول العالم:

إلى أيّ حدّ أنت قلق - إن حصل ذلك -، من تنامي التّطرّف الإسلاميّ حول العالم هذه الأيّام؟ هل أنت قلق جدّا،، قلق بعض الشّيء، قليل القلق، غير قلق بالمرّة، حول تنامي التّطرّف الإسلاميّ حول العالم، هذه الأيّام؟

يتناول السّؤال الثّالث على وجه التّحديد، التّصورات حول ما يجده "تنظيم القاعدة" والجماعات المتطرّفة الأخرى، من دعم في صفوف المسلمين.

الدّعم الّذي يتلقّاه "نظيم القاعدة":

في رأيك، كم هنالك من مسلم في بلادنا يعم الجماعات الإسلاميّة المتطرّفة مثل " تنظيم القاعدة"؟ هل هم أغلبيّة، كثيرون، فقط قلّة أم قلّة نادرة؟

التّهديدات الثّقافيّة. هناك مجموعتان من الأسئلة، لقيس التّصورات حول التّهديدات الرّمزيّة والثّقافيّة المرتبطة بالاندماج والاستيعاب. المجموعة الأولى، تشمل أربعة أسئلة، تقيس التّصوّرات حول أوصاف المسلم واستعداده للتّأقلم مع ثقافة البلد. في نموذجنا، أربعة مقاييس مدمجة في متغيّر كامن واحد.

عدم الاندماج الثّقافيّ:

المسلمون لا يتأقلمون:

هل ترى أن أغلب المسلمين القادمين إلى بلدنا اليوم، يرغبون في التّأقلم (دولة المسح) مع العادات وطريقة العيش، أم أنّك ترى أنّهم يريدون أن يكونوا مختلفين عن الأغلبيّة (دولة المسح) في المجتمع؟

قوّة الهويّة الإسلاميّة:

ما مدى قوّة الإحساس بالهويّة الإسلاميّة حسب رأيك، في بلدنا – قويّ جدّا، قويّ إلى حدّ ما، بيس قويّا جدّا، أو ليس قويّا بالمرّة؟

هل تعتقد برأيك أنّ الإحساس بالهويّة بين المسلمين آخذ في التّزايد في هذه الأيّام، أم أنّك لا تعتقد ذلك؟

الهويّة الإسلاميّة سيّئة (سؤال موجّه فقط، إلى أولئك الّذين يعتقدون أنّ الهويّة الإسلاميّة آخذة في التّزايد في بلادهم):

هل ترى أنّ هذا شيء جيّد أو أنّه يسيء لبلادنا؟

في تحليلنا، سقط هذان السّؤالان الأخيران، في متغيّر ثنائيّ التّفرّع، والّذي يأخذ قيمة 1 لأولئك الّذين يعتقدون أنّ الهويّة آخذة في التّكاثر، وأنّها سيّئة، و0 لجميع المجيبين الآخرين.

الصّراع الثّقافيّ:

المجموعة الثّانية من الأسئلة، تشمل مقياسين تمّ تصميمهما كمتغيّر كامن واحد. وهذه الأسئلة تدور حول توافق الإسلام مع الحداثة والدّيموقراطيّة، مع افتراض أنّ الأفراد الّذين يعتقدون أنّها لا تتلاءم مع سمات المجتمعات الغربيّة هذه، ستكون آراؤهم أكثر سلبيّة تجاه المسلمين.

مع الحداثة:

برأيك، هل هناك صراع طبيعيّ بين أن يكون المسلم متديّنا، وأن يعيش في مجتمع عصريّ، أم أنّك لا ترى ذلك؟

مع الدّيمفراطيّة:

الآن في موضوع مختلف، يشعر بعض النّاس أنّ الدّيمقراطيّة طريقة غربيّة للقيام بما لا يمكن للمسلم أن يقوم به من أشياء لا تجد قبولا في أغلب البلاد الإسلاميّة – يرى آخرون أنّ الدّيموقراطيّة خاصّة بالغرب ويمكن أن تنجح في أغلب البلاد الإسلاميّة. إلى أيّ رأي من الرّأيين تميل؟

التّعصّب العرقيّ. واحد من المتغيّرات المستقلّة، يعطي الأفضليّة لليهود، يعمل على تفعيل فكرة أنّ المواقف تجاه المسلمين قد تنسجم مع شريحة أوسع من الآراء حول الأقلّيات.4

الأفضليّة لليهود:

قل لي من فضلك، إذا كنت تفضّل كلّيا اليهود، إن كنت تفضّلهم بعض الشّيء، إن كانوا لا يروقونك بعض الشّيء، إن كانوا لا يروقونك بالمرّة.

التّديّن. لقد قمنا بتضمين ثلاثة مقاييس للتّديّن، أدمجناها في متغيّر كامن واحد. الأوّل يسأل عن أهمّية الدّين في حياة المستجوَب:

أهمّية الدّين:

ما هي أهمّية الدّين في حياتك – هامّ جدّا، هامّ نوعا ما، ليس على قدر من الأهمّية أو غير هام بالمرّة؟5،

السؤال الموالي حول الانتماء الدّينيّ:

الانتماء الدّينيّ:

هل تعتبر نفسك منتميا إلى دين معيّن؟ إذا الكان الجواب (نعم)، ما هو هذا الدّين؟ 6

السّؤال الثّالث يستكشف مدى قوّة الهويّة الدّينيّة، بسؤال المستجوَبين، إن كانوا يقدّمون أنفسهم على أساس الدّين أوّلا أو على أساس الجنسيّة. وسئل المسيحيّون الّذين عرّفوا بأنفسهم:

هويّة دينيّة قويّة:

هل تقدّم نفسك في المقام الأوّل على أساس (جنسيّتك) أم على أساس (انتمائك المسيحيّ)؟ 7

المتغيّرات الدّيموغرافيّة ومتغيّرات أخرى. كما قمنا كذلك بتضمين أربعة متغيّرات ديموغرافيّة: السنّ، المستوى التّعليميّ، الدّخل الماديّ، والجنس gender. وفي النّهاية ضمّنّا مقياس، إن كان المستجوَبون راضين أو غير راضين على سير الأمور في بلدانهم.

التّحليل والنّتائج

لقد قمنا باستعمال المعادلة الهيكليّة المنمذجة structural equation modeling (SEM) للوقوف على العوامل المحدّدة للمواقف تجاه المسلمين. هذا النّهج يتناسب بشكل خاص مع هذه الدّراسة، لكونه يسمح لنا بتطوير واختبار النّموذج النّظريّ المتّبع، وجودةٍ إحصائيّةٍ متنوّعة لاختبارات مناسبة، وطرق أخرى من اختبار النموذج، وذلك في سبيل الارتقاء بمستوى المصداقيّة في النّتائج. وقد أولينا اهتماما خاصّا بكيفيّة ارتباط كلّ واحد من المتغيّرات المستقلّة، ليس فقط من حيث سلبيّة المواقف تجاه المسلمين، بل أيضا في ما بين بعضهم البعض. على سبيل المثال: هل يؤثّر الوضع الاجتماعي والاقتصادي (SES) Socio-Economic Status، بصورة مباشرة على مستوى السّلبيّة، أم أنّه قد يؤثّر كذلك على آراء المستجوَبين حول ما إذا كان المسلمون يندمجون في المجتمع؟ وقد اختبرنا في نموذجنا، جميع العلاقات المتبادلة الممكنة بين المتغيّرات المستقلّة، حتّى نحدّد العلاقات من خلال المؤشّرات الدّالة على الآراء السّلبيّة تجاه المسلمين. وهذا لا يسمح للنّموذج النّهائيّ، بإظهار المتغيّرات الّتي تنبئ بشكل واضح بالمتغيّر التّابع فحسب، بل أيضا بإظهار العلاقة الهامّة المباشرة وغير المباشرة لكلّ متغيّر مستقلّ مع المتغيّرات المستقلّة الأخرى في النّموذج.3166 مخطط

ملاحظة: N = 3,055 ؛ R2 = 60.؛ ويمكن تفسير الجذر التّربيعيّ لمتوسّط الخطأ التّقريبيّ (RMSEA) 039 .بأنّه يعني أنّ هذا النّموذج يبعد بنسبة 96.1% عن أسوء النّماذج ملاءمة. في حين أنّ هذا غير ملائم بصورة "مثاليّة"، ويعتبر جيّدا ضمن نطاق المقبول "(ماروياما Maruyama، 1997)". كلّ المسارات الّتي تمّ توضيحها، هي ذات دلالة في p<.05، ثنائيّ الذّيل، (أو أقلّ)؛ المتغيّرات الخارجيّة، ومصطلحات الأخطاء(غير الموضّحة) تسمح بالتّرابط، إذا كان التّباين مهمّا. والعناصر الستّة الّتي تشكّل المتغيّر الكامن (المواقف السّلبيّة تجاه المسلمين)، إذا تمّ تحلياها بشكل منفصل، وتعمل بشكل موثوق في هده البلدان الخمسة.)كرونباخ Cronbach’s ألفا=، N .740;=3,055 (

يقدّم الشّكل3 نتائج نموذج البلدان الخمسة. وقد استعرضنا كذلك نماذج متفرّقة لكلّ من البلدان الخمسة، وبعد تقديم هذه النّتائج الإجماليّة، سنذكر بإيجاز، ما يميّز البلدان بعضها عن البعض، والّتي بالرّغم من كونها مثيرة للاهتمام، إلاّ أنّها طفيفة نسبيّا (انظر الجدول1). ونظرا لاتّساق النّماذج عبر البلدان الخمسة، فمن الواضح أنّ دمج البيانات في نموذج واحد، يتلاءم مع هذا التّحليل. وكما هو مبيّن في تفسير الجذر التّربيعيّ لمتوسّط الخطأ التّقريبيّ (RMSEA) لــ.039. عادة، لا ترفض النّماذج عند مستوى .050 أو أقلّ. ويمكن تفسير الجذر التّربيعيّ لمتوسّط الخطأ التّقريبيّ (RMSEA) لــ.039، ليفيد أنّ هذا النّموذج يبعد بنسبة 96.1% عن النّموذج الأسوأ ملاءمة. في حين أن هذا ليس ملائما "تماما"، وإنّما يقع في دائرة المقبول) ماريوياما .(1997Maruyama. . علاوة على ذلك، يشرح النّموذج قدرا كبيرا من التّباين، كما يتّضح من الجدر التّربيعي R2 لـــ .60.3167 جداول

و يوضّح الشّكل3 المؤشّرات الرّئيسيّة للمواقف السّلبيّة تجاه المسلمين. فوقع التّهديدات الأمنيّة، هو في ذات الوقت مباشر وقويّ (76. حيث يشير 1.00 إلى العلاقة بين الواحد والآخر).و للمستوى العالي للتّديّن أيضا تأثير مباشر وإن كان أضعف(.09). أمّا المتغيّرات الأخرى في النّموذج، فليس لها تأثيرات مباشرة تذكر على وجهات نظر المسلمين. ومع ذلك، فهذا لا يعني أنّ هذه المتغيّرات قد اكتملت دون أن تكون قد ارتبطت ببعضها البعض. والعديد منها في الواقع، ذو تأثيرات مباشرة وذات أهمّية.

و كما يوضّح الشّكل، فإنّ الكثير من المتغيّرات تؤثّر بشكل مباشر على التّهديدات الأمنيّة، وبالتّالي فهي تؤثّر بشكل غير مباشر على وجهات النّظر تجاه المسلمين. على سبيل المثال، كلّ من المتغيّرات الكامنة، الّتي تقاس بها تصوّرات التّهديدات الأمنيّة؛ هي ذات تأثيرات هامّة غير مباشرة على المتغيّر التّابع. فالصّراع الثّقافيّ مرتبط بكلا التّهديدين، الأمنيّ والمتعلّق بعدم الاندماج. والّذين يعتقدون أنّ الإسلام لا يتلاءم مع الحداثة، و/ أو مع الدّيموقراطيّة، من المرجّح أن تكون لهم مخاوف من التّطرّف الإسلاميّ، ومن المرجّح أكثر، أن يعبّروا عن مخاوفهم بشأن الهويّة الإسلاميّة، ومن مسألة استيعاب المسلمين. وبالتّالي فإنّ لعدم الاندماج، تأثير مباشر وقويّ على المخاوف الأمنيّة. وقد وجدنا ما يدعم بشكل متواضع، فكرة أنّ المواقف تجاه المسلمين، إنّما جاءت بدافع الآراء السّلبيّة حول الأقليات بصفة عامة. أمّا أولئك الّذين يحملون أفكارا إيجابيّة عن اليهود، فمن المرجّح أنّهم أقلّ إحساسا بأنّهم مهدّدون من قِبَلِ التّطرّف الإسلاميّ، وبالتّالي فهم أقلّ عرضة أن تكون لديهم آراء سلبيّة تجاه المسلمين. وممّا يثير الاهتمام، أنّ للتّديّن نفس التّأثير على المواقف تجاه اليهود كما هو الشّأن مع المسلمين- في كلتا الحالتين، فإنّ التّقييمات السّلبيّة مرتبطة بالمستويات العليا للتّديّن.

و قد وجدنا بالاستناد إلى الدّراسات السّابقة، أنّ الوضع الاجتماعي والاقتصادي (SES) Socio-Economic Status، مرتبط أكثر بمواقف التّسامح. وفي نموذجنا هذا، ثمّة ارتباط بين المستوى العالي والوضع الاجتماعيّ والاقتصاديّ من جهة، وبين تضاؤل المخاوف من التطرّف الإسلاميّ، وبالتّالي احتماليّة أن يحصل تناقص في الصّراع بين الإسلام وأحد المجالين، الحداثة أو الدّيمقراطيّة.

إنّ تأثيرات السنّ والجنس والرّضا على الأوضاع الوطنيّة محدودة، ولتبسيط العرض، فقد تمّ حذفها من الشّكل3. والرّضا بالأوضاع الوطنيّة، مرتبط بشكل متواضع، بالتّهديدات الأمنيّة، والثّقافيّة، وعدم الاندماج، والتّديّن، في حين أنّ عاملي السنّ والجنس، مرتبطان ارتباطا وثيقا بالأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة والتّديّن (انظر في الجدول1 إلى مجموع تأثير المتغيّرات).

يظهر الجدول1، مجموع التّأثيرات الثّنائيّة - المباشرة وغير المباشرة – مندمجة، لكلّ متغيّر مستقلّ. مرّة أخرى، تتضح لنا قوّة تأثير التّصوّرات المرتبطة بالتّهديدات الأمنيّة. إنّ المخاوف من التّهديدات الّتي يشكّلها التّطرّف الإسلاميّ، هي إلى حدّ بعيد، أقوى دافع للمواقف السّلبيّة عبر البلدان الخمسة الّتي شملتها الدّراسة (.76). ومع ذلك، فإنّ مجموع التّأثيرات المتصوّرة كبير أيضا. وإنّ الاعتقاد بأنّ المسلمين يجدون صعوبة في الاندماج داخل المجتمع الغربيّ (.38) والاعتقاد بأنّ الثّقافة الإسلاميّة على خلاف مع الحداثة والدّيمقراطيّة (.37)، كلّ ذلك مرتبط ارتباطا وثيقا- وإن بشكل غير مباشر - بأكثر وجهات النّظر سلبيّة تجاه المسلمين. كما أنّ للأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة مجموعة من التّأثيرات ذات الأهمّية.

ثمّة متغيّرات أخرى ذات تأثيرات إجماليّة متواضعة. وكما هو متوقّع، فإنّ التّديّن، وعدم الرّضا على تسيير البلد، والسنّ؛ كلّ ذلك مرتبط بالمواقف السّلبيّة تجاه المسلمين. حتّى النّساء كنّ أكثر ميلا ولو قليلا، إلى تبنّى الآراء السّلبيّة. إجمالا، فإنّ النّاس الّذين يحملون أفكارا إيجابيّة عن اليهود، هم أقلّ ميلا إلى تبنّى آراء سلبيّة تجاه المسلمين، رغم هذا المتغير الهام الوحيد في دولتين، هما ألمانيا وفرنسا.

في الواقع، كما يبيّن ذلك الجدول1، مع أنّ أداء النّموذج كان جيّدا عبر البلدان، إلاّ أنّه كان ثمّة اختلافات هامّة بين البلدان. إنّ المخاوف الأمنيّة، والمخاوف من الاندماج، والأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة، تشكّل عوامل هامّة في كلّ من البلدان الخمسة. ومع ذلك فإنّ متغيّر الصّراع الثّقافيّ، ليس ذا أهمّية في الولايات المتّحدة أو في بريطانيا – فالمعتقدات حول توافق الإسلام مع الدّيمقراطيّة أو الحداثة في هذين البلدين، ليست مرتبطة بآراء المسلمين. فالتّديّن، هو أيضا عامل هام في ثلاثة من البلدان الخمسة.

إنّ التّهديدات الأمنيّة هي أقوى مؤشّر في كلّ بلد، وهي ذات تأثير خاص على نطاق واسع في بريطانيا. وتأثير هذا المتغيّر أضعف بعض الشّيء منه في فرنسا، حيث هو أقوى قليلا في فرنسا من عدم الاندماج الثّقافيّ.

المناقشة والاستناج

ما هي العوامل الّتي تؤثّر في المواقف الغربيّة تجاه المسلمين؟ تشير النّتائج الّتي توصّلنا إليها، إلى عدد من الاستنتاجات. أوّلا: ما توصّلنا إليه يعزّز، إلى أيّ حدّ كان الأدب على المدى الطّويل، يطرح فرضيّتي التّسامح والتّعصّب: يشكّل تصوّر التّهديدات، المؤشّر الرّئيسيّ، وربّما الأهمّ والوحيد، في مواقف الجماعات الأصيلة تجاه الجماعات الدّخيلة. فالنّاس الّذين يشعرون بأنّهمّ مهدّدون من قبل المسلمين، هم الأقرب أن ترتبط بهم السّمات السّلبيّة.

ثانيا: توصّلنا إلى أنّ للتّهديدات الأمنيّة والثّقافيّة، تأثيراتها المختلفة على هذه الآراء. فمن الثّابت، عبر البلدان الخمسة، أنّ التّهديدات المتصوّرة ذات العلاقة بالجانب الأمنيّ، تمثّل المؤشّر الأقوى للآراء السّلبيّة المتعلّقة بالمسلمين.

بالإضافة إلى ذلك، توصّلنا إلى أنّ التّهديدات المتصوّرة، ذات العلاقة بالجانب الأمنيّ، ترتبط ارتباطا وثيقا  ومباشرا بالمواقف تجاه المسلمين، بينما ترتبط التّهديدات الثّقافيّة المتعلّقة باندماج المسلمين، وتوافق الإسلام مع الحياة في الغرب، ارتباطا غير مباشر. أمّا المخاوف حول التّهديدات الثّقافيّة، فهي بدورها تغذّي المخاوف حول الجانب الأمنيّ، والّتي تؤدّي بدورها إلى مواقف سلبيّة. وهكذا، يشير تحليلنا إلى أنّ المخاوف، هي الدّوافع الحقيقيّة وراء المواقف السّلبيّة تجاه المسلمين، أو باستخدام مصطلحات استعملها الباحثون الآخرون، "الواقعيّة"، (ستيفن Stephen وآخرون غيره 2002)، "الوجوديّة" (إنجلهارت Inglehart، وآخرون غيره، 2006)، أنّ التّهديدات، كانت هي المحدّد الأكثر أهمّية للرّأي العام الغربيّ فيما يتعلّق بالمسلمين.

ثالثا: إنّ تحليلنا يدعما بشكل متواضع، الفرضيّة القائلة بأنّ الآراء السّلبيّة عن المسلمين، هي جزء من تركيبة أكبر للمواقف السّلبيّة تجاه الجماعات الدّخيلة عموما.

إنّ ما توصّلنا إليه من النّتائج، بأنّ المواقف تجاه المسلمين واليهود، ما هي إلاّ فرضيّة مرتبطة بكيفيّة تفكير الغربيّين تجاه المسلمين، وعلى الباحثين أن يأخذوا بعين الاعتبار كلاّ من التّصوّرات الّتي يربطها الأفراد على وجه التّحديد بالتّوجّهات العامّة للأفراد تجاه المجموعات الأخرى.

رابعا: في ما يتعلّق بما توصّلنا إليه من نتائج تخصّ الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة من جهة، والتّديّن من جهة أخرى، فقد كانت متوافقة بشكل عام، مع كثير من الدّراسات السّابقة حول التّسامح والتّعصّب. ويرتبط النموّ العالي للأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة بالآراء الإيجابيّة تجاه المسلمين، مرّة أخرى، رغم أنّ العلاقة في عمومها غير مباشرة. إنّ الأفراد الأكثر تعلّما، والأعلى دخلا، هم الأقلّ ميلا إلى القول، بأنّ التّطرّف الإسلاميّ يهدّد بلدهم، أو أنّ العدد الأوفر من المسلمين يدعمون الجماعات المتطرّفة، وبالتّالي فهم أقلّ عرضة لتبنّي أفكار سلبيّة عن المسلمين. إنّ الارتباط السّلبيّ بين الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة من جهة، والمخاوف الأمنيّة من جهة ثانيّة، يشير إلى أنّ مزيد الارتقاء بمستوى التّعليم، والوعي في المجتمعات الغربيّة حول وجهات نظر المسلمين—الّذين لا يدعمون في معظمهم التّطرّف—كان من الممكن أن يؤدّي إلى التّقليل من مخاوف المجتمعات الغربيّة حول أمنها الدّاخليّ، وبالتّالي يؤدّي إلى قدر أقلّ من الآراء السّلبيّة عن المسلمين.

ما توصّلنا إليه من نتائج بشأن التّديّن، يتوافق أيضا مع نتائج البحث السّابق الّذي يفترض وجود ارتباط بين التّديّن والآراء السّلبيّة عن الجماعات الدّخيلة، وبالذّات المتديّنة منها في هذه الحالة. وبفحص العوامل الأخرى، يتبيّن أنّ غير المسلمين الّذين يرون أنّ الدّين عامل هام في حياتهم، ويتعلّقون تعلّقا شديدا بهويّتهم الدّينيّة، هم أكثر عرضة لتبنّي أفكار سلبيّة عن المسلمين. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنّ تأثير التّديّن ضئيل نسبيّا، وهو في اثنين من البلدان – ألمانيا وفرنسا— يكاد لا يذكر.

ختاما، تشير معادلتنا الهيكليّة المنمذجة، إلى أنّ العوامل المتحكّمة في المواقف تجاه المسلمين، متشابهة في عمومها، عبر البلدان الغربيّة. على سبيل المثال، وكما ذُكر آنفا، أنّ التّهديدات الأمنيّة تمثّل المؤشّر الأقوى في سائر البلدان الخمسة. ومع ذلك، توجد في الآن نفسه بعض الاختلافات المثيرة للاهتمام بين هذه البلدان، وبصورة لافتة في فرنسا. حيث يشهد مؤشّر متغيّر التّهديدات الأمنيّة أضعف مستوى له مقارنة بالبلدان الأربعة الأخرى. وتظهر فرنسا بين أقلّ هذه البلدان من حيث سلبيّة المواقف تجاه المسلمين، ولعلّه من الأهمّية بمكان، أن نذكر أنّ فرنسا هي إحدى دولتين من بين الدّول الخمس الّتي لم يسبق لها أن تعرضت لهجمات إرهابيّة كبيرة في السّنوات الأخيرة.

و من جهة أخرى، فإنّ تأثير التّصوّرات المرتبطة بالتّهديدات الأمنيّة كانت قويّة بشكل ملفت في بريطانيا، الّتي سبق لها أن تعرّضت لهجمات إرهابيّة من قِبَلِ متطرّفين إسلاميّين سنة 2005، وكشفت الغطاء لاحقا عن مؤامرات قامت بها منظّمات إرهابيّة. كما تجدر الإشارة، إلى أنّ تأثير تصوّر التّهديدات الأمنيّة كان قويّا إلى حدّ ما في ألمانيا، الدّولة الأخرى من بين البلدان الخمسة، الّتي لم تتعرّض مؤخّرا لهجمات على أراضيها. وبالتّالي فقد اختلطت الأدلّة، حول إن كان التّعرّض لهجمات إرهابيّة في بلد ما، يغيّر العلاقة بين التّهديدات الأمنيّة المتصوّرة، والمواقف تجاه المسلمين.

لا يقدم تحليلنا أي دليل مباشر على تأثير الأحداث على المواقف الغربية تجاه المسلمين، ولكن يبدو واضحا بشكل معقول، أنّ عناوين الأخبار في السّنوات القليلة الماضية، قد أثّرت على طريقة تفكير غير المسلمين في الغرب حول الإسلام، والمعتنقين له. ولقد أثارت هجمات 11 سبتمبر، وتفجيرات كلّ من لندن ومدريد، والرّسوم السّاخرة الدانماركيّة، والجدل حول الحجاب، خصومات حول اندماج المهاجرين المسلمين واستيعابهم في كبريات المدن الأوروبيّة، كما أثّرت كثير من القصص المألوفة - من دون شك - في تصوّر التّهديدات، الأمنيّة منها والثّقافيّة على حدّ سواء. لذلك، فإنّ المواقف الغربيّة، بطريقة أو بأخرى، هي وليدة البيئة السّياسيّة والثّقافيّة الفريدة الحاليّة، لكنّ هذه التّصوّرات كما يوضّح ذلك تحليلنا، تشترك في قواسم كثيرة في نفس الوقت، حول كيفيّة اكتساب المجموعات الأخرى، في سياقات مختلفة، لتصوّراتهم إزاء الدّخلاء، من هذه الجماعة أو تلك. وكما كشف عن ذلك علماء الاجتماع مرارا وتكرارا، فإنّ التّهديدات المتصورة، غالبا ما تؤدّي إلى التّعصّب والانحياز.

في هذه الحالة، نجد أنّ الخوف من التطرف الإسلامي هو الدافع الأساسي لوجهات النظر السلبية تجاه المسلمين. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الآراء ليس سببها صراع الثقافات بالدّرجة الأولى. في حين تراود العديد من الغربيين مخاوف بشأن الهوية الإسلامية والاستيعاب، وتعتقد أعداد كبيرة منهم أن الإسلام لا يتوافق مع الديمقراطية والحداثة، وهذه ليست هي المنابع الرئيسية لـلسّلبيّة. وليس التّصوّر بأنّ الإسلام لا يتلاءم مع المجتمع الغربيّ، وهو الّذي يؤدّي إلى السّلبيّة، أكثر من التّصوّر أنّ التّطرّف موجود في داخل الجماعة الإسلاميّة. طبعا، الجماعات المتطرّفة موجودة بالفعل في البلدان ذات الأغلبيّة المسلمة، وكذلك في الغرب، ولكنّنا كباحثين- أو سياسيّين وقادة للمجتمع في هذا المجال - مستمرّون في تقديم الحلول لمعالجة أصعب القضايا الّتي تحيط في كثير من الأحيان بالعلاقات بين المسلمين وغير المسلمين، إذ من الجدير أن نضع في الأذهان كما ذكرنا آنفا، أن البحث قد أوضح باستمرار، أنّه في أغلب الجماعات المسلمة، لا توجد سوى أقلّية هي الّتي تتبنّى حاليّا أفكارا متطرّفة.

رغم متانة نموذجنا، والاتّساق النّسبيّ لنتائجنا عبر الدّول الخمس الّتي تمّت دراستها، إلاّ أّن هناك قيودا على دراستنا، يتعيّن على البحث المستقبليّ أن يأخذها بعين الاعتبار، ويعطيها حقّها من المعالجة. أحد قيود هذه الدّراسة مألوف يشكل متزايد، لدى عموم الباحثين: وهو الانخفاض في نسب الاستجابة. وكما أشار "غروفس Groves" و" بيتشيفا Peytcheva (2008، ص 167)، فإن "معدلات الاستجابة المنخفضة في استطلاع العيّنات في جميع أنحاء البلدان الأكثر ثراءً في العالم" تشكل تحديات خطيرة لمهنة السّبر.

تشير الأدلّة – لحسن الحظّ -، كما توصّل إلى ذلك " كيتير Keeter" وزملاؤه (2000، 2006)، إلى أنّ معدلات الاستجابة المنخفضة التي شوهدت في السنوات الأخيرة، لم تُترجَم إلى تحيز في عدم الاستجابة. ومع ذلك، سيظل عدم الاستجابة مصدر قلق للباحثين في المسح، ويجب أن تسعى الدراسات المستقبلية حول هذا الموضوع وغيره من موضوعات الرأي العام في المجتمعات الغربية، إلى تحقيق معدلات استجابة أعلى، لمعالجة إمكانية التّحيز في عدم الاستجابة.

كما يتعيّن علينا أن نكرّس جهودنا المستقبليّة في استكشاف، مدى ما تعكسه المواقف السّلبيّة، من مشاعر كراهية الأجانب (xenophobic sentiments) تجاه المسلمين. ولقد توصّلنا في هذه الدّراسة إلى أنّ المواقف السّلبيّة تجاه اليهود، مرتبطة مع المواقف السّلبيّة تجاه المسلمين، لكن يتعيّن علينا أن نستكشف المسألة من خلال المزيد من الدّراسات، بمقاييس أكثر شمولا، حول المواقف تجاه الجماعات الدّخيلة. ومن البديهيّ أنّه يتعيّن على الدّراسات المستقبليّة أن تتناول، ليس فقط مدى تفسير نتائجنا لمواقف الغرب تجاه المسلمين، بل وأيضا لمواقف الجماهير من حول العالم تجاه الجماعات الدّخيلة عموما. ونظرًا لما حقّقته نتائجنا من توافق مع العديد من الدراسات السابقة، فإنّنا نعتقد أن نموذجنا العام قد يحظى بتطبيقات على نطاق واسع.

 

محمد الصالح الغريسي

.............................

هوامش

International Journal of Public Opinion Research Vol. 22 No. 1

_ The Author 2010. Published by Oxford University Press on behalf of The World Association for Public Opinion Research. All rights reserved.

doi:10.1093/ijpor/edq002 Advance Access publication 4 February 2010

Corresponding author: Richard Wike; e-mail: rwike@pewresearch.org

An earlier version of this article was presented at the 2007 Annual Conference of the World Association

for Public Opinion Research in Berlin, Germany. This article was first submitted to IJPOR July 17, 2008. A

later version was accepted for publication April 25, 2009, and the final version was received July 14, 2009.

The authors would like to thank Scott Keeter and Greg Smith for their many helpful comments.

1 See the Discussion and Conclusion section for a discussion of response rates. For details on the 2006

Pew Global Attitudes survey, please see ‘‘The Great Divide: How Westerners and Muslims View Each

Other,’’ June 22, 2006 at http://www.pewglobal.org. And please contact the authors for additional details.

2 For a previous version of this measure, see Wike and Grim (2007a).

3 All threat perception variables are recoded so that higher levels of threat perception receive higher

values

4 This variable is recoded so that very unfavorable¼1, somewhat unfavorable¼2, somewhat favorable¼3,

and very favorable¼4.

5 This variable is recoded so that not at all important¼1, not too important¼2, somewhat important¼3,

and very important¼4.

6 This variable is recoded so that self identified Christians¼1, all others¼0.

7 This variable is recoded so that who primarily identify as Christians¼1, all others¼0.

المراجع

AAPOR. (2009). Standard definitions: Final dispositions of case codes and outcome rates

for surveys (6th ed.). Lenexa, KS: AAPOR.

Allport, G. (1954). The nature of prejudice. Cambridge, MA: Addison-Wesley.

Beatty, K. M., & Walter, O. (1984). Religious preferences and practice: Reevaluating

their impact on political tolerance. Public Opinion Quarterly, 48, 318–329.

Black, E., & Black, M. (1973). The Wallace vote in Alabama: A multiple regression

analysis. The Journal of Politics, 35, 730–736.

Bobo, L., & Licari, F. C. (1989). Education and political tolerance: Testing the effects

of cognitive sophistication and target group affect. Public Opinion Quarterly, 53,

285–308.

Cesari, J. (2004). When Islam and democracy meet: Muslims in Europe and the United

States. New York: Palgrave Macmillan.

Citrin, J, Green, D. P., Muste, C., & Wong, C. (1997). Public opinion toward

immigration reform: The role of economic motivations. The Journal of Politics,

59, 858–881.

22 INTERNATIONAL JOURNAL OF PUBLIC OP INION RESEARCH

Downloaded from https://academic.oup.com/ijpor/article/22/1/4/666575 by guest on 10 December 2021

Davis, D. W., & Silver, B. D. (2004). Civil liberties v. security: Public opinion in

the context of terrorist attacks on America. American Journal of Political Science, 48,

28–46.

Eitle, D., & D’Alessio, S. J. (2002). Racial threat and social control: A test of

the political, economic, and threat of black crime hypothesis. Social Forces, 81,

557–576.

Gibson, J. L. (2004a). Enigmas of intolerance: Fifty years after Stouffer’s Communism,

Conformity, and Civil Liberties. Center for Comparative and International Politics,

Stellenbosch University.

Gibson, J. L. (2004b). Overcoming apartheid: Can truth reconcile a divided nation? New

York: Russell Sage Foundation.

Gibson, J. L., & Duch, R. M. (1992). Anti-semitic attitudes of the mass public:

Estimates and explanations based on a survey of the Moscow Oblast. Public

Opinion Quarterly, 56, 1–28.

Gibson, J. L., & Gouws, A. (2001). Making tolerance judgments: The effects of

context, local and national. The Journal of Politics, 63, 1067–1090.

Giles, M. W., & Buckner, M. A. (1993). David Duke and Black Threat: An old

hypothesis revisited. The Journal of Politics, 55, 702–713.

Giles, M. W., & Evans, A. (1986). The power approach to intergroup hostility.

Journal of Conflict Resolution, 30, 469–486.

Golebiowska, E. A. (1999). Gender gap in political tolerance. Political Behavior, 21,

43–66.

Golebiowska, E. A. (2004). Religious tolerance in Poland. International Journal of

Public Opinion Research, 16, 391–416.

Grim, B. J, & Finke, R. (2007). Religious persecution in cross-national context:

Clashing civilizations or regulated religious economies? American Sociological

Review, 72, 633–658.

Grim, B. J, & Finke, R. (2010). The price of freedom denied: Religious persecution and

conflict in the 21st century. New York: Cambridge University Press.

Groves, R. M., & Peytcheva, E. (2008). The impact of nonresponse rates on nonresponse

bias: A meta-analysis. Public Opinion Quarterly, 72, 167–189.

Huddy, L., Feldman, S., Capelos, T., & Provost, C. (2002). The consequences of

terrorism: Disentangling the effects of personal and national threat. Political

Psychology, 23, 485–509.

Inglehart, R., Moaddel, M., & Tessler, M. (2006). Xenophobia and in-group solidarity

in Iraq: A natural experiment on the impact of insecurity. Perspectives on Politics,

4, 495–505.

Inglehart, R., & Welzel, C. (2005). Modernization, cultural change, and democracy: The

human development sequence. New York: Cambridge University Press.

Jackman, R. W., & Volpert, K. (1996). Conditions favouring parties of the extreme

right in Western Europe. British Journal of Political Science, 26, 501–521.

Kalkan, K. O., Layman, G. C., & Uslaner, E. M. (2007). ‘‘Bands of others’’?

Attitudes toward Muslims in contemporary American society. The Journal of

Politics, 71, 847–862.

Keech, W. R. (1968). The impact of Negro Voting: the role of the vote in the quest for

equality. Chicago: Rand McNally.

WESTERN VIEWS TOWARD MUSLIMS 23

Downloaded from https://academic.oup.com/ijpor/article/22/1/4/666575 by guest on 10 December 2021

Keeter, S., Miller, C., Kohut, A., Groves, R. M., & Presser, S. (2000). Consequences

of reducing noneresponse in a large national telephone survey. Public Opinion

Quarterly, 64, 125–148.

Keeter, S., Kennedy, C., Dimock, M., Best, J., & Craighill, P. (2006). Gauging the

impact of growing noneresponse on estimates from a national RDD telephone

survey. Public Opinion Quarterly, 70, 759–779.

Keeter, S., & Kohut, A. (2003). American public opinion about Muslims in the

U.S. and abroad. In P. Strum & D. Tarantolo (Eds.), Muslims in the United

States (pp. 185–202). Washington, DC: Woodrow Wilson International Center

for Scholars.

Key, V. O. (1949). Southern politics in state and nation. Knoxville: The University of

Tennessee Press.

Kohut, A., & Wike, R. (2008, October). Xenophobia on the continent. The National

Interest, 98, 46–52.

Lipset, S. M., & Rabb, E. (1969). The Wallace Whitelash. Transaction, 7, 23–25.

Maruyama, G. M. (1997). Basics of structural equation modeling. Thousand Oaks, CA:

SAGE.

McIntosh, M. E., Mac Iver, M. A., Abele, D. G., & Nolle, D. B. (1995). Minority

rights and majority rule: Ethnic tolerance in Romania and Bulgaria. Social Forces,

73, 939–967.

Moore, L. M., & Ovadia, S. (2006). Accounting for spatial variation in tolerance:

The effects of education and religion. Social Forces, 84, 2205–2222.

Nunn, C. Z., Crockett, H. J., Jr., & Williams, J. A. (1978). Tolerance for nonconformity.

San Francisco: Jossey-Bass Publications.

Pew Global Attitudes Project. (2006, June). The great divide: How Westerners and

Muslims view each other. Washington, DC: Pew Research Center.

Pew Global Attitudes Project. (2007). Global opinion trends 2002-2007: A rising tide

lifts moods in the developing world. Washington, DC: Pew Research Center.

Pew Research Center (2007). Muslim Americans: Middle class and mostly mainstream.

Washington, DC: Pew Research Center.

Sides, J., & Citrin, J. (2007). European opinion about immigration: The role of

identities, interests and information. British Journal of Political Science, 37, 477–504.

Sniderman, P. M., Hagendoorn, L., & Prior, M. (2004). Predisposing factors and

situational triggers: Exclusionary reactions to immigrant minorities. American

Political Science Review, 98, 35–49.

Stephen, W., Boniecki, K. A., Ybarra, O., Bettencourt, A., Ervin, K. S., Jackson, L. A.,

McNatt, P. S., & Renfro, C. L. (2002). The role of threats in the racial attitudes of

Blacks and Whites. Personality and Social Psychology Bulletin, 28, 1242–1254.

Stouffer, S. (1955). Communism, conformity and civil liberties. New York: Doubleday.

Sullivan, J. L., Piereson, J. E., & Marcus, G. E. (1982). Political tolerance and

American democracy. Chicago: The University of Chicago Press.

Wald, K. D. (1997). Religion and politics in the United States (3rd ed.). Washington,

DC: Congressional Quarterly Press.

Weil, F. D. (1985). The variable effects of education on liberal attitudes – A comparative

historical analysis of anti-semitism using public opinion survey data.

American Sociological Review, 50, 458–474.

24 INTERNATIONAL JOURNAL OF PUBLIC OP INION RESEARCH

Downloaded from https://academic.oup.com/ijpor/article/22/1/4/666575 by guest on 10 December 2021

Wike, R., & Grim, B. J. (2007a). Levels of negativity: How Muslim and Western

publics see one another. Public Opinion Pros October 2007. Retrieved May 14, 2009,

from http://www.publicopinionpros.com/features/2007/oct/wike.asp.

Wike, R., & Grim, B. J. (2007b, October 30). Widespread Negativity: Muslims distrust

Westerners more than vice versa. Pewresearch.org October 30, 2007. Retrieved

May 14, 2009 from widespread-negativity.

http://pewresearch.org/pubs/625/

Wilcox, C., & Jelen, T. J. (1990). Evangelicals and political tolerance. American Politics

Quarterly, 18, 25–46.

Wilson, T. C. (1994). Trends in tolerance toward rightist and leftist groups,

1976–1988. Public Opinion Quarterly, 58, 539–556.

نبذة عن الكتّاب

Richard Wike is associate director of the Pew Research Center’s Global Attitudes

Project, Washington, DC. He is a political scientist and his work has appeared in The

National Interest, Harvard International Review, Journal of Politics, Social Science

Quarterly, and other publications.

Brian J. Grim is senior researcher in religion and world affairs at the Pew Research

Center’s Forum on Religion & Public Life, Washington, DC. He is a quantitative

sociologist and co-editor of the World Religion Database: International Religious

Demographic Statistics and Sources (Brill, 2008).

WESTERN VIEWS TOWARD MUSLIMS 25

 

وعلي حبطيشداريوش شايغان Daryush Shayegan مفكر إيراني معاصر بارز ومنظر اجتماعي مختص في الفلسفة المقارنة. اشتهر بكتاباته عن الحضارات الشرقية وعلاقتها بالحضارة الحديثة. ولد 2 يوم فيفري 1935. في تبريز شمال غرب إيران في وسط ثقافي متنوع دينيًّا وإثنيًّا ولغويًّا.كانت والدته جورجية تنحدر من عائلةالأمراء وسلاطين جورجين فرّت هربا من الثورة الروسية عام 1917. ورغم ذلك فقد أصابهم شيء من تلك النكبة التي أدت إلى إعدام العديد من أفراد عائلته وشرد البعض الآخر في تركيا. هذه الحادثة الأليمة كان لها وقع شديد على في نفسيته الوجدانية طوال حياته ولقد عبر عنها في كتابته حيث كان يعبر عن هذه المأساة العائلية بقوله:" امرأة في منفى باطني " ولكن في نفس الوقت نتلمس فيه تلك المفخرة العائلية التي يعود بها إلى السلالة الملكية التي حكمة منطقة جورجيا أين يقول عن أمه:" سيدة جورجية بنت ملك".، أما أبوه فكان من آذربيجان ويعمل تاجرا تركيا إيرانيا شعيا ينحدر من الأقلية الآذرية في إيران، كان يعيش في البيت العائلي لهذا المفكر عمته وخالته وزوجها لهذا وجد نفسه في طفولته بين " أمين " و"أبوين". أما العنصر الذي ساهم في إثراء شخصيته هوتنوع الفضاء اللغوي المتداول، فأُسرته كانت تستخدم اللغة الروسية، والفارسية، والقوقازية والجورجية، فالوالدة والخالة يتكلمان الجورجية والروسية وأبوه يتكلم التركية والفارسية،كما كانت تعتنق أشكالًا مختلفة من الاعتقادات: الإسلام والمسيحية والزرادشتية[1]. حتى المحيط الخارجي كان مدرسه للموسيقى أرمنياً وطبيب العائلة زارادشتي والسائق مسيحي آشوري.[2] وهكذا فان كل مكونات الفسيفساء الإيرانية الاثنية والدينية والقومية، كانت الجزء الحيوي من حياته اليومية وقد طبع هذا التنوع اللغوي والديني والإثني شخصية "شايغان واهتماماته بطابع لا يمحى. وهو ما جعل شخصيته متعددة كما لو كانت مسكونة بأربعين هوية، هكذا كما لو أن جماعة من الناس قرروا أن يقيموا داخل شخصيته.وهذا ما يجعل من "شايغان" واحدًا من أكثر المثقفين المعاصرين تأهيلًا للاضطلاع بهاتين المهمتين الكبيرتين: وصل الحضارات التقليدية فيما بينها من جهة، ووصلها بالحداثة من جهة أخرى.

مرحلة التكوين العلمي:

التحق بمدرسة "سان لوين" saint louis" " للآباء الفرنسين بطهران هي مدرسة مفتوحة لأولاد الجماعات الإثنية والعرقية من الآرمن والآشورين واليهود. تعلم هنالك الموسيقى من طرف معلمته الولونية. تعلم في هذه المرحلة الفرنسية وكان يطالع كتب بالفارسية في نفس الوقت.

1949 سافر إلى بريطانيا وهو ابن الخامسة عشر من عمره واصل دراسته في " كولدج بادينكاهم" في لندن وبعد 4 سنوات تحصل على الشهادة الثانوية.

1954 غادر إلى جنيف برغبة من أهله لدراسة الطب لكن لم يواصل بل كان يميل إلى الآداب والفنون فالتحق بكلية العلوم السياسية فهي الحل الوسط حسب رأيه. في هذه الفترة تعرف على مجموعة من الشخصيات الهامة في ميدان الفلسفة وعلم النفس:

"جون بياجيه"""Jean Piagetمؤسس نظرية التطور المعرفي "la théorie du développement cognitive ".

"كارل غوستاف يونغ""Carl Gustav Jung"، ومحاضرات هذا الأخير كانت سبب في تعرف " داريوش شايغان" على العديد من المفاهيم:" اللاشعور الجمعي " "" inconscience collectif و" اللغة " " langage " " و"النماذج المثالية الأزلية" " les modales idéaux éternels" [3]

جان هربر أين حضر دروسه في الأساطير الهندية "les mythes indes ".

رنيه غيون سبب تعرف " شيغان" على "الحكمة الخالدة" أو " الفلسفة الخالدة" "la sagesse éternelle" " la philosophie éternelle".

تخرج من جامعة جنيف بعد عامين ثم تزوج " فريده زنديه " وهي زميلته كانت تدرس علم الجمال، وبعد ستة سنوات عاد إلى طهران أين درس " اللغة السنسكريتية"، كانت أداة استكشافية لأعماق الفلسفات الشرقية القديمة والديانة الهندية.[4]

الالتقاء بالمستشرق الفرنسي " هنري كوربان " سنة 1961. وذلك عن طريق صديقه " حسين نصر " في منزل " ذو المجد السيد الطباطبائي ". كانت هذه الحلقة الفكرية تسمى " أصحاب التأويل ". وكان " "هنري كوربان" يستعمل الفرنسية و"الطباطبائي" يستعمل الفارسية، أما مهمة الترجمة كان يتولها " حسين نصر " وفي الأحيان " شايغان". والموضوعات المناقشة هنالك هي: العرفان والتجارب الصوفية والفلسفية.

غادر طهران سنة 1965 إلى فرنسا والتحق بجامعة السوربون أين تحصل على الماجيستير والدكتوراه بعنوان:" العلاقة بين الديانة الهندوسية والتصوف بإشراف " هنري كوربان ".

ثم عاد إلى طهران وعمل كأستاذ في جامعة العلوم الإنسانية كان يدرس:

الدراسات الهندية والفلسفات المقارنة

اللغات العامة واللغات القديمة

اللغات والآداب السنسكرتية والعقائد الهندية

الفلسفات القديمة، الأوبانيشاد، البوذية، اليوغا والحكمة العرفانية. إلى غاية 1985 أين هاجر بعد نجاح الثورة الإسلامية إلى فرنسا. حيث كان مدير الشعبة البارسية في مؤسسة الدراسات الإسماعلية. [5]

توفي المفكر الإيراني" داريوش شايغان" في طهران بتاريخ 23 مارس 2018، عن عمر ناهز 83 عاما.

المرجعيات الفكرية لفلسفة داريوش شايغان:

هنالك العديد من العوامل التي ساعدت في تكوين الشخصية الفكرية والفلسفية "لداريوش شايغان" وسنحاول أن نذكرها على شكل نقاط.

المحيط العائلي الذي ترعرع فيه حيث كان فضاء هوياتي وثقافي ولغوي متنوع صقل شخصيته الفكرية منذ الصغر وساعده في اكتساب ملكة لغوية متنوعة مثل الفارسية، الروسية، الجورجية، التركية والفارسة وقابلية التعايش الثقافي والهوياتي حيث كانت المنطقة التي يعيش فيها منطقة إثنية وعرقية.[6]

الاحتكاك بالمدارس الغربية منذ دخوله للمدرسة الآباء الفرنسية أين بدأ يتعرف على الثقافة الفكرية الغربية مثل الموسيقى، اللغة الفرنسية واللغة الانجليزية.[7]

الانتقال إلى أوربا الغربية أين تكون في المعاهد والجامعات مثل جينف وباريس، والتقى بأهم روادها الذين أخذ عنهم العديد من الأفكار والمفاهيم أمثال " جون بياجيه " و" كارل غستوف يونغ.[8]

التكوين اللغوي المتنوع فهو يجيد اللغات الفرنسية والإنجليزية والألمانية، وملهم باللاتنية والسنسكريتية والعربية والتركية.[9]

النقاشات الاستشرافية مع جماعة أصحاب التأويل أمثال: " هنري كوربان" ا هذه الشخصية التي ربطته به علاقة وثيقة واستفاد منه حيث وصفه بأنه " جسر بين إيران السهروردي وغرب هيدغر" لقد شجعه على دراسة العلاقات بين الديانات والثقافات الهندية والاسلام  والاطلاع على الترجمات الفارسية للنصوص السنسكريتية الكلاسيكية وبفضله تعرف على أفكار مارتن هايدغر وكان على وفاق تمام معه حول فكرة أن " العلوم والتقنية والتكنولوجيا " ليست أدوات والتقنيات محايدة إنما هي نوع من الميتافيزيقا التي أعطت قيمة وقوة فائقة لاكتساب فحكمت بذلك على الانسان بسجن وقهر. و" سيد المجد الطباطبائي " حول الموضوعات التصوفية والعرفانية التي عبدت له الطريق للتعرف على التراث الإسلامي العرفاني والعقلي وإلى هذا التمكن من فعل الترجمة. [10]

التأثر بالثقافات الشرقية القديمة والديانة الهندوسية والآسيوية والكتابات القديمة مثل الفلسفة الفدائية والأبانيشاد والبوذية واليوغا والحكمة الشرقية.

التصوف الإسلامي مثل الشيخ الأكبر ابن عربي والسهروردي والعرفان الشيعي. وتأثر بآخر حكماء الموروث الايراني وهم:

محمد حسين الطباطبائي

جلال الدين آشتياني

أبو الحسين رفيعي قزويني

مهدي إلهي قمشهاي.[11]

الانتاج العلمي:

لقد خلف "داريوش شايغان" العديد من الأعمال الفكرية والمقالات بلغات متعددة وهذا يظهر في ما يلي:

"الأديان والمدارس الفلسفية الهندية": هو في مجلدين صدر سنة 1967. وهو يتناول المنظومة الدينية القديمة في الحضارة الهندية والسبب الجوهري في اعتكافه على هذا النوع من الموضوعات هو تمكنه من اللغة السنسكريتية. [12]

ترجمة كتاب "الأبانيشاد"[13]من السنسكريتية إلى الفارسية [14]

الأصنام الذهبية والذاكرة الأزلية سنة 1976وظف في هذا الكتاب نظرية بيكون وهي " أصنام الذهن" ولكم بطريقة معكوسة. بيكون كان يدعو إلى الثورة على الأصنام في التفكير العلمي وهو مناهض لذاكرة لكن شايغان يعتبرها بمثابة الأمانة في الفكر الشرقي التي تحمل رسالة مضمرة التي تدل على الذاكرة القومية.و لا يمكن للشرق أن يحافظ على هذه الأصالة إذا لم يتواصل مع تلك الذاكرة الأزلية ويحافظ على مفاتحها. وهنا دعوة إلى الحفاظ على مستودع الصور الأسطورية التي تشكل الحكمة الخالدة الفياضة والانقطاع منها يؤدي بنا الى الاغتراب الذي يقذف بصاحبه إلى هاوية العدمية.[15]

آسيا مقابل الغرب 1977.جمع فيه بعض دراساته حول أهم التحولات الاجتماعية والثقافية التي عرفتها المجتمعات القديمة الأسيوية وكيف ها أن تواجها الغرب ؟.[16]

العلاقة بين الهندوسية والتصوف وهي عنوان مذكرة الدكتوراه في السربون عام 1965 [17]

ما الثورة الدينية: الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة سنة 1989 [18]تناول شايغان فكرة أساسية وهي "العلمنة اللاواعية والتغرب اللاواعي"، والذي يرى فيه أن من يقول بعدم تعارض الدين مع القيم الحديثة هو في الحقيقة يقول بعلمنة الدين، موضحاً أنه "عندما نقول إن الدين لا يتعارض مع العلم أو مع الديمقراطية فهذا معناه أن الدين أصبح يستمد مشروعيته من هذا الانسجام مع الحضارة الكونية وليس من الإيمان بصدقه بالغيب، كما ظلّ على الدوام في تاريخ هذه المجتمعات قبل الصدمة مع الحضارة الحديثة".

النفس المبتورة هاجس الغرب في مجتمعاتنا:

الهوية بأربعين وجه:

أوهام الهوية:

الهوية والوجود: العقلانية التنويرية والموروث الديني: يتناول في هذا الكتاب كيف نفكّر اليوم في عالمنا بين العقلانية التنويرية والموروثات الدينية والمتطلّب الديموقراطي؟ ما الاهتمامات الوجودية التي تسكن الوعي في الشرق والغرب؟ يسعى "داريوششايغان"في هذا الكتاب إلى تحليل أثر الغرب وقيمه الكونية في شرقٍ فقد بوصلته، في محاولة لتحديد الوجه الجديد لفكر لا يقوم على صراع الحضارات، بل على الاحتفاء بالهويّات المتعدّدةيرسم هذا الكتاب المسيرة الفكرية الاستثنائية لقطب من أقطاب الفكر الذين درسوا العلاقة بين الشرق والغرب، وقد صاغ منذ أكثر من ثلاثين سنة مفهوم "أدلجة الدين" الذي يرى أن الممارسة الفكرية لا تقتصر على الفلسفة والتاريخ والتصوف، وإنما تشمل جميع أنواع الإبداع، ولاسيما الأدب.

la lumière vient de l’occident

ciels du monde

La Conscience métisseيحاول" شايغان" في هذا الكتاب أن يقدم أجوبة عن كيفية تفكير الإنسان المعاصر في ظل عقلانية عصر الأنوار والتقاليد الدينية والحتمية الديمقراطية ؟ وماهي دول الوجودÉtats d'êtresعندما نكون شرقيا أو عندما نكون غربيا ؟

l’Asie face à l’occident [19] تناول في هذا الكتاب فكرة وجود تعارض وتناقض كبير بين الحضارة العالمية الحديثة وبين الحضارات القديمة التي وصفها بأنها "لم تشارك التاريخ أعياده"، قاصداً بذلك أنها لم تدخل المنعطفات الكبرى التي غيّرت الحضارات الحديثة؛ السيكولوجية والكوزمولوجية والبيولوجية

الموضوعات الأساسية في فلسفة "داريوش شايغان":

لقد تحدث " داريوش شايغان " على العديد من الموضوعات التي مست التراث والحداثة، آسيا   والغرب، الماضي والحاضر، التخلف والتنمية، الهوية والثقافة، الدين والمعنوية، دين العرفان  ودين الشريعة، الأيديولوجيا والتراث، الحوزة العلمية ورجال الدين، العقل والأسطورة، الانحطاط الثقافي، غروب الآلهة وموت الآساطير، العلمانية والغرب، انهيار النزعة المعنوية، العدمية    الشيزوفرينيا الثقافية... إلى أخره[20]. هذه ماهي إلا عينة عن الموضوعات التي تكلم عنها هذا المفكر وسنحاول أن نتعرض إلى بعضا في هذا العنصر.

نظرية الهوية الأزلية والأصنام الذهبية " الحداثة والتراث ":

في هذه النظرية يحاول أن يبرز لنا أهمية العودة إلى الذاكرة القديمة ومستودع الأصالة في سياق حديثه عن الحضارات الشرقية القديمة بحكم انتمائه القومي والجغرافي لها. ولقد برر ذلك أن الإنسان الذي لا يمتلك خلفية ثقافية قديمة فهو إنسان معرض لدخول في ما يسميه بمتاهة العدمية.[21]وهو انطلق من فكرة الفيلسوف التجريبي بيكون الذي قال بضرورة هدم أصنام الذهن لكن شايغان رفض هذه الفكرة بل ذهب إلى أن أطلق عليها اسم "الأمانة " في الفكر الشرقي القديم وهذه الأخيرة تحتوي على رسالة مضمرة هي الهوية القومية. وكان لزما على الإنسان الشرق أن يحتفظ بهذه الأمانة عن طريق صون مفاتح هذه الأمانة ويتواصل مع ذاكرته الأزلية. ودعوة بيكون اجتثاثها يعني اجتثاث جزء من الهوية الإنسانية.أي تدمير مستودع الأساطير التي تشكل مستودع الحكمة الخالدة الفياضة الانقطاع عنها يعني الانقطاع عن الجذور والاغتراب الذي يقذف صاحبه إلى العدمية. [22]

إشكالية آسيا والغرب:

هذه النظرية يمكن أن نجدها في كتابه " آسيا مقابل الغرب" أين يتكلم فيها عن المسار التنازلي التراجعي للحضارة الغربية حتى وصلت إلى مستوى منحط ومتدني يسميه " بالعدمية ". وهذا الهبوط يكون من الأعلى إلى الأسفل أي بعارة أخرى من الرؤية الكونية الشهودية الروحية إلى الرؤية الكونية التقنية. أي من الآخرة والمعاد إلى تمجيد التاريخ. هل يعني هذا التقدم أم الانحطاط ؟ [23]. الإجابة عن هذا السؤال مرتبطة بالتاريخ ومصر البشرية وحاول في نفس السياق دراسة المكونات والخصائص التي يتمتع كل من الحضارات الشرقية القديمة التي تعتمد على المكاشفة والإيمان والحضارة الغربي التي تعتمد على العقلانية.فهو يرى من جهة أخرى أن العلوم في الحضارات الآسيوية والإسلام مرتبطة بالدين والفلسفة ولكن في سياق الفكر الغربي فهو العكس تماما إنه حالة من التمرد وربط كلي بالإنسان والاقرار بأنه المالك الوحيد للعالم.[24]

إشكالية العديمة الغربية:

و لقد استفاد من فكرة هايدغر حيث يقول بنفس موقف بأن العدمية هي الثمرة الطبيعية للتكنولوجيا الحديثة، وهي لم تظهر صدفة بل هي متغلغلة في مضمون الحضارة الغربية، النواة الجنينية لفكرة العدمية كانت مع ميلاد الفكر الغربي وأما الانعكاس العدمي للفكر التقني هو نبذ وإقصاء كل المعتقدات الشرقية [25]. يرى من جهة أخرى يرى أن العودة الموضوعية والمتفائلة للحضارات الشرقية تكون عن طريق الاحتراس من أربعة مسارات هابطة وهي:

تقنية الفكر

علمنة العالم

تطبيع الانسان

نبذ الأساطير [26]

الثقافة والحضارة:

يربط شايغان بين المفهومين وينطلق من فكرة أن الحضارات الآسياوية إذا أرادت تحقيق مفهوم العودة والحضور من جديد لابد لها من الاحتراس من التبعية الثقافة الغربية [27]، وهنا نفهم أن الأصالة عنده هي عبارة عن دعوة إلى المحافظة على المكونات الثقافية الأصلية فهي التي تحقق مفهوم الحضارة. وفي سياق آخر يبدي تأسفه من الانبهار الأعمى لفئة من المثقفين الآسيويون بالمنتوج الحضاري الغربي الذين يتصورون أنفسهم أكثر ثقافتا وانفتحا من بقية المثقفين من بني جلدتهم وأيضا دفاعهم القوي على ما يسمونه بالثقافة العالمية الغربية[28]، وهذا ما جعله ينتقدهم بالقول أنهم قطعوا العلاقات مع الثقافات  والأديان المحلية وهم يعيشون نوعان من الذوبان الفكري الكلي في الثقافة الغربية العالمية كما يتصورونها.[29]

خصائص فلسفة داريوش شايغان:

يتميز فكر "داريوش شيغان" بما يلي:

النزعة الإسلامية بحكم أنه ينتمي إلى مجوعة المفكرين الذين ينظرون للأفكار والموضوعات التي تتخبط فيها الاجتماعات الاسلامية.

النزعة الصوفية العرفانية التي أخذها من القراءات المختلفة لأقطاب الفكر الصوفي أمثال الشيخ والسهروردي.

النزعة الشيعية وهذا راجع إلى اطلاعه على الفكر الشيعي خاصة الطائفة الإسماعلية

النزعة العقلانية والحداثية وكانت وليدة الاحتكاك بالفلسفات الحديثة الغربية الحديثة والمعاصرة أمثال إيمانويل كانط ومارتن هايدغر وآخرون.

الاستئناس بالحضارات والأديان الشرقية التي كانت تخصص دراساته وكان دائم التوظيف لها في مقارناته وتحليلاته.

النزعة التجديدية والثورية على الأفكار التعصبية والدعوة إلى خطاب نقدي يتماشى مع روح الحداثة.

الدعوة إلى النقد وممارسته والاحتذاء بالمناهج البحثية في الفكر الغربي الذي فعاليته في تجاوز المشكلات.

الثراء في الموضوعات المتناولة التي كانت تمس العديد من الجوانب مثل، التخلف والتنمية الهوية والثقافة، الدين والمعنوية، دين العرفان ودين الشريعة، الأيديولوجيا والتراث.

الانقلاب على الخطاب الفكري التراثي الذي يدعو إلى الانغلاق والتقوقع على المكونات الداخلية للثقافة الاسلامية

المبحث الثاني: مفهوم الهوية في فلسفة داريوش شايغان

مفهوم الهوية:

تمثّل الهوية أحد إشكالات الزمان العالمي اليوم، وثمة مقاربات كثيرة للموضوع في إطار تفسير التصدعات والصراعات الجارية في العالم.ويأتي كتاب "هوية بأربعين وجهاً" للكاتب الإيراني "داريوش شايغان" صاحب الجهود العلمية والثقافية الكبيرة في تحليل السياسات والتجاذبات بين الشرق والغرب، بالتركيز على مدارك الشرق عن نفسه وعن علاقته بالغرب وحتى طبيعة السجال الراهن حول الحضارة العالمية وتأثير التقنية على الثقافة والفكر والدين وبالطبع الهوية.[30]يمكن القول أن الهوية من الموضوعات المهمة التي دخلت العالم الاسلامي وهذا وليد التحولات التي عرفها العالم وتغير موازين القوى على جميع الأصعدة. والقراءات والتأويلات التي قدمها العقل الاسلامي أولا متعددة فكل فيلسوف أو مفكر حسب مشاربه وخلفيته الفكرية ومن جهة أخرى موضوع الهوية لا يمكن التطرق إليه إلى في إطار جدلية الشرق والغرب.في ظل التأثيرات التي تحملها الحضارة الغربية في تجسداتها المختلفة لعل أكبرها التطور التقني والتكنولوجي والتأثيرات على العديد من المفاهيم وخاصة الهوية.

علاوة إلى ذلك فإن النزعات الهوياتية قد ظهرت كرد فعل لعمليات التغريب والعلمنة والحضور الثقافي والاستعماري للحداثة الأوروبية في الحاضرة الإسلامية إلا أن السياق الذي تُطرح فيه هذه الإشكالية عادةً ما يستتبع في نهاية المطاف ضرورة تجاوز "أوهام الهوية" بتعبير "داريوش شايغان".[31]العودة إذا إلى تاريخ مشكلة الهوية يبرز لنا أن هذا المفهوم لم يتحول إلى تيار ونزعة وإرادة فلسفية إلا بعد المحاولات الغربية المختلفة للسيطرة على الثقافات المختلفة وطمسها ومحوها وإدخال كل الشعوب في هوية عالمية واحدة وكانت الأدوات مختلفة مثل العلمانية والعولمة. لكن هذا لا يعني أن هذه المنتوجات الغربية لا طائل منها. ونحن لا نحاول اظهار " شايغان " أنه معارض للغرب أو أنه أصولي بل العكس. فهو يرى أن التحولات العالمية التي ظهرت مع الحضارة الغربية تستوجب منا أن نتجاوز في تصوره أوهام الهوية وهذا المصطلح يعني الأفكار السابقة والموروث الثقافي المنغلق التقليدي والأفكار الدينية المتعصبة. والاقبال بنهم على القيم وومبادئ الهويات المتنوعة والمنفتحة التي ليس لها حدود دينية ولا ثقافية والتخلي عن هذا الميكانيزم الدفاعي والتصالح مع الجرح النرجسي بتعبير طرابيشي الذي خلفته الحداثة في الشخصية المسلمة والمضي قدماً في هذه الحتمية التاريخية. [32]

قبل الخوض في مناقشة مفهوم "شايغان" للهوية، علينا أن نوضح عنوان الكتاب، وهو بالأساس عنوان لأحد الفصول، و"أربعون وجهاً" أو "قطعة" تعبير يستعيره الكاتب من المسرح أو الفلكلور الإيطالي حيث يرتدي البطل ملابس مؤلفة من أربعين قطعة مختلفة الألوان.يتناول المحور الأول "فوضى البحث عن هوية" حيث تصطف أشد صور الوعي الإنساني بداوة إلى جانب لعب أنتجتها أعقد التقنيات الحديثة من دون أي منافسة ذلك أن "كل الأشياء حاضرة في زمن واحد". [33]ونفهم أن شايغان كانت له قراءات واطلالات على الفكر الغربي ويمكن أن نفهم أيضا أنه استعان بالرمز والمجاز من أجل تبرير فكرة فلسفية هذا متعارف عند الفلاسفة منذ زمن فنجد أفلاطون في محاورة الكهف يحذو نفس الحذو. من جهة أخرى فالإنسان هو حبيس ظروفه وهذا الكلام يتوافق مع فكرة الهوية فهي متنوعة بتنوع الثقافات والمشارب الفكرية خاصة وهذا العصر الذي يعرف ويعيش فيه أفكار متنوعة.و الانسان المعاصر في رحلة تنقيب مستمرة في هذه الهويات المتنوعة المبعثرة هنا وهناك. وهكذا لا توجد حضارة متجانسة في العالم. وعلى الرغم من وجود فروق واختلافات ثقافية عديدة، إلا أننا نشهد بروز حضارة عالمية كبرى، فيها فائض للتقنية وخواء أو فقدن للمعنى، كما لو أن عالم اليوم "ما عاد أمامه من هدف سوى العودة الى الوراء" [34]. وإعادة النظر فيما كان، مع هستيريا التقدم والتقانة، والتدقيق في محطاته وثوراته وعلومه وتمركزاته، ومن إعادة الاعتبار للماضي والخرافة والثقافات الأخرى الخ..ويرى في سياق أخر أن احتفاظ الذاكرة الإنسانية بمختلف صور الوعي والتاريخ، ويصف ما يعيشه العالم الراهن بالفوضى الصاخبة في الأفكار والصور، ويجد أن هذا العالم الصاخب ذو وجهين في وقت واحد، من ناحية نعايش اندلاع حرب ثقافات وخطابات تنتظم حول محور الهوية، ويهيمن الصخب والانفعال بحيث قد تتحول إلى ضرب مما يسمّيه فوضى البحث عن هوية، ومن ناحية ثانية نشهد بروز نسخ مما يصفه بائتلاف قوس قزحي، ونعاين سلسلة من الأواصر المتقابلة تنحت شخصية الإنسان الحديث وتصوغها عنوة.ينتقد "شايغان"بشدة فكرة صدام الحضارات الخاصة "بصموئيل هنتنغتون"، ويرى أن ثمة صعوبات في رسم ملامح وتعيين الحضارات على طريقة هنتنغتون، ذلك أن "الحداثة تركت آثارها على جميع الحضارات"،[35]. وفي اليابان مثلاً ليس ثمة معاناة بخصوص الهوية، وهم يدركون أنهم جزء من عالم الحداثة، عالم أبدعه الغرب[36]. هنا يضع شايغان يده على نقطة أساسية، يقول إن البلدان الآسيوية مثل اليابان وكوريا وغيرها "يحسبون أنفسهم موفقين، على أن توفيقهم أشبه بنجاح التلميذ المجد الذي يقدم إجابة جيدة في امتحان بلغة أجنبية"[37]. وهكذا فإن وضع العوالم غير الغربية يقع "بين حداثة تتكرس لكنها لم تستوعب تماماً، وتراث آيل إلى الانهيار ولن يعود لصورته الأولى إلى الأبد.

مفهوم الهوية من المفاهيم الأساسية التي شغلت فكر "شايغان" وناقشها في عدة كتب منها أوهام الهوية وهوية بأربعين وجهاً، ووصف الهوية بالريزوم[38]"Rhizome"نسبة إلى نبات "الريزوم" الذي يتميز بامتداد جذوره بشكل أفقي تحت التربة، لتظهر فوقها بشكل متواصل ومستمر، بحيث يكون من الصعب التخلص منه، ويتميز بأنه لا مركزية له ولا تراتب، وهو بلا بداية أو نهاية، وأن أي جزء صغير منه يمكن أن ينمو وتجدد بشكل مستمر، وهذا التوصيف الأخير يطلقه شايغان ليوضح به مفهوم الفكر المتحرك والهوية الريزومية، هي التي تستقبل جذور اخرى بغض النظر عن نقائها، لأن الأمر المهم في هذا النقطة هو الأسلوب الذي يتم به هذا الاقتراب من الجذور الأخرى.

و في الكلام عن "الريزوم" تشبيه بليغ لمعنى الهوية فالجذمور متعدد بطبيعته، وتعدديته متحررة من كل قيود الوحدة والمركزية، فالنظام القائم على تعدد القطع يمثل ریزوما يختلف عن الجذور وتفرعاتها. فهو عامل الترابط والتوليد، وبمقدوره صناعة شبكة غير متناهية، فكل نقطة منه بإمكانها التلاحم مع أي نقطة أخرى منه، حتى لو كسر أو تمزق بوسعه استئناف حياته والنمو في جهات أخرى. ومع أنّه متكون من طبقات وبحاجة إلى مكان إلا أنّ بمقدوره الانفصال عن الأرض والسير عليها، وإيجاد شبكات ارتباط جديدة، باستطاعة الجذمور أن يربط بين أنظمة جد متفاوتة بل وغير متجانسة، فهو لا يتشكل من وحدات مختلفة، بل من تجمع جهات متباينة، أي إنه بلا بداية ولا نهاية، وهو في الطريق دوما، فماهيته تتغير بلا توقف، فهو إذ يعيش استحالة أبدية، ويختلف عن الشجرة في أنه ليس من نتاج التلاقح، إنما هو عدو الأنساب، ذاكرته قصيرة، بل يمكن القول إنه ضد الذاكرة أيضا. وفق تسميات وتعابير يستعيرها من جان بودريار وبول فيريليو."[39]

ويستند شايغان في تحليله للهوية الريزومية على اطروحات جيل دولوز(1925- 1995) ولقد أخذ مه هذا المصطلح [40]، وفيليكسغاتاري(1930- 1992). ونقد شايغان مفهوم الهوية النقية الأبدية الساكنة، وأحادية البعد المغلق، فعمل على تفكيكه ونقضه وتقويضه ثم صاغ مفهوماً آخر للهوية، مشتقاً من عصرنا وما تسوده من انطولوجيا مهمشة وتزامن للثقافات المتنوعة وكيف أمسى العالم في هذا العصر شبحاً، اصطلح عليه الهوية بأربعين وجهاً، وهي هوية مركبة ومنسوجة من شبكة من الترابطات الدقيقة، وكأنها ثوب يخاط بأربعين قطعة من قماش ذي ألف لون، ذلك أن التعددية الثقافية واختلاط القوميات وتمازج الأفكار والتهجن المضطرد، كلها ظواهر تجعلنا مستعدين لهوية مركبة، وأن الهوية النقية لم يعد لها وجود موضوعي بسبب انهيار العوالم المؤسسة لها، ثم أنها تكبلت بقيود ثقافية نقية وخالصة كما تسمى، فستؤول غالباً إلى تحجر الهوية وكل هوية على كل حال تركيبية وكيان هجين، يحمل ترسبات كل الأشكال والطبقات النفسية، وكلما كانت هويتنا الأولى عرضة للتمزق، كلما لذنا بقوقعتنا أكثر، ويعتقد شايغان أن الإنسان المعاصر ما عاد قادر على حفظ كينونته داخل حدود هوية معينة، فكلما شددنا على هويتنا، وكلما رفعنا اصواتنا بالانتماء لهذه الجماعة أو تلك الأمة، أفصحنا عن هشاشة هويتنا أكثر من ذي قبل، إن معاناة الإنسان اليوم من أزمة هوية مردها إلى أن الهوية لم تعد مجموعة رتيبة من القيم الثابتة المطلقة، فالهوية الفرنسية مثلاً تجاوزت اليوم حدود فرنسا، وتمددت على كل المساحة الاوربية ومن يدري ربما اتسعت غداً في كل كوكب الأرضي، والهوية النقية الرتيبة، ومثالها الهوية المنبثقة من شعب أو دين منغلق، لا تتكرس إلا بإلغاء الآخرين، وطبعاً لا يعني هذا الكلام أن شخصيتنا ذائبة في مركب لا شكل له ولا عنوان، إنما معناه أن اختزال شخصيتنا إلى فردية خاوية، لم يعد يلبي حاجة واقعنا الفردي المعاصر الذي غدا مركباً ومعقداً بخلاف بعض الطروحات الساذجة التي تؤكد بساطته ونقاءه، فكلما هيمنة الايديولوجيات بعثت الروح في الاصوات الماضية، وانتشالها من اعماق التاريخ، كذلك تنقل كل مستويات الوعي المتواجدة في دواخلنا بالقوة إلى مرحلة الفعل وتعبر عن وجودها إلى جانب بعضها، وتنبئ عن هويات كنا ذاهلين حتى عن وجودها.

يعتقد شايغان أن الهوية ما هي إلا مجرد وهم ويمكن القول إن جميع القيم التي تراكمت عبر الآلف السنين وكل الجهود التي بذلت في سبيل تثقيف الروح، قد غدت فجأة مجرد أوهام، وأن الحقيقة ليست سوى أرادة القوى هذه المرتسمة على وجه الإنسان التكنولوجي. أن الهوية في عالم اليوم مفتوحة على كل ضروب التلاقح والاختلاط والانشقاق والتشظي والاندماج والتخليق والتعبير وبروز مضامين جديدة بما يظهر وهمية العالم.[41]أشار شايغان كذلك إلى أن معاناة الإنسان اليوم من أزمة هوية مردّها أن الهوية لم تعد مجموعة رتيبة من القيم الثابتة المطلقة، ووجد أن الهوية النقية الرتيبة، ومثالها الهوية المنبعثة من شعب أو دين منغلق، لا تتكرس إلا بإلغاء الآخرين. تراه يقول إن الهويات متداخلة ومتعايشة ومتكاملة، وإننا نضمر في دواخلنا كل ملاحم الأجيال، وهي ملاحم وأساطير متواجدة في أعماقنا بكافة طقوسها وصورها وأحلامها الجماعية. كما يقول إننا في العصر الحديث نقطن مفترق طرق التأويل، ونمد أذرعنا بكل اتجاه، وإننا خارطة تمتد من ماضينا المعرفي إلى مستقبلنا المزدحم بالمتغيرات.

أوهام الهوية:

مصطلح أوهام الهوية من بين المصطلحات الأساسية التي نجدها في قاموس "درايوش شايغان" التي وظفها في تناوله لمشكلة الهوية. ومن جهة أخرى نجده قد ألف كتابا يحمل هذا العنوان الذي تناول فيه فكرة الهوية حيث وصفها ب"الريزومية"، نسبة إلى نبات الريزوم، الذي تمتدّ جذوره أفقياً لا عمودياً، لا مركزية له ولا طبقات فهو ينمو ويمتد في اتجاهات أفقية متجدّدة[42]،و الذي يرى فيه أن الثورة الإسلامية في ايران عام 1979 فتحت مسارا جديدا في تعيين الهوية الجديدة القائمة على الدين بديلا عن الهوية القومية الفارسية السائدة في ايران منذ قرون. هذا التوجه لم يقتصر على ايران "الجديدة"، بل شكّل المنطلق الايديولوجي للحركات الاصولية الاسلامية في معظم البلدان العربية والاسلامية التي طرحت الهوية الاسلامية في وصفها الاساس الموحد والجامع لمجمل الامم التي تدين بالإسلام. اتخذت الهوية الاسلامية حجما اوسع مع التفسخ الذي شهدته ولا تزال المجتمعات العربية وانهيار المشروع القومي ولحمته العروبية، وصعود العصبيات العشائرية والطائفية لتحتل موقع الدولة. وهذا ما اعطى مفهوم الهوية الدينية زخما لكونه اتى يملأ فراغا ناجما عن فشل المشروع القومي والعروبي. هذا الواقع طرح اشكالية الهوية، فهل يعتبر الدين عنصرا موحدا وجامعا، ام انه بحكم موقعه الفئوي والعصبوي والانغلاقي على سائر المجموعات المخالفة، يشكل معضلة وليس حلا؟[43]

ينتقد شايغان الوهم المزدوج، لمثقفين آسيويين تحدثوا في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، عن إمكانية اقتباس التقنية الغربية، مع المحافظة التامة على الهوية الثقافية. فيقول: "ليس بوسعنا احتضان التكنولوجيا والبقاء في أمان من تبعاتها الاستنزافية، فالتكنولوجيا بحد ذاتها حصيلة تحول فکري ونتيجة نهائية لمسيرة عدة آلاف من السنين؛ التقنية بالضرورة تعبر عن غاية ومضمون التفكير الغربي وخصائصه، وهي عبارة عن اختزال الطبيعة إلى شيئية الأشياء، والعقل إلى أداة ووسيلة، والإنسان إلى الغرائز، وتفريغ الزمان من أي معنى للمعاد، وبالتالي اختزال الإنسان في بعد واحد[44]." نفهم من هذا الكلام أن شايغان يعترف بضرورة الخروج من دائرة التبعية والوقوف على الحقيقة التي مفادها أن التطور التقني والتكنولوجي هو وليد التفكير الذكي العبقري للعقل الغربي وتجسده عبر سلوكيات عملية أداتية تمخض عنها تشيء الظاهرة الإنسانية. يریشایغان أن مهمة المثقفين الآسيويين من أجل مقاومة وباء الغرب، يتمثل بصيانة هويتهم الثقافية عبر العودة إلى ذاكرتهم الأزلية، وإعادة اكتشاف الرسالة المضمرة في تلك الذاكرة، ويعني بالذاكرة الموروث الذي لا يرتبط بشخص معين، بل هو ذو طابع جماعي، يشكل الذاكرة القومية لكل مجتمع، وهذه الذاكرة تكون أنساب وجذور ذلك المجتمع، وهي التي تمكنه من التواصل مع الأحداث الأزلية والأساطيرية. لذلك تنعت بأنها "أزلية". الذاكرة الأزلية في مفهوم شايغان مستودع للكينونات، متعالية على الماضي والحاضر والمستقبل، والرسالة المشتقة منها هي التي تصوغ إنسانية الإنسان.[45] ويستهجن شايغان وصف الشرق، بأنّه ساكن متحجر، يقدس الماضي، لأنّ ذلك يعني لديه وفاء الشرق للذاكرة الأزلية. كذلك يرفض ما يسميه فرنسيس بيكون "الأصنام الذهنية"، لأنها هي "الأمانة" الأبدية في ذاكرة المجتمعات الشرقية. ويحاول تبعا لأحد العرفاء- محمد اللاهيجي- صياغة تأويل لمفهوم "الأمانة" الوارد في الآية الكريمة في قول تعالى: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولً"[46]" يتلخص في أنّ المقصود بالأمانة هنا هي الأمانة الجامعة الشاملة لجميع الأسماء والصفات الإلهية، وما الإنسان إلّا مرآة لكافة الأسماء والصفات الإلهية[47].. أما المقصود ب "السماء" في الآية فهو عالم الجبروت أو عالم الأرواح. و"الأرض" فيها تشير إلى عالم الملك والشهادة. بينما"الجبال" هي المظهر لعالم المثال، الكائن بين عالمي الجبروت والشهادة، عرض الله هذه الأمانة على العوالم الثلاثة فرفضت حملها، ذلك أنّ قابلیتها الذاتية قاصرة ولا تتسع لحملها. غير أنّ الإنسان استجاب للعرض، لأنّه "ظلوم جهول"، وظلوم هنا، بحسب ابن عربي، بمعنى الظلمات وليس الظلم، باعتبار الإنسان في نهاية قوس النزول والظهور، فإنّ أحد مراتبه مظلم عدمي، أما "جهول"، فتعني الجهل بما سوى الحق، فهو عالم بالحق جاهل بغيره، وهذه غاية المدح وإن تبدت على شكل ذم في الظاهر[48].فالهوية الذاتية، والذاكرة القومية، والحكمة الخالدة، والودائع أو الأمانات والمآثر التاريخية، كلمات تحيل إلى ما اصطلح عليه شایغان"الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية". والمضمون المشترك بينها هو الموروث أو الميراث أو المأثورأو التراث.

الهوية في الحضارات التقليدية:

يستند شايغان في تحليله لمشكلة الهوية على الحضارات الشرقية القديمة أين يتصور شايغان أن الاصطدام الذي وقع بين الحضارات الشرقية بفكر الحداثة والحضارة الغربية. حاولت أن تحافظ على المكونات الأصلية لثقافتها وأن تبقر على قالبها الحضاري التقليدي لكن بآت هذه المحاولة بالفشل، إذ أنها تأثرت بها في نفس الوقت الذي كانت تحاربها وتقاومها. وخير دليل وشاهد على ذلك يثبت ذلك هو تلك الحركات الدينية الإصلاحية التي تتكلم على الدين أنه عنصر صالح في كل زمان ومكان وأنه لا يتعاكس مع العلم والقيم الحداثية مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، هي في الحقيقة تعلمن الدين وتفرقه من محتواه الروحي التقليدي، بمعنى أنه عندما نقول أن الدين لا يتعارض مع العلم، أو مع الديمقراطية فهذا معناه أن الدين أصبح يستمد مشروعيته من هذا الانسجام مع الحضارة الكونية وليس من الإيمان، وهذا العملية يسميها شايغان العلمنة اللاواعية والتغرب اللاواعي.[49]نفهم من هذا أن الهوية في الشرق أخذت طابع غربي وأنها تأثرت بأفكار الثقافة الغربية الوافدة برغم أنهم يحاولون أن يبنوا هوية توفيقية بين أفكار الماضي والأفكار الغربية التي جاءت بسبب التحولات العميقة التي مست كل العالم وأعطت مشعل الريادة والقيادة الثقافة للغرب.

ويرى شايغان أن الحضارات التقليدية قد انهارت بسبب الحداثة، ونتج عن هذا الانهيار حالة من التخبط لرعايا الحضارات التقليدية في تعاملها مع الأفكار الحديثة التي لم يشاركوا في انتاج اسسها النظرية. من جهة أخرى حصر تأثيرات الحداثة في العالم الإسلامي في ثلاثة نقاط هي:

التشبث بالماضي والتراث، واعتبارهما مكمن الحلول للأزمات المعاصرة.

قبول الحداثة من دون الالتفات إلى الفوارق الحضارية، أو من دون استيعابها بالشكل اللازم

رفض مواجهة تحديات الأزمة الجديدة.

وردود الأفعال تعرب عن عدم استيعاب الدرس الحداثي وفهمه " فالحداثة في معناها الواسع جدا تأخذ كما هي في الحسبان، أبدا أي موضوعيا في دلالتها الفلسفية الخاصة، بل كانت تؤخذ دائما وفقا للتحولات الأليمة التي ألحقتها بتقاليدنا وموروثاتنا، في طرق معيشتنا وتفكيرنا "[50]

ويعتقد شايغان أنه لا توجد حضارة كونية واحدة غير الحضارة الغربية وقيمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وأن المجتمعات التقليدية لا تستطيع مقاومة هذه الحضارة وخلق نموذج حضاري جديد وكل مقاومة أو فكر مقاوم لهذه الحضارة الغربية لا ينتج عنه إلا مزيداً من التغرب اللاواعي، وأن قيم الحضارات التقليدية قد انتهى زمنها كأرضية سياسية أو اقتصادية، ولكن بقي فقط دورها الروحي. وأن الهوية في البلدان الإسلامية على جانب كبير من التعقيد، بسبب وجود هوية جديدة على الهوية القومية الدينية في المجتمعات. هذه الهوية ولدت من رحم الحداثة، أي أنها كانت حصيلة مجموعة ن الآراء والمفاهيم، على كل حال راح العالم يتخبط من دون إرادة منه في عالم لا تمت مفاهيمه الوافدة بأي صلة حقيقة للمفاهيم المحلية المألوفة.

المبحث الثاني: مفهوم الاختلاف عند درايوش شايغان

مفهوم الاختلاف والتعددية الثقافية

مفهوم الاختلاف لا نجده مصطلح قائما بذاته بل يفهم في سياق حديثه عن فكرة التعددية الثقافة  وهذا الأخير أخذه من كتاب أزمة الهويّة الأمريكية "لدني لاكورن " أين يرى صاحبه بأن الولايات المتحدّة تتأرجح بين مفهومين هما حُلم ” قِدر الخلْطة المغْلي”، وهو المصطلح الذي أطلقه "إسرائيل زانغويل" عام 1908، ومفهوم ”طبَق السَلَطة” الذي ابتكره "هوراس كالين[51]. "التعددية الثقافية ظاهرة تنتمي لعصر ما بعد الحداثة، إنها ظاهرة تقترن بزعزعة شرعية السلطة الوطنية وعولمة الاقتصاد، ففي مثل هذا الإطار الواسع، تغدو الثقافة أداة ايديولوجية للمقاومة بوجه تنشيط الاقتصاد العالمي، بموازاة انتشار الرأسمالية، وجاءت إلى السطح عبارات ومصطلحات تعبر عن الهوية ومنها أسلوب الحياة والسياسة والثقافة والحرية في كل اتجاهات الأفكار التي تفرضها العولمة، ولم يعد هدف التعددية الثقافية توطيد الوشائج بين الثقافات الموجودة، وإنما تحرير وتعبئة قوى فاعلة قادرة على إنتاج هويات جديدة، والتعددية الثقافية هي قدرة إنسانية عامة على ابتداع قيم جديدة[52]. نفهم من هذا أن الاختلاف هو جوهر التعددية الثقافية الذي تقدم لها الحياة في ظل هذه الحتميات الإيديولوجية الغربية. فالاختلاف بخدم الثقافة العالمية بالدرجة الأولى وهي تقاوم وتحارب الانتماءات الوطنية الضيقة وتجعل الشعوب تتفاعل من التحولات والتغيرات الجديدة في العالم وهي أداة تصنع قيم وأفكار جديدة.

الاختلاف يلعب دورا آخر فهو الذي يقدم النشاط الحيوي للهوية من أجل أن تتجسد في أشكال أخرى تتماشى مع المنظومة الفكرية والثقافية التي يتأسس عليه المجتمع العالمي الحديث الاختلاف الذي يتجسد في التعددية الثقافية هو مقترن بالحرية التي تنظمها قوانين وأطر تنظيمه. وفي ظل التعددية الثقافية وانشطار الهوية يعتقد شايغان، أن الاختلاف ممكن ولكن لابد أن يلتزم بعدة شروط:

1- يجب العزوف عن التطرف الحاقد والخطابات المعادية، وهي خطابات تحترف اللعن والتفكير بسبب افتقارها لاستدلالات متماسكة.

2- يجب أن نتقبل عدم وجود ثقافات مستقلة بالمعنى الحقيقي للكلمة وإنما نحن دائماً حيال انساق لا يمكن أن تقاوم الحداثة.

3- أن الأواصر بين أنساق الوجود هذه ومستويات المعرفة تأتي على شكل حوار الإنسان مع ذاته ومع الآخر لا في صورة فعل ثوري للغاية منه قلب السلطة وينبغي أن نقتنع كذلك أن الحوار ممكن على مستوى الأفقي.[53]

يشرح لنا "شايغان" العناصر التأسيسية للبنى الاجتماعية والهوياتية في أي مكان في العالم بالقول أنها تتأسس على مبدأين هما:

الاندماج والهوية الواحدة،

التعدد والهويات المتعددة،

وتجد في العديد من البلدان محاولات محمومة للتأكيد على حدي الثنائية المذكورة بصورة متزامنة، ذلك أن مجتمعاتها موحدة ومتعددة في آنٍ واحد.وتمثّل التربية والتعليم أساساً في سياسات الهوية والاندماج أو التعدد الاجتماعي، ويسوق ملاحظات البرازيلي باولو فريري ومدرسة فرانكفورت ومفكرين مثل جاك دريدا وميشيل فوكو في هذا المجال. ويبدو أن مطالب الملوّنين في الولايات المتحدة الأميركية بالاعتراف تطرح تحديات متزايدة على معنى الهوية والاندماج الاجتماعي[54].وهنا نلمس أن الخطاب الاختلافي عند شايغان عبارة عن نظرية تقوم على عناصر ومكونات فرعية أخذها من الاحتكاك بالأنساق الفكرية الغربية وفهم طريق عمل الأنظمة الغربية في سياقتها الثقافية والإيديولوجية وفي هذا السياق نجد أنه يفرّد حيزاً كبيراً لمناقشة النزعات القومية وأوهامها القريبة غالباً من الهذيان، والمفضية أحياناً إلى الجمود وتحجر الهوية. ويرى أن الهويات الحدودية أو الهجينة[55] تمثل ظاهرة متزايدة في عالم اليوم. ويتحدث عن نقد أعمى للمركزية الغربية[56]، ودعاوى كاذبة عن مركزيات   أو أصول أفريقية للحضارة الغربية. ويصف تلك الدعاوى بأنها "مجنحة فارغة" وفجة ومتحجرة[57]، وشكل من أشكال الرجعية وتحمل "وصمة الوثنية الأولى"[58]. ونفهم أنه انتقد شايغان بشدة نقاد المركزية الأوروبية وحراس الهويات كما لو أنه يدعو إلى التمسك ب"المركزية الغربية"، ومن الواضح أنه لا يقصد ذلك بالتمام، وإنما يحاول أن يضع الأمور مواضعها، ولو أن ذلك محفوف بمخاطر كثيرة في عالم تغيرت فيه مفاهيم المكان والزمان.

يقول شايغان إن الغرب هو الداء وهو الدواء، وهو المُعوّل عليه في إبراء الجراح، إن كان بإمكانه ذلك. ويتقصى مجازياً "أربعين وجهاً" للهوية، ولكنه يدرك أن الهوية "جذمورية"، كما في استعارة بليغة له، ويمكن لها (الهوية) أن تتجلى بألف وجه ووجه، وأن تتخفى بألف طريقة طريقة، أو بتعبير أدق إن ثمة عدداً لانهائي من وجوده الهوية واحتمالاتها وتشكّلاتها وتمثّلاتها في عالم اليوم.[59]

وطالما أن شايغان يُعوّل على الغرب في التوصل إلى حل لمسألة الهوية، فإن ذلك يحيل إلى نوع من العدمية تجاه ما هو غير غربي، الذي يغيب ليحضر بوصفه احتمالاً أو فولكلوراً أو تهويمات بلا ذاكرة، وأساطير، وأدلجات فجة، وأشكال وطقوس ورموز لكن من دون القدرة على أن تقوم بأي دور فعال في عالم اليوم.[60]

الاختلاف والإيديولوجيا:

لقد تناول شايغان مفهوم الاختلاف في سياق حديثه عن مفهوم الإيديولوجيا أين أعتبرها مزيجا من الفكر الديني والفكر الفلسفي، فهي تستمد من الدين الخاصية الروحية ومن الفلسفة الخاصية العقلية والاستدلالية.  وأما الطابع العام لها فهو الدغمائية وهذا يرجع إلى أنها تنطلق من مسلمات تعتبرها حقائق مطلقة لا يمكن تكذيبها أو التشكيك فيها. فالإيديولوجيا لا ترادف معنى الفلسفة لأن هذه الأخيرة تهتم بالإنسان ووضعياته المختلفة والوجود وتمظهراته، أضف إلى ذلك فالاختلاف جوهره أين نجد الأطروحات والرؤى في المشكلة الفلسفية متعددة ومتنوعة وهذا ما يخلق فيها الحيوية والحركية والسيرورة والديمومة. عكس الأيديولوجيا فهي نسق فكري منغلق على ذاته تنعدم فيه الخاصية الجدلية والاختلافية.[61]

وفي سياق آخر يؤكد شايغان أن الأيديولوجيا عكس الدين تماما فهي ترفض المفاهيم المتعالية والخارقة. هي من المفاهيم التي خرجت من عصر الأنوار ومنه لا يمكن أن تؤثر على عالم الدين ولا على عالم الفلسفة من جهة أخرى. يؤكد أن فاعلة ونجاعة الإيديولوجيا تكون فقط عندما تكون فكرة التحجر الفكر وغياب فلسفة الاختلاف في مجتمع معين. ومهمة الأيديولوجيا تتمثل في مهمتين هما:

حاجة الإنسان للاعتقاد

وحاجة الإنسان لتفسير هذا الاعتقاد[62]

لأن الأيديولوجيا تقدم شروحات وفق منظورها فقط ونمط تفكيرها الذي يتسم بالانغلاق فهي ترفض فكرة الاختلاف وتعدد الآراء في المجتمع الذي تسود فيه وهي تعتبر التنوع الفكري تهديدا لحيتها لجودها، لهذا تسعى دائما لمحاربة الفكر المعارض المتمرد عليها.إما بالتهميش أو ضمهم إلى تيارهم أو إلغائهم تماما أو الدعاية المغرضة. ولهذا فالفكر الايديولوجي فكر لا جدلي ومضاد للتاريخ، والايديولوجية تقع عند تخوم الوعي واللاوعي، فهي تستمد مقولاتها السحرية اللاعقلانية من الوظيفة الرمزية للاشعور، وتستمد جهازها العقلي من كونها تعتمد كأداة على عقل هو شكلي النزعة، أن لا عقلانية الايديولوجية تنبع إذاً من كبتها للإسقاطات، أي من لا شعور محروم من رموزه الطبيعية، من لا شعور تترتب فيه جميع بقايا المزايا المهمشة، أن الايديولوجيا ثنائية النزعة بالمقارنة مع البنى الكبرى للفكر التقليدي التي كانت ثلاثية ومندمجة في النظام الانطولوجي للعالم وحافظة لكل تناظرات العالم الصغير والعالم الكبير.[63]

يحذر شايغان من أدلجة المأثور الديني، فتخرجه من مجاله الخاص إلى حل مشكلات العالم، وتحويله إلى ايديولوجيا فيكون عرضه لشتى الآفات، لأن الايديولوجيات جميعها معرضة للآفات والأخطار، ويحذر من ايديولوجية "دنيوية الدين"، بمعنى إهدار الطاقة الرمزية في الشعائر والطقوس والممارسات الدينية، وبالتالي إنهاك الدين وتفريغه من محتواه المعنوي، أن المفاهيم الدينية في غاية الدقة، وإذا ما خرجت عن حدودها الخاصة، فقدت قابليتها وإمكانيتها، مثال يعتبر الوضوء ممارسة تهدف إلى النظافة والصحة، قد يكون للوضوء أثر صحي ولكنه أولاً أثر ضئيل المساحة جداً لدى المسلمين، وثانياً الوضوء ممارسة دينية صرفة، إنه ليس فعلاً صحياً، وإنما هو فعل رمزي وبمجرد أن نجعله صحياً، تكون قد أسقطنا عنه طابعه الرمزي الديني.[64]لأن الدين وفهمه وتأويله سلاح ذو حدين والاختلاف في تفسيره للعوام قد تكون نعمة ونقمة في نفس الوقت. ومن هذا المنطلق كان لزام أن تكون مهمة فهم الدين تخضع لعملية موضوعية يكون فيها التحديث وروح العصر متوفران فيها من أجل أن لا نترك المجال لأصحاب العقول المتعصبة. والعنصر الذي سيضمن هذه القراءة المنفتحة للنصوص الدينية هو حضور عنصر قبول الاختلاف وزرع فكرة جدلية الأنا والآخر والتعايش المذهبي والفكري. فالاختلاف كما يقال لا يفسد للقضية ودها.

حاول شايغان من خلال تناول مفهوم الأيديولوجيا أن يهدم فكرة الدوغمائية ويحاول بناء عقل فاعل يرغب في تحقيق اليقظة والاعتدال ولبناء وعي نهضوي عبر التواصل اللامرضي مع الغرب اللاكولونيالي " من خلال تشخيص العلاقة بين الأنا والآخر. هو يحاول من جهة أخرى زرع فكرة الاختلاف والرؤية المتنوعة التي تدل على حيوية العقل وفعاليته.وهو يتكلم عن أن الأيديولوجيا التي انبهر بها الحضارات الشرقية ولدت التبعية وركود العقل الشرقي. وتلك هي من مشاكل الإنسان الشرقي الذي تمكنت منه الأيديولوجيا وطغت بحضورها الآسر على عقله، فغيبته، وجعلته أسير مقولاتها الدوغمائية ومُسلماتها الغيبية القائمة على الاعتقاد بمقدماتها على أنها حقائق قبلية من دون أن يُخامره شك في مدى صحتها تجريبياً. إنها وعي زائف بعبارة الماركسيين، لأن كل رؤاها مُقدمات ونتائج إنما هي مُسلمات لا عقلانية، لا ارتباط لها بعوالم الاستنباطوالاستقراء، إنما هي ترتبط بعوالم "التعصب" الذي لا معرفة في سوى معرفة الذات ونُكران لحضور الآخر، وكل ما فيها من أفكار تبدو أنها "واضحة ومُتميزة" بعبارة ديكارت، إنما هي من قبيل المنطق الحُلمي لا المنطق العلمي. ولذلك تجد أنها أكثر قُرباً من الأسطورة واليوتوبيا بعبارة "كارل مانهايم"، مُهمتها تدجين العقل وتعليمه إتقان فن الإصغاء والتلقي السلبي للمعرفة بطابعها العقائدي المبني على الإيمان لا التعقل الذي يسعى من خلاله الأيديولوجيون إلى التماثل والتطابق، وإلغاء الاختلاف بعبارة عبدالله إبراهيم في كتابه "المُطابقة والاختلاف" التي يسعى من خلالها المؤدلجين "إلى "مثلنة" الجماعة و"أبلسة" الخصم" كما يقول شيغان في كتابه "ما الثورة الدينية.[65]هو يربط دائما هذا النسق الأيديولوجي المنغلق بالتصورات الدينية والسحرية التي تستمد منها طاقتها وهو يمثل بالحضارات الشرقية، ويرى أن كل ما عانت وستعاني منه حضارات الشرق هو هذا الإصرار على التمسك بالروح الباطني والسحري المؤسس لبنائها الفكري، وعداؤها المُفرط لكل سُبل التحديث الذي جاءت بها الحضارة الغربية، وإن ظهر لنا بعض حضور وتأثير لهذه الحضارة فهو يُعد في المخيال الجمعي "غزو فكري" لا بد لنا من مُحاربته والخلاص منه ومن أتباعه "أذناب الاستعمار". حتى غاب العقل النقدي عن حضاراتنا الشرقية بما فيها الشرق الأقصى "الهند والصين واليابان وكوريا" التي كانت محط اهتمام شايغان، ورغم ما تشهده هذه البلدان من نهضة تقنية نجاح مُلفت إلَا أنه "نجاح يشبه نجاح التلميذ الذي يُقدم إجابة ناجحة جيدة في إمتحان بلغة أجنبية".[66]ومن هنا نفهم الأيديولوجيا هي مرادفة لمعنى الدوغمائية التي تحارب الفكر الاختلافي وتحاول إزالته لأنه يمثل خطر عليها. وهي من جهة أخرى سبب تراجع الدور الضاري للحضارات الشرقية بسبب أخذها التمسك بها.

أهمية النقد والاختلاف

يعتبر شايغان أن النقد هو الذي قدم القوة الحضورية والطاقة الوجودية للثقافة الغربية من أجل أن تحتل هذه الريادة وهو يلح عليه في العديد كتابته. وهو يربط النقد بالاختلاف من حيث أنهما لهما دور أساسي في مواجهة المنظومات الفكرية المغلقة الدوغمائية التي تجعل العقل في جمود وركود، ولقد استشهد بحالة الحضارات الشرقية من أجل إثبات ذلك. كما أن غياب الفكر النقدي يدخلنا في اختلالات غير معقولة ويمنع عنا مساءلة المنجزات التي تصاب أي مجتمع بالركود.[67]نفهم من هذا الكلام أن هنالك تداخلية بين النقد  والاختلاف وهذا يكون متجسد من خلال أن عملية النقد للأفكار والأنظمة الفكرية المنغلقة هي التي تأجج وجهات نظر متنوعة وتغربل الساحة الفكرية من الأفكار المغالطة وتطور العقل وتجعله أكثر إنتاجا وفعاليتا. والاختلاف يضمن الجدلية التي يتأسس عليها النقد ويجد فيها حيويته وووجوده. فالنقد هي الأداة   والاختلاف هو النتيجة التي تتولد عنه. فالخطر الكبير الذي يحمله غياب النقد وخيم على البنية الثقافية إذ أنه يدخلها إلى حالة في الأدلجة المنغلقة التي تمنعها من الحركية والتطور ويتحول هذا إلى إيديولوجية متعصبة مدمرة تساهم في رفض الآخر والدعوة إلى إلغائه جملة وتفصيل.

عندما يتحدث شايغان عن الدين فهو يتناول نقد الموروث الديني أو الدين على وجه الخصوص باعتباره  كأحد مكونات الهوية الثقافية طفرة في طريقة التفكير، وفهما لدور التجديد الديني في البناء الحضاري، للحفاظ على دور الدين نفسه في حياة الفرد أو المجتمع، باعتباره مصدرا للتجارب الميتافيزيقية، التي ساهمت في الحفاظ على فاعلية الدين والتغير الذي صنعه في مراحل تاريخية مختلفة. كما أن ثقافتنا الغنية، ذات البناء القروسطيلا تسمح لنا بفهم الانقطاعات والانكسارات في الأزمة الحديثة، كما أنها لا تأذن لنا بالاستفادة منها، فمنذ قرون لم نصبح نرقص على إيقاع. ولم نعد نحتك ونتفاعل مع التحولات العظمى التي هزت العالم. وإن هذه المفارقات جعلتنا أكثر تبعية واستلحاقا بالعلم الغربي، والتبعية ثقافية قبل أن تكون اقتصادية وسياسية.[68]ويمكن القول أن شايغان يريد أن يخرج الفهم الديني من خلال النقد من دائرة الفهم النقلي والتراثي والتقليدي إلى دائرة الفهم العقلي الحداثي المعاصر وهومن جهة أخرى يبرز لنا أن المكون الديني من بين المكونات الأساسية في المنظومة الثقافية للمجتمعات الإسلامية والتي لا يمكن الاستغناء عنها، ومن هذا القبيل أصبحت مهمة التأويل الصحيح الموضوع من بين الحتميات المعاصرة. وهذا التأويل عنوانه الاختلاف رحمة، فالاختلاف لا يفسد للقضية ودها. إنه في هذا السياق يدعو إلى الدين المتسامح المنفتح لا يتماشى والقيم والأطر الثقافية التي تسيطر عالم اليوم. وهذا كله سينجر عنه خروج من التبعية الثقافية للغرب.

يؤسس شايغان لمفهوم النقد بالنظر إليه كأداة مهمة لتشخيص المشاكل والتنقيب عن الأفكار الهدامة التي تهدد الكيان الثقافي لحضارة معينة. ربط مفهوم النقد بالفكر الغربي الذي وصفه أنه يعتمد على النقد من أجل تشخص أمراضه وإيجاد اللقاح ولقد وصف النقد بأنه لقاح أمراض الحضارة. وينوه إلى فكرة أخرى قوامها أن عصرنا هذا هو عصر النقد أين وجب إخضاع كل شيء إلى النقد. وحسب تصوه غياب النقد في المجتمعات الآسيوية الشرقية هو السبب في عدم قدرتها في تجاوز المشكلات الكبرى.[69]ومن هنا نجد أن شايغان أخذ فكرة النقد من الفكر الغربي وهذا الاقتباس لم يكن هكذا بل بعد أن رأى وتيقن من أنها أداة حققت المردود الإيجابي للعديد من الدول الغربية.فالنقد هي الأداة التي نحدد بها التشخيص الدقيق للمشكلة. وانعدام النقد في الحضارات الآسياوية هي التي جعتها تعيش حالة الركود والجمود.

النقد البناء هو الأداة والوسيلة والاختلاف الفعال والايجابي هو الغاية. والاختلاف مؤشر على وجود جدلية حيوية في الفكر ويمكن أن نقول أن الفكر الغربي يمكن أن يكون نموذج لهذا ويمكن تلخيص أهمية النقد والاختلاف حسب " داريوش شايغان " في مايلي:

التشخيص الدقيق للمشكلات الفكرية والثقافية وتحديد مواطن العطب فيها وهذا يسهل عملية البحث عن الحلول.

خلق وعي فاعل وتنويري يهام في تحقيق مشروع نهضوي يتماشى مع القيم العالمية والمفاهيم التي توجد في عالم اليوم.

محاربة الأيديولوجيا الدوغمائية والموروث الديني التقليدي الذي كان سبب جمود الحضارات الشرقية القديمة.

الخروج من الفكرة الواحدة المسيطرة إلى الفلسفة الاختلافية التي تؤمن بالآخر.

خاتمة:

درايوش شايغان من المرجعيات الفكرية المعاصرة كان تأثير التعدد الثقافي براز في شخصيته الفكرية ومنتوجه الفلسفي وخاصة تمكنه من لغات عديدة ونشأته في محيط عائلي وجغرافي ذو ألوان إيديولوجية ودينية ولغوية زاخر.

الهوية في سياق فهم درايوش شايغان مرتبط بمكون التعددية الثقافية فهو لايربط مفهوم الهوية بحضارة معينة وإنما يؤكد على الخاصية التنوع الهوياتي، فمفهوم الهوية حسب تصوره مططي ومرن.

الاختلاف مفهوم يتمظهر في مدلول التنوع والتعدد الحضاري الذي يجمع بين التراكمات المعرفية التي أبدعها العقل الشرقي القديم والتراث الديني وهو يمثل الأصالة والتحولات الحديثة والتقدمات المعاصرة التي أبدعتها الحضارة الغربية وهي تمثل المعاصرة.

الإيديولوجيا المنغلقة والأفكار الوثوقية هي الأمراض التي تهدد قيام الحضارات الشرقية وهو يدعو إلى الممارسة النقدية البنائة التي بفضلها يخرج الفكر الإسلامي من بوتقة التعصب ومسايرة روح الحداثة الغربية.

 

إعداد الأستاذ: حبطيش وعلي

ماستير مهني و ماستيرأكاديمي في الفلسفة العامة - الجزائر

...........................

قائمة المصادر والمراجع:

أولا: المصادر:

داريوش شايغان: هوية بأربعين وجهًا، ترجمة: حيدر نجف،مركز دراسات فلسفة الدين، بغداد،ط1، 2016

درايوش شايغان: النفس المبتورة " هاجس الغرب في مجتمعاتنا "، دار الساقي، 1999

درايوش شايغان: ما الثورة الدينية، دار الساقي، لندن، ط8،1998

ثانيا: المراجع:

جورج طرابيشي، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، دار الساقي، 2000

ثالثا: المراجع باللغة الفرنسية:

. Gilles Deleuze et Félix Guattari, Mille Plateaux. Minuit, Paris, 1980.

Ehsan Shakeri Khoei1 & Zohreh Arabshah ,Tradition in Seyyed Hossein Nasr and Dariush Shayegan’s Thought, (International Research Journal of Applied and Basic Sciences, Vol

G,Deleuze: différence et répétions ,éd PUF 7 édition , 1993

رابعا: المواقع الإلكترونية:

أمير غلامي: داريوش شايغان.. رحيل صاحب "أوهام الهوية"، 23 مارس 2018، العربي الجديد،

 https://www.alaraby.co.uk/%D8%AF%D8%A7%D8%

خالد غزال: كتاب "أوهام الهوية" لداريوش شايغان: 3 يوليو 2011،

 مكتبة الشعب الكريم،

 http://maktabat-ach3b-alkarim.blogspot.com/2011/06/blog-post_1835.html

خديجة زتيلي: دارْيوش شايْغان ومَسْألة الهويّة في الحَضارة العالمَيّة المعاصِرة: قراءة في كتابه ”هويّة بأرْبَعين وجهاً”، 4 مارس 2019، https://couua.com/2019/03/04/%D8%AF%D

عقيل سعيد محفوض: داريوش شايغان وفوضى الهوية، المصدر موقع الميادين، 21 حزيران 2017، نشر على الساعة 15:14

https://www.almayadeen.net/books

الهوامش

[1]Ehsan Shakeri Khoei1 &Zohreh Arabshah ,Tradition in Seyyed Hossein Nasr and Dariush Shayegan’s Thought, (International Research Journal of Applied and Basic Sciences, Vol. 7 (7), 2013), p.400.

[2] داريوششايغان:هويةبأربعين وجهًا،ترجمة: حيدرنجف،مركزدراساتفلسفةالدين، بغداد،ط1، 2016، ص 06.

[3] المصدر السابق، ص 6.

[4] المصدر السابق، ص 10.

[5] المصدر السابق، ص 11.

[6] المصدر السابق، ص 6.

[7] المصدر نفسه، ص 6.

[8] المصدر السابق، ص 7.

[9] المصدر السابق، ص 7.

[10] المصدر السابق، ص 8.

[11] المصدر السابق، ص 12.

[12] المصدر السابق، ص 17.

[13] هي كلمة سنسكرتية تتقسم إلى مقطعين هما: " أوبا" تعني " قريب " و"نيشاد" تعني "جلوس بقرب" ومعنها العام هو "يجلس بقرب المعلم " هي نصوص روحية وتعاليم دينية تتناول موضوع التأمل في ما يتعلق بطبيعة النفس والواقع ولقد ألفت حوالى 800 ق م و500 ق م.

[14] [14] المصدر السابق، ص 10.

[15] المصدر السابق، ص15

[16] المصدر نفسه، ص15

[17] المصدر السابق، ص 11.

[18] [18] المصدر السابق، ص 22.

[19] خديجة زتيلي:دارْيوششايْغان ومَسْألة الهويّة في الحَضارة العالمَيّة المعاصِرة: قراءة في كتابه ”هويّة بأرْبَعين وجهاً”، 4 مارس 2019،https://couua.com/2019/03/04/%D8%AF%D

[20] داريوششايغان: الهوية بأربعين وجها، المصدر السابق، ص 13.

[21] المصدر السابق، ص 15

[22] المصدر السابق، ص 16

[23] داريوش شايغان:: ما الثورة الدينية الحضارات التقليدية في مواجهة الحداثة،، ص 28

[24] داريوششايغان: الهوية بأربعين وجها، المصدر السابقص 17.

[25] المصدر السابق، ص 18.

[26] المصدر نفسه، ص 18.

[27] داريوش شايغان: الهوية بأربعين وجها، المصدر السابق، ص 18

[28] المصدر نفسه،ص 18.

[29] المصدر نفسه، ص18

[30]  عقيل سعيد محفوض: داريوش شايغان وفوضى الهوية، المصدر موقع الميادين، 21 حزيران 2017، نشر على الساعة 15:14 https://www.almayadeen.net/books

[31] داريوش شايغان، أوهام الهوية، دار الساقي، سلسلة بحوث اجتماعية، 1993.ص 33.

[32] جورج طرابيشي، من النهضة إلى الردة: تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة، دار الساقي، 2000،ص9

[33] داريوش شايغان: الهوية بأربعين وجها، المصدر السابق، ص35

[34] المصدر السابق، ص46

[35] المصدر السابق، ص54

[36] المصدر السابق، ص56

[37] المصدر السابق، ص 57

[38] Rhizomatique الساق الدفينة في التراب من بعض النباتات والمسؤولة عن نمو النباتات. ينمو الريزوم كل عام بمقدار معين في الاتجاه الأفقي، فتظهر منه أجزاء جديدة لذلك لن يموت الريزومحتى لو قطع بالات زراعية وذلك خلافا للجذور، وانما تتولد عنه عدة نباتات.

[39] المصدر السابق، ص35.

[40] Gilles Deleuze et Félix Guattari, Mille Plateaux. Minuit, Paris, 1980.

[41] داريوش شايغان: هوية بأربعين وجهاً، المصدر نفسه، ص27- 29- 107- 108

[42] أمير غلامي:داريوش شايغان.. رحيل صاحب "أوهام الهوية"، 23 مارس 2018، العربي الجديد

https://www.alaraby.co.uk/%D8%AF%D8%A7%D8%

[43] خالد غزال: كتاب "أوهام الهوية" لداريوش شايغان: 3 يوليو 2011، مكتبة الشعب الكريم،

http://maktabat-ach3b-alkarim.blogspot.com/2011/06/blog-post_1835.html

[44] المصدر السابق، ص 18

[45]  المصدر السابق، ص19

[46] سورة الأحزاب،آية72

[47]  المصدر السابق، ص19.

[48]  المصدر السابق، ص 22.

[49] المصدر السابق، ص121

[50] داريوش شايغان: النفس المبتورة، المصدر السابق، ص 50

[51] خديجة زتيلي: دارْيوش شايْغان ومَسْألة الهويّة في الحَضارة العالمَيّة المعاصِرة: قراءة في كتابه ”هويّة بأرْبَعين وجهاً”، 4 مارس 2019، https://couua.com/2019/03/04/

[52]  درايوش شايغان: النفس المبتورة، المصدر السابق، ص93- 94

[53] المصدر السابق، ص 101

[54] عقيل سعيد محفوض: داريوش شايغان وفوضى الهوية، لمصدر: الميادين نت، 21 حزيران

2017.https://www.almayadeen.net/booksAF%D8%AF8%B3%D8%AA%D9%85%D8%B1.

[55]  درايوش شايغان: النفس المبتورة، المصدر السابق، ص88

[56] المصدر السابق، ص90

[57] المصدر السابق، ص98

[58] المصدر السابق، ص101

[59] عقيل سعيد محفوض: المراجع السابق

[60] المرجع نفسه

[61] درايوش شايغان: المصدر السابق، ص ص 217 218

[62] المصدر السابق، ص ص 219 223

[63] المصدر السابق، ص 227

[64] المصدر السابق، ص 24.

[65] درايوش شايغان: ما الثورة الدينية، المصدر السابق، دار الساقي، لندن، ط8،1998ص 220.

[66] درايوش شايغان: الهوية بأربعين وجها، المصدر السابق،ص 57.

[67] درايوش شايغان النفس المبتورة: المصدر السابق، ص 39.

[68] المصدر السابق: ص 147.

[69] درايوش شايغان: الهوية بأربعين وجه، المصدر السابق، ص 23

 

 

هناكَ صفاتٌ مُشتركةٌ بين الخالِقِ والمَخلوقِ؛ لذلكَ وقعَ الاختلافُ بينَ المُتَكَلِّمينَ في صفات الله، فالمعتزلةُ قالوا بالتعطيل وَأَنَّ الذاتَ تنوبُ عن الصفاتِ، والاشاعرةُ أثبتوا لله تعالى صفاتٍ زائدةٍ عن الذاتِ . أمّا الامامِيَّةُ فقد قالوا بالعَيْنِيَّةِ أي: أَنَّ صفاتِهِ تعالى عينُ ذاتهِ حتى يتخلصوا من اشكاليَّةِ تعدد القدماء. والبعض اثبتَ الصفاتِ الخبَرِيَّةَ كاليدِ والوجهِ والرجلِ .

الصِّفاتُ المشتركةُ بينَ الخالِقِ والمَخْلوقِ

هناكَ صفاتٌ مُشتَرَكَةٌ بين الخالقِ والمخلوقِ اثبتها اللهُ تعالى لنفسهِ ولبعضِ مخلوقاتِهِ منها:

1- الحياة: الله تعالى وصَفَ نفسَهُ بالحياة، كما في قوله تعالى:

(اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ ). البقرة: الاية: 255 . واثبت هذه الصفةَ لبعضِ مخلوقاتِهِ كما في قولِهِ تعالى: ( يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ۚ وَكَذَٰلِكَ تُخْرَجُونَ ). الروم: الاية:(19).

2- السمع: وصف الله تعالى نفسه بالسميع البصير، كما في قوله تعالى:

(۞ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ۚ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ). النساء: الاية:(58). وكذلك اثبت الله هاتين الصفتين للانسان كما جاء في قوله تعالى:

(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا). الانسان: الاية: (2).

3-الملك: وصف الله عزَّ اسمُهُ نفسَهُ بأَنَّهُ المَلِك كما في قوله تعالى:(يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ).الجمعة: الاية: (1). وكذلك وصفَ الانسانَ بهذهِ الصفةِ، كما في قوله تعالى:(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ). يوسف: الاية: (54).

4- العلم: وصف الله نفسَهُ بصفةِ العلم كما في قوله تعالى: ( وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ).البقرة: الاية: 255. ووصف الانسانَ بهذهِ الصفةِ، كما في قوله تعالى:(فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ). غافر: الاية:(83).

5- الكلام: وصف الله نفسه بهذه الصفة، كما في قوله تعالى:

( وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا). النساء: الاية: (164). وكذلك وصف الله الكائن البشري بهذه الصفة، كما في قوله تعالى:(وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ ). يوسف:(54). الصفات المشتركة كثيرة بين الخالق والمخلوق، وقد وقع نقاشٌ طويلٌ حول هذا الاشتراك، هل هو اشتراكٌ لفظي من قبيل لفظة العين لها اكثر من معنى، فقد تأتي بمعنى العين الجارية وتأتي بمعنى العين الباصرة، وتأتي بمعنى الجاسوس او الرجل المشهور يقال له عينٌ في قومهِ، فلفظ العين واحد ولكن المعاني مختلفةٌ ومتباينةٌ، وانما تشترك كل هذه المعاني باللفظ فقط؟ أم أَنَّ الاشتراك معنويٌّ اي يشتركون بمعنىً كُلِّيِّ كمعنى الانسان الذي ينطبق على افراده ويسمى بالكلي المتواطئ، وقد لاينطبق المعنى على الافراد بالتساوي؛فيكون المعنى متفاوتاً ويُسَمّى هذا الكُلّيِّ المُشَكِك، فهل هذه الصفات المشتركة، يكون الاشتراكُ فيها من قبيل الاشتراك المعنوي ام الاشتراك اللفظي؟ لاأُريدُ ان اقف عند هذا الاختلاف حتى لااشغل ذهن القارئ بهذه الامور .

الْبَدِيعُ والْخَلّاقُ

ومِنَ المُشْتَرَكاتِ بين الخالقِ والمخلوقِ صفتا " البديع" وَ " الخَلّاق"، فيوصفُ اللهُ تعالى بالبديع كما في قوله تعالى:(بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ). البقرة: الاية: (117). والانسان نصفه بالابداع، وبأَنَّهُ كائنٌ مبدعٌ، وكذلك صفة الخلاقيّة فقد وصف الله بها نفسَهُ واثبتها لغيره كما في قوله تعالى:

( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ).المؤمنون: الاية:(14)، فاثبتَ اللهُ تعالى خالقينَ غيرهُ ولكنه احسنهم . والله تعالى حينما تحدث عن المسيح عليه السلام وقدراته في الخلق والاماتة والاحياء وابراء الاكمه والابرص، نسب هذه الصفات اليهعلى لسانِ السيد المسيح (ع): (وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).آل عمران: الاية: (49).

في هذهِ الايَةُ الكريمةُ نسبَ المسيحَ عليه السلام لنفسه الخلقَ وابراء الاكمهَ والابرص، واحياء الموتى .... خلقُ المسيحِ (ع) يختلفُ اختلافاً هائلاً خَلقِ الله تعالى، اللهُ تعالى يخلُقُ خَلْقاً تامّاً، الله يخلقُ المادة والهيئة (الصورة)، والمسيحُ (ع) يخلقُ خلقاً ناقصاً وهو يخلق كهيئة الطير، يخلقُ مايشابهُ هيئة الطير، وكلُّ ذلك يتمُّ باذن الله تعالى بينما الله يخلقُ بلا اذنٍ من احد . ومن هنا نفهم خلاقية البشر وابداع البشر، ابداع الله ان يبدع على غير مثالٍ سابقٍ والبشر يبدعُ على اساس انموذج سابق ومثال سابق، فالبشر ابدع الطائرة ولكن على مثالٍ سابقٍ هو الطير، والبشر ابدع الغواصّة ولكن على مثالٍ سابقٍ وهو اسماك البحر، امّا الله تعالى فيبدع على غير مثال ٍ سابقٍ، وخلاقيّة البشر هي خلاقيّة في الهيئة فقط امّا الله تعالى فيخلق المادة والهيئة، والله يخلق ابتداءً وبلا اذنٍ من احد؛ بينما غيره لايمكنه الخلق بلااذنٍ .

وفي الختام: هناك فارق كبير بين الصفات الالهية والصفات الانسانيّة، هناك فارقٌ هائلٌ بين خلق الله وخلق الانسان، وابداع الله وابداع الانسان وقدرة الله وقدرة الانسان، ماعند الانسان هو صفات وملكات وقدرات ممنوحة له من الله ومحدودة، بينما ماعند الله من صفات غير محدود ولايحتاج الى اذن احد .

 

زعيم الخيرالله

 

 

محمد بنيعيشأولا: الاضطرار إلى المساعدة ورفض المساومة على الدعوة

مرحلة خروج النبي والرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى الطائف من أجل عرض الدعوة وطلب المساندة ستكون قد جاءت عند قمة الاستيئاس ظاهرا من استجابة قومه له، وذلك بعد إظهارهم العناد والعتو والتعنيف والتعذيب من غير هوادة لأصحابه وله نفسه، كما أنها مثلت نهاية اليتم وفقد الكفيل والمناصر الظاهر من كل الجوانب، سواء كان عصبة أو زوجة أو بكل ما ينم إليه بصلة وقرابة .وهذا الوضع سيؤدي ضرورة إلى الشعور بضيق الأرض بما رحبت بل لم يعد يشعر بها وهي تقله.

لكن هذه الذروة من اليأس والإحباط ظاهرا لم تكن هي نهاية مستوى الضغط وحدوده القصوى وإنما سيزداد عليها ضغط مضاعف أسوأ مما جرى ويجري، ومعاناة مضاعفة أخطر وأشد على النفس مما عليه الحال الذي لا صورة أكلح وأقبح منه.

وهنا قد يتساءل الباحثون ومعهم كاتب هذه السطور: لماذا اختار الرسول (ص) الطائف كوجهة للخلاص من هذه الضغوط المتتالية وغير المتناهية بالرغم من ضآلة الاحتمال بالاستجابة المرجوة؟ فهل غابت عنه (ص) هذه الاحتمالات أم أنه توقعها وغامر معها أم أنه غلب حسن الظن فأخطأ في ظنه - وحاشاه ذلك - وهو الرسول الموحى إليه ومحط العناية الخاصة من ربه ومرسله سبحانه وتعالى، أم ما هو السر أو لنقل التفسير الأقرب لمقام النبوة ومفهومها في مثل هذه المواقف؟

يجيب الدكتور علي الصلابي في كتابه: "السيرة النبوية عرض وقائع وتحليل أحداث" ولكن برؤية بسيطة وإسقاط لمعاني وحسابات بشرية على الحدث:

" كانت الطائف تمثل العمق الاستراتيجي لملأ قريش، بل كانت لقريش أطماع في الطائف، ولقد حاولت في الماضي أن تضم الطائف إليها ووثبت على وادي وج وذلك لما فيه من الشجر والزرع حتى خافت ثقيف وحالفتهم ، وأدخلت معهم بني دوس، وقد كان كثير من أغنياء مكة يملكون الأملاك في الطائف ويقضون فيها فصل الصيف، وكانت قبيلة بني هاشم وعبد شمس على اتصال مستمر مع الطائف، كما كانت تربط مخزوما مصالح مالية مشتركة بثقيف .فإذا اتجه الرسول (ص) إلى الطائف فذلك توجه مدروس، وإذا استطاع أن يجد له فيه موضع قدم وعصبية تناصره فإن ذلك سيفزع قريشا ويهدد أمنها ومصالحها الاقتصادية تهديا مباشرا، بل قد يؤدي لتطويقها وعزلها عن الخارج، وهذا التحرك الدعوي السياسي الاستراتيجي الذي قام به الرسول (ص) يدل على حرصه في الأخذ بالأسباب لإيجاد دولة إسلامية وقوة جديدة تطرح نفسها داخل حلبة الصراع، لأن الدولة أو إيجاد القوة التي لها وجودها من الوسائل المهمة في تبليغ دعوة الله إلى الناس.

عندما وصل النبي (ص) اتجه مباشرة إلى مركز السلطة وموضع القرار السياسي في الطائف"1 .

تفسير ظاهر قد يبدو موضوعيا نوعا ما، لكن باطنه إسقاطي بقصد أو غير قصد وانطباعي يغلب عليه الميل نحو توظيف المصطلحات الحديثة غير المناسبة للمقام، كما أنه يكيف الظروف والخلفيات والنوايا من منطلقات ذاتية و لربما ذات مرجعيات مذهبية في الغالب قد تكون مؤسسة على نزعات سياسية فيما أظن.

فالرسول كرسول موحى إليه من عند الله تعالى هو لا يتحرك ولا يدعو إلا بإذن من الله تعالى ولغاية دينية محضة خالصة لوجهه الكريم، هدفها الأول والأخير الدعوة إلى توحيد الله تعالى ونفي الشرك عنه وتطبيق شريعته بالعدل والحكمة والتي هي أحسن.

ولم تكن حركة النبي (ص) يوما أبدا استفزازية وماكرة أو إستراتيجية بالمعنى الحربي والتوظيف الاصطلاحي لأي كان، لا بل الاستفزاز والابتزاز كان يأتي دائما من قبل الآخر المعارض الذي يفسر خطاب النبي ودعوته وسلوكه على أساس مادي ومزاحمة دنيوية وسلطوية ومن أجل كسب المال والانفراد بالجاه !!!

ولهذا فخروجه إلى الطائف لم يكن خروجا مدروسا ومحبوكا مبيتا كما عبر عنه صاحب التحليل السابق، والدليل القاطع هو ذاك الرد السيء الذي لقيه النبي (ص) من أهل الطائف قاطبة .بحيث سيكون الحكم بعد هذه النتيجة هو: إن كان الأمر مجرد دراسة، أنه (ص) –حاشاه ذلك وهيهات هيهات !- قد كان فاشلا في دراسته وإستراتيجيته تلك وأن خطوته إلى الطائف قد كانت خاطئة مائة بالمائة !

وكيف به هذا وهو الرسول النبي صاحب الكشف الظاهر والباطن والعارف بخصائص النفوس وتوجهاتها وهو المرسل إلى تربيتها وتزكيتها؟

وكيف به هذا وهو محمد الإنسان المندمج مع قومه يعلم ببساطة حالهم وأعرافهم مع اعترافهم بأنه أذكاهم وأرجحهم عقلا وسلوكا؟

كما أنه (ص) لو أراد أن تكون له مساندة ورغبة في جمع الجموع كمجرد تمهيد لتهديد أمن قريش، وهو تناقض بينه وبين مقتضيات النص القرآني الذي أقر أمنهم من خوف، أو إقامة دولة بها يحارب الآخرين لذهب إلى قبائل أخرى ممن كانت قد أبدت استعدادها لمساندة دعوته ولكن بشرط أن يشركها في أمره ودولته بعده، حيث رفض وأحال الأمر إلى الله تعالى يضعه حيث يشاء.

يروي ابن هشام: "أنه (ص) أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن تابعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك ؟قال: الأمر لله يضعه حيث يشاء ".قال: فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهر ك الله كان الأمر لغيرنا ؟لا حاجة لنا بأمرك، فأبوا عليه "2.

ثانيا: الدعوة الإسلامية وارتقاؤها بسمو المطلب ووحدة المقصد

فلو كان الأمر عند النبي (ص) في عرضه نفسه على القبائل مبنيا على دراسة الأوضاع وإقامة التحالفات من أجل بنا دولة قوية لمواجهة قريش وتأسيس الدعوة على هذه المنافسة والمنازعة المادية - كما يزعم البعض - لما تردد (ص) في قبول هذا العرض ولقبله في الحين، لأن منطق الفرص والانتهازية يتطلب ذلك، ولوظف منطق تمسكن حتى تتمكن، ولاستعمل أسلوب قلب الطاولة بعد استنفاد المصالح لأنه في النهاية سيكون قد كسب أتباعا جددا وعصبة قوية تمكنه من الاستفراد بالسلطة والمجد واتخاذ القرار .

لكن جواب النبي والرسول الكريم (ص) الثابت والمستقر دائما، والذي قد كان وكائن وسيكون، هو أن "الأمر لله يضعه حيث يشاء" نافيا بكل صراحة وصرامة عن دعوته وسبيلها الأقوم ومسارها الأسمى كل ذاتية أو تدخل للنفس وتخطيط الهوى والحسابات المادية الضيقة.

في هذا السياق المتسم بتوالي العوارض والمنغصات والعقبات ستذكر الروايات في السيرة بعض الصور النفسية للنبي (ص) في ظاهرها البشري وتعرض صدره ومخياله للضيق، كما سينكفئ نحو ذاته كلية بعدما سدت عليه كل الأبواب خارجيا ولم يعد لديه ما يسعد بهاو يستند إليه إلا مستند المضطر عند الباب والأفق المسدود أو المحاصر من كل الجهات والحدود!!!

فقد ثبت في الصحيحين عن عروة بن الزبير: "أن عائشة رضي الله عنها حدثته أنها قالت لرسول الله (ص): هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد ؟ قال: "ما لقيت من قومك كان أشد منه يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل عليه السلام، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، ثم ناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد قد بعثني الله، إن الله قد سمع قول قومك لك وأنا ملك الجبال قد بعثني إليك ربك لتأمرني ما شئت فيهم، إن شئت تطبق عليهم الأخشبين تطبق عليهم .فقال رسول الله (ص): أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا"3.

هذا الحديث قد يبدو فيه جليا شدة الأثر النفسي وقوة الضغط الذي تعرض له النبي (ص) وهو أصعب من الأثر المادي والمعاناة الجسدية من جروح وكدمات كانت أصابته (ص) في غزوة أحد، لأن الوضع عند هذه الأخيرة قد كان فيه سجال وفعل ورد فعل، وكر وفر، ومناورة ومنازلة . إذن فالنصر أو الهزيمة، الهجوم أو الدفاع، قد كانا متكافئين، وبين الفريقين حسابات وأرصدة من المد والجزر عليها كان يتكئ كل فريق عند المواجهة...

لكن الأمر كما سماه النبي (ص) يوم العقبة قد كان يختلف عما سبق ذكره وذلك لأنه صد ورفض وكيد، أي سلبيات بعضها فوق بعض وسدود بغير حدود ولا منافذ، ومثل هذه ستكون جد محبطة وموئسة ولا تحتمل أية إيجابية يمكن توظيفها كتعويض في الخارج، وهو ما أدى بالنبي (ص) إلى الانكفاء نحو الداخل الذي سينسيه كل العالم الخارجي بزمانه ومكانه وحركته وسكونه وأهواله وأهوائه، وكيف لا وهو الذي وصفه الله تعالى بقوله: " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ".

فكانت صفة الحرص هاته تمثل كليته ورغبته في إنقاذ قومه وتحمل المشاق بسببهم ومن أجلهم، فهو ليس لنفسه وهواه وإنما هو لقومه وأمته حتى يرضي ربه .وحينما يصدونه عنهم بهذه القوة، وبهذا الصلف الصادم لهذا الحرص والتربص الكلي، لم يبق له حينئذ خيار سوى أن يغيب عن العالم الخارجي الذي لا يهمه فيه سوى هذه الغاية المقدسة ألا وهي (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين )، وبالأخص المؤمنين المستهدفين بالدرجة الأولى من مجموع أولئك العالمين .

وحينما يرفض بعض المستهدَفين والأقربين دعوته الرحيمة هاته ويصدونه بهذا الصد الشديد، المنافي كليا لمقتضيات الرحمة وجزائها بمثلها، فسيكون الأمر شديدا على نفسه (ص) لحد أنه لم يرد أن يبقى واعيا بالعالم الخارجي، لكي يحلل ويعلل أو يلوم ويحقد أو يعدل وينصرف، بل رجع إلى نفسه (ص) حتى لا يتغير باطنه ويكره ويغضب لنفسه على قومه فيكون بذلك هلاكهم كماأهلك قوم رسل من قبله.

وهذا المعنى هو الذي عبرت عنه الرواية السابقة في رده (ص) على ملك الجبال كأجمل صورة محمدية مؤسسة للرحمة ومفيضة إياها على شكل حرص وأمل ما بعده من أمل، وهذا أيضا ما عبر عنه القرآن الكريم في ذات السياق والآية والسورة بقوله تعالى (بالمؤمنين رؤوف رحيم)، وشهد له الملك جبريل عليه السلام، المبعوث إليه ليخيره في اتخاذ القرار بحق أهل الطائف: " صدق من سماك الرؤوف الرحيم"4 .

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

..............................

1- علي محمد الصلابي: السيرة النبوية، دار المعرفة بيروت ص21

2- ابن هشام: سيرة النبي ج2ص 32

3- ابن كثير: السيرة النبوية ج2ص 152

4- محمد الخضري بك: نور اليقين في سيرة سيد المرسلين، المكتبة العصرية بيروت ص75

  

 

 

 

 

 

عبد الجبار العبيديابتداءً علينا ان نفرق بين المفهومين.. فمفهوم الجهاد شيء ومفهوم القتال شيء أخر.لكن النَصيين.. قد أدمجوا المفهومين بمفهوم واحد فأضاعوا فريضة الجهاد حين ربطوها بمفهوم القتال فضاع القصد بين المفهومين معا. ومن اجل أستجلاء معنى المفهومين كما وردا في النص المقدس.. لا بد من تغيير جذري لكي ينهض الاسلام، وتتجدد قيمه، وتستمر مجتمعاته الجديدة، كما ارادها النص المقدس منذ بداية النشأة الاولى له.. في المدينة.

ان عملية التجديد هذه لا تعتبر مسألة في النظر اوالعمل، بل فيهما معاً، وعلى مستوى الرؤية التاريخية والعمل الفكري حاضرا ومستقبلا. ولكي ينهض هذا العمل الهام، لا بد من دراسة الجذور الحضارية الاولى للمسيرة التاريخية التي أعتمدت التراث النصي اساساً في هذا التوجه دون تمحيص وتدقيق، واحاطة التراث والنص الديني باسوار القداسة لكي لا يُخترق، في مجتمع يؤمن بأن النص الديني مقدس يُحرم على المرأ الدخول في مناقشته او محاورته، تحت شعار خاطىء لا اجتهاد في النص.. جريمة ارتكبها الفقهاء أثرت تأثيرا مباشرا أفي التقدم الحضاري الاسلامي .

ولكي يكون الامر واضحاً في مقصده ونتائجه، لا بد من تعريف النص ودراسته دراسة جديدة تستند على القاعدة العلمية في تثبيته ومعرفة صحته وضرورة تأويله بما يتناسب ومضمونه اللغوي والعلمي.

يعرف النص بأنه الحديث المنقول عن صاحبه، كالنص الديني او الادبي او التاريخي او الشعري. أما التنصيص فهو ذكر الشيء على التحديد والتعيين، اي عودة النص الى قائله بالتحديد، لان معرفة شروط قبول النص هو معرفة اثبات قائلة.

ان المنهج العلمي لمعرفة النص والتأكد من صحته في الدراسات التاريخية، تقتضي قيام الدليل والبرهان عليه، "الحجة بالدليل" ولا تقوم هذه الحالة الا على التمحيص الداخلي للنص تمحيصاً، تظهر فيه وبشكل منهجي جوانب القوة والضعف، بحيث لا يعوز الباحثين سلامة الدليل عليه.والاخرى تنهض على الفحص الخارجي له، فأذا تعذرت الحجة قيام الثانية، فيعتمد عندئذ على النص المقابل له ظاهرا وباطناً.. ولاخراج الدليل الحقيقي للنص لابد من اثبات الاصل ببطلان النقيض.واذا لم تتحقق هذه الموازنة العلمية، يبقى النص في موضع الشك والريبة.. أنظر جعفر آل ياسين.. الفكر الفلسفي عند العرب ص19.

من هنا استغل النص استغلالاً بشعا من قبل اعداء التجديد، فوضع تحت القراءة الاحادية، قراءة جوهرها الاقصاء لكل جديد، لان فكرهم الجامد الغى الزمان والمكان والتاريخ واسقط العقل، وآمن بالارجاء والجبرية والقضاء والقدر ووظفها توظيفا محكماً لخدمة السلطة لا الدين في الدولة كما هو اليوم عند احزاب الأسلاميين .ولدينا الكثير من هذه النصوص بحاجة ماسة الى مراجعتها مراجعة جدية كما في نصوص الردة والرجم والفتوح، والناسخ والمنسوخ، والمتعة، وحركات الزندقة، وحركات الخوارج، وحقوق المرأة في الزواج والطلاق والزنا والارث والوصية، وحقيقة القضاء والقدر، والجبر والارجاء وغيرها كثير.. لدرجة اننا اصبحنا نؤمن باسلام الفقهاء النصي وليس باسلام محمد الرسول (ص).

لقد تركز الخطأ في فكر الامة منذ البداية واصبح من الصعب تجاوزه بيسر وسهولة، حتى اصبح من السهل مقاومة الجهات المدركة لموضع الخلل والرافضة لسلطة الباطل والمتمسكة بالحق والعدل، فظلت عاجزة عن عملية التغيير الحقيقي لواقع الامة كما هو اليوم .

ان كل هذه الطروحات وما تلاها ساهمت فيها الفرق الاسلامية المختلفة دون استثناء، وتجنبا ًمن الخوض في متاهات لا اجد ضرورة للخوض فيها، أؤكد انه لا مجال من الناحية المنطقية والتاريخية أقحام فرضية بعض الدارسين من ان الاسلام هو السُنة او هو الشيعَة، تلك مقولة في نظري بائرة بضاعتها ومرفوضة بحكم الحس والوجدان، لان التسنن الخالص والتشيع الخالص هما من الاسلام واليه، وليس واحدا منهما حسب، لذا لا نجد مجالا كما يعتقد البعض بوضع قاعدة ان الاصل كان احدهما، الا في حالة غلبة التعصب على العقل ورجحان كفة الهوى على الهدى .

نحن اليوم نعيش في ازمة فقهية قاتلة لذا نحن بحاجة الى فقه جديد مبني على التأويل لا التفسير ويقول القرآن الكريم( ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الانسان اكثر شيئ جدلا سورة( الكهف آية 54).

الايات القرآنية متنوعة منها الامرية ومنها آيات التعليمات ومنها النصح والارشاد والتوجيه، لذا فأن الايات الامرية، هي ايات حدية.. والاخرى حدودية ليست فيها صفة الألزام.. جاءت لتؤول لصالح التطور لا التزمت والتعصب، والقرآن يقول وما ارسلناك الا رحمة للعالمين.. ولكن من يفهم وينصاع للأمر الألهي الرصين.. بين المتشددين.

بين الجهاد والقتال..جدلية في الاسلام

الجهاد لغةً:

هي من جاهد جهاداً، ومعناه أستفراغ الوسع، اي بذل اقصى الجهد للوصول الى الغاية المقصودة. ويشمل مجاهدة الاعداء في حالة الاعتداء على الوطن الاسلامي، وهنا يسمى قتالاً، ومجاهدة النفس اذا انحرفت عن خط الاستقامة يسمى جهاداً. كما في قوله تعالى(والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سُبلنا وان اللهَ لمَعَ المُحسنين-العنكبوت: 69).

والجهاد ليس مقاتلة الاعداء، بل هو كلمة الحق التي تقال بوجه سلطانٍ جائر، ومعنى ذلك المشاركة في الحياة السياسية بغرض التعاون لتقويم النظام العام وارساء اسس العدالة والقول بما يراه المجاهد مصلحة ونفعا للناس، قال رسول الله(ص): (الجهاد هو كلمة حق عند سلطان جائر) . كما جعل الشرع المحافظة على الواجبات الدينية والالتزام بها حقاً وصدقاً .ويعتبر جهاد النفس عن الهوى هو من الجهاد الاكبر لانه فيه ردع للنفس الانسانية عن الخطأ والاعوجاج، يقول الرسول (ص): (الجهاد الاكبر هو مجاهدة العبد لهواه) وهذا ما نساه الاسلاميون في التطبيق . وتعتبر الشريعة الاسلامية ان سلامة النية وصفاء القلب عن قصد ايذاء الخلق وظلمهم من الجهاد حيث قال رسول الله (ص): افضل الجهاد من اصبح لا يهم بظلم احد.

والجهاد في الاسلام لم يشرع في القتال الا لرفع العدوان ودفع الطغاة ان اعتدوا وعدم الاعتداء على الاخرين. فحياة المسلم كلها جهاد في عبادته لله وعمارته للارض وتزكيته للنفس الانسانية، فالاسلام مرآة صافية عاكسة لكل صفاة الاستقامة الانسانية (انظرالموسوعة الجهادية تحت مفهوم الجهاد). لذا لا جهاد كفائي ولا جهاد فرض عين كلها مخترعة من فقهاء الدين الذين لا يعترف الاسلام بهم ولا يخولهم حق الفتوى على الناس، ولا يميزهم بلباس معين.

من خلال قراة النص الديني يتبين لنا انه لا يجوز اكراه الناس لاي عمل يتنافى ومفعوم الحق والعدل وحرية الانسان فالدولة ليست ملكاً للحاكم، لذا فلاسلام لم يتبع اي نوعا من العنف الداخلي او الخارجي وبنوعيها الفكري والسياسي والقرآن يقول (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنه لمن يرجو الله واليوم الاخر، الاحزاب آية 21). لذا فغزوات الرسول ما حدثت الا بعد اعتداء الاخرين على دعوته ومقاومتها

ان اساس الجهاد في الاسلام كما اسلفنا محاربة الطغيان وتحقيق حرية الكلمة والتعبير عن الرأي وسواسية الناس امام القانون وفي هذا السبيل يقول الحق(فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالاخرة، ومن يقاتل في سبيل الله فيقتَل او يَغلِب فسوف نأتيه اجراً عظيما-النساء آية 74).. أي هنا جهادا من اجل الدفاع عن النفس الأنسانية وليس فتحا للبلدان دون اعتداء منها على المسلمين.

وبما ان كل مراحل الدعوة في عهده (ص) قامت على عبارة واحدة فقط هي (خلو بيني وبين الناس) فالمشكلة كانت مجسدة في طغيان قريش وعدم قبولها للحوار واصرارها على القتال، لذا لا بد من محاربتها والانتصار عليها صوناً للحرية ورداً للطغيان وتحقيق هدف الاية الكريمة (من شاء منكم فليؤمن، ومن شاء فليكفر) والاية (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين سورة يونس اية 99)، ولذلك فأن الاستعباد للناس محرم شرعا حين جعل حرية الاختيار والتعبير هما الاساس.

من هذا المنطلق فأن الفتوحات الاسلامية بحاجة الى مراجعة.. خاصة وان كثير من الشعوب التي فتحت اراضيها واخذت اموالها واستبيحت حرماتها لم تكن معتدية على العرب والمسلمين.. لذا من حقها اليوم المطالبة بحقوقها من منطلق الأية "لكم دينكم ولي دين".. هنا لا يعتبر الموقف جهاداً بلأعتداءا عليها دون ذنب جنته .

هذا هو العمود الفقري للجهاد في الاسلام ممثلا بالحصول على اعتراف الاخر كندٍ، فلو طرحت حاكمية الله بموجب ما طرحته الدعوة المحمدية لقبل بها حتى الملحد، ولشعر بحرج شديد في الوقوف ضدها، وبذلك نكون قد وضعنا ايدينا على النقطة الجوهرية في الطروحات السياسية، اما اذا فهمنا ان حاكمية الله تعني الحكم المطلق في كل صغيرة وكبيرة كما تروج لها السلفية والمنظمات المتطرفة والأحزاب الاسلامية المتشددة، فقد وقعنا في فخ الطاغوت، وهذا ما نراه الان .

أما الجهاد الخارجي والذي نسميه فتحاً لنشر الدعوة فهو في منحيين هما:

الاول- تهديد عدو خارجي غير مسلم لدولة اسلامية واحتلال اراضيها بالقوة.كما حصل في استعمار الدول الغربية للاخرين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

الثاني- تهديد عدو خارجي مسلم لدولة اسلامية ومحاربتها واحتلالها بالقوة، كما في ظاهرتي احتلال مصر لليمن في العهد الناصري، واحتلال العراق للكويت في العهد الصدامي.

فيما يخص البند الاول، لقد امرنا القرآن الكريم بأن نفي بالعهود والمواثيق حتى ولو كانت مع غير المسلمين، وأمرنا بألغائها اذا كانت مضرة بمصالحنا وهذا انتج مجالا واسعا للتعاون بين الشعوب المؤمنة بالرسالة وغير المؤمنة بها قال تعالى (براءة من اللهِ ورسُوله الى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الارض أربعة أشهر وأعلموا أنكم غير معجزي الله، وان الله مخزي الكافرين – التوبة آية 1-2). وآية اخرى تقول (ولا تقولوا لمن آلقى السلام لستَ مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا سورة النساء آية94 ).

هاتان الايتان المقدستان هما اساس العلاقات الدولية في الاسلام، لكن الحرب احياناً قد تكون ردا على عدوان او تهديد خارجي يستهدف ارض المسلمين وخيراتها ففي هذه الحالة يعتبر التقاعس عن الجهاد منقصة شرعية لا تغتفر، وقد حدث ذلك في غزوة تبوك بعد ما شعر الرسول (ص) ان الروم قد يدخلون شبه جزيرة العرب من الشمال، فتقاعس البعض عن النصرة للرسول وجيش المسلمين في الجهاد، هنا يقف القرآن الكريم منهم موقف التعنيف القوي لعدم تلبيتهم دعوة الجهاد ضد الاعداء حين يقول القرآن (ما كان لأهل المدينة ومن حَولهُم من الاعراب ان يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبون بانفسهم عن نفسه_ التوبة آية 120)، ولقد وجه القرآن اللوم حتى للرسول(ص) نفسه لانه أذن لبعضهم بالانصراف عن النصرة والجهاد حين تلكئوا وطلبوا منه ذلك.. يقول القرآن الكريم: (عفا الله عنك لمَ أذنتَ لهم حتى يتبن لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين-التوبه آية 43). والعفو لا يأتي الا بعد التقصير.

هذا النوع من الجهاد مقر شرعا وفي كل الاديان ومن يناصر الاعداء، وخاصة في حالة تعرض الدولة لعدوان خارجي لدولة الاسلام والمسلمين فهو خارج عن الملة شرعاً، فمن حق المسلمين رد العدوان بالقوة المماثلة، يقول القرآن (الحرمات قصاص، فمن اعتدى عليكم فأعتدوا عليه بمثل ما أعتدى عليكم-سورة البقرة آية 194). وهنا يجب ان تتوفر الرغبة والعزيمة والارادة عند المُعتدى عليه، والرغبة هي القوة المعنوية لدى النفس الانسانية في تحقيق الهدف، والعزيمة هي التطبيق العملي للرغبة، والارادة هي القرار الاستراتيجي لضمان مستقبل الدولة.. لذا من اخل بهذ التوجه القرآني فقد اخل بشريعه الاسلام.

ونتيجة لهذا الاتجاه الخاطىء في فهم آيات الجهاد طمست عزيمة الجهاد من الناحية التاريخية وتم ربطها بالسياسة والسلطة الزمنية منذ بداية الفتوحات الاسلامية، لذا كلما تهددت السلطة عمدت الى حل تناقضاتها بتوجيه الناس نحو الحرب الذي سمته جهاداً وهذا مخالف تماماً لهدف ايات الجهاد الاساسي.

بقي لنا ان نبين الفرق بين الجهاد والقتال وما رمي به المسلمون اليوم، فقد كتب الاستاذ معز الدين الخطيب تحليلا علميا لها، نقتطف جزءً منه مع التصرف فنقول: ان من غير الدقيق الاكتفاء بدرس ظاهرة القتال ومظاهر الخلط بينه وبين الجهاد ضمن الاطار الفقهي، فهو لاشك في ازمة بحاجة الى توضيح، لا سيما وان ظاهرة العنف هي ظاهرة عالمية لا تقتصر على الاصولية الاسلامية فحسب، لكن ارتباط السلفية المتطرفة بها يعود الى فهم خاطىء في مفاهيم الجهاد الاسلامية حين دمجوا العنف بالجهاد ولم يتركوا للحوار مكاناً، خاصة وان الحس الديني العالي لهؤلاء الجماعة وتكوينهم النفسي والفقهي الخاص اشعرتهم بالتهديد المستمر الذي لا بديل عنه الا العنف والالتزام به، ناهيك عن العوامل الاخرى الخاطئة في مفهموم النص الديني وقراءته قراءة احادية صرفة .

هناك فرقاً واضحا بين الجهاد والقتال، فالاول يتميز بوضوح الهدف ووضوح الوسيلة والالتزام باحكام الشرع ومكارم الاخلاق التي جاء بها الاسلام، قبل القتال واثناء القتال وبعد القتال، والاجماع على ان الجهاد هو في سبيل الله واعلاء كلمته وليس بسط سلطة الاسلام على الناس بالقوة وهنا مكمن الخطأ ولنا في ايات الجهاد ما يثبت ما نقول.. اما الأعتداء فهو مرفوض في الاسلام "قاتلوا الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا.. البقرة 190.

اما العنف القتالي كما تمارسه بعض الجماعات المتزمتة الى تنسب نفسها الى الاسلام، فينقصه الوضوح في الرؤية وقصور الاهداف وخطأ الوسائل ومخالفة الضوابط الشرعية، ويعتبر اجتهاد افراد اوجماعات معزولة عن المجتمع، تخالف رأي الناس و هي لا تمثل امة الاسلام، بل تشكل قطيعة معها حين يصبح الجهاد بنظرها صحيحاً لكل راضٍ عنها غير منكر لها.

 

د.عبد الجبار العبيدي

 

عبد الامير كاظم زاهد مقدمة تأسيسية: المدخل: لا يختلف اثنان على أن الأديان منذ عصور النشأة تسهم في تكوين التاريخ البشري وتصوغه على وفق معاييرها ومقاساتها، وتنطبع حركة الانسان بالموجهات الدينية فتصطبغ الافعال الانسانية بمضمون الاوامر، وتختفي الظواهر التي جعلتها الاديان في دائرة التروك فالدين والتاريخ حقيقتان متلازمتان من جهة صيرورة التاريخ وكونه الحاضن للتفكير الديني على طول الأزمان وإن تأثير الدين على التاريخ حقيقة لا يعتريها الشك، فهي ناتج استقراء تامل احدى حقائق الوجود الاساسية لكن الاشكالية في تأثير التاريخ على الحقائق الدينية وتسرب قضايا تاريخية لكي تصبح عقيدة دينية، وهذا هو محل الخلاف في هل للتاريخ تأثير على الدين؟ بحيث تتسلل بعض مقولاته ووقائعه لتكون جزءاً من منظومة الدين، ويضفي عليها القداسة التي يتمتع بها الدين نفسه لتكون جزءاً من منظومة العقائد والقوانين الدينية.

عن هذه الاشكالية يتركز هذا البحث وازاءها ينقسم الباحثون إلى اتجاهات وآراء، فمنهم من لا يرى ذلك الاندماج من حيث الافتراض ذلك لأن الأديان السماوية من عند الله والتاريخ من صنع البشر، لكنه يُقّر بإن الواقع والفكر الديني يتداخلان، فالوقائع التاريخية تداخلت مع القضايا الدينية، وحسب هذا الافتراض فإن بعض الوقائع حينما تتحول الى جزء من المضمون الديني فإن ذلك يعني أن ما هو من صنع الإنسان اندمج مع التصورات الدينية.

في حين: ترى مجموعة اخرى أن الجانب التطبيقي للنص الديني (التجربة البشرية) وإن عكست المضمون الديني إلا أنها تبقى جزءاً من التاريخ لذلك تعامل على أنها النزعة البشرية الموجودة في التطبيقات من دون أن تتحول إلى قضايا دينية ولعل هذه الإشكالية ليست حصراً في التجربة الدينية الاسلامية إنما كانت ملازمة لأغلب التجارب الدينية[1]

فقد وجد بعض الباحثين في الفكر التلمودي محاولة الغاء الفروق بين تاريخ الجماعات اليهودية كسلوك جمعي وبين الدين اليهودي، وعليه فان الأعراف الدينية اليهودية تصر على أن تاريخ اليهود كله مقدساً لأنه – على تعبيرهم –ليس من صنع الانسان انما تعبير عن ارادة الله الكامنة في القدرات البشرية، ولأن اسرائيل (الرب) يتدخل في صنع التاريخ لصالح شعبة المختار وإن ملوك اليهود هم نواب الله في الارض[2] .ناهيك عن ان فكرة الحلول تفضي الى زوال الثنائية بين الخالق والمخلوق وهنا يتداخل المطلق مع النسبي، فيتداخل الثابت من النصوص الدينية مع المتغير التاريخي بحيث يظهر ذلك بصورة اندماج بين الفعل الإلهي المقدس، واحداث التاريخ الانساني.

ويجد المتابعون فكرة تذكر في الأدب العبري ان ما حل باليهود كما يوردها الفكر التلمودي هو عقوبة على ما ارتكبوا من الإثم، وهذا يعني ان التاريخ يصنعه الله وما يصنعه الله يكتسب القداسة[3]  فالهزائم الحربية عند أحبار اليهود تحمل مغزىً دينياً ولها تأويل لاهوتي[4] ، من ذلك صار مفهوماً أن قداسة الشعب اليهودي ليس بسبب (الإله) الذي (اجتباهم) كما تورده النصوص التوراتية فقط إنما في حقيقة الأمر بسبب تقديسهم للتأريخ الذي اعتبروه من فعل الله،وكما يقدّس (المتدينون) في كل الأديان العصور الاولى لتجربتهم الدينية ويعتبرونها العصور المؤسسة لمعيارية الصحة، تجدهم يفترضون (نهاية خلاصية وحتمية) لمجريات الأحداث تعيد (الرؤية الدينية الاولى إلى واقع الحياة) في يومها الأخير ضمن قوانين الحتمية المطلقة التي تدخل ضمن البلاغات الدينية، من دون أن يكون للفعل الانساني دور في هذه النهاية ومثال ذلك (الاستخالوجيا) في الفكر المسيحي أو فكرة الماشيح في الفكر اليهودي، فهي نهاية فردوسية تتحقق بتدخل الاله في نهاية التاريخ وهذا التدخل يلغي التاريخ البشري وما حققه النشاط الانساني[5] .

وفي المسيحية ايضاً تجد مضامين تاريخية كثيرة مرتبطة بالدين، بحيث تحولت تلك الوقائع الى دراما دينية في فصولها الاولى سقوط آدم في الخطيئة ودخول الله في صناعة التاريخ في اسفار الانجيل وشروحاته.

لقد ظهر القديس اوغسطين (354م) بوصفه واحداً من ابرز مفكري المسيحية الذي رفض فكرة التعاقب الدوري في التاريخ، فلجأ إلى تقسيم التاريخ الى سبع حقب، تبدأ بآدم ثم ابراهيم ثم داود، ثم عصور الأسر اليهودي، وولادة عيسى وعصره، ثم عصر (القيامة الثانية للمسيح) وهي نهاية التاريخ التي يصنعها الإله. وبذلك يفصل اوغسطين بين المدنية الالهية، والمدنية الارضية (الحضارات) لكن جديده انه يقر بانهما خطان متوازيان يسيران لهدف واحد[6] . ان هذا التمازج بين التاريخ والدين في الأديان الكبرى يؤدي الى القول بأن منطق الفكر الديني بعامة منطقاً واحداً، وهو ما يتحقق في عموم التجربة الدينية على الرغم من أن الحقيقة الجوهرية تؤكد ان النص الديني ثابت ومعزول عما هو تاريخ.

ومثل ما وجدنا في اليهودية والمسيحية فان المفكرين المسلمين تعاملوا مع التاريخ ايضاً ضمن خط سير يبدأ من بدء الخليقة (آدم) مروراً بالامم السابقة والانبياء ومعجزاتهم الى الدولة الالهية العادلة (دولة المنقذ الالهي)، لكن المسلمين ينفردونبان التاريخ – من منظور قرآني – يخضع للسنن الكونية الثابتة[7] أي انه ناتج صيرورة لقوانين فاعلة وثابتة. وبهذه السنن يمكن القول إن الاسلام يمنح الانسان دوراً مهماً في حركة التاريخ طالما بذل جهداً في إطار تلك القوانين لقوله تعالى: (إن الله لا يغير ما بقوم.... )[8]  ونجد في ثنايا النص الديني عشرات الشواهد التي تقرر ضرورة الاعتبار بمآلات الامم السابقة ودراسة تاريخها بوصفها أفعال انسانية وصلت إلى خواتيمها ولكن طبقاً للقانون الكوني، ونجد في القرآن الكريم رؤية للزمن الممتد إلى نهاية التاريخ بالخاتمية الدينية ومفهوم الهيمنة القرآنية على النصوص الدينية السابقة ومقولة نسخ الأديان بالاسلام، مع ملاحظة ان التاريخ الديني السالف قد ذكره القرآن للاعتبار به والتأسي وليس للاعتقاد بتكراره، وإنه أوكل للانسان صنع مدنياته المتعددة تحت المفهوم القرآني للاستخلاف وأتاح للعقل البشري أن يشرّع لمنطقة الفراغ ويملأ ما سكت عنه النص من خلال الممارسة العقلانية.

التقارب التاريخي مع النصوص التأسيسية للدين:

اختار جمع من الباحثين الحديث عن تاريخ النزول القرآني فقسموه (زمنياً) إلى ما نزل قبل الهجرة وما نزل بعدها وقد سميّ فيما بعد المكي والمدني، ولوحظ في النزول القرآني ايضاً عبارة عن ارتباط النص بالوقائع والافعال التاريخية التي سميت أسباب النزول، وهي تعني أحداثاً محددةً موجودةً فعلاً نزل النص الديني بما يجعل لها حكماً ووصفاً دينياً، فالعلاقة بين النص الديني والتاريخ علاقة مسببة وتوصيفية غير اندماجية كما أن افعال النبي الأكرم واعماله الادارية والسياسية انما صارت نصوصاً دينية فلأن القرآن أعطاها صفة العصمة وعدم احتمال صدور الخطأ والسهو عنه فكان حكمها حكم النص القرآني وإن كانت من حيث الصدور ذات سمة بشرية، ومن ذلك بناء أول مدينة في تاريخ العرب وإنشاء مجتمع المدينة المحاط بدستور المدينة المنورة [9] .بحيث تعد تلك التجربة محاولة تأسيسية لإقامة الدولة المثلى أو النموذج المثالي الذي يعلو على كل النماذج اللاحقة، وعند تعريف السنّة المطهرة: نرى أن كتب علم الاصول تذكر ان أفعاله أما جبلية فلا تجب المتابعة وأما خاصة فهي له وأما بيان للشرع كالحج والصلاة [10] لأن أفعال النبي الأكرم (ص) وتصرفاته وإن كانت فعلاً إنسانياً فإنها تعد فعلاً دينياً فأفعاله إمضاءٌ أو إقرار على صحة سواء على جوازه وأحياناً على وجوبه على الناس مثل أفعال الحج وأفعال الصلاة وتفاصيل العبادات الأخرى وغيرها، أما مواقفه العملية فإن أهل العلم اختلفوا في ثباتها على أقوال:

الأول: إنها أفعال إلهية لا يمكن اعتبارها متغيرة زمنياً، والثاني فرّق بين الفعل النبوي المراد به التدبير والسياسة وبين أفعاله المراد بها ايصال الأوامر الإلهية الثابتة للناس عن طريق أفعاله، وعليه فإنه يجب الاقتداء به في هذه البلاغات النبوية عن الله، والاستئناس بأفعاله وسياساته التدبرية[11] .

وهناك فريق ثالث يخلص إلى ان الاصل في كل أفعاله انها تبليغ إلا ما قام الدليل على أنه تدبير زمني، بينما يرى فريق رابع أن طبيعة الواقعة ونمط فعله أو قوله (ص) حول الواقعة هو الذي يحددها من جهة الثبوت والتغير، فإذا كانت الواقعة ثابتة ودائمة فهي تبليغية، أو حكمها ثابت بثبات موضوعها – دون أن يتغير – وإذا كانت (زمنية) فالأصل ان الحكم يتغير بتغير الموضوع، وعلى كل حال فإن التجربة العملية للنبي الأكرم (ص) على الرغم من أنها تاريخ فالحكم عليها من حيث كونها تتحول الى دين لكنه مرتبط بمعايير الثبات والتغيّر، فالمتغيّر لا يعد ديناً أو تبليغاً إلهياً ثابتاً، إنما يعد اجتهاداً صائباً ومسدداً من الله تعالى لكنه صالح لزمن ما، ولا يفرض على الأزمان الأخرى، وللأزمان الاخرى أحكامها طبقاً لطبيعة الموضوع المتغير جوهرياً أو المتغيرة بعض سماته كما انه طبقاً للقواعد الكلية عامة.

التداخل بين التأريخ والدين في فهم القرآن الكريم:

في النظر في آيات الكتاب المجيد نجد مجموعة من الآيات التي تشرّع الأحكام لها معطيات زمنية تاريخية قد انقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقوال:

أ/ ما يرى أن النص والتفسير والتموضع الزماني والمكاني والممارسة التاريخية كل ذلك دين يتعبد به، ويعد من المقدسات غير القابلة لاعادة النظر او المراجعة بناءً على معطيات التطورات الاجتماعية والمدنية هؤلاء هم أغلب المفسرين والفقهاء.

ب/ ويرى آخرون: إن هذه النصوص تحمل في ثناياها حقائق قانونية جوهرية يمكن أن يطبق الجوهر (كمعايير أساسية) على كل الأزمان والأحوال كل بحسبه تطبيقاً كلياً لا تفصيلياً بما لا يتصادم مع الحركة الطبيعية لتطور الإنسان ولا يحصل الاعتناء بما التصق بالنص من قضايا زمنية.

ج/ من يعتبر النص، والمفهوم الفكري من النص كله تاريخ زمني منحصر في الماضي وعليه يلزم التعامل معه على أنه (تراث تاريخي)، يمكن أن تتم الاستفادة منه كسوابق تطبيقية للنص ويعتمد.

وكمثال على ذلك: لنتابع موضوع غنائم الحرب الذي ورد في القرآن الكريم حكمها (اعلموا إنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه....)[12] ، فهذه الآية تاولها المفسرون الشيعة على (مطلق الكسب المالي) سواء بالسلم أو الحرب وركزت تفاسير السنة على أنها في غنائم الحرب، وفي هذا الصدد نرى ان الآية في مقام بيان حق الدولة في الغنائم، وليست في مقام بيان حقوق الأفراد فهي تشرّع واجباً للدولة، ولا تتحدث عن حقيقة واقعية وهي امتلاك المرء لنواتج عمله، لأن هذا من البديهيات إلا أن صرفها – لغنائم الحرب – عند مفسري المدارس الاسلامية الأخرى من غير الإمامية، جعلهم يفكرون في التقسيم الحسابي للمتبقي من الغنائم فجعلوا خمسها لمن حددتهم الآية، واربعة أخماسها للمقاتلين لأنهم السبب المباشر في تحصيلها.

وقد كان واقع الحال آنذاك ان المجاهد الذي يلتحق بالجيوش المدافعة عن الكيان الاسلامي هو الذي كان يتحمل– وحده – تجهيز نفسه بالدرع والسلاح والزاد والمؤونة له ولعيالهِ، وليس له إلا العطاء العام الذي تعطيه الدولة للناس كافة حاله حال القاعدين، لذلك اعتبرت الغنائم حقاً له فجعل له اربعة أخماسها، زيادة على أن العرب عند بدء التجربة الاسلامية كانوا اُمة تمارس الغزو ضد بعضهم وكانت الغنائم حافزاً من حوافز القتال، لذلك فإن تفسير الآية المزدوج (الكشف عن حق الدولة والكشف عن حقوق الغانمين) مرده أمران التأثر بالوضع التاريخي والاجتماعي لتلك الأجيال، والاستجابة للوضع التنظيمي لسرايا الجهاد آنذاك، بيد أن هذا الفهم قد تحول إلى فقه أو قانون شرعي اكتسب الصفة الدينية، والتزمت به الدولة والناس وامتلأت به كتب الجهاد والمغازي والسير والاحكام السلطانية، حتى عاد التفكير بمراجعته واعادة النظر فيه مسالة تحتاج الى شجاعة كبيرة وموجب لمواجهات حادة، لأنه خروج عن مألوف صار مستقراً في أذهان الناس لأكثر من ألف عام بحيث تحول إلى (حقائق دينية ثابتة)، ولأجل التوثيق فقد أسندوها إلى إجماع الفقهاء ليكتسب سمة دينية.

ومن ذلك: ما تتفق عليه أغلب كتب السير من أن العالم يقسم إلى دارين دار الاسلام ودار الحرب، وقد ظهر بعد فترة تقسيم جديد ثلاثي سمي فيه (دار العهد) كأنه حالة وسطى بين الدارينويترتب على كلٍ منها مجموعة من الآثار والأحكام والتداعيات بعضها تداعيات مهمة وعلى درجة من الخطورة داخلياً واقليمياً وعالمياً، بيد أنه الاساس لهذا الرأي هو (انصياع الفقهاء) للسائد التاريخي آنذاك، إذ أن العالم في عصر الفقهاء الأوائل (القرنين الثاني والثالث الهجريين) كان مقسماً على أساس ديني، وليس على أسس قومية أو كتل اقتصادية أو أساس جغرافي.. كما هو حال الدول اليوم، فهل تقسيم العالم إلى دار الحرب ودار الكفر أو دار الاسلام هو أصل ديني أو هو حقيقة اجتماعية تاريخية أمضاها الفقهاء فتحولت إلى (رؤية دينية)، ومثل ذلك موضوع السبي والاسترقاق، بسبب الأسر في الحروب.

وهذه أمثلة من التطبيقات الفقهية التي عرّفها التراث بانها جزء من تطبيقات القرآن الكريم، والحق: إن الآيات التي تستند عليها هذه التطبيقات ليست نصاً في هذه الممارسات، وقد تقدم القول في آية الغنيمة، من جهة اخرى أجد انتقالات تاريخية إلى حيز الدين لم أظفر بنص ديني فيها مثل تقسيم العالم إلى الدارين، كما انني لا أجد النص المستند اليه في الاسترقاق نصاً قاطعاً في مشروعيته فقوله تعالى (فاذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى اذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق فاما من بعد واما فداء، حتى تضع الحرب اوزارها)[13]  لا يفيد أكثر من الحث على القتال مع المعتدين فإذا وقع بيدكم أسرى بدلالة (الوثاق) فأما أن تطلقوا سراحهم أو تفادوهم بأمثالهم.

ويلاحظ الرازي ان الحصر لا يجوّز القتل ولا الاسترقاق انما يصرح بالمن والفداء، ولا يرى صحة الاستدلال بان ذكر العام جائز في سائر الأجناس، ويجد نفسه مضطراً للاشارة إلى أن النص قدم المَن على الغداء[14] .

لكننا نجد ان عموم الفقهاء قد وضعوا مدونات في أحكام الاسير الذي يسترقه (الفاتحون) ويجعلونه عبداً إذا كان من الرجال، أما النساء والصبيان فهم ذراري وسبي يتملكهم الغانمون ملكاً مطلقاً ويتصرفون بهم كأنهم مال، وبالتتبع ربما نجد ان هذه الاحكام (الفقهية) هي استجابة للوضع التاريخي السائد آنذاك، بل هي جزء من مبدأ المعاملة بالمثل الذي كان الوضع فيه آنذاك يقتضي إجراء الامور بحسب الأعراف.

يقول السرخسي في المسيوط (ان ابا بكر هو أول من سبى النساء والذراري من بني حنيفة)[15]  ثم يقول فاذا جاز ذلك في المرتدين كان في المشركين أولى.

ويقول الشافعي (واذا اسبيّ الرجال والنساء والولدان، ثم اخرجوا الى ديار الاسلام فلا بأس ببيع الرجال من أهل الحرب وأهل الصلح والمسلمين)[16] . وهكذا نجد ان الاسترقاق بالأسر تحول من معطيات تاريخية إلى قضايا فقهية ذات طبيعة دينية.

ومن الأمثلة على المستوى الفقهي نجد إن أحكام التداول السلعي وشروط صحة البيع نجد نهي الرسول الأكرم عن ربا البيع التفاضلي في الأصناف الستة (الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والزبيب) مما اضطر بعض الفقهاء توسيع هذا النطاق باستخدام القياس إلى ما يناظره من حيث الخصائص الذاتية (للسلع) وليس من حيث حاجة الناس لتلك السلع حتى يرد النص بالتبادل المتماثل بالكم فالوقوف عند هذه السلع معناه تحول التاريخ الى دين ثابت.

إن كل الأمثلة مما تقدم هي في الفقه ويمكننا أن نجد الوقائع التاريخية التي تسللت إلى نطاق الدين في مضمار العقائد واضحة فعندما نقف على مقالات الاسلاميين للأشعري فإننا نراه (يقول: اختلف المسلمون عشرة أصناف) وبعد أن عدّد تلك الأصناف وجعل يعدد مقالات كل صنف[17] ، نجده يذكر أن حركة الخوارج عبارة عن (تمرد بتأويل) على السلطة الشرعية، وقد تحول ذلك التأويل ذات المرجعية التاريخية والغطاء النصي إلى دين عند الخوارج اقتضىقتل (مرتكب الكبيرة) لأنهم اعتبروه كافراً، إذا كانوا يرون ان دار مرتكب الكبائر دار كفر (اي مخالفيهم)[18] ، فيجوز فتحها وتدميرها. واذا كانت محنة ابن حنبل مع المعتصم العباسي قد أعطت لابن حنبل مكانة كبيرة في نفوس الناس البسطاء إذ اعتبروه المتمسك بالسنة والتدين الصحيح المنطبق على ما كان عليه السلف فإنهم قد تحولوا به من رجل صاحب رواية للحديث إلى رمز أنتج مجموعة مفاهيم عقائدية، ومع تغيّر الأحوال عندما تولى المتوكل فقد أعطاه واصحابه حق اعادة تشكيل الرؤية الفكرية وكانت اللحظة التي ظهر فيها الترادف المقصود أي التساوي بين (اصحاب الحديث وأهل السنة) بحيث ظهر لأول مرة مصطلح أهل السنة وهذا المصطلح لم يكن قبل عصر ابن حنبل، وهم تاريخياً يرون ان (طبقة السلف) هم اصحاب الفضائل وهم الرعيل الاول المميزون برضا الله، وقد اضطرتهم وقائع التاريخ الذي سجل نزاعاتهم أن يقرروا ضرورة الامساك عما شجر بين الصحابة ثم يسلسلون بعض الصحابة بالأفضلية بحسب توليهم الخلافة، وقد تبنى أهل الحديث تاريخياً الصلاة بالعيد والجماعة مع كل إمام بر أو فاجر. وكانوا يرون وجوب الدعاء للسلاطين بالصلاح ولا يخرجون عليهم بالسيف فكل تلك المواقف عبارة عن معطيات تاريخية، بسبب قوة الدولة، لكنها تحولت إلى عقائد دينية.

وتعد واقعة السقيفة (تاريخياً) واقعة ذات وجوه الأول كونها المبرر لمشروع التفضيل المستند على اختيار قادة مراكز القوى للخلفاء ويتحولون إلى رموز دينية ويتحول سلوكهم وقراراتهم إلى مستند ديني، والثاني وهو عند الشيعة ويعني الركون الى ارادة الناس المضادة لإرادة الله على أساس ان تنصيب الإمام علي (ع) كان بأمر الله ونصه عليه، وهنا تقاطع التاريخ مع النص فكانت الغلبة للأساس التاريخي الذي سرعان ما تحول إلى دين من خلال حصانة الصحابة، والسكوت عما أخطأوا فيه، وعدم الولوغ في شجاراتهم وتفضيلهم والدعوة إلى عدالتهم جميعاً عدالة مطلقة. ويلاحظ ان اغلب معتقدات الصوفية التي اتخذت من بعض النصوص القرآنية والنبوية غطاءً لها كانت ثقافات مجتمعية[19] وانعكاسات تاريخية وهكذا نجد في جوانب العقائد والقيم العامة والفقه ما تسلل من التاريخ إلى حيز الدين فأصبح ديناً يتعبد به الناس.

لقد ظهر لدى (اصحاب الحديث) القول بأفضلية الأزمنة الايجابية المنتجة للمعرفة الدينية، وتعد تلك المعرفة هي المعرفة الصحيحة مطلقاً، بل هي معيار صحة الاجتهادات اللاحقة زمنياً، فما وافقها فهو صحيح وما خالفها فهو باطل، وبناءً عليه ظهر مفهوم (السلف). وعقيدة السلف وفقه السلف، وظهرت الموجة السلفية التي اخضعت الحاضر الاسلامي بكل خصائصه الى وضع زمني تاريخي له ايضاً خصائصه وتطوراته المدنية، فتحول الموضوع من مفهوم لمرحلة تاريخية إلى مفهوم عقائدي ايديولوجي يتخطى المراحل الزمنية وكان من تداعياته انه صار مفهوماً تمييزياً واقصائياً لأنه يعتمد المقولة الثنائية (أهل السنة مقابل أهل البدعة) ويتحول بعدئذ إلى مشروع للتطرف بسبب الاعتقاد (الجازم) بانه يمتلك الحقيقة.

 

أ. د. عبد الأمير كاظم زاهد

................

[1] ويد جيري: التاريخ وكيف يفسرونه 1/149

[2] عويس: عبد الحليم: فلسفة التاريخ /75

[3] للتفاصيل: المسيري: عبد الوهاب موسوعة اليهود ص10

[4] الشرقاوي: عفت: ادب التاريخ /117

[5] المسيري: عبد الوهاب: موسوعة اليهود 71

[6] اوغسطين، مدينة الله، ص177

[7] محمد باقر الصدر: السنن التاريخية

[8] الرعد /11

[9] وثيقة المدينة

[10] الآمدي 1/148

[11] السرخسي: الاصول، 3/86

[12] سورة

[13]

[14] الاشعري: مقالات 1/2

[15] م.ن 1/22

[16] ....: نشوء الحضارة الاسلامية 1/262

[17] الرازي: مفاتيح الغيب

[18] السرخسي: المبسوط 6/165

[19] الشافعي: الام 4/408

 

جعفر نجم نصرلعل العنوان أو المصطلح المركب يبدو متناقضاً بين العرفان الذي هو تجربة ذوقية روحية باطنية فردية خارج دائرة المجتمع وانشغالاته ومصطلح السياسة الذي يشير إلى عملية بشرية اداتية لأدارة السلطة وشؤون الدولة عموماً، وهو أمرٌ دنيوي صرف ولا شأن له بعالم الباطن أو عالم الاخرويات.

ان سبب هذه الصدمة أو التناقض الظاهري بين العرفان والسياسة هو السياق التاريخي الثقافي لكلا المسارين العرفان والسياسة في العالم الاسلامي، فلقد ترسخ على مدى قرون خلت أن هنالك انفصالا كليا بين التجربة الصوفية والعرفانية وبين شؤون الدولة أو العمل السياسي، ولعل هذا الامر يعزى إلى اعتقاد الكثير من الباحثين ان العرفاء والمتصوفة هم مشغولون بعالم الباطن الروحي وبالتالي فهم منصرفون كلياً عن الشأن السياسي، أو بعبارة أخرى ان العارف أو المتصوف هو زاهد في الدنيا برمتها وبذلك فهو غير معنى بالسياسة ومفاتنها وشهواتها وسياقاتها السلطوية على الناس.

وهذا الأمر مناف لكثير من الحقائق التاريخية والاصول الثقافية التي تبين لنا أن ظهور المتصوفة والعرفاء في داخل الاسلام انما جاء بوصفه رد فعل ضد السياسة واهلها من الخلفاء والامراء والوزراء وقادة جيشهم، بل ان فعل المعارضة بحد ذاته هو فعل المتصوفة والعرفاء على طول الخط إلّا بحالات شاذة هنا وهناك، إذ قال الكاتب هادي العلوي عن تلك المعارضة عندهم لم يستعمل مشايخنا (يقصد المتصوفة والعرفاء) هذا المصطلح الذي هو من مستحدثات جيلنا لكنهم مارسوه بوصف انه مسلك للخروج من قيد الاغيار، وتعني المعارضة قطع العلاقة مع الدولة وأربابها والدعوة إلى - أو العمل على تغييرها، والدولة شيطان تتألف من شياطين وفعلها شيطاني وسلوك أربابها شيطاني، وشيطان من يعاملها ويتعامل معها، وتتألف منهم جملة الاغيار المقيمين في دار الضد والحس والشهوة، وهم عماد الظلم ومنشأ الظلمة والخلق منهم في بوار (1).

وهذهِ المعارضة تجسدت بمظاهر اجتماعية وثقافية بل وسياسية متعددة على مدى العصور، ولهذا وجدنا كبار العرفاء من اوائل المقتولين على ايدي السلطة(الحلاج، السهروردي، عين القضاة الهمذاني) وغيرهم الكثير، وإذ كان هؤلاء يناؤون السلاطين في العالم الاسلامي، فإن الكثير من المتصوفة في عصور لاحقة دخلوا في صراع مع السلطات السياسية الاستعمارية في عدد من البلدان لاسيما في شمال افريقيا.

وفي هذا السياق ينبغي التذكير بما قاله الكثير من الباحثين حول عصر ظهور التصوف والعرفان، والذي ظهر بوصفه أتجاه معارضة صامتة للوهلة الاولى ازاء عالم الاسراف والبذخ ومظاهر الفسق والفجور التي سادت العالم الاسلامي بعد تزاحم  الفتوحات وتضخم بنية الدولة الاسلامية من جهة مواردها المالية (الخراج) الذي بلغ حد التخمة.

إذ يذهب الباحث علي سامي النشار إلى ان الزهد ومظاهر التقوى كانت موجودة في القرن الاول الهجري، وان الكثير من هؤلاء الزهاد ظهروا معارضين لبعض الخلفاء أمثال ابو ذر الغفاري والحسن البصري وغيرهم الكثير، ولكن لم تظهر اللغة الاصطلاحية وتقعيد القواعد الصوفية والعرفانية إلّا في القرن الثاني الهجري، والامر الجوهري هو ان هنالك روحا للمعارضة كانت تسري في هذين القرنين ازاء ترف السلطة ومفاسدها (2).

ولا يخرج كامل مصطفى الشيبي عن ذلك الامر كثيراً ويزيد عليه بالحديث المفصل عن خصوصية المجتمع الكوفي وبداية تشكل حركة للزهد على نطاق واسع، أذ يقول: أما ميادين الزهد الكوفي فقد تعددت، فقد وجدنا فيها الزهد الاسلامي الاصيل القائم على التواضع في الملبس والمأكل والتزام تلاوة القرآن والخوف من عذاب الاخرة، ووجدنا في الكوفة الزهد المنبعث من عذاب الاخرة ، والزهد الاتي من الاحداث التي تناوبت عليها من قتل ذريع ومن خيانة ومن نصرة للباطل ومن حسرة على العجز عن رد الظلم. وسنرى أن الكوفة ستكون مثابة للبس الصوف في العالم الاسلامي كله وسيتبين لنا ان ذلك كان مقصوراً عليها، وكان تعبيراً عن معارضة سلبية، وفوق هذا كان في الكوفة أول من تسمى صوفياً وأول من قال بالولاية الصوفية (3).

يعلل الشيبي هذا السلوك ويربطه بما جرى في عصر الفتنة أبان الخليفة الثالث وثم تصارع معاوية بن أبي سفيان والامام علي بن ابي طالب وثورة الامام الحسين ونكص اهل الكوفة على عقبيهما، ومن ثم شعورهم بالندم الشديد ومحاسبة النفس، مما دفعهم إلى ذلك، ولكنهُ رغم ذلك يعد هذا الامر معارضة سلبية لأنهم لم ينصروا الحق وأهله آنذاك.

وتأسيساً على هذا العصر واعتماداً على أنموذج سعد بن أبي وقاص يرى الباحث السنغالي الاصل الفرنسي الجنسية سليمان بشير ديان ان المتصوفة كانوا انسحابيين من الحياة السياسية من جهة، وغير مدركين لتمامية وجود دولة اسلامية يوالونها أو يسعون دائماً لأقامتها من جهة اخرى!؟.

إذ يقول: يقف سعد بوصفه نموذجا مثاليا في عيون المسلمين لما يعنيه (القتال في سبيل الله بالأموال والانفس) خاصة الصوفيين منهم، عندما أصبح في نهاية حياته رمز التوجه الواضح الذي يقف أمام الدولة وجهاً لوجه. وخلال الفتنة والحروب الطاحنة التي شقت المجتمع المسلم، بدءاً من السنوات الاخيرة من حكم الخليفة الثالث عثمان (ت656م) إلى ان بلغت ذروتها في المعارك بين علي الخليفة الرابع، ومعاوية الذي تمرد عليه (بدءاً من عام 656م وحتى وفاة علي عام 661م) انسحب سعد بن أبي وقاص، ببساطة من المجال العام، رافضاً الانحياز وتأييد احد الطرفين في مسألة الخلافة السياسية - الدينية وعندما تم الضغط عليه ليفعل ذلك، نقل عنه انه قال : لن اشارك في القتال حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان يقول هذا مؤمن وهذا كافر. يستدعي هذا الموقف ملاحظتين أثنتين، الأولى وثيقة الصلة بما يسمى الدولة الاسلامية، والثانية معنية بما يمكن تسميته بالنزعة الصوفية للانسحاب(4).

ثم يستمر ليقول: كان للطريقة التي انحسب بها سعد بن أبي وقاص من الميدان العام، حيث كان وجوده قد يعني الاجابة عن السؤال الصعب حول من يجب ان يكون الخليفة، إرث غني، وقد تبناها عدد من الفلاسفة والصوفيين ونظروا لها، وكان ابو نصر الفارابي (874-905م) الذي يمكن اعتباره مؤسس التراث الاسلامي للفلسفة السياسية المتجذرة في تعليمات أفلاطون احد هؤلاء، وتبعه في ذلك فيلسوف مثل ابن باجة (1085-1138م)، الذي اعتبر ان الدرس الرئيس الذي يمكن أخذه من فلسفة افلاطون هو أن: (المدينة الفاضلة) يوتوبيا مستحيلة، ولذلك فقد رفض مجرد فكرة تدخل (محب الحكمة Lover of Wisdom) في شؤون الدولة (5).

ان الباحث ديان هنا يمظهر مديات الانسحاب الصوفي من المجال السياسي ويجعله يأخذ منطقاً فلسفياً كذلك عاداً تجربة ابي وقاص انموذجاً متكرراً احتذى بهِ الفلاسفة والمتصوفة على حدٍ سواء، على اعتبار ان اليوتوبيا السياسية أمر مستحيل ومن ثم الانخراط في أي ممارسة سياسية هي أمرٌ عبثي، بل ليسهم في تلويث صاحبه واعاقته عن القيام بالعمل المثمر الخادم لشؤون المجتمع واعضائه.

ثم يستمر قائلاً: تقليد تقدير الانسحاب بالطريقة التي قام بها سعد بن أبي وقاص بوصفها رد فعل على حالة الشؤون العامة تم استحضارها كثيراً من فلاسفة حديثين، اعتبر محمد إقبال ان واحداً من الاسباب المبكرة لحالة التحجر التي وجد فيها الفكر الديني للإسلام نفسه بعد القرن الثالث عشر هو حقيقة أن أفضل العقول المسلمة انسحبت من حالة الوهن التي انتابت الشؤون العامة واختاروا مسار الانسحاب في تصور نيو- أفلاطوني يقدر الحياة التأميلة ''Viata Contempativa'' قبل كل شيء. يقول إقبال إن: الروح الغيبية الكلية في الصوفية المتأخرة حجبت رؤية الناس عن مفهوم مهم جداً في الاسلام كأدب اجتماعي، وبتقديمه امكانية التفكير المتحرر بجانبه التأملي، فقد جذب وأخيراً امتص أفضل العقول في الاسلام ولذلك، فقد تُركت الدولة المسلمة بشكل عام بأيدي متوسطي القدرة فكرياً، والاغلبية غير المفكرة في الاسلام، بلا شخصيات ذات معايير عليا لتقودهم، ووجدوا الامن فقط بالاتباع الاعمى للمدارس (6).

لا أعتقد ان اختيار شخصية مثل ابن ابي وقاص كان أمراً دقيقاً وملائماً بالنسبة لذلك العصر، وكان الاولى اختيار شخصية اكثر ورعاً وزهداً من قبل الاستاذ ديان، وكان جيل وعصر بن ابي وقاص يضم شخصيات مشهورة بالميل الصوفي والعرفاني الواضح امثال: عمار بن ياسر وابي ذر الغفاري وأضرابهم، إذ كان الانموذج هذا من كبار اصحاب الاقطاعيات والثروات بعد فتح العراق وعاش حياة ترف كبيرة (7).

ولربما كان الكاتب نفسه (ديان) لا يعرف الحق وأهله في ذلك العصر، فوجد ان ابي وقاص يمثل ذاته، أي انه اختاره، كأسقاط نفسي وذلك لعدم اتضاح الرؤية أمامه، ان انسحاب المتصوفة والكثير من الفلاسفة يرتبط بأمر جوهري لم يلتفت له (ديان) مطلقاً وهو (شرعية السلطة) هل كانت موجودة أم ان الحاكم والنظام هو منطق المغالبة المسند إلى (العصبية) بالمعنى الخلدوني؟ ان هذا الامر هو ما استشعره هؤلاء وليست مسألة علمانية الدولة آنذاك التي وجدوا فيها مبرراً للأنسحاب ولعدم نصرة طرف على آخر!؟.

ولعل محمد اقبال ادرك هذا الامر وزاد عليه ان الاسلام الطرقي هو الخطر الماحق لتجارب المتصوفة والعرفاء، لأن التنظيمات الصوفية أياً كانت (أخوانيات أو هياكل طرقية) أو نحو ذلك ستكون مبعثاً للبحث عن مصالحها المادية ومن ثم تدخل في هدنة مع الوضع السياسي القائم، وهذا ما جرى في المشرق والمغرب على مدى قرون إلّا حالات محدودة دخلت في صراع سياسي.

يقول الباحث بومدين بوزيد بهذا السياق: ظلت ظاهرة التحالف مع السلطة أو التمرد عليها ملازمة للطرقية الصوفية التي هي شبيهة ما ننعته اليوم بالإسلام السياسي، ولعل الصورة تتضح حين نعلم ان بعض الطرقيين كانوا مباركين للمستعمر الفرنسي، وهذا لا يطعن فيها كطريقة صوفية ولكن علينا ان ندرك التفاوت والاختلاف بين مرحلة وأخرى... (8).

وقد تزامنت مواقف بعض المتصوفة وأحكامهم الفقهية-الباطنية مع قيام بعض الانتفاضات وأستغلها المستعمر، كمنشور محمد الموسوم (3 فيفري 1883) الذي يحرم على أتباعه الثورة ويلغي من يتدخل في السياسة، كما استعمل الفرنسيون سمعة الشاذلية وطلبوا تأييدها في حربهم سنة 1914 فقد اصدر شيخ زاوية قصر البخاري فتوى مضمونها طاعة الفرنسيين لأنهم (أولو الامر) وهنا فسر أولي الامر بأنهم الحكام الفرنسيون، وقد كان اول الخارجين عن ثورة بوعمامة عام 1881 أتباع الزيانيين والتيجانية (9).

فلهذا كان المتصوفة والعرفاء الاوائل كأفراد هم أكثر مواجهة للأمر السياسي من التنظيمات أو الاسلام الطرقي، ولهذا الامر دلالة واضحة من جهة ان نفي المصالح بوجود الجماعة صعب بالنسبة للطرق ولزعمائها وليس لجميعها لأن بعضهم دخل في مواجهة مع المد الاستعماري كما نعلم أمثال (السنوسية) وغيرهم، هذا من جهة، ومن جهة اخرى فأن صلة تجربة الباطن بالنسبة للعارف مع عالم الظاهر (الدنيا وشؤونها) ستكون تجربة فردية ذوقية خاصة، لا تؤثر فيها الضغوط الحياتية التي ممكن مصادفتها في الطرق التي اصبحت مرتبطة اقتصادياً بحسب اتساع عدد أسر المريدين والذين لم تكتمل لديهم عملية السير والسلوك كما لدى كبار العرفاء، فلهذا كانوا يتأثرون سريعاً بالضغوط السياسية ويخضعون لها إلّا بعضا منهم وهم عدد ضئيل بطبيعة الحال.

ان المسألة معقدة للغاية، ولا يمكن اختزالها بسببين أو علتين وينتهي الامر، وذلك لأن الكثير من الامور متداخلة ضمن سياقات اجتماعية وسياسية واقتصادية فرضت نفسها على الكثير من الطرق الصوفية والعرفاء، ونحن هنا ليس بصدد الدفاع بقدر ما نبحث عن مشهدية سياسية متعددة الاوجه لممارسة العرفاء والمتصوفة في عصور متفاوتة.

في قبالة ذلك كله نجد ان هنالك دولة أو سلطة روحية تسيّر شؤونهم ان كان ضمن مديات علاقة العرفاء ببعضهم البعض أو من خلال علاقة المريدين المخلصين بوليهم أو شيخهم الروحي (شيخ الطريقة) ولقد تحدث الباحث حسن محمد الشرقاوي عن هذا الامر والذي أطلق عن عالم السياسة الباطنية هذا ومتعلقاته اسم (الحكومة الباطنية).

إذ قال لهؤلاء الصالحين، دولة وحكومة، ونظام رئاسة، وطاعة واخلاص، واحكام، واتصالات، ومجالس واجتماعات، وأوامر وتعليمات، وسلطات واختصاصات، وليس كما نراها في الحكومات المدنية، أو في القوانين الوضعية، أو في الدساتير والقواعد القانونية، وانما دستورهم لم يضعه من البشر أحد، وقانونهم لم يضعه احد من الناس، وانما خصهُ رب الناس، وخالق الموجودات، الحق تعالى إله العباد (10).

والاولياء يتصل بعضهم ببعض عن طريق المبشرات، وهي رؤى يراها المؤمن فتتحقق له، ويتقابلون بطريق التوجه رغم بعد الزمان والمكان ويلهمون الهاماً بالمغيبات، وحلول المشكلات، ودولتهم تقوم على مصادر ثلاثة: الرؤيا، والطاعة، والاخلاص،...، ويتأكد للدولة الباطنية وجودها بما يفيض الله على اعضائها من كشوفات وانتصارات وفتوحات، وفيوضات، وما يمن عليهم من نعم، ومنن وعطايا ومشاهدات، وتجليات، وما يتولاهم الله برعايته من رحمات، فيفتح عليهم، فيصبحون في عباده المخلصين، إذا قالوا صدقوا، وإذا وعدوا انجزوا، لهم فراسات وتوسمات ، ورؤى وكرامات، وحكم ومعارف ،وعلوم اشراقية عجز عنها الوصف ويقف امامها العقل حائراً (11).

بطبيعة الحال ان الحديث هنا عن حكومة روحية خاصة لا تسري سلطاتها الروحية على افراد المجتمع كافة، إذ هي مخصوصة بأبناء الطرق الصوفية وجملة العرفاء الموجودين، ولكن السؤال المحوري الذي يطرح هنا هو: هل لهذهِ الحكومة الباطنية تأثير على الدولة وسلطتها السياسية وسائر المؤسسات المرتبطة بها؟: وهل هؤلاء اعضاء هذهِ الحكومة الباطنية لهم أدوار أو وظائف سياسية، ومن ثم لديهم مواقف سياسية واضحة؟.

لا يمكن ان يكون لها اثر سياسي أو نشاط سياسي مباشر وواضح ولكن انعزالها وانسحابها عن المشهد السياسي بالضرورة سيكون ذا صيغة معارضة بطبيعة الحال، ولعل السلطات السياسية في الكثير من البلاد تسعى إلى ارضائها، لما لها من دور كبير في العملية الانتخابية كما في مصر والمغرب والجزائر على وجه الخصوص، ومن ثم فإن دورهم سلبي بنحوٍ ما، ولكن احدى ايجابياتهم هي ترشيد سلوك اعضائها أو مريديها الذين ينتشرون بين المدن والارياف بنحوٍ كبير، ولعل السلبية السياسية هي الطاغية عليهم عموماً.

ولكن المعوّل دائماً منذُ القرن الثالث الهجري إلى القرن المعاصر على العرفاء المتفرقين هنا وهناك في العالم الاسلامي، وهذا الامر هو الذي أشار اليه وأكده العارف الاكبر الشيخ محي الدين بن عربي، من خلال حديثه الدائم عن الولاية المطلقة لـ(الولي) العارف. وهذا ما فصلَ في وظائفه ومن جملته الوظائف السياسية في كتابه المبرّز في هذا الشأن (التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية) والذي يقابل فيه بين العوالم المادية والاجتماعية والباطنية، وقال عنه ابن العربي واصفاً: وهو مشتمل على مقدمة وتمهيد وأحدٍ وعشرين باباً من دقائق التوحيد في تدبير الملك الذي لا يبيد على الترتيب الحكمي والنظام الالهي، وجاء غريباً في شأنه ممزوجاً رمزه ببيانه، يقرأه الخاص والعام ومن كان في الحضيض الاوهد ومستوى الجلال والاكرام. (قد علم كل اناس مشربهم) ففيه للخواص اشارة لائحة وللعوام طريقة واضحة، وهو لباب التصوف، وسبيل التعرف بحضرة الترؤف والتعطف، يلهج به الواصل والسالك، ويأخذ منه حظه منه المملوك والمالك، يُعرب عن حقيقة الانسان وعُلو منصبه على سائر الحيوان، وانه مختصر من العالم المحيط مركب من كثيف وبسيط لم يبق في الأماكن شيء إلّا أودع فيه اول منشئه ومبانيه، حتى برز على غاية الكمال وظهر في البرازخ بين الجلال والجمال (12).

وهو يقابل بين الممالك الثلاث عالم الافلاك والاجرام وعالم الطبيعة (النبات والحيوان) وعالم الانسان كيما يصل بين تداخلهن وتمازجهن وتشابهن، ولكنه يولي لعالم الانسان أو المملكة الانسانية الحصة الاوفر لمقام الانسان (خليفة الله) وهنا تظهر ملامح الرؤية السياسية لديه والتي تتمظهر بحسب المنطق العرفاني والعالم الباطني للإنسان الكامل أو الساعي للكمال ضمن كافة شؤونه ومن ضمنها (الشأن السياسي) الذي لا يغيب عن أبن عربي.

إذ يقول: ولما أردنا ان نأخذ في مقابلة النسختين العالم الاكبر والاصغر على الاطلاق في جميع الاسرار العامة والخاصة، رأينا ان ذلك يطول وغرضنا من العلوم ما يوصل إلى النجاة في الآخرة، إذ الدنيا فانية داثرة، فعدلنا إلى امرٍ يكون فيه النجاة ويتمشى معهُ المراد الذي بنينا عليه كتابنا وهو: أنا نظرنا الانسان فوجدناه مكلفاً مسخراً بين وعدٍ ووعيدٍ، فسعينا في نجاته مما توعد بهِ وتخليصه لما وعد الله فأضطرنا الحال في اقامة القسطاس عليه من العالم الاكبر، فقلنا: أين ظهرت الحكمة من الخطاب والوعد والوعيد من العالم الاكبر؟ فرأنيا ذلك في حضرة الامر والنهي وحضرة الامامة ومقر الخلافة، فوجدنا الخليفة شاهداً، فيه ظهرت الحكمة وأثر الاسماء وعلى يديه تنفعل أكثر المكونات المخلوقة للباري تعالى. فتقصينا الاثر وأمعنا النظر في حظ الانسان من هذه الحضرة الامامية، فوجدنا في الانسان خليفة ووزيراً وقاضياً وكاتباً، وقابض خراجٍ وجبايات، وأعواناً ومقابلة اعداء، وقتلاً وأسراً  إلى إمثال هذا مما يليق بحضرة الخلافة التي هي محل الارث، وفي الانبياء انتشرت راياتها ولاحت علامتها، وأذعن الكل لسلطانها (13).

هي مقابلة تامة بين الدولة بالمعنى الخاص بأدواتها أو مؤسساتها باختلاف العصور وبين الانسان الحاوي لذات تلك الادوات، فالخليفة عنده هو الروح، والذي يضع لها واجبات ومشاغل خاصة، والوزير عنده هو العقل، والقاضي هو العدل، وهكذا يستمر ابن العربي في بيان معالم تلك الدولة أو الحكومة الباطنية التي تقابل عالم الظاهر والحس في الدنيا، وما مراده إلّا ليبين ان اصلاح الباطن كفيل بأصلاح الظاهر والتي في مقدمتها ( السلطة) ومؤسساتها الراعية لها، ونحيل القارئ إلى الكتاب للمراجعة والبحث عن المماثلة والمطابقة بين ما قاله ابن العربي وبين الدولة في صيغتها الواقعية.

لعل أحدهم يتساءل: هل ان المتصوفة مشغولون ومنهمون بمدوناتهم بحكومة الباطن اكثر من حكومة الظاهر؟ ام ان للأمر وجهة نظر أخرى؟ او توجد مواقف اخرى عن مواجهة العرفاء أو التصدي للشؤون السياسية وتحولاتها ان كانت لحاكم من أبناء البلد أو كان غازياً؟ بطبيعة الحال نحن نوهنا عن ألوان وصيغ التعاطي مع الشأن السياسي وعلى عدة مراحل تاريخية متباينة، ولعلنا سنجعل من سيرة ومواقف وتنظيرات العارف التركي سعيد النورسي (1877-1960) الملقب بـ(بديع الزمان) خير انموذج واجه أعتى وأبشع اشكال إنهاء الحياة الروحية واقصاء الدين عن الدولة والمجتمع إلّا وهي سياسات (العلمنة) التي أعتمدها كمال أتاتورك وأسلافه (  1881-1938 )، لأجل الوقوف عن معاني ودلالات (عرفان سياسي) مارسهُ الاستاذ النورسي إلى ساعة رحيله، وهو يتحدى ويقارع تلك السياسات التي أستدعت منهُ نهضة روحية بثها في مشروعه الفكري والروحي والاخلاقي (رسائل النور).

لعل في حدود المواجهة المباشرة كان النورسي ضد علمنة الدولة العثمانية بعد سقوط الخلافة وتولي أتاتورك الحكم كرئيس جمهورية، ولكن في حقيقة الامر ان المواجهة التي أقامها النورسي ازاء العلمانية كانت تنتمي إلى حدود وفضاءات أوسع لأنه جعل من مركزية القرآن الكريم مواجهة للمركزية الغربية وفي شتى القضايا، وهذا الامر ظل يعمل عليه إلى حين وفاته، وهذا ما أكدته (رسائل النور).

وذلك أنه لجدير بالاهمية والتأمل، ان مؤلف رسائل النور قد حدث له انقلاب مهم في حوالي سنة 1899م (1316ه) إذ كان يهعتم بالعلوم المتنوعة إلى هذا التاريخ لأجل استيعاب العلوم والاستنارة بها، أما بعده فقد علم من الوالي المرحوم (طاهر باشا) ان أوروبا تحيك مؤامرة خبيثة حول القرآن الكريم، إذ سمع منهُ ان وزير المستعمرات البريطاني قد قال: (ما دام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نحكمهم حكماً حقيقياً، فلنسع إلى نزعه منهم)، فثارت ثائرته واحتد وغضب... وغير اهتمامه من جراء هذا الانقلاب الفكري فيه... جاعلاً جميع العلوم المتنوعة المخزونة في ذهنه مدارج للوصول إلى ادراك معاني القرآن الكريم واثبات حقائقه، ولم يعرف بعد ذلك سوى القرآن هدفاً لعلمه وغاية لحياته، واصبحت المعجزة المعنوية للقرآن الكريم دليلاً ومرشداً واستاذاً له حتى انه اعلن لمن حوله: (لأبرهنن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن اطفاء نورها) (14).

والنشاط السياسي للنورسي مر بأطوار مختلفة ينبغي الاشارة اليها، لأنها تبين لنا كيف تحول من رجل كان على المحك بالشؤون السياسية بنحوٍ مباشر، وكيف تحول النشاط السياسي لديه عبر انتقاله الى (العرفان السياسي) وبطريقة مغايرة ولما أسماه هو في مذكراته بين (سعيد القديم) و(سعيد الجديد)، ولهذا الامر مغزى جوهري من جهة أن تركيزه على القرآن الكريم وتلمذة اتباعه في اجواء الفهم الجديد للقرآن أو استخراج جواهره المتنوعة، استدعى منه فهماً جديداً لمعنى ان يكون مواجهاً السلطات آنذاك.

مرحلة (سعيد القديم) تبدأ من السنوات المبكرة لشبابه حتى نفيه إلى (بارلا) سنة (1926م) وخلال هذهِ المرحلة حاول النورسي خدمة الاسلام عبر الانخراط في الحياة السياسية ومحاولة التأثير فيها، وعبر دعوته للإصلاح السياسي والتعليمي في عهد السلطان عبد الحميد، والقائه الخطب في الجوامع والساحات، ونشره للمقالات السياسية العنيفة في جريدة (وولقان) ومحاولته استمالة رجال الاتحاد والترقي وتسخيرهم لخدمة الاسلام، وتصديه للتيارات المُعادية للدين(15).

فلقد كان ينظر بعين الريبة والشك في رجال الاتحاد والترقي وكان يتهمهم بالتغريب وسحق الهوية الاسلامية، وهذا ما عبرت عنه مواقفه ابان أعلان المشروطية التي أيد دلالاتها وأهميتها في ادارة الدولة، ولكن كان يخشى من سطوة الحرية المنفلتة، التي يتزعمها رجال الاتحاد والترقي، ولهذا قال: ان اصحاب الافكار الفاسدة يريدون الاستبداد والمظالم تحت شعار الحرية، فلأجل إلّا نشاهد مرة اخرى تلك الاستبدادات التي دفنت في حفر الماضي ولا تلك المظالم التي جرت في سيل الزمان،...، إن هذا الانقلاب لو أعطى الحرية التي ولدّها لأحضان الشورى الشرعية لتربيها فتُبعث أمجاد الماضي لهذهِ الامة قوية حاكمة، بينما لو صادفت تلك الحرية الاغراض الشخصية، فستنقلب إلى استبداد مطلق، فتموت تلك المولودة في مهدها، يا أبناء الوطن، لا تفسروا الحرية تفسيراً سيئاً، كي لا تفلت من أيديكم، ولا تخنقونا بسقي الاستعباد السابق الفاسد في إناء آخر. وذلك لأن الحرية إنما تزدهر بمراعاة الاحكام الشرعية وآدابها والتخلق بالأخلاق الفاضلة(16).

والمركزية الغربية لا تغيب ناظريه حتى لو كان الشأن داخليا وخاصا للغاية، إذ ينوه عنها قائلاً: ان اوروبا تظن ان الشريعة هي التي تمد الاستبداد بالقوة وتعينه، حاش وكلا.. ان الجهل والتعصب المتفشيين فينا قد ساعدا أوروبا لتحمل ظناً خاطئاً من أن الشريعة تعني الاستبداد، لذا تألمتُ كثيراً من أعماق قلبي على ظنهم السيء هذا بالشريعة.... (17).

النورسي بعد ذلك اتخذ موقفا مغايرا من السياسة، ولعل الامر يبدو كمفارقة للوهلة الاولى، ولكن من يتمعن يدرك ان ممارسة الموقف من السياسة والسياسيين بطريقة جديدة نلاحظها بوضوح شديد بعد مجيء أتاتورك لسدة الحكم، ولعل هذهِ المفارقة تظهر لمن يرى جوابه عن السؤال الآتي: لم انسحبت من ميدان السياسة ولا تتقرب إليها قط؟ قال مجيباً: لقد خاض سعيد القديم غمار السياسة ما يقارب عشر سنوات علّه يخدم الدين والعلم عن طريقها، فذهبت محاولته ادراج الرياح، إذ رأى ان تلك الطريق ذات مشاكل، ومشكوك فيها، وان التدخل فيها فضول- بالنسبة إليَّ، فهي تحول بيني وبين القيام بأهم واجب، وهي ذات خطورة، وأن أغلبها خداع واكاذيب. وهناك احتمال ان يكون الشخص آلة بيد الاجنبي دون ان يشعر، وكذا فالذي يخوض غمار السياسة إما ان يكون موافقاً لسياسة الدولة أو معارضاً لها، فإن كنت موافقاً فالتدخل فيها بالنسبة إليّ فضول ولا يغنيني بشيء، حيث إنني لست موظفاً في الدولة ولا نائباً في برلمانها، فلا معنى -عندئذٍ- لممارستي الأمور السياسية وهم ليسوا بحاجة إليّ لأتدخل فيها، وإذا دخلت ضمن المعارضة أو السياسة المخالفة للدولة، فلابد ان أتدخل إما عن طريق الفكر أو عن طريق القوة، فإن كان التدخل فكرياً فليس هنالك حاجة إليَّ أيضاً، لأن الأمور واضحة جداً، والجميع يعرفون المسائل مثلي، فلا داعي إلى الثرثرة. وان كان التدخل بالقوة، أي بأن أظهر المعارضة بإحداث المشاكل لأجل الوصول إلى هدف مشكوك فيه، فهناك احتمال الولوج في آلاف من الآثام والأوزار، حيث يُبتلى الكثيرون بجريرة شخص واحد، فلا يرضى وجداني الولوج في الآثام وإلقاء الأبرياء فيها بناء على احتمال أو احتمالين من بين عشرة احتمالات، لأجل هذا فقد ترك سعيد القديم السياسة ومجالسها الدنيوية وقراءة الجرائد... (18).

ان الهاجس الدائم عند النورسي ليس اسقاط النظام السياسي، بل كل اعماله قبل موقفه انف الذكر وبعده، انما يقوم على ضرورة الاصلاح الدائم وبذل النصح، لكنه كان يدرك ببصريته الثاقبة ان المعارضة المسلحة وتغيير النظام بالقوة يقود إلى الفوضى وأسالة الدماء، وهذا ما رفضه بشكل قاطع، ولهذا لم يشارك بالثورة التي تزعمها سعيد بيران 13/2/1925(19)، فعرفانهُ السياسي كان يدور في فلك اصلاح الباطن كمقدمة لأصلاح الظاهر عبر انشاء واعداد جيل كامل تحت تربيته على المعاني الكلية في القرآن الكريم.

ان التحولات الهائلة التي حدثت بعد انهاء الخلافة وتأسيس الجمهورية التركية الحديثة، دفعت النورسي إلى اتخاذ مواقف سياسية متعددة، لاسيما بعد القرارات التي أقصت الدين من الدولة والمجتمع على حدٍ سواء، إذ قام أتاتورك إلى حين وفاته عام 1938 بكل ما ملكت يداه وما من شأنه انهاء الحضور الاسلامي في مختلف مجالات الحياة، ألغى الخلافة والمحاكم الشرعية، وعدل الدستور لإلغاء الدين من نصوصه، وحظر نشاط كل الفرق والطرق الدينية، وقام بتغييرات تطمس حتى بعض المظاهر الدالّة على ماضي إسلامي، مثل إلغاء الطربوش والحجاب، والابجدية العربية، والتقويم الهجري، وعطلة يوم الجمعة... مقراً، بدلاً منها، مظاهر غربية مثل: القبعة والحرف اللاتيني والتقويم الميلادي والتعطيل يومي السبت والاحد، ومضى أتاتورك أبعد من ذلك عندما فرض مبدأ العلمانية في الدستور وانشأ مؤسسات تابعة للدولة تشرف على الشؤون الدينية و(تضبط) حركة الائمة والوعاظ الذين تحولوا موظفين عند الدولة، كما ألغى الدروس الدينية من المدارس بموجب قانون (توحيد التدريس) أي بأختصار، وضع أتاتورك تركيا على سكة (العلمنة والتغريب) (20).

بوجهٍ عام حاربت السلطة الجديدة الدين، وطال اضطهادها كل من رأت منه عدم الامتثال لها، فأعدمت عدداً كبيراً من علماء الاسلام، وأصدرت بحقهم قانون الخيانة الوطنية، وهو القانون نفسه الذي تم بموجبه اعدام (الشيخ سعيد بيران) وسجنت أربعين عالماً من أصحابه بحجة قيامهم بحركة مقاومة كردية مدعومة من قبل الانجليز، على حين كانت في حقيقتها حركة إسلامية ضد النظام العلماني، كما أُعدم كثيرون غيرهم، وسجن وعذب آخر في محاكم الاستقلال التي أنشئت لتصفية الخصوم(21).

ان الاستبداد السياسي العلماني الجديد ذو القبضة الحديدة والعنيفة فرض على الاستاذ النورسي ممارسة تقية سياسية لأجل تمرير خطابه الروحي والنقدي ضمن سياقات خاصة، إذ بعد فشل ثورة الشيخ بيران اتهم النورسي بدعمها مما دفع السلطات إلى نفيه إلى قرية نائية في غربي الاناضول من أعمال (إسبارطة) أسمها (بارلا)، وكان تحت المراقبة الدائمة والمستمر’، وكما قال كاتب السيرة :كانت عيون السلطة تترصد الاستاذ وتراقب حركاته وسكناته لذا كان الاهالي يتجنبون الاقتراب منه والتحدث إليه، فكان يقضي اكثر قوته في البيت أو يخرج في فصلي الربيع والصيف إلى جبل وجام، ويختلي هناك بنفسه في قمة الجبل وبين الاشجار متأملاً ومتعبداً(22).

ولكن رويداً رويداً بدأت الناس تتجمع حوله بعدما بنى مسجداً في هذهِ القرية وبدأ في مشروعه العاكف على تجريد فهم آيات القرآن واستخراج المعاني والدلالات الكونية والروحية والاخلاقية والاجتماعية منها، وعن ذلك الامر قال النورسي: أخذتني الاقدار نفياً من مدينة إلى اخرى... وفي هذهِ الاثناء تولدت من صميم قلبي معانٍ جليلة نابعة من فيوضات القرآن الكريم... أمليتها على من حولي من الاشخاص، تلك الرسائل التي أطلقت عليها اسم (رسائل النور) إنها انبعثت حقاً من نور القرآن الكريم لذا نبع هذا الاسم من صميم وجداني، فأنا على قناعة تامة ويقين جازم بأن هذهِ الرسائل ليست مما مضغته أفكاري وانما هي إلهام إلهي (23).

ولكن هذهِ الرسائل لا يمكن ان تستمر دون هذهِ التقية السياسية التي مارسها الاستاذ وعبّر عنها بمبادئ معينة قائلاً: في زمن عجيب كزماننا هذا، لا بد من تطبيق خمسة أسس ثابتة، حتى يمكن انقاذ البلاد وانقاذ الحياة الاجتماعية بأبنائها من الفوضى والانقسام، وهذه المبادئ هي: 1- الاحترام المتبادل 2- الشفقة والرحمة

3- الابتعاد عن الحرام  4-الحفاظ على الامن 5- نبذ الفوضى والغوغائية، والدخدول في الطاعة (24).

وهو كان يتوخى نشر فكره وكسب الاتباع والمريدين عبر هذه الرسائل التي لا يمكن نشرها على نطاق واسع من دون الاعتماد على هذهِ المبادئ، ولهذا قال: والدليل على ان رسائل النور في نظرتها إلى الحياة الاجتماعية قد ظلت تُبث وتُحكم هذهِ الأسس الخمسة وتحترمها احتراماً جاداً محافظة بذلك على الحجر الاساس لأمن البلاد، وهو ان رسائل النور قد استطاعت في مدى عشرين عاماً ان تجعل اكثر من مائة الف رجل اعضاء نافعين للبلاد والعباد دون ان يتأذى أو يتضرر بهم احد من الناس، ولعل محافظتي إسبارطة وقسطموني خير شاهد وأبرز دليل على صدق ما نقول (25).

من يتمعن جيداً برسائل النور وبجملة المواضيع التي غطتها منذُ انطلاقها واهتمام الناس بها ومن كل الفئات والطبقات، انما يؤكد لنا ان الاستاذ النورسي أراد لتلك الرسائل ان تعبر عن مضامين القرآن الكريم المتعددة والتي تغطي كافة شؤون الحياة والوجود بشكلٍ عام كيما تكون هي (المعادل الموضوعي) لسياسات العلمنة وثقافتها التي ابتلعت كل جوانب الحياة آنذاك في تركيا.

ولعل الامر اللافت للنظر هنا أن علمنة الدولة التركية أسست جيلا واسعا من الشباب اللادينيين الذين كانوا يناصبون الاستاذ النورسي العداء، قبالة جيل روحي/ أخلاقي عمل الاستاذ على أعداده وتهذيبه، ولهذا كانت هنالك حرب مجتمعية خفية بني هذين الجيلين، جيل (العلمنة) وجيل (رسائل النور).

ولهذا قدم الجيل العلماني ومن خلفه السلطات السياسية والامنية المراقبة لنشاطات الاستاذ وجليه (القرآني الجديد) تهمة تشكيل جمعية سرية، والقيام بأعمال ضد النظام الحاكم وما يهدم أسسه... وأمثالها من التهم. وعلى إثر هذا أخذ الاستاذ النورسي وطلابه في 25/4/1935 وسيقوا مكبلي الايدي إلى (أسكي شهر) لمحاكمتهم، وكانت هنالك خشية من السلطات لحدوث ثورة واسعة فلهذا كانت الاجهزة الامنية وبرئاسة رئيس الوزراء آنذاك (عصمت إينونو) تراقب خطورة الموقف(26).

وهكذا اقتيد الاستاذ النورسي ومائة وعشرون من طلابه إلى سجن أسكي شهر ووضعوا في السجن الانفرادي والتجريد المطلق، وبدأت عمليات التعذيب الرهيب تنهال عليهم، لكن الاستاذ رغم الظروف الشاقة استمر في الارشاد والتوجيه، فتحول كثير من المسجونين إلى ذوي صلاح وتقوى (27).

لاشك في ان النورسي قد وجه جزءاً كبيراً من عنايته إلى مسألة (التربية الروحية) أو بالأحرى (التزكية)، كيف لا؟ وهي مفتاح الفهم لكل عملية تربوية تتغيا اخراج جيل قرآني رباني يُساهم من خلال (العمل الايجابي البناء) في خلافة الارض وعمارتها، والقيام بمسؤوليات الأمانة الملقاة على عاتقه بحكم اختياره وحمله لها (28)، وانطلاقات من القرآن الكريم الذي حث في الكثير من آياته على ضرورة التزكية، واتساقا مع تركيز النورسي على الجانب العملي في التربية الروحية، أكد بديع الزمان ان الطرائق إلى الخالق عز وجل كثيرة ومتعددة، لكن مردّها جميعاً إلى القرآن الكريم(29).

وبعد ان قضى مدة محكوميته في سجن (أسكي شهر) تم نفيه إلى مدينة قسطموني وقد بقي فيها ثماني سنوات، وهو يكتب رسائل النور ويرشد المجتمع، ويستمر في تهذيب الافراد آنذاك كيما ينظموا إلى الجيل القرآني/النوراني الذي عكف على تهذيبه قبالة جيل اللادينيين، ثم يستمر مسلسل الاتهامات له ولتلاميذه واتباعه بأنهم يألفون (جمعية سرية) تحرض الشعب على الحكومة العلمانية، ومحاولة قلب نظام الحكم، ثم تسمية مصطفى اتاتورك بـ(الدجال و(السفياني)(30).

ولقد حاولوا مراراً وتكراراً تسميم طعامه، ولكن بعض تلاميذه ينقذوه ويستمر النفي تلو النفي والسجن تلو السجن، تحت دعاوى الاتهام ذاتها التي تتكرر، وما خشيتهم منه ومن رسائل النور ومن تلاميذه، إلّا لأنهم جيل قرآني يمارس العرفان السياسي بنحوٍ من التقية المكثفة تحت مظلة نشر معارف القرآن الكريم المتعددة.

ما نريد ان نختم بهِ هو القول بأن الاستاذ النورسي على سيرة الاولياء والعرفاء وفي مقدمتهم أبن العربي، ذهبَ نحو أن اصلاح الباطن مقدمة جوهرية لا مهرب منها لإصلاح الظاهر، فإصلاح الدولة لا يتم من دون أفراد صالحين يقودون هذا الامر ويولونه اهميته، ومن دون هذهِ المعادلة لا طائل من الاندكاك بالعمل السياسي.

 

جعفر نجم نصر

.......................

المراجع:

(1) هادي العلوي، مدارات صوفية: تراث الثورة المشاعية في الشرق، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق - بغداد، ط2، 2007، ص49.

(2) ينظر: علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، الجزء الثاني، دار المعارف، القاهرة، ط7، 1977، ص63-65.

(3) كامل مصطفى الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، الجزء الاول، منشورات الجمل-بيروت-بغداد، 2011، ص280.

(4) سليمان بشير ديان، الصوفي والدولة، مقالة في كتاب: ما وراء الغرب العلماني، تحرير: عقيل بلغرامي، ت: عبيدة عامر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، 2018، ص41-42.

(5) المصدر نفسه، ص47-48.

(6) المصدر نفسه،ص50_51.

(7)لتفاصيل أكثر ينظر: خليل عبد الكريم، شدد الربابة بأحوال مجتمع الصحابة، دار مصر المحروسة، القاهرة، ط1، 2011، ص328 وص334.

 

(8) بومدين بوزيد، التصوف والسلطة: جدل المقاومة والسلم ورمزية صاحب الوقت، دائرة الامة، الجزائر، 2012، ص85.

(9) المصدر نفسه، ص87.

(10) حسن محمد الشرقاوي، الحكومة الباطنية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1992، ص20.

(11)المصدر نفسه،ص20.

(12) محي الدين بن العربي، التدبيرات الإلهية في اصلاح المملكة الانسانية، دراسة وتحقيق وتعليق: د. محمد عبد الحي العدلوني الادريسي الحسني، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، 2015، ص70.

(13) المصدر نفسه، ص77.

(14) بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور، سيرة ذاتية (المجلد 9)، اعداد وترجمة: إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، القاهرة، ط6، 2011، ص88-89.

(15) ابراهيم سليم ابو حليوه، بديع الزمان النورسي وتحديات عصره، مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي، بيروت، ط1، 2010، ص30.

(16) بديع الزمان سعيد النورسي، المصدر نفسه، ص105-106.

(17) المصدر السابق نفسه، ص107.

(18) المصدر نفسه، ً241.

(19) ينظر تفاصيل اكثر: المصدر نفسه، ص243.

(20) محمد نور الدين، قبعة وعمامة: مدخل إلى الحركات الاسلامية في تركيا، دار النهار للنشر، بيروت، ط1، 1997، ص20.

(21) إبراهيم سليم ابو حليوه، بديع الزمان النورسي، مصدر سابق، ص65.

(22) بديع الزمان النورسي، سيرة ذاتية، مصدر سابق، ص259.

(23) المصدر نفسه، ص277.

(24) بديع الزمان النورسي، كليات رسائل النور، الشعاعات، المجلد (4)، مصدر سباق، ص384.

(25) المصدر نفسه، ص384-385.

(26) ينظر: بديع الزمان النورسي، سيرة ذاتية، مصدر سابق، ص295-296.

(27) المصدر نفسه، ص296.

(28) محمد حلمي عبد الوهاب، التصوف في سياق النهضة: من محمد عبده إلى سعيد النورسي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2018، ص145.

(29) المصدر نفسه، ص146.

(30) بديع الزمان النورسي،سيرة ذاتية ،مصدر سابق، ص375.

 

 

محمد بنيعيش1- بعدما بهت الذين كفروا أمام الذي رأوا في الصحيفة الظالمة من خلال تحقق معجزة الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والتي كانت ذات قوة مضاعفة جمعت بين الصور المادية المتمثلة في انتقاء الحق من الباطل، كما ارتقت على كل العقول والتخمينات البشرية العادية إخبارا بالغيب كمعجزة معرفية وعلمية.

فقد لجأ الكفار، عوضا عن أن يسلموا ويستسلموا، إلى مضاعفة العناد والزيادة في نسبة ومقادير العداء للدعوة وصاحبها وأتباعه .

وفي هذه المرحلة سيتصاعد البلاء على أشده وعلى عدة مستويات، يمكن أن نستعرض بعض أوجهه مما قد لا تستطيع الجبال تحمله.بحيث هنا ستتداخل المراحل والأماكن والطموحات والآمال مصطدمة مع الإحباطات وخيبة الرجاء حتى قد بلغت القلوب الحناجر وترددت النفوس بين خيار البقاء أو الرحيل والإقامة أو الهجرة...

فكان عثمان بن مظعون السابق ذكره من بين الذين امتحنوا بعدما فرج الله عنهم ووجدوا السعة في أرض الحبشة حتى عادوا إلى مكة، متفائلين بالنصر والتمكين لمعطيات وأخبار وصلتهم ببصيص الفرج كان من بينها إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

بحيث قد اصطدم بالواقع الذي ليس له دافع، فوقع من جديد في الحصار من غير حصار الشعب وتم التنكيل به ومن معه من الصحابة الكرام الذين سلكوا نفس مسلكه في اختيار الجوار المقدس جوار الله العزيز الحميد.

أما بالنسبة إلى رسول الله (ص) وهو أشد الناس بلاء فلقد كان على موعد مع القدر في ابتلائه، وهو كأشد ما يكون من وسيلة لامتحان القلوب وصقلها على التسليم وتقبل ما يلائم وما لا يلائم بحسب علو المقام، كما أن فيه سبرا لصدق التوكل وحسن الظن بالله تعالى، وأنه لا يقدر للعبد إلا ما فيه سر عبوديته وحقيقتها، وسر شكره وحمده حيث لا يحمد على مكروه سواه .

وكيف لا يكون البلاء بهذا المستوى وهذا الصنف والرسول (ص) سيد الموحدين وهو سيد الخلق والرسل وهو أول العابدين في قبول امتحان سيده.

فلقد جاء القدر مباشرة، بعد معاناة الحصار والتطلع إلى الفرج و نسيان الأضرار والركون إلى تدارك الأنفاس وبسط الاستبشار، مختطفا أهم سند قومي ومدافع عصبي له (ص) وذلك بوفاة عمه أبي طالب، ثم بعده بزمن قليل، لا يتجاوز الأيام على عد الأصابع، زوجته وسنده العاطفي والمعنوي والمادي سيدة الصديقات في تاريخ أزواج الأنبياء والرسل من أولي العزم، أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، كما عبر عن ذلك ابن كثير في وصف ذوقي جميل إثر الحديث عن وفاة أبي طالب:"ثم من بعده خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله (ص) ورضي الله عنها .وقيل :بل هي توفيت قبله والمشهور الأول .

وهذان المشفقان :هذا في الظاهر، وهذا في الباطن .هذا كافر، وهذه مؤمنة صديقة ر ضي الله عنها وأرضاها.

2- قال ابن إسحق:ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد.

فتتابعت على رسول الله (ص) المصائب بهُلْك خديجة وكانت له وزير صدق على الابتلاء يسكن إليها، و بهُلْك عمه أبي طالب، وكان له عضدا وحرزا في أمره ومنعة وناصرا على قومه وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين "1 .

فعبارة هذا في الظاهر بالنسبة إلى أبي طالب وهذا في الباطن بالنسبة إلى السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها مع التمييز بين العقيدتين لدى كل من أبي طالب والسيدة خديجة رضي الله عنها لهو وعي دقيق وشفافية روحية في ملامسة الموضوع وطبيعة المرحلة ذات الارتباط بوجدان النبي (ص) .

إذ أبو طالب قد كان يمثل عصبية بالنسبة إليه (ص) وهي مع ما لازمتها من مؤازرة وثبات موقف وعدم تخلي عند الشدائد ستكون بلسما ودعامة معنوية على المستوى النفسي باعتبار بشريته (ص) وطبيعتها المحتاجة إلى المساندة المجتمعية، ابتداء من الأسرة والقرابة وانتهاء بالعشيرة والقبيلة أو الوطن...

فكان حينذاك رائد هذا الموقف هو أبو طالب بلا منازع، لما له من صفة قد تعوض عن مقام الأبوة بل هي نفسها ولكن في صورتها الفرعية المعاضدة بالعصبية وتبادل الحقوق والواجبات الأبوية والبنوة والتوارث ماديا ومعنويا.

ومما زاد في حزن النبي (ص) على عمه أبي طالب وأسفه ليس فقط لأنه مات وافتقد مساندته، لأنه يعلم يقينا وشهودا أنه منصور بإذن الله تعالى ولن يطاله من الكفار إلا ما أذن الله فيه كترقية وزيادة مقام له، ولكنه وهذا هو الأدعى إلى الحزن والشفقة والأسى أن عمه هذا قد مات على كفر ولم يعلن عقيدته وتصديقه لرسالة ابن أخيه، وهي نهاية كانت أصعب على نفس النبي (ص) من الموت نفسه.بحيث سيكون في الغالب قد اعتراه تأسف على سلبية المصير وسوئه الذي آل إليه أبو طالب بالرغم من مساندته له ونصرته كأعمال جليلة تحتسب له في دائرة الناجين .كما أن الموت على هذه الحالة وبحضرة صناديد قريش قد فتح فرصة ثمينة لهم لإعلان الشماتة بالنبي (ص) والمغالاة في الاستفزاز والمعارضة غير المحدودة لغاية إذايته جسديا والنيل من حريته بالمضيقات والتهديد بالتصفية العلنية .فكانت حينذاك وفاة أبي طالب ذات سلبية على نفسه أولا وذات انعكاسات مرهقة على النبي (ص) ومسار دعوته وأصحابه تبعا.

أما بالنسبة إلى السيدة خديجة رضي الله عنها فقد كانت شريكة حياته (ص) وأم أولاده ومسنده وملاذه في جسمه وروحه وعينه وعاطفته، وهو يرثها وترثه من كل الجوانب، وهي بهذا ستكون قد فاتت عمه أبا طالب من حيث قوة دعمها له (ص) ومركزيتها الجامعة بين التوافق الجسدي وبين الروحي العقدي، وهو الأهم والنقطة الأصعب في تمثل هذا الفقد، أي أنها كانت مؤمنة ومتحدة به روحيا وعاطفيا وجسديا ونسبيا.

ومن هنا فموت أبي طالب كما تذكر الروايات قد كان سابقا للسيدة خديجة رضي الله عنها وذلك كتمهيد للصدمة الكبرى الموالية وتأهب لتحملها، إذ المواساة النفسية النسبية، أي عصبة النسب التي كان يمثلها أبو طالب، ستكون أيضا مما توفرها له (ص) بحكم القرابة والعشيرة، ولكنها ليست كل شيء، بل الأهم هو المقام، أي مقام الصديقية الذي كانت تتمتع به السيدة خديجة ووصلت إليه بواسطة زوجها السيد الرسول (ص)، وهو أعلى مقام مساند للنبوة والرسالة ومناصر لها، سبق وتحدثنا عنه بتفصيل نسبي في كتابنا:نور الأمين ومقدمات إسعاد العالمين.

والنبي الرسول في مثل هذه المراحل الشديدة قد يحتاج إلى الصديقين لمؤازرته أكثر من احتياجه إلى المساندين، إذ هنا يتبين الفرق بين المقامين، بالرغم من أن الصديقين قد يكونون ضرورة مساندين، ولكن ليس كل المساندين قد يكونون صديقين.

3 - وعند هذا الفقد المضاعف جاء عام الحزن الكبير للنبي (ص) بفقد السيدة خديجة رضي الله عنها كصديقة مساندة وهو الذي تلا فقد أبي طالب كمساند غير صدِّيق.وهذا كما قلت قد كان فيه تدريج للنبي (ص) فيما يبدو أن القدر أراده له ليرتقي في عالم معرفة النفس وطب القلوب وانشراحها، وهي ممهدات إلى المعرفة الكبرى، معرفة الله تعالى وتحصيل الشهود بغير قيود وتحقيق الرؤية القدسية من غير حجاب ولا بواب، إذ البواب الأكبر والأجمل سيصبح هو سيدنا محمد (ص) نفسه، أول العابدين وسيد ولد آدم والخلق أجمعين.

وقد سمي العام بعام الحزن، أي أنه قد اكتمل دورته الزمنية بكل أحوالها وظروفها، وتعاقبت عليها جميع الشهور بتلوناتها وأسمائها، وأظلمت مظاهرها ومعابرها فغمت وعمت، وضاقت النفس وتألمت، فما كان بعد هذا الفقد والقبض والجلال إلا طلب الهجرة والترحال إلى ذي العزة والجلال:(حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)2 .

لكن محنة النبي (ص) قد طالت حتى محاولة هذا الخلوص نجيا نفسه، فحوصر في الداخل، في الشعب وخارج الشعب، ومنع من الذهاب إلى الخارج في إقامة إجبارية كأسوأ ما تكون هذه الإقامة وأشدها على النفس.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.........................

1- ابن كثير: السيرة النبوية ج2ص122

2- سورة يوسف آية 110

 

محمد بنيعيشأولا: الحصار ورفعه بالمراهنة على واقع الصحيفة

لقد جاء موضوع الصحيفة الظالمة عند حصار الشعب، والمعجزة التي لازمتها، يحمل في طياته صورتين متكاملتين كليهما كفيل بأن يخضع القلوب والعقول ومعها النفوس للتسليم بنتائجها .

الأولى: مادية محضة، وهو ما قد يسلم بنتائجها الكفار والملحدون والمشركون، وتتمثل في كون الأرضة" لم تترك اسما لله تعالى في الصحيفة التي كانت معلقة في سقف البيت الحرام إلا لحسته وبقي ما كان فيها من شرك وظلم وقطيعة رحم"[1].

وفي رواية أخرى: "فقال أبو طالب: إن ابن أخي قد أخبرني، ولم يكذبني قط، أن الله تعالى قد سلط على صحيفتكم التي كتبتم الأرضة فأتت على ما كان فيها من جور وقطيعة رحم...".

واختلاف الرواية لا يؤثر على واقع المعجزة، إذ العنصر الأساسي فيها هو أنه قد حدث فعلا تغير مادي فيها، وفيه انتخاب أحد عناصرها الأساسية المضادة للأخرى بالحذف والإزالة، لأن المتضادين لا يجتمعان أبدا، وفي هذه الصحيفة قد كان الحق مضادا للباطل، والحق أولى بالبقاء من الباطل الزاهق .

فإذن سيكون المحو قد طال مصطلحات الجور والقطيعة والإذاية بغير سبب يستحقها، وهذا تفسير .

أما التفسير الثاني: فإن الحق هو الذي سيرتفع ويتنزه ابتعادا وغيابا عن مجالس الباطل والمنكر حينما يكون التشويش هو الغالب على المجلس والتجمع حتى لا يضيع خطابه مع أنكر الأصوات وأقذعها: " وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا "[2].

إذ مآل الباطل إلى زوال لا محالة مهما مكث من زمان ظاهرا، وما بني على باطل فهو باطل قطعا، ولذا فبقاؤه أو عدمه سيان، أما ارتفاع الحق فإنه بهذا قد يترك فراغا يفتقد به وجوده عند الضرورة ولا بد .

ولهذا فأثر الصحيفة قد كان قويا وقعه على النفوس وخاصة نفوس المشركين إحباطا وإخضاعا لهم قسرا، لأن هذه المعجزة المادية الملموسة وضعتهم على المحك والمأزق الأخلاقي الذي لا سبيل للخروج من صدمته إلا بالتسليم والإذعان، لأنه سواء ارتفع الاسم الحق من الصحيفة أو محي الكلام الباطل فإن غياب أحد طرفي النقيض المؤسس للصحيفة هو في حد ذاته مبطل لها، ومؤذن بأن ما قام به كفار قريش هو باطل في باطل، وجور في جور وحرام في حرام، يرتكب عند بيت الله الحرام، وفيه اختراق لحرمة المقدس وضياع لكل استحقاق وما يمكن أن يتواصل ويتعايش به الناس.

وأما الصورة الثانية الملازمة للمادية هاته فهي تلك التي ذات الطابع العلمي المعرفي المبهر والبرهاني، وهذا أيضا أكثر إخضاعا ومدعاة للتسليم بالأمر الواقع والشعور بالدونية في مواجهة الإخبار بالغيب الذي لا يتأتى لكل من هب ودب .

وفي هذه النقطة يوجد مرتكز النبوة ومحورها الأساسي والدعوي والذي عنده يتميز الصادق من الكاذب، والمعارض بالدليل عن المعارض بالجحود والرفض المبيت مع الترصد وسبق الإصرار: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15))[3]( وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)[4].

بحيث عند المراهنة على حدوث الفعل المادي أو عدمه سيكونون قابلين أو ملزمين بقبول النتيجة مع تغليب احتمال فوزهم بالرهان، لكن لما جاءت على غير هواهم وأمانيهم عادوا إلى موقف أبي لهب وسبوا وتبوا وتألبوا كما سبق وبينا في أول نداء بالدعوة عند قول الله تعالى آمرا رسوله الكريم: "وأنذر عشيرتك الأقربين".

إذ لما عرض عليهم أبو طالب هذا الرهان المعقول قالوا: رضينا بالذي تقول ففتحوا الصحيفة فوجدوا الأمر كما أخبر الصادق المصدوق (ص).فقالوا: هذا سحر ابن أخيك ! ... وزادهم ذلك بغيا وعدوانا "[5].

فكان هذا الرفض في الحقيقة ناتجا عن وجود حاجز نفسي قاتم لديهم، ومؤسسا سلفا على عدم التسليم بالتفوق المعرفي الذي أبهرهم به الرسول سيدنا محمد (ص)، فمالوا حينذاك إلى حليفهم التقليدي إبليس اللعين الذي غرق وأغرق معه كثيرين في أوحال الحسد والاستكبار.

فالملاحظ على بعض رواة السيرة، وخاصة ابن إسحق، ذكر قصص لأصحاب النبي (ص) من غير بني هاشم وهم يعانون من حصار آخر ومضايقات وتعنت ما بعده من تعنت كأسوأ صورة للتعذيب والتنكيل والتحدي ومحاولة إضعاف النفوس واصطياد الفرص لتوهين العزائم .

وهذه القصص قد تنبه إليها ابن كثير بذكاء وذوق، وذلك لأنها جاءت متزامنة مع حصار الشعب وموازية له، قد تحمل معاني وأبعادا عقدية وتربوية ستظهر لنا مفهوم الصحبة الحقيقية وقيمة وحدة الشعور لدى المسلمين المتنورين، كما أنها ستعطي دروسا للاحقين عن طبيعة هذه المدرسة المحمدية وسر قوتها وتماسكها واستمرارها إلى حين تحقيق الهدف الأسمى المنشود.

فقد علق على هذه الأحداث بقوله: "كل هذه القصص ذكرها ابن إسحق معترضا بين تعاقد قريش على بني هاشم وبني المطلب وكتابتهم عليهم الصحيفة الظالمة وحصرهم إياهم في الشعب وبين نقض الصحيفة وما كان من أمرهم، وهي أمور مناسبة لهذا الوقت، ولهذا قال الشافعي رحمه الله: من أراد المغازي فهو عيال على ابن إسحق "[6].

ثانيا: رفع الحصار بين خيار الجوار الحمائي أو الاكتفاء بالتزام المبادئ

أذكر من بين هذه المواقف قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه في رواية السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: "لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله (ص) طرفي النهار بكرة وعشية فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة، فقال: أين تريد يا أبا بكر، فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي .

فقال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج مثله. إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم، وتحمل الكل وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلدك.

فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، وطاف ابن الدغنة عشية في أطراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق؟ !

فلم يكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ويصلي فيها، وليقرأ ما يشاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.

فقال ابن الدغنة ذلك لأبي بكر.فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره .ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذف نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن .فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن الصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتتن أبناؤنا ونساؤنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد عليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.

قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي قد عاقدتك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترد إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني قد أخفرت في رجل عقدت له.

فقال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله عز وجل "[7].

هذه القصة فيها دروس وعبر ومواقف لا يثبت عليها إلا الأكابر وأصحاب الهمم العالية، نستخلص بعضا منها كالآتي:

ظاهر القصة يوحي بأن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قد كان خارج الشعب، وهذا يعني أن قريشا كانت قد خصصت بني هاشم وبني عبد المطلب وحدهم بالحصار، أما الآخرون من بني تميم وبني عدي وبني مخزوم وغيرهم فقد كانوا خارج اللعبة أو الدائرة، في حين كان السياج مغلقا بالحراسة المشددة حتى إنه لم يكن ممكنا لأحد أن يسرب للداخلين فيه ولو شربة ماء أو كيس دقيق، وهو ما تدل عليه الروايات مع محاولة بعض الغيورين فك العزلة عنهم لكن بدون جدوى، حتى إن قريشا بعد كتابة الصحيفة "قد عدوا على من أسلم فأوثقوهم وآذوهم، واشتد عليهم البلاء وعظمت الفتنة، وزلزلوا زلزالا شديدا، حتى كان يسمع أصوات صبيانهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع..."[8].

فكان أبو بكر بحسب هذا من الذين أوذوا بالتوازي مع الحصار ومن الخارج، وهو أشد على نفسه ممن هم بالداخل، لأنه قد أصبح محاصرا روحيا أكثر مما هو ماديا، وأن أسوأ ما كان فيه هو أنه صار منقطع التواصل مع رسول الله (ص) بشكل منتظم وكلي حيث يجد مصدر غذائه وحياة قلبه وروحه .

فالفتنة بالنسبة إليه أشد وأخطر، وفيها امتحان لسويداء قلبه وثباته على صدقه وتصديقه . بحيث قد كان لا يفصله عن الاستسقاء بالعين ومصدر الحياة إلا جدار عازل وهمي وهو جدار الحصار، ومع ذلك فهو محروم من الاغتراف المباشر والنهل لحد الارتواء الكامل من غير تشويش .

لكن المشركين ومظلمي القلوب لم يفهموا بأن عالم الأرواح لا يحتجزها المكان ولا تحجبها الجدران ولا ينال منها الحرمان، وإنما هي الهمم العالية التي قد تنشط حينما تواجه هذا النوع من العوارض والتحدي الذي لا يزيدها إلا إصرارا على المبادئ واستيقانا بالحق وتشبثا به. وهذا ما قد يفسر لنا كيف أن أبا بكر سعى بالهجرة إلى الحبشة، وهو لا فرق لديه بين أن يكون في مكة أو في غيرها طالما أن شخص الحبيب في الظاهر قد يبدو محجوبا عنه ومحاصرا بشمسه وأنواره، إذ الحرية هي حرية الروح والقيد قيدها لا قيد الجسد وأقفاله.

إن أبا بكر هذا قد قبل بجوار ابن الدغنة مع الشرط الذي اشترطته عليه قريش، وذلك أملا في أن يرفع الحجاب ويزول الحصار عما قريب، فكان هذا القبول بإرادته ومؤمله لا بإرادة الغير وضواغطه، لأنه قد كان في مقام البسط إن صح التعبير، أو لنقل بحسب المصطلح الفقهي في وضع الرخصة: "فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره".

فلما غلب الحال على أبي بكر وانتقل من مقام البسط إلى مقام القبض والعزيمة أصبح الحال والمقام محكما لديه ودخل في ميدان أولي العزائم من الرجال الكُمَّل الذين لا ترديهم هاوية ولا تغويهم غاوية، ولا تستميلهم عطية أو هدية، فقرر حينذاك واختار مسلك الحرية بالله وفي الله وإلى الله، ومن ثم ألغى الشرو ط المفروضة عليه، فكان هذا الإلغاء بالحال والذوق والشوق وليس بالتحدي النفسي أو خفر الذمم ذاتيا ونفعيا.

وهو في هذا الموقف يكون قد حدثت له وحدة شهود وفناء في عبادة الله الحق الواحد الأحد جل جلاله، فقال عندها لابن الدغنة ولقريش كلها وللعالم أجمع، كرسالة وعبرة وموعظة وتذكير: فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله عز وجل"[9].

في نفس السياق والمقام نجد قصة أخرى شبيهة بهذه وتسقى من عين واحدة عذبة ومغذية وهي حالة عثمان بن مظعون رضي الله عنه، الذي عاد من هجرة الحبشة ليجد نفسه مهجورا بين قومه وممنوعا من أن يتواصل مع حبيبه وقرة عينه ومنقذه سيد الأنبياء والمرسلين وخاتمهم سيدنا محمد (ص).

وهذه الحالة تتقاطع مع حالة أبي بكر من حيث مشهد الذهاب والإياب وفي مصعد واحد ومن أحل حبيب واحد وبجوار وصحبة أب واحد، أبوة روح وحياة قلوب، الذي قد يبدو محاصرا وما هو بمحاصر ومقاطَعا وما هو بمقاطَع لأنه في الأصل والحقيقة واصل .

تقول الرواية: "لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله (ص) من البلاء وهو يروح ويغدو في أمان من الوليد بن المغيرة قال: والله إن غدوي ورواحي في جوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى ما لا يصيبني لنقص كثير في نفسي !

فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك وقد رددت إليك جوارك .

قال: لم يا بن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي ؟

قال: لا، ولكن أرضى بجوار الله عز وجل، ولا أريد أن أستجير بغيره.

قال: فانطلق إلى المسجد فاردد علي جواري علانية كما أجرتك علانية .

قال: فانطلقا، فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد بن المغيرة: هذا عثمان قد جاء يرد علي جواري .

قال: صدق .قد وجدته وفيا كريم الجوار، ولكني قد أحببت ألا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره."[10].

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.....................

[1] ابن كثير: السيرة النبوية ج2ص44

[2] سورة النساء آية 139

[3][3] سورة المطففين آية14-15

[4] سورة النمل آية 14

[5] محمد سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة ص 119

[6] ابن كثير: السيرة النبوية ج2ص66

[7] صحيح البخاري، باب هجرة النبي صلى الله عليه وسلم .السيرة النبوية ج2ص64

[8] ابن كثير: السيرة النبوية ج2ص47

[9] ابن كثير: السيرة النبوية ج2ص 66

[10] ابن كثير: السيرة النبوية ج2ص60

 

 

عادل بن خليفة بالكحلةلدى «الائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية» في تونس

مقدّمة: «المشروع الإصلاحي» سواءًا كان لطرف حكومي أو لطرف اعتراضي[1]، هو نصٌّ بدايةً. وأول صعوبة ستواجهنا لفهم مشاريع «الإصلاح» هي: كيف سنحلّل هذا النص؟

من الطبيعي أن اللّسانيات التوقيفية لن تكون مفيدة كثيرًا لنا، لأنها «تهتمّ بالخواص المجردة للغة البشر، ولا تملك إلا اليسير من تحليل ما يقول الناس ويفعلون»[2].

إن النصوص التي سنتعامل معها مشاركة في «تكوين الأحداث الاجتماعية»[3]، التي تريد تعديل الحال المدرسي أو تحويله ضمن مراكبات أعم للحراك السياسي والاجتماعي والثقافي». «فهي نتيجة مخاض أحداثٍ وبسياق اجتماعي خصوصي. وفي الآن نفسه تنزع إلى إحداث تغيير معرفي واعتقادي ومَوَاقِفي وقِيَمي، وتنزع إلى إحداث «نتائج على المدى الطويل»3.

فهي نصوص جاءت في سياق الحراك الاجتماعي التونسي بعد الرابع عشر في جانفي/يناير 2011، مرافِعةً عن أطروحات «مستقبلية» لمواقع اجتماعية عديدة، وتريد لنفسها سلطة إقناعٍ لحظةَ إنتاجها، وسلطةَ تدبير في المستقبل بناءًا على المشروعية الإقناعية.

وهذا يستلزم منا تناول استراتيجية الإقناع واستراتيجية الهيمنة المستقبلية، وكذلك اكتشاف هوية المُنتِجين (أو «المَوَاقع المُنْتِجة»). ويمكننا من خلال مرافعات النص نفسه اكتشاف تلك الهوية.

كما ينبغي أن نقف عند التّناصّ داخل النص لفهم تعقيدهُ وربما تناقضاته: ما هي الأصوات التي يَصْدُرُ عنها النص؟ وما هي الأصوات التي يستعيدها؟ والأصوات المستدمَجة هل تتناصَح[4] مع النص الأصلي وتُغنيه أم تُهَمِّشُهُ وتستبعده؟ كل ذلك سيساعد على تعميق فهمنا لضمير النص المبحوث.

كما سنحاول تناول حضور المنازعين الآخرين داخل حقل «الإصلاح المدرسي»: كيف صُنِّفوا؟ هل حضروا مباشرةً أم موارَبةً أم احتواءًا أم اغتناءًا؟

ما الإِبِسْتِمِيَّة؟ وما «الائتلاف المدني»؟ وما «الكتاب الأبيض»؟

الإبِسْتِمِيَّة:

لقد نحتَ ميشال فوكو مقولة « الإبِسْتِمِيَّة»، قاصدًا بها نَسقَ العلاقات التي تربط بين الممارَسات الخطابية التي تَفْسَحُ فَضَاءً لصيغ معرفية (علمية، فنية، تِقانية...)، وعند الاقتضاء لأنساق معقدة، فهي مجمَل العلاقات التي نستبطنها من خلال الانتظامات الخطابية. وهي شرط النسق المعرفي في حقل نزاعيّ معيّن[5].

ما «الائتلاف المدني» لإصلاح المنظومة التربوية؟

هو تجمع من جمعيات مهتمة بالشأن المدرسي والتربوي. وقد ظهرت تلك الجمعيات بعد 14/01/2018. وهي أساسًا: جمعية الفارابي بصفاقس، جمعية تطوير الحياة المدرسية. وأهم قادته هو: الدكتور مصدق الجليدي: وهو دكتور في علوم التربية، «خبير دُولي في بناء الأنظمة التربوية وتقييمها» ورئيس تحرير مجلة الفاعل التربوي. له: رواد الإصلاح التربوي في تونس، دار سَحَر، تونس، 2009؛ من أجل تربية عربية بنائية، دروب للتربية، الدوحة، 2009؛ الإسلام والحداثة السياسية، المركز الجامعي للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، 2010، وتربية المستقبل. له: مقال «العلمانية والإسلام: قراءة في فتوى الشيخ راشد الغنوشي» (الصباح، تونس، 3/8/2012)، مبيّنا قيمة هذه الفتوى في «بناء دولة مدنِيّة» واختلافها عن «العلمانيّة اليعقوبية». ولقد وزع كتاب المترشح للرئاسة محمد المنصف المرزوقي عام 2014 (ننتصر أو ننتصر)، فهو مناضل بـحزب المؤتمر من أجل الجمهورية ثم في خَلَفِهِ حزب الإرادة. وقد أعلن الدّكتور مصدق الجليدي أنّ الائتلاف المدني رشحّه «وزيرًا للتّربية» صيف 2016[6].

ما «الكتاب الأبيض»؟

ظهر هذا المصطلح أوَّل مرة في إنكلترا سنة 1922 ضمن المصطلحية الحكومية. ويعني التقرير أو الدليل الذي يتناول بدقّة وإيجازٍ قضيةً معقدةً ونزاعية، من أجل مساعدة المطلعين عليه على فهم القضية أو حلها أو تقريبهم لاتخاذ «قرار». وأشهر استعمال له مع وزير الاحتلال البريطاني لفلسطين بخصوص تقسيم فلسطين[7]. وكان له اللون المرمِّز له أبيض، إيحاءًا نفسيا بالحياد والنقاء والأمانة والبراءة والإضاءة.

ومن العجيب أن تُسمّي وزارة التّربية والائتلاف المدني دَلِيلَيْهِما بتَسمية مرتبطة في الذّاكرة العربية بالاغتصاب البريطاني- الصّهيوني والكذب الملوّن بخطاب الإقناع. وهنا، نلاحظ أن «المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب».

المقولات الحاكِمة لكتاب الائتلاف المدني الأبيض:

في نص منسّق الائتلاف المدني، الدكتور مصدق الجليدي «في استراتيجية الإصلاح التربوي: أيهما تختار: المدَاخل أم المبادئ؟»[8]، كانتْ مقولتان رئيستان تراوَحَ بينهما النصُّ (ومن ثمة مشروع «الكتاب الأبيض») للائتلاف: «الإصلاح التربوي» (لا «المدرسي») ومقولة «الپرادِغم». ولم يكن هناك تحديد مَفْهَمِيّ لأي منهما. وذلك خلل مَسَّ كل نصوص «الائتلاف المدني». ولكننا رغم ذلك سنحاول انتزاع مفهومَيْن ضِمنيّيْن للمقولتيْن (افتراضًا) من خلال مُجْمَل النص.

فـ«الإصلاح التربوي» هو السيرورة الاجتماعية الواسعة من أجل إحداث تغييرات من النِّسْبِيَّة إلى الجذرية في الممارسة والتنظير التربويين، بالمنزل ومؤسسات التعليم والرياضة البدنية والتربية بالفنون. لكن مقصود الائتلاف المدني بـ«الإصلاح التربوي» هو دائما إصلاح التعليم، أي العملية السياسية لتغيير التعليم، لا مُجْمَلَ المَعيش التربوي. وفي الحقيقة، فإن «الإصلاح التربوي» ينغي أن يُفكّر فيه قبل «إصلاح التعليم»، لأن الثاني (التعليم) يقول على الأول: وسنبقى دون «إصلاح التعليم» إذا لم تتغير جذريّا امتثالاتنا عن الروح والممارسة التربويتيْن. وهذا ما لَمْ ينتبِه إليه الائتلاف في نصوصه إلى اليوم.

أما «الپَرادِغْم» فهو حَرفيّا عن اللّغة اللإغريقيّة: «المِنْوَال» أو «المثال». إنه تمثُّلٌ عن العالَم، أي أسلوب في رؤية الأشياء، أو مِنوال متماسِكٌ نِسْبيًّا في تبصُّر العالَم على قاعِدة محدَّدة. وهو في البحث العلمي إطار المَناوِيل النظرية. يقول توماس كُوهِن: « الپَرادِغْم هو إطار يحدّد المشكلات والمناهج الشرعية، وبذلك يسمح بنجاعةٍ أكبر في البحث. فهو لغة مشتركة توفر انتشارَ الأعمال وتوجيهَ الاستثمارات»[9]. إنه يفترض نواةً نظرية تحدّد الوجهة العلمية للقراءة، وتطبيقاتٍ للنواة النظرية على مَوَاضع معيّنة.

كان نص الدكتور مصدَّق الجليدي داخلاً في سياق «الردّ عليه»[10] (أي على المتنازَع عليه داخل حقل «الإصلاح» المدرسي). فليس تفكير «الائتلاف المدني» خَارجًا عن حقل صراع المواقع داخل الحقل، إِذْ أنّه مُرادَّةٌ وليْس تأسيسًا أصْلاً. والمُرادَّةُ مهدَّدة عادةً بالتشنجية أو المداراة أو التسرع.

2-2- مقولتا «الكونيّة» و«الهويّة»:

بعد «الإصلاح التربوي» و«الپرادِغْم»، ظهرت بالنص مقولتان مُواليتان: «الكونية» و«الهوية»، ودون تحديد مَفْهَمي لهما، أيضا.

لم ينقد النص «كونية» الثقافة الأوروبية، وإنما نقد فرضَها على العالَم. فعاد إلى «كونية» هيغلية رَادَفَهَا بمركزية غَرْبية، وبكونية استشرافية وكونية هِنْيَنْغْتُون، اللّتين رَادَفَهُما بالمركزية الغربية[11].

كتب مصدّق الجليدي: «إن شعار " المبادئ الكونية" هو كلمة حق أريد بها باطل. هو نكوص وارتداد عن القول بالتعدد والتنوع الثقافي وبالخصوصيات الثقافية والتعايش بين الثقافات، وإرادة الهيمنة والاستحواذ على ثروات البلدان الضعيفة»[12].

ولكن المركزية الإيديولوجية للعالمية الإسلامية الأولى التي قام عليها النص (ومن ثمة مشروع «الكتاب الأبيض») لم تَسْمَح لـ«الكتاب الأبيض» بمناقشة «كونية» الرحالة المسلم ابن فضلان في علاقته بثقافات أوروبا الشرقية واِسكندنافيا[13]. ولم يناقش «كونية» ابن بطوطة في علاقته بثقافات إفريقيا الغربية والشرقية والهند، المرادِفتين للمركزية الإسلامية للعالمية الإسلامية الأولى. ولم يناقِشْ «كونيةَ» ابن خلدون المرادفةَ لمركزيته التّسلّطيّة/الإسلامية، حتى اعتبر أن «من خُلُق السودان على العموم الخفة والطيش وكثرة الطرب (...) موصوفين بالحُمْق في كل قُطر (...) وكذلك يَلْحَقُ بهم قليلاً أهلُ البلاد البحرية»[14]. أمّا سكّان «الأقاليم المتوسطة» ومنها العالم العربي عنده فهم «أعدل أجساما وألوانا وأخلاقا وأديانا، حتى النُّبوّاتُ (...) إنما يختص بهم أكمل النوع [(وبذلك يكون اليهود أكمل من المسلمين لأنّهم أكثر أنبياءًا)]، وكان أهل الأقاليم الأخرى أمْيل إلى «الانحراف»[15] في رأيه.

ولم يناقش «كونية» الفتح الأموي ذي المركزية الثقافية، الذي أدّى إلى إبادات ديمغرافية ومَعَاشية وبيئية لبلاد المغرب حتى كتب ممثلوها إلى الخليفة الأموي: «أن أميرنا يغزو بنا وبجنده فإذا اصاب نفلهم دوننا وقال هم أحق به فقلنا هو أخلص لجهادنا لأنا لا نأخذ منه شيئا إن كان لنا فهم منه في حل وإن لم يكن لنا لم نرده وقالوا إذا حاصرنا مدينة قال تقدموا وأخر جنده فقلنا تقدموا فإنه ازدياد في الجهاد ومثلكم كفى إخوانه فوقيناهم بأنفسنا وكفيناهم ثم إنهم عمدوا إلى ماشيتنا فجعلوا يبقرونها على السخال يطلبون الفراء البيض لأمير المؤمنين فيقتلون ألف شاة في جلد فقلنا ما أيسر هذا لأمير المؤمنين فاحتملنا ذلك وخليناهم وذلك ثم إنهم سامونا أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا فقلنا لم نجد هذا في كتاب ولا سنة ونحن مسلمون»[16]. بل إن مركزية المنتصر المالكي-الزّيري داخل الثقافة الإسلامية أدى حتى إلى تدمير التراث الحنفي التونسي- مَثَلاً رغم أنه ذو الأكثرية في مرحلة ما[17].

فأنْ يُنَبِّهَ «الائتلاف المدني» إلى غَزْويةِ الكونية الغربية وإلغائِها للآخر، ومن ثمة تأكيدُهُ ضرورةَ نقدها، مع نسيان مركزيتنا الإلغائية للآخر الخارجي، وحتى للآخر الداخلي (مِن فِرق هامشية في الإسلام كالمذهب الإباضي، بل حتى للأحْمِيَةِ الثقافية الهامشية فيه: كجنوب الجزيرة العربية وكالثقافة القوقازية وكثقافة جنوب شرق آسيا الإسلامي وكثقافة إفريقيا الغربية الإسلامية)، إنما يعني المرور إلى مشروع ثقافةٍ ومشروع تربيةٍ بدِيليْنِ يُعيدان إنتاج أخطاء العالمية الإسلامية الأولى.

فانتقاد مصدَّق الجليدي لواقعتي «الهيمنة» و«الاسْتحواذ على ثروات البلدان الضعيفة» لم يَسْحَبْه على تجربتي الفتح الأموي، والفتح العثماني، وعلى تجربة الفتح العُماني لإفريقيا الشرقية[18]. ولذلك فإنه بتمجيده غير النقدي للثقافة الإسلامية في مشروعه الإصلاحي، سيعيد إنتاج «الهيمنة» و«الإلغائية» والمركزية، لكنْ بلونٍ غيرِ غَرْبي مُحْدَثٍ.

ولقد انتقَدَتْ نصوصُ «الائتلاف المدني») الديمقراطيةَ الغربيةَ بما هي ديمقراطية «صُندوقية»، وليست ديمقراطية معيشةً وهيكلَةً ضرورةً[19].

ولكنها لم تنتقد غياب الديمقراطية في أكثر ردهات التاريخ الإسلامي، متجنبةً في خُطاطتها التاريخية ذكر «دَوْلة الزنج»، التي حرّرت العبيد لأول مرة وآخرَ مَرة، في العالمية الإسلامية الأولى، محقِّقِينَ «تمكينهم» بالدولة والمَعَاش السيادي. وتجنَّبَ ذكر «دولة القرامطة»، بما هي دولة «الأُلْفة» (باصطلاحها) أي دولة الديمقراطية المباشرة والسلطة العليا الجماعية، والمراقَبَةِ من الجماهير نفسها[20]. وبذلك نكتشف أن إِبْسِتمِيَّةُ الائتلاف المدني هي إبستمية الهيمنة الثقافية المُنْفَرِدة بالمَجْد في العالمية الإسلامية الأولى، التي كانت ملغية لذاكرة الدولتين لأنهما دولتان «كافرتان»، كما نص على ذلك أبو حامد الغزالي الذي تتبناه دون نقدية إبستمية الائتلاف المدني بيداغوجيًّا ومعرفيّا، في شرعَنته للاستبدادية العباسية بكتابه: فضائح الباطنية وفَضَائل المستظْهرِيّة.

كما انتقد الائتلاف المدني النظامَ الرئاسي باعتباره متجاوزا لحكم الشعب، بينما نلاحظ إغراقه في تمجيد إنجازات الخلافات الإسلامية (الأموية، العباسية...) ومَنْ بَعْدَها مِن المَمْلَكِيَّات والإمارات، دون التفطن إلى استبداديتها وقمعيتها وانفرادها بالمَجْد وضربها للسياق المُراكم للتطور العلمي والتِّقاني والتعددية الفكرية[21].

ولم تَرَ إبستميةُ الائتلافِ المدني في الحضارة الأيوبية- المملوكية إلاّ اعترافها «بالمدارس الفقهية» (بينما هي لم تعترف إلا باثنتيْن) وعدم فرضها لوجود مدرسة فقهية واحدة[22]، لكنها لم تتفطن إلى خطورة الحكم الوراثي- العسكري فيها (بينما الائتلاف لا يرضى حتى بديمقراطية «صندوقية») وإغلاق الأيوبيين لبيت الحكمة وإحراقها لمخزونها في الفلسفة والطبيعيات والتِّقانة، وقتلهمْ لأعظم مفكري العصر (الشّباب السُّهْرَوَرْدي)، وتحريمهم للتفكير الفلسفي نِهائيا، علاوةً على عدم وجود العدالة الاجتماعية في تلك الحضارة.

لقد صنَّف الأسعد بن مَماتي لصلاح الدين الأيوبي كتاب الفاشوش في حكم قراقوش، العَبْد الآسيوي لدى المَلك، ليبيّن له «فظاعة» «يده» الأولى في السيطرة على الشعب المصري- السوري: بهاء الدين قراقوش، بطشًا مفرطًا جدًّا و«غباءًا» بتعييره، أكثر من 30سنة، وأصبح مثال الاستبداد «الغبي» عند ذلك الشعب إلى اليوم. ولكنّ الائتلاف المدني، ليس تاريخانيًّا، وإنما «عاطفي»، «حماسي»، في علاقته بالتاريخ الإسلامي، إذ كل ذلك التّاريخ «معصوم»، وكل التّاريخ الإسلامي الائتلاف المدني هو تاريخ السلطة التسلطية، وليس تاريخ الحركة الاجتماعية لشعوب العالَم الإسلامي وثوراته المعرفيّة والسياسيّة، رغم أنه يدّعي انتماءَه لـ«ثورة» تونسية.

ويعتبر الائتلاف المدني أن المذاهب الفقهية التقليدية التي فرضتها السلطة تلبي شروط «الپرَادِغم»: «ففي إطار مذهب أهل السنة والجماعة، (پرَادِغْم كلاميّ/فقهيّ كبير) ظهرت پرَادِغمات فقهية عديدة وهي التي نسميها: المذهب المالكي، والمذهب الشافعي والمذهب الحنبلي (...) وهذه المذاهب تُلبّي شروط الپرَادِغمات بامتياز»[23]. وذلك دون استدلال، كالعادة. أما «بامتياز»، فهي لا تجوز في السياق العلمي، إذ هي إطلاقية.

وهذا مُبَالَغ فيه، فها هو الباحث نَصر حامد أبو زيد ينقد الإِبِسْتِميَّة الشافعيةَ بقوله: «هذه الشمولية التي حرص الشافعي على منحها للنصوص الدينية، بعد أن وَسَّع مجالها. فحوَّل النص الثانوي الشارح إلى الأصلي، وأضفى عليه نفس درجة المشروعية. ثم وسّع مفهوم السنة بأن ألحق به الإجمَاع. وقام بربط الاجتهاد/القياس بكل ما سبق رباطا محكما، نعني في التحليل الأخير تكبيل الإنسان بإلغاء فعاليّته وإهدار خبرته. فإذا أضفنا إلى ذلك أن مواقف الشافعي الاجتهادية تدور في أغلبها في دائرة المحافظة على المستقر والثابت، تسعى إلى تكريس الماضي[الاستبدادي والتفاوتي] لإضفاء طابع ديني-أزلي»[24]. وقد حظرت المدرسةُ النظامية المذاهب الأخرى (غير الشافعي)، ودمّرت المالكيةُ الزّيريةُ المذهبَ الحنفي والمذهب الاعتزالي.

ـــــــــــــــــــ * ـــــــــــــــــــ

يدعي الائتلاف المدني دَمْجَه بين ما سمّاه «پرَادِغْمَيْن»: «الاستراتيجيا» و«الحَوْكمة الرشيدة»[25]، بينما هما ليسا پرَادِغْمَيْن، بل إن «الاستراتيجيا» أسلوب في التحليل والتنظير (وإنْ كُنّا بإمكاننا جعلُ مَفْهَمتها خاضعةً إلى پرَادِغم)، أمَّا «الحوكمة الرشيدة» فهي نوع من أنواع الولاية (وإن كنّا نستطيع أن نُنَظِّر لها وِفق پرَادِغم). وذلك مَنْشؤه قصور الائتلاف عن تحديد مصطلحيته لتَرْقى إلى مستوى المَفْهَمَة العلمية.

ولقد أصبح «الپرَادِغم» مَفْهُومًا أحيانًا، في نصوص الائتلاف المدني: «تُقْدِمُ المنظومة على إصلاح شامل لمختلف مكوّناتها. ولتحقيق هذا الغرض، يمكن اعتماد أحد مسَارَيْن: مسَارٌ أوّل يقوم على الجبْرية (...)، ومسارٌ ثانٍ يتمثل في توظيف هندسة إصلاحات المنظومات التربوية التي تخضع لمنهجية محدّدة ومفاهيم ورؤية للإصلاح (...)»[26]. كما أصبحت «المبادئ العامة للنظام التربوي» ومنظومةِ القِيم «مَفاهيم»[27]. وهذا الخلط مما يجعل مشاريعنا الإصلاحية حاملة لاضطرابات كثيرة.

هل يَصْلُح محمد الطاهر بن عاشور مَرجعًا إصلاحيًّا مُلْهِمًا لمشروع إصلاح تربوي؟

لقد اتخذ الائتلاف المدني في كتابه الأبيض كتاب أليس الصبح بقريب؟ لمحمد الطاهر بن عاشور مرجعا تاريخيا، بل مرجعا مُلْهِمًا ومُشَرْعِنًا لمشروعه الإصلاحي. بينما لم يجد ادعاؤه جعل كتاب المفكر الاستراتيجي غارودي وُعود الإسلام[28] مرجعًا أوَّلاً أيضا أيَّ تفعيل في خطاب الائتلاف المدني لأن إِبِسْتِمِيَّةَ ذلك المفكر إِبِسْتِمِيَّة تقويضية إبستمولوجيًّا، بينما إِبِسْتِمِيَّة الائتلاف محافظة جدًّا إلى درجة الانغلاق، وإِبِسْتِمِيَّةُ غارودي عَدْلِيةٌ، تُؤكد أوسعَ الجماهير، هاجسها القضاء على التفاوتات، بينما هاجس الائتلاف ليبراليٌّ في أحسن الحالات.

كانت إبِسْتِميَّة محمد الطاهر بن عاشور للإصلاح المدرسي، في أليس الصبح بقريب؟[29]، إبِسْتِميَّة ًمستعيدة للإِبِسْتِمِيَّة المعرفية التي تحالفت مع الاستبداد والتفاوتات في التاريخ الإسلامي. فقد امتدح محمد الطاهر بن عاشور بهذا الكتاب «المرابطين» وعِلْمَهُمْ (ص16). وهي دولة، لا تقوم إبستميتها على «العقلانية» و«الاجتهاد»، كما تريد المنظومة المدرسية التي يقترحها الائتلاف المدني، وإنما كانت إبستميتها سلفية فهي أوّل دولة سلفية في التاريخ، إلى حد تجسيم الألوهية وقتل مَنْ يرفض ذلك، وتحريم العلوم الطبيعية والتقانية، وقمع كل المذاهب الاعتقادية والفقهية الأخرى علاوة على الاتجاهات الصوفية[30]. وقد كان محمد الطاهر بن عاشور، يصنع صورة المقيم العام الفرنسي على مكتبه[31]، ويؤيّد التجنس فقط بالجنسية الفرنسية، رغم أنها مضرة بالوجود التونسي آنئذ. واعتبر أن وزيرَ علي باي ثاني ملك تحت الاحتلال، الذي خلف محمد الصادق باي (قامع ثورة الشعب وبَايِهِ، علي بن غذاهم) «ساسَ بحكمته الدولة (...) فذاد عن العلم ذَوْدَةً حفظت كيانَهُ» (ص 97). وهذا مُفْرِطٌ، بل غير واقعي، ومن باب الاستزلام للسلطة التابعة. فزمن الوزير محمد العزيز بو عتّور هو زمن التأسيس الهيكلي للاحتلال الفرنسي بأيدٍ تونسية. بل أنه اعتبر محمد الصادق باي نفسه «مصلحًا للتعليم» (ص117 وص118)، بينما كان الرجل لا يعرف القراءة والكتابة، وكان مشروع وزيره خير الدين مشروع بيع لأراضي الدولة للمحتل الاقتصادي المهيّء المحتل العسكري، ومشروع تبعية تعليمية وثقافية لا مشروع استعارة، كما حصل في اليابان[32]. فالائتلاف المدني تنقصه الخلفية الفكرية النقدية، فهو ذو نزعة فكرية تكديسية لأنه محافظ.

وقد ذكر محمد الطّاهر بن عاشور بإعجاب مبطَّن برج إيفل (ص119)، ولم يذكر أنّه من حَدِيد المغتصَبات الفرنسية، وخاصة مَنجم الجريصة التونسية، لأن هذا المفكر لا يحمل رؤية في تمثل المعاناة الشعبية.

وحين ذكر محمد الطاهر بن عاشور أنه مع تدريس الضلع التصوفي في مثلث عبد الواحد ابن عاشر[33]، بما هو تدريس لـ«أحوال القلب من الغِيبة والنميمة والكِبر والحسد وأضدادها، المتكفل بها علم التصوف» (ص146) إنما عنى جُزْءِ علم الأخلاق فيه، فهو ضدَّ عِرْفانيّة التصوف التونسي (والمغربي عُموما) دون استدلال عقلاني، تمامًا كفقهاء الدولة المرابطية والدولة الزّيريّة، باعتبار «ضلال» الصوفية «الذين زعموا (...) ورمى بهم جهلهم إلى افتضاحهم» وخاصة «القاشاني ومحيي الدين بن عربي» ص(189)، دون أي أمثلة نصّيّة ولا حجاج. ولفظنا «جهل» و«افتضاح»، اللتان هما لفظتا شباب لا تصلح في الخطاب العلميّ والحجاجي، زاد إليها محمد الطاهر بن عاشور أن الخطاب العرفاني (وغيره) «صائر إلى الابتداع بعد اجتماع» (ص190). فمحمد الطاهر بن عاشور رجل تَبْدْيعِيٌّ، وليس رجل حجاج عقلاني، منتكسًا إلى خليفة ثار عليه الشباب ثورة سلمية (مثل «ثورة» شباب تونس بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011) ضد استبداده وانفراد عائلته بالمجد، إذ قال ذلك المستبد: «فإن هذا الأمر صائر إلى الابتعاد بعد اجتماع ثلاث [من الأمور] فيكم: تكامل النّعَم، وبُلوغ أولادكم من السبايا، وقراءة الأعراب والأعجام (...) فإن الكُفر في العُجْمة، فإذا استُعجِمَ عليهم أمر، تكلّفوا وابتعدوا» (ص90).

أما «تكامُل النّعَم». فقد أثبتت ثورة الشباب السلمية عليه أنّ تلك النّعَم كانت احتكارية، خاصة بعائلته والطبقة الأرستقراطية التي انقلبت على أطروحة الولاية الجماعية. وأمّا قضية «السبايا»، فهي مِنْ فِعل السلطة التسلطية نفسها، إذ سَمحت لمُترفي أمّة الإسلام، بأن يسْبُوا ويغتصبوا نساءَ الأمم الأخرى. وأمّا نَعتُه الآخرين بـ«الأعرابية»، لا بالبَدَوية المسالِمة، فهو يستبطن قبول محمد الطاهر بن عاشور «آفاقية» التي كرّستها مؤسسته التعليمية. وأمّا سبّ الآخرين بـ«الأعجمية»، فهي مخالفة جذرية للنبي الذي دعا في حجة الوداع إلى عدم التفرقة على أساس اللون إذ أن هذه الدعوة في نظر الخليفة «مصيبة». أما اتهام «الأعاجم»- رغم إسلامهم- بالكفر، فهو يكشف عن رؤية تحقيرية للآخرين بصفة متضخمة جدًّا. ولا عجب في تبني محمد الطاهر بن عاشور لها، بل الأعجب تبني الائتلاف المدني والدكتور مصدَّق الجليدي لها، لأنه خرّيج الأكاديمية ولأنهما يدّعيان أنهما مع «الثورة» و«المساواة» و«الدّيمقراطيّة».

وإذا غضّ محمد الطاهر بن عاشور النّظر عن أبي حامد الغزالي في مرحلته الأخيرة (المتصوفُ، العرفانيُّ، التسامحيُّ مع كل المذاهب والأديان في المنقذ من الضّلال وما بعده) فإنه يتبنى غَزَالِيَّ المدرسة النظامية (المنتظر للإلغاء المذهبي والاستبدادية والتفاوت الطبقي والجنسي) (ص211). والائتلاف المدني كذلك، كما أسلفنا.

وقد «أرّخ» محمد الطاهر بن عاشور للعلوم الشرعية، ودعا لتطويرها، ولكنْ كان في ذلك يمارس ترفًا فكريًّا إذْ ركز على الجانب الشكلي، مهملا ما يَهُمُّ شعبه مِن تمثل العدالة الاجتماعية وسيادة الدولة في الإنتاج التشريعي (ص147-148، وص196 وص202).

وفي نَقده لعلم التفسير، ركّز على ضعف الفهم اللغوي والبلاغي (ص188)، ولم يكن يهمه التمثل العقلاني للنص وتمثل العدالة الاجتماعية والفهم التنويري للنص ولم ينقد التفاسير السلفية، شَنَّعَ على التفاسير التأويلية، مثل «ضلال الباطنية والإسماعيلية (...). وأتباعِهِمْ من الصوفية الذين زعموا أن القرآن إشارات، وخَسِروا بها معانيه. ورَمَى بِهِم جَهْلُهُمْ إلى افتضاحهم» (ص189). وبهذا التبني، سيكون خطاب الائتلاف و«كتابه الأبيض» في إصلاح التعليم ذوَيْ لاوعْي إطلاقيّ، احتكاريّ للمعرفة، إلغائيٍّ للفُهوم الأخرى، غير نِسبيّ، ناكص إلى معرفة السلطة التسلطية في العالمية الإسلامية الأولى.

وقد كان تفسير محمد الطاهر بن عاشور لكل الآيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في تفسيره ضد الفهم العدالي والمساواتي لمشروع التغيير القرآني- المحمدي، بل خالف كل المفسرين في الآيات التي تحمل ظهورًا بالانحياز إلى أطروحة التعبير العدالي والمثالي. وعندما ذكر فقهاء الإسلام الأوائل (ص11) لم يذكر الفقيهة المعارَضِيَّة، المخرطة في «ثورة الشباب السلمية»، أم سَلمَة ولا الفقيهة الصحابية فاطمة بنت قيس، لأنه مع إِبستمية السلطة.

وفي ذلك كله يتناقض محمد الطاهر بن عاشور مع بدايات كتابه في ما يبدو ظاهرًا اعتراضا على إبستمية الخليفة الاستبدادي، المنفرد بالمَجد: «ولم يزل التنافس على السلطة على التعليم خُلقًا قديمًا للدول والأحزاب. فقد حَجَر عُثمان على أبي ذر أن يبثّ في اقتسام الأموال، وعلى ابن مسعود قراءَتَهُ. وحَجَرَ الفقهاء على الناس قراءة الفلسفة وترددوا في إباحة تَعلّم المنطق. وحجر ملوكُ بني أمية بالأندلس على الناس دراسة ما عدا مَذهب مالك بن أنس من مذاهب فقهاء الإسلام» (ص10). ولكنه، إذْ أدْرج الفلسفة، في إصلاحه التعليمي، لَمْ يهتمَّ بالعِرْفان، بل كفّره وبَدَّعَهُ، كما رأينا، واعتبر أن «الجيولوجيا والتاريخ الطبيعي والاقتصاد وعلم العمران» (ص229) مِن «العلوم الفلسفية». وإذا كان قد وسّع في المَطالب العُلومية الأخرى، فإنه كان في هذه «العلوم الفلسفية» مقتضيا جدًّا (فقرتان بين صفحتي 228 و229).

ومن ناحية أخرى لم يكن مستوعبًا، لهموم مطَالب صوت الطالب الزيتوني، الجمعية التي تمثل الطلبة الزيتونيين. وعِوض أن يمارس معهم قمعًا شُرْطِيًّا، قام معهم بمُدَاراةِ، أي استماع جزئي دون تمثل للمطالب في مشروعه (صفحة 257). ففي نهاية الأمر، كان صوت الطالب الزيتوني صوت الأكثرية الطلابية «آفاقية» («الأعرافية» والقروية، إذا استعرنا لغة خليفته التسلطي) مِن داخِل البلاد، وفي جلها كانت من الجماهير الريفية والقروية الفقيرة، بينما كان هو من «البَلْدية» ذات السلطة الدينية والسياسية، يُتقن فن المداراة السياسية.

فقضية الانقسام الزيتوني: «آفاقي»/«بَلْدي» هي المعضلة الإبستمية الرئيسية. وما دام محمد الطاهر بن عاشور «البَلْدي» لم يطرحها في «كتابه الأبيض»، (أليس الصّبح بقريب؟) فإن كتابهُ الأبيض لن يطرح مشروع إصلاحٍ حقيقيّ، تاريخيّ. ولذلك سرعان ما انهار ما فَعله محمد الطاهر بن عاشور من «إصلاح» بمجرد إمساك عدوه الطبقي (الطبقة السياسية الصاعدة إلى السلطة بعد «الاستقلال»)، فاضطر وريثُه (ابنه محمد الفاضل بن عاشور)[34] للهدنة، بل الانخراط في المشروع الثقافي- التعليمي، البورقيبي- المِسْعْدِي، للدولة الوطنية. ولم يكن الابن، وريثه الإِبِسْتِمِي (محمد الفاضل بن عاشور)  « حادّا » في صراع العائلة الضّميري (=الهُوَوِي)، إذ لم يدّخر ابنا واحدا من أبنائه للمؤسسة الزيتونية والفكر الديني.

وقياسًا على ذلك، لم يكن الكتاب الأبيض الائتلاف المدني، المتقمص للكتاب الأبيض لمحمد الطاهر بن عاشور، ليطرح مشروع إصلاح حقيقي، تاريخي، عيني، لأنه لم يقم على تمثُّلِ مَطَالب المحْرُوميَّة: الطَّبَقية، والجُنوسية، والجهوية، وعلى تمثُّلِ ضرورات القطيعة الإبِسْتِمُولوجية مع ثقافة مركزية في العالمية الإسلامية، الأولى، قمعت «الهامشيَّ» في دائرتها الإسلامية، وألغتْ التعددي والعَدَاليّ والعِرفاني والسَّعَاديّ.

خلاصة:

لقد اكتشفنا أن النواة الإِبِسْتِمِيّة لمشروع الائتلاف المدني للإصلاح المدرسي مشروع لا ينتمي إلى «الثورة» و«العقلانية» النقدية الإسلامية و«خِبْرات شعوبنا «الإسلامية» وخاصة شعبنا (الثورة الدوناتية، أبو مدين الغوث، أبو الحسن الشاذلي، الشيخ التِّجاني علي بن غذاهم) في «العدالة والمساواة» بين الشعوب وبين الطبقات والجنسيْن والتجربة الديمقراطية، وهي مِن المفترض أن تكون المقولات الأساسية أي مشروع إصلاح مدرسي فهو - بعديد القرائن، منحاز إلى الثقافة التسلطية، الإلغائية، التفاوتية بتاريخنا الإسلامي، معيدًا لإنتاج «الكتاب الأبيض» لمحمد الطاهر بن عاشور، الذي كان في كل أطروحته الفكرية منحازا إلى تلك الثقافة التسلطية- التمايزية، غير الشعبية. فـ«الهوية» التي يؤكدها مشروع الائتلاف المدني هي «هوية» الثقافة التسلطية بالعالمية الإسلامية الأولى و«كونيّتها» الإلغائية، بعيدًا عن كل «ثورة» هووية، أي ثورة منحازة إلى التغييلا الجذري في العلاقات العالمية، والعلاقات داخل المجتمع الشامل: نسيجًا طبقيا، بناءًا جهويّا، وعلاقاتٍ جُنوسيةً... و«هوية» كهذه لن تستطيع المساهمة في صنع حركة اجتماعية مَدْرسية في السياق التحليليّ لآلان توران.

 

د. عادل بن خليفة بالْكَحْلَة

(باحث اجتماعي، منسق فريق نقد المدرسة التونسية)

.......................

[1] هناك فوارق كبيرة بين «المعارضة» و«الاعتراض» و«المخالفة السياسية». راجع: بالكَحْلة (عادل)، «المقاومة المدنية ومفهوم المعارَضة»، مجلة كتابات معاصرة، بيروت، أكتوبر 2018.

[2] فاركولوف (نورمان)، تحليل الخطاب: التحليل النصّي في البحث الاجتماعي، ترجمة طلال وهبة، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2009، ص 18.

[3] و 3 م. س، ص 33.

[4] « التناصَح» Hmogênety, Homogénéité هو عدم وجود نتوءات وتناقضات داخل الحقل الواحد، أما «التجانس» هو الاشتراك في الجنس، وهما معنيان متباعِدان.

[5] Foucault (….), Archéologie de savoir, Gallimard, Paris, 1969, P. 250

[6]  http://www.tunisia.nat.com, 16/08/2016.

[7]  Wikipedia, «Livre  Blanc».

[8] الجليدي (مصَدَّق)، «في استراتيجية الإصلاح التربوي أيّهما نختار: المداخل أم المبادئ؟»،

www.lesemeurs.tn/Article.aspx?ID=2912

[9] Kuhn (Thomas), La structure des révolutions scientifiques, Flammarion, Paris, 2008, P. 286.

[10] الجليدي (مصدّق)، م. م، ص 1.

[11] م. م، ص 2.

[12] الجليدي (مصدّق)، م. م، ص 3.

[13] ابن خلدون، المقدمة، سِيلْدَار للنشر، تونس، 2000، ص150 و151.

[14] بالكَحْلة (عادل)، «التثاقف الاسكندنافي- العربي: الحوافز التاريخية»، ضمن بالكحلة (عادل) [إشرافًا]، منوال التّنمية الاسكندنافي وآفاق التّعاون في السّياق الثّوري التونسي، دار شامة، تونس، 2019، ص10.

[15] م. س، ص 147.

[16] الطبري، تاريخ الأمم والملوك، دار الكتب العلمية، بيروت، 1407هـ، ج 1، ص598،.

[17] بالكحلة (عادل)، «الحالة التدينية لذوي الأصول الحنفية في تونس»، ضمن: الحالة الدينية في تونس (2011-2015)، المجلد 3، مؤمنون بلا حدود، الرباط/بيروت/تونس، 2018، ص108 و109...

[18] بالكحلة (عادل)، «التمثلات والممارسات في المشروع العمالي لإفريقيا الشرقية»، ضمن: بن عاشور (توفيق) [إشرافًا]، صورة الآخر في الثقافة العربية الإسلامية، وحدة البحث: حوار الثقافات، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس 2011.

[19] الحليدي (مصدق)، م. م، ص 3.

[20] من أهم الدراسات العلمية في دولة الزنج: عُلبي (أحمد)، ثورة الزّنج وقائدها علي بن محمد، دار الفارابي، بيروت، ومن أهمها في دولة القرامطة: زكَّار (سهيل)، أخبار القرامطة [تحقيقا]، دار الكوني، الرياض، 1987.

[21] بالكحلة (عادل)، الملّة السّلفيّة: التّحوّلات والتّحالفات (دراسة في علم اجتماع المعرفة)، دار شامة، تونس، 2019، من ص124 إلى ص125، ومن ص61 إلى ص64.

[22] ابن مَمَاتي، الفاشوش في حكم قراقوش، دار الجمل، كولونيا، 2004.

[23] الجليدي (مصدق)، م. م، ص 13.

[24] أبو زيد (حامد)، الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجيا الوسطية، المركز الثقافي العربي/مؤمنون بلا حدود، الرباط، 2014، ص 190.

[25] الحليدي (مصدق)، م. م، ص 13.

[26] الجليدي (مصدق)، م.س، ص 15.

[27] م. س.

[28] انظر بيداغوجيا «في استراتيجية الإصلاح التربوي(...)».

[29] سنعتمد في قراءتنا هذه لنشرة الشركة التونسية للتوزيع، تونس.

[30] راجع: بالكَحْلَة (عادل)، الملّة السلفية، م. م، من ص 138 إلى ص 145.

[31] ... أنظر شهادة طلاب زيتونيين يوسفيين، المعهد العالي لتاريخ تونس المعاصر، منوبة، 6/5/2004.

[32] المحجوبي (علي) وضاهر (مسعود)، النهضة وتفاعلاتها في العالم العربي واليابان، بيت الحكمة، تونس، 2001.

[33] في عقْدِ الأشعريِّ وفقهِ مالِك وطريقةِ الجنيدِ السالِكِ.

[34] يَحْمَد (هادي)، «في الذكرى الثلاثين لوفاة الشيخ محمد الفاضل بن عاشور: كيف نجح بورقيبة في احتوائه؟»، حقائق، تونس من 26/10 إلى 01/11/2000.

 

 

مصعب قاسم عزاويقبل الدخول في معترك تحليل عناصر قصور الفكر القومي على اختلاف أشكاله وتلاوينه وتمظهراته، لا بد من الاعتراف بالفضائل الأساسية للنزعات القومية حينما كانت وتكون محركاً ودافعاً لمجتمعات ومجموعات بشرية في سعيها للانعتاق من مستعمريها المباشرين أو وكلائهم في حركية جوهرها مقاومة هيمنة الأقوياء على المستضعفين وإدامة التغول على حيواتهم وأرزاقهم وحقوقهم الأساسية، كما كان الحال في صيرورة تكوين الكثير من حركات التحرر الوطني في عموم أرجاء الأرضين، وتضحياتها اللامتناهية في محاولات انطوت على الكثير من النوايا المخلصة للتخلص من أحابيل الاستعمار الاستيطاني المباشر أو غير المباشر بالوكالة، والتي لأسباب ذاتية وموضوعية تاريخية وبنيوية لما تترجم في غالب الأحايين إلى أي نموذج فعلي من الانعتاق والتحرر المنشود في تلك المجتمعات التي بزغ فيها زخم الفكر القومي واشتد عوده.

 وبعد تلك المقدمة التي لا بد منها يتحتم إعادة الاعتبار للبوصلة المعرفية المنهجية في تحليل عناصر القصور والضعف التكويني والمنهجي في بنيان الفكر القومي، والتي قد يكون أسها هو الآلية التي نهض فيها الفكر القومي ومفهوم القومية في أوربا أساساً في مرحلة نهوضها الاقتصادي في خواتيم العصور الوسطى التي انتهت في القرن الخامس عشر الميلادي مشخصة بأفول الدولة التي أسسها المهاجرون من بلاد الشام وشمال أفريقيا في الأندلس، ونكوص تأثيرهم الاقتصادي والسياسي، بالتوازي مع نهوض اقتصاديات الممالك الأوروبية التي تمكنت من عزل دور الممالك والإمارات في حوض البحر المتوسط، وخاصة تلك التي كانت خاضعة لحكم المماليك في خط التجارة العالمية الأساسي الذي كان يبدأ في شرق آسيا في الصين وشبه القارة الهندية، والذي كان لا بد له بأن يمر عبر ما عُرف بطريق الحرير والأراضي والطرق البحرية في حوض المتوسط ليصل منها إلى أوروبا، وذلك بعد تمكن البرتغاليين في حملة فاسكو ديغاما من اكتشاف سبيل للوصول إلى شرق آسيا من أوروبا عبر الالتفاف حول القارة الأفريقية في منطقة رأس الرجاء الصالح؛ وهو التحول الذي أدى إلى صعود اقتصادي متسارع في القارة الأوربية ازداد شمولاً واتساعاً مع اكتشاف الأوربيين للقارتين الأمريكيتين وبدئهما في عملية الاستغلال الوحشي والبربري للبشر والموارد فيهما. وذلك الصعود الاقتصادي المتسارع ضمن حدود القارة الأوروبية أفصح عن نفسه بتعاظم القدرات الاقتصادية لبعض الأمراء هنا وهناك على زيادة قدراتهم على حشد المحاربين من المجندين المرغمين بحكم إقامتهم في الفضاء الجغرافي لنفوذ ذلك الحاكم أو ذاك، أو المرتزقة من عديد الفقراء المهول الذي كان لا بد لهم من البحث عن أي عمل، حتى لو كان بالارتزاق كمحاربين مأجورين لدى من يستطيع تأمين قوت يومهم.

وذلك الواقع استمر في تكريس وضوحه متكاملاً في سلسلة الحروب الوحشية البربرية التي خاضها الأوربيون فيما بينهم منذ القرن الرابع عشر وحتى القرن العشرين، والتي كانت الحربان العالميتان الأولى والثانية آخرهما، مروراً بسلسلة الحروب الدينية التي لم تنتهِ بين البروتستانت ممثلين للبرجوازيات الصاعدة، وبين الكاثوليك الممثلين للطبقات الإقطاعية الملكية المتواشجة العرى مع هيكل الكنيسة بنيوياً ووظيفياً، والتي قد يكون أبرزها من ناحية الامتداد الزمني حرب المئة عام بين المملكتين في فرنسا وإنجلترا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر.

وتلك السلسلة التي لم تنقطع من الحروب البربرية الوحشية، كانت في جوهرها صراعاً همجياً بين الأغنياء والأقوياء لتعظيم ثرواتهم وحيازاتهم، والتي كان نموذجها العياني المشخص آنذاك يكمن في مساحة البقعة الجغرافية التي يهيمنون عليها، وخاصة الأراضي الزراعية، ومن يعمل بها من الفلاحين الذين لم يكن يشكل أي فرق في طبيعة حيواتهم البائسة أن يتحكم بمصائرهم وطبيعة معاشهم اليومي ذلك الدوق أو الأمير أو الملك أو ذاك.

 وقد يستقيم القول بأن ذلك النموذج من الصراع بين الأقوياء بدماء وأجساد المستضعفين مثل تفلتاً من كل عقال بنيوي مبتنى في عمق دارات بني البشر الدماغية التي تم اصطفاؤها وتنقيتها وتشذيبها في صيرورة الاصطفاء الطبيعي لبني البشر، والتي كان أحد أهم ثوابتها الميل العفوي للابتعاد عن أي صراعات جانبية لا تخدم الهدف البيولوجي الأسمى للكائن البشري المتمثل في نقل مورثاته إلى ذريته، وحماية تلك الذرية من الاندثار جوعاً أو تشريداً أو بسبب فقدان من يعيلها، وهو مرغم على الانخراط في حروب تتم بدماء المفقرين المستضعفين، ولا يحصد ثمارها سوى الأقوياء الأغنياء؛ وهو التناقض الذي كان لا بد من حله تلفيقياً عبر اصطناع صدع يجرم العقيدة الدينية لأولئك الأفرقاء الآخرين المناجزين المصارعين على كعكة الثروة والسلطة، في نسق يضع المتحزبين في فريق المنتصر في حيز المحظيين عند ذلك المقدس الكامن في عليين، كمقدمة لغفران كل ذنوبهم وتصعدهم إلى الجنة الموعودة بعد أفولهم من حيواتهم الدنيا، وهو ما كان يتم استخدامه بأقصى قدراته التأثيرية المعنوية والإيحائية لخدمة الفئات التي كانت تحصد ثمار الانتصار العياني المشخصة عبر تعظيم ثروتها، وزيادة قدرتها على استدامة هيمنتها على حيوات البشر الذين تتحكم بهم.

 وذلك النسق التلفيقي المستنبط كان المقدمة لذلك النموذج المهول من الصراع بحجة الدفاع عن المسيحية الحقة بين الكاثوليكيين والبروتستانتيين الذي استمر محركاً لهمجية وعدمية تقتيل الأوروبيين لبعضهم حتى منتصف القرن التاسع عشر، وإلى حد ما حتى اللحظة الراهنة بشكل غير معلن جهاراً نهاراً فيما يحدث في بوتقة الصراع في إيرلندا الشمالية.

وعقب تلك المرحلة التي ترافقت مع اشتداد عود الرأسمالية بشكلها الاستعماري الإمبريالي بشكل غير مسبوق، كان هناك طور جديد من صراع الأقوياء الأثرياء على حصتهم من كعكة السلطة والثروة بدماء الفقراء المقهورين وعلى حسابهم تمثل في فقدان القدرة التأثيرية لتلفيقات خطاب واجب الفقراء المقدس للتضحية بنفسهم في حروب الأثرياء دفاعاً عن الصورة الحقة للمسيحية الخالصة وكنيستها، نظراً لبدء الأثرياء من نفس الفريق الديني المذهبي بالصراع فيما بينهم، ممثلاً ببدء الصراع بين المنتسبين إلى فريق الكاثوليك أو البروتستانت كما كان في الاحتراب الدموي بين الهولنديين والإنجليز المنتسبين إلى المذهب البروتستانتي على حصتهم في الاستعمار الوحشي والبربري الهمجي لشعوب المستعمرات في أفريقيا وآسيا والتي بدأت حوالي النصف الثاني من القرن الثامن عشر، واشتد سعارها  في القرن التاسع عشر. وهي المرحلة التي تزامنت مع حقبة الثورة الفرنسية التي تمخض جبلها التحرري في جوهره عن مسخ فكري قوامه أن مبادئ الثورة الفرنسية القائمة على «الحرية والعدالة والتآخي» صالحة للتطبيق في حدود القارة الأوربية بشكل حصري، ولا ضير في التغاضي عنها، والقيام بكل الموبقات التي يقوم بها أنداد الفرنسيين الأثرياء الأقوياء في القارة الأوربية، وخاصة الإنجليز، من استعمار وحشي بربري لشعوب المستعمرات في غير موضع من عموم أرجاء الأرضين خارج القارة الأوربية؛ وهو ما كان مثاله الأكثر وصفية الحالة التلفيقية لكينونة «الإمبريالي المستنير» ممثلاً في مفاعيل شخصية نابليون بونابرت الاستعمارية، وخاصة حملته لاستعمار مصر. وذلك الواقع الجديد كان لا بد للأقوياء الأثرياء من التعامل معه بأدوات مستحدثة تترفع عن الحرب المُعَرَّفَةِ بأنها انتصار لذلك المذهب المسيحي على من يخالفه من هراطقة وزنديقين عبر استنباط فكرة القومية ممثلة في هوية «خلبية» مصطنعة لأولئك الذين تصادف خضوعهم لذلك الحاكم أو ذاك، ليصبح أولئك المتشاركون في خضوعهم لذلك الحاكم كما لو أنهم «قبيلة» موسعة يمثل الدفاع عنها وعن «رأسها وشيخها» دفاعاً عن حيوات كل الخاضعين لهيمنة وسلطة ذلك «الرأس»، في نسق تم تشذيبه ليصبح الموت في حروب عبثية يخوضها الملك في فرنسا أو إنجلترا دفاعاً عن كيان تلفيقي مصطنع اسمه إنجلترا أو فرنسا تضحية سامية على مذبح الملكية وفكرة القومية الوليدة قيصرياً من رحمها «الوحشي الظالم»، بتعام عامد متعمد عن الحقيقة الثابتة بالتطابق شبه الكلي في مستوى بؤس حياة عموم الفئات الشعبية على ضفتي القنال الإنجليزي، وعدم ارتباط عمق معاناتهم السرمدية باللغة التي كان يتحدث بها من كان يمتص عصارة عملهم وكدحهم ضرائباً باهظة سواء كان منطوق لسانه إنجليزياً أو فرنسياً. وقد يكون المثال الأكثر نصوعاً على تلك الحقائق التاريخية هو انتساب العديد من ملوك إنجلترا إلى عوائل أصلها فرنسي، واعتبار اللغة الفرنسية اللغة الرسمية للطبقات الحاكمة في إنجلترا حتى وقت متأخر من القرن الثامن عشر، بالتوازي مع جلاء مدلول المقولة التاريخية لتعريف ملك فرنسا لويس الرابع عشر للدولة الفرنسية بأنها مختزلة في شخصه وكينونته، وقوله الشهير «أنا الدولة والدولة هي أنا».

وذلك التغاير الأخير في طبيعة وشكل وطريقة تقديم الأسباب التلفيقية لتبرير هيمنة الأقوياء الأثرياء على المستضعفين في أوربا وجدت تمظهرها العياني المشخص الأكثر وضوحاً في حركتين تاريخيتين عملاقتين. الأولى تمثلت في حركة توحيد الإمارات والمدن الإيطالية في سلسلة من الحروب الدموية التي بدأت في العام 1848 وحتى العام 1861 والتي كانت تمظهراً سياسياً وعسكرياً للتيار الفكري الذي كان العنوان العريض له باللغة الإيطالية «Risorgimento» والتي تعني باللغة العربية «البعث»، والتي كان جسدها الاجتماعي ممثلاً في عدد من الجمعيات السرية التي كان على رأسها جمعية «إيطاليا الفتاة» التي تم تأسيسها في العام 1831.

وهي فكرة «البعث» التي تلقفها حكام مملكة بيدمونت - ساردينيا Piedmont- Sardinia وهي مملكة تقع في الجزء الشمالي الغربي من شبه الجزيرة الإيطالية، وقاموا بمنحها بُعداً فكريا قوامه بأن «البعث» هو «إحياء لعظمة الإمبراطورية الرومانية السالفة»، وهو ما يجب تحقيقه بأي من الوسائل حتى لو كان ذلك عنوة و«بالقوة العسكرية الصرفة». وهو «البعث» وتوحيد الإمارات والممالك والمدن المستقلة الإيطالية الذي تكامل بضم مدينة روما في العام 1871 معلناً تمام مهمة توحيد شبه الجزيرة الإيطالية في مملكة مستحدثة ضمت كل الأفرقاء وأبناء العمومة والخؤولة وأهل الجوار الذين طالتهم يد التوحيد العسكري الطولى، وتصادف عيشهم في الحدود الجغرافية التي تمكنت تلك اليد من الوصول إليها، والذين لم تكن نسبة المتحدثين منهم باللغة الإيطالية المعروفة حالياً تتجاوز 8% في أحسن التقديرات، حيث أن كلاً منهم كان يقيم في إقليم أو منطقة أو إمارة تتحدث بلغتها الخاصة التي كانت إما لغة بأصول لاتينية أو جرمانية، وهم الذين تم إرغامهم سواء بالقوة أو الترهيب أو الترغيب لتبني لغة إقليم توسكاني لتصبح اللغة الإيطالية الجامعة التي يتحدثها عموم الشعب الإيطالي راهناً.

وهي أفكار «البعث» و«إحياء رسالة الأمة الرومانية»، و«إرغام كل الأفرقاء على وحدة اندماجية في أمة إيطالية واحدة» التي تم تلقفها من قبل الشعبوي بينيتو موسوليني، الذي كان في شبابه «اشتراكياً ثورياً»، وعضواً ناشطاً في الحزب الاشتراكي في سويسرا، ومن ثم محرراً لإحدى أهم الصحف الاشتراكية في النمسا حتى العام 1909 قبل إبعاده منها إلى إيطاليا، ليصبح هناك أيضاً محرراً لأحد أهم الصحف الاشتراكية في إيطاليا حتى العام 1914، ليعيد استدماج رؤيته الاشتراكية المتمثلة في وجوب كون الدولة «المالك لكل وسائل الإنتاج والناظم لكل أهداف وحركية ذلك الإنتاج» فيما قد يستقيم النظر إليه بأن «الدولة هي الرأسمالي الأوحد في المجتمع»، مع مرتكزات نهج «البعث» الآنفة الذكر، لينتج منها نموذجاً فكرياً هجيناً هو «الفاشية» التي كانت مرتكزاتها الأساسية هي «الأمة الواحدة»، و«عظمة تلك الأمة»، و«تفوق المنتسبين إليها على غيرهم من المجموعات البشرية».

وذلك النسق الفكري السياسي والعسكري لمفهوم «الفاشية» بالشكل الذي قام بصقله موسوليني في إيطاليا، كان بمثابة «الحل السحري» الذي تلقفه الشعبوي والخطيب المفوه أدولف هتلر في ألمانيا لينقل به حزباً مغموراً اسمه الرسمي حزب العمال الألماني القومي الاشتراكي والذي كان يعرف اختصاراً بالحزب النازي Nazi Party، والذي كان عدد أعضائه لا يتجاوز عدد أصابع اليدين، ليصبح قوة شعبية هائلة في ألمانيا تصعدت إلى هرم السلطة بانتخابات ديموقراطية، عبر استغلالها الشعبوي الحاذق والمتقن لمكامن النقمة الشعبية على حال عموم المجتمعات الألمانية عقب خسارة ألمانيا للحرب العالمية الأولى، وإلزامها من قِبل غرمائها الأوربيين على قبول معاهدة فرساي الجائرة مادياً ومعنوياً، وهي المعاهدة التي نظمت استسلام ألمانيا في نهاية الحرب العالمية الأولى. وفي الواقع وجدت الأفكار «الفاشية» طريقها في المجتمع الألماني بإخراجاتها على طريقة الحزب النازي بسهولة نسبية إذ أن المجتمع الألماني نفسه كان وليد عملية «توحيد قومي بالقوة» من أجل إحياء «عظمة الشعوب الجرمانية» والتي تكاملت في العام 1871 على يد أوتو فون بسمارك Otto Von Bismarck مستشار ولاية بروسيا الألمانية الأكثر قوة عسكرية واقتصادية بين الولايات الجرمانية الأخرى، وهو الذي أرغم مئات المدن والإمارات والبلديات الجرمانية المستقلة على «وحدة اندماجية قسرية» مع ولاية بروسيا Prussia الألمانية سواء بالقوة أو الترغيب أو الترهيب في استطالة سياسية واقتصادية وعسكرية تنفيذية لما أسس له تنظيرياً الفيلسوف الألماني فيخته Fichte في كتابه خطابات إلى الأمة الألمانية Addresses to the German Nation في العام 1808 والذي كان في جوهره دعوة لتوحيد المجتمعات الناطقة باللغة الألمانية، والتي يوحدها ويجمعها بحسب نهج فيخته الفكري «اللغة الواحدة» و«العادات والتقاليد المشتركة».

وتلك المقدمة السالفة حول الكيفية التي نهض بها الفكر القومي في أوربا وتعضت أطروحاته المعاصرة ضرورية ولا بد منها لأجل تفهم جذور أطروحات الفكر القومي العربي بدءاً من جمعية العربية الفتاة، والتي لا زالت ألوان رايتها الموزعة بين الأبيض والأسود والأحمر والأخضر تمثل العنصر التكويني لأعلام الكثير من المجتمعات العربية، وهي الجمعية التي انضم إليها عبد الله بن الشريف حسين، ومهد انخراطه بها لوقوع المجتمعات الناطقة بالعربية في حدود السلطنة العثمانية في حبائل احتيال البريطانيين عليهم في مراسلات الشريف حسين واللورد هنري مكماهون ممثل بريطانيا الاستعمارية في مصر، لتحريض «العرب» على الانتفاض على حكامهم الظُلَّام الفاجرين من العثمانيين في لج الحرب العالمية الأولى، ليستبدلوهم بعد خسارة أولئك الأخيرين بمستعمرين من الفرنسيين والإنجليز أكثر وحشية وعسفاً.

ومن ناحية أخرى قد تكون أكثر حضوراً في حقبتنا الراهنة، فإن تلمس الصيرورة التي تكوَّن فيها الفكر القومي وتمظهراته السياسية في أوربا ومصطلحاته وأنساقه المفهومية والتبريرية والتوفيقية ضرورة لا بد منها لتَكَشُّفِ الآلية التي تم بها «استجلاب»، و«استيراد» التيارات السياسية الكبرى للفكر القومي العربي ممثلة أساساً بفكر «حزب البعث العربي الاشتراكي» لجل بناه الإرادوية والهجينة والقافزة فوق حقائق التاريخ من منابع الفكر الفاشي والنازي بالشكل الذي وضحناه سابقاً. وقد لا يحتاج أي متأمل حصيف لكثير من الجهد لإدراك الكيفية التي تم بها نحت شعار حزب البعث العربي الاشتراكي: «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة» كما لو أنه تعريب بدائي غير متقن للعناصر الأساسية للفكر الفاشي سواء بشكله الأصيل في إيطاليا، أو بشكله المتلبس بقشرة من الاشتراكية التزويقية على طريقة حزب العمال الألماني القومي الاشتراكي أي الحزب النازي.

وقد يستقيم في هذا السياق الالتفات إلى قصور وعوار التأصيل للفكر القومي بالاستناد إلى تخرصات هرائية لا أساس علمياً لها من قبيل «النسب المشترك» و«الأصل المشترك» إذ أن جميع الكشوفات العلمية في مجال علم المورثات الحديث تشير إلى أن جميع بني البشر ينتسبون إلى مجموعة بشرية صغيرة من جنس بني البشر الحاليين في مملكة الحيوانات المعروف بهوموسابينس Homo Sapiens، وهو الجنس الحيواني الذي لا يتجاوز عمره التطوري مئتي ألف عام، وهو أيضاً الجنس الحيواني الذي تعرض إلى شبه انقراض ماحق جراء عسف العصر الجليدي الأخير، وأدى إلى ما يشبه «عنق الزجاجة التطوري»، والذي أفصح عن نفسه بحقيقة أن كل بني البشر المعاصرين ينتسبون إلى مجموعة بشرية واحدة عاشت في شرق القارة الأفريقية منذ حوالي 70000 عام، ولم يتجاوز عدد أفرادها الذين تمكنوا من الصمود في وجه عسف العصر الجليدي الأخير أكثر من 15000 فرداً في أحسن التقديرات؛ وهي المجموعة التي هاجر أبناؤها إلى أصقاع الأرضين في سعيهم للحظيان «بالطرائد الكبيرة» التي كان لا بد من إدراكها، ليس لأهمية لحمها فقط، وإنما لأهمية جلودها، التي كانت تمثل وسيلة الدفاع الأولى التي لا بد من الاتكاء عليها لمواجهة قسوة العصر الجليدي القارس الذي لم يبدأ بالانحسار إلا منذ حوالي 11700 عاماً، ليبدأ معها تكاثر بني البشر وتزايد أعدادهم بعد تراجع مقصلة الطبيعة عن أعناقهم وحيوات ذريتهم.

ولزيادة التوضيح العلمي الذي لا بد منه، فإن كشوفات علم المورثات المعاصر تشير بشكل لا مجال فيه للمجادلة من مواقع الجاهلين، وعلى طريقتهم، إلى أن هناك تطابقاً مورثياً شبه كلي بين أبناء بني البشر المعاصرين بغض النظر عن مكان وجودهم الجغرافي سواء كان ذلك في شرق المعمورة أو غربها، أو شمالها أو جنوبها. وأن معدل التطابق الوراثي بين أي شخصين اثنين أخذا عشوائياً من أي من المليارات السبعة التي هي في طريقها لأن تصبح ثمانية قريباً والتي تعمر وجه البسيطة يصل إلى مستوى لا يقل عن 99.5%، وهو ما يعني بأن البشر فعلياً من منظار علم الأحياء وتصنيف الأجناس الحيوانية مجموعة حيوانية لا بد من توصيفها علمياً بأنها مجموعة من «الأخوة البيولوجيين»، إذ أن معدل التطابق المورثي المشاهد بين بني البشر المعاصرين لا يمكن مشاهدته في أي من الأجناس الحيوانية الأخرى ما لم تكن المجموعة المدروسة فيها أخوة أو أبناء عمومة أو خؤولة غير بعيدين في مدى قرابة الدم أو الرحم بين أفرادها، إذ أن معدل التفارق المورثي مثلاً بين أي كلبين أو حصانين أخذا عشوائياً من منطقتين جغرافيتين من وجه البسيطة لا بد أن تتجاوز حتماً نسبة 0.5% التي لا تتجاوز الفروق المورثية بين كل بني البشر حدها.

ولكيلا يجادل غير مطلع أو جاهل لقلة معرفته أو عامداً، بتلك الفروقات الشكلية التشريحية، وخاصة تلك المرتبطة باختلاف ألوان بشرة بني البشر هنا وهناك، فالجواب العلمي المبسط على ذلك مرتبط بآلية الاصطفاء الطبيعي، والذي يقف على قمة هرم مبادئها مبدأ «البقاء للأكثر صلاحية في التكيف مع الشروط البيئية المحيطة به، وإنجاب ذرية من بعده تخلفه وتنقل مورثاته إلى الأجيال اللاحقة»؛ وهو المبدأ الذي لا بد أن يفصح عن نفسه في ميدان الاختلافات التشريحية الظاهرية في ملامح ولون بشرة بني البشر، والتي تعود في كليتها إلى حاجة البشر لامتصاص أشعة الشمس فوق البنفسجية عبر جلودهم، والتي دونها يستحيل على أبدانهم تصنيع فيتامين دي، والذي دونه تصبح فرص الحياة شبه مستحيلة، إذ أن عوز فيتامين دي يعني زيادة مضطردة في احتمالات الكسور العفوية للعظام الكبرى في الجسم، واستحالة التئامها، وهو ما كان يعني وفق قوانين الاصطفاء الطبيعي حكماً بالإعدام البطيء.

ولزيادة التوضيح فإن ذوي البشرة الداكنة يتمتعون بقدرة أقل على امتصاص فيتامين دي، وهو ما يعوضه وفرة الشمس في المناطق التي تطور فيها جنس بني البشر المعاصرين «هوموسابينس» في شرق القارة الأفريقية، بالإضافة إلى الأهمية الوقائية التي توفرها البشرة الداكنة في الوقاية من سرطانات الجلد التي يسببها التعرض المزمن لأشعة الشمس، وخاصة السرطانات من طبيعة «الميلانوما»، والتي تكاد تكون شبه معدومة لدى البشر من ذوي البشرة الداكنة. وهو ما يعني عملياً بأن البشرة الداكنة التي تمتع بها كل أسلاف بني البشر المعاصرين إبان بزوغهم كجنس مستحدث في مملكة الحيوانات في شرق القارة الأفريقية مثل ميزة تكيفية مثلى للتكيف مع الشروط البيئية التي كانت محيطة بهم، ومنحتهم فرصة تفاضلية أكبر للبقاء على قيد الحياة وإنجاب ذرية من بعدهم.

وهو الواقع الذي تغير مع تحرك المجموعات البشرية المحدودة العدد من شرق القارة الأفريقية باتجاه آسيا عبر مصر وشبه جزيرة سيناء ومنها إلى باقي بقاع الأرضين، وهو ما أدى إلى تغاير في وفرة أشعة الشمس في البقاع الجغرافية الجديدة التي حلوا عليها أفسح المجال وفق مبدأ الاصطفاء الطبيعي السالف الذكر لتزايد أعداد لأولئك البشر الذين تحدث في أجسادهم طفرات مورثية تمنحهم شحوباً في لون جلدهم من خلال ما تنتجه تلك الطفرات من انخفاض في عدد الخلايا الميلانية المسؤولة عن إنتاج مادة «الميلانين» في جلدهم، وهي المادة المسؤولة عن منح الجلد درجة شحوبه أو قتامته بحسب تركيزها في جلد الإنسان، بحيث أصبح من يتمتعون بجلد شاحب جراء طفرات عضوية حدثت خلال تخلقهم كأجنة متحلين بميزة تفاضلية تزيد من فرصهم للبقاء على قيد الحياة في البقاع الجغرافية الجديدة التي حلوا عليها، وكانت أشعة الشمس فيها أقل وفرة، إذ أن شحوب جلدهم مكنهم من امتصاص كمية أكبر من أشعة الشمس فوق البنفسجية، وبالتالي تصنيع كميات كافية من فيتامين دي بالشكل الذي أشرنا إليه آنفاً، وهو ما مكنهم بالتالي من زيادة فرص إنجابهم ذرية من بعدهم تحمل مورثاتهم نفسها وتتمتع بنفس شحوب جلدهم. وهي الميزة التفاضلية التي لم يتحل بها أقرانهم في نفس المنطقة الجغرافية التي حلوا عليها من ذوي البشرة الداكنة، والذين لم تحدث في أجسادهم في مرحلة تخلق أبدانهم في أرحام أمهاتهم طفرات عضوية أدت إلى شحوب جلدهم، وهو ما أدى إلى اندثار مورثاتهم من المجموعة البشرية التي ينتسبون إليها بسرعة لصعوبة بقائهم على قيد الحياة في ظل معاناتهم من عوز فيتامين دي، وصعوبة حظيانهم بفرصة سانحة لإنجاب ذرية من بعدهم تستطيع الحفاظ على مورثاتهم ونقلها إلى الأجيال اللاحقة. وفي نفس السياق الأخير فإن شحوب البشرة لا بد أن يزيد من خطر الإصابة بسرطانات الجلد التي يقي صبغ الميلانين الفائض في جلد ذوي البشرة الداكنة الحاملين له من شرور تلك السرطانات، وهو ما يعني بأن الاصطفاء الطبيعي، وعلى امتداد أجيال متعاقبة، كان لا بد أن ينتج نوعاً مرهفاً من التوازن ينتج عنه درجة وسطية من شحوب الجلد تمثل الحل التكيفي الأمثل للبقاء على قيد الحياة ولإنجاب ذرية لدى أفراد كل مجموعة بشرية بحسب موقعهم الجغرافي ووفرة أشعة الشمس التي يحظون بها في موطنهم، وهو توازن بيولوجي مرهف في أبدان أولئك الأشخاص يعبر عن الدرجة الدنيا الكافية من الشحوب لإنتاج حد كاف من فيتامين دي، وبشكل لا ينتج عنه زيادة مفرطة في معدلات حدوث سرطانات الجلد لدى أبناء تلك المجموعة البشرية. وذلك التوازن البيولوجي التكيفي مع الشروط البيئية يفصح عن نفسه بالحقيقة الدامغة والتي يتعامى عنها الكثير سواء لأسباب متعلقة بجهلهم أو بتجاهلهم المتعمد والمتمثلة في أن هناك شبه اتساق في مستوى قتامة جلد بني البشر الذين يعيشون على خط عرض واحد في كوكب الأرض شرقاً وغرباً يتمتع بنفس الدرجة من وفرة أشعة الشمس بغض النظر عن توزع أولئك البشر على قارات مختلفة، كما هو المثال الشائع بين مستوى قتامة جلود سكان شبه القارة الهندية وسكان أمريكا اللاتينية وجزر الكاريبي الأصليين من الهنود الحمر، وهو ما ينطبق على سكان الأجزاء الواقعة في نفس مدى خطوط العرض التي تقع فيها تلك المناطق في آسيا وأفريقيا كما هو الحال في اليمن وعمان وجيبوتي والسودان وتشاد ومالي ومدغشقر وغيرها. وقد يستوي في هذا السياق الإشارة إلى حقائق علمية ثلاثة، أولها هو أن أكثر من 80% من سكان القارة الأوربية هم أحفاد مباشرون لمهاجرين من منطقة بلاد الرافدين وسهول كيليكية بين بلاد الشام والأناضول في حقبة زمنية تلت أفول العصر الجليدي الأخير منذ حوالي 11700 عاماً، وهو ما تؤكده الأبحاث الحديثة في علم المورثات، وهو ما يقودنا إلى الحقيقة العلمية الثانية المرتبطة بتلك الأولى، والتي تشير إلى أن السكان الأصليين الذين سكنوا غرب القارة الأوربية، وخاصة أرخبيل الجزر البريطانية كانوا من ذوي البشرة الداكنة والشعور الفاحمة والعيون الحور استناداً إلى بحوث علمية رصينة منشورة مؤخراً في أرفع المجلات العلمية المحكمة. والحقيقة الثالثة تتعلق بأن كل ذوي العيون الزرقاء من بني البشر هم أخلاف لسليف ذكر واحد تحلى بطفرة مورثية أدت إلى شحوب فائق في بشرته ولوناً أزرق في عينيه ناجم عن شبه انعدام في بدنه للخلايا الميلانية وما تفرزه من صباغ الميلانين في قزحية عينيه، وهو ما منحه ميزة تفاضلية للعيش في أقاصي شمال الكرة الأرضية التي تنخفض فيها معدلات وفرة الأشعة الشمسية إلى درجة كبيرة، ومثل شحوب جلده ميزة تفاضلية مكنته من اقتناص كمية أكبر من أشعة الشمس فوق البنفسجية وإنتاج ما يتطلبه جسمه من فيتامين دي للبقاء على قيد الحياة في تلك المناطق الجغرافية، وبالتالي نقل مورثاته إلى ذرية تخلفه من بعده.

ونفس المنهج التحليلي السالف يمكن توسعته على كل الملامح التشريحية الأخرى التي يختلف بها بنو البشر من قبيل شكل الأنف، والذي اتساع منخريه ينسجم أكثر مع المناخات الأكثر حرارة، إذ يسمح بمرور كمية أكبر من الهواء، دون الحاجة إلى حصره لتسخينه قبل إدخاله إلى القصبات الهوائية كما هو الحال في الأنوف المستدقة الأكثر شيوعاً لدى البشر الذين استوطنوا المناطق الأكثر بُعداً عن خط الاستواء والأكثر برودة.

وهو المنهج الذي يمكن سحبه على شكل وطبيعة وقوام الشعر الذي يكسو قمة رؤوس بني البشر، فقوام الشعر الأجعد بين سكان المناطق الاستوائية، والذي إن طال يصبح كالمظلة تظلل رأس صاحبه يمثل ميزة تفاضلية أكثر ملائمة للأجواء الحارة والشمس الغامرة، لما يوفره ذلك من حماية من ضربات الشمس؛ بينما الشعر الأملس الأشيع لدى سكان المناطق الأبعد عن خط الاستواء فإنه حينما يطول فهو يمثل حماية للأكتاف والرقبة من مخاطر حروق أشعة الشمس التي تمثل الزناد القادح لتطور سرطانات الجلد، والتي تزداد احتمالات الإصابة بها لدى من تحلوا بجلد شاحب جراء طفرة حصلت في أحد أسلافهم ومكنتهم من التكيف أكثر للعيش في المناطق الأقل وفرة في أشعة الشمس، وأصبح تحليهم بشعر أملس جراء طفرة عضوية أخرى أيضاً خلال مراحل تخلقهم الجنيني ميزة تفاضلية تكيفية إضافية تزيد من فرصهم في البقاء على قيد الحياة وإنجاب ذرية من بعدهم أكثر من أقرانهم الذين لم يتحلوا بتلك الصفة الظاهرية. وهو نسق التوازن البيولوجي التكيفي الذي أنتج أنماطاً ظاهرية تكيفية قد يظن غير العارفين بأنها اختلافات جذرية بين بني البشر على عكس حقيقتها بأنها اختلافات ظاهرية تكيفية لا تغير من حقيقة التطابق شبه المطلق بين البنية الوراثية بين كل بني البشر، وتساويهم الكامل في كل الأحياز البيولوجية الأخرى سواء كانت عقلية أو إدراكية أو سلوكية أو حركية كما يثبت ذلك علم وظائف أعضاء الجسم البشري.

وخلاصة القول إن فكرة «التفاوت العرقي» بين بني البشر فكرة هرائية لا أساس علمياً لها، ولا تستند إلا على تخرصات مخترعيها، لتبرير وحشيتهم وبربريتهم فيما دعوه إبان حقبة صعود «الاستعمار الاستيطاني المباشر» في القرن الثامن عشر بأنه «داروينية اجتماعية» تقتضي أن «البقاء للأصلح»، ناظرين إلى ذلك «الأصلح الخلبي» بأنه «الأكثر قدرة على الفتك» بأولئك الضعفاء من بني البشر الذين لم تقيض لهم ظروفهم إتقان فنون الحرب والتقتيل كما فعل الأوربيون بأبناء جلدتهم قبل أن يوسعوه إلى مظلوميهم من أبناء المستعمرات مبررين ذلك «بفوقية مختلقة وجاهلة» تنظر إلى الفروق الشكلية التكيفية بين بني البشر على أنها اختلافات بنيوية ووظيفية حقيقية فيما بينهم، بينما هي ليست إلا تلفيقات لغرض تبرير سلوك وحشي بربري أدمن الأقوياء ممارسته بحق الضعفاء غير القادرين على مقاومة ما يتعرضون إليه من جور وعسف.

ومن ناحية أخرى لا بد من الالتفات إلى ذلك الميل البيولوجي الغريزي لدى كل أبناء بني البشر للانتماء إلى مجموعة بشرية ينظرون إليها بأنها بمثابة الحصن الوحيد المتاح الاحتماء بنسيجه من عسف الطبيعة والمحيط البيئي. وهو الميل الغريزي الذي تنقى وتشذب بقوى الاصطفاء الطبيعي نفسها عبر آلاف الأجيال التي مرت في رحلة تطور الجنس البشري المعاصر الذي لولا استدماج ذلك الميل الغريزي للانتماء إلى الجماعة في عمق الدارات الدماغية  البنيوية لبني البشر لما تمكن الجنس البشري من الصمود في وجه نوازل الطبيعة؛ إذ أن الإنسان ككائن بيولوجي منظوراً إليه من المنظار التشريحي المحض يكاد يكون من أكثر الكائنات الحية ضعفاً وأقل قدرة على مقاومة الظروف البيئية القاسية المحيطة به، خاصة وأنه لا يتحلى بأنياب جارحة أو مخالب ثاقبة أو فرو يكتسي به، فكان لا بد له من الاتكاء على ميزته شبه الوحيدة التفاضلية في مملكة الحيوان، وأعني بها هنا القشرة الدماغية الجديدة، والتي مكنته من التصويت والتواصل الاجتماعي المثمر عبر اللغة، ومنحته القدرة على استخدام أصابعه بشكل حاذق، بالإضافة إلى إعطائه القدرة على التحليل والتركيب والسعي بشكل مبدع في نسق ميوله البيولوجية الغريزية التي تنقت وتشذبت برهافة وفق قوانين الاصطفاء الطبيعي، وقد يكون أحد أهم مرتكزاتها الحاجة الفطرية للانتماء إلى مجموعة بشرية لكونها الحامي الوحيد للإنسان كحيوان أعزل من كل وسائل مقاومة قوى الطبيعة سوى عقله، والذي استخدمه فيما بعد من أجل تصعيد ذلك الانتماء، وقولبته، وتأطيره في مكان رفيع تجلى في ذلك التبجيل الفكري الذي ظهر في مرحلة متأخرة من رحلة تطور الجنس البشري خلال بضعة آلاف السنين الأخيرة لما قد يستقيم دعوته «القبيلة» التي أصبحت المُعَرِّفَ الفكري العياني المشخص لذلك الوعي الفطري الغريزي الموجه لبني البشر في رحلتهم التطورية للانتماء إلى مجموعة بشرية كانت في المراحل الأولى من عمر بني البشر عائلة مصغرة ثم أصبحت عائلة موسعة بمجموعات بشرية لم يتجاوز عدد أفرادها 150 فرداً في جل رحلة تطور بني البشر من جنس البشر الحاليين، وأبناء عمومتهم وأسلافهم من الأجناس البشرية البائدة، والتي امتدت على سبعة ملايين من السنين قضوا معظمها في مرحلة الصيد والجمع والالتقاط، ولما يتزايد عدد أفراد تلك المجموعات البشرية إلا بعد استقرار بني البشر في مجتمعات زراعية منذ حوالي 12000 عاماً، وهو ما اقتضى تخليق مفهوم انتماء جديد يتجاوز العائلة المصغرة والموسعة إلى ذلك النموذج العقلي والاجتماعي للقبيلة، وما استتبع ذلك من اجتهادات عقلية لبني البشر لقوننة ذلك النموذج في ضوء ما أفرزته طبيعة الاستقرار في مجتمعات زراعية من صعوبات في البقاء على قيد الحياة في ضوء احتمالات إخفاق المحصول الزراعي، وعدم التيقن من توافر ما يقيت المجموعة البشرية والقبيلة خاصة في ضوء الازدياد المضطرد لعديد أبناء البشر مع تراجع العصر الجليدي الأخير وبدء استقرار البشر في مجتمعات زراعية، وهو ما اقتضى إعادة تبئير تعريف المجموعة البشرية التي يعيش الفرد وعائلته المباشرة في كنفها بشكل عقلي مستحدث ينظر إليها بأنها «الحصن الحصين» الذي لا بد من القيام بكل ما هو متاح لحمايته، بالإضافة إلى استنباط «نهج مستحدث» لتعريف ذلك «الآخر» الذي ينتسب إلى مجموعات بشرية و«قبائل» أخرى، ولا بد من عقلنة «التغول على موارده»، وإخضاع الذات العقلية لما يعاكس فطرة بني البشر التي تدفع الإنسان باتجاه حفظ أي من المنتسبين إلى النوع البشري من الانقراض والاندثار البيولوجي، واستنباط مفاهيم «الغزو» و«التغاوي» و«التفاخر» بذلك السلوك في محاولة لإقناع الذات بعكس ميولها البيولوجية الفطرية لتهدئة مفاعيل الإحساس العميق بالذنب عند «التغول على حقوق وحيوات» أولئك البشر الآخرين الذين تصادف وجودهم في مجموعات بشرية و«قبائل» أخرى.

وهنا يفصح الفكر القومي عن نفسه كما لو أنه آخر «التفتقات» الفكرية التي استدعاها تعضي وانتظام وتكاثر أعداد المجموعات البشرية المستوطنة في نسق المجتمعات الاستيطانية الزراعية التي ترافق حلولها مع تصعد بني البشر من مرحلة التفاعل المنفعل مع الطبيعة إلى مرحلة تحوير شروط الطبيعة بقوة التعاون الجمعي لأولئك المنتسبين إلى مجموعة بشرية موسعة كانت في المراحل الأولى لنهوض المجتمعات الزراعية «قبيلة»، وكان لا بد من توسعتها في نسق تصعد النظم الإقطاعية لاحقاً لتصبح «نسباً قومياً مختلقاً» ليتسق مع متطلبات واشتراطات «العدد المهول من البشر» الخاضعين لسلطة «الإقطاع بصورته الملكية لاحقاً» وفئاته المهيمنة، والذين لم يعد صالحاً جمع «لفيفهم المفروق» في بوتقة «القبيلة» بعد تكاثرهم عددياً وتداخلهم وظيفياً بقوة ومفاعيل النظم الإقطاعية الملكية؛ وهو ما قامت الرأسمالية بعد انقلابها على النظم الإقطاعية السالفة لها، وحلولها محلها، باستثماره إلى أقصاه، وتوسعته، وتنميقه لغوياً وحتى فلسفياً على شاكلة النتاج الفلسفي «البليغ والصعب على الفهم» للفلاسفة الألمان من شاكلة فيخته وهيغل، لمنح «فكرة القومية» المختلقة بُعداً «فكرياً تلفيقياً» أكثر اتساعاً ومهابة يرتفع في نسق الفكر الهيغلي إلى مستوى «المطلق والأسمى»، وغيرها من التخرصات الهرائية التي تتمحور أهدافها حول توطيد القبول بفكرة نَظْم عديد البشر الهائمين في مجتمعات عملاقة في «نسق ما» يضمن انتظام جهودهم الجمعية في خدمة «الفئات المهيمنة في المجتمع على مفاصل السلطة والثروة»، ويضمن عدم توجيه تلك الجهود في محاولة تحسين ظروف ومستوى حيوات أولئك البشر المغرقة في بؤسها جراء عملية نهب «الأقوياء الأثرياء» لكل مقدراتها، ووأدها الممنهج لكل احتمالات خروجها من قمقم بؤسها السرمدي الذي تكابد مفاعيله في حيواتها وقوتها ومستقبل أبنائها.

وفي هذا السياق الأخير لا بد من استدعاء الحقيقة العيانية المشخصة تاريخياً بذلك المخاض العسير الذي خاضته القوى الرأسمالية الناهضة، ومن قبلها القوى الإقطاعية ذات التوجهات التوسعية التغولية ممثلة بالنظم الملكية الكبرى في فرنسا وبريطانيا آنذاك، لمحاولة إدخال فكرة القومية عنوة في «وجدان وعقول أبنائها»، الذين ظلوا على شاكلة كل أقرانهم في القارة الأوربية ينظرون إلى أن انتماءهم في مرحلة تكاثر بني البشر عددياً، واستقرارهم في مجتمعات زراعية، مشخص في انتمائهم إلى المدينة أو القرية أو البلدة التي ولدوا فيها، وليس إلى دولة جامعة يتسيد عرشها ملك أو ملكة أو ما كان على شاكلته. وذلك الواقع أفصح عن نفسه بجلاء منقطع النظير في تأخر استبطان الوعي القومي في كل المدن الإيطالية والعديد من الإمارات والمدن الألمانية التي لم يتم استدماج الوعي القومي فيها على شاكلة ما حدث في بريطانيا وفرنسا إلا بقوة الحديد والنار كما كان في حروب توحيد الإمارات الألمانية بالقوة التي خاضها بسمارك لتوطيد هيمنة إمارة بروسيا على المدن الألمانية المستقلة الأخرى لتخليق «الدولة- الأمة» الألمانية بشكلها المعاصر في العام 1871، وهو ما تم استنساخه في حالة المدن الإيطالية المستقلة على يد حكام مقاطعة بيدمونت -ساردينيا ليكتمل شكله أيضاً في العام 1871، وهو ما يعني عملياً بأن تأصيل  وتوطيد «فكرة القومية» بشكل يتجاوز «مفهوم الانتماء الطبيعي إلى المدينة أو القرية أو البلدة» التي ولد فيها الإنسان في مرحلة تطور البشرية المعاصرة تم بالقوة، والقسر، ولما يتم نضوجه طبيعياً بشكل يعبر عن حاجات ورغبات المجتمعات البشرية والأفراد المنتسبين إليها.

وفي نفس السياق الأخير لا بد من التطرق إلى جملة الحقائق التاريخية المرتبطة بتطور وتعضي المجتمعات الناطقة بلسان الضاد، والتي لما يتشكل فيها أي نموذج من الوعي القومي بصورته الأوربية إلى حين استجلابه عنوة من الأوربيين أنفسهم في مرحلة الحرب العالمية الأولى، حيث كان الأفراد المنتسبون إلى تلك المجتمعات قبل تلك الفترة ينظرون بشكل طبيعي إلى أن انتمائهم موزع بحصص متكاملة، حسب الحاجة والظرف الموضوعي في حينه، بين الانتماء القبلي، والمناطقي إلى مدينة أو قرية أو بلدة ما، والانتماء الديني الذي كان يمثل شكلاً من أشكال الثقافة الشعبية الجامعة أكثر من كونه تعاليماً وطقوساً صارمة. وذلك الواقع ظل يفصح عن نفسه بجلاء منقطع النظير على امتداد تاريخ السلطنة العثمانية التي مثلت استطالة متهتكة لحكم المماليك من قبلهم، والتي لم يكن يجد فيها أي من الخاضعين لحكمها بعجره وبجره أي صعوبة في تعريف ذاته «قومياً» إذ لم يكن هناك حدود جغرافية مصطنعة لا بد عليه من استبطانها حقيقة قائمة القوة، ولم يكن ليعيقه سوى مشقة الانتقال والارتحال من بقعة جغرافية إلى أخرى في حدود نفوذ السلطنة الجغرافي الشاسع إن استدعت ظروفه الحياتية ذلك، وبحيث كانت هويته التعريفية مختزلة في انتمائه المناطقي الأصلي بالإضافة إلى احتمال انطواء ذلك الانتماء على انتماء قبلي ضمني أو مشهر مع انتماء ديني واه على شاكلة «الحدس العام» باستعارة من قاموس أنطونيو غرامشي المعرفي.

وفيما يتعلق بالاعتبار السائد الذي ينظر إلى أن اللغة المشتركة هي عنصر التوحيد الأساسي الذي يمكن للمجموعات البشرية المتفاوتة الالتقاء حوله لإضفاء صفة جامعة تمحو الفروقات الداخلية والتباينات بين تلك المجموعات في عملية تذويبية تظهر صَغَارَها تجاه العنصر الجامع الأعظم ممثلاً باللغة المشتركة، فهو اعتقاد يفقد سرعته الابتدائية منطقياً عند التفكر بالحقيقة الأنثروبولوجية الثابتة على مر صيرورة تطور بني البشر الموثق كتابياً منذ بضعة آلاف من السنين، والذي يشير بوضوح إلى أن البشر يميلون إلى تبني اللغة الأكثر كفاءة في تسهيل عملية التواصل فيما بينهم، والتي يغلب أن تكون أكثر سهولة من الناحية اللغوية والقواعدية المحضة، بالإضافة إلى العنصر الأكثر أهمية والمرتبط بميل المجموعات البشرية لتبني لغة الفئة الأكثر هيمنة Hegemony في أي مرحلة زمنية، سواءً كانت تلك الهيمنة ثقافية أو سياسية أو اقتصادية أو كلها مجتمعة.

والمثال الأكثر نصوعاً على تلك الحقائق الأنثروبولوجية الآنفة الذكر هو بقاء اللغة السومرية لغة شبه رسمية في بواكير تصعد الإمبراطورية الأكادية في الألف الثالث قبل الميلاد، لمدة قاربت خمسة قرون بعد ذوبان الأقوام السومرية في حياض الإمبراطورية الأكادية، وذلك جراء الوزن التاريخي التراكمي للهيمنة الثقافية الراسخة للسومريين في منطقة الهلال الخصيب منذ الألف الخامس قبل الميلاد، وهو ما مكنها من الاستمرار ثقافياً وسياسياً حتى بعد اندثارها اجتماعياً. وهو نفس الواقع الذي كرر نفسه في الألف الثاني قبل الميلاد حينما أصبحت الهيمنة للغة الأكادية راسخة في منطقة الهلال الخصيب لتصبح اللغة الأكادية اللغة الرسمية لكل الأقوام التي سكنت المنطقة على الرغم من أن لغاتها المحكية وأسماء أبنائها كانت تختلف عن منطوق اللغة الأكادية بشكل كبير كما كان الحال في حضارة الحوريين ومملكتهم ميتاني في شمال وادي الرافدين.

ويمكن توسعة ذلك بالنظر إلى تسيد اللغة الآرامية منذ النصف الثاني من الألفية الأولى قبل الميلاد وحتى القرن السابع الميلادي في جل مناطق الهلال الخصيب لتصبح بمثابة اللغة المحكية لكل أبناء المنطقة، نظراً لسهولتها القواعدية وقربها اللغوي من اللغات الأخرى المحكية في المنطقة مما جعل تبنيها الجمعي حالة طبيعية لتسهيل تواصل البشر فيما بينهم وتيسير تفاعلهم الحضاري والاقتصادي الذي أصبح ضرورة ملحة مع تزايد أعداد ونمو المجموعات البشرية في منطقة الهلال الخصيب. وقد ينطبق نفس التوصيف الأخير على اللغة العربية الراهنة التي تعتبر أقرب لغات منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا إلى اللغة الآرامية، والتي كان لا بد أن تتخلى عن موقع الصدارة ليحل محلها لغة الأقوام الصاعدين إلى عرش الهيمنة Hegemony السياسية والفكرية الدينية والاقتصادية القادمين من شبه الجزيرة العربية في مرحلة حلول الدين الإسلامي ولغته على نفس الفضاء الجغرافي في مطلع القرن الثامن الميلادي.

وذلك التوصيف الأخير لا بد أن يقود إلى تلمس هشاشة الاتكاء على العنصر اللغوي لمضاهاته بشكل من أشكال وحدة الدم القبلية الجامعة لكل من يتحدثون بها، في محاولة لتوسعة مفهوم القبيلة بشكل يتسق مع شروط العالم المعاصر. وهي هشاشة تبدو واضحة العيان عند استذكار بأن جل سكان أمريكا الجنوبية بكل دولها حالياً وعلى اختلاف أصولهم الإثنية المختلفة التي تتنوع بين بقايا السكان الأصليين من قبائل المايا والآزتك، وأحفاد الكثير من المظلومين الذين تم استئصالهم من مجتمعاتهم في القارة الأفريقية لتحويلهم عبيداً مكبلين بأصفاد المستعمرين، بالإضافة إلى أحفاد الكثير من بقايا المستوطنين الأوربيين، يتحدثون باللغة الإسبانية أو البرتغالية، ولكن ذلك لا يجعلهم إسباناً أو برتغاليين بأي من معايير لي عنق الحقائق التاريخية والمنطقية والتي يمكن من خلالها تصنيفهم اعتباطياً في بوتقة قومية واحدة جامعة مانعة.

وقد يستقيم في نسق التحليل السالف التطرق إلى محاولة الاتكاء على ما يدعى إجمالاً بالتاريخ المشترك الذي لا بد أن يفضي إلى وحدة قومية بشكل ما بين الذين يمثلون حصيلة ذلك التاريخ المشترك، وهو خطاب تهويمي لا يستند على أي أساس من الصحة التاريخية أو الأنثروبولوجية بأي شكل كان، إذ أن تاريخ بني البشر حقيقة يتركز حول نهوضهم عقب تضاؤل أعدادهم خلال العصر الجليدي الأخير، والذي بدأ منذ حوالي 115000 عاماً وأخذ بالانحسار فقط منذ حوالي 11700 عاماً، إلى بضع مئات من البشر في عموم أرجاء البسيطة التي تمكنوا من الوصول إليها، والبقاء فيها على قيد الحياة في سياق مكابدتهم التي لا بد أنها كانت ملحمية لعسف العصر الجليدي الأخير، بشكل يومي إلى أن هناك تاريخاً واحداً  لبني البشر ليس ببعيد زمنياً إذا أُخذ في سياق رحلة تطور الجنس البشري المعاصر وأسلافه وأبناء عمومته من أجناس البشر البائدين، والتي امتدت على حوالي سبعة ملايين السنين، وهو تاريخ جامع لكل بني البشر عنوانه العريض شبه الأوحد الصراع من أجل البقاء وحفظ النوع البشري من الانقراض، وهو النوع الحيواني الذي لم يكن لديه من سلاح لمواجهة عسف الطبيعة وضواريها، سوى استخدام قدراته العقلية الفائقة للتواصل والتعاون الجمعي مع أقرانه لتعويض ضعفه البيولوجي الذي تركه عارياً من فرو يقيه برد الشتاء، ومن أنياب ينازل بها عديد الجوارح والكواسر التي تنتظر افتراسه. وهي صيرورة نهوض جنس بني البشر المعاصرين التي لا بد أن تحيلنا إلى حقيقة أن جل المناطق الجغرافية التي حل عليها البشر مثلت بشكل أو بآخر بواتق لصهر وتلاقح وتواشج المجموعات البشرية التي تصادف حلولها على تلك المناطق سواء عبر الهجرة أو بالتمدد بالقوة للتغول على موارد ومصادر حياة المجموعات الأخرى. وقد يكون مثالها الأكثر وصفية هو تاريخ الهلال الخصيب الذي قد يكون من الصعب استثناء استدماج أي حضارة في صيرورة تكوينه التاريخي بدءاً من السومريين والأكاديين والبابليين والآشوريين والكلدانيين والعيلاميين وصولاً إلى الحثيين والحوريين والفراعنة والآراميين مروراً باليونانيين وشعوب الجزر البحرية في البحر المتوسط المعروفين بحسب التوصيف «التوراتي» بالفلسطينيين، والشعوب المرتحلة في  البوادي من العموريين، والفينيقيين الذين وصلت حضارتهم إلى جنوب القارة الأوربية في مدن مرسيليا وتولوز الفرنسية راهناً، وجزيرة مالطة وصقلية وسردينيا في البحر المتوسط، ووصولاً إلى الشعوب الكنعانية التي تداخلت اقتصادياً وحضارياً مع الأمهريين والنوبيين وجل القبائل التي كانت تروم القارة الأفريقية من شرقها إلى غربها. وهو نفسه الهلال الخصيب الذي ومنذ منتصف الألف الأول قبل الميلاد تعاقب على التحكم بمفاتيحه السياسية والاقتصادية الميديون والفرس والرومان الشرقيون في بيزنطة ومن ثم القبائل العربية القادمة من غرب وجنوب شبه الجزيرة العربية، وهم الذين بدورهم فتحوا الباب على مصراعيه لحلول أقوام أخرى في مراكز الثقل السياسي والعسكري في تلك المنطقة توزع بين العديد من المجموعات البشرية التي تحدثت باللغات الفارسية من إقليم خراسان، ومن ثم تلك التي تحدثت باللغات التركية من بلاد الأناضول وآسيا الوسطى وصولاً إلى السلاجقة والبويهيين ومن ثم المماليك والأيوبيون وصولاً إلى الألبان الذين ظلوا يحكمون بشكل فعلي في منطقة بلاد الشام ومصر حتى القرن التاسع عشر. هذا كله دون تناسي عملية الصهر الكلياني التي قامت بها حملة الإسكندر المقدوني اليوناني لتلبيس المنطقة لبوساً ثقافياً واحداً في القرن الثالث قبل الميلاد كان يهدف إلى توطين الحضارة اليونانية في المنطقة بالقوة، وهو ما تحقق له فعلياً بشكل أو بآخر في حملته الشاملة التي أوصلت الحضارة اليونانية إلى عمق شبه القارة الهندية مروراً بكل المناطق الجغرافية التي مر عليها، وقد يكون أهمها الهلال الخصيب الذي قضى الإسكندر المقدوني نحبه في عاصمته بابل آنذاك في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويصب في سياق التوصيف الأخير حقيقة أن ما يعرف بالتاريخ الموثق منذ فجر بزوغ الكتابة المسمارية والتصويرية في الألف الثالث قبل الميلاد ما هو إلا توثيق لصراعات الأقوياء فيما بينهم بدماء المستضعفين الذين لم يكن يعنيهم فعلياً انتصار هذا أو ذاك من الأفرقاء الذي سوف يتوجب عليهم دفع الجزية أو الضرائب الباهظة له. وهو ما يعني في الحقيقة أن الاستناد على مقول البشر السالفين لاستنباط حقائق دامغة جامعة مانعة حول انتساب مجموعة بشرية إلى أصل تلفيقي واحد، هو نهج لا يمت إلى النهج العلمي بصلة، وهو الذي يقوم على استخلاص النتائج من الحقائق العيانية المشخصة، والتي في حيز التاريخ المكتوب يصعب غالباً فرز الغث عن السمين فيها، والدعاية السوداء عن الحقائق أو التصورات الشخصية، نظراً لحقيقة أن جل المقهورين المستضعفين لم يقيض لهم المشاركة في كتابة التاريخ في الغالبية العظمى من منعطفات النهوض الحضري للمجموعات البشرية في عموم أرجاء الأرضين. وهو واقع عسر كتابة وتوثيق التاريخ الحق يفصح عن نفسه في حيوات البشر المعاصرين بحالة من الكوميديا السوداء تعبر عنها شجرات الأنساب الخلبية التي يتفاخر بها البشر هنا وهناك، والتي لا تختلف في غرائبيتها عن شجرة نسب عبيد الله مؤسس الدولة الفاطمية في مصر، والذي يعود أصل عائلته وأجداده إلى خراسان، وهو الذي قدم نفسه على أنه من سلالة علي بن أبي طالب القرشي المكي، وكان رده على طلب علماء الأزهر الشريف تقديم ما يثبت صحة نسبه الشريف قبل مبايعته حاكماً لمصر وخليفة لرسول المسلمين محمد بن عبد الله القرشي المكي في القرن العاشر الميلادي، فكان رده بأن شجرة نسبه مكتوبة في صرة دراهمه الذهبية، وأن سند إثبات صحتها كامن في سيفه المزنر به، فكان له ما أراد من قبول علماء الأزهر لصحة نسبه وإسناده ومبايعته حاكماً لمصر وخليفة للمسلمين في عموم أرجاء الأرضين.

وللطرافة فإن نسبة لا تقل عن 40% من عموم المسلمين في عموم أرجاء الأرضين يحتفون بنسبهم الشريف الذي يعود إلى زين العابدين بن علي بن أبي طالب بشكل لا يختلف في نهج تلفيقه كثيراً عن نهج عبيد الله الفاطمي السالف الذكر، على الرغم من أن زين العابدين بن علي كان عليلاً ولما كان ليبقى على قيد الحياة لولا عناية وتمريض أخته زينب له، وعلى الرغم من ذلك فقد تكاثر نسله ليضم في عداده شجرات مؤلفة من الأنساب التي تعود في مآلها الأخير إليه من حدود الصين وأذربيجان في آسيا الوسطى إلى مضيق البوسفور في القارة الأوربية مروراً بأجزاء شاسعة من قارتي آسيا وأفريقيا بمجموعاتها البشرية المتعددة ولغاتها التي قد يصعب إحصاؤها.

 وفيما يتعلق بالطموحات والآمال المشتركة التي يحتسبها المنظرون القوميون بمثابة عنصر جامع مانع للفيف مفروق من المجتمعات تحت راية قومية واحدة، فإن الحقيقة العلمية التي تثبتها أبحاث وظائف الدماغ والعقل البشريين تشير إلى أن  كل البشر ككائنات حيوانية عاقلة واجتماعية بامتياز يستبطنون في بنيان أدمغتهم دارات دماغية تنقت عبر صيرورة الاصطفاء الطبيعي لا بد أن تجعل من طموحاتهم وآمالهم منطلقة من جملة من الأهداف الثابتة المتعلقة بحفظ النوع من الانقراض مشخصاً في السعي الفطري لتحقيق حد أدنى من الأمان والطمأنينة في الحياة اليومية المعاشة، بالتوازي مع الاجتهاد الدائب لنقل مورثات العضوية البشرية إلى الأجيال اللاحقة، وهي وظيفة بيولوجية لا يتغاير فيها أبناء بني البشر عن أي من أقرانهم في مملكة الحيوانات، وهي التي تعني بشكل عياني مشخص سعي كل فرد لتأمين قوته وقوت عياله، وضمان سقف فوق رؤوسهم يقيهم عسف الطبيعة، بالتوازي مع الدأب لتأمين كل ما قد يسهم في الحفاظ على صحتهم من شرور الأمراض الفتاكة وغيرها، والتي قد تكون أهم أسباب اندثار بني البشر من وجودهم على وجه البسيطة. وبشكل أكثر تبسيطاً فإن طموح كل بني البشر الطبيعيين لا بد أن يتركز حول تأمين قوتهم وأمانهم وصحتهم وتعليم أبنائهم؛ وكل ما سوى ذلك فإنه لا يتعدى أن يكون انزلاقاً لبني البشر في لعبة الرأسمالية الحاذقة في تحويل ما قد يعجب الفرد ويبهره إلى حاجة ملحة لا يمكنه العيش من دونها، وبشكل يحوله من «إنسان عاقل» إلى «مستهلك نهم» لا هم له إلا الإبحار في طوفان المستهلكات التي تزين له الرأسمالية مفاتن اقتنائها بحيث تصبح هي ضالته وسبب وجوده في حياته الدنيا، في تشويه متعمد وصارخ لكل ما هو طبيعي وبنيوي في أدمغة وعقول بني البشر وتم تنقيته على امتداد سبعة ملايين من السنين بقوة الاصطفاء الطبيعي.

والواقع أن الطموحات الكبرى التي يتحذلق بها الكتاب والمنظرون وتشكل ناظماً عاماً يجمع المجموعات البشرية حولها، منذ تفتقات الفيلسوف الألماني فيخته وتنظيره للقومية الألمانية «الفائقة للعادة»، وما أنتجه من بعده هيغل في فكره التبجيلي «للدولة التنينية» الجامعة والناظمة ومحققة الإرادة التاريخية للشعب الألماني «العظيم»، ومن بعده «الفكر العنصري المتحذلق» لمارتن هايدجر في تنظيره «لرفعة القومية الألمانية» و«رسالتها التاريخية السامية» لترقية البشرية ونقلها إلى مرحلة جديدة ورتبة عليا بين جميع الأقوام الأخرى، وصولاً إلى الاستجلابات المسخية لتلك الأفكار ومحاولة توطينها عنوة في غير موضع من أرجاء المعمورة، مثلما حدث في تفتقات الفكر القومي في العالم العربي، لا تمثل إلا تورية لمشاريع مواربة تهدف إلى توطيد هيمنة الأقوياء على المستضعفين، وتبرير تلك الهيمنة بكونها تضحية لا بد منها على مذبح «القومية الخالصة» التي دون بذل «دماء المستضعفين المقهورين» لن يمكنها التصعد لتحقق «رسالتها الخالدة» بين الأمم، وهو ما يعني في الواقع «توطيد هيمنة المنافقين» من الأقوياء الأثرياء المتلطين وراء ستارات الحذلقات الخطابية والشعارات الرنانة التي لا تغير من جوهرها البائس والمسخ شيئاً.

والتشبث بقشة «الوحدة في العادات والتقاليد والإرث الحضاري» لتبرير اختراع «قومية جامعة مانعة» قد يمثل أس تهافت المنظرين لذلك النسق الفكري القاصر والهجين في أحسن أحواله، إذ أن مفهوم العادات والتقاليد والإرث الحضاري مفهوم مطاط ومائع ولا ملامح واضحة له، فالحقيقة أن هناك درجة كبيرة من الاختلاف في الميول الشخصية بين الأفراد الذين ينتسبون إلى نفس المجموعة البشرية، وهو ما يتسق مع اكتشافات علم وظائف الدماغ والعقل البشريين التي تومي إلى أن تباين الميول والاتجاهات في خضم أي مجموعة بشرية ضروري لضمان قيام الأفراد المنتسبين إليها بكل الوظائف التي يقتضيها واجب الحفاظ على وجود المجموعة البشرية بكليتها كوحدة عضوية اجتماعية يمثل الحفاظ على كينونتها ضرورة وجودية لكل كائن بشري ينتسب إليها.

وكمثال أكثر اتساعاً وتبئيراً عن الحقيقة الآنفة فإن جل الدراسات الأنثروبولوجية تشير إلى عدم اختلاف العادات والتقاليد بمفهومها العام بين سكان البحر المتوسط على اختلاف مرجعياتهم اللغوية والإثنية والدينية. ونفس التوصيف ينطبق على ما قد يستقيم تسميته «ثقافة شعبية» بين البشر المنتمين إلى عشرات المجموعات البشرية الإثنية الممتدة من تركستان الشرقية في غرب الصين وحتى تخوم الصحراء الغربية على المحيط الأطلسي.

وفي الواقع فإن جل أدبيات الفكر القومي العربي ممثلاً بأيديولوجيا حزب البعث العربي الاشتراكي هي أدبيات مستقاة بعجرها وبجرها من فكر الفاشية الإيطالية بصورته الأكثر تنميقاً، والتي أنتجها حزب العمال الألماني القومي الاشتراكي والذي كان يدعى اختصاراً بالحزب النازي والذي قاده زعيمه أدولف هتلر إلى ما كان يحتمل تصعيده ليصل إلى مرحلة تدمير كلياني لكوكب الأرض في حال نجاحه في تصنيع قنبلة نووية في توقيت مناسب قبل تفاقم خسارته على الجبهتين الغربية والشرقية. وفيما يتعلق ببعد «الاشتراكية» في ذلك الفكر «البربري» فهي لم تكن تعني سوى «رأسمالية خالصة للدولة» بشكل لا يختلف كثيراً عما كان سائداً في الاتحاد السوفيتي قبل انهياره، وفي «الصين الشعبية» راهناً التي تعني فيها الاشتراكية «اشتراك الشعب في الطحن السرمدي لكل مكوناته بماكينة الدولة الأمنية وحزبها القائد للدولة والمجتمع». وهو الواقع الشامل عمقاً وسطحاً وعمودياً وأفقياً في كل الأنظمة العربية التي تبنت ذلك النموذج «المسخي» من استجلاب الفكر القومي الأوروبي بأرذل صوره إلى العالم العربي، واستخدامه ذريعة لهيمنة «طغمة فاسدة مفسدة مافيوية» على مقدرات شعوبها، وتحويل تلك الأخيرة إلى «رقيق دون أغلال» لا خيار لهم إلا بالتسبيح بحمد «الطغاة القوميين الأفذاذ وقادتهم الملهمين»، الذين لم يفلحوا برغائهم القومي في العالم العربي إلا بتوطين طوفانات من البلاءات التي لم تنقطع فيه بدءاً من تأصيل بنيان الدول القمعية الشمولية الأمنية على شاكلة الجمهورية العربية المتحدة، ومن بعدها سورية الأسد، وعراق صدام حسين، وليبيا المخبول القذافي، وما أنتجته من صراعات وشقاقات وحروب بينية مع الجيران والأشقاء لم يدفع ثمنها سوى المعذبون المقهورون من البسطاء الذين هم في أحسن الأحوال أمناء على أنسابهم، وبالكاد يعرفون جدهم الثاني أو الثالث، ولم يكن يعنيهم أي من  التلفيقات والتحذلقات التي لما تملأ معداتهم الخاوية أو تقي أبناءهم شر الموت الزؤام العبثي؛ وصولاً إلى نكسة حزيران وخسارة الجولان، واحتلال الشعب المظلوم في الصحراء الغربية، وخطيئة غزو الكويت، والجرائم ضد الإنسانية الفاجعة التي تم ارتكابها بحق الأقليات في غير موضع من العالم العربي، قد يكون أهمها التعامل الفاشي الذي قام به البعثيون الأرذال مع المظلومين من «الأكراد» ومعاملتهم كما لو أنهم غزاة محتلون في أرض آبائهم وأجدادهم منذ الألف الثاني قبل الميلاد، وهو ما أظهر وجهه القبيح في غير مرحلة قد يكون أكثرها قبحاً عمليات التهجير القسري والتطهير العرقي التي سماها البعثيون الأرذال على ضفتي نهر دجلة عمليات « تخليق الحزام العربي»، بالإضافة إلى عمليات الإبادة المنظمة لهم بأسلحة التدمير الشامل وغيرها كما كان في تراجيديا الإبادة الجماعية في حلبجة وما كان على شاكلتها ولم تصل أخباره إلى المراقبين في خارج البوتقة البعثية الفاشية المافيوية.

وخلاصة القول قد يستقيم تكثيفها في التشديد على الضرورة الملحة لإعادة الاعتبار لقيمة التواصل الإنساني بين البشر على أساس احترام حقوق الإنسان الطبيعية والأساسية وعلى رأسها حق كل إنسان بالكرامة والعدالة والحرية والاحترام لكينونته الإنسانية بغض النظر عن أي تخرصات تلفيقية مصطنعة لتفريق البشر عن بعضهم، لصالح توطيد هيمنة الأقوياء الأثرياء على المقهورين المستضعفين عبر الاتكاء المخاتل الموارب أو الصفيق الصارخ على شعارات رنانة خلبية من قبيل الانتماءات القومية التي لا سند علمياً لها، والتي هي في أحسن الأحوال تفتقات بهلوانية تسعى لتوسعة وحذلقة الميولات الغريزية للانتماء إلى مجموعة بشرية أصبحت قبيلة في صيرورة استقرار البشر في المجتمعات الزراعية، وكان لا بد من مطها في مرحلة تصعد نمط الإنتاج الإمبريالي الرأسمالي وتلبيسها بلبوس لغوي وتنظيري منمق وإظهارها بحُلة جديدة على شكل «هويات قومية مصطنعة» لا تغير من جوهرها الفارغ من أي سند علمي أو تاريخي أو أنثروبولوجي أو لغوي عند النظر المتحقق المستبصر في آلية تخليقها وبؤس تلافيفها وحناياها وإفرازاتها القيحية على المستوى الكوني.

 

د. مصعب قاسم عزاوي

 

 

اياد الزهيريقبل البدء في تناول أستخدام الدكتور الماجدي للأسطورة، يكون من المهم أن نعرج قليلآ الى تعريف ووظائف الأسطورة. لا شك هناك تعريفات كثيرة لكني أختار التعريف البسيط والشامل للأسطورة عند الباحث السوري فراس السواح، كما ورد في كتابه (الأسطورة والمعنى)، فالأسطورة كما يعرفها السواح بأنها "حكاية مقدسة، ذات مضمون عميق، يشف عن معاني ذات صلة بالكون والوجود وحياة الأنسان".

لابد للأسطورة من وظيفة برزت لأجلها، فهي كانت الأستجابه الأولى للأنسان الواعي، الذي بدأ يدرك ويحس فيما يحدث من حوله من أحداث وما يشاهده من ظواهر طبيعية هزته من الأعماق عن أسباب حدوثها ومن الذي يقف ورائها، وبسبب عدم وجود معطيات عما يشاهده من ظواهر، وبعدم توفر أدوات معرفية يستعين بها في معرفة أسباب ما يحدث، كانت أستجابته تتمركز على مخيلته البسيطه وعلى ما يمتلكه الذهن الأنساني من بعض القواعد العقلية المجبول عليها، والتي منها قاعدة السببية، من هذا المخيال، والمسلمات العقلية التي زُودت بها الطبيعة البشرية، أطلق الأنسان الأول العنان لمخيلته في محاولة لتوفير أجابات عن أسئلة ملحة تضغط بالأجابة عليه لكي تهدأ عليه روعه وتدخل الأطمئنان على قلبه والقناعة على عقله، من هنا وُضعت أُسس وبدايات الأسطورة، وهي التعبير الأول عن الوعي الأنساني عبر الشعور الواعي لمحيطه أنتقالآ الى التفكير الواعي كأستجابه واعية لهذا الشعور. لا أريد أن أطيل في معنى الأسطورة ووظيفتها التي وضعت لها، فهناك من الكتابات ما يغني في هذا المجال، ولكن من الضروري الأشارة الى بعض الوظائف الرئيسية للأسطورة والتي منها كمحاولة تفسير ما يحدث من ظواهر كونية أخافت وأدهشت الأنسان، محاولأً معرفة أسبابها، وما هي القوة التي تقف خلفها ؟ فالأساس هو أستفهامي، معرفي، فهي كانت بالحقيقة كمقدمة للتفكير الفلسفي، أوذلك التفكير الذي سبق التفكير الفلسفي، فالأسطورة أستخدمت الخيال والعاطفة، وشيء من العقلنة، في حين أستخدمت الفلسفة الأدوات العقلية والمعرفية، كما تُستعمل الأسطورة كأداة لترسيخ مفاهيم دينية معينة، وعندما أقول دينية أقصد فيه الدين بمعناه الشامل بما فيه الأديان منذ بداية الخليقه، كما توظف الأسطورة في صناعة رموز بطولية تعبر عن تاريخ الشعوب وظهور أمجادها مقابل الأقوام والشعوب الأخرى وخاصة المناوئة لها، ولاشك هناك أسباب أخرى كثيرة، ولكن ما أستوقفني هو أتجاه بعض الكتاب الذين تناولوا الأسطورة ووظفوها في دعم أو توهين أيديولوجيا معينه، وهذا ما لمسته في توجه الدكتور خزعل الماجدي من خلال كتابه (أنبياء سومريون)، حيث لمست منه توجه علماني متطرف يختزن قبليات لمفاهيم علمانية تسعى الى نسف الأديان السماوية عبر تأويل متعسف للأسطورة، من خلال تفسيرات لا عهد حتى لواضع الأسطورة بها، ومشحونة بالتلفيقات والتحويرات الغريبة والعجيبة، وهي تأويلات لا تمت للعلمية بصلة ولا للمنطق بوصال، فالرجل مخلص لعلمانيته البعثية، ومن شواهد أخلاصة هو نسف مرتكزات الأديان عن طريق ألحاق الأديان السماوية بمصاف الأساطير، حيث يقول في حوار مع خضير الزيدي أن الكتب المقدسة الحالية هي أمتداد لهذه الأساطير، الى أن يقول أن أغلب الأدب المؤسس للتوراة هو رافديني بالدرجة الأساس، الى أن يقول (فأذا علمنا أن نصوص التوراة هي أساس المسيحية والأسلام، أيضاً فبذلك تكون الأساطير ونصوص الرافدين هي أساس الأديان الموحدة كلها)، وأنا من خلال ما قرأته للدكتور الماجدي وما لمسته من تلفيقات، وجدته لا يبتعد كثيراً، بل يماثل ما يوظفه اليهود من أستخدام للأسطورة في تثبيت حقوق مزعومة، وهكذا أصبحت الأسطورة أداة لنسف أصول معتقدات، وتغير حقائق تاريخية لأغراض أيديولوجية وسياسية، حتى يبدو أن الماجدي يتلاعب بشكل مزاجي في تكوينات الأسطورة، حتى أدهشني بما يعبر عنه بما يسميه بالمرايا العاكسة، حيث كما يقول أن الاله دِموزي هو الاله دامو، وهو الاله آدابا، ولا أعرف من أعطاه هذا التخويل بنقل مهام كل اله الى آخر، بل وأدمج بضعة آلهه والتي هي دِموزي ودامو وننكشزيدا وآدابا في شخص آدم، حيث (تتماهى هذه الكائنات الأسطورية الأربع في بعضها وتنعكس أسماءها وصفاتها في مرايا متقابلة) أنبياء سومريون ص122 .

 أن هذا المبحث سيكون جزء من عدة أجزاء لبحث مطول قد يأخذ عدة أجزاء والذي سيكون أنشاء الله تحت عنوان (مزاعم التناص بين الأديان القديمه والأديان السماوية) ولكن هنا سيكون موضوعنا أسطورة الخلق السومري كموضوع لكشف تناقضات ومزاعم الدكتور خزعل الماجدي، ومدى علاقة التناص المزعومة مع التوراة والتي سيمتد بهذه التناصيه الى المسيحية والأسلام، ويحمل هذه الديانتين، وخاصة الأسلام وزر ترهات وتأويلات، وما حصل من عملية تناص قام بها الكهنوت اليهودي، حيث هم تقولوا على موسى من أقاويل وعلى نصه المقدس من سرديات اسطورية لا قِبل لدين موسى بها.

فقد أشرنا في المقدمة الى دوافع ظهور الأسطورة، والتي عبرت عن شوق الأنسان للمعرفة والنزوع لكشف كنه الحوادث وما يختفي وراءها، وبما أن الأنسان الأول كان خالي الوفاض من كل معرفة علمية، لذى أتجه الى تصوراته الغير واعية، وما تفيض به مشاعره من خيالات عن وكون يجهله، لذلك أخذ على عاتقه تفسير ما يرى على أساس الحدس وما يمتلكه من طاقة تخيلية كبيرة. وأنا لا بد أن أعطي الحق للأنسان الأول بها للجنوح في الخيال وذلك لقلة ما يتوفر له من معطيات وأدوات معرفيه ولكن الذي لا أستطيع قبوله هو أستخدام الدكتور الماجدي لخياله في أستنتاجات خلق آدم بالأضافة الى حواء التي جاءت من ضلعه كما يزعم والتي يدعي جذورها من اسطورة الخلق السومرية، في حين أن هذه النظرية هي توراتية ومن متبنيات وتأويلات حاخامات بني أسرائيل، وفي كتاب (أنبياء سومريون) يزعم الماجدي أن ما موجود بالتوراة هي فكرة سومرية أستلهمها كتاب التوراة بعملية تناص واضحة.

يمكننا أن نتطرق الى فحوى نظرية الخلق السومرية بأيجاز من خلال أسطورة الاله أنكي، كنموذج تلفيقي يتبناه الدكتور الماجدي، وكما هو معروف بأنه اله الماء الذي تزوج الآلهة ننخرساج، حيث تمخض هذا الزواج عن ولادة الآلهة (ننسار) وهي سيدة الخضار والنباتات التي تؤكل)، وعندما تكبر ننسار يضاجعها أبوها أنكي فيولد لهم الآلهة (ننمو) سيدة النباتات ذات الألياف، وهكذا تتكرر العملية مع حفيدته ننمو فينجب منها (أوتو)، وأخيراً يضاجع أنكي أتو فتنجب منه ثمانية أنواع من النباتات، وتدعي الأسطورة بأن هذه النباتات التي أُنجبت من نسل أنكي بمقام الهة، وأن أكلها محرم.

تسرد لنا الأسطورة بأن الاله أنكي أكل من هذه النباتات والذي أصبح مريض بسبب أكله لها وكان عدد الأمراض التي أصابته ثمان أمراض تتوزع على (الرأس، الشعر، الأنف، الفم، الحنجرة، الذراع، الضلع، المتون)، وهنا تقوم زوجة الاله أنكي الالهة ننخرساج التي عادت له بعد أن غضبت عليه وهجرته بواسطة الثعلب، بخلق ثمان آلهه، كل اله منها متخصص بمعالجة مرض من هذه الأمراض الثمانية، وفي النهاية يشفي أنكي من كل أمراضة بواسطة آلهة الطب الثمانية . الذي يهمنا بالأمر هو الاله ننتي التي تضطلع بتطبيب ضلع أنكي، والتي يطلق عليها كما هو مذكور في كتاب (أنبياء سومريون) سيدة الضلع أو السيدة التي تحيي (حواء) ص109، هنا محل القصد، وأنا أسأل الدكتور الماجدي كيف للآلهة التي خُلقت بواسطة ننخرساج لغرض تطبيب ضلع أنكي تتحول الى حواء، فهي لم تخلق وأنما تقوم بعملية التطبيب لا غير، وهي لم تخلق حسب الأسطورة من ضلع فكيف جوزت لنفسك أن تحمل الأسطورة السومرية فعلآ لم تدعيه هي، وأن أدعاء أن الالهة ننتي هي حواء من عندياتك، وهو فعل لا يقل عن تخريفات ما جاء به حاخامات بني أسرائيل في أدعاءاتهم بأن حواء هي من ضلع أدم، وهنا أحب أن أتوقف قليلاً عند هذه النقطة لأبين بُعد المقاربة وغياب التناص المزعوم بين الرواية التوراتية التي تدعي خلق حواء من ضلع آدم كما جاء في النص التوراتي في الفصل الثاني من سفر التكوين (فأوقع الرب الاله سباتاً على آدم فنام فأخذ واحدةً من أضلاعه ومَلأ مكانها لحماً)، كذلك (وبنى الرب الاله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها الى آدم)، فالأسطورة لم تذكر أن حواء جاءت من ضلع بل هو تأويل غير موفق من قبل الدكتور الماجدي،  وهو بالحقيقة تلفيق، وهذه أصبحت عادة يلجأ اليها البعض من الباحثين للخروج بنظرية يدعيها، وهذا بغير بعيد في عالم سرديات الأسطورة، فكما الأساطير حررتها أقلام نقلاً عن حكايات شفوية تناقلتها الأجيال عبر آلاف السنين تعرضت خلالها للتحريف والأضافة والطرح، وهذا أمر طبيعي جداً ونحن نرى اليوم أن الحوادث تُحرف بين ليله وَضحاها و فكيف بنقل سرديات بقت تتناقل على الشفاه للآلاف السنين، أما التأويلات التي حدثت عليها فحدث بلاحرج ولأسباب كثيرة تبدأ من أخطاء الترجمة الى أهداف يتوخاها الباحث لأسباب منها أيديولوجية على سبيل المثال . أن سبب نفي النظرية، بل أدعاء الدكتور خزعل الماجدي هو ما نصته الأسطوره السومرية نفسها، حيث تنص الأسطورة بأن الالهه الأم (نمو) أوصلت شكوى الالهة الصغار الذين عانوا من الأجهاد الشديد جراء ما منوط بهم من أعمال من قِبل الآلهة الكبار، وهذا ما دعى الأم نمو بأن تدعو أبنها أنكي الى خلق الأنسان ليساعدهم في تحمل الأعباء، ونورد هنا نصاً ذكره الدكتور خزعل في كتابه (أنبياء سومريون) في ص 112 نقلاً عن (رشيد 19:1981)

نهض الاله انكي على كلمات والدته الالهة نمو

الى أن يقول :

جلب الأيدي وصاغ صدره (أي صدر الأنسان).

فالاله أنكي حسب الأسطورة السومرية قرر شكل الأنسان وزرعه في رحم الالهه (ننماخ) وجعل هناك سبعه من الالاهات مساعدات لتوليدها، ثم يقيم الاله انكي حفلة ليريهم كيفية ولادة الأنسان وأُطلق على هذا الأنسان الأول (أومول)، وكما يقول الدكتور الماجدي في كتابه الآنف الذكر تعني هذه الكلمة (يومي بعيد) وهذا المعنى واللفظ لا علاقة له بآدم لا لفظاً ولا معنى، لا من قريب ولا من بعيد. أن خلاصة هذه الأسطورة تتلخص بأن الأنسان هو من صنع الاله أنكي،  وقد ولد من قبل الالهه ننماخ، وهذا ما يتعارض تماماً مع تأويل الدكتور الخزعلي، لأن وحسب الأسطورة أن عملية الولادة أستمرت وأتت بولادات جديدة ذكور وأناث ولم يرد للضلع أي ذكر بأنه أصل حواء، بل حواء واحده ممن ولدتهن ننماخ، كما يتضح من سياق الأسطورة.

ننتقل الى تأويل آخر من تأويلات الدكتور خزعل الماجدي والذي يخص أدم بعد أن بينا بأن الأسطورة السومرية لم تتبنى حكاية أن حواء جاءت من ضلع انكي وانما الاله ننتي هو مداوي للضلع فقط لا غير. ينقل لنا الدكتور خزعل الماجدي أسطورة أخرى عن البشر الأوائل، والتي تحكي بأن الاله أنكي الذي هو أقرب ما يكون للبشر، حتى يقول عنه في ص 115 كان بمنزلة الأب للبشر . هذا الاله السومري كان له أربعة أولاد هم ( دِموزي، دامو، ننكشزيدا، آدابا)، ودِموزي هو محور نقاشنا بأعتباره هو المزعوم الأول لأدام، في حين أن دِموزي هو اله الرعي والخصوبة، وهو زوج اللالهة انانا والذين هم أبطال أسطورة الحب الشهيرة، هذه الأسطورة يمكن أن نلخصها بأختصار شديد بأن دِموزي تزوج بأنانا وأصبحوا حبيبين، ولكن حين غابت انانا في رحلة الى العالم السفلي، وعندما رجعت شعرت بأن دِموزي لم يكترث بها فغضبت عليه وعاقبته وذلك بأنزاله الى العالم السفلي، ولكنه تضرع أليها وتوسط أبيه أنكي فعطفت عليه وأرجعته الى العالم العلوي، هذا النزول كان لمدة ستة أشهر فكان يمثل الشتاء والخريف من فصول السنه، حيث الجفاف والقحط، أما خروجه الى العالم العلوي فكان يمثل فصل الصيف والربيع، حيث الزرع والثمار وأشراقة الزهور. تؤكد الأسطورة هنا دور الاله دِموزي بأنه اله الفصول، والحب، وهو كبقية الالهه القديمه حيث كل اله متخصص بشيء معين، فهناك اله للشمس واله للقمر واله للفصول واله للماء واله للحِرف واله للنبات واله للحيوانات وهكذا، والسؤال من أين جاء بنظرية أن دِموزي هو آدم، وهو أدعاء أراه بلا دليل لأن الأسطورة صنفته كأله، وأن أدعاء الدكتور خزعل بأن كلمة (دِمو) قريبة من كلمة آدم معتمداً على مقاربات أشتقاق الكلمة، وهي مقاربه لا يمكن الركون أليها، وخاصة أن فحوى الأسطورة تُشير الى شيء آخر، وأن دكتور خزعل أشار في كتابه الى أن معنى دِموزي تعني باللغه السومرية الأبن البار أو الأبن الشرعي، وهذا لا علاقة له بالمعنى الأول، كما أن الرجل وقع في تناقض آخر الا وهو أدعاءه بأن دِموزي يمثله ملك أورك في الأحتفال السنوي لكي يبرر سلطانه وصلته بالآلهة، وهذا يتنافي وآدمية دِموزي الذي أدعاها الماجدي لأن دِموزي هنا بموقع اله يضفي الشرعية على الملوك، وأن صفة الألوهية قد أكدها الدكتور خزعل في كتابه (أنبياء سومريون ص118)، وفي مكان آخر يغير رأيه الماجدي ويدعي أن دِموزي يمثل ملك الزواج المقدس أكثر مما يمثل ملك حقيقي، وفي مكان آخر يدعي الماجدي أن الاله دامو أبن أنكي وأخو دِموزي هو نفسه دِموزي الذي تحول الى أنسان، في حين يُشير في ص 119 أن دامو هو اله الطب والشفاء، وهو أبن للآلهة (نن – سينا) آلة الشفاء وهذا بالحقيقة يظهر مدى تخبط الدكتور خزعل، ولكنه يحاول تلافي هذا التخبط نراه يذهب الى خلق توليفه لأربع آلهه وهم ( دِموزي، دامو، ننكزيدا، آدابا) وهم أبناء أنكي، محاولاً دمجهم في شخصية واحده هي آدم، حيث يبرر هذا التماهي لهذه الشخصيات الأربعة بشخصية واحدة بأنه أمر مألوف في عالم الأساطير (أنبياء سومريونص122)، وهذا معناه أنه يفتح المجال واسعاً لتبرير كل التفاسير والتأويلات التي يدعيها الكاتب، ولكن أنا كقاريء أسأل الدكتور خزعل ياليت شعري ما الصحيح، فهل آدم الخليط من أكثر من اله، هل هو اله؟ أم أنسان؟ أم رمز ملكي للزواج المقدس؟ أم هو يمثل الخصوبة والعشق والرعي والفصول الأربعة؟ أم هو شخصية أسطورية ؟ لا تمت للواقع بصلة، وأنما هو محض خيال صنعه أنسان ذلك الزمن القديم كأستجابه لهاجس البحث عن الحقيقة . من كل ما ذكره الدكتور خزعل الماجدي من أدوار لدِموزي لا تقترب من الفكرة التي جاءت بها التوراة، وهي فكرة الخلق المباشر من الله والتي تمثل أرادة الخلق الألهية، ومن هنا يتضح لنا أن الدكتور خزعل لم يفلح بدراسته من أيجاد مقاربه ولو في أدنى مستويات المقاربه فيما يخص فكرة خلق آدم، وكذلك حواء، وأن ما سطره من تأويلات لم يكون الا بوحي ما يحمله من قبليات ومباديء أيديولوجية علمانية متطرفة، لأن أفكاره تتسم بأستعمال أساليب وأدوات قسرية وتعسفية في تفسيراته للأساطير، ولا أستبعد من أن هناك حس واضح يقف وراءه دافعاً أيدلوجياً، لا دافعاً علمياً محضاً . كما أني لم أقصد في مقولتي هذه أن أدافع عن التوراة لأن التوراة في نظري هي الأخرى من تأويلات وبنات أفكار حاخامات بني أسرائيل، ولكني أردت أن أفك الأشباك بينها وبين الأسطورة السومرية، وفي الوقت نفسه لا يمكنني أن أنفي أن هناك تناصاً قد حصل في كتابة التوراة من مصادر أخرى، ولكن كان للحاخامات دوراً وئيسياً في تحريره، وخاصه كتب اليهود من أمثال (الترجوم والمشنا، التلمود والآجادا، الكابالا والمدراش...) وهي كتب لعبت مخيلة الحلخامات دوراً رئيسياً في تحريرها، ولو تطرقنا الى ما سطره كتاب الهجادا في شرحة لخلق الأنسان، والذي يتلخص ببعث الله للملاك جبرائيل بأن يأتي بطين من زوايا الأرض الأربعة، وحينئذ أمتنعت الأرض فأصبحت ملعونة، مما حدى بالله بأن يمد يده الى الأرض ويأخذ طين من جوانبها الأربعة ويخلقه وينفخ به من روحه، وهذه الفكرة هي الأخرى لا تتفق لا من قريب ولا من بعيد مع فكرة الأسطورة السومرية في نظرية الخلق، ما عدى مقاربه صغيره في النص الذي ينقل بأن الاله أنكي صنع الأنسان من طين، ولكن بسيناريو مختلف، ولعل التوراتيون وأصحاب الأسطورة السومرية أعتمدوا على فكره سابقه لهم ذات مصدر توحيدي، بأعتبار أن هناك أنبياء سبقوا السومريون والتوراتيون بألاف آلاف السنين، وأخيراً يبقى موضوع التناص بين الأديان الوضعية القديمة والأديان السماوية فيه الكثير من المزاعم والأقاويل التي لا تصمد أمام البحوث العلمية الرصينة ولنا أنشاء الله دراسات أخرى في هذا المجال نبين فيه مزاعم التناص.

 

أياد الزهيري 

 

محمد بنيعيشأولا: الحصار العازل ومسلك الظالم في مقاومة دعوة العادل

يقول ابن إسحق:"فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله قد نزلوا بلدا – أي الحبشة-أصابوا به أمنا وقرارا، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم،  وأن عمر قد أسلم فكان هو وحمزة بن عبد المطلب مع رسول الله وأصحابه، وجعل الإسلام يفشو في القبائل، اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني المطلب على أن لا ينكحوا إليهم، ولا ينكحوهم،  ولا يبيعوهم شيئا، ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذالك كتبوا في صحيفة، ثم تعاهدوا وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيدا على أنفسهم"1.

إن اللجوء إلى  الحصار  بهذا الشكل الشامل والمتحامل لهو عبارة عن مظاهر الانهزام والخوف من الآخر، خوف معنوي وعقدي بالدرجة الأولى، وخوف على المصالح ثانية، إذ المعنى لا حدود له ولا سد، لأنه مثل الماء أو الهواء يتسرب سريعا ويخترق المنافذ بقوة نفاذه كلما وجد وليجة ولو على قدر ذرة وأنملة، ولهذا فقد يقال: إن للعلم طغيانا مثل طغيان الماء،  حيث التيار الجارف والداهم لكل المراصد والمواقف.

وهنا تتجلى غباوة وبلادة قريش في اللجوء إلى هذا الإجراء والأسلوب من المحاربة والمعاداة للنبي s ودعوته وأصحابه، وذلك حينما طغى على مخهم هذا التصور المادي للصراع العقدي الذي يختلف كليا عن باقي الصراعات والمنافسات الإنسانية والاجتماعية، فكان حينئذ لديهم الإسقاط ثم السقوط،  فجاءت النتائج على العكس تماما مما كانوا يتوقعونه أو يصبون للوصول إليه، لأن الحصار كان قد بني على مظلمة منع حق الآخر في اختيار العقيدة الصحيحة  بمقاومتها بالفاسدة، وهذا سيؤدي حتما إلى صمود الحق وأهله بالثبات في مواجهة الباطل ومكوث الماء الزلال في دحر الزبد الزائل..." فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ"2.

وحينما شعرت قريش ومن معها بعقمهم وسقمهم العقدي والمعنوي المدقع لجئوا إلى إسقاطه على التوهم المادي وتوظيف زيف الدنانير في محاربة ومعاكسة اللآلئ والجواهر، جواهر الإيمان وصفاء القلوب ذات الروابط المتينة، وذلك بالعمل على رفع أثمان السوق لإخضاع المؤمنين وتركيعهم بذريعة الحاجة والضرورة حتى  يتخلوا عن عقائدهم ومبادئهم الراسخة التي لا تهزها الزلازل وتذؤبات الرياح، بل الجبال هي التي تخشع لها وتتصدع لما في قلوبهم من تجليات إلهية وأسماء حسنى قد تحققوا بها وتحلوا تخلقا وتذوقا.

فكان من بين نتائج هذا الحصار الظالم على سبيل الإيجاز لا التفصيل كما يقول الدكتو ر محمد علي الصلابي:

"أ- كانت حادثة المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية  سببا في خدمة الدعوة والدعاية لها بين قبائل العرب، فقد ذاع في كل القبائل العربية من خلال موسم الحج ولفت أنظار جميع الجزيرة العربية إلى هذه الدعوة التي يتحمل صاحبها وأصحابه الجوع  والعطش والعزلة لكل هذا الوقت، وأثار ذلك في نفوسهم أن هذه الدعوة حق ولولا ذلك لما تحمل صاحب الرسالة وأصحابه كل هذا الأذى والعذاب.

ب - أثار هذا الحصار سخط العرب على كفار مكة، لقسوتهم على بني هاشم وبني المطلب،  كما أثار عطفهم على النبي s، وحتى ذاع أمر هذه الدعوة وتردد صداها في كل بلاد العرب، وحتى ارتد سلاح الحصار الاقتصادي  على أصحابه، وكان عاملا قويا من عوامل انتشار  الدعوة الإسلامية عكس ما أراد زعماء الشرك تماما".

ثم يضيف كاستنتاج أخير وعبرة للأمة:

"على كل شعب في أي وقت، يسعى لتطبيق شرع الله عز وجل أن يضع في حسبانه احتمالات الحصار والمقاطعة من أهل الباطل، فالكفر ملة واحدة، فعلى قادة الأمة  الإسلامية تهيئة أنفسهم وأتباعهم لمثل هذه الظروف وعليهم وضع الحلول المناسبة كي تتمكن الأمة من الصمود في وجه أي نوع من أنواع الحصار"3.

ثانيا: الحصار العازل والمراهنة على الثبات والحل العادل

لا أريد أن أدخل في تفاصيل هذا الحصار  وحساباته الزمنية والمكانية وخسائره الصحية والنفسية وكذا المالية والنقدية، إذ النتائج معروفة ومألوفة في مثل هذه الحالة، فهذا تمثل إنساني نابع من حس مشترك وطبيعة بشرية عادية، وذلك لاعتماده على مظهري السلم والحرب والعدل والظلم وصراع الظالم والمظلوم والحق والباطل .

ولا نجد أدق وأجمل مما تم تلخيصه في كتب السيرة المعتمدة وعلى هذه الصيغة التالية: "فجهد النبي s جهدا شديدا في هذه الأعوام الثلاثة واشتد عليهم البلاء، وفي الصحيح، أنهم جهدوا حتى كانوا يأكلون الخبط وورق الشجر، وذكر السهيلي أنهم كانوا إذا قدمت العير مكة، يأتي أحد أصحاب رسول اللهsإلى السوق ليشتري شيئا من الطعام يقتاته لأهله فيقوم أبو لهب فيقول:يا معشر  التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا شيئا معكم، فيزيدون عليهم في السلعة قيمتها أضعافا، حتى يرجع إلى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع وليس في يده شيء يعيلهم به"4.

فما أشبه الأمس باليوم، وقُتل الإنسان ما أكفره وألأمه !كفر بالنعمة وكفر بالدين وكفر بالإنسانية وحسها المشترك، وذلك حينما تقوم دول بحصار  أخرى والمزايدة والمناقصة على أثمان السوق و اللعب بالإنتاج  أو احتكاره لأسباب سياسية،  وتحت طائل العقوبات الاقتصادية ومنع التموين عن شعوب بأكملها والتسبب في نقص التغذية وسوئها مع سبق الإصرار والترصد، ووضعها في سجن جماعي وأسر  من أجل الموت حصرا كما كان يصطلح عليه قديما!

إنها لجاهلية مسترسلة ومكررة ما زالت تتوهم أن العنصر المادي كفيل بأن يهدم العقيدة والمبادئ  عن طريق الإذلال والإفقار والإرهاب، ولكن هيهات هيهات! وخاصة لدى أصحاب الحق المبين وذوي العزائم من الرجال وشوامخ الأمم.

فلقد كان بإمكان رسول الله s أن يغادر مكة ويهاجر إلى الحبشة حيث الرخاء السخاء  والأمن والعافية  والتكريم والتسليم، والحماية والعناية، ولكن هيهات هيهات !إنه لَلأمين سيد الأمناء، أمين على المبادئ  وعلى الثوابت والروابط، وأمين على القومية العربية والعشيرة  بالجزيرة حيث لا يبغي بها بديلا ولا يطلب من غيرها نصيرا إلا من باب التنفيس المؤقت كما أمر به أصحابه لا نفسه بالذهاب إلى الحبشة ثم العودة إلى الوطن الأم، وأمين على الأرواح قبل الأجساد، ثم أمين على سيادة النموذج  بضرب المثال في التضحية والقدوة الحسنة.

هذه القدوة سيكون الحال فيها مشتركا بين المسلم والكافر  في معترك وخندق واحد حينما تصبح المبادئ والروابط الإنسانية المجردة مهددة بالتدمير والإفناء، إذ العصبية والمصالح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مسألة غريزية ومتداولة بين البشر، أرادوا أم لم يريدوا، نسقوا  أم تسابقوا، تواعدوا أم تباعدوا...

وهنا يكمن سر التدافع البشري في وجود التحالفات التي تقوم بين الأمم حينما تطغى أخرى قوية على ضعيفة كما هو الشأن بحرب الفجور  ومواجهتها بحلف الفضول، سبق وبينا خصائص هذا في مرقى: نور الأمين ومقدمات إسعاد العالمين.

إن عناد الكفار واستمراءهم للحصار ومضيهم قدما في التعنت لم يكن ليردعهم عنه رادع، نفسيا كان أو اجتماعيا وقوميا،  وهذا ما قد يمثل مظهرا جليا من مظاهر السادية المريضة والمتجلية في سلوك الإنسان حينما يفقد حسه المشترك ويتحول الألم شذوذا لديه إلى لذة سوداء كالحة، استلذاذ بعذاب الآخر من جنسه وعشيرته وعرقه ودمه، بينما في الحقيقة يكون صاحب هذا السلوك لا يعذب إلا نفسه لأنه محجوب عن الحق والحق ليس بمحجوب عن أحد "إذ لو حجبه شيء لكان له ساتر وكل ساتر لشيء فهو له قاهر  وهو القاهر فوق عباده"بتعبير حكمة ابن عطاء الله السكندري.

وحيث إن الأمر هنا قد وصل إلى باب مسدود إطباقا وحصل  الاضطرار الكلي لدى الطرف الآخر  المحاصر فإن الله تعالى وهو الحق العدل الذي يجيب، قطعا،  المضطر إذا دعاه سيكون تدخله المباشر بالمعجزة لا غير،  إذ المعجزة هنا قد تكون فعاليتها حاسمة حينما تتوقف آلة التفكير عن العمل والقلوب عن ضخ الماء في شريان الحياة والشعور، وبعدما تطمس أدوات المعرفة والتبصر لدى الإنسان بأهواء النفوس وأمراضها السرطانية الشيطانية التي تفقدها كل شعور بإنسانيتها فيحدث الختم والطبع ويسود الصم البكم العمي.

هذه المعجزة قد جاءت على شكل تقديس للاسم الحق الضامن لكل المواثيق والعهود،  والذي به قامت السموات والأرض وخضعت له وأطاعت، إنه الاسم الذي يتم به التصريف والتكليف وبه تشتد وتنحل العقد .

فلقد كان "باسمك اللهم" الإخضاع التام لمشركي قريش بالرغم من شدة المعارضة لديهم لدين الله تعالى ووحيه ولرسولهs، إلا أنهم قد خضعوا هذه المرة ولنفس هذا الوحي الذي كانوا يعارضونه عند اللحظة الأخيرة ويؤذون رسوله الكريم بالقول والفعل .

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

........................

1- ابن هشام: سيرة النبي ج1ص372

2- سورة الرعد آية 17

3- محمد علي الصلابي: السيرة النبوية، عرض وقائع وتحليل أحداث، دار المعرفة بيروت ص186-187

4- محمد سعيد رمضان البوطي:فقه السيرة ص118

 

 

جواد بشارةلمن نكتب ولماذا؟ من سيقرأ ومن سيستفيد مما نكتب وننشر بعد تعب ومعاناة في البحث الدؤوب والتبويب والقراءة والمتابعة وتتبع المحاضرات العلمية والتجارب العلمية في مختلف أنحاء العالم وبمختلف اللغات؟ فكرت مع نفسي بأنه لولا الأبحاث والنظريات العلمية لما تطور البشر وتطورت التكنولوجيا التي نتمتع بها اليوم. هذا هو المنطق، المتحالف مع مجموعة من البديهيات، وهو الذي يوجه الإبداع البشري؛ وبالتالي يمكننا من التلاعب بالأفكار ودمجها لكشف الحقائق الأبدية. ولكن بعد أن اطلعت على تحفة برايان غرين الأخيرة وهي كتابه " حتى نهاية الزمان، مكاننا في هذا الكون" بدا لي أنه علي أن أستمر وأواصل مهمتي، كما يتعين علي الحديث عما جاء في هذا الكتاب الذي نشره قبل أشهر قليلة عالم الفيزياء المشهور عالميًا برايان غرين Brian Greene، وهو أيضاَ مؤلف كتاب الكون الأنيق الأكثر مبيعًا، وكتاب  نسيج الكون The Elegant Universe and The Fabric of the Cosmos، وهو استكشاف آسر للزمن العميق، وبحث البشرية عن هدف في كل من الزمان والمكان، في هذا الكون الشاسع بشكل مذهل، ومع ذلك تحكمه قوانين رياضياتية عالمية بسيطة وأنيقة. في هذا الجدول الزمني الكوني، نجد أن عصرنا البشري مذهل ولكنه عابر. فنحن نعلم أننا سنموت جميعًا في يوم من الأيام،. ونعلم أن الكون المرئي نفسه كذلك سيموت وينتهي.  كتاب حتى نهاية الزمان وموقعنا في هذا الكون هو الانتاج الجديد المذهل عن الكون وسعينا لفهمه وقد تحدثت عنه باسهاب في أحد هذه الكتب الثلاثة. يأخذنا غرين في رحلة عبر الزمن، من فهمنا الأكثر دقة لبداية الكون، ثم يستكشف كيف نشأت الحياة والعقل والوعي من الفوضى الأولية أو حالة الشواش البدئية، وكيف أن عقولنا، في إدراك عدم ثباتها، تسعى بطرق مختلفة لإعطاء معنى لتجربة الحياة في الكون: من خلال القصة، والأسطورة، والدين، والتعبير الإبداعي، والعلم، والسعي إلى الحقيقة، واشتياقنا إلى الأبدية أو الخلود. ومن خلال سلسلة من القصص المتداخلة التي تشرح طبقات متميزة ولكنها متشابكة من الواقع - من ميكانيكا الكموم إلى الوعي مروراً بالثقوب السوداء - يزودنا غرين بإحساس أوضح عن كيف أصبحنا، وصورة أدق لما نحن عليه الآن، وفهم أقوى لما نتجه إليه. ومع ذلك، فإن كل هذا الفهم، الذي نشأ مع ظهور الحياة، سوف يتلاشى مع نهايتها. وهو ما يترك لنا إدراكًا واحدًا: خلال لحظتنا القصيرة تحت الشمس، نحن مكلفون بمهمة إيجاد المعنى الخاص بنا.

سأكرس ما تبقى عندي من عمر وطاقة لمحاولة التقاط لمحة من السمو في هذا الكون الكلي، وليس فقط الكوني المرئي الذي لايتعدى كونه جسيماً صغيراً في بنية وسيرورة وتكوين الكون المطلق اللامتناهي، بحثاً عن حقيقته المتعالية والمتسامية. ولكن يتعين أولاً المرور بأوليات المعرفة العلمية من خلال نوع من البديهيات، مثل تلك التي يعتمد عليها حساب التفاضل والتكامل متناهية الصغر أو الهندسة الإقليدية، أي نفس التخصصات التي غيرت فهمنا للفيزياء والرياضيات. الجنس البشري واع بحقيقته ووواعي بعجزه وقصوره ومع ذلك فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف الموت ويدرك أنه سيموت. كل البشر يتقدمون في العمر، ولكن وعيهم يقتصر تمامًا على اللحظة الحالية، والتي يجب أن تكون ممتدة لكي يظهروا أبديين "، وهذه المعرفة تغرس" الخوف من الموت الذي هو في الأساس صفة بشرية. وإن كل دين، وكل بحث علمي، وكل فلسفة تنطلق من هذا الخوف". فنحن أسرى الثالوث المحير" الله الدين العلم"

الثالوث المحير: الله الدين العلم

منذ فجر البشرية وإلى يوم الناس هذا كان هذا الثالوث يثير الخوف والخشية، وفيه طرفين يدعيان امتلاك الحقيقة المطلقة بينما يعمل الثالث على اكتشاف الحقيقة النسبية القابلة للتغيير والتطور كلما تقدمت التكنولوجيا والنظريات العلمية. ولكن هل توجد حقاً " حقيقة مطلقة؟" فالإله يأخذ أشكالاً وتعاريف وماهيات وصفات مختلفة من طرف لآخر، ولا ندري إن كان موجود حقاً أم هو مجرد فرضية أو ضرورة سيكولوجية أوردتها الأديان والمعتقدات البشرية وعزتها لذات متعالية متسامية أسمتها الله، وبكل لغات الأرض. أما الدين فقصته أكثر غموضاً وخطورة. فلقد حكم وسير سلوك البشر وما يزال منذ آلاف السنين، وأوجد مؤسسات دينية أفرزت كافة أنواع الشرور والعنف والحروب والبطش والقتل الوحشي والتكفير والسيطرة على عقول البشر بإسم الإله أو الرب أو الله، أما الطرف الثالث فهو ما يزال يحبو ويجرب، يفشل هنا وينجح هناك، على نحو نسبي، ويسعى إلى تحسين الوعي البشري والبحث عن أجوبة للأسئلة الكبرى التي تطرحها الإنسانية على نفسها. عن الأصل والمصير، عن المستقبل والمآل الذي ينتظر البشرية، ويبقى صعباً على الإدراك والفهم العام فيما عدا نخبة قليلة من العلماء، ويواجه دوماً جملة من التحديات والظواهر التي يعجز عن فهمها وتفسيرها ومنها أصل الحياة وسرها. ما معنى الحياة؟ أو ما معنى وجودنا بشكلٍ عام؟ من الوهلة الأولى يبدو أنه سؤال ينتمي إلى حقل الفلسفة والدين والفكر المجرد، ولا علاقة له بالعلم. لكن الكثير من موضوعات الفلسفة والدين صارت تقع الآن تحت طائلة العلم، وبالأخص علم الفيزياء. بغية  الغوص في هذه الأقانيم المجهولة لإيقاد شمعة في ظلمة الوجود.

وفي هذاالسياق صدر في باريس في 15 أكتوبر كتاب حمل عنوان "الله والعلم الأدلة أو البراهين" فجر ثورة جديدة أو الله والعلم والبراهين العلمية على وجوده بقلم ميشيل إيف بولوريه، أوليفر بونسيس. حيث يتساءل المؤلفان ماذا لو وجد الله؟ هل يمكن تقديم الدليل بالعلم لهذا السؤال؟ لطالما كانت مسألة وجود الله في مواجهة العلم موضوع نقاش: هل يوجد إله خالق؟ لقد تغير موقف العلماء بشكل كبير خلال المائة عام الماضية. ما هي الدروس المستفادة من أحدث الاكتشافات الحديثة وكيف تؤثر على هذا الموضوع؟ في كتابهم "الله، العلم، الدليل العلمي: فجر الثورة الجديدة"، أجرى ميشيل إيف بولوري وأوليفييه بوناسيس تحقيقًا علميًا لأكثر من ثلاث سنوات بناءً على شهادة أعظم علماء الكوكب والتاريخ التي ساعدتهم في توضيح ذلك. طرحوا أسئلة أساسية وجوهرية. للحصول على أجوبة تسمح لهم بالحصول على جميع العناصر لتقرير ما يريدون لقرائهم أن يؤمنوا به، بحرية كاملة وبطريقة مستنيرة. نشأة هذا المشروع العلمي كانت جذابة، ولقد حصلوا على حليف جديد لــ الله وهو العلم فهل حقاً تمكنوا من ذلك كما يدعون؟ لما يقرب من أربعة قرون، أعطت الاكتشافات العلمية الانطباع بأنه من الممكن تفسير الكون دون الحاجة إلى إله خالق. ولكن بشكل غير متوقع، جاءت الاكتشافات العلمية للقرن العشرين لنسف هذه الحقائق اليقينية كما يدعي المؤلفان. وبلغة سهلة ومتاحة للجميع، تتبع هذا الكتاب بطريقة رائعة تاريخ هذه التطورات وقدم بانوراما صارمة للأدلة الجديدة على وجود الله.

في نهاية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، هل من الممكن الإيمان بإله خالق؟ دعوة للتأمل والنقاش. أطلقها اثنان من المؤلفين الفرنسيين المتحمسين المتشاركين في تألبف كتاب "الله، العلم، الدلائل"، أوليفييه بوناسي وميشيل إيف بولوريه وهما متحمسان للعلم. لقد أمضوا ثلاث سنوات في جمع المعلومات من الباحثين والعلماء لتزويدنا بمجموعة من الأدلة على وجود إله خالق. الكاتب ميشيل إيف بولوريه مهندس كمبيوتر، وماجستير في العلوم ودكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة باريس دوفين. من عام 1981 إلى عام 1990، شارك مع شقيقه في إدارة مجموعة Bolloré، التي ترأس الفرع الصناعي منها. في عام 1990، أسس مجموعته الخاصة الإنطلاقة الفرنسية France-Essor، التي يتركز نشاطها بشكل أساسي على الصناعة الميكانيكية. الكاتب أوليفييه بوناسيس هو طالب سابق في مدرسة البوليتكنيك (X86)، وتخرج من معهد بدء الأعمال HEC والمعهد الكاثوليكي في باريس وحصل على شهادة أو (إجازة في اللاهوت). وهو رجل أعمال، أنشأ العديد من الشركات. كان غير مؤمن حتى سن العشرين، وقد ألف حوالي 20 كتابًا ومقطع فيديو وبعض العروض والنصوص والمقالات والنشرات الإخبارية والمواقع الإلكترونية حول مواضيع تتعلق غالبًا بعقلانية الإيمان. وانضم إليهما عدد من الخبراء والعلماء من مختلف الاختصاصات، منهم  روبرت ويلسون الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1978 لاكتشافه إشعاع الخلفية الكونية، إيف دوبونت نورمالين،متخصص agrégé في الفيزياء، دكتوراه في الفيزياء النظرية، أستاذ في كلية ستانيسلاس في باريس جان ستون مؤسس ومؤلف جامعة باريس متعددة التخصصات (IUP) فيلسوف ومؤلف، انطوان سواريز فيزيائي وفيلسوف متخصص في ميكانيكا الكم، مايكل دينتون عالم الكيمياء الحيوية، عالم الوراثة الطبية، أستاذ سابق في جامعة أوتاغو، جان روبرت أرموغاثي نورمالين، قسيس سابق لـ ENS Ulm، أستاذ مشارك في الأدب، دكتوراه في الفلسفة، فابيان ريفول عالم أحياء، دكتور في الفلسفة واللاهوت وباحث، دكتور خوسيه إدواردو فرانكو من معهد البوليتكنيك متخصص في نظرية المعرفة للعلوم ولكن أيضًا، أنييس بولوت، مارك جودينو، جان فرانسوا لامبرت، جان ميشيل أوليفيرو، بيير بيرييه، ريمي سينتيس، الشقيقين التوأمين إيغور وغريشكا بوغدانوف صاحبي كتاب الله والعلم الحديث والعديد من كتب الفيزياء المهمة، فنسنت بيرليزوت، دكتور جواو ديوغو لوريرو، هيلينا جيسوس، فريديريك جيلود، ريتشارد باستيان، كريستوف ريكو، تشارلز ماير .. ثلاث سنوات من العمل مع عشرين عالمًا واختصاصيًا رفيعي المستوى: ومع كل هذا الجهد يدعي المؤلفان أننا يمكن نتأمل ونعيد النظر في قناعاتنا السابقة هنا حيث تكشف البراهين الحديثة على وجود الله كما يقولان. لما يقرب من أربعة قرون، من كوبرنيكوس إلى فرويد مرورا بغاليليو وداروين، تراكمت الاكتشافات العلمية بطريقة مذهلة، مما أعطى الانطباع بأنه من الممكن شرح الكون دون حاجة إلى اللجوء إلى إله خالق. وهكذا في مطلع القرن العشرين انتصرت المادية فكريا. ولكن وبشكل غير متوقع كما كان مفاجئًا، تأرجح البندول العلمي في الاتجاه الآخر بقوة لا تصدق. إن اكتشافات النسبية، وميكانيكا الكموم، وتوسع الكون، وموته الحراري، والانفجار العظيم، والضبط الدقيق للكون أو تعقيد الكائنات الحية قد اتبعت بعضها البعض كتطورات علمية ونظريات رصينة. لقد أتت هذه المعرفة الجديدة لتنشيط اليقينات الراسخة في الروح الجماعية للقرن العشرين، إلى الحد الذي يمكننا فيه القول اليوم إن العقيدة المادية، التي لم تكن أبدًا مجرد اعتقاد مثل أي اعتقاد آخر، في طريقها إلى أن تصبح غير عقلانية. وبلغة في متناول الجميع، يقدم مؤلفا هذا الكتاب استرجاعًا رائعًا للترحيب بتاريخ هذه التطورات ويقدمان بانوراما صارمة من البراهين الجديدة على وجود الله. فمع بزوغ فجر القرن العشرين، بدا أن الإيمان بإله خالق يتعارض مع العلم. واليوم، أليس العكس هو الذي سيسود؟ هكذا يتساءلان. إنها دعوة للتأمل والنقاش. يقول مثل فرنسي "القليل من العلم يأخذ المرء بعيدًا عن الله، ولكن الكثير منه يعيده إليه": كان من الممكن أن يكون هذا القول المأثور بمثابة شعار مبالغ به في تسويق هذا الكتاب الذي طرح في المكتبات الباريسية يوم 13 أكتوبر. "الحدث" ليس قوياً للغاية: بيد أن هذا "الكتاب يزعج وقد يزعزع اليقينات لدينا"، كما جاء في العنوان الرئيسي لمجلة Le Figaro، التي خصصت له "الصفحة الأولى". وهكذا فإن الحقائق التي اهتزت باتت قديمة وأصيبت بالشيخوخة: فهي تعود إلى العلموية وبدايات الرؤية المادية، التي استمرت في النمو من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر. من كوبرنيكوس إلى فرويد مروراً بغاليليو ولابلاس وداروين وماركس، وكما قلنا، وضع تطور العلوم مسألة وجود الله بين قوسين: "لست بحاجة إلى هذه الفرضية"، قالها لابلاس لنابليون عندما قدم له كتابه عن الكون وسأله الامبراطور " وأين الله في عرضك هذا؟". اعتمد تيار الفكر المادي الإلحادي على النجاحات العلمية لممارسة الهيمنة المتزايدة في الغرب، ولا يزال حتى يومنا هذا مع ما بعد الإنسانية، التي تدعي ضمان خلاص البشرية من خلال العلوم التقنية. ولكن الآن تم هدم هذه العلموية، التي نصبت نفسها بنفسها حارسة لمنارة الحقيقة العلمية... وبالعلم نفسه! لقد حدث هذا التحول خلال القرن العشرين، مع سلسلة من التطورات الهائلة: اكتشافات الديناميكا الحرارية، والنظرية النسبية، وميكانيكا الكم، ونظرية الانفجار العظيم المدعومة بنظرية تمدد الكون وموته الحراري الحتمي، ولكن أيضًا من خلال ملاحظات البراعة المذهلة لـ "التعديل" الذي ساد ظهور الكون وظهور الذرات والنجوم والحياة على الأرض. تأخذنا هذه الملحمة العلمية المذهلة سنوات ضوئية بعيدًا عن المادية الساذجة التي لا تزال تتخلل عقول الناس. لصالح أكبر عدد من الحجج والمبررات، من الصعب متابعة التطور الاستثنائي للعلوم في نطاقي اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبير، وفهم مسارها من منظور اصطناعي. هذا هو بالتحديد التحدي الذي واجهه مؤلفا هذه الأطروحة، أي: التوفيق بين إمكانية الوصول إلى جمهور كبير، عبر تبسيط المفاهيم، واحترام الدقة العلمية، خلال دراسة استقصائية طويلة أجريت مع حوالي عشرين متخصصًا. بدءاً من روبرت وودرو ويلسون، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1978 والمكتشف المشارك لإشعاع الخلفية الكونية، وهي الصدى البعيد للانفجار العظيم الذي حدث قبل 13.8 مليار سنة). ولم يكن رهانهما، فقط فكريًا بل وجوديًا، من يمكنه أن ينافس مسألة وجود الله؟ بعد وضع هذا الأخير بين قوسين وإلغائه بواسطة النزعة العلمانية "العالمية"، يشرح الكتاب سبب عودة هذا السؤال إلى حيز النقاش مع الثورة المفاهيمية في القرنين العشرين والحادي والعشرين. لأن جميع الاكتشافات الحديثة المحدثة تتبع مسارات تتلاقى نحو استنتاجات ساحقة. يمكننا تلخيص كل هذا بالقول إنه بينما قبل قرن ونيف من الزمن تم إقناع جميع العلماء بالرؤية المادية، يوجد اليوم شبه إجماع علمي على الاعتراف بأن الحياة المعقدة تتطلب تعديلات لقوانين الطبيعة. كما تتطلب دقة مذهلة، غير محتملة تمامًا من الناحية الإحصائية، والعلماء الآن أجمعوا أيضًا على الاعتراف بأن الكون المرئي يتوسع، وأن له بداية وستكون له نهاية. الآن، إذا كان للزمان والمكان والمادة بداية وإذا كان الكون ينطوي على وضع بمثل هذا التعقيد، فكيف لا يمكننا أن نسأل أنفسنا السؤال الذي كان يطارد بالفعل "الحكماء" (العلماء والفلاسفة على حد سواء؟) في العصور القديمة، وهو هل هناك ضرورة لوجود" المبدأ الأول أو المحرك الأول أو المهندس الأول "، هل هناك ضرورة لكائن هو أصل كل شيء، كائن سام متسامي، ذكي وعاقل وحي، خالد وغير مادي يتواجد خارج الكون المرئي، وهو الذي  تسميه الأديان الله؟ هل نحن إذن حقًا كما يقول العنوان الفرعي للكتاب "إزاء فجر ثورة علمية جديدة"؟ هل يمكننا أن نتوصل بجدية إلى يقين بشأن وجود الله؟ عودة هذا السؤال الجوهري - وهو تحول معرفي حقيقي - هو بالتأكيد في مراحله الأولى، ولكن عند قراءة الكتاب، من الممكن مشاركة التفكير المتفائل للمؤلفين الذين يؤكدان في نهاية مقدمتهما: "في النهاية نفس السؤال الأزلي المطروح، هل الله موجود أم لا: الإجابة موجودة بشكل مستقل عنا وهي ثنائية أو مزدوجة. هل هي نعم أم لا. فقط افتقارنا للمعرفة كان هو العقبة حتى الآن أمام اختيارنا لنعم أو لـــ لا. لكن الكشف عن مجموعة من الأدلة المتقاربة التي هي في نفس الوقت عديدة وعقلانية وتأتي من مجالات معرفية مختلفة ومستقلة، ليلقي ضوءًا جديدًا وربما حاسمًا على هذه المسألة. " وليحسم الجدل الدائر لما يقرب من أربعة قرون، خاصة بعدما أعطت الاكتشافات العلمية الانطباع بأنه من الممكن تفسير الكون دون الحاجة إلى إله خالق. ولكن وبشكل غير متوقع، جاءت الاكتشافات العلمية للقرن العشرين والواحد والعشرين لقلب هذا الاعتقاد السائد، إذ تتبع المؤلفان بطريقة رائعة تاريخ هذه التطورات وقدما بانوراما صارمة للأدلة الجديدة على وجود الله.  وسعيا إلى إثبات وجود الله من خلال رد على تساؤل علماء ملحدين آخرين، هل من الممكن للمرء، في مطلع القرن الحادي والعشرين، الإيمان بخرافة الخلق الرباني بصيغة " كن فيكون"  وتصديق خرافة إله خالق؟ وهل يمكن إثبات وجود الله من خلال الأدلة العلمية؟  وجاء في خلفية غلاف الكتاب:"إليكم البراهين الحديثة على وجود الله الموحى". إذا كانت مسألة وجود الخالق تضع العلم والإيمان في مواجهة ظاهريًا، فإن المؤلفين يقصدان، بفضل ثمار جهودهما، إثبات العكس.  أحدهما وهوغير المؤمن حتى سن العشرين، أوليفييه بوناسيس، مندهش عندما اكتشف في شبابه أن هناك أسبابًا عقلانية للغاية للاعتقاد بوجود الله. هذا الاكتشاف فاجئه كثيرًا، لأنه حتى ذلك الحين كان ينظر إلى المسيحيين على أنهم أناس غير عقلانيين. وفي سياق بحثه، أمكن للرجل، أن يلتقى أخيرًا مع إلهه كما يقول، وأن يتقبل فقط أن العقلانية ليست في المكان الذي كان يعتقد أنها موجودة فيه. لكن في عام 2013 بدأ كل شيء يتحرك في داخله حقًا، عندما دعته مدرسة الفلسفة لابنته للتحدث عن الأسباب التي جعلته يؤمن بالله. ثم أعد خريج البوليتكنيك عرضًا مصورًا نشره على موقع يوتيوب بعنوان "إثبات وجود الله وأسباب تصديق المسيحيين" حيث لاقى نجاحًا كبيرًا وحقق الآن أكثر من 1.5 مليون مشاهدة. بعد هذا الفيديو، اتصل به المهندس ميشيل إيف بولوريه ليقترح عليه العمل معًا على كتاب عن هذا الموضوع. وكان هذا المشروع الضخم الذي نتج عن عمل بحثي طويل وتحقيق وتقصي على مدى ثلاث سنوات والذي جمع آراء العديد من العلماء والمتخصصين. وعلى حد تعبير أوليفييه بوناسيس كانت "هذه المفاجأة التي واجهتها في سن العشرين، مثيرة للاهتمام وتستحق مشاركتها". ينقسم الكتاب إلى جزأين، يبحث الأول في الأدلة المتعلقة بالعلوم. "لقد ساعدتنا المائة عام الماضية كثيرًا" كما يقول المؤلفان اللذان يذكراننا بأنه إذا كانت هناك دائمًا أسباب للإيمان بالله، سواء كان ذلك بسب جمال الكون، أو عظمته، أو نظامه، أو حتى انسجامه ". فيبدو أن عدة قرون من كوبرنيكوس إلى فرويد تثبت العكس ". "أخيرًا عندما وصلنا إلى القرن العشرين، أثارت مجموعة كاملة من الاكتشافات (النسبية، الديناميكا الحرارية، الانفجار العظيم، التوسع الكوني، علم الكونيات، التضخم الكوني، ميكانيكا الكم، علم الأحياء، ضبط الكون ...الخ) هذا السؤال من جديد حول الله وبطريقة قوية،". "لأن كل هذه الاكتشافات تنتهي بشيء واحد: أن الكون له بداية، وإذا كانت هناك بداية فهذا يعني أن هناك أيضًا سببًا وغاية. إذن، أكثر الفرضيات منطقية هي أن العقل الذكي الأعظم يعمل وراء كل ذلك ". بالإضافة إلى هذه البراهين العلمية، يستكشف الكتاب في الجزء الثاني،"البراهين غير العلمية" مثل وجود المسيح، والنبوءات، والمعجزات، وديمومة الشعب اليهودي ... وكلها، حسب المؤلفين، تعمل على انهيار الإطار المادي، والذي  لم يعد منذ ذلك الحين متوافقاً مع الواقع.  وهي أطروحة يدعمها أيضًا روبرت ويلسون، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1978 والذي كتب مقدمة الكتاب. يؤكد هذا العالم، الذي هو نفسه ليس مؤمنًا، أنه "على الرغم من أن الأطروحة القائلة بأن الكينونة العليا هي أصل خلق الكون لا تبدو كافية بالنسبة له، إلا أنه يقبل بتماسكها". حتى لا يكون طموح هذا الكتاب المكون من أكثر من 500 صفحة  وطبعت منه50000 نسخة هو عدم الحديث عن الإيمان، كما يذكرنا أوليفييه بوناسيس، الذي يحدد أنه قبل كل شيء يتعلق بتعريف "الأطروحة العلمية التي تلتصق بالواقع بشكل أفضل"، تثبت بلا شك أنها أداة ممتازة للتبشير! إنه سؤال عمره ألف عام ويبدو أنه كشف عن التعارض والتناقض بين العلم والإيمان ومناقشة مسألة هل يوجد إله خالق؟ خلافًا للاعتقاد الشائع، شرع المؤلفان ميشيل إيف بولوري وأوليفييه بوناسيس في الإجابة عليه في كتابهما آنف الذكر نتيجة عمل صارم امتد لأكثر من ثلاث سنوات، على امتداد 24 فصلاً مستقلاً، يعتمد على أحدث التطورات العلمية. مدعين أن "كل ما يشرحانه هو من وجهة نظر العلم، حيث كان أغلب المتخصصين يعرفون ذلك بالفعل، لكن كل منهم في مجاله. إلا أنهما أرادا أن يكتبا كتابًا موجزًا لعامة الناس، يوضحا فيه أن كل شيء يتقارب، وقد عثر أوليفييه بوناسيس في كتاب هل هناك حقيقة؟ للفيلسوف جان دوجات، على الإجابة الأولى على أسئلته. يفضح الكتاب الأسباب المنطقية للإيمان بالله: "كلما استفسرت، وجدت أسبابًا جدية للاعتقاد"، كما يقول مؤسس موقع الأخبار المسيحي Aleteia ومركز ماري الدولي في الناصرة في إسرائيل وتحقق مشروعه لكتاب بأربعة أيادي. كانت هذه بداية لعملية طويلة من اختيار الموضوعات والقراءات والمقابلات، مع التركيز على البحث العقلاني عن الحقيقة. "اعتقدنا أننا سنخصص لها عامًا، بيد أن المشروع تطلب أكثر من ثلاثة منا"، يؤكد أوليفييه بوناسيس، الذي "أصبحت مسألة وجود الله مثيرة للاهتمام بالنسبة له لأنها لم تعد غير قابلة للبت فيها". أنه أستجوب 20 متخصصًا، وعرض أكثر من 200 شهادة يخبر المؤلفان المشاركان كيف يمكن للاكتشافات العلمية، التي طالما تعارضت مع الإيمان، أن تتماشى مع وجود الله في العديد من مجالات المعرفة. وهكذا فإن مسألة أصل الكون، أو الانتقال من الحالة الخاملة إلى الحياة، والتعقيد الهائل للشفرة الجينية والتعديل البيولوجي الدقيق للغاية الضروري لتكوين البروتينات والريبوزومات والأحماض الأمينية، إذ كان من غير المحتمل أنها تستطيع أن تتكون بفعل الصدفة. واستشهد المؤلفان بعالم الوراثة الفرنسي دانيال كوهين - الذي ندين له بأول خريطة جينية بشرية - وانتقل من كونه ملحد إلى لا أدري في مواجهة "البرنامج المكتوب بلغة معقدة للغاية" وهي الجينوم. وأينشتاين، فريدمان، ولوميتر، بلانك، غوديل، بنروز، فيلينكين، هوكينغ، بريغوجين، كريك، واتسون ... ميشيل إيف بولوريه وأوليفييه بوناسيس يعززان وجهة نظرهما بأكثر من 200 اقتباس من علماء معاصرين. ساهم حوالي عشرين عالمًا بإسهاماتهم ونصائحهم في تأليف هذا الكتاب. يقول Olivier Bonnassies: "تمت إعادة قراءة مسودتنا أيضًا من قبل كبار العلماء، أعضاء أكاديمية العلوم وباحثي المركز الوطني للبحوث العلمية CNRS". حصل روبرت ويلسون على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1978، الذي اكتشف، مع أرنو بينزياس، الخلفية الميكروية الكونية المنتشرة، ووقع على مقدمة الكتاب قائلاً: "يقدم هذا العمل منظورًا مثيرًا للاهتمام بشكل خاص حول العلم وعلم الكونيات وآثارهما الفلسفية أو الدينية". مع فيلم وثائقي قيد الإعداد يخصص لهذا العمل العلمي الشهير أيضًا الذي يتضمن عدة فصول للأدلة "غير العلمية" على وجود الله، بدءًا من الكتاب المقدس إلى المعجزات غير المبررة، بما في ذلك شخصية يسوع أو مصير الشعب اليهودي. وهذه ليست سوى الخطوة الأولى في العمل لمؤلفيه، اللذين وقعا بالفعل على عمل فيلم وثائقي حول مسألة وجود الله. لمن نكتب ولماذا؟ من سيقرأ ومن سيستفيد مما نكتب وننشر بعد تعب ومعاناة في البحث الدؤوب والتبويب والقراءة والمتابعة وتتبع المحاضرات العلمية والتجارب العلمية في مختلف أنحاء العالم وبمختلف اللغات؟ فكرت مع نفسي بأنه لولا الأبحاث والنظريات العلمية لما تطور البشر وتطورت التكنولوجيا التي نتمتع بها اليوم. هذا هو المنطق، المتحالف مع مجموعة من البديهيات، وهو الذي يوجه الإبداع البشري؛ وبالتالي يمكننا من التلاعب بالأفكار ودمجها لكشف الحقائق الأبدية. ولكن بعد أن اطلعت على تحفة برايان غرين الأخيرة وهي كتابه " حتى نهاية الزمان، مكاننا في هذا الكون" بدا لي أنه علي أن أستمر وأواصل مهمتي، كما يتعين علي الحديث عما جاء في هذا الكتاب الذي نشره قبل أشهر قليلة عالم الفيزياء المشهور عالميًا برايان غرين Brian Greene، وهو أيضاَ مؤلف كتاب الكون الأنيق الأكثر مبيعًا، وكتاب  نسيج الكون The Elegant Universe and The Fabric of the Cosmos، وهو استكشاف آسر للزمن العميق، وبحث البشرية عن هدف في كل من الزمان والمكان، في هذا الكون الشاسع بشكل مذهل، ومع ذلك تحكمه قوانين رياضياتية عالمية بسيطة وأنيقة. في هذا الجدول الزمني الكوني، نجد أن عصرنا البشري مذهل ولكنه عابر. فنحن نعلم أننا سنموت جميعًا في يوم من الأيام،. ونعلم أن الكون المرئي نفسه كذلك سيموت وينتهي.  كتاب حتى نهاية الزمان وموقعنا في هذا الكون هو الانتاج الجديد المذهل عن الكون وسعينا لفهمه وقد تحدثت عنه باسهاب في أحد هذه الكتب الثلاثة. يأخذنا غرين في رحلة عبر الزمن، من فهمنا الأكثر دقة لبداية الكون، ثم يستكشف كيف نشأت الحياة والعقل والوعي من الفوضى الأولية أو حالة الشواش البدئية، وكيف أن عقولنا، في إدراك عدم ثباتها، تسعى بطرق مختلفة لإعطاء معنى لتجربة الحياة في الكون: من خلال القصة، والأسطورة، والدين، والتعبير الإبداعي، والعلم، والسعي إلى الحقيقة، واشتياقنا إلى الأبدية أو الخلود. ومن خلال سلسلة من القصص المتداخلة التي تشرح طبقات متميزة ولكنها متشابكة من الواقع - من ميكانيكا الكموم إلى الوعي مروراً بالثقوب السوداء - يزودنا غرين بإحساس أوضح عن كيف أصبحنا، وصورة أدق لما نحن عليه الآن، وفهم أقوى لما نتجه إليه. ومع ذلك، فإن كل هذا الفهم، الذي نشأ مع ظهور الحياة، سوف يتلاشى مع نهايتها. وهو ما يترك لنا إدراكًا واحدًا: خلال لحظتنا القصيرة تحت الشمس، نحن مكلفون بمهمة إيجاد المعنى الخاص بنا.

سأكرس ما تبقى عندي من عمر وطاقة لمحاولة التقاط لمحة من السمو في هذا الكون الكلي، وليس فقط الكوني المرئي الذي لايتعدى كونه جسيماً صغيراً في بنية وسيرورة وتكوين الكون المطلق اللامتناهي، بحثاً عن حقيقته المتعالية والمتسامية. ولكن يتعين أولاً المرور بأوليات المعرفة العلمية من خلال نوع من البديهيات، مثل تلك التي يعتمد عليها حساب التفاضل والتكامل متناهية الصغر أو الهندسة الإقليدية، أي نفس التخصصات التي غيرت فهمنا للفيزياء والرياضيات. الجنس البشري واع بحقيقته ووواعي بعجزه وقصوره ومع ذلك فالإنسان هو الكائن الوحيد الذي يعرف الموت ويدرك أنه سيموت. كل البشر يتقدمون في العمر، ولكن وعيهم يقتصر تمامًا على اللحظة الحالية، والتي يجب أن تكون ممتدة لكي يظهروا أبديين "، وهذه المعرفة تغرس" الخوف من الموت الذي هو في الأساس صفة بشرية. وإن كل دين، وكل بحث علمي، وكل فلسفة تنطلق من هذا الخوف". فنحن أسرى الثالوث المحير" الله الدين العلم"

الثالوث المحير: الله الدين العلم

منذ فجر البشرية وإلى يوم الناس هذا كان هذا الثالوث يثير الخوف والخشية، وفيه طرفين يدعيان امتلاك الحقيقة المطلقة بينما يعمل الثالث على اكتشاف الحقيقة النسبية القابلة للتغيير والتطور كلما تقدمت التكنولوجيا والنظريات العلمية. ولكن هل توجد حقاً " حقيقة مطلقة؟" فالإله يأخذ أشكالاً وتعاريف وماهيات وصفات مختلفة من طرف لآخر، ولا ندري إن كان موجود حقاً أم هو مجرد فرضية أو ضرورة سيكولوجية أوردتها الأديان والمعتقدات البشرية وعزتها لذات متعالية متسامية أسمتها الله، وبكل لغات الأرض. أما الدين فقصته أكثر غموضاً وخطورة. فلقد حكم وسير سلوك البشر وما يزال منذ آلاف السنين، وأوجد مؤسسات دينية أفرزت كافة أنواع الشرور والعنف والحروب والبطش والقتل الوحشي والتكفير والسيطرة على عقول البشر بإسم الإله أو الرب أو الله، أما الطرف الثالث فهو ما يزال يحبو ويجرب، يفشل هنا وينجح هناك، على نحو نسبي، ويسعى إلى تحسين الوعي البشري والبحث عن أجوبة للأسئلة الكبرى التي تطرحها الإنسانية على نفسها. عن الأصل والمصير، عن المستقبل والمآل الذي ينتظر البشرية، ويبقى صعباً على الإدراك والفهم العام فيما عدا نخبة قليلة من العلماء، ويواجه دوماً جملة من التحديات والظواهر التي يعجز عن فهمها وتفسيرها ومنها أصل الحياة وسرها. ما معنى الحياة؟ أو ما معنى وجودنا بشكلٍ عام؟ من الوهلة الأولى يبدو أنه سؤال ينتمي إلى حقل الفلسفة والدين والفكر المجرد، ولا علاقة له بالعلم. لكن الكثير من موضوعات الفلسفة والدين صارت تقع الآن تحت طائلة العلم، وبالأخص علم الفيزياء. بغية  الغوص في هذه الأقانيم المجهولة لإيقاد شمعة في ظلمة الوجود.

وفي هذاالسياق صدر في باريس في 15 أكتوبر كتاب حمل عنوان "الله والعلم الأدلة أو البراهين" فجر ثورة جديدة أو الله والعلم والبراهين العلمية على وجوده بقلم ميشيل إيف بولوريه، أوليفر بونسيس. حيث يتساءل المؤلفان ماذا لو وجد الله؟ هل يمكن تقديم الدليل بالعلم لهذا السؤال؟ لطالما كانت مسألة وجود الله في مواجهة العلم موضوع نقاش: هل يوجد إله خالق؟ لقد تغير موقف العلماء بشكل كبير خلال المائة عام الماضية. ما هي الدروس المستفادة من أحدث الاكتشافات الحديثة وكيف تؤثر على هذا الموضوع؟ في كتابهم "الله، العلم، الدليل العلمي : فجر الثورة الجديدة"، أجرى ميشيل إيف بولوري وأوليفييه بوناسيس تحقيقًا علميًا لأكثر من ثلاث سنوات بناءً على شهادة أعظم علماء الكوكب والتاريخ التي ساعدتهم في توضيح ذلك. طرحوا أسئلة أساسية وجوهرية. للحصول على أجوبة تسمح لهم بالحصول على جميع العناصر لتقرير ما يريدون لقرائهم أن يؤمنوا به، بحرية كاملة وبطريقة مستنيرة. نشأة هذا المشروع العلمي كانت جذابة، ولقد حصلوا على حليف جديد لــ الله وهو العلم فهل حقاً تمكنوا من ذلك كما يدعون؟ لما يقرب من أربعة قرون، أعطت الاكتشافات العلمية الانطباع بأنه من الممكن تفسير الكون دون الحاجة إلى إله خالق. ولكن بشكل غير متوقع، جاءت الاكتشافات العلمية للقرن العشرين لنسف هذه الحقائق اليقينية كما يدعي المؤلفان. وبلغة سهلة ومتاحة للجميع، تتبع هذا الكتاب بطريقة رائعة تاريخ هذه التطورات وقدم بانوراما صارمة للأدلة الجديدة على وجود الله.

في نهاية الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، هل من الممكن الإيمان بإله خالق؟ دعوة للتأمل والنقاش. أطلقها اثنان من المؤلفين الفرنسيين المتحمسين المتشاركين في تألبف كتاب "الله، العلم، الدلائل"، أوليفييه بوناسي وميشيل إيف بولوريه وهما متحمسان للعلم. لقد أمضوا ثلاث سنوات في جمع المعلومات من الباحثين والعلماء لتزويدنا بمجموعة من الأدلة على وجود إله خالق. الكاتب ميشيل إيف بولوريه مهندس كمبيوتر، وماجستير في العلوم ودكتوراه في إدارة الأعمال من جامعة باريس دوفين. من عام 1981 إلى عام 1990، شارك مع شقيقه في إدارة مجموعة Bolloré، التي ترأس الفرع الصناعي منها. في عام 1990، أسس مجموعته الخاصة الإنطلاقة الفرنسية France-Essor، التي يتركز نشاطها بشكل أساسي على الصناعة الميكانيكية. الكاتب أوليفييه بوناسيس هو طالب سابق في مدرسة البوليتكنيك (X86)، وتخرج من معهد بدء الأعمال HEC والمعهد الكاثوليكي في باريس وحصل على شهادة أو (إجازة في اللاهوت). وهو رجل أعمال، أنشأ العديد من الشركات. كان غير مؤمن حتى سن العشرين، وقد ألف حوالي 20 كتابًا ومقطع فيديو وبعض العروض والنصوص والمقالات والنشرات الإخبارية والمواقع الإلكترونية حول مواضيع تتعلق غالبًا بعقلانية الإيمان. وانضم إليهما عدد من الخبراء والعلماء من مختلف الاختصاصات، منهم  روبرت ويلسون الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1978 لاكتشافه إشعاع الخلفية الكونية، إيف دوبونت نورمالين،متخصص agrégé في الفيزياء، دكتوراه في الفيزياء النظرية، أستاذ في كلية ستانيسلاس في باريس جان ستون مؤسس ومؤلف جامعة باريس متعددة التخصصات (IUP) فيلسوف ومؤلف، انطوان سواريز فيزيائي وفيلسوف متخصص في ميكانيكا الكم، مايكل دينتون عالم الكيمياء الحيوية، عالم الوراثة الطبية، أستاذ سابق في جامعة أوتاغو، جان روبرت أرموغاثي نورمالين، قسيس سابق لـ ENS Ulm، أستاذ مشارك في الأدب، دكتوراه في الفلسفة، فابيان ريفول عالم أحياء، دكتور في الفلسفة واللاهوت وباحث، دكتور خوسيه إدواردو فرانكو من معهد البوليتكنيك متخصص في نظرية المعرفة للعلوم ولكن أيضًا، أنييس بولوت، مارك جودينو، جان فرانسوا لامبرت، جان ميشيل أوليفيرو، بيير بيرييه، ريمي سينتيس، الشقيقين التوأمين إيغور وغريشكا بوغدانوف صاحبي كتاب الله والعلم الحديث والعديد من كتب الفيزياء المهمة، فنسنت بيرليزوت، دكتور جواو ديوغو لوريرو، هيلينا جيسوس، فريديريك جيلود، ريتشارد باستيان، كريستوف ريكو، تشارلز ماير .. ثلاث سنوات من العمل مع عشرين عالمًا واختصاصيًا رفيعي المستوى: ومع كل هذا الجهد يدعي المؤلفان أننا يمكن نتأمل ونعيد النظر في قناعاتنا السابقة هنا حيث تكشف البراهين الحديثة على وجود الله كما يقولان. لما يقرب من أربعة قرون، من كوبرنيكوس إلى فرويد مرورا بغاليليو وداروين، تراكمت الاكتشافات العلمية بطريقة مذهلة، مما أعطى الانطباع بأنه من الممكن شرح الكون دون حاجة إلى اللجوء إلى إله خالق. وهكذا في مطلع القرن العشرين انتصرت المادية فكريا. ولكن وبشكل غير متوقع كما كان مفاجئًا، تأرجح البندول العلمي في الاتجاه الآخر بقوة لا تصدق. إن اكتشافات النسبية، وميكانيكا الكموم، وتوسع الكون، وموته الحراري، والانفجار العظيم، والضبط الدقيق للكون أو تعقيد الكائنات الحية قد اتبعت بعضها البعض كتطورات علمية ونظريات رصينة. لقد أتت هذه المعرفة الجديدة لتنشيط اليقينات الراسخة في الروح الجماعية للقرن العشرين، إلى الحد الذي يمكننا فيه القول اليوم إن العقيدة المادية، التي لم تكن أبدًا مجرد اعتقاد مثل أي اعتقاد آخر، في طريقها إلى أن تصبح غير عقلانية. وبلغة في متناول الجميع، يقدم مؤلفا هذا الكتاب استرجاعًا رائعًا للترحيب بتاريخ هذه التطورات ويقدمان بانوراما صارمة من البراهين الجديدة على وجود الله. فمع بزوغ فجر القرن العشرين، بدا أن الإيمان بإله خالق يتعارض مع العلم. واليوم، أليس العكس هو الذي سيسود؟ هكذا يتساءلان. إنها دعوة للتأمل والنقاش. يقول مثل فرنسي "القليل من العلم يأخذ المرء بعيدًا عن الله، ولكن الكثير منه يعيده إليه": كان من الممكن أن يكون هذا القول المأثور بمثابة شعار مبالغ به في تسويق هذا الكتاب الذي طرح في المكتبات الباريسية يوم 13 أكتوبر. "الحدث" ليس قوياً للغاية: بيد أن هذا "الكتاب يزعج وقد يزعزع اليقينات لدينا"، كما جاء في العنوان الرئيسي لمجلة Le Figaro، التي خصصت له "الصفحة الأولى". وهكذا فإن الحقائق التي اهتزت باتت قديمة وأصيبت بالشيخوخة: فهي تعود إلى العلموية وبدايات الرؤية المادية، التي استمرت في النمو من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر. من كوبرنيكوس إلى فرويد مروراً بغاليليو ولابلاس وداروين وماركس، وكما قلنا، وضع تطور العلوم مسألة وجود الله بين قوسين: "لست بحاجة إلى هذه الفرضية"، قالها لابلاس لنابليون عندما قدم له كتابه عن الكون وسأله الامبراطور " وأين الله في عرضك هذا؟". اعتمد تيار الفكر المادي الإلحادي على النجاحات العلمية لممارسة الهيمنة المتزايدة في الغرب، ولا يزال حتى يومنا هذا مع ما بعد الإنسانية، التي تدعي ضمان خلاص البشرية من خلال العلوم التقنية. ولكن الآن تم هدم هذه العلموية، التي نصبت نفسها بنفسها حارسة لمنارة الحقيقة العلمية... وبالعلم نفسه! لقد حدث هذا التحول خلال القرن العشرين، مع سلسلة من التطورات الهائلة: اكتشافات الديناميكا الحرارية، والنظرية النسبية، وميكانيكا الكم، ونظرية الانفجار العظيم المدعومة بنظرية تمدد الكون وموته الحراري الحتمي، ولكن أيضًا من خلال ملاحظات البراعة المذهلة لـ "التعديل" الذي ساد ظهور الكون وظهور الذرات والنجوم والحياة على الأرض. تأخذنا هذه الملحمة العلمية المذهلة سنوات ضوئية بعيدًا عن المادية الساذجة التي لا تزال تتخلل عقول الناس. لصالح أكبر عدد من الحجج والمبررات، من الصعب متابعة التطور الاستثنائي للعلوم في نطاقي اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبير، وفهم مسارها من منظور اصطناعي. هذا هو بالتحديد التحدي الذي واجهه مؤلفا هذه الأطروحة، أي: التوفيق بين إمكانية الوصول إلى جمهور كبير، عبر تبسيط المفاهيم، واحترام الدقة العلمية، خلال دراسة استقصائية طويلة أجريت مع حوالي عشرين متخصصًا. بدءاً من روبرت وودرو ويلسون، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1978 والمكتشف المشارك لإشعاع الخلفية الكونية، وهي الصدى البعيد للانفجار العظيم الذي حدث قبل 13.8 مليار سنة). ولم يكن رهانهما، فقط فكريًا بل وجوديًا، من يمكنه أن ينافس مسألة وجود الله؟ بعد وضع هذا الأخير بين قوسين وإلغائه بواسطة النزعة العلمانية "العالمية"، يشرح الكتاب سبب عودة هذا السؤال إلى حيز النقاش مع الثورة المفاهيمية في القرنين العشرين والحادي والعشرين. لأن جميع الاكتشافات الحديثة المحدثة تتبع مسارات تتلاقى نحو استنتاجات ساحقة. يمكننا تلخيص كل هذا بالقول إنه بينما قبل قرن ونيف من الزمن تم إقناع جميع العلماء بالرؤية المادية، يوجد اليوم شبه إجماع علمي على الاعتراف بأن الحياة المعقدة تتطلب تعديلات لقوانين الطبيعة. كما تتطلب دقة مذهلة، غير محتملة تمامًا من الناحية الإحصائية، والعلماء الآن أجمعوا أيضًا على الاعتراف بأن الكون المرئي يتوسع، وأن له بداية وستكون له نهاية. الآن، إذا كان للزمان والمكان والمادة بداية وإذا كان الكون ينطوي على وضع بمثل هذا التعقيد، فكيف لا يمكننا أن نسأل أنفسنا السؤال الذي كان يطارد بالفعل "الحكماء" (العلماء والفلاسفة على حد سواء؟) في العصور القديمة، وهو هل هناك ضرورة لوجود" المبدأ الأول أو المحرك الأول أو المهندس الأول "، هل هناك ضرورة لكائن هو أصل كل شيء، كائن سام متسامي، ذكي وعاقل وحي، خالد وغير مادي يتواجد خارج الكون المرئي، وهو الذي  تسميه الأديان الله؟ هل نحن إذن حقًا كما يقول العنوان الفرعي للكتاب "إزاء فجر ثورة علمية جديدة"؟ هل يمكننا أن نتوصل بجدية إلى يقين بشأن وجود الله؟ عودة هذا السؤال الجوهري - وهو تحول معرفي حقيقي - هو بالتأكيد في مراحله الأولى، ولكن عند قراءة الكتاب، من الممكن مشاركة التفكير المتفائل للمؤلفين الذين يؤكدان في نهاية مقدمتهما: "في النهاية نفس السؤال الأزلي المطروح، هل الله موجود أم لا: الإجابة موجودة بشكل مستقل عنا وهي ثنائية أو مزدوجة. هل هي نعم أم لا. فقط افتقارنا للمعرفة كان هو العقبة حتى الآن أمام اختيارنا لنعم أو لـــ لا. لكن الكشف عن مجموعة من الأدلة المتقاربة التي هي في نفس الوقت عديدة وعقلانية وتأتي من مجالات معرفية مختلفة ومستقلة، ليلقي ضوءًا جديدًا وربما حاسمًا على هذه المسألة. " وليحسم الجدل الدائر لما يقرب من أربعة قرون، خاصة بعدما أعطت الاكتشافات العلمية الانطباع بأنه من الممكن تفسير الكون دون الحاجة إلى إله خالق. ولكن وبشكل غير متوقع، جاءت الاكتشافات العلمية للقرن العشرين والواحد والعشرين لقلب هذا الاعتقاد السائد، إذ تتبع المؤلفان بطريقة رائعة تاريخ هذه التطورات وقدما بانوراما صارمة للأدلة الجديدة على وجود الله.  وسعيا إلى إثبات وجود الله من خلال رد على تساؤل علماء ملحدين آخرين، هل من الممكن للمرء، في مطلع القرن الحادي والعشرين، الإيمان بخرافة الخلق الرباني بصيغة " كن فيكون"  وتصديق خرافة إله خالق؟ وهل يمكن إثبات وجود الله من خلال الأدلة العلمية؟  وجاء في خلفية غلاف الكتاب:"إليكم البراهين الحديثة على وجود الله الموحى". إذا كانت مسألة وجود الخالق تضع العلم والإيمان في مواجهة ظاهريًا، فإن المؤلفين يقصدان، بفضل ثمار جهودهما، إثبات العكس.  أحدهما وهوغير المؤمن حتى سن العشرين، أوليفييه بوناسيس، مندهش عندما اكتشف في شبابه أن هناك أسبابًا عقلانية للغاية للاعتقاد بوجود الله. هذا الاكتشاف فاجئه كثيرًا، لأنه حتى ذلك الحين كان ينظر إلى المسيحيين على أنهم أناس غير عقلانيين. وفي سياق بحثه، أمكن للرجل، أن يلتقى أخيرًا مع إلهه كما يقول، وأن يتقبل فقط أن العقلانية ليست في المكان الذي كان يعتقد أنها موجودة فيه. لكن في عام 2013 بدأ كل شيء يتحرك في داخله حقًا، عندما دعته مدرسة الفلسفة لابنته للتحدث عن الأسباب التي جعلته يؤمن بالله. ثم أعد خريج البوليتكنيك عرضًا مصورًا نشره على موقع يوتيوب بعنوان "إثبات وجود الله وأسباب تصديق المسيحيين" حيث لاقى نجاحًا كبيرًا وحقق الآن أكثر من 1.5 مليون مشاهدة. بعد هذا الفيديو، اتصل به المهندس ميشيل إيف بولوريه ليقترح عليه العمل معًا على كتاب عن هذا الموضوع. وكان هذا المشروع الضخم الذي نتج عن عمل بحثي طويل وتحقيق وتقصي على مدى ثلاث سنوات والذي جمع آراء العديد من العلماء والمتخصصين. وعلى حد تعبير أوليفييه بوناسيس كانت "هذه المفاجأة التي واجهتها في سن العشرين، مثيرة للاهتمام وتستحق مشاركتها". ينقسم الكتاب إلى جزأين، يبحث الأول في الأدلة المتعلقة بالعلوم. "لقد ساعدتنا المائة عام الماضية كثيرًا" كما يقول المؤلفان اللذان يذكراننا بأنه إذا كانت هناك دائمًا أسباب للإيمان بالله، سواء كان ذلك بسب جمال الكون، أو عظمته، أو نظامه، أو حتى انسجامه ". فيبدو أن عدة قرون من كوبرنيكوس إلى فرويد تثبت العكس ". "أخيرًا عندما وصلنا إلى القرن العشرين، أثارت مجموعة كاملة من الاكتشافات (النسبية، الديناميكا الحرارية، الانفجار العظيم، التوسع الكوني، علم الكونيات، التضخم الكوني، ميكانيكا الكم، علم الأحياء، ضبط الكون ...الخ) هذا السؤال من جديد حول الله وبطريقة قوية،". "لأن كل هذه الاكتشافات تنتهي بشيء واحد: أن الكون له بداية، وإذا كانت هناك بداية فهذا يعني أن هناك أيضًا سببًا وغاية. إذن، أكثر الفرضيات منطقية هي أن العقل الذكي الأعظم يعمل وراء كل ذلك ". بالإضافة إلى هذه البراهين العلمية، يستكشف الكتاب في الجزء الثاني،"البراهين غير العلمية" مثل وجود المسيح، والنبوءات، والمعجزات، وديمومة الشعب اليهودي ... وكلها، حسب المؤلفين، تعمل على انهيار الإطار المادي، والذي  لم يعد منذ ذلك الحين متوافقاً مع الواقع.  وهي أطروحة يدعمها أيضًا روبرت ويلسون، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1978 والذي كتب مقدمة الكتاب. يؤكد هذا العالم، الذي هو نفسه ليس مؤمنًا، أنه "على الرغم من أن الأطروحة القائلة بأن الكينونة العليا هي أصل خلق الكون لا تبدو كافية بالنسبة له، إلا أنه يقبل بتماسكها". حتى لا يكون طموح هذا الكتاب المكون من أكثر من 500 صفحة  وطبعت منه50000 نسخة هو عدم الحديث عن الإيمان، كما يذكرنا أوليفييه بوناسيس، الذي يحدد أنه قبل كل شيء يتعلق بتعريف "الأطروحة العلمية التي تلتصق بالواقع بشكل أفضل"، تثبت بلا شك أنها أداة ممتازة للتبشير! إنه سؤال عمره ألف عام ويبدو أنه كشف عن التعارض والتناقض بين العلم والإيمان ومناقشة مسألة هل يوجد إله خالق؟ خلافًا للاعتقاد الشائع، شرع المؤلفان ميشيل إيف بولوري وأوليفييه بوناسيس في الإجابة عليه في كتابهما آنف الذكر نتيجة عمل صارم امتد لأكثر من ثلاث سنوات، على امتداد 24 فصلاً مستقلاً، يعتمد على أحدث التطورات العلمية. مدعين أن "كل ما يشرحانه هو من وجهة نظر العلم، حيث كان أغلب المتخصصين يعرفون ذلك بالفعل، لكن كل منهم في مجاله. إلا أنهما أرادا أن يكتبا كتابًا موجزًا لعامة الناس، يوضحا فيه أن كل شيء يتقارب، وقد عثر أوليفييه بوناسيس في كتاب هل هناك حقيقة؟ للفيلسوف جان دوجات، على الإجابة الأولى على أسئلته. يفضح الكتاب الأسباب المنطقية للإيمان بالله: "كلما استفسرت، وجدت أسبابًا جدية للاعتقاد"، كما يقول مؤسس موقع الأخبار المسيحي Aleteia ومركز ماري الدولي في الناصرة في إسرائيل وتحقق مشروعه لكتاب بأربعة أيادي. كانت هذه بداية لعملية طويلة من اختيار الموضوعات والقراءات والمقابلات، مع التركيز على البحث العقلاني عن الحقيقة. "اعتقدنا أننا سنخصص لها عامًا، بيد أن المشروع تطلب أكثر من ثلاثة منا"، يؤكد أوليفييه بوناسيس، الذي "أصبحت مسألة وجود الله مثيرة للاهتمام بالنسبة له لأنها لم تعد غير قابلة للبت فيها". أنه أستجوب 20 متخصصًا، وعرض أكثر من 200 شهادة يخبر المؤلفان المشاركان كيف يمكن للاكتشافات العلمية، التي طالما تعارضت مع الإيمان، أن تتماشى مع وجود الله في العديد من مجالات المعرفة. وهكذا فإن مسألة أصل الكون، أو الانتقال من الحالة الخاملة إلى الحياة، والتعقيد الهائل للشفرة الجينية والتعديل البيولوجي الدقيق للغاية الضروري لتكوين البروتينات والريبوزومات والأحماض الأمينية، إذ كان من غير المحتمل أنها تستطيع أن تتكون بفعل الصدفة. واستشهد المؤلفان بعالم الوراثة الفرنسي دانيال كوهين - الذي ندين له بأول خريطة جينية بشرية - وانتقل من كونه ملحد إلى لا أدري في مواجهة "البرنامج المكتوب بلغة معقدة للغاية" وهي الجينوم. وأينشتاين، فريدمان، ولوميتر، بلانك، غوديل، بنروز، فيلينكين، هوكينغ، بريغوجين، كريك، واتسون ... ميشيل إيف بولوريه وأوليفييه بوناسيس يعززان وجهة نظرهما بأكثر من 200 اقتباس من علماء معاصرين. ساهم حوالي عشرين عالمًا بإسهاماتهم ونصائحهم في تأليف هذا الكتاب. يقول Olivier Bonnassies: "تمت إعادة قراءة مسودتنا أيضًا من قبل كبار العلماء، أعضاء أكاديمية العلوم وباحثي المركز الوطني للبحوث العلمية CNRS". حصل روبرت ويلسون على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1978، الذي اكتشف، مع أرنو بينزياس، الخلفية الميكروية الكونية المنتشرة، ووقع على مقدمة الكتاب قائلاً: "يقدم هذا العمل منظورًا مثيرًا للاهتمام بشكل خاص حول العلم وعلم الكونيات وآثارهما الفلسفية أو الدينية". مع فيلم وثائقي قيد الإعداد يخصص لهذا العمل العلمي الشهير أيضًا الذي يتضمن عدة فصول للأدلة "غير العلمية" على وجود الله، بدءًا من الكتاب المقدس إلى المعجزات غير المبررة، بما في ذلك شخصية يسوع أو مصير الشعب اليهودي. وهذه ليست سوى الخطوة الأولى في العمل لمؤلفيه، اللذين وقعا بالفعل على عمل فيلم وثائقي حول مسألة وجود الله.

 

د. جواد بشارة

........................

https://image.over-blog.com/NI4fIQTdM6SxfqqWCED90CXk2tY=/filters:no_upscale()/image%2F0535627%2F20211202%2Fob_a4d1bd_b09ft7qr17-01-sclzzzzzzz-sx500.jpg