ميثم الجنابي"بين صفات الله وصفات الخلق

ما بين ذاته العزيز وذواتهم".. (الغزالي)


تظهر معضلة الصفات حالما يصبح الموصوف معيارا لأوصافه، أو أن تصبح الأوصاف أسلوب الكشف عما في مضامينها من قيمة وغايات عملية. وبهذا المعنى، فإنها تكشف في آن واحد عن تعمق "المعارف الكمية"، وعن الطابع العملي لغاياتها النهائية. وليس مصادفة أن تظهر مسألة الصفات الإلهية في بداية نشوء الخلافة، ومن بعدها قضايا الذات الإلهية. وذلك لأنها كانت من الناحية التاريخية والعملية المقدمة الضرورية لاختبار العلم والعمل في صراعات الأمة الآخذة في التجزئة. فإذا كانت الذات الإلهية هي المحور الأولي والنهائي لإسلام الدعوة والرسالة، فإن الصفات الإلهية هي الميدان الأول لتجلياتها العديدة في رؤى الفرق والمذاهب ومواجهاتها في مجال الموقف من العقل والنقل. وبهذا تكون مسألة الصفات الإلهية هي نفسها مسألة الذات الإلهية بأبعادها الاجتماعية. إذ لم تعن قضية الصفات الإلهية، من الناحية التاريخية، سوى قضية الذات الإنسانية وصفاتها المثالية. أنها تعكس تجارب التاريخ المثالية، مما ألزمها بالضرورة  تجزئة الإلهي والإنساني كمعايير لرؤية الذات الانسانية "العليا" و"الدنيا"، و"السماوية" و"الأرضية"،  والفاضلة والمرذولة. أما نموذجها اللاهوتي فهو وحدة العبودية والربوبية، أو الإنسان والله. وبهذا المعنى ليست علاقة الذات بالصفات، سوى علاقة الأنا بذاتها أو صفاتها. وهي الإشكالية التي أثارت في تقاليد الإسلام السابقة للغزالي حوار وجدل هو هي، وهي هو، وهو لا هي، وما إذا كانت الصفات هي الذات، أو ما إذا كانت غيرها، أي ما إذا تتطابق الصفات مع الذات أو لا ومشتقاتها غير المتناهية. وهي الإشكالات التي أثارتها صيرورة التجزئة غير المتناهية في الوجود الاجتماعي الثقافي للأمة الاسلامية.

فقد أدى ذوبان الذات الوحدانية في فعل الفتح الإسلامي، باعتباره توحيدا جديدا للشعوب والأمم   في عبودية الله والخلافة، إلى ظهور تجلياتها في صفاتها المفترضة من قوة واقتدار، وجبروت وملك. مما استثار في مجرى تطوره وحدة المنظومات الكلامية وخلافاتها. وليس مصادفة أن تظهر في أول مراحل الخلافات الفكرية السياسية عن الصفات الإلهية مسألة الكلام والقِدَم. فهي الصفات التي تعبّر في رمزيتها عن التاريخ والمطلق، والتي عادة ما تداعب قوى الخيال السلطوي والأخلاقي. لهذا كان بإمكان رجال الورع الإسلامي الأوائل أن يصرخوا بوجه السلطة متحدين إياها، بأن الله لم يكلم موسى تكليما ولا اتخذ ابراهيم خليلا، وأن تكبّر السلطة في صلاة العيد بذبحها من قال بذلك، كما لو انها تنحر ضحيتها ككبش فداء أمام محراب سلطتها السياسية.

إن هذا الصدام الذي حدد مواجهة قوى الخيال السلطوي والأخلاقي هو نفسه القائم في كيفية  رؤية الوحدة الحقيقية وراء الذات الإلهية وصفاتها. فإذا كان الموقف الأولي من الصفات هو محاولة التعبير عن قيمة الوحدة المطلقة في الذات الإلهية لحالها، باعتبارها نموذجا كاملا ومتكاملا بذاته للأخلاق الإسلامية ووحدتها في الأمة، فإن نحرها أمام محراب السياسة لم يعد من حيث رمزيته السياسية سوى استبداد السلطة في التمتع بحرية الكلام بالكلام المطلق. وقد أخذ يتقاسم الجميع ضرورة هذه الحرية، بعد أن تحولت إلى إشكاليات اللاهوت السياسي. وبعد إرجاعها إلى مصادرها الأولية في الكتاب والسنّة أتخذت هيئة الأفكار المجردة. آنذاك كان بإمكانها أن تتمتع بحرية التأمل الساحر لما في إشكالات الأزل والأبد، وأن تبقى في الوقت نفسه في حيز خضوعها المباشر لتقاليد الكلام في تصوراته عن الذات والصفات والأفعال، باعتبارها الوحدة اللاهوتية لتجارب الثقافة الإسلامية في وعيها الديني والسياسي والأخلاقي.

وحالما تحولت قضايا الذات والصفات والأفعال إلى مشكلات قائمة بحد ذاتها، فإنها تكون قد صنعت عالمها الفكرى الخاص بها. مما حولها بالتالي إلى الميدان الأكثر حساسية في جدل الكلام وتحديده لهوية الذات الإلهية وإشكالاتها الروحية والأخلاقية. وأدى مجمل هذه العملية إلى أن تكف قضايا الصفات عن أن تكون قضايا ميتافيزيقية خالصة. بمعنى انتقالها من واقع الصراعات السياسية إلى ميدان الميتافيزيق الديني، ومنه إلى تأملات الكلام والفلسفة. ومن ثم رجوعها إلى تحليل الواقع الاجتماعي السياسي الأخلاقي. ولم يشذ الغزالي عن حصيلة هذه التقاليد اللاهوتية والفلسفية. على العكس!، انه سعى لربطها  ولكن من خلال تطوره النظري واستعمالاته الشخصية في ميادين المعرفة. أنها عكست مراحل تطوره، وبالتالي مواقفه منها استنادا إلى  اسسها العقلية وتقاليدها النظرية السابقة، كما هو جلي في ما اسماه بعقائد العوام وتطابقها شبه الكلي في (إحياء علوم الدين) مع ما سبق وأن وضعه في (الاقتصاد في الاعتقاد).

فقد تناول، شأنه في مواقفه من الذات الإلهية، قضية الصفات للمرة الأولى في (تهافت الفلاسفة). حينما أخذ على الفلاسفة المسلمين حججهم المثيرة للجدل عما دعاه بصفات الصانع. فقد أدى فكر الفلاسفة في نهاية المطاف، كما استنتج الغزالي، إلى نفي صفات الصانع (الله). وليس مصادفة أن يناقش أساسا قضايا الإرادة الإلهية والعلم الإلهي، باعتبارها القضايا الجوهرية لعلم الكلام أيضا، في مواقفه من الصفات. فهما يشكلان الوحدة الداخلية للصفات الإلهية الإسلامية كما بلورتها تقاليد علم الكلام. لهذا حاول في معرض انتقاده لآراء الفلاسفة بهذا الصدد إظهار تناقضها الداخلي. ويبدو  ذلك بجلاء في جدله معهم حول مسائل الحدث والقِدَم في العالم. إذ لم ير في آرائهم الأرسطية الافلاطونية سوى تأويلات تفتقد لمنطقها الداخلي. وأوصله ذلك إلى استنتاج يقول، بأن حدوث العالم لا يتنافى مع القدرة الإلهية القديمة. وانه لا  مانع من أن يراد الشيء في الوقت الذي يحدث فيه إذا كان مرادا بالإرادة القديمة. أما نفي هذه الفكرة من جانب الفلاسفة، فمبني على مجرد "الاستبعاد والتمثيل بعزمنا وإرادتنا"[1]، وقياس الإرادة الإلهية (القديمة) بالمعيار الإنساني (الحادث). بينما لا يمكن للإرادة الحادثة (الإنسانية)  مضاهاة الإرادة القديمة (الإلهية). إذ ليست الإرادة من حيث هي صفة سوى تميز الشيء عن مثله، ولولا أن هذا شأنها لوقع الاكتفاء بالقدرة الإلهية[2]. فكل ما في الوجود، وُجِدَ بالإرادة الإلهية من حيث وجوده، وبالصيغة التي وجد فيها، وفي المكان الذي وجد فيه. فالإرادة الإلهية هي شكل تجلي القدرة القديمة. وأن كون الله قديما قادرا لا يمتنع عليه الفعل أبدا إن أراده. أما التناقضات الممكنة هنا فهي نتاج الالتباس والوهم لا غير. ولهذا السبب أيضا حاول في دفاعه عن فكرة الصفات الإلهية إظهار ما في أفكار الفلاسفة من تهافت في تناولها لعلاقة الفاعل والمفعول، والسبب والمسبب. فالفعل بالنسبة للغزالي، مرتبط بالحيوان فقط. أما عندما نسمي الجماد فاعلا، كما في قولنا "الحجر يهوي" فعلى سبيل المجاز. ذلك يعني انه حاول ربط الفعل بالإرادة، ومن خلالها بالعلم. فالإرادة تحتوي بالضرورة على العلم، تماما بالقدر الذي يتضمن على الفعل. وبالتالي فإن الفعل الحقيقي هو الفعل المرتبط بالإرادة والمحدد بها. لاسيما وأنها الصيغة التي يحددها أيضا منطق العقل واللغة. لهذا كتب يقول، بأن من "ألقى إنسانا في النار فمات، يقال هو القاتل دون النار". فاللغة والعرف والعقل تصف الإنسان بالقاتل، مع أن النار هي القاتلة. كل ذلك يدل على أن "الفاعل من يصدر منه الفعل من إرادته. فإذا لم يكن مريدا عندهم ولا مختارا لفعل العالِم، لم يكن صانعا ولا فاعلا إلا بالمجاز"[3]. وطبق هذا الموقف أيضا تجاه صفة العِلم من خلال ربطه الذات بالصفات. إذ لا يعني سلب الصفات بالنسبة للغزالي توكيدا للوحدانية بقدر ما يؤدي إلى نفي حقيقتها. لهذا شدد على أن أدلة الفلاسفة عن واجب الوجود ونفي الكثرة عنه لا دليل لها. إنها تقدم الدليل الدال على قطع التسلسل فقط. أما فكرة "الوجود الأول البسيط"، فإنها تقود في نهاية المطاف إلى دليل نفي الصفات[4].

لقد أدرك الغزالي تعقيدات مسألة الصفات الإلهية، وحيرة العقل فيها. إلا أن جدله الأول سار في اتجاه نقد آراء ومواقف الفكر الفلسفي وعقليته المنطقية في تناول هذه القضية. بحيث جعله ذلك يستغرب لا حيرة العقل في الصفات الإلهية، بل اعجاب الفلاسفة بأدلتهم مع ما فيها من التناقض[5]. أما ذخيرة (تهافت الفلاسفة) الفكرية الجدلية بهذا الصدد، فقد شكلت مادة ومقدمة الصياغة الإيجابية لما وضعه للمرة الأولى في (الاقتصاد في الاعتقاد).

فعندما تناول الصفات السبع في تسلسلها الكلامي التقليدي، فإنه جدولها في كل من القدرة والعلم والحياة والإرادة والسمع والبصر والكلام. ومعنى القادر انه محدث العالم، لأن العالَم محكّم، مرتّب، متقن، منظوم، مشتمل على انواع من العجائب والآيات. وإن العقل يحكم في رؤيته الظاهرة والباطنة على ما فيه من أحكام وترتيب. غير أن العالم ليس قديماً قدم الذات[6]. أما إشكالية القدرة والقدم والفعل الحادث، فقد حلها على اساس حله لمفهوم الإرادة. فللقدرة علاقة بالمقدورات (الممكنات). وأن الإمكان ما لانهاية له، والقدرة واسعة لكل ذلك. فهو يردد هنا مضمون جدله المعارض لفكرة الفلاسفة عن عدم حدوث المادة. فالإمكان وصف للمادة، والمادة لا يكون لها مادة فلا يمكن بالتالي أن تحدث. إذ لو حدثت لكان إمكان وجودها سابقا على وجودها. وكان الإمكان قائما بنفسه غير مضاف إلى شيء، مع انه وصف اضافي لا يعقل أن يكون قائما بنفسه. ولا يمكن أن يقال "إن معنى الإمكان يرجع إلى كونه مقدورا وكون القديم قادرا عليه" لأننا لا نعرف كون الشيء مقدورا إلا بكونه ممكنا. فنقول هو مقدور لأنه ممكن، وليس بمقدور لأنه ليس بممكن. فإن كان قولنا هو ممكن يرجع إلى انه مقدور، فكأننا قلنا هو مقدور لأنه مقدور، وليس بمقدور لأنه ليس بمقدور. وهو تعريف الشيء بنفسه، أو تحصيل حاصل[7]. فالإمكانية في نهاية المطاف، ما هي إلا جزء من "قضاء العقل"، أي ما قدّر العقل وجوده، وإلا فإنه مستحيل. وينطبق هذا بالقدر نفسه على العدم. وبالتالي فإن قضية الممكن والمستحيل والعدم  هي قضايا عقلية.

أما صفة العالِم فمعناها إن الله عالم بجميع الموجودات والمعدومات. فالموجودات منقسمة إما إلى قديم كذاته وصفاته، وبالتالي فهو بذاته عالمٌ وبصفاته، وإما إلى ما هو حادث (الموجودات)، أي انه عالم  بغيره. وليس لعلم الله نهاية بفعل لا نهائية الممكنات التي يخلقها بإرادته. إذ الموجودات في الحال، كما  يقول الغزالي، و"إن كانت متناهية فالممكنات في الاستقبال غير متناهية"[8].

أما صفة الحياة فمعناها انه حي وهو معلوم بالضرورة. في حين أن الإرادة تعني إن الله مريد لأفعاله. وذلك لأن الفعل الصادر منه مختص بضروب من الجواز لا يتميز بعضها من البعض إلا بمرّجح. ولا تكفي ذاته للترجيح لأن نسبة الذات إلى الضدين واحدة، فما الذي خصص أحد الضدين بالوقوع في حال دون حال؟ وينطبق هذا على القدرة أيضا. بمعنى انها كالذات لا تلغى فيه. إذ نسبة القدرة إلى الضدين واحدة. كذلك الحال بالنسبة للعلم. وذلك لأن كل ما هو ممكن الوجود في ذات علم الله واحد من حيث  الإحاطة. آنذاك تكون الإرادة للتعين علة، ويكون العلم متعلقا به تابعا له غير مؤثر فيه[9]، أي أن الحادثات تحدث بإرادة قديمة تعلقت بها، فميزتها عن اضدادها المماثلة لها. وبالتالي لا معنى للسؤال عن أسباب هذا التميز وأسراره، لأن معارضتها شبيهة بقول القائل "لِمَ اوجب العلم انكشاف العلوم؟ إذ لا معنى للعلم إلا ما اوجب انكشاف العلوم"[10]. فالإرادة متعلقة بجميع الحادثات من حيث انه أظهر أن كل حادث مخترع بقدرته. وكل مخترع بالقدرة محتاج إلى إرادة تصرف القدرة إلى المقدور وتخصصها به. فكل مقدور مراد وكل حادث مقدور وكل حادث مراد. والشر والكفر والمعصية حوادث فهي اذاً لا محالة مرادة[11].

أما صفات السمع والبصر فمعناها ما أراد الشرع وما ورد فيه قوله "وهو السميع البصير". غير أن الغزالي حاول أن يعطي لها طابعا عقليا من خلال إدراجها في اطار التنزيه العام على أساس فكرة "ليس كمثله شيء"[12].

أما أساس صفة الكلام فيقوم في أن "صانع العالم متكلم". لكن ليس بمعنى الكلام الإنساني. فالإنسان يسعى متكلما باعتبارين، الأول باعتبار الصوت والحرف، والثاني باعتبار النفس. وإذا كان الغزالي قد جعل من حديث النفس ما يمكنه أن يكون مثالا ملموسا للكلام الإلهي انطلاقا من تراث الجدل الفكري حول هذه القضية القائل بأن كلام النفس الإنساني هو مجرد قوة مفكرة تستند إلى لفظ الحروف وترتيب المعاني، والذي حاول كشفه من خلال بلورته مضمون "الأمر الالهي". فمقصود الكلام هنا هو العلم والإرادة والقدرة. فالأمر هو دلالة على أن في النفس طلب فعل المأمور. وعلى هذا يقاس النهي وسائر الأقسام الأخرى من الكلام. إذ لا يعقل أمر آخر خارج عن هذه الجملة. فبعضها محال عليه كالأصوات، وبعضها موجودة لله كالإرادة والعلم والقدرة. فإن قول السيد لغلامه "قم!" يدل على معنى. والمعنى المدلول عليه في نفسه هو كلام. فالطلب الذي قام بنفسه دل عليه لفظ الأمر عليه، هو كلام وهو غير إرادة القيام[13]. انه سعى لإزالة التشبيه. لهذا حاول تأويل الفكرة القرآنية في تكليم الله موسى، بالصيغة التي ألغى فيها الصوت (المادي). وانطلق فيموقفه هذا من أن السمع هو نوع من الإدراك. وبالتالي لا يمكن الاجابة عن السؤال المتعلق بكيفية إدراك حلاوة السكر إلا بأن يقال ينبغي أن يذاق، كذلك الحال بالنسبة لتكليم موسى. لهذا اكد في مجرى تناوله قضية القرآن باعتباره معجزة الله، من أن كلامه مكتوب في المصاحف، محفوظ في القلوب، مقروء بالألسنة، وإن الكاغد والحبر والكتابة والحروف والأصوات كلها حادثة، لأنها أجسام وأعراض في أجسام. فكلام الله القديم هو المدلول لا ذات الدليل. مثلما نقول كلمة النار ولا تحرقنا[14].

إن هذه الصيغة "الإيجابية" التي ردّ فيها على آراء الفلاسفة عن الصفات ما هي في الواقع سوى النموذج التوليفي لتقاليد اللاهوت الإسلامي العقلاني في مواقفه من الذات والصفات. وهو الذي يفسر سرّ بقائها وحيويتها في (إحياء علوم الدين) كعقائد للعوام. فهو يعيد هنا بصورة مختصرة ومغايرة لجدل الإفحام، المكونات الجوهرية لإبداع الكلام الإسلامي عن الصفات الإلهية، باعتبارها عقائد تخدم وحدة الكلّ الروحي الإسلامي. فالقادر معناه هو الذي لا يعتريه قصور ولا عجز ولا تأخذه سنة ولا نوم. وهو المتفرد بالخلق والاختراع، المتوحد بالإيجاد والإبداع[15].

أما العالِم فمعناه انه عالِم بجميع المعلومات، محيط بما يجرى في تخوم الأرض إلى أعالي السموات، يعلَم كل شيء بعِلم قديم أزلي لم يزل موصوفا به، لا بعلم متجدد حاصل في ذاته بالحلول والانتقال[16]. وأن دليل إحاطة علمه بجميع الموجودات هو وجودها في المخلوقات وترتيبها. إذ أننا نلاحظ الترتيب في كل شيء، بما في ذلك في "أحقر الموجودات". وهو دليل العلم بكيفية الترتيب[17]. أما قِدَم علمه فيعني انه لم يزل عالما بذاته وصفاته ما يحدث من مخلوقاته، أي حصولها مكشوفة له بالعلم الأزلي تماما كما أن معرفتنا بوصول زيد غدا لا يعني تجدد المعرفة والعلم في حالة وصوله[18].

أما كونه حيًا فدليله أن من يثبت علمه وقدرته يثبت بالضرورة حياته[19]. في حين إن معنى كونه مريدا هو إرادته للكائنات وتدبيره للحادثات. فلا يجرى في الملك والملكوت قليل أو كثير، صغير أو كبير، خير أو شر، نفع أو ضر، إيمان أو كفر، عرفان أو نكر، طاعة أو عصيان، إلا بقضائه وقدره وحكمة مشيئته. فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وإن إرادته قائمة بذاته في جملة صفاته، ولم يزل كذلك موصوفا بها، مريدا في أزله لوجود الأشياء في أوقاتها التي قدرها فوُجِدَت في أوقاتها كما أرادها في أزله من غير تقدم ولا تأخر. بل وقعت على وفق علمه.  بمعنى أن الله مريد لأفعاله. إذ لا وجود إلا وهو مستند إلى مشيئته وصادر عن إرادته. فهو المبدئ والمعيد والفعال لما يريد (الشيء وضده). والقدرة تناسب الضدين والوقتين مناسبة واحدة. فلا بد من إرادة صارفة للقدرة إلى أحد المقدورين. ولو أغني العلم عن الإرادة في تخصيص المعلوم حتى يقال له إنما وجد في الوقت الذي سبق بوجوده، لجاز أن يغني عن القدرة حتى يقال وجد بغير قدرة لأنه سبق العلم بوجوده فيه[20]. فإرادته قديمة وهي في القِدَمِ تعلقت بأحداث الحوادث في أوقاتها اللائقة بها على وفق سبق العلم الأزلي[21].

أما كونه سميعا بصيرا فيعني انه يرى ويسمع ولا يغرب عن سمعه مسموع وإن خفى، ولا يغيب عن بصره مرئي وإن دقّ. يرى من غير حدقة وأجفان ويسمع من غير اصمخة وآذان، كما يعلم بغير قلب ويبطش بغير جارحة ويخلق بغير آلة. إذ لا تشبه صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق[22]. سميع بصير، وكيف لا والسمع والبصر كمال لا محالة وليس بنقص؟ فكيف يكون المخلوق اكمل من الخالق والمصنوع أسنى وأتم من الصانع؟ وكيف تعتدل القسمة مهما وقع النقص في جهته والكمال في خلقه وصنعته، وكيف يعقل فاعلا بلا جارحة وعالما بلا قلب ودماغ، فليعقل كونه بصيرا بلا حدقة سميعا بلا أذن، إذ لا فرق بينهما[23].

أما كلامه فمعناه انه متكلم، آمر، ناه، واعد بكلام أزلي قديم بذاته لا يشبه كلام الخلق. فليس بصوت يحدث من خلال انسلال هواه. وإن القرآن والتوراة والإنجيل والزبور كتبه المنزلة على رسله. وإن القرآن مقروء بالألسنة، مكتوب في المصاحف، محفوظ بالقلوب. وانه مع ذلك قديم قائم بذات الله لا يقبل النفصال والافتراق بالانتقال إلى القلوب والأوراق[24]. ولا يعني انه إلهاً متكلما بكلام سوى انه وصف قائم بذاته. ليس بصوت ولا حرف، بل لا يشبه كلامه كلام الخلق. فكلام الله مقروء بالألسنة محفوظ بالقلوب مكتوب بالمصاحف، من غير حلول ذات الكلام فيها كعقل كون السموات والأرض مرئي في مقدار عدسة من الحدقة من غير أن تحلّ ذات السموات والأرض في الحدقة، أو ككلمة النار في القلب و على الورق دون أن تحرقهما[25].

 

ميثم الجنابي

......................

[1] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص98.

[2] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص102.

[3] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص137.

[4] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص191.

[5] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص205.

[6] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص39.

[7] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص119.

[8] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص47.

[9] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص48.

[10] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص50.

[11] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص51.

[12] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص52-53.

[13] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص56.

[14] الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص58.

[15] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص90.

[16] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص90.

[17] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص108.

[18] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص110.

[19] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص108-109.

[20] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص109.

[21] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص110.

[22] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص91.

[23] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص109.

[24] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص91.

[25] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص109.

 

 

بليغ حمدي اسماعيل1 ـ ما التَّصَوُّفُ؟

الولوج إلى أكوان التصوف الإسلامي يحتاج إلى علم وعمل وموهبة فطرية يمنحها الله ـ عز وجل ـ لصاحبها، والإمام النووي كان يذكر أن التصوف عماده ثلاثة أركان هي العلم، والزهد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألطف ما في التصوف أنه تربية وصقل للأخلاق والآداب السامية، وأعذب ما فيه أنه تجربة غير قابلة للتكرار أو التشابه بل هي تجربة متفردة متمايزة لا تعرف للاشتراك سبيلاً ولا للمشاركة طريقاً . ومن يلجأ إلى تعرف أحوال ومقامات أهل التصوف عليه أن يخطو بحذر ورفق وهو يرصد ويستقرئ ويتناول مواجيدهم وأحوالهم وأخبارهم بعيداً عن ما شاب التصوف من حكايات المتسامرين ونوادر المتعطلين وحجج المتنطعين، وهذا الدخول الحذر في أكوان التصوف والمتصوفة الأجلاء يحتاج إلى قدر كبير وعظيم من الثقة . ثقة بالله أولاً ويخطئ ويجادل من يدعي ليل نهار أنه واثق بالله وأعماله وأحواله لا تشير إلى ذلك، لأن الثقة بالله تشير إلى معان وخصال يجب أن تتجسد في المرء كجزء من تكوينه منها التأدب مع الله سراً وعلانية.

ومنها أن تكون شديد الاطمئنان مع الله تبارك وتعالى، وهذا الاطمئنان هو ما فسره أبو بكر الطمستاني في حديثه عن التصوف حينما ذكر أن من معانيه الاضطراب فإذا وقع سكون فلا تصوف . وهو يقصد بالاضطراب لا اضطراب وزعزعة النفس أو القلق النفسي من عوارض الدنيا وشواغلها إنما أن يظل المرء في حيرة من أمره هل ربه راض عنه بعباداته وطاعاته وقيامه وصلاته وصيامه أم لا؟ وهذا الاضطراب هو الذي يدفع الصوفي إلى مزيد من التعبد والخشوع والالتجاء المستدام إلى الله طمعاً في محبته لأن المتصوف الحق هو الذي يقدم محبة الله على الخوف منه.

ومثلما كانت أحوال المتصوف ومقاماته متفردة ومتميزة عن غيره من المتصوفة، فإن المصطلح ذاته يظل محل جدل في توصيفه وتقنينه ليصبح مواضعة لغوية ثابتة، وأهل التصوف أنفسهم يظلون غير مستقرين على تحديد مفهوم ثابت للتصوف، فمن التفسيرات والتأويلات التي أطلقت على أهل التصوف أنهم في الصف الأول بين يدي الله، أو لأنهم يلبسون الصوف تركاً واجتناباً لفتنة وزينة الدنيا ولقد أجمع المحدثون والقدامى من مؤرخي التصوف على أن اللفظ صوفي مشتق بلا شك من اللفظ الصوف أي من الأصل (ص و ف) فمنه يأتي اللفظ الصوفي (النسبة) واللفظ تصَوَّفَ بمعنى لبس الصوف، واللفظ التصوف (المصدر)، وقيل في التفسيرات أن صوفي على وزن عوفي، بمعنى عافاه الله وكوفي بمعنى كافأه الله والصوفي هو من صافاه الله واصطفاه أيضاً، وسئل طاهر المقدسي عن سبب تسمية التصوف بهذا الاسم فقال: لاستتارها عن الخلق بلوائح الوجد وانكشافها بشمائل القصد. وهناك من يقول إن اللفظ مشتق من أهل الصفة وكما تظل أحوال ومقامات الصوفية أكثر غموضاً يظل المصطلح ذاته غامضاً حياتهم أيضاً.

ويخطئ من لا يظن بأن التصوف فلسفة، فهو في الحقيقة فلسفة لها جوهر كائن وقائم بذاته، وفي هذا الصدد نجد أبا الوفا التفتازاني يشير إلى التصوف معرفاً إياه بأنه " فلسفة حياة تهدف إلى الترقي بالنفس الإنسانية أخلاقياً، وتتحقق بواسطة رياضيات عملية معينة تؤدي إلى الشعور في بعض الأحيان بالفناء في الحقيقة الأسمى، والعرفان بها ذوقاً لا عقلاً، وثمرتها السعادة الروحية، ويصعب التعبير عن حقائقها بألفاظ اللغة العادية لأنها وجدانية الطابع وذاتية" .

والتصوف في حقيقته فكر وطريقة تفكير رصينة ؛ فكر يستنجد بالدين وتعاليمه وشرائعه السمحة التي لا تعرف للتطرف سبيلاً، ولا تفطن للغلو طريقاً، وأسلوب تفكير يرتكز على التأمل أو ما يعرف بنظرية السلام الداخلي، وهذه النظرية تمثل أعلى درجات التحصيل للإنسان وهي وصوله إلى نقطة تنعدم عندها كل رغباته بحيث يستحيل إنساناً كريماً مع الجميع ولا يطلب شيئاً من أحد مطلقاً لأنه في حالة وصال واتصال مستدامة مع ربه تبارك وتعالى . والسلام الداخلي حل حصري للتخلص من المعاناة اليومية للإنسان التي تنتج من هوس المرء بالرغبات والشهوات، فمثلاً إذا تعلق الإنسان بأمر من أمور الدنيا الزائلة فلا مناص من أن يصنع شيئين ؛ إما أن يحاول جاهداً للحصول عليه أو أن يتوقف عن الرغبة فيه، وفي كلتا الحالتين فلن يكون حزيناً بعدها، لكن الأخطر أن فكرة الحصول وتحقق الرغبة والشهوة من مطامع الدنيا تولد لديه طمعاً وجشعاً في تحقيق مآرب كثيرة ومطامح عديدة تجعله يبدو أكثر توتراً وقلقاً. ومن المؤسف حقاً أن الناس لا يستطيعون التوقف عن الرغبة في الأشياء.

2 ـ حملات الهجوم على التصوف الإسلامي:

واعتاد أصحاب حملات الهجوم على التصوف التطاول على ماهيته التي في أساسها التدبر والتأمل والاعتبار والتفكير في وظيفة الإنسان في هذه الحياة، واهتموا فقط هؤلاء المتعثرين فكرياً على التقاط بعض المظاهر السلوكية لفئة من البشر غير محسوبين على التصوف وأهله، وارتكزوا على انتقاد بعض التصرفات لفصيل لايمكننا وصفه بفساد العقيدة ولكن بالخروج عن تعاليم الإسلام وهم أولئك الذين نجدهم يفترشون الطرقات ومداخل المساجد وأسوارها وهم بالضرورة القطعية لاال من الأحوال .

ولو كلف مهاجمو التصوف والصوفية أنفسهم بجهد قراءة مقامات ومواجيد أهل الحب، أعني التصوف لفطنوا بعقولهم أن أقطاب الصوفية احتكموا إلى العقل وهم يتعاملون مع الدنيا وفنائها، ولكن غلبة النصوص المجردة واللغة الاستثنائية لأقطاب التصوف جعلتهم بعيدين كمال البعد عن العامة والعوام . فالحسن البصري يقول: " فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لب فرحاً "، ويقول في موضع ثانٍ " والله يا ابن آدم لئن قرأت القرآن ثم آمنت به ليطولن في الدنيا حزنك، وليشتدن في الدنيا خوفك وليكثرن في الدنيا بكاؤك" .

3 ـ التصوف الحركة التجديدية الأولى في الفكر العربي:

والصوفية تعد حركة تحديثية وتجديدية أسماها المستشرقون بالحداثة المعكوسة حيث إنهم نادوا بالحداثة عن طريق العودة إلى الماضي واتباع السلف الصالح في القول والفعل معاً وهم قوم أيقنوا أن مزيد من العبادة والتجرد عن الأهواء والرغبات وشرور الدنيا وفتنتها أمل في الشفاء من أسقام النفس وأوهام العقل .يذكر إبراهيم بن أدهم أن العباد لو علموا حب الله (عز وجل) لقل مطعمهم ومشربهم وملبسهم وحرصهم، وذلك أن ملائكة الله أحبوا الله فاشتغلوا بعبادته عن غيره، حتى إن منهم قائماً وراكعاً وساجداً منذ خلق الله الدنيا ما التفت إلى مَنْ عن يمينه وشماله، اشتغالاً بالله وبخدمته. ويقول مالك بن دينار: " خرج أهل الدنيا ولم يذوقوا أطيب شئ فيها، قالوا: وما هو يا أبا يحيى؟ قال: معرفة الله تعالى " .

ومن أبرز ما يجده المستقرئ في مواجيد ومقامات الصوفية غلبة الحزن على نصوصهم الشفاهية أو الكتابية، وهو حزن يقرب المرء للعبادة حيث إن المتصوف يجد نفسه مضطراً لإعمال عقله في حاله وكنهه ووظيفته في الدنيا التي هو على يقين بأنها فانية مثله تماماً وأنه في دار عمل وشغل وعليه أن يكتفي بعباداته وطاعاته التي تقربه إلى الله عز وجل . وفي هذا نجد أقوالاً كثيرة للحسن البصري الذي تغلب على نصوصه الصوفية مسحة الحزن تلك، فيقول في عدة مواضع: " نضحك ولا ندري لعل الله قد اطلع على بعض أعمالنا فقال: لا أقبل منكم شيئاً، ويحك يا ابن آدم هل لك بمحاربة الله طاقة؟ إنه من عصى الله فقد حاربه " . ويقول في موضع آخر: " إن المؤمن يصبح حزيناً ويمسي حزيناً ولا يسعه غير ذلك، لأنه بين مخافتين ؛ بين ذنب قد مضى لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقى لا يدري ما يصيب فيه من المهالك " . ويقول أبو الدرداء: " إن أخوف ما أخاف إذا وقفت على الحساب أن يقال لي: قد علمت، فما عملت فيما علمت؟".

والرائي بعمق وروية وتدبر في النص الصوفي يدرك على الفور خارطة طريق واضحة المعالم لحياته التي يجب أن تكون سليمة الفطرة والتكوين والنشأة ومن ثم يضمن لنفسه سلاماً داخلياً بغير تعب نفسي أو احتدام داخلي بين رغبات وشهوات قد تعصف به، فأبو الدرداء يقول: " ليس الخير أن يكثر مالك وولدك، ولكن الخير أن يعظم حلمك، ويكثر علمك، وأن تباري الناس في عبادة الله عز وجل، فإن أحسنت حمدت الله تعالى، وإن أسأت استغفرت الله عز وجل " . والحسن البصري يقول: " رحم الله رجلاً لم يغره كثرة ما يرى من كثرة الناس، ابن آدم إنك تموت وحدك وتدخل القبر وحدك، وتبعث وحدك، وتحاسب وحدك، ابن آدم وأنت المعني وإياك يراد" .

والفضيل بن عياض يقدم للمرء روشتة علاج سريعة من أمراض القلب وهوس الرغبة وفتنة الدنيا، فيقول: " لم يتزين الناس بشئ أفضل من الصدق وطلب الحلال " . ويقول: " ثلاث خصال تقسي القلب: كثرة الأكل، وكثرة النوم، وكثرة الكلام"، ويقول في موضع آخر: " لم يدرك عندنا من أدرك، بكثرة صلاة ولا صيام، وإنما أدرك بسخاء الأنفس وسلامة الصدر والنصح للأمة " .

أما شقيق البلخي وهو أحد أبرز أقطاب التصوف الإسلامي وأول من تكلم في علوم الأحوال ببلاد خراسان فيقول: " من أراد أن يعرف معرفته بالله فلينظر إلى ما وعده الله ووعده الناس، بأيهما قلبه أوثق" . ويقول: " ميز بين ما تعطي وتُعطى، إن كان من يعطيك أحب إليك فإنك محب للدنيا، وإن كان من تعطيه أحب إليك فإنك محب للآخرة" . ويقول: " إذا أردت أن تكون في راحة فكل ما أصبت، والبس ما وجدت، وارض بما قضى الله عليك " .

سُلْطَانُ العَارِفِينَ .. مُحْي الدِّين بن عَرَبِي

هذا قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فيما يرويه عن جبريل عن الله (عز وجل)، أنه قال: " ما تقرب إلي عبدي، بمثل أداء ما افترضت عليه، وأنه ليتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه وبصره ولسانه ويده ورجله وفؤاده: فبي يسمع، وبي يبصر، وبي ينطق، وبي يمشي، وبي يعقل، وبي يبطش "، ووفقاً لهذا الحديث فإن الحقيقة الصوفية تشير إلى أن من أحب الله، وأحبه الله، فقد تمت ولايته بالحب، والمحب على الحقيقة، من لا سلطان على قلبه لغير محبوبه، ولا مشيئة له غير مشيئته، على خلاف منطق الفقهاء، حيث يرون أن حب الله لابد وأن يتمثل في الطاعة والاقتداء بالنبي المصطفى (صلى الله عليه وسلم) عملاً بقوله تبارك وتعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)، كما أنهم يقرون أنه لا يجوز وقوع الحب إلا بين متماثلين، وطبقاً لهذا فلا مماثلة بين العبد وربه .

والمتصوفة يجيزون الحب الإلهي مستندين أيضاً على أساس متين وقويم وهو القرآن الكريم عملاً بقوله تعالى (والذين آمنوا أشد حباً لله)، وقوله في محكم التنزيل (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه)، وهذا الحب لا يتحقق إلا بمعرفة كاملة وتامة بالخالق تبارك وتعالى، وإذا ذكرت المعرفة وكانت إحدى شرائطها المحبة ، تتم الإشارة دوماً إلى سلطانين لا ثالث لهما ؛ سلطان العاشقين ابن الفارض الذي أبدع شعراً فأجاز واختزل مواجيده الصوفية ناظماً:

قلبي يحدثني بأنك متلفي

روحي فداك عرفت أم لم تعرفِ .

لم أقض حق هواك إن كنت الذي

لم أقض فيه أسىً ومثلي من يفي .

ما لي سوى روحي وباذل نفسه

في حب من يهواه ليس بمسرفِ .

وسلطان ثان وأخير، وهو سلطان العارفين محي الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن محمد، الملقب دوماً بالشيخ الأكبر، وإن كان لقبه الثاني بـ (سلطان العارفين) هو اللقب الذي يسود ذكره ويلازمه في مكاتيب الصوفيين وتأريخ أقطاب الصوفية في الإسلام، وهو لقب لم ينله إلا بعد أن تبوأ مكانة ومقاماً بين رجالات التصوف مكابدة ومعاناة ومعرفة وتوسعاً في الحقائق والمشاهدات، وقد قال عنه شهاب الدين السهروردي إنه بحر الحقائق. وهو بحق سلطان العارفين وإن بدا بشعره عاشقاً أيضاً، حينما نراه ينظم ناشداً:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي

إذا لم يكن ديني إلى دينه داني

فقد صار قلبي قابلاً كل صورة

فمرعى لغزلان وديراً لرهبانِ

وبيتاً لأوثانٍ وكعبة طائفٍ

وألواح توراة ومصحف قرآنِ

أدين بدين الحب أنى توجهت

ركائبه فالحب ديني وإيماني .

وكثير من العامة لا يعرف أن ابن عربي من أسرة عريقة النسب والعزة والكرم، فهو من نسل حاتم بن عبد الله الطائي (حاتم الطائي)، وهو الفارس الجواد المشهور بكرم الأخلاق والآداب، ولقد ولد ابن عربي الذي نجد اسمه في بعض كتابات المستشرقين عنه بابن العربي في مرسية وهي مدينة في جنوب شرق الأندلس سنة 560 هجرية، وانتقل في الثامنة من عمره إلى إشبيلية مع أسرته فبدأ دراسة وتعلم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، وكان أستاذه في علم القراءات أبا بكر محمد بن خلف اللخمي الإشبيلي وهو من أكبر العارفين والمتميزين بالقراءات وعلوم العربية .

وتذكر الكتب أنه التقى بفيلسوف قرطبة وقاضيها ابن رشد، وهو نفسه يشير إلى ذلك في كتابه الفتوحات المكية حيث لقائه الطويل معه وإثباته تفوق العلوم الصوفية على العلوم العقلانية . يقول بشأن هذا اللقاء: دخلت يوماً بقرطبة على قاضيها أبي الوليد بن رشد، وكان يرغب في لقائي لما سمع، فبعثني والدي إليه في حاجة قصداً منه حتى يجتمع بي، فإنه كان من أصدقائه، وأنا صبي ما بقل وجهي ولا طر شاربي، فلما دخلت عليه قام من مكانه إلى محبة وإعظاماً، فعانقني وقال لي: نعم، فقلت له: نعم، فزاد فرحه بي لفهمي منه، ثم أني استشعرت بما أفرحه من ذلك، فقلت له: لا، فانقبض وتغير لونه، وشك فيما عنده، وقال: كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي؟ هل هو ما أعطاه لنا النظر؟ .

فقال له: نعم، لا، وبين نعم وتطير الأرواح من موادها والأعناق من أجسادها، فاصفر لونه وأخذه الأفكل (الأفكل على وزن أحمد أي الرعدة)، وقعد يحوقل، وعرف ما أشار به إليه، وهو عين المسألة التي ذكرها هذا القطب أعني مداوي الكلوم .

وربما حالة الاستبداد التي سادت في أثناء اضمحلال وتدهور الأندلس الإسلامي هي التي دفعت الكثير من العلماء والأدباء والشعراء إلى الارتحال من الأندلس ومنهم ابن عربي رغم أن كثيراً من مؤرخي هذه الحقبة الزمنية يرون أن ابن عربي لم يكن مختاراً في القيام بالرحلة خارج أندلسه ولكنها كانت توجيهاً ربانياً . المهم في رحلته هذه أنه ارتحل إلى المشرق نحو تونس التي توقف فيها كثيراً، ثم توجه إلى مكة المكرمة ماراً بمصر المحروسة التي لم يتوقف فيها طويلاً .

وفي مكة المكرمة، توافد عليه العلماء والأولياء من كل مكان وزاوية يطلبون علمه ومعرفته الموسوعية، وهناك توثقت صلته بإمام الحرم المكي آنذاك الشيخ (مكين الدين أبي شجاع زاهد بن رستم الأصفهاني) . ثم ارتحل مجدداً إلى الطائف ومنه إلى مكة ثانية ثم القاهرة فالإسكندرية ومكة مرة ثالثة . ويذكر الرواة أنه التقى بمصر سلطان العاشقين ابن الفارض . وقصة اللقاء أن سلطان العارفين ابن عربي طلب من ابن الفارض أن يأذن له في شرح تائيته الكبرى فأجاب ابن الفارض بقوله: " إن كتابك الفتوحات المكية شرح لها " .

وما يميز ابن عربي أنه يشبه النحلة النشيطة، إذ ينتقل من روض معرفي إلى آخر، ينهل ويتعلم ويعي ويفطن ما يتعلمه، وكانت عزيمته لا تعرف الكلل، ونبغ في مجاله وميدانه حتى أجازه أساطين عصره من أمثال ابن عساكر إمام هذا الوقت وزمانه، وكذلك ابن الجوزي الذي كان علامة العصر والزمان والتاريخ . ويمكننا أن نلمح نشاط قطبنا الصوفي الكبير في مؤلفاته، حيث ترك عدداً ضخماً من المؤلفات في شتى العلوم الصوفية تقدر بحوالي ثلاثمائة كتاب من أشهرها الفتوحات المكية التي تقع في أربعة مجلدات ضخمة، وكتاب فصوص الحكم، ويعد هذا الكتاب من الدرر التي كتبت في تاريخ التصوف الإسلامي بمجمله، إذ استطاع فيه ابن عربي أن يقدم رؤية صوفية إزاء بعض التي يمكن توصيفها بالفلسفية المجردة والتي تحتاج إلى عناية كبيرة بتقديمها إلى القارئ العربي بقصد توضيحها وتيسيرها عليه، وديوان (ترجمان الأشواق)، وهذا الأخير اجتهد المفسرون وفقهاء التاريخ أن يضعوا حدوداً جغرافية وتنظيرات تأويلية له عن مقصده وهدفه ولمن كتب . ومن هذه الاجتهادات ما جاء في كتاب نفح الطيب بأن شيخ الحرمين مكين الدين كانت له أخت أطلق عليها شيخة الحرمين ومربية البلد الأمين، واسمها الأصلي (النظام)، وقد عرف عنها أنها من أرباب الأحوال والمقامات، ولقد جمعت بين الحسنيين المعنوي والظاهري، ولقد تم وصفها بأنها من العابدات الزاهدات . ولقد أعجب بعلمها ومعرفتها شيخنا (ابن عربي) بل كانت أيضاً مصدر إلهام له وتجسد ذلك في ديوانه (ترجمان الأشواق) .

وفي هذا الديوان نسج (ابن عربي) قصائد رمزية على طرائق الصوفيين الذين يتغزلون فيها بإنسان، وهم لا يقصدون من وراء ذلك سوى الإشارة إلى معانٍ سامية، وخوفاً من سوء الفهم والإدراك لصنيع ابن عربي في ترجمان أشواقه لجأ إلى وضع شرح للديوان خشية أن يتبادر إلى ذهن العامة فهم خاطئ لا يتناسب وجلال القصائد الصوفية الماتعة .

وابن عربي كصوفي وقطب كبير يختلف تمام الاختلاف مع نظرائه من أهل التصوف، فلقد ابتعد عن التقليد الذي كان شائعا ًفي زمانه، ولم يهتم بأن يكون مردداً لكلام من سبقوه بغير تفهم لمقاصدهم الرئيسة، فأتى بأسلوب رشيق وجديد ومليئ بالمفارقات والدهشة، بل كما يشير جوزيبي سكاتولين في كتابه (التجليات الروحية في الإسلام ـ نصوص صوفية عبر التاريخ) إلى أن ابن عربي جاء بمتضادات مفهومية يتحير العقل إزاءها، ومن أمثال ذلك عبارته الشهيرة " سبحان من أظهر الأشياء وهو عينها " . فكيف يكون الخالق هو عين المخلوق؟ .

ولقد اشتدت المجادلات حول مثل تلك العبارات الأكبرية كما يذكر جوزيف سكاتولين في كتابه، إلا أن المقصود منها لم يكن مجرد الغموض والإغراب لدى سامعيها بقدر ما كان إيقاظ روح القارئ إلى إدراك أعمق وأوسع للحقيقة الإلهية التي لا تنحصر في القوالب العقلانية العادية، إنما تظل دائماً وأبداً متعالية ومتسامية عن كل إدراك بشري.

وها هو (ابن عربي) تتكون شخصيته الصوفية عن طريق جهاد شاق وصعب ومتواصل، عن طريق القيام برياضات تنوعت بين الجوع والسياحة والأسفار الطويلة والعزلة المطلقة والصمت وذكر الله والتفكر في مخلوقاته، بجانب مجالسة ومصاحبة وملازمة الصالحين وأولياء الله، والحرص كل الحرص على الالتزام بشرع الله وأحكامه وأوامره ونواهيه .

والشرع في رأي (ابن عربي) ليس تمثلاً ظاهرياً أو صورة سطحية للمرء، لكن كان يراها صاحبنا كالشجرة الفارعة الباسقة ثمارها المعرفة ويقين الحقيقة، ويرى أنه كلما أمعن المريد في ممارسة الشرع ظهرت له حقائق كان يغفلها، وتكشفت أمامه أسرار كان يجهلها، ولن يتحقق هذا إلا بإقامة الشريعة على أصولها .

واستحقاق شيخنا (ابن عربي) لقب سلطان العارفين جاء من عمقه في تفسير وكشف أسرار العبادات، فهو لا يرى في العبادات أنها مجرد ممارسات يومية، بل يعتني بتأويلها وهو على إصراره في أن يضيف عمقاً فلسفياً للعبادات تؤهله بالفعل لنيل لقب سلطان العارفين، ومن ذلك نصيحته للمريد وهو يتأهب للصلاة، فنجده يقول في ذلك: " فإذا توضأت فاسع في الخروج من الخلاف وتوضأ أسبغ وضوء، وسم الله في بدء كل حركة، واغسل يديك بترك الدنيا منهما، ومضمض بالذكر والتلاوة، واستنشق بشم الروائح الإلهية، واستبر بالخضوع وترك الكبر، واغسل وجهك بالحياء، وذراعيك بالتوكل، وامسح رأسك بالمذلة والافتقار، وامسح أذنيك باستماع القول واتباع أحسنه، واغسل قدميك لإيطاء كثيب المشاهدة، ثم اثن على الله بما هو أهله، وصل على رسوله الذي أوضح لك سنن الهدى (صلى الله عليه وسلم)، وقف في مصلاك بين يدي ربك من غير تحديد ولا تشبيه، وواجهه بقلبك كما تواجه الكعبة بوجهك وتحقق أن ما في الوجود أحد إلا هو وأنت فتخلص ضرورة، وكبره بالتعظيم، ومشاهدة عبوديتك، وإذا تلوت فكن على حسب الآية المتلوة فإن كانت ثناء عليه فكن أنت المحدث وهو الذي يتلو كتابه عليك فيعلمك الثناء عليه فيما يثني به على نفسه".

وإذا كان موضوع الكرامات من أبرز الموضوعات التي تحتل مكاناً ومساحة عند الحديث عن التصوف وأهله، فإن صاحبنا (ابن عربي) له رأي في هذا الموضوع، فهو يرى أن الكرامة الحقيقية هي الاستقامة على الجادة، والمضي قدما إلى الأمام دون الالتفات إلى أي عارض يعترض الطريق . ويشير إلى ذلك بقوله: " لا تطلب من الله في خلوتك سواه، ولا تعلق الهمة بغيره، ولو عرض عليك كل ما في الكون فخذه بأدب ولا تقف عنده، وصمم على طلبك فإنه يبتليك، ومهما وقفت مع شئ فاتك، وإذا حصلته لم يفتك بشئ " .

ولابن عربي نظرية عميقة في الإنسان الذي يراه كوناً جامعاً، أي ووفقاً لتصور ابن عربي فإنه يجمع التجليات الإلهية في الكون كله، وعلى أساس ذلك طور (ابن عربي) مفهومه الخاص بالإنسان الكامل الذي يمثل لديه أقصى وأشمل تحقيق للكائن البشري الذي يتجلى في تاريخ الأنبياء . واستطاع جوزيف سكاتولين أن يقوم بسبر أغوار هذا المفهوم عند (ابن عربي) حينما أشار إلى أن فكرة الإنسان الكامل في تصوف ابن عربي تتضمن أبعاداً عديدة ومعقدة منها مفهوم الحقيقة المحمدية، ومفهوم " ختم الولاية " .

وهذا المعنى أورده ابن عربي في كتابه (فصوص الحكم) في الجزء المعنون بـ " فص حكمة فردية في كلمة محمدية " فنجده يقول: " إنما كانت حكمته فردية لأنه أكمل موجود في هذا النوع الإنساني، ولهذا بدئ به الأمر وختم: فكان نبياً وآدم بين الماء والطين، ثم كان بنشأته العنصرية خاتم النبيين. وأول الأفراد الثلاثة، وما زاد على هذه الأولية من الأفراد فإنها عنها. فكان عليه السلام أدل دليل على ربه، فإنه أوتي جوامع الكلم التي هي مسميات أسماء آدم فأشبه الدليل في تثليثه، والدليل دليل لنفسه ولما كانت حقيقته تعطي الفردية الأولى بما هو مثلث النشأة لذلك قال في باب المحبة التي هي أصل الموجودات (حُبّب إليّ من دنياكم ثلاث) بما فيه من التثليث، ثم ذكر النساء والطيب وجعلت قرة عينه في الصلاة فابتدأ بذكر النساء وآخر الصلاة، وذلك لأن المرأة جزء من الرجل في أصل ظهور عينها ومعرفة الإنسان بنفسه مقدمة على معرفته بربه، فإن معرفته بربه نتيجة عن معرفته بنفسه، لذلك قال عليه السلام {من عرف نفسه عرف ربه} فإن شيءت قلت بمنع المعرفة في هذا الخبر والعجز عن الوصول فإنه سائغ فيه، وإن شيءت قلت بثبوت المعرفة.

فالأول أن تعرف أن نفسك لاتعرفها فلا تعرف ربك: والثاني أن تعرفها فتعرف ربك فكان محمد أوضح دليل على ربه، فإن كل جزء من العالم دليل على أصله الذي هو ربه فافهم. فإنما حبب إليه النساء فحن من إليهن لأنه من باب حنين الكل إلى جزئه، فأبان بذلك عن الأمر في نفسه من جانب الحق في قوله في هذه النشأة الإنسانية العنصرية {ونفخت فيه من روحي} ثم وصف نفسه بشدة الشوق إلى لقائه فقال للمشتاقين (ياداود إني أشد شوقاً إليهم) يعني المشتاقين إليه وهو لقاء خاص: فإنه قال في حديث الدجال إن أحدكم لن يرى ربه حتى يموت، فلابد من الشوق لمن هذه صفته. فشوق الحق لهؤلاء المقربين من كونه يراهم فيحب أن يروه ويأبى المقام ذلك فأشبه قوله (حتى نعلم) مع كونه عالماً، فهو يشتاق لهذه الصفة الخاصة التي لاوجود لها إلا عند الموت، فيبل بها شوقهم إليه كما قال تعالى في حديث التردد وهو من هذا الباب (ماترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولابد له من لقائي فبشره وماقال له لابد له من الموت لئلا يغمه بذكر الموت.

ولابد من التأكيد على أن كتابه هذا (فصوص الحكم) قد أثار ضجة في حياته وحتى وقتنا الراهن، وبين مؤيد ومعارض تأرجح الحكم على فصوصه، فلقد هوجم عليه ابن عربي كما لم يهاجم صُوفِىٌّ على كتاب! حتى أن الذهبىَّ وصفه بأنه من أردأ تصانيف ابن عربي، ثم ذكر نصاً قوله: " فإن كان لا كفر فيه فما في الدنيا كفرٌ، فواغوثاه بالله "، بينما وصف صدر الدين القونوي ـ تلميذ ابن عربي ـ الفصوص بأنها: من أنفس مختصرات شيخنا، وهو من خواتم منشآته وأواخر تنزلاته، ورد من منبع المقام المحمدي والمشرب الذاتي والجمع الأحدي، فجاء مشتملًا على زبدة ذوق نبينا .

وكم من حملة وجهت إلى صدر وعقل وعقيدة ابن عربي، وكم من تهمة لحقت به مثل الزندقة وهي التهمة التي واجهته عند زيارته إلى مصر المحروسة وبها قبض عليه وكاد أن يلقى حتفه بها لولا أن نفراً استطاع أن يؤول كلامه النثري ونظمه الشعري فنجا . ومشكلة ابن عربي هي مشكلة معظم أقطاب الصوفية أنهم يتحدثون بإشارات ورموز معرفية ولغوية لا يفطن كنهها العامة وربما الخاصة أيضاً، وهم في اعتقادهم ومظانهم أنهم يحادثون صفوة الخاصة فقط، وربما نجد لهم مبرراً في ذلك أنهم لم يكترثوا بنقل معارفهم كونهم في أحوال ومقامات مستدامة، ووجد لا ينقطع ولا ينقضي مع الله تبارك وتعالى فلم ينشغلوا بمستويات الفهم والإدراك لطروحاتهم الفكرية .

 

الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر

 

 

ميثم الجنابيانطلق الغزالي من الحديث القائل "ما فضلكم ابو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بسرّ وقر في صدره". أما هذا السرّ فقد كان متعلقا، كما يقول الغزالي، بقواعد الدين غير خارج عنها. وبما أن ما كان من قواعد الدين، لم يكن خافيا بظواهره على غيره، لهذا يفترض أن يكون ذلك شيئا آخر غير ظواهر عقائد الدين1. وإذا كانت هذه الظاهرية غير المباشرة وراء ما اسماه بغير ظواهر قواعد الدين، فلأنها النتاج الملازم لتعمق الوعي اللاهوتي الفلسفي في اطار الصوفية الإسلامية. بمعنى تعمق إلزامية الحدود الواضحة والمعقولة للجميع. لهذا اتخذت في آرائه صيغة المحاولة المنظمة لإيجاد الوحدة الممكنة والمعقولة بين الظاهر والباطن أي السرّ، وبالتالي إزالة تناقضاتها وإشكالاتها المستعصية في الذوق والكشف، من خلال التحقق بصفات الحق (المطلق) وحقائقها الموجودة في قواعد الدين. وهي الفكرة التي حاول الكشف عنها من خلال آراء التسترى القائل "للعالم ثلاثة علوم، علم ظاهر يبذله لأهل الظاهر، وعلم باطن لا يسعه اظهاره إلا لأهله،  وعلم هو بينه وبين الله لا يظهره لأحد". انه حاول الكشف عن الوحدة الداخلية في هذه العلوم الثلاثة من حيث طبيعة حقائقها الجوهرية، وعن تباينها وتناقضها في ما بينها، باعتباره نتاجا ملازما لسطحية  الوعي. وبالتالي، فإن الحل الشامل لهذه الإشكالية يقوم في نفي الظاهر والباطن وإزالة الطابع السرّي للسرّ. وهو ما حاول اظهاره في مواقفه من الذات والصفات والأفعال باعتبارها هويات فكرية، أو منظومات جزئية، وكذلك في موقعها الوظيفي ومستوياتها المعرفية في كتاباته. بصيغة أخرى، ليست (الرسالة القدسية في قواعد العقائد) و(الاقتصاد في الاعتقاد) وما قبلها من الأعمال سوى علم الظاهر المبذول لأهل الظاهر. أما آراؤه وإشاراته ورموزه في أعماله الصوفية فهي من علوم ما وسعه اظهاره لأهله، وما هو بينه وبين الله، أي كل ما لا يسهل التعبير عنه بشرطية اللغة وحدودها المنطقية واللغوية. إذ ليست هذه الحدود في اشد أحوالها سوى لصيغة الأكثر تجريدا للمقارنة لا لحقائق الأشياء كما هي، والتي يمكن احتواؤها الكلي في مذاق المعرفة الصوفية باعتبارها كشفا. لهذا اكد على أن المرء لا يدرك من حقيقة الذات الإلهية وصفاتها إلا نفسه وصفات نفسه، مما هي حاضرة له في الحال، أو مما كان من قبل، ثم بالمقايسة إليه يفهّم ذلك لغيره2 . إذ ليس في قوة البشر، كما يقول الغزالي، إلا أن يثبت لله ما هو ثابت لنفسه من الفعل والعلم والقدرة وغيرها من الصفات مع التصديق، بأن ذلك أكمل وأشرف فيكون معظم تحريمه على صفات نفسه لا على ما اختص الرب به من الجلال3 .

ولم يعن ضعف القدرة على اظهار ما بينه وبين الله عجزا معرفيا، بقدر ما انه انزلاق المطلق من أن تحويه أو تمسكه حدود اللغة المشروطة بالمقايسة والمقارنة.  وألا لأدى ذلك إلى جعله فتنة للوجود الاجتماعي السياسي والأخلاقي. فهي الفتنة التي كان مفهوم "حفظ السرّ" أحد تجلياتها الفكرية الاجتماعية. فإذا كانت هذه الفكرة السالمية التسترية المصاغة بعبارة "إفشاء سرّ الربوبية كفر" و"إن للربوبية سرّ لو اظهر لبطلت النبوة، وللنبوة سرّ لو كشف لبطل العلم، وللعلماء بالله سرّ لو اظهروه لبطلت الأحكام" هي الصيغة المناسبة لتجاوز حدود اللغة في لغة الحدود المطلقة، فإن الغزالي حاول توظيفها بالشكل الذي جعل منها المقدمة الضرورية للكشف عن درجات الوحدة ونفيها في الذات العارفة. بحيث جعله ذلك يشدد على أن المقصود بذلك هو ليس بطلان النبوة كنبوة، بل بطلانها في حق الضعفاء لقصور فهمهم. فالصحيح هو انه لا تناقض فيه. وإن الكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه4 .

لقد أراد الغزالي إزالة "وهم التناقض والخلاف". وإلا لأدى ذلك إلى ابطال الشرع. فإذا كانت الشريعة هي عبارة عن الظاهر، والحقيقة هي عبارة عن الباطن، وانه لا تناقض ولا خلاف بينهما، فليس ذلك إلا لأنهما شيء واحد. وبالتالي فلا انقسام ولا سرّ للشرع. وأن كونهما شيئا واحدا لا يلغي السرّ، بقدر ما انه يستلزمه. لكنه لا يعني هنا سوى غير المتناهي في امتداده بين الظاهر والباطن. وهو السبب القائم وراء اعتراضه العملي عما في ذلك من خطورة محرّكة للخطب العظيمة في علوم المكاشفة. وجعله ذلك يشدد على  فكرة العقائد وأعمال القلوب، وعلاقة إحداهما بالأخرى من خلال ما اسماه بالقبول والتصديق بعقد القلب، بوصفه إيمانا. وذلك لأن العقائد في مستوى عقد القلوب بالتصديق هي الدرجة التي لا تستلزم بالضرورة  انكشاف حقائقها (العقائد). إذ لا تكليف بها ملزم للجميع. إضافة لذلك إن الغزالي لا يوردها إلا بوصفها جزءاً من عمل الظاهر لا الباطن، أي الجزء المتعلق بميدان اللاهوت والدين (الكلام والعبادات) لا حقيقة  معرفتها، مازال الباطن هو وعاء المطلق غير المتناهي.

فالكشف الحقيقي، كما يؤكد الغزالي، هو صفة سرّ القلب وباطنه، وبالتالي لا أساس لمخالفة الشريعة بالحقيقة، والظاهر بالباطن. غير أن لهذا السرّ اسباباً تمنع من افشائه، أورد منها خمسة.

السبب الأول ويعود إلى تعقيد الشيء ذاته، مما يجعل من الصعب فهمه من جانب الغالبية. من هنا ضرورة عدم الإفشاء به. لكن منع الافشاء به لا يعني العجز عن إدراكه، كما هو الحال بالنسبة لمفهوم  الروح. فمن لا يعرف الروح فكأنه لا يعرف نفسه، ومن لا يعرف نفسه فكيف يعرف ربه؟ فالعوام لا تفهم، على سبيل المثال، من صفات الله ‘لا الظواهر كالعلم والقدرة ولكنهم يفهمونها بنوع مناسبة توهموها إلى  علمهم وقدرتهم. ففي حال افتراض ذكرنا لصفات لا توجد في الخلق، لأنكروا ذلك ولم يفهموه. فحينما نذكر، على سبيل المثال، لذة الجماع لصبي أو عنين، فإنهما لا يفهما من ذلك إلا بمناسبة (مقارنة) إلى لذة مطعوم يدركه. بينما لا يكون ذلك فهما على التحقيق. والفرق بين علم الله وقدرته وعلم الإنسان وقدرته أكثر من المخالفة بين لذة الجماع والأكل. فالإنسان لا يدرك في النهاية سوى صفات نفسه.

أما السبب الثاني فيعود إلى كون الشيء مفهوماً في نفسه ولا يستصعب فهمه، إلا أن ذكره يضر بأكثرية المستمعين، مثل سرّ القدر. ولا يبعد أن "يكون ذكر بعض الحقائق مضرا ببعض الخلق، كما يضر نور الشمس بأبصار الخفافيش، وكما يضر ماء الورد الجعل"5 . إذ كيف يبعد هذا وقولنا أن الكفر والمعاصي  والزنا كله بقضاء الله وإرادته ومشيئته حق في نفسه؟ مما يوهم بأنه دلالة على السفه ونقيض الحكمة والرضا بالقبيح؟

أما السبب الثالث، فهو ذاك الذي يمكن فهمه فيما لو ذكر صريحا ولا ضرر فيه، ولكنه يكنى  على سبيل الاستعارة والرمز لأجل الوقع في قلب المستمع. فبإمكاننا معرفة خلاف الظاهر عن الباطن في هذه  الأقوال أما بدليل عقلي او شرعي. فالعقلي أن يدرك أن محله على الظاهر غير ممكن، مثل قوله "إنما قولنا لشيء إذا أردنا أن نقول له كن فيكون". فظاهره ممتنع. إذ قوله "كن" إن كان خطابا لشيء قبل وجوده فهو محال. إذ العدم لا يفهم الخطاب حتى يمتثله، وإن كان بعد الوجود فهو مستغن عن التكوين. إلا أنها كناية أوقع في النفوس في تفهم غاية الاقتدار6 . أما الشرعي فبالتأويل. بمعنى إمكانية إجرائه على ظاهره أو تأويله كالموقف من قول القرآن (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها). إما ان يفهم بصورته الظاهرية، أو يفهم الماء باعتباره القرآن، والأودية القلوب.

اما السبب الرابع، فهو ما يدركه الإنسان جملة في بداية الأمر، ثم تفصيلا بالتحقيق والذوق، بأن يصير حالا ملابسا له فيتفاوت العلمان، كرؤية شخص لآخر في الظلمة أو على بَعد. إذ يجعل له علم بوجوده في الحالة الأولى يختلف بعد زوال الظلمة أو القرب. آنذاك يدرك التفرقة. ولا يعني هذا الخلاف تناقضا أو مضادة، بل هو استكمال له7 . وسعى لتطبيق هذا الاستنتاج على كل ما له صلة بالمعرفة والإيمان. انه حاول البحث عما هو مكمل ومتمم، ولكن في اطار تآلفه الفكري. فالإنسان، على سبيل المثال، يصدق بوجود العشق والمرض والموت قبل وقوعه، ولكن تحققه به عند الوقوع أكمل من تحققه قبل الوقوع. بل للإنسان في كل حال ثلاثة أحوال، ما قبل وقوع الشيء وأثناءه وبعده. فإدراك المرء، على سبيل المثال، حقيقة الحالة قبل الجوع وأثناءه وبعده غاية في التباين، ولكنه لا تناقض في حقيقة المعرفة. بمعنى، أن ما جرى هو تحقيق في مستوياتها تكشف عن وحدة المعرفة في الإدراك والسلوك. وينطبق هذا بالقدر ذاته على قضايا الدين كلها، بما في ذلك على قواعد العقائد. فإدراك حقائقها يمكنه أن يؤدي في إحدى درجاته إلى تذوقها، إي إلى اكتمال حقيقة المعرفة، وبالتالي تحولها إلى باطن بالإضافة إلى ما قبلها، أو الدرجة العليا في  إدراك تجليات حقائق الذات الإلهية وصفاتها، والتي دعاها أيضا بالكشف الحقيقي و"صفة سرّ القلب وباطنه"، أو هو ذاته فتوح طريق اللانهاية في المعرفة. إذ لا نهاية للذات الإلهية، وليس لمعرفتها حد، وبالتالي ليس للارتقاء المعرفي الأخلاقي في مدارجها نهاية. وجعله ذلك يشدد في آن واحد على تفاوت الخلق في درجات المعرفة، وعلى غياب تناقض الظاهر والباطن، والشريعة والحقيقة، والسرّ وكشف السرّ، والخفاء والجلاء، لأنها لم تعد سوى تجليات ومستويات وحالات للمعرفة لا حقائقها كما هي.

ووضع ذلك في مقدمة إدراكه لحقيقة الوحدة في الوجود، باعتبارها تجلياً لحقيقة الوحدة الإلهية في ذاتها، أي كل ما يتطابق مع مستوى التعبير بلسان المقال عن لسان الحال. بمعنى إدراك حقيقة الوحدة  في كل ما هو موجود، باعتباره حقيقة الجود الإلهي أو إدراك الحقائق في وحدتها كانعكاس للوحدة القائمة في الوجود، وفي الله. إذ ليس في الوجود إلا الله وأفعاله، كما يقول الغزالي. فعندما يقول القرآن "ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين" فليس غير البليد الذي يعتقد ويقدّر أن لهما حياة وعقلا وفهما للخطاب، أما البصير فيفهم من ذلك انه إنباء عن كونهما مسخرتين بالضرورة ومضطرتين  إلى التسخير. وكذلك الحال بالنسبة لقوله "وإن من شيء إلا يسبح بحمده". بمعنى ليس إلا البليد من يعتقد  أن للجمادات حياة وعقلا ونطقا، أما البصير فيفهم من ذلك أن ما أريد به ليس نطق اللسان، بل كونه مسبحا بوجوده، مقدسا بذاته، وشاهدا بوحدانية الله.

لقد أراد الغزالي القول، بأن كل ما في الوجود شاهد على الوحدة وحقيقتها العليا في ذات الله. إذ ليست الوحدة القائمة في وجود الأشياء إلا فعله.  ووضع كل ذلك في سعيه البرهنة عليه من خلال ما اسماه بالمستوى المعرفي في طور ما وراء العقل، أو مستوى الكشف الذوقي، الذي يرى في كل ما هو قائم لسان الحال الناطق بحقيقة الحق (الله)، أو الوجود من وراء كل وجود. فعندما تكلم عن تأمل فعل الله، فإنه أكد على ضرورة "أن يشهد في الفعل الفاعل دون الفعل. فمن عرف الحق رآه في كل شيء. إذ كل شيء منه وإليه وبه وله. فهو الكلّ على التحقيق. ومن لا يراه، فكإنه ما عرفه. ومن عرفه عرف إن كل شيء ما خلا الله باطل، وأن كل شيء هالك إلا وجهه. لا يبطل في ثاني الحال، بل هو الأن باطل، وإن اعتبر ذاته من حيث هو. إلا أن يعتبر وجوده من حيث انه موجود بالله وبقدرته فيكون له بطريق التبعية ثابت وبطريق الاستقلال بطلان محض"8 .

وبهذا يكون قد حوّل الله في حقيقة المعرفة إلى مبدأ الوحدة السارية في الوجود، باعتباره الفعل المنظم لوحدته وترتيبه. ومن هنا تكراره لعبارة انه "ليس في الوجود سوى الله وأفعاله"9 . وإن كل ما في الوجود هو منه وإليه وبه وله. فهو الكلّ على التحقيق وفي حقيقة إدراكه. إذ لا خير ولا جمال ولا محبوب في العالَم، كما يقول الغزالي، إلا وهو حسنة من حسناته، وأثر من آثار كرمه، وغرفة من بحر جوده، بل كل حسن وجمال أدرك بالعقول والأبصار والأسماع وسائر الحواس من مبتدأ العالم إلى منقرضه، ما هو إلا ذرة من خزائن قدرته ولمعة من أنوار حضرته. فالمتحقق بالمعرفة "لا يعرف غير الله. إذ ليس في الوجود تحقيقا إلا الله وأفعاله"10 . ووضع هذه النتيجة في عبارته المفارقة القائلة "سبحان من احتجب عن الظهور بشدة ظهوره، واستتر عن الأبصار بإشراق نوره. ولولا أن ظهوره سبب خفائه لبهتت العقول ودهشت القلوب وتخاذلت القوى وتنافرت الأعضاء"11 .

وإذا كانت هذه النتيجة هي الخاتمة التي يختتم بها لسان الحال تعبيره عن مقال الكلام وحدوده المعقولة، فإنها تكشف في عباراتها المفارقة عن بداية الطريق غير المتناهي في مساعي الإدراك الحقيقي للذات الإلهية، باعتبارها مساعي الأنا العارفة. فالذات الإلهية لم تعد ميدانا للعقل الكلامي في مهاتراته وتأملاته، بل الكلّ المتجانس، والوحدة الفاعلة في الوجود. وهذه بدورها هي الله وأفعاله. كما أنها المفارقة التي يقف أمامها العقل الكلامي مبهوتا، والقلب الصوفي مندهشا في سلوكه الدائم للتخلق بأخلاقها.

 

ا. د. ميثم الجنابي

.....................

1- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص100.

2- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص101.

3- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص101.

4- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص100.

5- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص101.

6- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص102.

7- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص102.

8- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص103.

9- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص283.

10- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص330، ج2، ص280، ج3، ص15.

11- الغزالي: إحياء علوم الدين، ج2، ص280.

 

ميثم الجنابيلقد أورد الغزالي في (إحياء علوم الدين) في مجرى تناوله معرفة ذات الله، باعتباره الركن الأول من أركان الإيمان، نفس المفاهيم التي سبق وأن وضعها في (الاقتصاد في الاعتقاد). لكنها لم تعد تحمل هنا تسمية الدعاوى العشر، بل الأصول العشرة.

الأول منها يقوم في ضرورة معرفة الله ووجود الله. وينبغي أن تستند هذه المعرفة إلى ما في القرآن من إضاءة روحية وعملية لها. بمعنى الاستضاءة بأنواره وسلوك ما فيه من اعتبارات وإرشادات للنجاة. إذ أن ما في القرآن من آيات مثيرة للعقل في تأمله الكون وعجائب الخلق والسموات والأرض وبدائع فطرة الحيوان والنبات وترتيب وجود الأشياء يبرهن على أن وجودها لا يستغني عن صانع يدبّره وفاعل يقدّره[1]، أي كل ما جعله يقرر بأن ما في فطرة الإنسان وشواهد القرآن ما يغني عن إقامة البرهان. وفي ما لو جرى صياغة هذه الفكرة حسب تقاليد "العلماء النظّار" (المتكلمين)، فمن الممكن التعبير عنها بفكرة "إن الحادث لا يستغني في حدوثه عن سبب يحدثه. والعالم حادث فإذاً لا يستغني في حدوثه عن سبب"[2]. وشرح هذه الفكرة وتأسيسها العقلي (الكلامي) انطلاقا من أن كل حادث مختص بوقت يجوز في العقل تقدير تقديمه وتأخيره، من هنا فإن اختصاصه بوقت محدد يفتقر بالضرورة إلى المخصص. أما كون العالَم حادث فبرهانه أن الأجسام والعالم لا تخلو عن الحركة والسكون. وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث. بمعنى كل ما  ندركه بالبديهة والاضطرار. فالحركة والسكون ملازمان لوجود الأجسام كلها. وكونهما حادثين هو تعاقبهما ووجود البعض منهما بعد الآخر. لأنه لو ثبت قدم الشيء لاستحال عدمه. وقد حدد ذلك الاستنتاج الأخير القائل، بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث. إذ لو لم يكن كذلك لكان قبل كل حادث حوادث لا أول لها. وفي حالة افتراض ذلك لا تنفى وجود الحادث الحاضر واستحال وجوده. إذ أن انقضاء ما لا نهاية له محال. مما يبرهن على افتقار الحوادث إلى محدثها[3].

أما الأصل الثاني فهو العلم بأن الله قديم لم يزل، وانه أزلي ليس لوجوده أول. بل هو أول كل شيء، لأنه لو كان حادثاً لافتقر هو أيضا إلى محدث، وافتقر محدثه إلى محدث وإلى ما لا نهاية. الأمر الذي يستلزم الإقرار بأوليته[4].

أما الأصل الثالث، فهو العلم بأن الله مع كونه أزليا أبديا، ليس لوجوده آخر. فهو الأول والآخر، والظاهر والباطن، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه. أما برهان ذلك فيقوم في انه لو انعدم لكان ذلك أما لسبب في ذاته أو في شيء ما آخر يعدمه وكلاهما يتعارضان مع الأصول السابقة[5].

أما الأصل الرابع، فهو العلم بأن الله ليس بجوهر متحيز وذلك لأن كل جوهر متحيز هو مختص بحيزه. ولا يخلو من أن يكون ساكنا فيه أو متحركا عنه. بمعنى انه لا يخلو من السكون والحركة، وهما كلاهما حادثان[6].

أما الأصل الخامس فهو  العلم بأن الله ليس بجسم مؤلف من جواهر. غذ الجسم عبارة عن المؤلف من الجواهر. وإذا بطل كونه جوهرا مخصوصا بحيز، بطل كونه جسما، لأن كل جسم مختص بحيز ومركب من جوهر. والجوهر يستحيل خلوه عن الافتراق والاجتماع والحركة والسكون والهيئة والمقدار. وهي سمات الحوادث[7].

أما الأصل السادس، فهو العلم بأن الله ليس بعرض قائم في جسم أو حال في محل. لأن العرض ما يحل في الجسم. وكل جسم فهو حادث لا محالة، ويكون محدثه موجودا قبله، فكيف يكون حالا في الجسم، وقد كان موجودا في الأزل وحده؟[8].

أما الأصل السابع، فهو العلم، بأن الله منزه عن الاختصاص بالجهات فالجهات مخلوقة بالإنسان. والإنسان مخلوق. وإن الجهات حادثة بحدوث الإنسان. ولو لم يخلق الإنسان بهذه الخلقة، بل خلق مستديرا كالكرة لم يكن للجهات المعتادة وجود البتة. وما ورد في الشرع من تكليف في رفع الأيادي  والتوجه للسماء أو الانحناء للأرض والتوجه للقبلة، فهي اشارات إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والكبرياء تنبيها بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، لأنه فوق كل وجود بالقهر والاستيلاء[9].

أما الأصل الثامن، فهو العلم بأنه مستو على العرش بالمعنى الذي أراد الله بالاستواء. وهو الذي لا ينافي معنى الكبرياء ولا يتطرق اليه سمات الحدوث والفناء. وهو الذي اريد بالاستواء إلى السماء. وليس ذلك إلا بطريق القهر والاستيلاء كما قال الشاعر:

قد اسـتوى بشر على العـراق     من غير سـيف ودم مهـراق

أي تأويل الاستواء بالحق، كما اضطر أهل الباطن إلى تأويل جملة من الآيات والحديث[10].

أما الأصل التاسع، فهو العلم بأن الله مع كونه منزها عن الصورة والمقدار، مقدسا عن الجهات والأقطار،  فهو مرئي بالأعين والأبصار، في الدار الآخرة. ويرى في الدنيا. أما رؤيته الظاهرة فهي نوع كشف وعلم مثل تعلق العلم به وليس في جهة، أي إمكانية رؤيته من غير مقابلة كما يجوز العلم به من غير كيفية  وصورة[11].

أما الأصل العاشر، فهو العلم بأنه واحد لا شريك له، فرد لا ند له. انفرد بالخلق والإبداع، واستند بالإيجاد والاختراع لا مثيل له يساهمه ويساويه، ولا ضد له فينازعه ويناوئه[12].

إن تحول الدعاوى العشر إلى الأصول العشرة يعكس طبيعة الانقلاب العميق في مضمون العقائد المتعلقة بالذات الإلهية. بمعنى أنها لم تعد جزءًا من تقاليد الكلام في جدله وخلافاته ودعاويه، بل  "العلم" الضروري للوجود الاجتماعي الأخلاقي للأمة في وحدتها الروحية، أو المبادئ العامة في منظومة القيم الميتافيزيقية والدينية المحيطة بتكاليف الشرع وعباداته. مما يعني تكملتها العملية للإصلاح العقائدي في مستواه المقنن والظاهري. وبالتالي نفي تقاليد الكلام والإبقاء عليها في فاعليتها للعوام، باعتبارها أصولا ومبادئ كامنة وراء خلفية التطور الفردى والاجتماعي للأمة في عقائدها وإيمانها. مما يعكس تفريغ المبادئ العامة للكلام عن الذات الإلهية من حوافز المذهبية الضيقة ونزوعها التبريرى التقليدي. وبالتالي صهر الحصيلة النظرية للكلام في المهمات المدركة للوجود الروحي للأمة، أي تحصيل التجربة الاجتماعية السياسية والأخلاقية للأمة في قرونها الخمسة السابقة. وهذا بدوره يفسر بقاء صيغتها الكلامية في تآلفه اللاهوتي الفلسفي الصوفي على أنها أركان في صرح الإيمان الإسلامي للعوام. لأنها الصيغة التي استجابت في مظهريتها وتقنينها السنّي إلى ورع الاعتدال المعقول، باعتباره المكون الجوهرى للإحياء الشامل، كما صاغه في (إحياء علوم الدبن).

إن الأصول العشرة العامة كما وضعها في (إحياء علوم الدبن) عن الذات الإلهية ما هي إلا الصيغة الأولية ومستواها الكلامي، تماما كما هو الحال بالنسبة للصفات والأفعال، بمعنى تضمينها نفس العناصر الوظيفية لعلم الكلام (الذي انتقده الغزالي انتقادا لاذعا باعتباره علما لا يبحث عن الحقيقة كما هي)، كما هو جلي في (الاقتصاد في الاعتقاد)، وبصورة أدق في (الرسالة القدسية). وبغض النظر عن إدراجه (الرسالة القدسية في قواعد العقائد) في (إحياء علوم الدبن)، إلا أنها كانت في حصيلتها العامة الصيغة الأكثر تبسيطا والأكثر اعتدالا والأكثر إيجابية لما في (الاقتصاد في الاعتقاد). أنها الاستمرار النظري المقنن والعقائدي للرد الإيجابي الذي وعد بتنفيذه، بعد اتمام انتقاداته للفلاسفة في (تهافت الفلاسفة). فقد كرر في (الرسالة القدسية) ذات المفاهيم التي أوردها في (الاقتصاد في الاعتقاد) عن الذات الإلهية. وينطبق هذا بالقدر  نفسه على مثال الصفات والأفعال. إذ لا نعثر على أي جديد في (الرسالة القدسية) مقارنة بما في (الاقتصاد في الاعتقاد). وإذا كان هو قد أشار في وقت لاحق في (جواهر القرآن ودرره) و(المقصد الأسنى في  شرح اسماء الله الحسنى) إلى أن (الاقتصاد في الاعتقاد) هو من نوع مؤلفاته في علم الكلام، وأن إدراجه (رسالة قواعد العقائد) في (إحياء علوم الدبن) هو لأجل أن تحفظها العوام، فإن آراءه ومواقفه العامة لا تعني من حيث طابعها "البرهاني" سوى الصيغة الظاهرية والكلامية أو ما اسميته بالمستوى اللاهوتي الفلسفي.

إن هذا التداخل المتشابك بين وظيفة الكلام وحدوده العقلية، بين رفضه المبدئي في ميدان الحقيقة وضرورته في حدود الإيمان للعوام، قد وضع الغزالي أمام الإشكالية الحية عن حدود الحقائق الكلية والجزئية في وظائف الكلام، ومعنى التقليد وقيمته بالنسبة للوحدة والنظام. ومن ثم كيفية حل هذه الإشكاليات الفكرية العملية في تآلفه الاحيائي. فقد كان رفض الغزالي ودحضه للتقليد يجرى في اتجاه إظهار إعاقته الجدية لإدراك الحقائق كما هي. مما يعني أيضا إقراره بالإمكانية الواقعية والفاعلة للفكرة القائلة، بأن الحقائق التقليدية لا تكف عن أن تكون حقائق، وبالتالي لم يعن رفض التقليد سوى رفض منهجيته لا ما في اعتباراته وإشاراته وحججه وبراهينه من حقائق مبنية في مجرى الصراع الفكري وتأسيسه النظري.

إن هجومه ضد التقليد بشكل عام وتقليدية الكلام بشكل خاص موجه اساسا صوب إثارته روح الإيمان الحق وأركانه في العقائد المعقولة تجاه الذات الإلهية. إذ لم تعد هذه العقائد تقليدية شكلية، لأنها تفترض في منظومته إمكانية إدراكها اللاحق في تجارب الأفراد والجماعة. بمعنى اكتشاف أبعادها غير المتناهية انطلاقا من لا تناهي التجارب الإنسانية في بلوغ معرفة ذات الله. مما يعني رفعه ضرورة التجربة الفردية إلى مصاف المطلب الواجب في استيعاب حقائق العقائد. وقد تضمنت آراؤه هذه في اطار منظومته الإحيائية، محاولة حل إشكاليات العلاقة الواقعية والمثالية بين الطابع الوظيفي والحقائقي للفكرة في وحدة العقائد الكبرى للعوام، أي أيديولوجيتها الروحية. لأنه وجد في التمسك بأسسها (أركانها وأصولها) العقائدية خيوط الوحدة الاجتماعية الفكرية، وبالتالي تأسيسه لفكرة الضرورة في وحدة الأسس الروحية، أو  المبادئ الكبرى للوعي والنظام الاجتماعيين. أما الصيغة المعقولة لهذه الأسس عند العوام فقد وضعها بصيغة قواعد العقائد. في حين لم تعن التبريرية الظاهرية في بعض آرائه هنا،ومن الناحية التاريخية، سوى سلبية الشكل ايجابية المضمون. انه أدرك طابعها الوظيفي في مطلق الحقيقة ونسبية الممارسة. فالتقنين المرَّتب في قواعد العقائد هو أيضا تقنين اللانهاية، بمعنى احتوائه الخفي على وحدة الظاهر والباطن، النهائي واللانهائي، باعتبارها درجات ضرورية بفعل تباين الخلق في استعدادهم لقبول المعرفة. لهذا أكد على سعيه الاقتصار بالترجمة البسيطة لعقيدة العوام كافة. وبما أن وراء العوام درجات لا تحصى، لهذا يمكن القول بأن الغزالي، لم يعن بقواعد العقيدة المبسطة هنا سوى البوابة الضرورية لفتوح الإمكانية الدائمة في معرفة حقائق الوجود بمنظور الوحدانية الإسلامية. من هنا جوهرية حله لإشكالية السر ّالقائم في علاقة الظاهر بالباطن، والشريعة بالحقيقة، والعقل بالذوق. حيث كان هذا الحل، الأساس المعرفي النظري لاستيعابه وحدة الذات الإلهية.

 

ميثم  الجنابي

..........................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص105.

[2] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص106.

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص106.

[4] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص106.

[5] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص106.

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص106-107.

[7] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص107.

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص107.

[9] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص107.

[10] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص108.

[11] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص108.

[12] الغزالي: إحياء علوم الدين، ج1، ص108.

 

 

ميثم الجنابيانطلق الغزالي من الفكرة القائلة، بأن كل حادث له سبب، وبما أن العالم حادث، فيلزم أن يكون له سبب. إذ ليس العالَم بنظره، سوى كل موجود ما عدا الله من أجسام وأعراض. وكل ما هو موجود أما متحيز أو غير متحيز. ففي الحالة الأولى أما أن يظهر باعتباره جوهرا فردا (أي ما لا ائتلاف فيه) أو جسما (ما هو مؤتلف من جواهر عديدة). أما في الحالة الثانية (غير متحيز) فيظهر أما باعتباره عرضا، أي ما يستدعي وجوده جسما آخر يقوم به أو ما لا يستدعي وجوده شيئا آخر وهو الله. فالله بهذا المعنى يظهر كوجود لا متحيز، قائم بحد ذاته لا يرتبط وجوده بوجود ما آخر.ذلك يعني أن الله وجود ليس بجسم ولا جوهر متحيز ولا  عرض. مما يؤدي بدوره إلى انعدام إمكانية إدراكه بالحس، ولكننا ندعي وجوده وإدراكه بالدليل لا بالحس1 .

وشكلت فكرة حدوث العالم المقدمة الأساسية للبرهنة على ذات الله، انطلاقا من أن الحادث هو ما كان معدوما ثم صار موجودا. وذلك مما يمكن تصور وجوده. إذ لا يعني تحول المعدوم إلى موجود سوى انه غير واجب الوجود بذاته. وفي الوقت نفسه يدل على أن ذلك ليس مما يستحيل وجوده، وإلا لم يوجد. فالعالم هو الأجسام والجواهر. والبرهنة على حدوثه، كما يقول الغزالي، قضية ليست معطاة بالعقل كما هو الحال بالنسبة لمفهوم الحادث. فالجوهر، على سبيل المثال، لا يخلو من الحركة والسكون. وكلاهما حادثان. أما الحركة فحدوثها ملموس. وإذا افترضنا وجود جوهر ساكن كالأرض، على سبيل المثال، فافتراض حركته ليس بمحال. بل إننا نعلم جواز هذه الحركة بالضرورة. وإذا وقع ذلك الجائز (أي الحركة  بعد السكون) كان حادثا. وبالتالي يصبح معدما للسكون فيكون السكون أيضا قبله حادثا. وذلك لأن القديم لا ينعدم. بمعنى أن تحول السكون إلى حركة وبالعكس هو بحد ذاته دليل على حدوثها، باعتبارها تغيرا جوهريا أاو انتقالا نوعيا من حالة لأخرى. مما يؤكد افتراض عدم قدمها. فالقديم، كما يؤكد الغزالي، لا ينعدم. لهذا رفض الافتراض القائل بإمكانية انتقال الأعراض باعتباره الأسلوب المناسب أو الفرضية الممكنة لإزالة التناقض القائم هنا، انطلاقا من أن الجوهر لا يخلو من كمون الحركة فيه أو ظهورها. وكلاهما (الكمون والظهور) حادثان. وبالتالي فإن الجوهر لا يخلو من الحدوث. ومن يفهم حقيقة العرض يدرك استحالة الانتقال فيه. إذ ليس الانتقال سوى عبارة أخذت من انتقال الجوهر من حيز إلى آخر. مما يثبت في العقل من أن فهم الجوهر والحيز واختصاص الجوهر بالحيز زائد على ذات الجوهر. وبما أن العرض لابد له من محل، تماما كما لابد للجوهر من حيز، فقد أدى ذلك إلى تخيل أن إضافة العرض إلى المحل كإضافة الجوهر إلى الحيز، فيسبق منه إلى الوهم إمكان الانتقال عنه كما في الجوهر2.

إن عدم التفرقة بين محل العرض وحيز الجوهر أدى إلى التباس المطابقة بينهما. فالمحل وإن كان ملازما للعرض، مثلما أن الحيز لازم  للجوهر، إلا أن بين لزوم الأول والثاني فرق. فربّ لازم ذاتي للشيء ورب لازم ليس بذاتي للشيء. ولم يقصد الغزالي بالذاتي هنا سوى ذاك الذي يرتبط به وجود الشيء ارتباطا ضروريا. وبما أن الحيز ليس ذاتيا للجوهر، لهذا لا يؤدي فقدان حيز زيد إلى فقدان زيد. بينما لا يمكن تصوره (زيد) بدون عرضه (طوله). لقد أراد من وراء ذلك البرهنة على أن الحيز ليس ذاتيا للجوهر، انطلاقا من علمنا أولا الجسم والجوهر ثم ننظر بعد ذلك في الحيز، وما إذا كان أمرا ثابتا أم أمرا موهوما، أي كل ما يمكننا الوصول إليه بالدليل العقلي والحسي. لهذا اعتبر "اختصاص العرض بمحله لم يكن زائدا على ذات العرض كاختصاص الجوهر بحيّزه".  فالجوهر عقل وحده. وعقل الحيز به لا الجوهر عقل الحيز على خلاف ما هو مميز للعرض. فهو عقل بالجوهر لا بنفسه. فإذا قدّرنا مفارقة العرض لذلك الجوهر المعين فقد قدّرنا عدم ذاته. وذلك لأن ذات العرض تابعة للجوهر المعين وليس له ذات سواه.

أما الدعوى الثانية فتقوم في محاولته البرهنة على حدوث العالم من خلال الرجوع إلى السبب الأول. بمعنى انطلاقه من أن إثبات حدوث العالم يستلزم الإقرار بافتقاره إلى سبب آخر. وهذا السبب يفتقر بدوره إلى سبب آخر وهلم جرا. ولا يمكن لهذه الأسباب أن تترتب وتتسلسل إلى ما لانهاية. مما يلزم بالضرورة الإقرار بوجود قديم خالق. ولم يعن هذا القديم، بنظره، سوى أن "وجوده غير مسبوق بعدم. فليس تحت لفظ القديم إلا اثبات موجود ونفي عدم سابق"3 .

اما الدعوى الثالثة فتستند إلى الفكرة القائلة بأن صانع العالم مع كونه موجودا لم يزل، فهو باق لا يزال، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه. ومن هذا المنطلق حاول دحض الفكرة المعتزلية القائلة بأن المعدوم شيء وذات.

أما الدعوى الرابعة فتقوم بالإقرار بأن صانع العالم ليس بجوهر متحيز لأنه قد ثبت قدمه. إذ لو كان متحيزا لكان لا يخلو من الحركة في حيزه أو السكون فيه. وما يخلو من الحوادث فهو حادث.

أما الدعوى الخامسة فتقوم بالإقرار بأن صانع العالم ليس بجسم، لأن كل جسم متألف من جوهرين متحيزين. وإذا استحال أن يكون الله جوهرا متحيزا استحال أن يكون جسما.

وقد حدد ذلك بدوره مضمون الدعوى السادسة والقائلة بأن صانع العالم ليس بعرض. إذ ليس العرض سوى ما يستدعي وجوده ذاتا تقوم به. وشكلت بهذا المعنى مقدمة الدعوى السابعة القائلة بأن الله ليس في جهة مخصوصة من الجهات. فمن يفهم معنى لفظ الجهة والاختصاص، كما يقول الغزالي، يفهم قطعا استحالة الجهات على غير الجواهر والأعراض. وبالتالي لا معنى للآراء التي تحاول أن تستنبط جهة الله استادا إلى ما في ظاهرية العبارات من إشارات. وذلك لأن التوجه لله (في السماء) تضرعا أو إلى الكعبة (في الأرض) عبادة، لا يعني اشارتها إلى حقيقة الذات أو تطابقها مع المكان. وذلك لأن ربط الذات الإلهية بالمكان أو الزمان هذيان. كما أن التضرع إلى السماء وما شابه ذلك هي أمور مختصة بالشرع لا بالعقل. فالتوجه للسماء والانحناء للأرض هي أسرار تقوم حكمتها في استمالة القلوب. أما مقصود الدعاء لله فمنزه عن الحلول في البيت والسماء. أما تصور الله في السماء أو الأرض فهي تصورات العوام وسوء فهمها لإشارات الجوارح (الظاهر)4 . فعادة ما يصعب عليها نفي الجهة وذلك لأنها قضية عقلية خالصة يصعب إدراكها بأساليب التمثيل والوهم والحس. فهي أساليب لا تتعامل إلا مع الأجسام. في حين إن الله ليس بجسم ولا  جوهر ولا عرض.

وإذا كانت هذه الصيغة تتعارض مع الظاهرية السنّية، ولحد ما القرآنية في عباراتها المباشرة عن العرش والاستواء وما شابه ذلك، فإن الغزالي حاول حلها من خلال ما اسماه بالدعوى الثامن، أي الضرورية للعوام من حيث يقال لهم، بأن الله منزّه عن أن يوصف بالاستواء على العرش، وانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وفي حالة إلحاحها بالسؤال فلا بأس من أن تجاب بما أجاب به مالك بن أنس، من "أن الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب". أما فكرة كون الله "ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا" فينبغي أن تصاغ ضمن إطار مفهوم "وهو معكم أينما كنتم" بمعنى انه "مع الكلّ بالإحاطة والعلم"5 . وبهذا يكون قد سعى من وراء ذلك نفي التشبيه والتجسيم من خلال إبراز مطلق الذات الإلهية. فالاستواء بالنسبة له هو مجرد نسبة للعرش. أما هذه النسبة فهي كونه معلوما أو مرادا أو مقدورا عليه أو محلا مثل محل العرض أو مكانا مثل مستقر لجسم، ولكن بعض هذه النسبة تستحيل عقلا، وبعضها لا يصح اللفظ للاستعارة به له. فليس الاستواء هنا، في حالة النظر إلى القضية من زاوية اللغة وما لا يتخيله العقل، سوى السيطرة، كما في الشعر القائل:

قد اسـتوى بشر على العـراق    من غير سـيف ودم مهـراق

وحاول تطبيق هذه الفكرة على موقفه من "نزول الله". إذ لم يعد النزول سوى إضافة بالمجاز. أما بالحقيقة فهو مضاف إلى ملك من الملائكة. تماما كما هو الحال في الآية (واسأل القرية) أي أهلها. بمعنى التلطف والتواضع في حق الخلق، كما يستعمل الارتفاع بمعنى التكبر. أما نزوله في الليل فبمعنى أن "الخلوات مظنة الدعوات. فالليالي اعدت لذلك حيث يسكن الخلق وينمحي عن القلوب ذكرهم ويصفو لذكر الله"6 .

أما الإبقاء على الصيغة الإسلامية في اطار عقائدها الكبرى، فقد حدد بدوره مضمون الدعوى التاسعة في ما اصطلحت عليه تقاليد الكلام برؤية الله، أي أن الإقرار بإمكانية رؤية الله لا يتناقض مع نفي الجهة. فالأخيرة لا تعني نفي الرؤية، بل تستلزمها. فالله مرئي لوجوده. ووجوده ذاته. فالوجود لذاته لا لفعله أو صفة من صفاته. وبما أن كل موجود ذات، من هنا ضرورة رؤيته، تماما بالقدر الذي يوجب ذلك كونه معلوما7 . أما الدليل العقلي على الرؤية فيقوم، حسب نظر الغزالي، في أن كل ما ينطبق على الوجود ينطبق عليه، باستثناء الحدوث، وما لم يناقض صفة من صفاته. إذ لا سبب ضروري لنفي الرؤية. أما نفي رؤيته فمتأتٍ مما تعوّد عليه الحس والنظر في رؤية الأشياء والأجسام. فالله يرى نفسه ويرى العالم، وهو مع ذلك لا في جهة من نفسه ولا في العالم. وإذا جاز ذلك فقد بطلت آراء الحشوية، والتي لم يكن بإمكانها فهم  معنى موجود لا في جهة، والمعتزلة، التي نفت الجهة ولم تثبت الرؤية.

أما الدعوى الأخيرة، فهي دعوى إن الله هو الواحد. فهو واحد، بمعنى رجوعه إلى ثبوت ذاته ونفي غيره، ولا ند له بمعنى أن كل ما سواه مخلوق له. وبالتالي فهو أجلّ الموجودات.

 

ا. د. ميثم الجنابي

..................

الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص14.

الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص16.

الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص19.

الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص24.

الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص27.

الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص30.

الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص30.

 

عادل بن خليفة بالكحلةمقدّمة: الدولة التسلطية واستعمال الشرطة:

للدولة الاستبدادية أشكال تاريخية عديدة ومنها شكل الدولة التسلطية، وهي دولة استبدادية تابعة ذات سلطة بيروقراطية تسود المجتمع عبر توسيعها »  قدراتها على تنسيق للبنى التحتية بحيث تخترق المجتمع المدني بالكامل امتدادا لسلطتها، وتحقق بذلك الاحتكار الفعال لمصادر القوة والسلطة والمجتمع « (1). وهي ظاهرة حديثة بالعالم العربي، ورثت الدولة السلطانية، متبنية التبعية للمركز الغربي ونماذجه المفروضة المشوهة(2).

و أهم سمات الدولة التسلطية هي أن مشروعية النظام تقوم على القهر من خلال اعتماد الدولة للإرهاب المنظم ضد المواطنين، ووجود نخبة متسلطة عسكرية وشبه عسكرية ومدنية مع حزب حاكم يدعي التنويرية، وتركيبة بيروقراطية- عسكرية أو بيروقراطية –شُرْطية للدولية، مع بُنى مساعدة كالحرس الوطني والبوليس السري والمباحث والاستخبارات والميليشيات الطائفية أو القبلية(3)، من أجل تأبيد السيرورة التسلطية ومنافعها المعاشية والسياسية والثقافية المتمركزة بأيدي الطغمة المهيمنة وتحالفاتها.و قد قامت الدولة التسلطية على التبعية للمركزية الغربية، ولا يمكنها أن تستمر دونها. وعادة ما ترجع الدولة التسلطية العربية إلى انقلاب عسكري أو شُرْطِيّ دموي أو أبيض يدشنها.

و هي تستعمل القمع وتُدَبِّر العنف السياسي من أجل تأسيس مشروعية نظامها، ولكنها لا تكتفي بهما، أو بالأحرى لا تكتفي بشكلها التقليدي، الجسدي، »فقد تغيرت طبيعة السياسي وأصبح تأثيره أكثر شمولية وعسفا وعشوائية،  وأصبحت الآليات المستخدمة فيه أشد إيذاء وأكثر ضحايا«(4). وهو لا ينتهي عن ابتلاع المجتمع المدني فحسب، بل يتحول أحيانا إلى غرض لذاته، ويهدف إلى الاستعباد الماكر المَبَّطن الكامن والمعاشي والسياسي والحضاري، ليكون ضمن حلقات »الأمن الأمريكي« الذي هو عنوان الحقبة ما بعد الاستعمارية(5).

و مما ساعد على تركز عنف الدولة التسلطية العربية، الطفوليةُ السياسيةُ لبعض الأحزاب والتنظيمات حتى المنتسبة للتقدمية التي كانت مستعدّة- مع بعض المثقفين- لإعانة الانقلاب العسكري أو الشُّرْطي، على أن يسلمها الانقلابيون السلطة بعد أمد قصير، ولكنهم فور إحكام قبضتهم تنولّد عندهم شهوة للسلطة المطلقة استزلامًا(6) للتّرقي المعاشي وللامتيازات المادّية ليصنعوا لها مبررا دستوريا مشرّعا(7).

و لقد استخدمت الدولة التسلطية القوة المنظمة للدولة من أجل قمع كل أشكال القوى المنظمة الأخرى كالأحزاب والتنظيمات السياسية أو تدحينها أو السيطرة عليها, للاستيلاء على النظام السياسي بكامله، وقد تطلَب ذلك تلاعبا بالدساتير والقوانين(8). وبذلك تتمَ عملية عزل عامة الناس وقواهم وتنظيماتهم المستعملة عن كل مشاركة ليقتصد دورهم على التأييد(9).

بقي عنف السلطة الحقيقية غير متعين في أكثر الأحيان، وذلك لدفع شبهات الاعتداء من السلطة الحقيقية، وخاصة السلطة الشرطيَة السرَية - إلى الظلَ. فتكون قوانين حقوق الإنسان الواجهة الظاهرية أمام المراقبين الأجانب. والواقع أنَ التَعارض الظَاهري بين سلطة الحزب الحاكم وميليشيَاته المحلَيَة وسلطة الشرطة السَرَية يعكس الازدواج الأصلي القائم بين الحزب والدولة. وقد استفادت الشرطة السرية من هذا الازدواج والالتباس بميليشيات الحزب فانطوت على شبكة من العملاء بالغة التعقيد والامتداد، أوكلت إلى كل دائرة فيها أن تراقب الأخرى وتتجسس عليها(10).

فكلما كان أعضاء الحكم ظاهرين، كان نفوذهم متضائلا، وحين تكون المراقبة في السَر تبدأ السَلطة الواقعية(11). وهذا ما يعلي نفوذا أكثر الشرطة والمتعاونين معها من الحزب الحاكم والعامة الفقيرة. فكلما كان الفقر أكثر كان الولاء أكثر، وكلما كانت سلطة الدرك السَري أكثر غموضا كانت صورتها لدى المواطنين أكثر عنفيه وإرهابية، متوهمين أنهم في مواجهة مباشرة مع السلطة المتعيَنة.

و هذا ما يجعل الأوامر تتبدّى في بساطتها "ذات فعالية حاذقة"، ولا توفر احتكارا مطلقا للسلطة فحسب، بل ثقة لا نظير لها لأوامر ينبغي أن تنفذ على الدوام(12). ولذلك يقول أعوان الشرطي ذوو الزي الرسمي، الظاهريون: »أَوَامِرْ ! اللْه غالبْ ! إِحْنَا نْفْذُو الأَوَامِرْ! « .

بَيْد أن سيرورة انتقال مراكز القوى والالتباس في المسؤولية الشُّرطية والسلطوية يضمنان استقلال المستبد عن مرؤوسيه وتنصّله في كل وقت عمَّا يقترفونه، وليكون الجسم السياسي للبلاد، العديم الشكل، بعيدًا عن كل صدمة. فالاعتراض الحقيقي يتطلب مواجهة لشكل متعين، إذ أن التعدّد في الأجهزة وهذه العدمية في الشكل يستهدفان القضاء على كل محاولة للإمساك الإدراكي من قِبل المواطنين والمناضلين.

الدولة التسلطية واستراتيجية قمع المعترضين:

2-1- عوامل استمرار الفساد بمؤسسة الشرطة:

للمصطلحية الدارجة دلالات على المكانات والوظيفة والمتخيَّل المتلبس بالأعوان الاجتماعيين.

فمصطلح »شُرْطِي« غير موجود مطلقا في الكلام الدارج التونسي، بل هناك مقابله المستعار من لغة المستعمر الفرنسي: »بُوليسي«، نظرا لأن الإحساس بهيمنة الشرطة ما قبل الاستعمارية قد اضمحلَّ بينما تضخم الإحساس بهيمنة »البوليس« الفرنسي.

ومصطلح »شرطة« غير موجود بقدر وجود مصطلح »الُبُوِليسْ« و»الًبُوِليسيَّة«.

ولكنْ هُناك مصطلح آخر بقي مستمرًّا، وإنْ تغيَّر متعَلّقُهُ، وهو مصطلح »الحاكم«. وهو مصطلح موجود منذ عهْد فساد الدولة الحفصية وتضخم قمعيتها الحاضرية.

قال ابن خلدون عن ولاية(13) الشرطة:»ويُسمّى صاحبها لهذا العهد بإفريقية الحاكم«.(14) وذلك لأن العامة أصبحت لا ترى الحاكم الحقيقي (الدولة، السلطة، الملك...)، وإنما ترى عمليا أداتَهُ التي أصبحت قمعية بعد أن كانت رقابية لما كانت مشروعية الدولة الموحّدية (مؤسِّسَةُ الدولة الحفصية) كثيفة لدى أكثرية الحضر. ووعيُ الشرطيِّ التونسيِّ بمصطلح »الحَاِكمْ« يجعله ذا استعدادٍ قمعي، لأنه حاكم تماماً، كالقاضي وكرئيس الدولة. وباعتبار أن رئيس الدولة قمعي ثم أصبح ذا أصول شُرْطية (زين العابدين بن علي)، فسيتضاعف الاستعداد القمعي أكثر.

ولقد كان المَلِك القمعي والقاضي يعرفان منذ العهد الحفصي ضرورة الشرطة القمعية لاستمرار الاستبداد وضرورة أن يبقيا خفيَّيْن حتى لا تكون النقمة الحضرية عليهما بل على »الحَاكِم« الجديد، فوّضا كل ما يتعلق بالقمع الحضري اليومي للشرطة، ليتبرّآ - إن اقتضى الأمر- منه.

فالشرعي هو أن لا يُزْجَرَ المرَء إلاّ إذا قام بالمخالفة أو الجريمة، ولكن القمعي هو التدخل في أمرٍ تختفي فيه القرائن، »فكان الذي يقوم بهذا الاستبداد وباستيفاء الحدود بعده إذا تنزّه عنه القاضي يُسمّى صاحب الشرطة. وربما جعلوا إليه النظر في الحدود والدماء بإطلاق« (15)، فارضًا »العقوبات الزاجرة قبل ثبوت الجرائم(16) «: وليس ذلك على كل طبقات الناس، بل»كان حكمهم على الدّْهماء«، أي على الطبقات الفقيرة والعامة.

وضمن هذا التنزّه السَّوْقي(17)عن هذه المهنة، كانت السلطة دائما تخصها »من المستضعفين في الأمصار« (18)، إذ يكون الشرطيون نازلين »عن مراتب العز لفقد الأهلية بأنسابهم(..) فلحقهم من الاحتقار« (19)، فحضورهم الوظيفي »حضور رسمي لا حقيقة وراءه« (20). فكانوا محتقرين من السلطة نفسها ومن »الدهماء« الذين ينتمون إليها، ومن بقية الطبقات، ممّا يقوي أكثر نزعتهم العدوانية.

ولقد كان في سَوْق الزعيم الحبيب بورقيبة أن يغيّر جذريا شرطة البلاد التونسية عند تسلم السلطة، عن طريق دَمج ميليشيا الحزب الدستوري الجديد (الشبيبة الدستورية)، ضمن وزارة الداخلية، ولكن مَيْل سواد كبير من الشبيبة بالدستورية لليوسفية جعل رئيس الحكومة، الحبيب بورقيبة، يحافظ على جلادي الحركة الوطنية وعلى ثقافتهم القمعية، مُسْتزلماً عفْوَهُ عنهم بولائهم له، مما جعل تقاليد التعالي على الناس والتعذيب والعنف اللفظي والنزعة العدوانية تستمرّ بالمؤسسة.  لقد أدمج الحبيب بورقيبة الجسم الموالي له داخل »الدولة العميقة« الحسينية الاستعمارية لكي يستطيع أن ينتصر على الحركة الاجتماعية المناهضة له، التي جعلته معزولا تعبويّا، فكان انتشار المستزلمين والموالين داخل كلّ وزارات الدولة. ومن ذلك دمجه ميليشياته داخل مؤسسة »الأمن«، ومحافظته على جلاّدي الحركة الوطنية ومعذّبي الوطنيين وقتلة بعضهم في تلك الوزارة.

مثال ذلك أن بورقيبة لمّا كان في القاهرة، توعّد أمام » مكتب المغرب العربي « محافظ شرطة تونسيّ (أصيل مدينة المنستير، كانت له جرائم حقوق إنسان تجاه الوطنيين وعائلاتهم) بالإعدام: » لو قدّر لي أن أستلم الحكم يوما، فإنّ أوّل ما سأفعله هو أن أعدم ذلك المتعاون شنقا في باب بريقشة« . ولكنّ سياق الصراع مع الحركة الاجتماعية المناهضة له، جعله يرقّي كلّ المتعاونين من مؤسسة الأمن، ومنهم ذلك المحافظ. ولمّا سأله المناضل محمود زهيوة عن نكثه بتوعده بالقاهرة، أجابه بورقيبة فورا: »يِخْرِبْ عقلك ! هؤلاء هم الذين سيخدمونني وينفذون أوامري دون نقاش لمّا يرونني تغاضيت عن مساوئهم وعفوت عنهم ... « (21). ولقد كان ضابط التشريفات لدى محمد الأمين الباي، كبيّر المحرزي، ضمن الضباط الذين أعدّوا خطّة للانقلاب عليه(22) . فالمتعوّد على الاستزلامية والخضوع من السهل جدّا أن يغيّر مخدومه، إذ لا ولاء هنا لدولة قانون ولا لعقيدة أمنيّة سيادية.

ولقد صدّق المتوهم نفسه إذ تضخم ذلك بأن أصبح رئيس الدولة، أواخر عام 1987، مِنهم، فتضخمت روح الطائفة أكثر، لأنّ »الحاكم« أصبح من »الحاكم«.

وهناك بالكلام الدارج لفظة استهجانية هي »السُّرْطي« و»السُّرْطة«، أي بجعل شين »الشرطة« سِيناً، بمعنى الشرطيّ السري والشرطة السرية. وبذلك يلغي لاوعي اللهجة التونسية كل وظائف الشرطة ليجعلها منحصرة فقط في وظائفها السرية-التجسسية على الفرد والجمعيات والأحزاب. فالشرطة في اللاوعي الجمعي التونسي هي »سُرْطة« فحسب.

و بذلك لن تكون المهنة الشرطية بإكراهاتها ومسؤولياتها أبدًا مهنة كالمهن، بالضبط. وهذا سبب إضافي لكي لا تنتدب المؤسسةُ الشرطيةُ مواطنين كالآخرين، وإن اشتركوا معهم في المواطنة الموضوعية بالدولة التسلطية، وربّما في المواطنة بالمعنى الديمقراطي.

فلا يُطلب من الشرطِيِيّن في الحالتين أن يكونوا من نُخبة تمتدح وزراء الداخلية، ولكن المطلوب منهم أن يكونوا مهنيين أكفاء في خدمة عمومية ناجعة أكثر فأكثر. »إنها شأن انتداب وتكوين وتأطير أكثر منها شأن مآثر فردية «(23)، فهي أداة مباشرة بيد السلطة.

الشرطي، بالدولتين الكلاّنية والتسلطية، مهما كانت رتّبته ووظيفته، هو قبل كل شيء موظف. هو موظَّف أربعة وعشرين ساعة على أربعة وعشرين إجباريًّا، ويجب أن يُعلم حتى تنقلاته في أقل من ثمانية وأربعين ساعة وأن يطلب ترخيصا في ذلك. هذا ما يجعله مُرْهقًا، ضعيف الرّبْعة(24)، قابلاً. وكل دَقْرَطة للدولة ينبغي أن تخفّف عنه هذه الإلزامات الجسدية والزمنية ليكون أكثر وعيًا بما يفعل.

دَخلت المؤسسة إخضاعات الدولة الكُلَّانية – الرأسمالية - الغربية، لتنتقل نِحْلَتُها إلى الدولة التابعة، ومنها الدولة الوطنية. وذلك ممَّا يجعلها مهنة مختلفة بإكراهاتها التي تخضع لها وبامتيازتها وبمخَاطرها، إذْ أُخضِعت للدولة التسلطية (التابعة للدولة الكلاّنية الغربية) والمتحكمين فيها، أي شبكة للاستزلام الاقتصادي - السياسي.

إن الانتداب المُبْتَسر، والتكوين الاختصاصي، والانضباط الشديد والمخاطر الخصوصية، وإيهام الدولة التسلطية للشرطة واحتكار القوة، في ظروف تجتمع لكي تُفرز داخل الشرطيين شعورا بالانتماء مدعوما بالاختلاف الجذري، الوهمي، الحقيقي، في الآن نفسه، معززا روحَ طائفةٍ وثقافةً خصوصيةً. وهنا لا نجد »دراسات معمّقة، وخاصة مقارنة، تُري في الآن نفسه امتداد التضامنات الداخلية وتقاسم المواقف والقيم، ولكنْ أيضا في القيسْ بالنسبة إلى غزارة الظواهر المشابهة في مِهن أخرى حسنة التحديد « (25).

بَيْد أنّنا نجد لدى كَازَامايُور افتراضين مهمّين. وهما السّرّ بما هو بُعدٌ تقويمي للفعل الشرطيِّ، وكذلك الانعزال بما هو نمط التروّي لتدبير الشرطة من قبل السلطة، فبمفترق السّرّ والعزلة »يتأسس الوِعاء المُغلق للعالم الشرطي «(26). وبذلك لن تكون خصوصية الفعل الشرطيِّ في القوة، بل في السّرّ. فالشرطة بالدولة التسلطية والدولة الكلانية (لا في الدولة الديمقراطية) تبحث مطلقا في كل ما نُخفيه، وتُواجه كلّ منْ يُخفي شيئًا،  »وباعتبار أن الجميع لهم سر، فهم جمعًا للاختراق« (27) .

وفي الحالتين، الكلاّنية والتسلطية، سيكون إرسال الشرطة للفعل إرسالاً نحو المجهول، بمعنى أننا لن نتوقع مسبقا ماذا سيفعلون، وبذلك سيكون طَبْعُهُ الثانوي غير قابل مَبْدَئيا لمراقبة المناضل والعلوم الإنسانية.

إن السّرّ يراهن في الوقت نفسه على سلطة، فهو يولّد امتيازه من امتداده. وقد اكتسبت شرطة الدولة التسلطية للسرّ من شرطة الدولة الكُلاَّنية - الإمبريالية، منذ التقاليد الاستعمارية (تحت الحكم الاستعماري) حتى التربصات مع شرطة الدولة الكُلاَّنية حسب اتفاقيات الدولة الوطنية-التسلطية مع الدولة الكلاّنية، المستعمِرة سابقا.

وهكذا، فمن أجل السّرّ، تصبح شرطة الدولة التسلطية مجتمعا سرّيًّا، بل تجبرها على أن تكون كذلك، »حَوْل طقوسه وقيمه ومعاييره وقوانينه « (28).

أما العزلة، فهي المُنحَدَر الآخر لروح الطائفة، فهي »وليدةُ مكيافلّيةِ السلطةِ « التنفيذية(29). ولمّا كانت الشرطة بالدولة التسلطية والاجتماع التسلطي معزولة عن مجتمعها الذي يستكرهها أو دون ذلك أو أكثر، فلا يمكنها ان تستثمر امتيازاتها واكتفاءها الذاتي تحت الجناح الذي يصنَّفُ خَيِّرًا بالسلطة التنفيذية، لأن ذلك ليس في صالح استمرار الدولة التسلطية.

فالرواية البوليسية بالدولة الإمبريالية و»الُلّغْز« (30)بالدولة التسلطية، يريدان أن يصنعا وَهْمَ الشرطيّ البطل أو المتمرّد الخام، حتى على مؤسسته، صانعا للشرطة، وأحيانا ضد المؤسسة وأحيانا على هامشها، لتخفيف ضغط الواقع الشرطيِّ على »المواطنين « إذ يترسّب ذلك اللاوعي الجمعي منذ الطفولة والمراهقة.

ففي الحقيقة نجد إن الشرطيين لا يصنعون الشرطة، بل هي التي تصنعهم، » فهم يحتلون وظائف، ويملؤون خانات، وبذلك تُسوّيهم. فالمؤسسة تصنع وجودهم مسبقا وتحدّد بصرامة أطُرَ رِبْعَتِهِمْ الممكنة « (31).

فلقد حَيّدت الكُلَّانية ثم التسلطية (التابعة) أصل الوجود الشرطيّ، لتعيد خَلْقهُ، رابطا بينهما وبين المجتمع الاحتشادي، وبينه وبين الطبقات الاجتماعية، بأشكال إعادة التنشئة الاجتماعية وطبيعة المراقبة الاجتماعية، التي تقوم عليها أهداف تلك الإعادة.

إن الشرطة بين كل أجهزة الدولة التسلطية،  »أكثرها مرونة وأكثرها طَرُوقيّة« (32)، فهي مصدر فُرَص مناسبة ولكنها قد تفقد مشروعيتها عندما تريد السلطة التسلطية ذلك. وعلى كل دَقْرطة للمؤسسة الشرطيّة أن تراعي تلك الترسبات بعين الاعتبار. وتلك الدَّقْرطة ستكون في صالح الشرطي المقموع وفي صالح المواطن والمناضل المقموعين كِلَيْهما بالدولة التسلطية.

2-2- الشرطة السرية: وظيفتها في الدولة التسلطية:

لقد أوكلت الدولة الوطنية التسلطية منذ عام 1955 (سنة »الاستقلال« الداخلي) احتكار أدوات العنف إلى المؤسسة الشرطية لقمع القوى المعارضة (اليوسفيون، صوت الطالب الزيتوني، فالحزب الدستوري القديم، فالحزب الشيوعي، فغيرهم). ثم توسّعت هذه المؤسسة حتى استطاعت ابتلاع الدولة الوطنية التسلطية، فلقد سادت على الجهاز العسكري ووجدت المجتمع المدني ضعيفا مترهّلا. وقد كان إنماء تأطير الشرطة بصورة متواصلة ومضاعفة أهم من أشكال التأطير الأخرى، لتصبح نواة السلطة الشرطية أعلى من كل سلطة و»خلف واجهات السلطة الظاهرة، وفي متاهة التبدلات في السلطة وهي التي يحدثها انعدام الفعالية، ونعني بها الأجهزة الفائقة الفعالية والكفاءة لما ندعوه بالشُّرْطية، كان التشديد على أن الشرطة السرية هي جهاز الدولة الأوحد «(33) إذ هي المؤسسة الأفضل تأطيرا على الإطلاق. وقد كانت الشرطة السياسية هي »الأفضل تنظيما والأكثر فعّالية في كل قطاعات الحكم « (34). وذلك بتجاوب مع حاجة الدولة الاستبدادية إلى إلغاء إرادة السكان.

ويتميز عملاء الشرطة السرية بأنهم الطبقة الوحيدة التي تحكم بالدول »حكما مفتوحا على مداه« (35). وعلى هذا، فإن ميزان قيمها جعلها تسيطر على كل نسيج المجتمع الاستبدادي. وهي ليست خصوصيات للشرطية السرية بقدر ما هي صفات لكل مؤسسات المجتمع الاستبدادي.

لقد أُسِّسَتْ سلطة الدولة الوطنية الناشئة على أساس تبعي وفي خضم انقسام داخلي (بورقيبي /يوسفي) قائم على التآمر والارتياب، مما جعلها تسعى إلى تركيز كامل للسلطة ظاهريّا بين أيدي السلطة الشُّرْطية إلى حد قيام هوام مجتمعي ُيرادف بين الدولة والشُّرْطِية، أي بين »الحاكم« والشرطي، فالتونسي عندما يقول »الحاكم« إنما يقصد الشرطة و»الدولة«. وهو هُوام يعبّر عن حقيقة موضوعية، فلا حق للمواطن في مساءلة هذا »الحاكم« ومقاضاته ومناقشته حتى لا يناقش السلطة الحقيقية، المتوارية. ولقد احتكرت الأجهزة السرية معنى الدولة علنا، معتبرةً أنّ مجرد حيازة هذا القطاع على معلومات سرية أولية حاسمة على كل قطاعات الإدارة الأخرى (36). فأذرعة الدولة الاستبدادية مدنيا ليست الحزب الحاكم، »إنما كانت الشرطة التي كانت تحركاتها خارجة عن نطاق الحزب، وما كان الأخير ليضبطها«(37)، وإنما كان مساوقا لها ومساعدا، ومستوعَبًا ضمنها، خاصة بواسطة شبكاته المحلية وميليشياته، فليست الدولة الاستبدادية الحديثة أحادية في بنيتها التنظيمية بل هي قائمة بسابق وعي وتصميم »حول وظائف تتقاطع وتتضاعف أو تكون متوازية«(38)، لتصنع بنية عديمة » بغرابة منفردة« (39)، متمحورة حول»شخصية القائد الأعلى«.

فهناك بالدولة الاستبدادية الحديثة تعايش بين حكومتين الأولى ظاهرة والثانية حقيقية هي "الدولة العميقة"(باصطلاح سكوت)، إلا أن الازدواج في الأجهزة والانقسام والتعايش ما بين السلطة الواقعية والسلطة الظاهرة قمينين بتأييد السلطة الواقعية، بالحفاظ على الطابع العديم الشكل »الذي يتميز به بنيان الاستبداد نفسه« (40).

إنّ بالدولة التسلطية غموضا وتشوشا بإداراتها وسلطاتها قصدا. فالإدارة بها لا تكفّ عن نقل مركز السلطة الفعلي إلى الشرطة، دون أن تعلن عنها، سواء في تأسيس التنظيمات والجمعيات والأحزاب، وسواء في سيرورة تلك المؤسسات وحياتها وموتها. ولذلك لا يمكن لأي مثقف سلطة »تنويري« أن يكون وسيطا بين الدولة التسلطية والمجتمع المدني. ومنه جماعات الدفاع عن حقوق الإنسان، إذ في الوقت الذي لا أحد من أعضاء السلطة الظاهريين حُرم من ادعاء تجسيد إرادة القائد، يكون »الانقسام الدائم والمتماسك.بين السلطة السرية الواقعية وبين تمثيلها الإيهامي، ما جعل موقع السلطة الحقيقي سرّا« (41)، إلى درجة تجعل أعضاء الزمرة الحاكمة عاجزين عن إدراك موقعهم في تراتبية السلطة السرية. فتكاثر الأجهزة يهدف إلى نقل السلطة نقلا ثابتا، »فكلما طال أمد الدولة التسلطية كلما تعاظم عدد الأجهزة والمراكز، لكن بنفوذ أكثر في المسؤوليات، وبأكثر كفاية «(42).

إن الشرطي في أصله، يَصْدُر عن فئات تعاني القهر الاقتصادي والسياسي والتعليمي (القهر المدرسي)، ولكنه يتحول بإعادة التنشئة الشُّرْطية بالنسق الإيديولوجي الاستبدادي »من إنسان مهدّد إلى مستبد ظاهري على أمثاله من المستضعفين، يصب عليهم كل لعنته وحقده المتراكم، من التنكر التام لانتمائه الأصلي«(43). ولكنه يقوم بتسوية تبريرية مع شعوره رافعا ما يقوم به إلى رؤسائه:»أَوَامرْ ! الله غَالِبْ «!.

الشرطة في الجمهورية التسلطية الثانية:

3-1 الشرطة في تمثلات الناس في الجمهورية التسلطية الثانية:

عام 1998، يعيّر المبحوثون في مذكرة لطفي الماجرِي العهد الذي يعيشون فيه بأنه  »عهد عدم أمن« (44)، و» لذلك يرون النشاط الشرطي ضروريّا«(45) .

لا يثّمّن الناس إلاّ النشاط الشرطيّ » ذا الطابع الاجتماعي والوقائي«، ولكنّ الأنشطة الشرطية عندهم »لا تهتمّ إلاّ ثانويّا بالمطالب المجتمعية، فهي تقضّي أكثر الوقت في تلبية المطالب السياسية«(46)، أي مطالب الدولة التسلطية.

صحيح أن 81، 73% من التونسيين عام 1998 – 1999 يشعرون أنهم في أمن(47)، ولكن هذا التمثل الإيجابي » ينحو نحو التنامي حسب العمر، وعلى العكس ينحو نحو التناقص حسب مستوى التعلّم وحسب العامل الديمغرافي والمشْغل«(48).

في ما يخصّ الروابط بين الشرطة والمواطنين، كشف المُستقصى معهم عن شيء من التدرُّجِيَّة والضبابية، وعبّروا أكثر عن الريبيّة، وعن ثقة أقلّ في الشرطي، وعن حذر منه بنسبة 30.72 %، إذ أن »الشرطي عدواني لدى 20 %، حتى إنْ أَعْلَنَ 30.05 أن لهم أصدقاء شرطيين« (49).

و يستنتج الباحث » وجود هوّة تفصل أعوان قوى النظام عن المواطنين، وهذا الطلاق في إتساع هام، ولكنه يتبدّى بخجل«(50)، خاصّة أن الدولة التسلطية تحرّم على الشرطي تكوين علاقات واسعة بمجتمعه، بل تراقب دائرته الاجتماعية، فهي تحكم عليه بعزلة قسريّة و»بثقافة فرعية«، »لينتهي إلى رؤية كلّ شيء تحت الزاوية الشرطية، وأخذ الجميع تحت الظنّة ليكون الإشتباه أداة عمل« وحيدة(51).

حسب الذين استقصى معهم الباحث لطفي الماجري، »لم يُحْسَنْ اختيار مِلاك(52) الشرطية ولم يُحْسَنْ تكوينهُ، ويقدّرون أن الاستعمال الذي تجعله السلطات من الشرطة تُساهم في إبعاد الشرطي عن المُوَاطن. بمعنى أن السلطة تستنفذ الشرطة بتوريطها بإفراط في الحياة السياسية للبلاد«(53) .

لا يبدو أن الأعوان مندمجون في المجتمع بالحجم نفسه، فأعوان الحرس الوطني هم عموما يحصلون على ثقة المواطن أفضل، ولكنّ هذه الثقة ليست إلاّ »وقتية، فيكفي أن تَطْلُبَ من المحقَّق معهم تقييمَ صفات الشرطي التونسي، حتى يؤاخذه بأنّه فظّ وغير متفهّم، وغير شفيق. والمؤاخذات الغالبة هي الإفراط في استعمال النفوذ، وعدم احترام حقوق الإنسان(54)، فبحث وزارة الداخلية عن ترسيخ حقوق الإنسان لم يثمر«(55) لأنه لم يكن جديّا، ولا صادقا، ولأنّه يتطلب تغيير العقيدة الأمنية والتقاليد الشرطية المتصلّبة الموروثة منذ قرون.

إنّ مرض المهنة الشّرْطية يكمن في عزل الدولة التسلطية لها، وجعلها مهنة طاعة عمياء لا طاعةً عاقلةً خاضعةً للإرادة الانتخابية الشعبية، ومهنة إنهاك جسدي عصبي لممتهنها فحتّى ساعات العمل فيها غير مراعية لمعايير مجلّة الشغل.

فالدولة التسلطية تسعى لاستئصال إنسانية الشرطي وإرادته الحرّة وعزله عن مجتمعه، من أجل جعله أداة غير عاقلة في آلتها التحطيمية. وذلك ما يفقد المهنة أصالتها الاجتماعية التي ظهرت من أجلها، إذ أن إخضاع الدولة التسلطية للمجتمع يتطلب قبل كلّ شيء إخضاع الشرطيّ.

3-2- أدوار الشرطة في الجمهورية التسلطية الثانية:

لقد أصبح » الحاكم« (أيّ رئيس الدولة) في السابع من نوفمبر 1987 من  » الحَاكِمْ«، أي من الشرطة. كان التلميذ الذي لم يكمل السنة الخامسة من التعليم الثانوي مشرفا على استخبارات الجيش بين عامي 1964 و1974، وقد أجرى عدّة دورات تكوينية لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. ولذلك كانت رئاسته معتمدة اعتمادا مركزيّا على الفعل الإستخباري – التجسسي. يقول الطاهر بن يوسف، ضابط الحرس الوطني إنّه » سعي إلى جعل تراب الوطن عيونا لا تنام«. فالجميع يستعلم ويرفع التقارير السريّة، بدءا من العمدة والمعتمد والوالي إلى رئيس الشعبة والكاتب العامّ للجامعة الدستورية والكاتب العام للجنة التنسيق وأعوان الأمن بمختلف أسلاكهم، وبعض التابعين لهياكل أخرى وحتى المواطنين« (56)، مِنْ بعض سُوَّاق التَّكْسِي وسيارات الأجرة.....

ولقد كانت الشرطة هي الوسيط بين » الدولة« والحركة الاجتماعية، والقامعة لها في الآن نفسه(57). ففي أحداث الحوض المنجمي بقفصة عام 2008، تخلّت القبيلة والطريقة الصوفية المتغلغلة بالمنطقة (الطريقة القاسمية) والمعتمدية والعمادة والإمامة عن مهمة الوساطة، لكي تمارسها الشرطة والحرس الوطني. يقول، الضابط الطاهر بن يوسف، الذي كان يشتغل بالمنطقة آنئذ: » مواكبة لحركة الاحتجاجات، اتصلنا عديد المرّات بالمحتجين، وتحاورنا معهم، وكنا نبلّغ السلطة، سواء على المستوى الوطني أو الجهوي بكلّ طلبات المعنيين  ومشاغلهم (...) وقد وجدت وحدات الحرس الوطني والشرطة نفسها وحيدة (كل بمرجع نظره) على الميدان بالمعتمديات التي شهدت الأحداث (...) أما السلطات المحلية والجهوية والإطارات التجمعية(58) وأعضاء اللجنة المركزية للتجمع ومجلس النواب، فكانوا كلّهم غائبين عن الساحة، وكأن الموضوع لا يعنيهم« (59). فهناك تفويض مطلق لا واع للشرطة بممارسة التسويات أو القمع. يقول الضابط، الطاهر بن يوسف: »في إحدى المرات، لما طلبنا من السيد والي الجهة تحسيس هؤلاء حتى يتحركوا ويتصلوا بالمحتجين لمحاورتهم واقتراح الحلول الملائمة، قال لنا حرفيّا: » يِرْزيك فيهُمْ ! «(60) « (61) .

و يَذْكر الضابط أن قادة الحركة الاحتجاجية قبلوا دَوْر الشرطة، إذْ لا خِيَرةَ لهم لمَّا لم يجدوا وسيطًا بينهم وبين السلطة.

لقد كانت سلطة بن علي واعية بالدور الوساطيّ للدّرك وطالبةً له، ومؤسسةً له إذ همَّشت الإمكانيات الوساطيّة الأخرى. يقول الضابط، الطاهر بن يوسف، أنّها كانت تطلب أحيانا الاتّصال بعنصرين أو ثلاثة من العناصر المؤثّرة بالحركة الاحتجاجية » وإبلاغهم أنه سيقع إيجاد شغل لهم مقابل تفريق المحتجين. وللحقيقة، فقد قبلت قلّة منهم ذلك، ورفضت الأكثرية. ثمّ طلبت منّا جلب أولئك إلى مقرّ الولاية قصد مقابلة السيد الوالي، فتمّ ذلك «(62).

وقد تجد المؤسسة الدّركيّة نفسها، أمام إرهاقها بالحركة الاحتجاجية، مجبرة على المرور إلى دور مقترح الحلول أو المسهّل. يقول الضابط، الطاهر بن يوسف عن الحركة الاحتجاجية بالحوض المنجمي: » ... اقترحنا على السلطات الجهوية بعض الحلول لتشغيل دفعات من الشبان، رغم أن ذلك ليس من مشمولاتنا، فوجدنا تفاعلا ضعيفا في الغرض« (63). ولكنّ دور الوسيط الحريص ودور المسهّل، كما في شهادة الطاهر بن يوسف مجرّد اجتهاد من بعض الضبّاط، كحالته هو، وليسا حالة عامّة، إذ » كعادته اتّجه النظام إلى توخي الحلول الأمنية، بعد أن كثف من الحضور الأمني والعسكري بالجهة، فحلت تعزيزات هامة من مختلف الاختصاصات قادمة من أكثر مناطق البلاد (...) وأعطيت بعد ذلك التعليمات للقيام بإيقافات ومداهمات لإلقاء القبض على العناصر التي كانت تقود الاحتجاجات، وكذالك المشاركة في أعمال العنف والفوضى. وقد طالت تلك الإجراءات عديد الشبان العاطلين عن العمل والنقابيين والصحافيين وغيرهم،  وأُجْرِيَتْ محاكمات لهم « (64).

لم يكن مطلوبًا من » الفليك« (حسب الاصطلاح الشائع)، أي »الجاسوس «، إلا »القيام بـعمل قذر« (65). عام 2003 يذكر الضابط عليّ من قوّات التّدخّل، والذي أصبح يشتغل في سويسرا، أنّ التعليمات كانت تحريضا على القمع العنيف لاحتجاجات الطلبة الجامعيين، » من السادسة صباحا حتى السادسة مساء. وكان زملائي كارهين العمل مع نظام قمعي ومستعدين لمغادرة الشرطة إذا وجدوا بديلا « (66). ولمّا سأل عليّ زميله الذي عنّف بقسوة مفرطة شابّا ذا 17 سنة قال له: » إنّه لم يتركنا نستريح « (67) . فطول يوم العمل والجوع والتعبئة التحريضية على العنف من عوامل قمعية الشرطي. ويشير عليّ إلى أن صداقة التونسيين بالشرطيين نادرة وغير صادقة لضعف الثقة فيهم(68) .

و يشهد الطاهر بن يوسف أن 99% من بيوت الإيقاف »لا تتوفر فيها أبسط الظروف الصحية الملائمة، وهي لا تصلح حتى لإيواء الحيوانات « (69).

و من أدوار وزارة الداخلية في الدولة التسلطية، ضمان »نجاح« الحزب في الانتخابات البلدية والبرلمانية. مستعينة حتّى بالعمدة، وهو جزء من تلك الوزارة لا شكليًّا، » مستعملا وسائل الضغط والتهديد والوعيد«(70). وكانت وزارة الداخلية » تعدّ النتائج قبل إجراء الانتخابات، بناءًا على الأوامر التي ترد عليها من رئاسة الجمهورية « (71)، إذ يقول الطاهر بن يوسف: » تأكدت من تلك الحقيقة بالجهات التي عملت بها« (72)، وهي تلك النتائج التي يعلنها الوزير في اليوم الموالي لإجراء الانتخابات.

يستدلّ الضابط، الطاهر بن يوسف، على تدنّي معيشة أعوان الأمن، بحيث من الصعب أن نضمن » لمن راتبه 350 دينارا أو 400 دينارا أن يتمّ عمله حسب قواعد الحقّ دون الانزلاق في الفساد « (73) . لقد كانوا بين تعبئة عقيدة أمنية تجعلهم » مجرد أدوات قمع« كما ذكر الضابط(74). وهم المفاوضون الوحيدون للمجتمع المدني (ومنه الرابطة التونسية لحقوق الإنسان، كما ذكر رئيسها، المناضل، المختار الطريفي(75) عام 2006)، وبين وإمعان من رئاسة الدولة في إهانتهم أمام الجماهير حتّى لا يكون غضبها منصبّا على الرّئاسة و» الحاكم« الحقيقي وإنّما على » الحاكم« الموهوم. ففي إعلان متلفز عام 2000، كان زين العابدين بن علي يشنّع على أعوان الأمن (وخاصّة أعوان المرور) » أخذهم من السائقين دون وجه حقّ "العاشور" و"الخمّوس"«(76)، ضمن سياق» كلمة حقّ يراد بها باطل «.

لم يكن للشرطي حقّ الزواج دون ترخيص من إدارته العليا، فلا بدّ من » تفتيش معمّق في الزوجة المستقبلية قبل الترخيص« (77) . ولا حقّ له في السفر إلى الخارج، وخاصّة » الجزائر وليبيا والولايات المتحدة الأمريكية« (78). ونظرا لتنقل عائلات الشرطيين من جهة إلى جهة في فواصل زمنية قصيرة جدّا، كان عدم نجاح أبنائها المدرسي عاديّا، وحتّى إن نجح بعضهم لم يكن ذلك إلاّ » بصعوبة وبجهد كبير« (79). ولمزيد دفع خواف السلطة من مؤسسة الأمن، عمّقت سياسة » فرّق تسد« داخلها، فعمّقت الفُرْقة بين تشكيلاتها (الشرطة والحرس الوطني وقوّات التدخّل ...).

موقع الشرطة في الجمهورية الثالثة(بعد الرابع عشر من يناير 2011):

لم تتجاوز ثقة التونسيين في نهاية ماي عام 2011 في أعوان الأمن نسبة 19% (80)، ولا يشعر سوى 27% من التونسيين بالامان عام 2014، ولم تتجاوز ثقة التونسيين في الشرطة 30% في السنة نفسها(81).

و لقد كان أعوان الأمن أوّل من طالبوا بزيادة أجرهم الشهري (مع عمال البلديات)، وقد تحقّق ذلك 3 مرات بين عامي 2011 و2013 دون كثير تفاوض مع الحكومة الوقتيّة، ولم يكن ذلك ليحدث لغيرهم أكثر من مرّة، وربّما بعد شِقّ في التفاوض. وذلك مما جعل مطلب الناس في تحسين أداء أعوان الأمن أعسر حيثيّات، ممّا يهيئ لإمكانيات خيبة انتظار.

وقد وقفنا على انقسام واضح داخل الجسم الأمني. لمّا ظهرت 3 نقابات. فإذا كان وجود العمل النقابي محلّ نقاش من بعض المواطنين، بحكم حساسيّة هذه المهنة وميلهم إلى أنّها » يجب أن تكون مهنة انضباط للسلطة لا مهنة تقبل التفاوض معها«، كما صرّح لي محمد ت.، أحد ضبّاط الأمن المتقاعدين، فإنّ وجود تعددية نقابية جعل هذا الضابط يشكّ في وجود ولاءات متعددة داخل أعوان الأمن، مما يجعلهم ينقسمون إلى 3 نقابات. وقد سهّل ذلك انجرار بعض النقابيين لتناول » مواضيع سياسية والتصريح بمواقف واستنتاجات يشي بعضها بتسيّس صاحبها، وعرضها عرض الحائط بصفته النقابيّة الأمنيّة« (82)، بل إن ذلك يكرس عدم حياديّة الجسم الأمني وعدم تعاليه على نزاعات المواطنين السياسية. وقد كرّس ذلك أيضا عدم الاحتفاظ بالسرّ المهني وعدم الانضباط للتراتب المهني والقيادي، » فهذا نقابي يطلب ببرنامج تلفزيوني في شهر ديسمبر2015 مقابلة رئيس الدولة لإبلاغه معلومات وقع حجبها عن سيادته«(83)، وقد تكرّس الأمر بقبول رئاسة الدولة لطلبه فورا.

وهذا نقابي يعلن في برنامج تلفزيوني سرّا مفيدا لعناصر السلفية الجهادية في جبال الشعانبي وورغة: » لقد اخترقنا تلك المجموعات وانتدبنا بعض المنتمين إليها«(84)، ولا رقيب عليه ولا معاقب. وهذا يتشنج مع سياسيين وشيوخ دين متّهما إيّاهم » بالمتاجرة في الدين«(85)، وهذا» يتّهم حركة سياسية بعينها بالوقوف وراء الاغتيالات السياسية«(86). وكلّ ذلك في سياق » غياب قانون ينظّم العمل النقابي الأمني ويرسم له إطاره وحدوده « (87). وقد تأكّد وجود صراعات بين تلك النقابات(88).

انقسام الولاءات يتبدّى أيضا في قدرة الاستخبارات الأجنبية على اختراق بعض هذا الجسم، وخاصّة الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، إذ أن التكوين الدركي مازال لا يختار إلاّ المكوّن الفرنسي والأمريكي(89)، و» من علّمني حرفا أصبحت له عبدا«.

لقد اندمجت الروح الميليشياوية في الجسم الدركي الموروث عن العهد الحسيني-الاستعماري. فبعد اندماج ميلشيات زَرْق العيون وعمر شاشيّة في بداية الاستقلال، كان اندماج ميليشيات محمد الصيّاح في ستينيات القرن العشرين وسبعينياته. وإن كان بن علي ليس في حاجة إلى الميليشيات إلاَّ أن روحها كانت قد ترسخت في العقيدة والممارسة الدركيتين. وبعد الرابع عشر من يناير 2011، كانت علامات الانشقاق بين ولاء لأجنحة تفرعت عن التجمع الدستوري الديمقراطي المنحل، وولاء إلى حركة النهضة، وولاء إلى بعض اليسار الماركسي وبعض اليسار البعثي، وولاء إلى أصحاب رؤوس الأموال الكبرى (الذين بعضهم في تماهٍ ببعض تلك الولاءات الحزبية). وقد ذكر عديد نقابيي الأعوان أن » بعض العناصر التابعة لوزارة الداخلية متورطة في مد الإرهابيين بمعلومات هامة من شأنها تسهيل تحركاتهم « (90).و قد ظهرت بين عامي 2011 و2013 ببعض الأحياء » مجموعات سلفية بأزياء موحدة، وهي تقوم بمهمة ضبط الأمن« (91)، وربما كان ذلك بتنسيق مع رأس الترويكا. فلقد نجح بعض الإسلام السياسي في تكوين خلايا داخل الجسم الدركي عام 1987 كانت مهمته الانقلاب على نظام بورقيبة، قبل أن يتفطن إليها بن علي ليستعملها هي نفسها في انقلابه يوم السابع من نوفمبر (92). وهناك عديد الإشارات على تورط »الأمن الموازي « في تدريب بعض العناصر السلفية-الجهادية وتسفيرها إلى سوريا (93)، بالتنسيق مع استخبارات عربية وغربية.

وقد كان في انتداب الأعوان تحت الترويكا الكثير من الإشكاليات، ففي مناظرة انتداب العرفاء بالحرس الوطني عام 2013-مثلا- كانت بعض الأسئلة هي التالية :

» - من هي أول امرأة قطعت يدها بسبب السرقة؟

- ماهي أطول سورة في القرآن؟

- كم استغرق نزول القرآن؟

- كم عدد القراءات الصحيحة للقرآن؟

- من أول من استقبل القبلة؟ « (94) .

وهي أسئلة، إما وراءها سائق سلفي-إخواني بتصور قهريّ للشريعة (قطع أيد وزجر وحفظ أرثوذكسي غير متفهم للنص) أو سائق (أجنبي أو داخلي) يريد توريط من يعرف الإجابة ليقصيهم. وفي كل الحالات، تنمّ الأسئلة عن تفكك عقيدي داخل الجسم الدركي.

و إن كانت للأهداف المعلنة من حلّ الوزير الراجحي عام 2011 لجهاز أمن الدولة باعتبار أنه جهاز مضاد لحقوق الإنسان والحريات السياسية والثقافية، فإنه لم يعوّض بجهاز آخر يمنع اختراق سيادة الدولة من الاستخبارات الأجنبية المتربصة بالبلاد آنئذ. وقد كان بعض الذين أعادهم الوزير إلى العمل بعد طردهم في العهد السابق من المخالفين لقانون الوظيفة العمومية والأخلاق المهنية، وليسوا من الذين أُخذوا بالظّنَّة والشبهة، ولذلك عاود بعضهم سلوكهم غير القانوني وعوقبوا مباشرة بعد رجوعهم (95). ولقد كانت بعض الانتدابات في عهد هذا الوزير استعجاليه وغير مناسبة سواءًا في الأعوان أو المعتمدين، ولقد كان إفراجه عن الإرهابيين السلفيين خطأً فادحًا إذ سرعان ما رجعوا إلى أنشطتهم بالأحياء، ثم سافر أكثرهم للقتال في سوريا (96).

و لقد كان أداء الوزير الموالي، علي العريّض، حاملا للكثير من ملامح الضعف (تسفير المقاتلين إلى سوريا وليبيا أو تسهيله أو غض النظر عنه). ففي 9 أبريل 2012 تعرض المتظاهرون إلى العنف من أعوان نظاميين وميليشيات مدنية، وفي يوم 4 ديسمبر 2012 كان الاعتداء على مقر الاتحاد العام التونسي للشغل، وكان أفدح أداء في عهده هو الاعتداء على المحتجين في مدينة سليانة بالرشّ (200 شاب متضرّر). »و كل اللجان التي كلفت بالتحقيق في تلك الأحداث لم تكلل أعمالها بالنجاح، ولم يصدر عنها ما يفيد تحميل المسؤولية أو ما يشبه المسؤولية لأيّ طرف، كما لم نسمع عن تتبعات أو إجراءات في الغرض « (97).و قد تركت الوزارة بعض المواقع الإنترنتية التفتيشية التي تنقّب في عقائد الناس وأعراضهم دون إيقاف ولا تتبع، رغم وصولها تشكيات في الغرض، كصفحة »الزحف الشيعي الإيراني الأسود « التي يديرها سلفيون وإخوانيون وبعثيون – صدّاميون ولها مكاتب بكثير من ولايات الجمهورية. ولقد كان القائد السلفي الجهادي، أبو عياض، »قاب قوسين أو أدنى من الوقوع في قبضة قوات الأمن الوطني التي كانت تحاصره لما كان في جامع الفتح بالعاصمة، لكن بتعليمات من وزير الداخلية، وقتها، انسحبت تلك القوات« (98)، مما يعني توطؤا سلفيّا-إخوانيًّا مرة أخرى.

لقد قمعت وزارة الداخلية » الثورية « الثورة، ففي مظاهرات 6 ماي 2011 كان القمع الدركيّ كبيرًا وجرح فيه صحافييون وأمنيون، وكان الاعتداء على تجمع القصبة الثالث يوم 15 جويلية 2011، وجرح فيه الكثيرون، وقد كان هدف هذا التجمع السلمي تكريس أهداف الثورة الشبابية في المسار السياسي. وذلك بتوجيه القيادات السياسية » الجديدة « المتواطئة مع » الدولة العميقة«.

أمّا القانون الجديد الذي سمح بحقّ الشرطة والعسكريين في الانتخاب، فلقد كان الأولى جعله محلّ تقليب، ودراسة مقارنة مع حقّ الانتخاب أو عدمه في البلاد الأخرى، بل كان يجب أن يدوّن القانون العام الضابط للعقيدة الأمنية الجديدة قبل أي قوانين فرعية أخرى فهناك من يرى أنّ عون الأمن يجب أن يكون خارج التجاذبات الانتخابية والسياسية لحساسيّة موقعه الوطني.

و ذلك ما يقتضي إعادة النظر في العقيدة الأمنية وجعلها متوائمة مع أهداف » الثورة « ومعايير دولة القانون. فلا بدّ من قانون إطاري لعقيدة أمنية جديدة، بدولة قانون ومؤسسات وسيادة وطنية وحقوق إنسان.

 

خاتمة: لا بُدَّ من تاريخ جديد لمؤسسة أعوان الشرطة بتونس !

عند معركة الجلاز، كان تأسيس وزارة الداخلية في العهد الاستعماري، لتنظيم قمع الشارع التونسي، وكان مقرها بباب سويقة لأنها قلب ذلك الشارع.

و في جانفي 1952، كانت » الثورة التونسية « فكان من الضروري أن يفكر جهاز القمع الفرنسي في وزارة داخلية تواكب تطورات الحركة الاجتماعية التونسية وشارعها، فقررت الإقامة العامة الفرنسية أن تبني وزارة داخلية جديدة بشارع جول فيري (الحبيب بورقيبة لاحقا)، وبدأت الأشغال لكنها لم تتم إلا في بداية »عهد الاستقلال« .

في عام 1955 حين تحصلت البلاد على » استقلال داخلي« مشبوه، كان من المتوقَّع لدى الكثير من التونسيين أن تُطهَّر وزارة» الداخلية «من الأعوان التونسيين الذين باعوا أنفسهم للاستعمار، فكانوا استعماريين أكثر من المستعمر أحيانا، تعذيبا واضطهادا وقمعا للاحتجاجات والمظاهرات السلمية وحلاّ للجمعيات ومضايقة الأحزاب الوطنية والتجسّس عليها. ولكن ما حصل هو أنّ أوّل وزير» داخلية « للدولة الوطنية، المحامي الحبيب بورقيبة، جعل مقرّ الوزارة هو المقرّ الذي اختارته » الإقامة العامة «بشارع جول فيري (الذي جعله في ما بعد شارع الحبيب بورقيبة، عوض أن يكون شارع محمد علي الحامّي أو شارع الدغباجي أو شارع ابن خلدون مثلا)، كما حافظ على الأعوان القدامى – الاستعماريين. فلم يكن بإمكانه أن يجعل  » ميليشيا «الشبيبة الدستورية، مثلا، بديلا لهؤلاء الأعوان الذين تربّوا على أيدي أجهزة الاستخبارات الاستعمارية – العنصرية وأعوان القمع الإمبراطوريين – الفرنسيين، وذلك لانّ العدد الهامّ من أفراد الشبيبة الدستوريين » انحرف «عن الزعيم » الأعظم «فأصبحوا يوسفيين. وكان أمامه عدّة » أعداء « افتراضيين، بحكم استعداداته الفردانية والاستبدادية: اليوسفيون ومناضلو صوت الطالب الزيتوني،   وربّما مناضلو الحزب الدستوري القديم بعد قرار وزير »الداخلية« ذاك بحظره   » قانونيا « لينخرطوا اضطرارًا في الحزب الشيوعي التونسي.

كان اسمها وزارة  »الشؤون الداخلية«، ثم أصبح اسمها وزارة »الداخلية« فحسب، بل »الداخلية« اختصارًا .فهل هي وحدها تتناول الشأن الداخلي؟ أليست وزارة الصحة وزارة شؤون داخلية هي شؤون الصحة؟و أليست وزارة الفلاحة وزارة شؤون داخلية؟ وأليست وزارة المواصلات والنقل وزارة شؤون داخلية، وكذالك وزارة الشؤون الاجتماعية؟ !!

إنها تسمية غامضة، جدًّا، بل كُلاَّنية(= توتاليتارية)، فهي وحدها التي تحتوي الشؤون الداخلية، وقبل الوزارات الأخرى وبعدها ودُونها، فهي إلهها الضخم الذي يلتهمها ويلتهم »المواطنين« الذين هم ليسوا بمواطنين. وبذلك ورثت وزارة »الداخلية« الوطنية العقيدة الشُّرْطِيَّة الاستعمارية لوزارة » داخلية الإقامة العامة«، تلك العقيدة التي استمرت حتى بعد الرابع عشر من جانفي 2011، من جيل إلى آخر.

لذلك من حق التونسيين اليوم أن يطالبوا:

بتغيير هذا الاسم، الغامض، الكُلاَّني، الاستبدادي، بأن تصبح »وزارة الشرطة«، أو »وزارة الأمن«، وضبط عقيدة أمنية جديدة، تقوم على السيادة الوطنية والحقوق الشعبية.

بضبط قانون أساسي واضح لوزارة الشرطة، نتيجة استفتاء شعبي، بعد اقتراح من المجتمع المدني، يحدّد عملها وأهدافها وعقيدتها، وطرق تدخلها، حتى لا تبقى تِعِلة الطاعة للرؤساء، وإنما تكون الطاعة للقانون الأساسي، اي لنصّ العقيدة الأمنية الجديدة.

بعقد جلسات مصارحة واعتذار ومُسَامَحةً بين أعوان وزارة الشرطة والمواطنين، تنتهي إلى ميثاق مُوَاطَنيّ بين الطرفين. ويجب أن يبدأ الآن قبل الغد، لإنهاء العقيدة الشّرطية الاستعمارية التي استمرت منذ تأسيس وزارة الشؤون الداخلية التونسية في العهد الاستعماري.

بتغيير مكان الوزارة(المقر الذي اختارته فرنسا للقمع بآخر العهد الاستعماري) لأنه يذكّر الكثير من المواطنين بآلام نفسية وجسدية عميقة، فيجعلها جُرحًا لا ينتهي، وجعل مقرّ الإقامة العامة الفرنسية بدهاليزه وموروثه العقيديّ متحفا، وبناء مقر آخر بهندسة جمالية تتمثل حقوق الإنسان والمواطنة، حاظيا مخطّطها بموافقة بعد مبارَاة يُشرف عليها كبار مهندسي العمارة.

أن يكفّ المواطنون عن تسمية رجال الشرطة ب»الحاكم«، فالحاكم هو رئيس الدولة أو القاضي. فالرقابة اللفظية هي أوّل درجات التغيير.

أن تبدأ الدولة فورا في إعادة تهيئة وتأهيل نفسيتين-إجتماعيتين للبنية الشرطية والعون الشرطي، وإن لزم الأمر أن يكون ذلك بتربصات في الغرض مع المؤسسات الشرطية الديمقراطية في العالم (أَوَّلًا اسكندينافيا، ثانيا ألمانيا، ثالثا سويسرا. أما التربص مع المؤسسة الشرطية الفرنسية فسيزيد العقيدة الأمنية القديمة تجذرا، ما التربص مع المؤسسة الشرطية الامريكية فسيعمق كمبرادورية المؤسسة الشرطية التونسية(والعربية) وتبعيتها للمركز الإمبريالي).

أن نعيد التفكير والموازنة جيدا في إيجابيات وجود نقابي شرطي وسلبياته، بأن نُقَيِّم الأمرين، وأن ندرس هذا الوجود وعدمه في اسكندينافيا وألمانيا وسويسرا وجنوب إفريقيا... فهناك إشكال امكانية عدم الانضباطية تحت مستند النقابية، كما أن كثرة النقابات قد تعقد الوظيفة النقابية وتجعلها محل تجاذب تكتلي. إن النقابية وظيفة إجتماعية بين تأكيد المعايير المهنية فحسب، وبين تأكيد الحقوق دون الواجبات، ويجب أن نتجنب سلبيات التوجهين.

من غير المعقول أن الإعتقال وَشُرُوطَهُ مازالت غير واضحة قانونيا إلى اليوم. ومن غير المعقول أن أماكن الإستنطاق والإعتقال مازالت إلى اليوم دون مقام الإنسانية، لا في حق الْمُتَّهَم فحسب، بل في حق العون الشرطي أيضا. بل إن دورة المياه أحيانا غير لائقة بمقام الإنسانية العظيم...

إذا كانت كل مؤسسة تريد حماية وتقويضا، فإن البنية الإجتماعية ستنهار بكليتها، بل ستتهالك بالخُواف المتبادل والامتنان المتبادل... ففي نهاية الأمر، كل مؤسسة إجتماعية لها مَخاطرها، وليس لها منة على المؤسسات الأخرى، بل يجب أن يكون هناك تبادل واعتراف بين كل الأطراف دون مزايدة ...

 

د. عادل بن خليفة بالكحلة

(باحث أنثروبولوجي-عضو باحث في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية)

.......................

(1) النقيب (خلدون حسن)، الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1991، ص22.

(2) م. س، ص22

(3) م. س، ص ص22 - 24

(4) م. س، ص ص32 -33

(5) م. س، ص119

(6) الاستزلام : Clientélisme

(7) م. س، ص128

(8) م. س، ص140

(9) تميز حنة أرندت الدولة الكلانية عن بقية الدول الاستبدادية الحديثة باتساع الحمى والقدرة الإمبريالية (أسس التوتاليتارية، دار الساقي، بيروت، لندن، 1993، ص 12 – 35)

(10) م. س، ص157

(11) م. س، ص158

(12) م. س، ص158 أيضا

(13) الولاية: la Gouvernance

(14) ابن خلدون، المقدمة، دار الجيل، بيروت 2003، ص 223.

(15)ابن خلدون، م.س، ص 224.

(16) ابن خلدون، م.س، ص 203.

(3) »السّوق«، في العربية هو »الاستراتيجيا«، في اللغات الاوروبية.

 

 

(4) (5) (20) ابن خلدون، م.س، ص 203.

(21) الحدّاد (سالم)، حركات الرفض لنظام بورقيبة بين الاحتجاج السلمي والتّمرد المسلّح، د، ن، تونس، 2014، ص 68.

(22) م، س، الحاشية ص 68

(23) Dominique (Pierre), les policiers, la découverte, Maspéro ; Paris, 1983, p.37

(24) الرِّبْعة: Autonomy, Autonomie

(25) Ibid, p.108

(26) م.س، ص.109

(27) م.س، ص.109

(28) م.س، ص.110

(29) م.س، ص.110 أيضا.

(30) »اللغز« في ترويج مصري بالثمانينات من القرن العشرين هو الرواية البوليسية الموجّهة للأطفال واليافعين.

(31) الرّبعة: Autonomie

(32) الطَّرُوقُ: Malléable

(33) أرندت (حنة)، أسس التوتاليتارية، دار الساقي، لندن/بيروت، 1993، ص 193.

(34) م.س، ص 193.

(35) م.س، ص 194.

(36) م. س،  ص 187 .

(37) م . س، ص ص 18-19 .

(38) م. س، ص 18 .

(39) م . س، ص 18

(40) م . س ص ص 150-151

(41) م.س، ص 154.

(42) م.س، ص 165.

(43) حجازي (مصطفى)، التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجيا الانسان المقهور، المركز الثقافي العربي، ص164.

(44) Mejri (Lotfi), la police dans l’opinion publique, Etudes approfondies en sciences politiques, Faculté du droit et sciences politiques de Tunis, 1998 – 1999, P 129

(45) Mejri (Lotfi), la police dans l’opinion publique, Etudes approfondies en sciences politiques, Faculté du droit et sciences politiques de Tunis, 1998 – 1999, P 129

(46) Ibid, P 179

Ibid, P 179 (47)

Ibid, P 179(48)

(49) Ibid, P 180

(50) Ibid, P 180

(51) Ibid, P 180

(52) الملاك: Personnel

(53) Ibid, P 180

(54)

(55) Ibid, P 180

(56) بن يوسف (الطاهر)، ضابط من الأمن شاهد على نظام بن علي، د، ن، تونس 2011، ص 77 ... كان هذا الضابط الوحيد أو من القلة النادرة بالأٌقل، خروجا عن الصمت نسبيّا بعد الرابع عشر من يناير، فالكثير من الضباط المتقاعدين لم يتحرروا بَعْدُ من العقيدة الأمنية السائدة.

(57) راجع: بالكحلة (عادل)، الاعتداءات على مناضلي حقوق الإنسان بالبلاد التونسية وإستراتيجية الدولة التسلطيّة        (1991 – 2007)، مجمّع الأطرش، تونس، 2016

(58) .....نسبة إلى الحزب الحاكم: التجمع الدستوري الديمقراطي.

(59) بن يوسف (الطاهر)، م س، ص 84 .

(60) ...أي» جعل الله لك فيهم رزيَّة ! «.

(61) م، س، ص 84 .

(62) م، س، ص 86 .

(63) .... م، س، ص87.

(64) .... م، س، ص88.

(65) Ben Youssef (Tahar), les snipers dans la révolution tunisienne et la réforme du système sécuritaire, S éditeur, Tunis, 2011, P 97

(66) م، س، ص 97

(67) م، س، ص 97

(68) م، س، ص 98

(69) .... م، س، ص71.

(70) .... م، س، ص69.

(71) .... م، س، ص70.

(72) .... م، س، ص70.

(73) Ben Youssef (Tahar), les snipers dans la révolution tunisienne et la réforme du système sécuritaire, S éditeur, Tunis, 2011, P 88

(74) م، س، ص 89

(75) م، س، ص 89

(76) كان يقصد باللفظة الأولى فئة الخمسة دنانير، وباللفظة الثانية فئة العشرة دنانير.

(77) م، س، ص 90

(78) م، س، ص 90

(79) م، س، ص 91

(80) أنجزت هذا الاستقصاء الكمّي في استمارة على 500 مواطن من 6 ولايات مختلفة

(81) أنجزت منظّمة » إصلاح « هذا الاستقصاء الكمّي (www.alchourouk.com, 29/1/2014)

(82) بن يوسف (الطاهر)، ضابط متقاعد من الحرس الوطني يتحدث: قراءة في المنظومة الأمنية والمسألة الإرهابية في تونس، د، ن، تونس، 2016، ص142

(83) بن يوسف (الطاهر)، م، س، ص 144

(84) م، س، ص 142

(85) م، س، ص 145

(86) م، س، ص 145

(87) م، س، ص 145

(88) م، س، ص 148

(89) ... من عوامل بعض موضوعية الطاهر بن يوسف أنّ مكوّنه هو الإسباني وليس الفرنسي أو الامريكي...

(90) بن يوسف (الطاهر) م، س، ص30 و31.

(91) م.س، ص32.

(92) كتب بن سالم (المنصف)، سنوات الجمر، د.ن، تونس، 2014، ص96: » عندما بدأ بن علي وجماعته ليلتها في التغيير، كان عناصر المجموعة في المقدمة « وهنا نلاحظ تماهي بن سالم بالغالب: » التغيير «

(93) بن يوسف (الطاهر)، م.م، ص 38 و39.

(94) م.س، ص45 (لأبو القاسم حاج حمد ونعمان المغربي رأيان مختلفان تماما عن الرأي السائد في مسألة » قطع اليد « مثلا)

(95)  م.س، ص60.

(96) م.س.ص 23.

(97) م.س، ص 67.

(98) م.س، ص 72.

 

 

محمد بنيعيشبعد فحص أبي حامد الغزالي لأغلب أفراد المجتمع الإنساني، على اختلاف مذاهبهم ومللهم وطبقاتهم، سيجد أن جل اهتماماتهم لا تنصب إلا على محاور ثلاثة:

- المحور الغذائي النمطي والمتنوع

يتبعه:

- المحور الجنسي والنوعي العاطفي التواصلي

و يقتضي:

- محور المنافسة الاجتماعية الوصولية والانتهازية.

ثم يعود الدور بواسطة المحور الأخير لتحصيل الغذاء وتحقيق الرغبة النوعية...فيبقى الإنسان محصورا بين هاتين الرغبتين في سلوكه العام، سنقتصر في هذا المقال على المحور الغذائي النمطي، مع بيان أوجه الموضوعية في اعتباره هو المحرك الأول والمشكِّل لكل أنشطة الإنسان...

أ) الغذاء وأسبقيته في تحديد السلوك

يشكل هذا المحور مصدر النشاط الإنساني بكل أوجهه المادية والمعنوية، وعنه يترتب المحور الثاني والثالث تباعا وعلى شكل تدرج واجتياز مرحلي.

فالغذاء ومستواه النوعي والكمي له أثر كبير على التوجيه الأخلاقي والسلوكي عند الإنسان، بحيث يرى أن: "أعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن فبها أخرج آدم عليه السلام وحواء من دار القرار إلى دار الذل والافتقار، إذ نهيا عن الشجرة فغلبتهما شهواتهما حتى أكلا منها فبدت لهما سوآتهما، والبطن على التحقيق ينبوع الشهوات ومنبت الأدواء والآفات، إذ يتبعهما شهوة الفرج وشدة الشبق إلى المنكوحات، ثم تتبع شهوة الطعام والنكاح شدة الرغبة في الجاه والمال، الذين هما وسيلة إلى التوسع في المنكوحات والمطعومات، ثم يتبع استكثار المال والجاه أنواع الرغبات وضروب المنافسات والمحاسدات، ثم يتولد بينهما آفة الرياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء، ثم يتداعى ذلك إلى الحقد والحسد والعداوة والبغضاء، ثم يفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء، وكل ذلك ثمرة إهمال المعدة وما يتولد منها من بطر الشبع والامتلاء"[1].

من هذا الاستنتاج المحدد لأبعاد التخمة كان اهتمامه في دراسته النفسية والأخلاقية منصبا على تقنين مستوى الغذاء ووضع قواعد خاصة به، تتركز بين تحقيق الضرورة وإلجام الرغبة الشهوانية، في حين قد أدرك ما يحتمله طرحه هذا حول الغذاء ومقاومة النفس عن الاسترسال في الاستجابة له من صعوبات ومتاعب غريزية عند التعميم، بحيث قد علل ذلك بمبرر : أن الجبلات مختلفة فبعضها سريعة القبول وبعضها بطيئة"ولاختلافهما سببان: أحدهما باعتبار القدم في الوجود، فإن قوة الشهوة وقوة الغضب وقوة التفكر موجودة في الإنسان وأصعبها تغييرا وأعصاها على الإنسان قوة الشهوة فإنها أقدم القوى وجودا وأشد تثبتا والتصاقا، فإنها توجد معه في أول الأمر حتى توجد في الحيوان الذي هو جنسه، ثم توجد قوة الحمية والغضب بعده، وأما قوة الفكر فإنها توجد آخرا"[2].

كمحاولة لتذليل صعوبة التحكم في النظام الغذائي سيسعى إلى تحديد الطرق التي يمكن بها تحقيق هذه المهمة وهي: "تقدير قدر الطعام في القلة والكثرة وتقدير وقته في الإبطاء والسرعة وتعيين الجنس المأكول في تناول المشتهيات وتركها"[3].

من هنا سيقسم منهج التعامل السليم مع هذه الغريزة اللصيقة به وجودا وتاريخا إلى الوظائف التالية:

"أما الوظيفة الأولى في تقليل الطعام فسبيل الرياضة فيه التدريج، فمن اعتاد الأكل الكثير وانتقل دفعة واحدة إلى القليل لم يحتمله مزاجه وضعف وعظمت مشقته، فينبغي أن يتدرج إليه قليلا قليلا، وذلك بأن ينقص قليلا قليلا من طعامه المعتاد"[4].

الوظيفة الثانية: وفيها يحدد بعض الأوقات التي يمكن للإنسان أن يصبر فيها عن الطعام، وهي تتفاوت حسب الهمم والأشخاص على اختلاف قوتهم في التحمل والصبر[5].

كذلك الوظيفة الثالثة المتعلقة بنوع المأكولات، بحيث قد سعى إلى وضع قانون غذائي محدد للوجبات وما تحتمله من الموائد الضرورية[6].

فكانت كل هذه التقديرات مستقاة من بعض الأحاديث النبوية وأقوال بعض الصوفية خاصة.

حينما كان الغزالي يضع قواعد التغذية ويؤسسها كنظام عام ينبغي أن يحترم فقد ظهر دائما كأنه يميل إلى الدعوة للتقشف والإفراط في تجويع النفس وتعذيبها، لكن الأمر ليس كذلك، إذ ما كان له وهو الرجل الطبيب أن يغلو بفكرته ووجباته ليوقع بالمرضى في حيرة مضطربة بين دافع الحاجة وضرورة سدها!بل سيسعى إلى توضيح أن المطلوب "الأقصى في جميع الأمور والأخلاق الوسط، إذ خير الأمور أوساطها، وكلا طرفي قصد الأمور ذميم".

كما سيوضح مع استشعار بمسؤوليته التربوية أن ما أورده في حديثه عن الجوع ربما كان يومئ "إلى أن الإفراط فيه مطلوب وهيهات!ولكن من أسرار حكمة الشريعة أن كل ما يطلب بالطبع فيه الطرف الأقصى وكان فيه فساد جاء الشرع بالمبالغة في المنع منه على وجه يومئ عند الجاهل إلى أن المطلوب مضادة ما يقتضيه الطبع بغاية الإمكان، والعالم يدرك أن المقصود الوسط، لأن الطبع إذا طلب غاية الشبع فالشرع ينبغي أن يمدح غاية الجوع حتى يكون الطبع باعثا والشرع مانعا فيتقاومان ويحصل الاعتدال، فإن من يقدر على قمع الطبع بالكلية بعيد"[7].

إنها فكرة معقولة ورائعة تلك التي طرحها لتحديد فاعلية العلاج النفسي الذي تتضمنه الشريعة، وذلك من خلال المطابقة والموازنة بين أثر الأوامر والنواهي وبين مستوى الاستجابة الطبيعية للإنسان وتفاعله النفسي من الناحية الواقعية معها.

فالنزوع الشهواني لديه جامح إلى أقصى الدرجات، ومن ثم يحتاج إلى لجام قوي يكبحه ليتحقق من خلاله السير السليم المفضي إلى الغاية المرجوة من هذا الأمر أو ذاك النهي، وهذا اللجام يتمثل في معاكسة الرغبة الجامحة للإشباع بإبراز أهمية الجوع وأبعاده الصحية من الناحية النفسية والجسدية؛إضافة إلى فوائده الأخروية والروحية.

فعن صورة هذا التوازن الحاصل بين الأمر والنهي وموقع طبع الإنسان من حيث الاستجابة وعدمها يرى أن "الأفضل بالإضافة إلى الطبع المعتدل أن يأكل بحيث لا يحس بثقل المعدة ولا يحس بألم الجوع بل ينسى بطنه فلا يؤثر فيه الجوع أصلا.

وهذا إذا كان الطبع معتدلا، أما إذا لم يكن كذلك وكانت النفس جموحا متشوقة إلى الشهوات مائلة إلى الإفراط فالاعتدال لا ينفعها!بل لابد من المبالغة في إيلامها بالجوع إلى أن تعتدل، فإذا ارتاضت واستوت ورجعت إلى الاعتدال ترك تعذيبها وإيلامها"[8].

من هذه المفاهيم الدائرة حول الغذاء وجوره في اكتساب الفضائل أو الرذائل ؛البلادة أو الفطنة، سيبني تحليلاته النفسية والأخلاقية في أغلب الأحيان، بحيث سيرى أن أصل الرذائل كما مر بنا هو البطن حسب امتلائها أو فراغها، فلابد إذن من التوسط في الغذاء الذي يمثل في حد ذاته تلبية لغريزة تعد أقدم الغرائز المادية عند الإنسان على الإطلاق، وعنها تترتب نداءات غريزية أخرى فيظهر الإنسان بسببها على شتى أوجه نشاطاته وخلفياتها النفسية .

فكان المحور الأساسي الذي تدور عليه الحياة النفسية في نظره هو شهوة الطعام كدافع لسائر أنواع السلوك الأخرى.[9]

ب) النتائج الموضوعية للغذاء بين نمطي الاعتدال والإفراط

و حينما رسخ نظريته حول الطعام ذهب لكي يبين فوائده العلاج من خلاله ومساوئ إهماله..

فيما يخص الفوائد الناتجة عن الاعتدال في الجوع فقد حصرها في سبعة كالتالي:

1) صفاء القلب ونفاذ البصيرة

2) رقة القلب حتى يدرك به لذة المناجاة ويتأثر بالذكر والعبادة[10]

3) ذل النفس وزوال البطر والطغيان منها فلا تكسر النفس بشيء كالجوع

4) أن البلاء من أبواب الجنة لأن فيه مشاهدة طعم العذاب

5)كسر شهوات المعاصي والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء

6) خفة البدن للتهجد والعباد وزوال النوم المانع من العبادة[11]

7) خفة المؤنة وإمكان القناعة بالقليل من الدنيا وإمكان إيثار الفقر فإن من تخلص من شره بطنه لم يفتقر إلى مال كثير فيسقط عنه هموم الدنيا

أما فيما يتعلق بمساوئ الشبع المفرط - فباستثناء الطعام المحرم شرعا الذي هو كله آفة[12]- فإن فضول الحلال وآفاتها ستنحصر لديه في عشرة، تهم كل مرافق النشاط الإنساني عموما:

الأولى: أن في كثرة الأكل قسوة القلب وذهاب نوره

الثانية: أن في كثرة الأكل فتنة الأعضاء وهيجانها وانبعاثها للفضول والفساد[13]

الثالثة: أن في كثرة الأكل قلة الفهم والعلم، فإن البطنة تذهب الفطنة

الرابعة: أن في كثرة الأكل قلة العبادة، فإن الإنسان إذا أكثر الأكل ثقل بدنه وغلبته عيناه وفترت أعضاؤه فلا يجئ منه شيء وإن اجتهد إلا النوم

الخامسة: أن في كثرة الأكل فقد حلاوة العبادة[14]

السادسة: أن فيه خطر الوقوع في الشبهة والحرام، لأن الحلال لا يأتيه إلا قوتا

السابعة: أن فيه شغل القلب والبدن بتحصيله أولا و بتهيئته ثانيا ثم بأكله ثالثا ثم بالفراغ عنه والتخلص رابعا وبالسلامة منه بأن تبدو منه آفة في البدن بل آفات وعلل في الدنيا

الثامنة : ما يناله من أمور الآخرة وشدة سكرات الموت

التاسعة: نقصان الثواب في العقبى

العاشرة : الحبس والحساب واللوم والتعيير في ترك الأدب في أخذ الفضول وطلب الشهوات.

فهلا نوقشت هذه القواعد والاستنباطات الموضوعية في منظمة الأغذية والزراعية، ومعها منظمة الصحة العالمية، للأمم المتحدة، كمادة لتوزيع الغذاء وتحديد نوعيته وأنماطه والطريقة السليمة لاستهلاكه والاقتصاد فيه، حتى لا نبقى نرى جوعى لحد الأنين بجانب شبعى لحد التخمة والطنين؟ ...

 

الدكتور محمد بنيعيش

شعبة الدراسات الإسلامية

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.......................

[1] نفس ج3ص69

[2] الغزالي : ميزان العمل ص68

[3] الغزالي: إحياء علوم الدين ج3 ص76

[4] نفس ج3ص77

[5] نفس ج3ص78

[6] نفس ج3ص79

[7] نفس ج3ص82

[8] نفس ج3ص83

[9] الغزالي: جواهر القرآن دار الآفاق الجديدة بيروت ص46

[10] الغزالي: الأربعين في أصول الدين ص79

[11] نفس   ص80

[12] الغزالي: منهاج العابدين ص101

[13] نفس   ص103

[14] نفس  ص104

 

ميثم الجنابيانطلق الغزالي من الفكر القائلة، بأن كل حادث له سبب، وبما أن العالم حادث، فيلزم أن يكون له سبب. إذ ليس العالَم بنظره، سوى كل موجود ما عدا الله من أجسام وأعراض. وكل ما هو موجود أما متحيز أو غير متحيز. ففي الحالة الأولى أما أن يظهر باعتباره جوهرا فردا (أي ما لا ائتلاف فيه) أو جسما (ما هو مؤتلف من جواهر عديدة). أما في الحالة الثانية (غير متحيز) فيظهر أما باعتباره عرضا، أي ما يستدعي وجوده جسما آخر يقوم به أو ما لا يستدعي وجوده شيئا آخر وهو الله. فالله بهذا المعنى يظهر كوجود لا متحيز، قائم بحد ذاته لا يرتبط وجوده بوجود ما آخر.ذلك يعني أن الله وجود ليس بجسم ولا جوهر متحيز ولا  عرض. مما يؤدي بدوره إلى انعدام إمكانية إدراكه بالحس، ولكننا ندعي وجوده وإدراكه بالدليل لا بالحس1.

وشكلت فكرة حدوث العالم المقدمة الأساسية للبرهنة على ذات الله، انطلاقا من أن الحادث هو ما كان معدوما ثم صار موجودا. وذلك مما يمكن تصور وجوده. إذ لا يعني تحول المعدوم إلى موجود سوى انه غير واجب الوجود بذاته. وفي الوقت نفسه يدل على أن ذلك ليس مما يستحيل وجوده، وإلا لم يوجد. فالعالم هو الأجسام والجواهر. والبرهنة على حدوثه، كما يقول الغزالي، قضية ليست معطاة بالعقل كما هو الحال بالنسبة لمفهوم الحادث. فالجوهر، على سبيل المثال، لا يخلو من الحركة والسكون. وكلاهما حادثان. أما الحركة فحدوثها ملموس. وإذا افترضنا وجود جوهر ساكن كالأرض، على سبيل المثال، فافتراض حركته ليس بمحال. بل إننا نعلم جواز هذه الحركة بالضرورة. وإذا وقع ذلك الجائز (أي الحركة  بعد السكون) كان حادثا. وبالتالي يصبح معدما للسكون فيكون السكون أيضا قبله حادثا. وذلك لأن القديم لا ينعدم. بمعنى أن تحول السكون إلى حركة وبالعكس هو بحد ذاته دليل على حدوثها، باعتبارها تغيرا جوهريا أاو انتقالا نوعيا من حالة لأخرى. مما يؤكد افتراض عدم قدمها. فالقديم، كما يؤكد الغزالي، لا ينعدم. لهذا رفض الافتراض القائل بإمكانية انتقال الأعراض باعتباره الأسلوب المناسب أو الفرضية الممكنة لإزالة التناقض القائم هنا، انطلاقا من أن الجوهر لا يخلو من كمون الحركة فيه أو ظهورها. وكلاهما (الكمون والظهور) حادثان. وبالتالي فإن الجوهر لا يخلو من الحدوث. ومن يفهم حقيقة العرض يدرك استحالة الانتقال فيه. إذ ليس الانتقال سوى عبارة أخذت من انتقال الجوهر من حيز إلى آخر. مما يثبت في العقل من أن فهم الجوهر والحيز واختصاص الجوهر بالحيز زائد على ذات الجوهر. وبما أن العرض لابد له من محل، تماما كما لابد للجوهر من حيز، فقد أدى ذلك إلى تخيل أن إضافة العرض إلى المحل كإضافة الجوهر إلى الحيز، فيسبق منه إلى الوهم إمكان الانتقال عنه كما في الجوهر2.

إن عدم التفرقة بين محل العرض وحيز الجوهر أدى إلى التباس المطابقة بينهما. فالمحل وإن كان ملازما للعرض، مثلما أن الحيز لازم  للجوهر، إلا أن بين لزوم الأول والثاني فرق. فربّ لازم ذاتي للشيء ورب لازم ليس بذاتي للشيء. ولم يقصد الغزالي بالذاتي هنا سوى ذاك الذي يرتبط به وجود الشيء ارتباطا ضروريا. وبما أن الحيز ليس ذاتيا للجوهر، لهذا لا يؤدي فقدان حيز زيد إلى فقدان زيد. بينما لا يمكن تصوره (زيد) بدون عرضه (طوله). لقد أراد من وراء ذلك البرهنة على أن الحيز ليس ذاتيا للجوهر، انطلاقا من علمنا أولا الجسم والجوهر ثم ننظر بعد ذلك في الحيز، وما إذا كان أمرا ثابتا أم أمرا موهوما، أي كل ما يمكننا الوصول إليه بالدليل العقلي والحسي. لهذا اعتبر "اختصاص العرض بمحله لم يكن زائدا على ذات العرض كاختصاص الجوهر بحيّزه".  فالجوهر عقل وحده. وعقل الحيز به لا الجوهر عقل الحيز على خلاف ما هو مميز للعرض. فهو عقل بالجوهر لا بنفسه. فإذا قدّرنا مفارقة العرض لذلك الجوهر المعين فقد قدّرنا عدم ذاته. وذلك لأن ذات العرض تابعة للجوهر المعين وليس له ذات سواه.

أما الدعوى الثانية فتقوم في محاولته البرهنة على حدوث العالم من خلال الرجوع إلى السبب الأول. بمعنى انطلاقه من أن إثبات حدوث العالم يستلزم الإقرار بافتقاره إلى سبب آخر. وهذا السبب يفتقر بدوره إلى سبب آخر وهلم جرا. ولا يمكن لهذه الأسباب أن تترتب وتتسلسل إلى ما لانهاية. مما يلزم بالضرورة الإقرار بوجود قديم خالق. ولم يعن هذا القديم، بنظره، سوى أن "وجوده غير مسبوق بعدم. فليس تحت لفظ القديم إلا اثبات موجود ونفي عدم سابق"3 .

اما الدعوى الثالثة فتستند إلى الفكرة القائلة بأن صانع العالم مع كونه موجودا لم يزل، فهو باق لا يزال، لأن ما ثبت قدمه استحال عدمه. ومن هذا المنطلق حاول دحض الفكرة المعتزلية القائلة بأن المعدوم شيء وذات.

أما الدعوى الرابعة فتقوم بالإقرار بأن صانع العالم ليس بجوهر متحيز لأنه قد ثبت قدمه. إذ لو كان متحيزا لكان لا يخلو من الحركة في حيزه أو السكون فيه. وما يخلو من الحوادث فهو حادث.

أما الدعوى الخامسة فتقوم بالإقرار بأن صانع العالم ليس بجسم، لأن كل جسم متألف من جوهرين متحيزين. وإذا استحال أن يكون الله جوهرا متحيزا استحال أن يكون جسما.

وقد حدد ذلك بدوره مضمون الدعوى السادسة والقائلة بأن صانع العالم ليس بعرض. إذ ليس العرض سوى ما يستدعي وجوده ذاتا تقوم به. وشكلت بهذا المعنى مقدمة الدعوى السابعة القائلة بأن الله ليس في جهة مخصوصة من الجهات. فمن يفهم معنى لفظ الجهة والاختصاص، كما يقول الغزالي، يفهم قطعا استحالة الجهات على غير الجواهر والأعراض. وبالتالي لا معنى للآراء التي تحاول أن تستنبط جهة الله استادا إلى ما في ظاهرية العبارات من إشارات. وذلك لأن التوجه لله (في السماء) تضرعا أو إلى الكعبة (في الأرض) عبادة، لا يعني اشارتها إلى حقيقة الذات أو تطابقها مع المكان. وذلك لأن ربط الذات الإلهية بالمكان أو الزمان هذيان. كما أن التضرع إلى السماء وما شابه ذلك هي أمور مختصة بالشرع لا بالعقل. فالتوجه للسماء والانحناء للأرض هي أسرار تقوم حكمتها في استمالة القلوب. أما مقصود الدعاء لله فمنزه عن الحلول في البيت والسماء. أما تصور الله في السماء أو الأرض فهي تصورات العوام وسوء فهمها لإشارات الجوارح (الظاهر)4 . فعادة ما يصعب عليها نفي الجهة وذلك لأنها قضية عقلية خالصة يصعب إدراكها بأساليب التمثيل والوهم والحس. فهي أساليب لا تتعامل إلا مع الأجسام. في حين إن الله ليس بجسم ولا  جوهر ولا عرض.

وإذا كانت هذه الصيغة تتعارض مع الظاهرية السنّية، ولحد ما القرآنية في عباراتها المباشرة عن العرش والاستواء وما شابه ذلك، فإن الغزالي حاول حلها من خلال ما اسماه بالدعوى الثامن، أي الضرورية للعوام من حيث يقال لهم، بأن الله منزّه عن أن يوصف بالاستواء على العرش، وانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وفي حالة إلحاحها بالسؤال فلا بأس من أن تجاب بما أجاب به مالك بن أنس، من "أن الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب". أما فكرة كون الله "ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا" فينبغي أن تصاغ ضمن إطار مفهوم "وهو معكم أينما كنتم" بمعنى انه "مع الكلّ بالإحاطة والعلم"5 . وبهذا يكون قد سعى من وراء ذلك نفي التشبيه والتجسيم من خلال إبراز مطلق الذات الإلهية. فالاستواء بالنسبة له هو مجرد نسبة للعرش. أما هذه النسبة فهي كونه معلوما أو مرادا أو مقدورا عليه أو محلا مثل محل العرض أو مكانا مثل مستقر لجسم، ولكن بعض هذه النسبة تستحيل عقلا، وبعضها لا يصح اللفظ للاستعارة به له. فليس الاستواء هنا، في حالة النظر إلى القضية من زاوية اللغة وما لا يتخيله العقل، سوى السيطرة، كما في الشعر القائل:

قد اسـتوى بشر على العـراق    من غير سـيف ودم مهـراق

وحاول تطبيق هذه الفكرة على موقفه من "نزول الله". إذ لم يعد النزول سوى إضافة بالمجاز. أما بالحقيقة فهو مضاف إلى ملك من الملائكة. تماما كما هو الحال في الآية (واسأل القرية) أي أهلها. بمعنى التلطف والتواضع في حق الخلق، كما يستعمل الارتفاع بمعنى التكبر. أما نزوله في الليل فبمعنى أن "الخلوات مظنة الدعوات. فالليالي اعدت لذلك حيث يسكن الخلق وينمحي عن القلوب ذكرهم ويصفو لذكر الله"6 .

أما الإبقاء على الصياغة الإسلامية في اطار عقائدها الكبرى، فقد حدد بدوره مضمون الدعوى التاسعة في ما اصطلحت عليه تقاليد الكلام برؤية الله، أي أن الإقرار بإمكانية رؤية الله لا يتناقض مع نفي الجهة. فالأخيرة لا تعني نفي الرؤية، بل تستلزمها. فالله مرئي لوجوده. ووجوده ذاته. فالوجود لذاته لا لفعله أو صفة من صفاته. وبما أن كل موجود ذات، من هنا ضرورة رؤيته، تماما بالقدر الذي يوجب ذلك كونه معلوما7. أما الدليل العقلي على الرؤية فيقوم، حسب نظر الغزالي، في أن كل ما ينطبق على الوجود ينطبق عليه، باستثناء الحدوث، وما لم يناقض صفة من صفاته. إذ لا سبب ضروري لنفي الرؤية. أما نفي رؤيته فمتأتٍ مما تعوّد عليه الحس والنظر في رؤية الأشياء والأجسام. فالله يرى نفسه ويرى العالم، وهو مع ذلك لا في جهة من نفسه ولا في العالم. وإذا جاز ذلك فقد بطلت آراء الحشوية، والتي لم يكن بإمكانها فهم  معنى موجود لا في جهة، والمعتزلة، التي نفت الجهة ولم تثبت الرؤية.

أما الدعوى الأخيرة، فهي دعوى إن الله هو الواحد. فهو واحد، بمعنى رجوعه إلى ثبوت ذاته ونفي غيره، ولا ند له بمعنى أن كل ما سواه مخلوق له. وبالتالي فهو أجلّ الموجودات.(يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...................

1- الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص14.

2- الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص16.

3- الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص19.

4- الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص24.

5- الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص27.

6- الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص30.

7- الغزالي: الاقتصاد في الاعتقاد، ص30.

تمهيد: في خضم التداعيات الكارثية للأزمات الاقتصادية المتتالية على مدى عقود من الزمن، والتي بلغت ذروتها مع الأزمة المالية العالمية الأخيرة، وما أعقب ذلك من تصاعد النداءات للبحث عن بدائل للنظام الرأسمالي، الذي صار ينعت بنظام الأزمات المالية والكوارث الاقتصادية والاجتماعية، وتخليق الاقتصاد وأنسنته، وعقلنة النظام المالي وترشيده، والدفع في اتجاه الاستثمار بدافع من المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية. برز النظام المالي الإسلامي المستمد من أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها، وفرض نفسه على الساحة الدولية، إثر النجاح الملفت للمؤسسات المالية الإسلامية، في تخطي الأزمة المالية العالمية المذكورة ومواجهة تداعياتها. لتتنامى الدعوات لإدماجه في النظام المالي للسوق العالمية، واعتماده بديلا مناسبا

فصار تطبيق النظام المالي الإسلامي، مطلبا غربيا إن على مستوى المرجعية الدينية، بعد دعوة الفاتيكان إلى دمج مبادئ التمويل الإسلامي في النظام المالي(1)، أو على المستويين الرسمي وكذا الشعبي  بمختلف تلوناته(2)، خاصة في الدول التي تأخر فيها إدراج هذا النظام ضمن النسيج المالي والاقتصادي، كما هو الحال مثلا في فرنسا.

ليجد النظام المالي الإسلامي، طريقه إلى الجامعة الفرنسية والسوق المالي الفرنسي، فضلا عن التشريع المتصل بقانون الأعمال، في بلد يقدس العلمانية ويتسم بالحساسية المفرطة تجاه كل ما هو ديني، خاصة متى تعلق الأمر بالإسلام والشريعة الإسلامية. ولتلتحق فرنسا بذلك بركب الدول الغربية التي قطعت أشواطا ريادية في تطبيقات هذا النظام كبريطانيا وغيرها. فاتحة الباب أمام تشريعات وأسواق دول عربية وإسلامية، كانت ولعقود تصد الأبواب عنه وعن تطبيقاته، كما هو الشأن بالنسبة للتشريع المغربي(3).

وإذا كانت التطبيقات المصرفية والمالية عموما، هي قنطرة عبور التشريع الاقتصادي الإسلامي، وجسرا للتواصل الاقتصادي بينه وبين الغرب الرأسمالي، وهي تطبيقات ميكرو اقتصادية، نالت من الدراسة والبحث ما تستحق، وتم تسليط الضوء عليها مهنيا وأكاديميا، في أغلب جوانبها العلمية والعملية، فإن حضور الجانب الفلسفي والماكرو اقتصادي، لهذا التشريع من خلال عقيدته  وأخلاقياته ومبادئه النظرية، ظل محتشما ومتواريا في أوساط هذه الدراسات العملية المعاصرة، مع أن المادة العلمية متاحة ومبثوثة في المصادر العامة والخاصة، بالتشريع الإسلامي عموما والمالي منه على وجه الخصوص.

في هذا السياق تأتي هذه الدراسة لتسلط الضوء على أهم الخطوط العريضة للنظرية العامة للاقتصاد الإسلامي، عبر إبراز تجليات فلسفة الثروة في التشريع الإسلامي، وما تتسم به من خصوصيات، من خلال الحديث عن أحكام المال ومقاصده في محورين، نخصص الأول للحديث عن مفهوم المال، وملكيته واكتسابه. والثاني  لإنفاقه وتداوله في التشريع الإسلامي.

المحور الأول: ملكية المال واكتسابه  في التشريع الإسلامي.

اعتبارا لقيمة المال وأهميته في حياة الفرد والجماعة، فقد نظر إليه الإسلام نظرة  تقدير واعتبار، وعده شأنا دينيا ودنيويا، واعتبره من أبرز نعم الله تعالى على خلقه، حتى أطلق عليه اسم الخير، فقال سبحانه وتعالى مخبرا عن الإنسان في علاقته بالمال:" وإنه لحب الخير لشديد" العاديات 8.

و اعترف بطبيعته في النفس البشرية، فقال الباري سبحانه وتعالى:" المال والبنون زينة الحياة الدنيا." الكهف 5. وحذر في الآن ذاته من الافتتان والتلهي به، فقال جل وعلا:" إنما أموالكم وأولادكم فتنة." التغابن 15، وقال الباري عز من قائل:" لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله." المنافقون 9.

و مدحه ورفع من  قدره وشأنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"نعم المال الصالح للرجل الصالح."(4)، وامتن به سبحانه وتعالى على عباده وخير خلقه، فقال عز وجل مخاطبا نبيه الكريم محمدا صلى الله عليه وسلم:" ووجدك عائلا فأغنى." الضحى 8. خلافا لبعض الأديان والفلسفات، التي تنظر إلى المال نظرة تحقير وازدراء. فقد جاء على سبيل المثال في إنجيل لوقا وإنجيل متى: " ما أعسر دخول ملكوت الله على ذوي المال، فلأن يدخل الجمل في ثقب الإبرة أيسر من يدخل الغني في ملكوت الله ".

و جعله من الضرورات الخمس التي عليها قوام الحياة البشرية، فحث على اكتسابه، وأوجب حفظه وجرم غصبه ومنع تضييعه، حيث قال عز من قائل:" ولا توتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيما" النساء 5.

و لما كان المال من الضرورات التي تقوم عليها حياة الإنسان، فقد كان من حكمته عز وجل، وهو خالق كل شيء ومالك كل شيء، أن خلق الثروات وسخرها بشكل يجعلها تحت تصرف الجميع، دون أن يحرم من الانتفاع بها فرد أو فئة من الناس. فقعد الشرع الحكيم قاعدة في هذا الباب مفادها: أن المال- أي الثروة-: مال الله، وجد من حيث المبدأ ليسخر في خدمة الجماعة. واعتبر ملكية الإنسان الخاصة له، ملكية نسبية، يحكمها طابع الاستخلاف.

و مقتضى الاستخلاف، النيابة في وضع اليد والتقيد بإرادة المالك الأصلي، ومنهجه في تملك هذا المال والتصرف فيه تداولا وإنفاقا.

و سنحاول تسليط الضوء على أبرز معالم ماهية المال واكتسابه في التشريع الإسلامي، من خلال فقرتين، نخصص الأولى للحديث عن ماهية وملكية المال، والثانية للحديث عن اكتسابه.

الفقرة الأولى: ماهية المال وملكيته في التشريع الإسلامي.

أولا: ماهية المال في التشريع الإسلامي.

يطلق المال على كل ما يملك وينتفع به من الأشياء - أي الثروة بشكل عام - سواء كان نقدا كالدرهم والدينار، أو عينا كالذهب والفضة، أو عقارا كالدور والأرضين، أو منقولا كالثمار والحيوان، أو حقا أو منفعة... . والعرف هو المرجع في أساس مالية الأشياء. فكل ما تعارفه الناس مالا، عد كذلك(5).

و يقصد بالمال في اصطلاح جمهور الفقهاء:"  كل ما له قيمة يلزم متلفه بضمانه شرعا."، وبتعبير آخر، فالمال هو: " كل ما يمكن أن يملكه الإنسان، وينتفع به على وجه معتاد"(6).

فيشمل المال بهذا المعنى، الذوات والمنافع، وكل الحقوق المحسوسة وغير المحسوسة. كما هو الشأن بالنسبة للحقوق المعنوية مثلا (7).

في حين يميز الأحناف بين المال والملك، ويقتصر تعريفهم للمال، على ما يمكن حيازته وإحرازه والانتفاع به عادة. فلا يعتبر عندهم مالا إلا ما كان له مادة وجرم محسوس. وغير ذلك مما ينتفع ىه عادة فهو ملك، وليس بمال. فيميزون بذلك بين الأموال والأملاك، مع ما يوجد بينهما من عموم وخصوص.

فيكون مفهوم الثروة عند الأحناف أعم من مفهوم المال. في حين يوازي مفهوم المال عند الجمهور مفهوم الثروة، مع أن البعض لا يطلق المال إلا على ما تمت حيازته فعلا من الثروات. بخلاف ما لم يجز من الثروات السمك في الماء والطير في الهواء مثلا. والتي يدخلها البعض في إطار الأموال غير المتقومة شرعا، إلى جانب الأموال غير القابلة للانتفاع والأموال غير الطاهرة كالنجسات والمحرمات. اعتبارا لكونها متمولة عرفا.

إذ القاعدة عند جمهور الفقهاء أن العرف هو المرجع في أساس مالية الأشياء، لأن نصوص أئمة اللغة والفقه تدل على أن كل ما تُموّل عرفا يعتبر مالا. ولذلك قيل: لا يعرف للمال حد في اللغة ولا في الشرع.

و مرد هذا، ارتباط المال بعرف الناس واعتباراتهم. فكل ما تعارفه الناس مالا، وتلحقه الإباحة الشرعية، عد من الأموال وسرت عليه الأحكام الشرعية.

ثانيا: ملكية المال في التشريع الإسلامي.

المال- بمعناه العام أي الثروة - في الشريعة الإسلامية، كما تقرر آنفا: مال مملوك لله تعالى. فهو: مال الله.

و هو بذلك مال عام، الأصل فيه أن يكون مشاعا من حيث المبدأ. كما تشهد بذلك العديد من النصوص القرآنية، من قبيل قوله سبحانه وتعالى: "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " النور 33.

و الإنسان مجرد مستخلف ونائب عن الله تعالى في هذا المال، والنصوص الشرعية صريحة بهذا الشأن، ومن ذلك قوله عز من قائل: " وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه " الحديد 7.

و قاعدة الاستخلاف والنيابة، تقتضي تقييد حرية مكتسب المال في مطلق تصرفاته المالية، وانصياعه لأوامر المالك الحقيقي، وهو الله عز وجل، وتنفيذ إرادته ورغبته في تدبيره وإنفاقه، فضلا عن ضوابط اكتسابه.

فملكية المال بهذا المعنى مشاعة وجماعية.

ولذلك يتعين من حيث المبدأ، أن تكون منفعته متاحة للعموم، وفي متناول الكافة وتحت تصرف الجميع.إذ الخيرات والطيبات وكل الثروات الكونية، في أصل منشئها وخلقها، منسوبة ومسخرة للجميع، كما تدل على ذلك العديد من الآيات القرآنية.

فقد قال الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل:" هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا" البقرة 29، وقال سبحانه وتعالى في الذكر الحكيم: "و سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا"الجاثية 13. كما قال الباري عز من قائل في الكتاب المبين:"وسخر لكم الأنهار وسخر لكم الشمس والقمر دائبين" إبراهيم 33، وقال عز وجل في الكتاب العزيز:"و الأنعام خلقها لكم" النحل 5، ...

و قاعدة التسخير للجميع تقتضي الانتفاع للجميع.

و هذا ما تدل على ذلك ألفاظ الجمع وصيغ العموم، المفيدة للاستغراق والشمول، والتي جاءت بها النصوص الشرعية في هذا الباب.

و من ذلك قول الحق سبحانه وتعالى في الكتاب الحكيم:" كلوا من ثمره إذا أثمر وينعه "الأنعام 141، ونظير قول الباري جلت قدرته:" لتاكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها " النحل 14. ومثل قول الباري عز وجل: "لكم فيها دفء ومنها تاكلون " النحل 5، وكذا قوله تبارك وتعالى في الكتاب المبين: " كلوا مما في الأرض حلالا طيبا." البقرة 168.

وتأكيدا لهذا الطابع الجماعي لملكية المال، شرع الإسلام نظام الحجر على السفهاء من مبذري الأموال، ومن لا يحسن التصرف فيها. حماية لأموال هذه الفئة من جهة، وحفظا لحقوق الأفراد وكذا الحق العام للأمة في تلك الأموال من جهة ثانية، فقال العليم الحكيم في هذا الشأن:"و لا توتوا السفهاء آموالكم التي جعل الله لكم قيما." النساء 5.

كما أوجب على الشخص المليء أن يسد رمق الشخص المضطر، واعترف للمضطر بأن يمد يده لمال الغير، يأخذ منه ما يسد به رمقه، دون أن يعد سارقا أو غاصبا، إذا لم يقم المالك بواجب سد الرمق. وهو ما يفسر تعطيل الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، تعطيل حد السرقة في زمن المجاعة لانتفاء العناصر التكوينية لجرم السرقة.

فالمال في الشريعة الإسلامية إذن، مال الله، وجد من حيث المبدأ ليسخر في خدمة الجماعة.

و هذا لا ينفي اعتراف الإسلام بالملكية الخاصة للمال،  كما تدل على ذلك العديد من النصوص الشرعية في القرآن والسنة والتي تنسب المال للأفراد، والاعتراف بحق انتفاع الأفراد بهذا المال، واستغلاله والتصرف فيه واستهلاكه.

غير أن ملكية الإنسان الخاصة للمال تبقى من حيث المبدأ، ملكية نسبية، يحكمها طابع الاستخلاف، أي النيابة في وضع اليد والتقيد بإرادة المالك الأصلي، ومنهجه في تملك هذا المال والتصرف فيه تداولا وإنفاقا.

الفقرة الثانية: اكتساب المال في التشريع الإسلامي.

لما كان الإنسان مجبولا على التملك وحب المال، مصداقا لقوله اللطيف الخبير: "وتحبون المال حبا جما" الفجر20، وقوله عز وجل:" وإنه لحب الخير لشديد" العاديات 8، فإن الشريعة الإسلامية اعترفت بهذه الطبيعة الغريزية، بجانب إقرارها لقاعدة المال مال الله وما تقتضيه من الاشتراك والشيوع.

فحث الإسلام على اكتساب المال وفتح أمامه باب الإباحة، تشجيعا للملكية الخاصة، ولم يقيده سوى بالضوابط الشرعية، جاعلا الأصل في اكتساب المال هو الإباحة.

فلم تؤمم الشريعة من الأموال، إلا الماء والكلأ والنار، وفق ضوابط تعترف بالملكية الخاصة في إطار الملكية العامة. لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد وغيره:" المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار.". (8)

و من جهة أخرى، وضع الشرع قواعد التملك والاكتساب، وصنف الحلال والحرام، وبين الطيب والخبيث، مراعاة لحقوق الله تعالى ومصالح العباد.

فحرم اكتساب الخبائث وأحل تملك الطيبات، فقال عز من قائل:" ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث." الأعراف157.و قال عليه الصلاة السلام: "إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع"(9).

و تميز التشريع الإسلامي في هذا الباب بالمزاوجة بين القاعدة القانونية من خلال الأحكام العملية، والقاعدة الدينية والأخلاقية، من خلال الأحكام الاعتقادية والسلوكية، بما يرسخ هذه الضوابط ويضمن تفعيلها والتقيد بها. اعتبار لخاصية الشمولية التي تطبع التشريع الإسلامي، الذي ينظر لتصرفات الإنسان باعتبارها كلا لا يتجزأ، مصداقا لقوله تعالى:" قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين." الأنعام 162..

عموما فإن اكتساب الثروة في الإسلام تحكمه قاعدة الحلال والحرام أو الطيب والخبيث. وهو ما سنحاول الوقوف عليه من خلال الحديث على الحث على الكسب الحلال والنهي عن الكسب الحرام.

أولا: الحث على الكسب الحلال وضوابطه.

حثت الشريعة الإسلامية على العمل والكد، والسعي في اكتساب الخيرات والطيبات، فقال الله عز وجل:"ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم" البقرة 198، وقال الباري سبحانه وتعالى مخاطبا رواد المساجد:"فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله " الجمعة 10.

و قال النبي صلى الله عليه وسلم، حين  سُئلَ: أي الكسب أطيب؟  مجيبا: " عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور". (10)، كما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ:" مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ"(11).

كما فتح الشرع المجال أمام المبادرة الفردية الحرة، ,  والاهتمام بالبيئة والمحيط،  فقال النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم: " من أحيى أرضا مواتا فهي له." (12). وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له صدقة." (13).

و من جهة أخرى ذم الإسلام البطالة والتواكل وعدم الأخذ بالأسباب، فعن الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه َقالَ: '' لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ ''(14).

و لأجل هذه الغاية، شرعت العقود الكفيلة بتداول الأموال والمنافع والخدمات، وبالتالي اكتسابها بطريقة مشروعة، في شتى المجالات الفلاحية والتجارية والصناعية والخدماتية.

فشرع البيع والسلم، والمقايضة والصرف، والكراء والإجارة، والاستصناع والشركة والمضاربة، والمساقاة والمزارعة والمغارسة وما في حكمها من عقود الحوالة والرهن والكفالة والوكالة وغيرها... . وأفرد لها الشرع أحكاما جزئية تفصيلية.

و علاوة على الأحكام الجزئية التفصيلية، وضع الشرع للاكتساب وللمبادلات، قواعد كلية إجمالية وضوابط نوعية دقيقة، تحقيقا للعدل والقسط في المعاملات؛

فجعل الخراج في مقابل الضمان، فقد روت عائشة أم المومنين رضي الله عنها: « أن رجلا ابتاع غلاما فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم ثم وجد به عيبا فخاصمه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرد عليه، فقال الرجل: يا رسول الله قد استغل غلامي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-." الخراج بالضمان." (15).

فيكون الحق في الحصول على العائد أو الربح، بقدر تحمل التكاليف والمخاطر، أي بقدر الاستعداد لتحمل الخسارة. وهذا ما يؤدي إلى التلازم بين الربح المستفاد والخسارة. أي التلازم بين النماء والدرك. وهو ما يعبر عنه الفقهاء بالقول: الغنم بالغرم .

و هو ما ينتهي في المحصلة إلى تحقيق العدل في المعاملات، والتوازن بين المزايا والحقوق المكتسبة من جهة، و الواجبات والتبعات المتحملة من جهة ثانية.

و هذه القاعدة ونظائرها، تشكل قطب رحى كل المعاملات الشرعية، والأساس الذي تقوم علىه المشاركات والمعاوضات. حيث يكون لكل طرف فيها حقوقا تقابل أو تعادل ما عليه من واجبات، سواء تعلق الأمر بالتزام بمال أو التزام بعمل أو التزام بضمان.

و إلى جانب هذه الأحكام والضوابط العملية، أحاط الشارع الحكيم الاكتساب بأحكام وضوابط اعتقادية وسلوكية. وهي ضوابط من شأنها أن تشيع الطمأنينة والراحة النفسية، وتكبح الجماح، وتحيط التنافس بضوابط أخلاقية، تمنع الحسد والأحقاد والضغائن بين طبقات المجتمع. تحقيقا للاستقرار وتثبيتا للأمن الاجتماعي والاقتصادي. ومراعاة للبيئة والمحيط، مصداقا لقول الله تعالى: " وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ .".

ففي الجانب الاعتقادي قرر قاعدة تقدير الأرزاق منذ الأزل،و ربط اكتسابها بالأسباب المادية، فقال الباري سبحانه وتعالى:" إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين." هود 6،  وقال سبحانه جل وعلا:" قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله.". وقال أصدق القائلين:" وما بكم من نعمة فمن الله." النحل 53. وقال الخالق عز من قائل: "و ما من دابة إلا على الله رزقها." هود 6. وقال الباري عز وجل:" وما تدري نفس ماذا تكسب غدا." لقمان 34.

كما قرر الشرع الحكيم، مبدأ التفاضل في الأرزاق، ودعا إلى الرضا بالمقدر للشخص منها، فقال الله سبحانه وتعالى:" وفضلنا بعضكم على بعض في الرزق." النحل 71، وقال الباري عز من قائل:" ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض" النساء 32.

و في الجانب السلوكي قرر قواعد للتوسط في طلب الكسب، واليسر والسماحة في المعاملات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رحم الله رجلا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا اقتضى."(16).

و قال الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه جابر بن عبدالله رضي الله عنه: "أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ"(17).

ثانيا: منع الكسب الحرام.

في مقابل الحث على الكسب الحلال، منع  الإسلام كل طرق الاكتساب الحرام، فحرم الربا مطلقا، فقال تعالى:"وأحل الله البيع وحرم الربا" البقرة 275.

و في هذا التحريم تنبيه وإبراز للوظيفة التبادلية للنقود، واعتبارها مخزناً للقيم وأداة للوفاء، وعدم اعتبارها سلعة تباع وتشترى وتنتج أرباحا في حد ذاتها؛

و فيه إشارة وتأكيد على عدم اعتبار أي قيمة زمنية للنقود، إلا من خلال ارتباطها بالتعامل بالسلع الاقتصادية. لا بإقراضها، بغض النظر عن يسر أو عسر المقترض، وعن طبيعة القرض، إنتاجيا كان أم استهلاكيا، وبغض النظر عن طبيعة أطراف القرض، أشخاصا طبيعيين أم اعتباريين كانوا، أفرادا أم مؤسسات أم دولا.

و توعد القرآن الكريم على الربا بأشد أنواع العقاب فقال تعالى:" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مومنين، فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله، وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون." البقرة 275. كما حذر من عواقب ومآلات التعامل بالربا، فقال  العليم الحكيم:" الذين ياكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس." البقرة 275.

و منع الشرع الميسر والمقامرة بالأموال، فقال سبحانه وتعالى: " يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون" المائدة الآية 90، تأكيدا لحرمة أكل أموال الناس بالباطل من جهة، وتحريما للمجازفة والمغامرة والمخاطرة الغير مأمونة العواقب من جهة ثانية.

كما حرم الغرر، وكل صوره المعروفة في بيوع الجاهلية كبيع الملامسة والمنابذة وحبل الحبلة، والمحاقلة والمزابنة، ونهى عن البيعتان في بيعة وعن اجتماع البيع والسلف(18)، ونهى عن كل البيوع التي تقع على المعدوم، وتلك التي تقع على المجهول مطلقا، أو على ما جهل قدره أو صفته أو جنسه.ففي الحديث الذي رواه أبو هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم:"  نهى عن بيع الحصاة وبيع الغرر."(19).

وفي هذا التشريع منع للجهالة، وتأكيد على خاصية الوضوح والشفافية والمعلومية، التي يتعين أن تطبع المعاملات التجارية والاقتصادية عموما.

كما حرم الغبن الفاحش والغش والتدليس في المعاملات، تأكيدا لمبدأ الرضائية الحاكم في المعاملات، لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:" إنما البيع عن تراض." (20). وقوله سبحانه وتعالى:" إلا أن تكون تجارة عن تراض" النساء 29. وقد روي عن النبي صلي الله عليه وسلم، أنه مر على رجل يبيع صبرة طعام، فأدخل عليه الصلاة والسلام يده فيها، فأصاب البلل أصابعه فقال المصطفى صلى الله عليه وسلم:" ما هذا يا صاحب الطعام ؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله قال:"أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غش فليس مني" (21).

و جرم الإسلام جميع أساليب النصب والاحتيال، تأكيدا لحرمة مال الغير وأخذه من غير حق، مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:" كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه." (22).

و كان مما قاله عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع: "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام."(23)، تأكيدا للحكم المقرر في قوله جل وعلى: " ولا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم." النساء 29.

و حتى يربط الإسلام المعاملات المالية بالأنشطة الاقتصادية الحقيقية، بشكل يضمن قوة وسلامة النسيج الاقتصادي ونجاعته، نهى عن بيع ما لم يقبض، وعن ربح ما لم يضمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما: " لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك "(24).

المطلب الثاني: إنفاق المال وتداوله في الإسلام

اعتبارا لوسطية الإسلام، فقد أحاط الإنفاق الاستهلاكي للمال، بأحكام وضوابط تحقق المقصد الشرعي من رواج الأموال دون إفراط أو تفريط، تضبط الإنفاق وترشد الاستهلاك. ليقعد الإسلام مبدأ الوسطية والاعتدال، والترشيد في الإنفاق والاستهلاك.

و تأكيدا لوظيفته الاقتصادية، دعا الإسلام إلى كسب المال واستثماره وتوظيفه، وترويجه وتنميته بالطرق المشروعة، في الخيرات والطيبات.

فحث على السعي في طلبه وتحصيله، وأرشد إلى ذلك جنبا إلى جنب مع دعوته وحثه على العبادة . وحرم في المقابل اكتسابه بغير الطرق المشروعة، حفظا لأموال الناس، ومنعا لأكلها وغصبها بالباطل.

و إبرازا لدوره الاجتماعي، جعل الشارع المال، مناطا للعديد من الحقوق والالتزامات، فأوجب فيه الزكاة  وعدها ركنا من أركانه، وحقا من حقوق الفقراء والمحتاجين.

كما سن الكفارات المالية، وندب إلى التبرع والإحسان، وحث على القرض الحسن ورغب فيه للتنفيس عن الكربات، وإعانة المحتاج، وحض على التيسير على المعسرين، وأرشد إلى اغتنام أعظم منافع المال وطلب أسمى غاياته ومراميه، متمثلة في الأجر وثواب الآخرة.

فزاوج التشريع الإسلامي بذلك بين الوظيفتين الاقتصادية والاجتماعية المال، مؤكدا على تلازم هاتين الوظيفتين، تنبيها على تلازم النشاط الربحي وغير الربحي في الدورة الاقتصادية. بشكل يضمن حد الكفاية لكل أفراد المجتمع ويكفل الأمن الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

كما زاوج بين القاعدة القانونية من خلال الأحكام العملية، والقاعدة الدينية والأخلاقية، من خلال الأحكام الاعتقادية والسلوكية، بما يرسخ هذه الضوابط ويضمن تفعيلها والتقيد بها. اعتبارا لخاصية الشمولية التي تطبع التشريع الإسلامي، الذي ينظر لتصرفات الإنسان باعتبارها كلا لا يتجزأ، مصداقا لقوله تعالى:" قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين." الأنعام 16. وبما يضمن سلامة البيئة والمحيط مصداقا لقول الله سبحانه وتعالى: " وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ." القصص 77.

وهذا ما سنحاول الوقوف على أبرز معالمه، من خلال الحديث عن إنفاق المال وتداوله، في فقرتين:

الفقرة الأولى: إنفاق المال

أباح الإسلام التمتع بالخيرات  والطيبات من الأموال، باعتبارها نعما من نعم الله تعالى على خلقه، فقال عز وجل:" قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق." الأعراف 32، وندب إلى ذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده"(25).

واعتبارا لوسطية الإسلام أحاط الإنفاق الاستهلاكي للمال بأحكام وضوابط تحقق المقصد الشرعي من رواج الأموال دون إفراط أو تفريط، تضبط الإنفاق وترشد الاستهلاك. وتراعي البيئة والمحيط.

فشدد الشارع الحكيم في ذم المبذرين والإنكار عليهم، فقال تعالى: "ولا تبذر تبذيرا، إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين" الأعراف 31.

و نهى عن الإسراف في التمتع بالطيبات، فقال عز وجل:"وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين" الحديد 24، وقال صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده:" كلوا وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة"(26). وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة. "(27).

كما أحاط الاستهلاك بضوابط، تمنع الإضرار بالبيئة والمحيط، فقال سبحانه وتعالى: " كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثَوْا في الأرض مفسدين". البقرة 60.

وفي المقابل ذم الإسلام البخل والبخلاء، في قوله جل شأنه:" الذين يبخلون ويامرون الناس بالبخل" النساء 37، وتوعدهم الباري عز وجل في قوله سبحانه وتعالى: " وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " آل عمران 180.

و عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا. "(28).

ليقعد الإسلام بذلك مبدأ الوسطية والاعتدال، والترشيد في الإنفاق والاستهلاك، مصداقا لقوله تبارك وتعالى: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " الفرقان67، وقوله سبحانه وتعالى: " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما مدحورا" الإسراء 29.

الفقرة الثانية: تداول المال ورواجه.

تشكل أحكام تداول المال ورواجه في التشريع الإسلامي مرآة تعكس فلسفة الوظيفتين الاقتصادية والاجتماعية للمال من المنظور الإسلامي، وتلازم هاتين الوظيفتين، تأكيدا لتلازم النشاط الربحي وغير الربحي في الدورة الاقتصادية.

و سنحاول في هذه الفقرة، الوقوف على أبرز معالم هاتين الوظيفتين والتلازم القائم بينهما.

أولا: الوظيفة الاقتصادية للمال .

تحقيقا للوظيفة الاقتصادية للمال، نظم الشارع الحكيم القواعد العامة لرواج المال وتداوله، وجعل الرواج أهم مقاصده في الأموال، فحرم الاكتناز وتوعد المكتنزين بالعقاب، فقال سبحانه وتعالى:" والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم." التوبة 34.

و منع الشرع اتخاذ الذهب والفضة قنية وأثاثا، تأكيدا لوظيفتهما المالية، فقال صلى الله عليه وسلم: " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة... "(29).

و لكي يؤدي المال وظيفته الاقتصادية، حث الإسلام على توظيفه واستثماره، وحث على الاتجار حتى في أموال اليتامى والمحجورين، مع ما يحمله الاتجار من معاني المخاطرة واحتمال الربح والخسارة، فقال صلى الله عليه وسلم:" اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة "(30).

وشرع صيغا متنوعة للاستثمار على كافة المستويات والقطاعات الاقتصادية، بما يكفل رواج الأموال وتداولها. كالبيع والمقايضة والصرف والكراء والإجارة، والسلم والاستصناع والشركة والمضاربة، والمساقاة والمزارعة والمغارسة(31) وغيرها .

كما سن العديد من العقود الكفيلة بتيسير  هذه المعاملات، وثباتها وتوثيقها، والحد من النزاعات التي قد تطرأ بشأنها، وترفع الأضرار التي قد تنشأ بمناسبتها. بعد أن دعا الشارع الحكيم إلى الوفاء بالالتزامات واحترام العهود والعقود فقال عز من قائل:" يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود" المائدة 1.

و شرع  الإشهاد، فقال سبحانه وتعالى:" وأشهدوا إذا تبايعتم " البقرة 282، وندب إلى الكتابة والتوثيق فقال عز من قائل:" يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه " البقرة 282.

كما شرع الرهن والكفالة، والحوالة والوكالة، والقسمة والشفعة(32)، وغيرها من العقود والتصرفات الكفيلة بضمان استيفاء الحقوق ورفع المضار ودرء النزاعات.

وتوزيعا للثروة وضمانا لتداولها شرع الميراث، بما يكفل توزيع الثروة وتداولها حتى لا تتكدس الأموال في أيادي طبقة محدودة، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى:" كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم" النور 33.

وتأكيدا على مقصد الرواج، وهو أبرز مقاصد الشريعة في الأموال، وتسهيلا لتداول الأموال، منع الشرع الاحتكار، فقال عليه الصلاة والسلام: " المحتكر ملعون."(33). وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يحتكر إلا خاطئ "(34). ونهى عن بيع النجش، وتلقي الركبان، وبيع الحاضر لباد(35)، وغيرها من البيوع المنافية لقواعد السوق المفتوحة. ففسح المجال بذلك أمام الشفافية والتنافسية والمبادرة الحرة، التي لم يقيدها الشرع الحكيم إلا بقيود المصلحة العامة حال التعارض، إعمالا لمبدأ تقديم المصلحة العامة على الخاصة، اعتبارا لتضمن المصلحة العامة للمصلحة الخاصة بالضرورة والتبع.

ثانيا: الوظيفة الاجتماعية للمال.

حتى تؤدي الثروة وظيفتها الاجتماعية التي من أجلها خلقت وسخرت، جعل الإسلام المال المكتسب بطرق مشروعة، مناطا للعديد من الحقوق والواجبات العامة والخاصة.

ففرضت الزكاة، واعتبرت أحد الأركان التي يقوم عليها هذا الدين، فقال الله سبحانه وتعالى: " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " البقرة 43. وقال الباري تبارك وتعالى: " خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها" التوبة 103، وقال الخالق عز من قائل:"وآتوا حقه يوم حصاده" الذاريات 29، وقال الفاطر سبحانه وتعالى: " وفي أموالهم حق للسائل والمحروم" الحشر 07.

كما سن الإحسان التبرعي، فقال تبارك وتعالى "وأحسن كما أحسن الله إليك" القصص 77، وقال سبحانه وتعالى: "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" البقرة 219، بعد أن كان الأصل في صدر الإسلام هو إنفاق العفو من الأموال- وهو الزائد منها عن حاجة المالك-، في قوله سبحانه وتعالى: " يسألونك ماذا ينفقون، قل العفو" الإسراء 26.

و شرعت الوصايا والأوقاف، وأقرت العمرى، والرقبى، والنحلة(36)، وغيرها من التبرعات، تأكيدا على تلازم النشاط الربحي والنشاط غير الربحي، في تأمين حاجيات المجتمع الاقتصادية.

و هو ما من شأنه أن يحقق التوازن بين فئات المجتمع، ويؤمن حد الكفاية، أي الحد الأدنى من الحاجات الاقتصادية لكل فرد في المجتمع، ويكفل الأمن والاستقرار الاجتماعي؛

و من شأنه أن يرسخ واجب التضامن الاجتماعي، ويوطد أواصر التكافل  والأخوة بين الإنسان وأخيه الإنسان. مصداقا لقوله سبحانه وتعالى:" إنما المومنون إخوة." الحجرات الآية 10. وقوله صلى الله عليه وسلم:" لا يِؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه." (37). وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه:" مثل المومنين في توادهم وتراحمهم  وتعاطفهم،كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى." (38).

و تأكيدا لهذه الوظيفة الاجتماعية، ولتلازم الأنشطة الربحية وغير الربحية، شرع الإسلام الصدقة الجارية وندب إليها، فقال صلى الله عليه وسلم:"إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له"(39).

و روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته: علماً نشره أو ولدًا صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتا لابن السبيل بناه أو نهراً أجراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه بعد موته "(40).

كما حث الشارع على القرض الحسن ورغب فيه تنفيسا للكربات، وإعانة المحتاج، وحض على التيسير على المعسرين  فقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم  " رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى بَاب الْجَنَّةِ مَكْتُوبًا: الصَّدَقَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالْقَرْضُ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ مَا بَالُ الْقَرْضِ أَفْضَلُ مِنَ الصَّدَقَةِ"، قَالَ: لِأَنَّ السَّائِلَ يَسْأَلُ وَعِنْدَهُ، والْمُسْتَقْرِضُ لَا يَسْتَقْرِضُ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ"(41). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" من نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسرٍ، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة." (42).

و الأصل في القرض أن يقوم على أسس التكافل والتعاون، فلا يقف عند حدود رد الأصل فقط، بل قد يصل إلى تطبيق مبدأ الإنظار عند الإعسار، بل قد يمتد ليصل إلى التصدق وإعفاء المدين المعسر استجابة لقوله تعالى:" وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون " البقرة 280.

و قال الله تعالى: " وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ .".

خاتمة

على هذا النحو المسطر في مباحث هذه الدراسة الموجزة، يتضح أن  تنظيم الثروة في ظل هذا النظام الرباني البديع، هو تنظيم محكم، يدل على ما تتميز به نظرة الإسلام إلى المال، على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، من واقعية وشمولية ووسطية واعتدال، مفهوما واكتسابا وإنفاقا وتداولا.

فهذا النظام، نظام اقتصادي متوازن، وسطي بين السيطرة والنفع العام في اقتصاديات الهيمنة، وبين التسيب وتعظيم الربح في اقتصاديات السوق. يطبعه التوازن بين المصلحة العامة والحق العام من جهة، ومصالح وحقوق الأفراد من جهة ثانية، بما يخدم مصالح الجميع في المحصلة والنهاية؛

و هو نظام اقتصادي اجتماعي، يحقق التوازن بين النشاط الربحي والنشاط غير الربحي، من خلال التلازم بين الوظيفة الاقتصادية للمال ونظيرته الاجتماعية؛

و هو نظام اقتصادي إنساني، يتيح تأمين حد الكفاية، والاستجابة للحاجيات الاقتصادية الأساسية لكل فرد. ويحقق الأمن والاستقرار الاجتماعي؛

و هو نظام اقتصادي أخلاقي، تحكمه قواعد الحلال والحرام، والطيب والخبيث، والنفع والضرر. بما يراعي حقوق الفرد ومجتمعه وبيئته ومحيطه وخالقه.

و بالجملة والمحصلة، فهو نظام اقتصادي اجتماعي وإنساني وأخلاقي وعادل ومتكامل. وما ذلك إلا من طبيعة هذا الدين الذي يؤطره، والمتسم بالتكامل والشمولية، والمزاوجة بين الجوانب العقدية والسلوكية والعملية.

و هذا ما يفسر تزايد المطالب الغربية الملحة على كافة الأصعدة والمستويات، باعتماد هذا النظام وإدراجه ضمن النسيج المالي والاقتصادي.

و هو ما يفسر التنامي المطرد للصيغ المالية والمؤسسات المالية الإسلامية، وأعداد المتعاملين معها ووفق صيغها، وأرقام معاملاتها وحجم أرباحها، في العديد من العواصم الاقتصادية الغربية.

فيكون بذلك النظام المالي الإسلامي، ذلك البديل الذي يمكن أن يجيب عن الأسئلة الاقتصادية الحقيقة التي يدور حولها الجدل في الساحة العالمية من قبيل: ما البديل المناسب لاقتصاد السوق المحررة من القيود؟ وما الأساليب المناسبة لترويض الرأسمالية وللانتفاع في الوقت ذاته من قواعدها الضرورية لرفع مستوى الرفاهية؟ وما القواعد الضرورية لازدهار الاقتصاد والديمقراطية في آن واحد(43)؟ ؛

و ليكون البديل الذي يمكن أن يشكل الطريق الآخر، والبديل الذي يرنوا إليه العالم دون أن يكون لحد الآن قادرا على رسم صورة دقيقة له، بعد ما أصابه من ويلات وأزمات النظام الرأسمالي القائم، وبعدما جرب النظام الاشتراكي الفاشل، بشهادة أحد المنظرين الاقتصاديين الألمان الذي كتب بعد تداعيات الأزمة المالية العالمية الأخيرة، قائلا: " يتزايد عدد المواطنين الذين يمنون أنفسهم بالتحول إلى نظام آخر، وإن كانوا غير قادرين على رسم صورة دقيقة للنظام الذي ينشدونه، إنهم يحلمون بانتهاج طريق ثالثة تقع بين الرأسمالية والاشتراكية، تضمن لهم حريتهم وتحقق لهم في الوقت ذاته، مساواة أكبر وأمانا واستقرارا أكثر." (44).

هذا العالم الذي يرنو في أعماقه إلى شريعة تنظم حياته، وتجيبه عن أسئلة قد لا يكون قادرا على صياغة عباراتها، إلى أن يعيش أجوبتها، في المدخل الاقتصادي المتعدد الأبعاد لهذه الشريعة الغراء، التي انتشرت منذ قرون خلت، في الكثير من بقاع العالم، بفضل هدي باريها في المعاملات التجارية، وأخلاق التجار الملتزمين بتعاليمها.

و هو ما تنبأ به منذ عقود خلت الاقتصادي الفرنسي جاك أوستري حين قال: “إن طريق الإنماء الاقتصادي ليس محصورا في النظامين المعروفين، الرأسمالي والاشتراكي، بل هناك مذهب اقتصادي ثالث راجح هو المذهب الاقتصادي الإسلامي، وسيسود عالم المستقبل لأنه طريق للحياة المعاصرة” (45).

انتهى بحمد لله، الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم وبارك، على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن استن بسنته، واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

البشير عدي(46)

 

د البشيرعدي - جامعة ابن زهر

....................

(1) انظر صحيفة:l’osservatore romano ، الناطقة الرسمية باسم البابا، العدد الصادر في: 04 مارس 2009. وشاهد برنامجا لقناة الجزيرة الإخبارية، في الموضوع على الرابط:

 https://www.aljazeera.net/programs/behindthenews/2009/3/29/، وتقريرا مترجما لقناة: 3sat الألمانية، على اليوتوب، عبر الرابط: 

https://www.youtube.com/watch?v=0PNDwgkbSXc

(2)  على المستوى الرسمي دعا مجلس الشيوخ الفرنسي إلى ضم النظام المالي الإسلامي للنظام المالي الفرنسي، وعلى الصعيد الشعبي تصاعدت دعوات العديد من الأكاديميين والمهنيين والمهتمين، بضرورة فسح المجال لتطبيقات النظام المالي الإسلامي، فنجد على سبيل المثال السيد " بوفيس فانسون"، رئيس تحرير مجلة:"Challanges" الفرنسية، يكتب في افتتاحية العدد الصادر في عز الأزمة العالمية في سبتمبر2008، موضوعا تحت عنوان: " البابا أو القرآن"، مما جاء فيها:" أظن أننا بحاجة أكثر إلى قراءة القرآن بدلا من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا، لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات، وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري، لأن النقود لا تلد النقود."؛ )انظر موقع المجلة على شبكة الانترنيت، العدد الصادر في2008/09/11  (،كما نجد رئيس تحرير صحيفة " Le Journal de finances" الفرنسية، السيد" رولاند لاسكين" في افتتاحية العدد الصادر بذات التاريخ، يطالب بضرورة تطبيق الشريعة في المجال المالي والاقتصادي، في مقال افتتاحية الصحيفة تحت عنوان:" هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة؟". )انظر موقع المجلة على شبكة الانترنيت، العدد الصادر في 2008/09/28.(.

(3) عرف النظام المالي الإسلامي طريقه نحو الجامعة والسوق المالي المغربيين، كما عرفت أحكامه طريقها نحو التشريع من خلال العديد من فروع قانون الأعمال، كما هو الحال بالنسبة للقانون رقم12.103  المتعلق بمؤسسات الائتمان والهيئات المعتبرة في حكمها، والمنظم للبنوك التشاركية، والقانون رقم 06.33 المغير والمتمم بمقتضى القانون رقم17.69، المتعلق بتسنيد الأصول، والمنظم لشهادات الصكوك، والقانون رقم 17.99 المتعلق بمدونة التأمينات والمغير والمتمم بمقتضى القانونين رقم 13.59، ورقم 17.87، المنظمين للتأمين التكافلي، وغيرها من التشريعات ذات الصلة كالقانون الضريبي.

(4) مسند الإمام أحمد، الحديث رقم: 17096.

(5) المال في اللغة: من المول، يقال: مال الشخص يمول مولاً، ومؤولاً: أي كثر ماله وصار ذا مال. وجمعه أموال، وهو مما يذكر ويؤنث.انظر: لسان العرب لابن منظور، والمصباح المنير للفيومي، ومختار الصحاح للرازي،، والقاموس المحيط للفيروز آبادي، والمعجم الوسيط لمجمع اللغة العربية.

(6) الأستاذ داود الخمار: قواعد في اكتساب المال وإنفاقه في القرآن الكريم. منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغرب. ط1/2012.ص23. ويوضح الأستاذ الخمار، تعريفه هذا بالقول: " والمراد بالإمكان: الإمكان المادي، بمعنى الإحراز على الشيء المالي بوسائله. والإمكان الشرعي، بمعنى الإباحة الشرعية للتصرف في الشيء المتصف بالصفة المالية والتعامل به. والمراد بالانتفاع المعتاد: أن يكون متعارفا وذا قيمة مالية. وأن لا يكون اعتياده معارضا للنص الشرعي.".

(7) وهذا ما أقره مجمع الفقه الإسلامي، في قرار له في الموضوع جاء فيه:" إن مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره الخامس بالكويت من 1-6 جمادى الأولى 1409ه الموافق 10-15 كانون الأول/ديسمبر 1998م، بعد إطلاعه على البحوث المقدمة من الأعضاء والخبراء في موضوع الحقوق المعنوية، واستماعه للمناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي: أولا: الاسم التجاري والعنوان التجاري، والعلامة التجارية، والتأليف والاختراع أو الابتكار، هي حقوق خاصة لأصحابها، أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتمول الناس لها، وهذه الحقوق يعتد بها شرعاً، فلا يجوز الاعتداء عليها . ثانيا: يجوز التصرف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية، ونقل أي منها بعوض مالي، إذا انتفى الغرر والتدليس والغش، باعتبار أن ذلك أصبح حقاً مالياً . ثالثاً: حقوق التأليف والاختراع أو الابتكار مصونة شرعاً، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها. والله أعلم ."

(8)  مسند الإمام أحمد /5364، سنن أبي داوود، كتاب البيوع، باب منع الماء.

(9)صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب الصدقة على اليتامى.

(10) مسند الإمام أحمد 4/141.

(11) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده.

(12) موطأ الإمام مالك، كتاب الأقضية، باب القضاء في عمارة الموات.

(13) صحيح البخاري، كتاب المزارعة، باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه.

(14) صحيح البخاري، كتاب الزكاة، باب الاستعفاف

(15) سنن أبي داود،:كتاب الإجارة، باب: في من اشترى عبدا فاستعمله فوجد به عيبا.

(16) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع ومن طلب حقا فليطلبه في عفاف.

(17) سنن ابن ماجة، كتاب التجارات، باب الاقتصاد في طلب المعيشة.

(18) انظر في بيان هذه المصطلحات، مصادر ومصنفات الفقه الإسلامي.

(19) صحيح مسلم: كتاب البيوع، باب بطلان بيع الحصاة والبيع الذي فيه غرر.

(20) سنن ابن ماجة: كتاب التجارات، باب الخيار.

(21) صحيح مسلم: كتاب الإيمان، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: من غش فليس مني.

(22) صحيح مسلم،كتاب الحج باب:تحريم ظلم المسلم وخذله....

(23) صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لاترجعوا بعدي كفارا

(24) سنن أبي داوود، كتاب الإجارة، باب قي الرجل يبيع ما ليس عنده.

(25) سنن الترمذي، كتاب الأدب، باب ما جاء إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده.

(26) صحيح البخاري: كتاب اللباس، باب قول الله تعالى:" قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق".

(27) صحيح البخاري: كتاب الأطعمة، باب الأكل في إناء مفضض.

(28) صحيح مسلم: كتاب الزكاة، باب في المنفق والممسك.

(29) صحيح البخاري: كتاب الأطعمة، باب الأكل في إناء مفضض.

(30) موطأ الإمام مالك: كتاب الزكاة، باب زكاة أموال اليتامى والجارة لهم فيها.

(31) انظر في بيان هذه المصطلحات، مصادر ومصنفات الفقه الإسلامي.

(32) انظر في بيان هذه المصطلحات، مصادر ومصنفات الفقه الإسلامي.

(33) سنن ابن ماجة، كتاب التجارات، باب الحكرة والجلب.

(34) صحيح مسلم: كتاب المساقاة، باب تحريم الاحتكار قي الأقوات.

(35) انظر في بيان هذه المصطلحات، مصادر ومصنفات الفقه الإسلامي.

(36)  انظر في بيان هذه المصطلحات، مصادر ومصنفات الفقه الإسلامي.

(37)  صحيح البخاري كتاب الأدب باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه.

(38) صحيح مسلم: كتاب الوصية باب ما يلحق المسلم بعد وفاته.

(39) صحيح مسلم: كتاب البر والصلة باب تراحم المومنين وتعاطفهم وتعاضدهم.

(40) سنن ابن ماجة: المقدمة، باب معلم الناس الخير.

(41) سنن ابن ماجة: كتاب الصدقة، باب القرض.

(42) تمام الحديث كما رواه أبو هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَن نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كُرَب الدنيا، نفَّس الله عنه كربةً من كُرَب يوم القيامة، ومن يسَّر على معسرٍ، يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة، " ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة، واللهُ في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه". صحيح مسلم،كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن والذكر.

(43) اوليرش شيفر: انهيار الرأسمالية: أسباب إخفاق السوق المحررة من القيود. تعريب: د عدنان عباس علي. منشورات كتاب عالم المعرفة العدد 371 يناير 2010،ص30

(44) اوليرش شيفر: انهيار الرأسمالية: م س، ص 30.

(45) انظر: مفهوم الاقتصاد في الإسلام: د. محمود الخالدي، ص: 29.

(46) – أستاذ بكلية الحقوق جامعة ابن زهر أكادير؛

- تقني محاسب ومنتدب قضائي إقليمي سابق؛

- شهادة  التقني في المحاسبة: المعهد المتخصص للتكنولوجيا التطبيقية أكادير  1997؛

- شهادة التكوين التأهيلي في التسيير التجاري:  المدرسة الوطنية للتجارة والتسيير أكادير 2001  ؛

- شهادة الدكتوراه في الشريعة تخصص فقه المعاملات:  كلية الشريعة، جامعة القرويين أكادير    2012؛

- شهادة التأهيل الجامعي في القانون، تخصص القانون الخاص:  كلية الحقوق، جامعة ابن زهر أكادير 2018 ؛

 

 

ميثم الجنابي"لولا أن ظهوره سبب خفائه لبهتت

العقول ودهشت القلوب" (الغزالي)

إن ارتقاء الوعي الاجتماعي إلى مصاف التأمل المسحور بما وراء الطبيعة في مقولات اللاهوت والفلسفة، يعني امتلاكه القدر المعقول من إدراك الكون. بينما لم ينحصر هذا الإدراك في عالم الإسلام الأول بقضايا الظهور والاندثار الطبيعين، بل في تحديد هوية الانتماء الحقيقي لعالم القرآن. فقد احتوى القرآن بين دفتيه قواعد اللغة ومفرداتها، وحدود الرؤية المعقولة والإيمانية تجاه الأبعاد  الشاملة والمعقدة  لماهية الظهور والاندثار. من هنا انهماك المسلمين الأوائل بقضايا الفعل الإنساني لا حركات الطبيعة، وبخلجات الضمير الوجداني لا تأملات العقل الباردة. فقد كانت قضايا الفعل والوجدان هي الأطراف الضرورية لوحدة  الروح والجسد في الصيرورة الجديدة لكون الإسلام الدولي والثقافي. تماما بالقدر الذي نشأ كلاهما من تجزئة الوحدة المتبلورة في الأمة المحمدية. الأمر الذي حدد ردود الفعل السياسية الأولى واجتهادها الفكري واللاهوتي عند الكلام والمتكلمين، والإسلام الإيمان، والكفر والفسق، والجبر والقدر، وعن كل ما هو مربوط بالحركة الفاعلة للكون الناشئ في الأمة والدولة الإسلاميتين.

وفي مجرى خفوت عاصفة الاحتراب تراكمت عناصر الإدراك العقلي لقيم المفاهيم المتناسقة في مدارس الإسلام وفرقه. إذ لم يكن بناؤها الفلسفي في نهاية المطاف، سوى الترتيب المعقول لوجدانها الأولي ورؤيتها السياسية. وبالتالي لم تكن قضايا الذات والصفات والأفعال الالهية في محتوياتها وغاياتها السياسية والأخلاقية، سوى محتوى الرؤية الواقعية والمثالية للفرق الإسلامية عن ذاتها وصفاتها وأفعالها السياسية والأخلاقية. وهو السرّ القائم وراء تبلور الصراع الفكرى وتدرجه من قضايا الأفعال إلى الصفات ثم إلى الذات. وذلك لأنها العملية التي كان ينبغي قطع أشواطها من أجل تكامل الذات الإسلامية في أمتها وأفرادها وفرقها، أي أن تحتوي في مجرى اغتنائها على كل ما كان جوهريا في تجاربها السياسية والأخلاقية والدينية واللغوية والأدبية. وأن تتمثل في مدارج اعتراكها واغتنائها معالم الوعي السياسي والأخلاقي والعقائدي والمذهبي. من هنا تمثيلية السياسة والأخلاق والعقائد والمذهب في منظومات الكلام التقليدية، بسبب وقوفها عند حدود معضلاتها وقضاياها، وحلولها ورؤيتها الموروثة.

غير ان هذه النزعة التقليدية المميزة للفرق الإسلامية كانت في الوقت نفسه الأسلوب المناسب لبلورة تقاليد الوعي المدرسي وشحذ إمكاناته الذهنية بمخزون تاريخها المتشعب. وقد ابتدأ الغزالي شأن معاصريه في مدارس التقليد لينتهي إلى ضرورة الفطرة. بمعنى قطع الحركة المعاكسة لتيار التاريخ الكلامي من التقليد المذهبي إلى الرؤية العقائدية، ومنها إلى الأخلاق والروح (السياسي)، أي من تقليدية المدارس إلى معترك السياسة الإصلاحية، باعتبارها إصلاحا للروح الأخلاقي العقائدي.

لقد ناقش مسألة الذات الإلهية بصورة منهجية ونقدية للمرة الأولى في (تهافت الفلاسفة). واعتبر الاستنتاج القائل بصيرورة الاثنين من الواحد مكابرة للعقول، واتصاف القديم (المبدأ الأول) بصفات أزلية مناقضة للتوحيد، مجرد دعوتين باطلتين. وأن بطلانهما يقوم في افتقادهما إلى أسس ضرورية عقلية. لهذا تساءل عن المانع الذي يمنع من أن يقال بأن المبدأ الأول عالم مريد قادر يفعل ما يشاء انطلاقا من أن استحالة هذا الحكم لا تعرف بضرورة العقل. ولم يسع هو من وراء ذلك التقليل من شأن العقل وحاكميته، بقدر ما كان يناهض فكرة الفيض الافلاطونية والوساطة الغنوصية. مما أدى إلى صياغة الوحدة المرنة للعقلانية واللاعقلانية، باعتبارها الصيغة المناسبة للروح الجدلي، وصعوبة الحلول المنطقية لقضايا الإلهيات الكبرى. لهذا ردد الحديث المنسوب للنبي محمد والقائل "تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذات الله"[1].

فقد كانت آراؤه الهجومية والدفاعية في (تهافت الفلاسفة)، كما سيؤكد لاحقا، هي النتاج الملازم لنزوع الشك الجدلي، الذي استعمله في مهاجمة آراء الفلاسفة ودعواها المنطقية في قضايا الإلهيات، لا رفض إمكانية البحث في الذات الإلهية. لهذا حصر في (تهافت الفلاسفة) مهمته الأساسية في نقد فكرة التأسيس النظرى للفلاسفة في قضايا الإلهيات بما فيها مسألة التوحيد والذات الإلهية. وهذه بدورها هي الفكرة التي سعت للبرهنة على أن التوحيد لا يتم إلا بإثبات الوحدة لذات الله من كل وجه. وأن إثبات الوحدة يقوم بنفي الكثرة من كل وجه عن طريق نفي قبول الانقسام في الذات فعلا أو وهما، ونفي انقسام الشيء في العقل إلى معنيين مختلفين، ونفي الصفات (العلم والقدرة والإرادة وغيرها)، لأنها تؤدي إلى كثرة في واجب الوجود، ونفي كثرة عقلية تحدث بتركيب الجنس والفصل مثل أن الإنسان حيوان ناطق، والحيوان جنس والناطق فصل، وانه مركب وهذا نوع كثرة. وإخيرا نفي كثرة تلزم من وجهة تقدير ماهية وتقدير وجود لتلك الماهية مثل أن للإنسان ماهية في الوجود، والوجود يرد عليها، مما يحدد بدوره ضرورة نفي الماهية عن الله. إن هذه الأوجه الخمسة للنفي الفلسفي الداعي في الوقت نفسه إلى اثبات الذات الوحدانية، تصطدم، كما يقول الغزالي، بتلك الكثرة من تسميات الفلاسفة التي يطلقونها على الله مثل المبدأ الاول، والموجود، والجوهر، والواحد، والقديم، والعالم، والعقل، والفاعل، والخالق، والحي، والعاشق، والجواد، والخير المطلق وغيرها[2]. فالفلاسفة تؤكد على أن ذات المبدأ الأول واحدة، وإنما تكثر الأسماء بإضافة شيء إليه، أو إضافته إلى شيء أو سلب شيء عنه. والسلب لا يوجد كثرة في الذات المسلوب عنها. ولا الإضافة توجب كثرة. لهذا اكدوا على أن الأول لا يعني سوى إضافته إلى موجودات بعده، في حين إن المبدأ هو إشارة إلى أن وجود غيره منه، وهو سبب له. ومعنى موجود معلوم. أما الجوهر فهو الموجود مسلوبا عنه الحلول في  موضوع. والقديم هو سلب للعدم عنه أولا، والباقي هو سلب العدم عنه آخرا، وواجب الوجود يعني موجوداً لا علة له وهو علة لغيره، بمعنى جمعه للسلب والإضافة. أما الخالق والفاعل وسائر صفات الأفعال فلا تعني إلا أن وجوده وجودا شريفا يفيض عنه وجود الكل فيضانا لازما[3].

أما البراهين التي يقدمها الفلاسفة في محاولاتهم إثبات الذات الوحدانية الحقة، فإنها لا تؤدي إلى ادراكها اليقين، كما هو الحال، على سبيل المثال، في مدافعتهم عن الصفات الإلهية. فعندما يتناولون قضية علم الله، أو ما يدعوه ابن سينا بالمعرفة النوعية الكلية، التي لا يحصرها زمان، فإنها تؤدي بالضرورة إلى برهانهم عن قِدَم علمه بالجزئيات، بفعل إيجابه تجدد الإحاطة (المعرفة)، مما يؤدي إلى تغير في ذات العالِم (الله)، أو أن الإقرار بهذه المعرفة المتجددة تؤدي في نهاية المطاف إلى لزوم الكثرة فيه. وبالتالي غياب الوحدة الحقة في ذاته، أي كل ما لا يمكنه أن يشكل برهانا حقيقيا لمعرفة الذات، إنطلاقا من انه ليس هناك من صفة وعرض إلا ويستدعي وجوده موصوفا. وإن قول القائل، بأن الله هو في ذاته عقل وعلم كقول القائل هو قدرة وإرادة. وينطبق هذا بالقدر ذاته على الأعراض والصفات الأخرى. إذ لا يمكن للصفات أيا كانت القيام بنفسها دون جسم هو غيرها. فالعلم والحياة والقدرة والإرادة لا تقوم بنفسها، وإنما تقوم بذات. فالحياة تقوم بالذات فتكون حياة بها. أما إنكار الفلاسفة لصفات الله فإنه لا يعني في الواقع سوى سلبه الحقيقة والماهية والقيومية بالذات كذات. وذلك لأن منطلق آرائهم ومواقفهم يؤدي إلى رد لله إلى حقائق الأعراض والصفات التي لا قوام لها بنفسها[4]. فالأدلة التي قدمها الفكر الفلسفي (السيني) حول ما يلزم أن يتصف به واجب الوجود لا يدل عليها دليل. إذ لو كان واجب الوجود كما وصفوه، بمعنى ألا يكون فيه  كثرة بفعل عدم احتياجه في قوامه إلى غيره، فإن ذلك لا يحتوي على إثبات واجب الوجود، وإنما الدليل، كما يقول الغزالي، دلّ على قطع التسلسل فقط[5]. فالرأي الفلسفي القائل، بأن كل ما لا علة له هو واجب الوجود، رأي دهري. وهو "لا يدل الا على قطع السلسلة" التي انقطعت عند الدهرى في أول الأمر. فهو لا يقول أكثر من انه لا علة للأجسام، أما الصور والأعراض فبعضها علة للبعض، إلى ان ينتهي إلى حركة دورية، وهي بعضها سبب للبعض ينقطع تسلسلها بها[6]. وينطبق هذا أيضا على فكرة "الوجود الأول البسيط". فالدليل الفلسفي هنا، حسب نظره، يرجع إلى دليل نفي الصفات ونفي الانقسام الجنسي  الفصلي، رغم تشوشه وتعقيده. إذ لا ترجع الكثرة هنا إلا إلى مجرد اللفظ. وإلا فالعقل يتسع، كما يقول الغزالي، لتقدير ماهية واحدة موجودة، بينما تقول الفلاسفة كل ماهية موجودة فمتكثرة، إذ في كل موجود ماهية ووجود. ولهذا وجد في هذه الفكرة مجرد تشوش لا غير. انطلاقا من أن الموجود واحد معقول بكل حال، ولا موجود إلا وله حقيقة، ووجود الحقيقة لا ينفي الوحدة[7]. فمن غير المعقول تصور وجود بلا ماهية ولا حقيقة. تماما كما لا نستطيع أن نعقل العدم المرسل إلا بالإضافة إلى موجود يقدّر عدمه. وذلك لأن "نفي الماهية نفي للحقيقة. وإذا انتفت حقيقة الموجود لم يعقل الوجود"[8]. لأن ذلك شبيه بقول القائل وجود لا موجود. إضافة لذلك أن الفكرة الفلسفية المشار إليها أعلاه، والتي حاولت نفي الكثرة والجسمية عن الله استنادا إلى الفيض الافلاطوني، لا يمكنها تقديم الدليل على أن الله ليس بجسم. ولم يسع الغزالي من وراء ذلك إثبات الجسمية، بقدر ما انه وضع الفكرة في اطار جدليتها العقلية القائلة، بأن من "لا يصدّق بحدوث الأجسام، لا يقدر على إقامة الدليل على أن الأول ليس بجسم أصلا"[9].

لقد حاول الكشف عما في الفكر الفلسفي الأرسطي الافلاطوني الإسلامي وبراهينه من خلل يصعب تلافيه في أدلته عن حقيقة الذات الإلهية. لهذا أكد على أن العجب لا يقوم في حيرة العقول في الصفات الإلهية، بقدر ما يقوم في أدلة الفلاسفة واعتقاداتهم التي يجزمون بطابعها اليقيني، مع ما "فيها من التناقضات العصية على الحل"[10].

وإذا كانت انتقاداته هنا تتركز اساسا حول إثبات تناقض أفكار الفلاسفة عن الذات الإلهية، باعتبارها أيضا المهمة التي وضعها في مقدمة جداله معهم، فإنه كان  ملزما بمواجهة موضوعاتها الأساسية في مؤلفاته التي اناط بها لاحقا مهمة إدراك الحقائق كما هي كما هو الحال في (إحياء علوم الدين) وأمثاله من الكتب والرسائل. ولم يقصد هو بذلك نفي القيمة العلمية والعقلية في مؤلفاته النقدية السابقة مثل (تهافت الفلاسفة) وأمثاله، أو رمي تجاربه السابقة في مزبلة صرحه الفكري الجديد، بقدر ما  كانت إعادة صياغة توليفية بنّاءة لتجاربه النظرية والعملية. فقد كرر في موقفه من الباري (أو المبدأ الأول) في مجرى استعراضه وشرحه لمصطلحات الفلاسفة في (معيار العلم في فن المنطق) ما سبق وأن وضعه في (تهافت الفلاسفة)، مما يعكس، في الإطار العام، موقفه من فكرة الوحدة والكثرة كما تناولها في (تهافت الفلاسفة)[11]. فقد ناقش هذه القضية بصورة مخصصة للمرة الأولى في (الاقتصاد في الاعتقاد) عندما تناول ما أسماه بالدعاوى العشر. حيث تظهر للمرة الأولى مساعيه النظرية (الكلامية الفلسفية) لكشف حقيقة الذات الإلهية في اطار البرهنة على وجودها.(يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

......................

[1] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص153-155.

[2] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص164.

[3] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص166.

[4] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص183.

[5] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص186.

[6] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص196-197.

[7] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص191.

[8] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص191.

[9] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص195.

[10] الغزالي: تهافت الفلاسفة، ص205.

[11] الغزالي: معيار العلم في فن المنطق، ص207.

 

 

مجدي ابراهيمالقرآن يَمَسُّ الحقيقة الجوهرية للإنسان المؤمن مسّاً مباشراً، ينفذ إلى أسرار النفس البشرية نفاذاً بيناً، يُعوّل عليه في كل شئ، ولا يُعوّل على سواه. والتجربة مع القرآن تقرّر الآتي:

لو تخيلنا في الإنسان وجود دائرتين:

الأولى: دائرة الحياة الدنيا بكل ما فيها، دائرة الوجود الحَسّي المحدود، الوجود الإنساني بكل ما فيه من طعام وشراب ومأوى، ومن تربية وتعليم وتزكية وترقية ونجاح وفشل وأوهام وخزعبلات وأمراض وآفات ومطامع ومصالح وسوءات. باختصار : كل ما في حياة الإنسان من أوهام وحقائق.

يُلاحظ أن هذه الدائرة الأولى هى الطاغية، تستغرق جميع أنشطة الإنسان الفاعلة، وهى لا محالة تنحرف به بعيداً عن حقيقته الأصليّة، الجوهرية، والمطلوب هو اكتشاف هذه الحقيقة الأصليّة.

والدائرة الثانية : دائرة الوجود الروحي المطلق، الوجود الإنساني الأرقى، المفتوح لا المغلق، دائرة القرآن على التحقيق، الدائرتان موجودتان في الإنسان المسلم، إذا طغت الأولى على الثانية ضاقت حياته بما رحُبَتْ، وأصبح عرضة للفناء والضياع والتمزق والأطماع والأوهام والأمراض والبلادة الذهنية والعقلية والروحيّة، وغابت عنه حقيقته الأصليّة فلم يستطع اكتشافها في ذاته.

والقرآن باعتباره علماً وفهماً وحكماً وذكراً هو الأقدر على اكتشاف الحقيقة الأصلية في الإنسان، وهو الفاعل دوماً بترقية الوجود الحسي إلى الوجود الروحي، فبالدائرة الثانية، دائرة القرآن، تضيق الدائرة الأولى؛ لأن العلم يُغذي الفهم، والفهم يقوي الحكم، والذكر هو الأفعل دائماً في نشاطها وحيوتها وارتقاء مطالبها إلى أن تسيطر بالكلية على أنشطة الإنسان الفاعلة المؤثرة.

لا تتأتى هذه السيطرة بين عشية وضحاها .. كلا بل الأمر يحتاج إلى دُربّة وعادة ومران مع الدوام وقلة الفتور، وبخاصّة (الذكر) لأنه الوسيلة الوحيدة لضرب الوهم في مقتل، ولإزالة المخاوف، ولتعلق القلب الذاكر برجاءات المذكور وهو الله تعالى.

وشيئاً فشيئاً مع محاولات النجاح والإخفاق، ومع تكرار المحاولات، والاستعانة الدائمة بالله، يضيق الوجود المحدود وتضيق الدائرة الحسيّة، ويتّسع الأفق القرآني وتتسع الدائرة الروحيّة. والأصل فيها الذكر وتغذية الروح العاقل بالعلم والفهم والحكم بدايات الحركة الروحيّة، ثم يكون الذكر بالكلية العماد الأصيل فيها؛ ليتم اكتشاف حقيقة الإنسان الأصيلة.

تلك كانت معطيات ضرورية لفاعلية القرآن (مع التجربة) في النفس الإنسانية، لكنها معطيات قليلة النفع بالنسبة للجاحد المنكر، بعيدة عن اهتماماته ومتعلقاته؛ مع أنها أقرب ما تكون لكل متجرّد يعمل على الصفاء وحُسن التلقي ويتعامل مع القرآن على الفطرة المستقيمة.

وفي إطار صراع الأديان لا تكاملها ووحدتها، كانت وربما لازالت هنالك دعوات صهيونية على الساحة الثقافية تقرّر أنه بغير القضاء على القرآن الكريم لا يتسنى القضاء على الإسلام، ويوم أن يُقضى على القرآن عن طريق إدراجه في قائمة المحفوظات، وأرشفته في زوايا التاريخ، وإهماله ونسيانه، يكون القضاء على الإسلام شيئاً ميسوراً.

لكن الكيفية التي يتمُّ بها القضاء عليه في زعمهم هى اللغة؛ فلغة القرآن لغة عربية فصيحة مُبينة وقديمة - هكذا تجيءُ حجتهم - لا تساير حاجات العصر ولا تتمشى مع مطالب الحياة اليومية لعصر عسير عليه أن يتعامل بلغة ينطق بها كتاب المسلمين المقدس.

وإذا كانت الدعوات الصهيونية تهجم على اللغة العربية باعتبار قداستها المنظور إليها في ميدان الدين، فإنّ جميع الكتب المُقدّسة لا يفترض فيها الصراع إلا من حيث هذه القداسة للغة؛ كونها دينية. فما يُقال عن القرآن فيما لو صحّ على اعتبار أن اللغة الدينية لا تساير عصور العلم فيجب هجرها واستبدلها؛ فحريٌّ أن ينطبق هذا على سائر الكتب المقدّسة في اليهودية والمسيحية سواء.

ومن الغريب أن اللغة لدى اليهود لم تكن باللغة التي تخرج عن الأفق الديني الذي تدور فيه؛ فكانت توفيقاً وإلهاماً من حيث إنهم نظروا إلى اللغة العبريّة في إطار قداستها مع أن قواعد لغتهم لم تقنن إلا في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي من قبل يهود إسبانيا.

ومن المؤكد كما يشير المؤرخون أن قواعدهم النحوية مصبوغة بصبغة نحويّة عربية، وأن أهم الأعمال التي قدّمت لم تظهر إلا بعد اختلاطهم بالعرب، واتصال ثقافتهم بالأمم المجاورة، وخوفهم من اندثار لغتهم لانصراف الناس عنها وتعلمهم اللغة العربية. ولم تشأ الدراسات اللغوية اليهودية المستقبليّة فيما بعد أن تنشط خارج الدين، نشأت من خلاله مرتبطة به في كل مراحل نموها وتطورها خدمة للكتاب المقدس، وفي إطاره، ثم استقلت تباعاً رويداً رويداً.

ولقد كان "سعيد الفيومي" عالماً لغوياً يهوديّاً أنتج أعمالاً نحوية، ومعجميّة على غرار المعاجم العربية ممّا جعل "روبينز" يشير في "موجز تاريخ اللغة" إلى أن أصل المعرفة اللغوية العبرية لتفسير الأدب الديني للعبرانيين بما في ذلك كتب العهد القديم، يرتد إلى الدرس اللغوي العربي فضلاً عن أن تطور المعرفة اللغوية عند اليهود في القرون الوسطى يرجع في الأصل إلى التأثير المباشر باللغة العربية.

وليس يُخفى تأثير اليهود بالدرس اللغوي العربي؛ إذ لا يزال التفكير اليهودي إلى يومنا هذا يعتمد في تطور لغته العبريّة معجمياً على المعجم العربي. وقد ذكر بعضهم أن اللغويين اليهود لجأوا إلى حيلة لإقناع شعبهم بما يفعلون، مضمونها أن لغوييهم يدعون أن هذه الكلمات المأخوذة من المعجم العربي أصلها يهودي وقد أخذها العرب منهم، فليس هناك من غضاضة فيما لو تمّ استرجاعها، جرياً على نهج القاعدة :  تلك كانت بضاعتنا رُدَّت إلينا.

واقعياً؛ لم تكن هذه الدعوات على مَرِّ الزمن تخلو من آثار ملموسة تنعكس على المجتمعات بالإيجاب أو بالسلب بمقدار تحققها وتطبيقها واستقبال الناس لها أو صدّهم وعزفهم عنها؛ وشيئاً فشيئاً نرى تحقيق هذه الدعوات المزعومة بين أبناء العربية من جرّاء إهمال لغة القرآن؛ وأسرار هذه اللغة في استقامة التفكير عندهم، فلولا هذه اللغة العربية المُبينة ما عرفنا شيئاً قط عن جملة العقائد : العقيدة الإلهية، وعقيدة النبوة، وعقيدة الإنسان في الألوهية، ولولا اللغة القرآنية ما وضحت أمامنا معالم الحقوق يؤديها الإنسان المسلم؛ فيكلفه القرآن بتأديتها ثم تنبثق عنها واجبات مفروضة بمقدار الحقوق التي له أو عليه. لولا اللغة القرآنية ما ظهرت أمام العقول أسرار العبادات والمعاملات؛ فمثل هذه الأسرار لا تتجلى بلغة أخرى غير اللغة التي نطق بها البيان الإلهي.

فلهذه اللغة القرآنية أسرارها ممّا يبيّنها القرآن في لغته الفصيحة وأسلوبه المتفرِّد ورمزيته الدالة، فلو كانت لغته لا تتناسب مع حاجات العصر لامتنع وجود الحقوق العامة للإنسانية بل والحقوق والوجبات الإنسانية الخاصّة ووجود المعارف المتعلقة بها، وهى بلا شك معارف تدل عليها لغته. وإنما لغة القرآن أكثر رقياً وتهذيباً فيما لو أنها مَسّت قلوباً مستعدة، فهزت ضمير الإنسان : جوفه وباطنه، وتغلغلت في أعماق طواياه، وأنه كلما رأى منها مثل هذا التغلغل الباطني أو مثل هذا التماس الداخلي؛ رأى من ثمّ حياته الحقة في ظلال القيم العلوية تترقى بارتقاء هذه البواعث الوجودية الضابطة لحركة النوازع السائرة :

لغة أقل ما يُقال في حقها من رقي إنها دليل حياة صالحة للبقاء، بل أقل ما فيها من رقيّ أنها مصدر لخلود الحياة؛ إذْ الدلالة فيها تربط الدنيا بمسائل المصير بمقدار ما تربط الفاني بالباقي، والمحدود بالذي لا حدود فيه، وتصل جهود الأرض بقيم السماء. وإنه؛ كلما نظر القارئ لهذه اللغة بعين الإيمان بخصوصيتها - ولا أقول قداستها - إلى حقائق الحياة، وجد هنالك لغة القرآن خيرَ معين له على الاستبصار في هذه الحياة واستكشاف ما خفىَ منها من وجوه وظلال، في حين تتبدَّى أمام غيره ممَّن لم ينظر مثل نظرته، حقائقها غير واضحة ولا مجلوة؛ لتكون مثالاً صارخاً للتخبط البادي في الظلمة والاضطراب.

وممّا يكشف له هذه الحقائق أن ينظر إلى مقررات اللغة ومقوماتها، تلك التي تضمّنت أسرار الحقائق جميعاً في لفظ يهدي ومعنى يرشد ويبين، ينظر إليها بعين الإيمان لا بعين الجحود والنكران، وأنه كلما داوم النظر لحدّ التعلق بعين الإيمان؛ استطاع أن يتكشف بفضلها أسرار الحقائق الحياتية؛ لأن الإيمان إذ ذاك يستحضره ويربيه؛ فيصقله ويقوّمه ويهديه، ثم يطلعه من بعدُ على الحقائق الجوانيّة الباطنة باللغة التي هى فيه؛ شريطة أن تكون العين الناظرة عين "إيمان" مجرّدة عن التعطيل، كاشفة للسّر الكامن وراء حجب الألفاظ والعبارات، مستجلية للرمز خلف الصور اللغوية، تتبدّى فيها الحقائق وتتكشف في أصل عنصرها الرفيع : الاستجابة للحياة القويمة من دعوة الله ورسوله.

وربمّا كان أقربُ الأدلة على تأثير الدين في اللغة من الزاوية اللفظية والدلالية هو الصيغة الجديدة التي أعطاها الدين (الإسلامي) في القرآن لكلمات مثل : الصراط، الميزان، الحساب، الآخرة، الزكاة، الحج، فتلك مفردات اصطلاحية وجدت في القرآن وحُمِّلت بمعان ودلالات جديدة لم تكن معروفة بالقدر الكافي قبل مجيء الإسلام. وعليه؛ فللدين من ثمَّ معطى لغوي يحفظ اللغة ويحافظ عليها من حيث إنها وسيلة اتصال بالله من خلال القرآن الذي يُتلى والأدعية التي يُتَعبَّدُ بها.

من زاوية أخرى؛ يُلاحظ أن لغة الدين نفسها تفرض على فئات المجتمعات المختلفة ذاتها؛ فالتعابير الدينية لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات؛ كالقسم والسلام والتحية والحوقلة والتهليل والترحُّم على الأموات واستحضار الله في مناسبات شتى إلى آخر هذه التعبيرات التي لا تعدم منها مجتمعات الأديان. ولا يخفى ما للغة من تأثير بالإيجاب في نشر الدين؛ فكما يؤثر الدين في اللغة ويطورها ويضيف إليها دلالات جديدة، كذلك تؤثر اللغة في الدين وتساعد على فهمه بالصحيح المقبول، وبخاصّة حين تكون اللغة هى لغة الدين التي نزل بها كتابه المقدّس.

وأبعدُ من ذلك : أن تؤثر اللغة في صحيح الدين فيما لو استقامت، وإذا هى انحرفت، انحرفت معها لا محالة مقاصده الحيوية على الجملة، وفهمت الدلالات الدينية على غير وجهها الصحيح. ولم يكن بعيداً عن الصواب أن تشترط الدراسات الحديثة لتجديد الخطاب الديني، لزوم تجديد القوالب اللغويّة التي تتضمّنه، لأن اللغة أقرب الموارد لفهم الصحيح من الخطأ، ولمزايلة الفاسد المعطوب من المستقيم الذي لا عطب فيه.

إنمّا اللغة وسيلة اتصال وتفاهم ليس إلا؛ فتجديد قوالبها ليس تجديداً للحقيقة الدينية في ذاتها بمقدار ما هو تجديد للفهم وترقية للوسيلة في رحاب هذه الحقيقة، ضمنها وفي محتواها المعرفي، لا خارجها أو خارج حقائقها الاعتقادية.

(للحديث بقية)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

محمد بنيعيشمما قد يتميز به منهج البحث عند أبي حامد الغزالي هو استقصاء الجزئيات واستقراؤها بشكل متصبر وعنيد، وذلك لبناء كلية ثابتة قد تكون قاعدة أساسية لنظرية ما، وعلى شكل متواصل وتشجيري.

هذا الاستقصاء قد تجلى لديه عند البحث عن الخلفيات التي تكمن وراء كل ظاهرة من الظواهر والعلة التي تكون دافعا نحو هذا العمل أو ذاك، إذ أن كل حادث فلحدوثه سبب، وعلى هذا فكل حركة أو سكنة عند الإنسان إلا وهي خاضعة لسبب كان وراءها، وهذا السبب بدوره يتعقب لإدراك هل هو سبب ذاتي أم أنه سبب وراءه سبب آخر، وهكذا حتى ينتهي إلى السبب الأصلي الذي يكون وراء هذا النشاط الإنساني أو ذاك، سواء كان فضيلة أو رذيلة أو شيئا محايدا...

من هذه القاعدة المنطقية والمتمثلة في ربط الأسباب بالمسببات على النمط الكلامي والفلسفي سنراه يتعقب الحركات النفسية الكامنة وراء ظهور هذا النشاط أو ذاك، فيرى أن"مبدأ الأفعال الخواطر ثم الخاطر يحرك الرغبة والرغبة تحرك العزم والعزم يحرك النية والنية تحرك الأعضاء"[1].

الخاطر والاستبطان كمحدد للسلوك

فالخواطر في مفهومه "هي آثار تحدث في قلب العبد تبعثه على الأفعال والتروك وتدعوه إليها، وسميت كذلك لاضطرابها من خطرات الريح ونحوها، وتسمى أيضا خواطر لأنها تخطر على القلب بعدما كان غافلا عنها، وحدوثها جميعا في قلب العبد من الله سبحانه و تعالى، لكنها أربعة أقسام : منها ما يحدثه الله تعالى في القلب ابتداء ؛ فيقال له الخاطر فقط، وقسم يحدثه موافقا لطبع الإنسان فيقال له هوى النفس وينسب إليها، وقسم يحدثه عقيب دعوة الملهم ينسب إليه؛ ويقال له الإلهام، وقسم يحدثه عقيب دعوة الشيطان فينسب إليه ويقال له الوسوسة وتنسب إليه بأنها خواطر من الشيطان، وإنما هي في الحقيقة حدثت عند دعوته فهو كالسبب في ذلك ولكنه ينسب إليه، فهذه أربعة أقسام من الخواطر"[2].

هذه الخواطر بصورها تمثل ركنا مهما من أركان النية، إذ بدون الخاطر فلن تحدث رغبة ولن يحدث عزم ولن تتحقق في النهاية نية، وهي في مفهومه تعتبر إجمالا لكل هذه الحركات النفسية ونهاية لها، كما أنها برزخ بين النظر والتطبيق، وتأتي بعد تخليص النفس من كل الترددات بين الخواطر المتواردة والمتعارضة وعند تقرير اعتماد بعضها دون بعض .

من هنا فقد كانت النية بهذا المفهوم هي أصل الإخلاص، لأنها تخلص الإنسان من كل مراجعة، بل تكون الباب الأخير نحو التطبيق حيث عرفها بأنها "الإرادة الباعثة للقدرة المنبعثة عن المعرفة"[3].

عند هذا التعريف يبدو أن زكي مبارك لم يعن بالسياق الذي ورد فيه تعريف النية بالإرادة، إذ يرى أن الغزالي ليس له تعريف قار للإرادة! لأنه مرة يسميها بالقوة العاملة ومرة "قوة ومعنى للنفس هو مبدأ حركة يدعوان الإنسان إلى الأفعال المعينة الجزئية المختصة بالفكر والروية على ما تقضيه القوة العاملة النظرية، ومرة يسميها النية ويعنونها كذلك في الأربعين والإحياء، ويرى أن هذا التعريف الأخير هو الذي يعتبر من موضوعات الأخلاق "[4].

والحقيقة هي أن هذه التعريفات المختلفة للإرادة لديه لا تشكل تناقضا في المفاهيم العميقة والمجردة التي تحتملها، بل إنها توظف على نظام وترتيب عقلي ونفسي موحد، سواء وظفت عند الصوفية أو الأخلاقيين النظريين والفلاسفة...لأنها لم تخرج عن المراحل النفسية التي تتحكم في صيرورتها لأن تسمى نية .

فهو لم يذكر أن الإرادة هي النية بهذا الترادف الحرفي، وإنما ذكر الإرادة المعرِّفة للنية مقرونة بخاصية ملازمة لها وهي: أنها باعثة للقدرة ومنبعثة عن المعرفة"كما أن الفرق بين مفهوم الإرادة عند الصوفية أو الأخلاقيين عموما والفلاسفة يبقى محصورا في نوع المعرفة التي تكون باعثة لتلك الإرادة، وكذلك فليست كل إرادة باعثة على القدرة إلا بحسب الخلفيات التي كانت وراء وجودها وهي المعرفة المعينة .

فهذا التعريف الذي أورده الغزالي للنية يبقى تعريفا نفسيا محضا ويعتبر تدقيقا منه في تفرقته بين النية النفسية والنية الأخلاقية، إذ أنه تعريف يحدد السلوك في مراحله النفسية لا علاقة له بأية أحكام معيارية أو قيمية، بل يبقى محايدا، وهذا ما تصبو إليه الدراسات النفسية والأخلاقية الحديثة بمحاولة إعطاء تعريفات ومصطلحات خاصة تتميز عندها النية النفسية عن النية الأخلاقية[5].

إن مبدأ الأفعال المشخصة عن طريق النيات كما يرى هو: الخواطر، وهي حادثة في النفس؛ ولكل حادث محدث "فمهما اختلفت الحوادث دل ذلك على اختلاف الأسباب، هذا ما عرف من سنة الله تعالى في ترتيب المسببات على الأسباب، فمهما استنارت حيطان بيت بنور النار وأظلم سقفه واسود بالدخان علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة"[6].

فنوع الخواطر المقلدة أو المتبعة هي المحددة للنيات، وهي متعارضة ما بين خواطر خيرة وخواطر شريرة بحسب الأسباب التي تكون وراءها، لهذا كان من الواجب على الإنسان أن يعلم أولا: "الفرق بين خاطر الخير وخاطر الشر في الجملة، وثانيا الفرق بين خاطر شر ابتدائي أو شيطاني أو هوائي، وبماذا يفرق بينها، فإن لكل واحد منها دافعا من نوع آخر، ثالثا: الفرق بين خاطر خير ابتدائي و إلهامي أو شيطاني أو هوائي لتتبع ما يكون من الله تعالى أو من الملهم وتجتنب ما يكون من الشيطان وكذلك الهوى"[7].

يرى الغزالي أن قلب الإنسان بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملك ولقبول آثار الشيطان صلاح متساويا، ليس يترجح أحدهما على الآخر؛ وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى و الإكباب على الشهوات أو الإعراض عنها ومخالفتها.

بهذا فهو قد يرجع مسؤولية الإنسان في نشاطه وحركته العملية إلى إرادته، إذ رغم ورود هذا الخاطر أو ذاك فإنه ليس له تأثير على سلوك الإنسان إلا بقدر الميل الذي يحصل عنده نحو خاطر دون آخر.

هذا يعني أن النية لكي تستكمل شروطها ينبغي أن يكون هناك حضور واعي للإنسان ومعرفة دقيقة للخلفيات الكامنة وراء كل حديث نفس قد يستجيب له باعتباره حقا في ظن المتبع له إرادة.

من هنا ؛ فقط، قد تكون مسؤولية الإنسان الجزائية، فهو إما أن يوافق الصواب في سلوكه وإما أن يخالفه، فيكون مسئولا عن تصرفاته، لهذا فقد حق على"العبد أن يقف عند كل هم يخطر له ليعلم أنه من لمة الملك أو لمة الشيطان، وأن يمعن النظر فيه بعين البصيرة لا بهوى من الطبع، ولا يطلع عليه إلا بنور التقوى والبصيرة وغزارة العلم كما قال تعالى: "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا "أي رجعوا إلى نور العلم "فإذا هم مبصرون"-أي ينكشف لهم الإشكال- فمن لم يرض نفسه بالتقوى فيميل طبعه إلى الإذعان بتلبيس بمتابعة الهوى فيكثر فيه غلطه ويتعجل فيه هلاكه وهو لا يشعر"[8].

على هذا المفهوم يبدو أن المؤثر الغيبي ليس له دور إلا إثارة الانتباه نحو موضوع ما قد يعرف الإنسان مسؤوليته فيه عند تطبيقه، فالخاطر يكون دائما محل الرفض أو القبول إرادة ووعيا، وهو لا يخلو من صورتين يظهر عليهما : فهو إما يوافق العقل فيقرره، ومن ثم يكون قد وافق الصواب وما يقتضيه الواقع والحقيقة، وإما يوافق النفس الغريزية فتشير على الإنسان باتباع هذا الهوى أو ذاك.

هذه المسألة التي فيها نوع من التناقض الداخلي في شخصية الإنسان لا تعبر عن حالة مرضية، وإنما هي مظهر سليم لنفسيته، بل عنده تظهر قوته الواعية المميزة له عن سائر الحيوانات...

من هنا؛ يذهب الغزالي إلى أن المقياس الذي يميز به الإنسان الخاطر السليم من الخاطر المضر هو أن يعلم الشخص بأن"العقل في أكثر الأمر يشير بالأصلح للعواقب وإن كان فيه كلفة ومشقة في الحال، والهوى يشير بالاستراحة وإن يترك التكلف، فمهما عرض لك أمر ولم تدر أيهما أصوب فعليك بما تكرهه لا بما تهواه، فأكثر الخلق في الكراهة"[9].

يبدو هذا الرأي كأنه يدعو إلى توظيف منهج الاستبطان النفسي على نطاق واسع، وذلك بالعمل على فرز الحركات النفسية حيث يقع الالتباس في تحديد خلفياتها، فهناك الحكم العقلي وهناك الانفعال، وقد يتلبس كلاهما بالآخر فيصدر الإنسان عند التقرير أحكاما خاطئة بحسبه في قضايا مختلفة، وذلك بسبب عدم إدراك خلفية الخاطر الموافق للحكم العقلي أو المخالف له.

فالهوى المخالف للعقل ليس هو الشهوة ككل وإنما يمثل شطرا مهما منها؛ قد تنقسم إلى شهوة محمودة ومذمومة.

من هنا فهو لا ينظر إلى الشهوة كرذيلة بالكلية، بل يرى في تحقيقها فوائد جمة خاصة بالجسم والجنس البشري، و"ذلك من حيث ما فيه صلاح بدن الإنسان وإبقاء على نوعه"ولا تدخل تحت مصطلح الهوى إلا إذا تعدت حدودها وغلبت على العقل من حيث توجيهها له [10]...

على هذا؛ فالبواعث النفسية والخلقية عند الإنسان لتحقيق رغباته ومتطلبات غرائزه النفسية والجسدية قد تنحصر في ثلاثة أنواع:

أولا: الترغيب والترهيب بما يجري في الحال والمآل

الثاني: رجاء المحمدة وخوف المذمة ممن يعتد بحمده وذمه

الثالث: طلب الفضيلة وكمال النفس لأنه كمال وفضيلة لا لغاية أخرى وراءها

فالأول مقتضى الشهوة وهي رتبة العوام، والثاني من مقتضى الحياة ومبادئ العقل القاصر وهو من أفعال السلاطين وأكابر الدنيا و دهاتهم المعدودين من جملة العقلاء بالإضافة إلى العوام، والثالث مقتضى كمال العقل وهو فعل الأولياء والحكماء ومحققي العقلاء"[11].

هذه البواعث قد لا تتم و ترسخ في نفس الإنسان إلا بعد ورود الخاطر الأول الذي هو بمثابة معرفة أولية يتلقاها الإنسان ويكتسبها من خلال ممارسته للعلوم وورودها عليه في شكل تذكر ذاتي أو إلهام أو وسوسة...

ب) مراحل الحركة النفسية ومسؤولية الإنسان

إن المراحل التي يقطعها الخاطر حسب النظام الحركي للنفس تتحدد في أربعة مستويات تتفاوت فيما بينها من حيث إلزام الإنسان بمسؤوليته عن نتائجها.

فقد ضرب مثلا بسيطا وواقعا في هذا الباب حيث يقول: "أول ما يرد على القلب الخاطر كما لو خطر له مثلا صورة امرأة وأنها وراء ظهره في الطريق لو التفت إليها رآها.

والثاني هيجان الرغبة إلى النظر، وهو حركة الشهوة التي في الطبع، وهذا يتولد عن الخاطر الأول ونسميه ميلا بالطبع ويسمى الأول حديث النفس .

والثالث: حكم القلب بأن هذا ينبغي أن يفعل –أي ينبغي أن ينظر إليها –فإن الطبع إذا مال لم تنبعث الهمة والنية ما لم تندفع الصوارف، فإنه قد يمنعه حياء أو خوف من التفات، وعدم هذه الصوارف ربما يكون بتأمل وهو على كل حال حكم من جهة العقل ويسمى هذا اعتقادا، وهو يتتبع الخاطر، والميل الرابع: تصميم العزم وجزم النية فيه، وهذا نسميه هما بالفعل وقصدا"[12].

ففي كل هذه المراحل التي يقطعها الخاطر لا يتحمل الإنسان مسؤوليته عنده إلا في المرحلة الأخيرة وهي الهم بالفعل، حيث يعلل إبراؤه منها في المراحل السابقة عنها بأنها ليست لديه اختيارية وإنما هي غريزية أو شبهها، ومن ثم فلم تصل إلى مستوى الاختيار الكامل والإرادة المجردة من كل إكراه أو تلبس.

فلا حديث النفس ولا الميل ولا الاعتقاد بوجوب عمل شيء أو الامتناع عنه قد يعتبر الإنسان مسئولا عن تبعاته جزائيا ؛ سوى نقطة واحدة وهي: الهم بالفعل.

بل حتى هذه الأخيرة قد تراعى فيها أحوال وظروف محددة لوجهه وأسباب منعه أو إجرائه، بحيث لوترك شخص هما بالفعل -كان قد أوشك على تطبيقه -بسبب خوف من الله تعالى وبموجب التقوى فإنه سيكون جزاؤه عكس ذلك الهم، بانتقال الجزاء من كونه سيئة إلى اعتباره حسنة، لأنه في هذه الحالة يكون قد قام بعمل عظيم وقاوم رغباته وشهواته وأهوائه رغم الميل الكلي لنفسه نحو الاستجابة عند وجود الهم بالفعل الأولي، ومن ثم فسيكون مجاهدا لها وموجها إياها لمصلحتها العليا ألا وهي: تحقيق كمالها وسعادتها.

أما إذا كان الترك لهذا الهم بالفعل لعارض لا إرادي كيفما كان نوعه فهذا يؤاخذ عليه ويتحمل مسؤوليته، لأن الخاطر يكون قد اجتاز مراحل عدم الاختيار إلى الاختيار، الذي هو خاصية الإنسان في التكليف وعليه ركزت الشريعة في تحديد المسؤولية الجزائية.

فنظرا لأهمية هذه المراحل التي يقطعها الخاطر في النفس وينمو بحسب منازلها حتى يصير إما باعثا على العمل الخير وإما باعثا على الشر كان الغزالي يركز دائما على أنه من الضروري لمن يريد أن يعرف هذه الأحوال"أن يدرس أسرار الشخصية الإنسانية وخفاياها وأن يتفهم تركيبها، وعليه أن يعرف ما تتضمنه هذه الشخصية من صفات وخصائص وميول ليستطيع عن طريق معرفته لها معرفة مواضع النبل فيها ومواطن العيب والدمار، وعليه أن يعرف ما هي الشهوات والنزعات التي قد تسيطر عليها وتتملكها؛ والدوافع التي تستطيع التأثير على اتجاهها وكيف يمكن ضبط كافة هذه الشهوات والدوافع والرغبات وتطهيرها لتؤدي عملها بصورة سليمة"[13].

فالقلب معرض دائما للخواطر التي لها مداخل متعددة: منها الظاهرية والباطنية"أما من الظاهر فالحواس الخمس وأما من الباطن فالخيال والشهوة والغضب والأخلاق المركبة من مزاج الإنسان، فإنه إذا أدرك بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب وكذلك إذا هاجت الشهوة مثلا بسبب الأكل وبسبب قوة في المزاج حصل منه في القلب أثر، وإن كف عن الإحساس فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى، وينتقل الخيال من شيء إلى شيء، وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال، والمقصود أن القلب في التغير والتأثر دائما من هذه الأسباب"[14] وهي الخواطر الواردة عليه.

على إثر هذا يرى أن الخواطر هي المحركة للرغبة كما رأينا، وليس ما تراه بعض المدارس النفسية الحديثة من أن الرغبة هي المحرك الأول للإنسان[15]، لأنها لا تكون إلا بعد معرفة المرغوب فيه، ويضرب لذلك مثالا محسوسا يهم جانبا مهما من الرغبات الشهوية الأولية، فيقول:

"مثاله أنه خلق فيك شهوة الطعام إلا أنها قد تكون فيك راكدة كأنها نائمة، وإذا وقع بصرك على طعام حصلت المعرفة بالطعام فانتهضت الشهوة للطعام فامتدت إليه اليد، وإنما امتدت إليه بالقوة التي فيها المطيعة لإشارة الشهوة و انتهضت المعرفة المستفادة من طبيعة الحس"[16].

لا يهمنا الآن موضوع الغرائز بقدر ما تهمنا الفكرة الرئيسية فيه، وهي : الخواطر ودورها في انبعاث الإنسان نحو سلوك معين، إذ نظرا لدورها الخطير في صياغة السلوك فقد "احتاجت الحركة الإنسانية إلى حسن عناية وتكليف بتأييد وتسديد وتعريف، فإن الحركة الفكرية يدخلها حق وباطل، فيجب أن يختار الحق دون الباطل، والحركة القولية يدخلها صدق وكذب فيجب أن يختار الصدق دون الكذب، والحركة الفعلية يدخلها خير وشر ويجب أن يختار الخير دون الشر، ولن يتحقق هذا الاختيار إلا من تأييد وتسديد وتعريف"[17].

هكذا يتحدد السلوك الإنساني من خلال باعثه الداخلي ومحركه الأساسي كخطاب نفسي متشابك ومعقد قد يحتاج معه إلى التوقف وحساب الخطوات والكلمات والهمسات والهواجس، أي أن كل واحد ينبغي أن يكون يقظا وواعيا ومسؤولا عما يصدر منه بعد المرور عبر مراحل النية كما رأينا وهذه هي البصيرة محل المحاسبة كما قال الله تعالى: " بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ".

 

الدكتور محمد بنيعيش

شعبة الدراسات الإسلامية

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.....................

[1] الغزالي: إحياء علوم الدين ج3ص23

[2] الغزالي: منهاج العبدين مكتبة الجندي 1392-1972 ص62

[3] الغزالي: الأربعين في أصول الدين، منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت ص170

[4] زكي مبارك: الأخلاق عند الغزالي ص99

[5] الدكتور عبد الله دراز: دستور الأخلاق في القرآن، مؤسسة الرسالة دار البحوث العلمية ط3، 1400-1980 ص423

[6] الغزالي: إحياء علوم الدين ج3ص23

[7] الغزالي: منهاج العابدين ص63

[8] الغزالي: إحياء علوم الدين ج3ص26

[9] الغزالي: ميزان العمل ص؟

[10] نفس  ص66

[11] نفس ص103

[12]الغزالي: إحياء علوم الدين ج3ص37

[13] علي عيسى عثمان: الإنسان عند الغزالي ص115

[14] الغزالي: إحياء علوم الدين ج3ص23

[15] فاليري ليبين: مذهب التحليل النفسي والفلسفة الفرويدية الجديدة دار الفارابي بيروت ط1-1981ص41

[16] الغزالي: الأربعين في أصول الدين ص171

[17] الغزلي: معارج القدس ص39

 

 

بليغ حمدي اسماعيليرى أقطابنا من أهل التصوف في الإسلام أن حق الانشغال هو أن تنشغل بالله ذكرا وعبادة وطاعة، ويرون أن تمام الانشغال بالله مستقره ومستودعه الاستئناس والأنس واستدامة الطمأنينة، وهذا المقام يتحقق لذوي الوصل إذا ما استهدفوا قلوبهم بقطع العلائق والشواغل التي طالما أفسدت القلب بمثالب الحقد والغل والحسد وغمط الناس وازدياد العجب بالنفس التي تحض الإنسان على الاستغراق التام في الشهوات كالطعام والنكاح وحب المال، أو تلك النفس المستغرقة في الغيبة والنميمة والفجور في الخصومة . وإذا انشغلت بالله وحده لا شريك له كان الإقبال الإلهي عليك بدوام الذكر وراحة الطاعات، ونعيم العبادات وملازمة القرآن بغير انقطاع متصلا بلذة التلاوة وبصيرة التدبر .

مَلامِحُ سَلامَةِ القَلْبِ:

وحينما تجاهد نفسك بقطع الشواغل والعلائق عنها تكون أيها العبد الراغب في الوصل والمحبة قد قطعت نصف الطريق، وبقي النصف الآخر متعلقا بالقلب الذي ينبغي أن يكون أكثر صفاء ونقاء، وهذا الصفاء تمام معنى السلامة التي جاء ذكرها في كتاب محكم أمين، يقول رب العزة والجبروت (إلا من أتى الله بقلب سليم) (سورة الشعراء ـ آية 89)، قال سعيد بن المسيب: " القلب السليم هو الصحيح، وهو قلب المؤمن لأن قلب الكافر والمنافق مريض " ، يقول الله تعالى (في قلوبهم مرض) (سورة البقرة آية 10)، و قال ابن عثمان النيسابوري في تفسيره للقلب السليم: " هو القلب الخالي من البدعة المطمئن على السنة "، فالله لا يقبل إلا قلبا سلم من الكفر والشرك أولا، ثم قلبا جاء بعيدا عن شره الدنيا حتى يكون هذا القلب على استعداد مطلق ليقين الإيمان وتلقي أسرار الحكمة .

أما ابن عاشور في تفسيره للقرآن الكريم فيشير إلى القلب السليم بأنه الموصوف بقوة السلامة، والمراد بها هنا السلامة المعنوية المجازية، أي الخلوص من عقائد الشرك مما يرجع إلى معنى الزكاء النفسي . وضدُّه المريض مرضاً مجازياً، والاقتصار على السليم هنا لأن السلامة باعث الأعمال الصالحة الظاهرية وإنما تثبت للقلوب هذه السلامة في الدنيا باعتبار الخاتمة فيأتون بها سالمة يوم القيامة بين يدي ربّهم .

أما الإمام السعدي فيرى أن المقصود بالقلب السليم الذي سلم من الشرك والشك ومحبة الشر والإصرار على البدعة والذنوب ويلزم من سلامته مما ذكر اتصافه بأضدادها من الإخلاص والعلم واليقين ومحبة الخير وتزيينه في قلبه وأن تكون إرادته ومحبته تابعة لمحبة الله وهواه تابعا لما جاء عن الله.

وسلامة القلب أي صحته من الرذائل التي بالضرورة قد توقع بالمرء في شرك أكبر كان أم أصغر كالرياء والنفاق والموالاة، والسلامة للقلب تعني أيضا فراغه من كثرة الكلام في غير ذكر الله، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال رسولنا وحبيبنا وسيدنا المصطفى (صلى الله عليه وسلم): " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فإن كثرة الكلام بغير ذكره الله قسوة القلب، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي " (رواه الترمذي) .

ولاشك أن هناك قلوبا كثيرة أوصدت أبوابها عن الحق وأصبحت بمنأى عن الاستقامة والهدى، ولكن من رحمة الله بعباده المؤمنين المسلمين أن جعلهم على حالة وصال دائمة بالتقوى والهداية، ففي حديث البخاري عن ابن عباس قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " عرضت علي الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهيط أي نفر قليلون، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد لم يصدقه بشر، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، فقيل لي: هذا موسى وقومه ! ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت فإذا سواد عظيم لعلهم قوم عيسى، فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك " (مسند الإمام أحمد) .

والتصوف الإسلامي يقدم منهاجا رائعا لسلامة القلب في سياج رصين من القرآن الكريم والسنة والنبوية العاطرة، سلامة تصل العبد بربه وتجعل غاية العارف وجود معروفه كما سئل أبو يزيد البسطامي عن درجة العارف، فقال: " ليس هناكدرجة، بل أعلى فائدة العارف وجود معروفه " وسئل بماذا يستعان على العبادة ؟ فقال: " بالله، إن كنت تعرفه " ويقول عن العارف " من عرف الله فإنه يزهد في كل شئ يشغله عنه " .

وإبراهيم بن أدهم صاحب الشخصية الأشهر في تاريخ التصوف وفقا لقصة توبته ذائعة الصيت والذي تركزت أقواله وآراؤه في الزهد حول مراقبة النفس وترك الدنيا والحزن على ما فاته من الطاعات يشير إلى أن العبد إذا جاد بنفسه لله، أورث قلبه الهدى والتقى، وأعطيَ السكينة والوقار، والعلم الراجح والعقل الكامل . وإذا أردت أيها العبد الطائع إلى ربك أن تكون ذا قلب سليم فالتواضع توجيه أول لعظمة الله، وهي صفة كما يقول ذو النون المصري تذوب وتصفو، ومن نظر إلى سلطان الله ذهب سلطان نفسه ؛ لأن النفوس كلها فقيرة عند هيبته .

فَضْلُ التَّوَاضُعِ:

وصاحب الخلق القرآني نبينا الأشرف (صلى الله عليه وسلم) يقول كثيرا في هديه النبوي عن فضل التواضع وذم الكبر والغرور الذي هو بوابة للتهلكة، عن عبد الله بن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: " لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بَطَر الحق وغَمْط الناس " .(رواه الإمام أحمد) . عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: " يُحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذرِّ في صُوَر الرجال يغشاهم الذل من كل مكان فيساقون إلى سجن في جهنم يسمى " بولس " تعلوهم نار الأنيار يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال". (سنن الترمذي) .

وعن ركب المصري رضي الله عنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " طوبى لمن تواضع في غير منقصة [أي: معصية]، وذل عن نفسه من غير مسألة، وأنفق مالاً جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة. وطوبى لمن طاب كسبه، وصلحت سريرته، وكرمت علانيته، وعزل عن الناس شره، وطوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله" . (رواه الطبراني والمنذري).

والتواضع هو عدم التعالي والتكبر كما تشير موسوعة الأخلاق الإسلامية (2012)، ولقد امرنا الله تبارك وتعالى بالتواضع، يقول تعالى: (واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين) (سورة الشعراء، آية 215)، ويقول عز وجل في موضع آخر من الذكر الحكيم: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) (سورة القصص، آية 83) .

والفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر الذي كان في بداية أمره قاطع طريق بين أبيورد وسرخس بالقرب من سمرقند بخراسان وكان في عشق جارية كان في طريقه إليها فسمع تاليا يتلو (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) (سورة الحديد، آية 16)، فقال: يا رب، قد آن، فرجع . فسئل الفضيل بن عياض عن التواضع فقال: أن تخضع للحق وتنقاد إليه، ولو سمعته من صبي قبلته، ولو سمعته من أجهل الناس قبلته " .

بَيْنَ التَّوَاضُعِ والرِّضَا:

إذا كانت لفظة التواضع مشتقة من الضعة، فالأخيرة هي رضا الإنسان بمنزلة دون ما يستحقه فضله ومنزلته، وفضيلته لا تكاد تظهر في الناس (موسوعة الآخلاق الإسلامية، 2012، صفحة 207) . والرضا ضد السخط، وجاء في القرآن الكريم قوله تعالى: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) (سورة المائدة، آية 119)، وبحق أهل الرضا أحوالا ومقامات يرضى الله عنهم، وأهل الرضا لهم جزاء معروف، يقول تبارك وتعالى: (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد) (سورة ق، آية 35) .

وها هو أبو نصر السراج الطوسي الملقب بطاووس الفقراء وأحد أئمة التصوف الإسلامي الذي يوصف دوما بأن كتابه " كتاب اللمع " أول مرجع في التصوف الإسلامي يعرض بشكل متكامل الطريق الصوفي مع ذكر مصادر عديدة له، يقول عن الرضا هو مقام شريف، وهو باب الله الأعظم وجنة الدنيا وهو سكون القلب تحت حكم الله عز وجل . والطوسي نراه في كتابه يعقد الصلة دوما بين حال الرضا ومقام الوجد حيث يقول: " الذي يحجب عن الوجد رؤية آثار النفس والتعلق بالعلائق والأسباب، لأن النفس محجوبة بأسبابها، فإذا انقطعت الأسباب، وخلص الذكر وصحا القلب ورق وصفا، ونجعت فيه الموعظة والذكر وحل من المناجاة في حل غريب، وخوطب وسمع الخطاب بأذن واعية وقلب شاهد وسر طاهر، فشاهد ما كان منه خاليا، فذلك هو الوجد " .

الرِّضَا ثَمَرَةُ المَحَبَّةِ:

ومرجع ذلك كله أن الرضا ثمرة المحبة، وهو من أعلى مقامات المقربين والواصلين، ذلك أن الحب يورث الرضا بأفعال الحبيب، وفيما يروى عن أبي طالب المكي الواعظ صاحب كتاب " قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد "، من أن الله تبارك وتعالى يتجلى لعباده المؤمنين فيقول: " سلوني "، فيقولون: رضاك " . وختاما نورد حديث الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) عن الرضا إذ يقول: " إذا أحب الله تعالى عبدا ابتلاه، فإن صبر اجتباه، فإن رضي اصطفاه " .

التصوف.. من المكابدات إلى اليقين:

المستقرئ بعمق ودراية لتاريخ حركة التصوف الإسلامي مذ أن بدأت إرهاصاتها بزهد صحابة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأتباعه رضوان الله عليهم، يدرك على حد اليقين بأن الحسين بن منصور الحلاج أحد أبرز الوجوه الصوفية في الإسلام قد قدم خدمة عظيمة بقتله للتصوف على مر الأزمنة التي تلت مقتله بصورة أجبرت كتاب التاريخ ومن بعدهم الشعراء والمسرحيين وأخيرًا كتاب الرواية أن يستلهموا مسيرة أحداثه وسيرة نهاياته في أعمالهم الإبداعية.

لأن بموت الحلاج دخل التصوف في أزمة أولاً ثم سرعان ما تحولت تلك الأزمة إلى مرحلة ازدهار رائقة في حياة التاريخ الصوفي سواء من حيث الأقطاب أو من خلال المنتوج الصوفي الغزير، فحينما قتل الحلاج عقب التصريح بغير تلميح عن إشراقاته ومقاماته وأحواله التي ملأت الأرض ضجيجا وصخبا على مستويي القول والتلقي، أجبر التصوف الإسلامي على الدخول في حرب شرسة بغير هوادة أو رحمة مع أهل السنة والجماعة ؛ أولئك الذين ارتابوا إلى حقيقة التصوف، وهل هو الذي يتفوه به الحلاج أم أن له أبعاداً وملامح أخرى؟ .

التَّصَوُّفُ والخِلافةُ.. عِلاقاتٌ مُضْطَرِبَةٌ:

ومرحلة الشك في التصوف والتربص به وبرجاله الأقطاب صارت الملمح الأبرز لفترة تاريخية لا يمكن عزلها عن حركة التصوف الإسلامي لاسيما وأن التصوف باعتباره عبر امتداده بمنأى عن الخلافة ونوازع السلطة إلا أن هذا الجنوح بعيدا عن القصر والأمر والنهي كان يمثل قلقا كبيرا لدى الخلفاء بدء من معز الدولة انتهاء بالدولة السلجوقية مع دخول طغرل بك السلجوقي بغداد ولربما يمكن على استحياء تجاوز حالة القلق التي مثلها التصوف والصوفية لدى الخلفاء والسلاطين إلى بداية عهد حكم العثمانيين التي ستدوم.

وهكذا تبدو الخلافة دوما ملكا عضوضا لا يشاكل أو يماثل حكم الراشدين أبي بكر والفاروق وعثمان وباب مدينة العلم والمعرفة الإمام علي رضي الله عنهم أجمعين، وسرعان ما يخبرنا كتاب التاريخ الإسلامي عن إحداثيات الدول الإسلامية التي تعاقبت منذ تنازل الإمام الحسن رضي الله عنه وعن أبيه والصلاة والسلام على جده المصطفى محمد، والعامل الرئيس الذي أفدى بسقوط كافة الخلافات الإسلامية منذ اعتلاء واغتصاب معاوية بن أبي سفيان الخلافة وتحويلها إلى ملك عضوض هو امتلاك السلطتين الزمنية والدينية، بل إن اقتناص خلفاء بني أمية ومن خلفهم خلفاء الدولة العباسية واستلابهم للهيئة الدينية الرسمية في تلك العصور هو مفاد السقوط النهائي لهم . وهذا يفسر دوافع قلق رجال السلطة الدينية بتلك الخلافات المتعاقبة من رجالات التصوف بحكم كونهم يمتلكون بغير مطامح دنيوية السلطتين الزمنية على امتدادها والدينية لكن من غير سعي لتقرب صوب حاكم أو خليفة، أو اعتلاء تجاه منصب أو زعامة.

علاوة على أن إبطال عمل العقل والتفكير في تلك الفترات التاريخية بوصف الأخير فريضة إسلامية ضرورية ولازمة وفقا لإشارة الأستاذ عباس محمود العقاد، كان سببا قويا في توطين ثقافة النقل الحرفي وفقر الاجتهاد اللهم سوى الأئمة الأربعة الأماجد أبي حنيفة والإمام مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، ولاشك أن الاجتهاد الفقهي والفكري الذي اشتعل على فترات متفاوتة من حكم الخلافتين الأموية والعباسية مثَّلَ رصاصة الرحمة التي أودت بحياة الخلافتين تماما. بخلاف أهل التصوف الذين أصروا على التدبر والتفكر وإعمال العقل مع الاهتمام بالنقل الدقيق مع أهل الثقة والدراية، وتلك العوامل والصفات التي توافرت لأولئك الصوفيين مهدت لهم قدرا كبيرا من الزعامة الحقيقية بقلوب وعقول مريديهم.

والمثير في صحائف القهر في تاريخ التصوف الإسلامي أن كل خلافة زعمت أنها تمثل الإسلام بشريعته السمحة وفضائله ومناقبه استطاعت أن تستغل الدين لاسيما الترويج للفكر الديني الذي بدا متطرفا في تلك الفترات ولجأ خلفاء بني أمية وبني العباس تحديدا إلى استغلال الدين لتحقيق مآرب شخصية وطموحات عائلية بل ومطامح قبلية خاصة لذا لم يستطيعوا أن يمثلوا الإسلام ولا المسلمين على امتداد حكمهم. وتبدو ممارساتهم السياسية والاجتماعية والدينية أيضا كفيلة بالحكم على فساد عصورهم باستثناء القليل من خلفائهم، على سبيل التحديد عمر بن عبد العزيز الذي حفر اسمه بالذهب في كتاب التاريخ وأضاء باسمه صفحات طويلة وعريضة رغم قصر فترة حكمه .

ولست بزاعم إن قلت بأن الحياة السياسية منذ دخول الأمير معز الدولة بغداد وحتى بداية الفتح العثماني للبلدان الإسلامية قد شهدت أحداثا زادت المجتمعات العربية توترا وقلقا واضطرابا انعكس على مناحٍ ومجالات مختلفة منها الفقه الديني الذي بدا بعضه مرتبطا بالخليفة ومزاجه ومطامحه السياسية ورغبته في سعة السلطة والنفوذ، والأدب الذي ترنح بين الإجادة والخفوت والانحلال في اللفظ و أحيانا المعنى والأغراض الأدبية، لكن التصوف وحده امتاز بأن نصوصه ظلت بغير ترنح أو عزوف مطلق صوب القمة .

وتلك السلطات التي بدأت بملك بني أمية انتهاء بالدولة العثمانية استقرت على فكرة واحدة مفادها أن حركة التصوف الإسلامي ما هي إلا سلاح نافذ وناجز باستطاعته تقويض أقوى سلطة زمنية ومن ثم كانت حادثة مقتل الحلاج المدخل الرئيس والفرصة السانحة لبعض الخلفاء والسلاطين لمحاربة التصوف ورجاله بعد ذلك . لكن الجدير بالذكر أن الأقطاب الأوائل للتصوف الإسلامي استطاعوا بخبرة وحكمة وتجربة استثنائية أتيحت لهم بفضل الطاعات والعبادات أن ينتهزوا فرصة هذا الهجوم المستدام وتحويله إلى بوابة سحرية لاستقطاب الكثير من أصحاب الهجوم أنفسهم .

وظل هاجس القلق المرضي من قِبل السلاطين تجاه أقطاب الصوفية قائما حتى عصر قنصوة الغوري حاكم مصر الفاطمي قبيل سقوط الخلافة هناك واغتصابها من جديد على أيدي العثمانيين، وإمامنا الدكتور عبد الحليم محمود (رحمه الله) يورد لنا قصة في كتابه الماتع " قضية التصوف المنقذ من الضلال " عن شكل العلاقة المثيرة بين ممكن عزفوا عن الدنيا بمفاتنها وزخارفها الفانية وبين طمع وجشع السلاطين الذين جعلوا جل همهم السلطة وجمع المال .فيقص علينا إمامنا حديثا دار بين الإمام الصالح الورع الزاهد شمس الدين الديروطي وقنصوة الغوري حينما حط الأول على السلطان في ترك الجهاد، وكان للشيخ شمس الدين مجلس للوعظ في الجامع الأزهر وهو مجلس مهيب يحضره الملوك والأمراء وتفيض فيه العيون والمآقي .

وخلاصة القصة التي يسردها كاملة إمامنا الدكتور عبد الحليم محمود أن السلطان قنصوة الغوري سأل القطب الصوفي الشيخ شمس الدين الديروطي عن سبب إثارته للرعية في ترك الجهاد الذي أمر به السلطان، متحججا بأنه ليس له مراكب يجاهد فيها، فقال له الشيخ شمس الدين: عندك المال الذي تعمر به، وحينما طال الكلام بينهما قال له الشيخ شمس الدين: " قد نسيت نعم الله عليك، وقابلتها بالعصيان أما تذكر حين كنت نصرانيا ثم أسروك، وباعوك من يد إلى يد ثم من الله عليك بالحرية، والإسلام، ورقاك إلى أن صرت سلطانا على الخلق، وعن قريب يأتيك المرض الذي لا ينجع فيه طب ثم تموت، وتكفن ويحفرون لك قبرا مظلما ثم يدس أنفك هذا في التراب ثم تبعث عريانا عطشانا جيعان ثم توقف بين يدي الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة ثم ينادي المنادي من كان له حق أو مظلمة على الغوري فليحضر فيحضر خلائق لا يعلم عدتها إلا الله تعالى فتغير وجه السلطان من كلامه فقال كاتب السر وجماعة السلطان الفاتحة يا سيدي الشيخ خوفا على السلطان أن يختل عقله فلما ولي الشيخ، وأفاق السلطان قال ائتوني بالشيخ فعرض عليه عشرة آلاف دينار يستعين بها على بناء البرج الذي في دمياط فردها عليه، وقال أنا رجل ذو مال لا أحتاج إلى مساعدة أحد، ولكن إن كنت أنت محتاجا أقرضتك، وصبرت عليك فما رؤى أعز من الشيخ في ذلك المجلس، ولا أذل من السلطان في هكذا كان العلماء العاملون، وقد صرف على عمارة البرج بدمياط نحو أربعين ألف دينار، ولم يساعده فيها أحد .

التَّصَوُّفُ والشَّرِيْعَةُ الإسْلامِيَّةُ:

كيف حدث ذلك إذن ؟ وجد التصوف نفسه في موقف المبرر والمدافع عن التهم التي وجهت للحسين بن منصور الحلاج واتهامه بالفسق ثم بالخروج على التقاليد والأعراف الدينية وأخيرا بالكفر، فكانت ثمة ضرورة في توضيح موقف التصوف الذي لجأ إلى الاستناد على مصدري الشريعة القرآن والسنة الشريفة، فكانت كل النصوص والطروحات الصوفية لا تخرج عن المصدرين ورد كل فكرة وحال ومقام إليهما وهذا دفع الكثيرون إلى الاعتراف بأن التصوف لا يخرج عن الدين ولا عن القيم والأخلاق الإسلامية الرشيدة . وسرعان ما تحول المهاجمون إلى منسجمين مع الطرح الصوفي انسجاما تاما، وتستحضر تلك السطور ما قاله الإمام أبو الحسن الشاذلي: " من دعا إلى الله تعالى بغير ما دعا به رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فهو بدعي "، وقوله: " إذا لم يواظب الفقير على حضور الصلوات الخمس في جماعة فلا تعبأ به " .والإمام الجنيد يؤكد دوما على الصلة الوثيقة والعلاقة المتينة بين التصوف والشريعة فقال: " الطرق كلها مسدودة على الخلق، إلا على من اقتفى أثر السول صلى الله عليه وسلم، واتبع سنته، ولزم طريقه "

أما البوابة السحرية التي عبر الصوفيون منها وأجادوا وأبدعوا من خلالها فهي الأدب الصوفي إن صلحت التسمية وجازت، والأدب الصوفي لم يقتصر بالطبع على النص النثري، بل تعدى ليشمل الشعر أيضاً، والأبرز في هذا الإنتاج الاستثنائي أنه حمل أغراضا تعليمية تربوية تأكيدا على الدور التنموي والتربوي للتصوف، وفي هذا يؤكد أكبر مستشرقي التصوف الإسلامي جوزيبي سكاتولين على أن هذه الحقبة التاريخية التي دافع فيها التصوف عن وجوده وتبريره لكنهه مثلت انتقالا مهما وخطيرا من مرحلة الإبداع المحض في الخبرة والتجربة الصوفية، وانتقل التصوف من مرحلة التجميع للأقوال والحكم وتنظيمها وتدوينها إلى مرحلة إبداع خاص.

الرَّسَائِلُ الصُّوفِيَّةُ:

كما أن هذه الفترة التاريخية اشتهرت بظهور ما يعرف بالرسائل الصوفية وهي تصنيفات فريدة من نوعها تلخص التصوف وتوضح حقيقته فهي قطع من الحكمة وخلاصة التجربة الروحية والتجارة المربحة مع الله عن طريق العبادة الخالصة وإلزام النفس بأوامر الله ونواهيه والحرص الشديد على الطاعات وتأديتها، ويمكن توجيه الضوء وتسليطه على شخصيتين صوفيتين كبيرتي المقام والمكانة هما الحكيم الترمذي الذي سنفرد السطور القادمة للحديث عنه وعن مصنفاته الرائدة، والشخصية الثانية هو عبد الجبار النفري صاحب المخاطبات والمواقف الذي حير بتصنيفه أولي الأباب والعقول المستنيرة وهو ما يحتاج منا إلى وقت كافٍ ومساحات عريضة لتناول تلك المواقف .

ظَاهِرَةُ الحَكِيْمِ التِّرْمِذِي:

تخبرنا كتب التراجم الذاتية أن الحكيم الترمذي هو أبو عبد الله محمد بن علي بن الحسن من ترمذ بمدينة خراسان عاش بها وفيها توفي، ولاشك أن دراسته للحديث والفقه لاسيما الفقه الحنفي قد مكنته من التحدث في أمور العقيدة، ورغم هذا نال ما ناله سابقوه من اتهام بخروج عن الدين ولصقت به البدعة في الكلام لكنه برئ من كل هذا تماما، قال أبو عبد الرحمن السلمي: أخرجوا الحكيم من ترمذ، وشهدوا عليه بالكفر، وذلك بسبب تصنيفه كتاب: " ختم الولاية " وكتاب " علل الشريعة "، وقالوا: إنه يقول: إن للأولياء خاتما كالأنبياء لهم خاتم . وإنه يفضل الولاية على النبوة، واحتج بحديث: يغبطهم النبيون والشهداء فقدمبلخ، فقبلوه لموافقته لهم في المذهب . والحكيم الترمذي تجده أكثر اختلافا عن سابقيه أيضا، في أنه رفض إدخال العقل في أمور الدين بل وقام التيارات الفلسفية مقاومة شرسة، ورغم ذلك اتسم بتوجه أساسي ميز مذهبه في التصوف وهو إدراك الحقائق الدينية عن طريق الذوق والمعرفة العرفانية الحدسية المختبئة وراء النصوص، والحكيم الترمذي هو أول من تكلم عن الولاية والأولياء وله في ذلك كتاب عنوانه " ختم الأولياء " .

عِلْمُ الأوْلِيَاءِ وعِلْمُ الأنْبِيَاءِ:

يبدو أن الحكيم الترمذي وعبد الجبار النفري قد اتفقا في طريقة عرض رسائلهما الصوفية حيث اعتمدا على الموقف وطرح السؤال الذي بالضرورة يثير الدهشة ومن ثم اقتناص الوعي والانتباه والإدراك لدى المتلقي المريد، وهذا ما فعله النفري في المواقف، وما اعتمده الحكيم الترمذي في ختم الأولياء من إثارة الأسئلة من مثل قوله: قال له قائل: صف لنا شأن الذين وصلوا، فوقفوا في مراتبهم على شريطة لزوم حفظ المرتبة ؛ وما سبب اللزوم ؟ وصف لنا شأن الذين وصلوا فرفعت عنهم الشريطة، وفوضت إليهم الأمور . ومن ولَّى حق الله ؟ ومن ولي الله؟. قال: إن الواصل إلى مكان القربة، رتب له محل، فحل بقلبه هناك، مع نفس فيها تلك الهنات باقية، فإنه إنما ألزم المرتبة، لأنه إذا توجه إلى عمل من أعمال البر، ينال في موضع القربة، ليعتق من رق النفس، مازجه الهوى ومحبة محمدة الناس، وخوف سقوط المنزلة. فعمله لا يخلو من التزين والرياء، وإن دق . أفيطمع أن يترك قلبه مع دنس الرياء والتزين فيحل محل القربة؟

بل يقال له: يشترط عليك، مع العتق من رق النفس، الثبات ههنا، فلا تصدر إلى عمل بدون إذن. فإن أذنا لك، أصدرناك مع الحراس، ووكلنا الحق شاهدا عليك ومؤيدا لك؛ والحرس يذبون عنك. قال له قائل: وما تلك الحرس؟ . قال: أنوار العصمة موكلة به؛ تحرق هنات النفس ونواجم ما انكمن منها. وكل ما ينجم من مكامن النفس، من تلك الهنات أحرقته تلك الأنوار حتى يرجع إلى مرتبته ولم تجد النفس سبيلا إلى أن تأخذ بحظها من ذلك العمل. فيرجع إلى مرتبه طاهرا كما صدر؛ لم يتدنس بأدناس النفس: من التزين والتصنع، والركون إلى موقع الأمور عند الخلق.

فهذا المغرور، لما وجد قوة المحل، ونور القربة، وطهارته، ظن أنه استولى، ونظر إلى نفسه فلم يجد فيها شيئا في الظاهر يتحرك. ولا يعلم أن المكامن مشحونة بالعجائب " .

خِصَالُ الولايَةِ العَشْر:

وتنبغي الإشارة إلى ما ذكره الحكيم الترمذي من خصال عشر تتحقق بها الولاية وهو الحديث الذي ألحقه بكلام عن ولي الله الذي وصفه برجل ثبت في مرتبته وافيا بالشروط كما وفي بالصدق في سيره، وبالصبر في عمل الطاعة، واضطراره، فأدى الفرائض وحفظ الحدود ولزم المرتبة، حتى قوّم وهذب ونقّي وأدب وطهر وطيب ووسع وزكى وشجع وعوذ .

ورسالة خصال الولاية العشر تستحق النشر بأكملها لأن بها من الطاعات والآداب ما يؤثر النفس ويطهرها، يقول الحكيم الترمذي: اعلم أن الله ـ سبحانه ـ عرَّف العباد أسماءه، ولكل اسم ملك، ولكل ملك سلطان وفي كل ملك مجلس ونجوى وهدايا لأهلها.

وجعل الله لقلوب خاصته، من الأولياء، هناك مقامات، " يعني " أولئك الأولياء الذين تخطوا من المكان إلى الملك. فرب ولي مقامه في أول ملك، وله من أسمائه ذلك الاسم. ورب ولي مقامه التخطي إلى ملك ثان وثالث ورابع. فكلما تخطى إلى ملك أعطى ذلك الاسم؛ حتى يكون الذي يتخطى جميع ذلك إلى ملك الوحدانية الفردانية هو الذي يأخذ بجميع حظوظه من الأسماء. وهو محظوظ من ربه، وهو سيد الأولياء؛ وله ختم الولاية من ربه . فإذا بلغ المنتهى من أسمائه؛ فإلى أين يذهب؟ وقد صار إلى الباطن الذي انقطعت عنه الصفات.

اِنْتِهَاءٌ:

رحم الله إمامنا حجة الإسلام أبا حامد الغزالي القائل في كتابه " إحياء علوم الدين ": الطريق تقديم المجاهدة، ومحو الصفات المذمومة، وقطع العلائق كلها، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، ومهما حصل ذلك كان الله المتولي لقلب عبده، والمتكفل له بتنويره بأنوار العلم "، ويضيف حجة الإسلام الغزالي في كتابه الذي أمتع الملايين من مريديه والباحثين عن سبل وطرائق الوصل " وإذا تولى الله أمر القلب فاضت عليه الرحمة، وأشرق النور في القلب وانشرح الصدر، وانكشف له سر الملكوت، وانقشع عن وجه القلب حجاب الغرة بلطف الرحمة " .

 

الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية المساعد

كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر .

 

الدين المدموغ في عقل الإنسان، والمسجل في جيناته.

تؤكد الأبحاث والدراسات الاجتماعية الدينية، أن التدين صفة عامة لجميع البشر، قديمهم وحديثهم، وهو ما لخصته موسوعة، لاروس القرن العشرين، بالقول: " إن الغريزة الدينية مشتركة بين كل الأجناس البشرية، حتى أشدها همجية، وأقربها إلى الحياة الحيوانية." (1).

و من أحدث هذه الأبحاث والدراسات العلمية الأكاديمية، في القرن الحالي، دراسة أجرتها جامعة أكسفورد، من خلال مشروع أكاديميي ضخم، ضم 57 باحثا من 20 دولة، وانتهت إلى ما عبر عنه أحد قادة الفريق العلمي لهذا المشروع الدكتور روجر تريغ بالقول: " لقد جمعنا أدلة كثيرة تثبت أن التديّن حقيقة مشتركة في طبيعة الإنسان في المجتمعات المختلفة "(2).

كما تؤكد الأبحاث والدراسات، أنه لم توجد قط على مر التاريخ جماعة بدون دين، بل إنه قد يغيب العمران، وتغيب السياسة والعلوم والصناعات والفنون، في فترة من فترات تاريخ الإنسان، ولكن الدين كان دائم الحضور في حياة الجماعات البشرية، كما جاء على لسان المؤرّخ اليوناني بلوتارك:" لو لاحظتم العالم فإنّكم ستجدون أماكن كثيرة لا عمران فيها ولا علم وصناعة وسياسة ودولة، ولكنّكم لا تجدون موضعاً ليس فيه اللَّه."(3).و هو ما عبر عنه الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون بالقول: " لقد وجدت وتوجد جماعات إنسانية، من غير علوم وفنون وفلسفات، ولكن لم توجد قط جماعة من غير ديانة."(4).

فما سر التلازم بين الإنسان والدين على مر التاريخ ؟

يرجع العديد من الفلاسفة والمفكرين، ذلكم التلازم المتماهي بين الإنسان والدين على مر التاريخ، إلى كون التدين من وظائف الإنسان في الحياة،كما قال الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس:" حياة الدين ككل هي أهم وظيفة من وظائف الإنسانية."(5). بشكل يجعل الدين، ضرورة طبيعية بشرية، كما قال المؤرخ البريطاني، أرنولد توينبي:" الدين إحدى الملكات الضرورية الطبيعية البشرية."(6)، وحاجة إنسانية لا غنى عنها، كما عبر الفيلسوف الألماني إريك فروم بالقول:" لا وجود لإنسان بدون حاجة دينية."(7). فضلا عن كون معرفة الله تعالى والإيمان به، غريزة فطرية مغروسة ومنطبعة في نفس الإنسان منذ أن خلق، كما عبر عن ذلك الفيلسوف والرياضي الفرنسي ديكارت، في تأملاته، وهو يتحدث عن فكرة الله، بقوله:" هذه الفكرة وُلدت ووُجدت معي منذ خُلقت... والحقّ أنه لا ينبغي أن نعجب من أن الله حين خلقني غرس فيّ هذه الفكرة..."(8).

وهو ما يؤكده العديد من الباحثين والعلماء المعاصرين، كالبريطاني جاستون باريت، الباحث في مركز علم الإنسان والعقل في جامعة أوكسفورد، مؤلف كتاب: " مؤمنون بالولادة " (9). والذي ضمنه عصارة أبحاث ودراسات امتدت، لما يناهز العقد من الزمن، انتهت إلى أن:" الأطفال يولدون مؤمنين بالله، ولا يكتسبون الأفكار الدينية عبر التلقي "(10). والكندي بروس هود الأستاذ بجامعة برستول البريطانية، القائل في هذا الصدد:" إن الإيمان بالله وغيرها من الاعتقادات ... مطبوعة في عقول البشر منذ الولادة (11).

وهذا ما يفند أطروحة عالم الاجتماع الفرنسي لوسيان مالصون مؤلف كتاب:"الأطفال المتوحشون"(12)، في نفي الفطرة لدى الجنس البشري، ويدحض مذهب الفيلسوف الإنجليزي جون لوك، في إنكار الأفكار والمعارف الفطرية، من خلال مقولاته المشهورة، من قبيل:"ليست الأفكار الفطرية مطبوعة على العقل بطبيعتها، لأنها ليست معروفة بالنسبة للأطفال والسذج وغيرهم".، ومثيل قوله:" لا يمكن لمعرفة إنسان أن تتجاوز خبراته."، ونظير قوله: "لا يوجد أمر في الذهن، لم يكن موجودا في البداية في الحواس".(13).

هذه المقولات التي تبناها العلم التجريبي التقليدي، واتخذها شعارا لقرون، قبل أن يثبت العلم التجريبي الحديث، في ظل الطفرة الجينية وفتوحات الهندسة الوراثية، حقيقة الأفكار الفطرية، المطبوعة في عقل الإنسان، والمسجلة في جيناته منذ الولادة، وعلى رأسها معرفة الله والإيمان به.

ففي أعقاب نشر كتاب: " جين الله "(14)، لعالم الوراثة الأمريكي دين هامل، مدير وحدة التنظيم والهيكل الجيني في معهد السرطان القومي الأمريكي- مؤكدا خلاله فرضية كون الإنسان يرث مجموعة من الجينات تجعله مستعدًا لتقبّل الألوهية والدين، ومنها جين VMAT2-، خصصت مجلة " التايم" «The Time» الأمريكية، حيزا مهما من العدد 25 الصادر في أكتوبر 2004، للبحث في الموضوع تحت عنوان: "هل الله في جيناتنا؟"، ونقلت المجلة من خلال تقريرها، آراء العديد من العلماء، تؤكد أن الألوهية شعور يولد مع الإنسان. بحيث يولد الإنسان ويولد معه الشعور بوجود إله، وليس فقط مجرد الاستعداد لتقبل الألوهية(15).

و في هذا تأكيد لنظرية كلود كلننجر، أستاذ علم النفس والطب النفسي وعلم الوراثة بجامعة واشنطن، المعروفة بنظرية "المزاجات والأخلاق الوراثية"، التي تحدد ميول البشر الإنسانية والأخلاقية والروحية، والتي تمثل الأساس النفسي لفطرة التدين وفطرة المنظومة الأخلاقية في الإنسان.(16).

فصارت الفطرة الدينية حقيقة علمية، تقر بارتباط الإيمان بجينات الإنسان، وشعوره، قبل إحساسه وعقله. وهو ما عبر عنه العالم البريطاني، روبرت ونستون رئيس الاتحاد البريطاني لتقدم العلوم، في كتابه:" الفطرة البشرية"، بالقول: " الحس الديني جزء من بيئتنا النفسية ومسجل في جيناتنا."(17).

فالعقيدة الدينية، إذا، مسجلة ومغروسة في الإنسان، وبفعل فاعل، هو فاطر هذا الإنسان وخالقه، عز وجلت قدرته. وليست ناشئة، كما قال ول ديورانت، عن فطرة الإنسان لمجرد ما في الإنسان من تساؤلات لا تنقطع، وخوف وقلق وأمل، وشعور بالعزلة(18).

و هذه الحقائق الفلسفية والاجتماعية والعلمية، والتي لم تكتمل صورتها إلا في أواخر القرن الماضي وبداية القرن الحالي، ما هي إلا ترجمة لبعض أوجه حقائق نقلية، صدح بها القرآن الكريم، وأكدتها السنة النبوية، منذ القرن السابع الميلادي. كما في قوله تبارك وتعالى في الذكر الحكيم:" فأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي فطر الناس عليها."(19). وقول النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم،:" ما من مولود إلا يولد على الفطرة ..."(20).

فالإنسان، المخلوق لعبادة الله وعمارة الأرض، يولد بالضرورة، مفطورا على الإيمان بالله، ومعترفا في قرارة نفسه بربوبية الخالق عز وجل، التي شهد بها على نفسه أمام الله تعالى، في عالم الذرة منذ الأزل، بموجب الميثاق الأعضم، وفق تعبير بعض فلاسفة ومتصوفة الإسلام، كالإمام الجنيد رحمه الله تعالى، كما يخبر بذلك القرآن الكريم، في قوله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل:" وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى، شهدنا."(21).

قال العلامة ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لهذه الآية: " يخبر تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم، شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو . كما أنه تعالى فطرهم على ذلك وجبلهم عليه."(22). وروى الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ:" أَخَذَ اللهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ، فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا، فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا، قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ، أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ "(23).

وهذه الحقيقة النقلية والعقلية، التي كانت مستنكرة من الماديين، صارت حقيقة علمية تجريبية، بعدما أكدها علم الوراثة، الذي أثبت وجود الأبناء في صلب الآباء منذ ولادة الآباء، بإثبات انتقال الصفات الوراثية بين الآباء والأبناء من جيل إلى جيل، وبالتالي وجود جميع البشر في صلب آدم عليه السلام، وحواء رضوان الله عليها منذ خلقهما.(24).

فالدين بموجب الواقع، وبمقتضى النقل والعقل والعلم التجريبي، إذا، حقيقة فطرية مسجلة ومطبوعة في النفس البشرية، ومسجلة في جينات الإنسان.

وليس الدين مجرد نتاج الخوف من القوى غير المرئية التي اختلقها الذهن البشري، أو تخيلها من الحكايات المشروعة، كما قال الفيلسوف البريطاني توماس هوبز(25).

لكن ما طبيعة الدين المدموغ في عقل الإنسان، والمطبوع في جيناته بالولادة ؟ أمام تعدد الأديان بين السماوي الإلهي) اليهودية والمسيحية والإسلام (، والوضعي البشري ) الهندوسية والبوذية والكونفوشية ...(.

التوحيد دين الفطرة

مع التسليم بفطرية الدين، إلا أن الأمر ليس على إطلاقه. فليس كل دين، وضعيا كان أو سماويا، بمطبوع في طبيعة الإنسان، وبمسجل في جيناته. وذلك اعتبارا لكون الأديان البشرية مكتسبة، ومن صنع الإنسان نفسه.

و المكتسب لا يكون فطريا. إذ لا يجوز أن تكون الصنعة جزءا من ماهية الصانع، ولا يصح أن توجد معه بالخلقة والولادة.

فدين الفطرة، هو الدين الإلهي، دين السماء، الدين الذي جبل عليه الإنسان، ودمغ في جيناته، وشهد به على نفسه أمام الخالق تعالى، في عالم الذرة منذ الأزل؛ بموجب الميثاق الإلهي مصداقا لقوله تعالى:" وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم، وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم، قالوا بلى، شهدنا."(26).

و لا يتعلق الأمر فقط بدين من أديان السماء المنسوبة لله تعالى، بل بدين التوحيد منها، توحيد الله تعالى وإفراده بالألوهية، وتخصيصه بالعبادة.

فالتوحيد هو أصل الدين، وهذه حقيقة قديمة قدم الدين نفسه، أكدها التاريخ، وأثبتها العديد من الباحثين، كالأستاذ لانج الذي أثبت وجود عقيدة الإله الأعلى أو إله السماء، عند ما يعرف بالقبائل الهمجية في أستراليا وأفريقيا وأمريكا، وكذا شريدر الذي أثبتها عند الأجناس الآرية القديمة، وبروكلمان الذي وجدها عند الساميين قبل الإسلام، وكاترفاج عند أقزام أواسط أفريقيا(27)، وشميث الذي أثبت أن فكرة الإله الأعظم توجد عند جميع الشعوب بما فيها أقدم الأجناس البشرية(28). وهو ما عبر عبر عنه الأستاذ فوركارت في موسوعة دائرة معارف القرن العشرين بالقول:" إن تصور إله السماء يرجع إلى أقدم العصور الإنسانية، وأن فكرة تعدد الآلهة فكرة لاحقة لفكرة التوحيد."(29).

وهذا الذي تدل عليه نظرية خلق الإنسان كما سطرها القرآن الكريم، هو ما تؤكده الأبحاث العلمية الأركيوليوجية، المفندة للنظريات، التي تزعم، دون برهان علمي مقنع، أن عبادة الإله الواحد، مرحلة لاحقة من تطور الدين عند الإنسان، الذي بدأ بتقديس الظواهر الطبيعية والأوثان(30). وفي ذلك يقول الفيلسوف الألماني ماكس مولر: "خلافاً لما تقوله النظرية الشهيرة بأنّ الدين ظهر أوّلًا بعبادة الطبيعة والأشياء والأصنام، ثمّ وصل إلى عبادة اللَّه الواحد، فلقد أثبت علم الآثار بأنّ عبادة اللَّه الواحد كانت سائدة منذ أقدم الأيّام."(31).

فقد عاشت البشرية على دين أبيها نبي الله آدم، دين التوحيد لقرون، ولم تعرف الشرك إلا مع قوم نوح عليه السلام، مصداقا لقوله تعالى في الحديث القدسي:" إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا."(32).

و مصداقا لقوله تعالى: " وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا."(33). قال العلامة ابن كثير في التفسير:" أخبر تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس، كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد، وهو الإسلام ؛ قال ابن عباس: كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام، ثم وقع الاختلاف بين الناس، وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان.".

فلم ينحرف الإنسان عن التوحيد، ويشرك ويبتدع ويلحد، إلا بمقتضى عوارض خارجة عن الفطرة أو لاحقة بها، تبتدأ بترصد الشيطان وفتنته، وتنتهي بفتور الوحي والنسيان، وببغي الإنسان وجحوده وتنطعه.

فدين الفطرة، إذن، هو الدين الحنيف، دين التوحيد، مصداقا لقوله تعالى:" وأقم وجهك للدين حنيفا، فطرة الله التي فطر الناس عليها."(34).

ودين التوحيد، وهو الدين الذي لم يخل منه تاريخ البشر، ولم تخل من التذكير به، والدعوة إليه أمة من الأمم، ولا قوم من الأقوام، مصداقا لقوله عز وجل:"و إن من أمة إلا خلا فيها نذير"(35). وهو الدين الذي بعث به كافة الأنبياء والرسل مصداقا لقوله تعالى:" ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت."(36).

وهذا الدين الحنيف، هو دين أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، مصداقا لقوله تعالى: " ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما."(37)، ولقوله جل جلاله: " وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، قل بل ملة إبراهيم وما كان من المشركين.". وقوله عز من قائل:" قل إني هداني ربي صراطا مستقيما، دينا قيما ملة إبراهيم، وما كان من المشركين."(38).

فدين التوحيد، إذن، هو أصل الدين، لأنه دين الفطرة، المدموغ في جينات الإنسان. وغيره من الأديان الوضعية والشركيات، مجرد عوارض مكتسبة. أما الإلحاد وما في حكمه، فلا يمكن، أمام الحقائق النقلية والعقلية، والحقائق العلمية التجريبية المفصحة عن الكثير من خفايا مكنونات الأنفس )الهندسة الوراثية( ودقائق الآفاق )الفيزياء الكونية(، إلا أن يكون وهما أو مرضا، أو مشكلة نفسية(39)، أو تجردا من مقتضيات الفطرة، وهروبا من مستلزمات التدين. وفي أحسن الأحوال صنعة(40)، أو اختيارا مكابرا، أو متعالما مبنيا على قصور عقلي وشح معرفي، من باب قول العالم الفرنسي لويس باستور:" قليل من العلم يبعد عن الإله وكثير من العلم يعيد إليه."(41)، ومن باب قول الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون:" إذا كان قليل من الفلسفة يبعد عن الله، فإن الكثير منها يرد إلى الله"(42).

هذا إن لم يكن الإلحاد، عند بعض الأفراد طريقا للشهرة، وحرفة وتجارة مربحة(43)، وعند بعض المؤسسات استراتيجية سياسية، وظاهرة صوتية إعلامية ودعاية تسويقية، متعددة البواعث والغايات، أمام تظافر جهود كل المتضررين والمتوجسين من الدين، بشكل مباشر أو غير مباشر. خاصة مع ظاهرة " الإلحاد الجديد "، الذي يعتمد استراتيجية الهجوم والعداء، والاضطهاد الفكري، وأساليب الشيطنة والتدليس، والسخرية والانتقاص، من الدين بشكل عام، والإسلام بشكل خاص(44).

لكن ما المراد بدين التوحيد، أمام تعدد الأديان السماوية المتبعة، وتعدد نحلها وملل أتباعها؟

الإسلام دين التوحيد

دين التوحيد، هو الدين القائم على إفراد الله تعالى بالربوبية والألوهية، وتخصيصه دون سواه بالعبادة.

و هو الدين الذي بٌعث به كافة الأنبياء، وأٌمروا به وأَمروا بالدعوة إليه. مصداقا لقوله سبحانه وتعالى:" وما أرسلنا من قبلك من رسول، إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون."(45).

و هذا الدين، هو دين الإسلام، دين كافة الأنبياء والرسل، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى، على لسان نوح عليه السلام: " فإن توليتم فما سألتكم من أجر، إن أجري إلا على الله، وأمرت أن أكون من المسلمين"(46)؛

وقوله عز وجل، على لسان إبراهيم الخليل عليه السلام:" وأوصى بها إبراهيم بنيه، يا بني إن الله اصطفى لكم الدين، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون."(47)؛

و قوله سبحانه وتعالى، مخبرا عن يعقوب عليه السلام:" أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت، إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي، قالوا نعبد إلهك، وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، إلها واحدا ونحن له مسلمون."(48)؛

وقوله جل وعلا على لسان يوسف عليه السلام:" توفني مسلما وألحقني بالصالحين."(49).

وقوله تبارك وتعالى، مخبرا عن فرعون في قصته مع موسى عليه السلام:" حتى إذا أدركه الغرق، قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين."(50)؛

و قوله سبحانه وتعالى، مخبرا عن حواريي عيسى عليه السلام: " فلما أحس عيسى منهم الكفر، قال من أنصاري إلى الله، قال الحواريون نحن أنصار الله، آمنا بالله، واشهد بأنا مسلمون."(51)؛

و قوله عز وجل، في قصة بلقيس ملكة سبأ، مع نبيه سليمان عليه السلام:" قالت يا أيها الملأ، إني ألقي إلي كتاب كريم، إنه من سليمان، وإنه بسم الله الرحمان الرحيم، ألا تعلوا علي، وآتوني مسلمين."(52).

فدين التوحيد إذن، هو دين الإسلام. وهو دين الهداية الربانية، مصداقا لقوله عز من قائل:" فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام."(53).

و مصداقا لقوله تبارك وتعالى:" قولوا آمنا بالله، وما أنزل إلينا، وما أنزل إلى إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط، وما أوتي موسى وعيسى، وما أوتي النبيئون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون. فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما هم في شقاق."(54).

و مصداقا لقوله عز من قائل:" وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أ أسلمتم، فإن أسلموا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ."(55).

الدين فطرة، والتوحيد دين الفطرة، والإسلام دين التوحيد.

فدين الفطرة المسجل في جينات الإنسان، إذن، هو دين الله تعالى في الأرض، وهو الإسلام، مصداقا لقوله تعالى:" إن الدين عند الله الإسلام."(56). ولا أدل على هذا ولا أبلغ، بعد الذكر الحكيم وسنة النبي الأمين، مما تلهج به ألسنة الكثير من المهتدين إلى بر أمانه، كما هو حال هذه الفتاة البلجيكية بقولها:" استجابت نفسي كلها لهذا الإسلام، إذ وجدت فيه دعوة الله المتجاوبة مع أعماق الفطرة البشرية"(57). وهذا الفتى الألماني القائل:" اكتشفت أن الإسلام كمنهج حياة ينسجم من كافة الوجوه مع فطرتي."(58).

و هذه حقيقة لا يسع كل منصف متجرد، ممن عرف كنه الإسلام إلا أن يقر بها، كما عبر المهندس العراقي اليهودي الأصل الدكتور أحمد سوسة، بعد اعتناقه للإسلام بالقول:" على المرء الذي وقف على حقيقة الإسلام أن يعترف أن الإسلام هو في الحق دين الحرية والفطرة ."(59).

و الإسلام هو الدين، الذي اصطفاه الله تعالى، وأمر عز وجل باتباعه، والتمسك به إلى يوم لقائه، مصداقا لقوله عز وجل:" إن الله اصطفى لكم الدين، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمين."(60). وقوله عز من قائل:" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون."(61).

و الإسلام هو دين البشرية، الذي بدأ عقيدة وسلوكا وعبادات ومعاملات، مع آدم عليه الإسلام، وتمت أحكامه واكتملت شرائعه، بنزول الوحي على خاتم الأنبياء والمرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله، عليه الصلاة والسلام، مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه. وارتضاه الله عز وجل لكافة خلقه، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى:" اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا."(62).

و الإسلام، الذي أتمه الله تعالى ببعثة رسوله الكريم، وارتضاه عز وجل للناس أجمعين، هو الدين الحق، مصداقا لقوله سبحانه وتعالى:" هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله."(63).

و هذا الدين، هو الدين الذي لا يقبل الله تعالى أن يتبع سواه، ولا أن يتعبد بغيره، مصداقا لقوله عز وجل: " ومن يبتغ غير الإسلام دينا، فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين."(64).

فاللهم ثبتنا على دينك، واشرح صدورنا لهديك ونورك، ووفقنا لطاعتك، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك. " أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله." سورة الزمر الآية: 45. وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.        

 

د. البشير عدي

كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكادير.

.................

(1) نقلا عن: الدكتور محمد عبدالله دراز: الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، دار القلم بيروت، صفحة 82.

(2) صحيفة التيليغراف البريطانية العدد الصادر بتاريخ: 2012/03/12. انظر الرابط:

https://www.telegraph.co.uk/news/politics/8510711/Belief-in-God-is-part-of-human-nature-Oxford-study.htm

(3) نقلا عن: الشيخ ناصر مكارم الشيرازي: نفحات القرآن، نشر مدرسة الإمام علي، قم، الطبعة الأولى، ج 3، ص 98.

(4) نقلا عن: الدكتور محمد عبدالله دراز: الدين بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان، م س، صفحة 82

(5) د هوست سميت: أديان العالم. تعريب وتقديم سعد رستم، دار الجسور الثقافية، حلب، الطبعة الثالثة، ص 4.

(6) نقلا عن: الدكتور وليد نور: المختصر القويم في دلائل نبوة الرسول الكريم. دار الكتب العلمية بيروت، ص 10 .

(7) إريك فروم: الدين والتحليل النفسي. ترجمة فؤاد كامل، مكتبة غريب القاهرة مصر1977. ص 27.

(8) ديكارت: التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة وتقديم وتعليق الأستاذ عثمان أمين، المركز القومي للترجمة القاهرة 2009، ص 163.

(9) الكتاب طبع بالإنجليزية تحت عنوان: Born believers: the science of children's religious belief، وترجمه مركز دلائل، ونشره تحت عنوان: فطرية الإيمان:كيف أثبتت التجارب أن الأطفال يولدون مؤمنين بالله.

 (10) مجلة "ديلي تلغراف" البريطانية، العدد الصادر بتاريخ 24 نونبر 2008.

(11) جريدة الزمان الصادرة بالعربية في لندن العدد 3393 وتاريخ 2009/09/09 . نقلا عن:صحيفة ديلي ميل البريطانية.

(12) الكتاب مطبوع تحت عنوان: الأطفال المتوحشون: الأسطورة والحقيقة: ترجمة لطيف فرخ، صادر عن دار الفكر بيروت 1997.

(13) يذهب الفيلسوف هيجل، إلى أن هذه المقولة والتي قبلها، منقولتان خطأ عن الفيلسوف اليوناني أرسطو. الموسوعة الفلسفية، ترجمة وتقديم وتعليق الدكتور إمام عبدالفتاح إمام، دار التنوير بيروت، الطبعة الثالثة، 2007، ص 60. ويؤكد هيجل أن معرفة الله هي في طابعها الحق: ارتفاع فوق كل الإحساسات والإدراكات الحسية. الموسوعة الفلسفية، م س، ص 66.

(14) الكتاب طبع بالإنجليزية عة طبعات، تحت عنوان: جين الله: كيف يتم ربط الإيمان بجيناتنا.

THE GOD GENE: how faith is hardwired into our genes

(15) انظر الرابط:

 http://content.time.com/time/magazine/0,9263,7601041025,00.html

(16) د عمرو شريف: رحلة عقل، مكتبة الشروق الدولية،مصر الجديدة، الطبعة الرابعة، 2011، ص179/178.

(17) د عمرو شريف: نفسه، ص173.

(18) ول ديورانت: قصة الحضارة، ترجمة زكي نجيب محمود، دار الجيل، بيروت، ج 1 ص 117.

(19) سورة الروم، الآية: 29.

(20) صحيح الإمام البخاري: كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام.

(21) سورة الأعراف، الآية: 172.

(22) ابن كثير الدمشقي: تفسير القرآن العظيم، دار ابن حزم،بيروت، الطبعة الأولى، ص 797. وهذا ما عليه جمهور الفقهاء، خلافا للمتكلمين. انظر في مذاهبهم: علي القرني: الفطرة: حقيقتها ومذاهب الناس فيها. دار المسلم للنشر والتوزيع، الرياض، ط2003/1.

(23) الإمام الحاكم: المستدرك على الصحيحين: كتاب الإيمان، باب تفسير آية: وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم.

(24) انظر للتفصيل: دراسة للدكتور محمود نجا، أستاذ الفارماكولوجيا الإكلينيكية بكلية الطب جامعة القاهرة، تحت عنوان: حديث القرآن والسنة عن الحامض النووي في الأمشاج. منشور بموقع إعجاز القرآن والسنة الإليكتروني. على الرابط: https://quran-m.com/?p=1372.

(25) د إمام عبدالفتاح إمام: توماس هوبز فيلسوف العقلانية، دار الثقافة ط 1985 ص 408

(26) سورة الأعراف، الآية: 172.

(27) وهذا خلافا لما ذهب إليه ول ديورانت في كتابه تاريخ الحضارة من التشكيك، في وجود ديانة لدى أقزام أفريقيا وحديثه عن الإلحاد البدائي. قصة الحضارة،م س، ج 1 ص 98 . مع أن ديورانت يؤكد في ذات الكتاب، أن الدين ظاهرة تهم البشر جميعا . ص 99.

(28) نقلا عن: د أحمد عبد الرحيم السايح: بحوث في مقارنة الأديان: الدين نشأته والحاجة إليه.دار الثقافة،الدوحة.ص 42/43 .

(29) الدكتور محمد عبدالله دراز: الدين: بحوث ممهدة لدراسة تاريخ الأديان دار القلم، م س، ص 82.

(30) انظر في النظريات الوضعية لنشأة الدين وتطوره: د سعيد مراد: المدخل إلى تاريخ الأديان، منشورات عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية. القاهرة بدون تاريخ. وذ محمود العقاد: الله: كتاب في نشأة العقيدة الإلهية، المكتبة العصرية. بيروت1949 .

(31) نقلا عن: ناصر مكارم الشيرازي: نفحات القرآن، م س، ج 3 ص 98.

(32) صحيح الإمام مسلم: كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار.

(33) سورة يونس، الآية: 19.

(34) سورة الروم، الآية: 29.

(35) سورة فاطر، الآية: 24.

(36) سورة النحل، الآية: 36.

(37) سورة آل عمران، الآية: 66.

(38) سورة الأنعام، الآية:162/161.

(39) انظر في هذ الشأن، دراسة للدكتور عمرو شريف أستاذ الجراحة العامة بكلية الطب جامعة عين شمس بالقاهرة، تحت عنوان: الإلحاد مشكلة نفسية. من منشورات نيو بوك للنشر والتوزيع القاهرة. الطبعة الأولى 2016. ودراسة للدكتور بول فيتز، أستاذ علم النفس التجريدي بجامعة نيويورك بعنوان: سيكولوجية الإلحاد. ترجمة مركز دلائل تحت عنوان: نفسية الإلحاد. دار وقف دلائل للنشر الرياض، السعودية ط2013/2

(40) انظر فصل صناعة ملحد، من كتاب أنطوني فلو: هناك إله: كيف قاد العلم أشرس ملاحدة العالم إلى الإيمان. ص 21 وما بعدها.

(41) نقلا عن: لوك فيري: أجمل قصة في تاريخ الفلسفة. ترجمة محمود بن جماعة. دار التنوير، بيروت، الطبعة الأولى 2015، ص 115.

(42) نقلا عن: الشيخ نديم الجسر: قصة الإيمان بين الفلسفة والعلم والقرآن. المكتب الإسلامي بيروت ط3، 1969.ص125

(43) وصلت مداخيل أحد المروجين العرب للإلحاد على الشبكة العنكبوتية، في ثلاثة أشهر فقط ما يناهز: 60.000 دولار. شاهد على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=c1Zhp-Abi9Q

(44) انظر: د عمرو شريف: وهم الإلحاد .كتاب هدية مجلة الأزهر، محرم 1435، نونبر 2013، ص 28. ود محمد عمارة: الإسلام في عيون غربية.دار الشروق، القاهرة، الطبعة الأولى 2006. ود عبدالله صالح الجعيري: ميليشيا الإلحاد –مدخل لفهم الإلحاد الجديد- مؤسسة تكوين للدراسات والأبحاث، لندن،2014

(45) سورة الأنبياء، الآية:25.

(46) سورة يونس، الآية: 72.

(47) سورة آل عمران، الآية: 66.

(48) سورة البقرة، الآيات: 136/135.

(49) سورة يوسف، الآية:111.

(50) سورة يونس، الآية:90.

(51) سورة آل عمران، الآية:51.

(52) سورة النمل، الآيات: 31/29.

(53) سورة الأنعام، الآية: 132.

(54) سورة البقرة، الآية: 125.

(55) سورة آل عمران الآية: 20.

(56) سورة آل عمران، الآية: 19.

(57) د عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا، المكتب المصري الحديث، الإسكندرية، طبعة 2001، ص 38.

(58) د عرفات كامل العشي: نفسه، ص 18.

(59) د أحمد سوسة: في طريقي إلى الإسلام، المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، بيروت،2004، ص 40.

(60) سورة آل عمران، الآية: 66.

(61) سورة آل عمران، الآية: 102.

(62) سورة المائدة، الآية: 04.

(63) سورة التوبة الآية: 33.

(64) سورة آل عمران، الآية: 84.

 

 

بليغ حمدي اسماعيلأصاب تقي الدين بن تيمية وأخطأ في نفس الوقت بحق التصوف وأهله وأقطابه أيضا، وتاريخنا الإسلامي لاسيما اليوميات والوقائع المرتبطة بالشخوص البارزة فيه والمكونة لإحداثياته يشير إلى أن ابن تيمية وسط صراعاته العقيدية والفكرية مع الباطنية وأهل الكلام تتطرق طوعا تارة وكرها تارة أخرى لمساجلات لا طاقة له بها مع التصوف الإسلامي بوصف الأخير أكبر وأوسع حركة تجديد في تاريخ الفكر الإسلامي . وربما انساق كثير من مريدي وأتباع الشيخ تقي الدين بن تيمية وراء آرائه وأفكاره وطرحه التنظيري حول التصوف في أمور ظاهرة فقط، وهؤلاء اقتنصوا العبارات التي تشير إلى موقفه العقائدي فقط حول بعض من مظاهر التصوف الشكلي دونما أي تطرق أو أدنى إشارة إلى إلماعه السردي بشخصيات وأقطاب صوفية كالجنيد الذي يراه ابن تيمية المدخل الحق للتصوف وفقا لالتزامه بالكتاب والسنة لكنه يأبى أن يقبل الطرح الصوفي  لابن عربي الذي يرفضه معظم الأصوليين الذين يتسمون بالراديكالية معظم الوقت . وكذلك تلميذه عمر بن الفارض وبموقفه ذلم دخل تقي الدين في امتحان عسير لاسيما وأنه أبى منطق الإشارة والإبهام والرمزية التي اتسمت بها كتابات أقطاب التصوف في الإسلام .

عَلَى مَائِدَةِ ابن عطاء الله وابن تَيمِيَة:

وتقي الدين بن تيمية حينما عاود الرجوع إلى قاهرة المعز لدين الله الفاطمي وجد أن للتصوف والصوفية بوجه عام مقاما ومكانة عالية بين عموم المصريين،وحينئذ أيقن أنه لا مناص من الاعتراف بكونه ليس عدوا للتصوف ولكنه عدو لهذا الفكر الذي يقود بصاحبه إلى التسوية بين الإيمان والشرك، وفي موقفه هذا أشار أيضا إلى ما يشير إليه أقطاب التصوف من الفناء الشرعي الذي يعني فناء العبد في الطاعة فيفنى عن غير الله بعبادة الله، وعن محبة سواه بمحبته تعالى ورسوله . والمشكلة الحقيقية لتقي الدين بن تيمية أنه وقف عند تخوم التبرك والتوسل بالأضرحة وطلب الشفاعة من أصحابها لدرجة أنه ورغم كونه فقيها وعالما شاهقا وصل بحد مهاجمة أفعال الفقراء الذين يتباركون بأضرحة الأولياء إلى السخرية والاستهزاء بالقول تارة، وبنظم الشعر الساخر تارة أخرى بالرغم من تكرار التأكيد على أنه شيخ الإسلام الأكبر، يقول ابن تيمية في شعره بلسان الفقراء:

والله ما فقرنا اختيار      وإنما فقرنا اضرار

جماعة كلنا كسالى     وأكلنا ما له عيار

تسمع منا إذا اجتمعنا     حقيقة كلها فشار

وأهم ما يعنينا في هذه التقدمة هو موقف ابن عطاء الله السكندري وهو أحد البارزين في المشهد الصوفي المصري واستنكاره المطلق لهذا الطرح العجيب الذي جاء به ابن تيمية، وتذكر لنا كتب التاريخ المصري أن ابن تيمية حينما قدم إلى الإسكندرية صلى خلف إمامة ابن عطاء الله السكندي وفيه قال مكاشفة: أعرف عنك الورع، وغزارة العلم،وحدة الذهن، وصدق القول، وأشهد أني ما رأيت مثلك في مصر ولا في الشام حبا لله وفناء فيه أو انصياعا لأوامره ونواهيه، ولكنه الخلاف في الرأي .

ودار نقاش طويل بين القطب الصوفي ابن عطاء الله السكندي والفقيه تقي الدين بن تيمية انتهى بطرح فكري صوب ابن عربي بقول ابن عطاء: ابن عربي رضي الله عنه كان أكبر فقهاء الظاهر بعد ابن حزم الأندلسي المقرب إليكم يا معشر الحنابلة، كان ابن عربي ظاهريا في الشريعة، ولكنه يسلك إلى الحقيقة طريق الباطن أي تطهير الباطن، ولكيلا تضل أو تنسى أعد قراءة ابن عربي بفهم جديد لرموزه وإيحاءاته تجده مثل القشيري، قد اتخذ طريق التصوف في ظل ظليل من الكتاب والسنة إنه مثل حجة الإسلام الشيخ الغزالي يحمل على الخلافات المذهبية في العقائد والعبادات ويعتبرها انشغالا بما لا جدوى منه ويدعو إلى أن تكون محبة الله هي طريقة العبد في الإيمان .

عبد الرحمن السلمي .. زاوية سيرية:

من هؤلاء الذين اتخذوا الكتاب والسنة طريقا واضح المعالم لإقامة طرح صوفي مستنير القطب الصوفي عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي الذي ولد بنيسابور بخراسان، ولقد درس السلمي على يد قطب صوفي شهير هو أبي القاسم النصراباذي، فضلا عن اتصاله بأبي نصر الطوسي صاحب كتاب (اللمع) . ولعل أحد أسباب تفرد عبد الرحمن السلمي هو اهتمامه بالعلوم الإسلامية لاسيما التفسير والحديث، وتذكر لنا المصادر التاريخية أن السلمي أقام مكتبة كبيرة اجتمع فيها وحوله مجموعة من المريدين الذين صاروا بعد ذلك أئمة للتصوف من مثل عبد الكريم القشيري والخطيب البغدادي والإمام الجويني .

وللسلمي عدة مؤلفات في التصوف منها مجموعة من الرسائل الصوفية التي تعبر عن التزامه بالكتاب والسنة، وبانفتاحه على الكثير من التيارات والاتجاهات الصوفية والفلسفية والفكرية المختلفة، من هذه الرسائل الرسالة الملامتية والملامتية تيار صوفي رأى فيه السلمي مثالية فريدة، كذلك من مؤلفاته بيان أحوال الصوفية، وعيوب النفس ومداواتها، وطبقات الصوفية، وحقائق التفسير، ومسألة درجات الصادقين، وتسعة كتب في أصول التصوف والزهد، وأخيرا كتابه مناهج العارفين الذي ننقل ونعرض بعضا من سطوره في قراءة ومقاربة بسيطة .

سُطُوْرٌ مِنْ مَنَاهِجِ العَارِفِيْن:

على خلاف ما بدأ به معظم أهل التصوف في عرض للأحوال والمقامات، استهل السلمي في حديثه عن التصوف بالبدايات والنهايات له، فيقول بإن التصوف له بداية ونهاية ومقامات، فأول التصوف عند عبد الرحمن السلمي التوفيق من الله تبارك وتعالى والتنبه من سنة الغفلة وترك مألوفات النفس ومرادات الطبع، وهجران إخوان السوء ومفارقة المكان الذي خالف فيه أمر الله تعالى . علاوة على ترك الدنيا والإعراض عنها والإقبال على الآخرة والخلوة والعزلة وقلة الانبساط وقيام الليل وكثرة البكاء على ما سلف من أيامه وتضييع أوقاته وخسرانه عمره . مستندا في ذلك إلى قول رسول الله (صلى الله عليه وسلم): " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وماذا عمل فيما علم " .

ويضع عبد الرحمن السلمي بين أيدينا روشتة علاج واضحة لأمراض القلوب ويخط خارطة طريق للصوفي حينما بؤكد على أن الصوفي أول ما يأخذ به هو الأدب، ثم الأخلاق حتى يمن الله عليه بالأحوال السنية فيكون شعاره بين الخلق البِشْر والاسترسال، كما يشير أنه ليس بصوفي من جهل أحكام الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم) ويقول: من لم يحكم أحكام الظاهر لم يوفق لتهذيب أحكام الباطن .

وهو في ذلك ـ السلمي ـ يؤكد على ثمة أمور ومشاهد من شأنها تمكين المرء من تحقيق التوبة الشخصية ؛ منها ترك الدنيا والإعراض عنها، والإقبال على الآخرة، وقلة النوم والأكل والكلام، والسعي صوب الخلوة والعزلة والاعتزال وقيام الليل والبكاء على ما قد سلف من الأيام من تضييع وضياع للوقت والجهد غير المحمود.

ويكشف عبد الرحمن السلمي عن ثمار تمكين التوبة من العبد حينما تصح  بأن أنوار محبة الله تلوح في الأفق وتتحقق للرائي، منها الاجتهاد والقوة على أداء الطاعات وضعف النفس عن المخالفة وترك طبائعها المذمومة من بخل وغل وحسد .

مَقَامَاتُ التَّصَوُّفِ:

يشير عبد الرحمن السلمي في كتابه (مناهج العارفين) إلى مقامات التصوف ويحددها في ثلاثة ؛ الآداب، والأخلاق، والأحوال، أما الآداب فهي اكتساب، والأخلاق قدوة، وأخيرا الأحوال موهبة، فمن الآداب تذليل النفس والتخلي من الدنيا والتأدب بإمام ناصح أمين وعمارة الأوقات بما هو أولى . ومن الأخلاق حسن الخلق والسخاء والتواضع والاحتمام ودوام الحزن وترك الاشتهار بالصلاح .ويقول السلمي بإن من تأدب بهذه الآداب وتخلى بتلك الأخلاق يمن الله عليه بأحوال سنية من الزهد والورع والتوكل والتفويض والإخلاص واليقين والمعرفة والشوق والأنس .

ويتحدث السلمي عن مقام الصديقين، كونه من أحوال الصوفية وهو موافقة الرسول (صلى الله عليه وسلم) في أوامره ونواهيه وأفعاله وأخلاقه وبالضرورة قدر الإمكان والتصرف وإتاحة القدرة، ويقول في ذلك: " فأول ما يبتدئ بأحواله فإن أطاقها ركبها وإن لم يطق ذلك نزل عن أخلاقه، فإن لم يطق ذلك نزل عن آدابه، وإن فاته هذه المقامات فلا يفوته الاقتداء بسنته ولا ينزل عن درجة اتباع السنة بحال ويعلم أن أدنى منازل النبوة منقطعة عن أعلى منازل الولاية " .

ويقين التصوف عند السلمي الذي يمثل المرحلة الثامنة من عصر المصنفات الصوفية الكبرى أنه ليس بصوفي من جهل أحكام الله تعالى وأحكام الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومن لم يحكم بأحكام الظاهر لم يوفق لتهذيب أحكام الباطن يقول الله تعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)، (سورة العنكبوت ـ آية 69) ، كما يشير إلى أنه ليس بصوفي أيضا من خالف أحواله العلم مستندا إلى مقولة الإمام الجنيد في ذلك المشهد: " ليكن العلم مصحوبك والأحوال يندرج فيك، لأن الله تعالى يقول (والراسخون في العلم يقولون آمنا به)، (سورة آل عمران ـ آية 7). ويحرص السلمي دوما على أن التصوف يرتكز على القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، لذا فهو يبين أنه من باين أحواله السنة فليس بصوفي .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية

كلية التربية ـ جامعة المنيا  

  

 

 

ولازال الكلام عن مفهوم - الفساد في الأرض -، وفي سياقه المتصل نقول: يتحدث المنطق الأرسطي عن وجوب التمييز بين الفعل والأمر به، أي إن التمييز يجري في الحكم كما يجري في الموضوع، وبناءاً على هذا يمكننا القول إنه: أبداً لا تصح المساواة بين من فعل الفساد وبين من أمر به، إذ لكل منهما حكمه المعين المستقل بذاته، ويدفعنا هذا الإستنتاج للإيمان بأن موضوعة القتل المادي شيء والقتل المعنوي شيئ أخر .

طبعاً هذا يقودنا للإعتراف بصحة موضوعة - تحديد العناوين -، فالتحديد سيسهل علينا فهم وإدراك الأولويات، وكذلك يسهل علينا طرق المعرفة، ويسهل علينا معرفة المواقف الصحيحة من الأحكام في الأشياء والقضايا، وفي هذا الصدد تذكرنا الأحداث والتاريخ بنمط من الحكام المستبدين والدكتاتورين الذين فاقت جرائمهم حدود الوصف أو متعلقات الحدود الممكنة للعقوبات الدنيوية، ولذلك تبدو الإحالة إلى العذاب الأخروي عاملا نفسياً مساعدا و مضافاً للعذاب الدنيوي، وجدلية الجريمة والعقاب جدلية موضوعية تحدث عنها ديستوفيسكي ذات مرة بروايته الشهيرة ولكن من وجهة نظر مغايرة، لكن الإحالة للعذاب الأخروي ضابطها الإيمان باليوم الآخر وبانه المستقر الأبدي، والإيمان بذلك من لوازم و عناصر القوة لدى المؤمنين، وبما أن الأمر يتعلق بالإيمان فهناك ثقة معنوية إذن: وبإن الأشخاص المستبدين الظلمه لا بد لهم من نهايات سود، وهذه الآمال العريضة نسقها حكماً على مستبدين طغاة في التاريخ القديم والحديث، منهم الوالي الأموي الحجاج بن يوسف الثقفي و الزعيم النازي أدولف هتلر و ملك المغول جنكيزخان وأخرين تُبع، وهؤلاء تاريخيا تسببوا في قتل المئات بل الألوف من الأبرياء، والموت لهم توكيد ورجاء وأمل من المؤمنين بأن ينالهم العذاب العظيم الذين توعدهم الله به، وهو عذاب أخروي شديد وطويل وخالد، قال تعالى: (ولهم في الآخرة عذاب عظيم)، والإستغراق اللفظي في وصف العذاب بالعظيم يوحي لنا بمحدودية العذاب الدنيوي، نعم لا يجب التقليل من أهمية ذلك، ولا الإدعاء بإن المهم هو إقامة العدل في الدنيا، بل هما معاً يكملان بعضهما البعض الأخر، ولقد قدم لنا الله مجموعة من الأمثلة في صيغة بيانات توضيحية على ذلك .

وللتذكير:

وسنعود لصلب الموضوع بعد تلك المقدمة ونقول: - إن مبدأ التناسب في الحكم بين الجريمة والعقاب ضرورياً في كل الحالات -، وهذا التوكيد العملي يوجهنا للتساؤل الشفوي: ماذا لو أرعب أحدهم وأخاف الناس ولكن دون ان يقتلهم أو يسلب ممتلكاتهم؟، فهل تكون عقوبته الدنيوية كافية في رفع العقوبة الأخروية؟، أم إنه يظل مشمولاً بقوله تعالى: (ولهم في الأخرة عذاب عظيم)؟، وفي هذه بالذات يلزمنا المراجعة والتثبت لما قلناه عن: إن - آية المحارب - وحكمها ومفهومها مطلقين عامين، ولكن هل لهذا الإطلاق أو لهذا العموم أثرا على الحكم في الأخرة بعد عقوبة الدنيا؟، التصريحات في الكتاب المجيد تقول: إن الملاك في رفع العقوبة أو إبقائها هو - بالتوبة -، والتوبة الخالصة بحسب تلك التصريحات رافعة للعقوبة في الدنيا والأخرة، أي أنها الشرط الموضوعي في رفع العقوبة في الدنيا وكذلك في الأخرة، والتلازم بين التوبة والرحمة من موجبات صفات الله الإيجابية، ومن متطلبات الرحمة التجاوز عن الأخطاء بعد الإعتراف بها والتبرؤ منها، وقد شاع في الأثر - إن مغفرته سبقت عذابه - وعلى هذا أكد النص التالي: (إن الله يغفر الذنوب جميعاً) .

قاعدة التعارض:

التعارض من عرض تعارضاً معارضة، وهو المخالفة وقيل بل هو التناقض و التقابل إن كان ذلك مصدرا، قيل: ولا يكون التعارض إلاَّ بين دليلين أو بين حجيتين، و معارضة على وزن مفاعلة والتي تكون في المواقف العامة أو الخاصة، وعن التعارض في مسألتنا إليكم المثال التالي:

1 - سئُل الإمام الصادق عن كيفية تطبيق العقوبات، قال: - ذلك إلى الإمام إن شاء قطع، وإن شاء نفى، وإن شاء صلب، وإن شاء قتل - وسائل الشيعة ج18 ص 533، أي ان الامام هو من يختار نوع العقوبة ومن دون النظر الى نوع الجريمة !! .

2 - وفي خبر أخر عن عُبيدة إنه لما سئُل الإمام الصادق عن شرط التناسب بين الجريمة والعقاب، قال: - ليس أي شيء صنع، ولكنه يصنع بهم على قدر جناياتهم، فمن قطع الطريق قتل، ومن أخذ المال قُطعت يده ورجله وصُلب، ومن قطع الطريق فقتل ولم يأخذ المال قُتل، ومن قطع الطريق فأخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله، ومن قطع الطريق فلم يأخذ مالاً ولم يقتل نُفي من الأرض - وسائل الشيعة

ج18 ص 534، يعني ان الامام ليس مخيراً في العقوبات، وإنما العقوبات تجري وفقاً لنظام التناسب بين الجريمة والعقاب .

ولكن قد يتوهم المرء فيظن للوهلة الأولى إن هناك ثمة تعارض بين الخبرين، ولكن مع التدقيق يتبين أن ليس بينهما أية تعارض، وإنما هناك ترجيح في المقام لبعض الأخبار على بعض، وفي هذا الباب

 تطالعنا صحيحة بُريد بن معاوية حيث يقول: - سألت أبا عبدالله عن قول الله عزوجل (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ..)، قال: ذلك إلى الإمام يفعل ما شاء، قلت: فموفض ذلك إليه؟، قال: لا، ولكن نحو الجناية - الوسائل ج 18 ص 533، وفي هذا الخبر هناك أحتمالين متغايرين:

الأول: يقول ان الإمام أو القاضي هو صاحب الإختيار في تطبيق أحكام العقوبات .

والثاني: يقول ان الإمام ليس هو صاحب الإختيار في تطبيق أحكام العقوبات و على نحو مطلق، بل إنه مكلف باختيار نوع العقوبة المناسبة لنوع الجريمة، وهذا يعني ان المفهوم الثاني يكون شارحاً ومقيداً للمفهوم الأول، ولا معنى للقول بالتعارض بين المفهومين وذلك بسبب وجود القرينة الدالة و المتصلة بالمفهوم الأول، وفي حال وجدت (القرينة المتصلة) بين هذين المفهومين أنتفت الحاجة للتعارض من رأس، وهذه الحالة يطلق عليها الأصولي أو يُشبهها بالقول الآتي: - بالتعارض الأبتدائي الذي هو كالتعارض بين العموم والخصوص -، ولا يُعد التعارض الأبتدائي تعارضاً في الأصل .

وإذا ثبت التعارض بين الأخبار فلازم ذلك العمل بمبدأ الترجيح بينهما لرفع ذلك التعارض، وان كان ذلك ولا بد، فيجب ترجيح الأخبار الدالة على التناسب بين الجريمة والعقاب على تلك التي لا تقول بذلك، ودليلنا على ذلك مايلي:

أ - إن نسبة الأخبار الدالة على التناسب بين الجريمة والعقاب أكثر عدداً وأقوى حجة، على عكس تلك الأخبار التي لا تشترط التناسب بين الجريمة والعقاب والتي هي أقل عددا وأضعف حجة، ومن بين أخبار التناسب هذه لدينا خبر بُريد بن معاوية وخبر عبيدة وخبر داوود الطائي وخبر أحمد بن فضل الخاقاني، وأما الأخبار التي لا تقول بالتناسب في الحكم بين الجريمة والعقاب فهي:

أولاً: لم تنف التناسب في الأصل .

 وثانياً: إنها لم توضح معنى الإختيار على نحو دقيق، بل جعلته مبهماً.

ب - كذلك و يرجح مبدأ التناسب في الحكم بين الجريمة والعقاب العدل و مقتضاه، الوارد في قوله تعالى: - إن الله يأمر بالعدل - النحل 90، على سبيل الندب والإحاطة والأستحباب، فالجرائم ان لم تطبق عليها العقوبات وبشكل صارم بتناسب فيها بين العقوبة و الجريمة من حيث الحجم والنوع والكيفية والطبيعة، تتعرض المجتمعات والأمم إلى تجاوزات متعمدة وصريحة عمدية من قبل المجرمين وعلى نطاق واسع، وقديماً قيل: (من أمن العقوبة أساء الأدب)، فالعقوبة رادعة وفيها صيانة وحماية للمجتمع، و خوف المجرمين من العقوبة ضمانة أكيدة لحماية المجتمع وحقوقه .

ج - كذلك ومن لوازم العقل الفطري الطبيعي السليم التناسب في الحكم بين الجريمة والعقاب، وقد عُرف العقل الفطري السليم:

 بأنه ذلك العقل الذي يستجيب للفعل الصالح والعمل به، وكذا هو من يستمع للقول الحسن، قال تعالى: - فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه - الزمر 18 .

د - إن عدم إعتبار التناسب في الحكم بين الجريمة والعقاب وترجيحه و تبنيه، عملية سلبية جرت على يد بعض التابعين تمشياً مع روح السياسة التي كانت سائدة آنئذاك، ومن بين هؤلاء: أبي ثور، وسعيد بن المسيب، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والحسن البصري، والضحاك والنخعي وابوا الزناد وداوود - المغني لأبن قُدامه ج 10 ص

305، وتبعهم على ذلك نفر من الفقهاء منهم: الشيخ الصدوق في المقنع والهداية - الجوامع الفقهية ص 62، والشيخ المفيد في المقنعة ص 129، وسالار عبد العزيز في المراسم، وأبن أدريس في السرائر ج 3 ص 507، والمحقق الحلي في الشرائع ص 356، والعلامة الحلي في المختلف ص 779، و هؤلاء جميعاً لم يلتزموا بالتناسب في الحكم بين الجريمة والعقاب، وهم في ذلك قد خالفوا صريح الكتاب والعقل .

وأما دليلنا على الإلتزام بالتناسب في الحكم بين الجريمة والعقاب فهو مايلي:

1 - ما ورد في صحيح بُريد بن معاوية و عُبيدة وداوود الطائي وأحمد بن فضل الخاقاني وغيرهم، ممن نفوا صراحة الإختيار و قالوا بالتناسب، وهذا يدل على أن الإختيار حجته ضعيفه ودليله ركيك، أو إنهم لم يقفوا عند هذه الأخبار ويدققوا في معناها، ولم يؤلوها كثير أهتمام .

2 - والعقل الفطري يحكم بالتناسب، وهو في ذلك ينفي الإختيار االذي تترك فيه الأحكام تبعاً لرأي القاضي يفعل بهه ما يشاء و وفقاً للمؤثرات الخارجية والثانوية .

3 - ثم إن الأصل الأولي من تشريع العقوبات هو من أجل حماية المجتمع والنظام، وتلك هي الأولوية بالنسبة للعدالة وقيمها، والعدل صفة إيجاب دعانا الله للتمسك بها حيث قال: - إن الله يأمر بالعدل - .

4 - والقيمة المعيارية في تطبيق الأحكام هو الحجة الغالبة فيها، وليس هو المؤثر الثانوي وليس قول الأكثرية مهما علا هنا وفي كل مقام، قال تعالى في نبذ التمسك بالأكثرية (وأكثرهم للحق كارهون)، وما يعول عليه في هذا الشأن هو الدليل المحكم الثابت الموافق للكتاب والعقل .

ملاحظة

في باب التعارض يذهب البعض تبريرا، للقول عن كيفيات إفتراضية لرفعه، كقولهم: إنما يرفع التعارض بين الأدلة حين يُترك الإختيار للقاضي، مع شرط إختيار الخبر أو الدليل أو الحجة المناسبة في تطبيق الحكم ..، وهذا يعني الإعتماد على رأي القاضي في إنتخاب الحكم المناسب، ولكن إعتبار رأي القاضي حجة من غير مجوز شرعي وعقلي يُعد مخاطرة، ذلك إن الأصل في الأحكام ليس

 تابعاً لإختيارات القاضي، بل المعول عليه هو في كون الحكم في الأصل قائم على الدليل الثابت المحكم، والدليل هو الحجة وليس الرأي المجرد أو المبني على الرغبة الوقتية، وخلاصة الكلام

 في أصل التعارض هذ هو: (عدم صحة القول بالإطلاق في اعتماد اختيار القاضي كنوع للحكم دون مراعاة لنوع الجريمة، ولأن ذلك مخالفاً للأخبار الصحيحة كما ان الإعتماد على طرفاً من الأخبار دون الأخذ بعين الإعتبار الطرف الثاني، ترجيح بلا مرجح وهو مخالفة لصريح الكتاب وصريح العقل، وبالتدقيق والنظر: يظهر إن بعض الأخبار كُتبت في ظل الخوف و الخشية أو من باب التقية، وفي هذه الحالة تسقط من الإعتبار والحجية) .

تنبيه:

وفي هذه الحالة إذن لندع المراوحة جانبأ، ولندع تحميل النصوص إفرازات الزمان والمكان غير المنطقية، ولندقق في الخبر من حيث الصدور، ثم نحكم عليه وفقا للمعايير والضوابط المقررة، وليس تبعاً لواقع الحال أوغضاً للطرف !!!، ويجب التنويه على أصالة إرادة الإختلاف في المسائل الفقهية وإن كلف ذلك الدخول في الممنوع، ذلك أن الإختلاف أساسي في بناء القضايا الفقهية إلاَّ ما خالف الدليل والفهم، و لا ضرر في ذلك ولا ضرار طالما يريد الفقيه الصواب و مرضاة الله، والقضية المختلفة من حيث المبدأ: هي القضية المختلف فيها في معظم العلوم و الفقه خارجا عن تلك القاعدة، وهذه القاعدة طبيعية لا تثير الفتنة والفزع والمناكفة، وبالتتبع في تاريخ الفتاوى والأحكام نجد في قراءتنا لكثير من فتاوى الإمام أبي حنيفه أنها تختلف مع فتاوى الشافعي في المسألة الواحدة، وهكذا الحال بالنسبة للشافعي مع المالكي ومع أبن حنبل لا ضير في ذلك ولا ضر ر، وفي مجال الضبط والتوكيد ورد مرويا عن الامام الصادق قوله - خذ بما وافق الكتاب -، وهو في ذلك إنما يريد تحقيق الصحة والموافقة التامة للدليل .

التوبة:

التوبة: من فعل تاب إذا رجع وأناب عن الخطأ والذنب ولا تصح التوبة من غير الإعتراف، ولا تصح التوبة إلاَّ عن وعي وعن إدراك وعن عقل، ولكن هل تترتب على التائب عن الخطأ أحكام العقوبات أم لا؟، هذه القضية جدلية أعني قضية التوبة، إذ فيها تتداخل المواضيع من جهة (الحقوق العامة والحقوق الخاصة)، ولكل من هذه الحقوق متعلقات لا يمكن القفز عليها أو تجاوزها، فهناك مثلاً:

المتعلق الأول: والذي يُطرح بصيغة سؤال إنكاري وعلى هذا النحو التالي: هل التوبة تُقبل من قبل التمكن من المجرم والإمساك به أم لا تُقبل؟، ولكن هذا السؤال يمكننا طرحه على نحو ثاني: ما هي الجرائم التي يتم العفو عنها عند التوبة؟، هل هي تلك الجرائم التي تتعلق بالحق العام أم تلك التي تتعلق بالحق الخاص؟، فمثلاً المجرم الذي يروع الناس ويخيفهم ويبيع الممنوعات والمخدرات على الناس، فهل التوبة تقبل منه مثلا؟، مع ان الكتاب المجيد يعتبر هذا الشخص داخلاً في العنوان العام لمعنى - المفسدون في الأرض -، ولكن الكتاب المجيد في الوقت نفسه أعتبر التوبة تخصيصاً للعموم:

فقال: - من تاب قبل التمكن منه والقدرة عليه فإن الله يتوب عليه

 - !!، ولكن ماذا عن الأثر الموضوعي الذي يُحدثه الفساد في المجتمع؟ بحسب المنطق الطبيعي يعتبر تطبيق الأحكام والقانون ضرورة من أجل حماية المجتمع هذا أولاً، وثانياً يجب ان ينظر إلى تطبيق القانون كحد وكفاصل وكعبرة لمن يحاول الإفلات من العقاب، ولكن أليس في ذلك توهينا لمهمة التوبة التي تكون مجزية عن تطبيق القانون؟، فالتوبة إجراء عملي لتشجيع المجرمين الأخرين والمترددين للإسراع والرجوع إلى المجتمع والإنصهار فيه من جديد، والرأي الراجح عندي هو في النظر بعمق لما يحقق المصلحة والفائدة العامة للمجتمع، لأن ذلك الأصل الأولي في تأسيس القانون والعقوبات والجزاءات:

المتعلق الثاني: ورد بصيغة سؤال أفتراضي: ماذا لو أن شخصاً تاب من قبل ان يقدروا عليه ولكن ثبت بذمته الحق العام والحق الخاص؟ !!، يعني أن هذا الشخص قد مارس الإرهاب والقتل والسلب والنهب وقطع الطرقات، فهل يسقط عنه الحق العام أم يظل معلقاً بذمته؟، وماهو الموقف من قوله تعالى: - إلاَّ الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا إن الله غفور رحيم -، فهل إن هذا النص قد أخذ بعين الإعتبار الحق العام؟، ومع ذلك أسقط العقوبة لبراءة الذمة مع التوبة مما علق بها من جرم أو ذنب !!، في القانون المدني يعتبر ممثل الإدعاء هو الحكومة نيابة عن الشعب بإعتبارها هي الولي عنه في المرافعة والدفاع عن الحق العام، واذا سقطت العقوبة مع التوبة سقط الحق العام كذلك، طبعاً هذا مع فرض سقوط الحق الخاص بالتنازل أو بالهبة أو بالدية، وفي هذه الحالة تسقط العقوبة من رأس أي لا عقوبة أصلاً، مع التأكيد على إرجاع ما في الذمة من جهة المجرم لمن أرتكب بحقهم الجرم، فالمال يجب إعادته بطريق ما، والقتل إن لم يطبق بالقصاص فتكون الدية عوضاً لذلك وهكذا .

المتعلق الثالث: في حال عدم توبة المجرم قبل التمكن منه، والجريمة لا تتعلق بالحق الخاص وإنما تتعلق بالحق العام، فهل يجب في هذه الحالة تطبيق العقوبات أم لا؟، وهل يجب التمسك بالقول الدارج إنه مادامت الجريمة لا تتعلق بالحق الخاص فلا يجب تطبيق الأحكام والعقوبات؟، منطلقين في هذا من التمسك بروح العدالة وأحكام الرحمة !!، وهذا كله كما أفترضنا أن التوبة تمت بعد الإمساك به والتمكن منه، ونقول: إن التوبة اللاحقة لا تغير من الحكم شيئا، وإنها في الأصل لا قيمة لها من الناحية القانونية والشرعية، ومع ذلك نقول: إن رعاية المصلحة العامة مهمة في كل حال، والنظر لذلك يحدده الواقع وما يترتب عليه من أثار ونتائج .

المتعلق الرابع: وهو كذلك في حال عدم توبة المجرم قبل الإمساك به والتمكن منه، ولكن الجريمة التي قام بها لها أثراً من الناحيتين العامة والخاصة، وفي هذه الحالة نقول كذلك بوجوب تطبيق العقوبة، ونقول أيضاً: التوبة لا أثر لها في تطبيق العقوبة على الحق الخاص وسواء أكانت قبل التمكن من المجرم أو بعد التمكن منه، وقد قلنا: إن كانت الجريمة تتعلق بالمال والغصب فيجب أرجاع الحقوق لمستحقيها، وإن كانت الجريمة هي القتل فالقصاص أو الدية هي التي تسقط الحق الشخصي ..

مثال:

يُحكى أن شخصاً أسمه - الحارثة بن زيد - عاش في زمن الإمام علي، وكان هذا الشخص ممن يصدق عليه معنى - المفسدون في الأرض -، فلم يترك عملاً قبيحاً إلاَّ وفعله، ويروى إنه مر بالإمام الحسن طالباً التوسط منه لدى الإمام علي بعد أن أعلن توبته والبراءة من أفعاله القديمة، ولكن الإمام الحسن رفض التوسط فيه لدى أبيه أمير المؤمنين، ولكن هذا الرجل لم يكل ولم يمل فذهب عند سعيد بن قيس الهمداني (كان من كبار رجال التابعين وصاحب رآية همدان في معركتي الجمل وصفين)، الذي آواه وسمع منه مقالته، وعزم التوسط إليه عند أمير المؤمنين، فذهب سعيد بن قيس عند أمير المؤمنين وسأله:

يا أمير المؤمنين: ما حكم من حارب الله ورسوله؟ .

فقال الإمام إنما حكمه، قول الله تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادا ... إلى أن وصل إلى قوله تعالى: - إلاَّ الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم فاعلموا ان الله غفور رحيم) .

فقال سعيد: وهل يشمل ذلك أيضاً الحارثة بن زيد؟ فقال الإمام: نعم حتى الحارثة بن زيد إن تاب توبة نصوحا .

فقال سعيد: فهل توبة الحارثة من قبل التمكن منه دافعة للعقوبة؟ قال الإمام: نعم هي كذلك .

فذهب سعيد بن قيس إلى الحارثة بن زيد، وأتى به عند امير المؤمنين فبايعه على السمع والطاعة، وكتب له الإمام عهداً فيه الأمان والعفو

..- تفسير الطبري ج6 ص 221 .

وهنا نسأل: هل عهد أميرالمؤمنين للحارثة هذا قد أخذ بعين الإعتبار الحق الشخصي الخاص أم لا؟، لأن عهد الأمان براءة للذمة من العقوبة وتنزيه للمجرم من الجناية، ولا يصح إعطاء مثل هكذا عهد من دون النظر في الحقوق الخاصة، وهذا الأمر فيه إحتمالين:

الأول: إما ان لا يكون الحارثة قد أرتكب شيئا من الجرائم الخاصة مطلقاً .

والثاني: وإما إن يكون أصحاب الحق الخاص الشخصي قد تنازلوا عن حقهم بالصلح أو بغيره، مما يكون قد رفع عنه متعلق الحقوق التي في ذمته .

وفي هذه الحالة يكون المتبقي هو الحق العام الذي يحق فيه للإمام بإعتباره الحاكم أن يعفو طالما يجد في ذلك مصلحة وضرورة عامة .

في ظلال أخبار آية المحارب:

يُطالعنا الكُليني في الكافي، والطوسي في التهذيب، بخبر مروي على هذا النحو: - عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن محمد بن يحيى وفي التهذيب عن عبدالله بن المغيرة، عن طلحة بن زيد قال:

سمعت أبا عبدالله الصادق يقول: (كان أبي يقول: - إن للحرب حكمين:

الأول: إذا كانت الحرب قائمة لم تضع أوزارها ولم يُثخن أهلها، فكل أسير أخذ في تلك الحال، فإن الإمام فيه بالخيار إن ّ شاء ضرب عنقه، وإنّ شاء قطع يده ورجله من خلاف بغير حسم (قطع)، وتركه يتشحط في دمه حتى يموت، وهو قول الله عز وجل: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فساداً، أن يُقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) المائدة 33، ألاَّ ترى إن المُخير الذي خير الله الإمام على شيء واحد وهو القتل، وليس هو على أشياء مختلفة، فقلت لأبي عبدالله: قول الله عزَ وجلّ: - أو ينفوا من الأرض -، قال: ذلك الطلب، ان تطلبه الخيل حتى يهرب، فإن أخذته الخيل حكم عليه ببعض الأحكام التي وصفت لك) .

والثاني: (إذا وضعت الحرب أوزارها وأثخن أهلها فكل أسير أخذ في تلك الحال، فكان في أيديهم فالإمام فيه بالخيار، إن شاء منَّ عليهم فارسلهم، وإن شاء فاداهم أنفسهم، وإن شاء أستعبدهم، فصاروا عبيداً) - الكافي ج5 ص32، والتهذيب ج 6 ص 143 ..

هذا الخبر يتحدث عن المحارب كمقاتل في ساحة المعركة، وظاهر كلامه إنه قتال بين مسلمين وكفار، مع إن الخبر لم يذكر الكفار بشكل واضح وصريح، ولكن هذا ما فهمه الفقهاء من الخبر ورتبوا عليه أثار وتبعات، منهم الشيخ الطوسي في المبسوط ج2 ص20، وأبن أدريس الحلي في السرائر ص 158، والمحقق الحلي في الشرائع ص 90، وبناءا على ذلك كتبوا وأفتوا حول الأسرى واحكامهم، فقد أعتبروا ان التقسيم الأولي لأحكام الأسرى إلى نوعين ناتج عن قوله (إن للحرب حكمين) من قبل أن تضع الحرب أوزارها ومن بعد ذلك، ففي الحالة الأولى كان الحكم عندهم هو قتل الأسرى جميعاً، وأما بعد أن تضع الحرب أوزارها فهناك سلة من التطبيقات مررنا عليها في الخبر، ومع الإستدراك حول معنى (أو ينفوا من الأرض)، قال يطاردهم الإمام بالخيل ثم يرى فيهم رأيه !! .

ملاحظة

من المبادئ الأولية في عملية إثبات الحكم الفقهي التحقق من صحة السند وخلوه من الشوائب، حتى يكون الخبر مقبولاً ويمكن النظر فيه والإستئناس به، وبحسب معلوماتنا في علم الرجال يظهر أن:

1 - الراوي الأول للخبر: - محمد بن يحيى العطار القمي كان ثقة - .

2 - الراوي الثاني للخبر: - أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري القمي كان ثقة كذلك - .

3 – الراوي الثالث للخبر: - مشترك بين محمد بن يحيى الخثعمي أو محمد بن يحيى الخزاز وكلاهما كانا من الثقات - .

4 – االراوي الرابع للخبر بحسب رواية الطوسي هو عبدالله بن المغيرة وهو من أصحاب الإجماع كان ثقة معتبرا .

كل هؤلاء رووا عن طلحة بن زيد النهدي الشامي الذي قال فيه وعنه أصحاب التراجم والرجال مايلي:

أ - قال عنه أبن أبي حاتم في كتابه الجرح والتعديل: - إنه ضعيف الحديث منكر القول - الجرح والتعديل ج 4 ص 480 .

ب – وقال عنه ابن حبان في المجروحين: - منكر الحديث لا يحتج به - .

ج - وقال عنه محمد بن اسماعيل البخاري: - منكر الحديث - التاريخ الكبير ج4 ص351 البخاري - .

د - وقال عنه الدارقطني صاحب السنن: - إنه ضعيف - تهذيب التهذيب للعسقلاني ج5 ص 16 - .

ه - وقال عنه النسائي صاحب السنن: - لا يعتمد عليه - تهذيب التهذيب ج5 ص 16 - .

و – وقال عنه أحمد بن حنبل: - لا يعتد به - تهذيب التهذيب ج 5 ص 16 - .

ومع كل هذه التهم لم نجد فيما نعلم أحداً قد أتهمه بالتشيع أو بالرفض أو بالباطنية أو الغنوصية أو ...، بحيث يظن الظان إن كل هذه التهم منشأها تشيع الرجل مثلاً، ولطلحة بن زيد كتاباً ذكره النجاشي في الفهرست ص 155، وكذا الطوسي في الفهرست ص 112، وقيل عن الكتاب إن فيه أخبارا مروية عن ثقات، ولكن لم يقولوا إن طلحة بن زيد كان ثقة، والفرق كبير بين ان يكون كتابه فيه من الأخبار الصحيحة وبين ان يكون هو نفسه من الثقاة !!، ولا يعني ان لفظ فيه من الأخبار الصحيحة يعني: إن كل ما فيه صحيحا ويمكن الإعتماد عليه !!، أعني أن ليس كل الكتاب موضع قبول وإعتماد، ونفهم ذلك من كلام للشيخ الصدوق إنه قال: - الروايات التي أخذتها عن كتاب طلحة بن زيد، وجدتها في بعض الكتب المعتبرة، و يعني هذا ان كل خبر او رواية اخذتها من كتاب طلحة بن زيد، إنما دققت فيها ونظرت في الكتب المعتبرة ذات الإختصاص في شأنها فوجدت بعضاً منها قابل للقبول، وطبعاً هذا القول يعني بعض الأخبار لا جميع من ورد في كتاب طلحة بن زيد، ومن باب أولى القول: أن ليس كل ما في كتاب طلحة بن زيد يصح الإعتماد عليه وروايته، والكتاب المعتبر يعني ذلك الكتاب الذي يصح الرجوع إليه في كل حال، وكتاب طلحة بن زيد ليس من الكتب المعتبرة في كل حال، وإنما يُنظر فيه ويحقق فما كان صحيحاً أعتبرناه وما كان غير ذلك رددناه، ولكم أن تعلموا أن كتاب طلحة بن زيد مختلف فيه من جهة المصادر التي أعتمدها، فتارةً يروي عن الأوزاعي وهشام بن عروة، وتارةً أخرى يروي عن الإمام الصادق .

ولم أجد فيما أعلم أن أحدا من علماء الرجال من الشيعة أو السنة قد وثق الرجل أو أشار إلى ذلك، بل أن صريح أقوالهم فيه تقول: - إنه كذاب يضع الحديث أو فاسد الرواية منكر -، وبناءاً على ما مر من وصف عام لشخصية طلحة بن زيد نقول: إن روايته للأخبار لا يعتد فيها ولا يعتمد عليها، ولهذا لا يصح إعتماد مروياته في أستنباط الأحكام الفقهية أو التأسيس عليها في المسائل المعتبرة ..

هذا كان وصفاً عاماً لحال خبر طلحة بن زيد من جهة السند، والآن حان الوقت لنناقش متن الخبر ودلالته ومدى صحته وموافقته للكتاب والعقل، ونقول:

أولاً: يزعم خبر طلحة أن للأسرى في المعركة - حكمين -، [ الأول من قبل ان تضع الحرب اوزارها وحكمهم في هذه الحالة القتل، والثاني من بعد ان تضع الحرب أوزارها وهو التخيير الذي يرى فيه الإمام رأيه ] !!، والحكم الذي تبناه في هذا المجال يُعد مخالفا مخالفة صريحة لسيرة النبي في المعارك وحكمه العام في الاسرى، فلم يقتل النبي أحداً من الأسرى لا من قبل نهاية المعركة ولا من بعدها، وشاهدنا على ذلك معركة بدر التي أسر فيها المسلمون 80 رجلاً من المشركين، وقد أطلق سراح أكثرهم إلاَّ 8 بفدية، و قتل منهم أثنين قصاصاً لا بإعتبارهم أسرى، وإنما بسبب ما فعلوه بجثث المسلمين والتمثيل بها - تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 37 -، ونفس الشيء يُقال في معركة بني المصطلق (المريسع) التي تمكن فيها المسلمون من أخذ الكثير من أسرى المشركين، ولم يقتل النبي واحداً منهم بل أطلق سراحهم جميعاً - تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 44 -، وحدث هذا أيضاً في معركة حنين (هوازن) حيث أطلق النبي جميع الأسرى منهم - تاريخ اليعقوبي ج 2 ص 53 -، وهذه الشواهد تدل على أن ما ذكره طلحة بن زيد ليس صحيحاً بل مخالفاً لما عليه السيرة الصحيحة للنبي في المعارك .

الثاني: يزعم طلحة بن زيد: أن آية المحارب نزلت في شأن معارك المسلمين مع الكفار والمشركين أو إنها ترتبط بذلك، مع انه كان يجب عليه التمهل وهو يقرأ قوله - يحاربون - بدلاً عن - يقاتلون -، ومفهوم يحاربون بعيد عن ساحة القتال في المعركة على نحو خاص، وإنما ساحته جميع مفردات الحياة، والمتعلق بلفظ يحاربون هو الجملة التي تقول - ويسعون في الأرض فسادا -، وليس بالذي يسعون في الأرض قتالا، المتعلق هو بهذا الفساد المتنوع في الحياة وفي إشاعته بين الناس، والأصل في آية المحارب هي الدعوة لتطبيق القانون والعدل بين الناس وحماية حقوق المجتمع من التعديات والجرائم، وليس في النص ما يدل على أن آية المحارب تعني ملاحقة أسرى المعارك أو المقاتلين في المعركة، نعم كان لرواية طلحة بن زيد أثراً عند الطبري الذي جعل من شأن نزول الآية مرتبطاً بالمشركين من المقاتلين - تفسير الطبري ج 6 ص 206 -، ولهذا تابعه في ذلك حيث قال: بان حكمهم القتل إن لم تضع الحرب أوزارها، ربما لا يثيرنا هذا كثيرا حين يكون قد صدر عن الطبري، لكنه يثيرنا جداً حين ينسب ذلك للامام الصادق، طبعاً نحن نعلم المُراد من ذلك والغاية فهي ليست حسنة في كل حال ..

الثالث: ورد في خبر طلحة بن زيد لفظ - بغير حسم - أو تركه يتشحط بدمه حتى يموت، هذا اللفظ في هذه الجملة يحمل معاني سيئة تتنافى اصلا مع روح الاسلام ومبادئ الكتاب المجيد، التي تعطي مساحة واسعة للرحمة كي تتسلل إلى قلوب الناس فتنتزع محبتهم، وتدخلهم في دين الله أفواجا، هذا اللفظ الغريب لم نجده فقط هنا في هذا الخبر، ولم نجد له من مؤيد لدى فرق المسلمين وعامة فقهائهم، كما لم يذكر هذه الوحشية والسادية أياً من الأديان السماوية، نعم وجدنا هذا هنا، ونجده في تعليمات المنظمات الارهابية التي تنشط في العالم الاسلامي هذه السنوات، نجده عندهم في كيفية تعذيب من يقع بين أيديهم من المخالفين، والظاهر إن هذه النسخة السيئة الفاسدة لها وجود في تاريخ أدب المسلمين وثقافتهم المتعجرفة ضد من يخالفهم، وشواهد هذا اللفظ وفضاضته نجده في معنى من - قُتل صبرا - وهم كثير تدل على ذلك صور ومشاهد تعرض على الناس دون استحياء، وقد وردت تحت بند جئناكم بالذبح !!! .

[يتبنى المذهب الفقهي عند المسلمين، مفهوم قطع اليد لكل من سرق، ومفهوم قطع الرجل لكل من أشاع الفوضى واللانظام في المجتمع، ويمكن إجتماع العقوبتين في الآن معاً إن كان ما يسببه المجرم من معانات للمجتمع داعية إلى ذلك، هذه العقوبة مع تلك الجريمة تدخل في مضمار وحدود معنى - السعي في الأرض فسادا -، ولا تتعلق بالقتال في المعركة بين المسلمين والكفار ولا ترتبط بهم، ومن هنا فالتصور الذي ذهب إليه طلحة بن زيد تنقصه المقاربة الصحيحة] .

الرابع: ورد في خبر طلحة بن زيد جملة تقول: - ذلك الطلب ان تطلبه الخيل حتى يهرب، فإن أخذته الخيل حكم عليه ببعض الأحكام التي وصفت لك -، هذه الجملة هي بيان لمعنى - أو ينفوا من الأرض -، ولا ندري كيف فهم طلحة بن زيد معنى - ينفوا - على أنهم يهربوا، ولهذا اشترط الخيل في طلبهم والامساك بهم، مع ان المفهوم من الفعل المضارع ينفوا كونه جزء من الاحكام التي يصدرها الامام على من ارتكب فسادا في الارض، وليس من فر من المعركة، النفي هنا هو تنفيذا لحكم الإمام وليس إرادة ذاتية من المحارب، حتى يتم طلبه بالخيل واللحاق به، إذن مفهوم الفعل لا يدل على إرادة ذاتية من قبل المجرم بل هو تنفيذاً لحكم يجريه الإمام على المفسد في الأرض ..

الخامس: يظهر أن طلحة بن زيد ذهب على عكس ما يرآه عامة الفقهاء من المسلمين في شأن آية المحارب، إذ ربط الآية بالمقاتل وأسير القتال لا دليل عليه، ثم أن خبر طلحة لا يذكر القتال مع الكفار على نحو صريح، وهنا يحق لنا القول: ماذا لو تقاتل المؤمنون فيما بينهم؟ فهل يصح تطبيق الحكم بقتل جميع الأسرى المؤمنين لدى كل طرف؟، أم إن التحفظ عليهم حتى تضع الحرب أوزارها ثم يطلق سراحهم؟، ثم لماذا الاصرار على قتلهم؟ هل بسبب الخوف من اطلاق سراحهم وعودتهم من جديد للقتال؟ أم إن التحفظ عليهم يكلف المقاتلين جهدا وحماية ورعاية ومواد غذائية مكلفة؟ فهل من أجل ذلك يجب قتلهم أم ماذا؟، طبعاً هذه التساؤلات لم تأخذ بعين الإعتبار جانب الرحمة والتسامح ومبدأ خذ العفو وأعرض عن الجاهلين، والإيمان بمبدأ الخطأ وإمكانية التوبة عنه، كذلك لم تأخذ بعين الاعتبار مفهوم العدل الإلهي وحقوق الإنسان وحمايته وقت المعارك والأزمات ..

السادس: الملاحظ ان رواية طلحة بن زيد سقط منها لفظ (أو يصلبوا)، فهل إن ذلك السقوط منه قد وقع سهواً؟، أم إنه سقط بداعي إعتبارات ثانوية أخرى؟، ولا نعلم بالضبط ماهي، لذلك لم نجد فيما بين أيدينا من مصادر تدلنا لماذا تم إسقاط وحذف لفظ - أو يصلبوا - من بين الأحكام، ولكن الذي نفهمه أن هناك ثمة مجازفة عمل عليها طلحة بن زيد، ويمكننا قرأتها من وحي وضعه للأخبار وتزييفها، وفي هذه الحالة حتماً يقع السقط، وتقع الهفوات من دون النظر لما حول أو عن طبيعة الأحكام، وعلى كل حال يبدو ان طلحة بن زيد لم يتثبت من روايته ولهذا أفتى وأسقط من دون رعاية للموضوعية وللدقة .

تنبيه:

في السجال المعرفي يميز أهل الله بين مفهوم نهاية المعركة وبين وضعت الحرب أوزارها، والصيغة الصحيحة لهذا اللفظ حين - تضع الحرب أوزارها -، فما الذي تعنية جملة نهاية المعركة أو وضعت الحرب أوزارها؟، المفروض من التبادر ان تكون الجملة دالة على إنتهاء المعارك والجنوح للسلم أو للهدنة المؤقتة أو الدائمة،، لكن عامة الحروب في العالم وخاصة الكبيرة منها، تجري فيها فترات من الهدنة المؤقتة لعدد من الأسباب، لكن هل يصح قتل الأسرى وقت المعركة وقبل هذه النهايات المتقطعة؟ بحسب خبر طلحة بن زيد الجواب: نعم قتل الأسرى يدور في فلك دوران المعركة ولا ينظر إلى هذه النهايات المتقطعة أو الدائمة !!، إن هذه الفكرة السمجة  التي تبناها خبر طلحة بن زيد سببها فهم خاطئ لقوله تعالى: (ما كان لنبي ان يكون له أسرى حتى يُثخن في الأرض)، أي إنه أعتبر (ما) أداة نفي، أي ان لا يكون للنبي أسرى وهو مشغول في المعركة !!، طبعاً مضافاً إلى ذلك تسويق فكرة الإثخان على إنها إستقرار وهيمنة في المعركة، وهذا التركيب في فهم النص ينقصه الإنفتاح على مجمل قضية الأسر في الكتاب المجيد، بدليل إن هذا النص لا يرتب حكماً ولكنه يتحدث عن موضوعة ثانية، وهي أهمية الإنشغال في المعركة وإدارتها والتركيز فيما يمكنه تحقيق الفوز فيها، والنهي المعلن عملي يتوجه لهذا المعنى الذي ذكرناه، وليس هو حكم أو مبادرة وتوجيه للنبي بقتل كل أسير يقع بين يديه !!، إذن فحصر مفهوم النص بمعنى أفتراضي غير صحيح، يؤكد لنا ويُضيف بأن خبر طلحة بن زيد لا يجب أعتماده ولا الأخذ به تحت أي مسوغ، وهو مردود في الجملة والتفصيل وقد مر بنا ضعفه وتهالك سنده ولهذا فما يؤوسسه ساقط من الإعتبار أكيداً.

تنويه:

ومن بعد هذا الذي ذكرناه، هل يصح الإعتماد على الخبر المذكور والتأسيس عليه؟، وفي الجواب: لا بد من القول إن مجموعة من الفقهاء ممن لا يستهان بهم، أعتمدوا وتبنوا في فتاواهم خبر طلحة بن زيد، من دون مراجعة أو نظر وتحقيق تامين، ومن بين هؤلاء:

1 - الشيخ الطوسي حيث قال: - الأسير على ضربين، ضرب يؤسر قبل ان تضع الحرب أوزارها، فالإمام مخير بين شيئين، إما ان يقتله أو يقطع يديه ورجليه ويتركه ينزف (حتى يموت)، وأسير يؤخذ بعد ان تضع الحرب أوزارها فهو مخير بين ثلاثة أشياء: - ألمنّ، والإسترقاق، والمفاداة -، وقال الشافعي: - هو مخير بين أربعة أشياء، القتل وألمن والمفاداة والإسترقاق (ولم يّفصل)، وقال أبو حنيفة: - هو مخير بين القتل والإسترقاق دون ألمن والمفاداة ..، قال الطوسي: - وأما دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم، وقد ذكرناها في الكتاب الكبير (يعني تهذيب التهذيب) - الخلاف ج2 ص 332، وفي المبسوط ج 2 ص 20، وفي النهاية ص 296، وفي الجمل والعقود ص 158، وفي الإقتصاد ص 315 ..

2 - والقاضي أبن البراج حيث قال: - الأسارى على ضربين، أحدهما ما يجوز أستبقائه، والآخر لا يُستبقى .. والذي لا يُستبقى هو كل أسير أخذ قبل تقضي الحرب والفراغ منها .. - المهذب ج 1 ص 316 .

3 - وقال أبن حمزة في الوسيلة: - الرجل ضربان، إما أسر قبل إنقضاء القتال أو بعده، فالأول: إن لم يُسلم كان الإمام مخيراً بين شيئين قتله وقطع يديه ورجليه وتركه حتى ينزف .... - الجوامع الفقهية ص 695 .

4 - وقال كاشف الغطاء: - أما البالغون العاقلون فإن أستولى عليهم والحرب قائمة قتلوا .. - كشف الغطاء ص 406 .

5 - وقال صاحب الجواهر: - الذكور البالغون يتعين عليهم القتل، إن أُسروا وقد كانت الحرب قائمة ولم تضع أوزارها .. - الجواهر ج 21 ص

122 .

6 - وقال أستاذنا المنتظري المعظم: - لا خلاف بيننا في القسم الأول، في تعين القتل وحرمة الإبقاء .. - الحكومة الإسلامية ج 3 ص

263 .

هذه أقوال منتخبة لمجموعة من المتقدمين والمتأخرين ورأيهم في هذه المسألة المعتمد على خبر طلحة بن زيد، ولا يخفى أن هناك علماء كبار ممن سبقوا هؤلاء قالوا بعدم قتل الأسرى، ومن بين هؤلاء:

أبن أبي عقيل العُماني الذي قال: - إذا ظهر المؤمنون على المشركين فاستأسروهم، فالإمام في رجالهم البالغين بالخياران إن شاء أسترقهم وإن شاء فاداهم، وإن شاء مَنّ عليهم .. قال تعالى: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى غذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما مناً بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها) - المختلف ص 331، ولم نجد فيما قاله أبن أبي عقيل عن قتل للأسرى لا من قبل ان تضع الحرب أوزارها ولا من بعد ذلك، وقد ذكر ذلك صاحب الجواهر نقلاً عن أبن الجنيد الإسكافي ج 21 ص 122، ولو أفترضنا جدلاً إن حجة القائلين بالقتل هو - الإجماع - الذي ذكره الطوسي وأستاذنا المعظم، لكننا في الوقت نفسه نرفض فكرة الإجماع هنا من الأصل، طالما كان مستند الإجماع لدى الطوسي ومن تبعه هو خبر طلحة بن زيد الذي مر بنا وقد فصلنا في حاله فلا نعيد، والظن الغالب إن الطوسي كغيره من الفقهاء يذهب أحياناً للإعتماد على التسامح، مع إنها فكرة لا تصح هنا، ربما تكون معتبرة في أدلة السنن والأخلاق، ولكنها لا تصح البتة في المسائل الفقهية والكلامية قطعاً، ثم ان الشيخ الطوسي من عوائده انه يميل إلى التسامح كثيراً، وهاكم أنظروا إلى كلامه في كتابه عدة الأصول حيث يقول: - ما يرويه المتهمون والمضعفون، إن كان هناك ما يعضد روايتهم ويدل على صحتها وجب العمل به، وإن لم يكن هناك ما يشهد لروايتهم بالصحة وجب التوقف في أخبارهم - عدة الأصول ص 382، وإن أعتبرنا ما قاله الطوسي هذا وتمسكنا به، فيلزم بناءاً عليه عدم الأخذ برواية طلحة بن زيد أو البناء عليها، لضعفها وتهالكها ومخالفتها للكتاب المجيد والعقل الفطري الصحيح ولا حتى مع السنن المعتبرة الصحيحة، وهذا من باب أولى ان يكون الطوسي أول الرادين على طلحة بن زيد بدل ان يتبنى إنعقاد الإجماع على خبره الفاسد .

ثم إن الشيخ الطوسي وبحسب ما ذكره في الخلاف قال (يقطع يديه ورجليه) مع إن النص يقول (يقطع من خلاف ..) ومعنى ذلك أن تقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، لا كلا اليدين والرجلين معاً، لأن ذلك نوع من التشفي والغلظة المستقبحة، والتي تسمى في أدب الكتابة - القتل صبرا -، وهذا ممنوع حتى في البهائم والعجماوات، ثم إن القتل لم يأت على نحو لازم وتعبدي حتى لا يجوز الفرار منه إلى غيره من الأحكام .

وبالختام: تبدو عملية فهم النصوص والتأسيس عليها مسألة شاقة، وتحتاج للكثير من التأني وضبط النفس والتحلي بروح المسؤولية، وليس هناك ثمة إجازة فيما نعلم تبيح الأخذ او التساهل أو التسامح من غير دليل ثابت محكم ورصين، وآية المُحارب كما غيرها أصابها ما أصابها من فهم نَزَلَ من قيمتها وحددها وحصرها في معنى ليس هو المعنى المطلوب، ولعلنا في بحثنا هذا قمنا بما نعتبره جزءا من مسؤوليتنا الدينية والأخلاقية، في البحث والتحقيق راجين الفائدة التي هي مطلبنا بعد رضا الله، كما نرجوا ان نجد فيما كتبنا ودونا آذان واعيه وعقول تستمع القول فتتبع أحسنه ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

 

 

محمد بنيعيشأولا: النص الديني بين مناعة الحفظ وكمال الاستمرارية

من مظاهر الترنح المعبر عن الارتداد الفكري لبعض فلاسفة عصرنا والباحثين زعما في مجال الفكر والحضارة، قد نجد ظاهرة الإسراع إلى دحرجة الحصيات في الطريق قصد التزليق والانسياق بدعاوى التأثير والاقتباس غير الواعي من الآخر واستصغار واستهجان معطيات الماضي لتحقيق القفز الخروفي  أو العنزي مع زعماء الحاضر. فقد نواجه تعابير مثل :الثورة على التراث والثورة على القيم والتجديد من غير تقييد ولا تحديد، ونقد العقل العربي الإسلامي وتفتيت بنيانه من دون تقديم بديل لتأسيسه من جديد.كما قد نجد تحريف معاني دينية صريحة وصحيحة وذات تعابير واضحة، من قبيل قطعية الدلالة والثبوت، إلى معاني ذاتية وهمية وسخيفة لا صلة لها بالوضع الحقيقي للكلمات في أصلها ومفهومها لدى الجمهور العادي والعالم على حد سواء، وفي سائر الأزمنة والأمكنة.

كما قد يذهب البعض بهوسهم الفكري إلى التمييز بين النص المكتوب والمسموع تمييزا جوهريا، وكأن الكتابة في واد والسماع في واد آخر. كل هذا جريا وراء هوس التطور وانزلاقا خروفيا في التقليد الأعمى للفلسفات الغربية الحديثة ودراساتها الألسنية والبنيوية المتكلفة ،التي هي ليست بفلسفة أصلا ،وكأن النظرية التطورية الداروينية لم تقتصر على القرد نحو الإنسان وإنما انقلبت من الإنسان نحو القرد، سواء على مستوى السلوك أو على مستوى الفكر والتعريف. حتى قد بدأنا نسمع بأن تعريف الإنسان المعاصر ليس هو نفسه تعريفه في الماضي سواء على قاعدة أرسطو وهي: أنه حيوان ناطق أو على قاعدة ابن خلدون بأنه اجتماعي ومدني بطبعه، فلربما سيصبح في زمن من التطور تعريفه بأنه حيوان ناهق أو ناقق، أو أنه دجاجة، لأن كل من يمشي على رجلين حسب السفسطائيين فهو دجاجة !.

إذ من هذا الهوس، أي التجديد بغير تقييد ورفض التقليد الديني الصحيح، سيكون الواقع غير الواقع والإنسان غير الإنسان .لأن الذي يتحدث غير الذي يكتب والذي يكتب غير الذي يسمع، إذن فلنميز بين المتحدث والكاتب والمتكلم والسامع في الخاصية والجوهر والجنس والنوع ولنقل هذه هي فلسفة العصر وإلا فلا!

والأدهى من هذا هو السعي بقصد أو بغيره إلى التشكيك في كمال النصوص الدينية المتواترة وخاصة القرآن الكريم المقروء والمكتوب والمجموع في مصحف عثمان تواترا، وذلك بزعم أن هناك قراءات أخرى لم تدرج فيه تعسفا كقراءة عبد الله بن مسعود وغيره وذلك ما يتخذه الكثير من المبتدعين والمنحرفين مطية من أجل الهروب من النص الموجود بالفعل والقوة الدلالية في متناول الأيدي. ناسين أن هذا الجمع كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأن الصحابة كلهم كانوا يمثلون سلطة دينية بحكم قربهم وتفانيهم في الإيمان بالله وبرسوله، ومن ثم فعدالتهم نفسيا وخلقيا تمنعهم أن يغضوا الطرف عما هو واجب عليهم تجاه الدين الذي تكفل الله بحفظه كما هو وفي صورته الكاملة حتى ولو لم يجمعه جدلا الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه في مصحف واحد وذلك من خلال قول الله تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".

وفي هذه النقطة قد يتقارب بعض المتفلسفة العلمانيين وكثير من الشيعة المتطرفة، وهو ما يفسر أيضا وجه التقارب بينهم وبين المعتزلة فيما مضى، كما يقول ابن حزم عن مذهبهم: "ومن قول الأمامية كلها قديما وحديثا أن القرآن مبدل زيد فيه ما ليس منه ونقص منه كثير، حاشا علي بن الحسن بن موسى بن محمد بن إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وكان إماميا فيهم يظاهر بالاعتزال، ومع ذلك كان ينكر هذا القول، ويكفر من قاله، وكذلك صاحباه أبو يعلى ميلاد الطوسي، وأبو القاسم الرازي.قال أبو محمد: القول بأن بين اللوحين تبديلا كفر صريح وتكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم"[1].

وحينما لا يستطيع متفلسفة عصرنا التصريح بالتشكيك في نصوص القرآن الكريم كمداراة وتقنع حتى لا يثيروا عليهم الجمهور من العلماء والعامة، فإنهم يلجأون بأسلوب ماكر إلى الطعن في نصوص الحديث فيما يتعلق بمسائل الحكم والعدالة والاقتصاد والحقوق بصفة عامة ،وبالأخص حقوق المرأة، ومن أهم الكتب الحديثية التي يركز عليها صحيح البخاري بالدرجة الأولى، وعند هذه النقطة يلتقي المعتزلة والشيعة والمتفلسفة والمتسلفة في خط واحد، إذ أن المتسلفة بدورهم بدأت تبدر منهم محاولات للطعن في بعض الأحاديث الواردة في الصحيح بدعاوي مختلفة منها ما يتعلق بزعم العلل في المتن ومنها الرواية، وهذه كلها مقدمات للتشكيك فيما هو أعلى وأثبت.

لكن سواء أتعلق الأمر بالقرآن الكريم نصوصا ومصحفا كاملا، أو وقف الحد عند صحيح البخاري ومعه مسلم حديثا مخرجا، فإن التشكيك لا يعود بوباله إلا على الذي ابتدعه، لأن كلام الله تعالى حق يبقى صامدا "لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم صادق لأنه لا ينطق عن الهوى. وقد أوتي القرآن ومثله معه وهو سنته وحديثه كجوامع للكلم.

ثانيا: القرآن بين الحماية الغيبية والدعامة السياسية والمجتمعية

ومن هنا فلا مجال للمقارنة ،كما يفعل بعض المتفلسفة في عصرنا ،بين القرآن والتوراة والأناجيل الموجودة الآن على مستوى الثبوت وصدق النسبة لأنه قد ثبت بالتواتر نصا، سواء كتابة أو سماعا، كما أنه لا مجال للتجديد في كتاب الله" القرآن" على نمط وأسلوب التجديد الذي أحدثه اليهود أو النصارى في توراتهم وأناجيلهم، لأن هذه الأخيرة قد طال التحريف والبتر نصوصها، وأدرجت فيها الأكاذيب والألاعيب، ومن ثم فإن السعي إلى تجديدها قد يكون مقبولا بالنسبة إليهم، لأنهم مقتنعون بأن النصوص التي بين أيديهم ليست بنصوص مقدسة صرفة. وبهذا التحريف والتغيير في غير محله ومقتضاه وقعوا في الضلال وحل عليهم الغضب كما وصفهم القرآن الكريم. بحيث إن عملية التجديد المستمر في بنية النصوص والأحكام سيؤدي بالضرورة إلى إهدار النص الأصلي وإقباره ،وبالتالي لم تعد حينئذ لديهم سوى الأكاذيب والمختلقات والمضللات التي لا صلة لها بالدين الأصلي بأي وجه. وهذا ما يؤكده ابن حزم الأندلسي، باعتباره مفكرا مسلما وناقدا حصيفا في باب علم الملل والنحل ،حيث يقول عن النصارى وأناجيلهم:

"وأما فساد دينهم فلا إشكال فيه على من له مسكة عقل، ولسنا نحتاج إلى تكلف برهان في أن الأناجيل وسائر كتب النصارى ليست من عند الله عز وجل، ولا من عند المسيح عليه السلام كما احتجنا إلى ذلك في التوراة والكتب المنسوبة إلى الأنبياء عند اليهود، لأن جمهور اليهود يزعمون أن التوراة التي بأيديهم منزلة من عند الله عز وجل على موسى عليه السلام فاحتجنا إلى إقامة البرهان على بطلان دعواهم في ذلك، وأما النصارى فقد كفونا هذه المؤنة كلها لأنهم لا يدعون أن الأناجيل منزلة من عند الله تعالى على المسيح، ولا أن المسيح عليه السلام أتاهم بها، بل كلهم أولهم عن آخرهم آريوسيهم وملكيهم ونسطوريهم ويعقوبيهم ومارونيهم وبولقانيهم لا يختلفون في أنها أربعة تواريخ ألفها أربعة رجال معروفون في أزمان مختلفة..."[2].

وعلى عكس ما يذهب إليه متفلسفة عصرنا من تقليد أسطواني لمتفلسفة الغرب ومفكريهم الذين وجدوا الكنيسة في وضعية غير وضعية المسجد عند المسلمين، كما أن واقع المسيحية وأناجيلها غير واقع القرآن الكريم ومعه الأحاديث الصحيحة يرى ابن حزم أن غياب السلطة الحامية للدين كانت سبب اندثاره وانهياره وبالتالي تحريفه وإدخال الأكاذيب عليه، سواء تعلق الأمر بالمسيحية أو اليهودية، مع العلم أن الدين عند الله في كل الأزمان والعصور لم يكن ولن يكون سوى الإسلام.

فيقول ابن حزم في هذا الصدد: "واعلموا أن أمر النصارى أضعف من أمر اليهود بكثير، لأن اليهود كانت لهم مملكة وجمع عظيم مع موسى عليه السلام وبعده وكان فيهم أنبياء كثير ظاهرون آمرون مطاعون، كموسى وهارون ويوشع وشموال وداود وسليمان عليهم السلام، وإنما دخلت الداخلة في التوراة بعد سليمان عليه السلام، إذ ظهر فيهم الكفر وعبادة الأوثان وقتل الأنبياء وحرق التوراة ونهب البيت مرة بعد مرة، واتصل كفر جميعهم إلى أن تلفت دولتهم على ذلك.

وأما النصارى فلا خلاف بين أحد منهم ولا من غيرهم في أنه لم يؤمن بالمسيح في حياته إلا مائة وعشرون رجلا فقط، هذا في الأفركسيس، ونسوة منهم امرأة وكيل هردوس وغيرها كن ينفقن عليه أموالهن، هكذا في نص إنجيلهم، وأن كل من آمن به فإنهم كانوا مستترين مخافين في حياته وبعده، يدعون إلى دينهم سرا، لا يكشف منهم أحد وجهه إلى الدعاء إلى ملته ولا يظهر دينه، وكل من ظفر به منهم فإنه قتل بالحجارة... وإما صلب.. أو قتلوا بالسيف... أو بالسم. وبقوا على هذه الحال لا يظهرون البتة، ولا لهم مكان يأمنون فيه مدة ثلاثمائة سنة بعد رفع المسيح عليه السلام، وفي خلال ذلك ذهب الإنجيل المنزل من عند الله تعالى إلا فصولا يسيرة أبقاها الله حجة عليهم..."[3].

ويعلق ابن حزم كتحليل علمي لواقع النصرانية فيقول: "وكل دين كان هكذا فمحال أن يصح فيه نقل متصل لكثرة الدواخل الواقعة فيما لا يوجد إلا سرا تحت السيف لا يقدر أهله على حمايته ولا على المنع من تبديله"[4]. "...ثم لما ظهر دينهم بتنصر قسطنطين كما ذكرنا فشا فيهم دخول المنانية تقية ولم يكن فيهم غير منانية مدلسون عليهم، فأمكنهم بهذا أن يدخلوا من الضلال ما أحبوا ولا يمكن البتة أن ينقل أحد عن شمعون باطرة ولا عن يوحنا، ولا عن متى ولا مارقش ولا لوقا ولا بولش آية ظاهرة، ولا معجزة فاشية لما ذكرنا أنهم كانوا مختفين مستترين مظاهرين بدين اليهود من التزام السبت وغيره طول حياتهم إلى أن ظفر بهم فقتلوا"[5].

وهذا التحليل عند ابن حزم يتوافق مع تحليلات متفلسفة عصرنا في تناول قضايا الدين والمجتمع من حيث الأسلوب والطريقة المبدئية لكنه يختلف عنها بأنه موضوعي وواقعي وليس بإسقاطي ولا تقليدي، وإنما هو نابع من معطيات الحس والمشاهدة واستنتاجات العقل والنظر السليم، إذ واقع النص الديني الإسلامي ليس هو واقع المسيحية أو اليهودية، وذلك لعدة اعتبارات ومعطيات على رأسها انقطاع السند عند المسيحية وطول الأمد المنسي عند اليهودية، هذا مع غياب الرقابة العلمية والسلطوية للمسار الديني في المجتمع الذي تشرف عليه. وهذا ما نص عليه القرآن الكريم نفسه من خلال قوله تعالى: "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون، اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون".[6]

ولهذا فبالنسبة إلى (اليهودية) كما ذكر ابن حزم أنها كانت في بداية أمرها، قبل أن يحرف الإسلام الأصلي وهو ملة إبراهيم عليه السلام المحمية بسلطة الأنبياء والحكام والرسل إلى مصطلح يهودية منحرفة، بمعنى أن السلطة التي أشرفت على حماية الدين من التلف والضياع هي ذات مصداقية وعدالة تقتضي التصديق والتسليم بما تحميه من أجل الجماعة، لكن بعد عهد سليمان عليه السلام وانقطاع هذه المراقبة دخل التلاعب في التوراة، وانبثقت تلك الكمائن المكبوتة لليهود منذ عهد سيدنا موسى عليه السلام والمتميزة بالتعنت واستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير ومن ثم وقع الانحراف والانجراف.

أما بالنسبة إلى النصارى فإن الأمر يختلف لأنه عرف انقطاع السند وغياب الحماية منذ البداية، فطال الأمد في هذا الانقطاع إلى أن أتت السلطة لحماية النصرانية ولكن على أساس مزيف ومقهور ومشتت. فكان بذلك الضلال عن الحقيقة وتسرب الدخائل والخرافات إلى جانب الكلام الحق ولكن بصورة جد مكثفة أتلفته حتى لم يعد يميز عن الباطل في صياغته وسماعه أو في عبارته ومعناه.

أما عندنا نحن المسلمين فهذه الدواخل والفجوات لم تحدث فيه أبدا ولم تصل النص القرآني أيدي التزييف، ولم يعرف انقطاع السند كما لم يخضع للسرية بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما كان النص وما يزال مرتفعا صوته مجهورا به قراءة وتلاوة ومتواترا كتابة ورسما، إضافة إلى أن السلطة التي تولت حفظه هي عينها التي ناصرت النبي في حياته وبعد مماته، وهي التي خضعت له في سرها وعلانيتها وعلى يديه تربت وتكونت أفكارها وعقيدتها وأخلاقها، وتصفت سرائرها ونواياها، ومن ثم بقي الدين صحيحا وسليما نصا وصيغة عبارة ومعنى، مكتملا في سوره وآياته وأحرفه وكلماته: "لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"

ثالثا: القراءة الدينية بين مفهوم التجديد والتقليد الهرطقي

ومن هذه المعطيات فلا يجوز لمتفلسفة عصرنا أن يسقطوا مفهوم السلطة عند الغرب على مفهومه عند المسلمين وخاصة في عهد الخلافة الراشدية لأن الفرق شاسع بين هذه وتلك كما أن حماية الدين في السلطة الإسلامية لا تقابل استغلاله في المجتمع الغربي وفي عهد الاكليروس والاستبداد الكنسي وما تولد عنه من هرطقة من خلال رفع شعار "ما لله لله وما لقيصر لقيصر" بل إن الامارات الكنسية أصبحت مع تحريفها للدين واستغلالها لعقول وقلوب المعتقدين فيها ذات قوة في الحكم بدون حاجة إلى كثرة العساكر أو الجنود بحيث قد استبدت حتى بعقول رواد الخداع السياسي أمثال مكيافللي الذي يسلم لها عقديا ويعتبرها فوق المناقشة أو التحليل كما نجده يقول عنها: "ولكن لما كانت دعائمها أسباب رفيعة لا يستطيع العقل البشري الوصول إليها فسأتجنب الحديث عنها، إذ أن كون الله هو الذي يمجدها ويحافظ عليها، يجعل من السخف والحماقة البحث فيها!

ومع ذلك فقد يسألني سائل كيف تمكنت الكنيسة من الوصول إلى مثل هذه القوة الزمنية العظيمة، بينما لم يكن الزعماء إلا بطاليون قبل عهد البابا أليكساندر السادس، سواء الأقوياء منهم أو الضعفاء، الذين يشتملون على كل سيد أو نبيل مهما ضؤل شأنه، لا ينظرون إليها بعين الاعتبار من ناحية السلطان الزمني، واضحت الآن قادرة على إرهاب ملك فرنسا وإرغامه على الخروج من إيطاليا، وكذلك على تحطيم البنادقة وتدميرهم، وعلى الرغم من أن الرد على هذا السؤال، معروف جيدا للجميع، إلا أنني أعتقد أن ليس من نافلة القول تكراره والتذكير به"[7].

فإذا جاز للمسيحيين أو اليهود بحسب واقعهم المنحل دينيا وسياسيا إعادة قراءة التوراة والإنجيل، وحذف ما بدا لهم حذفه أو إضافة ما يحلو لهم إضافته، فإنه لا يجوز بتاتا اتخاذ مثل هذه الإجراءات بالنسبة إلى النص القرآني أو حتى الحديثي الصحيح والثابت بشروط الرواية، إذ النص القرآني لم تدخله الشوائب والتحريفات كما بينا وذلك من خلال صموده بالتحدي والاعجاز العلمي والمعرفي من جهة، ومن أخرى حمايته من طرف السلطة المعتقدة به ابتداء وجزما وكذلك من طرف العلماء الصادقين الذين كانوا يمثلون عين السلطة، وفي المراحل الأولى من الدولة الإسلامية ثم بعدها أصبحوا ذوي سلطة على السلطة نفسها وعلى المجتمع ككل، وبدون أن يخضعوا إلى هيئة رسمية أو مجمع إلزامي يقيد فتاواهم أو استنباطاتهم، إذ عددهم لا يكاد يحصى، واندماجهم في المجتمع قائم بغير وسائط ولا حواجز. ومن ثم فإن النص الديني كان متداولا بينهم على امتداد الأزمان واتساع الأمكنة التي دخلها الإسلام نصا وشخصا.

ونقطة أخرى أضيفها في هذا المجال وهي أن مفهوم رجال الدين عند المسيحيين أو اليهود لا يمكن إسقاطه على علماء الدين عند المسلمين، لأن هؤلاء الأخيرين ليسوا سوى مبينين أو معلمين للجمهور أحكام دينهم. فإذا أخذوا منهم أصبحوا في حكمهم ضرورة، ومن ثم فلا يستقلون بشيء من دونهم، فلربما يكون المتعلم أحسن حالا من العالم حينما يأخذ عنه علمه ويلتزم بمبادئه، فيجمع حينئذ بين فضيلة العلم والعمل "من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم"الحديث.

ولهذا فالعلماء المسلمون لا يتخوفون من العلوم المادية مهما تسامت وتطورت أو خالفت فهمهم الديني الذي فهموه من نصوص ظنية الدلالة وذات أبعاد إشارية، لأنهم واثقون بأن النص الديني الذي يأخذون به وعنه كله في أصله من الله تعالى، وهو بهذا كله حق، والحق لا يضاد الحق، على عكس ما هو الحال عليه عند رجال الدين المسيحيين أو اليهود، فإنهم يحاربون العلم إذا اصطدم مع النصوص التي بين أيديهم ذات الدلالة القطعية في تفصيل ظاهرة ما أو حدث ما، إما لأنهم يعلمون أن تلك النصوص غير صحيحة ويخشون أن يصرحوا بذلك فيطال الإبطال باقي النصوص كلها، وإما أنهم يعتقدون صحتها في زعمهم ولكنهم لا يسلمون بالدلائل التاريخية والعلمية والتوثيقية المؤكدة لفسادها فيقعون في المعارضة والصراع مع معطيات النظر الصحيح ونتائج التجارب الحسية الملموسة، فيلجأون إلى قبر كل ما يخالف اعتقادهم بالقوة والإقصاء، كما فعلوا مع جاليلو ورأيه حول دوران الأرض...إلخ.

فكان من واجب متفلسفة زماننا أن يريحوا أنفسهم من هذا التقليد الذي لا مستند له في التشبيه أو المقارنة، وأن يتفادوا الإسقاطات التي تنم في الحقيقة عن بطالة فكرية لا تؤدي إلى مصلحة علمية ولا حضارية وعقدية، وإنما هي عبارة عن تشويش فكري، الغاية منه في الغالب إما خدمة مصالح أجنبية ضدا على المصلحة العامة للأمة أو محاولة استقطاب الاهتمام والنظر بهذه الهيستيريا الفكرية لتحقيق غاية شاذة وهي خالف تعرف!فهلا جددنا قراءتنا بتجدد الواقع لا بتجريد النص من قوته وجذوره وأصول معانيه حتى نحافظ على أصالة القيم وبرهانية المعتقد وسعادة البشرية ؟

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب  والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

........................

[1]  ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، دار الكتب العلمية، ط2 ج3 ص 115.

[2]  ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج1 ص 251.

[3]  ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج1 ص253.

[4]  ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج1 ص254.

[5]  ابن حزم: الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج1 ص254.

[6]  سورة الحديد، آية 16

[7]  نيقولو مكيافللي: الأمير، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت ط 23، ص 114.

 

 

رجاء موليومقدمة: إن موضوع القتل الرحيم بين الشريعة والقانون من بين أهم المواضيع المطروحة في هذه الحقبة التاريخية من الزمان، لأنه موضوع يتضارب بين التحليل والتحريم بين الأطباء والفقهاء وفي القانون العربي والأجنبي.

ربما يعود تبرير القتل الرحيم وانتقاله من أفكارٍ في الأذهان، إلى قواعد راسخة في الكتب، استنادا إلى قاعدة الغاية تبرر الوسيلة كأساس فلسفي للقتل الرحيم، فيجعلهم يستعملون القتل كوسيلة للوصول إلى غاية الرحمة أو الشفقة، أو ربما يربطون بين الوسائل والمقاصد بحجة أن هناك قاعدة شرعية تقول أن للوسائل أحكام المقاصد.

القتل الرحيم كلمة يونانية الأصل تعني الموت الجيد، أو الموت اليسير، أو الموت الكريم، فالقتل الرحيم وهو التعبير الطبي العلمي المعاصر، وتعني تسهيل موت الشخص المريض الميؤوس من شفائه، بناء على طلب مقدم من طبيبه المعالج.

وعرفه الموسوعي الفرنسي بما ترجمته "موت هين، بدون آلام في حالة تنويم، باستعمال مواد مسكنة.. والتي تجنب المريض في الحالة الميؤوس من علاجها، آلاما مبرحة ومستمرة، أو تدهورا جسميا أو معنويا، كما لو كان الحال بدون علاج"[1]

تعود فكرة القتل الرحيم في الدول الغربية إلى فلاسفة اليونان القدامى، فقد ذكر أفلاطون[2]  في كتابه الشهير) الجمهورية (بأن الذين تنقصهم سلامة الأجسام يجب أن  يتركوا للموت[3] حيث قال: "إن لكل فرد الحق في أن يعيش في ظل الدولة ولكن ليس له الحق أن يعيش حياته بين المرض والعقاقير"،وبذلك فهو يدعوا إلى فكرة البقاء للأصلح[4] ؛ أي الأصحاء جسميا .

وأطلق سقراط  على هذا الشكل من الموت اسم التدبير الذاتي للموت بشرف[5].

ويقسم الأطباء ما يسمى بالموت الرحيم إلى قسمين:

قتل الرحمة الإيجابي: أو تيسير الموت الفعال، وهو أن يقوم الطبيب المعالج بإجراء فعال، يؤدي بحياة المريض المصاب مثلا (بالسرطان) والذي يعاني من الألم والإغماء، فيطلب من الطبيب بإلحاح إنهاء حياته ليستريح من الآلام، وتولدت عند الطبيب دوافع الشفقة المحفوفة بإلحاح المريض على التخلص من حياته، حينئد يعطيه جرعة عالية من بعض العقاقير التي توقف تنفسه، فيموت.

قتل الرحمة السلبي: أو تيسير الموت، وهو عملية تسهيل وفاة المريض الميؤوس من شفائه، وذلك بعدم إعطائه العلاج، أو بإيقاف جهاز التنفس، أو بعدم وضعه عندما يحتاج إليه المريض، بناءً على طلب المريض، أو عدم إعطائه العقاقير التي تعالج الأمراض الأخرى،[6]

أي أن الطبيب في هذه الحالة يتدخل برفع أجهزة الإنعاش عن المريض الذي أجمع الأطباء على أنه لن يعود للحياة مرة أخرى بسبب موت جذع الدماغ.

وهناك من يضيف شكلا ثالثا، وهو القتل غير المباشر: وهو إعطاء المريض عقاقير لتهدئة الآلام، وبمرور الوقت يكون من مضاعفات هذه العقاقير إحباط التنفس وتثبيط عمل عضلة القلب، وفي النهاية الموت.

القتل الرحيم في الشريعة الإسلامية

الثابت أن القتل هو إزهاق روح إنسان آخر دون وجه حق، وتكمن علة تجريم فعل القتل في حماية حق الإنسان في الوجود، وبالتالي حق المجتمع ذاته في الاستمرار والبقاء، لأن وجود المجتمع مرتبط بحماية وجود أفراده.

وتعد جريمة القتل من أقدم الجرائم وأبشعها في جميع الشرائع، ومنها الشريعة الإسلامية التي نهت عن القتل العمد، واعتبرته من أكبر الكبائر وأعظم الجرائم، لقوله تعالى:

﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا﴾ [7] وقوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاما﴾[8] والنصوص على ثبوت التحريم كثيرة.

ويعتبر القتل الرحيم بدعة اختلقها المجتمع الغربي للتخلص من مرضاهم وكبار السن، الأمر الذي يشير إلى غرق هذا المجتمع في المادية الصرفة، خلافا لما قام عليه الإسلام من القيم في توقير الكبير ورحمة الصغير ورعاية المريض وبر الوالدين، المستمدة من نصوص الشريعة الغراء، ولهذا الأساس بقيت المجتمعات الإسلامية متمسكة بهذه القيم، فبالرغم مما أحرزته الحضارة الغربية من تقدم مادي وتكنولوجي في هذا العصر، فإنها عجزت عن حفظ كرامة الإنسان عندما أعجزته خدمته لها أن يقوم بمصالحه. إن الدين الإسلامي يظل هو الأبقى والأصلح لكل زمان ومكان، ويقوم على احترام آدمية الإنسان أيا كانت ديانته.

ويستند المؤيدون للقتل الرحيم على أن الإنسان حر في تقرير مصيره، وله حق التصرف في جسده كيفما يشاء، فله حق الحياة وحق الموت وحق أن يُقتل إن رأى ذلك، وأن القتل الرحيم من شأنه أن يريح المريض من معاناته وآلامه، كما أن القتل الرحيم بمنزلة مساعدة على الانتحار، وأن حياة بعض كبار السن والمرضى تساوي عدمَها، وخير لهم أن يموتوا، وأن قيمة الحياة تقاس بمقدار مساهمة الإنسان إبداعاً وإنتاجاً، فما قيمة الحياة عندما يصبح الإنسان معتمداً على غيره في قضاء حوائجه؟ فيرى الدكتور سيد الجندي أستاذ المخ والأعصاب، وأحد أعضاء مؤتمر الاتحاد الدولي لجمعيات جراحة الأعصاب في نيودلهي، أن في القتل الرحيم قمة الإنسانية، فكما أن من حق الإنسان أن يعيش حياة كريمة.. فمن حقه أن يموت موتة كريمة، ويقول: ونحن الأطباء إذا كانت رسالتنا أن نحافظ على صحة الإنسان وكرامته بشكل إنساني.. فيجب أن نتركه يموت كذلك بشكل إنساني يحفظ كرامته. كما يرى الدكتور محمد شعلان أستاذ الطب النفسي، أن الإبقاء على حالة المريض وهو يتعذب، فيه تعذيب له ولأهله، وإهدار للمال دون فائدة، والمستفيد الوحيد مافيا الأجهزة الطبية.. ثم يقول: ولكن لا بد من أخذ رأي المريض قبل الإقدام على مثل هذه الخطوة الخطرة.

كما للعامل الاقتصادي أثر يستندون عليه، فالتخلص من بعض المرضى وكبار السن، فيه توفير مادي على المجتمع والدولة، فمن الواجب تخليص المجتمع من الحشائش الضارة. ويمثلون لذلك بمرضى الإيدز.

ويُرد على هذه الأسانيد المادية النزعة، أنها تهدر قيمة الحياة البشرية، وتقيس هذه الحياة بالنفع المادي للإنسان، فإذا توقف هذا النفع أو تعطّل، لمرض أو عجز فلا ضرورة لبقاء الإنسان على قيد الحياة، وفي ذلك خير دليل على عجز الفكر المادي، وإهداره لحقوق الإنسان، خاصة في حالة العجز والمرض، إن الإنسان في نظرهم مجرد آلة صماء إذا تعطلت وعجز المجتمع عن إصلاحها، يجب التخلص منها، وسعى ماديوا الفكر لإقامة المجازر للمرضى وكبار السن تحت حماية القانون على الأقل..

وقد قوبلت هذه الدعوى الخبيثة في العالم الإسلامي بالرفض، فقتل الإنسان أيا كان، سواء المريض الميؤوس من شفائه، أو المسن العاجز عن الحركة والعمل.

يقول الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر السابق: {القتل الرحيم ليس قراراً متاحاً من الناحية الشرعية للطبيب، أو لأسرة المريض، أو للمريض نفسه، وحياة الإنسان أمانة يجب أن يحافظ عليها، وأن يحفظ بدنه ولا يلقي بنفسه إلى التهلكة، لقوله تعالى: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾[9] وقد حرم الإسلام قتل النفس، لقوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما﴾[10] ونهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يقتل الإنسان نفسه نهيا شديدا، وتوعد من يفعلون ذلك بسوء المصير في الدنيا والآخرة، فقد أكدت شريعة الإسلام على التداوي من أجل أن يحيى الإنسان حياة طيبة، كما أمرت الشريعة الإسلامية الأطباء بأن يهتموا بالمريض، وأن يبذلوا نهاية جهدهم للعناية به، وعلى الطبيب والمريض أن يتركا النتيجة إلى الله سبحانه وتعالى، كما أن الطبيب عليه ألا يستجيب لطلب المريض بإنهاء حياته، وإذا استجاب يكون خائنا للأمانة سواء بطلب المريض أو بغير طلبه وإلا اصبح قاتلا وتعرض للعقاب}.[11]

وأكدت لجنة الفتوى بجامعة الأزهر، أن الإسلام يُحرم قتل المريض بدعوى الرحمة وقالت "إن الآجال محددة بعلم الله سبحانه، ولا يدري أحد ولا يستطيع تحديد متى يموت، (وما تدري نفس ماذا تكسب غذا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير)[12].

والمرض وحده ليس كافيا في توقع الموت، فكم من حالات أجمع الناس فيها على حتمية الموت العاجل ثم كانت إرادة الله عز وجل بالشفاء. فنتائج الأسباب مظنونة، وإرادة الله عز وجل غالبة".[13]

والإسلام يحرم القتل بدافع الرحمة مهما كان الغرض منه، ولا يبيحه لمن يشرف على علاج المريض سواء أكان طبيباً أو غيره؛ حتى وإن أَذِنَ المريض أو أولياؤُه لأنه قتل حرمه الله سبحانه إلا بالحق، والمريض إن أَذِنَ به يعد منتحراً، وقد تقدم نهيه سبحانه عن قتل النفس؛ حيث قال تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما، ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا﴾[14]

وفي مذهب الإمام أبي حنيفة، والإمام مالك وقول الشافعي، أن إذن الإنسان بقتله لا يبرر القتل، ويستثني الإمام أبو حنيفة الإذن بالجَرح، ويرى فيه عدم العقوبة، وفي مذهب الإمام أحمد لا عقوبة على الفاعل في قتل أو جرح إذا أذن له صاحبها.[15]

إن من واجب الطبيب أن يبعث الأمل في نفس المريض بالشفاء، ويواسيه ويصبّره، وعلى المريض أن يثق بالله تعالى، وأن ينظر إلى المرض بمنظور الإيمان، فيصبر على البلاء، ويرضى بالقضاء، ويتطلع ويسال الله الشفاء، ولا ييأس من رحمة الله.

إن لجوء المريض إلى الطلب من طبيبه أن يسارع في حقنه بعقار يعجل بوفاته ليسكن بذلك من ألمه ويخلصه من معاناته، وهو انتحار.فقد روى الإمام البخاري عن جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان فيمن قبلكم رجل به جُرح، فجزَعَ، فأخذ  سكينا فحز بها يده فما رقا الدم حتى مات، قال الله تعالى: بادرني عبدي بنفسه، حرمت عليه الجنة". رواه البخاري.

ويؤكد الدكتور الحسين يوسف عبد العال (أستاذ بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر)، {أن القتل الرحيم مخالف للشريعة الإسلامية ولا يمكن إباحته مهما كان نوع المرض وخطورته وشدة آلامه، فالمرض للإنسان ليعرف الصبر ولتفحص قوة إيمانه، وكلما صبر المريض زاد ثوابه والصبر درجة من درجات الإيمان}.

أما الدكتورة ملكة يوسف المختصة في الشريعة والدراسات المقارنة للأديان، فرأت أن ما يطلق عليه القتل الرحيم في مفهومه، يعتبر تدخلاً في إرادة الله لإنهاء الحياة التي منحها لمخلوقاته، وأن الله وحده هو الذي يقرر الموعد الذي يموت فيه الإنسان، ولا يحق لمخلوق أن يتدخل في هذا الأمر..

واعتبر الباحث الإسلامي بجامعة الأزهر الدكتور عبد المعطي بيومي أن هذا النوع من القتل يدل على ضعف الإيمان بالله، فقد يمن الله بالشفاء رغم فقدان كل امل بالنجاة، كما ان الموت قد يخطف حياة المريض رغم ثقة الأطباء بنجاح العلاج.

وأكد الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر أن الأخلاقيات جزء لا يتجزأ من هذه المهنة- الطب- كما أن الإسلام يحترم النفس الإنسانية ويصونها، ولا يسمح حتى للإنسان نفسه بالاعتداء عليها...

ويقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي "الموت الرحيم لا يجوز، ولا وجه له شرعاً لأن الأجل بيد الله، ولا يجوز لأي إنسان التحكم بهذا الأجل، سواء المريض أو الطبيب أو حتى أهل المريض".

وفي فتوى للدكتور يوسف القرضاوي ألقاها امام المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية بالكويت، أكد على أن تيسير الموت الفعال في مثل حالة السرطان، لا يجوز شرعا.. فليس الطبيب أرحم به ممن خلقه، وليترك أمره إلى الله تعالى، فهو الذي وهب الحياة للإنسان، وهو الذي يسلبها في أجلها المسمى عنده.

ولكن ماذا عن تيسير القتل المنفعل أو غير الفعال؟

الإنعاش: هو المعالجة المكثفة التي يقوم بها طبيب أو مجموعة من الأطباء ومساعديهم لمساعدة الأجهزة الحياتية كالقلب والمخ،حتى تقوم بوظائفها،أو لتعويض بعض الأجهزة المعطلة قصد الوصول إلى تفاعل منسجم بينها.[16]

وصورته منع الدواء عن المريض الذي لا يرجى بُرؤه، وقد تيقن الأطباء أن العلاج الذي يعطى له غير مجدٍ، وجزموا بذلك. وهنا ينبغي على الطبيب أن يستمر في إعطاء الدواء ما دام الدواء متوفراً، ولكن للمريض بناءً على ما تقرر من عدم وجوب التداوي في مثل هذه الحالة أن يمتنع عن أخذ الدواء متى تحقق عدم جدواه، وجزم الأطباء بذلك.

وماذا عن موت الدماغ؟ هل يعتبر موته نهاية حياة الإنسان وإن بقي القلب ينبض؟ وهل يجوز رفع أجهزة الإنعاش عن ميت الدماغ، ولو كان في ذلك إنهاء لنبض قلبه؟

عرضت هذه المسألة على مجمع الفقه الإسلامي في دورته المنعقدة في عمان عام 1986م واعتبر: "أن الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة شرعا للوفاة إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين:

إذا توقف قلبه وتنفسه توقفاً تاماً، وحكم الأطباء أن هذا التوقف لا رجعة عنه.

إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائياً وحكم الأطباء الاختصاصيون الخبراء، بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل.

وفي هذه الحالة يجوز رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص، وإن كان بعض الأعضاء لا يزال يعمل آلياً بفعل الأجهزة المركبة"[17] وقد اعتبر المجمع الفقهي فيما بعد في جلسة ثالية- الشخص ميتاً بعد توقف قلبه عن النبض، ولكنه أجاز في جلسة تالية رفع الأجهزة عنه.[18]

وأفتى شيخ الأزهر سابقا جاد الحق علي جاد الحق رحمه الله - بالإضافة إلى مقررات مجمع الفقه الإسلامي السابقة؛ حول اجهزة الإنعاش والموت الإكلينيكي، وأيضا الفتوى الصادرة من المجلس الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته العاشرة في 24 صفر 1408ه- حيث نصت الفتوى على ما يلي: {المريض الذي رُكبت على جسمه أجهزة الإنعاش يجوز رفعها إذا تعطلت جميع وظائف دماغه نهائيا وقررت لجنة من ثلاثة أطباء أخصائيين خبراء أن التعطل لا رجعة فيه، وإن كان القلب والتنفس لا يزالان يعملان آليا يفعل الأجهزة المركبة، لكن لا يحكم بموته شرعا إلا إذا توقف التنفس والقلب توقفا تاما بعد رفع هذه الأجهزة}.

التجريم القانوني للقتل الرحيم:

إن الإعتداء على النفس البشرية  يعد جريمة في الأصل العام، وينطلق هذا الأصل من مبدأ حرمة هذه الحياة وحفظها من كل اعتداء يمكن أن يقع عليها لأي سبب من الأسباب، لذلك فإن قتل النفس يعد من أبشع الجرائم المرتكبة. وقد كفلت المواثيق و الإعلانات الدولية الحق في الحياة. وهو من أهم الحقوق المرتبطة بالإنسان، وتظهر مكانته من خلال المواثيق والنصوص الدولية ومن أهمها ما يلي:

-الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) لكل فرد الحق في الحياة وسلامة شخصه [19](.

العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ) لكل إنسان الحق الطبيعي في الحياة،ولا يجوز حرمان أي فرد من حياته بشكل تعسفي)[20].

موقف الشريعة المسيحية من القتل الرحيم:

الموت الرحيم يعني السماح للمريض بإنهاء حياته تحت إشراف طبي في حالة رغبته في ذلك بعد إصابته بمرض العضال. لقد حرمت الشريعة المسيحية القتل بدافع الشفقة، فلا شيء يعفي من العقوبة، يؤكد الإنجيل على أن الله يهب الحياة، وهو وحده من يستطيع استردادها.

جاء في إنجيل متى: "يقول يسوع لتلاميذه: «قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَقْتُلْ، وَمَنْ قَتَلَ يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ 22وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ، وَمَنْ قَالَ لأَخِيهِ: رَقَا، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْمَجْمَعِ، وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ ».[21]

وفي رسالة القديس بولس الرسول الأولى، رأي مسيحي كتابي واضح في القتل أو العبث بالجسد، جاء في رسالة كورنتوس الأولى: «أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟ 20لأَنَّكُمْ قَدِ اشْتُرِيتُمْ بِثَمَنٍ. فَمَجِّدُوا اللهَ فِي أَجْسَادِكُمْ وَفِي أَرْوَاحِكُمُ الَّتِي هِيَ للهِ».[22]

وقد حددت الكنيسة قبولها للقتل في حالات هي:

في الحرب العادلة، وفي الدفاع عن النفس، وعند صدور حكم من محكمة عليا، لذلك لا تقبل الكنيسة بالقتل في باقي الحالات – بما فيه القتل الرحيم- بل تنقض كل القوانين التي قد تُشرع مواقف مماثلة، لأنها تعتبر أن الله أولى بالطاعة من الناس.

فالقتل الرحيم في نظر الكنيسة، جريمة وانتهاك لشريعة الله، والإنسان في آخر حياته وما يصاحبه من ساعات الشدة والضيق؛ يحتاج إلى العلاجات والمسكنات، وكذلك إلى مرافقة صادقة وفعالة من أهله وأقاربه والفريق الطبي والأصدقاء أيضا، كي يشعر بالطمأنينة والكرامة والفرح..

ففي عام 1957 كلف البابا بولس الثاني عشر، فريق عمل متخصص للبحث في القتل الرحيم وتطوره، ومما قاله: "القانون الطبي لا يسمح أبداً للطبيب أو المريض أن يمارس القتل الرحيم بصورة مباشرة.. لكن يجوز للطبيب إعطاء المسكنات للمريض المحتضر بعد موافقته بكمية كافية لتخفيف الألم وتعجيلا للموت".

وقد مؤتمر كنائس المهجر الذي عقد في هولندا منذ شهور وجهت أسئلة للكهنة والأساقفة وتم التأكيد على حرمانية ذلك وعدم قبول الكنيسة للموت الرحيم بأي شكل من الأشكال.[23]

وفي عام 1984 دعا البابا يوحنا بولس الثاني، المسيحيين ليؤسسوا وجودهم على مفهوم مسيحي أصيل عن الحياة وعن الموت، وإلى ضرورة عدم المساس بالحياة الإنسانية لأنها النتيجية المنطقية للمفهوم المسيحي للحياة، ثم جاء إعلان الفاتيكان لرفضه للقتل الرحيم في 7 يناير 1997 بعد حالتين أقرتهما أستراليا.

وتميز الكنيسة بين القتل الرحيم والمعالجة العنيدة التي تستمر مع أمراض مستعصية لا يمكن شفاؤها وغير قابلة للتحمل، كتوقف الدماغ عن العمل، أو مرض السرطان في مراحله الاخيرة؛ حيث لا تجد الكنيسة أي مانع من توقيف العلاجات التي تعطى لهذا النوع من المرضى، لأنها لا تضيف شيئاً على حياتهم.

وفي الأخير نجد أن مسألة قتل الرحيم هي قضية محرمة تحريما قاطعا ومتفق عليها بين جميع القوانين سواء كانت قوانين تشريعة أو وضعية، لأنها تعد انتهاكا لحقوق الفرد في الحياة والذي خوله الله عز وجل له في هذه الأرض ولا يحق لأحد أن ينتزعه منه، إلا في حالة كون المريض مات دماغه عندها ترفع أجهزة الإنعاش الصناعي ولا يسمى هذا بالقتل الرحيم.

وهكذا فالإنسان معرض للمرض والآلام وهي ابتلاء من عند الله تعالى وكفارة للذنوب ورفعة له في الدنيا والآخرة.

 

رجاء موليو

طالبة دكتوراه

.....................

[1] - المعجم الموسوعي الفرنسي كيي، نقلا عن قتل الرحمة والسلوك الطبي من منظور الشريعة والقانون للدكتور أمل العلمي، ص: 19، مطبعة أنفوبرانت فاس ط1/1999 .

[2] - أفلاطون :فيلسوف يوناني قديم ولد حوالي 428 ق.م وتوفي حوالي 347 ق.م وهو من أعظم الفلاسفة الغربيين من أقواله: الجسد قبل النفس،أن تتفلسف هو أن تتدرب على الموت.

[3] - عبد الحق حميش، قضايا فقهية معاصرة ،الطبعة سنة 2011 م_ 1432 ه،دار قرطبة – الشارقة، ص : 7.

[4] - جابر الحجاحجة، القتل بدافع الشفقة، المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، المجلد 05 ، العدد 3/، سنة 2009م- 1430م، ص: 225.

[5] - عبد الحق حميش، قضايا فقهية معاصرة، ص: 277.

[6] - أحكام التداوي والحالات الميؤوس منها وقضية موت الرحمة، محمد علي البار، دار المنارة الطبعة الأولى1416/1995، ص: 68.

[7] - سورة الإسراء، الآية: 33.

[8] - سورة الفرقان، الآية: 68.

[9] - سورة البقرة، الآية: 195.

[10] - سورة النساء، الآية: 129.

[11] - الدكتور محمد سيد طنطاوي وشيخ الأزهر السابق، في الجلسة التي عقدت في المؤتمر الدولي السنوي الثالث لكلية طب عين شمس تحت عنوان: "الطب المتكامل" والذي عقد في الفترة من 21-24 فبراير 2000.

[12] - سورة لقمان، الآية: 34.

[13] - مقررات مجمع الفقه الإسلامي الثالث التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي المنعقد في عمان بالأردن عام 1987 حول أجهزة الإنعاش والموت الإكلينيكي والفتوى الصادرة من المجلس الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي في دورته العاشرة في 24 صفر 1408ه.

[14] - سورة النساء، الآية: 29.

[15] - كشاف القناع عن متن الاقناع للبهوتي 5/518، نقلا عن مقال: "حكم ما إذا كان يجوز للطبيب إجراء نوع من التجارب على مريض يتولى علاجه"، مقال بمجلة: البحوث الفقهية المعاصرة، العدد19، ص: 239.

[16] - أحمد محمد الهاجري، موت الدماغ بين الأطباء والفقهاء، مجلة كلية الشريعة للدراسات الإسلامية،جامعة قطر،سنة 2006 م-1427ه، العدد24، ص: 293.

[17] - مجلة المجتمع الفقهي، القرار رقم 5، العدد3، 2/89، بتاريخ: 03 يوليوز 1986.

[18] - ينظر موت الدماغ بين الطب والإسلام لندى نعيم، ص: 158-175.

[19] - المادة  3 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

[20] - المادة 6 من المعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.

[21] - إنجيل متى: 5/21-22.

[22] - رسالة كورننثوس الأولى: 6/19-20.

[23] - صوت الأمة، الموت الرحيم في المسيحية، 11شتنبر 2018.

 

 

علي اسعد وطفةتشكل المرأة موضوعا للعنف الرمزي في الممارسات الثقافية والتربوية السائدة في حياتنا الاجتماعية، ويتميز هذا العنف بقدرته الهائلة على التخفي وراء الرموز والدلالات والمعاني كما يتميز بقدرته على التغلغل العفوي في الوعي على صورة عدوانية مضمرة ضد المرأة وموقف مضاد لها في الجوهر والمضمون. ويتجلى العنف الرمزي ضد المرأة في نسق من متدفق الإشارات والدلالات والرموز السلبية التي تستلب المرأة إنسانيا وتحاصرها دون أن تأخذ هذه المعاني والرموز صورة جارفة واضحة صريحة بشحنتها العدوانية التي تضع المرأة قي قفص الاتهام الرمزي.

ويتمثل هذا النسق الرمزي بفيض لا حدود له من الصفات والسمات السلبية التي تأخذ المرأة إلى مرابض التوحش والجريمة والغواية والضعة تحت عنوان الطبيعة الشريرة للمرأة. فالمرأة وفقا لهذا النسق تتصف بالخبث والكذب والسحر والفتنة والعار والغطرسة والخفة وضعف العقل والخيلاء والغواية والشيطنة حيث هي باختصار مصدر كل شر وفساد وبلية وشكوى تحلّ بالإنسان بالمجتمع.

يتميز العنف الرمزي بقدرته على التخفي والانسياب في العقل دون أن يشعر صاحبه بهذه القوة التي ترغمه أو تخضعه أو تستلبه. فهو أشبه بالتيارات البحرية التي تأخذك إلى أعماق البحار وانت تعتقد أنك ما زلت في المكان الذي كنت فيه لم تتحرك. فالعنف الرمزي قوة تتغلغل فينا وتبرمجنا بصورة لاواعية فتجعلنا وكأننا نخضع لأنفسنا وليس لقوة خارجية اخترقت جدار وعينا واستقرت في عقولنا الباطنية. باختصار إننا نستبطن رموز هذا العنف بطريقة تبدوا لنا وكأنها قيما كبرى يجب أن نتبناها وندافع عنها، وخير مثال على ذلك دفاع العبد عن سيده والضحية عن مفترسها والمرأة عن الرجل الذي يمتهن كرامتها لأن العنف أخذ طابعا رمزيا فتغلغل في أعماقنا واستقر في عقلنا الباطن فأخذ يبرمجنا من الداخل من العمق وإن كان في الجوهر نابعا من مصادر خارجية. باختصار إنه أشبه بالأفيون الذي يسيطر على ضحاياه ويدمرهم من الداخل دون يشعروا به، وصاحب العنف الرمزي أي من يروج له ويصنعه أشبه بمروج المخدرات الذي ما أن يدفع ضحاياه لتذوقه حتى يصبح قوة داخلية تسيطر عليهم وتدمرهم إلى حين.

والمرأة من أكثر الفئات الاجتماعية تأثرا بالعنف الرمزي الذي تتشبع برموزه وسمومه في مراحل طفولتها ونشأتها وشبابها حتى تصبح أكثر الفئات الاجتماعية إحساسا بالدونية واقتناعا بها فهي أكثر من يؤمن بطبيعتها الشريرة المزعومة وأكثر إيمانا بأنها دون الرجل واكثر اندفاعا في مهاجمة حقوقها ومهاجمة الرجل الذي يدعو إلى تحريرها.

وهذه التصورات ليست حكرا على عالم الرجال بل تحتل مكانها في عقل المرأة ووعيها وهذا يمثل قمة الاغتراب وغابة الاستلاب الإنساني. فالمرأة بذاتها تدرك هذه التصورات وتتمثلها في كثير من الأوقات حتى أنها تجد مبررا لخطاياها وعيوبها تحت عنوان ضعف المراة وغوايتها وقابليتها للإغواء.

 فالمرأة تخضع لنوع من الاستلاب الرمزي الذي يفرغها من مضمونها الإنساني ويحرمها من امتيازاتها الأخلاقية والاجتماعية، فكيف يحدب هذا ما الأواليات التي تجعل المرأة خاضعة ومستكينة لأوضاعها الدونية دون رفض أو معاندة أو مقاومة؟ كيف يفعل العنف الرمزي فعله عبر العملية التربوية؟ وكيف تتمثل المرأة وغيرها الرموز التي تضفي على دونيتها طابعا شرعيا؟ وبعبارة أخرى كيف تتمثل المرأة أيديلوجيا عبوديتها الاجتماعية عبر نسق من المفاهيم والمقولات التي تستلبها على مرّ الزمن بأدوات تربوية تغذي رموز الدونية والعبودية النسوية؟

هذه هي الأسئلة التي نطرحها ونجيب عنها في هذه المقالة المتواضعة.

اللون الأسود: عنف رمزي

تتعدد صيغ الاستلاب الرمزي واشكاله وموضوعاته وهي تشمل طبيعة المرأة وقناعاتها ووظائفها ودورها الإنساني ومكانتها في المجتمع حيث نجد أنساقا متكاملة من الفعاليات والتصورات الرمزية التي تستلب المرأة من حيث نظرتها إلى ذاتها ونظرة المجتمع إليها، ونحن في هذا السياق سنقدم نموذجا رمزيا استلابيا يتعلق باللون الأسود.

فمن المعروف أن لباس المرأة في  كثير من البلدان العربية غالبا ما يكون باللون الأسود بينما الرجل يرتدي اللباس الأبيض ولا سيما في فصل الصيف. وهذه الظاهرة تلفت الانتباه من حيث طبيعتها الرمزية. والسؤال هو لماذا ترتدي النساء اللون الأسود في الصيف علما بأن هذا اللون يمتص الحرارة كثيرا ويرفع درجة حرارة الجسد في بلاد شديدة الحرارة أصلا. هل يوجد في عقل المرأة ما يبرر لها أن ترتدي هذا اللون دون غيره من الألوان.

وليس أبدا شيئ صعب أن نقول بأن التقاليد هي التي تفرض ذلك، ولكن يجب علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن التقاليد لم تكن اعتباطية يوما ما، بل هي نوع من التكثيف الرمزي ، ومن أجرى هذا التقليد في الأصل كان يتوخى أمورا تتعلق بموقفه من المرأة ودونيتها. فالتقاليد تقوم على أساس وظائفي واساس رمزي. والسؤال هنا لماذا تتحيز التقاليد للرجل وتظلم المرأة فتعطي الرجل فرصة ارتداء الأبيض الذي يقيه شر الحر بينما يفرض على المرأة اللون السود الذي يلهب الجسد بحرارته في فصل الصيف.

ومن أجل استكشاف البعد الرمزي لهذه المسألة كان علينا أن نلجأ إلى محاورة الطالبات الجامعيات في هذا الأمر عبر نسق من التساؤلات المنهجية التي نحاول عبرها الكشف عن البعد الرمزي للون اللباس لدى المرأة.

ومن أجل هذه الغاية قمنا بطرح أسئلة ممنهجة تتعلق بالألوان على أربعة مجموعات طلابية مختلفة في شعب متفرقة وعلى فترة زمنية متفاوتة.

في المجموعة الأولى، سألنا الطالبات: أي الألوان هي الأفضل؟ فتنوعت الإجابات بتنوع الألوان ولكن اللون الأسود كان نادرا ما يرتسم في سلم أفضلية الألوان لدى الطالبات.

وفي المجموعة الثانية، طرحنا سؤالين مترابطين جوهريا فكان الأول: إلى ما يرمز اللون الأسود؟ فكانت الإجابات دائما: الحزن والموت والجهل. وكان الثاني: إلى ما يرمز اللون الأبيض؟ فكانت الأجابة الطهارة النقاء النور الجمال البراءة.

وفي المجموعة الثالثة، كان سؤالنا: لماذا ترتدينن ثيايا سوداء؟ وسرعان ما كانت الإجابة في هذا المقام بأن اللون الأسود هو سيد الألوان وحاكمها، أنه اللون الرسمي، إنه لون المهابة، بل هو لون الوقار والحشمة.

وبعد ذلك قمنا بطرح هذه الأسئلة الأربعة جميعها بالتسلسل على فرقة أخيرة من الطالبات. حيث بدأنا بالسؤال حزل : ما لونكن المفضل؟ ثم إلى ما يرمز اللون الأسود؟ وبعد أن حصلت على الإجابات التقليدية المعروفة التي ترفض اللون الأسود، سألنا الطالبات السؤال التالي: لماذا إذن ترتدينن اللون الأسود؟ وهنا كانت الصدمة والارتباك حيث اصيبت الطالبات بحالة من الدهشة أو الصدمة إذ أعلنَّ للتو رفضهن لهذا اللون ونعتنه برمزية الحزن والجهل، وهن الآن في مواجهة حقيقة مع سؤال لم يخطر لهن ربما على بال: لماذا يرتدين اللون الأسود مع أنهن لا يفضلنه ويرين فيه رمزا للحزن والبؤس والظلام. وبعد برهة تتعالى الإجابات بأن اللون السود هو سيد الألوان، وبعد الإقرار بأن اللون الأسود هو سيد الألوان ولون الحشمة، وجهت للطالبات سؤالا جيدا نصه: إذا كان اللون الأسود هو سيد الألوان لماذا إذن لا يرتديه الرجال؟ ولماذا، على خلاف ذلك، يرتدون الثياب البيضاء الناصعة؟ ومن جديد تقع الطالبات في مزيد من الحيرة والارتباك، ويشكل عليهن الأمر، وتسيطر حالة من الوجوم تنظر فيها الطابات بعضهن إلى بعض وترتسم على وجوههن ابتسامات حائرة.

ثم وجهنا سؤالا أخيرا: نحن في بلاد حارة واللون السود يجلب الحرارة ويلهب الجسد فلماذا لا تختار المرأة لونا آخر يكفيها شر الحرارة الشديدة في بلادنا؟ فكان الوجوم أخطر وأكبر؟

لقد أعلنت الطالبات أنهن يرتدين الأسود بوحي من العادات والتقاليد، ولم يخطر لهن طرح هذه السؤال على أنفسهن من قبل. وأعلنت أغلبيتهن أنهن لا يعرفن سببا موضوعيا وجيها أو شرعيا يوجب ارتداء الأزياء السوداء في أرض صحراوية حارة، وأنهن أيضا لا يعرفن لماذا يختص الرجال باللون الأبيض بينما تختص النساء باللون الأسود وكانت الإجابة المختصرة هي عاداتنا وتقاليدنا ويجب أن نحترمها ونلتزم بها.

والسؤال الذي نطرحه هنا: هل من قبيل المصادفة التمييز  في اللون ما بين ملابس الرجال وملابس النساء؟ وهل هناك من مبررات شرعية مشروعة أوموضوعية تبرر هذا التصنيف؟ لماذا ترتدي النساء اللون السود مع انه ليس من الألوان المفضلة لديهن كما أنه يحمل طابعا رمزيا سلبيا؟

لا يوجد أمامنا سوى افتراض واحد: إن تخصيص المرأة باللون الأسود يمثل شكلا من أشكال الاستلاب الرمزي بما يتطلبه هذا الاستلاب من عنف رمزي يُمارس على المرأة لفرض دونيتها في السلم الاجتماعي في مجتمع ذكوري، أي في مجتمع يهيمن فيه الذكور. ووفقا لهذا التصور فإن اللون الأسود يلعب طابع الترويض الرمزي للمرأة دون أن تدري بأبعاد هذا الترويض حيث أصبح هذا اللون بوصفه لونا تفرضه العادات والتقاليد متأصلا في الوعي ولكنه في كل الأحوال تقليد مضاد للمرأة يصنفها أدنى من الرجل: الأبيض للرجل أما الأسود للمرأة، الحرارة للمرأة أما البرودة للرجل، النور للرجل والظلام للمرأة، الطهارة للرجل بينما السواد للمرأة. طبعا هنا نستطيع أن نجد في الروابط ما بين اللون الأسود واللباس ما بين الرجل والمرأة نسقا من الرموز التي تجعل من المرأة أدنى من الرجل وهنا تتم الوظيفة الاستلابية للون الأسود والوظيفة الإنسانية للون الأبيض.

التربية والاستلاب الرمزي:

تشكل التربية أهم عوامل الاستلاب الرمزي للمرأة وقد كتبت في ذلك دراسات كثيرة. فالمدرسة كالتلفزيون تعمل على تأصيل الفروق والتباين بين الجنسين وعلى استلاب الأنوثة والإعلاء من شأن الذكورة. فالمدرسة تعمل وبصورة مستمرة على تكريس مفهوم العلاقة التقليدية التي تفرض نفسها بين الرجل والمرأة كالعلاقة بين السيد والمسود في عقول الأطفال وفي أذهانهم. فأغلب النصوص المدرسية تعمل على تقديم المرأة في صورتها التقليدية كأم وزوجة وطباخة وخياطة وحطّابة وخدامة. حتى عندما يراد للمرأة أن تقدم بصورة فعالة وإيجابية فإن المدرسة تضعها في صورتها المعيارية بوصفها ممرضة أو معلمة وسكرتيرة ومضيفة وهذا يعني أنها ما زالت تحاصر في أدوارها التقليدية حتى مع مطلع الألفية الجديدة.

 العنف الرمزي ضد المرأة في الكتب المدرسية: 

تتمثل خطورة عملية بث العنف الرمزي عبر الكتب المدرسية في مستويين أساسيين، في البداية فإن عملية بث هذا العنف وتأصيله تتم في المراحل العمرية التي يكون فيها الأطفال في قمة قدرتهم على استبطان المعلومات وتمثل القيم، فالأطفال في عمر المدرسة يتشبعون بسرعة وعمق بكل ما يُقدم إليهم من معلومات وما يُبشر به من قيم ورموز. وفي المستوى الآخر يقتضي التنويه إلى أن الكتب المدرسية تطبع بآلاف النسخ وتوزع على شرائح واسعة وعريضة من التلاميذ في مختلف المؤسسات المدرسية وهذا يغطي شرائح واسعة أيضا من هؤلاء الذين يستهلكون هذه الكتب تحت عنوان التربية غير النظامية. وهذا يعني بأن الكتاب المدرسي يلعب دورا محوريا وأساسيا وقد يكون أحيانا الصلة الوحيدة بين المعلمين والتلاميذ. ومن الواضح أن هذه الكتب تفيض بالإشارات والرموز والصور التي تعزز مبدأ الفروق والتمييز بين الجنسين.

ويبدو أن مصممي الكتب المدرسية كانوا حريصين على تأكيد العنف الرمزي ضد المرأة منذ البداية حتى النهاية على مدار الحياة المدرسية برمتها. ويبدو هذا الحرص على تضمين العنف الرمزي في كتب المدارس العامة أكثر قوة وحضورا، حيث نجد صورة مشوهة للمرأة سيتمثلها الأطفال من الجنسين على أنها حقائق أبدية، ووفقا لهذه الصورة فإن الذكور يمتلكون وضعية الهيمنة والإناث وضعية الخضوع والدونية.

إذا كانت المرأة لا تطبخ فهي تنسج:

منذ بداية الحياة المدرسية في السادسة أو السابعة من العمر يشعر الطفل بالفروق بين الجنسين عبر المعرفة المدرسية والممارسات التربوية. فالأم في كتب اللغة العربية غالبا ما تقدم على حضورها المستمر في المنزل لتقوم بأعمال المنزل، وبالتالي فإن البنات يساعدن الأمهات في أعمال المنزل وتدبيره. ويلي ذلك أن أغلب التمارين التي تطلب من التلميذ أن يصف عمل الأم والأب. فعلى سبيل المثال يسأل الطفل: ماذا تفعل الأم في المنزل والإجابة غالبا تكون إنها تطبخ أو تنظف المنزل أو ترضع الطفل أو تعنى بأطفالها، تتحدث إلى جاراتها، تعود أقرباءها والمرضى في الحي، وعلى خلاف ذلك تكون الصورة مختلفة بالنسبة للأب كأن تكون الإجابة إنه يقرأ أو يكتب أو يعود من العمل أو أنه يسافر أو يمارس الرياضة. وهذه الصورة النموذجية عن المرأة وعن الرجل التي نجدها غالبا ما نجددها في أغلب كتب القراءة في المرحلة الابتدائية.

ويمكن في هذا السياق ملاحظة أن هذا التصوير يقدم المرأة في وضعية عبودية وأن ذلك ليس أمرا عفويا بل مقصودا وموجها وأيديولوجيا. فعلى سبيل المثال غالبا ما نجد في كتب القراءة أن الأم تستسلم إلى صورتها التقليدية ففي أحد المشاهد في كتب القراءة نجد الصورة التالية الأم تقوم بخيط الثياب والأب يقرأ في المجلة والطلفلة تلعب بدماها بينما يقوم أخوها الصغير بكتابة وظائفه. ومن الملفت للنظر أن الصور التي ترافق النصوص لا تعبر عن مضمون النص بل تكون مفارقة له حيث تأخذ دلالة تقلل من شأن المرأة نفسها وتعلي من شأن الذكور بصورة عامة.

المرأة جاهلة وعاطفية مقابل الرجل المثقف والقوي:

 تتعمد نصوص القراءة إخفاء الطابع الثقافي والتعليمي للمرأة وفي كثير من الحالات تبرز جهلها وأميتها. وفي الصور غالبا ما تأخذ صورتها التقليدية السائدة حيث تقوم بحمل الأطفال وإرضاعهم وتعنى بالأبقاء أو تحمل الحطب على ظهرها. ويقابل هذه الصورة صورة مناقضة للرجل المثقف الذي يقرأ الصحف ويعلم أبنائه ما هو ضروري لمعرفتهم واطلاعهم، يرسل الرسائل ويكتب الشعر.

والمرأة المثالية التي تقدم في هذه النصوص توصف دائما بأنها نشطة غير كسولة عاطفية رقيقة قلقة من أجل أطفالها. وعندما يتعلق الأمر بالمرأة العاملة خارج المنزل فإنها غالبا ما تكون بائعة أو ممرضة وقلما تكون طبيبة ومهندسة أو متخصصة علميا. وبصورة عامة غالبا ما تقدم المرأة في الكتب على أنها أم وزوجة وأخت وطباخة ومربية وممرضة وهي تتجاهل بصورة متعمدة دور المرأة بوصفها مثقفة طبيبة ومهندسة وجامعية وسياسية.

الخضوع للمرأة والسلطة للرجل:

 يأخذ الرجل أدوارا متنوعة عبر النصوص الصور في الكتب المدرسية، فالرجال يقدمون على أنهم أصحاب الأمر والسلطة والقوة والإدارة، وبالتالي فإنهم يمتهنون مهنا تخولهم ممارسة هذه السلطة مثل: مروضو أفاعي، صيادون، مدراء نوادي، محاربون، قادة، مغامرون، ضباط وقادة عسكريون، مدرسون ومعلمون، شيوخ وأئمة.

والمرأة غالبا ما تقدم خاضعة للرجل والرجل غالبا ما يكون المدير والسيد والآمر والناهي. وفي مستوى الطفولة غالبا ما يوصف الأطفال الذكور بالنشاط والقدرة والقوة والاندفاع بينما يأخذ الأطفال الإناث صورة الرقة والنعومة والضعف والهشاشة. وغالبا أيضا ما توصف المرأة الإيجابية بأنها المرأة العاطفية الحنونة الخجولة المطيعة.

خلاصة:

تعاني المرأة من عملية استلاب رمزي مستمرة في حياتنا التربوية والثقافية فهناك أنساق من الرموز التي تحاصر المرأة وتضع المرأة في قفص الاتهام لتحرمها من جوهرها الإنساني وقيمتها الأخلاقية. وما يؤسف له أن هذه الممارسات التربوية قائمة في التربية المنزلية والمدرسية في المؤسسات الثقافية في ميدان العمل وفي مختلف جوانب الحياة.

ومع وجود نسق خاص من السمات الإيجابية للمرأة فإن النسق العام من التصورات والرموز التربوية تضعها في موقع الإدانة. فالسمات الإيجابية هي نظام خاص يتبناه بعض الرجال في وصف صفوة النساء وخيارهن، وأحيانا بعضا من أمهاتهم وأخواتهم، أما النسق السلبي من هذه السمات فتوصف به المرأة بعامة على مبدأ الشمول والكلية والإطلاق. ويمكن تحديد طبيعة العلاقة بين النسقين في موقف الفرد الواحد على الشكل التالي المرأة شريرة بطبيعتها على العموم ولكن قد تكون أمي خيرة على مبدأ الاصطفاء والاستثناء. وهكذا يستطيع الإنسان أن يمتلك على نقيضين تتوسطهما آلية ذهنية مخادعة يستطيع عبرها الخروج من دائرة هذه التناقض بإضاف صفة الاستثناء على من يستغرق في تقديرها وحبها. فالرجال كما يلاحظ يعاملون زوجاتهم وفقا لهذا التصور الذهني عن المرأة وكذلك يعاملون بناتهم وجميع النساء تقريبا. هذه الأنساق التي تحط من شأن المرأة وتدني من قيمتها يرتبط تاريخية بأوضاع اجتماعية اقتصادية في مراحل متدرجة من العبودية التي عاناها المجتمع الإنساني. وليست الإشكالية الآن في بحث النشأة الأولى لعملية الاستلاب الرمزي للمرأة عبر أنساق من المقولات والتصورات التاريخية التي أسبغت عليها بل تكمن في الكشف عن استمرارية هذه الأيديولوجيا والتصورات المعادية للمرأة عبر الزمن وعن الكيفيات التربوية التي تغذي أيديولوجيا النقص والاستلاب في شخص المرأة عموما.  وباختصار نحن اليوم نحتاج إلى تحرير  العملية التربوية من الدلالات الرمزية التي تمتهن المرأة وتضعها في أقفاص الاستلاب الرمزي.

 

علي أسعد وطفة

جامعة الكويت

 

يكثُر الكلام في الأدبيات الإسلامية عن الحرب وعن المحاربين، وفيها قد خلطوا بين الألفاظ والمعاني حتى غدت الحرب هي القتال، والمُحارب هو المُقاتل في نوع من التعمية والتشويه المتعمد المذموم، ومن ذلك الخلط وتبعاً له نمت وترعرعت أفكارا ومفاهيم بعيدة عن معانيها وسياقاتها الموضوعية والتاريخية، وقلنا ولا نزال نقول: إن كل هذا نشأ وساد بفضل سطوة أصحاب الترادف والتسامح من الفقهاء والمفسرين في أدبنا الإسلامي، وبالتحقيق ثبت إن هذه السطوة أعتمدت في إنتاج معارفها على أخبار شاذ ومقولات منكرة .

 وفي بحثنا عن معنى (آية المحارب) سنرى كيف وضفت الألفاظ في غير معناها ودلالتها، وسنرى كيف أفتى الفقهاء وحكموا على ذلك وتبعاً له، ولم يبتعد المفسر عن ذلك كثيراً، لأنه يعتمد على نفس الحجج والبراهين في ذلك من غير تدبر أو إمعان نظر، أقول قولي هذا بعد النظر والتأمل في الموقف الفقهي والتفسير الغريب، لتفسير قوله تعالى: - (إنما جزاء الذين يُحاربون الله ورسوله، يسعون في الأرض فساداً، أن يقتلوا أو أن يُصلبوا أو تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) - المائدة 33 .

وكان لذاك الموقف والتفسير الأثر والدافع المباشر للبحث والتنقيب والتحقيق في معاني ودلالات النص المتقدم، مبتدئين القول بالتعريف التالي:

قالت المعاجم: (إن الحرب والحرابة والمحارب) هي الفاظ لغوية وضعت لمفاهيم حيوية ترتبط مباشرة بحياة الناس اليومية، وقالت المعاجم: - أن لا دلالة أولية لهذه الألفاظ على القتال وعلى نحو مباشر -، والحرب عند أبن منظور هي نقيض للسلم، وزاد في القول: - فلان حرب ليّ أي عدو -، قال: - وأصل اللفظ من، (حرَبهُ يَحربهٌ من باب نَصرَ إذا أخذ ماله فهو محروب)، والحربٌ بالتحريك أن يُسلب الرجل مالهُ، والحارب: الغاصب الناهب، وحرِب الرجلٌ بالكسر يَحرَبُ: أشتد غضبه، وحرَّبَ السنان: أحدّهُ -، لسان العرب ج1 ص 302 - ..

والأصل في الحرب إنه لفظ دال على مطلق الصراع (الذي يقع في الحياة)، فنقول: حرب نفسية وحرب إقتصادية وسياسية وثقافية وعسكرية، وحرب على الربا، وعلى الإحتكار وعلى ترويج المخدرات، وحرب على الوباء وعلى غير ذلك، إذن فهي مفهوم مشترك عام شامل متعدد المصاديق .

و القتال: هو واحد من تلك المصاديق، وعلى ذلك دل كلام أبن منظور المتقدم، والذي قال فيه: - والحرب نقيض السلم -، وبما أن معنى السلم: - هو الإستقرار والأمن والطمأنينية -، والذي بظله تزدهر الحياة في البناء والإعمار والتطور والتقدم، فبالتقابل تكون الحرب نقيضاً لذلك، أعني هي الفوضى وعدم الإستقرار، والتي تؤدي إلى الخراب والدمار والفناء والتخلف، وفي المعنى العام للحرب يقع القتل وتحدث الفوضى وتبدد الثروات وتضيع الجهود المثمرة وتتلاشى قوى الإبداع .

ومن ذلك يتبين أن جعل معنى الحرب محصوراً بالقتال وحده لا دليل عليه، كما أن مادة - حرب – حين وردت في اللسان العربي وردت للدلالة على مطلق أنواع الصراع، وإلى ذلك أشار نص لا حق على ذلك ودل عليه .

 قال تعالى: - فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله - البقرة 279 -، والحرب هنا وردت للدلالة على معنى الحكم الذي شرعه الله ضد المتعاطين والمتعاملين بالربا، ولفظ الرسول هنا ورد كصفة تعيين للإشراف على الرسالة، وتبليغ ما جاء بها وتنفيذه بحسب الواقع والظرف الموضوعي، والتناسب بين الحكم والموضوع واجب كما أكد على ذلك الكتاب المجيد .

وبما إن للحرب مصاديق متعددة فالربا هو واحد من تلك المصاديق، والربا: - هو زيادة على أصل رأس المال، يتحصل عليها الدائن من المدين -، هذه الزيادة هي في الحقيقة إجحاف متعمد بحق المدين، ولا يذهب المدين للتعامل الربوي إلاَّ حين يكون محتاجاً إحتياجاً ماساً، وإستغلال صاحب رأس المال لحاجة المدين وعلى هذا النحو هو الممنوع الذي حرمه الله، قال تعالى: -(وأحل الله البيع وحرم الربا) - البقرة 275، إذن هذا النوع من البيوع والمعاملات حرمه الله لما فيه من ضرر، وأمر الله الناس بتركه وعدم التعامل به، قال تعالى: - انتهوا - وفعل الأمر وأداة الشرط (وإن لم تنتهوا)، وردا في مقام الجواب: - فاذنوا بحرب من الله ورسوله -، أي إن التعامل الربوي شرط في احداث الضرر لذلك ورد الحكم بتحريمه، ويكون كل تعامل ربوي حرام شرعاً بناءا على ذلك، وتترتب على المتعاملين بالربا أحكام قانونية وحقوقية وجزائية رادعة، والرسول بصفته الرسولية مكلفاً بتبليغ هذا الحكم وتنفيذه باعتباره حاكماً شرعياً .

 ولكن من أين جاء توهم بعض من الفقهاء في جعل معنى الحرب هو القتال وحصره بذلك دون غيره؟، التوهم منشأه النظر العرفي وليس العلمي الدقيق، فالحرب من الجهة العلمية وفي لسان النصوص لم ترد بهذا المعنى الحصري، وكذلك المعنى اللغوي لا يدل اطلاقا على الحصر بالقتال وحده، بل جعل القتال واحدا من المصاديق الكثيرة .

 والتوهم أيضاً منشأه المقاربة بين فعل - يحاربون - وفعل - يقاتلون، مع إن الفعلين وردا في السياق العام بدلالة كل واحد منهما، وفي الكتاب المجيد ورد فعل - يُحادون - بمعنى - يحاربون - كما يقول اللسان العربي، ولفظ – مُحادد – يعنى - محارب -، وليس في لغة العرب ما يدل على إن لفظ - يحادد - يدل على الذي -يُقاتل -، وإليكم أن تتدبروا النص التالي وتحكموا، قال تعالى: - إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين - المجادلة 20 - ....

 وأما الجملة الفعلية:

 - يحاربون الله ورسوله - فتوضح لنا صفة المحارب لله ورسوله، كيف يكون ومتى يكون؟: - والذي هو من يتخذ موقفاً معادياً لدين الله ورسالته -، و- دين الله - كما عرفته الشرايع: - هو رسالة الله للناس جميعاً في العدل والحرية والسلام -، وهذه الرسالة هدفها سعادة الإنسان في الدنيا وحمايته في الآخرة، ودور الرسول في ذلك: - هو نشر هذه الرسالة وإبلاغها إلى الناس كافة -، ولذلك فمن يقف بوجه هذه الرسالة، فهو كمن يقف بوجه سعادة الإنسان وتقدمه وإزدهاره، وجملة - يحاربون الله ورسوله - ورد ت في سياق (الإستعارة المجازية)، والتي تكون دائماً مصحوبة بالقرينة الدالة عليها، والإستعارة المجازية كثيرا ما تستخدم في لسان العرب وكلامهم .

 فقد ورد في المأثور: - من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة - أصول الكافي ج2 ص 352 -، وفعل أهان الرباعي أو هان الثلاثي من الهوان الدال على السخرية والإزدراء، وفعل أهان يكون بالفعل تارةً وبالإشارة والإيماء تارةً أخرى، وفعل إن صدر مع القرينة عن أحد على نحو ما أعتبر أو دل على تحد لإرادة الله، ومن مصاديق فعل أهان ما نشاهده ونقرئه من ممارسات وأفعال عنصرية من البيض تجاه السود، حدث هذا ويحدث في أمريكا ودول أوربا عامة،

والفعل إن دل على هذا المعنى سُمي فاعله – محارباً -، هذا بلحاظ السياق النوعي للفظ ولذلك قال - بارزني بالمحاربة -، أي ظاهرني أو واجهني على النحو المغاير والمخالف، والمبارزة من الفعل برز توصيف لنوع الفعل الذي يسببه في الأرض، ولا يهم إن كان هذا الفعل ناتجا عن فعل رجل واحد أو عن مجموعة رجال، المهم ان يصح الوصف والنعت به .

الحكم الكلي:

يبين النص 33 من سورة المائدة الحكم الكلي في السياق العام، أي الحكم الكلي على الجرائم التي تُرتكب بحق الإنسان، وورود الحكم في السياق العام قيل: (هو بيان للسبب وذكر للعلة)، أي بيان لسبب المحاربة، أو ذكر لعلتها، كما أن الحرب ذكرت في بيان سبب الفساد وعلته، والذي هو في أصله علة تامة، بدليل أن المتعلق بجملة – يحاربون الله ورسوله - إنما هو جملة - ويسعون في الأرض فسادا -، أي إنهم بسعيهم في الأرض فسادا يحاربون الله ورسوله، وقد تبين إن هذه الجملة مفسره وشارحه لما قبلها، وأما الأحكام اللاحقة والتابعة لها في هذا المجال، فهي عقوبات مقدرة جاءت كعقوبات تقديرية وليست تعبدية يحكمها الظرف والطبيعة، وأما سبب صدور هذه العقوبات أو الحيز الذي صدرت من اجله فيتعلق بحماية المجتمع من التعدي،

أي إنها جاءت من أجل حفظ النظام ورعاية القانون (حماية المجتمع) من كل أنواع الجرائم، ولم يرد ذكر الله ورسوله إلاَّ من باب التنويه قبح الفساد والمفسدين، ولذلك جُعلت العقوبة منسجمة ومتناسبة ومتسقة مع نوع الفساد وطبيعته وأثره في المجتمع، والتناسب صفة ضبط ضروري لإيقاع الحركة في الحياة، والحديث عن الحرب على الله ورسوله، إنما يكون بسبب ما يؤدي إليه - الفساد في الأرض -، أي إن الفساد في الأرض علة تامة لحدوث الحرب على الله ورسوله، والذي هو بطبيعته حرباً على المجتمع وعلى إستقراره وعلى حياته .

 قطاع الطرق:

ورد في بعض الروايات والأخبار، إن المُراد من معنى الفساد في الأرض هم - قطاع الطرق - وحسب، وتبنى ذلك المعنى بعض الفقهاء كأبن قدامة في المُغني ج10 ص 303، والشيخ الطوسي في الخلاف ج 3 ص 212، والعلامة الحلي في القواعد ص 279، على أساس إن ما يفعله - قطاع الطرق - هو السلب والنهب وإشاعة الخوف وتخريب الأمن وعدم الإستقرار في المجتمع، وهذه الأفعال منهم فسادا في الأرض، ولكن هذه الأفعال مجتمعة لا يصح معها إطلاق صفة - الفساد في الأرض - عليها دون سوآها من الأفعال الأخرى، بل إن أفعالهم بلحاظ المعنى المتقدم تكون أحد المصاديق لمعنى الفساد في الأرض لا تمامها، وعليه لا يصح بل لا يجوز تخصيص العقوبة بهم وحدهم دون سوآهم، وبعبارة أدق نقول: إن كل ما يؤدي إلى الفساد في الأرض من فعل وقول وعمل يكون مصداقاً من مصاديقه، وإن لم يتحدث عنه النص ويذكره، بدا لي ان عامة النصوص إنما تأتي بالمفاهيم وتترك تحديد المصاديق للواقع، فقوله تعالى: (ويسعون في الأرض فسادا)، مفهوما عاما يشمل جميع أنواع الفساد والمصاديق تكون على النحو التالي مثلاً:

 (قتل الناس وتفجيرهم في شوارع بغداد والناصرية ودمشق والقاهرة ولندن ومدريد وتفجيرات بوسطن بامريكا)، هذه وغيرها الكثير الكثير من مصاديق مفهوم ومعنى الفساد في الأرض .

 وبالرجوع إلى جملة - ويسعون في الأرض فسادا -، فإننا سنجد إن السعي هنا فعل دال على العمل الفاسد والترويج له، وعدم ذكر الاخبار لهذه المفاسد التي ذكرناها لا يعني نكرانها، وإنما تركها الشارع للمجتمع وللواقع في تحديدها والإشارة إليها .

فإن قلت مستنكراً: ولماذا لم يقل الله بشكل مباشر: - إنما جزاء الذين يسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا ..-؟، ومن دون الحاجة لذكر: - إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله، ويسعون في الأرض فسادا .....-؟

قلنا: إن الإتيان بجملة - يحاربون الله ورسوله - ليس من باب الزيادة ولكن جاءت للتنبيه والإخطار، على عظيم فعل الفساد وفاعليه في المجتمع، فهو إذن من جهة نبه على خطورة الفساد والمفسدين، ومن جهة ثانية أشار لما يفعله الفساد من تحد لله ورسوله، والتنبيه والتذكير تتعلقان بالمعنى النفسي للفعل، أي تحفيز الفطرة لكي تتفادى هذا السلوك وتمتنع عنه، لما لهذا السلوك من مخاطر على الحياة والمجتمع ..

والعلاقة بين الفساد والسعي في الفساد علاقة القرينة بذي القرينة، فالفساد هو الفعل والسعي فيه هو الترويج والنشر عن عمد وسبق إصرار، وإذا كان الفساد يدل على مطلق الفعل، فالسعي في الفساد توكيد عليه بحسب الوضع والواقع قوةً وضعفاً، وكذا تكون العلاقة بين الجريمة والعقاب .

 قال الله تعالى: - من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكانما قتل الناس جميعاً .. - المائدة 32 -، فالنص يؤكد على أصالة مبدأ التناسب في الحكم بين الجريمة والعقاب:

أولاً: لأن التناسب في أصله مبدأ إلهي عقلي فطري .

وثانياً: ولأن التناسب كذلك ينفي مقولة الحصر بالمصداق الواحد بإعتبار ذلك غير جائز:

 1 - من جهة الدليل المتقدم .

2 - ومن جهة نوع الملاك المتعلق بالفعل - سعى - على نحو عام ومطلق .

3 - وبإعتبار ان مايقع في هذا الباب فهو من باب المثال والمصداق، وليس من باب الحصر والتقييد والتخصيص .

فالعمليات الإنتحارية مثلاً وتفجير السيارات في وسط المدن، وقتل الناس كلها مصاديق لمعنى الفساد في الأرض، ومايفعله الإرهابيين اليوم من قتل للناس على أساس عرقي أو طائفي أو مذهبي هو كذلك مصداقا لمعنى الفساد في الأرض، والتجاوز على القانون وعلى الحريات والحقوق، وسجن الناس دونما ذنب أو مجوز شرعي أو قانوني كل ذلك يقع في لائحة المصاديق المتعددة لمعنى الفساد في الأرض، والإتجار بالمخدرات وتجارة السلاح والمتاجرة بالرقيق، والعنصرية بكل أشكالها والنازية والإستبداد بكل معانيه من مصاديق – الذين يسعون في الأرض فسادا - .

 وبناءاً على هذا فلا يجوز الحصر أو التخصيص تبعاً لما ورد في بعض الأخبار الموضوعة، والتي هي في أحسن الأحوال مجرد ظنون وردت على سبيل المثال لا أكثر، والفساد المحكي عنه ينظر إليه من جهة ما يسببه للمجتمع وما يؤثر فيه بالواقع .

 والعقوبات وردت كرد فعل للتأثير الذي تحدثه الجرائم في المجتمع، ولهذا فهي تتقدر بقدر حجم الجرائم وطبيعتها ونوعيتها، والمفروض إن تطور العقوبات ناتجا عن تطور الجرائم ..

ملاحظة:

الكتاب المجيد تحدث بشكل موضوعي وبالصيغة العامة عن معنى الفساد في الأرض، ولم يتحدث لا حكماً ولا موضوعاً كنتيجة لإفتراضات الفقهاء ومقولاتهم، بل تحدث بالصيغة المطلقة على موضوعة الفساد وحكمها، وترك وصف المصاديق للمجتمع، فقطع الطريق مثلاً أخُتلف في مفهومه وشأنه، بين قائل هو: -

1 - مايحدث خارج المدن والبلدات .

2 - وقائل هو ما يحدث داخل المدن والبلدات .

3 - قائل بانه عنوان كلي عام يشمل كل أنواع السرقة والغصب عن طريق التهديد بالسلاح .

 ومع تعدد الوصف وأختلافه يتنوع الحكم عليه بحسب الأثر الموضوعي له، والممنوع عندنا في هذا الباب: هو الحصر من غير ضرورة لمعناه وتقييده بنوع معين من الإفعال، وهذا ما لادليل عليه لا من كتاب ولا من سُنة صحيحة، كما إنه لم يرد في جميع النصوص ذات الصلة .

تنبيه:

ونقول الآن: ان الجملة الفعلية - ويسعون في الأرض فسادا - هي جملة شارحة ومبينة لما قبلها - يحاربون الله ورسوله -، وهي ليست بمثابة الحكم الخاص الذي يتعلق بفرد خاص، بل هي حكم عام لمعنى عام، وبنفس الإشتقاق يكون معنى المحارب الفاسد في لغة الكتاب المجيد، بحيث لا يقييد هذا العنوان بمن يشهر السلاح بوجه الناس ويخيفهم فقط، بل ورد الإطلاق في الصيغة العامة والسياق العام، وقاطع الطريق يقع مصداقاً من مصاديقه لا عنوانا كليا له، وإما متعلق الحكم فبما يحدث للمجتمع من فساد بسبب ذلك، وهذا المعنى هو عين ما قاله النص عن الذين - يحاربون الله ورسوله - كمقدمة دفع بها الله للتعريف بمعنى - يسعون في الأرض فسادا - ...

قاعدة الجمع والخلو:

هذه من القواعد الفقهية التي يذهب إليها البعض عند التزاحم  الضرورة، ونحن بدورنا نحتاج لهذه القاعدة في ترسيم الحدود وتحديد الملامح بين قطبي - المهم والأهم - عند تطبيق الأحكام الواردة في النص، والتي جاءت على أربعة أنواع من العقوبات التقديرية، والتي هي موضوعيا تتفاوت من حيث الدرجة والنوعية والأهمية شدة وضعفا .

 فإن قلتم: وهل هذه العقوبات مانعة للجمع أو مانعة للخلو؟، هذا السؤال يقودنا للتالي: هل أن تطبيق أحكام العقوبات يتم جملة واحدة؟، أم يتم التطبيق دفعات واحدة واحدة حسب الدرجة والأهمية؟ .

 قلنا: نفهم من ظاهر النص 33 من سورة المائدة، إن تطبيق أحكام العقوبات يتم فيه وفقاً لمبدأ الخلو لا الجمع .

 أما لماذا يكون ذلك كذلك؟، قيل: لكي لا تترك أية جريمة من دون عقاب، وقيل كذلك: إن تطبيق الأحكام وفقاً لهذا المبدأ يحقق العدالة الإجتماعية، التي أمر بها الله بقوله: (إن الله يأمر بالعدل) - النحل 90، ومفهوم العدل هنا هو ان تضع كل شيء في موضعه، وفي مجال تطبيق الأحكام يكون الأمر بالعدل واجبا من أجل سيادة الإستقرار والأمن، والأمر بالعدل في تطبيق العقوبات هو حماية للمجتمع وحفاظاً على القانون والنظام، وقد عرفها المشرع: كفعل مادي رادع هدفه حماية الفرد والمجتمع، والتعريف هذا نظر للعقوبة باعتبارها صفة مادية ذات أثر إجتماعي محدد، وتتنوع العقوبات بتنوع الجرائم فمن قتل النفس، وسرقة المال، وقطع الطريق، وأشاعة الرعب بين الناس، كلها جرائم وضع لها المشرع عقوبات من جنسها في الغالب، وكما تتنوع الجرائم شدة وضعفاً، كذلك الحال بالنسبة للعقوبات، وتطبيقها يكون من الأدنى إلى الأعلى صعوداً، وهكذا الأعلى ثم الأعلى .

 وهذه الصيغة العملية من التطبيق ينظر إليها من وحي: - أن كل جريمة يجب أن تأخذ نصيبها من العقاب المقدر والمعين -، بحسب الوضع والأثر الإجتماعي، وقاعدة منع الخلو حاكمة وراجحة هنا على قاعدة منع الجمع .

 ونقول في الإستدراك: إن جميع العقوبات لم ترد على نحو تعبدي لازم، وإنما وردت على سبيل المثال والإرشاد، والقاعدة القانونية تقول: - كل عقوبة يجب النظر إليها من جنس الجريمة -، لا خارجاً عنها والدليل على ذلك العقل والعرف في كل بلد على حده .

 والخيار في تطبيق أحكام العقوبات يكون للقاضي، يرى فيها رأيه من جهة تطبيق العدل وحماية النظام، ولا يكون خيار القاضي مُسقطاً للعقوبة، بل ناظراً إليها من جهة ما تحققه من الإستقرار والعدل ..

والجريمة كما العقاب حقائق مادية موضوعية وليست تصورية أو ذهنية، ونية المجرم من حيث هي لا يترتب عليها من جهة الواقع أية عقوبة، ولا يحق للقاضي محاسبة الناس بناءاً على نواياهم، لأن النية ليست لازماً من لوازم العقوبة ولا شرطاً فيها، وإنما الشرط الذي تترتب عليه صحة العقوبة هو (الفعل المؤدي إلى الفساد - بالفعل والواقع -) وليس بالذهن والتصور

ملاحظة

والتمييز بين الفساد والإصلاح يكون دائماً في ساحة الفعل الإجتماعي والأثر في الواقع، وإذا كان الفساد هو إستغلال للقوة لتحقيق منافع خاصة، فالتقابل يكون الإصلاح ولنأخذ مثلاً من الواقع: ما تقوم به بعض الأحزاب والجماعات والتنظيمات من سوء إستغلال للنفوذ هو فساد، وما تقوم به المنظمات الإرهابية من أفعال ومن عنف كتفجير السيارات وقطع الطرقات وتهديد الأمن العام هو فساد .

وفي هذا يجب التنويه لعدم الخلط بين إرادة الإصلاح ضمن المعايير التي تحترم المجتمع وحريته وخياراته، وبين دعوى الدفاع عن حقوق المجتمع بوسائل الإكراه والعنف والإرهاب، وهنا نسأل: هل الدعوة الخيرة وحدها كافية في الإقرار بصحة العمل؟، أم إن إرادة الشعب وموافقته هي الشرط اللازم والواجب في ذلك؟، ومعلوم إن الإصلاح المطلوب لازمه إستخداما لوسائل مشروعة، تحافظ على أمن المجتمع وإستقراره، والعكس صحيح إذ لايكون الإصلاح مع العنف ولا مع الإرهاب .

 ومبدأ التقابل بالمثل لا يصح ولا يجوز في هذه المسائل، لذلك قال تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) - فاطر 18، فالنوايا الحسنة وحدها ليست كافية في تبرير الأعمال السيئة، ولا العدالة تصح كذلك بوسائل ظالمة، وهذا يقودنا لإبطال القول التالي: - صحة عمل المستبد العادل -، الذي تتبناه الدكتاتوريات المحلية من أجل تبرير أعمالها، ثم إن إجتماع النقيضين غير ممكن بل مستحيل .

 ولا تصح عملية الإصلاح السياسي بإستخدام الوسائل الممنوعة، والإصلاح السياسي هو عملية مركبة ومعقدة، يتداخل فيها العام مع الخاص، لأنها تشمل إصلاح جميع الإختلالات التي تمس كيان المجتمع والدولة، ولا يصح في مطلق الأحوال الإصغاء لتبريرات من يدعي الإصلاح السياسي والإجتماعي بوسائل غير نزيهة، ذلك أن قواعد عمل العدالة الإجتماعية ترفض ذلك، وكذلك ترفضه قواعد عمل القانون والشريعة، وعلى الحاكم الشرعي النظر لفعلهم ككونه تجسيداً لمعنى الفساد في الأرض، ومن جانب أخر لايحق للحاكم الشرعي أو للقاضي أو لأي جهة مسؤولة ان تُعطي لهؤلاء العذر بما يقومون به من أفعال، طالما يسبب ذلك الفعل أرباكاً في مؤوسسات الدولة والمجتمع، وفي هذا لا يمكن التبرير الميكافيلي البغيض - الغاية لاتبرر الوسيلة -، بل إن الغايات النبيلة يلزمها وسائل عمل نبيلة وصحيحة مثلها .

لذلك فالنوايا الحسنة وحدها ليست شرطاً في نفي عقوبة الفساد، وإنما الملاك أو الشرط الواجب توفره في ذلك هو العمل الصالح وليس العمل الفاسد، والتمييز بين العمل الصالح والفاسد ملاكه الأثار والنتائج المترتبة عليه في الواقع، والقاعدة القانونية تقول: - إن كل فعل فيه تجاوز على الأمن العام والنظام هو فعل فاسد -، ويصدق عليه معنى - الفساد في الأرض - أي إنه مصداق من مصاديقه .

 ولكن ماذا عن الموقف من الحكومة والدولة التي تستخدم وسائل العنف والظلم بوجه شعبها؟، والجواب: ببساطة إن كل حكومة التي تستخدم العنف وأدواته بوجه شعبها، هي حكومة فاسدة وغير صالحة، ويجب تغيرها وأستبدالها بالأطر والوسائل الشرعية والقانونية الصحيحة، وأما سلاح الدولة وأجهزتها الأمنية فإنما جُعلت من أجل حماية الناس وحماية القانون والنظام العام، وليس لقتل الناس وتخويفهم وترويعهم وإرهابهم، قال تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ..) - هود 113 ..

وللتذكير:

نقول: ماهي القواعد والمحددات التي تصف لنا معنى الفاسد المحارب؟، فهل هي العقوبات ونوعيتها؟، أم هو التناسب بين أحكام الجريمة والعقاب؟، أم أنه الأثر الإجتماعي الذي يحدثه المحارب من فساد في الواقع؟ .

 والفساد هو سوء إستغلال للقوة في الحصول على منافع ذاتية، وهو ليس نوعاً واحدا، بل هو أنواع كثيرة مختلفة، وقيل: هو ظاهرة إجتماعية ونفسية مركبة ومعقدة تختلط فيها الكثير من الأفعال، ولأنها كذلك فهي تختلف بحسب الزمان والمكان والأدوات .

 والجامع المشترك الذي يدل عليه هو في ذلك الأثر الذي يحدث في المجتمع .

ملاحظة:

وموضوعياً لم ترد أحكام العقوبات على نحو تعبدي في هذا السياق، ولكنها وردت كمثال وعلى الحاكم الشرعي النظر فيها مع مراعاة الواقع، ليكون حكمه منطقياً ومقبولاً ومتناسبا مع نوع الجريمة وحجمها، وله في ذلك أن يُخفف إن أقتضت المصلحة والضرورة ذلك، كما له أن يُغير في الحكم من القوة إلى الضعف بحسب .

وليس من شك إن إطلاق موضوعة التناسب بين الجريمة والعقاب لازمة وشرطه حماية المجتمع والناس، ولا يخلو مفهوم التناسب من الخضوع للعمل الفني من أهل الإختصاص، والحكم بعد ذلك يكون تبعاً له .

وإذا قلنا بأن احكام العقوبات ليست تعبدية، فهذا لا يعني التراخي والإهمال في تطبيقها وإجرائها، وبالعودة إلى مفهوم اللفظ في سورة المائدة 33 لم نجد فيه ما يدل على التعبد أو الحصر، بدليل إنه لما (ذكر القتل ذكر بعده الصلب)، مع إن الصلب هو القتل !!، وذكر الصلب بعد القتل لا يكون زيادةً في العذاب والتنكيل، وأما حرف - أو - الوارد في النص فيدل على التخيير وليس على التدريج، كما لو قال: إنما جزاء الذين يحاربون الله .. إن يقتلوا أو يصلبوا أو يحبسوا أو يخنقوا أو يُغرقوا بالماء وهكذا .... .

 إذن فالعقوبات الأربعة التي ذكرها النص لم ترد من باب التعبد، حتى يتم الإلتزام بها كما هي، وحالها في ذلك حال كل القضايا القانونية التي لم يرد فيها الحصر والتخصيص، وشاهدنا على ذلك السيرة العقلائية في باب الأحكام والقضايا الخاصة بالمجتمع .

تنبيه:

ونقول أيضاً: إن الحكم في - آية الحرابة – لايخص فئة من الناس ولا يتعلق بدين معين من الأديان، بل إنه حكم عام وكلي يشمل جميع الناس وجميع الشعوب والأقوام والملل والفرق والأديان، ولم تنظر الآية للفساد من حيث الهوية الدينية أو القومية، بل نظرت للفساد إليه كفعل مجرد له أثر عام على المجتمع، وسواء أكان صادرا من المؤمن أو من الكافر أو من المشرك أو من غيرهم لا يهم، المهم إنه جريمة بحق المجتمع تترتب عليها عقوبة معينة، ولاتميز في العقوبة بين المؤمن والكافر أو الكافر والمشرك، بل هي عقوبة مجردة من المؤثرات الأخرى وتكون مرتبطة بالفعل وليس بالشخص من حيث إنتماءه أو قوميته .

وليس هناك ما يدل على سبب النزول هنا، بل المعلوم إنه حكم كلي مطلق، ورد في السياق العام خارج إطار الزمان والمكان والظرف المعين، وإن خالف في ذلك الطبري الذي أعتبر سبب نزول نافياً لشمولها للكفار والمشركين، معتبراً النص اللاحق بمثابة التعليل، في قوله تعالى: - إلاّ الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم - .

1- أعتبر الطبري وتبعه الطوسي على ذلك: أن توبة الكافر قبل الإمساك به والتمكن منه لامعنى لها بسبب كفره (أي إن العقوبة ثابتة عليه في كل حال) .

2 - وقال الطبري ومعه الطوسي أيضاً: - إن (المسلم المحارب الفاسد) تُقبل توبته في كل حال قبل التمكن منه أو بعد التمكن منه ولا عقوبة عليه في الحالين !!! .

3 - وقالوا: بخروج المشرك من هذه المعادلة، لأنه ليس من أهل التوبة لذلك فلا تشمله الآية بالحكم - أنظر ج6 من تفسير الطبري ص225 -، والتبيان ج3 ص 509 .

وزاد الشيخ الطوسي في الخلاف ج3 ص209 ما نصه: إن الآية نزلت بحق أهل الذمة الذين حاربوا المسلمين ونقضوا العهد معهم ... ولم تنزل في المرتدين، وقال: - لا يمكن ان تكون قد نزلت فيمن نقض العهد من أهل الذمة، وكذلك على المرتدين، وقال: ان التوبة بالنسبة لأهل الذمة والمرتدين واحدة سواء أكان ذلك قبل الإمساك والتمكن منهم أم بعد .

4 - وقد أيد القرطبي قول البعض: بأن الآية نزلت بحق المحارب المسلم لا الكافر، معتبراً ذلك قولاً حسناً - تفسير القرطبي ج6 ص 149، معتبراً الكافر لا تصح منه التوبة قبل التمكن منه ودخوله الإسلام، قال تعالى: - إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم - ..

والحق إن هذا الكلام منهم مجرد هرطقة لا دليل عليه، بل هو وهمٌ وتخيل وخلافٌ لمعنى الآية وكذلك لمعنى التوبة فيها، إذ المقصود بالتوبة هنا ليس (التوبة من الكفر إلى الإيمان بل التوبة عن الفساد في المجتمع)، وجملة – إلاّ الذين تابوا من قبل ان تقدروا عليهم – حاكية عن ذلك، بل دالة على أن المجرم قبل التمكن منه والإمساك به وتاب إلى الله فلاعقوبة عليه، هي إذن تتحدث عن الجريمة بشكلها النوعي وليس عن الكفر أو الإيمان، ومادام الكلام فيها كذلك فلاشأنية للحكم فيها على الإيمان أو الكفر، أعني إن الحكم في الآية يتساوى فيه المسلم والكافر معاً وعلى حد سواء، [ فالمسلم إن تاب عن الجرم الذي أرتكبه قبل التمكن منه فهو معفو عنه، كذلك الكافر إن تاب عن الجرم الذي أرتكبه قبل التمكن منه فهو معفو عنه ]، وعليه فلايجوز الخلط في الفهم والتفسير بين التوبة عن الفساد والتوبة عن الكفر، لأن لكل واحد منهما حكمه الخاص به والمنفصل عن غيره .

5- الحاكم المستبد:

يُعرف الحاكم المستبد على إنه ذلك الحاكم الذي يعامل رعاياه بإزدراء وإحتقار، وإنهم عنده مجرد قطيع لتنفيذ إرادته ورغبته، يحق له إستباحة دمائهم وأعراضهم وحرياتهم، وهو ضمن هذه المواصفات مصداق بارز من مصاديق معنى - الفساد في الأرض -، والظلم صفة ملازمة للمستبد لا ينفك عنها ولا تنفك عنه، والحاكم المستبد ظالما بالطبع وبعكسه الحاكم العادل، والعدل ضد الظلم وبالعدل تتوفر للناس الحياة الحرة الكريمة، وبالعدل أيضاً يتوفر للناس حقهم الطبيعي في إنتخاب الحياة والنظام الذي يريدون ويرغبون، ومن العدل تحترم الخيارات الطبيعية للناس، ولكن مع الإستبداد يُعتدى على حقوق الناس وحرياتهم، وعلى خياراتهم ولنا في المنطقة العربية خير شاهد على ما نقول، إذ نرى ونشاهد كيف تزور الإنتخابات؟ وكيف تستبدل صناديق الإقتراع؟ حدث هذا في العراق وفي غيره من الدول العربية، وهذا الفعل هو نفسه الذي أدى إلى الفوضى وإلى القتل وإلى عدم إستقرار وسيادة الإرهاب الذي عاشه العراق ويعيشه اليوم .

 وفي منطقتنا العربية ليس هناك فرقاً بين منطق الإستبداد والطغيان، بدليل أن الحاكم عندنا يصح له ويجوز إرتكاب أبشع الجرائم، وله الحق في أستخدام كافة الوسائل والأدوات ضد شعبه وإن كانت أسلحة محظورة، والتاريخ يحكي عن قصص مرعبة مارسها المستبد، مما يجعلنا نقول ربما لا تكفي كل العقوبات من النيل أو أخذ بعض الحق، قال تعالى: .. مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا - المائدة: 32، ومفهوم قتل نفساً يصدق على بعض الحكام العرب، إنهم قتلوا الآلاف الأنفس وبددوا الكثير من الثروات والجهود والطاقات، وفي هذه الحالة: هل يكفي حكما واحدا لكل هذه الجرائم؟، أم إننا نحتاج إلى المزيد من الأحكام لكي نستوعب بعض من هذه الجرائم؟، طبيعي إننا بحاجة إلى أحكام أخرى، لكن ذلك غير ممكن في ظل الواقع وطبيعة الحياة، لهذا لم يغفل النص ذلك، وقال بلسان المتوعد: إن لهؤلاء المجرمين في الآخرة عذاب عظيم، قال تعالى: (ولهم في الآخرة عذاب عظيم)، ليخفف على الناس وليزيد في إيمانهم وثقتهم به، ويقول لهم إن حقوقهم محفوظة عنده وهو كفيل بردها وإنتزاعها ..

 

آية الله الشيخ إياد الركابي

يتبع