نابي بوعليأهمية فقه الأقليات، وأسباب العناية به

أستهل بحثي بالحديث عن إشكالية الحاجة إلى فقه الأقليات الإسلامية، نظرا لأهمية هذا الفرع الفقهي وفائدته الكبيرة ومن ثمة ضرورة الاعتناء به لمعرفة الأحكام الشرعية والبحث عن أفضل المخارج الدينية والتكييفات الفقهية المناسبة للكثير من المسائل التي أصبح يثيرها وجود المسلم المقيم في ديار المهجر حتى يكون على بينة من أمر دينه، ومثالا للإسلام عقيدة وسلوكا، لأنه مأمور بتحكيم شرع الله في كل ما يتصل بحياته" ولهذا احتاجت (الأقليات المسلمة) إلى فقه خاص ولا يعني ذلك إحداث فقه جديد خارج إطار الفقه الإسلامي ومرجعيته الكتاب والسنة"[1].

إن الجمود الفقهي يتعارض مع التغير كحقيقة وسنة من سنن الله تعالى في خلقه، ولكن رحمة بالمسلمين، فإن حياتهم مخصوصة بعقيدة وشريعة صالحة لكل زمان ومكان باعتبار النص يتجاوز التاريخ، أي يتجاوز السياق الذي نزل فيه ليمتد إلى مطلقية الزمان والمكان، وهو ما يستدعي قراءة متجددة تضمن استلهام الحلول من خلال الواقع ومشكلاته وحاجاته ومستجداته، لأن كلام الله يخاطب البشر في كل حين مادامت أحداث التاريخ متجددة ولا تستقر على حالة واحدة ثابتة. وهذا ما يؤكد خلود النص وحيوية، ويمنح فرصة للإنسان للاستفادة منه في إطار تحقيق مقاصد الشريعة من حيث السعة والشمول، ويمنح للفقه الإسلامي مرونة كبيرة في التعاطي مع النوازل والمستجدات التي تواجه المسلمين في حياتهم، لا تعطل روح الشريعة التي لا تغفل حاجات العصر ولا تهمل الضوابط الشرعية، وذلك فضل من الله ونعمة" ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظهرة وباطنة"[2]. ومن حكمة الله سبحانه وتعالى كذلك أن ترك للمسلمين باب الإجهاد مفتوحا، لاستنباط الأحكام الشرعية لرفع الحرج عن العباد في النوازل التي قد تنزل بهم" وما جعل عليكم في الدين من حرج"[3]، وهي نتيجة عظيمة لمرونة الإسلام في التعاطي مع المستجدات والالتفات إلى سلطة الواقع والتحرر من التزمت المذهبي، فكل التفاصيل التي سكت عنها النص هي من طبيعة المتغيرات التي تظل متروكة للاجتهاد وبذل الوسع فيها لاستيعاب الوقائع المتجددة من قبل الفقهاء وهم صفوة الخلق وأشد الناس معرفة بالحق، لأنهم ورثة الأنبياء، فيتحرون أحكامها استنادا إلى شريعة الإسلام ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا﴾[4]. والجدير بالذكر أن الاجتهاد وإعمال الرأي لم يغفل عليه الرعيل الأول من المسلمين، فقد ثبت أنه جرى منذ عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسار عليه أصحابه من بعده.

وتحقيقا لمقاصد الشريعة الإسلامية التي أوصى الشارع بها، انفرد الدين الإسلامي الحنيف بمساحة واسعة للاجتهاد في القضايا التي لم يكن للسابقين عهد بها فصار" فريضة وضرورة، فريضة يوجبها الدين وضرورة يحتمها الواقع"[5]، وقد حثّ علماء الأصول على ذلك حيث قال الإمام  الشاطبي رحمه الله أيضا" إن قاعدة الاجتهاد أيضا ثابتة في الكتاب والسنة، فلابد من إعمالها. ولا يسع الناس تركها، وإذا ثبت في الشريعة أشعرت بأن ثم مجالا للاجتهاد، ولا يوجد ذلك إلا فيما لا نص فيه. ولو كان المراد بالآية*[6] الكمال بحسب تحصيل الجزئيات بالفعل، فالجزئيات لا نهاية لها، فلا تنحصر بمرسوم، وقد نص العلماء على هذا المعنى، فإنما المراد الكمال بحسب ما يحتاج إليه من القواعد التي يجري عليها ما لا نهاية له من النوازل[7] .

ومن هذه الرؤية الدينية التي يطبعها اليسر والتخفيف، يسعى فقه الأقليات الإسلامية إلى توجيه جهوده للتصدي للتحديات التي تواجهها الأقليات المسلمة في بلاد المهجر والتي تحرص على المحافظة على هويتها وخصوصياتها الثقافة، وامتدادها الحضاري القادم من أعماق التاريخ أمام قوّة وشراسة الثقافة الغربية التي تسعى إلى تذويب المختلف والمغاير، زيادة على انتشار البدع والمحدثات. وفي هذا الشأن يلاحظ يوسف القرضاوي أن:" كثيرا من مشكلات المسلمين في بلاد الغرب لها طابع فقهي وذلك ناشئ من رغبة الأقليات المسلمة في تلك البلاد بالتمسك بهويتها الدينية وعقائدها الإسلامية وشعائرها التعبيرية وأحكامها الشرعية في الزواج والطلاق وشئون الأسرة ومعرفة الحلال والحرام في أمور المطعومات والمشروبات والملبوسات وسائر المعاملات وشتى العلاقات بين الناس  وخصوصا غير المسلمين هل ينعزلون عنهم أو يندمجون فيهم وإلي أي حد يجوز الاندماج"[8].

من هنا تبرز الحاجة إلى فقه الأقليات للتعامل مع هذه الظروف التي يواجهها المسلمون المقيمون وسط المجتمعات الأخرى، والتي تفرز أوضاعا جديدة قد تتعارض مع مبادئ دينهم، فيكون فقه الأقليات منهجا حقيقيا يستجيب لمقتضيات بات يفرضها الواقع الجديد بتحدياته وتعقيداته، للنظر والتعامل مع القضايا المطروحة على هذه الجالية التي تعيش خارج أرض الإسلام وتخضع لسلطة لا تطبق أحكامه وليس في مقدورها تغيير تلك القوانين.

إن الوقائع المستشكلة على الأقليات الإسلامية تفرض على الفقيه إعادة قراءة النص ليستوعبها في ظل التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ومن ثم الحصول على إجابات جديدة وتفعيل الفتاوى وإدراجها في دائرة الاجتهاد الفقهي إذ" يعد إلى اجتهادات كانت مرجوحة، أو غير مشهورة، أو متروكة لسبب أو آخر من أسباب الترك، فيستدعيها وينشطها ويحييها، لما يُرى فيها من أسباب مناسبة لأوضاع الأقلية المسلمة تتحقق بها المصلحة، فيعالج بها تلك الأوضاع، في غير اعتبار لمذهبية ضيقة، أو عصبية مفوتة للمصلحة، مادام كل ذلك مستندا في الدين إلى أصل معتبر"[9]. ومن جهة أخرى، وأمام تحدي الغرب الذي يشتعل حبا في فرض التبعية بكل أشكالها وعولمة قيمه والدعوة إلى قيام إسلام أوروبي يسعى الغرب من خلاله إلى فصل الأقليات الإسلامية عن دينها الإسلامي، زيادة على مظاهر العنف المادي والرمزي والنظرة الدونية والاضطهاد المعنوي، والضغوط السياسية والمضايقات الأمنية التي يتعرض لها المسلمون في الغرب، وتزايد نمو مشاعر الكراهية ضدهم من قبل شرائح تتوسع باستمرار، كل ذلك يشكل هواجس حقيقية تجعلنا ننظر إلى هذه الأقليات الإسلامية من جديد في واقعها داخل فضاء الحضارة الغربية. ومن هذا الواقع، تكتسب الكتابة عن فقه الأقليات الإسلامية أصالتها وأهميتها، وتفرض العناية بها. ولعل اهتمام المملكة العربية السعودية بشأن المسلمين خارج حدود المملكة عامة، وبالشأن الفقهي للأقليات الإسلامية في البلدان التي لا تخضع للحكم الإسلامي خاصة، يمثل خدمة جليلة، ودعما قويا لهذه للأقليات من وراء الحدود الإسلامية، حرصا على التشبث بهويتها الإسلامية، وحفاظا على دينها وحماية لها من أي غزو ثقافي محتمل ومنعا لأي خطر قد يتسرب إلى الأجيال المسلمة اللاحقة في ديار المهجر. إن تقديم هذه الخدمة الجليلة من قبل القائمين على شؤون الفتوى في العالم الإسلامي لمن هم في أمس الحاجة إليها، يعتبر مكسبا كبيرا في تثبيتهم على دينهم الذي ارتضاه الله لهم، وتحقيقا لتطلعاتهم المشروعة إلى حياة مستقرة آمنة في إطار العقيدة والشريعة الإسلامية باعتبارهم جزءا من الأمة الاسلامية، وما تمثله تلك العقيدة بالنسبة للمسلم بوصفها مرجعيته في تطبيق أحكامه التفصيلية. وعلى أية حال فإن " ملف الأقلية المسلمة في البلاد غير الاسلامية يبقى مفتوحا لمزيد من البحث والدرس والاجتهاد والمتابعة، على المستوى الفكري والفقهي والثقافي"[10]

وتنطلق إشكالية هذه الورقة من كون الوجود الإسلامي في ديار الغرب يتعاظم باستمرار، في الوقت الذي لا يحظى فيه الإسلام كدين برعاية الدولة في الغرب، فالدولة ذات طبيعة مدنية وعلمانية في الغالب، مما ولّد الشعور بالحاجة لدى الأقليات الإسلامية إلى معرفة رأي الدين في الوقائع المتجددة التي يصطدمون بها في بلاد المهجر، والتحديات التي تواجهونها في معيشتهم اليومية، فلا يمكن ترك هذه الجالية المسلمة في المجهول والضياع وعدمية الحياة تتخبط في مشاكلها دون تبيان ما ينبغي عليها فعله. وتتمثل فرضية هذه الورقة في: إنه يصعب التعامل مع الظروف التي يواجهها المسلمون المقيمون في الغرب في إطار القوانين الوضعية لتلك البلدان فقط، والتي تتعارض في معظمها مع جوهر ومبادئ الدين الاسلامي من دون اعتماد فرع فقهي يختص بشؤونهم، ويقوى على استيعاب الوقائع المتغيّرة في المجتمعات التي يعيشون فيها استنادا إلى شريعة الإسلام التي جاءت باليسر والسماحة، فالمشقة تجلب التيسير ﴿يريد الله ليخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا﴾[11].

وقد قسمت هذه الورقة البحثية إلى مقدمة، وثلاثة فصول: الفصل الأول يحمل عنوان: فقه الأقليات: المفهوم النشأة والتطور، والفصل الثاني يحمل عنوان: خصوصية وجود الأقليات الإسلامية في الغرب، والفصل الثالث:  ضرورة الاعتناء بفقه الأقليات وتأصيله، وخاتمة تتضمن جملة من الاستنتاجات والتوصيات.

فقه الأقليات: المفهوم، النشأة والتطور

يكون من المفيد في البداية تحديد المفاهيم التي تشكل محور الدراسة، والتي من أهمها: فقه الأقليات، فما المقصود بذلك؟

أما فيما يخص مفهوم الأقليات، فإنه توجد اختلافات كثيرة بسبب بنية المفهوم في حد ذاته والتفريعات الناتجة عنه والمبنية على أساس الدين أو اللغة أو العرق أو الحيز الجغرافي، وهذه العوامل تتحكم إلى حد بعيد في تمييز الأقليات في مقابل الأكثرية في أي مجتمع غير متجانس، ومن هنا تمثل الأقلية" كل مجموعة بشرية في قطر من الأقطار تتميز عن أكثرية أهله في الدين، أو المذهب أو العرق، أو اللغة أو نحو ذلك، من الأساليب التي تتمايز بها المجموعات البشرية بعضها عن بعض"[12]

أما الفقه في اللغة: هو الفهم، وقيل هو الفطنة، أي المهارة والحذق في التوصل إلى النتائج من المقدمات ومن ثم استنباط الأحكام. ‏وهذه الفطنة وهذا الحذق لا يتأتيان لكل أحد، بل لابد من موهبة أصيلة، وقدرة راسخة، وملكات فائقة يستطيع بها الفقيه الفهم والاستنباط الصحيح. ‏ أما الفقه في الاصطلاح فيطلق على ما يستنبط من أحكام الشرع التي تتعلق بأعمال المكلفين، من حيث حلها أو حرمتها، أو إباحتها أو كراهتها.‏ إذن فالفقه هو ذلك النبراس الذي يضيء للبشرية طريقها، فينظم علاقات الناس بعضهم ببعض، سواء ما تعلق منها بالأفراد أو الجماعات، كما أنه الطريق الموصل إلى تنظيم العلاقة بين العبد وربه عز وجل .[13]وفقه الأقليات الإسلامية: مفهوم يقصد به معرفة الأحكام الشرعية التي يحتاج إليها المسلمون المقيمون في بلاد لا تطبق الشريعة الإسلامية. أي علاج  المشكلات التي تتطلب حلا من الفقه الإسلامي في ضوء الشريعة الإسلامية" وقد كان دأب النظار من الفقهاء المجتهدين في كل زمان أن يعالجوا الأحوال الطارئة في حياة المسلمين بالحلول الشرعية، وأن يوسعوا الاستنباط الفقهي بالنسبة لتلك الأحوال التي لا يكون فيها من نصوص الوحي تفصيل ... بل كان من دأبهم أن ينتقلوا بالنظر الفقهي من تشريع الأحكام التفصيلية في معالجة تلك الأحوال إلى تأسيس القواعد والأصول المنهجية التي توجه ذلك النظر وتكون له ميزانا هاديا يُتحرى به ما يريده الله تعالى من أحكام في ترشيد الحياة، وتلك مهمة أدى منها الاجتهاد الفقهي في شأن أوضاع الأقليات المسلمة التي أفرزتها التطورات الماضية للتاريخ"[14].

أما إذا تأملنا المقاربات حول ماهية فقه الأقليات والذي يسمى أيضا فقه المهجر، نجدها تشير إلى أن هذا المفهوم لم يكن معروفا ومنتشرا في السابق، وذلك لعدم وجود فئات كبيرة من المسلمين يعيشون في بلاد غير إسلامية ما عدا بعض الحالات النادرة التي فرضها احتكاك المسلمين بغيرهم من الأمم الأخرى. ولكن موجات هجرة المسلمين نحو البلاد الغربية المستقبلة ارتبطت بشكل واضح بالحركة الاستعمارية التي رافقت نمو الليبرالية في أوروبا، ثم توسعت بعد الحرب العالمية الثانية لجلب اليد العاملة خصوصا لتحريك الآلة الصناعية التي تعطلت نتيجة الحرب العالمية الثانية، وهو ما فتح الباب أمام موجة الهجرات المتواصلة نحو بلاد الغرب، و" مصطلح فقه الأقليات مصطلح حديث لم يكن معروفا من قبل وقد نشأ مع تطور أوضاع المسلمين بالغرب وحاجتهم إلى فقه يعالج الإشكاليات الدينية التي تقابلهم في حياتهم والتي قد تكون في كثير منها مغايرة لما يقع للمسلمين في العالم الإسلامي وقد حدث جدل واسع حول هذه التسمية ولكن المجلس الأوروبي للإفتاء استقر على صحة استعمال مصطلح فقه الأقليات حيث لا مشاحة في الاصطلاح وقد عرفه بأنه الأحكام الفقهية المتعلقة بالمسلم الذي يعيش خارج بلاد الإسلام"[15]. وبهذا المعنى الأخير يختص فقه الأقليات الإسلامية بالمسائل الشرعية التي تهم حياة المسلمين داخل المجتمعات الغربية التي يستقرون فيها بشكل نهائي. وهو بالتالي كغيره من أشكال الفقه الأخرى مثل الفقه السياسي، والفقه الاقتصادي، والفقه الاجتماعي...

يطلق المفكر الفرنسي أليفييه روا OLIVIER ROY على الأقليات الإسلامية مفهوم الإسلام الأقلي ويقصد به" المسلمون المهاجرون إلى الغرب، والذين قرروا الاستيطان نهائيا في البلدان التي هاجروا إليها حيث يشكلون أقلية، ويسعون لإقامة هويتهم الدينية في مجتمعات علمانية وذات أصول مسيحية، ما يجعل سعيهم صعبا ومعقداّ"[16].

من هذا المنطلق نلاحظ أن فقه الأقليات الإسلامية نشأ مع اتساع دائرة الهجرة وتعاظم الوجود الإسلامي في ديار الغرب "إذ يمثل الوجود الإسلامي فيه ثقلا بشريا يقدر بحوالي اثنين وعشرين مليون مسلم في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية فقط"[17]، في حين تشير إحصائيات أخرى إلى ما يفوق هذا العدد بثلاث مرات" يعيش في أوربا اليوم في هذا الوضع ما يقارب الستين مليونا من المسلمين"[18]. وقد ذهب البعض إلى اعتبار هذا الوجود الكبير للمسلمين في الغرب والمرشح للارتفاع في المستقبل فرصة كبيرة يجب على المسلمين استثمارها لتقوية نفوذ الإسلام والدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية من داخل المجتمع الغربي، كما يعتبر جسرا حقيقيا للتواصل مع غير المسلمين لتبليغ رسالة الإسلام إلى الشعوب والأمم الأخرى التي لا تزال تجهلها من خلال تنشيط الحركة الدعوية وتطوير مؤسساتها، نظرا لما يحمله الإسلام من أبعاد إنسانية وحضارية تتسع للمسلمين ولغيرهم من حيث هو دين موجه للناس كافة" وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ"[19].

ومن بين القضايا التي تتصدر سلم الأولويات أمام المسلمين هي تصحيح الصورة المشوهة والنمطية المغلوطة التي كونها الغرب عن الإسلام والمسلمين، والتي يسعى إلى تسويقها عبر قنوات التضليل الإعلامي ووسائل التآمر التي يسخرها أعداء الإسلام وإصرارهم على التخويف من الإسلام. لقد صار الإسلام محل طعن وسخرية، وتوالت الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أقدس رمز بشري عند المسلمين. إن المتأمل يرى على النقيض من ذلك، أن التعارف الثقافي والتواصل الحضاري بين الجماعات البشرية يعد من صميم الدعوة الإسلامية تحقيقا لمقصدية الاستخلاف"﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾[20]

ولعل المبادرات الأولى للاهتمام بشأن الأقليات، كانت بإنشاء المجالس الفقهية مثل المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ومجمع فقهاء الشريعة بأمريكا للنظر في قضايا المهاجرين برؤى عصرية تراعي تبدل الحال والأحوال. وبالموازاة مع ذلك نشطت حركة إقامة المساجد وبناء المدارس لتعليم اللغة العربية لأبناء الجالية المسلمة وتفعيل دور المراكز الثقافية وتوسيع أنشطتها للتعريف بالثقافة الإسلامية، والمبادرة إلى إنشاء فروع البنوك والمصارف التي لا تتعامل بالربا، وغيرها من المؤسسات الأخرى التي تهتم بالشأن الديني والثقافي، كما لم تغفل تلك المبادرات عن القضايا المهمة التي تمس حياة المسلم  كاللباس والغذاء والاختلاط والحلال والحرام والزواج والطلاق والوظائف في القضاء والمؤسسات المالية.

وبما أن الدساتير في الغرب عموما تضمن الحريات العامة والخاصة للمواطنين، فإنه يصبح من حق الأقليات الإسلامية أن تعيش لدينها وعقيدتها في إطار حرية المعتقد التي يكفلها القانون، ولذلك فهي تحتاج إلى معرفة رأي الدين في الوقائع المتجددة التي تصطدم بها في بلاد المهجر، ومن هنا ظلت الأقليات الإسلامية عرضة لفوضى الفتوى من جهة، وإغراءات الحداثة الغربية من جهة ثانية. من هذا الواقع رأى الفقهاء، أنه لا بد من استحداث فرع فقهي جديد يتولى أمر الأقليات الإسلامية، غاياته حفظ الحياة الدينية لها في مجتمعات تتقاذفها أمواج اللائكية والتنصير والإلحاد والعلمانية والعدمية والفردانية القاتلة، ومعرفة الضرورة والحاجة التي يتسع إليها الفقه الإسلامي لاستيعاب الوقائع المتجددة وإيجاد مخارج دينية للمشكلات التي تواجه المسلمين في المجتمعات التي استقروا فيها بعد أن هاجروا إليها تحت ضغط الحاجة والضرورة. ولذلك فهو علم وضع لحاجة محددة فرضتها البيئة والظروف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على الأقليات الإسلامية في بلاد الغرب. ولذلك كان منهج فقه الأقليات يتفاعل مع الواقع ومتطلبات العصر ويقدم إجابات معاصرة لأسئلة الواقع والراهن، ولا يتعارض مع مبادئ الشريعة المطلقة ويستوعب في الوقت نفسه حركة التاريخ الخاضعة لمنطق التغير ويضبط العلاقة بين الثابت والمتغير، ويستند في ذلك إلى قواعد أصولية مثل: قاعدة مآلات الأفعال، وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، وقاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد، وقاعدة يجوز فيما لا يمكن تغييره ما لا يجوز فيما يمكن تغييره وغيرها من القواعد الأصولية التي تحقق الغاية في ضوء الشريعة الاسلامية ومقاصدها.

وبناء على ما سبق يمكن القول إن فقه الأقليات الإسلامية يشكل بؤرة الحركة الاجتهادية، وباب مخصوص من الفقه ينفرد بموضوعاته ومشكلاته، يبحث بمجمل الأحكام الشرعية المتعلقة بالمسلم، ويستند في ذلك إلى المرجعية الإسلامية المعلومة ويفتح أفقا للتوسعة يتجاوز بها حالات التضييق والمغايرة التي تفرضها القوانين الوضعية على المسلم في الغرب سواء في العبادات أو المعاملات، لأن الأصل في الاجتهاد هو التوسعة والإباحة والتيسير رحمة بعباد الله، والآيات الكريمة والأحاديث النبوية التي تدل على ذلك كثرة، مثل قوله تعالى في سورة البقرة: "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر" [21]، وقوله تعالى في سورة المائدة: "ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون"[22]،

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "يسروا ولا تعسروا"[23] .

وهكذا يمكن القول بناء على ما سبق أن منشأ فقه الأقليات ومقاصده يتأسس على حاجة هذه الجماعة المسلمة إلى تنظيم حياتها في العبادات والمعاملات والأحوال الشخصية ضمن الضوابط الشرعية لتحافظ على كيانها وخصوصيتها في المجتمعات الغربية التي غالبا ما تحيا بعيدا عن مقتضيات الدين، ونظرا لأهمية تلك المقاصد في نظر الفقهاء والغاية منه نورد هذا النص ليوسف القرضاوي الذي يحدد فيه تلك المقاصد والأبعاد كما يلي:

1 أن يعين هذه الأقليات المسلمة أفرادا وأسرا وجماعات علي أن تحيا بإسلامها حياة ميسرة بلا حرج في الدين ولا إرهاق في الدنيا.

2 أن يساعدهم على المحافظة علي جوهر الشخصية الإسلامية المتميزة بعقائدها وشعائرها وقيمها وأخلاقها وآدابها ومفاهيمها المشتركة، بحيث تكون صلاتها ونسكها ومحياها ومماتها لله رب العالمين، وبحيث تستطيع أن تنشئ ذراريها على ذلك.

3 أن يمكن المجموعة المسلمة من القدرة علي أداء واجب تبليغ رسالة الإسلام العالمية لمن يعيشون بين ظهرانيهم بلسانهم الذي يفهمونه، ليبنوا لهم، ويدعوهم على بصيرة، ويحاوروهم بالتي هي أحسن.

4 أن يعاونها على المرونة والانفتاح المنضبط، حتى لا تنكمش وتتقوقع على ذاتها وتنعزل عن مجتمعها، بل تتفاعل  معه تفاعلا ايجابيا... محافظة بلا انغلاق واندماج بلا ذوبان.

5 أن يسهم في تثقيف هذه الأقليات وتوعيتها بحيث تحافظ علي حقوقها وحرياتها الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسة التي كفلها لها الدستور، حتى تمارس هذه الحقوق المشروعة دون ضغط ولا تنازلات.

6 أن يعين هذا الفقه المجموعات الاسلامية علي أداء واجباتهم المختلفة... دون أن يعوقهم عائق من تنطع في الدين أو تكالب على  الدنيا ...

7 أن يجيب هذا الفقه المنشود على أسئلتهم المطروحة ويعالج مشكلات هم المتجددة في مجتمع غير مسلم ...في ضوء اجتهاد شرعي جديد صادر من أهله في محله [24].

خصوصية وجود الأقليات الإسلامية في الغرب

لقد شكلت المجتمعات الغربية مغنطيس الجذب والنموذج الأبرز لظاهرة الهجرة والمهاجرين والمهجّرين، حيث استقطبت الجاليات من مختلف القارات والأديان والثقافات. وتزداد اليوم هذه الظاهرة بوتيرة سريعة، وبطرق شرعية وغير شرعية ولأسباب متداخلة ومعقدة، حيث اتخذت أبعادا سياسية واجتماعية وديمغرافية وحقوقية وقانونية. وتمثل الأقليات الإسلامية التي حكمت عليها الأقدار بالهجرة إلى بلاد الغرب جزءا مهما من هذه الظاهرة العامة "الأقليات المسلمة بالغرب -على وجه الخصوص- تكونت في أساسها بموجة من الهجرات من البلاد الإسلامية عبر مراحل متتالية من القرن العشرين، ولم يكن المنضمون إليهم من الذين أسلموا من أهل الغرب إلا أعدادا قليلة بالنسبة لعدد المهاجرين. وقد كان أغلب هؤلاء المهاجرين إلى أوربا على وجه الخصوص من طبقة العمال، ثم انضم إلى العمال طلبة العلم، ثم انضم إليهم المضطهدون السياسيون، ثم انضمت إليهم أعداد من العقول المهاجرة، وبالتراكم الزمني أصبح لهؤلاء المهاجرين أبناء وأحفادا شكلوا ما يُعرف بالجيل الثاني وأصبح الآن الجيل الثالث قيد التشكل"[25]. ومهما اختلفت الفئات والشرائح التي شكلت موجة الهجرة خاصة نحو القارة العجوز إلا أنها تشترك كلها في أنها هاجرت تحت ضغط الضرورة والحاجة" إن القاعدة العريضة للأقليات المسلمة في الغرب هي قاعدة الحاجة فهم مهاجرون بدوافع الحاجة، إما طلبا للرزق، أو طلبا للأمن، أو طلبا للعلم، أو طلبا للظروف المناسبة للبحث العلمي، لذا كان هذا الوجود ـ في عمومه ـ وجود حاجة لا وجود اختيار"[26] . وبالنظر إلى تعاظم وجود الأقليات الإسلامية واتساع حجمها، وتزايد عدد أفرادها، فإنها أصبحت النموذج الأكبر للأقليات في المشهد الأوروبي، وتشكل واقعا داخل نسيج المجتمعات الغربية لا يمكن تجاهله، وهي تبحث عن ذاتها في خضم الصراع بين الثقافات والحضارات حفاظا على هويتها ومعالم شخصيتها. وعلى الرغم كذلك من وجود المسلمين المبكر في ديار الغرب، إلا أنهم لم يتمكنوا لأسباب ذاتية وموضوعية من تجاوز هذه الثنائية المركزية (الجيديو كريتياني) التي تطبع المجتمع الغربي، وظل ينظر للمسلمين كجسم غريب في المجتمع الغربي خارج هذه الثنائية، وبلا سلطة، ويوضعون في خانة العزلة والغرباء، وظل حضورهم في الغالب حضورا غير مرحب به، ولم يتمكنوا من انتزاع الاعتراف بوجودهم كمكون طبيعي من مكونات الاجتماع الغربي وكحقيقة دينية وثقافية واجتماعية من النسيج الاجتماعي" كل مسلم ينظر إليه كأنه مستورد حتى المؤمنون الجدد يوصفون بهذه الصفة، إذ يوضعون عموما في خانة الغرباء"[27].

لقد ظل الغرب يكتم أو يؤجل الاعتراف بهذه الحقيقة ويصرّ على إنكارها بل ويحاربها وهذا الإنكار البائس وغير المبرر ليس في مصلحته، ولا في مصلحة الأقليات الإسلامية التي ضحت وقدمت للغرب الشيء الكثير، فلا يمكن لأحد أن ينكر أو يجحد الفوائد الكبيرة التي يجنيها الغرب من وجود الجالية المسلمة. إن هذا الواقع لوجود الأقليات الإسلامية في الغرب، يتطلب تنشيط الحركة الاجتهادية حتى تتناسب مع أوضاعهم ـ من دون أن تخالف شرع الله في مجال الشغل والتعليم والعبادة والصحة والمصارف والقضاء وغيرها من المسائل حتى تتماشى مع ثقافتهم وهويتهم الإسلامية من دون الذوبان في ثقافة الآخر. وهذه مسألة أساسية يجب أن يحرص عليها المسلمون المغتربون لأنهم يتعاملون مع غير المسلمين وفي ظل أنظمة ومؤسسات غير إسلامية.

ولما كان العالم مقسما إلى مساحات ثقافية متباينة تتوزع فيها الشعوب حسب الهوية والانتماء، فإن التفكير في ترسيم فرع فقهي جديد يخص الأقليات الإسلامية، أصبح على سلم الأولويات لأنه الرابط بينها وبين انتمائها الروحي ويقضي على وهم المسافة التي تقيمها الهجرة، ويحفظ لها دينها ويتكفل بقضاياها التي تتطلب معالجة خاصة حسب ظروفها ومتطلبات الحاجة والضرورة، ومراعاة المصالح والمفاسد، بل ينظر في تلك القضايا وفق أصول وقواعد وأسس الاجتهاد المعمول بها لحماية مقاصد الشريعة الإسلامية المتمثلة في الضروريات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، كما حددها الإمام الشاطبي رحمه الله المتوفى سنة 1388م."

وقد اهتم الفقه الإسلامي المعاصر بوضع الأقليات الإسلامية في أوروبا منذ بعض الزمن، واتجه إليه بالمعالجة الشرعية التي أثمرت فقها من الفتاوى والأحكام ظلت تثري الحياة يوما بعد يوم"[28].

ضرورة الاعتناء بفقه الأقليات وتأصيله

إن الاعتناء بفقه الأقليات هو من باب الاعتناء بجزء مهم من الوجود الاسلامي بالغرب وهو امتداد طبيعي للمسلمين فيما وراء الحدود الاسلامية. وفي ظل التقاطع والاحتكاك الذي لا مفر منه للأقليات الإسلامية مع المجتمع الغربي الذي تقيم فيه، اشتدت الدعوة لرسم إطار فقهي لها يتجاوز الفتاوى الظرفية إلى البحث في الاشكالات الفقهية الكبرى لتحقيق المصلحة وتكميلها وتجنب المفسدة وتحجيمها تحقيقا للمقاصد التالية:

أولاً: مقصد عام وهو المحافظة على الحياة الدينية للأقلية المسلمة على مستوى الفرد أو الجماعة.

ثانياً: التطلع إلى نشر دعوة الإسلام في صفوف الأكثرية مع ما يستتبع ذلك من تمكين تدريجي للإسلام في الأرض.

ثالثاً: التأصيل لفقه العلاقة مع الغير في الواقع الحضاري والعالمي وهو أمر قد لا يختص بالأقلية لتداخل الأوضاع العالمية لإيجاد حالة من الثقة المتبادلة والقبول.

رابعاً: التأصيل لفقه الجماعة في حياة الأقلية بمعنى الانتقال من الحالة الفردية إلى الحالة الجماعية[29].

ولقد زاد الاهتمام بأوضاع الأقليات الاسلامية التي تواجه تحديات خطيرة نتيجة قوة الحضارة الغربية التي تجتاح العالم، وما يثير الانتباه والقلق أكثر هو تلك الأصوات التي تتعالى في الغرب بالدعوة إلى قيام إسلام أوروبي يعاش كتجربة شخصية ويخضع للقوانين الأوروبية بعيدا عن الإسلام والثقافة الإسلامية المعروفين لدي المسلمين، وذلك بدعوى القضاء على التطرف الديني وقطع الطريق أمام الأصولية الجديدة وتصفية الحركات الإسلاموية، وإفراغ الدين الإسلامي من محتواه والإبقاء على بعض الطقوس والممارسات الشكلية، مثل ما نجد ذلك في تحليلات الفرنسي أليفييه روا OLIVIER ROY في كتابه الموسوم بـ نحو إسلام أوروبي، حيث يقول" من الآن فصاعدا ينبغي على الإسلام في أوروبا أن يصاغ خارج ثقافات المنشأ، وبالنسبة إلى ثقافة تجهله، تتجاهله، وحتى وإن كانت تتهاود معه"[30]. إن مثل هذه المحاولات ترمي إلى تغريب الإسلام، وإبعاد الأقليات الإسلامية عن دينها، ويمهد الطريق أمامها نحو الاغتراب الثقافي بإفقار الهوية الإسلامية من مرجعياتها وتمييعها وإفراغها من مكوناتها الجوهرية. ولكن الأقليات الإسلامية تعارض بشدة كل محاولات الاحتواء والتغريب وغسيل الدماغ. وهنا تكمن أهمية فقه الأقليات في مساعدتها على التمسك بوجودها الديني، وتميزها الثقافي أمام محاولات الاستدراج نحو ما يسمى بالإسلام الأوروبي وسلخها عن ثوابتها وتراثها وهويتها الإسلامية. من هنا صار تأصيل فقه الأقليات في هذا الزمن، الذي انتشرت فيه المحرمات، وكثرت فيه الشبهات، ضرورة قصوى، وخط دفاع مناعي لحماية  المسلم وتحصينه بالقرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة والأخلاق الفاضلة حتى لا يزيغ في عمله وسلوكه وعبادته مع شرع الله، ويهيم في دائرة الحرام ويبتعد عن دائرة الحلال" ويحل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث" [31].

والاهتمام بفقه الأقليات اليوم مطلبا أكثر إلحاحا، بسبب الانفتاح الذي يشهده العالم نتيجة التقارب بين الشعوب وتقلص الحدود في ظل فتوحات العولمة، وحرية تنقل الأشخاص والممتلكات والأموال في حركية معقدة تفترض التعامل معها بقدر كبير من الحيطة والحذر." وإذا كانت أوربا هي قلب الحضارة الغربية ومركز الثقل فيها، وإذا كان هذا الوجود المعتبر للإسلام والمسلمين فيها يمثل المظهر الأبرز للقاء المتفاعل بين الإسلام والغرب في عالم متغير، فكيف لا يكون من الأهمية بمكان أن تتجه الهمم العلمية لاجتهاد تأصيلي فقهي يوفق هذا الوجود الإسلامي لما فيه الخير لجميع القاطنين بهذه القارة ومن وراءهم من بني الإنسان"[32].

لا شك أن ضرورة الاعتناء بفقه الأقليات الإسلامية والتعريف بمزاياه وتأصيله مطلب جوهري يستدعيه وجود الجالية المسلمة، والاهتمام به هو من صميم الاهتمام بالدين وإهماله يعني تهميش عدد كبير من المسلمين وحرمانهم من التمسك بدينهم وثقافتهم الإسلامية وتركهم يتصرفون وفق أهوائهم فإن ذلك كله فساد في الدين. ولا سبيل لإنقاذ الأقليات الإسلامية من المفاسد والبدع والمنكرات وأشكال الإغواء ومفاتن الحضارة الغربية وسمومها، إلا بتنويرها بدينها وحثها على الاعتصام به، فالشريعة الإسلامية تقوم على احتواء ما يجدّ في حياة المسلم وتحميه من المنزلقات والمحرمات، وتتحرى أنجع السبل لتعثر على أفضل الحلول المناسبة. لذلك دعا العلماء والفقهاء إلى ضرورة تأسيس منهج أصولي للنظر الفقهي انطلاقا من قواعد منهجية أصولية تضبط مساره وتنظم حركته في شأن الأقليات الإسلامية تبعا لظروف بيئتها والبلاد التي تنتمي إليها وطبيعة القوانين الوضعية المطبقة في تلك البلاد، إن كل تلك الجهود المبذولة ستؤلف" منظومة متكاملة ذات غاية مشتركة تلتقي فيها جميعا عند هدف التأسيس لمنهج أصولي متميز ومتخصص يكون منهجا علميا شرعيا يعتمده النظر الفقهي في شأن الأقليات المسلمة، لينشأ منه فقه يعالج ذلك الشأن معالجة تبلغ به الآمال المعلقة عليه تعريفا بالإسلام في الديار الغربية فيما يشبه دورة جديدة للتعارف الحضاري بين الإسلام والغرب، ولكنها دورة تتأسس على أسس علمية، هي هذه القواعد الأصولية المنهجية التي تؤسس لفقه الأقليات، وهي في الحقيقة تؤسس لتبليغ الإسلام بالدعوة الحضارية السلمية"[33].

وكمثال عن الاشكالات التي يتعرض لها فقه الأقليات بالبحث والاجتهاد نجد فقه الأسرة المسلمة في الغرب، وهذا من باب حرص الدين الاسلامي على رعايتها والمحافظة عليها بالإضافة إلى التقليد الذي يجعل منها نواة المجتمع والبيئة التي توفر النمو الطبيعي للأفراد، ومن المشكلات التي تواجه الفقيه على سبيل المثال في هذا المضمار" الزواج من أوربية غير مسلمة للحصول على الإقامة...والزواج بامرأة عرفا على خلاف القانون، وتطليق المرأة قانونا، وهو متزوج بها فعلا، للحصول على معونة المطلقة"[34].

خاتمة

فقه الأقليات هو دائرة من الفقه العام يهتم بشأن حياة الجالية المسلمة في المهجر، يسعى إلى تقديم خطاب فقهي يستجيب ويقوى على مخاطبة مستجدات العصر من خلال تفعيل المنجز الفقهي في حاضر الإنسان من جهة، ومن جهة ثانية تطوير أساليب الاجتهاد الفقهية كما يقرّ العلماء بذلك، لأن الفتوى تختلف باختلاف المكان والزمان والحال والعرف حتى تكون الأحكام أقرب إلى معطيات الواقع التي يعيشها المسلم" من خلال فقه إسلامي معاصر، يراعي الزمان والمكان والعرف والحال"[35]، ففقه الأقليات يمثل مصفاة لحياة المسلم حيث يحصنه من متاهات الغزو الثقافي الذي يسعى إلى تذويب الخاص في الكلي، والمحلي في العالمي، كما يسعى بكل قوة لإفناء كل الثقافات واحتوائها داخل مركزية الثقافة الغربية. إن المسلم وهو يعيش في مجتمعات سيطرت عليها بقوّة إغراءات الحداثة تجعله يضيع ويتخبط في مشاكل حين لا ينضبط سلوكه بضوابط شرعية، وهذه بالذات هي وظيفة فقه الأقليات الإسلامية التي تقدم العلاج في الوقت المناسب لمشكلات العصر التي يواجهها المسلم في ديار الغرب التي لا يحكمها حكم الإسلام حتى يشعر هذا الأخير بالتوازن الروحي والعقلي والنفسي" والحق أن مشكلات الأقليات المسلمة لا يمكن أن تواجه إلا باجتهاد جديد، ينطلق من كليَّات القرآن الكريم وغاياته وقيمه العليا ومقاصد شريعته ومنهاجه القويم، ويستنير بما صح من سنة وسيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- في تطبيقاته للقرآن وقيمه وكلياته"[36].

ومن مزايا فقه الأقليات الإسلامية تعديل الثقافة المنحرفة ونشر الثقافة الصحيحة لفائدة المسلم، بعدما لحقها من تشوهات بحكم قوة الاحتكاك بين الثقافة الاسلامية والثقافة الغربية، وذلك حتى تعيش الأقليات الإسلامية في ظل الإسلام وشريعته وأحكامه بعيدا عن فوضى الفتوى وتناقضاتها التي تضر أكثر مما تنفع" يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون"[37]، ومن ثم يكون المسلم نموذجا ومثالا للإسلام عقيدة وسلوكا حتى يصدق عليه وصف المسلم الشاهد على الناس، امتثالا لروح الإسلام ورسالته ومنهجه الوسطي فالإسلام دين الوسطية عقيدة وشريعة وأخلاقا بشهادة القرآن الكريم" وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً"[38] .

إن وجود المسلمين في الغرب صار حقيقة لا ينكرها أحد، وحيث يوجد مسلم يوجد الإسلام، مما يدحض الادعاء القائل أن المسلم لا يستطيع أن يعيش إيمانه حقا إلا في مجتمع مسلم, ولكن المسلم المعاصر في الغرب في حاجة إلى وضوح ضوابط العمل والتصرف من خلال تفعيل آليات الفقه حتى يكون قادرا على تحقيق التكيف المناسب مع استشكال القضايا الجديدة والمتغيرات بما لا يناقض الشريعة، بل لا بد أن لا يتوقف الفقه عند هذه الحدود بل يتجاوزها إلى البحث عن آلأليات التي للمسلم بالمشاركة في الشأن العام وتبؤ المناصب حتى يحفظ حقوق المسلمين ويصون كرامتهم

" من واجب المسلمين أن يشاركوا في الحياة السياسية والاجتماعية بإيجابية، انتصاراً لحقوقهم، ودعماً لإخوتهم في العقيدة أينما كانوا، وتبليغاً لحقائق الإسلام، وتحقيقاً لعَالَميته. ولقد قلنا: إن ذلك "من واجبهم"؛ لأننا لا نعتبره مجرد "حق" يمكنهم التنازل عنه، أو "رخصة" يسعهم عدم الأخذ به"[39]. إن مثل هذا الفقه المتجدد يكون عونا للأقليات المسلمة لتجاوز المحن والصعوبات التي تواجهها في فضاء سمته الرفض وعدم تقبل الآخر حيث يتجلى ذلك في خطاب اتهام المسلمين بالتعصب والتطرف والسخرية من الاسلام حتى بدا يثير الخوف تحت وهم خطير هو الاسلاموفوبيا " وبانتظام تثير الروايات الصحافية والخطابات السؤال عن طبيعة هذا الإسلام الذي يلاحق أوروبا اليوم"[40]. لكن لنتساءل :" ما الذي يضر الغربيين؟: الإنسان المسلم المتعبد لربه، الملتزم بأخلاقيات هذا الدين في سلوكه مع ربه، وسلوكه مع نفسه، وسلوكه مع أسرته، وسلوكه مع المؤمنين من أمثاله، وسلوكه مع الآخرين ممن يخالفون في العقيد ة: هل هذا النموذج أولى أم نموذج الإنسان الذي لا دين له، الذي يعيش عاريا من الدين، لا عقيدة تستره، ولا شريعة تحكمه، ولا أخلاق تقوده، ولا قيم تسيطر عليه وتوجه مسيرته"[41] . وفي الأخير يضمّن أنصار فقه الأقليات بعد أخلاقيا يتمثل في البحث عن التعارف في سياق جدل الأنا والآخر" ولابد لهذا الفقه أن يتجاوز الدلالة السياسية لمصطلح الأقليات، لينفتح على مصطلح التعارف الذي يوحي بطبيعة العلاقات الإنسانية الإيجابية التي تجمع بين المسلم وجاره غير المسلم؛ لأن الأهم هو المعاملة الحسنة، والتصرف الطيب اللائق مع الآخر، مصداقا لقوله تعالى:" لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ"[42].

في الختام نشكر كل القائمين على هذا الملتقى العلمي المبارك، أتمنى لأشغال مؤتمركم النجاح، يوفقكم الله إلى خدمة الأمة الإسلامية، ويسدد خطاكم إلى سبيل الرشاد، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

التوصيات:

(1) إنشاء مؤسسات بحثية متخصصة تعمل على تطوير فقه الأقليات وفق أحوال المهاجرين.

(2) دعم المؤسسات الإسلامية بالغرب لمتابعة شؤون الأقليات الإسلامية ومساعدتها على إيجاد الحلول لمشاكلها، خاصة تلك المطروحة على الساحة الأوروبية.

(3) على الغرب أن يضمن التعددية الثقافية وحق الأقليات في المعتقد، بما تحمله الهوية الإسلامية من مميزات وخصوصيات.

(4) ضرورة سن قوانين تحرم الإساءة إلى الأديان والرموز والمقدسات الدينية، وعدم التعسف في استخدام حرية التعبير.

 (5) التصدي بقوة للرد على الأصوات التي تنادي بقيام إسلام أوروبي بهدف ضرب الإسلام وتشتيت الصفوف وتفريق الكلمة.

 (6) التركيز على نشاط المراكز الثقافية والمؤسسات العلمية خارج الديار الإسلامية لتوسيع حظوظ انتشار الثقافة الإسلامية والتعريف بها، في عالم يسعى بكل قوة إلى إفناء كل الثقافات لصالح قطبية الثقافة الغربية.

 

د. نابي بوعلي – معسكر - الجزائر

جامعة مصطفى اسطمبولي

..............................

* بحث القي في مؤتمر الفقه الإسلامي الدولي الثالث، فقــه الأقليات الإسلامية يومي (3ـ 4 / 2 / 1437 هـ  ) الموافق (15ـ 16 /11 / 2015م. تنظيم كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، المملكة العربية السعودية

الهوامش

1- عبد الله بن بيه، صناعة الفتوى وفقه الأقليات، http://www.saaid.net/book

2ـ سورة لقمان، الآية20.

3ـ سورة الحج، الآية78.

4 ـ سورة العنكبوت الآية69.

5 ـ  يوسف القرضاوي، في فقه الأقليات المسلمة، دار الشروق، الطبعة الأولى، سنة 2001.

6 ـ الإمام الشاطبي، الاعتصام.

7 ـ   يوسف القرضاوي، نفسه.

8 ـ عبد المجيد النجار، نحو تأصيل فقهي للأقليات المسلمة في الغرب، http://www.feqhweb.com

9 ـ   خالد محمد عبد القادر، من فقه الأقليات، كتاب الأمة،  قطر، العدد61، سنة 1418هـ.

10 ـ  سورة النساء، الآية28.

11 ـ  يوسف القرضاوي، فقه الأقليات، ص15.

12 ـ  http://majles.alukah.net/ /

13 ـ  عبد المجيد النجار، نحو تأصيل فقهي للأقليات المسلمة في الغرب، http://www.feqhweb.com

14 ـ  حسن حلاوة، فقه الأقليات عند الشيخ القرضاوي، ملتقى الإمام القرضاوي، قطر 2007.

15 ـ أليفيه لوروا، نحو إسلام أوروبي، تعريب خليل أحمد خليل، دار المعارف الحكمية، الطبعة 1، سنة 2010.

16 ـ صالح بن عبد الله الدرويش: أثر الضرورة والحاجة على أحكام ممارسة الأقليات المسلمة للأعمال التالية: المحاسبة – المصارف- الوظائف العامة كالقضاء والنيابة والمحاماة، المؤتمر السنوي الخامس، البحرين، 2007.

17ـ عبد المجيد النجار، نفسه.

18ـ  سورة الأنبياء، الآية107.

19ـ سورة الحجرات، الآية13.

20 ـ سورة البقرة، الآية185.

21 ـ سورة المائدة، الآية06.

22 ـ رواه مسلم.

23 ـ   يوسف القرضاوي، نفسه.

24 ـ عبد المجيد النجار، نفسه.

25 ـ صالح بن عبد الله الدرويش: أثر الضرورة والحاجة على أحكام ممارسة الأقليات المسلمة للأعمال التالية: المحاسبة – المصارف- الوظائف العامة كالقضاء والنيابة والمحاماة، المؤتمر السنوي الخامس، البحرين، 2007.

26 ـ  أليفييه روا، نفسه.

27 ـ  عبد المجيد النجار، نفسه.

28 ـ  عبد الله بن بيه، نفسه.

29 ـ  أليفييه روا، نفسه.

30 ـ  سورة الأعراف الاية157.

31 ـ  عبد المجيد النجار، نفسه.

32 ـ عبد المجيد النجار، نفسه.

33 ـ  يوسف القرضاوي، نفسه.

34 ـ  طه جابر العلواني، نظـرات تأسيسية في فقه الأقلياتwww.feqhweb.com

35 ـ  سورة الأعراف، الآية 31،32.

36 ـ  سورة البقرة، الآية143.

37 ـ  طه جابر العلواني، نفسه.

38 ـ  أليفيه روا، نفسه.

39 ـ  حسن حلاوة، نفسه.

40 ـ جميل حمداوي، من فقه الأقليات إلى فقه التعارف، www.alukah.net

[1] ـ عبد الله بن بيه، صناعة الفتوى وفقه الأقليات، http://www.saaid.net/book

[2]ـ  سورة لقمان، الآية20.

[3]  سورة الحج، الآية78.

[4] سورة العنكبوت الآية69.

[5] يوسف القرضاوي، في فقه الأقليات المسلمة، دار الشروق، الطبعة الأولى، سنة 2001، ص 40.

* (اليوم أكملت لكم دينكم وأتمت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)

[7] الشاطبي، الاعتصام ص817.

[8]  يوسف القرضاوي، نفسه، ص 24.

[9]ـ  عبد المجيد النجار، نحو تأصيل فقهي للأقليات المسلمة في الغرب، http://www.feqhweb.com

[10]  ـ خالد محمد عبد القادر، من فقه الأقليات، كتاب الأمة،  قطر، العدد61، سنة 1418هـ،  ص 38.

[11]  ـ سورة النساء، الآية28.

[12] يوسف القرضاوي، فقه الأقليات، ص15.

[13]  http://majles.alukah.net/ /

[14] عبد المجيد النجار، نحو تأصيل فقهي للأقليات المسلمة في الغرب، http://www.feqhweb.com

[15] حسن حلاوة، فقه الأقليات عند الشيخ القرضاوي، ملتقى الإمام القرضاوي، قطر 2007، ص6.

[16]  أليفيه لوروا، نحو إسلام أوروبي، تعريب خليل أحمد خليل، دار المعارف الحكمية، الطبعة 1، سنة 2010، ص18

[17] صالح بن عبد الله الدرويش: أثر الضرورة والحاجة على أحكام ممارسة الأقليات المسلمة للأعمال التالية: المحاسبة – المصارف- الوظائف العامة كالقضاء والنيابة والمحاماة، المؤتمر السنوي الخامس، البحرين، 2007، ص3.

[18] عبد المجيد النجار، نحو تأصيل فقهي للأقليات المسلمة في الغرب، http://www.feqhweb.com

[19] ـ سورة الأنبياء، الآية107.

[20]  سورة الحجرات، الآية13

[21]  سورة البقرة، الآية185.

[22]سورة المائدة، الآية06.

[23]  رواه مسلم.

[24]  يوسف القرضاوي، نفسه، ص34.

[25]عبد المجيد النجار، نحو تأصيل فقهي للأقليات المسلمة في الغرب، ص14. ttp://www.feqhweb.com

[26]  صالح بن عبد الله الدرويش: أثر الضرورة والحاجة على أحكام ممارسة الأقليات المسلمة للأعمال التالية: المحاسبة – المصارف- الوظائف العامة كالقضاء والنيابة والمحاماة، المؤتمر السنوي الخامس، البحرين، 2007، ص7.

[27]  أليفييه روا، نفسه، ص107.

[28] عبد المجيد النجار، نفسه، ص11.

[29]  عبد الله بن بيه، نفسه.

[30]  أليفييه روا، نفسه، ص97.

[31] سورة الأعراف الاية157.

[32]  عبد المجيد النجار، نفسه.

[33] عبد المجيد النجار، نفسه.

[34]  يوسف القرضاوي، ص6.

[36] طه جابر العلواني، نظـرات تأسيسية في فقه الأقلياتwww.feqhweb.com

[37]  سورة الأعراف، الآية 31،32.

[38]  سورة البقرة، الآية143.

[39]  طه جابر العلواني، نفسه.

[40]  أليفيه روا، نفسه، ص28.

[41] حسن حلاوة، نفسه، ص32.

[42] - جميل حمداوي، من فقه الأقليات إلى فقه التعارف، www.alukah.net

 

 

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة  (على مثال خلافة الراشدين)

إن الموقف المذكور أعلاه وأمثاله كما نعثر عليها في (نهج البلاغة) والكتب المؤرخة لحياته وأفعاله، تؤكد بصورة قاطعة على الطابع الاجتهادي لوعيه وفعله. وليست العبارة الشهيرة القائلة بأنه لولا علي لهلك عمر، إلا دليلا على اجتهاده في حل الأمور أكثر مما هي دليلا على "عصمته" في ميدان المعرفة. وإذا كان الارتباط وثيقا بين المعرفة والاجتهاد، فإن المعرفة لا تلزم بالضرورة إنتاج اجتهاد. فقد رأى هو في ظهور الإسلام حلا للفتن التي مزقت شمل العرب بحروبها الدامية. فهو ينظر إليه نظرته إلى الضوء الذي أنار الدنيا الكاسفة النور، والذي لم يفقد شعاعه وتوهجه، على الأقل، بفعل عدم تقدم العهود به والأحقاب والقرون"[1]. وإذا كانت مأثرة النبي محمد التاريخية تقوم في أحد جوانبها بتذليل هذا التفرّق و"دفن الضغائن وإطفاء النوائر والتأليف بين الأخوان" ومن ثم تأسيسه للأمة الإسلامية الموحدة، فإن المصير التاريخي لتطورها الاجتماعي قد وضع علياً ومأثرته على مستوى آخر وباتجاه نوعي جديد. فليست الفتنة من حيث مضمونها التاريخي، والكثيرة التردد في خطاباته، سوى التعبير اللغوي السلبي عن الصراع الاجتماعي المناهض لوحدة الأمة. لهذا نراه يتكلم عن فتنة جاهلية وأخرى معاصرة له. وإذا كان في إحدى كلماته المأثورة قد نصح المرء في أن يكون أيام الفتنة كابن اللبون "لا ظهر فيركب ولا ضرع فيحلب"[2]، فإن ذلك لا يعكس رغبته في تجنب الصراع باعتباره ضرورة. فهو لا يحدد هنا سوى موقفه الأخلاقي. ومع ذلك يبقي للنشاط والعمل أهمية كبرى وحاسمة.

فقد اعتبر  الإمام علي الجبن نقيصة، والعجز آفة. كما اعتبر الصبر شجاعة. ومن الممكن رؤية الانطباع العربي (الجاهلي) والإسلامي في موقفه من الصبر باعتباره أكثر الصفات جمالاً. لكن تصويره للصبر باعتباره شجاعة، يتضمن في آن واحد رفع شعار التضحية والاستعداد لتحمّل صعابها باسم العدالة. فالمقولات الأخلاقية لا تتضمن في أحكامه معنى سياسيا مباشرا، لكنها تخدم مقولات السياسة العملية بوصفها قيما عليا. لهذا ربط في كلّ واحد الصبر بالشجاعة، والشجاعة بالعدالة، التي أصبح القتال بين الأخوان يجري من أجلها على ما دخل في الإسلام من الزيغ والاعوجاج والشبه والتأويل"[3].  بصيغة أخرى لقد طالب بمواجهة حالة الزيغ عن مبادئ الإسلام بالصبر والشجاعة، وذلك بسبب ما في هذه المواقف من مرارة قاسية تستلزم الجلد في تماسك الروح وانضباط الجوارح. فهو يقف أمام واقع أصبح فيه القرآن السلعة الأكثر بواراً حال تلاوته الحقة والأنفق بيعاً حال تحريفه.

إن انعدام العدالة ومكابدة الفقر تبرز لا بسبب اختلاف "التأويل"، بقدر ما أصبحت نتاج "الانحراف" الاجتماعي السياسي الذي جعل من "صرخة الدماء الصادرة من جور القضاء" المظهر المفزع لانتهاك القيم والمفاهيم التي استوعبها هو. لقد رغب هو في الوسيلة التي بإمكانها أن تلمّ شعث المسلمين، وكان مستعدا لأن يمسك مقابلها عما سواها، غير أن التطور الاجتماعي الاقتصادي والسياسي جعل من هذه الوسيلة مجرد شعار. ذلك يعني أن سعيه للوحدة الاجتماعية لم يكن وهماً سياسيا. لقد اقترب أكثر من غيره آنذاك من استيعاب وفهم القضية الجوهرية التي أبرزت ضرورة تطبيق شعاره المذكور أعلاه، ألا وهي قضية السلطة.

إن إدراك أهمية السلطة يتطابق مع أنتهاء مرحلة ما يسمى بخلافة الراشدين. وذلك لأنها كانت ترمز من الناحية الواقعية إلى بروز أهمية وقيمة الفكرة السياسية. فقد كان تاريخ الخلافة حتى صعود الإمام علي إلى السلطة صيرورة متراكمة من الصراع السياسي بكل مكوناته من قيم متضادة. وقد رافقت هذه العملية صيرورة الدولة بشكل عام والإمبراطورية بشكل خاص. فقد كان صعود أبو بكر الصديق واستخلاف عمر بن الخطاب صراعا سياسيا بحتا رغم غلافه الديني الذي برز للمرة الأولى في مواجهة حروب الردة ولاحقا بالفتوحات. أما صعود عثمان بن عفان إلى السلطة فقد كان "مؤامرة" سياسية بحتة، من هنا نهايتها المخجلة والتعيسة والمناقضة لما في فكرة "الخلافة الراشدة" من معنى أولي. فمن غير المعقول توقع اضمحلال رشد المسلمين في انتفاضهم ضد خليفة يمثل الرشاد والعقل. فقد وجدت الأمة المنتفضة في عثمان أنموذجا للغي والضلال وانعدام العدالة. وفي انتفاضتها برهنت على إدراك خاص لقيمة "الرشد" بالنسبة للسلطة. وقد شاطر الإمام علي بن أبي طالب هذا الإدراك، رغم دفع الأحداث إياه عنوة صوب التمسك العملي بها. من هنا وقوفه وصراعه المرير بين عوالم السلطة والروح. فقد استلم السلطة بعد عثمان، بمعنى استلامها كما يستلم آخر متبار في سباق البريد من يد شخص منهوك القوى، متأخراً، لم يقبل هزيمته وتأخره فحسب، بل ويرغي شاتما من ينبغي أن يقطع الشوط الأخير. وهي الحالة التي ميزت تقبّل الإمام علي للوديعة الخربة تحت تأثير حماس الجمهور. وقد قبلها "مجبورا" لاسترجاع الفوز السابق في منازلة كانت نهايتها المحتملة تتأرجح بين الخسران أو إزهاق الروح من أجل اللحاق بالأوائل!

فقد ترك عثمان بن عفان للإمام علي بن أبي طالب خلافة الزمن الفارغ، وكمية هائلة من الاحتجاج الاجتماعي وكتلة هائلة من الخراب المعنوي المتجسد في قوى سياسية واجتماعية متمرسة في عوالم الرذيلة، ومحنكة بالدهاء السياسي. فقد بلغ الزمن ذروته في لذة السلطة وتوظيف "الوحي" بالطريقة التي تجعل كل المواقف مباحة مازالت تؤدي وظيفة التجديد الدائم لهذه اللذة. من هنا ليست محاولة الإمام علي بن ابي طالب إعادة واستعادة "الإسلام الحق" سوى المحاولة التاريخية الأولى والكبرى لبناء الدولة والحضارة، التي تمثلت من حيث الجوهر مشروع الصيرورة السياسية للدولة الإسلامية اللاحقة، والكينونة الروحية للثقافة.

