علي رسول الربيعيتأخذ مسألة الأنفصال وتقرير المصير منحىً حاداً حول العالم اليوم، اذا تكثر دعوات العديد من الأقليات الى الأستقلال السياسي عن الدولة التي هي جزءً منها. إنها تعبير عن صدع خطير في وحدة ومصير الدول. والسّؤال هنا هو حول ما إن كان يُسمح لأقلّيّة تريد الاستقلال السّياسيّ بالانفصال لتشكيل دولة خاصّة بها، حيث يفضي القبول بهذه الفكرة إلى اتّجاهين متعارضين:

أ‌) إذا كانت هذه الأقلّيّة تعتبر نفسها أمّة منفصلة فيبدو أنّ المبدأ يدعم مطلبها، فسكّان الكيبك أو، سكّان كاتالونيا، أو الكورد في تركيا والعراق مثلا، يرون أنفسهم أنّهم يمتلكون هوّيّة خاصّة منفصلة عن الكنديّين أو الإسبّان أو العرب العراقيين، وهم يرغبون في الاستقلال السّياسيّ على أساس ذلك، إذن نحن ملزمين، من ناحية المبدأ، باحترام حقّ تقرير المصير وبتأييد مطالبهم. لكنّ ستواجهنا تحدّيات بمجرّد أن تبدأ هذه الهوّيّات في التّكاثر، إذ لا توجد طريقة من شأنها المساعدة على استيفاء جميع مطالب هذه الأقلّيّات طبقا لحقائق الجغرافيا والاتشار السّكّانيّ. وهو ما أشار إليه آلن بوكنان حيث يقول: "إنّ المبدأ الوطنيّ المعياريّ وصفة للتّجزئة لا حدود لها". فقد أشار وهو محقّ إلى أنّ هذه العمليّة قد تأتي بكلفة أخلاقيّة غير مقبولة على شكل تمزّقات ونزوح، وحتى بإبادة لجماعات وجدت في الإقليم .

ب‌) أنّ فكرة تقرير المصير نفسها ستفسح للكنديّين والإسبّان أو العراقيين – التي أخذناهم كمثال هنا- حقّ الدّفاع عن مصيرهم أيضا، وحقّ المطالبة بتحديد مستقبل الإقليم الجغرافيّ الذي حُدّد تاريخيّا بوصفه كنديّا أو إسبّانيّا أو عراقيًاً حفاظا على الوضع السّياسيّ القائم. فهذه الفكرة تتحوّل بشكل حاسم وفاصل في الممارسة العمليّة إذا ما استخدم مبدأ "تقرير المصير" كدعوة إلى تقرير مصير الدّولة نفسها وليس الأمّة. إذ يأتي حقّ تقرير المصير هنا ليدعم مطالبة الدّولة بحقّ ممارسة السّيادة داخل حدودها القائمة. لكن هذه الطّريقة في التّفسير هي من جهة تفقد الفكرة حكمها الأخلاقيّ الأصيل وكثيرا من مناشداتها التي تأتّى برؤية مجموعة من النّاس يتقاسمون هوّيّة مشتركة يرغبون في ارتباط بعضهم ببعض، وفي اتّخاذ قرارات بشأن مستقبلهم على أساسها. وهي من جهة ثانية تدفع التّمييز الحاسم بين الأمم والدّول من خلال معاملة الأمم كمجموعة من النّاس ،الذين هم في الواقع، تحت ولاية قانونيّة لدولة معيّنة ولكنها معرضة إلى الانهيار.

تكشف مسألة تقرير المصير عن أنّها توظّف إمّا كوصفة لإثارة فوضًى سياسيّة تكون سببا في إراقة الدّماء، أو كوسيلة للدّفاع عن حقوق أنشاء دولة. والهدف من إثارتها هنا هو استنطاق الوقائع القائمة للبحث عمّا إن كان ممكناً بناء موقف متماسك بشأنها يتجنّب كلاّ من الموقفين المتطرّفين انطلاقا من مبدأ الوطنيّة.

من أجل النظريّة في الانفصال

قبل البدء في المسائل الجوهريّة يجدر التّوقّف للتّساؤل عن الغرض من وضع نظريّة في الانفصال، فقد اقترح بعض المختصّين تحديدا شبه قانونيّ للانفصال يمكن إدراجه في دستور الدّولة أو في ميثاق الهيئة الأمميّة. ويقصدون بذلك تحديد الشّروط والأوضاع التي يمكن تقنينها رسميّا لتكون مساغا مقبولا تحتكم إليه كلّ جماعة تحاول الانفصال عن دولة قائمة، ولأجل أن يعامل مطلب الانفصال بطريقة مستقلّة من قبل محكمة دستوريّة أو دوليّة تفاديّا للاقتتال الدّاخليّ وهو ما يفسح مجالاً للنّقاش حول المعايير. فمن ناحية وعن سبيل المثال، من المرجّح أن يكون هناك تحيّز باعتبار الأغلبيّة المطالبة بانفصال الإقليم المعنيّ لصالح المعايير الإجرائيّة التي لا يكون تطبيقها مثيرا للجدل نسبيّاً، على حساب المعايير الأخرى التي تواجه صعوبة في التّطبيق لما تنطوي عليه من مضامين وأحكام متنازع حولها كادّعاء التّعرّض للقمع، أو للتّمييز بتجاهل اللّغة، أو بتدمير الثّقافة والتّراث الخاصّين. ومن ناحية ثانية، يتعيّن التّفكير في الآثار المحفّزة على اختلاف تعاريف حقّ الانفصال كما يشير إلى ذلك بوكينان؛ فالضّرورة تقتضي السّؤال عن إمكانيّة وكيفيّة إدراج هذا الحقّ في دستور الدّولة الذي من شأنه أن يضبط سلوك كافّة السّلط وطرق إدارة الشّأن العامّ سواء داخل الدّولة القائمة أو على صعيد الإقليم المطالب بالانفصال. ويتوجّه السّؤال الابتدائيّ لأثر هذا الحقّ، ولنتيجة إدراجه في الدّستور إن كان سيجعل الدّولة القائمة مستعدّة لنقل السّلطة للمناطق المرشّحة للانفصال بما قد يتعزّز فيها من مطالب انفصاليّة أو تكون أقلّ استعداداً لذلك. غير أنّه يبدو من الخطأ أن يهيمن الانفصال على تّفكير الطّرفين المعنيين بالمسألة، إذ ينبغي وضع المبادئ الأساس أوّلا، ثمّ السّؤال عمّا يمكن أن يترتّب عن هذه المبادئ العامّة من نتائج ومن أثر على سلوك مختلف الفاعلين السّياسيّين.

ومقابل هذه النّظريّة القانونيّة يمكن اعتبار نظريّة الانفصال نظريّة في السّياسة تقدّم معنى يوضّح تلك المبادئ التي ينبغي أن تقود التّفكير بمطلب الانفصال، سواء من قبل انفصاليّين أو من قبل مواطنين في الدّولة القائمة نفسها أو أعضاء المجتمع الدّوليّ الذين قد يُطلب منهم التّدخّل لصالح هذا الطّرف أو ذاك. فالمتعيّن هنا وفي مثل هذه الحالة هو الدّليل الذي يبرّر مطلب الانفصال ويدعم أيّ قرار قد يتّخذ بشأنه سواء تعلّق الأمر باستفتاء شعبيّ حرّ يخيّر سكّان الإقليم المعنيّ بين الانفصال وبين البقاء ضمن الدّولة القائمة والإبقاء على وحدتها وتماسك مكوّناتها، أو تعلّق الأمر بغير ذلك من المبادرات السّياسيّة. فالدّليل الملموس الذي يقبل الملاحظة والقياس حول استجابة المواطنين لمطلب الانفصال، ويبيّن بوضوح تامّ مبرّراته وأهدافه لازمة من اللّوازم السّياسيّة ومن ضروراتها، وفي غيابه لا يكون مطلب الانفصال مقبولا من النّاحية القانونيّة ولا مستساغا من قبل أعضاء المجتمع الدّوليّ بالنّظر إلى النّواحي السّياسيّة.

قد يدفع منتقد بعدم جدوى السّؤال المطروح لانعدام الحاجة إليه مادامت المسألة تسوّى إجرائيّاً إمّا بالتّصويت والوصول إلى تحقيق أغلبيّة مساندة أو معارضة أو بإعمال طرق أخرى، فالسّؤال حول المبادئ يبقى غير ضروريّ. لكنّ هذه الطّريقة في التّفكير والتّحليل ليست هي الطّريقة المعتمدة في صنع القرار الدّيمقراطيّ، فالملاحظ ، مثلاً، أنّ النّاخبين يوافقون على ما أقرّه الدّستور للحزب الذي يفوز في الانتخابات من إمكانيّات في تدبير الشّأن العامّ بتشكيل الحكومة لأجل تنفيذ ما وعد به من برامج ومبادرات، ولأنّ نتيجة أيّ استفتاء ينبغي أن تكون ملزمة سياسيّا، لكن هذا لا يمنع من طرح المبادئ الواجب اعتمادها كقواعد مرجعيّة يُحْتكَم إليها عند الاقتضاء كما هو الشّأن بالنّسبة لمبادئ العدالة الاجتماعيّة مثلا. قد يخطئ النّاخبون في بعض الأحيان بتأييد حزب يبيّن عمله الحكوميّ أنّ سياساته أقلّ عدالة ولا تحقّق المصالح والانتظارات، ومع ذلك تبقى الثّقة سائدة في الإجراءات الدّيمقراطيّة من حيث إنّها إجراءات تستوجب الإتّـباع. كيف تختلف الأمور عندما تكون المسألة متعلّقة بالانفصال؟ فحتى لو أعتقدنا يتعيّن أن يتمّ الحلّ إجرائيّاً تبقى هناك أساب معقولة للانفصال وأخرى غير معقولة، ومن غير المناسب ألاّ توضّح تلك الأسباب.

لن تكون النّظريّة الإجرائيّة البحتة حلاّ معقولا ولا مرضيا للانفصال بأي حال من الأحوال، لأنّه إذا اعتبرنا تصويت الأغلبيّة لصالحه كافياً للتّبرير فسيطرح السّؤال مباشرة من جهة، عن كيفيّة تحديد الدّوائر الانتخابيّة ومن ثمّة عن مشروعيّة التّصويت ومصداقيّة النّتائج. ومن جهة ثانية، عن كيفيّة تحديد الإقليم المعني بالانفصال الذي سيشكّل نفوذ الدّولة الجديدة. فالمرجّح من النّاحية العمليّة أن يتمّ التّفكير بشكل مسبق في مناطق تُحدَّد إداريّاً بالفعل، مثل منطقة كوردستان بالعراق، ومنطقة الكيبك بكندا لكي يتمّ تحديد القاعدة الانتخابيّة الحقيقيّة بشكل علميّ واقعيّ وعمليّ يساعد على تحديد "الشّعب" المستهدف بالاستفتاء. فالخلفيّة النّظريّة تستدعي ضمنا كلّ الظّروف التي من شأنها أن تجعل الاستفتاء مخرجا مناسباً لمعضلة سياسيّة قائمة، أيً الموازنة بين الانفصال كمطلب مبرّر وبين الانفصال كأمر غير مبرر لتحقيق السّلميّة وتفادي الحرب الأهليّة. فبالدّسترة واحترام الخلفيّة النّظريّة لكلّ سلوك سياسيّ من النّاحيّتين القانونيّة والسّياسيّة يمكن التّعامل مع مثل هذه الحالات بواقعيّة وفعّاليّة تميّز المعقول والمقبول منها عن غير المعقول والمقبول. وعلى أساسها أيضا، يمكن الرّدّ على اقتراح فرد أو مجموعة أفراد يطالب بتنظيم استفتاء للاستقلال. فأن يقترح المسيحيّون في سهل نينوى في العراق الأنفصال، مثلا، يعتبر اقتراحا غير جدّيّ وغير مبرّر، فيكون الرّد وفقاً لما تمّ تشريعه من قواعد آمرة.

إنّ إنجاز نظريّة في الانفصال ليس بالمهمّة البسيطة، لأنّ تقسيم دولة وإنشاء واحدة جديدة مسألة في غاية الجدّيّة، فهي تطرح أسئلة جوهريّة تتعلّق بالسّلطة السّياسيّة، بالهوّيّات التّاريخيّة، بالعدالة الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وبحقوق الأقلّيّات. ولكي تكون نظريّة كافية عليها أن تعالج جميع تلك المسائل بكفاية مفاهيميّة وإجرائيّة، يعني هذا أنّ عليها أن تتبنّى تعدّد المعايير وألاّ تكتفي بالبحث عن الشّروط الضّروريّة الكفيلة بتبرير مطلب الانفصال. إذ عليها أن تراعي مختلف المعايير التي تنسحب على كلّ الاتّجاهات مهما كانت متعارضة لأجل أن تصل إلى رأي محكم وقرار حكيم يوازن بين المطالب المتصارعة، ويساعد بنجاعة على حلّ المسائل المعروضة بما يستدعي احترام وحدة التّاريخ والمصير. باختصار شديد عليها أن تسعف في وضع الهوّيّة الوطنيّة في اعتبار كلّ الأطراف، وفي التّحسيس بما تقدم تلك الهوّيّة من أجوبة ومن جاذبية.

مبدأ الهوية الوطنيّة

يمثّل مبدأ الهوية الوطنيّة (مبدأ الجنسيّة) أحد العناصر الثّلاثة التي يشترك فيها سكّان إقليم أو جماعة وطنيّة، ومطلبا مقنعا لتقرير المصير السّياسيّ. فبالرّغم من أنّ الدّولة ذات السّيادة ليست هي الوسيلة الوحيدة والممكنة لتقرير المصير إلاّ أنّها كانت وما تزال الوسيلة الرّئيسة لتحقيقه، لذلك يحقّ لإقليم أن يطالب على أساس هذا المبدأ بالانفصال عن دولة تعاقديّة. مع أنّ هذه المطالبة ليست بالضّرورة هي الإمكانيّة الوحيدة ولا الوسيلة التي يتعيّن أن تهيمن على غيرها من الوسائل، لذلك يمكن أن تُبطلها اعتبارات أخرى سنأتي على ذكرها لاحقاً. وللإشارة فقطّ، ليس الغرض من هذا المبحث تعداد الأسباب المؤيّدة لتقرير المصير، لكنّ الغاية هي النّظر في بعض تداعيات هذا المبدأ.

إنّ الأقاليم التي تقطنها أمّة متجانسة (عرقيّاً) حالة استثنائيّة إلى حدّ بعيد في العالم اليوم، فالمقصود بالدّولة الأمّة أو (القوميّة الوطنيّة) بحسب المتداول والمشهور من التّعاريف جماعة من النّاس يعتبرون أنفسهم أنّهم ينتمون إلى الجماعة نفسها، فيعترفون ببعضهم البعض، ويقرّون بالتزامات خاصة تُجاه بعضهم البعض، ويطمحون إلى استقلال سياسيّ بحكم ما يشتركون فيه من خصائص يؤمنون أنّها تشكّل قاعدة لانتمائهم، وهي التّاريخ المشترك، والارتباط بالمكان الجغرافيّ، والثّقافة العامّة التي تميّزهم عن غيرهم من الجيران. اذا أخذنا هذا التعريف بالاعتبار ونحن ننظر إلى تلك الكيانات التي توصف عموما بأنّها دولة أمّة أو (قوميّة) فمن المحتمل أن نجدها مؤلفة ممّا يلي:

1- أقلّيّات لا تشارك الأغلبيّة في الهوّيّة الوطنيّة مثل المهاجرين الأتراك في ألمانيا.

2- أقلّيّات تقيم في إقليم ترى نفسها أنّها تشكّل أمّة، وتطمح لدرجة أكبر من الحكم الذّاتيّ مثل الأكراد في تركيا.

3- تجمّعات سكّانيّة مختلطة تنحدر من أمم مجاورة مختلفة وتتجمّع في مناطق معيّنة مثل الرّومان والهنغار في ترانسالفانيا.

4- تجمّعات سكّانيّة تحمل هوّيّة مزدوجة أو متداخلة، تعيش في مناطق معيّنة كأقلّيّة قوميّة داخل دولة كبيرة مثل الكاتلون في إسبانيا.

وإذا أردرنا تطبيق مبدأ الهوّيّة الوطنيّة (الجنسيّة) على ما يناسب حالة أو أكثر من هذه الحالات المذكورة فينبغي أن يتوجّه السّؤال لماهية السّلطة السّياسيّة بنيةً وأداءً بما يحقّق هذا المبدأ بالنّسبة لكلّ جماعة مادام الحلّ البسيط لها المتمثّل في الأمّة المتجانسة أو الدّولة الواحدة غير ممكن في مثل هذه الظّروف. لا شكّ في أنّ هذا التّطبيق سينطوي لا محالة على أحكام تتعلّق بالكيفيّة التي يتصوّر بها النّاس هوّيّاتهم، وبالكيفيّة التي تربط هوّيّة جماعة معيّنة بهوّيّات أخرى. ومثاله مقارنة بين وضع الكرد في العراق أو في تركيا مع الكاتالونيّين في إسبانيا. فعلى الرّغم من أنّ الكاتالونيّين ينظرون لأنفسهم في دولة أسبانيا كشعب متمايز عن الأسبان إلاّ أنّهم لا يضمرون أيّ عداء عميق أو متأصّل للأسبانّ، ويقدّرون ما يجمعهم بهم من التّداخل الثّقافيّ المتمثّل في الاعتقاد الملّيّ المشترك (الكاثوليكيّة)، ومن مستوًى معيشيّ أعلى قليلا من المتوسّط الإسبّانيّ إذ تعتبر كاتالونيا تقليديّا أكثر المناطق الإسبّانيّة نموّا وازردهاراً اقتصاديّاً، كما يعترفون بما يعاملون به من نظرة التّقدير من قبل الإسبّانيّين في المناطق الأخرى التي يعيشون فيها. وفي مثل هكذا ظروف لا يعدّ إشكاليّاً أن ينظر أغلبية من الكاتالونيّن إلى أنفسهم بوصفهم كاتالونيّين وإسبان في الوقت نفسه. لكنّ تختلف الحالة الكرديّة في بعض أوجهها عن الحالة الكاتالونيّة، مع ما يوجد داخل الحالة الكرديّة من اختلاف في الوضعيّة بين العراق وتركيا. ففي تركيا مثلا يقلّ نصيب الفرد الكرديّ من الدّخل عن نصف المعدّل الوطنيّ، بينما لا يوجد هذا التّمييز في العراق، لأنّ الأكراد متساوين مع باقي العراقيّين. في تركيا تقمع اللّغة والثّقافة الكرديّة من قبل الدّولة، بينما يتمتّع أكراد العراق بما يتمتّع به جميع العراقيّين من الحقوق. ويشترك كرد تركيا وكرد العراق فيما لهم من تاريخ حافل بالصّراع المسلّح مع الدّولة عراقيّة كانت أو تركيّة. واذا التفتنا الى الحالة التركية فسنلاحظ أن القيادات التّركيّة المتعاقبة التزمت لسنوات كثيرة بالمثل الأعلى لأمّة تركيّة متجانسة وموحّدة، ولم تترك مجالا للتّعدّديّة الثّقافيّة خلافا لما كان في العراق، ونظرا لأوضاع الكرد في تركيا طالبوا بالاستقلال فكان مطلبهم يختلف نوعيّا عن الكاتالونيّين مثلا. واذا لم يحدث هناك أيّ تحول مأساويّ في الوضع التّركيّ السّائد كالتّحوّل الذي حصل في الدّولة العراقيّة منذ حصول الأكراد على الحكم الذّاتيّ وحتى إعلان الفيدراليّة، فإنّه لا توجد أمامهم فرصة للحصول على اعتراف بهوّيّتهم الثّقافيّة المميّزة، إلاّ أن يعمل التّرك والكرد معا سويّاً على تحقيق ديمقراطيّة وعدالة سياسيّة واجتماعيّة. وهذا يعني أنّ الانفصال ليس حلا وحيدا بالضّرورة. فتطبيق مبدأ الجنسيّة على مشكلة كهذه يقتضي البدء بالنّظر إلى ما لهوّيّات كلّ المجموعات من محتوى فعليّ لاكتشاف ما إن كانت المجموعة (س) لها هوّيّة متميّزة تجعلها متناقضة مع المجموعة (ص) التي تخضع لمؤسّساتها السّياسيّة عن سبيل المثال. وبقدر ما لا يكون ذلك كذلك، فإن أيّ مطلب يمكن أن تقدّمه الجماعة (س) من أجل الاستقلال السّياسيّ لا يكون معزّزا بما يكفي من المبرّرات، وهو ما يعني أنّ مطلبها لن يثبت بشكل حاسم في نهاية المطاف كما هو مبيّن أعلاه بسبب العوامل التّعويضيّة.

فإحدى العوامل التي يجب النّظر إليها بجدّيّة هي المطالبة المُنافسة من قبل المجموعة (ص)، وهي الأمّة الأكبر حجما التي ستقسّم أراضيها الحاليّة إذا ما تمّ المضيّ قدماً في الانفصال. لذلك فإنّ مطلب الانفصال لا يكون وجيها مقبولا ومشروعا عندما لا يساوق بين الطّريقة التي ترى عبرها الجماعة الصّغيرة علاقتها بالجماعة الكبيرة، وبين الطّريقة التي ترى عبرها الجماعة الكبيرة علاقتها بالصّغيرة. لقد أكّدت الحالات التي سبق أن كانت تحت المناقشة أنّ الجماعة الكبيرة ستهوّن دون تردّد ممّا يميز الأقلّيّة: ستعمد إلى النّظر إليها باعتبارها جماعة تمتلك تباينا واحدا إلى جانب مشتركات كثيرة بدلاً من النّظر إليها بوصفها ذات هوّيّة مستقلّة وخاصّة، ستتّجه حتما إلى اعتبار أنّ الجماعة (س) ليست جماعة متميّزة ولكن جماعة تتكلّم لغة مختلفة أو لها ثقافة خاصّة. فبينما ينظر الكرد لأنفسهم كأمّة مميّزة عن الأتراك ، ينظر هؤلاء إلى الكرد باعتبارهم مجرّد أتراك يتحدّثون لغة مخلفة، وما يناظر هذه الحالة نجده عند الأسكتلند والإنجليز، وعند المقدونيّين واليونان. قد يكون هناك إغراء للتّفكير في مثل هذه الحالات بأنّ الغالبيّة سارت باتّجاه خاطئ، فإذا كانت الجماعة (س) لا تعتبر نفسها منتمية للجماعة (ص) فإنّ هذه تتجاهل الهوّيّة المشتركة مع نظيرتها (س) وقد تصل إلى حدّ رفض أيّ مواجهة للحقائق بهذا الخصوص. لكن نادرا ما تكون هذه المسألة بمثل هذا الوضوح، إذ على افتراض أنّ الجماعتين (س) و(ص) تشتركان في الهوّيّة الوطنيّة باعتبار الارتباط السّياسيّ لفترة طويلة من الزّمن وهو ما يؤكّد بالفعل أنّ لهما معا سويّا صفة مشتركة حقيقيّة، يكون من المرجّح أنّ الجانبين اعترفا حقّا بالهوّيّة الوطنيّة كهوّيّة جامعة، وأنّ الجماعة (س) أدركت ذلك بإحجامها عن التّلويح باللاّفتة القوميّة. وبالتّالي، فإنّ السّؤال هو كيف يمكن أن تكون للأقلّيّة هوّيّة خاصّة مميّزة وفي الوقت نفسه شعور بالانتماء لمجتمع أكبر.

لعلّ الخطأ المغري هنا هو ما قد يغلب على ظنّ الأغلبيّة من شعور بغياب الإحساس بالهوّيّة المشتركة عندما تعلن الأقلّيّة عن الرّغبة في الانفصال وإنهاء الاتّحاد السّياسيّ، يقارن بعض الكتّاب ذلك بطلاق الأزواج عندما تقرّر أمرأة إنهاء ارتباطها بزوجها الذي ما يزال يعتقد أنه يشكّل معها أسرة، ولا يدرك بحكم الموقع في تلك العلاقة أنّ الاتّحاد يستمر بموافقة الطّرفين. لكنّ هذا التّشبيه غير ملائم، ففيما يخصّ الإرادة الواحدة التي يمكن أن تنشأ عن علاقة بين طرفين، فإنّ علاقة الأمم بعضها ببعض ليست كالعلاقة بين الأفراد لأنّ الأمر يختلف حتما عندما يتعلّق باتّحاد إقليم مع أقاليم أخرى، أو جماعة بنضيراتها ضمن دولة أكبر، أو يتعلّق بنقل السّلطة أو بإدارة دولة مستقلّة. فنقطة كهذه تحتاج إلى معالجة هادئة ومتّزنة لما تثير من قضايا حسّاسة سيشار إلى أهمّها ضمن الفقرات التّالية من هذه الدّراسة. إذ لا ينطوي الانفصال كما هو معلوم على الجانب السّياسيّ فحسب، بل يتعدّاه إلى جوانب استراتيجيّة أخرى كالجانب الجغرافيّ بتقسيم الأراضي وما يستتبع هذا الجانب من جوانب اقتصاديّة واجتماعيّة أيضاً. وهو ما يقتضي البحث عن أفضل السّبل لفهم حقوق القوميّات في الأراضي التي تقطنها والتّعامل معها على أساس العدل والإنصاف. قد يبدو أنّ ما على المحكّ في مثل هذا الموضوع هو حقوق الملكيّة، فعن سبيل المثال: أنا أملك قطعة الأرض هذه، وأنت تملك تلك، وهكذا الكلّ يملك أراضي الإقليم الذي له مسمّى معين. وإذا كانت هذه هي النّظرة التي تؤطّر التّفكير في المشكلة، فإنّ الجماعة التي تقطن منطقة متّصلة وتطالب بالانفصال ستكون مضطرّة إلى تأكيد حقوق الملكيّة المشتركة لإنشاء مطالبة تجزم بملكيّة الأرض التي تسعى لأن تؤسّس عليها الدّولة. لكن والحال كما قال بوكانان، لا يمكن فهم العلاقة بين شعب والأراضي التي يقطنها على هذا النّحو وبهذه الشّروط فقطّ. إنّنا عندما نقول أراضي كردستان، مثلاً، لا نعني أنّ الأكراد يمتلكونها كما يمتلك الفرد عقّارا محدّدا، وإنّما نعني أنّ للكرد مطالب مشروعة في ممارسة السّلطة على أراضٍ يقطنها غالبيّتهم، وتعرف باسمهم في إطار حكم ذاتيّ للمنطقة يشمل كلّ الصّلاحيّات كتحديد السّياسات، وتقرير الأحكام، وصيانة الحقوق وفي مقدّمها حقّ الملكيّة. لكنّ الكرد لم يعودوا مقتنعين بحكم ذاتيّ فقطّ وإنّما يسعون إلى بناء دولة قد يتجاوز إقليمها حدود العراق إلى الدّول المجاورة، ومن ثمّة فهم يستلهمون من الحالة الآيسلنديّة التّأسيس للدّولة عبر التّأسيس لمؤسسات جديدة تماما حتى مع ما قد يُحدِث مثل هذا التّأسيس في المنطقة من زلزال سياسيّ.

لا شكّ أنّ الشّعب الذي يقطن إقليماً محدّداً يشكّل مجتمعا سياسيّا، لذلك فهو يؤسّس لمطلب الانفصال عبر ما يرسي من أعراف من خلال الممارسة السّياسيّة، فضلا عن قرارات تدبير الأشغال العامّة وتشريع القوانين، وتشريع الحقوق الجماعيّة والفرديّة، بالضافة الى الانخراط فيما يشكّل سمات الإقليم ومظهره المادّيّ المميّز. يأخذ هذا مع مرور الوقت أهمّيّة رمزيّة، كدفن الموتى في أماكن معيّنة، وإقامة الأضرحة والآثار الدّنيويّة وغيرها من الأنشطة ممّا ينشئ روابط بالأرض لا تزعزعها عروض بديلة، وهو ما يبرّر في المحصّلة مطلب ممارسة السّلطة السّياسيّة على الإقليم على نحو يلغي مستقبلا كلّ مطالبة منافسة تستند إلى التّاريخ في المجادلة باستلحاقه وحكمه. بالعودة إلى حالة المجتمع المتعدّد حيث الأقلّيّة (س) ترغب في الاستقلال عن الأغلبية (ص) على أراضي الإقليم الذي تقطن به يبرز السّؤال عمّا إن كان ممكنا لـ (س) تقديم مطلب مشروع قانونيّا ومبرّر سياسيّاً لكي تستمرّ في فرض السّيطرة على الإقليم المعني؟ يعتمد الجواب على نوعيّة العلاقة بين الجماعتين وكيفيّة تطوّرها تاريخيّاً. فقد تكون هنالك حالة متطرّفة تعبّر من خلالها الجماعة (س) عن عدم الرّغبة في أن تكون جزءا ضمن الجماعة (ص) التي تعتبرها قوّة احتلال، ومثاله علاقة سكّان دول البلطيق الأصليّين بالأغلبيّة في الاتّحاد السّوفيتيّ سابقا. حيث لم يكن هناك مجتمع سياسيّ حقيقيّ بين الجماعتين (س) و(ص)، ولم تكن مشاريع جماعيّة مشتركة وحرّة بين الطّرفين. فمن الصّعوبة الإقرار بشرعيّة مطالب الجماعة (ص) بأراض تقطنها جماعة (س) إلاّ بقدر ما تملك فيها من استثمارات ماليّة، وفي مثل هذه الحالة تدفع الجماعة (س) تعويضات للجماعة (ص) مقابل تلك الاستثمارات إن هي أعلنت الانفصال. وفي حالة متطرّفة أخرى نجد الجماعة (س) رغم امتلاكها خصائص أو سمات تميّزها عن الجماعة (ص) إلاّ أنّها مع ذلك تشعر بالحرّيّة والمساواة في مجتمع تعدّديّ، غير أنّ القوميّة الجديدة التي تسعى لبنائها وإحراز الاعتراف بها ليست نتيجة استغلال تاريخيّ وإنّما ناجمة عن التّطوّرات الثّقافيّة التي تجعلها تريد الآن السّيطرة على ماجريات الأحداث في إقليمها الخاصّ درءا لما قد يهدّد لغتها بالانقراض أو يهدّد سماتها الثّقافيّة بالمسخ والتّشويه. ففي مثل هذه الحالة يقف مطلب الجماعة (س) على أرضيّة حقوقيّة صلبة تجعله شرعيّا، لا ترقى مطالب الجماعة (ص) إلى منافسته وإبطاله حينما تسعى إلى تجريد الأقلّيّة (س) من جزء من الأراضي تحت طائلة الدّفع بالمساهمة في تنميتها أو بزعم امتلاكها. فقد يثبت مطلب الجماعة (س) في النّهاية إذا لم يكن هناك حلّ توافقيّ للمسألة لأنّه الأقوى، غير أنّ هناك سبب قويّ في مثل هذه الحالة لإيجاد حلّ يعطي الجماعة (س) شكلا من الحكم الذّاتيّ الذي لا يصل إلى الاستقلال. وتنطبق هذه الحالة فيما أعتقد على الأسكتلند والولش في بريطانيا، والكاتالون والباسك في إسبانيا وكندا وممكن جداً أن تنطبق على الكرد في تركيا والعراق.

ننهي هذه المناقشة بالقول: إنّ الاحتكام إلى مبدأ الهوّيّة الوطنيّة أو "الجنسيّة" وتقديمه مبرّراً لتقرير المصير يقتضي تطبيق معيارين على أيّ انفصال محتمل: يقضي الأوّل بتشكيل هوّيّة منفصلة بوضوح عن هوّيّة الأمّة الأوسع، والتّحرّر من الشّراكة معها. بينما يتطلّب الثّاني القدرة على التّحقّق من مطلب الانفصال بتبريره قانونيّا، وإثبات شرعيّة ممارسة السّلطة على الإقليم المعنيّ بالانفصال سياسيّا إذ لا يمكن تطبيق هذه المعايير آليّاً، لأنّ تطبيقها يتطلّب حكماً ودرجة من الفهم التّاريخيّ. وفي حال استيفاء كلا المعيارين يكون لدى الجماعة المعنيّة مطلب حقيقيّ وواقعيّ يسمح لها بالانفصال. لكن يبقى هذا المطلب غير حاسم متى ما تدخّلت عوامل أخرى ذات وزن ومقبوليّة في الاتّجاه المعاكس، حيث تفضي النّظرة الأوّلية على المطلب المناهض للانفصال إلى القبول به حتما ودون تردّد. وفيما يلي عرض لبعض العوامل الأخرى التي قد تحتسب في الحكم النّهائيّ.

مسألة الأقلّيّات والأعداد

الحالة البسيطة هي جماعة وطنيّة غير متجانسة تضمّ أقلّيّة (س) تقطن أقليم محدد تسعى للانفصال عن الدّولة التي تشكّل فيها (ص) الأغلبيّة. لكن الحالة المعقدة هي أن يوجد في الإقليم المطالب بالانفصال بقيادة الأقلّيّة (س)، وحتى بافتراض شرعيّة المطالبة طبقاً للمعاير المذكورة آنفا، أعداد من الأغلبيّة (ص)، وأخرى لا تنتمي لـ (س) ولا لـ (ص). وهو ما يعني أنّ هذا الانفصال ليس تحوّلا من مجتمع غير متجانس وطنيّا إلى مجتمع متجانس وطنيّا؛ وإنّما يعني في الواقع استبدال نمط غير متجانس بآخر غير متجانس أيضا.

إنّ الافتراض الذي يقود المناقشة هنا هو أنّ لكلّ عضو قيمة بصفته مواطن دولة تحتضن أمّة؛ فلئن كان الفرد عضوا ينتمي لأقلّيّة لا يعني ذلك بالضّرورة أنّ الأمر كارثة ولا خيارا أو قدرا سيّئاً. فكيف إذن ينبغي أن تقدّر الأمور قبل الانفصال وبعد حصوله بإعمال هذا المبدأ قاعدة ومعيارا؟ يأتي إحصاء الأفراد الذين يعيشون في دولة ويشكّلون فيها أقلّيّة وطنيّة إحدى المخارج المقترحة، لكن السّؤال الذي يواجهنا هنا يتعلق بمن هي الجهة المخوّلة التي لها صلاحيّة تحديد معايير الانتماء ثمّ الإشراف على الإحصاء، وفي الحالة المتوخاة حيث ستفضّل تلك الأقلّيّة الاستقلال بافتراض أنّ الجماعة (س) هي التي تشكّل الأغلبيّة في الإقليم الذي يطالب بالانفصال، فإنّ الدّولة الجديدة ستتشكّل من أكثريّة هي الجماعة (س) إلى جانب أقلّيّة لم تستوف المعيار هي من الجماعة (ص) أو غيرها من أصحاب الهوّيّات المغايرة. فإذن، بناء الدّولة الجديدة (س) لم يغيّر وضع الانفصاليّين كثيرا عمّا كانوا عليه في دولة الأغلبيّة (ص)، لأنّ التّركيبة الاجتماعيّة المنسجمة لم تتحقّق، كذلك الحال بالنّسبة للأقلّيّات الأخرى في كلتا الدّولتين.

لا يأخذ هذا الاقتراح بالاعتبار سوى الحقائق السّياسيّة للحركات الانفصاليّة التي تفترض على وجه الخصوص، أنّ معاملة الأقلّيّات القوميّة في الدّولة (س) الجديدة لن تكون أسوأ من معاملتها في الدولة (ص) الأصليّة، إذ ستقابل معاملة الأقلّيّة (ص) في دولة (س) بمعاملة الأقلّيّة (س) في دولة (ص)، كما سيقابل الحكم الذّاتيّ الذي سيعطى للأقلّيّة (س) في الدّولة الأصليّة (ص) بما سيمنح من استقلال ذاتيّ للأقلّيّة (ص) في الدّولة الجديدة (س) والعكس صحيح. لكن في كثير من الحالات يكون هذا الافتراض غير واقعيّ إلى حدّ بعيد، حيث يرى عالم الاجتماع دونالد هورويتز أنّ الانفصال يزيد من حدّة الصراع بين الجماعات دائما. فمن أجل تبرير مطلب الانفصال قد تلجأ الجماعة (س) الى المبالغة في السّمات التي تجعلهم يختلفون عن الجماع (ص)، ومتى ما نجحت في ذلك، فمن المرجح أنّها سترغب في تطهير الدّولة الجديدة من التّأثيرات المهلكة بتذويب العناصر المنتمية للجماعة (ص) من خلال حملات القمع وعمليّات الإخضاع الثّقافيّ وفي الحالة المتطرّفة عبر التّطهير العرقيّ الذي يشاهد اليوم في بورما. إنّ التّأثير الجانبيّ للانفصال قد يكون محفّزا لنزاعات جماعية جديدة، ويشير هورويتز إلى كيفيّة تطوّر الانقسامات الإثنيّة الجديدة في أفريقيا وفي أماكن أخرى بعد تفكّك الدّول الأكبر حجما. فالاختلافات التي لا تحظى باهتمام كبير في الوحدة الأكبر، قد تلوّح بالحدوث إلى أبعد حدّ في الوحدة الأصغر حجما بما تنتج من تصوّر للمجتمع السّياسيّ على أساس التّجانس الثّقافيّ ولو بالقسر، وهو ما يفضي إلى سلوك طريق الاقتتال الدّاخليّ بين الجماعات الفرعيّة.

ومن الخطأ البالغ افتراض عدم وجود تغيير في الموقف الأقلّيّ لجماعة (س) التي تعدّ نفسها مجرّد ما تبقّى من دولة (ص) نتيجة التّواجد في هذا المكان، يبدو واضحا أنّها تشكّل أقلّيّة صغيرة تعتقد أنّ تأثيرها السّياسيّ سيكون أقلّ ممّا لو كانت مستقلّة. فقد لا تكون هناك أي دوائر انتخابية تنتخب أعضاءها بانتظام للبرلمان، وقد تجرّد من الحقوق الخاصّة كالحقوق الثّقافيّة باعتبار أنّه لم يبق منها سوى فئة قليلة جدّا تستدعي القلق بشأنها بالإضافة إلى الاهتمام الخاصّ. كما قد يجادل قادتها السّياسيّون في الدّولة (ص) بأنّ وجود الدّولة (س) يوفّر حماية نوعيّة لتلك الجماعة ولثقافتها، إذ سيغيّر إنشاء دولة (س) الهوّيّة السّياسيّة لأعضاء الجماعـة (س) ممّن بقي منهم خارجها. فقد يعزّز وجود تلك الدّولة إحساسهم بقيمتهم الذّاتيّة في بعض الأحيان النادرة، أو قد يشعرون بمزيد من الاستبعاد من قبل جماعة (ص) غير أنّ هذا الشّعور سيكون بالمثل [إذا كنت تعتقد أنّك لا تنتمي لهذه الأرض فلماذا لا تنتقل إلى أرض (س)؟]. ومن ثمّة، سيكون من المرجّح أن تزداد حالة من تقطّعت بهم السّبل من جماعة (س) نتيجة الانفصال.

للأسباب المذكورة يبدو أنّ اقتراح تسوية مسألة الأقلّيّات عن طريق الإحصاء وعدّ الرّؤوس غير كافٍ على الإطلاق، إذ يتعيّن إصدار أحكام تتعلق بكيفيّة تغيير وضع المجموعات المختلفة عبر إنشاء دولة جديدة. والسّؤال في مثل هذه الحالة يتناول البحث عمّا إن كان مبدأ الهوّيّة الوطنيّة (أو الجنسيّة) يرشد إلى حلّ واقعيّ وعمليّ، ولا بدّ في هذا الصّدد من توضيح حقيقة أنّ المبدأ لا ينادي بإنشاء دول متجانسة ثقافيّا أو عرقيّا. ولكنّه يدعو إلى تقاسم هوّيّة وطنيّة مشتركة واحدة وموحّدة تترك قدر الإمكان مساحة للتّنوّع الاجتماعيّ المبنيّ على الاختلاف والمغايرة في العرق واللّغة، في الملّة والمذهب، كما في الرّأي السّياسيّ وما إلى ذلك. والمؤكّد أنّه إلى جانب مبدأ الجنسيّة يأتي إقرار مبادئ أخرى كمبادئ حقوق الإنسان مع ما تتضمّن من مبادئ تحمي حقوق الأقلّيّات، ومبدأ العدالة، ومبدأ المساواة وغيرها. فتنزيل هذه المبادئ في الواقع اليوميّ بوضعها موضع التّنفيذ يخلق ارتياحا في الأوساط الاجتماعيّة على اختلافها. كما أنّ وضعها بالاعتبار عند النّظر في قضايا معيّنة خصوصا عندما يتعلّق الأمر بمطلب الانفصال يساعد على الحكم، وعلى تقدير ما إن كانت حقوق تلك الأقلّيّات أفضل أو أسوأ لقبول أو ردّ المطالبة بالانفصال.

والواضح أنّ هذه التّقديرات صعبة، لكن الفعل الوحيد الذي لا يمكن ارتكابه هو قبول الوعود والتأكيدات التي قد يقدّمها الانفصاليّون هكذا ببساطة كما هي، ودون ضمانات. فالفلاسفة السّياسيّون الذين كتبوا عن هذا الموضوع يميلون في الواقع إلى "القبول بالانفصال شريطة أن يلتزم الانفصاليّون باحترام حقوق الأقلّيّات في الدّولة الجديدة التي هم بصدد إنشائها وتشكيلها". لكن كيف يمكن تطبيق هذا الشّرط على حالة فعلية؟ ما هي القيمة الحقيقيّة لتعهد يقدّم بهذا الخصوص؟ علما أنّه بمجرّد تشكيل الدّولة الجديدة والاعتراف بها تدخل حيّز التّنفيذ قواعد آمرة قويّة تقضي بعدم التّدخّل الدّوليّ في الشّأن الدّاخليّ، واذا وضعنا هنا في الاعتبار تجربة يوغوسلافيا السّابقة فسنجد أنها أكّدت لنا أنّه من الصّعب جدّا السّيطرة على الانتهاكات واسعة النّطاق لحقوق الأقلّيّات من الخارج. فهناك خطورة كبيرة في السّماح للانفصال بالحدوث لما قد يكون من تغاضٍ ضمنيّ عن سوء معاملة الأقلّيّات في الدّولة المشكّلة حديثا، وهو أمر لن يكون من الممكن القيام بشيء حياله في مراحل لاحقة من سوء المعاملة تلك.

قد يقود مبدأ الهوّيّة الوطنيّة نفسه إلى التّفكير في وجهات نظر أخرى، وجهات تستدعي رؤية كامنة تدعو إلى أن يتقاسم مواطنو الدّولة هوّيّة وطنيّة شاملة تتيح مجالا للاختلاف الثّقافيّ. لكن إلى أيّ مدًى يمكن تحقيق هذه الرّؤية المثاليّة على حالة معيّنة؟ بل إلى أيّ مدًى تتضمّن الهوّيّة المعنيّة بطبيعتها عناصر يمكن أن ترتبط بثقافة مجموعة إثنيّة معيّنة؟ فإذا كانت الهوّيّة الوطنيّة للـجماعة (ص) غير متبلورة نسبيّا وكانت هوية الجماعة (س) تتضمّن عنصرا دينيّا أو عرقيّا أقوى عن سبيل المثال، فمن الواضح أنّ هناك فرصة متاحة بشكل أفضل للجماعة (س) بسبب ما لها من هوّيّة مشتركة يمكن أن تتطوّر في الدّولة الأصل (ص) على العكس ممّا قد يحصل لها في الدّولة الانفصاليّة (س). وللإشارة لا يعني هذا المعيار بالضّرورة تأييد الوضع الرّاهن أو تزكيته، وإنما يقصد به التّنبيه إلى حقيقة أنّه في كثير من الحالات لاسيما منها تلك التي تكون فيها الدّولة القائمة راسخة منذ وقت طويل، الشّيء الذي مكّنها من إرساء آليّات جيّدة للتّعامل مع التّعدّديّة حيث يغدو مطلب الانفصال غير واقعيّ وغير مبرّر بما يلزم من النّاحية السّياسيّة. إذ لا يتوقّع أحد بخصوص قضيّة الكرد في العراق مثلا أن تقوم دولة كردستان المستقلة في حماية الحقوق الخاصة بالأقليات في كردستان بكفاءة وفعالية أفضل من ما حاصل من أنتهاك لحقوق هذه الأقليات في العراق، وأيضا لا يتوقّع أحد بخصوص قضيّة الكيبيك مثلا، أن تقوم دولة الكيبيك المستقلّة بحماية الحقوق الخاصّة بالأقلّيّة النّاطقة بالأنجليزيّة على الأقلّ بنفس الكفاءة والفعاليّة التي تقوم بها كندا اليوم في حماية حقوق المتحدّثين بالفرنسيّة. بتعبير أكثر وضوحا يصعب أن نتصوّر تطوّر هوّيّة وطنيّة متفتّحة ومتقبّلة لغير الكرد في كردستان بسبب غياب تقاليد أحترام حقوق الأنسان والأقليلات في الشرق الأوسط عموما وفي العراق خصوصا، أو للنّاطقين بالأنجليزيّة في كيبيك، على نحو ما تطوّرت به الهوّيّة الكنديّة للمتحدّثين بالفرنسيّة في جميع أنحاء كندا بفضل التّرويج النّشط للحديث بها الذي أدى إلى أن تكون الثّقافة الفرنسيّة عنصرا مؤسّسا في تلك الهوّيّة.

لا يوجد سبب يدعو إلى الاعتقاد بإمكانيّة احترام حقوق الأقلّيّات عندما يتعذّر التّعايش السّلميّ في المجتمعات المختلطة ومع اندلاع حرب أهليّة تصبح المصالحة أو التّوافق أمرا غير ممكن بسبب ما تأصّل من عداء متبادل، وحينئذ لن تنجح أيّة صيغة لتقسيم الإقليم. إذ يكون من الضّروريّ التّفكير في تبادل السّكان ابتداء لأجل إنشاء كيانات متجانسة وطنيّا، فاقتراح كهذا سيرحّب به معظم اللّيبراليّين لأنّ خلافه يذكِّر بالشّبح المرعب للتّطهير العرقيّ وبالتّرحيل القسريّ. لا شكّ أنّ كثيرا من التّحوّلات السّكّانيّة قد حدثت في الواقع بشكل أو بآخر تحت طائلة الإكراه الفعليّ، لذلك ينبغي أن نكون مستعدّين للتّفكير في عمليّة تخضع لإشراف دوليّ تكون أقل كلفة من النّاحية الإنسانيّة وأقلّ ضررا من النّواحي الاجتماعيّة. بحيث يتمّ منح المرحّلين حوافز ماليّة لتبادل الممتلكات والعقارات إذا كان البديل عن ذلك هو ما شهد العالم من أحداث دامية في البوسنة، وعلى نطاق أصغر بكثير في أيرلندا الشّمالية.

وعموما ينبغي عند معالجة مسألة الأقلّيّات ألاّ يكون المبدأ هو السّماح بالانفصال عندما تطالب به أغلبيّة إقليميّة، بل يتعيّن حثّ كلّ الأطراف على البحث عن الوسائل العمليّة التي تحقّق التّعايش بشكل أفضل، وتوفّر فرصا فعليّة لخلق دول ذات هوّيّات وطنيّة متجانسة نسبيّا تحمي حقوق الأقليّات داخليّا من النّواحي الاجتماعيّة والثّقافيّة وغيرها. للإحصاء أهمّيّة في معرفة الخريطة السّكّانيّة والإحاطة بالوضع الاجتماعيّ والثّقافيّ لمختلف الفئات، وينبغي أن تحتسب العواقب لأكثر من ذلك عندما تبدو الأوضاع سيّئة للغاية بالنّسبة للأقلّيّات حيث قد يكون من الضّروريّ تشجيع بعض السّكّان على نقل مساكنهم قدر الإمكان.

مسألة العدالة والتّوزيع

يرد التّساؤل عمّا إن كانت الاستجابة للمطالب الانفصاليّة المتعلّقة بتطبيق مبادئ العدالة التّوزيعيّة تحقّق نتيجة أفضل في الاستجابة للانفصال، عندما يبدو أنّ المطالبة بتطبيقها أمر مستخف به لاسيما في فترات الرّكود الاقتصاديّ التي تؤثّر سلبا على الأوضاع الاجتماعيّة داخل الدّول بما فيها المستحدثة نتيجة الانفصال، والتي من المرجّح أن تؤثّر على حجم التّبادل بتغيّر نمط التّوزيع الاقتصاديّ بينها. من الملاحظ عند تتبّع المناقشات التي تناولت هذه المسألة أنّها تعطي لمبادئ العدالة بعدا استراتيجيّا، ومكانا بارزا في نظريّة الانفصال المشروع. ومن ثمّة يأتي السّؤال عن الدّواعي والاعتبارات الفعليّة التي تحتّم تعديل الاستنتاجات المتوصّل إليها بخصوص هذه المبادئ.

يشير بوكانان، إلى إنّ المسألة الأولى التي يتعيّن تسويتها هنا هي نطاق المبادئ المعنيّة. بمعنى هل ينبغي اعتماد مبادئ العدالة التّوزيعيّة كأعراف موجّهة في تحكيم القانون الدّوليّ مع ما يكتنف تطبيقها على الصّعيد العالميّ من صعوبات ومشكلات، أم أعتمادها كمبادئ لها نطاق محدود يتأتّى من التّطبيق العمليّ لها عبر المؤسّسات المحلّيّة؟ يحلّل بوكانان هذه القضيّة برسم التّباين بين "العدالة كمعاملة بالمثل" وبين "العدالة التي تركز على الموضوع"، حيث يرى أنّ التزامات الأولى لا تقع إلاّ بين مساهمين في مشروع تعاونيّ، بينما لا تفرض الأخيرة أيّة قيود من هذا القبيل. غير أنّ مبادئ العدالة التّوزيعية لاسيما المبادئ المقارنة منها مثل المساواة والحاجة والاستحقاق، لها بالفعل نطاق محدود لا تعيّنه الممارسة التّعاونيّة التي تستهدف تحقيق منفعة متبادلة؛ بل تعيّنه مواضعات مجتمع يعترف فيه الأعضاء بعضهم بالبعض وبالانتماء إليه جميعا على السّويّة. يتجنب هذا الرّأي طبعا ما يعتبره بوكانان الضّعف الرّئيس للعدالة بوصفها معاملة بالمثل حينما يعتبر أنّه لا يمكن الاعتراف بالتزامات العدالة تُجاه أولئك الذين لا يستطيعون الإسهام في خطّة للتّعاون الاجتماعيّ، مثل ذوي الإعاقة الخطيرة. وإذا كان نطاق مبادئ العدالة يحدّده ما يتواضع عليه المجتمع المعنيّ من حدود، فإنّ هذه المبادئ ستشمل حتما أولئك أفراد الذين لا يستطيعون المساهمة في النّاتج الاجتماعيّ لسبب أو لآخر، إذ ستطبّق عليهم مثلا مبادئ المقارنة مثل مبادئ المساواة والحاجة والاستحقاق، لها بالفعل نطاق محدود. وعموما الأمّم ليست هي المجتمع الوحيد الذي يمكن أن يُحسب على هذا المنظور، وإن كانت هي الأهمّ.

إذا كانت هذه هي الصّورة فكيف أذن نحكم على عدالة مطلب الأنفصال؟ لا شكّ أنّ الأصل يقضي بالحفاظ على مبدأ الوحدة في مجتمع تخضع مؤسّساته لدرجة أوثق من مبادئ العدالة التي يوافق عليها المواطنون، ومتى ما حدث الانفصال نتيجة سبب من الأسباب، أو تحت أيّ ظرف من الظّروف تتشكّل بالتّبع جماعتان سياسيّتان يتجّسد بشكل أو بآخر في كلّ واحدة منها إحساس بالعدالة بين الأعضاء، لذلك يكون من المزايدة الباطلة اعتبار الانفصال سببا لتحقيق العدالة. إذ يحاجج الموقف المؤيّد للانفصال بسخط الأقلّيّة (س) بسبب ما عانت من ظلم في الدّولة الكبيرة، إمّا لأنّ المبادئ التي اشتركوا فيها مع الأغلبيّة لم تنعكس بشكل كافٍ في سياسات الدّولة، أو لأنّ تلك المبادئ التي تقاسمتها داخل الجماعة (ص) قد نُفّذت بطريقة تمييزيّة. ويحاجج الموقف الرّافض للانفصال بما جنّدت الدّولة الأكبر من موارد وفّرت الحماية من أنواع العوز والحرمان لجميع الأعضاء في كلتا الطّائفتين. والحقيقة التي لا تقبل المراء والمجادلة أنّ الجماعة (س) والجماعة (ص) سيتلقّيان معا معاملة مختلفة بعد الانفصال سواء من قبل الحكومتين أو من قبل المؤسّسات الدّوليّة، وهو سبب آخر ينضاف لمعارضة الانفصال والوقوف ضدّه. وينطلق ذلك من مقدمة هي أن مبادئ العدالة النسبية تطبيق داخل المجتمعات وليس فيما بين مجتمعات في دول أخرى. فأنه ليس من الظلم مثلا أن الألمان يتمتعون في متوسط دخل أعلى أو رعاية طبية أفضل من الإسبان، لذلك إذا كان الباسكيون ينفصلون عن إسبانيا، فلن يكون هناك أي ظلم إذا كانوا يحصلون على مستوى معيشي أعلى (أو أدنى) من مواطنيهم السابقين.

يعني هذا بشكل عامّ أنّ حجّة العدالة ستتعزّز بإعلاء الوطنيّة كانتماء ومبدأ جامع بدل التّعويض بالحجّة الأصليّة لتقرير المصير، لكن عندما تتعارض الهوّيّة الجماعيّة لمجموعتين أو أكثر داخل الدّولة بشكل جذريّ، فيعني ذلك أنه من المحتمل جداًّ سيحصل مجتمع الأقلّيّة على معاملة غير عادلة لواحد أو لكلا السّببين المبيّنين أعلاه. ومن المرجح أن تنافر الهوّيّات الخاصّة يأتي كمحصّلة طبيعيّة لما يعتمل داخل الثّقافات العامّة من تناقض، وبالتالي فهم مختلف نوعا ما لما تتطلبه العدالة. وبالمثل عندما يوجد قدر كبير من العداء بين المجتمعات المحلية، سيشعر الزعماء السياسيون في مجتمع الأغلبية بإغراء قوي لممارسة سياسات تمييزية لصالح أتباعهم. إنّ الهوّيّات الجماعاتيّة تتقارب بشكل أوثق على المستوى الوطنيّ كلّما تحقّقت العدالة، وليس محتملا أن يدعم مبدأ الجنسيّة ولا العدالة التّوزيعيّة مطلب الانفصال.

عند التّفكير في ظروف أخرى يمكن أن تلجأ إليها العدالة للاعتراض على حالة انفصاليّة يبدو أنّ لها ما يبرّرها من نواحي أخرى تبرز حالتان هما:

أولا، أنّ الانفصال كما لاحظ العديد من الباحثين قد يكون غير عادل إذا حرم الدّولة الأصليّة من بعض الموارد القيّمة التي تمتلكها أو التي تمّ إنشاؤها بمجهود جماعيّ مثل ثروة طبيعيّة نصّ عليها دستور الدّولة السّابقة للانفصال بوصفها ملكاً عامّا لكلّ المواطنين، أو استثمار ماليّ كبير قامت به تلك الدّولة في إنشاء محطّة لتوليد الكهرباء على أراضي الإقليم المطالب بالانفصال. حيث يمكن من حيث المبدأ حلّ هذه المسألة من خلال نقل الدّفع من الدّولة الجديدة (س) إلى ما تبقّى من الدّولة الأصل (ص) بالرّغم من صعوبة الاتّفاق على شروط دقيقة بهذا الخصوص. كما يمكن عندما يفرض انسحاب الجماعة (س) معاناة على الجماعة (ص) أن يعقد الطّرفان اتّفاقيّة ذات صبغة دوليّة تستمرّ من خلالها الجماعتان (ص) و(س) في التّعاون وفق الظّروف والشّروط والشّرعيّة المتوقّع معها استمرار ذلك التّعاون حسبما يرى غوتييه. فقد يكون لدى الجماعة (ص) بعض المطالب بالتّعويض التي تنخفض تدريجيّا مع تقدّم الزّمن وتوالي السّنين، لذلك فإنّ من الأفضل اعتبارها من مسائل العدالة الانتقاليّة التي لا ينبغي أن تُخلَط بالفكرة المرفوضة أعلاه التي ترى أنّ الانفصال سببا لتحقيق العدالة، فالموقف النّسبيّ للطّائفتين اللّتان تشكّلتا بفعله لا بدّ من أن يحتكم إلى تطبيق مبدأ المقارنة مثل المساواة والحاجة والاستحقاق عند كليهما.

ثانيا، عندما يكون الانفصال سببا مباشرا لأن تبقى الدّولة الباقية قليلة الموارد لا تقدر على حماية مصالح أعضائها وتأمين متطلباتهم الأساس، فيضطرّها ذلك إلى الرّضوخ والانصياع لأجندات القوى الدّوليّة أو الإقليميّة كأن يختار إقليم غنيّ الانفصال عن أقاليم فقيرة وهامشيّة، وهو أمر يستحقّ التّفكير لأنّه يلقي الضّوء على المبدأ العامّ الذي يستند إليه هذا الافتراض وهو أنّ سعي الجماعة (س) إلى تقرير المصير يتعيّن حتما ألاّ يفضي إلى حالة تحرُم الجماعة (ص) من تحقيق العدالة فيما بين أعضائها ما يجعلها محقّة في المطالبة بالحقّ في تقرير المصير أيضا. وهذا يذكّر إلى حدّ ما بشرط ويلمان الذي يرى ضرورة أن تكون الدّولة الانفصاليّة والدّولة الباقية كلاهما "كبيرتين، ثريّتين، متماسكتين ومتّصلتين جغرافيّا بما فيه الكفاية لتشكيل حكومة تؤدّي بشكل فعّال الوظائف اللاّزمة لخلق بيئة سياسيّة آمنة". ومع اعتبار عدم جدوى الإصرار على مطالبة كلّ دولة بالوصول إلى مستوى من الشّرعيّة اللّيبراليّة قبل تشكيلها يبقى مهمّا بالفعل أن يكون لكلّ من الدّولتين (س) و(ص) ما يلزم من الأراضي والموارد التي تمكّنها من إنشاء مجتمع سياسيّ قابل للحياة؛ أمّا كيفيّة القيام بذلك عمليّا فهذا يعتمد على الثّقافات السّياسيّة المتحصّلة لدى الجماعتين.

الخلاصة

لقد حاولت الدّراسة أن توضّح ما يوفّر مبدأ الهوّيّة الوطنيّة (أو مبدأ الجنسيّة) من وجهات نظر حول قضيّة الانفصال، ومن رؤًى تتجنّب الوقوع في مغبّة تجاهل مطالب الانفصاليّين دون انحياز لطرف على حساب آخر، ودون أن يكون في الأمر ما يرغم على الدّفاع عن الدّولة القائمة. ففي بعض الأحيان تحتاج الحدود إلى تغيير، لكنّ القيام بذلك لا يصحّ ولا يتحقّق إلاّ بتطبيق المعايير ذات الصّلة، وليس فقط عبر المطالبة الصّاخبة والتّجييش المنفعل للعواطف القوميّة، إذ من غير الطّبيعيّ أن تنادي أغلبيّة إقليميّة تريد الانفصال بالاستقلال دون أن يكون لها الحقّ في القيام بذلك. فهي تحتاج إلى قياس قوّة مطالبتها، وقياس المدى الذي تطوّرت إليه هوّيتها، كما تحتاج إلى قياس قدرتها على تحمّل كلفة الانفصال وإلى معرفة كيف يمكن أن يكون مصيرها عند تطوّر هوّيّة أقلّيّة منفصلة داخلها، بالإضافة إلى استيعاب مختلف النّظم الممكنة التي تتطوّر من خلالها مختلف الجماعات والمجموعات وغير ذلك ممّا يتطلّب مستوى من المعرفة العلميّة ومن الحذق السّياسيّ ناهيك عن التّمكّن من فهم الواقع والإمساك بخيوطه المعقّدة والمتشابكة. فبهذه الطّريقة لا بغيرها يمكن أن يكون الانفصال الصّريح مبرّرا من النّاحيتين القانونيّة والسّياسيّة، وبديلا مقبولا عن الأشكال التّوافقيّة الأخرى المتوفّرة داخل حدود الدّولة القائمة كالحكم الذّاتيّ الجزئيّ، الفدراليّة، الحكم الذاتيّ المحليّ، وما إلى ذلك من أشكال.

 

د. عليّ رسول الرّبيعيّ

............................

Reference

Buchanan, A,. Secession, Boudler, colo., Westview Press, 1991, p.49.

Buchanan, A,. ‘Theories of Secession’, Philosophy and Public Affairs,26, 1997, pp 31-61.

Crawford, J., Thr Creation of State in International Law, Oford, CLARENDON Press, 1979, ch,3.

Gauthier, ‘Breaking Up: An Essay on Secession’, Canadian Journal of Philosophy,24, 1994.

Horowitz, D.L., ‘Self-Determination: Politics< Philosophy and Law’, in Shapiro, I., and Kymlicka, W., (eds), Namos XXXIX: Ethnicity and Group Rights, New York, New York UniversityPress, 1997, and Moor, M., (ed0 Self-Determination and Secession, Oxford, Oxford University Press, 1998.

Keating, M., Nation aginst the State: The New Politics of Nationalism in Quebec, Catalonia and Scotland, Basingstoke, Macmillan, 1996.

Ladas, S.P, The Exchange of Minorities: Bulgaria, Greece and Turkey, New York, Macmillan,1932.

Mapel, D.R., and Nardin, T., The constitution of International Society: Diverse Ethical Perspectives, Princeton, Princeton university Press, 1998.

McDowall, D, The Kurds: A Nation Denied, London, Minority Rights Group, 1992; Kreyenbroek, P.G and Sperl, S (ed), The Kurds: A Contemporary Overview, London, Routledge, 1992.

Moore, Margaret, ‘On National Self-Determination’, Political Studies, 45,1997

Nielsen, K, ‘Secession: The Case of Quebec’, Journal of APPLIED Philosophy, 10, 1993, PP 29-43; وايضا Gauthier, ‘Breaking Up: An Essay on Secession’, Canadian Journal of Philosophy,24, 1994, pp,356-72.

Norman, W,. ‘The Ethics of Secession as the Regulation of Secessionist Politcs’ in Moore (ed) National Self-Determination and Secession, Oxford, oxford University Press, 1998.

Petropoulos, J.A., ‘The Compulsory Exchange of Populations: Greek-Turkish Peace-making, 1922-1930’, Byzantine and Modern Greek Studies,2, 1976.

Steiner, H., ‘Territorial Justice’ in Georgy, Caney, S, D and Jones (eds), National Rights, International Obligations, Boulder, Colo., Westview Press, 1996

Wellman, C.H., ‘A Defense of Secession and Political Self-Determination’, Philosophy and Public Affairs, 24, 1995.

عدنان عويدقال الله تعالى في كتابه العزيز: (هو الذي أنزل إليك الكتاب منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ولا يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا ألوا الألباب.) .. آل عمران (7).

يقول الفيلسوف الكندي، العربي – الإسلامي عن تجار الدين:

(... ذباً عن كراسيهم المزورة التي نصبوها (لأنفسهم) من غير استحقاق، بل للترؤس والتجارة بالدين وهم عدماء الدين، لأن من تجر بالشيء باعه، ومن باع شيئاً لم يكن له. ومن تجر بالدين لم يكن له دين.).

قبل أن نقدم رؤيتنا المتواضعة في مسألة هؤلاء الذين أخذوا بالآيات المتشابهات والتأويل ابتغاء الفتنة أو تأويله لتحقيق مصالح أنانية ضيقة. دعونا نقف قليلاً عند تعريف أو تحديد مفهومي المسلم والمؤمن كما نص عليهما النص المقدس (القرآن)، وهو المرجع الأساس وربما الوحيد في النظر بمسألتي التشريع والعقيدة، الذي منه اشتقت كل الدراسات الإسلامية الفقهية وعلم الكلام وغيرها. هذا إذا أخذنا بالحديث الشريف القائل: ( من كتب عني غير القرآن فاليمحه.)، صحيح مُسلم . وذلك حتى لا نفسح في المجال لمن يقول بأن كل ما قاله الرسول في غير القرآن هو من عند الله وخاصة في أمر الحياة اليومية المباشرة، انطلاقاً من تفسيرهم الخاطئ لما جاء في النص القرآني بأن الرسول (وما ينطق عن الهوى إن هو وحي يوحى)، (النجم -3). وبناءً على ذلك وضعوا مئات آلاف الأحاديث على لسان الرسول وادعوا وتبنوها بناءً على تفسيرهم الخاطئ لهذه الآية. حتى أن حجة الإسلام أبو حامد الغزالي اعتمد على (1000) حديث ضعيف منها، وراح يقول بأن الحديث ينسخ القرآن والعكس صحيح. أو كما قال ابن حنبل : (الحديث الضعيف عندي أهم من الرأي.). والرسول نفسه أكد عندما سئل عن تأبير النخل قائلاً : (أنتم أدرى بأمور دنياكم.). وأمور الدنيا بحاجة للعقل والرأي والتدبير، وأعتقد ، بل أجزم أن الرسول قد قال ذلك كونه الأدري بما أنزل إليه من عند الله، وما لم ينزل عليه وهو من عنده، ومن يعود إلى خطبته في حجة الوداع يؤكد ذلك. وبالتالي هو أدرى أيضاً بالذين في قلوبهم زيغ.

من هو المسلم، ومن هو المؤمن كما حدده النص القرآني؟:

نقول في هذا الاتجاه: إذا كان "الإسلام" في مفهومه العام هو الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخرة،. وأن مقاصد الدين الحنيف قد حددته الآية الكريمة التالية: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتائي ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.). النحل (90). أو كما حدده حديث الرسول المشهور المتكئ على النص القرآني وهو: (المسلم من سلم الناس من يده ولسانه). رواه مسلم والبخاري). فبذلك يكون المسلمون ليسوا هم من نزلت عليهم الرسالة التي بشر بها الرسول محمد فحسب، بل المسلمون هم كل من آمن بمضمون الآية التي جئنا عليها أعلاه، وعلى مضمون الحديث، من سلم الناس من يده ولسانه. وهذا التحديد لمن هو مسلم جاء بيناً في العديد من آيات القرآن الكريم مثل: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا عليّ وآتوني مسلمين). (النمل 30). وكذلك جاء في سورة يوسف:( توفني مسلماً والحقني بالصالحين).بوسف (101). وقول الآية التالية في سورة آل عمران أيضاً: ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله؟. قال الحواريون نحن انصار الله آمنا بالله واشهد بانا مسلمون.). آل عمران. (52). أما هذه الآية فهي تبين بكل وضوح بأن الإسلام ليس الدين الذي نزل على الرسول محمد فحسب، وإنما هو دين الله الذي نزل على كل ملائكته ورسله.. تقول الآية الكريمة: (قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لانفرق بين أحدٍ منهم ونحن له مسلمون. ومن يتبع غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.). آل عمران. (84 و 85).   أما المسلمون الذين اتخذوا الإسلام الذي نزل على الرسول محمد ديناً لهم ، فقد نزل فيهم قوله تعالى قبل وفاة الرسول: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً.). (المائدة -3). وبهذا يكون الإسلام وفق هذه المعطيات هو الدين الوحيد الذي نزل على كل الأنبياء بغض النظر عن الزمان والمكان الذي نزل فيه هذا الدين، وموافقته لقضايا عصر نزوله، إلا أن جوهره واحد وهو: الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمر الله به.

أما المؤمنون وفق هذه الآية، فهم كل من آمن بمضمون ومقاصد الإسلام الخيرة وفقاً لمفهوم الإسلام الذي جئنا عليه أعلاه أولاً، ثم هم الذين يجاهدون في سبيل الله حق جهاده ثانياً. والجهاد هنا هو جزاء الذين يعيثون في الأرض فساداً ويعتدون على مقاصد الدين الأساسية وهي حق الحياة والأرض والعرض والنفس والمال، كما تقول الآية: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفون في الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الاخرة عذاب عظيم.). المائدة 33.

بيد أن المشكلة هنا في مسألة دلالات مبدأ الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر التي تبررها بعض القوى أو التيارات الإسلامية الجهادية المتطرفة، فهي لا تأتي ذريعة لاستخدام عقاب الناس ومحاسبتهم وتعزيرهم ، قطعاً للرؤوس وتكفيراً للآخر المختلف في الهوية، وهو يمثل الفرقة الناجية التي عليها أن تحارب الناس أجمعين لأنهم كفار، وان عقابهم من قبل هذه الفرقة أو هذا المسلم تكليف شرعي من عند الله. ففي مثل هذا الموقف العدائي من قبل المتنطعين في الدين، خروجاً عن مفهوم النهي عن المنكر. فمفهوم الجهاد بشكل خاص، هو عدم الاعتداء على الناس وإباحة دمهم وأموالهم بدون حق. وهذا الفهم الحقيقي يكلف به المؤمنون من المسلمين، عبر مؤسساتهم الشرعية، التي تقررها الدولة، ووفقاً لدراسة معطيات الذنب المرتكب وما يحيط به وما هي دوافعه... وغير ذلك. وبالتالي هذا يدفعنا للوقوف قليلاً عند هذه المسألة الإشكالية. فهذا الرسول يقول عن مسألة الجهاد ودلالاته بعد معركة بدر: (عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) (النسائي والبيهقي وهو حديث مشهور). فحرب الأعداء بالمال والنفس هو الجهاد الأصغر، أما الجهاد الأكبر فهو مجاهدة النفس على الشدائد، ومكابدة الذات على المكاره، ومساعدة الناس على السمو والرفعة، ومعاهدة الروح على البذل والعطاء، وتنقية القلوب وإحياء النفوس على كل ما هو جميل. ونختم هنا حول قضية الجهاد في هذه الآية الكريمة وهي من الآيات العامة والمحكمة في دلالاتها بالنسبة لتحديد من هم الذين يجب أن يقاتلوا، وكم هي سعة رحمة الله وعفوه في قوله تعالى: ( عسى أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم. لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلونكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين.). الممتحنة- (7و8).

أما هؤلاء المتنطعين في الدين الذين يدعون بأنهم يقاتلون من أجل الله ودينه من خارج سلطة الدولة، وعلى الطريقة التي يفسرون فيها النص الديني ويؤولونه لمصالحهم أو مصالح من يسخروهم لتحقيق مصالح سياسية أو اجتماعية أو مادية، فإن الله لغني عنهم وعن جهادهم، وهو ليس بحاجة لمثل هؤلاء المتنطعين، أو المرتزقة ممن يدعون الإيمان. فالله تعالى يقول: (ومن يجاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين.). العنكبوت (6). أو في قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم تعملون.). المائدة (105).

إن الإسلام في صيغته العامة هذه هو دين يسر ومحبة وعدالة: (وما جعل عليكم في الدين من حرج). المائدة (78). وهو لا يأمر وجوباً، ويلزم الناس فوق طاقتهم، بل يسهل عليهم تجاوز بعض ما حرم عليهم إن اضطروا: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه). البقرة (173). ولكن الاضطرار هنا محكوم بقدره، أي عدم تجاوز حدود المباح وفق هذه الآية حتى لا يتحول المباح هنا إلى ضرر أكثر من نفعه.

أما الموقف من الديانات الأخرى، فالإسلام والمسلمون المؤمنون في نهاية المطاف لا يميزون بين أنبيائه ورسله وكتبه، فكلها من عنده وكلها تدعوا إلى وحدانية الله وتحقيق الجوهر الحقيقي للإنسانية كما بينا في موقع سابق، وكما جاء في الآية الكريمة التالية: (قل آمنا بالله وما أنزل على ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من عند ربهم لانفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون). عمران 84.

الذين في قلوبهم زيغ ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله:

جاء في الآية القرآنية التالية ما يحدد أو يبين من هو المسلم الحقيقي، والمؤمن بدور الإسلام ومقاصده الإنسانية. تقول الآية الكريمة: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله. والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا ألو الألباب.). آل عمران (7).

إن قراءة دقيقة لمضمون ودلالات هذه الآية، تبين لنا الجوهر الأساس للنص القرآني الذي يجب على كل مؤمن بهذا النص أن يتعامل معه انطلاقاً من هذه الآية. هذه الآية (القدرية في مضمونها) التي تقرر بأن القرآن يحمل بين طياته آيات محكمات، أي بينات واضحات لا غموض فيها أو لبس أو تشابه، وهذه الآيات هن من يشكل الجزء الأكبر من آيات القرآن، أما ما تبقى من الآيات فهن آيات متشابهات، أي فيها الغموض وفيها المفارقة أحيانا ولا نقل التناقض، وفيها تعدد الدلالات في المفهوم. فمن الآيات البينات على سبيل المثال للحصر: (قل هو الله أحد الله والصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد). صورة الإخلاص-1-2-3-4-). فهذه آية بينة، (وكذلك الآيات (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خلق الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ   عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ        ). (العلق -1-2-3-4-5). أما الآيات المتشابهات فلنأخذ بعضها كالآيات التالية : (والذين كذبوا في آياتنا صم وبكم في الظلمات، من يشاء الله يضلله ومن يشاء يجعله على صراط مستقيم). (الأنعام 39). وهذه الآية جبرية في دلالاتها، في الوقت الذي نجد آية أخرى تقول بحرية الإرادة التي يمارس فيها الإنسان أعماله بنفسه أو بقدره، وليس جبراً كالآية التالية: (قد جاءكم بصائرُ من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها وما أنا عليكم بحفيظ.). (الأنعام – 104). أو كالآيات التالية في الموقف من اليهود والنصارى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين.). المائدة (51). والآية المتشابهة التالية: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسون ورهباناً وأنهم لا يستكبرون.). المائدة. (82). وهنا أيضاً الآية التي تفضل اليهود على العالمين: (ولقد آتينا بني اسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين.). الجاشية (16). وغير ذلك من هذه الآيات. كما نجد التشابه في مستويات ودلالات أخرى بالنسبة للنص القرآني، من حيث تعدد الدلالة في الآية الواحدة كالآية التالية: (الرحمن على العرش استوى ..). (طه -5)، فدلالات الاستواء هنا غير واضحة، لا في مكانها ولا في طبيعتها. في الوقت الذي نجد فيه آية أخرى تشير إلى حالة الاستواء بكل وضوح كالآية التالية : (وانشقت السماء يومئذ واهية . والْمَلَكُ على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية.). الحاقة (16 و17). ففي هذه الآية يبدو التجسيم أو التجسيد واضحاً بالنسبة لمكان الله وعرشه وحملته. والآية التالية تؤكد بان وجود الله في السماء، ومن هناك يتدبر أمر الخلق : (يدير الأمر من السماء إلى الأرض ثم يُعْرِجُ إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما يقدرون.). السجد (5). وفي آية أخرى يشير فيها إلى سمعه وبصره : (قال لا تخافا إني معكما أسمع وأرى.).طه (46). وأمام كل هذه الآيات التي تشير إلى التجسيد الصريح عن مكان وجود الله وسمعه وبصره واستوائه، نجد آية أخرى تنفي كل هذه الصفات التجسيدية لتقول: (فاطر السموات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ومن الأنعام أزواجاً يذرؤكم فيه ليس كمثله شيئ وهو السميع البصير.). الشورى (11). فهذه الآية في الحقيقة تنفي التجسد أو التشابه (الصفات) كله في مضمونها، ففي الوقت الذي تشير إلى قدرته على الخلق وإلى سمعه وبصره، تقر أيضاً بأن الله ليس كمثله شيء. أي هو خارج نطاق الوصف. ومن يكن خارج نطاق الوصف سيجرد في النهاية من كل ما يدل على محسوستيه الشخصية بأية صفة كانت.

إذن من خلال هذه الآيات المتشابهات تأتي إشكالية التعامل مع النص المقدس، من حيث تأويله أو تفسيره لمصالح سياسية أو مذهبية أو شخصية، آو الأخذ به ابتغاء الفتنة بين المسلمين أنفسهم، أو بين المسلمين وغيرهم. وبناءً على ذلك نبه الله إلى خطورة التعامل مع هذه المتشابهات وقال بأن الذين في قلوبهم زيغ هم من يحاول التعامل معها أو الأخذ بها ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله. وكذلك نبهنا الرسول الكريم عن هذه الآيات المتشابهات بقوله: (القرآن ذلول ذو وجوه ، فاحملوه على أحسن وجوهه.) (رواه القرطبي، وابن عباس). أما الراسخون في العلم من المسلمين المؤمنون من أولي الألباب، أي المؤمنون بالله وبدور الإسلام كدين محبة ورحمة وعدالة ومساواة، فهم الذين يقرون أو يعترفون بوجود هذا التشابه أو الوجوه المتعددة في النص الديني، لذلك هم يؤمنون به من جهة كونه كله من عند الله، وعليهم التسليم به، وعليهم في المقابل أن يأخذوا من هذه الآيات كل آية واضحة بينة (محكمة) كما امرهم الله ورسوله. أي الآيات التي لا تفرق بين المسلمين وتحارب الفساد والظلم والاعتداء على حقوق الله وحقوق المواطنين.

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحت من –ديرالزور- سورية

 

هنالك رؤيتين متباينتين كلياً عن الأصل الذي أوجد كوننا المرئي أو المنظور، الأولى علمية والثانية ثيولوجية. الأولى عقلانية دنيوية بشرية تقبل الخطأ والصواب وقابلة للتطور، وتستند على معطيات علمية ونظريات ومعادلات رياضياتية وعمليات رصد ومشاهدات فلكية وتجارب مختبرية وبالرغم من ذلك فهي ليست قاطعة ومطلقة. والثانية تستند على مسلمة الإيمان، وهي غيبية ماورائية تدعي أنها منزلة من السماء في نصوص إلهية مقدسة لا تقبل الطعن أو النقاش أو المراجعة والتمحيص، لأنها إلهية المصدر نقلها الأنبياء والرسل عن الله، وهي قاطعة ونهائية ومطلقة وثابتة لا تتغير و لا تتطور. الأولى تقول أن الأصل هو مادة مكونة من جسيمات أولية لا متناهية في الصغر تتحرك وتتفاعل وتتجمع في تركيبات متنوعة لتخلق هيئات أكبر فأكبر وتخضع لقوانين فيزيائية جوهرية كالجاذبية الكونية أو الثقالة الكونية والقوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية الشديدة والقوة النووية الضعيفة. والثانية تقول بأن الأصل نشأ عن إرادة ربانية أردت أن تخلق الكون " من العدم؟" بطريقة " كن فيكون" ومع ذلك استغرق الله ستة أيام لخلق الكون بما فيه من سماء وأرض وشمس وقمر وليل ونهار وكائنات حية وجماد ونبات وحيوان وبشر، وقبلهم ملائكة وجن، كما ورد في الكتب المقدسة أو المنزلة وهي العهد القديم أو البابيل أو التوارة، والعهد الجديد أو الأناجيل، والقرآن. يقول رجال الدين والمؤسسات الدينية في كل مكان على الأرض، أن الرؤية الثانية هي الصحيحة، وهم لا يؤكدون ذلك فحسب، بل يفرضونه بالقوة تحت التهديد والترغيب والتلويح بالعذاب الدنيوي" كمحاكم التفتيش السيئة الصيت" والوعيد بالعقاب الآخروي والتهديد بعذاب جهنم والنار الخالدة والجحيم لمن لايؤمن بذلك.

ووفق طرح الثيولوجيين بمختلف مشاربهم، لم يكن العالم موجوداً منذ الأزل، الله وحده هو الأزلي وكان موجوداً وحده و لا شيء غيره، فهو الوجود الكلي المطلق. وفي لحظة ما قرر الله أن يخلق الكون، ويعتقد هؤلاء الثيولوجيين أن الله خلقه " من العدم" وهذا يعني ضمناً أن هناك شيء إسمه" العدم" كان موجوداً إلى جانب وجود الله، ولا ندري هل هو من خلقه أيضاً أم لا، أي هل العدم جزء من ملكوت الله أو مستقلاً عنه؟ والحال أننا نعرف، علمياً، أنه لا يوجد شيء إسمه " العدم" إلا في صيغ ومفاهيم فلسفية. وبالتالي لا يمكن لله أن يأخذ شيئاً من شيء غير موجود. والتفسير الوحيد الممكن والمقبول، من وجهة نظر ثيولوجية ودينية بالطبع، هو أن الله أخذ جزءاً من ذاته وصنع منه الكون.

من جهة أخرى يقول الثيولوجيون أن الله يتصف بالكمال والتمامية والكلية، وما يؤخذ منه كجزء لا بد أن يكون ذا صفة كلية تامة وكاملة وتتصف بالكمال، على غرار الكل الأصلي، والحال أن رجال الدين والمؤسسات الدينية تعترف بأن العالم المادي الظاهر لا يتصف بالكمال والتمامية بل يشوبه القصور والنقص. ويقولون أيضاً أن الله خلق بحرية وبكامل إرادته هذا الكون بما فيه وبما يحتويه، وبالتالي فهو مسئولاً عنه وعن النتيجة والهيئة التي ظهر بها هذا الكون المرئي، أي هو مسئول عن خلقه، وإذا كان هناك ثمة نقص فالمسؤولية تقع على عاتق الصانع أو الخالق. مثلما يقولون أن الله خلق للإنسان العقل لكي يختار ولكن إذا أخطأ العقل في اختياره فمن المسئول عن ذلك الاختيار؟ العقل أم من خلق العقل؟. يؤكد رجال الدين أن الشر مصدر الشيطان أو إبليس وأتباعه، لكنهم يتجاهلون حقيقة أن الشيطان أو إبليس وأتباعه هم مخلوقات خلقها الله بنفسه، لكنهم تمردوا عليه وعصوا أوامره مما جعلهم يعيثون فساداً في الكون الذي خلقه الله وتضليل مخلوقاته وبعلمه " لأنه يعلم كل شيء" كما يقول الفقهاء ورجال الدين، فمن غير المعقول أن الله لا يعرف سلفاً بنوايا جزء من ملائكته، وعلى رأسهم إبليس، وبالتالي يحصل الإغواء الشيطاني للبشر بموافقة ضمنية من الله لأنه قادر على منعهم عن ممارسة الشرور ضد البشر لو شاء ذلك، ولو لم يكن موافق ضمنياً لما أتاح لهم ذلك ومنحهم القدرات الخارقة لإتيان الأعمال الشريرة وجر البشر للعصيان والكفر وممارسة الشر. فإما أن يكون الله لم يرد منع الشر أو إنه لم يستطع ذلك وعجز عن منع ظهور الشر، ففي الحالة الأولى يكون مسؤولاً عن الشر، وفي الحالة الثانية تنتفي عنه صفة الكمال والكلية والقدرة اللامحدودة، وهذا ما يرفضه الثيولوجيين ويتهمون من يقول به بالكفر والزندقة. ولقد ورد في الإنجيل أن الله لم يمنع وقوع الشر. :" قال الملك"يسوع" لمن على يمينه، تعالوا أيها المباركون من أبي خذوا المملكة التي أعدت لكم منذ بدء الخليقة، وقال لمن كان على يساره، إبتعدوا عني أيها الملعونون في نار جهنم الخالدة التي أعدت للشيطان ومن تبعه من الملائكة ". فمنذ خلق العالم يكون الله قد خلق السماء وفيها الجحيم أي أن المهندس الأول الخالق يعرف مسبقاً كما يقول الثيولجيين، أن هناك من بين مخلوقاته " من بين أبنائه" من سيتمرد عليه ويعصيه، من ملائكة وبشر وحدد سلفاً من سيذهب للنار ومن سيذهب إلى الجنة ولم يفعل شيئاً لمنع العصاة والمتمردين، لكن ذلك جعل نتاج خلقه ناقص وغير متقن، وإنه أعد النار الخالدة منذ البدء للذين دنسوا عملية خلقه، وهم من مخلوقاته في نهاية المطاف. وعندما يواجه رجال الدين والمؤسسات الدينية بهذه المفارقة يردون بكلمة" هذا سر الله الغامض أو هذا لغز لا يعرف جوابه إلا الله. ومن أهم الألغاز التي يعجز الثيولوجيون الإجابة عنها أو شرحها وتفسيرها وتبريرها هو وجود الشر وتغلغله في ثنايا الوجود الإنساني والبشري وقد يتعدى التبرير حدود الأسطورة، فلا يمكن لرجال الدين إنكار وجود الشر لكنهم حائرون في البوح عمن خلقه ولماذا، فالله خلق النفس الأمارة بالسوء ومنح الشيطان القدرة على الهيمنة على البشر ونشر الشرور بينهم. وقد يحتج البعض أن الله خلق العقل وحباه بالذكاء وملكة التفكير وحرية الاختيار، حسناً وماذا لو اختار العقل الذي خلقه الله طريقاً مغايراً لما أراده الله ورسله وأنبيائه؟ فمن المسؤول هل هو العقل أم الله؟ فالعقل لم يخلق نفسه بنفسه كي يكون مسؤولاً عن اختياراته بل هو من صنع الله . وهل نجح آلاف الأنبياء والرسل في صناعة جنس بشري عاقل يستطيع التمييز بين الخير والشر؟. فماذا يقولون عن مئات الألوف من الحروب بل لعلها ملايين منذ ظهور النوع الإنساني وحتى بعد تحوله لحالة البشر العاقل الواعي؟ وماذا عن جرائم القتل والذبح والتمثيل بالجثث واكل الموتى في المجاعات وغيرها؟ هل ينكر المؤرخون أن البشر اعتادوا على أكل البشر في الكثير من حقب التاريخ البشري والفتك بشعوب كاملة وإبادتها بإسم الله والدين؟

النصوص الأسطورية والحقائق العلمية:  

كلما حقق العلم تقدماً وإنجازاً في عالم المعرفة والبحث عن حقيقة الكون، كلما تبين أن ذلك يتعارض ويختلف كلياً مع ما جاءت به الأديان السماوية والوضعية، وروته من قصص عن موضوع خلق الكون والكائنات، ولتفادي هذه الهوة وتهدئة ذوي العقول المضطربة والحائرة تقد بعض رجال الدين وأنصاف العلماء بموضوعة الإعجاز العلمي المقحم في القرآن وأبرزوا الآية التي تقول أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ(الانبياء 30) فما هي العلاقة أو الصلة بين نظرية الإنفجار العظيم والرتق والفتق بين الأرض والسماء؟ السماء بنظر الكثير من الفقهاء ورجال الدين هي القبة أو الغطاء الفوقي الذي يغطي الأرض والحال لا توجد سماء بل يوجد فضاء في كل مكان بين المجرات والنجوم والكواكب، وفوق الأرض وتحتها وعلى جانبيها، شرقها وغربها، شمالها وجنوبها. هل كان محمد وصحابته قبل 1500 سنة تقريباً يعرفون أن الكون المرئي نشأ عن انفجار نقطة لامتناهية في الصغر عرفت بالفرادة الكونية، وصاغوا هذه المعلومة بآية وفسرها المفسرون على أنها عبارة عن فصل بين السماء والأرض وتقسيم السماء إلى سبع سموات، وكذلك الأرض. الحقيقة العلمية تقول أنه لم يكن هناك سماء و لا أرض عند حدوث الإنفجار العظيم قبل 13.8 مليار سنة وليس خمسة أو سبعة آلاف سنة. بينما يذكر النص الديني أن الفتق حصل لكينونتين موجودتين أصلاً ومندمجتين ببعضهما أي كانتا بمثابة " كتلة" واحدة وتم الفصل بينهما ورفع السماء وأبعدها عن الأرض {اللَّه الَّذِي رَفَعَ السَّمَوَات بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا الرعد 2}، ومن ثم يستطرد النص القرآني في وصف ما طرأ على السماء والأرض من تغيرات وتطورات وتعديلات لا علاقة لها بما نعرفه عنهما من الناحية العلمية، أَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (النازعات 31) ولكن في أية أخرى تناقضها يقول فيها النص القرآني إن الله خلق الأرض وأكمل أقواتها ثم استوي إلى السماء وهي مجرد دخان فسواها سبع سماوات (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ " سورة البقرة 29)

أحتاج تكون الأرض إلى 4 مليار سنة أو أكثر وتقول الآية أن الله خلق الأرض في يومين من ألأيام الستة التي احتاجها الله لخلق الكون برمته:" قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ۚ ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَىٰ فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا ۚ(فصلت 12) أي انه خلق الأرض وأكمل التعديلات عليها في أربعة أيام ثم استوي إلى السماء وسواها ورفع سمكها وهذا يناقض الآية الأولى (النازعات 31) التي تذكر انه عدل السماء ثم رجع يعدل الأرض (والأرض بعد ذلك دحاها)ويناقض أيضا آية (الأنبياء 30) في كونهما مخلوقتان ثم فصلهما كما يقول ! بمعنى انه خلق السماء والأرض ثم قام بالتعديل (الفتق) رغم انه في موضع آخر هنالك تسلسل في الخلق والتعديل (الأرض ثم التعديل (الأقوات) ثم السماء ثم التعديل (رفع السمك) حسب تسلسل آية فصلت 12. أما التوراة فقد سبق القرآن بهذه الأطروحة الخرافية عن نشأة الكون والإنسان من خلال سلسلة من الأسفار الأسطورية لا سيما سفر التكوين الذي يتحدث عن الخليقة وكيف خلق الله العالم والإنسان في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع ففي :" ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻷﻭﻝ : ﺧﻠﻖ ﺍﻴﺎﻩ ﻭﺍﻟﻨﻮﺭ ﻭﺍﻟﻈﻠﻤﺔ ﻭﺍﻟﺴﻤﺎﻭﺍﺕ ﻭﺍﻷﺭﺽ وفي ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺜﺎ:ﹶ ﺧﻠﻖ ﺍﹶﻠد ﻟﻴﻔﺼﻞ ﺑ المياه وفي ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ: ﺧﻠﻖ ﺍﻟﻴﺎﺑﺴﺔ والنباتات وفي ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺮﺍﺑﻊ: ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻭﺍﻟﻘﻤﺮ والنجوم وفي ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﺎﻣﺲ: خلق ﺍﻴﻮﺍﻧﺎﺕ وفي   ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺴﺎﺩﺱ: خلق ﺍﻹﻧﺴﺎﻥ وفي   ﺍﻟﻴﻮﻡ ﺍﻟﺴﺎﺑﻊ: ﺍﺳﺘﺮﺍﺣﺔ الله، كما جاء في كتاب الباحث في التاريخ القديم الدكتور خزعل الماجدي تحت عنوان " أنبياء سومريون : كيف تحول عشرة ملوك سومريين إلى عشرة أنبياء توراتيين؟. ولقد فصل الدكتور الماجدي مقتبساً نصه من التوراة، في عرض عملية الخلق كما وردت في العهد القديم : في البدء خلق الله السماوات والأرض . وكانت الأرض خربة وخالية، وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله: ليكن نور، فكان نور . ورأى الله النور أنه حسن. وفصل الله بين النور والظلمة. ودعا الله النور نهاراً والظلمة دعاها ليلاً، وكان صباح يوماً واحداً وهكذا يستمر الله في عملية الخلق وبعد الانتهاء من خلق النباتات والفصل بين الليل والنهار ثم خلق الحيوانات، يقرر خلق الإنسان في اليوم السادس، والذي خلقه على صورته ليسود على باقي الكائنات الموجودة على الأرض وسماه آدم ومن ضلعه خلق له زوجة أنثى سماها حواء ثم يروي لنا باقي الأسطورة عن الجنة والثعبان وإغرائه لحواء بأكل الثمرة المحرمة من شجرة المعرفة أو شجرة الشر والخير، فطردهما الله من الجنة بسبب هذه " الخطيئة " قبل أن يأكلا من شجرة الحياة ويحصلا على الخلود فعاقبهما الله وطردهما من الجنة، التي لا ندري أين توجد هل في السماء أم على الأرض"، وجعلهما على الأرض ليكدحا فيها من تعبهما. عاقب الله آدم وحواء والحية التي قال لها :" لأنك فعلت هذا أنت ملعونة من جميع البهائم ومن جميع وحوش البرية . على بطنك تسعين وتراباً تأكلين كل أيام حياتك" لماذا الحية وليس أي حيوان آخر؟ وكيف تسللت إلى الجنة بدون علم الله؟ وبأي لغة تحدثت مع حواء لتغريها؟ وهل هو الشيطان تنكر بهيئة الحية ليغوي حواء، وإذا كان هذا ما حصل فما ذنب الحية لكي تعاقب؟ هذه هي صورة الخلق الرباني التي لا يمكن للعلم أن يقبلها وللعقل أن يتبناها ويصدقها.

نظرية الانفجار ليست قاطعة لكنها أفضل ما تقدم به العلم عن هذا الموضوع لحد الآن، وبالإمكان نقدها وتفنيدها بالأدلة العلمية ومن الممكن أن يكتشف العلماء نظريات أخرى في تفسير خلق الكون فماذا سيكون موقف القرآن حينئذ؟ هل سيتشبث بصحة النظرية لأن "الإعجاز العلمي للقرآن" أقرها؟ لا بد من إعادة النظر وتمحيص مصداقية ما روته الأديان وكتبها المقدسة من قصص وأخبار وأطروحات أحاطتها بنوع من الهالة المقدسة والغموض المتعمد والرهبة من مناقشتها أو محاولة دحضها أو التشكيك بها تحت طائلة التكفير. والحال أن أغلب تلك النصوص الدينية مأخوذة، إن لم نقل مسروقة، من نصوص قديمة سبقتها بآلاف السنين أنتجتها حضارات قديمة كالسومرية والأكدية والآشورية الكلدانية والبابلية في بلاد ما بين النهرين والفرعونية المصرية وهي نصوص وثنية أفرزتها أديان لحضارات سبقت التوحيد، ما يعني أن النصوص الدينية المقدسة ليست منزلة بل موضوعة ومؤلفة من قبل بشر.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

في هذا البحث سنسلط الضوء على العلاقة الممكنة والمفترضة بين [المعجزة والتاريخ]، أعني: بين اللامعقول وبين التاريخ [واللامعقول في المنطق هو الذي لا يمكننا تصوره وإدراكه]، إذن فنحن هنا سنعمل وفق نهجنا العلمي و في كيفية جعل اللامعقول مقبولاً ومنطقياً ومتماشياً مع حركة ونظام الطبيعة، ونقول: هل يحق للتاريخ أن يسجل لنا ما يعتبره حدثاً غير طبيعيا؟، أعني هل اللامعقول (المعجزة) هي قضية تاريخية؟، وهل يقبل التاريخ الإعتراف بها ضمن قضاياه ومسائله؟ .

[ولكن بعض من المتكلمين يرون: - بإن المعجزة في حقيقتها هي - وسيلة إيضاح على نحو ما - وهي كذلك إنما تستهدف شيئاً ما تريد إيصاله أو الوصول إليه]، ولو تتبعنا هذا الرأي بدقة لرأيناه قائماً بالفعل على معنى (نوع الفاعل ونوع التجربة ومحلها، ولازم ذلك حاجة وضرورة ووجود المقتضي وعدم المانع).

ولكن ماهي المعجزة؟ وقبل بيان ماهيتها، هناك تعريف لغوي بسيط لها، وهو: [إنها من فعل عجز بمعنى - تعب ولم يقدر -، والهاء فيها للمبالغة وجمعها معجزات، وأسم الفاعل إعجاز الذي هو مصدر للفعل أعجز، قال الراغب: أعجزت فلان أي جعلته عاجزاً] .

ولم يرد في الكتاب المجيد لفظ المعجزة على هذا النحو، ولكن ورد الدليل عليها بصيغة - آية أو آيات -، وبدليل الموافقة نفهم إنها في اللامباشر وردت على نحو قوله تعالى: [فأتوا بسورة من مثله وأدعوا شهداءكم ..] – البقرة 23 -، وهي هنا دعوة لمن حاجج في الله أو في كتابه من غير هدي، قال فليأتي بمثل هذا الكتاب أو ليأتي بسورة من مثله، والمضمر في النص هو تحدي المنكر والتدليل على عدم قدرته وإستطاعته [مع العلم منه تعالى بذلك، ولكن الكلام موجه فيه على أصل التجربة ومحلها]، هذا التحدي القرآني أعطى للأصولي الفرصة و الدافع ليستل من هذا المعنى تعريفاً لمثل هذه الحالة، فقال: [إن جعل شيء ما على نحو غير مألوف و في الواقع الموضوعي هو إعجاز بعينه]، و كل شيء يكون كذلك فهو معجز وإن لم يتسمى بذلك، وعندهم [لا مشاحة في الإصطلاح أو التسمية مادام يؤدي الغرض أو يشير إليه]، وأما مفهوم – جعل شيء ما غير مألوفاً - فهو بلغة الأصولي يعني: الحصول على شيء ما في الطبيعة على نحو غير مألوف !!، وقد خالف في ذلك نفر من أهل الكلام فقالوا: [محال عقلي أن نجعل من اللامعقول ممكناً وموافقاً لقانون الطبيعة]، وتكفل في الرد على ذلك أهل المنطق فقالوا: ليس محالاً عقلياً لأن عبارة - جعل شيء ما خارجاً عن العادة المألوفة -، هي عبارة فضفاضة صحيح تبدو لأول وهلة، ولكن عموم اللفظ ودلالة المعنى يسريان على كل موجودات الطبيعة، إن توفرت الأسباب والعلل التي تجعل منها ممكناً ولا ضير في ذلك في مقامي الثبوت والإثبات .

وبالعودة للتعريف الأصولي للمعجزة، فإننا نرى فيه شيئاً ناقصاً وليس تاماً، بدليل [إن الأصولي جعل من المعجزة حركة غير مألوفة]، وعبارة - غير مألوفة - هي ما تثير الإفهام، ولكنها تكون ممكنة إذا قلنا بنسبية معنى - غير مألوف -، فيكون حصولها في محل ما ولسبب ما، أي أن حصولها في الواقع يكون بنفس الشروط الموضوعية للقانون الطبيعي، ولذلك تكون صحيحةً وهذا مذهب بعض الإلهيين .

ثم إن تحقق الشيء الغير مألوف لدى الإلهيين لازمه: [إرادة ومشيئة وإذن]، وشرط الإرادة والأذن شرط لازم في حدوث المعجزة في مقام الإثبات، فيكون حدوث المعجزة واقعاً شرطه اللازم إرادة قاهرة مع حاجة إليها، ليكون الأذن بها ممكناً على نحو الواقعية، ذلك لأن مخالفة نظام الطبيعة وناموسها ليس بالأمر اليسير أو الممكن، لأن المخالفة تؤدي إلى إنهياره وتفككه، وهذا محال إلاَّ بأذن منه تعالى [بإعتباره صاحب الأمر والتكوين] .

ولكي نوضح الفكرة نقول: [إن إرادة الله هي صاحبة الأمر في الفعل، وهي الفاعلة في الوجود]، وبذلك تكون إرادة الله منسجمة مع القانون الطبيعي ولا تناقضه، وفرضية حدوث شيء ما خارجاً على قواعد القانون الطبيعي لا زمه أن يكون هذا الحدوث جزءا من القانون نفسه لا خروجاً عليه، ومتلازمة ذلك [عدم التناقض وعدم التضاد]، وفي هذه الحالة تحتفظ الطبيعة بنظامها من دون خلل أو تزاحم يؤدي إلى تفككها، وفي هذا الإتجاه يجري مفهوم المحو والإثبات لغايات محددة وفي زمن ما، قال تعالى: [يمحو الله ما يشاء ويثبت ...] - الرعد 39، ولا يعني مفهوم المحو والإثبات المعنى الدارج في الإزالة والتثبيت، بل يعني [إحلال فعل ما لأمر ما متعلق بغاية ما لا تناقض فيها ولا تضاد مع الواقع الموضوعي]، وكما المعجزة حدوث غير مألوف في أو ضمن قانون الطبيعة، كذلك يكون المحو والإثبات حدوث غير مألوف في أو ضمن قانون الطبيعة، فحدوث أمر ما من أجل غاية ما لا بد أن تكون أعلى و أهم، قال تعالى: [وما نرسل بالآيات إلاَّ تخويفا] - الإسراء 59 -، في حال نظرنا للآيات بمعنى المعجزات التي يكون حصولها في بعض الأحيان للتخويف والتصديق، ولنقل: - إن رفع التناقض بين حدوث أمر ما في الطبيعة وبين القانون الطبيعي لا يكون إلاَّ بالقدرة والإرادة والمشيئة الإلهية - قال تعالى: [إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون] - يس 82 -، فالأمر بالشيء لا يكون من غير قدرة على ذلك وإرادة في فعله، وفي مسألتنا هذه تستخدم في التنفيذ والإجراء ثلاث صفات قاهرة هي: - [القدرة والمشيئة والإرادة] -، وتحقق هذه الصفات على أمر ما يجعل من حدوثه ممكناً لقوله تعالى: [إذا أردنا شيئاً .. أن نقول له: كن فيكون] !!!، طبعاً مع [وجود الحاجة والضرورة و المقتضي وعدم المانع]، وعندها تكون القابلية على التحقق ممكنة، وشرط [المقتضي وعدم المانع] شرط موضوعي لازم لتحقق الشيء، وفي هذا تقول الفلسفة الدينية: [ولا يتحقق الحصول على الشيء الغير مألوف إلاَّ بالحفاظ على ماهية النظام وكماله، ونفي حالتي التناقض والتضاد فيه]، وفي هذا المعنى الفلسفي: تكون (المعجزة) عبارة عن شيء يعبر عن مشيئة الله وعقله وإرادتة .

* * *

ومن أجل إثبات صحة المعجزة (الآية) وجعلها بمستوى القضية الصادقة وإنها ليست وهماً أو خديعة كما ظن بعضهم، نقول: إن المستند في ثبوتها وفي إثباتها هو الممكن العقلي، إضافة إلى سلسلة نصوص من الكتاب المجيد دالة ومشيرة إليها، وحدوث المعجزة (الآية) لا يتكرر في العادة إلاَّ لمرة واحدة [يعني إنها ليست حالة مضطردة دائمة الحدوث والتكرار]، وهي لا تحصل إلاَّ من أجل إثبات شيء أجل وأكبر [كما في قضية كلام عيسى النبي في المهد، وكذا أحيائه للموتى، وكما في قضية نار إبراهيم التي صارت بردا وسلاماً وغيرها ...]، فإحياء الموتى موضوعياً لم يكن بفعل عيسى نفسه بل حدث ذلك بأذن الله، وعيسى صاحب التجربة أو محب التجربة إنما فعله هو مجرد - وسيلة إيضاح - لقدرة الله أو وسيلة تدليل على قدرة الله، لكن فعل الإحياء في الظاهر كان بواسطة عيسى أو على يد عيسى النبي، كان ذلك بعد الأذن ..

* * *

وللتنويه:

[نقول يمكن تقسيم فعل النبوة إلى قسمين أو إلى مرحلتين:

الأولى: هي المرحلة التجريبية، والتي تحصل المعرفة عليها من خلال التجربة، وهذا ما قام به معظم الأنبياء من أجل إثبات نبوته للكافة، أي إن فعل بعض الأنبياء كان يحتاج إلى وسيلة توضيح ومشاهدة عيانية من أجل التسليم والتصديق ولذلك كانت التجربة، (والمرحلة التجريبية عاشها العقل النبوي، لما كان في حالة التطور وعدم الإكتمال، أعني إن عقل الإنسان بما فيهم الأنبياء كان في حالة تطور نحو الكمال، وهذه المرحلة أمتدت من عهد نوح حتى النبي محمد) .

الثانية: وهي المرحلة التجريدية، والتي تحصل بفعل التفكير المجرد القائم على الحدس العقلي والعلمي، وهذه المرحلة مع نبوة محمد التي أعتمدت في الأصل على الفكر وإعمال العقل والعلم، وهي موضوعياً أبتدأت مع نهاية المرحلة الأولى، أعني مع تطور العقل الإنساني وبلوغه الكمال في التطور، لذلك كان محمداً خاتماً للأنبياء] .

فكانت نبوة الأنبياء السابقين تعتمد على التجربة، كما حدث مع نوح وعيسى وإبراهيم وموسى وغيرهم، دلت على ذلك مقالة الحوارين لعيسى: [هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة ..] - المائدة 112 -، هذه الحالة التجريبية لم تحصل مع محمد النبي، بل كانت آيات القرآن هي ذلك الشيء الذي دُعي الناس جميعاً لتدبرها وفهمها فهماً عقلياً علمياً مجرداً .

* * *

ونعود لنستوضح العبارة الكلامية القائلة: إن عقله عين إرادته، ولكن كيف يكون ذلك؟، أي كيف يكون عقله في إثبات أمر ما هو عين إرادته في تحقيق ذلك الأمر؟، قالت المعتزلة في هذا الشأن: لا خصومة عنده بين العقل والإرادة، وكذا قالت الإمامية: محال أن نتصور أن يكون عقله مخالفاً لإرادته، يأتي ذلك من كون إرادته تسير وفقاً لكمال طبيعة خلقه .

وفي بحثنا عن المعجزة نقول: - الصحيح ما قالت به الفلسفة و بإن الحقيقة والوجود لا يكونان إلاّ بأمر منه -، يعني إن العقل يُسلم في هذه المسألة في مقامي الثبوت والإثبات، والذي يترتب على ذلك كون القوانين الطبيعية لا تصدر إلاَّ عن طبيعتة وكماله، ولهذا فما يحدث من شيء إلاّ وفقاً لذات الطبيعة لا على خلافها، والحدوث على الخلاف كما هو معلوم ممتنع ضرورة .

والتعريف القائل: بإن المعجزة هي عبارة عن حدوث غير مألوف ولكنه واقع بفعل الإرادة والمشيئة إذ بهما توجد وبدونهما تنعدم، قول صحيح بحدود كون ــ الوجود و العدم ــ منه تعالى فيكون الأمر بالشيء متعلق بعقله وتدبيره وطبيعته، وهذا هو معنى القول التالي: ليس في الوجود شئ إلاّ وله سبب وعلة معينة، والعلة والسبب قد يكونان على نحو المباشرية من الله سبحانه وتعالى، او يكونان على نحو اللامباشرية منه ـ أي من خلال الأثر الطبيعي ـ .

وحينما يقول الله تعالى: [إني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير، فأنفخ فيه فيكون طيراً (بإذن الله)، وأبرىُ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى (بإذن الله)، وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم] آل عمران 49.

أولاً: أستخدم النص لفظ - أخلق - ولم يستخدم لفظ - أجعل -، ومعناه الإنشاء من العدم [ليس التحول الدينامكي الداخلي الذي جرى للإنسان حينما تحول من بشريته]، ولذلك قرن النص مع فعل - أخلق - مادة الخلق، التي هي الطين والتي هي المادة الحيوية المستخدمة في خلق كل كائن حي، طبعاً مع التنويه إلى إن النص لم يقل طيراً بل قال - كهيئة الطير -، أي إني أخلق شيئاً شبيهاً بالطير أو له هيئة الطير في القدرة على الطيران .

وثانياً: إن هذا الفعل أعني - أخلق - لم يكن بفعل عيسى المباشر إنما كان بإذن من الله [فعيسى في هذه الحالة مُجري التجربة أو مُجري الوسيلة التي توضح للناس كيفية الخلق] .

وثالثاً: إن في هذا القول جدل معرفي واضح بين القوم الذين ينكرون نبوة عيسى وبين الدليل الذي يثبت هذه النبوة، وإثبات نبوة عيسى جرى تقريرها في عالم الإمكان، وعالم الإمكان: هو عالم محكوم بقوانين المادة في الزمان والمكان .

ورابعاً: إن الجدل جرى تقريره حول مادة ـ أخلق ــ وفعلها، والتي هي من أفعال الله حصراً، ولم يستثنى من هذه القاعدة فعل عيسى بدلالة قوله (بإذن الله)، فيكون فعل عيسى هذا مجرد إعتبار ومجاز ليس إلاّ، هو من جهة ــ الخلق ــ ومتعلقاته وشؤونه أمر ملازم لأصل الخلق الأول، ولكنه إن حدث من إنسان فإنه يُنسب إليه تجوزاً وإعتباراً .

لذلك جاء التأكيد من جهة كون الفعل منه على نحو الحقيقة ومن عيسى على نحو المجاز، ودليل ذلك التأكيد القائل ـ بإذن الله ــ أي أن شرط تحقق فعل ــ الخلق ـ صدور الأمر الإلهي وتحقيق الإرادة الألهية وبدونهما يمتنع حدوث الخلق قطعاً، ولكن نسبة الفعل إلى عيسى من جهة الواقع الموضوعي نسبة حقيقية، إذ الفعل صدر منه على نحو المباشرية، وصدور الفعل وتعامله معه على وجه الحقيقة جعل المتيقن للناس حدوث الأمر منه، ولكن عيسى نسب هذا الفعل منه إلى ــ الله وإذنه ــ، ولولا تلك النسبة لأصبح القول مجرداً إدعاء كاذب وعار عن الصحة، فالصحة في الفعل إنطباقه على مصاديقه الممكنة ــ بإذن الله ــ .

أقول: فعل ــ أخلق ــ مع خطاب الجمع - لكم -، وهناك فعل ــ أصنع ــ الذي يساوق فعل اخلق، ولكن فعل أصنع يهتم بالجودة والإتقان، والمادة في الفعلين واحدة وهي اللازمة لخلق كل كائن حي، فالصنع متعلق بالهيئة والخلق متعلق بالإيجاد من العدم، ثم يأتي بعد ذلك فعل ــ فأنفخ فيه ــ، وهو فعل تجريدي يحتاج لفهمه تدبر وإمعان نظر علمي وعقلي،

قال تعالى: [ثم سوآه ونفخ فيه من روحه] - السجدة 9 - .

وقال تعالى: [فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين] - الحجر 29 .

وقال تعالى: [والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا] - الأنبياء 91 .

وقال تعالى: [ومريم أبنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا] - التحريم 12 .

والنفخ عندي بمعنى الإذن بالعمل و الحركة، أي أن النفخ من مستلزمات كون المادة محل التجربة تستطيع الحركة والفعل، والنفخ من لوازم الإرادة .

وفي ذيل النص نلتقي بقوله: [... وأُنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم] - آل عمران 49 -، هذا المقطع من النص ليس له علاقة بموضوعة - المعجزة - التي هي محل البحث، ففي ذيل النص يظهر إن الكلام عن (العلم بالغيب) - والعلم بالغيب ليس هو علم الغيب -، فعلم الغيب بحسب كل النصوص هو ما أختص به الله وحده، ولكن العلم بالغيب هو العلم الذي يحصل للنبي بواسطة الوحي، دل على ذلك قوله تعالى: [عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحد إلاَّ من أرتضى من رسول] - الجن 26 و 27 -، وجملة - من أرتضى من رسول - جملة عامة مطلقة و - رسول - فيها مُنكراً دالاً على ذلك أعني شمولها للنبي الرسول وللملاك الرسول، وفعل – أُنبئكم - فيه إخبار صادق ليس فيه إحتمال الكذب هكذا تقول اللغة العربية في تعريفها، وكما قلنا إن علم الغيب مما أختص به الله ومن مصاديقه حسب الوصف التالي: [إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم مافي الأرحام، وما تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت ..] - لقمان 34 - .

.

***

وفي الكتاب المجيد يأتي قوله تعالى بلسان إبراهيم: [ربي أرني كيف تحيي الموتى؟، قال: أولم تؤمن، قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي، (قال: فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك، ثم أجعل على كل جبل منهن جزءاً، ثم أدعهن يأتينك سعياً ..] - آل عمران 260 -، يدخل هذا النص فيما نحن بصدده، فجدل الإحياء بعد الموت عمل غير مألوف، والسؤال من إبراهيم يحتمل كونه يريد الجواب لنفسه وربما كان يريده لغيره، وهو يعيش حالة المحاججة والرفض لفكرة الله وقدرته، وقيل: إنه من باب إياك أعني وأسمعي يا جاره، فالسؤال - بأرني - جوابه مضاف بعنوان - ليطمئن -، والإطمئنان سواء أكان فعلاً أم مصدراً يرتبط - بماهية الشيء - والوصف في الفعل تبيان لما يكون عليه الفعل دون مخالفة للطبيعة ونظامها، وحسب رأي عامة المفسرين: إن إبراهيم النبي صحيح إنه كان في مقام المستفهم، ولكنه كان في الوقت نفسه في مقام المجيب لما كان يحيط به من واقع رافض، والإستفهام عن الإحياء بعد الإماتة، مرتبط جدلاً بعامل القدرة على الفعل، في حال المقتضي وعدم المانع من جهة الطبيعة، ومطلق الفعل إن نظرنا إليه فهو لا يتعدى الأمر النسبي المظنون والذي يجري في صيغة فعل - ليطمئن -، ولا نظن إنه لم يكن كذلك ولكن ربط الفعل بنفسه ليعطي للسؤال قيمة توافقية يُرضي بها جميع الأطراف، وهذه عادة شائعة بين أهل اليقين .

ثم كانت التجربة على نحو: [فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ..]، - وصُر يصر صراً - بمعنى شد يشد شداً، وهو هنا مصدر صررته من باب قتلته إذا شدّدته، (وصرهن إليك) أي اضممهن إليك، لماذا؟، لتتعرف على أشكالهن وهيئاتهن، ولكن لماذا؟ كيلا لا يلتبس عليك منهن أحد بعد الإحياء، ثم قال: [ثم أجعل على كل جبل منهن جزءاً ..]، ويواصل النص فعله التجريبي فيقول: - جزَّئهن أجزاء - أي قطعهن قطعاً، وقرُئ في قراءة - بضم الصَّاد وكسرها وتخفيف الراء -، يقال: صارَه يَصُورُه ويَصيره، أماله، وصار الشئ: قَّطعه، وقوله: - إليك - متعلق بصرهن على الأول، ويأخذ على الثاني بإعتبار تضمينه معنى الصمّ .. وكل هذا يجري في مجال التجربة والإستدلال خاصةً مع وجود السؤال (أرني)، وجوابه الذي جاء على نحو: (أدعهن يأتينك سعياً)، فالمقطع أجزاء المتباعد في المكان عودته إلى هيئته الأولى ضرب من المستحيل، مما يوحي للقارئ أن ذلك خرق للقانون الطبيعي، ولكن الجواب كان في إمكانية ذلك في مقامي الثبوت والإثبات، وأسم الله المضاف في ذيل النص، يرتبط هنا بشيئين هما [الحاجة والضرورة والمقتضي وعدم المانع، القدرة والإرادة والمشيئة والأذن]، وشرط ذلك كله السير وفق القانون الطبيعي وعدم مخالفته، ومنه يتبين أن معنى قوله: ــ أرني ــ هو من أجل حصول حالة الإطمئنان قال: - لكي يطمئن قلبي ــ، ونفاذ ذلك في عالم الطبيعة شرطه حصول القدرة والإرادة القاهرة مع الحاجة والمصلحة من ذلك، لكي لا يكون العمل فردي وعبثي .

***

في مفهوم - المعجزة - يجب التركيز على المعنى النسبي لها، المحدد بالزمان والمكان المعينين ولا يتعداهما لمطلق الزمان والمكان إلاّ في الحال التجريدي العقلي المحض، كما في الحوارية االتي جرت بين إبراهيم النبي وبين ذاك الذي حاجه في ربه، كما في سورة البقرة قوله: [ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله المُلك، إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت، قال: أنا أحيي وأُميت، قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فإت بها من المغرب، فبهت الذي كفر ...] - البقرة 258 -، لنتأمل جملة - في ربه - من النص، فإننا نرى مفهوم التحدي في القدرة، فيقول إبراهيم: إن ربي يحيي ويمت - وهذه جملة خبرية ومعناها القدرة على الإحياء بعد الموت [وهي تكون إنشائية بلحاظ ما يترتب على القدرة من فعل بعد الإرادة والمشيئة]، وفي مقابل هذا الإخبار وَرَدَ إخبار آخر من الذي (آتاه الله الملك)، [مع التنبيه إن مفهوم إتيان الملك من قبل الله، لهذا الشخص يكون لا على نحو مباشر، بل على نحو وصفي إعتباري من حيث مفهوم مطلق الملك، فالمالك الحقيقي هو الله ومايكون للمخلوقين فعلى نحو مجازي، يقودنا ذلك لما تفوه به إبراهيم النبي عن حقيقة الموت والحياة، وطبعاً جملة - أنا أحيي وأميت - منه جملة وصفية تفيد الجدل والمراء، ذلك لأن لفظ - أنا - منه مقدر على نحو ما يملك في الظاهر، على أساس إنه يستطيع هبة الحياة لمن يريد وينزل الموت لمن يريد وهذه مبالغة في التصور الممتنع واقعاً .

بدليل إن ماهية الموت والحياة شأنية متعلقة بالله بدليل فعل - بإذن الله - كما يبدو في قوله: [وما كان لنفس أن تموت إلاَّ بإذن الله كتاباً مؤجلاً] - آل عمران 145 - .

وكما في قوله: [الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا] – الملك 2 -، وإستخدام فعل - خلق - في مقام الموت والحياة دليل على الأهمية التي يعجز معها الفعل الإنساني مهما بلغ درجات في العلم، ونفس هذا الفعل في مقام نفي قدرة كل الطواغيت والظلمة الذين يستخدمون فعل الموت بداعي التخويف والإرهاب، والقاعدة تقول: [كل نفس ذائقة الموت، ونبلوكم بالشر والخير فتنة] - الأنبياء 35 -، وهذا تعليل وشرح لما تقدم ورد لما ذهب إليه القائل - أنا أحيي وأميت - .. .

***

في الجدلية التاريخية التي ذكَّر بها الكتاب المجيد، هو ذلك التساؤل من قبل العُزير في الكيفية التي تتم بها عملية الإحياء بعد الموت، فكان الجواب من قبل الله على نحو تجريبي مشاهد أي بصيغة - وسيلة الإيضاح -، لنقرأ قوله تعالى: [أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، قال: أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ۖ فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ۖ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ ۖ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ ۖ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ ۖ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ۖ وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا ۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259)، ولننظر لجملة: - أنى يحيي هذه الله بعد موتها -، وسؤالها في معنى الإحياء بعد الموت، فكان الجواب من جنس السؤال، ومن أجل البيان أحتاج إلى فعل منجز - فأماته الله مائة عام ثم بعثه -، فالموت لمدة معلومة ثم البعث من جديد، لازمه ليكون مثبتاً المشاهدة العيانية، ولكن كيف؟ قال: - وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً -، إذن فالسائل أنطلق من مقدمة تقول: بتعذر إمكانية إعادة الحياة لهذه القرية وهي كناية بمعنى ــ أهل القرية ــ سكانهاـــ والتعذر مترتب أثراً على المقدمات العقلية التي أختزلت في القول السابق، لذلك جاء الإحياء بالطريقة التركيبية وبالكيفية التي رسمها القرآن، أي الطريقة الأكثر انسجاماً مع واقع الحال بقرينة السؤال وطبيعة الجواب . .

إذن فالعرض القرآني تصدى للإجابة عن دور القدرة الإلهية في تشكيل الحياة بعد الموت، ولأن منطق الفهم الإنساني يقوم على الدليل التجريبي لذلك جرى تطبيقه في ميدان الظاهرة التي دار البحث فيها .. يبقى كيف علم بأنه مات مائة عام؟ هنا لابد من التذكير بما قاله الطبرسي في المجمع قال: - علم إنه مات مائة عام بشيئين -:

الأول: بإختيار من إرادة الآية (المعجزة) في نفسه وحماره وطعامه وشرابه وتقطع أوصاله، ثم إتصال بعضها إلى بعض حتى رجع إلى حالته التي كان عليه في أول مرة .

والثاني: إنه علم ذلك بالآثار الدالة على ذلك، لما رجع إلى وطنه .

يقول ابن عربي: - إنه علم بذلك بإخبار من السماء، كما كان الحوار عن الموت والحياة تم من قبل السماء -، ويبقى مفهوم الزمن وإثباته على نحو خاص، فالدال عليه الكتاب كما مر .

إذن فالمعجزة أو (الآية) صحيح إنها لم ترد لفظاً في الكتاب المجيد، ولكنها جاءت دلالة فيه بتعبير آية أو آيات، وكلها دالة على القدرة على الفعل حين يكون لذلك حاجة وضرورة بإضافة المقتضي وعدم المانع، مع الإرادة والمشيئة فيكون الفعل القاهر المتشيء في الزمان والمكان المعين، إلاّ في قضية التجريد فهي القضية التي تدور مع العقل والعلم وتطورهما، والتاريخ قد سجل هذه الظواهر معتبراً حدوثها حقيقة وليس وهماً، وهي لا تعد من أفعال السحر أو التمويه والخداع، بل هي فعل حقيقي ثابت، كما كان ينظر إلى ما قدمه - دارون في نظريته عن التطور - وفي لحظة على أنه معجزة في الزمان والمكان المعينين، وكذلك كل فعل وعمل لا يكون له مثيل ويصح القول فيه إنه غير مألوف، يجوز لنا أن نسميه ونطلق عليه بالمعجز والمعجزة، حسب النوع والكيفية التي مر بها وحدث ...

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

في كل الحقب نعود ونسأل: ماهو الزمن؟ ماهي طبيعته؟ هل له ماهية؟ هل هو موجود بذاته؟ هل هو ذلك الذي وصفه لنا الفلاسفة الإغريق؟ أم هو زمن نيوتن المطلق الثابت؟ أم زمن آينشتين القابل للتمدد والتقلص والاستطالة والانحناء والتسارع والتباطؤ ؟ هل هو زمن اللامتناهي في الكبر الماكروسكوبي، أم زمن اللامتناهي في الصغر مادون الذري أو الكمومي ــ الكوانتي؟ مما لاجدال فيه أن " الزمن" يحتل قلب لغز غامض وغريب لا يستطيع أحد فك طلاسمه. لكن العلم لم يستسلم وبقي يتحدى الزمن ويحاول أن يسبر أغواره. واثبت العلم أن الزمن لا يسير بسرعة واحدة ثابتة بل بسرعات مختلفة حسب المكان والحركة والسرعة ودرجة الحرارة . هل هناك نظرية للزمن يمكنها وصفه؟ نعم هناك نظرية متداولة لكنها صعبة ومعقدة سأحاول أن ألخصها هنا. منطلقين من مسلمة " تباطؤ الزمن مع السرعة" التي صاغتها النظرية النسبية لآينشتين فكلما أسرع جسم ما تباطأ الزمن بالنسبة لهذا الجسم بينما يبقى يسير في إيقاع ثابت مع الأجسام الأخرى من هنا نشأت مفارقة " التؤأم" وإمكانية السفر عبر الزمن وبالأخص الذهاب نحو المستقبل.

تطورت الفيزياء وعلم الفلك حسب توجيه الفيلسوف والعالم الإغريقي آناكسيماندر Anaximandre لفهم كيف يجري الزمن وماهو نظامه وكيف تحدث الظواهر وفق النظام الزمني فعل الفلك القديم وصف حركات النجوم والكواكب في إطار الزمن وداخله. المعادلات الفيزيائية تصف كيف تتغير الأشياء داخل الزمن. من معادلات نيوتن التي أسست لديناميكية مروراً بمعادلات ماكسويل التي وصفت الظواهر الكهرومغناطيسية، ومعادلة شرودينغر التي أوضحت كيف تتطور الظواهر الكمومية أو الكوانتية إلى نظرية الحقول الكمومية التي تصف ديناميكية الجسيمات الأولية مادون الذرية وبالطبع معادلات آينشتين ومفهومه الثوري للزمان واندماجه بالمكان في وحدة منسوجة سماها " الزمكان"، ما يعني أن جميع الأشياء تجري وتتطور وتتغير ضمن ووفق نظام الزمن. فهناك زمن مختلف في كل نقطة في الفضاء الكوني فلا يوجد زمن واحد بل عدد لامتناهي من الأزمان. وإن الزمن الذي تشير إليه ساعتك أو ساعة الحائط في بيتك يسمه الفيزيائيون بالزمن الذاتي أو الزمن الخاص temps propre، ولقد اكتشف آينشتين ذلك وعلمنا كيف نكتب معادلات تصف تطور هذا الزمن الخاص أو الذاتي بالنسبة لزمن الآخرين وعلمنا كيف نحسب الاختلاف والفرق بين زمنين. تهشمت الخاصية التفردية للكون وتركت المجال لتعددية زمنية شبكة العنكبوت الكونية . فنحن في الحقيقة لا نصف تطور الأشياء داخل الزمن بل نصف تطور الأشياء داخل أزمان محلية ذاتية خاصة وعلاقة بعضها بالبعض الآخر كعلاقة وتشابك خيوط العنكبوت . فنسبية آينشتين العامة لاتحثنا عن زمن واحد مطلق ثابت الاتجاه بل عن أزمان لا تعد ولا تحصى فبين حدثين لا توجد مدة زمنية وحيدة بل مديات متباينة حسب السرعة والاتجاه والحركة والمسافة، وتتمايز أشياء العالم وفق إيقاعات مختلفة للأزمان الخاصة المحلية أو الذاتية المتفاعلة مع بعضها البعض. ماذا يترتب على ذلك؟ أهم حصيلة إستنتاجية نخرج بها هو أن " الحاضر" غير موجود، وسنرى بعد قليل أن الماضي والمستقبل لا معنى لهما هما أيضاً . لقد أدرك آينشتين أن الكتل تعمل على تباطؤ الزمن وكذلك السرعة وهذا ما حطم إدراكنا وفهمنا واستيعابنا المألوف والكلاسيكي للزمن. فالزمن " الحاضر" بالنسبة لشخص واقف على سطح الأرض ليس هو نفس الزمن " الحاضر " لشقيقه التؤأم الذي غادره قبل ثواني على متن مركبة تسير بسرعة تقرب من سرعة الضوء. فحاضر الشقيق المسافر يغدو بالنسبة للشقيق الواقف على الأرض مستقبلاً فلو أمضى الشقيق المسافر ساعة في رحلته بسرعة 290000 كلم في الثانية وعاد لشقيقه الذي ينتظره على الأرض يكون حاضر الشقيق الأرضي قد تحول إلى ماضي ومر عليه أكثر من عشر سنوات وهو ينتظر عودة شقيقه المسافر الذي لم يمر عليه سوى ساعة واحدة فقط. فالمدة الزمنية للشقيقين تختلف من واحد لآخر بسبب السرعة فالذي يتحرك يشيخ على نحو أبطأ بكثير من الذي يقف منتظراً، وكذلك المدة الزمنية لرجل يعيش فوق قمة جبل تقل عن المدة الزمنية لشخص يعيش في سفح الجبل.

ماذا يحدث " الآن" في مكان قاصي بعيد؟ فلو كان الشقيق المسافر في لحظة " الآن الأرضية متواجد على كوكب ب بروكسيما تابع لنجم بروكسيما الذي يبعد عن شمسنا أربع سنوات ضوئية ونصف، السؤال في هذه الحالة لا معنى له. فلو كان الشقيق متواجد آنياً في لحظة " الحاضر" بجانب شقيقه على الأرض لكان الحاضر مشتركاً بينهما وله معنى فهو ينظر له أو يهاتفه لو تواجد في مكان قريب جداً منه، ولكن لو نظر الشقيق الواقف على الأرض إلى شقيقه على كوكب بروكسيما ب في اللحظة الراهنة " الحاضر الأرضي" فإنه يتلقى ضوءاً قادماً من شقيقه على الكوكب البعيد استغرق أربع سنوات ونصف السنة لكي يصل إليه فالضوء رغم سرعته الهائلة، 300000 كلم/ثانية، إلا أنه يحتاج للوقت لكي يسافر وينتقل من نقطة إلى أخرى في المكان أو الفضاء الكوني لذلك الشقيق الأرضي لايرى " حاضر" شقيقه على الكوكب بروكسيما ب بل ما كان عليه قبل أربع سنوات ونصف السنة عندما انطلق الضوء منه راحلاً إلى شقيقه على الأرض وهكذا.

ماذا يحدث عندما لا يحدث شيء؟ كم من الوقت لازم لــ " دائماً" تسأل آليس في بلاد العجائب ويجيبها الأرنب: ربما ثانية أو اقل وربما الدهر كله" فهناك أحلام تستغرق بضعة لحظات وأخرى تبدو متجمدة في الأبدية " الزمن مطاطي قابل للتمدد ففي بعض الأحيان تجري الساعات الطويلة كأنها ثواني معدودات والعكس صحيح تبدو الثواني والدقائق كأنها قرون. ومع ذلك نعتقد أن الزمن يجري حسب إيقاع ثابت وبسرعة ثابتة، بعد أن قسمناه إلى قرون وسنوات وأشهر وأسابيع وأيام وساعات ودقائق وثواني. فكلمة زمن حسب أصلها الهندو – أوروبي تعني " التقسيم " لكن الساعات بين الشروق والغروب تختلف حسب الموسم والمكان والموقع على سطح الكرة الأرضية . هناك في الماضي تفسيرين لــ " متى" حسب الأحداث المقصودة كما قال آرسطو أو نيوتن الذي اعتبر الزمن بمثابة كينونة تجري بمعزل عن الأشياء حتى عندما لايحدث شيء، وهذا ينطبق على المكان أيضاً حسب رؤيتهما المتباينتين. فنيوتن يصف المكان الآرسطي بأنه نسبي ظاهر وعادي مبتذل وهو تحديد لما يوجد حول شيء ما . بينما يصف نيوتن المكان بذاته بأنه مطلق وحقيقي ورياضي بمعزل عن الأشياء التي فيه فهو موجود حتى عندما لا يوجد شيء. فنيوتن يعتقد أن هناك فضاء فارغ بين شيئين، في حين يعتقد آرسطو أن المكان الفارغ أمر عبثي لأن المكان ليس سوى نظام للأشياء يوجد بفضلها وبالنسبة لها أي وفق نظام الأشياء فلو لم توجد اشياء تتحرك وتتمدد وتنتقل وتتفاعل فيما بينها وتتصاب بعضها البعض ، لما وجد المكان بينما يرى نيوتن أن الأشياء تتموضع داخل فضاء أو مكان مستمر في وجوده حتى لو كان خالياً من الأشياء أي فارغ. ومن ثم جاء آينشتين ونسف هاتين الرؤيتين بمفهومه للـ " الزمكان" .

مكونات الزمن الأولية أو الأساسية:

إلى جانب اللوحة الغريبة لفيزياء النسبية، تغدو الحالة أكثر تعقيداً وغموضاً وغرابة عندما يتعلق الأمر بالوحدات الكمومية أو الكوانتية ونأخذ في الاعتبار الخصائص الكمومية أو الكوانتية للزمكان. أما المجال التخصصي الذي يقوم بدراسة ذلك فهو " الثقالة الكمومية " أو " الجاذبية الكوانتية " gravité quantique، لا توجد في الوقت الحاضر نظرية متكاملة ومعترف بها ومثبتة بالتجارب المختبرية وبالمشاهدات الرصدية ومطبقة في الوسط العلمي بهذا الإسم ولكن هناك محاولات نظرية عرفت بإسم الثقالة الكمومية الحلقية أوالجاذبية الكوانتية الحلقية gravité quantique à boucles، أو نظرية الحلقات التعاقبية théorie des boucles. وكل اتجاه يتبع مساراً مختلفاً فمسار هذا الاتجاه يختلف عن مسار نظرية الأوتار مثلاً، وهناك تنافس شرس، إن لم نقل حرب غير معلنة، بين مختلف المسارات والنظريات الفيزيائية المعاصرة والعلم يتقدم بفضل هذه النقاشات الشديدة وفي المستقبل سوف يتضح من كان على صواب ومن كان على خطأ.

لا يوجد تعريف لماهية وطبيعة الزمن، ويعرف فقط بأنه " خطي" ومتصل أو متواصل ومستمرcontinu، ولكن عندما نكمم الزمن quantisé يأخذ قيماً مختلفة ويغدو كما لو إنه بات " محبباً granulaire. فالتحبب la granularité هو إحدى خصائص الميكانيك الكمومي أو الكوانتي mécanique quantique، والمقصود بذلك الحبيبات الأولية اللامتناهية في الصغر أو مكونات الجسيمات الأولية. وهناك مستويات تسمى في الفيزياء " النطاقات" لكافة الظواهر فعلى سبيل المثال للحقل الكمومي يسمى المستوى أو النطاق بــ " نطاق أو مستوى بلانك échelle de Planck" والزمن الأدنى الذي لا يوجد زمن أقصر أو أصغر منه يسمى " زمن بلانك temps de Planck" والمكان الأصغر الذي يمكن قياسه هو مكان أو طول بلانك longeur de Planck وقيمته التقديرية صغيرة جداً وهي 33- 10، أماقيمة زمن بلانك، على سبيل المثال فتقدر بــ 44-10 من الثانية وفي هذا الزمن تظهر التأثيرات الكوانتية أو الكمومية على الزمن. فعلى هذا النطاق يتوقف مفهوم الزمن الكلاسيكي المألوف . وهناك ندخل عالم " كمكمة أ تكميم الزمن quantisation du temps ولم تعد هناك قيمة رقمية t للزمن في المعادلات الرياضياتية .

الخصائص الأخرى للميكانيك الكمومي أو الكوانتي هي اللاحتمية indétermination واللادقة incertitude     والإحتمالية probabilité، والتذبذب أو التقلب fluctuation والتراكب superposition، فلايمكن تحديد موقع وسرعة إلكترون بدقة متناهية في نفس الوقت. فبين ظهور للإلكترون وظهور آخر له لا يوجد له موقع محدد كما لو إنه منتشر في سحابة الإحتمالية أي هو في حالة تراكب في المواقع . فنحن لانستطيع أن نعرف أي يتواجد إلا عندما نقوم بعملية رصد أو حساب mesure للإلكترون أو في حالة تفاعله مع غيره من الجسيمات الأولية، فالتفاعل interaction يقوم بنشر حالة اللادقة واللاحتمية.

لو أمعنا النظر علمياً في مفهوم الزمن لتبين لنا أنه لا يوجد " حاضر" فماذا يعني مفهوم " الآن" إذن؟

لم تفلح فيزياء القرن العشرين في وصف الواقع بدقة من خلال " الوقت الحاضر présentisme" والمقصود به زمن حاضر شامل ووضعي مستقل وهو غير موجود في حقيقة الأمر. يمكننا الحديث عن " حاضر نسبي" بالنسبة لمراقب في حالة حركة، وهذا يعني أن ما هو " حاضر بالنسبة لي ليس بالضرورة حاضر بالنسبة لك، حسب حركتك وموقعك وسرعتك، وما هو واقع بالنسبة لي يختلف عما هو واقع بالنسبة لك، في حين أننا نستخدم نفس المصطلح للتعبير عن حالة موضوعية قدر الإمكان. يترتب على ذلك ضرورة التخلي عن مفهوم " الأبدية éternalisme" التي تقول أن الماضي والحاضر والمستقبل هي أزمنة واقعية موجودة، وإن الزمكان برمته موجود أيضاً ككينونة مستقلة عن الأشياء، فلا شيء يتغير و لا شيء يجري حقاً. ومن يدافعون عن هذا المفهوم " أي الأبدية" يستشهدون بآينشتين الذي كتب رسالة عزاء لوفاة صديقه الحميم ميشيل بيسو Michel Besso وشريكه في الفكر والتأمل والنقاش منذ أيام دراستهما في جامعة زيورخ، والتي أرسلها لذويه وبالأخص لشقيقة ميشيل، ومات بعده بأشهر قليلة، قال فيها :" هكذا سبقني مرة أخرى بقليل بمغادرته هذه العالم الغريب. وهذا لا يعني شيئاً . فبالنسبة لمن يعتقد من بيننا بالفيزياء، فإن التمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس سوى وهم مستمر على نحو عنود وملح". ولقد عرفت هذه الفكرة في أوساط العلماء بــ " الكون الكتلة univers bloc" أي يتعين التفكير بقصة الكون بمجملها وبكليتها كأنها كتلة واحدة وفريدة فكل شيء فيها حقيقي وواقعي وإن المرور من لحظة زمنية إلى لحظة زمنية أخرى ليس سوى شيء وهمي . وهذه قطعاً ليست الطريقة الوحيدة الباقية لدينا للتفكير بالعالم، فطريقة تفكيرنا التقليدية التي ترى الكون عبارة عن حقب زمنية متعاقبة لا يعني أن لا شيء يتغير، بل يعني أن التغييرات ليست مرتبة على نحو خلافة تعاقبية ثابتة ومنظمة ووحيدة une unique succession ordonnée، فالبنية الزمنية للعالم هي أكثر تعقيداً من مجرد تعاقب خطي للحظات، ولكن في نفس الوقت هذا لا يعني أن هذه البنية الزمانية غير موجودة أو وهمية. فالتمييز بين الماضي والحاضر والمستقبل ليس وهمياً لكنه نسبي. أي أن البنية الزمانية للعالم ليست " آنية حاضرة présentisme " فالعلاقات الزمنية بين الأحداث أكثر تعقيداً مما نعتقد، لكن لا يعني هذا أنها غير موجودة. فمفاهيم " الواقع" و " الآن " و " موجود " و " وجود" غامضه ولغزية ولها آلاف المعاني، وفعل " وجد" ومشتقاته لديه ملايين، بل مليارات، المعاني والتفسيرات والتأويلات، والأمر مرتبط بكيفية استخدامنا للفعل والصفة، ولا يتعلق الأمر بطبيعة الأشياء المطلقة. فهذه المفاهيم تختلف بالنسبة لمن يسكنون على الجزء العلوي للكرة الأرضية أو الجزء السفلي للكرة الأرضية وما حول الكرة الأرضية. فالعالم الذي نعيش فيه غير عادي وغير بسيط بل غاية في الغموض والتعقيد وهو غير مألوف لكنه ليس عالماً يفتقد للمعنى. فلو حسبنا الزمن الضروري لكي ينفجر فيه ثقب أسود " نظرياً ورياضياتياً بالطبع " بمروره بالمرحلة الكمومية أو الكوانتية، سوف نستنتج أنه، خلال هذه المرحلة، في داخل الثقب الأسود وجواره القريب، لا يوجد هناك " زمكان " وحيد ومحدد، بل مجرد حالة تراكب كمومية أو كوانتية لشبة من السبينات spin، أي الدورانات الذاتي المغزلية كحالة الإلكترون الضائع في غمامة أو سحابة من الاحتمالات، بين اللحظة التي بعث فيها واللحظة التي يصل فيها إلى شاشة القياس في تجربة يونغ ولوحه ذو الشقين المزدوجين، حيث يمر بعدة أماكن محتملة قبل بلوغه الشاشة، نفس الشيء بالنسبة للتفكك أو التحلل الكمومي أو الكوانتي quantique désintégration للثقب الأسود حيث يخترق مرحلة يمر فيها الزمن بحالة تقلب كمومي fluctuation quantique عنيفة حيث تحصل عملية تراكب كمومية أو كوانتية quantique superposition لأزمنة مختلفة، قبل عودته للحالة الحتمية بعد الإنفجار. فهناك ما يعرف بالزمن الحراري temps thermique،فالطاقة هي التي تتحكم بالتطور داخل الزمن في الحالة الماكروسكوبية ــ أي النطاق ما فوق الذري ــ فالحالة الماكروسكوبية، التي تتجاهل التفاصيل الدقيقة في اللامتناهي في الصغر ومادون الذري، تعمل على تفرد singularise متغير رياضي خاص يمتلك بعض مزايا وخصائص الزمن الذي نعرفه. فالزمن تحكمه نوع من الضبابية والغموض والشواش واللاتحديد والاهتزاز والتردد والتخبط flou، وكان العالم بولتزمان Boltzmann قد استوعب أن سلوك الحرارة يمكن فهمه على أنه نوع من الــ flou بالمعاني المدرجة أعلاه، ففي كأس من الماء يوجد عدد لامتناهي من المتغيرات الميكروسكوبية مادون الذرية التي لانراها والأنتروبي هو عبارة عن عدد من الإعدادات الميكروسكوبية الممكنة للماء، وإن هذا الــ flou يقوم بتحديد وفرض متغير رياضي آخر هو الزمن. فالزمن الذي تحدده حالة ماكروسكوبية هو الذي يسمى بالزمن الحراري temps thermique، لكنه ليس زمن كوني شموالي بل محدد بحالة ماكروسكوبية، أي بــ "الــ flou" أي بــ لاتكاملية incomplitude في الوصف. وهناك الزمن الكمومي أو الكوانتي temps quantique. وهو الذي يحصل إبان التفاعلات الكمومية أو الكوانتية. فالاحتمية الكمومية أو الكوانتية كضفة ذاتي للأشياء، تنتج الــ flou على غرار شواش بولتزمان الذي ينطوي على أن عدم القدرة على التنبؤ imprévisibilité في العالم تكون مثابرة ومستمرة حتى لو تمكنا من قياس كل ما هو قابل للقياس والحساب. فالصفة الزمانية مرتبطة بــ " الــ flou" والذي يعني أننا نجهل التفاصيل الميكروسكوبية ما دون الذرية للعالم. فلو أردنا أن نقيس فقاع صابون طائرة فسوف نلمس أن سرعة واتجاه هذه الفقاعة ليست ثابتة بل تعتمد على متغيرات variables متنوعة مثل درجة الحرارة والضغط الجوي وتيار الهواء وقوة الريح الخ.. وبالتالي من الصيغ صياغة معادلة رياضياتية تسمح لنا بإجراء عملية الحساب للنقطة المضبوطة التي ستتواجد فيها الفقاعة في وقت معين . في حين لو كانت سرعتها موحدة وثابتة واتجاهها محدد ومعروف فسيكون من السهل حساب إدخال عامل الزمن في العملية الرياضياتية وحساب النقطة التي تتواجد فيها الفقاعة بعد عشر ثواني من انطلاقتها مثلاً. فهناك إحداثيات للطول والعرض والارتفاع وللبعد الرابع الزمن حسب نسبية آينشتين. فالفقاعة في علم الكونيات وعلم الفلك لدى الفيزيائيين تستبدل بالنجوم وتوابعها من الكواكب وتجمعاتها في مجرات وتجمع هذه الأخيرة في حشود وأكداس وسدم كلها في حالة حركة وبسرعات معينة، وهذه تنطبق كذلك على البروتونات والإلكترونات في لذرة والفوتونات في العالم الذري ومادون الذري. فهناك معادلات رياضياتية لمثل تلك الحسابات وأبعاد أربعة حيث وصف الزمكان الآينشتيني بأنه فضاء بأربعة أبعاد. فتنقل الفقاعة في عالمنا الواقعي يفترض به ألا يغير من حجم الوعاء المكاني الذي تتنقل فيه الفقاعة وهو مكان إقليدي ذو ثلاثة أبعاد سواء كان مسطح أو كوري أو إهليجي . فحسب المعادلة التي وضعها آينشتين فإن الحجم لجسم متحرك يتنقل، يتغير ويتعدل ويتكيف صعودا ونزولاً، زيادة ونقصان، في أبعاده المكانية، ولكن هل ينطبق ذلك على البعد الرابع أي الزمن؟ يعتمد ذلك على تعريفنا للزمن وفهمنا لماهيته وطبيعته وجوهره وهو هو فقط مجر حساب لعملية التنقل والحركة لحجم مكاني معطى داخل حجم مكاني آخر؟ فلو حسبنا انتقال الفقاعة بعد عشر ثواني ربما يكون عقرب الثواني في الساعة تحرك عشر ملليمتر ولكن في نفس هذا الوقت تحركت الأرض 30 كيلومتر مضروب بعشرة في حركتها الدائرية حول الشمس فإحداثيات الزمن يعبر عنها بالضرورة على شكل علاقة السرعة بالزمن vitesse – temps   أو vt، وهذا ما أثرى مخيلة كتاب الخيال العلمي بشأن إمكانية خلود الإنسان إذا ما انطلق بسرعة تقارب الضوء في الفضاء الخارجي " لأن الزمن اندمج مع المكان أبدياً، فهل سيغوص الإنسان في المستقبل داخل اللانهاية حتى لن يشيخ ابداً ؟ هذه الفرضية عرفت بــ " رحالة أو مسافر لانجفان voyageur dd Langevin، على إسم عالم الفيزياء الفرنسي بول لانجفان التي صاغها سنة 1920، بخصوص السفر عبر الزمن بسرعات فائقة تقرب من سرعة الضوء في الفضاء ما بين النجمي . ووفقاً لمبدأ تباطؤ الزمن مع السرعة في نسبية آينشتين تحدث لانجفان عن مسافره في الفضاء الخارجي الذي ترك الأرض بسرعة قريبة من سرعة الضوء لمدة سنة ذهاب وسنة غياب أي ازداد عمره سنتين فقط وعند عودته إلى الأرض وجد أنها مر عليها قرنين من الزمن حيث اختفى جيله الذي تركه على الأرض وحل محله أجيال أخرى " وقد أثار هذا الموضوع سجالاً واسعاً بين العلماء في سنوات الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن الماضي بالرغم من سلامة الطرح اللانجفاني رياضياتياً . سنعود لاحقاً لتفاصيل هذا الموضع في دراسات قادمة .

 

د. جواد بشارة

 

لم يحدد لنا المعجم اللغوي معنى السُنة على نحو دقيق، ولكنه أطلق لنا معناً يمكننا توظيفه بين ما هو لساني وبين ماهو إصطلاحي، وأقرب التعاريف التي وجدناها هو القول بأنها - [طريق] -، أي السُنة هي طريق وهي في هذه الحالة لا تكون فاعلاً، ولفظ - طريق – حين يكون مُنكراً يكون عاماً، ولكن يمكن الإستفادة من معناه لمن يشتغل فيه أو عليه في الإجتماعي كما في الطبيعي، والسُنة التاريخية متعلقة موضوعاً بفعل الفاعل الذي أنتجها، ولهذا يكون الحكم عليها وفقاً لذلك، وهي دائماً من صنع الإنسان سواء (في الخير أو في الشر)، والفاعل بحسب موضوعها المتقدم وكما نرى هو - العدل أو الظلم -، ولكن في السُنة الطبيعية فالذي يتحكم فيها قوانينها الخاصة، ويكون الفاعل في صنعها هو قانونها الخاص بها [هي الطبيعة نفسها]، وقانون الطبيعة هو عينه القانون السببي [العلة والمعلول] الموضوعي .

ولهذا فالتمييز بين ماهو تاريخي وبين ماهو طبيعي يكون من خلال القانون المنتج لهما، وفي المنطق العلمي: يكون مجال البحث عن كل واحدة منهما منفصلة عن الأخرى، فالسُنة التاريخية: كما قلنا مجال بحثها يكون في - علم الإجتماع ومشتقاته -، ولكن كيف يكون ذلك ؟، قالوا: بما إن السنن هنا هي من إنتاج فعل الإنسان، وهي لم تكن بالفعل لولا حاجات الإنسان إليها، الحاجات الإقتصادية والسياسية والدينية وغيرها [لذلك فمجال البحث عنها وفيها علم الإجتماع ومشتقاته]، والترابط بين علمي الإجتماع والتاريخ مصيري لحدود قصوى قال أبن خلدون،

لكن السُنة الطبيعية: في المنطق العلمي مجال بحثها علم الفيزياء والفلك وغيرها من علوم الطبيعة، لهذا هما متمايزان مختلفان من حيث الماهية والجوهر .

بيد إننا هنا نبحث عن - صلة وصل - بينهما وذلك نجده جلياً في - موضوعة الخصوص والعموم -، ولكن كيف يكون ذلك ؟،

نقول: حسب المنطق العلمي فإن أصل الحركة واحدة ومجالها ــ ممكن الوجود ــ أعني الطبيعة، والإفتراق يكون في الفاعل المنتج لهما، ففي السُنة التاريخية: [يكون الفاعل هو الإنسان، وفي السُنة الطبيعية يكون الفاعل هو الطبيعة نفسها]، وموضوعياً قوانين الطبيعة تختلف عن قوانين فعل الإنسان وإرادته، ولو أفترضنا جدلاً صحة نظرية الوحدة التي ذهب إليها غير واحد من المثاليين، فسيكون علينا لزاماً إلغاء حالة الإختلال في النظم والبناء العام، وهذا غير ممكن بحسب النظرية العلمية للتطور، [يقول ألبرت أنشتاين إن الطبيعة (الكون) حدثت نتيجة للإنفجار العظيم، وهو نفسه (أي الإنفجار) هو من أسس قوانين الطبيعة ونظامها، ونفس الشيء قاله القرآن المجيد ولكن بصيغة ثانية سماها (النفخ في الصور)]، ومفهوم النفخ في الصور هو مفهوم نظري تجريدي يتحدث عن خلق الكون من شيء ما غير محسوس [وهكذا قال ستيف هوكنز تعليقاً على نظرية الإنفجار العظيم]، وعندنا لم يكن الإنفجار هذا عبثياً إنما جرى بصورة منتظمة، أدى إلى جعل - قانون التطور - صيرورة دائمة متقنة ومتوازنه وليس فيها خلل يؤدي إلى طغيان البعض على البعض الأخر .

وفي القديم مال إلى هذا الرأي - ملا صدرا الشيرازي - معتبراً الطبيعة بما فيها من خلق وتكوين ونظم، إنما كانت بفعل الموجد الأول قال أبن سينا، ولذلك فقوانين الطبيعة لم تكن بهذه الدقة لولا طبيعة الخلق من الموجد الأول (وهكذا الإرادة منه منذ البدء كذلك قالت الأشاعرة)، وما يحدث في عالم الطبيعة هو نتيجة لذلك، فالعلل الطبيعية التي وجدت في هذا الكون وفي داخله إنما كانت بفعله، ولذلك قالوا بالتبعية: أي إن فعل الإنسان يدخل ضمن هذه النظرة سواء أكان فعله في الخير أم في الشر، أنظر النص التالي: - [إنا هديناه السبيل (وفي نص أخر النجدين) إما شاكراً وإما كفورا] - الإنسان 3، إذن فهذه النظرة لا تعترف بالقوانين الذاتية المنفصلة .

فالعدل: عندهم ليس فعلاً ذاتياً في الطبيعة أو إنه تطور مع الزمن، بل إنه وجد مع الإرادة في ذلك لتكون الطبيعة متوازنة ومعتدلة وممكنة الحياة فيها، ولذلك قالوا: لم يكن الأمر بالعدل إلاّ ليكون سُنة يستقر على أساسها النظام والقانون في الطبيعة، وما التاريخ إلاّ راصد ومشير وشاهد على ذلك، قال تعالى: [وما خلقنا السماوات والأرض ومابينهما إلاّ بالحق] - الأحقاف 3 -،

فطبيعة الخلق من جهة وحتمية الخلق من جهة أخرى، ليست عبثية ولكنها كانت لسبب ما، وفي المنطق الإلهي يكون (فعل الخلق وسببه) من الحق، وليس كالطبيعة التي لا ترتبط بسبب في تطورها كما تقول - الداروينية -، والحديث في النص عن [الخلق وليس عن التطور] فالخلق هو النفخ أو هو الإنفجار، وأما التطور فهو من لوازم النظام الجيني أو البنيوي [والذي تقول به الأحياء التطورية]، وفي القرآن: تعتبر عملية التطور عملية دورية مستمرة، لكن كيف وأين بدأت ولماذا ؟، وهنا الجواب يكون: عن معنى الطبيعة عن ماهيتها وعن صلتها بالإنسان، وهل هي حقل لتجاربه أو هي وعاء لذلك ؟، [وبالمناسبة نحن نتكلم هنا عن الإنسان وليس عن البشر]، وبين الإنسان والبشر جدُ فارق، أي بين الحيوان الأول وبين هذا الذي تطور في وعيه وعقله ليكون - خليفة لله -، وبحدود علمي: إن القرآن المجيد لم يعط صورة تفصيلية لهذا التطور من البشر إلى الإنسان، ولكنه نوه إلى ذلك ببعض الإشارات، في إعتبار البشرر سابق للإنسان كما نقرأ ذلك بقوله: - [إني جاعل في الأرض خليفة ....قالوا: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟) ...] البقرة 30 -، السؤال كما تقول لغتنا العربية، إنه من فئة الأسئلة الإستنكارية، أي إن الملائكة أستنكرت على الله أن يجعل خليفته من هو قاتل وشرير، ولو تتبعنا نظرية التطور لوجدنا إن الأصل في البشر هو الشر، ولكن ماهو المضمر هنا والذي لم نلاحظه في الكتاب المجيد ؟، إن المضمر هو ذلك الزمن الذي لم يُحكى عنه في عملية التطور والتحول، وكم من الوقت أستغرق هذا التحول الجيني والعقلي معاً - أنظر رينيه ديكارت -، أعني إن الكتاب لم يعطنا تفصيلاً عن الزمن الذي أستغرقه فعل التحول بين [فعل خلق وفعل جعل]، ولكن وحسب نظرية الأحياء التطورية: فإن هذا الزمن حدث بعد التدمير للعالم الأول، حدث هذا من خلال التناقض والصراع من أجل البقاء قبل ملايين السنيين وقيل بسبب فعل الطبيعة نفسها .

ولنناقش الفكرة تجزئياً ونقول: هل أرتبط خلق الطبيعة والكون والإنسان بحاجة مقدرة عند الله في التخطيط المنطقي لما تكون عليه صورة الطبيعة ؟، والجواب عند عامة الإلهيين نعم: أن صورة الخلق مرتبطة بضرورة حتمية متعلقة بنظام كلي مسبق في العقل الإلهي !!، وهي لا ترتبط بنظام ذاتي للتطور الغير مسبوق بسبب !! .

وبما إننا نبحث هنا في نظام السنن في القرآن المجيد، لذلك نقول: إن القرآن يطرح موضوعة السببية في الخلق، أي إن الخلق ليس عبثيا أو جاء بلا سبب وليس الأمر فيه متروكاً لنظام التطور الذاتي المرحلي، الذي ينبني على التناقض والخلل الجيني، قال تعالى: [وما خلقت الجن والأنس إلاّ ليعبدون]، ومفهوم الخلق كان لسبب وهو العبادة والتي هي عند الملا صدرا ليست الطقوس والشعائر، إنما هي العمل المرتبط بما يحقق للحياة غايتها وهدفها، وفي هذا المجال يكون قوله تعالى: [ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليماً حكيما] - الفتح 4، مرتبطاً بهذه الغاية وهو محكوماً بقانون السببية، فالكائنات الغير مرئية وجدت لسبب ما وهو حفظ نظام الطبيعة في الإستقرار والتوازن، ونقول: [إن وجود هذه الجنود أو الكائنات الغير مرئية، إنما هي حالة حمائية لحفظ نظام الطبيعة من الإختلال]، وبعبارة منطقية: حفظ نظام الطبيعة بكائنات حية غير مرئية، يحقق للطبيعة قدرتها على حفظ نظامها وصيانته من الإنهيار، وهذا الشيء قال به الفيزيائي الفذ - دايرك - حول نظرية الأشباح التي تملئ الفراغ الكوني، هذه الصورة التي يعبرون عنها بالتجاذب الكهرومغناطيسي، والتي وجدت من أجل هذا التوازن في الطبيعة، قال تعالى: [ولله ملك السموات والأرض] الفتح 14،

- ومفهوم ملك - حين جاء منكراً ففيه دلالة مطلقة على معنى النظم والسيطرة على النظام الكوني، ولا تكون السيطرة والنظم من غير قدرة عاقلة واعية تضبط حركة الكون وتحافظ على وحدة النظام الكوني، وحين ينسب الله المالكية في هذا الشأن وذلك للأهمية، ولا شأنية للإنسان في ذلك إلاّ على النحو الإعتباري المجازي وهذا ليس محله هنا .

قال تعالى: [ولله ميراث السوات والأرض] الحديد 10

أعجبني هذا النص لأنه يتحدث عن المستقبل، فالميراث في عرف المتشرعة هو عبارة عن الأشياء المتبقية بعد فقدان المالك الإعتباري، والنص هذا يرتبط حكماً بما سبقه في قوله تعالى: { له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور } (الحديد / 5) .

أي إن المتبقي من الوجود المخلوق الثابت منه والمتحول هو لله في نهاية الوجود الحتمي الذي يكون ذاتياً من خلال إنعدام الكتلة في السموات والأرض، قال تعالى: - [يوم يكون الناس كالفراش المبثوث، وتكون الجبال كالعهن المنفوش] – القارعة 4 و5، قال شيخنا الأستاذ: [إن المتبقي هو عبارة عن شأن يختص بمالكه أصالة على نحو الحقيقة لا الإعتبار]، بدليل إن قوله تعالى: [ولله خزائن السموات والأرض] - المنافقون 7، شأنية خاصة بالله وحده ولا شأنية فيها للإنسان .

وبما إن الحديث عن الميراث والمالكية فلا بأس من النظر إلى قوله تعالى: [وإن من شيء إلاّ عندنا خزائنه] الحجر 21، والخزائن جمع خزينة وهي الصندوق الذي تحفظ به الأشياء، وهي هنا كناية عن القدرة الكاملة التامة على كل ممكنات الوجود،، وهذا النص في مقام التعريف بخزائن الله، وهو تعريف يُراد به بيان السُنة الطبيعية، وجعل ذلك كله شأنية خاصة بالله وحده ولا دخل للإنسان فيه .

ونعود لنقول: مفهوم الخلق والتكوين في الفعل وعلى نحو مطلق هو من شؤونات الله، المتعلقة بقدرته للعوالم الكونية المطلقة ولا شأنية للإنسان فيها، بل إن الإنسان هو جزء من ذلك الخلق والتكوين .

قال تعالى: { خلق السموات والأرض بالحق وصوّركم فأحسن صوركم } (التغابن / 3) .

وقال تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأٍ مسنون } (الحجر / 26) .

وقال تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } (المؤمنون / 12) .

وقال تعالى: { وبدأ خلق الإنسان من طين } (السجدة / 7) .

وقال تعالى: { خلق الإنسان من صلصال كالفخار } (الرحمن / 14) .

وقال تعالى: { أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم } (يسن / 77) .

وقال تعالى: { وهو الذي خلق من الماء بشراً .. } (الفرقان / 54) .

وقال تعالى: { والله خلق كل دابة من ماء ..} (النور / 45) .

قال الله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6]

قال تعالى: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [نوح:14

وكما قدمنا فالخلق أرتبط مفهوماً بالبشر وليس بالإنسان، كما في سورة الفرقان 54، والجعل كان للإنسان أي إنه بعدما أنتهى من خلق البشر عبر مراحل، جعل له صورة حسنة تتناسب ووضعه الطبيعي المخلوق من أجله، كما يظهر ذلك في قوله تعالى: [الذي خلقك فسواك فعدلك] - الإنفطار 7 -، وفي ذلك يكون المعنى قريب مما ذهبت إليه - الأحياء التطورية -

.

* * *

تنبيه:

مما تقدم يتضح لنا: إن السُنة الطبيعية تفترق عن السُنة التاريخية في نواحي عدة، فالسُنة الطبيعية أعتبرها العلم حتمية الوقوع، والفاعل في إنتاجها هو الله أو هي قدرة الله، وهي ليست من شؤونات الإنسان وفعله، وأما السُنة التاريخية فهي فعل ناتج عن الإنسان، أي إن الفاعل في إنتاجها وصُنعها هو الإنسان، وفي متعلقات السُنن يكون الفعل آصالة بيد الله ووكالة بيد الإنسان، في قضايا المالكية والإرثية والخازنية .

***

يذهب بعض المثاليين للقول بالإتحاد بالفعل، وهو قول ليس دقيق من وجهة نظر علمية ذلك لأن الكلام فيهما يتعلق دائماً بالماهية وبالكيفية، وحين يكون ذلك كذلك نفهم معنى الإفتراق في قوله تعالى: [قل من يرزقكم من السماء والأرض] يونس 31، وفي سورة فاطر قوله: [هل من خالق غير الله يرزقكم] فاطر 3 -، في هذه النصوص نلتقي مع الله حين يتحدث عن قدرته بالفعل والقوة، ويرجع كل شيء له على نحو مباشر وما يكون من الإنسان فبشكل غير مباشر، فالثروة هي منه ولكنها تكون للإنسان على نحو الفعل والمباشرية والإنتفاع، نلحظ ذلك في العبارة التالية قوله: [ومما رزقناهم ينفقون] البقرة 3، فالرزق هو عبارة عن كل ما ينتفع به من مال أو غيره، وهو صفة وصف وتقدير في الأموال والأشياء، لما ينتفع منه وبه أي إن إيجاده في الأساس هو شأن إلهي، ولكن حق الإنتفاع والزيادة والإستثمار فهي من فعل الإنسان، يدل على ذلك ما قاله تعالى .

تعتبر المادة (الثروة) في الفلسفة الدينية ظرف لصفة التفويض في الإنتفاع، وهي تكون للإنسان وكالة إذا كان قادراً على ادائها بحدودها المعلومة، وفي هذا يكون الرزق عنوان ثانوي يكون فيه الإنفاق شرط في صحة التفويض، ولهذا جاء الوصف على نحو الأسم ـــ بالرازق ــ، ليؤكد على إنه المفوض والفاعل في ما يملك على نحو حقيقي، ويواصل الكتاب المجيد فكرته عن التفويض

بقوله: [قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ومما رزقناهم رزقناهم ينفقون] إبراهيم 31 فالتوزيع العادل مرتبط بقوله ــ رزقناهم ــ والضمير المتصل هنا يعود على الرازق الحقيقي صاحب الملكية أصالة وهو ــ الله ـــ، وفعل الإنفاق يكون في الطبيعية من عمل الإنسان وعلى نحو مباشر، ولكنه في الواقع يشير إلى إن الفعل مجرد تفويض من الله، وتوزيع الثروة شرطه اللازم ليكون مؤدياً للغرض ومنفذاً لمعنى التفويض أن يكون ــ بالعدل ــ، والعدل شرط مسبق في صحة الإنفاق، قال الطبرسي: العدل ملاك صحة الإنفاق وشرطه، ومن غيره يكون الظلم والجور والتعسف، وهذا هو المنهي عنه قطعاً، لذا ورد [التقديم للتعليل المتأخر]، وفي أصول الفقه: يعتبر شرط الإنفاق شرط تكليفي، وهو القرينة الدالة على صحة أداء التكليف، والتلكيف تحرير للصفة بحيث يرى أثرها الواضح في الواقع الموضوعي أعني أثر الإنتفاع وكيفيته .

وفي موضوعنا السنني إيجاد صفة التفويض متناسبة مع حاجة المنتفع، أي جعل الصفة محلاً للضبط والربط بحدود الحاجات والضرورات، ولا يتم هذا من غير [واقع موضوعي ملائم، وشرط إعتباري صحيح]، ولا يخرج هذا من باب [الإيمان مع العدل] ومن غيرهما يقول الطباطبائي يكون الخلل مترتباً أثراً في الواقع وفي الشرط، والخلل سبب مباشر في حدوث السنة التاريخية على نحوها السالب، قال شيخنا الأستاذ: [لعل التمايز اوضح ما يكون في الصفات الإلهية عموماً، تلك الصفات المرتبطة بعالمها الخاص الذي تتحرك فيه]، والصفات: عبارة عن عناوين كلية لمفهوم ـــ الذات ــ كما طرحت في علم الكلام، على نحو: [ــ الصفات عين الذات ــ]، وفي علم الكلام أيضاً: يكون المتحرك والفاعل هو المتجلي والظاهر، وبيان التجلي عند صاحب حكمة الإشراق: يتمظهر بأبرز المصاديق كما في قوله تعالى: (ربي أرني أنظر إليك ؟ قال لن تراني، ولكن أنظر إلى الجبل ــ ميدان التجرية ومكان إختبار الظهور والتجلي ــ فسوف تراني (في أي هيئة ؟)، قال: [فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخرَّ موسى صعقاً]، والتجلي في لغة العرفاء: هو مظهر الكشف عن واقع حال القدرة في الميدان، قال أبن الجنيد: [والتجلي ظهور في القدرة لا ظهور في الذات]، والتناسب هنا بين الذات والصفة تناسب في ميدان الرؤية العينية المشار إليها في التعبير الكلامي آنف الذكر .

وللتوضيح نقول: إن التجلي هو مظهر ظهور الذات على نحو [صفةً]، وذلك لتعذر ظهور الذات واقعاً لقوله: - [ليس كمثله شيء] - الشورى 11 -، والظاهر من هذه الصفة هو ما نطلق عليه بالطبيعي والتاريخي، والطبيعي هو المجسد بالقوانين للنظام الكلي العام، والتاريخي هو المُجسد للحركة ضمن قوانين العليّة، وجدل الله والإنسان هو جدل دائم في الطبيعي والتاريخي، والذي نفهمه عبر السُنن سواء بالفعل الخالص أو الفعل المشترك، والفعل الخالص نشير به للطبيعي [من جهة عموم القانون وخصوص الإرتباط]، والفعل المشترك يكون سريانه بين ما هو طبيعي وماهو تاريخي [من جهة خصوص القانون وعموم الإرتباط]، يقول شيخنا الأستاذ: (إن المشيئة والفعل في الطبيعي يكون بأمر الله، ولكن المشيئة والفعل في التاريخي ترتبطان بحركة الفاعل الإعتباري)، وقد عرفه أستاذنا رضا الصدر: - فعل الإنسان يكون في ساحة المتحول وليس الثابت -، والمتحول من لوازمه التبدل والإنتهاء ولكن بحسب الشرط الموضوعي للواقع، قال تعالى: [ومن نعمره ننكسه في الخلق] يس 68:، وجدلية طول العمر مع فقدان التوازن والقدرة على الحياة، لازمة من لوازم التبدل في الطاقة وإنتهاء للكتلة، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى وبنحو ما: [فإذا جاء أجلهم لا يسأخرون ساعة ولا يستقدمون] - الأعراف 43 - وطبعاً لا يستثنى من هذا القانون ما يحصل في الحروب، وفي الكوارث التي تحصل بفعل الطبيعة، ومنطق التقديم والتأخير المرموز له بالنص المتقدم، ليس معناه إلغاء دور الإنسان في الصنع على نحو مباشر، ولنتأمل الفكرة عينها في صراع النقائض والأضداد في الدوام والزوال والبقاء والهلاك والحق والباطل والخير والشر والحلال والحرام

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

عدنان عويدمدخل: لا يمكن لأي دارس للواقع العربي بشكل عام، أن ينكر دور ومكانة الوعي الديني كمكون فكري/ عقيدي وثقافي وتأثيره على سير حركة المجتمع بكل مكوناته الدينية والطائفية من جهة، وعلى طبيعة حياة هذه المكونات الاجتماعية سياسياً واجتماعياً واقتصادياً من جهة ثانية. وانطلاقاً من هذا التأثير البالغ الأهمية يأتي موقف الأحزاب التقدمية بشكل عام، وموقف حزب البعث في سورية بشكل خاص من الدين، فمنذ تأسيس هذا الحزب عمل على مراعاة الشعور الديني لدى المواطنين، ومحاولة استيعاب المتدينين بشكل عقلاني في صفوف الحزب، مع تأكيده ضمناً على ضرورة تحييد الدين وعدم الزج به في المشروع السياسي، على اعتبار أن الدين في نهاية المطاف يعتبر بنظر أصحاب المشروع الإسلام السياسي عقيدة مقدسة ثابته في رؤيته ومقاصده من الحياة، وأن السياسة مصالح، والمصالح غالباً ليست ثابته وليست مقدسة أيضاً في أحيان كثيرة. ومن هذا الموقف البراغماتي من الدين، جاءت مسألة طرح العلمانية (فصل الدين عن السياسة)، لتأكيد مقولة (الدين لله والوطن للجميع)، واعتبار المواطنة هي الأساس، كصيغة سياسية تسعى إلى تحقيق التوازن في المجتمع، مراعياً – أي حزب البعث – البنية الاجتماعية السورية المتعددة الطوائف والمذاهب والديانات. بيد أن طبيعة التناقضات والصراعات الكثيرة التي ظهرت داخل الحزب، بسبب وضع المنطلقات النظرية للحزب على الرف في أوقات كثيرة بعد استلام الحزب السلطة، ثم غياب الوضوح الفكري والطبقي في البنيتين التنظيمية والفكرية للحزب بعد أن جرت عملية التنسيب المفتوح للمواطنين دون النظر إلى البنية الطبقية والفكرية للمنتسب، الأمر الذي أعطى للصراعات الدائرة داخل الحزب تأثيرها السلبي على حياة الحزب التنظيمية والفكرية وعلى حياة المجتمع بشكل عام، على اعتبار الحزب قائداً للدولة والمجتمع، هذا التأثير، حال في الحقيقة بين الحزب وقدرته على تحقيق التوازن والاستقرار في البنيتين الاجتماعية والفكرية داخل الحزب من جهة، وعلى قدرته في تحقيق فكرة المواطنة كونه مؤسسة سياسية تقود الدولة والمجتمع من جهة اخرى.

نعم لم يستطع الحزب طوال تاريخ نضاله أن يحقق المواطنة بمفهومها العقلاني، وظلت سياسته اتجاه المكونات الاجتماعية للمجتمع السوري تقوم على خلق حالة من التسويات الرضائية على مستوى القبيلة والعشيرة والطائفة والأيديولوجيا عند تشكيله للقيادات السياسية الحزبية والحكومية في المركز وفي المحافظات. مثلما فشل في الوصول إلى اتخاذ مواقف جريئة تجاه البنية الفكرية السائدة لا من حيث تطبيق العلمانية التي نادى بها منذ تأسيسه، ولا بالنسبة لاحتواء الخطاب الديني وتأثيره على الحياة السياسية والاجتماعية في الحزب والدولة. الأمر الذي جعله يتراجع كثيراً من الناحية الفكرية، وكثيراً ما وضع المنطلقات النظرية للحزب التي أقرها في المؤتمر القومي السادس (1966) بما تحمل من بنية فكرية تتبنى العلمية والثورية على الرف كما قلنا أعلاه، ويستغرق في ممارسة التكتيك البراغماتي على حساب مبدئية الاستراتيجية.

إن حالة الخلل الفكري والتنظيمي لحزب البعث وشهوة السلطة التي أصابت القوى السياسية المتحكمة بحياة الحزب، بعد أن تحول الحزب إلى قائد للدولة والمجتمع، وبالتالي تحوله إلى حزب شمولي/ كلياني، جعلت قياداته عبر الكثير من محطات مسيرتها النضالية ترتمي كثيراً في أحضان الدين ورجال الدين ويأتي في مقدمة هذه القيادات مؤسس الحزب نفسه "مشيل عفلق" الذي تخلى عن مسيحيته وأعلن إسلامه. أما التوجه نحو الدين والعمل شيئاً فشيئاً على إقصاء الفكر العقلاني والتنويري عن الساحتين الحزبية والاجتماعية، فقد جاء بعد أحداث الثمانينيات من القرن الماضي، وظهور الدور المؤثر للإخوان المسلمين والثورة الإسلامية الإيرانية في مجرى الحياة داخل المجتمع العربي بشكل عام والمجتمع السوري بشكل خاص. فأمام المد الإسلامي هذا راحت السلطة تفسح في المجال واسعاً امام رجال الدين في المؤسسة الدينية الرسمية كي يمارسوا دورهم من باب عقلنة الوعي الديني عند المواطنين بغية إقناعهم بطبيعة النظام السياسي القائم أولاً، ثم مواجهة الفكر الإخواني وتياره الذي كان وراء أحداث ثمانينيات القرن الماضي ثانياً، وبدلاً من أن تتكئ القيادة السياسية على الكوادر الحزبية المثقفة والمشبعة بقيم الحزب العقلانية والتنويرية، والقادرة فعلاً على استيعاب الوعي الديني وإمكانية التأثير على مجراه العام في حياة المواطنين دون المساس بالحرية الدينية والعقيدة، وفقاً لما كان يرمي إليه الحزب عند قيامه، رحنا نجد القيادة السياسية التي استمرت أكثر من عقدين من الزمن بعد انعقاد المؤتمر القطري السابع للحزب في نهاية سبعينيات القرن الماضي دون تغيير، تعمل على إقصاء ذوي الكفاءات العقلانية التنويرية داخل الحزب والتركيز على قيادات هشه ثقافياً وذات أرضية فكرية دينية، ساهمت هي ورجال الدين معاً على محاربة الفكر التقدمي وحوامله الاجتماعية داخل الحزب وخارجه. مثلما راحت المؤسسة الدينية الرسمية بتيارها (المدخلي) تعمل على تجذير الفكر الديني السلفي بصيغته الأشعرية والوهابية، والصوفية الطرقية بعد أن سمح لها بنشر الفكر الديني السلفي، عبر إعطاء الدروس الدينية في آلاف المساجد من قبل آلاف الداعيات والدعاة، مع الدعم اللامحدود من قبل المؤسسة الدينية لتحقيق أهدافها، حتى فقد الحزب في نهاية المطاف قدرته على ضبط توازنه التنظيمي والفكري من جهة، والتوازن الفكري والاجتماعي للدولة والمجتمع معاً من جهة ثانية. وكان من أبرز نتائج هذا التوجه الفكري الغيبي والامتثالي المنافي للروح العقلانية التنويرية، هو ما نراه اليوم من فوضى فكرية وأخلاقية واجتماعية وسياسية ليس لها مثيل في العالم كله. وهذا هو الشعب السوري برمته يدفع اليوم الثمن غالياً بما أصابه من هذه الفوضى التي دمرت الحجر والبشر معاً، ويأتي في مقدمة هذه الفوضى انتشار الفساد الذي استشرى ليدخل كل مسامات الحياة داخل المجتمع والدولة .

انطلاقاً من هذا المدخل نقول: إن من يتابع الفكر السلفي في حركته الفكرية والعملية في عالمنا العربي والإسلامي المعاصر، يجده يشتغل في اتجاهات ثلاثة، وكل اتجاه منها يعمل لمصلحة الاتجاه الآخر، بل هو عماد له من أجل اكتمال رسالة هذا الفكر وتطبيقه في الواقع. وهذه الاتجاهات الثلاثة هي: الاتجاه الدعوي، والاتجاه المدخلي، والاتجاه الجهادي. ونظراً لوضوح كل من التيارين الدعوي والجهادي في نشاطهما، فإن اللبس وعدم الوضوح والتناقض يظهر جلياً في نشاط التيار المدخلي، أو ما يسمى بالتيار (الديني الرسمي) على اعتباره قريباً من السلطات الحاكمة ويعمل لمصلحتها أو خدمتها في تأدية مهام تتعلق بعمل الدولة ذاتها كونها الراعية للفرد والمجتمع والمسؤولة عن استقرار قيمه المادية والروحية، وعدم السماح باستغلال القيم الروحية، وفي مقدمتها الدين، حفاظاً على استقرار المجتمع وعدم الدفع به إلى متاهات قد ينتج عنها حروب أهلية تتخذ من الدين وسيلة لتحقيقها. وهذا الدور الايجابي للدولة تجاه الدين تظهر حياديته، وبالتالي إيجابياته لدى الأنظمة العقلانية التي يهمها فعلاً بناء الدولة والمجتمع بناءً عقلانياً يقوم على أهم مسألتين في بناء هذه الدولة العقلانية التنويرية، هما الديمقراطية والعلمانية.

على العموم دعونا نقف عند تحليل دور ونشاط هذا التيار أو الاتجاه المدخلي للفكر السلفي في الخطاب الإسلامي ودوره في زيادة مأزق الدول العربية والإسلامية بشكل عام وسورية التي لم ترتق بعد إلى دولة التعددية وتداول السلطة بشكل خاص، أو الوصول بتعبير آخر إلى دولة الديمقراطية والعلمانية والمواطنة، هذا التيار الذي من أهم ثوابته القبول بالنظام السياسي والاجتماعي للدولة التي يمارس نشاطه فيها، بغض النظر عن طبيعة هذا النظام وشكل الحكم فيه، وعن طبيعة المجتمع ومكوناته الدينية والعرقية. بيد أنه- أي التيار المدخلي- راح مقابل هذا القبول، يعمل على اختراق هذا النظام والعمل على إعادة هيكلته والتأثير فيه من خلال المؤسسات الرسمية للدولة نفسها وفقاً للمنظومة الفكرية والقيمية الدينية السلفية الذي يؤمن بها دعاة التيار السلفي عموماً، وبالتالي العمل على تكريسها باتجاهاتها الثلاثة. وذلك انطلاقاً من رؤيتهم لمفهوم الدولة الإسلامية المراد تطبيقها وفقاً للشريعة الإسلامية ونصوص (الحاكمية)، كما بينها أحد أهم التيارات السياسية السلفية الجهادية وهو تيار " الاخوان المسلمون"، على لسان سيد قطب في كتابه: (العدالة الاجتماعية في الإسلام) حيث يقول: (فما يعتز به الإسلام أن لا يكون بينه وبين هذه النظم مشابه، وما يضيره ألا يكون. فالإسلام يقدم للبشرية من النظام المتكامل لا تجد مثله في أي نظام عرفته الأرض، من قبل الإسلام ومن بعده سواء. والإسلام لا يحاول ولم يحاول أن يقلد نظاماً من النظم، أو أن يعقد بينه وبينها صلة أو مشابهة، بل اختار طريقه منفرداً فذاً، وقدم للإنسانية علاجاً كاملاً لمشكلاتها جميعاً.).(1).

إذن إن التيار الديني المدخلي السلفي، - وغالباً الأشعري والوهابي - نجده في الوقت الذي يظهر فيه للسلطات الحاكمة موافقته على تقديم الخطاب الديني بما يتفق ومهام الدولة العلمانية، و ما تريده سلطاتها الحاكمة من الخطاب الديني وفقاً لمصالح مشروعها، فهو يعمل في الوقت نفسه وبشكل ممنهج على جعل هذه النظم السياسية والبنية المجتمعية التي ينشط داخلها، أن تتماشى مع المعايير القيمية المشتقة من الخطاب الإسلامي، أي مع نصوصه المقدسة من (قرآن وحديث وأثر فكري أو عملي أجمع عليه الصحابة والتابعون وتابعوا التابعين حتى القرن الثالث للهجرة.). أو بتعبير آخر هم يمارسون نشاطهم الديني بناءً على الثقة التي منحتها لهم الدولة أو السلطات الحاكمة بما يتاح لهم من وسائل فكرية ومادية (مؤسسات) تضعها تحت تصرفهم الدولة، من أجل شرعنة النظام وقيمه الذي يمارسون نشاطهم فيه. ثم إعادة هيكلة هذه النظم والقيم وفقاً لخطابهم السلفي ذاته كما بينا في موقع سابق. وما جرى في الدول العربية تحت مسمى الربيع العربي يبين لنا هذا الدور المزدوج في أهدافه الذي تركه هذا التيار في ظهور تلك الأعداد الهائلة من الشباب المسلم المتأثر بالفكر السلفي التكفيري الذي كان يتلقى ثقافته الظلامية الامتثالية الوثوقية التكفيرية المشبعة بالعصبويّة الطائفية والفرقة الناجية، في جوامع الدولة وعبر وسائل إعلامها التي تشرف عليها المؤسسات الدينية الرسمية.

وقبل أن أسلط الضوء على التيار المدخلي في سورية دعونا ننظر في هذا المثال الحي والواضح كل الوضح للتيار المدخلي ودوره في الدفاع عن سياسية الحكومات المصرية ووقوفه إلى جانبها في السراء والضراء، بينما هو يقوم بمحاربة الفكر العقلاني التنويري وتصفية رجالاته، أو اقصائهم خارج الوطن كما جرى لفرج فوده وحامد أبي زيد على سبيل المثال لا الحصر.

عندما كان عبد الناصر في السلطة وهو من ظل يحارب الكيان الصهيوني حتى آخر لحظة من عمره، نجد شيخ الأزهر آنذاك "محمد شلتوت" وهو الممثل الرسمي للتيار المدخلي في مصر زمن عبد الناصر يقف ضد الكيان الصهيوني والدولة الاسرائيلية كونها دولة معتدية ومحتلة للأراضي العربية ومشردة للشعب الفلسطيني. أما في عهد السادات الذي عقد اتفاقية سلام مع الكيان الصهيوني، فنجد شيخ الأزهر آنذاك "عبد الحليم محمود" يقف مع كامب ديفد ويبين شرعيتها وضرورة السير في ركابها. هذا في الوقت الذي ظل مشايخ الأزهر يعملون على تلقين الفكر السلفي في جامعة الأزهر لطلابهم، الأمر الذي جعل من جامعة الأزهر قلعة للفكر السلفي الإخواني المعادي لمفهوم العروبة والدولة العربية.

بعد عرضنا هذا المثال عن طبيعة التوجه السياسي للتيار المدخلي في مصر، سنتناول دور هذا التيار المدخلي في سورية من خلال التعرض لما كان يقوم به بعض قادة هذا التيار المدخلي، إن كان على مستوى شرعنة النظام والدفاع عنه أو عدم نقده أو الخروج عليه تحت فتوى عدم الخروج على السلطان خوفاً من الفتنة كما قرر دعاة الفكر السلفي التقليدي، أمثال ابن حنبل وأبو حسن الأشعري وأبو حامد الغزالي وابن تيمية وابن قيم الجوزية وغيرهم من دعاة هذا التيار عبر تاريخ الدولة الإسلامية حتى اليوم. ثم العمل على إعادة هيكلة قيم وذهنية المواطنين وفقاً لما يريده أصحاب هذا التيار أو هذا الخطاب الديني السلفي الذي جيش كل هذه الفصائل المسلحة ضد النظام.

إن ما سنقوم بعرضه هنا من رؤى وآراء صادرة عن منابر المؤسسة الدينية الرسمية في سورية، يؤكد لنا بأن سورية راحت عبر نشاط تيارها المدخلي السلفي لأكثر من أربعة عقود تتحول شيئا فشيئاً إلى قلعة للفكر السلفي، الذي يروج له عبر(23)ألف جامع، و(143)مدرسة شرعية، و(60) الف داعي وداعية، والعديد من المعاهد الدراسية العليا الدينية، ومئات معاهد تحفيظ القرآن والفقه السني، بعقلية تعمل على تفسير وتأويل النص المقدس والترويج له بعيداً عن إعطاء أي دور للعقل والإرادة الإنسانية في الحكم على هذا النص ، أو النظر فيه بما يتوافق ومستجدات الحياة التي تفرض على رجال الدين ومشايخه وعلمائه في هذا التيار أن يفتحوا باب الاجتهاد كي ينسجم هذا النص مع تطور الحياة ومع طبيعة المكون الديني نفسه للمجتمع السوري. الأمر الذي جعل الرئيس بشار الأسد يخاطبهم بعد فوات الأوان بضرورة إدخال الفلسفة إلى الخطاب الديني، أي إدخال العقل كحاكم على النص من أجل فتح باب الاجتهاد بعد أن أغلقوه كل تلك السنوات الطويلة، وأن من نتائج هذا الإغلاق ما تمر به سورية اليوم من مآسي بإسم الدين والفرقة الناجية التي سمحت لعدو الداخل والخارج أن يشتغل عليها لتدمير سورية بأجندة طائفية.

لنتابع بعض النشاطات الفكرية التي مارسها بعض قادة هذا التيار المدخلي في سورية على صفحات المنابر الثقافية الدينية التي وفرتها الدولة لهم من أجل تحقيق المحبة والاستقرار بين مكونات المجتمع السوري المتعدد الطوائف والمذاهب والديانات ، ويأتي في مقدمة رجال هذا التيار المدخلي الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي زعيم هذا التيار والمثل العلى لشباب الرحمن ممثلين بـ (القبيسيات) وذوي (الكلابيات القصيرة).

تعتبر مجلة" نهج الإسلام" من أهم المنابر الثقافية الدينية التابعة لوزارة الأوقاف التي صدرت في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي بعد حوادث ثمانينيات. فلوا تتبعنا بعض ما نشر في هذه المجلة من رؤى وأفكار هدامة منذ السنوات الأولى لصدورها، سيؤكد لنا ما قلناه بحق هذا التيار في نشر الفكر السلفي التكفيري الظلامي الوثوقي وموقفه المعادي ليس للعقل وحرية الإرادة فحسب، وإنما عداءه لنظام الدولة نفسها ومكونها الاجتماعي والسياسي وكل الفكر التقدمي الذي لا يمكن لسورية في تعدد طوائفها ومذاهبها أن تعيش مستقرة بدونه. لأن لا حياة في سورية دون علمانية وديمقراطية تحترم الآخر وحقه في المشاركة بقيادة شؤون وطنه. أو بتعبير آخر، لا حياة في سورية إلا بتحقيق دولة المواطنة والديمقراطية والعلمانية، وعندما نؤكد على العلمانية هنا، كونها لا تعني الإلحاد ومحاربة الدين، وإنما هي في أبسط صورها بالنسبة لمسألة الدين هي فصله عن السياسة، وتعميق المحبة والتسامح بين أبناء الديانات، وعدم الرجوع إلى الطائفة والمذهب والعشيرة والقبيلة كمرجعيات تقليدية لحل قضايا الفرد والمجتمع، بل العودة إلى الدولة ومؤسساتها التي تعتبر المواطنة هي القاسم المشترك بين مكونات المجتمع، وهي وحدها القادرة على رفع وعي الفرد في ممارسة حقوقه وواجباته المشروعة تجاه الدولة والمجتمع التي كفلها له الدستور وليس الفرقة الناجية. فجوهر العلمانية هو الدين لله والوطن للجميع.

في العدد الثالث والعشرين / آذار/ 1986 من مجلة (نهج الإسلام) الرسمية الصادرة عن وزارة الأوقاف السورية، ص48 وما بعد، نجد رسالة موجهة من الشيخ "محمد سعيد رمضان البوطي " وبموافقة وزير الأوقاف "محمد الخطيب" إلى الشيخ "عبد العزيز الباز" الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد في المملكة العربية السعودية، يشكر فيها الباز على تكليفه لجنة من هيئة البحوث السعودية للاطلاع على كتابه (الإسلام ملاذ كل المجتمعات الإنسانية)، وتبيان الملاحظات التي لا تتفق ووجه الإسلام الصحيح الذي يدافع عنه الباز وتياره وهو التيار السلفي في صيغته الوهابية. فمن يطلع على مضمون الرسالة والملاحظات التي بينتها اللجنة المكلفة من الباز لدراسة كتاب الشيخ البوطي، ثم رد البوطي على هذه الملاحظات، يدرك المطلع ذاك التناغم بين فكر الشيخ البوطي والفكر الوهابي، عدا قضية واحدة اختلفوا فيها وهي قضية الكرامات، أي إدخال البوطي البعد الصوفي في الفكر السلفي، هذا مع تأكيدنا أيضاً على أن هذا الفكر الصوفي أيضاً لا ينسجم والتوجه العقلاني والعلماني للنظام السوري، كونه فكر امتثالي غيبي يحارب العقل والحياة برمتها. وإن من أسباب مقتل البوطي هو موقفه هذا من الفكر الصوفي، ومحاولته إدخاله إلى صلب الفكر السلفي التكفيري. وهذا ما قاله من قام باغتياله عندما نشر التحقيق مع من قتله على الفضائية السورية.

والشيخ البوطي ذاته نجده في مكان آخر أكثر خطورة من خلال عدائه للعلمانية في كتابه (العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر)، وهو كتاب مقرر لطلاب الشريعة في جامعة دمشق: حيث يقول عن العلمانية، وهو هنا يتبنى رأي دار الافتاء الوهابية في السعودية ذاتها حول العلمانية: ( أما الدين الإسلامي فيحوي في أصله إلى جانب مبادئ الاعتقاد، الأحكام التي تضبط شؤون الدولة وتتكفل بإقامة أنظمتها وقوانينها، فحجزه عن ممارسة صلاحياته ومسؤولياته، هو تغيير لجوهره وإبطال لكثير من مضمونه - ثم يتابع ناعتاً من يؤمنون بالعلمانية ضمناً، ويتقربون إلى الإسلام قولاً - قائلاً: (إن التظاهر بالخضوع له – أي الدين - بعد ذلك كذب عليه ومخادعة له ولمشرعه.). وهو في هذه الموقف الفكري يواجه النظام السوري ذاته الذي يقول بالعلمانية ويعتبرها أحد المكونات الأساسية للنظام. بل هو لم يتوان أمام اعتبار الإسلام بداية ونهاية كل شيء، ويدفعه هذا الاعتقاد إلى نزع الأخلاق عن العرب قبل الإسلام وعن العروبيين المعاصرين كما ذكر في إحدى حلقاته التي تبث للأسف أسبوعيا على قنوات التلفاز السوري وهي بعنوان، (لن يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) حيث يقول: (إن العرب ليس لديهم أخلاق قبل الإسلام، وإن القوميين العرب الذين يقولون بأن العرب كان لديهم أخلاق قبل الإسلام هم كذابون.). هذا في الوقت الذي يُعتبر فيه حزب البعث الذي احتضنه حزبا عروبياً، وهو المنادي بالآمة العربية الواحدة ذات لرسالة الخالدة. مع ضرورة الإشارة هنا، بأن هذا الموقف الذي يتخذه البوطي من القومية العربية ليس جديداً، بل هو قديم يعود إلى ستينيات القرن الماضي، ففي مقال له بعنوان )حقائق عن نشأة القومية)، صادر بكراس مستقل عن لجنة مسجد جامعة دمشق- قسم النشر (41)، 1963 .يكتب البوطي عن القومية ودعلتها وارتباطاتهم بالماسونية والصهيونية والاستعمار، سأقتبس منها بعض أفكاره وأترك للقارئ أو المهتم العودة إلى هذا المقال ليتبين موقف البوطي ومن يقف معه ويتبنى فكره في كرههم للعروبة والقومية العربية.!.

يقول البوطي: (وإننا لو رجعنا واستقرأنا تاريخ دعاة القومية في بلادنا فإننا لن نجد صعوبة في كشف تآمرهم على بلادهم وقومهم، وبروز حقيقتهم سافرة وهي أنهم عملاء للاستعمار بكل ما في هذه الكلمة من معنى....( ويتابع في النص ذاته) قوله: إن مقدمة نشأة القومية في عالمنا الإسلامي تبدا مع بدء التجمع الصهيوني وسعيه استلاب فلسطين...ويقول في مكان آخر: .. إن كلا القوميتين (ويقصد العربية والطورانية)، اتجهتا في الهجوم على عدو واحد ليس له أي شأن في الأمر، ألا هو الخلافة الإسلامية المتمثلة في السلطان عبد الحميد.).(2).

لنتابع موقفاً فكرياً آخر في مجلة "نهج الإسلام نفسها، وفي العدد /23/ السابق في الصفحة /52/، يكتبا الشيخ "فتحي الدريني"، في مقال له عن : (البعد السياسي لمعجزة الإسراء والمعراج) قائلاً: (إن هذا الحدث العظيم كان فتنة للناس بصريح النص القرآني وابتلاءً لصدق من آمن لقوله تعالى: " وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس"، وهكذا يتبدى لنا البعد السياسي في تصفية القوم سياسياً، وتمييز مؤمنهم من كافرهم، أو ضعيف الإيمان منهم إذا ثبت أن بعض المؤمنين قد ارتد إثر بلوغه نبأ الإسراء والمعراج. وهذه التصفية السياسية الكاملة ضرورية جدا ليعلم المتخاذل من المبطل من المؤمن الصادق الذي يعتمد عليه في بناء الدولة ودفع الأخطار عنها، وتحمل الجهاد في سبيل تدعيم أركانها ...) وهكذا نرى أن التيار المدخلي في سورية يربط الإيمان بالجهاد ربطاً محكماً، بحيث لا يتحقق إيمان صادق عميق راسخ دون أن تكون هناك عقيدة الجهاد جزءاً دينياً يستلزم هذا البعد السياسي بداهة في مثل قوله تعالى: ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله ويقتلون وعداً عليه حقاً.). هذه الفريضة كانت أولى مشاهدة معراج الرسول. وبناءً على هذه الترويج الفكري لمسألة الجهاد المدخلي في سورية يتبين لنا مسألتان كنا قد أشرنا إليهما في موقع سابق. الأولى: إن التيارات الثلاثة للسلفية وهي الدعوي والجهادي والمدخلي كلها تعمل لخدمة الخطاب السلفي التكفيري والفرقة الناجية، والثانية، هي أن قسماً كبيراً من السوريين الذين حملوا السلاح في هذه الأزمة هم نتاج هذه التوجهات الفكرية التي كانت تحقن في عقولهم يومياً عبر المنابر الثقافية التي وظفتها الدولة لهم.

أما في العدد/ 24/ من مجلة "نهج الإسلام"، لعام 1986، وفي الصفحة /67/ يكتب الشيخ "عبدالرحمن عيسى" مقالاً بعنوان: (الفكر الإسلامي نهج إلهي إنساني جامع)، يقول فيه: (وبعد فإن منطلق الفكر الإسلامي في فحوى آيات الله في القرآن المجيد، المفسرة لحقائق الوجود، وليس في تنطعات المفكرين في الغرب وخططهم الثقافية المبتورة والمجذومة، التي لم تفتح باسم الله ولم يوقع عليها رسول الله، فهي مردودة على ذويها لا لكونها باطلة أو غير صحيحة، بل لوجود الاستغناء عنها بكتاب الله المهين.. فإن إخفاق النظم الوضعية مؤشر على تقدم الإسلام ليؤدي دوره المرتقب والموعود وليشل فاعلية أهل الجحود، وليعطي البشرية دفقة حب وتصفية وعطاء بعد ليل كالح.). فكل ما جاء في هذا القول هو دعوة واضحة وصريحة من قبل رجال وعلماء هذا التيار المدخلي لرفض الفكر الوضعي، واعتباره فكراً كافراً يجب أن يقصى من الوجود.

ماذا تبقى لنا أن نقول أمام معطيات هذا الفكر السلفي الذي راح يفرض نفسه في السر والعلن، ليمنحنا تحت ما سمي بالربيع العربي، مئات الفصائل المسلحة باسم الإسلام، كان من أبرز ملامح نشاطها الذي بشر به الخطاب الإسلامي الأشعري والوهابي السلفي، القتل والتدمير وتكفير الآخر وتعميق الطائفية وإرجاع سورية مئات   السنين إلى الوراء، والذي يتحمل النتيجة في الحقيقة هم من فسحوا المجال واسعا لهذا الفكر السلفي التكفيري الوهابي أن ينتشر بين صفوف شبابنا، بهدف خدمة مصالح أنانية ضيقة، كان دعاتها يعتقدون بأنهم باللعب على ورقة الدين يستطيعون تسيير الدولة والمجتمع وفقاً لمصالحهم.

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

....................................

1- - سيد قطب- العدالة الاجتماعية في الإسلام- سوريا- مطبعة عيسى البابي وشركاه- ط6- 1964- ص94.

2- يراجع المصدر لهذه الرسالة : كتاب القومية والوحدة – القسم الأول- الجزء الثاني- المقالات – تحرير وتقديم محمد كامل الخطيب- دمشق – وزارة الثقافة – 1994- ص 694 و697 و 700.

3- يراجع المصدر لهذه الرسالة : كتاب القومية والوحدة – القسم الأول- الجزء الثاني- المقالات – تحرير وتقديم محمد كامل الخطيب- دمشق – وزارة الثقافة – 1994- ص 694 و697 و 700.

 

 

سؤال يواجهنا في العادة عندما تواجهنا أشياء وحوادث ومشاكل في حياتنا الإجتماعية، وقد أختلف الناس في الإجابة على هذا السؤال بين مؤيد ورافض، وذلك تبعاً لفهم كل واحد منهم في التاريخ وماذا يعني له؟، وهل إن التاريخ هو مجرد سجل رقمي للحوادث والقضايا؟، أم إنه ذلك الشيء الزمني الذي يعبر عن الماضي بكل تفاصيله؟، والتاريخ في الحالين هل يمكنه أو هل يجوز له أن يعود بحرفيته أو بشخوصه أو بأحداثه؟، ثمة أناس قالوا نعم، وثمة أخرين قالوا لا [ونحن من هؤلاء الذين قالوا لا]، وحجتنا في ذلك العقل وما صح من النقل المعتبر، ومع ذلك لا يزال الجدل محتدماً و قائماً، بين هؤلاء وهؤلاء حول ما إذا كان التاريخ يُعيد نفسه أم لا؟ .

ونفس الجدل نلاحظه لدى المتكلمين في قضايا العقيدة والشريعة، كذلك وحتى لدى المشتغلين بحقول العلوم والفنون، وبما إننا نعرف التاريخ على إنه عبارة عن هذا الخليط بين السجل للأحداث والقضايا، وبين كونه الماضي بكل تفاصيله وأجزائه، وهذا التعريف نظرنا إليه من وجهة معرفية خالصة ..

وهنا نقول: مفهوم السجل للماضي يعني سجل للزمان والمكان، وهذا الشيء يرتبط موضوعياً بمفهوم - الصورة والحدث -، الذي من خلاله نرى الماضي كيف كان وكيف سار وكيف تأسس؟، وصورة الماضي رأيناه بعين وعقل الذي تخيلها أو الذي رسمها في ذلك الوقت، وهذه الصورة في كثير من الأحيان هي تخيليه كما ألمحنا وليست واقعية أو دقيقة من جهة الضبط التاريخي، وفي هذه الحالة لا يمكننا إعتبارها حقيقة موضوعية، ولكي تكون كذلك لا بد من تسليط كل الأضواء المتاحة و الكاشفة لنتبين دقتها وصحتها وموافقتها لموضوعة - الزمان والمكان - المحكي عنه، وفي هذه الحالة يتجدد الطرح على نحو أخر، وهل الذي وصلنا عبر الصورة مطابق أو موافق للحقيقة؟، بحيث يمكننا إعتباره قدوة و مثل يمكننا التأسي به والإقتداء؟، بمعنى هل يمكن إعادة الصورة بشرطها الموضوعي الذي كانت عليه؟ والجواب ببساطة لا يمكننا ذلك موضوعياً، بدليل إن الماضي قد مات حسب التقرير القرآني - تلك أمة قد خلت ...!!! .

ولو طُرح السؤال بلغة الفيلسوف: فسيكون على النحو التالي: هل يمكن تصور قوانين الوجود والقيمة في الأين والمثال واحدة في - الماضي والمستقبل -؟

وبمعنى أدق: وهل يعني ذلك إن حركة القوانين الطبيعية لا تخضع لعملية التطور ونظام الصيرورة والتبدل؟

ولو أفترضنا جدلاً .. صحة القول التالي: إن الماضي بكل ما فيه قابل لكي يُعيد نفسه، فهذا الإفتراض الجدلي من لوازمه - جعل التكرار في الماهية والكيفية من لوازم الشيء، ولو سلمنا بصحة هذا الإفتراض فإن ذلك يلغي مفهوم - التطور -، الذي اشار إليه النص بقوله - كل يوم هو في شأن -، كما إن التطور بمفهومه العلمي هو سيرورة في الإرتقاء والنمو والتكامل [وهذا ما أشار إليه دارون]، والتطور: هو عملية داخلة في بنية الشيء وفي ماهيته، ولأنها كذلك فهي بحركة الشيء وبفعله، وعالم الوجود وعالم الإمكان من خواصه الذاتية - التطور - ولذلك يكون قابلاً للحياة وللعيش .

ولنقل إن هذه النظرة للتطور أستندت على - جدل الإنسان والطبيعة ، هذا الجدل الذي يصطدم مع فكرة ومفهوم ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ، بمعنى إنه يجعل من القابلية على التطور غير ممكنة

..

أضف إلى هذا إن ساحة رصد - (الزمان والمكان) ليس فقط فيما هو ذهني وعقلي بل هو مادي أيضاً، أعني إن مجال الرصد هنا في أصل الحركة للصورة المتخيلة، وكما قلنا فالضابط في رصد الحركة هو ــ الشأنية ــ، والشأنية عبارة عن توثيق وشاهدية، ولكي تكون االشأنية ممكنة القبول يلزمها الإقناع والموافقة - ..

* * *

ونعود لنناقش مفهوم الإعادة التاريخية، وفعل إعاد يعني أرجع كما تقول المعاجم، ومصدر الفعل إرجاع ولكي يكون ممكننا في قضايا التاريخ، يلزمه إرجاع أدوات الفعل التاريخي وعناصره والقوى التي صنعته أو إنتجته ، وإرجاع أدوات الفعل االتاريخي تخضع بالضرورة لأدوات الفعل الطبيعي أعني في الماضي، ولكن هل يكون ذلك ممكنا من الناحية المعرفية؟، من الناحية المعرفية يمكن دراسة الحدث التاريخي والتعرف على الطبيعة الموضوعية التي أنتجته، ولكن أبداً لا نستطيع الجزم بتمام الموافقة على صحة ذلك، لأن ليس لدينا تاريخا ضبطت كل عناصره وأدوات فعله .

ثم إن إعادة الفعل التاريخي ومحاولة تكرار تجربته حتى على نحو خاص غير ممكن، ولا يتولد من هذا الفعل شيء يمكننا إلزام به الفرد أو الجماعة – لأن ذلك بمثابة إلزام بما لا يلزم -، ومن الناحية العلمية يكون الإلزمام بما لا يلزم أحد مناقضات التطور .

ولنعد إلى أصل الفكرة نحن نبحث في موضوعة الماضي، ماضينا نحن الذي هو: - عبارة عن تاريخ للفرق والطبقات والطوائف والمقالات -، هذا الماضي المضطرب الذي تتداخل فيه قضايا السياسة والإجتماع كما قضايا الفقة والعقيدة، وهو تداخل صنعته أيدٍ لها علاقة بالقرار السياسي والديني الرسمي وغير الرسمي، إنه تاريخ مجزأ يسود فيه الإختلاف والتعددية والسلبية، ولكي نقرئه بحيادية وموضوعية يلزمنا ما يلي :

أولاً: التحرر من هيمنة الماضي وأحكامه التي أنتهى أوانها، بمعنى إن الماضي بما فيه مرتبط حكماً وموضوعاً بواقعه وزمانه ومكانه .

وثانياً: نفي فكرة ومفهوم ـ التارخ يُعيد نفسه ـ، والنفي بمعناه العلمي الإيمان بالتطور الطبيعي سواء في الفهم المجرد أو في طبيعة المادة .

وثالثاً: وفي قرائتنا للتاريخ لا بد من الإيمان بأن التنازع والإختلاف يولد دائماً التناقض والكذب وعدم المصداقية، وفي أحيان كثيرة التحريف والتزييف، ولا مجال لقوانين العلم والعليَّة وسيادتهما .

ورابعاً: إن التاريخ الذي يصنع التباعيض والأجزاء والتناحر، حريّ بنا أن نضعه في ميزانه الطبيعي وضمن عالمه الخاص، وأن لا نعمل جاهدين من أجل إعادة وترتيب مواضيعه التي أنبنى عليها .

* * *

ولكن كيف لنا أن نفهم دعاة مفهوم ـ التاريخ يُعيد نفسه ــ؟، يمكننا فهم ذلك من خلال تركيبهم لما هو كلامي على ما هو فقهي، ففي علم الكلام الشيعي هناك مقولة تقول بمبدأ ــ الرجعة ـ [والتي عرفتها المدرسة الشيعية: بأنها رجوع جماعة من الأموات إلى الحياة الدنيا قبل يوم القيامة، في صورتهم التي كانوا عليها، ولا يرجع إلاّ من علت درجته في الإيمان، أو من بلغ الغاية في الفساد،ثم يصيرون بعد ذلك إلى النشور وما يستحقونه من الثواب والعقاب] .

هذه الفكرة كما يبدو مصطنعة أختلقتها أخبار كاذبة، ومعلوم إن التاريخ الإسلامي معبء بكثير من هذه الأخبار، والتي تحكمت في قسط وافر من معارفنا، وقد قام بالترويج لها والنشر وعاظ ورجال دين متخلفين، ليضللوا فيها الناس ويُبعدوهم عن التعرف على قضاياهم الإجتماعية والسياسية والإقتصادية الملحة .

وجزء من مفهوم - الرجعة ـ عند هؤلاء تعني العودة المادية لأئمة أهل البيت !!!، أي أنها عودة أشخاص معينين لخصوص سبب معين، وجزء أخر منها عودة أناس آذوا أئمة أهل البيت، والغرض من العودة والسبب هو [إثبات أحقية اهل البيت بالخلافة وبطلان دعوى مخالفيهم] .

فلو أفترضنا صحة هذا الزعم، فإنه سيرجع الإمام علي إلى الدنيا، وسيرجع معاوية كذلك والهدف من رجعتهما هو في [إثبات إن علياً على حق ومعاوية على باطل]، ولننظر هنا إلى أصل العودة والغاية منها وهو في إثبات أحقية علي بالخلافة !!، ولكن السؤال الذي يُطرح هنا، هو إن االعودةوالرجوع في زمن ما، ولناس ما وبالتالي فهي عودة ورجوع لا يعلم به إلاّ من شاهد ذلك و صادفه، وهي في هذه الحالة حجة على من شاهدها وحدثت في وقته، ولا حجية لها على من لم يشاهد ذلك بالدليل العملي، ثم إن هذه الفكرة قد جرى بحثها طويلاً في الكتب الكلامية، وأقر جمهور العلماء بأن علياً كان على الحق ومعاوية كان على باطل، حتى أصبح هذا الحكم هو حكم الكافة في هذه المسألة هذا أولاً .

وثانياً: إن الإيمان بالرجعة الشخصانية على النحو الذي قدمناه يستلزم إبطال مَبِدئيْ ــ الثواب والعقاب .

وثالثاً: إن الإحتجاج بالقرآن في هذا المجال ليس على ما ينبغي، إذ القول بأن للعُزَيْر وحماره ــ رجعة ــ، قول بعيد لما نحن فيه، إذ الأمر فيه يتعلق بقدرة الله، وإذا تعلق الأمر بالقدرة فإن مجال البحث أختلف تماماً في الماهية والكيفية .

ولأنها كذلك فهي فكرة تخالف:

1 – الدين والعقل .

2 – وإنها تحتمل ظرفاً زمانياً مكانياً معيناً .

إذ الأصل الذي أنبنى عليه فكر ـ الرجعة ــ كان كذلك، وهو في المفهوم الشيعي المتداول وفي كتب الأخبار والعقائد يعود لمقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ في مستويي الخطاب ..

مع إن هذا الأصل من ترسبات الفكر التوراتي وتأثيره في الأدب والفكر الإسلامي، وربما كان ذلك مما قرره بولس قبل كتابة الأنجيل إلى أتباعه تحت شعار ــ عودة الأبن إلى أبيه ـ .

***

ولكن هل إن مقولة ـ التاريخ يُعيد نفسه ــ هي من السنن الطبيعية والتاريخية؟

وقد عرفت السنة: بأنها طريقة ونهج يجري أتباعها ضمن علل وأسباب طبيعية، وهذه العلل والأسباب هي نسيج حركي معين يرتبط بوعي مكاني وزماني خاص، ولهذا فهي حركة في الزمان والمكان، وحضورها في وعينا عبارة عن حضور زماني ومكاني يرتبط بعلل وقوانين منتظمة، نقرأ ذلك في قوله تعالى - سنة الله في الذين خلو من قبل]، وهي بهذا المفهوم ضد الفوضى واللا نظام بقرينة المقابلة .

فالسنة الطبيعية تجري بتوافق مع نظام التطور في أتساق وضمن مجموعة قوانين وإرادات ناظمة، وهذا النسيج المتكامل هو الذي يتحكم بعملية التحرك فيها . قال تعالى: {لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} (يس / 40)، فحركة الشمس ضمن دائرتها في درب التبانة منتظمة بحيث لا تكون سابقة ولا متأخرة، وجميل جداً أستخدام لفظ - سبح - يعني حركة منتظمة، لا يجوز فيها الفوضى والتراكم والتدافع المخل بوحدة النظام .

نعم في معنى السُنة الطبيعية يلزم التسلسل الطبيعي والذي جاء تبعاً – للأنفجار العظيم -، والذي لا يناقض أبداً معنى قوله: {.. إنا بنينا السماء بأيد وإنا لموسعون} (الذاريات /47) .

فالسعة المشار إليها هنا هي ليست ضد القانون وضد الإرادة، والصفة بل هي منها بضميمة قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} (يس / 82)، والكينونة هنا ليست ضد الحركة هناك، فهما في سير واحد يُعطي للتطور قيمته وأهميته، وفي نفس الوقت هو دحض فاعل لمقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ .

إذن فالسُنة هي شاهد يمكن تحليله بذاته، خاصة في عملية المراقبة الواعية للعناصر الفاعلة في السنة، والتحليل عنصر زماني يقوم على مبادئ العلة والمعلول، وهذه المبادئ هي الحصانة من التسويف والتراكمية في الزمانية المركبة من النقل والعقل .

إن إعتبار مقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ جزءاً من القانون الطبيعي، أدى بنا إلى أفكار أرثوذكسية مغلقة في مطلق الزمان والمكان، وهذا الأعتبار هو نتيجة واقعية للخلط المعرفي بين التحليل التاريخي وبين الإعتماد التاريخي، ونريد بذلك: إنتاج الفكر أعتماداً على القواعد والمقدمات المنطقية العقلية، وبين إعتماد التاريخ كوعي فوق الوعي الزماني والعلمي .

وعليه فما يقوله بعض الفقهاء بصحة مقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ وإعتبار ذلك حجة في قضايا الفعل الإنساني في مطلق الزمان وبتعبيرهم ــ حذو القذة بالقذة ــ إعتبار ليس على ما ينبغي، كما إن الكتاب المجيد يدحض الفكرة تحت مظلة - تلك أمة قد خلت -، ومنها أستمد الأمام زين العابدين ذلك ليقول - من تساوى يوماه فهو مغبون -، وهكذا يروى عن الشافعي قوله – أنا كل يوم رجل -، وبحسب المفهوم العلمي للتطور ضمن قانون الحذف الزمني، والمُراد به نهايات المراحل وعدم الإستفادة منها .

***

ولكن هل رفض مقولة ــ التاريخ يُعيد نفسه ــ هو جزء من مفهومنا عن الثقافة الحديثة التي فيها كل شئ نسبي وليس شئ مطلق؟

مفهوم النسبية ونظريتها الخاصة من مقولات العالم الفذ ألبرت أنشتاين، وهو مفهوم ضمنه النص التالي - كل شيء هالك -، ولكن في مقابل هذا تأتي مقولة - التاريخ يعيد نفسه -، لتلغي قوانين الطبيعة وما يصنعه الإنسان عبر جدلية ــ الفكر واللغة ــ، والتي هي حركية في المستقبل الذي يصنع أو هو تاريخ الإنسان، فتاريخ الإنسان متألف من جزئين ماضي ومستقبل ولا معنى للحاضر فيه مطلقاً .

* * *

إن النظرة العقلانية للتاريخ والقائلة: إنه عبارة عن مجموعة أعمال فيها الحسن وفيها القبيح ــ الباهر والفاشل ــ، نظرة تستمد قيمتها من أنها تخدم غرضاً وتعرض حقيقة وغرضاً من الأعراض التي هي أبعد ما تكون من التاريخ نفسه .

كذلك قال جان مريتان: إنه لا يمكن أن يكون للتاريخ غاية في نفسه (1)

لقد كان بروتاغوراس محقاً حينما [جعل الإنسان هو مقياس لكل شئ، فبه ومنه ومعه تعرف المصالح والمفاسد لأنها له أولاً وبالذات وقيمتها معلومة فيه لأنه مظهر التجربة]، هذه الواقعية في النظر إلى الإنسان تجعله مصدر التطور المرتبط بالواقع الموضوعي، وهنا نكون قد دمجنا بين التصور المادي والتصور الميتافيزيقي للإنسان، مع أنهما عند البعض على طرفي نقيض بناءً على المعتمد من المقدمات عند كل طرف .

***

ولكن هل هناك تمايز بين إرادة الله وإرادة الإنسان؟، والسؤال لا يتعلق بمعنى الإرادة التكوينية، بل بما نسميه إرادة الفعل الناتج عن الحاجة والمصلحة، وفي هذا هناك نوع من الإتساق بين الإرادتين، أعني إن أبداع الإنسان في شيء ما ناتج عن موهبة إلهية مكنونة في عقل الإنسان، هي هبة من الله عند الصنع الأول، وبعبارة كلامية:

ـ الأبداع في المريد الثاني ناتج عن الأبداع من المريد الأول ـ، بمعنى أن إرادة الأبداع عند الأول سابقة عن الإرادة عند الثاني، وهذه الجدلية الكلامية تخضع لجدل الإنسان والوجود منذ النشأة الأولى، وحين نطبقها نظرياً فهي جدلية بين - فكر ولغة -، والحكم على الإرادة عند الأول أعني إثباتها يحتاج إلى فكر يستدل به الثاني على ذلك، والاستدلال ظاهرة علمية فيزيائية مرتبطة بأدوات معرفية أساسها الفكر و اللغة، والذين رفضوها عند الأول [كما هو رأي ريتشارد دوكنز]، إنما أعتمدوا في رفضهم على مايلي: - (إن الأفكار تأتي لعقل الإنسان قبل أن تعبر عن نفسها في الحديث، وأنها تولد دون أدوات اللغة، أي دون إطار اللغة، وبعبارة أخرى إنها تولد عارية) ..

إلاّ أن هذا خطأ ووهم كبير، فمهما كانت الأفكار التي تأتي إلى عقل الإنسان، لا يمكن أن تولد أو توجد من دون لغة أو من دون أدوات اللغة، أي على أساس الألفاظ والجمل اللغوية، فليست هناك أفكار عارية متحررة من أدوات اللغة، أو متحررة من المادة الطبيعية التي هي اللغة، فاللغة هي الواقع المباشر للفكر ولا يمكن أن يتحدث عن الفكر بدون لغة إلاّ المثاليون من المعتكفين وحدهم.

ويُعلق ــ بولتزير ــ قائلاً: (لقد لاقت هذه الأفكار تدعيماً باهراً في العلوم الطبيعية بفضل الأبحاث الفسيولوجية التي قام بها العالم ــ بافلوف ــ فقد أكتشف ــ با فلوف ــ أن العمليات الأساسية في النشاط المخي هي الأفعال المنعكسة الشرطية التي تكون في ظروف محددة، والتي تطلقها الإحساسات سواء الخارجية او الداخلية، وأثبت ــ با فلوف ــ أن هذه الإحساسات تقوم بدور الإشارات الموجهة بالنسبة لكل نشاط الكائن العضوي الحي، وقد أكتشف من ناحية اخرى ان الكلمات بمضمونها ومعناها يمكن أن تحل محل الإحساسات التي تحدثها الأشياء التي تدل عليها، وهكذا تكون الكلمات إشارات للإشارات، أي نظاماً ثانوياً في العملية الإشارية، يتكون على أساس النظام الأولي ويكون خاصاً بالإنسان .

وهكذا تعتبر اللغة هي شرط النشاط الراقي في الإنسان وشرطه نشاطه الإجتماعي وركيزة الفكر المجرد، الذي يتخطى الإحساس الوقتي، وركيزة النظر العقلي . فهي التي تتيح للإنسان أن يعكس الواقع بأكثر درجة من الدقة، وبهذه الطريقة أثبت ــ بافلوف ــ أن ما يحدد أساساً شعور الإنسان ليس جهازه العضوي وظروفه البيولوجية، بل يحدده على عكس ذلك المجتمع الذي يعيش فيه الإنسان))

فاللغة: إذن هي أساس الفكر، وحيث أن اللغة ليست إلاّ ظاهرة إجتماعية، ولكن هذه الفكرة تطرح سؤالاً على غاية من الأهمية وهو: هل أن اللغة هي التي خلقت من الإنسان كائناً مفكراً بصفتها ظاهرة إجتماعية كما يقرر ــ بولتزير ـ؟

أم أنها وجدت في حياة الإنسان المفكر نتيجة لأفكار كانت تريد الوسيلة للتعبير عنها وعرضها على الآخرين؟

ويبدو إن الإجابة على ذلك لا تكون واضحة دون الإلتفات إلى آراء ـ بافلوف ــ وطريقته في تفسير الفكر تفسيراً فسيولوجياً ــ فبافلوف ــ أستطاع أن يوضح بالتجربة، على أن شيئاً معيناً إذا أرتبط بمنبه طبيعي أكتسب نفس فعاليته، وأخذ يقوم بدوره، ويحدث نفس الإستجابة التي يحدثها المنبه الطبيعي ..

وقد أفترض ــ بافلوف ــ من أجل ذلك نظامين إشاريين:

الأول: النظام الإشاري الذي يتكون من مجموعة المنبهات الطبيعية والمنبهات الشرطية التي لا تتدخل فيها الألفاظ .

الثاني: النظام الإشاري المشتمل على الألفاظ والأدوات اللغوية بصفتها منبهات شرطية ثانوية فهي منبهات ثانوية أشترطت بمنبهات النظام الإشاري الأول، واكتسبت بسبب ذلك قدرتها على إثارة إستجابات شرطية معينة .

***

تعتبر الحركة والسكون مقولتان أساسيتان في علم إجتماع ــ أوغست كونت ــ، فالسكون عنده عبارة عن مطالعة الموضوع الذي أطلق عليه ــ كونت ــ أسم الإتفاق الإجتماعي، فالمجتمع يشبه تركيب أعضاء الكائن الحي الكلي الذي ينتمي إليه، فكذلك شؤون أجزاء المجتمع لا يمكن إحلالها إلاّ بالمجتمع الكلي خلال لحظة معينة من التاريخ ..

والحركة عنده عبارة عن الوصف البسيط للمراحل المتتالية التي تطويها المجتمعات البشرية، وهذا الإتجاه في فهم التاريخ نطلق عليه ــ بفلسفة التاريخ ــ والتي هي: [العلم بالتحولات والتطورات التي تنقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى .. والقوانين المتحكمة في هذه التطورات والتحولات] .

وبعبارة أدق: [هو العلم بصيرورة المجتمعات لا بكينونة المجتمعات، وهي كالتاريخ العلمي علم كلي لا علم جزئي وعلم عقلي لا علم نقلي، ولكنه خلافاً للتاريخ العلمي علم بصيرورة المجتمعات لا بكينونتها، وهو بالضرورة لا يعني إرتباط أحداث هذا العلم بالماضي، بل يعني تفهم تيار انطلق في الماضي ومازال مستمراً وسيبقى يواصل مسيرته في المستقبل .

والزمن ليس ظرفاً عنده بل هو بعُد من أبعاده، والظاهر أن أية نظرية للتقدم تعتبر وليدة إذا كانت ترى الحاضر أو المستقبل القريب بوصفه الغاية النهائية .

بيد أن المؤرخين البرجوازيين لا تزعجهم الإخفاقات الماضية لنظريات التقدم المختلفة وحسب، بل هم واعون للإتجاه القائم في العلم والذي قد يمتلك بعض المعايير الفعلية للتقدم التاريخي، ولكن ليس مطلقاً او ملموساً كما هي حال مادية ماركس التاريخي .

إن الفلسفة البرجوازية تركز في التاريخ على مكافحة الجبرية لأنها في الواقع ترفض الإتجاه الجبري في التاريخ، على أساس إنه حامل للنذر العلمية والتطورية في مجال صراع الطبقات .

وهذا الإتجاه في مكافحة النزعة الجبرية قام على الرد المعاكس في التعلق بالوجودية القائلة بأن الشرط المسبق للخلاص هو تقديم فكرة البديل فالمستقبل دائماً موضع إختيار، إذ يمكننا دائماً إن نختار بين طريق وآخر .

وبالتالي فإن الماضي ليس هو وحده موضع الدراسة العلمية، وهذا التصور قانونه التطور التاريخي إذ إن الفكر لم يكن سوى ظاهرة نشأت من اوضاع إجتماعية معينة مما يولد حالة من التفسير لمجمل الظواهر الفكرية على انها وليدة عوامل إجتماعية ساهمت في إنتاج الأفكار والظواهر، وهي لذلك جدلاً تأتي بمرتبة متأخرة من ناحية الوجود، فالتاريخ لايسجل الوجود الفكري إلاّ كونه ظاهرة ناتجة عن عوامل إجتماعية خاصة .

وهذا السبق للوجود الإجتماعي على الوجود الفكري يستتبع محاولة من التدليل السكيولوجي للتفسير المادي للمجتمع والتاريخ)

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

كيف يكون الله مطلق القدرة والخيرية والمحبة للبشر ورغم ذلك يسمح بوجود الشر.. هذا هو السؤال الذي يطرحه الناس على رجال الدين ولا يحصلون على إجابة وافية ومقنعة أبداً.

هل ما ورد في الكتب المقدسة المنزلة من السماء والتي يقال أنها تنقل كلام الله، يتطابق مع الحقائق العلمية التي توصل إليها العلم الحديث في كافة المجالات لا سيما علم الكونيات الكوسمولوجي وعلم الفلك وعلم الفيزياء النظرية وفيزياء الجسيمات الأولية وميكانيك الكموم أو الكوانتوم وعلم الأحياء وعلم الكيمياء الحيوية وعلم التكنولوجيا المتقدمة وتكنولوجيا النانو وعلم الحفريات الأثرية الآركيولوجيا الخ ..؟ المقصود بالنصوص والكتب المقدس هي التوراة والإنجيل والقرآن، وهناك تسمية أخرى هي العهدين القديم والجديد بالنسبة للأول والثاني والقرآن، التي يفترض أن لها مصدر واحد هو الله الخالق في السماء. التوراة أو العهد القديم يعرف في الغرب تحت إسم La Bible وهو مأخوذ عن اللغة الإغريقية القديمة BIBLIA التي تعني " الكتب" بالجمع وليس " الكتاب" وبالتالي فإن ال " La Bible " هو تجميع لعدد من المؤلفات صاغها وكتبها عدد من المؤلفين المجهولي الهوية، يعتقد أنهم من حاخامات اليهود الذين كانوا موجودين في بابل القديمة بعد السبي اليهودي ونقل اليهود إلى بابل، وإن تلك المؤلفات كتبت في حقب زمنية مختلفة ومن بينها كتب في التاريخ وفي الشعر وفي الرواية وكتب في الفلسفة والتأملات الصوفية، وتجدر الإشارة إلى أن أياً من تلك الكتب لم يصل إلينا بنصه الأصلي كمسودة ولم يعثر عليه من قبل أي شخص ولم تصل إلينا تلك النصوص كما كتبت في الأصل. وما يميزها عن غيرها من المؤلفات هي إدعاء الفقهاء ورجال الدين والمؤسسات الدينية اليهو – مسيحية – الإسلامية، أنها دونت بوحي مباشر وبإلهام مباشر من الله. وبالتالي فهي ليست مؤلفات عادية بل هي كتب مقدسة إلهية المصدر.

لا يمكننا وصف تلك النصوص السردية بأنها مقدسة أو مدنسة، لاهوتية أو ناسوتية، بل يمكننا فقط وصفها بأنها، إما حقيقية أو مزيفة، صحيحة أو خاطئة، ويمكن التحقق من صحتها إذا ما تمكن العلم من تأكيد حقيقة ما روته حوادث بأنها حدثت بالفعل في سياق التاريخ البشري وبالتالي هي ليست خرافات أو أساطير، وإذا تبين أنها لا تتطابق مع الحقائق التاريخية فهذا يعني أن مصدرها ليس ربانياً أو إلهياً أي هي ليست كلام الله لأن الله لا يخطيء وفق منطق الأديان ذاته. ولقد أجريت تنقيبات أثرية في مدينة أريحا القديمة في فلسطين ومدينة أور في العراق للتأكد من صحة ما ورد في التوراة بشأن هذين الموقعين وكانت النتائج الأولية سلبية ومخيبة لآمال الثيولوجيين وعدم مطابقته للنصوص التوراتية التي تحدثت عن احتلال يشوع Josué للأولى ومغادرة أبراهام " إبراهيم " للثانية، وهل حقاً أن الله اختار من بين شعوب الأرض العبرانيين باعتبارهم شعب الله المختار وكشف لهم كيف أنه صنع أو خلق الكون والأرض والسموات والبشر من خلال قصة آدم وحواء والشيطان والملائكة الخ.. وإنه كلف بني البشر بمهمة مقدسة هي خلافته على الأرض ونشر رسالته الدينية بين كافة الشعوب الأخرى. وهل حقاً اختار الله أشخاصاً بعينهم وفق ما ورد في الكتب المقدسة المنزلة من الله، وزودهم بحقائق قاطعة وقوى وإمكانيات هائلة جعلت بعضهم يجترح المعجزات، وينصبهم رسلاً ووكلاء عنه ويمنحهم حق الحكم بإسم الله على البشر؟. لقد أثبت البحث العلمي أن هناك العديد من الملوك السومريين حولهم كتبة التوراة إلى أنبياء توراتيين مرسلين من الله كما جاء في كتاب الباحث الكبير الدكتور خزعل الماجدي المعنون " أنبياء سومريون: كيف تحول عشرة ملوك سومريين إلى عشرة أنبياء توراتيين؟ ".

جاء في التوراة " في البدء خلق " الإلوهيم ELoHYM" الله" السموات والأرض " في أول جملة في كتاب العهد القديم أو التوراة La Bible في سفر التكوين Genèse، وهذه الكلمة الأخيرة مأخوذة من الكلمة الإغريقية GENESIS التي تعني " ولادة " و " جيل"، ولقد اختارها المترجم الإغريقي للنص الديني التوراتي باعتبارها تصف أصل العالم.لا أحد يعرف شيئاً عن هذا المترجم وكل ما نعرفه أنه عاش في القرن الثالث قبل الميلاد وكرس نفسه لترجمة كتب اليهود المقدسة إلى اللغة الإغريقية بطلب من ملك ينتمي للسلالة الإغريقية التي كانت تحكم في مصر آنذاك. ولم يتورع في الخيانة والخروج على النص أو الأصل العبري الذي وردت فيه كلمة برشيت BRECHYT العبرية وهي مكونة من الضمير ب B ويعني " في " وكلمة رشيت RECHYT وهي تحريف لكلمة RECH والتي تعني "رأس" وبالتالي يمكننا أن نستنتج أن الكلمة العبرية تقصد في الرأس أو في المقدمة أو في البدء، ويقابلها في اللغة المصرية القديمة الهيروغليفية M HAT ومن خلال الرموز الهيروغليفية رسم أو صورة بومة وصورة أو رسم للنصف الأمامي لأسد جالس وقدميه ممدتين إلى الأمام مستلقياً على بطنه ويقابل البومة حرف م M الذي يعني " في " ونصف جسد الأسد يقابله لفظ HAT الذي يعني " أمام أو قبل وفي البداية والبدء أو في المقدمة" الخ.. من المرادفات، أما الذراعين الأماميين الممتدتين فيقابلها لفظ أو صوت A وصورة أو رسم نصف الدارة نحو الأسفل التي تمثل لفظة أو صوت ت T . والحال أن العديد من الملوك المصريين من السلالة 12 XII الذي حكموا مصر في بداية الألفية الثانية قبل الميلاد يحملون إسم مون م حات AMeN-M HAT أي" آمون في البدء أو آمون كان البداية". والكل يتذكر إسم توت عنخ آمون وهي تسميات تثبت، قبل مرحلة ظهور موسى ببضعة عقود، أن عقيدة التوحيد كانت معروفة وخرجت من العقيدة الشركية التعددية المصرية القديمة أي أن التوحيد ذو منشأ مصري وليس عبري عندما فرض الفرعون آخناتون عبادة إله الشمس وحده عكس الإدعاء العبري أن البشر بدأوا موحدين يعبدون إلهاً واحداً هو الله monothéisme ثم انحطت العقيدة تدريجاً وتبعثرت وتحولت إلى الشرك polythéisme، وهذا ما ثبت من دراسة الحضارات القديمة التي لم تترك مكاناً مميزاً للفكر التوحيدي وللعقيدة التوحيدية لا المحلية ولا العالمية الشاملة. ﺍﻟﻠﻐﺎﺕ ﺍﻷﻭﺭوﺑﻴﺔ ﺗﺤﻔﻞ ﺑﺪﺭﺍﺳﺎﺕ ﺗﻌﺎﻟﺞ تاريخ الأديان نشأة وكياناً ﻭﻓﻠﺴﻔﺔ، ﻗﺎﺋﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﻨﻬﺞ ﻧﻘﺪﻱ .ﺇﺫ ﺻﺪﺭﺕ ﻛﺘﺎﺑﺎﺕ ﻭﺑﺤﻮﺙ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺗﺘﻨﺎﻭﻝ ذلك الشأن بدءاً ﻣﻦ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟﺜﺎﻣﻦ ﻋﺸﺮ ﻭﻟﻢ ﺗﺘﻮﻗﻒ، ﻭﺑﻌﻀﻬﺎ ﻛﺘب من ﻗﺒﻞ ﻛﺒﺎﺭ الكتاب المؤمنين ﺑﻌﻘﺎﺋﺪﻫﻢ ﻭﺃﺩﻳﺎﻧﻬﻢ ﻛﻤﺎ ﻓﻌﻞ ﺟﻮﻥ ﺩﻭﻟﻴﻤﻮ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺗﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﺠﻨﺔ Histoire du Paradis ﻓﻲ ﻋﺎﻡ 1992 "ﻭﺟﻮﻥ ﺑﻮﺗﻴﺮﻭ ﻓﻲ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﻭﻻﺩﺓ ﷲ   Naissance de Dieu الصادر سنة 1982ﺣﻴﺚ ﺗﻨﺎﻭﻝ ﻓﻴﻪ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩﻳﺔ   ﻭﺍﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺒﺎﺑﻠﻴﺔ كما ذكر ذلك في مقدمة كتابه الباحث الدكتور فالح مهدي المعنون "البحث عن جذور الإله الواحد" والذي أضاف " ﻟﻠﺘﻌﺒﻴﺮ ﻋﻦ ﺍﻹﻫﺘﻤﺎﻡ ﺑﺎﻟﻌﻠﻮﻡ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﺓ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﺤﺚ، ﺇﻗﺘﻀﻰ ﺍﻟﺨﻮﺽ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻼﻗﺔ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩﻳﺔ ﺑﺈﻋﺘﺒﺎﺭﻫﺎ ﺍﻟﻌﻤﻮﺩ ﺍﻟﻔﻘﺮﻱ ﻟﻜﻞ ﺍﻟﺘﻮﺣﻴﺪ، ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﺒﺎﺑﻠﻴﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻀﻢ ﺍﻟﻤﻨﺘﺞ ﺍﻟﺜﻘﺎﻓﻲ ﻟﺤﻀﺎﺭﺓ ﻭﺍﺩﻱ الرافدين. ( ﻧﺴﺒﺔ ﺍﻟﻰ ﻭﺍﺩﻱ ﺍﻟﺮﺍﻓﺪﻳﻦ ﺃﻱ ﺍﻟﺴﻮﻣﺮﻳﻴﻦ، ﺍﻷﻛﺪﻳﻴﻦ ﻭﺍﻷﺷﻮﺭﻳﻴﻦ (ﺃﺻﺒﺢ ﻣﻦ ﺍﻟﻴﻘﻴﻦ ﺍﻵﻥ ﻣﻦ ﺃﻥ ﺍﻟﻌﻬﺪ ﺍﻟﻘﺪﻳﻢ ﻗﺪ ﺗﺄﺛﺮ ﺑﺎﻟﺜﻘﺎﻓﺔ ﺍﻟﺪﻳﻨﻴﺔ ﺍﻟﺒﺎﺑﻠﻴﺔ ﻋﻠﻰ ﻧﺤﻮ ﻁﺎﻍ .

التوحيديون يقولون " كان هناك الله" والمشركون يقولون " كانت هناك آلهة " والماديون يقولون " كانت هناك المادة" قبل بدء الوجود. أما العلماء فلا يجيبون بهذه الطريقة لأن تجاربهم وأبحاثهم محدودة بالزمن وبالتطورات العلمية والتكنولوجية ونتائج التجارب المختبرة والمشاهدات الرصدية لأن أي رد قاطع من قبل العلماء يعني الخروج من نطاق العلم الدخول في حقل الفلسفة لذلك تتنوع الإجابات وفق القناعات الشخصية والمفاهيم والمدركات الشخصية لكل عالم فهناك من بينهم ربانيون أو إلهيون أو ماديون، مؤمنون أو ملاحدة وهناك اللا أدريون وهناك من يرفض أصلاً الخوض في هذا الموضوع الشائك وكان هذا هو حال العالم الفيزيائي الشهير ألبرت آينشتين عندما سأله حاخام يهودي سؤال استفزازي : هل تؤمن بوجود الله؟ رد آينشتين إنني أؤمن بإله سبينوزا، ذلك الذي يعبر عن ذاته في أعلى درجات التناغم في الوجود، وليس الإله الذي يشغل نفسه بمصائر وأعمال الكائنات البشرية فلا يمكنني أن أتصور الله على صورة ذلك الكائن الذي يجزي ويعاقب مخلوقاته ويفرض العقاب والثواب على البشر ويرسم أهدافه وغاياته على ضوء أهداف وغايات البشر، فالله هنا باختصار ما هو إلا إنعكاس لضعف وهشاشة الإنسان . وإذا كان هناك أمر في أعماقي يمكن أن أطلق عليه مشاعر دينية فإنه يتمثل بالإعجاب اللامتناهي وغير المحدود بهندسة الكون ".

هنالك شبه توافق واتفاق جماعي تقريباً بين العلماء على فكرة أن هناك دائماً شيئاً ما موجود إلى جانب فكرة الأزلية والأبدية. كما أنهم توصلوا إلى قانون " التطور" وإن كل شيء يتغير أو في حالة تغيير وتطور دائم ولا شيء يبقى على حاله إلى أبد الآبدين. فالكون اليوم يختلف عما كان عليه بالأمس أي قبل مليارات السنين ولن يبقى على حاله في الغد أي بعد مليارات السنين. إن ما يعطينا الشعور بالاستقرار والركود هو بطء عملية التطور التي تحدث على مدى مليارات من السنوات . وإن كل ما يوجد في الطبيعة إن هو إلا تجمعات وتركيبات لجسيمات أولية غاية في الصغر، أي البروتونات والإلكترونات والفوتونات وما تحتها من الكواركات غير المرئية والأوتار التي تنتج الجسيمات الأولية من خلال تردداتها وذبذباتها المختلفة والمتنوعة كما تقول نظرية الأوتار الفائقة.

إن موضوع الله والكون موضوعاً حساساً ومسألة عويصة من الناحية الدينية والفلسفية والعلمية لأنها قابلة لمختلف الاجتهادات والتأويلات خاصة عندما يتعامل الباحث ومعه القارئ مع كتب ونصوص مقدسة لا يسمح عادة بمناقشتها أو الطعن في مصداقيتها. فهناك إشكالية تتمثل في عدم العثور على أية براهين عن حقيقة حدوث الوقائع والقصص والحكايات التي وردت في العهد القديم واستنسخها القرآن فيما بعد بطريقته الخاصة وبأسلوبه الفريد المعتمد على السجع النثري . والباحثون المعاصرون يستندون في استنتاجاتهم على ما قدمه علماء الآثار في فلسطين القديمة وعلى وثائق رافدينية وفرعونية قديمة أيضاً. إلى جانب أبحاث لمفكرين وباحثين معاصرين ومتخصصين من المستشرقين ومن بينهم الخبير بالحضارات الرافدينية الفرنسي بوتيرو الذي يكشف في كتابه المشار إليه أعلاه " ولادة الله" عن العلاقة بين اليهودية والثقافة البابلية التي أثرت بالفكر اليهودي والكتابات اليهودية ومنها بالطبع التوراة، لأن هذه العلاقة هي العمود الفقري لكل فكرة التوحيد كما يقول الدكتور فالح مهدي. لقد بات معروفاً أن حضارة وادي الرافدين ، أي السومريين والأكديين والآشوريين، احتوت على الكثير من النصوص التي تحدثت عن فكرة التوحيد والإله الواحد قبل التوراة والإنجيل والقرآن، كما ثبت أن أصل قصة الطوفان والنبي نوح في الكتب السماوية هي أسطورة رافدينية كتبت قبل 1500 عام من ظهور العهد القديم وهي ملحمة جلجامش والتي أخذها اليهود المقيمين في بابل بعد السبي اليهودي على يد نبوخذنصر حيث تم تقديم الدليل القاطع على سرقة اليهود للإرث البابلي وادعوا أنه منزل من الله على نبيهم . فهناك فرق بين الإله الذي صنعته الآيديولوجية الدينية وبين الإله الكوني. أي ذلك الذي يعرفه آينشتين واستمد ماهيته وتعريفه من سبينوزا وهو الذي يجسد أعلى تناغم في الوجود وليس الإله الذي يشغل نفسه بمصائر الكائنات البشرية ويتدخل بكل صغيرة وكبيرة عندهم، ويجزي أو يعاقب مخلوقاته ويغضب عليهم ويهددهم ويرغمهم على عبادته، فإله الأديان محدود ومختزل بينما إله الأكوان كامل ولا محدود ولامتناهي، ولقد تناولت هذه المسألة باستفاضة في كتابي " إله الأديان وإله الأكوان" الذي سيصدر قريباً عن دار مزيوبوتاميا. وفي المقابل هناك من علماء الكونيات والفيزياء النظرية ممن لا يعتقدون حتى بوجود إله مثل العالم البريطاني ستيفن هوكينغ الذي عرض نظريته ورأيه في كتاب شهير صدر قبل بضعة أعوام باللغة الانجليزية تحت عنوان " التصميم العظيم" وترجمته بالفرنسية كانت" هل هناك مهندس عظيم لهذا الكون؟" حيث وضعنا هوكينغ أمام مشكلة فلسفية عويصة، فإذا كان الكون قد خلق بفعل الصدفة فمن خلق الصدفة؟ ويقودنا هوكينغ بمهارة عجيبة إلى مسألة نزوع الإنسان لمعرفة سبب وجوده وما إذا كان بمحض الصدفة أم أن هناك خالق له وللأرض التي يعيش فوقها والتي خلقت من أجله ومن أجل سعادته كما تقول الكتب السماوية. يقف المرء مبهوراً أمام قدرة الدين، أي دين، في تحريك الملايين من الناس حتى في الدول العلمانية المتقدمة والمتطورة فما بالك بالدول النامية أو المحكومة بالفكر الديني والعقل الخرافي؟ وبالتالي فإن الدين ما هو إلا علاقة مع الكائن العلوي، ورغم ذلك بقي الدين عصياً على التعريف بسبب تنوع الثقافات . قبل عشرة أعوام تقريباً من وفاة عالم الفيزياء الفذ البريطاني ستيفن هوكينغ Stephen Hawking نشر هذا الأخير كتابه الذائع الصيت "The Grand Design التصميم العظيم" ومنذ صدوره أحدث الكتاب ضجة في الأوساط العلمية والدينية والجماهيرية، لأنه تناول مسألة الكون والله وقال بالحرف الواحد أن الكون ليس بحاجة إلى إله خالق لكي يوجد. كانت الصراعات الدينية متأججة وفي أوجها، تشعل الشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا وآسيا الوسطى. كان هناك طائفة دينية متشددة ومتعصبة بجنون تهدد بحرق القرآن مما حث قادة العالم وزعمائه السياسيين للرد على ذلك الخطر الكامن ووقف تداعيات مثل هذا الفعل الشنيع خوفاً من انعكاساته التراجيدية وتطور إلى حروب دينية بين الأديان السماوية الثلاثة تحرق الأخضر واليابس، لكن هذا لم يمنع من اندلاع سجال واسع في الصحف والقنوات التلفزيونية ومواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة للحديث عن كتاب فيزيائي نشره عالم طبقت شهرته الآفاق، وتناولت وسائل الإعلام بعناوين بارزة ومستفزة مأخوذة من الكتاب ذلك الحدث مثل :" لم يخلق الله الكون" وإن " الانفجار العظيم ماهو إلا نتيجة حتمية وطبيعية للقوانين الفيزيائية" كما قال ستيفن هوكينغ في كتابه هذا. لقد استعدى هذا العالم ضده أسقف كانتيربري في بريطانيا وزعيم الحاخاميين في المملكة المتحدة ورئيس لجنة الحوار بين الأديان في المجلس الإسلامي في بريطانيا، الذين وحدوا كلمتهم وجهودهم لمواجهة هذا الانحراف والدعوة إلى إلغاء الله من التفكير البشري وهذه الانعطافة المعادية لله حسب تعبيرهم والتي يقودها ستيفن هوكينغ ورسخها في كتابه المشار إليه أعلاه. عرف عن ستيفن هوكينغ كيف يجد الجمل والعبارة المختصرة وذات الدلالة العميقة والتي تضفي على كتبه وأبحاثه مسحة تفوق ما تتميز به النصوص المقدسة. ففي كتابه الشهير " موجز تاريخ للزمن الصادر سنة 1988 وردت فيه عبارة رسخت في الأذهان تقول:" إذا اكتشفنا النظرية الكاملة والشاملة عن الكون فسيكون ذلك بمثابة انتصار مطلق للعقل البشري عند ذلك سوف نتعرف على حقيقة تفكير الله . وفي كتابه التصميم العظيم Le grand Dessein قام بتركيبة أو خلطة مبسطة لمجمل النظريات العلمية الكوسمولوجية الكونية وللنظريات الفيزيائية المعاصرة وقدمها بلغة مبسطة ومفهومة من قبل القاريء البسيط واختتم استنتاجه أنه يقد لا تكون هناك حاجة أو فائدة ترجى من معرفة تفكير الله يكفينا أن نعرف العلم وقوانينه لنصل إلى الحقيقة ونمتلك الإجابة عن أي تساؤل يطرح. فالنظريات والاكتشافات والتجارب والمشاهدات والانجازات التكنولوجية التي تحققت بعد عام 1988 ونجحت في أن تزيح " الله " عن عرش التفكير البشري. ولقد استعرض ستيفن هوكينغ في كتابه هذا، خطوة بعد خطوة، أسس الفيزياء المعاصرة وصاغ أمل البشر في قهر الجهل والخرافة وخوض معارك معادية للأديان وللمؤسسات الدينية التي تستغل الجهل والخرافة وتسخر النصوص الدينية لإخضاع الناس بوسائل الترهيب والترغيب، على مر القرون.

وكعادة الكتب العلمية المبسطة، يبدأ كتاب ستيفن هوكينغ بعرض أسس وقواعد النظرية النسبية لآينشتين la relativité ونظرية الكموم أو الكوانتوم la théorie quantique. فالأولى تعلمنا ألا نصف العالم المحيط بنا وفقاً لمرجعياتنا الذهنية والأخلاقية والتربوية التي يغلب عليها الطابع الديني والعقل الخرافي. فعند تقريب المغناطيس من علبة، تتولد جراء ذلك شحنة كهربائية داخل العلبة سواء كنا على جانب العلبة أو المغناطيس، فوجهة النظر لا يجب أن تؤثر على كيفية شرحنا لما يحدث فليس في ذلك أية خدعة أو سحر وإنما هو قانون علمي صرف. وكذلك ما يتعلق بفكرة آينشتين أنه لا يوجد شيء يمكنه اللحاق بسرعة الضوء أو تجاوزها فمن المستحيل بلوغ سرعة الضوء وهي 300000 كلم/ثانية، وهي المسلمة التي قادتنا لتحقيق العديد من الاكتشافات المذهلة. وأمام دهشة الجميع، علماء وفيزيائيين وفنانين وشعراء وجمهور واسع من الناس، اتضح أن المدة الزمنية la durée، والطول la longueur والتزامن الآني la simultanéité في الأحداث، تعتمد كلها على الحركة. ليس فقط الحركة الثابتة بل والمتسارعة أيضاً كما تقول النسبية العامة، وأخذ آينشتين في الاعتبار الجانب " الهندسي la géométrie" للكون برمته، أي محاولة صياغة النموذج الكوني الكوسمولوجي، والظواهر الكونية الغامضة الأخرى كالثقوب السوداء.

لقد هزت النسبية قواعد العالم الكلاسيكي أما الميكانيك الكمومي أو الكوانتي فقد زعزع أركانه. فالنموذج الفيزيائي في فيزياء الجسيمات واللامتناهي في الصغر، وهي الحقل الذي يدور فيه عالم الكموم أو الكوانتوم، وانطلاقاً من قوانين ومعادلات الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، قدم لنا نيلز بور Niels Bohr و فيرنر هيزنبيرغ Werner Heisenberg و إروين شرودينغر Erwin Schrödinger نموذجاً فيزيائياً في سنوات العشرينات من القرن المنصرم، يقوم على إزدواجية طبيعة الجسيم الأولي، حيث تسلك الإلكترونات، تارة كموجات، وتارة أخرى كجسيمات أولية حبيبية. واستدعى الأمر التخلي عن مبدأ السببية الجامد، ولقد حاول علماء آخرون بعد الحرب العالمية الثانية كريشارد فاينمان Richard Feynman وزملائه الجمع بين النسبية والميكانيك الكمومي أو الكوانتي ولم ينجح أي منهم في مسعاه لغاية اليوم. وكانت نتيجة ما أفضت إليه محاولات فاينمان أي المحتويات النسبية والكمومية أو الكوانتية للحقول الكهربائية ظهور أحد نماذج الفيزياء النظرية . فأختزل الحقل الكهربائي إلى مجرد تبادل للفوتونات . وحسب فاينمان فإن تفسير أي حدث، أو أية صيغة للحدث ممكنة الحدوث يجب أخذها في الحسبان ومن ثم يجب جمع تلك القصص أو الأحداث الممكنة الحدوث . كيف تتفاعل الإلكترونات فيما بينها؟ يجيب فاينمان أن بوسع الفوتون أن يرحل أو ينتقل من إلكترون إلى آخر أو يمكنه أن يتحول إلى طريق آخر من خلال تغيره إلى زوج من الجسيمات يمكنها أن تعود لتصبح فوتوناً وإنهاء رحلته . إن هذه العملية هي الأكثر تعقيداً، ويمكنها أن تنتج في طريق رحلة الانتقال للفوتون وهي تحدث بالفعل . وكما يقول علماء الفيزياء : كل ما هو غير ممنوع يكون إجباري الحدوث. وهذا ما ركز عليه ستيفن هوكينغ في كتابه المذكور وتطوير هذه الفلسفة القائلة " بأن كل ما يمكنه أن يحدث سوف يحدث بالفعل ".

قاومت الجاذبية كل محاولات الدمج مع النظرية الكمومية أو الكوانتية لحقول أو مجالات القوة champs de force، ولكن في سنوات الثمانينات فرضت نظرية جديدة نفسها ألا وهي نظرية الأوتار la théorie des cordes.

الفكرة الأساسية للنظرية تقول بأن المكونات الأولية الجوهرية للعالم وحجر الأساس للمكون الأولي للكون المرئي أو المنظور، ليست نماذج من انفجارات مصغرة بل قطعة من المادة أحادية البعد، نوع من الخيوط أو الحبال cordelettes الخاضعة لتوتر أو شد كبير وشديد وهائل. ومن شأن هذه الشبكة من الخيوط أو الحبال أن تتذبذب بطرق مختلفة على غرار وتر آلة الكمان الموسيقية، وإن مختلف النوتات تتوافق مع مختلف أنواع الطاقات. ومن ثم تعلمنا أشهر معادلة فيزيائية وضعها آينشتين عن العلاقة بين الكتلة والطاقة وسرعة الضوء وهي E = mc2 أي إن الطاقة تساوي الكتلة مضروبة بمربع سرعة الضوء ومن خلالها نتعرف على مختلف أنواع الترددات والذبذبات التي تقوم بها الأوتار الأولية ذات الكتل المختلفة.

في سنوات الثمانينات من القرن الماضي القرن العشرين، بزغ أمل في أن يحل نوع من الحبال أو الأوتار محل عدد من الجسيمات الأولية المختلفة، وبدت للعلماء إمكانية لتوحيد النظريات الفيزيائية في نظرية واحدة شاملة وموحدة وكان الحلم يتمثل في أن الإتساق الذاتي الرياضياتي mathématique l’auto-consistance لا يدع أي بديل آخر سوى نظرية واحدة هي الصحيحة والتي أعطيت تسمية النظرية م «Théorie M» ومعها ستنتهي مهمة الفيزياء المعاصرة في البحث عن حقيقة العالم والوجود. لكن تعقيد الواقع والثغرات الكبيرة في النظريات الفيزيائية القائمة وعدم توافقها مع استمرار التناقضات والمفارقات والألغاز الغامضة، حال دون التوصل إلى تلك النظرية المنشودة. وتوصل علماء الفيزياء إلى أن نظرية الأوتار الفائقة بإمكانها طرح العديد من الحلول أكثر مما كان متوقعاً منها وتمتلك الكثير من التوقعات والتنبؤات القابلة للبرهنة التجريبية وهي حلول على مدى مفتوح قد يصل احتمالها إلى نسبة 10500 وربما إلى عدد لانهائي من الحلول، وكل حل يعطي صورة مختلفة عن الجسيمات الأولية وعن القوانين المقبولة. وأمام هذا الأفق اللامحدود والمفتوح على اللانهاية، فقد بعض علماء نظرية الأوتار الأمل بينما حاول آخرون المثابرة وإعادة التفكير في وضع النظرية ومعادلاتها الرياضياتية بغية الوصول إلى الهدف المنشود ألا وهو النظرية الموحدة والوحيدة théorie unique. وشحذ آخرون سكاكينهم للطعن في جدية ومصداقية زملائهم ودعوا إلى التخلي عن هذه النظرية وترك القوانين تأخذ مجراها الطبيعي لكي تظل على ما هي عليه الآن وببساطة وبلا تعقيد . من تداعيات وتبعات هذه النظرية الأنيقة والمعقدة أطروحة تعدد الأكوان «multivers» ومن بين العلماء الذي مالوا إلى هذه الأطروحة الراحل الفذ ستيفن هوكينغ. وهي الفكرة القائلة بوجود عدة أكوان وعلى أشكال مختلفة فهي، متداخلة ومتوازية ومتعاقبة دورياً ومتفاعلة فيما بينها على نطاق اللامتناهي في الكبر، ولكل كون منها قوانينه الخاصة وثوابته الخاصة ومكوناته الخاصة ويجدون في هذه الأطروحة امتداد لرؤية ريتشارد فاينمان Feynman التي تقول أن كل الصيغ الممكنة الحدوث أخذت في الاعتبار وقد حدثت بالفعل ولكن ليس فقط لوصف الإمكانيات المتعددة التي يوفرها الفوتون تجاه الإلكترون A أ وما يقدمه هذا إلى الإلكترون ب B، بل لوصف وتفسير قصة الكون المرئي برمته ومعه جميع قوانينه، كما أوضح ذلك ستفين هوكينغ في كتابه " التصميم العظيم " أو هل يوجد مهندس معماري للكون؟ ويجيب على ذلك بأن الكون المرئي ظهر على نحو عفوي ويتكرر ظهوره بكل طريقة ممكنة متوفرة أمامه وإن أغلب تلك الأصول الممكنة البديلة تتناسب وتتوافق مع صفات وخصال ومزايا وخصائص أكوان أخرى غير كوننا المرئي فهي نسخ عنه بمواصفات مختلفة وبعضها يشبه كوننا في بعض خصاله والأغلبية تختلف عنه كلياً .

كيف قيض لنا أن نتواجد في كون تجعل قوانينه الذرية المادة والحياة قابلتين للوجود وكيف نفسر ذلك؟ فلو كانت الشحنات الكهربائية المتباينة والمتناقضة بين البروتونات والإلكترونات ليست متساوية ومتعارضة لما كنا هنا موجودون نناقش موضوع وجودنا وحياتنا وكوننا الذي نعيش فيه،فهل مرجع ذلك هو تنظيم إعجازي دقيق أم نتيجة لتدخل إلهي ؟ يرد هوكينغ، ليس في الأمر معجزة، كما لا توجد معجزة إلهية في أن يتواجد كوكبنا الأرض، خلافاً لباقي كواكب المجموعة الشمسية في نظامنا الشمسي، في المنطقة المثالية المطلوبة لتوفر الحياة وتوفر المياه في حالة السيولة ودرجات الحرارة المعتدلة فهذه الحالة موجودة بكثرة وبعدد مهول في الكون المرئي وتمتاز بها كواكب كثيرة في مجرتنا درب التبانة وفي باقي مجرات الكون المرئي. ولقد توصل العلماء المنضوين تحت مظلة أطروحة تعدد الأكوان إلى تفسير إختلاف الأصول للأكوان المتعددة، بما فيها كوننا المرئي، وعزوه إلى إختلاف التخلخلات والتقلبات الكمومية أو الكوانتية les fluctuations quantiques، فيمكن لكون مختلف أن ينشأ، على نحو لانهائي، بمجرد اختلاف فوتون واحد يتحول إلى زوجين من الجسيمات الأولية المتناقضة مثل الإلكترون ونقيضه البوزيترون une paire électron-positron قبل أن يعثر على شكله الأصلي القديم أي الفوتون.فالشرارة الأصلية تنقدح وتحدث فقط لأن الميكانيك الكمومي أو الكوانتي يخبرنا بوجود عدد لانهائي من الاحتمالات التي تؤدي إلى ظهور عدد لا نهائي من الأكوان . وبوسع الفيزياء المعاصرة أن تشرح، ليس فقط كيف يعمل الكون المرئي، بل وكذلك توضيح سبب وجوده وبدون أية مساعدة ربانية أو إلهية فقط بموجب قوانين ومعطيات الفيزياء الكمومية أو الكوانتية مع ما يلزمها من فيزياء الجسيمات الأولية وما توفره نظرية الأوتار الفائقة من معطيات رياضياتية .

الأديان وتعدد الأكوان:

هناك شعوب لديها تجارب عميقة ومتنوعة وثرية مع الأديان كالصين حيث تعايشت البوذية مع التاوية مع حضور الكونفوشيوسية والإسلام والمسيحية بكافة طوائفهما ومدارسهما الفقهية، ونفس الشيء في الهند وانتشار الثقافة الهندوسية وتعاملها مع تعدد الآلهة حيث يوجد في الهند 33 مليون إله، مع وجود الديانات والثقافات المسيحية والإسلامية والبوذية واليهودية، فالسائد هناك هو وحدة الوجود الصوفية، فكل شيء هو الله ونحن جزءاً منه، فالله المطلق ليس منفصلاً عن العالم والوجود بل هو مكون من كل شيء موجود في هذا الوجود. والبوذية لا تعترف بوجود إله لكنها تستند إلى مفاهيم ومبادئ المستنير بوذا، فالبوذية لا تدعو لعبادة الإله الواحدة ولا تعارض تعدد الآلهة . أما الإيمان في الثقافات القديمة، فقد نشأ داخل زمان وفضاء معينين وإن تجربة المقدس الفرعونية والرافدينية، السومرية والأكدية، تلقي ضوءاً على ثقافة المكان في هذه البقعة من العالم وتتميز التجربة المصرية الفرعونية عن غيرها في اعتبار الملك الفرعون إله ذو مظهر مهيب. أما في العصر الحديث فقد عد الدين بمثابة حالة اغتراب الإنسان عن ذاته كما يقول فيورباخ أو هو إنجاز متخيل للكائن البشري كما يقول ماركس فيما اعتبر فرويد الدين مجرد تعبير عصابي، مرضي، لذلك اعتبر الدين في اللغة اللاتينية مفهوم يعني التجميع والاستقبال والتوحيد . وهو بالتالي مؤسسة هدفها توجيه التشريف إلى الرب والاحتفاء به، إلى جانب كونه مجموعة من الطقوس والشعائر تهدف إلى تقديم الثناء والتبريك والقرابين إلى سلطة عليا مقدسة، لذا فهو عبارة عن الشعور الداخلي بذلك المقدس مع الإيمان بتلك القداسة، كما يخلص الباحث الدكتور فالح مهدي في كتابه البحث عن جذور الإله الواحد. وهناك تعريف أوضح لماركس للدين غير عبارة الدين أفيون الشعوب، والأصح هو الدين أفيون الشعب بالمفرد، والتي يعني بها أن الإيمان الأعمى الذي ينتفي فيه التفكير والقدر على التمحيص والنقد تؤدي بالمؤمن أن يغفو ويرقد رقدة الموتى عما يحيط به من أهوال ومصائب، ليس هذا فحسب، بل تقوم الأيديولوجية الدينية بترويضه وجعله طيناً وعجيناً يتم التلاعب بوعيه وتوجيهه كيفما ارتأت تلك اليديولوجية، أما تعريفه الأكمل والأوضح فيقول فيه :" الدين هو النظرية العامة لهذا العالم، قيمته الموسوعية، منطقه بشكله الشعبي، نقطة شرفه الروحانية، ولعه وحماسه البالغ، عقوبته الأخلاقية، طمأنينته وتبريراته الكونية، والتي تمثل الإنجاز المتخيل للكائن الإنساني والسبب في ذلك يكمن في أن الإنسان لا يمتلك الواقع الحقيقي" كما جاء في كتاب البحث عن جذور الإله الواحد للدكتور فالح مهدي والذي يعرف الدين بأنه نظام يستند في قيامه على المخيلة والتمثيل، إذ يقوم منذ لحظة ولادته بتقديم تفسير للعالم بل الكون كله ودور الإنسان فيه، باعتبار أن الله أو الآلهة، خلق هو، أو خلقت هي، كل شيء من أجله أو أجلها، أي خلقا " المخيلة"، ويرسما عبر مجموعة المعادلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والطقسية، الطريق الذي يجب عليه أن يسلكه" التمثيل التصوري للإله"، مستندين في ذلك إلى مؤسسات أيديولوجية تقوم بخلقها وتطويرها". لذلك لا نجد هناك عقيدة بدون طقوس ولا يمكنها أن تستقيم وتستمر بدون تلك الشعائر والطقوس. من هنا يعود الباحث إلى نظريته الأثيرة عن المكان ودوره، ويربطها بمفهوم الدين ويقول أن الدين هو تفسير، بل ترجمة متخيلة للنظام الكوني أوجده الحيز الدائري، حيث ساعد هذا الحيز الدائري على وجود نظام العقائد بكل أشكالها، وعبر ثقافة المكان نشأ وترعرع الدين وأصبحت له اليد الطولى في كل ما يمت إلى الإنسان بصلة. ودليله على ذلك أن " الحيز الأفقي" الذي تعيشه الإنسانية في الزمن الحاضر، أفقد الدين الكثير من بريقه، حيث استطاع الإنسان المعاصر، بفضل التركيبات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية القائمة، والتطور العلمي وسيادة الثقافة الحرة، أن يجيب على الأسئلة الوجودية والجوهرية التي تقلقه وتتعلق بوجوده ومصيره ونظام حياته دون الحاجة إلى اللجوء للمعبد والمسجد والكنيسة أو الرجوع للمؤسسات الدينية. أما تولستوي فيقول أن الدين الحقيقي هو ذلك الذي يقيم علاقة ما بين العقل والمعرفة الإنسانية، ما يعني إلغاء دور المؤسسات الدينية، مثلما كان يعلم الفيلسوف والمفكر الفرنسي الشهير فولتير. فلكل دين عقيدة جامعة ووظائف تعمل على رسم وتوجيه حياة المؤمن وتحدد له ماهو ممنوع وماهو مسموح، أو الحلال والحرام بالمفهوم الإسلامي. ويطرح تعريف مكمل للدين بأنه مجموعة من المباديء والإرشادات الأخلاقية والسلوكية التي تتحكم بالإنسان من خلال الطقوس والشعائر التي يتم تدوينها وتوجيهها، مؤطرة بنقطتين جوهريتين هما الإيمان بمفهوم الخالق العلوي الأعلى الموجد لكل شيء، والذي يأخذ عدة صور وأسماء كيهوه بالنسبة لليهود والله بالنسبة للمسلمين وبراهما بالنسبة للهندوس الخ ... وهو مفهوم جوهري موجود في أغلب الديانات حتى في الديانات القديمة فإنليل هو الخالق عند السومريين والذي يتحول إلى مردوخ عند البابليين، بل وحتى عند الأقوام البدائية كما يقول عالم الأديان ميرسيا إلياد. وفي كل الأديان هناك أولاً وقبل كل شيء يتوجب قبول مبدأ " الطاعة" والتسليم بالأوامر والتوجيهات المباشرة وغير المباشرة التي تصدرها المؤسسات الدينية بإسم الخالق وهي بطبيعتها ذات طابع أيديولوجي قسري وقمعي يأخذ طابع القدسية، ولقد أشار سبينوزا إلى ذلك في كتابه " رسالة في اللاهوت والسياسة " حيث أكد على مفهوم الطاعة باعتباره ركيزة جوهرية في قيام الإيمان.

وبعد الطاعة يأتي مفهوم أو مبدأ " الإيمان" الذي ينطوي على التصديق والثقة بالأشياء التي نأمل بها واليقين بأشياء لم نرها كما هو واضح في العقيدة المسيحية . والإيمان هو الثقة العميقة بمعتقد من المعتقدات لا سيما الأمر الروحاني الذي لا يمكن التأكد منه مادياً وينبغي تقبله وأن يكون المرء المؤمن على يقين من وجوده وصدقيته حتى لو لم يره أو يثبت لديه وجوده. هناك أسباب عديدة للتوحيد وانتقال الإنسان من تعدد الآلهة إلى إله واحد متعال لا تدركه الأبصار، فاطر السماوات والأرض، العالم القدير الخالق الخ.. حسبما أوردته صيغ القداسة الإسلامية كما في غيرها من الأديان السماوية؟ لماذا ظهرت الأديان التوحيدية في منطقة محددة واحدة هي الشرق الأوسط؟...وفي هذا المجال تجدر الإشارة إلى كتاب المحلل النفسي الشهير سيغموند فرويد " موسى والتوحيد" والذي عرض فيه أطروحة غريبة تقول أن موسى هو أمير مصري خرج من مصر مع أتباعه بعد فشل تجربة الفرعون المجدد والجريء أخناتون الذي فرض عبادة إله الشمس آتون فقط ونبذ باقي الإلهة وهي أول محاولة للتوحيد في العصر الفرعوني. ويتساءل المؤلف {ز فالح مهدي، هل يوجد توحيد قبل العهد القديم؟ ففي الألفية الثالثة قبل الميلاد كان النظام الديني والعقائدي قائماً على مفهوم تعدد الآلهة وتعدد اختصاصاتها لا سيما في الحضارة الرافدينية لكن محرري العهد القديم، أي من صاغوا التوراة والأسفار الخمسة لموسى في حقبة السبي البابلي تأثروا بها إلا أنهم ألغوا فكرة التعدد وتبنوا فكرة التوحيد وعبادة إله واحد خفي لا يرى هو أكبر وأقوى وأكثر عظمة من جميع الآلهة المعروفة آنذاك، وذلك للتغلب على إحباطاتهم النفسية. ولقد نجح كتاب العهد القديم في تأويل وتوظيف النصوص والأساطير والملاحم الرافدينية وعلى ٍرأسها ملحمة جلجامش بما يخدم هدفهم في عبادة الإله الواحد واختلقوا شخصية النبي نوح وعبادته للإله الأعلى الواحد القهار الذي غضب على البشر وقرر إبادتهم من خلال الطوفان وإنقاذه هو وعدد من أفراد عائلته وزوجين من كل الموجودات الحيوانية والنباتية لإعادة إعمار الأرض بالحياة الجديدة المبنية على عبادة الله الواحد وعدم الشرك به. فالرقم الطينية المكتشفة تقول بحدوث طوفان فعلاً وتروي قصته بعيداً عن القداسة الدينية التوراتية إلا أن اليهود عملوا على توظيفها دينياً ورمزياً وأسطورياً من أجل هدف محدد يقول أن مصير المشركين الهلاك ومصير المؤمنين الموحدين النجاة . ففي النص السومري أن الآلهة الشريرة قررت إغراق الأرض للتخلص من الإنسان وشروره وتحدياته للآلهة ومحو أثره من على وجه الأرض، إلا أن الآلهة الخيرة قررت إنقاذ أتونابشتم وزوجته من تلك الكارثة ومنحهما الخلود. وجهت الآلهة الخيرة تابعها المخلص الأمين أوتونابشتم ببناء سفينة أو فلك ضخم ووضع عائلته ومقتنياته وأقاربه وحيواناته الأليفة والبرية داخل الفلك والإبحار نحو يابسة جديدة بعد غرق الأرض التي يعيش فيها. حور كتاب التوراة النص واختزلوا الآلهة بإله واحد واستبدلوا أوتونابتشم بنوح وألغوا فكرة الخلود فالله الواحد هو الوحيد الخالد الذي لا يموت، وبذلك ولدت فكرة التوحيد وعبادة الإله الواحد التي كررته واتبعته الديانات التوحيدية الأخرى، المسيحية والإسلام فهم يعبدون نفس الإله ولكن بصفات وتعريفات وتسميات وسمات متباينة ومتغايرة.

يأخذنا الكاتب الدكتور فالح مهدي في رحلة شيقة في الفصل الثاني من كتابه القيم في قراءة خاصة ومعمقة وتحليلية للتوراة لاسيما الأسفار الخمسة وعلى رأسها سفر التكوين. ويسرد لنا قصة الخلق كما وردت بالنص في التوراة في سفر التكوين في الإصحاح الأول، ومن ثم يقارن النص بالنصوص الرافدينية حول نفس الموضوع، أي ما عرف بقصة الخلق البابلية والتي كتبت بقرون طويلة قبل الأسطورة التوراتية .

بنت الأساطير الرافدينية تصورها لعملية خلق الكون استناداً على العناصر المعروفة مثل العدم والظلام الدامس. وعندما قررت الآلهة خلق الكون أوكلت الأمر إلى مردوخ الذي غدا نتيجة لذلك سيد الآلهة ويقوم بشق تيامات، إلهة المياه الجوفية، إلى نصفين من القسم السفلي يصنع الأرض ومن القسم العلوي يصنع السماء ثم يواصل عملية خلق العناصر الأخرى كالنور والرياح وبناءاً على ذلك جاء خلق الإنسان حسب الأساطير الرافدينية القديمة بمزج الطين بدم أحد الآلهة الذي اقتصر دوره على ذلك فقط إلى آخر الأسطورة... ولم تكن عملية الخلق البابلية سهلة على شاكلة كن فيكون، بل كانت عملية شاقة وخطيرة خاض فيها الإله مردوخ معركة عنيفة سالت فيها دماء كثيرة انتهت بمقتل تيامات التي تمثل الظلام والفوضى وبمقتلها خرج النور إلى الوجود وأقيم النظام بديلاً للفوضى . كلتا العمليتين، الرافدينية والتوراتية لا تتفقان بالطبع مع قصة ظهور الكون المرئي في العلوم الحديثة إذ أن الأمر استغرق مليارات السنين حسب نظرية الانفجار العظيم البغ بانغ. وهناك قصة للطوفان في نص سومري يتحدث عن الآلهة نينتور وأنليا وخلقهما لذوي الرؤوس السوداء، أي السومريين، باعتبارهم الشعب الذي اختارته الآلهة يقابلهما في التوراة شخصان هما آدم ونوح.  

ثم يقوم الباحث الدكتور فالح مهدي بقراءة أنثروبولوجية ل "أدبا أو أدفا" السومري و"آدم" العبري أو التوراتي، فالأول خلقه الإله أيا ليحكم البشر وكان ملكاً على مدينة أريدو والثاني خلقه الله العبري أو التوراتي يهوه ليكون أب البشر كما وردت القصة في العهد القديم وتبنتها المسيحية والإسلام. يركز المؤلف على أوجه التشابه بين المصدرين أو النصين والشخصين لغوياً والتركيز على أهمية المكان وتعرضهما للاختبار وما لديهما من مشتركات سلوكية وصفات مشتركة والنتيجة التي توصل إليها الباحث هي أن قصة آدم عبارة عن مادة مركبة من مجموعة أساطير سابقة لنصها الوارد في العهد القديم . وبعد تقديم هذا العرض الوافي يلج الباحث مرة أخرى ليغوص تحليلياً في علاقة نوح التوراتي والطوفان الرافديني، حيث يأخذنا الدكتور فالح في رحلة ممتعة أخرى في أعماق الماضي الغارق في القدم وهو يحلل قصة الطوفان الرافدينية وطريقة العيش ونظام بناء المساكن والمشاحيف والقوارب التي ماتزال بعض ملامحها موجودة اليوم في أهوار الجنوب العراقي وطرق بناء السفن وهيكيليتها أو شكلها الهندسي وأحجامها والمواد المستخدمة في بنائها، ثم يقوم بالشيء ذاته وهو يشرح كيف رويت أسطورة الطوفان في العهد القديم وتفاصيلها ونوع الفلك الذي صنعه نوح، بغية المقارنة وإثبات الأصل والفرع بينهما حيث ثبت له أن التوراة أو العهد القديم هو الذي سرق نص الأسطورة وفكرتها من النصوص الرافدينية السابقة له. وفي سياق بحثه يركز الدكتور فالح على مسألة مهمة وهي أن قصة النبي موسى كما رويت في العهد القديم تشبه بحذافيرها قصة سرجون الأكدي التي تسبقها بقرون وكيف أن والدته وضعته في قفة من القصب مقيرة ورمته في الماء حيث حمله النهر إلى سقاء الماء الذي رباه كأنه إبنه حيث أحبته الآلهة عشتار وساعدته على تولي العرش، مثلما هو الحال في قصة موسى . ويفرد حيزاً لا بأس به ليقدم لنا قصة الطوفان السومري وهي الأقدم بين 3000-2800 قبل الميلاد، وتروي قصة طوفان حصل قبل ذلك التاريخ بزمن طويل في فترة ممعنة في القدم وتم تداولها شفهياً ثم ثبتت على الألواح الطينية بعد نشأة الكتابة وهي الأسطورة التي أقحمت في ملحمة جلجامش كما يقول الباحث مما وفر الدليل على وجود علاقة بين العهد القديم والثقافة البابلية، حسب استنتاجات العالم فنكيل، حيث صار ينظر للطوفان كموجة غضب سماوية سوداء مدمرة اكتسحت كل شيء في طريقها وسمحت للآلهة بإعادة صنع الحياة فوق الأرض على نحو أفضل. ومن ثم يشرع الباحث في إقامة مقارنة بين أسطورة نوح والأساطير الرافدينية، حيث يقول النص العبري أن الله قرر أن ينهي الحياة فوق الأرض، هكذا وبدون مقدمات، بسبب فساد الإنسان، ولكن ما هو الفساد الذي ارتكبه الإنسان حتى يستحق مثل هذا العقاب القاسي وهو الإبادة التامة من على سطح الأرض؟ لم يرد نص ديني مقدس، لا في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن، عن أسباب قرار الله في إحداث الطوفان وإغراق الأرض وما فيها عدا جماعة نوح وحيواناته. وعلمنا أن لنوح ثلاثة أبناء هم سام، الأصل في سلالة الساميين الذين منهم العرب والعبرانيين، وحام أبو الكنعانيين وبافث، ومن أبناء نوح انبثقت منهم شعوب الأرض الجديدة ما بعد الطوفان . وفجأة يصنع نوح من العنب نبيذاً لا ندري كيف تعلم ذلك، وهو ليس بالأمر السهل، ثم يسكر وينام عارياً، ثم يراه إبنه حام وهو عاري فيعاقب الله حام لأنه نظر إلى عورة أبيه، والحال أن الذي يجب أن يعاقب هو نوح وليس إبنه وردد القرآن نفس القصة بكافة حيثياتها التوراتية دون أن يغير فيها كثيراً رغم الارتباك البادي على النص العبري. أما في النصوص الرافدينية التي دونت قبل ألف عام من طوفان التوراة، فإن الطوفان حدث بناءاً على أوامر الإله انكي، ولم يكن السبب فساد الإنسان بل تعب وانزعاج الآلهة من ضجيج البشر، نوح ينفذ أمر الله بدون نقاش أو تردد بينما يعترض أتونابشتم للوهلة الأولى ويناقش إلهه أيا ويطالبه بإعلامه بأسباب قراره وماذا سيقول للناس في المدينة وكيف سيرد على تساؤلات الناس وشيوخهم ووجهائهم فيرد عليه إلهه " قل هكذا إني علمت إن انليل يبغضني فلا استطيع العيش في مدينتكم بعد الآن ولن أوجه وجهي إلى أرض انليل وأسكن فيها بل سأرد إلى ابسو وأعيش مع أيا ربي وعليكم سينزل وابلاً من المطر غزيراً. وفي ترجمة أخرى للنص الرافديني قام به العالم الفرنسي المتخصص بحضارات العراق القديمة بوتيرو يقول أوتونابشتم:" عندما فهمت ما طلب من توجهت إلى ربي أيا سائلاً: الأمر الذي كلفتني القيام به يا مولاي سأطبقه وسأنفذه، ولكن كيف سأواجه مدينتي، شعبي، والشيوخ؟ عندها فتح أيا فاه وتكلم موجهاً كلامه لي، أنا عبده:" ستقول لهم ياشيخي الفطن التالي: يلازمني الخوف من أن إنليل لا يودني كثيراً، لذا لن يطول بي المقام في مدينتكم ولن يبقى اثر لقدمي فوق إقليم إنليل بل سأهبط إلى الابشو وسأقيم برعاية مولاي أيا عندها سينزل عليكم إنليل مطراً غزيراً.

وبعد أسطورة سفر التكوين التي تناولت الخلق والتكوين وخلق الله للأرض والسماء في ستة أيام واستوائه على العرش كما جاء في العهد القديم والقرآن وتعامل مع الشخصيتين الأساسيتين وهما آدم ونوح. يركز الباحث الدكتور فالح مهدي فيما بعد على شخصيتي إبراهيم الذي عاش في حدود 1700 سنة قبل الميلاد، وموسى وسفر الخروج . مما لا ريب فيه أن ظاهرة النبوة كانت معروفة في الحضارات القديمة التي سبقت حقبة العبرانيين ولكن في نفس المنطقة تقريباً وهي فلسطين وسوريا والأناضول وبالطبع مصر والعراق. نقطة الإنطلاق في الإيمان التوحيدي والخروج من الشرك والتعددية تبدأ في النص العبراني من إبراهيم الذي تمرد على النمرود وحاول هذا الأخير حرقه وهو حي كما تقول النصوص الدينية التوحيدية ثم تأتي شخصية موسى لتكون هي الشخصية المركزية لجميع الأيديولوجيات التوحيدية فهو الذي طالب شعبه بعبادة إله واحد لكنه خاص ببني إسرائيل لذلك عرف العبرانيين بشعب الله المختار، ونفس المكانة يحتلها موسى في الديانات التوحيدية الثلاثة وهي اليهودية والمسيحية والإسلامية، ولقد تم التركيز عليه كثيراً في القرآن. خرج موسى من مصر إلى فلسطين لإنقاذ نفسه وأتباعه، وخرج عيسى من فلسطين إلى مصر لإنقاذ نفسه، وخرج محمد من مكة إلى المدينة لإنقاذ نفسه وأتباعه.

يعتبر سيغموند فرويد مصر هي مهد ديانة التوحيد في كتابه الشهير موسى والتوحيد. ويستند في ذلك إلى قصة الفرعون آخناتون 1353-1337، الذي فرض عباد إله الشمس آتون وإلغاء عبادة آمون إله القمر، والحال أن التوحيد اليهودي حدث بعد ثمانية قرون من وقع الحدث الأخناتوني كما يقول الدكتور فالح مهدي ، ومع ذلك فإن التوحيد العبري يعيد نفس طقوس ومراسيم وشعائر الملكية الفرعونية بل وحتى أيديولوجيتها باستناده للتوراة التي تعني الشريعة التي يجب اتباعها بعد أن انزل عليه الله محتويات الألواح العشرة، ولكن لا يوجد اثر لأخناتون في التوراة التي تعتبر العمود الفقري للعهد القديم رغم إنه شخصية تاريخية مشار إليها بوضوح في النصوص الفرعونية بينما لايوجد نص تاريخي مثبت عن وجود شخصية موسى تاريخياً فلا يوجد أي اثر لشخص اسمه موسى في النصوص الفرعونية والسجلات المصرية التي عرف بأنها تدون كل شيء . شكك الكاتب في مصداقية وصلاحية الأطروحة الفرويدية عن موسى لأنه لا يستند إلى أية قاعدة تاريخية صلدة و لا يمكن الأخذ بها في دراسات الدين المقارن، بل إن أسطورته مأخوذة من نصوص أسطورية بابلية تناولت ولادة سرجون الأكدي كما ذكرنا أعلاه، استلهمها اليهود السبايا في بابل وأقحموها في نصوص العهد القديم . يسرد المؤلف أسباب ميوله للأطروحة البابلية بدلاً من الأطروحة الفرويدية قائلاً :" ولد موسى ووضع في قفة وهو الأمر البعيد عن الأعراف المصرية بينما هو أمر معروف في الثقافة الرافدينية بشأن ولادة سرجون الأكدي، وإن نوع القفة أو الطوافة التي وضع فيها موسى لم يكن معروفاً في مصر وبعيد عن هندسة السفن في مصر خاصة وإنها قفة أو طوافة طليت بالزفت أو القير غير المتوفر و الذي لم يألفه المصريون ولم يلجأوا إليه في بناء سفنهم فكان القير أو الزفت يستورد من سوريا وفلسطين إذا دعت الحاجة إليه. أشار الكاتب إلى أن موسى ملتحي كما جاء في النص العبري وهو نمط من أنماط وأدب اللياقة والهندام والوقار لكنه بعيد كلياً عن الإتكيت المصري في حين كان ذلك معروفاً ومنتشراً في وادي الرافدين، حمل موسى ألواحاً دونت فوقها وصياه العشرة والحال إن المصريين لم يلجأوا البتة إلى ألواح الطين بل إلى ورق البردي. يقول النص العبري أن إبنة الفرعون كانت تستحم في نهر النيل في لحظة مرور القفة أو الطوافة التي يوجد فيها الطفل موسى والحال أن ذلك بعيد عن آداب المجتمع المصري وتقاليده، فإبنة الملك لا تستحم في ماء النهر بل في حمامات وأحواض خاصة فاخرة تعجز العين عن وصفها فهي أميرة وإبنة الفرعون الذي هو إله فوق الأرض فلا يمكنها أن تغتسل كباقي الناس في ماء النهر وأخيراً نسي كاتب النص العبري أن النيل في ذلك الوقت كان مليئاً بالتماسيح الخطرة .

من هنا يقول المؤلف أنه على المستوى التاريخي، لم يبدأ التوحيد عند اليهود مع موسى، فالاكتشافات المتعلقة بالنقوش وبالدراسات المعمقة للعهد القديم أكدت على نحو قاطع أن الدين اليهودي، في الألفية الأولى، لم يختلف عن أديان جيرانه. وإن لرب إسرائيل إسم متميز هو يهوه، أي ذلك الإسم الذي رفضت التلفظ به اليهودية المتأخرة، لأنه يشير إلى أنه جاء من ضمن عالم متعدد الآلهة فهو رب الأرباب. فالإسم للرب أو للإنسان، يراد له أن يفيد في التعريف بمن يحمل ذلك الإسم وتمييزه عن أقرانه. لذا فإسم " يهوه" وجد أصلاً لتمييز ذلك الرب عن بقية الآلهة. ففي أثناء تواجد مملكة إسرائيل ويهوذا، من القرن العاشر إلى القرن السابع قبل الميلاد، لم يكن يهوه إله اليهود الوحيد، بمعنى آخر أن التوحيد لم يرس دعائمه بعد عند العبرانيين. لقد اعتبر يهوه إله إسرائيل كما كان حال مردوخ إله البابليين، وكيموش إله المؤابين القريبين من يهود تلك الفترة. فاليهود والعبرانيين وغيرهم كثير، عبارة عن قبائل رحل سكنت شرق البحر الميت والصحراء السورية، ولكل قبيلة أو قوم إلهه الخاص به. لم يحتفى بيهوه كإله أعزب، إذ كانت له أنيسة، عبارة عن إلهة تشاركه حياته. ولقد أشارت العديد من الكتابات والشواهد الآثارية، إلى وجود اشيراح Asherah كإحدى الإلهات ضمن المجموعة التي يطلق عليها السامية الغربية هي التي كانت إلى جانب يهوه، وهناك دلائل لوجودها عند الأوغاريتيين، قدماء الفلسطينيين وعند سكان وادي الرافدين وبعض تلك الوثائق والنقوش تعود إلى القرن السابع والثامن قبل الميلاد والتي وردت فيها عبارة مثل :" أبارككم باسم يهوه الشاهد على ما أقول ورفيقته اشيراح " أو " أبارككم باسم يهوه رب السامرة وبإسم رفيقته اشيراح" .. وبالتالي كانت فكرة تمجيد وعبادة يهوه وحده قد حصلت بعد تطور طويل وصراع سياسي وأيديولوجي بين يهود الشمال الذين يعبدون بعل، ويهود الجنوب ممثلين بهذا الملك ولا يعبدون إلا يهوه، وكذلك كرد فعل ضد العنف الآشوري الذي يشترط الخضوع التام للملك الآشوري،كما جاء في كتاب " تحقيق حول الإله الواحد " الذي قدم له توماس رومر في سلسلة عالم الكتاب المقدس منشورات بايارد 2010 في باريس. ففي سفر التثنية هناك تأكيد على أن الرب الوحيد الجدير بالعبادة هو يهوه وليس الملك الآشوري وربه. والتشبث بعبادة إله واحد تم بعد السبي البابلي لليهود أي بعد حوالي ستة قرون قبل الميلاد. فهدم أورشليم لم يكن نتيجة لضعف يهوه بل بالعكس فلقد مكن يهوه البابليين في ذلك لمعاقبة " شعبه" الذي لم يطعه ولم يتعبد له وحده، ما يعني أن قوة يهوه وعظمته تشمل حتى أعداء شعبه الذين أعانهم وساعدهم على تحقيق السبي، ولقد استفاد علماء وفقهاء ومعلمي ورجال الدين اليهود على الأساطير العراقية القديمة التي اطلعوا واستفادوا منها في تحرير نصوص العهد القديم. لقد لعبت بابل دوراً جوهرياً في إخراج ذلك الكتاب المقدس من شكله البسيط ومنحته التعقيد الذي شهدته تلك الحضارة المتقدمة، فتضمن منهجية ونمط تفكير جديدين، ولقد انتبه كبار المختصين في دراسات العهد القديم إلى ذلك التأثير العظيم الذي وصل إلى حد النقل الحرفي الفج لنصوص رافدينية كما لاحظنا ذلك في قصة الخلق وملحمة الطوفان التي شكلت العمود الفقري للكتب أو الأسفار الخمسة الأولى للتوراة المنسوبة لموسى، كما جاء في بحث الدكتور فالح مهدي المهم السابق في كتابه " الخضوع السني والإحباط الشيعي، نقد العقل الدائري. فحتى نجمة داود السداسية اليهودية هي في الأصل نجمة بابلية. وفي الأجزاء الأولى من سفر التكوين، تم التعبير عن يهوه بأنه رب الكون وخالق كل شيء وسمي " الإلوهيم" وهي تعني الرب ولكن بصيغة الجمع أي الأرباب ولقد أكد محررو ذلك الجزء من أن كل آلهة الشعوب الأخرى ما هي إلا تعبير وتجسيم للإله الأوحد يهوه. واستمدوا من الزرادشتية فكرة الجنة والنار، والوعد بحياة أفضل بعد الموت، كما شاع لدى يهود السبي البابلي الذين حررهم فيما بعد الملك قورش الفارسي، في حين أن يهود مستعمرة الإلفانتين éléphantine المصرية كانوا يعبدون إلى جانب يهوه، إلهين آخرين هما آنات وأشيم بيتال، بما ينسجم مع المعتقدات المصرية المتمثلة بالثالوث،كما جاء في كتاب " تحقيق حول الإله الواحد المشار إليه أعلاه.

ثم ينهي الكاتب بحثه عن جذور الإله الواحد في عرض الصلوات والقرابين والشعائر التي قدمها البشر للإلهة على مر العصور وأهميتها النفسية والفلسفية بغية العثور على علاقة مباشرة مع الكائن الأعلى التي قد تؤثر في سلوك الله، ووضع الدين في خدمة الآيديولجيات، وإن المخيلة البشرية هي حجر الزاوية لحياكة القصص والأساطير وهي بديهية أنثروبولوجية قابلة للتعميم على كل أديان العالم فالأساطير والخرافات مادة تتكرر في كافة الأديان، خاصة تلك التي تتحدث عن المقدس والمسخ والوحوش الخرافية والشياطين والجن والعفاريت والأبطال الأسطوريين، وهي بالتالي نتاج للأوهام الفردية والجماعية حيث يتمتع الوهم الديني بديناميكية تتوافق وتنسجم مع نظامه المنطقي الداخلي الخاص به الذي يفرز له مدوناته ونصوصه الأسطورية والخرافية ويضفي عليها طابع القدسية، فالأديان برمتها ما هي إلا أنظمة إدارية للمقدس كما يقول الدكتور فالح مهدي . لا يتفق المؤلف الدكتور فالح مهدي مع أطروحة الباحث الفرنسي باسكال بويير في كتابه المهم " وخلق الإنسان الآلهة " الصادر عام 2003 والذي قرأته بإمعان ووجدته علمياً جاداً أتفق مع أغلب ما جاء فيه وبالذات لأنه أدخل معادلات علمية في الشأن الديني توصل من خلالها إلى أن الآلهة من ابتكار الإنسان بغية إعانته ومساندته في ما يواجهه من تحديات، فكل ذلك الابتكار الذهني البشري ناجم عن النشاط العقلي للإنسان الذي يعبر عن حاجته ومواجهته لألغاز وجوده، فالدين نشاط ذهني محض يدفع المرء لكي يفكر ويتأمل ويبحث عن إجابات للغز الكون المحيط به ولغز الموت المتربص به ولغز الأسئلة الوجودية التي تؤرق حياته . يتسرع الكاتب في القول أنه مع كل التقدم العلمي المذهل حقاً، فقد بقي أصل الكون لغزاً حقيقياً، ذلك إن الإنفجار الكبير، مما يطلق عليه البغ بانغ، لا يؤخذ به علمياً باعتباره ذاك الذي أنجب الكون. فالسؤال المتعلق بولادة الكون بعيد كل البعد عن إيجاد إجابات مقنعة لحل ذلك اللغز الذي يشكل إحدى أم التحديات أما علماء الطبيعة والفيزياء، ولكن لا ينبغي أن نتسرع في الحكم على أشياء ومواضيع نجهلها ولم نتعمق فيها كفاية فلا يكفي قراءة كتاب أو دراسة لكي نصل إلى هذا الاستنتاج التعسفي فهذا المجال واسع وغني رغم تعقيده وقدم الكثير من الإجابات في العقود الثلاثة المنصرمة ومنها أن نظرية الانفجار العظيم ثبتت علمياً ومختبرياً واتفق بشأنها كل الوسط العلمي تقريباً وتدرس اليوم في الجامعات والمدارس والمعاهد المتخصصة، فهذا مجال علمي دقيق لا ينبغي الخوض فيه على عجل وتسرع . لقد أثبت العلماء أن كافة الأشياء في الطبيعة، الحية وغير الحية كالجماد، ما هي إلا تراكمات تتزايد تعقيداً شيئاً فشيئاً من الجسيمات الأولية من الكواركات وما هو أدنى منها، المكونة بدورها للبروتونات والإلكترونات والفوتونات التي تتراكب وتجتمع في تركيبات مختلفة ومتنوعة لإنتاج جسيمات متعددة ذات وظائف محددة فالفوتونات على سبيل المثال ما هي إلا حبيبات للشحنة الكهربائية الموجبة بينما تكون الإلكترونات عبارة عن حبيبات الشحنة الكهربائية السالبة، والفوتونات هي جسيمات الضوء المرئي أو غير المرئي. إن ابسط تلك التركيبات المادية هي تركيبة ذرة الهيدروجين حيث أن ذرتها الأصغر كتلة من بين جميع العناصر الأخرى، تحتوي فقط على بروتون واحد وإلكترون واحد. ويدور الإلكترون بلا توقف حول البروتون كما يدور القمر حول الأرض ولكنه لا يدور بالضرورة حول محوره بنفس المسافة المدارية فيمكنه أن يبتعد عن البروتون المركزي للذرة طارداً جسيم أو أكثر من فوتونات الضوء ويمكنه أن يقترب ويبتلع جسيم أو أكثر من جسيمات الضوء الأولية أي الفوتونات. فالهيدروجين موجود، ليس فقط على الأرض بل في كل مكان في الكون المرئي. ومن الهيدروجين وتفاعلاته النووية ظهرت باقي العناصر في الكون، وتكونت الذرات والمجالات والحقول الكهرومغناطيسية وخلقت الحركة الدائمة الجاذبية أو الثقالة.

يتبع

 

د. جواد بشارة

 

 

جعفر الحكيمالديانة المسيحية - حالها حال جميع الأديان الاخرى- تضم ضمن اطارها العام العديد من الفرق والطوائف المتنوعة والتي تقترب مع بعضها البعض في مبتنيات عقدية معينة و تتباعد في اخرى، وفي زمننا الراهن، تبرز طوائف مسيحية كبيرة مثل الكاثوليك والبروتستانت والارثوذكس، الى جانب فرق مسيحية اصغر مثل شهود يهوا والمورمن والموحدين الإنجيليين وغيرهم من الفرق المسيحية المتعددة.

ان الانقسام المسيحي إلى فرق متعددة كان سمة واضحة ومبكرة صاحبت تطور هذه الديانة ومنذ زمن التأسيس، حيث برزت في ذلك الوقت عدة مجاميع تحت مسميات متنوعة و بتأصيلات عقدية متباينة، مثل الغنوصيين والأبيونيين وغيرهم

وكانت كل فرقة تعتبر نفسها هي الطريق القويم في اتباع تعاليم المسيح ومنهجه، وتتهم الفرق الاخرى بالهرطقة !!

من بين الفرق المسيحية التي ظهرت بوقت مبكر جدا في تاريخ هذه الديانة، تبرز طائفة المسيحيين (الأبيونيين)

حيث ان لهذه الطائفة حضور منذ نشأة الديانة المسيحية نفسها، ولهم امتداد وتواصل مع رسل وتلاميذ المسيح

المسيحيون الأبيونيون هم الطائفة التي مثلت اليهود الذين آمنوا بيسوع المسيح وصدقوا دعوته، وجاءت تسميتهم بهذا الاسم، والذي يعني الفقراء او المساكين، لان غالبيتهم من الطبقات اليهودية الفقيرة والمعدمة، ويبدو أنهم كانوا مرتاحين لهذا التسمية لانهم كانوا يعتقدون أنهم مشمولين بمباركة وتطويب يسوع المسيح في قوله الشهير :

(طوبى للمساكين بالروح لان لهم ملكوت السماوات)

ورغم ان المسيحية الابيونية تعتبر هي الاقرب للمسيحية الاصلية، من ناحية الزمان وكذلك الجغرافية، لأنها نشأت في فلسطين، الموطن الذي كان يتواجد فيه يسوع الناصري، وبين قومه اليهود،الذين كانت دعوته تهدف الى إصلاح وضعهم

رغم ذلك، يقر الباحثون في تاريخ المسيحية وتطورها، بعدم وصول أي من كتابات هذه الطائفة الينا، بحيث بقيت معظم المعلومات عنهم مستقاة من كتب خصومهم الذين كانوا يعتبرونهم من الهراطقة، ومنحرفين عن الطريق القويم!

تعتبر كتابات ايرينيوس (180 ميلادي) من اقدم واهم المصادر حول الأبيونيين، وتليها كتابات ابيفانيوس(340م) وهناك مصادر مسيحية اخرى ذكرتهم، وقد احتوت تلك المصادر على بعض المقتطفات من افكار وعقائد الابيونيين.

المعتقد:

يعتقد المسيحيون الأبيونيون بمسيحانية يسوع الناصري، ويعتبرونه المسيح المخلص الذي أرسله الرب لخلاص الشعب اليهودي، وفداء ذنوب اليهود من خلال تقديم نفسه ذبيحة فداء على الصليب، وبنفس الوقت، كانوا يعتقدون ان يسوع المسيح هو بشر عادي، مولود بولادة طبيعية لأبويه (مريم ويوسف النجار) ولكن الرب قرر ان يتبناه، فاختاره الرب ابنا بالتبني في وقت تعميد يسوع الناصري على يد يوحنا المعمدان، حيث انفتحت السماء في وقتها، وظهر الروح القدس، وتكلم الرب من السماء قائلا (انت ابني انا اليوم ولدتك) حسب ما تنبأت به المزامير كما يعتقد الأبيونيون.

وقد جاء اختيار الرب ليسوع ابنا له بالتبني، لانه وجده قادرا على تحمل المسؤولية العظيمة، بافتداء خطايا شعبه، وتقديم نفسه للموت، وتحمل عذاباته، لذلك قرر الرب ان يجازي يسوع،من خلال اقامته من الموت بعد 3 ايام ورفعه للسماء.

وهنا لابد من الاشارة الى ان الاقوام القديمة،كانت تعتبر الابن بالتبني افضل واقرب منزلة الى الاب من الابن البيولوجي!

لان ابن التبني هو من اختيار الأب، لما قد يجده في الذي يتبناه من مواصفات و طبائع نبيلة اوعظيمة، على العكس من ابن النسب، الذي ليس بالضرورة ان تكون شمائله كما يحب الاب!!...لذلك نرى في التراث الروماني مثلا، ان الابن المقرب الى يوليوس قيصر والذي جعله وريثه على العرش هو أغسطس، حيث كان مقدما على تيودرس ابن يوليوس بالنسب

ومن هنا نستطيع ان نفهم فكرة الابيونيين القائمة على اعتقادهم ببنوة يسوع المسيح للرب بالتبني !

والتي اعطت يسوع المسيح منزلة عالية جدا عند الرب فاقت درجات كل البشر وحتى الملائكة، مع إصرار الأبيونيين على الاعتقاد ببشرية يسوع، ونفي كل صفات الالوهية او الازلية عنه، فهم لا يعتبرونه الكلمة ولا الروح، وانما انسان طبيعي.

واعتقد الأبيونيون بضرورة الالتزام التام بتعاليم الشريعة اليهودية (الناموس) حيث ان يسوع المسيح لم يأت لينقض الناموس، وإنما جاء ليكمله، لذلك كان الأبيونيون ملتزمون بحرمة يوم السبت وبالختان،والتقييد من ناحية الطعام والذبائح

ولذلك، كان الابيونيون يعتقدون، ان كل شخص غير يهودي، اذا أراد ان يعتنق المسيحية،فعليه ان يختتن اولا، وان يلتزم بشريعة اليهود ومن ثم يؤمن بمسيحانية يسوع الناصري لكي ينال الخلاص !

اختلاف الأبيونيين عن اليهود:

بالرغم من ان الأبيونيين هم في الأصل من اليهود، الا أنهم اختلفوا عن بقية بني قومهم في عدة امور، واهمها انهم كانوا يعتقدون ان يسوع الناصري هو المسيح المخلص لليهود والفادي لخطاياهم، في حين اعتبره بقية اليهود مسيحا كاذبا !

وكذلك اختلف الأبيونيون عن اليهود الآخرين، في موضوع التضحية بالقرابين، حيث توقف الابيونيون عن تقديم الاضاحي، لانهم اعتقدوا ان الاضحية الكبرى قد تم تقديمها من خلال صلب المسيح،وتم بذلك الفداء، ولا داعي لتقديم أضاحي للمعبد.

اختلاف الأبيونيين عن بقية المسيحيين:

اختلف المسيحيون الأبيونيون عن بقية الفرق المسيحية، في إصرارهم على الحفاظ على هويتهم اليهودية والالتزام بتعاليم الشريعة، و كذلك اختلفوا عنهم لأنهم لم يؤمنوا بموضوع ولادة المسيح العذرية، ولا بأزليته او لاهوته.

فقد كانوا مسيحيون موحدون، ولم يؤمنوا بعقيدة التثليث

إنجيل الأبيونيين:

يقول المؤرخون ان الابيونيين كان لديهم انجيل معتمد يسمى بإنجيل (الناصريين) او إنجيل الأبيونيين، ويشير الباحثون المتخصصون في تاريخ المسيحية الى ان هذا الانجيل هو عبارة عن النسخة الارامية لانجيل (متى) محذوفا منه اول اصحاحين، و هما الاصحاحين اللذين تطرقا الى ذكر ولادة يسوع الناصري.

كان المسيحيون الأبيونيون يتبعون تعاليم (يعقوب البار) والملقب بيعقوب أخو الرب، والذي يعتقد انه اخ يسوع الناصري، وهو الذي تولى منصب أول أسقف لكنيسة أورشليم بعد رحيل أخيه يسوع.

في نفس الوقت، كان الابيونيون ينظرون الى شاؤول الطرسوسي (بولس) على أنه منحرف، ويرون دعوته ضالة ومخادعة، وقد كان هناك سجالات وتحرشات بينهم وبين شاؤول، مع اتهامات متبادلة بالانحراف والهرطقة !

عوامل اندثار الأبيونيين:

رغم ان المسيحيين الأبيونيين، كانوا هم الفرقة المسيحية الاقرب الى الاصل، وأنهم جاؤوا من نفس البيئة الاجتماعية الحاضنة ليسوع الناصري،الذي كان راباي يهودي،مؤمن بشريعة اليهود، وداعيا للاصلاح في المجتمع اليهودي، وإقامة فهم جديد لتعاليم التوراة وأسفار التاناخ، ورغم ان الأبيونيين كانوا متواصلين مع تلاميذ المسيح وبقية الرسل، ويمثلون البيئة التي انطلقت منها دعوة المسيح، الا انه لم يكتب لهذه الفرقة المسيحية البقاء طويلا في مسيرة الصراع مع باقي الفرق الاخرى،وقد تقلص تأثير الابيونية تدريجيا مع نهاية القرن الأول،حتى كاد اثرهم ان يختفي تماما بحلول القرن الرابع

والعوامل التي أدت الى اندثار هذه الطائفة المسيحية عديدة، من أهمها:

تمسك هذه الطائفة، بتعاليم الشريعة اليهودية الصارمة، وتمسكهم بضرورة ان يلتزم كل مسيحي من غير اليهود بها

فإذا اراد شخص من الوثنيين مثلا، اعتناق المسيحية، عليه اولا ان يختتن مثل اليهود، وان يلتزم بقوانين شريعتهم!

ان هذا الامر، تسبب في عزوف الراغبين في اعتناق المسيحية عن الانضمام لهذه الطائفة، خصوصا ان الفرقة المنافسة الاخرى، والتي كانت تتبع تعاليم شاؤول الطرسوسي (بولس) كانت لاتشترط مثل هذه الامور، ويكفي الشخص الراغب باعتناق المسيحية، ان يقبل المسيح مخلصا، وبذلك يكون قد نال الخلاص، بالايمان فقط، دون الحاجة لأعمال الناموس

ومن العوامل الأخرى، التي تسببت باندثارهم، هو تقوقعهم الجغرافي في منطقة فلسطين وما جاورها، مع محدودية دعوتهم وانحصارها على الناطقين بالعبرية (اليهود)، بينما كانت الدعوة المنافسة لهم، تمتاز بالعمل الدعوي النشط، والممتد الى ارجاء عديدة من الامبراطورية الرومانية، وكانت متوجهة لكل شرائح المجتمع في الامبراطورية، وخصوصا الوثنيين او متعددي الالهة، وتخاطبهم باللغة اليونانية التي يفهمونها، لذلك كان الإقبال أكبر وأوسع على دعوة (بولس) النشطة، وخصوصا من قبل المجتمعات الوثنية التي وجدت في عقيدة التثليث امتداد طبيعي لعقائدهم القائمة على تعدد الالهة!

واعتقد كذلك، ان احد اسباب اندثار المسيحيين الأبيونيين، هو الكارثة التي حلت بيهود فلسطين في عام 70 ميلادية

حين قامت ثورة اليهود ضد الرومان، وما تبعها من مجازر بشعة طالت اليهود، وتسببت بقتل حوالي مليون انسان، واسر مئات الالاف واستعبادهم، وهروب الذين تبقوا من اليهود وتشتتهم في البلدان بعد فشل ثورتهم وخراب هيكلهم

هذه الظروف الكارثية التي حلت باليهود، تسببت في فناء اغلب الابيونيين، و اما من هرب منهم خارج فلسطين، فقد بقي يعيش في ظروف اقتصادية بائسة جدا بسبب الهجرة والتشتت، مما أدى الى اضمحلال هذه الدعوة تدريجيا، حتى اختفت بشكل شبه تام لاحقا.

الأبيونية و الاسلام:

ختاما، أود الإشارة الى جزئية تتعلق بالبحث حول المسيحيين الأبيونيين، وهي محاولة بعض الكتاب المعاصرين الربط بين الأبيونيين وبين الدين الإسلامي، والإيحاء بأن الإسلام اقتبس نظرته عن النبي (عيسى) من عقيدة الأبيونيين بيسوع المسيح!

وهذه المحاولة، وان كانت ساذجة وكاشفة لهزالة هكذا طروحات، الا أنها تدل أيضا على انتقائية متعمدة ومعيبة!

فقد اعتمد أصحاب هذا الطرح على وجود تقاطع في بعض جزئيات الاعتقاد بين الأبيونيين والاسلام وخصوصا في النظرة الى يسوع المسيح كأنسان، وعدم تأليهه، وكذلك اشتراكهم في التأكيد على عقيدة التوحيد

وبسبب وجود هذا الاشتراك بين العقيدتين، خرج علينا هؤلاء المتفذلكين، بالقول، ان الإسلام أخذ من الأبيونيين!

وهذا الراي، رغم انه مضحك، لكنه يكشف اما عن خيانة علمية لا تليق بالباحثين، او عن جهل وسطحية مخلة

فالابيونيين، لا يعتقدون بولادة المسيح العذرية، كما يعتقد الإسلام، وكذلك يختلف الأبيونيين عن الاسلام، في اعتقادهم بصلب المسيح، وقيامته، في حين ينفي الاسلام ذلك، والذي يختلف كذلك عنهم بعدم اعترافه بموضوع الخلاص والكفارة، ورفضه القاطع لفكرة البنوة لله بجميع اشكالها، في حين يختلف الابيونيين معه باعتقادهم تبني الرب ليسوع !!

كل هذه الاختلافات بين عقيدة الإسلام ومعتقد الأبيونيين، تعمد هؤلاء الانتقائيين اهمالها، لغرض خلط الأوراق وتضليل القارئ وخداعه، ليجعلوه يتقبل فكرتهم البائسة والمضحكة والتي تريد الربط بين الإسلام وبين عقيدة اختفت قبل ثلاث قرون من ظهوره، ولم يكن لها، اصلا، وجود في منطقة الجزيرة العربية حيث نشأ الإسلام، وإنما كان وجودها في القرن الميلادي الاول، وكذلك الثاني، منحصرا على منطقة فلسطين والمناطق المجاورة لها !!

ان هكذا باحثين انتقائيين يصدق عليهم المثل العراقي الطريف، بأنهم يحسبون (كل مدعبل ..جوز!!)

 

د. جعفر الحكيم

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (34)

الجدل حول حقيقة شخصية الشاب اليهودي المصلح يسوع الناصري، جدل قديم يمتد الى قرابة الألفين عاما، ولازال !

فمنذ منتصف القرن الميلادي الأول، ومع بروز جماعة بشرية اعتقدت بامتلاك يسوع الناصري خصائص الهية، ومن ثم بدأ الاعتقاد يتطور تدريجيا حتى بلغ ذروته في اعتبار هذا الشاب اليهودي هو الإله الخالق بصفته اقنوما من اقانيمه الثلاثة !

منذ ذلك الحين، نشأ الجدل حول اثبات او نفي هذا الاعتقاد بين الجماعة الايمانية الجديدة (المسيحيون) من جهة، وبين الجماعات اليهودية التي كانت لا ترى في شخص يسوع الناصري سوى أنه مدع ٍٍٍٍ كاذب للمسيحانية وقد لقي جزاءه !

وبنفس الوقت كان هذا الجدل محتدم ايضا بين أقسام الجماعة المسيحية ذاتها، بين الذين اعتقدوا بالوهية يسوع وبين بقية الفرق المسيحية التي لم تكن تعتقد بالوهيته ،مثل المسيحيين الابيونيين ، ولازال هذا الجدل بين الفرق المسيحية قائما الى يوم الناس هذا، كما هول الحال مع فرقة المسيحيين (الموحدين الإنجيليين) ونقاشاتها حول نفي الألوهية لشخص المسيح.

ورغم اتفاق الجميع، على أنه لا يوجد أي قول صريح ليسوع الناصري، يعلن فيه بشكل واضح ومباشر انه ( الله) ولا يوجد كذلك اي تصريح او تعليم صريح له يطلب فيه من الناس او من خاصته وتلاميذه، ان يتوجهوا إليه بالعبادة ، ومع ذلك فإن للمسيحيين القائلين بألوهيته، مجموعة من الادلة والبراهين ،التي يعتقدون انها كافية وواضحة ، لإثبات الالوهية له

مما يجعل الكرة في مرمى مليارات البشر، فإما ان تقتنع بهذه الأدلة وتعتقد بالوهية يسوع ،وتقبل به الها مخلصا، فتنال بذلك الحياة الابدية المنعمة، والا فان مصير من لايقتنع بذلك، الخلود في بحيرة النار والكبريت، وان كان صالحا او طيبا!

يستند المسيحيون المعتقدون بالوهية المسيح الى العديد من الادلة والاثباتات، ويقدمونها كبراهين قاطعة على صحة اعتقادهم، وهذه الادلة تختلف بطبيعتها، فمنها مثلا ،ما يستند إلى الأعمال الاعجازية المنسوبة للمسيح، ومنها ايضا ما يستند الى تحقق نبؤات العهد القديم في شخص المسيح، وهناك ادلة تعتمد على تأويل تصرفات او عبارات للمسيح او تلاميذه، من قبيل سجود بعضهم له، وغيرها من الادلة الاخرى.

لكن يبقى القسم الاهم والاقوى من بين براهين وادلة الوهية يسوع المسيح،هي تلك التي يقدمها المسيحيون على اساس انها اقوال وعبارات قالها يسوع بحق نفسه، وفيها اشارة واضحة على خصائصه الالهية، من قبيل :

(انا والاب واحد)

(الذي رَآني فقد رأَى الآبَ)

وغيرهما من الأقوال التي سنتطرق اليها في ما يلي من هذا المقال، والذي ليس مخصصا للمناقشة التفصيلية لادلة الوهية يسوع الناصري ، ولا تفنيدها، فقد تم رد بعضها في مقالات سابقة، وانما موضوع المقال هو حول ظاهرة ترتيب الادلة وتطورها ضمن السياق الزمني الذي نشأت فيه النصوص المسيحية المقدسة.

وهنا نحتاج الى التذكير مجددا الى ان العهد الجديد لم تُكتب كل اقسامه في زمن واحد، وانما تم كتابتها في ازمنة متلاحقة، واماكن مختلفة ، وعلى ايدي اشخاص مختلفين.

فاقدم اقسام العهد الجديد، هي الرسائل المنسوبة الى شاول الطرسوسي( بولس الرسول)، ويأتي بعدها في الترتيب الزمني الانجيل المنسوب الى ( مرقس) الذي يحتمل انه كتب بعد رحيل يسوع في فترة 30 الى 40 عام

وبعد ذلك يأتي في ترتيب الاقدمية الزمنية انجيلي ( متى ولوقا) ومن بعدهما يأتي آخر الأناجيل وهو الانجيل المنسوب الى

(يوحنا) والذي يعتقد انه تمت كتابته في نهاية القرن الميلادي الاول تقريبا، اي حوالي 70 عاما بعد المسيح، ويمتاز أنه كتب بلغة يونانية راقية ، وتضمن أفكارا فلسفية كانت شائعة في ارجاء الامبراطورية الرومانية وقتذاك.

وبالعودة الى العبارات والأقوال المنسوبة ليسوع الناصري، والتي يعتمدها الاخوة المسيحيون، كأدلة نصية على ألوهيته

فبالاضافة الى القولين المتقدمين، هناك اقوال عديدة اخرى منسوبة ليسوع ،قد يستشف منها، ايضا، انها تصريح يدل على امتلاك هذا الشاب اليهودي لخصائص إلهية ،تميزه عن بقية البشر ، مثل

(قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ) يوحنا 58/8

(وليس أحَدٌ صَعِدَ إلَى السماءِ إلا الذي نَزَلَ مِنَ السماءِ، ابنُ الإنسانِ الذي هو في السماءِ) يوحنا 13/3

(لانه كما ان الاب له حياة في ذاته كذلك اعطى الابن ايضا ان تكون له حياة في ذاته) يوحنا 26/5

(انا هو الطريق والحق والحياة ليس احد ياتي الى الاب الا بي) يوحنا 6/14

(اني انا في الاب والاب في) يوحنا 10/14

وهناك نصوص أخرى شبيهة ، وسأكتفي بما أوردت مراعاة للاختصار، وسنفترض ان تلك النصوص المنسوبة ليسوع الناصري قد قالها كما هي بالضبط ، بلغته الآرامية التي كان يتحدث بها، وسنفترض ان ترجمتها من الارامية الى اليونانية كانت دقيقة جدا، وكذلك الترجمة من اليونانية القديمة الى اللغات المعاصرة، ومع افتراض دقة الترجمة، سنفترض ايضا، ان المراد من كلام يسوع المسيح هو متطابق تماما مع التفسير المسيحي لها، وان يسوع كان يصرح بحقيقة ألوهيته !

ومع افتراض صحة نسبة هذه العبارات ، وان يسوع الناصري قد قالها بشكل علني وكررها، وسمعها الناس او على الاقل تلاميذه وأتباعه ومريديه، ستواجهنا مشكلة خطيرة وجديرة بالبحث والتدقيق ، وهذه المشكلة هي ، اننا لا نرى اي ذكر لهذه العبارات والأقوال المهمة في جميع النصوص المسيحية المقدسة السابقة في زمن تدوينها على انجيل (يوحنا) والذي هو آخر الاناجيل، وقد تم تدوينه بعد فترة لا تقل عن سبعين عاما؟!!

وهنا يبرز سؤال مهم جدا، وهو، هل يعقل ان يهمل المدونون المتقدمون على زمن كتابة إنجيل (يوحنا) في الرسائل والأناجيل التي كتبوها، اقوال مهمة جدا قد قالها يسوع المسيح، وتتعلق بأهم ركن من أركان الإيمان المسيحي ،وعليه يتوقف الخلاص والنجاة لكل اجيال البشرية والى ان يرث الله الارض ومن عليها ؟!

ونحن هنا نتحدث عن عبارات وتصريحات من المفترض ان يسوع قد قالها بشكل علني، ولا نتحدث عن حادثة او جزء من قصة ،قد يكون التفت اليها احد كتبة الأناجيل، ولم يهتم بها كاتب اخر، ولسنا بصدد حكاية ينقل لنا كاتب للانجيل مقطع منها، وينقل لنا كاتب إنجيل آخر مقطع ثاني!!..وانما بصدد اقوال وتصريحات للمسيح يتوقف عليها اصل الايمان وجوهره!

واذا اخذنا في الاعتبار ان غرض الاشخاص الذين كتبوا اجزاء العهد الجديد، من رسائل واناجيل، كان يتمحور حول هدف رئيسي مهم جدا، وهو تعريف الناس بشخصية المسيح وحقيقتها، وتثبيت كل ما يدعم الإيمان الجديد ويبرهن على صحته وان هذا الإيمان - حسب الادعاء المسيحي - قائم على الاعتراف بالوهية المسيح وقبول تضحيته من اجل البشرية، فكيف والحال هذه، نفهم ان الذين كتبوا الجزء الاعظم من العهد الجديد، لم يذكروا او يثبتوا في مدوناتهم، اهم واعظم، الحقائق التي قالها الاله المخلص الفادي، بشكل علني، ليعلن للناس عن حقيقته السماوية!!!

ولا نجد اي تفسير عقلائي يبرر اهمال هذه الاقوال الخطيرة، والمحورية في تأصيل المعتقد المسيحي ، في اقسام العهد الجديد المتقدمة زمنيا، وظهورها بشكل مفاجئ ومكثف في آخر الأناجيل!!

وخصوصا انه لا يمكن الادعاء ان الأشخاص الذين كتبوا الرسائل والأناجيل السابقة ، كانوا يعلمون انه في المستقبل( بعد حوالي خمسين عام) سيقوم شخص او اشخاص بكتابة انجيل رابع ، وسيذكر فيه أقوال المسيح حول طبيعته الالهية !!

ان التفسير الوحيد والمنطقي، لهذا الاضطراب هو ان السادة كتبة الرسائل والأناجيل السابقة لإنجيل (يوحنا) لم يسمعوا أصلا بهكذا أقوال منسوبة ليسوع المسيح، ولو ان تلك الأقوال التي تم اختراعها لاحقا ، وتم وضعها على لسان يسوع ، كانت معروفة وشائعة لما تردد كتبة الأناجيل المتقدمة زمنيا في تثبيتها في اناجيلهم ، كما فعلوا في قصة إطعام 5000 شخص والتي نجد ذكرها قد تكرر في جميع الأناجيل الاربعة، فهل يعقل ان كتبة الاناجيل يحرصون على ذكر حادثة اعجازية ليسوع ، ويهملون ايراد اهم واخطر الأقوال التي من المفروض ان يسوع قد صرح بها معلنا للبشرية ألوهيته ؟!!

من الثابت في دراسة التاريخ، ان الحقائق تتعرض بمرور الزمن الى التشويه والطمس، بينما الأساطير تتميز انها تكبر وتتضخم كلما ابتعدنا عن زمن الحدث، وهذا بالضبط، ما حدث مع شخصية الشاب اليهودي يسوع الناصري، حيث أخذت شخصيته تكتسب الطابع الأسطوري، والذي من أهم خصائصه في تلك الحقبة الزمنية، اضفاء صفات وطبيعة سماوية إلهية على الشخصية، ولا بأس من وضع نصوص او عبارات على لسان الشخصية لغرض تثبيت تلك الطبيعة الالهية، ومن اجل ان يتم سد الثغرات وردم كل الفجوات في القصة والتي من الممكن ان يستفيد منها الاطراف الاخرى التي كانت ترى ان يسوع الناصري مجرد إنسان مثل بقية البشر، قام الاشخاص الذين كتبوا انجيل (يوحنا) بلغة يونانية وبعقلية متأثرة بالثقافة اليونانية المتشبعة بالأفكار الوثنية وتأليه البشر او تأنيس الالهة، قاموا بأختراع النصوص التي اوردناها وما يشبهها ، وثبتوها في سرديتهم النصية، والتي أصبحت مع مرور الزمن كتابا مقدسا !!!

 

د. جعفر الحكيم

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (33)

انفرد إنجيل (متى) من بين بقية أقسام العهد الجديد، بإيراد قصة هروب العائلة المقدسة (مريم وزوجها يوسف وابنهما يسوع) الى مصر، هربا من بطش الحاكم (هيرودس) الذي امر بقتل جميع الصبيان في بيت لحم، وحفاظا على حياة الطفل يسوع، وقد أفرد هذا الإنجيل كل الاصحاح الثاني، لسرد تفاصيل تلك القصة.

يعتبر إنجيل (متى) أحد الأناجيل القانونية الأربعة المعترف بها من قبل الكنيسة المسيحية، ويرجح الباحثون المتخصصون زمن كتابته الى فترة 60-65 ميلادية والبعض الآخر يرجح انه كتب في الفترة 80-100 ميلادية، أي أنه تمت كتابته في فترة لا تقل عن ثلاثين عاما بعد رحيل يسوع الناصري على اقرب الاحتمالات.

ويرجح المتخصصون في بحوث العهد الجديد، ان إنجيل (متى) تمت كتابته باللغة العبرية، حيث انه كان موجها الى الشعب اليهودي، على العكس من الأناجيل الثلاثة الاخرى والتي كانت كتابتها باللغة اليونانية، اما بخصوص الشخص او الاشخاص الذين كتبوا هذا الانجيل، فالحال مثل بقية الأناجيل، حيث ظل الكاتب مجهولا، فيما تم لاحقا في أواخر القرن الثاني الميلادي نسبة الأناجيل الى اسماء الاشخاص الذين اصبحت تحمل اسمائهم تحت عنوان :

الإنجيل بحسب (مرقص، متى، لوقا، يوحنا) !

امتاز إنجيل (متى) عن بقية الأناجيل، بمحاولة كاتبه (المجهول) والذي كان يجيد اللغة العبرية (لغة اليهود) بمحاولاته اللافتة والمتكررة في ربط مسيرة حياة يسوع الناصري بنبؤات العهد القديم (الكتاب المقدس لدى اليهود)

وقد مارس من اجل ذلك اساليب مثيرة وجريئة مثل الاجتزاء وتحريف المعنى، بل وصل به الأمر الى اختلاق نبؤات لا وجود لها في نصوص العهد القديم!!...كما أوضحنا ذلك في مقالات سابقة حين تم التطرق الى نبؤات (العذراء) ونبؤات الناصري وكذلك نبؤة (من مصر دعوت ابني).... ولن أعيد تكرار شرح هذا الموضوع مراعاة للاختصار.

ان قصة الرحلة المزعومة للسيدة مريم وزوجها يوسف النجار وابنهما الطفل الرضيع يسوع الى مصر، من ناحية الوثوقية التاريخية، لا تعدو كونها قصة مختلقة، مستندة على خبر متناقض وقائم على كذبة تاريخية مفضوحة، على الرغم من انه قد تم، لاحقا، إعطاء قصة هذه الرحلة المزعومة عنوانا فخما، بإيحاء قداسوي مؤثر (رحلة العائلة المقدسة!)

ويبدو ان المؤسسين الاوائل للديانة المسيحية، قد استشعروا الحرج من غياب المصداقية التاريخية لهذه القصة، فحاولوا ابتكار ادلة وبراهين تضفي على القصة لبوس الوثاقة التاريخية، وإخراجها على انها حقيقة تاريخية ذات مصداقية!

فكان الحل، باختراع أسلوب فذلكي مخادع، يستند الى (حلم) رآه السيد (ثينوفيلس) البابا الثالث والعشرين من بطاركة كنيسة الاسكندرية (376-403 م) حيث روى هذا الشخص عن نفسه أنه بعد صلاة طويلة وتضرع للرب جاءته العذراء في المنام وقصت عليه أنباء رحلتها بالتفصيل وطلبت منه أن يسجل رؤيته لها !!

فكان ان كتب هذا البابا وثيقة (ميمر) التي وثقت مسار وتفاصيل الرحلة استنادا على (الحلم) وبعد 300 عام من حدوثها !!

وبعيدا عن (حلم) السيد (ثينوفيلس) وسرده لمسار ومحطات الرحلة، والتي أصبحت مشروعا سياحيا دينيا، تتربح منه الدول!

وبالرجوع الى نصوص إنجيل (متى) سيكتشف القارئ، وبسهولة، ان هذه الرحلة المزعومة، استندت على كذبة تاريخية سمجة ومفضوحة، حيث ان الكاتب المجهول للانجيل ادعى ان سبب هروب العائلة الى مصر هو اصدار الحاكم (هيرودس)

امرا بقتل جميع الصبيان في مدينة (بيت لحم) من عمر سنتين فما دون، وهذا الادعاء الخطير، لا اصل له، ولم يتم ايراد اي ذكر له في اي مصدر تاريخي، ولا وجود له في السجلات الرومانية المحفوظة والتي وثقت كل الأحداث والأوامر السياسية في الامبراطورية.

والامر الاخر، والاهم، هو ان القصة التي أوردها كاتب انجيل (متى) تتناقض مع سرديات إنجيل (لوقا)!!

فعند قراءة قصة ميلاد يسوع الناصري، في الإنجيليين، ومقارنتهما مع بعضهما، سيكتشف القارئ، ان انجيل (لوقا) يرسم مسارا مختلفا لمسير العائلة، حيث نجدها بعد ولادة الطفل يسوع في بيت لحم، قد ذهبت الى اورشليم ومن ثم توجهت مباشرة الى مدينة الناصرة، وهذا التناقض بالقصة في إنجيلي (متى ولوقا) يستوجب ان تكون عائلة يسوع موجودة في منطقتين مختلفتين ومتباعدتين في الوقت نفسه!!...وقد فصلت الحديث عن هذا التناقض في الحلقة 25 من هذه السلسلة .

وقبل الشروع في ذكر الأسباب التي دعت كاتب إنجيل (متى) إلى اختلاق قصة الرحلة إلى مصر، اجد من الضروري الاشارة الى حقيقة مهمة ومركزية في هذا البحث، وهي ان كاتب هذا الإنجيل، وكذلك بقية كتبة الاناجيل الاخرى، لم يكونوا مؤرخين تاريخيين، ولم يكتبوا نصوصهم لغرض التوثيق التاريخي او ارخنة الاحداث، وانما كانوا أشخاص مؤمنين بعقيدة مستحدثة يحاولون من خلال كتاباتهم إثبات صحة هذه العقيدة لغرض اعطائها صفة المصداقية والقداسة، الأمر الذي يؤدي الى تأكيد صوابية الاعتقاد الجديد، ويسهل عملية جذب واستقطاب اكبر عدد ممكن من الناس الى ذلك المعتقد.

من هنا، نتفهم المحاولات الحثيثة لكاتب إنجيل (متى) والذي كان موجها إلى اليهود ومكتوبا بلغتهم، في ربط الأحداث بنبؤات العهد القديم، من اجل ان يثبت لليهود ان يسوع المسيح، هو الشخص الذي كانت تلك النبؤات تبشر بقدومه، وقد استخدم هذا الكاتب كل الاساليب الملتوية - كما اسلفنا سابقا- من اجل انجاح محاولاته، والتي تهدف بالنهاية الى اقناع اليهود، بما يعتقده الكاتب عن يسوع، بدلا من الاعتقاد السائد لدى السواد الأعظم منهم بأن يسوع الناصري، ما هو الا مدعي آخر للمسيحانية، وقد انكشف زيف ادعائه وكذب دعوته، من خلال نتيجة مصيره البائس والذي انتهى بتعليقه على خشبة اللعنة !

لقد كان اختلاق قصة هروب عائلة يسوع الى مصر، احدى تلك المحاولات التي ابتكرها كاتب الإنجيل، والغرض منها هو ربط أحداث القصة بنصوص وردت في العهد القديم، من اجل اعادة صياغتها وإخراجها بمظهر النبؤة المتحققة في يسوع!

لذلك نجد الكاتب، وبعد ان اختلق كذبة أوامر (هيرودس) بقتل أطفال (بيت لحم) يربط الموضوع بنص من سفر (ارميا)، لا علاقة له بيسوع ولا بولادته، وانما يصف احداث تاريخية سابقة

(صوت سمع في الرامة نوح وبكاء وعويل كثير راحيل تبكي على اولادها ولا تريد ان تتعزى لانهم ليسوا بموجودين)

ونفس الأسلوب المخادع، يكرره كاتب الإنجيل عندما حاول ربط عودة عائلة يسوع من مصر، بنص قام ببتره، واجتزاء قسم منه، لكي يصوره كنبوة تحققت في يسوع!!!

(و كان هناك الى وفاة هيرودس لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني) متى 2/15

بينما النص الأصلي في سفر (يهوشع) يتحدث عن اسرائيل، وليس عن يسوع ولا اي شخص اخر !!

(لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَمًا أَحْبَبْتُهُ، وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي) سفر يهوشع 11/1

ان القارئ لإنجيل (متى) بتمعن، سيلاحظ طريقة تميز بها كاتب هذا الإنجيل، وكررها بشكل مكثف ومتقصد، وهذه الطريقة تتوضح من خلال أسلوب الكاتب الذي يحاول جاهدا، ان يصنع تطابق واحيانا تشابه بين قصة النبي موسى وقصة يسوع!

وكأنه يريد الايحاء لليهود، الذين توجه بكتابه اليهم، ان شخصية يسوع هي بمثابة موسى الجديد، نظرا لما لشخصية النبي موسى من مكانة مقدسة جدا في الوجدان اليهودي، ومن خلال هذا الربط بين الشخصيتين، أراد الكاتب اقناع اليهود ان يسوع الناصري، ليس مسيحا كاذبا، وإنما هو النبي (الشبيه بموسى) والذي بشر به في سفر التثنية 18 !

من هنا تتضح لنا الاسباب التي دفعت كاتب الإنجيل إلى اختلاق قصة الهروب الى مصر، ليصنع تشابهات اختلقها، تربط بين شخصية موسى وشخصية يسوع….حيث يكون يسوع ناجيا من مجزرة ذبح الأطفال كما نجى موسى !

وكذلك يكون يسوع في مصر، حيث كان موسى، ولم يكتف الكاتب بذلك، وانما نجده يجتهد في اختلاق وفبركة تشابهات اخرى عديدة، مثل ذهاب يسوع الى البرية (الصحراء) وصيامه أربعين يوما، كما صام موسى أيضا، وفي الاصحاح السابع عشر، يخبرنا الكاتب ان يسوع صعد الى جبل (كما صعد موسى للجبل) وهناك حصل حادث التجلي، وحصل ايضا لقاء يسوع بالنبي موسى وإيليا !!

لقد كانت الغاية من اختلاق قصة رحلة العائلة المقدسة، وكذلك فبركة الاحداث الاخرى التي ذكرناها، هي لغرض استدراج اليهود إلى العقيدة الجديدة، واقناعهم ان يسوع الناصري هو النبي الذي بشر به موسى في سفر التثنية

(أقيم لهم نبيًا من وسط إخوتك مثلك وأجعل كلامي في فمه فيكلمهم بكل ما أوصيه به) تثنية 18/18

ومن أجل ذلك، حرص الكاتب على فبركة تشابهات مختلقة بين الشخصيتين، ليقنع اليهود أن هذه النبوءة تنطبق على يسوع الناصري، رغم ان النبوءة تتحدث بشكل واضح وصريح على أن ذلك النبي سيكون من اخوة قوم موسى (بني اسرائيل) والذين هم ابناء اسماعيل وكذلك أبناء عيسو (اخوة اسحق) وبقية ابناء ابراهيم، ولا تتحدث عن شخص من أبناء يعقوب (إسرائيل) كما هو الحال مع موسى وقومه اليهود، ولا مع يسوع الناصري والذي هو يهودي ايضا .

 

د.جعفر الحكيم

عدنان عويد(إذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزل على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن انزلهم على حكمك، فإنك لا تدري تصيب حكم الله فيهم أم لا. ).

من وصية النبي محمد (ص) إلى بريدة.

الحاكمية كمفهوم :

هي رؤية سياسية، يعتقد دعاتها بأن العقيدة الإسلامي هي المصدر الوحيد للتشريع أو الحكم بين الناس، القادر على إعادة إصلاح هذه الأمة بعد أن فسد أمرها، وأن كل الأفكار والمبادئ والنظريات الوضعية، هي مجرد رؤى جاهلية لا يقر بها الإسلام كنص مقدس، وتشريع اقره الله.

أول مرة طُرحت فيها الحاكمية في التاريخ العربي الإسلامي كان في معركة صفين التي تمرد فيها معاوية على الشرعية، الأمر الذي جعل بعض من كان يقاتل في تلك المعركة أن يرفع المصاحف على أسنة الرماح مطالباً المتقاتلين بضرورة الاحتكام إلى كتاب الله لحل الخلاف بين علي ومعاوية كما هو معروف تاريخياً، يومها قال لهم علي بن أبي طالب رداً على رفع المصاحف : (إن القرآن حمال أوجه)، ومع ذلك أصروا على التحكيم، ولكن بعد التحكيم خرج بعض من كان مع علي يُعيبون عليه قبوله هذا التحكيم ويعتبرونه مرتكباً للكبيرة، كونه قد تنازل عن حقه الشرعي في الخلافة بعد التحكيم وخالف الشرع، في حينها، ارتفعت بعض الأصوات التي تقول برفض التحكيم كلياً، واعتباره مخالفة لشرع الله، وبالتالي فالحل الوحيد لتجاوز الأزمة هو (حاكميه الله). حينها قال لهم علي ابن أبي طالب " (إن الحاكمية كلمة حق يراد بها باطل.. فوالله هذه الأمة لا بد لها من حاكم يسوسها فاجر كان أم مؤمن.).

منذ ذلك التاريخ تشكل تيار إسلامي ذو طابع سياسي سمي بالخوارج، وهو التيار الذي أصل الجذر التاريخي للتطرف الإسلامي الذي راح يفسر النص الديني وفقاً لهواه، ويحاسب الناس على ما يراه أهل الحل والعقد في هذا التيار من حرام وحلال. أو ما سموه بصحيح الإسلام. ومن عباءة الخوارج هؤلاء خرجت كل التيارات الإسلامية المتطرفة التي عرفها التاريخ الإسلامي، منذ ذاك التاريخ حتى اليوم.

الحاكمية أمام مبضع النقد

الحاكمية مفهوم ملتبس في دلالاته المعرفية والعملية، إلا أنها في سياقها العام تقول : (لا حكم على الناس إلا حكم لله)، وكل حكم يقول به الناس غير الحكم التي جاء به (القرآن) هو كفر وخروج عن الدين وتجاوز لحقوق الله.

أما قضية الالتباس في مفهوم الحاكمية فقد جاءت لاعتبارات تتعلق بطبيعة النص الديني نفسه، وبخاصة في الآيات المتشابهات وموقف الإنسان نفسه من هذا النص الديني، ودور مصالحه في تفسيره أو تأويله، أو حتى وضع بعض النصوص الدينية (الحديث) تمريراً أو تثبيتاً لهذه المصالح الدنيوية. وإذا ما نظرنا إلى تلك المواقف الإنسانية تجاه النص الديني المقدس لوجدناها قد شكلت عوامل الالتباس في مفهوم الحاكمية وتطبيقها عملياً على أرض الواقع، وبالتالي نستطيع الإشارة إلى أهمها هنا وهي:

أولاً: في حجة الوداع نزلت الآية القرآنية (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) (المائدة – 3)

ففي تفسير هذه الآية اختلف الكثير من رجال الدين وفقهائه حول دلالات هذه الآية، هل هذه الآية تقول بأن الإسلام قد اكتمل بما يدعو إليه من إيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخرة، ومن تأكيد للأخلاق الحميدة التي بشر بها الرسول وفقاً لتعاليم الإسلام التي يريدها الله لعباده، وهي أخلاق أو قيم العدل والمساواة والمحبة والتسامح وغير ذلك؟. أم أن الآية تقول بأن الإسلام كدين قد اكتمل وفقاً لهذه الآية كدين ودولة معاً؟. وهذا رأي طلاب السلطة في تاريخ الدول الإسلامية منذ صفين حتى اليوم. وخير من عبر عن هذا الموقف من الدين بعد سقوط الخلافة الإسلامية عام 1924 على يد كمال أتاتورك، هي تلك الأصوات التي ارتفعت في مصر تطالب بعودة الخلافة كما فعل رشد رضا وبعض رجال التيار السلفي الأزهري. وهناك من وقف ضد هذه الرغبة كما هو الحال مع الشيخ الأزهري علي عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) الذي قال بأن الإسلام لم يتضمن مفهوم الدولة في متن نصوصه المقدسة، الأمر الذي كلفه رأيه هذا الكثير من المعاناة، حيث حُورب ، وفُصل من عمله. كما طرحه أيضاً (الإخوان المسلمون) كتنظيم سياسي، حيث جاء واضحاً في كتاب (معالم في الطريق) لسيد قطب، وكذلك تيار القاعدة بكل فصائله، وهو ما تمثله اليوم دولة الخلافة المعلن قيامها في سورية والعراق من قبل داعش والنصرة وكثير من الفصائل الإسلامية الجهادية في سورية أو غيرها.

ثانياً: إن مسألة الصراع على السلطة فتح في المجال واسعاً أمام شهوة طلابها كما أشرنا أعلاه، في الاشتغال على تفسير النص المقدس وتأويله ووضع الأحاديث التي تُرضي مصالحهم منذ بداية طرحها في تاريخ الدولة الإسلامية. وهذا ما أدخل الدين ذاته (العقيدة) وليس الحاكمية فحسب، في إشكالات معرفية كثيرة منها إشكالية القضاء والقدر ما بين الجبرية والقدرية، وإشكالية مرتكب الكبيرة كافر هو أم مذنب، حيث قرر الخوارج كفره، وقال المعتزلة بأنه بين منزلتين، بينما المرجئة فقد ردوا أمر تحديد ذنبه في العقاب إلى يوم الحساب. كما ظهرت إشكالية الافتراء على الدين نفسه، عندما تحولت الخلافة إلى ملك عضوض مع معاوية، وراح من بعده الخلفاء الأمويون والعباسيون يفترون على الله نفسه، عندما قالوا بان الله هو من اختارهم خلفاء له في قيادة هذه الأمة، وراحوا يفسرون الدين ومن ساعدهم من فقهاء ذاك الزمان بما يخدم مصالحهم، وليقيموا محاكم التفتيش، يكفرون من خلالها من يختلف معهم ويمنحون صكوك الغفران لمن يؤيد حكمهم. هذا إضافة إلى من قال ببطلان هذه الخلافة الأموية والعباسية كلها وهي خروج عن النص الديني الذي قال إن الخلافة أو الإمامة قررت بالوصية كما تقول شيعة علي ، أو بالإجماع والاختيار كما قال الخوارج. دون أن نغفل هنا ذاك الخلاف أيضاً بين من قال بأن الخلافة يجب ان تحصر بالبيت القرشي، وبين من قال هي حق لكل مسلم يمتلك صفات الوصول إليها حتى ولو كان عبداً حبشي.

ثالثاً: بعد ثلاثة قرون من الصراع على السلطة ومسألة الحاكمية، وما تركه هذا الصراع من اختلافات لم ترحم المسلمين يوماً، لا من الناحية الفكرية ولا العملية، حيث كفر الكثير وزندقوا لآرائهم الفكرية أو الدينية، كما قتل الكثير وصلب، وقطعت الرؤوس والأوصال، وسالت الدماء وهدمت البيوت وشرد أهلها، ومع وصولنا إلى نهاية القرن الثالث للهجرة مع الركن الربع من أركان الفكر السلفي (أحمد بن حنبل)، الذي أوقف ومن جاء بعده من تلاميذه الاجتهاد، وحُدد صحيح الإسلام بمراجعه الأصلية وهي : (القرآن والحديث والقياس وإجماع أهل المدينة أو أهل الحل والعقد في تلك القرون الثلاثة). ومع إيقاف الاجتهاد أوقف دور العقل وحرية الإرادة، كما أوقفت حركة التاريخ نحو الإمام، وأصبحت حركة تراجعية، نقطة نهايتها هو القرن الثالث للهجرة. وبالتالي أصبح كل جديد بدعه وكل بدعه ضلالة.. وبذلك حددت نهاية التاريخ في مسألة الدين والدنيا معاً. وأصبحت الحاكمية محكومة حتى هذا التاريخ بما قال به أنس بن مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وابن حنبل، وأخيراً من دون الحديث في القرن الثالث للهجرة كالبخاري ومسلم وإبن ماجه وأبو داوود وغيرهم ممن اشتغل على جمع الحديث أو رويه، ممن انطبقت عليه شروط الجرح والتعديل في مسألة الثقة في أخلاقه وانتمائه للبيت السلفي. كأبي حسن الأشعري، وأبي حامد الغزالي، وابن تيمية، وابن قيم الجوزية والشاطبي والقطني وغيرهم الكثير من فقها الخلافة الإسلامية، وصولاً إلى محمد بن عبد الوهاب والباز ومحمد سعيد مضان البوطي وغيرهم الكثير من رجال الدين السلفيين ومشايخه في تاريخينا المعاصر، الذي أنتج كل من يرفض الأخر ويكفره ويقول بالفرقة الناجية، كما أنتج كل تلك الفصائل الجهادية التي اتخذت من (القرآن والسيف)، أداتين أساسيتين لبناء خلافة الإسلام التي بشر بها الرسول محمد (ص). وفي مقدمة من راح يبشر في هذه الخلافة في تاريخنا المعاصر كما اشرنا اعلاه، (الإخوان المسلمون) وكل الفصائل التي تفرعت أو انشقت عنه ومنها القاعدة وتياراتها كداعش والنصرة وغيرهما.

رابعاً: من القضايا الإشكالية التي أثرت على مسألة الحاكمية هي قضية من هو المؤمن؟. هل المؤمن هو من آمن بقلبه ولسانه فقط؟، أم هو من آمن بقلبه ولسانه وجوارحه؟. أي هو من ربط في إيمانه بين قلبه وعقله وعمله؟. لقد تحولت هذه المسألة إلى حالات صراع طويل في تاريخ الدولة الإسلامية لم يزل قائماً بين رجال الدين ومشايخه... صراع بين من يرفض استخدام العنف ضد المختلف، ويعتبر الإسلام دين رحمة ومحبة وتسامح، وبين من يقول بأن هذا الدين هو الدين الحق، وهو خاتم الديانات، وكل من لا يخضع لعقيدته وتعاليمه فهو كافر ويجب أن يقام عليه الحد كما فعلت داعش في سورية والعراق. وهذا يدفعنا أن ننتقل إلى قضية إشكالية أخرى وهي:

خامساً: اعتبار بعض رجال الدين السلفيين المتطرفين أن الإسلام فقط هو الدين الإسلامي الذي بشر به محمد (ص)، وما عداه دين كفر، حيث راحوا يفسرون هذه الآيات القرآنية التالية وفقاً لفهمهم ومصالحهم هم.(إن الدين عند الله الإسلام). (آل عمران – 19. (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين). (آل عمران- 85). وهم باقتصارهم الإسلام على الدين الإسلامي (المحمدي) فقط، قد تجاهلوا تلك الآيات التي تقرر أن المسلم هو كل من أسلم أمره لله وآمن بكتبه ورسله واليوم الآخرة ، وهذا ما تقرره الآيات التالية بصريح الدلالة: (قالت يا أيها الملأ إني ألقي إليّ كتاب كريم، إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، ألا تعلوا عليّ وأتوني مسلمين. ). (النمل – 29-30-31). ( ووصى ابراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وانتم مسلمون.). (البقرة – 132 ). وكذلك قوله تعالى في سورة يوسف: (توفني مسلماً والحقني بالصالحين). (يوسف – 101 ). (فلما أحسّ عيسى منهم الكفر قال مَنْ أنصاري إلى الله ؟. قال الحواريون نحن انصار الله آمنا به وأشهد بأنا مسلمون.).(آل عمران – 52). وأخيرا لم تكن هذه الآية الكريمة التي جاءت مع حجة الوداع إلا تأكيداً على أن أتباع محمد ليسوا إلا مسلمين كغيرهم ممن أسلموا لله : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لك الإسلام دينا.).(المائدة – 3 ).

إن قول الله عز وجل (ورضيت لكم الإسلام دينا)، تشير دلالتها إلى أن الإسلام دين قد طُرح قبل الرسالة المحمدية، وقد جاء الرسول ليبشر به من جديد.

سادساً: وهنا تكمن إشكالية الحاكمية الأكثر خطورة على الدين والمجتمع معاً، وهي قضية تحديد الناسخ والمنسوخ بين الآيات المكيات والمدنيات من جهة، وبين قضية اختيار الآيات التي على أساسها تتم عملية تفسير النص المقدس الذي سيأخذ به وبالتالي تطبيقه على الواقع من جهة ثانية. ففي الوقت الذي نجد فيه الآيات المكيات تدعو إلى المحبة والتسامح وأن الرسول ليس إلا مبشراً، وليس له سيطرة على أحد، وتحديد من هو المؤمن ومن هو الكافر. نجد في المقابل الآيات المدنيات التي تدعوا إلى الجهاد، والقتل والصلب والتشفي بقتل العدو (الكافر). ودعاة الحاكمية أمام اشكالية هذه الآيات المكية والمدنية، راحوا يقولون بأن هذه الآيات المدنيات قد نسخت الكثير من الآيات المكيات، حيث يقول بعض دعاة الحاكمية بأن (الآية الخامسة من سورة (التوبة.) مثلاً وهي القائلة :( (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم)، قد نسخت أكثر من (500) آية محكمة من الآيات السابقة عليها التي تدعوا المؤمنين إلى الصبر، والاكتفاء بدعوى الفكر، وعدم الابتداء بالقتال، وترك الناس وشؤونهم العقدية، ورفض الإكراه على الدين.

من هنا نرى كيف مورست الحاكمية اليوم من قبل داعش في سورية والعراق، عبر محاسبة الناس وفقاً لتفسير أو تأويل النص الديني المقدس من قبل أهل الحل والعقد عندهم، ثم كيف حددت صفات الكافر أو المذنب، الذي مُورست بحقه عقوبة القتل أو الصلب أو الجلد. وهي أحكام لم تراع لا الحرية في التعبير، ولا الاختلاف في الرأي، ولا الشورى أو الديمقراطية أو كل ما يمت إلى الإسلام بصلة سوى صلة مصالح أهل الحل والعقد من دعاة هذه الحاكمية وفهمهم في تفسير النص المقدس الذي كلفوا أنفسهم هم وحدهم تفسيره وتطبيقه على العباد.

هكذا نرى أن الإسلام ليس خاصاً بالإسلام الذي بشر به محمد (ص) فحسب، بل هو دين الله لعباده الصالحين ... لكل عباده دون استثناء، وهذا ما يجعلنا نقف أمام تلك التصرفات اللاإسلامية التي مورست سابقاً وتمارس اليوم بإسم الإسلام وحاكمية بعض دعاته على أهل الكتاب من إخوتنا المسيحيين والأزيديين وغيرهم من الأقليات الدينية في خلافة داعش الموهومة .

من كل هذه المعطيات التي جئنا عليها كإشكاليات في فهم وتطبيق الحاكمية، يتبدى لنا أن (القرآن والحديث والقياس والإجماع) هي المرجعية الوحيدة لدعاة هذه الحاكمية كما يقول التيار السلفي كله في تياراته الثلاثة الدعوي والمدخلي والجهادي. وأن أهل الحل والعقد هم ممن يطالب بتطبيق هذه الحاكمية عملياً، وهم وحدهم الذين يحق لهم تفسير هذا النص وتأويله وتطبيقه على حياة الناس وفقاً للمرحلة التاريخية التي عاشها الجيل الأول من الصحابة أو حتى القرن الثالث للهجرة كما يقول ما يقول الإخوان وتنظيم القاعدة والتيار السلفي بعمومه. وبالتالي هذا يفرض إقصاء كل فكر وضعي يضعه الإنسان كونه فكر جاهلية يخالف النص المقدس، وهذا يقوم عليه محاربة الديمقراطية والعلمانية والليبرالية وما تتضمنه من تعددية ورأي ورأي آخر كون كل ذلك يمثل عالم الجاهلية والكفر.

إن المشكلة هنا إذاً، هي ترك أهل الحل والعقد الممثلين لهذه الحاكمية من يتحكم برقاب الناس ومصيرهم وفقاً لفهمهم (كبشر) لهذا النص الديني الذي لم يراعوا فيه إشكالية الآيات المتشابهات. وهذا يعني أن الحاكمية لم تعد لله، وإنما لمجموعة من رجال الدين الذين فوضوا أنفسهم حكم البشر بإسم الله، وراحوا يفرضون على الناس قناعاتهم وفهمهم للنص المقدس وفقاً لمصالحهم وشهوة السلطة لديهم، تحت ذريعة أن ما يحكمون به هو حكم الله الذي لا راد لحكمه المطلق، وهو الحكم ذاته الذي أعطاهم الحق في فرض الجزية على أهل الكتاب اليوم بعد أن أصبح للمسيحي ما للمسلم من حقوق وواجبات فرضها تطور الواقع وحقوق الإنسان والمواطنة، ثم اعتبارا لاختلاف في الرأي والسلوكية معهم كفراً وزندقة، وبالتالي لابد من ممارسة العقاب الذي يقررونه هم وفقاً لدرجة الذنب الذي ارتكبه، والذي يصل إلى درجات الجلد أو الصلب أو القتل أو قطع الرأس وتقطيع الأوصال من خلاف.

إن ما يقوم به الفصائل الجهادية وفي مقدمتها داعش اليوم من ممارسات ضد من هم تحت سلطة دولتهم الموهومه، هو التطبيق العملي لهذه الحاكمية من جهة، وأن من يقوم بتطبيق هذه الحاكمية ممن نعرف قيم بعضهم الأخلاقية والسلوكية السيئة، هم أهل الحل والعقد لها ثانياً.

ختاماً نقول: إن الحاكمية في رؤيتها وأدواتها وأهدافها، ليست أكثر من مواقف ارتجالية لشخصيات ركبت صهوة الدين وراحت تفسر النص المقدس وفقاً لمصالح خاصة بها، تحت ذريعة إقامة خلافة إسلامية موهومة بإسم الحاكمية لله، التي تريد تحقيق العدل والمساواة والمحبة، ونشر القيم الأخلاقية التي بشر بها الإسلام، للقضاء على عالم الجاهلية والكفر، عالم الفساد والظلم وعدم المساواة. إنها حاكمية قد حددت بداية التاريخ الإنساني ونهايته في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، وكل ما جاء بعدها بدعة وضلالة.. إنها حاكميه وضعت نهاية للتاريخ الإنساني. بيد أن ما نراه من سلوكيات وممارسات اخلاقية للكثير من دعاتها اليوم ينطبق عليه المثل الشعبي المصري الذي يقول : (أسمع كلامك يعجبني، أشوف عمايلك أستغرب.). أو قول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ* كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ). الصف- 2 و3).

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

 

علي القاسميخلاصة: ترمي هذه الدراسة إلى إثبات أن ما يُعرَف بالنهضة العربية لم يكن مقتصراً على الشام ومصر، كما يروَّج في كتب التاريخ والكتب المدرسية؛ وإنما شمل جميع البلدان العربية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين، لتشابه ظروفها وأحوالها. فالنهضة حصلت في الجزائر كذلك، وكان من أبرز روادها الإمام عبد الحميد بن باديس، الذي لم يقتصر جهاده على استخدام الصحافة والجمعيات الوطنية وسائلَ لليقظة العربية كما فعل معظم رواد النهضة في الشام ومصر، بل أضاف إلى ذلك الوسيلة الأكثر نجوعاَ والأشد تأثيراً وهي التعليم الذي مارسه بنفسه ومن خلال المدارس التي أنشأتها جمعية علماء المسلمين في جميع أنحاء الجزائر، وبذلك بذر بذور الوطنية العربية الإسلامية التي أثمرت الحرية والاستقلال بالثورة الجزائرية المجيدة.

1 ـ تمهيد: لماذا العودة إلى موضوع النهضة العربية؟

قد يتساءل المرء: لماذا العودة اليوم إلى موضوع النهضة العربية التي وقعت في القرن التاسع عشر الميلادي ونحن اليوم في القرن الحادي والعشرين؟

الجواب ببساطة وصراحة: لأن أوضاع الأمة العربية الإسلامية اليوم أسوأ مما كانت عليه في العصر الذي استوجب يقظة عربية لتغييرها وإصلاحها وتحسينها.

كانت الأمة العربية آنذاك مقسمة إلى بلدان تحت حكم الإمبراطورية العثمانية أو البريطانية أو الفرنسية، ويهيمن الجهل على شعوبها التي ترزح تحت وطأة الفقر والمرض، وانتشرت فيها البدع والخرافات البعيدة عن روح الإسلام. وكانت لغتها العربية مهمشة مهملة.

وإذا نظرنا اليوم إلى تقرير التنمية البشرية الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنوياً ويرتب فيه الدول الأعضاء حسب تقدمها في مجالات الصحة والتعليم والدخل الفردي، نجد أن الدول العربية تقبع في آخر السلم (1)، في عداد الدول المتخلفة تماماً مثل الدول الأفريقية التي لا تمتلك لغة مشتركة، ومن أسباب تخلف الدول العربية اليوم أنها تستعمل لغة المستعمِر القديم، الإنكليزية أو الفرنسية، في التعليم العالي، والمؤسسات الاقتصادية والمالية، والإعلام، والحياة العامة. إضافة إلى قطاعات كبيرة من شعوبها تفهم الإسلام في ضوء التقاليد الطائفية البالية الموروثة من عصور الانحطاط، فتكثر فيها الحروب الأهلية، وتشن الحرب على بعضها ، مما يزيدها فقراً على فقر، وجهلاً على جهل، وتخلفاً على تخلّف.

وفي مثل هذه الأوضاع المزرية، أليس حرياً بنا أن ندعو إلى يقظة عربية جديدة، أو ندرس، على الأقل، النهضة العربية القديمة ونطَّلع على منهجيات روادها، والوسائل التي استخدموها في تحقيق يقظة العرب؟

لا بد لنا من إيجاد وعي تاريخي لدى العرب بطبيعة المرحلة الراهنة ومتطلباتها.

2 ـ النهضة العربية:

2.1. ماهية النهضة العربية:

تخبرنا كتب التاريخ الحديث، بما فيها الكتب المدرسية، أن النهضة العربية (التي تسمى كذلك باليقظة العربية أو اليقظة الفكرية أو حركة التنوير العربية) هي حركة فكرية حصلت في الشام ومصر خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، وقد أسهمت عوامل سياسية واجتماعية وثقافية في انبعاثها.

وفي طليعة هذه العوامل السياسية، الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798م، وضعف الدولة العثمانية، وسعي محمد علي باشا الذي تولى حكم مصر سنة 1805م إلى إنشاء دولة عربية مستقلة عن الدولة العثمانية. وأدت هذه العوامل إلى ظهور شعور وطني عربي.

أما العوامل الاجتماعية فأهمها بروز طبقة متوسطة شجعت الثقافة والتعليم. وتتلخص العوامل الثقافية بإنشاء المدارس، خاصة مدارس الإرساليات التبشيرية، ودخول المطابع، ونشر الصحف، وإرسال البعثات إلى أوربا، وحركة الترجمة من اللغات الأوربية، خاصة الفرنسية والإنكليزية، إلى العربية كما تجلت في ترجمات رفاعة الطهطاوي وسليمان البستاني وغيرهما، وإنشاء المكتبات العامة، وتشييد المسارح، كدار الأوبرا التي شُيدت في القاهرة بمناسبة افتتاح قناة السويس سنة 1869، والمسرح الذي أنشأه أبو خليل القباني (1833 ـ 1903) في دمشق.

وكان من نتائج هذه اليقظة الفكرية الدعوةُ إلى محاربة الجهل والشعوذة في المجتمع، والدعوة إلى تعليم المرأة، وصيانة اللغة العربية، وإحياء الهُوية العربية، ومقاومة الاستبداد في الحكم التي تجلت خاصة في مقالات عبد الرحمن الكواكبي (1271ـ1320ه/ 1855ـ 1902م) التي أصدرها فيما بعد في كتابه " طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" (1320ه/1902م) ودفع حياته ثمناً لذلك.

وتُبرِز الدراسات التاريخية التي تناولت النهضة العربية دورَ المفكرين والأدباء المسيحيين العرب، مثل بطرس البستاني (1819 ـ 1883م)، وإبراهيم اليازجي (1847 ـ 1906م)، وشبلي الشميل (1850 ـ 1917م)، وفرح أنطون (1874 ـ 1922م)، وجورجي زيدان (1861 ـ 1914م)، وغيرهم كثير في الشام. وقد هاجر بعضهم، هرباً من الاضطهاد العثماني إلى مصر التي كانت تتمتع بشيء من الاستقلال عن الحكومة العثمانية (2).

كما تذكر تلك الدراسات بالعرفان دور المفكرين المسلمين في هذه النهضة مثل رفاعة الطهطاوي (1801 ـ 1873م) وجمال الدين الأفغاني (1838 ـ 1897م) ومحمد عبده (1849 ـ 1905) ورشيد رضا (1865 ـ 1936م) وقاسم أمين (1863 ـ 1908م) وغيرهم.

2.2. نقد الدراسات التاريخية حول النهضة العربية:

أثناء دراستنا لعدد كبير من الكتب والمقالات التي تتناول النهضة العربية، عنّت لنا ملاحظاتٌ، نورد أهمَّها فيما يأتي:

2.2.1. الفترة التاريخية للنهضة العربية:

تشير معظم الدراسات التاريخية إلى أن النهضة العربية وقعت في القرنين الثامن عشر الميلادي والتاسع عشر الميلادي. وفي مقدمة المؤرخين الذين يقولون بالقرن الثامن عشر الميلادي المؤرخ البريطاني من أصل لبناني الدكتور ألبرت حوراني (1915 ـ 1993م)، وضمّن رأيه في كتابه الشهير " الفكر العربي في عصر النهضة 1798 ـ1939"،(3) معتبراً أن الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798م هي بداية النهضة العربية، وقد درس الفكر العربي في تلك الفترة من خلال أعمال الطهطاوي، والأفغاني، وشبلي الشميل وفرح أنطون، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وطه حسين (1917 ـ1973م). والذين قالوا بأن النهضة حصلت في بداية القرن التاسع عشر اعتمدوا على تاريخ تولي محمد علي باشا (1769 ـ 1849) حكم مصر سنة 1805م (4).

بيدَ أننا لا نتفق مع الرأي القائل بأن النهضة العربية وقعت في القرن الثامن عشر ولا مع الرأي القائل بأنها وقعت في بداية القرن التاسع عشر، بل نرى أنها وقعت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي والنصف الأول من القرن العشرين (حتى الحرب العالمية الثانية 1939 ـ 1945)، وذلك لسببيْن هما:

أ‌) إن جميع رجالات النهضة الفكرية الذين ذكرتهم تلك الدراسات التاريخية، بمن فيهم أولئك الذين درس أعمالهم ألبرت حوراني، عاشوا أو نشروا أفكارهم خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وليس في القرن الثامن عشر أو النصف الأول من القرن التاسع عشر.

ب‌) إن واقعة تاريخية مثل الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798م أو تنصيب محمد علي باشا والياً على مصر سنة 1805م قد تثير مشاعر كثيرة لدى المصريين والمسلمين، ولكنها لا تشكل بحد ذاتها نهضة عربية. فردود الأفعال للوقائع الاجتماعية والسياسية، تأخذ وقتاً طويلاً قبل أن تتحول إلى حراك فكري.

2.2.2. الرقعة الجغرافية للنهضة العربية:

تكاد أغلبية الدراسات التاريخية تجمع على أن النهضة العربية والدعوات الإصلاحية وقعت خلال القرن التاسع عشر في الشام ومصر فقط، ولا تذكر بقية البلدان العربية. غير أننا ندرك أن البلدان العربية كانت في القرن التاسع عشر الميلادي في وضع واحد من التخلف والجهل والتبعية للأجنبي على اختلاف هويته، وأن لغتها العربية كانت مهملة مهمشة، وأن الشعوب العربية خضعت جميعها لظروف ثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية متشابهة أدت إلى دعوات إلى الإصلاح وإحداث نهضة عربية. وأهمل أولئك المؤرخون الدعوات الإصلاحية والحركة الفكرية التي حصلت في بقية البلدان العربية. ولقد تنبه صديقنا الدكتور عمار الطالبي إلى هذه الحقيقة فقال:

" ولم يعالج أحد من المسلمين في النصف الأول من القرن العشرين ـ فيما أعلم ـ مشكلة الفكر الإصلاحي في المغرب الأوسط إلا أستاذنا مالك بن نبي، فإنه تناول هذه النهضة الحديثة وحللها تحليلاً علميا نقدياً..." (5)

وفي دراسة سابقة لنا أثبتنا أن النهضة العربية لم تقتصر على الشام ومصر، بل وقعت كذلك في العراق في النصف الثاني للقرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بفضل دخول الطباعة وظهور الصحافة وبروز طبقة متوسطة شجعت إنشاء المدارس. وكان من مفكريها محمود شكري الآلوسي (1856 ـ 1924م) والأب أنستاس ماري الكرملي (1866 ـ 1947م)، وغيرهما (6).

واليوم نبين في هذه الدراسة أن النهضة العربية انبعثت كذلك في الفترة ذاتها في الجزائر، وأن الأمام عبد الحميد بن باديس هو من رواد النهضة العربية الشاملة.

2.2.3. النطاق الموضوعي للنهضة العربية:

إن الدراسات التاريخية التي تناولت النهضة العربية في المشرق العربي، عدّتها يقظة فكرية أو حركة تنويرية محضة ليست لها أهداف سياسية، وأغفلت الجانب السياسي لهذه النهضة، أو عالجته بصورة منفصلة عن النهضة العربية.

وفي حقيقة الأمر، اشتملت النهضة العربية على شق سياسي تمثّل في الجمعيات الوطنية، التي هي بمثابة الأحزاب السياسية في أيامنا هذه. وكان معظمها سري أو اتخذ صورة النوادي الأدبية أو الجمعيات العلمية، لتفادي قمع السلطات العثمانية. وكان هدفها المطالبة بالحكم الذاتي للأقاليم العربية واستعمال اللغة العربية لغة رسمية فيها، ثم ما لبثت أن دعت إلى استقلال الولايات العربية عن الإمبراطورية العثمانية. ومن هذه الجمعيات:

أـ الجمعية السورية (جمعية العلوم والفنون) في بيروت، 1847، وكان من أعضائها بطرس البستاني وناصيف اليازجي. وكانت تعمل على إحياء التراث العربي للتحسيس بهوية قومية عربية.

ب ـ الجمعية السرية في بيروت، 1875، وكان من أعضائها فارس النمر وإبراهيم اليازجي، وكانت تحرِّض العرب على المطالبة بحقوقهم.

ج ـ جمعية العربية الفتاة في باريس، 1909، وكانت لها فروع في الشام، وقد انضم إليها بعض أولاد شريف مكة الحسين بن علي المطالب باستقلال الأقاليم العربية عن الإمبراطورية العثمانية.

د ـ المنتدى الأدبي العربي في الأستانة، 1909، الذي صمّم علماً للقومية العربية من أربعة ألوان، استناداً إلى بيت للشاعر صفي الدين الحلي:

بيضٌ صنائعنا، سودٌ وقائعنا       خضرٌ مرابعنا، حمرٌ مواضينا

هـ ـ حزب اللامركزية العثمانية في القاهرة، 1912. (7)

وقد شارك جلُّ رواد اليقظة الفكرية، مثل ناصيف اليازجي، وابنه إبراهيم اليازجي، وبطرس البستاني، في تأسيس هذه الجمعيات الوطنية. كما أن هذه الجمعيات اتبعت نفس طرائق رواد النهضة الفكرية في إيقاظ الوعي العربي، مثل إحياء اللغة العربية وآدابها، وإحياء التراث العربي، والتركيز على التاريخ العربي الإسلامي؛ وهي طرائق مشابهة لتلك التي استخدمها المفكرون الألمان خلال القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين لتحقيق وحدة الولايات الألمانية في دولة واحدة. (يُلاحظ أن المفكر النهضوي المسيحي جورجي زيدان لم يؤلِّف ثلاثة كتب عن اللغة العربية هي: اللغة العربية كائن حي (بيروت 1898م)، الألفاظ العربية والفلسغة اللغوية (بيروت 1889م)، تاريخ آداب اللغة العربية (4 أجزاء، مصر 1911م) فحسب، بل كتب كذلك في التاريخ الإسلامي كتابه الشهير: " تاريخ التمدن الإسلامي" (مصر 1902) إضافة إلى 23 رواية تاريخية مستمدة من التاريخ العربي الإسلامي، وذلك لغرض إيقاظ الشعور القومي العربي بهُوية متفردة، بهدف استقلال الأمة العربية.

وعندما انعقد (المؤتمر العربي الأول) في باريس، سنة 1913، الذي شارك فيه مفكرون وسياسيون وبعض أعضاء تلك الجمعيات الوطنية، طالب باللغة العربية لغة رسمية بالأقاليم العربية، كما أًوضح المؤتمرون إدراكهم أن الإمبريالية الأوربية تشكِّل خطراً على الولايات العربية العثمانية، فقد احتلت بعض الدول الأوربية بالفعل عدداً من الأقطار العربية مثل مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب (8).

وخلاصة القول في هذه النقطة، أن النهضة العربية في الشام ومصر لم تكن يقظة فكرية أو حركة تنويرية فحسب، بل حركة سياسية كذلك تسعى إلى استقلال العرب في جميع أقطارهم ووحدتهم.

2.2.4. وحدة المنهجية في النهضة العربية :

تعطي بعض الدراسات التاريخية التي تتناول النهضة العربية الانطباع بأنها ذات منهجية واحدة. وفي حقيقة الأمر، إذا كانت للنهضة العربية غاية واحدة هي تقدُّم العرب واستقلالهم ووحدتهم، فإننا نستطيع أن نفرّق بين تياريْن فكريين في النهضة يختلفان من حيث نظرتهما إلى السبيل والأساليب الواجب اتباعها لبلوغ تلك الغاية النبيلة:

أ ـ تيار سلفي:

يدعو هذا التيار ، دينياً، إلى العودة إلى ما كان عليه السلف الصالح، ويدعو إلى محاربة البدع والشعوذة والطرقية، وفتح باب الاجتهاد، والتوفيق بين العِلم والدين.

ويدعو ، سياسياً، إلى الشورى ونبذ الاستبداد، ، ووحدة العالم الإسلامي، ومناهضة الاستعمار.

ويدعو، اجتماعياً، إلى نشر التعليم، وضرورة تعليم المرأة.

وكان من رواد هذا التيار المفكرون المسلمون مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا،

ب ـ تيار علماني:

ويدعو هذا التيار إلى فصل الدين عن الدولة، وإلغاء الطائفية في الحكم. ولا يعني بالضرورة أنه ضد الدين.

ويدعو، سياسياً، إلى تبني الديمقراطية، واحترام الحريات العامة، واستقلال البلدان العربية.

ويدعو، اجتماعياً، إلى نشر التعليم وتحرير المرأة وتعليمها.

ومعظم النهضويين المسيحيين كانوا من هذا التيار، مثل شبلي شميل وفرح أنطون وغيرهم، لأنهم كانوا يشعرون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية في الإمبراطورية العثمانية التي كانت تقوم، من حيث الأساس، على الأتراك المسلمين الأحناف. ولهذا، فإن المسيحيين العرب كانوا يطمحون إلى قيام دولة عربية يتمتع فيها جميع المواطنين بحقوقهم على قدم المساواة بغض النظر عن دينهم أو مذهبهم أو عرقهم. وهذا هو الأساس في تقدُّم الدول؛ فالعدل أساس الملك. وهذا هو جوهر الإسلام.

.2.3. نقد الوسائل التي اتبعها رواد النهضة:

لتحقيق أهداف النهضة العربية، اتبع المفكرون في الشام ومصر الوسائل التالية:

أ ـ الصحافة: فقد أنشأ أولئك المفكرون الدوريات على اختلاف أنواعها. فأصدر جمال الدين الأفغاني وتلميذة محمد عبده "العروة الوثقى" في باريس، وأسس الكواكبي أول صحيفة عربية في حلب " الشهداء" باسم صديق له سنة 1877م وعندما أغلقت بعد مدة أصدر جريدة "الاعتدال" سنة 1879م باسم صديق آخر. وأصدر الطبيب شبلي شميل مجلة " الشفاء" الأسبوعية في بيروت سنة 1886م. وعندما انتقل اللبناني فرح أنطون إلى الإسكندرية في مصر هارباً من الاضطهاد العثماني أصدر مجلة " الجامعة" وشارك في تحرير عدة صحف أخرى. وحين انتقل رشيد رضا من طرابلس في لبنان إلى القاهرة، أصدر مجلة " المنار" سنة 1315ه/1898م قائلاً " إن الهدف من إنشائه صحيفة هو التربية والتعليم ونقل الأفكار الصحيحة لمقاومة الجهل والخرافات والبدع" (9)، وهكذا.

ب ـ ترجمة الكتب العلمية الأوربية، كما فعل سليمان البستاني في لبنان، ورفاعة الطهطاوي في مصر.

ج ـ نشر الكتب العلمية والموسوعات، كما فعل بطرس البستاني الذي نشر بين عامي 1876 و 1883م ستة أجزاء من " دائرة المعارف: قاموس لكل فن ومطلب".

د ـ إحياء التراث العربي: وهي حركة ترمي إلى إثبات إسهام العرب في حركة العلم العالمية وتأكيد ماضيهم العلمي المجيد، وركزت على تحقيق المخطوطات التراثية في اللغة العربية والإنسانيات، لتنشيط اللغة العربية ولإيقاظ الشعور بهُوية عربية متميزة.

هـ ـ الروايات التاريخية: ولعل أفضل مثال على ذلك الروايات التاريخية التي كتبها جورجي زيدان والمستمدة من التاريخ العربي الإسلامي، لتوعية القراء بتاريخهم المجيد، وهُويتهم العربية المتفردة.

و ـ المسرحيات التمثيلية: فقد استخدم رواد النهضة العربية المسرح وسيلة من وسائل التوعية والتثقيف، كتب بعضهم ، مثل فرح أنطون، عدة روايات تمثيلية.

وخلاصة القول إن رواد النهضة العربية في الشام ومصر وجّهوا خطابهم إلى الفئة المتعلمة من أبناء الشعب، من خلال الصحافة والمسرح والنوادي الأدبية. ولكنهم ـ مع الأسف ـ لم يولوا الاهتمام اللازم لقضية تعليم الجماهير العريضة من الشعب. والتعليم هو الأساس لكل نهضة يُراد لها الديمومة والازدهار.

لم تكن الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، وهي في طور انحطاطها، تعنى بالتعليم، فعندما فرض والي مصر محمد علي باشا (1769 ـ 1849م) ولايته على الشام كذلك عام 1832م، بادر إلى إنشاء المدارس الابتدائية في المناطق والمدارس الثانوية في المدن مثل دمشق وإنطاكية وحلب. ولكن الدول الأوربية الطامعة في استعمار البلاد العربية تألبت عليه وأخرجته من الشام سنة 1840م. وفيما عدا ذلك لم تكن هنالك من مدارس تذكر سوى مدارس الإرساليات الغربية التبشيرية التي تختلف أهدافها عن أهداف النهضة العربية.

إن رواد النهضة العربية ركزوا اهتمامهم على الصحافة لنشر آرائهم التنويرية وأفكارهم الإصلاحية، ولكنهم لم يشتغلوا في التعليم الذي نعدّه ويعدّه البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة أساساً لكل تنمية بشرية. لعل الاستثناء بين رواد النهضة العربية في مصر هو رفاعة الطهطاوي (1801 ـ 1873م) الذي أسس مدرسة الألسن سنة 1835م، وفي الشام بطرس البستاني (1819 ـ 1883م) الذي لم يكتفِ بإصدار صحيفة " تغيير سورية"، وبتأليف أول دائرة معارف عربية، وبإنشاء الجمعيات الوطنية، وإنما أسس كذلك سنة 1863م "المدرسة الوطنية" العالية التي تقبل الطلاب من جميع الطوائف ومن مختلف الأقطار العربية وتعلّم طلابها التعلُّق بالأوطان ومحبَّة الإنسان، وبهذا استحق لقب " المعلم"، وهو أشرف لقب يسعى مصلحٌ إلى الافتخار بحمله. ولكن هاتين المدرستين عاليتان ترميان إلى تعليم اللغات الأجنبية لنقل المعارف إلى اللغة العربية. أما الجماهير الواسعة من الشعب التي كانت ترزح تحت وطأة الجهل فكانت بحاجة إلى تعليم أساسي عام. ولم يتسنَ لرواد النهضة العربية في المشرق الاشتغال عليه.

3. الاستعمار الفرنسي للجزائر:

3.1. طبيعة الاستعمار الفرنسي:

في يوم 14 محرم 1246ه (5/7/1830م) احتلت فرنسا الجزائر واستعمرتها استعماراً استيطانياً. وهذا النوع من الاستعمار هو أبشع أنواع الاستعمار وأخسُّها وأكثرها استهانة بالحياة البشرية والكرامة الإنسانية؛ لأنه يرمي إلى استئصال أهل البلاد الأصليين وتشريدهم وتهجيرهم وتقتيلهم والاستيلاء على أراضيهم ومساكنهم وممتلكاتهم وإحلال أغراب مكانهم، وإدماج الناجين منهم بحيث تصبح البلاد بلاداً أخرى. وهذا ما فعله الاستعمار الأوربي الاستيطاني، خاصة البريطاني، في أمريكا الشمالية وأستراليا، إذ قضى البريطانيون على الملايين من السكان الأصليين وأبادوهم جماعياً بطرائق خبيثة بحيث لم يبق منهم سوى آلاف معدودة.

بيدَ أن فرنسا الاستعمارية لم تستطع أن تحقق ذلك في الجزائر، ليس لأنها أقل همجية وإجراماً من بريطانيا الاستعمارية، فقد استخدمت كذلك أبشع أساليب الإبادة الجماعية واقترفت أخطر الجرائم ضد الإنسانية، بل لأن أهل الجزائر يختلفون عن السكان الأصليين في أمريكا الشمالية وأستراليا في ثلاثة أمور:

أ‌) تاريخياً، إن الشعب الجزائري ذو ثقافة عريقة تجسّدها الحضارة العربية الإسلامية (يُلاحظ أن الهنود الحمر في أمريكا الشمالية والأبورجين في أستراليا ، كانوا قبائل متفرقة متنافرة تتحدث لغات متعددة متباينة يصل تعدادها أكثر من ألف لغة، واللغة أساس الثقافة ووحدة الأمة). وكانت الجزائر قبل الاستعمار الفرنسي دولة لها هيبتها ومؤسّساتها السياسية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية، ولم يكن ارتباطها بالدولة العثمانية إلا ارتباطاً شكلياً.

ب‌) جغرافياً، إن الشعب الجزائري محاطٌ ببلدان تنتمي إلى الثقافة العربية الإسلامية ذاتها، وتربطه وشائج إنسانية بشعوب تلك البلدان. وكانت هذه البلدان العربية وما تزال تشكل العمق الإستراتيجي للجزائر. كما تبدّى ذلك واضحاً خلال الثورة التحريرية الجزائرية، إذ أمدته الأمة العربية الإسلامية خلال الثورة بالرجال والسلاح والكلمة المقاومة (10).

ت‌) خُلقياً، إن الشعب الجزائري شعبٌ مقدام شهم شجاع، قدّم على مذبح الحرية الملايين من أبنائه البررة، ولا يوجد شعب في الدنيا ضحى بمليون ونصف مليون شهيد في ثورة واحدة من أجل الحرية،

ما إن أسقطت قوات المستعمِر الفرنسي العاصمة الجزائرية حتى هبت الثورات في أنحاء الجزائر: ثورة أحمد بن محمد الشريف (1836م) الذي ظل يقاوم في مدينة قسنطينة في الشرق الجزائري حتى سنة 1837م، وعندما سقطت المدينة، أخذ يتنقل في الصحاري والجبال والوديان، محرضا القبائل على المقاومة (11)؛ وثورة الأمير عبد القادر(12) في الغرب الجزائري الذي استمرت مقاومته المسلحة 15 عاماً (من 1832 إلى 1847م)؛ وبعد ذلك حاولت القوات الفرنسية احتلال بلاد القبائل، فاندلعت ثورة الشريف محمد بن عبد الله (أبي بغلة) سنة 1851م الذي دعمته فاطمة نسومر في القبائل (13). فقام الجيش الفرنسي بتدمير مناطق القبائل: حرقَ المساكن والأشجار، دمَّرَ القرى والبلدات (أكثر من300 قرية)، وقتلَ النساء والأطفال، ونهبَ الممتلكات. واستمرت مقاومة الشعب الجزائري الأبي على شكل احتجاجات ومظاهرات وانتفاضات توِّجت بأخطر ثورة في التاريخ، هي ثورة التحرير الجزائرية التي اندلعت في 1 نوفمبر 1954م ودامت مشتعلة بضراوة أكثر من سبع سنوات حتى حقَّقت إعلان الاستقلال في 5 جويليه 1962م.

3.2. ـ أساليب الاستعمار الفرنسي لطمس الهُوية الوطنية الجزائرية:

لم تكن ثورة التحرير الجزائرية لتندلع وتحقِّق أهدافها ما لم تسبقها ثورة تحرِّر الإنسان الجزائري من الجهل والخوف والتهميش. فقد اعتمد المستعمر الفرنسي سياسات شريرة لتجهيل الشعب الجزائري وتفقيره وتخويفه والنيل من شهامته وشجاعته وإذلاله. فبُعيد احتلال الجزائر، أغلقت الحكومة الاستعمارية المدارس بحجة نضوب ميزانية التعليم، فأدى ذلك إلى انقطاع التلاميذ عن الدراسة وإلى هجرة الأساتذة. وشجعت السلطات الفرنسية البدع والسحر والخرافات لتخدير الشعب الجزائري وتجهيله ليسهل عليها اقتراف جرائمها بحق الإنسانية.

ومن ناحية أخرى، أعلنت الإدارة الاستعمارية "قانون الأهالي" الذي يُسقِط عن الجزائريين جميع الضمانات المألوفة لحريات الأفراد، بحيث يستطيع أي موظف فرنسي أن يوقف أو يعتقل أو يسجن المواطن الجزائري دون محاكمة، وأن يصادر أرضه ويستولي على ممتلكاته دون حكم قضائي، بل يستطيع إنزال العقوبات الجماعية بالأهالي دون الرجوع إلى محكمة. ولعل فقرات من عريضة بعث بها العالم المجدد الشيخ حمدان خوجة (1189 ـ1255ه/ 1775 ـ 1844م) إلى رئيس الوزراء الفرنسي وزير الحرب الماريشال سولت الدوق دود الماتي في 3 جوان 1833م تبين الظلم الذي حاق بالجزائريين. يقول حمدان خوجة:

" يشرفني أن ألفت نظر سعادتكم أن دخول الجيش الفرنسي قد كان متبوعاً بمعاهدة تضمن أمن كل شخص، كما تنص على حرمة المباني والأراضي والأمتعة، وعلى الاحترام الواجب لنسائنا ومساجدنا.

1ـ إن أول فعل بادرت بارتكابه السلطة ـ ظلماً وعدواناً ـ هو إيقافها القاضي والمفتي ونفيهما، من أجل الاستيلاء على أوقاف مكة والمدينة وعلى المؤسسات الخيرية التي قد سعى في تأسيسها آباؤنا, وجعلوها وقفاً في سبيل الله، ليكون مدخولها خاصاً بالفقراء والمساكين واليتامى والأرامل، حسبما يقتضيه نظام شريعتنا... وقد استولى على جميعها الحاكم الفرنسي بدون أي قانون، كما استولى أيضاً على جميع الدراهم التي كانت بأيدي الوكلاء والقائمين علها والمكلفين بتسييرها....

2 ـ تهديم بناياتنا الخصوصية والمؤسسات الخيرية والدينية....

3 ـ تهديم أحد المساجد المسمى " جامع السيدة" وقد أخذت السلطة أبوابه الخارجية، وأعمدته المرمرية الجميلة وألواحه الزجاجية الصينية، وأبوابه الداخلية الرقيقة، المصنوعة بخشب الأرز المجلوب من فاس...

4ـ إن السلطة استولت على مساجدنا ومعابدنا التي لم تنلها أيدي التهديم، ولم يبق للمسلمين من هذه الأماكن المقدسة سوى الربع فقط...

5 ـ إن السلطة قد استولت أيضاً على "جامع كشتاوة" وحولته إلى كنيسة...

6 ـ إن السلطة قد استولت على المؤسسات الخيرية التي تعرف بـ " الزوايا"، وهي أماكن مخصصة لإيواء الفقراء والمعوزين، ...

7 ـ إن المراحيض العمومية وبيوت الخلاء التي بنتها طبقة أهل الخير، من أجل المحافظة على نقاء المدينة ونظافتها، قد استولت عليها السلطة الفرنسية وآجرتها الخاصة من أبناء ملتها، بدل ما كانت وقفاً على جميع الناس..." (14)

ومارست تلك السلطات سياسة التمييز العنصري، فمنحت الجنسية الفرنسية لليهود الجزائريين ما يؤهلهم لممارسة الحقوق والحريات التي يتمتع بها الفرنسيون. وأعلنت أن الجزائر أرض فرنسية إلى الأبد.

وصادرت أفضل الأراضي الزراعية الخصبة، واستحوذت على الأوقاف الإسلامية لتمنع الإنفاق على المدارس والمساجد، وأخذت تستقدم آلاف المستوطنين الفرنسيين والأوربيين بصورة متزايدة ومنحتهم أراضي الجزائريين وممتلكاتهم، وأغدقت عليهم الهبات والمساعدات المادية والمعنوية.

وحاربت العقيدة الإسلامية بطرائق خبيثة، وأطلقت عمليات تنصير الشعب الجزائري ودعمتها بجميع الوسائل، وأغرت الجزائريين الذي يتعلمون الفرنسية بالإدماج الذي يؤهلهم لنيل حقوقهم، وهم في وطنهم. وأغرقت الشباب الجزائريين بالإدمان في المقاهي والحانات.

وسعت إلى التفرقة بين الجزائريين وإثارة النعرات العرقية والطائفية والجهوية والقبلية. وهذه من أهم السياسات الاستعمارية للتحكُّم في الشعوب، ويصطلح عليها باسم" فرقْ تسُدْ ".

وقد بلغت بها الوقاحة لحد إصدار قانون سنة 1935 م يعدُّ اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر، والفرنسية هي اللغة الرسمية الوحيدة في البلاد. وقد صدر هذا القانون بعد قرن من العمل على نشر اللغة الفرنسية وتعميمها، وإضعاف اللغة العربية، واستخدام الدارجة بدلاً من الفصيحة إمعاناً في التجهيل، وفصل العرب عن إخوانهم الأمازيغ.

 

د. علي القاسمي

 

عدنان عويد(فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك أتباعك إلا من الذين هم أرذالنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل نظنكم كذابين.). هود – (27).

الدين في سياقه العام شَكَلَ عبر سيرورته وصيرورته التاريخيتين (النظرية العامة لهذا العالم... خلاصته الموسوعية، منطقه في صيغته الشعبية، مناط شرفه الروحي، وجزاؤه الأخلاقي، وتكملته المهيبة، وأساس عزائه وتبريره الشامل.). (1). إنه الرغبة الدفينة الطامحة لتحقيق كينونة الإنسان في عالم فقد مقومات هذا التحقق لأنه ليس لكينونة الإنسان (في صيغتها المثالية المطلقة) واقع حقيقي.

إن الدين في منظور التحليل السوسيولوجي (علم الاجتماع) وفقاً لهذه الرؤية، هو الوعي الشمولي لحياة الإنسان بكل علاقاتها في هذا الكون، وهو الوسيلة الفكرية التي من خلالها يعمل هذا الإنسان على تحقيق ذاته وتبرير وجودها ومشكلاتها المستعصية والدائمة الوجود وغير الثابتة. لذلك فالدين هو من يمنح الإنسان الصبر والسلوان، وهو أساس عزائه وتبريره الخيالي أو الوهمي لوجوده غير العقلاني في هذا العالم الفاسد. أي وجوده القائم على الظلم والقهر والاستلاب والتشيئ والاغتراب، الذي دفعه في مرحلة تاريخية من مسيرة حياته إلى عبادة أصنام أو ألهة يعتقد أنها سر وجوده وسبب شقائه وهنائه، يقوم هو بخلقها، وإن جاع اضطر لأكلها. وبناءً على ذلك فإن المنطق والعقل يتطلب العمل على تفكيك البنية الدينية ذاتها والبحث عن سر هذه الهيمنة شبه المطلة للفكر الديني على حياة الإنسان، ورسم ملامح هذه الحياة ماضياً حاضراً ومستقبلاُ. وعلى هذا الأساس تأتي مسألة نقد الدين أمراً مشروعاً تتطلبه القيم الإنسانية النبيلة والتي أهم ما فيها وعي الإنسان لنفسه وامتلاكه القدرة والإرادة في صناعة حياته وفقاً لما يراه هو ذاته مطابقاً لجوهر إنسانيته ومصالحه.

إذن إن النضال ضد الفكر الديني في شقه السلبي بما يحمله من قدرات تبريرية لتجسيد مسألة الجبر والوهم وسلب الإنسان في المحصلة حريته وإرادته في تقرير مصيره ورسم طرق الوصول إلى جوهر إنسانيته، هو نضال ضد ذاك العالم الذي يأتي الدين في شقه المنافي لحرية الإنسان وإرادته، ليشكل عبيره الروحي الذي يبرر ظلم الإنسان وقهره على أن هذا الظلم والقهر هو من خارج ظروفه الاجتماعية وعلاقاتها الاستغلالية، بينما الشق العقلاني والايجابي من الدين يقول: (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون). (النحل . 118).

إن قضايا شقاء الإنسان وعذابه وقهره ومعاناته واستلابه وتشيئه وغربته التي تظهر عند الناس، وتُبرر من خلال الدين عبر مشايخه خدمة للسلطات المستبدة أو خدمة للقوى الاجتماعية المستغِلة، على أنها قدر محتوم على الفرد لا مناص منه، أو هي وسيلة تفرض على المرء لامتحانه وصبره وإظهار قوة إيمانه كما جرى لـ(أيوب) وصبره حسب ما اوردته التوراة، ما هي في الحقيقة إلا تعبيراً عن الشقاء الواقعي الذي يعيشه الإنسان، وهي من جهة أخرى احتجاج على هذا الواقع أيضاً وعلى القوى الاجتماعية المنتجة له. فالدين يأتي في موقفه التبريري لظلم الإنسان هنا وسيلة لتهجين وترويض الإنسان المقموع، حيث يتحول الدين في هذه الحالة إلى أفيون للشعوب تسخره القوى المستبدة والمستغِلة ضد الإنسان.

إن قراءة أولية لمقولة (أفيون الشعوب)، التي حُملت من قبل التيار السلفي التكفيري والقوى الطبقية المستغِلة الكثير من الغبن والتشويه، وفُسرت تفسيراً عاطفياً وذاتياً وارتجالياً وبالتالي مصلحياً، بناءً على رؤى ومواقف فكرية عدائية مسبقة، أكثر مما هي مواقف تقوم على التبصر ونقد هذه المعاناة الإنسانية نقداً عقلانياً وتبيان أسباب ظهورها وممارستها، وذلك بغية تقييد إرادة الإنسان المقهور والحد من طموحاتها الإنسانية الثورية أولاً، ثم الحد من تعميم ونشر الفكر التنويري العقلاني الذي يفسح في المجال واسعاً لهذا الإنسان المقهور كي يعي ذاته ومصالحه ومستغِليه ثانياً.

إن الدين عموماً وبكل تجلياته وأشكاله التاريخية وأهدافه في سياقه العام، هو موقف فلسفي من الحياة في شقيها الروحي والمادي معاً كما أشرنا في بداية حديثنا. فالدين يشكل رؤى فكرية جاءت أو أنتجت في مراحل تاريخية عديدة من حياة الإنسان كإجابات عن أسئلة كبيرة سألها الإنسان ولم يزل يسألها، تتعلق بعلاقته مع الكون والطبيعة من جهة، وبعلاقته بخالقه وبأخيه الإنسان بكل ما تحمله هذه العلاقة من ظلم واستغلال وعدل ورحمة ومساواة أثناء إنتاجه لخيراته المادية والروحية من جهة ثانية. فالدين على أساس هذه الوضعية التاريخية لحياة لإنسان، ظل يشكل نظرية عامة ووحيدة لفترات زمنية تاريخية طويلة من حياة المجتمعات البشرية، بسبب موسوعيته التي دخلت في كل مسامات حياة الإنسان، وفي شعبيته من حيث هو الوعي الأكثر حضوراً في عقل الإنسان (الفرد والمجتمع) وعواطفه ووجدانه وضميره. فبسبب جهل الإنسان للقوانين الموضوعية والذاتية التي تتحكم في حياته وما يحيط بها، جاء الفكر الديني ليحلل ويركب المنظومة الحياتية لهذا الإنسان ويضع لها معايير للجزاءات في الثواب والعقاب، أي وضع معايير للجزاء تتعلق بما يقوم به الإنسان أو يمارسه عبر نشاطه الحياتي من قيم الأخلاقية فاضلة تتعلق بالشرف والحماسة والفضيلة والنبالة والرضا والقناعة والشهامة والمروءة وغير من القيم الإيجابية من جهة، أو ما يمارسه من قيم إنسانية سلبية، مثل الأنانية والكره والحقد للآخر. او ظلم الناس وقهره والتعدي على الحقوق الأساسية للإنسان التي فرضها الله وهي حق الحياة والعرض والمال والايمان بالله والدفاع عن النفس.. فمن هذا المنطلق تأتي مسألة النضال ضد استغلال الدين. فالنضال هنا ليس نضالاً ضد القيم الدينية الايجابية التي تساهم في تأكيد القيم الإنسانية النبيلة، إن كانت هذه القيم نتاج الإنسان في مراحل سيطرة دياناته الوضعية، أم في مراحل ظهور وسيادة الديانات السماوية الثلاثة، وإنما هو نضال ضد دين الخيال والوهم والجهل والضياع والاستسلام للقهر والظلم الذي يرتكبه الإنسان المستغِل بحق أخيه الإنسان باسم هذا الشق من الدين. وبالتالي فصيغة النضال هذه بتعبير آخر، هي ليست نضالاً ضد الدين ذاته، بقدر ما هي نضال ضد الظروف الموضوعية والذاتية التي تساهم في إنتاج الظلم وتجذيره أو بلورته في المجتمع باسم الدين كا اشرنا في موقع سابق، أي ضد من يعتبر أن ما يقع على الإنسان من قهر وظلم هو قدر محتوم علىه، وقد كتب في لوح محفوظ لا خلاص منه إلا بصبر أيوب. أو بتعبير آخر هو نضال ضد القوى المستغِلة والسلطوية المستبدة التي تستغل الدين لمصالحها وتوظفه لتجهيل الناس وإبعادهم عن معرفة حقيقة واقع ظلمهم وغربتهم واستلابهم الذي يعيشونه ومن فرضه عليهم.

من هذا المنطلق، يأتي الدين من جهة أخرى كحالة إيجابية عندما نعلم بان الدين في صيغته الشعبية قد استغل ثورياً أيضاً من قبل المقهورين والمستضعفين عبر تاريخه الطويل، ليشكل احتجاجاً على الواقع المنتج للظلم والفساد. فكان حقاً زفير الفقراء المقموعين والمظلومين، وقلب عالم لا قلب له بسبب التفاوت الطبقي وما يولده هذا التفاوت من استغلال، وزرع لوجود علاقات اجتماعية لا روح إنسانية إيجابية لها أو فيها إلا روح قهر وظلم واستعباد القوى المستبِدة بإسم الدين. وهو في هذا السياق يأتي في المحصلة (أفيون الشعوب) أيضاً، كونه استغل لتحريك الشعوب من أجل الحصول على حقوقها المغتصبة، مثلما استغل من أجل استكانتها وإخضاعها ورضاها لقهرها وقمعها لمستغِليها.

إن تاريخ نضال الشعوب وفقاً للتحليل السوسيولوجي يبين لنا أن أول من آمن بالديانات هم الناس المحرومون والفقراء والضعفاء والمهمشون والعبيد، الذين وجدوا فيه ضالتهم المنشودة في تحقيق إنسانيتهم التي افتقدوها بفعل ما مورس عليهم من قهر واستغلال أسيادهم وسلطاتهم المستبدة، كما هو الحال على سبيل المثال للحصر عندما ظهر نبي الله موسى داعياً إلى العدل ضد قهر فرعون وظلمه، أو عندما ظهر السيد المسيح في عصر ظلم قياصرة الرومان. أو عندما ظهر الرسول محمد في عهد ظلم سادة قريش وكبار تجارها. بالرغم من أن هؤلاء السادة هم أنفسهم من دخلوا في الدين لاحقاً وعادوا ليستغلوه لمصالحهم في الديانات السماوية الثلاثة، أو غيرها من الديانات الوضعية.

إذاً إن الدين جاء وسيلة طبيعية مبررة أخلاقياً للنضال ضد ظروف قهرالناس من جهة، مثلما جاء هو نفسه من جهة أخرى الوسيلة الأكثر فعالية في تبرير إخضاع الإنسان تجاه واقع ظلمه وقهره وفقره، من خلال شرعنة هذا الظلم والقهر والفقر ً دينياً واعتباره قدراً محتوماً لا بد من الصبر عليه، حيث تصل دعوة الناس من أجل الرضوخ لقدرهم إلى الزهد ورفض الدنيا مقابل الآخرة، كما جرى في الخطاب الإسلامي الجبري الوثوقي ولم يزل. ففي كتاب إحياء علوم الدين للغزالي على سبيل المثال لا الحصر، جاءت أحاديث وتفاسير وتأويلات كثيرة تصب في هذا الاتجاه وبخاصة مسألة تبرير الفقر، منها: (يدخل فقراء أمتي الجنة قبل الأغنياء بخمسمئة سنة). (أحب العباد إلى الله تعالى الفقير القانع برزقه.).وإن (الجوع عند الله في خزانة لا يعطيه إلا لمن أحبه. ). و(إذا رأيت الفقير مقبلاً فقل مرحباً بشعار الصالحين.). (2). هذا عدا الاستشهاد بآيات قرآنية ابتعدوا في تفسيرها أو تأويلها عن سياقها التاريخي وأسباب نزولها كالآية الكريمة : (أهم يقسمون رحمة بك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرية.). (3). والآية: (والله فضل بعضكم على بعض في الرزق).(4). في الوقت الذي نجد فيه أحاديث تقول: ( بأن المال لا يجمع بالحلال قط، إما عن حرام أو عن شح وتقتير.). أو كما يقول السيد المسيح: (أهون ألف مرة أن يدخل بعير في خرم إبرة، من أن بدخل غني الجنة.). وفي هذا السياق التبريري لفقر الناس، يأتي استغلال الدين لمصلحة القوى المستبدة والمستغِلة واضحاً كل الوضوح.

يقول محمود أمين العالم في كتابه (الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر): لقد كتب الشيخ "عبد الحليم محمود"، شيخ الأزهر، حول موقف الإسلام من الغنى والفقر : ( من الأشياء التي تستدعي الكثير من التفكير أن عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، والزبير والطلحة، رضي الله عنهم، كانوا من أصحاب الملايين، وكانوا مع ذلك من المبشرين بالجنة، ولم يكن أبو ذر الغفاري أو بلال أو صهيب من المبشرين بالجنة؟!.). (5).

وكأني أجد في حديث الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الزهر إيماناً بمضمون الآية : (فقال الملأ الذين كفروا من قومهم ما نراك إلا بشراً مثلنا وما نراك أتباعك إلا من الذين هم أرذالنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل نظنكم كذابين.). هود – (27). ولكن إيمان شيخ الأزهر بها يأتي بطريقة أخرى تختلف عن أسباب نزولها أول مرة بالسادة من كفار قريش، فمضمونها هنا ينطبق برأيي على السادة المعاصرين من حكام مصر والعالم العربي المستبدين الذين وظفوا الدين الإسلامي لمصالحهم الخاصة، وهم الذين لم يروا يوماً في الفقراء والمحرومين من الشعب الذي اغتنوا على حساب نهب قوتهم ومص دمهم، إلا سوقة وحشوية ودهماء، وإن كان لهم نصيب في نعيم الدنيا والآخرة، فهذا النصيب يأتي حتماً في المرتبة الثانية أو العاشرة بعد سادة القوم الذين بشروا بالجنة أيضاً كما بشر بها من سابقهم كما يقول شيخ الأزهر.

ملاك القول: من هذه المواقف التي تعمل على استغلال الدين يأتي نقد الدين، وخاصة عندما يتحول هذا الدين إلى إيديولوجيا براغماتية بيد الطبقات والقوى الحاكمة المستغِلة لتبرير ظلم الناس، فنقد الدين ليس نقداً لما يريده الله عز وجل في مقاصده الخيرة وعبوديته ووحدانيته، لأن الله شكل ولم يزل يشكل في عدالته طموح كل الفقراء والمحرومين والمضطهدين، وإنما هو نقد لكل ما يساهم أو يدعو إلى استغلال الإنسان والنيل من حقوقه الطبيعية وكرامته باسم الدين من جهة، مثلما هو نقد للوعي الزائف في الدين لدى الناس، والذي تحت ضغطه يمارس الإنسان نفسه قهر نفسه، وتحقيق غربته.

 

د.عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية.

.....................

1- راجع ماركس في مقدمة كتابه (نقد فلسفة الحق عند هيجل):

2- الغزالي- إحياء علوم الدين – المكتبة التجارية الكبرى- القاهرة – ص190.

3- الزخرف – 32.

4- النمل- 71.

5- محمود امين العالم- الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي المعاصر- إصدار دار الثقافة الجديدة- القاهرة – 1986- ص 152.

 

 

عدنان عويدفي المفهوم: الثقافة الشفوية في سياقها العام، هي مجموعة الآراء والأفكار والمبادئ والرؤى والقصص والحكاية والأمثال الدينية والوضعية بما تتضمنه من مواقف سلبية أو إيجابية تجاه علاقة الإنسان بنفسه أو بالمجتمع، أو كل ما يحيط به في الطبيعة والمجتمع. وهي ثقافة أُنتج معظمها في الزمن الماضي، ولم تزل تُجتر وبتداولها الناس فيما بينهم للتعبير عن قضياهم الحياتية اليومية المباشرة في الفكر والممارسة، على اعتبارها قيماً (معيارية) ناجزة استطاعت أن تختزل التجربة الإنسانية وتضبط وتوجه في عصر إنتاجها حياة الفرد والمجتمع، وهي قادرة على تحقيق هذا الضبط والتوجيه في العصور اللاحقة كونها جزء من الفردوس المفقود.

إذن، الثقافة الشفوية بتعبير آخر: هي في معظم جذرها وأصولها وامتدادها ثقافة الأجداد (الأسلاف) الذين لم يتركوا شيئاً للأخلاف إلا وقالوا به، وحددوا الحلال فيه والحرام، ومارسوا جرحهم وتعديلهم على نمط شخصياتهم السلبية منها والايجابية فكراً وممارسة، ليس لعصرهم فحسب، بل ولكل العصور اللاحقة، أي اعتبار ما قالوا به ومارسوه هو المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما هو تال.

قبل الدخول في سمات وخصائص هذه الثقافة، لا بد لنا من التطرق قليلاً لجذور هذه الثقافة في تاريخنا العربي، حيث نجد لهذه الثقافة جذوراً تمتد في عمق تاريخنا، وظلت فروعها وأغصانها تمتد عبر السنين اللاحقة للدعوة الإسلامية لتعرش على وعي أبناء هذه الأمة حتى اليوم. علماً أن الدعوة الإسلامية جاء في صلب ما جاءت من أجله، هو إنهاء هذه الثقافة الشفوية وتحولها من ثقافة (الفم إلى ثقافة القلم) مع أول آية نزلت على الرسول (إقرأ) من جهة أولى، ولتضع حداً لتمسك الناس بما كان يفعل آياءهم بعجره وبجره من جهة ثانية،. إلا أن قوة الماضي ممثلة بما كان يفعل آباءهم ظلت مسيطرة تحت شريعة (هكذا وجدنا آباءنا يفعلون)، مع تأكيدنا للدور الذي تمارسه السلطات الاستبدادية في تاريخنا السياسي التي ساهمت في تسييد هذا النمط من الثقافة الماضوية التقديسية، بهدف تجهيل الناس والحجر على عقولهم، حيث وجدت هذه القوى المستبدة بسياسة التجهيل هذه سر بقائها واستمراريتها في السلطة. الأمر الذي دفع هذه السلطة عبر تاريخها إلى محاربة الثقافات الإبداعية التي وجدت فيها خطراً يهدد مصالحها إن كان أثناء قيام الدعوة الإسلامية من قبل كبار كفار مكة، أو من قبل الكثير من الخلفاء ومشايخ السلطان عبر تاريخ الدولة الإسلامية حتى تاريخ دولنا المعاصرة. كما سيمر معنا في هذه الدراسة.

الجذور التاريخية للثقافة الشفوية في تاريخنا العربي:

(وبعث في الأميين رسولاً منهم).. وهذا دليل قاطع على أن العرب في الجزيرة العربية على أقل تقدير لم يكونا أصحاب كتاب، أي كانوا مجتمعاً قبلياً جاهلاً (لم تتفش) فيه معرفة القراءة والكتابة ما يتعلق بالثقافة الإبداعية القائمة على القلم والكتاب والتفكير والتحليل والتركيب، ومن يجيدونها كانوا قلة قليلة، وهم على اطلاع بهذا الشكل أو ذاك على كتب الديانتين اليهودية والمسيحية كما يبدو كالراهب "بحيرة" وغيره القليل أو النادر ممن كان يكتب المعلقات ويعلقها على جدار الكعبة، وما تبقى من الذين اشتغلوا على المعرفة كان يشتغلون عليها شفهياً، وفي مجالات محدودة تتعلق بأخبار الأولين وأساطيرهم، وبالنسب والحسب، كالراوية (ابن جماد) على سبيل المثال لا الحصر. لذلك كانت هناك إشكالية كبيرة بالنسبة لتاريخ العرب والإسلام فيما يتعلق بمصداقية أو عدم مصداقية ما نقل إلينا من أخبار وصلتنا عبر التراسل الشفوي عن طريق هؤلاء الرواة حتى عصر التدوين الذي تم تحت عين السلطة الحاكمة بزمن الخليفة "المنصور" (136- 158 هـ)، حيث يذكر السيوطي نقلاً عن الذهبي أنه في سنة 143 للهجرة، أشرع علماء الإسلام في هذا العصر بتدوين الحديث والفقه والتفسير، فصنف ابن جريج بمكة، ومالك (الموطأ) في المدينة، والأوازعي في الشام، وحماد بن سلمة في البصرة، وسفيان الثوري في الكوفة، وصنف ابن اسحق المغازي، وابن حنيفة الفقه والموقف من الرأي، .. ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس،(1) .

نعود لنقول: إن الثقافة الشفوية قبل عصر التدوين انعكست أثارها سلباً على حياة العرب والمسلمين سياسياً وعقديا واجتماعيا، بسبب ما جرى من تزوير وسوء تفسير وتأويل وأسباب تنزيل للنص الديني المقدس بشكل خاص خدمة لمصالح شخصية أو سياسية أو مذهبية، طال أكثر ما طال أحاديث الرسول التي لم تزل آثارها قائمة حتى هذا التاريخ.

عموماً نستطيع القول عن هذه الجذور الثقافية الشفهية وتأثيرها على حياة العرب والمسلمين، وخاصة ما يتعلق منها بتاريخ العرب بكل مضامينه العقدية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، منذ بدء الدعوة الإسلامية، حتى هذا التاريخ بشكل خاص: إن الرسول نفسه لم يأمر بجمع القرآن قبل وفاته، حيث ظلت الآيات سائبة وموزعة بين صدور بعض الصحابة، وبين ما كتب منها على الجلد والعظم وورق البردي وعظام الجمال والحجارة وغير ذلك.. نعم لقد ظل القرآن دون جمع وبتداوله الناس شفهياً لمدة /43/ عاماً حتى أمر عثمان بجمعه وتقعيده. علماً أن مسالة جمع القرآن شابها الكثير من الغموض والشك، ما بين مصادر تقول بأن أبو بكر هو من أمر بجمعه، والبعض يقول عمر بن الخطاب هو من جمعه، وآخرون يقولون الذي جمعه هوعلي بن أبي طالب، وهناك من يقول بمصحف فاطمة، و مصحف حفصة، وأن مصحف حفصه هو المصحف المعتمد حتى هذا التاريخ.. إلخ، مع تأكيدنا أن القرآن عندما جمع، ظلت إشكالات أخرى متعلقة في قراءة النص الديني منها: لعدم وجود تنقيط، وبالتالي عدم التمييز بين الـ (ن- ت- ث و ج- ح- خ ) إلخ. وهناك أيضاً غياب لعلامات الترقيم، ومعرفة حالات الوقوف عند القراءة، وغياب للكسرة والضمة والفتحة والشدة، كل ذلك ساهم في خلق قراءات كثيرة للقرآن، حيث كان يقرأ على عشرة قراءة، ثم اختصرت إلى سبعة، أما الحديث، فالرسول الكريم أيضاً لم يأمر بكتابته ولا أقول جمعه، حيت اعتبر الرسول أن كل ما يقوله أو يمارسه هو من روح القرآن الكريم، ولا يريد لأمته أن تأخذ دينها من غير القرآن، إلا أن الذي حدث، أن الأحاديث راحت توضع وتسيل بمئات الألوف، وأخذ الناس يتداولون معظمها شفهياً بينهم عبر التاريخ، بالرغم من أن هناك علماً خاصاً بالحديث وضع فيما بعد مع مرحلة عصر التدوين منذ منتصف القرن الثاني للهجرة، لتقصي الصحيح من الكاذب في هذه الأحاديث، وهذه بادرة تسجل لعلماء الحديث حقيقة. بالرغم أيضاً من الموقف المذهبي الذي سيطر على صحة ما نقله أو رواه هذا الشخص أو ذاك من أحاديث بغض النظر عن متن الحديث وصحته. وما وضعت كتب الجرح والتعديل إلا من أجل ذلك ومن منطلق مذهبي.

إذن، إن أهم مصادر المعرفة في تاريخ العرب، وهي العقيدة المقدسة، ظل التداول فيها شفهياً بين الناس لفترة زمنية طويلة، واقتصرت قراءة وتفسير وتأويل وضبط هذه العقيدة من قبل القلة القليلة أيضاً من الفقهاء وعلماء اللغة، والذين غالباً ما دخل القسم الأكبر منهم وخاصة الفقهاء وكتبة التاريخ عباءة السلطة، حيث راحت توظف هذه العقيدة وسيرة رجالها (كتابة أو تدوين الحديث. وتفسير وتأويل النص القرآني، وكتابة التاريخ) لمصالح هذه السلطة السياسة أو تلك. وظل (التاريخ) مثلاً عند من راح يدونه، هو تاريخ السلطة، أو تاريخ الخلفاء والأمراء والملوك.

إن الملفت للنظر هنا، أنه، مع بداية التدوين، في منتصف القرن الثاني للهجرة، وظهور رجال النحو واللغة’ ظل الجانب الشفهي يمارس قوته على النحات ورجال النحو أنفسهم بشكل خاص، حيث كانوا يلجأؤون إلى الصحراء لأخذا صحة دلالات الكثير من الألفاظ وطريقة لفظها كما ينطق بها ابن الصحراء آنذاك، واعتبار ما ينطقه هذا البدوي هو الصحيح. كما أن كل من قام بتدوين السيير والمغازي وأخبار العرب في بداية الدعوة وفتوحاتها، اعتمدوا على الأخبار الشفهية والرواة والتراسل، لذلك يقول ابن حنبل : (إن من حضروا المغازي وأسباب نزول القرآن قد ماتوا). وهذا القول فيه تشكيك في مسألة صحة أو عدم صحة ما كتب في المغازي وحتى أسباب النزول.

نقول: مع عصر التدوين، أي منذ منتصف القرن الثاني للهجرة بدأ القلم يأخذ دوره عند الكثير من علماء الدين والفلاسفة ، وخاصة في مجالي التفسير والتأويل للنص المقدس، ومع القرن الثالث للهجرة بدأت سيطرة التيار العقلاني على الساحة الثقافية، فراحت تترجم كتب الفلسفة من التراث اليوناني، وخاصة في عصر المأمون الذي أصدر مرسوماً عند توليه الخلافة أمر فيه تبني العقل وسيلة في فهم الدين وشرح نصوصه المقدسة، حتى راح هو نفسه يتكلم في مسألة خلق القرآن ويرد على أهل النقل الذين يقولون أنه كلام الله. وظل باب العقل والثقافة الإبداعية مفتوحاً إلى زمن المعتصم والمتوكل. ولكن مع وصول (الواثق) إلى الخلافة، بدأ المشروع الفكري العقلاني يُحارب من جديد ويتراجع مع إصدار مرسومً من قبل الخليفة المتوكل يُحرم فيه استخدام العقل في المعرفة، وأن كل من يستخدمه هو كافر وزنديق ويجب أن يحاسب على فعلته، وأُخرج شيخ النقل ابن حنبل من سجنه، وتشكلت محاكم للتفتيش لكل من يتداول كتب الفلسفة أو يشتغل عليها، أو يقول بالعقل وحرية الإرادة. بيد أن هناك مراحل تاريخية لاحقة تم فيها تنشيط الجانب العقلاني في الثقافة الإبداعية، إلا أنها محدودة كما هو الحال عند وصول البويهيين إلى السلطة في منتصف القرن الربع للهجرة، حيث راحت تنشط حركة الفكر الفلسفي والاشتغال عقلياً على قضايا تفسير العقيدة وربطها بالعلم الوضعي، كما هو الحال عند ابن سينا والفارابي والكندي وإخوان الصفا، وغيرهم الكثير، حتى رحنا نجد مؤلفات فيما يسمى اليوم بعلم "لأنتروبولوجيا" وهي دراسات ظهر فيها الجانب العقلاني والتنويري واضحاً من خلال دراستها لحياة الإنسان وعلاقته بالبيئة وما تتضمنه من دراسات في علم النبات والحيوان، كما درسوا قضايا تختص بمسألة العقيدة والبعث ويوم الحساب وغير ذلك، هادفين من ذلك استخدام ثقافة القلم – العقل – في الخطاب الإسلامي وإظهار أن الدين ليس ضد العلم والتعلم وتسخير العقل. كما ظهر هذا التوجه الفكري فيما بعد في المغرب العربي، وظهر هناك عمالقة الفكر العقلاني كابن رشد وابن حزم وابن خلدون وغيرهم، إلا أن هؤلاء لم يسلموا أو تسلم كتبهم أيضا من سلطة التيار السلفي، ففي عهد " هشام بن الحكم" الذي استأثر بسلطانه حاجبه "المنصور بن ابي عامر"، المتوفى 393هـ، وهو الذي عمد إلى مكتبة والد هشام الحكم، وعزل عنها كل كتب الفلسفة والمنطق والنحو وحرقها أمام أهل العلم والدين. وفي عهد "يوسف بن تاشفين" حارب الفلاسفة و حرق كتبهم، وقرب منه السلفيين المتشددون. وهذا الموقف المعادي للعقل ظل سائداً بعد سيطرة المماليك والعثمانيين على الخلافة،، وما كتاب أبي حامد الغزالي "تهافت التهافت" إلا رداً على هؤلاء الفلاسفة والعقلانيين وهو الكتاب الذي رد عليه ابن رشد بكتاب تحت عنوان "تهافت التهافت". هذا وحتى كتب ومواقف المتصوفة الكبار الذين قالوا بوحدة الوجود، لم يسلموا على حياتهم من أصحاب هذا التيار السلفي ومنهم الحلاج والسهروردي وذو النون وغيرهم.

عموماً يظل موقف ابن حنبل ومدرسته السلفية بكل امتداداتها التاريخية إلى اليوم هو الأكثر سيادة وفعالية، وهو المنظر الأكثر حضوراً وقوة في محاربة هذا الفكر العقلاني، وتركيزه على النقل بدل العقل، وما تأكيده على أن الحديث الضعيف عنده أهم من العقل، إلا دليلاً على فرض وتجذير تيار الثقافة الشفهية، واعتبارها المصدر الأول للمعرفة، إي اعتماد ثقافة الفم بدلاً من القلم، وبالتالي مع هذه الثقافة التدميرية أوقف باب الاجتهاد وتحريك العقل، وظل ما أنتجه ابن حنبل والشافعي والمالكي والحنفي، أي (تيار أهل السنة والحديث)، وكذلك ما أنتجه أهل البيت وفقهائه في مجال الفقه والموقف من الدين والدنيا هو المصدر الرئيس،الذي ظل يحكم الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية حتى اليوم في الكثير من الدول الإسلامية التي تتبع المذهب السني والشيعي معاً.

مع انتهاء الخلافة الإسلامية وبدء ظهور الأحزاب السياسية المعاصرة، كالإخوان المسلمين، والقوى القومية واليسارية، بدأت تظهر الأيديولوجيات الوضعية الخاصة بها، والتي راح يُضفى عليها مع كلمات وخطب وأقوال قادة هذه الأحزاب، أو أقوال الملك أو الأمير الرئيس صفة التقديس، وتحولت إلى نمط من الثقافة الشفوية نستطيع تسميتها بـ (فقه القائد). أي تحول فقه القائد في طريقة تناوله واستهلاكه من قبل عناصر الحزب والمنظمات التابعة لها، أو من قبل الخطباء السياسين ومثقفي السلطة، إلى مواد تثقيفية تدخل في نطاق الثقافة الشفوية، التي تُتلى عليهم في اجتماعاتهم ومؤتمراتهم الحزبية والنقابية وندواتهم الثقافية وكلمات وخطب سياسيهم، من خلال الاستشهاد بها، كأقوال ورؤى لا يأتيها الباطل من فوقها أو تحتها لدى الكثير من عناصر تنظيم هذه الأحزاب ومسؤولي هذه الدولة اوتلك. هذا إضافة إلى ظهور الكثير من الكراسات التي تعمل عل تفسير وتحليل هذه الأيديولوجيات الوضعية وما يصرح به قادة هذه الأحزاب والملوك والمراء والرؤساء، حتى أخذت مع الأيام حالة الثبات والجمود والتقديس. وكان من نتائج هذا التحجر انهيار الكثير من هذه الأحزاب وأيديولوجياتها في الساحة العربية، ومن لم ينهار تبين عجزه الفاضح في التعامل مع ما سمي بثورات الربيع العربي فكراً وممارسة. هذا العجز الذي تجلى واضحاً لدى المعارضة والموالاة معاً.

سمات وخصائص الثقافة الشفهية:

تمتاز الثقافة الشفهية بجموعه من السمات والخصائص أهمها:

1- هي ثقافة ماضوية، أنتجت في الزمن الماضي في معظمها، وغالباً ما يطغى عليها الطابع الديني في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، كون الدين كان ولم يزل هو المصدر الوحيد للمعرفة، وحتى الثقافات الوضعية التي أنتجت في ذلك الوقت وخاصة الفلسفية منها إضافة إلى علوم الطب والكيمياء والتنجيم وغيرها، ظلت محكومة بالدين أيضاً، وهو الذي يحلل ويحرم التعامل مع هذه الظاهرة العلمية أو تلك.

2 - هي ثقافة جماهيرية، أو بتعبير آخر، هي ثقافة ظل يعاد إنتاجها واستهلاكها من قبل الجماهير الواسعة، فغالباً ما تجد الناس في كافة مفردات حياتهم اليومية يستشهدون بمقولاتها وقصصها وحكاياها وأمثالها الشعبية، خدمة لمصالحهم اليومية المباشرة، أو لإعطاء الفكرة التي يقولون بها أو العمل الذي يمارسونه المصداقية والشرعية، في المنزل والسوق والجامع والدائرة وغير ذلك من أماكن تواجدهم.

3- هي ثقافة تعتمد كثيراً على إيراد نص قرآني او حديث أو رأي صحابي او فقيه، إضافة إلى إيراد قصص وحكاية الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، كونها الأكثر قدرة على غرس المعلومة المراد توصيلها للمستمع، لذلك لا نستغرب أن نجد أحد مشايخ الدين يقول: إن القصص والحكاية جنود مجندة سخرها الله لنا كي نعلم بها الناس الدين.

4 - هي ثقافة تركز كثيراً على القيم الأخلاقية، وخاصة قيم السلف الصالح، الذين أسسوا بناء الدولة الإسلامية وحضارتها. وبالتالي هذه القيم تشكل الفردوس المفقود بعد أن راحت تتخلى عنها الأجيال اللاحقة، أو تجاوزه الزمن. وإذا أرادت هذه الأمة أن تعود لمجدها وعزتها، فهي لن تعود إلا إذا عادت إلى القيم الأخلاقية تلك، (ولن يُصلح حال هذه الأمة بعد أن فسد أمرها إلا بما صلح به أولها.).

5- حازت هذه الثقافة على صفة التقديس، كون معظم مكوناتها مرتبط بالدين، وأكثر من أسس لها هم رجال الدين الذين ضبطوا علم الجرح والتعديل الذي وضعوه لتحديد ما هو غث وما هو سمين في هذه الثقافة، وبالتالي فكل خروج عن سمينه أو صحيحه هو بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

6- هي ثقافة تقوم على التراسل (العنعنة)، كون أصلها شفهي، وخاصة ما يتعلق منها في الحديث النبوي وأقوال الأئمة.

7- هي ثقافة تحاصر الإبداع والمبدعين، الذين يريدون التجديد في علوم الدين والدنيا، وبالتالي يعتبر هؤلاء المجددون بنظر دعاة هذه الثقافة منحرفين إذا ما حاولوا طرح أفكار لا تتفق مع ما هو ثابت ووثوقي في هذه الثقافة، إن كان لدى المذاهب أو الفرق الدينية، أو لدى الأحزاب ذات الأيديولوجيات الوضعية.

8- هي ثقافة تعالج تناقضات المجتمع وصراعاته الطبقية القائمة على الاستغلال، من منظور أخلاقي، يقوم على وجود الضمير والوجدان لدى هذا الفرد أو الجماعة، عندما يمارس أو يمارسون عملاً صالحاً، والعكس صحيح. فهم يطالبون الأفراد والمجتمع بضرورة التمسك بأخلاق التضحية ونكران الذات والإثار والمحبة والتسامح، كما مارسها السلف الصالح الذين حققوا بها العدالة والمساواة بين الناس كما يدعون، وغالباً ما يتخذون من بعض الرموز الدينية قدوة للحاكم والرعية أيضاً في نشر العدل بين الناس، دون أن يضعوا في حساباتهم خصوصيات كل مرحلة تاريخية من حيث ظروفها الموضوعية والذاتية ومكوناتها الاجتماعية وحدودها الجغرافية، ودرجة تطور المجتمع فيها أو تخلفه.

9- هي ثقافة تدعو إلى التسليم والامتثال لكل ما أنتج من معارف أقرها السلف في القرون الهجرية الثلاثة الأولى، أو ما جاء في فقه (القائد) في الأنظمة السياسية المعاصرة، وبالتالي هي تعمل على محاربت الحرية الفردية والإرادة الإنسانية والرأي الآخر.

10- هي ثقافة ذات توجهات أيديولوجية مغلقة، تعتبر الحقيقة قد أعطيت في الزمن الماضي مرة واحدة وإلى الأبد، وعلينا أن نعمل دائماً على إعادة إنتاجه، ولي عنق الواقع كي ينسجم معها. وهي ثقافة ضد النسبية والحركة والتطور والتبدل.

على عموماً نقول في هذا الاتجاه بالنسبة للثقافة الشفوية، هي ثقافة فرضت عبر تلك السنين الطويلة من سيادتها العقل الإيماني على المواطن العربي، بحيث لم يزل النص المقدس ممثلاً بـ (القرآن والحديث، وأقوال الأئمة والفقهاء وكبار مشايخ السلفية والقادة السياسيين المعاصرين)، يشكل المرجع المعرفي والسلوكي للفرد والمجتمع، أي هو الحكم أو المعيار على أقوال الناس وسلوكياتهم وبالتالي استغلاله والاحتماء به دوماً. إضافة لاستغلال الخوارق والخرافة، ومواجهة العلم والانتقال من الخاص إلى العام في التعاطي مع أحداث التاريخ والواقع، والانخراط بالموروث، والمحافظة على الشكليات، والتمسح بالرحمة والتسامح، وعند الضرورة أو عندما تسنح الفرصة التمسك بالجهاد انطلاقا من التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهذا ما ساهم في خلق حالات من الفوضى الفقهية في مسألة الوجوب والإباحة، وبين المعرفة والإباحة، ففي كلا الحالات نجد النص (المقدس) وأقوال الأئمة وفقه القائد سيد الموقف في الحكم أو التبرير، مع غياب فاضح للضبط المنهجي وللر أي الآخر، وبالتالي وجود سيولة وتسيب عقلي تجدهما غالباً في الحكم على الشيئي الواحد بالإباحة أو التحريم عند فقهاء العقل الشفوي.

الثقافة الشفوية والسلطة:

ظلت السياسة في تاريخ الدولة العربية الإسلامية تتحكم في المسألة الثقافية، وقد أشرنا في موقع سابق إلى مرسوم الخليفة المأمون في الدعوة إلى تبني العقل في الخطاب الثقافي، وإلى مرسوم الخليفة الواثق في تحريم استخدام العقل والاعتماد على النقل في هذا الخطاب، وقد عاني الكثير من رجال الفكر المهتمين في قضايا الدين والدنيا من توابع هذين المرسومين في عصرهما وكل العصور اللاحقة حتى تاريخه. حتى رحنا نجد في الفكر السلفي تيار قائم بذاته يعمل على تبرير فساد السلطة وضرورة الحفاظ عليها وعدم الاعتراض أو الاحتجاج على أوامرها، وهو التيار المدخلي، هذا التيار الذي شكل الحصن الحصين لاستمرا السلطات الفاسدة باسم الدين منذ العصور الوسطى حتى اليوم.

إن السلفية المدخلية لا تختلف في نهجها حقيقة عن كل التيارات السلفية الأخرى، فهي التي تطالب بعدم الخروج على الحاكم المسلم أو معارضته وإن كان فاسقاً، ولا إبداء الرأي والنصيحة له في العلن، ويعتبرون ذلك أصلاً من أصول العقيدة عند أهل السنة والجماعة، وهذا ما يقول به ابن حنبل : (فإن من غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخرة أن يبيت ولا يراه إماماً عليه براً كان او فاجراً، فهو امير المؤمنين.)|(2). أما الباقلاني فيقول: (إن الإمام لايخلع لفسقه وظلمه بغصب الأموال وضرب الأبشار وتناول النفوس المحرمة وتضييع الحقوق وتعطيل الحدود.).(3). وعلى هذه المواقف الفقهية (المقدسة) تجاه السلطة، نجد هذا التيار السلفي في صيغته المعاصرة يقول : إن الاعتراف بالحاكم المسلم والولاء له لا يكفي إذا لم يتم الاعتراف بمؤسسات الدولة الأخرى، مثل منصب المفتي مثلاً والمؤسسات الدينية، ممثلة بالأزهر أو وزارات الأوقاف. وعدم الخروج على فتاوى هذه المؤسسات وعلمائها الرسميين. كما يعتبر هذا التيار أن الجماعة المسلمة هي الدولة والسلطان، لذلك تشن هجوماً حاداً على الجماعات الإسلامية المعارضة للسلطة الحاكمة وتعتبرها خارجة عن الجماعة ومفرقة لصفها، فمحاربتها هي للحفاظ على وحدة الأمة، أي الدولة وسلطتها.

إذن بهذا الموقف السلفي الرجعي ألامتثالي، فرضت السلطة فرضاً على الناس، وفرض معها الثقافة الشفوية الاستسلامية الامتثالية بإسم الدين. وبهذه الثقافة أقصي الفكر العقلاني الإبداعي وثقافته القادرة على بناء الفرد والمجتمع بناء عقلانيا عبر تاريخ الدولة العربية الإسلامية، وتاريخ دولها المعاصرة اليوم

الثقافة الفردية الإبداعية:

إن ما يقابل الثقافة الشفهية الامتثالية المحاربة للعقل وحرية الإنسان، هناك الثقافة الفردية الإبداعية التي تشكل العتلة النهضوية لتسييد هذا العقل وهذه الإرادة، فمن خلال هذه الثقافة الإبداعية ومنتجيها وحامليها ومروجيها ومستهلكيها، التي ضحى قسم كبير منهم براحته وسعادته، بل حتى بحياته من أجل الحقيقة وتطبيقاتها في حياة الإنسان، قامت الثقافة المعبرة عن القيم الإنسانية النبيلة بكل مفرداتها في الماضي والحاضر، وسيظل أمرها في المستقبل أيضاً. فلولا هذه الثقافة الإبداعية العقلانية، لما كان هناك تطور في حياة الإنسان ولما وصلت المجتمعات إلى ما نحن فيه اليوم من علم على كافة مستوياته. كم كان لسقراط وكوبرنيك وغاليلو وهارفي وابن رشد، وابن سينا وجابر بن حيان والفارابي، ولعلماء الذرة والميكانيك وعلم الاجتماع والفضاء والزراعة وغيرها من علوم، كان للفرد المبدع فيها الدور الكبير في صيرورة هذه الحياة وسيرورة تقدمها؟. نعم أنها ثقافة العقل والقلم مقابل ثقافة الفم والنقل.. إنها ثقافة الحياة مقابل ثقافة الموت .

سمات وخصائص الثقافة الفردية الإبداعية:

1- هي في سياقها العام ثقافة إبداعية، مستقلة إلى حد بعيد عن السلطات الحاكمة، ومناقضة للثقافة الشفهية، كونها تعتمد كثيراً على القلم والعقل.

2- هي ثقافة حرة أيضاً كونها غير مقيدة بأيديولوجيا، وإن تقيدت في أية أيديولوجية، فهي تعمل دائماً على جعل هذه الأيديولوجيا وعياً مطابقاً يجب أن تنسجم دائماً مع خصوصيات الواقع دون الخضوع له كلياً، وإنما بمساحة الحرية التي تمتلكها، قادرة على إنتاج فكر تقدمي عقلاني يعمل على تطوير الواقع وتنميته. لذلك هي ثقافة تجديدية تنويرية ضد الثبات والإطلاق والتجهيل.. أي هي تؤمن بالنسبية وتعتمد كلياً على العقل النقدي.

3- هي ثقافة تؤمن بالعلمانية، وتعتبر الدين مكون أساسي من مكونات الثقافة والحضارة معاً، وله دوره في تربية أفراد المجتمع على قيم الفضيلة التي ينادي بها، ولكن يجب أن لا يدخل الدين في السياسة، فالدين لله والوطن للجميع، هذا إضافة لكونها في هذا الاتجاه العلماني أيضاً، تؤمن بأن الإنسان سيد نفسه وهو وحده القادر على تحديد مشاكله وتحقيق مصيره، إنها ثقافة ترفض تقديس الأشياء إذا ما تحول هذا المقدس إلى النيل من حرية الإنسان والحجر على عقله وفقده لجوهر إنسانيته.

4- هي ثقافة تؤمن بالديمقراطية كحل لخلق توازنات في المجتمع في كل مستوياته، فعلى المستوى الاجتماعي تحقيق المساواة بين الذكر والأنثى، و على مستوى الاقتصاد تحقيق الثروة الوطنية بشكل عادل بين أفراد المجتمع، وعلى مستوى السياسية تحقيق المشاركة الشعبية في إدارة الدولة، والتعددية وتداول السلطة. وعلى المستوى الثقافي العمل على نشر وتعميق وتجذير ثقافة التنوير والعقل، وما تتضمنه هذه الثقافة من تأكيد على العدل والمساواة واحترام الرأي والرأي الأخر وحرية الإعلام.

5- هي ثقافة تعتمد كلياً على المناهج العلمية في البحث وتقويم الظواهر، وبالتالي هي ضد التقويم العاطفي والوجداني للظواهر، أي هي ضد الذاتية المفرطة والارتجال والمواقف المسبقة والكسل العقلي. وبالتالي هي مع الفهم الجدلي والتاريخي للظواهر، أي هي تؤمن بالحركة والتطور والتبدل، مثلما تؤمن بالعلاقة الجدلية بين الشكل والمضمون والجزء والكل والداخل والخارج، وأن أحوال الناس تتغير وتتبدل كما يقول ابن خلدون بتبدل نحلتهم من المعاش.

 

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث من سورية

.................................

1- للاستزادة في هذا الموضوع راجع-ياسين- عبد الجواد-، السلطة في الإسلام- العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ، المركز الثقافي العربي- 1998

2 - المرجع السابق. ص86.

3 - المرجع نفسه- 86.

 

ميثم الجنابياحد أعلام الترجمة العظام والأطباء الكبار في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. أصله من الحيرة. أما حياته ومماته ففي بغداد. وقد لازم صعوده العلمي ودراما حياته الشخصية في أوج تطور الدولة العباسية وتأسيسها لما ادعوه بإمبراطورية الثقافة وطابعها الكوني. وقد تكون شخصية حنين بن اسحق احد النماذج الجلية بهذا الصدد.

لقد أتقن حنين بن اسحق (194-264 للهجرة) اللغات السريانية والإغريقية والفارسية والعربية. وهذب معارفه بالعربية على أيدي شخصيات كبرى مثل الخليل بن احمد الفراهيدي. كما انه طور مفرداتها العلمية وبالأخص في ميدان الطب. إذ ترجم اغلب مؤلفات جالينوس إلى العربية. كما ساهم في تنقيح وتدقيق اغلب ما ترجم إلى العربية في علم الطب. لكن اهتمامه لم يكن محصورا بالترجمة، إذ أبدع حنين في ميدان الطب أيضا بحيث جعله ذلك احد الأعلام الكبار. وترجم كذلك بعض الكتب الفلسفية. وتنسب إليه كتابات في مجال الفلسفة والتاريخ، مثل كتاب (نوادر الفلاسفة والحكماء وآداب المعلمين القدماء)، وكتاب (تاريخ العالم والمبدأ والأنبياء والملوك والأمم والخلفاء والملوك في الإسلام) انتهى به حتى زمان المتوكل.

جسّد حنين بن اسحق وحقق في ذاته فكرة الاندماج الثقافي وتنوع الأصول والمساهمة الفعالة في تأسيس كونية الثقافة الإسلامية. كما انه احد النماذج الرفيعة لوحدة الإرادة الإنسانية في تحديها لنقائص الأقلية ورذيلة الحسد المهني وبقايا الأموية في السلطة والحاشية. إذ تراكمت هذه المكونات في مجرى انتقاله من الحيرة الى بغداد، التي كانت تتمثل من حيث رمزيتها وواقعيتها الانتقال من إمكانية الصيرفة الى واقع العلم! والمقصود بذلك هو أن أهل الحيرة كانوا يتميزون آنذاك بمزاولة الصيرفة بينما كانت صناعة الطب حكرا على أهل جنديسابور. وهو "احتراف" مؤقت، لأنه طارئ بسبب مصادفات التاريخ الملازمة لصعود الحضارات وانحطاطها.

غير أن سيرة حنين بن اسحق تكشف عما في هذه المصادفات من تأثير على بلورة نفسية الانغلاق وأثرها السلبي في الموقف من العلم كما هو بوصفه حصيلة الإبداع الإنساني العام. وهي عمومية تستثير الإرادة الإنسانية لتجعل منها قوة عارمة في إعادة الاعتبار للعلم كما هو. لكن إعادة الاعتبار هذه عادة ما تدفع الرواد الأوائل الى تقديم قرابينها في مآس عديدة. وقد تكون شخصية حنين بن اسحق ضمن سياق تطوير العلم الطبي في الثقافة العربية الإسلامية احد النماذج الكبرى. إذ تروي لنا كتب التاريخ والسير كيفية انتقاله من الحيرة الى بغداد ومحاولاته التعلم في مدرسة أهل جنديسابور الطب. حيث كان يقرأ على يوحنا بن ماسويه. وكان المعروف عن حنين كثرة السؤال والاستفسار. مما كان يحرج أستاذه بحيث دفعه مرة إلى الاستهزاء به وطرده تخلصا من إلحاحه في السؤال وتخوفا من انتقال معارف الطب الى "أهل الحيرة"! وتنسب لأستاذه عبارة يخاطبه بها "ما لأهل الحيرة ولتعلم صناعة الطب"! وان من الأفضل له تعلم الصيرفة وخداع المشترين والمتاجرة بالمال المزيف! وقد مّست هذه العبارة أعمق أعماقه، ووضعته أمام تحد للنفس والإرادة. وفيها كانت تكمن فضيلة الرذيلة! لاسيما وأنها المعادلة الخشنة للوجود التي عاني منها حنين بن اسحق لاحقا وعلى امتداد حياته بحيث جعلته يعجب أيما إعجاب بأستاذه الروحي جالينوس القائل، بأن الأخيار من الناس قد ينتفعون بأعدائهم الأشرار!

لكن حقيقة الفائدة تتراكم في مجرى تربية الإرادة. وقد ربى حنين بن اسحق حقيقة الإرادة بوصفها سعيا علميا أخلاقيا. ومن الممكن رؤية ملامحها العديدة والمتعددة في كمية ونوعية المحن التي واجهها من جانب السلطة وحاشيتها. إذ تروي كتب التاريخ والسير والطبقات الامتحان الذي لاقاه على يد المأمون من اجل التأكد من أمانته العلمية والمهنية. انطلاقا من أن تقريب الطبيب من الملوك يحتوي بقدر واحد على قوة الشفاء والشقاء. لاسيما وان السفر الطويل لحنين بن اسحق إلى بلاد الروم وتعلمه اللغة الإغريقية وأصوله النصرانية كانت آنذاك تلعب دورا محتملا في استغلاله لصالح القوى المتصارعة. غير أن حنين استطاع تجاوز هذا الامتحان الصعب. وقد كانت عاصمته وحدة الأخلاق والعلم. انطلاقا من أن مهنة الطب ترمي الى شفاء الناس لا شقاءهم، وان حقيقة العلم تفترض التمسك بقيم الفضيلة والإنسانية. وقد أعجب المأمون بشخصيته وقرّبه بحيث جعله احد أطباء البلاط ومترجمي دار الحكمة. وقد شغل هذا الموقع لاحقا حتى مماته.

وقبل أن يصل إلى هذه الحالة فانه قد تعرض لمحنة زمن المتوكل أقسى وأصعب واشد إثارة لليأس من سابقتها. غير أن حنين اجتازها استنادا الى نفس المبدأ القائل بان العلم فضيلة والفضيلة علم. أحداهما للعقل والأخرى للإرادة. وكلاهما يصبان في مصب المصير الشخصي والتاريخي. فإذا كانت المحنة الأولى امتحان السلطة إياه من اجل اختبار إخلاصه للسلطة والعلم، فان الثانية كانت محنة الشخصية الصاعدة في وسط متميز بالصراع وحسد المهنة ورذيلة الانغلاق ونفسية وذهنية الأقلية. وقد اجتازها حنين بن اسحق بالشكل الذي جعله ارفع شخصيات العلم الطبي آنذاك وكبار المترجمين. وقد ترجم لهذه المحنة الشخصية في إحدى الرسائل الجميلة بوصفها إحدى الاعترافات الدقيقة عن خلجات نفسه وعذاباته وهمومه. لكنها تعكس بالقدر ذاته شخصيته الرفيعة ونبلها الكبير. وقد يكون ذلك احد الأسباب الخفية وراء تأليفه لكتاب (الطبيب الفاضل يجب أن يكون فيلسوفا) و(محنة أفضل الأطباء).

وليس ذلك معزولا عن المرجعية الفكرية والروحية القائلة بأن (العقل السليم في الجسم السليم) وكذلك مرجعية التجانس الضروري بين العقل والوجدان وغيرها من الثنائيات الكبرى التي تلازم ارتقاء الحضارة وتكاملها الذاتي. ففي مجراها عادة ما تتصارع وتتعايش، وتتحد وتختلف الأذواق والآراء والمواقف والشخصيات بقدر اقترابها أو ابتعادها عن إدراك هذه الثنائيات الكبرى وتحقيقها الفردي. وليس تجارب الشخصيات الكبرى سوى الصيغة الفردية لهذه الظاهرة التاريخية، التي تعطي لكل منهم مذاقه وموقعه في تاريخ الروح الثقافي. إذ تحتوي هذه التجارب على تنوع يصعب أحيانا إخضاعه لمنطق صارم. مع انه يتغلغل في كل مسام الأفراد والتاريخ والروح بصورة لا تخلو من أثر الدراما الدامية أحيانا للحقيقة القائلة، بان عصمة الأنا الكبرى محكومة بالعلم، وان العلم الحقيقي هو مصدر الرؤية الأخلاقية المتسامية. بمعنى أن العلم الحقيقي هو الذي يعصم الإرادة الفردية من التحلل والانهيار أمام تيار الزمن الفارغ وغبار السلطة والجاه والأهواء.

 

ميثم الجنابي

 

 

نعم إن هناك ثمة فرق بينهما وهذا ما نرصده في دلالة اللفظ في كتاب الله المجيد، وكذا نرصده في لغة العرب، ولكن بعض أهل التراث قد خالفوا في ذلك، من غير دليل سوى ذلك القياس الباطل والمظنة، حينما جعلوا اللفظين بمعنى واحد وهذا منهم خطأٌ بيَّن، وفي مقامنا هذا سنحاول التدليل على طبيعة الفرق بينهما ... أين وكيف ؟، فوحدة المعاني المُدعاة قد وفدت إلينا وقد هيمنت على لغة الكتاب المجيد بفعل سطوة الشعر ومريديه، وقد كان ذلك بفعل وأثر مضافات الخلفاء والسلاطين الذين وظفوا الشعر كوسيلة في الدعاية والإعلام، مما أثر سلباً على لغة الكتاب المجيد وفهم معانيه ودلالاته، ومن بين من تأثروا بهذه النزعة [الإمام الشافعي الفقيه والشاعر]، وأثروا حين أسترسل في الدمج بين لغة النص ومقولات أهل الشعر، مما أنتج في تراثنا مفهوم - الترادف -، ذلك المفهوم الذي حّرَف الكثير من المعاني والدلالات و جر إلى إرتكاب الكثير من الأوهام في الأحكام وفي الموضوعات .

هذه النزعة الخاطئة كان ضررها في فهم الكتاب المجيد ومعانيه جليٌ وواضح، وفي بحثنا عن معنى - بكة ومكة - تلمسنا ذلك ووجدنا كيف تسنى لبعض التراثيين الدمج بينهما ليكون معناهما واحداً، والحال إنهما صيغتان مختلفتان لفظاً ومعناً، واللسان العربي حين تناول تعريف هاتين الكلمتين أعطى لكل واحدة منهما معناً معيناً خاصاً، ففي وصفه لمعنى - بكة - قال: - إنها لفظ أصيل ثنائي المصدر من - بك يبك بكة أي زاحم مزاحمة - والمزاحمة صفة دالة على الكثرة أو من، وبما إن الموصوف بها الناس، لذلك قال للناس في وصف واقع الحال -، وهكذا قال أبن منظور: - وبك الرجل صاحبه يبكه بكاً أي زاحمه -، قال أبن دريد هي من أفعال الأضداد، قال الزجاج إن: - كل شيء تراكب فقد تباك -: - وتباك القوم أي تزاحموا - .

وفي الكتاب المجيد وردت الصيغة كمبني للمعلوم للدلالة عن الشيء المحكي عنه، ولم ترد بصيغة المبني للمجهول أو للمتصور أو الذي سيكون في المستقبل حتى يمكن ربطها في أماكن أخرى فلا تبادر هنا ولا توافق من حيث البناء اللفظي، ذلك لأن المولى حين وضعها في سياقها الموضوعي كان يريد معناها بحسب الوضع الطبيعي لها، وهكذا يكون كل لفظ في الكتاب المجيد دالا على معنى محدد مقصود يريده الله ويدعونا لتدبره، ومن هنا يتبين خطأ قول القائل: - إن القرآن حمال أوجه - فالقرآن لا يحتمل الوجوه المتعددة إنما له وجه واحد، دعانا لتدبره من خلال تأويله، ولذلك: - [لا يصح في القرآن أن تقول ويقولون] - إنما الصحيح هو قول واحد لمعنى واحد، يكون مُرادا من قبل الله بذاته لذاته لا يتعدآه إلى غيره، وأما ما نُسب إلى الإمام علي في هذا الشأن من الحوارية المزعومة مع عبدالله بن عباس بعد قضية التحكيم، فليس عندنا بشيء لسقوطها سنداً ودلالةً .

ونفي الترادف في الكتاب المجيد هذا المعنى مقصود وواجب تعميمه لكي يتسنى للجميع التعرف على كتاب الله وفهم معانيه، ومنع الترادف يكون بجميع فصول الكتاب وأبوابه، وهذا يعني: - إن الألفاظ في الكتاب المجيد إنما وضعت لمعاني محددة وخاصة وذات دلالة معينة لا تتعدها إلى غيرها - .

فمثلا لا يصح في الكتاب المجيد: - [أن نقول إن البيت الحرام هو المسجد الحرام، كما لا يصح القول بإن ذهب بمعنى مشى، ولا يصح أن نقول: - إن جاء بمعنى أتى وهكذا ...]، وهذه القاعدة تجري في الأفعال كما في الأسماء والصفات:

وحينما يقول الله: - [إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ] – آل عمران 96 ..

هو لا يعني أبداً القول: - إن بكة هي مكة - ولو أراد ذلك لذكره من غير زيادة في اللفظ أو تحريف اللفظ، ثم إن للكتاب لغة واحدة وحرف واحد ولم ينزل على أحرف متعددة تبعاً لتعدد لهجات العرب وقبائلهم، ولو كان ماذكره بعض المفسرين في هذا المجال صحيحاً لسادة الفوضى وعم الإرتباك كما هو حاصل لدى بعض التراثيين، - فأول بيت - لا يعني البيت الحرام ولا يعني الكعبة المشرفة ولا يعني المسجد الحرام، ذلك لأن - لفظ البيت هنا يدل على المكان الذي يستقر به الناس ومع ضميمة مباركاً وهدى - فيكون المُراد به إعتباراً مكاناً خاصاً للعبادة في صيغتها المطلقة، وبكة كما هي في النص ليست من أسماء مكة ولا العكس، ولا يكون ذلك من أسمائها لا من باب العموم ولا الخصوص، وأما ما قيل هي عادة عربية في إستبدال الحروف تمشياً مع لهجات العرب وقبائلها كما يدعي مدع ذلك، فهذا ليس صحيحاً في لغة الكتاب -، ذلك لأن الكلام في النص إنما يتحدث عن [البيت الأول] الذي وضعه الله للناس لكي يعبدوه فيه ويوحدوه ولم يتحدث عن المسجد الأول، والبيت أصله ثلاثي صحيح من بات، ويعني المكان الذي يأوي إليه الفرد أو الجماعة ويتخذوه سكناً، وأما المسجد فأصله من سجد الفعل الثلاثي المصدر الدال على مكان السجود ومواضعه قال تعالى: - [وإن المساجد لله فلاتدعوا مع الله أحدا] - الجن 18 .

ولفظ - وضع - بمعنى جعل أو صيَّر، ولا يكون الجعل منفصلاً عن الوضع الطبيعي لواقع الحال والمُراد به هنا - الناس -، الذين يُراد لهم أن يهتدوا كجماعة ولذلك جعل لهم هذا - البيت - كمكان للعبادة، وهذا الوضع كان بإعتبار ما يُراد منهم فيه، نقول إعتباري وليس حقيقي، ودليلنا قوله تعالى: - [قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ...] - البقرة 144، فالمتأمل لهذا النص يشعر بأن - المسجد الحرام - لم يكن قبلة الناس التي إليها يتوجهون، وإنما وضع للمؤمنين بعد حالة التقلب التي عاشها النبي والرسول محمد، والتحول يجب النظر إليه بإعتبار ماهو مُراد بحسب واقع الحال التي عاشها النبي، أي في اللحظة التي تم فيها التحول تم الوضع الجديد أو الجعل الجديد، ونعود لنقول: - إنه في الإعتبار العقلي ليس من الحكمة أن يوضع - بيتاً - للعبادة من غير وجود عُباد، وهذه العملية في المنطق الطبيعي عبارة عن نسبة وتناسب .

وأما دلالة النص فهي في مقام وصف الحال الذي كان، والذي كان مرتبطاً بحاجة كان يدعوا لها الله، وحتى تتم على وجه أكمل وصحيح، كان يجب ان يكون للناس مكاناً يعبدون الله فيه فجُعل هذا - البيت - بمثابة المكان الذي يلبي هذه الحاجة، وهذه كما ترى صيغة وصفية وليست صيغة تقريرية ثابتة، هذا الكلام الوصفي كان مرتبطاً بالحاجة الواقعية التي كان يريدها الناس، فكان البيت في المكان الذي سماه - بكة - وفي التعريف فهو مكان مكتظ بالسكان ومزدحم، [وفي التاريخ القديم ليس سوى الحواضر المعروفة في العراق والشام ومصر هي ما يصدق عليها هذا الوصف كالمدائن ومدين وأور وبابل وآشور]، الحواضر التي كانت تحتضن دعوة الأنبياء والرسل، ولهذا نقول: - لا يُعقل أن يضع البيت للناس في مكة الخالية من الناس والبشر -، وبحسب هذا المنطق لا تكون - بكة - بمعنى - مكة - ولا تصح صفة وموصوفاً ولا دلالة وأسماً، كما إن - البيت الأول - الذي وضع للناس ليس هو - البيت الحرام - ولا هو كذلك - الكعبة المشرفة -، فالبيت الحرام التي قال عنها الله: - [رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ] إبراهيم 37، وبحسب الطبيعة والوضع لا يكون الوادي الذي لازرع فيه مكاناً مأهولاً، وبحسب المدوناة التاريخية والرُقم فإن موضوعة التوحيد وعبادة الإله الواحد لم تبتدأ في - مكة -، إنما كانت أولاً في الحواضر التي ذكرناها، فإبراهيم النبي ونوح النبي وتمام أنبياء بني إسرائيل وعامة أنبياء الملل الأخرى كانت هناك، نعم حصلت نقلة بحسب الكتاب المجيد عمل عليها إبراهيم النبي حين أسكن من ذريته بواد غير ذي زرع، هذه النقلة جاءت لا حقاً بحسب موضوعة العبادة لله والتوحيد، وجدلياً يكون مفهوم رفع القواعد من البيت يكون رفعاً لا حقاً بعد أن كثر الناس وأزدحموا - والقواعد هم من يتخذون من البيت مكاناً للتلهي، مُشكلين حاجزاً يمنع العُباد من أداء وظائفهم، والقواعد كناية عن هؤلاء الرجال والنساء، قال تعالى: - [وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ] 127 البقرة، - فإبراهيم النبي يرفع القواعد من البيت وليس للبيت -، وذلك لا يعني العمارة والبناء كما توهم غير واحد في ذلك، والنص مورد البحث في آل عمران يتحدث عن أول بيت وضع للناس، وفي صورة تقريبية قال إن فيه: - [فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ ....] - 97 آل عمران -، فإبراهيم النبي أقام في المكان الذي كان أول بيت وضع للناس، وبقرينة أول فيكون هذا البيت سابق لوجود إبراهيم نفسه، إنما أقام إبراهيم في بكة التي فيها - أول بيت -، وبحسب الملازمة التاريخية والدينية يكون البيت مرتبطاً بما يعمره من الناس، وبمفهوم التقابل يكون - البيت الحرام - هو ليس - أول بيت - وضع للناس، بل جاء الوضع لا حقاً بحسب مفهوم قوله فلنولينك، ثم إن الصحيح بحسب المدوناة التاريخية القديمة، ان المكان الذي عاش فيه ابراهيم أتخذه الناس مصلى وموضعا لعبادة الرحمن بعد ان دعاهم ودلهم ابراهيم على ذلك .

فإن قيل: - فأين موضع قوله تعالى: - [ولله على الناس حج البيت ..] من هذا ؟ .

قلنا: - إن الكلام هنا يفيد المغايرة، خاصةً بلحاظ وجود حرف العطف، أعني إن هناك شقين من الكلام الأول منه: - ويقرأ في قوله تعالى - إن أول بيت وضع للناس -، والثاني نقرئه في قوله تعالى: - ولله على الناس حج البيت -،

ولكل من هذين الشقين دلالته الخاصة، ففي الأول كان الكلام عن مطلق العبادة، وفي الثاني كان الكلام عن جزئية منها وهو الحج، [والحج ومناسكه أرتبط بفعل إبراهيم النبي وماقام به، وجرت على أثره تباعاً الحنيفية] .

قال أهل العلم: - إن النقلة التي حدثت مع إبراهيم النبي أرتبطت بتطور مفهوم العبادة نفسه لدى الناس -، كما وقد تبلورت الصيغة النهائية للحج مع النبي محمد .

.........

ولكن ماذا عن مكة ؟ وكيف جاء ذكرها في الكتاب المجيد ؟

لم تذكر مكة في الكتاب المجيد إلاَّ مرة واحدة وكانت على النحو التالي، قال تعالى: - [ وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ]، الفتح 24 -، وفي هذا النص نلتقي بمراتب عده أولها معنى - كف - والمُراد منه، وثانيها معنى - أيديهم عنكم وأيديكم عنهم - والمُراد منه، وثالثها معنى - ببطن مكة - .

وفعل - كف - فعل ثنائي صحيح ومعناه منع أو صد أو صرف، والفعل يتضمن المن من الغير، وفي هذا النص يكون المن من الله، أي إنه هو من صرف ومنع الإعتداء أو الإقتتال، بوجود القرينة الظاهرة في قوله – أيديهم عنكم وأيديكم عنكم -، يعني إن الله صرف عنكم القتال والإشتباك مع العدو، ولأن لهذا الدفع والصرف محل ومكان قال إنه في - بطن مكة -، ولم يقل في - مكة - وكذلك لم يقل في المسجد الحرام ولا في الكعبة، وفي هذا نحن أمام مفردتين الأولى هي مكة إنما ما نريده هو التعرف على معنى لفظ - مكة -- وما سبقها أعني - بطن مكة -، فنحن إذن أمام مفردتين الأولى هي ( مكة ) - وماذا تعنى وماهي حدودها ؟ والمفردة الثانية هي - ( بطن مكة ) - وماذا تعني لغةً وحقيقةً ؟، ففي التعريف المعجمي المتداول جاءت مكة من - المك - وهو المكان الجدب الذي يحت حتا، قال أبن فارس في المقاييس: - [ - مَكَّ - يمك مكة، هو من - الميم والكاف - وهذا أصل ثنائي صحيح للكلمة، والذي - يَدُلُّ عَلَى انْتِقَاءِ الْعَظْمِ -، فيقال: تَمَكَّكَتِ الْعَظْمُ، أي أَخْرَجَتْ مُخَّهُ، وَامْتَكَّ الْفَصِيلُ مَا فِي ضَرْعِ أُمِّهِ: شَرِبَهُ .... ] -، ووفق هذا التعريف تكون اللفظة دالة على الشيء الذي يكون جافاً وناشفاً، وفيه إمارات التصحر بادية، واضحة، حتى إن الله لما ذكر المسجد الحرام الذي هو في مكة قال في وصفه بلسان إبراهيم النبي: - [رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ] 37 إبراهيم - أي إنه يقع في منطقة صحراوية قاحلة لا ماء فيها ولا زرع يجعل من الحياة ممكنة فيها . .

وأما قوله:- ببطن مكة - البطن لغةً تعني الجوف أو الشيء المتوسط، وقولنا - الشيء المتوسط - قول مجازي يناسب المعنى الدارج في ألسن الناس، وذكره مسنداً للدلالة على المسند إليه، قال الراغب في المفردات: - البطن أسفل الجسم -، وهذا بلحاظ ما عليه عامة الحيوانات من حال، والبطن بتعريف أبن خالويه: - هو لفظ مضاف إلى المكان وفي هذه الحالة يُراد به وسطه - أي وسط المكان، ولهذا قال بعض المعاصرين: - البطن هو المركز - لأهميته !!! ...

ولا بد لنا من القول إن - بطن مكة - لا الكعبة ولا المسجد الحرام -، وهذا القول بينه النص 24 من سورة الفتح حين قال: - ( وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ) -، فكف الأذى وقع من جهة التاريخ في منطقة الحديبية والتي إليها يُنسب – الصلح المعروف - والذي يشير إليه النص المذكور، وهذه القرينة الحالية تدل على أن المُراد بها ليس المسجد الحرام، والذي لم يقع فيه أي إشتباك بين المسلمين وغيرهم في عهد النبي محمد كما قلنا .

ولو تأملنا صيغة - كف - وجملة: - [ايديهم عنكم وأيديكم عنهم]، نعلم إنه لم يحصل بين المسلمين والمشركين في عهد النبي محمد في – المسجد الحرام - قتال البته، وما أشار إليه النص 24 من سورة الفتح فقد حصل - ببطن مكة - التي هي كما قلنا منطقة الحديبية، وهي المكان الذي تم التوقيع فيه على إتفاقية الهدنة بين النبي ومشركي قريش، والحديبية هي منطقة تقع على الطريق بين مكة وجدة، وهي إلى مكة أقرب وهي متوسطة بين الحل والحرم، ولا بد أن نشير إلى إن حرف الباء في - ببطن مكة - متعلق بفعل كف، ويعني إن الكف قد حصل في بطن مكة وليس في المسجد أو توابعه .

قال أهل العلم لذلك جاءت جملة - [من بعد أن أظفركم عليهم] - تابعة في مقام التقرير للحال، والظفر أعم في الدلالة من النصر، لأن فيه تضمن حصول الفتح من غير قتال، قال صاحب عمدة الأصول: - والظفر يكون بمعنى الفوز حينما نحصل على المطلوب من غير قتال -، ومن هنا عَّد أهل الميزان: - الفوز بالمطلوب من غير قتال مطلوب بذاته لأنه يُغنينا عن الدماء والدمار - .

ونقول: - والفوز بالمطلوب من غير قتال إنما يهيء القاعدة التي من خلالها يتم إبلاغ الرسالة ونشر الدعوة من غير معوقات -، وهذا ما حصل للنبي بالفعل من خلال الصلح، والذي به أُتيح له أن يُبلغ رسالته من غير خوف، بل وخلق لدى الجماعة المؤمنة زوح جديدة مكنتهم من إداء رسالتهم وبث دعوتهم بين القبائل من غير مزاحمة ..

وللتذكير فقط نقول: - إن مكة أسم عام يطلق على كل هذه المنطقة التي تضم الحديبية والمسجد الحرام، وقد جاء وصفها في الكتاب المجيد على أنها - أم القرى والبلد الأمين، وهذا يفهم من السياق كصفة لموصوف معلوم كما في قوله على هذا النحو

قال تعالى: - [... وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا] – الأنعام 92 - .

وفي سورة التين قال: - [...وهذا البلد الأمين ..] - التين 3 .

و من هنا يتبين إن مكة هي عنوان عام لمطلق المكان، وأما المسجد الحرام فهو جزء منها أو فيها، والمسجد الحرام أُقيم بواد غير ذي زرع بحسب الوصف التالي: - [ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ .... ] إبراهيم 37 - .

وخلاصة الكلام: - وما تبين لنا من خلال البحث في لغة الكتاب ودلالته، إن بكة هي ليست مكة وإنهما مكانيين مختلفين وفي بلدين مختلفين في عصرنا هذا، وإنما جعلت مكة ومسجدها قبلة للناس بعد ذلك التحول الذي حصل لغاية معلومة ...

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

24 – من رمضان 1439 هجرية

 

 

مجدي ابراهيميأسفُ المرء كثيراً حين يرى البعض منّا يخلط خلطاً عجيباً بين "الحقائق" و"الأوهام"، أو بين "العلم" و"الخُرَافة" أو بين "الصدق" وما يناقضه من أكاذيب وافتراءات. والتصوف - موضوعُ هذه المُدَارسَة - كعلم يعتدُ به ويعتز من عارفي فضله أيَّما اعتزاز، وهو كحقيقة تتوافر فيها مقومات الصدق، يخضع كثيراً اليوم كما كان يخضع في الماضي البعيد لافتراءات المفترين وأكاذيب المُدَّعين وتوقح المتوقحين. ومن عجب العجاب إنك لترى فئات تضفي على التصوف طابع الدروشة والاتكال على الخرافة، وتحاربه باسم العلم الحديث أو العقلانية الفلسفية النظرية أو التجريبية العلمية، وتنأى بما تضفي عليه من هذا الطابع عن حقائقه وعلومه ومعارفه الذوقية !

قبل سنوات، عندما كنا نقرأ عن التصوف والصوفيّة كلمات ناقدة مستفزة كان الحماس يدفعنا بلا تردد للرد عليها فوراً. واليوم لم نجد في أنفسنا حماسة لمجرد دفع اللغط المنفّر الذي يسوقه الجهل أو المرض. وقد تبيّن لنا إذْ ذاك إنها مجرد آراء صادرة عن أناس لا يتعمقون الرؤية أو ينساقون وراء معتقداتهم النظرية أو توجهاتهم العقلانيّة أو يندفعون بدوافع مرضية أو بواعث غير علمية تصرفهم عن التتبع والنظر العلمي الدقيق لظاهرة التصوف في الوجدان البشري كونها ظاهرة حضارية.

ما من أمة من الأمم العالمية إلا ووجد في قمتها التصوف، في قمتها لا في قاعها، لكنه يستند إلى مضمون العقيدة التي يدين لها بالولاء؛ ففي أمم الشرق القديم، مصر وفارس والهند والصين تصوف، وفي حضارة اليونان تصوف، وفي الأديان الكتابية وغير الكتابية تصوف، وفي اليهودية فِرَقٌ صوفية، وفي المسيحية تصوف، وفي الإسلام تصوف؛ لأن التصوف لاشك عمل روحي متصل بالروح الإنساني على التعميم لا يخلو منه دين ولا معتقد. لكن أمثال هؤلاء الذين يسبّون التصوف ويسيئون إليه ويعتبرونه سذاجة ودروشة وسبباً مباشراً لتخلف المسلمين، هم لا يعرفون عن الإنسان إلّا كتلته المادية وأشياؤه المحسوسة، ويتحركون في إطار ما ينظرون ويحسّون ويلمسون، هم مفلسون في القيم الدينية، الإيمانية والروحيّة على التحقيق.

كثير من الفلاسفة وعلماء النفس، عدوا التصوف هو العبقرية الدينية فعلاً، بلا تحيز؛ إذْ كانوا ليسوا بصوفية حقيقيين بل فلاسفة نظريين وعلماء تجريبين ركزوا دارستهم على الحالات الصوفيّة كونها فوق طور الوعي العادي. والوعي العالي لا يُقارن بالوعي العادي مطلقاً ... لا في اللغة ولا في الإشارة ولا في العبارة ولا في الفكرة ولا في التَّوَجُّه. ولسنا بحاجة إلى ذكر أسماء أكثر من الإشارة إلى كتابات هنرى برجسون ووليم جيمس (W. James)، وجومز (Jomes) وإريك فروم، أو كتابات ليوبا، وباستيد، وأندرهل (Underhill)، وثولس، وغيرهم من علماء النفس الديني للوقوف على تلك العبقرية الدينية في أعمال المتصوفة وإشاراتهم الرمزية.

النصوص الصوفية الممتازة لا تصدر عن وعي عادي مطلقاً، وهل كانت نصوص النّفري وابن عربي والصدر القونوي وابن سبعين أو حتى نصوص ابن عطاء الله السكندري والنوري والجنيد من قبله، صادرة عن وعي عادي؟ من يقول بهذا يجهل التصوف كما يجهل الكتابة عنه، وبالتالي لا يستمرء تذوق أشارت الصوفية، فيخبط فيها خبط عشواء؛ فيجيء كلامه من ثمَّ لا يستحق عناء الرد عليه؛ لأنه كلام فارغ من المعنى مضيعة للوقت والجهد. من أجل هذا؛ عزفنا عن الرد، وفقدنا الحماسة حتى في قراءة النقد

ولما كنتُ من المختصين في هذا الفن العالي، فقد يسوؤني أن أرى مثل هذا اللغط العجيب دالاً على فراغ العقل والوجدان من القيم العلوية؛ ولا يتحرك قلمي دفاعاً عن حقائق التصوف ضد أباطيل خصومه؛ ولست في الحق مَعْنيَّاً كما قلتُ في هذه العُجالة بالرد على أولئك الخصوم؛ فإنّ هذا ليس من شيم الصوفية ولا من آدابهم، بمقدار ما يعنيني أن أقدّم بين يدي القارئ الكريم كلمة عن الطريق : أدبياته وأذواقه في إطار المنهج والغاية، ليرى معي عما إذا كان التصوف حقيقاً بتلك الصفة، أو كان هو على النقيض تماماً لما يصفه الواصفون بأوصاف يجهلون فيها الحقائق كما هى عليه ليأخذون بما تبقى لديهم من أباطيل.

وإنه لشيء بغيض جداً أننا نروح فننكر - وتاريخ التصوف الإسلامي كله مُعَرَّض من أهل الغفلة والافتراء للإنكار! - ننكر الحقائق الواضحة بذاتها من طريق غير طريقها، وبأدوات لسنا بقادرين على امتلاكها أو حتى الوقوف عليها، ناهيك عما إذا كانت تلك الأدوات ملكات نفس باطنة ومواهب تُفَاض فيضاً في عالم التجريب.

يَكشفُ التَّصوف مخلصاً على الدوام عن "عنصر القيمة في الوجود الإنساني"، وتشرق في أبوابه وموضوعاته مثل هذه"القيمة" التي يفتقدها الباحثون في غير أبواب التصوف وموضوعاته. التصوف ليس دروشة ولا حذلقة ولا إدعاء، ولكنه حياة روحية خالصة في رحاب القيم . لك - إنْ شئت - أن تفك خيوط الحيوات التي يعيشها المتصوفة حالاً بعد حال، ومعراجاً وراء معراج، وفي كل حال حياة، وفي كل معراج ثورة باطنة فريدة يتميز بها الصوفي بمزية الصمود في الطريق الذي ينشده، وفي الغاية التي يرومها؛ فماذا تراك واجداً غير القيم العلوية الكبرى تضبط تلك الحيوات بضوابط التفرد والاستقلال؛ والطلاقة الروحية النادرة، يعزُّ وجودها إلا من الأفراد، الأفذاذ، الأبطال، القدراء؟

التصوف أسلوبُ متفرِّد في "الحياة الروحية"، وحركة منظمة من أجل العمل خدمة لله، يصدُر عن أناس مُتَفرِّدين، لهم في الحياة منهج، وطريقة، وصعود، ومعراج؛ فالإرادة التي يتمتعون بها قيمةُ من القيم الكريمة الباقية. والكمالُ الذي يتوخونه قيمةُ من القيم الكبرى الباقية. وكل فضيلة من الفضائل الإنسانية هى في أرقى مباهجها قيمة علوية من قيم التصوف سواء عرفناها نحن أم لم نعرفها، أدركنا حقيقتها أم لم ندركها، لكنها في مجملها هى الفضيلة التي تصدر من المتصوفة عن إدراك وتهذيب.

والذوقُ الصوفيُ (لا الحدس الفلسفي) هو الأصل الأصيل في المعنى الذي يصيبه إدراك المتصوف العرفاني حيث لا يرى لغيره معنى آخر غير الحق الذي يراه باستمرار حقيقاً بالإتباع والممارسة والمعايشة والحياة، حضوراً وتجربةً على الدوام بغير انقطاع.

وللذوق الصوفي (لا الحدس الفلسفي) أدبٌ عرفانيٌ جليل هو هو العنصر الحركي ذو الفاعلية "القيميَّة" التي تحكم بدورها طبيعة "التجربة الصوفية" في مسيرتها الفاعلة، يخوض غمارها المتصوف غير مشغول بعوارض الطريق.

هذا الأدب العرفاني هو في الأصل إدراكُ وتهذيب أو - إنْ شئت قُلْتَ - تهذيباً وإدراكاً هو نفسه التهذيب الذي تتجلى فيه "فاعلية القيمة" بمقدار ما تتجلى فيه تماماً تلك الصورة المُعَبرة عن مدارك صاحبها : عن وعيه وطاقاته الروحيّة، هذا من جهة.

ومن جهة ثانية؛ هو إدراك أولاً, ثم تهذيب ثانياً، بمعنى أن المتصوف في هذه الحالة يدرك الحقائق بوعي خاص به، هو ذلك الوعي المجمل الذي يتميز به عن غيره من جملة مدركين. فلئن كان هذا الإدراك العرفاني هو الوسيلة الوحيدة إلى التهذيب فيما لو كان التهذيب غاية يرومها العارفون؛ فهو هنا الكاشف لا محالة عن عنصر القيمة بإطلاق.

ولو إنك نظرت إلى الجهة المقابلة تجد أنه : لا إدراك إلا بتهذيب، حيث لا تدرك القيمة إلا بمقتضى ذلك التهذيب؛ فالتهذيب بدايةً فيه صورة أدبية تنقلها لنا شاعرية المتصوف ولطيفته الجوانيّة في عاطفة إيمانية نبيلة وقوية في آن، فهو من هذه الجهة وسيلة لاشك فيها تؤدي إلى الإدراك الذوقي حقيقة لا مجازاً؛ بخاصيّة العرفان الموقورة فيه والمستقرة في أعماقه الباطنة حتى إذا ما انتقلنا في التصوِّر درجة، نرى الإدراك الذوقي هذا هو بالضبط المعدن الأصيل لأدبيات أذواق الصوفية؛ فهو من تلك الجهة الأصل، أما الثمرة فهى التهذيب، وأنا أعني بالتهذيب هاهنا ذلك النظام الأخلاقي الكامل المتماسك - والكاشف أيضاً عن عنصر القيمة بوضوح لا غموض فيه - وهو الذي عُرفت به إشارات الصوفية ومواجيدهم الذوقية .

ومادام العرفانُ خاصية العارف الأولى والأخيرة، صارت الصورة الأدبية التي يعلمها هى هى الصورة الأدبية التي يدركها. وأقول؛ "يدركها"، وأنا أعني ما أقول، وأؤكد على هذا الإدراك؛ إذا نحن علمنا إن الإدراك يعنى هنا هو تلك الخاصة الذوقية يجيء دلالة وعلامة على إدراك العارفين. فالإدراك المقصود هنا إدراك ذوقي، وهو شيء آخر غير "العلم".

العلم شيء والإدراك شيء آخر، وليس بين العلم والإدراك لدى المتصوف فرقٌ كبيرُ. لكنما الفرقُ يظهر عند غير المتصوف : علمك بالشيء غير إدراكك له؛ فقد تعلم عن الشيء الكثير ومع ذلك لن تستطيع أن تتذوق من عبابه الفياض قطرة واحدة؛ فأنت من ثمَّ تعلم عنه علماً خارجياً بعيداً عن الإدراك. أمّا حين تدركه فأنت غائرٌ فيه من الداخل، عارفٌ بمعاناته، مدركٌ لمعطياته الباطنة بالفعل الذي لا زيادة لك فيه ولا وسع لديك أن تقدم سواه؛ خذ مثلاً على هذا مضروباً لك "بالإيمان" في أقرب مصادره ومسالكه : كلنا يدعي الإيمان، يدَّعيه بالكلمة مجرد إدعاء، ويروح فيعبِّر عن هذا الإدعاء بألفاظ يستوحيها بالكيفية التي تثبِّت له هذا الإدعاء؛ فمنَّا من يعلمه قشرة سطحية وظاهراً عرضياً؛ فيأتي علمه لفظاً ما جاوز الأشداق؛ فها هنا يكون مجال العلم وكفى.

ولكن مجال العلم غير مجال الإدراك، مجال الإدراك هذا يقتضي أن يغوص الفرد منا في الإيمان ليستغرقه من جميع أقطاره فيدركه إدراكاً ذوقياً وفق خبرة روحية هيأتها له حركة التجربة، وفي تلك التجربة يرسخ الإيمان في القلوب، لكنه إذْ يَرسخ لا مناص له من قوتين أساسيتين : أولاهما قوة "مانعة". وثانيتهما قوة "دافعة". وبغير هاتين القوتين لا محل للإيمان الراسخ في القلوب ولا مكان لتذوق حلاوته إذا نحن قطعنا النظر عن فاعلية القوة الأولى "المانعة" أو قطعناه عن فاعلية القوة الثانية"الدافعة". والقوتان هما مناط إدراك المدرك لفعل الإيمان، وهما أيضاً قوتان فاعلتان : إحداهما، وهى الأولى : مانعة حافظة حاجبة. والثانية : دافعة مثمرة حاصلة، وحصولها في أنها تسبِّب يقيناً مثل هذا الرسوخ المشار إليه سلفاً.

ولا يتأتى رسوخ الإيمان الحقيقي في القلب الصالح بغير تفعيل هاتين القوتين؛ فكلتاهما قوة إيجابية فاعلة, وليست أحداهما سلبية كما يُتوهم والأخرى إيجابية، ولكن كلتا القوتين إيجابية، وإيجابيتها في تقرير الحركة؛ إنْ من جهة المنع وإنْ من جهة الدفع، وهما معاً يعملان جنباً إلى جنب، وكلتاهما سيدة قرارها : تقرِّر الأولى فعل "المنع"، وتحقق الثانية فعل "الدفع". الأولى : مانعة للنفس من المعصية، وهذا عمل إيجابي في حد ذاته؛ وبمقتضاها يكون "التخلي" عن الآفات والشرور والقواطع والأغيار والأشواك والمعاطب وكل ما يقف حائلاً للمرء في طريقه. والثانية : دافعة للنفس إلى الطاعة وفعل الخيرات، وهذا فعل إيجابي كذلك ينمو ويذكو ويترقى، وبمقتضاه يكون "التحلِّي" بأفضل ما تتحلى به النفوس الصالحة.

الأولى : تحفظ النفس وتحجبها عن الشرور والآثام. والثانية تدفعها إلى الفضائل والخيرات، وهى في طريق هذا الدفع تثمر وتفيض وتعلو بصاحبها في سبيل الإدراك؛ فإذا بلغَتْ هذا المرتقي الكريم، فقد بلغَتْ من الإيمان مبلغه الراسخ في غير زعزعة وفي غير اضطراب، فيحصل من ثمَّ قوة مانعة عن أن تزيل رسوخ الإيمان من قلوب المؤمنين.

وليس يخفى أنه من تفاعل القوتين بعضهما مع بعض، شدَّاً وجذباً، ومنعاً ودفعاً، وتحلياً وتخلياً، تنشأ "الإرادة" وتتربَّى حتى تستقر طبعاً في النفس المريدة لا يزول.

وللحديث بقية

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

مجدي ابراهيمنَفَذَ شَاعرُنَا العربي ببصيرته إلى حقيقة النفس البشرية عندما قال إنها باستمرار تنزع إلى الرغبات إذا هى وجدت المساندة من صاحبها؛ فيشتد بها هذا النزوع حين يدفعها إلى ذلك، لكنها في الوقت نفسه تكتفي بالقليل لو إنها ارتدعت وكفَّت عن النزوع إلى الكثير الذي تريده؛ فحيث يكون الرضى ترضى، وحيث تكون الرغبة ترغب، وما يُقال عن الرضى والرغبة يُقَالُ كذلك عن إرادة الامتناع، فحيث يكون المنع تمتنع، وحيث تكون الرغبة ترغب، وحيث تكون القناعة تقنع :

والنفسُ راغبة إذا رَغَّبتها       وإذا تُرَدُ إلى قليل تقنع

غير أن القانون في علوم الطائفة يبدأ بالصبر والمقاومة والإرادة: مَطَالبُ النفس القوية العجيبة لكن الذي يدفعك إلى الصبر هو "الحب"، والذي يدفعك إلى الحب هو "الإيمان": والصبر نصف الإيمان، والنصف الثاني فَتْحٌ من عند الله غير أنه توفيق، لكأنما الشاعر يريد أن يقول لك من بعيد: أصبر نصف دينك، وانتظر رحمة الله في النصف الآخر. إنما الصبر فضيلة عظيمة، هى الفضيلة الباقية من جوهر الإنسان، كانت موجودة ولا زالت في جميع الثقافات والحضارات الإنسانية، كانت تسمى إرادة جبارة، أو عزيمة فعالة، أو كانت تسمى تنبُّهاً وتركيزاً شديدين، وهما في الواقع عبارة عن "الصبر" بالاصطلاح الديني، وإنْ اتخذ هذا الاصطلاح أشكالاً من التعبير الفني في الثقافات المختلفة.

قلة الصبر على المكاره وابْتعَاث الإرادة في وادي الحمقاء لهو عينه الهلاك المحقق للذين فقدوا إرادتهم حين فقدوا الصبر ولم يتحلوا بالتصبُّر وركلوا الاصطبار؛ ومع فقدان الإرادة وفقدان العزم النافذ والتصميم الفاعل تنبعث الإرادة الإنسانية لتصير كما السائمة في وادي الحُمَقَاء !

وادي الحُمَقَاء .. وما هو وادي الحُمَقَاء؟!

هو وادي لأناس تصوَّروا جهلاً أو غَفْلةً أنهم أعرف الناس بالناس، وأعرف الناس بأنفسهم حتى إذا ما راجعت أحدهم في كلمة قالها أو فكرة تشبث بها أو رأي ارتضاه لنفسه أو حتى خطة من خططه المقلوبة، قال لك من فوره: إني لأعرف جيداً نفسي! وهو في الحق كاذب أو مخدوع؛ لأن درجة معرفة النفس على حقيقتها من الصعوبة بمكان بحيث تنعدم معرفتها أو تكاد. وفي الغالب لا تكاد أن تكون متاحة لكل أحد ولا لأي أحد من الوهلة الأولى: كل الأمور تهون، ولا تهون قط معرفة الإنسان لنفسه؛ فالأحمق هو الذي يدَّعي أبداً أنه أعَرَفُ الناس بنفسه فضلاً عن دعواه بأنه أعَرَفُ الناس بالناس، تقوده الدعوى هذه التي يقرر فيها أنه عَرَفَ نفسه حتى انقشعت عنه ظلماتها فإذا هى أمامه نور أو ما يُشْبه النور إلى جهل محقق مغموس بعكارة الغرور؛ لا معرفة فيه ولا هداية ولا بصيرة بكل تأكيد.

لم يكن "سقراط" يقولها عبثاً تلك الحكمة الخالدة التي وجدها مكتوبة على معبد دلْفس بأحرف من ذهب: " أعرف نفسك "؛ ولم يكن تمسكه بها نهجاً فلسفياً لمعرفة الحقيقة وكفى ولكنه كان فتحاً روحياً بالنسبة له في عالم المعرفة وعالم التفكير؛ إذ التفكير الذي لا يقود إلى عرفان المرء لنفسه هو تفكير أخْرَق مُركب مع الحماقة، وإنما صواب التفكير يعطي أن كل إنسان يحمل في باطنه "مبدأ المعرفة " وشرارتها المنقدحة في قلبه وله أن يطمر هذا وله أن يظهره، بإمكانه ذلك وفي مقدوره، لكن منهجية سقراط قضت أن يَتَوَصَّل المرء إلى ذلك النور المعرفي بطريقين: طريق التهكم وطريق التوليد. غير أن عرفان المرء لنفسه من المؤكد في جهله بها على الدوام؛ لأن هذه المعرفة نفسها فيما لو تحققت من جهة أخرى لتحققت معها معرفة الله، وقد أجمع الصوفية على أنه:" مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ ".

ليس هذا من التناقض في شيء، بل غاية المعرفة هى في هذا الجهل، غاية المعرفة في الحيرة التي تقف المرء على قلة معرفته بنفسه، فضلاً عن معرفتها بربه، إنها بئر غائر سحيقُ قلما يصبر الماهر على الغوص فيها حتى الأعماق، وما أصدق حكمة الأستاذ الإمام محمد عبده حين قال:" أخْفَىَ شيء على الإنسان نَفْسُهُ، وليس من السَّهل أن يعرف دخائلها ".

وبما أن الإنسان مسئولاً عن نفسه أمام ربه، كانت محاسبته لها تزيد من إيمانه، وإهماله لها أيضاً تنقص زيادة الإيمان، من أجل ذلك؛ قال الإمام محمد عبده في حكمة أخرى: " محاسبة النفس وخلجات القلب ركنُ كبير من أركان الإيمان، وقد جَعَلَهَا الصوفية شَرْطَاً مهماً في نجاح الإنسان"؛ لكأنما نجاح الإنسان - إنْ في الدنيا وإنْ في الآخرة - مُتَوَقفُ على مدى معالجته لنفسه تماماً كما هو مُتَوَقف في الوقت عينه على مدى قدرته في معاملة هذه النفس حين يضعها وجهاً لوجه أمام خالقها بحيث لا يطيعها في أمر ولا في نهي.

كان الإمام عبد القادر الجيلاني - طيَّبَ الله ثراه - (ت651 هـ) من الصوفية الأقطاب البارزين في أحكام الطريق شأنه شأن الشاذلي وأبي العباس المرسي؛ وهو صاحب كتاب "الغُنية لطلَّاب طريق الحق"، كتب كتابه "فتوح الغيب" مقالات جاوزت السابعة والسبعون، عبارة عن إشارات ومعاني ترشد إلى قيم السلوك الصوفي، كلمات ظهرت لمولانا من فتوح الغيب، فَحَلَّتْ - كما قال - في جنانه فأشعلت المكان فأنتجها وأبرزها صدق الحال، فتولى لإبرازها لطف المنان ورحمة ربِّ الأنام في قالب صواب المقال، لمريدي الحق والطلاب " (فتوح الغيب؛ مكتبة مصطفي الحلبي؛ الطبعة الثالثة؛ القاهرة سنة 1392هـ - 1973م ؛ ص 6).

تبدأ المقالة الأولى بعد خطبة الكتاب بعنوان " فيما لابد لكل مؤمن"، وهى إشارة هامة ولمَّاحة، مفرطة في ذكاء الروح: أن تجيء المقالة الأولى لتقول: لابد لكل مؤمن في سائر أحواله من ثلاثة أشياء: أمْرُ يمتثله، ونهي يجتنبه، وقدر يرضى به، فأقل حالة المؤمن لا يخلو فيها من أحد هذه الأشياء الثلاثة، فينبغي له أن يَلْزم همُّها قلبه؛ وليحدِّث بها نفسه، ويؤاخذ بها في سائر جوارحه ". ثم تتعاقب مقالات الكتاب على صغر حجمه إلى أن تصل للمقالة الثامنة والسبعين معنونة بعنوان: " في أهل المجاهدة والمحاسبة وأولي العزم؛ وبيان خصالهم " (فتوح الغيب؛ ص 171).

كتابُ ممتع يُذَاق كالشهد الطيب كما تذاق مقالات العارفين؛ مُطَرَّز في النهاية بلمح من قصائده رحمة الله عليه، مسبوقة بشيء عن حياته ووصاياه لأولاده ومريديه، وتاريخ وفاته، ودخوله لبغداد، وشيء من سيرته رضى الله عنه. أما المقالة التي أريد أن أضعها هنا أمام قلب القارئ لا بصره بل بصيرته، ليذوق منها ما من شأنه أن يريحه من همِّ نفسه حين تجيء هذه النفس جماع الهموم التي ينبغي أن يرتاح منها صاحب الهمِّ النكِد الطويل، فهى المقالة السابعة من الكتاب، فيها على التحقيق "صفة العارف" وأهمها فكرة "إسقاط التدبير". هاهنا، رياض المعرفة وربانيتها، ومتاع الذوق وخصوصيته، ورقي الحياة الروحية العامرة بتجاريب أصحابها القادرين عليها الموفقين من الله إليها، هاهنا الرَّوْعة, وهاهنا الجلال، وهاهنا العلاج، هاهنا الطمأنينة القلبية، وهاهنا البصيرة الذوقية، وهاهنا الرياض المبهجة للعقل والقلب، هاهنا ما لا يحصى وصفه بلسان ولا تتسع لتصوره كلمات، وليس يُحسن بالمرء أصلاً رسمه بقلم، وإنما الأوصاف تقريبية لا تفصيلية، مرشدة ودالة لكنها لا تمسِّ الحقيقة في شيء.

التجربة هى التي تَقفُكَ على الحقيقة إنما الأوصاف لا تعطي الحقيقة ولا شيء منها مما تراه فيك أنت وحدك ولا يراه غيرك منك، جرِّب فقط لتدرك! ذُقْ مَذَاق القوم ثم أنظر ماذا ترى، واعْلم أن القوم ليسوا أهل أقوال ولكنهم أصحاب أفعال، وأن علومهم ليست علوم أفكار ولكنها علوم أذكار: جَرِّب .. ! فإن رأيت مَنْهَلاً أعذب من هذا المنهل فرُدَّه, جرِّب وكفى !

عنوان المقالة هو "في إذهاب غمِّ القلب"، هى السابعة كما قلنا في ترتيب مقالات الكتاب، ترانا نحيطها أولاً بلفظ الشيخ على حرفه هو، ثم نوالي التعليق عليها تباعاً بما أمكن، قال الشيخ:" اخرج عن نفسك وتنح عنها، وانعزل عن ملكك، وسلِّم الكل إلى الله، فكن بوابه على قلبك، وامتثل أمره في إدخال من يأمرك بإدخاله، وأنته بنهيه في صدِّ من يأمرك بصده، فلا تدخل الهوى قلبك بعد أن خرج منه، فإخراج الهوى من القلب بمخافته، وترك متابعته في الأحوال كلها، وإدخاله في القلب بمتابعته وموافاته، فلا ترد غير إرادته، وغير ذلك منك تمنِّ، وهو "وادي الحمقاء"؛ وفيه حتفك وهلاكك وسقوطك من عينه وحجابك عنه. أحفظ أبداً أمره، وأنته أبداً نهيه، وسلم أبداً لمقدوره، ولا تشركه بشيء من خلقه، فإرادتك وهواك وشهواتك من خلقه، فلا ترد ولا تهوى ولا تشته كيلا تكون مشركاً؛ قال تعالى:" فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لقَاءَ رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالحَاً وَلا يُشْركْ بعبَادة رَبّه أَحَدَاً " (الكهف: آية 110).

ولتنظر إلى هذه العبارات تجد مبدأ إسقاط التدبير يشملها تماماً لكأنه حقيقة ماثلة لدى أكابر الأولياء. نتابع قول الشيخ: ليس الشركُ عبادة الأصنام فحسب، بل هو متابعتك هواك، وأنت تختار مع ربك شيئاً سواه من الدنيا وما فيها والآخرة وما فيها؛ فما سواه عز وجل غيره، فإذا ركنت إلى غيره فقد أشركت به عز وجل غيره. فاحْذَر ولا تركن، وخف ولا تأمن، وفتش فلا تغفل فتطمئن، ولا تضف إلى نفسك حالاً ولا مقاماً، ولا تدع شيئاً من ذلك، فإن أعطيت حالاً أو أقمت في مقام فلا تختر شيئاً واحداً من ذلك؛ فإن الله كل يوم في شأن، في تغيير وتبديل، وأنه يحول بين المرء وقلبه، فيزيلك عمَّا أخبرت به، ويغيرك عما تخليت ثباته وبقائه، فتخجل عند من أخبرته بذلك، بل أحفظ ذلك فيك ولا تعده إلى غيرك؛ فإنه كل الثبات والبقاء، فتعلم أنه موهبة وتسأل التوفيق للشكر واستر رؤيته، وإنْ كان غير ذلك، كان فيه زيادة علم ومعرفة ونور وتيقظ وتأديب، قال الله عز وجل:" مَا نَنسَخْ منْ آيَة أوْ نُنسهَا نَأت بخَيْر مّنْهَا أوْ مثْلهَا, أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلّ شَيء قَديرٌ " (البقرة: آية 106). فلا تعجز الله في قدرته، ولا تتهمه في تقديره ولا تدبيره، ولا تشك في وعده، فليكن لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة: نسخت الآيات والسور النازلة عليه، المعمولة بها، المقروءة في المحاريب، المكتوبة في المصاحف، ورفعت، وبدلت، وأثبت غيرها مكانها، ونقل صلى الله عليه وسلم إلى غيرها، هذا في ظاهر الشرع. وأما في الباطن والعلم والحال فيما بينه وبين الله عز وجل فكان يقول:" إنه ليُغان على قلبي فأستغفر الله في كل يوم سبعين مرة"؛ ويروى" مائة مرة ". (والغَيْنُ: غين أنوار لا غين أغيار أو أكدار كما قال الشاذلي؛ والحديث أخرجه مسلم من حديث الأغَرّ المزني إلا أنه قال "في اليوم مائة مرة "، وكذا عند أبي داود. وللبخاري من حديث أبي هريرة " إني أستغفر الله في اليوم أكثر من سبعين مرة". وفي رواية البَيْهقى في الشعب "سَبْعين" لم يقل أكثر (راجع الحافظ العراقي: المغني عن حمل الأسفار، على هامش الإحياء جـ3، ص242). وتظهر المؤثرات الروحيّة المباشرة في تصوف الجيلاني هنا تماماً كما هى في تصوف الشاذلي والمرسي وابن عطاء، وهى مؤثرات سنية بحتة موصولة بالغزالي مباشرة، إذْ تكاد العبارات الأخيرة من كلام الجيلاني تكون منقولة بحرفها من الغزالي)

وكان صلى الله عليه وسلم ينقل من حال إلى أخرى ويسير به في منازل القُرْب وميادين الغيب، ويغير عليه خلع الأنوار، فتبين الحالة الأولى عند ثانيها ظلمة ونقصاناً وتقصيراً في حفظ الحدود فيلقن الاستغفار؛ لأنه أحسن حال العبد، والتوبة في سائر الأحوال؛ لأن فيها اعتراف بذنبه وقصوره، وهما صفتا العبد في سائر الأحوال، فهما وراثة أبي البشر آدَم عليه السلام إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم حين اعتورت صفاء حاله ظلمة النسيان للعهد والميثاق، وإرادة الخلود في دار السلام، ومجاورة الحبيب المنان، ودخول الملائكة الكرام عليه بالتحية والسلام، فوجدت هناك نفسه مشاركة إرادته لإرادة الحق، فانكسرت لذلك تلك الإرادة وزالت تلك الحالة، وانعزلت تلك الولاية، فانهبطت تلك المنزلة، وأظلمت تلك الأنوار، وتكدر ذلك الصفاء، ثم تنبَّه وذكر صفي الرحمن، فعرف الاعتراف بالذنب والنسيان ولقن الإقرار فقال:" رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإنْ لَّمْ تَغْفرْ لَنَا وَتَرْحَمَنَا لَنَكُونَنَّ منَ الخَاسَرينَ " (الأعراف: آية 23) . وجاءت أنوار الهداية وعلوم التوبة ومعارفها، والمصالح المدفونة فيها ما كان غائباً من قبل، فلم تظهر إلا بها، فبدلت تلك الإرادة بغيرها والحالة الأولى بأخرى، وجاءته الولاية الكبرى والسكون في الدنيا ثم في العقبى، فصارت الدنيا له ولذريته منزلاً، والعقبى لهم موئلاً ومرجعاً وخُلْداً؛ فلك برسول الله وحبيبه المصطفى وأبيه آدم صَفي الله عنصر الأحباب والأخلاء أسوة في الاعتراف بالقصور والاستغفار في الأحوال كلها (فتوح الغيب؛ ص 16- 19).

ولنذكر ما كان قاله الإمام أبي الحسن الشاذلي:" أحْصَنُ الحصون ما أخبرك عنه في الاستغفار؛ وحقيقته أن لا يكون لك مع غير الله قرار، قال تعالى في كتابه:" وَمَا كَانَ اللهُ ليُعَذّبَهُم وَأنْتَ فيهم، وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفرُونَ" (الأنفال، آية 33). ولنلحظ: وحدة الاتجاه بين الشاذلي والجيلانى ممثلاً في إسقاط التدبير ورفض دعوى الإرادة في هذه المقالة؛ ووحدة المشرب الروحي الواحد، ووحدة القصد من وراء التأثر بذوق الطريق، لا بل تأثر ذَوْق الطريق نفسه بهما، وانتهاج هذا الذوق ليكون معبراً عن جانب عظيم في الإسلام، واقتفاء هذا الأثر على طول الخط؛ محافظةً على التصوف السُّني الخالص، واستخلاص أثره الباقي في الحياة الروحية في الإسلام.

هذه هى المقالة التي دبَّجها يَراع الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمة الله عليه في إذهاب غمِّ القلب وأنت ترى فيها أولاً: مقاصد العبودية ومطالبها صريحة في إسقاط التدبير؛ كما يُقَدّمها نظام التَّعَبُّد الصوفي لدى أعلام الحياة الروحيّة معراجاً روحياً فوق كونه تكريماً آدمياً: إزاحة الهوى أولاً، وتنحية الشركاء والأغيار ثانياً، والتغلب على إرادة النفس وشهوات الأهواء والمخالفات ثالثاً، والتوجه بكل الهمة إلى الله تعالى طلباً للمساعدة والتوفيق. هذا المعراج قد وَصَفَه الغزالي في "الإحياء" من قبل، وبين حالات الارتقاء فيه بالنسبة لمعراج النبي صلوات الله وسلامه عليه، والاعتبار به، وَشَرَحَ حالات تطوره الروحي شرحاً مستفيضاً بما لا مزيد عليه.

ثم ترى فيها ثانياً: أن الوادي الذي يهيم فيه الحمقاء هو وادي"دعوى الإرادة" في غير محل للإرادة وفي غير اعتبار لها؛ فالحمقاء هم الذين يريدون غير إرادة الله باعتمادهم على إرادة أنفسهم فيما تصوره لهم أهواؤها، فلذلك قال الجيلاني "فلا ترد غير إرادته، وغير ذلك منك تمن، وهو وادي الحمقاء". لكن هذه الإرادة إذا هى كانت على النحو الذي قرره الشيخ تصبح طلباً للكمال. وطلب الكمال صفة من صفات الروح الإنساني ولازم من لوازم تطلعه الروحاني، بل هو النتيجة الملازمة لكل تلك العواطف والميول والقوى التي رُكبت في هذا الفؤاد الخفَّاق الساكن بين الجوانح: طلب الكمال طلب للتحرير وتأكيد للذات من جانب المعرفة؛ لأنه مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ؛ ولأنه طلبٌ لحقيقة الإنسان الوجودية الأصيلة فيه؛ فمتى تحرَّر وَجَدَ نَفْسَهُ وَشَهَدَ حقيقته الأصلية ولازم إنسانيته في أرفع مطالبها، وترقى صعداً من لوثة التراب المجبول إلى أفق الأرواح والعقول.

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم