دراسات وبحوث

الإمام عبد الحميد بن باديس وريادة النهضة العربية (1)

علي القاسميخلاصة: ترمي هذه الدراسة إلى إثبات أن ما يُعرَف بالنهضة العربية لم يكن مقتصراً على الشام ومصر، كما يروَّج في كتب التاريخ والكتب المدرسية؛ وإنما شمل جميع البلدان العربية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي وأوائل القرن العشرين، لتشابه ظروفها وأحوالها. فالنهضة حصلت في الجزائر كذلك، وكان من أبرز روادها الإمام عبد الحميد بن باديس، الذي لم يقتصر جهاده على استخدام الصحافة والجمعيات الوطنية وسائلَ لليقظة العربية كما فعل معظم رواد النهضة في الشام ومصر، بل أضاف إلى ذلك الوسيلة الأكثر نجوعاَ والأشد تأثيراً وهي التعليم الذي مارسه بنفسه ومن خلال المدارس التي أنشأتها جمعية علماء المسلمين في جميع أنحاء الجزائر، وبذلك بذر بذور الوطنية العربية الإسلامية التي أثمرت الحرية والاستقلال بالثورة الجزائرية المجيدة.

1 ـ تمهيد: لماذا العودة إلى موضوع النهضة العربية؟

قد يتساءل المرء: لماذا العودة اليوم إلى موضوع النهضة العربية التي وقعت في القرن التاسع عشر الميلادي ونحن اليوم في القرن الحادي والعشرين؟

الجواب ببساطة وصراحة: لأن أوضاع الأمة العربية الإسلامية اليوم أسوأ مما كانت عليه في العصر الذي استوجب يقظة عربية لتغييرها وإصلاحها وتحسينها.

كانت الأمة العربية آنذاك مقسمة إلى بلدان تحت حكم الإمبراطورية العثمانية أو البريطانية أو الفرنسية، ويهيمن الجهل على شعوبها التي ترزح تحت وطأة الفقر والمرض، وانتشرت فيها البدع والخرافات البعيدة عن روح الإسلام. وكانت لغتها العربية مهمشة مهملة.

وإذا نظرنا اليوم إلى تقرير التنمية البشرية الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنوياً ويرتب فيه الدول الأعضاء حسب تقدمها في مجالات الصحة والتعليم والدخل الفردي، نجد أن الدول العربية تقبع في آخر السلم (1)، في عداد الدول المتخلفة تماماً مثل الدول الأفريقية التي لا تمتلك لغة مشتركة، ومن أسباب تخلف الدول العربية اليوم أنها تستعمل لغة المستعمِر القديم، الإنكليزية أو الفرنسية، في التعليم العالي، والمؤسسات الاقتصادية والمالية، والإعلام، والحياة العامة. إضافة إلى قطاعات كبيرة من شعوبها تفهم الإسلام في ضوء التقاليد الطائفية البالية الموروثة من عصور الانحطاط، فتكثر فيها الحروب الأهلية، وتشن الحرب على بعضها ، مما يزيدها فقراً على فقر، وجهلاً على جهل، وتخلفاً على تخلّف.

وفي مثل هذه الأوضاع المزرية، أليس حرياً بنا أن ندعو إلى يقظة عربية جديدة، أو ندرس، على الأقل، النهضة العربية القديمة ونطَّلع على منهجيات روادها، والوسائل التي استخدموها في تحقيق يقظة العرب؟

لا بد لنا من إيجاد وعي تاريخي لدى العرب بطبيعة المرحلة الراهنة ومتطلباتها.

2 ـ النهضة العربية:

2.1. ماهية النهضة العربية:

تخبرنا كتب التاريخ الحديث، بما فيها الكتب المدرسية، أن النهضة العربية (التي تسمى كذلك باليقظة العربية أو اليقظة الفكرية أو حركة التنوير العربية) هي حركة فكرية حصلت في الشام ومصر خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، وقد أسهمت عوامل سياسية واجتماعية وثقافية في انبعاثها.

وفي طليعة هذه العوامل السياسية، الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798م، وضعف الدولة العثمانية، وسعي محمد علي باشا الذي تولى حكم مصر سنة 1805م إلى إنشاء دولة عربية مستقلة عن الدولة العثمانية. وأدت هذه العوامل إلى ظهور شعور وطني عربي.

أما العوامل الاجتماعية فأهمها بروز طبقة متوسطة شجعت الثقافة والتعليم. وتتلخص العوامل الثقافية بإنشاء المدارس، خاصة مدارس الإرساليات التبشيرية، ودخول المطابع، ونشر الصحف، وإرسال البعثات إلى أوربا، وحركة الترجمة من اللغات الأوربية، خاصة الفرنسية والإنكليزية، إلى العربية كما تجلت في ترجمات رفاعة الطهطاوي وسليمان البستاني وغيرهما، وإنشاء المكتبات العامة، وتشييد المسارح، كدار الأوبرا التي شُيدت في القاهرة بمناسبة افتتاح قناة السويس سنة 1869، والمسرح الذي أنشأه أبو خليل القباني (1833 ـ 1903) في دمشق.

وكان من نتائج هذه اليقظة الفكرية الدعوةُ إلى محاربة الجهل والشعوذة في المجتمع، والدعوة إلى تعليم المرأة، وصيانة اللغة العربية، وإحياء الهُوية العربية، ومقاومة الاستبداد في الحكم التي تجلت خاصة في مقالات عبد الرحمن الكواكبي (1271ـ1320ه/ 1855ـ 1902م) التي أصدرها فيما بعد في كتابه " طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" (1320ه/1902م) ودفع حياته ثمناً لذلك.

وتُبرِز الدراسات التاريخية التي تناولت النهضة العربية دورَ المفكرين والأدباء المسيحيين العرب، مثل بطرس البستاني (1819 ـ 1883م)، وإبراهيم اليازجي (1847 ـ 1906م)، وشبلي الشميل (1850 ـ 1917م)، وفرح أنطون (1874 ـ 1922م)، وجورجي زيدان (1861 ـ 1914م)، وغيرهم كثير في الشام. وقد هاجر بعضهم، هرباً من الاضطهاد العثماني إلى مصر التي كانت تتمتع بشيء من الاستقلال عن الحكومة العثمانية (2).

كما تذكر تلك الدراسات بالعرفان دور المفكرين المسلمين في هذه النهضة مثل رفاعة الطهطاوي (1801 ـ 1873م) وجمال الدين الأفغاني (1838 ـ 1897م) ومحمد عبده (1849 ـ 1905) ورشيد رضا (1865 ـ 1936م) وقاسم أمين (1863 ـ 1908م) وغيرهم.

2.2. نقد الدراسات التاريخية حول النهضة العربية:

أثناء دراستنا لعدد كبير من الكتب والمقالات التي تتناول النهضة العربية، عنّت لنا ملاحظاتٌ، نورد أهمَّها فيما يأتي:

2.2.1. الفترة التاريخية للنهضة العربية:

تشير معظم الدراسات التاريخية إلى أن النهضة العربية وقعت في القرنين الثامن عشر الميلادي والتاسع عشر الميلادي. وفي مقدمة المؤرخين الذين يقولون بالقرن الثامن عشر الميلادي المؤرخ البريطاني من أصل لبناني الدكتور ألبرت حوراني (1915 ـ 1993م)، وضمّن رأيه في كتابه الشهير " الفكر العربي في عصر النهضة 1798 ـ1939"،(3) معتبراً أن الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798م هي بداية النهضة العربية، وقد درس الفكر العربي في تلك الفترة من خلال أعمال الطهطاوي، والأفغاني، وشبلي الشميل وفرح أنطون، ومحمد عبده، ورشيد رضا، وطه حسين (1917 ـ1973م). والذين قالوا بأن النهضة حصلت في بداية القرن التاسع عشر اعتمدوا على تاريخ تولي محمد علي باشا (1769 ـ 1849) حكم مصر سنة 1805م (4).

بيدَ أننا لا نتفق مع الرأي القائل بأن النهضة العربية وقعت في القرن الثامن عشر ولا مع الرأي القائل بأنها وقعت في بداية القرن التاسع عشر، بل نرى أنها وقعت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي والنصف الأول من القرن العشرين (حتى الحرب العالمية الثانية 1939 ـ 1945)، وذلك لسببيْن هما:

أ‌) إن جميع رجالات النهضة الفكرية الذين ذكرتهم تلك الدراسات التاريخية، بمن فيهم أولئك الذين درس أعمالهم ألبرت حوراني، عاشوا أو نشروا أفكارهم خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وليس في القرن الثامن عشر أو النصف الأول من القرن التاسع عشر.

ب‌) إن واقعة تاريخية مثل الحملة الفرنسية على مصر سنة 1798م أو تنصيب محمد علي باشا والياً على مصر سنة 1805م قد تثير مشاعر كثيرة لدى المصريين والمسلمين، ولكنها لا تشكل بحد ذاتها نهضة عربية. فردود الأفعال للوقائع الاجتماعية والسياسية، تأخذ وقتاً طويلاً قبل أن تتحول إلى حراك فكري.

2.2.2. الرقعة الجغرافية للنهضة العربية:

تكاد أغلبية الدراسات التاريخية تجمع على أن النهضة العربية والدعوات الإصلاحية وقعت خلال القرن التاسع عشر في الشام ومصر فقط، ولا تذكر بقية البلدان العربية. غير أننا ندرك أن البلدان العربية كانت في القرن التاسع عشر الميلادي في وضع واحد من التخلف والجهل والتبعية للأجنبي على اختلاف هويته، وأن لغتها العربية كانت مهملة مهمشة، وأن الشعوب العربية خضعت جميعها لظروف ثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية متشابهة أدت إلى دعوات إلى الإصلاح وإحداث نهضة عربية. وأهمل أولئك المؤرخون الدعوات الإصلاحية والحركة الفكرية التي حصلت في بقية البلدان العربية. ولقد تنبه صديقنا الدكتور عمار الطالبي إلى هذه الحقيقة فقال:

" ولم يعالج أحد من المسلمين في النصف الأول من القرن العشرين ـ فيما أعلم ـ مشكلة الفكر الإصلاحي في المغرب الأوسط إلا أستاذنا مالك بن نبي، فإنه تناول هذه النهضة الحديثة وحللها تحليلاً علميا نقدياً..." (5)

وفي دراسة سابقة لنا أثبتنا أن النهضة العربية لم تقتصر على الشام ومصر، بل وقعت كذلك في العراق في النصف الثاني للقرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بفضل دخول الطباعة وظهور الصحافة وبروز طبقة متوسطة شجعت إنشاء المدارس. وكان من مفكريها محمود شكري الآلوسي (1856 ـ 1924م) والأب أنستاس ماري الكرملي (1866 ـ 1947م)، وغيرهما (6).

واليوم نبين في هذه الدراسة أن النهضة العربية انبعثت كذلك في الفترة ذاتها في الجزائر، وأن الأمام عبد الحميد بن باديس هو من رواد النهضة العربية الشاملة.

2.2.3. النطاق الموضوعي للنهضة العربية:

إن الدراسات التاريخية التي تناولت النهضة العربية في المشرق العربي، عدّتها يقظة فكرية أو حركة تنويرية محضة ليست لها أهداف سياسية، وأغفلت الجانب السياسي لهذه النهضة، أو عالجته بصورة منفصلة عن النهضة العربية.

وفي حقيقة الأمر، اشتملت النهضة العربية على شق سياسي تمثّل في الجمعيات الوطنية، التي هي بمثابة الأحزاب السياسية في أيامنا هذه. وكان معظمها سري أو اتخذ صورة النوادي الأدبية أو الجمعيات العلمية، لتفادي قمع السلطات العثمانية. وكان هدفها المطالبة بالحكم الذاتي للأقاليم العربية واستعمال اللغة العربية لغة رسمية فيها، ثم ما لبثت أن دعت إلى استقلال الولايات العربية عن الإمبراطورية العثمانية. ومن هذه الجمعيات:

أـ الجمعية السورية (جمعية العلوم والفنون) في بيروت، 1847، وكان من أعضائها بطرس البستاني وناصيف اليازجي. وكانت تعمل على إحياء التراث العربي للتحسيس بهوية قومية عربية.

ب ـ الجمعية السرية في بيروت، 1875، وكان من أعضائها فارس النمر وإبراهيم اليازجي، وكانت تحرِّض العرب على المطالبة بحقوقهم.

ج ـ جمعية العربية الفتاة في باريس، 1909، وكانت لها فروع في الشام، وقد انضم إليها بعض أولاد شريف مكة الحسين بن علي المطالب باستقلال الأقاليم العربية عن الإمبراطورية العثمانية.

د ـ المنتدى الأدبي العربي في الأستانة، 1909، الذي صمّم علماً للقومية العربية من أربعة ألوان، استناداً إلى بيت للشاعر صفي الدين الحلي:

بيضٌ صنائعنا، سودٌ وقائعنا       خضرٌ مرابعنا، حمرٌ مواضينا

هـ ـ حزب اللامركزية العثمانية في القاهرة، 1912. (7)

وقد شارك جلُّ رواد اليقظة الفكرية، مثل ناصيف اليازجي، وابنه إبراهيم اليازجي، وبطرس البستاني، في تأسيس هذه الجمعيات الوطنية. كما أن هذه الجمعيات اتبعت نفس طرائق رواد النهضة الفكرية في إيقاظ الوعي العربي، مثل إحياء اللغة العربية وآدابها، وإحياء التراث العربي، والتركيز على التاريخ العربي الإسلامي؛ وهي طرائق مشابهة لتلك التي استخدمها المفكرون الألمان خلال القرن الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين لتحقيق وحدة الولايات الألمانية في دولة واحدة. (يُلاحظ أن المفكر النهضوي المسيحي جورجي زيدان لم يؤلِّف ثلاثة كتب عن اللغة العربية هي: اللغة العربية كائن حي (بيروت 1898م)، الألفاظ العربية والفلسغة اللغوية (بيروت 1889م)، تاريخ آداب اللغة العربية (4 أجزاء، مصر 1911م) فحسب، بل كتب كذلك في التاريخ الإسلامي كتابه الشهير: " تاريخ التمدن الإسلامي" (مصر 1902) إضافة إلى 23 رواية تاريخية مستمدة من التاريخ العربي الإسلامي، وذلك لغرض إيقاظ الشعور القومي العربي بهُوية متفردة، بهدف استقلال الأمة العربية.

وعندما انعقد (المؤتمر العربي الأول) في باريس، سنة 1913، الذي شارك فيه مفكرون وسياسيون وبعض أعضاء تلك الجمعيات الوطنية، طالب باللغة العربية لغة رسمية بالأقاليم العربية، كما أًوضح المؤتمرون إدراكهم أن الإمبريالية الأوربية تشكِّل خطراً على الولايات العربية العثمانية، فقد احتلت بعض الدول الأوربية بالفعل عدداً من الأقطار العربية مثل مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب (8).

وخلاصة القول في هذه النقطة، أن النهضة العربية في الشام ومصر لم تكن يقظة فكرية أو حركة تنويرية فحسب، بل حركة سياسية كذلك تسعى إلى استقلال العرب في جميع أقطارهم ووحدتهم.

2.2.4. وحدة المنهجية في النهضة العربية :

تعطي بعض الدراسات التاريخية التي تتناول النهضة العربية الانطباع بأنها ذات منهجية واحدة. وفي حقيقة الأمر، إذا كانت للنهضة العربية غاية واحدة هي تقدُّم العرب واستقلالهم ووحدتهم، فإننا نستطيع أن نفرّق بين تياريْن فكريين في النهضة يختلفان من حيث نظرتهما إلى السبيل والأساليب الواجب اتباعها لبلوغ تلك الغاية النبيلة:

أ ـ تيار سلفي:

يدعو هذا التيار ، دينياً، إلى العودة إلى ما كان عليه السلف الصالح، ويدعو إلى محاربة البدع والشعوذة والطرقية، وفتح باب الاجتهاد، والتوفيق بين العِلم والدين.

ويدعو ، سياسياً، إلى الشورى ونبذ الاستبداد، ، ووحدة العالم الإسلامي، ومناهضة الاستعمار.

ويدعو، اجتماعياً، إلى نشر التعليم، وضرورة تعليم المرأة.

وكان من رواد هذا التيار المفكرون المسلمون مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي ورشيد رضا،

ب ـ تيار علماني:

ويدعو هذا التيار إلى فصل الدين عن الدولة، وإلغاء الطائفية في الحكم. ولا يعني بالضرورة أنه ضد الدين.

ويدعو، سياسياً، إلى تبني الديمقراطية، واحترام الحريات العامة، واستقلال البلدان العربية.

ويدعو، اجتماعياً، إلى نشر التعليم وتحرير المرأة وتعليمها.

ومعظم النهضويين المسيحيين كانوا من هذا التيار، مثل شبلي شميل وفرح أنطون وغيرهم، لأنهم كانوا يشعرون بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية في الإمبراطورية العثمانية التي كانت تقوم، من حيث الأساس، على الأتراك المسلمين الأحناف. ولهذا، فإن المسيحيين العرب كانوا يطمحون إلى قيام دولة عربية يتمتع فيها جميع المواطنين بحقوقهم على قدم المساواة بغض النظر عن دينهم أو مذهبهم أو عرقهم. وهذا هو الأساس في تقدُّم الدول؛ فالعدل أساس الملك. وهذا هو جوهر الإسلام.

.2.3. نقد الوسائل التي اتبعها رواد النهضة:

لتحقيق أهداف النهضة العربية، اتبع المفكرون في الشام ومصر الوسائل التالية:

أ ـ الصحافة: فقد أنشأ أولئك المفكرون الدوريات على اختلاف أنواعها. فأصدر جمال الدين الأفغاني وتلميذة محمد عبده "العروة الوثقى" في باريس، وأسس الكواكبي أول صحيفة عربية في حلب " الشهداء" باسم صديق له سنة 1877م وعندما أغلقت بعد مدة أصدر جريدة "الاعتدال" سنة 1879م باسم صديق آخر. وأصدر الطبيب شبلي شميل مجلة " الشفاء" الأسبوعية في بيروت سنة 1886م. وعندما انتقل اللبناني فرح أنطون إلى الإسكندرية في مصر هارباً من الاضطهاد العثماني أصدر مجلة " الجامعة" وشارك في تحرير عدة صحف أخرى. وحين انتقل رشيد رضا من طرابلس في لبنان إلى القاهرة، أصدر مجلة " المنار" سنة 1315ه/1898م قائلاً " إن الهدف من إنشائه صحيفة هو التربية والتعليم ونقل الأفكار الصحيحة لمقاومة الجهل والخرافات والبدع" (9)، وهكذا.

ب ـ ترجمة الكتب العلمية الأوربية، كما فعل سليمان البستاني في لبنان، ورفاعة الطهطاوي في مصر.

ج ـ نشر الكتب العلمية والموسوعات، كما فعل بطرس البستاني الذي نشر بين عامي 1876 و 1883م ستة أجزاء من " دائرة المعارف: قاموس لكل فن ومطلب".

د ـ إحياء التراث العربي: وهي حركة ترمي إلى إثبات إسهام العرب في حركة العلم العالمية وتأكيد ماضيهم العلمي المجيد، وركزت على تحقيق المخطوطات التراثية في اللغة العربية والإنسانيات، لتنشيط اللغة العربية ولإيقاظ الشعور بهُوية عربية متميزة.

هـ ـ الروايات التاريخية: ولعل أفضل مثال على ذلك الروايات التاريخية التي كتبها جورجي زيدان والمستمدة من التاريخ العربي الإسلامي، لتوعية القراء بتاريخهم المجيد، وهُويتهم العربية المتفردة.

و ـ المسرحيات التمثيلية: فقد استخدم رواد النهضة العربية المسرح وسيلة من وسائل التوعية والتثقيف، كتب بعضهم ، مثل فرح أنطون، عدة روايات تمثيلية.

وخلاصة القول إن رواد النهضة العربية في الشام ومصر وجّهوا خطابهم إلى الفئة المتعلمة من أبناء الشعب، من خلال الصحافة والمسرح والنوادي الأدبية. ولكنهم ـ مع الأسف ـ لم يولوا الاهتمام اللازم لقضية تعليم الجماهير العريضة من الشعب. والتعليم هو الأساس لكل نهضة يُراد لها الديمومة والازدهار.

لم تكن الدولة العثمانية في القرن التاسع عشر، وهي في طور انحطاطها، تعنى بالتعليم، فعندما فرض والي مصر محمد علي باشا (1769 ـ 1849م) ولايته على الشام كذلك عام 1832م، بادر إلى إنشاء المدارس الابتدائية في المناطق والمدارس الثانوية في المدن مثل دمشق وإنطاكية وحلب. ولكن الدول الأوربية الطامعة في استعمار البلاد العربية تألبت عليه وأخرجته من الشام سنة 1840م. وفيما عدا ذلك لم تكن هنالك من مدارس تذكر سوى مدارس الإرساليات الغربية التبشيرية التي تختلف أهدافها عن أهداف النهضة العربية.

إن رواد النهضة العربية ركزوا اهتمامهم على الصحافة لنشر آرائهم التنويرية وأفكارهم الإصلاحية، ولكنهم لم يشتغلوا في التعليم الذي نعدّه ويعدّه البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة أساساً لكل تنمية بشرية. لعل الاستثناء بين رواد النهضة العربية في مصر هو رفاعة الطهطاوي (1801 ـ 1873م) الذي أسس مدرسة الألسن سنة 1835م، وفي الشام بطرس البستاني (1819 ـ 1883م) الذي لم يكتفِ بإصدار صحيفة " تغيير سورية"، وبتأليف أول دائرة معارف عربية، وبإنشاء الجمعيات الوطنية، وإنما أسس كذلك سنة 1863م "المدرسة الوطنية" العالية التي تقبل الطلاب من جميع الطوائف ومن مختلف الأقطار العربية وتعلّم طلابها التعلُّق بالأوطان ومحبَّة الإنسان، وبهذا استحق لقب " المعلم"، وهو أشرف لقب يسعى مصلحٌ إلى الافتخار بحمله. ولكن هاتين المدرستين عاليتان ترميان إلى تعليم اللغات الأجنبية لنقل المعارف إلى اللغة العربية. أما الجماهير الواسعة من الشعب التي كانت ترزح تحت وطأة الجهل فكانت بحاجة إلى تعليم أساسي عام. ولم يتسنَ لرواد النهضة العربية في المشرق الاشتغال عليه.

3. الاستعمار الفرنسي للجزائر:

3.1. طبيعة الاستعمار الفرنسي:

في يوم 14 محرم 1246ه (5/7/1830م) احتلت فرنسا الجزائر واستعمرتها استعماراً استيطانياً. وهذا النوع من الاستعمار هو أبشع أنواع الاستعمار وأخسُّها وأكثرها استهانة بالحياة البشرية والكرامة الإنسانية؛ لأنه يرمي إلى استئصال أهل البلاد الأصليين وتشريدهم وتهجيرهم وتقتيلهم والاستيلاء على أراضيهم ومساكنهم وممتلكاتهم وإحلال أغراب مكانهم، وإدماج الناجين منهم بحيث تصبح البلاد بلاداً أخرى. وهذا ما فعله الاستعمار الأوربي الاستيطاني، خاصة البريطاني، في أمريكا الشمالية وأستراليا، إذ قضى البريطانيون على الملايين من السكان الأصليين وأبادوهم جماعياً بطرائق خبيثة بحيث لم يبق منهم سوى آلاف معدودة.

بيدَ أن فرنسا الاستعمارية لم تستطع أن تحقق ذلك في الجزائر، ليس لأنها أقل همجية وإجراماً من بريطانيا الاستعمارية، فقد استخدمت كذلك أبشع أساليب الإبادة الجماعية واقترفت أخطر الجرائم ضد الإنسانية، بل لأن أهل الجزائر يختلفون عن السكان الأصليين في أمريكا الشمالية وأستراليا في ثلاثة أمور:

أ‌) تاريخياً، إن الشعب الجزائري ذو ثقافة عريقة تجسّدها الحضارة العربية الإسلامية (يُلاحظ أن الهنود الحمر في أمريكا الشمالية والأبورجين في أستراليا ، كانوا قبائل متفرقة متنافرة تتحدث لغات متعددة متباينة يصل تعدادها أكثر من ألف لغة، واللغة أساس الثقافة ووحدة الأمة). وكانت الجزائر قبل الاستعمار الفرنسي دولة لها هيبتها ومؤسّساتها السياسية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية، ولم يكن ارتباطها بالدولة العثمانية إلا ارتباطاً شكلياً.

ب‌) جغرافياً، إن الشعب الجزائري محاطٌ ببلدان تنتمي إلى الثقافة العربية الإسلامية ذاتها، وتربطه وشائج إنسانية بشعوب تلك البلدان. وكانت هذه البلدان العربية وما تزال تشكل العمق الإستراتيجي للجزائر. كما تبدّى ذلك واضحاً خلال الثورة التحريرية الجزائرية، إذ أمدته الأمة العربية الإسلامية خلال الثورة بالرجال والسلاح والكلمة المقاومة (10).

ت‌) خُلقياً، إن الشعب الجزائري شعبٌ مقدام شهم شجاع، قدّم على مذبح الحرية الملايين من أبنائه البررة، ولا يوجد شعب في الدنيا ضحى بمليون ونصف مليون شهيد في ثورة واحدة من أجل الحرية،

ما إن أسقطت قوات المستعمِر الفرنسي العاصمة الجزائرية حتى هبت الثورات في أنحاء الجزائر: ثورة أحمد بن محمد الشريف (1836م) الذي ظل يقاوم في مدينة قسنطينة في الشرق الجزائري حتى سنة 1837م، وعندما سقطت المدينة، أخذ يتنقل في الصحاري والجبال والوديان، محرضا القبائل على المقاومة (11)؛ وثورة الأمير عبد القادر(12) في الغرب الجزائري الذي استمرت مقاومته المسلحة 15 عاماً (من 1832 إلى 1847م)؛ وبعد ذلك حاولت القوات الفرنسية احتلال بلاد القبائل، فاندلعت ثورة الشريف محمد بن عبد الله (أبي بغلة) سنة 1851م الذي دعمته فاطمة نسومر في القبائل (13). فقام الجيش الفرنسي بتدمير مناطق القبائل: حرقَ المساكن والأشجار، دمَّرَ القرى والبلدات (أكثر من300 قرية)، وقتلَ النساء والأطفال، ونهبَ الممتلكات. واستمرت مقاومة الشعب الجزائري الأبي على شكل احتجاجات ومظاهرات وانتفاضات توِّجت بأخطر ثورة في التاريخ، هي ثورة التحرير الجزائرية التي اندلعت في 1 نوفمبر 1954م ودامت مشتعلة بضراوة أكثر من سبع سنوات حتى حقَّقت إعلان الاستقلال في 5 جويليه 1962م.

3.2. ـ أساليب الاستعمار الفرنسي لطمس الهُوية الوطنية الجزائرية:

لم تكن ثورة التحرير الجزائرية لتندلع وتحقِّق أهدافها ما لم تسبقها ثورة تحرِّر الإنسان الجزائري من الجهل والخوف والتهميش. فقد اعتمد المستعمر الفرنسي سياسات شريرة لتجهيل الشعب الجزائري وتفقيره وتخويفه والنيل من شهامته وشجاعته وإذلاله. فبُعيد احتلال الجزائر، أغلقت الحكومة الاستعمارية المدارس بحجة نضوب ميزانية التعليم، فأدى ذلك إلى انقطاع التلاميذ عن الدراسة وإلى هجرة الأساتذة. وشجعت السلطات الفرنسية البدع والسحر والخرافات لتخدير الشعب الجزائري وتجهيله ليسهل عليها اقتراف جرائمها بحق الإنسانية.

ومن ناحية أخرى، أعلنت الإدارة الاستعمارية "قانون الأهالي" الذي يُسقِط عن الجزائريين جميع الضمانات المألوفة لحريات الأفراد، بحيث يستطيع أي موظف فرنسي أن يوقف أو يعتقل أو يسجن المواطن الجزائري دون محاكمة، وأن يصادر أرضه ويستولي على ممتلكاته دون حكم قضائي، بل يستطيع إنزال العقوبات الجماعية بالأهالي دون الرجوع إلى محكمة. ولعل فقرات من عريضة بعث بها العالم المجدد الشيخ حمدان خوجة (1189 ـ1255ه/ 1775 ـ 1844م) إلى رئيس الوزراء الفرنسي وزير الحرب الماريشال سولت الدوق دود الماتي في 3 جوان 1833م تبين الظلم الذي حاق بالجزائريين. يقول حمدان خوجة:

" يشرفني أن ألفت نظر سعادتكم أن دخول الجيش الفرنسي قد كان متبوعاً بمعاهدة تضمن أمن كل شخص، كما تنص على حرمة المباني والأراضي والأمتعة، وعلى الاحترام الواجب لنسائنا ومساجدنا.

1ـ إن أول فعل بادرت بارتكابه السلطة ـ ظلماً وعدواناً ـ هو إيقافها القاضي والمفتي ونفيهما، من أجل الاستيلاء على أوقاف مكة والمدينة وعلى المؤسسات الخيرية التي قد سعى في تأسيسها آباؤنا, وجعلوها وقفاً في سبيل الله، ليكون مدخولها خاصاً بالفقراء والمساكين واليتامى والأرامل، حسبما يقتضيه نظام شريعتنا... وقد استولى على جميعها الحاكم الفرنسي بدون أي قانون، كما استولى أيضاً على جميع الدراهم التي كانت بأيدي الوكلاء والقائمين علها والمكلفين بتسييرها....

2 ـ تهديم بناياتنا الخصوصية والمؤسسات الخيرية والدينية....

3 ـ تهديم أحد المساجد المسمى " جامع السيدة" وقد أخذت السلطة أبوابه الخارجية، وأعمدته المرمرية الجميلة وألواحه الزجاجية الصينية، وأبوابه الداخلية الرقيقة، المصنوعة بخشب الأرز المجلوب من فاس...

4ـ إن السلطة استولت على مساجدنا ومعابدنا التي لم تنلها أيدي التهديم، ولم يبق للمسلمين من هذه الأماكن المقدسة سوى الربع فقط...

5 ـ إن السلطة قد استولت أيضاً على "جامع كشتاوة" وحولته إلى كنيسة...

6 ـ إن السلطة قد استولت على المؤسسات الخيرية التي تعرف بـ " الزوايا"، وهي أماكن مخصصة لإيواء الفقراء والمعوزين، ...

7 ـ إن المراحيض العمومية وبيوت الخلاء التي بنتها طبقة أهل الخير، من أجل المحافظة على نقاء المدينة ونظافتها، قد استولت عليها السلطة الفرنسية وآجرتها الخاصة من أبناء ملتها، بدل ما كانت وقفاً على جميع الناس..." (14)

ومارست تلك السلطات سياسة التمييز العنصري، فمنحت الجنسية الفرنسية لليهود الجزائريين ما يؤهلهم لممارسة الحقوق والحريات التي يتمتع بها الفرنسيون. وأعلنت أن الجزائر أرض فرنسية إلى الأبد.

وصادرت أفضل الأراضي الزراعية الخصبة، واستحوذت على الأوقاف الإسلامية لتمنع الإنفاق على المدارس والمساجد، وأخذت تستقدم آلاف المستوطنين الفرنسيين والأوربيين بصورة متزايدة ومنحتهم أراضي الجزائريين وممتلكاتهم، وأغدقت عليهم الهبات والمساعدات المادية والمعنوية.

وحاربت العقيدة الإسلامية بطرائق خبيثة، وأطلقت عمليات تنصير الشعب الجزائري ودعمتها بجميع الوسائل، وأغرت الجزائريين الذي يتعلمون الفرنسية بالإدماج الذي يؤهلهم لنيل حقوقهم، وهم في وطنهم. وأغرقت الشباب الجزائريين بالإدمان في المقاهي والحانات.

وسعت إلى التفرقة بين الجزائريين وإثارة النعرات العرقية والطائفية والجهوية والقبلية. وهذه من أهم السياسات الاستعمارية للتحكُّم في الشعوب، ويصطلح عليها باسم" فرقْ تسُدْ ".

وقد بلغت بها الوقاحة لحد إصدار قانون سنة 1935 م يعدُّ اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر، والفرنسية هي اللغة الرسمية الوحيدة في البلاد. وقد صدر هذا القانون بعد قرن من العمل على نشر اللغة الفرنسية وتعميمها، وإضعاف اللغة العربية، واستخدام الدارجة بدلاً من الفصيحة إمعاناً في التجهيل، وفصل العرب عن إخوانهم الأمازيغ.

 

د. علي القاسمي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4313 المصادف: 2018-06-27 03:43:50