فمن الناحية الظاهرية تبدو اغلب مواقفه السياسية الأولى كما لو أنها رد فعل مباشر وغير مباشر على طبيعة وحجم الخراب الذي أحدثه عثمان في مسار الدولة. أما في الواقع، فقد كانت مواقفه ونموذجه الحياتي وكفاحه ومماته حلقات مترابطة في تأسيس الأبعاد الباطنية للمرجعيات الإسلامية الكبرى في الموقف من الدولة والمجتمع والسلطة والإنسان والروح. فعندما صرح في أولى خطبة له بعد أن بويع بالمدينة قائلا "ذمتي بما أقول رهينة. وأنا به زعيم (كفيل). إن من صرّحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزته التقوى عن تقحّّم الشبهات. ألا وإن بليّتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيكم. حق وباطل. ولكلّ أهل. ولقلما أدبر شيء فاقبل"[4]. لقد أراد القول، بأنه كفيل بما يقول ويعمل، لأن من يدرك تجارب الأجيال والتاريخ وعقوبته تحرزه رؤيته هذه عن خوض الشبهات. وهي شبها جلية في بلية الانحراف عن الحق وانتشار الباطل. كما أنها حالة حرجة انطلاقا من أنه قلما أدبر شيء فأقبل، بمعنى أن ما ذهب يصعب رجوعه. وذهاب الحق صعب الإرجاع لكنه ممكن. بحيث نراه يجعل من هذه المواجهة معنى القول والعمل. وبالتالي إمكانية استرجاع حقيقة النبوة لا النبوة، وذلك لإدراكه طبيعة العقاب التاريخي الذي تعرضت وتتعرض له الأمة في ظل سيادة "أهل الباطل" بعد أن أدبرت مرحلة النبوة. وقد تحسس وقع هذه الحالة وثقلها عليه كما تلمسها بصورة جسدية مباشرة عندما اندفع عليه الجمهور المنتفض ليبايعوه على الخلافة. بحيث نراه يصورها بكلمات تقول "تداكوا عليّ تداكّ الإبل الهيم يوم ورودها، قد أرسلها راعيها وخلعت مثانيها، حتى ظننت أنهم قاتليّ أو أن بعضهم قاتل لدى بعض". كما أشعرته هذه الحالة بقدر متكافئ الرغبة في استعادة الحق وهول مواجهته في ظل الخراب العميق وريبة الرؤية السياسية للنخبة المكية العفانية. ونعثر على كل ذلك في تمنعه وتردده من قبول العرض العام لتسلم السلطة، كما نراه ونسمعه في قوله عندما خاطب الجمهور:"دعوني والتمسوا غيري، فإنّا مستقبلون أمرا له وجوه وألوان. لا تقوم له القلوب ولا تثبت عليه العقول. وإن الآفاق قد أغامت والمحجة قد تنكرت. واعلموا إني إن أجبتكم ركبت بكم ما اعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب. وإن تركتموني فإني كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم. وأنا لكم وزيرا خير لكم مني أميرا"[5].

إننا نعثر في هذا الموقف على حجم وطبيعة الإدراك العقلي والوجداني لواقع الدولة وإشكاليات الوجود الاجتماعي والأخلاقي المتمردة من جهة، وعلى طبيعة وحجم التحدي الفردي لكينونته الجديدة بوصفه أميرا من جهة أخرى. لقد نزع من "حق الولاية" تعبير المؤمنين، على خلاف عمر بن الخطاب، وتعامل مع الأتباع والأعداء على أنهم مسلمين من حيث الانتماء الشكلي للأمة والدولة. وتضمن سلوكه هذا معنى الرجوع إلى الرؤية المحمدية في عاملها مع الواقع كما هو لا مع نموذجه المرتجل في رفع شأن الأفراد والأمة إلى مصاف الإيمان. فالإحسان حقيقة الإيمان، ولا إحسان فيما كان يواجهه الإمام علي بن أبي طالب بعد مقتل عثمان، بل خراب وعنفوان وتمرد وصراع. وليس مصادفة أن يشدد في اغلب خطبه على ظاهرة الفتنة. وقد عّبر عن موقفه العام منها في أحد مواقفه القائلة، بأن الفتن "إذا أقبلت شبهّت. وإذا أدبرت نبهّت. ينكرن مقبلات ويعرفن مدبرات". بمعنى أنها تخلط الأمور وتختلط فيها المواقف والأساليب والنتائج. بدايتها قلاقل ونهايتها زلازل، لكنها تكشف في الوقت نفسه عن حقيقة تقوم في وضعها الجميع أمام تحسس ما في نهايتها من دمار. ووجد إمكانيتها الفعلية الخاصة في بني أمية، أي في السلسلة غير المرئية لأحفاد وأسلاف عثمان بن عفان. وقد قال مرة بهذا الصدد، بأن أخوف الفتن عنده على الناس "فتنة بني أمية، فإنها فتنة عمياء مظلمة عمّت خطتها وخّصت بليتها،وأصاب البلاء من أبصر فيها واخطأ البلاء من عمي عنها. وأيم الله لتجدن بني أمية لكم أرباب سوء بعدي... حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم أو غير ضار بهم. ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحدكم منهم إلا كانتصار العبد من ربه والصاحب من مستصحبه"[6]. وبنى موقفه هذا على أساس تأمل التجربة التاريخية لهذه الكتلة السياسية ومكونات إرثها "الروحي". بمعنى أنه وقف أمام الإرث المتناقض لسياسة النبي محمد تجاهها واستفحاله في زمن عثمان. فقد كان هذا التناقض محكوما بما في شخصية الإمام علي بن أبي طالب من أولوية الروح الأخلاقي وفكرة العدالة المتسامية على مغامرات السياسة وأبعادها المجهولة. لهذا لم ينظر إليها على أنها مكونا في "أمة المؤمنين"، بل قوة لها امتدادها العريق في جاهلية الروح والقيم. من هنا حكمه الواضح تجاهها عندما قال مرة عن بني أمية:"والله لا يزالون حتى لا يدعوا لله محرما إلا استحلوه ولا عقدا إلا حلّوه. وحتى لا يبقى بيت مدر ولا وبر إلا دخله ظلمهم ونبا به سوء رعيهم، وحتى يقوم الباكيان يبكيان، باك يبكي لدينه وباك يبكي لدنياه. وحتى تكون نصرة أحدكم من احدهم كنصرة العبد من سيده. إذا شهد أطاعه، وإذا غاب اغتابه. وحتى يكون أعظمكم فيها غناء أحسنكم بالله ظنا. فإن أتاكم الله بعاقبة فاقبلوا، وإن ابتليتم فاصبروا. فإن العاقبة للمتقين"[7].

فقد اختلط في هذه الرؤية وثناياها بريق الفتنة ودخانها، كما أخذت معالمها تبرز بوضوح بوصفها صراعا بين فكرة الدولة والسلطة. ووجد انعكاسه في مأساته التاريخية بوصفها صراع الروح والسلطة. وهو صراع هائج وعميق المحتوى على قدر ما في الإمام علي بن أبي طالب من أبعاد غير متناهية في وحدة الوجدان والإيمان كما نعثر عليها في تلك العبارة الوجيزة التي كشفت عن أعماقه الملتهبة عندما وقف على شفا قبر فاطمة وهو يقول بملء صوته مخاطبا أبيها:"لقد وسدّتك في ملحودة قبرك وفاضت بين نحري وصدري نفسك... فلقد استرجعت الوديعة وأخذت الرهينة! أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسّهد!"[8]. وتكشف هذه العبارة عن أعماقه المحكومة بالأزل والأبد، بمعنى الهائجة في عوالم لا تتناهى. وهو حال ممكن بالنسبة لأولئك الذين تتسع قلوبهم للوجود والمطلق. وهي قلوب عادة ما تصنعها مراحل الانقلابات الخطرة والعاصفة أما بهيئة شاعر فحل أو كاتب عظيم أو أديب مرموق أو خطيب بليغ أو فيلسوف أصيل أو سياسي مقتول! فقد ارتطمت هذه المكونات جميعها بأقدار ونسب مختلفة في شخصية الإمام علي بن أبي طالب. وليس مصادفة أن يرى "الآفاق قد أغامت" عندما دفعه جمهور الناس لأخذ زمام المبادرة وقيادة الأمة المضطربة بين نشوة قتلها لخليفة جائر وسعيها لاستعادة الحق فيم تراه خصيصا به. وليس مصادفة أن يقف نفسه أمام صراع الروح والسلطة في أعماقه، عندما خاطب الجمهور قائلا:"إني إن أجبتكم ركبت بكم ما اعلم ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب!" لهذا فّضل أن يكون لهم وزيرا من أن يكون أميرا! وفيها يمكن رؤية البطولة والمأساة بقدر واحد. لقد أراد مواجهة العالم وما فيه بما فيه. ذلك يعني أنه لم يسع إلى وضع نفسه بالضد من العالم بقدر ما أراد أن يجعل العالم وذاته المترامية بين الأزل والأبد محكومين بفكرة الروح المتسامي. وهي محكومية عادة ما تؤدي بالشخصية الكبرى إلى مواجهة خطرة في ميدان السياسة واشد خطورة في ميدان الروح. لكنها المواجهة الوحيدة القادرة على صنع مرجعيات الرجال والفكرة في التاريخ ووعي الذات الإنساني والتاريخي. وليس مصادفة أن تكون هذه المرجعية شعار مواجهته المواقع حالما تسلّم الحكم بعد عثمان، بحيث تحول كيانه وكينونته إلى نفي شامل لهما. لاسيما وأنها كانت الخطوة الأولية والضرورية لأية مواجهة تعي وتدرك قيمة الروح بالنسبة للدولة والحق. من هنا محاولته الأولية استرجاع ما اقتطعه عثمان لأصحابه وأقاربه من أراضي الدولة وأموال الأمة كما وضعها في كلماته الشهيرة القائلة:"والله لو وجدته قد تزوج به النساء وملك به الإماء لرددته. فإن في العدل سعة، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق"[9]. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.............................

[1] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص157.

[2] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج4، ص2. ابن اللبون هو أبن الناقة الذي بلغ السنتين من العمر.

[3] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص236.

[4] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص47-48

[5] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص82.

[6] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص184.

[7] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص191.

[8] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص182.

[9] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص46.

 

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة  (على مثال خلافة الراشدين)

المستقبل الذي بشر به الإسلام والقرآن بيقين قاطع، لم يعد يمتلك سحره الغابر. فآية الصافات القائلة، (لقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين وإن جندنا لهم الغالبون) أخذت تفسح المجال للتنبؤات المشحونة بتخوف الزمن الآتي، الذي سوف لن يكون به "شيئاً أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل"[1]، "الزمان الذي لن تكون فيه" سلعة أبور من الكتاب (القرآن) إذا تلي حق تلاوته ولا أنفق منه إذا حرّف عن مواضعه"[2]. وبغض النظر عن إمكانية انتحال أو وضع هذه العبارات وأمثالها على لسانه، إلا أن مضمونها يتوافق مع آرائه العامة ومثله الحياتية العملية. إضافة إلى أن ممارسة التنبؤ الإسلامية لم تكن سحرية الطابع ولا أسطورية المعنى. فقد عاش علي بن أبي طالب في تلك المرحلة التي كشفت بوضوح كيفية "تحريف مواضع الكتاب". بصيغة أخرى، أن القضية لا تقوم فقط في أن هذا التنبؤ يستند إلى تقاليد عربية وواقعية، بل ولأن معطيات الصراع التاريخية لتلك المرحلة تكشف عن واقع تحول القرآن أحياناً إلى غطاء، وفي حالات أخرى إلى وسيلة للمكر السافر، كما جرى معه في معارك صفين.

لقد تحولت الآيات القرآنية إلى بديهيات سياسية. لكن مفارقتها تقوم في أنها بديهيات ينبغي أن تخدم مصالح القوى المتعارضة. مما أدى، كما يقول الإمام علي، إلى أن تصبح الناس "أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم"[3]، وبالتالي تحويل الآيات القرآنية إلى جزء من البديهيات السياسية قبل أن ترتقي مفاهيم القرآن إلى هذه الحالة. ذلك يعني أن المصدر الأساسي للأيديولوجيات الإسلامية أصبح منبوذا من قبل حملته، منسيا من حفظته السالفين! ووراء كل ذلك تقف قوة الثروة التي رافقت نشوء الدولة وتطورها. وإذا كان علي قد حدس سرّ الدرهم وقوته، التي أصبحت معها ضربة السيف على المؤمن هينة الوقع[4]، فإنه لم ير في كل هذه العملية سوى تراجع إلى الوراء ونكوص عن المبادئ والقيم وتثليم "حصن الله بأحكام الجاهلية" الجديدة[5].

فالانقلاب الذي أحدثه الإسلام في حياة العرب مازال قائما، لكن أسسه الروحية آخذة في التسوس. وكل ما حوله يشير إلى الانحلال والتعبير عن انحراف مناف للخير الإلهي. ففي كل مكان، كما يقول في إحدى كلماته "لم يعد يوجد إلا فقيرا يكابد فقرا أو غنيا بدّل النعمة كفرا، أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله وفرا، أو متمردا كأن بأذانه عن سمع المواعظ وقرا"[6]. فالعالم الجديد الذي صنعه تيار الإسلام الجارف أفرز في غضون عقود قليلة من صيرورة الخلافة (الدولة) وسلطاتها "أشباحاً بلا أرواح ونساكاً بلا صلاح"[7] بل أن نشاط الناس ليبدو عبثاً، أو حسب عبارته، كتجارة بلا أرباح. فالناس نوّم في يقظتهم، عمي في نظراتهم، وفي نطقهم بكم، تائهة ضحية المذاهب والمشارب. ولم يعن ذلك وقوفه بالضد من التنوع والتباين بقدر ما أنه وجد في هذا الانهماك المتهالك وراء الخلافات تباين المصالح الدنيوية لا مصالح الحق.

ولعل أعمق عبارة صوّر بها هذا الواقع الجديد وانسلاخ الإسلام التاريخي عن فاعليته السابقة بوصفه دين الحركة الاجتماعية الصاعدة وأيديولوجيتها، هي كلماته التي وصف بها حال الإسلام المعاصر له بعبارة "لبس الإسلام لبس الفرو مقلوباً"[8]. ومن الصعب القول بأن علياً قد وعي كل جوانب ما ندعوه الآن بالعملية التاريخية لصيرورة الدولة، لكنه تحسس وقاوم الاتجاه الصلد في تطور مكوناتها التي أخذت تهشّم الوحدة القديمة لتنشأ على أشلائها وحدة جديدة. لكنها وحدة لم يعد الإسلام فيها قوة تلقائية، بل قوة مؤدلجة وتراثاً يمكن التلاعب به وتطويعه بالصيغة التي يخدم فيها مصالح القوى المتحاربة.

ولا يعني ذلك بأن علياً سعى لمعارضة هذه العملية في تكون الدولة ومؤسساتها. فهو شأن كل رجال المبدأ الكبار وإصلاحيي الروح الأخلاقي العظام كان لابد وأن تضطرب في أعماقه هواجس قوى المعارضة المتسامية للنفس الغضبية (المتسلطة). وبهذا المعنى كان لابد له من أن يفترض في أي موقف ايجابي من السلطة نزع سلطويتها. لكن هذا التعارض الفعلي بين المسار الواقعي لصيرورة الدولة وبين مضامينها العملية التي سعى لتنفيذ برنامجه من خلالها، كان لابد وأن يضع ويثّور معضلات تشكل في حصيلتها الموشور المتشنج لرؤية الماضي والآفاق، وتقييم التجربة الدائمة. وفي الحالة المعنية، كان موقفه المعارض للاتجاه الصلد في تهشيم الوحدة الروحية القديمة باعتبارها المثال الأعلى لحقيقة السلطة، لم يعن تهاونا أو تهادنا أو هجوما ضد بنائها الجديد، بقدر ما كان يعادل سعيه لتمتين وحدتها الداخلية من خلال الرجوع الدائم إلى يقينها الأول.

بعبارة أخرى، لم تكن معارضته سوى المظهر الأنبل لحقيقة الدولة ومؤسساتها. وهو أمر جلي سواء في حياته قبل استلامه السلطة وبعدها. بحيث يمكن رؤية بعض ملامحها في الاتهامات التي وجهت إليه قبل صعوده لسدة الخلافة، بما في ذلك المنسوب منها للخليفة عمر بن الخطاب، التي انتقد فيها ما أسماه بحبه للسلطة ورغبته فيها. وهو انتقاد لا أصالة فيه ولا إخلاص للحق والحقيقة. لكنه ممكن ومحتمل بمعايير الصراع السياسي والرغبة الدفينة في الريادة والسيادة التي كانت تطبع نفسية عمر بن الخطاب نفسه. من هنا يمكن النظر إلى سعي الإمام علي للسلطة، مع ما في هذه العبارة من تجاوز على حقيقة ما كان يعتمل فيه، هو سعي الروح المبدئي وهمومه المتحرقة تجاه إشكاليات الأمة والدولة والحق. فالإمام علي لم يكن رجل السلطة، بل رجل الدولة، ورجل السلطة الإنساني في أدق وأعمق وأجلى معانيها الروحية. وذلك لأن همومه الكبرى كما سيكشف عنها تاريخ الصراع العنيف اللاحق، كانت هموم الإصلاح النوعي للدولة والقانون والروح الأخلاقي العام والخاص. الأمر الذي يفسر سرّ رجوعه المتحمس إلى التجربة المحمدية وإبراز أولوية العمل بها. ولم يكن ذلك معزولا أيضا عن نضوج الصراع السياسي وتحوله إلى صراع مكشوف وعلني لا مواربة فيه ولا رياء. وليس مصادفة أن يؤكد في وصيته لعبد الله بن العباس في محاججته للخوارج على ألا يحاججهم بالقرآن لأنه حمّال أوجه (أي يحمل معاني كثيرة)، بل ماججتهم بالسّنة[9].

إن احتلال العمل مركز الصدارة لم يعن من الناحية التاريخية، سوى كونه المقدمة الضرورية للتطور الاجتماعي السياسي والفكري اللاحق. فقد أحدث انتصار الإسلام انعطافا حاسما في الحياة الاجتماعية والروحية للعرب آنذاك. لكنه شأن كل انتصار سياسي فكري تاريخي كان لابد له من أن يتجزأ ويعيد صياغة نفسه. فتوحيدية الإسلام لم تعق اختلاف الآراء وتنافرها. لقد وفّرت غطاء، وكانت لحد ما مصدرا للمواقف المتباينة تجاه كل ما يجري. وذلك لأن القوة الفاعلة في تحديد المواقف كانت محكومة بالتوجه الاجتماعي للقوى المتصارعة. فالممارسة الاجتماعية السياسية لم تكن آنذاك عميقة للدرجة التي يصبح معها صراع الأفكار قضية أولى، أو أن يندفع فيها هذا الصراع إلى المقدمة باعتباره التعبير المثالي والانعكاس الروحي لأحداث العالم. ومع ذلك ظل الفعل والعمل معيارا نهائيا سواء وعت ذلك القوى المتصارعة أم لم تعيه.

فالسّنة النبوية هي أيضا التعبير العملي النظري عما جرى، والذي بإمكانه أن يكون مثالا (واجبا) لما يجري. فالكلمة تمتلك إمكانية التأويل المتباين بما في ذلك كلمات القرآن. بينما الفعل - الحدث له حكمه القاطع. وفي هذا يكمن سبب توكيد الإمام علي بن أبي طالب على أن تكون السّنة حجيج ابن عباس ضد خصومه. ثم أن السّنة رمز الوحدة في الممارسة. ففي مراحل الصراع الاجتماعي الحاد يصبح الفعل مضمون الكلمة. وإذا كان بإمكان الكلمة أن تكون مصدر خلاف بين ممثلي المعسكر الاجتماعي الواحد، فإن الفعل لا يمكنه أن يؤدي في حالة الاختلاف عليه سوى إلى تجزئة المواقف، ثم الميول والاتجاهات، وفي نهاية المطاف سيحتدم الصراع بوصفه صراعاً لا مهادنة فيه. فالممارسة هي الوحيدة القادرة على أن تكون معيار الحقيقة المطلقة زمن الصراع الذي لا مساومة فيه ولا هوادة. أنها تكشف عن توجه القوى الاجتماعية. وفي هذا الواقع، لم يكن بإمكان الإمام علي تجنب تأثير عملية التفكك والتآلف الجديدة في المجتمع العربي الإسلامي.

فقد مثل هو استمرار الاتجاه الإسلامي المحمدي ولكن في مرحلة انتقال المجتمع من الوحدة الإسلامية إلى وحدة جديدة ترتكز على مبادئ سيطرة واستقلال الدولة وبزوغ الأيديولوجية، بوصفها قوة مغتربة. فعملية التفكك والابتعاد عن الوحدة الاجتماعية للجماعة الإسلامية شكلت في تصوراته رجوعا إلى الماضي. فالجاهلية بدت بالنسبة له كما لو أنها تعيد تشكيل نفسها وتنتظم خيوطها من جديد كما يفعل العنكبوت تجاه مصايده. وعوضاً عن الهروع في هذه الحالة إلى منبع الجماعة الإسلامية ومصدر قوتها وعظمتها كما دعا هو، فإن "قوى المنكر" تسير في خطاها، وإن لأظلم ما في الأمر، كما قال مرة، عندما لا تعترف هذه القوى بجهلها.

لقد نظر إلى الجهل نظرته إلى أحد الشرور الاجتماعية والأخلاق الجاهلية. بينما أظهرت الممارسة أن الجهل وما يعارضه هنا هو مجرد مقولات سياسية عملية. وفي هذه الحالة كان لابد للماضي من الظهور بقوته المعهودة، باعتباره السند المتين والدفين في أعماق الذاكرة، واليقين الأخلاقي الذي لا يمكن للقوى المتصارعة أن تمسكه بيديها. وبالتالي كان لابد للعروة "الخالدة" من أن تبحث عن مرتكز لها بعيدا عن محاصرة السلطة المباشرة. وليست هذه العروة الخالدة سوى الماضي أو المستقبل.

وإذا كان المستقبل عادة ما يقلق السلطة باعتباره مستقبلها أيضاً وخزانة آفاق وجودها ومصيرها، فإن الماضي عادة ما يشكل بالنسبة لها مستودع ثرواتها المنسيّة. ومن ثم بإمكانها الرجوع إليه بالقدر الذي تضطرها إليه الذاكرة المحاصرة في سعيها للخروج من هذا المأزق أو ذاك، أو لتبرير ما تجده ضرورياً لأعمالها. فالماضي يتحول بهذا المعنى إلى خادم صغير يؤدي خدماته على مثال صغار موظفيها، على عكس تلك القوى التي تبحث في الماضي عن عروة يقينها الأخلاقي. وتوافق هذه العملية من حيث مضمونها مع الرجوع إلى مبدأ الحق. لهذا كان موقفها من الماضي مبنيا على أساس استقامة الاجتهاد والبحث عن دليل العدالة وليس على أساس التبرير والتأويل المفتعل.

وليس مصادفة أن تؤدي هذه العملية أحيانا إلى نتائج عكسية. فقد رفض الإمام علي الانصياع للإجبار "السياسي" غير المباشر، الذي حاول فرضه على الجميع عبد الرحمن بن عوف. فقد طاف الاخير بسؤال محدد على كل أولئك الذين دخلوا في هيئة الشورى لاختيار الخليفة، عما إذا كان كل منهم سيسلك سلوك من قبله (أبو بكر وعمر)، وأن لا يقرّب أحدا من أهله. وإذا كان عثمان قد أجاب بالإيجاب بينما سيكون سلوكه مغايرا تماما، فإن علياً رده قائلاً: مالك ولهذا؟ إذا قطعتها في عنقي! فإن عليّ الاجتهاد لأمة محمد حيث علمت القوة والأمانة استعنت بها كان في بني هاشم أو غيرهم. وعندما شدد ابن عوف قائلا: لا والله حتى تعطيني هذا الشرط! فأجابه: والله لا أعطيكه أبداً[10]. وبغض النظر عن كل الحوافز الفعلية القائمة وراء ضغوط ابن عوف، فإن ما هو جوهري بالنسبة لنا هو رؤية الموقف الحقيقي من تراث الأسلاف وإدراك الموقع الشخصي في اندماجه بالماضي والمستقبل. فإذا كان عثمان قد قال وخان وأعطى العهد ونكث، فإن علياً رفض القول وآمن ولم يعط الكلمة وتمسك بالحق. وهو السلوك الوحيد الذي يفرضه منطق الحق والروح الأخلاقي. وفي هذه العملية لابد للماضي من أن يتحول إلى معيار صارم ومحك خشن لتقييم كل ما هو موجود. لهذا يصبح الرجوع إلى الماضي أسلوب المقارنة ووعي الذات. لهذا السبب أيضاً وجد الإمام علي في سلوك السلطة رجوعا إلى الجاهلية وماضيها، أي أنه بحث عن المثال الأقوى، الذي يشكل بحد ذاته قيمة معترفا بها من قبل الجميع. والأهم من ذلك قيمة مطلقة بالنسبة له رغم سعيه للاجتهاد الحر. من هنا نستطيع القول بأن الرجوع إلى الماضي في أفكاره وممارسته لم يكن، من الناحية الموضوعية والتاريخية، وهما اجتماعيا(يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

..............................

[1] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص30

[2] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص31.

[3] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، 126.

[4] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص126

[5] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص154.

[6] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، 2، ص11-12.

[7] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص207.

[8] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص209.

[9] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج3، ص136.

[10] ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص40.

 

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة  (على مثال خلافة الراشدين)

للقدر لعبته مع الأفراد والأمم! فهو يدرجهما في حركة المصير والذاكرة. وذلك لأن قدر الأفراد والأمم على قدر مكانتهم في التاريخ والزمن، أي على قدر بقاءهم في سريان الروح ووعي الذات الثقافي، أو اضمحلالهم في الدهر البارد. ولا يشذ عن هذه الفكرة تقدير وتقرير المأثرة التاريخية للأفراد أو اللعنة الأبدية الممكنة في نسيان فاحش أو إدانة أفحش، بوصفها الخاتمة التي طبعت من حيث الجوهر حياة وممات عثمان بن عفان. فقد كانت حياته سلسلة متقطعة من زمن الانسياق البارد وراء ملذات عابرة، بينما كان مماته تفاهة اكبر ورذيلة تامة عندما يجري تقييمها على أساس موقعه في هرم السلطة الإمبراطورية الهائجة بتراثها الروحي المسكون بحب الاستشهاد من اجل القيم المتسامية. وليس مصادفة أن يتحول قميصه فقط إلى بيرق الصراع من اجل السلطة بالنسبة لأولئك الذين تغلغل في أعمق أعماقهم حب الجاه والمال. إذ لا شيء في عثمان كان يمكنه أن يغري العقل والضمير. لهذا اندثر في وقت لاحق بين "محبيه" و"كارهيه"، لأنه لم يكن شيئا. وقد كانت تلك من اعنف مفارقات التاريخ السياسي والروحي للخلافة العربية الإسلامية الأولى.

فقد كان عثمان من حيث النفسية والشخصية رخوا، ضعيفا، هشا، مسلوب الإرادة، محكوما بقوة الغريزة. تربع هرم الدولة الصاعدة في اشد مراحل اندفاعها وعنفوانها! ومن الممكن فهم سرّ هذه المفارقة على أنها جزء من مغامرة النفس الجاهلية القابعة في أعمق أعماق الأغلبية من صحابة العصر آنذاك، ومن اعتبر صكوك "التبشير بالجنة" وثيقة التحرر التام من الالتزام الأخلاقي. فقد كانت فكرة "المبشرين بالجنة" الوثيقة الأولية لإفساد الروح المعنوي. وذلك لما فيها من إمكانية متعارضة بين الإرادة والمصير. فقد كان المصير معلوما والإرادة مجهولة. بحيث جعلت هذه المعادلة المقلوبة من الممكن استثارة النفس الغضبية والشهوانية دون أي رادع أخلاقي، لأن الأفعال أيا كانت تصبح جزء من "حكمة الله" المضمونة بحسن الخاتمة الأبدية! وفي هذا يكمن سبب خاتمة عثمان المخزية. كما أنها النهاية التي تكشف عن أن قدر التاريخ الفعلي هو الوحيد الذي يتمتع بواقعية تتجاوز وتذلل كل الاعتبارات الأيديولوجية أيا كان مصدرها. لاسيما وأن ورع عثمان الكاذب وعوده الرخو ورياءه المتميز قد جعل من الأحكام والتصورات الأيديولوجية تطويعا سياسيا فجا للوحي القرآني. بحيث جعل من الآية القرآنية خادما وضيعا للإرادة المبتورة برغبة الاحتفاظ بالسلطة. لهذا كانت خاتمته الفردية مهينة في بداية مهيبة للدولة! وقد واجه الإمام علي بن أبي طالب هذه الحالة، وجعلت منه بمعنى ما ضحية هذه المفارقة الخشنة. إذ وضعته صفته المكتسبة الكبرى، بوصفه "خشنا في ذات الله" على محك التاريخ السياسي والروحي للدولة الجديدة. بمعنى وضع تماسكه الروحي الذاتي على محك التاريخ السياسي للدولة والأمة، مع ما ترتب عليه من مأساة كبرى جعلت منه أنموذجا للفكرة المتسامية وقيم المعنى والرؤية الأبدية.

فقد صنعت ثلاثية الفكرة الروحية وقيم المعنى ورؤية الأبد المتماسكة في شخصيته كينونته الواقعية والمجردة. وجعلت منه في الوقت نفسه الشخصية الأكثر تمثيلا لما يمكن دعوته بالممثل الفعلي للتاريخ الروحي (العربي والإسلامي). وفي هذا كان وما يزال يكمن بريقها الخاطف ومأساويتها المثيرة للعقل والضمير. وذلك لأن تحقيق هذه الوحدة المتماسكة لثلاثية الروح والمعنى والرؤية المتسامية في ميدان السياسة عادة ما يستثير كوامن الرذيلة المتأصلة في الجسد والغريزة البشرية. وبالأخص عند أولئك الذين تراكمت في جينات وعيهم ولاوعيهم الفردي والعائلي حب المال والجاه (السلطة). إذ حالما تصبح السياسة ميدان التحقيق الفعلي لثلاثية الروح والمعنى والرؤية المتسامية، فإنها تولد بالضرورة شرارة الوجد والوجود، والعقل والضمير، والظاهر والباطن. حيث أخذت هذه الشرارة بالتطاير في مجرى الصراع الضاري الذي استتبع مقتل أبن عفان، وانتهى باغتيال الإمام علي من جانب أولئك الذين كان هو نفسه يمثل الأبعاد غير المتناهية وغير المدركة فيما كانوا يسعون إليه. وجسّدت هذه الخاتمة مأساة الموت البطولي، بوصفه النتيجة المعكوسة لزمن النخر الخبيث للدولة والمجتمع والروح الذي جسدته العفانية[1]. فقد كانت العفانية عفونة قاتلة أعمت الجميع وشوهت أذواق النخبة السياسية، التي وجدت في رفع الجماهير المنتفضة للإمام علي إلى سدة الحكم حكما عليها بالموت! من هنا ثائرتها التي أخذت تثور في مختلف أصقاع الإمبراطورية الكبرى التي استحوذ عليها بقوة السيف والسلم والفكرة. وليس اعتباطا أن تظهر المواجهة الارستقراطية المباشرة بعد أول انتخاب فعلي له من جانب الأمة المنتفضة ضد القهر وانعدام العدالة الذي ميز خلافة ابن عفان. بمعنى إننا نقف أمام ظاهرة الصراع التاريخي الكبير بين اتجاهين، الأول وهو الاحتكام إلى قوة الرأي العام وموقف الأمة، والثاني المتمسك بغريزة القوة العارية وجنوح الارستقراطية للاستفراد والهيمنة. وهو صراع تاريخي كان يتراكم في كل مجرى الخلافة قبل استلام الإمام علي للحكم.

لقد كان هذا الصراع المتراكم أيضا خطوة هائلة إلى الأمام في المسار المعقد لوحدة الأمة السياسية، التي سيشاطرها علي بن أبي طالب نفسه في وقت لاحق. لكنه نظر إليها من خلال تصوراته عن حقائق الإسلام ومبادئه وقيمه وغاياته. فالصراعات الداخلية التي شكلت أسلوب نشوء الوحدة الجديدة أسهمت أيضا في إنتاج ثنائية اليقين والقلق، إي المكونات التي عادة ما يحدد مضامينها الحقيقية وتأثيرها المباشر في الفعل السياسي طبيعة وكيفية احتكاكها بما ندعوه الآن برؤية المهمات الملحة. فعندما استشاره الخليفة عمر بن الخطاب حول شخوصه بنفسه لقتال الفرس، فإن عليا أجابه بفكرة تربط في كلّ واحد اليقين بالأمة والقلق عليها. فقد كان ذا ثقة بقوة العرب بالإسلام وكثرتهم بالإيمان لكنه خوّفه من إمكانية الانتفاضة والردة من الأعراب في حالة خروجه من المدينة باعتباره رمز القوة السياسية. وعبّر عن ذلك بنصيحة سياسية دعاه عبرها بضرورة البقاء في المدينة والقيام منها بإدارة شؤون الحرب (السياسة الخارجية). وشدد في نصيحته على "أن العرب وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالإسلام وعزيزون بالاجتماع"[2].  وحذّره في الوقت نفسه من أن خروج الخليفة من المدينة قد يؤدي إلى أن تنتفض عليه العرب "من أطرافها وأقطارها"[3]. ولم يظهر هذا التحذير عن  فراغ، إي انه كان يستلزم على الأقل وجود من هو قادر على الخروج والانتفاض وأسباب كامنة وراء ذلك.

وإذا كان من الصعب تحديد عمق وقوة الاحتجاج الاجتماعي المختبئ آنذاك في أعماق "الأعراب"، فإن مما لا شك فيه هو أن الفتوحات الإسلامية استقطبت أغلب طاقات الاحتجاج الداخلي وعدم الرضا، الذي لا يمكن القضاء عليه أو استنفاده الكلي في ظروف الدولة ومؤسساتها. فإذا كانت خلافة عمر بن الخطاب قد عمّقت قوة السياسة في الأمة وتثوير طاقاتها الاجتماعية وتوجيه جهودها نحو تأسيس الدولة المتماسكة، فإن التحذير الذي أطلقه الإمام علي يبدو كما لو أنه يحتوي على نزوع رمزي في رؤيته لملامح الانتقال المأساوية. لقد طلب من عمر بن الخطاب أن يكون قطباً يستدير بها رحى العرب. وفي الوقت الذي طالبه بالبقاء في المدينة، فإنه نفسه سينزع إلى مغادرتها في وقت لاحق. وإذا كان يرى في بقاء عمر بن الخطاب مصدرا للقوة، فإن مغادرته لها تبدو إنهاء لقيمة هذا المصدر. لكن هذه المقارنات الشاعرية تبقى من إبداع اللغة المعاصرة وتأملها المترفّع عما كان يجرى آنذاك. فقد كانت هذه المجريات آنذاك "غيبا" ينبغي خوض غماره من أجل رؤية فضائله ورذائله، عظمته وسخافته.

فقد كان الوجود الإسلامي آنذاك في طور التكوين الحكومي، الذي ألهم الجميع مشاعر الاعتزاز والتحدي. فالسلطة ذاتها أثارت شرارة المواجهة، ومن ثم أحرقت مشاعر المؤمنين في تأمل لهيبها. وبهذا المعنى فإن مواقف الإمام علي من السلطة، التي مثلت في كينونتها طبيعة التحولات الجارية، لم تكن مبنية بالضرورة على رؤية كل حيثيات الواقع ومجرياته. لقد كان بإمكان الردة السابقة وحركاتها التي أقلقت حياة أبي بكر، أن تثير في أعماقه شعور القلق السياسي تجاه يقينيات الأمة. وفي هذه العملية كان من الممكن أن تتحول الكثير من العقائد الإسلامية المختلفة إلى بديهيات سياسية.

فقد سلك الإمام علي في أحد مستويات نشاطه السياسي قبل صعوده لسدة الحكم، سلوك الوزير (المستشار)، الذي أثبط لحد ما عزيمته في الصعود للسلطة. بحيث نراه يرفض الخلافة عندما طالبه الجمهور بتقلدها بعد مقتل عثمان بن عفان. بل ونراه يفضل أن يكون لهم وزيرا من أن يكون أميرا. بينما قذفه الصراع الاجتماعي اللاحق إلى المقدمة بحيث جعله ممثل الجماهير المنتفضة ضد السلطة. فقد خاطب عثمان مرة قائلا:"إن الناس ورائي وقد استفسروني بينك وبينهم ...فالله الله في نفسك. فإنك والله ما تبصر من عمى ولا تعلم من جهل. وإن الطرق لواضحة، وإن أعلام الدين لقائمة"[4]. وتكشف هذه العبارة عن طبيعة الصراع الاجتماعي وتناقضاته. وفيها نعثر على تصوير للواقع وتعبير عنه، لم يكن مقتل عثمان بن عفان سوى نهايته الخجولة وبدايته الصريحة. وهو صراع واقعي عبّر عنه بكلمات مقتضبة عميقة المغزى عندما صور ملامحه بصيغة بلاغية قائلا:"أقبل مزبدا كالتيار لا يبالي ما غرّق، أو كوقع النار في الهشيم لا يجفل بما حرّق"[5]. غير أن الصراع ليس قوة مغتربة. وقد أدرك علي أسبابه بوضوح متزايد مع تنوع وتعمق تجربته السياسية والأخلاقية. فالمسلمون الأوائل، كما يقول علي، كانوا يقاتلون مع النبي بغض النظر عن أن القتل يختطف الآباء والأبناء والأخوات والقرابات، بمعنى جريانه  على أساس العقيدة الحقة. ولم يفعل ذلك سوى أن يزيدهم بعد كل مصيبة على إيمانهم ومضيهم على الحق تسليماً للأمر وصبراً على مضض الجراح"[6]. أما الآن فإن البحث عن القلوب "التي وهبت لله وتوقدت على طاعته" أصبح في صياغة التمني (المتعجب). مما استثار فيه شعور التألم الأخلاقي الفعال، وبالتالي رؤية الواقع بعيون الرؤية المتسامية.

ذلك يعني أنه أخذ ينظر إلى الواقع من زاوية الحساسية المرهفة لتجمير شعلتها الدائمة. فعندما استفسرت أعماقه بصوت مسموع في إحدى خطبه:"أين العقول المستصحبة بمصابيح الهدى، والأبصار اللامحة إلى منار التقوى، والقلوب التي وهبت لله وتوقدت إلى طاعته؟" فإنه لم ينف وجودها بقدر ما أنه أرادها دائمة الفعل. ومن غير الدقة اتهامه بالقفز على الواقع. فبغض النظر عن البدايات المميزة للحركات العقائدية الكبرى ومحاولاتها تأسيس آلية "الوحدة والحق" والتضحية من أجلها بالغالي والثمين، فإن هذه الخميرة الجوهرية تنحل بالضرورة حال تحولها من بؤرة الروح إلي ميدان السياسة. وهو تحول عادة ما يقلب العالم ويعيد صنعه على مثال مكوناتها. وذلك لأنها لا تعمل في الواقع إلا على صنع واقعٍ له مقدماته التي لا تحددها بالضرورة متطلبات الفكر وأهدافه المعلنة.

ومن الصعب حصر هذه العملية في إطار ما محدد وتعيين نتائجها الملازمة بالضرورة. فالقضية هنا لا تقوم في تتبع كل جوانب وخصوصية هذه العملية التي أدت إلى ما آلت إليه من نتائج في المرحلة السابقة لخلافة الإمام علي، بل من أجل الإشارة إلى الطبيعة العامة للمتغيرات الاجتماعية الأخلاقية والسياسية وانعكاسها في رؤيته لها. فقد تبينت له طبيعة التباين الجوهري بين صراع الماضي والحاضر. فإذا كان الصراع السابق يستند إلى العقيدة والحق، فإن الواقع المعاصر يشير إلى توجه معاكس بحيث أصبح من الصعب رؤية الشخصيات التي تضع نصب أعينها هدف الحق المطلق، أو حسب عبارته، "تلك القلوب التي وهبت نفسها لله". وإن هذا التعجب ليبدو حزيناً بفعل تأسفه المرير، الذي يستثيره "ازدحام الناس على الحطام"[7]، أي المصالح الدنيوية العابرة! (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

.............................

[1] المقصود بالعفانية نسبة إلى عثمان بن عفان. وكان الأولى قول العثمانية. ولكي لا يجري الخلط بينها وبين العثمانية (التركية) من هنا جرى نحت هذا المصطلح. وكونها أموية أولية ينبع من كونها هي التي غرست بذور النزعة الأموية وعقدها في الموقف من الدولة والأمة والسلطة والإنسان والقيم والحقوق. ومن الممكن القول، بأن العفانية هي جنين الأموية. أما بمقاييس التاريخ والروح والعقل والسياسة وفكرة الدولة، فإنها كانت خروجا على منطق الحق والعدالة والنزعة الإنسانية.

[2] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص29.

[3] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص29.

[4] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص69

[5] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص27-28.

[6] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج1، ص236.

[7] علي بن أبي طالب: نهج البلاغة، ج2، ص28.

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي (45)

المقصود من كلمة (التطرف) المذكورة في عنوان المقال هو المعنى اللغوي للكلمة وليس المعنى الشائع في هذه الايام، ففي اللغة، التطرف هو الشدة او الافراط في شيء أو في موقف معين وهو اقصى الاتجاه او النهاية، ويقال تطرفت الماشية المرعى أي اتخذت احد اطرافه .

فالتطرف معنى عام يشمل المواقف أو التعاليم المتشددة سواء كانت في اقصى اليمين او اقصى اليسار.

في هذا المقال، سنحاول دراسة بعض معالم شخصية (يسوع الناصري) من خلال الصورة التي رسمتها له الأناجيل القانونية الاربعة، مع التذكير ان هذه الصورة، ليست بالضرورة، الصورة الحقيقية لهذه الشخصية، لان تلك الاناجيل كتبت لاحقا بعد رحيل يسوع الناصري بعقود عديدة، ولم يكتبها شهود عيان

سنحاول دراسة شخصية يسوع المسيح من خلال تتبع التعاليم والأقوال التي نسبها كتبة الأناجيل له، من اجل التوصل الى فهم اعمق ومعرفة ادق لتلك الشخصية المهمة جدا والجدلية الى حد كبير!

من المميزات الواضحة في شخصية يسوع الناصري والتي تعكسها اقواله وبعض تعاليمه وسلوكياته، نجد صفة الحدية و التشدد من خلال تركيزه على تحقيق اقصى الحدود في المفاهيم والتعليمات الصادرة منه

فعلى سبيل المثال، عندما نتتبع تعاليمه حول مفهوم (السلمية) ونبذ (العنف) نجد تعاليم يسوع المسيح بهذا الصدد واضحة وصارمة مع المبالغة الشديدة في التزام أبعد الحدود في التطبيق العملي لتلك المفاهيم

(من ضربك على خدك فاعرض له الآخر أيضا، ومن أخذ رداءك فلا تمنعه ثوبك أيضا)

ونجد كذلك الحث على اشاعة السلام والتسامح والمحبة (طوبى لصانعي السلام لانهم ابناء الله يدعون)

بالاضافة الى التشدد على نبذ العنف، ولو كان مجرد لفظ يحمل اشارة فيها اساءة او اشارة للتحقير

(إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ... وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ) متى 5:22

ورغم ان هذه النماذج من التعاليم، هي غاية في الروعة، لكنها بنفس الوقت، تحمل من المبالغة الشئ الكثير مما يجعلها غير قابلة للتطبيق في الواقع الإنساني العملي !

فلا يمكننا، مثلا، ان نتصور شخصا، مهما بلغ من درجة الإيمان، عندما يجد لصا يحاول كسر باب بيته او سيارته، سوف يقوم بتقديم المفاتيح له، لمساعدته على اكمال مهمته !!

وعند الانتقال الى جانب آخر من شخصية يسوع الناصري، نجده كذلك متشددا الى اقصى غاية في بعض التشريعات المهمة التي صدرت منه والتي تمس حياة أفراد المجتمع العملية، كما هو الحال في تشريع الطلاق، والذي ذهب به يسوع إلى أبعد حدود التشدد والتزمت، عندما حصره بعلة الزنى فقط

(أما انا فأقول لكم إن من طلق امرأته إلا لعلّة الزنى يجعلها تزني ومن يتزوج مطلقة فإنه يزنى) متى 5-21

ان الاثار السلبية لهذا التشريع المتشدد جدا، لا تحتاج الى تبيان او نقاش، وهذا واضح من تجاهل المجتمعات المسيحية المعاصرة له، وعدم تطبيقه في الدول ذات الغالبية المسيحية عدا دولة او اثنين!

وكذلك نستطيع ملاحظة التشدد في تعاليم كثيرة اخرى ليسوع الناصري، مثل اعتباره النظرة بشهوة بمثابة الزنى الروحي والذي يستوجب أن يقلع الإنسان عينه لكي يتفادى المصير المأساوي في جهنم

(وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا، فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ.فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ الْيُمْنَى تُعْثِرُكَ فَاقْلَعْهَا وَأَلْقِهَا عَنْكَ، لأَنَّهُ خَيْرٌ لَكَ أَنْ يَهْلِكَ أَحَدُ أَعْضَائِكَ وَلاَ يُلْقَى جَسَدُكَ كُلُّهُ فِي جَهَنَّمَ) متى 5:28

ومن المواقف المتشددة الاخرى، نجد موقف يسوع الناصري من الأغنياء لافتا جدا، وبحاجة للنظر

فقد صرح من خلال أقواله وتعاليمه ان دخول الأغنياء لملكوت الله أمر شبه مستحيل !

(مُرُورُ جَمَل مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ) مرقس 25/10

وعندما اراد احد الاغنياء ان يتبعه، طلب منه يسوع ان يذهب ويعطي كل امواله للفقراء، لكي يسمح له بان يتبعه، فانصرف ذلك الرجل حزينا لانه لم يستطع تنفيذ هذا الطلب المستغرق بالمبالغة واللاواقعية !

ولم يكن هذا هو الموقف الوحيد الذي يحمل سمات المثالية اللاواقعية،  فعندما أتى إليه رجل قد مات ابوه وطلب منه الإذن لكي يمضي لدفنه، نجد يسوع يجيبه بكلمة قاسيه، وطلب غير واقعي حين قال له :

(دع الموتى يدفنون موتاهم) !!!

وهنا قد يتبادر الى اذهاننا جميعا، تساؤل منطقي ومشروع مفاده :

وما الضير في كون الإنسان متشددا في المبادئ التي يؤمن بها ويدعو الناس إليها؟

اليس هذا دليل على مثالية ذلك الإنسان وتفرده ؟

والجواب على هذا التساؤل يحتاج منا مراجعة مفهوم التطرف و مصاديقه العملية، ثم متابعة تلك المصاديق في شخصية يسوع الناصري، لكي نحدد هل كان سلوكه تحركه المثالية المبدئية او الطبيعة النمطية للشخصية المتطرفة .

من خصائص الشخصية المتطرفة، تقلبها في درجة الحدة من اقصى اليمين الى اقصى اليسار، وبحسب الظروف، وكذلك، نجد سمة التناقض بين الأقوال و النصائح وبين الأفعال والسلوكيات العملية !

وبالعودة الى تتبع معالم شخصية يسوع الناصري، وهو الذي صدرت منه اروع التعاليم حول السلام والمحبة والتسامح، نجده قد نسبت له الأناجيل اقوال اخرى مناقضة تماما لما سبق ذكره من تعاليم

فهو نفسه الذي يقول :

(لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ. مَا جِئْتُ لأُلْقِيَ سَلاَمًا بَلْ سَيْفًا) متى 10-34

(أَتَظُنُّونَ أَنِّي جِئْتُ لأُعْطِيَ سَلاَمًا عَلَى الأَرْضِ؟ كَلاَّ، أَقُولُ لَكُمْ: بَلِ انْقِسَامًا) لوقا 12- 51

وكذلك نجد يسوع الناصري الذي أوصى أتباعه أن يحبوا أعداءهم، هو نفسه الذي يتوعد كل من لا يؤمن به بالويل والثبور، و يعتبره عدوا له (من ليس معي فهو ضدي ومن لا يجمع فهو يفرق!)

(أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم؟) متى 23 / 33

فقد قرر مصير كل من لا يقتنع به، وهو الخلود في جهنم حيث (يكون البكاء وصرير الاسنان) بعد ان يسحقهم يسوع تحت قدمه عندما يجلس في السماء على يمين الآب !

وبدلا من أن يصلي من أجل الذين لم يصدقوه ممن يسعى لخلاصهم، وجدناه يصف اليهود الفريسيين مثلا بأنهم أبناء جهنم!! (متى 23: 15)، وأنهم أنجاس!! (متى 23: 27) وانهم ابناء ابليس!! يوحنا 8

ومن التناقضات الغير مفهومة في شخصية يسوع الناصري، التي ترسمها لنا الأناجيل، التناقض الواضح بين تعليمات يسوع وبين سلوكه، فرغم تشدده وتحريمه للغضب بلا سبب، والإساءة للآخرين من خلال التلفظ بكلام جارح او شتائم قادحة

(وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَغْضَبُ عَلَى أَخِيهِ بَاطِلاً يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ الْحُكْمِ…. وَمَنْ قَالَ: يَا أَحْمَقُ، يَكُونُ مُسْتَوْجِبَ نَارِ جَهَنَّمَ). متى 5/ 22

لكننا نرى يسوع نفسه، يثور غاضبا ويوجه شتائم مقذعة بحق الفريسيين حيث وصفهم في انجيل (متى) الاصحاح 23 بأوصاف مشينة، مثل الرياء والسرقة والدعارة، وكال لهم شتائم متنوعة مثل، العميان والجهال و اولاد الافاعي.. الخ

كذلك رأينا يسوع يشتم تلاميذه حين خاطب اثنين منهم بقوله :

(أيها الغبيان والبطيئا القلوب) لوقا 25/24

وفي إحدى المناسبات، قام شخص من الفريسيين باستضافة يسوع الناصري وتلاميذه في بيته، وقام بواجب ضيافتهم واحضر لهم الطعام ليأكلوا، بعدها نجد يسوع يثور غاضبا، ويكيل لمضيفه، ولجميع الفريسيين سيلا من التوبيخ والتقريع، ثم شتمهم ووصفهم ب(الأغبياء) والخبثاء لمجرد أن مضيفه الفريسي تعجب(فقط) من عدم غسل يسوع يديه قبل الأكل!!

(وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ سَأَلَهُ فَرِّيسِيٌّ أَنْ يَتَغَدَّى عِنْدَهُ، فَدَخَلَ وَاتَّكَأَ.وَأَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَلَمَّا رَأَى ذلِكَ تَعَجَّبَ أَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِلْ أَوَّلاً قَبْلَ الْغَدَاءِ.

فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «أَنْتُمُ الآنَ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالْقَصْعَةِ، وَأَمَّا بَاطِنُكُمْ فَمَمْلُوءٌ اخْتِطَافًا وَخُبْثًا.

يَا أَغْبِيَاءُ، أَلَيْسَ الَّذِي صَنَعَ الْخَارِجَ صَنَعَ الدَّاخِلَ أَيْضًا؟

بَلْ أَعْطُوا مَا عِنْدَكُمْ صَدَقَةً، فَهُوَذَا كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ نَقِيًّا لَكُمْ.

وَلكِنْ وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالسَّذَابَ وَكُلَّ بَقْل، وَتَتَجَاوَزُونَ عَنِ الْحَقِّ وَمَحَبَّةِ اللهِ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ.

وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ تُحِبُّونَ الْمَجْلِسَ الأَوَّلَ فِي الْمَجَامِعِ، وَالتَّحِيَّاتِ فِي الأَسْوَاقِ.

وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ مِثْلُ الْقُبُورِ الْمُخْتَفِيَةِ، وَالَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَيْهَا لاَ يَعْلَمُونَ!).

وقد أثار تصرف يسوع الغريب وشتائمه الغير مبررة، لمضيفه وللحاضرين، استغراب الناموسيين، واراد احدهم لفت انتباهه، فما كان من يسوع إلا أن قام بالتأكيد على توبيخاته، و كال للناموسيين، ايضا، مزيدا من الدعوات بالويل!!.

(فَأجَابَ وَاحِدٌ مِنَ النَّامُوسِيِّينَ وَقالَ لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، حِينَ تَقُولُ هذَا تَشْتُمُنَا نَحْنُ أَيْضًا!».

فَقَالَ: «وَوَيْلٌ لَكُمْ أَنْتُمْ أَيُّهَا النَّامُوسِيُّونَ! لأَنَّكُمْ تُحَمِّلُونَ النَّاسَ أَحْمَالاً عَسِرَةَ الْحَمْلِ وَأَنْتُمْ لاَ تَمَسُّونَ الأَحْمَالَ بِإِحْدَى أَصَابِعِكُمْ.

وَيْلٌ لَكُمْ! لأَنَّكُمْ تَبْنُونَ قُبُورَ الأَنْبِيَاءِ، وَآبَاؤُكُمْ قَتَلُوهُمْ) لوقا (54:11-37)

وشبيه لهذا الموقف، موقف ثاني وقع في مناسبة أخرى، حيث ينسب كاتب إنجيل (مرقس) ايضا الى يسوع كلام مقذع و إساءة لفظية ويصوره منزعجا من تساءل الناس في أورشليم عن سبب عدم غسل تلاميذه لايديهم المتسخة(المدنسة) قبل الاكل!

فكان جواب يسوع غاضبا مع شتيمة من خلال وصفه لهم بالرياء وعدم الإيمان و(الفهم!) كما ورد في إنجيل مرقس اصحاح 7(1-13)

ومن السمات الواضحة لشخصية يسوع الناصري، انه كان شخصا حاد المزاج، لا يتحمل اي نقد او اعتراض واحيانا حتى التساؤل والاستفسار، لم تنقل لنا الأناجيل انه (ضحك) ولو لمرة واحدة !!

ويبدو انه كان سريع الغضب، قاسي في ردوده حتى على تلاميذه !!

فعندما اعترض عليه بطرس شفقة منه وحزنا، نجد يسوع ينهره واصفا اياه بالشيطان !

ولم تكن ظاهرة العنف في سلوك يسوع مقصورة فقط على العنف اللفظي، وإنما تتعدى ذلك الى العنف العملي والجسدي !!.... فعند دخوله الأخير الى أورشليم، وبعد استشعاره للقوة والسطوة نتيجة الاستقبال الجماهيري له، في هذه المرة، نجده يتصرف تصرفا عنفيا لم يكن متوقعا ولا مبررا، حين قام بقلب موائد الصيارفة في الهيكل بعد ان صنع سوطا من الحبال ليضرب به، بعد شتمهم بوصفهم باللصوص

(لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة) يوحنا 2:12-17 وفي متى 21 (انتم جعلتموه مغارة لصوص)

ان يسوع الناصري الذي كانت تعاليمه تحث على محبة الاعداء وعلى التسامح، هو نفسه الشخص الذي اطلق مقولة : (مَنْ لَيْسَ مَعِي فَهُوَ عَلَيَّ، وَمَنْ لاَ يَجْمَعُ مَعِي فَهُوَ يُفَرِّقُ) لوقا 11-23

وهو نفسه الذي كان يوصي تلاميذه (من خلال أسلوب الأمثال) على تعليم متطرف جدا :

(أما أعدائي، أولئك الذين لم يريدوا أن أملك عليهم، فأتوا بهم إلى هنا واذبحوهم قدامي) لوقا 19/27

وهو نفسه صاحب التعليم المتطرف الذي كان مصدر الإلهام لجريمة حرق البشر وهم احياء!!

(إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يَثْبُتُ فِيَّ يُطْرَحُ خَارِجًا كَالْغُصْنِ، فَيَجِفُّ وَيَجْمَعُونَهُ وَيَطْرَحُونَهُ فِي النَّارِ، فَيَحْتَرِقُ) يوحنا 6:15

لقد كانت هذه التوصية اليسوعية هي الأساس الشرعي والسند النصي الذي اعتمدته الكنيسة في تبرير حملات الإبادة والمجازر الجماعية التي تسببت في إزهاق حياة آلاف البشر حرقا وهم أحياء نتيجة اتهامهم بالهرطقة وغيرها من التهم الجائرة طوال التاريخ الدموي للكنيسة والذي استمر لقرون طويلة ولم يتوقف الا بعد عصر الأنوار.

ان الحدية في شخصية يسوع الناصري، تتضح لنا بشكل جلي من خلال قراءة وفحص كلامه الذي أورده كاتب إنجيل (لوقا) في الإصحاح السادس، حيث نجد بداية من العدد 21 من ذلك الاصحاح، ان يسوع الناصري كان له نظرته الخاصة به لمفهوم تحقيق العدالة وتحقق الفرج !

ومن ذلك نستطيع ان نفهم السبب وراء عدم ورود كلمة (عدل) او (عدالة) ضمن أقواله وتعاليمه العديدة

فقد كان يسوع يؤمن بنوع خاص من العدالة يعكس الحدية في شخصيته والتطرف في ذهنيته

فحسب كلامه في الإصحاح المذكور، فإن العدالة اليسوعية التي كان يبشر بها، هي عبارة عن (انقلاب) في مكونات الهرمية التراتيبية التي كانت سائدة في مجتمعه، وهي نظرة تستبطن الرغبة بالانتقام

حيث سيكون الفوز و(الطوبى) للفقراء والمساكين والجياع والمنبوذين، في حين سيكون الهلاك و(الويل) هو المصير الذي ينتظر الأغنياء والشباعى والأشخاص البارزين و الممدوحين بين الناس !

ان التطرف بشكل عام يبدأ كفكرة، ثم يتحول الى كلمة، وعندما تسنح الفرصة يتحول الى فعل، واحيانا قد يموت الانسان المتطرف قبل ان تتحقق له فرصة تطبيق أفكاره عمليا .

 

د. جعفر الحكيم

 

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة (على مثال خلافة الراشدين)

 لقد توصلت في المقال السابق، في مجرى تحليل ودراسة المحادثات والنصائح السياسية التي جرى تقديمها له في مجرى الصراع قبيل قتله، إلى أنها تكشف أولا وقبل كل شيء عن طبيعة النخبة السياسية والتحول العاصف في بنية السلطة وأنموذج عقلها النظري والعملي. ويكشف هذا الأنموذج عن أن بدايتها ونهايتها محكومة بقيم نفعية ضيقة وعارية من ابسط الفضائل الأخلاقية المميزة للرؤية الإسلامية العامة وتجارب الخلافة الرشيدة كما مثلها وجسدها أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب.

فالنصيحة هنا ليست لله، بل لسلطة هي عين الرذيلة والخروج على الحق والحقيقة. ومجرد الاستماع إلى "نصائح" مهمتها الدعوة لقتل المعارضة وتشريد الصحابة وشراء الذمم والنظر إلى الأمة على أنها كمية من البطون التي لا همّ لها غير الطمع، تعكس طبيعة الرذيلة الكامنة في النخبة العثمانية. وتتمثل هذه الأصوات الصدى القائم في شخصية عثمان بن عفان. ولعل المحادثة الفعلية واستمرارها السياسي بينه وبين عمر بن العاص تمثل ما يمكن دعوته بزبدة السياسة وأخلاقيتها الخاصة. فقد كان لسان عمرو بن العاص الظاهري يقول ما تقوله المعارضة، أو صوت الضمير المعذب من رؤية الخروج على ما كان يعتقده حقا وحقيقة. لهذا وجد فيه عثمان أمرا غير جديا، بل اعتبره اقرب ما يكون إلى قمل يدب في فروة ابن العاص. وقد تقبل الداهية الكبير هذه "المهانة" في الظاهر، لأن حقيقة ما كان يسعي اليه هو "نشر" الشائعة والعمل بما يناقضها! بحيث يجعل منه شخصا مقبولا للمعارضة، ومن ثم إمكانية التجسس على خططها من اجل استغلالها بالشكل الذي يقوض دعائهما. وهي فلسفة عاصيّة (على وزن ميكيافلية) تكثف فحش البراعة المهينة التي قبلها عثمان!! بمعنى استعمال كل الأساليب الممكنة بما في ذلك اشد وأحط أساليب الغدر والخيانة والأدوات الرخيصة ضد من كان لا يطالب بشيء غير إتباع نموذج النبوة المحمدية والخلفاء الأوائل، بوصفه مطلبا أخلاقيا وحقوقيا واجتماعيا وإنسانيا ودولتيا.

وإذا كان عثمان قد سلك في نهاية المطاف كما اقترحه عليه "مستشاروه"، بحيث أبقى جميع عماله على أعمالهم وأمرهم بالتضييق على من قبلهم وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ويحتاجوا إليه، فإن ذلك يكشف عن طبيعة الانحراف والتحول الحاد في فكرة السلطة التي جعلت من نفسها مرجعية الوجود الكبرى، بحيث استعاضت عن الله والنبوة وتجارب الأسلاف والحق والأخلاق بما يناقضها. فالجدل والنصائح والمواقف المذكورة (التي اوردتها في المقال السابق) وكثير غيرها مما تحتويه كتب التاريخ والسير يبرهن على حقيقة ونهاية واحدة، تقوم في أن عثمان لم ير ولم يسمع غير ما هو ملائم لنفسية السلطة الغدارة بقوة الثروة المنهوبة، والإرادة المسلوبة بقوة العائلة والقرابة، أي بأكثر النماذج والروابط انحطاطا وتخريبا بالنسبة للدولة والروح العقلي والأخلاقي. لهذا نراه يستمع إلى نصائح المخلصين الكبار مثل علي بن أبي طالب ويؤدي النصيحة المجردة وينقضها بالفعل للحال. ففي إحدى هذه الحالات نستمع إلى المحاورة السياسية بينه وبين علي بن أبي طالب بصدد إمكانية الفتنة وضرورة تذليها. حيث يبدأ عثمان الكلام قائلا:

قد والله علمت ليقولن الذي قلت‏.‏ أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عبت عليك، ولا جئت منكرا إن وصلت رحما، وسددت خَلة، وآويت ضائعا، ووليت شبيها بمن كان عمر يولي‏.‏ أنشدك الله يا عليُّ هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك‏؟‏

نعم!

فتعلم أن عمر ولاه‏؟‏

نعم!

فلم تلومني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته‏.

سأخبرك! إن عمر بن الخطاب كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخه إن بلغه عنه حرف جلبه ثم بلغ به أقصى الغاية وأنت لا تفعل‏.‏ ضعفت ورفقت على أقربائك‏.

هم أقرباؤك أيضا‏.‏

لعمري إن رحمهم مني لقريبة، ولكن الفضل في غيرها‏.

هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها‏؟‏ فقد وليته!

أنشدك الله! هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من غلام عمر منه‏؟

نعم!

فإن معاوية يقطع الأمور دونك وأنت تعلمها‏.‏ فيقول للناس هذا أمر عثمان فيبلغك ولا تغير على معاوية

[1]

وتعكس هذه المحاورة طبيعة عثمان بن عفان ونفسيته وذهنيته، التي ليس فقط لا ترى ولا تسمع، بل ومجبولة على التبرير والغوص فيه، لأنها لا ترى في السلطة غير إرادتها فقط. بمعنى غياب أو اضمحلال وتلاشي فكرة الحق وجوهرية الأمة. من هنا ردود فعلها المباشر وانعدام الرؤية البعيدة المدى. والشيء الوحيد الثابت فيها هو رغبة الاحتفاظ بالسلطة والمغامرة بكل شيء من أجلها. وليس مصادفة أن يذهب عثمان إلى المنبر ويبدأ بالكلام والخطابة بعد المحاورة المذكورة أعلاه مع علي بن أبي طالب. وفيها وفي خاتمتها نعثر على انعكاس يكشف طبيعة ومستوى الانفصال والانفصام بين السلطة والدولة، والسلطة والمجتمع، والإسلامي العام والفردي الخاص في شخصيته ونفسيته وذهنيته. إذ يقول فيها:‏"‏أما بعد، فإن لكل شيء آفة، ولكل أمر عاهة! وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة‏‏ عيابون، طعانون، يرونكم ما تحبون ويسّرون ما تكرهون يقولون لكم ويقولون، أمثال النعام يتبعون أول ناعق‏!‏ أحب مواردها إليها البعيد لا يشربون إلا نغصا ولا يردون إلا عكرا، لا يقوم لهم رائد وقد أعيتهم الأمور، وتعذرت عليهم المكاسب!‏ ألا فقد والله عبتم عليَّ بما أقررتم لإبن الخطاب بمثله ولكنه وطئكم برجله‏،‏ وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم! ولنت لكم وأوطأت لكم كتفي‏، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم عليّ‏!‏ أما والله لأنا أعز نفرا، وأقرب ناصرا، وأكثرا عددا، وأقمن إن قلت هلم! أتي إليّ‏!‏ ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولا، وكشرت لكم عن نابي‏.‏ وأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه، ومنطقا لم أنطق به، فكفوا عليكم ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم! فإني قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يكلمكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا! ألا فما تفقدون من حقكم‏! ‏والله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من قبلي!‏ ومن لم تكونوا تختلفون عليه فضلَ فضل من مال‏.‏ فما لي لا أصنع في الفضل ما أريد؟!.‏ فَلِمَ كنت إماما؟!‏"‏[2]

تكشف هذه الخطبة بصورة تامة مستوى الانحطاط السياسي والمعنوي والأخلاقي لعثمان وفكرة الخلافة. والقضية هنا ليس فقط في أنه لا يسمع ولا يرى، بل ويستمع ويرى النصيحة المحكومة بفكرة الدولة والمصالح العليا للدولة على أنها مهانة! حيث تصبح لغة التهديد والوعيد والاستنكار والفضيحة مضمون الخطاب السياسي. ويجري تتويجها بمصادرة الحقوق العامة باسم الخلافة، مع أن مضمون الخلافة هو استخلاف فكرة الحق الإسلامي، وليس السلطة. من هنا الفكرة الغريبة التي تستغرب بسذاجتها الوقحة "سلب حقوق" السلطة في فعل ما تريد وما ترغب به. وإلا فما هو معنى الخليفة والإمام؟ وهي "مرجعية" نموذجية لما أسميته ببداية وجوهرية السلطة في توظيف الوحي (النبوي)، التي وجدت مخرجها الوحيد في جزئية الإرادة وطابعها العابر والمتغير والنفسي، أي المنفصل والمتعارض مع العقل والحس السليم وحكمة الأسلاف. لكنها إرادة لا تصنع غير بركان النفور والاحتجاج وهوة الخراب الذاتي والخواء المعنوي. ومن ثم تلجأ السلطة إلى استعمال كل ما هو مباح ومكروه ومحرم دون أية ضوابط. والضابط الوحيد هو إرادتها فقط، بوصفها الرابط الوحيد والشديد بين السمع والبصر! ففي رسالته التي يستنجد بها من هو خارج المدينة ومكة نسمعه يقول، بأنه يرى ويسمع غليان الاحتجاج عليه. ووجد في تلك القوى مجرد "أعراب" و"أحزاب" الجاهلية ومن غزاهم بغزوة أحُد، وهو الذي هرب فيها!! ففيها نقرأ ما يلي:"‏إن الله بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا فبلغ عن الله ما أمر به. ثم مضى وقد قضى الذي عليه. وخلف فينا كتابه، فيه حلاله وحرامه، وبيَّن الأمور التي قدَّر، فأمضاها على ما أحب العباد وكرهوا. فكان الخليفة أبو بكر وعمر. ثم أدخلت في الشورى على غير علم ولا مسألة عن ملأ من الأمة! ثم أجمع أهل الشورى على ملأ منهم ومن الناس على غير طلب مني ولا محبة‏.‏ فعملت فيهم ما يعرفون ولا ينكرون، متبعا غير مبتدع. فلما انتهت الأمور وانتكث الشر بأهله بدت ضغائن وأهواء على غير إجرام. فطلبوا أمرا وأعلنوا غيره بغير حجة ولا عذر. فعابوا عليَّ أشياء مما كانوا يرغبون، وأشياء عن ملأ من أهل المدينة لا يصلح غيرها. فصبرت لهم نفسي، وكففتها عنهم منذ سنين. وأنا أرى وأسمع! فازدادوا على الله جرأة حتى أغاروا علينا في جوار رسول الله وحرمه، وأرض الهجرة. وثابت إليهم الأعراب! فهم كالأحزاب أيام الأحزاب، أو من غزانا بأحُد إلا ما يظهرون، فمن قدر على اللحاق بنا فليلحق‏"‏‏[3].‏

 إننا نعثر في هذه الرسالة على أبعاد وحجم وماهية الانفصام التاريخي الشامل بين الدولة والسلطة. بحيث تحول التاريخ والنبوة والحق وسيرة الأسلاف إلى أجزاء متناثرة في سمع السلطة وبصرها الخاليين من الاستماع إلى أنغام الوجود ورؤية ألوان الحياة المتنوعة، بحيث يصبح كل ما تسمعه ضجيجا وصخبا ولغوا ومؤامرة، وما تراه ظلاما وسوادا يعمي البصر. إذ تكشف هذه الصورة عن موت البصر والبصيرة والسماع والاستماع لحقيقة ما يجري. بحيث تتحول المدينة ومكة إلى سور الحصار المفروض من جانب القوى التي وجدت في كل ما تقوم به السلطة خروجا شاملا على الحق. أما المحاولات المستميتة الأخيرة من اجل كسب ما يمكن كسبه من أنصار بين الصحابة والناس، فإنها لم تكن في الواقع أكثر من مناورات لم تكن تخفى على المناهضين والرافضين له. بحيث توجت هذه المواجهة مرة برميه بالحصاة وهو يخطب! وقد كانت تلك حجارة السيل القادم، التي جعلت السلطة حصوات مرمية على أطراف تياره العارم. وقد تحسست السلطة هذا التيار، لكن عمى البصر والبصيرة وانعدام استرقاق السمع لحقيقة الأصوات قد اقفل عليها إمكانية حتى الحوار. من هنا عجزها عن محاورة شيء غير نفسها. وهي نفس خربة. من هنا تسارع خطوات الدراما التي أدت إلى مقتل عثمان. فنراه يكرر المشاورة مع علي بن أبي طالب، متقربا إليه بعبارة القرابة والنسب والدم. بينما هي علاقة لا علاقة للإمام علي بها. ثم أنها تعكس مدى الرجوع القهقري إلى قيم الجاهلية التي وجدها عثمان في دفاع "الأعراب والأحزاب" عن الحق!! لهذا نراه يكرر نفس الخطأ، لأن بدايته وغايته خطيئة! فنراه يدخل على علي بن أبي طالب مترجيا:

يا ابن العم! إن قرابتي قريبة ولي عليك حق عظيم! وقد جاء ما ترى من هؤلاء القوم وهم مصبحي. ولك عند الناس قدر. وهم يسمعون منك، وأحب أن تركب إليهم فتردهم عني، فإن في دخولهم عليَّ توهينا لأمري وجراءة عليَّ‏.

على أيِّ شيء أردهم عنك؟

على أن أصير إلى ما أشرت إليه ورأيته لي‏.

إني قد كلمتك مرة بعد أخرى فكل ذلك تخرج وتقول، ثم ترجع عنه! وهذا من فعل مروان وابن عامر ومعاوية وعبد الله بن سعد‏.‏ فإنك أطعتهم وعصيتني‏.‏

فأنا أعصيهم وأطيعك!

فأمر علي بن أبي طالب الناس بالخروج. واخبر عثمان بما فعل وكلمه عما ينبغي القيام به من اجل تلافي الفتنة. وقبل عثمان بها. لكنه غيّر رأيه ومواقفه بعد سويعات عندما أقنعه مروان بن الحكم بضرورة إعلام الناس بأن المعارضين والمهاجمين قد رجعوا إلى ديارهم، وإن رجوعهم هو بسبب إدراكهم بأنهم كانوا على عدم بينة من الأمر، وإن ما كان عندهم هو باطل. وبالتالي استغلال هذه الفرصة من اجل انتظار العدة والعدد من المناطق الأخرى لتصفية الحساب مع الجميع! وقد أخذ عثمان بهذه "النصيحة". بحيث أجبرت حتى عمرو بن العاص على مخاطبته بكلمات:"اتق الله يا عثمان! فإنك قد ركبت أمورا، وركبناها معك فتب إلى الله نتب!". لكنها جلعته في الوقت نفسه يخرج عن طوره بحيث رد على عمرو ابن العاص بكلمات:"وإنك هنا يا ابن النابغة! قملت والله جبتك منذ عزلتك عن العمل!". وتعكس هذه المخاطبة طبيعة الخراب الداخلي لعثمان وانهياره المعنوي وفساد عقله. غير أن الضغط اللاحق اجبره على الاستجابة للتوبة العلنية. بحيث نراه يرفع يديه ويستقبل القبلة ويقول:"اللَّهم إني أول تائب‏"‏‏[4].‏

وقد سجلت كتب التاريخ والسير هذه المقطوعة الرقيقة التي لا تخلو من صدق ورذيلة في نفس الوقت! وقد كانت تلك نتيجة لما أسميته بوحدة الخطأ والخطيئة في سلوك عثمان وشخصيته. ففيها نسمعه يقول:"‏أما بعد، أيها الناس! فوالله ما عاب من عاب منكم شيئا أجهله! وما جئت شيئا إلا وأنا أعرفه! ولكني منتني نفسي وكذبتني وضلَّ عني رشدي! ولقد سمعت رسول الله يقول‏‏ ‏"‏من زلَّ فليتب! ومن أخطأ فليتب! ولا يتمادى في التهلكة". فأنا أول من اتعظ! وأستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه‏.‏ فمثلي نزع وتاب‏.‏ فإذا نزلت فليأتني أشرافكم فليروني رأيهم لئن ردني الحق عبدا لأستنن بسّنة العبد، ولأذلنَّ ذل العبد ولأكونن كالمرقوق إن ملك صبر، وإن عتق شكر!"‏‏[5].

إننا نقف أمام توبة لا مثيل لها في تاريخ السلطة. بل يمكننا القول، بأنها قد تكون الوحيدة التي ترتقي إلى مصاف التوبة المتسامية بما في ذلك من حيث الصيغة والوجدان والمنطق والبيان. وقد تكون هي العبارة الأجمل والوحيدة التي تحتوي على قدر من الإخلاص في دراما الخبث السلطوي الذي ذهب عثمان ضحيته. لكنها الأكثر شرا بسبب كونها جزء من "منظومة الغدر". مما جعل منها أداة أضافية في توسيع منظومة الفصام والفطام بين الدولة والسلطة في الخلافة. وهو بداية انهيارها المعنوي ‏وسقوطها الشرعي.

وليس اعتباطا أن ترقّ الأسماع والقلوب لخطبته المذكورة أعلاه. لكنها سرعان ما احترقت في أتون المؤامرة والمغامرة الأموية التي شقت لنفسها الطريق على يد عثمان بن عفان، بوصفه أداتها التاريخية الأولى. وكشفت بالتالي عن أن أكثر الصيغ إحكاما للتوبة النصوح قد تتحول إلى أكثرها إحكاما للفعل الفسوق! وإذا كانت كتب التاريخ عادة ما تربط ذلك بوسوسة مروان لعثمان، فإن الشيطان ليس مروان "الكبير" بل عثمان الصغير القابع في هرم السلطة!

لقد فّضل عثمان الاستماع إلى مروان عوضا عن الاستماع إلى كلام زوجته التي وجدت في عدم الالتزام بالتوبة المعلنة موته. وخاطبته بهذا الصدد قائلة:"لا ينبغي له أن ينزع منها". لكنه انحاز في نهاية المطاف إلى الفكرة السياسية التي دغدغت أعماقه الخاوية. فقد انطلق مروان في محاولته ثني عثمان عن توبته والرجوع عنها من أن مقالته مقبولة لو كان هو "ممتنع منيع". لكنها صدرت عن ضعف واشتداد الضغوط. ومن هذه المقدمة توصل إلى استنتاج يخرق الشرعية وينفي أبسط قواعد الالتزام الأخلاقي عندما قال له:"بأن إقامة على خطيئة تستغفر الله منها أجمل من توبة تخوَّف عليها". وقد أقنعت هذه المقارنة عثمان للحال بحيث سمح له بالخروج إلى الناس ومخاطبتهم بعبارة:"‏جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا؟! ارجعوا إلى منازلكم، فإنا والله ما نحن مغلوبين على ما في أيدينا!‏"‏‏. وقد احتوت هذه النتيجة في أعماقها على معنى القطيعة، التي لم يقطعها آنذاك شيء غير الموت. فقد استاء منه علي بن أبي طالب اشد الاستياء بحيث وصفه بجمل الظعينة يقاد حيث يسار بها. وهدده بأنه سوف لن يعود له، وإنه إنسان بلا شرف فاقد الإرادة[6]. وعكست هذه النتيجة أيضا مستوى التصادم البليغ بين السلطة والدولة. إذ لا تعني الرغبة في امتلاك الدولة من جانب السلطة سوى محاولة ابتلاع ما لا قدرة لها على هضمه. فاللقمة أكبر من البطن، والإنسان ليس أفعى! وبغض النظر عن أن السلطة أفعى لكنها ليست وجودية بل معنوية. وحالما تلتهم كل ما في طريقها فإن فحيحها لا يطرب، وسمومها لا تجذب. والنتيجة هروب أو هجوم. وفي كلتا الحالتين قتل وموت! وبدأت ملامح هذه الحالة تظهر بصورة جلية لا تقبل الجدل والمراوغة. لأن كل منهما لا يفعل في الواقع إلا على تسريعها لا تأجيلها. فالتأجيل وهم. بينما كان سائدا في عائلة عثمان. أما تسريعها فقد كان التيار الجارف في سيل الاندفاع الحانق ضد الانتهاك السافر لأبسط مقومات الرؤية الإسلامية التي مازالت طرية في الذاكرة وأشخاصها الأوائل من صحابة وجاهليين.

أما فاعلية الطراوة الحية للذاكرة التاريخية والاستعداد لشم روائحها العطرة، فإنها عادة ما تظهر في أنفاس المقاتلين بعد دفن ضحاياهم. وهي التقدمة السياسية التي تمتع بها عثمان قبيل مقتله. لهذا كان يمكن للذاكرة التاريخية للمسلمين الأوائل ألا تلتهب تجاه مطاردة ونفي الصحابة أمثال أبو ذر الغفاري، وتجاهل رعيل الصحابة الأول. وتحوّل هذا التجاهل في الأيام الأخيرة من حكم عثمان إلى شيء أقرب ما يكون إلى همجية الخيال المريض. وليس اعتباطا أن يكون عثمان في الأيام الأخيرة من حياته قبل المقاطعة والحصار والقتل، أقرب إلى ألعوبة. وكل دقائق فعله وما أراده وما لم يرده يشير إلى أنه كان فاقد الضمير والإرادة. لقد أعمته السلطة للدرجة التي جعلت من حبه جنونا بلا مواقف صحو فيها! وجعلت هذه الحالة من توظيف الوحي جزءا من سياسة الخطأ والخطيئة. وهو الشيء الذي نعثر عليه فيما يسمى بكتاب عثمان إلى أهل مكة! وهو العائش بينهم! وقد قرأه ابن عباس عوضا عنه. وفيه نعثر على ما أسميته بتوظيف الوحي، الذي جعل من السلطة محور وجود الدولة، باعتباره التشوه التاريخي الروحي الأول للخلافة. أما نص الكتاب فهو التالي:‏‏"‏بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عثمان أمير المؤمنين إلى المؤمنين والمسلمين‏.‏ سلام عليكم‏.‏ فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو‏.‏ أما بعد، فإني أذكركم بالله عز وجل الذي أنعم عليكم، وعلمكم الإسلام، وهداكم من الضلالة، وأنقذكم من الكفر، وأراكم البينات، وأوسع عليكم من الرزق، ونصركم على العدو، وأسبغ عليكم نعمته‏.‏ فإن الله عز وجل يقول وقوله الحق‏‏ (وإن تعدّوا نعمت الله لا تحصوها. إن الإنسان لظلوم كفار). وقال عز وجل (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعا). وقال وقوله الحق (يا أيها الذين آمنوا... واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا). وقال وقوله الحق (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). وقال وقوله الحق (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله).

أما بعد، فإن الله عز وجل رضي لكم السمع والطاعة والجماعة، وحذركم المعصية والفرقة والاختلاف، ونبَّأكم ما قد فعله الذين من قبلكم، وتقدم إليكم فيه ليكون له الحجة عليكم إن عصيتموه، فاقبلوا نصيحة الله عز وجل واحذروا عذابه، فإنكم لن تجدوا أمة هلكت إلا من بعد أن تختلف، إلا أن يكون لها رأس يجمعها، ومتى ما تفعلوا ذلك لا تقيموا الصلاة جميعا وسلط عليكم عدوكم ويستحل بعضكم حرم بعض، ومتى يفعل ذلك لا يقم لله سبحانه دين، وتكونوا شيعا. وقد قال الله لرسوله (إن الذين فرقوا في دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء. إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون). وإني أوصيكم بما أوصاكم الله، وأحذركم عذابه، فإن شعيبا قال لقومه (ويا قوم لا يجر منكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح).

أما بعد، فإن أقواما ممن كان يقول في هذا الحديث، أظهروا للناس إنما يدعون إلى كتاب الله والحق، ولا يريدون الدنيا ولا المنازعة فيها‏.‏ فلما عرض عليهم الحق إذا الناس في ذلك شتى، منهم آخذ للحق ونازع عنه حين يعطاه، ومنهم تارك للحق ونازل عنه في الأمر يريد أن يبتزه بغير الحق‏.‏ طال عليهم عمري، وراث عليهم أملهم إلا مرة فاستعجلوا القدر، وقد كتبوا إليكم أنهم قد رجعوا بالذي أعطيتهم، ولا أعلم أني تركت من الذي عاهدتهم عليه شيئا كانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود فقلت‏:أقيموها على من علمتم تعداها‏.‏ أقيموها على من ظلمكم من قريب أو بعيد قالوا‏: ‏كتاب الله يتلى‏.‏ فقلت‏: فليتله من تلاه غير غال فيه بغير ما أنزل الله في الكتاب، وقالوا‏: المحروم يرزق والمال يوفى ليستن فيه السنة الحسنة ولا يعتدى في الخمس، ولا في الصدقة، ويؤمر ذو القوة والأمانة، وتردّ مظالم الناس إلى أهلها فرضيت بذلك واصطبرت له وجئت نسوة رسول الله حتى كلمتهن فقلت‏:ما تأمرنني‏؟‏‏‏ فقلن‏:‏تؤمر عمرو بن العاص وعبد الله بن قيس، وتدع معاوية، فإنما أمَّره أمير قبلك فإنه مصلح لأرضه راض به جنده، واردد عمرا فإن جنده راضون به وأمره فليصلح أرضه فكل ذلك فعلت‏.‏ وأنه اعتدي علي بعد ذلك وعدا على الحق‏.‏

كتبت إليكم وأصحابي الذين زعموا في الأمر استعجلوا القدر، ومنعوا مني الصلاة، وحالوا بيني وبين الصلاة، وابتزوا مما قدروا عليه بالمدينة. كتبت إليكم كتابي هذا وهم يخبرونني إحدى ثلاث‏:إما يقيدونني بكل رجل أصبته خطأ أو صوابا غير متروك منه شيء، وإما أعتزل الأمر فيؤمرون آخر غيري، وإما يرسلون إلى من أطاعهم من الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من الذي جعل الله لي عليهم من السمع والطاعة. أما إقادتي من نفسي فقد كان من قبلي خلفاء تخطئ وتصيب فلم يستقد من أحد منهم، وقد علمت إنما يريدون نفسي‏.‏ وأما أن أتبرأ من الإمارة فإن يكبلوني أحب إليَّ من أن أتبرأ من عمل الله وخلافته.‏

وأما قولكم يرسلون إلى الأجناد وأهل المدينة فيتبرؤون من طاعتي فلست عليكم بوكيل، ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة‏.‏ ولكن أتوها طائعين يبتغون مرضاة الله، وإصلاح ذات البين‏.‏ ومن يكن منكم إنما يبتغي الدنيا فليس بنائل منها إلا ما كتب الله، ومن يكن إنما يريد وجه الله والدار الآخرة وصلاح الأمة وابتغاء مرضاة الله والسنة ‏الحسنة التي استنّ بها رسول الله والخليفتان من بعده، فإنما يجزي بذلكم الله‏.‏ وليس بيدي جزاؤكم ولو أعطيتكم الدنيا كلها لم يكن في ذلك ثمن لدينكم ولم يغن عنكم شيئا‏.‏ فاتقوا الله واحتسبوا ما عنده فمن يرضى بالنكث منكم فإني لا أرضاه له ولا يرضى الله أن تنكثوا عهده‏.‏ وأما الذي يخبرونني فإنما كله النزع والتأمير فملكت نفسي ومن معي ونظرت حكم الله وتغيير النعمة من الله وكرهت سنّة السوء وشقاق الأمة وسفك الدماء فإني أنشدكم بالله والإسلام ألا تأخذوا إلا الحق وتعطوه مني، وترك البغي على أهله وخذوا بيننا بالعدل كما أمركم الله، فإني أنشدكم الله الذي جعل عليكم العهد والمؤازرة في أمر الله فإن الله قال وقوله الحق (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا). فإن هذه معذرة إلى الله ولعلكم تذكرون.

أما بعد، فإني لا أبرئ نفسي! إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي، إن ربي غفور رحيم‏.‏ وإن عاقبت أقواما فما أبتغي بذلك إلا الخير، وإني أتوب إلى الله من كل عمل عملته وأستغفره إنه لا يغفر الذنوب إلا هو‏.‏ أن رحمة ربي وسعت كل شيء إنه لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الضالون، وإنه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون‏.‏ وأنا أسأل الله عز وجل أن يغفر لي ولكم وأن يؤلف قلوب هذه الأمة على الخير ويكرّه إليها الفسق"[7]‏.‏

إننا نعثر في هذه الرسالة على ذروة التطويع السياسي للوحي، بحيث تصبح الآية القرآنية خادما وضيعا للإرادة المبتورة برغبة الاحتفاظ بالسلطة. وتشبه إرادته وصيته التي لا تحتوي على أكثر من عبارات يرددها المسلمون بوصفها الصيغة القابعة في وعي ولا وعي الإيمان من انه "لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، أن الله يبعث من في القبور ليوم لا ريب فيه‏.‏ وأن الله لا يخلف الميعاد". أما دفنه فقد كان هو الآخر فضيحة بمعايير السلطة والتاريخ والقيم الأخلاقية. فقد بقي ثلاثة أيام لم يدفن. بل وقعد بعض من المعارضين على قارعة الطريق يتربصون جثمانه بالحجارة. بل وحاول البعض حتى منع الصلاة عليه. ودفنوه غفلة قرب أحد حيطان المدينة يسمى حَش كوكب، بحيث حملوه على إحدى الأبواب لدفنه مسرعين لتلافي نظرات المتمردين بحيث كان رأسه يقرع الباب التي وضعوه عليها. ودفن في ثيابه بدمائه، لم يغسل[8]‏. ولم يقل فيه كلمة غير ابنته عائشة وزوجته نائلة! لكنها تبقى مجرد مأثرة لإخلاص النساء لا علاقة لها بعثمان. أنها خاتمة مهينة! لهذا لم يكن بإمكان أي شيء فيه أن يتحول إلى قيمة غير قميصه ليصبح راية الصراع السياسي المرير وبيرق الخبث والرذيلة والمغامرة من جانب القوى التي ناصبت في الماضي محمدا العداء والاستهزاء، والرغبة في الاستيلاء على ميراثه الإمبراطوري الآن. وهي عملية أنتجت على قدر ما فيها من درامية واحتدام في صراع المصالح والقيم، أشباحها وأرواحها، أي مستبدين أشداء ومثقفين خلصاء.

 

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] ‏‏الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2،ص 645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3،ص 44‏

[2] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2،ص645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3،ص 44‏‏

[3] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص653.

[4] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص657، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص54‏

[5] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص658، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، 54‏.‏‏

[6] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص660، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص57.

[7] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص685‏.

[8] الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص687، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص69‏

 

عبد الجبار العبيديالجدلية تعني المحاورة او الجدال بين طرفين دفاعاً عن وجهة نظر مختلف عليها .. شرط ان تكون المحاورة مرتبطة بالمنطق العلمي المبرهن عليه لأن الحجة بالدليل .

بوجب النص المقدس تؤمن الديانات السماوية ..  بأن حرية التعبير عن الرأي وحرية الأختيار .. هما أساس الحياة الانسانية ..  وتؤمن الآيديولوجيات الحرة بحرية التعبير والاختيار بلا حدود .وتؤمن المؤسستان بان قانون تغير الصيرورة (التطور)هو اساس عقيدتهما .. اذن علام الخلاف والأختلاف بينهما ..؟ فلماذا تخلفت الاولى في مضمار الحضارة وحكم القانون .. وتقدمت الثانية وصنعت دولة وقانون ..؟هذه هي الأشكالية الكبرى التي بحاجة الى دراسة وتقييم .. وسنحاول ان نأتي عليها لاحقا ببحث مستقل ..

بما ان الاديان التي وصلتنا وخاصة الثلاثة الاولى منها وهي اليهودية والمسيحية والاسلام متواصلة بكتب مُنزلة تكاد تكون واحدة كما في قول الحق : "ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والأنجيل آل عمران 48" .. فان العلاقة بينها جدلية متأثرة بالاحداث والنتائج التي افرزتها الأحداث الزمانية لكي تتمكن من تحديد حالة الاستقرار التي افرزتها سلبا اوايجابا مجتمعاتهم وما خلفته من اثار مباشرة وجانبية على حياة الشعوب المنتمية اليها.ان الديانات الثلاثة تؤمن بالقيامة والحساب وعودةالروح بعد الموت .. كل منها من وجهة نظرها تختلف عن الأخرى .. رغم ان الروح في القرآن هي ليست سر الحياة كما نحن نفهمها ونعتقد حتى تعود .. انما هي سر الأنسنة (الوعي والادراك ) التي انفرد بها الانسان دون عالم البشر كما في قوله تعالى:"وكذلك أوحينا اليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الأيمان ، ألشورى 52" .. من هنا ليس للأنسان من روح تموت معه حتى تعود ..  بل هي النفس التي سوف تعود ليوم الحساب. هذه النظرية كانت موجودة في اعتقادات المصريين القدماء حين أعتقدوا ان الروح هي الوعي الأدراكي لدى الانسان .. ولها في البرديات المصرية القديمة تفاصيل كثيرة ..

ومهما تحدثنا عن الأديان السماوية وما جاءت بها من نظريات علمية وسياكولوجية انسانية .. فأن الأديان الوضعية التي سبقتها افرزت الكثير من قيم الحياة لمجتمعاتها ، لذا أعتبرت هي الاساس التي أفرزت قيما توحيدية انسانية وهي الزرادشتية والمانوية وغيرها ولا زالت قائمة الى اليوم ولديها اتباع .

ان الجدلية العلمية بين هذه الاديان السماوية ..  والأديان الارضية التي انتجت الفكر الحر المبدع بوعيها المدرك على اصحابها ألزام هو ان تبرهن صحة قيامها والقواعد التي ارتكزت عليها .. لكي تحقق اهدافها في المحتمعات التي ظهرت فيها .. لانها الى اليوم لم تحقق الاهداف التي جاءت من أجلها وهي العدالة في الأرض .. ولأن أصحابها ما تصوروا أو أدركوا ان العقيدة الدينية في ذاتها قواعد سياسية وفكرية في منهج الحياة المتكامل .. لذا خلقت من وجهة النظر الدينية والعلمية اشكاليات حضارية يصعب ردمها وتعميم فائدتها على المجتمعات البشرية جميعاً .. وهنا يُنظرالى وجودها كحركات دينية اصلاحية من وحهة النظر العلمية الحديثة البحتة ولا غير.وستبقى هذه الديانات معطلة مادام فكرها محجوز.

وبالنظر الى هذين النوعين من الديانات يتبين لنا نظريتان الاولى تتمثل بديانة تمثل وحي آلهي مباشر يلقن انبيائه بالنص المقدس الثبت ..  خَطَتهُ يد بشرية متمثلة بالأنبياء والرسل مثل التوراة والانجيل والقرآن.

والثانية تتمثل بظاهرة ثقافية تخضع لنظام النشوء والتطور ، وينطبق عليها ما ينطبق على كل الظواهر الثقافية الاخرى من تأثير وتأثر لأحلال العدالة الأجتماعية ..  خطته أيادٍ بشريةأيضاً لكن لا علاقة لها بالسماء.

التوراة العبرانية السماوية ، هي الكتاب المقدس عند اليهود (العهد القديم) ويؤمن بها اليهودي بأعتبارها ألهام من روح الله ، على الرغم من ان يد البشر هي التي خطتها.وكتُبتها أو دونَتها بعد السبي البابلي (القرن الخامس قبل الميلاد) ..  لكن معتنقيها أخضعوها للتحديث ، وتتكون من خمسة أسفار ..

سميت باسفار النبي موسى الخمسة

السفر الاول يتحدث عن خلق العالم البشر وعن الطوفان الكبيرالذي افنى البشر .. والثاني يتحدث عن قصة بني اسرائيل وما جرى لهم من احداث تاريخية حتى العودة من السبي البابلي .. والسفر الثالث هو سفر الحكمة الذي يغلب عليه التأمل الفلسفي مثل المزامير ونشيد الأنشاد .. والسفر الرابع ويتحدث عن حياة أنبياء بني اسرائيل مثل حزقيال وعاموس وزكريا .. والخامس يشمل ملخصا لاسفار موسى ومن بعده ..

 العهد القديم (التوراة) تتحدث عن الخلق للسماوات والأرض والله والوجود الآلهي .. والانسان والحرية والطمأنينة والسلطة والرفاهية للبشرية والعلاقة الآلهية بين الله والبشروكيف وهبهم الروح (الوعي) .. ويعتبر عهد ابراهيم واسحاق واسماعيل ومنحهم الشريعة التي بموجبها تقاد البشرية لكنه لم يعطينا النتائج الايجابية التي نتجت عنها .. لكنها صورت جهود الانسان بسبب طبيعته المنحرفة نحو الخطأ التي تعثرت في البداية .. حتى تحققت ارادة الله فيما بعد وتمت النبوءات في عهد المسيح بن مريم (ع) ومجيىء الرسول محمد (ص) من بعده .. وعدد الانبياء الذين ذكرهم القرآن هم24 نبياً منهم13 رسولاً و11 نبياً والفرق بين النبي والرسول هو ان الرسول يأتي بكتاب ورسالة والنبي بكتاب فقط .. وبين المسيح ومحمد ستة انبياء

 بلا كتاب ولا رسالة .. كثير من الأمور لا زالت غامضة على الناس دون توضيح .

اما العهد الثاني الجديد هو العهد الذي جاء بعد نبوءات خاصة بالعهد القديم الذي صور بنهاية العالم الاول (ألقيامة). ومن ثم مجيء السيد المسيح الذي معه جاء الكتاب . الذي سمي الأنجيل وهي كلمة معربة من اصل يوناني وتحمل معنى البشرى أو الخير السار والذي تدعي المسيحية انه البشرى بمجيء المسيح بن مريم (ع) "325 م"حيث يقول:" لا تخافوا ايها الناس مما حصل للعهد القديم .. فها أنا ابشركم بفرح عظيم يعُم الشعب كله فقد ولد لكم .. المخلص . أنظر العهد القديم .. المقدمة

فالأنجيل اذن هو بشرى الخلاص لجميع الناس ومحور موضوعاته يسوع المخلص ، وهدفه هو أعلان الخلاص لكل انسان من شرور البشرية في القتل والأغتصاب والظلم .. وفعلاً حين تقرأ الأناجيل الخمسة – متى ومرقس ولوقا ويوحنا والخامس أنجيل بطرس غير- معترف به من قبل الكنيسة - لم تجد فيها غير كلمة الرضا والحرية والمسامحة والعدالة والذي خلا من الوعد والوعيد .. وان حققت هذه الكتب تقدما فكريا وحضاريا لكن الجانب القانوني ظل فيها باهتاً ..

ثم مجيء خاتمة رسالة الأنبياء بنزول القرآن على الرسول محمد (ص) وأعلانها خاتمة الديانات السماوية ..  كما جاء في القرآن "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ..  المائدة3".  ا ورغم ان الكتب الثلاثة كانت من مصدر واحد هو الله لكن الخلاف والاختلاف ظل قائما بينهم ولحد اليوم ولا يعرف له حلاً .. نتيجة ورود نصوص توراتية وأجلية وقرآنية مقدسة تتعارض مع نصوص اخرى .. ومن وجهة نظري الشخصية ان فقهاء الدين هم الذين لعبوا دورا في هذا الخلاف بدلاً من ردمه ..  لكي تبقى السلطة والقدسية فيهم دون الأخرين.

من هذه النصوص مثلاً .. قال الحق: "يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء .. بعضهم أولياء بعض ، المائدة 51" وفي آية اخرى يقول الحق :" ان الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ومن آمن بالله واليوم الأخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، البقرة 62".وفي اية أخرى يقول الحق:"ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكوا مؤمنين ، يونس99. وأية اخرى تقول:"لا أكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي.البقرة 256" .. .كل هذه النصوص بحاجة الى تأويل علمي بحت وليس الى تفسير فقهي لغوي مختلف .. أستغلت من قبل مؤسسات الدين فخلقت العداوة بين الشعوب بدوافع سياسية بحتة ..

آيات قرآنية متعددة كل منهما يختلف عن الاخرى فأين القصد ..؟ في الاولى يقر التفسير بضرورة امتناع التعامل معهما ويقصد اليهود والنصارى بعد مجيء الاسلام الذين لم يؤمنوا به ..  بينما في الاية الثانية يقصد اليهود والنصارى قبل مجيء الاسلام الذين لا زالوا على فطرتهم ولهم نفس حقوق الأخرين اذن لماذا قاتلتموهم؟. وفي الثالثة والرابعة أختلاف غير مبرر يحتاج الى تأويل ..؟

فهل يجوز ان ينسب الفعل الى فاعل غير مختار ..؟

الأشكالية التي نعاني منها – وهي صعبة الأختراق – ان الكتب السماوية الثلاثة كل منها يأخذ من الاخر ، وغالبية نصوص القرآن تتشابه مع نصوص التوراة كما في آيات المعارج 6-7 ، والفرقان 26 ، والانبياء 40 ، والزمر68 ، والتكوير2 ، والشعراء88-89 ، وغيرها كثير .. ولا ادري من اين جاء الخلاف والاختلاف والعداوة والبغضاء وكلها آيات منزلة من مصدر واحد هو الله؟ .. فهل اراد الله الفرقة للناس دون الآلفة والعيش الرغيد ..؟ وهذا أمر يتنافى والرغبة الآلهية بين الناس .. لذا حدث ولا حرج حين أختلفت المذاهب الاسلامية المعززة بأحاديث موضوعة من صناعة مسلم والبخاري والمجلسي في بحار الانوار .. اختلافا بيناً بين بعضها البعض وكل منها يدعي انه هو الصحيح .. كما قال الشاعر ابو العلاء المعري:

في اللاذقيةِ ضجة ما بين أحمد والمسيح 

هذا بناقوسٍ يدق وذا بمئذنةٍ يصيح

كل ُ يعظمُ دينهُ

ياليت شعري ما الصحيح ..

لكن السئؤال المهم هو: هل تملك الأديان السماوية مشروعاً للدولة؟ أم أنها جاءت مجمعا للنصح والارشاد لطريق الاستقامة لبناء دولة؟ فالدولة في الغرب المسيحي ما قامت الا بعد ان فصلوا الدين عن الدولة .. .أما في الاسلام فلا نجد في مشروعه الدولة ..  فالاسلام لم يأتِ ليكون دولة بل جاء ليكون أمة ، يقول الحق :"ان هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فأعبدون ، الأنبياء 92" لذا لا يجوز لأي جماعة ان تنصرف عن هذه الامة لأي سبب ولا تدعي الخلاف بينها ، فمن اين جاءت المذاهب اذن التي كل منها يدعي هو الاسلام الصحيح ..؟. نظرية تنبه لها الاوربيون من زمن ..  ففصلوا الدين عن الدولة وأبقوا الدين وشعائره لمن يرغب بنظرية الاستقامة وهذا هو الصحيح ، لان الدين لايصنع دولة بل يصنع عدالة الزامية ولا غير .. لكون ان مفهوم النص ثابت لكن المعنى متغير ..  وفق سياقات صيرورة الزمن فتقدموا وبنوا حضارة .. وبقي المسلمون متمسكون بالنص دون تآويل وتطبيق ..  فأضاعوا الدين والدولة معاً كما نراهم اليوم.

نحن باستطاعتنا التوسع في المقارنة أكثر من هذا لو كنا قد قدمنا كل ما ورد لدى الجانبين من تصورات دنيوية وأخروية وأقتبسنا من النصوص غير القانونية أكثر مما فعلنا ..  ولكن ما الفائدة في توسع دائرة الخلاف بعد ان اصبح المسلم يتمنى ان يعيش في بلاد الغرب المسيحي بعد ان يأس من تطبيق نظريات الحقوق والعدالة في بلاد المسلمين .. أنظر حركة اللجوء الاسلامي للعالم الاوربي اليوم .

وبما ان الدين هوالطاعة لخالقه فقد أوجب عليهم الوصايا العشر التي تحقق الحق والعدل والاستقامة والاخلاق والتشريع النصي والتقوى للألتزام بالعبادات والاعراف بمفهوم الصيرورة الزمنية أي ..  الألتزام بحدود الله التي هي أهم من الألتزام بالأعراف .. وهم أول من ضيعوها واضاعوا حقوق المسلمين.

ومن هنا يحتم الموضوع علينا البحث في الجدلية التي تتمثل في الاختلاف والتشابه بين بعض النصوص التوراتية والأنجيلية والقرآنية ..  وما جاءت به الكتب الثلاثة ومن أين جاء الخلاف اذا كان المصدر الآلهي واحدا ..؟ .. المهم .. 

ومن وجهة نظري الشخصية ان الديانات السماوية الثلاثة بحاجة الى قراءة معاصرة ونظرة جديدة لها ، تنطلق من خصائص اللغة التي جاءت بها .. وقوفا على الأرضية الفلسفية والمعرفية للقرن الحادي والعشرين .. بغية عرض وجهة نظر جديدة الى الوجود والمعرفة والتشريع والأخلاق والجمال والأقتصاد والتاريخ .. تستنتج حصرا مما جاءت بها هذه الكتب من نصوص تستدعي الأخذ بها من ناحية التشابه بالحدود وخلق العالم ونهايته كما تصورها النصوص في الكتب الثلاثة وان أختلفت في التوجه والمعنى بالتحديد .. والأبتعاد عن عصر النصوص.

من يطلع على كتاب الحياة ..  (العهد القديم) الكتاب المقدس للديانتين اليهودية والمسيحية والقرآن الكريم يتبين له ان العمود الفقري لهذه العقائد هو قانون الصيرورة الزمنية (التطور) حيث تكمن فيها عقيدة التوحيد ، وقانون تغير الاشياء ، أنطلاقاً من النظرة الواقعية للتغيير ليتوصل القارىء الى ركائز البينات المادية وأجماع الاكثرية من المعتقدين بها ليتوصلوا الى ان هذه الديانات وان جاءت متباعدة زمنيا بين الواحدة عن الاخرى .. الا انها تشترك في خيط اساس هو ضمان حرية التعبير عن الرأي ، وحرية الأختيار .. وهما اساس الحياة الانسانية على الأرض. . وهذا هو المفقود عند المسلمين اليوم .. اذن كيف يتقدمون ..؟.

فهل تحققت هذه المعاييرفي دولة الاسلام التي بها يحكمون اليوم؟.هذا هو المهم .. بالنسبة لمعتنقيها الذين لا زالوا اليوم في صراعات الآيديولوجيات المختلفة البعيدة تماما عن اهدافها بالمطلق .هذاالعصيان للأرادة الآلهية ادى الى كارثة كونية كان لها ابلغ الاثر في تغيير معالم الصورة التي جاء بها الخالق لمخلوقاته ، بعد ان حل القتل ، والفساد ، والعداء ، والطمع ، والحروب ونكران الوصايا العشر .. وغيرها من الشرور التي عمت الدنيا .. مما ادى الى انفصام عرى العلاقة الحميمة بين الله والخلق ..  حتى اصبح الانسان عاجزا عن استعادة الفردوس المفقود الذي تمناه الخالق لخلقه .. وهو الأمان والأطمئنان والكفاية والعدل.

وهو محور الحياة الاساس بعيدا عن تصورات العصمة والمعصومين والمسيح القادم والمهدي المنتظر وغيرها من سفسطائيات مؤسسات الدين لتلهوا الشعوب بالتصورات الخيالية دون الانتباه لواقع التغيير .فهل فهم الانسان القصد .. ام لا زال يكابر بالخطأ ..؟ .

 المشروع الديني الذي جاء به الله من اجل سعادة البشرية واحلال قوانين العدالة بينهم يجب ان يتشابه في المضمون والنتيجة ..  لا ان يكون سبباً في العداوة والحروب والأضرار بالبشرية وما يجري عليها من ماسي لا يعلمها الا الله .. هنا هي الاشكالية الاساس التي يجب ان تبحثها مراكز البحث العلمي ومؤسسات الدين التي ساهمت وتساهم في كل غث وسمين ..

نحن نخاطب العقل العربي هل ان الروح التي منحها الله للأنسان تجمدت على مناهج التخلف والتخريف الذي أوجدته مؤسسة الدين بعيدا عن الصيرورة الزمنية والتغيير؟ أم لنكون حريصين على توسيع مدارك البحث للثقافة العربية للتوجه نحو التجديد ، وان لا نبقى في طور الكلاسيكيات المغلقة التي ليس لديها قوة مسايرة الزمن نحو التجديد فتصبح بمرور الزمن في حكم التغييب.

ويبقى المنهج التاريخي العلمي في دراسة هذه الديانات هو المخرج الاساس في العقيدة والتشريع . فكيف لنا تحقيق ما نهدف اليه والعقل العربي اليوم يمر بأزمة اخلاقية صعبة تتحكم فيها السلطة ومؤسسة الدين التي تنكرت للوصايا الخمسة وحولتها الى تخريف .. فليس الخلاص منها سهلا لا بل أشبه بالمستحيل ..

بينما بقيت الديانات الوضعية كالزرادشتية والمانوية والبوذية وغيرها تتعايش مع من يؤمن بها دون خلاف وتتطورمع الزمن في الحقوق ، مما حققت استقرارا قانونيا لمعتنقيها اليوم .. وبنت مجتمعات مستقرة ومتقدمة مما جعل بعض الشعوب في الديانات الاخرى تطمح لتتعايش معها او بلا دين ..  كما في اليابان والصين مثالاً .. فحققت ما لم تحققه الديانات السماوية الثلاث .. عبر العصور .. وهذا ليس طعناً بالديانات السماوية الثلاثة .. لكنها هي الحقيقة التي يجب ان يعرفها المجتمع وخاصة الاسلامي اليوم .. بيقين ..

 

د. عبد الجبار العبيدي

 

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة  (على مثال خلافة الراشدين)

حوّل عثمان السلطة إلى بداية ونهاية الخلافة. من هنا إمكانية تطويع كل شيء لخدمتها. وليس مصادفة أن يقول مرة عندما اعترضوا على تصرفه الشخصي بالمال العام، بأنه خليفة! وبالتالي لِمَ لا يحق له القيام بما يراه ويريده ويرغب فيه؟! وهو موقف يمكن إعادة ترتيب عبارته بطريقة أخرى تقول "أنا خليفة! إذن يحق لي القيام بكل ما أريده". لقد جعلت هذه الرؤية من الخلافة سلطة محكومة بالرغبة الشخصية بوصفها حقا، قلبت بصورة عاصفة حقيقة الفكرة الإسلامية والخلافة ومعناها الروحي والسياسي والتاريخي. إذ لا تعني "أنا خليفة، إذن يحق لي كل شيء"، سوى تحويلها إلى سلطة محكومة بالإرادة الشخصية والرغبة الفردية. وبما أن إرادة عثمان الخاصة لا عموم فيها لغيرها، من هنا فقدان الأبعاد الوجودية والروحية العامة المميزة للوحدانية الإسلامية في أبعادها المادية والمعنوية. وهنا كان يكمن جذر الانحراف التاريخي الهائل للخلافة، وكذلك منظومة القيم الأولية المتراكمة عن فكرة الدولة والسلطة بوصفها رشيدة راشدة. واتخذ هذا الانحراف هيئة "المنظومة المتجانسة" في ميادين العادات والعبادات، أي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والروحية. بحيث تحولت علاقات "الدم" والقرابة إلى الرابط الفعلي للتحكم. وهو سلوك ينبع من شخصية عثمان لا من رؤية سياسية مقصودة.

ومن الممكن أن نتخذ من قضية الوليد بن عقبة مثالا نموذجيا بهذا الصدد، لما له من أثر كبير في النقمة على عثمان. فقد جرى تولية الوليد بن عقبة واليا على الكوفة بعد المشاجرة التي حدثت بين الصحابيين سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود. فقد كان سعد بن أبي وقاص واليا على الكوفة في زمن عمر بن الخطاب. وعزله لأمور اتهم بها منها انه لا يحسن الصلاة، وأن الصيد يلهيه، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في القضية‏.‏ لكنها "تهم لم تثبت". مع أن المشاجرة اللاحقة بينه وبين عبد الله من مسعود تكشف عن طبيعة الأبعاد الواقعية لهذه التهم. وليس اعتباطا أن يعزله عمر بن الخطاب ويولي عوضا عنه المغيرة بن شعبة. فلما ولي عثمان أقرَّ المغيرة بن شعبة على الكوفة لمدة سنة واحدة، ثم عزله واستعمل سعد بن أبي وقاص من جديد ثم عزله بسبب المشاجرة المذكورة أعلاه بينه وبين عبد الله بن مسعود. وسببها يقوم، كما تنقله لنا كتب التاريخ والسير، في استقراضه مالا من بيت المال عندما كان عبد الله بن مسعود مسئولا عنه. وعندما حان الوقت طالبه عبد الله بن مسعود بإرجاع المال، فإن سعد هدده وعيرّه قائلا:

هل أنت إلا ابن مسعود عبد من هذيل‏؟‏‏!‏

أجل والله! إني لابن مسعود وإنك لابن حمينة‏!

وشبت معركة كلامية بينهما انتهت بقطيعة، عزل بأثرها سعد بن أبي وقاص للمرة الثانية. وعوضا عنه، كما هو الحال في أماكن وأحوال عديدة أخرى، ولى عثمان أقاربه. إذ عيّن عوضا عنه الوليد بن عقبة. وهو أخو عثمان بن عفان لأمه. وكان معروفا عنه الظرف والمجون واللهو. وقد كانت تلك صفات تعادل بمعايير المعاصرة تحرره من قيود التزمت الديني والرياء الأخلاقي، لكنها صفات حالما تصبح جزء من السلطة وشخصياتها، فإنها تتحول بالضرورة إلى كارثة كبرى. إضافة لذلك، إن تاريخه "الروحي" يتميز بمعايير الإسلام الأول بصفات سيئة. فمن المعروف عنه أن أبوه عقبة ابن أبي معيط وضع سلا الجزور على ظهر النبي وهو ساجد. كما كان معروفا عنه عداءه الشديد للنبي محمد والإسلام. أما الوليد نفسه فقد أسلم يوم الفتح. كما أنه الشخص الذي "نزلت به" الآية القرآنية (أن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا)، أي تصويره بالفسق. وذلك بسبب أن النبي محمد بعثه مصدقًا إلى بني المصطلق فعاد وأخبر عنهم أنهم ارتدوا ومنعوا الصدقة. أما في الواقع فإنه خاف من خروجهم الجماعي إليه إذ توجس منهم شرا!! وانكشفت حقيقة الأمر حالما بعث إليهم النبي محمد خالد بن الوليد[1]. إضافة لذلك إنه كان متهما بشرب الخمر. وتروى عنه الحادثة الطريفة التالية، كيف أنه سكر وصلى الصبح بأهل الكوفة أربعا! ثم التفت إليهم وقال‏:أزيدكم‏؟‏ وشهدوا عليه عند عثمان، فأمر عليا بجلده، فأمر علي جعفرا فجلده[2]‏.‏ وترتب عليها عزله عن ولاية الكوفة.

أخذت هذه العملية بتوسيع وتعميق فكرة وأنموذج السلطة في سلوك الولاة والخلافة لا فكرة الدولة. لهذا حالما يصل والي الكوفة الجديد سعيد بن العاص، فإن أول ما قام به هو طلبه قبل إلقاء الخطبة بغسل المنبر قائلا: اغسلوا هذا المنبر! فإن الوليد كان رجسا نجسا! ولم يصعده حتى غسل. وبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال‏‏:‏"والله لقد بعثت إليكم وإني لكاره، ولكني لم أجد بدا إذا أمرت أن ائتمر! إلا أن الفتنة قد أطلعت خطمها وعينيها والله لأضربن وجهها حتى أقمعها أو تعييني، وإني لرائد نفسي اليوم!‏"[3]‏‏. ولازم هذا التهديد بني أمية إلى أن أنهك قواهم. غير أن المعارك الصغيرة التي ابتدأت بالوليد بن العقبة سوف لن تنتهي إلا بمقتل عثمان، بوصفها الجولة التاريخية الكبرى التي جعلت من السلطة محور الخلافة. لقد كانت خطبة سعيد بن العاص إنذارا وتهديدا. أنها على عكس ما في شخصية الوليد بن عقبة، لكنهما يكملان احدهما الآخر في وعي وإحساس الجمهور الكوفي (العراقي) لأنهما وجدا فيهما تخليفا لا على حق.

فقد كان أهل الكوفة (العراق) وغيرهم يتحسسون ويدركون طابع العلاقة والقرابة في تعيين الولاة الجدد في كل مكان مع وجود من هو أفضل وأنقى وأعقل وأصلح وأصدق منهم. مما جعله مصدر التذمر، الذي يعادل من حيث الجوهر معارضة الخروج على منطق العقل والحق. مما أدى إلى تراكم نفسية وذهنية الروافض، أي القوة الأكثر اجتماعية وإنسانية ودفاعا عن مبدأ العدل والعدالة والحق. وفيها أيضا كانت تتكامل فكرة التحزب السياسي والفكري والدعوة للانتفاض. وليس مصادفة أن يكتب سعيد بن العاص الأموي إلى عثمان كتابا يقول فيه‏:‏‏"‏إن أهل الكوفة قد اضطرب أمرهم، وغلب أهل الشرف منهم والبيوتات السابقة. والغالب على تلك البلاد روادف قدمت وأعراب لحقت، حتى لا ينظر إلى ذي شرف وبلاء من نابتتها ولا نازلتها‏"‏.

بعبارة أخرى، لقد وجد هذا الأمير الأموي الجديد في الجمهور الكوفي رعاعا وغوغاء (أو روادف قدمت وأعراب لحقت) لا يحترمون كثيرا "ذوي الشرف والبلاء". وتعكس هذه المواقف طبيعة "العلاقة الإسلامية" الجديدة بوصفها جاهلية قبلية وعائلية لا علاقة لها بفكرة الأمة ومساواتها أمام القانون كما وضع الإسلام الأول أسسها ومرجعياتها الكبرى. وقد أيّد عثمان هذا الموقف في رده قائلا:"‏أما بعد، ففضل أهل السابقة والقدمة ممن فتح الله عليه تلك البلاد، وليكن من نزلها بسببهم تبعا لهم، إلا أن يكونوا تثاقلوا عن الحق وتركوا القيام به. وأحفظ لكل منزلته. وأعطهم جميعا بقسطهم من الحق‏.‏ فإن المعرفة بالناس بها يصاب العدل‏‏‏". لكنه موقف متذبذب. بمعنى انه يحتمل تفسيره بمعايير السلطة البحتة والقانون. وذلك لأنه يحتوي بقدر واحد على الاثنين. غير أن المزاج العام للعائلة الأموية التي أخذت تتركز في مرافق السيطرة في كل مكان أدت إلى سيادة فكرة السلطة. وبالتالي تحويل القيم والمفاهيم والمبادئ بما فيها "مأثرة" جمع القرآن وتوحيد قراءته التي قام بها عثمان، إلى جزء من بسط السلطة الموحدة بالعائلة والقرابة وليس بالكفاءة والحق. من هنا سياسة الوالي الجديد للكوفة المتوجهة صوب "وجهاءها" من اجل كسبهم، ومن خلالهم إخضاع البقية الباقية. فقد جمع سعيد بن العاص وجهاء الناس من أهل الأيام والقادسية وخاطبهم قائلا:"‏أنتم وجوه من وراءكم‏!‏ والوجه ينبئ عن الجسد! فأبلغونا حاجة ذي الحاجة، وخلة ذي الخلة، وأدخلوا معهم من يحتمل من اللواحق والروادف‏"‏‏[4].

