ميثم الجنابيإن الأرواح الكبيرة للمثقفين صيرورة متراكمة في مجرى إدراك القيم السائدة في ظاهر البشر وبواطنهم. وهو إدراك يؤدي بالضرورة إلى نقد الواقع من خلال انتفاضة الجسد واحتجاج العقل. وحالما ترتقي وحدة الانتفاض الحسي والاحتجاج العقلي إلى مصاف الإدراك الأخلاقي، حينذاك يبدأ الروح في احتجاجه الخاص. لكنه خلافا للعقل والجسد، عادة ما يحفر قنواته العميقة صوب بحار الحكمة، أي نحو عوالم بلا أوهام وأهواء، بوصفها المقدمة الضرورية لصنع إرادة فاعلة في عوالم الخيال المبدع.

وعادة ما يتوقف حجم هذه العوالم ونوعها وعمقها ومداها على قدر ما في تاريخ الدولة والأمة من مساع إمبراطورية. فالشخصيات الكبرى هي الوجه الآخر للمساعي الإمبراطورية والنزعة الكونية. فإذا كانت الإمبراطورية الأموية هي نتاج معارك القوى الاجتماعية والسياسية والروحية للخلافة في مجرى القرن التأسيسي الأول، فإن الحسن البصري كان وجهها الآخر.

إننا نعثر فيه على الصفة الفردية والفردانية لإمبراطورية الروح المناهضة لسلطان السلطة المستبدة. وذلك لأنه جسّد بذاته خزين معارك القرن الأول وصراعاته وبحثه عن البدائل، أي كل ما كان يحتدم في أعمق أعماق النفس وأشد مظاهرها بروزا في حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة والدولة[1]. مما جعل منه في العرف الإسلامي العام أحد المصادر الكبرى للفكرة الإسلامية المتسامية رغم تباين المواقف السياسية منه. وهو أمر طبيعي. فالشخصية الكبرى، التي تنذر نفسها من أجل صنع "الإجماع" عادة ما تصبح أحد مصادر الخلاف الأكبر. كما أنه القربان الروحي الضروري لكي تتكامل الدولة بمعايير الحق والمثقف بمعايير الحقيقة.

فقد جسّد الحسن البصري في ذاته نموذج المثقف المتسامي عن صراع القوى الحزبية ونزوعها الضيق وأوهامها وأهوائها وظنونها الجازمة! مما جعل منه نغما متموجا في دبيب النفس الاجتماعية والعقل الحر والروح الأخلاقي. بحيث جعله على الدوام محل الاحتكاك والحراك، كما جعله قريبا من الجميع وبعيدا عنهم. أما في الواقع فإن القرب والبعد ليسا إلا الصيغة الظاهرية عن حقيقة بعده عن الباطل والخطيئة والرذيلة وقربه من الحق والصواب والفضيلة. لكنه اقتراب وابتعاد فرداني متحرر من أوهام وأهواء العامة والخاصة. ومن الممكن العثور عليه في أحد أجوبته عندما قيل له مرة:

يا أبا سعيد! صليت؟

نعم!

لكن أهل السوق لم يصلوا بعد؟!

ومن يأخذ دينه من أهل السوق؟![2]

بمعنى تمثيله لمسار الرؤية الفردية المسبوكة بمعايير المعاناة الفعلية للحق، أي تمثله للحقيقة القائلة، بأن المعاناة هي التي تجعل الحياة سهلة بسيطة كالماء والهواء والنار والتراب. وذلك لأن الحياة الخالية من معاناة كبرى هي ركود وملل. ومن ثم فهي كآبة قادرة على سحب بريق الرأفة والحنان والرقة والجمال من كل مشاعر الجسد وقلق الوجدان وتأمل العقل. وبالتالي من المكونات الضرورية التي تبعث في الوجود حرارة المعنى وقيمته بالنسبة للمصير والتاريخ على السواء.

وليس مصادفة أن نعثر في أكثر من تقرير مقارن له عن إشارة إلى ما "أدركه"، أي رآه وتحسسه وعاينه وعايشه وتأمله وتفكر به. من هنا كلماته العديدة التي يشير فيها إلى الأسلاف، ولكن بمعايير التجربة الفردية والتأمل الحسي والعقلي، وليس التقليد. إذ نراه مرة يقول "لقد أدركت سبعين بدريا ما كان لباسهم إلا الصوف"[3]. وفي حالة أخرى يقول "أدركت سبعين من الأخيار ما لأحدهم إلا ثوبه، وما وضع أحدهم بينه وبين الأرض ثوبا. وكان إذا أراد النوم باشر الأرض بجسمه وجعل ثوبه فوقه"[4]. وفي حالة ثالثة يقول "أدركت أقواما كانوا لا يشبعون بأكل احدهم حتى إذا رد نفسه امسك ذائبا ناحلا مقبلا على نية. يعيش عمره كله ما طوي له ثوب قط، ولا أمر أهله بصنعة طعام، ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا"[5]. وفي حالة رابعة يقول "لقد رأيت أقواما كانت الدنيا أهون على أحدهم من التراب تحت قدميه"[6]. وفي حالة خامسة يقول "لقد أدركت أقواما كانوا أؤمر الناس بالمعروف وآخذهم به، وأنهى الناس عن منكر واتركهم له. ولقد بقينا في أقوام أأمر الناس بالمعروف وأبعدهم منه، وأنهى الناس عن المنكر وأوقعهم فيه. فكيف الحياة مع هؤلاء؟!"[7]. إذ يتمم هذا السؤال من حيث منطقه الداخلي تأمل تجربة الماضي والحاضر بمعايير الإدراك الأخلاقي الذاتي. فالقضية هنا ليست في عدد مرات الإدراك بقدر ما تكمن في نموذجيتها المتكاملة في السؤال المتألم حول كيفية العيش مع هذا القطيع المقطوع عن تجارب الأسلاف الكبرى. ويحتوي هذا السؤال في أعماقه على إجابة، وذلك لأنه سؤال الاستغراب والاندهاش من الكيفية التي يمكن الهبوط بها صوب الحضيض، بينما الحقيقة والحق يفترضان الارتقاء الدائم صوب السمو الروحي.

إننا نقف هنا ليس أمام سؤال يهدف إلى إدراك واقع أو حقيقة بقدر ما نقف أمام سؤال هو تعبير عن صرخة العقل والوجدان المتموجة في أعمق أعماقه بوصفها جزء من معاناة تاريخية أخلاقية كبرى. ويمكن الهبوط بهذه المعاناة إلى ميدان الخشونة المرّة للحياة من أجل تحسسها بمعايير الجسد أيضا، كما نراها في الفكرة التي وضعها مرة في عبارة مباشرة يخاطب بها الإنسان قائلا:"ابن آدم! إنك تموت وحدك! وتدخل القبر وحدك! وتبعث وحدك! وتحاسب وحدك! ابن آدم وأنت المعني وإياك يراد"[8]. وهي حقيقة أقرب إلى البديهة العقلية. لكن مفارقتها المثيرة تقوم في عدم تحسس أغلبية البشر لها، مع أنها أقرب الأشياء إلى جسد الإنسان! مما جعل عبارة الحسن البصري المذكورة أعلاه أشبه ما تكون بحشرجة مصدرها غباء العامة، وصلف الخاصة، وغيبوبة العقل، واندثار اليقين الروحي! من هنا يمكن فهم الاستكمال المبسط والمتمم لفكرة إن الإنسان يموت لوحده ويدفن لوحده، وإن المقصود بكل ذلك هو الإنسان المخاطب (الجميع). بحيث نرى الحسن البصري يصل ضمن هذا السياق، إلى مطابقة ماهية المؤمن مع المحاسبة الذاتية باسم الحق، كما وضعها في عبارته القائلة:"إن المؤمن قوّام على نفسه، يحاسب نفسه لله"[9]. بمعنى خروجه من تقاليد التقليد وشرطية العلاقات والقيم والانطواء على النفس بمعايير الروح المتسامي. وسوف تبدع هذه الحالة لاحقا فكرة وسلوك الخلوة بوصفها طريق التنقية الذاتية للنفس. وهي الحالة التي نعثر على صداها وتأسيسها الأول في السلوك الشخصي للحسن البصري، كما نراها على سبيل المثال في رده على ثابت البناني، الذي أراد مرافقة الحسن إلى الحج بعد أن سمع بذلك. فأجابه الحسن قائلا:"ويحك! دعنا نتعاشر بستر الله علينا. إني أخاف أن نصطحب فَيَرىْ بعضنا من بعض ما نتماقت عليه"[10].

إننا نقف هنا أمام فكرة تعكس نوعية السلوك المتراكم في مجرى المعاناة النقدية للنفس بوصفها محاسبة عسيرة، أو ما اسماه بمحاسبة النفس لله. بمعنى تحررها من قيود الظاهر والتقليد وعرف العوام. وليس مصادفة أن يرفع الحسن البصري هذا السلوك إلى مصاف الفكرة النظرية والعملية تجاه علاقة العقل والنقل أو الدراية والرواية، باعتبارها إحدى إشكاليات الثقافة الكبرى آنذاك. بحيث نسمعه يقول مرة:"إن الله لا يعبأ بصاحب رواية، وإنما يعبأ بذي فهم ودراية"[11]. وأن "من لم يكن له عقل يسومه لم تنفعه كثرة مروياته"[12].

وتعكس هذه الفكرة أولا وقبل كل شيء ما يمكن دعوته بنوعية السلوك الباطني المتراكم في مجرى احتكاك النفس بخشونة الواقع الفعلية و"استحالة" المثال. لكنه تراكم فردي بالضرورة ومحكوم بمعاناة التجربة الذاتية الحرة. من هنا اندفاعها مع كل انغماس في دروبها صوب دهاليز الجنون المرعبة للذهنية المستأنسة بروايات الأسلاف، والمستظرفة بأساطيرهم الوديعة، والمتراخية بقصص الليالي وسردها المغري! وهي نتيجة ليست معزولة عن واقع الحقيقة القائلة، بأن السمو الفردي المحكوم بمعاناة التجربة الذاتية الحرة عادة ما يجعل الشخصية "مجنونة" بمعايير الظاهر والعابر والزمن، و"روحا" بمعايير التاريخ والحقيقة. من هنا مقارنة الزمن العابر بالتاريخ الروحي في العبارة التي تفوه بها مرة عندما قال: "صحبت طوائف لو رأيتموهم لقلتم مجانين! ولو رأوا أخياركم لقالوا ما لهؤلاء من أخلاق!"[13]. ويمكن فك رموز هذه "الصحبة" وأسرارها الواقعية والمعنوية حالما يجري وضعها على محك المطلق بوصفه مصدر الوحي الذاتي والكمال المتحرر من رّق الاغيار، كما ستقول به المتصوفة لاحقا ، أي التحرر من عبودية الغير أيا كان شكله ومحتواه. فعندما قيل له مرة، بأن قوما يحضرون مجلسه ليس بغيتهم إلا تتبع سقطات كلامه وإرهاقه بالسؤال، نراه يبتسم ويقول:"إني حدّثت نفسي بسكنى الجنان ومجاورة الرحمن فطمعت! وما حدّثت نفسي بالسلامة من الناس، لأني علمت أن خالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم لم يسلم منهم"[14].

وليس في كلامه هذا شيئا غير حقيقة المحبة المفعمة برائحة التحرر من كل ما لا يمكنه أن يوصل إلى إدراك حقيقة الحق. وذلك لأن حقيقة الحق بالنسبة للحسن البصري تقوم في بلوغ الحكمة. وهذه بدورها ليست شيئا غير "تحديث النفس بسكنى الجنان ومجاورة الرحمن"، بمعنى تجديدها وإصلاحها الدائم بحوار الرحمة الأبدية. لكنها رحمة يستحيل بلوغها دون معاناة التجربة الحرة بوصفها حوارا دائما للروح المتسامي. وقد بلغ الحسن البصري هذه الغاية ووضعها في عبارته القائلة: "إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر، وبالفكر على الذكر حتى استنطقوا قلوبهم فنطقت بالحكمة"[15]. كما سيقول عنه أبو نعيم الأصفهاني "مازال الحسن البصري يعي الحكمة حتى نطق بها"[16]. وهو نطق ميز كلمة الحسن البصري وعبارته بوصفها حكمة. لهذا نسمعه يقول:"لسان المؤمن وراء قلبه. إذا أراد أن يتكلم تفكر. فإن كان له تكلم، وإن كان عليه أمسك. وقلب المنافق على طرف لسانه"[17]. ومع ذلك تبقى مقارنة جزئية تعكس الفكرة الأوسع والأعمق والأكثر شمولا لعلاقة اللسان والقلب والحكمة، عندما وضعها في عبارته القائلة:"من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو. ومن لم يكن سكوته تفكرا فهو سهو. ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو"[18].

إن وحدة الحكمة والتفكر والاعتبار هي الحلقات الضرورية التي تصنع على مثالها سبيكة الأنا الناطقة بالحق. بمعنى صيرورتها التاريخية والذاتية بوصفها تلقائية واحدة وجدت تعبيرها الإسلامي بوحدة الكمية النوعية القائمة في بلوغ الأربعين والنبوة. لهذا نرى المكي وغيره، على سبيل المثال، يقول بأن الحسن البصري ظل "يعي الحكمة أربعين سنة حتى نطق بها"[19]. ويعكس هذا الرقم أولا وقبل كل شيء نمطية التقاليد الإسلامية التي جعلت من الأربعين حدا للنبوة والحكمة. من هنا إجماع الثقافة العامة عنه، بأنه "ذاك الذي يشبه كلامه كلام الأنبياء"[20]. ثم تخصيص ذلك بما يتناسب مع ذوق الثقافة الإسلامية ورؤيتها للعظمة عبر مشابهة كلامه بكلام النبي محمد، كما نراه في العبارة التي يوردها أبو طالب المكي عندما كتب يقول، بأن كلام الحسن البصري "كان يشبه كلام رسول الله"[21]. وبهذا يكون الحسن البصري قد بلغ الدرجة المثلى في العرف التاريخي والروحي للثقافة الإسلامية التي جعلت منه سبيكة حية لتاريخ الأنبياء والحكماء. ويمكننا العثور على هذه الدرجة في العبارة التي وصفته بكلمات:"أن لسانه مثل لسان الأنبياء والحكماء". وليس المقصود بذلك نطق اللسان، بقدر ما كان المقصود به نمط التفكير والأسلوب والغاية. وهو القصد الذي يمكن رؤيته في التحديد الذي قدمه أبو طالب المكي واستعاده الغزالي لاحقا في عباراته القائلة :"لقد كان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء وأقربهم هديا من الصحابة. اتفقت الكلمة في حقه على ذلك. وكان أكثر كلامه في خواطر القلوب، وفساد الأعمال، ووساوس النفوس، والصفات الخفية الغامضة من شهوات النفس"[22]. ذلك يعني أن الحسن البصري هو الكينونة التي جسّدت في ذاتها رحيق الصيرورة الإسلامية الروحية، من خلال توليف تراث الروح المتسامي والتاريخ الواقعي في سلسلة الوحدة الضرورية للتاريخ الفعلي والمثال الواجب.

 من هنا إرتقائه في سماء الثقافة الإسلامية بوصفه أحد مصادرها وأعلامها الكبرى. كما لو انه تجسيد للحقيقة القائلة، بأن الأنبياء حالما تموت تحيى في ذاكرة الأجيال والأمم بما يتناسب وذوقها التاريخي. من هنا شيوع الصيغ العديدة والمتنوعة في مظاهرها والمتوحدة في مضمونها عنه بوصفه صوت التاريخ والحقيقة والروح الأخلاقي للأمة. لهذا قيل عنه، بأنه في الليلة التي مات فيها الحسن البصري شاهد البعض كما لو أن أبواب السماء مفتوحة، وكأن مناديا ينادي "ألا أن الحسن البصري قدم على الله وهو عنه راض"[23]. وهي الصيغة الرمزية المعبرة عما فيه من مفاتيح قادرة على فك مزلاج الوجود بفكرة الرضا الجوهرية للرؤية الإسلامية. إذ ليس الرضا سوى الوحدة المتجانسة للحرية والإرادة في المواقف. ومن ثم لا يعني رضا الله عنه سوى الصيغة اللاهوتية عن قبول التاريخ والروح له بمعايير وحدتهما التي جسدها الحسن البصري نفسه في صيرورته الفردية وكينونته الذاتية. وبالتالي لا تعني انفتاح أبواب السماء سوى الإطلالة الجميلة لاسترقاق السمع إلى صوت الحقيقة والتاريخ والروح الأخلاقي والأمة المتمثل في شخصية الحسن البصري. من هنا قول عبد الرحمن بن زيد عنه:"كان الحسن البصري إذا أمر بشيء كان من أعمل الناس به. وإذا نهى عن شيء كان من أترك الناس له. ولم أر أحدا قط أشبه سريرة بعلانية منه"[24]. وعندما سأل عنه الأمير مسلم بن عبد الملك، أجابه خالد ابن صفوان قائلا "أشبه الناس سريرة بعلانية، وأشبه قولا بفعل. وإن قعد على أمر قام عليه، وإن قام على أمر قعد عليه. وإن أمر بشيء كان أعمل الناس به، وإن نهى عن شيء كان أترك الناس له. رأيته مستغنيا عن الناس، ورأيت الناس محتاجين إليه"! عندها قال مسلم:"حسبك يا خالد! كيف يضل قوم هذا فيهم؟!"[25]. من هنا شيوع العبارة القائلة عنه:"كنا نشبهه بهدى إبراهيم الخليل في حلمه وخشوعه ووقاره وسكينته!". بمعنى بلوغه الدرجة التي يمكن وضعه، حسب ذوق لعبارة الإسلامية، في مصدر الفكرة الأخلاقية والروحية المتسامية. وليس مصادفة، كما تروي كتب التاريخ والسير الحادثة الطريفة عن الرغبة الوحيدة والأخيرة لجابر بن زيد، عندما قيل له قبيل موته:

ما تشتهي؟

نظرة إلى الحسن!

فلما دخل عليه الحسن، قالوا له:

هذا الحسن!

يا أخوتاه! الساعة أفارقكم إلى النار أو إلى الجنة![26]

ذلك يعني انه بلغ الحالة التي جعلته عروة اليقين والسعادة المحتملة بالنسبة لأرباب الإرادة الحرة والأخلاق المتسامية، بحيث قال عنه الشعبي:"ما رأيت مثل الحسن فيمن رأيت من العلماء إلا مثل الفرس العربي بين المقارف! وما شهدنا مشهدا إلا برز علينا"[27]. وتشير هذه العبارة إلى تميز الأصيل عن المزيف. ولا معنى لهذا التمايز هنا سوى ما يتعلق بصيرورة الشخصية وأثرها الفعلي بالنسبة للروح الثقافي، التي جعلت الحسن البصري ممثلا لدراما الانتقال العاصف في تاريخ الدولة والأمة والثقافة.

فقد تمثل الحسن البصري تقاليد الرؤية التوحيدية في مرحلة الانتقال الدموية من فكرة الرشد إلى فكرة السلطان، أي الانتقال من براعم الفكرة العامة للدولة والأمة القائمة على جوهرية الاجتهاد العقلي والعملي المحكوم بمعايير وقيم الشريعة الإسلامية إلى أولوية التسلط المتحرر من فكرة القانون العام. من هنا إلغاء فكرة الدولة والأمة بالمعنى الدقيق للكلمة. بحيث حوّل تاريخ الأموية إلى دموية حروب خارجية وداخلية. وجرى تحسس هذه الحالة من جانب المثقفين المسلمين الكبار على أنها خروجا عن منطق الحق وروح الإسلام. وقد يكون الحسن البصري هو أحد أكبر ممثلي هذا التيار الذي تذّوق طعم المرارة القاسية في هذا التحول الدرامي وواجهها بأسلوب متميز في المواقف النظرية والعملية. الأمر الذي جعل منه نموذجا متميزا وأصيلا في تمثل دراما المرحلة ومواجهة رذائلها الهائلة. ووجد ذلك انعكاسه في شخصيته باعتبارها نموذجا فرديا معبرا عن تأمل الثقافة الورعة لنفسها في مراحل صعودها المتشنج وصراعها الدموي. من هنا تحوله إلى أحد المصادر الكبرى للفكرة الصوفية. ومن هنا قول الثقافة الصوفية اللاحقة عنه بأن الحسن البصري هو أحد الثمانية الذين انتهى إليهم الزهد من التابعين. غير أن مأثرته تقوم في رفعه ممارسة الزهد إلى مستوى الرؤية الفلسفية والعملية. من هنا يمكن فهم قول ابو طالب المكي، بأن بداية الزهد "كانت مجالس الحسن البصري يخلو فيها للذكر مع إخوانه وأتباعه من النساك والعباد في بيته مثل مالك بن دينار وثابت البناني[28] وأيوب السخستياني[29] ومحمد بن واسع وفرقد السبخي[30] وعبد الواحد بن زيد[31]. فيقول :هاتوا انشروا النور! فيتكلم عليهم في هذا العلم من علم اليقين والقدرة وفي خواطر القلوب وفساد الأعمال ووسواس النفوس"[32]. وكان هذا النوع من الكلام يبدو "غريبا" آنذاك. بحيث نرى أبو طالب المكي يقول بهذا الصدد:"إن الحسن البصري أول من انتهج سبيل هذا العلم (التصوف) وفتق الألسنة به ونطق بمعانيه وأظهر أنواره وكشف به قناعه. وكان يتكلم بكلام لم يسمعوه من أحد من إخوانه. فقيل له:

يا أبا سعيد! انك تتكلم في هذا العلم بالكلام لم نسمعه من أحد غيرك! فمن أين أخذت هذا؟

من حذيفة بن اليمان!"[33]

وتعكس هذه الإجابة ارتقاء الروح التلقائي في مجرى تأمله التاريخ والحقيقة. وهو ارتقاء ارتقى بالحسن البصري إلى مصاف المعلِّم الأول للروح الإسلامي الإنساني. من هنا استنتاج المكي:"الحسن هو إمامنا في هذا العلم الذي نتكلم به. أثره نقفو، وسبيله نتبع، ومن مشكاته نستضيء. أخذنا ذلك بإذن الله إماما عن إمام إلى أن ينتهي ذلك إليه"[34]. إذ يعكس هذا التقييم أولا وقبل كل شيء الحالة الفعلية لتقاليد الأسلاف والحقيقة والتاريخ الذاتي للأمة التي تمثلها الحسن البصري في مراحل صعودها وتوتر صراعاتها وفتنة احترابها السياسي بسبب خروج السلطة الأموية على قواعد المنطق الشرعي والأخلاقي الكامنة في الفكرة الإسلامية الأولى.

كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول، بأن خاتمة الحسن البصري قد اختتمت في مواقفها النظرية والعملية منظومة النقد الأخلاقي الشامل لمرحلة الانتقال من الخلافة إلى الملك. إذ جسّد في ذاته ومظهره وحياته ومماته المزاج النقدي تجاه هذا الانتقال ومحاولة تذليله في ميدان الأخلاق العملية والنظرية. وقد لا يكون ذلك معزولا عن البصرة بوصفها "موقد الأجناس" وموطن الاعتدال الديناميكي، مما يجعل من شخصية الحسن البصري بهذا الصدد أنموذجا لتمثل تقاليد المدينة والتاريخ الروحي وقيم العقائد الكبرى. وليس مصادفة أن تظهر في البصرة أغلب المدارس الفكرية الإسلامية الأولى، وكذلك تفرّع مختلف فرق الكلام مثل القدرية والمعتزلة إضافة إلى اتجاهات الزهد والتصوف وغيرهم منه. ولم تكن هذه النتيجة معزولة عما في فكره النظري والعملي وتجربته الذاتية التي رفعها إلى مصاف الحكمة من توحيد خفي وتلقائي لمختلف تقاليد التيارات الإسلامية المعارضة الأولى. من هنا كانت ردود فعله تتسم بقدر واحد من الابتعاد والاقتراب من الجميع، بحيث نعثر فيه على مواجهة نقدية تجاه السلطة والمجتمع والأفراد والجماعات والفرق المختلفة بقدر واحد! وهو نقد اتخذ مساره الخاص من خلال تحويل روافده صوب النفس والغوص في خلجانها والبحث فيها عن كل ما يعيق صفائها الأول. وهي المقدمة الضرورية لنقد الكلّ من خلال عرض النفس على مطالب الحكمة والقيم المتسامية بوصفه محك الاختبار الفعلي للفكر والتفكر والفكرة.

من هنا كان صمت الحسن البصري ونطقه نقدا كليا متكافئا للجميع. بحيث جعل منه ممثل الاحتجاج الأكبر في مرحلة الانتقال العاصفة من الخلافة إلى الملك. إذ كان هذا الاحتجاج يهدف أولا وقبل كل شيء إلى محق الغربة البليدة عن معاناة الأسلاف والتاريخ ومصالح الأمة وتراث الحقيقة. كما لو انه أراد القول، بأنه لا غابرون في التاريخ غير غبار الجهل وخواء العزيمة والخروج على منطق الأخلاق المتسامية. ولا قيمة لهذه المظاهر أمام ما تتوصل إليه الحكمة بوصفها استنطاق النفس الحرة. من هنا كان في احتجاجه أشبه ما يكون بالرمال المتراكمة للكينونة الإسلامية في قدرتها على امتصاص غبار الفتنة وحطامها التي كانت ترمي بها أفعال الأموية الهوجاء على سواحل الحياة الفعلية للروح. كما كان هذا الاحتجاج يكشف في كل مظاهره وخفاياه، لوامعه وملامحه عن ضحالة شواطئ الأموية وأمواجها. كما لو انه أراد القول، بأن الأموية لا يمكنها أن تكون بحر الأرض ولا قمر السماء. لهذا كانت أمواج المد والجزر العارمة تجري في أوهامها، لهذا لم يكن بإمكانها تحسس دور هذه الأمواج وما فيها من حياة وحيوية في صقل قاع الوجود وسماءه.

وفيما لو نقلنا هذه الصيغة البلاغية إلى ميدان الفكر والواقع، فإن حركة المد والجزر التي تزخر بها الحياة لم تكن بالنسبة للحسن البصري، سوى الحركة المتموجة لتناسب العقل والوجدان. الأمر الذي جعل منه الممثل النموذجي لوحدة وتناسب العقل والوجدان في مرحلة الانتقال العاصفة للدولة والمجتمع والثقافة والقيم. فقد حارب الأموية من خلال صياغة نموذج جديد للمعارضة يقوم في تحديد واستخلاص وتجانس موقفه من كل شيء، وفي كل مظاهر الروح والجسد والحياة العامة والخاصة[35]. وكان يصعب إدراج هذه المواقف في ما هو متعارف عليه بالنسبة لحركات المعارضة الأولى من شدة في المواجهة، وتحدي مباشر، ورد فعل في مواجهة سلوك الأموية الدموي بدماء قانية "نقية" من نقد الدينار والدرهم. لهذا وجدوا في مواقفه وكلماته وعباراته مجرد تعبيرا عن "لسان صامت". بحيث وجدت فيه بعض الحركات الشيعية الراديكالية "لسانا خانعا". من هنا قولهم "لولا سيف الحجاج ولسان الحسن البصري، ما قام لبني مروان أمر في الدنيا".

قد يكون ها التقييم الاستثناء الوحيد في تقييم "لسان" الحسن البصري، على خلاف ما هو متعارف عنه. وبالتالي ينبغي فهم عبارة "لولا سيف الحجاج ولسان الحسن البصري لما قامت لبني أمية قائمة!"، بمعايير الحماس الوجداني والمواجهة العنيفة التي كلفت حركات المعارضة السياسية والعسكرية للأموية ضحايا هائلة وعذابات مريرة. من هنا رغبتها في استعادة التقاليد القتالية ولغة البيان الحماسية وبلاغة العبارة القادرة على لسع الجسد الخامل والخائف للاندفاع بقوة الحس والإحساس، والعقل والضمير، والشهامة والمروءة إلى ميدان القتال العلني. إذ كان يصعب على هذه النفسية والذهنية فهم أقوال الحسن البصري المتسامية وتعاليها الغريب في عالم مريب يصعب عليه الاستمتاع بكلمات الرحمة والعفو. غير أن لرجال القدر التاريخي قدرهم في ألسنة العوام. وليس مصادفة فيما يبدو أن تبدع التقاليد العفوية لنزعة العفو المتسامية الرواية المختلقة عن "قبول" الإمام علي بن أبي طالب بقصص الحسن البصري، بعد دخوله البصرة والاستماع إلى خطبائها وقصاصيها. فالمكي يورد في (قوت القلوب) قائلا "لما دخل علي بن أبي طالب البصرة، جعل يخرج القصاص من المسجد ويقول "لا يقص في مسجدنا" حتى انتهى إلى الحسن وهو يتكلم في هذا العلم، فاستمع إليه ثم انصرف ولم يخرجه"[36]. والأغلب أنها رواية مختلقة، وذلك لأن عمر الحسن البصري لم يتجاوز آنذاك في أفضل الأحوال العشرين عاما. من هنا يمكننا القول، بأن هدف هذه الرواية يقوم في تأسيس أو غرس إحدى الصور الرمزية الهادفة إلى كشف ما يمكن دعوته بكلام الحسن البصري بوصفه نموذجا لمنطق الوجدان وليس نطق اللسان. فقد كان لسانه صيغة نقدية تتسامى على احتراب الفِرق مع البقاء ضمن تيار الحقيقة ووجدان الإخلاص الفردي لها. من هنا كان صمته ونطقه تعبيرا عن نقد الكلّ من خلال اختبار النفس، بوصفه أسلوب صيرورة المرجعية الروحية المتسامية في الفرد، وبالتالي صنع فردانية متميزة بين أقرانها. وكانت تلك الصيغة الأولية في تاريخ الثقافة الإسلامية التي حققها الحسن البصري من خلال تأسيس ما يمكن دعوته بفلسفة بكاء الوجود.

لقد أبكى الحسن البصري الوجود فأبكى الجميع. أنه استدّر عطف العوام والخواص من أجل تأمل الرذيلة القائمة في الوجود بوصفها رذيلة كامنة في النفس. وجعل منها مقدمة نقد الكلّ. وبهذا يكون الحسن البصري الفارس الروحي الذي استثار مختلف القوى الجديدة من أجل المشاركة في إحياء وإثراء بكاء الإرادة وقدرها التاريخي الذي وضعت أنغامه وأصواته حركات المعارضة الكبرى للشيعة والخوارج. وهو إحياء وإثراء نقدي. وذلك لأن النقد الأخلاقي الجديد للوجود عند الحسن البصري كان يقوم على فرضية أن الضلال هو ظلال الخطيئة الكامنة في النفس. من هنا كانت فلسفته عن بكاء الوجود ونعيه مبنية على أسس الموقف الفردي المحكوم بقيم الإخلاص للحق والمهّذب بمسالكه. ومن هنا أيضا وحدة بكاء النفس والروح والجسد وتأمله بمعايير السمو الباطني. فالإنسان بالنسبة له نفس وكلّ أخلاقي. وبالتالي ليست الإرادة الحقيقية سوى تحقيق وحدة العلم والعمل بالشكل الذي يجعل منها وحدة لا تجزئة فيها. بمعنى تحريرها من تجزئة الظاهر والباطن، والجزئي والكلي، والغاية والوسيلة وما شابه ذلك. وهو السرّ القائم وراء جعله تعرية النفس أسلوب نقدها الظاهري والباطني. انه أراد فضحها وليس اكتشافها. وهو موقف عملي ونظري لم يكن معزولا عن شخصيته ومعاصرته لمرحلة السيطرة الأموية وما لازمها من سيادة الإكراه، والجبر، والقهر، والقسوة الهمجية، والخروج على الشرعية، وشراء الذمم، واستفحال قوة النفس الغضبية، وصعود الإمبراطورية المتحررة من قيم الرؤية الشرعية وفكرة الدولة، وتفسخ النخبة السياسية(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

[1] ولد الحسن البصري، كما يقول أبو طالب المكي عام 20 للهجرة، قبل يومين من بقية خلافة عمر بن الخطاب. وبهذا تكون ولادته قد رافقت الاستكمال والاستتباب الأول لفكرة الخلافة الإمبراطورية بوصفها جزء من صيرورة الإمبراطورية الثقافية. إذ لم تكن الوحدانية الإسلامية المتغلغلة في فكرة الغزو، سوى الباعث الروحي الكامن في صيرورة ما ادعوه بالخلافة الإمبراطورية. وقد كانت بدورها محكومة في أبعادها السياسية بفكرة الرشد، أي بالقانون والشريعة والانتماء للأمة، وفي أبعادها الدينية بفكرة الأمة الواحدة المتحررة من مختلف مكونات "الجاهلية". ومن ثم، فإنها كانت تحتوي في أعماقها على مرجعيات الروح الثقافي. مما جعل من ولادتها صيرورة مرادفة لبداية القرن التأسيسي للدولة الكبرى (توفي الحسن البصري عام 110 للهجرة). وهو تأسيس كامن في صيرورته الفردية وكينونته الفردانية. ومنهما تراكمت شخصيته الروحية والاجتماعية والسياسية، التي جعلت منه احد ممثلي الاحتجاج المنظومي على خروج الأموية عن صراط الرشاد في إدارة شئون الدولة، والخروج على منطق مرجعياتها الأولى القائمة في أولوية وجوهرية الشريعة والنظام والقانون والأمة وقيم الأخلاق الروحية والعملية.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص174.

[3] الكلاباذي: التعرف لمذهب أهل التصوف، ص23.

[4] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص265.

[5] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص98.

[6] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص134.

[7] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص155.

[8] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص155.

[9] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص157.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص234.

[11] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص199.

[12] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص199.

[13] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص171.

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص241.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص425.

[16] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص147.

[17] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص97.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص424

[19] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص150.

[20] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص147.

[21] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص150.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص77.

[23] القشيري: الرسالة القشيرية، ص177.

[24] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4، ص391.

[25] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2،ص147-148.

[26] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج4ن ص465.

[27] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص347.

[28] ثابت البناني – إحدى الشخصيات الأولى التي بلورت أسلوب تنقية الإرادة وهيكلة الروح الأخلاقي والمعرفي من خلال الوسيلة. فهو أول من جعل الصلاة أسلوبا لبلوغ الحق من خلال جعلها وسيلة الأنا الباحثة عن ارتباط وانسجام بالمطلق. وليس مصادفة ألا نعرف عنه أكثر من كونه مصليا عابدا. لهذا قيل عنه "من أراد أن ينظر إلى اعبد أهل زمانه فلينظر إلى ثابت البناني". وقد جعلته هذه الصفة كما يقول انس بن مالك "مفتاحا للخير". فقد قال انس بن مالك مرة:"إن للخير مفاتيح! وإن ثابتا مفتاح من مفاتيح الخير". وهو مفتاح فتح أولا وقبل كل شيء ذاته أمام ذاته من خلال حصر مكونات الروح والجسد وتذويبها في فعل الصلاة الدائمة، أي الخشوع أمام المطلق. من هنا قوله "لا يسمّ عابد أبدا عابدا، وإن كان فيه كل خصلة خير حتى تكون فيه هاتان الخصلتان – الصوم والصلاة، لأنهما من لحمه ودمه". بعبارة أخرى، إن العبودية الحقيقية لله تفترض التحرر مما غيره من خلال جعل العلاقة بينما تسري في اللحم والدم، أي في كل وجدان الروح والجسد وكل حركة يقوما بها. وليس مصادفة أن يقول البناني إن "الصلاة خدمة الله في الأرض". من هنا كثرة الحالات الغريبة المنقولة عنه، مثل أن يقال عنه، بان ثابت البناني ربما يمشي فلا يمر بمسجد إلا دخل فصلى فيه. ربما مشى معه امرؤ فإذا عاد مريضا بدأ بالمسجد الذي في بيت المريض. فركع ثم يأتي المريض. من هنا قوله "كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعمت بها عشرين سنة". لقد كانت الصلاة بالنسبة له سريان الروح في الروح. من هنا وحدة وتناغم المكابدة والسعادة فيها، بوصفها المعادلة التي صنعت صيرورته وكينونته. بحيث نراه يحصر رغبته الأبدية والغاية النهائية من وجوده في ديمومة الصلاة. من هنا دعاءه القائل:"اللهم إن كنت أعطيت احد من خلقك أن يصلي لك في قبره فأعطني ذلك". وقد جرى وضع أساطير على أساس هذا الدعاء مثل سماع الناس صلاته في القبر، وسماعهم لتلاوته القرآن وما شابه ذلك. لقد أراد ثابت البناني أن تكون حياته وموته وحدة متجانسة لديمومة العلاقة الوجدانية التامة بالمطلق. وهي العلاقة التي تجعل من موقف المثقف تجاهه كل شيء لوحة مرئية من وراء دموع الوجدان الدافئة. ويمكننا رؤية بعض الملامح الظاهرية لهذه الحالة في التصوير الذي قدمه البعض عنه عندما رسم لنا شخصية البناني الباكية بعبارة:"رأيت ثابتا البناني يبكي حتى أرى أضلاعه تختلف". وقد لا تكون هذه الحالة معزولة عن الأثر السحري الذي تركته عبارة أنس بن مالك الذي قال له مرة:"ما أشبه عينيك بعيني رسول الله"، فما زال يبكي حتى عمشت عيناه. لكنه عمش العيون المعذبة بعذوبة الرؤية الوجدانية التي ترغم المثقف الكبير على مواجهة سيلان الحياة وصلادة البشر! وهي المفارقة التي يواجهها على الدوام بوصفها امتحانه الدائم. وليس مصادفة أن تؤدي به هذه الحالة إلى إمكانية تلف العين. وعندما جاءوا بطبيب يعالجها، فانه قال له:

أعالجها على أن تطيعني!

وأي شيء؟

على أن لا تبكي!

فما خيرهما أن لم تبكيا.

وأبى أن يتعالج! وبنى موقفه هذا على أساس ما أسميته بالعلاقة التي تجعل من موقف المثقف تجاه كل شيء لوحة مرئية من وراء دموع الوجدان الدافئة. كما أنها العلاقة التي تجعله يتعامل مع ما هو موجود وممكن ومحتمل بمعايير الوحدة السارية للروح في كل مكونات ومسام الجسد. لهذا نراه يقول مرة لأصحابه:

إني لأعلم حين يذكرني ربي.

تعلم حين يذكرك ربك؟!

نعم!

متى؟

إذا ذكرته ذكرني! واني لأعلم حين يستجيب لي ربي.

تعلم حين يستجيب لك ربك؟!

نعم!

وكيف تعلم ذلك؟

إذا وجل قلبي واقشعر جلدي وفاضت عيناي وفتح لي في الدعاء!

(انظر، أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج2، ص318-233). 

[29] أيوب السختياني – إحدى الشخصيات التأسيسية الأولى للزهد الإسلامي والتصوف العملي. أنه من أولئك الذين أرسوا أسس التصوف الإسلامي من خلال تمرين الروح والجسد بمعايير الخروج على ما هو مألوف وعادي في فهم إشكاليات الوجود الاجتماعي والسياسي والأخلاقي. فقد شارك إلى جانب المئات ممن يمكن دعوتهم بالرعيل الذائب في نحت الأفكار الجزئية والقيم العملية التي تناسبها. ومن الممن رؤية هذه النسبة في المقارنات والعبارات التي استعملها الحسن البصري عنه، وما قاله أيوب السختياني عن الحسن البصري. فقد قال الحسن البصري عنه مرة:"أيوب سيد شباب أهل البصرة"، بينما نرى السختياني يقول عن الحسن البصري:" هذا سيد الفتيان". وتعكس هذه العبارات رؤية الفرق بين الأبعاد المحلية والكونية. فقد كان أيوب السختياني محليا وجزئيا بمعايير الرؤية الكونية التي بلورها الحسن البصري. لكنه المكون الضروري الذي جعل منه عنصرا فعالا في بناء صرح المرجعيات الروحية المتسامية للثقافة العربية الإسلامية. فقد كان أيوب السختياني بنظر الكثيرين "جهبذ العلماء"، و"أفقه أهل البصرة في دينه" وأصدقهم. فقد كان ابن سيرين يقول عنه "حدثني الصدوق". بل تحول إلى قبلة الاستلهام العملي لأولياء الثقافة الروحية المتراكمة في مجرى تصادم المثقف والسلطة المميز للمرحلة الأموية. فعندما قيل لأحدهم:

نراك تتحرى لقاء العراقيين في الموسم؟

والله ما افرح في سنتي إلا أيام الموسم! القي أقواما قد نوّر الله قلوبهم بالإيمان. فإذا رأيتهم ارتاح قلبي منهم أيوب!

وينبغي فهم هذا اللقاء ضمن سياق المكانة التي احتلها أيوب السختياني في سلسلة الزهاد المصنوعة من معاناة التأمل العميقة لإشكاليات الوجود الفعلية والحياة العامة والخاصة. وليس مصادفة أن يقول بعضهم عنه "ما وعدت أيوب موعدا إلا وجدته قد سبقني إليه". بينما يقول عنه شخص آخر "ما رأيت رجلا قط اشد تبسما في وجوه الرجال من أيوب". وتعكس هذه البسمة بكاءه الروحي، بوصفها المفارقة التي يمكن تحسسها في وعيه الذاتي ونقده للنفس، أي مراقبتها بالشكل الذي يجعل منها كيانا مخفيا من ملاحقة العيون المتطفلة. من هنا قوله "ذكرت وما أحب أن اذكر"، وانه "إذا ذكر الصالحون كنت عنهم بمعزل". بل نراه يقول عن يزيد بن الوليد بعد توليه الخلافة، وقد كانوا أصدقاء قبل ذلك "اللهم انسه ذكري". وهو موقف مبني على فكرته القائلة بأنه "لا يستوي العبد حتى يكون فيه خصلتان، اليأس مما في أيدي الناس، والتغافل عما يكون منهم". ولا يأس في هذا الموقف ولا انزواء بقدر ما يعكس تراكم المبدأ النظري والعملي في تنقيه النفس وجعلها روحا. من هنا بناءه هيكل الفضيلة الروحية والعملية بصمت. ووضع هذا المبدأ في عبارة تقول "ليتقي الله رجل وإن زهد، فلا يجعلن زهده عذابا على الناس، فلأن يخفي الرجل زهده خير من أن يعلنه". ووجدت هذه المعادلة تعبيرها فيما يمكن دعوته بالنفي الدائم للسمو الروحي بوصفه طريق السير الأبدي صوب الحق، كما نراها في فكرته عن الزهد. فقد قال بهذا الصدد "الزهد في الدنيا ثلاثة أشياء، أحبها وأعلاها وأعظمها ثوابا عند الله- الزهد في عبادة من عبد دون الله من كل ملك، وصنم، وحجر، ووثن. ثم الزهد فيما حرم الله من الأخذ والعطاء. ثم يقبل علينا فيقول: زهدكم هذا يا معشر القراء فهو والله أخسّه عند الله! الزهد في حلال الله!". وقد احتوت هذه الفكرة في أعماقها على احتمال بلورة الفكرة القائلة، بأن حقيقة الزهد هي الزهد في الزهد. غير أن تجربة السختياني كانت تدور آنذاك في تنقية اللسان والتفكر بمعايير الروح الأخلاقي. من هنا إجابته على طلب احدهم أن يوصيه بشيء، قائلا:أقلّ الكلام! بينما أجاب في حالة أخرى على سؤال يتعلق بعدم مشاركته في جدل الآراء الدائر آنذاك في البصرة: قيل مرة للحمار: ألا تجتر؟ فقال: اكره مضغ الباطل". وقد جعله ذلك يرد مرة على رجل من أهل الأهواء:

أكلمك كلمة؟

ولا نصف كلمة!

من هنا أفكاره المناهضة لجدل اللاهوت الفارغ والانهماك المتعصب في شحذ كل ما يمكنه العمل على إفراغ العقل والروح من مهمة العمل. فنراه مرة يقول "ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا". وليس مصادفة أن يربط هذا "الابتداع" الزائف بكلمة الاجتهاد، أي الانهماك في مهنة التحريف والتخريف التي ميزت ما كان القدماء يدعونه بفن أو صنعة القصص والقصاصين. لهذا نراه يقول، بأنه "ما افسد على الناس حديثهم إلا القصّاص"، وانه "لا خبيث أخبث من قارئ فاجر". وجعله هذا الموقف يتهرب حتى من حديث أبي حنيفة. إذ تنقل عنه حادثة كيف أن أبا حنيفة دخل عليه مرة وهو بين أصحابه، فقال لهم:"قوموا بنا! لا يعدينا بجربه!". وهو سلوك لا تهرب فيه، بقدر ما انه كان يضع الحرف والكلمة على ميزان المعاملة الروحية. وهي معاملة تختزن المعرفة وتضعها دوما على محك التجربة الذاتية وتختبرها بامتحان الإرادة. لهذا نراه ينصح احد مريده قائلا "انك لا تبصر خطأ معلمك حتى تجالس غيره. جالس الناس!". بينما نسمعه يقول عن نفسه بهذا الصدد "لقد جالست الحسن البصري أربع سنين فما سألته هيبة له". بل ونراه يكثّف هذه المفارقة في عبارة تمثلت تجاربه بهذا الصدد عندما قال "إذا لم يكن ما تريد، فأرد ما يكون". وترك لنا هذه المفارقة في سلسلة روح المثقفين الأحرار وغيب التصوف. (يمكن الرجوع إلى بعض جوانب وشخصية أيوب السختياني في كتاب أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج3، ص3-14). 

[30] فرقد السبخي- من المقربين للحسن البصري، بمعنى الدوران في فلك تصوراته وشخصيته. غير أن ذلك لم يفقده بريقه الخاص ولمعانه الفردي في حلقات الزهد والزهاد. فهو من بين أوائل الزهاد الذين رفعوا فكرة الجوع إلى مصاف المبدأ. بمعنى بحثه عن مقومات الغريزة وأساليب قهرها. ولم يقف عند ذلك بل وجعل من هذه الأساليب أدوات في تهذيب الإرادة الظاهرة والباطنة. من هنا تركيزه إلى فكرة الخطورة الكاملة في الشبع. فنراه مرة يقول "الشبع أبو الكفر"، و"ويل لذي البطن من بطنه. إن أضاعه ضعف، وإن أشبعه ثقل". وحقق هذا الموقف بنفسه على نفسه بحيث نرى الحسن البصري يقول له مرة بعد أن دعاه إلى الطعام فنظر إلى فرقد وعليه جبة صوف:"يا فرقد! لو شهدت الموقف لخرقت ثيابك مما ترى من عفو الله". بينما نراه مرة يطيل الحديث مع من زاره. وعندما قالوا له:

حان وقت الغداء!

إنما طولت حديثي لكي تجوعوا فتأكلوا ما عندي.

ثم اخرج لهم فقط كسرة خبز شعير اسود. وعندما قالوا له:

ملح يا أبا يعقوب!

قد طرحنا في العجين ملحا مرة. لم تعنّوني أن اطلب لكم!

وهو مبدأ يرفع فكرة وممارسة الزهد إلى إحدى درجاته العليا من خلال التشديد على معارضة الدنيا بالآخرة. والمقصود بذلك نقد الانفصام الجلي بين الظاهر والباطن، والروح والجسد. من هنا مطالبته القوم بعبارة "اتخذوا الدنيا ظئرا والآخرة أما". ورفع هذه الفكرة إلى مصاف المطلب السياسي الروحي عندما قال مرة "إن ملوككم إنما يقتلونكم على الدنيا، فدعوهم والدنيا". وأرجعه هذه المبدأ إلى أعماق النفس من خلال إبراز جوهرية العلم والعمل. فنسمعه مرة يقول "إني رأيت الليلة في المنام كأن مناديا ينادي من السماء: يا أصحاب القصور، يا أصحاب القصور! يا أشباه اليهود، إن أعطيتم لم تشكروا، وإن ابتليتم لم تصبروا، ليس فيكم خير بعد العذاب!". وفي حالة أخرى نراه يشدد على ضرورة ترتيب علاقة الإنسان بذاته من خلال إبراز أولوية العمل لكي تستقيم الإرادة مع ذاتها. فنسمعه يخاطب الناس قائلا:"إنكم لبستم ثياب الفراغ قبل العمل! الم تروا إلى الفاعل إذا عمل كيف يلبس أدنى ثيابه، فإذا فرغ اغتسل ولبس ثوبين نقيين. وانتم تلبسون ثياب الفراغ قبل العمل". مما جعله شديد اليقظة تجاه النفس بحيث قال مرة "ما انتبهت من نوم لي قط، إلا ظننت مخافة أن أكون قد مسخت!". وتحتوي هذه اليقظة في أعماقها على ما يمكن دعوته بمعاناة الهموم الكبرى من اجل تنسيق وانسجام الإرادة وغاياتها، والظاهر والباطن، والفرد والأمة، كما نراها على سبيل المثال في الأحاديث التي اشترك في إسنادها مثل الحديث القائل "قل لعبادي الصالحين لا يغتروا بي، وقل لعبادي المذنبين لا ييأسوا من رحمتي"، و"من أصبح وهمه غير الله فليس من الله. ومن أصبح لا يهتم بالمسلمين فليس منهم"، وأن "أول من يقرع باب الجنة عبد أدى حق الله وحق مواليه"، و"ملعون من ضارّ مسلما أو ماكره". إننا نرى في هذه المواقف والآراء على هموم فرقد السبخي الكبرى والصغرى، أي كل تلك الهموم التي تتكامل في الشخصية وتصنع وحدة الغربة والغرابة من اجل ألا يكون غريبا عن الكلّ. من هنا قوله "الغريب من ليس له حبيب!". (حول بعض جوانب شخصية فرقد السبخي،انظر أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج3، ص44-54).

[31] عبد الواحد بن زيد – ينتمي، كما كان الحال بالنسبة للبناني وفرقد السبخي إلى ما يمكن دعوته بمدرسة الحسن البصري، أي العيش بمعايير الرؤية الأخلاقية المتسامية والغوص في أعماق النفس والتفتيش الدائم في مكوناتها من اجل ترميم خراب الدنيا بعمارة الدين. وقد عكست هذه الثنائية تصادم واختلاف الروح والجسد، والعابر والدائم، من خلال تذليل خلافهما عبر توحيد صيرورة الروح العملية وكينونته المعرفية، أي التمثل الأخلاقي العملي لمرجعيات المدرسة العقلية البصرية. فقد كان عبد الواحد بن زيد الحلقة المكملة لثابت البناني. وكلاهما يصبان في تيار تأسيس قيمة العبادة بوصفها وسيلة وأسلوب التنقية الروحية المعرفية. من هنا جوهرية الصلاة. لهذا قيل عنه، بأنه صلى صلاة الصبح بوضوء العتمة أربعين سنة! ولهذا السبب كان ينشد:

ينام من شاء على غفلة   والنوم كالموت فلا تتكل

تنقطع الأعمال فيه كما   تنقطع الدنيا عن المنتقل

ووضع هذه الفكرة في أساس موقفه من علاقة الحياة بالموت، والظاهر بالباطن. من هنا قوله:"فرّق النوم بين المصلين ولذتهم في الصلاة". بمعنى سعيه لديمومة العلاقة الوجدانية بالله بوصفها أسلوب تكامل الشخصية. من هنا مناجاته لله بعبارة:"وعزتك لا أعلم لمحبتك فرحا دون لقائك". وهي علاقة تذلل الوسائل والوسائط من خلال تذويبها فيما يمكن دعوته بصيرورة الإرادة الفاعلة بمعايير الإخلاص المجرد من كل ما يمكنه تعكير كينونة الروح الأخلاقي، بوصفها المقدمة الضرورية لإرساء أسس المرجعيات الروحية في الأفراد، أي في كل  تلك الكوكبة التي ساهمت في بناء ثقافة الروح الإسلامي.   

[32] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص149.

[33] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج 1، ص150.

[34] أبو طالب المكي: قوت القلوب، ج 1، ص149. هنا يمكن رؤية "السلسلة" الصوفية ولكن ليس بمعايير المشيخة، بل بمعايير الروح والأثر الشخصي. إذ من الممكن فهم طبيعة هذه العلاقة ليس فقط بمعايير القضايا والطريقة التي تناول بها الحسن البصري علاقته بالله والأمة والنفس، بل وبارتقائها إلى مستوى الفردانية في تمثل تقاليد الأمة (الشريعة) وتحقيقها الفردي (الحقيقة) بوصفها أسلوبه الخاص (الطريقة).

[35] ليس مصادفة أن يكون الحسن البصري أحد مصادر الاعتزال والتصوف. إذ يمكننا رؤية أثره في الاعتزال من خلال إدراك قيمة العقل والحرية والموقف الشخصي الأخلاقي. كما يمكننا العثور عليه في سرّ بحث المعتزلة اللاحق عن الأسباب أو علة وجود الأشياء كلها. أما بالنسبة للتصوف، فإن أثره يبرز ليس فقط في تحوله إلى إحدى حلقات السلسلة الروحية للأولياء، بل وإلى "الناطق" الأول في مختلف علومها المتعلقة بالنفس والسموّ الروحي.

[36] ابو طالب المكي: قوت القلوب، ج1، ص148

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة (20)

يعكس مسار التطور الفكري عند محمد عبده تكامل التأسيس النظري للفكرة الإصلاحية من خلال بروز منظومة الوعي الإصلاحي الفاعل بالنسبة لإرساء مختلف المفاهيم والأفكار والمواقف والقيم. وليس مصادفة أن تحتل فكرة النظام والعدل والقانون أضلاع المثلث الكبير لفكرته السياسية الإصلاحية. فهو الثالوث الذي يعبّر بصور نموذجية رفيعة المستوى عن ثالوث فكرة العقل الثقافي الذاتي، والروح الثقافي الذاتي، والروح السياسي الذاتي.

ينطلق محمد عبده في تأسيس الفكرة السياسية الإسلامية من تحديده لفكرة القانون وأهميته بالنسبة للبناء الذاتي. من هنا فكرته عن أن المهمة لا تقوم بمجرد الإصلاحات بالنسبة لما اسماه بالكيان السياسي الإسلامي، بل في تأسيس ضرورة فكرة الإصلاح الديني الصحيح. والإصلاح الديني الصحيح بالنسبة لمحمد عبده هو منظومة الإصلاح الشامل بمعايير التجربة الذاتية والتراث الثقافي. وهي فكرة لا تتعارض مع مضمون الانفتاح الإنساني وفكرة الحق المجرد والمتسامي، على العكس، أنها تسندها وتدعمها بمعايير الإرتقاء الذاتي الفعلي، أي الإرتقاء المتراكم في مجرى معاناة التقدم الذاتي. فعندما يتناول على سبيل المثال قضية فكرة الجمعية الإنسانية، فإننا نراه يربطها بفكرة فلسفية وجودية تقوم على أساس أن الحركة العمومية تسير دوما صوب المركز. وكلما اقتربت من المركز كلما زادت سرعتها، شأن كل حركة طبيعية. من هنا تأثير هذه الحركة على العقلاء من البشر (دوما) فمالوا إلى خدمة الإنسانية دون التعصب إلى عقيدة أو جنس أو دين ومذهب. ووضع هذه المقدمة الفكرية العامة في صلب دعوته إلى السير صوب ما اسماه بالقانون الطبيعي المودّع في فطرة الإنسان، بوصفه سبيل السعادة للجميع . ففيها ومن خلالها يمكن رؤية الحدس العميق في فكرة محمد عبده عن أهمية وجوهرية القانون بالنسبة لنيل السعادة العامة، أي النظام المعقول بمعايير التجربة الإنسانية الحرة. وأسس لهذا الاستنتاج الكامن في رؤيته من منطلق عام يقول، بأن في الإنسان قوة نظرية وعملية، يتوقف كل منهما على الآخر. وأن علوم الإنسان تقوم في إدراك الحدود والاستفادة منها. والقوانين مهمتها ضبط السلوك والمصالح. كما أنها تتوقف على درجة المعرفة (العقل النظري). من هنا اختلاف الأمم في نظرتها إلى القوانين. لكنه اختلاف محكوم بتجاربها ونظراتها العامة. من هنا نراه يركز في الكثير من مقالاته وأبحاثه على أهمية إبراز أولوية وجوهرية القانون. ففي إحدى مقالاته المتعلقة بهذا الجانب تحت عنوان (احترام قوانين الحكومة وأوامرها من سعادة الأمة) يتوصل إلى أن البلاد "تسعد ويستقيم حالها، إذا ارتفع فيها شأن القانون" .

إن جوهرية القانون بالنسبة لمحمد عبده تستند إلى فلسفة إصلاحية تناسبها. كما أنها تنبع من فكرة الإصلاحية نفسها بوصفها فلسفة البناء الذاتي للدولة والأمة والعلاقة المعقولة والضرورية بينهما. في مجرى تناوله قضية علاقة القوة بالقانون، نراه ينطلق من أن استعمال القوة هو مصدر الاستبداد والانحراف الأخلاقي. ووضع هذه المقدمة في أساس نقده الذاتي والثقافي الإنساني. بمعنى نقده العميق أيضا للتجربة العربية والإسلامية والأوربية الحديثة. وأعتبر استعمال أو هيمنة القوة على الحق مصدر الخلل في الوجود الإنساني. وأعتبرها حالة شبه عامة في تاريخ الأمم. من هنا تشابه النتائج القائمة فيما اسماه محمد عبده "بإحداث القبائح"، بوصفها النتيجة المترتبة على استعمال القوة وإهمال القانون.

لقد وجد محمد عبده في إهمال القانون مصدر تخريب القوى السلمية والسليمة في الإنسان السلمية. من هنا أهمية القانون. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه لولا كسر القانون لسورة النفس وتذليل صعوبتها "لما أشرق نور الحق على صفحات الوجود، ولا تمتع الإنسان في الأزمان الأخيرة بلذة الراحة والسعادة. فالحق للقانون لا للقوة" . بل نراه يتوصل إلى أن الالتزام بالقانون هو مصدر التقدم والإرتقاء بما في ذلك العلمي. والعكس هو الصحيح. أما الاستبداد فهو مصدر الانحطاط، "الذي ضرب عن القانون صفحا، وطوى عنه كشحا فهو على مرذلة أخلاقه، وبساطة أفكاره يصبح مضغة تحت أضراس الظلم ويمسي كرة لصولجان البغي" .

إن بلوغ الفكرة القانونية ذروتها السياسية في نقد الاستبداد عند محمد عبده لم يكن جزء من تقاليد العقائد السياسية والأيديولوجية، بقدر ما كان تراكما في فلسفة التأمل العميق للتاريخ وتجارب الأمم والفكرة القانونية وفلسفة الحق. ومن الممكن العثور على هذا التراكم في الفكرة المكثفة التي وضعها بهذا الصدد عندما كتب يقول، بأن "تأمل الكون الأعلى وما فيه من الكواكب والشموس والأقمار، ثم إذا نظرنا إلى العالم الأسفل وما احتوى عليه من نبات وحيوان يشهد في الجميع لكل نوع منها قانونا خاصا في سير وجوده، تقوم البراهين على أنه لو أنحرف عنه لحكم عليه سلطان القهر الإلهي بالعدم والانقلاب" . ونعثر في هذه الرؤية على فكرة تأسيس ضرورة القانون (الإنساني) بالاستناد إلى رؤية وجودية طبيعية. وهو السبب الذي دعا الحكماء والأنبياء على مرور الزمن، كما يقول محمد عبده، بالتشديد على أهمية القانون من أجل حفظ الوجود. وذلك لأنه "من تخطى حدود هذه الحقائق رماه القهر الإلهي بسهام لا يخطى رماها" . والحصيلة هي أن "القانون سرّ الحياة وعماد سعادة الأمم. فإذا أرادت أمة إعادة مجدها فلا بد لها من إعادة شأن القانون، فتشيد ما هدمته يد الغرور وبددته سطوة الفجور" .

إن بلوغ الفكرة السياسية الإسلامية ذروتها من خلال تأسيس وتحقيق فكرة القانون والحق هو الوجه الآخر لإدراك أهميتها بالنسبة للبناء الذاتي. من هنا الربط العضوي بين فكرة القانون والحق والتاريخ الواقعي للأمم. بمعنى ربط محمد عبده لفكرة القانون والحق الإصلاحية بضرورة تحقيقها المتدرج والعقلاني والواقعي بتراث الأمة وواقع العالم العربي (ومصر خصوصا). وانطلق بهذا الصدد من فكرة فلسفية عامة تقول، بأن "أحوال الأمم هي المشرع الحقيقي" . وأستند في فكرته هذه إلى تجارب الأمم بشكل عام والفرنسي بشكل خاص. إذ وجد في تجربة فرنسا ما بعد الثورة نموذجا لتحقيق هذه الفكرة عندما أعتبر كل تطورها لم يكن بأيدي أهل الحل والعقد، بل بأيدي الناس. بل ونسمعه يقول، بأن "القانون الحقيقي هو القانون المسنون حسب الرأي العام" . وأن "أفضل القوانين هي ناشئة عن الرأي العام للأمة"، أي "المؤسسة على مبادئ الشورى. وأن الشورى لن تنجح إلا بين من كان لهم رأي عام يجمعهم في دائرة واحدة" . وبالمقابل نراه يشدد على أن "من عجّل بشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه". بمعنى إدراكه لرفض التقليد واستنساخه المباشر بما في ذلك في ميدان القانون والحق، مع أنها الصيغة الأكثر كمالا للحرية المجردة من ضيق الرؤية والمصالح. لكته يعكس في نهاية المطاف ليس فقط تجارب الأمم بل ومستوى إدراكها الفعلي لماهية القانون ومتطلباته الحيوية المباشرة. لهذا نرى محمد عبده يشدد على ضرورة البدء بالقانون وتوسيع مداه ونطاقه وتربيته في النفوس والعقول والتجارب الخاصة . وأسس لموقفه هذا في فكرته القائلة بالوحدة العميقة والدفينة بين الأخلاق والقانون، بوصفهما وجهان للتربية والتجربة الذاتية في تطور الأمم. لهذا نراه يشدد على وحدة القوانين والأخلاق من أجل نقل المرء من حالة التكليف إلى حالة العادة. وبالتالي تحويل الأخلاق الفاضلة إلى أسلوب حياة الناس والدولة . من هنا ضرورة القضاء على تشتت القوانين لما فيه من مضرة على المصلحة العامة. بل ودعوته إلى تجميعها وتوحيدها ونشرها والعمل بها وذلك لما له من أثر وقيمة وفاعلية في توحيد المجتمع والدولة والأمة والفكرة القانونية وقيم الحق والعدالة. وهذا بدوره ليس إلا المقدمة الأولية. وما بعدها تنفيذ ما يجري سنّه من قوانين. فالجوهري ليس إصدار القوانين الجيدة بل تنفيذها وتجديدها، كما يقول محمد عبده. ووضع هذه النتيجة في نقده اللاذع لحالة مصر المزرية آنذاك بهذا الصدد. وليس مصادفة، على سبيل المثال، أن نراه يعتبر الأخذ عند سنّ القوانين وتنفيذها بمراعاة الحالة الاجتماعية والمعرفية. وعندما طبق ذلك على حالة الزراعة والمزارعين في مصر آنذاك، فإننا نراه يقول أيضا بضرورة استعمال الأساليب العقابية الشديدة من أجل توطين النفوس على العمل (الزراعة).

لقد أدت الحصيلة المتراكمة لفلسفة محمد عبده الإصلاحية إلى بلورة ما يمكن دعوته بفكرة "الروح الليبرالي"، أو على الأقل ملامحه الأولية. وقد يكون جمعه وترتيبه لمحاضراته في كتاب (رسالة التوحيد) آخر حياته أحد مؤشرات هذا التحول الخفي. ففيه نرى أول ملامح تطويع فكرة التوحيد ضمن سياق رؤيته الإصلاحية، أي تحريرها من الاختمار بمعايير الرؤية السياسية. ومن الصعب القول فيما إذا كان سعيه هذا يتسم بقدر كبير من الوضوح بالنسبة له شخصيا، إلا أن منطق الإصلاحية والنسبة المتكافئة للاعتدال في تفكيره وشخصيته تجعل من هذه الفرضية أمرا ممكنا. كما نراه أيضا في "منظومة" العمل التربوي والإصلاحي المعرفي والثقافي والهدوء السياسي. غير أن صعود الحكمة لا يعني نفي أو انعدام الوجدان السياسي وبرودة الروح السياسي، بقدر ما يعني تحول الفكرة الإصلاحية صوب تأسيس المرجعيات الكبرى القادرة على تأسيس صرح الإصلاح الحقيقي. إذ نعثر عنده على قوة الروح السياسي ومساعيه النقدية الحادة حتى آخر لحظات حياته، كما هو جلي في (رسالة من السجن) و(رسالة إلى تولستوي) التي كتبها عام 1904، أي قبيل وفاته بقليل.

ففي (رسالته من السجن) نقف أمام شخصية حرة قوية أخلاقية تواجه رذيلة عصره بقلب ممتلئ بمتناقضات الوجود. لكنه يعطف عليه كما لو انه يعطف على ما فيه. وفيها أيضا تبرز بوضوح ماهية القلق الدفين فيه. بحيث نراه يضع في بدايتها أحد الأبيات الشعرية العميقة والمرهفة:

تقلدتني الليالي وهي مدبرة    كأنني صارم في كفّ منهزم

وهي حالة تتصف بقدر هائل من التناقض المقلق للعقل والضمير. وفيها يمكننا رؤية صراعه النفسي والعقلي ووجدانه العارم في مواجهة النفس والآخرين، والمجتمع وقيمه، والدولة ونظامها السياسي، والحاضر والمستقبل. فعندما يصور حالته فإنه يشير إلى انه يقبع في واقع اشتد فيه "ظلام الفتن حتى تجسّم، بل تحجر! فأخذت صخوره من مركز الأرض إلى المحيط الأعلى. واعترضت ما بين المشرق والمغرب، وامتدت إلى القطبين فاستحجرت في طبقاتها طباع الناس" . وهي حالة جعلت من الممكن أن تتدحرج أمام عينيه رؤية الملامح الخشنة لما يمكن دعوته باليأس الجميل. ففيها نقرأ كيف انه وجد نفسه في موقع "لا يأتي البصر على أطرافه، في ليلية داجية غطي فيها وجه السماء بغمام سوء، فتكاثف ركاما ركاما. لا أرى إنسانا، ولا أسمع ناطقا، ولا أتوهم مجيبا. أسمع ذئابا تعوي، وسباعا تزأر، وكلابا تنبح، كلها يطلب فريسة واحدة هي ذات الكاتب. وألتفّ على رجلي تنينان عظيمان، وقد خويت بطون الكلّ، وتحكم فيها سلطان الجوع. ومن كانت هذه حاله فهو لا ريب من الهالكين" .

لقد واجه محمد عبده عصره ومعاصريه بروح التحدي، وكشف عما في أعماقهم من خواء كان يسعى لانتزاع ما فيه من جرأة وإرادة حية حرة. لقد أدرك بالحس والعقل والحدس، بأن المطلوب هو وذاته. لهذا لم يجد في هذه المساعي الخربة غير سقوط الهمم وخراب الذمم، وغيض ماء الوفاء، وطمس معالم الحق، وتحريف الشرائع، وتبديل القوانين. بحيث لم "يبق إلا هوى يتحكم، وشهوات تقضي، وغيض يحتدم، وخشونة تنفذ. تلك سنة الغدر" . وليس مصادفة أن يجدوا في حبسه، أي عندما يصبح اغتيال العقل الحر والضمير الحي غاية كبرى وفضيلة عظمى! من هنا استغرابه وإدانته بقدر واحد لهذا السلوك كما وضعه في عباراته القائلة:"لا يطلبون ذلك لغامض يبينونه، أو لمستور يكتشفونه، أو لحقّ خفي فيظهرونه! كلا! بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوه غير مخطئين. وقد وجدوا لذلك أعوانا من حلفاء الدناءة، وأعداء المروءة، وفاسدي الأخلاق، وخبثاء الأعراق" . ومقابل ذلك تقف نفسه الأبية وشخصيته الاجتماعية والوطنية والقومية الإنسانية كما لو أنها شمعة تحترق في ظلام الأطلال الخربة للفرد والجماعة والدولة والأمة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن معظم قلبه قد "ذاب من الأسف على ما يلمّ بالهيئة العمومية من مصائب هذه التقلبات، وما ينشأ عنها من فساد الطباع الذي يجعل العموم في قلق مستديم" .

وأمام هذه الكارثة التي تواجه الفكرة الإصلاحية الكبرى وشخصياتها عادة ما تنتفض النفس حتى النهاية كما لو انه "القربان" الذي لابد منه من أجل وضع أسس الهيكل الروحي الأخلاقي والعقلي للبدائل. ونعثر على كل هذه الحالة في الحوار العميق الهائج مع النفس. فنسمعه يقول "هل أتأسف إن كنت سبّاقا إلى الخيرات؟ هل أتأسف إن كنت مقداما في المكرمات؟ هل أتأسف إن كنت شجاعا في الدفاع عن ذوي مودتي؟ هل أتأسف إن كنت أبيا أغار أن ينسب مكروه أو ذل لأولي صلتي؟ هل استحق العقاب على حبي لبلادي والناس لها كارهون؟. والله لن يكون ذلك. ولم ازدد في سبيل الفضيلة إلا بصيرة، ولم ازدد في المحافظة عليها إلا ثباتا. ولئن عشت لأصنعن المعروف، ولأغيثن الملهوف، ولأنقذن الهاوي في حفرة الغدر" .

وإذا كانت حالته تبدو في مظهرها، أي في أحوالها المادية كما قال عنها "أعجز من المُقْعِد عن طلوع النخل، ومن المفلس عن حرية التصرف"، لكنه واجه كل ما ينبغي مواجهته بعبارة صريحة وموقف واضح وضعه في عبارات مقتضبة يقول فيها: "أقول لكم! إن الحوادث المريعة سوف تنسى، وأن هذا الشرف سوف يردّ. ولئن أبت طبيعة هذه الأرض بخسّتها أن يكون لها من عوده نصيب، فليعودن في بلاد خير منها، ولأجذبن إلى المجد أحبتي، ومن إلى المجد ينجذبون" .

بينما نراه في رسالته إلى ليف تولستوي التي كتبها عام 1904، أي قبل وفاته بقليل يعيد من حيث الجوهر مضمون فكرة التحدي الإصلاحية بوصفها فكرة إنسانية وضرورية. فالمضمون العميق لهذه الرسالة ليس فقط في محتواها الذي يتقاسمه محمد عبده نفسه، بل في كونها موجهة من إمام مسلم لأديب نصراني، وجد في سلوكه وفكره ومواجهته للتقليد ودفاعه عن الفكرة الإنسانية قدوة للاعتبار. فنراه يشير فيها إلى انه بالرغم من عدم معرفة شخصه بشكل مباشر، لكنه يحرم التعارف بروحه. ويقيم عاليا موقف تولستوي من محاربة التقليد في العقائد والأديان بإرجاع مضمونها إلى الأصل، أي إلى ما اسماه بحقيقة التوحيد. بل ويطالبه قائلا: "فكما كنت بقولك هاديا للعقول، كنت بعملك حاثا للعزائم والهمم". وانه "أعظم جزاء نلته على متاعبك في النصح والإرشاد هو هذا الذي سموه "بالحرمان" و"الإبعاد". فليس ما كان إليك من رؤساء الدين سوى اعتراف منهم أعلنوه للناس بأنك لست من القوم الضالين. فاحمد الله على أن فارقوك بأقوالهم، كما كنت فارقتهم في عقائدهم وأعمالهم" .

لقد كانت مواقفه الأخيرة هذه تعكس مسار التجربة الشخصية وفردانيتها العميقة، أي كل ما ميّز إبداعه النظري والعملي. ومن الممكن العثور على ذلك في الأصداء غير المكتملة لسيرته الذاتية، التي تحتوي في ذاتها على صورة رمزية أو إيماء تأويلي على انقطاع الفكرة الإصلاحية وروحها الليبرالي. ومن ثم إمكانية تأسيس الدنيوية الإسلامية، أي كل ما يشكل القاعدة الضرورية لتراكم الحكمة التاريخية في الموقف من النفس والبدائل بطريقة تتمثل رحيق التجربة القومية. وإذا كانت هذه الفكرة تحتوي على قدر من الاحتمال والظن، فإنهما يبقيان كما يقال ضمن سياق الرؤية الواقعية. لاسيما وأن المسار التاريخي للفكرة الإصلاحية ونهايتها المتكسرة في ضعف تأثيرها وتطورها التقائي اللاحق، وانهزام تراثها الذاتي، واغترابها الفعلي في تيارات الفكر الجديدة، يكشف عما في هذه الفرضية من أصول واقعية. والسؤال الذي يظهر هنا من أجل فهم الأبعاد المقطوعة في أنغام المقطوعة الإصلاحية هو لماذا تظهر فكرة السيرة الشخصية عند محمد عبده؟ وما هي طبيعة التحول الذي جعله يكتب عن نفسه؟ ومن الممكن العثور على الإجابة الحقيقية على هذه الأسئلة من خلال تحليل الأبعاد الدفينة في السيرة نفسها. فإذا كانت شخصية محمد عبده تتسم بقدر كبير من الهدوء الظاهري والعنفوان الباطني، أي عدم تناسب الظاهر والباطن، فلأنها الصيغة النموذجية لعوالم الشخصيات الكبرى، بمعنى أنها النتاج الملازم لقوة الإرادة في ضبطها هياج الروح النظري والعملي. لهذا نراه ينظر إلى فكرة الكتابة عن النفس في بداية الأمر بمعايير النقد الذاتي. بمعنى النظر إلى هذه المهمة برؤية عقلانية أخلاقية. لكنه سرعان ما يذلل طابعها "الخجول" و"المتواضع". فهو لم يفكر في بادئ الأمر بكتابة سيرة ذاتية. بل استهجنها. ويعكس هذا الموقف بدوره بقايا الاستهجان الأخلاقي والنفسي للأنا الشخصية. وليس مصادفة أن يشدد محمد عبده بما في ذلك في جدله الكلامي والفلسفي على أولية الوجود ومظاهره. بمعنى أن هذا الاعتراض والتمنع والرفض الأولي لم يكن أكثر من بقايا التأثير الشديد للورع الذي ينتزع حقيقة الشخصية بوصفها فردا، أي فردانية المرء. من هنا فكرته عن "أن وقت اصرفه في حكمة استفيدها خير من زمن أنفقه في قصة أستعيدها". لكنه سرعان ما يعيد النظر في فكرته هذه بعد لقائه بأحد "الغربيين" الذي يشرح له قيمة هذا النوع من الكتابة. عندها يستذكر قول النبي محمد "لا تحقرّن من المعروف شيئا". واستكمل هذه الملاحظة بفكرة نقدية ايجابية لتجارب الأوربيين بهذا الصدد التي وجد فيها تقييما وتقديرا للفرد بوصفه جزء من رؤية عقلانية وأخلاقية وإنسانية محكومة بمعايير الحق، كما نعثر عليها في قوله "أولئك قوم يعرفون الأقدار، ويقدّرون الآثار، ولا يبخسون شيئا حقه، ولا ينكرون عليه ما استحقه ويطلبون المنفعة في كل شيء".

لقد استطاع محمد عبده الخروج السريع من تناقضات النفس وهو في عمر الشيخوخة. بمعنى قدرته على تذليل الفارق التاريخي في تجارب الأمم من خلال إرجاعه إلى صيغة نموذجية ورفيعة للفكر والمنطق. فالسيرة لم تعد بالنسبة له قضية شخصية بقدر ما هي قضية فكرية وتاريخية وثقافية وإصلاحية بقدر واحد. وحقق، وإن بصورة لم تكتمل، المهمة الأولى بهذا الصدد والقائلة، بأن كل صعود متسام للفردية هو تمثل متنوع وخاص للتجربة التاريخية. وبالتالي فإن السيرة الذاتية الكبرى فردية بمعالم العبارة، تاريخية بمعالم الفكرة. وعلى قدر تلاقيهما في تأسيس مرجعيات وعي الذات القومي والثقافي والإنساني، ترتقي قيمتها الفعلية.

فقد أخذ محمد عبده بكتابة سيرته الذاتية من منطلق إدراكه لقيمتها الحقيقية باعتبارها تجربة تاريخية وليست جزء من تقاليد المراقبة النفسية الأخلاقية. لقد وجد فيها معيارا ومرآة للعقل النقدي والعبرة التاريخية. من هنا قوله "فما أنا ممن تكتب سيرته، ولا ممن تترك للأجيال طريقته. فاني لم آت لأمتي عملا يذكر، ولم يكن لي فيها إلى اليوم أثر يؤثر، حتى أكون لأحد منها قدوة، أو يكون لأحد فيّ أسوة". وبهذا يكون محمد عبده قد أسس لضرورة إدراك قيمة النفس على خلفية ما هو موجود. من هنا معاناته وإصراره بقدر واحد في مواجهة الآذان الصماء، كما هو جلي في عباراته القائلة، بأنه يسعى يوميا لقول ما ينبغي قوله بينما هم "يسمعون ما بين عابث بلحيته، ولاه بكبريائه وعنجهيته، ومغرور بمقامه ورنينه، ومعجب بسنه وشيخوخته". وليس مصادفة أن تصبح مهمة نقد النفس وإجبارها على جلد المصابرة أمام تحديات الزمن العابر من أجل صنع التاريخ الفعلي المهمة الملهمة لمحمد عبده. فقد أوصله وعي الذات النقدي إلى إدراك قضيتين كبيرتين وهما سئمه الاستمرار على ما يألفه الناس، وارتفاع صوته صوب "أمرين عظيمين" أولهما وأكثرهما أهمية يقوم في "تحرير الفكر من قيد التقليد". وأدخل في هذا الأمر ست مبادئ كبرى وهي: فهم الدين على طريقة سلف الأمة قبل ظهور الخلاف; والرجوع في فهم كسب المعارف إلى ينابيعها الأولى; والمعرفة ضمن موازين العقل البشري; ومهمة الدين حفظ نظام العالم الإنساني; والدين صديق للعلم، وبالتالي ضرورة البحث عن أسرار الكون; واحترام الحقائق الثابتة والتعويل عليها في أدب النفس وإصلاح العمل. ووضع كل ما أراد قوله وما لم يستطع إتمامه بهذا الصدد في عبارة وجيزة تعكس حالة الانتظار القلق في مسار الفكرة الإصلاحية عندما كتب في "سيرته" قائلا:"إنني في كل مواقفي من المجتمع والدولة لم أكن الإمام المتبع، ولا الرئيس المطاع. غير إنني اكتب بروح الدعوة" . ووجدت هذه الروح ملاذها الأخير وتعبيرها الخاص في كتابه (رسالة التوحيد).

 

ا. د. ميثم الجنابي

 

يختلف الباحثون في النظر إلى أسباب الصراعات القديمة والحديثة فمنهم من يرجح كونها أيديولوجية أو دينية ومنهم من يميل إلى الطبيعة الاقتصادية لتلك العوامل، كما أن هذه العوامل قد تتفرع إلى مؤثرات جغرافية وتاريخية ومذهب وفكرية..الخ، وهناك توجهات عديدة للتفسير والدليل، منها التفسير المادي للتاريخ، فبموجب رؤية كارل ماركس، فإن الاقتصاد هو العامل المؤثر في حركة التاريخية التغيير الاجتماعي ومايترتب عليه .أما التفسير المثالي فإنه يستند على معطيات دينية وأخلاقية وعربية تعمل ضمن بيئات معينة على منديات إمكانية ومكانية لتؤسس للصراعات أو الحروب .

إن التفسير الرأسمالي -وكان أرى -لايولى اهتماما كبيرا للأسباب بقدر ما يركز على مفاهيم الملكية والفردانية والحرية باعتبارها قيما أخلاقية .

قد يكون من المناسب الإشارة هنا إلى أن مفهوم خير الأمم قد يترتب عليه فعل أو فهم أو مبنى فكري ربما تسبب في كثير من الحالات في صراعات أو حروب على مدى التاريخ البشري، كما أنه من المفيد الإشارة إلى علاقة مفهوم خير الأمم بمفهوم الشخص الفاضل أو الأفضل أو المعصوم أو خير البرية أو خير البشر..الخ وصولا إلى الإنسان الأسطوري او الإنسان الإله كليا أو جزئيا كما ورد في الملاحم الكبرى، على الرغم من أن تأثير هذا المفهوم في الصراعات ليس كبيرا بالمقارنة مع مفهوم خير الامم، فانه يبدو أن العلاقة بين هذين المفهومين هي كالعلاقة بين علمي الاجتماع وعلم النفس فلكل من العلمين منظومته الخاصة ومنهجه العلمي رغم أن العلمين يهتمان بسلوكيات ودوافع الإنسان الفرد (علم النفس) أو الجماعة (علم الاجتماع). وفيما يأتي محاولة لاستعراض مختصر لبعض الأفكار التي تؤسس لهذا الموضوع وفي مختلف الحضارات المهمة ..

تشكل الطبقية أساسا مهما ومعلما واضحا من معالم المجتمع الهندوسي يكون فيها البراهمة صفوة الخلق، وقد الحقوا بالالهة، ولهم أن ياخذوا من أموال عبيده ما يشاؤون، وعلى الرغم من أن الديانة البوذية تطورت تاريخيا عن عن الديانة الهندوسية إلا أنها تتبنى فيما تتبناه جوانب أخلاقية مرتبطة بالتقشف والتحمل ونبذ الكراهية، وبهذا فلا يمكن للمتتبع أن يرصد أيا من الجوانب الاجتماعية المرتبطة بمفهوم خير الأمم أو الفردانية المرتبطة بأفضل الخلق

يعتقد الكثيرون بان الحضارات الأميركية القديمة كالأنكا والمايا والأستيك متصلة عرقيا بشكل أو بآخر بحضارات الصين أو شرق آسيا على ضفة المحيط الهادي الأخرى، فالدلائل متوفرة على أن الإنسان كان قد عبر المحيط الهادي قديما بالفعل وهذا ما حاول إثباته عالم الآثار والانثروبولوجيا التاريخية النرويجي السيد تور هيردال في رحلته الشهيرة إلى جزر البولونيز ..إن هذا التشابه العرقي والحضاري كان ليؤدي إلى متبنيات فكرية متشابهة بما فيها القضية قيد البحث، فلم يرد ما يثبت تبني تلكم الأقوام ايه عقيدة عنصرية أو تدين يشي باعتقادهم الصريح أو الضمني بمبدأ خير الأمم أو أفضل الخلق وهم الذين عرف عنهم تقديمهم الأضاحي البشرية للالهة في طقوسهم الدينية، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن الكثير من تراث تلك الأقوام كان قد دمر على يد الغراة الأسبان في القرن الخامس عشر وما تلاه الأمر الذي نتج عنه فقدان الكثير من المعلومات عن تلك الحضارات، ناهيك عن فقدان الكثير الآخر بسبب طبيعة تلك الأمم التي تناقلت ذلك التراث شفاهيا، فعلى سبيل المثال، فإن حضارة الانكا لم تكن لديها أبجدية معروفة .

وعلى الرغم من ان هيرودتس كان يعتقد بان الفرس يرون بانهم خير الناس جميعا من جميع الوجوه وان غيرهم من الامم تدنوا من الكمال بقدر ما يقترب موقعها الجغرافي من بلاد فارس وان "شر الناس ابعدهم عنها" فان هذا التاويل المبني على اسس جغرافية او بيئية له ما يشابهه، فقد اشار ابن خلدون الى اثر البيية على شكل الانسان وسلوكه ووعقله او فطنته وحتى دينه ..لكن ارنولد توينبي يقدم تفسيرا سلوكيا للمسالة برمتها، هذا التفسير يستند الى المنتج (الحضاري) المادي والأخلاقي والسلوكي المتسبب عن التفاعل بين التحدي والاستجابة، ونحن هنا لسنا بصدد نقد النظريات بقدر ما نحن نستعرضها ونشير اليها فقط .

وبهذا فان القصة الحقيقية للتفضيل بين الأعراق والثقافات والأديان بدأت بعد نشوء ما اصطلح عليه بالأديان السماوية أو الابراهيمية وهذا ما نود التركيز عليه، وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الأفكار بمجملها ليست نتاجا مجردا لسلوك اجتماعي ليس فيه للسياسة والاقتصاد والبيئة كبير تأثير وهذا ما أشرنا إليه بنحو الإجمال في مقدمة هذا المقال..وعليه فلابد من الالتفات إلى نشوء تلك الأفكار في بيئاتها المختلفة في الدول والامبراطوريات السائدة في حينها.

إن التقسيم الطبقي الاجتماعي الذي كان سائدا إبان الإمبراطوريتين الإغريقية والرومانية كان ناتجا طبيعيا لانتصاراتهما العسكرية في تلك الفترة الأمر الذي تمخض عن حركات فكرية عنصرية تبنت التفوق العرقي لتلك الأمم حيث مازالت هذه الحركات تنتج صداها العنصري عند الأوروبيين والأمريكان حتى وقتنا الحاضر.لقد صنف السكان إلى أربع طبقات على أساس الثروة، ويمكن للناس تغيير طبقاتهم اذا كتبوا المزيد من المال، لقد تبنت الإمبراطورية الرومانية لاحقا الديانة المسيحية التي سرعان ما سيرتها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

إن أوضح التجليات لمفهوم خيرالامم والشعوب هي مفهوم الحلولية والشعب المختار، والحلولية هي الاعتقاد بأن الإله يحل بعض بني الانسان وان فكرة الشعب المختار أو الشعب الكنز هي الاعتقاد الفكري بإيمان اليهود بأنهم شعب مختار وفق النسق الديناميكي اليهودي وتعبير آخر للطبيعة الحلولية التي تشكلت داخل المنتظم اليهودي وتموضعت فيه.

لقد عرفت الحلولية في المسيحية أيضا، حيث يعتقد المسيحيون أن الله حل في السيد المسيح وان الثالوث الحلولي هو الإله و الأرض والشعب، إذ يحل الله في الأرض لتصبح أرضا مقدسة ومركزا للكون، ويحل في الشعب فيجعله مختارا وازليا ومقدسا، ولابد من القول بأن مبدأ الشعب المختار عند اليهود يستوجب وفق المعتقد تفوقا عرقيا اما عند المسيحيين فإن مبدأ فكرة شعب الله لا تتضمن الاختيار بالضرورة .

وعند مجيء الإسلام في القرن السادس الميلادي فقد كذب ادعاءات اليهود والمسيحيين بأنهم أبناء الله وأحبائه على الرغم من أنه أكد أفضلية بني إسرائيل (يعقوب) على الناس جميعا، إلا أنه سرعان ما فسر ذلك التفضيل بأنه تفضيل عطاء ونعمة ومنة قبل خيانتهم للعهد.

لقد أدى مفهوم خير الأمم إلى إشكاليات عديدة لدى متبنيه من الشعوب ولدى شركائهم في التاريخ والجغرافيا تجلت في صراعات وحروب غالبا ما استغلت أيديولوجيا وسياسيا، ويقر القران الكريم بذلك في النص القرآني (كلما اتت امة لعنت اختها)، في حين نجت بشكل عام الأمم التي لم تكن لتحاول شيطنة أو لعن أو ازدراء أو الحط من الشعوب الأخرى.

لقد كان الاستغلال السياسي واضحا في الحروب الصليبية والأنشطة المعادية للسامية (اليهود) والتطهير العرقي والأفعال النازية وممارسات اليهود ضد العرب الفلسطينيين كما أن الرئيس الأميركي جورج بوش كان قد تحدث عن تبنيه لحرب مقدسة صليبية عشية غزوه للعراق عام 1991 سرعان ما اسكته مستشاروه وذكروا له بأنه لم يكن موفقا تماما في اختاره للمفردة (صليبية) التي تشتمل على حساسية كثيرة في مجمل منطقة الشرق الإسلامي.

إن كلا طرفي النزاع العربي الإسرائيلي استعمل مفهوم خير الأمم من خلال تبني اليهود لفكرة شعب الله المختار أو تبني العرب او المسلمين لتاويل الآية (كنتم خير أمة ) في صراعه مع خصمه على الرغم من أن ذلك الاستعمال كان يهدف إلى أغراض تعبويه أكثر منها فكرية أو واقعية...

لقد اختلف فقهاء المسلمين كثيرا في تحديد مفهوم (خير امة) الواردة في سورة آل عمران (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون باللة)، حيث يشار إلى أهم المناحي والتوجهات التاويلية في من هم مدار الخيرية وأسبابها:

1) هم الذين هاجروا مع النبي محمد (ص) من مكة إلى المدينة.

2)الآية نزلت في جماعة محددة هم:عبد الله بن مسعود مولى أبو حذيفة وأبي ابن كعب و معاذ بن جبل.

3) الأولون فقط حسب رواية عمر بن الخطاب (رض) "تكون لأولنا ولا تكون لآخرنا.

4) هم الذين يؤدون شرط الله منها (أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان ب الله)

5) أصحاب رسول الله (ص)

6) المشمولون بخطاب (تأتون بهم في السلاسل تدخلونهم في الاسلام.

7 ) تأويلها لأنهم أكثر الأمم استجابة للإسلام.

أما فيما يخص شروط (الخيرية) الثلاثة مدار الآية، ففيها الكثير الآراء والتفسيرات، أي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكذلك الإيمان باللة لكن الشائع منها هو أن المعروف هو ما تعارف عليه الناس من فعل أو قول حسن وهو أمر عقلاني تستحسنه النفوس على العكس من المنكر ..كما أن هناك اختلاف أيضا في من تقع عليه هذه المهمة كمسؤولية شرعية أو حتى اخلاقية..فمن الفقهاء والمفسرين من ضيق ومنهم من وسع ومنهم من اشترط..هذا من جهة ومن جهة أخرى فقد امتد الخلاف إلى الفعل الماضي (كنتم) حيث قصره البعض وخصصه بزمن النزول ومنهم من مد الحكم الشرعي به بشكل مفتوح ..

(8) يذهب مفسرو وفقهاء الشيعة إلى قراءة ينسبونها إلى الأمام علي (ع) "كنتم خير أئمة أخرجت للناس ويقصرون شمولها بآل محمد واؤصيائه.

9) هناك آراء غير تقليدية لاتعمد على النقل بل تستند إلى العقل والمنطق . في تأويل النصوص الدينية والنصوص التاريخية، وفي الفكر الإسلامي بدأت محاولات جادة بشكل مبكر على يد الكثير من المفكرين أو الجماعات ومنهم الحلاج وابو حيان التوحيدي والمعتزلة وإخوانه الصفا وغيرهم، صحيح أن هذه الآراء حوربت في حينها إلا أنها برزت إلى الساحة الفكرية في القرن التاسع عشر والعشرين على يد مجموعة من المجددين المسلمين كعبد الرحمن الكواكبي ومحمد عبده وجمال الدين الأفغاني وغيرهم وقد امتد هذا العمل الفكري إلى وقتنا الحاضر ليشكل تيارا إصلاحية مهما على يد محمد أركون ومحمد شحرور ونصر حامد أبو زيد وعدنان ابراهيم ويوسف الصديق واحمد الكاتب وغيرهم...وعلى الرغم من أن هذا التيار له تأثير كبير في الفكر الإسلامي المعاصر إلا أن هؤلاء العلماء والمفكرين لم يتبنوا خطأ أيديولوجيا واحدا ولهذا السبب فإننا نستعرض مثا لا واحدا هو رأي د.محمد شحرور الذي يتبنى مبدأ مهما هو عدم قبول الترادف في النص القرآني، فهو يميز بدقة بين الأمة والقوم والشعب، فما يميز الأمة برأيه هو وحدة السلوك والقناعة لمجموعة من الناس..كما هي حالة المسلمين (المؤمنين)الذين توحدهم القبلة والصوم والشعائر الأخرى. أما القوم، فواحدها امرئ وهي تطلق على اللسان وليس الدم أو العرق..فأمة محمد هي المسلمين وقومه هم العرب.اما الشعب فهو مجموعة من الناس تضم أمم وأقوام لها وحدة اقتصادية واجتماعية ومرجعية قانونية واحدة. كما أن الدكتور شحرور يرى أن مفهوم الاسلام أكثر شمولا من أتباع الرسالة المحمدية وبهذا فإنه لا وجود عرقي أو ديني أو اجتماعي لمفهوم (خير امة).

وخلاصة القول فإنه يبدو من هذا الاستعراض المختصر لهذا الموضوع الشائك والممتد زمنيا أن هناك نوعان من التناول والتعاطي الفكري والاخلاقي:أولهما : التعاطي المجرد الذي يعتبر الدين والمعتقد باعتباره معادلة رياضية أو عنصرثابت محدد المعالم بدقة متناهية ليس فيها اعتبار للتغيير لاحقا ..الثاني هو فسح المجال لإعادة النظر في مفاهيم ونصوص دينية وتاريخية لأسباب قد تكون عقلية اومنطقية أو برجماتية من شأنها أن تعمل على إشاعة أكبر قدر ممكن من الأمن الاجتماعي والإنساني دون التضحية بالنصوص المقدسة 

 

حسن الشرع

 

 

 

 

 

 

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة (19) 

لقد كان التوجه العميق والتلقائي في تأسيس العقل الثقافي الذاتي النتيجة الملازمة لصعود الرؤية النقدية. فالإصلاحية نقدية بالضرورة. والإصلاحية الإسلامية ليست نقدية فحسب، بل وتلقائية من حيث اختمار أفكارها وقيمها ولحد ما منهجية رؤيتها الوثيقة الارتباط بتجارب الأسلاف وقيم الثقافة الغابرة. لكنها ليست تقليدية. وليس مصادفة أن يتحول نقد التقليد إلى إحدى أهم المقدمات المنهجية والنظرية في الفكرة الإصلاحية. غير أن ما يميز الفكرة الإصلاحية الإسلامية لمحمد عبده هو استنادها الدائم على رؤية ثقافية إسلامية عقلانية وواقعية وإنسانية، أي أنها كانت تعتمد أولا وقبل كل شيء على أولية وجوهرية الموقف الثقافي.

فقد رفع محمد عبده فكرة النقد إلى مصاف الفكرة المتسامية. بحيث نراه يقول "الانتقاد نفثة من الروح الإلهي في صدور البشر"[1]. بل واعتبرها مصدر التطور وشحذ المعرفة وتدقيقها. كما أكد على انه بدون النقد لا تتوسع المعارف ولا تتجلى الحقائق ولا يعرف الحق من الباطل[2]. وإن عدم الاستماع إلى النقد أو رفضه ومحاربته هو دليل على موت الروح والعقل. وليس مصادفة ألا يترك أية ظاهرة تخل بإمكانية الإصلاح أو عرقلته أو إعاقته دون أن يتطرق إليها بالنقد العميق واللاذع. إلا أن موقفه المنهجي ظل متماسكا حتى النهاية فيما يتعلق بوضعه التقليد والجمود الفكري والعقلي في أساس التخلف والانحطاط.

انطلق محمد عبده بنقده أولا للجمود الديني واستكمله بنقد مختلف مظاهر الجمود بوصفه الوجه الآخر للتقليد. إذ أن كل منهما يحدد ويمد الآخر بقوته المخربة للعقل والضمير. من هنا اعتباره الجمود جناية. فنراه يتكلم عما اسماه بجناية الجمود على النظام والاجتماع، وجناية الجمود على الشريعة وأهلها، وجناية الجمود على العقيدة وغير ذلك. ووضع في الجناية الأولى "جناية التفريق وتمزيق نظام الأمة وإيقاعها فيما وقع فيه من سبقها من الاختلاف وتفرق المذاهب والشيع في الدين"[3]. أما في جناية الجمود على الشريعة وأهلها فوجدها في انقلاب المضمون والوظيفة العملية للشريعة. انطلاقا من أنها كانت في الأصل يسيرة وأصبحت الآن عسيرة. بينما أرجع مضمون جناية الجمود على العقيدة في نسيان أو تجاهل ثلاثة مبادئ مترابطة ومركبة وهي أن الإيمان يعتمد اليقين ولا يجوز الأخذ فيه بالظن، وأن العقل ينبوع اليقين في الإيمان، والإيمان فيما بعد ذلك من علم الغيب. بعبارة أخرى، إن الجمود الديني أدى إلى نفي حقيقة الدين بالمعنى الإصلاحي. فقد اعتبر محمد عبده العقل هو الحلقة الرابطة والقوة الجوهرية بالنسبة للإيمان الحق وليس قواعد العقائد الميتة. فالإيمان بالنسبة له يقين، والعقل هو مصدر هذا اليقين. وما يقع خارج ذلك فهو من علم الغيب، أي من عوالم لا يحق الحكم بها بصورة جازمة وتحويلها إلى مصدر للأحكام العملية. وعدم الأخذ بذلك يعني المراوحة في مستنقع التخلف والانحطاط المادي والمعنوي وخروجا على حقيقة الإسلام. من هنا فكرته عن أن الدين هو الذي كان "يطلق العقل في سعة. فلما وقف الدين وقعد طلاب اليقين وقف العلم وسكنت ريحه. ولم يكن ذلك دفعة واحدة ولكنه سار سير التدرج".

ووضع هذه الفكرة العامة في أساس نقده "للبدع" والحالة الدينية السائدة والأحكام العلمية والتصوف وغيرها مما يرتبط بهذا القدر أو ذاك بظاهرة الجمود والانحطاط الديني. فهو لم يقصد بالبدع سوى جملة الممارسات والمفاهيم المشوهة التي تتنافى مع تقاليد الإسلام العقلية والعقلانية والنزعة الإنسانية. من هنا نقده لممارسات الشعوذة "الصوفية" بوصفها "كرامات" بينما هي في حقيقتها شعوذة وامتهان للجسد والروح الإنساني[4]. وفي الوقت نفسه نراه يدافع عن روح التصوف، ويبعده عما هو سائد ومنتشر من تخلف وانحطاط الطرق والشعوذة. وفي كلتا الحالتين نقف أمام تبجيل خفي للتصوف يكمن من حيث الجوهر في أعمق أعماق الروح الإصلاحي لمحمده عبده. فقد وقف محمد عبده بالضد من الفكرة الواسعة الانتشار آنذاك والقائلة، بأن التصوف هو أحد الأسباب الكبرى القائمة وراء انحطاط الإسلام والمسلمين. ورد على ذلك بفكرة يمكن إرجاع مضمونها إلى ابتلاء التصوف في أول الأمر بالفقهاء الجامدين على ظواهر الأحكام، ولاحقا بالجهل به سواء ممن يتبع "ترهاته" ومن يجعل منها حقيقة التصوف. وذلك لأن "الصوفية الحقيقيون في طرف، والفقهاء في طرف آخر" كمال يقول محمد عبده. لكن فساد كل منهما أدى أيضا إلى تشابكهما في تصنيع التخلف.

لقد وجد محمد عبده في مختلف مظاهر الانحطاط الديني تعبيرا عن الجمود والتقليد للمذاهب والانغلاق. وليس مصادفة أن يدعو إلى فكرة الرجوع إلى القرآن والسنّة الصحيحة، أي المصادر الكبرى ولكن من خلال فهمها العقلي والعقلاني والواقعي بمعايير المعاصرة أيضا. فعندما يتناول قضية العقائد وأهميتها بالنسبة للأحكام العملية، فإننا نراه يشدد على ما اسماه بفكرة الحكم لله وحده بحيث لا يؤخذ الدين عن غيره. غير أن هذه "الحاكمية الإلهية" لا تعني عنده سوى الاجتهاد العلمي والعملي من أجل "تقوية الإيمان وإصلاح النفس". وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الإيمان بالنسبة لمحمد عبده وثيق الارتباط بالاجتهاد العقلي، وأن إصلاح النفس هي منظومة السلوك الأخلاقي والإرادة العملية الخيرة، من هنا يمكن فهم حقيقة المضمون الفعلي للأحكام العملية. بمعنى أنها تخرج من إطار التقاليد الميتة لأحكام القواعد العقائدية والذهبية والفقهية المتعلقة بمتطلبات الجسد والعبادات الباهتة. من هنا نراه يقول، بأننا حالما نقر ونعتقد بأن لا فعل لغير الله، فإن ذلك يعني ألا نطلب شيئا إلا منه. وفي الوقت نفسه أن نفهم بأن "طلبنا منه يكون بالأخذ بالأسباب التي وضعها وهدانا إليها"، و"في حالة جهلنا أو عجزنا، عندها نلجأ إلى قدرته ونستمد عنايته وحده". مما سبق يتضح بأن مقصود الفكرة هنا يعود إلى الرؤية العقلية الصارمة المتعلقة بضرورة الأخذ بالأسباب الطبيعية والسير بها حتى النهاية بوصفها "سنّة الله في الوجود". أما العجز عن بلوغ الأسباب أحيانا، فإنه مجرد وقفة في مواقف العلم النظري والعملي التي تكشف عن لانهائية المعرفة. وبقدر ما ينطبق ذلك على العلم ينطبق أيضا على العمل. من هنا استنتاجه القائل، بأن الأحكام العملية إنما تشرّع لتقوية الإيمان وإصلاح النفس.

وطبق محمد عبده هذا الأسلوب النقدي تجاه مختلف المظاهر المخربة للعقل الثقافي الذاتي. بحيث نراه يتتبع أيضا مختلف الإصدارات والأنماط الكتابية. وليس مصادفة أن نراه ينتقد ظاهرة انتشار كتب النوادر والخيال والحب "الفاسد" والروايات الشعبية التي يتلذذ بها العوام بينما يديرون آذانهم عن الاستماع وقراءة كتب الأخلاق وعدم الاهتمام به[5]. وهو موقف ينبع من فكرته الإصلاحية القائمة على ضرورة بناء منظومة القيم والمفاهيم والمبادئ الأخلاقية الضرورية لتكامل المجتمع والدولة وتقدمهما وتمدنهما السليم. لهذا نراه ينتقد ظاهرة ما يسمى بالأدب الوهمي من تعظيم مزيف وما شابه ذلك[6]. بل نراه ينتقد بشدة مجلة (أبو نظارة) الواسعة الانتشار آنذاك في مصر بسبب دورها السلبي حسب اعتقاده بالنسبة لتأسيس العقل الاجتماعي والأخلاقي، وذلك لاهتمامها المفرط أو بنائها على منهج إثارة النكات والنوادر السخيفة والولع بالسبّ والشتيمة[7]. وطبق هذا المنهج في نقده للنقد السائد في الجرائد المصرية. وليس مصادفة أن نراه أحيانا يصور بعضهم بعبارات قاسية مثل قوله "يصورون أنفسهم بأنهم دعاة الحق بينما على حقيقتهم هو رسل الفوضى وجرذان النظام"[8].

وبقدر ما ينطبق ذلك على مواقفه من مختلف مظاهر الحياة الروحية والأدبية والفكرية، ينطبق أيضا على موقفه من التحليل السياسي والتاريخ السياسي لمصر نفسه. لهذا نراه أحيانا ينتقد التسطيح الفكري في النظر إلى سلوك الدول وسياستها تجاه مصر وبالأخص ما يتعلق منه بالموقف من فرنسا وانكلترا حيث أعتقد بأن البحث في سياستهما تجاه مصر عن الدسيسة والوقيعة فقط هو جهل بحقيقة هاتين الدولتين![9]. لكنه في الوقت نفسه نراه يجد فيهما أحد الأسباب الكبرى في إعاقة التمدن الحقيقي. والشيء نفسه يمكن قوله عن مواقفه من شخصية ودور محمد علي باشا بالنسبة لتاريخ التمدن الحقيقي في مصر الحديثة. إذ نعثر في موقفه هذا على رؤية نقدية تستند إلى تاريخ مصر ما قبل الغزو الفرنسي، الذي جعل من صعود محمد علي جزء من حالة القدر. أما محمد علي باشا بالنسبة لمصر فهو "لم يستطع أن يحيي، ولكن استطاع أن يميت". إذ استعمل أسلوب الاستعانة بقوة على أخرى من أجل تصفية كل معارضة. وقضى على الشجاعة والفردية. بحيث لم يبق في البلاد رأسا يعرف نفسه حتى خلعه من بدنه[10]. يرفع الأسافل ويعليهم في البلاد (على عقدة ما فيه). قتل كل نفس قوية. وقضى على الأمراء وجعل من عائلته أميرة واحدة. بل وجعل البلاد المصرية إقطاعا واحدة له ولأهله. ثم أدخل النموذج الغربي وسيادة الغربي ودونية المصري. أما الإصلاحات التي قام بها فمن أجل إحكام السيطرة. فهو لم يصلح اللغة ولا التربية ولا القانون ولا أعار اهتماما لأهل البلد ودورهم في الحياة. حاشيته من الارنائوط والشراكسة والأرمن. همهم خدمة السلطة. بلا ضمير ولا شريعة. كما انه لم يهتم بالمدرسة. من هنا انعدام أثرها. كما انه لا قيمة للترجمات التي قام بها. إضافة لذلك انه لم ينشأ صناعة لأنه لا أثر لها. وكذلك الحال بالنسبة للعلوم. والاقتصاد كان مجرد سخرة. قوة الجيش، لم تكن مصرية. من هنا اندثارها. فعندما دخل الفرنسيون كانت هناك مواجهة وقتال، وعندما دخل الانجليز فإنها كانت نهبا سريعا. أما "الدفاع عن الدين" فقد كان صراعا ضد الوهابية. بمعنى انه كان هجوما على الدين لا للدين. وذلك لأنها كانت مهمة سياسية لخدمة السلطان التركي العثماني. بحيث جعله كل ذلك يختتم فكرته عن آثار ودور وشخصية محمد علي باشا بالنسبة لتاريخ مصر الحديث بعبارة تقول "كان محمد علي لمصر قاهرا ولحياتها معدما"[11]. ولم تخل هذه النظرة من حماسة محمد عبده السياسية في مجرى معارضته آنذاك للخديوي عباس حلمي. غير أنها كانت تحتوي ضمن سياق رؤيته النقدية على ملامح قوية فيما يتعلق بتأسيس العقل الثقافي الذاتي. فمن الناحية السياسية المجردة قد تختلف اختلافا كبيرا عما في تقييم أستاذه الأفغاني الذي وجد في شخصية محمد علي باشا حالة نادرة بالنسبة للتاريخ الإسلامي الحديث، إلا أن التقييم الثقافي لها في مواقف محمد عبده ينطوي على أبعاد رزينة وعميقة، أو على الأقل أنها تحتوي على رؤية نقدية عقلية وعقلانية يمكن ملاحظة آثارها في حياة وتاريخ مصر بعد مرور أكثر من قرنين من الزمن.

غير أن الصيغة المثلى والمستوى الأرقى لتأسيس العقل الثقافي الذاتي في إصلاحية محمد عبده تبرز في جدله الفكري والنقدي في الدفاع عن تاريخ الثقافة الإسلامية والإسلام، كما نراها على سبيل المثال في سلسلة المقالات التي كتبها في الرد على هانونو وفرح انطون. فقد ترك محمد عبده جانبا الهذيان السياسي لهانونو القائل بضرورة "تلقيح" المسلمين بحب السلطة الفرنسية والخضوع والولاء التام لها، وفي حالة الجمع بين الاثنين طاب الجوار، وإلا فإن فرنسا لها الحق في القضاء عليهم وإزالتهم من وجه البسيطة! واعتبر ما يقوله هانونو بهذا الصدد جزء من رؤية سياسية تاريخية لو لم يتعرض للإسلام وعقائده. إذ وجد في حصيلة آراء ومواقف هانونو تعبيرا نموذجيا عن الرؤية التقليدية الفجة للاستعمار الفرنسي آنذاك، مهمتها إثارة العداء بين البشر. إضافة إلى ما فيها من أحكام وآراء تتنافى مع الادعاء بالمدنية والتسامح.

فقد كانت الفكرة الجوهرية للرؤية الثقافية عند هانونو تقوم على معارضة الآرية بالسامية، وأن الآرية هي مصدر التقدم على عكس السامية. وأن المسيحية تتمثل تقاليد الآرية عبر إنزالها الإله إلى التجسيد ومن ثم إلى الله الأب وعبره إلى الابن عبر روح القدس. مع ما في ذلك من تقريب للإله من الإنسان والسمو به. أما السامية فإنها تفصل بين الله والإنسان. وكذلك إذا كانت الجبرية من صفات الديانة السامية، فإن من صفات الآرية على العكس، أي إقرارها بالنزعة القدرية.

وعندما وضع محمد عبده هذه الآراء على محك المواقف النقدية، فإنه حاول أن يكشف عما فيها من فجاجة وتسطيح تصطدم بحقائق التاريخ. منها إن كانت الهند هي مصدر الآرية فإن تراثها وتقاليدها تتعارض مع العقل والنزعة الإنسانية. ولعل شيوع وهيمنة نظام الطبقات هو أحد الأدلة على ذلك. أما بالنسبة للتاريخ الواقعي، فإن أوربا كانت إلى فترة قريبة موطن الهمجية والتخلف. إضافة لذلك أن ربط المدنية الأوربية بالنصرانية والآرية يتعارض مع ما في الإنجيل. والقضية هنا ليست فقط في أن الأناجيل نفسها صناعة "سامية" بل ولأن ما في الإنجيل ودعوته إلى الزهد في الدنيا ومحبة الأعداء قبل الأصدقاء وما شابه ذلك يتعارض مع المدنية الأوربية الحديثة. إذ لا علاقة للمدنية الأوربية الحديثة بالإنجيل والآرية. وذلك لأن ما فيها هو تجسيد لسطوة المال، وسلطان القوة، ومدنية الذهب والفضة، والفخفخة والبهرجة، والاختيال والنفاق. أما من الناحية الفعلية المتعلقة بتطور المدنية والحضارة، فإن الإسلام هو الذي زحف على أوربا من خلال تنظيف وتنقية وتطوير علوم القدماء. ذلك يعني أن الإسلام هو الذي كان يحمل رسالة المدنية الإنسانية عبر تمثل وتوسيع ونشر الحصيلة الثقافة للقدماء (ما صنعته فارس ومصر واليونان والرومان). والشيء نفسه يمكن قوله عن قضية الجبر والاختيار.

لقد وجد محمد عبده في آراء هانونو تسطيحا وجهلا بالفكر الفلسفي والديني. إضافة إلى تعارضها مع الوقائع والحقائق. فالجبر والقدر جزء من صراع الأفكار. وأنها كانت وما تزال بين النصرانيين كما بين فرق الأديان وغير الأديان جميعا. ثم هل رأيت يهوديا متكئا على قفاه لا يعمل؟ بل سمعنا ونعرف سلوك النصارى في الأديرة والرهبنة. والفكر اليوناني أيضا مليء بالإشارة إلى أثر القدر والبخت والاتفاق، أي مملوء بفكرة الجبرية. في حين يوجد في القرآن نحو أربع وستين آية تحث على الكسب. وفيه محاربة للجبر بكل أشكاله. إضافة إلى أن الإسلام يفرق بين اختيار الإنسان في أفعاله وأثر القدرة (الإلهية). وأن سلوك محمد وحياته كلها نضال وكفاح وتحد وتعبير عن الإرادة العارمة. وتوّج محمد عبده هذه الرؤية النقدية باستنتاج فكري سياسي وثقافي يقول، بأن مبادئ الصناعة والعمل عند جميع الأقوام المرتقية في سلّم الإنسانية واحدة. أنها تختلف بأسباب المعيشة وظروف الحياة والطبيعة والمناخ والتاريخ، وجميعها يأخذ من الآخر ولا فرق هنا بين سامي وآري. ويعكس هذا الاستنتاج رؤيته النقدية العقلانية والإنسانية الفاعلة باتجاه بلورة وتدقيق ما أسميته بالعقل الثقافي الذاتي، كما هو جلي على سبيل المثال، في مجرى نقده الفلسفي للآراء التي وضعها فرح انطون في مقارناته بين الإسلام والنصرانية، أي كل ما حصل على صيغته النهائية في كتابه (الاضطهاد في النصرانية والإسلام) أو (العلم بين النصرانية والإسلام)[12].

إن بلوغ الفكرة النقدية ذروتها في تأسيس العقل الثقافي الذاتي كانت بدورها المقدمة التي أرسى عليها محمد عبده مهمة تأسيس الروح الثقافي الذاتي. فالروح الثقافي الذاتي هو ربط عضوي متجانس للعقل الثقافي الذاتي بالتاريخ القومي مع البقاء ضمن فلسفة الرؤية الثقافية الإنسانية. وليس مصادفة أن تتلازم في مجرى تطور الرؤية الإصلاحية عند محمد عبده الفكرة المصرية والعربية الإسلامية، بما في ذلك في مواقفه المتطورة من العثمانية والتركية بوصفها قوى سياسية غريبة ومغتربة عن حقائق التاريخ المصري والعربي الإسلامي. بمعنى إن أشد الأشكال نقدية وشدة في مظهرها القومي ليست إلا الصيغة الوجدانية العارمة للروح الثقافي الذاتي، أي أنها تخلو من حيث بواعثها وغايتها عن الأبعاد القومية العنصرية.

إن النزعة "القومية" الجلية أحيانا في عبارات محمد عبده في نقده للتركية والعثمانية ومختلف الأقليات "الغريبة" على مصر، لم تكن إلا الصيغة السياسية الحادة عن فكرته الإصلاحية. وبالتالي لا علاقة لها بصراع القوميات الضيق والأديان والمذاهب. على العكس أنها كانت تحتوي في أعماقها على محاولة إعادة بناء العلاقة العربية التركية، والعربية الإسلامية، والمذاهب الإسلامية، والإسلامية النصرانية بمعايير الفكرة الإصلاحية، أي رفعها من حضيض القومية والعرقية والعنصرية والدينية والطائفية والذهبية إلى مصاف الفكرة الإصلاحية (الإسلامية) الكونية وإقرارها الفعلي بالتنوع القومي والديني والمذهبي. لهذا نراه على سبيل المثال يشكو في إحدى رسائله للأفغاني في معرض حديثه عما اسماه بمعرفته بمسيحي الشوام قائل: "وجميعهم مع بعض المصريين من اصطبل واحد"[13]. وأدرج ضمنهم أديب اسحق وسليم النقاش وسعيد البستاني. وفي معرض حديثه عن موقف "الأقليات" الدينية والمذهبية والقومية بالمصالح الكبرى للعرب والدولة العثمانية (الإسلامية) نراه يصور النصارى عموما على أن ولائهم للغرب الأوربي (الفرنسي والبريطاني). بل ويضيف إليهم أيضا السنّة، بوصفهم أقرب إلى هذا السلوك فيما يتعلق بإرسال أبنائهم إلى المدارس الأوربية والأمريكية النصرانية (التبشيرية). وكذلك حال الدروز رغم بعض الاختلاف. لكنه يفرز الشيعة عموما والنصيرية (العلوية) خصوصا من بينهم ممن يرفض إرسال أبنائهم لغير المكاتب الإسلامية[14].

غير أن هذا النقد وأمثاله هو مجرد مظاهر خارجية للفكرة الجوهرية في فلسفة الإصلاح، أي فكرة تأسيس العقل الثقافي الذاتي (العربي الإسلامي). وليس مصادفة أن يكون نقده الفعلي موجها ضد سلوك الدولة في تعميم الجهل ولكن من خلال نقد سلوك المذاهب والأديان أيضا. وضمن هذا السياق يمكن فهم موقفه مما اسماه بفضائل أهل السنّة بالنسبة للدولة، انطلاقا من فكرة "الأكثرية" الفاعلة آنذاك بمعايير التاريخ الفعلي والثقافة القائمة. وإذا كانت تحتوي في بعض جوانبها على ضيق مذهبي فإنه يتبخر تحت حرارة الفكرة الإصلاحية الداعية إلى ضرورة تأسيس ما أسميته بالعقل الثقافي الذاتي، أي الدرجة الأرقى لتأسيس العقل الثقافي. من هنا نرى أيضا تخوفه مما اسماه بعاقبة انحراف أهل السنّة في ظل استمرار ابتعاد الدولة عن الاعتناء بهم[15]. وينطبق هذا على نقده للأقليات القومية. بمعنى نقده إياها بمعايير التاريخ السياسي وليس القومي. من هنا يمكن فهم مواقفه من سلوك صلاح الدين الأيوبي في جلبه للمماليك، وما آلت إليه البلاد لاحقا. بحيث يعتبر الشراكسة (المماليك) في آخر مراحلهم أتعس من كل ما سواهم. بحيث نرى أحدهم يجرّب حدة السيف في أماكن بيع السلاح من خلال رؤية آثاره على المارة بقطع رؤوسهم أو أجسادهم[16]! وضمن هذا السياق ينبغي أيضا فهم موقفه من الأتراك، كما هو جلي في عباراته القائلة "إن جميع المصريين السياسيين منهم والعاديين يكرهون الأتراك. ولا يشعر المصري بشيء تجاههم غير القرف والكراهية والاستعداد للقتال"[17]. وأن "الأتراك ظلمة. وتركوا في البلاد من أثار السوء ما يضرب القلب ضربان الجرح. فلسنا نريد رجعتهم ولسنا نريد معرفتهم"[18]. بل نراه يجزم مرة قائلا:"ما أحب أن يكون الحاكم في بلادي تركيا أو شركسيا، لأن استعداد أهل بلادي للحكم أقوى من استعداد هذين الجبليين. مظالمهم كبيرة كثيرة، موجودون حراس على أبواب السجون"[19]. وبالمقابل جرى مرة تصوير محمد عبده بعبارة "هذا المصري الأصيل من أهل الفول وليس المصريين المزيفين من أتراك وشراكسة وأرمن وشوام ويهود، كل منهم يدعي انه ابن النيل لا نيل فيه ولا نبل"[20].

إننا نقف هنا أمام رؤية متراكمة لتأسيس الروح الثقافي الذاتي بأبعادها الإصلاحية السياسية. من هنا تداخل وتراكم وانتظام الأبعاد الوطنية (المصرية) والقومية (العربية) والثقافية (الإسلامية) فيها. فعندما يتكلم عن الأبعاد الوطنية، فإن مضمونها يبقى على الدوام راسخا ووثيق الارتباط بفكرة العمل من أجل الخير العام والقانون[21]. لهذا نراه يعتبر تسوية الأمور المالية من دون الإخلال بمصلحة البلاد من بين أهم وأنبل عمل الحكومة والدولة[22]. وليس مصادفة أن نرى مختلف مظاهر هذه الرؤية بما في ذلك في لباسه ومأكله وتوجهه الحياتي وأسفاره وغيرها. فقد غيّر وجهته في السفر عبر صقلية عندما قالوا له بأنك سوف ترى آثار العرب هناك باقية. بل ونراه يقارن بين اهتمام الأوربيين بجمع آثار الماضي من التماثيل والرسوم ومعاناتهم في ذلك بما كان العرب المسلمين الأوائل يعانون من اجله بالنسبة لجمع الشعر وحفظه. ووجد في كلتا الحالتين أشكال مختلفة للاحتفاظ "بديوان" يسجل الماضي وأحداثه[23]. لكنه من جهة أخرى ينتقد العرب انتقادا شديدا على انعدام أثرهم في العصر الحديث. ويتساءل "أين هم"؟ وضمن هذا السياق نراه يؤيد ويدعم ما قام به لويس الصابونجي في نشره لتاريخ العرب والدفاع عن فضيلتهم التاريخية والثقافية. ويطالبه في الوقت نفسه بالاعتماد على مصادر التاريخ العربي الأصلية من أجل التوسع بهذا الصدد[24]. كما نراه يمدح حافظ إبراهيم في ترجمته لكتاب فيكتور هيجو (البؤساء). بل ويجد في ما قام به إبراهيم حافظ "تناسخا" لروح ابن المقفع، وإخراجا للعربية من العجمة[25]. ويقول نفس الشيء في رسالته لسليم البستاني بعد ترجمته لكتاب (الإلياذة).

إن تحول اللغة إلى ميدان وأسلوب وغاية الإصلاح العقلي والروحي والثقافي للأمة يعكس تلقائية التطور الطبيعي والمنطقي للفكرة الإصلاحية عند محمد عبده. بمعنى مسارها الطبيعي والمنطقي صوب تكاملها الخاص بمعايير الرؤية الثقافية الإسلامية، أي الرؤية الثقافية التاريخية الخالصة. مع ما فيها من طاقة كبرى كامنة في تحرير العقل والوجدان من الاغتراب الثقافي والتقليد الفج. وليس مصادفة أن يجد "أول جناية" للجمود التاريخي والثقافي للعرب في ما أسماه بجمود أساليب وآداب اللغة العربية وضياع أمهات الكتب، أي المصادر الضرورية بالنسبة لكل نهضة وإحياء ثقافي حر وأصيل. لهذا نراه يتكلم في معرض انتقاده لحالة اللغة العربية في وقته عن "الناطقين بالعربية من العراق إلى مراكش" بأن "مثلهم مثل قوم من الأعاجم مخالطين للعرب". بحيث وجد في كلامهم بسبب المخالطة مفردات كثيرة من العربية! وهو ضياع تاريخي وثقافي هائل جعل محمد عبده يقر بأن الاشتغال بلغة الأمة وآدابها فضيلة في نفسه ومادة من مواد حياتها. ولا حياة لأمة ماتت لغتها. وبأثر ذلك يصل إلى الفكرة القائلة، بإن إصلاح الأمة يفترض إصلاح اللغة العربية. من هنا نقده لتقاليد إتّباع الغرب في اللغة بحيث نراه يعتبر أسلوب المعلم بطرس البستاني في جرائد (الجنة) و(الجنان) وعلى أثرها (الأهرام) مجرد تقليد فج لا قيمة له بحد ذاته. بل نراه يعتبر اندثار هذا النوع من الكتابة فضيلة. وهو نقد جارح ومتطرف لحد ما، لكنه يعكس غلو الفكرة الإصلاحية في موجهة حالة الانحطاط العميقة ومستوى الاغتراب المحتمل في تقليد لغة الغرب عوضا عن الرجوع إلى أصول اللغة ومنطق تراثها القومي والثقافي. من هنا ربطه بين فكرة إصلاح اللغة العربية وفكرة التمدن. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه عندما كان العرب في أوج كمالهم وتطورهم، بل وأرقى الأمم بمعايير ذلك الزمان، فإن ذلك وجد انعكاسه أيضا في اللغة التي استطاعت أن تعبر عن انجازاتها ومعاركها الفكرية والروحية في مصطلحها وكلماتها وعباراتها وبيانها[26].

 

ا. د. ميثم الجنابي

.......................

[1] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص162.

[2] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص165.

[3] لا ينتقد محمد عبده الظاهرة من حيث مقدماتها التاريخية السياسية والثقافية والذهنية القائمة في الدين نفسه. وخطورته تكمن أولا في مستوى التطور ونظام الحرية وما يميز الفكرة الدينية نفسها من انغلاق نسبي ومطلق، تجعل من التكفير والتحريم والتجريم فعلا "مقدسا".

[4]  محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص50-52.

[5] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص60.

[6] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص64.

[7] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص297.

[8] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص627.

[9] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص359.

[10] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص854.

[11] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص851-858.

[12] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص257-368

[13] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص627.

[14] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص101.

[15] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص103.

[16] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص858.

[17] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص428.

[18] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص428.

[19] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص645.

[20] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص.721.

[21] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1ص318-319.

[22] محمد عبده: الأعمال الكاملة ج1، ص300.

[23] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص198.

[24] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج1، ص437.

[25] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج2، ص372-373.

[26] محمد عبده: الأعمال الكاملة، ج3، ص23-24

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الفكرة الإصلاحية الإسلامية الحديثة (17) 

إن المآثر التاريخية الكبرى لإبداعات الثقافة تجد تعبيرها لا في ما تنوي قوله وفعله فحسب. بل وبكيفية إثارتها لحقيقة الكوامن الفاعلة في الذات الثقافية. فالأخيرة تعكس في ردودها مستويات إحساسها وعقلها. وما وراء ذلك طبقات حدسها التاريخي. أما هذه الطبقات فهي المكونات المنسية والحاضرة في ما يمكنه أن يكون بديلا أو مشروعا للرؤية الحالمة والواقعية. فالحدس التاريخي لم يكن في يوم من الأيام فعلا للحاضر، بقدر ما انه النتاج المتراكم في صراع الصيرورة الفتية ومحاولاتها استعادة الماضي وتقاليده أو نفيها المعاصر في ما ترتئيه بديلا فاضلا ونظاما صالحا.

فقد كانت الصيرورة التاريخية للعالم العربي منذ بدايات (القرن العشرين) مسارا متراكما لحيثيات إدراكه الذاتي. ومن ثم الاستكمال الأكثر إدراكا لنفض غبار الخمول والتقليدية الوادعة في قرون الظلام العثماني. أما التلاقح العقلي بين إصلاحية الجهاد والاجتهاد الإسلامية وبين "عقلانية الضمير واللسان العربيين" فقد وضع أسس الانطلاقة الفكرية الجديدة للمكونات المختمرة في أجزاء العالم العربي. حيث اشترك كلاهما في بعث مكونات الكينونة الثقافية العربية واختط في الوقت نفسه ضرورة الاستقلال العربي ضمن حدوده المتجذرة في الذاكرة التاريخية. وبما أن هذه الحدود كانت على الدوام عرضة للانحلال والوحدة، فإن انعكاسها الفكري ما كان بإمكانه أن يتعدى نموذجه الأمثل في اللغة ورموزها الأدبية، في تراثها ومعالمه الروحية، أي في كل ما لا يمكن الإمساك به، وفي كل ما لا يمكن القضاء عليه. وهي الحصيلة التي أدت إليها ما كانت تنوي قوله وفعله عقلانيات "الضمير واللسان" و"الجهاد والاجتهاد". وإذا كان مصير (عقلانية الضمير واللسان) يقوم في اندماجها في ما لا يمكن مواجهته وجها لوجه في عالم العثمانية المنحلّة، فإن مآثر (عقلانية الجهاد والاجتهاد) كان لا بد لها من أن تصطدم بقوة الدولة الاستبدادية، وأن تثير فيها شهوة الانتقام الملازمة للقوة الخائرة. ويفسر هذا السبب غياب ردود الفعل الثقافية من جانب الدولة ومؤسساتها. وذلك لأنها لم تكن تمتلك من مقومات الثقافة ومعنوياتها ما يؤهلها لمواجهة أعدائها. لهذا ارتكنت إلى ما هو تقليدي في عرفها التاريخي من "قصور الدموع" و"سجون السلاطين" في موقفها من الأفغاني، وإلى تقاليد الغيلة المحترفة في موقفها من الكواكبي. وأن تحصد في نهاية الأمر الانهيار والاضمحلال الكامل.

إن المأثرة التاريخية لإبداع الإصلاحية الجهاد والاجتهاد الإسلامية تقوم في رصفها عناصر العقلانية الثقافية في روح الأصالة العملية. لهذا ركزت على ما في مكونات الروح الأخلاقي من خواء خجل، وعلى ما في هرمية الدولة من انحلال مذهل للروح السياسي العقلاني. ودعت سرا وعلانية وجهرا وتقية إلى ما ينبغي القيام به من أجل بعث الروح الفاعل في الكيان الإسلامي. فقد كانت هي الأخرى تحدس في موشور تقاليدها العقلانية ونزوعها الجهادي النتائج الوخيمة للمصير الثقافي والدولي والقومي لشعوب السلطنة العثمانية. غير أن هذا الإدراك المتعمق في وحدة جهادها واجتهادها لم يكن موحدا في تأسيسه لأولويات الفعل المباشر وغاياته النهائية. فإذا كان الأفغاني أمينا لوحدة الإسلامي والقومي في مرجعيتهما الثقافية، فلأنه كان الممثل الأكثر حداثة للأبعاد السياسية القائمة في الفكرة التي دعتها المتصوفة في يوم ما بالكلمة المحمدية. وهو التمثيل الذي كان يستلزم مع مرور الزمن الاقتراب الأكثر واقعية من مهمات تجسيده العملي. مما جعل الأفغاني يقف بالضرورة أمام الضغط المتزايد لإلحاح المتطلبات السياسية في الدولة وإصلاحها. ومن ثم تعميق النقد الذاتي صوب الأدوات الواقعية في التغيير. وإذا كان هذا الإدراك هو الصفة المميزة لظاهرة الأفغاني بحد ذاتها، فإن تأسيسه لأولويات العمل المباشر قد تعرّضت في مجرى تطوره إلى مواجهات مرهقة بسبب غليانه بين تيارين باردين: الدولة العثمانية الاستبدادية المريضة والغرب القوي الغازي. ففي الوقت الذي دعا فيه إلى ضرورة الجامعة الإسلامية، فإنه لم يجد فيها نموذجا للوحدة المثلى إلا بالقدر الذي تستجيب للمصالح الحقيقية للعالم الإسلامي. إلا أن تجزئة العالم الإسلامي وصراعاته الداخلية وتفسخ نموذجه السياسي قد اجبره على أن يدافع ويرد على كافة الجبهات كما لو انه الصيّاح الوحيد في بحر تدحرجت سفنه المتهرئة إلى قاعه. لهذا هاجم بشدة سياسة التحالف غير المبدئي للدولة العثمانية مع الروس ضد إيران معتبرا إياها خيانة للمصالح الإسلامية، تماما بالقدر الذي نراه يهاجم سياسة إيران (زمن فتح علي شاه) في تهديدها للأفغان الذين حاولوا انتزاع الهند من الإنجليز[1]. ومن هذا المنطلق أخذ على دعاة القومية العربية مهاجمتهم للدولة العثمانية انطلاقا من أن الدعوة للقومية وأن أريد بها خير الجنسية (القومية) إلا أن مهاجمة الدولة العثمانية هو حياد عن صراط السياسة القومية الحقة، لأنها تؤدي في نهاية المطاف إلى إضعافها مما يهيئ الإمكانية لابتلاع الدول من جانب الغرب الأوربي. ولم يجد في الوقت نفسه ضررا في بناء العرب لقوميتهم المستقلة من خلال التدرج[2]. غير أن هذه الواقعية الحصيفة والعقلانية السياسية البعيدة المدى قد سبق وأن أفرغ يقينها المجرد تاريخ السيطرة التركية العثمانية نفسه. وهي الحصيلة التي كان الأفغاني يدرك كافة حيثياتها، إلا أن جوهرية الفكرة المتسامية وإمكانية تجسيدها في الواقع هي التي اضطرته في حالات عديدة إلى البحث عن الاحتمالات الدقيقة القائمة بين الإمكانات الخشنة.

فالعناصر العقلانية القائمة في فكرة الدفاع عن أمة الإسلام وقوتها الضارية آنذاك في السلطنة العثمانية هي بمعنى ما تزكية الروح الاستبدادي للدولة التركية. بينما كان يعني محاربتها هو الإمداد غير المرئي للروح الأوربي الغازي. وهو تناقض مستعص على الحل في ظل الإبقاء على تأرجح موازناته النسبية. بعبارة أخرى، انه كان ينبغي قطع هذه السلسلة "المنطقية" المؤرقة للروح السياسي المتحمس من خلال التأسيس لأولويات الوسائل في البدائل. ومن الممكن العثور على صدى هذه الحصيلة في الدعوة للتحرر والاستقلال والتقدم، أي العناصر التي ما كان بإمكانها أن تمتلك معناها وفعاليتها دون جوهرية السلطة والدولة. ما اضطره في نهاية المطاف إلى مواجهة ما ينبغي مواجهته: السلطة والدولة.

فمن الناحية التاريخية والواقعية لم تكن السلطة العثمانية شيئا غير الدولة نفسها، تماما كما لم تكن الدولة بالنسبة لها سوى سلطتها. وجرى اختزال ذلك في فكر الإصلاحية الإسلامية بمقولات الاستبداد والدولة الاستبدادية. وليس مصادفة أن يشدد الأفغاني على أن سيادة الاستبداد في الشرق لفترة طويلة قد أدى إلى فقدان شعوبه للشعور بالحق. في حين أن الإنسان الحقيقي هو الذي لا يحكم عليه إلا القانون المؤسس على دعائم العدل[3]. وبالتالي فإن سبب تخلف الشرق هو الاستبداد. وقد اتخذ الاستبداد صيغا عديدة في حكوماته قديما وحديثا وفي الإطار العام تنقسم حكوماته إلى ثلاثة أقسام، الأول منها هي الحكومة القاسية في أعمالها والتي تشبه في سلوكها قطاع الطرق مثل حكومات جنكيزخان وتيمورلنك[4]. أما القسم الثاني فهي الحكومة الظالمة والتي تتطابق في مضمونها مع الدول العبودية وتشبه في سلوكها سلوك الأخسّاء. وهي الصفة الغالبة في الحكومات الشرقية في الأزمان الغابرة والأوقات الحاضرة وكذلك أكثر الغربيين في الماضي وحكومة الانجليز في الهند[5]. أما القسم الثالث والأخير فهي الحكومة التي اسماها الأفغاني عموما بالحكومة الرحيمة. وتنقسم بدورها إلى فرعين الأول هو الحكومة الجاهلة والثاني هو الحكومة العالمِة. وتنقسم هذه الأخيرة بدورها إلى ما اسماه بالحكومة الأفنية (أو الحكومة التي لم يكتمل عقلها بعد) والحكومة المتنطّسة (أو الخيرة والعالِمة). فالحكومة الرحيمة الجاهلة كالأب الرحيم الجاهل تدعو للسعادة ولا تعرف كيفية بلوغها. وهي إشارة إلى الحكومة العثمانية. أما الحكومة الأفنية فهي تضاهي الأب العالم المأفون المتهالك في تعليم أبنائه ولكنه لا يعرف كيفية مسكهم بالصيغة التي لا تذهب جهوده الأولى سدى. وهي إشارة إلى حكومة محمد على باشا. أما الحكومة المتنّطسة وأساطينها من الحكماء والعلماء فهي التي تجمع في ذاتها العلم والمعرفة والأدب والتجارة والصناعة والزراعة والأخلاق والسياسة الحكيمة والعدل والحق[6]. ووجد نموذجها آنذاك في حكومة المستبد العادل التي كانت تداعب خيال الذهنية المتلطفة في رؤيتها لقيم الفرد المتعالي أكثر من رؤيتها للواقع والتاريخ.

لكن الأفغاني لم يقف عند حدود نقد نماذج القسوة والظلم والخِّسة في الحكومات، بل وتجاوز نموذجها الأرقى في الحكومة العالمة أو "الحكومة الشوروية"، باعتبارها المثال الأعلى، انطلاقا من زوال مانع الاستبداد بسبب قدرة الأفراد على إدارة شؤونهم بأنفسهم[7]. ولم تعن هذه "الشوروية" نظام الشورى التقليدي بقدر ما كانت تتطابق في مضمونها مع النظام الديمقراطي الدستوري. مما يعني سيادة عناصر الدعوة العقلانية للنظام الأفضل. غير أنها شأن مثيلاتها لم تستند إلى رؤية فلسفية للتاريخ. ولهذا أبقت على ملامح المظهر البشري في نماذج الحكومات دون أن تتغلغل في رؤية المقدمات الفعلية لنفيها الاجتماعي الاقتصادي. وقد كان ذلك لحد ما طبيعيا لأن القيمة العقلانية للفعل لم تستند آنذاك إلا لذاتها. من هنا جوهرية العلم (المعرفة) والعقل والأخلاق والتراث. أما توليفهم الدائم في المواقف العملية النقدية فقد أدى إلى نتوء جوهرية السياسة ودورها الحاسم في رؤية الإصلاحية الإسلامية. وقد توصل الأفغاني إلى هذه النتيجة في مجرى تفكيره وعمله. ومن هذه النتيجة انطلق الكواكبي في تأسيسه لفاعليتها الضرورية في الكيان الدولي (الحكومي) المفترض. لهذا نراه يركز حزمه الأضواء العقلانية للإصلاحية الإسلامية في بؤرة الدولة القومية. غير انه لم ينجز هذه المهمة بصورة تامة. فقد وقف الكواكبي عند حدود العقلنة السياسية للتيار الإصلاحي من خلال دعوته لتجسيده العملي في الدولة القومية. من هنا لم يكن بإمكان دعوة الأفغاني ولا دعوة الكواكبي الارتقاء إلى مصاف التجرّد النظري من عناصر النفس الثقافية المترسبة في مسامات الإصلاحية الإسلامية نفسها.

لقد كان ينبغي لهذه العناصر أن تتجزأ في البداية في مجرى الجهد المرهق للجهاد والاجتهاد من أجل أن تتكامل لاحقا في منظومة فكرية لها حدودها النظرية الواضحة والدقيقة. غير أن التحولات العاصفة لبدايات القرن (العشرين) قد أغلقت على هذه العملية إمكانياتها المحتملة بما في ذلك في كيفية نشوء الدولة العربية وأشكال نظمها السياسية. فقد أدت هذه العملية إلى توسيع ما يمكن دعوته بهوية المجهول السياسي والثقافي أمام العالم العربي، وذلك بسبب صعود الفكرة العربية القومية وليس الدينية (الإسلامية).

وبما أن القدر التاريخي لبدايات القرن العشرين قد جرى بصيغة تختلف عما هو محتمل في تراكم الصراعات الاجتماعية السياسية والقومية في "الوحدة العثمانية"، فإن الفرضيات المعقولة للإصلاحية الإسلامية وتراكم تصوراتها السياسية عن الوجود الاجتماعي والدولي والثقافي للعالم الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص، قد تعرضت إلى صدمة استلزمت منها إعادة تجميع قواها النظرية من جديد. وذلك بسبب تعرّض العناصر الإسلامية الوحدوية في الفكر الإصلاحي لضغط الانحلال السياسي الدولي والقومي للسلطنة العثمانية. مما أدى بالضرورة إلى الإهمال المتعاظم لعناصر الوحدة الإسلامية بمضمونها التقليدي.

أما صعود التيار القومي فقد أخذ يمتلئ بمقومات ثقافية، بما في ذلك في مجرى نموه المتراكم بمعايير وأفكار الدعوة الجديدة "للإسلام الخالص". وقد تضمن ذلك محاولة إعادة التوليف الممكنة بين العروبة والإسلام بالصيغة التي تكفل لكل منهما نموه الطبيعي. وقد كان ذلك يعني من الناحية الفعلية ضرورة توحيد العناصر الجوهرية للدولة المستقلة وإعادة ترميم الكينونة المتكسرة في "القرون المظلمة" للسيطرة التركية. بينما أدت أحداث الحرب العالمية الأولى وانهيار السلطنة العثمانية إلى ظهور العالم العربي ودوله المتعددة، بوصفه أيضا جزء من معترك المخططات الاستعمارية أكثر مما هو نتيجة صراع قواه الداخلية. مما أادخل العالم العربي في مجهول جديد، هو مخاض الدولة والقومية.

فقد كانت الإغراءات المعلنة للغرب الاستعماري من جهة، والعجرفة المنهوكة للسلطنة العثمانية في مواقفهما من العالم العربي من جهة أخرى، متكافئة من حيث الوضوح الظاهري. غير أن وراء كل من هاتين القوتين تاريخ خاص في الوعي الاجتماعي العربي وفكره السياسي. وإذا كان التقارب التدريجي للعناصر العقلانية في الفكر السياسي الإصلاحي الإسلامي والعروبي القومي هي النتيجة الملازمة لانغلاق الإمكانات الديمقراطية والقومية التحررية في ظل السلطنة العثمانية، فإن ضغوط الغزو الأوربي في مساعيه الرامية إلى اقتسام غنائم "الرجل المريض"، قد أدت إلى إثارة الكوامن الجديدة الفاعلة في وعي الذات الثقافي العربي.

لم تخل هذه الحالة التاريخية من طابع المأساة الدفينة، وذلك بسبب مساهمتها المباشرة في صنع ما يمكن دعوته بالانقطاع الجديد في الوعي العربي العقلاني. إننا نقف هنا أمام مفترق جديد لظاهرة التبذير "التاريخي" للطاقات الكامنة في المساعي العقلانية للقومية والدولة والثقافة للعالم العربي ونموه السياسي. فقد كان سقوط السلطنة العثمانية بالقوة الخارجية وظهور العالم العربي الجديد بأثر ذلك يبدو كما لو انه هبة مجهولة المصدر. بل واتخذت في بعض ملامحها هيئة "المقايضة التجارية" أو الرشوة السياسية للخدمات التي قدمها "ملوك" العرب في مساعدة الأعداء "المتمدنين الجدد". فقد استصغرت هذه النتيجة حجم التضحيات الجسام والمعاناة الكبيرة لوعي الذات العربي في تلمس هويته الجديدة لأكثر من قرن من الزمن. ذلك يعني أنها رمت في سلة المهملات تاريخ النضال العربي ومكونات وعيه العقلاني الصاعد والمتراكم في الإصلاحية الإسلامية كما لو انه جزء من الهيئة المتهرئة للعثمانية التركية. وهو تبذير كان من الصعب تلافي آثاره بين ليلة وضحاها. لأنه فرض على الوعي العربي المندهش أمام "مؤامرات القدر" الخلاب للتحرر القومي، مهمة مواجهة التغير المفاجئ في تجاوز تفكيره التقليدي وأنماط يقينه الراسخة في نفسيته الاجتماعية ووعيه السياسي. انه فرض على القوى العربية الفاعلة مهمة مواجهة تكاملها الجديد في الصراع مع من كان في الإعلان والدعاوي العلنية حليفها الجديد. بينما كان هذا "الحليف" الجديد أكثر مكرا وقوة وخطورة. وترتب على كل ذلك الوقوع من جديد في شباك معترك معقد بالنسبة لبناء عقلانية الرؤية السياسية والثقافية.

فقد أزال السقوط "المفاجئ" للسلطنة العثمانية بدائل الرؤية العقلانية المتراكمة في مجرى صراعها من أجل العلم والمعرفة والأخلاق والتحرر من الاستبداد والدعوة للأصالة. انه ألزمها في آن واحد اعتناق فكرة التخلي السريع من طاقاتها الفكرية المتراكمة في مجرى قرن من الزمن. ومن ثم مواجهة المعضلات الجديدة المفروضة عليها، باعتبارها قضاياها الملتهبة، دون أن يعطي لها في الوقت نفسه فرصة التأمل البارد. وحصلت هذه الظاهرة على تعبيرها الحاد في عنفوان الحماسة العملية والفكرية للجماهير وانتفاضاتها العديدة في عقود الصعود الوطني والقومي.

وقد أدى ذلك من الناحية الموضوعية إلى ما كانت تسعى إليه أو اكتملت فيه عقلانية الإصلاحية الإسلامية بصدد قضية جوهرية الدولة. غير أن هذه الدولة لم تعد جزءا من إصلاحية الرؤية، بقدر ما أصبحت جزء من مغامرات السياسة. إذ لم تعد جوهرية الدولة جزءا من التأسيس العقلاني والسياسي، بقدر ما أصبحت الكلّ الفاعل لمقامرات السياسة. ذلك يعني، أن العالم العربي وقف أمام مفارقات جديدة لم يجر تأملها بمقولات العقلانية والإصلاحية، بل تحت رياح الأحداث العاصفة. وإذا كان هذا الواقع المتحرك هو المصير الذي ينبغي التعامل معه كما هو الحال بالنسبة للسياسة والساسة، فإن وجوبه المفترض بالنسبة لعقلانية الرؤية يقوم في إعادة تجميع القوى النظرية ونظمها الجديد في بنية الأولويات المعقولة عن جوهرية الدولة والوحدة. وذلك بسبب مواجهتها مستجدات الواقع وتغير أولويات الوجود القومي الدولي والوعي الاجتماعي والسياسي والثقافي. فقد انقلب المجتمع في هذا الواقع من كائن تعتمل فيه مختلف الإمكانات الثقافية والسياسية في ظل غياب الدولة (المستقلة) إلى مجتمع دولتي (ذي دولة) بمجهول ثقافي. وقد كانت هذه الحصيلة نتاجا لواقع التجزئة العربية واحتراب قواه التقليدية من جهة، ونتاجا لتحلل كينونته الثقافية والسياسية في مصالح القوى الأجنبية المتصارعة (التركية والأوربية) من جهة أخرى. وليس مصادفة أن يرافق صعود كينونته الدولتية الجديدة نسيان تاريخ المعاناة الطويلة، تماما كما جرى نسيان أحزانه العميقة في أفراح الهدايا المفاجئة. بينما كان يقابل فرحه التاريخي الجديد مكرا تاريخيا للغرب. أما استعداده للتضحية من أجل الاستقلال فقد كان يقابله استعدادا للسيطرة والانتداب. أما تفاؤله التاريخي بالوحدة فقد كان يقابله تفاؤلا لا يقل ضراوة في استضعافه وتجزئته الجديد. بينما كان يقابل عدم اكتمال رؤيته الإستراتيجية في السياسة وضوح الرؤية الإستراتيجية واستتبابها في مؤسسات الدول الأوربية وأيديولوجياتها.

لقد فرض هذا الواقع بمكوناته الخفية المتضادة، والذكورة أعلاه، منطقه المستتر على الذهنية العربية المندهشة وحماس الجماهير العارم. وألزمها الإقرار بالتجزئة والعمل ضمن حدودها. ومن ثم توجيه حوافز العمل الملتهبة صوب شعارات الساسة وأهدافهم. تماما بالقدر الذي أدى إلى سكب غضب الحرمان التاريخي للفلاحين في سهام الدعوات الوطنية لرجال الدين المحترفين، والإقطاع "المتنور"، والأمراء المصطنعين، والحاشية المتربية في تقاليد التركية العثمانية. واستجاب هذا القدر من اهتزاز الجسد والضمير المخلص لمزاج الجمهور ووعيه المسطح والسلوك النفعي للقادة الوطنيين الجدد. وإذا كان ذلك يشكل خطوة كبرى إلى الأمام في جمع القدر الممكن من الوحدة الاجتماعية المتخطية لحدود البنية التقليدية، فإن كتلها الحماسية المتناثرة في أهازيج التضحية والثأر لم يمكن بإمكانها تجاوز حدود المساهمة المباشرة في شئون الدولة القطرية.

لقد تجمعت مكونات الفرح التاريخي، والاستعداد للتضحية، والتفاؤل العارم، وضعف الرؤية الإستراتيجية، في كلّ واحد لتصنع بدورها المقدمات الجديدة للحالة الجديدة المتميزة بأولوية وفاعلية العمل المباشر. ومن ثم الانهماك غير الواعي للوعي المتجمع في غضون قرن من الزمن للكفاح العربي من أجل خروج ذهنيته القومية والثقافية من دهاليز الصعاليك والمماليك، باتجاه تأسيس المرجعيات الضرورية لبناء الوعي الاجتماعي والسياسي والدولتي القومي.

أدى هذا الواقع الجديد إلى غرس أولوية العقل السياسي المجزأ، وكذلك إلى تفتيت الوحدة المتراكمة في الرؤية السياسية وبنائها النظري التاريخي والفلسفي. ولم تعد الدولة في هذه الرؤية سوى الدولة السياسية. أما  مثالها العملي الأرقى فهو السلطة القادرة على التجّسد في دولة لها حدودها ومقوماتها المستقلة. وكان من الصعب توقع شيئا ما غير هذه النتيجة بعد انحلال السلطنة العثمانية والضغط  الأوربي الكولونيالي المباشر وغير المباشر باتجاه رسم حدود العالم العربي الجديد في دوله ودويلاته. وقد أدت هذه النتيجة بالذهنية العربية للتعثر من جديد في دروب الافتراق المتزايد. فإذا كان التطور التاريخي السابق يجري في اتجاه توحيد العناصر المعقولة في الاتجاهات الإسلامية الإصلاحية والقومية العربية والثقافية، فإنه أخذ يجري الآن باتجاه الفِرقة والافتراق. ولم تعد الفِرقة والافتراق خطوة إلى الأمام من حيث أثرها بالنسبة لتوليف العناصر الحية في تجارب العقلانية العربية. على العكس، أنها أصبحت خطوة إلى الوراء، وذلك لأنها كانت تسهم في تبذير العناصر العقلانية والواقعية المتراكمة في مجرى التأمل والتحليل الفكري واستنتاجاته التاريخية والسياسية.

إن هذا التناقض التاريخي بين صيرورة الكيان السياسي العربي صوب الدولة، وتقهقر الذهنية الثقافية صوب جوهرية السلطة هو القدر الذي فرضه منطق الأحداث الداخلية والخارجية في مسار التاريخ العربي للربع الأول من القرن العشرين. فقد كان هذا التناقض نتاجا ملازما لضغط التسييس الفعلي للواعي الاجتماعي من جهة، وتبذير حصيلة الفكر المتراكمة في عقلانية الرؤية ومشاريعها النقدية وتوسيع مدى الوعي الذاتي التاريخ والثقافي والقومي، من جهة أخرى. وبالقدر ذاته كان هذا التناقض نتاج الضغط والإجبار السياسي والحضاري للغرب الكولونيالي المتميز بمكره التاريخي ومساعيه الدءوبة للسيطرة المباشرة وغير المباشرة (الانتداب) والتحكم بالتجزئة وإعاقة كل إمكانية لإعادة بناء الوحدة القومية والدولة الموحدة للعرب.

أما حصيلة هذه الضغوط بالنسبة للذهنية العربية فقد أدت إلى كسر كاهل العقلانية العربية وإرهاقها بمهمة تجميع قواها، وترشيد طاقاتها، وإعادة النظر بالقدر المتبقي من شظاياها من أجل توليف ما يمكن توليفه لمواجهة واقعها الجديد. إذ لم تكن آنذاك قادرة على تأسيس رؤيتها النظرية المستقلة والحرة فيما يتعلق بمبادئ الوحدة وواقعيتها السياسية. لقد واجهت قدرها الجديد في التجزئة المفروضة. وترتب على ذلك إهمال تجارب قرن من الزمن. وهو قدر تاريخي. وبمعنى ما مأثرة للوعي السياسي الفاعل أكثر مما هو مأساة له وذلك بسبب كونه نتاجا لتاريخ الكينونة الثقافية والدولية (السياسية) المهشمة للعالم العربي منذ سقوط بغداد عام 656 للهجرة (الموافق عام 1258 ميلادية). فقد كانت هذه المأثرة تقوم أولا وقبل كل شيء في محاولتها ترميم كيان الدولة الجديدة من فسيفساء الأجزاء المتناثرة في الذاكرة التاريخية والوعي المخزون في الكيانات الجهوية والطائفية والقبلية والاجتماعية المجزأة للعرب.

فقد كان العالم العربي في العقدين الأول والثاني من القرن العشرين يتوزع ما بين أنصاف دول وأرباعها وعدمها. فقد كانت مصر لحالها تتمتع بما يمكنه أن يكون نصف دولة. وما عداها مجرد إمكانيات قابلة للوجود دول كالمغرب وتونس واليمن (حكم الإمامة) ومملكة آل سعود. بينما لم تكن الجزائر وليبيا والسودان وسوريا الطبيعية والعراق وسواحل الخليج وعمان واليمن الجنوبي كيانا دولتيا أو حكوميا ملموسا ومحددا. إذ لم تحتوي هذه المناطق آنذاك في ذاتها سوى على إمكانيات الذاكرة التاريخية والوعي المخزون في الكيانات الاجتماعية المجزأة، التي استفزتها في آن واحد سياسة القومية التركية لحزب الاتحاد والترقي، والمشاريع السرية الكولونيالية للغرب الأوربي. أما حصيلة تفاعل كل هذه المقدمات فقد أدت بعد الحرب الامبريالية "العالمية" الأولى إلى تنشيط المواجهة المباشرة لكل المعطيات الواقعية والمفروضة بلغة السياسة العملية. ومن ثم صعود أولوية وجوهرية الوعي السياسي الوطني والقومي الحديث.

لقد أنهت هذه النتيجة المأثرة التاريخية للإصلاحية الإسلامية والعروبية الثقافية، ووضعت حصيلة إبداعهم العقلاني في مهب الصراع السياسي المباشر عن جوهرية الدولة المفترضة. بمعنى القضاء على إمكانية الالتقاء التدريجي لحصيلة التجربة النظرية والعملية المتبلورة في تاريخ الروح الثقافي والسياسي للإصلاحية الإسلامية والعروبية الثقافية. ومن ثم حولت التجزئة الفعلية للدولة العربية الموحدة المفترضة وكينونتها الثقافية إلى واقع مقبول أخذ يفرض قيوده الجديدة على منطق التبرير والتنظير السياسي والفكري. وليس اعتباطا أن يأتي الرد المباشر من التيار القومي والإسلامي. فهما التياران الوحيدان آنذاك اللذان ظلا يحتفظان بإدراك قيمة السياسة وفاعليتها في الصيرورة العربية الجديدة ومعالم كيانها المنشود. ومن الممكن العثور عليه في ظاهرة الازدياد المتعاظم لمهمة التأسيس النظري للقومية والدولة. وإذا كان ذلك شيئا طبيعيا بالنسبة للتيار القومي باعتباره التيار الأكثر حداثة في تأسيس حداثة العالم العربي، فإن التيار الإسلامي الإصلاحي أضطر أمام انهيار "الخلافة" للوقوف أمام مهمة ترميمها ولكن باعتبارها جزءا من معترك الدولة القومية. وبينهما تراوحت وتثلمت انجازات العروبية الثقافية. وقد كانت تلك بدورها أيضا النتيجة الطبيعية الملازمة لصعود التيار السياسي للنهضة الدولتية التي اشترك فيها مختلف القوى القومية والوطنية، التقليدية والثورية، الملكية والجمهورية، الفلاحية والإقطاعية، أي الكلّ المتحمس في انتمائه السياسي الوطني والقومي للدولة العربية. وحصلت هذه العملية على انعكاسها في التأسيس النظري للقومية (الدنيوية) والإسلامية الإصلاحية. وليس مصادفة أن يأتي الرد المباشر وغير المباشر على إلغاء الخلافة عام 1924 من التيار الثاني لا الأول.

فقد تعامل التيار الوطني والقومي (العروبي) مع إلغاء الخلافة تعامله مع شيء طبيعي، لأنه كان يتوافق مع نزوعه السياسي. لاسيما وانه كان يتطابق بأبعاده السياسية مع مضمون التحرر العربي من النير التركي، وفك الارتباط التاريخي بين الخلافة في رمزيتها الثقافية والدينية وبين السلطنة العثمانية. لهذا لم يكن إلغاء الخلافة فعلا فكريا سياسيا روحيا له أبعاده الثورية سواء في تركيا أو العالم العربي. إذ لا الأول ولا الثاني كانا يشعران بمبررها ومعناها السياسي أو الثقافي. وليس مصادفة أن تتوجه أولى الانتقادات الحادة لها في أوساط الإصلاحية الإسلامية نفسها، سواء بصيغتها غير المباشرة في آراء الأفغاني أو بصيغتها المباشرة عند الكواكبي وتأسيسه الفكري لما اسماه بقيمتها الرمزية والروحية فقط.

غير أن هذه الرمزية الروحية لم تعد جزءا من تقاليد الرؤية التاريخية، بقدر ما أصبحت جزءا من مشاريع الرؤية الاستقلالية العربية. وبهذا المعنى كان إلغاء الخلافة في عهد كمال أتاتورك فعلا مستجيبا للنزوع القومي العربي. وهو السبب القائم وراء عدم إثارته اعتراضا بما في ذلك عند أشد شخصياته الدينية والمؤسساتية تقليدية آنذاك (كالأزهر). فقد أيد الأزهر من الناحية الفعلية إلغاء الخلافة، لكنه أبقى عليها بمعايير القيمة الرمزية، من خلال استعمال كلمات الوجوب المقترنة بتقليدية العادات والعبادات المميزة للرؤية الفقهية التقليدية. بعبارة أخرى، لم يجر مناقشة القضية بمعايير الاستحسان والاستصلاح ولا بمنطق السياسة المعاصرة ومصالح الأمة والقومية. أما الاعتراض الحماسي الوحيد فقد انطلق من شبه القارة الهندية وصداها غير المباشر في المناطق الإيرانية التقليدية. لكنها لم تحصل مع ذلك على تأييد "منطقي". ففي الوقت الذي أيد بعض مفكري الشيعة مثل سيد أمير على وأغا خان الإسماعيلي ضرورة بقاء الخلافة، فإن محمد إقبال سار في منطق ما اسماه "بحقائق التجربة القاسية"، أي حقائق التجربة الواقعية للاتاتوركية وحسها السياسي الدنيوي. وقد أدى هذا الإحساس في نهاية المطاف إلى رمي الهيكل المتهاوي للخلافة (العثمانية) تحت ثقل الجهود المرهقة لتركية الاتحاد والترقي القومية المتشددة ونتائج الحرب العالمية الأولى. وبغض النظر عن "التبريرات" التي حاول أتاتورك تلطيف رد الفعل الممكن تجاه انهيار الرمز الثقافي الديني للكيان السياسي الإسلامي القائم آنذاك، إلا انه كان يدرك خواءها التاريخي وغلافها المعيق للفعل السياسي المستقل. لاسيما وانه فعل كان يفترضه منطق الدولة الدنيوية المعاصرة[8]. لهذا استجاب إلغاء الخلافة في نفسية القوميين العرب ونظراتهم السياسية لما كان يعتمل في قلوبهم ويمثل مشاريع الرؤية المستقبلية للتحرر، ومن ثم رمي مختلف أشكال ومظاهر ورموز الزيف السياسي ومصطنعاته التقليدية. ومع ذلك اصطنع هذا الإلغاء ورمي الخلافة فرصة الاستعادة "الحرة" لربط الخلافة والعروبة بأحد بدائل النظام السياسي والدولة الممكنين، كما هو جلي في محاولات خديوية مصر استغلالها آنذاك[9].(يتبع...).

 

ا. د. مبثم الجنابي

...........................

[1] الأفغاني: الأعمال المجهولة، لندن، دار الساقي، 1987، ص95-97.

[2] المصدر السابق، ص90.

[3] المصدر السابق، ص63.

[4] المصدر السابق، ص64.

[5] المصدر السابق، ص65.

[6] المصدر السابق، ص65-70.

[7] المصدر السابق، ص80.

[8] كان إلغاء الخلافة نتيجة متضمنة في قرار المجلس الوطني الأعلى في تركيا والقاضي بفصل السلطنة عن الخلافة عام 1922 وتحويل السلطنة إلى جمهورية. كما جرى تضمين ذلك في دستور عام 1921 ، وبالأخص في المادة التي تقول، (أن الشعب هو مصدر السلطات وانه هو الذي يملك أموره ومقدراته بيديه. وبالتالي هو الوحيد الذي يمتلك الحق في حكم نفسه بنفسه بلا قيد أو شرط). لهذا كان خلع السلطان وحيد الدين وتعيين ابن أخيه عبد المجيد خليفة للمسلمين فعل أقرب إلى دجل السياسة. من هنا عدم قدرته على البقاء فترة طويلة في ظل واقع تركيا المحاصرة بنتائج الحرب العالمية الأولى وانتصار الثورة البلشفية في روسيا.

[9] وهو المظهر "التاريخي" الذي أعطى لأراء على عبد الرزاق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) موقعه ومضمونه المباشر في لعبة السياسة المحترفة ومحاولاتها استعادة توظيف الهزائم والعجز الذاتي بما يخدم ترميم قوة السلطة. لكن إذا كانت هذه المحاولة السياسية لاستعادة "الربط الحر" بين الرموز التاريخية للسيادة العربية وتطابقها الروحي مع "الأنا" الثقافية، جزء من المساعي المحترفة للسلطة التقليدية، فإن الصيغة العميقة أو الوجه الآخر لهذه المحاولة قد جرى في الجهاد التاريخي للإصلاحية الإسلامية واجتهادها "المتحدى" لانهيار الخلافة، كما هو جلي في ظاهرة "الانحراف" السلفي لمدرسة محمد عبده.

***

 

عامر عبدزيد الوائليمقدمة: البحث في موضوعة التربية عامة ومنها التربيّة السياسيّة خاصة، من الموضوعات القديمة في الحضارة الإنسانيّة، إلا أنها تختلف في المرجعيات والغايات المنشودة، والتي تتوافق مع تلك طبيعة الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي:

قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون)(1)

وقال رسول الله ص: (اعمل بفرائض الله تكن من أتقى الناس، وارض بقسم الله تكن من أغنى الناس، وكف عن محارم الله تكن أروع الناس، وأحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمنا، وأحسن مصاحبة من صاحبك تكن مسلما).(2)

وبالإسناد الأول عن علي بن مهزيار، عن فضالة، عن إسماعيل، عن أبي عبد الله (ع) قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول (نبه بالتفكير قلبك، وجاف عن النوم جنبك، واتق الله ربك)(3)

إما من حيث اللغة فالتربية مأخوذة من ربى ولده، والصبي يربه، رباه أي أحسن القيام عليه حتى أدرك .(4) وقد ذكرها ابن منظور في لسان العرب إذ قال:(رَبا الشئَ يَربو رَبْواً ورِباءً بمعنى: زاد ونما، وأربَيْته: بمعنى نَمَّيْته، وفي التنزيل العزيز (ويُربي الصدقات) ومنه أخذ الربا الحرام).،(5) أي انه نمو وزيادة وترقيَة، وهي يربي الصدقات، أي هي في كل هذا ارتقاء الجيل الجديد وهذا ما يظهر في معنى التربية أيضا في اللغة وهي مأخوذة من (ربّى ولده، والصبي يربه، رباه أي أحسن القيام عليه حتى أدرك). (6) أي ارتقى به من حيث التربيَة والتوجيه مما يجعل منه قادر على ما يعجز عنه غيره دونه في التربيّة والاستعداد، وهو ما تحيل إليه اللغة أيضا (رَبَّ، يُرَبِّ الوَلَدَ، بمعنى تعهده وربّاهُ وأدّبَهُ). (7)، وبذلك تكون معاني التربية في اللغة: الزيادة والنمو والنشوء والترعرع والإصلاح والرعايّة والسياسة وتولي الأمر .

أمّا في الاصطلاح نجد أن أفلاطون (347-427ق.م)، ينظر لها بوصفها(هي إعطاء الجسم والروح كل ما يمكن من الجمال، وكل ما يمكن من الكمال) (8) وهي عند أرسطو (384-322ق.م) (الغرض من التربيّة هو أن يستطيع الفرد عمل كل ما هو مفيد وضروري في الحرب والسلم، وإن يقوم بما هو نبيل وخير من الأعمال ليصل إلى حالة السعادة)(9) و التأمل في هذين التعريفين نجدها تركز على التأمل في ما يجب إن يكون عليه السلوك مما يجعل من التربيَة تهدف إلى منح الجسم و الروح: جمال وكمال و نبل، مما يجعل من الفرد مفيد في الحرب والسلم من أجل تحقيق السعادة وهي هدف التأمل الفلسفي .(10)

وقد جمع الغزّالي إلى جانب العقل الدين فقال في التربيَة هي (تشبه فعل الفلاح الذي يقلع الشوك، ويخرج النباتات الأجنبيّة من بين الزرع، ليحسن نباته ويكمل ريعه). (11)

فالتربيَة حاضرة في فكر الإمام،عن عامر الشعبي، قال: (تكلّم أمير المؤمنين علي (ع)، بتسع كلمات ارتجلهن ارتجالاً، فقأن عيون البلاغة، و أيتمن جواهر الحكمة، وقطعن جميع الأنام عن اللحاق بواحدة منهن، ثلاث منها في المناجاة، وثلاثة منها في الحكمة، وثلاثة منها في الأدب).(12)، وقد حاولنا إن نعرض لها، في هذا المقال، إذ نحاول النظر في مفهوم التربيَة عند الإمام ثم التربية السياسيّة من خلال نماذج من عهد الإمام (ع) إلى الصحابي الجليل مالك الاشتر النخعي . (13)

التربيّة لدى الإمام علي (ع)

وما يهمنا هنا في تعريف التربيَة هو ما أراده الإمام أمير المؤمنين في كلماته والتي تفسر حقيقة مفهوم التربيَة من وجهة نظر إسلاميّة دينيّة. فالإمام يرى أن الإنسان هو غايَة الوجود والهدف من خلقته هو الوصول إلى الكمال النهائي الذي أراده الله تعالى له، وجعله خليفته في أرضه، ولكي يصل إلى كماله يجب عليه الالتزام في أقواله وأفعاله ومقاصده، على وفق أحكام الله وهداه كما قال الله تعالى لأبينا آدم عند هبوطه من الجنة(قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون). (14)

فالتربية القرآنيّة التي تشير إلى آدم عليه السلام هي تربط و توجب الطاعة، تلك الطاعة التي تجمع إليها أيضاً الدراية والمعرفة، يقول النبي صلى الله عليه واله وسلم:(هلاك أمتي في شيئين: ترك العلم وجمع المال)(15)

كما يقول الإمام عليه السلام:(العلم مقرون بالعمل، فمن علم عمل)،(16) فليس المهم من وجهة نظر القرآن الكريم وكلمات الإمام (ع) كثرة العلوم النظريّة؛ لأنها لا تغني عن السلوك الحسن والسيرة الخيّرة، إلى جانب إن الغايّة الإلهيّة تتطلب إن يكون الإنسان يجمع بين النظر والعمل معاً .

ودور الإمام الجمع بين المطلق الله والنسبي الإنسان في الوصل والشفاعة والتربيَة والإعداد أيضا . إذ يبقى الأساس يتجلى في ما يقوله الإمام (ع):(لا تجعلوا علمكم جهلاً ويقينكم شكاً، إذا علمتم فاعملوا وإذا تيقنتم فأقدموا). (17) بالتوجيه والإرشاد للإمام مثلما هو للأفراد هو بالضرورة للجماعة كفضاء لها من أجل تغيير واقعهِ من حال إلى أخر.

 فالتربيَة اجتماعيّة ؛ لكونها تعد صورة لحياة المجتمع الذي تعيش في إطاره , تعكس فكره الاجتماعي وتشير إلى مدى نموه وتطوره وتحدد درجة تطلعه وطموحه وألوان النشاط المتعددة والأوجه التي يمارسها أفراده .

فالتربيّة الإسلاميّة كما يعبر عنها الإمام (ع) هي عمليّة تهدف بالضرورة إلى إحداث تغيير بالسلوك ينقل سلوك المربى من حالة إلى حالة من المرجو أن يكون بها عبر ترسيخ سلوكيّات أخلاقيّة مرغوب بها محل أخرى غير مرغوب بها ؛ لكونها تتعارض مع المرجعيّات والأطر الاجتماعيّة والثقافيّة الاسلاميّة، لهذا قيل عن التربيَة هي مؤثرات تنشد لتحقيق تغييرات في ميول وعادات وقيم من أجل أن يكتسب الأفراد سمات متفق عليها مع المرجعيّات الدينيّة أو الفلسفيّة أو الاجتماعيّة أو الإسلاميّة .

فهذه المرجعيات على تنوعها ؛فهي الأساس الذي يستقى منها المنهاج أو الطريق الذي ينشده المربي سواء كان فرداً أم مؤسسةً لمرجع ديني أو سياسي أو اجتماعي أو تربوي يريد أن ينقل فرداً أو مجموعةً من حالة إلى أخرى أي بعد إكسابهم سمات للشخصيّة المتفق عليها التي تزودت بالخصائص التربويّة.وفي قول الإمام علي(ع): (إبذل لأخيك دمك ومالك، ولعدوك عدلك و إنصافك، وللعامة بشرك و إحسانك) (18) فهذه المقولة تعبر عن مجموعة من المعايير التربويّة التي يتحتم تواجدها في صياغة وإعداد سلوك المسلم في تعامله مع غيره .

والإمام نفسه كان وليد هذه المنظومة الربانيّة، إذ أورد الداعيًة الإسماعيلي النعمان بن حيون (263هـ) فى كتابه المسمى شرح الأخبار في فضل الأئمة الأخيار حديثا قال إن الطبري رواه عن عمار بن ياسر وفيه يقول النبي محمد (ص) مخاطباً الإمام علي (ع): (يا علي إن الله زينك بزينة لم يزين أحداً من العباد يزينه أحب إليه منها وهي زينة الأبرار عند الله، الزهد في الدنيا، ووهب لك حب المساكين فجعلك ترضاهم أتباعاً ويرضون بك إماماً).(19)

فهذا النهج التربوي القرآني ،يحاول تربية مجموعات من البشر وإعدادها على غرار تلك الأطر التربويّة العاملة على ترسيخ قواعد الأخلاق والمثل العليا بين مكوناته وأفراده، وغايتها النهوض بالمجتمع المستهدف، عن طريق تهذيب الفرد وتنمية قواه ومواهبه من خلال خبرات ومعارف تشكلها سلطة ثقافيّة ومعنويّة لديه .

التربيَة السياسيّة لدى الإمام علي (ع):

الحديث في مجال التربيّة السياسيّة نجد أنموذجين كان لهما تقدير لدى الإمام هما (مالك الاشتر، ومحمد بن أبي بكر) وهناك عهدان الأول إلى الاشتر والثاني إلى ابن أبي بكر وفيهما نماذج راقية من القيم الخلقيّة في التربية السياسيّة، إلى جانب مجموعة من الرسائل ؛ لكن يبقى عهد الإمام إلى مالك أنموذجاً رفيعاً على التربيّة السياسيّة للإمام وقد قال الإمام في مالك: (وأنا قابل من رأيك ما كان لله رضي، وأنت من آمن أصحابي، وأوثقهم في نفسي، وأنصحهم وأراهم عندي)(20). ثم قال: (لقد كان لي كما كنت لرسول الله)(21)، وبعد انتخابه لولايَة مصر وصفه بهذا السياق: (أمّا بعد، فقد بعثت إليكم عبداً من عباد الله، لا ينام أيّام الخوف، ولا ينكل عن الأعداء ساعات الرّوع، أشدّ على الفجّار من حريق النّار، وهو مالك بن الحارث أخو مذحج، فاسمعوا له وأطيعوا أمره فيما طابق الحقّ، فإنّه سيف من سيوف الله لا كليل الظّبة، ولا نابي الضّريبة: فإن أمركم أن تنفروا فانفروا، وإن أمركم أن تقيموا فأقيموا، فإنّه لا يقدم ولا يحجم، ولا يؤخّر ولا يقدّم إلاّ عن أمري ؛ وقد آثرتكم به على نفسي لنصيحته لكم، وشدّة شكيمته على عدوّكم).(22)

لما وصل إلى أمير المؤمنين وفاة الأشتر جعل يتلهّف ويتأسّف عليه، ويقول(ع): (لله درّ مالك، لو كان من جبلٍ لكان أعظم أركانه، ولو كان من حجرٍ كان صلداً، أما والله ليهدّنّ موتك، فعلى مثلك فلتبكِ البوا كي، ثم قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، والحمد لله ربّ العالمين، إنّي أحتسبه عندك، فإنّ موته من مصائب الدهر، فرحم الله مالكاً قد وفي بعهده، وقضى نحبه، ولقي ربه، مع أنّا قد وطنّا أنفسنا أن نصبر على كل مصيبةٍ بعد مصابنا برسول الله (ص) فإنها أعظم المصيبة).(23)

وقال الإمام علي عليه السلام إلى مالك في العهد:(ثمّ اعلم يا مالك ! إنّي قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وأن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم، وإنّما يستدل على الصالحين بما يجري الله لهم على ألســن عباده، فليكن أحب الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك، وشح بنفسك عمّا لا يحل لك، فإنّ الشح بالنفس الإنصاف منها فيما أحبت أو كرهت).

في هذا المقطع من عهد الإمام إلى أحد الأمراء ويرشده إلى ضرورة التفكر في حال الناس وهم قد مر بهم حكام سابقون لكل منهم سيرته، التي عرفها الناس فهناك سيرة عمر ابن العاص وما عرف به من سلوك وهناك غيره من الصالحين، لكل واحد من هؤلاء وغيرهم سيرة عرفها الناس وعلى أساسها أصدروا أحكامهم عليهم .

فالإمام عندما يقول (وأن الناس ينظرون من أمورك) حتى يعرفوا طبيعة هذا الأمر هل هو عدل أم جور، فالإمام يحض على التفكير والتأمل في أحوال الأمة وآثار السياسات في سلوك الناس وحياتهم؛ فالتفكر سمة من سمات التربية العلويّة فقد عرف (ع)انه من المفكرين الأوائل الذين أدركوا أهميّة التفكير عند الإنسان فأشاد بالعقل ودعا إلى تنميته بالفكر؛ لأن الفكر جلاء للعقول، كما أنه يفيد الهداية والرشد واليقظة والاستبصار، ويعصم عن الضلال والشك. وكثيرة هي العبارات التي صدرت عنه بخصوص هذا الأمر إذ يقول (ع): (الفكر يهديو(الفكر عبادة)، و(الرأي بالفكر) و(الفكر رشد) و(الفكر ينير القلب).(24) إذ يجد في التفكير القدرة على كشف الحقائق وتخليص العقل من الأوهام والأساطير، كما وأنه يرى فيه الهداية والرشد والرأي السديد ليس ذلك فحسب، بل أن العلم الحاصل عن التفكير هو من أشرف العلوم وأكثرها ثباتاً ودقة، وذلك بالقياس إلى ما ندّعي امتلاكه بالحفظ والتلقين من دون وعي ودرايّة.

ويقول عليه السلام في العهد إلى مالك الاشتر (وأشعر قلبك الرحمة للرعيّة، والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنّك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك ! وقد استكفاك أمرهم، وابتلاك بهم).(25)

(الرحمة، المحبة، اللطف، المساواة، العفو، الصفح)، سمات الحاكم العادل الذي يمتلك التقوى .هذه السمات الإسلاميّة الحقة التي تجلت في النبي صل الله عليه وعلى اله وسلم، والإمام علي عليه السلام .التي تقوم على تقويّة قوى الخير في نفس الإنسان، فالإنسان يحوي شيء من الضعف كما وصفه الإمام عليه السلام، بقوله: (تؤلمه البقة، وتقتله الشرقة، وتنتنه العرقة).،(26) فحالة الضعف هذا تحتاج منه إن يتجاوز حالة الضعف عبر النظر والتأمل والطاعة، والتقوى، ففي أعماق نفسه تتصارع قوى الخير والشر فهو يجمع إلى جانب العواطف والأهواء والغرائز العقل والفطرة، وحياته تعتورها حالات متضادة نتيجة للصراع بين قواه العقليّة والعاطفيّة، فيمكن إن يرتفع إلى كماله اللائق به إذا ما جعل من عقله القائد والمدير والمدبر لسلوكه وإعماله، يقول الامام علي (ع): (العقل صاحب جيش الرحمان، والهوى قائد جيش الشيطان، والنفس متجاذبة بينهما فأيهما غلب كانت في حيزه) .(27)

وقول الإمام (ع) في العهد (فاخفض لهم جناحك، وألن لهم جانبك، وأبسط لهم وجهك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة، حتّى لا يطمع العظماء في حيفك لهم، ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم، فإنّ الله تعالى يسائلكم معشر عباده عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة، والظاهرة والمستورة، فإن يعذّب فأنتم أظلم، وإن يعف فهو أكرم).(28)

وقول الإمام عليه السلام في العهد لمالك: (ولا تنصبن نفسك لحرب الله، فإنّه لا يد لك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته، ولا تندمن على عفو، ولا تبجحن بعقوبة، ولا تسرعن إلى بادرة وجدت منها مندوحة، ولا تقولن: إنّي مؤمر آمر فأطاع، فإنّ ذلك إدغال في القلب، ومنهكة للدين، وتقرّب من‏ الغير، وإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة أو مخيلة، فانظر إلى عظم ملك الله فوقك، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإنّ ذلك يطامن إليك من طماحك، ويكف عنك من غربك، ويفي‏ء إليك بما عزب عنك من عقلك . إيّاك ومساماة الله في عظمته، والتشــبه به في جبروته، فإنّ الله يذل كل جبّار، ويهين كل مختال)(29)

التذكير بعظمة الله وجبروته وانتقامه من الظالم فالمؤمن من يتقي الله،والتقوى تأتي من تجاوز حالة الضعف والظلم صوب التوازن بين العقل والقلب ليكون الإنسان الكامل واعطاء كل منهما حقه في الكمال وقد أشار أمير المؤمنين الى هذه المزية التربويّة فقال (ع): (لقد علق بنياط هذا الإنسان بضعة هي أعجب ما فيه، وهو القلب، وذلك أن له مواد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الأسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن أسعده الرضا نسي التحفظ وإن غاله الخوف شغله الحذر، وإن اتّسع له الأمر استلبته الغرّة، وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن أفاد مالاً أطغاه الغنى، وإن عضته الفاقة شغله البلاء، وإن جهده الجوع قعدت به الضعة، وإن أفرط به الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد). (30)

والنجاة تكمن فى " ذكر الله تعالى" وهي واحدةٌ من الخصال التربويّة في منهج الإمام التربوي وأصلها في القرآن الكريم (إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ)(31)

وقال تعالى أيضاً: (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي)(32)، قال الإمام علي (ع) في أهميّة الذكر:(إن الله تعالى جعل الذكر جلاءً للقلوب، وتسمع به بعد الوقرة، وتبصر به بعد العشوة، وتنقاد به المعاندة. وما برح لله في البرهة بعد البرهة، وفي أزمان الفترات: رجال ناجاهم في فكرهم، وكلمهم في ذات عقولهم)،(33).

وقال الامام (ع) من عهده الى محمّد بن أبي بكر(واعلم ـ يامحمّد بن أبي بكر ـ ... وأن تنافح عن دينك، ولو لم يكن لك إلاّ ساعة من الدهر، ولا تسخط الله برضى أحد من خلقه، فإنّ في الله خلفاً من غيره، وليس من الله خلف في غيره،صلّ الصلاة لوقتها المؤقّت لها، ولا تعجّل وقتها لفراغ، ولا تؤخّرها عن وقتها لاشتغال.واعلم أنّ كل شيء من عملك تبع لصلاتك).(34)

نلاحظ الجمع بين خصال مخالفة النفس، التنافح عن الدين، تجنب سخط الله، الالتزام بالصلاة فهي الأصل في كل عمل، مقاربة تجمع بين الصلاة ؛كونها رباط معنوي ورمزي كلما زاد عمق صلح حال المؤمن واستقامة إعمال وصلحت وسيطر على نفسه وساس الناس بالعدل الذي فيه مرضات لله وتجنب لسخطه .وهو ذاته ما يؤيده وقول الإمام عليه السلام: (أنصف الله وأنصف الناس من نفسك، ومن خاصّة أهلك، ومن لك فيه هوىً من رعيتك، فإنّك إلا تفعل تظلم ! ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجّته، وكان لله حرباً حتّى ينزع أو يتوب .وبالتالي يمكن يكون (الدِّينُ يَعْصِمُ، أي انّ رعايّة الدين والاهتمام باُموره يعصمان المرء من الحسرة والندم في يوم الجزاء، وهذا ظاهر، كما يعصمانه من الذلّة والهوان في الدنيا، لأنّ المتديّن عزيز ومحترم عند الخلائق، وإذا لحق الإنسان ـ في سبيل الدين ـ أذىً فإنّه لن يُسقطه من أعين الناس، بل يزيد في علوّ قدره وسموّ مرتبته لدى مَن يبصر حقائق الاُمور).(35)، بالمقابل فان الظلم والفساد يجلب غضب الباري عز واجل وهذا ما يصوره الإمام في عهده إلى مالك (وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم، فإنّ الله سميع دعوة المضطهدين، وهو للظالمين بالمرصاد .

وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعهــا لرضا الرعيّة، فإنّ سخط العامّة يجحف برضا الخاصّة، وإنّ سخط الخاصّة يغتفر مع رضا العامّة).(36)

هذا المقطع يركز على " الإنصاف " للناس من قبل الحاكم: من نفسه، ومن خاصة أهله، والحواشي، فان هذا جلب الظلم والخصم فيه الله، إذا الإمام يدعو إلى إنصاف الله وتقوى الله، وهذا يتحقق للحاكم إذ زكى نفسه، كما قال الله تعالى في محكم كتابه: (قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها). (37)، فيقول (ع)في وصيّة إلى شريح بن هانئ(38): (واعلم أنك لم تردع نفسك عن كثير ممّا تحب مخافة مكروه، سمَت بك الأهواء إلى كثير من الضرر فكن لنفسك مانعاً رادعاً، ولنزواتك عند الحفيظة واقماً قامعاً).(39)

وبالمقابل وصف أهل السوء وحكام الجور يقول الإمام في الرد على رسالة ابن أبي بكر يطلب النجدة:(وقد قرأت كتاب الفاجر ابن الفاجر معاويّة والفاجر ابن الكافر عمرو، المتحابّين في عمل المعصيّة والمتوافقين المرتشيين في الحكومة، المنكرين في الدنيا، قد استمتعوا بخلّاقهم كما استمتع الذين من قبلهم بخلّاقهم، فلا يهلك إرعادهما وإبراقهما، وأجبهما إن كنت لم تجبهما بما هما أهله، فإنّك تجد مقالاً ما شئت . والسلام).(40)

وقال الإمام (ع) من عهده إلى مالك: (وليكن أبعد رعيتك منك، وأشنأهم عندك، أطلبهم لمعائب الناس، فإنّ في الناس عيوباً، الوالي أحق من سترها، فلا تكشفن عمّا غاب عنك منها، فإنّما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت يستر الله منك ما تحب ستره من رعيتك).(41)

هذا المقطع يحذر الحاكم من أهل النميمة الوشاة وأهل الكذب فأنها أفعال غير محمودة،وبالمقابل الدعوة إلى التقوى إذ يقول الإمام (ع): (إن تقوى الله حمت أولياء الله محارمه، وألزمت قلوبهم مخافته، حتى أسهرت لياليهم، وأظمأت هواجرهم)،(42)

وقال الإمام (ع) من عهده إلى مالك: (ولا تدخلن في مشورتك بخيلاً يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزين لك الشر بالجور، فإنّ البخل والجبن والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظن بالله().(43)

فى هذا المقطع اختيار عميق لمن تشاور في أمور الناس وهي قاعدة نفسيّة تقوم على معرفة عميقة بسلوك من تختاره أن يكون مستشاراً ويقدم لك الخبرة والنصيحة من أهل الرأي والخبرة ؛فالتحليل النفسي لهؤلاء يجعلك قادراً على معرفة عمق مشورتهم إذا ما استبعدت منها الصفات السلبيّة السابقة .

وبعد التأكيد على استبعاد الوزراء وبطانتهم من أهل الآثام يقول الإمام (ع) في عهده إلى مالك:(وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم وآثامهم، ممّن لم يعاون ظالماً على ظلمه، ولا آثماً على إثمه، أولئك أخف عليك مؤونة، وأحسن لك معونة، وأحنى عليك عطفاً، وأقل لغيرك إلفاً، فاتخذ أولئك خاصّة لخلواتك وحفلاتك، ثمّ ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك، وأقلّهم مساعدة فيما يكون منك ممّا كره الله لأوليائه، واقعاً ذلك من هواك حيث وقع).(44)

بعد الفرز والتدقيق يتم اختيار أهل الرأي والخبرة والشر،الأساس أن لا يكونوا من أهل الجور والآثام بل من أهل العدل والإنصاف .

وبعد التأكيد على استبعاد المدح والإطراء ؛لأنّه إشارة سلبيّة في نفس من يحكم يقول الإمام في عهده إلى مالك: (ولا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء، فإنّ في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة ! وألزم كلاّ منهم ما ألزم نفسه).(45) وهذا النص مهم فالحاكم العادل من لا يساوي بين من سلوكهم مختلف بين أهل الإحسان وأهل الإساءة، حتى لا يشعر أهل الإحسان إنهم في خسارة بانتهاجهم هذا الطريق الصالح ويشعرون انه غير مقيم ولا مذكور بعين الحاكم فيكفون عنه وتلك خسارة كبيرة، تجعل أهل السوء يزدادون تمادياً بأفعالهم القبيحة ؛ لأنهم لم يجدوا ردعاً لها .

يؤكد الإمام في عهده إلى مالك على صفة محمودة تجمع حسن الظن بالناس والعدل في معاملتهم فيقول: (فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظن برعيتك، فإنّ حسن الظن يقطع عنك نصباً طويلاً، وإن أحق من حسن ظنّك به لمن حسن بلاؤك عنده، وإن أحق من ساء ظنّك به لمن ساء بلاؤك عنده (46).

الإمام في عهده إلى مالك يقر قواعد هي:

1- (لا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمّة، واجتمعت بها الألفة، وصلحت عليها الرعيّة، ولا تحدثن سنّة تضر بشيء من ماضي تلك السنن، فيكون الأجر لمن سنّها، والوزر عليك بما نقضت منه(47).

(أكثر مدارسة العلماء، ومناقشة الحكماء، في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك)(48) .

 ثم نجد الإمام يقدم توجيهاً يراعي فيه إدارة طبقات المجتمع فهو يراعي هنا الادارة وأخلاقيات التعامل مع كل طبقة بقوله:(إعلم أنّ الرعيّة طبقات، لا يصلح بعضها إلاّ ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض: فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامّة والخاصّة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمّال الإنصاف والرفق، ومنها أهل الجزيَة والخراج من أهل الذمّة ومسلمة الناس، ومنها التجّار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، وكل قد سمى الله له سهمه، ووضع على حدّه فريضة في كتابه أو سنّة نبيه (ص) عهداً منه عندنا محفوظاً (49) ثم يفصّل ما يجب أن يتم مراعاته الى كل مجموعة:

فالجنود، بإذن الله، حصون الرعيّة، وزين الولاة، وعز الدين، وسبل الأمن، وليس تقوم الرعيّة إلاّ بهم .

ثم لا قوام للجنود إلاّ بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به على جهاد عدّوهم، ويعتمدون عليه فيما يصلحهم، ويكون من وراء حاجتهم .

ثمّ لا قوام لهذين الصنفين إلاّ بالصنف الثالث من القضاة والعمّال والكتّاب، لما يحكمون من المعاقد، ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواص الأمور وعوامها .

ولا قوام لهم جميعاً إلاّ بالتجّار وذوي الصناعات، فيما يجتمعون عليه من مرافقهم، ويقيمونه من أسواقهم، ويكفونهم من الترفق بأيديهم ما لا يبلغه رفق غيرهم .

ثمّ الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحق رفدهم ومعونتهم، وفي الله لكل سعة، ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه.

يؤكد الإمام في عهده إلى مالك على أخلاقيّة الحاكم مع المحكوم: (ثمّ تفقّد من أمورهم ما يتفقّد الوالدان من ولدهما، ولا يتفاقمن في نفسك شيء قويتهم به، ولا تحقرن لطفاً تعاهدتهم به وإن قل، فإنّه داعيّة لهم إلى بذل النصيحة لك، وحسن الظن بك، ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالاً على جسيمها، فإنّ لليسير من لطفك موضعاً ينتفعون به، وللجسيم موقعاً لا يستغنون عنه).(50)

الراعي الصالح علاقته بشعبه كعلاقة الوالدين مع أولادهم هي علاقة تقوم على العطف والمحبّة والتقوى .

ثم يذكر الإمام في عهده إلى مالك آليّات الحاكم في استنهاض الناس ودفعهم إلى المكارم (إنّه لا تظهر مودّتهم إلاّ بسلامة صدورهم، ولا تصح نصيحتهم إلاّ بحيطتهم على ولاة الأمور، وقلّة استثقال دولهم، وترك استبطاء انقطاع مدّتهم، فافسح في آمالهم، وواصل في حسن الثناء عليهم، وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم، فإنّ كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهز الشجاع، وتحرض الناكل، إن شاء الله ...، مع حسن الثناء في العباد، وجميل الأثر في البلاد، وتمــام النعمة، وتضعيف الكرامـــة)(51)

ومن أخلاق هؤلاء القادة بحق مربيهم وقائدهم الإمام علي (ع) إذ جاء فيرسالة محمّد بن أبي بكر إلى معاويّة: (والشاهد لعلي مع فضله المبين وسابقته القديمة أنصاره الذين معه الذين ذكرهم الله تعالى في القرآن ففضّلهم وأثنى عليهم من المهاجرين والأنصار، فهم معه كتائب وعصائب، يجالدون حوله بأسيافهم، ويريقون دماءهم دونه، يرون الحقّ في اتّباعه والشقاق والعصيان في خلافه، فكيف ـ يالك الويل ـ تعدل نفسك بعلي، وهو وارث رسول الله (ص) ووصيّه وأبو ولده، وأوّل الناس له اتّباعاً، وأقربهم به عهداً، يخبره بسرّه، ويطلعه على أمره، وأنت عدوّه وابن عدوّه. فتمتّع في دنياك ما استطعت بباطلك، وليمددك ابن العاص في غوايتك، فكأنّ أجلك قد انقضى، وكيدك قد وهى، وسوف يستبين لك لمن تكون العاقبة العليا، واعلم أنّك إنّما تكايد ربّك الذي قد أمنت كيده، وأيست من روحه، وهو لك بالمرصاد وأنت منه في غرور والسلام على من اتّبع الهدى ..).

في هذه الرسالة يظهر اثر التربيّة العلويّة وتظهر، أيضا ذات القواعد التربويّة التي أكد عليها الإمام في عهدة إلى مالك الاشتر نلمسها أيضا في رسالة الإمام عليه السلام إلى محمّد بن أبي بكر: (فأصحِر لعدوّك، وشمّر للحرب، وادعُ إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وأكثِر ذكر الله والاستعانة به والخوف منه يكفِك ما أهمّك، ويُعِنك على ما ولاّك، أعاننا الله وإيّاك على ما لا ينال إلاّ برحمته . والسلام). (52)

بعد هذا العرض لما سبق من نصوص إن الإمام يبقى هو المعين للتربيّة لما يتمتع به من كمال وعصمة وهذا ما يؤكده العلامة الحلي في عرضه إلى وظيفة الإمام، فيذكر قوله تعالى:

(والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون)(53)

(وجه الاستدلال إن الله سبحانه وتعالى نصّب الإمام لحمل الناس على المرتبة فلا بد وان تكون فيه والصالحات جمع محلى باللام فيفيد العموم فالإيمان وعمل الصالحات يشتمل على ترك المعاصي ؛ لأنه حكم بأنهم أصحاب الجنة المستحقون لها فلا يتم إلا بترك المعاصي فالإمام معصوم وهو المطلوب)(54)

الخاتمة

وبهذا ونتيجة تلك الغايات التي هي مطلب تشترك به المجتمعات على تنوعاتها الاجتماعيّة والثقافيّة فهي تجد بالتربية ضرورة اجتماعيّة إذ لا يستطيع الفرد والمجتمع أن يستغني عنها وكلما ارتقى الإنسان في سلم الحضارة ازدادت حاجته إلى التربيَة الهادفة إلى إخراج تلك الحاجة عن حد الكماليّات إلى حد الضروريّات ، ومنها التربيّة السياسية هي تنميّة الخبرة المعرفيّة والسلوكيّة، وعلى مزاولة شؤون السياسة وما ينتج عنها، وإدراك الآليّات التي يمكن لهم من خلالها إدارة شؤون المجتمع.

ولنا في السفر التربوي لدى الإمام (ع) رأسمال معنوي كبير قابل للقراءة والاستثمار في التربيّة وصناعة القادة وتعميق أخلاقيات التقوى ومحاربة الفساد وترصين مناهجنا بما يجعل من الإصلاح منهج رصين وضروري في نهضة المجتمع .

النجف الأشرف 9من محرم الحرام، المصادف 19/9/ 2018م

 

أ. د.عامر عبد زيد الوائلي

.....................

(1) سورة الأعراف، أيّة 42.

(2) الشيخ المفيد، أمالي المفيد، مؤسسة المراقد المقدسة العالميّة، ط1، النجف الأشرف، 2012 م، ص 231.

(3) المرجع نفسه، ص 123.

(4) باقر شريف القرشي، النظام التربوي في الإسلام، ص41، عن تاج العروس، ج1، ص261.

(5) لسان العرب، ابن منظور ج ١٤، ص ٣٠٤.

(6) تاج العروس، الزبيدي، ج١، ص٢٦١.

(7) جبران مسعود، الرائد معجم لغوي عصري، دار العلم للملايين، ج 7،ط1،(د. ت)، ص ٧١٢.

(8) سليمان، كامل والعبد الله، علي: التربيّة، مطبعة صادر، بيروت، 1965م، ص176-177.

(9) المصدر نفسه، ص176-177.

(10) المصدر نفسه، ص١٧٦-١٧٧.

(11) الغزّالي، رسالة أيها الوالد، ترجمة توفيق الصباغ، ص٣٧.

(12) محمد حسين علي الصغير، نوادر وطرائف، دار روافد، ط1، بيروت، 2018م، ص7.

(13) مالك بن الحارث الأشتر النخعي زعيم قبيلة وقائد عسكري شارك في فُتوح الشام وكان من أصحاب علي بن أبي طالبحيث شهد معه الجَمَلوصفيناللتان أبدى فيهما شجاعة مفرطة وشهد مع علي مشاهده كلها، وولاه علي على مصر.

(14) سورة البقرة: (٣٨- ٣٩).

(15) محمد حسين علي الصغير، نوادر وطرائف، ص9.

(16) ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، تحقيق محمد ابراهيم ، ط1،2007م، ج١٩، ص٢٨٤.

(17) المصدر السابق، ج١٩، ص١٦٤.

(18) محمد حسين علي الصغير، نوادر وطرائف، ص8.

(19) هادي العلوي، فصول من تاريخ الإسلام السياسي، مركز الأبحاث و الدراسات الاشتراكيّة في العالم العربي،ط2، نيقوسيا،1999م، ص73، وينظر: الكتاب من مخطوطة مكتبة الأوقاف، ببغداد، تحت رقم 6596-39ب.

(20) الغارات (تحقيق السيد جلال الدين الحسيني المعروف بـ المحدّث) - أبي اسحق إبراهيم بن محمد الثقفي – مجلدين 1/73.

(21) العلامة الحلي، خلاصة الأقوال، تحقيق: الشيخ جواد القيومي، ط1، سنة الطبع: عيد الغدير ١٤١٧م، ص277.

(22) الامام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، جمعه الشريف الرضي، تحقيق، الشيخ محمّد عبده، مؤسسة المختار، القاهرة،2006م، 3: 63.

(23) http://arabic.al-shia.org/مالك-الأشتر-النخعي رضي-الله-عنه۱ انظر: مجالس المفيد ص58

(24) جميع هذه الأقوال أخذت من كتاب (الغرر والدرر) للآمدي، ص43.

(25)الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، 53-من عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعي رحمه الله، جمعه الشريف الرضي، تقديم وشرح الشيخ محمد عبده، مؤسسة المختار للنشر وللتوزيع، ط1، القاهرة، 2006، ص500.

(26) ابن ابي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج٢٠، ص٢٦٠.

(27) الري شهري: ميزان الحكمة، ج ٦ ص ٤٠٥.

(28) الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، 53-من عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعي رحمه الله،ص500

(29) نفس المصدر، ص 500

(30) المصدر السابق، ج١٨، ص٢٧١.

(31) سورة العنكبوت: ٤٥.

(32) سورة طه: ١٤.

(33) شرح النهج لابن أبي الحديد، ج١١، الخطبة ٢١٧، ص١٧٦.

(34) كان محمّد بن أبي بكر ربيباً لأمير المؤمنين تربّى في حضنه واستلهم مبادئه وأفكاره واهتدى بهديه فكان أنموذجاً حسناً من رجال المسلمين وكان الناس يعجبون لهذا الرجل الذي ترك أباه وحزبه القرشي وتولّى محمّداً وآل محمّد بعيداً عن العصبيّة القبليّة والأهواء الدنيويّة . وبعد ما نكب الإمام (ع) بشهادة أخيه وعضده مالك الأشتر أبقى ابن أبي بكر على ولايّة مصر وهو من ألمع الرجال في فضله وتقواه، ومن أكثرهم حبّاً وولاءً للإمام عليه السلام.

(35) شرح غرر الحكم ودرر الكلم للإمام أمير المؤمنين عليه السلام، ترجمة وإعداد مكتبة الروضة الحيدريّة:

http://www.haydarya.com/maktaba_moktasah/07/book_59/main.htm

(36) الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، 53-من عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعي رحمه الله،ص502.

(37) المصدر السابق، ج١٧، ص١٣٨.

(38) الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، 53-من عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعي رحمه الله،ص500

(39) نهج البلاغة وصيّة رقم ٥٦.

(40) https://www.haydarya.com/maktaba_moktasah/05/book_13/6/02.htm

(41) الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، 53-من عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعي رحمه الله،ص502

(42) نهج البلاغة، الخطبة١١١.

(43) الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، 53-من عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعي رحمه الله،ص503

(44) الإمام علي بن أبي طالب، نهج البلاغة، 53-من عهد له عليه السلام كتبه للاشتر النخعي رحمه الله،ص503-504.

(45) نفس المصدر،ص 504.

(46) نفس المصدر،ص 504.

(47) (نفس المصدر، ص504.

(48) نفس المصدر، ص505.

(49) نفس المصدر، ص505.

(50) نفس المصدر، ص-506- 507 .

(51) نفس المصدر، ص507.

(52) الإمام علي بن أبي طالب البلاغة، 34- و من كتاب له عليه السلام إلى محمد بن أبي بكر، نهج، ص476.

(53) سورة الأعراف، أيّة 42.

(54) العلامة الحلي، كتاب الالفين، ذوى القربى،ط1، قم ، 1431،، ص 367.

 

مفهوم العدل عند الشيعة:

لقد أخطأت الشيعة حينما أعتبرت - العدل - أحد أصول الدين، حين أرتكبت مخالفة معرفية ومجازفة غير محمودة حين أعلنت عن ذلك وتمسكت به، ففي التعريف الأولي لأصول الدين نكتشف إنها موضوعة عامة، لا تتحرك وفقاً لما يعتبره الفقيه أو الكلامي، إنما ينطلق من نظرة عامة للدين بوصفه العام نظرة شمولية للحياة والكون، وفي أن ما ذهب إليه الشيعة في تعريفهم للدين وماهيته ثمة مغالطة مفهومية ومعرفية، وفي ذلك إنما ننطلق من تعريف الكتاب المجيد للدين، الذي يعطينا تعريفاً مغايراً لما هو سائد في أدب المتكلمين وأهل الفرق، فالدين عند الله وفي الكتاب المجيد هو (الإسلام)، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: - [إن الدين عند الله الإسلام ..] - آل عمران 19، ثم عرف الكتاب المجيد لنا الإسلام على إنه عبارة عن (الإيمان بالله والإيمان باليوم الأخر والعمل)، كما في قوله تعالى: - [إن الذين آمنوا والذين هادُوا والنصارى والصابئين من: (آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا)، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا يحزنون] - البقرة 62، هذا هو إذن دين الله الذي هو الإسلام، وهذه هي أصوله وقواعده ومايقوم عليها، وهذا ليس أخبارا وحسب بل وتعليلا كذلك .

الكتاب المجيد يقول: - إن أصول الدين الإسلامي المعتبرة وقواعده الثابتة هي: (التوحيد والمعاد والعمل الصالح) -، وبهذا القول ينتفي المعنى الذي ذهبت إليه الشيعة في إعتبار العدل والإمامة والنبوة من أصول الدين، كما تنتفي الأدلة التي أعتمدتها في هذا المجال لأنها لا تستقيم ولا تنسجم وهذا المعنى، يقودنا هذا للإقرار بالقول: - بإن ما ذهب إليه العلامه الحلي في هذا الباب كذلك ليس صحيحاً -، فقوله: - إن العدل أصل عظيم تقوم عليه قواعد الدين والأحكام مطلقاً - ليس صحيحاً، لأنه في ذلك يخلط بين المعنى الأصيل للعدل وبين المعنى الإشتقاقي له، والتوهم الذي قاده لذلك أساسه إفتراض ذهني ورد على النحو الأتي: - في إعتبار العدل هو الرابط أو الصلة بين التوحيد والنبوة -، وهذا الإفتراض الذهني هو إفتراض ظني لا يقوم على دليل ولا يستند إلى منطق، ذلك إن موضوعة التوحيد شيء وموضوعة النبوة شيء أخر، ولا دليل دال على أن صحة إعتبار الأول مترتبة على صحة وجود الثاني .

ثم إن هذا الإفتراض لازمه نفي صفة الدليل العقلي وإلغائه، كما إنه يستلزم من جهة أخرى أن يكون العدل شرطاً مسبقاً في صحة التوحيد والإيمان بالتوحيد، وجعل ذلك لازماً من لوازمه أو مقتضا من مقتضياته .

وإذا كان ذلك كذلك: فهل التوحيد والتصديق به دليله النقل أم العقل؟، وأيهما أسبق في الإعتبار والوجود النقل أم العقل؟، أقول: بحسب مقولات أهل المنطق يكون النقل متأخر رتبة ودرجة عن العقل في الوجود والإعتبار، وإلى ذلك وردت الإشارة من الإمام علي وهو يبين السر من بعثة الأنبياء قال: (ليثيروا للناس دفائن العقول)، فثورة العقل وردت في سياق النص للإشارة لما هو آت، ويكون العقل بهذا اللحاظ هو القادر وحده على تحريك ما في النقل ليكون ممكنا سواء بواسطة الفعل المباشر أو الفعل غير المباشر .

 وكما أن التوحيد يلزمه الدليل العقلي، كذلك تكون النبوة لازمها الدليل العقلي سواء في إثباتها أو في التصديق بها، وهذا يُظهرُ سابقية العقل على النقل، ومن هنا نفهم صحة ماذهب إليه أهل الفلسفة بقولهم: - والنبوة تحتاج في إثباتها لدليل منفصل -، وهم يعنون بذلك الدليل العقلي .

 نعم يكون الدليل العقلي بمثابة الأرضية التي من خلالها يتم القبول أو التصديق أو الرفض، ولا يعني هذا إن إلتزامنا بالدليل العقلي ينفي الحاجة للأدلة المضافة، بل على العكس فكل دليل تال يكون بمثابة وسيلة إيضاح، وهذا القيد التوضيحي أتينا به في حضرة البعثة النبوية لخاتم الأنبياء محمد، والتي أنتفت معها الحاجة إلى المعجزة الحسية أو التجربة العيانية، تلك التي أدت دوراً إيضاحياً لا بأس به في المراحل السابقة من بعثة الأنبياء، ولكن هذا النوع من أدوات الإيضاح لم تعد تلبي الحاجة، في ظل حركة النقلة التي حصلت للعقل الإنساني، وفيها دخلت - النبوة - مرحلة التحول أو الإنتقال من حال التجربة إلى حال الإدراك العقلي المجرد، ولهذا السبب الموضوعي قلنا: - إن ما قال به العلامة الحلي لا أساس موضوعي له، ولا ندري من أين أتت نظرية الصلة المزعومة والتي تمسك بها؟ -، ثم إسقاطات هذه النظرية وتواليها على العلاقة بين التوحيد والنبوة ومن ثم على العلاقة بين النبوة والإمامة، وهذا كما هو ظاهر إتجاه في الفكر مرفوض ويناقض ما عليه مبادئ العقل ومسلماته، ثم إنه ببساطة يبطل معنى الإيمان بالتوحيد العلمي العقلي والذي تميل إليه في الغالب معظم المدارس الفكرية في العالم ..

نعم لقد بينا في بحث سابق عن طبيعة النبوة وكونها: - شأنا مستقلا مرتبطا بمُراد الله وحده -، وبأنها في الأصل الأولي تقوم على - الإصطفاء - من قبل الله، وهي معرفة يقينية تتم بواسطة الوحي .

وقد وقع خلطا في المفاهيم لدى عامة المسلمين بين النبوة والرسالة وبين النبي والرسول، ولهذا ترآهم لا يميزون في ذلك وعندهم الأثنين بمثابة الواحد، ولهذا أيضاً أختلطت الموضوعات والأحكام، مع إن لكل منهما شأنا وموضوعاً ومعنا مختلفاً، فالنبوة مثلاً: - ليست من خواصها ولا من طبيعتها ولا من شأنها البحث عن أو في الأحكام والتشريعات -، والنبي لا يقوم بدور الحاكم ولا يؤدي ذلك الدور، ومجال عمله ينصب في البحث بواسطة الدليل العقلي عن كيفية الإيمان وطريقته، الإيمان بالوحي وبالغيب وبالوحدانية والتصديق بذلك، وهذه تلازم حركة العقل حكماً ودوره في تعزيز فكرة الإيمان عبر الدليل العلمي .

 وعليه فالنبوة لا تبحث في الاحكام والتشريعات ولا في تطبيقها وتنفيذها، فهذه العملية ليست من أختصاص النبي ولا هي لازم من لوازم النبوة، وإذا كان ذلك كذلك، فهذا يقتضي أو يستلزم: - رد الفكرة التي تبناها الحلي حكماً وموضوعاً في هذا الشأن -، لأن تلك الفكرة يُراد منها إستلال فكرة الإمامة من النبوة وبكونها مرتبطة بها وجوداً وعدما، وهذا كله وهما مضافا إدعاه الحلي وظنه كرابط وصلة وصل في هذا الإتجاه .

وأما الإمامة فلا يصح فيها الإصطفاء بل ولا يجوز، هذا بإعتبار موضوعها ودورها وشأنيتها، فهي من جهة ترتبط بما يقرره الناس وبما يختارونه عبر الإنتخاب الشعبي، ولا توجد إمامة بالمعنى الديني المحض، إنما هي حاكمية وإدارة لشؤون الناس والمجتمع، ولهذا نقول: - لا يكون الإمام إماماً بمعنى حاكماً على الناس إلاًّ بالإختيار أو الإنتخاب من قبلهم -، وحين عرف الكتاب المجيد الإمامة لم يخرجها من هذا المعنى، حتى حينما قال الله تعالى: (.. إني جاعلك للناس إماما ..) - البقرة 124، أي جاعلك رسولاً فالرسول حسب هذا المعنى هو الإمام، أي إن - مقام الرسول هو مقام الإمام - ومقام الرسالة هو مقام الإمامة، وإلى ذلك أشارت المقولة التالية - ليس كل نبي رسولاً -، في المعنى الذي ذهبنا إليه .

ناهيك عن إن متعلق الرسالة وفعلها في الحياة مرتبطا بإدارة شؤون الناس، وتنفيذ وإجراء القوانين والتشريعات، وهذه ليست من مهام النبوة ولا من وظائفها، والفرق هذا كفيل برد مقولة الحلي ومن تبعه في ذلك، وكما قلنا ونقول: - (لا تصح الإمامة بالوصية ولا بولاية العهد ولا بالوكالة) -، وإنما تصح الإمامة وتثبت بالإختيار والإنتخاب الشعبي العام، كما ولا يجوز إخراج دور الرسول في الحكم والإدارة من هذه القيدية وهذا الشرط، وإلى هذا ألمح النص بالقول: - [... وشاورهم في الأمر ..] - آل عمران 159، وفي مكان أخر قال: - [.. وأمرهم شورى بينهم ..] - الشورى 38، وأعمال الرسالة ووظائفها التشريعية والتطبيقية لا تتم بالقهر والإكراه، وإنما بالحوار والجدل بالحسنى، ولا يصح من الرسول فرض شخص بعينه على الناس ليكون لهم إماما، إنما يصح منه الإرشاد والتوجيه بإعتباره فرد من المجتمع، له رأي في مجال الحكم والإدارة، والناس ببعد مفوضين في الأخذ بذلك أو توخي المصلحة بحسب الواقع .

ولا نعلم الصلة بين الرسول ولزوم إختيار من يتولى الحكم من بعده والعدل، نعم هو توجيه إرشادي إن صدر عن الرسول، ذلك لأن الحكومة ورعاية شؤون العباد مهمة يضطلع بها الناس في خياراتهم، وليس من يُفرض عليهم بالقوة والغلبة والقهر، ودور الرسول في ذلك لا يدخل في الحيز التعبدي مطلقاً، ولا تكون الوصية داخلة في هذا الباب، إنما المعلوم من خلال جملة الأدلة: - إن الرسالة قد طرحت وتبنت موضوعة الحكم وكذا شروط إنتخاب الحاكم -، على نحو عام وتركت التفاصيل للناس فهم أولى بشؤون دنياهم، ومن هنا نقول: - إنها لم تترك الأمر سدى كما يظن بعض المروجين، إنما تبنت تنظيم قواعد الإنتخاب وركزت على مفهوم ومعنى تصحيح المفاهيم في هذا الشأن -، مؤمنة بقدرة الناس على إختيار ما يناسبهم ويديم مبدأ التعاون والعمل الصالح .

 إن الترويج الذي تتبناه المذهبية الضيقة وإلغاء دور الرسالة كمؤوسس للحاكمية، هو الذي عطل مبدأ الإنتخاب والإختيار الشعبي، كما وساهم في تعطيل دور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مما كان له أثراً في تعطيل دور المؤوسسات والقوى المجتمعية في رصد وتوجيه المجتع لكي ينتخب الأقدر والأكفأ والأنزه على تولي المسؤولية والحكم، وماذهبنا إليه مارسه الإمام علي بكل تفاصيله، فهو لم يرفض ما نتج عن السقيفة على نحو مطلق، وقبل أن يكون سادس ستة في الشورى التي أختارها عمر بن الخطاب، وآمن بطريقة البيعة التي حصل عليها من الناس بعد مقتل عثمان، ونضيف في الأثر: موافقة الإمام الحسن على معاهدة الصلح مع معاوية، وموافقة الإمام الحسين على دعوة أهل الكوفة له للبيعة والخلافة بعد هلاك معاوية .

إذن فهذا هو المنهج الصحيح والذي يجب أن يُتبع، في تولي الحكم والإمامة الزمنية، ذلك إن الإمامة في الواقع ليست دينية إنما هي حق مجتمعي تكون للأصلح والأقدر، وبقي أن نقول: - لم نجد صلة بين موضوعة التوحيد والنبوة والإمامة من جهة والعدل من جهة ثانية، كما زعم العلامة الحلي، مضافاً إلى هذا وذاك الطبيعة الموضوعية المختلفة لكل واحدة من هذه الأشياء والمكونات عن العدل، لا بصفته التكوينية الإشتقاقية ولا بصفتها التشريعية - ..

تنبيه:

قلنا إن الصلة بين التوحيد والنبوة والإمامة وبين العدل لا تدخل في باب الوجود والعدم، أي إنها لا يتم وفق ذلك وبمقتضاه، إنما تكون بحسب المعنى التصوري والتخيلي الإعتباري لمفهوم الصلة، والتي تحصل للفرد من باب الإفتراض الذهني الخالص، وبما إن مفهوم العدل لا يتعدى المفهوم الإشتقاقي فهذا يعني نفي الصلة أو الإستلال ثم التوظيف اللاحق بلسان المتكلم أو الأصولي، وهذا هو الممنوع عندنا والممتنع الوجوب أصلاً ..

وبما إننا قد أجرينا قواعد الإيمان والإعتقاد هناك، فسنجريها هنا كذلك في رفض الملازمة والصلة بين (التوحيد والمعاد)، ونقول: من حيث المبدأ لا يمنع العقل ذلك، وبان تكون الصلة بينهما بمثابة المقدمة في التصور الإفتراضي والقائل: - يتولد الإطمئنان من الإيمان بالعدل ومنه تتولد الثقة بالوعد الإلهي -، وهذا القول هو معنا نظري إفتراضي إشتققناه من معنا ذهني، والعقل لا يمنع مع ذلك ولا يرده، لأن أصل الإشتقاق مفهوم ومقدمة عقلية محضة تقوم على أساس: - إن الله وعد عباده في الآخرة، (فللمحسن منهم الثواب وللمسيء منهم العقاب) -، هذه المعادلة قامت في الأصل على أساس العدل، أي التوازن بين العمل والأجر - ونريد بالعمل مفهومه الدنيوي -، والذي هو أصل إعتباري تصوري كذلك .

 وعلى هذا الأصل أقام الأصولي دليله في إستنباط الحكم على قاعدة: - إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً - الكهف 30، وهذه القاعدة أو هذه العلاقة بين العمل والجزاء أعتبرها الأصولي واجبة على الله وأدخلها في باب عدله، ولكن لا نعلم من أين أتت قضية الوجوب على الله ؟، هل المتعلق بالوجوب هو حسن الظن بالله أي المتعلق الذهني، أم الوجوب هو بأصل العلم بعدالة الله ؟، وبالفحص سنجد إن السؤال والجواب لا يخرجان من باب الإفتراض العقلي، القائل: - بما إن الله محسن فهو لا يفعل القبيح -، وهو لذلك لا يعاقب ولا يجازي من غير حجة ودليل، قال: - (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ..) - الإسراء 15، فالعقاب من غير دليل أو حجة يُعد قبحاً، ولا يعقل ان يفعل الله القبيح وهو يدعوا للحسن وخير العمل، وفعل القبيح لازمه الجهل بالفعل والعمل، والجهل بحسب التصور العقلي ممتنع على الله، كذلك يمتنع العجز وعدم القدرة على الله في أن يفعل الحسن، والعقل يقول: - إن الفعل الحسن لازم على الله -، لكونه محتاج إلى ذلك في خلقه وصنعه، ولا ضير إن قلنا: - إن الله محتاج لفعل الحسن، طالما كان المتعلق به فعله في الموصوف والصفة - .. 

تبنت الأشاعرة رأي أو فكرة مشتقة في أصلها من نص يقول: - [لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون] - الأنبياء 23، وبحسب الدلالة التصورية لمعنى النص، فهم لا يريدون بذلك المعنى السلبي، إنما يقولون ذلك في باب الإمكان أو من باب الفرض، بمعنى ان الله قد يعاقب المحسن حين يرى الله إن مفهوم الإحسان لا ينطبق على عمل هذا وفعله، وصفة الإحسان وتقريرها يحدده الله عندهم، وفي ذلك لا يصح القول: - إن الله ظلاما للعبيد - ؟، بمعنى إن الحكم منه متعلق ليس بحسب الظاهر، إنما حكمه متعلق بعلمه الواقعي، وهذا ينطبق على إن الإطمئنان للعمل من جهة العبد تجاوز غير مرغوب، وإنما الصحيح هو طلب الرضوان وإن ينطبق مفهوم العمل على المصداق عند الله وليس في الذهن، وهذا الرأي الأشعري إن كان في هذا السياق فلا غبار عليه ولا شية فيه، ذلك إذا كان الكلام كله مقدر عند الله، وليس عندنا وفيما نفهمه نحن في عالم الدنيا، ووجهات كلام الأشعري حين يتعلق الأمر عند الله وفي عالم الأخرة .

وأما في عالم الدنيا فالحسن والقبح مفهومان عقليان، أي إن العقل يحكم على الأشياء بحسب طبيعتها المادية وما ينتج عنها في الدنيا، ولهذا يجب التمييز في فهم وإدراك المصطلحات، فإعتقادنا شيء والحكم على صحة الإعتقاد شيء أخر، ومن هنا قبلنا فكرة القائلين بالرضا الإلهي فيما يحكم به في الأخرة ..

وسنعود للتذكير في التعريف الأولي للعدل والذي قلنا فيه - بأنه ضد الظلم -، والمقابلة في المعنى ذهنية وعقلية ومنها يجوز توظيف ذلك حتى في مقام االله، ونقول: - لكي ننفي عن الله صفة الظلم في قضية التكوين -، يلزمنا التأكيد على أن مايثيره الناس في مسائل الحياة من تفاوت وإحتلاف ومرض وتشوهات تكوينية، ليس ظلماً والمسؤولية في ذلك لا تقع عليه، مع إن الأمر لا يتعلق بالبشر وما ينتج عن فعلهم المباشر، إنما هو متعلق ومرتبط بالخلق والتكوين، وبما إن الكلام في التكوين فسنحيل الجواب إلى ما تقدم في الجزء الأول من هذا البحث فلا نعيد، نعم يتأكد النفي في هذه الجزئية في عالم التشريع حين نفهم معنى دعوته للعدل بالصفة والفعل وهي لا تخرج عن مضمون التساوي أو قل التوازن، ومن هنا جاء تعريف العدل في مقام التشريع بأنه (وضع للشيء في موضعه)، ويصح هذا التعريف في مقام النفي للجهل والعجز والضعف عنه، وفي المتابعة منه لتحقيق هذا التوازن من خلال تبني العدل صفة وفعلا هذا من جهة، والتشديد على رفض الظلم صفة وفعلاً هذا من جهة أخرى، ومن باب الملازمة العقلية - لا يصح أن ينهى الله عن شيء ويأتي به أو يتبناه -، ولهذا قال: - [إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون] - يونس 44، وفي مقام ثاني يقول: - [إن الله لا يظلم مثقال ذرة] - النساء 40، أو - أن الله ليس بظلام للعبيد - وهذا كله في مقام التشريع .

 والظلم كما العدل لا يخرجان عن المفهوم المتبادر في الذهن عن معنيي الحسن والقبح، وهذا ما يكون بالتقابل أو يكون بحسب دلالة اللغة واللسان للمعنى، والقبح كما الظلم يستحق صاحبه الذم والعكس صحيح، وبتعبير دقيق العدل لا يسمى عدلا إلاَّ حينما يدل على الشيء الحسن في الواقع وبالفعل، ومثله الظلم في التقابل لا يسمى الظلم ظلماً إلاَّ دل على الشيء القبيح في الواقع وبالفعل، ولا يصح نسبة الفعل للقبح أو الحسن إلاّ إذا كان مُراداً ومقصوداً ودل الدليل على ذلك، وبهذا القيد نفهم ماذا تعني مفردتي الحسن والقبح العقليين عند المتكلمين ؟ !! ..

وخلاصة الكلام لا بد من القول: - إن هناك فرقاً بين مفهوم العدل الإلهي ومفهوم العدل الإجتماعي -، والفرق نجده واضحاً فيما بين التكوين والتشريع، ففي التكوين نفتقد للأسم أو أسم الفاعل، ولكن في التشريع نجد الصفة والفعل حاضرين، وفي هذا دلالة عن معنى الملازمة التشريعية، وكأن المُراد في الواقع هو تحقيق العدل بين الناس على أساس مبدئي التوازن والتساوي في الحقوق والأولويات، وما يتعلق بالتكوين فنرجع القول فيه إلى علم الله، والذي وردت فيه النصوص تحت بند آيات الله، ومع إن الأمر لا يخلو من سؤال سيظل يلاحق المتابعين والدارسين إلى أجل غير محدود، ولعل العلم وما يحققه الإنسان من طفرات معرفيه ستجيب على بعض المسكوت عنه، عن لماذا ؟ وكيف ؟، والذي يهمنا الآن هو التأكيد على تنمية وتطوير معنى العدل الإجتماعي الذي سعى لتحقيقه كبار المصلحين وأهل الفكر في العالم، والذي به نحقق للإنسان بعض كرامته وبعض ذاته ومعنى وجوده ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

2 شعبان 1440 هجرية

 

 

مجدي ابراهيمجذر الفعل (وَزَنَ) هو أساس العلاقة بين اللغة والحياة الروحية المستقيمة؛ فإذا كان الوزن هو أساس اللغة عندنا، فالتوازن هو أساس الحياة الحيّة وأساس استقامتها واتصالها بالاستقامة والحياة. هنالك رابطة لا شك فيها تشبه الرابطة العضوية بين الوزن في اللغة، وبين التوازن في الحياة الروحية، تقوم على التعادل بين المطالب والحاجات من جهة وعلى المقاصد والأهداف من جهة ثانية.

فلغتنا العربية لغة اشتقاق تقوم على الوزن - كما يقول الأستاذ العقاد في (اللغة الشاعرة)، بخلاف اللغات الأجنبية تقوم على النحت، ولا علاقة لها بالوزن على الإطلاق.

لا يُلاحظ في الكلمات الأجنبية إنها توضع على وزن معين، لكن هذا يُلاحظ في الكلمات العربية. وليس هناك كلمة واحدة في اللغات الأجنبية لها وزن، في حين كل كلمة في لغتنا العربية لها وزن معين: وزن الفعل، ووزن الفاعل، ووزن المفعول. فعل، يفعل، فعال، كلها أوزان يتغير بها المعنى من الفعل إلى الاسم، ومن الاسم إلى الصفة تبعاً للوزن.

ولا يظهر في تركيب اللغة شيء أظهر من أصالة الوزن فيها؛ فالمصادر فيها أوزان، والمشتقات أوزان، وأبواب الفعل أوزان، وقوام الاختلاف بين المعنى حركةٌ على حرف الكلمة تتبدل بها دلالة الفعل، بل يتبدَّل بها الفعل فيُحسب من الأسماء أو يحتفظ بدلالته على الحدَث حسب الوزن الذي ينتقل إليه.

هذه أصالة في موضع الوزن من المفردات والتراكيب لا يستغرب معها أن يكون للوزن شأنه في شعر هذه اللغة، وأن يكون شأنها في نظم أشعارها على خلاف المعهود في منظومات الأمم الأخرى ولو صرفنا النظر عن أثر الإنشاد الفردي في تثبيت القافية واستقلال فن العروض عن فن الغناء في القصائد العربية. إنّ اللغات السامية تجري على قواعد الاشتقاق وتوليد الأسماء من الأفعال. ولكنّ المقابلة بين هذه اللغات في أقسام مشتقاتها وتفريع الكلمات من جذورها تدل على تمام التطور في قواعد الأوزان العربية، وعلى نقص هذه القواعد أو التباسها في أخواتها السامية بل تدل في باب الإعراب خاصّة على تفصيل في العربية يقابله الإجمال أو الإهمال في أخواتها، وفي غيرها من اللغات الآرية التي دخلها شيء من الإعراب. فالوزن على هذا هو أساس اللغة عندنا.

وكما يكون الوزن هو أساس اللغة عندنا، فالتوازن هو أساس الحياة الروحيّة. التوازن هو النوتة المفتاحية لبلوغ الروحانية؛ إذْ لما كان الإنسان يتكوّن من روح ومادة فهو يحتوي بداخله عوالم المعادن، النباتات والحيوانات، وكذلك عالم الملائكة وعالم الجن. ومهمته تحقيق التوازن بين جميع هذه الأجزاء دون أن ينسى أنه خُلق لا ليكون روحانياً كالملاك أو مادياً كالحيوان. وإذْ يتوصَّل الإنسان إلى الوسط الذهبي؛ فإنه سيكتشف بالتأكيد آخر الأمر الطريق الذي يجب أن يسير عليه والذي سيقوده مباشرة إلى الهدف:"الأبواب ضيقة، والدرب أيضاً ضيق": ضيق لأن كل خطوة منحرفة إلى جانب تبعد عن طريق الحقيقة إلى الطريقة الموازية.

في الحركة ولا شك تدوم الحياة؛ والتوازن هو الذي يُبقي الحركة تحت المراقبة. التوازن شيء فطري طبيعي: فما هو الطريق الذي يسلكه الشخص في الحياة لكي يحقق التوازن؟

وجد الصوفيون المفتاح لذلك التوازن، وجدوه بعد التعمق في الذوات الفردية، وبعد التحول في التوجهات في الحياة من حال إلى حال، بعد أن تبدلت لديهم المعايير وتغيرت القيم: وهو أن يصبح المرء منفصلاً داخل ذاته، بمعنى أن يرقب ذاته ويلاحظها من الباطن، وبالتالي يستطيع أن يحقق التوازن الكامل مع ذاته بذاته، فنوعُ من العزلة يتحقق عن طريق الولوج في الذات متخلصاً من كل التأثيرات الخارجية، يكتسب الإنسان فيها إمكانية تهدئة الموجات الداخلية وامتصاص أكبر قدر من الطاقات الزائدة بالسلب ممّا يضر بالذات ولا ينميها. هنالك تصبح الحياة أكثر سعادة من ذي قبل. كلنا نحب الحياة بلا شك، ولكن ما الحياة؟

الحياة هى: أن تعرف من الله عن الله ما تدرك به الله في نفسك !

لا يوجد في الدنيا سعادة أكبر وغبطة أعظم للإنسان من النشوة الروحيّة، تتأتى إليه صادرة من فعل الطمأنينة القلبية.

أعتاد الإنسان أن يفكر:"أنا ذاك الذي أرى تلك القطعة من اللحم والدم والجلد، هذا هو أنا. لكن أثناء الوجد يتحرَّر الوعي من الجسد، هذه القشرة المقيدة، وينتقل إلى كينونته الحقيقية التي تسمو فوق المآسي والأحزان والآلام. إنها السيادة العظمي: أن ندرك، وأن نحافظ على رقابة جسدنا ومشاعرنا التي من خلالها نتعرَّف نحن إلى هذه الدنيا، هذا يعني أن نكتسب الاتزان والرصانة، وهذه أسمى الحالات.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: كيف يمكن بلوغ الرصانة والاتزان؟ هذا سؤال يطرحه صاحب كتاب "تعاليم المتصوفين" لحضرت عناية خان، وهو بلا شك سؤال مفيد؛ لتجيء الإجابة عليه قابلة للإفادة كذلك في إطار فهم التوازن كونه لبّ النشاط الروحي الإنساني، ويزيد.

هنالك توازن بين النشاط والراحة، بين النوم واليقظة. إذا وثق الإنسان إنه سيصبح عظيماً فيما لو نام كثيراً، وبالتالي سيعوّد نفسه على ذلك، فهو سيتحول إلى غريب الأطوار، وليس إلى إنسان، لأن الجسد الممنوح له من أجل التعرُّف على العالم لن يستخدم. وإذا كان هنالك شخص آخر رفض النوم نهائياً، فخلال أيام معدودة سيُصاب باضطراب عصبي. وإذا أحدهم مارس الصوم بكثرة؛ فهو بالطبع سيصير بلا جسد. سيكون بمقدوره أن يرى عالم الآخرة، وستكون لديه خطط مغايرة.

نفس الفكرة إذا أدرك أحدهم طريق الإلهام؛ فإن الإلهام سيجيئه، لكن ذلك الجسد، أي تلك الأحاسيس ستضعف، بحيث لن تتمكن من إدراك العالم، أي أن تنجز المهمة التي من أجلها كانت قد مُنحَتْ لنا، فالتوازن على هذا هو أساس الحياة المستقيمة الجادة.

ولكن من جهة أخرى حسبما يشير "برجسون" في كتابه "الطاقة الروحية": " كل منّا هو جسد خاضع لنفس القوانين التي تخضع لها كل الأجزاء الأخرى من المادة. وإذا دفع جسمنا، فهو يتقدّم، وإذا سحبناه، فإنه ينسحب، وإن رفعناه وتركناه، يسقط. ولكن إلى جانب هذه الحركات التي تنبعث بصورة ميكانيكية، بفعل سبب خارجي، هناك حركات تبدو آتية من الداخل، وتختلف عن الحركات السابقة من حيث إنها غير متوقعة فيقال عنها أنها حركات "إرادية"، فما هو سببها؟ إنها ما يُعَبِّرُ عنه كل منّا بكلمة "أنا". فما هو "الأنا"؟ إنه شيء يظهر، خطأ أو صواباً ويتجاوز من جميع النواحي الجسد المتحد مع هذا الأنا، إنه يتجاوز في الفضاء كما يتجاوز في الزمن"، هذا التجاوز هو الذي يثبت الأنا ويفنيها في نفس الوقت، وهو يذكرنا بما كان ابن سينا تصوّره في تقديم البراهين على وجود النفس وعلى وحدتها واستقلالها عن البدن، وهو البرهان المعروف ببرهان الرجل المُعلق في الفضاء.

يتعلم الصوفي التوازن عن طريق الوضعيات التي تتضمَّن مراقبة أنشطة الجسم من خلال الصلوات، التعبُّد، الذكر (التراتيل)، وهو يتعلم توازن الفعل بواسطة التركيز. هنالك في الهند يوجد روحانيون يلقبون بال (Madizub)، وهم بلغوا أقصى درجات الروحانية.

نسوا (أنَاهم) الخارجية. تخلصوا نهائياً من عذابات هذا العالم. لكن التّطرُّفَ غير مرغوب فيه سواء كان هذا التّطرُّف جيداً أو قبيحاً. وإنما الاعتدال: النوم واليقظة، العمل والراحة، أن تأكل وتصوم، أن يتكلم المرء ويصمت، هذا هو المقصود أن تكون في حالة توازن.

*    *     *

لا صلاحيّة لإنسان في غيبة التزامه بتعاليم السماء. لا صلاحية له بالمطلق قولاً وفعلاً وغاية، ثم هدفاً يرومه في هذه الحياة. وحين نقول (لا صلاحية) إنما نعلّقها على وجود الطاقة الروحيّة من عدمها؛ فحيثما تكون هذه الطاقة حاضرة في الوجود الإنساني تكون صلاحية الإنسان، ويكون اقتداره من طريق الصدق على الفعل، والصدق على القول، والصدق على الغاية، والصدق على الهدف الذي يرومُ به وجوده الروحي وحقيقته الأصليّة في تلك الحياة.

ومن المعلوم أن الإنسان لديه طاقة ما خفيّة، حافزة للحياة ثرية وغنية، ولكن هذه الطاقة كما هو معروف إمّا أن تكون طاقة إيجابية أو تكون طاقة سلبية على حسب نوايا الإنسان الباطنة. وعلى تلك النوايا كما جاء في الحديث الشريف تتوقف الأعمال، فلا يَتَحَدَّد خير العلم من شرِّه قيد أنملة إلا بنيَّة صاحبه:

(إنَّمَا الأعمالُ بالنيَّات)، (نيةُ المرءِ خيرٌ من عمله)، (خيرُ العمل مَا أكرهت نفسك عليه)، يُولِّد العمل بهذا كله على المنهج والفضيلة لا شك طاقة روحيّة، إذْ يصدر عن طاقة روحية هى مصدر العمل الطيب على التحقيق، وإذا هو صدر عن سواها كان العمل شرّاً لا محالة؛ وجاء بغير قيم علويّة: نكداً لا ينفع صاحبه، ولا ينفع المجتمع الذي يعيش فيه، "والذي خَبُثَ لا يخرج إلاّ نكداً".

أمَّا حين يصدر العمل عن تلك الطاقة الروحيَّة خاصَّة؛ فلا ريب يكون خيراً فيما لو تعلق بجملة من القيم العلوية العاملة النافعة، لكن كنْه هذه الطاقة لم يَتَعَرَّف عليها العالم المعاصر حتى الآن. صحيحٌ هنالك حالياً أجهزة متطورة تكشف سرّ هذه الطاقة الروحية - كما كان يقول المرحوم الدكتور مصطفي محمود - إذْ ربما تكون تلك الطاقة على شكل (هالة) ذات ألوان وخطوط تحيط بالإنسان، ويكون شكلها على حسب خيره وشرِّه أيضاً؛ فالإنسان الروحاني تكون طاقته زاهية بهيّة منتظمة في شكلها.

والإنسان المادي الذي لم يقتصر اهتمامه إلا على متطلباته المادية: جسده المادي كالطعام والشراب والجنس والنوم، تجيء طاقته مشوّهة ومظلمة.

فلئن كانت تلك الأجهزة المتطورة كشفت عن هذا السّر الذي تكلم عنه الأنبياء والأولياء، وأشار إليه المستنيرون عبر تاريخ الإنسان، فهى أجهزة مع تقدِّمها تثبت ولا تنفي تلك "الهالة" ذات الألوان التي تحيط بالإنسان لتحدِّد وجود طاقاته الروحيّة من عدمها.

وعندي أن أول ما تظهر فيه هذه الهالة بوضوح هو اللغة: البيان الذي يكشف باطن الإنسان كما يكشف خصاله وسماته وأكثر خصائصه، فكما تكون (الهالة) ذات الخطوط والألوان طاقة روحية يعرف بها الإنسان الخير من الشرير، كذلك تكون اللغة طاقة روحية تظهر فيها قيم الإنسان ورسالاته بمقدار ما تكشف عنسماته وتوجهاته.

من ذلك أن كل ما يصنعه الإنسان بيده يأخذ من طاقته وأفكاره: فمثلاً لا ينصح بأن تطبخ الأم لأسرتها إذا كانت نفسيتها في حالة من التوتر أو الغضب أو الحقد أو الحسد أو الاكتئاب؛ لأن كل هذا الأمراض النفسيّة تؤثر في الطعام، ومن ثمَّ في الأكل يأكله أفراد الأسرة وتنتقل إليهم هذه الطاقة (السلبية). وأهل الله وخاصته من العارفين يملكون حسَّاً شفافاً عالياً يكشف طاقات ما حولهم؛ فيعرفون ما في نفوس الناس من خير وشر؛ لأن كل ما يكتمه الناس ظاهر في هالاتهم وطاقاتهم المحيطة بهم، ولا يراها إلا صاحب طاقة روحيّة شفافة نقية غير ملوثة.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (41)

يعتبر سفر (ملاخي) آخر أسفار التناخ، الكتاب المقدس لليهود، وبه اختتم العهد القديم، وتحديدا في الإصحاح الرابع من هذا السفر، حيث كانت الخاتمة والتي جائت على شكل توصية مهمة مع نبؤة عن علامة مهمة جدا ستسبق مجيء ملك اليهود الموعود (الماشيح

(اذكروا شريعة موسى عبدي التي أمرته بها في حوريب على كل إسرائيل الفرائض والاحكام

هانذا ارسل اليكم ايليا النبي قبل مجيء يوم الرب اليوم العظيم والمخوف يرد قلب الآباء على الأبناء وقلب الأبناء على ابائهم لئلا آتي وأضرب الأرض بلعن) سفر ملاخي 4/ 4

في هذه التوصية الختامية، نلاحظ التركيز على المحافظة على شريعة موسى بفرائضها وأحكامها

والطريف انه وبرغم هذه التوصية الأخيرة، نجد ان العقيدة المسيحية التي أنشئت بعد رحيل يسوع المسيح، قد ألغت تماما، العمل بشريعة موسى، بل وتم اعتبارها لم تعد نافعة، ولن يتبرر الانسان بالعمل وأحكامها وفرائضها، وإنما يتبرر فقط بالإيمان، حسب تعليمات بولس الرسول والتي جائت مناقضة لوصايا التناخ وتعاليمه !

إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ رومية 28/3

وبالعودة الى خاتمة سفر (ملاخي) فإننا نجد آخر عددين من الإصحاح الأخير . تتحدثان عن رجوع النبي (ايليا) قبل مجيئ يوم الرب العظيم، وكيف ان هذا النبي سيقوم بعمل انجاز خلال فترة رجوعه يتمثل في إرساء الوئام والتسامح ورح الصفاء والالفة بين شعب اسرائيل، بحيث تكون ثمرة عمله واضحة ومحورية في تهيئة الشعب للمرحلة القادمة 

وقد اتفق اليهود مع المسيحيين على فهم العددين الأخيرين من سفر ملاخي على انها نبؤة عن علامة مهمة ستسبق ظهور المسيح المُخلّص، وأن النبي (ايليا) سوف يعود الى الأرض قبل ظهور المسيح ليهيئ الأمور لكي تصبح ملائمة وناضجة للشروع في العهد المسيحياني !

النبي (إيليا) هو أحد الأنبياء العظام لبني إسرائيل، واليه تنسب اسفار التناخ معاجز مهمة، وقد كان يمتاز بالزهد والصلابة في مواجهة الظلم والوثنية، ويعتقد اليهود والمسيحيون ان هذا النبي لم يمت وانما قد رفعه الله الى السماء

وفي العهد الجديد، تشير النصوص الى ان ايليا قد ظهر مع موسى حين تجليا للمسيح على الجبل .

وفيما يخص النبؤة التي اختتم بها العهد القديم، فأن الفهم اليهودي لهذه النبؤة يتلخص بشكل واضح جدا بالآتي

هذه النبؤة تخبرنا عن علامة مهمة جدا، تسبق ظهور الملك المسيح الموعود، وهي علامة عودة النبي (إيليا)، وظهوره من جديد، بحيث يكون ظهوره وانجازه واضحا ومؤثرا في المجتمع اليهودي

وبما ان النبي إيليا لم يظهر لحد الان، فهذا يعني، بكل بساطة، ان كل الذين ظهروا وادعوا أنهم مسحاء- بما فيهم يسوع الناصري - انما هم بالحقيقة مسحاء مزيفون !

...هذه كانت القراءة اليهودية

اما على الجانب المسيحي، فإننا نجد أن علامة عودة النبي ايليا كانت حاضرة في أذهان المعاصرين ليسوع الناصري

بل ان بعض معاصريه توهم ان يكون يسوع نفسه هو النبي ايليا...حتى تلاميذ يسوع، نجدهم في إصحاح (متى) يوجهون له سؤالا مباشرا عن تلك العلامة التي من المفروض ان تسبق مجيئ المسيح.

وسَأَلَهُ تَلاَمِيذُهُ قَائِلِينَ: فَلِمَاذَا يَقُولُ الْكَتَبَةُ: إِنَّ إِيلِيَّا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ أَوَّلًا؟)

فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ إِيلِيَّا يَأْتِي أَوَّلًا وَيَرُدُّ كُلَّ شَيْءٍ.

وَلكِنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ إِيلِيَّا قَدْ جَاءَ وَلَمْ يَعْرِفُوهُ، بَلْ عَمِلُوا بِهِ كُلَّ مَا أَرَادُوا. كَذلِكَ ابْنُ الإِنْسَانِ أَيْضًا سَوْفَ يَتَأَلَّمُ مِنْهُمْ)  متى 17 -10، 11، 12

وهنا نجد ان كاتب انجيل (متى) ينسب الى المسيح جوابا مبهما، يحوي على غموض ومطاطية تسمح بتفسيره على اكثر من معنى ! (ايليا جاء ولم يعرفوه

بينما نجد في نفس الانجيل وفي الإصحاح 11 كلام ليسوع الناصري يتحدث فيه عن يوحنا المعمدان ويصفه بشكل مباشر بأنه هو (ايليا) المزمع ان يأتي

وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ

لأَنَّ جَمِيعَ الأَنْبِيَاءِ وَالنَّامُوسَ إِلَى يُوحَنَّا تَنَبَّأُوا

وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَقْبَلُوا، فَهذَا هُوَ إِيلِيَّا الْمُزْمِعُ أَنْ يَأْتِيَ) متى 11/14

و يظهر لنا، مما تقدم، ان يسوع الناصري كان يشير الى اتباعه ومعاصريه بشكل مباشر، واحيانا غير مباشر، على ان نبؤة العهد القديم حول عودة النبي ايليا قد تحققت بشخص يوحنا المعمدان !

ويبدو ان هذه النظرة قد انتشرت وسرت في اوساط اليهود وقتذاك !

لذلك نجد في نصوص انجيل (يوحنا) ان اليهود أرسلوا من أورشليم، كهنة ولاويين، ليسألوا يوحنا المعمدان، ويتأكدوا منه حول شخصه… فنفى لهم بأن يكون هو المسيح الموعود

وكذلك نفى ان يكون هو النبي إيليا !! يوحنا 1/21

فَسَأَلُوهُ: إِذًا مَاذَا؟ إِيلِيَّا أَنْتَ؟» فَقَالَ: «لَسْتُ أَنَا. «أَلنَّبِيُّ أَنْتَ؟» فَأَجَابَ: «لاَ»

وبين نفي يوحنا المعمدان ان يكون هو النبي إيليا، وتأكيد يسوع الناصري على ان المعمدان هو ايليا !! حصل التخبّط والتناقض في الفهم المسيحي لهذه العلامة !

ولأن الحاجة هي ام الاختراع! ..كان لابد من اختراع تأويل مناسب يجمع بين التناقضين ويخرج بتفسير يضمن تحقق علامة رجوع ايليا قبل ظهور يسوع الناصري، حتى وان كان ايليا لم يرجع في الواقع!!

هنا نجد كاتب إنجيل لوقا يخرج لنا بأختراع لافت لغرض ترقيع الفتق في القصة المسيحانية

فكان ان ادعى هذا الكاتب ان النبي ايليا رجع على شكل روح حلت على يوحنا المعمدان !!! لوقا 1/17

وهذه التخريجة الطريفة، وان كانت تبدو ذكية، لكنها في الحقيقة، ساذجة وتدعو للسخرية والتعجب !

والسبب هو أن النبوءة المذكورة في سفر ملاخي كانت تتحدث بشكل واضح ومباشر عن عودة (إيليا) بنفسه، وليس عن

روحه، بل وسيكون لعودته وعمله اثار ونتائج ملموسة على الارض

وكذلك نجد ان يوحنا المعمدان عندما سألوه ان كان هو إيليا النبي ؟

أجاب بشكل واضح وقاطع ب: لا

ولم يقل لهم أنا لست ايليا ...ولكن روح إيليا قد حلت عَليّ !!

وفي جانب آخر نجد بعض اللاهوتيين عندما يقفون على موضوعة علامة عودة النبي ايليا يحاولون الخلط بين هذه النبؤة الخاصة بالنبي ايليا وبين عبارة أخرى، تتحدث عن (صوت صارخ في البرية)، ويحاولون من خلال خلط الاوراق، احداث تمويه لغرض إيصال القارئ الى نتيجة بان هذا التوصيف الذي وصف به (يوحنا المعمدان) نفسه هو نبوءة في العهد القديم، مما يؤكد ان (يوحنا المعمدان) هو (إيليا) النبي

لكن هذا نوع من التضليل ينكشف بسرعة ويتهافت من خلال الرجوع الى نصوص التناخ، حيث نجد ان هذه العبارة وردت في الإصحاح الاربعين من سفر (اشعيا)، ولا تتحدث عن النبي (ايليا) اساسا، وانما تتحدث عن علامة أخرى، هي عبارة عن صوت صارخ في البرية !، ولم يشر الاصحاح الى موضوع عودة النبي (ايليا) اصلا !

ومع عدم نجاعة التفسيرات المسيحية المتقدمة، ولخطورة عدم إثبات تحقق العلامة المهمة التي تسبق ظهور المسيح، وتأثير ذلك على مصداقية الادعاء بمسيحانية يسوع الناصري، نجد بعض اللاهوتيين المسيحيين يلجأون الى السلاح الأخير الذي يهرعون اليه عندما تُغلق المنافذ امام تأويلاتهم !! ...وأعني هنا ..اللجوء الى اسطورة المجيء الثاني للمسيح

حيث يتم تفسير عدم تحقق أهم علامة دالة على مصداقية المسيح بأن هذه العلامة سوف تتحقق - لاحقا - عند المجيئ الثاني للمسيح !!.. وقتها سيسبقه النبي ايليا !!

وهنا يأتي الرد اليهودي بشكل واضح ولا يخلو من الدهاء على هذه الازعومة المسيحية الطريفة !

حيث نجد اليهود يردون على هذا الطرح بأنه ليس هناك في نصوص كتابنا المقدس شئ اسمه المجيئ الثاني ولا يوجد اي نبؤة تتعلق بالمسيح تتحدث عن ظهور أول وظهور ثاني !!

ويضيف اليهود:

ان الادعاء المسيحي بان بعض علامات وانجازات المسيح التي أشارت إليها نصوص التناخ سوف ينجزها ويحققها يسوع الناصري بعد رجوعه الثاني لهو أكبر دليل كافٍ على ان يسوع الناصري هو مسيح مزيّف لم يستطع ان يحقق التنبؤات الخاصة بالمسيح الموعود والمنصوص عليها في الكتاب المقدس !

وأما الادعاء المسيحي حول المجيئ الثاني فهو لا يعدو كونه طلب فرصة ثانية لتحقيق ما فشل يسوع في تحقيقه خلال حياته... وهذه الفرصة لو اعطيت ليسوع الناصري ...فمن باب الإنصاف أن تعطى، ايضا لقرابة الخمسين شخصا، كلهم ادعوا المسيحانية ايضا، وانتهى بهم الامر كما انتهى بيسوع الناصري بمواجهة مصيرا دمويا ومشؤوما، حيث كان مصيرهم القتل اما صلبا او بالسيف !!

وبين القراءة اليهودية لهذه النبؤة والعلامة المفصلية حول ظهور المسيح والتي تتسم بالوضوح والاتساق

والقراءة المسيحية لنفس الموضوع والذي تتسم بالانتقائية والتخبّط وخلط المفاهيم تبرز لنا حقيقة واحدة مهمة جدا وخطيرة وهي

ان أهم علامة على ظهور المسيح لم تحدث... لحد الآن

ولازال اليهود ينتظرون تحققها قبل مجيئ مسيحهم الموعود، وبنفس الوقت، لازال المسيحيون ينتظرون تحققها قبل المجيء الثاني لمسيحهم المصلوب !

وبذلك نخلص الى نتيجة خطيرة ومحورية ...هي

ان النبي (ايليا) لم يرجع من السماء ...الى يومنا هذا !!

وان العلامة التي ينبغي أن تسبق ظهور المسيح الموعود.. لم تتحقق بعد !

 

د. جعفر الحكيم

 

الكلام عن - العدل - والبحث فيه بحد ذاته مُخاطرة وأيةُ مخاطرة لذلك يستوجب البحث فيه وعنه المزيد من الحذر والدقة والتأني، لأن البحث هو رحلة في الكشف عن خبايا المادة وعن مفهومها ومعناها، في ظل التناقض والتساؤل والتفاوت الغالب في الحياة وفي الطبيعة والمجتمع، كما إن الكتاب المجيد لم يُقدم لنا أسماً لهذه المادة ولا مصدراً لها، إنما ترك المجال لنا للإشتقاق والتوظيف من الصفة والفعل ودعانا للتعامل معاهما، ولهذا تبدو مهمتنا ليست سهلة فيما لو أتخذنا أحكاماً أو أستنتجنا قواعداً نبني عليها، وبما إن الجدل المعرفي يدور حول المضمون الفلسفي والكلامي، وما يشتق منهما من معاني وتراتبية وأحكاماً .

إن الإفتراض القائل إن العدل منهج في البحث الكلامي، إفتراض صحيح هذا إذا نظرنا للأمر من وجهة ماهو بالفعل من سيادة الكلامية وسطوتها في الأصول والفروع الدينية المُتبعة، وفي الكلامية أيضاً نتج القول التالي: (إن الصفات عين الذات)، وجر هذا القول ليكون أساسياً في بعض المدارس، وليُقال: - إن الصفات هي الأسماء حين تُنسب إلى الذات الإلهية -، جاعلين من هذا القول أصلاً كلامياً يساوي في درجة المعنى والقيمة له بين التوحيد والمعاد، وتداركاً من الخشية المعرفية تبنوا مقولة - اللطف - كمبدأ وكهبة من الله، والحق إن هذا التدارك ليس دقيقاً ولكنه صار غالباً بفعل (الكلامية السياسية) وليس الكلامية العقلية أو المنطقية، ومن هنا كان لا بد من التوضيح والبيان فثمة ما يحتاج للتصحيح والموافقة بين عالمي التكوين والتشريع، والمزج بينهما والتأسيس على ذلك واحدة من المخاطر التي سننوه عليها في تلابيب البحث ..

ولكن ما معنى العدل ؟

وللجواب نقول: العدل في اللسان العربي يأتي بمعنى: - ضد الظلم -، قال تعالى: - [وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ..] - النساء 58، وقال تعالى: - [وإذا قلتم فأعدلوا] - الأنعام 152، ومنه قيل هو: (القصد في الأمر) -، قال أبن منظور: - والعدل ما قام في النفوس أنه مستقيم -، أي إنه (غير ذي عوج) وإلى ذلك أشار إلى مفهوم التسوية والتعديل بقوله تعالى: - [هو الذي خلقك فسوآك فعدلك] - الإنفطار 7، ومنه الإعتدال والمساواة بل وحتى الوسطية، في إشارة إلى قوله تعالى: - [وأقصد في مشيك وأغضض من صوتك ..] - لقمان 19 .

وجاء في الأثر قوله: - وأما العدل فهو وضع الشيء في موضعه -، من غير تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقصان .

ولم يرد اللفظ في الكتاب المجيد بصيغة الأسم أو أسم الفاعل - عادل أو العادل - كما هي العادة الجارية في أسمائه الحسنى الأخرى التي نقرئها في الكتاب، ولكن ورد اللفظ في صيغة الفعل - أعدلوا أو تعدلوا -، وفي صيغة الصفة أو الصفة المشبهة على نحو - العدل أو بالعدل -،، واللفظ لا يكون أصيلاً إن لم يكن مصدراً والمصدر أبلغ في الدلالة وفي التعريف، قيل: ومن العدل أشتقت العَدالَةُ والتي هي: - ملكة جامعة إن حصلت للفرد فيكون المتصف بها أو الموصوف جامعاً للفضائل والقيم - .

 أقول: ولا يبعد المفهوم اللغوي للعدل عن المفهوم الإصطلاحي كثيراً، وفي المفهوم العام أعتُبر العدل من المبادئ الوجودية السامية، لأنه يُحصن الفرد والمجتمع من الظلم إن عُمل به، ومن خواصه إنه لا يكون متعيناً العدل ليست بفرد خاص من أفراد عالم الوجود دون سوآه لكي يكون معلوماً، بل هو يفيد العموم سواء في معناه أو في تطبيقاته، وإن كان اللفظ لم يرد مباشراً في عالم التكوين، وإنما وردت الصفة المتبوعة على نحو إشتقاقي كما في قوله تعالى: - { والسماء رفعها ووضع الميزان } - الرحمن 7، ويُفهم منه إن لفظي - رفع ووضع - أتيآ في السياق دلالة وإشارة على حالتي التوازن والتعادل في نظام الكون والطبيعة (وهو مقتضى العدل) في الصفة والفعل، والتوازن والتعادل شرطين موجبين ومسبقين في صحة النظرية الفيزيائية المادية للكون، وعلى هذا ورد التأكيد في سياق الأثر قوله: - (بالعدل قامت السماوات والأرض) - أنظر التفسير الكبير للرازي ج 5 ص 346، والقياس في ذلك يشبه كثيراً ما بُني عليه عالم التشريع حسب قاعدتي (الحقوق والأولويات) .

وأصل القياس هذا (مبدأ الخاصة الذاتية)، وهو مبدأ فلسفي أقيم على أساس قاعدة التقابل بين الوجود والعدم، ومنه جاء قياس البرهان عن مبدئي الخير والشر،

وقد آمن بذلك مثاليوا الفلسفة الأغريقية القديمة، فهذا بوليمارخس مثلاً قد عَّرف حد العدالة بأنه: (ما يرد للإنسان ما هو له)، ولكن ماذا تعني عبارة - ماهو له - هل تعني المتعلق بتمام الحق لكي يُرد إليه ؟، أم إن المُراد به ما يُرد إليه من كل الحق ؟، أو إنها تعني طبيعة الحق من حيث هو أو المتوقف على طبيعة العلاقة بين المتعاملين ؟ .

وصيغة - بين المتعاملين - وردت في سياق الإشارة للنقيضين، (الأصحاب والأعداء ... الأخيار والأشرار) .. وهكذا، ولفظ الأصحاب في صيغة الأسم الفاعل وردت من صحب، والدالة على معنى (الخاصة) كأصحاب الجنة في قوله تعالى: - (.. ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم ..) - الأعراف 46، وأصحاب الحجر في قوله تعالى: - (.. كذب أصحاب الحجر المرسلين) - الحجر 80، إذن فالوصف يحتمل الإيجاب ويحتمل السلب، (وقيل الأصحاب بالألف واللام هم خاصة الرجل الذين يعتقد فيهم الصلاح والأمانة)، والجمع المُحلى - الأصحاب - لغةً يُراد به العموم، وأما الصحبة من حيث هي هي فلا تدل على الصلاح والأمانة، لأنها في الأصل تدل على مجرد الرفقة في المكان أو في الطريق وخلافه ولمدد متفاوتة، وهذا الأصل يبطل ما ذهب إليه الخبر التالي: (أصحابي كالنجوم بأيهم أقتديتم أهتديتم) من الحجية والإعتبار، وبنفس الإعتبار يبطل الرأي القائل - عدالة الصحابة - .

ولو سلمنا جدلاً في صحة شرط - الأمانة والصلاح - فهذا لا يكون من الملازمات الذاتية لشخصية الصاحب ولا يعني، والتسليم بهذا يقودنا للقول (بعصمة الصحابة) وهذا خطأ بيَّن، لأن ذلك يترتب عليه: - أن يكون لهم ما لا يكون لغيرهم -، وهذا التوجيه مغالطة منطقية وعقلية، ثم إن إطلاق مفهوم - العدالة - على جماعة من الناس بعينها، سيؤدي حتماً إلى توالي فاسدة وهذا ليس من العدل المحكي عنه، كما إن الإيمان بذلك يجرنا إلى مضرة أكبر، تشمل الجميع حتى الصالحين منهم .

ومن أجل تصويب المعنى نقول: (إن من البداهة إنتفاع الأصحاب الأمناء والصالحين من العدالة)، ولكن ما أهمية هذا التقسيم الإيحائي للناس إلى صالحين وأشرار ؟، طالماً نعرف إن ضرره سيكون أكثر من نفعه، والمبالغة بالتقسيم وفقاً لذلك الإعتبار سيجعل من الأشرار أكثر شراً، وهذا ضد العدل ..

ولكن ماذا لوكان العدل في خدمة الأقوياء ؟ .

الأقوياء: جمع قوي وهو جمع مُحلى، ويصح في الوصف مبالغة وتفضيلاً على أساس الكثرة في القدرة والنفو ذ، ودلالة معنى - الأقوياء - مختلفة بحسب الوضع الزماني والمكاني:

فمنهم من قال: - هم رجال السلطة والحكم - .

ومنهم من فال: - إنهم رجال المال والثروة من أصحاب البنوك والشركات الرأسمالية -.

وهناك من قال: - إنهم المرتزقة من رجال الدين والكهنة والوعاظ - .

والحق يمكننا إعتبار هؤلاء جميعاً، المؤتلفين ضمن هذا الحلف الثلاثي القائم بين - رجال المال ورجال الحكم ورجال الدين - فهؤلاء هم أهل السطوة والنفوذ، والعدالة في أغلب المجتمعات قد جُعلت من أجل هؤلاء ومن أجل تحقيق مصالحهم، أقول هذا من وحي هيمنة هذا - الحلف الثلاثي - على صناعة القرارات والقوانين وتنفيذها (فهم من يصنعون القوانين وهم من ينفذونها)، بحيث يكونون هم جهة الإدعاء والحكم وجهة الدفاع في آن معاً، أي هم الجهة الممثلة للعدالة والناطقة بأسمها، ومتلازمة - الحلف الثلاثي - موجودة على طول الخط في الماضي والحاضر (وفي قصة فرعون وهامان وقارون خير مثال)، والمُشار إليها بهذا التعاون والعمل المشترك بين هذه الفئات، وعالمنا يشهد إن الحق يدور مع رأس المال حيثما دار إيجاباً أو سلباً .

هذا القول يقودنا للتعرف: عن مدى خطورة هذا التوصيف، الذي يجعل من الناس خدماً وعبيداً لهذا الحلف فتفقد العدالة مضمونها ومعناها، فالحكومة بكل تفاصيلها ليست مقدسة ولا معصومة أو إنها لا تفعل ولا تقوم بأفعال ليس فيها خطأ، وليس هناك حاكماً في الأرض لا يخلط في قضاياه ورغباته الخاصة وبين حاكميته ؟، ولا توجد حكومة في العالم تسن القوانين دائماً لمصلحة الشعب، كما إن المشرع وجهة التشريع فيها ليست مقدسة لدرجة بحيث لا يجوز عليها الخطأ، وفرق كبير بين تشريع القوانين وسنها وبين مفهوم الطاعة ودواعيها .

وفي هذه الفقرة بالذات ذهب بعض من فلاسفة الإسلام مذهباً مثالياً، حين جعلوا من فن الحكم مقدساً في ذاته مما يستوجب الإنقياد إليه وطاعته، يأتي هذا من معنا مثالي يدور في فلك (إن الحكومة إنما تقيم أحكامها تبعاً لمصالح المحكومين جميعاً)، حسب نظرية الراعي والقطيع وهي نظرية موغلة في القدم، وهي قائمة بالفعل على ما يقوم به الحكام، حتى شاع في التاريخ الإسلامي ذلك القول السيء عن معنى إطاعة الحاكم: - [وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك] - !!، فالضرب والتعدي هنا حرره الفكر المثالي تحت بند المصلحة، في الحماية والأمن والإستقرار والنظام، وقالوا: - يكون التعدي أفضل وأنفع من العدالة -، حال تكون العدالة تضييع للحقوق .

ولكن هذه الفكرة السلبية والتي تبرر الظلم، تذهب مذهباً في جعل المصلحة مرتبطة بهذا الحاكم، وكأن الحاكم هو من يهب للناس الرزق والعيش والحياة، ناهيك عن أن الضرب ليس فيه مصلحة، ولا دليل على أن الضرب من حيث هو عمل يرتبط بإستتباب النظام والأمن، والفكرة وردت مجردة من ضميمة مفهومية تقول: (إن أصل تولي الحاكم للحكم لم يكن بإرادة شعبية، إنما كان بالغلبة والسيف والقهر)، فكيف تصح طاعته والتسليم لأحكامه ؟ .

إن مفهوم الدمج بين العدل والظلم تحت مسمى (العدالة فطرة صالحة والتعدي سياسة حسنة)، ذهبت بنا لتبني مقولة - العادل المستبد - التي ظهرت لدى فئة من الإنتهازيين والوصوليين المروجين والمبررين لغلظة حكم الخليفة عمر وشدته المفرطة، التي بررها القوم على أنها بمثابة العدل الذي ينصف الجميع، فأستخرج من فمهم كلاماً يقود إلى معنى قولهم: (إن الظلم بالسوية عدل)، وهذه محاولة لخديعة الناس في جعل ما يفعله الظالم إنما هو في سياق العدالة العام .

تدعي الميثولوجيا الدينية إن خدعة الظالم هذه تأتي من خلال التبرير الطوباوي عن جهات العدل الأربعة، معتمدين على تمويه مرده إلى القول التالي: - إن كل ذي فن قادر على غلبة غيره فيه -، والغلبة من جهة الوعي وجهة تحريك الدلالات في غير محلها (كالخدع البصرية التي تنطلي على غير أهل هذا الفن)، فالمروجين لفكرة - الظلم بالسوية عدل - هي محاولة منهم لتغرير الصالحين قبل غيرهم، وهي محاولة ديماغوجية يظن أصحابها إنها ستنتج مفاداً وتقريراً على هذا النحو: - (إن الفكرة في حد ذاتها عدل وصلاح وحكمة) -، وبناءاً عليه يكون المُخالف الذي في الطرف الأخر جاهل وشرير ومعتدي، وبهذا يتم التبرير للأعمال الشنيعة والفظيعة كقول البعض منهم: - (قُتلَ الإمام الحسين بسيف جده)، وهذا الوصف يعتبرونه من قبيل درء للفتنة تحت مظلة درء الإنقسام والنزاع وحفظ النظام والإستقرار، وهذه السفسطة التاريخية أعتبرت نوعاً من العدالة التي تحقق الوئام والإتساق، وبنفس الدرجة أو بطريقة اللاوعي تقضي على كل توجه من شأنه حتى السؤال عن فداحة العمل وبشاعته .

يأتي هذا في تحد واضح للعقل وأحكامه وحدوده الحسيَّة والمرئية، والعقل بطبيعته أو بما هو هو لا يعتبر العدالة قائمةً في الأساس على تبرير عمل الحاكم أو تبرير عمل المريدين له، بل العدل هو - ما يتسق مع طبيعة الواقع أو طبيعة الحقيقة بحسب وضعه الأصلي -، ومنه يظهر أن التوجيه الذي تبنته جماعة الحكم لا ينفك يخرج عن طبيعتها المادية تلك ونظرتها، والتي هي الوجه الأخر للظلم، فالتركيز منهم على تبرير الظلم على أنه عدل لا يحقق المصلحة إلاَّ في نظر المتبنين ولفترة محددة تنتهي بإنتهاء المنفعة، والتأكيد على المنفعة أو المصلحة لا يمثل منطق الحق من الوجهتين الطبيعية والمكتسبة، وقياس ذلك على تمام مراحل التاريخ قياساً باطلاً ينتهي إلى الإعتراف بالعجز وعدم القدرة في مواجهة الظالم والظلم .

فإن قلتم: - هذا مقتضى السياسة التي تعتبر الحق متعلقاً بالحاكم - .

قلنا: - إن هذا الإقتضاء قهري ولا أساس له سوى كون الحاكم يمتلك القوة، وهذا ما يجعله فوق القانون والعدل - .

وهذا القول الإفتراضي منهم يجرنا للإعتراف بالفوضى كمنفذ للحق، وبالتالي الإستسلام لهذا المنطق فتفقد العدالة قيمتها ومعناها، ومن أجل إقامة التوازن لا بد من الإشارة إلى هذا الخلل في الفهم، وهذا هو الجانب الأول أو المُقدمة في الموازنة بين العدل والظلم وحدودهما .

لقد عجز أنصار تلك الفكرة في التبرير لما يفعله الظالم ولم يجدوا الجواب الشافي، وكذا لم يجدوا تلك الدرجة التي تؤهل التشريع ليكون منسجماً مع هذه الفكرة اللامنطقية وتوابعها، من هنا نقول: - لا يصح أبداً إدراج الأقوال أو الأفكار التي تروج أو تخدم الحاكم، ولا يصح إعتبارها هي العدل أو من العدل أو أنها المعبرة عنه، لأن تلك الأفكار والأقوال توازي ما تتبناه - المثالية الكلاسيكية - المستسلمة والتي تؤيد الخنوع بحجة الحفاظ على الأمن والنظام، حتى لو أعتبرنا هذا التوجه أو هذا التفسير منها زمني لكن الشيء المهم إن فيه الكثير من الإلزام والخضوع الممنوع .

ومن هنا نُعيد التأكيد من جديد والقول: - إن العدل لا يكون صحيحاً حين يجسد إرادة الأقوياء -، ولا يكون صحيحاً كذلك حين يكون لمصلحة الأصحاب والأقرباء، لأن في ذلك التوجه أو الإيمان شياع للظلم في مسمى جديد، وإقتراحات بعض الفلاسفة المثاليين الكلاسيكيين ليست على مايُرام، ولا ينبغي إعتمادها أو الأخذ بها كما لا يجب تبرير مقولات أهل الفقه التراثي في ذلك، فثمة خدوش كبيرة في متبنيات الطرفين، وثمة تماهي وسيرورة واضحة مع إرادة الحاكم مهما كان وحاشيته مهما تكن، وهذا هو الظلم المنهي عنه، وأما العدل فحقيقته وأساسه ومعناه هو في وضع الشيء في موضعه .

 

 

العدل الإلهي:

في البداية نسأل هل الله عادل ؟، ثم لماذا نفترض إن الله عادلاً ؟

وللبيان نقول: لم يرد لفظ - عادل - لا أسماً ولا مصدراً في الكتاب المجيد مطلقاً، ولكن الذي ورد هو صيغة الفعل والصفة، واللفظ في كليهما ورد في باب التشريع والقانون وبصيغ (أعدلوا وبالعدل) وغاب الأسم وأسم الفاعل والمصدر، وهذا يقودنا للكلام عن أو في أصل التكوين والخلق، وفي هذا الأصل نقول: هل كان هناك قيداً أو مانعاً يمنع من ذكر الأسم ؟، وإذا كان موجوداً، فما هو وما نوعه ؟، والسؤال عن الماهية والنوعية في معنى القيد، يقودنا للجواب الذي ورد تحت معنى (آية أو آيات) كدليل غير مباشر لعدم الذكر، وهذا يعني إن التساوي في الخلق ظلم، ولذلك جعل الإختلاف سُنة طبيعية لتوازن الكون والحياة، لذلك كان من مقتضيات صحة نظام الطبيعة هو رفع حالة التساوي في طبيعة الخلق، لا في الفئة الواحدة ولا في الفئات المتنوعة ولا في الفرد الواحد ولا في الأفراد الأخرين، ومن ذلك أستلهم الفقيه والكلامي هذا المعنى ووظفوه في أبحاثهم، فأهل الكلام مثلاً أعتبروا: - (وجوب العدل على الله) - !!، وهذا الإعتبار منحاز للسياق ولطبيعة الله المعنوية، ولكن كيف يكون ذلك ولماذا ؟

أي كيف يكون العدل واجباً على الله ولماذا ؟، يأتي هذا في سياق المُتبنى عند أهل الكلام في قولهم بوحدة الأسم والصفة، ولكن الإعتبار منهم أُخذ من معنى الصفة، وكما قلنا لا يميز الكلامي في الدلالة بين الصفة والأسم، ومهما يكن اللفظ فيكون دالاً على الأخر، نفهم هذا من مقولتهم الشهيرة والقائلة: - إن أسمه عين صفته، وصفته عين أسمه -، في الإشارة والوصف إلى الله، مع إن هذه المقولة ليست بيانية بدرجة، ولكنها إلتفاف وإجابة من بعيد (على هكذا موارد قد يسأل فيها سائل) .

ولكن كيف يكون العدل واجباً ؟، والجواب: إن الوجوب ليس بما نفهمه من المعنى السلبي المُلزم، ذلك إن الله ليس محكوماً ولا تابعاً للغير بالفعل ولا بالقوة، ولكن الله لما سمى نفسد - الرحيم - وعرفناه كذلك، قلنا هذا: من باب إشتقاق المعنى التضمني لمفهوم الرحمة، والذي بمقتضاه: - لا يظلم عند الله أحدا -، وبناءاً على هذا المقتضى يكون الله - عادلاً -، قال تعالى: [كتب ربكم على نفسه الرحمة] - الأنعام 154، ولفظ كتب يدل على الوجوب وقد مر بيانه في معنى الوصية والميراث فلا نعيد، ويكون المعنى المُراد: - (أوجب ربكم على نفسه الرحمة)، أو بتعبير أخر: - (إن الرحمة واجبة على الله)، قال تعالى: - [وربك الغفور ذو الرحمة ..] - الكهف 58 .

ولكن مامعنى عدم ذكر أسم الله (العادل) ولا أسم الصفة (العدل) في عالم الخلق والتكوين ؟

مع أن المفروض أن يكون الأسم والصفة موجودان في عالم الخلق والتكوين، حتى لا يدع مجالاً للشك أو إتهام الله فيما صنع وخلق وسوى، ونحيل أوراق هذه القضية والكلام فيها لمعنى الإختلاف الموجود في اللسان واللون، وتعلمون كم أصاب بعض القوم من هذا الإختلاف ضرر ومخمصة أدت إلى شعور البعض بالضعة والضعف، بل وأدى ذلك إلى إحتقار الغير لهم وإستعبادهم، فهل هذا التفاوت يدخل في صحة معنى قوله تعالى: - [.. وإختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين] – الروم 22،

تدعي المثالية: - إن ساحة العدل الإلهي من السعة بمكان بحيث لاتدع مجالاً لإتهام الله فيما صنع أو خلق أو شَّرع -، أي إنه لا يمكن إتهام الله في خلقه لبعض الكائنات، وجعلها متفاوتاً باللون واللسان من جهة ومن جهة جعلها متفاوتاً بالعلم ودرجة الإستيعاب ومن جهة الرزق، ولعل الكتاب المجيد أدخل هذا التفاوت في المعنى التكاملي للحياة، إذ بدون ذلك يتعذر العيش والحياة عبارة (آيات الله)، أي إن هذا التفاوت والإختلاف هو من آيات الله المرتبطة بالخق والتكوين، وليس لمعنى الآيات مجالاً في عالم التشريع والقانون، ومن هنا فالربط الموضوعي بين الإختلاف والآيات يرتبط حصراً بعالم التكوين، وفي هذه بالذات لا يعد الإختلاف ظلماً بل هو عين العدل ومقتضاه، فالتساوي في الخلق في عالم التكوين يفقد الحياة معناها، ويفقدها هذه الصورة الجميلة التي هي عليها الآن، والإختلاف وفق هذا النظم عده أهل الحقيقة (بيان في حيوية الخلق) .

إذن فلإختلاف في الخلق تكويناً هو القاعدة التي يُبنى عليها، ويغدو من العبث السؤال عن وحول: - لم يذكر الكتاب المجيد الأسم أو أسم الفاعل ؟، ونقول: إن الله في باب التكوين لم يطرح فكرة التساوي في الخلق، لأنها سالبة بإنتفاء موضوعها، ولكنه رسخ مبدأ التساوي في الحكم والتشريع، أي إن الله حين أستخلف العقل في الإدارة والحكم طلب منه، الإلتزام بالعدل صفة وفعلاً حتى يتم تحقيق الصفة والفعل في الحياة في الحقوق والواجبات، لهذا ورد في الأثر (عدل ساعة في الحكم تساوي عبادة ستين عاماً)، وبهذا الطلب يكون التنفر أو إلقاء التهم على الله في كونه أصل المشكلة، إتهام باطل لأن الله إنما أراد الإنسان أن يكون له القدرة والصلاحية في تحقيق فكرة المساوات في الحقوق والأولويات، ومع ذلك لم يترك الله الإنسان وحده في سن القوانين والتشريعات بل ساهم معه في ذلك، عبر تشريع القوانين والنظم في مجالات الحياة كافة، وتبقى فكرة إتهام الله منشأها نفسي ومزاجي، تقوم على الملاحظات البسيطة والكسل والتخاذل في عدم القدرة والإستطاعة على مجابهة المشكلات التي تصنعها الحياة والإنسان، فيُنسب هذه الخلل إلى الله ثم يُتهم مع إن المنطق العلمي يقول: - إن الأصل في عالم الوجود قام على أساس مبدأ الإنتظام الطبيعي -، وهذا المبدأ هو عينه الذي قامت عليه ودلت مقولة إن العدل هو: - (وضع للشيء في موضعه) - .

ومنذ بدايات الخلق لم يخرج مفهوم - العدل - عن كونه الدليل الدال على النظام وحفظ الحقوق للأفراد والجماعات، ولا ينفصل هذا المفهوم وجوداً وعدماً عن مفهوم الحرية كشرط في تحققه وديمومته، فالحرية شرط سابق ليكون العدل في محله وموضعه الصحيح .

ونعود للتأكيد بأن - العدل - لا يعني التساوي في عالم التكوين، ولكنه في عالم التشريع يكون مطلوباً كذلك في مجال الحقوق والعمل، طبعاً لا يجب أن يُفهم من ذلك إن التساوي بمعنى التوافق أو الإنطباق في الهيئة والشكل والمضمون وفي العمل والأجور، ولهذا ورد القول التالي: - لكل حسب قدرته ولكل حسب حاجته -، وهذا القول هو الذي يجيزه العقل ويقره، بمعنى إن العقل لا يسمح بتساوي الأجور مع تفاوت العمل وساعاته، إنما يجيز العقل التساوي في الحقوق المشتركة كقضية التأمين الصحي والتعليم وإن يكون لكل فرد أو عائلة مسكناً يؤون إليه، ولكن في مجال العمل تتفاوت القدرات والجهود المبذولة في ذلك، لذلك نقول: - لا يكون ممكننا المساوات في العمل وفي الأجور، لأن ذلك مدعاة لوقوع الحيف على البعض -، وهذا ممنوع بل ليس من العدل بشيء، ثم إن أسم الصفة - العدل - يتضمن ويدل على - إعطاء كل ذي حق حقه -، ولا يدل ذلك على معنى التساوي في كل شيء، إنما يدل على عدم تضييع الحقوق كثيرها وقليلها .

وهذه دالة العدالة ومضمونها المعرفي، وفي هذا المجال تطرح هذه الإشكالية في صيغة إعتراض، عن الجدوى من تأصيل الفوارق في الرزق وفي العلم وفي الصحة، والتي وردت بصيغة (هل يستوي ..)، التي يفهم منها اللامساوات والتي يجد فيها البعض كما قلنا، وسيلة في التشكيك وإتهام الله وبأن ما حاصل بالفعل إنما منشأه عدم العدل وتأصيله وتشريعه، سواء من جهة الخلق أو من جهة القابلية والقدرة والإستطاعة، من خلال ذلك النظام الظالم الذي رفع بعض الناس على بعض، وقد أستُغل هذا الوضع من جهات وأفراد ليميزوا فيه أنفسهم على غيرهم، مدعين الحق وناسبين ذلك إلى الله وإرادته، التي أفتقدت للعدل حين لم تساوي وفرقت في الخلق وفي الصنع .

وقد أبطلنا هذا القول من جهة (إن الله لم يجعل هذا التمايز لما هو سيء وقبيح)، بل أدخله في مجال وميزان التنافس والعمل طارحاً مبدأ: - (كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك) الإسراء 20، فمن جهة جعل الناس شركاء في أساسيات الحياة المعروفة، ومن جهة دفع حالة اليأس والقنوط التي قد يظن بها البعض، ومن جهة أخرى جعل من التمايز سنة طبيعية وجعل من مواجهة الجميع للحياة بنفس الدرجة، ثم أتبع ذلك بقوله: - [ليبلوكم أيكم أحسن عملا] - هود 7 والملك 2، ومفهوم البلاء هنا ليس مفهوماً سلبياً إنما هو تكليف، ورد في صيغة التحدي ومواجهة قوى الطبيعة والحياة، يظهر ذلك في الربط بينه وبين لفظ - أحسن - الوارد في صيغة المبالغة أو لنقل المفاضلة، وبذلك يكون قد حدد طبيعة المواجهة وشكل التحدي لها، معتبراً العمل هو القيمة التي تحدد معنى الأحسن والأفضل في مواجهة الصعاب والمتاعب، إذن هو موضوع طرح على نحو إيجابي طالما كان القصد منه درجة الإعمار والبناء: - (هو أنشأكم من الأرض وأستعمركم فيها) هود 61 ...

وللحديث بقية

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

25 رجب 1440 هجرية

 

 

مجدي ابراهيملا ينفصل الحديث عن المعراج بمعناه الصوفي، عن الحديث عن الإسراء بمعناه الديني، كلاهما (الإسراء والمعراج) يصدر عن مشكاة من النور واحدة، وكلاهما يحيل الغيب من طريق الذوق إلى شهود، وكلاهما يرتفع فوق مرتبة الحسّ المشاهد والعقل المحدود؛ ليخاطب في الإنسان ملكات أعلى من العقل وأدنى إلى البصيرة وأقرب إلى الإيمان، وكلاهما تعبير مباشر عن الصدق والتصديق. فأمّا الصدق ففي آيات الإعجاز. وأمّا التصديق؛ ففي سلامة الإيمان من الدَّغَل والتعطيل.

وإنّا لنلفتُ النظر هنا إلى أننا نقارب حديث الإسراء والمعراج مُقَاربات روحيّة من حيث علاقتها المباشرة بمسألة الإعجاز بالمفهوم الديني، ومسألة الإعجاز في القيمة الروحيّة، واستخلاص الدلالة الباقية من تلك المقاربات في كل حديث على حدة، سواء كان في الإسراء أو كان في المعراج.

توكدت رحلة المصطفي  صلوات الله وسلامه عليه، توكيداً يقينياً من لدُن تنزيل حكيم. كما أكد القرآن الكريم كثيراً من المواقف التي حدثت لرسول الله توكيداً يرفعها فوق رتبة الشك والحيرة وإثارة الريبة في نفوس الناس. في سورة الإسراء يقول الحق تبارك وتعالى :" سُبْحَانَ الَّذي أَسْرَىَ بعَبْدِه لَيْلَاً مِن المسجدِ الحَرَامِ إلىَ المَسْجِدِ الأَقْصَىَ الَّذي بَارْكَنَا حَوْلَهُ لنُرِيَهُ من آيَاتِنَا، إنّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ" (الإسراء(1)).

فلا عجب أن تتصَدَّر سورة الإسراء بهذا الاستفتاح الإلهي العظيم الذي يقدّم مفعول القدرة الإلهيّة على كل ما يحدث من عجائب الكون الهائل الفسيح؛ ليعمل عمله الفاعل كرامة للإنسان وتشريفاً له أيّما تشريف، وكفى بشرف العبودية شرفاً ما بعده شرف؛ فإذا تقدّم الوجود الإلهي، ولا بد أن يتقدّم، وَجَبَ هنالك الخضوع والإذعان والتصديق : علامات العبودية لله. وإذا وجدت هذه الثلاث صفات في قلب عبد كريم النفس جواد بمعدن الإيمان، كان أمره أن يرى ما لا يراه غيره من الناس، ولو كانت هذه الرؤية من قبيل الخوارق التي تصدم العقل من أول وهلة.

ولأجل هذا؛ انتقل خبر الإسراء إلى أبي بكر الصديق. وهو - من بعدُ - لم يلتق بمحمد ،صلوات ربي وسلامه عليه، فقال قولته المشهورة إذْ ذَاكَ :" إنْ كانَ قالَ فقد صَدَق ". وقد صدق كريم النفس الذي يجود بكل ما عنده من معدن الإيمان. ولم يكن تصديقه إذْ ذَاَكَ إلَّا الصدق الذي يلزم لكمال الإنسانية من طريق الإيمان، وإلّا الصداقة التي تشتق من الصدق؛ لتجيء زخراً للصادقين؛ فإن صحبة الأخيار تورث الخير، وصحبة الأشرار تورث الندامة. وخيرُ الأصحاب عند الله تعالى كما قال عليه السلام خيرهم لصاحبه". وقال :"لا تصاحب إلّا مؤمناً" .. "ولا خَيَر في صحبة من لا يرى لك الخير كنفسِه".

وليس من عجب أن تكون الصداقة طريقاً للكمال ونموذجاً يحتذى للحياة الإنسانية، يلزم لها كما يلزم للإنسانية أن يجيء من أصدق صفاتها ترقية الأخلاق وتهذيب الحواشي والطباع والنفاذ إلى البواطن قبل الظواهر. لا ريب كان الصدق في الإنسان أهم مزيّة تثلج الصدر وتورث التوازن بين مطالب النفس وحاجات الضمير.

الإنسان الصادق إنسانُ كاملٌ ما في ذلك شك؛ لأنه نموذج أعلى صالح للإنسان كما ينبغي أن تكون عليه خصال الإنسان. ألَا ما أروع الصدق في ذاته، وما أروع ورع الصادقين. وقد قال صلوات الله وسلامه عليه  :"ما يزال الرجل يصدق ويتحَرَىَ الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً". " عليكم بالصدق؛ فإنّ الصدق يهدي إلى البر، والبرُّ يهدى إلى الجنة".

علام لا يكون الصدق فضيلة الفضائل، وعلام لا تكون الأخلاق التي يكشف عنها هى في أعمق أعماقها دلالة أكيدة على فضيلة الصدق إذا توخّاه أهله وأربابه وعارفوه؟

إنَّ الصدق طمأنينة والكذب ريبة كما قال سيد الخلق، صلوات الله وسلامه عليه، وهو المنجاة. أمَّا الكذب فتلف ومهواة. علامَ لا يكون الصدق فضيلة، وقد وصف الله نفسه بمحبة الصادقين؟ وهل بعد وصف الله في كتابه العزيز وصفاً تناط به قيمة الصدق بعيداً عن تحليلات المُحَللين وتعليلات المعللين إلّا أن يكون هو الوصف الذي يجئ لنا على السماحة والمودة والصفاء؟

حقاً .. إنْ كانَ قالَ فقد صَدَق. كلمة رائعة من رجل رائع، نفذَ الصدق إلى أعمق أعماق طواياه؛ ليؤكد هذه الحقيقة الساطعة : أن الله يحب الصادقين فيجرى على قلوبهم وألسنتهم كلماته الخالدة. يحبُّ الله الصادقين ما في ذلك شك، ولا عليه خلاف، لكن هذا الحبّ لا يتأتى مطلقاً إلّا بتطهير الأفئدة من الأخلاق المذمومة؛ فإنّ فضيلة الصدق وتوابعه من الصداقة والمودة والمحبّة والإخاء وحسن الأحدوثة إنما هو نظافة، لتجيء الصداقة : نظافة الباطن من لوثة المهلكات.

ومن أجل هذا؛ كانت كل توابع الصدق في ذاته وصفاته طريقاً في سبيل الكمال، وأن الكُمَّل وحدهم لهم الصادقين على الحقيقة. فإذا لم يكن ها هنا تطهيرٌ ما كانت هنالك صداقة، ولا كان هنالك صدق. ومتى كان الإنسان في نفسه صادقاً، كان قائماً على أخلاق الصادقين على الدوام بلا انقطاع، أولئك الذين زرعوا الصدق والرصانة وحصدوا الثقة والأمانة. ولزم - من ثمَّ - أن يفرض هذا الصدق فرضاً ممتعاً مبهراً على واقع الناس من حوله وعلى الآخرين .. كيف هذا؟

لأنك لا تكون أبداً على فضيلة الإخلاص الصادق في التعامل والمعايشة، ولا تخاطب فيك هذه الفضيلة عنصر الفضل في الإنسانية كلها؛ إذا هى تعلقت بقيم الوجود الروحي والأخلاقي لكل إنسان يَرْقىَ مع هذا النزوع ويسمو مع تلك المطالب ويجوز عليه كل ما هو جائز على إنسان صعدت فيه هذه الفضيلة السامقة الرفيعة ولم تهبط هبوط الحيوانية البغيضة إلى الدرك الأسفل من التخلف والانحطاط. وبما أن الصدق عمود الدين، وركن الأدب، وأصل المرُوُءة، فقد صارت من ها هنا مسألة "القدوة"، وهى خيرُ نموذج صالح، ضرورية لاقتران الفكرة بالمسالك العملية وبالممارسة النافعة في حياة الناس.

القدوة التي رآها أبو بكر في رسول الله صلوات الله عليه، فَصَدّقه في خبر السماء (إنْ كانَ قَالَ فقد صدَق).

لا جَرَمَ كان هذا المضمون الطيَّب أصلاً أصيلاً تتفرَّع عنه الصداقة؛ لتكون طريقاً إلى الكمال، وينطبق عليها ما ينطبق عل فضائل العلاقة الطيبة بين أفاضل الناس. يضيع المجتمع في سفاهة الخُلق الوضيع إذا لم تكن الصداقة بين أفراده مؤسسة على طيبة هذا المضمون، وطيدة تقوم على التلطف والإحسان والثقة المتبادلة، وعلى مراعاة حق الله فيما أمرَ وفيما نَهى، وفيما ألقى على الإنسان تبعة التكليف، يعيش معها مسئولاً  بالتبعية على أخلص ما في ضميره من مزايا وخصال ومن معاملة وتقرير.

ويحسبُ الذين ينظرون إلى مثل هذه الأمور نظرة سطحية أن علاقة الصديق أبي بكر رضوان الله عليه بسيد الخلق صلوات الله عليه تحتّم عليه أن يصدّق قول رسول  الله فيما حَدَّثَ به من أمر الإسراء والمعراج لا لشيء إلا لأنه سيده وقائده ومعلمه ورسوله الذي لا ينطلق عن هوى وكفى. وكفى بهذا تصديقاً في صدق الصديق الذي أطلقت اللفظة اسماً عليه ورسماً؛ لتصديقه خبر الإسراء في حين كذّبه كثيرون. وإذْ لم نُرِدْ نحن أن نقف عند هذه النظرة التاريخية بما فيها من سطحية الإعجاز، يُلزِمنا ذلك أن نريد عمق النظرة في هذا كله، فننظر إلى الإعجاز العميق في جذوره الإيمانية. فلو لم يكن أبو بكر الصديق قد قال ما قاله يوم أسْرىَ برسول الله صلوات الله عليه  فماذا عَسَاهَا إذْ ذَاكَ كانت تكون الرسالة؟ وماذا عساه يكون أمر النبي يومئذٍ، وجليس المرء مثله؟

لكن شَاءَ الله، سبحانه، أن يقيّض لهذا الدين رجاله وأن يدفع بهم الكذب والريبة وعدم التصديق بسيف صارم بتَّار من قوة البصيرة وقوة الإيمان؛ تمثل للوهلة الأولى في أبي بكر الصديق حين نقلت إليه الأخبار أن محمداً أسرى به في ليلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ثم عُرجَ به إلى السموات العُلا عند سدرة المنتهى، ورجع إلى منزلة في نفس الليلة ليحَدِّث الناس بما رأى وبما سمع.

خَارقةٌ أذهلت العقول وأعجزت القلوب ونالت يومها من هشاشة الإيمان عند كثيرين؛ لكأنما هى شكاية تتلون بألوان التكذيب. فما كان منه، رضوان الله عليه، إلّا أن دَفَعَ في وجه كل افتراء تصديقاً لخبر الرسول  :" إنْ كانَ قالَ فقد صدق ".

فهذه مقولة لا يقولها على البديهة إلا مؤمن يتقدَّم عنده الإيمان بالله على سواه، ويصاحبه في نفس هذا التقدُّم الإيمان بصاحب الرسالة.

فلئن كانت النظرة التاريخية تقصر الإعجاز في تلك المقولة على علاقة النبي عليه السلام بأبي بكر الصديق، فإن عمق الإعجاز فيها كلمة أطلقها أبو بكر الصديق، لا يقتصر على العلاقة الحميمة بينه وبين النبي، ولكن أيضاً بالإضافة إلى ذلك، يُشْرِقُ من معدن الإيمان وهو بلا شك معدن أصيل في الطبائع النقية والسلائق المؤمنة، حَدّده وأورد ذكره ذلك الاستفتاح الإلهي العظيم في قوله تعالى " سبحان الذي ... ".

فعلى هذه الكلمة المباركة التي تقدِّم القدرة الإلهية على كل شيء، وترسل الخضوع والإذعان والتصديق أشعة نورانية وضّاءة إلى قلوب المؤمنين بالله، وبما عند الله، إيماناً صادقاً ومخلصاً. أقول؛ على هذه الكلمة الإلهية في التسبيح الوارد ذكره، كان إيمان أبو بكر رضوان الله عليه، حتى ليرى من أمر النبي ما لا يمكن أن يراه سواه ممّن لم يتمكن الإيمان من قلوبهم تمكنه بهذه الصلة القويمة المحكمة.

نعم! ذلك الإيمان الذي يتركّز في هذه اللفظة (لفظة التسبيح) تركيزاً شديداً قد لا يتيسر لنا فتح معناه الذي انكمش في باطن الكلمة " سبحان الذي ... "، ومن هنا؛ فلا نستغرب مطلع الآية القرآنية بحكمة الاستفتاح بالتسبيح؛ لتجيء اللفظة ليست مجرد لفظة عارضة بل قدرة إلهية محمَّلة بالإعجاز الذي تحار فيه العقول المحدودة بمقدار ما تحار في تعليل أسبابه وخوافيه. ولم يكن هذا الإيمان عند خليفة رسول الله ببعيد عن صاحب الرسالة؛ فهو صلوات الله عليه الذي علمه كيف يكون الإيمان. ولو سُئل سيد الخلق : مَنْ من أصحابك أسرع إلى تصديقك في أمر هذا الإعجاز؟ لكانت الإجابة بلا شك أنه أبو بكر.

وسبب هذا؛ أنه يعلم تماماً إيمانه الصادق الصدوق الذي لا يمكن أن يكذب فيه خبراً جرى به لسان النبي عن ربه؛ فهو من معدن الإيمان ينطلق وإلى معدن الإيمان يعود. وأي قياس في طبيعة الإيمان تقاسُ به معجزة الإسراء والمعراج بالنسبة إلى خبر السماء أقنع وأفعل وأصدق من هذا القياس؟

فإذا كان أبو بكر يصدِّق رسول الله  في خبر السماء، فكيف لا يصدقه في خبر الإسراء من مكة إلى القدس، والمعراج من القدس إلى السموات العُلا؟ أليست الدعوة المحمدية كلها، في قضّها وقضيضها، خبراً عن السماء من وحي معصوم عن الكذب والافتئات، ممدود الرعاية الإلهية فيما تقصد إليه الرعاية من تصديق بكل ما جاء فيها، وبشتى ما يجري على مقتضاها من نصرة صاحب الرسالة في أول وآخر مطاف؟

ولنا أن نلاحظ : إلى أي مدى تنتقص القدرة الإلهية في طبيعة إيمان المؤمن بهذه القدرة، فيُواجه بالتكذيب والتشكيك مثل هاته الأمور التي تبدو من الغرائب الأعاجيب بالنسبة للمحجوبين عن أقدار الله وعن موالاة رسوله؟

وليس في مستطاع الخيال أن يتخيّل : إنْ خطرت إذْ ذَاَكَ في قلب الصديق خاطرة شك أو داهمت عقله هاجسة ريب في أمر العلاقة ذات الصلة الوثقى بين ربِّ العزة ورسوله محمد ،ماذا سيكون عليه الحال؟

لم يعد إذْ ذَاَكَ من المتقدّمين ولا من المتأخرين في صدق الإيمان. ولكنه، رضوان الله عليه، صَدَّق؛ لأن الصدق شيمته وثمرة مروءته وزكاة خلقته وربيع قلبه وشعاع ضميره، وهو أقرب الموارد لحرية الاعتقاد تماماً كما هو أقرب الموارد إلى طبيعة الإيمان الصادق منه إلى التشكيك والتكذيب؛ فمن حيث كونه أقرب الموارد لحرية الاعتقاد؛ فلأن أمر العقيدة كلها موكول عليه، وهو غيب في غيب.

ومادام الإنسان أختار بكامل حريته الاعتقاد في الله ورسوله؛ فقد أختار تباعاً كل ما يَلْزَم عن العقيدة من عمل وما يتعلق منها بسلوك. وأولُ هذه المتعلقات اللازمة هو تلك العملية الفكرية التي تنقل الاعتقاد الباطن إلى حيث ميادين السلوك والعمل. وإني لأعنى بالعلمية الفكرية هو ذلك الضرب النادر من الصدق والتسليم : الصدق فيما يواجهك به الاعتقاد من فروض بيد أنها في ذاتها حقائق من شأنها أن تغزو نفسك فتثير فيها الشكوك؛ فتظل تبني على هذه الفروض إرهاصات من خطرات الفكر ووساوس النفس قد تخرجك، إذا لم تكن قوى الإيمان، عن حظيرة الاعتقاد. وإذا كان الصدقُ ربيعَ القلبِ وزكاةَ الخِلْقَةِ وثمرةَ المروءةِ وشعاعَ الضمير، فإن مرَدُّهُ إلى الفعل النافع والعمل القويم المشروط بشرائط الاعتقاد، والصادق مَن يصدُق في أفعاله صدقه في أقواله.

وإني لأجد علاقة ظاهرة رابطة بين الصدق والحرية لا يخطئها نظر الفاحص المتعمق في أغوار الإيمان؛ فالمؤمن الذي يصدّق هو من الحرية بمكان بحيث يجيء الصدق ديدنه المعهود كما تكون الحرية غايته الشريفة الأبيّة. والصادق حرٌّ كريم لا يرضى الضيم ولا الهوان، لا على مستوى العقيدة التي يدين لها بالولاء ولا مستوى العمل بها أو التطبيق.

أمّا من حيث كون الصدق هو أقرب الموارد إلى الإيمان منه إلى التشكيك والتكذيب؛ فمَرَدَّهُ إلى التسليم بأمر العقيدة من حيث كونه اختباراً لقوة إيمان المؤمن بالاعتقاد؛ وتمحيصاً لمساربه في قلبه وضميره، فإذا لم تكن قوى الاعتقاد فلن تكون بحال قوى التسليم.

وقرانة الصدق والتسليم بالاعتقاد هى قرانة ضرورية بحكم البديهة الإيمانية، تدور معه حضوراً وغياباً حتى إذا ما حضر الاعتقاد في القلب حضر معه الصدق، وحضر معه كذلك التسليم، وإذا غاب الاعتقاد وارتفع عن القلب؛ فغياب الصدق وارتفاع التسليم شيءٌ ضروري أيضاً يتحتم معه حلول الشكوك والأكاذيب. فالعلاقة المنطقية بين هذه المعاني ظاهرة لا تخفى على أحد، ولا يمكن لأحد أن يتغافل عنها؛ لكونها أظهر من أن تتعدى حدود المنطق أو تتخطى فواصل المعقول.

وهكذا؛ فقد صدَق الصديق رضوان الله عليه؛ لأن اعتقاده حرٌ كريم، أملى عليه في التوِّ واللحظة أن يكون صادقاً ولم يدعه عرضة لنوازع الفكر غير المضبوط بضوابط الإيمان تأخذه بعيداً عن محراب التصديق. وما كان يمكن أن يكون كذلك لولا أن حضور القلب الذي يُغَذيّه الإيمان بالله على الدوام كان بمثابة الرؤية الهادية إلى التصديق، وهى رؤية كاشفة تتوزع فيها الأنصبة العادلة في كل جوانب الشخصية التصديقية؛ فجانب منها من نصيب الفكرة الإلهية، وجانب فيها من نصيب الذوق والشعور بوافر المعيّة، وجانب ثالث من نصيب تقدير مشكاة النبوّة الذي يترفع ويسمو متى ارتفعت في الإنسان قواه الباطنة. ومن وراء ذلك كله، تكمن الرؤية الكاشفة يتحرَّك من خلالها ذلك الوجود الروحي الحيوي الفعّال. وهو كما قلنا أقرب الموارد إلى طبيعة الإيمان الصادق منه إلى التشكيك والتكذيب بل لا مجال هنالك لأمور التشكيك والتكذيب في مثل هذا الوجود.

على أن الحضور القلبي الذي أسلفنا ذكره لهو هو حضور تجميع لما تفرَّق من أحوال القدرة الإلهية الخافية عن قلوب الغافلين المحجوبين. ففرقٌ؛ وفرقٌ كبير بين حضور الإيمان وحضور الغفلة والتعطيل : الأخير الذي هو حضور الغفلة والتعطيل حجابٌ يصحبه ترديد أجوف منبوذ لشرائط الاعتقاد بالنظر تارة وبالكلام والتشدِّق تارة أخرى، هو مجرد أعجاب باللفظ؛ لكأنما هو قشرة برَّانيَّة هَشَّة فرضت نفسها فاستحضرت أناس لم يبلغ الحضور منهم درجة واحدة تتقوَّم بها عندهم مقومات الإيمان؛ فلئن كان حضوراً محجوباً يصحبه ترديد لفظي لشرائط الإيمان؛ فلأنه حضور لا يفارقه التردد القلبي وتقارنه الشكوك كما تداخله الأوهام. وأمثال هؤلاء هم الذين سمعوا حديث الإسراء والمعراج، فهبوا فزعين لينالوا من صدق النبي عليه السلام، وهم الذين كانوا من قبل يرونَ فيه مثلاً عالياً من الصدق والأمانة؛ فما بالهم اليوم يرتدُّون فيكذبون؟

هل خالط الإيمان قلوبهم أم كان مجرد قشرة خارجية هَشَّة حضورها على الغفلة واعتقادها خذلان؟!

غير أن فَزْعتهم هذه، قد أوجبت عليهم النكاية من جانب أبي بكر الصديق وهو الأمين الصادق الذي أطلق على أسماعهم، بعد أن هبوا إليه فزعين يشكونه هذا المورد الغريب أورده عليهم محمد رسول الله.

يومها أطلق عليهم طلقة صارخة مدويّة بما لم يعتادوا أن يسمعوه أو يفعلوه، وهو "الصدق" الذي جرَّدُوه من الفاعلية، بحضور الغفلة والحجاب، عن الاعتقاد. ولئن كان حضورهم حضور غفلة وتعطيل؛ فحضور الصديق، رضوان الله عليه، حضور إيمان مقرون بحيوية الاعتقاد.

كان حضوراً يَلفَّهُ الصدق الصادق الصدوق، ويطويه الإيمان المنزَّه عن لوثة الشرك والشكوك؛ إذْ كان صدقاً مقروناً بالاعتقاد عند أبي بكر في مقولته الشهيرة :"إنْ كانَ قَالَ فقد صَدَق"؛ فذلك هو حضور الإيمان الذي يخالط قلوب الصادقين.

فإذا كنتَ رأيتَ في الجماعة التي كذَّبَت حديث الإسراء والمعراج حضوراً غافلاً ذليلاً، فها هنا في تصديق الصديق ترى حضور الإيمان والعز واليقين علامة واضحة دفعت أبو بكر أن يقول ما قاله في شأن الرحلة المباركة الكريمة، وليس من عجب؛ فالصدق عز والباطل ذُل.

لقد صَدَّقَ رسول الله صلوات الله وسلامه عليه  في أبعد من هذا، صَدَّقه في خبر السماء وائتمنه على حقائق الغيب المحجوب : أيكون بعد هذا كله، من الذين يكذبونه كما كذّبه من قومه كل معارض له شائن لدعوته؟ هذا والله مما لا يكون أبداً، ومما لا يصح في حق حضور الإيمان وكرامته وعزته في قلوب المؤمنين الكرماء الأعزاء.

*    *     *

ولا جَرَمَ أن حضور الإيمان، كما قلنا، مقرونٌ في جلالته بالآية الكريمة :" سُبْحَانَ الَّذي أَسْرَىَ بعَبْدِه لَيْلَاً مِن المسجدِ الحَرَامِ إلىَ المَسْجِدِ الأَقْصَىَ الَّذي بَارْكَنَا حَوْلَهُ لنُرِيَهُ من آيَاتِنَا، إنّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ". إنّه سميع بدعوة سيد الخلق محمد  حينما شكا إلى ربه ما هو فيه، بعد أن بلغ به الأسى مبلغه، مع أن طريقة الشكاية لم تكن من طبعه، وأن تحمّله ما لاقاه من أذى كان مثالاً نادراً للصبر الجميل، وللأمل الذي يملأ قلبه في نصر الله، دون أن يكون هنالك ما يفت في عضده، فيصيب منه اليأس من رحمه الله. واليوم اختلفت الأحوال؛ فإلى الجناب الإلهي يبث المصطفى شكواه، لكأنما اهتز لها عرش الرحمن :" اللهمَّ أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين : أنت ربُّ المستضعفين وأنت ربِّي. إلى من تَكِلُني، إلى بعيدٍ يتجهَّمَني أم إلى عدو ملكته أمري. إنْ لم يكن بكَ غضب عليَّ فلا أبالي. ولكن عافيتك أوْسَعَ لي. أعوذُ بنور وجهك الذي أشْرَقَتْ له الظلمات وصَلَحَ عليه أمر الدنيا والآخرة مِنْ أنْ تَنْزِلَ بي غضبك، أو تَحِلَّ عليَّ سَخَطَكَ. لك العُتْبَى حتىَ تَرضَىَ. ولا حَوْلَ ولا قوة إلا بك ".

بهذه الدعوات التي ذَرَفَها الوجد النبويّ فرَقّتْ لها قلوب الجلاميد، فانسكبت في الشعور لتعطي خيرَ ما لدى العبد الطيب الصالح في طلب المعونة من الله واللجوء إليه في السّراء والضراء. هذه الدعوة التي نطقت بها الشفاه الشريفة وتوجَّه بها إمام المستضعفين، وهو الأعز الأمجد، أمام ربّ العالمين، وهو سبحانه العليُّ السميع الأكرم، تتضمن شكواه كما يلاحظ ثلاثة عناصر : ضعف القوة، وقلة الحيلة، والهوان على الناس :

صفات لو تأملها المرء لوجدتها صفات الطيبين من الناس في هذه البشرية، الكثرة الكاثرة ممَّن أقفرت ديناهم من دعائم الوجاهة : من قوة المال والجاه والمنصب والسلطان والنفوذ، وعاشوا في أوطانهم ضعفاء القوة، قليلي الحيلة، هينين على الناس.

يَتَوَجَّهُ بها إمامهم الأعظم، خير خلق الله، دعوة خالصة إلى خالق الناس ربّ البشر ربّ العالمين؛ لا لينال منزلة أو ليحصِّل جاهاً أو ليغنم سلطاناً ونفوذاً .. كلا بل لا يبالي ، إنْ لم يكن لله عليه غضب أو يحلّ به سخط، لا يبالي خوفاً من الدنيا إذا كان رضوان الله فيها هو خير الزاد. ولله العتبى منه حتى يرضى عنه، وأي عتبى وأي رضى؟ إنّه الحبيب الأعظم إمام الطيبين، وقدوة المستضعفين، وسيد الذاكرين لله ممَّن لا يرون في الوجود سواه، ثم ليقول للضعفاء من بعده : أنا إمامكم، أتوجّه إلى ربِّ المستضعفين وربي، فكوني مثلي متوجهين كيما لا يضيركم في هذا الوجود شيء.

قد سمع الله دعوته،  وهو السميع البصير : سميع بضراعته، بصير بعبده حين ذَرَفَتْ منه ذَرَفات الوَجْد النبوي دعوات عالية، فلا يدعه نهبة لعوارض الزيف وأسباب الباطل في هذه الدنيا، ولكن طبيعة الرسول البشرية جعلته يتوجَّه إلى خالقه بتلك الدعوة التي ترق لها، كما ذكرنا، قلوب الجلاميد؛ فما بالك وهو يتوجَّه بها إلى الله تعالى خالق الأشياء كلها بما فيهم العباد والعبيد.

وجاءت بشرى هاته الضراعة إلى محمد تكريماً له، وللذين آمنوا معه، وإذا برسول الله  الذي يتوجّس خُفْيَة من غضب الله أن ينزل عليه أو سَخَطه يحلّ عليه، يمتطي البراق فيسرى به ليلاً ثم يعرج إلى العرش عند سدرة المنتهى؛ ليرفعه ربه إلى السماء؛ وليُرِيَهُ من آياته الكبرى كل مكنونات العبر العجاب وأدلة القدرة المعجزة، ومنه قوله صلوات الله وسلامه عليه  :" ... ثم عُرجَ بي حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صَرِيفَ الأقلام ".

وهنالك بعد أن أستوى جبريل على صورته الحقيقية بأجنحته التي تملأ الأفق لم يتقدّم خشية الاحتراق في حين تقدَّم النبي عليه السلام وهو ممدود العون بالاختراق، ثم قرب فهبط من علوِّ إلى أسفل، حيث "دنا فتدلى" (آية 8 من النجم) : أي أن الدنو كان على جهة التَّدَلي من علوِّ إلى سُفل، فكان قاب قوسين، أي بمقدار مسافة قوسين أو ذراعين من النبي أو أدنى :"فأوحى إلى عبده ما أوحى، وما كذبَ الفؤاد ما رَأىَ، أفتمارونه على ما يرى؟ ولقد رءاهُ نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جَنَّةِ المأوى، إذْ يغشى السِّدْرة ما يغشى، ما زَاَغَ البصرُ وما طغى، ولقد رأى من آيات ربِّه الكبرى".

يقول رسول الله صلوات الله عليه :" ولم أزل أنزل من سماء إلى سماء، فما مررتُ على شيء في السموات إلّا وهو يقول :" لا إله إلا الله محمد رسول الله ".

فلمّا انتهينا إلى السماء الدنيا، إذا الليل على حاله، لم يتقدّم ولم يتأخر، وأتيتُ مكة، ونزلت عن البراق، فودعني جبريل، وقال : يا محمد إذا أصبحت فحدِّث قومك بما رأيت من العجائب في هذه الليلة، وبشرهم برحمة الله تعالى، فقلتُ : يا أخي جبريل : إني أخاف أن يكذبوني؛ فقال جبريل : إنْ كذبوك صَدَقك أبو بكر؛ فلا تبال بمن كذبوك بعده".

صدقت يا حبيبي يا رسول الله، وصدقت يا سيدي الصديق حين قلتَ : إنْ كانَ قَالَ فقَد صَدَق. وصدق قول الحق سبحانه :" وَقُلْ ربِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنيِ مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاْجْعَل لّيِ مِن لَدُنكَ سُلْطَانَاً نَصِيراً " (الإسراء : آية 80).

أعودُ على ما بدأته فأقول : إنّ هنالك قيمةً باقيةً، وستظل باقية، ما بقيت في الإنسان قواه الروحية يعرج بها صعداً في طراز رفيع من المطالب العلوية كلما تذكر هذه الرحلة الشريفة المباركة؛ فمعجزة الإسراء والمعراج تطلعنا على أن العروج الإنساني متاحٌ للإنسان في هذه الدنيا وميسورٌ له إذا أراده وعمل له وتوخَّاه. وأهم ما يمثله هو "فريضة الصلاة"؛ ففي الصلاة يعرف ويدرك ويتذوق كل مسلم له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد أنها معراج روحي تتحد فيه العلاقة المفصومة بين الأرض والسماء. وليست هى مجرد حركات لا تدلُّ على عمل القلب وينفرد بها القالب وحده، كلا بل هى شعور بتحقيق الوحدة مع الحق تعالى في أيسر وسيلة للقرب وللصلة، وأعظمها فريضة على الإطلاق.

ولما كانت الصلاة أمراً من الحق تعالى في قوله :"وأقيموا الصلاة"؛ فهى مخصوصة هنا بإقامة المعراج على الحقيقة، إنْ لم تكن هى لب لباب المعراج الروحي يتخذه الصوفية بل يتخذه المسلمون جميعاً دعامة روحية للاتصال بالله ومحبته ولقائه على السّعة والحضور.

وإذا كانت الصلاة لغة تأتي بمعنى الذكر والانقياد صارت في الوقت نفسه تجرى في عبارة الفقهاء عبارة مخصوصة تطلق على الأحكام المعتادة، إذْ كانت أمراً من الحق أن أقيموا الصلاة خمس مرات. وهذا هو الهجويري أبو عثمان الجلَّابي، يصف شروطها تباعاً كما تجري على التوالي :

أولها : الطهارة من النجاسة في الظاهر، ومن الشهوة في الباطن. وثانيها : طهارة الثوب من نجاسة الظاهر وأن يكون من وجهة الجلال في الباطن. وثالثها : طهارة الروح من الحوادث والآفات في الظاهر، وفي الباطن من الفساد والمعصية. ورابعها : استقبال القبلة؛ فقبلة الظاهر الكعبة، وقبلة الباطن العرش، وقبلة السّر المشاهدة (لاحظ هذا العروج في ترتيب التدرج هنا). وخامسها : قيام الظاهر في حال القدرة، وقيام الباطن في روضة القُربة بشروط دخول وقتها في ظاهر الشريعة. وسادسها : خلوص النية في استقبال الحضرة. وسابعها : التكبير في مقام الهيبة والقيام في محل الوصلة، والقراءة بترتيل وعظمة، والرجوع بخشوع، والسجود بتذلل، والتشهد باجتماع، والسلام بفناء الصفة.

وما دامت أجواف المسلم : مشاعره وطواياه ومواجيده وأطوائه الباطنة الخفية، نابضة بالحياة صالحة للبقاء على هذه الأرض موصولة بالسماء؛ فله الحق كل الحق في أن يجعل قلبه معلقاً بالسماء موصولاً وصلة قربة بخالقه حين يتم له الحضور الإيماني في الصلاة بين يديه. وتلك هى القيمة الباقية : الحكمة من وراء المعراج : إقامة الصلة بين الأرض والسماء. وإني لأذكر تحليلاً ذوقياً راقياً للمرحوم الدكتور "محمد إقبال"، وهو بصدد تعرضه لمعجزة الإسراء والمعراج مفاده أن : محمداً الإنسان يستطيع أن يذهب في مراقي التسامي والنقاء والقدرة الروحيّة إلى أعلى الغايات، وبهذا يمثل الناس جميعاً ويقول لهم : إني لست سوى المثل الأعلى الذي يُحتذى والأسوة التي تُحاكى، وليس حتماً أن تصلوا إلى مثل ما وصلتُ إليه، ولكن باب الصعود مفتوح والسماء ليست ببعيدة عن الأرض، ولكنها تبدو كذلك للمحجوبين وللضعفاء الذين تعوزهم الثقة بالعقيدة يقيمون حيواتهم عليها ...

كان هذا حديث الإسراء بالمعنى الديني المباشر، وهو لا ينفصل كما قلنا في مطلع الدراسة عن المعراج بالمعنى الصوفي؛ لأنهما يصدران عن مشكاة من النور واحدة. أمّا الإسراء فقد عرفناه. وأمّا المعراج فهو الذي ربما تنكره العقول البليدة والقلوب الخربة والتوجهات الفاسدة والأيديولوجيات الموظفة لخدمة مآرب ساقطة. وإذا كان المعراج عرضة للإنكار، وبخاصة معراج الأولياء، يدور حوله اللغط من أناس لا يرتفعون قيد أنملة عن أوْهَاق التصورات الموبوءة، كما هو عرضة كذلك لإثارة التساؤلات والفتن والطامات الدالة على إقفار الذات من الترقي المعرفي، فمن المؤكد أننا لسنا ندري : لِمَ تتوقف العقول الخربة أمام المعراج، ولا تتوقف أمام الإسراء، وكلاهما تثبتهما براهين النصوص النقلية؟

وبعيداً عن اللغط المنفّر ودخولاً في موضوعنا مباشرة، نرى المعراج في الوعي الصوفي يستند بالمباشرة على معراج النبيِّ، صلوات الله وسلامه عليه، ولا يستند مطلقاً على مصادر غير هذا المصدر المباشر يقوم عليه. ولئن كان معراج الصوفي يتخذ من معراج النبوة قدوة له ومنهاجاً إلا أنه في نفس الوقت يختلف عنه مقدار اختلاف الوعي النبوي عن الوعي الصوفي، وهو بتقرير البداهة  اختلاف درجة لا اختلاف نوع.

ولقد عَبَّرَ صوفي هندي مسلم هو "عبد القدوس الجنجوهي" عن إرادة الاتصال الدائم من مقام الشهود حيث لا رجعة ولا عودة، حين قال :"صَعدَ محمد النبي العربي إلى السموات العُلى ثم رجع إلى الأرض. قسماً بربي! لو أني بلغت هذه المقام لما عدتُ أبداً "؛ فهذه هى غاية الصوفي من وراء المعراج : الوصول الدائم والاتصال الذي ما بعد عودة، ولكن هيهات ثم هيهات!

فليس كل معراج لولي يجب أن يكون هو عينه معراج النبي؛ بخلاف الأنبياء؛ فإن معاريجهم الروحية تقتضيها حاجة الناس للتربية الروحيّة وللتعليم والتبليغ؛ لأن النبي مبعوث إلى الخلق فبالناس حاجة إلى معرفة صدقه، ولا يعرف إلا بالمعجزة.

بعكس حال الولي؛ لأنه ليس بواجب على الخلق، ولا على الولي أيضاً العلم بأنه وليّ. فرجعته من معراجه ليست كرجعة النبي تقتضيها رسالة التبليغ.

وبما أن الأولياء في اتصالهم بالله يتخذون من معراج الرسول عليه السلام نموذجاً كاملاً لمعاريجهم الروحيّة، فيهتدون بهديه ويتلمسون طريقته، ويعتبرون اتباع النبي والاسترشاد به أول شرط من شروط السلوك إلى الله، وينحون باللائمة على نظار المتكلمين والفلاسفة الذين يعتدُّون بعقولهم ويعتقدون أن فيها الكفاية والضمان للوصول إلى الحقيقة المطلقة؛ فإنّ في هذا كله ما من شأنه أن ينفي تماماً القول بأن فكرة أفلاطون عن النفس كانت أساساً اتخذه الصوفية لوصف معراجهم الروحي، وهو قول يتغافل عن معراج النبيّ وأثره الواضح في تشكيل معاريج الأولياء والعارفين.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الإصلاحية الإسلامية الحديثة (11)

إن التعقيد الذي يلازم صيرورة وعي الذات السياسي هو ذاته التعقيد المميز لإدراك حقائق الكلّ الثقافي للأمم، باعتبارها عملية اجتماعية سياسية وتاريخية لها بدايتها ونهايتها، ومن ثم حدودها. وبهذا المعنى جرى الحديث عن صنع الأفغاني ومحمد عبده لأحجار وعي الذات السياسي الأولى. فالأخير له تاريخه، بما في ذلك في مرحلة انقطاع التاريخ الثقافي والدولة العربية الموحدة. غير أن هذا الوعي الذاتي السياسي لا قيمة كبرى فيه خارج حدود الدولة وكيانها الثقافي. إذ في هذه الوحدة فقط يمكن لمختلف عناصر ونماذج الصراع المتعلقة بفكرة البدائل السياسية أن تتبلور بهيئة نظم ومؤسسات قادرة على الفعل المتجدد. بمعنى تكاملها الذاتي ضمن حدود تجاربها الخاصة. وتفترض هذه العملية في ذاتها إدراك الغاية والمعنى من الفعل. من هنا كان من الصعب بالنسبة للإصلاحية الإسلامية أن تدرك في أفعالها الأولى حدود عقلانيتها السياسية. لقد كان بإمكانها آنذاك أن تتحسس حدود عقلانيتها الثقافية بأثر تمثلها المتواصل للقدر المتبقي من حضارة الماضي المكتبية والمدرسية. وفي الوقت نفسه كان من الصعب عليها التوفيق بين عقلانيتها الثقافية وبين متطلبات العقلانية السياسية. وذلك بسبب الاضمحلال شبه التام لأسسها ومقدماتها وتاريخها الحضاري.

إن هذا التناقض هو الذي يقلب في مراحل الإدراك الأولي للتحولات التاريخية الكبرى أولويات السياسة والثقافة في الرؤية والمشاريع. فاضمحلال الدولة (العربية) وتاريخها السياسي، هو الذي أعطى لبقايا الحضارة الإسلامية المتراكمة في كمية هائلة من النظريات والقيم قدرة الفعل والحركة والمعنى المتجدد، ومن ثم القدرة على استثارة روح الجهاد الباحث عن خلاص فعلي. غير أنه لم يكن بإمكان هذا الروح الجهادي آنذاك إدراك حقائقه على أنها أجزاء متكاملة في مشاريع السياسة العملية. ووجد ذلك انعكاسه في كمية ونوعية المقارنات المستترة للوعي بين عقائد الماضي ومتطلبات الحاضر، بين يقين الماضي وشكوك البدائل المستقبلية، بين المعلوم والمجهول القابعين في النزوع الجهادي والعقلاني للفكرة الإصلاحية الإسلامية.

فقد جرى إدراك الإصلاحية الإسلامية لذاتها منذ البداية بمعايير العقلانية وغاياتها العملية. الأمر الذي قيّد فكرتها الإصلاحية بمهمة الإدراك المتجدد لإشكاليات التاريخ والمعاصرة. تماما بالقدر الذي ألزمها النظر إلى الآفاق المترامية ما وراء مراميها العملية بمعايير الانتماء المعقول للأصالة الثقافية. وهي ديناميكية تعتصر بين رحاها وضوح الرؤية العملية وعجزها الذاتي. بمعنى تحسس ثقل الانحطاط وخفة الروح الثقافي، وإدراك رزانة التراث المعقول وتهور "القدر المنقول"، أي كل ما يوّلد صعوبة التوفيق بين جهادية الروح وعقلانيته. فبالقدر الذي يمكن أن يؤدي ذلك إلى تكثيف مشاعر السياسة العملية، مع ما يترتب عليه من خوض دروب الأفعال العمياء، فإنه يمكن أن يشحن سحر الثقافة المجذوبة بتأملات الروح العقلاني الخالص، مع ما يترتب عليه من خوض غمار الأعباء والإعياء المجرد.

لكن الارتباط الوثيق بين الحوافز الإسلامية والفكرة الإصلاحية الفعالة قد حدد بدوره اقتران الروح الجهادي بالاجتهاد العقلاني. وأدى إلى إبداع عناصر التوليف المستمر للإصلاحية العقلانية وانتشارها الظاهري والباطني في الرؤية السياسية ومشاريعها العملية البديلة للأمة (الإسلامية) ككل. بمعنى إعادة إنتاج وحدة الجهاد والاجتهاد في الآراء والأحكام والمواقف تجاه قضايا السلطة والدولة، والقانون والحق، والقومية والأمة. أما نتيجة ذلك فقد أدت إلى نقل مكونات الوعي الاجتماعي السياسي والفلسفي العربي إلى ميدان الواقع الفعلي. وبالتالي إعادة تنشيط تقاليده الفكرية (الثقافية). إذ لم يعن الروح الجهادي من الناحية التاريخية سوى استثارة الفعل المدرك لقضاياه وأهميتها بالنسبة لإعادة ترتيب الوجود الكلي للأمة وحضارتها. وهو السرّ القائم وراء اندفاع الفعل المتفائل في نظرته للمستقبل. فقد كان هذا التفاؤل الحي في استشراف آفاق الوجود التاريخي للماضي والحاضر، الصيغة التي تحوي في ذاتها رؤية البديل الأمثل. لاسيما وأنها الحالة التي عادة ما تميز مراحل الانقلابات الكبرى، التي يتحول فيها تفاؤل الرؤية إلى رديف روحي لفعالية النشاط المدرك لقضاياه الأساسية. وليس مصادفة أن يضع الأفغاني رفض القنوت واليأس في أساس دعوته العملية. ولم يكن ذلك مجرد استعادة تقليدية للفكرة الإسلامية القائلة بأن "المؤمنين لا خوفا عليهم ولا هم يحزنون"، وإن "القنوت رديف لانعدام الثقة بالله"وما شابه ذلك، بقدر ما كانت تتمثل حقائق الرؤية الواعية لأفعالها. بمعنى امتلاكها لما يمكن دعوته بالرصيد التاريخي للتفاؤل والفعالية القادر على تنشيط إمكانيات الاستعادة الحية للعظمة الإسلامية. وهذه بدورها ليست إلا "دورة التاريخ" الخالدة، بوصفها الصيغة النظرية التي تلازم كل تطلع عقلاني في رؤيته المتفائلة تجاه تذليل معالم السقوط وحيثياته الواقعية.

فقد واجهت الإصلاحية الإسلامية واقع السقوط! وجعلت منه مقدمة رد فعلها المباشر، وبالتالي جهادها. لهذا أكد الأفغاني على أن الاستعمار الغربي (الأوربي) هو مجرد "خراب"، أي عرضة للزوال. ولم يضع في هذه الرؤية المستقبلية وآفاقها انطباعاته النفسية المباشرة باعتبارها جهادا واعيا ودعوة للفعل المستقل فحسب، بل وتتبع حركتها الداخلية الاجتماعية السياسية في "الذات الإسلامية" وتبلور عناصر وعيها السياسي والعقلاني. لهذا تكلم عن الطابع العرضي والزائل للصدمة التي أحدثها الغرب الاستعماري في مجرى إخضاعه للشرق المسلم. لكنه وجد فيها في الوقت نفسه سلسلة تتكون حلقاتها من الدهشة فالخضوع فالتململ فالاحتجاج فالهجوم المضاد فالنجاح[1].

إن هذه التخطيطية المبسطة في ظاهرها، هي الصيغة المكثفة لإدراك تحولات الروح والجسد الإسلاميين بمعايير الجهاد والاجتهاد أو السياسة والعقل، أو الإصلاحية والرؤية المستقبلية. فالنجاح المفترض للحركة الاجتماعية الإسلامية هنا هو الاستمرار المتعمق لعناصر التجربة التاريخية ووعيها السياسي الذاتي في مجرى تعرضها للصدمة والدهشة والخضوع والتململ والاحتجاج الهجوم. وبالتالي، فإن تأمل إمكانيات هذا الوعي بمعايير التجربة التاريخية سوف يحدد بدوره أسلوب الصيرورة الفاعلة للفكرة السياسية وأشكالها تجسيدها. وبهذا يكون الأفغاني قد نقل قيمة الفعل السياسي من ميدان التأملات العقائدية والمذهبية إلى ميدان الوجود الأوسع للدولة والأمة. فهو لم يحدد الماهية السياسية للإصلاح ضمن سياق المنظومة الفكرية، بل وضمن قدرتها على الفعل. من هنا يمكن فهم اعتباره العقبات القائمة أمام الإصلاح ميدانا للفعل والحيوية. ومن هنا أيضا كلامه عن أهمية الإصلاح التربوي كمقدمة للفعل السياسي. فقد اعتبر التربية عملا ضروريا، وأن من يقوم به ينبغي أن يتميز بالأمانة والمعرفة بتاريخ الأمة في صعودها وسقوطها، إضافة إلى تاريخ الأمم الأخرى[2]. ووجد فيها المقدمة التي يمكن من خلالها أيضا الوصول إلى وحدة التربية الوطنية. واعتبر ذلك أسلوبا لربط العلم بالعمل، وبالتالي تحويل حصيلة المعرفة إلى مقدمة النشاط العملي في مختلف الميادين، بما في ذلك في ميدان شحذ الوعي الاجتماعي السياسي. لهذا نراه يتكلم عن مهمة شحذ الاحتجاج السياسي من خلال التربية. بل ونراه يجد فيها أيضا وسيلة توحيد "مختلف أبناء الطوائف ورؤية طرق العمل للنهوض بالوطن"[3].

إن إدراك أولويات الجهاد، أو الصيغة العملية للفكرة قد حدد بدوره الاتجاه العملي لصياغة المبادئ العامة للنشاط السياسي الإصلاحي عند الأفغاني. فعندما يتناول على سبيل المثال قضية التربية، باعتبارها وسيلة القضاء على الاستعمار الخارجي (الغربي) فإنه لم يضع ذلك بعبارات العلم المجرد والرقي الثقافي (العلمي)، بل وفي مساهمتها بالنسبة لبناء الكيان الوطني الموحد. إذ اعتبرها وسيلة بلوغ اليقظة في الرؤية، والحكمة في العمل. لهذا وضع مهمة العمل من أجل خير الجميع في مقدمة مهمات التربية. وبهذا يكون قد نقلها من ميدان الفعل التربوي الأخلاقي العملي إلى ميدان الفعل السياسي أيضا. بمعنى تحويلها إلى عنصر من عناصر الفعالية السياسية. ومن ثم جعل من التربية أسلوبا في تذليل الطائفية والمذهبية. وذلك لأنها، حسب نظره، نتاج التفرقة والتجزئة، وأسلوب تعميقهما. وإن الخلافات بين الأديان في نهاية المطاف ما هي إلا من "صنع رؤساء الأديان الذين يتاجرون بالدين ويشترون بآياته ثمنا قليلا"[4]. من هنا بحثه في التربية الجديدة عن وسيلة تنظيم وتركيب عناصر التكون الجديد للوطنية السياسية. كما نراه يحاول من خلالها تجميع ما يمكن تجميعه باعتبارها مكونات ضرورية للجيل الجديد، الذي ينبغي أن لا يخضع لسلطان غير سلطان الحق والحقيقة. من هنا حصره للعناصر المكونة لهذا الجيل بكل من عدم طرق باب السلطان، وألا يثنى عزمهم الوعيد، ولا يفرّقهم الوعد، ولا همّ لهم غير هموم نجاة الوطن من الاستعباد[5].

نعثر في هذه العبارات على إحدى الصيغ النموذجية لانكسار تقليدية العبارة أو تحطمها الداخلي من خلال نمو براعم التعبير السياسي، الذي يعادل عنده معنى ومضمون العمل. فالجهاد المفترض في الجيل الجديد هو جهاد الفعل السياسي. أما الوعد والوعيد العريقين في تقاليد الإسلام والكلام، فهما عناصر السلوك السياسي المحاصرة ما بين "باب السلطان" و"نجاة الوطن من الاستعباد". ولا يعني ذلك سوى تأسيس وحدة العناصر الضرورية للفعل المستقل، واحتكامه فقط لمبادئ السياسة العليا. وحاول تأسيس هذه الفكرة في ما يمكن دعوته بضرورة "الإسلام السياسي" الفاعل، أو الربط المؤسس للإسلام والإصلاح بمعايير السياسة العقلانية. وليس مصادفة أن يطابق الأفغاني بين الإسلام وحقيقة الحركة الإصلاحية بوصفها حركة سياسية فاعلة باسم المبادئ المتسامية. ووجد في الوساطة الدينية (وأشكالها المتنوعة) مصدر الخطيئة والرذيلة. وفي الوقت الذي اعتبر صعود الحرية والتطور الأوربيين مرتبطا بكسر فكرة الوساطة الكنسية وفكرتها القائلة بأن "ما يعقدونه في الأرض يعقد في السماء، وما يحلّوه في الأرض يكون محلولا في السماء"، فإننا نراه يجد في نشاط وعمل وفكر رجال الإصلاح الديني النصراني تطبيقا لما في حقائق الدين الإسلامي[6]. وبهذا يكون قد طابق بين حقيقة الإسلام والإصلاح، أو حقيقة الإصلاح والإسلام. وهي مطابقة كانت ترمز في آرائه ومواقفه إلى الاستيعاب الجديد لمضمون الجهاد الضروري، باعتباره فعلا سياسيا مدركا لغاياته العليا. لهذا طالب بضرورة ما اسماه بالحركة الدينية وتهذيب العلوم وتنقيح المكتبات. إذ لم يكن تطور أوربا ومدنيتها المعاصرة في نهاية المطاف سوى نتاج للمنافسة الحادة بين البروتستانتية والكاثوليكية[7].

لقد أدرك الأفغاني الكمون السلبي القائم في صراع المذاهب. إذ ليست البروتستانتية والكاثوليكية في مظاهرها الشكلية سوى الشكل النصراني الأوربي للتشيع والتسنن الإسلامي. إلا أن الخلاف الجوهري بينهما يقوم في وجود وعدم وجود "الوساطة الكنسية". لكن الأفغاني لا يتناول هذه القضية إلا ضمن سياق المقارنة التاريخية والواقعية، باعتبارها عملية أدت في نموذجها الإصلاحي (البروتستانتي) إلى مآثر المدنية الأوربية المعاصرة. بمعنى انه تتبع فقط الأبعاد الإصلاحية السياسية في الحركة الدينية النصرانية التي طالب بإعادة "تقليدها". ولم يعن ذلك في الواقع، سوى البحث عن مصادرها الحقيقية في الإسلام. إذ ليست حركة الإصلاح القائلة بضرورة الفعل الحر، أو نفي الوساطة أيا كانت، سوى "تقليدا للدين الإسلامي" وحقائقه الجوهرية. من هنا استناده إلى الآية القائلة، بأن "الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"[8]، باعتباره الشعار الحركي المعبر عن قيمة الفعل الإرادي الداعي للإصلاح الشامل. لهذا أكد على أن المسلمين لو "عملوا بالقانون الإلهي وبقول القرآن (أن ليس للإنسان إلا ما سعى) لكان أوفر خيرا للأمة. والسعي أول السبل إلى النجاح وأحسن ما تربى عليه الناشئة[9]. من هنا تفنيده في آن واحد الاتهامات الفكرية العقائدية الموجهة ضد الأفكار الإسلامية عن القضاء والقدر وكذلك تهديم أسس الجبرية الخاملة في تقاليد الإسلام اللاهوتي. إذ اعتبر فكرة أولئك الذين وجدوا في اعتقاد المسلمين بالقضاء والقدر سرّ تخلفهم وانحطاطهم، مجرد أحكام مبتسرة أو نتاج لسوء الفهم، بسبب عدم قدرتهم على التفريق بين فكرة القضاء والقدر الإسلامية وبين فكرة الجبرية. فالإسلام، حسب نظر الأفغاني، لا يعرف الجبرية الخالصة. وأن جميع المسلمين من سني وشيعي وزيدي ووهابي وخارجي، كما يقول الأفغاني، لا يرى أي منهم ولا يقول بالجبر المحض. بل أنهم جميعهم يعتقدون أن لهم جزء اختياري في أعمالهم[10]. ووضع الأفغاني هذا "الجزء" في جوهر الإرادة الفاعلة استنادا إلى أن "الاعتقاد بالقضاء والقدر، إذا تجرّد عن شناعة الجبر يتبعه صفة الجرأة والإقدام وخُلق الشجاعة والبسالة"[11]. ولهذا أشار إلى أن "ما أصيب به المسلمون في هذه الأزمنة الأخيرة، إنما هو مما امتحنهم الله به جزاء على بعض ما فرطوا. وليس للناس على الله حجة. فالرجاء في هممهم وغيرتهم الدينية وجمعيتهم الملية. وأن يوجهوا العناية إلى رتق الفتق قبل أتساعه، ومداواة العلة قبل استحكامها"[12].

ويغض النظر عما في هذه العبارات من استحكام للتصورات الدينية في امتحان المرء أمام عوارض الزمن، فإنها تعكس جهادية الروح الإصلاحي عبر وضعه أمام المطلق باعتباره مصدر الحق والحقيقة ومرآتها الناصعة في رؤية القدر الشخصي. ومن ثم إدراك قيمة الفعل ومعناه وحجمه ووسيلته في "القضاء والقدر" لا في "شناعة الجبر". وبالتالي، رؤية القدر المعقول في الإرادة الحرة باعتباره الاستجابة الواعية لمهمة الإصلاح. من هنا توكيده على أن "الله لا يغير ما بقوم من عزة وسلطان ورفاهة وخفض عيش، وأمن وراحة، حتى يغير أولئك القوم ما بأنفسهم من نور العقل وصحة الفكر وإشراق البصيرة، والاعتبار بأفعال الله في الأمم السابقة"[13]. ولا يعني ذلك في الواقع سوى المحاولة الأولية للتأسيس العقلاني "للإسلام السياسي" وتنشيطه، ولكن لا من خلال إدخاله معارك السياسة المباشرة، بل من خلال تحويل مقولات السياسة إلى جزء فعال من عقائده وأصوله الجديدة. (يتبع...)

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج2، ص448-450.

[2] المصدر السابق، ج1، ص272-276.

[3] المصدر السابق، ج1، ص278-279.

[4] المصدر السابق، ج1، ص292.

[5] المصدر السابق، ج2، ص456 – 457.

[6] المصدر السابق، ج1، ص176.

[7]المصدر السابق، ج 2، ص328.

[8] المصدر السابق، ج1، ص179.

[9] المصدر السابق، ج1، ص226.

[10] المصدر السابق، ج1، ص184.

[11] المصدر السابق، ج1، ص185.

[12] المصدر السابق، ج1، ص382.

[13] المصدر السابق، ج2، ص338.

 

 

مجدي ابراهيمذكرنا في المقالة السابقة مسألة المفاضلة بين النبوة والولاية عند صوفية الإسلام، وقلنا إنها مسألة لا أساس لها من الصحة ولا صحة لها عندنا من أساس مقبول، ونفينا نفياً قاطعاً أن يكون هنالك اعتقاد أو حتى شبه اعتقاد لدى الصوفية يقدّم أفضيلة الولي على النبي بوجه من الوجوه، فلم يعرف عن أحد منهم أنه كان يقول بذلك أو يجريه على لسانه ولم يكن الحكيم الترمذي مطلقاً ممّن يرى تفضيل الولاية على النبوة ولا الأولياء على الأنبياء، ولم يكشف كتابه "ختم الأولياء" عن هذه النزعة فيه إلا أن يكون التفضيل للولاية من حيث هى مقام في النبوة، لا مطلق التفضيل كما هو الحال عند ابن عربي. وأخذنا على أستاذنا المرحوم الدكتور ابي العلا عفيفي أنه تابع بعض التوجهات السلفية التي تطعن في التصوف فنسب إلى بعض الصوفية القول بتلك المفاضلة غير أنه في كلامه عن ابن عربي لم يفعل ذلك. واليوم نناقش هذه القضية لدى ابن عربي كما ناقشنا في السابق مسألة المفاضلة بين الولاية والنبوة في التكفير الاسلامي.

وسنتناول في هذه المقالة مناقشة نقاط ثلاث أولها: معنى الولاية في مذهبه وخطأ الفهم لها. وثانيها: الحقيقة المحمديّة. وثالثها: المعراج الروحي: معراج النبيّ ومعراج الوليّ؛ ليتمُّ التركيز على آراء ابن عربي وفقاً لمذهبه في تلك النقاط الثلاث. ولابن عربي مذهبٌ خاصٌّ في الولاية يختلف عن مذاهب غيره كما أن له وجهة نظره في المفاضلة بين الرسالة والنبوة من جهة، والولاية من جهة أخرى.

ليس المفهوم من الولاية في مذهبه القداسة ولا المبالغة في التقوى، وإنْ كانت هاتان الصفتان ممّا يمتاز به الأولياء، ولكن أخص صفات الولاية عنده هى "المعرفة" أو العلم الباطن. فالولي على ذلك اسم مرادف للعارف بالله، وهو (أي ابن عربي) يستعمل هذا الاسم استعمالاً واسعاً يدخل فيه الأنبياء والرسل كما يدخل فيه الأولياء الذين منهم "الأفراد" و"الأمناء" و"الأبدال" و"الورثة" وغيرهم من رجال طبقات الغيب. فالرسول وليُّ من حيث معرفته بأمور الغيب، وهو رسول من حيث إنه مكلف بتبليغ رسالة الله إلى الخلق. والنبي وليُّ من حيث علمه بالغيب أيضاً، وكذلك الحال في بقيّة السلسلة التي أسلفنا ذكرها. وبما أن الولاية هى أساس المراتب الروحيّة كلها، كانت هى العنصر المشترك بينها جميعاً، أي بين النبوة والرسالة والولاية والمعرفة. ومن صفاتها الثبات والدوام؛ فالولاية دائمة لا تنقطع لأنها تمثل "البعد الروحي" الباقي بخلاف الحاصل في الرسالة ونبوة التشريع؛ فإنهما تنقطعان لأنهما تمثلان "البعد الزمني" المحدود بزمانه ومكانه. ومن لا يستطيع التفرقة بين هذين البعدين (الزمني، والروحي) في شخص النبي يخطئ فهم ولايته صلوات الله عليه ومن ثم يخطئ فهم المفاضلة بين نبوته وولايته أيضاً.

ويلزم - للصلة القويّة في شخص النبيّ بين الرسالة والنبوة والولاية - الحديث عن الحقيقة المحمديّة: حقيقة أوّليّة النور المحمدي.

غير أن ابن عربي في حديثه عن الحقيقة المحمدية لم يقتصر كابن الفارض على تسميتها بالقطب بل أطلق عليها مسميات منها: الكلمة، وروح محمد، والدُّرة البيضاء، والعقل الأول، والحق المخلوق به، والروح الأعظم. وهنالك - كما يقول الدكتور أبو العلا عفيفي رحمه الله - ما لا يقل عن إنثى وعشرين اصطلاحاً للدلالة على تسمية الحقيقة المحمدية عند ابن عربي منها: حقيقة الحقائق، روح محمد، القطب، العقل الأول (= النوس) عند أفلوطين، العرش، القلم الأعلى، الخليقة، الإنسان الكامل، أصل العالم، آدم الحقيقي، البرزخ، فلك الحياة، الحق المخلوق به، الهيولى (المادة الأولى: الهباء)، الروح الأعظم، عبد الجمع، مرآة الحق، الحقيقة المحمديّة، الكلمة، الدُّرة البيضاء، الاسم الجامع المحيط.

( Affifi (A): The Mystical philosophy of Muhy idin Ibnul Arabi,  combridge.1939. p .p.119 -122)

وكل اصطلاح من تلك الاصطلاحات له اشعاعاته الروحيّة والفلسفية، وله تشابه مع العناصر الخارجية في الثقافات الأخرى غير الإسلامية. وبما أن الحقيقة المحمدية هى المشكاة التي يستقي منها جميع الأنبياء والأولياء العلم الباطن من حيث أن محمداً، صلوات الله عليه، له حقيقة "الختم" (خاتم النبيين) فهو يقف بين الحق والخلق، يقبل على الأول مستمداً للعلم، ناظراً إلى الآخر ممدَّاً له؛ فإن ابن عربي ليقول:"بدء الخلق بالهباء (المادة الأولى = الهيولى) وأول موجود فيه الحقيقة المحمديّة، ولا أين يحصرها لعدم التحيز. وممّ وجد؟ من الحقيقة المعلومة التي لا تتصف بالوجود ولا بالعدم وهى (حقيقة الحقائق) وفيمَ وجد؟ في الهباء ... ولم وُجد؟ لإظهار الحقائق الإلهيّة (الفتوحات المكيّة: جـ 1 ص 118).

من أجل ذلك؛ يعتبر ابن عربي النور المحمدي أو الحقيقة المحمديّة التي هى (القطب)، هو غايات الكمال الإنساني؛ فهو الصورة الكاملة للإنسان الكامل الذي يجمع في نفسه حقائق الوجود، وأن هذا الروح المحمدي هو مصدر العلم والعرفان ومدد الأولياء والعارفين الذي لا ينقطع ولا يزول: "ولهذا بدأ به الأمر، أي بدأ بمحمد (= الكلمة المحمديّة) وختم (فصوص الحكم: جـ 1، ص 214).

ولا يزال هذا (العقل الأول) (= الحقيقة المحمديّة) متردداً بين الإقبال والأدبار؛ يقبل على باريه مستفيداً؛ فيتجلى له؛ فيكشف في ذاته بعض ما هو عليه، ويقبل على من دونه مفيداً هكذا أبد الآباد. ولهذا كانت للحقيقة المحمديّة وجهان: الأول من جهة الاستفادة حين يقبل على باريه وهو الوجه الأحمدي الإيماني الغيبي الأميّ المحجوب، وهو وجه التجلي الذي هو للوجه الأحمدي. والثاني هو الوجه المحمديّ: وهذا الوجه علمي جبرائيلي، وأن التنزيل يكون للوجه المحمدي من جهة الإقبال على من دونه مُفيداً، وهو الظاهر في جميع الأنبياء والأولياء من حيث الإفادة: " ... فكل نبيّ من لدن آدم إلى آخر نبيّ ما منهم أحدٌ يأخذ إلا من مشكاة خاتم النبيين، وإنْ تأخر وجود طينته، فإنه بحقيقته موجود؛ وهو قوله صلوات الله وسلامه عليه:"كنت نبياً وآدم بين الماء والطين". وغيره من الأنبياء ما كان نبياً إلّا حين بعث  )فصوص الحكم: جـ 1؛ ص 63- 64).

وعن ابن عربي أخذ الشعراني كثيراً من فنون النظر الإلهي، ومنها بالطبع مسألة الإيمان بهذا الأثر الغيبي الباطني الذي هو أيضاً بالطبع، أثرٌ من آثار التصوف لا شك فيه عندهم، ولذلك تسمى "بطبقات رجال الغيب"، كما اطلق عليه السيوطي هذا الاسم. بيد أنه، كما يوجد مثل هذا الأثر في التصوف، يوجد كذلك في التشيُّع: فمعارف القطب عند الصوفية تتشابه مع عقائد الشيعة مع فارق كبير في الدلالة والتخريج كنا تناولناه فيما سبق من دراسات.

على أن ابن عربي يطلق على الولاية بهذا المعنى اسم "الخلافة العامة"، وهى الخلافة الحقيقية التي على رأسها "الروح المحمديّ" الذي هو منبع العلم الباطن لجميع الأنبياء والأولياء. أمّا من ناحية المفاضلة بين الرسول والنبيّ من جهة، والولي من جهة أخرى، فإن ابن عربي يرى أن كل رسول وكل نبيّ، فإنما هو وليّ أولاً ورسول أو نبيّ ثانياً. وأنَّ كل رسول ونبيّ من حيث هو وليُّ أفضلُ منه من حيث هو رسول أو نبيّ. وهنا يكمن تحديد المفاضلة تحديداً مقيداً لا مطلقاً يعول على البعد الروحي الغيبي الميتافيزيقي لا البعد الزمني المحدود بزمان ومكان .

وهذه الرؤية الكاشفة وجدت لدى الحكيم الترمذي كما وجدت لدى ابن عربي. ولكن الدكتور عفيفي، رحمه الله، أرسلها مفاضلة مطلقة عند الحكيم الترمذي، ولم يقيدها بالتوضيح في حين يلاحظ أن عين رأي الحكيم في المفاضلة لا يتعدى نفس رأى الشيخ الأكبر. كلاهما واحد لا فرق فيه.

لم تكن مفاضلة بإطلاق بل الكلام فيها مقيّد، ولم يكن في وعي الولاية أي تفضيل لها على النبوة، وما يقالُ عن الحكيم الترمذي يقالُ بنفس الدرجة عن الشيخ الأكبر ولا يزيد. ومن أجل هذا يقول الشعراني:" ومن ظن أن ابن عربي يقول بأفضليّة الوليّ على الرسول أو النبيّ بإطلاق، بمعنى أن كل ولي أفضل من كل رسول أو نبيّ فقد أخطأ فهمه".

ويقول الشعراني إنّ الشيخ الأكبر لم يقل ذلك (أي لم يقل إن الولي أفضل من الرسول أو النبيّ) وإنّما قال:" اختلف الناس في رسالة النبيّ وولايته أيهما أفضل؟ والذي أقول به: إن ولايته أفضل لشرف المتعلق ودوامها (أي دوام الولاية) في الدنيا والآخرة، بخلاف الرسالة، فإنها تتعلق بالخلق، وتنقضي بانقضاء مدَّة التكليف، ووافقه في ذلك الشيخ عز الدين بن عبد السلام. فالكلام مخصوص ومقيد لا هو بالمطلق ولا بالعام، مخصوص ومقيد برسالة النبي مع ولايته لا في رسالته ونبوته مع ولاية غيره: فافهم". هذا ما يقول به الشعراني ويفهمه حاكياً عن ابن عربي.

وعليه؛ فالولاية خارجة من مشكاة النبوة تحقيقاً، صادرة عنها لا محالة، ولا يمكن أن يكون لها مصدر سوى هذا المصدر لا يتعداه؛ فأية محاولة تحاول تخريج معاريج الصوفية خارج حدود المضمون الديني، وخارج حدود المعراج النبوي، هى محاولة محكومٌ عليها بالعوار العلمي والكبوة المعرفية، ومحكوم عليها كذلك بتعسف التخريج، وبالخطأ البيّن الذي ينقض وعي صاحبه من أول وهلة، فضلاً عن قدحه بداية في نواياه.

بطبيعة الحال؛ يختلف هذا المعراج الروحي عند الصوفية، عن المعراج النبوي، وإنْ كان في الوقت ذاته يُشَاركه المثال، لكنه يختلف اختلاف درجة لا اختلاف نوع، باختلاف درجة الوعي بين الأولياء والأنبياء، هو نفسه الاختلاف الذي يرتد إلى عبارة الولي الهندي "عبد القدوس الجنجوهي"؛ فالوعي النبوي إنما هو وعي يتحكم في ضبط قوى التاريخ ضبطاً يوجهها نحو إنشاء عالم جديد من المثل العليا. ورجعة النبي من معراجه الروحي هى رجعة مُبْدِعَة؛ إذْ يعودُ ليشق طريقه في موكب الزمان؛ فيتغيّر بعودته نظام العالم الإنساني تغيراً تاماً.

وقد لاحظ الدكتور "إقبال" الفرق الفارق بين الوعي النبوي والوعي الصوفي؛ إذْ إن:"رغبة النبي في أن يرى رياضته الدينية قد تحوّلت إلى قوى عالمية حيّة رغبة تعلو على كل شيء، ولهذا كانت رجعته ضرباً من الامتحان العملي لقيمة رياضته الدينية، فإرادة النبي في عملها الإنشائي، تُقَدّر قيمتها هى كما تقدِّر عالم الحقائق المحسوسة التي تحاول أن تحقق وجودها فيه. وعندما يتغلغل النبيّ فيما يواجهه من أمور مستعصية، وينفذ إلى أعماقها، تتجلى له حينئذٍ نفسه فيعرفها، ويزيح القناع عنها فتراها أعين التاريخ (تجديد التفكير الديني في الإسلام؛ ص 74).

ولا هكذا الحال في عودة الولي؛ إذا نحن وضعنا في الاعتبار اختلاف وعي النبيّ عن وعي الولي والتحقق من مفهوم العودة بين الأنبياء والأولياء. فالوليُّ لا يريد العودة من المعراج الروحي، بل غايته الاتصال الدائم، غايته هى مقام الشهود، وهو حين يرجع من هذا المقام، ولا بد له أن يفعل؛ فإن رجعته لا تعني الشيء الكثير بالنسبة للبشر على وجه العموم. إنما المعراج في هذه الحالة ذاتيٌّ خاص، والرجعة منه كذلك ذاتية خاصّة .

لقد صوّر ابن عربي، كما صوّر الغزالي من قبله، المعراج الروحي تصويراً يشبه عملية التّحوِّل في العناصر المادية في أحد فصول الفتوحات المكية بعنوان "كيمياء السعادة"؛ وهو الفصل رقم (167) حيث يتخذ رمزاً لصعود الإنسان إلى السماء؛ فحيث إن غاية النفس شهود الله، فلا غرو في أن تجاهد هذا العالم الذي وضعها الله فيه، لكي تحصّل كمالاتها فتحظى في النهاية بمقام رفيع هو الغاية التي كانت تقصدها، وترمي على الدوام إلى بلوغها: شهود الله والاتصال به، ومحبته ومعرفته، والفناء فيه والبقاء معه.

ونموذج معراج النّبي - صلوات الله عليه - كما قلنا في كتابنا "مشكلة الاتصال بين ابن رشد والصوفية": هو النموذج الصالح والكامل، أقام الصوفية معاريجهم الروحيّة عليه، فطهّروا النفوس والأبدان ورققوا الحواشي والطباع، وهذبوا الأفئدة والضمائر، وخاضوا من أجل ذلك كله أعْتىَ التجارب الروحية وأقساها على الطبيعة، فكانت لهم من سيرة النبي أسوة حسنة، ومن مشكاة نبوته هداية صالحة لأن تقام عليها أعباء الطريق إلى الله والاتصال به ومحبته والفناء فيه والقُرب منه على أكمل ما يكون الاتصال، والحب، والقرب، والفناء، محققاً في مقامات السالكين وأحوال العارفين.

إذا نحن عدنا إلى كيمياء السعادة، نرى ابن عربي يعني بها عملية تحويل عناصر النفوس الإنسانية إلى الأكسير الروحي الخالص؛ وذلك لأن التحول في الحياة النفسية أشبهُ شيء بتحوّل العناصر الطبيعية إلى الذهب في الكيمياء. ولأجل هذا؛ فإن النفوس يمكنها أن تتحول من عناصر خسيسة إلى عناصر نفيسة في كيمياء السعادة الروحية. ولا يتمُّ هذا التحول إلا بإخلاص في مجاهدة النفس، بطريق الترقي الباطني؛ أي بطريق المعراج الروحي، حينئذٍ تتحول النفوس كما تتحول المعادن من عناصر خسيسة مُعْدَمة لا حياة فيها إلى أكمل صورة يمكن أن تتغير فيها تغيراً روحياً. وطبيعة النفس في أصلها قابلة لهذا التغير، شريطة أن يتم لها معرفة أصلها الذي انبثقت عنه" (لفتوحات المكية، طبعة بولاق، جـ 2، ص 256).

ولكي يكتمل للنفوس تحولها، فلابد لها من معرفة الأصل (الله) الذي استخلفها في الأبدان وغرس فيها حبّ المعرفة التي تُوصِّل إليه. ولما كانت المعرفة التي توصل إلى الحق نوعاً مختلفاً عن معرفة النظر العقلي؛ لأن العقل وحده قاصر عن أن يصل إلى حقيقة الله تعالى فكيف بالدلالة عليها؟

كان لزاماً لكمال المعرفة في الإنسان من استمداد العَوْن من الدين: من القوة الخارقة للطبيعة؛ لترشده في طريق الوصول إلى الله. ولا يمنع هذا من أن يرشد العقل صاحبه في المراحل الأولى من الطريق إلى الله، ولكن المراحل النهائية، لا يتوصل إليها إلا بنور إلهي يحمل مشكاته الأنبياء ثم يجئ الأولياء؛ ليستلموا الراية؛ وليرفعوا هذا النور أولاً في أنفسهم؛ وليهتدي به ثانياً من هُم دونهم من الناس.

وينتهي ابن عربي، كما انتهى الغزالي قبله، من اعتبار نور مشكاة النبوة طريقاً لمعرفة الحقيقة؛ ولإظهار الحقائق الإلهية، ولإمكان الاتصال بالله بالعروج الروحي إليه. وفي صورة الغزالي أو في صورة ابن عربي تنويعٌ، كما نُلاحظ، لوصف المعراج الروحي مردوداً إلى النبي عليه السلام؛ فهو الهدف الأسمى لتخليص النفس الإنسانية من أدران الآفات وتحولها باطنياً من حالة مذمومة إلى حالة محمودة أعلى منها قابلة للعروج ترتفع ما ارتفعت فيها مراقي الصعود إلى الاتصال بالله من طريق المعراج.

فالارتقاء صعداً في طراز رفيع من المجاهدات والمقامات والأحوال النفسية التي تتدرج فيها حتى يتم لها الاتصال هو مَزيّة هذا التّحوُّل الباطني، وهو فضيلة الغاية المثلى التي ينشدها الصوفي من معالم الطريق وأركانه وشروطه وخصائصه؛ هادفاً إلى الوصول للحق، ولا شيء غير هذا، ولا شيء فوق هذا. وكل المؤثرات الأخرى، كالأفلاطونية مثلاً أو الإشراقية الأجنبية لا ترسم صورة واضحة من حيث الغاية، كما ارتسمت في أذهان الصوفية، وأكدها جانب العمل فضلاً عن الاعتقاد في معاريجهم الروحية، وهى ولا شك من معراج النبوة تترسم صورتها.

ولا يكفي أن نقول إنّ الصوفية قد تأثروا بمعراج النبي فقط بل الأصوب والأصدق أن نقول إنّ معراج النبي كان بمثابة الأصل الذي يتصدر معاريجهم؛ ليصِلَهم بالغاية الشريفة وبالمقصد الأسنى؛ فلولاه ما كانت هنالك معاريج روحيّة، ولا كان هنالك تصوف في الإسلام، ولا كان هنالك إسلام أصلاً: لولاه لم تخرج الدنيا من العدم.

أمّا المؤثرات والمصادر الخارجية، فهى وسائل عامة تتشابه هنا وهناك، لكنها أبداً لا تمسّ صلب المضمون الذي يجعل الغاية بدورها مختلفة. وفي اختلاف الغايات كما نعلم اختلاف المضامين. وفي اختلاف المضامين استقلال الحياة الروحية في الإسلام وامتيازها من ناحية العمق عن غيرها من جملة مضامين كثيرة شَكّلت الاتجاهات الروحية في الحضارات والثقافات العالمية، قديمها وحديثها، وفي هذا ما يجعل ابن عربي أقرب من هذه الناحية: ناحية المضمون في موضوع الاتصال بالله معراجاً رُوحيّاً إلى الغزالي منه إلى أي مفكر آخر، أفلاطونياً كان أو أفلاطيناً، مع اختلاف التخريج الروحي عند كليهما (راجع كتابنا: مشكلة الاتصال بين ابن رشد والصوفية، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، سنة 2000؛ ص 120 وما بعدها).

ويذكر "أسين بلاسيوس" أن "دانتي" قد تأثر تأثراً واضحاً بهذا الفصل الذي يصف فيه ابن عربي الاتصال بالله عن طريق المعراج الروحي والصعود إلى الفردوس. وكذلك تأثر أيضاً برسالته التي يصف فيها رحلة النفس إلى المقام الأعلى حيث تنكشف لها حقائق الكون في عالم الملكوت، وهى بعنوان "الإسرا إلى مقام الأسرى". وهناك من الآراء التي تعدُّ ابن عربي من اتباع المدرسة الإشراقية، نظراً لأن أثار السَّهْرَوَردي المقتول وصلت إلى المغرب وتتلمذ إليها ابن عربي، وهذا ولا شك رأي مخالف للصواب لا يعول عليه. ولا خلاف في أن ابن عربي يمثّل وحده مدرسة كبرى من المدارس الصوفية، وأنه جاء بأقوال نظرية لم تكن موجودة من قبل في التصوف لا عند السَّهْرَوَردي، ولا عند غيره من الصوفية الأوائل والسابقين عليه، هى الأقوال التي صَبَغَتْ آراؤه بصبغة وحدة الوجود، وهى نظرية فلسفية، كما هو معروف، في الوقت الذي لا يمكن لنا أن نخرجها عن مضمونها الديني العميق في فرط الإيمان وجذوة التحقيق.

وكذلك؛ لا يمكن أن نحذفها من أصولها الروحيّة في الإسلام - إنْ في التصوف السُّني أو في آراء السَّهْرَوَردي المقتول - لكنها على أيةٍ حال هى مختلفة الطابع والمضمون والصبغة الفلسفية عن الفلسفة الإشراقية اختلافاً تاماً.

معراج الصوفي الذوقي، إنما هو معراجٌ تنكشف له فيه أسرار الذات الإلهية والأسماء والصفات انكشافاً لا يستطيع الولي التعبير عنه، وهذا مقام المعرفة الحقة: أسعد ساعات السعادة عند الصوفي غبطة عظمى هى بلا شك ثمرة الإيمان يستأنس بنوره العارف؛ فيقوده إلى طمأنينة اليقين ثم إلى منن الشهود.

هذا المعراج الروحي يتباينُ في طبيعته وخصائصه عن المعراج العقلي - إنْ صَحَّ أن يكون للعقل معراجٌ على الحقيقة، وهو الذي كان ابن عربي تخيّله في التفرقة بين علوم النظار من المتكلمين والفلاسفة، وبين علوم الصوفية من أهل الذوق وكبار الروحانيين، تماماً كما فَرَّق الغزالي قبل ابن عربي بين مسلك النظار، فلاسفة كانوا أو متكلمين، وبين مسلك أهل الكشف من الصوفية الذين يستمدون علومهم ومعارفهم من مشكاة النبوة.

غايات الغايات في عمل الأولياء أن تجيء الولاية نفسها مؤسسة على أحكام الشريعة؛ فالركيزة الأساسية التي تستند عليها هى العلم بالشريعة. والأصل اللغوي للولاية يدل بالقطع على الموالاة والنصرة، موالاة الله لأوليائه ونصرتهم له. وممّا يحتمله معنى "الولي" أمرين: أحدهما أن يكون فعيلاً مبالغة من الفاعل؛ كالعليم، والقدير، فيكون معناه: من توالت طاعاته من غير أن تتخَلَّلَهَا معصية. ويجوز أن يكون فعيلاً بمعنى مفعول؛ كقتيل بمعنى مقتول، وجريح بمعنى مجروح، وهو الذي يتولى الحق، سبحانه، حفظه وحراسته على الإدامة والتوالي، فلا يخلق له الخذلان الذي هو قدرة العصيان، وإنما يديم توفيقه الذي هو قدرة الطاعة (الرسالة القشيرية، ج2ص 523: "وهو يتولى الصالحين" (الأعراف، 196).

هذه الموالاة تربط الولاية بأواصر محكومة بحكم الشريعة، تدور معها على ديدن الحضور. وليست للولي، الذي هو الصوفي، ندحة عن نصرة النبي يدافع عنه ويُحاج عن شريعته، فوق نُصرته لها والعمل بها والاقتداء بأحكامها ومقاييسها حتى إذا ما خرج عن هذه الدائرة خرج عن دائرة الشرع، وخرج تباعاً غير مأسوف عليه عن ديوان الولاية.

وأولياء الله كما في رواية ابن عباس عن رسول الله هم الذين "إذا رؤوُا ذكر الله". وفي رواية أبي أمامة أنه صلوات الله وسلامه عليه قال:"إنّ أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاد ذو حظ من الصلاة, أحسن عبادة ربه، وأطاعه في السّر، وكان غامضاً في الناس، لا يُشَارُ إليه بالأصابع، وكان رزقه كفافاً، وصبر على ذلك ... ثم نقرَ بيده الشريفة فقال: عجلت منيّته، قَلَّتْ بواكيه، وقلَّ تراثه". تلك كانت أوصاف "الولي"، كما رواها رسول الله صلوات الله وسلامه عليه تقدح من الوهلة الأولى فيمن ينكرون أحاديثه في الولاية، وهى لازمة لها في الواقع وفي المثال وفي التحقيق؛ فيما يلزم عنه، صلوات الله عليه، من أحاديث.

 

بقلم د. مجدي إبراهيم

 

ميثم الجنابيتحليل ونقد الإصلاحية الإسلامية الحديثة (10)

ليس مصادفة أن يشترك رجال الإصلاحية الإسلامية في دفاعهم الموحد عن قيم الوحدة المتينة بين الإسلام والعلم. فالأفغاني يشدد في كل لحظة مناسبة على قيمة العلم، وانه لا يمكن الحديث عن تطور وازدهار حقيقي للأمم دون العلم والعلماء. وإن عظمة الحضارة الإسلامية تقوم أساسا في علومها وتشجيعها للعلماء، وإن أغلب الاكتشافات الأوربية المعاصرة سبق وأن جرى اكتشافها من قبل العلماء المسلمين كالجاذبية والمغناطيس، وجملة من انجازات الكيمياء، وكذلك نظرية الارتقاء التي يمكن العثور على بعض عناصرها عند أبي العلاء المعري، وكذلك عند العالم الإسلامي أبي بكر بن بشرون في رسالته إلى أبي السمح. وإن القرآن مليء بالإشارات والرموز، التي يكشف العلم المعاصر عن قيمتها مثل كروية الأرض (والأرض بعد ذلك دحاها)، وثبات الشمس (والشمس تجري لمستقر لها) وإمكانية البرق والتنويم المغناطيسي وما شابه ذلك. وبالتالي، فإننا نستطيع العثور، كما يقول الأفغاني، على إشارات إلى العلوم وقواعدها، أو إشارات صريحة إلى بعضها. ومن الخطأ مطابقة آراء الأفغاني وغيره من رجال الإصلاح الإسلامي عن تضمن القرآن إشارات وتلميحات للانجازات العلمية مع ما هو سائد في الكتابات الإسلامية المتحذلقة المعاصرة. وذلك لأن رجال الإصلاحية الإسلامية لم يتحدثوا عن اكتشافات، بقدر ما أنهم أرادوا التأسيس لجوهرية العلم وضرورته في اصطلاحياتهم العقلانية. أنهم أشاروا إلى ما في القرآن من تلميحات ورموز إلى كليات العلوم. مما يعني طابعها الملزم في "منطق" القرآن. ولم يحصر أي منهم هذه الإلزامية بآيات القرآن، بل بإبداع الحضارة الإسلامية. بعبارة أخرى، إن تأسيسهم للتفسير العلمي في القرآن هو جزء من إصلاحية الروح العلمي وليس اكتشافاته الخاصة. لأنهم كانوا يدركون استقلالية العلم في اكتشافاته واستقلالية القرآن في رموزه، مشددين على ملازمة كل منهما للآخر وعدم تعارضهما.

أما محمد عبده فقد سعى للبرهنة على الوحدة المتلازمة بين الإسلام والعلم، منطلقا من المادة التاريخية الكبرى ومقدمتها القائلة، بأن تطور العلم عند العرب مرتبط بالإسلام. وانه لولا الإسلام لما كان عندنا علم. وشأن الأفغاني والكواكبي لاحقا، لم ينطلق محمد عبده من مقدمات المنطق، بل من يقين التاريخ الواقعي. ومن خلاله حاول تفنيد مزاعم  الاستشراق القائل بمعاداة الدين (الإسلامي) للعلم. حيث سعى للبرهنة على أن استنتاجات الاستشراق في موقفه من الإسلام هي مجرد تعميم ما هو خاص بأوربا والنصرانية. وبالتالي فإن مدنية أوربا الدنيوية (العلمانية) لا يمكنها أن تشكل نموذجا لعالم الإسلام، بسبب تباين مقدماتها وآلية الصيرورة الداخلية لعناصرها. فإذا كانت مدنية أوربا الدنيوية مبنية على أساس تهديمها للنصرانية، بسبب معاداة الأخيرة للعلم، فإن انحطاط العالم الإسلامي هو أساسا نتاج ابتعاده عن حقائق الإسلام الداعية للعلم. ويعكس هذا الخلاف الجوهري تباين الكينونة الثقافية لعالم الغرب الأوربي والشرق الإسلامي. إذ أن الحضارة الإسلامية وتاريخها يكشفان، بأنه بالقدر الذي ابتعد فيه المسلمون عن علم الدين، جرى ابتعادهم عن علوم الدنيا وحرمان ثمار العقل. وأنهم كلما توسعوا في العلوم الدينية، توسعوا في العلوم الكونية. من هنا استنتاجه القائل بأن "الدواء الذي ينجع في شفائهم من هذا الداء لا يكون إلا ردهم إلى العلم بدينهم، للوقوف على أسراره والوصول إلى حقيقة ما يدعو إليه. كان الدين واسطة التعارف بينهم وبين العلم، فلما ذهبت الواسطة تنكرت النفوس وتبدل الأنس وحشة"[1].

ولم يشذ الكواكبي عن هذا الاتجاه العام. فقد وجد في "الإسلامية السمحاء" باعتبارها أحكام القرآن وما ثبت من السنّة وما اجتمعت عليه الأمة في الصدر الأول، مما لا يأباه عقل أو يناقضه تحقيق علمي. وانه كلما "اكتشف العلم حقيقة وجدها الباحثون مسبوقة بالتلميح أو التصريح في القرآن. وودع الله ذلك فيه ليتجدد إعجازه ويتقوى الإيمان به، وانه من عند الله، لأنه ليس من شأن مخلوق أن يقطع برأي لا يبطله الزمان"[2]. بل أن في السنّة المحمدية، كما يقول الكواكبي، من الحكم والحقائق الأخلاقية والتشريعية والسياسية والعلمية ألوفا من المقررات المبتكرة، ويتجلى "عظم قدرها مع تجدد الزمان وترقي العلم والعرفان".

ذلك يعني بأن الإصلاحية الإسلامية لم تسع إلى تأسيس دنيوية الإسلام بالطريقة الأوربية، لأنها لم تر في ذلك ضرورة، ولم تأسلم العلم وانجازاته لأنها لم تجد في ذلك معنى. أنها كشفت من جديد عما هو مميز لوجودها الثقافي الحق، أي ما ينبغي أن تكون عليه علاقة الإسلام بالعلم وموقعهما في وحدة الكل الثقافي. ذلك يعني أن دعوتهم في جوهرها هي دعوة للدنيوية الثقافية، باعتبارها أصالة، ومن ثم أسلوب في بناء الوحدة الجديدة للكلّ الثقافي، أو الرؤية الجديدة للمشروع الإصلاحي في أصالة مقوماته وقواه الخاصة. إذ ليست الأصالة هنا سوى الكلّ الثقافي. وهذا بدوره ليس إلا الإبداع الذاتي. لهذا كان قبول الأفغاني، على سبيل المثال، للاشتراكية الأوربية مرهونا بانتقادها الثقافي. ففي الوقت الذي أبقى على ما فيها من قيم العدالة والمساواة والحرية، فإنه حاول أن يؤسس لهذه القيم بمعايير التاريخ الإسلامي. بمعنى إعادة وعيها وتجسيدها في قيم الذات الإسلامية، أو وعي الذات التاريخي الثقافي السياسي. وذلك لأن منازعة الاشتراكية الأوربية للدين، في حالة تطبيقه على عالم الإسلام، يعني انتزاع تاريخه الأخلاقي والروحي. ولا يعني هذا الفقدان الجوهري للوجود التاريخي سوى تعليق الأمم الإسلامية في فراغ الانقطاع، بينما المهمة تقوم في إعادة ملئه من خلال إعادة لحمة الوجود التاريخي نفسه. إضافة لذلك، إن سيادة روح الانتقام والثأر هو مصدر من مصادر الغلو وافتقاد حدود الوسط المعقولة. وبالتالي، فإن الاشتراكية الحقة للعالم الإسلامي هي اشتراكية إسلامية. ولا تعني هذه الرؤية النقدية المعقولة من حيث مقدماتها وغاياتها سوى محاولة المطابقة بين حدود الأصالة وحدود الاعتدال العقلاني. ومن ثم البرهنة على أن تأصيل الأصالة هو أيضا تأطير المناعة العقلانية ضد الغلو السياسي بمختلف أصنافه، لأنها تدحض في آن واحد نفسية التقليد الأعمى وولع المشاركة الغبية في تجارب المجهول الثقافي. وقد أدرك الأفغاني بصورة عميقة هذه المهمة عندما وضعها في مشروع (العروة الوثقى)، قائلا: لا ضرورة في إيجاد المنعة إلى اجتماع الوسائط وسلوك المسالك التي جمعها وسلكها بعض الدول الغربية الأخرى. ولا ملجأ للشرقي في بدايته أن يقف موقف الأوربيين في نهايته. بل ليس له أن يطلب ذلك. وفيما مضى اصدق شاهد على أن من طلب فقد أوقر نفسه وأمته وقرا وأعجزها. لقد وضع الأفغاني مشروع الأصالة بمعايير الرؤية الذاتية الحرة، بوصفها مشروع وعيها الذاتي.

بينما نرى محمد عبده يحصر هذا المشروع ضمن سياق التنوير الإسلامي. فهو يقترب في الإطار العام من آراء الأفغاني، في انطلاقه من فكرة فساد التقليد الثقافي استنادا إلى ما في تباين المقلِد والمقلَد من فروق جوهرية تجعل من حالة الأول أحط حالا وأخس منزلة. وذلك لأن المقلِد كما يقول محمد عبده، إنما ينظر من عمل المقلَد إلى ظاهره. ولا يدري سرّه وما بني عليه. فهو يعمل على غير نظام، ويأخذ الأمر على غير قاعدة. ذاك يعني، إن محمد عبده ينظر إلى النظام والقاعدة في العمل نظرته إلى مقدمات جوهرية في النهضة. بحيث نراه يطابقها من حيث فاعليتها مع مقومات الأصالة. وذلك لأن التقليد لا يؤدي في نهاية المطاف، حتى في حالة افتراض أخذه جوانب ايجابية، إلا إلى خلط ما لا يمكن خلطه.

غير أن ذلك لا يعني، بأن محمد عبده يسعى أو يؤسس للانغلاق الثقافي، أو الانعزال الإسلامي. على العكس. انه كان يسعى إلى وضع أسس النهضة في إطارها المعقول. انه بحث عن التجانس في رؤية المشروع الثقافي للأصالة. وقد الزمه ذلك الدفاع عن تاريخ الإسلام الثقافي من خلال تحديد حقائقه الأساسية والكبرى، والانطلاق منها باعتبارها حصيلة التجربة الثقافية للأمة. فهي الوحيدة التي تحوي في ذاتها على مذاق الخطأ والصواب. وبالتالي إثارتها مشاعر الارتباط الحميم بالنزوع صوب المستقبل. لهذا السبب وقف بالضد من تطبيق استنتاجات الفكر الأوربي على العالم الإسلامي، وذلك لأنها حصيلة تجارب أممه الخاصة في مواقفها من النصرانية. وقدّم مثال الموقف من السلطة الدينية والسلطة الزمنية، والموقف من العلم كنماذج مشهورة، معتبرا أن وحدة الأولى (السلطة الدينية والسلطة الزمنية) في الكنسية وتاريخ عدائهما في الثانية (والموقف من العلم) لا يتطابق مع ما في عالم الإسلام وتاريخه. وبالتالي فإن من الخطأ السير في "نظام" و"قواعد عمل" الثقافة الأوربية واستنتاجاتها الفكرية، لأنه يؤدي بالضرورة إلى قطع تقاليد الاستمرار الثقافي الخاص. وذلك لأن النتيجة هي مجرد صنع أمما مقلدة عالقة في فضاء فارغ. لهذا أجاز قبول تولد رادع من الأدب والحكمة عند أولئك الشباب المسلمين الدارسين في المدارس الأوربية، عوضا عن رادع الدين (الأخلاقي). إلا انه أكد على أن ذلك في نهاية المطاف هو مجرد غرور أولئك الذين "لا يعلمون طبائع هذه الأمم"[3]. أما طبائع هذه الأمم فقد كانت تتطابق في آراء محمد عبده مع طبائع تاريخها الثقافي. من هنا استنتاجه القائل، بأن حالة الجمود الحالية هي النتيجة الملازمة للتخلي عن التاريخ الذاتي. ومن هنا توكيده على ضرورة الرجوع الواعي إلى التراث الخاص. إذ لولا هذا الجمود الحالي، كما يقول محمد عبده، لوجد المسلمون في "كتب دينهم وفي أقوال حملته ما تبتهج به قلوبهم وتطمئن إليه نفوسهم، ولذاقوا طعم العلم مأدوما بالدين، وتمكنوا من نفع أنفسهم وقومهم. ولوجدت منهم طبقة معروفة يرجع إليها في سير الأمة وسياسة أفكارها وأعمالها الاجتماعية"[4].

فهو ينطلق من أن حالة الجمود والتخلف السائدة في زمنه ليست مبررا لرفض الماضي. على العكس أنها تستلزم التشبث به! بمعنى الرجوع إليه. فهو الأسلوب الذي يقطع على نفسية المقلد انغماسها في أساليب وحالة الخداع الذاتي. فالتقليد الذي يلازم "الانقطاع" من تأمل الماضي الخاص وتجاربه، يؤدي إلى سحق الروح النقدي. بينما تستلزم حالة الجمود إعادة النظر في مقدماته، لا البحث عنها في حلول الآخرين. وذلك لأن حلول الآخرين هي حلول تستند إلى "نظام وقواعد" تاريخها الخاص. ولهذا السبب وضع محمد عبده مهمة الرجوع إلى الكتب الخاصة وإلى أقوال المفكرين المسلمين القدماء، باعتباره الأسلوب المناسب لإعادة اللحمة الثقافية بالنفس. لقد كان يدرك، بأن أوربا في نهضتها رجعت إلى كتبها القديمة وأقوال مفكريها القدماء. وفيها وجدوا أسلوب إعادة بناء الوحدة في تجارب أوربا الثقافية الخاصة. بل ونراه يعتبر ذلك الأسلوب الوحيد الحق في مضمار المشروع الثقافي الحق. وذلك لأنه الأسلوب الذي يصنع مقدمات النهضة المتكاملة. وفي هذه المقدمات وجد إمكانيات إنتاج النخبة المفكرة والسياسية، أو ما اسماه بالطبقة المعروفة التي يرجع إليها في سير الأمة وسياسة أفكارها وأعمالها الاجتماعية. وهو ذات المشروع المتعلق بتأسيس الرؤية الثقافية الحرة للوحدة الاجتماعية والقومية، الذي سيدفعه الكواكبي إلى أقصى إمكاناته ضمن إطار الإصلاحية الإسلامية وتوجهها العقلاني.

وليس مصادفة ألا تشغل فكرة الأصالة بصيغتها المباشرة ذهن الكواكبي وتفكيره النقدي. وعوضا عنها وجه اهتمامه الجدي صوب قضايا العمل السياسي، أي صوب قضايا السلطة والاستبداد. مما كان يعني تمحور مشروعه الثقافي للأصالة في دروب الرؤية النقدية الاجتماعية السياسية والقانونية. لكن ذلك لم يعن غياب القضايا الأخرى. على العكس. انه أدرجها ضمن مختلف الصيغ النقدية تجاه الواقع، وبالأخص ما يتعلق منه بمحاولاته تذليل حالة "الفتور العام"، بما في ذلك من خلال الرجوع إلى تاريخ الإسلام الأول (أو الإسلام الحق). وبالتالي، سعيه لتأسيس الأصالة المفترضة بمعايير السياسة والحق. لهذا وجد في تقليد ممثلي "الإسلام الفاتر" للأوربيين في المأكل والملبس وما شابه ذلك "أقبح آثار الخور"[5]. ولم يعن ذلك في آرائه دعوة للانعزال والتقوقع، أو الاكتفاء الذاتي بما في الماضي وأشكاله المتكلسة، بقدر ما وجد في هذا التقليد استمرار الوهن. في حين نراه يشترط في رؤيته البديلة مهمة تجاوز التقليد في الفكر من خلال التوجه صوب العلم والدنيوية الثقافية، وفي الأخلاق صوب القيم المتسامية ووحدتها في الكلّ الثقافي، وفي السياسة صوب الحرية والنشاط الديمقراطي والقانوني، وفي الدولة صوب النظام الديمقراطي والفيدرالي.

إن ضعف الانهماك الفكري عند الكواكبي بصدد القضايا المتعلقة بجدل الأصالة الثقافية لم يكن نتيجة لجهله بقيمتها، أو إهمالا لفاعليتها. على العكس. لقد وجد في أولوياتها الاجتماعية السياسية والقومية أسلوب تحقيقها الأمثل. وبهذا يكون قد قطع سلسلة الانتماء الثقافي التقليدي للعالم العربي. وعوضا عنها سعى لصنع سلسلة الهوية الثقافية وأصالتها من خلال ربط حلقاتها الجديدة التي كانت تعادل عنده مهمة إرساء أسس وجوده السياسي والقومي المستقل. من هنا غياب تركيزه على قضايا الإسلام والحضارة، والإسلام والعلم وما شابه ذلك، بسبب تبدل رؤيته لأولويات الانتماء الثقافي. فقد كف الإسلام العثماني عن أن يشكل بالنسبة له مرجعية ما. على العكس‎، انه اخذ يبحث فيه عن مصدر الشرور والتخلف القائم. فعندما ناقش، على سبيل المثال، حالة الفتور في زمنه، فانه أشار إلى أن أحد الأسباب القائمة وراء ذلك هو "الدين الحاضر ذاته" والذي يفتقد إلى كل ما هو مميز لحقائقه الأولى وأحكامه من إعداد القوة بالعلم والمال، والأمر بالمعروف وإزالة المنكر، وإقامة الحدود وإيتاء الزكاة[6].

إن الانقطاع عن "الدين الحاضر ذاته" هو النفي الأمثل له في مقولات الواجب الواقعية. فالكواكبي لم يتعامل مع الأمر بالمعروف وإزالة المنكر وإيتاء الزكاة بمفاهيم الفقه التقليدي أو أخلاق الوعاظ المزيفة، بل أدرجها في منظومة الحقوق والقانون والدولة. لهذا لم يعن الانقطاع عن تقليد الماضي والدين الحاضر، سوى نفيهما في بدائل الأمثل. وذلك لأن الإنسان والمجتمع، كما يقول الكواكبي، في حاجة دائمة إلى نواميس (قوانين) كبرى تحكم وجودهم الاجتماعي والسياسي والأخلاقي. وأن هذه النواميس لا يمكنها أن تتماشى وتتفاعل مع العالم المحيط دون أن تمتلك قواسم إنسانية مشتركة. من هنا استنتاجه القائل، بأن "الإنسان مطالب بأن يكون صاحب ناموس، أي متبعا على وجه الاطراد في أخلاقه وأعماله قانونا ما، ولو في الأصول فقط، لكي لا يكون منفورا. كذلك كل قوم مكلفون بأن يكون لهم ناموس عام وملائم نوعا ما لقوانين الأمم التي لها معهم علاقات جوارية أو تجارية أو مناسبات سياسية"[7]. ولا يعني ذلك في الواقع سوى التمسك بما هو جوهري في ناموس الإنسان وتعديله بالشكل الذي يمكنه من الاستجابة لعلاقات التجارة والجوار والسياسة. لقد أراد الكواكبي القول، بأن أولئك الذين اقترحوا على العالم الإسلامي مهمة التخلي عن تقاليدهم ككل، والإسلامية منها بالأخص، استنادا إلى تجربة أوربا في التمدن، لم يدركوا بأن الأوربيين لهم نواميسهم. وهي نواميس لها مقدماتها في تجاربهم الخاصة. وبهذا يكون الكواكبي قد سار في الاتجاه العام للأفغاني ومحمد عبده. لكنه وضع هذا الاتجاه في مساره الاجتماعي السياسي والقانوني والدولتي (الحكومي)، باعتبارها المقدمة الضرورية لإصلاح الإسلام الحاضر. ولا يعني ذلك بدوره سوى نفيه العقلاني الحر. وليس مصادفة أن يدرج الكواكبي في جدل المسلمين عن هوية الإسلام الحق ومشاريعه الحضارية البديلة شخصية من أطلق عليه وصف "السعيد الانجليزي المسلم". فقد كان هذا "المسلم الانجليزي" أو "المسلم الأوربي" نموذج النافذة الإضافية للإسلام العقلاني في حداثته الممكنة. فالسعيد الانجليزي هو المسلم المتحمس في دعوته النقدية للانفتاح والعقلانية تجاه الثقافة الأوربية، أي تقبل قيمها العقلانية الإنسانية، ولكن من خلال صهرها في كينونة إسلامية جديدة، والتي يمكنها جذب البروتستانت (بفعل تمسكهم بالكتاب ورفض البدع) والزنادقة (بفعل مروقهم عن النصرانية بالكلية لعدم ملائمتها للعقل). وقد اشترط الكواكبي، على لسان السعيد الانجليزي، دخول هؤلاء الجدد في الإسلام المعاصر، باستعدادهم "لقبول ديانة تكون معقولة حرة سمحاء".

فالإسلام المفترض في المشروع الثقافي للكواكبي هو الإسلام العقلاني الحر المتسامح، الذي يمكنه أن يكون مقنعا للعقلاء والأحرار في كل مكان. وبالتالي لا يعني رفد الإسلام المعاصر "بالزنادقة" الأوربيين، سوى إمكانيات الانقلاب العميق في الإسلام الثقافي للكواكبي. وقد استمد هذا الانقلاب مقوماته من وعي أولوية السياسة والدولة في صيرورة الأصالة الحقيقية للعالم العربي. فالأصالة، بالنسبة للكواكبي، هي كل ما يتطابق مع أسلوب بناء الذات السياسية. وإذا كان الإسلام في رصيده الروحي والتاريخي هو الخلفية التي كونت ويمكنها إعادة تكوين هذا الأسلوب، فإن تجسيده المعقول في الواقع المعاصر، يفترض بناء الذات السياسية العربية. وهو البناء الذي صنع الأفغاني ومحمد عبده أحجاره الأولى من عناصر "الإسلامية السياسية".

***

 ا. د. ميثم الجنابي

.............................

[1] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص163

[2] الكواكبي ، ج،1 ص 239

[3] المصدر السابق، ص

[4] المصدر  السابق، ص138.

[5] الكواكبي، الاعمال الكاملة، ج1، ص145

[6] المصدر السابق، ج1، ص183.

[7] المصدر السابق، ج21، ص183..

 

 

ميثم الجنابيأسست أفكار الزهراوي المتنوعة المستويات والمواقف مضمون الفكرة القومية الجديدة. كما أنها كانت مظاهرا أو أشكالا لتأسيس الفكرة القومية الجديدة بوصفها فكرة سياسية. فقد كانت هذه الفكرة تدور من حيث مظاهرها ومحتواها حول فكرة العثمانية وموقع العرب فيها، بوصفها شكل الجنسية (القومية بالمعنى الحديث) ومظهرها، وحول فكرة النظام السياسي البديل، بوصفه شكل القومية السياسية الحديثة ومظهرها.

فقد احتوت فكرة العثمانية والموقف منها على ثنائية العلاقة العربية - التركية. بمعنى أن طرح السؤال حول ماهية العثمانية كان يحتوي بحد ذاته على جعلها مادة للتأمل الفكري والسياسي. ومن ثم تحولها إلى قضية سرعان ما تحولت إلى معضلة مع تحللها السريع عند تخوم القرن التاسع عشر – بداية القرن العشرين. مع ما رافقه من صعود للفكرة القومية على النطاق العالمي. وليس مصادفة أن تتخذ إشكالية العثمانية طابع العلاقة الكمية والنوعية للأقوام، أي العدد النسبي والمطلق ضمن الدولة العثمانية ووزن كل منها في إدارة شئونها. فقد احتوى هذا الطرح على ملامح الإدراك القومي الحديث. ومن ثم لم يعن صعود هذه الثنائية إلى مستوى الإشكالية القومية سوى الوجه الآخر لتبلور الفكرة القومية بوصفها فكرة سياسية.

كان الزهراوي من بين أوائل المفكرين العرب الذين أسسوا لها بمعايير الفكرة الفلسفية الواقعية والعقلانية. ففي معرض حديثه عن التضامن باعتباره احد العناصر القائمة في وحدة الدول والأمم، نراه ينطلق من أن لهذا التضامن مظاهر في كل من الأخلاق والسياسة والشريعة. ففي الأخلاق يظهر عبر حب الغير إلى جانب حب النفس. وفي السياسة عبر اشترك الأمة في قوة عامة. وفي الشريعة عبر إقرار الأمة على الشريعة المؤيدة بالقوة العامة. كما أن تلازم التضامن الضروري لوحدة الدولة والأمة بالأخلاق والسياسة والشريعة محدد بحقائق كبرى تلازمها وهي: بدون الأخلاق لا تعاون (على عكس الإثم والعدوان)، وفي السياسة على قدر قوة أو ضعف الدولة والأمة، وفي الشريعة يجري بسط العدل والقضاء على الفساد. وليس مصادفة أن يتعاضد حكماء الأخلاق والشريعة دوما، كما يقول الزهراوي.

أما أشكال وأساليب هذا التضامن، فأنها متنوعة. إذ يكشف التاريخ والواقع عن أن حصوله عادة ما يجري إما بقرابة القومية، وإما بقرابة الأفكار (الدينية وغير الدينية) وإما بالمنافع (وحدة الوطن). فقرابة القومية طبيعية، والأفكار في حال تقاربها فإنها قوية جدا، والوطنية مصدر إضافي قوي في حال تعاون القومية والأفكار. لكن أقوى التضامن من يجمع في ذاته قرابة القومية والأفكار والمنفعة. ذلك يعني إننا نقف أمام رؤية جديدة تماما للتضامن تتجاوز نماذجها القديمة والتقليدية التي عادة ما تتميز بالزيف وتقلب الأهواء. وبهذا يكون الزهراوي قد سعى هنا لتوظيف فكرة التضامن من اجل القضاء على الفرقة بين الدولة والأمة (من جنس واحد ودين واحد)، أي إرساء أسس الفكرة القومية السياسية على أساس تناسبها في العصر الحديث. والأهم من ذلك انه وجد في هذا النموذج من التضامن والوحدة أسلوبا لإضعاف الاستبداد، "إذ لا تعاون مع الاستبداد". ودفع بهذه النتيجة النظرية والعملية إلى أقصى مداها الفكري في تأسيس ماهية القومية السياسية، عندما وقف إلى جانب الفكرة القائلة، بأن ذاتية الأمم اصطناعية على خلاف ذاتية الأفراد. وذلك لأن للأمم ذاتية وشعور خاص. كما أن لها أسلوب أو طريق خاص في تكونها. وفي الإطار العام هناك أمة جنسية (قومية) ودينية وسياسية. الأمر الذي يشير إلى طابعها الاصطناعي. والمقصود بذلك أنها جزء من التجارب التاريخية والسياسية للأمم. مما يفسح المجال أمام إمكانية وضرورة البحث عن بدائل واقعية تستجيب للصيغة المثلى للوحدة القومية الجديدة. وضمن هذا السياق يمكن فهم آراءه النظرية في تحليل ماهية العثمانية والعروبة والموقف منهما.

فقد كان الزهراوي يستعمل في كتاباته الأولية مصطلح العثمانية و"العثمانيون"، و"نحن معشر العثمانيون"، على معنى الجماعة، أي التعاون والاجتماع. أما في مجال الدين واللغة والإقليم والسلوك الاجتماعي والسياسي فجماعات متنوعة. وضمن هذا السياق يمكن فهم دعوته بين الحين والآخر إلى ضرورة تقوية الجامعة العثمانية من خلال "تنظيف العقول والتربية السياسية". وكذلك دعواته إلى عثمانية مدنية، ليست قومية ولا دينية، بل بوصفها اتحادا طوعيا للأمم على مبادئ مدنية. واعتقد انه الأسلوب الأمثل للحفاظ على قوة هذا النوع من العثمانية، بمعنى استنادها على العدل باعتباره قوة في التعصب وحب النفس. وذلك لأن العثمانية متنوعة في اللسان والدين لا يجمعها إلا العدل وتساوي الجميع. مما يفسح المجال في الوقت نفسه للعمل بمعايير الحقيقة القائلة، بأن الجامعة العثمانية لا تمنع أن يحب كل جماعة منهم جامعتهم الخاصة (القومية أو الدينية).

مما سبق يتضح، بأن العثمانية بالنسبة للزهراوي هي أولا وقبل كل شيء جامعة ثقافية. من هنا معارضته التغلب فيها للترك رغم "أقليتهم" مقارنة بالعرب. ومن هنا أيضا وجهة نظره الداعية إلى إعادة ترتيب الأولويات في الجماعة العثمانية. فقد أدرك الزهراوي قيمة العثمانية بوصفها دولة موحدة للمسلمين في مواجهة الغرب. واعتبر أن قوة العثمانية، باعتبارها توحيدا واشتراكا لشعوبها (وبالأخص العرب والأتراك) يؤدي إلى إزالة "المسألة الشرقية"1

. ذلك يعني انه نظر إلى ما يمكن تسميته بالعثمانية الحقيقية (النموذج المفترض) باعتبارها "عثمانية المجتمع المدني، أو الوطنية المتعالية عن العرق والجنس والدين واللون". وبالتالي، فإنها، بوصفها اتفاقا أو تضامنا سياسيا مفترضا ينبغي أن تبنى على أساس الانطلاق من إدراكها لوجود اتحادات متنوعة. وإذا كان الزهراوي قد قرر وجود أربع نماذج كبرى وهي الإنساني (الاممي) والديني والجنسي (القومي) والمهني (المصالح)، فانه اعتقد بأن أفضلها بالنسبة للعثمانية هو "الاتحاد السياسي الواعي (الائتلاف) لا الوحدة التامة، أي كل ما يقترب من حيث أسلوبه وغايته من النظام الكونفدرالي. وذلك لأن العثمانية القائمة آنذاك تفتقد، حسب نظر الزهراوي، لفكرة عمومية، أي أيديولوجية كبرى تناسب بنيتها المتنوعة. لهذا نراه يشدد على ما اسماه بنقص العثمانية الروحي. فالعثمانية تفتقد حسب رؤية الزهراوي إلى "روح عمومية". ومن ثم هي عاجزة عن الاستجابة لمتطلبات القومية الحديثة والدولة الحديثة والنظام السياسي الحديث. وفي هذا يكمن سر تخلفها وانحطاطها وإثارتها لصراعات عديدة.

وعلى خلاف ذلك نقف أمام ظاهرة العروبة التي أخذت تعي نفسها بمعايير القومية السياسية الحديثة. وقد تراكمت آراء الزهراوي بهذا الصدد في مجرى تدقيق وتحقيق مختلف الأفكار والمفاهيم المتعلقة بالقومية والتاريخ والسياسة والثقافة والمستقبل. ففي بادئ الأمر كان الزهراوي يتناول مسالة العروبة ضمن مفهوم العثمانية المدنية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الاتحاد العثماني الذي يريده هو ذاك الذي يحافظ على الأجزاء، أي "الاتحاد النافع هو الذي يبقي فيه العربي عربيا والرومي روميا.". ففي معرض حديثه عن قيمة العثمانية، باعتبارها جامعة وحب النفس والتعصب للأنا فيها نسمعه يقول "هناك من يسمح لنفسه أن يبارك الجميع في طلبهم العلى إلا للعرب، بل يشمئزون من ذلك". وبالضد من ذلك نراه يشدد على انه "حتى لو أطبق العالم اجمع على ذلك، فانه لا ينبغي خفض الصوت. من هنا نراه يتكلم حول ضرورة "إعادة مجد الماضي وذكراه وخصال العرب العظمى"، لكي يتوصل في النهاية إلى استنتاج فكري وسياسي مستقبلي كبير يقول انه "لا مجد للعرب بلا تعاون، ولا تعاون بلا رابطة، ولا مجد بلا سياسة". وحالما توصل إلى هذه الفكرة، فإن مداها اللاحق أصبح مجرد تهذيب وتشذيب لمضمونها الداعي إلى توحيد التاريخ والفكرة السياسية والقومية بالنسبة للعرب بوصفه مستقبلا واحدا وموحدا. ففي معرض حديثه عن تناسب القوميات في السلطنة العثمانية، على سبيل المثال، نراه يشدد على ما اسماه بحجم الإجحاف فيها بفعل سيادة الأتراك مع أن الأغلبية فيها للعرب. وأخذ هذا الإجحاف الجلي للعيان في مجرى تجارب التاريخ الحديث يكشف عن ضيق حدود وخواء العثمانية القديمة بكافة الميادين والأشكال والمستويات. وفي الوقت نفسه أدى ذلك إلى نمو وتراكم ما اسماه الزهراوي بروح العمومية والفكرة العمومية. فإذا كانت العثمانية تفتقدها، فإن العرب آخذين بالتجمع حول قضايا معينة كبرى حصرها الزهراوي في خمس هي كل من التنبه بعد الهجوع الطويل، واستحسان التعارف والتعاطف بعد التقاطع، والحرص على تأييد اللسان ومقاومة كل فكرة تقضي بإضاعته وإقامة غيره بالتدرج، والحرص على أن يكون كيانهم من حيث المجموع محترما، والاهتمام بالعلوم والأعمال الصالحة (للتقدم). لهذا نراه يعلق على كتاب جرجي زيدان (تاريخ آداب اللغة العربية) قائلا، بأن هدفه الأساسي هو تعريف العرب أنفسهم بأنفسهم، وأن ماضي العرب عظيم بما في ذلك قبل الإسلام، وأن تاريخهم هو تاريخ الإبداع الدائم من حضارات قديمة في الجزيرة والعراق وسوريا وإفريقيا، وأن ظهور الإسلام جعلهم أمة عظيمة جديدة صنعوا على مثالها أمة الإخاء الإنساني، وأن لغتهم محفوظة، بوصفها لغة القرآن.، وأخيرا أنهم يتمتعون بتراث تاريخي هائل في كافة الميادين بحيث نراه يجعل حتى من دولة حمورابي دولة عربية.

ذلك يعني انه وجد في كتاب جرجي زيدان دليلا وبرهانا تاريخيا موثقا على جوهرية العرب بالنسبة للتاريخ العالمي. إضافة إلى ما في كل ذلك من مقدمات عضوية وحيوية وجوهرية بالنسبة للوعي الذاتي ورؤيته العملية والمستقبلية. فعندما ناقش، على سبيل المثال، مسألة الاحتلال الإيطالي لليبيا، فإنه توصل إلى أن الدولة العثمانية غير قادرة على المواجهة. وبالتالي، فلإن القوة الوحيدة المؤهلة لتحرير ليبيا وغيرها تقوم "في الاعتماد على حماسة العرب المقيمين في ذلك الإقليم. ونرجو أن تظهر هذه الحادثة أن السرّ الذي سار به العرب الأولون لا يزال ساريا". وبالتالي ضرورة أن يتحول مبدأ الاعتماد على النفس إلى مبدأ أولي كما مثلته تجربة دفاع العرب الليبيين ضد الغزو الايطالي". في حين نسمعه يدعو العرب قبل الحرب العالمية الأولى (ما بين أعوام 1909-1911) بكلمات:"أيها الإخوة العرب! لنتأمل الماضي ولننظر إلى الحاضر والمستقبل من اجل النهوض والاستقلال بالاعتماد على النفس".

إننا نعثر في هذه النماذج المشددة على مبدأ الاعتماد على النفس الصيغة الخطابية للفكرة القومية السياسية وضرورة تجسيدها في دولة حديثة لها تاريخها السياسي المستقل، أي استعادة التاريخ المنقطع للعرب، لاسيما وأنهم يتمتعون بأحد أعمق وارسخ وأقوى التواريخ الثقافية العالمية. من هنا تشديده على وحدة التاريخ العربي وتقاليده الثقافية. وهذا بدوره ليس إلا الصيغة الفكرية الثقافية للعروبة بوصفها وعيا ذاتيا قوميا سياسيا. ووجد ذلك تعبيره في ثلاثة أفكار مرجعية جديدة تمثلت حصيلة الاستنتاجات النظرية لفكر النهضة والإصلاح وهي إن عظمة العرب ليست في الإسلام والخلافة والانجازات الخالدة، بل وفيما قبل ذلك أيضا، وأن الإسلام لم يخلق العرب خلقة جديدة، بل استكمل ما فيهم، وأن جاهلية العرب هي جاهلية ما وراء الطبيعة . أما الصيغة الدقيقة والجلية والعملية في الوقت نفسه لكل ذلك فقد وجدت انعكاسها في النشاط السياسي والتأسيس الفكري الذي قام به الزهراوي قبل انعقاد المؤتمر العربي الأول في باريس عام 1913، وفي مجراه ونتائجه وما أدى إليه أيضا على مستوى المصير الشخصي. فقد بلور الزهراوي آنذاك للمرة الأولى بوضوح تام فكرة العروبة عندما شدد على أن العنصر العربي أهم عنصر في الدولة العثمانية، وانه ذو صفات مشتركة (اللغة والعادات والمصالح والميول)، ون من الضروري الاشتراك بإدارة شئون الدولة العثمانية بصفتنا عربا، وأخيرا إن العرب لا يريدون الانفصال عن الدولة العثمانية، بل يسعون إلى وحدة جديدة ودولة عثمانية جديدة على أساس متكافئ.

حددت هذه النتيجة، أي الموقف من الماهية الواقعية والمفترضة للعثمانية، والموقف من فكرة العروبة، البعد الثالث لفكرة القومية السياسية، أي فكرة النظام السياسي البديل. حيث جرى تناوله من خلال الموقف من الخلافة (كنموذج أو مرجعية) والاستبداد (كواقع) والنظام النيابي (كبديل).

فقد أجاب الزهراوي على أسئلة بصدد الخلافة جرى توجيهها إليه عام 1901، أي قبل القضاء عليها بحوالي عقدين من الزمن بطريقة تتسم بقدر كبير من الواقعية والعقلانية. ومن الممكن حصر أهم آراءه ومواقفه بهذا الصدد بما يلي: إن اسم الخلافة كان يطلق على حكم الخلفاء الراشدين الأوائل. وما بعد ذلك ملك. وبالتالي، فإن الاسم المتداول عنها ينافي مضمونها الحقيقي الأول. ذلك يعني، إن إطلاق اسم الخلافة على العاصرين (بما في ذلك الحكم التركي) هو إما اسم لا معنى له أو مضاد لحقيقته. إذ ليس للخليفة بيت مال إلا في حال إذا كان المال والحكم بيد الأمة. كما أن للخليفة حق العمل في التجارة والزراعة أما قبل الحكم أو بعد الحكم. ومن ثم يجوز له ما يجوز للأفراد والأمة. ولا يجوز له الخدم الكثير والقوات الخاصة. كما لا يجوز له التصرف بمال الأمة كما يريد، والتلاعب بالقوانين. ولا يباح له باختيار من يريد إلى الحكم والتقرب من السلطة، وبالأخص من هو مشهور منهم بالرذيلة. كما لا يحق للخليفة سجن أو قتل وإخراج أيا كان بدون قانون، وأخيرا ليس الخليفة مقدسا، وليس مجردا عن السؤال. بصيغة أخرى، إننا نعثر في هذه الإجابة المكثفة على مضمون الفكرة المناهضة لما يمكن دعوته بزمن الخلافة المزيفة التي سادت وما تزال في تاريخ العالم الإسلامي. وفيها نعثر على الصيغة الملطفة أيضا لنقد نظام الاستبداد التركي العثماني، وبالأخص في مراحله الأخيرة.

لقد اعتبر عبد الحميد الزهراوي الاستبداد رديفا للاستعباد. ومن ثم اعتبره رذيلة كبرى. وأشار إلى أن هيمنة وانتشار الاستبداد أدت إلى أن تقول الناس عن نفسها "نحن عبيد السلطان" و"ولي النعمة" و"مالك رقاب الأمم" وما شابه ذلك من عبارات تعكس طبيعة العبودية في السلطة والنظام السياسي. ولا يعني ذلك سوى أن هذا النمط من العلاقة بين السلطان والمجتمع سوى كونه علاقة الاستعباد والإذلال للأمم والدولة.

وحددت هذه النتيجة موقفه من بدائل الاستبداد. فقد وضع آراءه بهذا الصدد انطلاقا من إدراكه لأهمية وقيمة الدولة الشرعية والقانون والمجتمع المدني. لهذا نراه يتكلم عن "علم الواجبات" باعتباره علم الحقوق. من هنا جوهرية فكرة الواجب الضرورية من اجل تكامل الشخصية الفردية والاجتماعية مع ما يترتب عليها من مواقف مناسبة تجاه قضايا ومشاكل ومستقبل الأمة والدولة على السواء. ووجد في الدستور والحكم النيابي الأسلوب الأمثل لبلوغ هذه الغاية. ونعثر على ذلك في مواقفه المشيدة والداعية لأهمية الانتخاب. إذ اعتبر "أمر الانتخاب من أعظم حقوق الأمة". فقد جرى من اجله كفاح طويل مرير. من هنا مطالبته بوجوب الدفاع عن حق الانتخاب، والدعوة إلى عدم انتخاب من فيه ميل إلى النفرة من الانتخاب، وكذلك ضرورة تربية الجميع للميل إلى حاكمية الأمة وتعظيم حقوقها السياسية. ولا يمكن بلوغ ذلك بوصفه نظاما دائما وعاما دون سيادة الدستور. فالدستور قيمة عظيمة بنظر الزهراوي. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه في حال النظر إلى تجارب الأمم الأخرى، فإننا نرى "مظاهر العزة والرفعة والإخاء الوطني والمساواة في الحقوق والطموح في المساواة إلى ما هو أبهى من الحاضر". وبالتالي، فإنه في حالة رؤية نواقص أو أمور شبيهة بالماضي فلا ينبغي رميها على الدستور والحكم النيابي"، كما يستنتج الزهراوي. لهذا نراه يدعو في حديثه عن رجال الدولة والنظام السياسي، إلى ضرورة أن يكون في (المبعوثان) أو مجالس النيابة، ممثلون لكل الفئات والاختصاصات والأديان والأفكار. واعتبر هذا التنوع قوة للمجالس. على عكس من يتصور أن من فيها ينبغي أن يكون عالما بكل شيء.

مما سبق يتضح، بأن القيمة النظرية والعملية والمنهجية لفكر الزهراوي تقوم في انه كان محكوما بتحديد المواقف. وهذه بدورها كانت مبنية على أساس تأمل الواقع كما هو والحكم عليه بمعايير الواقعية والرؤية المستقبلية. بمعنى أن كل ما فيه هو نتاج تأمل واقعي وعقلي ونقدي ومستقبلي محكوم بقيم اجتماعية متطورة مثل فكرة الدولة الحديثة والشرعية والمجتمع المدني وقيم الحق والعدل والتقدم والحرية، أي كل ما كان يتمثل ويمثل مضمون الفكرة الليبرالية من حيث كونها منظومة عقلانية وإنسانية، أي مرحلة في مراحل التجربة التاريخية للأمم والعقل النظري والعملي. وقد يكون موقفه من قضايا الإسلام والمدنية المعاصرة، وقضية الشرق والغرب (الإسلام والنصرانية)، وقضية الموقف من أوربا من بين أكثرها وضوحا وأهمية ضمن سياق المرحلة التاريخية آنذاك وإشكالاتها السياسية والثقافية الكبرى.

ففي موقفه من قضية الإسلام والمدنية المعاصرة، نراه ينطلق من مقدمة تاريخية ثقافية وليست دينية. إذ يشدد على أن مجيء الإسلام للعرب هو توسيع لعقولهم صوب ما وراء الطبيعة. إذ لم يكن العرب أمة همجية قبل الإسلام. على العكس. إن فضائل الإسلام هي فضائلهم. وبالتالي ليس للإسلام سبب في تأخر الوطن، على العكس من ذلك. فتاريخ الإسلام هو تاريخ التمدن. أما الإيمان بالغيب، كما هو الحال في كافة الأديان، فانه يكشف عن انه ليس سببا للتأخر، ولا يعيق التقدم. من هنا دفاعه عن "حقيقة الإسلام" عبر إبراز وتأسيس أبعاده الجديدة من خلال مطابقتها مع محتواه التاريخي الأول، ومع غاياته المتعلقة بقضايا الاجتماع والملكية والإرث والسلوك. بعبارة أخرى، انه حاول إبراز المضمون الاجتماعي والسياسي للإسلام من خلال التركيز على جوانب ومبادئ الدعوة للعدل في الحكم، ونظام الشورى في الحكم، والحرية من منطلق لا إكراه في الدين، والدعوة للوحدة الجديدة حسب إمكانية مختلف نماذج ومستويات الاتحاد التي جرى الحديث عنها سابقا، والدعوة لفكرة وجوب الاستعداد وتنمية القوة المادية والروحية للأمة والدولة، والعمل بمبدأ حسن المعاملة، وأخيرا وجوب الرجوع إلى أهل الاختصاص في كل ما له علاقة بمصالح المجتمع والدولة.

لقد كانت مواقف الزهراوي من الإسلام محكومة بالفكرة السياسية بشكل عام والقومية بشكل خاص. بمعنى أنها كانت تسير ضمن سياق التأسيس النظري المواجه لإشكاليات المرحلة الكبرى والقائمة في كمية ونوعية الهجوم الأوربي الكولونيالي آنذاك. لهذا كانت آراءه ومواقفه تتسم بقدر كبير من الرؤية النقدية للنفس من جهة، والتأسيس الايجابي للتراث الذاتي من جهة أخرى. وطبق هذا الأسلوب في موقفه من قضية الشرق الإسلامي والغرب النصراني.

انطلق الزهراوي في موقفه من هذه القضية من مقدمة فكرية فلسفية، مبنية على أساس وحدة المنطق والرؤية التاريخية. وأوصلته إلى نتيجة تقول، بوجوب التضاد والاختلاف في كل شيء. إلا أن لهذه المقدمة مظاهر كبرى منطقية وواقعية، مثل أن الاختلاف لا يزول ولكن له آداب. كما أن التنازع لا يبطل ولكن له سنن. والحق أيضا تختلف فيه الأفكار ولكن التفاهم فيه ممكن. وذلك لأن الأفكار قابلة للتحول وقبول النصح. إضافة لذلك، أن تاريخ البشرية هو تاريخ صراع. أمم تصعد وأخرى تسفل. وأن سبب النزاع فطرة البشر في حب التميز والاستئثار. وبالتالي، فإن كل الأسباب القديمة للنزاع موجودة الآن أيضا. فقد كانت فيما مضى تنحر في مجال المراعي والأراضي والتجارة والمال والرجال والنساء والدين والأفكار وما إلى ذلك. وهي ذاتها الآن رغم تغير بعض مظاهرها، بمعنى أنها محصورة بمساعي الاستحواذ والسيطرة على الغنائم والثروات. إلا أن ليس كل أشكال الصراع طعنا وقتلا، كما يقول الزهراوي. لهذا نراه يتحدث عن بديل لهذه الحالة عبر تهذيب الإنسان والمجتمع بالتربية وتحسين أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية. ووجد في ذلك مقدمات تخفف من حدة الخلاف والاختلاف. لاسيما وأن التاريخ يحفل بنماذج كبرى بهذا الصدد كما نراها في شخصية المسيح ومحمد. فقد ناضل عيسى ضد الاستئثار والتمييز الذي أراده أحبار اليهود. وانتصر بالصبر على الحق. ذلك يعني، أن مسالمة المسيح هي مسالمة الحق. لهذا نراه يدعو إلى القوة أيضا، ولم يستعملها بسبب الظروف فقط. من هنا قيمة النصرانية في تهذيب الشخصية الأوربية. إذ هذبت النصرانية أوربا من همجيتها، وقدمت لها نموذج لحرمة الإنسان. إلا أن أوربا ظلت مع ذلك ذات سيف، ولم تكتف بالكتاب المقدس.

وعندما تناول تجربة الإسلام، فانه حاول الكشف عن أن قوتها في قدرتها على الإقناع والفعل، لا بالقوة والسيف. لأن محمد واحد والمجتمع واحد. وإذا كان انتصار الأول بسرعة، فانه دليل على قوة الشخص والدين. ذلك يعني أن انتصار الإسلام الأول كان مبنيا على مبدأ العدل. من هنا شدة زهد الخلفاء الأوائل. إضافة لذلك أن الإسلام ينكر أكراه الآخرين على الإسلام بالسيف. ولكنه لا ينكر إقامة الدولة الإسلامية. فسيف الإسلام، خلافا لما سبقه ولحقه، هو سيف العدالة وإدخال الجميع في دولة واحدة وليس للاستعباد. وليس مصادفة أن يكون الخلاف التاريخي بين الإسلام وأوربا المسيحية، وليس بين الإسلام والنصارى (الشرقيين). والسبب يكمن في أن ما يميز أوربا هو تقاليد الغلبة والاستيلاء . وإن النظر إلى تاريخ الإسلام، بما في ذلك أشد حكوماته بعدا عن الإسلام أو ظلما، يكشف عن ان النصارى لم يتعرضوا فيه إلى أذية. من هنا خطأ من يدعي الدفاع عنهم وهو مجرد عن الدين (أي لا دين له).

إن حقيقة الغرب (الأوربي) تكمن بالنسبة للزهراوي في عدم تحرره وتخلصه من إرث وتقاليد الغلبة والاستيلاء. وليس مصادفة أن يتميز الغرب (الأوربي) بحصره فكرة الاعتراف بالحقوق بنفسه فقط، سواء على مستوى الدولة أو الأفراد. وأن يكون همه الغالب هو السيطرة والاستيلاء. إلا أن ذلك لا يضعف ولا يقلل ولا يزيل من فضائله الكبرى. ومن بين فضائله الكبرى حسبما يقول الزهراوي هو فكرة الارتقاء. ووجد سرها في إدراك النفس وفي تطوير العلوم، إضافة إلى العزة والقوة والماديات.

إننا نعثر في إبراز صفات الفضيلة التاريخية المعاصرة الكبرى لأوربا الوجه الآخر لما يفتقده الشرق (الإسلامي). فمن الناحية التاريخية والفعلية، كان الشرق منبت التاريخ، ومظهر الإبداع، ومتجلي البدائع والمدنيات والمعارف، كما يقول الزهراوي. لكنه نائم الآن ساكن. ومن ثم فإن المهمة تقوم في تذليل هذا السكون عبر الرجوع إلى النفس وتطوير العلوم. وضمن هذا السياق يمكن فهم المقارنة بين الشرق والغرب التي يمكن تكثيفها من حصيلة كل ما كتبه بهذا الصدد. فقد صور الزهراوي هذه المقارنة بمتضادات كبرى مثل أن الغرب يعربد ويقهر الأمم، والشرق هاجع تناديه فلا يسمع، وأن الغرب تغذيه نار الحمية، بينما يغذي الشرق أنين الإنسانية. وأن عواقب نوم الروح الشرقي تسبب أكثر ضررا من عواقب سكرة الروح الغربي. فتطور الغرب وارتقاءه لم يغرّب ما فيه من شره وهمجية كما هو الحال عند اشد القبائل تخلفا وهمجية. بل ويعتقد الزهراوي أن الغرب يفتقد إلى روح الشجاعة والمواجهة، وانه لا رادع أخلاقي عميق عنده أمام شعور الغلبة، من هنا كان تاريخه على الدوام هو تاريخ اعتداء وانتقام. ومع أن روح الشرقي كروح الغربي، لكن الاستعداد الشرقي، كما يقول لنا التاريخ أقوى وأحسن، وانه متى سنحت الفرصة كان أثره باهرا. وإذا كان الغرب الحديث أحد أسباب استيقاظ الشرق وسعيه للحرية، فإنه يضعنا أمام مفارقة التاريخ المعاصر ألا وهي التمسك بقاعدة "عدو لابد من صداقته".

إننا نقف هنا أمام رؤية نقدية تحليلية وتاريخية مهمتها ليست مهاجمة الغرب الأوربي آنذاك، بقدر ما كانت تهدف إلى مهاجمة النفس والكشف عن عيوبها، مع البقاء في الوقت نفسه ضمن حيز الرجاء التاريخي وفضائل المستقبل المحتملة، كما هو جلي في تخصيص علاقة الشرق والغرب (الإسلام والنصرانية) بالموقف من أوربا. فقد كان الزهراوي من بين الشخصيات الفكرية التي لم تصب آنذاك بعطب التدين المزيف ولا الإسلامية المبتذلة. لهذا نراه يقف بالضد من تأجيج الصراع المفتعل بين الإسلام والنصرانية. وبين أوربا والعالم الإسلامي. إذ نراه يصور أوربا بوصفها مبدعا إنسانيا، وبالمقابل نراه يجد الرذيلة في الشرق الإسلامي آنذاك. ولم تعن الرذيلة بالنسبة له آنذاك شيئا غير التخلف والاستبداد والنقص عن التمام. لهذا نراه يقف بالضد من مواجهة أوربا كلها. وفي الوقت نفسه يؤكد على تفرقة الجيد والسيئ فيها، والصديق من العدو. واعتبر أن من الخطأ إعلان أوربا كلها مجرمة. وأشار بهذا الصدد إلى دورها أيضا في البناء والنهضة ونشر العلوم وما إلى ذلك. بعبارة أخرى، انه طالب بالرؤية الحصيفة تجاه أوربا. وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه يمكن لوم أوربا وانتقادها، ولكن بالعقل والحجج لا اللوم الحاقد الناقص. وإن الموقف الحقيقي من أوربا ينبغي أن يكون بالاستقلال الاقتصادي عنها.

لكنه مع تقييمه الايجابي الكبير لأوربا وانجازاتها في مختلف الميادين، فإنه أظهر ما اسماه بعدم خلوها من العيوب، وأن أوربا ليست بريئة من إرادة الكيد للآخرين. من هنا تخطئته لمن يقلد أوربا كليا أو يرفضها كليا. واعتبر المهمة الكبرى والأساسية تقوم في معرفة النفس. وفيما لو جرى تكثيف حصيلة موقفه بهذا الصدد، أي حصيلة الموقف من أوربا، فمن الممكن حصرها في ثلاثة أشياء وهي أن لا نجعل منها خصومة لنا دفعة واحدة، وأن نشغل كل شعب إسلامي بتقوية نفسه دون الأمل على آخر، واليقظة الذاتية وتذّكر خير أوربا وشرها. فقد أوصلته تجربة الرؤية التاريخية والنقدية العلمية للسياسة الأوربية، بعد تحليل مختلف القضايا والمشاكل في علاقتها بالعالم الإسلامي، إلى "انه لا معنى بالثقة بها، ولا ضرورة بتعليق الأمل عليها في شيء، لأنها لا تفكر إلا بمصالحها الاقتصادية".

إلا أن الفكرة الفلسفية المستقبلية العميقة التي توصل إليها من خلال توليف الرؤية النقدية تجاه النفي بالسعي لإدراكها على حقيقتها، ونقد التجربة الأوربية من خلال رؤية محدداتها وغاياتها، تقوم فيما يمكن دعوته بضرورة الرجوع إلى النفس وتأسيس مرجعياتها الحديثة. فقد قيم الزهراوي الإبداع الأوربي في ميادين العلوم الطبيعية والنزعات الإنسانية، لكنه توصل في الوقت نفسه إلى أن فلسفاتهم ليست منطقية بل هي نتاج تجاربهم الذاتية، وبالتالي لا معنى لتقليدها كما هي. وعلى هذا الاستنتاج أسس موقفه الداعي إلى التعلم من أوربا كل ما هو ضروري للمدنية والإنسانية والتحرر دون تقليد ما تقوم به. ووضع هذه الفكرة على أساس تقريره بان أوربا ليست هي الغول، إنما الغول هو سوء الإدارة وفساد السياسة، وأن أوربا هي مطلع نور العالم الحديث. كما أنها تساعد العقول والهمم برؤية أثار العقول والهمم فيها. إضافة إلى ما فيها من مصادر لزيادة المعرفة بحضارتها وأساليب اجتماعها.

لقد شكلت هذه الحصيلة ذروة الرؤية الباطنية للفكرة القومية، بمعنى رؤية الذات القومي العربي بمرآة الواقع الأوربي ومصادر تطوره وأساليب رقيه في مختلف الميادين، أي كل ما يفتقده العالم العربي وما آل إليه من انحطاط شامل وضمور شبه كلي في كيانه وكينونته في ظل السيطرة التركية العثمانية. الأمر الذي جعل من تأسيس الفكرة القومية عند الزهراوي نظرية متراكمة في مجرى توسع وتعمق وتنظيم الرؤية الواقعية والعقلانية والتاريخية والاجتماعية والسياسية.

إن الفكرة القومية عند الزهراوي لم تكن قومية بمعايير الأيديولوجية والسياسية المباشرة، على العكس أنها أخضعت السياسة والأيديولوجية عبر تذويبهما في مشروع تأسيس الرؤية القومية بوصفها بديلا ضروريا للانحطاط والتخلف العربي وانعدام تاريخه السياسي المستقل لقرون عديدة. مما جعل من رؤية الزهراوي ومواقفه مشروعا قوميا واقعيا وعقلانيا يمكن العثور فيه على صدى ومدى التراكم الفعلي لفكرة النهضة العربية والإصلاحية الإسلامية ومضمونها التاريخي بشكل عام وتيار الكواكبي بشكل خاص.

***

وقد شاطر هذه الفكرة في البداية، بل وحتى بداية الحرب العالمية الأولى اغلب إن لم يكن جميع مفكري العرب بما في ذلك أصحاب النزعة القومية، ولم يشذ عن هذا الموقف نجيب عازوري أيضا.

قد يكون جرجي زيدان هو أكثر من مثل هذه الفكرة وأسس لها في مؤلفاته التاريخية والثقافية، وبالأخص في (تاريخ التمدن) و(تاريخ آداب اللغة العربية) التي أثرت فيما يبدو تأثيرا كبيرا على آراء ومواقف الزهراوي بهذا الصدد.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.........................

1- يطابق الزهراوي أحيانا الشرق والغرب مع الأمة الإسلامية وأوربا النصرانية وبالأخص حالما تناول تاريخ الصراع في أشكاله "الصليبية"، باعتبارها ظاهرة سياسية وليس نصرانية، أي أوربية – رومانية.

 

ميثم الجنابيإن مأثرة عبد الحميد الزهراوي (1855-1916) الكبرى تقوم في دراما تجسيده الفعلي لحقيقة الفكرة السياسية التي تمثلها ومثلها وسعى لتأسيسها في الوعي الاجتماعي العربي الحديث. من هنا مفارقة دوره الفاعل في تأسيس الفكرة العربية (القومية) السياسية وصورته المغمورة في التاريخ العلني للعالم العربي الحديث. لكنها مفارقة تكشف بدورها عن أن الشخصيات الكبرى وأفكارها الحية عادة ما تذوب في مسار الحركة التاريخية وتتلاشى في أفق البدائل.

إن القيمة التاريخية والفكرية والثقافية لإبداع ونظرية الزهراوي بصدد الفكرة القومية تقوم في كونه أحد أكبر المفكرين الأوائل للفكرة القومية العربية وتأسيسها الفلسفي والسياسي والاجتماعي والثقافي.

فقد مثل عبد الحميد الزهراوي الحالة الحرجة لتوليف تيارات كان يصعب تأسيسها بمعايير المنهج الموحد آنذاك، وذلك لأن اغلب مكوناتها كانت تتسم بقدر كبير من التأمل والبحث والتجريب، والمقصود بذلك تيارات النهضة الأدبية والإصلاحية الإسلامية واليقظة القومية. وليس مصادفة أن نعثر فيه على ما يمكن دعوته بالصيغة الباردة لتوهج الفكرة السياسية الإصلاحية لمعاصره الكواكبي (1854-1902) وحرارة الفكرة السياسية القومية لنجيب عازوري. ووجد ذلك انعكاسه فيما يمكن دعوته بالصيغة المعتدلة والعميقة أيضا لتوحيد فكرة التربية السياسية وروح الجمعية (وليس الجماعة). وهذه بدورها ليست إلا الصيغة الذكية للفكر القومية السياسية. وليس مصادفة أن نعثر عليها مبثوثة في كل ما تناوله من قضايا، كما أنها تبرز في حصيلة استنتاجاته العملية الداعمة لتأسيس الفكرة القومية باعتبارها فكرة سياسية.

فقد تراكم تأسيس الفكرة العربية القومية بوصفها فكرة سياسية في مجرى توسع وتعمق وتنظيم الرؤية الواقعية والعقلانية والتاريخية والاجتماعية والسياسية تجاه مختلف القضايا وعند مختلف التيارات والشخصيات العربية التي سبقت الزهراوي على امتداد عقود عديدة من الزمن. وليس مصادفة فيما يبدو أن نعثر على صدى هذه الإحساس والإدراك العقلي والعقلاني الذي ميز كتابات ومواقف الزهراوي من القيمة التاريخية والروحية والسياسية والقومية للفكر النظري والمفكرين. إذ نراه يعير اهتمامه الكبير لدور من اسماهم برجال "الفكر والنوابغ الذي عليه مدار سلوك الأمة، بل مسالك الحياة الاجتماعية والسياسية". من هنا مناقشته لما اسماه بأسباب قلة آثارهم رغم كثرتهم، والتي حصرها في كل من التفرق حسب الجماعات، واختلاف مصادر المعلومات والفكر، بمعنى أن منهم من أستاذه الإنجليز، وآخر أستاذه الألمان، وثالث الفرنسيون، ورابع الأسلاف، وما إلى ذلك. الأمر الذي يضعهم في تضاد وصراعات وعدم قبول أحدهم بالآخر. بينما يشكل التقليد، وتمايز القابلية، وتغاير الإرادات، وتفاوت الأعمار، وتباعد الديار، وتباين المناهج، وصراع الأحزاب السياسية البقية الباقية من هذه الأسباب.

إننا نقف هنا أمام رؤية واقعية ومتفحصة ودقيقة للأسباب القائمة وراء مفارقة الظاهرة الفعلية والتاريخية لكثرة النخب وانعدام أو ضعف تأثيرها الفعلي. وفي الوقت نفسه تبرز ما يمكن دعوته بتناسب الأسباب وفكرة الأولوية. بمعنى إدراكه الحقيقة القائلة، بأن منظومة الأسباب الفاعلة في صعود الأمم وهبوطها لا تلغي مهمة إبراز الأولي من الثانوي، على العكس. أنها تفترض ذلك لما له من اثر جوهري بالنسبة للحلول العملية. وفيما لو انظرنا إلى ما وضعه الزهراوي بهذا الصدد، فإننا نقف أمام إبرازه لأولوية التفرق حسب الجماعات الذي يستدرج أو يفعّل البقية الباقية بالشكل الذي يجعل منها أسبابا إضافية للتخريب، مع أنها بحد ذاتها ليست أسبابا للتخريب، كما هو الحال بالنسبة لتنوع واختلاف "الأساتذة" و"مصادر العلوم والمعارف" وتغاير الإرادات وتفاوت الأعمار وتباين المناهج، أي كل تلك الأسباب التي يمكنها أن تفعّل المعرفة والوعي والإرادة والتنافس، ولكن في ظل تمسكها بفكرة الوحدة الكبرى، أي المرجعية الجامعة والعاصمة بالقدر ذاته لمسار الرؤية الواقعية والعقلانية. إذ لم تعن فكرة "التفرق حسب الجماعات" عند الزهراوي، بوصفها قوة مدمرة ومخربة سوى فكرة التفرقة المختلفة (وليس المتنوعة) ومن ثم انعدام ما سيطلق علية عبارة روح الجمعية، أي الروح القومية الاجتماعية الكبرى. فقد كان الزهراوي إلى جانب فكرة التنوع والاختلاف أيضا. لكنه وجد فيهما سببا يقف دون التطور السريع في ظروف التربية السياسية الضعيفة. ومن هنا أيضا استنتاجه القائل، بان مصادر العلوم العديدة والمختلفة لا تؤثر سلبا في حال استقلالهم بالتفكير. بعبارة أخرى، إن هشاشة الوعي السياسي وضعف فكرة الجمعية (أي الانتماء القومي الواضح والجلي بوصفه مرجعية جوهرية كبرى) وانتشار وهيمنة التقليد للقديم والجديد يجعل من المقدمات الشكلية للرقي المحتمل عوامل مخربة.

لم تكن هذه الرؤية واستنتاجاته العملية معزولة عما يمكن دعوته بالروح النقدي للزهراوي، أي الرؤية المنهجية التي حاولت أن تجعل من نقد النفس مقدمة العلم والعمل. وليس مصادفة أن يكون التيار العارم في فكره متشبعا بالحماسة النقدية، أي الرأي الشجاع أو الشجاعة المتروية. ومن الممكن العثور على ذلك في اغلب كتاباته وبنوعيتها أيضا، كما هو جلي في ربطها للعقل بالوجدان، والتاريخ بالمعاصرة، والحاضر بالمستقبل، أي كل ما كان يؤدي إلى تراكم ما يمكن دعوته بالرؤية الإستراتيجية تجاه إشكاليات الواقع والبدائل. في مقالاته العديدة إلى الشباب نراه يحاول البرهنة على ربط الاستقلال الفكري للشباب بالتعلم والعلم، باعتبارهما مكونات الشخصية الحرة والفاعلة. واعتبر الاستقلال الفكري معيار التمييز بين الحسن والقبيح في التاريخ والفكر على السواء. وفي الوقت نفسه نراه يشدد على ما اسماه بزمن الاستقلال الفكري وحدوده. بمعنى أن لكل فعل زمنه الخاص به وحدوده الفعلية. من هنا فكرته عن أن الاستقلال الفكري يتحدد ويرتبط أيضا بكيفية ومدى سبر تاريخ الماضي وتشريعاته ونتائجه وعلى مقدار معرفة الحاضر. ووضع هذه الحصيلة في استنتاجه عما اسماه بضرورة التعلم على أساس ترابط الأسئلة المتعلقة بماهية الأشياء ومكانها وكيفيتها، أي الإجابة على سؤال ماذا تتعلم وأين وكيف. وأجاب عليها بوضوح مباشر أيضا: تعلم العلوم كلها، في الجامعة والمدارس، وبالطريقة العلمية الصحيحة عبر تعميم الكتابة وتعلم العربية وتوسيعها.

وينطبق هذا على أسلوبه فيما كل ما تناوله من إشكاليات وقضايا ومشاريع. بمعنى تركيزه على جوهرية الرؤية النقدية بوصفها رؤية فاحصة ورزينة، عقلية وعقلانية من حيث تأسيسها النظري وأبعادها العملية وغايتها النهائية. لهذا نراه، على سبيل المثال، يقف بالضد مما اسماه "بالغيرة الدينية" التي حاولت تأجيج العداء بين الإسلام والنصرانية. إذ وجد في هذه الإثارة زمن الأزمات صفة مميزة لأولئك الذين ينسون تجارب التاريخ. وانطلق في فكرته هذه من أن الدين ليس سببا جوهريا في الصراع والغزو. وذلك لان الأمم جميعها  كانت غازية. إضافة إلى أن الغزو يجري، وكذلك الدفاع والخذلان وغيرها من الظواهر بين الأديان وبين أتباع الدين نفسه.

طبعا أن الزهراوي يدرك الأثر الفعلي والمحتمل للدين في إثارة الصراعات والخلاف، كما يدرك دوره في الصراع التاريخي بين عالم النصرانية  وعالم الإسلام، إلا انه سعى هنا لتأسيس أولوية الرؤية النقدية تجاه النفس من اجل تذليل إمكانية استغلال الدين بالشكل الذي يجعله أداة إضافية لتوسيع مدى الانحطاط والانغلاق. ولم تكن هذه الرؤية معزولة عن النقد غير المباشر لتاريخ الاستغلال السياسي للدين (الإسلامي) في توسيع مدى الاستبداد والانحطاط في عالم الإسلام نفسه. مع ما في هذه الرؤية من أبعاد سياسية قومية (عربية) دفينة. ومن الممكن رؤية هذه الأبعاد في فكرته القائلة، بأن "الدين ليس قوة في إثارة العصبية". ولا يمكن إغفال ما هذه الفكرة من خروج على مألوف التقاليد الإسلامية التاريخية والسائدة بالأخص في مراحل الانحطاط. لكنها كانت تحتوي في أعماقها على إبراز قيمة وأولوية الوعي السياسي الحديث وفكرة الجمعية (القومية). وذلك لأن الاتكال على الدين باعتباره مصدرا للعصبية كان يعني بالنسبة له البقاء ضمن حيز الضعف أو الانعدام الفعلي للتاريخ السياسي القومي الحديث. وبالتالي لم تعن فكرته عن أن "الدين ليس قوة في إثارة العصبية" سوى البحث عن "عصبية" جديدة تتجاوز "ضعف التربية السياسية". من هنا أيضا يمكن تتبع آراءه المتجانسة بهذا الصدد في مجرى تطبيقها على حالة الصراع الخشنة آنذاك بين "الشرق" و"الغرب"، أو عالم النصرانية وعالم الإسلام في تلك المرحلة.

فقد شدد الزهراوي على أن هجوم الغرب على الشرق "ليس هجوم دين على دين، وإنما هو هجوم قوة على ضعف، وعلم على جهل، وغنى على فقر". بعبارة أخرى، إننا نقف أمام وضوح في الرؤية تبحث عن سبب الخلل في النفس أولا وقبل كل شيء من خلال إرجاعه إلى أشكاله الجلية والواضحة والجوهرية أيضا، والتي وجدها في اختلاف بل وتناقض ثنائية القوة والضعف. ووجد ذلك تعبيره في نقده العام والدقيق لمقدمات ومظاهر الخلل والضعف الشامل للعالم العربي. إذ نراه ينتقد واقع التردي العربي في كافة الميادين والمستويات من خلال نقده لظاهرة غياب العمران، والاستيراد التام لكل شيء من الخارج، وانتشار الجهل، وسوء الإدارة، وانعدام الحرية. كما نراه ينتقد ظاهرة ما اسماه بانعدام الهيبة للرؤساء (العرب) بسبب خضوعهم للأستانة. وكذلك انعدام الأخلاق العامة الرادعة، والاهتمام بالمظاهر وانعدام الجوهر. ووضع كل ذلك وغيره في أساس موقفه من الغزو الأوربي للعالم العربي، باعتباره نتيجة لضعف النفس وقوة الآخرين. فعندما تناول، على سبيل المثال، قضية احتلال ايطاليا لليبيا، فإننا نراه يوجه نقده أولا وقبل كل شيء للنفس ثم للدولة (العثمانية) ثم للمجتمع الإسلامي، ثم للعرب (لفقدانهم جيشهم المستقل وأسطولهم..) ثم للحالة الاجتماعية (الأمراض..). من هنا نراه ينتقد بشدة أولئك الذين يردون كل أسباب الانحطاط إلى أوربا. بل ونراه يسعى بقوة للبرهنة على أن ماضي السلطة (العثمانية) وحاضرها يكشف عن عمق ومدى السفالة والرذيلة في الدولة والمجتمع على السواء، وإن الرذيلة فيه ومنه أولا وقبل كل شيء. ومن هنا استنتاجه الفكري والعملي الذي يكرر بمعايير المواقف السياسية ما سبق وأن توصلت إليه الفكرة الفلسفية عن مهمة معرفة النفس باعتبارها أولوية المعرفة. لكنه يضعها ضمن سياق التاريخ السياسي الحديث والحالة التي وصل إليها العالم العربي في ظل الهيمنة التركية والغزو الأوربي والضعف العرب الشامل. ووضع هذه الأولوية في استنتاجه القائل، بان من الضروري معرفة النفس أولا ثم معرفة الآخر. فهي المقدمة الوحيدة القادرة عل إدراك ومعرفة مقدمات وأسباب الضعف من اجل تلافيها. وذلك لان سيادة القوة على الحق نابع من اثر القوة، كما يقول الزهراوي. من هنا استنتاجه القائل، بان سبب الظلم ينبغي نسبه إلى النفس وليس إلى الغير. وأن مواجهة القوة ينبغي أن تكون بالقوة. وانه إذا كانت القوة هي التي تغتصب، فلم ولماذا وكيف نفتقدها. وجمع كل ذلك في فكرة جوهرية تقول، بان القوة نصير الحق، وأن القوة بالوحدة.

وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن فكرة "القوة بالوحدة" ترتبط أيضا بجوهرية فكرة الحرية والاستقلال والتقدم، من هنا يمكن رؤية الترابط العضوي بينهما على انه ترابط بين نقد الاستبداد العثماني والدعوة للاستقلال القومي. فمن الناحية الاجتماعية السياسية ليست فكرة الحرية والاستقلال والتقدم سوى مصدر وأسلوب القوة، وما يقابلها هو مصادر وأساليب الضعف. ومن هذه الفكرة كانت تتلألأ ملامح الفكرة الاجتماعية السياسية القومية، أي عندما أخذت هذه الفكرة تصبح رديفا أو موازية للفكرة القومية ومتغلغلة فيها. وليس مصادفة أن نراه يتساهل في نقد تأثير الدين (بوصفه مكونا ثقافيا) في الصراع "الشرقي – الغربي" (النصراني – الإسلامي)، مع انه كان كبير الفاعلية من حيث قدرته على التأليب ومن ثم تغطية المصالح أو تغليفها وتقديمها بالطريق القادرة على استقطاب القوى ومختلف مظاهر اللاعقلانية (من تضحية وما شابه ذلك). وينطبق هذا على كل ما تناوله في النقد من صيغ أيديولوجية يمكنها أن تحرف الوعي السياسي عن إدراك الأسباب الحقيقة والأولوية في البدائل.

إن  فكرة "القوة بالوحدة" التي قال بها عبد الحميد الزهراوي كانت وثيقة الارتباط بفكرة الحرية والاستقلال والتقدم. وهذه بدورها ليست الا الصيغة المعبرة عن نقد الاستبداد العثماني والدعوة للاستقلال القومي. فمن الناحية الاجتماعية السياسية ليست فكرة الحرية والاستقلال والتقدم سوى مصدر وأسلوب القوة، وما يقابلها هو مصادر وأساليب الضعف. ومن هذه الفكرة كانت تتلألأ ملامح الفكرة الاجتماعية السياسية القومية، أي عندما أخذت هذه الفكرة تصبح رديفا أو موازية للفكرة القومية ومتغلغلة فيها. وليس مصادفة أن نراه يتساهل في نقد تأثير الدين (بوصفه مكونا ثقافيا) في الصراع "الشرقي – الغربي" (النصراني – الإسلامي)، مع انه كان كبير الفاعلية من حيث قدرته على التأليب ومن ثم تغطية المصالح أو تغليفها وتقديمها بالطريق القادرة على استقطاب القوى ومختلف مظاهر اللاعقلانية (من تضحية وما شابه ذلك). وينطبق هذا على كل ما تناوله في النقد من صيغ أيديولوجية يمكنها أن تحرف الوعي السياسي عن إدراك الأسباب الحقيقة والأولوية في البدائل

حدد أسلوب الزهراوي هذا وحدة الرؤية الواقعية والعقلانية ومواقفه تجاه مختلف القضايا التي تناولها. بحيث يمكن رؤيتها في مواقفه من القضايا الفكرية الفلسفية والدينية والفقهية والروحية وغيرها. ففي سلسلة المقالات التي كتبها عن (التكاليف والعقول) حاول البرهنة فيها على أن ضرورة الالتزام بفكرة الحق في كل مسألة وإتباعه هي القاعدة، وليس الاعتماد على ما يقوله إنسان أي كان وعلى أي مذهب أو فرقة بعينها. كما نراه يرد على أولئك الذين قالوا بصعوبة فهم حقيقة القرآن، قائلا، بأن القرآن مفهوم معقول، وانه مشروح بأعمال النبي، وإن حكمة التكليف تقوم في تنوير عقولنا بمعرفة الله. وطبق هذا الأسلوب في موقفه من علاقة القرآن بالسنّة وعلاقة العادات والعبادات والمعاملات عندما أكد على أن القرآن والسنة ينطلقان ويعتمدان من مبدأ كون الحسن والضروري والنافع متوافق مع العقل والطبيعة. وضمن هذا السياق يمكن فهم فكرته عما اسماه بالتدين المتفلسف، أي التدين الذي يرتقي من حيث رؤيته وتأسيسه للفكرة والمواقف تجاه مختلف القضايا بقدر من التفلسف (العقلي والعقلاني) الهادي إلى إرساء أسس الاعتدال (العقلانية). من هنا فكرته عن أن حسنة هذا التدين المتفلسف تقوم في تأسيسه للتروي والتفكر، أي الاعتدال. لهذا نراه ينتقد الفكرة السائدة والواسعة الانتشار في التقاليد الدينية عن أن العقل يؤدي إلى الكفر. إذ وجد فيها أمرا مجافيا للعقل والدين والإيمان على السواء. بل نراه يتوصل إلى فكرة حادة ودقيقة وعقلانية بهذا الصدد تعارض وتناقض مع هذه الفكرة، كما في قوله بأن زعم البعض أن إتباع العقول يؤدي إلى الكفر هو مخالفة للحقيقة، وانه لا يؤدي إلى الكفر إلا عدم إتباع العقل.

وطبق موقفه هذا في مجرى تناوله قضايا الفقه وتراثه وحاضره ومستقبله وأهميته. إذ نراه يتناول بصورة نقدية تاريخ الفقه المدّون في تفريعات المعاملات والعبادات بشكل عام وحالة الجمود والتحجر الحالية بسبب ارتباطه بسلسلة الكتب والمدونات والقيل والقال وليس بالحياة والواقع ومتطلباتهما العملية. ووضع نقده المتنوع هذا في سلسلة تتكون من أربع حلقات هي أن زمن الفقهاء والفقه القديم ليس زماننا، وأن قول الرسول هو العمل بالرأي وما قالوه الفقهاء هو اجتهادهم وليس قول الله، وأن آراءهم المتضادة ليس لها من مبرر سوى منافعهم ومنافع السلطان، وأخيرا أن تعدد وتنوع المذاهب أدى إلى تفرقة المسلمين. ولم يكن هذا الموقف النقدي من الفقه والفقهاء معزولا عن التقاليد العقلانية النقدية العميقة في الفكر الإسلامي بشكل عام وعند الغزالي بشكل خاص. فقد كانت اغلب مواقفه النقدية تجاه الفقه والفقهاء مأخوذة من الغزالي. بمعنى تركيزه على أن الفقه الميت هو نتاج التقاليد المدرسية الميتة. من هنا دعوته للتجديد بالخروج من إطار الكتب إلى التجربة الفعلية للعالم المعاصر. وذلك لأن الفقه الحقيقي هو ليس معرفة غسل الفرج ومسح الخفين وما شابه ذلك. وطبق ذلك على موقفه من أصول الفقه من خلال تحديد مواقف ملموسة ودقيقه من القياس والإجماع والسنة والقرآن. إذ اعتبر القياس معقول مقبول وضروري، أما الإجماع، فلا إجماع فيه لأنه لم يحدث ولن يحدث ولا طابع ملزم فيه. أما السنّة فإنها أكثر تعقيدا، لهذا تفرق القوم بسببها، ولم يبق إلا القرآن فهو الحجة الكبرى الوحيدة. في حين وجد في اغلب ما كتب وأثير الجدل حوله في الفروع خزعبلات، لاسيما وأنها جميعا مبنية على الظنون، وبالتالي فهي غير ملزمة ولا مقدسة. بينما نراه ينتقد مختلف مظاهر البطالة والاعتماد على الآخرين في التصوف. ويقف إلى جانب المبدأ النظري والعملي القائل، بأن الزهد والنسك لا يمنعان العمل. وأن النبي محمد هو نموذج أمثل في الزهد والعمل. أما الغلو في التصوف فهو ابتعاد عن العقل والطبيعة والحق. فالكمال الإنساني مقرون بقانون الاعتدال. والكمال هو فضيلة، وكل الكاملون جامعون لخصال الاعتدال.

وإذا كانت بعض آراءه النقدية لا تخلو من شطط وعدم دقة في الموقف من الفقه والتصوف، فلأنها لم تكنن تسعى لتدقيق المفاهيم وأصولها ونتائجها ومظاهرها، بقدر ما كان يسعى إلى نقد الواقع المعاصر من أجل الخروج من حالة الفساد والخراب المادي والمعنوي الذي انحدر إليه العالم العربي في ظل سيطرة تقاليد الفقه والتصوف آنذاك، أي كل تلك الصيغة التي لازمت تحلل الدولة العثمانية واستشراء الجمود والاستبداد فيها. بعبارة أخرى، إننا نلحظ في نقده للجمود والتخلف والتقليد الوجه الآخر لنقد جمود وتخلف البنية السياسية للدولة العثمانية واستبدادها. ليس هذا الاستبداد سوى الوجه الآخر لاستبداد التقليد والنصوص الميتة وشخوصها المحنطة. من هنا موقفه من الاجتهاد واعتباره إياه المسألة الدينية الأهم والأنفع في مجال الإصلاح. وبالتالي لا يعتد بقول من يقول لا اجتهاد.

مما سبق يتضح، بأن الهاجس العميق في فكره النقدي العقلاني بهذا الصدد يقوم في إبراز جوهرية الوحدة المعقولة بمعايير الحياة الواقعية. من هنا يمكن فهم تشديده على جوهرية القرآن والعقل فقط في الأصول بوصفهما مصادر الوحدة الواقعية والممكنة، والنظر إلى كل ما له علاقة بفقه الجسد والروح بمعايير المنفعة ومتطلبات الحياة العصرية والعقل والطبيعة والحق. ومن ثم إشغال العقل فيها بوصفه أسلوب الاجتهاد الضروري. الأمر الذي حدد بدوره القوة الفعلية لنقديته العقلانية، وذلك لأنها كانت تجمع بقدر واحد استمداد طاقتها من رؤية باحثة عن الأسباب، وتوجيه يناسبها صوب التأسيس العملي السياسي لنتائجها. لهذا نراه، على سبيل المثال، يشدد على أن سبب تخلف العالم العربي يرجع إلى استخفاف الحكومات بالعقول في علم نظام الاجتماع.

ووجد هذا الأسلوب طريقه إلى كيفية تناوله لمختلف الإشكاليات الفكرية والسياسية الكبرى التي كانت تواجه الدولة العثمانية وموقع العالم العربي فيها. ففي موقفه من الحماسة المنتشرة آنذاك في الدولة العثمانية عن ضرورة إعلان الحرب على أوربا كلها نراه يحذر من أن ذلك مجرد طيش لأنه يؤدي إلى جعل العدو الواحد (الدولة الواحدة) أعداء عديدين. كما انه لا يمكن خوض الحرب ضدها وكل أسلحتنا (وليس الأسلحة فقط) منها. وبالتالي فان الحماسة وحدها لا تكفي ولا الشجاعة بهذا الصدد، بل حسن الرأي. وأخيرا، إن المحافظة على الحياة أفضل من الموت السريع.

وقد تكون مواقفه من العالم العربي وإدراك مصالحه الكامنة هي المجال والميدان الذي كانت تتراكم فيه هذه الرؤية النقدية الواقعية والعقلانية. إذ نقف أمام ظاهرة تغير مواقفه مع بقائها ضمن سياق الدفاع عن المصالح الكبرى والحيوية للعالم العربي. لهذا نراه يقف بالضد من أولئك الذين اعتبروا علاقة السلطنة بانجلترا خطأ سياسيا. بل نراه على العكس من ذلك يجد فيها حسنة انطلاقا من إدراكه لأفضلية انجلترا مقارنة بالدول الأوربية الأخرى. كما أن الصداقة معها سوف يضيق عليها إمكانية التدخل في شئون الدول والمناطق العربية. وبدون ذلك تتدخل بوصفها عدوا أيضا.

لم تكن هذه الرؤية الواقعية والعقلانية والنقدية معزولة عن أسسها الفلسفية، أي تلك الصيغة التي وجدت منفذها الجزئي والنسبي والعلني فيما أطلق عليه عبارة التدين المتفلسف، باعتباره أفضل التدين. ومن ثم يمكن اشتقاق عبارة الواقعية والعقلانية المتفلسفة منها، بوصفها الصيغة الضرورية لتأسيس الرؤية السياسية العملية بأبعادها الاجتماعية والقومية.

 بعبارة أخرى، إننا نعثر عند الزهراوي على صيغة أولية وجزئية، لكنها فاعلة بمعايير الرؤية السياسية عن وحدة العقلانية ومنظومة الرؤية. فعندما يتناول على سبيل المثال، مسالة الحب والكراهية، فإننا نقف أمام محاولة صياغة نظام للحب والكراهية على أساس فلسفي أخلاقي. ووضع ذلك في سلسلة الأسباب والبدائل تتكون من ستة عناصر وهي على التوالي:

ففي الاسباب وضع كل من

 

الشر- الأوهام الباطلة

الأوهام – الجهل

الجهل- قلة القراءة والكتابة

قلة القراءة – رداءة أصول التعليم

رداءة أصول التعليم بسبب التقليد الأعمى

التقليد هو اختلال شئون النفوس

 

اما البدائل فهي كل من

 

حب الحقائق

تنوير الأذهان

تكثير القراءة والتفقه بها

ضرورة الأصول النافعة في التعليم

ضرورة الفهم بالتفكر

ضرورة وصف العلاج لكي تشفي النفوس منها

 

 ووضع هذا الإدراك للسببية في فكرة البديل. بحيث يمكننا الحديث عن نظام رؤية يوحد في ذاته المتناقضات من اجل أحداث توازن في النفس عوضا عن اختلالها الدائم. وانطلق بذلك من المقدمة القائلة، بأن حياة الإنسان كنظام معروف بعد وجوده. فالحب هو اعتقاد خير راجع أو مناسب للنفس المحبة من الجهة المحبوبة. والبغض ضده. فهو اعتقاد شر راجع أو مناسب للنفس الباغضة من الجهة المبغوضة. الأمر الذي يجعل من الممكن إدخالهما في نظام. وان هذا النظام يبدأ بحب الذات، لأن الإنسان لا يحب في نهاية المطاف إلا ذاته. ومنه يمكن بناء نظام انطلاقا من أن حب الذات أصله طبيعي. مما يستلزم بدوره وجود حدّ (حقوق). من هنا ضرورة الحدود (القانون) لأن تجاوزها يؤدي إلى الشر. ولا يمكن الوقوف عند الحدود دون حب الآخرين (الغير). ولا يمكن حب الآخرين دون حب النفس. ورفع هذه المقدمة النظرية إلى مستوى التأسيس العقلاني للفكرة السياسية. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الحب والبغض شيئان متضادان في الوجود (الإنسان). من هنا ضرورة الحدود (القانون) لان تجاوزها مضرة. وهو مصدر "الدفاع الذاتي" (من الانحلال الداخلي والعدو الخارجي). مما يستلزم بدوره محبة الآخرين كعلاج لإمكانية تجاوز الضرر. وهذا بدوره يستلزم التقيد بنظام المحبة الجامعة، أو الخير العام. وبالتالي فمتى كان الحب والبغض ناشئان من فكر سليم كانت السعادة. فالحب والبغض وجهان للخير والشر. الخير هو استعمال الإنسان ما خلق الله له من القوى والاستعداد لأجله استعمالا مشروعا (تابعا للشرع) يراعي فيه حق الغير، والشرّ ما هو ضد ذلك. ووضع هذه الفكرة في استنتاج اجتماعي وأخلاقي أوسع يقول، بأنه إذا كانت ذوات غيرنا مثل ذاتنا، فإن ذلك يستلزم أن نصلح لها ما يصلح لنا. وينطبق ذلك على كل ما له علاقة بالحياة والممات، أي بكل ما له علاقة بحاجات الفرد والجماعة بما في ذلك على مستوى الفكر والهواجس، بالألم والفرح، والخوف والرجاء. ثم رفع هذا الاستنتاج إلى مصاف التوظيف العملي من خلال إدراجه ضمن فكرة الإرادة. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن الإنسان العاقل يحب الحسن والاستحسان وبغض ضدهما. فالإنسان يحب الأشياء الجميلة، لكن حب الأشياء واستحسانها مرهون بالإرادة. وبالتالي، فإن جمال الإنسان يظهر بحبه أو استحسانه للجميل والخير. ووجد هذا الاستنتاج المتعلق بفكرة الإرادة طريقه إلى فكرة أخلاقية سياسية تؤسس للحرية والحق والاعتدال من خلال نقد حالة الجمود والاستبداد. إذ نراه يصور حالة الجمود بوصفها الصفة الملازمة لمعاصريه. وبالضد من ذلك كتب، بأنه إذا جرى تقرير أساس لبناء نظام الأخلاق والشريعة(القانون)، فإن الشيء الجوهري في الأخلاق هو ذم جمود النفس، وذم غلواءها، والدفاع عن الاعتدال. وهذا بدوره ليس إلا المقدمة التي تميز الإنسان عن غيره من الحيوان. فحب التمييز يميز سلوك الإنسان في كل شيء. لكن خصوصيته الكبرى تظهر في استخدام الفكر. فالحسن في حب التميز هو ارتقاء الحياة النوعية، بينما السيئ في حب التميز هو حرص النفوس على الاستبداد، أي الاستيلاء على حرية الغير.

إننا نقف هنا أمام لوحة فلسفية تغلّف الأبعاد السياسية لنقد الاستبداد، وتؤسس لفكرة الحرية والاستقلال الفردي والجمعي والقومي. وليس مصادفة أن يربط الزهراوي كل هذا التفلسف بفكرة القوة لما لها من أثر في صيرورة الأمم على امتداد التاريخ، وقيمة حيوية تامة في ظل الشروط الجديد لصيرورة الأمة القومية. إذ نراه ينطلق من تقرير الفكرة القائلة، بأن حب القوة طبيعية في الإنسان. ليس هذا فحسب، بل أنها أيضا لازمة من لوازم الكمال. فالقوة فاعل ومنبت في كل الموجودات الحسية والغيبية. ففي الحس هي قوة نفسية (ملكة)، وفي الغيبيات هي قوة غيبية (ملائكة). وبالتالي، فإن التقصير في طلبها هو مرض نفسي واجتماعي.

فقد قسم الزهراوي القوة تنقسم إلى قسمين، قوة طبيعة (جسد – عقل – قلب) وقوة صناعية (قومية – دينية – مدنية). وأن كمال القوة يجري من خلال تضافرها في روابط. بعبارة أخرى، إننا نقف هنا أمام محاولة تأسيس الفكرة الصناعية (الثقافية أو الحضارية) بوصفها استمرار ونفيا للمستوى الطبيعي. وفي الوقت نفسه النظر إليها باعتبارها ظاهرة تاريخية ملموسة. لهذا نراه يعتبر القوة القومية (رابطة القرابة) المرحلة الأولى، ثم تليها القوة الدينية ثم المدنية. فالقومية بالنسبة له ترتبط هنا بفكرة رابطة القرابة، بينما دينية برابطة الفكر والأفكار، أما المدنية فترتبط برابطة الأعمال لحب الزينة والتميز، أي للدولة المدنية والحضارة. وانطلق في تفسيره لهذه المراحل والمستويات من أن الرابطة القومية تنفع الإنسان، ولكنها لا تقضي على العداوة بينه وبين الآخرين. أنها رابطة بتراء، لأنها تجمع من جهة وتفرط من جهة أخرى. كما أنها لا تقر ولا تجّسد الحقيقة القائلة، بأن الإنسان واحد كيفما كان لونه ولسانه. ووضع هذه المقدمة في فكرة سياسية ثقافية عميقة مناهضة للإثنية البدائية التي عادة ما تميز الكثير من الحركات الجنسية (القومية الحديثة). وكتب بهذا الصدد يقول، بأنه قد ترسخ في الوعي والذاكرة والتقاليد فكرة غير صحيحة تعتقد بأن الرابطة القومية رابطة طبيعية. بينما هي ليست كذلك. وتجارب التاريخ بما في ذلك الحديث تبرهن على ذلك. واستنتج من ذلك موقف عملي سياسي يقول بضرورة الوقوف ضد التعصب القومي لأنه ناقص. وبالأخص ذاك الذي يتميز بالإثم والعدوان.

أما الرابطة الدينية، بوصفها الدرجة الثانية، فانه عادة ما يجري التأسيس لها من قبل مصلحين ملهمين. كما أنها عادة ما تكون ردا على حالة الفساد والحطام والصراع. فكل امة تنتج مصلحيها. مما أدى ذلك إلى ظهور مصلحين تتوحد بأثر جهودهم شعوب ولغات. الأمر الذي جعل من هذه الوحدة (الرابطة) أقوى من أواصر الأبدان ووشائج الأوهام. وبما أن الذين أرادوا الإصلاح يتألف هداهم من توجيه النفس الإنسانية صوب عالم الغيب وتوفيق عواطف الإنسان، من هنا تعدد وتنوع الأديان بفعل تعدد وتنوع الأزمان. وبالتالي، فإن القوانين التي يجري سنّها، بأثر هذه المرحلة (أي قوانين الأديان والشرائع الدينية) عرضة للتغير. وذلك لأن ما كانت تقوم به من اجل تأليف القلوب في فترة ينقلب إلى ضده، كما أن ما قامت به لضرورة آنذاك قد لا تكون الآن ضرورة. وبالتالي، فإن الرموز التي أخذت في وقتها على ظاهرها كما هي عادة ما يجري تطويعها بشكل آخر. كل ذلك يعطي لنا إمكانية القول، بأن الظروف تتغير ويتغير معها كل شيء. وأن الثابت الحق هو الفطرة، كما يقول الزهراوي1 .

 أما الرابطة المدنية، فإنها مبنية على أساس القاعدة القائلة، بأن الناس في حاجة أثناء اجتماعهم إلى ناموس فطري أو تعليمي. وتتميز هذه الرابطة بأثر التطور الاجتماعي الحديث بسيادة النظام والناموس والقانون والشريعة والمنهاج. فالمدنية هي التعاون في العلوم والأعمال. وأن علمها الأساسي، أي علم أسباب المدنية هو طب الاجتماع. وأن من يعمل بهذا الطب هو السياسي. وذلك لأن المدنية رابطة سياسية. والمدنية فعل لا يتناهى، يعمرها سياسيون ويبيدها سياسيون. وأن التاريخ يكشف ويبرهن على انه لا أمة متمدنة رأسا، بل في تدرج.

ووضع كل هذه المقدمة النظرية في أساس موقفه السياسي العملي من حالة الدولة العثمانية والعالم العربي فيها. فقد انطلق هنا من مقارنة المدنية وضياعها في أوربا وآسيا. واعتبر الفرق بينهما (زمنه) محكوم ببناء وضياع المدنية. وجعل من الاستبداد والحرية أقطابا وأضدادا لهذه الحالة. بمعنى انه ربط صعود المدنية بإزالة الاستبداد، ومن ثم بناء الحرية ونشر التعليم. لهذا نراه يتوصل إلى أن المدنية بالنسبة للعالم العربي (زمنه) تقوم في كل من محاربة الاستبداد وحب الوطن بالأعمال والخير العام، ومحاربة التقليد، والعمل من اجل الوحدة. أما الحصيلة الدقيقة لكل هذه المكونات فيقوم في استنتاجه القائل بضرورة ربطها بفكرة عامة. من هنا قوله بضرورة تحديد السياسة بقانون عام، والعمل من اجل بناء نظام عام ووطن عام وقوة عامة. وقد كانت تلك إحدى أعمق الأفكار النظرية السياسية العملية في تأسيسها للفكرة القومية العربية آنذاك.

***

ا. د. ميثم الجنابي

...................

1- وضمن هذا السياق ينبغي فهم الفكرة التي قالها الزهراوي عن أن الدين الكبير الحق يوّحد الناس بغض النظر عن الصور واللون والجنس ويقاربهم في القلوب ويهذب الأخلاق والنفس، لا تستمد فحواها من تقاليد الفكرة الدينية القديمة، بقدر ما تستمد حقيقتها من رمزية العبارة الداعية إلى تجاوز الطابع المطلق للفكرة الدينية عبر إرجاعها إلى أصولها التاريخية، ومن ثم النظر إلى الحاضر بمعايير الحاضر. ووجدها في الفكرة القومية الحديثة المتحررة من الإثم والعدوان.

 

مجدي ابراهيميظهر لي أن مسألة المفاضلة بين الولاية والنبوة في التفكير الإسلامي مسألة مفتعلة لا أساس لها من الصحة ولا صحة لها عندي من أساس مقبول، تكاد تكون أكذوبة ملفقة ظهرت في أوان الضعف الفكري وصراع العقائد والاتجاهات المذهبية التي تخدمها أمّا بالتأييد أو بالرفض، ولا يكاد المتأمل فيها على البديهة أن يقف على قناعة تعطيه تبريراً للقول بتفصيل الولاية على النبوة في بحوث الأقدمين من ذوي النزعات الصوفية.

ولا يمكن أن يكون الولي أفضل ولا أكمل من النبي، ولكي نحيط القارئ علماً بمسألة الولاية وما يتفرّع عنها من كرامات الأولياء، ونحيطه بالمسائل الشائكة التي لصَقت بالتصوف لصقاً وهو منها براء؛ بشأن المفاضلة بين الأولياء والأنبياء والملائكة، يجدر بنا الوقوف عند هذه المسائل وقفة نقدية طويلة؛ لنتتبّع أسباب ظهورها ومواطن الرأي فيها في التفكير الإسلامي؛ فلم يسمْ الولي وليّاً إلا لنصرة دينه والعناية بحقه وامتثال أوامره وترك نواهيه، فإذا خرق الله له عادة تدل على استقامته فهى عضد وعمدة؛ لصحة دعوى النبيّ الذي أمره ونهاه وامتثل هو ما حدّ له ولم يتعداه.

ومن أجل هذا؛ قال القشيري في شأن الكرامات، وهو باب طويل في أبواب الرسالة :"هذه الكرامات لاحقة بمعجزات نبينا صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنَّ كل من ليس بصادق في الإسلام لا تظهر عليه الكرامة. وكل نبيّ ظهرت كرامته على يد واحد من أمته؛ فهى معدودة من جملة معجزاته؛ إذْ لو لم يكن الرسول صادقاً، لم تظهر على يد من تابعه الكرامة.

فأمّا رتبة الأولياء فلا تبلغ رتبة الأنبياء عليهم السلام؛ للإجماع المنعقد عليه. ومن المؤكد أن هذا الرأي هو إجماع صوفية أهل السنة ورجال التصوف السُّنيِّ قاطبة بغير خلاف؛ فالهجويري، كما سيأتي تفصيله، يتابع القشيري، ويكاد يردد قوله حرفاً ومعنى، حين يرى أن تأييد الأولياء الدائم للنبيّ يستقى ممّا يظهره الله على أيديهم من كرامات وما يجريه لهم من منازل السعداء، تحمل الناس على إجلالهم وتعظيمهم بمقدار ما تحملهم على إجلال وتعظيم صاحب الشرع الذي يتبعونه ويوالونه المحبة متابعةً وتعظيماً لقدره، ومصافاة.

وهذا أبو يزيد البسطامي سُئل عن هذه المسألة فقال :"مَثَلُ ما حَصَلَ للأنبياء عليهم السلام كمثل زِقِّ فيه عسل ترشح منه قطرة، فتلك القطرة مثل ما لجميع الأولياء، وما في الظرف مثل لنبينا صلوات الله عليه ".

ويستدل من إشارة أبي يزيد على ضعف الرأي الذي يقول بمفاضلة الأولياء على الأنبياء، بل وكذبه وفجاجة القول به، وهى مفاضلة ولا شك كما قلنا تُلصق لصقاً في الغالب بالصوفية؛ كونهم لا يتحرّجون من هذه المفاضلة ولا يرون فيها قدحاً في مقام النبوة. وقد ساق المرحوم الدكتور أبو العلا عفيفي في كتابه "التصوف الثورة الروحية في الإسلام"، هذه المسألة مساقاً لا نوافقه عليه؛ إذ ربما يخرجها عن قصدها المعتدل ويلقي بها في زوايا الاهمال العلمي رغم تتبعه طيّب الله ثراه للفكرة في مظانها الرئيسية ولهذا قال : وقد ظهرت المفاضلة بين الإنسان والملائكة في الفكر الإسلامي عموماً وفي الفكر الصوفي بوجه خاص، وكان مبعثها من غير شك ما وَرَدَ في القرآن من قصة آدم ومطالبة الله الملائكة بالسجود له.

والقرآن صريح في أن "الإنسان" الذي أختاره الله خليفة في أرضه وأسجد الملائكة تعظيماً له، أفضلُ من الملائكة بما أودع الله فيه من الصفات وما عليه من الأسماء :

قال تعالى :"وإذْ قالَ ربُّكَ للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة" وهو آدم، وقال :"وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إنْ كنتم صادقين. قالوا : سبحانك لا علم لنا إلَّا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم".

وليست هذه "الأسماء" إلا الصفات التي أودعها الله آدم وذريته. ولم يودعها كلها بل أودع بعضها في الملائكة. ولهذا كانت طبيعة الإنسان أكمل وأتم، ومرتبته في سُلم الوجود أعلى من طبيعة الملائكة؛ لأن فيه نزعات الخير التي يتمثل فيها الجمال الإلهي، بمقدار ما فيه كذلك نزعات الشر التي يتجلى فيها الجلال الإلهي، في حين أن الملائكة ليس فيهم من هذه الأخيرة شيء؛ فهم مجبولون على الطاعة والعبادة لا تجد المعصية إليهم سبيلاً؛ لأنهم لم تتهيأ لهم أسبابها. أمّا الإنسان فبذور الشر والمعصية أصيلة في جبلته، فإذا غالب شهوته وهواه وكبح جماح نفسه ومناه، وانتهى به الأمر إلى الطاعة، كان أفضل من الملائكة. ومن يكسب النصر في ساحات القتال خيرٌ ممن يمنح النصر منحاً. وإذا كان الإنسان من حيث هو إنسان أفضل من الملائكة، كان الأنبياء أفضل منهم من باب أولى؛ لأن الأنبياء خاصَّة البشر. كان هذا هو رأي أهل السُّنة وجميع مشايخ الصوفية.

أمّا المعتزلة؛ فالملائكة عندهم أفضل؛ لأنهم في نظرهم أعلى درجة وألطف طبيعة وأكثر طاعة. ولكن هذه الصفات ليست الصفات التي تقع بها المفاضلة، وإلا لكان إبليس وكانت له هذه الصفات جميعها أفضل خلق الله، مع أن الكل مجمع على لعنته بشهادة الله.

فمسألة المفاضلة بين الأولياء والأنبياء إذن سابقة في الفكر الإسلامي، ولم تكن حديثة عهد بظهور شخصيات صوفية بعينها، ولكنها جرت في الأوساط الفكرية إذْ ذَاَكَ لأفضلية الإنسان الذي أختاره الله خليفة في أرضه وأسجد له ملائكته تعظيماً له وتكريماً على الملائكة المجبولين للعبادة الموقوفين عليها في غير اختيار بين الخير والشر أو بين الهدى والضلال.

ويقول الدكتور أبو العلا عفيفي :" وظهرت مسألة المفاضلة بين الأنبياء والأولياء في التصوف، وكان أول من أثارها متصوفة الإمامية بالكوفة (رياح وكليب) من زهاد الزنادقة ثم ظهرت بعد ذلك من كلام متصوفة الشام كأبي سليمان الداراني المتوفى سنة 215هـ وأحمد ابن الحواري المتوفى سنة 230هـ. وكل هؤلاء يذهبون إلى تفضيل الأولياء على الأنبياء جملة. ولا شك أن هذا القول فيه غلوّ من جانب المرحوم الدكتور عفيفي؛ لأن كلاً من هاتين الشخصيتين اعتمدت من شخصيات الرسالة القشيرية، ولهما أقوال معتدلة، فكيف بتفضيل الأولياء على الأنبياء؟ ويمكن الرجوع إلى أقوال أبي سلمان الداراني، في الصفحات التالية: 368،378،458،481، 61،62,68،73,209،214،241،254،277،280،286،294،30453،343،344.

54٤. وأيضاً : لأقوال أحمد بن أبي الحواري ص 61، 62،68.

ثم يقول الدكتور عفيفي أيضاً : وكذلك يذهب هذا المذهب محمد بن على الحكيم الترمذي الذي يستشهد بالحديث القائل :" إن لله أولياء ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء".

ومع تقديرنا الشديد لجهود أستاذنا المرحوم الدكتور أبو العلا عفيفي؛ فإنّا لا نستطيع موافقته على قوله بأن أبا سليمان الداراني وأحمد ابن أبي الحواري كانا يقولان بتفضيل الأولياء على الأنبياء بوجه من الوجوه، لا لشيء إلا لأنهما كانا من رجال "الرسالة القشيرية"، وفضيلتها الاعتدال والمضيُّ قدماً على خُطىَ الشريعة؛ فلو كانا يقولان بمثل هذا التفضيل لما تركهما القشيري، وهو صوفي سنيُّ معتدل، بغير نقد أو اعتراض، ولكنه نقل عنهما أقوالهما وعزَّز رسالته في باب الولاية وغيرها من أبواب بما يقولان. أمّا الحكيم الترمذي فلم يعرف عنه مطلقاً أنه كان يرى تفضيل الولاية على النبوة ولا الأولياء على الأنبياء، ولم يكشف كتابه "ختم الأولياء" عن هذه النزعة فيه إلا أن يكون التفضيل للولاية من حيث هى مقام في النبوة، لا مطلق التفضيل كما هو الحال عند ابن عربي .

وإنّا لنأخذ على أستاذنا المرحوم عفيفي كذلك، متابعته في غير فحص ولا تحقيق لهذه الجزئية، للتوجهات السلفية فيما يتصل برياح وكليب؛ فإنَّ أول من أطلق هذا اللقب الجائر على الصوفية الأوائل : "زهاد الزنادقة" أو "الزنادقة الزهاد"، هو عبد الرحمن الملطي (ت 377هـ) في كتابه "التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع" وهو أقدم مؤرخ للعقائد، حشوي غارق في الحشوية. كان أولُّ من أطلق الزندقة على تلك التوجهات الروحية في الإسلام، وتابعه في هذا الاتجاه السلفي المناقض للصوفية ابن الجوزي البغدادي (ت 597هـ) ثم الفقيه الحنبلي المتشدّد ابن تيمية (ت 728هـ).

ولم يكن "الملطي" صاحب "التنبيه" مؤرخاً دقيقاً للحياة الفكرية والروحيّة في الإسلام، وكتابه خليط مشوَّه من الحقائق والأكاذيب والتخريجات الصحيحة والفاسدة. أمّا أبو المهاجر رياح بن عمرو القيسي (ت177هـ) فهو بصري زاهد، تلميذ الحسن البصري، متأله، كبير القدر كما وصفه الذهبي، كان يعيش في حزن دائم وهمِّ مقيم، وكان من الخائفين، ومن البكائيين. ومن لمحاته الصوفية : أنه كان دائماً ما يفتش عن "نور الحكمة"، فكان يقول :"كما لا تنظر الأبصار إلى شعاع الشمس، كذلك لا تنظر قلوب محبي الدنيا إلى نور الحكمة أبداً".

وإنما يقصد بنور الحكمة :"تنقية القلب من حبِّ الدنيا، حتى يمتلأ بذكر الله". ويفسّرها قوله :" عجبت للخليقة كيف أنست بسواك، بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواك"؛ فنور الحكمة المقصود هنا : امتلاء القلب بذكر الله بحيث لا يأنس بغير الله.

ولكن "الملطي" يذكر (رياحاً وكليباً) في صنف من الروحانية أو الفكرية المنتمين إلى الزندقة. يؤمنون "بالخلة" وهى نوع من المحبة مستمدة من قصة إبراهيم "خليل الله". ويرى "الملطي" أن هذه الخلة انتهت بهم إلى نوع من الإباحية، فإذا تمت الخلة، ارتفعت التكاليف وأُحِل للخليل ما في مُلك خليله، وهو تخريج هزيل مقلوب، يدل على عقلية ضعيفة متحجرة لا تنجم عن أفق واسع ولا تأويل قريب .

ولم يقف وصف "الملطي" عند هذا الحد، على (رياح وكليب) بل طال رابعة العدوية (185هـ) فجعلها ممّن أباحت نفسها لجليسها كما كانت تقول، وفسّر الإباحة تفسيراً مادياً خبيثاً. غير أن هذه النظرة التي تبناها "الملطي" ودافع عنها هى ولا شك نظرة متطرفة شديدة الإيغال في التخريج المتعسف بل وفي الأكاذيب الشنيعة، وليس لها أساس من الصحة، ولا صحة لها عندي من أساس مقبول؛ فلم يعرف عن رياح ولا عن كليب ولا حتى عن رابعة تلك الإباحية التي ينسبها "الملطي" إلى هؤلاء الزهاد الأوُّل. ولم يكن رياح ولا كليب ممّن يدعوان إلى نبذ التكاليف، فكيف يدعوان إلى تفضيل الولاية على النبوة أو الأولياء على الأنبياء؟

وإنما كان الأول، وهو تلميذ الحسن البصري، غارقاً في الأحزان والآلام والدموع. وكان الثاني (كليب) وهو - كلاب بن جري - على نفس المنهج لا يخالفه ولا يخرج عنه : قد اختلط عنده، كما وصفه أبو نعيم صاحب "حلية الأولياء"، "شدّة الخوف وطرب الشوق". ولم يقدح حزنه وآلامه في سمو روحه وصحة تعاليمه. وكان كما يظهر في مواقفه مع أصحابه من الخائفين : يبكون خوفاً من النيران، شديد الخوف بكّاءً، يطرب شوقاً لمحبة الله ولقائه (را : أبو نعيم : حلية الأولياء : جـ 6، ص 193. وأيضاً د. على سامي النشار : نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ؛ جـ 3 ؛ ص 257 وما بعدها).

كان لابد من تلك "الوقفة النقدية" إزاء ما جاء منها متعلقاً بسهوات الدكتور أبي العلا عفيفي رحمه الله؛ فلئن كنا غيورين على تراث الصوفية ندفع عنهم الظلم الظاهر وسوء التخريج، فلا شك أننا أغير الغيورين على تراث أستاذنا الجليل المرحوم الدكتور أبي العلا عفيفي، طيَّب الله ثراه، من أن تصيبه سهوات هو أعلى منزلة منها وأرفع قدراً في تقديرنا، فما زلنا في هذا الصدد نتابع تخريجاته لمسألة المفاضلة بين الأولياء والأنبياء هذه؛ لنراه يمضي في حديثه العذب سواء في التصوف عموماً أو في موقف ابن عربي من الولاية.

وبما أن أهل السنة يجمعون على تفضيل الأنبياء على الأولياء، ويرون أن الولاية امتدادٌ للنبوة وتأييد دائم لها؛ فلأن النبوة انقطعت بموت النبيّ، والولاية لا تنقطع. فالأولياء هم خلفاء النبيّ وورثته الروحيون الذين يحملون الشعلة المقدَّسة من بعده. وفي هذا يقول الهجويري :" وقد أراد الله أن يظل برهان النبوة قائماً إلى يومنا هذا؛ فجعل الأولياء وسيلة لإظهار هذا البرهان لكي يستقر الحق به، وتظل حقيقة نبوة النبيِّ ظاهرة". أما تأييدهم الدائم للنبي، ففيما يظهره الله على أيديهم من الكرامات التي تمكن لهم في نفوس الخلق وتحمل الناس على إجلالهم وتعظيمهم، وبالتالي على إجلال وتعظيم صاحب الشرع الذي يتبعونه؛ فالناس بعد النبي ليسوا بحاجة إلى نبي جديد، ولا إلى معجزة جديدة، تظهر على يد نبيّ، ولكنهم بحاجة إلى أولياء كاملي الإيمان مؤيدين بتأييد الله يُذكّرون الناس برسالة النبيّ إذا نسوها أو قصروا في إتباعها.

وليس من شك أن رأي الهجويري هذا هو نفس رأي القشيري الذي سبق وأوردناه في صحة متابعة الشارع وتعظيمه خلال ما يجريه الله على أيدي تابعيه من كرامات لاحقة بمعجزات النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وكذلك، أجمع جمهور الصوفية من أهل السنة على تفضيل الأنبياء على الأولياء، وعلى أن الولاية بداية النبوة، وعارضهم في ذلك مجسمة خرسان الذين ادّعوا أن الأولياء يصلون إلى حالة يفنون فيها عن أنفسهم ويبقون بالله، ويسمون هذه الحال بالولاية، وهى ليست حالاً للأنبياء. وكذلك المشبَّهة الذين زعموا أن في الولاية اتصافاً بأوصاف الألوهية عن طريق الحلول وما شاكله، وفي هؤلاء وأولئك يشير الهجويري - كما يرى أستاذنا الدكتور عفيفي - إلى تفضيل الأنبياء على الأولياء، ويقول :" وهذا هو رأي أهل السنة من الصوفية، ولكن يعارضه الحشوية من أهل خرسان الذين يتكلمون كلاماً مناقضاً في التوحيد، والذين لا يعلمون مبادئ الصوفية، ويدعون أنهم من أوليائهم. نعم! هم أولياء، ولكنهم أولياء الشيطان. يقولون إن الأولياء أفضلُ من الأنبياء، ويكفي في إبطال مذهبهم أن يقولوا : إن جاهلاً من الجاهلين أفضل من محمد المحتار. ويرى هذا الرأي أيضاً المشبَّهة الذين يدَّعُون أنهم صوفية ويقولون بالحلول ونزول الله إلى جسم العبد (را : الهجويري : كشف المحجوب ؛ ص 235؛ وأيضاً : أبو العلاء عفيفي : التصوف .. الثورة الروحية؛ ص 306، 307)

ويحاول الهجويري أن يثبت أفضلية الأنبياء على الأولياء بدليلين : أحدهما عقلي والآخر صوفي. أما العقلي فهو أن الأولياء أتباعُ للأنبياء، والأتباع أدنى منزلة من المتبوع، فلا يمكن أن يكون أفضل منه. وأما الدليل الصوفي فهو أن الأولياء على سفر إلى الله. أما الأنبياء فواصلون إلى الله منذ البداية. وصلوا إليه ثم عادوا برسالاتهم لدعوة الناس وتعليمهم. والواصل إلى نهاية الطريق أفضل من السالك الذي لا يزال يسير فيه حتى نهايته. ألا ترى أن "المشاهدة" أول درجات الأنبياء وهى آخر درجات الأولياء : فإنه إذا وصَلَ الولي إلى مقام الجمع استغرق في محبة الله واشتغل قلبه بمشاهدة فعل الله بحيث لا يرى في الوجود غيره. يقول أبو على الروذباري :"لو سقط عن الأولياء مشاهدة معبودهم لسقط عنهم وصف العبودية". ولكن هذه حال الأنبياء على الدوام سواء أكانوا في البدء أم في النهاية.

فإبراهيم عليه السلام في بداية حاله لما رأى القمر بازعاً قال هذا ربي ثم لما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي، هذا أكبر (الأنعام : 78)، لأن الحقيقة كانت غالبة على قلبه فلم ير شيئاً آخر سوى الله، أو لم ير شيئاً آخر بعين الغيرية، بل رأى ما رأى بعين الجمع. وهكذا يجعل الهجويري من الأنبياء صوفية من طراز غير طراز أولياء الصوفية. يجعل منهم صوفية واصلين إلى الله منذ بداية أمرهم، مشاهدين له في كل شيء بمحض طبيعتهم. أما أولياء الصوفية؛ فهم سالكون لا يزالون يشقون طريقهم إلى الله ويطلبون مشاهدته والوصول إليه. وليس السالك في الطريق كمن وصل إلى نهايته.

وهكذا يجعل الدكتور عفيفي من الهجويري لسان حال أهل السنة المعبر عنهم في هذا الموضوع ويتخذه شاهداً على صحة ما يقولون. ومن هنا، كان الأنبياء أفضل من الأولياء. وهذه الأفضلية أفضلية مطلقة لا يمكن أن تكون غير ذلك بوجه من الوجوه. ولا يمكن أن ينسب أحد إلى الصوفية قولهم بتفصيل الولاية على النبوة إلا أن يكون مدعياً عليهم ملفقاً لأقوالهم، وعليه من بعدُ وز الادعاء والتلفيق. أما المعتزلة فينكرون فكرة المفاضلة من أساسها، ويقولون لا مؤمن أفضل من مؤمن، والإيمان هو الأساس الجامع بين المؤمنين بل هم ينكرون الولاية نفسها ويقولون إنِّ المؤمنين أولياء الله لو كانوا مؤمنين حقاً، ولو كانت الولاية تقتضي الكرامة لأعطيت الكرامة لكل مؤمن؛ لأن الإيمان هو الأصل، والكرامة فرع عنه. والمشاركة في الأصل تقتضي المشاركة في الفرع.

 

د. مجدي ابراهيم

 

قراءة في مطلع سورة النساء

إذا فهمنا أنّ التقوى هي صيانة النفس؛ فإنّ آلة الصيانة الأولى هي المعرفة، أيعقلُ أن يطلبَ منا صيانة اجتماعنا الإنسانيّ تأسيساً على معرفةٍ أقلُّ ما يقالُ فيها إنها مشبوهة! لكونها لا تؤدّي إلا إلى خلل فظيعٍ في العلاقات الاجتماعية، وبالتالي إلى عطالةٍ حضاريّة مدمّرة!

يشكّل الفهم السائدُ للعلاقة المنسجمةِ مع التقوى حرجاً كبيراً لكلِّ مسلمٍ مؤمنٍ بالقرآنِ الكريمِ كتاباً نهائياً من الله إلى الناس كافة، بلسانٍ عربيّ مبين، إذْ يرى في ما تنص عليه الاتفاقيّات الدولية المتعلقة بحقوق المرأة والطفل[1]، وشرعةُ حقوق الإنسان[2] ، ما هو أقرب للتقوى؛ لما تدعو إليه من حقوقٍ في العيش الكريم، والاستقلال، والحريّة التي تجعل الفرد مسؤولاً، بغض النظر عن جنسه ولونه.

بناء عليه؛ إما أن يكون كتاب الله يخاطب عالماً لم يعد موجوداً وليس لكلّ زمانٍ ومكان، وإمّا أن تكون الفهومُ التي وصلتنا هي التاريخيّة وينبغي أن نكون في حلٍّ من الالتزام بمقتضياتها!

استجلاءً لذلك، عمدنا إلى الآيات الكريمات المعنيّة بهذا الشأن، وتعاملنا معها بالتحليل للوقوف على مدلولاتها وفق منهجيةٍ تحليليةٍ ترقب الأسلوب والتركيب النحوي والصرفي وتتوخى الدقةَ ما استطعنا إلى ذلك سبيلا بحثاً عن الدلالة الممكنة بحسب زعمنا، ولا ندعي أنها نهائية بل هي ما نستطيعه، إذْ  يسهل عند البعض أن يتخذَ موقفاً بإزاء هذه القضية، فيقول هذا الكتاب من تأليف محمّد "ص"، ولا يكلف نفسه الاطلاع على هذا الكتاب، ولا ينبغي له التحليل ولا التعليل ولا التأويل، وعتاده من الدراية باللسان العربيّ المبين أنه يرفع المضاف إليه والمفعول، ويزعم أنّ معرفة الصرف والنحو غير ذات أهمية في تحصيل المعنى.... كما يزعم البعض أنّ الأوامر والنواهي في القرآن الكريم هي لعرب زمن التنزّل، ولا دليل من لدنه على صحة ما يقول ولا على بطلان سواه، إلا بعض نتفٍ من الحكايات والسير والمغازي، غير المحققة علمياً.

لا نريد أن نفند آراء هؤلاء وهؤلاء لنرد عليها، ولا نرد على الفقهاء والمفسرين، بل نريد أن نمارس المنهجية التي نعتقد بصوابية مندرجاتها بغض النظر عن النتيجة التي نتوصّل إليها.

إذن؛ ما المعرفة العلمية التي يريدنا النص أن نؤسس عليها تقوانا؟ وما هي مظاهر التقوى؟ وما هي مظاهر عدمها؟. ما علاقة التقوى وعدمها بالأمن الاجتماعي والخلل الاجتماعي؟

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[3].

عندما يتعلق الأمر بالاجتماع الإنساني، يأتي التنبيه بواسطة النداء "يا أيها الناس" ومفردة الناس تنطوي على الرجال والنساء، والصغار والكبار، ومن مختلف الألوان والأعراق. وإنْ كان لهذا الأسلوب في التنبيه من دلالة، فهي في أنه يهيّء لإعلان شرعة تريدُ الاجتماع الإنسانيَّ على نحوٍ مخصوص؛ وإلاّ، فلماذا مناداة الناس!؟ أما القول بأن المقصودَ بالناس أهل مكة، أو العرب، فهذا لا يغيّر في المطلوب شيئاً.

الآية تعقّب على النداء هذا بالأمر "اتقوا ربكم" والتقوى هي تحصين الذات، وإذ يقع فعل التقوى على "ربّكم" فهذا يمنح الفعل معنى مأخوذاً من الأبعاد الدلاليّة العديدة للربوبيّة، فهي العناية والرعاية والتربية والهداية وما يمكن أن ينتمي إلى هذا الحقل. والناس ناس لأنهم في هذه الأرض مربوبون، أي في عناية ورعاية وتربية وهداية... ومفردة الناس لا تطلق على مفرد، وجذرُها "أ، ن، س" "وهو ظهورُ الشيء، وكلُّ شيءٍ خالَفَ طريقة التوحُّش"[4]، ما يعني أن مفردة الناس تُطلق على الجماعةِ المؤتلفة، فيكون ائتلافها عقداً اجتماعياً يحمي حقوق الأفراد المكوِّنة لهذا الاجتماع، وهو مظهر الربوبية في حياتهم. وإذْ يكون التنبيه بـ"يا أيها الناس" لإلقاء الأمر عليهم بتقوى الرب "اتقوا ربَّكم"؛ فهذا يعني أن خللا حاصلا يهدد الأمن الاجتماعي أو العقد الاجتماعي، ومردُّ هذا الخلل هو في فقدان التقوى، أي السلوك اليوميّ المخالف لما تقتضيه الربوبيّة. فما هو هذا الخلل؟ وكيف يتجلّى في النص؟

تتّصف مفردةُ " ربّــ " المضافة إلى ضمير المخاطبين"ـكم" بالاسم الموصول "الذي"؛ فهو أداة نحوية من شأنها هنا توجيهُ الأذهان لفهم الربوبيّةِ من زاويةٍ مخصوصة، فتأتي صلة الموصول "خلقَكم" لتحدد هذه الزاوية المخصوصة.

وقع فعْل الخلْق على المخاطبين في أول الآية "يا أيّها الناس"، وقد وصل أثر هذا الفعل إلى مركّبٍ وصفي "نفسٍ واحدةٍ" بواسطة حرف الجرّ " من ". وحرف الجرّ هذا مُختلَف بشأنِ معناه؛ فهو عند الغالبية من المفسرين حرف ابتداء الغاية لتكون هذه النفس الواحدة مبتدأ الوجود الإنسانيّ السلاليّ، وتدلّ مفردة النفس هنا بحسبهم على "آدم" أبي البشر[5]. ويشير هؤلاء المفسرون إلى قلة تقول بأنّ "من" بيانيّة أي إنها تبيِّن نوع المادة التي خلق منها الناس. والغرض من هذا البيان نفهمه من خلال فهمنا الحمولة الدلاليّة للأمر"اتقوا ربكم"؛ إذْ لا يمكن لأمر أن يُطلب تنفيذه في الوقت الذي يُنفَّذ فيه، بل يطلب تنفيذه عندما لا يكون معمولاً به في الناس. وأن يبيّن علةَ وجوب التنفيذ في بيان كون الناس من أصلٍ واحد، أو مادّة واحدة، أقوى من أن يكونوا سلالةً أو سلالات؛ وهذا يحيل على سلوك يوميٍّ للناس يعارض ما يقتضيه خلقُهم من أصل واحد، فإنّهم يجورُ بعضُهم على بعض تبعاً لمواقف ضمنيّة فاسدة؛ فالمطالبة بتقوى الرب الذي خلقهم من نفس واحدة ترمي إلى دفع الجور بالتزام قواعد سلوكية ذهنيّة وحركية مؤسّسَة على حقيقة أنهم من أصل واحد. والسلاليّةُ لا تخدم هذه الفكرة لأنّها تنطوي على التفريع، والتفريع يحيل على الاختلاف الذي هو حق بين الناس؛ فهم مختلفون ألوانا وأحجاما، هيئاتٍ وألسنا، نساء ورجالا، صغاراً وكبارا...إلخ؛ وهذا لا يقتضي أمرَ الناس بالتقوى؛ لأنّ الاختلاف ليس فساداً، ولا ينبغي أن يكون سبباً للفساد في الأرض.

إذن، النفس الواحدة، هي المكوّن الواحد لكل الناس المشمولين بـ"ـكم" المخاطبين، هي الحقيقة الأولى، و في اللسان "النَّفْس عين الشيء وكُنْهُه وجَوْهَره"[6]، ما يستدعي أن نفهم اختراع الناس كان من جوهر واحد، ومن الجوهر نفسه كان قرينُه؛ فالنص يواصل بيان الأمر بالتقوى فيظهر الربوبية للناس ليسلكوا بما تقتضيه معرفتُهم ـــــــ إضافةً إلى خلْقِهم من نفس واحدة ــــــ أنه خلَق منها زوجها، والزوج بحسب ابن سيدة في لسان العرب " الفَرْدُ الذي له قَرِينٌ"[7]، فالزوج قرين زوجه أو هي لزوجها قرين[8]. ولازمُ هذا البيان في سياق التنبيه على ضرورة تقوى الرب؛ هو في أنّ خللاً ما في العلاقة بين الزوج وزوجه مؤسّساً على اعتبارٍ يغالط الحقيقة التي تقول بأنّهما من نفس واحدة، من جوهر واحد؛ فلا اختلاف بينهما في الرتبة إنما في الهويّة. وإن كان لا بدّ لأحدهما من أن يكون سيداً فلا يكون مردّ ذلك إلى كونه رجلاً، أو إلى كونها امرأة، فالتقوى تقتضي أن يكون مردُّ ذلك التفاضل إلى الحقّ، وإلى الحقّ وحده.

بالنظر إلى ترتيب الأفعال في صلة الموصول، نلاحظ أن فعل الخلق واقعاً على المخاطبين﴿ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ قد سبق فعل الخلق واقعاً على زوجها ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، ويعطف عليه فعل البثّ واقعاً على الرجال والنساء ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾.

عندما يؤتى بالاسم الموصول "الذي " وصفاً لربكم؛ فذاك لغرضٍ محدد، وهو بيان ما يوجب فعل التقوى، والذي يوجب فعل التقوى هو الخلل القائم في سلوك الناس لاعتبار جهلهم حقيقةَ خلقِهم أو تجاهلها؛ فيأتي الفعل خلقكم من نفس واحدة هو المضاد الحيوي لهذا السلوك الذي يشي بأن بعض الخلق من جوهر مختلفٍ عن الآخر أو من حقيقةٍ أخرى غير الحقيقة التي خُلِقَ منها الآخر. ونفهم عندها أن مقاصد الآية ليست في بيان الترتيب الواقعي للخلق، بل في بيان ما يُلزم بالتقوى؛ لوقف التمييز ضد الآخر المختلف. وجاء فعل الخلق الثاني لا ليدل على حصوله بعد الفعل خلقكم، بل لبيان الحقيقة التي انطوى عليها الفعل خلقكم، وهي أن الفرد وقرينه من نفس واحدة، وحرف العطف "الواو" ليس للترتيب إنما هو للجمع مطلقاً. وإلى ذلك أشار ابن مالك في الألفية[9]:

واعْطِفْ بِواوٍ سَابِقًا أَوْ لاَحِقَا        فِي الْحُكْمِ أَوْ مُصَاحِبًا مُوافِقَا

وغاية الجمع هنا كما سبق وأشرنا هي في إبراز ضرورة التقوى مؤسّسةً على هذه المعلومة المهمة.

ويواصل النص المراكَمة، فيعطف الفعل "بثّ" على الفعل "خلق" بوصفه مظهراً آخر لإيجاد الناس، يقتضي الربوبيّة أيضا، فالمبثوث هو الرجال والنساء، وما هذا التفصيل هنا إلا بمقتضى خللٍ ما في العلاقة بين الرجال والنساء، وهذا الخلل كما تبيّنَ لنا مبنيّ على معلوماتٍ خاطئة تفيد بأنّ الرجل أعلى رتبة من المرأة، وهذا لا يتفق مع التنبيه "يا أيها الناس"، فهل الناس هم الذكور فقط؟! ولا يتفق مع الطلب الذي يأمر بتقوى الرب الذي خلق من نفس واحدة، ولا يتفق مع حقيقة أنّ الزوجين من جوهر واحد؛ وأن يعطف الفعل "بثّ" على فعل الخلق فذاك لبيان حقيقة الانتشار الإنسانيّ وتفرقه واختلافه، وأن يكون المبثوث رجالاً ونساء، فذاك تسييق للنظر في مقاصد الآية الرامية إلى تعديل العلاقة بينهما، وتصويبها بتأثير من معرفة الحقيقة التي لا تميز بينهما تميييزا في الرتبة وإن تفرّقا في الهويّة. فالبث كما يقول ابن فارس:"الباء والثاء أصلٌ واحد، وهو تفريق الشيء وإظهاره"[10] .

أمّا لماذا تقدّم الرجال بالذكر على النساء، فهذا تقديم المُلقي على المتلقّي في آليات البث الطبيعية، وهذه ليست فضيلةً للرجل، ولا نقيصة للمرأة؛ بل هي الطبيعة كذلك، إذْ لا ينزل المطر إلا بالتقاء غمامتين إحداهما سالبة والأخرى موجبة، فأيّ الغمامتين أرقى وأعظم!!! .

وأن يفرّق بين الرجال والنساء بمفردة "كثيراً" فذاك إمعان في التفريق بين عنصري النفس الواحدة، حفاظاً على هوية الرجل مختلفةً عن هويّةِ المرأة، والعكس. أمّا لماذا تقدّم ذكر الرجال على ذكر النساء ؛ فذاك لا يمنح الرجال مرتبة متقدّمة ولا النساء مرتبةً متأخرة؛ فالواو كما مرّ معنا لا علاقة لها بالترتيب. ومع ذلك نرى أن الذي يقتضي ذلك في هذه الآية الكريمة وفي سائر القرآن الكريم، هو طبيعة اللغة العربيّة بوصفها مسكن العرب ومظهر مواقفهم الذكورية، والله جلّ وعلا يخاطب الناس بحسب تقاليدهم القولية.

مفردة "كثيراً"  ليست وصفاً للرجال كما يحلو للبعض[11] أن يفهم، بل هي وصف للمصدر المحذوف "بثّاً"، وما حذفه إلا علامةً على عدم مقصوديته، بوصفه حدثاً مطلقاً غير مقيد بزمن، في الوقت الذي ينوب فيه الوصف "كثيراً " عنه، للدلالة على النماءالعددي[12]، وهو المقصود هنا. وتأخيره إلى ما بعد ذكر الرجال المبثوثين، أوْهَم بأنه وصفٌ للرجال،  وهذا لا يستقيم والوظيفة الدلاليّة الملحوظة هنا؛ إذ لو تقدم "كثيرا" وقال :" بثّ منهما كثيرا رجالا ونساء" لتغيّرت الدلالة وشطّت إلى غير مقصود الآية، فيكون الغرض إذّاك تأكيد البثّ ونمائه عدديا، وليس هذا ما يفيد تسويغاً للتقوى المطلوبة، بل المطلوب بيان المبثوث، وهم الرجال والنساء، لأن التقوى هي الاحتراز مما يغوي به التسلّط و الطغيان؛ لكون الفرق بالهوية بين الزوجين، قد يوهم بفرق في الرتبة الإنسانية.

ويؤكّد النص طلب التقوى مرّةً أخرى وذلك بإسناده أمراً مطلوباً إلى الناس المكنّى عنهم بواو الجماعة "واتقوا"؛ إلا أنه المرّةَ هذه يقع بهذا الفعل على لفظ الجلالة العلَم" الله" ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾.

عندما ينبه النص الناس بأسلوب النداء، ويلقي عليهم أمراً بالتقوى، ويقع بتقواهم على ربّ الناس؛ فإننا بذلك فهِمنا أن النص يَعتمد نمطا إيعازياً/ برهانياً يرجع فيه إلى مفردةٍ تكتظّ دلالاتها للإضاءة على مقتضى الأمر بالتقوى. مفردة "رب" تشير إلى العلاقة مع المربوبين، وهي هنا، علاقة خلق وتفريع ونشر، وكلها منّة يلقيها النص على الناس ليعدّلوا سلوكهم البينيّ، إذن؛ اتقوا ربكم، تعني اتقوه باعتبار علاقته بكم، وقد ذكر المفسرون أنّ معنى اتقوا هو احذروا، وهذا المعنى لا يفيد في هذا السياق، بل هو يقدّم لنا الرب، ويقدّم لنا الله على أنّه ممتلئٌ بشهوة التعذيب والانتقام، وحاشا للرحمن أن يكون كذلك. بل معنى اتقوا ربكم، أو اتقوا الله أي اتخذوا ربكم أو الله وقاية لكم، وهذا ما عنينا به تحصين النفس من مغويات الجور. وقلنا إنّ هناك خللاً في العلاقة البينية تتنافى مع الخلق والتفريع والبث كما وردت من رب الناس. فاتقوا ربكم يعني إصلاح ذات بينكم بهذه المرجعية المعرفيّة.

أمّا اتقوا الله، فـــهي بما هي عليه من دعوة إلى تحصين النفس دلالة على أنّ علاقتكم بالله لا تستقيم وسلوككم البينيّ فيه هذا الخلل، فاتخذوا الله وقاية لكم في علاقاتكم وفي معاملاتكم. الله إلهكم بإرادتكم، أنتم اخترتم واقتنعتم، وينبغي أن تكونوا قد التزمتم بما يقتضيه خياركم وقناعتكم.

ووقوع التقوى على الرب أو على الله، فهو لاعتبارين، الأول مرتبط بالربوبية وهي علاقة الخالق بمخلوقاته، والثاني مرتبط بالإيمان. فالرب ربكم سواء آمنتم به أو لم تؤمنوا. أما الله فهو ليس إلهكم إلا إذا آمنتم بألوهيته. لذلك يطالب النصُّ الناسَ بالسلوك في علاقاتهم ومعاملاتهم ومواقفهم الضمنية والعلنية، باعتبار الربوبية، وباعتبار الألوهة. يعني أنتم مسؤولون عن الحياة المستقيمة، المؤسَّسة على قاعدة الأصل الواحد لكل بني البشر، سواء كنتم مؤمنين أو غير مؤمنين.

وتأتي مفردةُ "الأرحام" منصوبةً على الأرجح، لتعيّنَ موطن السلوك المستقيم الذي تغيَّته هذه الآيةٌ الكريمة، فعطف الأرحام على لفظ الجلالةِ؛ لتدل على أنّ تقوى الله جلّ وعلا تكون بالسلوك المستقيم مع الأرحام. فـ"اتقوا " واقعاً على الأرحام  تعني أن اتخذوا الأرحام وقايةً لكم من السقوط في الخلل والزلل المنافي للاستقامة المرجوّة في السلوك من جرّاء الإيمان بالله، وذاك منعكَسٌ جيّدٌ لتقوى الله الذي تساءلون به.

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، بمنظارٍ تداولي ننظر إلى الضرورة التي استدعت التأكيد بـ:"إنّ"، لنرى أنّها في الخلل الحاصل في العلاقات الاجتماعية وبخاصة مع الأرحام، فهي لا تقف على ما تقتضيه تقوى الله، ولا تلتزم ما يمليه الإيمان بالله الذي تساءلون به، فالتأكيد هنا لإزالة الغفلة عن ربوبية الله لخلقه، وقد تمثلت هنا في العلامة "رقيباً" يقول ابن فارس: "الراء والقاف والباء أصلٌ واحدٌ مطّرد، يدلّ على انتصابٍ لمراعاةِ شيءٍ. من ذلك الرَّقِيب"[13]

وفي اللسان"راعَيْتُ الأَمرَ: نَظَرْت إلامَ يصير"[14]. وهذا يجعلنا نفهمُ دلالة إدخالِ "كان" هنا ؛ فهي لإثبات استمرار الرقابة على الإنسان، إذ  تختص كان بمرادفة " لم يزل " كثيراً، أي: أنها تأتي دالة على الدوام، وإن كان الأصل فيها أن يدل على حصول ما دخلت عليه فيما مضى، مع انقطاعه عند قوم، ... أو سكوتها عن الانقطاع وعدمه عند آخرين"[15] ويطرأ سؤال هنا في علّة العدول عن "لم يزل" إلى "كان" لنجدَ أنّ الأصل في "كان" هو الدلالة على حصول ما دخلت عليه فيما مضى، وليس هذا أصلاً فيما دخلت عليه "لم يزل"، والحاجة إلى إثبات الدوام سابقاً وحاضراً ومستقبلاً تقصِّرُ"لم يزل" عن حقها، وأنّ "كان"  تلبي هذه الحاجة؛ فكان استخدام "كان" لإثبات الدلالة المرجوة.

 وعليه، يكون التأكيد بـ"إنّ" من جهة، وماضوية "كان" من جهة ثانية، لا تطلب مجرد التصديق بالرقابة الإلهية للإنسان، بل تنكر غفلةَ الناس عن حقوق الأرحام، وهذا تعظيمٌ لفداحة الخلل في العلاقات الاجتماعية التي نبهت إليها الآيةُ الكريمةُ في مستهلّها.

مظاهر الخلل

استضعاف اليتامى

﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾[16]

اتقوا ربكم، اتقوا الله، والأرحام، وآتوا اليتامى....

من مظاهر التقوى في الحياة الاجتماعية السليمة أن يأخذ كل ذي حق حقه. وعلى ما يبدو من ملفوظ الآية الكريمة، أن هذه الحياةَ كانت تضج بخلل فظيع يطول الفئات الضعيفةَ في المجتمع، ويأتي على رأس هؤلاء اليتامى والنساء،  "عجز اليتامى عن الدفاع، وعن تحصيل حقهم في الميراث، جعل الورثة الكبار يأكلون اموالهم وحقوقهم، ولا يؤدون لهم نصيباً في الإرث"[17].

ويعطف النص على تقوى الله أمراً ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ فالتشريع بما يخص الضعفاء يبدأ برفع الحيف عن اليتامى، وأكثر المفسرين يقولون إن الإيتاء هو الإعطاء، غير أنّ المراقب لاستخدام مفردة إيتاء في القرآن الكريم يجدها قد وردت واقعةً على الزكاة اثنتي عشرة مرّة، ما يشي بأنها تختص بالفرض والواجب وأن يكون الإيتاء علامة على رفع الحيف ففي ذلك إشارةٌ مهمة لحجم المسؤولية فالإيتاء في الغالب واجب وأثبت للمفعول بينما العطاء تفضُّل وأقل إثباتا للمفعول[18]. وبالنظر إلى الصيغة "آتوا" نجدها تختلف عن صيغة "أعطوا" بالمدّ في أولها ليكون الإيتاء مختلفاً عن الإعطاء بالإمهال، فالإيتاء لا يعفي الوليّ من ولايته، بينما الإعطاء ـ لكونه من دون إمهال ـ يعفي الولي من ولايته إذا ما تم أداء الفعل. والحرص القرآني على أن تكون رعاية اليتيم والقيام على شؤونه والإنفاق عليه من ماله من مظاهر التقوى في المجتمع؛ استخدم فعل الإيتاء بدلاً من الإعطاء .

ومن مظاهر التقوى أيضاً ﴿وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾  من يتبدّل الخبيث بالطيّب! أيعقلُ أن يكون امرؤ بكامل قواه العقليّة يُقدم على ترك الطيب من المعاملات، أو الأفكار أو الممتلكات....؛ لصالح الخبيث منها؟!

الجواب الطبيعيّ عن هذه التساؤلات هو :"لا". إذن لماذا هذا النهي هنا؟

ألا يعني أن السياق الذي ورد فيه الأمر بإيتاء اليتامى أموالَهم، هو نفسه السياق الذي تحصل فيه مسوّغاتُ هذا النهي؟

تأسيساً على الآية الأولى التي نبهت الناس إلى ضرورة التقوى، يمكننا أن نفهم الخلل الفظيع الذي ينتاب الحياة الاجتماعية، وكبراءُ المجتمع يحسبون أنهم في عيشةٍ راضية، هم لا يحسبون أنهم بحرمان اليتامى من أموالهم إنما يقومون بعمل خبيث، بل هم في سلوكهم مع اليتامى إنما يأخذون ما يمكّنهم من دفع الأخطار عنهم، فاليتيم لا يرث لأنه لا يستطيع أن يحمل السيف، ولئن فعلوا فإنما هم يهدرون أسباب المنعة، لذا؛ لا يرون في سلوكهم هذا إلا ما يعزز مكانتهم حيث تدعو الحاجة.

إذن؛ يرى الشارع أن الأمن الاجتماعي يتحقق بأن تؤدّى الحقوق إلى أصحابها، وعندما يُنزل عدم إيتاء اليتامى أموالهم منزلةَ الخبيث فذاك لأن الناس ينفرون من الخبث ويقبلون على الطيّب، وإذا لم يكن لهذا الأسلوب من فائدة سوى تحريض المتلقّي على سلوكه فهذه مزيةٌ تكفي؛ فلها تداعيات كبيرة في التأسيس المتين لمنهج يبدأ بتشكيل قواعد أو معاييير في النفس يرجع إليها المتلقّي لتقويم سلوكه.

الطلب بالنهي هنا أقوى من الطلب بالأمر، وهو يؤدّي هذا المعنى تماماً، فتعطيل فعل التبدّل مسنداً إلى واو الجماعة" الناس" مطلوبٌ لضمان حياة اجتماعية سليمة، والمفعول الواقع عليه فعل التبدّل معطّلاً، هو "الخبيث" في علاقته مع "الطيّب"، وطبيعةُ هذه العلاقة كما يدلُّ هذا المركّب، هي اتخاذُ الخبيث طيباً والطيب خبيثاً. فالطلب هنا بهذه الصيغة يفيد تعطيل هذا السلوك، كما يفيد اعتماد رائز يتعيّن بموجبه الخبيث والطيّب، وقد سبق طلبه "اتقوا". وهذا ما لا يفيده الطلب بصيغة الأمر.

ويعطف النص على هذا النهي نهياً آخر ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾

مع أنّ النهي عن التبدّل مسيّقٌ في سياق إيتاء اليتامى أموالهم؛ إلا أنّه بلفظه يتجاوز هذه الخصوصيّة ولا يهملها، فالخبيث عام وكذلك الطيب؛ والنهي عن إحلال الخبيث محلّ الطيب يفيد العموم إلى الخصوص. وعليه، يأتي المعطوف هنا ليزيل توهما قد تنشره الجملة السابقة، مفاده أن الكلام عام ولا يخص اليتامى، فالنهي عن أكل أموالهم يفيد التخصيص. و إنزال عدم إيتاء اليتامى أموالَهم، منزلةَ الطعام الذي يحتاجُ إليه، فذاك لتحريض المتلقّي على نفسه التي تزيّن له هذا السلوك بزينة الحاجة الغرائزية حتى ليبدو أن الامتثال لطلب الانتهاء شبه مستحيل. وفي هذا ترويض للإنسان على مواجهة الرغبات في عرضها أولا على معيار الخبث والطيب، وثانياً على معيار الحاجة وعدمها. إنه تأسيس لسلوك يوفر الأمن الاجتماعي اعتماداً على سلطان ثقافيّ يستهدف العادات والتقاليد والأعراف و....

"لا تأكلوا أموالهم"، نهيٌ يعمُّ "الناس" وهذا مطلوب، غير أنّ "إلى أموالكم" تخصص أصحاب الأموال من الأوصياء، فهؤلاء تحدّثهم أنفسهم بزيادة ثرواتهم ولو كان على حساب الضعفاء، ويجدون مبررات كثيرةً لذلك، كما درجت العادةُ إلى زمن التنزّل؛ أن لا يورَّث اليتيم والولد الصغير، والنساء، بحجةِ عدم قدرتهم على حماية القبيلة أو العشيرة أو القرية[19]، لذلك لم تقف الآية عند أكل الأموال، بل أوصلت أثر أموال اليتامى إلى أموال الأوصياء بواسطة حرف الجر"إلى"؛ إذْ يفيد هذا الحرف في أصل معناه انتهاء الغاية بمقابل "من"، ولكونه هنا رابطاً بين أموال اليتامى وأموال الأوصياء؛ فذاك ليدل على الجشع والطمع، وأن يقال إلى بمعنى ظرف المصاحبة "مع"، فذاك مردود إذْ لو كان "مع" يفي بالغرض؛ فليس هناك من ضرورةٍ تملي العدولَ عنه. قد يكون اللبس في ذلك من كون "مع" يفيد المصاحبة، والمصاحبة هي الملازمة والمرافقة، بينما "إلى" يفيد الضم أي جمع الشيء إلى الشيء، فلو أن الآية استخدمت "مع" لما تناسب معناه مع فعل الأكل الذي يشير إلى جشع الأوصياء وطمعهم؛ إذْ ليس لزاماً أن يكون مال اليتامى مع مال الأوصياء علامة سوء نية، بينما الأكل لا مندوحة له عن ذلك، وهذا ما اقتضى إيراد "إلى".

واختتام الآية الكريمة بالتأكيد ﴿إنّه كان حوباً كبيراً﴾ مناسبٌ لمقتَضيات أوامر الآية ونواهيها "آتوا/ لا تتبدّلوا / لا تأكلوا"، كل هذه العلامات في صيغها وسياقاتها تدل على خلل فظيع يجعل العلاقات الاجتماعية لا تُنتج إلا ظلماً واستتباعا، وتعِد بفشلٍ حضاريّ كبير. وهذا ما يؤكّده المركّب الخبري ﴿إنّه كان حوباً كبيراً﴾.

لماذا اختار مفردة حوب حكماً على فعلهم؟ فالحُوب هو الإثم بحسب المفسرين[20]، وهو في "اللسان":"الهلاك، والحزن، والوحشة، والوجع"[21] وهو في "المقاييس" : الإثم والحاجة والمسكنة[22].تأسيساً على ما سبق يمكن أن نلاحظَ قصور مفردة "إثم" بإزاء الخلل الاجتماعي الناجم عن غياب التقوى، فالأبعاد المعجمية لمفردة "حوب" تشير إلى فظاعة الواقع؛ لذا، لن يكتفيَ النص بدلالة الإثم فقط، بل يجد في الحوب إثماً وزيادة، نفهمها من السياق، ومن خلال الأبعاد المعجمية المذكورة، فلفظة إثم قد تطلق على الخمر والميسر، وتعطف على العدوان..... بينما لفظة حوب لم تطلق في القرآن الكريم إلا في هذا السياق. ما يعني أنه الحكم الملائم الذي يقتضيه غياب التقوى.

وتأتي "كان" بين معمولي "إنّ" زيادةً في التأكيد لما تفيده من الاستمراريّة؛ إذْ يستفادُ منها في الدلالةِ على سوء هذا الخلل الاجتماعي ماضيا وإلى الأبد.

استضعاف النساء

﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا ﴾[23].

تعيدنا هذه الآية الكريمةُ إلى التحقيق في المخاطبين بهذه الآيات من أول سورة النساء.

"يا أيها الناس"، تحتمل أن يكون المعنيُّ بـ" يا أيها الناس" من عايشوا تنزُّل هذه الآية في المحيط القريب جداً، كما تحتمل أن يكون الناس الناس قاطبة في كل مكان وفي كل زمان. ومن المرجح أن يكون المعايشون المحايثون هم المعنيين، لأغراض تتعلق بمفاسدهم ومحاسنهم، بهدف تخليق أمةٍ تستند في تطلعاتها وسلوكاتها على أسس معرفيّة يقينية، تمكّنهم من التقوى. وعليه يكون الضمير في الأفعال التالية:"اتقوا"، "خلقكم"، "تساءلون" "آتوا" "ولا تتبدّلوا" "ولا تأكلوا" كناية عن المستهدف المباشر بالخطاب، وهم المطالبون بالتقوى بوصفهم النواة الأولى للأمة المرجوة. وكذلك الضمائر في "عليكم" و"أموالكم" و"أموالهم. ولا يعني قولنا هذا أن المعرفة المؤسِّسة ينعدم مفعولها بانقضاء العصر، بل يعني أنّني يجب أن أعرفها حتى أتمكن من الفهم، وبالتالي أفهم مقاصد الخطاب تأسيساً عليها.

إذا فهمنا (آتوا اليتامى أموالهم، ولا تتبدلوا، ولا تأكلوا)، أنها مطالب يتوجه بها الخطاب إلى الأولياء والأوصياء، بهدف رفع الجور عن اليتامى المستضعفين، فهذا يعني أن الآية الثالثة من السورة نفسها إذْ تبدأ بـ" وإن خفتم" فالمخاطبون هنا هم أولياء اليتامى والأوصياء أنفسهم؛ فمن هم هؤلاء؟ أليسوا الجدّ العمّ والخال والأخ الأكبر وربما الصديق ..... والقاضي؟

ويستوقنا في هذا الأسلوب تعدية الإقساط إلى اليتامى بواسطة الحرف "في"، وهذا ما يجعل اليتامى ظرفاً مجازياً يتحقق فيه فعل الإقساط، ولذلك أهمية بيانية كبيرة، إذْ نلحظ من جرائها تحيّز الفعل وفاعله داخل اليتامى، ما يعني أنه من الأرحام أو ما بمنزلتهم. ولو أنّ النص عدَل عن "في" إلى أي أداة أخرى لعدل المعنى . وأن يكون المسندُ إليه في فعل الشرط هم من الأرحام فذاك يرقى  بالخطاب إلى مرقاة أخلاقية تبلغ حدّ الإلزام في الضمان الاجتماعي، على هذا النحو أو سواه.

لماذا الخوف من عدم الإقساط في اليتامى؟ طالما أنهم هؤلاء؟ أيكون مصدر الخوف أمراً له علاقة بالنساء وموقعهن في المجتمع فتأتي إباحة النكاح منهن نوعاً من التحصين في الظروف العصيبة؟ بخاصة وأنّ أكثر اليتمِ يكونُ من الحروب، وعليه فإنّ واجبات المجتمع تصبح كبيرة تجاه اليتامى والأرامل؟؟؟

ما هو هذا الأمر المتعلّقُ بالنساء؟

تُخلّف الحروب عدداً كبيراً من اليتامى، وهؤلاء هم أبناء رفاق الدرب المريرة والعسيرة، ومن يبقى حياً من جرّائها، ينظر في الأمر ويعرضه على نفسه، إذ كان من المحتمل أن يكون هو القتيل، وأبناؤه اليتامى؛ ويريد الآن تحت تأثير هذا الشعور أن يرعى أبناء رفيقه، أن يمسح رؤوسهم بكفه، أن يجلب لهم الهدايا، أتراه ينجو من ألسنة الناس لو تردد بين هذا البيت و ذاك  وذلك، ولا رجل في البيت، أليس في ذلك طعنٌ بكرامة المرأة واستخفافٌ بشرفها وعفتها؟ لذا؛ جاء جواب الشرط "إن خفتم"، "فانكحوا" .

أعتقد أن عدم الإقساط عائدٌ إلى عدم القدرة على القيام بالواجب، وهذا سبب وجيه للخوف، مع أنّه لن يصيب كلَّ من يتولى شؤونهم، لذا؛ استخدم أداة الشرط "إنْ" وهي أداة تفيد الاحتمال، وذاك لأنّ الخوف من عدم الإقساط هذا، لا يحصل مع الجدِّ مثلاً، أو خال اليتامى، بل غالبا ما يحصل مع الأخ عمّ اليتامى، أو الرفيق، أو الجار؛ فيأتي الأمر بالنكاح مثنى وثلاث ورباع، ليس أمراً موجها إلى شخصٍ بعينه في هذا السياق، بل هو أمرُ إباحةٍ شرطُه الخوفُ من عدم الإقساط مع اليتامى، إذ ينزع الحجّةَ من الرجل الذي يتذرّع بأنه متزوج ما قد يحولُ دون الإقساط؛ فيقدّمُ النصُ أصنافا من الرجال الغيارى على مجتمعهم، فصنفٌ منهم مقتدرٌ على الزواج باثنتين، وصنفٌ بثلاث، وصنف يتزوج بأربع، وبتقديري يمكن أن يكون هناك أصناف تتزوج بأكثر وأكثر، فالنص لا يضع حداً بأسلوبه هذا، وصنف يخاف الجَور فليكتف بواحدة، أو ما ملكت يمينه، أي ما يستطيعه. إذْ لا يمكن أن يكون الأمر أربع زوجات أو واحدة، ثلاث زوجات أو واحدة، زوجتين أو واحدة، بل الممكن ما يمكنكم القيام به.

وتستوقفنا في هذه الآية الكريمة "ما طاب لكم" فـ"ما" هذه، مصدرية زمانية، وما كان بإمكاني الموافقة على مزاعم تقول بأنها لغير العاقل، وأنّ النصّ بهذا الأسلوب قد أنزل النساء منزلة غير العاقل! ولم أدر السبب الذي يقتضي هذا الإنزال!

قلنا "ما" مصدرية زمانية، أي فانكحوا مدةَ طيب النكاح لكم من النساء، وهذا الأسلوب لا يبدو تشريعاً للنكاح بقدر ما هو تكليف بمهمةٍ تتحرّز بالنكاح وهي كفالة اليتيم، وتوصيل أثر النكاح إلى النساء بواسطة حرف الجر "من" فذاك لبيان النوع الذي يطيب النكاح منه وهو النساء وليس إناث اليتامى فهؤلاء لسن نساء بل هن بنات قاصرات،لا يملكن أنفسهن، بالتالي لا يحق للولي أن يتزوج منهن بحجة الرعاية والاهتمام. في هذه الحال كيف يكون شأن الذكور من اليتامى؟ ألا يحتاجون رعاية واهتماما؟ هل تحلُّ مشكلة يتمهم بزواج أخواتهم القاصرات؟أم أن النصّ يستبعدهم فلا ينظر في شؤونهم؟ فلتتواضع العقليّةُ الذكوريّة قليلا حتى تتمكن من حسن القراءة. ما كان ينقص المفسرين والفقهاء شيء من الذكاء ـ والأمر لا يحتاج ذكاء حاداً ـ ؛ بل كان ينقصهم الخروج على السائد من القيم الذكورية التي جعلتهم لا يتوقعون أن للمرأة حقاً، وأنّ للطفل حقا، وربما هذا لم يكن ممكناً في ذلك الزمن لشدة تمكن الذكورية من الحياة ومصادرتها بالكامل.

ويأتي التعداد لا ليضع حداً للزيجات، كأنْ يقال كان العربُ قبل هذه الآية يجمع كل رجلٍ تحته عدداً غير متناهٍ من النساء؛ فجاءت هذه الآية لتضع الرقم أربعة هو الحدّ الأقصى؛ بل جاء التعداد ليضع مخرجاً للتحرّج مما يُتوهم أنه عائقٌ يحول دون الإقساط في اليتامى. والأسلوب الذي ورد فيه التعداد لا يشي بأنّ "رباع" هو ما يجب أن يقف عنده الرجل، فلو أنه قال انكحوا اربعاً وإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة، كنا حسبنا الأربع حداً نهائياً، أمّا انكحوا مثنى، وثلاث، ورباع، فتعني أنّ العدد مفتوح على ما ملكت أيمانكم، أي ما ملكت قدراتكم على العدل. إذْ يرى جمال زعيتر أن اليد اليمنى"ترمز إلى الخير والقوة والحياة"[24] فلكونها ترمز إلى القوة لا يعني أنها ترمز إلى استباحة استرقاق النساء. وقد درجت العادة في القراءة أن يحصروا دلالة ملك اليمين في النساء المملوكات بسبب السبي أو نظام الاسترقاق. ولا أدري كيف يمكن أن نبعد عنا الخوف من عدم العدل بنكاح السبايا أو الإماء! والأنكى أنهم يقولون بأنك لست مطالباً بالعدل مع هذا الصنف من البشر! أيكون هذا من عند الله، الذي يقول "خلقكم من نفس واحدة" !!!!!.

خلاصة

لم يكن الهدف من وراء هذه القراءة المتواضعة، تسفيه ما درج عليه الفقه الإسلاميّ بمختلف مذاهبه، بقدر ما كان بحثاً في القرآن الكريم عما يعزز الانتماء إلى العصر على أسس ترتكز على السرديّة الإسلاميّة التي شكلت العقل العربيّ على مدى قرون من جهة، ومنهجيات التحليل المعاصر من جهة ثانية. وما تبيّن لنا بتوسلنا القراءة المنهجيّة الحديثة، وبتأثير من إلحاح العولمة وتطاولها على الخصوصية، ليس نهائيا ولا يدّعي ذلك، ولا ينبغي له.

وقد خلصنا في نهاية بحثنا إلى جملة خلاصات هي:

إن الأوامر والنواهي في مطلع سورة النساء ارتكزت على تثبيت حقيقة مفادها أن الناس من نفس واحدة، سواء كانوا بيضاً أو سودا، يتامى أو أرامل نساء ورجالا.

الأمر الأولي الضروري الذي لا مندوحة عنه هو التقوى، وهي صيانة النفس بوصفها نفساً تتعرّض على الدوام للإغواء بالظلم بمختلف أشكاله.

لا يمكن أن يكون أمن اجتماعي إلا بالتقوى، ومظاهر فقدانها في المجتمع كثيرة إلا أنها في مطلع هذه السورة لها مظهران:

أكل مال اليتامى

استضعاف النساء واستتباعهن للرجل .

الأمر بالتقوى هو أمر بإعطاء كل ذي حق حقه،

الآية الثالثة لا تنطوي على دعوة للنكاح بأربع بل هي دعوة للإقساط مع اليتامى، وإباحة النكاح بأربع تأتي في سياق حفظ حق اليتامى وكرامة الأرامل.

وعليه لا تكون المرأة ملك يمين الرجل بمعنى الأَمة ـ على الأقل في هذه الآية الكريمة ـ بل فهمنا أن ما ملكت أيمانكم تعني ما هو مقدور عليه من عدد الزيجات. حتى لا تكون الحقيقة التي تأسس عليها هذا الحكم بلا فائدة، إذ ما معنى أن ينبهنا النص إلى كوننا جميعا من نفس واحدة ثم يحط من قدر النساء بإزاء الرجال!

وأخيراً تبيّن لنا أن "أو ما ملكت أيمانكم" بحسب أهل التفسير والفقهاء والرواة، لا قيمة لها في حل مشكلة الخوف من عدم الإقساط مع اليتامى.

أرجو أن لا يكون ما نقوله ثقيلاً إلا أنه هو ما بدا لي بحسب قدراتي.

 والله من وراء القصد.

 

د. سعد كمّـوني

...............................

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

ابن فارس، أحمد، مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام محمد هارون، دار الفكر بيروت، 1979.

ابن كثير، عماد الدين اسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر، الرياض، 1999.

ابن مالك، محمد بن عبد الله الأندلسي، متن ألفية ابن مالك، ضبطها وعلّق عليها عبد اللطيف بن محمد الخطيب، ط1، مكتبة دار العروبة للنشر والتوزيع، الكويت، 2006.

ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الأفريقي المصري، لسان العرب، دار صادر، بيروت،د.ت.

اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة؛ الوثيقة ذات الرقم *0360793* الأمم المتحدة، 18/12/ 1979.

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بموجب القرار 217000، باريس في 10/12/1984.

البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، تحقيق محمد عبد الرحمن المرعشي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1424هـ.

جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلّي، تفسير الجلالين، تحقيق فخر الدين قباوة، مكتبة لبنان ـ ناشرون، 2006.

جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار الساقي، ط4، بيروت 2001.

الجويني، عبد الملك، البرهان في أصول الفقه، تحقيق:عبد العظيم محمود الديب، ط4، دار الوفاء، المنصورة، مصر، 1418هـ.

الرازي، فخر الدين، التفسير الكبير/ مفاتيح الغيب، ط1، دار الفكر، بيروت، 1981،

زعيتر،جمال حسين، الجسد رموز ودلالات،دار العودة، بيروت، 2014.

السمرقندي، نصر بن محمد بن أحمد، بحر العلوم، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1993.

السيوطي، جلال الدين، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع من النحو والصرف، تحقيق أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1998.

الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن،تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط1، دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة، 2001.

الفيروز ابادي، مجد الدين، محمد بن يعقوب ، بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، تحقيق محمد علي النجار، وزارة الأوقاف ، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، ط3، 1996.

الماوردي،علي بن محمد بن حبيب، النكت والعيون، دار الكتب العلمية، ومؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، د.ت.. 

 .....................

هوامش

[1]  ) تعديل الأنماط الاجتماعية والثقافية لسلوك الرجل والمرأة بهدف تحقيق القضاء على التحيزات والعادات العرفية والممارسات الأخرى القائمة على فكرة دونية أو تفوّق أحد الجنسين أو على أدوار نمطية للرجل والمرأة) الجزء الأول، المادة الخامسة، الفقرة أ من اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة؛ الوثيقة ذات الرقم *0360793* الأمم المتحدة، 18/12/ 1979.

[2]  الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بموجب القرار 217000، باريس في 10/12/1984.

[3]  القرآن الكريم، النساء، 4: 1.

[4]  ابن فارس، أحمد، مقاييس اللغة، مادة "أنس"

[5]  السمرقندي، نصر بن محمد بن أحمد، بحر العلوم، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1993، 1/ 328. الماوردي،علي بن محمد بن حبيب، النكت والعيون، دار الكتب العلمية، ومؤسسة الكتب الثقافية، بيروت، د.ت، 1/ 446 . ابن كثير، عماد الدين اسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر، الرياض، 1999. 2/ 207.الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، ط2، دار ابن تيمية، القاهرة، د.ت. 7/ 515 . ......

[6]  ابن منظور، لسان العرب، مادة "نفس"

[7]  ابن منظور، لسان العرب، مادة "زوج"

[8]  الفيروز ابادي، محمد بن يعقوب ، بصائر ذوي التمييز، تحقيق محمد علي النجار،وزارة الأوقاف ، لجنة إحياء التراث الإسلامي، القاهرة، 1996، ط3، 3/ 142.

[9]  ابن مالك، محمد بن عبد الله الأندلسي، متن ألفية ابن مالك، المكتبة الشعبية، لبنان، د.ت. ص37.

[10]  ابن فارس، أحمد، مقاييس اللغة، مادة" بثث".

[11]  الرازي، فخر الدين، التفسير الكبير، ط1، المطبعة البهية المصرية، القاهرة، 1938، 9 /162.. البيضاوي، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، دار إحياء التراث العربي، بيروت،د.ت.،2/ 58. جلال الدين السيوطي وجلال الدين المحلّي، تفسير الجلالين، تحقيق فخر الدين قباوة،مكتبة لبنان ـ ناشرون، 2006، ص258.

[12]  ابن منظور، لسان العرب، مادة" كثر".

[13]  ابن فارس، أحمد، مقاييس اللغة، مادة "رقب".

[14]  ابن منظور، لسان العرب، مادة "رعى"

[15]  السيوطي، جلال الدين، همع الهوامع، 1/ 437.

[16]  القرآن الكريم، النساء، 4: 2.

[17]  جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، 5 /567.

[18]  الجويني، عبد الملك، البرهان في أصول الفقه، تحقيق:عبد العظيم محمود الديب، ط4، دار الوفاء، المنصورة، مصر، 1418هـ.1/ 161.

[19]  راجع جواد علي، م.س. ص.ن.

[20]  الطبري،، القرطبي، الرازي، .......

[21]  وَالْحُوبُ: الْهَلَاكُ ؛ وَقَالَ الْهُذَلِيُّ؛وَكُلُّ حِصْنٍ، وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ يَوْمًا سَتُدْرِكُهُ النَّكْرَاءُ وَالْحُوبُ؛أَيْ يَهْلِكُ. وَالْحَوْبُ وَالْحُوبُ: الْحُزْنُ؛ وَقِيلَ: الْوَحْشَةُ ؛ قَالَ الشَّاعِرُ؛ إِنَّ طَرِيقَ مِثْقَبٍ لَحُوبُ أَيْ وَعْثٌ صَعْبٌ. وَقِيلَ فِي قَوْلِ أَبِي دُوَادٍ الْإِيَادِيِّ؛يَوْمًا سَتُدْرِكُهُ النَّكْرَاءُ وَالْحُوبُ أَيِ الْوَحْشَةُ ؛ وَبِهِ فَسَّرَ الْهَرَوِيُّ قَوْلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى طَلَاقِ أُمِّ أَيُّوبَ: " إِنَّ طَلَاقَ أُمِّ أَيُّوبَ لَحُوبٌ ". التَّفْسِيرُ عَنْ شَمِرٍ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: أَيْ: لَوَحْشَةٌ أَوْ إِثْمٌ. وَإِنَّمَا أَثَّمَهُ بِطَلَاقِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ مُصْلِحَةً لَهُ فِي دِينِهِ. وَالْحُوبُ: الْوَجَع . ابن منظور، لسان العرب، مادة "حوب".

[22]  الْحَاءُ وَالْوَاوُ وَالْبَاءُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَتَشَعَّبُ إِلَى إِثْمٍ، أَوْ حَاجَةٍ أَوْ مَسْكَنَةٍ، وَكُلُّهَا مُتَقَارِبَةٌ. فَالْحُوبُ وَالْحَوْبُ: الْإِثْمُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2] ابن فارس، المقاييس في اللغة، مادة "حوب".

[23]  القرآن الكريم، النساء، 4: 3.

[24]  زعيتر،جمال حسين، الجسد رموز ودلالات، ص.369.

 

ميثم الجنابيفكرة الأنا الثقافية الحرة (2)

لقد كان انتقاد الأفغاني لعناصر المُدافَعة الشخصية وشرف النفس والحكومة في آراء الدهريين، هو انتقاد اجتزائها التقليدي من بنية المدنية الأوربية، بوصفه فعلا يفتقد للعقلانية والنزعة الأخلاقية والإنسانية. وذلك لأنه لا يؤدي إلى صنع الوحدة والوفاق الضروريين لعالم الإسلام المجزأ والمتخلف آنذاك. كما أن عقائد المدافعة الشخصية وشرف النفس ما هي في الواقع سوى قيم الفردية البرجوازية المعقولة في منظومة المدنية الأوربية للقرن التاسع عشر. بينما لم تعن بالنسبة لعالم الإسلام وواقعه آنذاك سوى انحلال "هيئة الاجتماع الإنساني" و"المدنية" و"نظام المعاملات" و"صلات البشر"[1].

لقد أدرك الأفغاني قيم الوجود الاجتماعي (هيئة الاجتماع) والمدني (لبس المدنية سربال الحياة) والاقتصادي الحقوقي (استقامة نظام المعاملات) والأخلاقي (صفو صلات البشر من الكدورات). وبهذا كان انتقاده لعقائد الدهريين انتقادا لقيم اللاعقلانية في القومية الأوربية والنزعة الفردية وأخلاقياتها الأنانية، أي أن انتقاده لهذه العقائد جرى من خلال تحجيمها ضمن أطرها الواقعية باعتبارها قيما أكثر مما هي عقائد. وبالتالي فإن الترويج لها هو ترويج تقليدي لا علاقة له بإدراك حقيقة وواقع الوجود التاريخي الذاتي. من هنا فكرته عما اسماه "باعتقاد الإلوهية" و"فكرة الثواب والعقاب" نموذجا مثاليا أوليا للروح الأخلاقي وليس للروح اللاهوتي في موقفه المعارض لقيم التقليد. لقد كان انتقاده هنا يجري من خلال إبراز الطابع غير العقلاني وغير الأخلاقي وغير المدني في محاولات تحويل القيم المجتزئة والمقلدة إلى مبادئ مطلقة (متسامية)، وليس رفض إمكانية دمجها في التآلف العقلاني الإصلاحي. من هنا فإن آراءه ومواقفه بهذا الصدد كانت تحتوي على محاولة إعادة دمجها في نسيج الرؤية الجديدة لوحدة الاجتماعي والمدني، باعتبارها الصيغة المناسبة لفكرة الهوية الخاصة للمدنية الإسلامية ومدنية الإسلام. ومن ثم صياغة الوحدة المعقولة بين التاريخ والثقافة وتنشيطها في الفعل الواعي لأهدافه وغاياته. لهذا رد في إحدى خاطراته على أولئك الذين وجدوا في ارتقاء اليابانيين وتطورهم دليلا على ضرورة عزل الدين عن المدنية، بأن لليابانيين ديانتهم الوثنية. وهي شأن الديانات الوثنية لا تخلو من الآداب والأخلاق. رغم أن في أصولها ما لا ينفع في أحكام الدنيا. بينما الدين في أصوله يدعو إلى السعادة. ولكن "إذا بقي عقيدة مجردة عن الأعمال فلا يحدث منه أثر ولا ينتفع المتسمون به"[2].

تعكس هذه الآراء والمواقف عن أن الأفغاني لم يتجاوز هنا أفكاره الأولية في انتقاده للدهريين، ولا ما وضعه من آراء جديدة في فهم حقيقة الدين. لكنه أضاف إليها إمكانية وضرورة وضع فكرة الأصول في الدين باعتبارها ميدانا للعمل وليس محلا للعقائد الجامدة. فقد وجد في تجرّدها عن العمل ما يعادل الإبقاء عليها بهيئة أصنام عقائدية. ولا يعني ذلك في آرائه ومواقفه سوى أسلوب التأسيس الجديد لفكرة الرجوع إلى المبادئ الأولى، أي صياغة الفكرة القائلة بوحدة التاريخ ومساعيه الدائبة صوب الأمثل. من هنا محاولته جعل وحدة الحق والحقيقة معيارا أساسيا للتدليل على الدين، عندما رد على أولئك الذين وجدوا في الإسلام سبب تأخر العالم الإسلامي. وكتب بهذا الصدد قائلا، بأن "الأديان بمجموعها هي الكلّ، وأجزاؤها هي الموسوية والعيسوية والمحمدية. فمن كان من هذه الأديان كلها على الحق فهو الدين الذي يتم له "الظهور والغلبة". لأن الظهور الموعود به، إنما هو "دين الحق". وليس دين اليهود ولا النصارى ولا الإسلام، إذا بقوا أسماء مجردة. ولكن من عمل من هؤلاء بالحق فهناك "الدين الخالص"[3]. لقد احتوت هذه الفكرة في ذاتها على جوهرية وأولوية الحق، بحيث نراه يطابقها مع حقيقة الدين. أما الدين فإنه لم يعد بالنسبة للأفغاني رديفا للأديان التقليدية. لقد أراد القول، بأن كل ما هو موجود هو حق، وكل ما هو حق هو موجود. وهي فكرة لها رصيدها الكبير وتقاليدها العريقة في الكلام الإسلامي (المعتزلي). أما الحقيقة فهي لسان الموازنة فيما بين الأديان. لكن الحقيقة هنا ليست كيانا معطى مرة واحدة وإلى الأبد بقدر ما هي الكينونة المتجلية في تنوع المبادئ المتسامية ووحدتها في العمل. أما هذه المبادئ بالنسبة له فهي التي ترتبط بمفاهيم الإصلاحية والعقلانية والإنسانية في الإسلام باعتبارها مكونات جوهرية في الوقت نفسه للأصالة الثقافية. ذلك يعني، أن هذه المفاهيم أخذت تجمع في ذاتها وحدة الأصول والمبادئ المتسامية، مما جعلها تحتوي في آن واحد على الفكرة وفاعليتها. ومن ثم فهي تعادل ما وضعه عن وحدة الحق والحقيقة في "الدين الخالص". فعندما تطرق الأفغاني إلى الإسلام في دعوته البديلة، فإنه وجد في أصوله أسس السعادة الممكنة، أي أسس الوحدة الممكنة للروح والجسد، والعقل والوجدان. وليس هذا بدوره سوى الصيغة المعبرة عن وحدة الديني والدنيوي، والدنيا والآخرة. فالإسلام مبني، بنظر الأفغاني، على أساس من الحكمة متين، وبه تجري نيل السعادة في الدارين. أما بلوغها فمحال دون "صفاء العقول من كدر الخرافات" و"الاعتماد على فكرة التوحيد" لا على إنسان أو جماد. وأن تكون نفوس الأمم مستقبلة وجهة الشرف، وإلا تكون "ناقصة في فطرتها عن الكمال"، وأن "تكون عقائد الأمة مبنية على البراهين القويمة والأدلة الصحيحة"[4]. ذلك يعني، أن الفكرة الإصلاحية كما تحتاج إلى قيم الصفاء العقلي والفكرة المتسامية للتوحيد ومساعي النفوس نحو الشرف واليقين بإمكانية الكمال وبناء هذه القيم والأفعال واليقين على أساس البرهان العقلي، فإنها تحتاج أيضا إلى من يجّسدها بالشكل الذي يجعل من عقائدها عن الحق والحقيقة سلطانا أعلى. لهذا شدد على إننا "نحتاج إلى عمل جديد، نربي به جيلا جديدا، بعلم صحيح وفهم جديد لحقيقة معنى السلطان الأول على الأجساد والأرواح"[5]. وإن هذا العمل الجديد والجيل الجديد والفهم الجديد، الذي ينبغي أن يصنع السلطة الجديدة في الروح والجسد الثقافي للأمة، هو الإسلام العقلاني. من هنا تشديده على أن ما يميز الدين الإسلامي عن غيره من الأديان، انفراده في "دفاعه عن العقل واعتباره إياه شرطا في الإيمان"[6]. ولم يضع الأفغاني هذه الفكرة بتقاليد العبارة الخطابية، بل حاول أن يؤسس لها بمعايير وتقاليد العقلانية الفلسفية والأخلاقية ونماذجها النظرية الكبرى عن "المدن الفاضلة". فقد خطط، كما يقول هو عن نفسه، لأن يبرهن على أن "المدينة الفاضلة، التي مات الحكماء على حسرة من فقدها لا تختط في العالم الإنساني إلا بالدين الإسلامي"[7].

إن محاولة الأفغاني استعادة قيم المدينة الفاضلة على أسس إسلامية، باعتبارها الضمانة الوحيدة لتحقيق فضائلها الداخلية، كانت تحتوي على محاولة تأسيس عقلاني لوحدة الحلقة الوسطى المفقودة في المواقف من الإبداع الممكن للفكرة الإنسانية الإسلامية نحو السعادة. فقد احتوت هذه الفكرة في ذاتها على غاية الأحلام المثلى، أو على نموذج التجسيد الممكن للواجب في دراما الحياة وتاريخ الأمم. ومن ثم كانت تحتوي أيضا على توسيع الأبعاد الإنسانية وتعميقها بالصيغة التي تجعلها قادرة على إعادة لحمة الكلّ الإنساني وتناسق فضائله العليا. فهي الرابطة أو الحلقة الوسطى التي كانت تتطابق في آراء الأفغاني مع فكرة الإسلام الجديد في العلم والعمل والأجيال الجديدة، أي في إعادة بناء سلطانه المادي والمعنوي بالصيغة التي تجعله قادرا على صنع وتحقيق مشروعه الثقافي الجديد. إذ أن المدنية الغربية، كما يقول الأفغاني، لا هم لها سوى الاستعباد لا المساواة[8]. أنها لا تعرف حقيقة الاندماج المتناسق، لأنها تفتقد إلى وحدة الفضائل العقلانية الأخلاقية باعتبارها قيما واجبة، على عكس إمكانية الوجوب الإسلامي. ومن هنا رده على أولئك الذين وجدوا في انتشار الإسلام ودعوته للجهاد رديفا لقوة السيف والقتال، بأن ذلك لم يكن إلا بالقدر الذي يستجيب للقوة الغضبية المندمجة في فضائل النفس العقلية وأخذها بالعدل المطلق والمثال الحسن[9]. ومن هنا كان دخول الأمم إليه هو صيرورة أجزاء متكافئة في وحدة الأمة والدولة. وذلك لأن عالم الإسلام هو عالم السلام. بل نراه يضع هذه الفكرة في صلب دعوته لمدنية الإصلاح وأصالته الثقافية. ففي برنامجه الذي أعده لمجلة (العروة الوثقى) نراه يجعل من مهمة الدفاع عن الإسلام والمسلمين إحدى المهمات الأساسية. وكان يقصد بذلك معارضة الأفكار التي تزعم بأن المسلمين لا يمكنهم بلوغ المدنية المعاصرة في حالة بقائهم على أصولهم القديمة[10].

أما محمد عبده، فقد حاول أن يؤسس لوحدة الفكرة الإصلاحية الإسلامية العقلانية من خلال إرساء منظومة التنوير الثقافية. من هنا تتبعه لفكرة الأفغاني عن الإسلام في مبادئه وغاياته، أي إزالة ما اسماه بالشوائب العالقة فيما لا علاقة جوهرية له بمبادئ الإسلام. فالتخلف والنزعة الحربية وما شابه ذلك مما ينسب إلى الإسلام ما هو إلا نتاج الاستئثار بالسلطة، والجهل بالإسلام. ولم يقصد بالجهل والجهلة هنا سوى أولئك الذين لم يشذب الإسلام ويهذب أرواحهم وعقولهم[11]. إذ ليس القتل والقتال، كما يكتب محمد عبده، من طبيعة الإسلام، بل في طبيعته العفو والمسالمة… والقتال فيه لرد اعتداء المعتدين على الحق وأهله[12].

إن هذه الصيغة العامة للدفاع عن الإسلام ضد معارضيه آنذاك، هي محاولة اكتشاف وتأسيس الإسلام الثقافي، أو الإسلام الإنساني والإصلاحي والعقلاني. ولهذا أكد على أن الإسلام خلافا للأديان كلها، والتي عادة ما تبنى عقائدها الإيمانية على المعجزات والخرافات هو دين العقل[13]. ومن هنا تأكيده الخاص على طبيعة العلاقة بين العلم والإسلام، التي أسس لها بالطريقة التي يمكن اعتبارها مبادئ عامة للإسلامية الدنيوية، أي تلك التي وجدت في العلم وضرورته إحدى الخصائص المميزة لحقيقة السلام وحضارته. ومن هنا استفاضته النسبية في كشف واقع ارتباط تطور العلم في حضارة الخلافة بقوة الإسلام، تماما كما أن ضعف الإسلام أدى إلى انهيار العلوم (الطبيعية والإنسانية). ليس ذلك فحسب، بل وأن تطور الإسلام وقوته تكشف عن انه الضمانة الكبرى لحرية الفكر والإبداع. وان العكس هو الصحيح. بمعنى أن انحطاط الإسلام والجهل به أدى إلى انحطاط قيم المعارف العلمية وحرية الإبداع والفكر. فالإسلام هو الذي وضع فكرة العقل والإدراك وتأمل الوجود في صلب تصوراته، كما يقول محمد عبده. وأن رفضه الأولي والمبدئي لفكرة المعجزة، هو الذي مهّد لاهتمامه المبكر بالعلوم، بحيث جعل بعض الخلفاء (كالمأمون) "يضطهد" من يعارض العلوم والفلسفة[14].

إن الإسلامية الدنيوية عند محمد عبده، هي إسلامية الروح الثقافي. وهي الفكرة التي لم يجد محمد عبده حرجا حتى في رفع "امتحان" المأمون واضطهاده لمعارضي الفلسفة والعلوم إلى مصاف النموذج الرفيع، دون أن يعني ذلك قبول أساليبه العملية المباشرة. إذ لم يسع محمد عبده من وراء انتقاده التنويري للتجربة التاريخية إلى رفع شأن الماضي، ولا إلى التقليل من قيمة الأنا الثقافية، بقدر ما انه أراد توحيدهما فيما يمكنه أن يكون أسلوبا جديدا لإدراك حقيقة العلاقة المفترضة بين الديني والدنيوي في الإسلام المعاصر، أي التأصيل للأصولية الثقافية. فقد احتوت هذه الأصولية الثقافية في موقفها من وحدة الديني والدنيوي، أو ما اسماه محمد عبده بالجمع بين مصالح الدنيا والآخرة، على أصل معقول من وجهة نظر الواقع والآفاق. فالحياة في الإسلام، كما يقول محمد عبده، مقدمة على الدين[15]. إذ كيف يتسنى للمسلم "أن يشكر الله حق شكره إذا لم يضع العالم بأسره تحت نظر فكره، لينفذ من مظاهره إلى سرّه، ويقف على قوانينه وشرائعه، ويستخدم كل ما يصلح لخدمته في توفير منافعه؟"[16]. ونعثر في هذا الترتيب للأولويات على استيعاب عقلاني جديد لوحدة الديني والدنيوي. ومن ثم إدراج هذا الترتيب في إطار ينبغي أن يخدم تأصيل الأصالة الثقافية للعقلانية الإسلامية، عبر تأسيس الوحدة المرنة بين الماضي والحاضر، والحقوق والأخلاق، والروح والجسد، والمعرفة والمنفعة. فهي الثنائيات غير التقليدية للفكر الإسلامي، وفي الوقت نفسه هي ثنائيات إسلامية في وحدتها النموذجية. من هنا إمكانية فاعليتها المؤصلة للأصالة بالنسبة لمشروع الإسلام الثقافي وتقاليد الاعتدال المميزة لفكر محمد عبده. وهذه بدورها ليست إلا إحدى الصيغ العقلانية، التي كانت تبحث عن طريق مناسب لتأسيس وحدة الفضائل في الوجود الاجتماعي والسياسي والأخلاقي للأمم. أما صيغتها في إصلاحية محمد عبده العقلانية، فقد جرت من خلال تنشيط روح الاعتدال المتنور بذاته، باعتباره البديل الضروري للعالم الإسلامي بشكل عام والعربي بشكل خاص، بما في ذلك من وجهة نظر تحديه التاريخي للغرب الأوربي آنذاك. لهذا شدد على أن السلطة المدركة والعاملة بأحكام الإسلام والمتمسكة بما قرره الأولون وما اكتشفه الآخرون، وبأن القرآن لآخرتهم والعلم لدنياهم، قادرون على مزاحمة الأوربيين والفوز عليهم[17].

إن هذا التأصيل غير المباشر لفصل الدين عن الدولة، أو وحدتهما الجديدة في العلاقة المرنة لأولوية العلم والحياة في الوجود الاجتماعي السياسي لعالم الإسلام، ما هو في الواقع سوى التوليف النقدي البارع للفكرة المنطقية في تاريخ الإسلام الثقافي. وليس مصادفة أن يضع محمد عبده أصل "قلب (تغيير) السلطة الدينية" في صلب أصول الإسلام. ومن خلال هذا الأصل حاول البرهنة على أن الإسلام لا يقر بأي سلطة دينية لأي كان[18]. ولا يعني عدم الإقرار بالسلطة الدينية لأي كان سوى افتراض بدائلها في أصل العقل والعمل الحر. وأسس لهذه الفكرة فيما وضعه عن أصول العقل والحاكم العقلي. وبما انه لم يضع للعقل حدودا في الحياة، ولم يقيد أي من أفعاله العلمية بالقرآن، فإن اندفاع صيغة العقل الإسلامية يعادل اندفاع صيغته الثقافية المتجددة. وهي ذات الفكرة التي استحوذت على ذهنية الإصلاحية الإسلامية ككل. وإذا كانت هذه الفكرة توحي في مظهرها الخارجي كما لو أنها استعادة لفكرة التكرار والدوران التاريخية، فإن مضمونها الفعلي قد تباين عند ممثلي الإصلاحية الإسلامية. فقد اتخذت عند الأفغاني صيغة "إسلام الحق والحقيقة"، وعند الكواكبي صيغة "إسلام القومية والعقلانية"، أما عند محمد عبده فقد اتخذت صيغة ما يمكن دعوته بإسلام الزمن الثقافي. وهو إسلام لا معنى للتكرار فيه. إذ لا تعقل حقيقته خارج ارتباطه الصميمي بتراثه الخاص، باعتبارها ألفة الأنا المعتبرة بتاريخها. فعندما ناقش محمد عبده قضية الإسلام والمدنية، فإنه أشار إلى أن "الإسلام لم يقف عثرة في سبيل المدنية أبدا. ولكنه سيهذّبها وينقّيها من أوضارها. وستكون المدنية من أقوى أنصاره"[19]. وأن "القرآن الذي كان يتبعه العالم حيثما سار شرقا وغربا لا بد وأن يعود نوره إلى الظهور ويحرق حجب هذه الضلالات"[20].

إننا نعثر في الصيغة المذكورة أعلاه على موقف يذلل تقليدية الفكرة القائلة، بأن "الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ". بل نعثر فيها على نفي عقلاني لوحدة التاريخ الثقافي في سعيه لتذليل عثراته الخاصة وملء فجواته من خلال استناده إلى وحدة وجوده الحق. وهذا بدوره ليس إلا الاستيعاب الجديد للإصلاحية في تاريخها الخاص. مما حدد بدوره قيمة الزمن الثقافي لا التاريخي. وذلك لأن محمد عبده أراد ربط مراحل التاريخ الذاتي بما في ذلك في فجواته، باعتبارها عِبَراً. ومن ثم ضغط "تاريخ الحق" في روح التفاؤل، باعتبارها المقدمة الذاتية للأصالة والأصالة باعتبارها تفاؤلا. وكتب بهذا الصدد يقول، بأن "الذي مضى بيننا وبين مبدأ الإسلام ألف وثلاثمائة وعشرون عاما، وإنما هي يوم أو بعض يوم فقط من أيام الله… وإن آيات الله في الكون تشهد بأن ما بقي لهذا النظام العظيم يقصر عن تقديره كل تقدير"[21]. وإذا كان محمد عبده يدرك قيمة الحقائق المتباينة بين الزمن "الآلهي" والإنساني، فإن إقراره ببقاء النظام العظيم للكون والفساد أو الصيرورة الدائمة في الوجود، يستلزم بالضرورة الهبوط إلى تاريخ الثقافة، لا إلى روحها الإنساني المجرد، أي إلى حركة التاريخ المدركة لا إلى نهايته اللاهوتية. من هنا مقارنته القائلة بأن المسيحية (والغرب الأوربي) ظلت ما يزيد على ألف سنة قبل أن يظهر فيها العلم، أو تنشأ الحرية الشخصية أو تسري فيها الحركة العلمية وإلى ما فيه صلاح الجمعية الإنسانية، في حين انه لم يمض على المسلمين من يوم استحكمت فيهم البدع إلا اقل من ثمانمائة سنة[22]. وهي إشارة تتضمن في زمنها التاريخي تلميح غير مباشر إلى مرحلة سقوط الخلافة العباسية، وفي زمنها الثقافي إلى انهيار الكيان الثقافي الإسلامي الحق.

***

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

[1] إن هذه الفكرة النقدية العميقة التي بلوها الأفغاني قبل أكثر من قرن من الزمن لم تفقد قيمتها المنهجية والسياسية والاجتماعية لحد الآن، بل أنها تبدو أكثر حيوية وجوهرية بالنسبة للوعي النقدي الذاتي المعاصر. فالنزعة التقليدية في الوعي العربي الحديث والمعاصر ما زالت تتسم بطابع المراهقة بهذا الصدد. واكتفي هنا برديف معاصر للنقد الأفغاني القديم بنقد الاتجاه التفكيكي ومنهجه بشكل خاص. وبغض النظر عن أن التفكيكية بالنسبة لي ليست فلسفة عميقة بل أقرب ما تكون إلى أحد المناهج النقدية اللغوية وفلسفة الألسنيات، لكنها تتخذ في الذهنية العربية المستلبة هيئة الاهتمام المفرط والمغرم بولع "تفكيك" النصوص أو الثقافة العربية الإسلامية القديمة والحديثة في وقت لم يبلغ العالم العربي حالة التكامل في بنية الدولة والوطنية والقومية والأمة والثقافة. الأمر الذي يجعل من التفكيك تخريبا للعقل النقدي الفعلي والرؤية الواقعية والاحتمال المستقبلي. وهو أسلوب وذهنية يمكن أن نطلق عليهما صفة الذهنية القردية الفرحة بألعابها البهلوانبة الفارغة.

[2] الأفغاني: الأعمال الكاملة، ج1، ص199.

[3] المصدر السابق، ج1، ص293.

[4] المصدر السابق، ج1، ص173-176.

[5] المصدر السابق، ج2، ص456.

[6]المصدر السابق، ج1، ص177.

[7] المصدر السابق، ج1، ص178.

[8] المصدر السابق، ج2، ص439.

[9] المصدر السابق، ج2، ص439.

[10] المصدر السابق، ج2، ص524.

[11] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص31.

[12] المصدر السابق، ص82.

[13] المصدر السابق، ص72.

[14] المصدر السابق، ص97-111.

[15] المصدر السابق، ص87.

[16] المصدر السابق، ص92.

[17] المصدر السابق، ص31.

[18] وهي الفكرة التي حاول فما بعد علي عبد الرازق تدقيقها وتحقيقها الفكري السياسي في كتابه (الإسلام وأصول الحكم)

[19] محمد عبده: الإسلام والنصرانية، ص144.

[20] المصدر السابق، ص144.

[21] المصدر السابق، ص145.

[22] المصدر السابق، ص167.

 

ان نظرة عامة في خمريات الششتري، يجد انها اشعار بسيطة وسهلة في ظاهرها، رغم وجود مصطلحات وتعابير صوفية كثيفة بدلالتها الرمزية الخاصة، مما ينم عن قدرة فائقة على مفاعلة التصوف بالابداع، فقد حاول استثمار الامكانيات التواصلية التي تتيحها اشعار الخمريات، وذلك يتبع ميراث السابقين بأعرافه وتقاليده، فإنه يتجاوزه، ويتجاوز كذلك ظاهر الشريعة، التي تحرم الخمر المادية تحريماً قاطعاً، فيلجأ الصوفي الى التأويل لايجاد أوجه التقاء بين جوهر الخمر، وما يحدث للصوفي من نشوة، وتغيب أثناء الفناء في الذات الالهية، وهكذا يكون السكر عند الصوفية مختلفاً عن السكر الناتج عن الخمر المادية في كونه يعقبه الصحو، ولا يعني الصحو هنا مفارقة حالة السكر بصورة تامة، وإنما الترقي الى حالة أرقى " لإن موضوعها نور خالص بل نور الانوار فلا عجب أن ينعكس سناها على سيماء العارفين والمحبين الالاهين"، فهي خمرة تشربت منها أرواح العارفين فلم يعرف الحزن طريقهم، لانه من أغترف من معين المحبة الالهية لايضمأ ابداً، بل إن المغترف لهذا الشراب الروحي يتجلى في باطنه" فرح ونشاط وهزة وانبساط"، لإنها "شراب الحقيقة يتجلى الله به على حقيقة بعض المخلصين الصادقين من عباده".

وإذا بدأت في تناول المز الصوفي للخمر في النص الصوفي الاندلسي، نجد أنفسنا أمام الششتري الذي صور نشوته بالحب الالهي بنشوة الخمر فأتخذ نفس لغة شعراء الخمر السابقين بما تحتوي عليه من دنان وسقاة، ولا شيء من ذلك" إنما هو جمال الذات الالهية دلع في قلبه وحواسه"، ليقول:

طاب شرابُ المدامِ في الخلوات                أسقني يا نديمُ بلآنياتْ

خمرة تركُها علينا حرامٌ                         ليس فيها إثمٌ ولا شبُهُاتْ

عُتقِّت في الدنِّانِ من قبل آدم                   أصلها طيبٌ من الطيباتْ

ومن علامات التحول العرفاني لرمز الخمر، الكلام على الاديرة المسيحية والرهبان والنواقيس، بما يذكرنا بالخمريات الحسية بالعصر الجاهلي، ويحدثنا الاستاذ عاطف نصر عن وجه الارتباط بين الطقوس المسيحية والخمريات الجاهلية، فيقول"ويرجع الارتباط الى إن نفراً من تجار الخمر كانوا من نصارى الروم، وأن نفراً من الجاليات المسيحية التي أختلطت بالعرب، كانوا يعاقرونها". اما الصوفية فقد اتجهت بهذا الارتباط متجهاً آخر، رمزت من خلاله بأهل الاديرة الى العرفاء الذين ورثوا مقاما عيسويا روحانياً، فهؤلاء الصوفية تذكروا هذه المدامة وأشرفوا بها على عالم الارواح المجردة عن الظلمات، فزج بهم في النور المحمدي الجامع لجميع مقامات الانبياء، ولا يفتأ الششتري يذكرنا بتجرد مدامته عما نعرفه من أغوار أذهاننا من صور محسة، فيقول:

ولمّا أتيت الدير أمسَيتُ سيّدا        وأصبحتُ منْ زهوي أجر به الذيلا

سَألت عن الخّمارِ أين مَحلَّهُ          وهلْ لي سبيل للوصُوُل به أمْ لا

فقال لي القسَّيسُ ماذا تُريدهُ         فقُلتُ أريدُ الخمرِ منْ عنده أملاَ

فقالَ ورأسَي والمسيحِ ومريّمِ      وديني ولو بالدَّرِ تَبذلْ بهِ بَدلا

فقلت أزيدُ التَبرَ للدر قالَ لا        ولو كانَ ذاك التُبرُ تكتاله كيلا

فقلت له أعطيك خُفي ومُصحفي   وأعطيك عُكازاً قطعتُ به السبلا

فقال شرابي ـ جلَ عما ـ وصفته   وخَمرتنا ممّا ذَكرتَ لنا أغلى

فقلت لهُ دَعْ عنك تعظيمَ وصفِها    فخمرتكم أغلى وخرقتنا أعلى

ولكنَّها راحٌ تقادم عهدِها            فما وصُفتْ بَعدٌ ولا عرفت قبلا

أقر بأنّ اللهَ لا ربَّ غَيرُهُ          وأنّ رسول الله أفضلهم رسُلا

عليه سلام الله ما لاح بارقٌ       وما دام ذكر اللهِ بينَ الورى يتلى

وهذه الخمرة مثل المحبة: قديمة أزلية ظهرت بواسطتها الاشياء وتجلت الحقائق، وأشرقت الاكوان "وهي الخمرة الازلية التي شربتها الارواح المجردة فانتشت، وأخذها السكر واستخفها الطرب قبل أن يخلق العالم"، ويؤكد ابن عربي هذا المعنى في قوله:

وأشرب سلافة خمرها  بخمارها        وأطرب على غرد هنالك ينشد

وسلافة من عهد آدم أخبرت             عن جنة المأوى حديثاً يسند

 جعل الخمر سلافة ـ فهي علوم ربانية ومعارف قدسية الهية تورث الابتهاج والفرح.

ويعلن احمد بن يحيى الالبيري عن أتجاهه التجريدي للخمر الحسية من متعلقاتها المادية، فجاءت تعبيراً جياشاً عن أفتراق الروح وهجرة النفس بوارد الجمال الالهي، فقد" سَكر سُكَّراً روحّياً حين طالعت روحه روعة الجمال الازلي المطلق"، أنه شراب بروضة الحب الالهي رحيقاً مصفى أمتزج بروحه فحنت قوى نفسه شوقاً الى عالم الحب الالهي، ليقول:

شربت بكأس الحب                    من جوهر الحب

رحيقاً بكف العقل                     من روضة الحب

وخامر ماء الروح                    فأهتزت القوى

قوى النفس شوقاً                      وأرتياحاً الى الرب

ونادى حثيثاً                           بالانين حنينها

الهي الهي                              من لعبدك بالقرب

أما ابن جنان فقد قدم نفسه وكينونته هدية للمحبوبة االتي أسكرت وعيه وتربعت على عروش احاسيسه فتألقت في اشعاره، وتوهجت في تراتيله سحراً وغيبوبة وانتشاء، فقد معها الشاعر تواصله بعالم الآدميين، فنظم في عرفهم ما يحتاج شرحاً وترجمة وتأويلاً، يقول:

له الكلّ مني بل هو الكلّ وحده       فمن أنا؟ لا أدري، حَسري ولا أدري

فنيت به لمّا سّكرِت بحّبه          فمحويّ إثباتي، وصحّويّ في سكري

سقاني بأكواس المحبةِ صرفها         فيا حّبذا المحبة من خمري

فيا من سقاني من مدامة لطفه         أدرها على حالات سري والجهر

اما لسان الدين بن الخطيب فلسانه يجول في الروحاني، فيستخرج ما بداخله من حالات وجدانية، ويعادل بينها وبين صور الخمر الحقيقية، إنه نزع عنها الثوب الحسي الذي ترفل فيه في فضاء الصورة الذهنية، وحرمها التحقق، وجعلها تنأى بجوهرها عن دلالة الوضع، فهذه الخمرة تتجاوز المعطى المادي، فهي إشراق أنوار التجليات الالهية على قلوب الذاكرين، يقول:

فأشرب على ذكر الحبيبِ وسقّني     صهباءَ تشرقُ في الظلام الداجي

من خمرة السرِّ المقدسة التي         كِلفت بطاساتها يدُ الحلاّج

وأرت له الاشياءُ شيئاً واحداً       فغدا يخاطبُ نفسه ويُناجي

إذ يصرح العرفاء إنه كلما أتسعت معاني العرفان كلما ضاقت اللغة العادية عن أستيعاب مضامينهم، وبذلك يصبح غي الشاعر، تهتكه، وتمزيقه أثواب الوقار أشياء محببة ومبجلة، وهذا ما نجده في قول الششتري:

زارني من أُحب قبلَ الصباح        فحلالي تهتُكي وافتضاحي

وسقاني وقال نم وتسلَّى             ما على من أحبَّنا من جُناحِ

فأدر كأس من أُحِبُّ وأهوى        فهوى من أُحبُّ عَين صَلاحِ

لو سَقَاها لميتٍ عادَ حيَّا             فهي راحي وراحة الارواحِ

لاتلمني فَلست أصغي لِعذلٍ          لا ولو قُطّع الحشا بالصياحِ

لقد نقل الششتري هذا " التراث الخمري بأكسير العرفانية الى رموز شعرية، لوّح بها الى معاني الحب والغيبة عن النفس بقوة الواردات، والوجد الصوفي العارم واليكر الالهي المعنوي بمشاهدة الجمال المطلق ومنازلة الاحوال والتجارب الذاتية العالية"، ليقول:

شربنا كأسَ من نهوى جهاراً                فهمنا عندَ رؤيته حيارى

وشاهدنا بها السَّاقي تجلىَّ                   فصرنا من تجليهِّ سكارى

طلبنا الأمن من ساقي الحُميَّا                فنادى لاحجابَ ولا ستارا

رأينا الكأس في الحانات تجلى              ظننا أنّ في الكاساتِ نارا

 

الاستاذ المساعد: ليلى مناتي محمود

كلية اللغات / جامعة بغداد