إننا نقف هنا أمام آلية جديدة في تعامل السلطة مع المكونات الجديدة للإمبراطورية. بمعنى استعادة وبعث الجاهلية القبلية. لكن مفارقة الظاهرة تقوم في أن الخليفة عثمان لم يعمل في الواقع إلا على استعادة جاهلية جديدة ولكن بمعايير السلطة. وقد هزّ هذا الانتقال العاصف أعطاف الدولة وجعل من الانتفاض أمرا طبيعيا وضروريا. وكل فعل تقوم به السلطة يصب أساسا في إذكاء النار المحترقة تحت رماد المدن الجديدة المتراكمة من هؤلاء "الروادف والأعراب"، بوصفهم قوة الصعود البشري والاجتماعي والفكري الجديد للأمة الإمبراطورية. فقد جعل والي الكوفة الجديد سعيد بن العاص من القراء (أو القصاصين) جزء من سمره الليلي. وهي خطوة ملازمة لصيرورة الدولة والإمبراطورية. لكنها أدت، شأن كل عملية كبرى ومعقدة إلى أن تصبح ليس فقط وسيلة الترفية الارستقراطي، بل وأداة الانتقال الخاطف للأفكار والقيم والمفاهيم والقيل والقال. لهذا فشت المقالة في أهل الكوفة! وليس مصادفة أن يرى فيها عثمان بن عفان بداية نشوء الفتن. بعبارة أخرى، إن السلطة بدأت تتحسس في مقالات الناس وآراءهم وسمرهم الليلي حول الحكايات والنوادر والقصص مصدر الخطر الجديد. إذ لا لذة أشد وأقرب إلى قلوب الناس عامة من استهداف السلطة وترفها. مما جعل منها وقود الاستياء، التي كانت سياسة عثمان بن عفان تشحنها بقوة لا تهدأ كما لو أنها تتلذذ بمعاييرها الخاصة: الفقراء يشكواهم والأغنياء بثرواتهم! واستعملت السلطة كل الأساليب الممكنة بما في ذلك شراء الذمم، كما فعل عثمان عندما اشترى لأهل الحجاز واليمن أراضي وتوزيعها عليهم بما يقابلها في أماكنهم. ذلك يعني أنه أراد حماية سلطته الجديد بقوة المال والبشر المنتفعة بتوزيع العطايا الصغيرة عليهم على حساب المناطق النائية.

غير أن ما ينفع الحجاز لا ينفع بالضرورة وحدة الدولة الناشئة. كما إنه لا يشكل بحد ذاته ضمانة لتعزيز السلطة واستحسان أفعالها. على العكس. لقد تحولت هذه السياسية الآخذة في الرسوخ إلى عامل إثارة عنيفة. لهذا كثرت الشكوى والاعتراض والهجاء والنقد. وقد تكون الأبيات التالية الصيغة العادية التي اختزلت معالم الاعتراض والنقد الواسع الانتشار بين أهل الكوفة، والقائلة:

بلينا من قريش كل عام    أمير محــدث أو مستشار

لنا نار نخوّفهـا فنخشى   وليس لهم فلا يخشـون نار

ويحتوي هذا الموقف النقدي بقدر واحد على أبعاد سياسية وأخلاقية نابعة من القلب. فأهل الكوفة يتأملون الوافدين عليهم باسم الإسلام ولا إسلام فيهم غبر الخضوع للسلطة ومزاجها. وقد كان هذا التكرار والتنوع والتعدد يصب في اتجاه واحد، ألا وهو خلوه من نار الروح الأخلاقي. فإذا كانت نار أهل الكوفة هي نار ذاتية أخلاقية، فنار أهل السلطة برودة القلب القارصة. وأدت هذه الرؤية، على خلفية تراكم الرذيلة السياسية والأخلاقية والانحطاط الروحي الذي ميز خلافة عثمان، إلى تعميق وتوسيع وتنظيم فكرة الاحتجاج السلمي والعنيف. وحدد هذا الاتجاه مسار الدولة والسلطة، التي تحولت في زمن عثمان وبأثر سياسته إلى قوى مغتربة ومتصارعة ومتضادة. فقد كانت مرحلته بداية الفساد والإفساد الشامل، يمكن العثور على صداها في التراكم السريع للاحتجاج الاجتماعي الذي تجسد مرة في شخصية عامر بن عبد الله التميمي، الذي أرسله جمهور المسلمين بعد أن تذاكروا أعمال عثمان. حيث اجتمع رأيهم على إرسال احدهم يكلّمه ويخبره بما يروه فيه. وقد جرت المحادثة بينهما كما ترويها كتب التاريخ بالشكل التالي:

إن ناسا من المسلمين اجتمعوا فنظروا في أعمالك فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما، فإتق الله عز وجل، وتب إليه، وانزع عنها‏.‏

انظروا إلى هذا!فإن الناس يزعمون أنه قارئ؟! ثم هو يجيء فيكلمني في المحقَّرات، فوالله ما يدري أين الله‏!

أنا لا أدري أين الله‏؟‏!

نعم، والله ما تدري أين الله‏!‏

بلى والله! إني لأدري أن الله بالمرصاد لك!!‏[5].‏

لقد كان جواب التميمي مباشرا عميقا بديعا دقيقا مفحما ممتلئا بالإخلاص لقيم المروءة والحق والعدالة. لكنه يبقى ثانويا مقارنة بما فيه من انفصام منظومي عميق بين قوى السلطة والدولة، وتهشم المعنى الروحي للخلافة. فالتميمي يتكلم باسم المسلمين الذي اجتمعوا ونظروا بعقولهم وأفئدتهم وتقدموا بآراء بمواقف مهمتها تعديل الأمور والتوبة والكفّ عن أعمال يعتقدون أنها منافية لمضمون الفكرة الإسلامية. وكانت هذه المواقف أقرب إلى النصيحة السياسية بوصفها التزاما وواجبا دينيا من جانب المسلمين تجاه ولاة الأمور. وعوضا عن الإجابة عليها نقف أمام تحريف للكلام ومضمونه وحرفه صوب انطباع شخصي لا معنى له ولا قيمة. فعثمان يردد ما سمعه عن مهنة الذي يواجهه كما لو أنها مهنة حقيرة. وليست مهنة القارئ سوى المثقف بالمعنى المعاصر للكلمة! لكنه انطباع يكشف عن المواجهة الأولية بين السلطة والمثقفين، بوصفهم القوة القادرة على قراءة الكتاب والواقع. وإذا كان سؤال عثمان يعني بالنسبة له أن معرفة الله تجعل المرء عفيفا من أن يواجه عثمان بالمحقرّات، فإن مضمونه الواقعي يشير إلى مستوى الاغتراب التام للسلطة عن حقيقة القيم والمفاهيم. لاسيما وأن رفع النفس إلى مصاف القيمة المطلقة تتجافى مع أبسط مقومات الواقع والحقيقة والفكرة. غير أن عثمان كان يفهم من سؤاله معناه المباشر. وعندما استغرب التميمي سؤال عثمان، فإن الأخير تشجع للدرجة التي جعلته يتمادي في سؤاله المباشر. وجاء الجواب بطريقة مباشرة وأقرب إلى الحدس في دقته وعمقه: إن الله له بالمرصاد!

وبينما كان التميمي ينقل الله من المكان إلى مستوى القيمة الروحية والأخلاقية والحقوقية المتسامية، فإن عثمان بن عفان يجهد نفسه للبقاء ضمن نفسية السلطة المغتربة عن فكرة الدولة والحق العام. بل لم تخل حتى محاولات "رجوعه للحق" من مناورة محكومة برخاوة الشخصية وضعفها. وليس مصادفة أن نراه يستغل كل الإمكانيات بما في ذلك استطلاع الأخبار والتأثير عليها بطريقة "الاتصالات العامة" الحديثة من خلال استغلال الموقع السياسي وثروات الأمة. فقد كتب، على سبيل المثال، في رسائله التي وجهها إلى مختلف الأمصار، بأنه سوف يأخذ العمال بموافاته كل موسم. وأنه سيعمل حسب قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وبالتالي فإنه لا يرفع عليه شيء ولا على أحد من عماله إلا وأعطاه. وليس له ولعياله حق قبل الرعية إلا وهو متروك لهم. وإن أهل المدينة قد اخبروه بأن أقواما يشتمون ويضربون، فمن ادعى شيئا من ذلك فليوافيه الموسم يأخذ حقه سواء كان ذلك منه أو من أحد عماله. وهي مبادئ ومواقف ضمنّها اغلب رسائله العامة. مما أثارت استحسان الناس. لكنها كانت ظاهرية المظهر دهائية الباطن. إذ رافق هذه العملية الموجهة للجمهور سلوكا مبطنا أو داخليا موجها لعماله وذوي الرأي والمشورة، ممن يتمتع بتأثير مادي ومعنوي في الدولة. ومن الممكن نقل إحدى الصور المعبّرة بهذا الصدد، التي اشترك فيها من عماله كل من سعيد بن العاص (والي الكوفة السابق) ومعاوية بن أبي سفيان (والي الشام) وعمرو بن العاص (والي مصر السابق) وعبد الله بن عامر. فكانت مواقفهم ونصائحهم السياسية في بداية الأمر هي كالتالي: اعتقد سعيد بن العاص، بأن من الضروري إتباع سياسة التحضير السري للمواقف والأفكار من خلال رميها عند من لا يعرفها لكي تكون الشغل الشاغل للمعارضة في أحاديثهم. أما عبد الله بن سعد‏ فقد اقترح أن يقايض العطاء بالأخذ، بوصفها سياسة أفضل من أن يجري ترك الأمور تجري على مجاريها. في حين اقترح معاوية سلوك ما اسماه بحسن الأدب معهم. أما عمرو بن العاص، فقد اعتقد، بأن عثمان قد لان كثيرا وتراخى عنهم. من هنا مطالبته إياه بأن يسلك سلوك عمر وأبي بكر من الشدة في موضع الشدة، واللين في موضع اللين. وربط التشدد تجاه من لا يألو الناس شرا، أما اللين فتجاه من يخلف الناس بالنصح. ‏وإذا كانت هذه الآراء والمواقف معقولة ومقبولة بمعايير الرؤية السياسية، فإن حقيقتها تكشفت حالما اشتدت الأزمة وظهرت إمكانية تعرضهم لنفس خاتمة عثمان. ففي لقاء آخر يجمع عثمان مع عبد الله بن عامر ومعاوية بن أبي سفيان وعبد الله بن سعد وعمرو بن العاص نسمع مواقف أخرى أكثر تشددا وخبثا. فقد وضع عثمان السؤال بطريقة أخرى تجمع بين النصيحة والمواجهة السياسية للجميع. حيث قال: صنع الناس ما قد رأيتم وطلبوا إليَّ أن أعزل عمالي وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون فاجتهدوا رأيكم وأشيروا عليَّ‏"‏‏.‏ فقال له عبد الله بن عامر:"رأيي يا أمير المؤمنين أن تأمرهم بجهاد يشغلهم عنك وأن تجمهرهم في المغازي حتى يذلّوا لك فلا يكون همة أحدهم إلا نفسه، وما هو فيه من دبرة دابته وقمل فروه‏"‏‏. واقترح معاوية أن يرد عماله على الكفاية لما قبلهم وهو يضمن له نفسه. في حين أجاب عبد الله بن سعد:"إن الناس أهل طمع، فأعطهم من هذا المال تعطف عليهم قلوبهم‏"‏‏. أما عمرو بن العاص فقال:"‏أرى أنك قد ركبت الناس بما يكرهون فاعتزم أن تعدل! فإن أبيت فاعتزم أن تعتزل! فإن أبيت فاعتزم عزما وأمض قدما‏"‏‏.‏ عندها قال له عثمان:"‏ما لك! قمل فروك!‏‏ أهذا الجد منك‏؟!‏‏"‏‏.‏ فسكت عمرو حتى إذا تفرَّقوا قال‏ له:‏‏"‏لا والله يا أمير المؤمنين! لأنت أعز عليَّ من ذلك‏.‏ ولكني قد علمت أن سيبلغ الناس قول كل رجل منا، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي، فأقود إليك خيرا أو أدفع عنك شرا‏"‏‏[6].‏

إن هذه المحادثات والنصائح السياسية تكشف أولا وقبل كل شيء عن طبيعة النخبة السياسية والتحول العاصف في بنية السلطة وأنموذج عقلها النظري والعملي. ويكشف هذا الأنموذج عن أن بدايتها ونهايتها محكومة بقيم نفعية ضيقة وعارية من ابسط الفضائل الأخلاقية المميزة للرؤية الإسلامية العامة وتجارب الخلافة الرشيدة كما مثلها وجسدها أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب. (يتبع...).

 

ا. د. ميثم الجنابي

...............................

[1] ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 2، ص476‏‏‏.‏

[2] ‏السيوطي: تاريخ الخلفاء ص 123‏‏.

[3] ‏ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص5.

[4] ‏‏ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص5.‏‏

[5] الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج 2،ص 643- 645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 3، ص 39-42‏.

[6] الطبري: تاريخ الأمم والملوك، ج 2،ص643-645، ابن الأثير: الكامل في التاريخ ج 3، ص39- 42‏.

 

 

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة (على مثال خلافة الراشدين)

لقد واجه عثمان بن عفان موته بلا بطولة ولا فروسية، خاليا من أي تحد أو استعداد للتضحية. فقد كان موته مجرد تجارة صغيرة لا قيمة لها. من هنا لم يكن بإمكانها ألا تكون بضاعة رخيصة بأيدي قوى ارخص منها عندما ننظر إليها بمعايير الرؤية الأخلاقية والمستقبلية. وبالتالي، فإن الأحاديث الموضوعة عن الولاية والغفران الأبدي والشهادة ليست إلا الصيغة الأيديولوجية للغنيمة الأموية. وإلا فإن مجرد كونه "من العشرة المبشرين بالجنة" تكفي بحد ذاتها لكي تكون صك الغفران الأبدي. ومن ثم لا معنى للولاية والشهادة وما شابه ذلك. وذلك لكونه تعارض كان يمكن حله بسفسطة القضاء والقدر اللاهوتية. غير أن للتاريخ منطقه الشديد والواقعي. وحالما يحدث، حينذاك يمكن رفعه بسهولة إلى مصاف الأزل. أما في حالة عثمان، فقد تحولت هذه السهولة الممتعة للعقل البليد إلى معضلة عصية. إذ كيف لمن كان من المبشرين بالجنة أن يقتل بتلك الطريقة الشنيعة على أيد مسلمين مؤمنين شعارهم الحق ورايتهم الاقتصاص لله والأمة من انحراف شخصي وسياسي جلي للحس والعقل والضمير؟

 وقد كان الجواب سهلا مثل حياته وموته: انه الحلقة الثالثة في سلسلة الخلافة الراشدة. ومن ثم فهو من ثالث القوم وثالث الخلفاء الراشدين! لكنها حلقة شكلية، إذ لا مضمون فيها يمكنه الارتقاء إلى مصاف القيمة المتلألئة ما وراء التاريخ الواقعي بالنسبة للوعي التاريخي والضمير الإنساني والعقل النقدي. وذلك لأن الصورة الجليلة تفترض نوعا من الموازاة الممكنة بين الحياة الفعلية ومآثرها التاريخية. فالصورة الجذابة للشخصية التاريخية تتلون بألوان الأشعة الكامنة في تجاربها الفردية ومستوى تمثلها في الأقوال والأعمال، أو في الإبداع الشخصي وخاتمته. وحالما نضع هذه المقدمة في أساس الموقف من شخصية عثمان، فإننا نقف أمام صورة باهتة وشاحبة باستثناء ما كان يتلون به في مظهر لحيته المخضبة بالحناء وأسنانه الذهبية وملابسه المزركشة وطلعته الجميلة وحياءه وأدبه وكرمه. ولا علاقة لهذه الصفات بمكونات الشخصية التاريخية لأنه يمكن العثور عليها بين اشد الشخصيات انحطاطا وجهالة.

وليس مصادفة أن تضع كتب التاريخ والسير "المؤدبة" و"المهذبة" كرمه وبذله الأموال في سبيل الدعوة الإسلامية باعتبارها أعلى فضائله العملية. فقد اشترى بئر رومة في عقيق المدينة من اليهود بعشرين ألف درهم وتصدق بها للمسلمين. كما قام بتجهيز جيش العسرة. إذ جهَّز ثلث الجيش بتسعمائة وخمسين بعيرا وبخمسين فرسا‏.‏ وقد كانت تلك بالفعل نفقة لم يقم بها قبله أحد من المسلمين. بل قيل انه جاء بألف دينار في كمه حين جهز جيش العسرة فنثرها في حجر النبي محمد، عندها قال النبي:"‏ما ضرَّ عثمان ما عمل بعد اليوم‏". وهو سلوك يشير إلى ثروة عثمان الكبيرة وكرمه الفعلي. وقد لازمته هذه الصفات مدى الحياة. بحيث طبعت سلوكه السياسي. بما في ذلك توزيع الأراضي والثروات والمناصب على أقرباءه وأصدقاءه. وهو سلوك لا علاقة له بفكرة الدولة بقدر ما يعّبر عن شخصيته الخاصة وفعل الثروة العميق في بلورة أخلاقه العملية، كما نعثر عليها حتى في موقفه من الأكل. فقد نقل عنه عمرو بن أمية الضُمري القصة الطريفة التالية، قال‏:‏ كنت أتعشى مع عثمان خزيرا (نوع من الطبخ) من أجود ما رأيت، فيها بطون الغنم وأدمها اللبن والسمن، فقال عثمان‏:

- كيف ترى الطعام‏؟

- هذا أطيب ما أكلت قط!

- يرحم الله ابن الخطاب! هل أكلتَ معه هذه الخزيرة‏؟‏

-  نعم! فكادت اللقمة تفرث بين يدي حين أهوي بها إلى فمي وليس فيها لحم! وكان أدمها السمن ولا لبن فيها!

- صدقت! إن عمر أتعب والله من تبع أثره!!

ذلك يعني أن عثمان ظل يعيش بمقاييس حياته العادية وليس بمقاييس الخلافة الرشيدة. لهذا كانت ثروته بعد مقتله حوالي ثلاثين ونصف مليون درهم (عند خازنه)، وحوالي مائة ألف دينار (نقدا)، وألف بعير، وصدقات بحوالي عشرة ملايين دينار!! بينما مات أبو بكر وعمر بلا شيء على الإطلاق. فقد تحسس هذا التعارض، لكنه كان عاجزا عن العمل بمقتضاه. مما يعكس اختلاف طبعه وتطبعه من جهة، ونوعية التحول العميق في صيرورة الأفراد والجماعات والعلاقات، الذي استتبع تحول الخلافة إلى إمبراطورية، وارتقاء السلطة الروحية إلى دولة لها "منطقها" الخاص في التطور وإفراز قواها وتياراتها واتجاهاتها المتصارعة، من جهة اخرى. فسيرته الشخصية ما قبل الإسلام لا تتعدى التجارة والمتاجرة. وما بعده لم تحتو على أي قدر من الصفات التي تشير إلى نوعية الشخصية القادرة على مواجهة الصعاب والتحديات. وقد تكون المعاناة الوحيدة هي هجرته إلى الحبشة. فقد هاجر إلى أرض الحبشة مع زوجته رقية، فكان أول مهاجر إليها. ثم تابعه سائر المهاجرين إلى أرض الحبشة، ثم هاجر الهجرة الثانية إلى المدينة1‏. ولا يخلو هذا الفعل من بطولة بمعايير ذلك الزمن، لكنها أقرب إلى بطولة الاختباء والهروب. ولم يكن ذلك معزولا عن شخصيته اللينة وهدوءها الباطني وطابعها المسالم. وليس مصادفة أن يكون دوما من المتخلفين أثناء المعارك. فقد تخلف عن غزوة بدر وهرب في معركة احد. بحيث عيّره بها أبو عبيد الجراح أو على الأقل انه قال له في إحدى مشاجراته معه:

-  يا عثمان تخرج عليَّ في الكلام وأنا أفضل منك بثلاث.

-  وما هن‏؟‏

-   الأولى إني كنت يوم البيعة حاضرا وأنت غائب، والثانية شهدت بدرا ولم تشهده، والثالثة كنت ممن ثبت يوم أحد ولم تثبت ‏أنت‏.

-  صدقت! أما يوم البيعة فإن رسول الله بعثني في حاجة ومدَّ يده عني‏.‏ وأما يوم بدر فإن رسول الله استخلفني على المدينة ولم يمكنني مخالفته، وكانت ابنته رقية مريضة واشتغلت بخدمتها حتى ماتت ودفنتها‏.‏ وأما انهزامي يوم أحد فإن الله عفا عني وأضاف فعلي إلى الشيطان‏". ثم استشهد بالآية (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم).

‏ لقد جرى تبرير غيابه في بيعة الرضوان ومعركة بدر بصورة مقبولة نسبيا وذلك لتزامنها مع ما كان ينقذه على الأقل أمام الكلمة ومظاهر الأحداث ولحد ما الضمير المتراخي في نعيم الثروة وطيبة القلب. فقد كان تخلّفه عن الاشتراك في معركة بدر مرتبطا بمرض زوجته رقية، حيث أذن له النبي محمد بذلك. وترافق موتها مع انتصار المسلمين في المعركة، فجعله من المشتركين فيها بحيث ضرب له سهمه وأجره فيها، ومن ثم حصوله على حصته من الغنيمة واعتبروه بدريا. وهو فعل يمكن رؤية الأبعاد الرجولية والإنسانية الرقيقة فيه، لكنه فعل بلا فروسية. كما أن تخلّفه عن بيعة الرضوان كانت بطلب من عمر بن الخطاب الذي اقترح إرسال عثمان عوضا عنه إلى مكة لأنه لا ظهير له فيها على عكس عثمان، الذي وجد فيه رجلا مقبولا من جانب قريش بشكل عام وآل سفيان بشكل خاص2 . أما هروبه في معركة احد، فهي المحك الفعلي لشخصيته. بمعنى أنه سلك هنا السلوك الطبيعي المناسب لما في أعماقه وشخصيته. فالرجل لم يكن فارسا ولم يكن شجاعا ولا متمرسا في القتال. وليس من سبب يدعوه لأن يكون مقاتلا وفارسا بالضرورة. غير أن الشجاعة ليست صفة عضلية، بل شخصية ونفسية وذهنية وأخلاقية. من هنا يصبح فقدانها نقصا جوهريا في الرجال وبلأخص زمن رئاسة الدولة. فانعدامها عادة ما يجعل من ضعف الشخصية مرتعا للرذيلة والجبناء، ومن تاريخ الدولة زمن السلطة.

تعكس الصور والحالات المذكورة أعلاه طبيعة ومضمون الصورة الفعلية لعثمان بن عفان وشخصيته، أي الصورة المعبّرة عن تاريخه الواقعي وليس اللاهوتي. وفي الواقع، لا نعثر على تمايز كبير بينهما. والسبب في ذلك يقوم في أن تاريخه الواقعي عادي للغاية، بمعنى أنه تاريخ بلا مآثر بطولية و"معجزات" يمكن أن تلهب العقل والضمير، ومن ثم ضعف قدرتها على شحذ الذاكرة والخيال في إبداع ما يمكنه أن يرتقى إلى مصاف "السماء" و"سر الغيب". وليس اعتباطا أن تسجل في مآثره أيضا زيادته وتوسيعه للمسجد النبوي والمسجد الحرام وكذلك تحويل الساحل الذي اعتاد عليه أهل مكة من منطقة الشعيبة إلى منطقة جدة. وهي إجراءات عادية، لكنها تصبح مقبولة في سلة "المآثر" مازالت المآثر قليلة فعلا.

والشيء نفسه يمكن قوله عما يسمى بالأوليات، أي أول ما قام به في تاريخ الخلافة والأمة. حيث أدرج فيها مجموعة من الإجراءات والأحداث قد يكون أهمها من الناحية التاريخية والثقافية هو ما يسمى بجمع الناس على حرف واحد في القراءة. والمقصود بذلك جمع القرآن وقراءته بطريقة موحدة. غير أن هذا الانجاز الهائل لم يكن من إبداعه الشخصي بقدر ما ارتبط بزمنه. بمعنى أنه كان جزء من تاريخ القرآن وتطور الإدراك الذاتي العربي الإسلامي بضرورة جمع القرآن بوصفه "كتاب الله". إذ لم يكن هذا الجمع معزولا من حيث مقدماته وأسلوبه وغاياته عن آلية فعل الدولة المركزية وسعة انتشارها ومتطلبات توحيدها الروحي والعقائدي. أما الانجازات الفعلية التي ارتبطت بإرادته السياسية ورؤيته باعتباره أول من قام بها وادخلها في ذهنية وذوق الدولة والسلطة والأمة فهي "قطع القطائع"، و"نخل الدقيق"، و"رزق المؤذنين"، و"اتخاذ صاحب شرطة"3 . وتعكس هذه المبادرات الأولويات عند عثمان. بمعنى التركيز على توزيع الأرض وشراء ذمم المؤذنين وتوسيع دائرة التجسس والتنظيم الشرعي للمطاردة. ومع أنها جزء من آلية الدولة، إلا أن تراكمها في أولوياته السياسية يكشف عن طبيعة التحول النوعي في الموقف من السلطة.

وحاول توظيف هذا التحول من اجل أن تكون السلطة أداة قائمة بحد ذاتها. مما أدى إلى قلب العلاقة المتراكمة في خلافة أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب تجاه السلطة من خلال جعل السلطة كيانا قائما بذاته وفوق كل اعتبار آخر. فقد كانت خلافة الصدّيق تجسيدا لمرحلة الانتقال من دولة النبوة إلى الدولة السياسية. من هنا دراما تأويل النص القرآني والسلطة. فقد جعلت هذه العملية الاجتهادية من الوحي مصدرا متساميا وواقعيا. بينما دفعها عمر بن الخطاب إلى الأمام من خلال إعلاء شأن الدولة ومؤسساتها، أي من خلال رفع وحدة الدولة والسلطة إلى مصاف المرجعية التي توازي وحدة الدين والدنيا. وهو استمرار كان يصعب على عثمان تحقيق اليسير منه. من هنا تعاظم التشوه الفعلي في مكونات الدولة والسلطة، والدين والدنيا. بمعنى تعاظم الخلاف والتشوه في الموقف من كمية ونوعية المرجعيات الخفية والعلنية المتراكمة في الوعي السياسي والأخلاقي الإسلامي قبل صعوده إلى سدة الحكم. من هنا بروز أولوية توظيف الوحي (الدين) في كل ما يمكن أن تصل إليه الأيادي وتنطق به الألسن. لاسيما وأن الدولة لم تستطع آنذاك بعد أن تؤسس لقواعد عمل السلطة ونظامها على أسس شرعية وواضحة المعالم.

فقد كانت المرجعية الوحيدة الجلية نسبيا آنذاك هي مرجعية الدين والدنيا. كما كانت في الوقت نفسه قابلة للتأويل غير المتناهي بسبب عدم تعين حدودها السياسية. وقد يكون ذلك هو السبب الذي أربك عثمان حالما اعتلى عرش الخلافة لإلقاء خطبته الأولى، بحيث ارتجّ عليه عقله وفؤاده ولسانه فعجز عن الكلام. بحيث جرى إدراجه إلى جانب "مآثره" الأخرى كونه "أول من ارتجّ عليه في الخطبة"! وذلك لأن عدم تعيين الحدود السياسية لعلاقة الدين بالدنيا بوصفها المرجعية الخفية للقيم النظرية والعملية الإسلامية الأولى، كانت تفسح المجال أمام اجتهاد فردي حر وصريح. وبما أن عثمان لم يكن يتمتع بهذه الصفات، إضافة إلى عمره الكبير الذي بلغ السبعين عند توليه الخلافة، لهذا ارتدّ عليه العمر وبالا والاجتهاد إرباكا. أما النتيجة المباشرة فهي خطبة مبتورة. فعندما خرج إليه الناس ليسمعوا خطبته، فإنه لم يستطع أن يقول أكثر من عبارة واحدة هي: "أيها الناس! إن أول مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطبة على وجهها، وما كنا خطباء وسيعلّمنا الله"!!

لقد كان الرجل بسيطا متواضعا مباشرا لا دجل فيه ولا مخاتلة. وعاش بعدها واستطاع أن يستجمع قواه ويخطب بعد أن تعلم ما لم يتقنه مسبقا. وقد أورد الطبري خطبته التي قال فيها:‏"‏إنكم في دار قلعة وفي بقية أعمار فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه. فلقد أتيتم صبحتم أو مسيتم‏.‏ ألا وإن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا، ولا يغرنكم بالله الغرور‏.‏ اعتبروا بمن مضى‏.‏ ثم جدّوا ولا تغفلوا، فإنه لا يغفل عنكم‏.‏ أين أبناء الدنيا وإخوانها الذين أثاروها وعمرّوها ومتعّوا بها طويلا؟ ألم تلفظهم‏؟‏ ارموا بالدنيا حيث رمى الله بها. واطلبوا الآخرة، فإن الله قد ضرب لها مثلا والذي هو خير مثال، فقال (واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تدروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا"4 ‏.

‏ ولا شيء في هذه الخطبة يمس الحياة والدولة والسياسة والعلاقة بالأمة أو علاقتها به. كما لا تحتوي على فكرة قانونية أو مشروع مستقبلي أو ترتيب للأولويات الكبرى. باختصار أنها اقرب ما تكون إلى كلمات العجائز أمام صغارهن، بوصفها عبارات محكومة بالحديث عن الأمور البديهية والشائعة كما لو أنها اكتشافا. وعادة ما تنسى هذه الذهنية أو تتناسى اشد الأمور جلاء أمام ذكريات الطفولة. ولا طفولة اقوي بالنسبة للذهنية التقليدية من علاقات "الدم". ففيها تتراكم حكايات الزمن الماضي وتأملات الأيام القادمة، وذلك لأن الوعي الذي يربطها لا علاقة له بالخيال المبدع. من هنا تصبح العلاقة بالأقارب مصدر كل شيء. وقد ميزت هذه الصفة شخصية عثمان بن عفان. وفيها يمكن رؤية سرّ مأزقه اللاحق وتعرضه لقتل الانتفاضة الإسلامية الأولى ضد السلطة.(يتبع...)

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

1- السيوطي: تاريخ الخلفاء ص120

 2- الذهبي: تاريخ الإسلام، ج1، ص 253. ‏

3- السيوطي: تاريخ الخلفاء، ص131.

4- ‏‏الطبري: تاريخ الأمم والملوك ج 2، ص 589-590.

 

جعفر الحكيمحوارات في اللاهوت المسيحي 44

يعتبر موضوع (العدل الإلهي) من أهم المواضيع التي انشغل بها الوعي الديني واكثرها تعقيدا، وقد تنوعت الافكار والاراء الفلسفية حول هذا الموضع بشكل كبير في جميع المدارس الإيمانية والاتجاهات الفلسفية.

والعدل في اللغة يعني السوية، والتسوية

وفي العرف العام استعمل بمعنى رعاية حقوق الآخرين، في مقابل الظلم (الاعتداء على حقوق الآخرين)، وعلى ضوء ذلك يمكننا إعطاء تعريف بسيط وواضح لمصطلح العدل بأنه: (إعطاء كل ذي حق حقه)

الأديان السماوية بشكل عام تؤمن،كلها،بوجود اله خالق للكون، يديره بحكمة، وهذا الاله يكون متصفا بجميع صفات الكمال، فهو كلي القدرة،تام المعرفة، كامل العلم،كله رحمة ومحبة ولطف.... وكذلك عادل بشكل تام ومطلق.

إن الحديث عن مفهوم (العدل الإلهي) يتطلب الفرز بين معنيين اساسيين لهما علاقة مباشرة في تطبيق هذا المفهوم، وهما:

. عدالة الإله الخالق في مجال العلاقة بينه وبين الانسان المخلوق او بينه وبين جميع الخلائق

وهذا سنطلق عليه تسمية مجازية وهي (العلاقة العمودية)

. العدالة الالهية في ما يخص العلاقة بين البشر أنفسهم، وفيما بينهم، وسنسطلح عليه (العدالة الأفقية)، مع الإشارة الى ان الاصطلاح هو لغرض التوضيح فقط.

وفي هذا المقال، سيكون البحث والتركيز حول المعنى الثاني او ما اسميناه (العدالة الافقية)، سنبحث في تصور تحقق العدالة الالهية في مجال العلاقات بين الناس، وننظر الى التطبيقات المتخيلة للعدالة الالهية في مجال الحكم بما يخص الخلافات الناتجة بين الناس في تعاملاتهم و تفاصيل احداث حياتهم.

أن سبب التركيز على المعنى الثاني فقط، لأن تناول مفهوم العدل في اطار هذا المعنى يكون متعلقا باكثر من طرف، حيث يكون هناك الاله (الحاكم او القاضي العادل) ويوجد ايضا طرفان اخران،يتعلق بهما مناط تحقيق العدل، وهما الجاني والمجني عليه.

بينما في مفهوم (العدالة العمودية) يوجد هناك طرفان فقط، وهما الاله الحاكم العادل والإنسان، وتطبيق العدل هنا يتمحور حول العلاقة بين الطرفين فقط، ويمكن للحاكم، حتى وان كان عادلا بشكل مطلق، ان يعفو ويتجاوز عن كل خطيئة او تقصير او ذنب صدر من الانسان في حقه، لأن صاحب الحق في هذا المجال هو الإله نفسه، وصدور قرار الرحمة او الغفران لن يكون متناقضا مع عدالة الحاكم.

اما في مجال (العدالة الافقية) فالامر مختلف تماما، حيث ان مدار تطبيق العدل يكون متمحور حول اصدار قرار جزائي حول خطيئة او ذنب او ربما جريمة صدرت من إنسان بحق انسان اخر، و حول ظلم وقع من إنسان، وكان ضحيته إنسان آخر، حيث يكون الضحية هو صاحب الحق في المقام الأول، وليس الإله الحاكم

وهنا تتطلب العدالة بمفهومها البسيط (اعطاء كل ذي حق حقه) ان تتم معاقبة الظالم وان تعوض الضحية، و لن يكون إصدار قرار بالعفو والغفران عن الجاني من طرف الاله الحاكم،قرارا عادلا، لان فيه تجاوز على صاحب الحق وهو الضحية.

في العقيدة المسيحية، هناك ايمان واضح وصريح بعدالة الاله، كما هو الحال في بقية الأديان، وهناك نصوص و شروحات كثيرة تتحدث عن الرب العادل والمحب والرحيم، وان كان هناك بعض التداخل بين بعض المفاهيم مثل العدل والرحمة والمحبة، يصل احيانا الى درجة التناقض ...كما سنرى لاحقا !

ونجد أيضا في النصوص الدينية المسيحية، تأكيد وحث على وجوب ان يتصف المؤمنين بجميع صفات الخير والصلاح،ونجد التشجيع على فعل الخير والإحسان، وتجنب الوقوع في الخطيئة و المعاصي واقتراف اعمال الشر بحق الاخرين، وهذا الامر كما هو معلوم لا تنفرد به المسيحية،وانما تشترك به مع جميع الاديان الاخرى.

ونحن هنا لسنا بوارد مناقشة (ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن) بحسب النصوص والتعاليم المسيحية، وإنما نناقش ما هو عليه الواقع في الحياة، وتصرفات الناس في إطار العلاقة فيما بينهم سواء كانوا مؤمنين مسيحيين، او من اديان اخرى، او ربما غير مؤمنين باي شئ!

والمسيحية هنا .حالها حال جميع الأديان والمدارس الفكرية والعقدية الانسانية الاخرى، نجد ضمن المنتمين الى دائرتها، جميع اصناف البشر، فهناك الناس الطيبين الاخيار الصالحين، وكذلك نجد الأشرار والظالمين والمجرمين .

ولغرض الاقتراب من الفهم المسيحي لمفهوم العدالة الإلهية، نحتاج اولا الى التطرق الى محورية الإيمان وكذلك محورية عقيدة الفداء ضمن ذلك الإيمان الذي تقوم عليه اساسات العقيدة المسيحية.

الإيمان بالمسيح مخلصا وربا وفاديا، يعتبر شرط رئيسي لنيل الخلاص، والفوز بالحياة الابدية، حسب المعتقد المسيحي، والنصوص حول هذا الامر كثيرة جدا لا مجال لسردها كلها مراعاة للاختصار

(من امن بي ولو مات فسيحيا) يوحنا 11: 25

(آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص انت واهل بيتك) أعمال الرسل 16 :31

(إِذًا نَحْسِبُ أَنَّ الإِنْسَانَ يَتَبَرَّرُ بِالإِيمَانِ بِدُونِ أَعْمَالِ النَّامُوسِ) رومية 3 :28

وهذا الشرط يكاد يجمع عليه المسيحيون من جميع الطوائف،رغم وجود بعض الجدل القديم حول موضوع التبرر بالايمان فقط او بالإيمان والاعمال الصالحة، ومنشأ الجدل هو التناقض بين نصوص العهد الجديد في الرسائل المنسوبة لبولس وبين الرسالة المنسوبة ليعقوب أخو يسوع الناصري !

ان اعتبار (الإيمان) هو بطاقة المرور الى الحياة الابدية، ليس انفرادا للعقيدة المسيحية، فهذا الامر نجده كذلك في اغلب الاديان والمعتقدات، ولكن الخلاف هو حول ما تميزت به العقيدة المسيحية حول اعتبار الإيمان ليس مجرد بطاقة عبور الى الحياة الابدية، وانما ايضا (كارت) حصانة لكل مؤمن مسيحي من المحاسبة والمجازاة والعقوبة حول أي فعل قد يكون ارتكبه في حياته الدنيوية، وإن كان ذلك الفعل سببا لظلم الاخرين وربما معاناتهم والحاق الأذى والضرر بهم، وخصوصا إذا كانوا غير مؤمنين بالمسيح !!

وفي هذا الإطار نحتاج للمرور بشكل سريع حول عقيدة (الفداء) التي تشكل قاعدة أساسية في الإيمان المسيحي، فحسب هذا الإيمان (أنّ الله قرّر، بعمل يسوع المسيح الفدائيّ، دفع فدية بديليّة فعّالة تُخلّص الّذين مات من أجلهم المسيح. وإن كان المسيح قد قدّم لله ذبيحة مقبولة عن خطايا النّاس، فإنّه من المستحيل أن يُعاقِب الله القدّوس الخاطي الّذي دُفِعَ ثمنه بدم المسيح . والعدالة المُنجَزَة تتطلّب إطلاق كلّ سجين دفَعَ المسيح الفدية عنه. ولذلك يكون الخلاص من عبوديّة الخطيّة، المُقدَّم بالفداء، خلاصاً تامّا

فالانسان المسيحي عليه ان يطمئنّ، ويرتاح، ويسعد، وان يكون متأكدا من أنّ ديونه قد سُدِّدت، وذنوبَهُ قد غُفِرت، وأنّهُ صار حرّاً بفدية كاملة فعّالة وكافية دفعها المسيح. وهذا هو هدف عمل الفداء الّذي تمّمه المسيح بموتهِ على الصّليب) !!

وهنا نحتاج ونحن نتناول موضوع العدل الالهي الى التساؤل .. ماذا لو كان ذنب او خطيئة المؤمن المسيحي متعلقة بطرف اخر، بمعنى انها تسببت بضرر او ظلم لانسان اخر ؟!

قبل كتابة ونشر هذا المقال، حرصت على طرح هذا التساؤل على عدد من الاصدقاء والاحبة المسيحيين، العاملين في مجال الكرازة او الاعلام الديني المسيحي، وحرصت على مناقشتهم (شفويا) حول هذه المسألة لغرض الوصول الى اجابة صريحة ومباشرة، بلا مراوغات إنشائية او مخاتلات سردية!

وبعد ان طلبت من اصدقائي الرائعين ان تكون الاجابة بحسب النصوص المقدسة، وليس بحسب الرأي الشخصي او الاعتقاد الخاص بهم، قمت بتوجيه السؤال التالي إليهم :

لو افترضنا ان انسان طيب صالح،لكنه غير مؤمن بالمسيح، هذا الإنسان تم اغتياله غدرا على يد رجل مسيحي، وبعد قتله وسلبه امواله، هرب القاتل،لكنه واجه سيارة مسرعة صدمته، ومات دهسا !

الان اصبح الضحية الغير مسيحي، والجاني المسيحي، بين يدي الرب!

من هو الذي سينال الحياة الابدية، ومن منهما سيذهب الى بحيرة النار والكبريت حيث العذاب الأبدي؟

الجواب بصيغته النهائية وكان واحدا واضحا ومباشرا وهو:

ان الضحية سيهلك لأنه لم يكن مؤمن ولن ينال الخلاص!!!

أما الجاني، فقد دفع المسيح مقدما ثمن خطيئته (جريمته) وبذلك سوف ينال الحياة الابدية !!

هذا الجواب الذي يتضمن انقلاب في مفهوم العدالة الالهية، وضع الاصدقاء المسيحيين، الذين تم توجيه السؤال إليهم في حرج ومأزق، لذلك حاولوا اللف والدوران او المراوغة للخروج من هذا المأزق!!

فبعضهم حاول القول مثلا...ان المسيحي الذي يرتكب مثل هذه الجريمة...لن ينطبق عليه وصف الإيمان المسيحي حتى لو كان مؤمنا بالمسيح !!

وهذا كلام غير صحيح اطلاقا…حيث انه يعتبر من باب (التكفير بالذنب) وهذا امر لا تقول به المسيحية

البعض منهم حاول القول ان فداء المسيح هو للخطايا والذنوب التي تسبق مرحلة القبول به مخلصا فقط!

وهذا الكلام ايضا مردود ولا أصل له !!!...ولا يمكن تطبيقه على الشخص الذي ولد مسيحيا مثلا !

البعض الاخر حاول التهرب من مأزق الجواب من خلال الادعاء بأن الإيمان المسيحي الحقيقي هو الذي ينتج تغييرا حقيقيا في سلوك الانسان،بحيث لا يمكن للمؤمن أن يرتكب ظلما او جريمة

وهذا الكلام -كما اوضحت سابقا- هو من باب (ما ينبغي على المؤمن ان يكون عليه) ولكنه ليس الواقع الذي يحيا به الناس سواء كانوا مسيحيين او غيرهم، فلا يمكن القول ان المسيحي يجب ان يكون معصوما عن الخطأ، ولا يجرؤ احد على هكذا ادعاء عريض !!

ان السؤال المتقدم والجواب الذي قدمه الاخوة المسيحيين الاعزاء،يبين لنا بشكل قاطع خطورة التقاطع بين عقيدة الفداء وبين الاعتقاد بعدالة الاله الخالق، حيث تنسف فكرة الفداء مفهوم العدالة الالهية، بشكل يؤدي الى اختلال صفة الكمال التي يجب ان تتوفر في الاله لكي يستحق العبادة !!

وقد يبدو للبعض ان هذا السؤال هو مجرد سؤال افتراضي، ليس له علاقة بالواقع !

وهنا يجب التنبيه على خطأ هكذا تصور، وعلى خطورته !!...فالإنسان المسيحي يعيش مع غيره من البشر، في مجتمع يضم أناس من مختلف الاديان والمدارس العقائدية،يتعامل معهم بشكل يومي

ان مجريات الحياة بشكل عام، لا تسير في الواقع ضمن سياق عادل او منطقي!!

حيث نجد في أغلب الاحيان، الأشرار من البشر،يملكون القوة والنفوذ، يسيطرون على المال والسلطة، بينما يعاني البسطاء والصالحين في اغلب الاوقات، وغالبا ما يسلب القوي حقوق الضعيف!

ان الشعور بعدم العدالة في هذه الحياة، كان دائما أحد الدوافع الرئيسية، للكثير من الملحدين الى ترك الإيمان وإنكار فكرة وجود اله خالق يدير شؤون الكون!!

وبنفس الوقت، نجد ان الشعور بغياب العدالة في الدنيا، هو احد الاسباب الرئيسية التي تدفع الكثير من المؤمنين إلى التمسك بإيمانهم، لتيقنهم بأن العدالة يجب ان تأخذ مجراها في نهاية المطاف، ان لم يكن ذلك في الدنيا، فإنه سيكون حتما في الحياة الاخرة، وعلى يد اله قادر و عادل

وفي هذا المجال، من المفيد ان نستذكر حادثة من التاريخ المعاصر،لها دلالة مهمة تتعلق بموضوعنا

عام 1960 نجح عملاء الموساد الإسرائيلي في اختطاف القائد النازي (أدولف إيخمان) من الأرجنتين، وكان هذا الضابط الالماني أحد المسؤولين الكبار في الرايخ الثالث، ورئيس جهاز البوليس السري جيستابو، وأحد المسؤولين عن اعتقال وإبادة الاف المدنيين اليهود في معسكرات الاعتقال .

تمت محاكمة هذا الضابط، وصدر عليه حكم بالاعدام،تم تنفيذه في عام 1962

لقد كان هذا الضابط الألماني انسان مسيحي يؤمن بالله ضمن مواصفات الإيمان المسيحي

والسؤال الذي من المفيد تكرار طرحه هنا، هو :

ما هو حكم الرب على ضحايا هذا المجرم من اليهود الذين لم يؤمنوا بالمسيح اصلا؟!!

وما هو حكم الرب على هذا المجرم الذي من المفروض ان المسيح قد دفع بفدائه على الصليب ثمن خطيئته (جريمته ) مقدما !!

فلو توقعنا ان احد الاخوة المسيحيين الطيبين سوف يفترض ان ضحايا هذا المجرم من المدنيين المظلومين سوف يجازيهم الرب على مظلوميتهم ولن يرسلهم لجهنم !!

هنا يكون هذا الافتراض ناسفا لمبدأ الإيمان المسيحي، الذي يشترط القبول(بالمسيح مخلصا والها) كشرط أساسي ورئيسي لنيل الحياة الابدية!

وقد يفترض مسيحي اخر، وبدافع الطيبة والحس الانساني، ان الرب يسوع،سوف يعاقب المجرم، ولن ينفعه ايمانه بالمسيح وقبول كفارته الخلاصية !!

وهذا الافتراض، سوف ينسف مبدأ الاعتقاد بالكفارة، لان كفارة تضحية المسيح، لم تشترط نوعية الخطيئة ولا حجمها، ولا تأثيرها، وإنما اشترطت، فقط، اعتناق فكرة تضحية المسيح،والقبول به مخلصا !!

وختاما،لابد من اعادة التأكيد على اهمية، النظر الى مفهوم العدل الإلهي من جميع الجوانب، وليس فقط من جانب العلاقة بين الاله الخالق وبين الانسان (العدالة العمودية) وإنما كذلك يجب النظر الى جانب (العدالة الافقية) من اجل ان نستطيع إطلاق توصيف (العادل) على ذلك الإله الذي من المفروض ان يكون حاكما وقاضيا بين البشر ضمن منهج رباني عادل بشكل مطلق.

فالقاضي مهما كان رحيما وعطوفا ومحبا لكل الناس، في حال النظر بقضية فيها ضحية وجاني، ظالم ومظلوم، لا يستطيع ابدا ان يصدر حكمه بالعفو عن الجاني الظالم، فقط لانه يحب الجاني او يعطف عليه

حتى لو كان ذلك الجاني قريبه او تربطه علاقة به،او حتى صاحب فضل عليه !!

قد يكون ذلك القاضي له الحق باصدار عفوا عن نفس الشخص الجاني في حال ارتكب ذلك الشخص تقصير او تجاوز او خطأ يتعلق بشخص القاضي، وليس شخص اخر، لانه في هذه الحالة، يكون صاحب الحق هو القاضي نفسه، اما في حال (العدالة الافقية) فإن الحق ليس للقاضي، وانما دور القاضي ينحصر في اصدار مرسوم العدالة الذي يعيد الحق لصاحبه، ويقرر الجزاء على الجاني كنتيجة على فعله.

ان التفكيك بين مفهوم العدالة العمودية والعدالة الافقية، يجعلنا وبكل بساطة نستطيع الوصول الى خطورة فكرة (الفداء) والتي تسلب من الاله الخالق صفة مهمة من صفات الكمال التي يمتاز بها، وهي صفة العدل

لأن عقيدة الفداء والخلاص تجعل مفهوم (الاله) مثل حكومة تقوم بتقديم خدمات للشعب وتحرص على تقدم البلد ورفاهيته وتحب مواطنيها، لكنها بنفس الوقت، في حال حصول اعتداء او ظلم من أحد مواطنيها على مقيم او زائر لذلك البلد، لن تحاسب تلك الحكومة ذلك المواطن، وانما تقوم بطرد الضحية!!

وتبرر ذلك بانها تحب مواطنيها وتحرص على مصلحتهم وتقدم التضحيات من اجل سعادتهم !!

في حالة هكذا مثال توضيحي …لا اعتقد ان هناك عاقل في الدنيا يستطيع وصف هكذا حكومة بأنها عادلة!

و نفس الامر ينطبق على موضوع (العدالة الالهية) حيث لا يمكن توصيف الإله الحاكم،القاضي، الراعي لكل عباده، بالعدل، مالم تكن كل تطبيقات أحكامه وقراراته ضمن إطار الأسس المبدئية للعدالة، وخصوصا فيما يتعلق بالمصير الأبدي للإنسان.

 

د. جعفر الحكيم

 

 

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة  (على مثال خلافة الراشدين)

من المعروف عن الخليفة عمر بن الخطاب كونه دائم الرقابة لنفسه، ولكل ما يترامى على أرض الخلافة. لهذا نراه يقول:"والله لو أن بغلة عثرت بشط الفرات لكنت مسئولا عنها أمام الله، لماذا لم أعّبد لها الطريق". وكيف كان يخرج في الليل يطوف مع العسس حتى يرى خللا يتداركه. وكان يقول:"لو تركت عنزا جرباء على جانب ساقية لم تدهن لخشيت أن اسأل عنها يوم القيامة"[1]. وقد جسّدت هذه الرؤية وحدة الدين والدنيا بوصفها الوجه المثالي لوحدة الدولة والسياسة التي حصلت على رونقها المتألق في فكرة الخلافة الرشيدة. كما حصلت على نموذجها الأولي الكبير في خلافته وشخصيته السياسية. وليس اعتباطا أن ترتبط من الناحية التاريخية تسمية أمير المؤمنين بخلافته، بوصفها التسمية التي تعكس الارتقاء الجديد لوحدة الدين والدنيا إلى مصاف الدولة والسلطة، أي وحدتها النموذجية المحكومة بمبادئ العدل.

وقد نسج الخيال الإسلامي اللاحق عن هذه الخلافة صورا جميلة ومثيرة للوجدان، لكنها واقعية بمزاج المرحلة وعقائدها الكبرى. وهو خيال له أصوله في أصل الشخصية العمرية، وجد تعبيره السياسي والمثالي في مظهر ومضمون فتح إيلياء (القدس) ودخولها، والعقد التاريخي معها. فقد قبل آباء الكنسية فيها. ودخلها كما دخلها قبل قرون المسيح على بغلة، كما لو أنه يعيد تاريخ الوحدة الروحية في التعامل مع أحد الرموز الحيوية في الفكرة الدينية والتاريخية. لكنها احتوت في سلوك عمر بن الخطاب على بعد سياسي خاص يقوم في تأسيس أحد الأنماط الواقعية والعقلانية الإنسانية في وحدة الدولة والسلطة، والديني والدنيوي. بمعنى أنها أرادت الجمع بين مكونات طبيعية آنذاك ولكن من خلال رفعها إلى مصاف النموذج الروحي. وإذا كانت مظاهرها توحي بأولوية الانتماء إلى تاريخ الروح والمقدس، فإن مضمونها كان يسير في اتجاه ترسيخ تاريخ الدولة والسلطة. بمعنى انه كان يتغنى باغتناء التاريخ الروحي والسياسي.

فقد كان نمط ونموذج دخوله للقدس يحتوي على ما يمكن دعوته بالدعاية السياسية لتقمص مسيح القوة الصاعدة، مسيح الدولة والسلطة الروحية العملية، كما نراها في "وثيقة العهد العمرية"، التي أعطت الأمان لسكنتها وكذلك لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها، بحيث لا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم ولا يسكن معهم أحد من اليهود، كما أرادوا. وهي ممارسة ودعاية عملية لا افتعال فيها. بل يمكن اعتبارها الصيغة التاريخية الإسلامية لفكرة العدل المتسامية، التي كانت صورة المسيح الإسلامية أحد أشكالها الرفيعة. من هنا طابعها العملي "الخشن". وذلك لأن حقيقة المسيح هي خشونة أبدية ورّقة أزلية تربطهما فكرة البساطة المميزة لإدراك حقائق الوجود الكبرى. من هنا اتخاذها في شخصية الخليفة (عمر) أنموذج الخلافة لفكرة الحق البسيطة والمباشرة. فقد كان عمر بن الخطاب عفيفا تاما في أدق خلجات نفسه وحياته من المال العام. حتى إنه جعل نفقته ونفقة عائلته كل يوم درهمين، مقابل توزيع أموال الخراج على المسلمين، ولا يبقي لنفسه منه شيئا. ووجدت هذه الحالة انعكاسها العملي في تلك النادرة التي تصوّره وقد أتى المنبر، وكان قد اشتكى ألما في بطنه فوصف له العسل. وكان في بيت المال آنية منه، فقال يستأذن: إن أذنتم لي فيها أخذتها، وإلا فإنها علي حرام! فأذنوا له فيها!! وحصلت هذه الممارسة على تعبيرها الفكري في عبارته القائلة:"أنزلت مال الله مني منزلة مال اليتيم، فإن استغنيت عففت عنه، وإن افتقرت أكلت بالمعروف".

لقد كانت ممارسته تتمثل فكرة الدولة من خلال السلطة، والسلطة من خلال الدولة. وأرتقى تجسيد فكرة العدل الإسلامية على المستوى الفردي والحكومي إلى مصاف النموذج الإسلامي الأمثل والأصدق. وليس مصادفة أن يكون عمر بن الخطاب ممن نقل الحديث النبوي القائل "لم يخل الله تعالى في الأرض شيئا أفضل من العدل. والعدل ميزان الله في أرضه. فمن تعلق به أوصله إلى الجنة"[2]. لهذا نراه يتمسك به بحذافيره، بحيث أقام الحد (العقوبة) على ابنه حتى الموت. وكذلك يقول:"يجب علي أن أسافر لأقضي حوائج المسلمين في أقطار الأرض، لأن بها ضعفاء لا يقدرون على قصدي في حوائجهم لبعد المكان. وينبغي أن أطوف في البلاد لأشاهد أحوال العمال وأسبر سيرتهم"[3]. ووضع هذا السلوك والمثال الفردي في موقفه من السلطة وعمالها. فقد كان يقول لمن ينفذه عاملا على مصر من الأمصار، أي يجعله مسئولا عن منطقة من مناطق الخلافة:"اشتروا دوابكم وأسلحتكم من أرزاقكم، ولا تمدوا أيديكم إلى بيت مال المسلمين، ولا تغلقوا أبوابكم دون أرباب الحوائج"[4]. كما كان إذا بعث عاملاً كتب ماله، حتى يحاسبه إذا ما استعفاه أو عزله عن ثروته وأمواله. وكان أيضا يدقق الاختيار لمن يتولون أمور الدولة والأمة، أو يتعرضون لحوائج المسلمين، ويعد نفسه شريكا لهم في أفعالهم. لهذا كان يقول بعد أن يبرك على ركبته:"اللهم أعّني عليهم، فإن كل واحد منهم يريدني على ديني!"

إننا نعثر في كل هذه الأقوال والأعمال على احوال وأمثلة تجّسد فكرة وحدة الدولة والسلطة، بوصفها الصيغة الضرورية لمرجعية الدين والدنيا. بحيث رفعها عمر بن الخطاب إلى ما يمكن دعوته بفريضة الروح الإسلامي الحق.  وفيها يكمن تأسيس امكانية التمثل الواعي لتجارب الدول السابقة يغض النظر عن أصولها وعقائدها الدينية والفكرية، مثل تدوين الدواوين، واتخاذ بيت المال، وإنشاء المدن الجديدة، و"تمصير الأمصار"، والاستمرار في توسيع الفتوحات. حيث فتحت في عهده العراق والشام وفارس ومصر وليبيا وأذربيجان ونهاوند وجرجان. كما نراه يخرج اليهود من الجزيرة، ويجعل الهجرة بداية التأريخ الإسلامي، ويقنن الجزية على "أهل الذمة" ويعفي منها الشيوخ والأطفال والنساء. ويشير هذا السلوك إلى ما يمكن دعوته بالتوحيد المستمر لفكرة الدولة والسلطة لكي تشمل آلية عملها كل دقائق الأمور من خلال تجسيدها وتحقيقها الفردي في شخص الخليفة بوصفه أميرا للمؤمنين.

لقد كانت إمارة المؤمنين تعني من الناحية الواقعية والرمزية إمامة التحول الضروري في صيرورة الدولة والسلطة التي جعلت من أسلمة الدولة ومد سلطانها على كل شيء فعلا كليا واحدا. واستطاع عمر بن الخطاب ترسيخ أسسه هذه العملية في غضون عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام من خلافته. وهي عملية كانت تفترض في مسارها الطبيعي الانتقال من الباطن إلى الظاهر. بمعنى استكمال المقدمات التي أرساها أبو بكر. فإذا كانت خلافة أبو بكر تتمثل نهاية الوحي وبداية الخلافة، فإن إمامة عمر كانت تتمثل بداية الوحدة المتماسكة للدولة والسلطة بوصفها دراما الوحدة الصلبة للدين والدنيا، أي استكمال مهمة الدولة من خلال توسيع مدى السلطة وتأثيرها المباشر وغير المباشر على مختلف جوانب ومستويات الحياة. بحيث جعلت من التأويل السياسي نهاية الوحي المقدس. وبالتالي فسحت المجال أمام التأويل بوصفه اجتهادا. مع ما ترتب عليه من تحويل النص القرآني والنموذج النبوي إلى نص الدولة وكلمة الحق. ومن ثم إعلان وإعلاء أولوية الظاهر. وهو تحول يلازم بالضرورة توسع وترسخ منظومة عمل الدولة والسلطة. لهذا نرى عمر بن الخطاب يعلن في بعض خطبه قائلا:"أيها الناس قد كان الوحي ينزل في عهد رسول الله، فكنا نعرف به ظاهر الناس وباطنهم، جيدهم ورديئهم. والآن قد انقطع الوحي عنا. فنحن من كل أحد إلى علانيته والله اعلم بسريرته. وأنا على العهد وعمالي أن لا نأخذ شيئا بغير حق، ولا نعطي شيء بغير حق"[5].

إننا نقف هنا أمام تحول هائل في فكرة الحق من علياء الوحي المقدس إلى اجتهاد الرؤية السياسية. إذ ليس المقصود بالحق هنا سوى الحق السياسي، أي الحق المحكوم برؤية السلطة عن المصلحة العامة والخاصة. ويبدو هذا الأمر جليا في رؤية عمر وممارساته التي كانت تهدف إلى جعل الحق والحقيقة مقومات أساسية في ترسيخ وتوسيع السلطة والدولة. من هنا الاعتداد الفطري بالحق وتجسيده الفردي. بحيث نراه يقول مرة في إحدى خطبه:"اعلموا أن شدتي التي كنتم ترونها ازدادت أضعافا عن الأول على الظالم والمعتدي، والأخذ للمسلمين لضعيفهم من قويهم. وأني بعد شدتي تلك واضع خدي إلى الأرض لأهل العفاف وأهل الكفاف، إن كان بيني وبين من هو منكم شيء من أحكامكم أن امشي معه إلى من أحبه منكم فينظر فيما بيني وبينه. فاتقوا الله وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحضاري النصيحة فيما ولأني الله من أمركم". ويتمثل هذا الموقف الأبعاد الأخلاقية المثلى لفكرة الحق السياسي من خلال جعله معيارا لظاهر وباطن السلطة في موقفها من كل شيء. وقد كانت تلك المقدمة الضرورية لإعادة إنتاج الدورة الكاملة للدولة والسلطة، باعتبارها دورة مستمرة: دولة – سلطة – دولة. ومن خلالها تجسيد القدر الممكن لنموذج الحق الأخلاقي. فنراه يقول لأبي عبيدة حالما ولاه على جند الشام:"وليتك أمور المسلمين فلا تستحي، فإن الله لا يستحي الحق. ولا تنفذ المسلمين إلى الهلاك رجاء غنيمة". وهي الفكرة الأولية التي جعلت من وحدة الدين والدنيا مدخلا لتوسيع رقعة الدولة ومنعتها الداخلية بالحفاظ على قواها الذاتية. وحالما جرى انجاز هذه المهمة، فإن توجهه أخذ يسير صوب ترسيخها. من هنا كتابته لأبي موسى الأشعري قائلا:"إذا كانت بين القبائل نائرة (عداوة) وتداعوا بآل فلان، فإنما تلك نجوى الشيطان فاضربهم بالسيف حتى يفيئوا إلى أمر الله، وتكون دعواهم إلى الله وإلى الإمام".

كانت مساعي عمر بن الخطاب لإخضاع الجميع إلى الله والإمام أو الدين والدولة، المقدمة الضرورية لتوحيد الحق السياسي والأخلاقي. ووضع هذه الرؤية في حكمة سياسية عملية تقول في إحدى ملاحظاته لأبي موسى الأشعري:"إذا زاغ العامل زاغت رعيته. وإن أشقى الناس من شقيت به رعيته". كما كتب مرة إلى معاوية (وقيل إلى أبي عبيدة) قائلا:"إياك والاحتجاب، وأذن للضعيف وأدنه حتى تبسط لسانه وتجرئ قلبه". وقد تمثلت هذه الحكمة العملية والسياسية مفهوم الحق السياسي للسلطة، بوصفها أداة الدولة الرشيدة. أما صيغها العملية فينبغي أن تحقق مضمونها المتنوع بوصفه حقا أخلاقيا أيضا. وقد تكون الخطبة التي أوردها أبو يوسف في (كتاب الخراج)، أحد النماذج الدقيقة عن هذه الرؤية والاتجاه في تحويل الحق السياسي إلى حق أخلاقي وارتقائهما سوية في وحدة الدولة والسلطة بوصفها النموذج العملي لوحدة الدين والدنيا. فقد ابتدأها بفكرة عامة تقول، بأن "المال لا يصلحه إلا ثلاث، أن يؤخذ بالحق، ويعطى في الحق، ويمنع من الباطل". واختتمها بموقف شخصي يقول:" فلا يقولن أحد منكم أن عمر تغير منذ ولي. أعقل الحق من نفسي، وأتقدم وأبين لكم أمري. فأيما رجل كانت له حاجة، أو ظلم مظلمة، أو عتب علينا في خلق، فليؤذنني (يعلمني). فإنما أنا رجل منكم، فعليكم بتقوى الله في سركم وعلانيتكم، وحرماتكم وأعراضكم. وأعطوا الحق من أنفسكم، ولا يحمل بعضكم بعضا على أن تحاكموا إليّ. فإنه ليس بيني وبين أحد من الناس هوادة"(ميل). وما بينهما حدد الملامح العامة للعلاقة بين السلطة والمجتمع بوصفها علاقة مبنية على وحدة الحق السياسي والأخلاقي. إذ ابتدأها بحقه القائم في أن لا "يدع أحدا يظلم أحدا ولا يعتدي عليه حتى يضع خده على الأرض، ويضع قدمه على الخد الآخر حتى يذعن للحق". وهو حق سياسي مهمته تحقيق المضمون الأخلاقي للحق. أما وجهه الآخر فهو حقوق الأمة عليه في "أن لا يجبي شيئا من خراجهم ولا مما أفاء الله عليم إلا من وجهه"، و"إذا وقع في يديه أن لا يخرج منه إلا في حقه"، و"أن يزيد أعطياتهم وأرزاقهم وسدّ ثغورهم"، و"أن لا يلقيهم في المهالك ولا يجمرهم (يحبسهم) في ثغورهم".

لقد تكاملت شخصية عمر مع تكامل الفكرة الإسلامية وانتقالها من الغيب اللاهوتي إلى تاريخ الدولة. وتمثل معالم الانتقال الكبرى من الفكرة المجردة إلى الواقعية، ومن الوحي المقدس إلى التأويل السياسي. وبهذا يكون قد جّسد بداية الصيرورة الثقافية للدولة والسلطة، التي حققها بمعايير الوحدة الإسلامية للدين والدنيا. وفي هذا يكمن السبب القائم وراء غياب المعارضة الفكرية والروحية غيابا تاما. لكنه كان أكثر من صنعها وأسس لها من خلال تأسيسه لمرجعية الدولة والسلطة المحكومة بفكرة العدل والحق السياسي ومثالها الروحي في وحدة الدين والدنيا.

***

ا. د. ميثم الجنابي

..........................

[1] الغزالي: التبر المسبوك في نصيحة الملوك، ص115.

[2] الغزالي: التبر المسبوك، ص194.

[3] الغزالي: التبر المسبوك، ص206

[4] الغزالي: التبر المسبوك، ص 205-206.

[5] الغزالي: التبر المسبوك، ص210.

 

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة  (على مثال خلافة الراشدين)

كان بلوغ فكرة الرشاد مضمونها السياسي الأول بصدد إدارة شئون الدولة والأمة، المقدمة الضرورية لما أسميته بنهاية الوحي وبداية الدولة. فهي المرحلة التي أخذ فيها المسار الطبيعي للدولة طابع العملية التاريخية السياسية. مما جعل من مسار الدولة والسلطة خليطا من دراما التأويل والنفعية السياسية. وكلاهما كانا الأسلوب الضروري الملازم لتلازم الدولة والسلطة. كما أنها العملية التي تؤسس أكثر فأكثر لفكرة الاجتهاد السياسي، بوصفه أحد آليات وجود الدولة والسلطة والأفراد والقيم والحقائق. ومن خلالها يمكن للتأويل السياسي أن يرتقي إلى مصاف العقيدة، وهبوط العقيدة من علياء اللاهوت إلى مصاف السياسة. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار، أن وحدة الدين والدنيا هي الصيغة التي كانت تعادل من حيث قيمتها المادية والمعنوية تجانس الوجود والمثال بالنسبة لأولئك الذين شكلوا شخصيات الإسلام الأول وعماد أفكاره العملية.

وليس مصادفة أن ترتقي شخصية عمر بن الخطاب في الخطاب الديني التقليدي (السنّي) إلى مصاف ما سمي أحيانا بموافقة القرآن لرأي عمر. والمقصود بذلك ما هو مشهور من مواقفه العملية التي دعا إليها وتحولت إلى فكرة قرآنية، مثل قوله للنبي محمد "يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى"، فظهرت الآية (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)[1]، وكذلك قوله: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البرّ والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فظهرت آية الحجاب (وإذا سألتموهن متاعًا فسألوهن من وراء حجاب)[2]، وكذلك قوله لنساء النبي وقد اجتمعن عليه في الغيرة كلمات ظهرت كما هي في الآية (عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن)[3]. وقد جعلت هذه الوقائع والحقائق النبي محمد يقول مرة "جعل الله الحق على لسان عمر وقلبه". وفي هذا كانت تكمن إحدى مقدمات الأفكار الجليلة والمبجلة لشخصيته التي جرى وضع أحاديث لا يخلو اغلبها من أثر الصراع السياسي اللاحق. لكنها كانت تعكس بقدر واحد تمازج الخيال الديني والمنفعة السياسية الضيقة. كما هو الحال في الأحاديث الموضوعة (الكاذبة) مثل "ما من نبي إلا له وزيران من أهل السماء ووزيران من أهل الأرض، فأما وزيراي من أهل السماء ‏‏فجبريل‏ ‏وميكائيل،‏ ‏وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر". وكذلك الحديث الذي توج الصورة المسرحية التي تصور كيف أن النبي محمد ‏خرج ذات يوم فدخل المسجد ‏‏وأبو بكر ‏وعمر ‏أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله وهو آخذ بأيديهما، ثم قال: ‏"هكذا نبعث يوم القيامة!"، أو التصوير القائل، بأن النبي محمد ‏‏كان ‏‏يخرج على أصحابه من ‏المهاجرين ‏‏والأنصار ‏‏وهم جلوس، ‏‏فلا يرفع إليه أحد منهم بصره إلا ‏أبو بكر وعمر، ‏‏فإنهما كانا ينظران إليه وينظر إليهما ويتبسمان إليه ويتبسم إليهما.

إننا نقف هنا أمام صورة تحاول جعلهما ظل النبي وأجنحته الطائرة في حواره وجواره. كما تسعى لإعطائهما بعدا روحيا إضافيا، هو الصيغة الدينية والعقائدية الموازية لما أسميته بدراما التأويل والنفعية السياسية التي لازمت مسار الدولة والسلطة. ولا تخلو هذه الصيغة من دراما الانضمام لجوقة الإسلام الأولى، وبالأخص من جانب عمر بن الخطاب. فمن المعروف عنه كونه أحد أشد المعادين والمعارضين لمحمد قبل أن يعتنق الإسلام. فقد ظل على معاداته وصراعه وعنفه ضد النبي محمد والمسلمين عموما حتى الهجرة الأولى إلى الحبشة. وأسلم في السنة السادسة من بدء الدعوة الإسلامية. حيث كان يبلغ آنذاك من العمر حوالي ست وعشرين سنة. وكان انتقاله للإسلام عنيفا كما كان الحال بالنسبة لمعارضته إياه. وتروي كتب التاريخ والسير حادثة إعلانه الإسلام نتيجة الحمية العنيفة التي أوقفته عند حدود الإقدام على قتل محمد. فقد ثارت به حمية الجاهلية مرة بحيث شهر سيفه وصرخ "أريد أن أقتل محمدًا!". وعندما قيل له لم تقتل محمد على إسلامه وهناك من بني بيتك من اسلم؟! وكانوا يقصدون بذلك كل من أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد. وعندما أسرع إليهما وجدهما في الدار وكان عندهما خّباب يقرئهما سورة (طه). فدخل وهو في ثورة عارمة ورغبة فاحشة بالانتقام. فوثب على سعيد فضربه، ولطم أخته فأدمى وجهها. لكنه حالما رأى الصحيفة وأخذ يقرأ ما فيها، فإنه لان و"شرح الله صدره للإسلام". عندها سار إلى النبي محمد. فلما دخل عليه وعلى أصحابه، خرج إليه النبي، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف وقال له:

أما أنت منتهيا يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما نزل بالوليد بن المغيرة؟!

يا رسول الله! جئتك لأومن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله!

إننا نقف هنا أمام رواية يقترن فيها الخيال بالواقع، لكنها تعكس وتعبر عن طبيعة التحول العاصف، الذي عادة ما يميز أولئك الذين تختمر في أعماقهم وحدة الوجدان والعقل في حمية الفعل وهمّة الروح. وقد ظل عمر بن الخطاب أمينا لههذ الصفات مدى الحياة. لهذا رفع من شأن الهمّة بحيث نسمعه يقول:"أجهد أن لا تكون دنيء الهمة. فإني ما رأيت شيئا اسقط لقدر الإنسان من تواني همته"[4]. وصنع هذا التحول شخصيته التي رسم الأصفهاني في (حلية الأولياء) معالمها الروحية وخطها البياني الواقعي في عبارات أخاذة تقول، بأنه ثاني القوم الذي "أعلن الله به دعوة الصادق المصدوق، وفرّق به بين الفصل والهزل، وأيد بما قوّاه به من لوامع الطول، ومّهد له من منائح الفضل شواهد التوحيد وبّدد به مواد التنديد، فظهرت الدعوة، ورسخت الكلمة، فجمع الله بما منحه من الصولة ما نشأت لهم من الدولة. فعلت بالتوحيد أصواتهم بعدما تخافت، وتثبّتوا في أحوالهم بعد تهافت. غلب كيد المشركين بما ألزم قلبه من حق اليقين. لا يلتفت إلى كثرتهم وتواطيهم، ولا يكترث لممانعتهم وتعاطيهم، محتملا لما احتمل الرسول، ومصطبرا على المكاره لما يؤمل من الوصول، ومفارقا لمن اختار التنعم والترفيه، ومعانقا لما كلّف من التشمر والتوجيه. السكينة تنكلّ على لسانه. والحق يجري الحكمة عن بيانه. كان للحق مائلا، وبالحق صائلا، وللأثقال حاملا، ولم يخف دون الله طائلا"[5].

وليس مصادفة أن نراه يخاطب قريشا عندما قرر الهجرة إلى المدينة قائلا:"من أراد أن يثكل أمه، أو ييتم ولده، أو يرمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي!". وتعكس هذه الصورة شخصيته الواقعية في مواجهة الأحداث. بمعنى الانتقال المباشر والسريع دون الالتفات إلى الماضي و"قداسة" إي شيء فيه. فكما نراه يتقد بحمية الرغبة الجاهلية في قتل محمدا، نراه يعلن ولاءه للدين الجديد. بحيث يطالب النبي محمد قائلا: إذا كنا نحن (المسلمون) على الحق سواء كنا أحياء أو أموات فلماذا نخفيه؟ وعندما سمع الجواب بأنه لا معنى لإخفائه، عندها طلب بإخراج المسلمين للدخول علنا في المسجد. وهو فعل كان من الناحية الرمزية والواقعية أول ظهور علني وبصورة دعائية ومتحدية من جانب المسلمين في مكة. وعادة ما يربط اسم الفاروق بهذه الحادثة، استنادا إلى الرواية القائلة، بأن النبي محمد دعاه آنذاك بالفاروق لأنه كان يفرّق بين الحق والباطل ولا يخاف في الله لومة لائم. ومهما يكن من أمر هذه الرواية، فإن تفرقة الحق عن الباطل لا علاقة جوهرية لها بشخصية عمر بن الخطاب، لكنها تطابقت مع شخصيته في العرف الإسلامي بفعل الدور الذي مّيزه بوصفه "رجل الساعة". وليس اعتباطا أن تظهر آنذاك وبعدها عبارة "مازلنا أعزة منذ أسلم‏ ‏عمر"، و"استبشر أهل السماء بإسلام عمر". ذلك يعني أنه ربط في ذاته سمات العزة والاستبشار، بوصفها المكونات التي تعني من حيث الرمز والواقع وحدة الحاضر والمستقبل، والمادة والروح. وليس مصادفة أن يظهر الحديث النبوي القائل في مخاطبته لعمر:"والذي نفسي بيده ‏‏ما لقيك الشيطان قط سالكا ‏فجا ‏إلا سلك ‏فجا ‏غير ‏فجك".

لقد انتقل عمر في "أطوار الولاية"، وتمثل في شخصيته وذاته المسار المعقد للانتقال من الجاهلية إلى الإسلام، ومما قبل الدولة إلى الدولة. ووجد هذا التحول صداه أيضا في التعبير الذي عادة ما يلازم الحكمة المتألمة من وجع الوجود، عندما ترسم على ملامح رجالها خطوط البكاء وملامح العيون الدامعة. وعندما أرادت الثقافة التقية لاحقا إدراجه ضمن كوكبة حكماءها، فإنها اختارت له صورة رسمتها بعبارة تقول:"كان في وجه عمر خطان أسودان من البكاء". ومن الممكن تأويل هذا الرسم على تلازم دموع الفرح والحزن، بأنه الوحدة المتناقضة لكل ثنائيات الحياة الضرورية من حياة وموت، وجميل وقبيح، وخير وشر. وهو تأويل يمكن القبول به حالما نطبقه على حياة عمر بن الخطاب بوصفه تاريخ الانتقال من سرّ الغيب الإسلامي إلى عالم الوجود الثقافي للدولة. وقد شحذ هذا الانتقال وهذّب حقيقة ما فيه. وفي مجراه تكشفت حقيقة الأبعاد الكبرى للتحول العاصف في صيرورة الإسلام والدولة والسلطة، أي كل ما كان يلازم وحدة الدولة والسلطة، والدين والدنيا. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي

............................

[1] القرآن: سورة البقرة، الآية 125.

[2] القرآن: سورة الأحزاب، الآية 53

[3] القرآن: سورة التحريم، الآية 5.

[4] الغزالي: التبرك المسبوك في نصيحة الملوك، ص291.

[5] الأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص38.

 

 

ميثم الجنابيالتحليل التاريخي الثقافي والنقد الفلسفي لفكرة الخلافة  (على مثال خلافة الراشدين)

إن المرحلة التي صنعت شخصية أبي بكر وصنعها كانت مرحلة تأسيسية كبرى في تاريخ الدولة العربية الإسلامية وإمبراطوريتها الثقافية اللاحقة. من هنا تموجه في عنفوان التاريخ السياسي والروح المعنوي للأمة. وذلك بسبب ارتباط ظهوره التاريخي المستقل ببداية الدولة. فالبداية التأسيسية هي الأعقد في تاريخ الدولة. من هنا دورها الفعال في الوعي والنماذج المثلى. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن شخصية أبي بكر هي الأولى في صيرورة الخلافة. ومن ثم هي التي أعطت لفكرة الخلافة أبعادها المتميزة من جهة، وجعلت منه أنموذجا عمليا مقبولا كليا أو مرفوضا كليا من جهة أخرى. وهي الحالة التي يمكن اختزالها فيما أسميته بنهاية الوحي وبداية الخلافة. وذلك لأنها كانت تحتمل في أعماقها مختلف البدائل. وإذا كانت خلافة الراشدين هي صيغتها الأولى، فإن تحولها اللاحق إلى ملوكية جعل منها أنموذجا خاصا ومتميزا في فكرة الدولة. غير أن ذلك لم يلغ إمكانية البدائل الأخرى، كما مثلتها تقاليد التشيع وفكرتها عن الوصاية، بوصفها إحدى الصيغ "المقدسة" لفكرة الملوكية نفسها. لكنها ظلت احتمالا نموذجيا، يمكن العثور عليه في منظومات الفكر الفلسفي واللاهوتي والسياسي اللاحق.

وحالما أصبح أبو بكر "خليفة رسول الله"، فإنه لم يعد شخصا بقدر ما أصبح فكرة. وهو تحول يتطابق من الناحية التاريخية والشخصية مع أبو بكر الصديق. كما أنها العملية التي جرى رفعها لاحقا إلى مرتبة الأولية في تاريخ الإسلام والدولة، أي الدين والدنيا. وذلك بسبب طبيعة العلاقة الداخلية بين البداية والمبدأ. فحالما تصبح البداية مقبولة ومعقولة بمعايير التاريخ والثقافة، آنذاك يصبح من السهل تحولها إلى مبدأ، كما نعثر عليه في تحول الخليفة إلى خلافة، وأبو بكر إلى أنموذج أولي للراشدين. وذلك لأن شخصيات البداية هي شخوص التاريخ في الأفراد وتأثيرهم في الروح. وليس مصادفة أن يصبح أبو بكر تشخيصا لفكرة الخلافة الرشيدة وشخصنة مثالية لها في العمل.

ورافق هذه الظاهرة وترافق معها تحول الوحي إلى مصدر للاستلهام العملي المباشر. مع ما ترتب عليه من تحوير عميق في الرؤية السياسية والممارسة العملية، التي جعلت من التأويل ضرورة علمية وعملية (نظرية وأخلاقية) في الموقف من كل شيء. وهو تحول نراه أيضا في المواقف الأولى لأبي بكر حالما اشتدت بوادر الصراع حول السلطة، كما هو جلي في تأويله للآيات القرآنية أو تطويعها السياسي من اجل التحرر من الفكرة الجزئية، والبقاء ضمن الفكرة العامة. وهي رؤية عميقة وتاريخية ودولتية وضعها في عبارته الشهيرة:"من كان يعبد محمدا، فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". وبغض النظر عن تكرر هذه الفكرة في آيات القرآن، إلا أنها تحولت بفعل المنعطف التاريخي العاصف إلى فكرة المنعطف التاريخي للدولة.

وكشف هذا الانعطاف وعبّر عن حقيقة الشخصية التاريخية والمثالية والفردية والروحية لأبي بكر. من هنا توّحد التأويل الحق وحقيقة السلطة بوصفها استخلافا لمضمون الرسالة النبوية، أي الاحتماء بالفكرة العامة الكبرى. وصنع هذا الإدراك الخلافة بوصفها فكرة الدولة وبدايتها التاريخية والروحية. وفي هذا التوّحد يكمن سرّ التأثير الواقعي والمثالي لشخصيته الفعلية. ووجد هذا التأثير تعبيره في ارتقاء الخلافة بوصفها استخلافا سياسيا، إلى فكرة ومبدأ الخلافة الراشدة، بوصفها إرشادا للروح والجسد بمعايير الحق التام. مما جعل منها نهاية الخلافة الراشدة في تاريخ الإسلام وبدايتها الروحية الحقيقية. بمعنى تكاملها الأولي في جسد الدولة، وذوبانها اللاحق في مختلف النماذج المحتملة للتأويل السياسي في الموقف من السلطة وممارساتها. وفي هذا يكمن سرّ جوهريتها بالنسبة لعلاقة المثقف بالسلطة على امتداد التاريخ العربي الإسلامي، بما في ذلك ديمومتها الحالية في ميدان الروح والمواقف الفردية.

فالصورة المثالية، المتسامية، والزاهية التي بلورتها التقاليد الإسلامية عن أبي بكر تبقى جزء من معترك المدارس والفرق والمذاهب. وفي جميعها تقليلا من شأنه، لأنها عادة ما تنظر إليه بمعايير الرؤية الملتهبة بدموع الورع والإيمان والتقية، أو بما يعارضها ويقف بالضد منها من معايير العين المتفحصة بالغضب للدين والحق المذهبي. وكلاهما لا يعملان في الواقع إلا على حشره في خيالهما المتعصب والضيق. وذلك لأن حقيقة أبي بكر ترتقي بمعايير التاريخ والدولة والسلطة إلى مصاف الشخصية الروحية المتسامية. ومن الممكن رؤية ملامح هذه النتيجة ومآثرها فيما آلت إليه أعماله بهذا الصدد من إرساء أسس الدولة وفكرة الخلافة.

ووجد هذا الإرساء انعكاسه المبجل في فكرة "أول الخلفاء الراشدين". ففي البداية لم يكن لهذه الأولية علاقة بالدين والمذهب والمناقب الشخصية. على العكس! إن مناقبه تستمد أغلب مكوناتها العملية والتاريخية والروحية من شخصيته. وهو أمر جلي حالما يجري المطابقة بوعي أو بدون وعي بين أنموذجه الروحي وعلاقته بالأمة، أي علاقة السلطة بالمجتمع، والفكر بالواقع، والسياسة بإدراك مهماتها الذاتية. وليس مصادفة أن يجري ربط صورته الشخصية بوصفه خليفة المسلمين الأول وأول الراشدين، بإبراز أولوية علاقته بالرعية. وقد جرى بلورة هذه العلاقة بصورة أخاذة في العبارات القائلة، بأن سياسته بالرعية كانت "بشدة من غير عنف، ولين من غير ضعف"، وأنه كان "بطيء العقوبة غير متعجل فيها إلا بقصاص واجب"، كما "كان يحذرهم من الدخول في غمار الفتن". وقد كانت هذه الصورة مجردة عن دراما التاريخ الفعلي وصراعاته العنيفة التي واجهها بفعل وحدة الأضداد المتناسقة فيه. فقد تمثلت هذه الوحدة خصوصية الخلافة الراشدة من جهة، وواقع تأسيسها السياسي من جهة أخرى. من هنا وحدة الشدة واللين، والبطء في القصاص وحتميته حال الضرورة. لاسيما وأنها المكونات الضرورية للدولة الشرعية. كما أن فكرة الشرعية تفترض القضاء على نفسية الفتنة أيا كان شكلها ومحتواها.

وقد تراكمت هذه المكونات في بناء شخصيته السياسية بعد أول محاولة جريئة لتأويل القرآن بمعايير الموقف السياسي، وتطويع التاريخ السياسي للهجرة بالشكل الذي يستجيب لمهمة هذا التأويل. وهو تراكم معروف ومشهور في تحديه للشكوك غير العقلانية بموت النبي محمد عندما واجهها بصرامة الواقع ومعناه الروحي في الآية القائلة، بأن محمدا شأنه شأن الآخرين إنسان يولد ويحيى ويموت، ويبقى الله بوصفه مطلق الوجود الدائم. واستكملها بمواجهة المتشككين من جانب الأنصار بمدى شرعية غيرهم بالخلافة في عبارة بليغة قال فيها:"نحن المهاجرون، فنحن الأمراء!". واستكملها من حيث المعنى بفكرة "لا تدين العرب إلا لهذا الحي من قريش". وقد استمدت هذه الفكرة أسسها الروحية مما وضعه بعبارة يقول فيها:"نحن أهل الله، واقرب الناس بيتا من بيت الله".

ولم تسع هذه الأفكار للانتقاص من احد، ولا جعل المسافة بين الله والرئاسة معيارا محكوما بالبعد والقرب المكاني، بقدر ما كانت تتمثل تاريخ الانتماء الروحي وتمثله في تاريخ الأفراد والأشخاص. ولم يخضع هذا الاقتراب والتمثل للمصلحة الضيقة، بل لمصلحة الرؤية السياسية وآفاق وحدة الدين والدنيا، بوصفها الصيغة التاريخية لوحدة الدولة والمجتمع آنذاك. حيث جرى ةصع هذه الصيغة في أول كتبه لمسلمي الجزيرة مستحثا إياهم للوحدة باسم التوحيد، ومن ثم القضاء على كل ارتداد عن الدين بوصفه ارتدادا عن الدولة. وقد بلور هذه الصيغة بثلاثة مبادئ عامة وهي، "إن الله أرسل محمدا بالحق لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين"، والثاني، "إن الله يهدي للحق من أجاب إليه"، وأخيرا "من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله وحده لا شريك له فإن الله بالمرصاد حي قيوم لا يموت ولا تأخذه سنّة ولا نوم". وقد كانت تلك بقدر واحد مبادئ روحية وعملية، لأنها كانت تجمع بين فكرة الإخلاص للمبدأ وفكرة الدولة. فالجوهري في النبي محمد يتطابق مع فكرة الحق، كما أن الحق هو سلوك تلقائي وشخصي. وبهذا المعنى فهو أمر دائم لا علاقة له بالأفراد أيا كانوا.

وحالما جرى إنزال هذه الفكرة من علياء "الحي القيوم" إلى واقع الحياة العادية، فإنها تأخذ بالانهماك الفعال تجاه كل ما له علاقة بالإنسان والدولة. ونعثر على إدراك مباشر لهذه الفكرة في العبارة التي حدد فيها موقفه بالشكل التالي:"يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط، ولا يشغلنكم الشيطان بموت نبيكم، ولا يفتننكم عن دينكم. فعاجلوه بالذي تعجزونه ولا تستنظروه فيلحق بكم". بعبارة أخرى، إن الأمة الحقيقة هي التي تنظر إلى مشاكلها وإشكالاتها بمعايير الحق والعدل. فموت النبي لا يقدم ولا يؤخر شيئا من فكرة الحق. على العكس، إن الاهتمام بأمر من هذا القبيل هو عين النكوص صوب "الشيطان". وبالتالي فإن مهمة المستقبل تقوم في جعل الشيطان يلهث دوما في لحاقه بأمة الحق! وفيما لو جرى تحويل هذه الفكرة إلى لغة الحياة السياسية المعاصرة، فانها تعني بأن الأمة والدولة المتمسكة بفكرة الحق والشرعية تفترض العيش بمعايير ومقاييس العدل. والخروج عليها هو السقوط في هاوية الانحلال الحتمي والإغراء القاتل.

ذلك يعني أن الجوهري بالنسبة لأبي بكر هو البحث عن النسبة الضرورية بين الحق والعدل من خلال وحدة الدولة والأمة المحكومة بمقاييس الشريعة والشرعية. فالفكرة العامة تنطلق، شأن كل الأفكار الإسلامية الكبرى، من جوهرية الله بوصفه المبدأ المتسامي الأول والمعيار المطلق للأحكام العملية. من هنا قوله، حالما خاطب الجمهور الإسلامي، بأن "الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم". وهي مواثيق تحددها الشريعة كما وضعها القرآن. فهو المصدر الأكبر للنور والتنور والاستبصار. بعبارة أخرى، انه وجد في القرآن المصدر الضروري الأولي للتأويل المحكوم بفكرة الحق والعدالة. وجعل من هذه الفكرة مبدأ سياسيا أوليا في الموقف من النفس والأمة على السواء، كما نراه في عبارته الشهيرة:"أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم". وهو موقف استكمله بما يمكن دعوته ببرنامج السلوك السياسي الأخلاقي الأرفع لرجل الدول، كما في قوله:"أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة. والقوي فيكم ضعيف حتى اخذ منه الحق، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ له الحق". وحالما تتغلغل هذه المبادئ في أعمق أعماق الشخصية وتعيد إنتاجها بالشكل الذي يجعل القول والعمل فيها وعندها وحدة واحدة، فإنها تؤدي بالضرورة إلى أن تكون فكرة الطاعة والمطيع كلا واحدا. انطلاقا من أنهما كليهما ينبغي أن يحتكما إلى الشريعة (القانون) والتمسك بها. بسبب ترابط فكرة الطاعة بفكرة الحق.

وضمن هذا السياق يمكن فهم الفكرة التي وضعها في إحدى خطبه عندما قال:"من يطع الله ورسوله فقد رشد. ومن يعصهما فقد ضل ضلالاً مبينا. أوصيكم بتقوى الله والاعتصام بأمر الله الذي شرع وهداكم به، فإن جوامع هدى الإسلام بعد كلمة الإخلاص، السمع والطاعة لمن ولاه الله أمركم. فإن من يطع الله وأولي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد افلح وأدى الذي عليه من الحق". ذلك يعني أن فكرة الطاعة محكومة بفكرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه بدورها محكومة بفكرة الإخلاص، والإخلاص محكوم بطاعة القانون، وطاعة القانون مرتبطة بالتمسك بنموذج النبي، بوصفها سلسلة نهايتها الله. بعبارة أخرى، إن فكرة الطاعة تعمل أساسا من اجل ربط حلقات الوجود الفردي والاجتماعي والدولة في سلسلة التكامل بمنظومة الحق والحقوق. وقد طابق نفسه مع إحدى حلقات هذه السلسلة دون أن يفقد ذلك لمعانه الخاص فيها بوصفه خليفة رسول الله. لكنها خلافة لم يجر تحسسها أو إدراكها آنذاك بمعايير الهرمية، بل بمعايير القرب من مثالها والسعي لتجسيده وتحقيقه بالقدر الذي تبقى فيه النفس ونياتها عارية أمام البصر الإلهي، أو الضمير الحي. من هنا تعليقه مرة على إطراء الناس ومديحهم إياه بعبارة:"اللهم أنت اعلم مني بنفسي. اللهم اجعلني خيرا مما يظنون بي، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون". وحاول تطبيق هذه الطريقة في تعامله مع الأمة تجاه مختلف القضايا بما في ذلك قضية السلطة والاستخلاف.

فعندما استخلف عمر قال:إني استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن برّ وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه. وإن جار وبّدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت". وهي عبارة تشير إلى أن فكرة الاستخلاف عنده كانت جزء من الاجتهاد السياسي. ومن ثم جزء من معرفة فردية وشخصية وخاصة وحدس سوف يكشف عنه الزمن. لكنه حدس مرتبط بدراية شخصية محكومة بفكرة الخير للجماعة والدولة. من هنا أيضا وصيته لعمر:"إنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الحق في الدنيا وثقله عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلا. وإنما خفّت موازين من خفّت موازينه يوم القيامة بإتباعهم الباطل وخفّته عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفا". وهي معادلة محكومة من ألفها إلى يائها بفكرة الحق. بمعنى أن الاقتراب من الحق وتحقيقه هو عين الصواب في كل شيء، كما أن الابتعاد عنه عين السقوط. بحيث جعل من حياته وموته تجسيدا وتحقيقا لهذا الاستنتاج.

فقد مات أبو بكر ولم يترك دينارا ولا درهما، وعاش زاهدا متقشفا ممتلئا بصدق الإخلاص لفكرة الحق والدولة الشرعية. وفي هذا يكمن المضمون الفعلي لفكرته عن الرشاد في إدارة شئون الأمة والدولة، والنموذج الأولي الذي تركه لمن خلفه.

*** 

ا. د. ميثم الجنابي

 

 

ميثم الجنابي(على مثال خلافة الراشدين)

تقديم: لقد كانت وما تزال قضية الخلافة مثيرة للتأمل والجدل والخطاب السياسي العملي. وليست بعيدة عن الاذهان حركة "دولة الخلافة"، التي كانت بالفعل اقرب إلى "دولة خرافة" رهيبة. ولكن ليس من حيث قوتها، بل من حيث عقائدها بشكل عام والسياسية بشكل خاص. فقد مثلت وجسّدت الصيغة "الحديثة" والشنيعة للوهابية الأولى. ومن ثم كانت هي بالفعل الصيغة المحدثة للوهابية أو ما يمكن أن نطلق عليه عبارة "الوهابية المحدّثة". والمحدّثة لا حداثة فيها لغير الخرافة والتدمير. واكتفي هنا بمثال واحد فقط، وهو تدمير الآثار التاريخية الثقافية. فإذا كانت أفعال الوهابية الأولى في الجزيرة موجهة اساسا لتدمير "قبور الأولياء" وما شابه ذلك، فلأنه لا آثار مدنية وتاريخية ثقافية وحضارية فيها بالمعنى الدقيق للكلمة. ومن شاهد الدرعية "عرين" الوهابية الأولى في الجزيرة، فإنه يستطيع فهم معنى تدمير "القبور" والآثار. إذ لا شيء فيها على الإطلاق باستثناء بعض البيوت الخربة والأرض القاحلة وواد اتعس. إنها أفقر وأرذل بعشرات، إن لم يكن بمئات المرات من اتعس وأرذل قرية عراقية. بل لا يمكن مقارنتهما على الاطلاق. وبالتالي، فإن عقيدة التدمير فيها بالنسبة إلى نجد آنذاك وما حولها لا تعني شيئا باستثناء "محاربة الوثنية" في ذهنية ونفسية البدو. بينما اتخذت في حالة العراق وسوريا طابعا همجيا لا حدود له، يعكس بقدر واحد كمية ونوعية الجهل والبلادة الذهنية والنفس السيئة لأوباش برابرة. ومع ذلك برعت وأثارت في زوبعتها الرملية تحت غشاء "الخلافة" كل ما تصعب العبارة عن توصيفه.

وهي ليست المرة الأولى التي رافقت المواقف السياسية والفكرية في التاريخ العربي الحديث. ولعل الصراع الذي اشتعل بعد إلغاء "الخلافة العثمانية" في بداية عشرينيات القرن الماضي، احد نماذجها. غير أن الصراع بقي آنذاك ضمن اطار الفكر السياسي والعقائدي والديني. وقد يكون كتاب (الخلافة أو الامامة العظمى) لرشيد رضا، والرد غير المباشر عليه من جانب علي عبد الرازق في كتابه المشهور (الإسلام وأصول الحكم)، احد النماذج الجلية. بمعنى أنها أدت إلى تنشيط الجدل الفكري البحث عن بدائل فكرية وسياسية في ما يخص فكرة الخلافة. وبعد قرن من الزمن تظهر من جديد الدعوة للخلافة العثمانية تحت عنوان "العثمانية الجديدة"، بوصفها ايديولوجية قومية تركية مبطنة. وهي فكرة عقيمة بحد ذاتها في ما يخص فكرة "الخلافة" بالمعنى الإسلامي. وما يقع خارجها، فإنه ليس أفضل من "خلافة" داعش. و"الفضيلة" الوحيدة لحركة داعش هنا في دعوتها "لدولة الخلافة" هو سحبها البساط من تيار وأيديولوجية "العثمانية الجديدة" بصدد الخلافة. مع انه في الواقع لا جديد في الاثنين. فكلاهما يمثلان تقاليد وذهنية ونفسية الخرافة. وكلاهما يظهران بعد قرن من الزمن على زوال "الخلافة" العثمانية. لكنهما التقيا في تخريب العراق وسوريا. وهو امر اقل ما يقال فيه انه مريب للغاية. وهو استنتاج واقعي. إذ كشفت الأحداث والوقائع والوثائق والحقائق، عن أنها مجرد أداة بيد مراكز الكولونياليات الغربية بشكل عام والأمريكية بشكل خاص. من هنا تبخرها السريع، رغم الدعم "العالمي" والمالي الهائل لها من جانب السعودية ودويلات الخليج و"أصدقاء سوريا"، أي كل هذا الكيان الهلامي في الظاهر، والمحدد في الواقع، الذي اشتركت فيه اساسا كل من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، والسعودية وقطر والإمارات، وفرنسا وبريطانيا، وتركيا و"الإخوان المسلمون"! أي مسلمون ونصارى ويهود من طراز خاص. وإذا كان "للنصارى واليهود" أسبابهما الخاصة، فإن تحول "المسلمين" إلى أداة بيد الآخرين والحربة العنيفة والأولية والداعمة العلنية والمستترة، فهو امر اقل ما يقال فيه انه مجاف للعقل والمصلحة. أما في الواقع فإنه احد النماذج الأشد دناءة وقذارة وخيانة للروح الإسلامي والقومي العربي.

فمن الناحية التاريخية هناك خمسة تيارات أو مستويات في تناول قضية الخلافة في تاريخ الإسلام. وهي على التوالي:

الديني العادي

الديني العقائدي (الكلام)

العقائدي السياسي (الفرق الكبرى)

الفلسفي (من الكندي حتى ابن رشد. وبعض الفلاسفة المغمورين)

السياسي الفلسفي الخالص (ابن خلدون وأبو عبد الله بن الازرق)

ولكل منها آراءه ومواقفه المختلفة والمتباينة. لكن أغلبها، باستثناء الصيغة الدينية العادية، تدرك ما دعته تقاليد الإسلام بفكرة وعبارة تحول "الخلافة إلى ملك". ومن ثم تربط فكرة الخلافة بمرحلة الخلفاء الراشدين، وما عداها ملك، منذ الأموية حتى سقوطها. وبالتالي، فإن محاولات إحياؤها من جديدة هو تعبير عن مدى السقوط العقلي وانحطاط الرؤية الواقعية والذوق الفكري في تقاليد الفكرة السياسية الإسلامية المعاصرة. لكننا مع ذلك نعثر على صيغة لها، ولكن من طراز جديد، كما هو الحال في فكرة ونموذج المرشد (عند الإخوان المسلمين) والمرشد الأعلى في إيران، والمرجعية عند الشيعة بشكل عام. وفيها نعثر على صيغة محدّثة "لخلافة الراشد". وبالتالي تحتوي على نقد غير مباشر وتخلي عن بعض المبادئ القديمة التي جرى دمجها في "قواعد" الإمامة (الخلافة)، والمقصود بذلك "قرشية" الخلافة. اما من الناحية التاريخية فهي فكرة أول وضعها في تاريخ الإسلام هم الخوارج. إذ أسسوا لمبدأ انتخاب الخليفة بشرط التمسك بأحكام الإسلام وأمور أخرى عقلية وأخلاقية. ومن ثم يمكن للخليفة أن يكون كل من يتمتع بهذه الصفات بغض النظر عن اصله وجنسيته ولونه.

من هنا أهمية تحليل ونقد فكرة الخلافة الاسلامية في احد نماذجها الرفيعة (خلافة الراشدين) وردها إلى حدودها التاريخية الفعلية. ومن ثم نزع كل هالة التقديس المزيفة حولها وعنها، من اجل توسيع مدى الرؤية الواقعية والتأسيس العقلاني والعلمي لأهمية الدولة الحديثة. بمعنى النظر إليها بوصفها إبداعا سياسيا لا علاقة له بالدين، بل بإدارة شئون الأمة وتنفيذ أحكام الشريعة. وهذه مهمة سياسية اولا وقبل كل شيئ. فالخلافة شكل من أشكال الدولة السياسية في بداية نشوئها. والرشد فيها اشكالية تعكس قضية السياسة والأخلاق. ولكل مرحلة تاريخية ثقافية خصوصيتها بهذا الصدد.

***

خلافة ابو بكر: نهاية الوحي وبداية الخلافة

إن تحول "خلافة الراشدين" إلى فكرة روحية، وأنموذج عملي أعلى، ومثال أخلاقي تام، ومعيار سياسي مطلق، يشير إلى جوهريتها المتسامية في الذاكرة الإسلامية ومكونات وعيها النظري والعملي. بمعنى خروجها على ما هو معتاد ومألوف في تاريخ الدولة والسياسة. وهي رؤية وجدانية ومجردة عن حيثيات التاريخ الفعلي. من هنا مرجعيتها وسموها اللذين لا يخلوان من أوهام التاريخ وكسل الوعي الإيماني. لاسيما وأنه وعي لا مكان فيه لمعايير الرؤية النقدية. وحالما يجري رفع هذه الصورة والمعيار إلى مصاف المرجعية المقدسة، فإنهما يصبحان جزء من معتقدات الإيمان، وقواعد العقائد، وحجج العقل التقليدي. مع ما فيها من حالة متناقضة من حيث أسسها التاريخية ومجراها الفعلي وتأثيرها الواقعي.

فقد كانت بداية "خلافة الراشدين" فعلا تاريخيا، ارتبط بكيفية حسم الصراع الأولي لصالح المهاجرين في شخصية أبي بكر الصديق. وقد كان هذا أساسها. أما في مجراها فقد كانت عملية سياسية مرت بثلاث مراحل أو منعطفات كبرى،

الأولى وهي المرحلة التأسيسية التي مثلها أبو بكر وعمر بن الخطاب، بوصفها بداية الدولة.

والثانية هي المرحلة السياسية التي مثلّها عثمان بن عفان، بوصفها بداية السلطة.

والثالثة هي المرحلة التاريخية التي مثلها علي بن أبي طالب، بوصفها بداية الدولة السياسية، أي بداية الحضارة الإسلامية وصيرورة مكوناتها الثقافية ومرجعياتها الكبرى.

وهي تحولات كبرى حددت بدورها طبيعة العلاقة بين السلطة والمثقف. وشأن كل بداية كبرى، فإنها عادة ما تختزل الصراع بصورة حادة وسريعة وسهلة. وليس مصادفة أن تبتدع الثقافة الإسلامية لاحقا عبارة "لقد كانت خلافة أبو بكر فلتة". وبغضّ النظر عن الإمكانيات المتنوعة في تأويلها، لكنها تصب في المجرى العام لما يمكن دعوته بالبداية الصعبة. أنها شأن كل ولادة أولى تحتوي بالضرورة على وحدة الإغراء والألم. وفي هذا يكمن سرّ بريقها الباهر في الوعي التاريخي والعقائدي على السواء.

فمن الناحية التاريخية كانت خلافة أبي بكر بداية الدولة، ومن ثم انتهاء الوحي. الأمر الذي جعل من الاجتهاد السياسي بداية الاستقلال الفعلي في تاريخ الأمة بوصفها كينونة جديدة. وهو تحول أعطى للشخصية السياسية أبعادا روحية، كما جعل من الروح أداة التنسيق الدائم للأفعال من خلال رفعها إلى مصاف الصورة المتسامية والمرجعية العملية، كما نعثر عليها في الصيغة المباشرة التي جعلت من تسلسل الأشخاص في الخلافة تسلسلا في الفضائل المجردة والشخصية. وعادة ما تغري هذه الرؤية الوعي الديني والتقليدي، لكنها لا تشفي غليله. ومع كل احتجاج فكري وواقعي عليها تستثار فيه حمية التوكيد و"البرهنة" والبحث عما يمكن توظيفه في سلسلة العقائد.

وهي الصورة التي نعثر عليها فيما يسمى بالمواقف السنّية من شخصية أبي بكر. فجميعها يجمع على أمور عامة مثل كونه أول الخلفاء الراشدين، وأول من آمن بالنبي محمد من الرجال، وأنه من الصحابة الذين رافقوا محمدا منذ بداية الدعوة، وأنه أول من اسلم من أهل قريش، وأنه والد عائشة زوجة الرسول، وأم المؤمنين. وسمي بالصديق لأنه صدّق النبي في خبر الإسراء، وقيل لأنه كان يصدّق النبي في كل خبر يأتيه من السماء. كان يدعى بالعتيق، لأن النبي قال له:"يا أبا بكر أنت عتيق الله من النار". وقيل لُقّب بـكلمة عتيق لأنه كان جميلا. وقيل كانت أمه لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت، فقالت:اللهم إن هذا عتيقك من الموت، فهبه لي! كان سيدا من سادات قريش، وممن حرّموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية. شهد حروب النبي واحتمل الشدائد وبذل الأموال. وكان رفيق النبي في هجرته إلى المدينة. وثاني اثنين في الغار. وكان ممن يفتي على عهد النبي. كما أنه الذي حمل الراية يوم تبوك. وإليه عهد النبي بالناس حين اشتد به المرض. وأنه احد العشرة المبشرين بالجنة. بويع بالخلافة يوم وفاة النبي سنة 11 للهجرة. حارب المرتدين والممتنعين عن أداء الزكاة، وأقام دعائم الإسلام. افتتحت في أيامه بلاد الشام وقسم كبير من العراق. توفي ليلة الثلاثاء لثمان خلون من جمادي الآخرة، بعد أن بلغ من العمر ثلاث وستين سنة، وكانت مدة خلافته سنتان وثلاثة أشهر ونصف

[1].

هذه هي الصورة الواقعية والتاريخية المتسامية، أي المجردة من كل حيثيات الحياة البشرية، والتي يمكن رؤية أنموذجها "الروحي" في تصوير أبي نعيم الأصفهاني عندما قال عنه:"أبو بكر الصديق، السابق إلى التصديق، الملقب بالعتيق، المؤيد من الله بالتوفيق، صاحب النبي في الحضر والأسفار، الشفيق في جميع الأطوار، وضجيعه بعد الموت في الروضة المحفوفة بالأنوار، المخصوص في الذكر الحكيم بمفخر فاق به كافة الأخيار وعامة الأبرار، وبقى له شرفه على كرور الاعصار، ولم يسم إلى ذروته همم أولي الأيد والأبصار"[2]. وهي صورة روحية مصاغة بمعايير الرؤية الصوفية. ومن ثم لا إلزام فيها لغير رفعة المعنى القائم في فكرة الأولياء، إي في سلسلة الروح الإسلامي الممثلة في شخصياته الكبرى. وهي صورة لا إلزام سياسي أو عقائدي فيها على عكس ما هو مميز للتقاليد السنّية المتأخرة التي حاولت أن تجعل من تصوراتها عن فضائله مناقب عقائدية. وليس مصادفة أن نعثر في نماذجها المختلفة على اشتراك دائم لبعض منها، هو "الحد الأدنى" الذي يجعل منه "أولا" في كل شيء بعد النبي محمد! بحيث توصلوا في نهاية المطاف إلى جعل ذروة مناقبه كونه أول الخلفاء الراشدين، ومن ثم فهو أفضل هذه الأمة بعد نبيها، وخلافته منصوص عليها، وقد أُمر النبي بالاقتداء به، لأنه من أحب الناس إليه بحيث اتخذه أخـا له، وذلك لأن الله زكـاه، بل أنه يدعى من أبواب الجنة كلها![3]

تعكس هذه الصورة المرّكبة تداخل التاريخ والعقائد، لأنها تحتوي على قدر واحد من الواقعية والمزاج المذهبي. ومن ثم فهي الحصيلة المتراكمة في الوعي التاريخي الإسلامي عن دوره الهائل بالنسبة للإسلام من جهة، وعن ضرورة تحصينه من هجوم التيارات التي وجدت في سلوكه السياسي من اجل الاستحواذ على السلطة خروجا على "الوصية النبوية". وفي كلاهما إفراط وتفريط منبعه نمطية الوعي الديني العقائدي. ولكن حالما نضع صيرورته الشخصية ضمن سياقها التاريخي، فإنه يأخذ بتمثيل الوحدة المغرية بين تفاعل القيم النموذجية وتحقيقها الفعلي في شخصيته الواقعية. وهو تفاعل وجد تعبيره في حصوله الأولي على تسمية الصدّيق. وسواء ارتبط ذلك بتصديقه منذ اللقاء الأول بالدعوة الجديدة لمحمد وغايتها المعلنة، أو بيقينه الجازم بأن كل ما يقوله محمد هو صدق، وبالأخص مع فوران الشك العربي الجاهلي بإمكانية الإسراء والمعراج، فإن تفاعل هذه القيم والمواقف في اسمه وسلوكه الشخصي على امتداد الدعوة الإسلامية يكشف عن شخصية متماسكة يرتقي فكرها وتفكيرها إلى مستوى الإيمان، وإيمانها إلى مستوى الفكر والتفكير. بمعنى غياب التجزئة المحتملة في قلوب الشخصيات الكبرى حالما تنتقل من حالة لأخرى، كما هو الحال بالنسبة لعمر بن الخطاب أو معاوية بن أبي سفيان، أي تلك الشخصيات التي لعبت دورا هائلا في بناء أشكال الدولة، بحيث أصبح كل منهما مثالا فاعلا في الوعي الثقافي والصيرورة التاريخية للحضارة الإسلامية.

فقد جسّد أبو بكر في شخصيته وسلوكه العملي أنموذجا فريدا طبع من حيث الجوهر فكرة الخلافة بوصفها استخلافا لحقيقة الفكرة النبوية. وحقق عبر تنشيط القيم بذاته احد النماذج الراقية في إخلاصها الحي للعقيدة الجديدة، سواء في سلوكه الشخصي أو في مواقفه من السلطة والدولة والقيم والمبادئ العليا كما وضعها الإسلام المحمدي. وبهذا المعنى يكون قد جسّد من الناحية التاريخية ما يمكن دعوته بنهاية الوحي وبداية الخلافة. ومن هذه الوحدة الجديدة للنهاية والبداية ظهرت للمرة الأولى مقدمات الدراما التاريخية للتأويل والسلطة، أو الأيديولوجية والممارسة العملية.

فالسلطة عروة الأفراح ومأتم الأتراح. وفيها ومنها تفوح كل الروائح الممكنة للنفس والجسد. الأمر الذي نعثر عليه في حصيلة الأفراح المرافقة للأمة الناشئة والأتراح المواكبة لأعدائها من "مرتدة" وقوى خارجية، وعبير الرائحة الزكية في عرف الثقافة وتقاليد الإسلام الدينية والدنيوية. وليس مصادفة أيضا أن يصبح محور الخلاف السياسي العريق للفرق الإسلامية، وبالأخص بين تيارات السنّة والشيعة. وهو خلاف سياسي من حيث الجوهر ارتقى و"تسامي" إلى مصاف الرؤية العقائدية والدينية. مما افسد مضمونه، لكنه ابقى على أبعاد الرؤية السياسية، التي كانت منذ البدء الفاعل والحافز الجوهري في الاختلاف بوصفه اجتهادا ملازما لفكرة الدولة والسلطة. ومن الممكن رؤية هذه الحوافز ردّ فعله وسلوكه التي يصورها ابن قتيبة في (الإمامة والسياسة) بعبارة تقول:"أتى الخبر إلى أبي بكر ففزع أشد الفزع وقام معه عمر فخرجا مسرعين إلى السقيفة"[4]. وينمّ هذا السلوك عن رؤية سياسية تدرك أهمية السلطة، ظل يلازم شخصيته حتى مماتها. إذ نعثر عليه في أهم سؤالين من بين ثلاثة أسئلة أراد توجيهها للنبي محمد، وفي أمرين ندم عليهما قبيل موته من بين ثلاثة لهما علاقة بقضايا السلطة. فمن بين الأسئلة الثلاثة التي أسف على عدم استفساره عنها من النبي محمد قبل موته هي: "لمن هذا الأمر من بعده"، و"هل للأنصار فيها من حق". أما الأمور الثلاثة التي ندم على فعلها فاثنين منها وردت على لسانه بالشكل التالي:"ليتني تركت بيت علي، وإن كان أعلن عليّ الحرب"، و"ليتني يوم سقيفة بني ساعدة كنت ضربت على يدي احد الرجلين"، ويقصد بذلك تأييده لأبي عبيدة أو عمر بن الخطاب باستلام الخلافة[5].

غير أن للتاريخ مساره الخاص وحكمه المناسب، الذي جعل من شخصية أبي بكر نموذجا أوليا للخلافة السياسية. ومن ثم بداية الدولة. أما حكمه عليه فيقوم في مأثرته الهائلة التي استطاع أن ينجزها في غضون سنتين وثلاثة أشهر هي مدة خلافته أو رئاسته للسلطة السياسية الجديدة، بوصفها أحدى أهم المراحل العاصفة والهائلة والعصيبة والتأسيسية في فكرة الدولة وتاريخها. وقد أنجزها بنجاح باهر. إذ استطاع القضاء على الخلافات الداخلية وقطع دابر الارتداد الديني، بوصفه الأسلوب المناسب لتوحيد الدولة. ومن ثم توجيه القوى الداخلية المتراكمة وعنفوانها الصاعد صوب تحقيق الحلم المغري للإمبراطورية الإسلامية الجديدة، التي صنعت أيضا وحدة التاريخ والروح في شخصيته المثالية. مع أنها كانت تتسم من الناحية الفعلية بتعقيد كبير، كما أنها لا تخلو من طابع درامي هائل. وليست الأمور الثلاثة التي ندم عليها قبل موته سوى مؤشر على مستوى الملازمة النفسية لإشكاليات السياسة والسلطة والدولة في أخلاقه الباطنية والفردية. ومن الممكن العثور على طبيعة وقسوة هذا الصراع الخفي والعلني أيضا في العبارة والخطابة التي وجدت انعكاسها "الادبي" فيما استجمع لاحقا تحت عنوان "بلاغات النساء". حيث ينقل لنا احمد بن طاهر البغدادي عبارة عائشة في الدفاع عن أبيها تقول فيها:"ذاك والله حصن منيف، وظل مديد، وفيء قريش ناشئا وكهفها كهلا"[6]. بينما ردت عليها فاطمة بنت النبي محمد في مواجهة سلوكه السياسي بسحب ارثها، قائلة "أأبتز ارث أبي، وفي الكتاب أن ترث أباك ولم أرث أبي؟ لقد جئت شيئا فريا، فدونكها مخطوطة مرحولة تلقاك يوم حشرك"[7]. وهي صورة تتمثل في الواقع دور وموقع الشخصيات التاريخية الكبرى، بسبب هول المرحلة وضخامة مهماتها التي تفرز أيضا ظاهرة استصغار الكبار وتكبيرّ الصغار. (يتبع....).

 

ا. د. ميثم الجنابي – باحث ومفكر

...................

[1] ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة، ج3، ص205.

[2] أبو نعيم الأصفهاني: حلية الأولياء، ج1، ص28.

[3] ابن خلكان: وفيات الأعيان، ج3، ص64.

[4] ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص9

[5] ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، ج1، ص 28-29.

[6] احمد بن طاهر البغدادي: بلاغات النساء، ص3.

[7] احمد بن طاهر البغدادي: بلاغات النساء، ص14

 

يسري عبد الغني"إن الحياة معاناة، وكل معاناة ترجع إلى التمسك بالحياة، والوسيلة للتخلص من هذه المعاناة تكون بالكف عن التعلق بالحياة، والوصول إلى هذا الكف، يجب على الإنسان أن يتبع الطريق النبيل ذا الثمانية فروع، وهي: الإدراك السليم، والتفكير السليم، والكلام السليم، والأفعال السليمة، والحيوية السليمة، والمجهود السليم، والمبالاة السليمة، والتركيز السليم "  [ بوذا]

إن البوذية تشبه البروتستانتية، في كونها بدأت تعبيرًا عن الاحتجاج على ديانة قائمة، ثم تطورت إلى حركة دينية واسعة قائمة بذاتها اتبعها الملايين من البشر .

والبوذية تشبه البروتستانتية أيضًا في أنها تنقسم إلى عدة مذاهب، يختلف كل منها عن الآخر اختلافًا كبيرًا، وكلمة بوذا معناها (المتنور)، أما الاسم الحقيقي لبوذا فكانت (سيدهارثا جوتاما) الذي ولد في منطقة (كابيلا فاستو) التي تقع في شمال الهند، وكان ذلك حوالي عام 560 قبل الميلاد .

وعندما بلغ سن التاسعة والعشرين من عمره، كان اهتمامه بما كان يشاهده حوله من مآس تتمثل في المرض، والموت، والفقر، والتعاسة، وقد بلغ حدًا جعله يهجر زوجته وابنه الصغير، ويتحول إلى ناسك يبحث عن الحقيقة، كان أول ما يريده، التوصل إلى إدراك كنه العذاب، الذي خيل إليه أنه جزء لا يتجزأ من الحياة الإنسانية .

وجد بوذا الديانة الهندية السائدة غير مقنعة، وهي ديانة تنتمي إلى تلك المجموعة من الديانات المعروفة باسم الديانات التوحيدية، أو وحدة الروح، وبمقتضاها كان الهنود يرون أنه علاوة على كل ما يوجد حولنا مما نراه، أو نحسه، أو نشمه، أو نسمعه، أو نفكر فيه، توجد حقيقة غير محسوسة، أو عالم الروح، وهو ما يجعل كل شيء مترابطًا حولنا، ويطلق الهنود على هذه الحقيقة اسم (البرهمانا)، وهم يعتقدون أن الروح تولد عدة مرات تلو الأخرى، في مستوى أكثر سموًا أو أكثر انخفاضًا حسب ما تستحقه، إلى أن يأتي الوقت الذي يصل فيه إلى أعلى درجات السمو، فتمتصها البرهمانا، ولا تولد مرة أخرى، وتلك هي درجة النعيم الأبدي الذي يسمونه (النيرفانا) .

ويتمشى نظام المستويات مع تلك التعاليم الدينية، وهو النظام الذي يقول بأن الإنسان بنشأته يتبع إحدى المستويات الأربعة التي تشمل جميع الطبقات، وهي تنبعث أصلاً من جسم البرهمانا، فالكائن البرهمي المقدس يخرج من فم البرهمانا، والمحاربون يخرجون من صدره، والتجار والصناع من الفخذين، أما العبيد فمن أقدامه، ولما كان المركز الاجتماعي في هذه الحياة الأولى يحدد مركزهم في الحياة الأخرى، فإن الكهنة، والأمر كذلك، يتمتعون باحترام خاص .

وقد نبذ بوذا الفكرة البرهمية، كما نبذ فكرة المستويات، وكان يعتقد أن كل إنسان يملك القدرة على أن يحيا حياة قدسية، وأن هذه القدرة ليست مقصورة على المستوى البرهمي، كما أنه كان يعتبر أن النساء أيضًا لهن نفس القدرة، وقد كان مركزهن الاجتماعي في أدنى درجة طبقًا للديانة الهندية الجامدة، والواقع لقد كانت عادة حرق الأرامل من النساء فوق نفس النار التي تحرق فيها جثث الأزواج، من العادات المتبعة لدى بعض الطوائف الهندية إلى عهد قريب لا يتجاوز أكثر من مائة عام .

كان بوذا يعتقد أن الروح بعد وصولها إلى أعلى درجات السمو تنطفئ، ولا تعود مرة ثانية إلى عالم الأرض، ولا يمتصها أي عالم روحاني آخر، والنيرفانا في عرف البوذية هي حالة الانطفاء هذه، وفي الوقت نفسه احتفظ بوذا بالعقيدة الهندية الخاصة بالتقمص أو الكارما، وهذا هو السبب في أن البوذيين الأخيار يكونون دائمًا شديدي الحب والعطف على الحيوانات، ويتجنبون أن يطأوا بأقدامهم حتى أقل الحشرات شأنًا، ويحترمون حق جميع المخلوقات في أن يسلكوا طريقهم على سلم التدرج، إلى أن يصلوا إلى درجة الحياة البشرية، ومنها إلى أعلى درجات القدسية .

ولكننا قد نتساءل عن السبب في أن يكون الهدف من صراعهم هو مجرد الانطفاء الكلي، وفي أن تكون رغبة الفرد هي مجرد التلاشي؟!، إن الإجابة التي يقدمها البوذيون على هذا التساؤل هي: أن الحياة لا تستحق أن تعاش، بل هي لا تعدو أن تكون مجرد رغبة قوية لتحقيق أطماع لم يتم تحقيقها، وهذه الرغبة هي القوة الكامنة وراء عودة الروح، فمتى تعلم الإنسان كيف يكبح جماح رغباته، فإن تلك القوة الكامنة تتلاشى .

والحقائق الأربع النبيلة في العقيدة البوذية هي : أن الحياة معاناة، وكل معاناة ترجع إلى التمسك بالحياة، والوسيلة للتخلص من هذه المعاناة تكون بالكف عن التعلق بالحياة، والوصول إلى هذا الكف، يجب على الإنسان أن يتبع الطريق النبيل ذا الثمانية فروع، وهي : الإدراك السليم، والتفكير السليم، والكلام السليم، والأفعال السليمة، والحيوية السليمة، والمجهود السليم، والمبالاة السليمة، والتركيز السليم .

كان الملك (أزوكا) هو الشخصية البارزة في تقدم البوذية، وكان قد أصبح ملكًا على جزء كبير من الهند في حوالي عام 270 قبل الميلاد، فلم يكتف بأن يجعل رعاياه فقط يعتنقون البوذية، ولكنه قام بإرسال بعثات تبشر بالبوذية إلى الأقاليم الأخرى، غير أن البوذية لم يكن مقدرًا لها الازدهار في بلاد الهند، حيث طغت عليها الديانة الهندية، ثم ظهور الإسلام الذي جاء من الغرب، مما جعل البوذية تنتقل شمالاً وجنوبًا .

وفي مدة حكم أزوكا، انقسمت البوذية إلى مجموعتين رئيسيتين هما : الهينايانا أو الناقلة الصغيرة، والماهايانا أو الناقلة الكبيرة، وقد ازدهرت الأولى في الجنوب، وفي سيلان (سيرلانكا)، وبورما (مينيمار)، وتايلاند ، بينما أحرزت الثانية نجاحًا كبيرًا في بلاد الصين، والكوريتين، والتبت، واليابان .

وتعتبر الهينايانا أصفى أشكال البوذية، وأتباعها يعتبرون أن بوذا ليس مجرد رجل وضع بعض قواعد للسلوك، ولكنه ليس إلهًا يعبد، وفي سيرلانكا التي تعتبر مركز الهينايانا، توجد أشهر آثار بوذا وهي إحدى أسنانه .

أما الماهايانا فهي شكل منحرف للبوذية، على حد ما كتبه أهل التخصص في دراسة البوذية، وأتباعها يعتبرون بوذا واحدًا من الكائنات الإلهية العديدة، كما أنهم يعبدون الروح التي ألهمت بوذا، وهم يؤمنون بالملائكة والشياطين، وبعض طوائفهم يؤمنون بوجود الجنة والنار، مؤكدين على أنه من الضروري أن تمر بهما الروح قبل أن تصل إلى مرتبة النيرفانا، وتوجد عدة أشكال للماهايانا، ففي التبت يعتقد النساك أن الصلوات المكتوبة التي توضع في عجلات تصعد إلى بوذا عندما تدور العجلات، وفي اليابان طائفة من البوذيين تسمى (زن)، وهؤلاء يعلقون أهمية كبيرة على التأمل، ولديهم في ذلك وسائل تشبه إلى حد كبير تعاليم اليوجا، والغرض منها المساعدة على التركيز أو الصفاء الروحي .

يقول الباحثون: إن جميع طوائف البوذية من النساك، وذلك لأهمية التأمل العميق الذي لا تعترضه أية مقاطعات، ولديهم نظام للرهبنة والكهانة كجزء من زعامة دينية واسعة النطاق، ويقال : إن المستندات الرئيسية التي تعتمد عليها الهينايانا هي سلال العقيدة الثلاث، أو التيبيتاكا، وقد اعتمدت هذه المستندات في عهد الملك أزوكا، وللماهايانا تفسيرها الخاص للتيبتاكا .

وختامًا نقول : هذا تعريف موجز بالبوذية، تلك العقيدة التي كتب عنها الكثير، فلعلنا نكون قد وفقنا في الإفادة بهذا الموجز .

 

بقلم: د . يسري عبد الغني

 

 

تماضر مرشد آل جعفرتقسيمات المبحث المقارن:

سبق الحديث عن البناء المنهجي والرؤى الفلسفية التي اعتمدها الفيلسوفان صدر الدين الشيرازي وسبينوزا في واحدة من أهم المسائل الفلسفية الصوفية، وأثرها في الفلسفة الإسلامية والغربية، ومسائل الوجود التي انعكست على تلك المسألة، ضمن الأداة المنتجة لها هي: الروح والعقل. وقد ختمت تلك المنهجية بدراسة مقارنة عامة، تأكيدًا لعنوان البحث: (دراسة مقارنة). ارتأيت فيها أن يُؤخذ كلَّ مفكرٍ منهم بمعزلٍ عن الآخر لأعرض من خلال منهجه، عرضًا فلسفيًا ما يحتويه من طروحات ونظريات وإشكالات ووصايا ونتائج، وصولاً إلى المقارنة، اعتقادًا مني بفائدة هذا الأسلوب**.

أولاً: مقارنة الوسط البيئي للفيلسوفين.

1- أثر البيئة العامة بظروفها السياسية والاقتصادية والثقافية في الفيلسوفين.

2- مسألة العزلة التي عاش فيها كلا الفيلسوفين وأثرها في تكون فكرهما الفلسفي.

3- أثر رجال الدين في فكر الفيلسوفين والنقد الذي تعرضا له.

لِما للأثر النفسي الذي تتركه البيئة على فكر الفلاسفة والمفكرين أبتدي بها، عاش كلٌّ من الشيرازي وسبينوزا وسط عائلتين تميزتا بالثراء والثقافة العلمية، إضافة إلى أنها كانت من الطبقات المقربة للسلطة ورجال الدين، أفاد كلا الفيلسوفين من تلك المكانة في إثراء ثقافتيهما، وسهولة تلقيهما للعلوم، إذ لم يكن للفقراء آنذاك نصيبٌ من ذلك.

انعكست بشكل أو بآخر تلك البيئة الأسرية في اتخاذ الفيلسوفين جانبًا من التحرر، أو كما اعتقدا أنهما سيكونان حرَين في إبداء رأيهما وسط تلك المكانة العائلية.

اصطدم الشيرازي بالوسط الفقهي الذي كان يسود إيران إذ ذاك فرُفِضَت آراؤه، ولم تكن لديه تلك العلمية لمقارعة الفقهاء والمدارس الفقهية والفلسفية التي كانت سائدة في عصره، فاضطر للاعتزال والابتعاد عن المجتمع، ريثما تتكون لديه من القراءات مايوصله إلى دليل يستطيع به الانتصار لرأيه.

كانت لسبينوزا نفس الأوضاع التي عانى منها الشيرازي، والمجابهة التي لقيها من رجال الكنيس اليهودي المسيطرين على قرارات الدولة والحكم، إلا أنَّ ماتعرض له سبينوزا كان أكثر إيلامًا لنفسه ابتداءً من هجرة العائلة بسبب العنصرية، إلى طرده من المجمع الكنسي، ثم تبرؤ العائلة من آرائه، بينما لم يلاقِ الشيرازي هذا الاضطهاد إلا أنه اختار الاعتزال بفكره.

عاد الشيرازي من عزلته بمؤلفاته ناشرًا فكره مستغلاً رضا الشاه عباس عنه وعما ذهب إليه من آراء فقهية وفلسفية، بينما قاوم سبينوزا كل دعوات الأمراء والجامعات التي أرادت الإفادة من فكره، حفاظًا على مبادئه التي آمن بها والتي تخالف مايذهب إليه رجال الدين والأمراء.

الاستنتاج:

بدأ الشيرازي التذمر والتظلم من العيش وسط مجتمع ساده التزمت لرأي الظاهرية والاستخفاف بمنطق العقل، كذلك كان سبينوزا منزعجًا من المجتمع الذي تسلط على قراراته الكهنة ورجال الدين، وبينما وافق الشيرازي على نشر فكره تحت عباءة الشاه عباس، رفض سبينوزا العمل في جامعات رأى أنها ستفرض رأيها عليه، ربما كان ذلك من انعكاس نشأة الشيرازي في بيت وزير في الدولة هو والده، فرأى أنَّ السلطة قادرة على حماية فكره، ولم ير سبينوزا هذا الرأي من أثر الطرد الذي تعرضت له العائلة بسبب التفرقة العنصرية التي سادت بلده وقت ذاك، فما رأى للسطلة من حماية بقدر ما هي ناهضته العداء.

لم يورد أي من الشيرازي وسبينوزا سيرتهما أو الإشارة إليها إلا ما ورد من ذكر الشيرازي للأوضاع التي سادت عصره وكثرة من وصفهم (أهل الأهواء)، مع إشارته لتاريخ ولادته.

بينما استطاع الشيرازي أن يحفل برضا الشاه فيمكنه من فتح مدرسة وجمع تلاميذ ومريدين، لم يستطع سبينوزا إلا أن يقوم بتدريس أفكاره لبعض أصدقائه في عزلته كما أنه لم يتمكن من ذكر اسمه على مؤلفاته إلا الحرف الأول فقط.

وأخيرا لابد من القول بأنَّ تأثير البيئة عليهما كان واضحًا في اختيارهما لمنهجهما العلمي والفلسفي.

ثانيًا: مقارنة المنهج (اعتماد الأدلة والبراهين العقلية والنقلية).

1- الإبداع في برهنة القضايا الفلسفية.

2- الاعتماد على البراهين والحجج في حل إشكالات الفلسفة.

3- الأسس الفلسفية عند الفيلسوفين (اعتماد الهرم الهندسي الرياضي) لفكرة وحدة الوجود.

إنَّ الأساس الذي يقوم عليه أي منهج هو: وجود فكرة، تدفع المفكر والفيلسوف أن يسلك منهجًا محددًا حول تلك الفكرة وحل إشكالياتها، كما أنَّ أية دراسة لأية فكرة لايمكن أن تحقق نتيجة ناجحة ما لم يتم ربطها بالماضي أو الأساس الذي نبعت منه، لذلك اعتمد الشيرازي وسبينوزا منهجًا هندسيًا في تفسير وحدة الوجود اعتمادًا على هندسة الفلاسفة الأوائل الذين خاضوا تلك التجربة، فهما ليسا أول من ربط بين المنهج الهندسي وبين الكتابة الفلسفية، فقد استُخدِم هذا المنهج جزئيًا في العصور القديمة.

المفاهيم التي قامت عليها منهجية الشيرازي هي المفاهيم الإسلامية التي قيدت فكرته ـ في بعض الأحيان ـ كما أنه دار بين العقل والعرفان، وكان الفكر الإشراقي مسيطرًا عليه، ولم يتجاوز الشيرازي في منهجيته تلك دستور الإسلام (القرآن) والأحاديث النبوية، واعتمد التوفيق بين الشريعة الإسلامية، وبين الفلسفة والعرفان، منهجية قائمة على التذوق العرفاني، والبرهان الفلسفي الرياضي، كما سعى الشيرازي لفكرة واحدة في كل كتبه وهي، التطابق بين العقل والنقل، إلا أنَّ غلبة الروح الإشراقية وتأثره بالسُهروردي جعلت حجية العقل ليست الأساس في طروحاته الفلسفية.

من منهجه الرياضي أطلق على أسفاره (الحكمة المتعالية) ليُرتب على أساسها مراتب الوجود عنده "الله تعالى" ثم الطبيعة، والإنسان، كان لهرمه الهندسي أساسًا وضعه أرسطو في تصوره لتركيبة الموجودات، الذي جعل قاعدته (الهيولى) وقمته (الصورة) أو صورة الصور "الله تعالى".

أما بالنسبة لمنهج سبينوزا الهندسي فقد تأثر بالنجاح الهائل للعلوم الرياضية الذي أدى إلى الاقتداء بالدقة الرياضية في صياغة الأفكار الفلسفية، وإلى جعل الرياضة أنموذجًا ومثلاً أعلى للمعرفة البشرية في كافة ميادينها. وإذن فمنهج سبينوزا الهندسي لم يكن بدعة ليست لها سوابق في تاريخ الفكر الفلسفي، لكن كانت له دلالة خاصة تزيد على كونه مجرد اقتداء بمثل أعلى سائد في عصره، فهو يشترط أن يكون العقل الرياضي المجرِب أساسًا لجميع الأبحاث العلمية المدققة.

اتبع سبينوزا المنهج الهندسي، فكان أقرب في شكله لكتب الهندسة منه لكتب الفلسفة، إلا أنَّ مضمونه كان في قمة التجريد الميتافيزيقي وفي البحث عن الغاية الأخلاقية، كما تحدث في هرمه الهندسي عن السطوح والمساحات والخطوط والأجسام الهندسية والبديهيات، فكان يجمع التعريفات والبديهيات والجمل التعليمية مع البراهين ثم يخلص إلى النتائج والأحكام ثم المسلمات، لم يكن سبينوزا مسَلّمًا بقضية إلا بعد البرهنة عليها، فهدم كل المعتقدات التقليدية التي ورثتها أوربا في القرون الوسطى.

76 tamader600

الاستنتاج:

نقاط الاختلاف والالتقاء بين الشيرازي وسبينوزا:

‌أ- الاتفاق: هو أن كلاً منهما اتخذ البرهان طريقًا للوصول إلى مبتغاه، تأثر الفيلسوفان بالمنهج الرياضي والأسلوب الهندسي للوصول إلى نتائج منطقية يرضاها العقل معتمدَين الأدلة والبراهين، وكان "الله تعالى" في قمة الهرم الهندسي لكلا الفيلسوفين، كما أن كلاهما استخدما الأدلة العقلية على آرائهما في وحدة الوجود.

‌ب- الاختلاف: بينما كان العقل قاسمًا مشتركًا بينهما، إلا أنَّ النقل والكتب الدينية كان الفارق، فبينما كان القرآن الكريم والأحاديث النبوية مصدرًا هامًا عند الشيرازي، كان سبينوزا ناقدًا للكتب التي اعتمدها رجال الدين والتي صرح هو بخطأ نسبتها للأنبياء.

قامت منهجية الشيرازي في الاعتقاد بالنظر العرفاني والإيمان بالإشراقات الربانية ـ الروحية ـ القائمة على الرياضات والتجليات النورانية، بينما كان سبينوزا من أشد المخالفين لتلك الأفكار وأنه يراها من الأبواب التي تجلب الإيمان بالخرافات والأساطير، فقد كانت المعرفة الحدسية التي يحققها العقل هي العامل الأساس الذي قامت عليه نظريات سبينوزا وفلسفته.

ثالثًأ: مقارنة مدى تأثر الفيلسوفين بالمصادر والروافد.

1- أثر الفلسفتين اليونانية والإسلامية.

2- دخول الفكر الصوفي والعرفاني إلى فلسفة الشيرازي وسبينوزا.

نهل كل من الشيرازي وسبينوزا من الفكر اليوناني في الإلهيات خاصة، فكان لأرسطو وأفلاطون وتلميذه أفلوطين أثرًا واضحًا في مسائل ترتيب الوجود التي أثرَت فلسفة وحدة الوجود.

أفاد الشيرازي من ترتيب أرسطو للموجودات، وتفسيره العلة والمعلول، كما كان لفكرة الصدور والفيض عن أفلوطين واضحة، وأيضًا كان للترتيب الصعودي والنزولي لأفلوطين أثر في تناسق ارتباط الصدور من العقل الأول إلى الإنسان، ومع تأثره بنظرية المُثل الأفلاطونية ودفاعه عنها، إلا أنَّ الاعتقاد بنظرية التشكيك في الوجود ينقض نظرية المثل، لذلك ترك الشيرازي الباب مفتوحًا لأسئلة عدة حول سبب دفاعه عن مثل أفلاطون، المرفوضة أصلاً من الفكر الإسلامي، كونها تجعل العالم خيالات خارجة عن حقيقتها، كما رُفضَت فكرة وحدة الوجود.

بدت آثار الفارابي في الوجودات الرابطة عند الشيرازي، والقريبة جدًا من فكر الفيوضات، وهي فكرة تفكَّر الشيرازي بها كثيرًا حتى انتهى بها إلى أنﱠ الوجود المفاض ليس إلا تعلقًا وربطًا بالوجود المفيض, وليسا وجودَين، كلٌّ منهما قائم بذاته مستقل بها، ولابن سينا أثره في الجمع بين العقل والإلهام، فقد أخذ منه اعتباراته للماهية ليعكسها على اعتبارات الوجود.

أما تأثر الشيرازي بالفلسفة الإشراقية ممثلة بالسُهروردي، والعرفانية ممثلة بابن عربي، فكان كبيرًا، ألقى بظلاله على فلسفة الشيرازي في وحدة الوجود بشكل كبير، مناقضًا ما أورده هو بأنه لا يؤمن بالحلول والاتحاد الذي يؤمن به كل من السُهروردي وابن عربي، وهذه أيضًا فتحت مجالاً للسؤال عن سبب تلك التناقضات، أراد الشيرازي أن يوفق بين الفلسفة الإشراقية والصوفية وبين الفلسفة المشائية المنطقية من جهة، وبين تعاليم الإسلام من جهة أخرى، ومع تمتع الشيرازي بفكر حر جعل العقل أساسًا لكل ما يذهب إليه الإنسان وما يعتقده، إلا أن نشأته في زحمة الروح الإشراقية ـ التي كانت من أبرز مميزات مجتمعه ـ كونت جزءًا كبيرًا من شخصيته، يقول الشيرازي: إن مجرد المكاشفة غير كافٍ في السلوك من غير برهان كما أن مجرد البحث من غير مكاشفة نقصان عظيم في السير(1).

بدأت فلسفة وحدة الوجود عند اليونان قائمة على أساس وحدة العنصر الطبيعي، كقول طاليس: بالماء أصل الأشياء، فانطلقت الفكرة عند الفلاسفة الطبيعيين في البحث الأونطولوجي، ثم أخذ بتلك المباحث في وحدة الوجود، هيراقليطس وبارمنيدس، ثم تداعت الفلسفة بعدهم لتعود إلى مفاهيم الدين وتقسيم الوجود بين الإله المتعالي وبين الموجودات، فألغى الدين تلك الوحدة وجعلها وحدة تراتبية، ثم جاء أرسطو ليقسم مفهوم الوجود وتعدد معانيه، بمقولاته العشر،، فهو وجود متراتب متناسب، فنسبة الجوهر هي نفسها نسبة العرض، لكن هذا التناسب لم يعط للوجود وحدته التي تطالب بها الأنطولوجيا، كان هذا من فلسفة اليونان التي قرأها سبينوزا، أما فكر التصوف الديني فدخله عن طريق فلسفة ابن رشد وتوما الأكويني، لكنهما جعلا الفلسفة توافق الدين، وهذا ماترفضه أنطولوجيا الوجود، ثم انتقل فكر المعتزلة ليعيد للفلسفة العقلية مكانتها في أوربا، وإن كانت وحدة أبي هشام المعتزلي وابن سينا، ووحدة دونس سكوت في الفلسفة المسيحية، وضعت اللاهوت في أحضان الفلسفة لتعيد لوحدة الوجود مفهومها، إلا أنها لم تقترب من الوجود إلا من خلال مفهوم الحياد، كل تلك الروافد أثرت في قراءة سبينوزا فلم يقتنع بها حتى ثار عليها، فأصبح الوجود عنده واحدًا، متواطئًا، واثباتيًا.

الاستنتاج:

رأينا الشيرازي متمسكًا بمصادره الدينية والكلامية، جامعًا إياها مع مصادره الفلسفية العقلية، لذلك لم يستطع إلا أن يجعل الوجود مقسمًا بين"الله تعالى" وبين مخلوقاته، ألزمته بذلك عقيدته الإسلامية فما خرج عنها، فكان بذلك فيلسوفًا لاهوتيًا، فسار على خطا أسلافه من الفلاسفة والعرفانيين مع محاولته تعدي ما وقفوا عنده من المسائل، إلا أن خطاه كانت مترددة.

أما سبينوزا فقد تجاوز كل ما قيده من فكر رجال الدين، ففصل الفلسفة عن الدين وأعطى لأنطولوجيا الوجود قوتها، وإن كان قد تأثر بمن سبقوه، إلا أنه كان له فكره الخاص وفلسفته التي لم يستطع ديكارت أن يصل إليها أو أن يخرج من قيد الدين، فسبينوزا اتخذ من ديكارت أساسًا انطلق منه لفلسفته العقلية، إلا أنه رفض كل ثنائيات ديكارت ليجعل من هرمه الهندسي وحدة واحدة مترابطة، ثم نسف كل مبادئ ديكارت التي بقيت مع تميزها، رهينة بقايا لاهوتية.

رابعًا: النظام الهندسي لتفسير مباحث الوجود الثلاث: "الله تعالى"، الكون أو الطبيعة، والإنسان، عند الشيرازي وسبينوزا.

1- تفسير الفيلسوفين لمفهوم "الله تعالى"، وصفاته لتبرير كثرة الصفات مع وحدة "الله".

2- "الله تعالى" بسيط الحقيقة، مع كثرة ذهنية.

3- التشابه في تفسير صفات "الله تعالى" بين الشيرازي وسبينوزا.

4- (الطبيعة والإنسان) في هرم كل منهما، النفس الإنسانية وارتباطها "بالله تعالى" في فكرهما.

تُعد مباحث الوجود الثلاثة: (الله تعالى، الطبيعة، الإنسان) هي أهم المباحث التي شغلت فكر الشيرازي وسبينوزا لتفسير وحدة الوجود.

قامت منظومة الشيرازي على المثلث الهندسي العرفاني، فعرَّف الشيرازي "الله تعالى" بتعريف المسلمين العرفانيين، فهو اسم للموجود الحق الجامع لصفات الإلهية المنعوت بنعوت الربوبية المتفرد بالوجود الحقيقي، فإنَّ كل موجود سواه غير مستحق الوجود بذاته وإنما استفاد الوجود منه، فهو من حيث ذاته هالك ومن الجهة التي تليه موجود، فكل موجود هالك إلا وجهه"سبحانه".

ألحق الشيرازي اسم "الله تعالى" كل صفات الكمال، المناسبة للذات الإلهية ومرتبة الربوبية، ثم تكلم عن الكثرة، فتكثر الأسماء والصفات لا يعني أن ذات واجب الوجود تحصل فيها الكثرة، وإنما تتعدد  بتعدد الأسماء والصفات فقط، فالموجودات المتكثرة ماهي إلا مظاهر تجلي الأسماء والصفات للذات الإلهية المقدسة، وإن كانت هذه الوجودات متمايزة ومستقلة، فهي تعيُّنات للحق"سبحانه وتعالى"، وهذا ما توافق فيه مع ابن عربي.

صفات "الله تعالى" عنده ضمن ثلاثة أقسام كلها تدل على أنه الواحد، غير القابل للتجزئة، الواجب الوجود، الخالق، القائم بأعمال الرزق لعباده، وغيرها من صفات الفعل، حي، غير قابل للعدم.

الكثرة في الصفات اعتبارية وليست في حقيقة الذات الإلهية، كما أنها مجردة عن الطبيعة ولا تتدركها الحواس، بل يدركها العقل، صفاته "سبحانه" ليست زائدة عليه، وليست مترادفة.

بيَّن الشيرازي بأنﱠ صفات مرتبة الألوهية المتعلقة بالذات الإلهية المطلقة تؤكد أنَّ "الله تعالى" لم يكن وجوده معلولاً ومسبوقًا بزمن معين.

الطبيعة عند الشيرازي قائمة على الترتيب، فهي تبدأ من خلق الممكن الأول، ثم تتدرج إما بإيجاد شيء من شيء، كخلق الأبدان من الهيولى الأولى، أو إيجاد شيء من لا شيء كخلق الأرواح.

الجوهر عنده هو الهيولى الأولى التي تتكون منها الأبدان، ثم الأجساد القابلة للذوبان، ثم الروح، وتحقق من إفاضة الخالق"سبحانه" للأبدان، وإنَّ أقرب علة للجوهر هي الطبيعة التي تكون سبب حركة الأجسام، فالطبيعة جوهر سيال، نشأت من مادة شأنها القوة والزوال، وفاعل محض شأنه الإفاضة والإفضال.

يعتمد الشيرازي ـ كباقي الفلاسفة ـ على امتداد النفس وقواها في تفسيرهم للإنسان، فبَين الشيرازي أنَّ تلك النفس نشأت في النظام الوجودي بقواها النباتية والحيوانية والناطقة، وعدَّ النفس بهذا التعبير بأنها كمال أول للجسم الطبيعي، وأنها مفارقة للأجسام الطبيعية في النبات والحيوان وغيره بما ميزه الله " سبحانه وتعالى" بالعقل.

أما رؤى سبينوزا فهي: "الله تعالى" في فكر سبينوزا جوهر، لا متناهٍ، صفاته لا معدودة، كلٌّ منها أزلية لامتناهية، الجوهر واحد، واجب الوجود أزلي، لا متناهٍ، ولا يقصد سبينوزا بالجوهر الشيء المادي وإنما هو الحقيقة الأساسية التي تشكل أساس كل الأشياء.

صفات الجوهر أو "الله" عند سبينوزا تتكون من أعداد لا متناهية، كلها تدل على الكمال، وهي صفات لذاته وليست خارجة عنه ولا زائدة.

وللجوهر أحوال هي جزئيات الكون وفردياته التي نراها، وهي معتمدة في وجودها على غيرها، والطبيعة عند سبينوزا لا تنفصل عن الجوهر فهو يؤمن بأنَّ "الله" هو الطبيعة، وقسم الطبيعة إلى: طبيعة طابعة وهي الخالقة، لا تتغير، وطبيعة مطبوعة هي المخلوقات، المتغيرة، وأعطاها نفس صفات "الله" أو الجوهر فقال بقدم العالم، "فالله تعالى" هو علة الأحداث ولكنه ليس مفصولاً عنها بزمن، بل كل الكون والإنسان متواجدة معه.

الاستنتاج:

"الله تعالى" في فكر الشيرازي وسبينوزا، واحد، خالد، أزلي، لامتناهٍ، واجب الوجود وموجود بالضرورة، صفاته متعددة لا متناهية أيضًا، كثرتها لا تدل على كثرة آلهة، وإنما هي كثيرة لذات الواحد، ليست زائدة، هي عين ذاته، أما كثرة سبينوزا فهي في الأحوال التي تُدرَك وتوجد بوجود الجوهر ولا توجد بدونه. وليست خارجة عن الكون أو"الله" تنتظم بانتظام الكون في وحدة كاملة.

بينما كان الجوهر عند الشيرازي هو الطبيعة، كان الجوهر عند سبينوزا هو "الله"، وهنا الفرق بين جوهر الشيرازي الممثَل بمادة، وجوهر سبينوزا اللامادي ولاجسماني.

تخلُق الإنسان الكامل بصفات "الله تعالى" عند الشيرازي تأتيه من الفيوضات الربانية، بينما عند سبينوزا تكون صفات "الله تعالى"، الفكر والامتداد، بين "الله" والإنسان في ترابط واحد، إلا أنها روحانية لا جسمانية.

تتمثل فكرة الامتداد عند الفيلسوفين في مفهوم قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [سورة الأعراف، الآية:143]. فمفهوم التجلي هنا هو الإحساس بوجود الشيء.

كل الصفات الإلهية عند الشيرازي وسبينوزا تُدرَك بالعقل، ولكن الإنسان عند الشيرازي يتوصل إليها عن طريق المعارف والرياضات العرفانية، بينما يرى سبينوزا أنه يدركها ويستشعر بها عن طريق المعرفة الحدسية المقرونة بالتفكر العقلي أو الحب العقلي، وإن كان التعبير يوحي بالتشابه، إلا أن الشيرازي وكغيره من العرفانيين رأى أن التقرب إلى "الله تعالى" يكون بالرياضة العلمية والعملية للحصول على المعارف الإلهية، وأن النفس الإنسانية طالبة للكمال دائمًا لتصل إلى رضا ربها وتنعم بالسعادة الخالدة، والإنسان الكامل هو المتجرد عن النزوات والأهواء، يعرف ربه بجميع المشاهد والمشاعر، متخلقًا بصفات"الله تعالى" كي يستمد فيوضاته، ويصل مرتبة النبوة، وقد بدا الشيرازي هنا متمسكًا بالروحانيات من تأثير الفلسفة الإشراقية، بينما يرى سبينوزا أن العقل هو وحده من يوصل الإنسان بربه"سبحانه"، فالتدبر والتفكر هو مايوصله إلى أسباب السعادة، على أن ذلك هو الأقرب لقوله تعالى:  ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة، الآية:242].

 

قيد الشيرازي مسألة وصول الإنسان إلى السعادة القصوى بحدود (الطاقة البشرية)، فما هو فوق طاقته لا يستطيع الوصول إليه، بينما قيدها سبينوزا بعلل يجهلها الإنسان، فهو حر في حدود ما يجهله من علل تحركه ألا وهي إرادة "الله".

ثم أنَّ النبوة كانت هبة من"الله تعالى" لبشر مخصوصين صَفَت سرائرهم وتفكرت عقولهم ليستطيعوا الاتصال "بالله تعالى"، فنالوا صفة الإنسان الكامل.

تُعد سلسلة الهبوط والصعود للترتيب الوجودي من أهم المسائل الفلسفية عند صدر الدين الشيرازي، إذ يقرر فيها العلاقة بين "الله تعالى" والطبيعة والإنسان، وكيفية صدور الأُخريين عنه "سبحانه" إذ أوجد كلّاً من الطبيعة وأوجد الإنسان من العدم، فخلق الهيولى الأولى لهما، وهي الوجود بالقوة، الوجود الناقص الذي يفتقر إلى الصورة ليكتمل، فبَين أن تَميز الإنسان وإكرامه في أطواره إنما كان من الفيوضات الربانية، إنَّ تقلب الإنسان في تلك الأطوار تبين أنه مفتقرٌ دائمًا إلى الفيوضات الربانية، ثم يكتمل كمال النفس البشرية بالعلوم والمعارف الكسبية والإلهامية.

أما سبينوزا فلا يؤمن بتقسيمات الوجود وتراتبه، فالكون عنده وحدة واحدة متواطئة، فالطبيعة هي "الله" أو الجوهر والطبيعة وحدة، والإنسان جزء من الطبيعة.

كذلك تتجلى وحدة الوجود في تفسير الشيرازي واعتقاده بالفيوضات الربانية على الجسد من تجدد الروح بفعل الحركة في الجسم حتى بعد تحلله وذوبانه، بينما خالف سبينوزا هذا الرأي بقوله إن النفس تخرج من الجسد بعد تحلله، إلا أنه رآها تتجدد في النوع الإنساني لا في نفس الجسد الشخصي.

حرية الإنسان عند الشيرازي مكفولة بإرادة الاختيار، أما عند سبينوزا فالإنسان ليس حرًا إلا بما يجهل من العلل الموجهة لعلته، "والله تعالى" حر لأنه غير محكوم بعلة.

خامسًا: وحدة الوجود بين (الكثرة في وحدة الشيرازي) و(الوحدة الواحدة) لسبينوزا

1- الخروج من مسألة الحلول في وحدتهما.

2- مفهوم الكثرة والإتحاد وحل إشكالاتها عنهما.

3- العلاقة بين الواحد والكثير، وجودًا رابطيًا أو فيضًا.

4- مفهوم الجعل البسيط، التشكيك في حقيقة الوجود عند الشيرازي، والمحايثة عند سبينوزا.

5- تقسيم مراتب الوجود بين الفيلسوفين.

الاشتراك المعنوي يقع في المفهوم وليس في المصداق، فمفهوم الوجود هو الأمر الثابت المتحقق في الخارج، أما في المصداق فلا اشتراك لأنَّ حقيقة وجود "الله تعالى" تغاير حقيقة وجود الممكن، ولأنَّ الوجود هو الثبوت والتحقق بالمفهوم كان ضد العدم وهو نقيض الثبوت، ( بمعنى أنَّ وجوده "تعالى" ليس كمثله شيء بحسب المصداق، وإن كان يوجد مثله شيء بحسب المفهوم، فسائر المخلوقات تشترك مع"الله تعالى" في مفهوم الوجود، ولكنها تتمايز عنه"سبحانه" في مصداق الوجود).

الوحدة التي يتداولها الفلاسفة هي (وحدة العالم)، سواء في الفلسفة الإسلامية أو اليونانية، والوحدة عند المسلمين ليست وحدة اليونان، مع اعتمادهما على أصالة الوجود واعتبارية الماهية.

القول بأصالة الوجود جعل الشيرازي محاولاً الخروج من مذهب العرفان إلى الفلسفة لإعطاء أدلة منطقية عقلية لوحدة الوجود، لكنه لم يستطع الخروج من خطوطها الرئيسة.

بينما قال ابن عربي بالحلول من خلال وحدة الإله مع المخلوقين، أراد الشيرازي أن يثبت أنَّ "لله تعالى" مرتبة عليا إلا أنه جعل الموجودات في تعلق وارتباط ببعضها ولا استقلال لها، حاول أن يحل الإشكالات التي توقف عندها فلاسفة الإسلام بنظرية التشكيك، والوجود الترابطي، لكنه لم يخرج من ذلك إلا بما خرج به سبينوزا من كثرة الموجودات في الطبيعة مع وحدة "الله".

رأى الشيرازي في كثرة الموجودات بأنها ضمن مراتب، أما سبينوزا فرآها كثرة في هرم واحد، وهيكلية واحدة لا يخرج فيها شيء عن"الله تعالى"،ولم يقصد سبينوزا أنَّ الطبيعة هي "الله" بالمعنى الواحد المادي، لكنه فسرها بحلول"علم الله" في عقل الإنسان، وإحاطة علم "الله تعالى" بكل مخلوقاته.

الاستنتاج:

كان من لوازم أصالة الوجود هو اعتقاده بأنَّ العالم هو أحد مظاهر الوحدة على أساس أن الاتحاد بين شيئين في الواقع هو من ناحية الوجود، وغلبة أحكام الوحدة بسبب غلبة أحكام الوجود، أما الكثرة الموجودة في العالم فهي كثرة تشكيكية تقود إلى الوحدة، أما لو نظرنا إلى العالم من جهة أصالة الماهية لشاهدناه وقد غلبت عليه أحكام الكثرة وكانت الوحدة فيه اعتبارية.

كان هدف الشيرازي من المنهجية التي اتبعها اثبات أنَّ "الله تعالى" بسيط الحقيقة كل الأشياء، وأنه ليس في شيء من أشيائه التي خلقها فليس هو حالٌّ بها، كما أنه بذل جهدًا كبيرًا محاولاً تعدي الإشكالات التي توقف عندها فلاسفة الإسلام ومن قبلهم الفقيه(أبو حنيفة) رضي الله عنه، فأراد أن يثبت أن الوحدة مع "الله" موجودة ولكنها (كثرة في وحدة)، بينما حاول سبينوزا اتباع المنهج الهندسي الهرمي لإثبات أنَّ الكل يجتمع في وحدة واحدة مع "الله تعالى"، الطبيعة والإنسان، لأنه كما بينت حاول أن يفسر تلك الوحدة بحلول علم "الله تعالى" في الطبيعة والإنسان وأنَّ الكل يسير وفق إرادته بوحدة مترابطة مع بعضها، فلم يكن الإنسان حرًا في اتخاذ قرار مخالف لإرادة "الله".

الوحدة عند الشيرازي صفة حقيقية لمراتب الوجود المتنوعة، المختلفة والمشككة، بالشدة والضعف، وذلك ما رآه سبينوزا في تفسيره لأجزاء الكون، لكنه لإيمانه الفلسفي بوحدة الوجود اعتبرها حالاً من أحوال"الله تعالى".

معلوم أنَّ وحدة الوجود الصوفية والفلسفية تضيف إلى "الله تعالى" صفة الجسمانية، بما يفهم منها (الحلول)، وذلك على "الله" محال، لذلك حاول الشيرازي الخروج بها من مفهوم الحلول عن طريق جعل الموجدات متراتبة بعضها أشرف من بعض، والمرتبة العليا"لله تعالى"، كذلك بين سبينوزا أن الامتداد يكون روحيًا لا جسمانيًا، كتفسيرنا للقول بأنَّ ما حل في فكر الإنسان هو علم "الله" من تطلع الإنسان للوصول إلى أعلى المراتب ليحظى بالسعادة.

والذي أثر في سبينوزا في ترسيخ فكرة وحدة الوجود التي هي الاعتقاد بأن لا وجود إلا "الله تعالى"، وأن المخلوقات مجرد مظاهر، وإنما ينسب إليها الوجود علي سبيل المجاز لا على الحقيقة، فلا وجود مطلقًا إلا "الله تعالى" لأنه حقيقة وليس مادة، بخلاف عالم الأشياء، وقد خاض سبينوزا صراعاً ضد الجدية والسلبية ولكنه تأثر بالفكر الرواقي في رؤيته الأخلاقية، إلا أنه في نهاية المطاف آمن بحرية الحكيم الباطنية، وميز بين الخير والشر وبين الفضيلة والرذيلة، ومن هذا المنطلق يصف سبينوزا الحرية الحقيقية بأنها حياة أبدية تكون ناتجة عن حب "الله".

تخلص الشيرازي من فكرة الحلول، فأوجد مفهوم الاشتراك الاسمي بين الواجب والممكن في الوجود، هذا المفهوم عند الشيرازي جعله يقف كغيره من فلاسفة الإسلام موقف الحياد الذي ترفضه أنطولوجيا الوجود، فهي تطالب أن يكون الوجود إثباتيًا، فكان ذلك على يد سبينوزا، فرفض مفهوم الاشتراك الاسمي ومفهوم التناسب، فللجوهر، أي للوجود، معنى واحد سواء أكان هذا الجوهر صفات أو أحوال، فما عاد عنده معانٍ متعددة كما هو شأن الفلسفة الدينية.

في الوقت الذي تمسك به الشيرازي بمنهج أرسطو وأفلاطون في التراتب للوجود، تخلص سبينوزا من ذلك، لكنه أفاد من التمييز عند ابن سينا بين الماهية والوجود المأخوذ أصلاً عن المعتزلة، أفاد منه سبينوزا لتصبح الماهية عنده درجة من القوة وليس تجريدًا، ثم أخذت على يد سبينوزا تهيمن في ساحة العلم الطبيعي مع معالم القرن السابع عشر.

(الواحد) "الله تعالى" في وحدة الشيرازي متعالٍ في أعلى مراتب الوجود، بينما عند سبينوزا، علة قريبة محايثة لمعلولاتها.

في الصفات عالج سبينوزا مسألة الكثرة، صفاته كثيرة غير متناهية إلا أنه لا يتجزأ، وهو غير متناهٍ، ولا تعني لا نهائية الجوهر لا نهائية مكانية، بمعني أنها ليست لا نهائية في إمكان انقسام الجوهر إلى عدد لا متناهٍ من الأجزاء، "فالله" وصفاته شيء واحد، هو بذلك يبعد عن القول بأن تكثر الصفات يعني تكثر جواهر أو (آلهة). فمع أن صفاته كثيرة إلا أنه لا يتجزأ.

-  صدر الدين الشيرازي وقبله ابن عربي شط بهم الإبحار الفكري نحو تجسيد مفهوم وحدة الوجود بحكم التدين، فنظرا إلى "الله تعالى" على أنه حقيقة لا ماهية أو خيال مرسوم في الأفهام كما تراه الأديان الوثنية والخرافة والأساطير، وهذا من صلب عقيدتهما، بينما كان لثورة سبينوزا على رجال الدين أثر كبير في تعامله مع مفهوم" الله" أو الجوهر والطبيعة، فكانت فكرته متماهية بين لاهوت ديكارت وعقل سبينوزا، مع كونه أخرج نفسه ـ قبل أن يتم طرده ـ من عقيدة التدين اليهودي والنصراني، تلك المسألة جعلته أكثر جرأة في تناول فكرة وحدة الوجود والتوسع بها لتظهر بمظهرها الفلسفي الرائع ـ مع عدم إيماني بالفكرة من أساسها ـ.

-  (بسيط الحقيقة) هو عند سبينوزا كل شيء ولكنه أيضًا كما قال الشيرازي (ليس حالاً بكل شيء) إلا بمعنى الإحاطة.

- فكرة (الله) عند سبينوزا فكرة متماهية لأنه يقول لا تصورات خارج الجوهر الإنساني غير الجوهر الإلهي، ثم أخفق في ربط العلاقة بين العقل والجسد، و(الفكرة والجوهر) وتمثل الحلول بهما، مع محاولته دفع شبهة الحلول.

- وأخيرا من أجمل صور الوجود عند سبينوزا أن قاربت أصالة الوجود فكره عن وجود "الله" وطبيعته الطابعة، ومع أن الفارق الزماني بين الشيرازي وسبينوزا لم يكن كبيرًا إلا أني لم أستطع أن أصل إلى ما يدلني على قراءة سبينوزا لمؤلفات الشيرازي لكن هذا لا يبدو محالاً إذ تنتقل الفلسفات الشرقية إلى الغرب والعكس يحدث، وربما توصلت إليها يوما ما!

 

د. تُماضر مرشد آل جعفر

....................

* ملخص من كتاب: وحدة الوجود بين الملا صدرا الشيرازي وباروخ سبينوزا، للدكتورة تُماضر مرشد آل جعفر، مؤسسة المثقف في أستراليا، ودار العارف لبنان، المبحث المقارن.

** في ذات الكتاب.

(1) صدر الدين الشيرازي: الأسفار، ج7 ،ص326.

 

بليغ حمدي اسماعيلقد تخرج اللفظة الواحدة عن دلالتها المعجمية الحرفية إلى دلالات ومعان أخرى بحسب ورودها داخل سياق لغوي متصل، وللسياق بذلك أثره في فهم الالفاظ بدلالتها التي يقصدها المرسل.  إذ لا يمكن  فهم أية كلمة على نحو تام بمعزل عن الكلمات الأخرى ذات الصلة بها التي تحدد معناها، وفي التعبير القرآني تفردت طائفة من الألفاظ بقرينة السياق بدلالة خاصة، جاوزت حدود معناها المعجمي إلى معانٍ جديدة ذات إيحاءات خاصة، والقرآن الكريم كنص لغوي معجز وفريد اتسم بالدلائل اللغوية الشاهدة على إعجازه، فمثلاً نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتْ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) (آل عمران: 42)، فكلمة (اصطفاك) الأولى بمعنى اختارك، والثانية بمعنى فضلك، وهذا النوع من التكرير للكلمات والأصوات يثير في النفس إحساساً بجمال التعبير، من خلال تجاوب الأصوات وتناغم الأصوات.

ومن أسباب جمال الجناس في التعبير القرآني، تلاؤم الحروف وتناسب الألفاظ، فيحدث التجاوب الموسيقي الصادر من تماثل الكلمات تماثلاً كاملاً أو ناقصاً، ويلخص الفيروز أبادي هذه الفائدة بقوله: " وأما تلاؤم الكلمات والحروف ففيه جمال المقال، وكمال الكلام"، نحو قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا) (البقرة: 24).  وفي السطور التالية نورد عدداً من الأمثلة بغير إخلال أو تفريط إن استطعنا ذلك التي توضح وتشير إلى اختلاف دلالة اللفظ الواحد باختلاف وروده وذكره في سياق لغوي معين .

1 ـ البَغْتَةُ والفَجْأةُ:

اكتسبت لفظة البغتة  من السياق القرآني إيحاءً خاصاً بها، فهي في أصل اللغة: مشتقة من باغَتَه مباغتةً: أي فاجأه بَغْتَةً  . والبغت: مُفاجأة الشيء من حيث لا يحتسب. إذن (البغتة) في اللغة تعني (المفاجأة)،فهما لدى غير المدقق في المعنى اللغوي بمعنى واحد. أما في الاستعمال القرآني فهما متباينان؛  إذ احتملت (البغتة) عنصراً دلالياً إضافياً على الفجأة؛ لأن هذه اللفظة لم يستعملها السياق القرآني نهائياً، ولو تتبعنا سياق البغتة في القرآن كله، بورودها ثلاث عشرة مرة، لوجدنا فيها عنصراً دلالياً إضافياً، وهو (التخويف بالعذاب) .

واستقراء الآيات يؤدينا إلى أنها لا تستعمل إلا في سياقين لا ثالث لهما، أحدهما: الوعيد بوقوع القيامة . والآخر: الوعيد بوقوع عذاب في الدنيا وشيك، كما في قوله تعالى يؤكد فيه وقوع العذاب على الكافرين، بموعد ثابت قادم هو يوم القيامة، إذ قال تعالى: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمّىً لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (العنكبوت: 53)، وفي قوله تعالى يبين فيها طريقة مجيء العذاب للكافرين يوم القيامة، حين يأتي مفاجئاً: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا) (الأنعام: 31) .

وقد اكتسبت البغتة في السياق القرآني إيحاءً خاصاً بها، هو العذاب، فضلاً عن المعنى اللغوي الذي تحمله وهو (الفجأة)، وعند مجيء الساعة والعذاب للكافرين دون توقع لوقته مع الايذاء لمن لم يُعدّ لتلك الساعة العدّة، من الهداية والإيمان. ولا يعلم أحد متى مجيء هذه الساعة.

وقد تنبه بعض المحدثين  إلى أن السر في استعمال السياق القرآني لفظة (البغتة) فقط دون لفظة (الفجأة)، مع أن لهما المعنى اللغوي نفسه، وهوأن في البغتة عنصراً دلالياً إضافياً غير موجود في الفجأة، بل هو زائد عليها، وهو (التلبس بالعقاب) دنيوياً كان أو آخروياً؛ وبذلك فإن لفظة (الفجأة) لا تمنح السياق الإيحاء الكامل المعبّر عن الحدث القرآني بشكل دقيق وكامل كما تمنحه لفظة (البغتة) ؛ لأن الثانية اكتسبت من السياق القرآني معنىً إضافياً، هو الإشعار بالأذى والعقوبة.

2 ـ القَدَرُ:

من الألفاظ التي تباينت دلالتها أيضاً في القرآن الكريم باختلاف ورودها داخل سياق النص القرآني المطهر لفظة (القدر) ومشتقات حروفها الأصلية الثلاثة وهي: ق د ر، فغالباً ما نجد معنى القضاء مرادفاً مماثلاً لكلمة القدر كما في قوله تعالى: (مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً) (الأحزاب: 38) أي وكان أمره الذي يقدره كائناً لا محالة  وواقعاً لا محيد عنه ولا معدل، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.، وأيضاً قوله تعالى: (نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمْ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ) (الواقعة:60) أي صرفناه بينكم، وقال الضحاك:ساوى فيه بين أهل السماء وأهل الأرض.

ولكن تعددت دلالات كلمة (القدر) في القرآن الكريم في أكثر من موضع، فمن تلك الدلالات ورودها بمعنى (التمكن) كما في قوله تعالى: (لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) (إبراهيم:18) أي فلم يقدروا على شئ من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا، وقوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) (يونس:24) وفي هذه الآية الكريمة ضرب الله تبارك وتعالى مثلاً لزهرة الحياة وزينتها، وسرعة انقضائها وزوالها، بالنبات الذي أخرجه الله من الأرض مما يأكل الناس من زروع وثمار على اختلاف أنواعها وأصنافها وما تأكل الأنعام، ومعنى قادرون عليها أي على جذاذها وحصادها فبينما هم كذلك إذا جاءتها صاعقة أو ريح شديدة باردة فأيبست أوراقها وأتلفت ثمارها .

وجاءت لفظة (القدر) بمعنى (التدبير) في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى في سورة طه: (فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى) (طه:40) يقول الله تعالى مخاطباً لموسى (عليه السلام): إنه لبث مقيماً في أهل مدين فاراً من فرعون وملأه يرعى على صهره حتى انتهت المدة وانقضى الأجل،ثم جاء موافقاً لقدر الله وإرادته من غير ميعاد، والأمر كله لله تبارك وتعالى، وهو المسير عباده وخلقه فيما يشاء ولهذا قال تعالى: (ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى)، أي على موعد وهذا رأي مجاهد، وقال قتادة: على قدر الرسالة والنبوة. وقوله تعالى: (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ) (المدثر:18ـ20) أي إنما أرهقناه صعوداً لبعده عن الإيمان لأنه فكَّر، و(قَدَّرَ) أي تروَّى ماذا يقول في القرآن حين سئل عن القرآن ففكر ماذا يختلق من المقال .

وجاءت لفظة (القدر) بمعنى التوقير والتعظيم مثل قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)(الأنعام:91) أي وما عظموا الله حق تعظيمه إذ كذبوا رسله إليهم، قال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قريش، واختاره ابن جرير، وقيل نزلت في طائفة من اليهود، وقيل في فنحاص وهو رجل منهم، وقيل في مالك بن الصيف، والأول أصح ؛ لأن الأية مكية واليهود لا ينكرون إنزال الكتب من السماء، وقريش والعرب قاطبة كانوا ينكرون إرسال محمد (صلى الله عليه وسلم) لأنه من البشر، ومثل قوله تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) (الزمر:67).

وأتت مُشتقات كلمة (القَدَر) في القرآن الكريم بدَلالاتٍ مختلفةٍ، فمنها ما أشارت إلى معنى (التحديد) كقوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ) (المؤمنون:18)، وفي هذه الآية الكريمة يذكر الله تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصى في إنزاله القطر من السماء بقدر، أي بحسب الحاجة لا كثيراً فيفسد الأرض والعمران، ولا قليلاً فلا يكفي الزروع والثمار، بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به، حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيراً لزرعها ولا تحتمل دمنتها إنزال المطر عليها يسوق إليها الماء من بلاد أخرى كما في أرض مصر، ويقال لها الأرض الجرزيسوق الله إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان أمطارها، فيأتي الماء يحمل طيناً أحمر، فيسقي أرض مصر، ويقر الطين على أرضهم ليزرعوا فيه ؛ لأن أرضهم سباخ يغلب عليهم الرمال .

وقوله تعالى في سورة الزخرف: (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ)(سورة الزخرف:11) .أي بحسب الكفاية لزروعكم وثماركم، وشربكم لأنفسكم ولأنعامكم.

وجاءت لفظة القدر بمعنى (التضييق والابتلاء) مثل قوله تعالى: (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ) (سورة الرعد:26)، يذكر الله تعالى أنه هو الذي يوسع الرزق على من يشاء ويقتر على من يشاء، لما في ذلك من الحكمة والعدل، وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا من الحياة الدنيا استدراجاً لهم وإمهالاً .

وقوله تعالى: (وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ)(سورة القصص:82) أي ليس المال دليلاً على رضا الله عن صاحبه، فإن الله يعطي ويمنع، ويضيق ويوسع، ويخفض ويرفع، وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود: " إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب"، وقوله تعالى في سورة القلم: (وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ)(سورة القلم:25)، أي قوة وشدة، وقال مجاهد: على جد، وقال عكرمة: على غيظ، و(قَادِرِينَ) أي عليها فيما يزعمون ويرومون.

3 ـ السَّغب والجُوعُ:

جاءت لفظتا (السغب) و(الجوع) بإيحاء خاصٍ بهما في التعبير القرآني . فالسغب لغة: مشتق من سَغَبَ يَسْغب سُغُوباً ومسغبةً . والساغِب: الجائع، والسَغبُ: الجوع من التعب . وقد قيل هو في العطش مع التعب  . وهي مرادفة للجوع . و(السغب) و(الجوع) لفظتان، أكسبهما التعبير القرآني، إيحاء خاصاً بهما، فضلاً عن معناهما الأساس (المعجمي) . فإذا ذكر الجوع في النص القرآني، فلا يكون  إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع، والعجز الظاهر، بقرينة السياق .

وقد وردت لفظة (الجوع) في التعبير القرآني خمس مرات، كانت في ثلاثة مواضع منها مقترنة بلفظة (الخوف)، فيكون السياق بهذه القرينة، سياق ابتلاء وامتحان، أو عقوبة لأصحاب النار، كما في قوله تعالى : (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة 155) ، أخبرنا الله عز وجل أنه يبتلي عباده أي يختبرهم ويمتحنهم فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع كما قال تعالى: (فأذاقها الله لباس الجوع والخوف) فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه ، فقد ذكر الجوع في موضعين منفرداً، ولكن قرينة السياق كانت واضحة في أنه عقاب وبلاء، وذلك في قوله تعالى يخاطب فيها نبي الله آدم، بأنه محفوظ في الجنة من بلاء الجوع والعُري،وذلك قبل نزوله إلى الأرض: (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى) (طه: 118) . فيكون عدم الجوع فيها نعمة من نعم الله تعالى عليه وعلى زوجه.

أما لفظة (السغب) فتذكر مع الرحمة و(في حالة القدرة والسلامة)، نحو قوله تعالى يحث المؤمنين على إطعام الناس في يوم الجوع: (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ)(البلد: 14)، بقرينة السياق المتأخرة في قوله تعالى: (يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ) (البلد: 15-16) . فبذلك تكون لفظة (الجوع)، قد اكتسبت من التعبير القرآني هنا معنى العقوبة والبلاء من السياق القرآني، أما لفظة (السغب)، فقد اكتسبت معنى الرحمة، والضعف .

4 ـ المَطَرُ والغَيْثُ:

تُعد لفظة المطر من الألفاظ التي اكتسبت إيحاء خاصاً في التعبير القرآني أيضاً، فالمطر لغةً يعني: الماء المنسكب من السحاب ، أما في التعبير القرآني،فقد اكتسبت لفظته إلى جانب معناها المعجمي معنىً آخر، هو العقاب، بقرينة السياق اللفظي. فالمطر لم يرد في التعبير القرآني كما يقول الجاحظ في كتابه " البيان والتبين ": " إلا في موضع الانتقام، والعامة واكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر وذكر الغيث " .

وقد وهِمَ الراغب الأصفهاني حين عدّ لفظ (المطر) من ألفاظ الخير، وأن هناك صيغة مشتقة منها هي التي وردت للتعبير عن العذاب، وهي (أمطر)،فقد ذكر أن مطر: " يُقال في الخير، و(أمطر) في العذاب "، وإذا رجعنا إلى النص القرآني نجده يعبّر بهذه اللفظة عن الشر والعقاب، بكل اشتقاقاتها، وبقرينة السياق، ومنه قوله تعالى: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَسَاءَ مَطرُ الْمُنْذَرِينَ) (الشعراء: 173) أي أنزل الله على أولئك العذاب الذي عم جميعهم وأمطر عليهم حجارة من سجيل منضود .

والمطر يوحي بالتدفق القوي والغزارة، أكثر من أية لفظة أخرى تعبّر عن نزول الماء من السماء . والذي ساعد على هذا الايحاء، صوت (الطاء) المطبق كما أشار الدكتور كمال بشر في كتابه " علم اللغة العام"، الذي يصور نزول العذاب من السماء فنشعر بإطباقه عليهم . فبذلك تكون هذه اللفظة قد ناسبت غضب الله  وشدة انتقامه بنزول ذلك العقاب الشديد عليهم من حجارة وغيرها . كالذي في قوله تعالى يتحدث عن قوم لوط : وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقبَةُ الْمُجْرِمِينَ) (الأعراف: 84) . فنلحظ أن لفظتي (مطر) و(أمطرنا) في النص القرآني قد دلّتا معاً على نزول العذاب الشديد، لا نزول الغيث الذي هو نعمة ورحمة للعباد .

ويشمل نزول المطر في التعبير القرآني، فضلاً عن الماء، الحجارة، نحو قوله تعالى، في إمطار الحجارة: (وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ) (هود: 82)، أي أنه مطر يوحي بالعقم والخراب . والسجيل في اللغة: حجارة كالمدر، وهو حجر وطين مختلط، ويفسر أنه فارسي مُعرب دخيل . ويقال: هذا الشيء مسجل للعامة، أي مرسل من شاء أخذه أو أخذ منه.

أما الغيث فهو الماء النافع النازل من السماء، المنبت للكلأ ، نحو قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشورى: 28)، وهذا يعني أنه الماء المثمر الذي يحمل الخير معه، وذلك بقرينة السياق اللفظي المتأخر . والذي قوى هذا الإيحاء هو صوتا (الغين والثاء) فرخاوتهما كما يذكر الدكتور بسام بركة في كتابه " أصوات اللغة العربية "، قد ناسبت نزول الماء الخفيف الذي أنعش ما نزل عليه، فأنبت به .

5 ـ الفتح:

أيضاً من الألفاظ التي اكتسبت إيحاء خاصاً في التعبير القرآني لفظة الفتح، من الفعل الثلاثي فَتَحَ) ومشتقاته، فلقد اختلفت دلالة الكلمة باختلاف السياق الي وردت فيه، ودلت على عدة معاني منها الصد، والضد، والعطاء، والنصر، والقضاء، والحكم .

فمن معنى الصد والضد قوله تعالى: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) (الأنعام:44)، أي أعرضوا عنه وتناسوه وجعلوه وراء ظهورهم ففتح الله عليهم أبواب الرزق من كل ما يختارون وهذا استدراج منه تعالى وإملاء لهم .

وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ) (الأعراف:40)، وقيل في تفسير هذه الآية الكريمة أن المراد لا يرفع لهم منها عمل صالح ولا دعاء وقال بهذا مجاهد وسعيد بن جبير، وقيل لا تفتح لأرواحهم أبواب السماء ورى ذلك الضحاك عن ابن عباس وبه قال السدي . ويؤيده ما رواه الإمام أحمد عن البراء بن عازب قال: " خرجنا مع رسول الله r  في جنازة رجل من الأنصار، فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله  r،وجلسنا حوله كأن على رؤسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض، فرفع رأسه فقال: "  استعيذوا بالله من عذاب القبر ـ مرتين أو ثلاثاً ـ ثم قال: إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال إلى الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجئ ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان ـ قال: فتخرج تسيل كما يسيل القطر في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها، فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض، هذا بخلاف العبد الكافر .

وجاءت لفظة (الفتح) بمعنى (القضاء) أو (الحكم)  كما في قوله تعالى: (رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف:89)، أي احكم بيننا وبين قومنا وانصرنا عليهم وأنت يا الله خير الحاكمين فإنك العادل الذي لا يجور أبداً. وقوله تعالى: (فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِي مِنْ الْمُؤْمِنِينَ) (الشعراء:118) .

ومن أمثلة ورود كلمة (الفتح) بمعنى أعطى قوله تعالى: (قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (البقرة:76)، أي تقرون بأنه نبي وقد علمتم أنه قد أخذ له الميثاق عليكم باتباعه، وهو يخبرهم أنه النبي الذي كنا ننتظر ونجد في كتابنا، اجحدوه ولا تقروا به.

وأيضاً  ما أفادت الكلمة معنى أعطى قول الله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(الأعراف:96)، ويخبر الله تعالى عن قلة إيمان أهل القرى الذين أرسل فيهم الرسل، كقوله تعالى: (فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس) آي آمنت قرية بتمامها إلا قوم يونس فإنهم آمنوا، وذلك بعد ما عاينوا العذاب، وقوله تعالى: (لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) أي قطر السماء ونبات الأرض .

وجاءت لفظة (الفتح) بمعنى (النصر) كما في قوله تعالى: (فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ) (المائدة:52)، يعني فتح مكة، وقيل: يعني القضاء والفصل، وقوله تعالى: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) (الأنفال:19)، يقول الله للكفار إن تستفحوا أي تستنصروا وتستقضوا الله وتستحكموه أن يفصل بينكم وبين أعدائكم المؤمنين فقد جاءكم ما سألتم؛ كما قال أبو جهل، حين التقى القوم: اللهم اقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة؛ فكان المستفتح، وقال السدي: كان المشركون حين خرجوا من مكة إلى بدر أخذوا بأستار الكعبة فاستنصروا الله وقالوا: اللهم أعلى الجندين وأكرم الفئتين وخير القبيلتين، فقال تعالى: (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمْ الْفَتْحُ) يقول: لقد نصرت ما قلتم وهو محمد r.

6 ـ الهوى:

تعني لفظة (الهوى)، لغةً: الموت، والحب، أما في التعبير القرآني فقد اكتسبت هذه اللفظة دلالة أخرى، وهي كما عرفها الراغب في المفردات: " ميل النفس إلى الشهوةِ… لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهيةٍ، وفي الآخرة إلى الهاوية " ، أي اتباع ما لا يحمد من الرغبات،ولا يحسن فعله من ذوي المكرمات، أي الرغبات النفسية الضعيفة ، نحو قوله تعالى : (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى) (النازعات: 40) .أي خاف القيام بين يدي الله عز وجل.

ففي الآية الكريمة ورد النَّهي عَن (الهوى)، الذي هو اتباعِ الشَّهوات، والمَحَارم التي تشتهيها النفس وتهواها  . فهو شيء مكروه، غير مرغوب فيه في الاسلام، بقرينة السياق المتأخر، في قوله تعالى: (فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى) (النازعات:41) ؛ لأن من ينهى نفسه عن الهوى ينال الجنة التي تكون مأواه، فبذلك يكون (الهوى) غير مرغوب فيه .

7 ـ أثر:

وردت كلمة " أثر " مرّتان فـي القـرآن الكريم، ووردت مشتقاتها 19 مرة، ومنها " يؤثر، آثر، تؤثرون، أثرى، آثار، يؤثرون، أثارة "،، وكلمة " أثر " ومشتقاتها جاءت علـى ستة أوجـه في المعنى، فجاءت بمعنى الاختيار والتفضيل كما في قوله تعالى: (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) (يوسف:91)، يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخَلْق والخُلُق والسعة والملك وأقروا له بأنهم أساءوا إليه وأخطأوا في حقه.

وقد تأتي لفظة (أثر) بمعنى الدليل كما في قوله تعالى: (فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (الروم:50)، والأثر هنا المقصود به المطر قال بذلك ابن كثير في تفسيره للقرآن الكريم.

8 ـ  سَلامٌ والسَّلام:

وردت كلمة سلام والسلام في القرآن الكريم بدلالتين فالأولى جاءت لفظة (سلام) على يحيى (عليه السلام) والثانية جاءت لفظة (السلام)على عيسى (عليه السلام)، قال تعالى في سورة مريم(: يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَءَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا(13)وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا) .

أما عيسى (عليه السلام ) يقول تعالى: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ ءَاتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلنِي جَبَّارًا شَقِيًّا(32)وَالسَّلَامُ عَليَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)).

وحِكمة مجيء (سلام) نكرة في سياق قصة سيدنا يحيى (عليه السلام) أن ذلك جاء في سياق تعداد نعم الله تعالى على سيدنا عيسى وإخبار من الله جل جلاله بأنه قد منح سيدنا يحيى (سلاما) كريما في مواطن ثلاثة: يوم ولادته، ويوم موته، ويوم بعثه حيا في الآخرة .

أما (السلام) في قصة عيسى (عليه السلام) جاء معرفة: لأن لفظ (السلام) هو كلام من سيدنا عيسى حيث دعا ربه أن يمنحه السلام في ثلاثة مواطن: يوم ولادته، ويوم موته، ويوم بعثه حيا في الآخرة.

فبِما أنَّ سَيدنا عِيسى هو الذّي دَعا، فمن المؤكد أنه سيُلح في الدعاء كما هي السُنة فيطلب المعالي. فلذلك عرّف (السلام) دلالة على أنه يريد السلام الكثير العام الشامل. الغزير.  وهنا إشارة إلى أن السلام الذي حصل عليه سيدنا عيسى كان أخص من (السلام) الذي حصل عليه سيدنا يحيى، وأن سيدنا عيسى أفضل درجة في النبوة من سيدنا يحيى فهو من أولي العزم.

9 ـ ضَعْفٌ  وقُوَّةٌ:

جاءت كلمة ضعف نكرة مكررة ثلاث مرات في آية واحدة في سورة الروم  وجاءت كلمة قوة نكرة مكررة مرتين أيضاً بنفس الآية، يقول تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) (سورة الروم:54) .

وهنا يجب التذكير بالقاعدةِ البيانيّة التي تفيد  بأن النكرة إذا تكررت فإنها في كل مرة تفيد معنى جديداً. ولفظة (ضعف) نكرة تكرارها في نفس الموضع يفيد أن الضعف الأول غير الثاني وغير الثالث. فالمراد بالضعف الأول هو النطفة (ضعيفة فهي ماء مهين)، والمقصود بالضعف الثاني  الطفولة ؛ لأنه بحاجة إلى رعاية أمه في مرحلة الرِّضَاع وعناية خَاصة حتى يجتاز مرحلة المُراهقة ويصل البُلوغ، أما  الضَّعف الثالث فيراد به  الشيخوخة ؛  لأنه يعود في مرحلة الشيخوخة ضعيفا عاجزا؛ يعاني المرء فيها  ضَعف الفِكر، وضَعيف الحرَكةِ وقلة وقُصُور السَّعي والنشاط .

أما كلمة (قوة) وردت نكرة وكررت مرتين، والكَلمَة جَاءت مَرتين بدلالتين أيضاً ؛ القوة الأولى: قوة فترة الصبا (الصبي قوي مندفع كثير الحركة أما القوة الثانية: قوة الشباب، قوة الجسم والمشاعر والأحاسيس والهمة والعزيمة والانطلاق في الفكر والأحلام والطموح.

10 ـ الكافر والزارع:

من الألفاظ التي وردت في القرآن الكريم لفظة الكفار في قوله تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) (سورة الروم:54) . ولكن خرجت اللفظة عن دلالتها المعتادة وهي الخروج من الملة والعقيدة . فالمراد بالكفار هنا الزراع، وهذا ما أشار إليه ابن قتيبه في كتابه " تأويل مشكل القرآن " حيث قال: " إنما يريد بالكفار هنا: الزراع، واحدهم كافر . وإنما سمي كافراً لأنه إذا ألقى البذر في الأرض كفره، أي غطاه، وكل شئ غطيته فقد كفرته، ومنه قيل: تكفّر فلان في السلاح إذا تغطى،ومنه قيل الليل: كافر ؛ لأنه يستر بظلمته كل شئ، وهذا مثل قوله تعالى: (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ) (سورة الفتح:29).

11 ـ الظن واليقين:

من الألفاظ التي ترد قي القرآن بمعنيين لفظة الظن التي تفيد نعناها الحقيقي والتداولي ألا وهو الشك والتشكيك، ومعنى آخر وهو ضده أي اليقين، وهذا مثل الصبح الذي يقال له: صريم، ولليل أيضا صريم، يقول تعالى: (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) (سورة القلم:20)، أي سوداء كالليل، لأن الليل ينصرم عن النهار، والنهار ينصرم عن الليل.

ومن هذا يقال لليقين ظن وللشك ظن ؛ لأن في الظن طرفاً من اليقين، يقول تعالى: (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (سورة البقرة:249)، أي يستيقنون، وكذلك قوله: (إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ) (سورة الحاقة:20)، وقوله تعالى: (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً) (سورة الكهف:53) . وكل هذا يقع في باب اليقين لا الشك.

12 ـ الأبصار:

من الألفاظ القرآنية التي جاءت في كتاب الله بمعنيين مختلفين لفظة (الأبصار) في قوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ (43) يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ) (سورة النور:43 ـ 44) إذ الأبصار الأولى جاءت بمعنى النظر، بينما الثانية جاءت بمعنى العقول .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م)

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

عادل بن خليفة بالكحلةعقيدة العملِ والسيادةِ الوطنية في السنغال:

1: مَا الطريقةُ المُريديةُ بالسّنغال؟

الطريقة المُريدية في السنغال:

لقد كتبنا «السنغال» دون ياء لأننا وجدنا السنغاليين يكتبونها دون ياء في كتاباتهم الكثيرة باللغة العربية منذ أكثر من قرن ونصف بالأقل.

طريقة تأسست في نهاية القرن التاسع عشر على يد «الولي» أحْمَدُ بَمْب[1].

نَجدُ بهذه الطريقة ما نجده في كل الطرق الصوفية، من سلطة قائد ديني ذي نصٍّ دعائي خاص (=«الوِرْد»)؛ وله سلطات صوفية (=«بَرْكَة»)، تجعل منه وسيطًا بين المريدين والغيب. وطاعة المُرِيد (=«طالِيب» أو «مُريدْ» بلغات إفريقيا الغربية) تجعله مرتبط بالشيخ إرتباط خضوع طوِعيّ.

ما تتميّز به الطريقة المريدية عن بقية الطُرق هو «جعلها من علاقة المعلم بالمريد نقطة انطلاق تنضبِدٍ اجتماعي ذي قاعدة اقتصادية: والتراتُبات الطريقية تأخذ بالتَّبِعَة قياداتٍ تقليدية منفجرة بتأثيرً التغلغل- الاحتلالي، لمُكوَّناتٍ في سلطة مُتمركزة دُون منازعة»، مهيمنًا ببلاد الوُلُف، وليصبح مسؤولا على قُرابة نصف الإنتاج الفُسْتُقيّ السنغالي.

2: سِياق نشأة الحركة الاجتماعية المُرِيدية:

في بداية الإسلام الوُلُفيّ، مارس الأولياء بالممالك الوُلفية دور مستشارين أو ممثلين لقادّة تلك الممالك، مع التّجار الأوربيّين حتى لا يَغْبِنوا السنغاليين، كما ساهموا في توسع الأسْلمة، لتصبح سلطتهم معادلة سلطاتِ القادّة التقليديين أحيانًا كثيرة.

لحظة بداية الانزراع الإمبريالي وانتصاب أولى المصارف التجارية بجزيرة العبيد: غُورة[2] وبالمدينة المستحدَثة: سان لُوي[3]، تزامنت مع تغيّر نوع سلطة الأولياء بحكم التراكم الزمني- الكمّي إذ أضعفت دون قَصد مسبّق تماسك النسق السياسي التقليدي التسلطي، المهدّد مِنْ قَبْل بالمعارَضة المتعاظمة من السكان. فأصبح الأولياء هم أنفسهم أصحاب سلطة سياسية مركزية، لأنهم كانوا يمثلون وعي هؤلاء السكان منذ اللحظة السياسية الاستشارية. ولذلك كان على الولاية مهمّة شاقة، جديدة، لم يتمرّسوا عليها طويلاً، كالمهمة السياسية الدّاخلية، وهي مهمّة الجهاد العسكري ضد الاحتلال العسكري الفرنسي الذي نفذه الضابط فيدرْبو[4] بأمر ملكه عام 1854.

وبذلك مثّل الإسلام للمُحتل منذ احتكاكه القَهري الأول «تجسيد المقاوَمة ضد الهيمنة الخارجية والتِّعِلّة الأفضل بهدف تدمير الدّول الوُلُفية، في الآن نفسه»[5]، محاولا أن يشقّ الحلف الجهادي المقدَّس بين «الدّامل» (= الملك في الوُلُفية) و«الولي».

بخروج قانون «الدَّامل لاطْ-دْيُور[6] عام 1882، أطلق الوليّ أحمدُ بَمْبَ (1854- 1927) دعوته الدينية، إلى التّجمع داخل البلاد وتحريم تكفير الارواحيين وقتلهم بإسم الإسلام ، ممارِسًا جاذبية لَدُنِيّة[7] على الشعب الذي وجد «عودة إلى الأمن بالطائفة القروية المُعَادُ بناؤها؛ بينما مَنَح الجُنود المرتزقة الريفيين («التِّيَادُ») الذين اصبحوا منذئذٍ دون شغل إمكانية إعادة اتخاذ مكانة بالمجتمع الريفي؛ في حين وجد أعيان الممالك القديمة بالحركة الجديدة وسيلةً لإعادة إعطاء أُسٍّ مَحليّ لنفوذهم تقريبا، حتى وإن استمروا على تقاسمها مع النخب الدينية الجديدة المنحدرة من الشرائح الأوسع بالمجتمع»[8].

وهكذا، استطاعت مِلّة الوليّ أحمد بَمْبَ «الجديدة»، أو «المجَدَّدة» بالتزامُن، أن تكون مؤوَّلة لدى الشعب بما هي مضادّةٌ للاضطهاد الاحتلالي، ونتيجةً للصراعات التكاملية الداخلية للمجتمع الوُلفي الذي عانت جماهيره الريفية طويلا تحت «الدَّوَامل». وفي تقريرٍ للحاكم الفرنسي اعتبر أنّ التغيير السياسي- الديمقراطي المريدي للمجتمع الوُلُفي غير ملائم «لنمو التجارة» الإمبريالية في إفريقيا الغربية[9]، وأنّ من الضروري تدميره منذ بدايته.

عديد العوامل ساهمت في تحويل الطريقة المُريدية إلى حركة اجتماعية تنظم الاجتماع والتوطّن الاستزراعيَّ وتوسع استزراع الفسْتق السنغالي، حول نسق نفوذٍ ممَرْكَز وشرعي ذي مِلّة صوفية «تبجّل الزّهد وإنكار الذات الشخصية»[10]. وبذلك حُمِّي ظهيرٌ جغرافي شِبْه خالٍ من الناس. وقد استفاد السَّوْق التعبوي المُريديّ من إبطال تجارة العبيد الأوروبي- الأمريكي عام 1848 إذ نقُص كثيرًا التهديد السَّوَاديّ لسكان بلاد مالي التاريخية.

بعد رجوع الشيخ أحمدُ بَمْبَ من المنفى الغابوني عام 1927، لم يُصبح يوم رجوعه يومًا مقدّسًا للأمّة فحسب، بل كان يعني قبول الإدارة الاستعمارية برِبْعة[11] الحركة الاجتماعية المُريدية وحِمويّتها ونَسقها المَعاشي، وسُمِح لها حتى بالتجارة الخارجية. وقد توسّعت المقاوَلَة المُريدية  ذات الإقتصاد الإجتماعي باتجاه الخدمات والأعمال الإدارية والبنكية، وحَدَّثَتْ نفسها باستمرار، لتُحقق نجاحًا استثنائيا بالمقارنة بإخفاق جلّ مشاريع الإصلاح بالعالم الإسلامي المعاصر لها.

3: عقيدة العمل في الحركة الاجتماعية المُريدية:

يؤكد پُول مَرْتي، إثنولوجيّ الإسلام الإفريقي، الطابع الطَّوْفي للطريقة إذ أن «الفلاح أصبح وحدة مُنتجة بالعائلة الصوفية الكبيرة»، لنجد «تعاضدية فلاحية ذات قاعدة إيمانية»[12]. كما لاحظ أنّ المشروعية التي يمنحها «الطَّاليب» (أي المريد) للشيخ «دون شرط».

دَعَا أحمدُ بَمْبَ إلى «طهارة النفس» بالعمل الكَسْبي، فعلى المُريد أن يبحث عن الاكتفاء. يقول أحمدُ بَمْبَ: «أنْ تعْمْل مَعناهُ أن تُصلي. اعْمَلُوا مِنْ أجْلي، وأنا سأدعو لكم»[13]. فالصلاة لا كمال لها إلاّ بالكَسب، ولا رضا لِلخليفة (أي الشيخ الأكبر للطريقة) على المريدين دون العمل المَعاشي. ولقد نَفَعَ حبّ المتصوّف للعُزلة والفراغ، في التعبئة المُريدية مِن أجل التوطّن في القِفار لتُسْتَصلح وتُصبح مَزارع وقُرى.

لقد أنكر أحمدُ بَمْبَ وخلفاؤه في البطالة الاختلالات الفردية والجمعية، و«عَزَوا للكسب قوّة تَطْهِيريّة، وجعلوه الأداة الأساسية في فضائل المتصوّف المُرِيدي، من التّصْفية ومن إنكار الإشباعات الوقتية، وإنكار الذات»[14]. وقد أدّى منحُ الكسب قيمة روحية إلى توسّع المجال الفلاحي الوُلُفي توسُّعًا تاريخيّا غير مسبوق.

يسمى الفستق السنغالي بالوُلُفية: كرته. وهو يحضى بتقديس الشعب السنغالي. ومن العصبية العنصرية والخطأ التعميمي أن نسمي هذا المزروع : «الفول السوداني» لأن هذا المزروع لا نجده في كل بلاد السودان لأنها مختلفة مناخا وتربة اختلافا شديدا، كما أنه  ليس هناك« فول بيضاني» . لقد بلغ حجم المساهمة المريدية في الصناعة السنغالية حوالي 70٪ .

لم يكن الشيخ أحمدُ بَمْبَ، أوّل حكيم صوفي مسلم يأخذ «إجازته»[15]، من مؤسس الإسلام (الرسول محمد) مباشرة، ليكون «قطبا». فقد سبقه إلى ذلك أبو مَدْين الغوث، وعبد القادر الجيلاني،  بل إن تجانِيّته وقادريته السابقتين هما اللتان جعلتاه مستعدًّا لذلك . فتأسيس حركة اجتماعية (كالغوثيّة) تتطلب «تِلقّيًا» و«فتْحًا»  (وراثة مباشرة)، وقد أعلن أحمد التّجاني (..17.17م.غ) أنه تلقى «إجازته» من النبي مباشرة[16]. فسرديّتا التأسيس متشابهتان. ولكن لعل ضاهرة قطبانية أحمدُ بَمْبَ أعظم من الثورة التجانية، لأنها كانت متحدية للاستعمار الفرنسي وللتقليد الديني المترسخ وللقوى الفيودالية والملكية.

كما أنّ تسميته للطريقة كانت أيضا ثورة،. فلم ينسبها لنفسها كما جرى التقليد التسْمَويُّ الطريقيُّ، بل نَسَبَها إلى «إرادة» «المُريدين»: الطريقة المُريدية. وذلك لأن الطريقة/ الحركة الاجتماعية الجديدة تقتضي الاعتماد الأول والأخير على «المُريد» في تصفية الذات الفردية والجماعية، وفي مُراكمَة الخَلاق الاقتصادي (الثروة المعاشية) من أجل الاستقلال الذاتي من المستعمِر على طريق طويل نحو السيادة الوطنية. وبذلك نال السنغاليون استقلالهم الرمزي قبل عقود من إعلان الاستقلال.

وقد أكّد ذلك بإعلانه أنه مهدَّد بـ«الغَيْبة»[17]، في اصطلاحه، أي السجن الإمبرياليّ والنفي والإقامة الجبرية. فابتعاده القسري عن «المُريد» يقتضي منه التعامل معه «غيْبًا»، طالبا من المريد الإعتماد على نفسه قبل كل شيء. مستعيرا هذا التقليد («الغيبة») من التشيّع الإثني عشري. وقد وقف ابن خلدون على التقارب البنيوي: الصوفي-الشيعي [18] .

و يذكّرنا دَورُ أحمدُ بَمْبَ التنظيمي- المقاولي بدور الوزير/ النبي يوسف الذي كان منقذ الدّولة المصرية من المجاعة القادمة والفقر، عن طريق «الدَّأْب الزراعي» و«الإحْصَان» (الادخار والتحصين)، والتخطيط على مدى طويل :﴿قالَ تَزرَعونَ سَبعَ سِنينَ دَأَبًا فَما حَصَدتُم فَذَروهُ في سُنبُلِهِ إِلّا قَليلًا مِمّا تَأكُلونَ ﴿47﴾ ثُمَّ يَأتي مِن بَعدِ ذلِكَ سَبعٌ شِدادٌ يَأكُلنَ ما قَدَّمتُم لَهُنَّ إِلّا قَليلًا مِمّا تُحصِنونَ ﴿48﴾ ثُمَّ يَأتي مِن بَعدِ ذلِكَ عامٌ فيهِ يُغاثُ النّاسُ وَفيهِ يَعصِرونَ﴾ (سورة يوسف، الآيات: 47، 48)[19].

كما يذكرنا بالإدارة الاقتصادية التي قامت بها بتول الهاشمية تحت مُلك أبيها. فالنزعة الاجتماعية- المعاشية  لأحمدُ بَمْبَ ليس بالابتداع في السياق المسلم، إذ نجدها منذ الإسلام المبكِّر.

يستعيد الشيخ بَمْبَ دائما قول النبي محمد: «اِعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا، واِعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا»[20]. وبذلك جعل المتصوف فاعلاً هامًّا في التقدم الاجتماعي والترقي الفردي والاكتفاء الوطني. ولذلك رَجَّ خطابُ أحمدُ بَمْبَ الطبقات المنغلقَة، وتجاوز سيَاسَوية الإصلاحية الإسلامية في الوطن العربي والاسلامي ونخبويتها.

وليستْ علاقة  «الطَّالِيب» أصلا، بـ«الخليفة» عبودية، وإنما هي علاقة عقد عاطفي[21]. ولا يمكن هنا أن نطابق الروح البروستنتية بالروح الإنتاجية والتوزيعية المُريدية، إذْ أن الرأسمالية المبكّرة كانت منذ البداية لا علاقة لها بالشخصية الدينية. فالمنظِّمُ مجرَّدُ مقاوِلٍ دنيوي، أما في التنظيم المَعاشي المُريديَّ فالمنظِّمُ هو وريثُ النبوة المحمدية، صاحب «بركةِ» تزيد في الإنتاج. ومن الأكيد أن حقوق المنتِج/ العامل بالمقاوَلة الرأسمالية الأوروبية أقل بكثير من حقوق المنتجِ/ العامل بالمقاوَلة المريدية. وتلك «البَرَكة» لا تُغْني مطلقا  عن النظر الموضوعي للأشياء ودنيوية المجال الكسْبي؛ أمّا المنظِّم والعامل في الرأسمالية البروتستنتية فلا علاقة لهما بأي عقد عاطفي- روحاني. ولا يمكن لنا أن نُطابق «البَركة» بالقدرة السحرية، لأن «الطَّالِيب» مطالَبٌ بالبحث الموضوعي والتحديث أوَّلاً، فـَ«السِّحر» عنده محَرَّم. وبذلك يكون النجاح الاقتصادي مَطْلبا أخرويًّا لـ«الطاليب». فالهزيمة العسكرية أمام المحتل الأوروبي، جعلت احمد بمب يبحث عن انتصارٍ مَعاشيّ واستقلالٍ ممكن: في الغذاء والعمل، وبذلك لنْ يكون إلغاء العبودية الجسدية مَعْبَرًا للأوروبي المهيمن نحو العبودية المَعاشية. وبذلك كان «الطَّاليب» المُريديُّ أكثر إنتاجية وإبداعية من «الطَّاليب» التِّجاني حسب بعض الدراسات الإحصائية والإثنغرافية[22].

يصور الشيخ محمد الأمين جوب (توفي 1968) السَّوْق التربوي لأحمدُ بَمْبَ : الروحاني-الشغلي:(=الإستخدامي) «ثم أمر بتربيتهم بالهمة ووافقوه على ذلك . فسار بهم على منهاج الرياضة بالتجويع والاستخدام الكثير ، والحمل على الذكر الكثير بالهيللة والقصائد ودوام الطهارة »[23] فلقد أوصاه الرسول مباشرة في اليقضة بأن تكون تربيته لهم بالممارسة لا بالنظري: « رَبِّ اصحابك بالهمة، ولا تربهم بالدرس»[24]

يقولُ أحمدُ بَمْبَ في إحدى أراجيزه: « خلق الجسد من أجل إنجاز العمل الذي أمر به الله، فالقلب مخلوق من أجل التفكير، واللسان من أجل ذكر الله، والجسد من أجل العمل حيثُ ماهُو مأمورٌ به»[25].

وهو يؤكد أنّ الوليّ مطالبٌ بدعوة الناس إلى خمسة آداب: «تجنب ماهو محرَّم، وإتقانُ العمل، وشكر الله تعالى، وتربية تفكيره بهذه العالم نحو العالم المستقبليّ، وأن يكون مثابر»[26].

وهو يؤكد في نص آخر فلاحه: «لمَّا أُجعل فَوْقَ أعدائي، إلى درجة أن الأشرار والأخيار يكونون لي مُنقادين، وأنْ أصبح سعيدًا بالعَاشِق إلى الأبد، وأن أعمل أثرًا يُسِرُّ الله تعالى»[27]. وجعله فوق «أعدائه» الإمبرياليين- الفرنسيين يعني أن يكون عنهم مستقلاً في حِمَويّته وغذائه ومَعاشه، إلى درجة أن يصبحوا معه « مُنقادين»، هو الذي سيجعله يصلُ إلى مُبتغاهُ النهائي وهو «السعادة»[28].

إنه لا يَتوانى حتى عن الدعوة التوقيفية للعمل، أي لشكليّته أيضا:

«إنّني أؤدِّبُ كل مريدَيَّ،

في بيتي دونَ مَنٍّ،

أن يكونوا بِالْبَرّ، أو يكونوا بحَّارة،

اِجعلوا من الأرض بَحْرًا، محيطًا مِن خَير»[29].

إنه ليس قارّيًّا، منعزلاً أـو محليّا ضيقًا، فهو يريدُ منهم أن يكونوا عالميّين، لكل الأرض.

للمنخرط بالطريقة المريدية عديد التقدمات الماليّة وهي «زهيدة»، ولكنْ بتكرارها الكثير، لدى الفرد ولدى الجماعة، تصبح ذات حجم كبير. ومنها: «الزّيارة» التي تقَدَّمُ في كل زيارة للولي الحيّ أو الوليّ الميّت؛ و«الهَدية» التي تُقدم لـ«الخليفة» يحتفظ بها في  الـ« تَكْ- دِر»[30] و«الدَّارَة»[31].وهناك يوم عمل فلاحي مخصّص للخليفة والجماعة إسمه: «حَقْل يوم الأربعاء»

4: الحِمَوية المُريدية: مدينة طُوبى:

لقد بني في حياة الشيخ المؤسس اكثر من ألف قرية

«طُوبى» في العربية هي «الحُسنى» وعند بعض المفسرين للقرآن «نهر في الجنة»، أو «العيش الطيب»[32].

وهي في الاستعمال الصوفي- العرفاني «الوصول إلى الفطرة وكمال الصفات»[33]. فهي في إبْداع الشيخ أحمدُ بَمْبَ: حِمَى البحث الطريقي عن الاجتماعية التكامُلية.

لقد كان ميلاد الحركة الاجتماعية المُريدية استجابة متدينة للأزمة الاجتماعية لبلاد مالي الكبرى، وخاصة الأزمة الاجتماعية الوُلُفية أمام احتداد التناقضات داخل الاجتماع العام الوُلْفي وتفاقم التغلغل الإمبريالي الفرنسي. فكان الإسلام الاجتماعي المناضل سِنَاد مِلَّةٍ تحريرية للجماهير الريفية.

كان «اللقاء الروحي» الأول بالنبي الذي أخبر عنه الوليُّ المؤسس لهذه الحركة الاجتماعية، عام 1895 بطُوبى، والثاني عام 1905، هو التاريخ المتجدد لإعلان الوِرْد المؤسس للطريقة، فكل طريقة لا تتأسس إلا بوِرْد جديد يُعلن الولاية الجديدة، وكان ذلك ببلدة «سَرْسَرة» في بلاد شنقيط (أو «موريتانيا» كما سمَّاها المحتل)[34].

اِلتقى في الشيخ أحمدُ بَمْبَ التصوّف والحكمة السياسية لإفريقيا الغربية[35] الحاملين للرِّيبة تجاه الأمير وللقطيعة تجاه المحتل. وهذا ما انعكس في مشروعه الحِمَويّ (طُوبى)، إذ كانت مشروع التكريس الفضائي للرّبعة تجاه المحتل، ثم تجاه الدّولة الوطنية. فكانت «نقطة التوحيد لِحِمًى رمزي الذي انبنى بدايةً بالامتداد، عَبْر الأفعال المنخرطة فوق هذا الحِمَى، لا يمكن لها أن تملك كل معناها إلا إذا انعكست فوق فضاء»[36]. ولذلك ينبغي البحث في الوظائف الوِلائية الأخرى كمُكَوّنات السِّوَاق الجُملية التي لها غائية إسقاط اللّدُنية الشخصية أو النَّسبية على طُوبَى. فهذه المدينة، هي في الآن نفسه وسيلة وغاية. إذ عَبْر خُلفاء الأحياء، وهم الأكبر سنًّا في أعقاب الشيخ المؤسس، الذين يراقبون الفضاء الحضري، يصبح كل واحد فيهم في الآن نفسه الخليفة العام بمؤسسات التدبير المالي.

لقد أصبحت الجماهير المُريدية بطُوبى مجتمعًا حضريا متعقدا، أكثر فأكثر، لتبرز فيه كثرةُ من الفاعلين ومِن المَنْطِقيّات الجديدة أو المُجَدَّدة التي تبحث عن تغيير التنظيم الاجتماعي-الديني[37].

إن طُوبى ذاكرة منظّمة، حيث «الرموز المقدَّسة للطريقة تتمركز للانغلاق أفضل وللتدافق»[38].

وهذا الفضاء الحضري يتقسَّم حسب المَنْطِقيات التي تحملها التمثلات المختلفة لدى الفاعلين المتنوعين.

وقد سمح مبدأ التوقع لهذه الحِصص الضخمة بالتحام الفضاء الحضري ومَنْحِه قِيمةً بنموذج. وقد كان بهذه المدينة الاتجاه نحو الـمُجَانَسَة[39]، «عبر التيْبيس [الطيني] والتَّسْنين. والنمو السَّواديُّ هنا قويٌّ وسريعٌ، باستثنائية، مُنذ عدّة عقود/ لتصبح مدينة كبرى جديدة. ولكنّ التغيّبية التي فيها أعْلَى تغيبيةٍ بالمدن السنغالية[40].

وهي حسب كل مكوّنات الطريقة اختيارٌ امتيازي، تُبْتكَرُ فيه أشكالٌ جديدة من التمدِّن، والحوارِ والاجتماعيةِ. إنها تبدو ملاذًا «يَجعل قِيما جديدة في الضوء وروحًا جديدة تَحُوطُ بنْيَتِها المعَيش الاجتماعي وتؤطِّره على فضاء مَوْعود أكثر فأكثر بالتأهيل»[41]، لتكون طريقا ممتازة للاندراج الاجتماعي.

كان المشروع التَّحْمَوي لأحمدُ بَمْبَ «أن يُنْشِئ مكان مَرجعيةٍ دينيةٍ، وملاذا اقتصاديا واجتماعيا وسياسيّا»[42] خارج هيمنة المحتل الفرنسي، وبديلاً جذريًّا عن اجتماعيّة «الدّامل» التي يراها «قهْريّة» بالمعنى الديني. ولايُطابق ذلك المشروع التّحموي  بِطُوبَى، ولكنْ بالأقلِّ يحقق الكثير منه.

لقد عدَّل الفضاء الحضري في الطريقة. فالانفجار الحضري وإسقاط الطريقة على الفضاء، «هما المفعلان ومحدِّدا الرهانات الجديدة للمدينة»[43]. ومِن الأكيد أن الجوهر الديني للمُريدية قد تبدَّل نِسْبيًّا بالتحولات التمدُّنية.

لقد قرَّر الشيخ المؤسِّس أن تكون هذه المدينة مدينة يحكمها «الخلِيفة» دون أن يظهر دائما، ودون أن تكون فيها الشرطة والحراسة والعنف الشرعي والزجر والعقاب، بل كل صرامة في تطبيق القانون. كان يريدها أن تكون مدينة تحْكُمُها القِيَم و«الضمائر المتطهّرة» أي الداخل الباطني لا الخارج القَمْعي حتى إن كان شرعيًّا. ولذلك كان «النسق الطُّوبَويُّ مبَجّلاً التسامحَ بَدَلاً عن العقاب»[44]. وذلك في تناقض مطلق مع المدن التي أسستها السلفية الجهادية في شمال العراق وشمال سوريا حيث نجد الرئيس  ضاهرا بفقاعة، حيث نجد العنف الشرعي والقمع  العقابي مبجلين وحيث لا وجود للتجربة الدينية الفردية الحرة.

ولقد كانت طُوبى دائما الأقل عنفا، وذات الجُرْمية الضعيفة جدًّا، بل الأضعف باستثنائية، والأضعف سرقاتٍ باستثنائية، في كامل السنغال. صحيحٌ أن ذلك شجّع الكثير من ذوي الجُنح والجرائم على اللجوء إليها، لأنهم يعلمون أن الدولة لا حق لها في تتبّعهم إذا دخلوا إلى حِمَاها[45]؛ ولكنْ من العجيب أن ثلثيهم منذ عقود ثلاثة يذوبون داخل الاجتماعية الطُوبَوية، ليصبحوا من الأقلية غير الوُلْفية بالسَّواد المُرِيديّ، فتتغيّر مسلكيّتهم الإجتماعية بصفة جذرية عمومًا.

تُقايضُ الدولةُ مدينة طُوبَى، فهي تأخذ منها الدعم السياسي (بل أكثر المترشحين بالانتخابات الوطنية  يفعلون ذلك معها ) مقابل استثمارات لها بها. ولكنَّ الطريقة «تبدو مُحْسنة للمُناورة، من أجْل المحايَدة عن المراقبة الانتخابية، وحِفْظِ رِبْعَتِها»[46]. ولكنها تُمثِّل موضوعيًّا سلطة مضادةٍ تدّينيةٍ، وربما حتى عِرقية[47].

بِموسم الزيارة المُريدية الُعظمى، «المَغَال»[48]، لا نجد مجرّد مَوسم ديني بالمعنى الحصري، بل هو إعادة احتفال  بعودة الشيخ المؤسّس عام 1895 من «الغيْبة» الكبرى/ المنفى الغابوني فحسب، بل هو مَوسمٌ اقتصادي- تبادُليّ، وموسمٌ سياحي، وطني بل أصبح موسمًا يستقطب السُّياح (من مختلف الأديان) والمتصوفة (من أهل السنّة ومن الشِيعة أيضا ) من كامل أنحاء العالم.

خاتمة:

للماليّين التاريخيين (أي سكان إفريقيا الغربية عمومًا) تجربة تاريخية قديمة بالدولة، أقْدم من معرفة الرومان بها. ولهم طموحٌ عالَمِي، وإصرارٌ تاريخي على الاستقلالية. وقد تجلّى ذلك مثلاً في  اكتشاف سلطان مَالي المتخلّي عن السلطة: مَنْسَا محمد القارّةَ الأمريكية بنفسه عام 1311 م.غ[49].

إسلامهم عريق، وقد كان ضمن تحوّل عميق غير واعٍ، نظرًا لتشابه التجريدية والتوحيدية بين «العقيدتين»: الأرواحية والإسلامية.

مع الوُلفية، نجد إسلامًا مناضلا، ذا إِمَّةٍ اقتصادية- اجتماعية تنبني على جعل السعي من أجل استقلال الأمّة من أهم العبادات، وتعليق ذلك على طاعة الوليّ المحرّض على الكَسْب والإنتاج من أجل الاستقلال الغذائي والكرامة الفردية والشعبية. ذلك المحتوى الاجتماعي- الاقتصادي هو الذي جعل الشعب السنغالي يبدأ طريق الاستقلال الطويل باستقلاله المعاشي والتحضري عن المحتل الفرنسي.

وهذا ما جعل نسبة المساهمة المُريدية في الاقتصاد السنغالي متعاظمة كَمَّا وكيفا. على عكس شعوب إفريقيا الشمالية التي أقامت قطيعةً مع الحركة الاجتماعية الغَوْثية فالشاذلية والتجانية التي أسست اجتماعًا يُشبه الاجتماع المُريدي خاصة في القرى والأرياف.

لكنّ الاجتماعية المُريدية عجزت عن كَسْر الطَّوْق الطَّوْفيّ، فالمُريدية- من سوء حظها ودون قصد منها- تُطابق موضوعيًّا الوُلُفيّة، بل نلاحظ تركيبا أحيانا على الإنتقال الجنوسي بالإعتزال «خصوصا {عن } النساء» [50].

فلقد صنعت التقاليد الطُّرُقية أسوارًا تجعل عقيدة العمل الوُلفية غير قابلة لاختراقها. كما أنّ شيوخ الطريقة الوُلفية موصومين بإعادة تدوير عائداتهم «بطريقة غير مُنتجة، في استصلاح منازلهم وجَرْي على مصاريف مفروضة عليهم لتغطية نفقاتهم. وقليلٌ منها [فحسب]، اقتطعوا ......  من انتمائهم للجماعة القيادية الطريقية للاندراج بالتنظيم التعاضدي أو الحصول على منافع قِوَاميّة مباشرة للإدارة المركزية، ومن ثمَّة جَعْل ادخار مُنتج قابل لأن يكون مستثمرًا في القطاعات الحديثة للاقتصاد»[51]. كما أنّ أكثر الشيوخ، وكل «الخلفاء» هم من النسب المباشر لأحمد بَمْبَ، وهذا ما يجعل الوِراثية- التقليدية خادِشةً في اللَّدُنيّة مَبْدَئيًّا. كما يُلاحظ بعض الدارسين صراعات نفوذ بين تلك الأكثرية من الشيوخ[52].

لا نستطيع أنْ نَسمَ الاقتصاد الاجتماعي للطريقة المُريدية بـ«رأسمالية تُخومية»، كما يذهب رُوشتُو[53]، ولكنها حركة تعاضدية ذات ملامح تعاوُنية وديمقراطية، ومُحَدثة باستمرار رغم تهديدها بالسلطة الوراثية ومن تحوّل المُنظِّم/ الشيخ إلى شِبه مُقاولٍ ينزع إلى التشبه بالرأسماليّ الأوروبيّ مكبَّلاً بالتقاليد الطريقية التي تمنعه من فائض القيمة فيتحايل عليها بالبخْسِ الاقتطاعيّ الزهيد ولكنه متراكمٌ.

ما زال للطريقة المُريدية مشروعيتها، فرئيس الجمهورية مُطالبٌ برَفْد مشروعيته الانتخابية بالمشروعية الخليفية، بزيارة طُوبى، عاصمة المُريديّين، ومقر «الخليفة»، ومَثْوى الولي أحمدُ بَمْبَ. ولقد استطاع مثقف حَداثيّ مُنتمٍ إلى الطريقة المُريدية، عَبْدُولايْ وَادِ، أن يصل إلى رئاسة الجمهورية بين عامي 2000 و2012، بعد أن كان معارِضًا شرسًا منذ عهد ليوپولد سيدار سِنْغور. لم يمارس انتقاما من مضطهديه سابقا، وكرَّس اللامركزية (بحكم تقاليِد الرِّبْعة في التجربة التاريخية المُريدية) والنمو الاقتصادي باتجاه الداخل الوطني باعتنائه بالبنى التحتية خاصة، وإصلاح الإدارة. وقد كان لذلك نتائجه الاقتصادية المباشرة، إذ هو من المعادين للتداين الخارجي.

***

لكنْ مازَال أمام الحركة الاجتماعية المُريدية طريق طويل أمام الاندماج الثقافي والاقتصادي الوطنيّ، وفي الصراع ضد الفقر، لا في الحِمى المُريدي، فحسب، بل في كل الحِمى الوطني، حتى لا تكون هذه الحركة الاجتماعية طائفية مِن ذاتِها أو محَاصَرة حتى تكون كذلك.

ومازالت في حاجة إلى مزيد الحداثية والراهنية، حتى تكون سليلة أحمدُ بَمْبَ فعلا، في بحثه عن  «خِرْقَة» محمدية مباشِرة، لا خِرقة موروثة عن السلف، فهذه الحركة الاجتماعية جاءَتْها فُرصة التجديد على يد حفيد أحمَدُ بَمْبَ وسليل الحِكمة التصوفية المُريدية: شَيخ عَنْتَ جُوب. فإذا كانت هذه الحركة الاجتماعية منسوبة إلى «المُريد» وخلاَّفيّته، لا إلى شيخها- رغم أنه هو مُؤسّسها-، فقد كان ينبغي عليها لتبقى كذلك أن تتمثَّل الإنسانية المحدَّثة لشيخ عَنْتَ جُوبْ واتساع أفقه التغييري-الثوري باتجاه الدولة الإيلافية الإفريقية، وباتجاه تعميق العدالة الاجتماعية.

ويبقى التحدّي الأكبر أمام إنسانية هذه الحركة الاجتماعية، هو صَمْتُها غير المُبرَّر أمام وجود قاعدة عسكرية أمريكية بالبلاد[54]، وبالنيجر وبالصُومال، بينما الولايات المتحدة الأمريكية كانت حليفة لدولة جنوب إفريقيا ذات العصبية العنصرية، والحليف الأهم لدولة الأبارّْتَايد الصهيونية، وصمتها أمام وجود سفارة «إسرائيلية» في دَكَار.

 

د.

...........................

[1] . ليس هناك مَدٌّ في آخر الكلمات بلغات إفريقيا الغربية، بل هي حركاتٌ، فليس هناك فيها وُقوف على السكون: إنها لغات إعرابية.

[2] . جزيرة غورَة( بإمالة الراء) قبالة الساحل السنغالي كان فيها يُجمّع النّخاسون الأوروبيون المُختَطفين من سكان إفريقيا الغربية، لـ «يُصَدَّرُوا» في ظروف قاسية (أدّت إلى غرق أكثرهم) إلى القارتين: الأمريكية والأوروبية.

[3] . سانْ لْوي: المقدّس لوي: هو ملك دنيوي وليس مقدّسا كاسْمه، قاد الحملة الصليبية على تونس.

[4] . فيدَرْب: Faidherbe

[5] . روشتُو(غ)، م. س، ص 2.

[6] . لاَطْ- دْيورْ نْكَوُنِه لاَطير جُوپ (1842- 1886) دامل بلاد كَيُور (1871- 1883)، استشهد عام 1886 في قتاله ضد الغازي الفرنسي.

[7] . اللّدُنيّة: Charismatisme ، Charismatism : من مفاهيم علم الاجتماع الفيبري.

[8] . م. س.

[9] . رُوستُو (غ)، م. س، ص 4.

[10] . روستُو (غ)، م. س، ص 4.

[11] . الرّبْعة: Autonomie، Autonomy.

[12] . Marty (P), Etudes sur l’Islam générale, Collec de la revudu monde musulman / Ernert Lerousc, Paris, 1917, Tome2, chap.2.

[13] . Brochier (J), La diffusion du progrés technique en milieu rural sénégalais, PUF, Paris, 1968, p.142.

[14] . Couty (PH), « la doctrine du travail chez les mourides »,in : maintenance sociale et changement économique chez les mourides, ORSTOM, Paris, 1972,p.72.

[15]  «الإجازة» هي اعتراف شيخ قائم بأهلية  مريد له على المشيخة في حياته أو بَعدَها. ولها طرق عديدة .

[16]  راجع: حرازم (علي)، جواهر المعاني في فيض سيدي أبي العباس التّجاني، دار الكتب العلمية، بيروت، 2007، ص. 43

[17]  من ذلك هذا البيت: في الغيبة الثانية التي حَبا ** بها البَيَاضين الإلَهُ مَرْحَبا [حُوب الدكَاني (محمد الأمين)، إرواء النعيم من عذب حب الخديم، الرابطة الخديمية ، طُوبى، 2017، ص.175.]

[18]  ابن خلدون فقد مر الشيخ ،حسب نصه الشعري ب«غيبة صغرى»(بموريتانيا) و«غيبة كبرى»بجزيرة في المحيط الاطلسي بالغابون

[19]  كان ماكس فيبر متمكّنا جدّا من العهدَيْن القديم والجديد لكي يستطيع تفهّمَ السلوكِ الاقتصادي البروتستنتي واليهودي.

[20]  الحديث لَمْ يَرْوه أحدُ عن النبي، جاء في بعض المسانيد عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأخرى عن علي بن أبي طالب ولكنْ هناك ما يُشْبِهُهُ في حديث النبي.

[21]  يرتكس پول مَرْتِي أحيانا إلى صفته بماهو رجل دين «مُبَشِّر» لِيَتّهم دون بحث علميّ علاقة «الطاليب» المريديّ بشيخه بأنها عبودية.

[22]  Couty (PH), « la doctrine du travail chez les mourides »,……..p. 32.

[23]  جوب الدكاني(محمد الأمين)، م.م. ص85.

[24]  م.س.ص.77.

[25] Dumont,………, 1968, P.369.

[26]  م.س.

[27] Dumont,………. , 1966. P.391.

[28]  قارن هنا بدراستنا عن «الحركة الاجتماعية الغَوثية» الصادرة عن الكتاب الجماعي للجمعية التونسية للدراسات الصوفية.

[29] Dumont,……, p. 193.

[30]  «تَكْ- دِرْ»: التِّكَّةُ (= مَشْبك الحِزام). الاستعارة من العربية هنا واضحة.

[31]  «الدّارة»: تعن «المدرسة القرآنية»، وتعني لدى المُريدية التي تكرّس نفسها للعمل الفلاحي تطوّعا دون طلب للمقابل المالي.

[32]  ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، المجلد 1، ص. 123.

[33]  ابن عربي، تفسير القرآن الكريم، دار الكتب العلمية، بيروت، 2001، ص. 366.

[34] Cheikh Guéye, Touba, Karthala, Paris, 2002, p. 40.

[35] الحِكمة السياسية لإفريقيا الشرقية حِكْمَات: حكمة الحبشة '(النجاشي أصحمة الثاني، زارا يعقوب)، وحكمة البانتُو، وحكمة النوبة (التي منها السيدة سَكَن النوبية)، وهي متمايزة عن حكمة إفريقيا الغربية.

[36] غِيّيه (شيخ)، م. س، ص. 195.

[37] م. س، ص. 304.

[38]  م. س، ص.394.

[39]  المُجَانسة: Homogéniation

[40]  شيخ غِييّه، م. س، ص 501.

[41]  م. س، ص. 448.

[42]  م. س، ص. 491.

[43]  م. س، ص. 397.

[44]  م. س، ص. 499.

[45]  ... على عكس الدولة السعودية التي تسْمح لنفسها بالقبض على ذوي الجُنح والمجرمين حتى داخل الكعبة أو متعلقين بأستارها أو بالحرم المحمّدي.

[46]  غِييّه (شيخ)، م. س، ص. 305.

[47]  م. س.

[48]  «مَغَال» بالوُلُفية أصْلاً: الاحتفال.

[49]  أكد كولمبوس في مذكِّرات له أن الماليين سبقوه في اكتشاف القارّة الأمريكية، وأنهم تعلموا صَهر الذهب ودمجه بالعناصر الأخرى مِنهم، وأنه وَجَد مَنْ يُشبهون الماليين بالقارّة.

[50]  جوب الدكاني (محمد الأمين)، م.م.ص.85.

[51]  رُوشتُو (غ)، م.م، ص. 24.

[52]  م. س، ص. 25.

[53]  م. س.

[54]  ...................

 

 

ميثم الجنابيإن بقايا البراكين سوداوية الألوان متعرجة المظاهر. وهي المفارقة التي تجسد إحدى حقائق الوجود الكبرى القائلة، بأن الاحتراق ليس حريقا فقط، بل ودفئ ورماد! والأول يحيا في إثارة الذوق وهواجس الضمير، بينما تلعب في الثاني رياح الذاكرة وأمواج الزمن. ونعثر على هذه الصورة في مظاهر أبي عبيدة وملامحه الفارقة، وأثره في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية. فقد كان أبو عبيدة زنجيا أصيب بالعمى آخر حياته، مهنته صنع القفاف من سعف النخيل، لهذا لقبوه بالقفاف[1]. من هنا تلاشي مظاهره الفارقة بأثر الرياح العاتية للزمن وبقاء ألوانه المثيرة في زخارف التنظيم الفكري والعقلي للحركات الاجتماعية والسياسية الإسلامية الإنسانية، وفي تجاعيد الوجوه العبوسة للإمامة الجائرة.

وما بين هاتين الظاهرتين تراكمت شخصيته وأثرها الثقافي العام. فهو شأن الشخصيات الطبيعية الكبرى لتلك المرحلة، تولد مجهولة الهوية لتنتهي في سلسلة التاريخ الروحي بوصفها إحدى حلقاته اللامعة. وليس مصادفة ألا نعرف سنة ولادته، لأنها جزء من زمن مجهول. أما موته فقد أثار بما في ذلك الخليفة أبو جعفر المنصور بحيث نراه يستغرب موته قائلا: "أو قد مات؟ إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهبت الاباضية!"[2] وليس معرفة سنة وفاته سوى الإشارة المقلوبة لدخوله تاريخ الوعي والثقافة، ومن ثم علامة على دخوله عالم الروح. أما الأبعاد الوجودية لوحدة التاريخ والروح في شخصيته، فقد تراوحت ما بين أربعينيات القرن الأول الهجري ومنتف القرن الثاني. وإذا أخذنا الصيغة الأكثر انتشارا لها أي ولادته عام 45 للهجرة ووفاته عام 145، فان أبو عبيدة يكون قد لازم القرن الأكثر فاعلية واحترابا في صيرورة الخلافة الإسلامية والدولة الإمبراطورية والخلافة الإمبراطورية[3].

فقد لازمت صيرورته الفردية صعود الخوارج وفوران تأثيرهم ونشاطهم السياسي والعقائدي. إذ ينقل عنه مشاركته الجلوس في مجلس أبـي بلال مرداس بن جدير[4]. وإذا كانت وفاة أبي بلال مرداس بن جدير سنة (61 للهجرة) فان ولادة أبو عبيدة هي على الأقرب في أربعينيات القرن الأول. انطلاقا من أن الخامسة عشر من العمر هو سن التمييز والمجالسة بالنسبة لتقاليد المرحلة[5]. بينما يجري التأكيد اليقيني لاحقا من انه كان كبير تلاميذ جابر بن زيد. وهي تلمذة وجدت تعبيرها التام في تبلور شخصيته العلمية التي جعلت منه نموذجا "للعالم الزاهد، المتواضع مع نيل الدرجات العليا".[6] وهي درجة ما كان بإمكانه بلوغها لولا تميزه بالذكاء والكفاءة في التنظير وحسن التدبير، الذي وجد انعكاسه في تحول الخوارج إلى حركة إسلامية كبرى في هيئة الاباضية. بمعنى جمعه بين الأصالة في الشخصية والعلم والعمل، بحيث جعلت منه احد مصادر الثقة والاطمئنان.

لقد حقق أبو عبيدة في شخصيته نموذج الخوارج الأوائل في الاطمئنان لليقين الخالص وخالص اليقين، الذي جعل من شخصياتهم أعلاما في ميدان الثقة والصدق. لهذا قيل عنه بأنه "كان من الثقاة لا يشك في كلامه"[7]. وليس مصادفة فيما يبدو أن يعتبره الجاحظ احد الخطباء البلغاء. ويعني هذا الوصف في منظومة الجاحظ القيميية بلوغ ذروة الأصالة العربية الإسلامية. فالعروبة بالنسبة له هي ذروة اللغة والبلاغة. غير أن حقيقة البلاغة التي بلغها أبو عبيدة تقوم في بلوغ الفكرة الخارجية صيغتها العملية المعتدلة. وهو الإبداع الأشد تعقيدا بالنسبة للفكر النظري والعملي في مراحل الانتقال العاصفة. وليس مصادفة أن تتناسب في شخصيته وحدة التشدد في ميدان الحقيقة والمبادئ ولين العريكة في معاملة الناس أجمعين. وهو تناسب يشير إلى روح الاعتدال وفكرة الوسط العقلانية في شخصيته الفكرية.

إن توحيد روح الاعتدال وفكرة الوسط هو التعبير النموذجي عن تأسيس فكرة الاعتدال التاريخية التي إثارة في بادئ الأمر حدة الإرادة الإنسانية الفاعلة بمعايير الإلوهية المتسامية. وهي الحالة التي أدخلت الخوارج في زوبعة المواجهة العنيفة للرذيلة السياسية والانحطاط الأخلاقي للسلطة وحاشيتها. لكنها أجبرتهم بفعل الثقل التاريخي للدولة الإمبراطورية والهواجس الغريزية للجسد ومتطلباته اليومية للعوام إلى الانكفاء التدريجي والخروج لاحقا بفكرة الوسط والاعتدال. بمعنى البقاء ضمن الإقرار بفاعلية الأبد الإلهي في الوجود الدائم، والمسئولية الأبدية للمرء تجاه كل ما يجري ويسري في الظاهر والباطن. وعبّر عن هذه الفكرة مرة أبو عبيدة في نقاش حول قضايا الجبر والاختيار. فقد أجاب على سؤال:

هل جبر الله أحدا على طاعته أو معصيته؟

ما اعلم أن الله جبر العباد على طاعته أو معصيته. ولو كنت قائلا إن الله جبر أحدا، لقلت جبر أهل التقوى على التقوى.

العلم (الإلهي) هو الذي قاد العباد إلى ما عملوا؟

لا! ولكن سولت لهم أنفسهم وزين لهم الشيطان أعمالهم، وكان منهم ما علم الله.[8]

. وعندما قيل له مرة

لا يستطيع الكافر الإيمان

لا أقول أن من يستطيع أن يأتي بحزمة حطب من حل إلى حرم لا يستطيع أن يصلي ركعتين، ولا أقول انه يستطيع ذلك إلا أن يوفقه الله.

والشيء نفسه يمكن رؤيته على مثال عدد من الصيغ النموذجية لجدل المرحلة. فعندما قال له احد (المعتزلة)

هل تستطيع أن تنتقل من مكان لست فيه إلى مكان أنت فيه؟

لا!

هل تستطيع أن تنتقل من مكان أنت فيه إلى مكان لست فيه؟

إذا شئت!

وعادة ما تورد كتب الاباضية النادرة الأكثر إثارة عن نادرة الجدل الذي جرى بينه وبين واصل بن عطاء ممثل القدرية الأول والأكبر. فهي تحكي لنا عن كيفي التقاءهما في البيت الحرام، وكيف أن واصل سأله:

أنت أبو عبيدة؟

نعم!

أنت الذي بلغني أنك تقول: إن الله يعذب على القدر؟

ما كذا قلت؛ لكن قلت، إن الله يعذب على المقدور. لكن ألست أنت الذي بلغني عنك أنك تقول: إن الله يعصى بالاستكراه؟

فنكس واصل رأسه فلم يجب بشيء. وعندما لامه أصحابه على سكوته أجاب "ويحكم بنيت بناءاً منذ أربعين سنة فهدمه وأنا قائم"[9]. ومهما يكن من أمر هذه النادرة، فان مضمونها الفعلي يقوم ليس في إبراز الصيغة الجميلة للقدرة المتنامية والهائلة لأبي عبيد في إفحام الآخرين، بقدر ما أنها تحتوي على معالم التأسيس والتميز المتزايدين في تنظيم فكرة الحد الوسط والاعتدال. وهو الانجاز التاريخي الكبير لأبي عبيدة ضمن تقاليد الخوارج التي تطابق نشوءها وصيرورتها وكينونتها التاريخية والسياسية والعقائدية مع قيم الغلو والتطرف.

إن الصورة المتراكمة عن نقاء الجدل العقلي والقدرة الهائلة لبلاغة أبي عبيدة هي الاستمرار المتجدد للتقاليد التي أرساها أستاذه جابر بن أبي زيد. فقد أسس الأخير لأسلوب الجدل الهادئ والتدرج في إقناع الخصم. وهو جدل لا يخرج بمعاييره عن أولويات الإيمان واليقين الملزمة للعقل "النظيف" من أدران السياسة العفنة للسلطة الجائرة، لكنه يحتوي بالقدر ذاته على تجديد المضمون التاريخي للفكرة والإيمان بالشكل الذي يجعل قادرا على تذليل وكسر شوكة الجمود والغلو. وتحتفظ لنا كتب التاريخ المتخصصة بالخوارج نماذج من هذا الجدل، مثل تلك الحالة التي أراد بعض الخوارج استفهام جابر بصدد القضايا المختلف عليها، وبالأخص قضية تحريم دماء المسلمين. فعندما قال لهم:

أليس قد حرم الله دماء المسلمين بدين؟

نعم!

وحرم البراءة منهم بدين؟

نعم!

أو ليس قد أحل دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟

بلى!

وحرم الله ولايتهم بدين بعد الأمر بها بدين؟

نعم!

هل أحل ما بعد هذا بدين؟

فسكتوا! لقد أوصلهم إلى فكرة الحد الوسط والاعتدال الملازمة لمسار الرؤية الواقعية والإنسانية عن أن الأحكام التي تنطبق على المسلمين ليست كالأحكام التي تنطبق على المشركين، وأن الموحد إذا ارتكب ما يحل به دمه لا يكون ذلك كافياً لاستحلال ماله وسبي نسائه وأطفاله. بمعنى البقاء ضمن "إرادة الأزل" وتحكيم العقل والرؤية الإنسانية في الموقف من النفس والجماعة والأمة والبشر. وتمثل أبو عبيدة هذه القواعد ودفعها إلى غايتها القصوى من خلال تحويل الجدل إلى مؤسسة الإنتاج المكثف للفكر والنظام والدولة، بحيث ارتبطت هذه المهمة بشخصيته ومن خلالها استطاع تحقيق مرجعيات الروح الثقافي. وليس مصادفة أن ترتبط بشخصيته تربية رجال "الاباضية" الكبار من مختلف أمصار الخلافة الدولة الإمبراطورية[10]. بحيث أصبح هو معهد إنتاج رجال الدعوة الفكرية والسياسية للخوارج.

وضمن هذا السياق يمكن اعتباره من أوائل الشخصيات الفكرية والتنظيمية الكبرى في التقاليد العربية الإسلامية التي استطاعت أن توحد في ذاتها الفكرة التنظيمية والسياسية بمعايير الاعتدال الفكري والعملي. إذ تمثل هذا التوحيد أيضا التقاليد التي أرساها جابر بن زيد، ولكن من خلال نقد التجربة العملية لمختلف تيارات الخوارج. بمعنى نقد تجاربها المتطرفة وغلوها العقائدي والسياسي، والبقاء في نفس الوقت ضمن أعماق الرؤية المتجانسة والأصلية للفكرة الخوارجية بوصفها فكرة "إماتة الجور وإحياء الحق"، و"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق"، و"الخروج ضد الظلم والجور". وتماهت هذه الأفكار من الناحية الفعلية مع قواعد الحياة الشخصية الظاهرية والباطنية للخوارج. بمعنى موت فكرة الثأر والملك. ولعل مأثرة أبو عبيدة بهذا الصدد تقوم في انه دفعها صوب فكرة الدولة. وبهذا يكون هو من بين أوائل المثقفين المسلمين الذي وضع مهمة تنظيم الفكرة والعمل من اجل بناء الدولة بمعايير الرؤية الواقعية والاعتدال العقلاني. فقد كانت هذه الرؤية تتمثل حقائق الإسلام المحمدي بعد وضعها على محك التجربة الدرامية القاسية للخوارج وغيرها من حركات المعارضة للأموية. وهو تمثل يكمن رؤية ملامحه في مواقفه من السلطة الأموية زمن قوتها ووحدتها الداخلية زمن عبد الملك بن مروان وأياديه الضاربة مثل الحجاج الثقفي وأمثاله. وقد كان الرد المناسب من جانب أبو عبيدة هو تأسيس الدولة الافتراضية أو البديلة بمعايير الفكرة الخارجية من خلال توحيد جهودها النظرية والعملية عبر تنظيمه لفكرة المجالس[11]. ولعل أكثرها شهرة وفاعلية هي المجالس العامة[12]، ومجالس الخاصة[13] ومجالس العلم[14]. ويعكس هذا التنظيم طبيعة الذهنية الجديدة للخوارج. بمعنى تمثلها لتقاليد العقلانية البصرية وباطنية الوعي السياسي المناهض للأموية.

فقد كانت الخوارج الصوت الجهوري المباشر لاحتجاج الروح والجسد والتقاليد. غير أن قمعها المستمر وغلو بعض تياراتها قد فعل فعلته في تهذيب جوارح الجسد ولسان العقل والضمير. واستمرت هذه العملية عقودا عديدة قبل أن تتكامل في صيغتها الأولية التي وضع أبو عبيدة أسسها وقواعدها العام. وأسست هذه التقاليد لمنظومة الوعي الفكري المنظم الذي سوف يبلغ لاحقا ذروته في حركة إخوان الصفا وأمثاله من التيارات الفكرية السياسية. ففي تباين المجالس انعكاس لفكرة العوام والخواص، والظاهر والباطن، وتوحدهما في العلم والدعاة. ووجدت هذه الصيغة النموذجية والفاعلة تعيرها في النتائج الكبرى التي ستتمخض عنها حركة الخوارج لاحقا. بمعنى انطلاقا من تحت سراديب البصرة إلى أرجاء الإمبراطورية وتأسيس جمهورياتها الخاصة.

لقد حول أبو عبيدة البصرة إلى كعبة البيت العلمي والسياسي للخوارج. ومن ثم نقل نفسية وذهنية الخوارج من المواجهة العلنية والمباشرة مع السلطة إلى أنماط لينة المظهر قاسية المحتوى في مواجهة السلطة[15]. كما انه نقل حالة الخوارج من التشرد والفروسية الفردية إلى التكاتف المنظم وامتلاك زمام المبادرة في نقد الواقع وتتأمل المستقبل والعمل من اجله. بعبارة أخرى، لقد جعل أبو عبيدة من الثقافة سلاح الفكر والروح والجماعة والأمة والدولة. ووضع لهذه المهمة نظامها الخاص. إذ لم يجعل من المجالس التزاما ومسئولية فردية للمثقفين الخوارج (العلماء)[16]، بل وبلور فكرة الاستشارة والمستشارين، أي إبداع صيغة الدولة النموذجية والواقعية كإمكانية قادرة على التحقق بالفعل[17].

وأسس لهذه الصيغة بمعايير العلم النظري والعمل السياسي والأخلاقي. فقد تولى هو بصورة مباشرة قيادة التيار الخارجي الذي وضع أسسه عبد الله بن وهب الراسبي ومرداس بن جدير وعبد الله بن أباض وجابر بن زيد منذ تسعينيات القرن الأول الهجري، أي بعد وفاة جابر عام 93 (711). ففي مجال العلم ترك آثاره فيما استجمع عنه من فتاوي ومحاورات بعنوان (رسائل أبي عبيدة)، و(كتاب الزكاة) و(الأحاديث) التي كان يرويها جابر بن زيد إضافة إلى فتاوى في الفروع والأصول تناثرت في مختلف الكتب والمراجع. لكن قيمتها الفعلية ومضمونها الواقعي والفعلي بالنسبة للموقف من السلطة تبرز في أرائه وموقفه ونشاطه السياسي. إذ إننا لا نعثر فيها على جدل الكلام التقليدي، بل جدل إشكاليات الحياة العادية. بمعنى التحرر من ثقل الجدل العقائدي والفرقي (المدرسي) العادي. ومع أنها ليست فضيلة بذاتها، لكنها كانت تتسم بقدر هائل من الفضيلة في شخصية وسلوك أبي عبيدة، وذلك لأنها كانت جزء من نقل ثقل التقاليد الراديكالية للخوارج إلى ميدان الحياة العادية. وهو السبب الذي جعله محط المراقبة الدائمة، العلنية والمستترة من جانب السلطة الأموية. فنرى الحجاج يودعه السجن. ويتفنن في إيذائه. ويقال أنه استشار عن كيفية تعذيبه دون قتله فأشاروا عليه بإطعامه الكراث والزيت! ولم يطلق سراحه إلا بعد موت الحجاج عام 95 للهجرة.

إن تجنب القتل من جانب السلطة الأموية والبقاء ضمن تقاليد الخوارج هو الحد الذي ميز علاقة أبي عبيدة بالسلطة. بمعنى جمعه في كل واحد تراث الخوارج المتنوع وصهره في بوتقة الرؤية الواقعية والعقلانية البعيدة المدى. من هنا معارضته للمواجهة العلنية بشكل عام والعسكرية بشكل خاص ضد السلطة. والاستعاضة عنها بتأهيل الدعاة. وهو الأسلوب الذي كان يحتوي في أعماقه على تمثل حقيقة الخوارج التاريخية وأثرهم الروحي الجوهري بالنسبة لمصير العقل الثقافي الإسلامي.

لقد استطاع الخوارج بتضحياتهم الهائلة حفر أخدود الثقافة الروحية في إمبراطورية الدولة الأموية، ومن ثم المساهمة الكبرى في إرساء أسس الثقافة الإمبراطورية ومعتقداتها الكونية. وظلت هذه المواجهة تلازم الأعماق السحيقة للخوارج في مناهضة أئمة الجور والإمامة (السلطة) الجائرة واعتبارها دار بغي وعدوان. وقد تكون هي الفكرة السياسية الوحيدة التي لازمت تاريخ الخوارج السياسي والروحي بحيث ارتقت إلى مصاف العقيدة الكونية والمرجعية الذاتية المميزة لهم. ولم يكن ذلك معزولا عن التنظيم الفكري والعملي السياسي الذي أسس له واتبعه وحققه أبو عبيدة في مجرى حياته الطويلة. ولم يكن هذا التحقيق معزولا عن معاناة التجربة التاريخية للسلطة والمعارضة على السواء.

فقد أجبرت الضغوط العنيفة والقهر الشامل في زمن الحجاج أبا عبيدة إلى إتباع سياسة النقية والسرية. ومواجهة ابتزازها بأسلوب الانطواء على النفس وإعادة صقلها بمعايير الترقب الحذر والاستقطاب المتزايد للمعارضة الفكرية عبر إعادة تأهيلها للمستقبل. وكذلك تقديم المثال الشخصي بوصفه النموذج المحتمل والضروري للائمة من خلال نشر فكرة أن الخليفة والإمام والعامل هو حامل أمانة تجاه الأمة، مهمته السهر على أحوالها وإحقاق الحق وإقامة العدالة والمساواة بينهم. وان الفرد المسلم حر. فقد حيّدت هذه الممارسة عنف السلطة ووجدت إلى قلبها الطريق حال خشوعها، كما حدث على سبيل المثال زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز(99-101هـ). فقد تحولت العلاقة بينه وبين السلطة إلى أسلوب الدفاع عن المبادئ الإسلامية العليا من خلال دعم السلطة ولكن دون الاشتراك معها. وهي ممارسة كانت محكومة بدورها بشحنة وتاريخ العداء الدفين للسلطة الأموية من جانب العراقيين لشكل عام وأهل البصرة والكوفة بشكل خاص. والخوارج بصرية المنشأ والتربية والمزاج والروح والرؤية. ومن الممكن رؤية هذا الشيء في كيفية ونوعية تفجر الاحتقان الداخلي بين الخوارج وأتباعهم بعد القضاء على تمرد يزيد بن المهلب ومقتله عام 102 في موقعة العقر[18].

لقد وضعت النتائج المأساوية لهزيمة يزيد بن المهلب أبو عبيدة أمام الامتحان التاريخي الأكبر في بداية القرن الثاني. بمعنى محاصرته بين إرهاب السلطة المنظم والعنيف وبين ضغط الخوارج وإتباعهم في الانتفاض والتمرد. وهي حالة حرجة لأنها تتأرجح على بركان التقاليد الحية الفاعلة في الوعي والعقل والذاكرة والضمير. لكنه استطاع في نهاية المطاف أن يؤسس لفكرة الاعتدال السياسي والفكري بالشكل الذي يستجيب لتحديات الانعطاف الحاد في المزاج والتاريخ الفعلي للدولة والمعارضة. وقدم احد النماذج العملية والممكنة من خلال بلورة ما يمكن دعوته بالتقية الفاعلة أو الصمت المتحرك. ومن خلالها استطاع امتصاص النقمة والثورة والانشقاق والبقاء ضمن حيز الرؤية المناهضة ومشاريعها العملية. بمعنى الصمت الظاهري والعمل من اجل تأسيس الدولة البديلة. إذ كانت ترتسم ملامح هذا التأسيس من خلال تأمل تاريخ الخوارج ونوعية صراعهم من اجل الفكرة. بمعنى الخروج عل خوارج الغلو كما جسدته الازارقة، والبقاء ضمن حيز انتمائهم الروحي للحق ووجدانهم الملتهب بحب الحرية والعدل. ومن ثم لم تكن فكرة الدولة البديلة جزيرة الحرية النائية أو المتقوقعة على ذاتها ولتكن ليوم واحد وفي أي مكان كما فعل مرداس ونافع بن الأزرق وأمثالهم، بل هي فكرة البديل الشامل للدولة الأموية. فقد ظلت فكرة "دولة خارجية" ولو ليوم واحد تراود الكثير من الخوارج. أنها الرغبة العميقة والمخلصة برؤية الخلاص و"الجنة" الأرضية التي كانت تتلألأ في خيال ونموذج الدولة المثلى التي رفعها الخوارج الأوائل إلى مصاف المرجعية الجوهرية. وفيها تنعكس أيضا ملامح الجزع من مواجهة السلطة والرغبة الدفينة في رؤية الحلم الأبدي بإقامة دولة الحق والعدل. فقد استوعب أبو عبيدة هذه الحالة المتناقضة بالشكل الذي جعل منها برنامج العملي اليومي والمستقبلي. وحقق بعض نماذجها الجزئية والدائمة في ظهور الدول والدويلات "الاباضية"، بوصفها الصيغة المناسبة لحالة الخوارج التاريخية التي تشكلت منذ البدء بوصفها حركة الروح الهائج والمنتفض. وليس مصادفة أن تظهر في زمنه وتحت تأثيره المباشر وغير المباشر دول الخوارج المتناثرة في أرجاء الإمبراطورية المفككة للأموية. بمعنى ظهورها المتعدد والمتنوع في المغرب والمشرق. ومن خلالها انتشرت إحدى الصيغ النموذجية للخوارج، بعد خروجها من البصرة إلى الكوفة والموصل والحجاز لتستقر في اليمن وحضرموت وعمان وتنتقل عبرها إلى ما وراء البحار والمحيطات[19]. ويعكس هذا الانتقال أولا وقبل كل شيء شخصية أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة بوصفه احد الممثل النموذجي لمثقف العقل المنظم والدعوة العملية بين الخوارج.

 

ا. د. ميثم الجنابي

........................

[1] إن الجدل حول ما إذا كان أبو عبيدة تميميا أصليا أو من الموالي تقطعه مهنته. فصنع القفاف والمهن اليدوية كانت في بداية الخلافة حكرا على الموالي. وشكلت هذه الظاهرة رصيد الحركات المناهضة للأموية. ويمكننا العثور عليها في كل قوات المتمردين في العراق ضد السلطة الأموية. وليس مصادفة أن تطلق الارستقراطية الأموية وأتباعها مختلف الألقاب المهينة عليهم من خلال مطابقتهم مع حرفهم اليدوية. إذ عادة ما تلازم هذه الظاهرة صيرورة الإمبراطوريات في أول نشوئها. اضافة لذلك عادة ما تكون شعوبها أو أقوامها المؤسسة عسكرية النفس والقيم. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار تقاليد العرب الجاهلية وحروبها وفروسيتها والصيغة التي رافقت فكرة الفتح والغزو والغنائم، فمن الممكن تحسس قوتها آنذاك بالنسبة للموقف من المهن اليدوية. لكن اشتراك الموالي في توسيع مدى الروح الفكري والأخلاقي ليس إلا الصيغة الظاهرية للباطن الثقافي العربي المتراكم في منظومة القيم الجديدة التي قدمها الإسلام والصراع من اجلها ضد انحراف الأموية. وهو صراع بلور معالمه وقيمه وقواعده وأفكاره النظرية والعملية شخصيات العرب الكبرى في مختلف الميادين والمستويات والاتجاهات. وقد كان الخوارج عربا اقحاح، أي أولئك الذين تمثلوا فضائل الجاهلية والإسلام. من هنا نزوعهم الإنساني العميق وفكرتهم الأخلاقية الرفيعة وسموهم الروحي وأفكارهم الكونية. ومن هنا أيضا اضمحلال وتلاشي شخصية "الموالي" في صيرورة الحركات وأفكارها. وهو السبب الذي أثار الجدل حول ما يسمى بصميمية التميمية في أبي عبيدة أو كونه من الموالي. وهو جدل له قيمته بالنسبة للحالة المعنية فقط فيما يخص أصالة الفكرة الخوارجية وتطابق رؤيته النظرية والعملية، التي جعلت "زنجي" "مولى" يقود الحركة ويؤسس لتنظيمها الفكري والعملي والسياسي.

[2] معجم أعلام الاباضية من القرن1-15،ج4، ص873-875. لم يكن تأثيره أو صداه في تقييم أبي جعفر المنصور أمرا طارئا، وذلك للدور الكبير الذي لعبه أبو عبيدة بالنسبة لبلورة الروح المنظم والمعارض للأموية. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن أبو جعفر المنصور قد توفي عام 158 للهجرة، بينما كانت سنة توليه الحكم عام 136 فمن الممكن توقع درايته بتاريخ أبي عبيدة العريق في العراق وبين حركات الخوارج المناهضة للأموية. إذ لم تكن معارضته تسعى إلى سلطة غير سلطة الفكرة الإسلامية عن الإمامة الصالحة. إلا أن القيمة الفعلية بالنسبة لنا بهذا الصدد تقوم في الإشارة إلى ارتباط شخصية الاباضية بشخصية أبي عبيدة. وفيما لو صحت العبارة المنسوبة إلى أبي جعفر المنصور، فان ذلك يعني أيضا أن مصطلح الاباضية كعلم للفرقة كان مستتبا آنذاك. ومن ثم لم يكن معزولا عن النشاط الدءوب والمنظم لأبي عبيد مسلم بن أبي كريمة.

[3] خير الدين الزركلي: الأعلام، ج7، ص272.

[4] البرادي أبو القاسم بن إبراهيم الجربي: الجواهر المنتقاة فيما أخل كتاب الطبقات، ص 35.

[5] ابن الأثير:الكامل في التاريخ، ج3، ص254.

[6] الدرجيني: طبقات المشايخ، ج2، ص238.

[7] الدرجيني: طبقات المشايخ، ج2، ص238-246.

[8] الدرجيني: طبقات المشايخ، ج2، ص241.

[9] أول من يوردها الدرجيني في كتاب (طبقات المشايخ، ج2، ص246.). والدرجيني من القرن السابع الهجري. أما صيغة اللقاء "الغريبة" لرجالات البصرة، فمن الممكن تفسيرها بسبب إصابتهما بالعمى آخر العمر، أو ضعف الرؤية.

[10] فقد تربى عليه رجال الخوارج الكبار من مختلف المناطق، كما نعثر على أثره، على سبيل المثال لا الحصر في شخصية الربيع بن حبيب الفراهيدي (عمان) وعبد الله بن يحيى الكندي (اليمن) وعلي بن الحصين (الحجاز) وهلال بن عطية الخراساني (خراسان) ومحمد بن عباد المصري (مصر) وعبد الرحمن بن رستم الفارسي (المغرب).

[11] أبو زكريا يحيى بن أبي بكر: سير الأئمة وأخبارهم، ص55-65؛ الدرجيني، طبقات المشايخ، ج2، ص21.

[12] المجالس العامة وتضم الأشخاص الذين ينتمون إلى أهل الدعوة. وعادة ما كانت تعقد هذه المجالس في بيت أحد المشايخ. وكانت تتميز بالسرية والاختفاء جهد الإمكان من مراقبة ومتابعة أجهزة السلطة. ومهمة هذه المجالس الأساسية تقوم في نشر الفكرة الخارجية عن طريق المواعظ والدروس.

[13] كانت مجالس الخاصة (أو الأعيان) مقتصرة على رجال الدعوة وعلمائها. وكانت تتميز بطابع سري صارم. وكانت تخصص للقضايا المتعلقة بشؤون الحركة السياسية. بمعنى مزاولتها لمهمة التخطيط السياسي وتنفيذه.

[14] مجالس العلم اقرب ما تكون إلى حلقات الدراسة. وكانت مفتوحة للذين يفدون إلى البصرة لتحصيل العلم. لكنها لم تخل من الطابع السري أيضا. حيث كانت عادة ما تعقد في سراديب البيوت.

[15] كما لو انه يستظهر شخصيته. فقد كان معروفا عنه تشدده في المبادئ ولينه مع الجميع.

[16] وهي مهمة نموذجية وجليلة في نفس الوقت، استطاعت أن توحد المثقف مع المجتمع وتصنع بالقدر ذاته أصالة الإبداع الفردي ومسئولية المثقف تجاه حلقته والفكرة العامة ومصير التيار النظري والسياسي. لهذا جعل لكل شخصية علمية متميزة مجلسها الخاص، كما نعثر عليه في أسماء المجالس مثل مجلس علي بن الحصين، ومجلس عبد الملك الطويل، ومجلس أبي سفيان قنبر، ومجلس حاجب الطائي وغيرهم.

[17] لقد بلغت مهمة الاستشارة بالصيغة المذكورة أعلاه أنموذجها التام آنذاك بالنسبة للحركة في شخصية حاجب الطائي (ت-145 للهجرة). فقد كان مسئولا عن الشؤون العسكرية والمالية والدعوة خارج البصرة. ووصفه الدرجيني "بالاجتهاد موصوفا، وبالزهد والورع معروفا، وفي ماله حق للسائل والمحروم، على أنه ليس بالأعلى في تحصيل العلوم". وقد أسندت إليه مهمة تسيير أمور الحركة المتعلقة بقضايا الحرب وجمع المال والمعونة وحل الخصومات وغيرها من القضايا العملية. كذلك إسناد أمور الدين والمسائل إليه. ولعب دورا كبير في تنظيم الدعم المادي والمعنوي لحركات التمرد على السلطة كما هو الحال بالنسبة لتزويده بالمال والسلاح حركة طالب الحق في اليمن، وحركة أبي حمزة المختار في الحجاز ثم حركة الإمام الجلندى بن مسعود في عمان.

[18] لم يكن يزيد بن الملهب خارجيا ولا حتى ممن تربى بتقاليد المعارضة. على العكس لقد كان سليل السلطة الأموية. لكنه كان يتمتع بأثر التربية والتقاليد والصراعات القبلية مكانا مرموقا جعله احد بواعث الخطر على الأموية، إضافة إلى اختلافه الأخلاقي والمعنوي مع نماذج الولاة الأمويين الخلص مثل الحجاج الثقفي. وفي هذا يكمن سر الخلاف الدفين وارتقاءه حد الثورة والتمرد والمواجهة العنيفة مع الأموية التي أدت إلى مقتله وتلف المهالبة في العراق. وبالتالي لم تكن ردود الفعل العنيفة آنذاك بين الخوارج والدعوة لمواجهة العنف الأموي بعنف مقابل سوى الوجه الآخر لما أسميته بالاحتقان المكثف من تاريخ الأموية أولا وقبل كل شيء. فالعلاقات القبلية لها اثر وفاعلية، ويمكنها أن تكون باعثا مهما في الانتماء والصراع، لكنها لم تكن حاسمة في حالة موقف الخوارج المؤيد لانتفاضة يزيد بن المهلب. خصوصا إذا أخذنا بنظر الاعتبار أن أباه كان من القواد والولاة الذين عملوا على إبادة الخوارج في غضون ثمانية عشر عاما متتالية!

[19] وفي عمان وجدت حركة الخوارج (الاباضية) ملجئها الأخير والنموذجي. بحيث تحولت عمان لاحقا إلى احد المراكز الكبرى والوحيدة لحد ما للفكرة الخوارجية والحفاظ على تقاليدها الخاصة. وليس توسعها خارج حدود "البقعة الإسلامية" التقليدية التي ناصبتها العداء بفعل تقاليد التشويه العميقة في مختلف مدارس ومذاهب الإسلام الأخرى تجاهها، سوى الرد الإسلامي العميق على نقاءها وحماسها الروحي القديم. إذ يعود الانتشار السلمي والهادئ لأحد أشكال الإسلام المسالم في مختلف بقاع المحيطات والبحار إلى عمان (وحضرموت) وتقاليدها الخوارجية (الاباضية).

 

 

بليغ حمدي اسماعيلفي الأسْلُوْبِ القُرْآنِي:

يُعرِّف منَّاع القطَّان الإعْجازَ بقوله: " الإعجاز: إثبات العجز، والعَجْزُ في التَّعارف: اسمٌ للقُصُورِ عن فِعل الشَّئ، وهو ضِدُّ القُدْرة، وإذا ثَبُتَ الإعجاز ظهرت قدرة المعجز. والُمَرادُ بالإعْجَازِ هُنا إِظْهَار صِدْقِ النَّبي (صلى الله عليه وسلم) في دَعْوى الرِّسَالةِ بإظهار عَجْز العَربِ عن معارضته في مُعجِزته الخَالِدة وهي القُرآن الكريم، وعَجز الأجيال بعدهم، والمعجزةُ هي أمرٌ خارِقٌ للعَادَةِ مَقْرونٌ بالتَّحَدِّي سالمٌ عن الُمعارضَةِ.

و المُسْتقرئُ بتدبر لآياتِ الذِّكْرِ الحَكِيْم يُدرك على الفورِ ما لها من أسلوب فريد ونظام منحها خصوصية عن الأساليب البيانية واللغوية الأخرى وحفظها من الدخيل والاختلاف واللحن، وللقرآن الكريم روعة تهتز لها النفوس والقلوب والألباب، وله وقْعٌ عجيب تخشع له القلوب،  وهذا ليس بغريب على كتاب أنزله ربُّ السموات والأرض، ومما يحفظه القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي لنا من أثر هذا الوقع هو ما استشعر به مشركو مكة وهم أهل البلاغة والبيان والإفصاح حينما استمعوا إلى آيات القرآن الكريم، وحينئذ عرفوا عظمته وإعجازه اللغوي والبياني، لكن الكبر والغرور هو الذي منعهم من الإيمان به وبما جاء فيه.

وقد استطاع الوليد بن المغيرة يوم سماعه القرآن، أن يصف بدقة بالغة أثره في النفوس، حيث قال: (والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بكلام بشر). وكل منصف للحقيقة يُقرُّ أن الأسلوب الذي جاء عليه القرآن الكريم، والنسق الذي صيغت عليه آياته، أمر في غاية الروعة والبيان، ولا عجب في ذلك، فهو كلام رب العالمين، وهو (أحسن الحديث) (الزمر:23)، ويقول تعالى: (ومن أصدق من الله حديثا) (النساء:87).وكما يذكر الأستاذ سيد قطب في كتابه " التصوير الفني في القرآن الكريم" أن القرآن الكريم سحر العرب منذ اللحظة الأولى، سواء من شرح الله صدره للإسلام، ومن جعل على بصره منهم غشاوة، وقصة إيمان عمر بن الخطاب (رضي اله عنه) وقصة تولي الوليد بن المغيرة نموذجان من قصص كثيرة متعددة للإيمان والتولي وكلتاهما تكشفان عن هذا السحر القرآني الذي أخذ العرب منذ تلك اللحظة الأولى.

ومن المتكلمين من أشار إلى الصِّرفة كمبررٍ للإعجاز القرآني، والصِّرفة في نظر أهل الكلام والمتكلمين هي أن الله صَرف العرب عن معارضة القرآم مع قدرتهم عليها، فكان هذا الصرف خرقاً للعادة. والمرتضي يرى الصِّرفة أن الله سَلب العربَ العلومَ التي يحتاجون إليها في المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: " ومما يبطل القول بالصرفة، أنه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع منها الصرفة، لم يكن الكلام معجزاً وإنما يكون المنع معجزاً، فلا يتضمن الكلام فضلاً على غيره في نفسه".

والقول بالصرفة قول فاسد يرد عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: (قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً) (سورة الإسراء:88 ـ 89).

ولقد تحدى الله (عز وجل) العرب بالقرآن الكريم، وهم كانوا في قمة البلاغة والفصاحة والبيان، ورغم ذلك التفوق اللغوي نزل القرآن الكريم يتحداهم فيما برعوا فيه فسجلوا عجزهم أمامه مما يدل على أن العجز بغيرهم ألصق، ولقد تحداهم الله (عز وجل) أن يأتوا بمثله، يقول تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ) (سورة الطور:33ـ34)، ويقول تعالى: (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ) (هود:13).

ويشير الدكتور زين شحاتة في كتابه " في نور القرآن الكريم " إلى أن أحد أسباب إعجاز القرآن الكريم هو نزوله " سابق البنيان عليُّ الأركان، غزير المعاني، بليغ النغم، معجز النظم، ، يأسر اللب، ويسحر العقل، ويدخل شغاف القلب فيه حلاوة وروعة ومهابة".

والحديث عن فضل القرآن الكريم على لغة العرب لا يحتاج إلى دليل، فقد علم ولا يزال يعلم أهل الأرض كافة أن اللغة العربية تبوأت مكانتها تلك بسبب كونها وعاءً لكلام الله تعالى، ولأجل ذلك قامت العلوم المختلفة لخدمتها ثم صارت اللغة العربية لغة العلم والحضارة، بجانب كونها لغة العبادة والتعبد، ولعل من أسباب هذا السحر البياني الذي تمتعت به آيات القرآن الكريم التناسق والتكامل في اللفظ والمعنى.

وفي هذا الصدد يشير الدكتور السيد تقي الدين إلى أن القرآن الكريم يقدم إلينا لوحات فنية أدبية وقد حدد لنا مثلاً أعلى في الحياة والفن، ورسم للفكر خريطة تستمد خيوطها من تلك الينابيع والمناهل الفياضة. وهذا ما أكده أيضاً الدكتور محمد دراز من أن القرآن الكريم كتاب أدبي وعقيدي في نفس الوقت ونفس الدرجة.

ويشير الباحث السيد سبيط إلى وجه من وجوه الإعجاز القرآني حيث إن في القرآن نظاماً محكماً شديد الصرامة، منتشراً في جميع أجزائه، بحيث ان اللفظ – مفردة كان أو حرفاً- والترتيب والتسلسل المعيَّن للألفاظ في كل تركيب هو جزء من هذا النظام، والخطأ في تصوّر شيء منه في أي موضع يؤدي إلى الخطأ في تصور فروع كثيرة متصلة بذلك الموضع. وخلص مصطفى صادق الرافعي إلى نتيجة السحر القرآني البياني ومدى تأثيره في الودان والألباب من حيث نظمه وأسلوبه، وطرائق نظمه، ووجوه تراكيبه، ونسق حروفه في كلماته في جمله، ونسق هذه الجمل، و هو وجه الكمال اللغوي. والحرف الواحد من حروف القرآن في موضعه من الإعجاز الذي لا يغني عنه غيره في تماسك الكلمة، والكلمة في موضعها من الإعجاز في تماسك الجملة، والجملة في موضعها من الإعجاز في تماسك الآية.

ومن وجوه الإعجاز القرآني اتساقه وائتلاف حركاته وسكناته، ومدّاته وغنّاته... وهذا هو (ما) استرعى الأسماع واستهوى الأفئدة بصورة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر سواء أكان شعراً أم نثراً. فكان ذلك الاتساق الفريد كالسور المنيع لحفظ القرآن الكريم بحيث لو داخله شيء من كلام الناس لاعتلّ مذاقه، واختلَّ نظامه. فالقرآن الكريم كله وحدة مترابطة؛ من حيث قوة الموسيقى في حروفه وتآخيها في كلماته، وتلاقي الكلمات في عباراته ونظمه المحكم في رنينه... وكأنَّ المعاني مؤامنة للألفاظ، وكأنَّ الألفاظ قطِعتْ لها وسويت حسبها.

ومن معجزات القرآن أنه يخاطب العقل والقلب معاً، فتجد له وقعاً على كليهما، وجعله الله شفاء للقلوب ورحمة ونور، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) (يونس: 57)، وقال:تبارك وتعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً) (الإسراء:82)، كما أن معظم القرآن إنما يخاطب العقل ويحثه على التفكر في خلق الله كالسماوات والأرض وإمعان النظر في الكون وفي الأنفس والآفاق وجعل ذلك وسيلة للوصول إلى الإيمان بالله، قال تعالى: (أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف:185).

وقد جعله الله تعالى مصدراً لتثبيت النفس وعونها على الصبر ومصدر هداية وتبشير للمؤمنين كما ثبت به الله تعالى فؤاد النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (النحل: 102)، كما جعله مصدر راحة واطمئنان للمؤمن، قال تعالى: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: 28)، وكم أسعد هذا القرآن قلوباً مولعة ومشتاقة للرحمن ومتعطشة للقائه، فتجد كلامه تعالى خير دواء وسكن ينزل برداً وسلاماً على القلب والروح فتسعد النفس بترتيله فما أعظمها نعمة هي نعمة القرآن، وهذا إنما يفهمه ويشعر به المؤمن كامل الإيمان الذي يتوق للقاء الرفيق الأعلى.

وسيبقى هذا القرآن معجزاً بلفظه ومعناه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) (سورة النساء:82).إن هؤلاء المنافقين والذين فى قلوبهم مرض قد خيب الله سعيهم، وكشف خباياهم، ورأوا بأعينهم سوء عاقبة الكافرين وحسن عاقبة المؤمنين، فهلا دفعهم ذلك إلى الإِيمان وإلى تدبر القرآن وما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات وأخبار صادقة، وأحكام حكيمة، تشهد بأنه من عند الله، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله أى من إنشاء البشر لوجدوا فى أخباره، وفى نظمه، وفى أسلوبه، وفى معانيه اختلافاً كثيراً فضلا عن الاختلاف القليل، ولكن القرآن لأنه من عند الله وحده قد تنزه عن كل ذلك وخلا من كل اختلاف سواء أكان كثيراً أم قليلا.

فالمراد بالاختلاف هنا هو تباين النظم، وتناقض الحقائق، وتعارض الأخبار وتضارب المعاني، وغير ذلك مما خلا منه القرآن الكريم لأنه يتنافى مع بلاغته وصدقه. وفى ذلك يقول صاحب الكشاف: قوله تعالى: (لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) أى: لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه فكان بعضه بالغا حد الإِعجاز. وبعضه قاصراً عنه تمكن معارضته، وبعضه إخباراً يغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخباراً مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعاني، وبعضه دالاً على معنى فاسد غير ملتئم.فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائقة لقوى البلغاء، وتناصر معان، وصدق أخبار دل على أنه ليس إلا من عند قادر على ما لم يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه.

فالآية الكريمة تدعو الناس فى كل زمان ومكان إلى تدبر القرآن الكريم وتأمل أحكامه، والانقياد لما اشتمل عليه من توجيهات وإرشادات وأوامر ونواه، ليسعدوا فى دنياهم وآخرتهم. فالتناسق المطلق الشامل الكامل هو الظاهرة التي لا يخطئها من يتدبر هذا القرآن أبدا، ومستوياتها ومجالاتها , مما تختلف العقول والأجيال في إدراك مداها. ولكن كل عقل وكل جيل يجد منها - بحسب قدرته وثقافته وتجربته وتقواه - ما يملك إدراكه , في محيط يتكيف بمدى القدرة والثقافة والتجربة والتقوى. ومن ثم فإن كل أحد , وكل جيل , مخاطب بهذه الآية. ومستطيع - عند التدبر وفق منهج مستقيم - أن يدرك من هذه الظاهرة - ظاهرة عدم الاختلاف , أو ظاهرة التناسق - ما تهيئه له قدرته وثقافته وتجربته وتقواه.

القَرَائِنُ اللَّفْظِيَّةُ:

من أبرز معالم إعجاز القرآن الكريم ظاهرة القرائن اللفظية، وهي ذات التأثير الخاص على الوضع اللغوي والتي تسبب صرف اللفظ عن معناه الحقيقي، وهذا هو الشيء الذي يحصل في الاستعمالات المجازية بما للمجاز من مدلول عام يشمل الاستعارة والكناية وغيرهما.وقبل الخوض في الحديث عن القرائن اللفظية في القرآن الكريم يجدر بنا أن نلقي نظرة سريعة بغير إخلال أو تفريط عن مصلح القرينة وما يرتبط بها من مواضعات ومصطلحات أخرى.

القرينة لغة:

القرينة في اللغة مأخوذة من المقارنة، وهي المصاحبة، ويعرفها اللغوي ابن فارس في كتابه "معجم مقاييس اللغة" بأنها: " يقال فلان قرين فلان، أي مصاحب، ويقال قرنت الشئ بالشئ وصلته به، وتطلق القرينة على نفس الإنسان لاقترانا به، كما تطلق على الزوجة، فيقال فلانة قرينة فلان أي زوجته".

القرينة شرعاً:

يؤكد الشيخ صالح السدلان (1416هـ) على أنه لم يتعرض لتعريف القرينة في الاصطلاح الشرعي إلا المحدثون، ولم يعرفها الفقهاء القدامى ولكن استعملوها بألفاظ مترادفة مثل: القرائن والعلامات والأمارات. ويرجع الشيخ السدلال السبب في ذلك إلى ظهور معناها ووضوح دلالتها على المراد بها.

وممن تعرض لمواضعة القرينة من الجهة الشرعية الشريف الجرجاني في كتابه التعريفات فقال عنها: " إنها أمر يشير إلى المطلوب ". أما مصطفى الزرقاء فيعرفها بأنها: " كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً وتدل عليه، وهي مأخوذة من المقارنة بمعنى الموافقة والمصاحبة". أما الشيخ عبد العال عطوة فيعرفها بأنها: " الأمارة التي تدل على أمر خفي مصاحب لها بواسطة نص أو عرف أو سنة أو غيرها". وتنقسم القرينة في الشريعة الإسلامية إلى ثلاثة أقسام رئيسة وهذا ما أشار إليه الشيخ صالح بن غانم السدلال، حيث حدد هذه الأقسام فيما يلي:

(أ‌) القرينة باعتبار مصدرها.

(ب‌) القرينة باعتبار علاقتها بمدلولها.

(ت‌) تقسيمها باعتبار قوة دلالتها.

القرينة قانوناً:

أما رجال القضاء والقانون فيرون القرينة أنها ما يستنبطه المشرع أو القاضي من أمر معلوم للدلالة على أمر مجهول. وهذا ما قضت به محكمة النقض المصرية في تعريفها لمفهوم القرينة بأنها استنباط أمر مجهول من واقعة ثابتة، بحيث إذا كانت هذه الواقعة محتملة وغير ثابتة بيقين، فإنها لا تصلح مصدراً للاستنباط.

وقد أشار الدكتور تمام حسان في كتابه الماتع " البيان في روائع القرآن " إلى القرينة اللفظية بأنها عنصر من عناصر الكلام يستدل به على الوظائف النحوية " فيمكن الاسترشاد بها أن نقول هذا اللفظ فاعل، وذلك مفعول به ". ويذكر أن مثل هذه القرائن كمثل معالم الطريق التي يهتدى بها المرء إلى المكان الذي يقصده. وتختلف القرائن باختلاف اللغات، ومن القرائن اللفظية في اللغة العربية قرينة البنية والإعراب والربط والرتبة والتضام، والسياق.

قرينة البنية:

قرينة البنية هي دلالة صورة الكلمة على المعنى النحوي، بمعنى آخر القرينة هي الدليل، أما البنية فهي كما يعرفها الدكتور تمام حسان إطار ذهني مجرد للكلمة المفردة وليست الكلمة ذات المعنى المفرد.

قرينة الرتبة:

هي قرينة نحوية ووسيلة أسلوبية، أي أنها في النحو قرينة على المعنى وفي الأسلوب مؤشر أسلوبي ووسيلة إبداع وتقليب عبارة واستجلاب معنى أدبي.

قرينة السِّياقِ:

يشير الدكتور أنس وكاك في دراسته المعنونة بـ " السياق وأهميته في سلامة الاستدلال" إلى قرينة السياق بقوله: " المتعلق والبعد والمجرى الذي يأتي الكلام منصبا فيه، فسياق الكلام أسلوبه ومجراه الذي يجري فيه. والسياق من حيث هو قرينة كبرى أو مجموعة قرائن صغرى ينقسم قسمين: سياق لغوي (مقالي) يعتمد على القرائن اللغوية التي يتضمنها الدليل و يستدل بها على مدلوله من جهة اللفظ والمعنى لتحديد المعنى اللغوي، أو ما يعبر عنه البعض بالمعنى النحوي أو الوظيفي للجملة.

وسياق غير لغوي (مقامي) يعتمد على سائر القرائن الأخرى المرتبطة بالـدليل والمدلول لتحديد مراد المتكلم بحسب مقتضى الحال، و هذا المعنى المقصود في خطاب المتكلم هو ما يعبر عنه البعض بالمعنى الوظيفي المراد من الخِطاب، ومقتضى الحال يشمل عناصر كثيرة تتصل بالمخاطِب والمخاطَب وسائر الظروف التي تحيط بالخِطاب، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة، ألا ترى إلى اختلاف الغاية التي تساق من أجلها القصة في القرآن، فتذكر بعض معانيها الوافية بالغرض في مقام، وتبرز معان أخرى في سائر المقامات حسب اختلاف مقتضيات الأحوال.

ويؤكد الدكتور تمام حسَّان على اعتبار قرينة السياق في تحديد المعنى المراد من النَّص، وبيان اعتماد هذه القرينة على مختلف القرائن من داخل النص وخارجه، بقوله: "وهكذا تمتد قرينة السياق على مساحة واسعة من الركائز، تبدأ باللغة من حيث مبانيها الصرفية وعلاقاتها النحوية ومفرداتها المعجمية، وتشمل الدلالات بأنواعها من عرفية إلى عقلية إلى طبيعية، كما تشتمل على المقام بما فيه من عناصر حسية ونفسية واجتماعية كالعادات والتقاليد ومأثورات التراث، وكذلك العناصر الجغرافية والتاريخية، مما يجعل قرينة السياق كبرى القرائن بحق؛ لأن الفرق بين الاستدلال بها على المعنى، وبين الاستدلال بالقرائن اللفظية النحوية كالبنية والإعراب والربط والرتبة والتضام، هو فرق ما بين الاعتداد بحرفية النَّص والاعتداد بروح النص، وقرينة السياق هي التي يحكم بواسطتها على ما إذا كان المعنى المقصود هو الأصلي أو المجازي، وهي التي تقضي بأن في الكلام كناية أو تورية أو جناسا، وهي التي تدل عند غياب القرينة اللفظية على أن المقصود هذا المعنى دون ذاك؛ إذ يكون كلاهما محتملا".

المشْتَركُ اللَّفظِي:

يعرف ابن فارس المشترك اللفظي في كتابه معجم مقاييس اللغة بأنه: " اللَّفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فأكثر دلالة على السواء عند أهل اللغة". وظاهرة الاشتراك اللفظي من بين أهم الظواهر التي تمتاز بها اللغة العربية.

وقد بحث عُلَماءُ اللُّغة القدماء في هذه الظاهرة كما اختلفوا في وجودها وفوائدها وتفرقوا فريقين، فريق منكر وفريق قائل بالظاهرة مدافع عنها، كما احتج كل منهما بعلل واستدلالات بغية إثبات صحَّة مذهبِه ودَحض مذْهَب معارضه.

ويعد سيبويه (ت 180 هـ) هو أوّل من أشار إلى المشْترك اللَّفظي حيث ذكره في تقسِيمات الكلامِ في كتابهِ قائلا: "أعلم أنّ من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين واختلاف اللَّفظين والمعنى واحد واتفاق اللَّفظين واخْتلافِ المعنيين، واتفاق اللفظين والمعنى مختلف، قولك: وجدت عليه من الموجدة ووجدت إذا أردت وجدان الضالّة "وأشباه هذا كثير".

أما الإمام الشَّوكَاني فيرى المشترك اللَّفظي أنه: "اللَّفظةُ الموضوعةُ لحقيقتين مختلفتين، أو أكثر، وضعا أولا، من حيث هما كذلك. فخرج بالوضعِ، ما يدل على الشَّيء بالحقيقة، وعلى غيره بالمجاز، وخرج بقيد الحيثيَّة، المتواطئ. فإنه يتناول الماهيات المختلفة، لكن لا من حيث هي كذلك، بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد". بينما يذهب تاج الدين السبكي إلى أنه "اللفظ الواحد، الدال على معنيين مختلفين، أو أكثر، دلالة على السواء، عند أهل تلك اللغة. سواء كانت الدلالتان مستفادتين من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال، أو كانت إحداهما مستفادة من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال. أو كانت إحداهما مُستفادة من الوضع، والأخرى من كثرة الاستعمال.

ومن قولنا الواحد، احتراز عن الأسماء المتباينةِ والمترادفة، فإنه يتناول الماهيّة، وهي معنى واحد، وإن اختلفت محالها. وقولنا عند أهل تلك اللغة إلى آخره، إشارة إلى أن المشترك، قد يكون بين حقيقتين لغويتين، أو عرفيتين، أو عرفية ولغوية.

الفِرَاسَةُ:

يُعرِّف ابن العَربي الفِراسَةَ بكسر الفَاء بأنها هي التَّوسُّمُ ـ تَفَعُّلٌ من الوسم ـ وهي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها. وهناك ثمة فوارق بين القرينة والفريسة وأيضا نقاط اتفاق، منها أن كلا من القرينة والفراسة متفقتان في أن كلا منهما علامة، ولكن القرينة علامة ظاهرة محسوسة، أما الفراسة فإنها تعتمد على حجج وأمور غيبية خفية لا يدركها إلا المتفرس. والقرينة قابلة للإثبات، أما الفراسة فلا يمكن إثباتها بطريق الشهادة.

قَرِيْنَةُ السِّيَاقِ:

السِّياقُ في مجال تفسيرِ القُرآن لا يمكن الحديث فيه بمعزلٍ عن علمِ المناسبة أو التَّناسبِ؛ لأنه قد ينظر إليه نظرةً أعم، فيتجاوز المفسِّر النظر في لُحمة المقاطع المتَّصلة إلى ما هو أشمل من ذلك، وهو النظر في سياق السورة كلها، وكيف انتظمت معاني يأخذ بعضها بحجز بعض، وهو في ذلك يوضح المناسبات الخاصة بين آية وأخرى داخل السورة موضع الدرس، أي: دون أن يطغى الاهتمام بالسياق الأعم على السياق الأخص.

بل منهم من عُني بدرس التنــاسب والمشاكلة في القرآن كله كما فعـل الإمام أبو جعفر ابن الزبير شيخ أبي حيان، وبرهان الدين البقاعي في كتاب سماه: "نظم الدرر في تناسب الآي والسور"، والسيوطي في كتابه: "تناسق الدرر في تناسب السور". وممن عُني به من المفسرين الإمام الفخر الرازي في "مفاتيح الغيب"، وأبو حيان في "البحر المحيط"، وهو علم غزير جدا قلت عناية العلماء به.

وممن عُني به –أيضا– من المعاصرين صاحب الظِّلال؛ فإنه نظر إلى السياقات العامة لكل سورة على حدة، وبين أن كل سورة سيقت لخدمة هدف معين، وأن جميع عناصر السورة وإن بدا بينها – أحيانا- في الظاهر شيء من عدم التناسب، فهي كلها في خدمة السياق العام للسورة. وقال القاضي أبو بكر ابن العربي في "سراج المريدين": "ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني علم عظيم، لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة، ثم فتح الله ـ عزَّ وجل ـ لنا فيه، فلما لم نجد له حَمَلة، و رأينا الخلق بأوصاف البطالة، وختمنا عليه، و جعلناه بيننا و بين الله، و رددنـاه إليه".

أَنْواعُ التَّناسُبِ:

ينقسم التناسب إلى عدة أنواع منها؛ تناسب الجزاء وهذا النوع من التناسب يكثر وقوعه في الآيات التي تضمنت الإشارة إلى جزاء الله على الأفعال السيئة؛ كالاستهزاء، والخداع، والمكر، والنسيان، ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم مايلي من الآيات الكريمة:

(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)) (البقرة:14ـ15).

(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً) (النساء:142).

(وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) (آل عمران:54).

ومن أنواع التناسب أيضاً ومن أنواع التناسب تناسب الجنس، وهو كثير في القرآن الكريم، والمراد من هذا النوع: استعمال لفظين، يجمعهما أصل واحد في اللغة، للدلالة على معنيين، ويسمى عند البلاغيين (الجناس). وتناسب الجنس، إما أن يكون تناسباً بين اسم وفعل، وإما أن يكون تناسب الجنس تناسباً بين فعلين، وإما أن يكون التناسب بين اسمين. ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم الآيات الكريمة التالية:

(يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ) (البقرة: 267).

(قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (الأنعام: 164).

(وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) (الأنعام:9)

(وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران: 14).

وأيضاً من أنواع التناسب ما يسمى بالتناسب الصوتي؛ وهذا النوع من التناسب يكون بين كلمتين لا يجمعهما أصل لغوي واحد، وإنما الذي يجمع بينهما تجانس الصوت، الذي يحسن في أذن المستمع، من أمثلة هذا النوع قوله تعالى:

(أ‌) (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) (البقرة:144).

(ب‌) (وَمِنْهُمْ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (التوبة: 61).

(ت‌) (ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ) (غافر: 75).

(ث‌) (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (الكهف: 104).

وآخر ما نورده في هذا المقام من أنواع التناسب في القرآن الكريم ما عُرِف بالتناسب البياني؛ وهو أن تكون هناك وحدة بين أجزاء الصورة البيانية، فلا تتنافر جزئياتها، بل تكون متآلفة غاية الائتلاف، ومنسجمة نهاية الانسجام. ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم:

(أ‌) (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) (الملك: 15).

(ب‌) (أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوْ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71)) (المؤمنون: 70ـ71).

(ت‌) (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103) قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)) (الأنعام: 103ـ104).

أقْسامُ السِّياقِ اللَّفْظِي:

النظم القرآني معجز ليس له نظير، وكثيراً ما يمكن الوصول الى معانيه من خلاله، فينظر إلى السياق وما به من قرائن تدل على المعنى بدقة، فيكون الاستدلال بها على الحقائق في التفسير. ويقسم السياق اللفظي على أساس قرب او بعدها فيه على قسمين: سياق لفظي متصل وهو (البسيط). وسياق لفظي منفصل، وهو (المركب).

أولاً ـ – السِّياقُ اللَّفظِي المُتّصِل (البسيط):

إن القَرينةَ الدَّلاليّةَ السِّياقيّةَ، هي التي تكون في مجرى الكلام ونسقهِ، ويُراد بها ما يُصاحِب النص من دلالاتٍ وإشاراتٍ كاشفةٍ عن معناه، إذ إن هذه القرائن هي السبيل الرَّئيس للوصول إلى المعنى الحقيقي المراد للنص – أي نص – ولا سيما إذا كان هذا النص على مستوى عال من البلاغة كنص القرآن الكريم، فيكون الاحتكام إلى النص القرآني نفسه من خلال سياقه للكشف عن المعنى المراد في الآيات الكريمة كالإيجاز بالحذف، والتقديم والتأخير والتكرار. فصارت هذه القرائن منارَ المفسرين للوصول إلى المراد وحجتهم في خلافاتهم، ومناظراتهم في إثبات ما يعتقدون.

وقد نبَّه الإمام علي (رضي الله عنه) على هذا النوع من القرائن في (نهج البلاغة)، في ضوء وصفه القرآن الكريم، إذ يقول: (كتاب الله، تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض)، فهو (رضي الله عنه) يتحدث عن تفسير القرآن بالقرآن، في ضوء قول الله :(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ  فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ  ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) (القيامة: 17-19)، وهو أسلُوبٌ تبنَّاه كثيرٌ من المفسرين، من القدماء والمحدثين، ويحصل بالقرائن السياقيّة للكشف باللَّفظ المفردِ أو المركبِ عن معنى لفظ مفرد أو مركب، قريب منه في الكلام غير بعيد عنه، وهو فيما تبيّن بعد البحث أنه ثلاثة أنواع: متقدم، ومتأخر، ومكتنف.

ويُعَد هذا الأسْلُوبُ أفضل أسَاليب تفسيرِ القرآن؛لأنه ينبع من داخلِ النَّص المعجز الكريم لا من خارجه، إذ إن كلام الله – تعالى – إذا كان شَاهداً لكلامِ الله، فهو خيرُ شَاهدٍ، ودونه كل الشَّواهد. والقَرينة الدَّلاليّة السِّياقيَّة في القُرآنِ الكَريم لها ثلاثة رتبٍ أو مواضع: متقدمة على اللَّفظة التي تفسرها، أو متأخرة عنها، أو مكتنفة لها من جانبيها السّابق لها واللاحق بها، وجميعها من داخل النص القرآني.

(أ) القَريْنَةُ المُتَقدّمةُ:

وهي القرينة اللفظية السياقية التي تسبق ما تفسره وتدل عليه، إذ تتقدم في صورة من الصور، بأن تكون قريبة منه، وغير تالية له. ومن أمثلة هذه القرينة السياقية، ما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى، يصف المشركين حين يُدعون إلى الإيمان وسماع القرآن: (كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) (المدثر: 50-51)، فشُبِّه المشركون من حيث حالهم في الإعراض عن سماع القرآن بالحُمر الوحشية المستنفرة، وهي التي فرت خوفاً وهلعاً من شيء يطاردها.

ومثال القرينة المتقدمة أيضاً قوله تعالى:(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (فصلت: 34)، فقد فُسِّرت الآية تفسيرات عِدّة، منها: أن الله  أمر المؤمنين بالصبر عند الغضب والحلم والعفو عند الإساءة. وقيل: إنه خطاب للنبي محمد (ص) في أن يدفع بحقهِ باطلهم وبحلمه جهلهم وبعفوه إساءتهم. فإذا دفع خصومه بلين ورفق ومداراة صار، عدوه في الدين كأنه وليه القريب في دينه وحميمه في النسب. وقيل معناه: لا تستوي الملة الحسنة التي هي الإسلام، والملة السيئة التي هي الكفر، وفُسّرت أيضاً بأن شعارها: ادفع بالسلام على من أساء إليك.

ومن القرائن السياقية المتقدمة أيضاً، قوله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً) (الكهف:12). ففي الآية الكريمة وردت لفظة (البعث)، والبعثُ لغةً، هو: الإرسالُ، كبعثِ الله  من في القُبورِ. ولفظُ البعثِ تختلف دلالته بحسبِ اختلاف ما عُلِّق به، ففي الآية السابقة البعث يعني: إحياء الموتى الذي خصّ به الله  بعض أوليائه.

وفُسِّر البعث في الآية الكريمةِ بالإيقاظِ من النَّوم، بالقرينة المتقدمة، وهي قوله تعالى: (فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً) (الكهف: 11)، أي: أنمناهم سنين ذات عدد وسددنا آذانهم بالنوم الغالب على نفوذ الأصوات إليها سنين كثيرة؛ لأن القائم إنما ينتبه بسماع الصوت ودل سبحانه بذلك على أنهم لم يموتوا وكانوا نياماً في أمن وراحة، وجمام نفس، وهذا من فصيح لغات القرآن التي لايمكن أن يترجم بمعنىً يوافق اللفظ، فبذلك أثبتت القرينة المتقدمة كون البعث كان الإيقاظ من النوم لا الإحياء، والدليل على أنهم كانوا نياماً، قوله تعالى في موضع آخر: (وَتَحْسَبهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ) (الكهف: 18)، أي تظنهم يقظين، مع أنهم في واقع الحال نيام بقدرة الله.

(ب) القرينة السياقية المتأخرة:

وهي القَرينَة التي تأتي بعد اللفظة المبهمة، مفسرة وموضحة لها، فتحدد معناها في السياق اللفظي. وهناك كثير من القرائن المتأخرة في التعبير القرآني، منها ما ورد في قوله تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ) (الزمر: 32).

ومن القرائن السياقية المتأخرة أيضاً، حمل (التين والزيتون)، في قسم الله  بهما في قوله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) (التين: 1)، على أنهما منابت التين والزيتون، وهي بلاد الشام، وليس الفاكهتين المعروفتين أقسم الله بهما لما فيهما من الفوائد الجمّة والخواص النافعة، بل قيل: إن المراد بالتين، الجبل الذي عليه مدينة دمشق، وبالزيتون، الجبل الذي عليه بيت المقدس. ولعل اطلاق اسم الفاكهتين على الجبلين لكونهما مننبتيهما، ولكونهما مبعثي جمّ غفير من الأنبياء. وهذا هو الرأي الراجح، بقرينة السياق بعدها، في قوله تعالى:(وَطُورِ سِينِينَ  وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) (التين: 2-3)، وهما أيضاً أماكن مهبط للأنبياء والرسل، و(طور سينين) أيضاً جبل، وهو الذي كلم الله  فيه موسى بن عمران  ويسمى طور سيناء. وقد ورد في سياق آخر بهذه الصيغة (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ) (المؤمنون: 20). والمراد بـ(البلد الأمين)، مكة المشرفة، وهي مكان مقدس، ومبعث الأنبياء ومهبطهم من أمثال: إبراهيم واسماعيل (عليهما السلام)، ومحمد(ص) .

فبذلك تكون القرينة السياقية من المحاور الأساسية التي اعتمدها المفسرون في الوصول إلى الدلالة الصحيحة للنصوص القرآنية، فضلاً عن معنى المفردة، وقرينة الحال، والقرينة العقلية، وتكون القرينة الفيصل فيه، في ترجيح دلالة دون أخرى من خلال النظر إلى القرائن التي فيه، سواء أكانت محيطة بالنص مكتنفة إياه، أم كانت متقدمة عليه، أو متأخرة عنه. ولولا وجود القرائن السياقية لم نتوصل إلى المقصود في كثير من النصوص القرآنية.

(ج) القَرائِنُ السِّياقيَّةُ المُكْتَنفة:

وهي القَرائِنُ التي تَكون محيطةً بالنص من جانبيه، مفسرة له وموضحة إيَّاه، ومؤكدة لمعناه، وهي كثيرة في القرآن الكريم، منها: قوله تعالى في آية التطهير: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً) (الأحزاب: 33).

فقد نزلت هذه الآية خاصة برسول الله محمد (ص) وأهل بيته وهم: علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، ، عندما ألقى النبي محمد (ص) عليهم الكساء، وقال: هؤلاء أهل بيتي. واختلف المفسرون في كون هذه الآية نزلت بهم (أهل البيت) الخمسة فقط، أم يُقصد بـ(أهل البيت) أزواج النبي، وحجتهم في ذلك أن آية التطهير كان يكتنفها آيات نزلت في نساء النبي (ص)، فالآية بذلك تكون لأجلهن أيضاً، وهذا ما ذهب إليه عدد من المفسرين مثل البيضاوي، إذ يقول: "الاحتجاج بذلك على عصمتهم وكون اجماعهم حجة ضعيفة لأن التخصيص بهم لا يناسب ما قبل الآية وما بعدها. والحديث يقتضي أنهم أهل البيت لا أنه ليس غيرهم".

ثانياً ـ القرائن المنفصلة (المركبة):

وهي قرائن لفظية غير سياقية منفصلة عن النص بعيدة عنه، متقدمة عليه أو متأخرة عنه، أو مكتنفة له من جانبيه، إلا أنها في غير مجرى الكلام، بل هي في كثير من الأحيان في موضع آخر من النص الكريم، أو سورة أخرى، لكنها مرتبطة به دَلالياً.

وكان هذا اللون من القرائن معروفاً ومتداولاً في بيت النُّبوةِ والرِّسَالةِ، وكانت هذه الطريقة هي المستأثرة لديهم في تفسير القرآن، وتأويله. فالنَّبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أول من اتخذ القرآن قرينة دلالية للقرآن، منها قوله حين فسَّر (الظُّلم)، في قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ) (الأنعام: 82)، فظنَّ فريق من الصحابة  أن الظلم هنا "بخس الحق، وهضم حقوق الناس، فقالوا: يا رسول الله: وأينا لم يظلم نفسه"؟، فبيّن (صلى الله عليه وسلم) أن الظلم هنا ليس الذي يذهبون إليه، بل هو الشرك، واحتج له بقوله تعالى في وصية لقمان لابنه وهو يعظه: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) (لقمان: 13). ففسر (ص) القرآن بالقرآن – وهو أبلغ وأقوى – فهو أول مفسر في الإسلام للقرآن بالقرآن.

وقد أطلق على هذا النوع من التفسير، اسم تفسير القرآن بالقرآن، وهو أحسن الطرق، فقد ذكر العلماء: أنه من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولاً من القرآن؛ فما أجمل منه في مكان فقد فُسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بُسط في موضع آخر منه، والقرينة على ذلك قوله تعالى:(إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُفَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ)(القيامة:17-19).

ومن القرائن المنفصلة في القرآن الكريم، الواردة لتفسير قوله تعالى، في حديثه عن وجوب أو جواز قصر الصلاة في حالة السفر أو الخوف: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) (النساء: 101)، فكان التشريع لهذه الحالة في هذه الاية وجوب التقصير في السفر، لقوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) بقرينة قوله تعالى في الصفا والمروة: (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) (البقرة: 158)، فنلحظ أن الطواف بهما واجب مفروض؛ لأن الله تعالى ذكره في كتابه، و(الجناح): هو الميل عن الحق، فكانت القرينة اللفظية المنفصلة متقدمة على الآية المذكورة.

ومن القرينة اللفظية المنفصلة، قوله تعالى: (لاَ يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ) (الأنبياء: 103)، فالفزع الأكبر، هو الخوف الأعظم، وقد فسّر على أربعة أقول:

الأول: إنه عذاب النار إذا طبقت على أهلها. والثاني: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح، وينادي: يا أهل الجنة خلود ولا موت. ويا أهل النار خلود ولا موت. والثالث: حين يؤمر بالعبد إلى النار. أما الرابع: وهو مروي عن ابن عباس، أنه النفخة الأخيرة، واحتج لذلك بالقرينة المنفصلة المتأخرة، في قوله تعالى: (وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) (النمل: 87).

 

الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسماعِيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م).

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا.